الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 4

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 4


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني (قدس سره)

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 4) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: ريال 12000 * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

الفصل الثامن التعرض لبعض أنحاء الوجوب

[ 3 ]

كان ينبغي أن نذكر سائر أقسام الوجوب في مقدمات بحث مقدمة الواجب استطرادا، ولكن التبعية للأعلام اقتضت التأخير، ولا بأس به. النحو الأول في التعييني والتخييري ويتم الكلام حوله في بحوث: البحث الأول: أقسام التخيير لا كلام في التعييني، وإنما البحث حول التخييري. اعلم: أن التخيير ينقسم إلى التخيير العقلي، والتخيير العقلائي، والتخيير الشرعي. والمراد من الأول: هو إدراك العقل أن العبد مخير بين الفعل والترك، أو مخير بين فعل كذا وفعل كذا. وهذا أمر واضح لا غبار عليه. والمخالف في هذه المسألة القائل بالجبر، وبأن العبد غير مختار، فهو كما ينكر ذلك ينكر التخيير في الشرع والعرف أيضا، وإن كان لا ينكر التخيير التوهمي والتخيلي، ويقول: بأن هذا الاختيار والتخيير توهمي لا واقعي. والمتكفل لهذه

[ 4 ]

المسألة بعض العلوم العالية، وقد تصدينا لمباحثها في " قواعدنا الحكمية " (1). والمراد من الثاني: هو إدراك العرف والعقلاء في معاشهم ومعادهم أنهم مخيرون، وهكذا في أخذهم بالحجج والطرق والأمارات. ويتكفل البحث عن هذه المسألة، مسائل التعادل والترجيح، والاجتهاد والتقليد. وربما تأتي بعض الشبهات الآتية على هذا النحو من التخيير، لأنه من قبيل حكم العرف بالتخيير، ولو امتنع الحكم بالتخيير شرعا، فربما يلزم الامتناع في هذه المرحلة أيضا، لاتحاد المناط، واشتراك الملاك. مع أن الظاهر اتفاقهم على الحكم التخييري في هذه المسألة، وبقائه على حاله. والمراد من " التخيير الشرعي ": هو حكم الشرع بوجوب هذا، أو وجوب ذاك، كما في الخصال. وهذا تارة: يكون في مورد المتباينين. واخرى: في مورد الأقل والأكثر. وعلى الأول تارة: يكون في مورد يمكن الجمع بينهما عرضا، كما في الخصال نوعا. واخرى: في مورد لا يمكن الجمع بينهما عرضا، كما في أماكن التخيير، فإن الجمع بين القصر والإتمام لا يمكن عرضا وإن أمكن طولا. وأيضا تارة: يكون بين الأفراد جامع ذاتي قريب، كالصلاة فإنها جامعة القصر والإتمام. واخرى: لا يكون بينها ذلك الجامع، كما في خصال كفارة رمضان مثلا، وفي نوع الكفارات. وعلى الثاني تارة: يكون الأقل والأكثر من التدريجيات.


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 5 ]

واخرى: من الدفعيات. وعلى الأول تارة: يكون التدريجي من الأنواع المشككة. واخرى: من الأنواع المتواطئة. وغير خفي: أن التخيير الشرعي تارة: يثبت بالدليل الخاص الشرعي، من إجماع، أو سنة وكتاب. واخرى: يستكشف من العقل، كما في موارد التزاحم، وفي مسألة دوران الأمر بين المحذورين، بناء على بعض المسالك (1). البحث الثاني: مقتضى الأصل العقلائي في الوجوب التخييري لا شبهة في أن المتبادر العرفي والمتفاهم العقلائي من الأدلة المتكفلة لإثبات الواجب التخييري: أن كل واحد من الطرفين أو الأطراف، موصوف بنوع من الوجوب المعبر عنه ب‍ " الوجوب التخييري " وأن كل واحد من الأطراف بخصوصيته متعلق الإيجاب، لا أمرا آخر، سواء كان ذلك الأمر الآخر عنوانا انتزاعيا، أو عنوانا ذاتيا وجامعا قريبا، ومن غير فرق بين كيفية الأداء، بأن يخلل كلمة " أو " مع تكرار الصيغة، أو لم يكرر صيغة الأمر أو ما يقوم مقامها. بل الدعوى: أن المتفاهم العرفي من قوله: " يجب عليك إكرام واحد من العلماء " أو " أحدهم " أن الوجوب موضوعه عنوان " العالم " ويكون تخييريا، لا تعيينيا كسائر الواجبات التعيينية. وبعبارة اخرى: العناوين المأخوذة تحت الهيئة وما في حكمها، إذا كانت من قبيل العناوين الذاتية، فهي ظاهرة في الوجوب التعييني، فإذا قال: " صلوا وزكوا "


1 - كمسلك المؤلف ووالده المحقق (قدس سرهما)، راجع الجزء الثالث: 515. (

[ 6 ]

تكون الصلاة واجبة تعيينية، بخلاف ما إذا كانت من قبيل العناوين الانتزاعية، أو بعض منها من قبيل عنوان " الأحد " و " الواحد " فإن ذهن العرف ينصرف منها إلى أن الواجب، هو منشأ الانتزاع، ويكون في قوله: " تجب إحدى هذه الخصال الثلاث " الواجب عنوان ذاتي الخصال، كالعتق والصوم والإطعام تخييرا. ومن الغريب دعوى بعض الفضلاء المعاصرين: ظهور الأدلة الشرعية في أن الواجب هو عنوان " الأحد " و " الواحد " مطلقا (1)، فينكر على هذا الواجبات التخييرية ! ! ضرورة أن معنى ذلك أن ما هو الواجب، هو العنوان الانتزاعي تعيينا، إلا أن تطبيقه بيد المكلفين في نطاق اعتبره الشرع، فلا تغفل، ولا تخلط. ولا حاجة في إبطاله إلئ شئ غير الإحالة إلى الوجدان والذوق. نعم، لا بأس بذلك إذا اقتضت الضرورة، كما يأتي. فبالجملة: هذا هو الأصل العقلائي في المسألة، وحيث إن الوجوب التخييري الشرعي يستتبع شبهات، بين ما تتوجه إلى مطلق الأقسام المزبورة، وبين ما تتوجه إلى صنف خاص منه، ولأجل تلك الشبهات بنوا على العدول عما هو الظاهر الابتدائي إلى المسالك المختلفة في تفسير " الواجب التخييري " فلابد أولا من النظر إلى الشبهات العامة، وثانيا إلى الشبهات الخاصة، فإن كانت هي تامة فنأخذ بما هو الأقرب إلى تلك الأدلة، وإلا فيتبع الأصل المزبور. وغير خفي: أن كثيرا من الأعلام والأفاضل غفلوا عن هذه النكتة، وظنوا أن الأصحاب اختلفوا في معنى " الواجب التخييري " (2) غافلين عن أن هذا الاختلاف ناشئ من الإشكالات العقلية، وإلا فلا خلاف فيما هو الأصل، كما عرفت وتحرر.


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 40. 2 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 88، معالم الدين: 74، قوانين الاصول 1: 116 / السطر 14. (*)

[ 7 ]

البحث الثالث: في شبهات المسألة الشبهة الاولى: ما أفاده " الكفاية " بتوضيح منا: وهو أن غرض المولى من الإيجاب التخييري، إما يكون واحدا بالذات والحقيقة، فعليه يستكشف وجود جامع بين الفعلين أو الأفعال، لأجل أن الامور المختلفة المتباينة، لا يمكن أن يصدر منها الواحد، ولأجل اعتبار نحو من السنخية بين المعلول وعلته، فلابد من كون ذلك الجامع هو الواجب الشرعي وإن كان مقتضى ظاهر الأدلة خلافه، فلا معنى للوجوب التخييري رأسا. أو يكون غرض المولى متعددا، ويكون كل واحد منها قائما بفعل من تلك الأفعال الثلاثة، ولكنه لا يمكن تحصيلها معا، للمضادة بينها، وعندئذ لابد من الالتزام بوجوب كل واحد منها، بنحو يجوز تركه إلى بدل، لا مطلقا، وعلى هذا يكون التخيير شرعيا، إذ لا نعني من " التخيير الشرعي " إلا ذلك (1)، انتهى. ثم أردف كلامه بما لا يرجع إلى محصل، بل يناقض مسلكه. ولنا تتميم هذه الشبهة بأن نقول: وإذا كان في الشرع الجمع بين الأطراف جائزا، بل راجحا، فيعلم منه أن لا مضادة بينهما، ويستكشف بذلك أن ما هو الواجب حقيقة هو الجامع، فلا تخيير شرعي مطلقا، فافهم واغتنم. أقول أولا: لا داعي إلى إرجاع الأدلة إلى أن الواجب حقيقة هو الجامع، لأن من المحتمل كون المولى ذا غرض متعدد، لعين الأغراض المتعددة في الواجبات


1 - كفاية الاصول: 174 - 175. (*)

[ 8 ]

المتعينة، إلا أنه - تسهيلا على العباد، وعدم إيقاعهم في الكلفة والشقة، حفاظا على بعض الأغراض السياسية العالية - يرتضي بواحد منها، ويخير المكلفين في ذلك، ولأجله يشتهي الجمع، أو يأمر بذلك أمرا ندبيا. وهذا الاحتمال قريب جدا، ضرورة أننا في الخصال نجد أن الشرع يحب كل واحدة، لأنها الخيرات، ولكن لا يأمر إيجابا بالنسبة إلى الكل وإلى جميع الأطراف، لتلك النكتة والعلة، فلو تم البرهان المزبور فلا يتم مقصوده. وثانيا: أن غرض المولى من الواجب التخييري، بمنزلة حرارة الماء بالنسبة إلى النار والحركة والشمس والكهرباء، فإن الحرارة كما تحصل بكل واحد من الأطراف، كذلك غرض المولى يحصل من كل واحد من الأفعال الواجبة تخييرا. إن قلت: فما معنى عدم صدور الواحد من الكثير ؟ قلت: كان ينبغي للكفاية ولأصحابنا الاصوليين أن لا يدخلوا البيوت إلا من بابها، ومن كان له حظ من الفلسفة العليا، ما كان ينبغي له أن يتمسك بتلك القاعدة في هذه المقامات، فإن مصبها وموردها الواحد المتوحد بالوحدة الحقة الحقيقية الأصلية، وفي جريانها في سائر الوحدات البسيطة إشكال، فضلا عن العلل والمعاليل المركبة، ولاسيما الطبيعية منها. إن قلت: فما معنى حديث السنخية بين العلة والمعلول ؟ قلت: نعم، لو كان غرض المولى الحرارة التي توجدها النار، فلا يأمر إلا بإيجاد النار، وأما إذا كانت الغاية والغرض مطلق الحرارة، فلا يأمر إلا بواحد منها على سبيل التخيير، وحيث نجد الأدلة متكفلة للتخيير، فيعلم أن الغرض واحد بالوحدة النوعية، دون الشخصية. وغير خفي: أن برهانه (قدس سره) لو كان تاما، يستلزم الامتناع الآخر العقلي: وهو وجود الجامع في الخارج، ضرورة أن الحرارة الخارجية متقومة بالعلة الخارجية،

[ 9 ]

وتلك العلة إما النار، أو الكهرباء، أو الجامع بينهما، لا سبيل إلا إلى الثالث، فلابد من خارجيته، وهو واضح البطلان، فيعلم من هنا: أن مصب تلك القاعدة مقام آخر، فافهم وتدبر. وهنا (إن قلت قلتات) خارجة عن أفهام طلاب الاصول، وغير راجعة إلى محصل في الفن، وكفى بذلك شهيدا. الشبهة الثانية أن التخيير مقابل التعيين والتعين، والتعين يساوق التشخص، والتشخص يساوق الوجود، والوجود يقابل العدم، فيكون التخيير معنى راجعا إلى العدم، وما كان حقيقته (الليس) أي لا حقيقة له رأسا، كيف يمكن أن يكون متحققا ؟ ! فالتخيير غير متحقق، فالوجوب التخييري مستحيل، لأن العدم المحض لا شئ محض، ولا يتعلق به الإرادة، ولا البعث والإيجاب، ولا التصور والشوق وهكذا. وإن شئت قلت: في التخيير تردد، وهذا التردد يباين الوجود، لأنه عين التعين، فكيف يعقل تحقق التردد ؟ ! من غير فرق بين وعاء من الأوعية، ذهنا كان، أو خارجا، أو كان من قبيل وعاء الاعتبار، ضرورة أن الاعتباريات كلها، وجودات لحاظية اعتبارية لأغراض عقلائية، وما هو حقيقته التردد لا يمكن الإشارة إليه، ولا لحاظه. ومن العجيب، توهم العلامة النائيني (قدس سره) حيث قال: بإمكان تعلق الإرادة التشريعية والآمرية بشئ غير معين، أو بكل واحد من الأطراف على سبيل البدلية، مستدلا بالفرق بين التكوينية الفاعلية، وبين التشريعية الآمرية، ضرورة أن التكوينية لا يمكن تعلقها بالكلي، بخلاف الآمرية، فإنها لا تتعلق إلا بما هو الكلي (1) ! !


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235. (*)

[ 10 ]

وأنت خبير: بأن حقيقة الإرادة التشريعية ليست إلا إرادة البعث، وهي تكوينية كسائر الإرادات، وسبب عدها تشريعية أنها تعلقت بالبعث والتشريع والتقنين، فإذن كيف يعقل تعلقها بما هو اللاتعين ؟ ! وبعبارة اخرى: تشخص الإرادة بالمراد، وهذا يرجع إلى أن وجودها به على حذو سائر الأوصاف الإضافية، وكما لا يعقل تعلق الإرادة الفاعلية إلا بالمعين، كذلك لا يعقل الأمر في جانب تلك الإرادة، لأنها بالمراد تتشخص وتوجد. وتوهم: أن المراد في الإرادة الفاعلية جزئي، وفي الآمرية، كلي (1)، غير تام، فإن المراد في الآمرية هو البعث نحو الكلي، وهذا أمر جزئي يوجد بالإشارة وبالشفتين، ويكون من قبيل أفعال النفس، وإن كان لكل واحد من مبادئ هذا البعث أيضا إرادة خاصة، كسائر الأفعال التي تتعلق بها الإرادة، وتكون متقومة بمقدمات وخطوات، فلاحظ جدا. فما هو المراد هو بعث الناس إلى المادة، وهو إذا تحقق يكون جزئيا، حذو سائر أفعاله، وما هو الكلي هو متعلق ذلك البعث، حسب المفهوم المعلوم منه للمخاطب، وهو ليس مورد الإرادة. وإن شئت قلت: الإرادة في افق النفس تعلقت بما هي موجودة في النفس، وتكون من صفاتها، فتكون جزئية خارجية، وأما كليتها فباعتبار نفس طبيعة المراد، مع قطع النظر عن هذا اللحاظ النوراني الساطع عليه. أقول: وفي ختام هذه الشبهة تقريب آخر ينشعب منها: وهو أن كل موجود إذا صح اتصافه بشئ، فذلك الشئ إما يكون بنفسه خارجيا، أو وإن لم يكن خارجيا، ولكنه ذهني، والاتصاف به خارجي، كما في المعقولات الثانية على مصطلحات أرباب الحكمة مثل الوجوب والإمكان.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، أجود التقريرات 1: 183. (*)

[ 11 ]

ومن القسم الثاني جميع الامور الاعتبارية، فإنها عناوين ذهنية، إلا أن للاعتبار عرضا عريضا، ولأجله يعتبر الشئ في الخارج من غير اشتغال الخارج به تكوينا، وذلك مثل الملكية والحرية والرقية وغيرها، ومثل الوجوب والندب التعينيين، فإن الشئ يوصف بالبياض معينا، وبالوجوب والإمكان معينا، وبالوجوب والندب معينا، ولكن لا يوصف بالبياض التخييري، أو بالملكية التخييرية، أو الإمكان والوجوب التخييريين، فكيف يوصف بالوجوب التخييري، وكيف يصح أن يقال: " هذا واجب وموصوف بالوجوب التخييري " ؟ ! ولو صح في الاعتباريات ذلك، لصح أن يقال: " هذا موصوف بالملك التخييري " أي مردد بين كونه لزيد أو لعمر بالترديد الواقعي، وإلا ففي موارد العلم الإجمالي يتردد المعلوم بالإجمال بين الأطراف، ولكنه ليس ترددا واقعا، بل هو متعين واقعا، ومجهولة بعض خصوصياته، مثل خصوصية مقولة الأين في الخمر، والتردد بين كونها في هذا الإناء، أو الإناء الآخر، فلعدم الاطلاع على بعض الخصوصيات، مع الاطلاع على أصل وجوده في البين، يقال: " إن المعلوم مردد بين كذا وكذا ". ولأجل مثل هذا قيل: " إن في الواجب التخييري يكون الواجب أحد الأطراف معينا " (1) ولعل من يقول بذلك يعتقد بعدم وجوب الموافقة القطعية هنا، ويكفي الموافقة الاحتمالية، فلاحظ وتدبر. أقول: اعلم أولا: أن الأغراض في الواجبات التخييرية - بنحو كلي - تكون مختلفة: فتارة: يمكن أن يكون للمولى أغراض إلزامية، إلا أن مصلحة التسهيل


1 - لاحظ هداية المسترشدين: 249 / السطر 22. (*)

[ 12 ]

تقتضي عدم إيجاب الكل، كما تقدم (1). واخرى: تكون الأغراض متضادة غير قابلة للجمع، وكلها إلزامية. وثالثة: أن يكون له غرض وحداني، ولكنه يحصل بالمحصلات المتعددة، إلا أن لعدم إمكان الإشارة إليه، أو للأغراض الاخر، أوجب تلك الأسباب والمحصلات، ولابد من إيجابها تخييرا أيضا، كما هو الواضح، أو لعدم وجود الجامع أحيانا بين المحصلات، وإن كان الغرض الوحداني نفسه الجامع، كما ترى. وثانيا: أن مفهوم " التخيير " من جملة المفاهيم الانتزاعية التي لها المنشأ الخاص الخارجي، ويستعار للاستعمال في الموارد المشابهة لذلك المنشأ، أو يدعى تشابهها معه. مثلا: مفهوم الربط والنسبة من المفاهيم الاسمية، المنتزعة من المعاني الاسمية، لعدم إمكان انتزاع المفهوم الاسمي من الحقيقة الحرفية، ولكنه يستعار لإفادة تلك الحقيقة، لمشابهتها مع منشأ انتزاع مفهوم " الربط والنسبة " ضرورة أن المعنى الحرفي غير قابل لأن يخبر عنه، أو يعبر عنه مستقلا، لأنه غيره، كما تقرر تفصيل المسألة في مباحث المعاني الحرفية (2). فعلى هذا تبين: أن مفهوم " التخيير والاختيار " من المفاهيم الانتزاعية عن صفة الاختيار الموجودة لكل إنسان، بل وحيوان، ويستعار لإفادة أن المكلف بالنسبة إلى الأطراف بالاختيار، بخلاف الواجب التعييني، فإنه كأنه ليس مورد الاختيار، بل هو بالنسبة إليه خارج عن الاختيار توهما. فعند ذلك نقول: إن المولى في تلك الحالات من الأغراض، يتصور كل طرف، ويشتاق إلى كل طرف، ويريد كل واحد من الأطراف بالإرادة المستقلة، ويبعث إلى


1 - تقدم في الصفحة 7 - 8. 2 - تقدم في الجزء الأول: 87 - 88. (*)

[ 13 ]

كل واحد من الأطراف تعيينا في عالم البعث والإرادة، فلا تكون إرادة واحدة بالنسبة إلى المردد، بل هناك إرادتان، أو إرادات متعددة، فيريد بها بعث الناس إلى كل طرف، ولكنه لمكان أن الأغراض كانت على النحو المزبور، فلابد له من إفادة أن العبد مختار بالنسبة إلى كل واحد من الأطراف، وإن كان بالنسبة إلى ترك الكل غير مختار، وعند ذلك يأتي بكلمة تفيد ذلك الاختيار، سواء كانت من الحروف، أو كانت من الأسماء. بل ربما يتمكن المولى من إفادة الاختيار بعد إيجاب الكل تعيينا، فإنه إذا بعث إلى الكل، ثم توجه إلى لزوم مراعاة السهولة والتسهيل، أو توجه إلى أن الغرض ليس من قبيل الأغراض في التعييني، فيأتي بالقرينة المنفصلة لإفادة ذلك بجعل العبد بالخيرة. وإذا أمر بالاختيار فيكون كل طرف مورد الاختيار والخيرة، بلحاظ الاختيار الثابت للإنسان، وفى مقابل الوجوب التعييني المخرج عن الاختيار في عالم الادعاء والتخيل، لا في الواقع، انما قراءة القرآن * (ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة) * (1) مع أن التكليف فرع الاختيار، فهذا النفي بلحاظ الوجوب المنافي للاختيار توهما، ولذلك إذا قضى بنحو الواجب التخييري أيضا ما يكون لهم الخيرة بالنسبة إلى ترك الكل. وبالجملة: تحصل حتى الآن، أن التردد ليس في جميع المبادئ، ولا في التوصيف، بل معنى " أن هذه الشئ موصوف بالوجوب التخييري " أنه موصوف بالوجوب غير المنافي للاختيار في عالم الاعتبار والادعاء، فتوصيف الوجوب ب‍ - " التخييري " لإفادة أن العبد بالخيرة بالنسبة إلى ترك هذا الطرف بخصوصه، فافهم واغتنم.


1 - الأحزاب (33): 36. (*)

[ 14 ]

الشبهة الثالثة في كثير من الواجبات التخييرية، ينتقل ذهن العرف إلى الجامع القريب، ويؤيد ذلك ببعض القرائن الموجودة في الأدلة الخاصة. مثلا: في الخصال ينتقل الناس إلى أن المولى يريد تكفير الذنب، وحط الخطيئة، فإذن يتوجه إلى أن ما هو الواجب هو الجامع القريب. بل المتبادر من الواجبات التخييرية: أن المولى ذوغرض وحداني يحصل بتلك المحصلات، فما هو الواجب والمطلوب بالذات، هو الجامع ولو كان بعيدا. وأما إفادة مرامه بنحو التخيير، فهو إما لأجل عدم وجود اللفظ الواقعي لفهم المرام منه، أو لأجل أن إيجاب الجامع غير كاف، لأنه لا يحصل بمطلق السبب، بل سببه خاص بين الثلاثة والأربعة مثلا، فلابد من إفادة ذلك السبب الخاص، فعليه تكون الأدلة في باب إفادة الواجب التخييري، ناظرة إلى ذلك عرفا وإن لا يلزم عقلا. بل ربما يمكن دعوى عقليته، لأن ما هو الواجب النفسي التعييني هو الغرض، دون الأسباب المنتهية إليه. قلت: قد فرغنا من هذه الشبهة في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري، وذكرنا هناك: أنه لا يجوز للعاقل البصير الخلط بين مصب الإيجاب، وبين الأغراض، وإلا يلزم انحصار الوجوب النفسي بالشئ الواحد البسيط، فلابد من المحافظة على الأدلة وظواهرها، كما يحافظ في الواجبات النفسية التعيينية، من غير فرق بين كونها من ذوات الجوامع القريبة، أو لم تكن منها (1). نعم، ربما تكون الأدلة لأجل اقترانها بالقرائن، ظاهرة في إفادة ذلك الجامع القريب، ولا سيما في غير الواجبات التكليفية، كالتخيير في القصر بين خفاء


1 - تقدم في الجزء الثالث: 129 - 137. (*)

[ 15 ]

الجدران والأذان، فإنه - حسب ما قربناه في محله (1) - يكون دليله ناظرا إلى إفادة بعد معين، ومقدار خاص من البعد عن البلد، ويكون هو السبب للانقلاب، دون الخصوصيات المأخوذة في الدليل. الشبهة الرابعة ما مر من الشبهات كان راجعا إلى مقام الجعل والتشريع، وهنا شبهة في مقام الامتثال المستلزمة للإشكال في مقام الجعل: وهي أن مقتضى بناء الفقهاء في الواجبات التخييرية، جواز الجمع بين الأطراف في زمان واحد بالضرورة، وعلى هذا يتوجه السؤال عما به يتحقق الامتثال ؟ ولا يعقل الإهمال الثبوتي، ولا يمكن تعيين أحدها، ولا كلها: أما الأول: فللزوم الترجيح بلا مرجح. وأما الثاني: فلأن الوجوب الواحد يسقط بالواحد. وأما توهم: أن الجامع هو المسقط، فهو ممتنع، لعدم كونه مورد الأمر، ولا موجودا آخر وراءهما. فعليه لابد من دعوى: أن الجامع هو مورد الأمر، ويكون الإتيان بهما موجبا لسقوط الأمر، كما إذا جمع بين المصداقين من الصدقة فيما كانت الصدقة مورد الأمر، فيثبت انتفاء الوجوب التخييري مطلقا، إلا فيما لا يمكن جمعهما عرضا. أقول: قد مضى فيما سبق، أنه في الواجب التخييري تكون الإرادة والإيجاب والبعث متعددة، حسب تعدد الأطراف (2)، والمفروض جواز اجتماع الأطراف أيضا، فيعلم منه أن الأغراض ليست متضادة، فعليه يكون الجمع بينها موجبا لتحصيل


1 - يأتي في الجزء الخامس: 66 - 69. 2 - تقدم في الصفحة 12 - 13. (*)

[ 16 ]

جميع مقاصد المولى المقاصد الإلزامية، ولا إهمال ثبوتي. نعم، إذا كان ذا غرض واحد، وكان واحدا مركبا، فيمكن أن يحصل بعض الغرض ببعض منه، ولكن الامتثال حصل في كل طرف، لأن في كل ناحية أمرا قد أتى بمتعلقه العبد والمكلف، ويكون ذلك سببا لسقوط ذلك الأمر وإن كان بسيطا وواحدا بالشخص، فتصير الأطراف متعاضدة في إيجاده، ومتداخلة في العلية، كما إذا زهق روح المقتول بضربتين من الشخصين، فإن الإزهاق يستند إلى المعنى الجامع الحاصل من ضربتيهما خارجا. فبالجملة تحصل: أنه من اجتماع الأطراف، لا يلزم كون الواجب التخييري واجبا تعيينيا. وغير خفي: أن ما هو المتعارف الواقع في الواجبات التخييرية، هو الفرض الأول، وهو تعدد الأغراض حسب تعدد الأطراف، مع وحدة الغرض الأعلى الحاصل بكل طرف، ولا يكون واحدا شخصيا، وإذا تعدد الأمر والإيجاب والإرادة يكون الجمع مسقطا بالنسبة إلى الكل، والعبد ممتثلا امتثالا راقيا. فبالجملة: تبين لحد الآن، أن شبهات الواجب التخييري، لا تورث صرف الأدلة عن ظاهرها، وعما هو مقتضى الأصل العقلائي. نعم، ربما يتوجه بعض شبهات بالنسبة إلى صنف خاص من الوجوب التخييري. تذييل: حول إمكان التخيير بين الأقل والأكثر وامتناعه بعد الفراغ من تلك الشبهات الراجعة إلى تصوير الوجوب التخييري مطلقا، يبقى الإشكال في التخيير بين الأقل والأكثر، وأنه هل يعقل ذلك مطلقا أو لا يعقل مطلقا ؟

[ 17 ]

أو يعقل التخيير العقلي دون الشرعي ؟ أم لا يتصور التخيير إذا كان الأقل لا بشرط، ويتصور إذا كان بشرط لا ؟ أو يمكن في الأقل والأكثر الدفعيين، دون التدريجيين ؟ أم يفصل بين الكم المتصل، والكم المنفصل، فلا يجوز في الأول، ويجوز في الثاني ؟ وجوه بل أقوال. والذي هو التحقيق: أن التخيير العقلي - بمعنى إدراك العقل أن الإنسان مختار في ذلك - مما لا إشكال فيه، كما يدرك اختياره في دوران الأمر بين المحذورين. اللهم إلا أن يقال: بأنه ليس من إدراك التخيير بين الأقل والأكثر، بل العقل يدرك أن الإنسان مختار في فعل التسبيحة الواحدة والثلاث والخمس وهكذا، وأما المقابلة بين الواحدة والثلاث فلا معنى له، لأن معنى المقابلة هو إمكان ترك أحد المتقابلين، وإتيان الآخر، وهو في الأقل والأكثر غير معقول حتى في الدفعيات، فضلا عن التدريجيات. وأما التخيير الشرعي، فبين الأقل بشرط لا والأكثر فهو بمكان من الإمكان، بل هو واضح، لأنه يرجع إلى التخيير بين المتباينين. والعجب من " الكفاية " (قدس سره) حيث اعتقد جواز التخيير بين الأقل والأكثر، واستدل بامكانه بين الأقل بشرط لا والأكثر (1) ! ! وبالجملة: اختار إمكانه أكثر الأفاضل، قائلين بخروجه عن محط النزاع (2)،


1 - كفاية الاصول: 175 - 176. 2 - الفصول الغروية: 103 / 35، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، أجود التقريرات 1: 186، نهاية الأفكار 1: 393 - 394، مناهج الوصول 2: 88. (*)

[ 18 ]

وذاكرين أن التخيير بين القصر والإتمام من التخيير بين المتباينين (1). اللهم إلا أن يقال: بأن الأقل بشرط لا، غير ممكن أن يكون مورد الأمر، حتى يمكن التخيير بينه وبين الأكثر، وذلك لأن الحد أمر عدمي لا واقعية له، ولا يعقل كونه داخلا في الغرض، أو مؤثرا في شئ، والذي يقوم به الغرض هو نفس المحدود بوجوده الواقعي. نعم ربما يكون الزائد مضرا ومانعا، أو غير لازم، فلا يأمر به أو ينهى عنه. وأما التخيير بين القصر والتمام في أماكن التخيير، فهو ليس من التخيير في التكليف الشرعي، ضرورة أن القصر والإتمام ليسا من الواجبات النفسية، بمعنى أنه يجب عليه إما القصر، أو الإتمام، بل يجب عليه صلاة الظهر، وإذا كان في أماكن التخيير يجوز له أن يأتي بالسلام في التشهد الأول، ويجوز له أن يأتي به في الثاني، فلا يكون هناك تكليف نفسي تخييري بالضرورة، حتى يكون من التخيير بين المتباينين، أو الاقل والأكثر. ومما يؤيد أن هذا الأقل بشرط لا لا يكون مورد الأمر، عدم وجود مثال له في الفقه، بل في الفقه يتعين الأقل، ويستحب الأكثر، فالأقل بشرط لا لا تقوم به المصلحة حتى يتوجه إليه الأمر، فافهم وتدبر. نعم، يمكن المناقشة في ذلك: بأن قيود المأمور به يمكن أن تكون عدمية، بل لابد منها، لأن المانعية لا تتصور في الاعتباريات، كما تحرر مرارا (2)، وتفصيله في مقام آخر (3).


1 - الحاشية على كفاية الاصول، المحقق البروجردي 1: 327، محاضرات في اصول الفقه 4: 46 - 47. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 506. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 56 - 58، 82 - 83. (*)

[ 19 ]

وأما المثال المزبور، فلا يكون من التخيير بين الأقل والأكثر مطلقا، إلا على القول: بأن القصر والإتمام من قيود الطبيعة، وتصير الطبيعة متنوعة بهما، كما تتنوع بالظهرية والعصرية، ونتيجة ذلك كونها من العناوين القصدية (1)، إلا على ما سلكناه في محله (2)، فليتدبر جيدا. هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل اللابشرط وبين الأكثر ؟ وأما التخيير الشرعي بين الأقل اللا بشرط والأكثر، فالمعروف عنهم امتناعه في التدريجيات في الكم المنفصل، كالتسبيحة والتسبيحات، وظاهرهم أن الامتناع ناشئ من أن النوبة في مقام الامتثال لا تصل إلى الأكثر، لأن بوجود الأقل يحصل الامتثال دائما في المرحلة السابقة، وما كان حاله كذلك لا يعقل تصوير التخيير فيه إلا برجوعه إلى وجوب الأقل تعيينيا، وجواز الأكثر أو استحبابه. وبعبارة اخرى: الامتثال قهري وإذا أتى بالتسبيحة فقد أتى بأحد الأطراف، فلا معنى لكون الأكثر موجبا للامتثال (3). ولك دعوى الامتناع في مقام الجعل والتشريع بالذات، وذلك لأن إيجاب الشئ الواحد لا يعقل مرتين تأسيسا، وإذا كان الأقل واجبا، ومورد البعث التخييري على النحو المزبور في الواجب التخييري، فكيف يعقل البعث الآخر إلى الأكثر الذي فيه الأقل ؟ ! لأن معنى كون الأقل لا بشرط، هو أن الأكثر عبارة عن ذلك الأقل مع إضافة، فيلزم تعين الأقل، ويكون مورد البعث الثاني مرتين. وهذا محذور ناشئ من أصل الجعل، ويورث امتناع تعلق الإرادة الثانية في


1 - الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الآملي 2: 5. 2 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 43. 3 - نهاية الدراية 2: 273، نهاية الأفكار 1: 393، مناهج الوصول 2: 88 - 90. (*

[ 20 ]

البعث الثاني التخييري بالأقل، ويلزم تعلقها بالزائد، ويكون الزائد مورد الرخصة من غير كونه واجبا. فبالجملة: إذا راجعنا وجداننا نجد فيما إذا نأمر عبدنا بإعطاء زيد دينارا، أو دينارا ونصفا، أن ما هو مورد البعث تعيينا هو الدينار، والزائد مورد الرخصة، ومطلوب استحبابي. وهنا دقيقة اخرى: وهي أن الأقل والأكثر أيضا يتصوران على نحوين: أحدهما: ما كان عنوان الأكثر عين عنوان الأقل مع الزيادة، كما في المثال المزبور، وفي مثل التسبيحة والتسبيحات. ثانيهما: ما كان الأقل والأكثر متحدين عنوانا، ومختلفين حسب كثرة الأجزاء وقلتها، كما في الأقل والأكثر الارتباطيين في الصلاة وسائر المركبات الفانية فيها الأجزاء، فإن الأكثر هي الصلاة، وهكذا الأقل، ولكن الاختلاف بينهما بحسب أن الصلاة في الأكثر ذات عشرة أجزاء، وفي الأقل تسعة أجزاء. وإذا كان الأمر هكذا، فالإيجاب التخييري المتعلق بالصلاة الكذائية، أو الصلاة الكذائية، ممكن بحسب مقام الجعل، لأن بين العنوانين في عالم العنوان تباينا، ولا يلزم أن تتعلق الإرادة الثانية بعين ما تعلق به الإرادة الاولى، ولكن في مقام الامتثال يقدم الأقل دائما في مرحلة الإسقاط، فلا تصل النوبة إلى الثانية، وعند ذلك لا يمكن أن تترشح الإرادة المسانخة مع الإرادة الاولى في الكيفية من المولى، ويمتنع ذلك امتناعا بالغير، لا بالذات، فافهم وتدبر جيدا. أقول: قد فرغنا من إمكان تصوير كون الامتثال اختياريا، وأنه ليس من الامور القهرية - وتعرضنا لذلك في مباحث الإجزاء (1) - وعرفت هناك: أن الامتثال عقيب الامتثال بمكان من الإمكان، وذكرنا هناك طريقين:


1 - تقدم في الجزء الثاني: 268 - 271. (*)

[ 21 ]

أحدهما: أن سقوط الأمر معناه سقوطه عن الباعثية الإلزامية، وبقاؤه على باعثيته الندبية حسب القرائن الخارجية، وتفصيله في محله. ثانيهما: أن للشرع اعتبار عدم سقوط الأمر، بداعي قيام العبد نحو المصداق الأتم، ويعتبر للمكلف اختيار كون المصداق المأتي به فردا ممتثلا به الأمر، أو عدم كونه كذلك. فإذا اعتبر المصداق المزبور عدما أو مستحبيا - كما في أخبار الصلاة المعادة: أنه إن شاء جعلها مستحبيا، وإن شاء جعلها فريضة - فإذا كان هو بالخيار في وعاء الاعتبار والادعاء لأغراض اخر، فلابد أن يكون الامتثال تحت اختياره، فإن اختار امتثال الأمر التخييري بالأقل فهو، وإن اختار امتثاله بالأكثر فهو مصداق الممتثل به، ويترتب عليه الآثار، ولا نقصد من " اعتبار التخيير بين الأقل والأكثر " إلا ذلك (1). فبالجملة: إذا حاسبنا حساب الأغراض والتكوين، وحصول الغرض تكوينا بحصول علته وسببه، فلا تخيير بين الأقل والأكثر، وأما إذا حاسبنا هذا النحو من الحساب، وتذكرنا أن المسألة من الاعتبار القابل للتوسعة والتضييق، حسب الأغراض الاخر، فلابد من الالتزام بصحته، وترتب الآثار عليه. نعم، نحتاج إلى القرينة القائمة عليه، وهي تكفل نفس الدليل للتخيير ظاهرا، فإنه ربما يشهد على أن المولى في هذا الموقف من الاعتبار، فتدبر واغتنم، وكن من الشاكرين. ومما أومأنا إليه تبين: أن للمكلف اعتبار إفناء الأقل بعد الإتيان به، فيأتي بالزائد وجوبا، ويكون المأتي به جزء المأمور به والطرف الآخر، وكما صح تبديل الامتثال عقيب الامتثال بوجه، كذلك التخيير هنا ممكن بهذا المعنى، ونتيجة ذلك لزوم الإتيان بالطرف الآخر وجوبا، بناء على اعتباره، أو جواز ذلك.


1 - نفس المصدر. (*)

[ 22 ]

هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر في الكم المتصل ؟ وأما التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر في الكم المتصل كالخط، فقد أجازه سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) مستدلا: بأن التخيير إن كان بين طبيعي الخط والذراعين، فلا يعقل، لأن بمجرد تحقق بعض الخط يتحقق الطبيعي، فلا يمكن الامتثال بالذراعين. وإن كان التخيير بين الذراع والذراعين، فلا يتحقق الذراع بطبيعي الخط الممدود السيال حين سيلانه، لأن السيلان ينافيه، وهو قبل الانقطاع وفي حال الحركة بلا تشخص من ناحية، ويكون مهملا، فلا تحقق للفرد ومصداق الخط إلا بعد القطع والسكون. فعليه إذا وصل العبد في المثال المزبور إلى الذراع الأول التوهمي، فهو ليس امتثالا، لأنه ليس ذراعا واقعا، فلا استحالة في التخيير بين الأقل والأكثر (1). وبهذا البيان والتقريب يندفع ما أورد عليه الوالد المحقق - مد ظله (2) -. وبالجملة: هو يتمكن من امتثال الطرف الآخر، باستمرار الخط إلى الذراعين. أقول: هنا سؤال، وهو أن المأمور به إما يكون الذراع الأعم من الواحد الواقعي المحدود خارجا، أو يكون الذراع الخارجي المحدود بالحد، فإن كان الأول فقد امتثل به، وإن كان الثاني فهو تخيير بين المتباينين. وإن شئت قلت: يصير التخيير بين الذراع على الفرض الأول، وبين الذراعين، من التخيير بين الطبيعي والمصداق الخاص، وإذا تحقق الخط خارجا، فهو تشخص بعد تحققه في الخارج بالضرورة، وإهماله من ناحية لا يضر بوجوده وتشخصه، كما


1 - لاحظ مناهج الوصول 2: 89 - 90، تهذيب الاصول 1: 363. 2 - مناهج الوصول 2: 90، تهذيب الاصول 1: 364. (*)

[ 23 ]

في الحركة في الكم المتصل بالتنمية، فإن النماء الزائد لا يضر بعد وجود الحركة الكمية بالمتشخص والمتحرك في الكم، كما هو الظاهر. ثم إنه من العجب توهمه أن التخيير بين القصر والإتمام من الأقل والأكثر (1) ! ! وقد عرفت بما لا مزيد عليه: أنه لا يكون منه، ولا من المتباينين (2). هل يجوز التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر في الدفعيات ؟ وأما التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر في الدفعيات، ففي جوازه (3)، وعدمه (4)، والتفصيل بين أنحاء الأغراض، فيجوز إذا كان الغرضان قابلين للاجتماع، ولا يكون اجتماعهما مبغوضا للمولى وإن لم يكن مرادا له، فإنه إذا أوجد العبد الأكثر دفعة وجد متعلق الغرضين، ولا يجوز في سائر الصور، وهذا هو خيار الوالد المحقق - مد ظله - (5)، أقوال. أقول: نظرنا إلى أن الأخذ بظاهر الدليل مادام يمكن واجب. وغير خفي أن من الممكن أحيانا، أن لا يكون للمولى غرض وراء ما هو مورد الأمر، ويكون الغرض نفس المأمور به، لا الأمر الآخر الحاصل به. إذا تبين ذلك فاعلم: أنه تارة: يرد في ظاهر الدليل " أكرم واحدا من العلماء، أو مائة " فمن المحتمل أن يكون نظر المولى إلى عدم تحقق إكرام الحد المتوسط،


1 - مناهج الوصول 2: 89، تهذيب الاصول 1: 363. 2 - تقدم في الصفحة 18 - 19. 3 - قوانين الاصول 1: 117 / السطر 15 - 18، حقائق الاصول 1: 337. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، محاضرات في اصول الفقه 4: 46 - 47. 5 - مناهج الوصول 2: 90 - 91. (*)

[ 24 ]

فلا يجوز التخطي عن الظاهر، ومنه يعلم أن الغرض الحاصل من الواحد، غير الغرض الحاصل من المائة، ولو كان يكفي الواحد في المائة، لما كان يأمر بهذه الصورة والشكل من التخيير، فيعلم من ظاهر الدليل: أنه للمولى ربما تكون أغراض، ومنها غرض التسهيل على المكلفين، فعند ذلك يكون الأقل بالنسبة إلى الحدود المتوسطة بشرط لا، وبالنسبة إلى الأكثر لا بشرط، ويترتب عند الإتيان بالأكثر الأغراض الملزمة، ويكون مورد الإرادة. واخرى: يرد الأمر بضيافة واحد أو اثنين، فيشكل الأمر، لأجل أن النظر لا يمكن أن يكون لنفي الحدود المتوسطة، وحيث إن المفروض كون الأقل لا بشرط، ويكون الغرض يحصل منه - وإلا فهو خارج عن محط النزاع، ومصب النفي والإثبات - فلابد من الإقرار بالامتناع، ضرورة أن أخذ الزائد من اللغو، لحصوله بذلك الأقل، وبضيافة الواحد، فلا يمكن تمشي القصد وإرادة البعث إلى الأكثر. وبعبارة اخرى: إن الزائد على الواجب يجوز تركه لا إلى البدل، ولا شئ من الواجب كذلك. اللهم إلا أن يقال: إن له البدل، ولكن البدل دائما يتقدم على المبدل منه، فلا معنى لإيجابه كما لا يخفى. فما أفاده من التقريب، العلامة الأصفهاني (قدس سره) (1) في غير محله. أقول أولا: الأمر بالمقدار الزائد ربما يكون لأجل غرض، وهو أن العبد في مقام الامتثال، ربما لا يتمكن إلا من الإتيان بالأقل في ضمن الأكثر، ولو كان الأقل واجبا فلا يقوم بالامتثال، لما يجد في ذلك حرجا على نفسه، أو ضررا. مثلا: إذا أمر المولى بإعطاء زيد تخييرا بين نصف الدينار والدينار، ولا يوجد


1 - نهاية الدراية 2: 273 - 276. (*)

[ 25 ]

في الخارج إلا الدينار، فإنه يماطل في ذلك، ولأجل عدم ابتلائه بالمماطلة يأمر المولى بنحو التخيير، ويكون الأكثر واجبا، فلا يكون البعث إلى الأكثر لغوا وعبثا. وثانيا: أن الغرض ليس إلا نفس إعطاء الدينار، أو الدينارين، وليس وراء ذلك أمر يعد هو الغرض، حتى يقال: بأنه في صورة الوحدة لا يعقل الأمر بالزائد، وفي صورة المضادة لا يعقل الأمر مطلقا، كما أفاده مد ظله، بل لا غرض للمولى إلا نفس المأمور به. نعم، بناء على ما قربناه - من الامتناع الذاتي بحسب مقام الجعل، وأن تعلق الإرادتين بشئ واحد محال، وهكذا بالكل وببعض أجزائه، بحيث لا يرجع إلى التباين في الاعتبار - (1) فيستحيل التخيير، للزوم تعلق الإرادة الموجودة في طرف بعين ما تعلقت به الإرادة الاخرى، فإن الدينار المشترك بين الأطراف واحد، ومع وحدته لا تتعدد الإرادة التأسيسية، حسبما برهنا عليه في المواضع العديدة (2). تذنيب: فيما إذا كان الاقل اللا بشرط القائم به الغرض، لا يوجد دائما إلا مع الأكثر، كالقيراط من الألماس، فإنه لا يوجد مثلا ألماس إلا هو أكثر من القيراط، فإن التخيير - لإفادة أن الغرض يحصل بالأقل - ممكن، وأن العبد لو تمكن من إعطاء القيراط كان يكفي. وهنا دائما يكون الامتثال بالأكثر والأقل، ولا يجب كون الأقل مورد الأمر التعييني، إلا إذا كان الأكثر في عالم العنوانية والجعل عين الأقل مع الزيادة، فإنه عندئذ يشكل كما مر (3)، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 19. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 257 - 258 والجزء الثالث: 12 و 16 - 17. 3 - تقدم في الصفحة 20. (*)

[ 26 ]

تنبيهات أحدها: في بيان متعلق الواجب التخييري عن العلامة الأراكي (قدس سره): أن الواجب التخييري هو أن يتعلق بكل واحد من الأطراف إرادة ناقصة، ولا توجب هذه الإرادات الناقصة سد جميع أبواب العدم، بل تسد جميع الأبواب إلا باب عدمه في ظرف وجود الطرف الآخر. وبعبارة اخرى: هو من قبيل الواجبين أو الواجبات التعليقية، فيجب هذا حين ترك الآخر، وبالعكس (1)، انتهى مرامه. وقد فرغنا نحن بحمد الله عن بطلان هذا المسلك في المتزاحمين (2)، ويلزم عليه تعدد العقاب أيضا. وما ذكرناه هناك: هو أن حين الترك لا يعقل أن يكون مطلقا، وإذا كان موقتا فبمضي وقت طرف يمضي وقت الطرف الآخر أيضا، كما هو الواضح الظاهر. هذا مع لزوم كون الجمع بين الأطراف، مضرا بالوجوب. وعن آخر: أن كل واحد من الطرفين أو الأطراف، واجب مشروط بعدم الآخر (3). وأنت خبير بما فيه من تعدد العقاب أولا، ولا يمكن دفعه كما توهم (4). مع أن عدم الآخر لا يمكن أن يلاحظ مطلقا، وإلا لا يحصل شرط وجوب الآخر، وإذا لوحظ الآخر في زمان خاص، فبمضيه يمضي ظرف الزمان للطرف الآخر، فتدبر جيدا تعرف حقيقة المطلب.


1 - نهاية الأفكار 1: 368 - 369 و 391 - 392. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 485 - 487. 3 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 390 / السطر 5. 4 - منتهى الاصول 1: 218. (*)

[ 27 ]

هذا مع أن الإشكال الأخير يتوجه إليه أيضا، ضرورة أن قضية الاشتراط عدم اتصاف كل طرف بالوجوب عند الجمع بينها. وعن ثالث: أن كل طرف واجب تعيينا، إلا أنه يسقط بالإتيان بأحد الأطراف، لانتفاء موضوعه. وهذا نظير الواجب التعييني على الولي، فإن ذلك يسقط بالتبرع، وهكذا في مثل الدين وأمثاله (1). وفيه: لزوم تعدد العقاب عند الترك، وهو غير مرضي في الواجبات التخييرية عند كافة ذوي العقول. وهذا أقل محذورا من سائر المقالات المشار إليها. وتوهم: أنه إذا كان هكذا، فلابد من أن تتعلق الإرادة بواحد من الأطراف (2)، في غير محله، لأن المدعى توهم امتناع التخييري، فإذا كان كذلك فعلى المولى أن يريد الأطراف تعيينا حتى يصل إلى مرامه، وبكلمة " أو " أفاد سقوط موضوع التكليف بإتيان الطرف الآخر. وبهذا يمكن دفع شبهة تعدد العقاب أيضا، فتأمل. وعن رابع: أن في التخييري واجبا تعينيا معلوما عند الله، وهو مجهول لنا، وفي تجهيل ذلك علينا مصلحة مخفية عنا (3)، وهو من قبيل إمضاء الأمارات المؤدية إلى خلاف مصالح المولى، لمصالح اخر أعلى. فما توهم من الإشكالات على هذا المسلك (4)، غفلة وذهول عن هذه الدقيقة. وأنت قد أحطت خبرا: بأنه لا داعي إلى اختيار هذه المسالك أو ما سبق في


1 - لاحظ شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 86 / السطر 21، قوانين الاصول 1: 116 / السطر 16. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 29 و 31. 3 - نقل هذا القول في كثير من كتب القوم ونسب إلى الأشاعرة والمعتزلة كليهما لكنهما تحاشيا عنه ونسبه كل منهما إلى صاحبه. المحصول في علم اصول الفقه 1: 274، شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 86 / السطر 22، معالم الدين: 74 / السطر 15، قوانين الاصول 1: 116 / السطر 17، الفصول الغروية: 102 / السطر 12. 4 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 274، منتهى الاصول 1: 224. (*)

[ 28 ]

أصل البحث، إلا لزوم الامتناع العقلي على القول بالواجب التخييري الذي هو ظاهر دليله، وحيث قد تبين إمكانه، أو لم يتم دليل على امتناعه، فيتبع ذلك الظاهر، وتسقط هذه المسالك مع ما فيها من المفاسد. ثانيها: في أن التفصيل هل يقطع الشركة أم لا ؟ في موارد التخيير، هل الظاهر من الدليل هي القضية المنفصلة الحقيقية، أم المنفصلة المانعة الخلو، أو تختلف الموارد، لاختلاف القرائن والموضوعات والشواهد الخارجية ؟ وبعبارة اخرى: هل التفصيل بشكل التخيير وإن لم يكن من التخيير، قاطع للشركة، أم لا ؟ والمراد من " القاطعية للشركة " أحد الأمرين على سبيل منع الخلو: إما أن يقطع الشركة بين الأطراف، فيكون كل واحد موضوعا مستقلا، بحيث لا يجوز الاشتراك بينهما، فلو اجتمعا فلا يثبت الحكم. أو يقطع شركة الأجنبي وما هو ليس من الأطراف، فيكون الحكم ثابتا لأحد المذكورين في الدليل دون غيره، بحيث يستظهر منه المفهوم عرفا، فينفي الثالث. مثلا: قوله تعالى في سورة المؤمنون: * (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * (1) ظاهر في أن التحليل يحصل بأحد الأمرين: الزوجية، والملكية، فهل يستفاد منه عدم جواز زواج المملوكة، لما فيه زائدا على الملكية آثار اخر ؟ أم يستفاد منه حصر سبب الحلية بهما على سبيل منع الخلو، فلا تصح المتعة،


1 - المؤمنون (23): 5 - 6. (*)

[ 29 ]

بناء على كونها غير زوجة عرفا " فإنهن مستأجرات " (1) كما عن أبناء العامة (2)، فيكون للآية مثلا مفهوم ناف للغير والسبب الثالث، مع قطع النظر عما في ذيلها من قوله تعالى: * (فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) * (3) ؟ فبالجملة: هل التفصيل الأعم من التخيير في الواجبات النفسية، يقطع الشركة، أم لا ؟ أقول: لا شبهة أولا: في أن المسألة بحسب الثبوت، يمكن أن تكون بحيث لا تجتمع الأغراض، ولو جمع العبد في مقام الامتثال لأخل بما هو غرض المولى، ويمكن أن تجتمع الأغراض، ولكن الشرع اعتبر التخيير تسهيلا. وقد مر تفصيله فيما سبق (4). وثانيا: في أن الموارد تختلف حسب فهم العقلاء والعرف، مثلا في مورد تحريم إبداء الزينة في سورة النور (5)، لا شبهة في أن عند اجتماع أحد العناوين مع عنوان * (ما ملكت أيمانهن) * يثبت الحكم، فلو كان المملوك بني أخواتهن، أو بني إخوانهن وهكذا، يجوز أن يبدين زينتهن بالضرورة. وهكذا في مورد نفي الحرج عن الأكل من بيوتهم، أو بيوت آبائهم، أو ما ملكت أيمانهم، أو صديقهم (6)، فعند الاجتماع يجوز بالضرورة، لأن العرف لا يجد


1 - الكافي 5: 452 / 7، وسائل الشيعة 21: 18، كتاب النكاح، أبواب المتعة، الباب 4، الحديث 2. 2 - أحكام القرآن، للجصاص 3: 253، التفسير الكبير 23: 80، الجامع لأحكام القرآن 12: 106، الآية 6. 3 - المؤمنون (23): 7. 4 - تقدم في الصفحة 11 - 12. 5 - النور (24): 31. 6 - النور (24): 61. (*)

[ 30 ]

ولا يفهم من هذا التفصيل تباين الأغراض، كما هو الظاهر. إذا تبين ذلك، فالبحث يقع فيما إذا لم يكن قرينة واضحة، كالآية السابقة بالنسبة إلى حال اجتماع العنوانين، وأنه يستفاد منها جواز ذلك أم لا، وهكذا بالنسبة إلى نفي الشريك والأجنبي. والحق: أن نفي الأجنبي بها مع قيام الدليل الآخر المثبت له مشكل، بل لو كان يستفاد منها ذلك فهو عند عدم قيام الدليل، وإلا فمعه لا تقاومه. وهذا يرجع إلى إنكار المفهوم عرفا بمثله جدا. وهكذا في الناحية الاولى، فلا تدل الآية على عدم جواز نكاح الأمة لسيدها، إذا كان مورد غرض عقلائي أو شرعي. والذي هو المهم: أن الأدلة في كل مورد وردت، تكون طبعا محفوفة بالقرائن والخصوصيات، منها يظهر المقصود، ومرام المولى والمتكلم، فعلى هذا لا يمكن استنباط القانون الكلي. فما اشتهر: " من أن التفصيل قاطع للشركة " (1) غير راجع إلى محصل جدا. ويشهد على ذلك: أن الآية الشريفة المتضمنة لتحريم إبداء الزينة، خالية في مقام التفصيل عن ذكر الأخوال والأعمام، مع أنها مورد الاستثناء بالضرورة. ثالثها: مقتضي الاصول العملية عند الدوران بين التعيين والتخيير هل أن قضية الاصول العملية في دوران الأمر بين التعيين والتخيير، هي البراءة، أم الاشتغال، أو المسالك في ذلك مختلفة ؟ وقد مر بعض الكلام في مباحث


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367، منتهى الاصول 1: 352، محاضرات في اصول الفقه 3: 96. (*)

[ 31 ]

الترتب (1)، وسيظهر تحقيقه في مباحث الاشتغال والبراءة (2). وإجمال الكلام في المقام: أنه إن قلنا بأن الوجوب التخييري نوع وجوب يوصف به الشئ خارجا، فالقاعدة تقتضي الاشتغال، لرجوع الشك إلى الشك في السقوط. وإن قلنا: بأنه من قبيل الوجوب التعليقي، أو المشروط، أو يرجع إلى الوجوب التعييني ووجوب الجامع الذاتي، فالقاعدة تقتضي البراءة، كما هو الظاهر. وإن قلنا: بأن الواجب هو عنوان انتزاعي وهو " الواحد منهما " فربما يشكل إجراء البراءة، فتأمل. ثم إذا شك في أن الجمع بين الأطراف يجزئ، أم لابد من الاكتفاء بأحد لأطراف، لاحتمال التضاد بين الأغراض، فعلى مسلكنا في الواجب التخييري، لابد من الاقتصار على إتيان أحد الأطراف، لأنه معلوم وجوبه، وأنه واضح كونه مورد الإرادة. ويحتمل عدم سقوط تلك الإرادة وذلك الوجوب بالانضمام، ولا أصل يحرز به عدم المضادة والمانعية. اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى حديث الرفع رفع المانعية عن الموجود، فتدبر. أو يقال: بأن المانعية لا تتصور إلا برجوعها إلى اشتراط عدم كل طرف بالنسبة إلى الطرف الآخر، وعندئذ تجري البراءة عن القيد الزائد. وأما على القول بالوجوب المشروط، فلابد من الالتزام بعدم جواز الجمع كلا، لأن ترك كل طرف شرط لوجوب الطرف الآخر. وهذه هي ثمرة هذا القول والمسلك في الواجب التخييري، ولا يلتزم به من اختار قطعا جواز الجمع في بعض الموارد، أو في كل مورد، بل ورجحانه.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 421 - 425. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 238 وما بعدها. (*)

[ 32 ]

هذا، والقول بالوجوب المعلق أيضا مثله، لأنه عند الجمع بينهما لم يتمثل الأمرين، لأن كل واحد واجب عند ترك الآخر، فليتدبر. وأما على القول: بأن الواجب هو الجامع الذاتي، والأطراف أسباب ومحصلات شرعية، فجريان البراءة أو الاشتغال مورد الخلاف، وتفصيله في محله وقد قوينا هناك إمكان التمسك بالبراءة في المحصلات الشرعية (1). وأما إذا كان الواجب هو الجامع الانتزاعي، فالجمع لا يضر بعنوان " الواحد منهما " لأنه أمر ينتزع عند الاجتماع أيضا، وكون الآخر مضرا ومضادا لا معنى له، فتأمل. رابعها: في تصوير التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين هل يمكن تصوير التخيير شرعا أو عقلا في دوران الأمر بين المحذورين، أو لا ؟ وجهان: أما التخيير العقلي، فإن كان معناه درك العقل أن العبد والمكلف مختار في المسألة، فهو واضح إمكانه ووقوعه. وإن كان معناه حكمه بذلك، فإن اريد من " الحكم بذلك " أنه مولد الحكم بكون التخلف جائزا فلا معنى له، وإلا فلا منع من ذلك. إلا أن المبنى - وهو أن العقل حاكم به - غير صحيح، ضرورة أن حقيقة العقل هي القوة المدركة، ولا سلطنة له حتى يتكفل بالحكم على شئ، وتفصيله في مقام آخر. وأما التخيير الشرعي، فهو ممكن وإن كان لازم الحكم عرفا، هو أنه لولا الحكم يجوز التخلف عن مورده، وذلك لأن دليل إيجاب التخيير، قانون كلي شامل


1 - يأتي في الجزء الثامن: 66 - 68. (*)

[ 33 ]

لجميع الموارد، ومنها مورد دوران الأمر بين المحذورين، ولا بأس بشمول إطلاق القانون لهذا المورد وإن لم يمكن ذلك اللازم. وبعبارة اخرى: جعل التخيير شرعا بدليل مستقل في هذه المسألة غير معقول، لامتناع ترشح الإرادة الجاعلية، وأما إذا كان بدليل عام فلا منع من ترشح تلك الإرادة، على ما تحرر في محله، وتبين لأهله (1). وأما إن لم يكن لازم الحكم ذاك، فالأمر واضح لا غبار عليه، وسيأتي مزيد تفصيل في مباحث البراءة والاشتغال إن شاء الله تعالى (2)، وفي بحث التعادل والترجيح (3). خامسها: في تصوير الحرام التخييري ووقوعه في إمكان تصوير الحرام التخييري، ووقوعه في الشريعة، وعدمه، وجهان، بل قولان: فربما يقال: إنه في صوم المعين من غير رمضان يحرم - بنحو التخيير - المفطرات على الصائم، ضرورة أنه بإتيان أحدها يفسد الصوم، ولا يجب عليه الإمساك بعد ذلك، ويحرم عليه إما الأكل، أو الشرب، أو الجماع، أو القئ، ويكون بعضها من المحرم التخييري على سبيل المنفصلة الحقيقية، لعدم إمكان الجمع بينها، كالأكل والقئ، ويكون بعضها من الحرام التخييري على سبيل منع الخلو، لإمكان الجمع بين الشرب والجماع. أقول: هذا ما توهمه بعض فضلاء العصر، ولكنه واضح المنع، ضرورة أنه في


1 - تقدم في الجزء الثالث: 450 - 456. 2 - يأتي في الجزء السابع: 280 - 284. 3 - مما يؤسف له خلو الكتاب من تلكم المباحث. (*)

[ 34 ]

هذه الواقعة يجب الصوم شرعا، ويجب عقلا الامتناع عن مفسداته، حتى لا يخل بما هو الواجب عليه، ولو كان يحرم المفسد يلزم تعدد العقاب: عقاب على ترك الواجب، والآخر على إتيان المحرم. هذا مع أنه في صورة إمكان الجمع، تكون الأطراف محرمة كلا، وإذا لم تكن محرمة فيعلم منه: أن المفطرات ليست محرمة مطلقا حراما تكليفا. نعم، على القول: بأن الأمر بالشئ نهي عن ضده الخاص، فإذا كان له الأضداد فكل واحد مورد النهي مستقلا، ويكون ذلك النهي مولويا، فهو من الحرام التخييري إذا كانت الأضداد غير قابلة للجمع عقلا. ولكن في كل واحد من القيود المزبورة إشكال، ضرورة أن الأمر بالشئ لا اقتضاء له، وأنه لو اقتضى فمقتضاه هو النهي عن العنوان الكلي وهو الضد، دون العناوين الذاتية، فيكون التخيير عقليا. مع أن مولوية النهي ممنوعة، أو مورد المناقشة، فتدبر. ومن الممكن دعوى: أنه في مواقع الاضطرار إلى أحد الأطراف لا بعينه، مع كون الأطراف مختلفة النوع تحريما - كمال الغير والميتة - يجوز مع الاضطرار العرفي ارتكاب أحدهما، ويحرم عليه ارتكاب واحد منهما، ومع الاضطرار العقلي يجب المبادرة إلى ارتكاب أحدهما عقلا، ويحرم عليه ارتكاب واحد منهما. وتوهم: أن المحرم هو المجموع باطل، لأن المجموع ليس مورد تحريم الشرع بالضرورة، بل المحرم هو أكل مال الغير، وأكل الميتة، ولا معنى لكون المجموع مورد التحريم الشرعي مطلقا، وإلا يلزم جواز ارتكاب بعض الأطراف حتى في غير حال الاضطرار. وكون المجموع محرما حال الاضطرار بلا وجه وبلا دليل. فكل واحد من الأطراف حرام مع قطع النظر عن الاضطرار الطارئ، وبلحاظه

[ 35 ]

يجوز أو يجب واحد منهما، ويحرم واحد منهما، وهذا هو التخيير الشرعي. وبعبارة اخرى: مقتضى دليل كل طرف حرمته الذاتية، وإذا قيس ا لى دليلهما دليل رفع الاضطرار (1)، وإباحة ما اضطروا إليه (2)، تصير النتيجة الحرام التخييري، وهو حرمة هذا، أو ذاك. وغير خفي: أن المحرم التخييري يتصور على نحوين: أحدهما: كون المصداق الأول حراما، والمصداق والطرف الآخر بعد ارتكاب الطرف الأول حلالا، كما في المثال الأول. ثانيهما: كون المصداق الثاني محرما. وهذا الأخير أولى بكونه مثالا من هذه الجهة، فيكون ارتكاب المجموع محرما أيضا، فتدبر. أقول: جريان حديث الرفع وأدلة إباحة ما اضطر إليه ابن آدم في هذه الصورة، محل الإشكال، ضرورة أن ما اضطر إليه هو الواحد منهما، وهو ليس موضوعا لحكم قابل للرفع، وما هو موضوع الحكم الشرعي ليس مورد الاضطرار، وهو الواحد بعينه، فلا يمكن استفادة التخيير من الشرع، وإن كان هو بالخيار عند الاضطرار العقلي، ويكون الاضطرار عذرا فيما ارتكبه من الحرام الفعلي، حسب ما تقرر في محله (3). نعم، ربما يمكن توهم جريان الأدلة الشرعية بالنسبة إلى ما يختاره لرفع اضطراره في علم الله وهذا - على تقدير صحته - يستلزم كون المباح أيضا والمحرم أيضا معينا فلا يلزم التخيير. والأمر بعد ذلك كله سهل.


1 - وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1. 2 - وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 25، الحديث 2. 3 - يأتي في الجزء السابع: 482 - 492. (*)

[ 36 ]

النحو الثاني في العيني والكفائي والمراد من " العيني " ما كان يجب على كل مكلف صدور الطبيعة منه، أو تجب الطبيعة على أن تصدر من كل فرد، ومن جميع الآحاد، من غير ارتباط في مقام الجعل، ولا في مقام الامتثال، فعلى كل واحد منهم وجوب، وعلى كل واحد امتثال، من غير سقوط الوجوب بامتثال الآخر، ومن غير كون موضوع الواجب غير كل فرد فرد. وفي مقابله الكفائي، وهو يعلم من انتفاء كل واحد من القيدين، أي إذا كان موضوع الوجوب واحدا منهم مرددا منتشرا، أو مفهوم " الواحد " أو " الواحد المعين عند الله " أو " المجموع " و " الجميع " أو على سبيل التخيير، أو الاشتراط والتعليق، أو كان معروض الوجوب صرف الوجود، ومقابل العدم وناقضه، أو غير ذلك، فهو كفائي. أو كان موضوع الوجوب كل واحد من الأفراد على سبيل العام الاستغراقي أيضا، ولكن كان متعلق الوجوب نفس الطبيعة ووجودها، من غير تقييد بصدورها من هذا أو ذاك، بل بالصدور من أي فرد اتفق يتحقق تمام الواجب، وهو وجود الطبيعة ونفسها، لا الطبيعة المتقيدة بكونها صادرة من كل أحد، فإنه عند ذلك يحصل الوجوب الكفائي. وبالجملة: على التقدير الأول يحصل الفرق من ناحية الموضوع، وعلى الثاني من ناحية المتعلق، وعلى التقديرين تصير النتيجة سقوط التكليف بإتيان

[ 37 ]

واحد منهم، وإذا انتفى القيدان فيحصل أيضا الوجوب الكفائي. فما يتراءى من النزاع بين الأفاضل والأعلام في معنى " الكفائي " من أن الاختلاف بينه وبين العيني، هل هو من الناحية الاولى، أو الثانية (1) ؟ في غير محله، لإمكان الالتزام بكونه من الناحيتين، على تقدير صحة كل واحد منهما في حد نفسه. إذا عرفت هذه المقدمة، فلنشر إلى بعض امور لابد من التوجه إليها: الأمر الأول: في عدم تقوم الكفائي بالمبعوث إليه قد اشتهر: " أن التكليف والبعث كما يتقوم بالمبعوث والباعث، يتقوم بالمبعوث إليه، ولا يعقل البعث بدون المبعوث إليه، ففي الكفائي - كالعيني - باعث، ومبعوث، ومبعوث إليه، من غير فرق بين المسالك في حقيقة البعث " (2). أقول: هذا ما أفاده العلامة المحشي (قدس سره) (3) وللمناقشة فيه مجال، ضرورة أن البعث بالهيئة يكون هكذا، لتقوم الخطاب بالمخاطب حتى تصورا، وأما إذا اعتبر الشرع مفهوم الوجوب لازم ماهية طبيعة، وأعلم بذلك بصورة الإخبار، فقال: " الصلاة لازمة وواجبة " غافلا عما وراء ذلك، فهو بمكان من الإمكان. بل ربما تقتضي حشمة المولى أن يأتي مطلوبه بصيغة المجهول، فيعلن " أن زيدا لابد وأن يقتل " قاصدا بذلك الإعلان أن له مقاما منيعا بين الامة، بحيث لو اطلعوا على مرامه تسابقوا إليه، حتى يقع الزحام والقتال بينهم في إيفاء مراده، ولأجل هذا لا يصح أن يدعي أحد: " أن المولى طلب مني ذلك ".


1 - أجود التقريرات 1: 187، نهاية الاصول 1: 229، منتهى الاصول 1: 226 - 227. 2 - نهاية الدراية 2: 277، نهاية الاصول 1: 229، محاضرات في اصول الفقه 4: 50 - 51. 3 - نهاية الدراية 2: 277. (*)

[ 38 ]

فبالجملة: إذا كانت الأدلة الشرعية موافقة في مورد لمثله، فلا نمنع من الالتزام بأنه من الواجب الكفائي نتيجة، ولا موضوع له شرعا وفي الاعتبار، وإن كان بحسب اللب والثبوت - لمكان التوقف - نحتاج إليه. وإن شئت قلت: هذا من قبيل مقدمة الواجب التي لابد منها عقلا، ولكنها ليست مورد الإيجاب شرعا. ويصحح هذا إمكان غفلة المولى العرفي عندما يريد إظهار حشمته عن الموضوع رأسا، ويعتبر وجوب الطبيعة، لا إيجابها حتى يتقوم بمن يجب عليه كما لا يخفى، فليتأمل جيدا. وحيث إن الأدلة في بعض الأحيان ناظرة إلى الموضوع، فلابد وأن نفحص عن موضوعها فما يتراءى منه (قدس سره) من أنه مع إنكار الموضوع في الواجب تنحل مشكلة الوجوب الكفائي (1)، في غير محله، ضرورة أنه مع ظهور الرواية إثباتا في اعتبار الوجوب على المكلف، لابد من حل مشكلته. نعم، إذا ورد في لسان دليل " يغسل الميت " بصيغة المجهول، فإنه ظاهر في أن الشارع في مقام عدم اعتبار الموضوع، فلا تتوجه المشكلة رأسا حتى نحتاج إلى الحل. الأمر الثاني: فيما يتصور من أقسام الواجب الكفائي لاشبهة في أن الطبائع الممكن وقوعها تحت الأمر والإيجاب الكفائي مختلفة: فمنها: ما لا تتكرر، كقتل زيد. ومنها: ما تتكرر.


1 - نفس المصدر. (*)

[ 39 ]

وعلى الثاني: إما يكون مورد الأمر نفس الطبيعة، أو يكون المطلوب فردا منها. وعلى الثاني: إما يكون الفرد الآخر مبغوضا، أو يكون متساوي النسبة معه. وأيضا: غرض المولى بحسب التصور، إما أن يكون أصل الوجود وصرفه، أو نفس الطبيعة، كما اشير إليها، وإما يكون متعددا، ولكن لغرض التسهيل اكتفى بالواحد منها، وبفرد من الطبيعة. مثال الأول واضح. ومثال الثاني وجوب كون البيت مطافا مثلا، فإنه يمكن أن يكون المطلوب عاما استغراقيا، إلا أنه اكتفى بجماعة عن السائرين، تسهيلا على العباد. وبالجملة: فيما إذا كان من قبيل غسل الميت وكفنه ودفنه - مما للحكم متعلق المتعلق - لا معنى لتعدد الأغراض، لما أنها مضادة مع غرضه الآخر، بخلاف ما إذا لم يكن للحكم متعلق المتعلق، كالمثال المزبور. هذا كله حسب الثبوت والتصور. الأمر الثالث: في أنحاء موضوع الوجوب الكفائي يمكن أن يكون موضوع الوجوب الكفائي وموضوع الوجوب العينى، واحدا بحسب الثبوت، وهكذا يمكن أن يكون عنوان " الواحد من المكلفين " أو طبيعي المكلف موضوعا. وأما جواز كون الموضوع صرف وجود المكلف، فهو محل المناقشة، وسيظهر تحقيقه. وإجماله: أن الصرف ليس قابلا للتكرار عرضا، ولا طولا، وهذا هنا غير

[ 40 ]

متصور، وإمكان اعتباره لا يخلو من مناقشة تأتي إن شاء الله تعالى (1). وأما عنوان " المجموع " أو " الجميع " أو عنوان آخر شبيه ذلك، فهو غير ممكن. وهكذا لا يعقل كون الوجوب بنحو المشروط والمعلق، كما مر في الوجوب التخييري (2). نعم، يعقل كونه بنحو الواجب التخييري، بمعنى أن يعتبر وجوب الغسل على زيد، أو على عمرو، فيلزم - بحسب العقل - قيام الآحاد لاداء الفريضة، حتى لا يخل بمطلوب المولى، وإلا فيستحق الكل العقاب. فبالجملة: هناك دعاو ثلاث: الدعوى الاولى: أما إمكانها، فلأن الإيجاب على الكل بنحو العموم الاستغراقي تارة: يقع بغرض صدور الطبيعة من كل واحد، وهذا محال، مع عدم إمكانه ثبوتا أو عدم كونه مطلوبه إثباتا، وهكذا مع فرض مبغوضيته. واخرى: يقع لأجل أن المولى يرى إمكان تخلف العباد عن مرامه وطلبه، ولأجل مثله يتمكن من ترشيح الإرادة الجدية بالنسبة إلى بعث الناس عموما. وهذا مع مراجعة الوجدان من الواضحات. نعم، فيما إذا كان الفرد الثاني مبغوضا، فلابد من إعلام ذلك بإحدى الدلالات الممكنة، ولا يلزم منه كون الإيجاب العمومي غير ممكن، كما ترى. فما يظهر من المتأخرين (3)، حتى الوالد المحقق - مد ظله (4) - من إنكار إمكان ذلك، غير موافق للتحصيل جدا.


1 - تأتي في الصفحة 44. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 27. 3 - مناهج الأحكام والاصول: 71 / السطر 17 - 21، نهاية الاصول: 228 - 229، محاضرات في اصول الفقه 4: 54. 4 - مناهج الوصول 2: 94، تهذيب الاصول 1: 366. (*)

[ 41 ]

وبعبارة اخرى: صدور القتل من كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، ممكن مقدور، وعلى هذا يصح إيجابه على كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، بداعي وصوله إلى مرامه ومطلوبه. ومجرد إمكان التوصل إلى مرامه بإيجابه على الواحد، لا يصحح امتناع الإيجاب على العموم استغراقا، كما هو الظاهر. وتوهم: أن امتناع صدور القتل مثلا من كل واحد في عرض الآخر، يستلزم امتناع إيجابه عرضا، فلابد من إيجابه على البدل، لإمكانه على البدل، لا يفيد شيئا، لأن الصدور من كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، يصحح الإيجاب العمومي الاستغراقي. نعم، لا يعقل أن يطلب المولى من المجموع التصدي للقتل، بحيث يصدر القتل من كل واحد اعتبر في المجموع، لا بنحو يكون كل واحد جزء من العلة التامة. وبالجملة ما نسب إلى المشهور (1) متين جدا. وأما إمكانه على عنوان " الواحد " فهو أيضا معلوم. وتوهم: أن العنوان الانتزاعي، لا يكون قابلا للبعث والإيجاب (2)، في محله جدا. إلا أن يقال: قابلية منشأ الانتزاع تكفي لكونه مورد الإنشاء والإيجاب، فتأمل جدا. وأما إمكانه على عنوان طبيعي المكلف، فهو أيضا معلوم. وتوهم: أن ذلك يرجع إلى الاستغراقي (3) خال عن التحصيل، ضرورة أن الطبيعة تتحقق بأول مصداق، وسريانها إذا كان مطلوبا يحتاج إلى اللحاظ الزائد. الدعوى الثانية: أن كون الموضوع عنوان " المجموع " و " الجميع " لا منع فيه


1 - مفاتيح الاصول: 313 / السطر 5، هداية المسترشدين: 268 / السطر 18. 2 - نهاية الاصول 1: 228. 3 - بحوث في الاصول (الاصول على نهج الحديث): 66. (*)

[ 42 ]

ذاتا، إلا أنه لا محصل له، ضرورة أنه يرجع إلى لزوم اشتراك الكل في الإصدار والإيجاد، وهذا واضح بطلانه في الكفائي، ولا يكون من الكفائي رأسا، لعدم سقوط التكليف بفعل البعض، فعد مثله من المحتملات - كما في كلماتهم - (1) من التخيل الناشئ عن الغفلة. الدعوى الثالثة: قد مضى أن إيجاب شئ مشروطا بترك الآخر من غير توقيت، يؤدي إلى إهمال التكليف، لأنه لا يتحقق الشرط (2). نعم، إذا كان يكفي الترك آنا ما، يلزم وجوبه الفعلي المنجز على الكل، وهذا واضح المنع، لامتناع صدور صرف الطبيعة من الكثير، أو لبمغوضية الفرد الآخر وهكذا. اللهم إلا برجوع المسألة إلى الإيجاب الاستغراقي على الوجه المزبور، وهو صحيح، إلا أنه لا حاجة إلى تبعيد المسافة، كما ترى. وهكذا إذا اعتبر بنحو الوجوب المعلق، أي يجب على زيد عند ترك عمرو وهكذا، فليتأمل جيدا. نعم، يصح التخيير الشرعي، فإن الواجب التخييري بهذا النحو وإن لا يستدعى التكليف بعث المجموع نحو العمل، إلا أن المكلف الملتفت إذا توجه إلى مثله يبادر، حتى لا يلزم الإخلال بالغرض. والإشكال في الوجوب التخييري، مندفع بما مر في الواجب التخييري بتفصيل لا مزيد عليه (3). فبالجملة تحصل: أن تعيين الموضوع للوجوب الكفائي، أو أصل الحاجة إليه فيه، غير مرضي، بل المسألة تدور مدار الأدلة إثباتا. نعم لو اقتضى أحيانا دليل


1 - هداية المسترشدين: 268 / السطر 37، الفصول الغروية: 107 / السطر 11، نهاية الدراية 2: 277، نهاية الاصول: 228. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 27. 3 - تقدم في الصفحة 6 - 17. (*)

[ 43 ]

بعض الصور الممتنعة، فلابد من الأخذ بما هو الأقرب إليه. فما ترى في كتب القوم، من ذهاب بعض إلى أن الموضوع " أحد المكلفين " أو أنه طبيعي المكلف، أو كذا وكذا، فهو نزاع باطل، لإمكان الالتزام بالكل ثبوتا، فلابد من المراجعة إلى الأدلة. وأما توهم: أن الموضوع واحد معين عند الله، ويسقط الفعل بإتيان المتبرعين، فهو غير ممنوع ثبوتا، كما في قضاء الولي عن الوالد، إلا أنه معناه عدم صحة عقاب الآخرين، وهو خلف، ضرورة أن المقصود تصوير الوجوب الكفائي الملازم للآثار الخاصة، من تعدد العقاب، وسقوط التكليف بفعل واحد من المكلفين. ولعمري، إن من اعتبر أن موضوعه هو " الواحد " فإنه قد أنكر الكفائي من غير استشعار، لأنه مع كون الموضوع عنوان " الواحد " فهو من العيني، لا الكفائي كما لا يخفى، فتأمل. وإن شئت قلت: الكفائية حقيقة من خصوصيات مقام الامتثال، دون الجعل، فإن العينى والكفائي بحسب الجعل متحدان، وبحسب الامتثال مختلفان، وإذا كان مورد التكليف على نحو ينعدم موضوعه بإتيان بعض، فيسقط التكليف قهرا وطبعا، ويعد هذا كفائيا، - فتأمل (1) - نظير الإتيان بالتمام في موضع القصر، فإن التكليف متوجه بالنسبه إلى القصر واقعا، ولكن في مقام الامتثال ينتفي موضوعه بإيجاد التمام في موضعه. إعادة وإفادة قد مر في ابتداء المسألة: أن التكليف إذا كان مورده نفس الطبيعة، فهو يسقط


1 - فإنه من المحتمل أن يتم فيما إذا كان الغرض متعددا، واعتبر كفائيا، لأجل التسهيل على العباد [ منه (قدس سره) ]. (*)

[ 44 ]

عن الكل بإتيانها، لأنه مقتضى كون المكلف به نفس الطبيعة، بخلاف ما إذا كان المكلف به صدور الطبيعة من كل أحد، فإنه من العموم الاستغراقي المستتبع للوجوب العيني (1). أقول: هذا ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) (2) ونظره إلى أن متعلق الوجوب إذا كان نفس الطبيعة، فلا بد وأن يسقط التكليف عن الكل، لما أنه في إتيان واحد بها قد حصل تمام ما هو مورد الأمر، ولا يبقى الموضوع حتى يبقى سائر الأوامر الانحلالية. ويتوجه إليه من الإشكالات، ما مر حلها في إمكان توجيه التكليف العمومي الاستغراقي، مع كون المأمور به غير قابل للتكرار طولا (3). والفرق بينه وبين كون المأمور به صرف الوجود، يحصل في مسألة جواز الإتيان بالأفراد الكثيرة عرضا، فإنه على الأول يصح، وعلى الثاني لا يصح، لأن الصرف لا يقبل التكرار مطلقا. وربما يشكل تصوير كون الموضوع صرف الوجود، لأنه بحسب التكوين قابل للتكرار، وبحسب الاعتبار يكون عنوان صرف الوجود، من الطبيعة القابلة للتكرار عرضا، كسائر المفاهيم، فما هو ليس بقابل للتكرار، حقيقة خارجية تكون صرف الوجود، وأما مفهوم صرف الوجود، فهو يصدق على كل واحد من الأفراد العرضية، لأن الفرد الخارجي لا يكون صرفا واقعا، والصرفية الاعتبارية تجتمع مع كل واحد من الأفراد العرضية. اللهم إلا أن يقال: إن هذا المفهوم اريد منه إفادة هذا المعنى والمقصود، وهو


1 - تقدم في الصفحة 36 - 37. 2 - نهاية الاصول: 229 - 230. 3 - تقدم في الصفحة 40 - 42. (*)

[ 45 ]

أن يكون الشئ واجبا على الكل، وساقطا عنهم بأحد من المصاديق من غير اصطحابه بغيره عرضا، مقابل الطبيعي، فليتأمل جيدا. إن قلت: جميع العمومات الواردة تكون متعلقة بالطبائع، من غير دال فيها على تكثير الطبيعة بحسب صدورها من كل واحد، فيلزم كون الأصل عند الإطلاق كفائيا (1)، مع أن المعروف عنهم أن الأصل عند الإطلاق هو العيني (2). قلت: إن الأمر كذلك، إلا أن توجيه الخطاب إلى المكلف يقتضي صدوره منه. وبعبارة اخرى: الفرق بين العيني والكفائي - بحسب الثبوت - في كيفية لحاظ المتعلق، وبحسب الإثبات عند الإطلاق ا حدى الكيفيتين، وهو العيني، لا الكفائي. فذلكة الكلام إن ما تعارف بين المتأخرين من الخلاف في موضوع الوجوب الكفائي (3)، غير موافق للتحصيل، لأن كثيرا من المتصورات يمكن كونها موضوعا له. كما قد مضى إمكان إنكار الموضوع للكفائي (4). ولكن لابد من مراجعة الأدلة، وما يساعده ظواهرها، ولعل ما نسب إلى المشهور: من إيجابه على الكل استغراقا (5)، أقرب إلى الظواهر، لأن بناء الشهرة على الأخذ بظواهر الأدلة، من غير الغور والإمعان في هذه الدقائق الرائجة بين المتأخرين، والله ولي الحمد والتوفيق.


1 - نهاية الاصول: 230. 2 - كفاية الاصول: 99، نهاية الأفكار 1: 209، مناهج الوصول 1: 282. 3 - أجود التقريرات 1: 187 - 188، نهاية الدراية 2: 277 - 280، نهاية الاصول: 228 - 229، محاضرات في اصول الفقه 4: 52 - 55. 4 - تقدم في الصفحة 36 - 38. 5 - تقدم في الصفحة 40 - 42. (*)

[ 46 ]

نعم، إيجابه على الكل استغراقا مع تعدد الغرض، وسقوط التكليف بإتيان البعض تسهيلا على العباد، أوضح من سائر المحتملات التي مضت في الأمر الثاني. وغير خفي: أن ثمرة الاختلاف في كيفية الوجوب الكفائي، تظهر في مسألة دوران الأمر بين العينية والكفائية، حسب جريان الاصول العملية. ومما ذكرناه في الواجب التخييري (1) يظهر الأمر هنا، ويأتي تفصيله في مباحث البراءة والاشتغال إن شاء الله تعالى (2). تذنيب: في إمكان صيرورة العيني كفائيا هل يمكن أن يصير الواجب العيني كفائيا، أم لا ؟ وجهان: من أن العيني هو أن يكون المطلوب صدور الطبيعة من كل واحد، فيكون الغرض متعددا. ومن ا مكان كون الكفائي في مرحلة الجعل، متعددا غرض المولى فيه، ولكن يكون بحيث إذا أتى به واحد ينتفي الموضوع، كما في موردين: أحدهما: إذا وجد جماعة محدثون، ماء لا يكفي إلا لبعض منهم. ثانيهما: إذا وجدوا وهم على تيمم، ماء لا يكفي إلا لبعض منهم. فإنه في هاتين الصورتين، يكون التكليف على نعت العموم الاستغراقي، ولكن يسقط بفعل بعضهم، لانتفاء الموضوع خارجا، أي متعلق المتعلق، كما في الواجبات الكفائية. وبعبارة اخرى: إن قلنا بأن لا اختلاف بينهما في مرحلة الجعل والثبوت، فلا منع من الانقلاب بحسب مقام الامتثال، للتزاحم المنتهي إلى انتفاء الموضوع.


1 - تقدم في الصفحة 30 - 32. 2 - يأتي في الجزء السابع: 266 وما بعدها. (*)

[ 47 ]

وإن كان بينهما الاختلاف في مرحلة الجعل - سواء كان في ناحية الموضوع، أو في ناحية المتعلق، أو في الناحيتين - فلا يعقل الانقلاب إلا بدليل خارجي شرعي، وهو ليس من انقلاب العيني كفائيا، بل هو كاشف عن جعل آخر كفائي في مورده، ضرورة أن المجعولات الشرعية، لا تتبدل حسب الاختلافات في مقام الامتثال، على ما تحرر وتقرر (1)، فكما أن الواجب المشروط لا يصير مطلقا إلا فيما كان الشرط واسطة في الثبوت، وكذا النفسي لا يصير غيريا، كذلك الأمر في سائر الواجبات المختلفة جعلا وإنشاء، كالتعييني، والتخييري، والمضيق والموسع. ومن هنا يظهر: أن ما سلكه القوم هنا من ذكر بعض الفروع (2)، لا يخلو من غرابة، ضرورة أن هاهنا مقام المسائل الاصولية الكلية، دون الفروع الفقهية الجزئية، فإن لها مقاما آخر. وغير خفي: أن القائلين بالترتب، التزموا بأن الوجوب في المتساويين المتزاحمين تخييري شرعا، وهذا غير صحيح على ما سلكناه: من كون الخطابات قانونية، فإن التخيير عقلي، والوجوب التعييني باق على حاله، وهذا في نفسه من الشواهد على كذب الترتب، كما أشرنا إليه في أوائل المسألة، فليتدبر جيدا. وهم ودفع: حول إتيان جماعة للواجب الكفائي عرضا لو تكفل جماعة عرضا لأداء الواجب الكفائي، كالصلاة على الميت، فهل لا يسقط، أو يسقط ؟ وعلى الثاني: يكون كل واحد مسقطا، أو أحدها اللابعينه، أو أحدها المعين ؟


1 - تقدم في الجزء الثالث: 91. 2 - أجود التقريرات 1: 189، منتهى الاصول 1: 228 - 229، محاضرات في اصول الفقه 4: 57 - 58. (*)

[ 48 ]

وفي الكل محذور. وهكذا إذا كان يعد المجموع مصداقا واحدا، أو يكون المسقط فردا منتشرا. أقول: جواز ذلك مبني على كون الموضوع والمتعلق، قابلين للتكرار عرضا، فلا يجوز إذا كانا صرف وجود المكلف، أو صرف الطبيعة، على ما عرفت من تقريبه (1)، فإذا جاز ذلك فلا بأس بتعدد الأمر، لتعدد المصداق، فيكون كل واحد واجبا ومسقطا لأمره، ويكون كفائيا بالنسبة إلى الأفراد الطولية، فتأمل. نعم، جعل الموضوع عنوان " الواحد " الانتزاعي الطبيعي القابل للصدق على الكثير (2) مشكل، لما مضى: من أن الموضوع هو " المكلف " وهذا العنوان الانتزاعي غير قابل لأن يكون مورد التكليف والعقاب (3). ومع رجوعه إلى الخارج يعد من الفرد المنتشر، وهو غير معقول كما تقرر في محله (4). ومع إرجاعه إلى الواجب التخييري يلزم الخلف، وهو كون الواحد الانتزاعي مورد التكليف، فتأمل جيدا. وغير خفي: أن ما في " الكفاية " من: " استحقاقهم للمثوبة، كما هو قضية توارد العلل المتعددة على معلول واحد " (5) انتهى، غير صحيح، لأن كل واحد يستحق تمام الثواب والجعل لو كان استحقاق وجعل، والقاعدة المذكورة توجب الشركة في الجعل الواحد، كما إذا كان ما أتوا به من قبيل غسل الميت ودفنه وتكفينه. ويمكن دعوى عدم استحقاقهم كلا كما لا يخفى، والأمر سهل. وبالجملة: هنا أسئلة:


1 - تقدم في الجزء الأول: 331 - 332. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 55 - 56. 3 - تقدم في الصفحة 41. 4 - لاحظ البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 3: 285. 5 - كفاية الاصول: 177. (*)

[ 49 ]

أحدها: هل يجوز أن يتصدى جماعة لامتثال الواجب الكفائي، أم لا ؟ والجواب: أن المفروغ عنه جوازه (1)، لأن الواجب ليس عنوان صرف الوجود بلحاظ نفي التكرر والكثرة العرضية والطولية، لما أن معنى " صرف الشي " أنه لا يتكرر لا طولا، ولا عرضا، وهذا المعنى هو المرعي في هذه المواقف. وغير خفي: أن تصدي جماعة للدفن والكفن، ليس من صغريات هذه المسألة، لعدم تكرر الأمر بتعدد الأفراد، كما هو الظاهر، بل هو من قبيل رفع الحجر بتوسط جماعة، فإنه من قبيل توارد العلل على معلول واحد عرفا، لا عقلا. ثانيها: بعد الفراغ عن الجواز، فما هو المطلوب في الكفائي حتى يمكن التكرار عرضا، ولا يمكن طولا ؟ ضرورة أنه مع وحدة الغرض فلا يعقل، ومع تعدده فلا يكون من الكفائي. وإن شئت قلت: إن كان الموضوع أو المتعلق الطبيعي أو الطبيعة، فهو كما يتكرر عرضا، يتكررطولا، ولا يكفي ذلك لاعتبا رسقوط الأمر بالنسبة إلى الأفراد الطولية، ولكثرة الأمر بالنسبة إلى الأفراد العرضية، فكيف يعقل أن يوصف كل فرد من أفراد صلاة الميت العرضية بالوجوب، ولا يبقى الوجوب بالنسبة إلى الأفراد الطولية ؟ ! فلو كانت صلاة الميت كدفنه في اجتماع الناس على إتيانها بمصداق واحد فهو، وأما مع تكرر المصداق المستلزم لكون الغرض متعددا والأمر متعددا - لأن هذا هو قضية تكرر الامتثال - فكيف يعقل ؟ ! وما قيل جوابا: بأن الطبيعة إذا كانت من حيث هي هي مطلوبة، فإن أتى بها واحد فقد امتثل الأمر، وإن أتى بها جماعة عرضا فقد أتوا أيضا بنفس الطبيعة، كما


1 - كفاية الاصول: 177، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 236، نهاية الأفكار 1: 395، نهاية الاصول: 230. (*)

[ 50 ]

عن العلامة الاستاذ البروجردي (قدس سره) (1) فهو غير واف، لأنه مع تعدد الصلاة خارجا، وتعدد الاتصاف بالوجوب، لابد من تعدد الأمر، وتعدد الغرض، وهذا على خلاف طبع الكفائي، فهل إلى حل هذه المعضلة من سبيل ؟ أقول: لعمري، إن هذه المعضلة لا تنحل إلا على ما أشرنا إليه في مطاوي بحوثنا السابقة: وهو أن العيني والكفائي ربما لا يختلفان في مرحلة الجعل والطلب وتعدد الغرض، ويختلفان في أنه للمولى في العيني لا يكون غرض وراء تلك الأغراض الملزمة في العيني، ولكن في الكفائي يكون له الغرض الآخر، وهو تسهيل الأمر أحيانا، أو ملاحظة الجهة الاخرى، فعند ذلك - بدليل منفصل - يؤدي ذلك الغرض، وتصير النتيجة الكفائية (2). مثلا: يأمر كل واحد بالصلاة على الميت، أو بالطواف حول البيت، وإذا قام جماعة بذلك الواجب، يجد أنه حكم ربما ينتهي إلى الصعوبة المنتفية في أصل الديانة الإسلامية، فيرتضي بترك الآخرين بعد إتيان الأولين. وهذا معنى سقوط التكليف، وإلا ففي الواقع ونفس الأمر لا يكون التكليف ثابتا، حتى يلزم المحذور العقلي بالنسبة إلى ناحية المولى الحقيقي. وبالجملة: في مرحلة الجعل والإنشاء قبل قيام الناس بالوظيفة، يكون الكل مورد الأمر، وتكون الطبيعة مورد الإيجاب، ولكن بعد قيامهم بها يسقط عن الآخرين. وهذا معناه أن الدليل المنفصل قام على أنه إذا أتى بها واحد أو جماعة، يسقط عن الآخرين طولا، فافهم واغتنم. ثالثها: بعد الفراغ من هذا وذاك فلا إشكال في تعدد الثواب بالنسبة إلى الفرض الثاني، وإنما الإشكال في الفرض الأول، وأنه - حسب التحقيق - لا يستحقق


1 - نهاية الاصول: 230 - 231. 2 - تقدم في الصفحة 42 وما بعدها. (*)

[ 51 ]

أحد منهم شيئا إذا كان الثواب مجعولا لمن تكفل الدفن مثلا، فإنه لا يصدق إلا على المجموع، ولا يستند الفعل إلى واحد، والمجموع القائم به ليس مورد الأمر اعتبارا، حتى يستحق ذلك الواحد الاعتباري شيئا، بل ولا يعقل الأمر بالنسبة إلى تلك الوحدة وإن كان فعلهم وافيا بالغرض، ومسقطا للأمر، ولكنه لا يستلزم الاستحقاق عقلا لو كان يستحق أحد على مولاه شيئا، فهنا لا استحقاق رأسا، والالتزام بذلك مشكل جدا. والجواب: أن مقتضى ما تحرر في كيفية اعتبار الطبيعة والأجزاء، هو أن الأجزاء فانية فيها، ولا تلاحظ بحيالها، وإذا لوحظ كل جزء بحيال الكل، فيصح نفي الكل واسم الطبيعة عنه، وإذا لوحظت الطبيعة بمجموع الأجزاء، تصدق الطبيعة على كل مرتبة وجزء حال الفناء فيها (1). مثلا: يصح سلب الصلاة عن الركوع، فيقال: " الركوع ليس صلاة " ويصح حمل الصلاة على الركوع الفاني في الطبيعة، فإن المصلي في جميع الحالات مشغول بالصلاة، مع أنه لا يكون مشغولا إلا ببعض الأجزاء المندرجة. إذا تبين لك هذه الحقيقة الراقية إجمالا، يتبين ويتضح لك هنا: أن المعلول مع وحدته يستند إلى المجموع، وفي هذا الاستناد يكون مستندا إلى الكل والأجزاء، فالدفن مستند إلى الجزء الفاني في الكل، دون الجزء بحيال الكل، وهذا المقدار من الاستناد يصحح الاستحقاق، فليتأمل. ومن الممكن أن يكون الثواب الواحد جعالة على دفن الميت، لا على من يدفنه، فإذا دفن الميت فلابد عقلا من إعطاء الاجرة على الدفن بالضرورة، فلا يعتبر الموضوع، كما مر في اعتبار الثواب، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 13 - 14، 18 - 22. (*)

[ 52 ]

النحو الثالث في العيني المباشري وغير المباشري اعلم: أنا إذا راجعنا كيفية جعل وجوب القضاء عن الولي على الولد الأكبر في العبادات، وإلى كيفية جعل وجوب أداء الدين على المديون، نجد أن هنا نحوا آخر من الواجب ليس بعيني ولا كفائي، ضرورة أن العيني ما يكون مطلوبا من كل أحد مباشرة، ويستحق كل واحد عند الترك العقاب، والكفائي لا يكون مطلوبا من فرد خاص، ويستحق الكل عند الترك العقاب، وقضاء الولد عن والده ليس منهما بالضرورة، فإنه مطلوب من شخص خاص، ولا يجب عليه أن يباشره، ولا يسبب إليه أحدا، بل يسقط أمره بإتيان المتبرع، وهكذا في الدين وسائر الكفارات الشرعية. فإن فسر " العيني " بالأعم فهو، ولكنه تفسير بما لا يساعده الاعتبار. فعلى هذا، ينقسم الواجب إلى العيني المباشري، وإلى ما لا تجب مباشرته، ويسقط بفعل الغير، من غير استحقاق الكل للعقاب عند الترك، بل يستحق الولي فقط، والمديون وهكذا. وربما يشكل الأمر في هذه الواجبات غير المباشرية: بأنه إن اريد إيجاب الطبيعة من غير إضافة الصدور إلى الموضوع والمكلف، فهو غير معقول، لأن الطبيعة لا يعقل أن تصير واجبة، بل الواجب معنى حدثي، لأنه هو الذي يمكن أن يتعلق به الأمر والنهي، ولا نبالي بأن يتعلق الأمر بالطبيعة باعتبار صدورها منه، وأما تعلقه بها مع قطع النظر عن هذا المعنى الحدثي، فهو غير معقول.

[ 53 ]

ولو صح ذلك لصح مع لحاظ عدم صدوره منه، مع أنه لا معنى له. ورجوعه إلى اعتبار التسبيب، مما لا بأس به، إلا أن ما هو سبب هذا الاعتبار أيضا معنى حدثي، وهو التسبيب الذي هو فعل مباشري للمكلف، وفيما نحن فيه لا يعتبر التسبيب أيضا، كما عرفت. وإن اريد الصدور أو التسبيب فهو صحيح، ولكنه ليس فيما نحن فيه كذلك، لسقوط الواجب بفعل المتبرع. وبالجملة: كيف يعتبر هذا النحو من التكليف ؟ وينحل هذا الإعضال: بأن هناك داعيا يقتضي ذلك، وبلحاظه يصح هذا النحو من الاعتبار، وهو أن المولى يجد لزوم فراغ الذمة، ويجد أنه لا معنى لاستحقاق الكل للعقاب عند التخلف عنه، ويجد أنه إذا حصل بأي سبب فهو يفي بمطلوبه ومرامه، فلابد وأن يوجه التكليف إلى شخص خاص، بداعي استحقاقه العقاب عند الترك، وأن لا ثواب له عندما يتكفله الآخرون، كما في الكفائي. فلا يعتبر في إيجاب شئ على المكلف، الالتزام بصدوره منه مباشرة، بل النظر إلى إفادة أنه عند ترك الكل، يستحق العقاب والعتاب، فلاحظ وتدبر جيدا. وبعبارة اخرى: هذا التقسيم من عوارض الوجوب العيني، والعينية ليست متقومة بلزوم صدور الفعل من المكلف، بل تتقوم بكونه المسؤول عند الإخلال به، دون الآخرين.

[ 54 ]

النحو الرابع في الموسع والمضيق اعلم: أن هذه التقاسيم ترد على الوجوب باعتبارات مختلفة: فتارة: ينقسم باعتبار إطلاق الهيئة واشتراطها. واخرى: ينقسم باعتبار المتعلق. وثالثة: ينقسم باعتبار فعلية الوجوب والواجب واستقباليته... وهكذا. وهنا تقسيم آخر باعتبار الزمان، وكيفية مداخلته في الحكم، ومدخليته في الأغراض والمقاصد. إذا تبين ذلك فاعلم: أن جميع الواجبات لما أنها تقع في افق الزمان وعمود الدهر، تكون من الزمانيات، كسائر الأشياء، ولكن يختلف بعض منها عن بعض في دخالة الزمان في ملاكها، وعدم الدخالة، وعلى الأول يختلف في كيفية الدخالة. فما لا مدخلية للزمان في ملاكه، فهو خارج عن هذا التقسيم. وإن شئت قلت: التقسيم ذو أطراف ثلاثة، وبذلك يستوعب جميع الواجبات الشرعية. وبالجملة: ما هو داخل فيه طائفة خاصة، وهي بين ما يكون للزمان المطلق مدخلية في ملاكه، وبين ما يكون للزمان الخاص. وعلى الثاني فتارة: يكون الزمان الدخيل أوسع من الواجب. واخرى: لا يكون أوسع منه.

[ 55 ]

وعلى الأول فتارة: يكون أوسع بحيث يمكن التخيير عقلا أو شرعا بين أفراده، كما في الصلوات اليومية. واخرى: لا يكون كذلك، بل يكون أوسع منه، بحيث تكون التوسعة بحسب الابتداء والشروع، ولا يسع الوقت للفردين أو الأكثر. وعلى الثاني: إما يكون الواجب منطبقا عليه، فيعد " مضيقا " اصطلاحا، كصيام الواجب المعين. أو يكون الواجب أوسع وجودا من الوقت، ولا مثال له في الشرع، كما لامثال للفرض الأول أيضا. إشكالات الواجب الموقت وأجوبتها وإذا تحصلت هذه الفروض والصور، وتبين أن للموسع فروضا ثلاثة، وللمضيق فرضين، فربما يشكل الأمر من النواحي المختلفة في الواجب الموقت، موسعا كان أو مضيقا. الناحية الاولى: إذا كان لمطلق الزمان مدخلية في الملاك، فلا معنى لا عتباره في الواجب، لما لا يمكن التخلف عنه، ولا يكون الأمر داعيا نحوه. هذا ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1). وفيه أولا: نقضا بأن الدعوة إلى القيود الموجودة غالبا ونوعا، أيضا غير صحيحة، كالستر في الطواف، ولا سيما مع كونه واجبا نفسيا.


1 - مناهج الوصول 2: 97، تهذيب الاصول 1: 368. (*)

[ 56 ]

وثانيا: أنه في العبادات يعتبر عند الأكثر، قصد القيود المأخوذة في الأمر، فلابد من اعتباره في الواجب ولو كان ممتنعا انفكاكها عن الطبيعة (1). الناحية الثانية: لا معنى للواجب الموسع، ضرورة أن " الواجب " معناه ما لا يجوز تركه، فما هو الواجب هو المصداق الأخير المضيق، وأما المصاديق المتوسطة فليست بواجبات شرعية، لما أن المولى رخص في تركها. نعم هي مستحبات يسقط بها الواجب (2). أقول: ما هو المأمور به هي الطبيعة الجامعة للأفراد الطولية والعرضية، وهي الطبيعة المتقيدة بالحدين، وبكونها بينهما، كما في الحركة التوسطية، فيكون التخيير عقليا. واعتبار اتصاف المأتي به بالوجوب، باعتبار انطباق الواجب عليه طبعا، وترخيص الشرع في تركها لازم جعل الموقت موسعا، ولا برهان على لزوم كون الوجوب مضيقا بهذا المعنى، بل يكفي لاعتباره عدم جواز ترك الطبيعة بين الحدين. نعم، بناء على القول بانحلال الخطاب حسب أجزاء الزمان (3) - كما قالوا بانحلاله حسب الأفراد والحالات - (4) يكون التخيير شرعيا، ويرجع الواجب الموسع إلى الواجبات المضيقة التخييرية، وليست تعيينية، فتدبر. وغير خفي: أنه لا برهان على امتناع اعتبار التخيير شرعا على النحو المزبور


1 - الدروس الشرعية 1: 166، مسالك الأفهام 1: 196 - 197، مستند الشيعة 5: 11 - 14، مستمسك العروة الوثقى 6: 10 - 11، مهذب الأحكام 6: 123 - 124. 2 - لاحظ معالم الدين: 75. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 341، نهاية الاصول: 234 - 235، مصباح الاصول 3: 37. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 394 - 395. (*)

[ 57 ]

لو اقتضى الدليل ذلك، فيكون المدار على مرحلة الإثبات، فما يستظهر من كلماتهم (1) غير واقع في محله. وأيضا غير خفي: أن التخيير يتصور على نحوين: الأول: أن يلاحظ لكل أربع ركعات زمان، فيكون مخيرا بين الزمان الأول والثاني وهكذا. والثاني: أن يكون مخيرا بحسب زمان الشروع والابتداء بها. وكون هذا من التخيير الشرعي محل إشكال. وعلى الفرض الأول، لابد وأن يمضي مقدار أربع ركعات حتى يجوز له الشروع في المصداق الثاني، كما هو الواضح. الناحية الثالثة: كل قيد يعتبر في الواجب، لابد وأن يكون مورد الاختيار والإرادة، حتى يتمكن المكلف من إيجاده، والضرورة قاضية بأن قيد الزمان ليس مورد اختيار العبد. وبعبارة اخرى: لا معنى لكون الواجب هي الصلاة المتقيدة بالزمان، للزوم إيجادها مع قيدها في الزمان، مع أنه غير ممكن، وما هو الممكن إيجاد الطبيعة في الزمان، فالقضية حينية لا تقييدية، ولا يكون قيد الزمان في الواجبات الموقتة - موسعة كانت، أو مضيقة - تحت دائرة الأمر، حتى يجب قصده، ويعتبر التوجه إليه، بل لا يضر الرياء بالنسبة إلى تلك الخصوصية. نعم، لابد من إيجاد الطبيعة في هذا الحين، كما إذا كان الواجب إيجاد الصلاة


1 - كفاية الاصول: 177 - 178، الحاشية على كفاية الاصول، البروجردي 1: 331 - 332، نهاية الاصول 1: 234 - 235، مناهج الوصول 2: 98. (*)

[ 58 ]

حين كون الحمار ناهقا. فبالجملة: من صلى بين الزوال والغروب، صحت صلاته ولو كان غافلا عن اعتبار تلك القضية الحينية. نعم، على القول بأن القضية تقييدية، لابد من الالتفات إليها، كسائر القيود المعتبرة في المأمور به. أقول: يتوجه إليه نقضا: أن المكان مثله، فلابد من الالتزام به، ولعله يلتزم بذلك أيضا. وحلا: أن ما هو المعتبر إمكان إيجاد الطبيعة بقيودها، ولا يعتبر كون القيد مورد القدرة استقلالا، كما ربما كان يستظهر من بعض كلمات العلامة النائيني (رحمه الله) في بحوثه المختلفة (1)، غفلة عن الحال، وذهولا عن الإشكال. وبالجملة: الطبيعة المتقيدة مورد القدرة بالضرورة، وهو كاف لاعتبار البعث نحوها. هذا مع أنه في هذه الأعصار تبين إمكانه، كما هو الظاهر. وهنا دقيقة: وهي أنه في الامور الاعتبارية، لا معنى للقضايا الحينية بواقعها، لأن القضية الحينية تعتبر في مورد لا يكون للحين مدخلية في الملاك والحكم، كالحكم على الإنسان ب‍ " أنه ناطق حين كون الحمار ناهقا ". وأما إذا كان للحين مدخلية، فتخرج القضية عن الحينية، وتصير تقييدية، فإذا قيل: " أكرم زيدا وقت الزوال " أو " حين مجئ الزوال " فهو حقيقة معناه وجوب إيجاد الإكرام المقارن مع المجئ والزوال، وإلا لو كان غير دخيل في الملاك، يجوز التأخير والتقديم عن ذلك الحين. نعم، إن كانت المقارنة فعلية يكون الوجوب منجزا، وإلا فهو معلق، فتأمل جيدا.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 183 - 191. (*)

[ 59 ]

ولا يخفى: أن بعضا من هذه الشبهات، يتوجه إلى تقسيم الواجب بحسب المكان، ومنه يعلم صحة إمكان هذا التقسيم أيضا، فإن الواجب بين ما يكون موسعا مكانا كالصلوات اليومية، وما كان مضيقا مكانا كصلاة الطواف، فتأمل. الناحية الرابعة: إذا لم يكن الوجوب المعلق جائزا عقلا، فكيف يعقل الواجب المضيق ؟ ! ضرورة أن إيجاب الصوم قبل الفجر غير ممكن، وإيجابه أول الفجر يستلزم كون الانبعاث متأخرا عنه، فلا يكون الواجب مضيقا بحسب الوقت (1). وفيه: أنه لو اعتبر تأخر الانبعاث عن الإيجاب والبعث زمانا، فيلزم صحة الوجوب المعلق، ومع الإقرار به يصح الواجب المضيق، لإمكان إيجابه قبل الفجر. ولأن المراد من " الواجب المضيق " هو انطباق الواجب على الوقت المضروب له وإن كان زمان الوجوب أوسع. ولو كفى تأخره رتبة فيلزم أيضا جواز الواجب المضيق، كما هو الظاهر. تنبيهات أحدها: في صيرورة الموسع مضيقا بعد اتضاح الواجب الموسع، فهل يصير هو مضيقا شرعا، أم لا ؟ وجهان: من أن الأمر الداعي نحو الطبيعة بين الحدين، كان ملازما في الأوساط مع ترخيص الترك في خصوص الوقت المتوسط، وإذا ضاق الوقت فلا يعقل أن يرخص


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 236، أجود التقريرات 1: 190. (*)

[ 60 ]

في الترك، فيكون مضيقا شرعا. ومن أن ما هو لازم التوقيت بين الحدين، هو عدم جواز التأخير عن الوقت المضروب له، وهو أمر مشترك بين جميع الأفراد، أي الأفراد الواقعة في أثناء الوقت، والفرد الواقع آخر الوقت، وأما جواز الترك في أول الوقت وفي الأثناء، فهو ليس من لوازم الدلالة اللفظية، بل هو من خواص الواجب الموسع عقلا وطبعا، ولا ينبغي الخلط حتى يتوهم الانقلاب المزبور. وقد مر امتناع انقلاب القانون حسب الطوارئ والعوارض الخارجية الخارجة عن مقام الجعل والتقنين، وتكون مربوطة بمقام الامتثال (1). وتظهر الثمرة في لزوم قصد الخصوصية إذا صار مضيقا شرعا، وفي بطلان العبادة الاخرى في ذلك الوقت. والإشكال في الثمرة على بعض المسالك، لا يقدح في صحة الاستثمار، فلا تخلط. ثانيها: في عدم توقف إيجاب الموسع على قدرة العبد هل يعتبر في إيجاب الواجب الموسع، قدرة العبد في جميع الآنات ؟ أم لا تعتبر أصلا القدرة ؟ أم تكفي حال الامتثال، ويصح التكليف في جميع الوقت ولو كان العبد عاجزا إلا في بعض منه ؟ أم تكفي القدرة حال التكليف وحال الامتثال، ولا يضر العجز المتوسط بين الحالين ؟ أم العجز المتقدم على القدرة حال الامتثال لا يضر، والعجز المتأخر يضر، فلو


1 - تقدم في الصفحة 47. (*)

[ 61 ]

كان المكلف عاجزا في أول الوقت إلى الأثناء، وقادرا في ساعة من الأثناء، ثم يصير عاجزا إلى آخر الوقت، فيصح التكليف إلى حال القدرة على الامتثال، وأما بعد العجز الثاني فلا يعقل التكليف. وجوه وأقوال: فعن المشهور: اعتبار القدرة حال التكليف وحال الامتثال. ونظرهم إلى اعتبار استمرارها في بقاء التكليف، ويكون العجز المتخلل مضرا به، وهو مختار بعض السادة من أساتيذنا (قدس سره) (1). وعن بعض آخر: كفاية القدرة حال الامتثال (2)، لأن المكلف - بالكسر - إذا كان يرى ذلك يتمكن من ترشيح الإرادة، وتوجيه الخطاب بالنسبة إليه، ولا يعتبر أزيد منه كما هو الظاهر. والذي عرفت منا تبعا للوالد المحقق - مد ظله (3) -: هو إمكان إسقاط شرطية القدرة مطلقا (4). وبعبارة اخرى يفصل بين الخطابات الشخصية، والقانونية: ففي الاولى: تكفي القدرة حال الامتثال لفعلية التكليف قبله، ولكنها تسقط عن الفعلية بعد العجز الثاني. وفي الثانية: لا تعتبر القدرة، على الوجه المحرر في محله تفصيله بما لا مزيد عليه (5).


1 - لم نجزم بمراده (قدس سره) من " بعض السادة "، ولم نعثر عليه في مظانها. 2 - نهاية الأفكار 1: 310، نهاية الاصول: 176، محاضرات في اصول الفقه 4: 188. 3 - مناهج الوصول 2: 26. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 448 - 456. 5 - نفس المصدر. (*)

[ 62 ]

ثالثها: في أن التخيير في الموسع عقلي قد عرفت في طي البحث: أن التخيير عقلي في الواجبات الموسعة، وأن التخيير العقلي يتصور على نحوين، وأن قضية انحلال الخطاب حسب أجزاء الزمان - لأنه حال للمكلف، كسائر حالاته من العلم، والقدرة، والعجز، والجهل - هو التخيير الشرعي. وقيل: إن في المسألة تفصيلا، ولا يبعد كون الأمر في مثل " صل بين الحدين " ناظرا إلى خصوصيات الأفراد ومكثرا، فيكون التخيير شرعيا (1)، فتأمل. رابعها: في أن القضاء بالأمر الأول أو الجديد قد اشتهر بين أبناء التحقيق، تذييل هذه المسألة بمسألة " أن القضاء هل هو بالأمر الأول وتابع للأداء، أم القضاء بالأمر الجديد والأمر الآخر ؟ " وأنت خبير: بأنها ليست مسألة اصولية كلية. وما هو الأولى بالبحث: هو أنه مع الإخلال ببعض قيود الواجب - زمانا كان، أو زمانيا - فهل يبقى الوجوب، أم لا ؟ وقد تعرضوا لهذه المسألة في مباحث الاشتغال تحت عنوان آخر، وهو " أن مقتضى أدلة الأجزاء والشرائط، هل هو الركنية، فيكون لازمها أصالة الركنية، أم لا ؟ " (2) بعد الفراغ عن إطلاقها. فبالجملة تحصل: أن هذه المسألة من صغريات تلك المسألة في بحوث


1 - كفاية الاصول: 178، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 236 - 237، أجود التقريرات 1: 191 - 192، نهاية الأفكار 1: 397 - 398. 2 - فرائد الاصول: 2: 482، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 208، نهاية الأفكار 3: 418. (*)

[ 63 ]

البراءة والاشتغال. وحيث إن اختلاف ألسنة الأدلة في كيفية أداء القيد والشرط، يورث الاختلاف في المسألة، كان ينبغي أن يحول البحث إلى الفقه، حتى يكون على ضوء مفيد، ولكن قضية التبعية لهم - رضي الله عنهم - هو الإيماء إلى هذه المسألة خصوصا، ليكون المراجع على خبر بما هو الحق. فنقول: اختلفوا في أن القضاء بالأمر الأول أو الجديد على أقوال: فالمعروف عنهم عدم الدلالة (1)، وقيل: بدلالة الأمر الأول على عدم الوجوب خارج الوقت (2). وعن بعض: دلالة الأمر الأول عند ترك المأمور به في الوقت عصيانا، وأما إذا تركه لا عن عصيان، فلا دلالة له علي القضاء خارجه. وقيل: بالتفصيل بين كون التقييد بالوقت بالمتصل، أو المنفصل، فإن كان دليل المقيد متصلا فلا دلالة للأمر الأول، وإن كان منفصلا فيدل (3). وقد فصل " الكفاية " بين ما إذا كان لدليل المنفصل إطلاق، وما إذا كان مهملا (4)، فإن كان له إطلاق فلا يدل، وإن لم يكن له إطلاق، وكان لدليل الواجب إطلاق، فدليل الواجب متبع، ويدل على بقاء الوجوب خارج الوقت، لأن الوقت المضروب له هو القدر المتيقن من التقييد حال القدرة، والوقت الخارج مورد الشك، وإطلاق دليل الواجب محكم ورافع للشبهة والشك، فلو تركها في الوقت عصيانا


1 - عدة الاصول: 82 / السطر 20، الفصول الغروية: 114 / السطر 22، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 237، نهاية الاصول: 235 - 236، مناهج الوصول 2: 99. 2 - قوانين الاصول 1: 99 / السطر 18 - 19، و 134 / السطر 20، كفاية الاصول: 178. 3 - لاحظ أجود التقريرات 1: 191، نهاية الأفكار 1: 397. 4 - كفاية الاصول: 178. (*)

[ 64 ]

مثلا، فعليه خارج الوقت إتيانها. أقول: هذه هي الوجوه والأقوال في المسألة، والذي يقتضيه النظر: هو أن محل النزاع والمقصود في المقام، هو ما إذا كان الدليل على التقييد بالوقت، كالدليل على التقييد بالطهارة والستر، فكما أنه في سائر الأجزاء والقيود والشرائط، لا تكون أدلة إلا تفيد قيدية الأجزاء والشرائط للطبيعة المأمور بها، ويكون الأمر الثاني إرشادا إلى التقييد وتضييق دائرة الطلب، كذلك دليل الوقت لا يفيد إلا تقييد الطبيعة به، ويكون في موقف اشتراطها بالوقت كاشتراطها بالطهارة. فتوهم تعدد المطلوب هنا (1) بلا وجه، كما لا تعدد للمطلوب في سائر الأجزاء الزمانية. فما يظهر من جمع من الإطالة في هذه المقالة حول وحدة المطلوب وتعدده (2)، فهو بحث آخر يشترك فيه سائر القيود والشرائط، ولا ينبغي الخلط، ضرورة أنه على تقدير تعدد المطلوب فلا منع من الإتيان بالطبيعة الفاقدة، إما مطلقا، أو في صورة العجز عن القيد، طهارة كانت، أو وقتا. إذا تبين محط الكلام في المقام، فالذي هو التحقيق: سقوط دليل الطبيعة بخروج الوقت، كسائر الأجزاء، ولا يعقل بقاء الباعثية لأمرها بعد انتفاء قيدها وشرطها، أو جزئها، لأن المفروض أن المراد بالإرادة المتعلقة بالطبيعة على نعت الجد، هي الطبيعة المتقيدة، دون الأعم. نعم، بناء على كون القيد والشرط أو الجزء، مطلوبا ثانيا في الطبيعة - وإن كانت الطبيعة متقيدة به في حال الاختيار، بحيث لا يجوز البدار إليها مع القدرة على


1 - كفاية الاصول: 178. 2 - نهاية الأفكار 1: 397 - 398، نهاية الاصول: 236 - 237، حقائق الاصول 1: 339 - 340. (*)

[ 65 ]

القيد والشرط - فربما يأتي تفصيل " الكفاية ". وربما يشكل، من أجل أن دليل الطبيعة إن كان له الإطلاق، فنتيجة الإطلاق هي مطلوبية الطبيعة فقط، وتكون الطبيعة تمام الموضوع، فعند ذلك لا يعقل كشف تعدد المطلوب، لأن دليل القيد والجزء وإن كان له الإهمال، ولكنه يورث التقييد طبعا، ويكون إثبات المطلوبية خارج الوقت بلا وجه. نعم، إذا كان مفاد إطلاق دليل الطبيعة، مطلوبيتها في كل وقت، أو كان دليل الطبيعة له العموم الأزماني، فالتقييد المزبور لا يورث سقوط دليل الطبيعة عن إثبات المطلوبية خارج الوقت. ومما ذكرناه في هذا المقام، يظهر مواقف الخلط والاشتباه في كلمات الأصحاب - رضي الله عنهم - ولو شئنا الإيماء إليها لطال الكلام، مع أنه خروج عن وضع الكتاب، والله الهادي إلى الصواب. وبالجملة تحصل: أنه في محل النزاع لا معنى لاختلافهم، لوضوح المسألة حسب العقل والعرف. وفيما فرضناه من فرض تعدد المطلوب لاقتضاء دليل الطبيعة - جمعا بينه وبين دليل القيد، فيكون التقييد مخصوصا بحال دون حال - فلا معنى أيضا للخلاف فيه، فرجع الخلاف بين الأعلام في المقام إلى عدم تحرير مصب الكلام ومحط النفي والإثبات. وغير خفي: أن من الممكن دعوى استفادة تعدد المطلوب حتى مع القيد المتصل، كما اشتهر ذلك في المندوبات (1).


1 - كفاية الاصول: 291، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 585، نهاية الاصول 1: 237. (*)

[ 66 ]

تنبيه وإيقاظ: في أن الأمر الجديد إرشاد إلى بقاء الأمر الأول اعتبارا هل الأدلة الناهضة على القضاء في مواردها (1)، تكون ظاهرة في أن القضاء واجب مستأنف آخر، أم تفيد الإرشاد إلى بقاء المطلوبية للطبيعة خارج الوقت ؟ وجهان، وتفصيله في الفقه. وإجماله: أن قضية تعدد الواجب تعدد العقاب، فيكون المكلف مؤاخذا على أمرين تأسيسيين، وهو غير موافق لفهم العرف، بل القضاء تدارك لأجل مصلحة الطبيعة، وتصير النتيجة تفويت مصلحة الوقت، ويكون نظير تفويت مصلحة المائية والإتيان بالترابية، فكان الأمر الجديد إرشادا إلى بقاء الأمر الأول اعتبارا. وغير خفي: أن الأدلة التي ذكروها للقضاء خارج الوقت من قوله: " من فاتته الفريضة أو الصلاة فليقضها كما فاتته " (2) فهو بلا أصل، ولا عهد به في كتب الأخبار والأحاديث. وأما قوله (عليه السلام): " اقض ما فات كما فات " (3) فهو لا يدل على وجوب القضاء، بل يدل على وجوب المماثلة بين المأتي به والمقضى، ولا يعقل دلالته على الأمرين: أصل وجوب القضاء، ووجوب المماثلة، حسب الأفهام العرفية، فلا تغفل. وعلى هذا، لا دليل على القضاء. نعم، يستفاد من ذلك: أن الأمر الأول المتعلق بالطبيعة المقيدة، باق على


1 - وسائل الشيعة 8: 253 و 268 كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 1 و 6. 2 - الخلاف 1: 672، المسألة 446، مختلف الشيعة 1: 28، عوالي اللئالي 2: 54 / 143، و 3: 107 / 150، مجمع الفائدة والبرهان 3: 204، مستمسك العروة الوثقى 7: 44 - 45. 3 - ورد بهذا المضمون في الكافي 3: 435 / 7، وسائل الشيعة 8: 268 كتاب الصلاة، أبواب قضاء الصلوات، الباب 6، الحديث 1. (*)

[ 67 ]

الطبيعة المطلقة، ويكون هو الداعي - في الاعتبار - نحو الطبيعة خارج الوقت، فإن كان أمرا استحبابيا فيكون القضاء مستحبا، وإن كان واجبيا فهكذا. وإن شئت قلت: يستفاد من هذه الأوامر تعدد المطلوب، وبقاء طلب المولى بالنسبة إلى الطبيعة المطلقة، ولولا ذلك لما كان يمكن استفادة ذلك بالأمر الأول. فهذا هو معنى " أن القضاء بالأمر الجديد ". وعلى هذا، لابد من قصد الأمر الأول، وامتثال ذلك الأمر خارج الوقت، ولذلك ليس القضاء من القيود النوعية، ولا يعتبر قصد القضائية أو الأدائية، على خلاف عميق في المسألة، حسب ما تحرر منا في كتاب الصلاة (1) والصوم (2). تذنيب: في بيان مقتضى الاصول العملية عند الشك في أن القضاء بالأمر الأول أو الجديد قد عرفت: أن الأدلة الاجتهادية تقصر عن إثبات الوجوب خارج الوقت، إلا في فرض ذكرناه، وذكرنا كيفية تقريبه، فلو شك في خصوص هذه المسألة، وهو أن القضاء هل هو بالأمر الأول القديم، أم بالأمر الثاني الجديد المشكوك وجوده، فهل تصل النوبة إلى البراءة عن الوجوب خارج الوقت، أم لا، بل يجري استصحاب الوجوب الشخصي أو الكلي ؟ فيه خلاف بين العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره) (3) والوالد المحقق - مد ظله - (4)، فهو (قدس سره) أنكر أولا جريانه بكلا قسميه، ثم أضاف إمكان إجرائه،


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 47 وما بعدها. 2 - تحريرات في الفقه، الصوم، الفصل الثامن، من الموقف الأول. 3 - نهاية الدراية 2: 283 - 284، الهامش 1. 4 - مناهج الوصول 2: 99 - 100، تهذيب الاصول 1: 370. (*)

[ 68 ]

بدعوى أنه بالنسبة إلى الاستصحاب الشخصي، يكون التقيد المزبور من حالات موضوع الاستصحاب، فلا تتعدد القضية المتيقنة والمشكوك فيها. وأما استصحاب الكلي، فهو من القسم الثاني من أقسام القسم الثالث، بتقريب أن شخص الحكم له تعلق بالذات بالموقت، وبالعرض بالفعل، فطبيعي الحكم له تعلق بالعرض بكل ما يتعلق به شخص الحكم ذاتا وعرضا، ولازمه تعلق الحكم الكلي بالفعل الكلي بالعرض بواسطتين، كما لا يخفى. أقول: تمام البحث في هذه المسألة يقع في جهتين: الجهة الاولى: في استصحاب الشخصي بناء على كون الواجب هو الصلاة الموقتة، فاستصحاب الوجوب الشخصي مشكل، ضرورة أن الصلاة المطلقة والمقيدة موضوعان. وما قيل: " من أن القيود على قسمين: قسم يعد من المقومات، وقسم يعد من الحالات، والوقت من الثانية، لا الاولى " (1) في غير محله، لأن هذا التفصيل يتم بالنسبة إلى الامور الخارجية. مثلا: قيدا الكلبية والملحية من المقومات، فلا يجري استصحاب نجاسة ما كان كلبا، ثم صار ملحا. وقيود العلم والجهل والفسق والعدالة من الحالات، فيصح إجراء استصحاب وجوب إكرام زيد حال العلم إلى حال الجهل وهكذا. وأما بالنسبه إلى العناوين الكلية، فجميع القيود تعد من المقومات، وعنوان الكلي المطلق مغاير مع عنوان الكلي المقيد، فلا يمكن إجراء استصحاب نجاسة الماء المتغير، لإثبات نجاسة الماء المطلق، وهكذا لا يصح إجراء استصحاب


1 - نهاية الدراية 2: 283. (*)

[ 69 ]

وجوب الصلاة المقيدة، لإثبات وجوب مطلق الصلاة خارج الوقت. والعجب، أن المحشي المزبور صرح في غير هذا الموقف: " بأن جميع العناوين في عالم العنوان متباينات " (1) ! ! بل غير خفي: أن إطلاق الصلاة خارج الوقت لا يكون محفوظا، ويكون الواجب هو الصلاة خارج الوقت، فتكون مقيدة بضد القيد في حال اليقين، فإنه في حال اليقين كان الواجب هي الصلاة المقيدة بالوقت، وفي حال الشك يكون المقصود إثبات وجوب الصلاة المقيدة بخارج الوقت، فتأمل جيدا. هذا كله بناء على كون الواجب هو الصلاة المقيدة بالوقت. وأما بناء على كون الواجب هو الصلاة من أول الزوال إلى الغروب، فيكون للإرادة أمد يشرع من أول الزوال، ويختم في أول الغروب، فإنه - بحسب اللب ومقام الثبوت - يكون الواجب مقيدا بالضرورة. وقد مضى عدم صحة القضايا الحينية في الواجبات الشرعية والقوانين العرفية (2). ولكن لا ينبغي الخلط بين مقام الثبوت واللب، وبين مقام الإثبات والإنشاء، وقد تقرر في مباحث العام والخاص (3): التزام جمع بأن العمومات بعد التخصيص، لا تصير معنونة بعناوين الخاص (4). وتظهر الثمرة في مجرى الاصول العملية والاستصحاب، والتفصيل في محله. وفيما نحن فيه أيضا يكون الأمر كذلك، فإنه تارة: يكون في ظرف الوجوب الطبيعة متقيدة.


1 - نهاية الدراية 2: 320 - 321. 2 - تقدم في الصفحة 58 - 60. 3 - يأتي في الجزء الخامس: 234 - 237، 251 - 259. 4 - كفاية الاصول: 261، مقالات الاصول 1: 445، نهاية الاصول: 328. (*)

[ 70 ]

واخرى: تكون هي بحسب مقام الإنشاء مطلقة، وتكون القضية حينية ظاهرا وإنشاء، فإنها بحسب اللب وإن كانت قضية تقييدية، ولكنها بحسب الأحكام قضية حينية، فافهم واغتنم. تنبيه: في بيان محتملات استصحاب الشخصي تارة: يكون النظر إلى إجراء استصحاب الشخصي بالنسبة إلى الموضوع الكلي، وهو أن الصلاة إذا كانت واجبة على الامة الإسلامية في أوقاتها، ثم شك في بقاء الوجوب المزبور بعد مضي الوقت عليهم، فهل يجري الاستصحاب أم لا ؟ وهذا مورد الإشكال عندنا، وقد فرغنا من عدم جريان استصحاب الأحكام الكلية الإلهية ذاتا (1)، لا لأجل المعارضة كما تخيله النراقي (2) وغيره (3). واخرى: يكون النظر إلى حال زيد والشخص المعين، ولكن قبل مضي الوقت وأنه على تقديره، فهل يبقى الوجوب أم لا ؟ فيه وجهان. والذي يظهر هو الثاني، لأنه يرجع إلى الاستصحاب التعليقي الاستقبالي، والاستصحاب الاستقبالي في الشبهة الموضوعية غير ممنوع، كاستصحاب بقاء رمضان إلى يوم كذا، مع عدم مضي رمضان بعد، وأما الاستصحاب الاستقبالي فيما نحن فيه فيرجع إلى التعليقي، لعدم إمكان الشك الفعلي في بقاء الوجوب بعد الوقت، إلا على تقدير عدم الامتثال في الوقت، وهذا التعليق من التعليق الاختراعي الممنوع جريانه فيه عندهم (4)، فتدبر.


1 - يأتي في الجزء الثامن: 534 - 535. 2 - مناهج الأحكام والاصول: 239 - 240، عوائد الأيام: 70 - 71. 3 - مصباح الاصول 3: 36 - 40. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 458، الرسائل، الإمام الخميني (قدس سره): 165 - 166، مصباح الاصول 3: 137 - 139. (*)

[ 71 ]

وثالثة: يشك بعد مضي الوقت، وهنا صورتان: إحداهما: ما إذا لم يكن في الوقت ملتفتا إلى هذه الشبهة، فإنه يمكن إجراء الاستصحاب. وثانيتهما: ما إذا كان ملتفتا إليها، فتجري البراءة بالنسبة إلى ما بعد الوقت، ولا يمكن إجراء الاستصحاب، لأن مقتضى البراءة الشرعية هو التعبد بعدم الحكم، فلا يعتبر لموضوع الاستصحاب محل. وهذا نحو من الحكومة الراجعة إلى دفع الموضوع، لا رفعه. وبالجملة: كما إذا شك في الأقل والأكثر - بعد الإتيان بالأقل - في بقاء الوجوب، يكون الاستصحاب غير نافع، لأن البراءة عن وجوب الأكثر دافعة للاستصحاب، وهذا من موارد تقدم الأصل غير المحرز على الأمارة والأصل المحرز، كذلك فيما نحن فيه إذا شك في الوجوب خارج الوقت، فقضية البراءة عدمه، وإذا مضى وشك في بقاء الوجوب المزبور فلا يجري الاستصحاب، لانتفاء شكه تعبدا واعتبارا، أي لا معنى لأن يشك في بقاء الوجوب على الطبيعة المزبورة، فليتأمل جيدا. وغير خفي: أن في الصورة الاولى من الصورتين الأخيرتين، إجراء الاستصحاب - على التقريب المزبور - ممكن، ولكن بناء على إجراء البراءة في الوقت عن الوجوب خارج الوقت، يمكن أن يقال: بأن إجراءها في الشبهات الحكمية لا يتقوم بالشك الفعلي، بل لو كان يلتفت، ويكون غير عالم بالواقع بحسب الثبوت، تجري البراءة، فتأمل. الجهة الثانية: في استصحاب الكلي بناء على كون الواجب هي الصلاة المقيدة بالوقت، فعند انتفاء الحكم الشخصي عنها، واحتمال حدوث الحكم الآخر عليها، يجري استصحاب الكلي

[ 72 ]

والقسم الثاني من الأقسام الثلاثة. ولكن هذا خلاف المقصود، لأن النظر إلى إثبات وجوب الطبيعة المطلقة، وهذا ليس من أقسام الكلي، ولأجل ذلك تصدى العلامة المحشي (قدس سره) لإثبات أن الطبيعة المقيدة إذا كانت واجبة، فيستند الحكم إلى الجزء منها - وهي المطلقة - نوع استناد، وبزوال الشخص يحتمل حدوث الحكم الآخر على الجزء منها، وهي أصل الطبيعة، وهو المطلوب. وإن شئت قلت: هو من استصحاب الكلي للوجوب الضمني، والثابت للطبيعة المطلقة حين ثبوت الوجوب الأصلي النفسي للطبيعة المقيدة (1). أقول أولا: إن الوجوب الضمني لا أساس له، كما نبهنا عليه في محله (2). وثانيا: إن الوجوب الكلي الجامع عقلي، لا خارجي وشرعي، واستصحاب مثله محل المناقشة، لأنه من قبيل استصحاب الأحكام الانتزاعية الذي أجروه في الأقل والأكثر أيضا (3). وبناء على كون الواجب هي الصلاة من أول الزوال إلى الغروب، فهو مما لا بأس به، إلا أن جريان استصحاب الكلي محل المنع، ولاسيما القسم الأول والثاني، والتفصيل يطلب من محاله (4).


1 - نهاية الدراية 2: 284. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 25 - 26. 3 - فرائد الاصول: 275، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 181 - 188. 4 - يأتي في الجزء الثامن: 454 وما بعدها. (*)

[ 73 ]

النحو الخامس في الواجب بالأصالة وبالتبع وهذا نظير صلاة الظهر والجمعة، فإن صلاة الظهر واجبة بالأصالة، ولابد من امتثال أمرها، وصلاة الجمعة أيضا مطلوب نفسي، ولكنها اعتبرت مجزية عن الظهر، وتكون مسقطة لأمر الظهر، ولذلك اشتهر الخلاف في أن الجمعة تجزي عن الظهر، أم لا ؟ (1). وليس وجوب الجمعة والظهر تخييريا، لأنه لا معنى لكون أحد الواجبين التخيريين، مجزيا عن الآخر. وتظهر الثمرة في مورد الشك، فإنه لا يمكن إجراء البراءة بالنسبة إلى المشكوك في صلاة الجمعة، لأنه يرجع إلى الشك في سقوط أمر الظهر، فتدبر، والأمر سهل. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. وقد تم الفراغ من مباحث الأوامر يوم الأحد، الثالث عشر من ربيع المولود، عام 1391 والله هو المؤيد والموفق


1 - مختلف الشيعة 2: 237 - 238، جامع المقاصد 2: 374 - 376، التنقيح في شرح العروة الوثقى الصلاة 1: 13. (*)

[ 75 ]

المقصد الثالث في النواهي والكلام فيه يقع في عدة مباحث:

[ 77 ]

المبحث الأول فيما يتعلق بمادة النهي وهيئته وضعا وإطلاقا وفيه فصول:

[ 79 ]

الفصل الأول في مادة النهي والظاهر أنها كمادة الأمر في كونها موضوعة للصيغ الناهية بما لها من المعنى، فإذا قيل: " نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ما ليس عندك " أو " عن الغرر " (1) فلا يتبادر منه إلا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال مثلا: " لاتبع ما ليس عندك " أو " لاتغر أخاك " مثلا. وإذا ورد: * (وما نهاكم عنه فانتهوا) * (2) فلايفهم منه شئ مستقل، بل ينصرف الذهن إلى النواهي الصادرة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير كونه نهيا عن شئ، وقد مر تفصيله منا بشكل واضح في الأوامر (3). نعم، ربما يكون الزجر بالفعل وبالإشارة والمنع بغير القول، فإنه أيضا داخل في حد الموضوع له، كما هو الظاهر. هذا، ومما يجب الإيماء إليه أيضا: هو أن الإنشاء الممكن بالصيغة - سواء


1 - الفقيه 4: 4 / 1 عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 357 كتاب التجارة، أبواب عقد البيع وشروطه، الباب 12، الحديث 12، و 448، أبواب آداب التجارة، الباب 4، الحديث 3. 2 - الحشر (59): 7. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 17 - 18. (*)

[ 80 ]

كان إنشاء طلب الترك، أو الكف، أو إنشاء الزجر والمنع - هو الممكن بالمادة أيضا، إلا أنه خروج عن مقتضى المادة لغة، ونوع مجاز مضى تفصيله في كيفية الإنشاء بمادة الأمر (1). ومما تجب الإشارة إليه: أن ما هو المنشأ بمادته هو المنشأ بصيغته، والذي هو صريح اللغة هو أن مادة النهي موضوعة للزجر والمنع، فإذا قال: " نهاه عن أمر كذا " أي زجره ومنعه عنه (2)، فإذا استعملت مادة " النهي " في مقام الإنشاء بنحو صدقه العقلاء والعرف - كما في مادة الأمر - فما هو المنشأ به معناها اللغوي الذي يعد الموضوع له لتلك المادة، وهذا ينفعك كثيرا في البحث الآتي الواقع بين أبناء الفضل قديما وحديثا. ومما يؤيد ذلك جدا أن قوله تعالى: * (وما نهاكم عنه فانتهوا) * (3) إذا كان معناه أي ما طلب منكم ترك الفعل، فلا يساعده المطاوعة الصحيحة، بخلاف ما إذا حمل على معناه في اللغة، أي وإذا زجركم عن شئ ومنعكم عنه فانزجروا وامتنعوا. ولعمري، إن المسألة صارت كالنار على المنار، ولاسيما أن تفسير قوله تعالى بطلب الترك منكم، تفسير على خلاف مفاده، ضرورة أن معناه لو كان الطلب فلا وجه لتعديته بكلمة " عن " كما لا يتعدى بها إذا فسرناه بكلمة الزجر والمنع، فنقول: " مازجركم عنه فانزجروا، وما منعكم عنه فامتنعوا " فتدبر جيدا. إن قلت: لا مانع من كون معنى النهي هو الزجر، وصيغة النهي معناها طلب الترك.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 18 - 19. 2 - أقرب الموارد 2: 1354. 3 - الحشر (59): 7. (*)

[ 81 ]

قلت: لو كان الأمر كما توهم يستلزم الإجمال في الآية، لأن قوله تعالى: * (ما نهاكم عنه) * معناه ما زجركم عنه، فإن كان النهي مصداق الزجر فهو، وإلا فلا يجب الانتهاء عن نهيه، لأنه بمعنى طلب الترك، فتأمل تعرف. ومما يجب التوجيه نحوه: أن مادة النهي لاتدل بالوضع على الحرمة، بل دلالتها عليها بالإطلاق، حسبما تقرر في مادة الأمر (1)، فما هو المستفاد منه أمر أعم من كون المنع على سبيل التحريم، أو على سبيل التنزيه والكراهة، فاستعمال هذه المادة في موارد التنزيه، ليس من المجاز من هذه الجهة، وإن كان مجازا في كونها في متعلقة الإنشاء، فليتدبر جيدا. ثم إن هاهنا بحثا آخر يشترك فيه صيغة النهي أيضا: وهو أن المستفاد من النهي مادة وصيغة، هل هي الحرمة بحيث يشمله الحديث المشهور: " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (2) أم الحرمة المقصودة مفاد مادتها، كقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم) * (3) فلا يكون متعلق النهي محرما ؟ وجهان يأتي تفصيلهما إن شاء الله تعالى (4). وبالجملة تحصل: اشتراك مادة النهي مع مادة الأمر في نوع هذه الخصوصيات، ومنها اعتبار العلو والاستعلاء معا، أو على سبيل منع الخلو في الإنشاء بالمادة، وقد مضى تفصيله، وذكرنا عدم اعتبارهما لا في المادة، ولا في الصيغة، ومن شاء فليراجع (5).


1 - تقدم في الجزء الثاني: 17 - 19. 2 - عوالي اللئالي 2: 110 / 301، بحار الأنوار 100: 55 / 29. 3 - المائدة (5): 3. 4 - يأتي في الصفحة 94. 5 - تقدم في الجزء الثاني: 11. (*)

[ 83 ]

الفصل الثاني في صيغة النهي وهي كصيغة الأمر فيما يتعلق بها إطلاقا، كالوجوب وغيره، وإنما الكلام فيما يتعلق بها وضعا، فإنه مورد الخلاف: فعن المشهور: أنها تدل على طلب ترك الفعل (1). وعن جماعة: هو طلب الكف (2). وعن كثير من الأفاضل المتأخرين (3) ومنهم الوالد المحقق - مد ظله - (4): أنها ليست للطلب رأسا، بل هي تدل على الزجر والمنع مصداقا، لا مفهوما، لأن معنى الصيغة معنى حرفي، ومعناهما كلي واسمي.


1 - معالم الدين: 94 / السطر 14 - 15، قوانين الاصول 1: 137 / السطر 3، الفصول الغروية: 120 / السطر 6 و 26، كفاية الاصول: 182، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 394 - 395. 2 - شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 103 / السطر 17، معالم الدين: 94 / السطر 13. 3 - نهاية النهاية 1: 208، نهاية الأفكار 1: 402، نهاية الاصول 1: 248. 4 - مناهج الوصول 2: 104، تهذيب الاصول 1: 373. (*)

[ 84 ]

وبتعبير آخر: إن معنى الزجر كلي، وقوله: " لا تفعل " مصداق الزجر والمنع، لا أن معنى " لا تفعل " هو الزجر، ف‍ " لا تفعل " قائم مقام الزجر بالفعل التكويني، فكما هو مصداق الزجر، كذلك النهي مصداق الزجر في الاعتبار والبناء لغة وعرفا. وربما يقال: إن الشارع اعتبر كون المكلف محروما من شئ، لأجل اشتماله على مفسدة ملزمة، فإذا أبرز ذلك المعنى في الخارج بمبرز كالصيغة ونحوها، يقال: " إنه زجر عنه ومنعه " فالصيغة ليست إلا للدلالة على إبراز ذلك المعنى الاعتباري النفساني، ولا تدل على الزجر والمنع المفهومي، بل هما مصداقان له (1). هذه هي الوجوه والمحتملات في المسألة، وهي كلها ممكنة ثبوتا إلا الأخير منها، فإنه أمر غير معقول، ولا يرجع إلى مفاد محصل كما حررناه مرارا، وذكرنا بعض المفاسد المترتبة عليها (2). وما يمكن أن يكون وجها لامتناع بعض هذه الوجوه امور: أحدها: ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " وهو أن الإرادة لا تتعلق بشئ إلا بعد حصول مبادئها، من التصور، والتصديق بالفائدة، والاشتياق إليه أحيانا، بل هذه المبادئ من علل حصول الإرادة ووجودها، وحينئذ فالعدم والترك من الامور الباطلة الوهمية، ولا يمكن أن يكون ذا مصلحة يتعلق بها الاشتياق والإرادة، أو البعث والتحريك. وأوضح فسادا ما ربما يقال بتعلق الطلب ببعض الأعدام وجدانا، لأن ذلك مغالطة، وحصلت من أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات، ضرورة أن الشئ قد يكون مبغوضا بفساد فيه، فينسب المحبوبية إلى عدمه " (3) انتهى.


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 86 - 88. 2 - تقدم في الجزء الأول: 127 والجزء الثاني: 80. 3 - تهذيب الاصول 1: 372. (*)

[ 85 ]

أقول: قد عرفت منا مرارا عدم جواز الخلط بين الأحكام الداخلة في محيط الوجود والحاكية عن الأعيان الخارجية وخصوصياتها، وبين المسائل الذهنية والإرادة المتعلقة بالعناوين (1). وبالجملة: العدم وترك شرب الخمر لا واقعية له، ولا أثر له، ولا حظ له من الوجود، وأما تعلق الإرادة والبعث بعنوان " الترك " الذي هو وجود ذهني لا واقعية له، فلكون المقصود من تعليق الإرادة به وجعله مورد البعث والتحريك، توجيه المكلفين إلى ما هو المقصود الأقصى، وما هو مورد المصلحة والمفسدة، وقد مر إمكان كون ترك الصلاة محرما (2). وهكذا فيما نحن فيه، يمكن كون ترك القمار واجبا ومطلوبا، ويكفي لوجوب الشئ في الاعتبار ولحرمته وتعلق البعث والإرادة في عالم الذهن بهذه الامور، هذا النحو من الموجودية، وهذا المقدار من الفائدة، فلو قام المولى، وأوجب ترك القمار، أو حرم ترك الصلاة، فلا يصح العدول عما أفاده في ظاهر مرامه إلى ما تقتضيه هذه المقالة. والعجب أنه - مد ظله - مع توغله في هذه المسائل، وقع في مثل هذا الاشتباه الواضح في كثير من المقامات، اغترارا بما في الصحف العقلية ! ! والله الهادي إلى الصواب. فبالجملة: كما إذا أمر المولى بضرب زيد، يكون الأمر متعلقا بالطبيعة، وينتقل العقل منه إلى إيجادها خارجا، لما لا ثمرة في نفس الطبيعة، كذلك ينتقل من قول المولى: " أطلب منك ترك القمار " إلى أن القمار ممنوع، ولكن لا بمعنى رجوع هذه الجملة إلى جملة اخرى، بل هي جملة واقعية، وما هو مورد الإرادة واقعا ومورد


1 - تقدم في الجزء الثاني: 70 - 71. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 26. (*)

[ 86 ]

البعث والتحريك في عالم الذهن والعنوان، هو الترك، إلا أنه من ذلك يتوجه اللبيب إلى لزوم الانزجار عن القمار، فيصل المولى إلى مرامه بذلك، وهذا كاف في إمكان توجيه الإرادة والبعث نحوه، وإن كان الفعل مورد البغض والمفسدة، فتدبر واغتنم. ثانيها: أنه في النواهي ليس إلا مادة ذهنية، والمادة لنفس الطبيعة، والهيئة للزجر عنها، فما هو الدال على العدم والترك ؟ ! وفيه: أن القائل بمقالة المشهور يدعي: أنها موضوعة في جانب الأمر لطلب الوجود، وفي جانب النهي لطلب العدم، فما قيل مصادرة، ولا يصدقها الخصم. قال في " الكفاية ": " الظاهر أن النهي بمادته وهيئته في الدلالة على الطلب مثل الأمر، غير أن متعلق الطلب في أحدهما الوجود، والآخر العدم " (1) انتهى. ثالثها: " لو كان مفاد النهي طلب ترك الطبيعة، كان متعلقه - وهو عنوان ترك الطبيعة - أمرا وحدانيا، إذ العدم غير قابل للتكثر، فإذا عصى العبد - بإيجاد الطبيعة - نهي المولى، فلا يبقى للنهي أثر بالنسبة إلى ترك الطبيعة، ولا يعقل العصيان الثاني والثالث، وهذا خلاف ضرورة كافة العقول في باب النواهي، فإنها قائمة على أن الفرد الثاني والثالث أيضا عصيان ". أقول: هذا ما أورده الاستاذ البروجردي (قدس سره) (2). وفيه: أن هذه الشبهة تتوجه إلى القول: بأن مفاد النهي هو الزجر والمنع الخارجي اعتبارا أيضا، لأنه إذا زجر المولى عن القمار، وارتكبه العبد العاصي، فإنه لا معنى لبقاء النهي بعد العصيان إلا بعد دعوى تعدد المطلوب والانحلال، ولو صحت هذه الدعوى على هذا المبنى، تصح على القول: بأن مفاد النهي هو طلب ترك الطبيعة على وجه الانحلال، فتكون الطبيعة منحلة حسب الأفراد عرفا، ويتعلق


1 - كفاية الاصول: 182. 2 - نهاية الاصول: 246. (*)

[ 87 ]

النهي المزبور بتروكها، وستأتي زيادة توضيح حول اختلاف الأمر والنهي من هذه الناحية إن شاء الله تعالى (1). رابعها: ما أفاده أيضا (قدس سره): " وهو أن مقتضى مقالة المشهور كون النهي المتعلق بالطبيعة، ذا امتثال واحد وهو ترك جميع الأفراد، وهذا أيضا مخالف لحكم العقلاء، فإن المكلف إن اقتضت شهوته في الآن الأول أن يأتي بالطبيعة المنهي عنها، ولكنه تركها في الآن الثاني لأجل نهي المولى، عد ممتثلا بالضرورة " (2). وفيه أيضا ما عرفت: من أن هذه الشبهة مشتركة الورود على جميع المسالك في النواهي، فلو كان مفاد النهي الزجر عن الطبيعة فانزجر العبد عنها، فقد امتثل، ولا معنى للزوم الانزجار ثانيا إلا بدعوى الانحلال وحكم العقلاء، وهذا أيضا يأتي على مقالة المشهور، فلاترجع هذه الامور وأشباهها إلى امتناع تلك المقالة عقلا، أو عرفا وعقلائيا. خامسها: لو كان مفاد النهي الزجر عن الطبيعة، فهو معناه الأمر بالطبيعة بإيجادها، ثم الزجر عنها، لأن الطبيعة معدومة، ولا معنى للزجر عنها، وإذا كان المراد هو الزجر عن إيجادها في الخارج وعن جعلها خارجية، فيتوجه السؤال عن الأول على الإيجاد، مع أن النهي له المادة الموضوعة لنفس الطبيعة، والهيئة الزاجرة عنها، ولا شئ وراء ذلك حتى يكون دالا عليه. وفيه ما قد عرفت في باب الأوامر: من أن الزجر عن الطبيعة حكمه العقلائي هو المنع عن الإيجاد، ولا حاجة إلى اعتبار الإيجاد (3) حتى يقال: بأن القائل بأصالة الماهية ينكر كون الإيجاد قابلا للنهي، فما هو مورد النهي معنى يجتمع مع القول


1 - يأتي في الصفحة 100. 2 - نهاية الاصول: 246. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 225 وما بعدها. (*)

[ 88 ]

بأصالة الوجود والماهية، فلا تخلط. سادسها: لو كان النهي مفاد نفس " أن لا تفعل " والترك، لكان هذا خارجا عن الاختيار، فكيف يعقل النهي عما هو خارج عن الاختيار (1) ؟ ! قلت: نعم، لا يكون العدم بما هو تحت الاختيار، ولكن إذا كان الوجود تحت الاختيار ولم يختر الوجود فيكون العدم باقيا، وهذا معنى اختيارية العدم، وإلا يلزم أن لا يكون الوجود مورد الاختيار، ولأجل هذه النكتة قيل: " الاختيار هو إن شاء فعل، وإن لم يشأ لم يفعل " (2) فإن عند عدم مشية الوجود يبقى العدم طبعا وقهرا، فتأمل جيدا. سابعها: لو كان مفاد النهي ما اختاره الأفاضل المحققون (3)، لكان في مورد الترك لا عن انزجار لا يعد المكلف ممتثلا، لأن الزجر لا يتحقق إلا بالانزجار، وهذا هو عين القول: بأنه الترك عن كف، ولعل القائل بالكف كان يريد هذا المعنى. وبالجملة: بناء على هذا، لا يعد التارك لا عن زجر المولى ممتثلا، ويلزم بناء على هذا كون جميع النواهي عبادية، وكونها حقيقة في التعبدية، لأنه معناه اللغوي وماهيته العرفية. وفيه: أن القائل بذلك يدعي أنه للزجر على سبيل الاقتضاء، وإلا لو كان للزجر على سبيل الفعلية يلزم أن لا يكون النهي نهيا في مورد العصيان. وأما حديث لزوم كونها عبادية، فهو أمر مشترك بين جميع الآراء، فإنه لو كان النهي لطلب الترك فإنه لا يعد التارك الغافل عنه ممتثلا، وهكذا التارك لأجل شهواته. والذي هو المهم: أنه في مورد الترك المطلق، لا يكون للنهي تأثير في متعلقه،


1 - شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 1: 103 / السطر 18 - 22. 2 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 177. 3 - تقدم في الصفحة 83، الهامش 3. (*)

[ 89 ]

ولا يخرج بذلك عن كونه نهيا. نعم، إذا كان المستفاد من النهي أن الشرع لا يرضى بإيجاد الطبيعة، فعند الترك ينتفي موضوعه قهرا، ولا يبقى محل للنهي عنه. ولا يعقل تفسير الأمر والنهي بما يرجع إلى صدق الامتثال في الصورتين المزبورتين، لتقوم الامتثال بالالتفات والانبعاث. نعم، يصدق أنه قد أتى بالغرض. ولو كان هذا موضوعا للثواب فلا بأس بترتبه عليه، كما لا يخفى. إن قلت: كيف لا يعقل ذلك، مع أن طلب ترك الطبيعة ليس معناه إلا أن إبقاء العدم الأزلي على حاله مطلوب المولى، وهو حاصل بالضرورة عند الترك المطلق ؟ ! فعلى هذا يصح أن يقال: إن جميع المكلفين قد أجابوا بما طلبه المولى ويستحقون مثلا الثواب المجعول عليه. قلت: ليس مفاد النهي طلب الترك على سبيل الإهمال، بل هو طلب ترك الطبيعة من المكلفين، وهذا لا يتحقق إلا مع الالتفات والترك لطلبه، فتأمل. وبالجملة: هنا سؤال، وهو أنه في ناحية الواجب يكون الأمر واضحا، ضرورة أن الثواب المجعول على الإتيان الخاص، لا يترتب على الإتيان المطلق، وأما الثواب المجعول على الإتيان المطلق، فلا بأس بترتبه عليه وإن لم يصدق الامتثال، كما مر في الأوامر (1)، وإنما البحث في ناحية النهي، وأنه هل لابد وأن يكون الترك مستندا إلى القدرة والالتفات، فلو كان الترك لعدم الابتلاء بالطبيعة، أو لعدم الالتفات، فهل يترتب عليه جعالة الثواب، أم لا ؟ وجهان. وحيث إن مسألة الثواب والعقاب من المسائل العقلية، وقد ذكرنا المسالك


1 - تقدم في الجزء الثالث: 160. (*)

[ 90 ]

المختلفة في هذه المسألة في مباحث الأمر (1)، فالتفصيل يطلب من مظانه، وإجماله مذكور في تلك المباحث (2). والنتيجة أنه مع العجز عن الإتيان، ومع الخروج عن محل الابتلاء، لا يعقل النهي إلا على مسلك سلكناه (3) تبعا للوالد المحقق - مد ظله - (4) وإذا أمكن توجيه النهي، ولكن لم يكن الترك مستندا إلى القدرة، لا يعد عند العقلاء مستحقا وإن صدق الترك، فتدبر. وبعبارة اخرى: من ثمرات الخطابات القانونية أن التكليف التحريمي، لا يكون في مورد الصوارف النفسانية وفي موارد الخروج من الابتلاء ساقطا وغير فعلي. وأما على القول بانحلال الخطاب القانوني إلى الشخصي حسب الحالات والأفراد (5)، فيلزم امتناع تصوير الحرمة للمحرمات التي تكون النفوس منصرفة عنها طبعا، أو تكون خارجة عن محل الابتلاء، فافهم واغتنم. إذا تبين لك عدم الشبهة والإشكال ثبوتا في المسألة، فإليك ما يقتضيه النظر الدقيق والذوق والتحقيق: وهو أنه قد مضى تفصيل المسألة في كتاب الأوامر (6)، وأن من الألفاظ ماهي ناشئة عن الإشارات الخارجية التي كانت متعارفة في عصر الحجر، وتكون متعارفة بين الآخرين، وكما أنها إشارات إلى معان خارجية جزئية وإيجادية، كذلك هي في الاعتبار تقوم مقامها، ويكون هيئة الأمر والنهي للإغراء


1 - تقدم في الجزء الثالث: 152 وما بعدها. 2 - كشف المراد: 407، نهاية الدراية 1: 297 - 306، نهاية الاصول: 96 - 98 و 185 - 186، محاضرات في اصول الفقه 2: 99 - 121. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 450 وما بعدها. 4 - مناهج الوصول 2: 25 - 27، تهذيب الاصول 1: 307 - 308. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 395، الهامش 1. 6 - تقدم في الجزء الثاني: 82. (*)

[ 91 ]

والتحذير المتعارف بين أرباب الكلاب المعلمات. فلا يكون من قبيل الألفاظ الموضوعة للمعاني الكلية المستعمل فيها عند الاستعمال، بل هي الآت اعتبرت قائمة مقام تلك الإشارات. ومعنى استعمالها هو إيجادها، وبالإيجاد ينتقل الناس والعالمون بالاعتبار المزبور إلى ما هو مورد الإشارة والبعث والتحريك والزجر والمنع. فالهيئة لا تكون بمعنى الطلب، ولا بمعنى الزجر والمنع، بل هي موضوعة لاعتبار أمر عقيب أمر، كاعتبار النقل والانتقال عقيب البيع، على ما قيل في تلك المسألة. وهذا هو معنى الاستعمال الإيجادي، وإلا فلا يعقل أن يكون المستعمل فيه موجودا بالاستعمال ويصدق الاستعمال. وإن شئت قلت: لا معنى لهذه الهيئات حسبما يكون لغيرها والمواد من المعاني، بل هي الآت وكيفيات اعتبرت موضوعا لاعتبار آخر وراءها، وإذا تحقق المعتبر الأول يتحقق مصداق من المعتبر الثاني، وقد مضى شطر من الكلام في مادة النهي، الذي قد أيدنا به أن النهي بالصيغة مصداق الزجر والمنع الذي هو مفهوم كلي، وهو معنى مادة النهي كما في اللغة (1). ولو كان النهي معناه طلب ترك الطبيعة، فبعدما عرفت من إمكان كون الترك مورد الطلب، كما في تروك الإحرام، والصلاة والصوم، فلابد من إنكار المحرم رأسا، ويلزم كون ترك شرب الخمر واجبا، كما أن ترك الصلاة من المحرمات زائدا على أن فعلها من الواجبات عقوبة وتعقيبا، وهذا غير موافق للتحقيق قطعا. وكون الطبيعة محرما اعتباره، غير اعتبار كون الترك واجبا، وإذا كان الترك واجبا فلا يشمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) - على ما هو المشهور -: " إن الله إذا حرم شيئا حرم


1 - تقدم في الصفحة 79. (*)

[ 92 ]

ثمنه " (1) موارد النهي بالضرورة. ومما يؤيد أن مفاد النهي ليس الطلب: أنه في مورد التحريم بمادة الحرمان والحرمة، لا يعتبر الطلب، بل اعتبار قوله تعالى: * (حرمت عليكم امهاتكم) * (2) أو * (الميتة) * (3) أن ذات هذا الشئ مورد الحرمان والمحرومية، ومعنى ذلك لزوم الابتعاد والاجتناب عنه، من غير كون تركه مطلوبا وإن صح الاعتبار المزبور والمتخيل المذكور، ولكنه خروج عن المتعارف في المسألة. فما هو مفاد الصيغة، ليس إلا اعتبار الحجز والمنع والزجر التكويني الموجود بين الناس وبعض الأشياء بالطبع والقهر، فيكون بين المكلف والمنهي ذلك الحجز والمنع، فتأمل جيدا. وتوهم: أن الصيغة لاعتبار الحمى بين المادة والمكلف، في غير محله، لأنه لازم الاعتبار المزبور كما لا يخفى. فبالجملة تحصل: أن معنى صيغة النهي، ليس كمعنى مادته من المعاني الكلية المتصورة المستعمل فيها اللفظ، ولا من قبيل معاني الأعلام الشخصية جزئية خارجية، لعدم وجود الإشارة الخارجية عند استعمال الصيغة، فالصيغة إن كان معناها كليا فهو كمادتها. وإن كان معناها حسبما يتبادر منه جزئيا، فهو ليس في الخارج ذا مصداق حتى يستعمل فيه، بل هي اقيمت مقام الإشارة في إفادة ما تفيده الإشارة الخارجية من الزجر والمنع. ولو صح الاستعمال الإيجادي بالنسبة إلى المعاني الذهنية، أو بالنسبة إلى


1 - تقدم في الصفحة 81، الهامش 2. 2 - النساء (4): 23. 3 - المائدة (5): 3. (*)

[ 93 ]

زيد - بأن يكون المستعمل فيه موجودا بالاستعمال واقعا، ويكون اللفظ استعمالا فيه أيضا، لأن حقيقة الاستعمال حسبما تقرر عندنا هو الاستيفاء من علقة الوضع وتنجيزه (1) - ولكنه لا يصح بالنسبة إلى الصيغة، فإنها لا تكون سببا لوجود الإشارة في الخارج حتى يستعمل فيها، بل هي تطلق لاعتبار الإشارة حتى ينتقل ذهن المخاطب إلى ما هو مرام المتكلم. ومما يؤيد هذه المقالة: أن قولنا: " لا تترك الصلاة " ليس مجازا، ولا فرق بين هذه الصيغة وسائر صيغ النهي، ولو كان مفادها طلب الترك للزم التكرار، وهو خلاف مرتكز العقلاء بالضرورة، وهكذا في جانب الأمر، فيعلم منه أن الأمر والنهي لا مفاد لهما إلا ما شرحناه وقررناه. تذنيب: حول أن النهي ليس كفا قد أشرنا في ذيل الشبهة السابعة إلى أن ترك المحرمات مع القدرة عليها من غير كف وانزجار عند عدم الالتفات، ليس من امتثال النواهي الشرعية (2)، ولكنه لا يستلزم كون النهي هو الكف، بل لازمه كون الامتثال متقوما بالكف والانزجار، لا نفس النهي مادة وصيغة، حتى إذا لم يكن الترك كفا لا يكون نهيا، فإنه واضح البطلان، ضرورة أن من المكلفين من ينتهون عن النواهي الإلهية من غير تمايل وإقبال إلى المحرم، بل يصير المحرم والمبغوض الشرعي مبغوضا تكوينيا بالنسبة إليهم، لما يدركون من الله تبارك وتعالى ما لا يدركه العوام والآخرون، فما اشتهر من تحميق المتقين الذين لا يتمايلون إلى المحرمات، فهو يرجع إلى تحميق أنفسهم، فلا تخالطوا.


1 - تقدم في الجزء الأول: 98. 2 - تقدم في الصفحة 88. (*)

[ 94 ]

إيقاظ وإفادة: حول أن مفاد الصيغة هل هي الحرمة أم لا ؟ لاشبهة في أنه في مورد التحريم بمادة الحرمة كقوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) * (1) يعتبر الحرمة الشرعية، وتتحقق الصغرى بقاعدة " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (2). إنما الكلام في تحققها بمادة النهي وهيئته، فربما يمكن أن يقال: إن التحريم لا يمكن استفادته منهما إلا بالإطلاق (3)، ومعنى إطلاقهما أن الحجة من قبل المولى تامة على التحريم، ولا يعد الاعتذار عند التخلف من العذر العقلائي، فلو كان مفاد الصيغة أو المادة هي الحرمة كان لذلك وجه، وإلا فلا، وقد مر في باب النواهي: أن الأمر حجة على العبد، كحجية العلم الإجمالي والاحتمال في الشبهات المهتم بها، ولا كاشفية لها عن الواقع. وبالجملة: بعد صحة استعمال مادة النهي في موارد التنزيه وهكذا صيغته، لا يستفاد منهما التحريم. أقول أولا: لو كان ما افيد حقا للزم عدم جواز الإفتاء على طبق الأمر والنهي، ولايجوز أن يفتي الفقيه بوجوب شئ وحرمته، لأجل الأمر والنهي، وهذا خلاف الضرورة عند العرف والعقلاء. وثانيا: قد تقرر منا أن حكم العقلاء عند الإطلاق، هو الاستكشاف والاطلاع على حدود إرادة المولى، وأنها إرادة إلزامية من غير فرق بين الأمر والنهي، كما


1 - المائدة (5): 3. 2 - تقدم في الصفحة 81، الهامش 2. 3 - وقاية الأذهان: 325. (*)

[ 95 ]

فصلناه في تلك المباحث (1). والعجب من بعض أهل الفضل، حيث توهموا أنه في مورد النهي تكون الكراهة، وفي مورد الأمر تكون الإرادة (2) ! ! وهذا لأجل الاغترار بظواهر كلمات أرباب المعقول، حتى مثل صدر المتألهين في كتابه الكبير (3)، مع أن الكراهة من انفعالات النفس مقابل الحب، والإرادة فعل النفس، وهي تحصل في مورد الأمر والنهي، وبمادتهما وصيغتهما يكشف وجودها في النفس، وبالإطلاق يعلم أنها إرادة حتمية إلزامية، فإذن يصح اعتبار التحريم من موارد النهي، وتشمله القاعدة بناء على شمولها لمعنى أعم من الأعيان والأحداث، ضرورة أن مادة الحرمة يصح تعلقها بذات الشئ، بخلاف النهي، وتفصيله يطلب من مكاسبنا المحرمة، وقد تعرضنا لحدودها فيها (4)، والله العالم. بحث وتحصيل: في الفرق بين الأمر والنهي من ناحية المرة والتكرار لاشبهة في أن النهي والأمر سيان بحسب المتعلق، ولا يختلف حكمهما العقلائي من جهة لزوم الامتثال إلا مع قيام القرينة، ويكون مفاد النهي هي الحرمة، كما يكون مفاد الأمر هو الوجوب لا من ناحية الوضع، بل من جهة الإطلاق، حسبما تقرر منا في المراد من " الإطلاق " في هذه المقامات (5). وقد أشرنا إلى عدم اعتبار العلو ولا الاستعلاء في مادة النهي، وهكذا في


1 - تقدم في الجزء الثاني: 105. 2 - لاحظ: نهاية الدراية 2: 286. 3 - الحكمة المتعالية 4: 113. 4 - المكاسب المحرمة من تحريرات في الفقه للمؤلف مفقود، لاحظ مستند تحرير الوسيلة 1: 298 وما بعدها. 5 - تقدم في الجزء الثاني: 109 وفي هذا الجزء: 94. (*)

[ 96 ]

صيغته (1)، كما مر تفصيله في الأوامر (2). ثم إن من الواضح عدم دلالة الأمر على المرة والتكرار لا بمادته ولا صيغته. ونتيجة ذلك: أنه عند الامتثال يسقط الأمر، وهكذا عند العصيان، لأن حقيقة العصيان هي العجز عن الامتثال بسوء الاختيار، كما عرفت تفصيله في مباحث الترتب (3). والعجب أن السيد الاستاذ البروجردي توهم: أن العصيان لا يورث السقوط (4) ! ! غافلا عن أن العصيان ليس إلا ما اشير إليه. وإذا كان الأمر كذلك، فمقتضى المشاركة كون النهي مثله في هذه الجهة، فإذا نهى المولى عن الغصب، أو عن شرب الخمر، فإن النهي لابد وأن يسقط بالامتثال والعصيان، فلو ترك الغصب وانزجر عن المنهي وانتهى عنه مرة، فقد امتثل النهي، فلا معنى لبقائه بعد ذلك كما في الأمر، وهكذا إذا غصب أو شرب الخمر، فلا معنى لبقاء زاجريته بالنسبة إلى الطبيعة، قضاء لحق المشاركة، فإن ما هو في ناحية الأمر هي المادة، وهي مشتركة بينهما، والصيغة وهي واحدة بحسب الإفادة والدلالة. هذا حسب الصناعة وقضية المشاركة. مع أن الضرورة قائمة على أنه في جانب النهي لابد من استمرار العدم، وإذا تخلف وعصى لابد وأن لا يعذر، لأنه يصير عصيانا ثانيا وثالثا وهكذا. وبعبارة اخرى: لابد من الامتثال عقيب الامتثال في جانب النهي، فلو امتثل النهي بترك المحرم فلا يسقط النهي، ولو عصاه أيضا كذلك، فما الفرق بين الأمر والنهي، مع أنه في جانب الأمر يكون الامتثال والعصيان واحدا، وفي جانب النهي


1 - تقدم في الصفحة 81. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 11 وما بعدها. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 475. 4 - نهاية الاصول 1: 249. (*)

[ 97 ]

يتعددان، مع أن المادة في كليهما واحدة، ولا اقتضاء للهيئة إلا الزجر عنها أو البعث إليها ؟ ! وإن شئت قلت: إن في هذه المسألة معضلة ذات جهتين، لأنه إن قلنا: بأن امتثال النهي واحد، لأنه إذا منع من شرب الخمر فتركه مدة عمره، لا يكون إلا ممتثلا بالنسبة إلى النهي الواحد، فلابد من كون العصيان واحدا، ولا يعقل النهي الواحد والامتثال الواحد مع كون العصيان متعددا. وإن قلنا: بأن الامتثال أيضا يتعدد حسب الآنات، أو حسب الإمكانات، فهذا أيضا مشكل آخر، ضرورة عدم اقتضاء للنهي إلا مثل الأمر، والتعدد في الجانبين يحتاج إلى جهة تقتضيه، وهي منتفية على الفرض. فتوهم: أن مقدمات الإطلاق في جانب الأمر، مختلفة الاقتضاء مع مقدماته في جانب النهي (1)، في غير محله، لأن المفروض أنه في كلا الجانبين تكون المقدمات تامة، وأن ما هو المقصود من الإطلاق في جانب الأمر، هو المقصود في جانب النهي، وهو البعث إلى الطبيعة، أو الزجر عنها بما هي هي، من غير النظر إلى الأمر الآخر وراءها. أقول أولا: إن الشبهة والعويصة في مقابل البديهة لا ترجع إلى محصل، فلو عجزنا عن توضيح الفرق بين الأمر والنهي في هذه المسألة، ولكن لا يلزم منه الخدشة والمناقشة فيما يحكم به العقلاء، وتدركه العقول الساذجة التي هي المتبعة دون الآراء العلمية، نظير ما مر في بحث الأوامر (2)، وإن بناء العقلاء على أنه للوجوب، واختلفوا في وجه ذلك اختلافا شديدا من غير سراية الخلاف إلى أصل المسألة المفروغ عنها عندهم.


1 - نهاية الدراية 2: 290. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 92. (*)

[ 98 ]

وثانيا: قد ذكروا وجوها لبيان الفرق ناظرين إلى إحداث السر العلمي وكشف النكتة العقلية: أحدها: أن مسألتنا هذه من قبيل المسألة المعروفة في الأدب، وهي أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم (1)، بخلاف ما إذا وقعت في سياق الإثبات، فإذا قيل: " رأيت واحدا " فلا يدل إلا على أنه رأى واحدا من الآحاد، وإذا قيل: " ما رأيت أحدا " فهو نفي العموم. وفيما نحن فيه يكون الأمر كذلك، ضرورة أن النهي يتعلق بالطبيعة التي هي النكرة، لأن المراد من " النكرة " هو نفس الطبيعة، لا النكرة الاصطلاحية، ولذلك إذا قال: " ما رأيت الواحد " وكان " الألف واللام " للجنس يفيد العموم كما نشير إليه أيضا. فإذا قال المولى: " لا تصلي أيام أقرائك " تكون الصلاة مورد النفي حكما، وتصير النتيجة ما هو مرتكز العقلاء من لزوم الامتثال عقيب الامتثال وعقيب العصيان. وإن شئت قلت: إن الإطلاق في جانب الأمر إطلاق بدلي، وفي جانب النهي شمولي ينحل النهي إلى نواه كثيرة، فإذن لابد من الامتثال عقيب الامتثال وعقيب العصيان، لتعدد النهي. أقول: قد ذكرنا في بعض البحوث (2) أن ما اشتهر: " من أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم " (3) غير تام وضعا، لأن عنوان " الأحد " موضوع لما يصدق على


1 - شرح الكافية 1: 256 / السطر 6، المطول: 83 / السطر 9. 2 - يأتي في الجزء الخامس: 212. 3 - المطول: 83 / السطر 9، معالم الدين: 104 / السطر 14، كفاية الاصول: 254، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 515. (*)

[ 99 ]

كل فرد على البدل، وإذا قال: " رأيت واحدا " صحيح إذا كان تعلق رؤيته بفرد، وإذا قال: " ما رأيت أحدا " وكان نظره إلى نفي تعلق رؤيته بزيد صح، لما يصدق عليه أحد، فهو أيضا صادق وصحيح بالضرورة. نعم، النكرة في سياق النفي تفيد فائدة العموم حسب الإطلاق عرفا، وعند ذلك يتوجه الإشكال المزبور في الفرق بين الأمر والنهي إلى هذه المسألة، ولا يخص بكون المتعلق نكرة، بل لو كان المتعلق محلى ب‍ " الألف واللام " للجنس تأتي الشبهة، ويفيد العموم أيضا، فإذا قيل: " ما رأيت الأحد " وكان النظر إلى نفي الجنس، فهو أيضا مثل النكرة، ولأجل ذلك يشبه ما نحن فيه من هذه الجهة كما مر. وأما تقسيم الإطلاق إلى البدلي والشمولي، فهو غلط كما تقرر في محله (1). مع أن هذا ليس من حل المعضلة، بل هو من قبيل التمسك بفهم العقلاء فيها، وهو أمر مفروغ عنه، فلا تخلط. هذا مع أن الانحلال يحتاج إلى المحلل، ومجرد قصد المتكلم وغرضه لا يكفي للزوم المجازية، فلو كان مقصوده النهي عن المصاديق، لكان ينبغي أن يقول: " يحرم عليك كل صلاة " أو يقول: " لا توجد كل صلاة " فتدبر. ثانيها: قد اشتهر في الكتب العلمية (2) حتى في بعض صحف عقلية (3): " أن الطبيعة توجد بوجود فرد ما، وتنعدم بانعدام جميع أفرادها " فإذا تعلق الأمر فلابد من وجود فرد ما حتى يمتثل الأمر، وإذا تعلق النهي بها فلابد من إعدام جميع الأفراد حتى تنعدم الطبيعة.


1 - يأتي في الجزء الخامس: 455. 2 - هداية المسترشدين: 321 / السطر 6، كفاية الاصول: 183، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي: 395. 3 - الحكمة المتعالية 8: 15. (*)

[ 100 ]

فإن قلنا: بأن مفاد النهي طلب إعدام الطبيعة فالأمر واضح، ولابد من أن يعدم جميع الأفراد حتى يتحقق مطلوب المولى. وإن قلنا: بأن مفاده الزجر والمنع على الوجه الذي عرفت منا (1)، فلازمه العقلائي هو استمرار العدم الأزلي السابق عليها، المجتمع معها، وهذا لا يعقل إلا بترك الطبيعة المطلقة، لانتقاضه بإتيان فرد منها، وهو خلاف مفاد النهي قطعا. وبالجملة: يحصل الفرق بين الأمر والنهي من ناحية كون الطبيعة في جانب النهي، مورد الزجر والإعدام، وبما أنها تكون كذلك فلابد من إعدام جميع الأفراد حتى يتحقق الامتثال، بخلاف الأمر. ويتوجه إليه أولا: أن قضية ما تقرر في محله هو أن الطبيعة موجودة بنفسها (2)، وما اشتهر: " من أن معنى وجود الطبيعي بمعنى وجود أشخاصه " (3) غير موافق للتحصيل، فإذا كانت الطبيعة بما هي هي مسلوب عنها الوجود والعدم، والوحدة والكثرة، وكانت العوارض تلحقها لموجبات خارجة عنها، فهي واحدة ومتكثرة، وإذا كانت هي كثيرة في الخارج، ولها الوجودات والأفراد الكثيرة، فلها الأعدام الكثيرة، ضرورة أن نقيض الكثير كثير، ونقيض الواحد واحد، وتلك الأعدام هي الأعدام البديلة عن الموجودات التي تخص بها، فإذن لا أصل لما اشتهر في عرف الأصحاب. وإن شئت قلت: ما هو موضوع القضية الاولى وهي " الطبيعة توجد بوجود فرد ما " هي المهملة، وهي تنعدم بانعدام فرد ما، وما هو الموضوع في القضية الثانية وهي " الطبيعة تنعدم بانعدام جميع الأفراد " هي الملحوظة سارية على فرض


1 - تقدم في الصفحة 83 - 84. 2 - الحكمة المتعالية 1: 273، الشفاء، قسم الإلهيات: 207. 3 - كفاية الاصول: 462، نهاية الأفكار 3: 121، حقائق الاصول 2: 453. (*)

[ 101 ]

إمكانها، وهي توجد بوجودات جميع الأفراد. إن قلت: هي قاعدة عقلائية. قلت: لا حاجة إلى التمسك بها لبيان الفرق، بعد اتضاح حكم العقلاء بالفرق بين الأمر والنهي في هذه المسألة، فإن نظرنا إلى إثبات الفرق عقلا بعد كون المادة الواقعة تلو الأمر عين المادة الواقعة تلو النهي، مع أن الأمر والنهي لايدعوان إلا إلى نفس الطبيعة، وتكون ماهي من الطبيعة في جانب الأمر عينها في جانب النهي، وهو نفسها اللابشرط التي يمكن وجودها في الخارج، فيكون امتثالا للأمر، وعصيانا للنهي، دون سائر اعتباراتها. وثانيا: لو كان مفاد القاعدة المعروفة ما صدقه القوم، لأصبحت المسألة أشد إشكالا وأصعب حلا، وذلك لأن مقتضى كون انعدام الطبيعة بانعدام جميع أفرادها، كون الامتثال في جانب النهي واحدا بترك جميع الأفراد، وإذا كان الامتثال واحدا فيلزم كون العصيان واحدا، لعدم معقولية تصور العصيانات الكثيرة مع وحدة الأمر، ووحدة الإطاعة والامتثال، وهذا مما لا يلتزم به أحد، ولا يمكن تصوره، كما مضى في صدر البحث (1). وثالثا: قد تقرر أن حكم العقلاء على تعدد الامتثال في جانب النهي، ونجد أن من ينزجر وينتهي عن زجر المولى ونهيه، يعد ممتثلا لنهيه، ولا يسقط النهي بمثله بالضرورة (2). فتلك القاعدة ليست عقلية ولا عقلائية إلا في بعض المقامات، كما في استصحاب الكلي، فإنه إذا كان في البيت إنسان يحكم بوجود الطبيعة فيه، وإذا خرج منه الأفراد الكثيرة وبقي واحد يقال: " الإنسان في البيت باق " كما يقال: " نوع


1 - تقدم في الصفحة 86. 2 - تقدم في الصفحة 96. (*)

[ 102 ]

الإنسان باق، ونوع كذا غير باق " فافهم واغتنم. ثالثها: لنا أن نقول: إن مفاد النهي هو الزجر أو طلب العدم، ولكن هنا حكم عقلائي آخر، وهو أن المولى يريد إبقاء العدم الأزلي الثابت للطبيعة المجتمع معها، ويتوسل بالنهي إلى استمراره، ويكون طارد العدم المزبور مبغوضا، وهو شرب الخمر وغير ذلك. وهذا النحو من العدم مقابل صرف الوجود الذي اعتبرناه في ناحية الأمر (1)، وقد فرغنا من تصوير الصرف، والفرق بينه وبين الطبيعة فيما سلف (2)، فما يظهر من العلامة المحشي إشكالا على الصرف وعلى العدم المزبور (3)، غير راجع إلى محصل، فراجع. وإن شئت قلت: إن الأعدام البديلة المتصورة بكثرتها بعد اعتبار الوجودات الكثيرة للطبيعة مثلا، إذا وجد أفراد من الإنسان، فبانعدام كل فرد يكون هناك عدم بديل لذلك الوجود، ولكن الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، لأن الطبيعة المنهي عنها لا مصاديق لها حتى تكون لها أعدام بديلة عند الانعدام، ولا يتصور العدم البديل إلا بعد الوجود خارجا، وأما قبل تحقق الطبيعة فلا كثرة لها حتى تتكثر أعدامها، بل الطبيعة قبل تحققها يعتبر لها العدم الواحد الأزلي المجامع حسب أجزاء الزمان، ويكون ذلك العدم عدم البديل حسب الزمان الحالي، والناهي عن المنكر يريد إبقاء العدم المزبور. مثلا: النهي عن إيجاد العنقاء بناء على إمكان إيجادها، لا يعقل أن ينحل إلى الأعدام، لأنها أعدام تصورية تخيلية مضافة إلى الأفراد المقدرة، وهي ليست عدم


1 - تقدم في الصفحة 44. 2 - تقدم في الصفحة 44. 3 - نهاية الدراية 2: 289 - 290. (*)

[ 103 ]

الفرد من الطبيعة، لأن الأفراد المقدرة ليست أفرادا واقعية، فذلك العدم الثابت في الأزل للعنقاء مورد الطلب، ويكون المقصود استمراره بالزجر عن الطبيعة حسب حكم العقلاء وإن لم يكن العدم بعنوانه مورد النهي، كما مضى تحقيقه (1). فبالجملة تحصل: أنه في النهي يريد الناهي الزجر عن الطبيعة، لا إعدام الأفراد الموجودة وعند ذلك - وهو الزجر عنها - لا يعتبر إلا إبقاء العدم الواحد السابق، حتى يكون بديلا في الآن اللاحق. أقول: لو تم هذا التقريب فالنتيجة وحدة النهي، ووحدة الامتثال، وقضية ذلك وحدة العصيان، وهو أفحش فسادا من أصل المعضلة، كما عرفت مرارا (2). رابعها: تقريب أفاده العلامة المحشي (قدس سره) قريب مما أفدناه، وتتوجه إليه الإشكالات التي ذكرها الوالد المحقق - مد ظله - ومن شاء فليراجع " الحاشية " (3)، و " تهذيب الاصول " (4). خامسها: أن المبغوضية والمحبوبية الموجودتين في جانب النهي والأمر، تتصور على أنحاء: فتارة: تكون بنحو العام الاستغراقي. واخرى: بنحو العام المجموعي. وثالثة: بنحو صرف الطبيعة. ورابعة: بنحو صرف الوجود. وهناك قسم آخر خامس يطلب من مقام آخر.


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - تقدم في الصفحة 101. 3 - نهاية الدراية 2: 291. 4 - تهذيب الاصول 1: 374. (*)

[ 104 ]

فإذا كان المولى في جانب الأمر محبا بنحو العموم الاستغراقي، فلابد وأن يأمر - على الوجه المزبور - بإتيان أدوات العموم. وإذا كان محبا للطبيعة بنحو العام المجموعي فلهذا يتوسل بالقرينة. وهكذا في صورة كون المطلوب صرف الوجود. وأما إذا كان المطلوب نفس الطبيعة، فلا يحتاج إلى نصب القرينة، لأنه بمجرد الأمر بها مجردا عن القرائن على الوجوه الاخر، يكون عدم إتيانه بالقرينة على سائر الوجوه، قرينة على أن ما هو مورد الطلب هو نفس الطبيعة، لا الأمر الآخر، بل لا حاجة إلى التمسك بهذه القرينة العدمية، لأنه هو مقتضى نفس تعلق الأمر بالطبيعة. وربما يقال: إن مقدمات الحكمة هنا تقتضي كون الإتيان بالفرد كافيا، لأنه لا يعقل طلب الطبيعة على نعت العموم الاستغراقي (1). وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن الطلب بنحو العموم الاستغراقي ممكن، لأن المقصود بعث المكلف نحو إيجاد الأفراد بقدر الإمكان. نعم، العموم المجموعي غير ممكن طلبه، ولاسيما بالنسبة إلى الأفراد العرضية والطولية معا. هذا مع أن مقدمات الحكمة لا تقتضي ذلك، لما عرفت: من أن نفس تعلق الأمر بالطبيعة، يقتضي الكفاية بالمرة وإن كانت المقدمات معدومة (2). هذا كله في جانب الأمر. وأما في جانب النهي فهناك تقريبان: الأول: أن الطبيعة المنهي عنها إن كانت مبغوضة على نعت العموم المجموعي، فلابد من وجود القرينة.


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 106 - 107. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 203. (*)

[ 105 ]

وإذا كانت مبغوضة على نعت صرف الوجود، فلابد أيضا من قيام القرينة. وإذا كانت مبغوضة على وجه يكون البغض ناشئا من فساد فرد ما من الطبيعة، فلابد من توجيه النهي إلى الفرد وإلى مصداق ما، بخلاف ما إذا كانت المبغوضية ناشئة عن فساد في الطبيعة بما هي هي. فاذن لابد من أحد أمرين: إما النهي على سبيل العموم الأفرادي، أو النهي على وجه تعلق بنفس الطبيعة، وحيث إن الأول يحتاج إلى مؤونة زائدة فيثبت الثاني، وهو الأولى بالبلاغة في الكلام والخطاب. فإذا انزجر عن الطبيعة في مورد، فلابد من الانزجار عنها في المورد الآخر، لأن المفروض أن الطبيعة مورد البغض والفساد بما هي هي، لا المصداق الأول منها. وإذا عصى بالنسبة إلى المصداق الأول، فلابد من الامتثال بعد العصيان للغرض المذكور، فكون الطبيعة بما هي هي مورد الفساد والبغض، ينتج الامتثال ثانيا وثالثا سواء امتثل أولا، أو عصى، فتدبر. الثاني: أن الاختلاف المشاهد بين الأمر والنهي ليس من ناحية المتعلق، لما أنه واحد: وهي الصلاة قبل أيام الحيض، وفي أيامها، بل إنما ذلك من جهة خصوصية في تعلق الأمر والنهي به، وهذه الخصوصية هي أن المطلوب من الأمر بما أنه إيجاد الطبيعة في الخارج، فلا يمكن أن يريد المولى منه إيجادها بكل ما يمكن أن تنطبق عليه هذه الطبيعة، لفرض عدم تمكن المكلف منه كذلك، والمطلوب من النهي بما أنه حرمان المكلف، فلا يمكن أن يراد منه حرمانه من بعض أفرادها، لفرض أنه حاصل قهرا، والنهي عنه تحصيل للحاصل، فهذه الخصوصية أوجبت أن تكون [ قضية ] مقدمات الحكمة فيه، هي كون المطلوب حرمان المكلف من جميع الأفراد (1).


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 107. (*)

[ 106 ]

إذا تبين ذلك فاعلم: أن في كلا التقريبين نظرا، ولاسيما في الثاني الذي هو للعلامة المعاصر - مد ظله -: أما الأول: فلأنه في جانب الأمر إذا تعلق الأمر بالطبيعة، واستفدنا منه محبوبيتها بما هي هي، فكل فرد منها - بما هو فرد لها، وتكون الطبيعة معه عين الطبيعة مع الفرد الأول - يكون هو مورد المحبوبية أيضا، فللمولى أن يؤاخذ العبد ب‍ " أنك عندما اطلعت على أن الطبيعة بما هي هي مورد الحب اللزومي، فلم لم توجدها ؟ ! " فلو صح جواب العبد هنا، لصح في جانب النهي أيضا إذا تخلف عن الامتثال ثانيا وثالثا. ولعمري، إن التقريب الذي أفدناه قابل للاعتماد عليه لحل المشكلة في جانب النهي، ولكن يورث توجيه المعضلة إلى جانب الأمر المفروغ عنه عند الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم -. وبالجملة: لو كان محبوبه الفرد الأول منها لأقام القرينة، فمنه يعلم أن ما هو المحبوب نفس الطبيعة بما هي هي. وبالجملة تحصل: أن قضية مقدمات الحكمة في جانب النهي، هو أن الطبيعة تمام الموضوع للنهي، فإذن يعلم: أن الطبيعة من حيث هي هي تمام المبغوض، ولا شئ دخيل في ذلك، ومن كونها تمام الموضوع للبغض يعلم: أن المفسدة الموجبة لبغضها، موجودة في نفسها من حيث هي هي، فعليه لا يعقل الترخيص في بعض أفرادها إلا على وجه يستكشف الخلاف. وحيث إن المفروض عدم وجود الدليل المرخص، فكيف يعقل تجويز العقل ارتكابها في مورد من الأفراد العرضية أو الطولية ؟ ! ويحتج المولى على العبد: بأنه لو كان المبغوض الفرد الأول، لما اطلق الحكم على الطبيعة، ولو كان الفساد في فرد خاص منها لما كان يتعلق بغضه بها، ولما نهى عنها من حيث هي هي، فمن هذا

[ 107 ]

المقام - وهو مقام الإثبات - يستكشف حدود البغض وحدود الفساد حسب ديدن العقلاء في استكشاف المصالح والمفاسد بالضرورة، كما تقرر في الأمر (1)، وفيما مضى آنفا في هذه المسألة أيضا. وقضية صحة هذا التقريب، عدم جواز الاكتفاء بالمرة في جانب الأمر أيضا، وهو خلف. اللهم إلا أن يقال: إن بناء العقلاء في جانب الأمر على إفادة المحبوبية الاستيعابية بالنسبة إلى جميع الأفراد، وعلى وجه تكون الطبيعة السارية مطلوبة بأداة العموم، ولايكون الأمر كذلك في جانب النهي، فتدبر. وأما الثاني: فإن المبغوض لو كان فردا ما، فالنهي تحصيل للحاصل، لأن ترك هذا المبغوض حاصل بالضرورة، ولكن هل يستكشف من ذلك أن المبغوض هو عموم الأفراد، أم يستكشف منه أن المبغوض هو ترك الفرد الخاص، وهو ترك المبغوض عن انزجار وكف، فيكون هذا دليلا على القول: بأن امتثال النهي بالانزجار والكف، حتى لا يكون النهي تحصيلا للحاصل، كما أفاده القائل بأن النهي طلب الكف ؟ ! هذا أولا. وثانيا: يتوجه السؤال عن كيفية استعمال ألفاظ الطبيعة، فإنها موضوعة لنفس الطبائع بما هي هي، وإذا اريد منها الأفراد فلابد من الالتزام بالمجاز الضجيع القبيح، كما لا يخفى. وتوهم: أن مقدمات الحكمة تفيد السراية (2)، في غير محله، لما تقرر من أنها لا تورث أمرا خارجا عن الوضع، ولا تورث المجازية، بل هي عند اجتماعها تفيد أن ما هو متعلق الحكم تمام الموضوع وتمام الغرض، وهو تمام المحبوب أو المبغوض،


1 - تقدم في الجزء الثاني: 96. 2 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4: 107. (*)

[ 108 ]

من غير إفادة شئ آخر في مقام الدلالة واللفظ (1). ومن هنا يظهر ضعف بعض الوجوه الاخر: من أنه في جانب الأمر تكون المصلحة قائمة بالفرد، وفي جانب النهي تكون المفسدة مستوعبة، فإنه وإن كان الأمر كما حرر ثبوتا، ولكن الكلام في مقام الإثبات، وأنه كيف يمكن إفادة ذلك بمقدمات الإطلاق من غير لزوم المجازية والجزاف ؟ وقد أفاد الاستاذ البروجردي (قدس سره) وجها (2) لا يرجع إلى محصل، إن لم يكن تكرارا لفهم العقلاء، فلاحظ ذلك. تنبيه: حول النواهي التعبدية ودلالة النهي على الفور قد مر منا تفصيلا في ذيل مباحث التعبدي والتوصلي، إمكان جريان البحوث المزبورة في الأمر وصيغته في جانب النهي، وأن المنهي عنه قد يكون تعبديا، وقد يكون توصليا (3)، وما توهموه من الشبهات في جانب أصالة التوصلية في باب الأوامر (4)، هي تأتي هنا أيضا حذوا بحذو. وأما صغرى هذه الكبرى الكلية فهي محل المناقشة، فلو قلنا: بأنه في تروك الإحرام أو الصوم أو الصلاة يكون المحرم الامور الوجودية، فما هو اللازم عند الأكثر تركها تعبدا، ولا يكفي التروك الواقعية (5)، خلافا لبعض آخر (6)، والتفصيل يطلب من الفقه.


1 - تقدم في الصفحة 106، ويأتي في الجزء الخامس: 439. 2 - نهاية الاصول 1: 248. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 187. 4 - تقدمت في الجزء الثاني: 118 وما بعدها. 5 - العروة الوثقى 2: 166، كتاب الصوم. 6 - لاحظ تذكرة الفقهاء 1: 255 / السطر 26. (*)

[ 109 ]

وهكذا إذا قلنا: بأن المحرمات الشرعية هي التي يكون أعدامها مطلوبة، وتروكها مقصودة، فإنه أيضا قضية تروك الحج صغرى لهذه المسألة. وبالجملة: قضية القواعد هي أصالة التوصلية في جانب النهي أيضا، خلافا للشيخ (قدس سره) وجمع من تلاميذه. ثم إن مقتضى الاصول العملية في باب النواهي في مسألة المرة والتكرار، هي البراءة، لما تقرر منا مرارا: من أن استصحاب الحكم الكلي والأحكام الكلية الإسلامية وغير الإسلامية، غير جار ذاتا، لا تعارضا كما ظنه الفاضل النراقي (قدس سره) (1). وغير خفي: أنه في جانب الأمر لا يدل الهيئة ولا غيرها على الفور، ولا التراخي، وأما حكم العقلاء في باب النهي على الفور، فهو لأجل أن جواز التراخي يرجع إلى الإخلال بمفاد النهي. ولا معنى للتخيير العقلي في هذا المقام أيضا، حتى يصح الارتكاب في الآن الأول، والامتثال في الثاني، كما هو الظاهر.


1 - مناهج الأحكام والاصول: 239 - 240، عوائد الأيام: 70 - 71. (*)

[ 111 ]

المبحث الثاني اجتماع الأمر والنهي

[ 113 ]

تمهيد واختلفوا في جواز ذلك وعدمه على أقوال. ثالثها: التفصيل بين العقل والعرف، فيجوز عقلا، ولا يجوز عرفا. ورابعها: التفصيل، فيجوز في مقام الجعل، ولا يجوز في مقام الامتثال. وتمام الكلام في المقام يستدعي تقديم مقدمات: المقدمة الاولى: في عنوان المسألة وتحرير مصب النزاع العنوان المحكي عن المشهور هكذا: " هل يجوز اجتماع الأمر والنهي في شئ واحد، أم لا ؟ " (1) وقد عدل عنه المتأخرون، بأن عدم جواز الاجتماع من الواضحات، فيكون العنوان القابل للنزاع هكذا: " هل يستلزم تعلق الأمر بشئ والنهي عن الشئ الآخر المتحدين إيجادا ووجودا، اجتماع الأمر والنهي في الشئ الواحد، أم لا ؟ " فيكون النزاع صغرويا، لا كبرويا (2).


1 - قوانين الاصول 1: 140 / السطر 5، الفصول الغروية: 124 / السطر 20، كفاية الاصول: 183. 2 - نهاية النهاية 1: 210، أجود التقريرات 1: 331، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 396 - 397، نهاية الأفكار 2: 408 - 409، نهاية الاصول: 252 - 253. (

[ 114 ]

أقول: إن اريد من الوحدة الوحدة الجنسية أو الوحدة النوعية، فإن كان لدليل الأمر والنهي إطلاق، حتى يكون الواجب هي الوحدة الجنسية المطلقة، لا المهملة، وهكذا في ناحية الوحدة النوعية، فلا يعقل الجواز بالضرورة، بداهة أن عقل كل عاقل يدرك امتناع كون الحركة المطلقة واجبة ومحرمة، أو الصلاة المطلقة واجبة ومحرمة. والأول مثال الوحدة الجنسية، والثاني مثال الوحدة النوعية. وغير خفي: أنهما مثالان في العلوم الاعتبارية، ولا صحة لهما في العلوم الحقيقية، ضرورة أن الحركة ليست من الأجناس العالية إلا عند بعض الأعيان (1)، والصلاة لا تكون من الأنواع الحقيقية، فتدبر تعرف. وإن كانت الوحدة الجنسية أو النوعية مهملة، فجواز الاجتماع من الضروريات الواقعة في الشرائع، فلا معنى للنزاع في هاتين الوحدتين بعد ذلك. وما ربما يقال: من أن امتناع الاجتماع واضح بمثابة لا ينكره الأشعري، لأنه من التكليف المحال، وكيف يعقل أن يدعي الأشعري كون الواحد مبغوضا ومحبوبا (2) ؟ ! فهو لقصور البال، ضرورة أن التكليف بالمحال يرجع إلى التكليف المحال، وأن الأشعري وإن لم يدع اجتماع الحب والبغض في شئ واحد، ولكن يدعي أن في مورد الأمر والنهي لا يلزم أن يكون حب وبغض، بل يمكن ذلك جزافا، فتدبر تعرف إن شاء الله تعالى. وإن اريد من " الواحد " في العنوان الواحد الشخصي، ففيه أن الشخصية من تبعات الوجود الخارجي، بل هي هو، والخارج ظرف سقوط التكليف، ولا يعقل ثبوت للأمر ولا للنهي حتى يبحث عن اجتماعهما وعدم اجتماعهما، فعلى هذا يسقط العنوان المزبور عن قابليته لمصب النفي والإثبات.


1 - مجموعة مصنفات شيخ الإشراق 1: 11 و 278. 2 - نهاية الاصول: 252، محاضرات في اصول الفقه 4: 164. (*)

[ 115 ]

ومن هنا يظهر: أن ما أفاده المتأخرون من صغروية النزاع، وقرروه بالوجه المزبور، فهو أيضا باطل عاطل، لأن الغصب والصلاة في عالم العنوانية لا يتداخلان بالضرورة، ولا معنى لتداخلهما، وفي الخارج لا يبقى الأمر ولا النهي حتى يتجاوز كل إلى ساحة الآخر كلها، أو إلى جزء منها. ولأجله عدل الوالد المحقق - مد ظله - عن العنوانين وقال: والأولى أن يقال: هل يجوز اجتماع الأمر والنهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج، أم لا ؟ فيكون النزاع كبرويا (1). وأحسن من ذلك أن يقال: هل يجوز أن يتعلق الأمر والنهي بالعنوانين المتصادقين على واحد شخصي في الخارج، أم لا ؟. وبعبارة أوضح: لا شبهة في جواز تعلقهما بالعنوانين غير المتصادقين بالضرورة، كعنوان " الزكاة " و " القمار " وإنما الشبهة في جواز تعلقهما بالعنوانين المتصادقين أحيانا على الواحد ك‍ " الصلاة " و " الغصب " وعدمه، فالتعبير ب‍ " جواز الاجتماع " لا يخلو من مسامحة، لأنه لا يلزم اجتماع الأمر والنهي في مرحلة من المراحل على شئ واحد، ومع تعدد المتعلق لا يعد من اجتماعهما، والأمر سهل بعد ذلك. أقول: يتوجه إليه - مد ظله - أن مورد النزاع، أعم من كون العنوانين متصادقين على الواحد في الخارج، أم كان الصدق في عالم العناوين والمفاهيم، ضرورة أن الجنس يصدق على النوع من غير لزوم كون المصداق موجودا خارجيا، فعلى هذا كما يكون النزاع في العنوانين المتصادقين على الخارج، كذلك يكون في المتصادقين على الكلي الذي هو دون الطبيعة الواقعة تحت الأمر، والطبيعة الواقعة تحت النهي.


1 - مناهج الوصول 2: 110. (*)

[ 116 ]

مثلا: إذا أمر المولى بالعبادة، ونهى عن الحركة، فبما أن العنوانين يتصادقان على الصلاة دون الصوم، يقع المجمع للعنوانين كليا، وتكون الصلاة مصب صدق الحركة والعبادة، وهكذا الصلاة الغصبية، كما أفاد " الكفاية " فانه الكلي المقيد، وتكون بما أنه المغصوبة مورد النهي، وبما أنها صلاة مورد الأمر (1). فعلى هذا، يكون المراد من " الواحد " هي وحدة المجمع، سواء كانت وحدة جنسية، أو نوعية، أو صنفية، أو شخصية، ومما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده - دام ظله - في توضيح مرامه، فراجع (2). قلت: لا شبهة في أن الواحد الشخصي يمكن أن يكون مورد النزاع، لإمكان كونه مجمعا، فيقال: " هذه الحركة الخارجية واجبة من حيث، ومحرمة من حيث آخر " وأما سائر الوحدات الكلية المطلقة والمقيدة، فهي وإن كانت مجمعا للعناوين العامة، ولعنوان المأمور به والمنهي عنه، إلا أنه بالتقيد يصير واحدا نوعيا مثلا، وكليا مقيدا، وعند ذلك هل يعقل دعوى: أن الصلاة المغصوبة واجبة بما أنها صلاة، ومحرمة بما أنها غصب ؟ ! مع أن الصلوة المتقيدة بكونها غصبا أو الغصب المتقيد بالصلاتية، لا يقبل الانحلال إلى حيثيتين، بخلاف ما في الخارج، فإنه نشير إلى ما في الخارج ونقول: " إنه محرم، لأنه غصب " من غير النظر إلى صلاتيته، وأنه واجب لأنه صلاة. فالكلي المقيد وإن كان ذاوجهين بحسب الصدق، ويصدق عليه العنوانان، ولكنه لا يعقل فرض الاجتماع، لأن مع فرض أنها مغصوبة ومع فرض أنها صلاة، يلزم كون متعلق الأمر والنهي واحدا بالضرورة من غير لزوم التشاح والنزاع، فلاحظ وتدبر جيدا.


1 - كفاية الاصول: 183. 2 - مناهج الوصول 2: 109 - 110. (*)

[ 117 ]

وبعبارة اخرى: كما لا يعقل وحدة متعلق الأمر والنهي، كذلك لا يعقل كون الواحد المركب والمقيد، مجمع الأمر والنهي، للزوم كون الجزء من المركب متعلق الأمر والنهي بالضرورة من غير غشاوة، ومسألة اجتماع الأمر والنهي ليست هكذا. فيكون على هذا منحصرا مورد النزاع بالواحد الشخصي الذي يكون مجمع العنوانين، ويصدق عليه أنه محرم، لكونه غصبا، وواجب لكونه صلاة، برجوع الحيثية التعليلية إلى التقييدية، مع عدم لزوم فرض الغصب في مورد تعلق الوجوب، وفرض الصلاة في مصب تعلق الحرمة، بل وصف المحرمية والواجبية ثابت للواحد الشخصي مع قطع النظر حال توصيفه بأحدهما عن الآخر، فتدبر. فما أفاده - مد ظله - من التوضيح (1) في غير محله، كما أن ما ذهب إليه جمهور المتأخرين (2) في غير مقامه. إن قلت: الكلي المقيد كالصلاة المغصوبة، مجمع العنوانين، وسراية الوجوب من أحد الجزءين إلى الجزء الآخر، والحرمة من الجزء الغصبي إلى الجزء الصلاتي، محل الخلاف بين المجوزين والمانعين (3). قلت: كلا، لأن الكلي المأخوذ موضوعا للوجوب والحرمة، قابل للتعليل، فيقال: " الصلاة المغصوبة واجبة، لأنها صلاة، ومحرمة لأنها غصب " وهذه العلة إما تكون غير راجعة إلى قيد الموضوع، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في المتعلق، وهو واضح الفساد، وإما ترجع الحيثية التعليلية إلى الحيثية التقييدية، فلا معنى لحمل الوجوب على المركب من الجزءين اللذين أحدهما أجنبي، كما هو الظاهر.


1 - نفس المصدر. 2 - كفاية الاصول: 170 و 183، نهاية الأفكار 2: 408، محاضرات في اصول الفقه 4: 170 - 172. 3 - كفاية الاصول: 182 - 183، محاضرات في اصول الفقه 4: 170 - 173. (*)

[ 118 ]

فما هو فيه مناط البحث ومورد النزاع، هو الواحد الشخصي الذي يصح أن يوصف بالحرمة والوجوب، من غير كون الحيثية الواحدة موصوفة بهما، ومن غير كون أحد الوصفين ملحوظا في الوصف الآخر. وإلى هنا تحرر وتقرر: أن ما جعله المشهور عنوانا للبحث قابل للتصحيح بأن يكون المراد من " الواحد " المجمع الواحد، لا المتعلق الواحد، كما هو الظاهر. نعم، ينبغي أن يكون عنوان البحث هكذا: " إذا تعلق الأمر والنهي بالعنوانين المتصادقين على واحد شخصي، الموجودين بالإيجاد الواحد والوجود الفارد، فهل يمكن إبقاء الأمر والنهي على حالهما، أم لا ؟ " فإن التعبير ب‍ " الاجتماع " و " اللا اجتماع " غير صحيح جدا، لعدم اجتماعهما في المتعلق في مقام الإنشاء والجعل في أي وعاء من الأوعية بالضرورة كما يأتي (1)، وعلى هذا يصير النزاع كبرويا، ولا يعقل أن يكون صغرويا. ولتوضيح ذلك نقول: لا شبهة في أن أخذ العنوان الواحد من الكثير بما هو كثير، ممتنع برهانا ووجدانا، ولا شبهة أيضا في أن أخذ العناوين الكثيرة من الواحد بجهة واحدة، مستحيل عقلا ووجدانا، بل لابد من الجهات العديدة حتى يتمكن من أخذ العناوين الكثيرة من الواحد، وإن كانت تلك الجهات لحاظية، واعتبارية غير خارجية، فلا يلزم كون الواحد المزبور مركبا. بل لا ينافي أن يكون بسيطا غايته، فإن عنوان " العالم " و " القادر " ينتزعان من الواجب، ويكون كل واحد مأخوذا لجهة خاصة من غير لزوم تركيبه، كما تحرر منا في " قواعدنا الحكمية " (2). وفيما نحن فيه إذا كان عنوان " الغصب " و " الصلاه " متكثرا كما هو الواضح،


1 - يأتي في الصفحة 206. 2 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 119 ]

فلابد من أخذ كل واحد من الخارج بجهة غير الجهة التي يؤخذ منها الآخر، فعلى هذا فهل يعقل أن يكون النزاع في أن العناوين الكثيرة، هل يمكن أن تؤخذ من الواحد بجهة واحدة، أم لا ؟ ! وبعبارة اخرى: هل يدعي القائل بالاجتماع أن عنواني " الغصب " و " الصلاة " ينترعان من الجهتين الخارجيتين، والامتناعي يقول: بأنهما ينتزعان من الواحد بجهة واحدة، مع كونهما عنوانين مختلفين مفهوما، فعلى مثل هذا التوضيح يتبين: أن تحرير النزاع بشكل البحث الصغروي حول أن من تعلق الأمر بعنوان، والنهي بعنوان آخر، موجودين بإيجاد واحد، ووجود واحد، يلزم اتحاد المتعلق أم لا ؟ من الغلط الظاهر، لأنه مع كون عنوان " الغصب " وعنوان " الصلاة " بما هما عنوانان، لا يعقل كون منشئهما واحدا، وكيف يمكن لأحد دعوى: أن حيثية الصلاة والغصب واحدة ؟ ! فإن وحدة الحيثية تستلزم وحدة العنوان بالضرورة. فتحصل حتى الآن: أن النزاع لابد وأن يكون في أن مع تعدد الحيثيتين والعنوانين، هل يعقل بقاء الأمر والنهي في المجمع، أم الاتحاد في المجمع يستلزم قصورا في الحكم الوجوبي أو التحريمي ؟ بعد وضوح عدم سراية الأمر من أحد العنوانين إلى العنوان الآخر، وهكذا النهي، وبعد اتضاح أن هذه السراية لا يعقل أن تكون في الخارج، لأنه ظرف السقوط، لا الثبوت والسراية. ومن هنا يسقط ما قد يتراءى من كلام جمع من أن التركيب بين الحيثيتين إن كان اتحاديا فلا يجوز، وإن كان انضماميا يجوز (1). فإنه مضافا إلى أجنبية هذه المسألة - كما يأتي (2) - من هذه القضية، لا معنى


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 409 - 411، محاضرات في اصول الفقه 4: 165. 2 - يأتي في الصفحة 146 - 151. (*)

[ 120 ]

للتركيب الاتحادي الراجع إلى وحدة خارجية لحيثيتين، مع كون العنوانين متكثرين، فإن برجوع الكثير إلى الواحد ترجع العناوين الكثيرة إلى واحدة، وإذا كان الاختلاف الاعتباري كافيا - كما في البسائط - لانتزاع الكثير، فلا معنى للتركيب الاتحادي والانضمامي رأسا، فافهم واغتنم. وبالجملة: يعترف كل إنسان مع قطع النظر عن الشريعة: بأن الصلاة في الأرض المغصوبة ينتزع منها عنوان " الصلاة " وينتزع منها عنوان " الغصب " واختلاف العناوين يكشف عن اختلاف المنشأ، إما اختلافا واقعيا، كما في المركبات، أو اختلافا اعتباريا، كما في البسائط، وعندئذ لا يتمكن أحد من أن يقول: بأن حيثية الصلاة والغصب في الخارج واحدة، فإنه من قبيل تناقض الصدر والذيل، فإن كانا عنوانين فلا تكون الحيثية واحدة، وإن كانت واحدة فلا يبقى لفرض العنوانين وجه. فحديث السراية وحديث التركيب الاتحادي والانضمامي، من أساطير الأولين الغافلين عن المسائل العقلية، وعن الأحاديث العلمية، وما هو الحديث هو أن في مورد التصادق هل تبقى الإرادتان الإلزاميتان على حالهما من الباعثية والزاجرية أم تنتفي إحداهما وتبقي الاخرى من غير سراية الإرادة الباقية إلى متعلق الإرادة الزائلة ؟ فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين. وإن شئت قلت: إن النزاع حول الانحفاظ المزبور، والقول بعدم الانحفاظ، ينشأ من توهم السراية والتركيب الاتحادي، ومن التكليف بالمحال، أو التكليف المحال. أو إن شئت قلت: للامتناعي أن يقول بالتركيب الانضمامي، وله أن يقول بعدم السراية، كما يظهر وجهه في جوهر البحث، فمنه يعلم عدم ابتناء المسألة على التركيب المزبور، وعلى القول بالسراية المذكورة. مع أن حديث السراية من الأباطيل، وحديث التركيب أجنبي عن بحوث الاعتباريات، كما سيتضح جدا، فعليه

[ 121 ]

تكون المسألة حول إمكان انحفاظ الإرادتين الإلزاميتين المتعلقة إحداهما بالبعث، والاخرى بالزجر حال اجتماع المتعلقين وتعانقهما في الواحد الشخصي حسبما تحرر (1)، أو في الأعم منه ومن الكلي بأقسامه. وغير خفي: أن أصل النزاع في هذه المسألة بناء عليه، يكون كبرويا، لرجوعه إلى أنه هل يمكن أن تجتمع تلك الإرادتان في نفس المولى حال اجتماع المتعلقين في الخارج، وتصادقهما عليه، أم لا يمكن المحافظة على جمعهما في نفسه ؟ والنزاع في أن المراد من " الواحد " شخصي، أو كلي، أو أعم، يكون صغرويا، لأن من ينكر الأعمية مثلا يدعي: أن في المجمع الكلي يلزم وحدة المتعلق زائدا على وحدة المجمع، وهو محال، ومن يدعيها ينكر هذا اللازم، وسيأتي في بحث اشتراط المندوحة وعدمها ما يغنيك في المقام إن شاء الله تعالى (2). المقدمة الثانية: في الفرق بين هذه المسألة ومسألة النهي عن العبادة يتراءى من كلماتهم التصدي لبيان الفرق بين هذه المسألة، ومسألة النهي عن العبادات، وهذا غير صحيح، للزوم الإشارة إلى وجه الاشتباه والاتحاد، ثم الإيماء إلى الفروق المتصورة، فعليه يقع البحث في جهتين: الجهة الاولى: في وجه اشتراك المسألتين وبيان كيفية الاستغناء عن هذه المسألة بتلك المسألة. اعلم: أن النزاع في مسألة الاجتماع كما يتصور في العامين من وجه، اشتهر


1 - تقدم في الصفحة 116 - 118. 2 - يأتي في الصفحة 177. (*)

[ 122 ]

تصوره في العامين المطلقين (1)، وإذا كان الفرض الثاني صحيحا - وهو أن يكون البحث حول اجتماع الأمر المتعلق بالصلاة، والنهي المتعلق بالصلاة في وبر مالا يؤكل لحمه - يشتبه الأمر على الباحثين، ويتوجه السؤال المزبور، لأن المفروض تعلق النهي بالعبادة، فإذا كانت باطلة فلا موضوع لهذه المسألة. وغير خفي: أن العبادة لا تختص بذلك، لما سيأتي من إمكان جريان نزاع الاجتماع في المعاملات (2)، فإذا كان بين عنوان المأمور به والمنهي عنه في المعاملات، عموم مطلق، فيأتي السؤال المذكور أيضا، لتوجه النهي إلى ذات المعاملة، وإذا كانت هي باطلة فلا معنى لهذا البحث. هذا كله في صورة كون النسبة عموما مطلقا. وأما إذا كانت النسبة عموما من وجه، فربما يتراءى عدم وجه للاشتباه بين المسألتين، ضرورة أن اختلاف المسائل باختلاف الموضوعات، أو المحمولات، أو الأغراض والغايات، أو الحيثيات على سبيل منع الخلو، ونحن نشاهد كمال الخلاف بين هذه المسألة وتلك المسألة، فلابد من السؤال عن وجه التشابه. أقول أولا: من الممكن أن يكون متعلق النهي في العامين من وجه عنوان العبادة، مثل قوله: " صل الصبح " و " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " (3) فيتوجه الاشتباه الموجب للسؤال عن الفرق. وثانيا: إن من اشتبه عليه الأمر توهم: أن النهي المتعلق بالعنوان، لمكان أنه ينحل إلى النواهي الكثيرة، فلابد أن يسري إلى المصاديق والأفراد، فتكون الصلاة في الدار المغصوبة مورد النهي طبعا، فلو كان النهي في العبادات والمعاملات موجبا


1 - الفصول الغروية: 125 / السطر 8 - 9، مطارح الأنظار: 128 / السطر 34. 2 - يأتي في الصفحة 137 - 139. 3 - علل الشرائع 2: 342، الباب 43، وسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 7. (*)

[ 123 ]

لفساد متعلقهما، فلا معنى للنزاع في هذه المسألة كما ترى. ومن هنا يظهر وجه الاشتباه في المعاملات إذا كانت النسبة بينها وبين المنهي عنه، عموما من وجه، مثلا النسبة بين قوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * (1) وبين الحديث المعروف " نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغرر " (2) عموم من وجه، إلا أن النهي لمكان انحلاله العرفي إلى النواهي، فيكون البيع الغرري مورد النهي، ويكون فاسدا، ولا يبقى حينئذ موضوع لهذه المسألة. ومما يؤيد الاشتباه المزبور في المقام، تمسك الأعلام بالحديث المزبور لفساد المعاملات الغررية (3)، مع أن النهي تعلق بالأمر الخارج، فافهم واغتنم. الجهة الثانية: في بيان الفارق بينهما وهو أولا: أن جريان النزاع في هذه المسألة في العموم والخصوص المطلقين، محل المناقشة جدا، وسيوافيك تحقيقه (4). وثانيا: أن النهي في هذه المسألة نهي فرض أنه تكليفي، ولا يستتبع النهي التكليفي فساد متعلقه، بل التحقيق أنه يقتضي الصحة، كما يأتي تحقيقه (5)، والنهي المفروض في تلك المسألة نهي لم يفرض كونه تكليفيا، بل عقدت المسألة على أن يعرف النهي المتعلق بالعبادة أنه يدل على الفساد، أم لا ؟.


1 - المائدة (5): 1. 2 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 45 / 168، وسائل الشيعة 17: 448، كتاب التجارة، أبواب آداب التجارة، الباب 40، الحديث 3. 3 - تذكرة الفقهاء 1: 466 / السطر 22 - 24 و 467 / السطر 4 - 6، مجمع الفائدة والبرهان 8: 172، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 185 / السطر 3 - 4. 4 - يأتي في الصفحة 142 - 146. 5 - يأتي في الصفحة 351. (*)

[ 124 ]

وبعبارة اخرى: في تلك المسألة إما نقول بأن النهي المتعلق بالعبادة أو المعاملة، يوجب الفساد، فيلزم المشابهة بين المسألتين، وأما إذا قلنا: بأنه لا يقتضي الفساد، فلابد من عقد هذا البحث، والسؤال عن كيفية إمكان الجمع بين الأمر المفروض تعلقه، والنهي غير الموجب للفساد، فلا يغني البحث الآتي عن هذه المسألة بالضرورة. وإن شئت قلت: هذه المسألة من صغريات باب التزاحم، والمسألة الآتية من صغريات باب التعارض، إن بنينا على أن النهي إرشاد إلى الفساد، وأما إذا بنينا على أن النهي تكليف صرف، فيكون صغرى لهذه المسألة، كما لا يخفى. ومن العجب أن الأصحاب حتى الوالد المحقق - مد ظله - وقعوا فيما لا ينبغي، فبحثوا أولا عن امتياز المسائل وما به الامتياز، ثم عن بعض الفروق المذكورة في الكتب، فأطالوا مالا داعي إلى إطالته (1) ! ! وتوهم بعض آخر منهم: أن نتيجة هذه المسألة صغرى لتلك المسألة، وهو أنه إن قلنا بالسراية، فيلزم تعلق النهي بالعبادة (2)، وأنت قد أحطت خبرا بأن مسألة السراية من الأباطيل (3). ولا حاجة إلى تلك البحوث، بل نتيجة تلك المسألة صغرى لهذا المسألة، وهو أنه إذا قلنا: بأن النهي في العبادة أو المعاملة لا يكون مفسدا، فيكون تكليفا ومستلزما للصحة، فيلزم اجتماع الأمر والنهي في شئ واحد، مع كون المتعلقين مختلفين، كما هو المعلوم المفروض. وثالثا: أن النهي لا ينحل إلى النواهي كما مر (4)، ولو انحل فلا يسري إلا إلى


1 - كفاية الاصول: 184 - 185، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 99 - 102، مناهج الوصول 2: 110 - 111. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 166. 3 - تقدم في الصفحة 120. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455 وفي هذا الجزء: 99. (*)

[ 125 ]

المصاديق الذاتية، دون الخصوصيات الملازمة، كما تحرر وتقرر (1). ومن هذه التنبيهات تظهر مواضع الفساد في كلمات الأصحاب (قدس سرهم). إن قلت: بناء على شمول أدلة التعارض للعامين من وجه، فلا يبقى محل للنزاع في المقام. قلت أولا: هو ممنوع. وثانيا: أن تعارضهما يكون بالعرض على تقدير الامتناع، للعلم بكذب أحدهما، وعلى الاجتماع فلا يثبت التعارض بالعرض أيضا، فتدبر. تتميم: حول كفاية مسألة النهي عن العبادة عن هذه المسألة ربما يخطر بالبال أن يقال: إن من المحرر في بحث التعبدي والتوصلي، أن قضية القواعد هي التعبدية في مسألة أن إطلاق الأمر هل يقتضي تحقق الامتثال بالمصداق المحرم، أم لا ؟ والمراد منها لزوم كون المصداق الممتثل به غير محرم، ويكون مباحا (2). ونتيجة تلك المسألة هي الغناء عن هذه المسألة، فلا وجه لعنوانها والبحث عن جواز الاجتماع واللا اجتماع، لأنه على تقدير جوازه عقلا، فلا يجوز في مقام الامتثال الاكتفاء بالفرد المنطبق عليه عنوان المحرم، فالصلاة في المغصوبة باطلة على التقديرين. والاستغناء عن هذه المسألة بما مضى في الأوامر (3)، أقوى في النظر من تقريب الاستغناء عنها بما يأتي في هذا المقصد (4). أقول أولا: إن نتيجة هذه المسألة أعم من كون المأمور به مورد الأمر


1 - تقدم في الجزء الثالث: 241 و 454 - 455. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 185. 3 - نفس المصدر. 4 - تقدم في الصفحة 123، ويأتي في الصفحة 285. (*)

[ 126 ]

التكليفي، أو الإنفاذي كما في المعاملات، ولو تم لزوم كون الفرد الممتثل به مباحا، فهو فيما كان الأمر تكليفيا. وثانيا: نتيجة هذه المسألة إمكان جواز الاجتماع بين الإرادتين في مورد اجتماع العنوانين في المجمع الواحد، ولو ورد في النص صحة الصلاة في المغصوبة مثلا، فلا يلزم منه الإشكال العقلي، ولأجله أجمعوا على صحتها في حال غير العلم والعمد (1)، ومع ذلك نلتزم بأن الغصب في ذلك الحال حرام، إلا أنه معذور للجهل، بل وهي صحيحة حتى مع الجهل بالغصبية جهلا مركبا لا يعد عذرا، فلا يلزم الاستغناء بذاك عن ذي بالضرورة. وثالثا: قد مر منا مرارا أن الاستغناء عن مسألة بمسألة اخرى عند بعض، لا يورث سقوطها (2)، وقد مضى أن جمعا (3) لا يعتبرون في صحة الامتثال كون الفرد الممتثل به مباحا (4)، ومنهم الوالد المحقق - مد ظله (5) -. المقدمة الثالثة: حول اصولية مسألة اجتماع الأمر والنهي وعدمها هل أن هذه المسألة من المسائل الفقهية، أم الكلامية (6)، أم الاصولية (7)، أم


1 - إيضاح الفوائد 1: 86، مجمع الفائدة والبرهان 2: 110، مدارك الأحكام 3: 219، ذخيرة المعاد: 238 / السطر 44، جواهر الكلام 8: 293. 2 - تقدم في الجزء الأول: 236، وفي الجزء الثاني: 112، وفي الجزء الثالث: 231 و 233. 3 - قوانين الاصول 1: 150 / السطر 7 - 8، أجود التقريرات 1: 102، نهاية الأفكار 1: 208. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 187. 5 - مناهج الوصول 2: 135. 6 - قوانين الاصول 1: 140 / السطر 19. 7 - نهاية الأفكار 2: 407، مناهج الوصول 2: 113. (*)

[ 127 ]

من المبادئ الأحكامية (1)، أو التصديقية (2)، أو ليس بشئ منها (3) ؟ وجوه وأقوال، ومنها: أنها من الكل (4). الأول: أنها من الفقهية، لأن البحث في الحقيقة راجع إلى أن العمل المنطبق عليه العنوان صحيح ونافذ، أم لا، ومجرد اختلاف العنوان في طرح البحث، لا يورث الخروج عن مسائل العلم، كما لا يخفى. وقيل بخلاف ذلك، ضرورة أنه لو كان الأمر كما حرر، لكانت جميع المسائل الاصولية من المسائل الفقهية (5). نعم، لا بأس بالالتزام بذلك، بدعوى أن المسألة الواحدة لأجل اختلاف الأنظار فيها، تعد من المسائل للعلوم الكثيرة، حسب كيفية الارتباط الحاصل بينها وبين موضوع العلم وسائر مسائله ومباحثه، ثم إنه إذا كانت من المسائل الفقهية، فهي ذات وجهين: الصحة، والفساد، فإذا قيل بالصحة فلابد من الدليل عليها، ولا يستدل لها إلا بجواز الاجتماع، وهكذا في ناحية الفساد لا يستدل إلا بعدم الجواز، وهذا يشهد على تعدد المسألتين، وإلا يلزم كون الدليل عين المسألة، فلا تخلط. الثاني: أنها من المسائل الكلامية، وتقريب ذلك بأن البحث هنا حول إمكان اجتماع الإرادتين وامتناعه، أو حول قبح ذلك وعدم قبحه، أو أنه هل يحصل الامتثال بالمجمع أم لا ؟ غير صحيح، ولذلك يتوجه إليه ما في المفصلات (6).


1 - مطارح الأنظار: 126 / السطر 23 - 24. 2 - أجود التقريرات 1: 333 - 334، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 400. 3 - انظر مطارح الأنظار: 126 / السطر 28، ويأتي في الصفحة 132 - 133. 4 - انظر كفاية الاصول: 185. 5 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 378 - 379. 6 - مطارح الأنظار: 126 / السطر 14 - 20، تهذيب الاصول 1: 379، محاضرات في اصول الفقه 4: 177 - 178. (*)

[ 128 ]

نعم، لنا أن نقول: بأنه يرجع البحث إلى أن اجتماع الإرادتين، هل يستلزم التكليف بالمحال أم لا، أو هل يرجع إلى التكليف المحال، أم لا ؟ وعند ذلك يعد من المسائل الكلامية، أو هل مثل هذه قبيح من المبدأ الأعلى، أم لا ؟ وعلى هذا لا يتوجه إليه الإشكالات المزبورة على كونها كلامية. نعم، يتوجه إليه ما أفاده جدي الأعلى (قدس سره) في " التقريرات ": من أن هذه المسألة أعم، ولا تختص بالأحكام الشرعية والقوانين الإلهية، بل المسائل الاصولية مباحث عقلائية كلية يستنتج منها المسائل الشرعية، فالبحث من هذه الجهة عام يشترك فيه المبدأ وغير المبدأ من الموالي العرفيين (1)، فاغتنم. الثالث: أنها من المبادئ الأحكامية، والظاهر أن المبادئ الأحكامية هي المسائل الخاصة بها الاصول، ولا تشترك فيها سائر العلوم، لأن مبادئ العلم بين تصورية، وتصديقية، ولا ثالث لهما. والمراد منها هي المباحث المعنونة في هذا العلم لكشف الحكم الشرعي من طريق العقل، مع دخالة النقل، كالبحث عن وجوب المقدمة، وحرمة الضد، وحيث إن علم الاصول ليس من العلوم المتعارفة كما سيمر عليك تحقيقه (2)، فلا منع من ازدياد المبادئ الاخر المسماة ب‍ " المبادئ الأحكامية " فيها. فما أوردنا عليها فيما سلف: من أنها إما تكون تصورية راجعة إلى تصور الموضوع والمحمول بحيال ذاتهما، أو تصديقية راجعة إلى الأدلة والحجج القائمة على إثبات المحمول للموضوع، والأحكامية ليست منهما، ولا ثالث (3)، قابل للدفع


1 - مطارح الأنظار: 126 / السطر 13. 2 - يأتي في الصفحة 132. 3 - تقدم في الجزء الأول: 51 - 52، وفي الجزء الثالث: 8. (*)

[ 129 ]

بما اشير إليه، ضرورة أن البحث عن وجوب المقدمة وحرمة الضد، لا يعد من المبادئ التصورية، ولا التصديقية، فلابد وأن تكون من المبادئ الأحكامية، أي المقدمات التي يستنتج منها الحكم الشرعي من الوجوب والحرمة، لأجل تعلق الحكم الآخر بالموضوع الآخر. وإدراجها في المسائل الاصولية حسبما سلكه المتأخرون ممكن، ولكن بناء على كون الموضوع علم الاصول هي الحجة في الفقه (1) يشكل الإدراج، لأنه بحث عن الوجوب واللاوجوب، لا عن تعينات الحجة واللاحجة كما لا يخفى، ولاسيما على ما فسروا الحجة: " من أنها هي الحجة بالحمل الأولي فقط " (2). أقول: لو سلمنا جميع هذه المقدمات، فلا نسلم كونها من المبادئ الأحكامية، ضرورة أن البحث في هذه المسألة يدور مدار إمكان انحفاظ الإرادتين في المجمع وعدمه، وهذا ليس من البحث عن الملازمات العقلية المستكشف بها الحكم الشرعي. نعم، إن قلنا: بأن المقصود أعم من المبادئ المنتهية إلى كشف الحكم الشرعي، ومن المبادئ المنتهية إلى إمكان حفظ الحكم الشرعي على موضوعه، فهو وجيه، إلا أن لازمه خروج مباحث الظن والشك عن مسائل العلم، لما يبحث فيها عن الإمكان المزبور، فإن شبهات ابن قبة (3) ترجع إلى امتناع المحافظة على الأحكام الواقعية في مرتبة الأحكام الظاهرية، فهذه المسألة خارجة عن المبادئ الأحكامية بالضرورة.


1 - نهاية الاصول: 15. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 15 - 16. 3 - فرائد الاصول 1: 40. (*)

[ 130 ]

الرابع: أنها من المبادئ التصديقية لعلم الاصول، وذلك لأن البحث في هذه المسألة صغروي، ويرجع إلى أن عند القول بالامتناع يندرج موضعها في كبرى مسألة التعارض، وعلى القول بالاجتماع يندرج في كبرى مسألة التزاحم، وبالانضام إلى الكبريين المزبورتين تنتج النتيجة الفقهية (1). ومن العجيب أن تلميذ العلامة النائيني - عفي عنهما -، اعترض عليه بما (2) هو أجنبي عن فصوص كلامه ! ! والذي يتوجه إليه: أن المبادئ التصديقية في كل علم عبارة عن الأدلة الناهضة على إثبات الاتحاد بين المحمول والموضوع المعنون على سبيل التردد في أصل العلم. مثلا: يعنون في العلم أن الدور مستحيل بذاته، أم لا، فمن يدعي استحالته الذاتية يقيم عليه البرهان، وهو من المبادئ التصديقية، ومن ينكره يقيم أيضا البرهان على عدم استحالته الذاتية، وهذا البرهان يعد من تلك المبادئ. وأما في المقام فالبحث أجنبي عن المبادئ التصديقية، بل هو راجع إلى الفحص عن وجود الموضوع للمسألة الاصولية، بناء على صغروية النزاع، وتكون أشبه بالمبادئ التصورية والأدلة الناهضة على إثبات هذا الموضوع، لا تعد من المبادئ التصديقية للعلم. وبالجملة: هذه المسألة خارجة عن المبادئ التصورية أيضا، وتكون من قبيل البحوث عن أصالة الوجود في العلم الأعلى، مع أن موضوعه الوجود، وإثبات موضوع العلم في ذلك العلم ليس من مسائل العلم، ولا من المبادئ التصورية، ولا التصديقية، كما تقرر منا في " قواعدنا الحكمية " ولذلك أنكرنا فيها كونه موضوعا،


1 - أجود التقريرات 1: 333 - 334. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 179 - 180. (*)

[ 131 ]

وجعلنا الموضوع عنوانا قابلا للانطباق على الوجود والماهية، حتى يكون البحث عن الوجود والماهية وأصالتهما، من عوارضه وتبعاته. الخامس: أنها من المسائل الاصولية، وعلى ذلك أكثر المتأخرين (1)، ومنهم الوالد المحقق (2) - مد ظله - وذلك لوقوعها في طريق استنباط الحكم الفرعي، مثلا إذا شك في أن الصلاة في المغصوبة صحيحة أم لا، فهي مسألة فقهية، فإن كان الجواز ممكنا نحكم بالصحة، وإلا فنحكم بالفساد. وتوهم: أن المسألة الاصولية لا يعتبر فيها كونها في طريق الاستنباط بطرفيها (3)، في محله، إلا أن هذه المسألة يقع الطرفان في طريقه، ضرورة أن القول بالفساد من المسائل الفقهية، وتترتب عليه الآثار الشرعية، ومستنده الامتناع، والقول بالصحة مثله. بل قلما يتفق ذلك حتى في مثل حجية الخبر الواحد والظواهر، فإن للفقيه الفتوى بعدم الوجوب أو بالوجوب مستندا إلى عدم حجية الخبر الواحد، أو عدم حجية الظواهر، فلا تخلط وتأمل. أقول: المشهور عنهم " أن مسائل الاصول هي الكبريات الواقعة في طريق الاستنتاج (4) " ولو كان هذا حقا لما كانت هذه المسألة منها، لعدم وقوعها كبرى قياس الاستنباط. مثلا: يقال: " قول زرارة حجة، لأنه خبر واحد، والخبر الواحد حجة، فقوله حجة " وهكذا، وأما فيما نحن فيه فلا تنطبق المسألة على المسألة الفقهية وهي


1 - نهاية الأفكار 2: 407، منتهى الاصول 1: 383، محاضرات في اصول الفقه 4: 180. 2 - مناهج الوصول 2: 113. 3 - محاضرات في اصول الفقه 4: 179 - 180. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 19، نهاية الأفكار 1: 20 - 21، محاضرات في اصول الفقه 1: 13. (*)

[ 132 ]

صحة الصلاة في الدار المغصوبة. نعم، قد مر منا في تعريف علم الاصول: أنه الحجة على المسائل الفقهية من غير لزوم كونها كبرى، بل لابد من كونها مما يصح الاستناد إليها لإثبات المحمول في القضية الفقهية، سواء كانت بالتوسيط، أو بالانطباق (1). وتوهم: أنها تتقيد بعدم الانطباق (2)، في غير محله، لأن كثيرا منها تنطبق على المسألة الفقهية، وتقع كبرى الاستنباط والقياس، وقد مضى الفرق بين الكبريات الاصولية والقواعد الفقهية بما لا يقتضي الالتزام بالتقييد المزبور، فراجع (3) وتدبر. فعلى هذا، تكون هذه المسألة من المسائل الاصولية على تعريفنا، لا على تعريف القوم (4)، ضرورة أن الفقيه بعد الإفتاء بالصحة يستند إلى إمكان الاجتماع، وإذا أفتى بالفساد يستند إلى امتناعه. والذي هو الحق: أن علم الاصول ليس من العلوم الحقيقية المخصوصة بالأحكام الخاصة، والمحصورة بالقيود والموازين العلمية المحررة في علم الميزان، ولا من العلوم المتعلقة بالأعيان الخارجية تعلقا طبيعيا كالرياضيات، بل هو من العلوم الاعتبارية المدونة لحال البشر بعد الاجتماع، ولنظام الامة بعد الحضارة والتمدن، فلا ينتظر منها الانتظامات الخاصة المعتبرة في سائر العلوم، ولذلك أنكر بعض أربابه وجود الموضوع له رأسا (5).


1 - تقدم في الجزء الأول: 48. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 8 و 13. 3 - تقدم في الجزء الأول: 38 - 39. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 19، نهاية الأفكار 1: 21، مناهج الوصول 1: 51. 5 - نهاية الأفكار 1: 18، مناهج الوصول 1: 40، تهذيب الاصول 1: 8 - 9، محاضرات في اصول الفقه 1: 28. (*)

[ 133 ]

وإني وإن بحثت عن ذلك في أوائل الكتاب (1)، وبادرت إلى تعيين الموضوع له كسائر العلوم، ولكن الإنصاف أنها مباحث متشتتة يجمعها الغرض الوحداني، وهو الفرار من التكرار اللازم في الفقه، ولتوسعة مباحثه ومطالبه دون في محل آخر، وإلا كان القدماء يتكلون على جل هذه المسائل في الفقه، فلو كان هو علما آخر وراء الأدلة على المسائل الفقهية، لما كان وجه للخلط المزبور، فهو في الحقيقة عبارة عن المبادئ التصديقية لمسألة فقهية، ومحل المبادئ التصديقية هو العلم الذي يستدل بها فيه، ولا محل آخر له يختص به، فتأمل. وعلى كل تقدير: الأمر سهل، والمقصود واضح، والإطالة من اللغو المنهي عنه، والله الهادي والمعتصم. ذنابة قد تبين مما سلف: أن هذه المسالة عقلية محضة، وليست لفظية، ولا مشتركة، ضرورة أن مناط المسألة العقلية هو كون البحث حول درك العقل وعدم دركه، من غير كون الكلام حول الدلالات اللفظية، ومنه تبين مناط المسألة اللفظية. وإذا تبين ذلك فاعلم: أن مسائل الاصول بين ما تكون لفظية، كالبحث عن دلالة الأمر على كذا، والنهي على كذا، وعدمها، وما تكون عقلية ولفظية، كالبحث عن أن الأمر بالشي يقتضي حرمة ضده، فإنه ربما يستدل باللفظ والدلالات اللفظية، وربما يستدل بالعقل، وما تكون عقلية صرفة، ولعل منها مسألة وجوب المقدمة. وأما مسألتنا هذه فهي منها بلا إشكال، لعدم الاستدلال فيها على دلالة الأمر، أو النهي، أو الشئ الآخر على إمكان الاجتماع واللا إمكانه. والاستشهاد ببعض


1 - تقدم في الجزء الأول: 33. (*)

[ 134 ]

المسائل الشرعية (1) والأخبار الآتية (2)، لا يورث كونها أعم، لأنها تكون مؤيدة لدرك العقل، ولا يستدل بها استقلالا. بل لو كان يستدل بها، فهو أيضا لا يوجب كون المسألة لفظية، أفما ترى أنه يستدل على حجية الاستصحاب بالأخبار (3)، مع أن المسألة عقلية. وبالجملة: مع قيام الدليل العقلي على الإمكان أو على الامتناع، فهو المتبع دون غيره. نعم، إذا لم يثبت الإمكان ولا الامتناع، واقتضى فرضا بعض الأخبار جواز الاجتماع، فيتعبد به من غير إمكان إحراز الإمكان المقابل للامتناع كما تحرر في أوائل مباحث الظن (4) ولا يعد أيضا من الاستدلال على المسألة بالدليل اللفظي، فتأمل. ومن العجيب ما يستظهر من " الكفاية " (5) وغيره (6) من توهم: أن المسألة ليست عقلية، وتوهم أن عنوان المسألة حيث يكون " إجتماع الأمر والنهي ولا اجتماعه " وهو غالبي، يورث الخروج عن لفظية المسألة (7) ! ! وأنت تعلم: بأن الأمر والنهي متقومان بالإنشاء، والإنشاء المقصود في المقام هو الإنشاء ذو الإطلاق، فلابد من كون الأمر والنهي مورد البحث والكلام، ولكنه لا يستلزم لفظية المسألة، لما تحرر (8). والمساس مع اللفظ لا يورث اللفظية، كما


1 - قوانين الاصول 1: 142 / السطر 13. 2 - يأتي في الصفحة 227 - 228. 3 - فرائد الاصول 2: 563 - 575. 4 - يأتي في الجزء السادس: 217. 5 - كفاية الاصول: 186. 6 - فوائد الاصول، المحقق الخراساني: 143. 7 - نهاية النهاية 1: 214. 8 - تقدم في الجزء الثالث: 297 - 298. (*)

[ 135 ]

هو الواضح. ومن العجيب توهم: أن المراد من " الأمر والنهي " لما كان أعم من الثابت بالكتاب والسنة، فيكون البحث عقليا (1)، مع أن الإجماع والعقل - كالكتاب والسنة - يكشفان عن الأمر والنهي، ولايكون وراء الأمر والنهي شئ. وبعبارة اخرى: لا وجود ثبوتي للأمر والنهي، بل الأمر والنهي تحققهما إثباتي وإظهاري، ولا شأن آخر لهما. نعم، للعقل كشف بغض المولى متعلقا بالغصب، وحب المولى متعلقا بالصلاة، ولو كان يستكشف إطلاقهما فيأتي النزاع، وهو إمكان اجتماع الحب والبغض في المجمع واستحالته. إفادة وإيقاظ: حول اقتضاء عقلية المسألة لسقوط التفصيل بين العقل والعرف يظهر منهم أن عقلية المسألة، يقتضي سقوط التفصيل في أصل المسألة بين العقل والعرف (2)، ضرورة أنه مع كونها عقلية، لا معنى لدخالة العرف المتبع نظره في عالم الألفاظ (3). وأنت خبير بما فيه، فإن التفصيل المزبور يرجع إلى درك العقل ودرك العقلاء والعرف، فإن من الممكن أن يقال: بأن العقل يدرك الاجتماع، ولكن العرف يدرك انحلال النهي إلى المصاديق الأعم من الذاتية والعرضية، ولا يتمكن من التفكيك بين الحيثيات الذاتية والعرضية، ونتيجة ذلك بطلان الصلاة. وبالجملة: لا يستدل باللفظ على إمكان الاجتماع ولا إمكانه، بل يستند إلى


1 - نهاية الأفكار 2: 407، محاضرات في اصول الفقه 4: 182. 2 - قوانين الاصول 1: 142 / السطر 18 - 19. 3 - أجود التقريرات 1: 353، محاضرات في اصول الفقه 4: 182. (*)

[ 136 ]

فهم العرف انحلال النهي على الوجه المزبور، ونتيجته امتناع الاجتماع، فلا تغفل. إن قلت: لا يتبع العرف إلا في فهم المفاهيم التصورية، وأما التطبيق على الخارج فهو بيد العقل (1). قلت: هذا محل الخلاف، وتفصيله في مقام آخر، والذي هو الأقرب من افق الاعتبار أن في جميع مراحل القوانين الشرعية والعرفية يكون العرف متبعا، ولا سبيل للعقل إليها. وبالجملة: بعد كون هذه المسألة خلافية، لا معنى لدعوى سقوط التفصيل المزبور، وأجنبيته عن أساس البحث، فافهم. فتحصل إلى الآن امور: الأول: أن المسألة عقلية صرفة. الثاني: أنه يمكن جريان النزاع من غير كون المسألة مماسة مع اللفظ - وهو الأمر والنهي - لجريانه في الحب والبغض. الثالث: كان ينبغي على " الكفاية " وغيره أن يتعرض بعد بيان عقلية المسألة إلى أن من الممكن جريان النزاع في غير القول من الإشارة، أو غيرها كالحب والبغض المستكشفين فرضا. الرابع: لا يتفرع على عقلية المسألة سقوط التفصيل المزبور. المقدمة الرابعة: في عموم النزاع من ناحية بعض الجهات الاخر قد عرفت عموم النزاع من حيث عدم تقوم المسألة بالأمر والنهي، ولا بما ينوب منابهما من الإشارة والكتابة، بل يأتي في مثل الحب والبغض بعد ثبوت


1 - أجود التقريرات 1: 353، محاضرات في اصول الفقه 4: 182 - 183. (*)

[ 137 ]

إطلاقهما المتعلقين بالعنوانين المتصادقين على واحد. بقي الكلام في عموم النزاع من جهات اخر، وهي بين ما يتعلق بالأمر والنهي، وما يتعلق بمتعلق الأمر والنهى، وعلى كل تقدير هي كثيرة: الجهة الاولى: في شمول النزاع للتكليف غير الإلزامي لا يختص النزاع بالأوامر والنواهي التكليفية الإلزامية، بل يجري في التكليفية غير الإلزامية: أما في الصلوات المندوبة فواضح. وأما في النواهي التنزيهية، فهو فيما إذا كان نفس الكون مكروها، كالكون مع الأجنبية في الخلوة، بناء على كراهته، أو الكون في البيت ليلا وحده، فإنه إذا اشتغل بالصلاة الواجبة أو المندوبة فيها، يأتي النزاع المزبور، فالأمر والنهي أعم من كونهما إلزاميين، أو تنزيهيين. وأما الصلاة في الأماكن المكروهة فيها الصلاة، فهي خارجة إلا على القول بدخول المطلق والمقيد في حريم النزاع (1)، كما يأتي (2)، وتفصيله في محله (3). الجهة الثانية: في شمول النزاع للأوامر الإرشادية لا يختص النزاع بكون الأمر والنهي تكليفيين، بل يأتي النزاع ولو كان الأمر إرشاديا وإعلاما إلى الصحة، مثلا إذا باع المالك العين المرهونة، يقع التخالف بين


1 - الفصول الغروية: 125 / السطر 8 - 9، مطارح الأنظار: 128 / السطر 33. 2 - يأتي في الصفحة 142 - 146. 3 - يأتي في الصفحة 237 - 242. (*)

[ 138 ]

دليل حلية البيع (1)، ودليل ممنوعية الراهن من التصرف (2) بالعموم من وجه، ويكون مورد الاجتماع التصرفات الاعتبارية، فمقتضى دليل حل البيع صحته، وقضية إطلاق المنع من التصرف حرمته. وعند ذلك فلأحد يقول: بأنه كيف الجمع بين رضا المولى بصحة البيع وترتيب آثارها عليها، وبين النهي عن التصرف المنطبق عليها ؟ ! وللآخر أن يقول بجواز الاجتماع، لاختلاف المتعلقين. وتوهم: أن الرضا لا يعتبر في صحة المعاملات، بل يكفي عدم الردع بنحو السلب المحصل، كما عن بعض (3)، في غير مقامه، وناشئ عن القصور، ضرورة أن إظهار عدم الرضا يورث الفساد، ولا تكون الخصوصية تحت الإظهار، بل الخصوصية راجعة إلى عدم الرضا، فيعلم منه الحاجة إلى الرضا في صحة المعاملات، ضرورة أن المولى الواقف على الأشياء لا تخلو حاله من الرضا، وعدم الرضا، أو البغض، وحيث يكون عدم الرضا والبغض بالمعاملة مورثا لفسادها، فتكون الحالة الثالثة موجبة لصحتها. وبعبارة اخرى: في موارد النهي عن المعاملات، كما يمكن أن يستكشف بغضه، يمكن أن يستكشف عدم رضاه، لأنه من الممكن النهي عند عدم الرضا، لانتفاء مقتضي الصحة، فإذن لا يمكن دعوى قطعية كفاية عدم الرضا للصحة، كما لا يخفى. ولأجل ذلك قيل واشتهر: " إن عدم الردع مع كون المعاملة بمرأى ومسمع من الشرع، يوجب استكشاف الصحة ". فبالجملة تحصل: جريان النزاع فيما إذا كان الأمر إرشادا إلى الصحة.


1 - البقرة (2): 275. 2 - مستدرك الوسائل 13: 426، كتاب الرهن، أبواب الرهن، الباب 16، الحديث 6. 3 - مناهج الوصول 2: 163، أنوار الهداية 1: 315. (*)

[ 139 ]

نعم، لابد وأن يكون النهي تنزيهيا في هذه الصورة، أو تحريميا، فإنه يمكن دعوى عدم اجتماعه مع الأمر المقارن مع الرضا القلبي غير القابل للاجتماع مع النهي التنزيهي، أو التحريمي، ومن هنا يظهر إمكان جريان النزاع في مورد جعل الحلية لعنوان، وجعل الحرمة لعنوان آخر يتصادقان على واحد. وأما النهي الإرشادي غير التكليفي المتعلق بعنوان، والأمر الإيجابي أو الاستحبابي المتعلق بعنوان آخر، فهو بلا مثال وإن كان يمكن فرضه، كما في مثل النهي عن بيع الحشرات، بناء على فساده شرعا ولو أمكن صحته عرفا، وأمر الوالد بالبيع، فإن قضية وجوب إطاعته، تتنافى مع قضية عدم وجوب الوفاء بالبيع وعدم رضا الشرع بتلك المعاملة، ويلزم اجتماع النهي الإرشادي مع الأمر، فإنه - ولو لا يخلو من المناقشة مثالا - لا يصح، لما أن دليل وجوب الإطاعة مقيد بما ورد من أنه " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (1) بل النهي الإرشادي معناه عدم وجوب الوفاء، ولا يستفاد منه عدم الرضا الملازم للبغض كما لا يخفى، وعدم وجوب الوفاء لا يزاحم اقتضاء الأمر المذكور، فتأمل. فبالجملة: في جانب الأمر الإرشادي يستكشف الرضا المنافي للتحريم، وأما في جانب النهي الإرشادي فلا يستكشف البغض والكراهة، بل مفاده النهي عن عدم ترتب الأثر شرعا وعدم وجوب الوفاء. الجهة الثالثة: في شمول النزاع لجميع أنحاء الإيجاب والتحريم لا يختص النزاع بالإيجاب والتحريم الخاصين، بل الظاهر جريانه في جميع أنحاء الإيجابات والتحريمات النفسية والغيرية، والعينية والكفائية، والتعيينية


1 - نهج البلاغة: 500 / 165، بحار الأنوار 10: 227. (*)

[ 140 ]

والتخييرية، وغيرها مما مر منا في تقاسيم الواجب والحرام. ولا يتعين كون طرف الواجب للنفسي التحريم النفسي، بل هو أيضا أعم من هذه الجهة، فيمكن جريان النزاع بين الواجب النفسي التعييني العيني، مع كل واحد من مقابلاته في جانب التحريم وبالعكس، فالصلاة في يوم الجمعة - التي هي الواجبة تخييرا - في الدار المغصوبة مورد الخلاف، وهكذا صلاة الميت فيها، والوضوء الواجب بالوجوب المقدمي فيها، أو مع الماء المغصوب. نعم، ربما يشكل بعض صور المسألة: إحداها: بناء على وجوب ذات المقدمة في الواجبات الغيرية (1)، يلزم اتحاد المتعلق، ولا يجري النزاع هنا بين الوجوب الغيري والحرام الذاتي المتعلق بذاته، أو الحرام المقدمي المتعلق بذات المقدمة. مثلا: إذا كان الكون على السطح واجبا، يكون نصب السلم واجبا، وإذا كان المكلف يريد شرب الخمر على السطح، يكون النصب محرما، فيخرج عن محل النزاع، لوحدة متعلق الأمر والنهي. أقول: قد تقرر منا في محله، أن ما هو الواجب هو عنوان " الموقوف عليه " (2) حتى على القول بوجوب مطلق المقدمة، لما تقرر في مقامه: من أن الحيثيات التعليلية ترجع إلى التقييدية في الأحكام العقلية، وذكرنا هناك لأجل تلك النكتة، دخول مقدمة الحرام في محط النزاع في بحث مقدمة الواجب، وأن ما هو المحرم - على تقديره - هو عنوان " الموصل " أو " الموقوف عليه " أيضا (3)، فلا يلزم اتحاد المتعلق كما ترى.


1 - كفاية الاصول: 142 / السطر 7 - 9. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 27 و 185 - 186. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 179 - 180 و 192 و 198 و 283 - 291. (*)

[ 141 ]

ثانيتها: لا يتصور النزاع بين الإيجاب والتحريم التخييريين، لأن معنى الوجوب التخييري هو إيجاب الجامع بين شيئين، ومعنى الحرمة التخييرية هو تحريم الجمع بين الشيئين، والمكلف يتمكن من الجمع بينهما بالضرورة، فلا تنافى بحسب مقام الجعل، ولا بحسب مقام الامتثال. أقول: هذا ما يستظهر من كلمات بعض المعاصرين (1) - مد ظله - وأنت خبير بما فيه من المفاسد: فأولا: إن إمكان الامتثال لا يورث الخروج، وإلا فيلزم مع وجود المندوحة خروج جميع الفروض عن حريم النزاع، وهو غير ملتزم باشتراط المندوحة في صحة النزاع (2). وثانيا: إن الواجب التخييري فرع وجوب آخر لا يرجع إلى الوجوب التعييني، ولا يكون في مورد الإيجاب التخييري مصلحة قائمة بالجامع، بل يمكن أن يكون بكل واحد من الطرفين مصلحة خاصة، إلا أن الشرع - مراعاة للتسهيل والسياسة - اكتفى بالواحد، ولم يوجبها تعيينا. فعلى هذا نقول: التحريم التخييري يتصور على وجهين كما مر: أحدهما: ما يكون المصداق الأول محرما، والثاني مباحا. ثانيهما: عكس ذلك، وهو أن المصداق الأول يكون مباحا، والثاني محرما (3). فإن كان المالك رضي بالتصرف في إحدى الدارين فقط، وحرم التصرف في الاخرى، فإن كان معناه أن الدخول الأول محرم، فلو صلى صلاة الجمعة المتحدة


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 187 - 188. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 189 - 190. 3 - تقدم في الصفحة 35. (*)

[ 142 ]

معه، يلزم الاجتماع. وإن كان معناه أن الدخول الثاني محرم، فيلزم الاجتماع في الصلاة المتحدة معه أيضا. وربما يتصور التخيير التحريمي في صورة كون المجموع محرما، لا واحد، مثلا في صورة الاضطرار إلى سد الجوع بالميتة، أو شرب الخمر تحفظا على نفسه، إذا جمع بينهما يلزم الاجتماع، لأن الأكل الجامع بينهما محرم لأجل كون المجموع محرما، وواجب لأجل المحافظة على النفس بالوجوب الغيري. وفي مثال أتى به " الكفاية " مع قصور في عبارته، يلزم الاجتماع في صورة التخلف بإتيان المجموع، كما إذا نهى المولى عن التصرف في الدار، والمجالسة مع الأغيار تخييرا، فإنه إذا صلى فيها مع مجالستهم، كانت حال الصلاة فيها حالها في صورة النهي تعيينا عن التصرف فيها (1). ومن الممكن المناقشة في هذه الصورة: بأنه مع إمكان الجمع بين الأطراف، يعد من المحرم التعييني. اللهم إلا أن يقال: بأنه لا ينقلب الواجبات عما عليها من الاعتبارات لأجل ذلك، كما برهنا عليه في محله (2). وغير خفي أن النظر إلى إعطاء الكبرى، فلا مشاحة في المثال، وليس من دأب المحصلين. الجهة الرابعة: شمول النزاع للعنوانين اللذين بينهما عموم وخصوص مطلقا لاشبهة في عدم جريان النزاع في العنوانين المتساوقين، ولا المتباينين، ولا كلام في جريانه في العنوانين اللذين بينهما العموم من وجه في الجملة، وإنما


1 - كفاية الاصول: 186 - 187. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 227 - 228. (*)

[ 143 ]

البحث في اللذين بينهما نسبة العموم المطلق. وقبل الإشارة إلى التفصيل في المسألة، نومئ إلى مطلب ذكرناه سابقا: وهو أن جميع العناوين المختلفة مفهوما - سواء كانت من العناوين الذاتية، أو العرضية، وسواء كانت من العناوين المحمولة بالضميمة، أو تكون خارجة المحمول - مختلفة بحسب الجهة صدقا، ولا يعقل وحدة الجهة صدقا مع تعدد العنوان مفهوما بالضرورة، لامتناع انتزاع الكثير من الواحد بجهة واحدة حتى في البسيط الحقيقي، فقد عرفت اختلاف منشأ اعتبار " العالم " و " القادر " من الوجود المطلق البسيط من جميع الجهات من غير لزوم التركيب في الذات (1). فالمراد من أن بين المفهومين تارة: عموما من وجه، واخرى: تباينا، وثالثة: تساوقا، ورابعة: عموما مطلقا، هو أن المفاهيم المختلفة صدقا، والمتفاوتة حقيقة في الخارج، تارة: يتحدان بحسب الصدق، ويكونان متلازمين صدقا، كالوحدة والوجود. واخرى: غير متلازمين صدقا وانطباقا، وهو بين المتباينات، كالحجر والإنسان، والعامين من وجه، والمطلقين. والمراد من " التساوي " هو التوافق صدقا، لا التساوي مفهوما، لأن المفروض هو اختلافهما مفهوما. إذا تبين ذلك، يتبين فساد بعض المقالات في هذه المقامات، والأمر أوضح على أهله. ثم اعلم: أن جريان النزاع في المطلق والمقيد عندنا ممنوع، لأن اختلاف المطلق والمقيد ليس يورث اختلافا في وحدة متعلق الأمر والنهي، فلو قال: * (أقيموا الصلاة) * وقال: " لا تصل في المغصوب " فلا يكون بين العنوانين فرق في


1 - تقدم في الصفحة 118. (*)

[ 144 ]

عالم العنوانية إلا بزيادة القيد على الطبيعة، فيلزم كون الشئ الواحد مصب الأمر والنهي، وهو محال بالضرورة. واختلاف العناوين كلا في عالم العنوانية صحيح، ولكنه لا يورث حل المشكلة هنا، وهو ما إذا كان النظر إلى العناوين فانية في الواقعيات ومداليلها، فما هو مورد الأمر هي الصلاة، وما هو مورد النهي هي الصلاة أيضا، وزيادة القيد في مورد النهي إن كانت تورث زيادته في جانب الأمر، فهو من التباين الخارج عن محل النزاع. وإن لم يورث فيلزم اتحاد متعلق الأمر والنهي، لا بمعنى اتحاد متعلق الأمر النفسي في المطلق، والأمر الضمني في المقيد، بل لا يمكن ترشح الإرادة ثانيا بالنسبة إلى مورد الأمر الأول. ولا يمكن حل مشكلة اجتماع الأمر والنهي باختلاف العنوانين في عالم التقنين والجعل، كما هو الظاهر. وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " إذا كان بين العنوانين عموم وخصوص مطلقا، ولم يكن اشتراك بحسب العنوان، بأن لم يؤخذ مفهوم الأعم في الأخص، فلا بأس بجريان النزاع " (1). وأنت خبير بما فيه، فإن مجرد التباين لو كان كافيا فهو حاصل مطلقا، وإذا لم يكن هذا كافيا فلا يعقل ترشح الإرادة ثانيا. وبعبارة اخرى: إذا كان مفهوم " الصلاة " يساوق مفهوم " العبادة " وتكون بينهما الملازمة صدقا دائما، فكما لا يعقل توجيه الأمر بالصلاة والنهي بالعبادة مع اختلافهما عنوانا وحيثية، كذلك الأمر في المطلق والمقيد وإن كان مورد النهي عنوان " الغصب الصلاتي " بأن ورد " صل " و " لا تغصب في الصلاة ".


1 - مناهج الوصول 2: 126. (*)

[ 145 ]

إن قلت: كيف لا يعقل توجيه الأمر بالصلاة والنهي بالمركب والمقيد، مع أن ما هو مورد الأمر ليس مورد النهي النفسي، ولا الضمني ؟ ! فلا يلزم اتحاد متعلق الأمر والنهي حتى يكون فاسدا بالضرورة (1). قلت: عنوان المركب من الأجزاء إن كان معنى محصلا، بحيث تكون الأجزاء محصلاته، فالأمر كما قيل. وأما إذا كان عنوان المركب هو نفس الأجزاء بالأسر، ويكون الفرق بينهما بالإطلاق والتقييد، وفي مورد التقييد يكون نفس الطبيعة المتقيدة مورد النهي، ويكون النهي النفسي متعلقا بنفس الطبيعة مع شرطية القيد، بنحو لا يحصل من التقييد طبيعة ثانية مقيدة، حتى يلزم اختلاف مورد الأمر مع النهي، فإنه وإن كان مورد النهي مركبا، ولكن لا بحيث لا يصدق عليه مورد الأمر، فلا يعقل ترشح الإرادة الثانية، لما يلزم تعلقها بعين ما تعلق به الأول. ولو كان بين المتعلقين خلاف بحسب الواقع، فيلزم خروج هذه الصورة عن مصب البحث، للزوم التباين كما ترى، فمع الحفاظ على الإطلاق والتقييد لا يعقل الاندراج. وأما فيما إذا كان المركب معنى محصلا، فيلزم الجمع بين الأمر النفسي والنهي الغيري، كما لا يخفى فتدبر. هذا تمام الكلام فيما يتعلق بالعناوين التي بينها الإطلاق والتقييد، أي تكون بينها من النسب نسبة العموم والخصوص المطلقين. والذي هو الحجر الأساس لإخراجها عن محط البحث: هو أن النهي في المقيد يكون بداعي الانزجار عن المنهي، وإذا كان الناهي متوجها إلى أن هذا


1 - انظر مناهج الوصول 2: 126. (*)

[ 146 ]

الانزجار لا يمكن أن يحصل مطلقا إلا مع الإخلال بمطلوبه في جانب الأمر، فلا يمكن أن تترشح الإرادة الزاجرة بالضرورة في جانب المقيد، سواء كان المقيد مورد النهي، أو كان هو مورد الأمر، والمطلق مورد النهي، أو كان مثل قوله: " صل " و " لا تغصب في الصلاة ". شرائط اندراج العنوانين اللذين بينهما عموم وخصوص من وجه بقي البحث في شرائط اندراج العناوين التي بينها نسبة العموم والخصوص من وجه، فالذي هو التحقيق وهو الميزان والملاك في دخول كل شئ في محط الكلام في المقام: هو أن مصب الأمر والنهي إذا كان بحيث لا يرجعان إلى وحدة المتعلق في مقام الجعل والتقنين، يكونان مندرجين في بحث الاجتماع والامتناع، سواء كانا من العناوين العرضية، أو الذاتية، أو المختلفة منهما، وسواء كانا من العناوين التي تتعلق بها الإرادة أولا وبالذات، أو كانا من العناوين التي تتعلق بها الإرادة باعتبار تعلقها بمناشئ وجودها المعبر عنها ب‍ " الأسباب التوليدية " فإن النظر إلى أن مع الاختلاف في عالم الجعل والتقنين، يمكن أن يدعي أحد عدم امتناع اجتماع الإرادتين في المجمع، بخلاف ما إذا كانا متحدين في موقف تعلق الإرادة، فإنه لا يتفوه أحد بإمكانه. وبعبارة اخرى: قد مر ميزان النزاع وملاك الخلاف في المسألة، وإجماله أن التلازم الدائمي بين العناوين المختلفة عنوانا ومفهوما، يمنع من اتصافهما بالأحكام المتضادة المتمانعة. وأما إذا كان التلازم غير دائمي، فإن كان من قبيل المطلق والمقيد فهو أيضا ممنوع، للزوم كون متعلق الحكمين المختلفين واحدا، وهو أيضا محال، خلافا لما

[ 147 ]

نسب إلى " الفصول " (1). وأما إن كان من قبيل العامين من وجه، فحيث لا يكون التلازم دائميا، ولا يلزم وحدة متعلق الحكمين، فلا مانع من دعوى إمكان ترشح الإرادتين والحكمين المتمانعين عليهما في المجمع، ويصير مورد النزاع نفيا وإثباتا. إن قلت: " إذا كان الأمر متعلقا بالطبيعة، والنهي منحلا إلى الأفراد كما هو المعروف عنهم، يلزم كون النسبة بين جميع العناوين عموما وخصوصا مطلقا، ضرورة أنها في المجمع تكون الصلاة مورد الأمر ومصداق الغصب، وهي الصلاة مورد النهي، ولا شبهة في أن نسبتهما عموم وخصوص مطلقا ". قلت: هذا ما أفاده العلامة الاستاذ البروجردي في آخر مباحث المسألة (2)، وهو منه عجيب وواضح فساده. فتحصل: أن التلازم الدائمي، ولزوم وحدة المتعلق في مقام الجعل والتقنين على سبيل منع الخلو، يمنع من جريان النزاع، وفي العامين من وجه - بجميع صورهما وأقسامهما - لا يلزم شئ منها، فما أفاده القوم أحيانا في شرائط اندراجهما في محط البحث، كله مخدوش وممنوع جدا، ولا يتفوه بذلك إلا من تغافل عن ميزان البحث وملاك النزاع. وتوهم: أن الكلام حول السراية وعدم السراية، أو حول التركيب الاتحادي والانضمامي، أو غير ذلك، مما لا ينبغي أن نحوم حوله، وإليك نبذة منها: الأول: ما يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - من أن العنوانين إذا اخذ مفهوم أحدهما في متعلق الآخر كقوله: " صل الصبح " و " لا تصل في المغصوب " فيشكل


1 - الفصول الغروية: 140 / السطر 19 - 22. 2 - نهاية الاصول: 264. (*)

[ 148 ]

جريان النزاع فيه، لعين ما مر في المطلق والمقيد وإن كان بينهما العموم من وجه (1). وفيه: أن ما مر في المطلق والمقيد هو لزوم وحدة المتعلق ثبوتا وواقعا (2)، لاوهما وتخيلا ولفظا، فإذا كان بينهما الاختلاف في عالم التقنين من غير تلازم دائمي بينهما، فلا منع من جريانه ولفظة " الصلاة " المشتركة بين العنوانين لا تستلزم وحدة المتعلق بعد كون كل واحد من المتعلقين مقيدا بقيد مخصوص به، وإلا يلزم خروج صورة اخرى من محط النزاع، وهي ما إذا كانت لفظة " الصلاة " مثلا مشتركة بين المعنيين المختلفين فإنه لأجل وحدة اللفظ لا يلزم الخروج، كما لا يخفى وتدبر. الثاني: ما أفاده العلامة النائيني (قدس سره): " وهو أنه لابد وأن تكون نسبة العموم من وجه، بين نفس الفعلين الصادرين عن المكلف بإرادة واختيار، اللذين تعلق بهما الطلب الأمري والنهي، كما في مثل الصلاة والغصب. وأما إذا كانت النسبة بين الموضوعين، كما في " العالم " و " الفاسق " في مثل قوله: " أكرم العالم " و " لا تكرم الفاسق " فهو خارج عن محل البحث، لما عرفت من أن التركيب في مثل ذلك يكون على جهة الاتحاد (3)، ويكون متعلق الأمر بعينه هو متعلق النهي، من غير فرق بين أنحاء العمومات الاصولية، والبدلية، والشمولية، فإنه في الجميع ينبغي إعمال قواعد التعارض " (4) انتهى. الثالث: ما أفاده أيضا (قدس سره) بقوله: " ليس من مسألة الاجتماع ما إذا


1 - مناهج الوصول 2: 126 - 127. 2 - تقدم في الصفحة 143 وما بعدها. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 408. 4 - أجود التقريرات 1: 342، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 410 - 411. (*)

[ 149 ]

كانت النسبة بين العناوين المتولدة من الفعل الصادر عن المكلف، كما إذا كان للفعل عنوانان توليديان تكون النسبة بينهما العموم من وجه، كما إذا أكرم العالم المأمور بإكرامه والفاسق المنهي عن إكرامه بفعل واحد تولد منه كل من الإكرامين، بأن قام قاصدا به التعظيم لكل منهما، فإنه ليس من هذه المسألة، لما مر (1) " (2). الرابع: ما يظهر من بعض آخر، وهو أن العناوين إذا كانت بالنسبة إلى المجمع من قبيل المحاميل بالضميمة، فهي داخلة في محط البحث، لأن مبادئ تلك المحمولات بالضميمة، مختلفة حيثية وخارجا وبحسب التكوين، ويكون النزاع في أن الأمر يتجاوز إلى حيثية النهي، أم النهي إلى حيثية الأمر، أم لا. وأما إذا كانت العناوين خارجات المحمول وذاتي باب البرهان كلا، أو كان أحدهما بالنسبة إلى مورد الآخر خارج المحمول، وإن كان الآخر محمولا بالضميمة بالنسبة إلى الموضوع الخارجي، فهي غير قابلة للبحث عنه امتناعا واجتماعا، ضرورة أن ما هو مورد الأمر مثلا يكون عين ما تعلق به النهي. مثلا: إذا كان الشرب واجبا، والتصرف في مال الغير حراما، فإنه لا معنى لدعوى الاجتماع في مورد الشرب، لأن حيثية التصرف في مال الغير عين حيثية الشرب، وعلى هذا يشكل كون المثال المعروف - وهو الصلاة والغصب - صحيحا (3). أقول: لا نحتاج إلى مزيد تأمل في توضيح مفاسد هذه الآراء الناشئة من


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 269 - 271. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 411. 3 - منتهى الاصول 1: 396 - 397 و 401 - 402. (*)

[ 150 ]

الغفلة عن ملاك النزاع وأساس البحث في مسألة الاجتماع، وقد عرفت أن اختلاف العناوين مفهوما، يستلزم اختلاف مبدأ نيلها ولو اعتبارا، فلا يعقل انتزاع الشرب والغصب من شئ واحد بجهة واحدة (1). وقد عرفت: أن مسألة التركيب الاتحادي والانضمامي في الكتب العقلية، ليست على الوجه الصحيح (2)، فضلا عما أراد منه علماء هذا الفن الاعتباري، وسيظهر في المقاصد الآتية مناسبات بعض التوضيحات حوله (3). ولعمري، إن من التدبر فيما أسلفناه فيما هو ملاك البحث، وما ينبغي أن تحوم حوله الآراء (4)، يظهر المفاسد الكثيرة في كلمات الأعلام وفي تقاريرهم. مع أن في جمع منها الاشتباهات الآخر، وسيظهر بعض منها في البحوث الآتية إن شاء الله تعالى. وخلاصة الكلام: أن العقل حاكم بعدم إمكان ترشح الإرادة الآمرة والزاجرة بالنسبة إلى المتعلق الواحد، وهكذا بالنسبة إلى العنوانين المتلازمين دائما، مثل " الصلاة " و " العبادة " بناء على كون العبادة منحصرة مصداقا في الصلاة. وهكذا بالنسبة إلى العنوانين المتلازمين من طرف واحد، أي يكون التلازم الدائمي من طرف كما في المطلق والمقيد. وإنما الخلاف في العنوانين غير المتلازمين، ولكن قد يتفق التلازم بينهما أحيانا في مصداق، فإنه محل المناقشة والمناظرة بين الامتناعي والاجتماعي،


1 - تقدم في الصفحة 118 و 143. 2 - تقدم في الصفحة 118. 3 - يأتي في الصفحة 204 - 206. 4 - تقدم في الصفحة 146 - 147. (*)

[ 151 ]

فالامتناعي يقول: بأن التلازم الأحياني يستلزم الخلل في إحدى الإرادتين: الآمرة، والزاجرة، ولا يمكن التحفظ على بقائهما في المجمع، والاجتماعي ينكر عليه ذلك، بدعوى أن التلازم الأحياني بحسب الاتفاق، لا يورث قصورا في الإرادتين المذكورتين، فافهم واغتنم. فعلى ما تقرر، تندرج جميع الصور، لاختلاف العناوين فيها في مركز التقنين، من غير لزوم الوحدة في المتعلق مع عدم التلازم الدائمي من الطرفين، أو من طرف واحد بينهما: أما عدم التلازم فظاهر واضح. وأما عدم توحد المتعلق، فلأن في مثل " أكرم العالم " و " لا تكرم الفاسق " وإن كان مادة الإكرام واحدة، إلا أن بالإضافة إلى متعلق المتعلق يتعدد، فإن ما هو الواجب في ناحية الأمر هو إكرام العالم، وهذا عنوانا غير عنوان " إكرام الفاسق " بالضرورة، ولأجله تكون النسبة بينها العموم من وجه. إن قلت: لو كان الواجب إكرام العالم، بحيث يكون المتعلق هو المادة المضافة إلى العالم، لكان يجب تحصيل العالم لإكرامه، قضاء لحق إطلاق الهيئة، فما هو الواجب هو الإكرام المضاف إلى ما هو مفروض الوجود، ويكون تحت دائرة الطلب، بحيث لا يجب تحصيله. قلت: نعم، إلا أنه لا يضر بما هو مورد نظرنا، ضرورة أن القضية ترجع إلى أنه يجب إكرام العالم إذا كان العالم موجودا، فإذا كان القيد موجودا، يلزم الاجتماع فيما إذا أكرم بالإكرام الواحد العالم والفاسق، ويكون التلازم الأحياني بين العنوانين مورد البحث نفيا وإثباتا، نظير ما إذا ورد " صل في المسجد " و " لا تغصب " فإن الهيئة في جانب الأمر بالنسبة إلى لزوم بناء المسجد بلا دعوة، فإذا كان المسجد

[ 152 ]

موجودا تجب الصلاة، فلو صلى فيه على الفرش المغصوب يلزم الاجتماع في المجمع الواحد، كما لا يخفى. والعجب ما قد توهم من لزوم كون العنوانين من المحمولات بالضميمة بالنسبة إلى المجمع، وإلا يلزم اتحاد المتعلق، فيكون النزاع المعروف في مثل شرب الماء والغصب غير جار، لأن الغصب عين الشرب ! ولا أظن أنه التفت إلى ما يقول، ضرورة أن الغصب لا يعقل أن يكون عين الشرب بالحمل الأولي. وإذا كان عينه بالحمل الشائع فيلزم خروج جميع الأمثلة، لأن الاتحاد في المجمع يستلزم العينية إجمالا، فإن الغصب عين الصلاة، والتصرف في مال الغير عين الذكر والقراءة وهكذا، وذلك لما عرفت: من أن اختلاف العناوين مفهوما، يستلزم اختلاف جهة الصدق خارجا، ولا يعقل الاتحاد في الحيثية بالضرورة (1). وأعجب من ذلك توهم: أن في مثل الأفعال التوليدية كالتعظيم، يلزم اتحاد المتعلق، لأن الأمر المتعلق بالمسبب يرجع إلى السبب، ويكون الواجب هو القيام، والمحرم هو القيام ! ! مع أنك أحطت خبرا بفساد الكبرى (2). مع أن القيام وحده ليس مورد الأمر والنهي، بل القيام للفاسق مورد النهي، وللعالم مورد الأمر، وبينهما الاختلاف الواضح كما ترى. والأعجب من الكل توهم: أن العناوين الاشتقاقية خارجة عن محط البحث، لأن جهة الصدق حيث تكون تعليلية، فلا محالة يكون المجمع واحدا، فإن زيدا في مثل " أكرم العالم " و " لا تكرم الفاسق " يجب إكرامه، لأنه عالم، ويحرم إكرامه، لأنه


1 - تقدم في الصفحة 143. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 16 - 18. (*)

[ 153 ]

فاسق، ومن الظاهر لزوم الالتزام بالامتناع قطعا ! ! وفيه أولا: أنه يتوجه عين ذلك إلى الكون الغصبي والصلاة، فإنه واجب وحرام، لأنه صلاة وغصب. وثانيا: زيد ليس بواجب إكرامه، ولا بحرام إكرامه، بل العالم واجب الإكرام، والفاسق محرم الإكرام، وما هو مصداق ذاتي للعنوانين مورد الإيجاب والتحريم، وهو بحسب الوجود واحد، وبحسب الصدق كثير، فإذن نقول: زيد العالم بما هو عالم واجب، وزيد الفاسق بما هو فاسق محرم، وهذان العنوانان مختلفان مفهوما وصدقا، ومتحدان مجمعا. إن قلت: شخص زيد مشترك بين المأمور به والمنهي عنه، لأن الذات المبهمة مأخوذة في المشتق. قلت: نعم، ولكنه لا يورث عدم تعدد العنوان على الوجه اللازم فيما نحن فيه، كما هو الظاهر، فتأمل جيدا. إن قلت: اتفق الأصحاب - رضوان الله عليهم - على دخول العامين من وجه في باب التعارض. قلت: نعم، ولكنه عندنا مخدوش جدا، لعدم التعارض بينهما في المدلول والجعل، والتعارض الخارجي بالعرض منوط بالعلم خارجا بكذب أحدهما، وهو لا يمكن إلا على القول بالامتناع كما عرفت منا في البحوث السابقة (1) والاتفاق المزبور لا ينفع شيئا، فإن * (الحق أحق أن يتبع) * من عقول الرجال.


1 - تقدم في الصفحة 125. (*)

[ 154 ]

تذنيب: حول التمثيل لمسألة الاجتماع بالصلاة في الدار المغصوبة قد اشتهر مثال لمسألة الاجتماع والامتناع، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، مدعين أن الكون الغصبي والصلاة واحد، فيلزم اتحاد المجمع، وتصير مثالا للمسألة (1). ويشكل تارة: بأن الصلاة من الماهيات الاختراعية المؤتلفة من الماهيات المقولية العرضية، وليس منها مقولة الأين التي هي منشأ تحقق عنوان " الغصب " فما هو داخل في أجزاء الصلاة لا يكون منشأ لانتزاع الغصب، وما هو منشأ لانتزاع مفهوم " الغصب " - وهو الكون في الدار المغصوبة - ليس من الصلاة، فلا يلزم وحدة المجمع رأسا (2). نعم، يكون المصلي والغاصب واحدا، ولكن النهي لم يتعلق بكونه غاصبا بعنوانه الاشتقاقي، ولا الأمر بعنوان " المصلي " أي لا يكون باعثا إلى أن يكون مصليا. وفيه: أن الأمر ولو كان كما حرر، ولكن ما هو سبب اختلاف الاجتماعي والامتناعي، هو امتناع التفكيك بين المأمور به والمنهي عنه خارجا، سواء كان لأجل اتحاد المجمع، أو كان لأجل التلازم الطبيعي بينهما، فإن تمام الكلام حول كيفية إمكان بقاء الإرادتين مع الملازمة الخارجية بين المحرم والواجب، سواء كان العنوانان منتزعين من الواحد باعتبارين مختلفين، أو كانا مختلفين حسب المقولة وفي الحيثية الخارجية.


1 - المحصول في علم اصول الفقه 1: 341، معالم الدين: 98 / السطر 4 - 6، الفصول الغروية: 125 / السطر 21، كفاية الاصول: 183. 2 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4: 281 - 287. (*)

[ 155 ]

واخرى: بأن من أجزاء الصلاة السجدة على الأرض بالاتكاء والاعتماد عليها، وهو مورد النهي، فيلزم وحدة المتعلق، ولا يقول الاجتماعي بالجواز في مثله بالضرورة (1). وفيه أولا: أن اعتبار الاتكاء عليها محل المناقشة جدا، وتفصيله في محله. وثانيا: لا تكون السجدة مورد الأمر، ولا أساس للأمر الضمني (2)، فما هو مورد الأمر هي الصلاة بعنوانها، وما هو مورد النهي هو الغصب، والحركة الخارجية تعتبر صلاة بجهة من الجهات، وتكون غصبا لجهة اخرى من الجهات بالضرورة. وثالثا: لا يتوجه من حرمة الغصب نهي إلى عنوان " السجدة والاتكاء " بل النهي متوجه إلى عنوان " الغصب " من غير انحلال إلى النواهي حسبما عرفت منا (3). ولو فرضنا انحلاله فهو ينحل إلى مصاديقه الذاتية، وهو الغصب الخارجي مثلا، والفرد من الغصب بعنوانه، فلا وجه لدعوى أن الاجتماعي يقول بالامتناع هنا، كما لا يخفى. وثالثة: بأن من شرائط كون المجمع مورد الأمر والنهي اتحاد الكونين: الكون الصلاتي، والكون الغصبي، ومعنى ذلك هو أن المكلف لا يتمكن من امتثال الأمر بدون العصيان، وهذا في المثال المعروف ممنوع، ضرورة أن المكلف يتمكن من الصلاه من غير لزوم التصرف في ملك الغير، ضرورة أن التصرفات الموجبة لتموج الهواء، ليست من التصرفات المحرمة شرعا، أو لا تعد من التصرف لغة، والقيام والركوع والسجود من مقولة الوضع، والمقدمات - كالهوي إلى الركوع والسجود وإلى القيام - من المقدمات غير الداخلة في الصلاة.


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 288. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 26. 3 - تقدم في الصفحة 124. (*)

[ 156 ]

فما هو من التصرف المحرم ليس من الصلاة، وما هو من الصلاة ليس من التصرف المحرم، فيتمكن المكلف من الصلاة من غير التلوث بالمحرم، فلا يتم المثال المعروف. وأما السجدة فهي تحصل بمجرد الوضع، وهو ليس من التصرف أو من التصرف المحرم، فلا يتحد الكونان (1). وإن شئت جعلت هذه الشبهة تتمة للشبهة الاولى، فلا تندفع بما مر دفاعا عنها كما لا يخفى. أقول: فيه جهات من الإشكال وإن كنا في سالف الزمان نتخيل ذلك: الأول: أن قضية أن " الغاصب مأخوذ باشق الأحوال " يقتضي ممنوعيته من هذه التصرفات، فتأمل. الثاني: أن التصرفات الأفعالية كالهوي إلى الركوع، والهوي إلى السجود، من المحققات لعنوانهما ظاهرا، لما أن الركوع بمعناه الاسم المصدري وهكذا السجدة، منتزع من الأفعال الواجبة، وإلا لكفى لو أمكن أن يكون راكعا من غير الهوي. بل اعتبار القيام المتصل بالركوع، شاهد على أن تلك الحركة معتبرة في حصوله. وهكذا لا تكفي السجدة التي هي من مقولة الوضع، بل الهوي إليها بإيجاد مصداق مقولة الوضع الناقص، داخل فيما هو الواجب في الصلاة. وهكذا الهوي إلى القيام، بل مادة الركوع والسجود والقيام مصادر تعلق بها الأمر، والمعنى المصدري ليس في مقولة الوضع بالضرورة. الثالث: السجدة هي الوضع على الأرض، وهو من التصرف، فتأمل. نعم، يمكن أن يقال: إن من المحرر كون المأمور به والمنهي عنه متحد المجمع، وهذا يصح فيما إذا كان الصلاة بتمام هويتها في الدار المغصوبة، ومن


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4: 281 - 287. (*)

[ 157 ]

التصرف في مال الغير، وأما إذا كان بعض أجزائها الأقوالية أو الأفعالية تصرفا، فلا يلزم اجتماع الأمر النفسي والنهي النفسي، ضرورة أن الصلاة ليست منشأ انتزاع الغصب والتصرف في مال الغير، وما هو منشأ انتزاع مفهوم " الغصب " بعض أجزاء الصلاة، وهو ليس مورد الأمر النفسي، ولا الضمني، ولا الغيري، حسبما تقرر وتحرر (1). وإمكان كونه مورد الأمر الغيري عندنا (2) لا يكفي لاندراجه في كبرى هذه المسألة، كما لا يخفى. والجواب: أن ميزان اندراج كل موضوع في مسألة الاجتماع والامتناع، هو أن لا يتمكن المكلف من التفكيك بين الإطاعة والعصيان في المجمع، سواء كان عنوان المأمور به منتزعا من المنهي عنه، أو بالعكس، أو كانا مختلفي المنشأ بحسب الانتزاع، فما هو أصل شبهة الامتناعي امتناع ترشح الإرادتين أو بقائهما في المجمع، لما لا يمكن التفكيك مثلا - مع فرض الغصب - بينه وبين الصلاة، وإن لم يكن في الصلاة مقولة ينتزع منها عنوان " الغصب " ولكن كانت تلك المقولة ملازمة لمقولات الصلاة، فافهم ولا تخلط. فبالجملة تحصل: أن هذه الشبهات وما مر في أثناء البحوث السابقة، لا ترجع إلى محصل. والذي هو الشبهة والإشكال الذي لا يمكن الذب عنه هو أن الغصب بما هو، معناه لا يتحد مع الصلاة، وما هو المتحد معها هو التصرف في مال الغير عدوانا، ضرورة أن الغصب هو التسلط على مال الغير عدوانا، ولا يتوقف ذلك على التصرف كلا، ومن غصب مالا وتصرف فيه ارتكب محرمين: الغصب، والتصرف في مال الغير بلا إذنه.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 25 - 27 و 202. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 13 - 14 و 270 - 271. (*)

[ 158 ]

وتوهم: أن التصرف في مال الغير غصب (1)، باطل بالضرورة، فإن وضع اليد على عباء الغير الذي تحت يده من التصرف، ولا يكون غصبا، فبين الغصب والتصرف عموم وخصوص من وجه، على تأمل. وبالجملة: الصلاة في الدار المغصوبة مورد النهي فرضا، لأجل التصرف في مال الغير، لا لأجل الغصب فافهم، والأمر سهل جدا. المقدمة الخامسة: حول توهمات في مبنى مسألة الاجتماع والامتناع وهي كثيرة: التوهم الأول: قد يتوهم أن النزاع موقوف على القول: بأن الأوامر والنواهي تعلقت بالطبائع، وأما إذا كانت متعلقة بالأفراد، فلابد من الالتزام بالامتناع، وحيث إن التحقيق تعلق النهي بالأفراد وإن كان الأمر متعلقا بالطبيعة - لما تقرر من أن النهي المتعلق بالطبيعة، ينحل إلى النواهي - لا يحكم العقلاء بتعدد الامتثال والعصيان، وهو لا يعقل مع وحدة النهي، ولا يعقل تعدد النهي مع وحده المتعلق، فلابد وأن تنحل الطبيعة إلى الأفراد، وتكون مرآة لها، فيسقط نزاع الامتناع والاجتماع. فبالجملة: مع الالتزام بتعلقهما بالطبائع، يمكن النزاع في أن الطبائع المتحدة وجودا المختلفة وجوها، هل يعقل أن تكون مورد الأمر والنهي، لاختلاف الوجوه والعناوين، أم لا ؟.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 412، محاضرات في اصول الفقه 4: 283 - 284. (*)

[ 159 ]

ومع الالتزام بتعلقهما بالأفراد، أو تعلق أحدهما بها كالنهي مثلا، لا معنى للنزاع، ضرورة أن معنى تعلق الأمر بالأفراد، ليس هو أن متعلق الأمر عنوان الفرد، لأنه لأجل ما يرى من أن الطبيعة ليست قابلة لتعلق شئ بها، لعدم كونها مطلوبة ولا مبغوضة توهم تعلقهما بالأفراد، فلو كان مرامه تعلقه بعناوين الأفراد، فيلزم عليه ما كان يفر منه بوجه أسوأ، كما هو الظاهر. ولا أن الأوامر والنواهي تتعلق بالخارج بالحمل الشائع، حتى يقال: إنه ظرف السقوط، لا الثبوت والتعلق. بل القائل بتلك المقالة، يريد أن متعلقهما الطبائع المقارنة مع المشخصات وأمارات التشخص، وما به ظهور آثارها وخواصها فانية في الخارج، بمعنى أنها مرآة لما هو المطلوب بالذات وإن كان مورد الأمر مطلوبا بالعرض، وهكذا مورد النهي مبغوض بالعرض، وما هو مبغوض بالذات هو شرب الخمر خارجا، فعند ذلك يلزم اتحاد المتعلق ووحدة مصب الأمر والنهي، ولو كان من ناحية واحدة: وهي من جانب النهي لانحلاله، فضلا عما إذا كان من الطرفين، فإنه عندئذ يلزم وحدة المتعلقين من جانبين. وهنا تقريب آخر لسقوط النزاع: وهو أن قيد المندوحة معتبر في صحة النزاع، وعلى القول بتعلقهما بالأفراد لا معنى لاعتبار المندوحة، فيسقط النزاع. اللهم إلا أن يقال: بأن قيدية المندوحة محل المناقشة والمنع، كما سيمر عليك تفصيله إن شاء الله تعالى (1). أقول: الأصحاب المتأخرون هنا بين طائفتين، فإن السيد الوالد - مد ظله - أفاد: " أنه عند ذلك يلزم الخروج عن محل النزاع، فإن ما هو محل النزاع هو ما إذا


1 - يأتي في الصفحة 177. (*)

[ 160 ]

كان متعلق الأمر والنهي كثيرا ومتحدا مجمعا " (1) وسائر المشايخ - رحمهم الله تعالى - أفادوا: أن المبنى فاسد، ضرورة أن الأوامر والنواهي لا تتعلق إلا بالطبائع أو الأفراد الذاتية، دون الملازمات واللوازم الخارجية. وأنت خبير: بأن ما أفاده - دام ظله - ليس إشكالا عليهم، فإنهم لأجل لزوم توحد المتعلق قالوا: بأن المسألة مبنية على القول المزبور، فعدم تأتي النزاع على مبناهم - وهو تعلقها بالأفراد - لا يكون إلا لعلة، وهي رجوع الأمر والنهي إلى الواحد في مركز الجعل والتقنين. وما أفاده أيضا ليس إلا إنكار الكبرى المحررة عندهم، فكأنهم قائلون بصحة مقالتهم على مبناهم. وهنا طائفة اخرى مثل العلامة الخراساني (2) وبعض آخر (3)، لم يقفوا على مبنى تعلق الأمر والنهي بالأفراد، ولو كانوا واقفين على مرامهم لما قالوا بكفاية تعدد الوجه، ضرورة أن أرباب تلك المقالة اختاروا أن جميع وجوه الشئ تندرج في مصب الأمر والنهي، فلا ينفع تعدد الوجه شيئا. وإن شئت قلت: تعلق الأمر والنهي بالأفراد ذو وجوه واحتمالات، ومنها كون الطبيعة بما لها من الملازمات واللوازم في وجودها الخارجي، مورد الأمر والنهي، فيكون المأمور به والمنهي عنه الكلي المقيد. بل لا معنى لتعلق الأمر والنهي بالأفراد الذاتية، لأن الفرد لا يكون فردا إلا لأجل الضمائم المقولية، وجعل إحدى الحيثيات مورد الأمر أو النهي، معناه كون الطبيعة موردهما. مثلا: إذا قال المولى: " أكرم العلماء " فتعلق الأمر بإكرام زيد العالم لا معنى


1 - تهذيب الاصول 1: 381 - 382. 2 - كفاية الاصول: 188. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 149. (*)

[ 161 ]

له، لأن مع تعلقه بزيد يكون جميع الضمائم - سواء كانت من المشخصات، أو أمارات التشخص - مورد الأمر، ولا يكون العلم حينئذ إلا حيثية تعليلية. وكونها حيثية تقيدية معناه إنكار كون زيد متعلق الأمر رأسا، ويرجع حينئذ إلى أن يكون الموضوع هو العالم مأخوذا فيه الذات المبهمة، بناء على أخذ الذات في المشتق، وإلا فلا تعلق له بذات لا مبهمة، ولا مشخصة. فعلى هذا، كون الأفراد متعلقهما لا يرجع إلا إلى ما ذكرناه، حتى لا يلزم المفاسد الواضحة على القول به. أقول: هنا بحوث: أولها: من الممكن دعوى: أن قضية القول بتعلقهما بالطبائع، هو الاجتماع من غير وجه للخلاف، ضرورة أن كل واحد من المأمور به والمنهي عنه، غير معانق في إحدى المراحل، لافي مراحل التصور والتصديق، ولا في مراحل البعث والزجر والتقنين، ولا في مراحل الامتثال والخارج. ولا معنى لتركيبهما الاتحادي، لأجنبية هذه المسألة عن التركيب الاتحادي والانضمامي. ولا معنى لسراية أحدهما إلى الآخر، بعد اختلافهما وعدم تعانقهما في مرحلة من المراحل. ومقتضى القول بتعلقهما بالأفراد هو النزاع في الاجتماع والامتناع، فإن من الممكن أن يدعى أن معنى تعلقهما بالأفراد، ليس إلا تعلق الأمر والنهي بحصة من الكلي، من غير كون ما به الحصص داخلا في المتعلق، فتكون هذه الحصة ذات وجوه وعناوين (1). ولكن الإنصاف: أن النزاع باق على حاله وإن قلنا بتعلقهما بالطبائع، لما عرفت أن أساس البحث في مسألة الاجتماع والامتناع، حول أن التحفظ على


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 15 - 16. (*)

[ 162 ]

الإرادتين في المجمع مع كون المتعلقين متلازمين في الخارج من باب الاتفاق، ممكن أم لا (1)، فلا تخلط، ولا تغفل. ثانيها: أن معنى تعلق الأمر والنهي بالأفراد وإن كان تعلقهما بالملازمات واللوازم المقارنة مع الكلي والطبيعة، ولكن ليس يرجع ذلك إلى تعلقهما بعناوين " الصلاة " و " الغصب " بل يرجع إلى تعلقهما بمعنونات هذه العناوين التي تنتزع من تلك الطبائع بعد وجودها في الخارج. مثلا: إذا أمر المولى بالصلاة فلا يكون أمر الصلاة مراعى بحال المصلي، فإن صلى في الغصب تكون الصلاة الغصبية مورد الأمر، وإن صلى في المباح تكون الصلاة المباحة مورد الأمر، بل الصلاه مورد الأمر بملازماتها الخارجية الاتفاقية، ولكن لا بعناوينها الخاصة، بل بالمعنى الجامع، مثل عنوان الأين، والمتى، والوضع الكليات. مع أنه يمكن أن يقال: بأن الالتزام بتعلقهما بتلك العناوين الخاصة في جانب الأمر، غير ممكن، لأنه يلزم وجوب استيعاب جميع الأفراد، وتكون الصلاة الغصبية والمباحة واجبة، مع أن الواجبة واحدة على البدل. نعم، يمكن دعوى: أن تعلقهما بالأفراد يلازم العموم البدلي في جانب الأمر، ويكون التخيير شرعيا، والعموم الاستيعابي في جانب النهي، فلا مانع من تعلقهما بتلك العناوين بعنوانها، فيلزم وحدة المتعلق أيضا، فيسقط النزاع فتأمل. ثالثها: أن قضية تعلق الأمر والنهي بالأفراد، كون الواجب هي الصلاة المتقيدة بالعناوين الملازمة، ومنها الغصب، وكون المحرم هو الغصب الكذائي المتقيد بالعناوين الملازم معها، ومنها عنوان الصلاة، فيكون الواجب الصلاة الغصبية، والمحرم الغصب الصلاتي.


1 - تقدم في الصفحة 146 - 147 و 150 - 151. (*)

[ 163 ]

ولا يلازم ذلك وحدة المتعلق، لأن الأمر المتعلق بالصلاة المتقيدة يكون قيدها مورد الأمر الضمني أو الغيري، وكلاهما بلا أساس (1)، والنهي المتعلق بالغصب الصلاتي يكون القيد مورد النهي الضمني أو الغيري، فلا يلزم وحدة المتعلق، ولا الاندراج في كبرى باب التعارض بالضرورة. اللهم إلا أن يقال: قد فرغنا فيما سلف من أن وحدة المتعلق بما هي وحدة متعلق الأمر والنهي، لا تكون محالا، بل بالذات المحالية ناشئة من الجهة الاخرى، وهي امتناع ترشح الإرادتين الآمرة والزاجرة مع وحدته، وإذا كانت النسبة بين المتعلقين التلازم ولو لأجل جزء المتعلق، فلا يمكن ترشحها كما هو الواضح (2). رابعها: من الممكن أن يدعي القائل بتعلقهما بالطبائع، أن الأوامر والنواهي في مرحلة الجعل والتقنين متعلقات بالطبائع، وفي مرحلة الامتثال تسري إلى الملازمات، وتصير النتيجة سقوط النزاع أيضا. ويؤيد ذلك وجوب إتمام الحج بعد الشروع فيه، مع أنه مستحب، وحرمة إبطال الصلاة، فإنه لولا تعين الزمان والمكان بالأمر المتعلق بالطبيعة، لما كان وجه لحرمة الإبطال ولإيجاب الإتمام على خلاف التخيير العقلي والشرعي الثابت بأصل الشرع في الحج، فتأمل. فالمحصول مما قدمناه إلى هنا: أن فيما فرضناه من تعلق الأمر والنهي بالأفراد من الأول أو في ظرف الامتثال، لا يلزم وحدة المتعلق مع لزوم سقوط النزاع. والذي يسهل الخطب: أن القائل بتعلقهما بالأفراد لا يقول بما سلمناه، للزوم كون التخيير شرعيا، مع سائر الدعاوى الباطلة المخالفة للوجدان، ولا يلتزم


1 - تقدم في الجزء الثالث: 25 - 27 و 202 و 270 - 271. 2 - تقدم في الصفحة 146 - 147 و 150 - 151 و 157. (*)

[ 164 ]

بالتفكيك بين متعلق الأمر والنهي في هذه الجهة، وهي سراية النهي إلى الملازمات دون الأمر، فتدبر. التوهم الثاني: قد يتوهم أن القول بالاجتماع، منوط بالقول بأن الأوامر والنواهي متعلقة بالطبائع، والقول بالامتناع منوط بتعلقهما بالأفراد (1). وأنت قد أحطت خبرا بخلاف ذلك، ضرورة أن مع تعلقهما بالطبائع، وعدم تداخلهما في جميع الأوعية، يمكن القول بالامتناع، لما يمكن دعوى: أن هذه الملازمة الاتفاقية، تمنع عن بقاء الإرادتين على قوتهما. نعم، إن كان ملاك النزاع ومناط الخلاف هي السراية واللاسراية، أو هو التركيب الاتحادي والانضمامي، فلقائل أن يقول: بأن القول بتعلقهما بالطبائع معناه عدم السراية في جميع الأوعية، ومع السراية في وعاء من الأوعية يكون المتعلق هو الفرد، ويكون التركيب اتحاديا، ويتعين الامتناع، فالاجتماع منوط على الأول، والامتناع على الثاني، وحيث إن المعروف بين أبناء الاصول ذلك، فلابد من تصحيح الدعوى المزبورة، فتأمل جيدا. وبالجملة: لا يذهب إلى الامتناع إلا من سلك سبيل التركيب الاتحادي والسراية، ولا معنى لذلك إلا برجوع الأمر بالطبيعة إلى الأفراد في الخارج الذي هو ظرف السقوط لا الثبوت، فانظر ماذا ترى. ومن العجب ما قيل: " من أن التوهم المزبور بلا وجه رأسا، لأن الفرق بين كون المتعلق نفس المقولة أو فردا منها، لا يورث إشكالا في مسألة الاجتماع


1 - أجود التقريرات 1: 343، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 416 - 417. (*)

[ 165 ]

والامتناع " ! ! (1) وأنت قد عرفت: أن القائل بالفرد لا يريد الأفراد الذاتية والحصص الممتازة (2)، فلا تخلط. التوهم الثالث: ما مر في ذيل البحث الأول من توهم تعين القول بالاجتماع، وسقوط النزاع على القول بتعلق الأوامر والنواهي بالطبائع، وأما النزاع الصحيح فهو مبني على القول بتعلقهما بالأفراد. وقد أحطت خبرا بفساد هذا التوهم أيضا، لإمكان جريان النزاع على الأول أيضا، كما أمكن توهم سقوط النزاع وتعين الامتناع وإن قلنا بتعلقهما بالطبائع، لأن من الممكن توهم التفصيل بين مرحلة الجعل والتقنين، ومرحلة الامتثال والخارج من غير لزوم إشكال عقلي: وهو أن الخارج ظرف السقوط، فكيف يعقل ذلك ؟ ! وقد مضى كيفية تصويره في المأمور به الذي يكون تدريجي الوجود، كالصلاة والحج. التوهم الرابع: ربما يتراءى أن قضية القول بأصالة الوجود جعلا صحة النزاع، لإمكان الوجوه المتعددة والعناوين الكثيرة مع وحدة المعنون خارجا المتعدد حيثية، ومقتضى القول بأصالة الماهية جعلا سقوط النزاع، وتعين القول بالاجتماع، لأجنبية الماهيات بعضها عن بعض وتباينها في الخارج، فإن جامع الماهيات والمقولات المتعددة هو الوجود، وإلا فهي بأنفسها متباينات ذهنا وخارجا، ويتوهم


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 194. 2 - تقدم في الصفحة 158 - 161. (*)

[ 166 ]

اتحادها عرفا (1). أقول: نعم، إلا أن ذلك في مثل ما إذا كان متعلق الأمر والنهي المقولات الحقيقية لا الاعتبارية المجازية، كالصلاة، والتصرف في مال الغير، فإن إمكان انتزاع مفهوم " التصرف في ملك الغير " من نفس المقولة المتعلقة للأمر، يصحح النزاع، فضلا عما إذا كان منشأ انتزاع مفهوم " التصرف " ما لا يندرج تحت المقولة، كما نحن فيه، فما يظهر من بعض في المقام (2) لا يخلو من تأسف تام. ويؤيد ذلك: أن الجمع بإيجاد واحد وجعل فارد يصير خارجيا، ولو كان متعلق الأمر والنهي من المقولتين، فلابد من اختصاص كل بجعل على حدة، وإذن يخرج من محل النزاع، كما هو الواضح. التوهم الخامس: لا شبهة في أن من شرائط النزاع في هذه المسألة، فرض ثبوت الإطلاق لكل واحد من الدليلين، كما يأتي تفصيله في المقدمة المتكفلة لشرائط النزاع (3). ومع إنكار الإطلاق لا يبقى محل للبحث حول إمكان التحفظ على الإرادتين: الآمرة والزاجرة في المجمع، وعدم إمكانه، فإن مبنى ذلك هو اقتضاء كل من الأمر والنهي مع قطع النظر عن الآخر في مورد الاجتماع للمأمور به والمنهي عنه، وللباعثية والزاجرية بالنسبة إلى متعلقاتهما. وأما إحراز المحبوبية والمبغوضية بالنسبة إلى خصوص المجمع إحرازا عاما أو خاصا، فهو غير لازم. نعم، قضية الإطلاقين على تقدير الاجتماع، إحراز المحبوبية والمبغوضية في


1 - لاحظ الفصول الغروية: 125 / السطر 14، و 126 / السطر 1. 2 - نهاية النهاية 1: 224. 3 - يأتي في الصفحة 174. (*)

[ 167 ]

المجمع إحرازا ظنيا، قضاء لحق شمول الدليل الملازم لوصف المحبوبية والمبغوضية بناء على إمكانه. فاعتبار إحرازهما مع قطع النظر عن الأمر والنهي وإطلاقهما، غير صحيح، ولا معنى محصل له، وهكذا إحراز الملاك والمصلحة والمفسدة، فما نسب إلى ظاهر " الكفاية " (1) وتبعه الآخرون (2)، غير ملائم لافق التحقيق، وغير مناسب لشأن الباحث الخبير. نعم، يترتب على ثبوت الإطلاقين على القول بالاجتماع، إحراز الملاك والمصالح والمفاسد في المجمع، ولذلك عد ذلك من إشكالات القول بالاجتماع، وأن الشئ الواحد يلزم أن يكون محبوبا ومبغوضا، ومورد المصلحة والمفسدة، فجميع ما أفاده العلامة الخراساني (رحمه الله) في المقدمة الثامنة والتاسعة (3)، خال من التحصيل، ولا ينبغي الغور فيه. وإن شئت قلت: إن كان النزاع حسب المعروف صغرويا، فهذه المسألة متكفلة لإحراز صغرى باب التعارض والتزاحم، فإنه على الامتناع يلزم العلم بكذب أحدهما، ويقع التعارض بالعرض بين الإطلاقين. وعلى الاجتماع، فمع إمكان الجمع فلا يكون من باب التزاحم حسب المعروف (4)، خلافا للتحقيق الذي مضى منا: وهو أن التزاحم لا يتوقف على عدم إمكان الجمع في مقام الامتثال (5). ومع عدم إمكان الجمع فهو من التزاحم، وليس من هذه المسألة إلا على


1 - كفاية الاصول: 189. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 154، نهاية الأفكار 2: 436، وقاية الأذهان: 334. 3 - كفاية الاصول: 189 - 190. 4 - منتهى الاصول 1: 323، محاضرات في اصول الفقه 3: 227 - 228، و 4: 174 - 175. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 400 - 402. (*)

[ 168 ]

القول بعدم اعتبار المندوحة في مسألة الاجتماع والامتناع، وستأتي زيادة توضيح حول هذه الجهة في بعض البحوث الآتية إن شاء الله تعالى (1). فبالجملة: بناء على صغروية النزاع، لا معنى لاعتبار إحراز المصالح والمفاسد في الجانبين، ضرورة أن النزاع متكفل لتعيين الصغرى من البابين، على إشكال اشير إليه. وأما إذا كان النزاع كبرويا فالأمر أيضا كذلك، ولعل العلامة الخراساني (رحمه الله) أراد هنا ما أسمعناك، والأمر سهل. وغير خفي: أن النزاع لا يلزم أن يكون صحيحا على جميع المذاهب، فإن الأشعري - بناء على قوله بصحة الجزاف في الأمر والنهي الإلهيين - لا يفر من القول بالامتناع مطلقا، كما مر تفصيله فيما سبق (2)، فلا تكن من الجاهلين. إيقاظ وإفادة: حول توجيه الوالد المحقق لما في " الكفاية " ربما يستظهر من السيد الوالد - مد ظله - توجيه لما في " الكفاية ": بأنه ربما كان في مقام إبداء الفرق بين هذا المقام ومقام التعارض، دفعا عما يمكن أن يرد على ظاهر القوم من بنائهم على إدراج العامين من وجه في باب التعارض، فإنه عند ذلك كيف يمكن إدراجه في هذه المسألة (3) ؟ ! وأنت خبير: بأن ما أدرجوه في باب التعارض، هو ما إذا كانت النسبة عموما من وجه بين متعلق المتعلقين، وهو العلماء، والفساق، لا في نفس المتعلق كما مضى


1 - يأتي في الصفحة 195 - 196 و 219 - 221. 2 - تقدم في الصفحة 114. 3 - مناهج الوصول 2: 116، تهذيب الاصول 1: 383. (*)

[ 169 ]

بعض الكلام فيه (1)، وما هو محل البحث هنا هو المعنى الأعم من هذه الصورة وسائر الصور، فلا يتم التوجيه المزبور رأسا. والذي هو الأقرب: هو أن هذه المسألة كما مضى تحقيقه، لا تناط بمباحث الألفاظ، ولا تمس بها مطلق المساس (2)، فإذا كان الأمر كذلك فلابد من الاطلاع على مرام المولى على الإطلاق في مصب الأمر والنهي حتى يمكن نزاع الاجتماع والامتناع. وبعبارة اخرى: لا بد من أحد الامور الثلاثة: إما فرض إحراز الإطلاقين والحرمة والوجوب المطلقين. أو فرض إحراز المحبوبية والمبغوضية. أو فرض إحراز المصالح والمفاسد المطلقة في مصب الأمر والنهي بناء على مذهب العدلية، ويكون كل من الاحرازين تاما مع قطع النظر عن الآخر. نعم، إذا أحرزنا الإطلاقين فالامتناعي يدعي: أن العقل حاكم بعدم تمامية واحد منهما عند التصادق، بمعنى أن إحراز كل واحد من الإطلاقين مع قطع النظر عن الآخر ممكن، ولكن في المجمع فلا، وإذا أحرزنا المحبوبية والمبغوضية المطلقين على عنوان " الصلاة " و " الغصب " فالامتناعي يدعي: أن كل واحد مع قطع النظر عن الآخر ممكن، إلا أن اجتماعهما في موضوع واحد لا يمكن. وهكذا في جانب إحراز المصالح والمفاسد. فالمراد من اعتبار إحراز المصالح والمفاسد، ليس أنه لابد من إحراز المصالح والمفاسد جمعا في المجمع، بل المراد ما اشير إليه، ولأجل ذلك يتمسك


1 - تقدم في الصفحة 148 - 149. 2 - تقدم في الصفحة 133 - 134. (*)

[ 170 ]

لبطلان الاجتماع باجتماع المتضادات في مرحلة الجعل، وفي مرحلة المناط والملاك الخارجي، وفي النفس وهو الحب والبغض. وغير خفي: أن " الكفاية " اعتبر أن يكون المجمع على أي تقدير داخلا في كبرى باب التزاحم، إلا أنه على الاجتماع تصح الصلاة على أي تقدير، ويحرم الغصب أيضا، وعلى الامتناع تصح الصلاة على تقدير أقوائية ملاكها، ولا تصح على العكس وإن كانت ذات ملاك ضعيف (1). وأنت خبير: بأن قضية ما تحرر في مسألة الضد، أن مع سقوط أحد الإطلاقين لأجل الامتناع، لا طريق إلى كشف الملاك في المجمع، لأن كشف المناط والملاك من طريق الهيئات، ولا سبيل وراء ذلك (2). وإن شئت قلت: نزاع الاجتماع والامتناع موقوف على إحراز الملاكات والاطلاع عليها، وإحرازها في المجمع منوط بإمكان الجمع، فالنزاع موقوف على صحة الاجتماع، فتدبر ولا يخفى لطفه. التوهم السادس: قد ذكرنا في بعض بحوث الترتب: أن قضية كون الإطلاق جمع القيود هو القول بالامتناع، ومقتضى كونه رفض القيود هي صحة النزاع (3). فهنا بحثان: الأول: أن معنى كون الإطلاق جمع القيود، هو لحاظ جميع القيود الممكن


1 - كفاية الاصول: 189. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 501 - 502. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 427 - 428. (*)

[ 171 ]

طروؤها على الموضوع في مرحلة الأمر والجعل، واسراء الحكم إلى كافة اللواحق، وقد صرحوا: " بأن الإطلاق هو إفادة التسوية بقوله: " أكرم العالم سواء كان هاشميا، أو امويا " وبقوله: " صل صلاة غصب كانت، أو صلاة إباحة " وهكذا " (1). فعلى هذا، لابد من القول بالامتناع، لوحدة المتعلق، فإن قوله: " صل " ينحل حسب مقدمات الإطلاق انحلالا بدليا إلى جميع الأفراد والأحوال، ويكون كل حال مورد الأمر التخييري، وقوله: " لا تتصرف في مال الغير " ينحل بهذه الكيفية إلى غصب صلاتي، وغصب غير صلاتي، فيلزم إما وحدة المتعلق التي مر الكلام حولها، بناء على تعلق الأوامر والنواهي بالأفراد. بل لا معنى محصول له إلا برجوعه إلى ذاك. أو سقوط النزاع حسبما عرفت في البحوث الماضية (2)، ضرورة أن الأمر التخييري المتعلق بالصلاة الغصبية، والنهي الانحلالي المتعلق بالغصب الصلاتي، وإن اختلفا متعلقا في عالم العنوانية، ولكن هما متلازمان، فلاحظ وتدبر. الثاني: إذا كان الإطلاق رفض القيود، فلا يلزم شبهة الاتحاد في المتعلق بالضرورة، فيأتي النزاع على شبهاته من الطرفين. أقول: قد حررنا في محله، أن هذه العويصة تتوجه إلى أرباب القول: بأن الإطلاق جمع القيود (3)، ولا يمكن دفعها إلا إذا اريد منه توسعة الموضوع من غير أن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 564 - 565، درر الفوائد، المحقق الحائري: 234. 2 - تقدم في الصفحة 158 - 159. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 564 - 565، درر الفوائد، المحقق الحائري: 210 و 234. (*)

[ 172 ]

يتعدد الحكم والأمر، وهو خلاف المقصود، بل غير ممكن كما هو الواضح (1). التوهم السابع: من المباني المتوهم ابتناء هذه المسألة عليها، أن من الشرائط الآتية - وهو الأصل المقوم للنزاع - وحدة الكون، وإلا فلا معنى للنزاع، وإذن يبتني القول بالاجتماع على جواز عروض العرض على العرض، والقول بالامتناع على عدم جوازه، ضرورة أن التصرف في مال الغير يوجد بعين وجود الصلاة، فيكون قائما به، ووجود الصلاة وجود عرضي ليس جوهريا، وقيام العرض بالعرض محال فيمتنع. أو يقال: إن النزاع صحيح على القول بجواز عروض العرض على العرض، ولا يصح إذا كان ذلك ممتنعا، لأنه على تقدير الامتناع يلزم كون اختصاص كل عرض بوجود يخصه، وإيجاد يختص به، وعند ذلك يخرج عن محل النزاع، لأن المفروض في محله وحدة الإيجاد والوجود كما يأتي، بخلاف القول بالجواز، فإنه على تقديره يكون أحد العرضين قائما بالعرض الآخر، فيكونان موجودين بإيجاد واحد ووجود فارد. أقول أولا: قيام العرض بالعرض واقع، كما صرح أهله بقيام الخط بالسطح، والسطح بالجسم التعليمي (2)، وقد فصلنا الكلام حوله في حواشينا على طبيعيات " الأسفار " واستشكلنا في الأمر، والتفصيل في محله (3). وثانيا: لا ربط لهذه المسألة بتلك البحوث، لأن الصلاه ليست من الأعراض،


1 - انظر الجزء الثالث: 427 - 428 والجزء الخامس: 441. 2 - الأسفار 4: 238. 3 - تعليقات على الحكمة المتعالية، للمؤلف (قدس سره) 4: 237. (*)

[ 173 ]

ولا التصرف، ولا سائر العناوين المتعلقة للأمر والنهي إلا ما شذ، وحيث إن البحث حول العناوين المختلفة في مناشئ انتزاعها ولو بالاختلاف اللحاظي والاعتباري فتسقط هذه البحوث، كما تسقط المباني المتوهمة لهذه المسألة من السراية، والتركيب الاتحادي والانضمامي، بما أن الاعتباريات خالية عن مثله، فافهم واغتنم. ومن هنا يظهر: أن من صغريات المسألة كما تكون الصلاة في المغصوب، كذلك تكون الوضوء بالماء المغصوب، وشرب الماء المغصوب إذا كان الشرب على الإطلاق واجبا وهكذا. ومن العجيب توهم الإشكال في المثالين الأخيرين بإنكار إمكان انتزاع عنوان " الوضوء " والعنوان الآخر الواجب، لأن ما هو في الخارج ليس إلا التصرف في الماء المغصوب (1) ! ! وتوهم صحة المثال الأول، بأن هناك ماهيتين قد انضمتا في الخارج، حتى قال بتعدد الحركة خارجا، إحداهما: الحركة الصلاتية، والاخرى: هي الحركة الغصبية (2)، ولا حاجة إلى إفادة ما في هذه الإفاضات، فتدبر. وبالجملة: يبقى الإشكال فيما إذا كان متعلق الأمر والنهى من المقولتين الحقيقيتين المحتاجتين إلى إيجاد خاص ووجود مخصوص، فإن كانا من قبيل العرضين القائم أحدهما بالآخر - كالكيفيات المختصة بالكميات، مثل الاستدارة والتربع - فلا وجه لخروجهما عن محل النزاع، وإلا فوجه الخروج عدم وحدة الكون المعتبرة في النزاع، وسيظهر الكلام حول هذا الشرط، فإن أنكرنا شرطيته الدائمية فلا يخرج أيضا، فانتظر واصبر.


1 - أجود التقريرات 1: 342. 2 - أجود التقريرات 1: 339 - 341. (*)

[ 174 ]

التوهم الثامن: قد بنوا الامتناع على القول بالسراية، وعلى القول بالتركيب الاتحادي، والجواز على القول بعدم السراية، والتركيب الانضمامي (1). وأنت قد أحطت خبرا بما فيه، ضرورة إمكان الالتزام بالامتناع على القول بالتركيب الانضمامي وعدم السراية، بدعوى أن التلازم الأحياني يورث امتناع ترشح الإرادتين في المجمع كما تحرر (2)، فتدبر. المقدمة السادسة: فيما يعد أو يمكن عده من الشرائط في نزاع الامتناع والاجتماع وهو امور: الأمر الأول: ثبوت الإطلاقين المفيدين للتنجيز قد مضى أن من الشرائط القطعية، ثبوت الإطلاقين المفيدين للحرمة والوجوب المطلقين، أو ثبوت المبغوضية والمحبوبية المطلقين، أو المصالح والمفاسد على سبيل البدل وعلى الوجه الذي عرفت (3). وربما يتوهم امتناع اجتماع المحبوبية والمبغوضية الفعليتين في الشئ


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 408 - 411، مقالات الاصول 1: 354، نهاية الأفكار 2: 408، محاضرات في اصول الفقه 4: 165. 2 - تقدم في الصفحة 150 - 151. 3 - تقدم في الصفحة 169. (*)

[ 175 ]

الواحد (1)، ولكنه لا يضر، لأن الاجتماعي ينكر الامتناع المزبور، وليس من الممتنعات الواضحة، فلا تخلط. الأمر الثاني: وحدة الكون وأن يكون المأمور به والمنهي عنه يوجدان بإيجاد واحد ووجود فارد، وإلا إذا أمكن إيجاد أحدهما بدون الآخر فأوجدهما معا، فهو ليس مورد النزاع عندهم، لأن الضرورة قاضية بإمكان الاجتماع، فيكون التلازم وعدم إمكان التفكيك بينهما في المجمع، لازما في أصل النزاع، وهذا هو الأصل المفروغ عنه في كلماتهم. ومن ذلك يتوجه أن يقال: بأن أساس منشأ الإشكال وما ينشأ منه شبهة الامتناع، هو التلازم الأحياني بين المأمور به والمنهي عنه. وإلى هذا الشرط يرجع ما في كلمات بعضهم في تحرير عنوان البحث: " من أن النزاع حول ما إذا تعلق الأمر بشئ، والنهي بشئ آخر، اللذين يوجدان بوجود واحد وإيجاد فارد، المنطبقين على المجمع الواحد " (2) فرارا من العنوانين المتصادقين على واحد، ولكنهما لا يوجدان بإيجاد فارد مثل عنوان " كن مصليا " و " لا تكن ناظرا إلى الأجنبية " فإنهما يصدقان على واحد، ولكنهما خارجان عن محل النزاع، لما لا يتحد بين المبدأين في الكون والوجود. ومن هنا يظهر الخلل فيما جعله الوالد المحقق - مد ظله - عنوانا للبحث (3)، لصدقه على المثال المزبور، مع أنه خارج عن محيط البحث بالضرورة.


1 - الفصول الغروية: 125 / السطر 21، محاضرات في اصول الفقه 4: 164 و 207 - 208. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 165 و 171. 3 - مناهج الوصول 2: 109، تهذيب الاصول 1: 377. (*)

[ 176 ]

إفادة: حول جريان النزاع في الإكراه على النظر إلى الأجنبية حال الصلاة ربما يختلج بالبال أن يقال بجريان النزاع في هذه الصورة، وهي ما إذا أكره المكره على النظر إلى الأجنبية حال الصلاة، ولا يكره على الصلاة، ولا على النظر بالاستقلال، وعليه يكون مجبورا على عدم التفكيك بين المأمور به والمنهي عنه، فلا يكون النظر مورد الإكراه حتى يرتفع بدليله، فهل هذا النحو من الامتناع الشرعي يعد مثل الامتناع العقلي، فكما يمتنع عقلا التفكيك في الدار المغصوبة بين الصلاة والغصب، كذلك الأمر في المقام ؟ فعلى هذا تندرج في محط الكلام مع تعدد الإيجاد والوجود، والامتناعي يمكن أن يقول بامتناع التكليفين، لأنه ليس قادرا على الجمع، والاجتماعي يدعي بقاء الإرادتين على حالهما وبقوتهما، ولا مانع من ذلك، فوحدة الكون غير ثابتة دخالتها تقويما في النزاع. نعم، التلازم معتبر، وهو فيما إذا اتحدا كونا واضح عقلا، وإذا اختلفا فلا تلازم إلا في صورة، ويكون التلازم بالعرض وتسامحا، فتأمل. وبعبارة اخرى: إن كان وجه الامتناع كون الشئ الواحد، مورد التحريم والإيجاب والحب والبغض وأمثال ذلك، فلا يندرج في محط الكلام، وأما إذا كان دليله هذه الامور في صورة الوحدة عقلا، وأمرا آخر وهو امتناع ترشح الإرادتين: الآمرة، والزاجرة، مع امتناع التفكيك في صورة الوحدة تسامحا، فيندرج في محط التشاح.

[ 177 ]

الأمر الثالث: حول اعتبار المندوحة إن في اعتبار شرطية المندوحة وعدم اعتبارها، أو إضرارها بالنزاع، أو التفصيل في المسألة، وجوها وأقوالا لا بأس بالإشارة إليها إجمالا، حتى يتبين الحق ويستبان حدوده: الوجه الأول: ما هو صريح " الدرر " (1) وبعض آخر (2) " من أن النزاع في مسألة اجتماع الأمر والنهي، بعد الفراغ من صدور الأمر والنهي عن جد، وهو لا يعقل إلا فيما إذا كان العبد متمكنا من امتثال كل واحد منهما، ولو لم يكن يتمكن من الامتثال - بأن لا يجد أرضا مباحة يقيم فيها الصلاة - فلا يكون أمر في البين حتى يتنازع في اجتماعه مع النهي، لأن الصلاة في المغصوب ليست مورد الأمر، والصلاة المطلقة غير مقدورة. وبعبارة اخرى: الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، فلابد من وجود المندوحة حتى لا يلزم التكليف بالمحال المستتبع للتكليف المحال مع الالتفات والتوجه، كما هو الظاهر ". ويظهر منه (قدس سره) أن المسلم عند الكل عدم الجواز والامتناع، لقبح التكليف بما لا يطاق في صورة عدم المندوحة (3).


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 148. 2 - الفصول الغروية: 124 / السطر 32 - 33، فوائد الاصول، المحقق الخراساني: 144، وقاية الأذهان: 333 - 334. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 148. (*)

[ 178 ]

الوجه الثاني: لا يعتبر قيد المندوحة في صحة نزاع الاجتماع والامتناع في مرحلة الجعل والإنشاء، لأن البحوث الاصولية تكون فرضية وحيثية، فالأمر والنهي فرضيان، والبحث حيثي، أي يكون حول أن الأمر المتعلق بشئ، والنهي المتعلق بالعنوان الآخر، هل يتداخلان وتلزم الوحدة في المتعلق في وعاء الجعل، أو في وعاء الخارج، ويتجاوزان إلى أنفسهما، أم لا ؟ ولا يلزم المحالية من هذه الجهة، وأما لزوم الاستحالة من المناشئ الاخر فلا ربط له بهذه المسألة. أقول: وأنت خبير بعدم التهافت بين المقالتين، الاولى وهذه الثانية الظاهرة من " الكفاية " (1) وبعض المحشين (2)، لأن المفروض في الاولى أن الأمر والنهي الفعليين، هل يعقل اجتماعهما في المجمع، أم لا ؟ والفعلية منوطة بالقدرة، وهي لا تكون إلا مع المندوحة، والمفروض في الثانية عدم الفعلية، وأن البحث حيثي، فكلاهما يقبلان اعتبار القيد ولا اعتباره، حسب اختلاف نظرهما إلى المسألة وإلى الجواز الفعلي ولا جوازه، فلا تخلط. ومن هنا يظهر: أن القائلين بصغروية النزاع، إن كانوا يبحثون بحثا حيثيا - وهو امتناع اجتماع الأحكام المتضادة في المجمع وعدمه، وامتناع السراية وعدمه، من غير النظر إلى الجهة الاخرى - فلابد وأن لا يعتبروا قيد المندوحة. وإن كانوا ناظرين إلى الأمر والنهي الفعليين، وأنهما لا يسريان إلى متعلق الآخر، ولا يتعانقان في المجمع، فلابد وأن يكون الأمر فعليا، وهو عندهم لا يعقل إلا مع القدرة على الامتثال، فلابد من وجود المندوحة، فمناط اعتبار قيد المندوحة


1 - كفاية الاصول: 187. 2 - نهاية الدراية 2: 297. (*)

[ 179 ]

وعدمه هذا الأمر، دون غيره. ومن هنا يظهر ما في إفادة السيد الوالد - مد ظله -: من أن قضية الصغروية عدم اعتبار المندوحة قطعا (1). فبالجملة تارة: يكون النزاع حول لزوم وحدة المتعلق وعدمه، ويكون بحثا حيثيا، فلا وجه لاعتبار المندوحة. واخرى: لا يكون حيثيا، بل هو بعد الفراغ من أصل الأمر الفعلي، فلابد من اعتباره حسبما رأوا من أنه من التكليف بالمحال (2). وإن شئت قلت: إن كان النزاع في أن تصادم المجعولين في المجمع، هل يستلزم مصادمة الجعلين بأي نحو أمكن، أم لا ؟ فلا بد من قيد المندوحة، لأن فعلية الجعل منوطة بالمندوحة، وإن كان النزاع في أن تصادمهما في المجمع، هل يوجب تصادم الجعلين من جهة خاصة - وهي وحدة المتعلق، والسرايه وعدمهما - فلا يكون القيد معتبرا، لأنه لم يفرض فعلية الجعلين، فليتدبر. الوجه الثالث: أن مع الالتزام بفعلية الأمر والنهي، لا حاجة إلى قيد المندوحة، بناء على ما حررناه تبعا للوالد المحقق - مد ظله - من أن الخطابات القانونية تكون فعلية حتى في موارد العجز (3). نعم لابد من مراعاة شرائط الخطابات القانونية المحررة


1 - مناهج الوصول 2: 113، تهذيب الاصول 1: 380. 2 - الفصول الغروية: 125 / السطر 14، فوائد الاصول، المحقق الخراساني: 144، درر الفوائد، المحقق الحائري: 148. 3 - مناهج الوصول 2: 25 - 27، تهذيب الاصول 1: 308. (*)

[ 180 ]

سابقا (1)، فلا نعيدها. وعلى كل تقدير: العبد في صورة فقدان المندوحة مكلف فعلا بتكليفين فعليين، أحدهما: الصلاة، والآخر: الغصب، فإن أمكن اجتماعهما في المجمع فهو، وإلا فلابد من انكشاف سقوط أحد التكليفين معينا، أو القول بالتخيير، فاعتبار قيد المندوحة على القول بأن النزاع ليس حيثيا (2)، أيضا ممنوع، فضلا عما إذا كان حيثيا. أقول: سيظهر في الوجه الآتي من ذي قبل أن الفعلية المقصودة في المقام، لا تناط بالقول بالخطابات القانونية، بل يمكن الالتزام هنا بفعلية تجتمع مع انحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات الجزئية الشخصية. نعم، مع كون الأمر والنهي فعليين على أي تقدير، لا يمكن النزاع إلا مع الالتزام بالخطابات القانونية، أو القول باعتبار المندوحة، فشرطية قيد المندوحة في عرض شرطية كون الخطابات قانونية، ولا وجه لترجيح أحدهما على الآخر. وإن شئت قلت: مع الالتزام بقانونية الخطابات يتعين الاجتماع، فلا معنى للنزاع بعد ذلك، فإلغاء قيد المندوحة يساوق إلغاء النزاع، لأن أساس الشبهة تحت كيفية إمكان الأمر والنهي في المجمع مع التلازم الأحياني، وإذا صح ذلك - بناء على قانونية الخطاب - فلا تصل النوبة إلى اعتبار القيد المزبور وعدمه، فتأمل جدا. الوجه الرابع: أن اعتبار قيد المندوحة يلازم الالتزام بالاجتماع، ويستلزم سقوط النزاع قهرا، فيكون مضرا، وذلك لأن البحث في مسألة الاجتماع والامتناع، لا يدور حول


1 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. 2 - مناهج الوصول 2: 113، تهذيب الاصول 1: 380. (*)

[ 181 ]

أن الأحكام متضادة أم لا، ولا يدور حول أن المحبوبية والمبغوضية متضادة أم لا، ولا حول أن المصالح والمفاسد متباينات أم لا، ضرورة أن اجتماع هذه الامور إما غير لازم، أو غير مضر. ولا يدور حول السراية وعدمها، ولا حول التركيب الاتحادي والانضمامي، كما عرفت مرارا (1)، لإمكان الالتزام بالامتناع مع القول بالانضمام وعدم السراية. بل أساس النزاع ومبدأ الخلاف والتشاح، هو أن في المجمع يمكن المحافظة على إطلاق الأمر والنهي، وتكون الإرادتان: الآمرية والزاجرية، باقيتين فيه على قوتهما، أم لا، وإذا كان المكلف متمكنا من الجمع بين الصلاة وترك الغصب، فلا معنى للإشكال في الإمكان المذكور، ضرورة وضوح جواز ترشح الإرادتين حتى في المجمع، فالنزاع يصح على تقدير عدم وجود المندوحة في البين. وإن شئت قلت: إن كان وجه الامتناع أحد الامور المزبورة إجمالا، فلا يضر قيد المندوحة، لأن القائل بالامتناع يقول بتضاد الأحكام، ومع وحدة المجمع يلزم الجمع بين الضدين، وهكذا سائر التوهمات، فإنه عند ذلك لا ينفع ولا يضر، وأما إذا كان فساد هذه الامور واضحا، فيضر القيد المزبور. وإن شئت قلت: يلزم التفصيل، فلا يعتبر قيد المندوحة على أساس الامور المشار إليها، ويكون مضرا على الأصل المذكور. الوجه الخامس: أن النزاع إن كان حيثيا، فلا حاجة إلى قيد المندوحة، وإن كان النزاع مطلقا وفرض فعلية الأمر والنهي، فلا تعتبر المندوحة أيضا وإن لم نقل بالخطابات القانونية، وذلك أن المبحوث عنه في مسألة الاجتماع والامتناع: هو أن الأمر مع


1 - تقدم في الصفحة 147 و 164 و 174. (*)

[ 182 ]

قطع النظر عن النهي يكون فعليا على عنوانه، والنهي مع قطع النظر عن الأمر يكون فعليا على عنوانه، وإنما النزاع في أنهما معا يبقيان على فعليتهما في المجمع أم لا ؟ ولا شبهة في أن أمر الصلاة مع قطع النظر عن حرمة الغصب فعلي وبالعكس، فعليه لا معنى للتمسك بأن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي (1)، حتى يعتبر قيد المندوحة في محط الخلاف، ضرورة أن المكلف يتمكن من امتثال أمر الصلاة مع قطع النظر عن حرمة الغصب وبالعكس، فيكون الخلاف في هذه الصورة وفي أنهما يبقيان في المجمع على حالهما من الفعلية أم لا، فلا يعتبر المندوحة في الفعلية المقصودة هنا. نعم، إذا قلنا بالامتناع يقع التعارض بالعرض، سواء كانت المندوحة، أو لم تكن. وإذا قلنا بالاجتماع، فإن كانت المندوحة فلا يقع التزاحم إلا على وجه أبدعناه في إمكان التزاحم مع القدرة على الجمع في التزاحم بين أحد أطراف الواجب التخييري وبين الواجب التعييني (2). وإن لم يكن مندوحة فيقع التزاحم، ويعالج المبتلى به بمعالجات باب التزاحم، فالمندوحة مفيدة في نتيجة المسألة، لا في النزاع وعدمه. التحقيق في عدم اعتبار المندوحة إذا تبينت هذه الوجوه الرئيسة في المسألة ومبانيها، فالذي هو الأقوى في النظر: أن المندوحة مضرة بأساس البحث على الوجه الذي هو مورد نظرنا.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 442، لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4: 189. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 400 - 402. (*)

[ 183 ]

وإن شئت قلت: هذه المسألة من تفرعات مبنى النزاع وأصل التشاح، فعلى ما تخيلناه (1) يكون مضرا، وعلى ما توهمه " الكفاية " (2) لا يكون شرطا، إلا إذا كان المراد من الأمر والنهي الحكمين الفعليين، وعلى ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (3) لا يكون شرطا مطلقا، وعلى مبنى " الدرر " في مسألة الخطابات (4) يكون شرطا، بناء على عدم كون البحث حيثيا، والأمر - بعد ذلك كله - سهل يناله أهله، فتدبر. والذي ظهر لي: أن قيد المندوحة دائر بين كونه مضرا، وبين كونه غير لازم حتى على القول: بأن المراد من الأمر والنهي التكليفين الفعليين، وأن الخطابات شخصية، لا كلية قانونية. وفذلكة الكلام في المقام: أن الخلاف بين " الدرر " و " الكفاية " ليس خلافا جوهريا، والاختلاف بين " الدرر " والوالد - مد ظله - ليس إلا في أصل مبنائي، وهو انحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات الشخصية وعدمه، وما هو المخالف جوهرا، هو أمران آخران: أحدهما: أن قيد المندوحة مضر بالنزاع. ثانيهما: أن قيد المندوحة لا يعتبر، ولو كان المراد من الأمر والنهي التكليفين الفعليين، وقلنا بانحلال الخطابات القانونية إلى الجزئية الشخصية. وأنت بحمد الله وله الشكر اطلعت على أن مع الالتزام بالانحلال المزبور، لا يلزم كون البحث في جهة خاصة، وهو أن تعدد العنوان يورث تعدد المعنون، أم لا.


1 - تقدم في الصفحة 146 - 147 و 181. 2 - كفاية الاصول: 187. 3 - مناهج الوصول 2: 113 - 114، تهذيب الاصول 1: 380. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 461 - 462. (*)

[ 184 ]

تذنيب: في كلام المحقق القمي عن المحقق القمي (قدس سره): " أن قيد المندوحة معتبر، لقبح التكليف بما لا يطاق. نعم، إذا كان العجز عن امتثال الأمر مستندا إلى سوء اختيار المكلف، فلا يعتبر " (1) انتهى. وكأنه (قدس سره) توهم: أن المراد من القبح هو القبح العقلائي القابل للاستثناء، مع أنه قبح ناشئ من الامتناع العقلي غير القابل للتخصيص. إفادة: حول مختار المحقق الإيرواني (قدس سره) في عدم اعتبار المندوحة عن الفاضل الإيرواني (قدس سره): " أن اعتبار قيد المندوحة لا معنى له، بناء على تعلق الأمر والنهي بالأفراد، ضرورة أن المراد من " المندوحة " هو الفرد المباح من المأمور به الذي يكون المكلف لأجله في الوسع والفسحة من الامتثال، وإذا كان مورد الأمر هو الفرد، فلا يكون الفرد الآخر فردا من المأمور به، بل هو فرد آخر مخصوص بأمر آخر، ولا يكون فردا للطبيعة التي هي مورد الأمر " (2). أقول: هذا الفاضل أيضا اغتر بما في ظاهر كلماتهم من تفسير " المندوحة " (3) وإلا فالمراد من " المندوحة " ما يبرر التكليف، فإذا كان المكلف مقتدرا على امتثال أحد الأطراف من التكليف التخييري، فلا مانع من توجيه الخطاب بنحو التخيير إليه، إلا إذا كان التخيير شرعيا، فإنه عندنا أيضا غير ممكن، فليلاحظ جيدا. ثم إن مقتضى تعلق الأمر بالأفراد، ليس إلا عدم المحل لاعتبار قيد


1 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 21، و 154 / السطر 1. 2 - نهاية النهاية 1: 216. 3 - قوانين الاصول 1: 140 / السطر الأخير و 142 / السطر 8. (*)

[ 185 ]

المندوحة، ولكن لا يلزم منه سقوط النزاع كما عرفت، لأن تعلق الأمر بفرد من الصلاة إذا كان ممكنا عقلا في المغصوب، لا يكون ممتنعا، لأن المفروض تعلقه بفرد منها مع قطع النظر عن محرمية الغصب، وهكذا في جانب النهي، فلا وجه للتمسك بأن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، لأن الكلام هنا حول لزوم الامتناع الشرعي أم لا، ضرورة أن مع الالتزام بالاجتماع، لا تكون الصلاة في المغصوب من الممتنع الشرعي. بل لو صح أن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، فهو في مثل ما إذا كان مقدمة الواجب حراما، وأما إذا كان ملازمه حراما فلا يكون منه، كما لا يخفى، وسيظهر في الآتي بعض البحث حول هذه المسألة إن شاء الله تعالى (1). إيقاظ: في تحقق المندوحة بالتمكن الطولي من الفرد المباح كما يكون التمكن من الفرد المباح عرضا من المندوحة، كذلك التمكن منه طولا يكون من المندوحة، فلو كان في أول الوقت عاجزا عنه دون آخره صح التكليف، لما عرفت من عدم اعتبار القدرة على الامتثال حين التكليف (2). هذا بناء على اعتبار أصل القدرة في الفعلية، وإلا فالأمر أوضح. الأمر الرابع: ترتب الثمرة المقصودة من شرائط عقلائية النزاع ترتب الثمرة المقصودة، فإذا كان قضية القول بالاجتماع هي صحة الصلاة في المغصوب، كان للنزاع المعروف وجه عقلائي، وإلا


1 - يأتي في الصفحة 190. 2 - تقدم في الصفحة 60 - 61. (*)

[ 186 ]

فلا ويكون مجرد إتلاف الوقت، وقد وقعت صحتها مورد الإشكالات مطلقا: الإشكال الأول: من ناحية أن المقرب والمبعد لا يمكن أن يكونا واحدا، والالتزام بجواز اجتماع الأمر والنهي في مرحلة التشريع، لا يلازم صحة الصلاة في المجمع، وصحة كون الواحد مقربا ومبعدا، ضرورة أن الإرادة التشريعية لا تتعلق إلا بما قامت به المصالح، وهي الصلاة وحيثيتها، وأما الإرادة التكوينية الفاعلية، فهي تتعلق بالوجود الخاص الذي هو أمر وحداني جزئي، وإذا كان هو مبغوضا لأجل مصداقيته للحيثية المبغوضة، فلا يصلح لأن يتقرب به، وقد اشترطوا في العبادة - مضافا إلى قصد القربة - كون المأتي به صالحا لأن يتقرب به (1)، وتلك الصلاحية لا تتلائم مع كونه مبعدا، ولأجل ذلك حكم الأصحاب بفساد الصلاة في الدار المغصوبة. وتوهم: أنه لأجل الامتناع قالوا بالبطلان (2)، في غير محله، لأن المراجعة إلى كلمات " العدة " (3) والسيد (رحمه الله) (4) لا تعطي مقالتهم بالامتناع، وإفتاءهم بالبطلان لا يلازم ذلك، لما يمكن أن يقولوا بالجواز في كبرى المسألة، وبالبطلان في مقام الامتثال، وتكون النتيجة هي الامتناع في مقام الامتثال، أي فساد الصلاة في المجمع، فنسبة الامتناع إلى المشهور استنادا إلى الفتوى المذكورة، في غير محلها (5). أقول: لا شبهة في أن المقربية والمبعدية، ليستا من العوارض الخارجية ومن المقولات العرضية، فهي الاعتباريات القائمة بوجوه واستحسانات، ومن الامور


1 - كفاية الاصول: 191، محاضرات في اصول الفقه 4: 234. 2 - كفاية الاصول: 192. 3 - عدة الاصول: 100 / السطر 21 - 23. 4 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 191 - 192. 5 - نهاية الاصول: 260 - 261. (*)

[ 187 ]

المعنوية والروحانية القابلة للتفكيك في مقام الدرك والامتثال، فكون الصلاة مقربة، ليس إلا أنها قابلة لأن يتقرب بها منه تعالى مع رعاية الشرائط الاخر، وهكذا مبعدية الغصب. فإذن كما تتعلق إرادة الأمر بالبعث نحو الصلاة، كذلك تتعلق إرادة الفاعل بما يمكن أن يكون لأجل اشتماله على المقرب - وهى الصلاة - مقربا منه تعالى، فالإرادة الفاعلية لا تتعلق بما هو المبعد، ولا بما هو المقرب، بل تتعلق بما هو يمكن أن يتقرب به، ويمكن أن يتعبد به بلا شبهة، لأن المجمع منشأ اعتبار ما هو المقرب بالذات وهي الصلاة، وما هو المبعد بالذات وهو الغصب. هذا بحسب التحليل العقلي. وإن شئت قلت: لا الصلاة مورد الإرادة بالذات، ولا التصرف، بل ما هو مورد الإرادة هي الحركة الخارجية، واتصاف تلك الحركات بالعناوين، لأجل انضمام المقاصد والنيات بها، ولو كانت الصلاة من المقولات وهكذا الغصب، لكان تتعلق الإرادة بهما، وأما إذا كانا من الاعتباريات فلا يتم التوهم المزبور الذي أفاده استاذنا البروجردي (قدس سره) (1). وغير خفي: أن ما أفاده إشكالا لا يختص بمورد، بل يأتي في جميع العبادات في المجمع، فلا تغفل، وكن على بصيرة، وسيأتي توضيح ذلك بذكر الأمثلة العرفية حول المفاسد المتوهمة على القول بالاجتماع إن شاء الله تعالى (2). ثم إن ما في كلماته، من اعتبار كون الشئ صالحا للمقربية زائدا على اعتبار قصد القربة (3)، لا يكون راجعا إلى محصل. ولو سلمنا بطلان العبادة في المجمع


1 - نفس المصدر. 2 - يأتي في الصفحة 216 - 218. 3 - نهاية الاصول: 261. (*)

[ 188 ]

لأجل هذا وما يأتي (1)، فلا نسلم انحصار الثمرة بصحة العبادة، بعد ما عرفت من جريان النزاع في العبادات والمعاملات، وبناء على الاجتماع تكون المعاملة الواقعة مورد النهي - لأجل انطباق العنوان المحرم عليها - صحيحة (2). وأيضا: في التوصليات النفسية يستحق الثواب، بناء على القول به (3). وأيضا: لو كان اختيار المجمع بسوء الاختيار، لا يلزم ترك الواجب بلا عذر، لأنه قد أتى بما هو الواجب وإن كان فاعلا للحرام من جهة انطباق العنوان المحرم عليه. مثلا: لو كان الوفاء بالدين موجبا للتصرف في مال الغير، وارتكب المكلف ما يورث هذا التلازم والاستلزام، فإنه بناء على الامتناع يحرم التصرف، ويعاقب على ترك الوفاء بالدين، لأنه بسوء الاختيار، فلو تصدى للوفاء بالدين فلا يقع، لأن الدين من الأحكام الوضعية المنتزعة عن التكليفية حسبما قيل (4)، فلا وجوب حتى ينتزع منه ذلك. نعم، على القول بالاجتماع لا يلزم ترك الواجب وهو الوفاء بالدين. والإشكال في بعض خصوصيات المثال، أو بعض المباني، خارج عن دأب المحصلين، لأن النظر إلى إفادة ما هو مورد الاستنتاج من القول بالاجتماع. فبالجملة تحصل: أن قضية الصناعة صحة الصلاة والعبادة في المجمع، فضلا عن المعاملة، والله العالم.


1 - يأتي في الصفحة 189 - 192. 2 - تقدم في الصفحة 137 - 138. 3 - نهاية الدراية 1: 320 - 323. 4 - انظر ما تقدم في الجزء الثالث: 440. (*)

[ 189 ]

الإشكال الثاني: أن النسبة بين الصلاة والتصرف في مال الغير وإن كانت بحسب المفهوم عموما من وجه، ولكن بعد كونهما موضوعين للحكم تكون النسبة عموما مطلقا، وذلك لما عرفت من أن الأمر يتعلق بنفس الطبيعة من غير انحلال، والنهي يتعلق بالطبيعة على وجه الانحلال، ولا يتصور الانحلال إلا بكثرة الموضوع، ولا تتكثر الطبيعة الموضوعة إلا بلحاظ ورود العوارض والخصوصيات، فيسري النهي إلى المصداق للصلاة، فتكون النسبة بين الفرد من الصلاة والطبيعة، عموما وخصوصا مطلقا، فالنسبة بين المتعلقين دائما عموم مطلق، وتصير النتيجة أن المسألة - على القول بالجواز - تكون من صغريات النهي في العبادات، أو تصير خارجة عن محط نزاع الاجتماع والامتناع على الوجه الذي قويناه (1). أقول: قد مرمنا بعض الكلام في بحث المائز بين هذه المسألة، ومسألة النهي في العبادات (2)، وقد استفدنا هذا الإشكال من بعض تنبيهات السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (3) وقد فرغنا من فساده بما لا مزيد عليه، من أن نتيجة الانحلال ليست كون متعلق النهي الأفراد، كما أنه (قدس سره) قد أنكر ذلك أشد الإنكار (4)، فإذا كان النهي - ولو ينحل إلى الكثير - غير متعلق بالأفراد بعد الانحلال أيضا، فلابد من بقاء النسبة على العموم من وجه، وذلك إما بدعوى انحلاله إلى الفرد الذاتي، من غير كون المنضمات داخلة في مصب النهي (5).


1 - تقدم في الصفحة 142 - 145. 2 - تقدم في الصفحة 122. 3 - نهاية الاصول: 263 - 264. 4 - نهاية الاصول: 260 - 261. 5 - تقدم في الصفحة 124. (*)

[ 190 ]

أو بدعوى: أن لازم تعلق النهي بالطبيعة، هو التحذر والاحتراز من جميع وجوداتها بالوجه الذي مضى تفصيله (1)، من غير لزوم كون الموضوع متكررا، فليتدبر جيدا. الإشكال الثالث: " أن العبادة في المجمع باطلة، ولا يمكن تصحيحها، لامن ناحية الأمر، ولا من ناحية الترتب، ولا من ناحية الملاك: أما من الناحية الاولى، فلأن حقيقة التكليف هي البعث إلى الحصة المقدورة، والصلاة في الغصب غير مقدورة شرعا، والممتنع الشرعي كالممتنع العقلي. وأما من الناحية الثانية، فلأن تقييد أمر الصلاة إما يكون بفعل من الأفعال المضادة لها، كالأكل والشرب، أو بفعل الصلاة، وعلى التقديرين لا يعقل الترتب. وأما من الناحية الثالثة، فلأن القبح الفاعلي يمنع عن إمكان التقرب بمثلها " انتهى ما نسب إلى العلامة النائيني (قدس سره) (2). أقول: قد فرغنا عن عدم اقتضاء التكليف للقدرة عقلا ولا عرفا (3). ولو اقتضى ذلك فالقدرة على الامتثال كافية (4)، فإن التكليف متقوم بالقدرة حتى يصرفها إلى أحد طرفي المقدور، وأما لزوم كونها مستوعبة للوقت فلا. وقد مر: أن حديث الامتناع الشرعي كالعقلي لا أصل له (5). ولو كان له أصل


1 - تقدم في الصفحة 105 - 107. 2 - أجود التقريرات 1: 368 - 370، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 442 - 443. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 457. 4 - تقدم في الصفحة 61. 5 - تقدم في الصفحة 185. (*)

[ 191 ]

فلا صغرى له في المقام، لأن الصلاة في الغصب، ليست ممتنعة شرعا على القول بالجواز بعد وجود المندوحة، أو بدونها أيضا بناء على ما سلكناه (1). وقد فرغنا من فساد الترتب بما لا مزيد عليه (2). ولو كان الترتب صحيحا في وجه ذكرناه (3)، فهو هنا أيضا صحيح ويرجع صيغة التقييد والترتب إلى هذا: " لا تغصب، وإن كنت غاصبا فبالصلاة اغصب ". أما قصة الملاك، فهي أمر يختلف الأشخاص في ناحيته، فربما يطمئن بعض النفوس بثبوت الملاك في مورد سقوط الأمر، لما يجد أن السقوط المستند إلى العجز، لا يلازم قصورا في المقتضي، وربما لا يطمئن بعضهم بذلك ويقول: بأن سقوط الهيئة يلازم الشك في ثبوت المقتضي، ولا مورد لاستصحاب بقائه، فليتأمل جيدا. ولو تنزلنا عن جميع هذه الامور، فلا يلزم سقوط النزاع، لما عرفت من إمكان الانتفاع منه في المعاملات (4). الإشكال الرابع: أن المنصرف من الأمر اختيار الفرد المباح في مقام الامتثال، وهذا أمر عقلائي، فلا تصح الصلاة في المغصوبة عند الاختيار. نعم، مع عدم وجود الاختيار فإن قلنا: بأن أمر الصلاة ونهي الغصب باقيان على فعليتهما، فالصلاة صحيحة مطلقا، لأنها مورد الأمر وإن كان مورد النهي أهم. وإن قلنا بامتناع اجتماع الفعليتين، كما هو مذهب المشهور (5) غير المنصور،


1 - تقدم في الصفحة 179. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 478 - 512. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 512 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 188. 5 - الفصول الغروية: 125 / السطر 14، كفاية الاصول: 193. (*)

[ 192 ]

فإطلاق صحة الصلاة - كما عن " الكفاية " (1) - ممنوع، لأنه إذا كان مورد النهي أهم، وأنكرنا الترتب والملاك، فلا يمكن تصحيح الصلاة كما هو الظاهر، وقد علمت منا في بحوث التعبدي والتوصلي أن قضية الأصل العقلائي لزوم اختيار الفرد المباح، وعدم كفاية الامتثال بالفرد المحرم (2)، وذلك يرجع إلى فهم العقلاء نوع تقييد في المأمور به طبعا، والتقييد المزبور لا إطلاق له حتى يسقط أمر الصلاة عند عدم الاختيار، فتكون الصلاة باطلة وغير واجبة. أقول: إمكان كون الصلاة والعبادة صحيحة مورد المنع إلا في صورة، مبتن على القول بجواز الاجتماع، وهي ما إذا لم يكن مندوحة في البين، فإنه على القول بالاجتماع وبفعلية أمر الصلاة تصح مطلقا، أو تصح على الترتب، أو تصح على الملاك على الوجه المزبور آنفا. وبالجملة: الإشكال الذي أوردناه لا يلازم سقوط ثمرة النزاع أيضا، لأن صحة الصلاة عند عدم المندوحة منوطة بصحة الاجتماع، وإطلاق الصحة منوط بكون الخطابات قانونية، أو منوط بكون الترتب صحيحا، أو بكون الملاك موجودا، فليتدبر جيدا. فبالجملة تحصل: أن فساد العبادة لا يلازم سقوط ثمرة النزاع. مع أن العبادة تصح في المغصوبة على الاجتماع مع عدم المندوحة. نعم، مع المندوحة لا تصح عندنا، للأصل العقلائي المحرر في محله (3)، ولما في " الغرر من حواشي الدرر " لجدي العلامة الطهراني - مد ظله - قال: " وقد أفاد الاستاذ لبطلانها أن الأخبار المشتملة على أن الأئمة (عليهم السلام) أباحوا الأراضي


1 - كفاية الاصول: 210. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 184 - 185. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 193 ]

المختصة بهم للشيعة حتى تصح صلاتهم فيها، تدل على بطلانها لولا الإباحة " (1) فراجع محالها (2). وغير خفي: أن سقوط ثمرة النزاع حسب بعض المباني، لا يلازم عدم عقلائية النزاع، بعد ذهاب جمع آخر إلى الاستنتاج من الاجتماع صحة العبادة، أو إمكان ذهاب جمع إليه إمكانا قريبا جدا. الإشكال الخامس: أن العبادة في المجمع صحيحة على الاجتماع والامتناع: أما الأول: فواضح. وأما الثاني: فلأن المجمع مورد الملاك والمصلحة، وسقوط فعلية أحد التكليفين، لا يلازم إنكار الحسن الذاتي والملاك المستكشف بالهيئة مع إطلاق المادة، فإن كان التكليف الساقط لأجل الامتناع عقلا التكليف التحريمي، فالصحة واضحة. وإن كان الغلبة على جانب النهي، فالعصيان لا ينافي صحة العبادة، إما لأجل الترتب، أو لأجل الملاك، حسبما تحرر في مبحث الضد (3). وملازمة الملاك والحسن الذاتي مع المبغوض الذاتي والمفسدة، لا توجب قصورا في صحة التقرب وترشح الأمر الترتبي. هذا من غير فرق بين حال وجود المندوحة وعدمه، فإذا صحت الصلاة في حال العمد، ففي حال السهو والنسيان والجهل - عن تقصير كان، أو قصور - تكون


1 - غرر العوائد من درر الفوائد: 69. 2 - وسائل الشيعة 9: 543، كتاب الخمس، أبواب الأنفال، الباب 4. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 339 وما بعدها. (*)

[ 194 ]

الصحة أقوى وأظهر، فلا ثمرة في محل النزاع، ويسقط القول ببطلان العبادة على الامتناع وغلبة جانب النهي. وربما يقال: إن تغليب جانب الأمر، لا معنى له إذا كان البحث في صورة اقتدار العبد على إتيان الفرد الآخر من المأمور به، وعلى هذا لا يبقى وجه لترجيح جانب الأمر أصلا ولو بلغ من الأهمية قصواها (1)، فما في كلماتهم من فرض غلبة جانب الأمر للأهمية (2)، غير راجع إلى محصل في محط الكلام في المقام. وفيه: أنه لا ينتهي إلى فساد الصلاة بأحد الوجوه المزبورة، كما ترى. ومن العجيب تمسكهم أحيانا بالإجماع على البطلان في صورة العلم والالتفات (3) ! ! مع أنه خارج عن البحث الاصولي والثمرة المقصودة، فإنه ربما يتم الإجماع في خصوص الصلاة، ولا يتم في سائر العبادات، أو يشكل صحة مثل الإجماع المزبور، لاحتمال كونه مستندا إلى الاصول العقلية والمبادئ العلمية المنتهية إلى القول بالامتناع وتغليب جانب النهي، غافلين عما هو الحق الثابت وراء ذلك. وربما يتوهم: أن تصحيح الصلاة بالترتب، يكون في مورد لا مفسدة في الصلاة قطعا، لأنها مزاحمة بالمصلحة الأقوى في شئ آخر، وهي الإزالة، بخلاف ما نحن فيه، فإنها مقرونة بالمفسدة الأقوى والأهم. ولكنه بمعزل عن التحقيق، لما عرفت من أن جهة التقرب والبعد وجهة المصلحة والمفسدة غير متداخلة، ويصح التقرب في محيط العقلاء بالمجمع ولو


1 - نهاية الاصول: 262 - 263، مناهج الوصول 2: 123. 2 - كفاية الاصول: 191، فوائد الاصول، المحقق الخراساني: 146. 3 - مطارح الأنظار: 157 / السطر 13، كفاية الاصول: 192، نهاية الاصول: 261. (*

[ 195 ]

استحق العقوبة على العصيان (1)، ولا ينبغي الخلط أصلا. أقول: أساس هذه الشبهة مبني على القول، بأن المفروض في المجمع وجود الملاك والمناط، وقد فرغنا عما في " الكفاية " (2) من توهمه ذلك (3)، وعما في غيره من أجنبية المسألة عن إحراز الملاك والمناط (4)، وتصير النتيجة على هذا في صورة الاطلاع على الملاك والمناط من الخارج، إمكان التوصل إلى تصحيح العبادة. ولكن لا سبيل إلى الاطلاع عليه من ناحية إطلاق الأمر والنهي، كما مر مرارا (5)، فما أفاده " الكفاية " كغيره في عدم التمامية من ناحية إطلاق كلامهم، وعدم العثور على مغزى المسألة في محط البحث. ثم في مورد ثبوت إطلاق الأمر والنهي وسقوط أحد الدليلين، لا تندرج المسألة في صغرى باب التعارض إن كان شرط الاندراج، إحراز كون أحد الدليلين بلا ملاك، لأنه في المجمع غير ممكن، لإمكان وجود الملاك ثبوتا وإن لم يتمكن من إحرازه إثباتا، لا بالهيئة، لسقوطها لأجل الامتناع، ولا بإطلاق مادته، لعدم المعنى المعقول لإطلاق المادة حسبما تحرر، لأن الإطلاق يكون من عوارض تعلق الحكم بالموضوع، فكيف يعقل مع القطع بسقوط الحكم (6) ؟ ! ولا بإطلاق سائر الأدلة الواردة في بيان محبوبية الصلاة على كل تقدير (7)، لعدم كونها في مقام البيان من


1 - تقدم في الصفحة 187 - 188. 2 - كفاية الاصول: 189. 3 - تقدم في الصفحة 166 - 170. 4 - مناهج الوصول 2: 115 - 117. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 339 وفي هذا الجزء: 170. 6 - تقدم في الجزء الثالث: 443. 7 - الكافي 3: 99 / 4، وسائل الشيعة 2: 373، كتاب الطهارة، أبواب الاستحاضة، الباب 1، الحديث 5. (*)

[ 196 ]

هذه الجهة. نعم، إن لم يكن ذلك شرطا فتندرج المسألة في مورد النزاع في باب التعارض، لأنه من المتعارضين بالعرض، وفي شمول الأدله لمثله خلاف، وقد استشكلنا في ذلك جدا (1)، فلا تكون المسألة من صغريات باب التعارض، ولا التزاحم. نعم تصير شبهة موضوعية للبابين على وجه. وأما ما في كلام سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره): من لزوم تغليب جانب النهي مطلقا، جمعا بين الدليلين (2)، فهو متين، ولكنه على تقدير اعتبار قيد المندوحة في محط البحث، وإلا فإن قلنا بإمكان كون الدليلين فعليين عرضا، فلا معنى أيضا لغلبة جانب الأمر أو النهي، بل الصلاة صحيحة ولو كانت مفسدة النهي أقوى وأهم. نعم، يجوز تركها إذا استلزمت التصرف الزائد على أصل الكون في المغضوب. ولو كان ذلك بسوء الاختيار، فله مقام آخر يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (3). وإن قلنا بعدم فعليتهما العرضية، لعدم المندوحة، فلابد من ملاحظة الملاك، فلو كان التصرف أقوى ملاكا من الصلاة فلابد من تركها، إلا إذا لم تستلزم التصرف الزائد، أو تصرفا رأسا، على ما مر تفصيله (4). تذنيب: حول صحة عبادة الجاهل والناسي على القواعد قد مر حكم العامد والجاهل والناسي على الاجتماع، وهكذا حكم العامد


1 - تقدم في الصفحة 153. 2 - نهاية الاصول: 262 - 263. 3 - يأتي في الصفحة 214. 4 - تقدم في الصفحة 155 - 156. (*)

[ 197 ]

على الامتناع، وبقي حكم الجاهل والناسي على الامتناع، وأنه هل تصح عبادتهم على القواعد الأولية العقلية، أم لا ؟ فربما يقال بالصحة، لأجل أن في مفروض المسألة لا فعلية ولا تنجز لحكم الغصب والتصرف في مال الغير، فلا معنى لعدم فعلية حكم الصلاة عندئذ بعد وجود المقتضي، حسب المفروض في أصل المسألة، فالمانع فعلية حكم الضد، وعند انتفائها يؤثر المقتضي أثره. واستحقاق عقوبة الجاهل المقصر لا ينافي الصحة، لأن سقوط الفعلية مستند إلى سوء اختياره المصحح لصحة عقوبته، كما في موارد النسيان عند التخلف عن وجوب التحفظ، فإنه لا يعقل الفعلية، ومع ذلك يستحق العقوبة على تفويت المصلحة الملزمة، أو جلب المفسدة الملزمة (1). أقول أولا: إن قضية ما تحرر في محله أن العالم والجاهل والقادر والعاجز والذاكر والناسي - على اختلاف طبقاتهم، وتشعب أحوالهم - مشتركون في التكاليف الكلية الإلهية تحريمية كانت، أو إيجابية، وتلك الأحكام فعلية (2)، فلا يتم ما اشتهر، ولا ما أفادوه في المقام حسب هذا المبنى. وثانيا: إن إسقاط الفعلية حال الجهل خلاف ما ذهب إليه العدلية، من اشتراك الجاهل والعالم في الحكم (3)، فيكون الحكم على موضوعه فعليا، حسب أن الأحكام الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية، ولا يتقوم فعلية الأحكام فيها على وجود الموضوعات، بل هي على عناوينها الكلية فعلية، ولو كانت الفعلية منوطة


1 - نهاية الأفكار 2: 441 - 442. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 436 - 455. 3 - لاحظ كفاية الاصول: 536، فوائد الاصول 3: 12. (*)

[ 198 ]

بالعلم للزم الدور المزبور في محله (1)، وللزم التصويب غير الجائز، فتأمل. وثالثا: قد مر منا أن القول بالامتناع، كما يستلزم امتناع اجتماع الأمر والنهي، يستلزم امتناع اجتماع الحب والبغض (2)، فلو كانت الصلاة في المغصوب مبغوضة لسراية البغض ولغير ذلك من أدلتهم، لما أمكن التقرب، ففي كل مورد التزم بمبغوضيتها - كما في موارد الجهل عن تقصير، والنسيان الاختياري - لا يصح الالتزام بصحة العبادة حسب مسلكه. بل قضيه ما سلكه " الكفاية " من وجود الملاك والمناط في المجمع (3) ومقتضى الامتناع جمعا، هو البطلان مطلقا، لشيوع المبغوضية، وتصير الصلاة حينئذ مبغوضة مطلقا، وإن لم تكن مورد التكليف لأجل المحاذير العقلية في فعلية الخطاب. بل اللازم بناء عليه بطلان الصلاة مطلقا، لأن مبغوضية حيثية النهي تسري إلى حيثية الأمر مثلا الملازم لمبغوضية الصلاة طبعا، فلا تصح على الامتناع، وعلى ما سلكه " الكفاية " من لزوم إحراز المناط في صحة النزاع، فليتأمل جيدا. كما أن اللازم أيضا بطلانها وإن قلنا: بأن نتيجة الامتناع هو التخيير (4)، فتأمل. نعم، بناء على ما عرفت من عدم شرطية إحراز المناط في صحة النزاع (5)، أنه كما لا يمكن إبطالها حال عدم تمامية التكليف بالنسبة إلى الغصب والتصرف ولو


1 - يأتي في الجزء السادس: 115 - 118. 2 - تقدم في الصفحة 169. 3 - كفاية الاصول: 189. 4 - يأتي في الصفحة 219 - 220. 5 - تقدم في الصفحة 167 - 168. (*)

[ 199 ]

كان بسوء الاختيار - فإنه ربما لا يمكن استكشاف المبغوضية، لأجل سقوط الهيئة فرضا، ولا سبيل إلى كشفها إلا الهيئة الساقطة، فلا تخلط - كذلك لا يمكن إبطالها على القول بالتخيير، لأنه يرجع إلى وجود الأمر الكافي للصحة مع عدم العلم بالمبغوضية المنافية للتقرب. وبالجملة: كما يمكن تصحيح الصلاة وإن قلنا بغلبة جانب النهي، كذلك يمكن إبطالها وإن قلنا بغلبة جانب الأمر، وذلك لأن الشئ الواحد إذا لم يمكن أن يكون مقربا ومبعدا فلا يمكن أن يحصل القرب، لما فيه من جهة البعد وجهة مبغوضية المولى وإن لم يتمكن المولى من النهي عن تلك الجهة، فافهم واغتنم. التحقيق في جواز الاجتماع وعدمه إذا تبينت هذه المقدمات وتلك الامور التي لابد من الاطلاع عليها في فهم هذه المسألة، فلابد من الورود في أصلها، وأنه هل يجوز الاجتماع، أم لا، أو يقع في المسألة تفصيل ؟ اعلم: أنك قد أحطت فيما سبق بأن النزاع في هذه المسألة يقع على وجهين: الوجه الأول: هو أن الاختلاف بين الأعلام يكون حيثيا، أي في حيثية واحدة: وهي أن مجرد اختلاف متعلق الأمر والنهي عنوانا مع وحدة المعنون، يكفي لعدم لزوم غائلة اجتماع الأحكام المتضادة والمتخالفة الغير القابلة للجمع، أم لا (1)، وفي هذه الوجهة لانظر إلى بعض الإشكالات الناشئة عن


1 - تقدم في الصفحة 113 و 119. (*)

[ 200 ]

امتناع ترشح الإرادة من المولى والمقنن، ولا إلى مسألة فعلية التكليف وعدم فعليته. الوجه الثاني: هو أن الإطلاقين الثابتين لكل واحد من العنوانين، هل هما باقيان على حالهما في المجمع، وتكون الإرادتان باقيتين حال اجتماع العنوانين على واحد، أم لا ؟ وإنك وإن اطلعت فيما سلف على أن النزاع بالحقيقة يكون في هذه الجهة (1)، ولكن لمكان ذهاب كثير منهم إلى الوجه الأول (2)، لابد من تحرير المسألة على الطريقين والوجهين. ومما يشهد على أن في مسألة الاجتماع يقع النزاع في الجهتين: أن من الممكن أن يختار الاجتماع في النزاع الأول من يقول بالامتناع في النزاع الثاني، وذلك لأن القائل بعدم السراية وبعدم اعتبار المندوحة في المبحث الأول، لابد وأن يقول بالامتناع في النزاع الثاني، إذا كان يرى أن الخطابات الشرعية الكلية تنحل إلى الخطابات الشخصية. وغير خفي: أن في الوجه الأول يكون القول بالاجتماع متعينا وبلا مناقشة يعتد بها، وفي الوجه الثاني يقع التفصيل، فإن كانت مندوحة فالاجتماع قطعي، وإن لم تكن مندوحة فإن قلنا: بأن الخطابات قانونية فالاجتماع مسلم، وإلا فيتعين الامتناع. وتمام الكلام في المقام يستدعي البحث في مقامين:


1 - تقدم في الصفحة 119. 2 - نهاية النهاية 1: 210، أجود التقريرات 1: 331، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 396 - 397، نهاية الأفكار 2: 408 - 409، نهاية الاصول: 252 - 253. (

[ 201 ]

المقام الأول: في كفاية اختلاف العنوانين لرفع غائلة الاجتماع هل أن مجرد اختلاف متعلقي الأمر والنهي مع وحدة المعنون، كاف في رفع غائلة المسألة ومنع لزوم الجمع بين الأحكام المتخالفة، أم لا ؟ وجهان، وقد ذهب إلى الثاني جمع (1)، وعلى رأسهم العلامة الخراساني (قدس سره) (2). ولنذكر الآن ما هو السبيل الوحيد لما هو المختار: فنقول: أولا: إن انتزاع العناوين المختلفة، لا يمكن من الواحد بجهة واحدة بالضرورة، كما لا يمكن انتزاع العنوان الواحد من الكثير بما هو كثير قطعا، فإذا كان مفهوم شرب الماء غير مفهوم التصرف في مال الغير، ومفهوم الصلاة غير مفهوم الغصب، فلابد من كون منشأ كل واحد - وإن كان واحدا بحسب الوجود - مختلفا بحسب الحيثية والجهة. والأمر يكون كذلك في انتزاع العناوين الكمالية من حقيقة الوجود البسيطة، فإن مفهوم العالم والقادر ينتزعان منها، ولكن بلحاظات مختلفة، مثلا ينتزع العالم منها لأجل انكشاف ذاتها لدى ذاتها الملازم لانكشاف معلولاتها، وينتزع القادر بلحاظ إخراج الأعيان الممكنة من كتم العدم، أوبلحاظ إمكان ذلك عليه وهكذا. فما قد يتوهم: من أن العناوين تارة تكون كثيرة، والمصداق واحد بسيط لا ينثلم بها وحدته (3)، لا ينفع في المقام شيئا، لأن مبدأ الانتزاع مختلف ولو كان في


1 - أجود التقريرات 1: 331، منتهى الاصول 1: 381، محاضرات في اصول الفقه 4: 164 - 165. 2 - كفاية الاصول: 184. 3 - كفاية الاصول: 193 - 194. (*)

[ 202 ]

اللحاظ. هذا في البسيط الحقيقي. وأما في هذه النشأة، فلا ينتزع إلا لأجل جهة تكوينية أو اعتبارية قائمة بالفرد والمصداق، كما هو الواضح. وبعبارة اخرى: تكون العناوين بالنسبة إلى البسيط خارج المحمول، وبالنسبة إلى المركبات محمولات بالضميمة. وثانيا: إن الشئ الواحد يمكن أن يكون - لأجل اختلاف الحيثيات فيه، ولأجل انطباق العناوين الحسنة وغير الحسنة عليه - مشتملا على المصالح والمفاسد، فيكون لاشتماله على المصالح قابلا لتعلق الأمر به، ولاشتماله على المفاسد قابلا لتعلق النهي به. مثلا: الحركة الصلاتية في المغصوب مشتملة على مصلحة الصلاتية، وعلى مفسدة الغصبية، ولأجل تلك الحيثيتين يمكن بالإمكان العام أن يتعلق بها الأمر والنهي. وبعبارة اخرى: اختلاف العناوين يلازم قهرا اختلاف الحيثيات والضمائم، وإلا فلا يعقل وجه لاختلاف المفاهيم المنتزعة من واحد. فبالجملة: قضية المقدمة الاولى سقوط ما اشتهر من توهم التركيب الاتحادي (1)، إن اريد منه أن العنوانين ينتزعان من الواحد بجهة واحدة، وسيأتي توضيحه إن شاء الله تعالى وسقوط ما توهم: من أن العناوين الكثيرة تنتزع من الواحد البسيط، من غير الحاجة إلى اللحاظ الزائد، كما صرح به " الكفاية " (2).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 407 - 412، أجود التقريرات 1: 342 - 343، محاضرات في اصول الفقه 4: 165. 2 - كفاية الاصول: 193 - 194. (*)

[ 203 ]

وقضية المقدمة الثانية أن الشئ الواحد لأجل اختلاف حيثياته، يمكن أن يشتمل على المصالح والمفاسد، فيكون لأجل المصالح مورد الأمر، ويتعلق الأمر بعنوان ينطبق على حيثية مصلحته، ويتعلق به النهي كذلك، ويسقط توهم سراية إحدى الحيثيات إلى الحيثية الاخرى (1)، لأن مقتضى السراية انتزاع الكثير من الواحد بجهة واحدة، فلا تتداخل الحيثيات البتة. وأما أن المولى في مقام الإرادة التشريعية يختار أحد العنوانين، فهو موكول إلى النزاع الآتي والوجه الثاني (2)، وقد مر أن هذا البحث متكفل لإثبات أن اختلاف العنوانين، كاف لعدم لزوم الجمع بين الضدين، أي أن العنوانين بما هما عنوانان، يحكيان عن الجهتين المختلفتين طبعا وقطعا من غير سراية في البين. وثالثا: إن العناوين بين ما تكون من العناوين الأصيلة والماهيات الطبيعية والمقولات الحقيقية، وبين العناوين الاعتبارية والمفاهيم الاختراعية الاجتماعية، فما كانت من قبيل الأول فتختص بالوجود والإيجاد، لأنها تعتبر وتنتزع من الحدود الإمكانية، وما كانت من قبيل الثاني فيمكن أن يوجد ويعتبر الكثير منها من شئ واحد وبإيجاد فارد، ولا يختص بوجود على حدة. فعلى هذا، ما كان من السنخ الأول يخرج من مصب النزاع، لأن البحث في المقام حول ما إذا كان العنوانان، متصادقين على واحد وموجودين بوجود واحد وإيجاد فارد. ولو فرضنا جريان النزاع فيه، فلا محيص من القول بالاجتماع في هذا النزاع. وما كان من السنخ الثاني، فهو داخل في محط النزاع ومصب النفي والإثبات،


1 - كفاية الاصول: 184، نهاية الأفكار 2: 408، مقالات الاصول 1: 354. 2 - يأتي في الصفحة 212. (*)

[ 204 ]

كما أومأنا إليه في المقدمات السابقة. فما يظهر من " الكفاية " (1) وغيرها (2) من توهم: أن كل ماهية لها وجود مخصوص بها، في غير محله، لأنه فيما تصح مقالته يكون كلامه أجنبيا عن بحث الاجتماع والامتناع، وفي مورد البحث لا يكون لكل عنوان وجود على حدة، بل ينتزع الكثير من الواحد بجهات اعتبارية كثيرة، لا واقعية تكوينية، فإن التصرف في مال الغير من الاعتباريات المنتزعة من الحركة الخارجية، ولا يختص بوجود وراء وجود تلك الحركة، فلا تخلط. فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين المفاهيم الاعتبارية التي يتعلق بها الأمر والنهي، وبين الماهيات الأصيلة. ورابعا: لا ينبغي الخلط بين التركيب الاتحادي الواقع بين الهيولى والصورة على فرض غير صحيح، وبين انطباق العناوين الكثيرة على واحد. ولمزيد بيان نقول: قد اشتهر في الكتب العقلية نزاع بين صدر المتألهين والسيد الدشتكي، وبين جمع آخر، ومنهم السيد السند، والعلامة السبزواري، ومحط النزاع هو أن التركيب بين المادة والصورة هل يكون اتحاديا، أو انضماميا (3) ؟ وقد فرغنا عن فساد هذا النزاع في " قواعدنا الحكمية " (4) وذكرنا هناك أن الصدر يقول بتركيب الجسم من الهيولى والصورة، فكيف يعقل أن يختار التركيب الاتحادي ؟ ! مع أن التركيب الاتحادي من الجمل المتناقضة صدرا وذيلا، فإن


1 - كفاية الاصول: 194. 2 - نهاية الدراية 2: 318. 3 - الحكمة المتعالية 2: 32، و 5: 138، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 232، وانظر نهاية الدراية 2: 322. 4 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 205 ]

الوحدة تنافي التركيب. فلا معنى للتركيب الاتحادي رأسا إلا بمعنى أن الهيولى قوة الوجود، وقوة الوجود متدلية بالصورة، من غير إمكان كون حيثية القوة عين حيثية الفعلية. ولو اريد منه أن ما هو الصورة هي نفس القوة بالنسبة إلى الصور الآتية، فهو يرجع إلى إنكار التركيب وإنكار الهيولى المشتركة. فإذا كان الأمر فيما هو محط بحث التركيب الاتحادي والانضمامي هكذا، فكيف بما إذا كانت العناوين الكثيرة منطبقة على واحد، فإنه لو كان يلازم التركيب للزم تركيب الجسم من الجوهر والمقولات، لصدقها عليه، وللزم التركيب في المبدأ الأعلى ؟ ! فمجرد صدق العناوين الكثيرة على واحد، لا يستلزم التركيب الاتحادي، وإلا يلزم كون العناوين الكثيره واحدة، لأن منشأها صار واحدا، وهذا باطل بالضرورة. وإذا كان الأمر في الماهيات الأصيلة المنطبقة على الخارج هكذا، فكيف بالمفاهيم الاعتبارية كالصلاة والغصب ؟ ! ولعمري، إن من أدخل هذه المسألة في هذا البحث (1)، لم يكن له مساس بالعقليات، وقد قرع سمعه بعض الرسميات، والله هو الموفق والمؤيد، والحافظ من الزلات. فتحصل من هذه المقدمات امور: الأول: أن العناوين الكثيرة تنتزع من البسيط الحقيقي، لكثرة اللحاظ، ومن المركبات الخارجية، لكثرة الضمائم. الثاني: أن تلك الضمائم قد تكون طبيعية، كما في الماهيات الأصيلة، وقد


1 - أجود التقريرات 1: 337 - 343. (*)

[ 206 ]

تكون اعتبارية، كما في المفاهيم العرفية الاعتبارية. الثالث: أن تلك الضمائم لا تتداخل أبدا، وإلا للزم التداخل في المفاهيم، مثلا ينتزع من الواحد عنوان " البياض " و " الحلو " واختلاف هذين العنوانين كاشف عن وجود الضمائم، ولا تتداخل حيثية البياض والحلو دائما وإلا يتداخل عنوان " البياض " و " الحلو " ولا تختلط الحيثيات أيضا، وإلا للزم انتزاع العنوان الآخر الحاكي عن اختلاطها. الرابع: أن " السراية " المعروفة في كلماتهم، لا معنى لها بحسب الواقع ونفس الأمر، أي أن اختلاف الأمر والنهي، ناشئ من اختلاف هذه الواقعيات الحقيقية أو الاعتبارية الحسنة وغير الحسنة، فإذا امتنع تداخلها امتنع اجتماع الأمر والنهي اللذين تعلق كل واحد منهما بعنوان مباين - بحسب المفهوم - للعنوان الآخر. الخامس: أن الماهيات الأصيلة تختص بالوجودات المختصة بها، وأما الماهيات الاعتبارية فلا خارجية لها إلا بالاعتبار، وتكون الضمائم الخارجية الموجبة لاعتبار تلك العناوين، ضمائم اعتبارية لا تكوينية، وإلا تكون من الانتزاعيات والامور الأصيلة. السادس: حديث التركيب الاتحادي والانضمامي لا أساس له في العقليات، فضلا عن هذه المقامات. والنتيجة التي تحصل منها: أن في جميع الأوعية، لا يكون بين الأمر والنهي مساس واختلاط، لأن نفس الأمر والنهي لااجتماع بينهما بالذات، ولو كان فهو من ناحية المتعلق. وإذا نظرنا إلى متعلقاتهما بعد ما كانت مختلفة المفاهيم واقعا، فلا نجد تخالطا بينهما ولا سراية، ولا يعقل السراية والتخالط، كما لا يعقل التخالط بين البياض والحلو دائما وأبدا.

[ 207 ]

إن قلت: الأمر كما تحرر وتقرر، لكن الكلام في أن أمر المولى في المجمع يدعو إلى الغصب، ونهي المولى في المجمع يزجر عن الصلاة (1). قلت: لا معنى لذلك بعد ما عرفت، لأن عنوان " الصلاة " لا يعقل أن يحكي إلا عن حيثية مخصوصة بها، وعنوان " الغصب " هكذا، وأمر المولى وإن كان له الإطلاق، ولكن لا معنى لإطلاقه بالنسبة إلى ما هو الخارج عن مصبه، فلا يدعو الأمر إلا إلى حيثية الصلاة التي هي من الوجوه الحسنة المنطبقة على الخارج، والنهي لا يدعو إلا إلى الزجر عن حيثية الغصب، وهما حيثيتان مختلفتان بالضرورة، ولا معنى معقول لحكاية عنوان عن غير الحيثية المتعلقة به، كما لا يحكي الجوهر عن العرض، ولا القيام عن القعود، ولا البياض عن الحلو وهكذا. وتوهم: أن الصلاة من الماهيات الأصيلة، والغصب من المقولات العرضية، ناشئ من عدم الاطلاع على حدود الحقائق العينية، وقد مر بعض الكلام في اختراعية الصلاة واعتبارية الغصب فيما سلف (2). فعلى ما تحرر وتقرر، هل يعقل توهم الاجتماع بين المتعلقين بعد كونهما مختلفين دائما، وإن كانا متحدين بحسب الإيجاد والوجود ؟ ! ودعوى: أن الإجماع قائم على أن كل فعل من أفعال المكلف، لابد وأن يكون مختصا بالإيجاد الواحد والموجود الفارد، فلابد وأن يكون الغصب مختصا بالإيجاد الواحد والوجود الفارد، والصلاة هكذا، غير مسموعة، لعدم أثر منه في الكتب الإسلامية، ولا المتون الفقهية. إن قلت: العناوين ليست متعلق الأمر والنهي، بل متعلق الأمر والنهي هو واقع


1 - لاحظ نهاية الاصول: 258. 2 - تقدم في الصفحة 154. (*)

[ 208 ]

فعل المكلف، وهو واحد، وإذا كان واحدا فلا يتعدد الأمر والنهي واقعا، للزوم الجمع بين المتخالفات والمتضادات بالذات، أو بالغير وبالعرض. قلت: هذا أيضا من المسائل غير التامة، لا لأجل أن " الكفاية " اعتقد أن الفعل الخارجي مورد الأمر أو النهي (1)، حتى يقال: بأنه من تحصيل الحاصل (2)، فإنه (قدس سره) أعظم شأنا من ذلك. بل لأجل أن الحركة التي تصدر من المكلف ذات حيثيتين: اختراعية وهي الصلاة، واعتبارية وهو التصرف في مال الغير، بشهادة صدقهما عليها، وحيث يكون العنوان الأول - لأجل صدقه - كاشفا عن حيثية حسن فيها، والعنوان الثاني كاشفا عن حيثية سوء فيها، فهي تكون قابلة لأن تلاحظ عند اللاحظ على الوجهتين، وهما واقعيتان اعتباريتان، مختلفتان في الحيثية، ومتحدتان في الوجود، ولأجل ذلك الاختلاف يمكن كون إحداهما مورد الأمر، والاخرى مورد النهي من غير أن يتجاوز إحداهما إلى الاخرى، أو تسري إحدى الحيثيتين إلى الاخرى. وإن شئت قلت: إن " الكفاية " لا يريد من وحدة العنوان المعنون الخارجي، حتى يتوجه إليه إشكال تحصيل الحاصل، بل هو يريد المعنون العنواني، وهو عنوان فعل المكلف، فإنه يصدق عليه عنوان " الصلاة " و " الغصب " مع أنه لم يصدر من المكلف إلا فعل واحد، والفعل الواحد موضوع لحكم واحد. أقول: الأمر كذلك، ولكن لا وجه لصرف الأمر بالصلاة إلى الأمر بعنوان الفعل، ولا صرف النهي عن الغصب إلى ذلك العنوان، بعد كونهما مستقلين كما عرفت.


1 - كفاية الاصول: 193. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 180. (*)

[ 209 ]

فذلكة الكلام إن من تدبر فيما أسلفناه يظهر له: أن المقدمات التي اخذ في ترتيبها القائل بالاجتماع، كلها غير نافعة في حل المعضلة في هذه المسألة وهذا النزاع. مثلا: إن القول بتعلق الأوامر والنواهي بالطبائع، لا ينفع إلا بعد الدقة في ماهية المسألة، وكيفية وجود الطبائع، وكيفية اعتبارها وانتزاعها، وعدم إمكان تداخل مناشئها، وأن الأحكام - سواء كانت متضادة بالأصالة والحقيقة، أو بالعرض والمجاز - لا تفيد شيئا، لأن مع تضادها واختلاف موضوعها لا يتضرر منه الاجتماعي. ومن تأمل فيما بيناه يظهر له: أن القول بالامتناع غير ممكن في هذا النزاع، وأن حديث السراية والتركيب الاتحادي ينافي تعدد العنوان وتعدد المفاهيم المفروض عند كل من الاجتماعي والامتناعي. ومن نظر فيما أسمعناكم يظهر له: أن القول بالاجتماع يصح حتى إذا قلنا بتعلقهما بالأفراد، لأن المراد من الأفراد ليس إلا الفرد الذاتي، فإن الجسم بما أنه أبيض فرد البياض، لا بما أنه متكمم، فتلك الحركة لأجل حيثية الصلاة فرد الصلاة، ولأجل حيثية الغصب فرد الغصب. نعم، إذا اريد من فرد الغصب المصداق بجميع حيثياته فلا يعقل، ولكنه باطل عاطل عند ذي مسكة، فليتدبر جيدا. ومن تفكر في الامور المشار إليها، يتوجه إلى أن القائل بالسراية، لا يمكن أن يريد سراية الحيثية الصلاتية إلى الغصبية وبالعكس، أو تركب الحيثيتين وحدوث الحيثية الثالثة. نعم، له أن يريد سراية الأمر إلى متعلق النهي وبالعكس، ولكنه من الواضح

[ 210 ]

فساده، والبين غيه، ضرورة أن مصب الأمر والنهي في مقام الجعل والتشريع، غير متحدين وجودا حتى يمكن ذلك، وفيما إذا اتحدا لا يبقى منهما الأثر، لأن ظرف اتحادهما الخارج وهو ظرف سقوطهما كما هو المحرر (1) مع أنهما في الخارج أيضا غير متخالطين، ولا متركبين بالضرورة. وإن شئت قلت: الإطلاق الثابت لكل من الأمر والنهي إن كان معناه رفض القيود، فلا معنى لسراية الأمر إلى متعلق النهي، وإن كان معناه لحاظ التسرية على نحو مفاد " كان " التامة - أي أن الصلاة واجبة سواء كان غصب أو لم يكن، والغصب حرام سواء كانت صلاة أو لم تكن - فلا معنى أيضا للسراية. نعم، إن كان معنى الإطلاق هي التسرية على نحو مفاد " كان " التامة والناقصة - أي أن الصلاة واجبة ولو كانت مصاحبة مع الغصب، والغصب حرام ولو كان مصاحبا مع الصلاة، حتى يكون الموضوع للوجوب مركبا من الصلاة، والمصاحبة مع الغصب، وموضوع النهي مركبا من الغصب، ومن التصاحب مع الصلاة - تلزم السراية. ولكنك عرفت فيما مضى في المقدمات: أن قضية هذا الإطلاق هو الخروج عن حريم النزاع (2)، للزوم وحدة المتعلق في مرحلة الإنشاء والجعل، ولا شبهة في امتناع وحدة المتعلق مع تعدد الأمر والنهي، لأن الأمر والنهي لا يجتمعان في مصب واحد، مع كون المكلف واحدا، والمكلف واحدا، والزمان واحدا. والمراد من أنهما لا يجتمعان، أي أنه لا يعقل ترشح الإرادة الجدية من المولى الملتفت بالنسبة إلى الشئ الواحد، لا بمعنى امتناع اجتماعهما ذاتا كما


1 - كفاية الاصول: 195، نهاية الاصول: 258. 2 - تقدم في الصفحة 171. (*)

[ 211 ]

توهمه صاحب " الكفاية " (قدس سره) (1). إيضاح وإفادة قد تبين فيما سلف وسبق: أن الأحكام ولو كانت متضادة حسب الاصطلاح، لا تضر بالقول بالاجتماع، لأن مصبهما مختلف في جميع الأوعية ولو قلنا: بأنها محفوظة في ظرف الخارج، فإن كل حكم مخصوص بحيثية ممتازة عن الحيثية الاخرى. ونظيره في التكوين اجتماع السواد والبياض في الجسم الواحد، مع اختلاف محلهما بحسب سعة الجسم وجهته. ثم إن القول بالامتناع لا يتقوم بكون الأحكام متضادة بالأصالة والحقيقة، ويكون من التكليف الممتنع، لا من التكليف بالمحال والممتنع، وذلك لأن القائل بالامتناع إذا كان يرى أن تعدد العنوان، لا يورث انحلال مشكلة الاجتماع، لأن ما هو موضوع الأمر والنهي هو فعل المكلف، فلا يعقل الاجتماع ولو كانت الأحكام متضادة بالغير وبالعرض. وإن كان يرى صحة السرايه، فإن كان نظره إلى سراية الجهات أو سراية الأمر والنهي إلى المتعلق الآخر، فلا يعقل اجتماعهما أيضا وإن كانت الأحكام غير متضادة. وهكذا إذا كان نظر القائل بالامتناع إلى التركيب الاتحادي. فعلى ما تحصل وتقرر ظهر: أن إطالة الكلام حول خصوصيات التضاد المشهوري والحقيقي أولا، ثم البحث عن أن الأحكام هل هي متضادة حقيقة أم لا ؟ من اللغو المنهي عنه. ومن البين لأهله: أن التضاد وأمثاله من أحكام الطبائع والحقائق العينية، وما لا وجود له في الخارج إلا في مقام الاعتبار والتسمية، لا يندرج في موضوع هذه


1 - كفاية الاصول: 193. (*)

[ 212 ]

البحوث رأسا، فلا تكن من الخالطين. نعم، إن قلنا: بأن الحكم هو نفس الإرادة، وقلنا بأن النهي والحرمة مبدؤهما الكراهة، فيكون بين الكراهة والإرادة - لأجل كونهما في محل وموضوع واحد ومندرجتين تحت جنس قريب - تضاد اصطلاحا. وفي الكل نظر، ضرورة أن الحكم إما هو اعتبار من الإنشاء، أو هو نفس المنشأ، أو هو الإرادة المظهرة، ولا معنى لكونه نفس الإرادة، ولا يذهب إليه أحد بالضرورة. هذا أولا. وثانيا: أن مبدأ النهي والحرمة ليس الكراهة، لما مر أن الكراهة لا تقابل الإرادة، بل مبدأ النهي والحرمة هي إرادة الزجر والمنع (1). وثالثا: ليست الإرادة في موضوع وهي النفس، بل الإرادة من منفعلات النفس ومخلوقاتها، وقائمة بها قيام صدور لا حلول، فعلى جميع التقادير لا معنى لعد الحرمة والوجوب من المتضادين، حقيقيا كان، أو مشهوريا. المقام الثاني: في معقولية أمر المولى ونهيه عن عنوانين مع وحدة المعنون بعد الفراغ عن عدم إمكان الالتزام بالامتناع في النزاع الأول، وبعد وضوح صحة الاجتماع - بمعنى أن الأمر والنهي لا يلزم في محط البحث، اجتماعهما في محل واحد - تصل النوبة إلى النزاع الثاني: وهو أنه كيف يعقل أن يتصدى المولى الملتفت إلى الأمر والنهي عن العنوانين، مع عدم تمكن العبد من التفكيك بينهما إلا في صورة وجود المندوحة، مع أن من القائل بالاجتماع من يقول بجواز


1 - تقدم في الصفحة 187. (*)

[ 213 ]

ذلك، ويقول بجواز ترشح الإرادة الباعثة والزاجرة من المكلف الواحد بالنسبة إلى المكلف الواحد في الزمان الواحد، مع التلازم الطبيعي بين المأمور والمنهي عنه خارجا ؟ ! أقول: قد أشرنا فيما سبق إلى أن النزاع الأول نزاع صغروي (1)، وهو يكون حول لزوم اجتماع الأمر والنهي أم لا، والقائل بالاجتماع يريد نفي لزوم اجتماعهما في مصب واحد في جميع الأوعية، ولأجل ذلك لا يصح أن يقال في حقه: إنه اجتماعي، وإنه يقول بالاجتماع، بل يصح أن يعبر عنه: بأنه امتناعي، أي يقول بعدم لزوم الاجتماع بين الأمر والنهي في جميع المراحل والمنازل، والامتناعي اجتماعي، أي يقول بلزوم اجتماعهما في مصب واحد ومحل فارد، وهو مستحيل ومحال عقلا. والنزاع الثاني كبروي، لرجوع البحث فيه إلى أنه هل يمكن المحافظة على الإطلاقين، ويجوز صيانة بقائهما على عنوانهما، إذا كانا منطبقين على واحد، أم لا ؟ إذا عرفت تلك النكتة فليعلم أن هنا صورتين: الصورة الاولى: ما إذا لم يكن مندوحة، ولم يكن المكلف في سعة من إتيان المأمور به على وجه الإباحة، وعلى وجه لا يلازم الإثم والتصرف في مال الغير، فإنه في هذه الصورة - حسبما هو المعروف بينهم من انحلال الخطابات الشرعية إلى الخطابات الجزئية الشخصية (2) - لا يعقل المحافظة عليهما، فإنه من التكليف بالمحال الملازم للتكليف المحال، ضرورة أن القدرة على امتثال كل من الأمر والنهي شرط، وإذا كانت هي مفقودة فلا يعقل ترشحهما معا. مثلا: إذا كان العبد من أول الوقت إلى آخر الوقت، غير قادر على إتيان


1 - تقدم في الصفحة 113 و 119 و 199. 2 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثالث: 341 الهامش 3. (*)

[ 214 ]

الصلاة في الأرض المباحة، فالأمر بالصلاة باعث نحوها، والنهي عن التصرف في مال الغير زاجر عنها، وهو لا يتمكن عقلا من امتثال التكليفين، فلابد من اختيار سقوطهما، أو سقوط أحدهما المعين أو اللامعين إن أمكن، فإنه بذلك ترتفع الغائلة. وهذا من غير فرق بين كون ذلك بسوء اختياره، أو لا بسوء اختياره، لأن سوء الاختيار لا يصحح ترشح الإرادتين في المجمع، وبقاء الإطلاقين بالنسبة إليه. نعم، نتيجة سوء الاختيار صحة عقوبة المكلف على ترك الصلاة والتصرف في مال الغير، وسيأتي تفصيله في بعض البحوث الآتية إن شاء الله تعالى (1) فما نسب إلى العلامة القمي مؤلف " القوانين " (2) غير تام كما مر (3). هذا كله على المبنى المشهور بينهم. وأما إن قلنا بعدم انحلال الخطابات القانونية الكلية إلى الخطابات الكثيرة الجزئية (4)، فلا مانع من المحافظة على الإطلاقين، لما تقرر منا في مباحث الضد (5): أن من ثمرات الخطاب القانوني، جواز تصوير التكليف الفعلي بالنسبة إلى العاجز، والجاهل، والغافل، والنائم، فالواقع في الغائلة المزبورة مكلف فعلا بالصلاة، ومكلف بترك التصرف تكليفين عرضيين فعليين، وينظر بعد ذلك إلى ما هو الأهم، ويأتي به، ويكون بالنسبة إلى ترك المهم معذورا. إلا إذا أوقع نفسه بسوء الاختيار في المغصوب من الدار، أو في التوضؤ بماء الغير، فإنه عندئذ لابد عقلا من أن يتوضأ، ويعاقب على تصرفه في ملك الغير، ومع ذلك تصح صلاته ووضوؤه وغسله وتيممه، وغير ذلك مما يصدر منه معنونا بالعنوانين، فلا تكن من الخالطين.


1 - يأتي في الصفحة 255. 2 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 21 و 154 / السطر 1. 3 - تقدم في الصفحة 184. 4 - مناهج الوصول 2: 25 - 27، تهذيب الاصول 2: 280 - 284، تقدم في الصفحة 96 - 100. 5 - تقدم في الصفحة 96 - 100. (*)

[ 215 ]

الصورة الثانية: ما إذا كانت مندوحة، وكان العبد في الفسحة والسعة من إتيان المأمور به في الأرض المباحة، والتوضؤ بالماء المباح، فإنه على القول المزبور من عدم الانحلال، فإمكان المحافظة على الإطلاقين واضح، وتكون الإرادتان الباعثة والزاجرة، باقيتين على حالهما من البعث والزجر والفعلية والتنجز، وهذا مما لا غبار عليه، ولا شبهة تعتريه. وأما على القول بانحلال الخطاب الوحداني القانوني إلى الكثير الشخصي، فربما يقال - كما مر تفصيله (1) - بإمكان المحافظة عليهما، لأن القدرة على فرد من الطبيعة المأمور بها في طول الوقت، كافية لإيجاب الطبيعة في تمام الوقت، لأن ما هو مورد التكليف هي الطبيعة بين الحدين، ولا شبهة في أنها مورد القدرة، وما ليس مورد القدرة هو الفرد منها، وهو ليس مورد التكليف (2). ومن الممكن دعوى: أن الخطاب كما ينحل بحسب الأفراد والحالات من العاجز والقادر والعالم والجاهل، كذلك ينحل بحسب أجزاء الزمان، وإذا كان هو منحلا بحسبها، فلا يعقل المحافظة على الخطابين في الجزء منه، وهو حينما كان يتصرف المكلف في مال الغير، وقد سبق منا وجه الانحلال من هذه الجهة أيضا، ولا نطيل الكلام بإعادة ذلك، والأمر - بعدما تبين في بحث الضد من الخطابات القانونية (3) - يكون واضحا، كالنار على المنار، أو كالشمس في رابعة النهار، والحمد لله الواحد القهار.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 340. 2 - جامع المقاصد 5: 12 - 14. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. (*)

[ 216 ]

تنبيهات التنبيه الأول محذور اجتماع الأوصاف المتقابلة في المجمع لو صح اجتماع الأمر والنهي الفعليين في المجمع، للزم كون الشئ الواحد موصوفا بالأوصاف المتقابلة، وهي المحبوبية والمبغوضية، والمقربية والمبعدية، وذات المصلحة والمفسدة، ولا شبهة في تقابل تلك النعوت، كما لاشبهة في لزوم ذلك، ولاسيما على مذهب العدلية. أقول أولا: ينقض بأن من المتقابلات هي العلية والمعلولية، والمحبية والمحبوبية، والفوقية والتحتية، مع أن الشئ الواحد يوصف بها قطعا وبلاشبهة، فلو صح الأمر هنا يصح فيما ذكر. وثانيا: إن الأوصاف والنعوت مختلفة، فبعض منها ما هي الواقعية، ولا مدخلية للاعتبار والإضافة فيها، كالأبيضية والأسودية، فإنها لا يمكن اجتماعها، ولا يختلف الحكم باختلاف اللحاظ والجهة فيها، لأنها من الصفات غير ذات الإضافة، ومن المقولات الحقيقية. وبعض منها من الامور الواقعية التي تكون ذات إضافة، وتكون ذات منشأ مقولي حسب المشهور، كالفوقية والتحتية، فإنهما من المنتزعات عن المقولة الخارجية، وهي مقولة الإضافة، وبكونها ذات إضافة يختلف الحكم والتوصيف باختلاف الجهات والإضافات، فيصير الشئ الواحد فوقا بالإضافة إلى ما تحته،

[ 217 ]

وتحتا بالإضافة إلى ما فوقه، مع أن منشأ ذلك فرد من مقولة الإضافة، وهي من الواقعيات، إلا أن الواقعيات ذات الإضافة تكون بهذه المثابة بالطبع. والقسم الثالث من الأوصاف ما لاخارجية لها، ولا منشأ مخصوص بها، ولا يحاذيها الحيثية الزائدة على ذات الموضوع، كالعلية والمعلولية، والعاقلية والمعقولية، وقد فرغنا من توضيح هذه الامور في " قواعدنا الحكمية " وتلك النعوت ليست مندرجة تحت المقولات، وتعد من الأوصاف المتضايفة مفهوما السارية في جميع أنحاء العالم، حتى البسيط الحقيقي، ويكون من خارج المحمول لها. والقسم الرابع من الأوصاف ما هي الامور الاعتبارية التي لاخارجية لها إلا في الاعتبار، كالملكية والحرية والعبدية وأمثالها، فيكون الشئ الواحد مملوكا ومالكا. إذا تبين ذلك بتفصيل مع إجمال فيه أيضا فليعلم: أن المحبوبية والمبغوضية ليستا مما لا تجتمعان بحسب اختلاف الإضافة والجهة بالضرورة، بل هما من قبيل وصف المعلومية والمجهولية، فكما أن الشئ الواحد يمكن أن يكون معلوما بحسب وجوده في النجف، ويكون مجهولا بحسب وجوده في دار فلان، كذلك يكون محبوبا بحسب ما فيه جهة الحسن، ومبغوضا بحسب ما فيه جهة البغض. وأيضا: كما أن المعلومية والمجهولية من الأوصاف العرضية للخارج، كذلك المحبوبية والمبغوضية، فإن ما يتعلق الحب به بالنسبة إلينا هي الصورة الذهنية أولا وبالذات، ثم لمكان انطباق تلك الصورة على ما في الخارج يكون الخارج محبوبا بالعرض والمجاز. وبالجملة: وصف المحبوبية والمبغوضية أسوأ حالا من سائر الأوصاف المزبورة، لأنها كلها توصف بها الأشياء على الحقيقة، ويكون من التوصيف بحال

[ 218 ]

أنفسها، بخلافهما. نعم، بالنسبة إلى الحق الأول - عزوجل - ليس الأمر كما ذكر. وأيضا يعلم: أن المقربية والمبعدية مما لا بأس باجتماعهما، لإمكان كون الشئ الواحد مقربا من جهة، ومبعدا من اخرى، لأنهما من المفاهيم الإضافية الحاصلة من اختلاف الأشياء في جهة الحسن والقبح، أفلا ترى أن من حرك يده لضرب عبد المولى يستحق العقوبة على أمرين، الأول: ضربه، الثاني: التصرف في ملك الغير، ومن حركها على وجه التلطيف ليس مثله، وهكذا سائر الأمثلة المذكورة الواضح سبيلها. ومن هنا ينقدح: أن اجتماع المصالح والمفاسد واضح الإمكان وواقع، فإن الشئ الواحد يكون بالنسبة إلى شخص ذا مصلحة، وبالنسبة إلى الآخر ذا مفسدة، وليس ذلك إلا لأن المصالح والمفاسد، ليست من قبيل القسم الأول من الأوصاف المقولية، ولامن الثاني، بل هي من الوجوه والاعتبارات العقلائية أحيانا، ولو كانت ترجع إلى الخواص والآثار الطبيعية في مورد، فلا مانع من كون الواحد الشخصي جامعا لهما بالضرورة. فبالجملة: لاوجه لتوهم الشبهة في إمكان الاجتماع في النزاعين: الصغروي، والكبروي، والمسألة بعد ذلك تكون من الواضحات الغنية عن البيان، ودعوى بداهة صحة الاجتماع (1) قريبة جدا، وانتساب المخالف إلى عدم تصور أطراف المسألة جائز قطعا.


1 - نهاية الاصول: 260. (*)

[ 219 ]

التنبيه الثاني حول اندراج المسألة في باب التعارض أو التزاحم قد مر في طي كلامنا ما يتعلق بحال المسألة على القول بالامتناع، وأن الاحتمالات في كونها صغرى باب التعارض أو التزاحم، كما نسب أحيانا إلى الشيخ (قدس سره) (1) أو أن المسألة تكون من الشبهات الموضوعية للبابين كثيرة، واخترنا الثالث، وذكرنا في وجهه: أن من شرائط كونها مندرجة في بحث التعارض، هو كون المورد ذا ملاك واحد مجهول فعلا وتركا (2)، وفيما نحن فيه لم يحرز ذلك، لأن سقوط أحد الدليلين عقلا لا يلازم عدم ثبوت الملاك واقعا. هذا مع أن التعارض الواقع بينهما يكون بالعرض والمجاز، وقد منعنا شمول أدلته لمثله في محله (3). ومن شرائط كونها مندرجة في كبرى باب التزاحم إحراز الملاكين في الجانبين، وهو هنا غير ممكن، لأن مع سقوط الهيئة لا كاشف لنا عن إحرازه، كما هو الظاهر. فعلى هذا، فما حكم المسألة إذا وصلت النوبة إلى الشبهة ؟ وقد أهملنا فيما


1 - مطارح الأنظار: 126 / السطر 19، و 150 / السطر 4، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 429. 2 - تقدم في الصفحة 195 - 196. 3 - تقدم في الصفحة 153 و 195 - 196. (*)

[ 220 ]

سلف حكم المسألة من هذه الجهة. وغير خفي: أن القول بالتزاحم واختيار الامتناع ممكن، كما هو مسلك " الكفاية " لأنه كان يعتبر من شرائط النزاع، إحراز الملاكين والمناطين والمصلحة والمفسدة (1)، فلا تخلط. وأيضا غير خفي: أن التعارض في المجمع، كما يمكن أن يكون لأجل العلم بكذب أحد الدليلين، وتصير النتيجة هي التخيير، كذلك يمكن لأجل حدوث الحكم التخييري الابتدائي، وذلك لأن المولى الملتفت إلى المصالح والمفاسد الموجودة في المجمع، يلاحظ الملاكات والمناطات، فإن كانت إحداهما غالبة يجعل على طبقها الحكم، وإلا فيحكم بالتخيير، ففرق بين التعارض في الخبرين المتعارضين، وبين التعارض في المقام، فإن هناك يكون أحد الخبرين واجب الأخذ وجوبا طريقيا، وأما هنا فيكون قد أوجب واجبا تخييرا بين الفعل والترك. ومن هنا ينقدح إمكان جعل التخيير الشرعي بين المحذورين، وهما الفعل والترك، فليتأمل جيدا. إذا علمت ذلك فاعلم: أن قضية التعارض هو التقييد بإتيان الصلاة في الأرض المباحة إذا كان المكلف في مندوحة، وإلا فهو التخيير، وقضية التزاحم هو الأخذ بالأهم، وإلا فهو مخير بين الفعل وتركه. وتوهم امتناع التخيير بين ذي المصلحة وذي المفسدة، في غير محله، كما هو الواضح، ولا حاجة إلى الإطالة. وإذا شك في المسألة، وعلمنا بأن المجمع إما مندرج في كبرى باب التعارض أو التزاحم، فإن لم يكن في البين أهم فهو بالخيار، لأنه الحكم المشترك بين البابين.


1 - كفاية الاصول: 189. (*)

[ 221 ]

وإن كان في البين أهم فيدور الأمر بين التعيين والتخيير، فإن مقتضى الباب الأول هو كونه بالخيار، ومقتضى الباب الثاني تعين الأهم فإذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فلابد من المراجعة إلى مقتضى القاعدة في تلك المسألة من البراءة أو الاشتغال. إن قلت: لا يلزم اندراج المسألة في أحد البابين، بل هي خارجة عنهما، ولا نعلم إجمالا بكونها منهما، وذلك لأن من شرائط الاندراج في كبرى باب التعارض، إحراز عدم الملاك لأحد المتعارضين، وهو هنا منتف، ومن شرائط الاندراج في كبرى باب التزاحم، إحراز الملاكين، وهو أيضا غير ممكن. ولا ينفع استصحاب بقاء الملاك بعد سقوط الهيئة، لأنه من الأصل المثبت، فعليه تكون المسألة خارجة عن كبرى البابين، أو لاحالة سابقة لها، كما لا يخفى. قلت: نعم، إلا أنه لا يتقوم الاندراج في صغرى باب التعارض بإحراز عدم الملاك، بل هو تابع لواقعه، ولا شبهة في أن هذه المسألة - بعد الامتناع - إما داخلة في باب التعارض، إن كانت بحسب الواقع بلا ملاك، وإما داخلة في باب التزاحم إن كانت بحسب الواقع ذات ملاك، ويكون الملاكان باقيين، ففي صورة العلم الإجمالي تندرج في كبرى مسألة الدوران بين التعيين والتخيير، كما هو الظاهر. إعضال وانحلال: في موارد دوران الأمر بين التخيير والتعيين، يختلف الحكم باختلاف تلك الموارد، مثلا إذا كان في باب الطرق والأمارت فالتعيين متعين، لأن الشك في حجية الطرق مساوق للقطع بعدم حجيتها، وذلك لأن الحجية لاواقعية لها إلا في مرحلة الإثبات. وإذا كان في باب التكاليف النفسية ففيه الخلاف بين الأعلام، ومنشأ الخلاف

[ 222 ]

هو الخلاف في تفسير الواجب التخييري، كما مضى تفصيله في محله (1)، ويأتي في بحوث الاشتغال إن شاء الله تعالى (2). وهكذا فيما كان مورده من باب التكاليف الغيرية. والأمر فيما نحن فيه مشكل، لأنه على التخيير يكون من باب الطرق، وعلى التعيين يكون من باب التكاليف النفسية، وهذا أمر مركب من البابين، فيكون خارجا عن حكمهما طبعا، ويشكل الأمر ويعضل. أقول: تنحل هذه المعضلة، لعدم خروج شئ عن مقتضى حكم العقل براءة واشتغالا. والذي هو الظاهر: أن قضية أدلة باب التعارض هو وجوب عنوان " التخيير " لقوله (عليه السلام): " إذن فتخير " (3) ولايكون التخيير بالحمل الشائع مجعولا. وبعبارة اخرى تارة: يرد الأمر بنحو الوجوب التخييري بإيجاب الأخذ بهذه الرواية أو تلك الرواية، فيكون ما هو مورد الوجوب هو الأخذ بالرواية على سبيل التخيير، فإنه في هذه الصورة لابد من القول بالاشتغال، حسبما تقرر من أن الوجوب التخييري سنخ وجوب مقابل التعييني والمشروط، خلافا لجل الأعلام الذاهبين إلى رجوعه إلى الواجب المشروط، أو المعلق، أو الواجب التعييني (4). واخرى: يرد الأمر على عنوان " التخيير " فإنه ليس مثل الأول حتى يلزم الاشتغال، ضرورة أنه لا نعلم تفصيلا بوجوب الصلاة في المجمع وجوبا أعم من التخييري والتعييني، أو وجوب الأخذ بقوله: " صل تعيينا " أو " تخييرا ".


1 - تقدم في الصفحة 30 - 32. 2 - يأتي في الجزء السابع: 238. 3 - عوالي اللآلي 4: 133 / 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2. 4 - تقدم في الصفحة 26 وما بعدها. (*)

[ 223 ]

نعم، نعلم بوجوب الصلاة إما تعيينا، أو وجوب الأخذ بعنوان " التخيير " المنطبق على الصلاة أحيانا، وعلى التصرف في مال الغير، فلا نعلم تفصيلا بتكليف حتى يشك في السقوط بإتيان الطرف، فلا تغفل. وبالجملة تحصل: أن المختار في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في التكاليف النفسية وإن كان الاشتغال (1)، ولكن فيما نحن فيه يتعين البراءة لأمرين: إما لأن التخيير المزبور ليس من التخيير الشرعي، لأنه من التخيير بين المحذورين، لأن الكلام في صورة عدم وجود المندوحة على الامتناع، وفي تلك الصورة لا يتمكن المكلف من امتثال الأمر والنهي معا. أو لأن مصب الأمر بالتخيير عنوان " التخيير " فيكون كل واحد من الطرفين مورد الأمر الانحلالي العقلي، فلاسبيل إلى الاشتغال، على الوجه المحرر في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فليتدبر جدا. التنبيه الثالث في حكم الشك في الاجتماع والامتناع صحة وفسادا ربما لا يتمكن الخروج عن عهدة البحث، ويشك في الاجتماع والامتناع صحة وفسادا، فالظاهر أن النتيجة تكون كنتيجة الاجتماع، لأن الإطلاقين على عنوانهما باقيان، ولامانع من قبل العقل عن امتناع اجتماعهما، ولم يحرز دليل يهدم به أحد الإطلاقين. وإن شئت قلت: في النزاع الأول الصغروي، لا ينهض ما يكون سببا لسقوط أحد التكليفين من السراية وغيرها، وفي النزاع الثاني الكبروي يرجع الشك إلى أن


1 - انظر الجزء السابع: 238 وما بعدها. (*)

[ 224 ]

الخطابات قانوية أم شخصية، فعلى القانونية يكون التكليفين على حالهما، وعلى الشخصية يكون أحدهما ساقطا، ولاسيما مع عدم المندوحة، وإذا تردد الأمر فلا إطلاق يؤخذ به لحفظ الإطلاق في المجمع، لأن باختلاف حال المكلف وعنوانه ربما يتبدل موضوع الإطلاق، فلا يبقى للتمسك بالإطلاق وجه. وبتوضيح آخر: إن قضية انحلال الخطاب القانوني إلى الشخصيات، هو تبدل موضوع التكليف، فإذا كان المكلف قادرا فيتعلق به التكليف، وإذا كان عاجزا فلا يتعلق به التكليف، ويكون خارجا عن مصب الإطلاق، فعليه إذا كان المكلف في مندوحة فيمكن دعوى بقاء الإطلاق، لأنه قادر، وأما إذا لم تكن مندوحة فلا يمكن التمسك بالإطلاق، لأن موضوعه القادر، وهذا عاجز. اللهم إلا أن يقال: إنه لم يحرز عجزه من الصلاة، لإمكان كون الواجب عليه في المجمع هي الصلاة، وما هو الساقط لأجل المحذور العقلي هو حرمة الغصب، فعليه لابد من الاحتياط، لما تقرر من وجوبه عند الشك في القدرة (1). ولكنه مندفع: بأن الأمر كذلك بالنسبة إلى التكليف التحريمي، فتصير النتيجة هي التخيير والبراءة عن تعين الصلاة عليه. فذلكة الكلام إن منشأ الشك في إمكان الاجتماع وعدم إمكانه، الشك في انحلال الخطاب القانوني إلى الشخصي وعدمه، وقد عرفت أن في النزاع الثاني يكون الكلام في صورتين: صورة وجود المندوحة وعدمها (2)، ففيما إذا كانت المندوحة، فإن قلنا بإمكان الاجتماع على كلا التقديرين - أي على تقدير الانحلال وعدمه كما


1 - تقدم في الجزء الثالث: 443. 2 - تقدم في الصفحة 213 - 215. (*)

[ 225 ]

عرفت (1) - فلا يبقى الشك في جواز الاجتماع، بل يتعين جوازه. وأما على القول: بأن جواز الاجتماع في الصورتين منوط بعدم الانحلال، فلاترتفع الشبهة فيهما، ويكون الشك في جواز الاجتماع في الصورتين باقيا على حاله، ولارافع له من الإطلاق وغيره، لما عرفت أنه يرجع إلى الشك في موضوع الإطلاق، ولا يعقل حينئذ التمسك به كما هو الواضح. إن قلت: على الانحلال أيضا لا يلزم كون موضوع الخطاب عنوان " القادر " حتى يقال: إن المكلف في المجمع ليس بقادر، أو شاك في قدرته، بل قضية الانحلال خروج عنوان " العاجز " من الأدلة العامة لأجل الدليل اللبي، ولذلك لابد من الاحتياط عند الشك في القدرة لجواز التمسك بالعمومات في الشبهات المصداقية للدليل اللبي، فعلى هذا يجوز التمسك بالأدلة الأولية وبإطلاق دليل الصلاة لتعيينها عليه في المجمع حتى يصح العقاب عليه إذا كان بسوء الاختيار مثلا. قلت: نعم، إلا أن المكلف كما يكون مرددا في قدرته على الصلاة وامتثال أمرها، كذلك مرددا في قدرته على امتثال النهي، وقضية التقريب المزبور بقاء حجية دليل النهي على حجيته بالنسبة إليه فيقع التهافت، لأنه لا يكون قادرا على امتثالها، ولا يمكن حسب القول بالامتناع بقاء حجية الدليلين في المجمع، لعجزه عن الجمع بين الامتثالين، فليتأمل. إذا تبين ذلك فالمكلف فيما إذا كان في مندوحة، وكان شاكا في جواز الاجتماع، له أن يصلي في المغصوب، ويكون أمر صلاته ساقطا حسب الظاهر، ويعد معذورا في صورة التخلف عن الواقع، وذلك لأنه قادر على الامتثال، فيكون مورد التكليف. إلا على القول بانحلال الخطاب حسب أجزاء الزمان (2)، فيصير شاكا


1 - تقدم في الصفحة 215. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 341، نهاية الاصول: 234 - 235، مصباح الاصول 3: 37. (*)

[ 226 ]

في تكليفه في تلك الحال، وإذا كانت له الحالة السابقة فيستصحب الحكم، وتكون الصلاة في المجمع صحيحة، وإن كان عاصيا بالنسبة إلى التصرف في مال الغير. وإذا لم يكن في مندوحة فصحة صلاته أيضا منوطة بكونه ذا حالة سابقة، وإلا فلا يمكن. وأما صحة عقابه، فإن كان بسوء الاختيار فعلى التقريب الأخير لا يبعد ذلك، لأنه على جميع التقادير قد فوت المصلحة على مولاه. نعم، على القول: بأن الموضوع عنوان " القادر " ويجوز الخروج عنه بالاختيار، كما هو شأن سائر الموضوعات، فلا يستحق، والله العالم بحقائق الامور. فتحصل: أن رفع الشك إذا أمكن بالأدلة الاجتهادية فهو، وإلا فتصل النوبة إلى الاصول العملية، ومقتضاها يختلف حسب اختلاف حالات المكلف. تكميل لأحد أن يقول: ليست المسألة من موارد الشك في القدرة، لأن المكلف بالنسبة إلى كل واحد من الأمر والنهي - مع قطع النظر عن الآخر - قادر على الامتثال، ولا تكليف بالجمع حتى يكون عاجزا بالنسبة إليه، كما مر في بحوث الضد (1)، فالشك في جواز الاجتماع ولا جوازه، ليس من الشك في تحقق موضوع الدليل، سواء كان موضوعه عنوان " القادر " أو كان موضوعه عنوانا آخر، وقد خرج منه عنوان " العاجز ". نعم، على الامتناع يعلم بانتفاء أحد التكليفين، ويعلم إجمالا بوجود الآخر، فلاسبيل إلى تعيين الآخر وهو الأمر أو النهي، فلابد من العمل على طبق الاصول


1 - تقدم في الجزء الثالث: 462. (*)

[ 227 ]

العملية. وقد مر أن مع الحالة السابقة يجوز الاتكال على استصحاب بقاء أمر الصلاة، فإذا صلى في المغصوب صحت وتجزئ، وإلا فلا يصح الاكتفاء بالصلاة في المغصوب، إلا إذا احرز الأمر أو ملاكه، حسبما مر في محله (1). التنبيه الرابع الاستدلال على الاجتماع ببعض الروايات من الممكن أن يتمسك لجواز الاجتماع بما ورد من الأخبار في أبواب نكاح العبيد والإماء، فإن أدل الدليل على شئ وقوعه، ففي معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده. فقال: " ذاك إلى سيده، إن شاء أجازه، وإن شاء فرق بينهما ". قلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عيينة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له. فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إنه لم يعص الله، إنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز " (2). وفي معتبره الآخر عنه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغير إذن مولاه... إلى أن قال: فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): فإنه في أصل النكاح كان عاصيا ؟ فقال أبو جعفر: " إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، إنما عصى سيده، ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه " (3).


1 - تقدم في الجزء الثالث: 339. 2 - الكافي 5: 478 / 3، وسائل الشيعة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 1. 3 - الكافي 5: 478 / 2، وسائل الشيعة 21: 115، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 2. (*)

[ 228 ]

وفي معتبر منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في مملوك تزوج بغير إذن مولاه، أعاص لله ؟ قال: " عاص لمولاه ". قلت: حرام هو ؟ قال: " ما أزعم أنه حرام، وقل له أن لا يفعل إلا بإذن مولاه " (1). فكأن النزاع بين زرارة وابن حازم وبينهما (عليهما السلام) كان في جواز اجتماع الحلال والحرام وعدمه، وكانا من المانعين، وكانا (عليهما السلام) من المجوزين، وكانت الأذهان البدوية امتناعية، والعقول الكلية اجتماعية، وقد مر في مقدمات البحث: أن النزاع لا يختص بأبواب التكاليف، بل يجري في المعاملات، وأنه لا يختص بالحرام والواجب، بل يجري في الحلال والحرام، لامتناع اجتماعهما في الواحد أيضا (2). ولنعم ما أفاده الوالد المحقق في توضيح ذلك في بحوث النهي في المعاملات: من أن ما توهموه من الإشكال الذي يصعب حله - وهو أن عصيان السيد يستلزم عصيان الله تعالى، والنكاح يكون مورد عصيان الله، لأن عصيان السيد عين عصيان الله، ضرورة وجوب إطاعة السيد، وحرمة مخالفته (3) - ليس في محله، وذلك لأن ما هو المحرم هو عنوان " مخالفة السيد " أو ما هو الواجب هو عنوان " إطاعة السيد " وأما النكاح الذي هو أحد العناوين المستقلة قبال سائر العناوين، فهو حلال، إلا مثل النكاح في العدة وأشباهه (4). فما في الخارج ينطبق عليه العنوانان: عنوان " النكاح " وهو عنوان ذاتي، وعنوان " مخالفة السيد " وهو عنوان عرضي، وإذا كان تعدد العنوان كاشفا عن


1 - الكافي 5: 478 / 5، وسائل الشيعة 21: 113، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 23، الحديث 2. 2 - تقدم في الصفحة 137 - 139. 3 - قوانين الاصول 1: 162 / السطر 4 - 6، أجود التقريرات 1: 406 - 408، نهاية الأفكار 2: 461 - 462. 4 - مناهج الوصول 2: 165 - 167. (*)

[ 229 ]

تعدد الجهة والحيثية ولو اعتباريا، فلا يعقل سراية الحرمة إلى محل الحلية، ولاسراية الحلية إلى محل الحرمة، ولايكون من التركيب الاتحادي، ولا يبقى وجه لتوهم: أن الموضوع للحكم عنوان " فعل المكلف " (1) وهو هنا واحد، ولا يتعدد حتى يتعدد الحكم. فلايتم جميع ما أفادوه في مسألة الامتناع، وتصير المسألة بعد ذلك من الواضح، وبها تنحل مشكلة الأخبار. وبذلك يظهر: أن الإمام (عليه السلام) كيف فكك بين المحرم والمحلل في المجمع وقال: " إنه إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، وإنما عصى سيده، ولم يعص الله ". وغير خفي: أن تعدد العنوان الذاتي والعرضي، مورد خلافهم في جواز اجتماع الأمر والنهي حتى عند المجوزين، وقد فرغنا عن فساد الخلاف المذكور (2). وفيما نحن فيه، وفي مثال الصلاة في الغصب، وفي مثال شرب الماء المغصوب والوضوء بالمغصوب وهكذا، يكون المجمع مجتمعا فيه العنوانان الذاتي والعرضي، فكما أنه بالصلاة يكون متصرفا في مال الغير، كذلك العبد بالنكاح يكون متصرفا في مال الغير، أو يكون عاصيا لسيده، لأنه بلاإذنه. توهم ودفع لا يظهر من هذه الأخبار: أن العبد كان مسبوقا بنهي المولى عن التزويج، فلا يكون عاصيا لمولاه إلا بمعنى أنه ليس بمطيع له، لأن النكاح بلا إذن ليس من عصيانه، مع أنه لم ينهه عنه، فعليه لا تكون دالة على أن العنوان الذاتي حلال،


1 - كفاية الاصول: 193. 2 - تقدم في الصفحة 149. (*)

[ 230 ]

والعنوان العرضي حرام. فالمراد من " أنه عاص لسيده " أنه لا يكون مطيعا له، فلا يكون نكاحه محرما، ولايكون حينئذ فاسدا، ولا تكون الأخبار عندئذ مرتبطة بهذه المسألة حتى يصح الاستدلال بها. ومن الممكن أن تكون فتوى العامة ببطلان أصل النكاح (1)، لأجل اشتراط صحته بالإذن، لالأجل حرمته وفساده، وقول زرارة: " إنه في أصل النكاح كان عاصيا " (2) معناه أنه في أصل النكاح لم يطع مولاه، فلابد من كونه فاسدا، فأجاب (عليه السلام): " بأنه ليس بعاص لله، وإنما لم يطع مولاه " فلا يكون في البين محرم، حتى يقال باجتماعه مع المحلل في الواحد الشخصي. ويؤيد ذلك نفي عصيانه لله تعالى، مع أن عصيان السيد - بمعنى مخالفته - عصيان الله بالضرورة (3). أقول: لاوجه لصرف ظهور العصيان عما هو عليه إلا بحجة واضحة، ولا شاهد على عدم مسبوقية العبد بالنهي بالضرورة، لأن إقدام العبد على النكاح بغير إذنه، لا ينافي أن يكون إقدامه مع النهي، إن لم نقل بظهوره في ذلك حسب الفهم العرفي. ومما يؤيد ذلك قول ابن حازم: " قلت: حرام هو ؟ " بل وقول زرارة: " فقلت لأبي جعفر: فإنه في أصل النكاح كان عاصيا ؟ " وجوابه (عليه السلام): " إنما أتى شيئا حلالا " فإنه يعلم منه: أن الجواب مقابل ما فهمه زرارة من حرمة النكاح نفسه، لأنه عصيان.


1 - المغني، لابن قدامة 7: 409 - 410، المحلى بالآثار 9: 51. 2 - تقدم في الصفحة 258. 3 - قوانين الاصول 1: 162 / السطر 4 - 6، مطارح الأنظار: 165 / السطر 3 - 13. (*

[ 231 ]

ثم إن العبد لا يجوز له هذه الأنحاء من التصرفات، لأنها من التصرف في ملك الغير، ولابد من الإذن، وإلا فيكون بلا إذن حراما، ولاتتقوم حرمته بالنهي، كما في سائر الأموال، ولأجله قال (عليه السلام) في ذيل معتبر ابن حازم: " وقل له أن لا يفعل إلا بإذن مولاه " ولو كان جائزا بدون الإذن، لما كان وجه لنهيه (عليه السلام) فعليه يكون النكاح بدون الأمر والإذن محرما، لأنه من التصرف في مال الغير، فلا يكون في أصل النكاح عاصيا لله، وإنما يكون قد عصى سيده، لأنه قد تصرف في ماله، ولأجله يعد عاصيا لله أيضا. وسكوته (عليه السلام) عن أن عصيان السيد عصيان الله، في محله، لوجود القرينة على ما هو المقصود: وهو إثبات حلية أصل النكاح مقابل النكاح في العدة، وإثبات أن العبد عاص لسيده، وأما أن عصيان السيد عصيان الله، فهو أمر كان واضحا لا يحتاج إلى البيان. تلخيص لو سلمنا أن هذا النحو من التصرف ليس ممنوعا، إذ لا يعد من التصرف لغة وعرفا، فلا نسلم كون النكاح بغير الإذن يكون جائزا، لأن العبد عليه أن لا يفعل شيئا إلا بإذنه، كما في صحيحة ابن حازم، وهو الظاهر من الروايات الاخر (1)، فكان قد ارتكب عصيان السيد، لأنه إذا كان القانون المواظبة على أمره ونهيه، وأن لا يفعل شيئا بدون الإذن، يعد عاصيا، وعصيانه حرام كما في صحيحة ابن حازم أيضا. مع أن أصل النكاح حلال، فاجتمع الحل والحرمة في الواحد حسب نظرهما (عليهما السلام) ظاهرا.


1 - الكافي 5: 477 / 1، وسائل الشيعة 21: 113، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 23، الحديث 1. (*)

[ 232 ]

إن قلت: إن اقتضت الأدلة العقلية الامتناع فلابد من التأويل، وإلا فالأخبار تكون مؤيدة. قلت: نعم، إلا أن هذه الأخبار تنفع لرفع الشك الاصولي المقرر بحثه والمحرر حكمه في التنبيه السابق. هذا مع أن من الناس من لا يجد في أمثال هذه المباحث برهانا عقليا قطعيا حتى يأول الظواهر، ولاسيما إذا كانت المسألة لفظية وراجعة إلى الاستظهار ولو في بعض مقدماتها، فليتأمل جيدا. التنبيه الخامس حول الاستدلال على الاجتماع بالعبادات المكروهة قد اشتهر الاستدلال لجواز الاجتماع بالعبادات المكروهة، ظنا أن الأحكام متضادة بالأسر، وأدل الدليل على شئ وقوعه، فإذا جاز بين الواجب والمستحب وبين المكروه وجاز بين الواجب والمستحب والمباح، جاز بين الحرام والمستحب والواجب بالضرورة (1). الأقسام الثلاثة للعبادات المكروهة وأحكامها ثم إنه أيضا اشتهر بينهم تقسيم العبادات المكروهة إلى أقسام ثلاثة (2): ما يكون بذاته مورد النهي من غير أن يكون له البدل، كصوم يوم عاشوراء،


1 - قوانين الاصول 1: 142 / السطر 13، مطارح الأنظار: 130 / السطر 32 - 35، محاضرات في اصول الفقه 4: 306. 2 - مطارح الأنظار: 135 / السطر 9، كفاية الاصول: 197 - 198، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 434 - 435. (*)

[ 233 ]

والصلاة في الأوقات الخاصة، كعند الطلوع والغروب. وما يكون بذاته مورد النهي، ولكنه له البدل، كالصلاة في الأماكن المكروهة. وفي كون الصوم في السفر منها إشكال لأنه بين ما لا يجوز، وبين ما يستحب ولايكون بمكروه. نعم، قضية بعض أخبار المسألة (1) استحباب الصوم في السفر من غير الحاجة إلى النذر، وحيث إنه مورد النهي فيكون من أمثلة المسألة. والقسم الثالث ما يكون مورد النهي منطبقا عليه، ولعل منه الصلاة في مواضع التهمة. إن قلت: لا معنى للاستدلال بالأخبار في المسألة العقلية. قلت: نعم، إلا أن فيه الفائدة عند الشك في المسألة الاصولية، كما مر فيما سبق، فتكون مرجعا لرفع الشبهة. إن قلت: لا يصح الاستدلال ولا يتم، لأن مورد النزاع ما يكون النسبة بينهما العموم من وجه، وفي العبادات المكروهة تكون النسبة عموما مطلقا (2). قلت: لو أمكن اجتماعهما فيما كانت النسبة بين العنوانين عموما مطلقا، لكان الاجتماع في مورد النزاع أولى وأظهر، لأن وجه الخروج عن حريم النزاع عدم كفاية النسبة المزبورة لعروض الحكمين المتخالفين، وإذا صح في ذلك المورد ففيما نحن فيه يصير قطعيا، فما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (3) في غير محله.


1 - الكافي 4: 130 / 1 و 5، وسائل الشيعة 10: 203، كتاب الصوم، أبواب من يصح منه الصوم، الباب 12، الحديث 3 و 5. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 434. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 234 ]

هذا مع أن خروج العامين المطلقين عن النزاع مورد الخلاف (1)، ولاوجه للنظر إلى الاستدلال حسب الرأي الخاص في المسألة، بل المستدل لابد وأن يرفض خصوصيات مرامه في الاستدلالات المختلفة والبراهين الكثيرة، فلا تغفل عن اصول المناظرة. وأما الإشكال: بأن الأحكام ليست متضادة (2)، فهو غير متين، لأن المراد من التضاد هي المضادة اللغوية، وهي بينها ضرورية، فإن الشئ الواحد لا يمكن أن يوصف بتلك الأحكام مع كون المكلف واحدا، والمكلف واحدا، والزمان واحدا، وهذا يشهد على أن المقصود هو التخالف العقلي والتضاد اللغوي، كما مر تفصيله. إن قلت: " إن المحقق في محله صحة العبادات المكروهة، وأما كونها مأمورا بها بالأمر الفعلي، فلا يظهر من كلام الأصحاب (رحمهم الله) وعليه ربما يمكن أن تستند الصحة إلى الملاك، ولا يمنع النهي التنزيهي عن التقرب ". قلت: هذا ما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (3) وفيه ما لا يخفى، فإن دأب القدماء ما كان على هذه الدقائق المتأخرة. هذا مع أن الملاك بدون الأمر مما لاسبيل إليه، كما تحرر فيما سبق وتقرر (4). وثالثا: إن النهي التنزيهي الكاشف عن جهة البعد في المجمع، يمنع عن صحة التقرب على مسلكه، فلابد من توضيح آخر في المسألة حتى يتمكن من حل عقدة الاستدلال، ولا يكفي الإجمال الذي أفاده، فراجع وتدبر.


1 - الفصول الغروية: 125 / السطر 8، مطارح الأنظار: 128 / السطر 31، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 434. 2 - نهاية الدراية 2: 308، نهاية الاصول: 256، مناهج الوصول 2: 138، محاضرات في اصول الفقه 4: 248 - 250. 3 - نهاية الاصول 1: 267. 4 - تقدم في الصفحة 170. (*)

[ 235 ]

إن قلت: لاسبيل إلى الاستدلال المزبور بعد اشتهار أن المراد من العبادات المكروهة هي الأقل ثوابا (1)، فعليه لا يلزم الجمع بين الأحكام المتضادة في المجمع، بل النواهي إرشاد إلى وجود المنقصة في الفرد المأتي به، برجوع المنقصة إلى نقصان المصلحة، من دون أن يكون للفاعل نقصان. وبعبارة اخرى: اشتمال الطبيعة على خصوصية المكان الكذائي والزمان، تكون كفقدان الطبيعة للكمال الأعلى والمحاسن الزائدة، فلايتم الاستدلال جدا. قلت: نعم، الاستدلال يتوقف على أن يكون المراد من " الكراهة " هي الكراهة الاصطلاحية، إلا أن الالتزام بتلك الكراهة محل المناقشة ثبوتا وإثباتا، ولأجل انجرار البحث إلى ذلك، فلابد من النظر في الاستدلال المزبور على الوجه الذي هو الحقيق وهو حقه: فنقول: إن البحث يقع في جهات: الجهة الاولى: في القسم الثالث من العبادات المكروهة فإن العنوان المنطبق عليها إذا كان مورد النهي التنزيهي، فهو لا يكون من أقسام العبادة المكروهة، بل يكون المجمع - بما أنه عبادة - مستحبا، وبما أنه ينطبق عليه العنوان المزبور - وهو الكون في موضع التهمة - مكروها، فلا يكون من العبادات المكروهة إلا على القول بالامتناع وإسراء النهي إلى متعلق الأمر. ولو كان مجرد الاجتماع مورثا لكون العبادة مكروهة، فيلزم من الاجتماع عدم الاجتماع، ويلزم كون الصلاة في المغصوب عبادة محرمة. فعد هذا القسم من أقسام العبادات المكروهة غلط (2)، والاستدلال به لإثبات


1 - قوانين الاصول 1: 143 / السطر 17 - 23، الفصول الغروية: 131 / السطر 18. 2 - كفاية الاصول: 198، نهاية الاصول: 267 - 268، مناهج الوصول 2: 139. (*)

[ 236 ]

جواز الاجتماع (1) أكثر غلطا، لأن صحة الاستدلال بذلك على جواز الاجتماع، موقوفة على الامتناع وغلبة النهي التنزيهي. وبعبارة اخرى: صحة الاستدلال بهذا القسم، موقوفة على اندراجه في القسم الثاني، فلا يصح التقسيم المعروف. نعم، لا يوجد في كلمات المستدلين تعيين مواضع العبادات المكروهة، والأمر - بعد ما اتضح - سهل. ذنابة: حول صحة العبادة مطلقا بناء على تنزيهية النهي ربما يقال: إن العبادة فيما إذا كان النهي تنزيهيا صحيحة مطلقا، لأن النهي التنزيهي لايمنع عن صحة التقرب بالمجمع (2)، أو لأن الأمر لمكان تعلقه بصرف الوجود من الطبيعة، فلا يمنع عن الفرد الخاص في موضع التهمة، فإذا منع الشرع عنه فهو لا ينافي مقتضى الأمر، كما في " الدرر " (3). وبتعبير آخر: إطلاق الأمر بدلي، والإطلاقات البدلية تجتمع مع التحريم والتنزيه التعينيين. نعم، إذا كان مفاد النهي هي الحرمة يلزم تقييد جانب الأمر، وأما إذا كان مفاده التنزيه فلا يقاوم الوجوب حتى يصير الفرد بلا أمر فيكون صحيحا على أي تقدير. وبتعبير ثالث: النهي التنزيهي ترخيص في جانب الفعل، فيصح الفعل على كل تقدير. أقول: لو كان منشأ فساد العبادة عدم إمكان اجتماع المقرب والمبعد فلا يفرق


1 - قوانين الاصول 1: 143 / السطر 15. 2 - نهاية الاصول: 268. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 166 - 167. (*)

[ 237 ]

الأمر بين كونه تنزيهيا أو تحريميا، لأن النهي التنزيهي يكشف عن جهة البعد في المجمع، فلا يصلح للتقرب به، وسيمر عليك تفصيل البحث حول هذه المسألة إن شاء الله تعالى في الجهة الآتية. الجهة الثانية: في القسم الثاني منها وهي ما كانت مورد النهي لأجل خصوصية ملتحقة بها، كالكون في الحمام ونحوه، فإن كانت الصلاة في الحمام مورد الأمر، لأجل كونها صلاة، ومورد النهي، لأجل كونها في الحمام، وكان النهي نفسيا تنزيهيا، كان للاستدلال المزبور وجه. وأما إذا كان النهي إرشادا إلى المنقصة في المقرب، وأن المقرب يكون ضعيف التقرب من غير كون المأتي به مورد النهي الاصطلاحي، فهو خارج عن الاستدلال، ضرورة أن الصلاة الثنائية في أماكن التخيير من جهة المقربية، أضعف من الرباعية فيها، من غير كونها مورد النهي اصطلاحا، فالنقصان في المقربية غير كون المجمع مورد النهي شرعا، فلأجل ذلك فإن الالتزام بالكراهة المصطلحة في العبادات، مورد المناقشة ثبوتا وإثباتا، فالبحث يتم في مقامين: المقام الأول: حول معقولية كراهة العبادة ثبوتا لأحد أن يقول: إن الصلاة في الحمام لا يعقل أن تكون مورد النهي النفسي التنزيهي، مع أنها مورد الأمر الاستحبابي أو الوجوبي، لأن الطبيعة الواحدة لاتوصف بالحكمين، فلابد من صرف الكراهة والنواهي هنا إلى خلاف ظاهرها، وإلى الإرشاد إلى النقصان الحاصل من الكون الخاص. أقول: ليس هذا إشكالا على الاستدلال مستقلا، بل هو إشكال معروف في اندراج المطلق والمقيد في محط النزاع في بحث الاجتماع (1)، وهو إشكال لا يمكن


1 - تقدم في الصفحة 143 - 144. (*)

[ 238 ]

الفرار منه، إلا أن اللازم قطع النظر عنه، وعند ذلك يتم الاستدلال، لأن المجوز القائل بالاندراج أو الشاك في دخوله في محل البحث، يستكشف من العبادة المكروهة صحة الاجتماع في هذه الصورة، ومن ذلك يعلم صحتها في الصورة الاخرى: وهي ما إذا كانت النسبة بين المأمور به والمنهي عنه، عموما من وجه. فعلى هذا، الصلاة في الحمام بناء على الاجتماع مكروهة وواجبة، لأنها مثل الصلاة في المغصوب، إلا أن فيما نحن فيه تكون الصلاة بما أنها في الحمام مورد النهي، وبما هي هي مورد الأمر، فليتدبر. المقام الثاني: حول عدم مساعدة العرف على كراهة العبادة إثباتا بعدما عرفت تمامية الاستدلال على مسلك المستدل، تقع المناقشة في أن العرف لا يساعد عليه في مرحلة الإثبات، فإن قوله (عليه السلام) مثلا: " لا تصل في الحمام " (1) - بعد معلومية كونه من النهي التنزيهي - لا يزيد على قوله (عليه السلام): " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " (2) فكما أن الثاني يورث المانعية أو الشرطية الملازمة لاستكشاف النقصان في مورد النهي، بحيث لا تصير الطبيعة الواجدة له قابلة للتقرب بها، كذلك النهي فيما نحن فيه يكون من الإرشاد إلى النقيصة، وإلى حسن فقدان الطبيعة للكون المزبور، من غير كونه نهيا نفسيا، بل يعد من النواهي الإرشادية إلى اشتمال هذه الحصة من الطبيعة على المنقصة، فلايتم الاستدلال بحسب المقام الثاني، كما هو الظاهر.


1 - الكافي 3: 390 / 12، وسائل الشيعة 5: 142، كتاب الصلاة، أبواب مكان المصلي، الباب 15، الحديث 6 و 7. 2 - علل الشرائع 2: 38 / الباب 43، وسائل الشيعة 4: 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 2، الحديث 7. (*)

[ 239 ]

وبعبارة اخرى: يحصل من انضمام هذا النهي إلى الأمر بالطبيعة على الإطلاق، أن الصلاة في الحمام وإن كانت مورد الأمر، إلا أنها تشتمل على منقصة أيضا، كما ربما تكون مشتملة على الكمالات الاستحبابية، فلا يكون النهي في المقام من النهي الحكمي حتى يصح الاستدلال، ولا يلزم من الحمل المزبور كون الكراهة في العبادات كراهة خاصة، بل النهي في العبادات يرشد إلى حيثية خاصة في متعلقه، لما تقرر في محله: من أن المتفاهم في العرف من الأوامر والنواهي في أجزاء العبادات والمعاملات، غير المتفاهم العرفي منها في سائر المواقف (1). وإن شئت قلت: كما أن في موارد النواهي التحريمية، لا يكون بناؤهم على درج المسألة في محل النزاع، ولا تكون الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه من المجمع للأمر والنهي حتى تكون صلاة صحيحة محرمة تكليفا، كذلك فيما نحن فيه. مع أن النسبة بين قوله (عليه السلام): " صل " وقوله: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " عموم مطلق، فعلى هذا لو أمكن ثبوتا أن تكون الصلوات المكروهة من موارد اجتماع الأمر والنهي لما أمكن ذلك إثباتا، وتصير النتيجة سقوط الاستدلال المزبور. تذنيب: حول إمكان القول بالامتناع مع كون النهي نفسيا بعد ما عرفت: أنه لاأساس للكراهة الاصطلاحية في العبادات المكروهة، يقع سؤال مبني على التنازل: وهو أنه لو فرضنا أن النهي الوارد يكون من النهي النفسي، وبنينا على عدم جواز الاجتماع، فهل يمكن عقلا ذلك، أم لابد من اختيار أحد أمرين: إما الكراهة بمعنى الحزازة، أو الالتزام بجواز الاجتماع ؟ وجهان: ربما يقال كما في " الدرر ": " إن صفة الكراهة والوجوب، مثل صفة الحلية


1 - يأتي في الصفحة 299 وما بعدها. (*)

[ 240 ]

الثابتة لأصل الطبيعة والحرمة الثابتة لها بالعرض لعارض خارجي، كالوط ء ونحوه، فالشاة حلال وحرام، والصلاة في الحمام واجبة ومكروهة " (1). وفيه ما لا يخفى من أن صفة الحلية الثابتة لأصل الطبيعة، منتفية عن شخص الفرد، والمقصود هنا إثبات وجوب الشخص الموجود في الحمام. وفي تقريرات العلامة الكاظمي (رحمه الله): " أن المأمور به هي الصلاة، والمنهي عنه هو التعبد بها " (2). وما أفاده وإن كان في القسم الآتي، إلا أنه يمكن إجراؤه في هذا القسم أيضا، وسيأتي ما فيه من الضعف إن شاء الله. وقضية ما أفاده هو صحة قولنا: " المستحب مكروه " فإن موضوع المستحب هو الصلاة، وموضوع المكروه عنوان " المستحب " فيختلف الموضوعان، إلا أنه يلزم من صحة القضية الثانية فساد القضية الاولى، كما لا يخفى. مع أن النسبة بين متعلق الأمر والنهي عموم مطلق. أقول: في مفروض السؤال تكون الصلاة بلاأمر، لأن قضية الكراهة أنها مورد النهي، ولا يعقل اجتماعها مع صفة الوجوب. ولكن الفرق بين العبادة المكروهة والعبادة المحرمة: هو أن العبادة في مورد النهي التحريمي معلومة مبعديتها، وتكون من المحرم الذي لا يمكن التقرب به، وفي مورد النهي التنزيهي يحتمل إمكان التقرب بها، ويجوز الإتيان بها بداعي التقرب، لأن حقيقة الكراهة وإن كان معناها الترخيص في الفعل، ولا يعقل الترخيص في العبادات إلا مع فرض وجود الأمر، وإذا كان مورد الكراهة مورد الأمر يلزم انتفاء


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 168. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 439. (*)

[ 241 ]

الكراهة، فمن كراهة العبادة اصطلاحا يلزم عدم كراهتها، إلا أنه يمكن تفسير الكراهة على الوجه المزبور مقابل الحرمة الثابتة في العبادات، وأن العبادة المحرمة لا يمكن التقرب بها، وتكون حراما قطعا. بخلاف العبادة المكروهة، فإن طريق إمكان التقرب بها غير مسدود، فتكون الصلاة في الحمام - بحسب مقام الثبوت وفي مرحلة الاحتمال - قابلة للتقرب بها، بخلاف الصلاة في أيام الحيض، فإنها لا يمكن أن يتقرب بها كما لا يخفى. بقي شئ: حول صحة الصلاة في الحمام وعدمها وهو أن الصلاة على تفسير النهي بالإرشاد تكون صحيحة، ومعنى أن النهي إرشاد غير كون الكراهة هي الأقل ثوابا، بل النهي يلازم الحزازة، ونتيجة ذلك عدم وصول العبد لجميع ثواب الطبيعة الجامعة للكمالات، والفاقدة للنواقص. والصلاة بناء على أن يكون النهي نفسيا، تكون باطلة، لعدم إمكان بقاء الأمر في الحصة الواقعة في الحمام. والمراد من " البطلان " عدم جواز الاكتفاء بتلك الحصة عن الطبيعة الواجبة، وإن كان بحسب اللب يحتمل الصحة، لإمكان كونها مورد الملاك، وقابلة للتقرب به. فما قيل: " إنه تصح الصلاة على الاجتماع والامتناع مطلقا " (1) غير واضح سبيله: أما على الاجتماع، فقد مر وجه المناقشة فيه. وأما على الامتناع وغلبة النهي، فالأمر ساقط، ولابد في تصحيح العبادة من التشبث بما يتشبث به في مورد النهي التحريمي.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 435. (*)

[ 242 ]

فلافرق بين النهي التحريمي والتنزيهي من هذه الجهة، خلافا لما في تقريرات العلامة الكاظمي (قدس سره) حيث توهم فيها: أن الأمر إذا تعلق بالطبيعة على نحو صرف الوجود، والنهي تعلق بها على نحو مطلق الوجود، لا يقع التهافت بين الأمر والنهي رأسا (1). وفيه: أنه من غريب الكلام، ضرورة أن البحث يكون حول صفة الوجوب والكراهة في الصلاة في الحمام، والمفروض أن ما هو مورد النهي هي الصلاة أيضا، ولو صح ما افيد فهو يرجع إلى إنكار الامتناع بين الأمر والنهي التنزيهي، وهو خلاف الفرض، لأن الكلام حول صحة الصلاة على الامتناع. وبالجملة: معنى كون الصلاة في الحمام منهية، أنها مرجوحة، ومعنى أنها بما هي هي مورد الأمر، أنها راجحة على الإطلاق في جميع الأكوان، ولا يمكن الجمع بين مرجوحية الحصة وراجحية جميع الأفراد. هذا مع أن الطبيعة بين الحدين أول الوقت وآخره، إذا كانت مورد الأمر، لا يكون معناها أنها بصرف الوجود مورد الأمر، أو بالإطلاق البدلي، فإن الكل غلط، بل معناه أن نفس الطبيعة بما هي هي مورد الأمر، وقضية ذلك سقوط الأمر بإتيان الطبيعة مرة، وهذا لا يمكن أن يجتمع مع كراهتها حصة، فلا تغتر. وعلى كل تقدير: على الاجتماع تصح الصلاة، وعلى الامتناع وفرض ثبوت الكراهة لا تصح الصلاة، لأنها بلا أمر. اللهم إلا أن تشبث بما مر في تصحيح الصلاة في أصل المسألة من الترتب، والحسن الذاتي، ومن استصحاب بقاء الملاك المستكشف بالأمر (2)، فتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 436. 2 - تقدم في الصفحة 193. (*)

[ 243 ]

الجهة الثالثة: في القسم الأول منها وهو ما إذا كانت العبادة مورد النهي التنزيهي، ولايكون لها البدل، كصوم يوم عاشوراء، وقد اتفقت كلمات المجوز والمانع على عدم جواز الاجتماع، لوحدة المتعلق (1)، وحيث إن الصوم صحيح في يوم عاشوراء (2)، فكيف يمكن أن يكون مصداق المكروه ومورد النهي ؟ ! وقد أخذ كل مهربا لحل هذه المشكلة. قيل: " إن الصحة لأجل الملاك دون الأمر " (3). وفيه ما مر (4). وقيل: " إن المنهي ليس الصوم، بل المنهي عنوان آخر ينطبق عليه، وهو العنوان الوجودي القابل للانطباق على الصوم، وهو مثل عنوان " التشبه ببني امية " في صوم يوم عاشوراء، وعنوان " التشبه بعبدة الشمس " في الصلاة وقت الطلوع والغروب، وإن كان يمكن حل المشكلة من طريق آخر، إلا أن المستفاد من المجموع هو ذلك. بل الأمر كذلك في الصلاة في الحمام، لأن المنهي هي العبادة في أماكن القذرة ولو بغير الصلاة " وهذا ما أفاده العلمان الاستاذان: البروجردي (5)، والوالد - عفي عنهما - (6).


1 - كفاية الاصول: 197، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 438، نهاية الاصول: 268. 2 - جواهر الكلام 17: 108 - 109. 3 - نهاية النهاية 1: 231. 4 - تقدم في الصفحة 170. 5 - نهاية الاصول: 269. 6 - مناهج الوصول 2: 139 - 140. (*)

[ 244 ]

وفيه: أنه خلاف الظاهر من الأدلة، ومجرد كون النكتة ذلك لا يكفي لصرف الظواهر، كما هو الظاهر. وقريب منه ما أفاده " الكفاية " (1) وتبعه الآخر (2): " من أن الفعل فيه جهة الحسن، والترك ملازم لجهة الحسن، أو ينطبق عليه جهة الحسن، ولذلك وقع النهي عنه ". والإيراد عليه: بأن انطباق العنوان العدمي غير مفيد، لأن العناوين العدمية بلامصلحة ولا مفسدة، وانطباق العنوان الوجودي غير ممكن، لأن المطنبق عليه - وهو الترك - عدمي (3)، ولو كان قابلا للدفع، ولا يضر بمبناه، لأن احتمال وجود الملازمة باق بحاله، ولكن المحرر في محله: أن الترك ليس مورد الأمر في المكروه (4)، بل النهي - حسبما تقرر - للزجر عن الفعل (5)، فيكون صوم يوم عاشوراء مورد الزجر ومورد الأمر حسب الفرض. هذا مع أن الشرع الواقف على المصالح والمفاسد، إما يرجح جانب المصالح فيأمر، أو جانب المفاسد فينهى عنه، وأما الجمع بين الأمر والنهي في الموضوعات المركبة من المصالح والمفاسد - كالخمر ونحوها - فلا يصح، ولم يعهد من دأبه وبنائه. اللهم إلا أن يقال: بأن في موارد التزاحم بين الملاكات يأمر وينهى، وتصير النتيجة التخيير بين كسب المصلحة ودفع المفسدة. مثلا: الصوم تعبدا فيه الثواب، والتشبه ببني امية فيه الحزازة والمفسدة، فإن


1 - كفاية الاصول: 198 - 199. 2 - نهاية الدراية 2: 330 - 332. 3 - نهاية النهاية 1: 231، درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 169. 4 - تقدم في الصفحة 90 - 93. 5 - تقدم في الصفحة 79 - 81. (*)

[ 245 ]

صام فقد أدرك الخير، وإذا ترك الصوم فقد فر من مفسدة التشبه، ولما لم يكن في البين غالب فلابد من الأمر والنهي، وتكون المسألة من موارد التزاحم بين المصالح والمفاسد عند المقنن وفي مرحلة الجعل والتشريع. ومن العجيب توهم: أن ما نحن فيه من التزاحم، لإمكان أن يترك المكلف أمر الصوم والنهي، لأنه إذا صام من غير قصد القربة لم يمتثل الأمر ولاالنهي، لأن ما هو الباعث على النهي هو الإفطار، لأنه ترك التشبه ببني امية، دون الصوم الباطل وبلاقربة، فعليه يكون الأمر والنهي من المتزاحمين (1) ! ! وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الثابت في أصل الشرع، ترك الصوم الذي كان يأتي به بنو امية، وهو الصوم العبادي بداعي التقرب منه تعالى، وتركه لا يتوقف على الإفطار. نعم، إذا أتى بالصوم رياء فإنه قد استجلب مفسدة التشبه ومفسدة الرياء، وابتلي بعدم استجلاب ثواب الأمر أيضا. وقيل: " إن المأمور هو طبيعة الصوم، والمنهي هو التعبد بالصوم، فيتعدد الموضوع " (2). وفيه ما مر. مع أن القائل به يعتقد بأن النسبة بين المأمور والمنهي عنه إذا كانت عموما مطلقا، فهي كما إذا كانت النسبة تساويا (3)، فلاتنحل بذلك غائلة المسألة والمشكلة التي ابتلي بها القوم. وهناك (إن قلت قلتات) لا تخلو من الدقة، ولكن العدول عن جميع هذه كان أولى. أقول: من الواضح إمكان كون الطبيعة الواحدة مورد الأمر والنهي، إذا كان


1 - محاضرات في اصول الفقه 4: 318. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 439. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 410، أجود التقريرات 1: 341 - 342. (*)

[ 246 ]

الآمر متعددا، مثلا يصح أن يأمر الوالد بشراء شئ، وتنهى عنه الوالدة، وهذا كاشف عن أن الأحكام ليست متضادة حسب الاصطلاح. فعليه يمكن دعوى: أن الصوم مورد أمر الله تعالى، فإن الصيام المنوية مستحبة بأصل الشرع وفي كل زمان إلا يومين، وصوم يوم عاشوراء مورد النهي الحكومتي الإسلامي، حذرا من بعض المفاسد المترتبة عليه، أو المصالح المستحسن مراعاتها، فيكون الصوم مورد النهي، ولكن لا النهي الإلهي، بل نهي الحاكم النافذ حكمه بين الامة الإسلامية، وأما وجوب إطاعة الحاكم في أصل الشرع فلا ينافي الأمر المتوجه إلى الصوم، لما أن النسبة بين المأمور بذلك الأمر والمأمور بهذا الأمر، عموم من وجه. ولعمري إن بذلك تجتمع الظواهر، وترتفع الغائلة. فذلكة الكلام إن الغائلة نشأت من كون الأمر والنهي متعينين، وعلى الوجه الأول الذي أوضحناه يكون الأمر والنهي على سبيل التخيير، لأن لكل من الصوم والتشبه ببني امية في الصوم، مصلحة ومفسدة من غير غلبة لإحداهما على الاخرى، فإذا صام صح، لأنه مورد الأمر التخييري، ولو ترك ذلك لأجل النهي المزبور يثاب، وتكون المسألة من باب التزاحم في مقام التقنين. ولو كانت من باب التزاحم الاصطلاحي أيضا - بناء على إمكان ترك الامتثالين بالصوم بلاقربة - فالوجه أوضح. ولكن مقتضى هذا الوجه التصرف في الظاهرين بحملهما على التخييري، بخلاف الوجه الأخير، فليتدبر جيدا.

[ 247 ]

تنبيه: في دخول صوم عاشوراء في القسم الثاني من أقسام العبادات ربما يمكن دعوى: أن صوم يوم عاشوراء بعنوان التشبه مورد النهي، بخلاف الصوم المطلق، فإنه مورد الأمر، فيكون هذا القسم من القسم الثاني أيضا، والكلام فيه ما مر تفصيله (1). ويؤيد ذلك: أن الالتزام بكراهته للجاهل بذلك الأمر، في غاية البعد. وهذا الوجه وجيه من وجه وخلاف المطلقات أيضا. تذنيب: حول الاستدلال على الاجتماع بالعبادات الاستئجارية والمنذورة للمستدل أن يستدل بالعبادات الواقعة مورد الإجارة، كالحج ونحوه، لأنه إذا جاز اجتماع الأمر الندبي والوجوبي، جاز اجتماع الأمر والنهي، ضرورة أن الأحكام بأسرها غير قابلة للاجتماع وتكون متضادة بالأسر، ولاريب في أن النائب يستحب له الحج بذاته ولنفسه، وإذا استؤجر للحج يجب عليه الحج عن الغير، لأجل الأمر الإجاري، فيلزم اجتماع الأمر الاستحبابي والوجوبي، ويكون متعلق الأول نفس الطبيعة، ومتعلق الثاني الطبيعة الخاصة وإذا صح وأمكن ذلك في المطلق والمقيد، ففي العموم من وجه بطريق أولى. ومن هذا القبيل النذر المتعلق بصلاة الليل، فإن صلاة الليل مستحبة، والصلاة المستحبة واجبة بالوجوب التوصلي، فيلزم اجتماع الوجوب والندب في العنوانين المتصادقين على واحد.


1 - تقدم في الصفحة 237. (*)

[ 248 ]

إن قلت: لا يلزم تصادقهما على واحد، لأن مورد الأمر هي الصلاة، ومورد الأمر التوصلي هي الصلاة المأتي بها قربة إلى الله تعالى. قلت: قد تحرر منا في محله أن الأمر المتعلق بالصلاة، لا يفيد صحة التقرب، لأن أصالة التعبدية بلا أساس (1)، فلابد من أخذ قيد التقرب في المتعلق حتى يصير عباديا، ويصير عندئذ مجمعا لعنوان " الصلاة القربية " وللصلاة القربية المأمور بها. وبالجملة: لا يلزم أن يكون مورد الأمر والنهي عنوانا واحدا، حتى لا يتمكن المستدل من الاستدلال كما لا يخفى، فافهم واغتنم، وتدبر جيدا. ونظير ذلك ما إذا قلنا: بأن المقدمة واجبة، فإن صلاة الظهر مورد الأمر النفسي، وتكون مورد الأمر الغيري، لأنها مقدمة وجودية بالنسبة إلى صلاة العصر، ولكن الأمر المقدمي لا يتعلق بذلك العنوان، بل متعلقه هو عنوان " صلاة الظهر المأمور بها " فيتم للمستدل الاستدلال بمثله وبنظائره في الشريعة. إن قلت: في مثل النذر لا يعقل أن يكون متعلق الأمر النذري الصلاة المأمور بها بالأمر الاستحبابي، لأنه بالنذر لا يتمكن من الامتثال، لأنها تصير واجبة بالنذر (2). قلت أولا: يتم الاستدلال فيما إذا نذر الصلاة الواجبة، فإنه بالنذر يتمكن من إتيان الصلاة الواجبة. وثانيا: لا معنى للانقلاب المزبور الواقع في كلام العلامة النائيني (قدس سره) (3) لأن المفروض أن متعلق النذر هي الصلاة المأمور بها، دون مطلق الصلاة، والمكلف بعد


1 - تقدم في الجزء الثاني: 152. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 440. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 249 ]

النذر لابد وأن يقصد الأمر العبادي الاستحبابي، لأن ذلك مورد الأمر الإيجابي التوصلي، فلا يصير عاجزا عن إتيان الصلاة النفلية استحبابا، لأن ما هو مورد الأمر التوصلي إتيانها استحبابا، أي بداعي الأمر المتعلق بالعبادة ولو نسي الأمر النذري وأتى بها لأجل أمرها صحت بالضرورة. مع أن مقتضى ما أفاده بطلانها، لأنها ليست إلا مورد الأمر الوجوبي، فليلاحظ جدا. وبالجملة: ما تخيله من أن التضاد والتنافر يقع بين الأمر الوجوبي التوصلي النذري، وبين الأمر القربي الندبي المتعلق بذات العبادة، ويقع التصالح بينهما بالتناكح، ويتولد من بينهما بعد الكسر والانكسار أمر واحد وجوبي قربي (1)، أشبه بالامتحانيات من الواقعيات. ونتيجة هذا التفصيل، هي إمكان اجتماع الحكمين في المطلق والمقيد، وإذا صح ذلك هنا فيصح في العامين من وجه اللذين هما مورد النزاع بطريق أولى في الحرمة والوجوب، لعدم الفرق بين الأحكام في المنافرة والمضادة وعدم إمكان الاجتماع ذاتا أو بالغير. تنبيه إن الأصحاب وإن لم يستدلوا بهذه الأمثلة لجواز الاجتماع، إلا أنهم وقعوا في هذه البحوث لمناسبات اخر، وإني رأيت أن هذه المناسبة أقوى وأحسن، فافهم واغتنم.


1 - نفس المصدر. (*)

[ 250 ]

تمحيص الاستدلالات السابقة أقول: إن الذي هو المحرر منا في محله، أن معروض الوجوب الغيري ليس العنوان الذاتي، بل معروضه هو العنوان العرضي، وهو عنوان " الموقوف عليه " (1) لأن وجوب المقدمة الذي هو مورد الكلام، هو الوجوب العقلي المستكشف به الوجوب الشرعي، والأحكام العقلية لا تتعلق إلا بالعناوين والحيثيات التعليلية، دون الشئ الآخر حتى تكون تلك الحيثيات عللا لعروضها، بل الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية عناوين موضوعاتها، فلا تكون صلاة الظهر مورد الوجوب الغيري، فالتمسك المزبور بالمثال المذكور، في غير محله حسب الحق الذي لا مزيد عليه. هذا في المثال الثالث. وأما الاستدلال، فلايتم إلا على تمامية الوجوب الغيري الشرعي، والامتناعي إما ينكر ذلك، أو يأول كما يأول في الموارد الاخر التي تكون النسبة عموما من وجه. وغير خفي: أن تجويز اجتماع المثلين من سنخ واحد من الأحكام كما في المثال المزبور، يلازم تجويز اجتماع الضدين أيضا. وأما المثال الأول والثاني، فقد أفاد الوالد المحقق - مد ظله - في المقام وفي غيره: " أن ما هو الواجب في الإجارة وفي النذر هو عنوان آخر، وهو عنوان " الوفاء بالعقد والنذر " ولا تكون العبادة مورد الأمر التوصلي الإيجابي رأسا، فلا يلزم كون الشئ الواحد مورد الأمرين والحكمين: الإيجابي، والندبي، ولا الشيئين اللذين بينهما العموم والخصوص المطلق، بل النسبة تكون من العموم من وجه، وحيث


1 - تقدم في الجزء الثالث: 27 و 179. (*)

[ 251 ]

يجوز الاجتماع فالأمر واضح " (1). أقول: قد عرفت أن الاستدلال المزبور يصح بناء على هذا أيضا (2)، لأن مع كون النسبة عموما من وجه إذا جاز اجتماع الحكمين: الإيجابي والندبي، فيجوز اجتماع التحريمي والإيجابي، والقائل بالامتناع يقع في كلفة التأويل، وهو يستلزم المفاسد الاخر كما لا يخفى. والذي يتوجه إليه - مد ظله - أولا: أن الأمر الإجاري والنذري الباعث نحو الحج الندبي والصلاة المأمور بها بالأمر الاستحبابي، يكون هو المحرك، وقد تقرر منا أن تحريك المكلف نحو التحرك من المحرك الآخر غير معقول (3)، لأنه لا يمكن أن يتحرك بالحركتين وبالشخصين من الحركة الواحدة في الزمان الواحد، فعلى هذا لا يبقى الأمر الندبي باقيا على باعثيته نحو الطبيعة، وإن كان متعلق الأمر الإجاري عنوان " الوفاء بالعقد " ومتعلق الأمر النذري عنوان " الوفاء بالنذر ". وثانيا: الالتزام بأن الوفاء هو الواجب ولاسيما في باب العقود، غير تام إثباتا، لأن قضية ذلك عدم كفاية استيلاء المتبايعين بعد البيع على ملكهما صدفة في جواز تصرفهما في المبيع والثمن، مع أنه جائز بالضرورة عند العقلاء وحسب الأدلة الشرعية. مثلا: إذا باع كتابه بشئ، ثم من باب الاتفاق انتقل الكتاب إلى المشتري، وانتقل الثمن إلى البائع، فإنه لا يحق للبائع أن يمنع من تصرف المشتري، لأن ما في يده ملكه، ولم يبق له حق الحبس، لأن الثمن انتقل إليه وهو تحت اختياره. فمنه يعلم: أن الواجب ليس أمرا قصديا وهو عنوان " الوفاء بالعقد " بل هو


1 - مناهج الوصول 1: 168 و 2: 141، أنوار الهداية 2: 130. 2 - تقدم في الصفحة 247 - 248. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 144. (*)

[ 252 ]

معنى خارجي، وهكذا في ناحية النذر، فإن الأدلة ولو اقتضت بحسب الظاهر أن الوفاء واجب، إلا أن عنوان " الوفاء " كأنه مغفول عنه، فيكون المنذور متعلق الأمر الإيجابي، وهكذا في مثل الحج. وعندئذ يشكل الأمر من ناحيتين: الاولى: من أن الالتزام بكون الواجب هو العنوان الآخر العرضي غير ممكن. الثانية: أن الالتزام بأن الواجب ومعروض الأمر الإيجابي هو ذات العبادة، غير ممكن أيضا إلا بالتداخل، ونتيجة التداخل أن لا يحنث في النذر بترك الصلاة الواجبة المنذورة، لأن الأمر النذري المندك لا أثر لمخالفته وهي الكفارة، فإنها في الشرع على الحنث في النذر، والحنث في النذر متقوم بكون المنذور واجبا عليه بالوجوب الباقي على حده، مع أنه في مثل المثال المزبور لا حد للوجوب الآتي من قبل الأمر النذري، فتدبر. وبالجملة: إن كلا من المذهبين لا يخلوان من المناقشات، لا القول بأن متعلق الأمر الإيجابي نفس المنذور، ولا القول بأن المتعلق عنوان آخر، وهو " الوفاء " وستجئ بعض الإشكالات الاخر المتوجهة إلى مقالة المشهور. أما التفصيل بين الحج المستأجر عليه، وبين الصلاة المنذورة، بأن الأمر الإجاري لا يتعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي، بخلاف الأمر النذري، فإنه يتعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي، فإن الأمر الاستحبابي تعلق بذات العبادة، والأمر الإجاري تعلق بالعبادة عن الغير المأمور بها، والأمر النذري تعلق أيضا بذات العبادة (1). فهو أفحش فسادا، ضرورة أن الأمر الاستحبابي لا يتعلق بذات العبادة، بل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 440. (*)

[ 253 ]

متعلقه الطبيعة المقيدة بإتيانها بعنوان أمرها مثلا، وذلك لما تحرر في محله (1) ومضى الإيماء إليه (2)، هذا أولا. وثانيا: إن الأمر النذري أيضا تعلق بالصلاة المأمور بها، فلايتم التفصيل المتراءى من كلمات العلامة النائيني (قدس سره) (3). والذي هو التحقيق في المسألة بعد اللتيا والتي: أن المحرر عندنا في محله بطلان الإجارة في العبادات، وما يثبت فيها عندنا - حسب الأدلة - هي النيابة عن الغير وعقد الاستنابة، وقضية العقد الاستنابي لزوم قصدها في الحج، بناء على صحة الاستنابة فيه، على إشكال تفصيله في كتاب الحج إن شاء الله تعالى فما أوجبه الشرع هو قصد الاستنابة، وإذا قصد الاستنابة فلا يكون هناك عندئذ أمر استحبابي إلا أمر المنوب عنه والحج المنوب فيه. هذا في مثل الحج والنيابة. وأما في الصلاة المنذورة، فالذي اخترناه بعد التفصيل الكثير في كتاب الصوم: هو أن الشرع لا يأمر أمرا إيجابيا بشئ، بل المنذورة بعد النذر باقية على حالها ولونها، وجوبيا كان أو ندبيا، عباديا كان أو توصليا، ولكن العقل والعقلاء يقبحون التخلف عن المعاهدة التي أوقعها بينه وبين ربه بقوله: " لله علي كذا وكذا " والتخلف عن هذه المعاهدة يوجب الحنث المورث للكفارة (4). وبعبارة اخرى: إن المتخلف يستحق التقبيح العقلائي، والعقاب الشرعي، لأجل ذلك التقبيح، لأن الشرع أيضا ساعدهم على ذلك، بخلاف سائر المقبحات


1 - تقدم في الجزء الثاني: 152. 2 - تقدم في الصفحة 248. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 440. 4 - تحريرات في الفقه، كتاب الصوم، الفصل الثالث من الموقف الأول. (*)

[ 254 ]

العقلائية، وإذا كان الأمر كذلك فيجب بحكم العقل التحرز من ذلك، كما في موارد الأمر والنهي. وإن شئت قلت: إن عبادية العبادة إن كانت منحصرة بإتيانها بقصد الأمر المتعلق بها، فلا يمكن حل المشكلة، لا على مذهب المشهور في باب النذر (1)، ولا على مذهب السيد الوالد المحقق - مد ظله - (2) لأن على الأول يكون متعلق النذر الصلاة الليلية المأمور بها بالأمر الندبي، ولا يعقل الانبعاث عن هذا الأمر الندبي إلا بالانبعاث عن الأمر الإيجابي النذري، فإذا انبعث عنه فلا يكون الانبعاث نحو الصلاة بأمرها. وعلى الثاني يكون متعلق الأمر النذري هو الوفاء، والانبعاث عن هذا الأمر أيضا لا يجتمع مع الانبعاث عن الأمر الندبي. وأما إذا كانت عبادية العبادة غير منحصرة بذلك، ويكون الأمر كاشفا - لأجل القيد المأخوذ في متعلقه - عن صحة التعبد بالمأمور به، فيصح كل من المذهبين والرأيين ثبوتا، وتكون النتيجة حسب مقام الإثبات، هي الرأي الثاني ومبنى الوالد، لأنه الأوفق بالظواهر في المقام، والله ولي الأمر. وإن شئت قلت: مسلك المشهور أيضا لا يخلو من بعض المناقشات السابقة، ومنها عدم تصور الحنث، لأن الأمر الآتي من قبل النذر، يكون مؤكدا للأمر السابق المتعلق بالمنذور من غير أن يستتبع شيئا، حتى يحنث في النذر، ويحتاج إلى الكفارة، بخلاف مسلكه - مد ظله -. وغير خفي: أن تصحيح العبادة المنذورة، لا يمكن بأمرها بعد النذر إذا كان


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 440، محاضرات في اصول الفقه 4: 323. 2 - مناهج الوصول 2: 141. (*)

[ 255 ]

الأمر النذري باعثا، وتصحيحها على الوجه المشار إليه، منوط بأن يكون القيد المأخوذ في متعلق أمرها عنوانا كليا، مثل أن يأمر المولى بأن تؤتى الصلاة عبادة، كما يأمر بأن يؤتى بها مع الستر والطهور، فإنه عندئذ تكون ما به عبادية العبادة تحت اختيار العبد، من قصد أمرها، أو غير ذلك، أو يكون القيد المأخوذ - ولو كان عنوانا خاصا - قابلا لإلغاء الخصوصية عرفا، حتى يتمكن العبد الناذر من إتيان المنذور عبادة، من غير أن تتوقف العبادية على قصد أمرها، فليتدبر جيدا. التنبيه السادس في حكم المضطر إلى المحرم وحكم المتوسط في الأرض المغصوبة وقبل الخوض في أصل البحث لابد من التنبيه إلى نكتة: وهي وجه البحث عن هذه المسألة في ذيل هذا البحث الكلي، ومسألة الاجتماع والامتناع: اعلم: أن من المحرر في البحوث السابقة، اتفاق الكل على عدم جواز اجتماع الأمر والنهي مع كون متعلقهما واحدا (1)، مع أنه يلزم اجتماع الأمر والنهي في المتوسط في الأرض المغصوبة، إذا كان بسوء الاختيار. وهكذا إذا اضطر إلى أكل المحرم، وكان سبب الاضطرار سوء الاختيار، فلأجل هذه العويصة عنونوا هذه المسألة حتى يتضح حكمها، وتتبين حقيقة الأمر فيها. ووجه الاستلزام واضح، ضرورة أن من دخل في أرض الغير بلا إذنه، يكون


1 - تقدم في الصفحة 243. (*)

[ 256 ]

دخوله من التصرف المحرم، وإذا أراد الخروج واشتغل به، يكون خروجه من التصرف في مال الغير، فيكون حراما، ويكون هو أيضا واجبا إما بالوجوب الغيري المقدمي، لأنه مقدمة لرد مال الغير وللتخلص من التصرف المحرم. أو بالوجوب النفسي، لأن عنوان " رد مال الغير " واجب، لقولهم " المغصوب مردود " و " لأن الغصب كله مردود " كما في بعض الروايات (1)، فعلى هذا يكون التصرف الخروجي - أي عنوان " الخروج " - محرما وواجبا، وهذا مما لا يكاد أن يلتزم به أحد. فما يظهر من المحقق الوالد - مد ظله - من إنكار الوجوب المقدمي (2)، في محله، إلا أن إنكار الوجوب النفسي (3) غير صحيح ظاهرا، لأن المراد من رد " الغصب " ليس الفراغ من الغصب المحرم، وإلا يلزم أن يكون الغاصب فارغ البال إذا غصب المغصوب غاصب آخر، مع أنه يجب عليه رد مال الغير إلى صاحبه، ومع أنه خلاف ظاهر الرواية، ولعله مورد فتوى الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم -، فعنوان " الرد " واجب، بخلاف سائر العناوين، كعنوان " ترك الغصب " وعنوان " التخلص منه " وغير ذلك مما لا يقوم على وجوبه الدليل الشرعي. إن قلت: " وجه البحث عن هذه المسألة أمر آخر، وهو أن من المحرر في محله اعتبار المندوحة في صحة النزاع المزبور (4)، وأن الصلاة مع المندوحة تصح على الاجتماع، وبقي الكلام حول ما إذا انتفت المندوحة، وأنه هل تصح أم لا " (5) ؟


1 - تهذيب الأحكام 4: 130 / 2، وسائل الشيعة 9: 524، كتاب الأنفال، أبواب الأنفال، الباب 1، الحديث 4. 2 - مناهج الوصول 2: 143. 3 - نفس المصدر. 4 - مطارح الأنظار: 128 / السطر 18 - 19. 5 - مطارح الأنظار: 153 / السطر 19 - 21. (*)

[ 257 ]

قلت: قد فرغنا من حديث المندوحة هذا (1)، وأن بحث الأعلام هنا حول الحكم التكليفي أولا وبالذات، ثم أدرج بعضهم حديث الحكم الوضعي، فلا يكون وجه المناسبة إلا ما أشرنا إليه. ومن هنا يظهر سقوط البحث هنا من صورة الدخول في المغصوبة لا بسوء الاختيار، فإنه خارج عن محط كلام الأصحاب، وأدلتهم (2) تشهد على ما ذكرناه. إذا تبين ذلك، فالكلام في المقام يقع في جهتين: الجهة الاولى: في الحكم التكليفي. والجهة الثانية: حول صحة الصلاة وفسادها حال الخروج عن تلك الأرض المغصوبة. الجهة الأولى: بيان الحكم التكليفي للمتوسط أما الجهة الاولى فلا كلام هنا في ناحية الوجوب، وإمكان كون عنوان " رد الغصب " واجبا شرعا نفسيا أو غيريا إلا على القول بامتناع الوجوب الغيري، على الوجه المحرر في محله (3)، وأما هنا فلا يختص بوجه. وأما ما عن مثل الشيخ الأنصاري، على ما نسب إليه في تقريرات جدي العلامة (قدس سرهما) وتبعهما العلامة النائيني (رحمه الله): " من أن الخروج واجب شرعا " (4) فهو بلا وجه، لقصور الأدلة الشرعية عن إثبات وجوب هذا العنوان.


1 - تقدم في الصفحة 182. 2 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 22، و 154، الفصول الغروية: 138 / السطر 25، كفاية الاصول: 204 - 210. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 275 - 277. 4 - مطارح الأنظار: 153 / السطر 21 و 37، و 154 / السطر 1، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 447، أجود التقريرات 1: 374. (*)

[ 258 ]

ومن هنا يظهر: أن الأقوال الآتية إذا كانت ترجع إلى إنكار الوجوب على الإطلاق، أو إثبات وجوب بعض العناوين المشار إليها، فهي أيضا غير ما مر ومخدوشة. وإنما الكلام في ناحية الحرمة، وأنه هل يمكن الالتزام بحرمة التصرف الخروجي، وحرمة أكل الميتة، إذا كان يضطر إليه ولو كان بسوء الاختيار، أم لا ؟ والذي هو أساس الشبهة: أن التحريم يتوقف على القدرة على الامتثال، وإذا كانت هي منتفية ولو بالاختيار فلا يعقل التحريم والزجر، كما في ناحية الأمر والبعث، فإذا كان مضطرا عقلا إلى الخروج، فكيف يعقل الزجر عن التصرف الخروجي، والمنع عن التصرف، مع أن الفراغ والتخلية بين المغصوب ومالكه، بالخروج والتصرف ؟ ! فلا يتمكن المولى الملتفت إلى هذه النكتة من ترشيح الإرادة الجدية الزاجرة المتوجهة إلى العبد المبتلى بذلك ولو كان بسوء الاختيار، كما هو مفروض الكلام، ومحل النزاع بين الأعلام. وبالجملة: قد اختلفوا في هذه الناحية اختلافا شديدا يبلغ أقوالهم إلى الخمسة، أو الستة، فمن قائل يدعي الحرمة والوجوب (1). ومن قائل يدعي الحرمة دون الوجوب (2). ومن ثالث يعكس الأمر (3). ومن رابع يختار عدم الوجوب والحرمة. ومن خامس ينكر الوجوب والحرمة، ويقول بصحة العقوبة (4).


1 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 21 - 22. 2 - مناهج الوصول 2: 143. 3 - مطارح الأنظار: 153 / السطر 33 - 34. 4 - كفاية الاصول: 204. (*)

[ 259 ]

ومن سادس يفصل بين ما إذا كان قصده حال الخروج إفراغ مال الغير ورده فيكون حسنا، ولا يستحق العقوبة، وما إذا لم يكن قصده ذلك (1). وإلى كل واحد ذهب عين من أعيان الطائفة (رحمهم الله). والذي هو الحق إمكان الالتزام بالحرمة والوجوب، حسب القواعد الأولية، والأدلة الواقعية الأولية، وإمكان رفع الحرمة، حسب الأدلة الواقعية الثانوية، فيبقى الوجوب على عنوانه ثابتا، دون الحرمة، وسيظهر بتفصيل إن شاء الله تعالى. هذا من غير فرق بين كون الدخول والابتلاء بالمحرم بسوء الاختيار، أم كان لا بسوء الاختيار. ضرورة أنه إذا لم يكن بسوء الاختيار، لا يخرج عن موضوع الأدلة حسب الواقع، فإنها تمنع عن التصرف في مال الغير، عالما كان أو جاهلا، وتوجب رد مال الغير، عالما كان أو غافلا، فلو ابتلي بأكل الميتة، أو بالخروج من الأرض المغصوبة لا بسوء الاختيار. فأدلة حرمة أكل الميتة - حسب إطلاقها الأولي - تمنعه عنه، وهكذا أدلة حرمة التصرف في مال الغير، وأدلة وجوب حفظ النفس ورد مال الغير تبعثه إليهما، لاشتراك الكل في الأحكام الإلهية القانونية الكلية. نعم، إذا لم يكن بسوء الاختيار، وكان هناك إيجاب شرعي لارتكاب ما يؤدي إليه، فهو كلام آخر مر في بحوث مقدمة الواجب (2) وفي مسألة الضد (3)، ويصير داخلا في بحث التزاحم حسب التحقيق الذي عرفت منا في محله (4).


1 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 178. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 257 - 261. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 358 وما بعدها. 4 - نفس المصدر. (*)

[ 260 ]

وقد أطال الأصحاب بعضهم في المقام بذكر صور المسألة وبعض فروعها، مما لا دخل له في جوهر البحث وأساس الإشكال والشبهة، فلا تغفل، ولا تغتر. الدعاوي الثلاث التي يتوقف عليها بيان الحكم التكليفي إذا تبين ذلك فلنعد إلى بيان ما هو التحقيق في المسألة، فهنا دعاو ثلاث: الدعوى الاولى: أن هنا حكما إيجابيا، وهو المستفاد من دليل وجوب رد مال الغير، ومتعلقه عنوان " رد مال الغير ". ولا سبيل إلى إيجاب عنوان " الخروج " أو عنوان " التخلص وترك الغصب " وقد مر الإيماء إلى ذلك، وتبين سقوط كلام السيد الاستاذ والوالد المحقق - عفي عنهما - من إنكارهما وجوب عنوان " الرد " (1) وتبين أن ما هو الواجب هو عنوان " الرد " الأعم من التصرف، فإنه تارة: يكون الرد بالخروج والتصرف. واخرى: يكون الرد بدونه، كما إذا كان المال المغصوب عند غاصب آخر أو شخص آخر، فألزمه الغاصب الأول برده إلى مالكه (2)، فما هو معروض الوجوب ليس عنوان " الخروج " وأمثاله حتى يصح النزاع المشاهد بين العلمين الأنصاري (3) وصاحب " الكفاية " (رحمهما الله) (4).


1 - نهاية الاصول: 273 و 277، مناهج الوصول 2: 143. 2 - تقدم في الصفحة 256. 3 - مطارح الأنظار: 153 / السطر 37 و 154 / السطر 1 و 156 / السطر 7 - 13. 4 - كفاية الاصول: 204 - 208. (*)

[ 261 ]

بقي شئ: في بيان حكم المتوسط الغاصب وغير الغاصب إن الرد يجب على المتوسط في المغصوبة، فإذا كان هو الغاصب يكون نفس خروجه من الرد عرفا، وإذا اشتغل بالخروج فقد اشتغل بامتثال أمر الرد، ولا إثم عليه من هذه الناحية، بخلاف ما إذا بقي فيها، فإنه آثم من هذه الناحية أيضا، لتركه الواجب، ويكون الوجوب في أمثال المقام من الفور فالفور. وأما إذا كان المتوسط فيها غير غاصب، وكان مثلا دخوله فيها على وجه الاختفاء، بحيث لا يكون من الغصب الشرعي وهو الاستيلاء على مال الغير عدوانا، فلا وجوب بالنسبة إليه، ولا يجب عليه شئ، ولا يلزم اجتماع الواجب والحرام رأسا حتى يقع النزاع في أن ما هو معروض الوجوب هو عين ما هو معروض الحرام أم لا، ويسقط النزاع، وترتفع الغائلة من هذه الناحية، فافهم واغتنم. وتوهم: أن مطلق التصرف من الغصب كما يظهر من جمع (1)، فهو من الغلط المحرر في محله، والمدلل فيما مر منا سالفا (2). ذنابة: في توهم عدم الوجوب النفسي للرد ودفعه ربما يقال: إن في مثل الاضطرار إلى أكل الميتة وشرب الخمر، يمكن الالتزام بوجوبهما، لأن الوجوب ينشأ من الملاك الآخر: وهو حفظ النفس، أو حرمة الانتحار وقتل النفس، على خلاف فيه، بخلاف رد مال الغير فإنه لا ملاك له بخصوصه، بل ملاكه هو ملاك حرمة الغصب والتصرف في مال الغير، فلا يكون


1 - قوانين الاصول 1: 140 / السطر 23، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 412، محاضرات في اصول الفقه 4: 282 - 284 و 395. 2 - تقدم في الصفحة 158. (*)

[ 262 ]

إيجاب شرعي في المقام زائدا على تحريم الغصب والتصرف. وفيه أولا: أن أخذ الغاصب بأشق الحال، ملاك إيجاب الرد، وملاك تضمين خسارة الرد، على ما تحرر في محله (1). وثانيا: تعدد الأحكام النفسية الشرعية لا يلازم تعدد الملاكات والمصالح، فإن للمولى إيجابات متعددة متعلقة بعناوين مختلفة وإن كان ذلك ناشئا من الملاك الواحد، فإن اهتمامه بشأن ذلك الملاك ربما يوقعه في تصديه لإنشاء الأحكام الكثيرة، فإن الصلاة واجبة مستقلة، وتركها من المحرمات الشرعية حسب الظواهر مع أن في تركها لا مصلحة، أو لا يعقل أن تكون مصلحة فيه، فلا تخلط. تنبيه: في توهم عدم وجوب الرد إن كان بجهالة ولا بسوء الاختيار ربما يتوهم: أن الغصب إذا كان لا بسوء الاختيار، وكان عن جهالة، لا يجب الرد على المتوسط في الأرض المغصوبة، فلا وجوب إلا في صورة الغصب بسوء الاختيار. وفيه: أن دليل وجوب الرد لا يقصر عن شموله بعد التوجه إلى أنه في الأرض المغصوبة، ويكون الغصب محرما شرعا، فإنه بالنسبة إلى حرمة الغصب في عذر الجهالة وأما بالنسبة إلى وجوب الرد لا يكون في عذر، ولا انصراف في دليله، فيكون هناك وجوب الرد قطعا، كما إذا غصب مال الغير، وأعطاه من آخر، ثم تبين له أن الغصب حرام، والرد واجب، فإنه يجب عليه الرد وإن كان معذورا في ارتكابه الغصب. فإنكار وجوب الردفي الضعف، كإثبات وجوب التخلص، ووجوب ترك الغصب،


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الشرط الرابع، الأمر الثاني عشر، المرحلة السابعة، المسألة الرابعة. (*)

[ 263 ]

ووجوب الخروج، وغير ذلك من العناوين الدائرة في كلمات القوم في المقام. إفادة: حول تصوير وجوب عنوان " الخروج " بناء على ما تقرر تبين: أن ما هو مورد النزاع وجوبا وإن كان هو عنوان " الخروج " ولكن لا يلزم من إنكار وجوبه إنكار أصل الوجوب الشرعي في البين، بل الواجب عنوان آخر، وهو " رد مال الغير إلى صاحبه، وإلى المغصوب منه ". ولأجل ذلك يظهر: أن جميع الأقوال في هذه الدعوى كانت باطلة، من غير فرق بين قول من يقول بالوجوب (1)، وبين قول من ينكر الوجوب (2)، لأن هناك وجوبا، ولكن ليس معروضه عنوان " الخروج " بل معروضه عنوان آخر، فليتدبر وليتأمل في الأقوال، فإنها تصير أكثر مما أشرنا إليها. إن قلت: لو سلمنا أن رد مال الغير واجب شرعا، ولكن حسب القواعد لابد من الالتزام بأن الخروج واجب، وذلك لأجل أن ما هو تحت الاختيار هو الخروج، وبه يحصل عنوان " الرد " لأنه يحصل بفراغه عنها وخروجه منها، وإذا كان السبب من الأسباب التوليدية، يكون معروض الحكم النفسي عنوان السبب، دون المسبب (3). قلت: قد فرغنا في محله من فساد هذا التوهم، وذكرنا هناك أن مع كون المسبب مورد الاقتدار لأجل الاقتدار على السبب، لا وجه لصرف الأدلة عن ظاهرها، ولا يستحق العبد إلا العقوبة على المسبب، لأنه هو ذو الملاك، دون السبب، ويعاقب على ترك المأمور به، لأجل إخلاله بالمصلحة القائمة به (4).


1 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 21 - 22، مطارح الأنظار: 153 / السطر 33 - 34. 2 - كفاية الاصول: 204، مناهج الوصول 2: 143. 3 - أجود التقريرات 1: 379 - 381. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 16. (*)

[ 264 ]

وبالجملة: ولو كان الرد أمرا دفعيا وجوده، ولكنه واجب، والاقتدار على الخروج يكفي لذلك، فلا تغفل. إن قيل: الخروج واجب بالوجوب المقدمي، وهذا مما يمكن تصديقه، لأن معروض الوجوب النفسي هو عنوان " الرد ". نعم، إذا كان معروض الوجوب النفسي عنوان " ترك التصرف " أو عنوان " التخلص " فيشكل، لأن بين عنوان " الخروج " و " ترك التصرف " نوع تضاد وتناقض، ولا يمكن أن يكون أحد الضدين والنقيضين مقدمة للضد أو النقيض الآخر، فتدبر (1). قلنا: لا يكفي ذلك لكونه واجبا، لما مر في محله من إنكارنا الوجوب الغيري على القواعد (2)، ومرت دعوانا بإمكانه إذا اقتضاه الدليل الشرعي الخاص، كما في مثل الوضوء (3). لا يقال: لا يعقل عروض الوجوب على الخروج إذا كان بسوء الاختيار، وذلك لأن ما يستحق العبد عليه العقاب يأبى عن قبول الإيجاب، وهذا في الجملة مما ليس فيه الارتياب. لأنا نقول: هذا ما يظهر من " الكفاية " (4) وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن إيجاب الشرع كما يمكن أن يكون لأجل مصلحة محبوبة مطلوبة مشتاق إليها، كذلك يمكن لأجل كونه أقل المحذورين وأخف المبغوضين، ولا دليل على لزوم كون متعلق الإيجاب مشتاقا إليه بالذات، بل الأحكام حسب مذهب العدلية لابد


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 4: 390 - 393. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 275. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 275 و 280. 4 - كفاية الاصول: 204 - 205. (*)

[ 265 ]

وأن لا تكون على نعت الجزاف، وهذا الواجب مما لا يترتب عليه الثواب، بل يترتب عليه أخف العقاب. ومن هنا يظهر ما في كلام سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) حيث قال: " كيف يمكن الالتزام بكون الداخل في ملك الغير للتسلي مثلا، والخارج منه بعد قضاء الحاجة من دون ندامة على فعله، ممتثلا لأمر المولى مطيعا له حين الخروج، بحيث تكون حركاته الخروجية الواقعة عن تسل أيضا محبوبة للمولى وامتثالا لأمره، مع كونها تصرفا في ملك الغير بغير إذنه ؟ ! " (1) انتهى. وبالجملة: هذا من غير فرق بين كون دخوله بسوء الاختيار، أو لا بسوئه. نعم، إذا لم يكن بسوء الاختيار فيستحق الثواب لامتثال الأمر، فتدبر تعرف. فتبين لحد الآن: أن الأصحاب في هذه المرحلة من البحث بين من ينكر الوجوب إثباتا، كالسيدين: البروجردي، والوالد - عفي عنهما - (2)، ومن ينكر إمكان الوجوب ثبوتا، كالعلامة الخراساني (رحمه الله) والبروجردي أيضا (رحمه الله) (3) ومن يدعي وجوب الخروج لزوما عقليا (4). وعرفت فساد الكل، وتبين أن هناك وجوبا نفسيا متعلقا بعنوان " رد مال الغير " لا غير، فعلى هذا لا تلزم غائلة على القول بحرمة عنوان " الخروج " (5) أو عنوان آخر، ولا يلزم إشكال عقلي حتى يحتاج إلى الدفع. نعم، ربما يلزم اجتماع الأمر والنهي على الوجه المحرر في مسألة الاجتماع، من دون كون العنوان الواحد مصب الأمر والنهي، حتى يقع البحث في كيفية الفرار


1 - نهاية الاصول: 272. 2 - نهاية الاصول: 274 - 275، مناهج الوصول 2: 143. 3 - كفاية الاصول: 204 و 206، نهاية الاصول: 272 و 275. 4 - نهاية الأفكار 2: 450. 5 - مناهج الوصول 2: 144. (*)

[ 266 ]

منه، فلا تخلط، ولا تغفل. الدعوى الثانية: هي حرمة التصرف في مال الغير، وحرمة الغصب حتى حين الخروج حرمة فعلية منجزة إذا كان الدخول بسوء الاختيار، وغير منجزة إذا كان لا بسوء الاختيار. وما مر من الشبهة العقلية في تحريم عنوان " التصرف والغصب ": بأن هذا من التكليف بما لا يطاق، ضرورة أن المكلف حين الخروج، لا يتمكن من ترك الغصب والتصرف في مال الغير، ومجرد كونه بسوء الاختيار لا يصحح إمكان ترشح الإرادة التشريعية الزاجرة، ضرورة أن الزجر لا يعقل إلا في مورد اقتدار العبد على الانزجار، والمفروض عجزه عن ذلك وإن كان بتعجيز نفسه (1)، وهذا من غير فرق بين القول: بأن القدرة شرط عقلي لصحة التكليف (2)، أو هي لازم ماهية التكليف عقلا وعرفا (3). قابلة للدفع بما تحصل في مباحث الترتب والضد (4): بأن أمثال هذه الشبهات ناشئة عن القول بانحلال الخطابات القانونية الكلية إلى الخطابات الشخصية الجزئية، أو إلى الخطابات الكلية حسب العناوين الخاصة، وهي عنوان " القادر والذاكر والعالم " وغير ذلك. ولأجل عدم رعاية هذه المسألة وقع القوم في مشكلات كثيرة، ومنها هذه المسألة، فإن كان النهي عن الغصب عاما كليا، والنهي عن التصرف في مال الغير


1 - تقدم في الصفحة 258. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 188. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 143 و 144 و 314. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 449 - 455. (*)

[ 267 ]

شاملا ومتوجها إلى عنوان " الناس " وعنوان " المؤمن " يكون الحكم بالنسبة إلى مصاديق هذه العناوين فعليا. ويكفي لترشح هذه الإرادة القانونية، كون المجتمع مشتملا على من يمتثل القانون، وينتهي بنواهيه، ويأتمر بأوامره، فإذا ترشحت تلك الإرادة فيكون الكل مورد التكليف الإلهي، فإن كان حسب الشرائط العقلية عالما قادرا يتنجز التكليف، ولايكون معذورا في تركه، وإلا فيعد معذورا. فالمتوسط في الأرض المغصوبة، والذي اضطر إلى أكل مال الغير والميتة وشرب الخمر - بأي نحو كان اضطراره من أنحاء الأسباب المورثة للاضطرار مما هو المسطور في أساطير القوم - يكون هو مورد التكليف، وعليه الاعتذار، فإن كان عذره عقلائيا فلايعاقب، وإلا فيعاقب، ولا شبهة في أنه إذا كان بسوء الاختيار يعاقب ولا يقبل اعتذاره واضطراره، وإلا فيعذر قطعا. فما اشتهر بين أبناء التحصيل من إنكار الحرمة الفعلية بعد الاضطرار مطلقا، كما هو خيرة الأكثر (1)، أو إنكار الحرمة في صورة الاضطرار لا بسوء الاختيار، كما هو مختار الفاضل القمي (قدس سره) ناسبا ذلك إلى الشهرة المتأخرة (2)، غير تام. اللهم إلا أن يستندوا في ذلك إلى الأدلة الثانوية الشرعية، ولكنه خلاف ما نسب إليهم من التمسك بالعقل، وبأن التكليف مشروط بالقدرة. تنبيه: حول نفي التحريم مع إثبات استحقاق العقاب ربما يقال: إن التكليف التحريمي غير معقول، للعجز ولو كان بالتعجيز، ولكن


1 - الفصول الغروية: 138 / السطر 25، مطارح الأنظار: 154 / السطر 1، كفاية الاصول: 203، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 447 - 448. 2 - قوانين الاصول 1: 153 / السطر 22 و 24 - 25. (*)

[ 268 ]

تصح العقوبة على التصرفات الخروجية والبقائية إذا كان بسوء الاختيار، وذلك هو حكم العقلاء في هذه المرحلة. أقول: هذا ما هو مختار العلامة الخراساني (رحمه الله) (1) وجماعة من الأفاضل (2). ويتوجه إليه أولا: أن مطلق الخروج لا يلازم صحة العقوبة، كما إذا كان لأجل التخلص من الغصب بعد الندامة عن ارتكاب المحرم. وثانيا: أن صحة العقوبة منوط بالتكليف، وإذا عجز المولى عن إرادة التحريم فلا حجة له على العبد، بل الأمر بالعكس، فيحتج العبد على تصحيح ارتكابه بأنه لا يريد منه ذلك، فإطلاق أدلة التحريم إذا كان قاصرا عنه في هذه الصورة، فلا كاشف عن المبغوضية للمولى، كما مر تفصيله في الأوامر إذا سقط الأمر لأجل المزاحمة (3). نعم، لأحد دعوى العلم الوجداني بمبغوضية المادة، ولكنه ليس إلا من باب العلم الايقوني فتأمل. ومن هنا يظهر: أن ما صدقه الاستاذ البروجردي، من استحسان العقاب إذا كان الخروج كالدخول غير مقترن بالندامة (4)، في غير محله، ضرورة أن سقوط التكليف يلازم الشك في جواز العقاب، فيقطع بعدمه. ومن العجب تصديق الوالد - مد ظله - هؤلاء الجماعة (5) ! ! نعم، يمكن دعوى: أن صحة العقوبة كانت منجزة بالتحريم السابق، ويشك في صحتها، فيبقى على حال تنجزه بحكم العقلاء، كما في بعض موارد العلم الإجمالي فتدبر.


1 - كفاية الاصول: 204. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 161، نهاية الاصول: 275، محاضرات في اصول الفقه 4: 397. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 339. 4 - نهاية الاصول: 275. 5 - مناهج الوصول 2: 144 - 145 و 147. (*)

[ 269 ]

تذنيب: حول إثبات استحقاق العقاب باعتبار النهي الساقط يظهر من صاحب " الفصول " (رحمه الله) أن العقوبة جائزة باعتبار النهي السابق الساقط (1). ولعل نظره إلى أن السقوط تارة: يستند إلى قصور المقتضي، واخرى: إلى سوء اختيار العبد، فإن كان من الأول فلا وجه للاستحقاق، وأما على الثاني فيستحق العقوبة. أقول: هذا في حد نفسه صحيح، كما فصلناه في مباحث الضد (2)، إلا أن إثبات أن النهي في هذه المسألة ساقط لأجل سوء اختيار العبد، فهو غير معلوم، لاحتمال قصور المقتضي مقارنا لسوء اختيار العبد، فلاتتم حجة المولى بالنسبة إلى العبد بعد سقوط النهي السابق. ومن العجيب أن السيد المحقق الوالد - مد ظله - قال: " ولو ساعدنا القوم على سقوط الأمر، فلا يمكن مساعدتهم على عدم إجراء حكم المعصية، بشهادة الوجدان والعقل " (3) انتهى. وأنت عرفت وجه المناقشة لعدم المساعدة. إشارة: حول نفي حرمة التصرف الخروجي مطلقا نسب في تقريرات جدي العلامة إلى الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره): " أن التصرف في أرض الغير بالدخول والبقاء، حرام بلا إشكال، وأما التصرف الخروجي


1 - الفصول الغروية: 138 / السطر 25. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 501 - 502. 3 - مناهج الوصول 2: 145. (*)

[ 270 ]

فليس بحرام، لا قبل الدخول، ولا بعده: أما قبله، فلعدم التمكن منه، بل هو منتف بانتفاء الموضوع. وأما بعده، فلكونه مصداقا للتخلص، أو سببا له، فيكون مأمورا به، ولا حرمة في البين، لكونه مضطرا إليه، فحال الخروج فيما نحن فيه حال شرب الخمر المتوقف عليه النجاة من الهلكة " (1) انتهى. ووجه إليه " الكفاية " أولا: بالنقض بالبقاء. وثانيا: بالحل بأن المقدور بالواسطة مقدور، فترك البقاء والخروج كلاهما مقدوران، من جهة القدرة على ترك الدخول، وهذان العنوانان وإن كانا منتفيين قبل الدخول بانتفاء ما هو كالموضوع لهما، ولكن لا يضر هذا بصحة التكليف المشروط عقلا بالتسلط على المأمور به والمنهي عنه فعلا وتركا وإن كان بالواسطة (2)، انتهى مرامه. أقول: غير خفي أولا: أن محرمية البقاء غير معقولة أيضا، لأن العبد عاجز عن ترك التصرف البقائي، كما يكون عاجزا عن ترك التصرف الخروجي. نعم، يرد على الشيخ (رحمه الله): أنه ظن إمكان التحريم بالنسبة إلى التصرف البقائي، وجعله مثالا لذلك كالدخول، فليس هذا شيئا في المسألة. وثانيا: أن التكليف مع القدرة المتوسطة، صحيح إذا كان العبد مقتدرا على المسبب التوليدي بالقدرة على السبب، وأما فيما نحن فيه فلا معنى لذلك، ضرورة أن العبد قبل الدخول في الأرض، لا يكون مكلفا بالتكليف الفعلي المنجز، لعدم الموضوع له. بل لو كان مكلفا فتكليفه من المعلق أو المشروط، وفي ظرف الامتثال - وهو


1 - مطارح الأنظار: 155 / السطر 33 - 36، و 156 / السطر 11 - 18. 2 - كفاية الاصول: 205 - 206. (*)

[ 271 ]

كونه في حال التوسط - لا يقدر على الامتثال، بل يكون ظرف الامتثال ظرف سقوط التكليف المعلق، أو ظرف عدم فعلية المشروط بانتفاء شرطه الآخر، وهو القدرة، وإذا كان العبد حاله في ظرف الامتثال كذلك، فلا يعقل جعل التكليف وتوجيه التكليف بالنسبة إليه مطلقا، لا التكليف المشروط، ولا المعلق، ولا المنجز، ويكون من اللغو كما لا يخفى. وإن شئت قلت: التكليف التحريمي منجز، لمقدورية الخروج مع الواسطة، إلا أنه لا يعقل ترشح الإرادة من المولى الملتفت، لعدم الأثر لمثل هذا التحريم المنجز، إلا إذا كان أثره منعه عن الدخول حتى لا يبتلى به، فليتأمل. وبعبارة اخرى: التحريم بالنسبة إلى الأقدام الخروجية قبل الدخول، ليس من التحريم المعلق، بل هو منجز، لأنه تارك بالفعل للمحرم بترك موضوعه، وينزجر عن مثله بعدم الدخول وباستمرار هذا العدم، وسقوط التكليف بالعصيان الاستمراري، لايمنع من اتصاف الفعل بالحرمة، فتدبر. وبالجملة: مع قطع النظر عما يتوجه إليه (قدس سره) من اعتقاده أن الخطابات الكلية الشرعية تنحل إلى الخطابات الجزئية (1)، لا يتوجه إليه ما أورده صاحب " الكفاية " (2) وغيره عليه (3)، والأمر - بعد ذلك كله - سهل. توضيح وإفادة ربما يقال: " إن الحرمة فيما نحن فيه منتفية خطابا وملاكا وعقابا، وذلك لأن المسألة إن كانت من صغريات قاعدة " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا لا


1 - فرائد الاصول 1: 323 / السطر 16 - 17. 2 - كفاية الاصول: 206 - 207. 3 - نهاية الدراية 2: 341 - 343، نهاية الاصول: 276 - 277. (*)

[ 272 ]

خطابا " ضرورة أنه مع الامتناع لا يعقل الخطاب ولو كان الامتناع بسوء الاختيار، فلابد من إجراء حكم العقاب عليه. وإن لم تكن المسألة من صغريات تلك القاعدة، فلابد من المراجعة إلى الحكم الأولي، وهو التنافي عقابا وخطابا، وأن العاجز إذا لم يكن يتوجه إليه التكليف فلا يجري عليه حكم المعصية أيضا، لأن بانتفاء التكليف ينتفي العقاب، فالكلام حول اندراجها في القاعدة. والتحقيق عدمه، وذلك لأن مصب القاعدة هو ما إذا كان مورد التكليف الذي لا يكون مشروطا وجوبا بالمقدمات، كما في مثل الحج مما امتنع على العبد بالاختيار، فإنه إذا امتنع عليه امتناعا بالغير وبالاختيار وبسوء الفعال بترك تلك المقدمات، لا ينافي جواز العقاب المنوط بالاختيار، لأنه من تفويت الواجب بالاختيار عقلا، وما نحن فيه يكون حرمة الخروج منوطة ومشروطة بالدخول ". أقول: هذا ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (1) ظنا أنه مقالة الشيخ (رحمه الله) مع أن ما يستظهر منه (رحمه الله) ليس نفي العقاب، بل هو ينفي الحرمة ويقول: بأن الخروج مأمور به (2)، وهذا لا ينافي التزامه بإجراء حكم المعصية عليه. ثم إنه لو سلمنا ما اعتقده من القاعدة، فلا يصح ما أفاده في صغراها، ضرورة أن المحرم هو التصرف في مال الغير، سواء كان ملونا بلون الدخول، أو البقاء، أو الخروج، فلا يكون حرمة متعلقة بالخروج حتى تكون مشروطة بالدخول. نعم، لا معنى لتحريم التصرف الخروجي على الوجه المحرر فيما سلف، من أنه قبل الدخول لا يكون التحريم منجزا، وبعد الدخول لا يكون التحريم فعليا،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 447 - 452. 2 - مطارح الأنظار: 153 / السطر 33 - 37. (*)

[ 273 ]

لعروض العجز. ومن هنا يظهر ما في بعض ما أفاده في هذه المسألة من المناقشة في كون الخروج ممتنعا، لإمكان تركه، وقال: " والذي امتنع عليه هو مقدار من الكون في المغصوب الذي يحصل بالخروج تارة، وبتركه اخرى، ولكن ذلك لا يقتضي امتناع الخروج، لأن الاضطرار إلى الجامع لا يلازم الاضطرار إلى ما يحصل به " (1) انتهى. بداهة أن المحرم بعد الدخول أيضا هو التصرف، وهو بالنسبة إليه مضطر، سواء كان بالبقاء، أو بالخروج، فما هو مورد التكليف هو مورد الاضطرار لا الجامع، وسيمر عليك توضيحه في بيان الدعوى الثالثة إن شاء الله تعالى. أقول: قد مر منا فيما سلف إيصاء أهل الفضل وعلماء الفنون بأن لا يدخلوا البيوت إلا من بابها، ولايترخص الدخول في كل فن إلا لمن كان أهلا له، ومجرد أن قرع سمع الإنسان " أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " لا يجوز التمسك به حتى يلزم ما لزم في كلمات المستدلين بها في الاصول، وتفصيله على الوجه الصحيح قد سبق في مباحث الطلب والإرادة (2)، ولا حاجة إلى إعادته. ولنعم ما قاله المحقق الوالد - مد ظله -: من استظهار خلطهم بين هذه القاعدة وقاعدة عقلائية وهي: " أن الاضطرار إلى المحرم أو ترك الواجب إذا كان بسوء الاختيار، لا ينافي صحة العقوبة عرفا، وإن كان ينافي التحريم الفعلي الشرعي مثلا " (3) فلاحظ وتدبر جيدا.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 449. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 52. 3 - مناهج الوصول 2: 146 - 147. (*)

[ 274 ]

ذنابة: في حرمة الغصب حدوثا لا بقاء المتوسط في المغصوبة يحرم عليه عنوان " التصرف في مال الغير " ولو كان غاصبا بلا إشكال، وأما حرمة الغصب فهي بعدما تحقق الغصب محل المناقشة، ضرورة أن الغصب ليس إلا الاستيلاء عدوانا، وهو حاصل، ولا يعتبر تعدد الغصب ببقاء المغصوب تحت اليد، بل الغصب آني التحقق حسبما يتوهم، بخلاف التصرف، فإن كل آن يعد من التصرف الممنوع شرعا. نعم، إذا كان المحرم عنوان " كون الإنسان غاصبا " فهو يحرم حدوثا وبقاء، فتأمل. وبالجملة: الغصب حرام، والرد واجب، ف‍ " ان المغصوب كله مردود " (1) فتدبر تفهم. تتميم: حول عدم اجتماع الوجوب والحرمة بالنسبة للمتوسط بناء على ما سلف إلى هنا، لا يلزم كون العنوان الواحد مورد التحريم والإيجاب، لأن الواجب هو عنوان " رد مال الغير " والمحرم عنوان " التصرف " حتى على القول بوجوب المقدمة، لأن الواجب على القول به هو عنوان " ما يتوقف عليه الواجب " لا العناوين الذاتية، كما برهنا عليه في محله (2). ولا يلزم كون الشئ الواحد مورد التحريم والإيجاب بالعنوانين، لأن عنوان " رد مال الغير " وعنوان " التصرف المحرم " لا ينطبقان على الواحد، ضرورة أن الرد يتحقق بالكون خارج الأرض، وبعد الفراغ عن التصرف.


1 - تهذيب الأحكام 4: 130 / 2. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 27 و 184. (*)

[ 275 ]

نعم، إن قلنا: إن رد كل قطعة من الأرض بالفراغ منها، يلزم كون الحركة الخارجية مورد التحريم والإيجاب بالعنوانين. اللهم إلا أن يقال: إن التحريم يتعدد بتعدد الأقدام، وهكذا الرد، فيكون التصرف قبل الفراغ حراما، وبعد الفراغ عن القدم الأول يكون رد مال المغصوب إلى صاحبه، فلا يلزم ذلك أيضا. مع أن الوجدان حاكم بأن الرد هنا واحد، وهو بالفراغ، والتصرف الخروجي مقدمة له وسبب لذلك، فليتدبر. الدعوى الثالثة: أن الحرمة المزبورة الثابتة حسب الأدلة الأولية، مرفوعة بحديث الرفع وما شابهه، لأنها مورد الاضطرار، وقد " أحل الله كل شئ اضطر إليه ابن آدم " (1) و " رفع... ما اضطروا إليه " (2). والمناقشة فيه أولا: بأن حديث الرفع لا يقتضي ارتفاع التحريم الأولي إلا بلحاظ الآثار. مدفوعة: بأنه مضافا إلى أنه خلاف الظاهر بالقياس إلى " رفع... ما لا يعلمون " فتأمل، وإلى أنه خلاف قوله: " كل شئ يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله له " (3) أن الرفع برفع الآثار ينافي اعتبار التحريم، ويكون هو من اللغو، ولا أثر له، فليتأمل.


1 - انظر وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر والنهي، أبواب الأمر والنهي، الباب 25، الحديث 1. 2 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 3 - المحاسن 1: 259 / 308، بحار الأنوار 59: 82. (*)

[ 276 ]

وثانيا: بأن المتوسط في الأرض المغصوبة مضطر إلى الجامع، وما هو المرفوع هو حكم الخروج أو البقاء. مدفوعة: بأن المحرم هنا هو الجامع وهو التصرف، والمتوسط يحرم عليه البقاء والخروج، لأجل أن كل واحد منهما تصرف، فيكون في الواقع التصرف حرام، وهو مورد الاضطرار. وثالثا: بأن الاضطرار إذا كان بالغا إلى حد العجز لا يكون معنى للرفع، لأن الحكم مرتفع بالعجز، واستناده إليه أولى من استناده إلى الحديث، كما هو الواضح. مدفوعة بما تحرر: من أن القدرة ليست من شرائط التكليف عقلا، ولا من مقتضيات التكليف عرفا (1)، والأولوية المزبورة ممنوعة، لأن الرفع بلحاظ الإنشاء العام، فحديث الرفع وحكم العقل على السواء، فلا تخلط. ورابعا: بأن الاضطرار إذا كان بسوء الاختيار، خارج عن منصرف هذه الأدلة الثانوية. ممنوع: بأنه انصراف بلا وجه، لاحتمال وجود الملاك الأقوى الغالب وإن كان فيه تفويت أيضا، كما لا يخفى. نعم، ربما يمكن استظهار اختصاص هذه الأدلة بصورة الاضطرار لا بسوء الاختيار، لما ورد من التقييد في الكتاب الإلهي في سورة المائدة: * (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم) * (2) وفي سورة البقرة: * (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) * (3) بناء على شمول الآية لما نحن فيه، وتمام الكلام في مباحث البراءة (4) والفقه إن شاء الله تعالى.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 455 - 457، وفي هذا الجزء: 60 - 61. 2 - المائدة (5): 3. 3 - البقرة (2): 173. 4 - يأتي في الجزء السابع: 98. (*)

[ 277 ]

الجهة الثانية: في بيان الحكم الوضعي وصحة الصلاة حال الخروج أي في مسألة الصلاة حال التصرف الاضطراري، ومنها يتبين حال سائر الشرعيات العبادية من الوضوء وغيره. اعلم: أن الوجوه والاحتمالات بل والأقوال في هذه المسألة أيضا كثيرة، وحيث إن جلا من البحث قد مضى تفصيله عند ذكر ثمرة بحث الاجتماع والامتناع (1)، فلا يهمنا الغور في المسألة. نعم، نشير إلى طائفة من الكلام حولها، وهي تتبين من ذكر ما هو الحق فيها: فنقول: إن التحقيق صحة الصلاة حال التصرف الاضطراري، سواء قلنا بحرمة التصرف الاضطراري، أو قلنا بمبغوضيته واجراء حكم المعصية عليه، أو لم نقل بكل واحد من الوجهين، وسواء كان الاضطرار بسوء الاختيار، أم لم يكن كذلك، وسواء كان الوقت موسعا أو مضيقا، وسواء كان الضيق إلى حد يمنع عن صلاة المختار بعد رفع الاضطرار، أو لا يكون إلى ذلك الحد، ولا يتمكن إلا من الصلاة مومئا للركوع والسجود... وغير ذلك من الصور والحالات. وفي مقابله القول بالبطلان في جميع الحالات، والقول بالتفصيل، وهو كثير، لاختلاف صور المسألة التي يمكن أن يختار شخص إحداها، كما هو الواضح الظاهر. ثم إن قبل الخوض في جوهر المسألة، لابد من الإيماء إلى محط البحث في هذه المرحلة من المسألة: وهو أن المفروض من البحث، صورة كون الصلاة حال التصرف الاضطراري، فلو خرج عن ذلك حتى يكون من التصرف غير الاضطراري


1 - تقدم في الصفحة 191 - 193. (*)

[ 278 ]

فهو بحث لا يهمنا، لما مر الكلام حول صحة الصلاة في المغصوب مع المندوحة (1)، فلو كانت الصلاة موجبة، لتأخره في الخروج عن المغصوبة، فهو خارج عن الجهة التي هي مورد كلامنا هنا. وأيضا غير خفي: أن التصرفات الركوعية والسجودية، توجب طبعا التأخير عن الفراغ عن المغصوب، فلابد وأن تكون بنحو الإيماء، ويكون من كان تكليفه جواز الإيماء مورد البحث هنا، وإلا فمع كون المأمور به هي صلاة المختار، وكان الوقت واسعا للإتيان بها بعد الفراغ عن المغصوب، فهو أيضا خارج عن الجهة المبحوث عنها هنا، فلاينبغي الخلط فيما هو محل الكلام في المقام، وما كان مورد البحث عند ذكر ثمرة مسألة الاجتماع والامتناع (2). ومن الممكن دعوى إمكان تصور الإتيان بصلاة المختار، من غير لزوم الزيادة على التصرف الاضطراري، وهو فيما إذا كانت السفينة في المياه المغصوبة، فإن الصلاة الاختيارية على السفينة لا تزيد على التصرف الاضطراري بشئ كما هو الواضح، لأنه في حال الركوع والسجود مشغول بالفراغ، ولايمكث في المغصوب بالاختيار. هذا إذا كانت السفينة غير مغصوبة. وأما إذا كانت مغصوبة، فهل الهيئات الركوعية والسجودية والقعودية تعد من التصرف الزائد على الهيئة القيامية، وهكذا الهيئة القيامية تزيد على القعودية، أم لا ؟ وجهان أو وجوه. ثالثها: التفصيل بين العرف والعقل، كما عن بعض الأعلام (3).


1 - تقدم في الصفحة 192. 2 - تقدم في الصفحة 185 - 199. 3 - أجود التقريرات 1: 372 - 373، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 446. (*)

[ 279 ]

وعن " الجواهر ": أنه لا يزيد عرفا ولاعقلا (1)، وتمام الكلام في محل آخر. والأظهر: أن المسألة حسب نظر العقل ليست كما أفتى بها صاحب " الجواهر " وبعض أتباعه (2)، لاختلاف الأجسام سعة وضيقا حسب الحجم واشتغال الخلاء. نعم، للعرف دعوى: أن التصرفات الفضائية ليست من التصرف، أو تكون مورد انصراف أدلة التحريم، وما هو المحرم من التصرف هو التصرف الحاصل من المماسة، فيكون حال القيام التصرف أقل من حال الجلوس، وهو من حال النوم. وهذا لا يهمنا في المقام، بل النظر هنا إلى أن من الممكن أن يكون المكلف، قادرا على الصلاة الاختيارية حال التصرف الاضطراري، من غير زيادة على التصرف الاضطراري، وهذا كما يتصور في المثال الأول يتصور في المثال الثاني، على خلاف فيه بين الأعلام في مسألة المحبوس في الأرض المغصوبة (3). تنبيه: في لزوم اتخاذ أقصر الطرق في المغصوب وأسرع الحركة لنا أن نقول: إن من اضطر إلى التصرف المحرم، لابد وأن يلاحظ حسب العقل أقصر الطرق بأسرع حركة، حتى يفرغ من المغصوب في أول الأزمنة الممكنة، ضرورة أن ما زاد على هذا المقدار من الزمان ليس من التصرف الاضطراري. مثلا: إذا كان يتمكن من الفراغ عن المغصوب في ساعة، لابد من أن يخرج منها في تلك الساعة، فلو بقي فيها بالمكث كان، أو بالبط ء، أو بانحراف المسير،


1 - جواهر الكلام 8: 300. 2 - نجاة العباد: 96، كتاب الطهارة، المقدمة الرابعة. 3 - جواهر الكلام 8: 300، أجود التقريرات 1: 372 - 373، محاضرات في اصول الفقه 4: 353 - 355. (*)

[ 280 ]

فهو ليس من التصرف الاضطراري حسب العقل والمحاسبة العلمية، فيكون الزائد غير مرفوع بحديث نفي الاضطرار وتحليل ما اضطر إليه ابن آدم، فلو صلى في هذه الحالة صلاة فهي محل الكلام في المقام. وهذه الصلاة الممكنة في هذه الحالة، يمكن أن تكون من المندوبات، فتكون اختيارية مندوبة، ويمكن أن تكون من الواجبات بالنذر، كما إذا نذر الصلاة بأي نحو شاء أن يأتي بها، وكانت مشروعة، ويمكن أن تكون من الواجبات الاختيارية، كما في المثالين المزبورين. وهنا مثال ثالث: وهو أن من كان في الحساب المذكور مضطرا إلى التصرف في ساعة، إذا صرف تلك الساعة في التصرف الصلاتي التام وفي صلاة المختار، يكون الكون الصلاتي من الكون الاضطراري، ويكون التصرف الزائد على الساعة من التصرف غير الاضطراري، أو الاضطراري بسوء الاختيار، فلا يكون معذورا بالنسبة إلى ما زاد على الساعة المصروفة في الإتيان بصلاة المختار، فليتأمل جيدا. صحة العبادة حال الاضطرار ولو كان بسوء الاختيار إذا عرفت مصب الكلام، ومحل النقض والإبرام، ومحط النفي والإثبات من الأعلام، فليعلم: أن العبادة سواء كانت من قبيل الصلاة، أو كانت كالوضوء حال الخروج في السفينة والقطار المار على الأرض المغصوبة، كما هو الكثير الابتلاء في هذه الأدوار، صحيحة مقبولة عندنا إن شاء الله تعالى، وذلك لأن في جميع صور المسألة إما لا يكون نهي ولا مبغوض، أو يكون النهي، أو لا يكون النهي، ولكن يوجد بغض المولى بالنسبة الى التصرف، وعلى كل حال لا يكون متعلق النهي والبغض عنوان " الصلاة والعبادة " لجواز اجتماع الأمر والنهي. فلايتوهم وجه لتخيل بطلانها إلا على القول بالامتناع مع وجود النهي، أو

[ 281 ]

القول بامتناع اجتماع المأمور به مع المبغوض ولو كان غير المنهي عنه بالنهي الفعلي، أو القول بامتناع التقرب بما فيه المفسدة وإن لم يكن مورد البغض، والكل باطل عاطل، وقد فرغنا عن فساده، ولاسيما الأخير (1) كما لا يخفى. وهذا الذي ذكرناه يتم من غير فرق بين كون المكلف، متمكنا من الإتيان بالصلاة التامة بعد الفراغ من التصرف في الأرض المغصوبة، أو كان غير متمكن إلا من صلاة الإيماء والإشارة، فإن وجود المندوحة لا يضر بصحة الصلاة المقرونة بالنهي والمفسدة، حسب جواز اجتماع الأمر والنهي، وجواز اجتماع الحب والبغض، والمقرب والمبعد. فبالجملة تحصل: أن هذا التصرف الاضطراري إما محرم فعلا بالخطابات الأولية، كما هو المختار، ويكون غير مرفوع بحديث الرفع، فيلزم اجتماع الأمر والنهي، أو يكون مرفوعا، أو لا يكون محرما ولا مبغوضا، فلا وجه لبطلان الصلاة إلا توهم اشتمالها على المفسدة (2)، ولو كان الأمر كما توهم يلزم بطلان الصلاة في كثير من المواضع. أو يكون مبغوضا ومعصية حكما أو واقعا، فيلزم اجتماع المبغوض والمحبوب المأمور به على العنوانين، أو يكون التصرف محرما للمتوسط بسوء الاختيار، فالأمر كما تحرر، وغير محرم من المتوسط لا بسوء الاختيار، فالأمر كذلك. وتصير النتيجة على هذا كله واحدة: وهي صحة العبادة المأتي بها في تلك الحال. ومن هنا يظهر مواضع الاشتباه، ويظهر أن تكثير الصور ليس من الأمر اللازم في البحث، والله هو الموفق المؤيد.


1 - تقدم في الصفحة 186 - 188. 2 - نهاية الاصول: 270. (*)

[ 282 ]

تنبيه: عدم صحة العبادة مع المندوحة أو العجز العقلي إذا كان الوقت واسعا للفراغ من التصرف والإتيان بالواجب الاختياري، فإن قلنا: بأن التصرف إما ليس بحرام، أو تكون حرمته مرفوعة ولو كان بسوء الاختيار، ولايكون مبغوضا، فلا منع من صحة العبادة حال التصرف الاضطراري. نعم، بناء على القول بحرمته حسب الأدلة الأولية، وعدم ارتفاعها بالأدلة الثانوية، لانصرافها عن التصرف بسوء الاختيار، أو عن الاضطرار العقلي، وهكذا على القول بجريان حكم المعصية عليه، تشكل الصحة، لأن مع وجود المندوحة يكون الإجزاء مشكلا، لما تقرر منا في تنبيهات التعبدي والتوصلي: من أن الاجتزاء بالمصداق المحرم غير جائز (1)، خلافا لما يظهر من السيد الوالد المحقق - مد ظله - (2). ثم إن صحة الصلاة مشكلة في صورة كون الاضطرار لا بسوء الاختيار، وكان التحريم فعليا وغير مرفوع بالأدلة الثانوية، لانصرافها عن العجز العقلي، وذلك لأن مجرد كونه معذورا في التصرف الاضطراري، لا يكفي للحكم بجواز الاكتفاء بالمصداق المحرم، لأنه لا يخرج بالمعذورية عن الحرمة الفعلية، فتأمل. وتوهم: أن المبغوضية وإجراء حكم المعصية، لا يورث كون المصداق مصداق المحرم حتى لا يجزئ، في غير محله، لعدم الخصوصية لوصف الحرمة، بل الحاكم هو العرف، فلو كان العبد قادرا على تسليم المصداق المباح غير المقرون بالمبغوض يتعين عليه، لانصراف الأدلة الآمرة إلى المصاديق المباحة. نعم، في صورة العجز عن تسليم المصداق المباح، يقع التزاحم بين الحرام


1 - تقدم في الجزء الثاني: 184 - 185. 2 - لاحظ مناهج الوصول 2: 135. (*)

[ 283 ]

والواجب، أو بين المبغوض والواجب، ولابد حينئذ من علاج المسألة بما يعالج به المتزاحمات. مثلا: فيما نحن فيه إذا كان يشتغل بالخروج والتخلص، لا يتمكن من الصلاة ولو بركعة إيمائية، فإنه لا يبعد تعين التصرف، لأن الصلاة أهم من ترك التصرف بالمقدار الزائد، فضلا عما إذا لم يكن يستلزم زيادة التصرف، وأما في غير هذه الصورة فلا وضوح له. والبحث حول هذه الجهة خارج عما هو المقصود بالبحث، وهي صحة الصلاة ولا صحتها حال التصرف الاضطراري، ولا ينبغي الخلط وإطالة الكلام فيما لا يعني، والله العالم بحقائق الامور.

[ 285 ]

المبحث الثالث دلالة النهي على الفساد

[ 287 ]

وقبل الخوض في المسألة لابد من الإشارة إلى امور: الأمر الأول: حول عنوان المسألة قد اشتهر في عنوان البحث " أن النهي عن الشئ هل يقتضي الفساد، أم لا ؟ " (1). وفي تعبير آخر: " أن النهي عن الشئ هل يدل على فساده، أم لا ؟ " (2). وفي ثالث: " أن النهي إذا تعلق بالعبادة أم المعاملة، هل يقتضي الفساد، أم لا ؟ " (3). وفي الكل جهات من النظر: الاولى: أنه يتوجه إلى العنوانين الأولين بأن جعل " الشئ " في محط الكلام بلا وجه، لأن النزاع ليس يعقل بهذا النطاق الواسع، ضرورة أن النواهي التحريمية المتعلقة بالأكل والشرب بالنسبة إلى امور معلومة في الشرع، ليست مورد الكلام في المقام، فأخذ العنوان المبهم الأعم في محط النزاع غير جائز. وإلى العنوان الثالث: بأن محط البحث أعم من العبادة والمعاملة ولو اريد منها المعاملات بالمعنى الأعم، لأن البحث في المقام راجع إلى أن النهي إذا تعلق


1 - مطارح الأنظار: 157 / السطر 24، كفاية الاصول: 217، نهاية الأفكار 2: 450. 2 - قوانين الاصول 1: 154 / السطر 21، الفصول الغروية: 139 / السطر 25. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 454، منتهى الاصول 1: 410. (*)

[ 288 ]

بشئ، هل يدل على الفساد أو عدم الإجزاء ؟ كما إذا تعلق النهي في مسألة الحدود وإجرائها بأن لا يجرى الحد في الخفاء، أو لا يجرى الحد مثلا تحت السقف، فإنه وإن لم يدل على الفساد، ولكنه يمكن أن يدل على عدم الإجزاء، ويدل على أنه يلزم تكراره عند التخلف. فما هو مورد البحث أمر أعم من العبادة والمعاملة، كما هو الظاهر. مع أن عد مثل التذكية من المعاملة بالمعنى الأعم بلا وجه. فعند ذلك يتوجه سؤال عن إمكان جعل العنوان الواحد الجامع المانع محط التشاح ومصب النزاع وعدمه، وسيأتي إن شاء الله ما هو اللائق بذلك (1). الثانية: أن كلا من الاقتضاء والدلالة مورد المناقشة، لأن الظاهر المتبادر من " الاقتضاء " هو كون النهي بما هو لفظ موضوع لمعنى يقتضي ذلك، مع أنه لا معنى لذلك إلا على القول: بأن دلالة الألفاظ ذاتية طبعية على المدلول المطابقي، أو لا أقل من المدلول الالتزامي، وكلاهما منفيان بما تحرر في محله (2). ولأن الظاهر من " الدلالة " هي الدلالة الوضعية اللفظية، وفي المقام من يدعي الدلالة يريد بها مطلق الملازمات العقلية ولو كانت خفية (3). ولأجل هذا وذلك قال السيد الوالد - مد ظله -: " فالأولى التعبير ب‍ " الكشف " حتى يعم الدلالات اللفظية، والملازمات العقلية، والخطب سهل " (4) انتهى. أقول: يمكن أن يقال، بأن الاقتضاء الحاصل من الدلالة الالتزامية الحاصلة من كثرة الاستعمال، يكون من قبيل دلالة الألفاظ دلالة طبعية ذاتية، لأنها خارجة


1 - يأتي في الصفحة 290 - 291. 2 - تقدم في الجزء الأول: 57. 3 - قوانين الاصول 1: السطر 9. 4 - مناهج الوصول 2: 150، تهذيب الاصول 1: 408 - 409. (*)

[ 289 ]

عن حد الواضع ووضعه، فالكلام يكون حول هذا الاقتضاء، وأن النهي هل يكون له ذلك، أم لا ؟ بعد مفروغية عدم كونه موضوعا للدلالة على الفساد. ويوجه الدلالة: بأن القائل بأنه لا يدل، يكون منكرا للدلالة الوضعية، وهذا لا ينافي إثبات الفساد من ناحية البين بالمعنى الأعم، أو من جهات اخر عقلية، فلا يلزم أن يكون مدعي الفساد مستندا إلى دلالة النهي، حتى يتصرف في العنوان من هذه الجهة. بل لأحد أن ينكر دلالة النهي على الفساد، دون الامور الاخر الخارجة عن محيط النهي وضعا، فافهم واغتنم. هذا، ولا يتم جعل عنوان الكشف محط البحث، لما أنه - مد ظله - من المنكرين للكشف في الأوامر والنواهي، ويقول: إنها ليست إلا أعذارا عرفية وقاطعة الحجة في مقام الاحتجاجات العقلائية (1). الثالثة: قد عرفت أن النزاع في معنى أعم من الفساد وعدم الإجزاء، فإن كل شئ اتصف بأنه فاسد فهو غير مجز عن المأمور به بأمره، بخلاف عنوان " غير المجزي " فإنه أعم منه، لما عرفت أن إجراء الحد بل إعطاء الخمس والزكاة وسائر الكفارات على غير الوجه المقرر الشرعي، لا يكون مجزيا، وربما لا يوصف بالفساد. ولعل التذكية أيضا لاتوصف به، مع أن حد البحث أعم قطعا يجئ في النهي عن الذبح بالعود، أو إلى غير القبلة، فعلى هذا لابد من مراعاة هذه الجهات فيما هو عنوان البحث. وغير خفي: أن جهة النزاع وإن كانت أعم أيضا من ناحية النهي أو ما يقوم مقامه كالجمل الإخبارية أو من قبيل الإجماع الكاشف عن الرأي من غير وجود النهي اللفظي، إلا أن مراعاة ذلك غير لازمة، لإمكان جعل موضوع البحث أخص، فتأمل.


1 - مناهج الوصول 1: 250 - 257، تهذيب الاصول 1: 139 - 145. (*)

[ 290 ]

وإن شئت جعلت الأخير أيضا من الشبهات الواردة على عنوان القوم. حل الشبهات الثلاثة السابقة إذا تبين ذلك ومواقف المناقشة، فيمكن حلها: بأن البحث في العبادات والمعاملات، وفي خصوص النهي، وفي خصوص الصحة والفساد، يغني عن سائر الموضوعات الاخر التي يمكن أن يكون للنهي هناك استتباع الوضع وعدم الإجزاء، ويلتحق بالجهة المبحوث عنها غيرها مما يسانخها. وبعبارة اخرى: البحث هنا - بعد الفراغ عن أن النهي حسب الأصل المحرر الأولي، ليس إلا للزجر عن الطبيعة الملازم عرفا للتحريم التكليفي - في أنه هل يكون هناك أصل آخر على أن النهي يستتبع أمرا وضعيا وجهة وضعية، وهي الفساد وعدم الإجزاء، أم لا ؟ أو أن النهي يقتضي أو يدل على أن المنهي عنه غير كاف، أم لا ؟ أو هل يستكشف به عدم صحة الاكتفاء والاجتزاء بالمنهي عنه عن الموضوع الذي لم يتعلق به النهي عبادة كانت أو معاملة أو غيرهما مما يمكن أن يستتبع النهي هناك جهة وضعية كما في الأمثلة المزبورة، أم لا ؟ فبالجملة: تبين ما هو المقصود بالذات في البحث عن دلالة النهي على الفساد. فعليه نقول: إن الأولى جعل عنوان البحث " أن النهي هل يستتبع الحكم الوضعي كالفساد وعدم الإجزاء، أم لا ؟ " وحذف عنوان " الشئ " لأجل إفادة أن النظر يكون إلى ذات النهي، ولا خصوصية لأمر آخر وراءه. ولو كان النهي - لأجل تعلقه بموضوع من الموضوعات - مستتبعا للحكم الوضعي، فهو ليس من دلالة النهي، ولا من اقتضائه الذاتي بالوضع، ضرورة أنه لا وضع للمركبات، بل هو أمر

[ 291 ]

يستند إليه لأجل جهة خارجية، من كثرة الاستعمال ونحوها في الهيئات الخاصة. وإن شئت قلت: بناء على هذا لا خلاف في عدم دلالة النهي بما هو على الفساد، ولايستتبع الحكم الوضعي، ضرورة أن النواهي المتعلقة بالأكل والشرب لاتدل إلا على جهة تكليفية مثلا، فعليه لابد وأن يكون العنوان من هذه الجهة أخص فيقال: " إن النهي إذا تعلق بالعبادة أو المعاملة أو ما يكون مثلها، هل يستتبع الحكم الوضعي كالفساد وعدم الإجزاء، أم لا ؟ " والأمر سهل. وغير خفي: أن عنوان " العبادة " أخص من عنوان " العمل القربي " لأن مثل الأخماس والزكوات أو الكفارات المالية، لاتعد عبادة حسب النظر البدوي، وإن كانت تطلق " العبادة " على المعنى الأعم من ذلك كله في بعض الأخبار (1)، ومنها: " ما عبد الله تعالى بشئ مثل البداء " (2) فراجع. الأمر الثاني: في اصولية المسألة وفرقها عن مسألة الاجتماع قد مر في مقدمات بحث الاجتماع، كلام وافر منا حول وجه اشتباه هذه المسألة بالمسألة السابقة، وبيان الفرق بينهما بما لا مزيد عليه (3). ومن الفروق أن النهي في هذه المسألة إذا دل على الفساد فلا سبيل إلى تصحيح العبادة، بخلاف النهي في تلك المسألة، فإنه إذا لم يمكن جمعه مع الأمر يمكن تصحيح العبادة، كما لا يخفى. وأيضا: قد تحرر ميزان كون المسألة اصولية، وهذه المسألة منها على ما فسرناها، وذكرنا أن المسائل الاصولية حجج عقلائية أو شرعية على الآراء الفقهية،


1 - بحار الأنوار 1: 108 / 4، و 10: 24 / 13، و 42: 203 / 7، و 68: 326 / 20. 2 - الكافي 1: 146 / 1، بحار الأنوار 4: 107 / 19. 3 - تقدم في الصفحة 121 - 124. (*)

[ 292 ]

أو الآراء الاخر في سائر القوانين غير الشرعية المتعارفة في سائر الملل والنحل (1). وأيضا: قد تبين فيما سبق ميزان كون المسألة عقلية أو لفظية، وأن المناط ليس الدليل والاستدلال (2)، لإمكان التمسك ببعض الأدلة اللفظية على المسائل العقلية وبالعكس، بل المناط عنوان البحث وموضوع الخلاف، فإن كان الكلام حول مقتضيات الألفاظ بما لها من المعاني، تكون المسألة لفظية، وإن كان البحث حول مقتضيات العقل والإدراكات العقلائية، تكون المسألة عقلية، كمقدمة الواجب، ولأجل هذا تكون المسائل دائرة مدار العقلية واللفظية، ولا شئ ثالث. فما قد يتراءى عن بعضهم من إمكان كون المسألة عقلية ولفظية (3)، في غير محله وإن كنا في سالف الزمان نؤيد (4) ذلك فتأمل (5). الأمر الثالث: في قلة ثمرة هذه المسألة إن هذا النزاع مما لا ينتفع به في الفقه، وذلك لأن بناء الأعلام قديما وجديدا على حمل النواهي المتعلقة بالعبادات والمعاملات على الإرشاد إلى الشرطية والجزئية، بناء على إمكان كون عدم المنهي شرطا أو جزء تحليليا، كما هو التحقيق، أو إلى المانعية (6)، وتلك النواهي الإرشادية خارجة عن محط النزاع، لأنه لا معنى


1 - تقدم في الصفحة 131 - 132. 2 - تقدم في الصفحة 133 - 134. 3 - مناهج الوصول 2: 150 - 151. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 297. 5 - وجهه: هو أن ملاك النزاع يجري فيما كان مبغوضا للمولى، فإنه ليس من النهي بالضرورة، فيكون البحث في هذه الصورة عقليا (منه (قدس سره)). 6 - لاحظ الفصول الغروية: 141 / السطر 29 - 33، لاحظ مطارح الأنظار: 163 / السطر 19 - 24، نهاية الاصول 1: 283 - 287. (*)

[ 293 ]

للنزاع في استتباعها الحكم الوضعي وفي اقتضائها الفساد، بعد البناء إثباتا على أنها ترشد إلى فساد المنهي، لأجل اشتماله على المانع، أو لأجل فقدانه الشرط أو الجزء، كما أقروا بذلك (1). إن قلت: هذا في النواهي المتعلقة بخصوصيات العبادة والمعاملة، دون نفس طبائعهما. قلت: قلما يوجد في الفقه نهي متعلق بطبيعة معاملة كلية، بل النواهي كلها أو نوعها متعلقة بخصوصيات العبادة والمعاملة، ضرورة أن طبائع العبادات والمعاملات نافذة في الشرع ومأمور بها، فيكون النهي الوارد راجعا إلى خصوصياتهما زمانا أو مكانا، أو حالا وكيفية، أو كمية ووصفا، وما ضاهاها. نعم، في مثل القمار يكون هو مورد النهي بطبيعته، اللهم إلا أن يقال: بأن المنهي هو الأكل بالباطل، فيكون المنهي التجارة القمارية، فتدبر. فعلى هذه العويصة لابد وأن نقول: بأن البحث فرضي وهو ما إذا فرضنا أن النهي في مورد يكون تكليفيا، فهل يستتبع في ذلك المورد حكما وضعيا، أم لا ؟ إن قيل: النواهي التنزيهية مندرجة في محط البحث، وهي تكليفية، وهذا يكفي لئلا يكون البحث فرضيا. قلنا: أولا: إن اندراجها في محيط النزاع مورد الخلاف بينهم، معللا بأن تلك النواهي محمولة على الكراهة، بمعنى الأقل ثوابا (2). وثانيا: إن النهي التنزيهي الملازم للترخيص، لا ينافي الرخصة الوضعية


1 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 6 - 10، نهاية الاصول: 283 - 287، محاضرات في اصول الفقه 5: 4 - 5. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 185 - 186، نهاية الأفكار 1: 452. (*)

[ 294 ]

المستفادة من تعلق الأمر بالطبيعة الراجعة إلى جواز الإتيان بأي فرد كان من الطبيعة، وسيأتي زيادة توضيح حوله في الأمر الآتي (1). وثالثا: إن قضية ما تحرر منا في المسألة السابقة، أن تلك النواهي ترشد إلى الحزازة (2)، وهذا غير حملها على الأقل ثوابا وإن كان يرجع إليه بالنتيجة، فلا تخلط. فبالجملة: تحصل في هذا الأمر أن النزاع ولو كان جائزا، إلا أنه نزاع قليل نفعه. بل لنا أن نقول: كان الأولى أن يتكفلوا للبحث حول أن النواهي المتعلقة بالعبادات، أو المعاملات وسائر المركبات الشرعية والعرفية، هل هي النواهي الإرشادية، أم هي النواهي النفسية حسب الأصل الأولي ؟ ثم بعد الفراغ منه واختيار كونها النفسية، يتنازعون في دلالة تلك النفسيات على الفساد وعدمها، ولايجوز حسب الصناعة إدراج النزاع الأول في مقامات النزاع الثاني. نعم لا بأس بجعله من مقدماته وإن كان هو النزاع النافع. ولكن الشأن فيه، أن هذه المسألة وفاقية بين أرباب الفضل وأصحاب الفن، ولأجله انحصر البحث في المنازعة الاولى، والأمر - بعد ذلك - سهل. وهم ودفع ربما يقال: إن النهي الإرشادي لا يلازم القول بفساد المشتمل على المنهي، وفساد المنهي أيضا، لأن من الممكن كون النهي إرشادا إلى قبح المنهي، وفي


1 - يأتي في الصفحة 297 - 298. 2 - تقدم في الصفحة 238 - 239. (*)

[ 295 ]

استلزام قبحه للفساد مناقشة (1). وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن القبح لابد وأن يكون لأمر ولجهة تقييدية، وهي إن كانت من قبيل الموانع يلزم كون الفساد ناشئا منها، وإن كانت من قبيل فقدان الشرط والجزء فهكذا. وبعبارة اخرى: النواهي التحريمية النفسية الذاتية ترشد إلى فساد متعلقاتها، وهذا النحو من الإرشاد لا يستلزم الاندراج في محيط النزاع، أو الخروج منه كما لا يخفى. تذنيب: حول حصر النزاع بوجود دليل شرعي على الصحة لولا النهي عن الفاضل القمي (قدس سره): " أن هذا النزاع لا يفيد ولايثمر إلا في صورة وجود الدليل الشرعي من إطلاق أو عموم يقتضي الصحة لولا النهي، وإلا فلا حاجة لفساد المنهي إلى دلالة النهي عليه، بل يكفي عدم الأمر، وعدم المشروعية، ومجرد الشك فيه الملازم لجريان الاصول العدمية " (2). واورد عليه: " بأن التمسك للفساد بالأصل في طول التمسك له بالدليل " (3). وفيه ما لا يخفى، من أنه لا يخرج البحث عن اللغوية وقلة الإفادة في مقام العمل. والذي هو الحق: أن اللغوية تارة: تكون في أصل البحث، واخرى: تكون في إطلاق البحث:


1 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 213. 2 - قوانين الاصول 1: 155 / السطر 19 - 22. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 461 - 462. (*)

[ 296 ]

أما اللغوية في أصل البحث فتحرز. وأما اللغوية في إطلاق البحث، فلا وجه للاحتراز عنها، كما في القوانين والأحكام أيضا، والتفصيل في محله. ولو كان لغوية الإطلاق موجبة لكون البحث لغوا للزم كون جل أو كل البحوث الاصولية لغوا، مثلا البحث عن دلالة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم لغو، لأن المسائل الشرعية صارت واضحة، وتكون الأدلة مقرونة بالقرائن الخاصة الدالة على الوجوب والحرمة، فيكون البحث المزبور مخصوصا بغير هذه الصورة، مع أنها قليلة جدا. ولعمري، إن إشكاله على غير هذه المسألة أورد منه على هذه المسألة، والحل ما عرفت، والبحث حوله من اللغو المنهي عنه. الأمر الرابع: في بيان أقسام الوجوب والتحريم التي يشملها النزاع لاشبهة في خروج النواهي الإرشادية عن محط النزاع، والمراد من " الإرشادية " هي النواهي المستقلة الناظرة إلى الجهة الوضعية، وهي الفساد، أو عدم الإجزاء. ولا شبهة في شمول النزاع للنواهي الذاتية التحريمية، أصلية كانت أو تبعية، بناء على كون الأصلي والتبعي من الانقسامات اللاحقة بحسب مقام الإنشاء والجعل. ولا في شموله لأقسام التحريميات العينية والكفائية، والتعيينية والتخييرية، والفعلية والتعليقية، والمشروطة بعد تحقق شرطها، وقد مر تفصيل هذه البحوث في المبحث السابق. وتوهم خروج التخييرية هنا كما سبق، مر فساده (1).


1 - تقدم في الصفحة 139. (*)

[ 297 ]

نعم، تصوير التحريم المعلق لا يخلو من المناقشة، ضرورة أن الوجوب الفعلي والواجب الاستقبالي صحيح، لأن المكلف لا يتمكن من امتثال الواجب قبل وصول ظرف الامتثال، بخلاف التحريم التعليقي، فإنه لا معنى لتحريم الغيبة يوم الجمعة مثلا، لأن المكلف قبل يوم الجمعة أيضا تارك لها، فلا حالة انتظارية بين ظرف التحريم وظرف الامتثال. نعم، فرق بين الامتثال قبل مجئ ظرفه، وبين الامتثال بعد مجيئه: بأنه في الأول امتثال بانتفاء موضوعه، بخلاف الثاني. وقد مر في بحث المتوسط في الأرض المغصوبة بعض الكلام في التحريم التعليقي والتنجيزي عند ذكر مقالة الشيخ الأعظم (قدس سره) (1). وإنما الإشكال في الطائفتين من النواهي. الطائفة الاولى: النواهي التنزيهية والحق كما عرفت في بحوث الاجتماع والامتناع، اندراجها في مصب الخلاف، ضرورة أن النواهي التنزيهية - بما أنها تلازم المبغوضية الدانية واللارضا النفساني - لا تجتمع مع المأمور به والمطلوبية، أو المحبوبية والرضا القلبي اللازم في العبادات، حتى يصح التقرب بها، وفي المعاملات حتى تكون ممضاة في الشريعة، فيمكن بناء على هذا كونها في محط الكلام في المقام، كما حررناه بتفصيل في البحث السابق (2). وما قد يقال: من أن النواهي التنزيهية تلازم الترخيص في الفعل، فلا منع من


1 - تقدم في الصفحة 270 - 271. 2 - تقدم في الصفحة 138 - 139 و 232. (*)

[ 298 ]

المحافظة على إطلاق دليل المأمور به، بخلاف النهي التحريمي (1)، فهو في غير محله، لأن النهي التنزيهي يلازم مرجوحية متعلقه طبعا، ولا وجه لحمل النهي على مرجوحية الخصوصية، لأنه يرجع إلى أن المنهي هو العنوان الآخر، لا عنوان " العبادة " أو " المعاملة " فما في تقريرات العلامة الكاظمي (رحمه الله) لا يخلو من تأسف. ومما ذكرناه يظهر إمكان دعوى دلالة النهي التنزيهي على الفساد في المعاملات أيضا، فلا مورد لما في " الكفاية " من: " أن اختصاص عموم ملاكه بالعبادات، لا يوجب التخصيص به كما لا يخفى " (2) انتهى. الطائفة الثانية: النواهي الغيرية وهي النواهي المترشحة عن الأمر بالشئ المتوجهة إلى أضداده. فربما يقال بخروجها عن حريم النزاع، لما لا ملاك لها (3)، وقد فرغنا عن هذه الشبهة بما لا مزيد عليه في البحث السابق (4)، وذكرنا أن الأوامر الغيرية والنواهي الغيرية، يمكن أن تكون مولوية بملاك الاهتمام بالمأمور به النفسي، والمنهي عنه بالنهي الأصلي. وبالجملة: كون الشئ على خلاف التحقيق عند أحد، لا يورث الخروج عن حريم النزاع، كما أنه إذا كان خارجا عن حريم النزاع عند الكل إلا واحد، لا يوجب الاندراج، فلا تخلط.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 435 - 436 و 455 - 456. 2 - كفاية الاصول: 218. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 456، محاضرات في اصول الفقه 5: 6. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 332. (*)

[ 299 ]

وهنا طائفة ثالثة: وهي النواهي التبعية على حسبما فسرناها، من أن الأصلي: ما كان في قالب لفظي ولو كان بالدلالة الالتزامية، والتبعي: ما ليس في قالب لفظي ولو كان واجبا نفسيا (1)، فإنها مندرجة في محط البحث ملاكا، لأن الجهة المبحوث عنها هنا حول استتباع النهي للحكم الوضعي، والإرادة التي لا تكون في قالب لفظي ليست مبدأ اعتبار النهي، بل الإرادة التشريعية لا تصير موجودة في افق النفس إلا عند تعلقها بالقوالب الكتبية، أو اللفظية، أو الإشارية، وماهي في النفس هي المبادئ المنتهية إلى تلك الإرادة. نعم، لو قلنا: بأن وجه الفساد أمر عقلي مثل كون العبادة أو المعاملة مبغوضة، يلزم الفساد في هذه الصورة أيضا، وتكون المسألة كما عرفت عقلية لا لفظية (2)، فلا تخلط. الأمر الخامس: الأصل في النهي عن العبادة والمعاملة هو الإرشاد بعدما عرفت: أن النزاع حول استتباع النهي لحكم وضعي وعدمه، وبعدما علمت: أنه لا معنى لكون النهي الإرشادي - الذي فرض أنه إرشاد إلى جهة وضعية - مصب التشاح والنفي والإثبات (3)، يظهر لزوم البحث هنا حول أن الأصل في النواهي المتعلقة بالعبادات والمعاملات، هل هو الإرشادية، أو التحريمية ؟ بعد الفراغ عن الأصل المحرر في بدو بحوث صيغة النهي، وأن الأصل هناك هو التحريم


1 - تقدم في الجزء الثالث: 247. 2 - تقدم في الصفحة 292. 3 - تقدم في الصفحة 292 - 293. (*)

[ 300 ]

التكليفي وتمامية الحجة الشرعية والعرفية (1)، وهذا مما لابد منه حتى لا يكون البحث فرضيا. ولايجوز إدخاله في جوهر البحث في هذا النزاع، خلافا لما صنعه الوالد - مد ظله - (2). ومن الغريب ما أفاده الاستاذ العلامة البروجردي (قدس سره) من: " أن محط النزاع في البحث اللفظي هي النواهي الإرشادية، لاستدلال القوم لإثبات الفساد: بأنها تدل عليه إذا تعلق بالعبادات والمعاملات، وأما في النواهي التحريمية فيكون البحث عقليا، لرجوع المسألة إلى الاستدلال بالفساد لأجل توسط الحرمة الشرعية " ! ! وقد بالغ في ذلك حسبما يظهر من التقريرات، وكرر الأمر حولها (3)، وكأنه أمر جدير بالتدبر. وأنت خبير بما فيه أولا: من أن النزاع الصحيح هو النزاع في النواهي التحريمية، لإمكان كونها مورد الخلاف، بخلاف الإرشادية التي هي مورد الاتفاق (4)، ويكون الغرض إرشادها إلى الجهة الوضعية. والشاهد عليه: أن القوم استدلوا - حسبما أفاده - بتلك النواهي الإرشادية على دلالة النهي على الفساد (5)، وأن " الكفاية " قال: " الثالث: ظاهر لفظ " النهي " وإن كان هو النهي التحريمي " (6) انتهى. وثانيا: قد مضى أن مناط لفظية البحث والمسألة، كون عنوان المسألة


1 - تقدم في الصفحة 92 - 95. 2 - مناهج الوصول 2: 156 - 159. 3 - نهاية الاصول: 283 - 287. 4 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 6 - 10، نهاية الاصول: 283 - 287، محاضرات في اصول الفقه 5: 4 - 5. 5 - مدارك الأحكام 3: 181 - 182، مستمسك العروة الوثقى 5: 297. 6 - كفاية الاصول: 218. (*)

[ 301 ]

موضوعا لفظيا، وراجعا إلى حدود الأوضاع والدلالات (1)، ولو كان من الوضع التعييني الحاصل من كثرة الاستعمالات، أو من الوضع الثانوي الحاصل للمركبات والجمل، لكثرة اشتهار إطلاقها وإرادة المعنى الوضعي وراء المعنى التكليفي مثلا، فكن على بصيرة. وإن شئت قلت: توسط الحرمة لا يضر بلفظية البحث، لأنه يرجع إلى الدلالة الالتزامية. ولو استشكل فيها: بأنها ليست لفظية، يلزم عدم كون المفروض في كلامه لفظيا من المسألة اللفظية أيضا، ضرورة أن النهي لو كان يدل على الفساد، فهو بالالتزام لا المطابقة، فتدبر. إذا تبين ذلك فاعلم: أن مقتضى الأصل كما هو التحريم في صيغة النهي، ومقتضى الأمر كما هو الوجوب في صيغته، كذلك قضية النهي والأمر المتعلقين بالمركبات العرفية والشرعية، والمخترعات الإسلامية وغير الإسلامية - من غير فرق بين تعلق النهي بالمركبات، وتعلقه بالأجزاء والخصوصيات بخلاف الأمر - هو التحريم والوجوب الوضعيين، والإرشاد إلى الجهة الوضعية من الجزئية، أو الشرطية، أو المانعية والقاطعية. وهذا هو الأصل المفروغ عنه في العبادات، ولاسيما في المعاملات. وإنما الكلام في منشأ هذا الأصل الثانوي، فقد يقال: إن وجه الأصل المزبور - البالغ إلى حد يمكن دعوى الظهور الوضعي لتلك الهيئات من الجمل المستعملة في العبادات والمعاملات وما شابهها - هو أن العناوين المتعلقة للنهي مختلفة (2): فمنها: ما هو من العناوين الواضحة لغة وعرفا، ك‍ - " الأكل والشرب ". ومنها: ما يكون غير واضح، ومحتاجا إلى التوضيح من قبل الأشخاص


1 - تقدم في الصفحة 292. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 283 - 284. (*)

[ 302 ]

المعينين لما يترتب عليها من الآثار المقصودة بالذات، والمطلوبة حقيقة وغرضا وغاية، ومن ذلك عنوان المعاجين الطبية، فإنها مما لا يطلع على خصوصياتها إلا أهلها، فإذا تصدى أرباب الطب وأصحاب الدساتير للأمر بشئ حول ذلك، والنهي عنه في زمان خاص، وعن شئ خاص، وعن كيفية خاصة، فلا تكون تلك الأوامر والنواهي نفسية، لما لا معنى لها، بل المعني بها والمقصود منها - حسب القرائن الكلية والجزئية - إفادة ما هو الموضوع للأثر المرغوب، وإذا كان الآمر والناهي في هذا الموقف، فلا معنى لحمل أمره ونهيه على النفسية، بل كل ذلك أوامر ونواه جزئية مترشحة من المأمور به النفسي في باب الواجبات ومن عدم صلاحية المنهي عنه للتوسل به إلى السبب المقصود في باب المعاملات، أو أن المنهي عنه فاقد للشرط أو الجزء اللازم في ترتب الأثر المترقب منه. وبالجملة: إذا قال: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " أو قال: " صل مع الطهور " فليس ذلك إلا من قبيل الأوامر والنواهي المزبورة. والسر كل السر: أن صدور الأوامر والنواهي حول المركبات يكون قرينة على هذا المعنى، وصار ذلك إلى حد يمكن دعوى الوضع التعيني للجمل المركبة كما لا يخفى، والأمر - بعد معلومية الأصل المفروغ عنه - واضح. ومن هنا يظهر: أن النهي إذا تعلق بذات معاملة عرفية - كالقمار الذي يترتب عليه الأثر العرفي - يكون أيضا إرشادا، بخلاف الأمر المتعلق بذات الصلاة والحج، فإنه محمول على الإيجاب النفسي، لأن الأثر المرغوب فيه والمترقب منه ليس مورد نظر الآمر حتى يكون إرشادا إلى السبب المحصل وإن كان ذلك الأثر وهو " معراج المؤمن " (1) و " قربان كل تقي " (2) مقصودا أعلى وغرضا أصليا، ولكن


1 - اعتقادات، المجلسي: 39. 2 - الكافي 3: 265 / 6، وسائل الشيعة 4: 43، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 12، الحديث 1 و 2. (*)

[ 303 ]

لا ينبغي الخلط بين الأسباب والمسببات، وبين الموضوعات والآثار الحاصلة منها. تذنيب: حول عدم الفرق بين أنحاء تعلق النهي لافرق بين أن يتعلق النهي بالسبب بما هو السبب في المعاملات، أو بجزء السبب، أو يتعلق النهي بالمسبب، بأن يحرم المسبب، كتحريم الثمن، وكتحريم التصرف فيما اشتراه حال الإحرام مثلا، وفيما عقد عليه حال العدة. وهذا هو المراد من " تعلق النهي بالمسبب " وأما السبب وهو المعنى الحاصل من الإنشاء، وهو النقل والانتقال، أو حكم العقلاء به، فهو أمر خارج عن حيطة الاختيار الشخصي، ولايكون قابلا لتعلق النهي به. اللهم إلا أن يقال بجوازه، لأجل الاقتدار عليه بالاقتدار على سببه وموضوعه. أو يتعلق بالتسبب، كتحريم الزيادة في البيع الربوي، فإن المنهي مثلا هو التوصل لتحليل الزيادة بالبيع الربوي، دون الأمر الآخر من الصلح وغيره مثلا، فإن النهي في الكل حسب النظر العرفي واحد. كما لا فرق بين كون النهي بصيغة النهي، أو بمادة النهي، أو بمادة التحريم، فإن جملة " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (1) وجملة " ثمن العذرة سحت " (2) لا تفيد إلا قصور الأسباب عن إفادة الملكية، فتدبر وتأمل. تنبيه: حول عدم صغروية النزاع لأحد أن يقول: إن النزاع في هذه المسألة صغروي، وذلك لأجل أن النهي


1 - تقدم في الصفحة 180. 2 - " ثمن العذرة من السحت "، تهذيب الأحكام 6: 372 / 1080، وسائل الشيعة 17: 175، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 40، الحديث 1. (*)

[ 304 ]

إن كان إرشاديا فهو يستتبع الوضع، وإن كان تحريميا فهو لا يستلزم الحكم الوضعي، فيرجع البحث إلى أن النواهي المتعلقة بالعبادات والمعاملات إرشادية، أم غير إرشادية. وفيه أولا: أن هذا ليس من النزاع الصغروي، بل هو تفصيل في البحث المزبور بين الطائفتين من النواهي كما ربما فصلوا، وبين بابي العبادة والمعاملة. وثانيا: أن عدم استتباع النهي التحريمي عند أحد للحكم الوضعي، لا يورث جعل النزاع صغرويا، ولاسيما في العبادات، فإن الأكثر على الاستتباع (1)، كما سيظهر وجهه إن شاء الله تعالى (2). تذنيب: حول إرشادية النواهي في المركبات قد اشتهر بينهم: " أن النهي تارة: يتعلق بذات العبادة، كصوم العيدين، وصلاة الحائض، واخرى: بالأجزاء والشرائط، كالنهي عن الصلاة في وبرما لا يؤكل لحمه " (3). وربما يقال: إن النهي إرشادي في الصورة الثانية دون الاولى، لأن القرينة القائمة على الإرشادية مخصوصة بتلك الصورة، دون الصورة الاولى (4)، وقد مضى بيان تلك القرينة. ودعوى الوضع الثانوي التعيني لتلك الهيئات من الجمل الناهية، غير مسموعة، فلا يصح أن يتوهم الاشتراك بين الصورتين في الحكم المزبور.


1 - كفاية الاصول: 224، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 464، مناهج الوصول 2: 158 - 160. 2 - يأتي في الصفحة 337. 3 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 6، كفاية الاصول: 222، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 463. 4 - لاحظ نهاية الاصول: 283 - 284. (*)

[ 305 ]

أقول أولا: إن النهي عن ذات العبادة، معناه مثل الأمر المتعلق بذات العبادة، فكما أنه في باب الأمر المتعلق بذات الصلاة والصوم، ليس تقييد حين تعلقه بهما، فلابد وأن يكون النهي مطلقا حين تعلقه بذات العبادة، والمثالان المزبوران يرجعان إلى الصورة الثانية، لأنه من النهي المتعلق بالخصوصية، وهو أن المنهي إتيان الصلاة حال الحيض، وإتيان الصوم في زمان كذا، كالنهي عن إتيان الصلاة حال السفر، وإتيان الصوم في حال السفر. فلا يكون النهي عن ذات العبادة إلا إذا تعلق بطبيعة منهية بجميع أفرادها، كما ذكرناه في النهي عن ذات المعاملة (1)، وذكرنا أن النواهي في المعاملات كلها راجعة إلى الخصوصيات (2)، وإرجاعها إلى نفس الخصوصية خروج عن محط النزاع، لأنه يرجع إلى النهي عن العنوان الخارج، ويندرج في البحث السابق. وإن أبيت عن ذلك، وبنيت على أن النهي المتعلق بالصلاة حال الحيض من النهي عن الذات، لأن صوم العيدين ليس مورد الأمر، وهكذا صلاة الحائض، بخلاف صلاة غير الحائض، والصوم ممن يصح منه الصوم، إذا تعلق بجهة من جهاته بعد كونه مورد الأمر، فإن النهي في تلك الحال من النهي عن الجزء والخصوصية. وبالجملة: صلاة الحائض ليست مورد الأمر، بخلاف صلاة الطاهرة فإنها مورد الأمر، وقد نهي عن إتيانها في وبر ما لا يؤكل لحمه، فتلك الصلاة مورد النهي بذاتها، وهذه مورد النهي بخصوصياتها. فلنا أن نقول: بأن النهي هنا أيضا واضحة إرشاديته، ضرورة أن هذه النواهي تكون في موقف توهم المشروعية الوجوبية أو الندبية حسب المطلقات، ولا تكون تلك النواهي إلا في موقف رفع هذا التوهم، نظير النواهي الواردة بعنوان المخصص


1 - تقدم في الصفحة 302. 2 - تقدم في الصفحة 293. (*)

[ 306 ]

والمقيد، فإنه إذا ورد " أكرم كل عالم " ثم ورد " لا تكرم الفساق منهم " لا يكون النهي إلا دافعا أو رافعا للوجوب أو الندب، من غير إفادة الحرمة التكليفية إلا مع قيام القرينة، وقد فرغنا عن ذلك في بحث الأوامر عند مسألة الأمر عقيب الحظر، وذكرنا هناك بحثا كليا متعلقا بجميع الهيئات المقرونة بالقرائن الموجودة والمتوهمة التي لها المنشأ العقلائي (1). وبالجملة: استفادة الحرمة الذاتية من النواهي في هذه المواقف، غير ممكنة - حسب الأنظار العقلائية - إلا مع القرينة، فالأصل الثانوي في تلك النواهي هو الإرشادية الملازمة للحكم الوضعي، من الفساد، وعدم الإجزاء، والحرمة التشريعية، والخروج عن هذا الأصل منوط بالقرائن الموجودة أحيانا في الكتاب والسنة غير ممكن ضبطها تحت قانون كلي. فذلكة الكلام في المقام الأول: أن النواهي المتعلقة بذوات المعاملات وأجزائها وشرائطها والنواهي المتعلقة بذوات العبادات وأجزائها وشرائطها كلها محمولة على الإرشاد. الثاني: أن ما توهمه القوم من تعلق النهي تارة: بذات العبادة، واخرى: بخصوصياتها، لا يرجع إلى محصل. الثالث: أن الأوامر مثلها في أنها إرشاد إلى الجزئية والشرطية، سواء تعلق بذوات المعاملة، أو خصوصياتها. نعم، إذا تعلق بذوات العبادات كالصلاة ونحوها يكون نفسيا مولويا غير إرشادي وأما بالنسبة إلى الخصوصيات فهي أيضا إرشادية حسب البناءات العقلائية وبناء الفقهاء قديما وحديثا. الرابع: أن منشأ ذلك ليس احتمال الوضع الآخر لصيغة النهي تعيينا أو تعينا،


1 - تقدم في الجزء الثاني: 193. (*)

[ 307 ]

ولا احتمال كون الجملة والمركب ذات وضع على حدة تعيينا أو تعينا، ولا احتمال كون الشرع مخصوصا بذلك دون العرف، فيكون في الشرع قرينة خاصة به، بل هذا الحمل عام ومشترك فيه الشرع والعرف، والمنشأ أمر واحد اشير إليه (1)، مع اختصاص المعاملات بجهة اخرى: وهي أن مبنى المعاملات على السبب والمسبب، وما كان أمره ذلك يكون علة لصرف الهيئات إلى إسقاط سببية السبب عن التأثير، أو عن الموضوعية لحكم العقلاء بالنقل والانتقال. الخامس: لافرق بين أن يتعلق النهي بالسبب بما هو سبب، أو المسبب العقلائي، وهو الحكم بالنقل والانتقال، أو مسبب المسبب الذي هو حكم العقلاء والشرع بجواز التصرف فيما ملكه بالسبب المزبور، أو التسبب، كالتوصل إلى الظهار لإحداث الفراق، أو التسبب بالسبب العقلائي لأجل حلية التصرف فيما يملكه حسب بناء العقلاء. مثلا تارة: يتعلق النهي بالعقد الربوي بما أنه سبب النقل والانتقال. واخرى: يتعلق بالحكم المتأخر عنه، وهو الحكم بحصول النقل والانتقال. وكيفية تعلقه به يحتاج إلى مؤونة، كما هو المعلوم. وثالثة: يتعلق بالتصرف فيما انتقل إليه بالربا. ورابعة: يتعلق بالتوصل إلى الربا لحلية الزيادة وتملكها. وخامسة: يتعلق بالتوصل إلى حكم العقلاء بالنقل والانتقال بإيجاد سببه، وهو البيع الإنشائي، أو موضوع الحكم العقلائي. فإنه في الكل بما أنه يرجع إلى المعاملة بجهة من الجهات، يكون ظاهرا في الإرشاد إلى قطع السببية شرعا، وإن كان سببا في محيط العقلاء والعرف. وهناك نهي يتعلق بذات السبب، وهو التلفظ بألفاظ الإيجاب والقبول، فإنه لا


1 - تقدم في الصفحة 301 - 302. (*)

[ 308 ]

منع من حمله على التكليفي والتحريمي المولوي، لأنه في الحقيقة خارج عن حدود المعاملة، ويكون مثل النهي المتعلق بالكذب والسب. ونهي آخر يتعلق بالتصرف فيما انتقل إليه من غير النظر إلى المعاملة مثلا، كما ربما يقال: إن ما قومر عليه مورد النهي من غير النظر إلى المعاملة، بل يكون عنوان " ما قومر عليه " مشيرا إلى ما في الخارج، ويكون في موقف تحريمه كتحريم الخمر، فإنه أيضا غير محمول على الإرشاد، وغير متعلق بالمعاملة، فلا يكون تخصيصا في الأصل الثانوي كما هو الظاهر. السادس: ومن هنا تبين أن التقسيم الثنائي المحكي عن الشيخ (1)، والثلاثي الموجود في " الكفاية " (2) غير محصور، بل ازدادت الأقسام والتصورات إلى الخمسة في اعتبار، وإلى السبعة في اعتبار آخر كما عرفت. السابع: قد تبين أن المنع المبرز من ناحية الشرع في هذه المواقف، محمول على المنع الوضعي، من غير فرق بين أن يقال: " لاتبع غرريا " أو يقال: " أنهاكم عن البيع الغرري " أو يقال: " احرم عليكم البيع الغرري " أو يقال بصيغة الماضي وغيرها، فإن وجه حمل الصيغة على الإرشاد، ليس إلا لأجل اقتضاء الموضوع. وعليه لا فرق بين الأنحاء المذكورة وإن كان في بعض الصور بعض المناقشات، كما إذا تعلق النهي بشكل تحريم التصرف فيما انتقل إليه، كما إذا ورد: " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (3) أو يقال: " اجرة الزانية سحت " (4) و " ثمن


1 - مطارح الأنظار: 163 - 164، نهاية الاصول: 285. 2 - كفاية الاصول: 225 - 226. 3 - تقدم في الصفحة 81. 4 - " أجر الزانية سحت "، الفقيه 3: 105 / 435، وسائل الشيعة 17: 94 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 8. (*)

[ 309 ]

العذرة (1) والكلب سحت " (2)، فإن الظاهر منه هو التحريم الزائد على تحريم التصرف في مال الغير، فيكون هناك تحريم نفسي، ولا يكون إرشادا إلى فساد البيع والإجارة. الأمر السادس: حول المراد من " العبادة والمعاملة " قد عرفت: أن النزاع في هذه المسألة، يرجع إلى أن النهي التحريمي المتعلق بالعبادات والمعاملات، وما كان يشبههما مما مر (3) راجع إلى جامع، وهو ما يمكن أن يعتبر فيه زائدا على التحريم التكليفي، تحريم وضعي وحكم وضعي، سواء كان ذلك هو الفساد، أو كان هو عدم الإجزاء وعدم صحة الاكتفاء، أو كان جهة اخرى، فكل شئ إذا كان يمكن فيه الاعتبار المذكور يكون هو داخلا في عنوان البحث، ولا ينبغي الاختصار على ما كان يصح توصيفه ب‍ " الصحة والفساد " أو كان يوصف ب‍ " الإجزاء وعدم الإجزاء " بل الجهة المبحوث عنها أعم من ذلك كله، وترجع إلى ما أبدعناه. وبعبارة اخرى: كما أنه في كل مورد كان يمكن أن يكون النهي مستتبعا لجهة وضعية ثبوتا، يحمل على أنه إرشاد إلى تلك الجهة إثباتا، كذلك البحث هنا أيضا عام، وهو أنه في كل مورد أمكن أن يستتبع النهي ثبوتا معنى وضعيا زائدا على المعنى التكليفي - تحريميا كان أو ندبيا، نفسيا كان أو غيريا - يكون ذلك النهي مورد النزاع إثباتا، وأنه هل يستتبع ذلك المعنى الوضعي حسب الاقتضاء، أو الدلالة اللفظية، أو العقلية، أم لا ؟ من غير فرق بين كون ذلك المعنى الوضعي هو الفساد، أم


1 - تقدم في الصفحة 303. 2 - الكافي 5: 120 / 4، وسائل الشيعة 17: 94 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5، الحديث 7 و 8، و 118 الباب 14، الحديث 2. 3 - تقدم في الصفحة 290 - 291. (*)

[ 310 ]

عنوان " عدم الإجزاء " أو غير ذلك من البطلان، والنقصان، وسقوط الصلاحية عن التقرب به، أو التسبب به، أو غير ذلك مماسيظهر (1)، وقد أشرنا فيما سلف إلى أمثلته (2). فعلى هذا، لا وجه لإطالة الكلام حول عنوان " العبادة " و " المعاملة " وعنوان " الصحة والفساد " وما فيها من الاختلافات الكثيرة المشاهدة في الكتب المفصلة (3)، ولا معنى للغور في تعاريفها وأحكامها، ونقضها وطردها، لعدم اشتمال عنوان البحث على شئ منها، بل المأخوذ في العنوان أمر أعم في كلتا الناحيتين. وإن تنزلنا عن ذلك، وأخذنا عنوان " العبادة " و " المعاملة " بالمعنى الأعم فيهما، وهكذا ذكرنا في تفسير الحكم الوضعي عنوان " الفساد وعدم الإجزاء " فهو تنزل في غير محله، ومن تأمل فيما اخترناه تظهر له حقيقة الحال فيما هو محط الكلام في الفقه من بدوه إلى ختمه. وبالجملة: لمكان أن التبعية للكملين من الأعلام فيه الخير الكثير، لا بأس بعد ذلك كله بأن نشير إلى جهات في هذا الأمر، حتى يتبين أيضا مواضع الإشكال والمناقشة في كلمات القوم في هذه المراحل أيضا. الجهة الاولى: حول العبادة قد اشتهر أخذ عنوان " العبادة " في محط الكلام (4)، وحيث إنها أخص من القربيات الشرعية، لما قيل: " إن العبادة تساوق مفهوم (پرستش) في الفارسية " (5)


1 - يأتي في الصفحة 328. 2 - تقدم في الصفحة 289 و 303 - 304 و 307. 3 - قوانين الاصول 1: 154 و 157 - 158، مطارح الأنظار: 158 - 160. 4 - قوانين الاصول 1: 154 / السطر 21، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 454 - 456، نهاية الاصول: 280. 5 - مطارح الأنظار: 158 / السطر 4، نهاية النهاية 1: 242. (*)

[ 311 ]

فلابد وأن يراد منها العبادة بالمعنى الأعم حتى تشمل مثل الخمس والزكاة والصوم. والمعروف عنهم أن عبادية مثل السجود والركوع ذاتية، بخلاف عبادية الامور الاخر (1). والمراد من " الذاتية " هو أنه إذا ركع مقارنا لقصد الاحترام والخضوع ينتزع منه عنوان " العبودية " من غير لزوم قصدها، ولأجل ذلك منع بعض الأصحاب عن الهوي لتقبيل الأعتاب المقدسة معللا بذلك (2). وما قيل: " إنها ليست بذاتية " معللا: " بأن مجرد الهوي لا ينتزع منه ذلك " فهو ناشئ عن الغفلة عن المراد من " الذاتية ". ثم إن العبادة بمعنى الإتيان بعمل توصلي شرعا - كالسلام وجوابه - بعنوان القربة والخلوص تكون خارجة عندهم عن محط الكلام (3)، مع إمكان إدراجها فيه، لما أن النهي ربما يستتبع سقوط صلاحية المنهي عن إمكان الإتيان به تقربا، فلو ورد مثلا نهي عن قصد القربة في الاستنجاء فهو قابل لأن يكون مقتضيا لسقوط الاستنجاء عن إمكان اقترانه بقصد القربة. الجهة الثانية: حول المعاملة قد اشتهر أخذ عنوان " المعاملة " في عنوان البحث، وأرادوا منها المعنى الأعم من المعاوضات والتجارات (4)، فيندرج فيها الطلاق بأقسامه، والنكاح بصنوفه.


1 - كفاية الاصول: 218 - 219، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 464، نهاية الأفكار 2: 452. 2 - الصلاة، المحقق الحائري: 270، الصلاة (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 154 - 155. 3 - الفصول الغروية: 139 / السطر 32 - 39، كفاية الاصول: 218 - 219، نهاية الدراية 2: 384، نهاية الأفكار 2: 452. 4 - قوانين الاصول 1: 155 / السطر 2 - 6، الفصول الغروية: 139 / السطر 37 - 40، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 456. (*)

[ 312 ]

وربما يقال: إنها أعم من ذلك أيضا، حتى تشمل الصيد والذباحة (1). وأنت خبير: بأن الإطلاقات المجازية غير جائزة في هذه المواقف، ولاسيما إذا كانت بعيدة أو غلطا، فكان الأولى العدول عما جعلوه عنوانا إلى ما ذكرناه (2)، أو إلى العنوان التالي: وهو " أن كلما أمكن أن يستتبع النهي التكليفي حكما وضعيا بحسب التصور والثبوت، فهل هو كذلك إثباتا، أم لا ؟ " ولا شبهة في إمكان استتباعه في مطلق العبادات والمعاملات، وما يشبههما من الصيد والذباحة، وإجراء الحدود، وغير ذلك، بل قد عرفت منا إمكانه حتى في مثل النهي عن قصد القربة بالاستنجاء مثلا، لأنه إذا استتبع سقوط قابليته عن التقرب به، لا يجوز التمسك لجواز اجتماع الحرمة مع القربة بما تمسكوا به في مسألة اجتماع الأمر والنهي، كما يأتي ويظهر إن شاء الله تعالى (3). الجهة الثالثة: فيما يتعلق بعنوان " الفساد " أولا وبالذات وب‍ " الصحة " تبعا له وقبل الخوض في امور مرتبطة فيهما، وراجعة إلى حدودهما وخصوصياتهما، لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن البحث عن المفاهيم اللغوية جائز إذا كانت واردة في الكتاب والسنة، وأما الخوض فيما لا يكون فيهما فهو من اللغو، ولا شبهة في أن البحث هنا عن مفهوم " الفساد، غير صحيح، لأنه ليس له ثمر عملي، والجهة


1 - مطارح الأنظار: 158 / السطر 24 - 37، كفاية الاصول: 220، منتهى الاصول 1: 411 - 412. 2 - تقدم في الصفحة 290 - 291. 3 - يأتي في الصفحة 326 - 327. (*)

[ 313 ]

المبحوث عنها هاهنا أعم من مفهوم " الفساد والبطلان والنقصان " وغير ذلك. ولأجل هذا الانحراف وقعوا فيما لا ينبغي، وقالوا: " كل شئ يوصف ب‍ " الصحة " و " الفساد " فهو داخل في محط النزاع، وإلا فلا " (1) واختلفوا فيما يوصف ب‍ " الصحة " و " الفساد " (2). وتصير النتيجة: أن من يرى أن المعاملات لاتوصف ب‍ " الصحة " و " الفساد " تكون خارجة، وهكذا من يرى أن اتصاف العبادات ب‍ " الفساد " من المجاز، كما هو رأي الوالد - مد ظله (3) - فإنه أيضا يلزم خروجه، لأن الموصوف بهما بالتوصف الحقيقي - دون المجازي - مورد النزاع، وإلا يلزم دخول كل شئ أمكن اتصافه ولو مجازا فيه، وهو غير مقصود قطعا. فبالجملة: يلزم أن تختلف الآراء في حدود النزاع، لأجل اختلافها في حدود الصحة والفساد معنى ومفهوما، إلى أن لا يوجد موضوع يوصف بهما حقيقة في الشرع. هذا مع أن جعل عنوان " العبادة " و " المعاملة " في محط البحث معناه أن النهي المتعلق بهما وارد في محط النزاع سواء وصفتا بهما، أو لم توصفا بهما، فلاحظ واغتنم. فتبين: أن الأصحاب (قدس سرهم) لم يردوا الشريعة من بابها، والأمر - بعدما اطلعت عليه خبرا - سهل لا فرية فيه ولا مرية. إذا عرفت هذه المقدمة، فالبحث عنهما يقع في ضمن امور:


1 - كفاية الاصول: 219، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 457، نهاية الأفكار 1: 452. 2 - مطارح الأنظار: 158 - 161، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 457 - 461، نهاية الأفكار 2: 452، نهاية الاصول: 280 - 283، محاضرات في اصول الفقه 5: 8 - 9. 3 - مناهج الوصول 2: 154، تهذيب الاصول 1: 410 - 411. (*)

[ 314 ]

أولها: في مفهومهما اللغوي فقد نسب إلى الشهرة (1) أن " الصحة " هي التمامية، و " الفساد " هو النقصان. وأورد عليه: بأن المتفاهم العرفي من الإطلاقات خلافه، لصحة أن يقال: " يد ناقصة، وبيت ناقص " وعدم صحة توصيفهما بالفساد. فالأولى أن يقال: إن التمامية تستعمل بالنسبة إلى الاختلال في الشئ من ناحية كميته والمقدار، و " الفساد " يطلق عليه عند الاختلال في الكيفية والمزاج، فيقال: " البطيخ فاسد "، ولا يقال: " ناقص ". وبعدما ابتلي بالمخترعات الشرعية، وأن الصلاة الناقصة بركعة توصف ب‍ " الفساد " مع أنه من الاختلال بحسب الكمية، احتمل الوضع الآخر. وبعدما رأى أن الاحتمال المزبور بعيد غايته التزم بالمجازية، وأن من كثرة الاستعمال بلغ إلى حد الحقيقة مثلا في الاستعمالات الشرعية (2). أقول: وفيه ما لا يخفى، أولا: أن البيت إذا كان مختلفا من ناحية العوارض يقال: " هو ناقص " كما أن اليد إذا كانت عوجاء توصف بالنقصان. وثانيا: أن الالتزام بالمجازية يورث الخروج عن محط النزاع حسبما تصوروه في ميزان الاندراج في محط البحث. والذي هو الأقرب: أن مفهوم الصحة في جميع الموارد واحد، سواء كان مقابلها مفهوم المعيب، أو كان مقابلها مفهوم البطلان، أو الفساد، وهكذا مفهوم الفاسد واحد، سواء كان مقابله السالم، أو كان مقابله الصحيح، وإنما الاختلاف في المصاديق، وأنها ذات عرض عريض.


1 - كفاية الاصول: 39 و 220، نهاية الأفكار 1: 73، نهاية الاصول: 46، مناهج الوصول 2: 153. 2 - مناهج الوصول 2: 153 - 154. (*)

[ 315 ]

وإجمال الكلام: أن كل شئ سواء كان من الامور الطبيعية، أو كان من الامور الاختراعية والاعتبارية، ذو نشأتين: نشأة تقدير وتدبير، ونشأة التكوين والتشخص والخارج. فإذا لوحظ الشئ في النشأة الاولى، فيقدر له الأجزاء والشرائط والأفعال والآثار والخواص والحدود والكيفيات، وتكون تلك الخصوصيات داخلة في طبيعته النوعية، لا بما أنها أجزاء ذاتية، بل بما أنها حدودها اللازمة في الطبيعة الكاملة النوعية، فإن جميع المقولات والضمائم مما تقدر في تلك النشأة وهي النشأة العلمية، كما يقدر المهندس في النشأة الذهنية جميع خصوصيات البيت وتبعاته من الامور الدخيلة في كماله. ثم بعد التقدير المزبور حسب الطبيعة النوعية، يشرع في أن تصير هذه الطبيعة موجودة بالوجود الخارجي، وتصير خارجية وفي الأعيان، فإذا كان ما في الخارج من الأعيان، عين ما في العلم والذهن من التقادير، يكون الخارج كاملا وجامعا وتاما وصحيحا وسالما، وإلا فيتوجه إليه تارة وصف " النقصان " أو وصف " الفساد " أو " البطلان " أو " المعيب " وكل ذلك مفهوم غير مفهوم الآخر، وهكذا في مقابلاتها، إلا أن مناشئ هذه التوصيفات المختلفة ربما تكون متفاوتة وغير واحدة. مثلا: إذا قلنا: " إن عقل زيد ناقص " فهو باعتبار الأثر المرغوب منه والمقدر له في الطبيعة النوعية وفي النشأة العلمية، وإذا قلنا: " إن البدن ناقص " فهو بلحاظ الكمية والكيفية، وإذا قلنا: " معيب " فهو بلحاظ النقصان أو الزيادة على المقدر النوعي في تلك النشأة، وإذا قلنا: " فاسد " فهو بلحاظ الأخلاق والاعتقاد والمقدر له على الحساب المزبور، وإذا قلنا: " إنه باطل عاطل " فهو بلحاظ الأثر المرغوب منه من العمل المفيد والفعالية الاجتماعية. وأما إذا كان كامل العيار، وإنسانا كاملا من جميع الجهات المقدرة له في

[ 316 ]

جميع مراحل وجوده حسب طبيعته النوعية، فيسلب عنه جميع هذه العناوين، ويوصف بمقابلاتها من الصحة، فيقال: " هو صحيح المزاج والخلقة، وسالم العقل، وصحيح العمل والقول والأخلاق " وغير ذلك. ومن هنا يظهر: أن المخترعات الشرعية والاعتباريات العقلائية، كالمركبات الحقيقية في هذه الجهة، فإذا كانت الصلاة كاملة الأجزاء والشرائط والآثار والخواص، فتوصف بتلك الأوصاف، وإذا اختلت من ناحية من النواحي المقدرة لها في نشأة الذهن والعلم، توصف بوصف من الأوصاف المزبورة، فإن كانت بلا ركوع وسجود، وبلا كيفية وهيئة معتبرة فيها، وبلا أثر وخاصية مرغوبة منها - ككونها " معراج المؤمن " (1) وهكذا - توصف بالأوصاف الاخر المذكورة. إلا أن اتصافها بتلك الأوصاف تختلف مناشئه، فإذا قيل: " هي صلاة ناقصة " فهو لأجل الإخلال بها من ناحية الآثار المرغوبة منها، وإذا قيل: " إنها فاسدة " فهو لأجل الإخلال بكيفيتها أو كميتها المتقدرة لها بحسب الطبيعة، وإذا قيل: " إنها باطلة وعاطلة " فلا يبعد كونها بلحاظ مطلق الأثر المرغوب منها. وأما تفسير الصحة والفساد، وجعل منشأ الاتصاف بهما عدم وجوب القضاء والإعادة ووجوبهما، كما نسب إلى الفقيه، وهكذا تفسيرهما بحصول الامتثال وعدمه، كما عن المتكلم (2)، فهو غير صحيح، لأنهما من الامور المنتزعة عن تطابق المأتي به والمأمور به، وعدم التطابق، من غير دخالة سقوط الأمر وعدمه في ذلك، وإن كان يسقط في صورة الصحة، ولا يسقط في صورة الفساد، إلا أنهما كالحجر جنب الإنسان، أو هما ليسا من الانتزاعيين من التطابق وعدمه، بل الهيئة المتقدرة المفروضة المذكور تفصيلها إذا وجدت بجميع ما قدر لها في النشأة العلمية توصف


1 - تقدم في الصفحة 302. 2 - قوانين الاصول 1: 157 / السطر 19 - 20، و 158 / السطر 24، كفاية الاصول: 220. (*)

[ 317 ]

بالصحة، وإذا لم تكن كذلك توصف بالفساد، من غير لحاظ التطابق حتى يقال: بأنه في المعاملات لا يكون أمر حتى يطابق، أو يقال: بأن الصلاة المأمور بها هي طبيعي الصلاة، والطبيعة توجد بتبعها في الخارج. فبالجملة: لاداعي إلى اعتبار التطابق في الاتصاف المزبور، بل الطبيعة الكذائية إذا صارت خارجية ينتزع منها الصحة، وإذا كانت خارجية، ولكنها كانت مختلة من ناحية من النواحي المزبورة تكون فاسدة. وسيظهر في طي الامور الآتية ما يترتب على هذه المقالة من الآثار (1) بعدما عرفت سقوط تعريف الفقهاء والمتكلمين أيضا، والأمر سهل. ثانيها: في اتصاف العناوين في عالم العنوانية بالصحة والفساد قد مر في بحوث الصحيح والأعم: أن الصحة والفساد ليسا من الامور الداخلة في الذاتيات وفي الطبائع بالحمل الأولي (2)، وهذا مما لا غبار عليه كما عرفت في البحث السابق، مما تبين أن الصحة ليست من الامور الملحوظة عند تقدير الطبائع، تكوينية كانت، أو تأليفية هندسية، أو اختراعية اعتبارية. وأما الخلاف الظاهر بين الأعلام حول أن الصحة والفساد من تبعات الطبيعة في ظرف الوجود الخارجي، فلاتوصف العناوين في عالم العنوانية بهما، أم الأمر ليس كما قال به السيد الاستاذ البروجردي (3) والوالد (4) - عفي عنهما - ويجوز توصيف العنوان، فالتحقيق هو الثاني، ضرورة أن توصيف الصلاة في النجس: " بأنها فاسدة "


1 - يأتي في الصفحة 319 - 320 و 324. 2 - تقدم في الجزء الأول: 201 - 202. 3 - نهاية الاصول: 280 - 281. 4 - مناهج الوصول 2: 154 - 155. (*)

[ 318 ]

من غير النظر إلى تحققها وعدم تحققها، جائز وواقع في جميع الرسائل العملية. ولعل نظرهما ولاسيما نظر السيد الوالد المحقق إلى الإشكال في كون الصحة من تبعات الطبيعة في الحمل الأولي، وأما توصيف العناوين بما هي عناوين بالفساد فهو جائز لا غبار عليه، وهكذا توصيفها بالصحة وأن الصلاة في الظاهر صحيحة مما لا شبهة تعتريها، من غير رجوع القضية البتية إلى القضية الشرطية بالضرورة، فلا تخلط. ثالثها: في أن الصحة والفساد من الامور الواقعية لا الإضافية قد اشتهر: " أن الصحة والفساد من الأوصاف الإضافية (1)، وليس المراد من " الإضافة " أنهما من المفاهيم المتضايفة، ولا من مقولة الإضافة، بل المراد أنهما من الأوصاف النسبية واللحاظية في قبال الأوصاف الواقعية ". مثال الأول: وصف التقدم والتأخر، فإن الواحد يوصف بهما بلحاظ الأمرين الخارجين عنه، فيكون مقدما ومؤخرا. ومثال الثاني: وصف البياض والسواد، فإنهما وصفان للجسم على الإطلاق والواقعية. فهل الصحة والفساد من قبيل الأول أم الثاني ؟ فيه خلاف، ظاهر الأكثر (2) وهو صريح " الكفاية " (3) والسيد الاستاذ (رحمه الله) (4) كون الشئ الواحد صحيحا بلحاظ،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 60، نهاية الأفكار 1: 74، نهاية الاصول: 281. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 71، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 60 - 61، نهاية الأفكار 1: 74. 3 - كفاية الاصول: 220. 4 - نهاية الاصول: 281. (*)

[ 319 ]

وفاسد بلحاظ آخر. وربما يتوجه إليهما: أن مفهوم الصحة والفساد لو كانا إضافيين، للزم ذلك في اتصاف الطبائع الخارجية، مع أن الوجدان حاكم بأن البطيخ لا يوصف باعتبار ولحاظ بالصحة، وفي اعتبار آخر ولحاظ آخر بالفساد، فإن البطيخ بحسب الواقع إما فاسد، أو صحيح، فلابد وأن يكون الأمر كذلك في مثل الصلاة وغيرها، فإن الصلاة إما صحيحة، أو فاسدة. وأما إذا قلنا: " الصلاة صحيحة من حيث الأجزاء والشرائط، وفاسدة من حيث اشتمالها على المانع مثلا " فهو ليس من التوصيف الواقعي للصلاة الخارجية بالحمل الشائع. فليسا هما من قبيل التقدم والتأخر، فإنهما يحملان على الحقيقة على الصنف الثاني، ويكون موضوع التقدم عين موضوع التأخر. نعم، يمكن إرجاع هذا التوصيف إلى الصحة التأهلية التي هي في الحقيقة ليست إلا حكما مشروطا من جهة، وصحة واقعية من جهة اخرى، وإن كانت قابلة للزوال لأجل طرو الفساد، كما في الركعة الاولى بالنسبة إلى الثانية. ثم إن العلامة الاستاذ (قدس سره) استدل لإضافيتهما: " بأن الحركة الخارجية الصلاتية الواقعة في المغصوب، حركة صحيحة إذا لاحظناها بعنوانها الذاتي الطبيعي، وتلك الحركة - لأجل توقع انطباق عنوان " الصلاة " عليها ولأجل كونها صلاة فاسدة - توصف بالفساد " (1). وفيه: أنه في الأوصاف الإضافية كما في المثال المزبور، لابد وأن يكون الموضوع واحدا، ويحمل الوصف عليه حملا حقيقيا لا مجازيا، فكما يصح أن يقال: " هذا الصنف الثاني متقدم ومتأخر بالقياس إلى الصنف الأول والثالث " كذلك لابد وأن يصح أن يقال: " هذه الحركة الخارجية صحيحة وفاسدة " مع أن الفساد يطرأ


1 - نهاية الاصول: 281. (*)

[ 320 ]

عليها لأجل اعتبار آخر، وهو تلونها بالصلاة، ولمكان ذلك يقال: " هي فاسدة " وما هو الفاسد في الحقيقة هي الصلاة المتحدة مع تلك الحركة، فلاينبغي الخلط. فتبين: أن ما اشتهر " من أنهما من الأوصاف الإضافية " في غير محله، بل هما من الأوصاف المطلقة الواقعية الثابتة كالبياض والسواد. نعم، ربما يمكن أن يوصف الواحد لأجل اشتماله على الجهات الكثيرة بالصحة والفساد، على أن يكون موضوع الصحة في الحقيقة غير موضوع الفساد، مثلا يوصف الإنسان بالصحة، لأجل صحة المزاج، ويوصف بالفساد، لأجل فساد الأخلاق، إلا أن الموضوع متعدد كما ترى، فليتدبر جيدا. ومما ذكرناه يظهر: أن الصحة والفساد بالنسبة إلى حالات المكلفين ليسا من الصحة والفساد الإضافيين (1)، وذلك لأن الطبيعة المتقدرة مختلفة الأجزاء والشرائط، حسب اختلاف تلك الحالات، وهذا لا يوجب كونهما وصفين إضافيين كما ترى. وهذا أيضا من ثمرات البحث الذي حررناه أولا (2). رابعها: في بطلان الصحة التأهلية قد اشتهر تقسيم الصحة إلى الصحة التأهلية، والصحة الفعلية (3)، فإن الصلاة بعد الفراغ منها صحيحة بالفعل، والصلاة حين الاشتغال بها صحيحة تأهلا، لما أن الركعة الاولى أهل لأن تلتحق بها الثانية، وتصير صحيحة بالفعل. وبعبارة اخرى: لو فسدت الصلاة بعد ذلك فليس الفساد ناشئا من الركعة


1 - لاحظ مناهج الوصول 2: 154، محاضرات في اصول الفقه 1: 136. 2 - تقدم في الصفحة 303 - 305 و 313. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 232 - 233، نهاية الأفكار 3: 441، ولاحظ أنوار الهداية 2: 359. (*)

[ 321 ]

الاولى، بل هو يأتي من الجهات الاخر والركعات الآتية. أقول أولا: بناء على هذا يلزم صحة تقسيم الفساد إلى القسمين المزبورين، فإن الركعة الاولى فاسدة تأهلا، ضرورة أن بطرو الفساد الآتي على الركعة الثانية تصير الركعة الاولى أيضا فاسدة بالفعل، ويلزم بناء عليه إمكان اجتماع الصحة التأهلية والفساد الفعلي بالضرورة. وثانيا: إنه لو كان في المخترعات الاعتبارية أثر من الصحة التأهلية، لكان ذلك أيضا في الطبائع الخارجية، وإذا لاحظنا تلك الخارجيات من المركبات - حقيقية كانت، أم تأليفية - فهي لاتوصف بالصحة التأهلية. مثلا: إذا كان بناء الدار وهيئتها على أن تكون ذات غرف خمس، فإذا بنيت إحدى الغرف لاتوصف هي بالصحة التأهلية، بل الغرفة الواحدة في اللحاظ الاستقلالي صحيحة بالفعل، ولكنها تكون بحيث إذا لحقتها الغرف الاخر يصير الكل دارا، والكل يوصف بالصحة الفعلية، وهي الصحة الاخرى، ولا تكون هذه الصحة تلك الصحة التأهلية البالغة إلى حد الفعلية. مع أن الصحة التأهلية لابد وأن تصير فعلية عند تمامية الأجزاء، مع أن الأمر ليس كذلك. هذا، وغير خفي: أن الحكم على شئ بالصحة تأهليا كان أو فعليا، من القضايا الموجبة المحتاجة إلى وجود الموضوع، والصلاة وركعتها معدومة حين الحكم، فتدبر. خامسها: في تقابل الصحة والفساد اختلفوا في أن الصحة والفساد من المتضادين، أو هما من قبيل الملكة والعدم، أم يفصل بين الصحة والفساد في الطبائع التكوينية، والصحة والفساد في المركبات الشرعية ؟

[ 322 ]

فذهب الأكثر إلى الثاني (1)، والوالد المحقق - مد ظله - إلى الثالث (2)، وظاهر الكل أن الفساد أمر عدمي (3). والذي هو التحقيق حسبما عرفت منا: أن الصحة انتزاع من الطبيعة المتقدرة في ظرف الوجود الخارجي (4)، فإذا قدر البطيخ في النشأة العلمية - حسب الطبيعة النوعية - أن تكون كذا وكذا، فإن كانت في وجودها الخارجي عين ما في الخارج، وتصير خارجية، فهو البطيخ الصحيح والسالم. وإذا لم تصر خارجية فتارة: لا تصير في الخارج على الإطلاق، فلا شئ في الخارج حتى ينتزع منه شئ، وأما إذا صارت خارجية ببعض الخصوصيات المتقدرة لها، وكانت ناقصة في الوجود، فهي أيضا لا ينتزع منها الفساد، بل يكون الفساد منتزعا من جريان الاختلال في المزاج الموجب لعفونته ومرارته وغير ذلك، فيكون منشأ انتزاع الفساد أمرا وجوديا. وأما في الاعتباريات فالأمر أيضا كما حرر، فإن من قطع صلاته عمدا في أثنائها لا تكون صلاته فاسدة، بل الصلاة تصير باطلة، والفساد ينتزع من اشتمالها على وبر ما لا يؤكل لحمه، كاشتمال البطيخ على الديدان، فلاحظ وتدبر. فلا مفهوم ثان للفساد في الاعتباريات، ولايكون من العدميات في الطبيعيات. بل لا معنى لكونهما من العدم والملكة، لأن العدم المقابل للملكة ما كان فيه قوة الملكة، مع أن الفاسد ليست فيه قوة الملكة. نعم الناقص فيه قوة الملكة. اللهم إلا أن يقال: إنهما من العدم والملكة المشهوريين (5)، فتأمل.


1 - أجود التقريرات 2: 388، نهاية الأفكار 1: 77، و 4: 97، نهاية الاصول: 283. 2 - مناهج الوصول 2: 153 - 154، تهذيب الاصول 1: 410 - 411. 3 - أجود التقريرات 2: 388، نهاية الاصول 1: 283، منتهى الاصول 1: 52. 4 - تقدم في الصفحة 314 - 316. 5 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 116 - 117. (*)

[ 323 ]

وإن شئت قلت: ليس الصحة والفساد من الأضداد الحقيقية، لأنهما ليسا من المحمولات بالضميمة، أو أن الفساد أمر خارجي، بخلاف الصحة، فإنها من قبيل الشيئية والإمكان، يكون الخارج طرف اتصافهما، والذهن ظرف العروض. هذا بالنسبة إلى الفساد في الطبائع الخارجية، وأما في الاعتباريات فهو اعتبار طبعا، فلاحظ جيدا. سادسها: حول توهم إضافية الصحة والفساد ودفعه ربما تنقسم الصحة والفساد إلى الشرعيين والعرفيين (1)، وفي هذه القسمة يصيران إضافيين، فيكون الشئ الواحد صحيحا عرفيا، وفاسدا شرعيا، ويلزم بناء عليه الخلل فيما مضى، من أنهما ليسا إضافيين (2). وتوهم الشبهة في صحة التقسيم المزبور واضح المنع، ضرورة أن القمار والبيع الربوي صحيحان عرفا، وموضوعان للأثر عند العقلاء، وباطلان شرعا، ولا يترتب عليهما الأثر المرغوب منهما في نظر الشرع. أقول: لنا أن نقول بأن مقتضى ما تبين منا في تقدير الأشياء، وسبق الوجود العلمي على العيني، وسبق نشأة الماهية المتقدرة بالأجزاء والشرائط على نشأة وجود تلك الماهية (3)، هو أن ماهية المعاملات والموضوعات العرفية المتسبب بها إلى المسببات الخاصة إذا صارت خارجية، ينتزع منها الصحة، وتلك الماهيات - لأجل حكم الشرع بعدم جواز ترتيب الآثار عليها - لا ينتزع منها


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 72 - 73، نهاية النهاية 1: 46 - 47، محاضرات في اصول الفقه 1: 193 - 194. 2 - تقدم في الصفحة 319 - 320. 3 - تقدم في الصفحة 314 - 315. (*)

[ 324 ]

الصحة بهذا المعنى. وأما توصيفها بالفساد، أو دخالة الشرع في مقدرات المعاملات، فهو غير واضح وغير لازم وإن كان ذلك ممكنا خلافا لما يستظهر أحيانا في بعض المواضع عن جمع (1)، ضرورة أن عائلة البشر إذا كانت تابعة للشرع، تصير الاعتبارات الأولية العقلائية منسية، وتبقى القيود والشرائط الشرعية في المحاورات العرفية والمعاملات العقلائية، كما يكون من المحتمل هذا الوجود من الاعتبار العقلائي، معتبرا شرعيا من الشرائع السالفة، فلاحظ واغتنم، فإنه ينفعك في كثير من المراحل. سابعها: حول اندراج المعاملات في محط النزاع بناء على كون مناط الاندراج في محط النزاع، إمكان اتصاف المعنى بالصحة والفساد، يشكل الأمر في المعاملات، وذلك لأنه في مثل العبادات التي يتعلق الأمر بها، يكون المطلوب نفس الطبيعة، وهذه الطبيعة لمكان كونها ذات مراتب اعتبارية تشكيكية، توصف بالصحة والفساد، فإذا وجدت الصلاة خارجا، وكانت هي الصلاة المتقدرة في النشأة الذهنية، ينتزع منها مفهوم الصحة، وإلا فينتزع منها مفهوم الفساد. وأما المعاملات، فهي من قبيل الأسباب والمسببات، أو تكون من قبيل الموضوعات لأحكام عقلائية التي هي المقصود بالذات والمنظور فيها، وعندئذ لا معنى لاتصافها بالصحة والفساد، ضرورة أن أمر المسبب دائر بين التحقق واللاتحقق، وليس ذا مراتب تشكيكية في الاعتبار. وأما أسباب الإنشاء فهي مثله، لأن جميع القيود العرفية والعقلائية، من قبيل المقومات الدخيلة في حقيقة التسمية، بحيث لا يصدق على الناقص القاصر وعلى


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 1: 195. (*)

[ 325 ]

السبب المختل عنوان " البيع " و " الإجارة ". وإن شئت قلت: العرف في هذه الموضوعات الخاصة أخصي، ولا يتصور الأعمية فيما كان شأنه ذلك. وأما توهم اتصافه بالصحة والفساد شرعا، ويكون المراد من " الفساد " في العنوان أعم من الفساد العرفي، فقد مر ما يتعلق به، وذكرنا هناك: أن الظاهر من الشرع ليس إلا المنع عن ترتيب الآثار على ما هو الموضوع للأثر عرفا، من غير دخالة في ماهية المعاملة أو لزوم دخالته. وتوهم: أن نفي ترتب الأثر ليس إلا لأجل اعتبار قيد في المعاملة ثبوتا الذي هو المفقود في المعاملة العرفية في محله، إلا أنه لا يستلزم التصرف في مفهوم الصحة والفساد، كما لا يخفى. ومن هنا يظهر: أن ما توهموه حلا لهذه المعضلة " من أن المناط في توصيفها بالصحة والفساد، ترتب الأثر على السبب وعدم ترتبه، فإن السبب إذا كان موجودا بتمام هويته ينتزع منه الصحة، وإلا فينتزع منه الفساد " (1)، غير وجيه وخال عن التحصيل، ضرورة أن الشرائط العرفية تكون من الأركان المقومة للعناوين والماهيات، ولو اطلق أحيانا في مورد فهو من قبيل المجازات الشائعة والتوسعات المتعارفة، فلا يكون للسبب وجود تام وناقص، بل السبب أيضا أمره دائر بين الوجود والعدم. ومن المحتمل قويا استناد الشهرة إلى هذه الشبهة في ذهابهم إلى أن ألفاظ المعاملات موضوعة للأخص (2)، ولتلك النكتة وهذا السر ذهبوا إلى أن الإجازة في


1 - كفاية الاصول: 220، أجود التقريرات 2: 390، نهاية الأفكار 1: 73 - 74 و 452. 2 - الفصول الغروية: 52 / السطر 15، كفاية الاصول: 49، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 79 - 82. (*)

[ 326 ]

الفضولي كاشفة (1)، لأن البيع الواقع من الفضولي لا يتردد بين الوجودين: الإنشائي، والفعلي، حتى يقال: بأن الإجازة ناقلة، ويصير بها فعليا، بل البيع إما يوجد بالحمل الشائع ويؤثر، أو لا يكون قابلا للحوق الإجازة، وحيث إن الشرع والعرف على صحة الفضولي فيعلم: أن حقيقة البيع وتمام ماهيته تحصل بعمل الفضولي، وتكون الإجازة كاشفة. أقول: تنحل هذه المعضلة على مسلكنا في المسألة، وذلك لما عرفت من أن الكلام ليس حول الصحة والفساد (2)، وأن ما اشتهر: " من أن مناط الاندراج في محط النزاع إمكان الاتصاف بالصحة والفساد " مما لا أصل له، بل المناط إمكان استتباع النهي لجهة وضعية زائدا على جهة تكليفية، فإنه إذا أمكن ذلك ثبوتا، كان للبحث عن دلالة النهي على تلك الجهة أو اقتضائه وجه، وإلا فلا. وفيما نحن فيه يكون الأمر كذلك، ضرورة أن النهي المتعلق بالمعاملة يمكن أن يستتبع جهة وضعية، وهو أن المنهي ليس قابلا لأن يتوصل به إلى السبب المقصود، ويكون ساقطا عن تلك القابلية، سواء كان ذلك بسقوط صفة القابلية، أو بعدم تحققه رأسا. هذا، ويمكن أن يقال: بأن تقابل الصحة والفساد كما عرفت (3)، ليس من العدم والملكة الحقيقيين، حتى يلزم من إمكان الاتصاف بالصحة إمكان الاتصاف بالفساد، بل يمكن أن يوصف شئ بالصحة عند الوجود، ولا يوصف بالفساد، لانتفاء الموضوع وانعدامه.


1 - الروضة البهية 1: 314 / السطر 15، جواهر الكلام 22: 285، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 132 / السطر 4. 2 - تقدم في الصفحة 309. 3 - تقدم في الصفحة 321 - 322. (*)

[ 327 ]

إذا تبين ذلك، فلتكن على خبر من أمر آخر: وهو أن المقصود بالبحث ليس دلالة النهي على الفساد، أو اقتضاءه ذلك، أو استتباعه لمفهوم الفاسد، بل المقصود بالبحث هو أن النهي إذا تعلق مثلا بعنوان " المعاملة " هل يورث أن لا ينتزع من المنهي عنوان " الصحة " أم لا ؟ فإن اجتمع بين النهي وانتزاع عنوان " الصحة " فيعلم أنه لا يستلزم جهة وضعية، وإلا فيعلم منه استتباعه لجهة وضعية، سواء كان تلك الجهة عنوان " الفساد " أو أمرا أسوأ حالا منه، وهو " الانتفاء والانعدام ". فإذن يعلم إمكان اندراج المعاملات في مصب الخلاف في المقام، فإنه إذا تعلق النهي ببيع الربا إما ينتزع منه الصحة بعدما تعلق، فيكون النهي غير دال على شئ، وإما لا ينتزع منه العنوان المزبور، فيكون مستتبعا طبعا لأمر وضعي، وهو قصور المعاملة عن إمكان التسبب به، فليتأمل جيدا. ثامنها: حول مجعولية الصحة والفساد وعدمها من البحوث المشهورة حول الصحة والفساد: أنه هل هما مجعولتان وقابلتان للجعل استقلالا وتبعا مطلقا، أم لا مطلقا (1)، أو يفصل بين الصحة العرفية والشرعية، أو بين العبادات والمعاملات، كما في " الكفاية " (2) أو بين الواقعية والظاهرية، فلا تكونان مجعولين بالنسبة إلى الأحكام الواقعية ؟ وأما الأحكام الظاهرية على القول بالإجزاء فلابد وأن تكونا فيها مجعولين (3). وجوه، بل وأقوال.


1 - مطارح الأنظار: 160 / السطر 13 - 15، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 460، منتهى الاصول 1: 413، مناهج الوصول 2: 155. 2 - كفاية الاصول: 221 - 222. 3 - أجود التقريرات 2: 391 - 393، مصباح الاصول 3: 86. (*)

[ 328 ]

أقول: لا خير في إطالة الكلام حول المسألة بعد وضوحها، ضرورة أن الصحة - كما عرفت (1) - ليست من التبعات والعوارض الملحوظة في نشأة تقدير الشئ ونشأة الذهن، بل الطبائع في هذه النشأة تعتبر مع قيود وخواص وآثار، على نعت قابليتها بالنسبة إليها، وتلك القيود والتبعات إما مندرجة في المقولات حقيقة، أو تكون اعتبارا من تلك المقولات، كما في الطبائع الاعتبارية والماهيات العرفية والاختراعية. وإذا صارت تلك الطبيعة - على ما كانت متقدرة بالخصوصيات - خارجية وفي الأعيان، ينتزع منها الصحة، وإلا فربما ينتزع منها " المعيب " وربما ينتزع منها عناوين " الباطل، والعاطل، والفاسد، والناقص " من غير اندراج هذه العناوين تحت اللحاظ والاعتبار، فلا تنالها يد الجعل تكوينا، ولا تشريعا. نعم، يمكن أن تكون الطبيعة ذات عرض عريض بالنسبة إلى حالات المكلفين، فتكون ذات أجزاء وشروط تتراوح بين العشرة إلى العشرين، فيكون ينتزع الصحة منها في فرض دون فرض، من غير إمكان انتزاع الصحة من الطبيعة الناقصة بعد كونها متقدرة بالأجزاء البالغة إلى العشرين مثلا بالضرورة. نعم، للشرع صرف النظر عن أمره وتكليفه، وأن لا يوجب الإعادة ولا القضاء، ولكنه ليس جعل الصحة للمأتي به إلا ادعاء، بداعي انتقال المكلف إلى عدم التزامه بتكليفه، وإلا فمع التزامه بالتكليف التام لا يعقل اعتبار الصحة والاجتزاء بالناقص، كما هو الواضح، وقد نص عليه السيد الوالد المحقق - مد ظله - (2) فليلاحظ جيدا. نعم، يتوجه إليه - مد ظله -: أنه ظن حسب ما اعتقده فيما سلف " أن وجه امتناع جعلهما أن الصحة والفساد من أوصاف الفرد الموجود من الماهية المخترعة،


1 - تقدم في الصفحة 314 - 316. 2 - مناهج الوصول 2: 155، تهذيب الاصول 1: 412. (*)

[ 329 ]

المنتزعتان من المطابقة واللا مطابقة " (1) انتهى. وفيه ما عرفت: من أن الصحة تعرض الماهية الكلية أيضا، ولايكون منشأ الانتزاع التطابق واللا تطابق، بل منشأ الانتزاع تحقق الطبيعة على قدرها المتعين في النشأة العلمية في الخارج وفي الأعيان، ضرورة أن الطبيعي بنفسه موجود في الخارج لابمنشئه، من غير فرق بين الطبائع الأصلية والاعتبارية، فلا معنى لمفهوم المطابقة واللا مطابقة المعروف في كلماتهم (2) صدرا وذيلا، كما مر بتفصيل لا مزيد عليه (3). إن قلت: إنا نرى بالوجدان أن الشرع يعتبر بعض المعاملات صحيحة، وبعضها فاسدة ولو بالإمضاء والردع، ولا نعني بجعل الصحة والفساد إلا ذلك. وبعبارة اخرى: نجد بالوجدان صحة قول الشرع في القوانين الشرعية وقول العرف في القوانين العرفية: " بأن معاملة كذا باطلة عندي وفاسدة لدينا " أو يصح في الارتكاز أن يقال: " جعلت بيع الخمر فاسدا، وجعلت بيع كذا صحيحا " فلو كان ذلك من الممتنعات لما كان يستحسن ذلك عند العقل والعرف (4). قلت أولا: تجري هذه الشبهة في العبادات أيضا، ويصح التعبير المزبور فيها حذوا بحذو، فيقال: " إن عبادة الأوثان فاسدة عندي، وعبادة الله تعالى صحيحة لدينا ". وثانيا: إن هذه الشبهة ليست إلا ناشئة عن المسامحة في الإطلاقات العرفية والاستعمالات البدوية. والذي هو الحق: أنه في قولنا: " بيع كذا صحيح " ليس إلا إخبارا عن واجدية البيع لما يعتبر في نفوذه وسببيته للمسبب المترقب منه، أو واجديته لما هو المعتبر


1 - نفس المصدر. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 458 - 461، نهاية الاصول 1: 280 - 283، مناهج الوصول 2: 154 - 155. 3 - تقدم في الصفحة 314 - 317. 4 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 5: 12. (*)

[ 330 ]

في موضوعيته لحكم العقلاء بالنقل والانتقال، من غير جعل الصحة له بدون اعتبار منشئها، ومع اعتبار منشأ الصحة لا معنى لجعلها، لأنه يصير من قبيل جعل المجعول. وهكذا إذا قلنا: " إن بيع الخمر فاسد " فإنه ليس إلا بعد لحاظ قيد في المبيع، وهو أنه يعتبر أن لا يكون المبيع خمرا، فإذا كان كذلك ف‍ " بيع الخمر فاسد " ليس إلا إخبارا، ولايكون إنشاء. وإذا صح قولنا: " جعلت بيع الخمر فاسدا " فهو ليس من قبيل جعل الفساد على البيع الجامع للشرائط، لأنه من اللغو، بل هو يرجع إلى إفادة اشتراط كون المبيع غير خمر. فبالجملة: جعل البيع أو العبادة الكذائية فاسدا من المجازفة، إلا برجوعه إلى اعتبار قيد في صحة البيع، وبعد رجوعه إلى ذلك لا معنى للجعل ثانيا، لأنه يصير أيضا لغوا وجزافا. وإن شئت قلت: كما قد تكون الجمل الخبرية في موقف الإنشاء، كذلك قد تكون الجمل الإنشائية في موقف الإخبار، فإذا قيل: " جعلت صلاة الفاقد صحيحة " فهو إخبار عن أن الصلاة بالنسبة إلى الفاقد ذات تسعة أجزاء، وإذا قيل: " جعلت البيع الربوي فاسدا " فهو إخبار بأن من القيود المعتبرة في نفوذ البيع عندي كونه غير ربوي وهكذا. فلاينبغي الخلط بين مداليل الجمل، كما لا ينبغي الإصغاء إلى الجمل المزبورة في محيط العرف، بعد عدم مساعدة البرهان على مفاهيمها المطابقية، وقيام الدليل عقلا على امتناع سريان الجعل إلى الصحة والفساد، بسيطا كان، أو مركبا. تذنيب: حول تحقق الفساد في الموضوعات الاعتبارية ما ذكرناه من الفساد هو الفساد المنتزع من عدم تحقق الطبيعة على حدودها وخصوصياتها المقدرة لها، مثلا إذا كانت طبيعة الصلاة متقدرة بالطهارة، فتارة: تصير الصلاة الواجدة لها خارجية، فحينئذ ينتزع الصحة، واخرى: تصير الصلاة الفاقدة

[ 331 ]

للطهارة خارجية، فينتزع الفساد، فهذا الفساد مما لا تناله يد الجعل في التكوينيات والتشريعيات. وأما إذا كان الفساد ناشئا من اشتمال الفرد والطبيعة في الخارج على ما يضاد صحتها، كالعفونة والديدان، فإن هذا النحو من الفساد أمر وجودي مجعول ومستند إلى علته الطبيعية. هذا في الفساد الطبيعي بالنسبة إلى الامور الطبيعية، والموضوعات الخارجية التكوينية. وأما هذا النحو من الفساد، فإمكان تحققه في الموضوعات الاعتبارية - كالمعاملات - والاختراعية، مورد المناقشة والمنع، وهو يرجع إلى إمكان تصوير المانع والمضادة الخارجية، فإن قلنا بامتناع ذلك كما هو رأينا (1)، فلا يعقل سريان الجعل إليه. وأما إن قلنا بإمكان ذلك (2)، فيلزم أن يكون الفساد قابلا للجعل التبعي، لا الاستقلالي، لأنه ناشئ من جعل مانعية النجاسة مثلا في الصلاة، وإذا اعتبر مانعية النجاسة تكون الصلاة الخارجية فاسدة بجعل المانعية، وأما جعل الفساد مستقلا فهو من الجزاف، ولابد وأن يرجع إلى جعل مفسدية شئ للصلاة، حتى يستتبع جعل المفسدية جعل الفساد بالتبع. وقد خرجنا من حريم البحث، ولاسيما في هذا المقام على ما أبدعناه في عنوان البحث، فليعذرني إخواني إن شاء الله تعالى. تاسعها: في مقتضى الاصول العملية عند الشك في استتباع النهي للفساد وهو آخر المقدمات المذكورة في هذه المسألة، حول قضية الاصول العملية عند الشك في استتباع النهي لجهة وضعية، وعدم استتباعه لها، والكلام يقع في مقامين:


1 - يأتي في الجزء الثامن: 56 - 57 و 82. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 203 - 204 و 243 - 250. (*)

[ 332 ]

المقام الأول: في مقتضى الاصول في الشك في المسألة الاصولية إنه إذا تعلق النهي بشئ يقتضي حرمته التكليفية، فهل يستتبع الحرمة الوضعية زائدا على تلك الحرمة، أم لا ؟ وحيث إن الاستتباع مورد الشك، فإما يجري استصحاب عدم الاستتباع، أو لا يجري، لعدم العلم بالحالة السابقة، فإن جرى فهو من الأصل المثبت، لعدم إمكان إثبات شئ بمجرد التعبدية كما لا يخفى، وإن لم يجر فالأمر أوضح. وهذا من غير فرق بين كون الشك في دلالة النهي أو في استتباعه عقلا. وقد كنا في سالف الزمان نذكر إمكان جريان أصل العدم النعتي، معتقدا بأن نفس التعبد بهذا العدم كاف فيما إذا شك في الدلالة اللفظية، لرجوعه إلى لحاظ الواضع، أو اكتساب صيغة النهي بالاستعمال والوضع التعيني، فليتأمل. ومن الممكن إجراء العدم المحمولي، فإن الشك يرجع إلى الشك في أن صيغة النهي هل تستتبع التحريم الوضعي ؟ وهي ما كانت تستتبع، ونفس التعبد بهذه القضية الكلية كاف، كما لا يخفى. المقام الثاني: في مقتضى الاصول العملية في الشك في المسألة الفرعية إذا لم يكن أصل موضوعي في المسألة الاصولية، تصل النوبة إلى حال الاصول في المسألة الفرعية، والكلام هنا يقع في جهتين: الجهة الاولى: في العبادات وقد عرفت: أن مصب البحث حول مقتضى النهي وضعا، بعد مفروغية تعلقه

[ 333 ]

بها، ودلالته على التحريم تكليفا (1)، فإذا شك حينئذ يلزم منه الشك في أن صفة الحرمة تمنع عن صفة الصحة، أم لا، ومقتضى الأدلة عدم مانعيتها كسائر الموارد التي يشك فيها في مانعية شئ. وبالجملة: إذا كان النهي مستتبعا لحكم وضعي وهو الفساد، أو عدم قابلية التقرب بالمنهي، فهو يمنع عن انتزاع صفة الصحة، وإلا فلا، وعند الشك يرجع إلى الأدلة النافية للمانعية. ودعوى: أنه يرجع إلى الشك في سقوط أمر العبادة، غير مسموعة، ضرورة أن منشأ الشك في سقوط أمر العبادة، الشك في إمكان انتزاع وصف الصحة، ومنشأ ذلك هو الشك في مانعية الحرمة أو الكراهة النفسيتين أو الغيريتين عن الانتزاع المزبور. وغير خفي: أنه لا ينبغي الخلط بين هذه المسألة ومسألة التضاد بين صفة العبودية والحرمة (2)، فإنه بحث راجع إلى أصل المسألة، وما نحن فيه بحث راجع إلى حدود مقتضى النهي وضعا، فلا تخلط. الجهة الثانية: في المعاملات والأمر فيها كما مر في العبادات، ويكون الكلام في نفس الشك في أن صيغة النهي تستلزم الحكم بالفساد، أم لا. وأما استكشاف الفساد من ناحية عدم الأمر وعدم الإمضاء، فهو أمر خارج عن حدود هذه المسألة. فبناء على هذا، لا يرجع الشك هنا إلى الشك في الصحة والفساد، بل انتزاع الصحة من المعاملة القمارية مثلا كان مفروغا عنه، وإنما الشبهة في أن صفة الحرمة


1 - تقدم في الصفحة 290 - 291 و 309. 2 - نهاية الاصول 1: 285. (*)

[ 334 ]

وصفة كونها منهيا عنها، تزاحم انتزاع صفة الصحة، أم لا. وإذا كان الشك يرجع إلى الشك في المانعية والمضادة، فبرفعها يتم المطلوب. إن قلت: كل ذلك من الأصل المثبت، لأن انتزاع صفة الصحة بعد رفع المانعية، يكون من آثارها العقلية. قلت: كلا، لأنها تنتزع في محيط العقلاء على كل تقدير، وإنما الشك في محيط الشرع، وإذا كان في نظر الشرع المانعية مرفوعة يتم المطلوب، وهذا من أظهر مصاديق ضم الوجدان إلى الأصل، من غير كون الموضوع مركبا، فتأمل. وإن كنت تتحاشى من إرجاع المسألة إلى الشك في مزاحمة صفة الحرمة والكراهة مع صفة الصحة، وقلت: إن الشك يكون في أن المعاملة القمارية بعد كونها منهية، فاسدة أم لا، فإن كان هناك إطلاق أو عموم فهو، وإلا فالأصل يقتضي الفساد، وهكذا في العبادات (1)، فنقول: قد عرفت أن ذلك خروج عن الجهة المبحوث عنها، ويكون من التمسك بعدم الأمر للفساد، وأما نفس هذه المسألة بما هي هي فلا تقتضي الفساد، ولذلك من الأصحاب من يقول: بأن عدم الردع كاف في نفوذ المعاملة، من غير لزوم كونها بمرأى ومنظر من الشرع (2)، كما مر تفصيله في مقدمات بحوث الضد والترتب (3)، وعليه يلزم صحة المعاملة وإن لم يكن هناك أمر وتنفيذ بالإطلاق أو العموم. وبعبارة اخرى: الكلام هنا يكون في صورة وجود الإطلاق والعموم، فعليه إن ثبت دلالة النهي على الفساد فيلزم التخصيص أو التقييد، وإلا فلا وجه للقول بالفساد، لا من جهة التمسك بالإطلاق والعموم، بل لأجل قصور النهي عن إيراث


1 - كفاية الاصول: 222، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 463. 2 - مناهج الوصول 2: 163. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 337 - 338. (*)

[ 335 ]

الفساد أو إيراث ما يمانع انتزاع الصحة. فتحصل: أن المسألة من هذه الجهة تشتمل على بحث حيثي، ولا ينبغي الخلط، والأمر - بعد ذلك كله - سهل جدا. ذنابة: حول ابتناء النزاع على عقلية النزاع ولفظيته قال في " الدرر ": يمكن ابتناء المسألة على كون النزاع لفظيا أو عقليا، فأفاد الصحة على الأول، لأن الشك يرجع إلى الشك في التقييد، بعد وجود الأمر في الشريعة، وبعد فرض إطلاقه وعمومه، والفساد على الثاني، لأنه ليس من الشك في قيد من قيود المأمور به، بل هو من الشك في حصول القرب بالمأتي به (1)، انتهى مرامه. وفيه أولا: ما عرفت من أن مناط عقلية النزاع ولفظيته ليس دليل المسألة، وإلا يلزم كون حجية الخبر الواحد وأمثالها لفظية وعقلية، ومر تفصيله (2). وثانيا: على الأول يتوجه إليه ما مر، من توجيه الإشكال الأخير على " الكفاية " لأنه لا يزيد على ما فيها هنا. وثالثا: أنه (قدس سره) على ما يستظهر منه، ظن أن القرب المطلوب في العبادات، أمر تكويني سماوي خارج عن محيط دائرة العلم والقدرة (3)، وإلا فلا شبهة في أن المكلف يقصد بالمأتي به وجه الله تعالى، على وجه يكفي في صورة احتمال كون الطبيعة مورد الأمر، فضلا عما نحن فيه، فتدبر جيدا. إذا عرفت تلك المقدمات فالكلام يقع في مقامين:


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 186 - 187. 2 - تقدم في الصفحة 133 - 134 و 292. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 96 - 97 و 187. (*)

[ 337 ]

المقام الأول في النهي عن العبادة والأفعال القربية وأنه هل هو يستتبع الحكم الوضعي وعدم الإجزاء والفساد والبطلان مطلقا (1)، أم لا مطلقا (2) ؟ أو يقع التفصيل بين أنحاء النهي، فما كان منه تحريميا أو تنزيهيا فهو يستتبع، وما كان غيريا فلا (3)، أو يلحق بالغيري التنزيهي أيضا (4) ؟ أم يقع التفصيل بين ما إذا كانت نفس العبادة منهية، أو كانت أجزاؤها وشرائطها (5) ؟ أم يفصل بين ما كانت عبادة ذاتا، وما كانت عبادة بجهات عرضية، فلا يدل


1 - الوافية في اصول الفقه: 101، قوانين الاصول 1: 159 / السطر 9. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 3: 99 - 100، نهاية النهاية 1: 250، درر الفوائد، المحقق الحائري 1: 187. 3 - مناهج الوصول 2: 160 - 161. 4 - أجود التقريرات 1: 386 - 387، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 455 - 456. 5 - كفاية الاصول: 222 - 224، محاضرات في اصول الفقه 5: 52 - 53. (*)

[ 338 ]

على الأول، ويدل على الثاني ؟ وجوه وأقوال. وأما التفصيل بين الأجزاء أو الشروط وغيرهما المأخوذة واسطة في الثبوت وعدمه (1)، فهو خروج عن البحث، كما نشير إليه إن شاء الله تعالى. والذي هو الحق: أن النهي لا يدل بالوضع على شئ، لما تحرر فيما سبق من حدود دلالة صيغته (2)، وما يظهر من " الكفاية " من دلالته عليه (3)، محمول على المسامحة، ولكن يستتبع الحكم الوضعي وبطلان المنهي وفساد العبادة، وتصير النتيجة عدم جواز الاجتزاء بالمنهي عنه في مقام الامتثال، من غير فرق بين صور المسألة والفروض المزبورة. وقد يقرر هنا وجوه لا يخلو جلها لولا كلها عن الخلل والمناقشة: الوجه الأول: أن عبادية العبادة بالأمر، ولا يعقل اجتماعه مع النهي الوارد على محله كما هو المفروض، من غير فرق بين كون النهي متعلقا بنفسها، أو بجزئها، لأن معنى تعلقه بجزئها هو تعلقه بالطبيعة المقيدة. وأما تفسير تعلقه بجزئها أو بوصفها بعنوانه الاستقلالي، فهو يرجع إلى النهي عن العنوان الخارج الذي هو خارج عن محيط النزاع، فما في " الدرر " (4) والتقريرات (5) لا يخلو من تأسف. وإلى هذا يرجع التفصيل المشار إليه بين الشرط الذي يكون واسطة في الثبوت، وبين ما يكون واسطة في العروض، لأنه مع الوساطة في الثبوت يرجع إلى


1 - كفاية الاصول: 223 - 224، منتهى الاصول 1: 416 - 418. 2 - تقدم في الصفحة 92 - 93. 3 - كفاية الاصول: 224 - 225. 4 - درر الفوائد، المحقق: 187 - 188. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 463 - 466. (*)

[ 339 ]

أن ما هو المنهي حقيقة، هو العنوان الخارج، فلا تخلط. نعم، يمكن أن يقال: بأن النهي الغيري لا يورث الفساد، لتعلقه بعنوان خارج ولكنه أيضا خلف، لما أن المفروض تعلقه بذات الضد وبعنوان " العبادة " المضادة مع الإزالة، فلاينبغي الخلط بين اختلاف المباني، واختلاف البناءات، وإلا فالبحث المبنوي طويل الذيل هنا، وقد مضى في محله (1) بحمد الله وله الشكر. إن قلت: إن النهي التنزيهي يجتمع مع الأمر، لأنه ترخيص بالفعل (2). قلت: قد فرغنا عن امتناعه بعد الإقرار بأنه متعلق بالعبادة المقيدة، وبعد الإقرار بأنه محمول على الكراهة المصطلحة (3)، وأما مع إنكار ذلك فيلزم الخروج عن محط التشاح ومصب النزاع أيضا. فبالجملة: في مفروض الكلام يلزم اجتماع الأمر والنهي، وحيث إن الفرض تقدم النهي في مقام التعارض، يلزم عدم الأمر، وعند ذلك تصبح العبادة فاسدة. إن قلت: قد تحرر في محله إمكان اندراج المطلق والمقيد في محل النزاع السابق، فعلى هذا لا يلزم سقوط الأمر على كل تقدير، بل إما يجتمع مع النهي، أو يسقط النهي دونه. قلت: - مضافا إلى عدم اندراجه في محط النزاع السابق، كما تحرر عندنا (4) - إن الأصحاب (رحمهم الله) بناؤهم على حمل المطلق على المقيد (5). نعم، إذا قامت القرينة الخارجية على وجود الأمر في مورد القيد، يصح


1 - تقدم في الجزء الثالث: 334 - 336. 2 - أجود التقريرات 1: 386، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 436 و 455. 3 - تقدم في الصفحة 297. 4 - تقدم في الصفحة 142. 5 - قوانين الاصول 1: 325 / السطر 1، كفاية الاصول: 290، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 577. (*)

[ 340 ]

اندراجه في اجتماع الأمر والنهي، حفظا لظهورهما في الوجوب والتحريم، فاغتنم. لا يقال: في مفروض البحث وهو تعلق النهي بالعبادة، وفي مفروض الكلام وهو تقوم العبادة بالأمر، يلزم امتناع النزاع، ضرورة امتناع اجتماع الأمر والنهي في الواحد العنواني كما تبين في بحث اجتماع الأمر والنهي (1)، فعلى هذا لابد وأن نقول: بأن عبادية العبادة بغير الأمر. لأنا نقول: نعم، إلا أن البحث يكون تقديريا، وبذلك يلزم إمكان النزاع، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: المباني في عبادية العبادات مختلفة، والنزاع محرر على تلك المباني بإجمالها، من غير النظر إلى مبنى خاص، كما أن وجه البطلان والفساد مختلف، من غير انحصاره بذلك الوجه حتى يلزم لغوية النزاع، فتأمل. أقول: هذا الوجه وجيه، إلا أن من الممكن دعوى سقوط الأمر، لأجل عروض النهي، وبقاء الملاك المصحح للعبادة. اللهم إلا أن يقال: مع سقوط الأمر لا كاشف عن الملاك، كما مر تفصيله في البحوث السابقة (2)، وحينئذ لا يمكن تصحيح العبادة على وجه الاجتزاء بها. نعم، لا يمكن الحكم بالفساد ثبوتا، ولا بالصحة إثباتا، ولا نعني إلا ذلك. هذا أولا. وثانيا: فيما كان عبادة ذاتية تلزم الصحة من غير الحاجة إلى الأمر، فلا يكون النهي على التقريب المزبور مانعا عن إمكان الاجتزاء بالمأتي به، لأنه ينتزع الصحة منها لذاتها. اللهم إلا أن يقال: بأنه لا معنى للعبادة الذاتية، لأن المراد من الذاتية إما هو


1 - نهاية الأفكار 2: 456 - 458. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 339 - 340. (*)

[ 341 ]

الذاتي في باب البرهان، أو الإيساغوجي، وكلاهما هنا ممنوعان. نعم، يمكن دعوى: أن الخضوع السجودي بعنوان العبودية، تمام الموضوع لانتزاع عنوان " العبادة " من غير تدخل الأمر الآخر، فإذا سجد للأوثان فقد تعبد بالعبادة المحرمة، ولأجل ذلك كان مورد النهي (1)، فيعلم إمكان تحققه خارجا، فلا يكون الوجه المزبور كافيا لسريان الفساد، ولا يمنع النهي عن انتزاع عنوان " العبادة " ولايستتبع الحكم الوضعي بالضرورة. الوجه الثاني: كل شئ إذا تعلق به النهي التكليفي، فلابد وأن يكون هو مورد بغض المولى، وكل ما كان مبغوض المولى لا يصلح لأن يتعبد به الله تعالى، ضرورة أن المقصود من العبادة هو التهيؤ للتقرب بالمأتي به منه تعالى، من غير فرق بين كونه عبادة بذاته، أو بالأمر، أو بالملاك، أو كان يمكن أن يقصد به التقرب، كسائر الأفعال. وبالجملة: كما لا يمكن قصد العبودية والتقرب بشرب الخمر، وليس ذلك إلا لأجل كونه مرجوح الفعل عنده تعالى، سواء كان إلى حد الحرمة، أو الكراهة، كذلك لا يمكن بسائر الأفعال الاخر التي يتعبد بها العباد، كالصوم والصلاة وأمثالهما. وبهذا الوجه يظهر: أن صفة الحرمة والكراهة تمنع عن انتزاع وصف الصحة عن العبادة والعمل المأتي به بعنوانها. وأيضا يظهر عدم اختصاص منعه بالعبادات والأعمال القربية المفروضة، أو المجعولة ندبا، بل تمنع عن إمكان التقرب بكل فعل من الأفعال المباحة التي كان للمكلف قصد التقرب بها، وقد سميناها: ب‍ " العبادة بالمعنى الأعم " (2). أقول: يتوجه إليه أن المبغوضية ليست مستوعبة، لما لا بغض للمولى في


1 - نهاية الدراية 2: 396. 2 - نهاية الاصول 1: 285، مناهج الوصول 2: 160، محاضرات في اصول الفقه 5: 14 - 15. (*)

[ 342 ]

صورة عدم تنجز التكليف التحريمي أو التنزيهي. وتوهم وجود البغض في موردهما ثبوتا (1)، مدفوع بعدم الدليل عليه إثباتا، مع عدم تنافيه للصحة أيضا إثباتا، فإذا فرض جهل المكلف بالنهي تكون العبادة - حسب الصناعة - صحيحة، مع أن المقصود بالبحث إثبات فسادها مطلقا. مع أن لنا أن نقول: بأن ذات صفة الحرمة، لا تمنع عن وصف الصحة إلا برجوعها إلى المبغوضية، كما لا يخفى. ثم إنه في مورد النهي الغيري ربما لا يكون بغض، اللهم إلا أن يقال: بأنه - مضافا إلى كونه خلاف التحقيق المحرر عندنا (2) - يرجع إلى الإشكال في المبنى دون البناء، وإلا فمع فرض كون العبادة بذاتها مورد النهي، فلا فرق بين النواهي، وبين البغض الذاتي الناشئ عن مفسدة في ذات المنهي، أو البغض العرضي الناشئ من المحافظة على الإزالة، فلا تخلط. ومن هنا يظهر ما في " الكفاية " (3) و " تهذيب الاصول " (4) للوالد - مد ظله -: من المناقشة في تبعة النهي الغيري، وقد مر منا تفصيل مناشئ توهمهم عدم دلالة النهي على المبغوضية (5)، وسيأتي تمام الكلام حوله في ذيل الوجه الآتي إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: في كل مورد يثبت النهي الإلهي، يلزم استكشاف المفسدة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 467 - 468، أجود التقريرات 2: 402، منتهى الاصول: 418 - 419. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 332 وفي هذا الجزء: 298. 3 - كفاية الاصول: 225. 4 - تهذيب الاصول 1: 416. 5 - تقدم في الجزء الثالث: 334. (*)

[ 343 ]

حسب مبنى العدلية، وكل شئ كان فيه المفسدة لا يليق لأن يتقرب به منه تعالى (1). وبعبارة اخرى: في كل مورد ثبت النهي يثبت استحقاق العقاب والعتاب، ويلزم البعد والحزازة، وكل فعل كان مآله إلى هذه الامور، لا يصلح لأن يتقرب به منه تعالى وتقدس. وفيه: - مضافا إلى عدم جريان التقريب الأخير في النهي الغيري - أنه لايتم في صورة عدم تنجز التكليف. ودعوى استكشاف المفسدة بالنهي الساقط لأجل الجهل (2)، غير مسموعة. ومن الغريب توهم: أن النهي يسقط دلالته المطابقية في صورة عدم تنجزه، دون دلالته الالتزامية وهو كشفه عن المفسدة (3)، فإذن يمكن الدعوى المزبورة، ضرورة أن صيغة النهي لاتدل على شئ لأجل نيابتها مناب الزجر العملي الخارجي، فإذا كانت باقية على نيابتها يمكن دعوى التلازم العقلي - حسب مذهب العدلية - بينها وبين المفسدة، وإلا فلا ! ! لأنه ليس من قبيل الدلالة الالتزامية التي تكون مورد الخلاف في أنها باقية عند انتفاء دلالة المطابقة، أو هي أيضا تزول، أو الخلاف في بقاء حجيتها، فلا تغفل، ولا تخلط. هذا مع أن التبعية في أمثال المقام قطعية. مضافا إلى عدم اقتضاء المفسدة بما هي هي للفساد، ضرورة إمكان كون العبادة ذات مفسدة، فإذا كانت هي محرزة تكون غالبة، وأما إذا لم تكن محرزة تكون مغلوبة، ويبقى إمكان التقرب بالعبادة على حاله، وتكفي هذه المصلحة المتقومة بها صحة العبادة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 465، أجود التقريرات 2: 396 - 397. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 467 - 468. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 465، و 4: 755 - 756. (*)

[ 344 ]

وبذلك يظهر وجه فساد مقالة العلامة النائيني (قدس سره) (1) ومن يحذو حذوه (2). فبالجملة تحصل: أن هذه الوجوه غير ناهضة بنحو الإطلاق على تمام المرام في المقام، والله ولي الإنعام. ومن الغريب تمسك العلامة المزبور (رحمه الله) بأن النهي يورث تقييد متعلق الأمر (3) ! فإنه غفلة عن مورد البحث، وهو كون النهي تحريما فقط، ولايكون إرشادا إلى الجزئية أو الشرطية، وإلا فلا كلام رأسا في استتباع النهي للفساد، سواء كان مستتبعا للحكم التكليفي، أم لم يكن، فراجع تعرف. إعادة وإفادة في موارد عدم تنجز النهي لا يخلو الأمر من أحد وجهين: إما يكون النهي باقيا على فعليته، ويكون العبد معذورا. أو لا يكون باقيا على فعليته، لارتفاعه بمقتضى حديث الرفع (4). فإن قلنا ببقائه على فعليته، فيكون باقيا على كاشفيته عن المبغوضية المنافية للعبادة والتقرب. وإن قلنا بانتفاء فعليته، فلا يكون من النهي في العبادة حتى يستتبع الفساد، ويخرج من موضوع البحث، ضرورة أنه مع انتفاء الفعلية لا أثر للوجود الإنشائي، ويكون مورد الكلام هو النهي الفعلي، لا النهي الإنشائي. ولا حاجة إلى تقييد النهي بالتنجز، حتى يكون مورد الخلاف هو النهي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 465. 2 - منتهى الاصول 1: 417 - 419. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 464. 4 - تقدم في الصفحة 95. (*)

[ 345 ]

المنجز، فإنه خلاف ظواهر الأصحاب هنا، وخلاف مبناهم، من الالتزام بفعلية النهي في بعض موارد الأعذار. فعلى هذا يمكن تتميم الوجه الثاني الذي اختاره السيد الوالد المحقق - مد ظله (1) - تبعا لبعض آخر كالاستاذ البروجردي (2)، مع لزوم كون المقرب والمبعد واحدا، من غير طريان الجهات العديدة الموجبة لجوازه، كما مضى في بحوث اجتماع الأمر والنهي (3). وهكذا الوجه الثالث إلا على الاحتمال الأخير، من أن المفسدة الغالبة لا تمنع عن إمكان التقرب بالمصلحة والملاك المغلوب حتى في باب التخصيص والتقييد. نعم، يبقى الإشكال على الوجه الثاني في مورد العبادة الذاتية، فإنه لو ورد الأمر بها على الإطلاق، وورد النهي عن حصة منها، فإن النهي لا يتمكن من خلع الثوب الذاتي بالضرورة، وتصير العبادة المحرمة محققة قهرا مسقطة للأمر عقلا، فتأمل. مثلا: إذا فرض أن قراءة العزيمة توجب وجوب السجدة، إلا أنها منهية حال الحيض، فإنها إذا صلت وسجدت يسقط أمر السجدة، لما لا يعتبر إلا كون السجدة عبادة، وهي تحصل بسجودها، من غير حاجة إلى الأمر أو الجهة الاخرى العرضية التي لا تجتمع مع الحرمة والمبغوضية. بحث وإيقاظ: في عدم اعتبار كون العبادة مقربة ولا طاعة قد اشتهر بين أبناء التحقيق: " أن العبادة لابد وأن تكون مقربة، وإذا كانت


1 - تقدم في الصفحة 318. 2 - تقدم في الصفحة 318. 3 - تقدم في الصفحة 201. (*)

[ 346 ]

منهية فلا يمكن ذلك، لما يلزم اجتماع المقرب والمبعد، وهو من المستحيل عقلا " (1). والذي يخطر بالبال: أن اعتبار كون المأمور به بالأمر الصلاتي مقربا أو عبادة أو طاعة، مما لا دليل عليه، بل المأمور به بالأمر الصلاتي وغيرها، لا يعتبر إلا أن يكون صلاة هي أولها التكبير، وآخرها التسليم، مقترنة بقصد القربة، ولا شئ وراء ذلك معتبر، وإلا يلزم القول بالاشتغال - كما لا يخفى - في دوران الأمر بين الأقل والأكثر. مع أن الضرورة قاضية بأن كثيرا من الصلوات ليست مقربة إن لم تكن مبعدة، فما هو اللازم بحسب الفقه كون صلاة الصبح مثلا، ذات أجزاء وشرائط معلومة وخارجية، مع كونها مصحوبة بالقربة، خالصة من الرياء والسمعة. فعلى هذا تارة: يقصد المكلف لأجل الأمر المعلوم، قصد القربة. واخرى: يقصدها لأجل احتمال الأمر، وقد تحرر في محله جوازه وصحتها، وجواز الاكتفاء بها، من غير لزوم العلم بالأمر (2). وثالثة: يقصدها لأجل الملاك المعلوم، كما في بعض المواقف. ورابعة: يقصدها لأجل احتمال الملاك، وإذا كان مورد النهي التحريمي مثلا محتمل الملاك بالوجدان، فإنه وإن يحرم عليه - حسب الشرع - إتيانها، إلا أنه إذا كان يخطر بباله إتيانها لأجل احتمال الملاك ولو كان مغلوبا، فقد أتى بالصلاة المقرونة بقصد القربة من غير إخلال بشئ من القيود المعتبرة فيها، فمجرد كونها محرمة ذاتية أو تشريعية، لا يكفي لصيرورة الصلاة باطلة وفاسدة. نعم، إذا كانت بلا ملاك واقعا، وكان ذلك معلوما للمكلف، فهو لا يتمكن من ترشيح القربة المطلقة، وإلا فهو بالضرورة يتمكن من ذلك، كما في موارد احتمال


1 - نهاية الدراية 3: 395، نهاية الاصول 1: 285، محاضرات في اصول الفقه 5: 14. 2 - يأتي في الجزء السابع: 226، الأمر الثاني. (*)

[ 347 ]

الملاك والأمر مع عدم النهي التحريمي وغيره، فلا تخلط. الوجه الرابع: أن الوجوه المشار إليها كلها مشتركة في تصديها لإثبات أن النهي - بما هو هو، أو بما هو دال على الحرمة والمبغوضية والمفسدة، أو بما هو مستتبع للعقاب والعتاب - يمنع عن إمكان التقرب بالعبادة، فيلزم فسادها، وقد منعنا ذلك، وذكرنا إمكان ذلك، وعدم تمامية المانعية المزبورة تكوينا. والذي هو الوجه الوحيد: هو أن النواهي كما تكون في صورة إرشاديتها، موجبة لتقييد مورد الأمر، ومفيدة للشرطية والجزئية والمانعية، بناء على تصويرها، كذلك هي تكون في مورد كونها تحريمية مستتبعة لتقييد المأمور به بالأمر العبادي، وموجبة لإفادة كون متعلق الأمر مشروطا بعدم اقترانه بما تعلق به النهي، فيكون باطلا وفاسدا، لأجل الإخلال بالشرط، أو الجزء، أو الوصف وغيرها. وقد مر: أنه في موارد تعلق النهي بذات العبادة، أيضا يلزم اشتراط كون الصوم في غير يوم العيدين (1)، فعلى هذا لا فرق بين تعلق النواهي بالذوات، أو بالأجزاء والشرائط والأوصاف والحالات وغيرها. فبالجملة: لا نريد إثبات الحكم الوضعي من ناحية الحرمة التكليفية، ومن ناحية البغض والمفسدة، بل نريد أن نقول: إن النهي التحريمي يمكن أن يكون - مضافا إلى تحريميته - إرشادا إلى القيدية والشرطية. إن قلت: كيف يعقل الجمع بين التحريمية والإرشادية، مع أن الأصحاب قسموا النواهي والأوامر إليهما، والأقسام متقابلات لا يجمعها الصيغة الواحدة في الاستعمال الواحد. قلت: ليس المراد من التقسيم إفادة المقابلة، بل النظر إلى أن الأمر أو النهي لا يخلوان من أحد الأمرين من غير منع عن جمعهما.


1 - تقدم في الصفحة 304 - 305. (*)

[ 348 ]

هذا مع أن التكليفية والإرشادية والتحريمية وإفادة الشرطية، ليست من مداليل الصيغة، لما تحرر أن الصيغة ليست موضوعة لشئ، بل هي تنوب مناب البعث والزجر الخارجيين في الاعتبار (1)، فلا تكون دلالة النهي على التحريم إلا بالجهات الخارجة عن حدود الوضع. فعلى هذا، إذا كان مفاد النهي في صورة كونه إرشادا محضا، هو مدخلية عدم المنهي في المأمور به، أو مانعية وجوده في المأمور به، وأن ما هو المأمور به بالأمر الصلاتي أو الصومي وغيرهما، مقيد بعدم ذلك المنهي، أو ممنوع بوجوده في الاعتبار، فلا يمكن امتثال الأمر إلا بالاجتناب عن المنهي، ويكون إفادته في صورة مبغوضية المنهي مستقلا وذاتا، لعدم إمكان الامتثال، ولكون المأمور به مقيدا بعدمه، أولى وأحسن في محيط العرف والعقلاء، من غير لزوم كون الصيغة مستعملة في الأكثر. بل الصيغة لا تفيد إلا الزجر، إلا أنه إذا نظرنا إلى ذات المنزجر عنه يكون محرما، وإذا نظرنا إلى أنه يكون في محيط المركبات والمخترعات الشرعية العبادية، يكون مفيدا للتضييق والتقييد المستتبع للفساد والبطلان. ولعمري، إنه وجه لا غبار عليه، ولا شبهة تعتريه. وبالجملة: الوجوه المتمسك بها في كلمات القوم كلها ترجع إلى إفادة عدم اجتماع الحرمة - بنفسها، أو بتبعاتها - مع الصحة والعبودية والمقربية تكوينا وخارجا، وقد عرفت قصورها عن ذلك جدا. وأما الوجه الأخير، فهو يرجع إلى أن البطلان والفساد والحكم الوضعي، تابع لحدود المأمور به، فإن كان يلزم من النهي المزبور عدم تحقق المأمور به خارجا لأجل الإخلال بقيده، فيمكن الوصول إلى فساد العبادة، وإلا فلا.


1 - تقدم في الصفحة 90 - 93. (*)

[ 349 ]

وهم ودفع إذا كانت العبادة بذاتها متعلق النهي، فبناء على التقريب المزبور لا يلزم الفساد. وفيه: أن العبادة المنهية بذاتها حسب اصطلاح الأصحاب - وهي كصوم العيدين، وصلاة الحائض (1) - تكون باطلة كما عرفت بالتقريب المزبور، لأنه يستكشف من النهي المذكور اشتراط المأمور به بالأمر الصلاتي بكونه في غير حال الحيض، واشتراط المأمور به بالأمر الصومي بكونه في غير يوم العيدين. وأما العبادة الذاتية المنهية حسبما ذكرناه، وهو كون العبادة النوعية منهية، دون حصة منها (2)، فلا أثر منه في الشريعة الإسلامية، ضرورة أن النواهي الشرعية كلها راجعة إلى النهي عن حصة منها وعن العبادة الخاصة. نعم، لو فرض عبادة تكون بطبيعتها النوعية منهية، لا يلزم من النهي المزبور فساد وبطلان، لعدم إمكان كونه إرشادا كما هو الواضح. لا يقال: النهي الغيري لا يورث الفساد، لعدم إمكان كونه إرشادا إلى شئ في المأمور به. لأنا نقول: بناء على ثبوت النهي الغيري كما مر (3)، لا مانع من الالتزام بذلك، كما ذكرناه في بحوثه (4)، وذلك لأن الصلاة حال المزاحمة إذا كانت منهية بالنهي الغيري، فهو يكون إرشادا أيضا إلى لزوم كون الصلاة في غير تلك الحال، وأن


1 - تقدم في الصفحة 298. 2 - تقدم في الصفحة 304 - 305. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 290 - 292. 4 - تقدم في الجزء الثالث: 331 - 332. (*)

[ 350 ]

لا تكون بحيث ينتزع منها عنوان " المزاحمة ". وإن أبيت عن ذلك لأجل أن المزاحمة فرع وجود الإزالة، وإذا كانت الإزالة معدومة لعدم الإرادة، فلا تستند المزاحمة إلى الصلاة، فلك أن تقول: بأنه إرشاد إلى أن لا تكون الصلاة في حال مخالفة الأمر الأهم. وبالجملة: يرشد إلى قيد في الطبيعة الموجب لعدم انطباق الطبيعة المأمور بها على الخارج، ولعدم تحققها في الأعيان. ذنابة: حول الإشكال في استتباع النهي التنزيهي والغيري غير الإلزامي للفساد إلى هنا تبين كيفية استتباع النهي للحكم الوضعي المنتهي إلى فساد العبادة، من غير فرق بين النهي التحريمي، والغيري الإلزامي. إنما الشبهة والإشكال في النهي التنزيهي والغيري غير الإلزامي، فإنه لا يمكن استتباعهما للفساد، ضرورة أن قضية الترخيص المتحصل من الكراهة، عدم تضيق المأمور به بالأمر الصلاتي والصومي وغيرهما بشئ وقيد أو شرط، حتى يلزم الإخلال به إذا أتى به المكلف وارتكبه. نعم، يمكن أن يقال: إن النهي التحريمي يستتبع فساد الطبيعة وعدم تحقق المأمور به، والنهي التنزيهي يستتبع عدم تحقق الطبيعة الكاملة، ضرورة أن قضية النهي كون الطبيعة الفاقدة للمنهي طبيعة كاملة، فإذا اشتملت على المنهي تكون ناقصة. وإذا قلنا: بأن الطبيعة الجامعة للشرائط والأجزاء الموجب للبطلان فقدها، مورد أمر، والطبيعة الكاملة الجامعة للشرائط المطلقة والأجزاء الندبية، مورد أمر آخر، يلزم بطلان الطبيعة الكاملة وفسادها وعدم تحققها، لاشتمالها على المنهي بالنهي التنزيهي، فتأمل واغتنم.

[ 351 ]

هذا غاية ما يمكن أن يتخيل في النهي التنزيهي، وأما حمله على النهي المستتبع لأقلية الثواب (1)، فهو خروج عن البحث كما ترى. تنبيهات: التنبيه الأول: حول تصحيح العبادة بالنهي عنها قد مر في مطاوي كلماتنا ما يشعر بتوهم إمكان الاستدلال على صحة العبادة وإمكان تحققها بالنهي، فيكون النهي دليلا على الصحة، دون الفساد (2)، وذلك لأن الحرمة التكليفية تلازم القدرة على المحرم، فتكون العبادة المحرمة مورد القدرة، فلابد وأن يكون المنهي عنه صالحا للتقرب، وليس ذلك ممكنا إلا في العبادات الذاتية، لأن العبادات العرضية غير مجتمعة مع الحرمة الذاتية، فتكون خارجة عن محط النزاع. أو إن شئت قلت: لابد من التفصيل في المسألة بين الذاتية والعرضية، وأن النهي في الاولى يدل على الصحة، وفي الثانية يستتبع الفساد، لأجل الجهات اللاحقة التي مر تفصيلها (3). وأما ما أفاده القوم حلا لهذه المشكلة: بأن المقصود من النهي المتعلق بالعبادة، هي العبادة التي لولا النهي لكانت مورد الأمر (4)، فهو غير مفيد، ضرورة أن العنوان المأخوذ في محط النزاع ظاهر في الفعلية، أي ما كان عبادة يكون مورد


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 167 - 169 و 185 - 186. 2 - تقدم في الصفحة 123. 3 - تقدم في الصفحة 337. 4 - كفاية الاصول: 225 و 228، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 463 - 464، نهاية الأفكار 2: 452. (*)

[ 352 ]

النهي، لا ما كانت صالحة لأن يتقرب بها، للزوم دخول كل شئ في محط النزاع إلا المحرمات الذاتية أو المكروهات، فتدبر. وبالجملة: لابد من الالتزام بأحد أمرين، إما دعوى أن المقصود من " الحرمة الذاتية " هي حرمة صورة العبادة وشكلها، سواء قصد التشريع، أم لم يقصد، وهذا غير مقبول جدا. أو دعوى: أن العبادة المحرمة قابلة للتحقق، لأجل إمكان ترشح قصد القربة، لأجل احتمال وجود المصلحة ووجود الملاك المقهور، كما عرفت منا تفصيله (1). نعم، لا يجوز الاجتزاء به بناء على ما سلكناه من تبعية النهي التحريمي حكما وضعيا (2). التنبيه الثاني: حول بطلان العبادة المنهية لأجل التشريع في موارد التشريع والنهي عن العبادة التشريعية هل تكون العبادة باطلة أم لا ؟ والكلام هنا يقع في صورتين: الصورة الاولى: فيما إذا كانت العبادة بحسب الواقع مورد الأمر، ولكنه لا يعلم به، فإنه إن قلنا: بأن عبادية كل عبادة عبارة عن الامتثال والانبعاث المستند إلى أمرها (3) فهي باطلة، ضرورة أنه ليس منبعثا عنه، وإن قلنا بكفاية اقترانها بالقربة المطلقة (4) فهي صحيحة، لأجل اشتمالها على الشرائط. اللهم إلا أن يقال: بأن النهي عن العبادة التشريعية، يفيد اشتراط العبادة بأن


1 - تقدم في الصفحة 343 - 345. 2 - تقدم في الصفحة 338. 3 - قوانين الاصول 1: 159 / السطر 9، الفصول الغروية: 141 / السطر 6. 4 - نهاية الاصول 1: 110. (*)

[ 353 ]

لا تكون مقرونة بالتشريع، كما يفيد أن لا تكون حال الحيض وفي وبر ما لا يؤكل. نعم، إذا كان النهي متعلقا بعنوان التشريع من غير اختصاصها بالعبادة أو المعاملة، فلا يلزم منه الفساد، لأنه من قبيل النهي عن الأمر الخارج والعنوان المباين ويندرج في مسألة الاجتماع والامتناع على إشكال فيه يأتي في الآتي إن شاء الله تعالى (1). وقال العلامة النائيني (قدس سره): وأما في العبادة فالحرمة التشريعية كالحرمة الذاتية تقتضي الفساد، كقبح التشريع عقلا المستتبع بقاعدة الملازمة للحرمة الشرعية (2)، انتهى ما هو جوهر مقصوده. وقد أفاد ما لا يخلو من تأسفات. والذي هو الحق: أن القاعدة المزبورة لا أساس لها، وأن العقل لا يتمكن من استكشاف الحرمة، ولا يعقل كشف الحرمة القائمة بالإرادة التشريعية الزاجرة. نعم، للعقل درك مبغوضية شئ عند المولى، وهو أعم من الحرمة، ضرورة إمكان كون شئ مبغوضا للمولى، ولكنه لا ينهى عنه، لمصالح اخر مغفولة عنا راجعة إلى سياسة المدن، وإدارة النفوس ومصالحها. ولو كانت القاعدة المزبورة صحيحة، لكان يستكشف حرمة الظلم، لقبحه العقلي الراجع إليه قبح كل شئ، مع أن حرمة الظلم غير معقولة، للزوم كون كل محرم شرعي محرمين: حرمة خاصة، وحرمة استكشافية. مثلا: يلزم أن يكون الغصب محرما لأجل الغصب مرة، ولأجل الظلم اخرى، ويؤاخذ المكلفين عند ذلك مرتين: مرة للحرمة الخاصة، والثانية للحرمة الانكشافية الثابتة للموضوع الأعم المنطبق عليه، وهذا مما يكذبه وجدان جميع العقلاء والعقول.


1 - يأتي في الصفحة 358 - 360. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 470. (*)

[ 354 ]

هذا مع أن قبح التشريع المطلق، لا يكفي لفساد العبادة كما لا يخفى. ثم إنك قد عرفت: أن الحرمة الذاتية قاصرة عن استتباع الفساد والحكم الوضعي تكوينا، فليغتنم. هذا مع أنه في مورد الحرمة الذاتية يكون العمل الخارجي محرما، وأما في مورد الحرمة التشريعية، فكون العمل الخارجي ذا نهي حتى لا يجتمع مع الأمر، أو يكون مبغوضا، أو ذا مفسدة حتى لا يصلح لأن يكون مقربا وعبادة، محل المناقشة، بل محل منع. قال العلامة المحشي (رحمه الله): " قد ذكرنا في بحث التجري أن عنوان " التجري وهتك الحرمة " من وجوه الفعل وعناوينه، وأن العبد بفعل ما أحرز أنه مبغوض المولى يكون هاتكا لحرمته، وإلا فمجرد العزم عليه عزم على هتك حرمته، كذلك البناء على فعل ما لم يعلم أنه من الدين بعنوان أنه منه وإن كان فعلا نفسيا وإثما قلبيا، إلا أنه بناء على التصرف في سلطان المولى، حيث إن تشريع الأحكام من شؤون سلطانه، فبفعل ما لم يعلم أنه من الدين بعنوان أنه منه يكون هاتكا لحرمة مولاه، ومتصرفا في سلطانه " (1) انتهى. وهذا وجه آخر لتحريم الفعل التشريعي بتطبيق كبرى اخرى محرمة عليه. وفيه أولا: أن هتك الحرمة ليس من المحرمات الشرعية، بل هو من المقبحات العقلائية أو العقلية في محيط خاص حسب العادات، ولو كان حراما شرعا وقبيحا عقلا، لما كان قابلا للاستثناء والتخصيص. مثلا: هتك حرمة المسجد لو كان محرما شرعا ومقبحا عقلا، لما كان يرخص الشرع في موجباته التي لاشبهة في جوازها، كالنوم، والنخامة، والبصاق فيها، وغير ذلك من المكروهات.


1 - نهاية الدراية 2: 398. (*)

[ 355 ]

ومن تدبر في هذه المسائل، يجد أن هذه التخيلات نشأت عن النخوة الخاصة والشؤون التي هتكها الإسلام، ومنع عن نشرها، ولولا مخافة بعض المخالفات، لكشفت النقاب عن بعض البحوث الدخيلة في الفقه الإسلامي الموجبة لانحراف أذهان الفقهاء - رضوان الله عليهم - في آرائهم، والمستلزمة لسوء النظر إلى حقيقة الإسلام. وثانيا: لو كان محرما يلزم تسلسل المحرمات، لأن الدخول في المعصية من هتك الحرمة، فيكون حراما، ويلزم منه موضوع محرم آخر وهتك حرمة اخرى وهكذا، كما لا يخفى فتدبر. وثالثا: في الفعل المتجرى به والعمل التشريعي لا يلزم قبح العمل بذاته وبعنوانه الذاتي، بل القبيح هو السبب المتسبب به إلى ذلك القبيح الذي لا يتحقق إلا - بذلك الفعل والعمل، وعنوان السبب موجب لانتزاع القبيح، ويكون من الواسطة في العروض، دون الثبوت، وقد تقرر أن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية ترجع إلى الحيثيات التقييدية، وتكون عناوين لموضوعات الإدراكات العقلية حقيقة (1). فبالجملة تحصل: أن حرمة الفعل التشريعي ممنوعة، وما هو المحرم هو عنوان " الإتيان بالصلاة تشريعا " لا نفس الطبيعة. مع أنه يلزم أن يكون كل محرم تشريعي محرما ذاتا، لأن حقيقة الحرمة التشريعية هي حرمة الإسناد قولا أو فعلا، وحقيقة الحرمة الذاتية هي حرمة الفعل والمسند، ولو كانت حرمة إسناد المشروعية مستلزمة لحرمة المشروع، يلزم كون الإسناد والمسند محرما. نعم، إن قلنا: بأنه في مورد الحرمة الذاتية، لا يمكن إتيان الفعل بداعي القربة والرجاء، بخلاف الحرمة التشريعية، يحصل الفرق بينهما من هذه الناحية، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 211. (*)

[ 356 ]

ثم إنه يلزم أن يكون الفعل في هذه الصورة مجمع الأمر والنهي، وهذه معضلة ستمر عليك مع حلها في التنبيه الثالث إن شاء الله تعالى. الصورة الثانية: ما إذا كان الفعل المأتي به تشريعا غير مأمور به واقعا، فوجه الصحة هنا ما اشير إليه في الصورة الاولى: وهو أن الفعل المأتي به تشريعا مشتمل على قصد القربة، وإلا فلا يكون تشريعا، ضرورة أن حقيقة التشريع هي الإسناد مع عدم العلم، الأعم من العلم بالعدم، أو الشك، أو الظن، وعلى هذا وإن لم يعقل الجزم بأنه من الشرع، إلا أنه يمكن التجزم بذلك في مقابل الإتيان به استهزاء وجزافا، وهذا المعنى لا يحصل إلا مقترنا بالقربة، كما في فعل المرائي، فإنه يأتي بالعبادة للإرائة، ويعبد الله تعالى رياء، فالمشرع بالعبادة يعبد الله تعالى بما ليس من الدين ناسبا إياه إليه. فعلى هذا تصح عبادته، لاقترانها بما هو شرطها من غير لزوم كونها مورد الأمر حسب التحقيق. وأما وجه البطلان، فالوجوه السابقة الثلاثة غير ناهضة، كما عرفت مناشئ ضعفها. نعم، الوجه الرابع الذي أبدعناه، من أن النهي عن العبادة تشريعا يرجع إلى مثل النهي عن العبادة في الغصب، لا بمعنى أن يكون النهي إرشادا محضا، بل كما أن النهي عن الصلاة في الغصب يفيد الحرمة التكليفية بالنظر إلى ذات المنهي، ويفيد اشتراط المأمور به بالأمر بالصلاتي، بأن لا يكون في الغصب بالنظر إلى وقوعه في محيط المركبات، كذلك النهي عن العبادة تشريعا يفيد الحرمة الذاتية المتعلقة بالتشريع، ويفيد اشتراط المأمور به بأن لا يكون مقترنا بالتشريع، وأما نفس الاقتران به فهو لا يفيد الفساد، كما لا يلزم من اقتران الصلاة بالنظر إلى الأجنبية فسادها. إن قلت: بناء على هذا لا يبقى للحرمة التشريعية معنى وراء الحرمة الذاتية.

[ 357 ]

قلت: نعم، إن التشريع من المحرمات الذاتية بلا كلام، وعليه النص (1) والفتوى (2)، ويكون مثل شرب الخمر، وأما الفعل المأتي به تشريعا فهو مورد الخلاف، وقد أنكرنا حرمته وقبحه الموجب لحرمته (3). بل لنا أن نقول: لو كان في مورد الإتيان بالتشريع الذي هو الأمر الخارجي المشتمل على النسبة إلى الشرع العمل محرما، يلزم تعدد العقاب: عقاب على العمل المأتي به القبيح لأجل التشريع، وعقاب على نفس التشريع الذي هو المحرم ذاتا، وهذا مما لا يمكن المساعدة عليه بالضرورة. فبالجملة تحصل: أن في موارد الحرمة التشريعية يكون المحرم هو إسناد وجوب الصلاة، أو إسناد مندوبيتها إليه تعالى، مع عدم العلم بذلك، أو الإتيان بالفعل بعنوان أنه مشروع في الشريعة الإسلامية متجزما به، وأما الجزم فهو مع عدم العلم غير معقول بالضرورة، وأمانفس الصلاة فهي خارجة عن مصب التحريم بعنوانها الذاتي. وإن شئت قلت: معروض الحرمة التشريعية عنوان " الإتيان " دون ذات الصلاة والطبيعة، فلا وجه لبطلانها من حيث هي هي، لعدم المفسدة فيها. بل في الصورة الاولى تكون هي المأمور بها، مع أنه لا يعقل اجتماع الأمر والنهي، مثلا إذا اعتقد المشرع أن صلاة الأعرابي ليست من الشرع، فأتى بها تشريعا، وكانت مورد الأمر مثلا في يوم الغدير، فإنه تصح صلاته وإن كان في الإتيان بها بالعنوان المزبور آثما وعاصيا. وهكذا في صورة عدم كونها مورد الأمر، وكانت ذات مصلحة واقعية وملاك حسن، فإنه إذا تبين له ذلك صحت صلاته أيضا.


1 - يونس (10): 59. 2 - فرائد الاصول 1: 49. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 470. (*)

[ 358 ]

نعم، بناء على ما عرفت من أن النهي المتعلق بإتيان الصلاة تشريعا، يفيد التخصيص والتقييد زائدا على إفادته الحرمة التكليفية - كما يكون كذلك فيما إذا تعلق بالصلاة في الغصب والنجس - تصبح باطلة. اللهم إلا أن يقال: بأن النسبة بين استحباب صلاة الأعرابي وبين حرمة الإتيان بها تشريعا، عموم من وجه، فإن الصلاة مستحبة سواء اتي بها تشريعا، أم لا، والتشريع في العبادة محرم سواء كانت مورد الأمر واقعا، أم لم تكن، وعند ذلك لا معنى لكونها مخصصة لإطلاق دليل الاستحباب، كما في موارد الغصب. نعم، بناء على ما تحرر منا في التعبدي والتوصلي، من عدم صحة الاجتزاء بالمصداق المحرم أو الملازم له عن المأمور به حسب الفهم العرفي (1)، يشكل الصحة كما في المجمع، أو يقال بإفادته الشرطية ولو كانت النسبة عموما من وجه في المقام، فتدبر جيدا. التنبيه الثالث: حول استتباع الحرمة الذاتية للنهي التشريعي في موارد الحرمة الذاتية من العبادات، تكون العبادة محرمة تشريعا أيضا، لما أنه إذا علم بعدم كونها مأمورا بها ومشروعة شرعا، فأتى بها تشريعا، يلزم اجتماع الحرمتين، وامتناع اجتماعهما في موضوع واحد كامتناع اجتماع الحرمة والوجوب، سواء قلنا بالامتناع ذاتا بناء على كون الأحكام متضادة، أو قلنا بالامتناع الغيري، ضرورة أن ترشح الإرادتين الزاجرتين التأسيسيتين غير ممكن مع وحدة المحل والزمان والمكلف. وفي تقريب آخر: إذا أمكن التشريع في مورد يكون مأمورا به بحسب الواقع، يلزم اجتماع الأمر والنهي، وإذا أمكن في مورد يكون محرما ذاتا، يلزم اجتماع


1 - تقدم في الجزء الثاني: 184 - 185. (*)

[ 359 ]

النهيين التأسيسيين. وقال العلامة المحشي (رحمه الله): تحريم الفعل المأتي به بعنوان التشريع ذاتا وتشريعا غير معقول، لا لاجتماع المثلين، بل لأن الالتزام بالحرمة الذاتية زيادة على الحرمة التشريعية، إنما يكون تصحيحا لتحريم العبادة بما هي عبادة، حيث لا يعقل إلا تشريعا، وفي نفس هذا الفرض لا يعقل قطع النظر عن عنوان التشريع، بدعوى أنه حرام، فإن النهي عن العبادة حينئذ لا فعلية له أصلا، لأن مورده دائما لا يتحقق إلا بالتشريع المحرم بالفعل، فلا تترتب الفعلية منهما جميعا حتى ينتزع منهما نهي فعلي في المورد فصح دعوى لزوم اجتماع المثلين في مثل المقام، لا في مثل العبادة الذاتية، فإنه يمكن تعقل الحرمة الذاتية والتشريعية فتأكد الحرمة لوجود الملاكين واستحالة اجتماع المثلين (1)، انتهى ما أردنا نقله مع تقديم وتأخير. وفيه: أنك قد عرفت في التنبيه الأول أن النهي عن العبادة حسبما أفاده القوم، يرجع إلى النهي عن شكل العبادة وصورتها الخارجية، وإلى ماهي العبادة تقديرا، سواء كانت عبادية العبادة بالأمر، أو بالملاك، فعلى هذا ينفع التقدير المزبور، ضرورة أن نفس الصورة وشكل العبادة محرمة ذاتا، وبما أنها مطلوبة محرمة تشريعا، فيكون مورد النهي قد اتي على التقديرين - أي في العبادة الذاتية والغيرية - واحدا، على فرق ما غير دخيل في أساس المسألة: وهو أن عبادية الصلاة في النهي الذاتي بالأمر تقديرا، وعبادية السجدة بنفس ذاتها. فلا يعتبر في تحريم العبادة ذاتا كون مورد النهي عبادة ذاتية، بل يكفي كونها عبادة تقديرية، فلو صح أن يكون الصلاة محرمة بنفس ذاتها في التحريم الذاتي، ومحرمة بتحريم آخر بما أنها مطلوبة، لما يكون فرق بين الصورتين بالضرورة. ولكن الشأن في أن تحريم الصلاة بما هي مرة، وتحريمها بما هي مطلوبة


1 - نهاية الدراية 2: 399 - 400. (*)

[ 360 ]

اخرى، غير معقول، لعدم إمكان تعلق التحريمين بالعنوانين اللذين تكون النسبة بينهما عموما مطلقا، كما تحرر في بحوث الاجتماع والامتناع (1)، وذكرنا هناك: أن العناوين المذكورة خارجة عن محط البحث، لعدم إمكان ترشح الإرادتين الآمرة والزاجرة بها تأسيسا. فبالجملة: كما لا يعقل تعدد التحريم التأسيسي مع وحدة المتعلق والمورد، كذلك لا يمكن مع كون النسبة بين الموردين عموما مطلقا. أقول: الذي هو التحقيق ما مر منا من أن مورد التحريم الذاتي في الحرمة الذاتية، غير ما هو مورد التحريم تشريعا (2). وبعبارة اخرى: يمكن التفكيك والجمع بين المحرمين، بأن يصلي في السفر أربع ركعات تشريعا، فإنه آثم مرتين: مرة للإتيان بالصلاة، ومرة للتشريع، وله أن يصلي من غير قصد التشريع، وأن يشرع بغير الصلاة في السفر، بل يشرع بصلاة اخرى وعبادة غيرها، كما لا يخفى. فالنهي عن العبادة تشريعا أو الصلاة تشريعا، والنهي عن الصلاة في السفر، مختلفان بحسب الموضوع، وتكون النسبة بينهما العموم من وجه، من غير لزوم التداخل والتأكد الذي مر في كلامه (قدس سره) ومن غير لزوم الجمع بين المثلين أو الضدين، فما قد يتوهم: من أنه في مورد المحرم الذاتي يكون التشريع دائميا (3)، في غير محله، لأنه أمر قصدي. فعلى هذا، تبين إمكان كون مورد التشريع مأمورا به واقعا، حسبما تحرر في بحوث الاجتماع والامتناع.


1 - تقدم في الصفحة 142. 2 - تقدم في الصفحة 353 - 354. 3 - نهاية الدراية 2: 400. (*)

[ 361 ]

المقام الثاني في النهي عن المعاملات وعن كل شئ يشبهها أي في كونه من الأسباب والمسببات العرفية أو الشرعية، كالذبح بالنسبة إلى الحلية والذكاة، والحيازة بالنسبة إلى الملكية، وهكذا مما قد مر تفصيل اندراجها في محيط البحث والخلاف (1). والكلام هنا يقع في بحوث: البحث الأول: في النهي التنزيهي فقد ذهب الأعلام كلهم إلى عدم دلالته على الفساد، وعدم وجود وجه يؤدي إليه، من غير فرق بين كونه متعلقا بالسبب، أو المسبب، أو التسبب، أو الآثار والأحكام، أو غير ذلك مما مرت شقوقه في المقدمات (2)، ويأتي في البحث الثالث إن شاء الله تعالى بتوضيح شريف.


1 - تقدم في الصفحة 300 - 303 و 307 - 312. 2 - تقدم في الصفحة 300 و 307 - 308. (*)

[ 362 ]

أقول: يمكن دعوى أن مرجوحية المعاملة ومبغوضيتها ولو بالرتبة الدانية، لا تجتمع مع الرضا المعتبر في صحة المعاملات، ضرورة اعتبار رضا الشرع بذلك وأمره وعدم ردعه الكاشف عن إمضائه الملازم للرضا، فالمعاملات المكروهة في الشريعة - لأجل رجوع كراهتها إلى خلوها عن شرط نفوذها - باطلة. وفيه: أن الجمع بين الرضا القلبي والكراهة القلبية غير ممكن في محل الكلام، ولكن يكفي لصحة المعاملات ونفوذها ترخيص الشرع وإجازته بها، ولا شبهة في أنه يجيز في موارد الكراهة. البحث الثاني: في النهي الغيري وهذا أيضا عندهم لا يدل على شئ، ولايستتبع الحكم الوضعي بالمرة، سواء كان من النهي الغيري الإلزامي، أو غير الإلزامي، معللا تارة: بأنه لا يكشف عن مفسدة في متعلقه حتى يورث شيئا، واخرى: بأنه لا زاجرية له (1). وقد مر ما فيهما في محلهما بما لا مزيد عليه (2)، وقد تبين عندنا أن النهي الغيري كاشف عن اهتمام الشرع بمورد الأمر، ويكفي لترشح النهي الرئيسي المولوي ذلك (3)، وهو يورث انكشاف نحو من المبغوضية العرضية الطارئة التي لا تنافي المحبوبية الذاتية بالضرورة. أقول: إنما الشأن في أن النهي الغيري لا يتعلق بعنوان المعاملة، مع أنه لا أصل له رأسا. نعم بناء على القول به، وبناء على تعلقه بذات المعاملة، فهو والنهي


1 - أجود التقريرات 1: 262، مناهج الوصول 2: 20 و 160. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 334. 3 - تقدم في الجزء الثالث: 331 - 332. (*)

[ 363 ]

التحريمي سيان. اللهم إلا أن يقال: بأن المبغوضية المستكشفة بالنهي التحريمي النفسي، تنافي الرضا المعتبر في صحة المعاملة، وأما المبغوضية العرضية الغيرية المستكشفة بالنهي الإلزامي الغيري، فلا تنافي ذلك الرضا كما لا يخفى، وسيمر عليك تمام الكلام من هذه الجهة في البحث الآتي إن شاء الله تعالى. البحث الثالث: في النهي التحريمي والمعاملات المحرمة والمكاسب الممنوعة فهل هو يستتبع مطلقا (1)، أو لا يستتبع شيئا (2)، أم يفصل بحسب موارد تعلقه، فإن تعلق بذات السبب أو بعنوان السبب فلا يقتضي، وإن تعلق بالمسبب أو بالآثار أو بالتسبب فيستتبع (3)، أم يختص الاستتباع بصورة واحدة، وهي ما إذا تعلق بالآثار والخواص، دون غيرها (4) ؟ وجوه بل أقوال. وحيث إن الأقوال مختلفة، والاحتمالات كثيرة، فالبحث يقع في مقامين: المقام الأول: في مرحلة الثبوت، وهو ما إذا كان المفروض كون أحد العناوين المزبورة مورد النهي، فإنه عليه هل يلزم فساد وحكم وضعي، أم لا ؟


1 - نهاية الاصول: 288. 2 - قوانين الاصول 1: 159، الفصول الغروية: 140 / السطر 30، درر الفوائد، المحقق الحائري: 189، محاضرات في اصول الفقه 5: 31. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 471 - 473، منتهى الاصول 1: 419 - 420. 4 - كفاية الاصول: 225 - 226، نهاية الأفكار 2: 459، تهذيب الاصول 1: 416 - 418. (*)

[ 364 ]

والمقام الثاني: في مرحلة الإثبات، وأنه إذا تعلق نهي تحريمي بمعاملة، فهل الظاهر تعلقه بذات السبب، أو بعنوانه، أم بسائر الوجوه والعناوين الاخر ؟ وقبل الخوض فيها لابد من الإشارة إلى نكتة: وهي أن المنسوب إلى الشيخ الأنصاري (قدس سره) تقسيم النهي التحريمي المتعلق بالعبادة إلى ثلاثة: أن يتعلق النهي بالمعاملة بما هي فعل مباشري، كالنهي المتعلق بالبيع وقت النداء. وأن يتعلق بها بما هو فعل تسبيبي، كالنهي المتعلق ببيع المصحف والعبد المسلم من الكافر، فإن المبغوض هي مالكية الكافر لهما. وأن يتعلق بالأثر، كالنهي عن أكل ثمن الكلب والعذرة (1). وزاد في " الكفاية " قسما آخر: وهو أن يتعلق بالتسبب (2)، كالنهي عن التسبب بالظهار لحدوث الفراق وحصول الطلاق. أقول أولا: قد مر منا أن الأقسام أكثر من ذلك (3)، لأن من الممكن أن يتعلق النهي بذات السبب، ويكون المحرم نفس التكلم بالألفاظ الموضوعة للإنشاء المعاملي. اللهم إلا أن يقال: إنه خارج عن النهي في المعاملات. ومن الممكن أن يتعلق النهي بالتسبب، أي أن يكون المنهي التسبب بالسبب إلى حصول المعنى الإنشائي المسببي. كما يمكن أن يتعلق بالتسبب بالمعنى الإنشائي إلى حصول الأثر والملكية والنقل والانتقال، ضرورة أن الملكية إما معلولة المعنى الإنشائي، أو تكون من أحكامه العقلائية، فيكون ذلك المعنى الإنشائي موضوعا لها، فيتعلق النهي بالتوصل


1 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 25، نهاية الاصول: 285. 2 - كفاية الاصول: 226. 3 - تقدم في الصفحة 300 - 301 و 307 - 308. (*)

[ 365 ]

بالموضوع المزبور لترتب الحكم المذكور. وأيضا: كما يمكن أن يتعلق النهي بالتصرف في الثمن، كذلك يمكن أن يتعلق النهي بالتوصل بالملكية لأجل ترتب جواز التصرف، ضرورة أن جواز التصرف في الملك من آثار الملكية التي هي من آثار المنشأ الذي هو من آثار الآلات المتوصل بها إلى الإنشاء. وثانيا: كون البيع وقت النداء مثالا للنهي التحريمي (1) ممنوع إثباتا، لقوة احتمال كونه مترشحا عن الأمر المتعلق بصلاة الجمعة. فعلى هذا تحريم البيع شرعا غير قطعي، كما يظهر من الاستاذ السيد البروجردي (قدس سره) (2). ولو كان ممنوعا فما هو المحرم هو الاشتغال بالأضداد، ولا يختص ذلك بالبيع، فلا يكون من النهي التحريمي المتعلق بالعبادة. ومن الممكن دعوى: أن المستفاد من الكتاب لزوم ترك البيع وطرده (3)، فيكون طرده واجبا، وهذا ليس من النهي. ولو كان من النهي فهو قسم آخر بوجه، كالأمر بترك الصلاة أيام الإقراء (4) الراجع إلى النهي عنها حقيقة. وثالثا: إن المبغوض مثلا في مسألة مالكية الكافر للمصحف والمسلم وإن لم يكن إنشاء الملكية وإنشاء المبادلة والاشتغال بالإنشاء، ولكن أيضا ليس حصول الملكية، بل المبغوض دوام الملكية، فإنه ينافي نفي السبيل المذكور في الكتاب (5)، فلو أنشأ المبادلة، وحصلت الملكية آنا ما وانتفت فورا، فلاسبيل، وتصير النتيجة أن


1 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 26، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 471. 2 - نهاية الاصول: 286. 3 - الجمعة (62): 9. 4 - لاحظ وسائل الشيعة 2: 287، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 7، الحديث 2. 5 - النساء (4): 141. (*)

[ 366 ]

الثمن يدخل في كيس البايع، والمثمن يصير حرا غير مملوك، ومالا بلا مالك بحكم الشرع، وهذا هو الأوفق بالاعتبار مما ذكره الأصحاب في هذه المسألة. إذا تبين وجه لزوم البحث في المقامين وهذه المقدمة النافعة، فلنشرع في حقيقة البحث. فنقول: المقام الأول: فيما إذا فرض تعلق النهي بأحد الوجوه المزبورة الأول: في تعلقه بالسبب فإن تعلق بالإنشاء والسبب بما هو سبب، فحيث إن السبب والإنشاء يمكن أن يوصف بالإجزاء وعدمه، ويصح أن يقال: " الإنشاء الكذائي صحيح، لأنه منجز " مثلا، أو " فاسد، لأنه معلق " فلابد وأن يكون النهي المزبور مستتبعا للإرشاد على الوجه المحرر في العبادات، ويدل على الفساد زائدا على استتباعه للحرمة التكليفية، فيرجع مفاد النهي المزبور إلى اشتراط كون الإنشاء غير مبغوض، وقد فرغنا عن إمكان كون النهي مستتبعا للأمرين تصورا وتصديقا بما لا مزيد عليه (1). وإذا كان الإنشاء فاقد شرط التأثير يكون فاسدا، كما إذا كان معلقا. ودعوى: أن الإنشاء المعلق ممتنع، ولا يوصف الإنشاء بالصحة والفساد والإجزاء وعدمه (2)، غير مسموعة، بما تحرر منا من الخلط بين الإنشاء التكويني والاعتباري (3)، وتبين في محله أن الإنشاءات الاعتبارية قابلة لأن تكون ذات


1 - تقدم في الصفحة 321 - 322 و 347 - 348. 2 - نهاية النهاية 1: 259. 3 - تقدم في الجزء الأول: 434. (*)

[ 367 ]

نشأت، ففي نشأة يتحقق نحو تحقق الواجب المشروط، وهو من الإنشاء المعلق، واخرى نحو تحقق الوجوب المعلق، فإنه يرجع إلى تعليق المنشأ، والتفصيل في مقام آخر. وبالجملة: النهي المزبور يفيد الحرمة والمبغوضية لأجل طبعه الأولي، ويفيد التضييق والتخصيص لأجل وروده في محيط المركبات والأسباب والمسببات من غير تمانع في الجمع بين الإفادتين، وإذا صار السبب قاصرا في السببية فلا يعتبر المسبب، ولا الأحكام والآثار الاخر المترتبة بالضرورة. هذا فيما إذا كان مورد النهي حصة خاصة من المعاملات، كبيع الغرر والربوي وهكذا. نعم، إذا كان متعلق النهي الماهية النوعية كالقمار، فلابد من التمسك بتقريب آخر يأتي من ذي قبل تفصيله (1). وخلاصة الكلام: أن كل مورد تعلق به النهي، وكان يمكن أن يوصف ذلك المورد بالإجزاء وعدم الإجزاء، أو بجهة وضعية وجودية أو عدمية، كالشرطية والمانعية والجزئية وغيرها، فالنهي المزبور - لمكان كونه في منطقة المركبات العرفية وفي محيط المعاملات العقلائية - يكون مستتبعا لتلك الجهة وذلك الحكم الوضعي. ومن هذه القاعدة الكلية تستخرج المسائل الكثيرة والفروع الجزئية. الثاني: في تعلقه بالمسبب وإن تعلق بالمنشأ والمسبب، فتارة: يشكل الأمر لأجل امتناع تعلق النهي به، لكونه خارجا عن محيط الاختيار (2)، ولايكون من قبيل الأسباب التوليدية. ويشهد


1 - يأتي في الصفحة 378. 2 - محاضرات في اصول الفقه 5: 36 - 37. (*)

[ 368 ]

له عدم إمكان تصوير تعلقه بالسبب هنا دونها. مثلا: يصح أن يقال: " لا تحرك المفتاح " أو " لا تحرق الكتب الكذائية " ولا يمكن أن يوجه الخطاب المتعلق المورث لمبغوضية مالكية الكافر إلا برجوعه إلى الإنشاء والسبب في مقام الجعل. وفيه: أن الأمر وإن كان كذلك، إلا أنه لا بأس بأن يتعلق النهي بتمليك المصحف للكافر بداعي الانتقال إلى مبغوضية ملكية المصحف، من دون أن يكون السبب - وهو إنشاء الملكية - مبغوضا. نعم، في مقام الاستظهار يتعين كون المبغوض هو الوجود الإنشائي، لتعلقه حسب الظاهر به، إلا مع قيام القرينة كما يأتي (1). وبالجملة: كما يصح أن يقال: " لا تحرك المفتاح " لأجل استناد الحركة إليه ولو بالعرض، كذلك يصح هنا، فتأمل. واخرى: إن النهي هنا لا يمكن أن يستتبع أمرا وضعيا وحكما آخر غير الحرمة التكليفية، ضرورة أن الملكية لاتوصف بالإجزاء وعدمه، ولا يمكن اتصافها بالفساد، أو بعدم التحقق، ضرورة أنه مع تمامية السبب بما هو سبب في محيط الناهي، لا يعقل وجه لعدم تحقق المسبب في ذلك المحيط، فلابد وأن يرجع مبغوضية المسبب والملكية إلى قصور في السبب. وإذا كان المفروض أن النهي المتعلق بالمسبب، لا يستتبع شيئا إلا بالنسبة إلى اعتبار عدم المسبب في نفوذ المعاملة، فلا يعقل هنا أن يكون مفيدا للحكم الوضعي زائدا على الحرمة التكليفية، بل يكون ممحضا في التكليف، ولا يدل على الفساد إلا برجوعه إلى أن الناهي الذي يريد إفادة مبغوضية الملكية في محيط العقلاء والعرف،


1 - يأتي في الصفحة 376 - 377. (*)

[ 369 ]

لابد وأن يعتبر قيدا في السبب والسببية، حتى لاتتحقق الملكية في افق الشرع تعبدا وتدينا، وأما مع الإقرار بالسبب فالإقرار بالمسبب عقلي، ويكون هو مبغوضه من غير طرو الفساد إليه. إن قلت: لا وجه للابدية العقلية المزبورة، فإن الشرع على نعت القانون الكلي اعتبر نفوذ البيع وهكذا، وعلى نعت القانون الآخر حرم الملكية المذكورة، ودليل حلية البيع (1) ناظر إلى أن إنشاء الملكية بالبيع نافذ عندي، ودليل مبغوضية الملكية أجنبي عن الدليل الأول. فما استبعده الشيخ الأنصاري (قدس سره) من مبغوضية المسبب مع جعل السبب (2)، في غير محله من جهتين: من اختلاف المجعولين موضوعا. ومن أن الاستبعاد مخصوص بما إذا ورد دليل خاص بأن البيع الربوي سبب عندي، والملكية الحاصلة منه مبغوضة، دون ما إذا كان الدليل بنحو القانون الكلي (3). قلت: نعم، إلا أن اختلاف كيفية الدليل لا ينفع، لاشتراك الاستبعاد مع شدة بعد الفرض الثاني، وما هو يمكن أن يكون نافعا هو اختلاف الموضوعين، وهو لا يختلف مع اختلاف كيفية الدليلين كما لا يخفى. والذي هو المهم: أن العقلاء المتوجهين إلى مبغوضية المسبب، والواقفين على أن المولى لا يرضى بوجوده، لايتأملون في المسألة إلا باستكشاف القيد في


1 - البقرة (2): 275. 2 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 34 - 35. 3 - مناهج الوصول 2: 162، تهذيب الاصول 1: 417. (*)

[ 370 ]

السبب في محيط الشرع، لأن الشارع يتمكن بذلك من عدم تحقق مبغوضه في محيطه وإن كان يتحقق المبغوض في محيط العقلاء والعرف، كما هو الظاهر الواضح. إن قلت: لا يعقل اجتماع مبغوضية المسبب مع الرضا المعتبر في نفوذ المعاملات، ومع الطيب بالسبب. قلت: لهذا الكلام مقام آخر يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى بتفصيل (1)، ولا يضر بما هو مقصودنا من حكم العقلاء بسراية النهي المتعلق بالمسبب إلى قصور سببية السبب، وإلى تخصيص * (أوفوا بالعقود) * (2) و * (أحل الله البيع) * (3) وغيرهما (4). تمثيل: إذا ورد الدليل المخصص، فلا شبهة في أن قضية الجمع العرفي والعقلائي، هو أن وجوب الإكرام المستفاد من العام موضوعه مقيد بعنوان المخصص، من غير أن تكون هيئة النهي مفيدة الحرمة التكليفية، فلو فرضنا استفادة الحرمة التكليفية من دليل المخصص، لأجل بعض القرائن الجزئية الخاصة، فهو لا ينافي التخصيص، بل يؤكده. وفيما نحن فيه وفي العبادات يكون الأمر كذلك، فإنه مع فرض كون المنهي مبغوضا ومحرما، لا منع من تخصيص الأدلة العامة وتقييدها واستفادة اشتراط كون الإنشاء المترتب عليه الملكية عند الشرع مقيد بعدم المنهي، وبأن لا يكون مبغوضا، أو بأن لا يكون مورده نقل الكتاب إلى الكافر مثلا.


1 - تقدم في الصفحة 379. 2 - المائدة (5): 1. 3 - البقرة (2): 275. 4 - النساء (4): 29، " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ". (*)

[ 371 ]

وغير خفي: أن جميع القيود المعتبرة في المعاملة سواء كانت من قيود الإنشاء، أو من قيود العوضين، أو المعاوضين، كلها ترجع إلى تقييد السبب واشتراطه في عالم السببية أو الموضوعية على الخلاف المحرر في محله (1). فعلى هذا، إذا تعلق النهي التكليفي بملكية الكافر للمصحف مثلا، فهو يستتبع اشتراط نفوذ البيع وحليته بأن لا يكون مورده كذا. ومن هنا يظهر: أنه لا فرق بين كون الأسباب والمسببات جعلية شرعية، أو انجعالية عرفية (2)، لوحدة الملاك، وتفرد المناط، وأن الانجعالية العرفية ترجع إلى الجعل، لإمكان الردع عنها وإسقاط سببيتها تعبدا. الثالث: في تعلقه بالآثار وإن تعلق بالآثار، كما إذا تعلق بأكل الثمن والاجرة، سواء كان بنحو النهي بالصيغة، أو بقوله: " ثمن الكلب سحت " (3) أو بقوله: " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (4) فالظاهر أنه بما أنه تعلق بالأثر لا يورث الفساد، لعدم إمكان اتصاف المنهي بالصحة والفساد، وعدم إمكان اتصاف ثمن الكلب بعدم الإجزاء، بخلاف الصلاة في وبر ما لا يؤكل، وبيع الربا، والإجارة بالأكثر، وغير ذلك. وقد مر: أن النهي إذا كان قابلا لإفادة الحكم الوضعي لأجل تعلقه بحصة من المعاملة فهو يكفي لتلك الإفادة تصديقا (5)، وأما مع عدم الإمكان المزبور فلا، فما


1 - تقدم في الجزء الأول: 273 - 275. 2 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 33 - 35. 3 - تقدم في الصفحة 301. 4 - تقدم في الصفحة 180. 5 - تقدم في الصفحة 367. (*)

[ 372 ]

اشتهر بين أبناء العصر من استتباعه للفساد في هذه الصورة (1)، غير موافق للتحقيق. ومن الممكن تحريم الشرع ثمنه، مع التزامه بالإمضاء، نظرا إلى حصول الملكية، وانتقال حق الاختصاص إلى المشتري، وأما البائع فهو ممنوع عن مطلق التصرفات، فيكون الثمن من المحرمات الشرعية الممنوع عنها الناس. ولأحد دعوى انصراف تحريم الثمن إلى تحريم التصرفات الخاصة، وهذا لا ينافي اعتبار بقاء ملكيته للمالك البائع وربما يؤيد ما ذكرناه أن جعل الثمن مورد التحريم إيماء إلى إمضاء البيع، لأنه إقرار بأنه ثمن، والعوض لا يصير ثمنا إلا بالبيع وبعد تحققه اعتبارا، كما لا يخفى. وأيضا: ربما يكون نظر الشرع أخذ البائع بالأشق، حتى لا يرجع إليه حق الاختصاص الثابت له بالنسبة إلى المحرمات الشرعية والأعيان النجسة، وقد فصلنا الكلام حول المرام في المكاسب المحظورة إن شاء الله تعالى. بل لو كان الثمن باقيا على ملك المشتري، يلزم أن تكون الأدلة تأكيد الحرمة الثابتة، وهي حرمة التصرف في مال الغير، مع أن الظاهر منها أنها تأسيس للتحريم الجديد بما تزداد حرمته على حرمة التصرف في مال الغير. فبالجملة: هذه النواهي المتعلقة بالامور الخارجة عن حقيقة المعاملة والمحسوبة من آثارها، إما تكون إرشادا إلى البطلان من غير استتباع للحرمة التكليفية، ويكون الاشتداد في التعبير لأجل زجر الناس عن التجارات المخصوصة، فهو في حد ذاته غير ممنوع، وتصير النتيجة بطلانها. إلا أن ظهورها في التحريم التكليفي أقوى، وإذا كانت مستتبعة للحرمة التكليفية، فإمكان إرجاعها إلى أنها في مقام إفادة الأمرين - وهي مبغوضية


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 472، نهاية الأفكار 2: 459، مناهج الوصول 2: 163. (*)

[ 373 ]

المثمن، وبطلان البيع - أيضا غير مسدود، لأنه يمكن أن يقال: بأن تحريم الأثر بداعي الانتقال إلى أنه في الحقيقة ليس بأثر عندي، ويرجع بعد ذلك إلى اعتباريته في سببية البيع لحصول الملكية، وأن بيع الكلب فاقد ذلك السبب، فيكون ما هو السبب هو البيع المتعلق بغير الكلب. ولكنه بعيد عن الأذهان، فلابد وأن نلتزم بأن هذه الأدلة ليست إلا في موقف تحريم المثمن تكليفا. نعم، تبقى معضلة: وهي أن لازم كون المثمن محرما تكليفا هي حرمته على كل أحد حتى على المشتري، ويكون بمثابة الخمر ولو انفسخ البيع. اللهم إلا أن يقال: بأنه بالانفساخ يخرج عن كونه المثمن. ولكنه غير تام، لعدم إمكان الانفساخ بعد خروجه عن الملكية، كما في بيع الأبوين بعد الانعتاق. وإن شئت قلت: كما أن دليل نفي السبيل لو اقتضى شيئا، فلا يزداد على أن ملكية المسلم للكافر ممنوعة إذا كانت دائمية، فلا يلزم منه فساد المعاملة، لأن السبب أثر في عمله، والشرع قطع ما هو الخارج عن حد المعاملة، كذلك الأمر هنا، فإن البيع أثر في عمله، إلا أن الشرع تدخل فيما ينبغي له التدخل فيه، بمنع المشتري عن مطلق التصرفات، ومقتضى الممنوعية المطلقة عدم اعتبار الملك له بعد ذلك، فلاوجه لبطلان البيع. إن قلت: المقبوض بالعقد الفاسد ليس ممنوع التصرف، لإمكان كشف الرضا من الرضا المعاملي، كما حررناه في محله (1)، خلافا للإجماع المدعى على أنه يجري مجرى الغصب عند المحصلين (2)، فعلى هذا يكون جائز التصرف، لأجل


1 - مستند تحرير الوسيلة 2: 42 وتحريرات في الفقه، كتاب البيع، حول صيغ العقود والإيقاعات، الفرع السادس. 2 - السرائر 2: 285، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 101 / السطر 22 - 25. (*)

[ 374 ]

حصول الرضا، وممنوعا شرعا، فيمكن أن لا تكون تلك الأدلة مؤكدة للحرمة الآتية من قبل النهي عن التصرف في مال الغير، فلايتم الاستشهاد المزبور. قلت أولا: ما كان الاستشهاد منحصرا بهذا، حتى يلزم صرف هذه الأدلة عما هو مقتضى ظاهرها. وثانيا: قد تقرر منا (1) أن دليل استكشاف الرضا الخاص من الطيب المعاملي، مخصوص ببعض الموارد، ولا يجري في مثل اجرة الزانية والمغنية، مع أنها منهية، وعدت سحتا (2) أيضا، فيعلم من الكل أن هذه النواهي غير وافية بما فهمه الجمهور، وهو البطلان. نعم، النهي بالصيغة عن التصرف فيما استملكه ببيع الكلب والخنزير، يكون إرشادا من غير إفادة التحريم. ولو فرض أنه نهي تحريمي فيأتي فيه بعض ما أوردناه في تلك الأدلة على اختلاف ألسنتها. وبالجملة: للتفصيل بين أنحاء إفادة الحرمة التكليفية والمبغوضية الذاتية وجه، إلا أن في وجاهته نظرا، فتدبر. أو يقال: إن من الممكن أن يفصل بين النهي المتعلق بالأمر بالأثر، وهو التصرف، بمعنى أن الناهي يريد نفي الأثر الحاصل من الملكية الحاصلة من الإنشاء، وبين النهي، بمعنى أن الناهي يريد تحريم التصرف في الثمن، ويريد جعل الحرمة تأسيسا على ما هو ثمنه في البيع، ويريد جعل منع التصرف على المثمن، فإن كان من قبيل الأول فهو يستتبع البطلان والفساد، لرجوعه إلى تقييد السبب المجعول


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، التنبيه الثامن من تنبيهات المعاطاة، والفرع السادس من فروع المقبوض بالعقد الفاسد. 2 - الكافي 5: 127 / 3، الفقيه 3: 105 / 435 و 436، وسائل الشيعة 17: 92 و 122، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 5 و 16. (*)

[ 375 ]

بعدم المنهي، وأما إذا كان من قبيل الثاني فلا. ولا شبهة في أن الظاهر هو الثاني في مثل " ثمن العذرة سحت " (1) وفي مثل " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه "، نعم في النهي بالصيغة وجهان، فلاحظ واغتنم. وغير خفي: أن نفي الأثر الخاص وهو جواز التصرف الآتي من قبل الملكية الآتية من قبل الإنشاء وإن كان يلازم المبغوضية أحيانا، إلا أن إفادة مبغوضية التصرف في المثمن تجتمع مع جواز التصرف المعلول للملكية آنا ما. الرابع: في تعلقه بالتسبب وإذا كان النهي متعلقا بالتسبب، فقد عرفت أن ذلك يتصور على ثلاثة: فتارة: يكون التسبب بالآت الإنشاء للتوصل إلى الإنشاء مورد النهي. واخرى: يكون التسبب بإنشاء المبادلة إلى حصول الملكية مورد النهي. وثالثة: يكون التسبب بالملكية لحصول جواز التصرف مورد النهي (2). وعلى كل تقدير: لا يمكن تطبيق القاعدة التي أسسناها لتشخيص كون النهي قابلا لاستتباع الحكم الوضعي عليها، ضرورة أن ذات التسبب بعنوانه لا يوصف بالفساد، وبالبطلان، وعدم الإجزاء، وغير ذلك. نعم، يمكن دعوى: أن الشرع غير الراضي بالتسبب، يجب عليه أن يمنع عن تحقق السبب والموضوع، حتى لا يتمكن العبد من التسبب واقعا، فيكون لازم ذلك إسقاط سببية الآلات للإنشاء باعتبار قيد فيها حسب محيط الشرع، أو إسقاط سببية الإنشاء وهكذا، الذي يرجع في الحقيقة إلى تقييد دليل الإمضاء المستتبع بعد التقييد لبطلان المعاملة، فلو قيل: " إن التسبب لحلية الزيادة بالبيع الربوي غير صحيح " فهو


1 - تقدم في الصفحة 298. 2 - تقدم في الصفحة 364 - 366. (*)

[ 376 ]

ليس إلا لأجل أن السبب قاصر، لانفس التسبب يكون غير لائق بذلك، كما لا يخفى. فبالجملة: لابد من إعمال القرينة الخارجية في هذه الصور، ولذلك يكون التسبب بالظهار للفراق ممنوعا شرعا وصحيحا، ولايكون خارجا عن الضابطة التي أبدعناها. ودعوى امتناع اجتماع المبغوضية والرضا بالسببية، تأتي بتفصيل أكثر من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). المقام الثاني: في الاستظهار من الأدلة الناهية عن حصة من المعاملة وأنها متعلقة بأي شئ من الامور المشار إليها، فعن الشيخ الأنصاري (قدس سره) ظهورها في تعلقه بصدور الفعل المباشري (2)، واستبعده الوالد المحقق - مد ظله - وعده أبعد الاحتمالات، واستظهر أنها متعلقة بحرمة ترتيب الأثر، مستدلا: " بأن تعلقها بالفعل المباشري لا معنى له، لأنه ليس إلا التلفظ بالآلات التي لا ينظر فيها. وهكذا تعلقها بالمسبب غير صحيح، لأنه حكم عقلائي، ولايكون مبغوضا نوعا، ولا التسبب. بل الظاهر: أن الغرض من النهي هو الزجر عن المعاملة بلحاظ آثارها، فالممنوع هو ترتيب الآثار المطلوبة عليها، كسائر المعاملات، وهو مساوق للفساد " (3) انتهى. وإليه ذهب السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) قائلا: " إن الأمر والنهي في الامور الآلية يتعلقان حقيقة بما هي فانية فيه، فلا يتبادر إلى الأذهان من النهي عن نكاح


1 - يأتي في الصفحة 379. 2 - مطارح الأنظار: 164 / السطر 8 - 9. 3 - مناهج الوصول 2: 163، تهذيب الاصول 2: 418. (*)

[ 377 ]

الام مثلا، إلا حرمة ترتيب آثار الزوجية، فإنها المقصود بالذات من النكاح، لا الإيجاب والقبول، ولا الزوجية المجردة عنها " (1). أقول: ظاهرهما أن متعلق النهي التحريمي هو التصرف، وقد عرفت المناقشة في دلالته على الفساد. هذا مع أن الأغراض ليست موجبة لصرف الأدلة عن ظاهرها، وإلا يلزم إنكار الواجبات النفسية والمحرمات النفسية، فعليه لا مانع من كون المحرم والمنهي شيئا، والمقصود بالذات والمبغوض الحقيقي أمرا ملازما معه بوجه من الملازمات الممكنة، من العلية وغيرها. فعلى هذا، إذا تعلق النهي بالبيع الربوي، أو بالبيع الغرري، يكون البيع محرما، كما تكون الصلاة في الوبر محرمة، وإذا لاحظنا البيع نجد أنه عبارة عن إنشاء المبادلة، الذي هو إما تمام الموضوع لحكم العقلاء بالنقل وبحصول الملكية، أو هو تمام السبب، وإذا كان هو محرما تشريعا يلزم - حسبما تحرر - تخصيص أدلة الجعل والتنفيذ، وتقييد المطلقات الواردة في محيط المركبات والمسببات، وتصير النتيجة فسادها. وبالجملة: يكون المحرم إما البيع الإنشائي، أو البيع المعتبر بقاء القابل للفسخ المعبر عنه ب‍ " البيع المسببي " أو يكون هما معا إذا فرض لهما الجامع، أو جوزنا استعمال اللفظ في أكثر من المعنى الواحد، على إشكال في الأخير، لعدم الجامع، ولأن جواز الاستعمال المزبور لا يستلزم وقوعه، خصوصا في هذه التراكيب الشرعية. فعلى هذا، إن استظهرنا من الدليل أحد الإطلاقين فهو، وإلا يلزم الإجمال، ويلزم العمل بالعلم الإجمالي، فتأمل. ومما يؤيد ما سلكناه في هذا المقام، أن إرجاع تحريم المعاملة إلى أثرها


1 - نهاية الاصول: 288. (*)

[ 378 ]

يستلزم إنكار محرمية المعاملة، وهو خلاف الفرض، لأن المفروض كون المعاملة مورد النهي، وأثرها خارج عنها. هذا مع أن قضية الاعتبار كون نكاح الام حراما زائدا على حرمة الزنا بها، ولو رجع تلك الحرمة إليها يلزم اتحاد المحرم. وغير خفي: أن الشيخ الأعظم الأنصاري (رحمه الله) وإن نسب إليه أنه كان يقول: بأن المحرم هو الفعل المباشري، ولكن المقصود منه هو إنشاء المعاملة، فإنه فعل مباشري بمباشرية الآلات، فيكون كلامه أقرب المحتملات، فلاحظ. تنبيهات التنبيه الأول: حول فساد المعاملة النوعية بالنهي عنها وعدمه إذا تعلق النهي بالمعاملة النوعية وكانت المعاملة بنوعها مورد النهي التحريمي، كالقمار مثلا، فلايتم الوجه الذي ذكرناه لفساد المعاملة (1)، لعدم وجه لكونه إرشادا إلى شئ، كما هو الواضح. وربما يستفاد من كلام جمع بعض وجوه استدل بها على دلالة النهي على الفساد مطلقا من غير فرق بين كون النهي متعلقا بحصة من المعاملة النوعية، أو بنفسها، ولا بأس بالإشارة إليها وإلى أهمها: منها: " أن النهي إذا تعلق بنفس الإيجاد والإنشاء فهو لا يقتضي الفساد، إذ حرمة الإيجاد لا تقتضي مبغوضية الموجد، وأما لو تعلق النهي بنفس الموجد والمنشأ فهو يقتضي الفساد، لخروج المنشأ حينئذ عن تحت اختياره وسلطانه، ولا قدرة عليه في عالم التشريع، والمانع التشريعي كالمانع العقلي. ومن هنا كان أخذ الاجرة على الواجبات حراما، لخروج الفعل بالإيجاب


1 - تقدم في الصفحة 363. (*)

[ 379 ]

الشرعي تحت قدرته ونفوذه " (1) انتهى. أقول: هذا ما أفاده العلامة النائيني (قدس سره) وقد تبين فساده فيما مر (2)، وفي المكاسب المحرمة، وفي كتاب الإجارة. وإجماله: أن العجز المدعى والخروج عن تحت القدرة إما واقعي، أو ادعائي، فإن كان واقعيا فلا معنى للتكليف أيضا، وإن كان ادعائيا فلابد من قيام الدليل الشرعي على نفوذ ذلك الادعاء، وعلى إطلاق مصب الدعوى، حتى يترتب عليه أحكامه وآثاره الخاصة، دون الأثر الواحد، وهو نفس التكليف المتقوم بالقدرة. ومن الأباطيل الشائعة: " أن المانع الشرعي كالمانع العقلي " (3) لأنه من المقايسة والتخييل، ومن القول بغير علم. ومجرد اقتضاء الذوق شيئا لا يكفي في منطق الشرع، كما هو البارز الظاهر. ومنها: وهو ما مر منا في مطاوي بحوثنا السابقة، من أن صحة كل معاملة وكل مركب اعتبر سببا لأمر آخر مترتب عليه، منوط برضا الشرع وطيب الشريعة، وتكون المعاملات بغير الرضا وبغير الإمضاء باطلة (4). وهذا ما هو المشهور عنهم من أصالة الفساد فيها، قضاء لحق الاستصحاب (5). وإذا كانت الصحة مشروطة بذلك، فكيف يعقل الجمع بينهما وبين الحرمة التكليفية الكاشفة عن المبغوضية، والمساوقة للكراهة المضادة للرضا والطيب


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 471 - 472. 2 - تقدم في الصفحة 366 - 367. 3 - مطارح الأنظار: 56 / السطر 36، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 365 / السطر 22، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 318 و 472. 4 - تقدم في الصفحة 138 - 139 و 362. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 462 - 463، نهاية الأفكار 2: 456، مناهج الوصول 2: 157. (*)

[ 380 ]

بالضرورة ؟ ! من غير فرق بين ما كانت الحرمة متعلقة بالسبب، أو المسبب، أو غير ذلك، لأن مبغوضية كل واحد من هذه الجهات، توجب السراية إلى الجهة الاخرى، ولا يمكن حينئذ الجمع بينها وبين الرضا والطيب المتعلق بالآخر، لعدم إمكان التفكيك بينها، وقد تبين في محله: أن المتلازمين لا يمكن أن يكونا محكومين بالحكمين المتخالفين، أو محكومين بالحب والبغض والرضا والكراهة (1)، ولا شبهة في تلازم السبب والمسبب، أو تلازم الحكم والموضوع وهكذا، فتحريم البيع الإنشائي لا يجتمع مع الرضا والطيب النفساني المتعلق بترتب الأثر عليه. لا يقال: قد اشتهر جواز كون الإيجاد مبغوضا، دون الوجود البقائي، كما في تصوير ذوات الأرواح وتجسيمها، فإن المحرم حسبما ذهب إليه جمع هو الإيجاد المصدري، وأما الوجود الحاصل المصدري فهو أيضا - لما لا ينفك عن الإيجاد - محرم، ولكن الوجود البقائي المستند إلى المادة والهيولى يكون حلالا وجائزا، ويجوز اقتناؤها وبيعها (2)، فعليه لا بأس بأن يقاس ما نحن فيه بذلك، فيكون البيع الإنشائي والإيجادي محرما ومبغوضا، ولكن البيع المسببي الباقي ببقاء العوضين يكون ممضى. لأنا نقول: هذا ما يوجد في كلمات جمع منهم، إلا أنه غير تام، ضرورة أنه في المثال لا يكون الإيجاد أو السببية اعتباريين حتى يتقوما بالإمضاء، فلا مانع من التفكيك المزبور عقلا، وأما فيما نحن فيه فلايتم، لما عرفت من أن الإيجاد والسببية لايتم إلا بضم الرضا والطيب، وهذا لا يجتمع مع الكراهة الشديدة المستكشفة بالنهي التحريمي.


1 - تقدم في الجزء الثالث: 314 - 315. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 2: 93، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 23 - 24، المكاسب المحرمة، الإمام الخميني (قدس سره) 1: 268 - 293. (*)

[ 381 ]

ومن العجيب ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنه لم تتحقق مساوقته للفساد، إذ أي منافاة بين تحقق المسبب غير المبغوض، وبين حرمة التسبب ؟ ! فإن الحيازة تتحقق ولو بالآلة الغصبية المحرمة تكليفا " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه، فإن في المثال تكون الحيازة ممضاة، والغصب محرما، والنسبة عموما من وجه، فيكون من قبيل البيع في المغصوب. وأما في المقام فيكون النسبة بين المحرم والممضاة عموما وخصوصا مطلقين، ضرورة أن البيع الربوي محرم، والبيع ممضى، وربما تكون النسبة متساوية كما في المعاملة القمارية، فإن المضر هي الماهية النوعية. اللهم إلا أن يقال: بأن الممضى هي العقود، فتكون النسبة عموما مطلقا. وعلى كل تقدير: تثبت الملازمة بين ما هو المحرم، وما هو المحلل والممضى من ناحية، وهذا أيضا من المستحيل، كما تحرر في محله (2)، فليتأمل. وبالجملة: الحيازة بالآلات الغصبية إذا كانت محرمة، ومورد الكراهة والمبغوضية لأجل النص الخاص، فهي لا يتعلق بها الرضا والطيب النفساني والعقلائي المعتبر في صحتها ونفوذها. وربما يقال بعدم اشتراط رضا الشرع وطيب الشريعة في نفوذ التجارات والمعاملات، والذي هو المضر بها ردعها في الإسلام، فلا يلزم الجمع بين المتضادات بإنكار الكبرى دون الصغرى. أقول: هذا ما يستظهر من الوالد المحقق في هذا المقام، ومن بعض السادة في


1 - تهذيب الاصول 1: 417. 2 - تقدم في الجزء الثالث: 314 - 315. (*)

[ 382 ]

كتاب الإجارة (1). وقال في " تهذيب الاصول ": " أضف إلى ذلك أن المعاملات عقلائية، والعقلاء على أثر ارتكازهم وبنائهم حتى يردع عنه الشارع " (2) انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن قضية ردع الشرع عن طائفة من المعاملات، ومقتضى أن الشرع ليس بناؤه في بيان الأحكام والقوانين على الإعجاز والتكهن والإخبار عما يأتي، هو اعتبار عدم الردع كما عليه الشهرة (3). هذا، ويكفي للردع أدلة الاستصحاب، فمع الشك في النقل والانتقال - لأجل احتمال مردوعية المعاملة المشكوكة بحسب الواقع - لابد وأن نرجع إلى الحجة الشرعية، ولا تكفي الحجة العرفية بذاتها، ولا حاجة في ردعها إلى الأدلة الخاصة، بل يكفي إطلاق قوله: " لا تنقض اليقين بالشك " (4) فليتأمل جيدا. ثم إن أي بيان أوسع وأظهر للردع من التحريم، وأي مخصص أقوى وأمتن من المخصص المحدد للعام، والمتكفل لحكم ضد حكم العام بالنسبة إلى مورد التخصيص والتقييد ؟ ! فما أفاده - دام ظله - بقوله: " ومثل ذلك لا يكفي ردعا، ولا يعد مخصصا ولا مقيدا لما دل على جعل الأسباب الشرعية بنحو القانون " (5)، غير موافق لافق التحقيق، كما عرفت بتفصيل (6).


1 - مستند العروة الوثقى، كتاب الإجارة: 113 و 210. 2 - تهذيب الاصول 1: 417. 3 - تقدم في الصفحة 209. 4 - تهذيب الأحكام 1: 8 / 11، وسائل الشيعة 1: 245، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1. 5 - تهذيب الاصول 1: 417. 6 - تقدم في الصفحة 368. (*)

[ 383 ]

فبالجملة: تحصل إلى هنا، أن قضية الإقرار بهذه الكبرى، عدم إمكان الجمع بين الرضا والمبغوضية، إما مطلقا سواء كانت النسبة بين مورد الرضا والبغض، عموما وخصوصا مطلقين كما هو الحق، أو في مثل القمار والظهار، فتكون قضية النهي التحريمي فساد المعاملة، سواء تعلق النهي بحصة منها، أو بالطبيعة النوعية، وسواء كان مورد النهي هو السبب، أو المسبب، أو التسبب، أو غير ذلك مما يرجع إلى المعاملة. تذنيب: بيان بديع في إمكان تحريم الشارع لمعاملة مع إيجابه ربما يخطر بالبال أن يقال: بأن الجمع على نعت العرضية غير ممكن، ولكن لا بأس به على نحو الطولية، بأن لا يكون المولى راضيا بالمعاملة، وإذا تكون المعاملة في هذه اللحظة فهي باطلة، وإذا سئل يحكم بأن القمار باطل وعاطل، والبيع الربوي فاسد ومحرم ومبغوض، ويريد بذلك منع المكلفين من الإقدام عليه وإيجاده، وأما إذا أقدم فأوجده عصيانا، يكون ترتيب الآثار عليه مورد رضاه، بل ومورد الإيجاب. وإن شئت قلت: للمولى أن ينادي بأعلى صوته: " يحرم بيع القمار والربا، ويحرم الظهار، وإذا تحققت هذه الامور يجب الوفاء بها، وترتيب الآثار عليها، فهل ترى في نفسك إشكالا وتضادا في نفس المولى ؟ ! وغير خفي: أن هذا ليس من الترتب المصطلح عليه، لاختلاف زمان التكليف التحريمي وزمان التكليف الإيجابي، من غير اشتراط وجوب الوفاء بالعصيان، فلا تتوجه إليه إعضالات الترتب وإشكالاته. إن قلت: ولكن مجرد التصوير الثبوتي غير كاف، فلابد من قيام الدليل إثباتا، وبعبارة اخرى لا يمكن أن يكون الدليل الواحد متكفلا لذلك.

[ 384 ]

قلت: قضية أدلة وجوب الوفاء بالعقد وأدلة نفوذ التجارات، هو أن كل معاملة خارجية واجبة الوفاء ونافذة، فتلك الأدلة متعرضة لحال المعاملة بعد فرض وجودها، وبعد فرض كونها خارجية، ضرورة أن مفاهيمها بما هي هي ليست موضوعة لحكم إيجابي، والتفصيل في محله. ومقتضى أدلة تحريم القمار والظهار والبيع الربوي وغيرها، أن الطبيعة مورد التحريم والمنع والزجر عن صيرورتها خارجية، فهي متكفلة لمنع المكلف عن إيجادها، وزجره عن الإتيان بها. وعلى هذا يمكن الجمع بين الدليلين، فإن الدليل الثاني في موقف منع المكلفين عن الإيجاد، والدليل الأول في موقف إثبات الحكم على الموجود الباقي ببقاء العوضين في الاعتبار، فالدليل الثاني يمنع عن الإنشاء والإبراز، والدليل الأول متكفل لحكم البارز والموجود، بإيجاب ترتيب الآثار عليه الملازم للرضا بالسبب بعد وجوده وإن كان غير راض بإيجاد السبب، ولعل إلى ذلك يرجع ما في بعض كلمات القوم (1)، مع قصور في تأدية مرامهم، والأمر سهل. أقول: الأمر بحسب الإمكان كما تحرر، ولكن المراجعة إلى الأفهام العرفية في درك القوانين الإلهية، تعطي أن المستفاد من قياس أدلة التحريم إلى أدلة الإيجاب والتنفيذ، هو أن الشرع غير الراضي بإحداث السبب وبإيجاد القمار، وأن الشرع الساخط على البيع الربوي، لا يكون سخطه ومنعه منحصرا بالإيجاد وبمنع المكلف عن الإتيان بها، بل الظاهر هو المانع عن الإيجاد والوجود البقائي. ولذلك قوينا على فرض تحريم التجسيم والتصوير، حرمة الاقتناء، قضاء لحق فهم العرف، وشهادة الوجدان بأن التفكيك أمر خارج عن حيطة الأفهام العادية (2).


1 - مطارح الأنظار: 163 / السطر 27 - 28، مناهج الوصول 2: 161. 2 - مستند تحرير الوسيلة 1: 376 و 383 - 384. (*)

[ 385 ]

نعم، مع اقتضاء القرينة نلتزم به، كما التزموا في الظهار بأنه حرام ونافذ (1)، فافهم واغتنم جدا. وعلى هذا، كما يجب في المثال المزبور كسر الصورة، ويحرم بيعها، ويكون باطلا، كذلك الأمر فيما نحن فيه يكون البيع بوجوده البقائي، مبغوضا وباطلا في محيط الشرع، وإن كان بيعا في حيطة اللغة والعرف، فإن قلنا: بأن صحة المعاملة منوطة بالرضا فالأمر واضح، لسراية مبغوضية الوجود الحدوثي إلى الوجود البقائي. وإن قلنا بعدم الحاجة في نفوذ المعاملة إلى الرضا المزبور، فكما يجب هناك كسر الصورة الخارجية التكوينية، يجب هنا فسخ الصورة البيعية الاعتبارية، لأنه موجود باق ومبغوض للمولى، فلابد من قلع مادته. إعادة وإفادة: قضية ما سلف منا في كيفية استفادة الحكم الوضعي من النهي التحريمي (2)، اختصاص البطلان والفساد بصورة يكون النهي فيها متعلقا بالحصة من المعاملة، حتى يكون قابلا للإرشاد إلى بيان قيد في العمومات والمطلقات. وأما إذا كان النهي متعلقا بالطبيعة النوعية كالقمار والظهار، فلا يمكن أن يكون كاشفا عن قيد في العام والمطلق، لأن المفروض تعلق النهي بجميع الأفراد وبالطبيعة المطلقة. اللهم إلا أن يقال: بأن آية الوفاء ودليل الشرط (3) بناء على دلالتهما، كما


1 - إيضاح الفوائد 3: 411 - 414، الروضة البهية 2: 156. 2 - تقدم في الصفحة 366. 3 - " المؤمنون (المسلمون) عند شروطهم "، الكافي 5: 169 / 1، وسائل الشيعة 18: 16، كتاب التجارة، أبواب الخيار، الباب 6، و 21: 276، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب 20، الحديث 4. (*)

[ 386 ]

تكونان دالتين على وجوب الوفاء بكل فرد من العقود، تلازم نفوذ الطبيعة النوعية من الأفراد المتجمعة تحت تلك الطبيعة، فيكون مثلا القمار نافذا، لأن الآية إما لها العموم الأنواعي فالأمر واضح. وإما يكون لها العموم الأفرادي فجميع أفراد القمار إذا كانت صحيحة، يلزم كون القمار من المعاملات النافذة بما أنها عقد، فإذا قام الدليل على حرمة القمار والظهار - بناء على ما هو التحقيق من شمول آية الوفاء بالعقد للإيقاع - فلابد وأن يلزم تخصيص الآية والحديث، وتكون النتيجة أن العقد غير القماري واجب الوفاء، والشرط غير الظهاري نافذ. نعم، في خصوص الظهار لقيام الدليل الخاص، يؤخذ به من غير لزوم الشبهة العقلية، وهي الجمع بين الضدين، لما عرفت من اختلاف موضوعهما آنفا، فليتدبر جيدا. التنبيه الثاني: حول الاستدلال بالأخبار لدلالة النهي على الفساد ربما يستدل ببعض المآثير الواردة في نكاح العبيد والإماء في الباب الرابع والعشرين على اقتضاء النهي للفساد، واستتباعه للحكم الوضعي (1)، وأمتنها دلالة معتبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغير إذنه، فدخل بها، ثم اطلع على ذلك مولاه. فقال: " ذاك لمولاه، إن شاء فرق بينهما... ". إلى أن قال فقلت لأبي جعفر: فإنه في أصل النكاح كان عاصيا ؟ فقال أبو جعفر: " إنما أتى شيئا حلالا، وليس بعاص لله، وإنما عصى سيده،


1 - الوافية في اصول الفقه: 105 - 106، مطارح الأنظار: 164 / السطر 20. (*)

[ 387 ]

ولم يعص الله، إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه من نكاح في عدة وأشباهه " (1). فإن قوله (عليه السلام): " إن ذلك ليس " يكون ظاهرا في أن ما كان محرما يكون فاسدا وباطلا، وما كان عصيانا لله تعالى لا يمكن أن يكون أمره إلى غير الله تعالى، فلا حاجة إلى التمسك بمفهوم القيد (2)، وهو قوله (عليه السلام): " ولم يعص الله ". مع أن قضية الذيل عدم اختصاص الحكم بباب النكاح، بخلاف المفهوم المستفاد من المعتبر الثاني لزرارة، المستدل به في كلمات القوم وكتبهم، فإن فيه قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده. فقال: " ذاك إلى سيده، إن شاء أجازه، وإن شاء فرق بينهما ". قلت: أصلحك الله، إن الحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون: إن أصل النكاح فاسد، ولا تحل إجازة السيد له. فقال أبو جعفر (عليه السلام): " إنه لم يعص الله، وإنما عصى سيده، فإذا أجازه فهو له جائز " (3). فإن تمامية الاستدلال منوطة بكون الاستدلال على الطريقة الصحيحة، وقد كثر إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم، وكأنهم كانوا يقولون: " بأن ما كان معصية لله يكون فاسدا " فأخبر (عليه السلام): " بأنه ليس عصيان الله ". هذا مع أن الكلام في المفهوم طويل الذيل يأتي إن شاء الله تعالى ومع عدم دلالته على أن كل ما كان معصية لله فهو فاسد إلا بإلغاء الخصوصية، وهو عن باب النكاح مشكل جدا.


1 - الكافي 5: 478 / 2، وسائل الشيعة 21: 115، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 2. 2 - كفاية الاصول: 227، أجود التقريرات 1: 407، تهذيب الاصول 1: 419. 3 - الكافي 5: 478 / 3، وسائل الشيعة 21: 114، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 24، الحديث 1. (*)

[ 388 ]

وبالجملة: لا يستفاد منها أن الكبرى المذكورة في كلامه (عليه السلام) مورد تصديقه (عليه السلام) بل كانت من الكبريات المصدق بها في مرام ابن عتيبة وأمثاله، ولكنهم اشتبهوا في صغراها، فذكر مثلا الإمام (عليه السلام) بالمناقشة الصغروية من غير النظر إلى صحة الكبرى وفسادها. وهذا الاحتمال وإن كان في حد نفسه بعيدا، إلا أنه بمناسبة المورد، وهي المحاجة، مع ورود هذا النحو من الاستدلال في مواقف اخر، يكون احتمالا قابلا لإسقاط الاستدلال. أوهام واندفاعات: حول الأخبار السابقة الأول: ربما يتوجه إلى هذه الأخبار - ومنها معتبر منصور بن حازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مملوك تزوج بغير إذن مولاه، أعاص لله ؟ قال: " عاص لمولاه... " الحديث - (1): أن التزويج بغير الإذن ليس معصية للمولى، لأن المعصية هي مخالفة الأمر أو النهي. وأما دعوى: أنه من التصرف الممنوع، لأنه من التصرف في سلطان المولى ومال المولى، وهو ممنوع إلا مع الإذن، ومع الشك في ذلك أيضا يكون ممنوعا، فلابد من الإذن (2)، فهي لو كانت مسموعة بحسب الكبرى - على إشكال فيها - ليست مسموعة بحسب الصغرى، لما تقرر في مباحث الفضولي: من أن التصرفات


1 - الكافي 5: 478 / 5، وسائل الشيعة 21: 113، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والإماء، الباب 23، الحديث 2. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 473 - 474، منتهى الاصول 1: 421. (*)

[ 389 ]

الناقلة ليست من المحرمات الشرعية (1)، وذلك إما لأجل أنها ليست تصرفا، أو يكون دليل التحريم منصرفا عنها، وأما حركات اللسان والفم فهي أيضا كذلك بالضرورة، ففي نفس هذه الأخبار وهن يشكل معه الاعتماد عليها. اللهم إلا أن يقال: بأن بناء العرف والعقلاء وعادة الناس، حتى في الأبناء والآباء، بل والأصدقاء، على إطلاع الأكابر في أمر التزويج، ويعد ذلك من الأعمال المدانة بين الناس، وغير الصحيحة، فعندئذ يكون في التزويج بغير إذن السيد توهين بالنسبة إليه، وهذا غير جائز، ويعد معصية (2). أو يقال: بأن المقصود من " التزويج بغير الإذن " هو التزويج في مورد كان يعلم العبد بعدم رضا سيده، وأن المتبادر من السؤال هو ذلك. وعلى هذا يحمل قوله (عليه السلام) في ذيل خبر ابن حازم قلت: حرام هو ؟ قال: " ما أزعم أنه حرام، وقل له أن لا يفعل إلا بإذن مولاه ". فالنهي عن إتيان كل شئ إلا بإذنه، محمول على كل شئ يكون بحسب المتعارف داخلا في حدود سلطان السيد، لا مثل التكلم والدعاء والتنفس. الثاني: ربما يتوهم في بادئ النظر أن في هذه الأخبار نوع مناقضة، وذلك لأن مخالفة السيد عصيان الله تعالى، ففي النكاح في العدة عصيان لله تعالى، كما يكون في نكاح العبد بغير إذنه عصيانه بلا فرق، مع أنها متضمنة لنفي العصيان في الثاني، وإثباته في الأول، والوجه واضح، ضرورة أن إطاعة السيد واجبة، وعصيانه محرم إلهي، ولذلك قال في ذيل خبر ابن حازم ما قال، كما مر. ولأجل الفرار من هذه الشبهة قال بعضهم: " بأن هذه الأخبار تدل على أن


1 - المكاسب، الشيخ الأنصاري: 127 / السطر 34 - 35، و 128 / السطر 1، مهذب الأحكام 16: 308 - 309. 2 - انظر مطارح الأنظار: 165 / السطر 20. (*)

[ 390 ]

النهي التحريمي يدل على الصحة، وأن هذه الروايات تشهد على استتباع النهي للصحة " (1) كما يأتي عن أبي حنيفة وغيره (2). بتقريب: أن المراد من العصيان المنفي عن العبد، هي مخالفة عمله للقانون الشرعي في الحكم الوضعي، فيكون مفاد كلامه (عليه السلام) هو أن العبد في نكاحه بغير إذن سيده، لم يأت بمعاملة غير مشروعة، وأن تصرفه في نفسه بالنكاح بغير إذن سيده، لا يبطل مشروعية المعاملة التي أتى بها. غاية الأمر أن نفوذ هذه المعاملة ولزومها في حق العبد، متوقف على رضا سيده بها، لأنها معاملة أجراها في مال غيره، فيكون عصيان العبد للنهي التكليفي، غير ضار بمشروعية النكاح الذي أوقعه بغير إذن سيده، وذلك يدل على أن عصيان النهي المولوي في المعاملة المشروعة، لا يوجب فسادها وعدم مشروعيتها (3). وبعبارة اخرى: لو كان عصيان الله موجبا للفساد، لكان معاملة العبد ونكاحه باطلا وفاسدا، لأنه عصيان الله تعالى، فيعلم منه أن الفساد ليس تحت العصيان لله، بل هو تحت الأمر الآخر، وهو عدم إمضائه تعالى إياه، فكل معاملة كانت مما شرعها الله تعالى تكون صحيحة بالضرورة وإن كانت عصيانا له تعالى، وكل معاملة كانت غير مشروعة - كنكاح المحارم والنكاح في العدة - كانت باطلة، سواء كانت محرمة أيضا تكليفا، أم كانت محرمة تشريعا، أو لم تكن بمحرمة رأسا. وإن شئت قلت: إنه على هذا يصح أن يقال: إن العبد في تزويجه لم يعص الله تعالى، لأنه ليس متصرفا في سلطان الله تعالى بالتشريع، وليس متدخلا في منطقة نفوذه وقدرته التشريعية، وإنما عصى سيده، لأنه متدخل في سلطانه وحدود مملكته


1 - قوانين الاصول 1: 162 / السطر 4 - 8. 2 - يأتي في الصفحة 393. 3 - لاحظ مطارح الأنظار: 165 / السطر 5، أجود التقريرات 1: 406 - 407. (*)

[ 391 ]

الوهمية، وأما في تزويج المحارم فعاص لله، لأنه متدخل في حدود سلطانه، ومتصرف في حد اختياره التشريعي، وبهذا تنحل المشكلة المزبورة، وتنسد أبواب اخر متوجهة إلى تقاريب القوم حولها. أقول أولا: قضية التقريب المزبور عدم دلالة النهي على شئ، وأن التحريم يجتمع مع الصحة، وأما دلالة الروايات على استتباع النهي للصحة فهي ممنوعة، كما لا يخفى. وثانيا: إن المراجعة إلى أخبار المسألة، تعطي أن هذه الأخبار متكفلة لإفادة أن المعاملة المحرمة شرعا، والمعاملة التي هي عصيان الله، تكون فاسدة، وفيها شواهد ظاهرة جدا في أن عصيان الله تكليفا المنتزع عن إتيان الفعل المحرم شرعا، لا يجتمع مع الصحة، وتكون المعاملة فاسدة: ومنها: قوله (عليه السلام): " إن ذلك ليس كإتيان ما حرم الله عليه، من نكاح في عدة... ". فإن الظاهر منه أن عنوان " النكاح " محرم، والظاهر منه أن الحرمة هي الحرمة التكليفية المستتبعة للعصيان ذاتا، كسائر المحرمات الإلهية، دون الحرمة التشريعية، ودون أن يكون عنوان " التدخل في سلطانه تعالى " محرما، بل العنوان المحرم هو عنوان " النكاح " فكلما لم يكن عنوان " النكاح " حراما فلايستتبع الفساد. ومنها: قول ابن حازم قلت: حرام هو ؟ قال (عليه السلام): " ما أزعم أنه حرام ". فإن الظاهر منه: أن النكاح ليس محرما تكليفا وبعنوانه الذاتي. ومنها: قوله (عليه السلام): " إنما عصى سيده، ولم يعص الله " فإن عدم عصيانه لله، ليس إلا لأجل إتيانه بالنكاح المحلل، لا لأجل عدم تدخله في السلطان. مع أن

[ 392 ]

التدخل في سلطان الله التشريعي ليس من المحرمات، بل المحرم هو التشريع، ومن الممكن الإتيان بما لم يشرعه الله تعالى برجاء الحلية، من غير أن يرتب عليه الأثر، فتدبر وتأمل. ولعمري، إن القائلين بأن هذه الأخبار ناظرة إلى تلك المقالة، معتقدون بأن الأظهر هو أن العبد ليس بعاص لله في تزويجه، وإنما عصى سيده بالنسبة إلى عنوان " التزويج " وأنه إذا أتى بنكاح المحارم يكون عاصيا لله، فيكون باطلا، ولكنهم لأجل الشبهة المزبورة وقعوا في هذه المخمصة، ولو انحلت الشبهة فالأخذ بذلك متعين. ولقد علمت منا في بحوث الاجتماع والامتناع: أن هذه المآثير راجعة إلى مسألة الاجتماع والامتناع، وذكرنا هناك أن زرارة وابن حازم - تبعا للحكم ابن عتيبة والنخعي - كانا يقولان بالامتناع، فكانا يريان أن عنوان " مخالفة السيد وعصيانه " محرم شرعا، والنكاح المزبور محقق العصيان، ومحقق عنوان " المخالفة " فيكون النكاح أيضا محرما، غافلين عن أن ما هو المحرم بالذات هو عنوان " المخالفة " وهو عنوان عرضي بالنسبة إلى النكاح الخارجي، وما هو المحلل هو عنوان " النكاح " وهو عنوان ذاتي بالنسبة إلى ما في الخارج، وبين العنوانين عموم من وجه، والإمام (عليه السلام) بصدد بيان أن حرمة مخالفة السيد أجنبية عن أصل النكاح، فإنه في أصل الشرع محلل، ويشهد لذلك شواهد اخر، فراجع تلك المسألة (1) تعرف إن شاء الله تعالى. وغير خفي: أن هذه الأخبار - مضافا إلى شهادتها على جواز الاجتماع، وعلى جواز اجتماع العنوانين الذاتي والعرضي - تشهد على جواز اجتماع عنوانين، أحدهما: أصيل، والآخر انتزاعي، ويكون من العناوين التوليدية فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 227. (*)

[ 393 ]

الثالث: وهو الوهم الأخير المتوجه إلى الاستدلال، وهو أن المقصود من الاستدلال بالأخبار في أمثال المقام، ليس تحديد المقتضيات، وتعيين الحدود للمفاهيم العرفية واللغوية، فإن ذلك خارج عن حيطة التعبد المقصود، وهو الاستشهاد بالأدلة التعبدية لتقريب ما يستظهر من البناءات العقلائية، أو ما يقتضيه العقل النظري، فعلى هذا إذا كانت الرواية مورد المناقشة عقلا لا يمكن التعبد بها، وتسقط عن الاستدلال والاستشهاد. والمناقشة العقلية هنا: هي أن النهي لا يعقل أن يكون مستتبعا للحكم الوضعي وهو الفساد، بل هو يستتبع الصحة والإجزاء، وذلك لأن الأوامر والنواهي التكليفية الإلهية وغير الإلهية، لاتعقل إلا في موقف قدرة المكلفين على الطبيعة المأمور بها، أو المنهي عنها، وإلا تلزم اللغوية الظاهرة الواضحة. وعلى هذا، فالنهي التحريمي عن النكاح والمعاملة، شاهد على قدرة العبد على النكاح والمعاملة خارجا، وشاهد على تمكن العبد من الإتيان بتلك المعاملة، وإذا كانت المعاملة الخارجية مقدورة، فلابد وأن تكون صحيحة، وإلا فلا معنى للنهي عنها، فالتعبد بالمسألة الاصولية - لأجل قيام هذه الأدلة الشرعية - غير جائز، بل لازمها هو التعبد بنقيض المطلوب. أقول: هذا ما هو الإشكال المنسوب إلى أبي حنيفة والشيباني ويظهر عدم اختصاصه بالمعاملات، لأن العبادة المنهية أيضا لابد وأن تكون مقدورة للعبد حتى يصح النهي عنها، فالنهي فيها أيضا يشهد على الصحة وإمكان تحققها الملازم للإجزاء، وقد تعرض الأصحاب - رحمهم الله تعالى - لهذه الشبهة بشكل مستقل (1)، ولكننا تعرضنا بشكل آخر كما عرفت، والأمر سهل.


1 - قوانين الاصول 1: 163 / السطر 2، مطارح الأنظار: 166 / السطر 15، مناهج الوصول 2: 167. (*)

[ 394 ]

والذي يتوجه إلى هذه المقالة امور: أحدها: أن الإشكال لو كان ناشئا عن اللغوية محضا فهو مندفع: بأن النهي ليس حينئذ لغوا، لأن أثره التعجيز التكويني، وذلك لأن الطبيعة المفروضة - مع قطع النظر عن الأمر والنهي - كانت مقدورة، بل وصحيحة، لشمول العمومات إياها، فإذا توجه النهي صار العبد عاجزا به، لأن ما يأتي به يكون فاسدا بذلك النهي، لا بالأمر الآخر حسب المفروض، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: النهي ليس إلا لتوصل المولى إلى منع العبد عن إيجاد الطبيعة، وإذا توصل المولى إلى تعجيزه التكويني بالنهي، فهو أولى به من النهي الذي هو الداعي، والإرادة الزاجرة في جميع الأحيان باقية، لأجل ما يرى المولى فيها من الخير الكثير، وهو تعجيزه دائما. وبعبارة اخرى: هذه المسألة في وجه تشبه مسألة الأوامر الامتحانية، التي ليس الداعي فيها إلا ما يرجع إلى حدود الجعل، دون المجعول، والمأمور به والمنهي هنا بداعي أن نفس النهي مورد الداعي، فافهم واغتنم. وبعبارة ثالثة: الشبهة تكون بشكل المنفصلة الحقيقية، وهي أن الطبيعة المنهية إما تكون مقدورة، أو متعذرة، فإن كانت مقدورة فهو المطلوب، وإن كانت متعذرة فيلزم الخلف، لما يلزم أن لا تكون منهية، وحيث إنها منهية فلا تكون متعذرة، أو ولأنها ليست متعذرة فهي منهية. وقد عرفت الاحتمال الثالث حتى لا يكون النهي لغوا: وهو أنها تكون مقدورة، والمولى يتوصل إلى تعجيز العبد بالنهي، ويتمكن حينئذ من ترشيح الإرادة الجدية الزاجرة، وتكون على هذا، الأخبار الدالة على استتباع النهي التحريمي للفساد، سالمة من الوهن المزبور، وهي لغوية النهي. ثانيها: أنا لا نسلم كون المنهي بعد النهي التكليفي في المعاملات كلها وفي

[ 395 ]

العبادات الذاتية متعذرا، وذلك: أما في المعاملات، فلأن ما هو المنهي هي المعاملات الرائجة العرفية المتعارفة الخارجية بين العقلاء، وتلك العناوين قابلة للوجود قبل النهي وبعده بالضرورة، ويكون المتخلف عاصيا وفاسقا، كما إذا أتى بسائر المحارم الإلهية. نعم، الشرع بعد هذا التحريم حرم الأمر الآخر: وهو ترتيب الآثار عليها، وقد مضى أن تصرفات الشرع في حدود المعاملات لا تزيد على ذلك، ولا يلزم من تصرفاته في توسعة القيود وتضييقها، توسعة المفهوم اللغوي والعرفي بالضرورة (1). فما هو الممتنع هو أن يكون المحرم بالتحريم الشرعي، المعاملة التي هي صحيحة عرفا ونافذة شرعا، ومع ذلك تكون فاسدة بالنهي التحريمي. وأما الذي هو مورد التحريم هنا، فهو عين ما هو مورد التحريم في سائر المحرمات، وهي الطبائع العرفية، فكما أن المحرم هو طبيعة شرب الخمر في نظر العرف، كذلك الأمر في تحريم بيع الزيادة والقرض الربوي والإجارة بالأكثر وهكذا، فلا يلزم التخلف والامتناع. وأما في العبادات الذاتية، فمقدوريتها واضحة، وقد كانت الأعراب يعبدون الأوثان والأصنام، فحرم الله تعالى عليهم عبادتها، وهي مقدورة قبله وبعده بالضرورة. نعم، العبادات التي تكون عباديتها بالأمر، مورد الإشكال علينا وعلى أبي حنيفة، وذلك لأن أبا حنيفة وغيره يعلم بامتناع اجتماع الأمر والنهي في المتعلق الواحد، وعلى هذا إذا كان النهي متعلقا بالعبادة المتقومة بالأمر، يلزم اجتماعهما، فلا يكون النهي دليلا على الصحة، لامتناع تحققه وتعانقه مع الأمر رأسا، لأن أصحابنا فرضوا أن النهي في العبادات موجب للفساد، مع أنه لا يعقل


1 - تقدم في الصفحة 369 - 370. (*)

[ 396 ]

فرض النهي فيها. ولكنك عرفت بما لا مزيد عليه فيما سلف: أن العبادة المفروضة هي التي لولا النهي كانت - لتعلق الأمر بها - صحيحة (1)، ولا نعني من الفساد عند طرو النهي أن النهي المتعلق بها يستتبع الفساد، ولو كان لأجل مضادة النهي مع الأمر، فإذا زال الأمر لأقوائية دليل النهي وأحقيته، تكون العبادة باطلة وإن كان البطلان مستندا إلى فقد الأمر، لا إلى الجهة العارضة وهي المبغوضية، حتى يقال بما يقال في محله، وقد أوضحنا المسألة في بعض البحوث الماضية، وفي تنبيهات المقام الأول (2)، فراجع وتأمل. تذنيب ربما يخطر بالبال أن هذه الشبهة من أبناء العامة، كانت في قبال الروايات المزبورة الناطقة: بأن النهي التحريمي يلازم الفساد، وأنهم كانوا بصدد المناقشة العقلية في صحة هذه القاعدة الشرعية المستفادة من كلام الباقرين (عليهما السلام) كما كان دأبهم ذلك، وحيث قد تبين فساد الشبهة تبينت صحة الاستدلال بالرواية، وإمكان التعبد بها في موارد النهي عن المعاملة والعبادة. ثالثها: لأحد أن يقول، المقصود من الشبهة المزبورة إفادة أن الظاهر من النواهي التحريمية، كون النهي معتبرا ونافذا عند المحرم والمقنن، فكما أن الظاهر من تحريم الخمر، أن المقنن يعتقد بأن ارتكابه ممكن فنهى عنه، كذلك الأمر هنا، وهذا هو المنصرف العرفي من تلك النواهي. بخلاف النواهي الإرشادية، فإنها ليست إلا إعلاما بشرطية الصحة والنفوذ


1 - تقدم في الصفحة 351. 2 - تقدم في الصفحة 123 و 351 - 352 و 358 - 360. (*)

[ 397 ]

بعدم المنهي، أو إلى مانعية المنهي عن الوجود، من غير كون المتكلم في موقف إفادة إمكان تحقق المعاملة بدون المنهي، بل غاية ما يستفاد منها هو أن الموضوع لدليل النفوذ، هي المعاملة الواجدة للقيد الكذائي، أو الفاقدة لكذا. فعلى هذا، يكون النهي التحريمي الزاجر عن الطبيعة، دالا على أن الناهي يجد أن مبغوضه يوجد، فمنع القوم عنه حتى لا يوجد ما يراه مبغوضا، وهو البيع النافذ. وتندفع الشبهة على هذا بما مر منا: من أنه حتى لو سلمنا الاستظهار المزبور، ولكنه بمعزل عن التحقيق في محيط المعاملات والمركبات، لما عرفت منا: من أن النواهي التحريمية تفيد الحرمة التكليفية والوضعية معا، حسب القواعد العرفية والأفهام العقلائية، ويكون النهي عن البيع الكذائي مخصصا لدليل الوفاء بالعقد، ومفيدا لحرمته تكليفا (1)، وعلى هذا لا تصل النوبة إلى الاستدلال المزبور بالضرورة. تتميم: حول مختار " الكفاية " قال في " الكفاية ": " والتحقيق أنه في المعاملات كذلك إذا كان عن المسبب أو التسبيب، لاعتبار القدرة في متعلق النهي كالأمر، ولا يكاد يقدر عليهما إلا فيما كانت المعاملة صحيحة، وأما إذا كان عن السبب فلا، لكونه مقدورا وإن لم يكن صحيحا " (2) انتهى. وأنت قد عرفت منا: أن النهي بأي شئ تعلق في المعاملات - إلا إذا تعلق بالآثار - لا يستتبع الفساد وعدم الإجزاء (3)، وإذا كان السبب مقدورا بالوجه الذي


1 - تقدم في الصفحة 351 - 352 و 367. 2 - كفاية الاصول: 228. 3 - تقدم في الصفحة 366. (*)

[ 398 ]

اعتقده، فلا محالة التسبب بهذا السبب المقدور أيضا مقدور، ومسبب هذا السبب أيضا مقدور، لامتناع التفكيك، ولا وجه لكون النهي عن السبب منصرفا إلى ما هو السبب العرفي، وعن التسبب والمسبب ما هو الشرعي منهما، حتى لا يكون مقدورا، بل الكل من باب واحد وواد فارد. وإن أراد: أن أمر المسبب والتسبب مردد بين الوجود والعدم، دون السبب، فإنه يوصف بالفساد والمبغوضية، فهو أيضا غير تام، لما عرفت في المعاملات (1). نقل ما في " تهذيب الاصول " ونقده قال في " تهذيب الاصول ": " أما في العبادات، فالمنقول عنهما ساقط فيها على أي تقدير، سواء قلنا بوضعها للأعم، أو الصحيح، لأنه على الأول واضح، وعلى الثاني فإن المراد من " الصحيح " ليس هو الصحيح من جميع الجهات، إذ الشرائط الآتية من قبل الأمر خارجة عن المدلول، بل مطلق الشرائط على التحقيق، فحينئذ لا منافاة بين الصحيح من بعض الجهات، وبين الفساد والمبغوضية " (2) انتهى. وأنت خبير بما فيه، فإن مثل الشيخ الأنصاري ذهب إلى الأخص، وأن الموضوع له هي الجامعة الكاملة (3)، وذهبنا إلى أن جميع هذه الجهات داخلة في محط النزاع (4). هذا مع أن من الممكن أن يتعلق النهي بما هو من سنخ الأجزاء، فلا يكون على الصحيحي ما هو المنهي مقدورا إلا على القول بدلالة النهي على الصحة، فلاتندفع الشبهة على جميع التقارير.


1 - تقدم في الصفحة 368. 2 - تهذيب الاصول 1: 421 - 422. 3 - مطارح الأنظار: 6 / السطر 6، و 11 - 14. 4 - تقدم في الجزء الأول: 202. (*)

[ 399 ]

التنبيه الثالث: حول استتباع النهي عن الجزء أو الشرط أو الوصف للفساد إذا تعلق النهي بجزء، أو شرط، أو وصف لازم، أو مفارق في العبادة، فهل هو يستتبع فساد العبادة زائدا على فساد الجزء والمتعلق، أم لا ؟ وجهان، بل قولان (1). والذي هو محط نظرنا أن هذا البحث غير صحيح، ولا يرجع إلى بحث آخر وراء البحوث التي مر تفصيلها، وذلك لأن النهي المزبور على الوجه المذكور كالنهي عن قراءة العزيمة في الصلاة، أو النهي عن الإجهار بالقراءة فيها، أو النهي عن القران فيها، وهكذا يكون على الفرض تحريميا، وعندئذ إما يكون عنوان في الصلاة ظرفا للامتثال، كالنهي عن الصلاة الرباعية في السفر، فلا يرجع حينئذ إلى الصلاة، ولا معنى لكونه مضرا بها ومفسدا لها، بل هو محرم نفسي مستقل فيها، كالنظر إلى الأجنبية إذا نهى عنه حال الصلاة. وإما يكون القيد المذكور راجعا إلى الصلاة، أي يكون القران وقراءة العزيمة في الصلاة منهية، كالنهي عن لبس ما لا يؤكل فيها، فهو يرجع إلى النهي عن الطبيعة الخاصة، وعن حصة من الطبيعة، أي أن النهي عن الإجهار بالقراءة في الصلاة، معناه النهي عن الصلاة متجاهرا فيها بالقراءة، أو الصلاة المقرونة بالقران، أو الصلاة المشتملة على العزيمة، كالصلاة الواقعة في لباس خاص وزمان خاص، وقد فرغنا عن هذه المسألة بتفصيل (2).


1 - كفاية الاصول: 222 - 224، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 465 - 466، مناهج الوصول 2: 170 - 171. 2 - تقدم في الصفحة 304 - 305. (*)

[ 400 ]

فعلى هذا، لا يتصور للنهي عن الجزء معنى معقولا، بل هو إما يرجع إلى النهي عن شئ أجنبي عن الصلاة، وتكون الصلاة بالنسبة إليه كالسفر بالنسبة إلى الرباعية، والحضر بالنسبة إلى الثنائية، أو يرجع إلى النهي عن حصة من الصلاة، ويكون من النهي عن العبادة. وتوهم: أن المنهي هي الخصوصية (1)، فهو لا يكون شقا ثالثا، بل يرجع إلى مسألة الاجتماع والامتناع، مع كون النسبة بين المأمور به والمنهي عنه عموما مطلقا، من غير فرق بين كون المنهي عنه عنوان " إجهار القراءة " بشرط سراية النهي إلى القراءة، كما هو المعلوم، وبين كون المنهي الصلاة المجهر بها، لأن النسبة على التقديرين عموم مطلق، وتفصيله في بحوثه (2). إذا تبين ذلك بحسب الثبوت فالحق: أن النواهي الواردة بهذا الشكل، لا تزيد على النواهي الواردة بشكل آخر ومثل ما إذا تعلق بحصة من الطبيعة من الأول، كقوله: " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " (3) فإنها أيضا تفيد التقييد والتخصيص، وإن كانت مفيدة التحريم. نعم، قد عرفت: أن قضية الأصل الثانوي إرشاديتها فقط، ولكن إذا قامت القرينة على إفادتها التحريم التكليفي، قضاء لمقتضى الأصل الأولي في النواهي، فلا بأس بكونها مع ذلك مخصصة ومقيدة ومرشدة إلى الجزئية والشرطية، أو المانعية والقاطعية وغير ذلك (4). وعلى هذا الأساس، يمكن الالتزام بحرمة الضحك والبكاء والأكل والشرب


1 - أجود التقريرات 1: 395، تقدم في الصفحة 17 - 18. 2 - تقدم في الصفحة 142 - 149. 3 - تقدم تخريجه في الصفحة 264. 4 - تقدم في الصفحة 296 - 299. (*)

[ 401 ]

وأمثالها في الصلاة حرمة تكليفية ووضعية، ويكون في الحقيقة نهيا عن الصلاة حال الأكل والشرب والضحك، ولإفادة التحريم التكليفي زائدا على الوضعي، تغير اسلوب الكلام، فإذا ورد النهي عن الضحك في الصلاة فهو يفيد الحرمتين، وإذا ورد النهي عن الصلاة حال الضحك فهو يفيد الإرشاد، حسب الاستظهار المحرر في النواهي في باب المركبات. بقي شئ: فيما إذا كان المحرم في الصلاة ملازما لما هو الشرط فيها، كما إذا حرم ثوب الحرير فيها، أو حرم القران فيها، فإن اللبس والقران مشتملان على التستر والسورة اللذين هما الشرط والجزء، فهل يعقل الالتزام بأن محرمية ذلك، لا تنافي اشتمال الصلاة على الشرط والجزء المعتبرين فيها، أم لا ؟ فبالجملة: في مثل حرمة الإجهار أو حرمة الأكل والشرب، لا يكون المصداق المحرم ملازما لما هو الشرط بخلافهما. ويمكن أن يقال: إنه في مثل القران وإن لم يتحقق مفهومه إلا بانضمام السورة الثانية إلى الاولى، ولكن النهي في الحقيقة متعلق بنفس السورة الثانية، وحصول القران قهري، ولا يضر ذلك بالسورة الاولى. وأما في مثل التستر، فلا يمكن أن يتعلق النهي بالتستر الحريري، دون مطلق التستر المشتركة فيه سائر الألبسة، فعندئذ يكون الجزء التحليلي مورد النهي التحريمي، ولا يمكن أن يكون عنوان " التستر " محرما في الصلاة، كمحرمية الرباعية في السفر، بل هو راجع إلى النهي عن حصة الصلاة والطبيعة. فتحصل: أن تلك العناوين المذكورة على صنفين: قسم منها: ما يمكن أن يكون محرما على الوجهين المزبورين. وقسم منها: ما لا يمكن أن يكون محرما إلا على وجه واحد. وأيضا تبين: أن متعلق النهي إن كان العبادة المضافة إلى شئ - كالصلاة في

[ 402 ]

وبر ما لا يؤكل لحمه - يكون ظاهرا في الإرشاد، ومع قيام القرينة على التحريم التكليفي يجوز الجمع بينهما أيضا. وإذا كان متعلق النهي عنوانا مضافا إلى العبادة ك‍ " لبس ما لا يؤكل في الصلاة " فلا يبعد كونه ظاهرا في التحريم وإرشادا أيضا إلى الشرطية أو المانعية، والله العالم بحقائق الامور. تنبيه: في عدم اقتضاء النهي التشريعي للفساد هل المعاملة المحرمة بالحرمة التشريعية، كالمحرمة بالحرمة الذاتية، أم لا ؟ وجهان. مضى تحقيق المسألة في العبادة المحرمة بتلك الحرمة، وذكرنا أن المحرم عنوان " التشريع " المجتمع مع كون العبادة أو المعاملة مأمورا بها أحيانا، أو منهيا عنها واقعا، أو مباحا ثالثا، فتكون النسبة عموما من وجه، وعندئذ لا وجه لبطلان العبادة ولا المعاملة بما أنهما مورد التشريع، كما لا يخفى (1).


1 - تقدم في الصفحة 352 - 360. (*)

[ 403 ]

خاتمة الكلام في النواهي حول أن الأمر أو النهي يستتبعان أحيانا الضمان وعدم الضمان، أم لا ؟ مثلا: إذا أمر صديق صديقه بإلقاء شئ في البحر، أو أمره بأكل شئ، فهل هو يستتبع الضمان إذا تبين أنه ليس مال الآمر، أم لا ؟ وهكذا إذا نهى صاحب المتاع الحمال عن حمل المتاع إلى محل كذا، فحمله وكان غير متبرع في حمله، وقد استوفى الناهي من عمله مقصوده، فهل النهي يستتبع عدم ضمان الناهي - بعد فرض ثبوت الضمان عند عدم النهي، لأن عمل المسلم محترم - أم لا ؟ فهناك مسألتان، ولحد الآن ما وجدنا من تعرض لهما استقلالا، ولاسيما في هذه البحوث، والأمر سهل. المسألة الاولى: حول استتباع الأمر أو النهي للضمان لاشبهة في عدم اقتضاء الأمر بهيئته ولا بمادته لشئ من الضمان، ولا لشئ من التعهد حسب اللغة والتبادر. نعم، لأحد أن يقول: بأن مفاد الأمر عرفا هو أن المأمور به تحت اختيار الآمر، وأن الآمر إما مالكه، أو يكون جائز التصرف، فإذا تبين الخلاف يكون غرورا، فيلزم رجوع المغرور إلى الغار. وفيه: أنه لا يثبت الضمان على الإطلاق، لأن من الممكن كون الآمر جاهلا مركبا، وقد تحرر في محله قصور دليل الغرور عن تضمين الغار، إما لأجل عدم

[ 404 ]

صدق " الغرور " إلا مع علم الغار، كما هو الأقرب، وهو مختار جمع (1)، أو لأجل انصراف دليل المسألة عن الجاهل المحسن، كما هو أيضا قوي فتكون يد المأمور به مضمونة حسب دليل " على اليد... " (2) فتأمل. وهنا وجه آخر: وهو أن الظاهر من الأمر تعهد الآمر للضمان عند التبين. وبعبارة اخرى: يستكشف من الأمر أنه جائز التصرف، حملا لفعله وقوله على الصحة، ويفهم من الآمر أيضا أنه متعهد في صورة التخلف للضمان، وبهذا الوجه يثبت ضمان الآمر مطلقا، سواء كان عالما أم جاهلا مركبا ولعل وجه ذهاب المشهور إلى ضمانه في صورة تبين كون المأكول للآكل ذلك (3)، فيكون الأمر في هذه المواقف موجبا للضمان، ومستتبعا له. وغير خفي: أن ذلك بحسب الإثبات، وإلا فبحسب الثبوت فربما لا يكون الآمر إلا متصديا للأمر والإحسان، ويكون قاصدا لعدم الضمان، ولكنه محكوم بحسب النظر العرفي بذلك. نعم، مع الأمر إذا صرح بعدم الضمان إذا تخلف وتبين أن المأمور به ليس تحت سلطانه، يثبت عدم الضمان. وأيضا غير خفي: أن هذا الضمان واللاضمان في الصورتين، ليس من عقد الضمان، بل هو من قبيل شرط الضمان في ضمن الأمر، ولا وجه لدعوى عدم نفوذ الشرط، بتوهم اختصاصه بالشرط الواقع في ضمن العقد (4).


1 - كتاب البيع، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 336 - 337، مصباح الفقاهة 4: 356 - 357. 2 - عوالي اللآلي 1: 389 / 22، كنز العمال 10: 360 / 29811، مستدرك الوسائل 17: 88، كتاب الغصب، الباب 1، الحديث 4. 3 - الروضة البهية 2: 234 / السطر 1، جواهر الكلام 37: 143، القواعد الفقهية 1: 237 - 238. 4 - جامع المدارك 3: 202. (*)

[ 405 ]

وهنا وجه ثالث: وهو قاعدة التسبيب، فإن الأمر بالإلقاء والأكل سبب التلف، فيكون الآمر ضامنا (1). وفيه: مضافا إلى عدم تمامية المدعى بها، لا دليل على صحة القاعدة المزبورة، ولا ترجع إلى قاعدة الإتلاف. نعم، إذا كان الأمر في القوة إلى حد ينسب إليه التلف فهو، ولكنه بمعزل عن التحقيق. تنبيه: في عدم ضمان الوالي والمفتي في موارد أمر الوالي والحاكم إذا ابتلي المكلفون بالخسارات المالية والبدنية، مع كون الحاكم والوالي شرعيا نافذ الحكم، وغير مقصر، لا يثبت الضمان، كما لا ضمان في موارد أمر المفتي وإفتائهم إذا كان الإفتاء على الطريقة الشرعية الجامعة للشرائط. مثلا: إذا أمر بالتخميس والحج والجهاد والدفاع، ثم تبين أن الأمر ما كان على ما أفتى به وحكم، لا يجب عليه الخسارة، وكل ذلك لأجل تعيين المالك الحقيقي إياه، وتنفيذ رأيه وعدم بناء من العقلاء على الضمان في هذه المواقف والموارد. تذنيب: حول الأمر بالتصرفات غير الإتلافية الموجبة للتلف أحيانا في موارد أمر الآمر بالتصرفات غير الإتلافية، وبالتحويل والتحول الموجب لاستيلاء المأمور على المأمور به، إذا تلف المأمور به، وتبين أنه للغير، فهل تكون


1 - لاحظ جواهر الكلام 37: 144 - 145. (*)

[ 406 ]

يد المأمور غاصبة، حتى يصح رجوع المالك إليه، أم لا ؟ وجهان: من إطلاق " على اليد... ". ومن أن الآمر ظاهر أمره في أنه فاقد التصرف، والشرع رخص في أخذ ما هو تحت سلطانه، حسب تنفيذ قاعدة اليد، فيكون المال عنده من الأمانة الشرعية ثبوتا، لتجويز الشرع أخذه، ومن الأمانة المالكية إثباتا وتخيلا، ويكفي لرفع الضمان الأمانة الشرعية. وغير خفي: أنه في موارد تجويز رجوع المالك إلى المأمور، يجوز للمأمور بعد رجوعه إليه الرجوع إلى الآمر، مثلا إذا فرضنا أن المالك رجع إلى المأمور بعنوان " على اليد... " وكان المأمور مغرورا، فله أن يرجع إلى الغار، كما كان للمالك الرجوع إلى الغار لو كان المال تحت استيلائه، أو كان يسند التلف إليه، بل تعهد الخسارة يقتضي كونه من كيسه. نعم، قبل رجوع المالك إلى المغرور لا يجوز له الرجوع إلى الغار، لما تقرر في محله: من أن النظر في إرجاع المغرور إلى الغار جبران خسارة المغرور، ولا خسارة متوجهة إليه قبل أن يرجع إليه المالك، والتفصيل محرر في بحوث اليد في كتاب البيع (1)، فراجع. المسألة الثانية: حول عدم ضمان صاحب المتاع للاجرة مع نهيه الحمال الظاهر أن الأكثر ذهبوا إلى أن الأمر والاستيفاء يوجب الضمان، ويكون الأمر والإذن دخيلا فيه (2)، وإلا فالعمل بلا أمر وإذن لا يؤجر عليه، ولا يستحق العامل


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الفرع السابع من فروع المقبوض بالعقد الفاسد. 2 - جواهر الكلام 27: 335 - 337، العروة الوثقى 2: 443، كتاب الإجارة، الفصل السادس، المسألة 19، مستمسك العروة الوثقى 12: 139 - 142. (*)

[ 407 ]

عوضا، فعلى هذا لا معنى لكون الاستيفاء المقرون بالنهي مستتبعا للضمان. وأما على القول بذلك، كما لا يبعد في صورة وصول المالك إلى مقصوده، واستيفائه الحظ من العامل، فإن العقلاء يعتقدون الضمان من غير الحاجة إلى الأمر والإذن، ويكون احترام العمل محفوظا، فهل النهي يستتبع سقوط الاحترام، أم لا ؟ وجهان لا يبعد الأول، ويحتمل الثاني، لقولهم: " إن عمل المسلم محترم " وأما حرمة عمله مع الأمر فهي لا تختص بالمسلم، فيعلم منه أن للمسلم خصوصية، وهي ليست عدم الأمر فقط، فتأمل. تنبيه: حول نهي الشخص عن حفظ مال ثم تبين أنه له إذا نهى صديق صديقه عن المحافظة على مال، ثم تبين أنه كان للناهي، فهل يسقط الضمان مثلا، أم لا ؟ لا يبعد الأول أيضا وإن كان من باب الخطأ في التطبيق، ضرورة أن النهي قد تعلق بما في الخارج، أي تعلق بأن لا يحفظ ما في الخارج، فيكون هو المقدم على سقوط حرمة ماله، فلا يرجع إليه لأجل " على اليد... " إلا مع علم المأمور بخطأ الناهي، فلاحظ جيدا. تذنيب: في الصورة المزبورة إذا تبين: أن المال التالف كان للمحافظ نفسه، فنفي الضمان مشكل جدا، إما لأجل قاعدة الغرور، كما في صورة، أو لأجل أن مقتضى النهي والأمر واحد، فيكون الناهي متعهدا لتحمل الخسارة من ناحية عدم الحفظ، أو لأجل قاعدة التسبيب مثلا، على إشكال فيها صغرى وكبرى، أو لأجل حكم العقلاء بالضمان. كما أن إثبات الضمان مشكل أيضا، ضرورة أنه في ناحية الأمر كان الآمر

[ 408 ]

الحفظ، أو لأجل قاعدة التسبيب مثلا، على إشكال فيها صغرى وكبرى، أو لأجل حكم العقلاء بالضمان. كما أن إثبات الضمان مشكل أيضا، ضرورة أنه في ناحية الأمر كان الآمر

[ 408 ]

مستوليا، وكان لأجل الاستيلاء نحكم بأنه فاقد التصرف، أو المالك، فيكون لازمه تعهد الخسارة مثلا، وأما فيما نحن فيه فلا يأتي هذا الوجه، ولايكون الصديق إلا يلوم نفسه في استماع قوله، والانزجار عن نهيه، مع أنه - حسب تخيله - كان يجب عليه حفظ المال المزبور، فلأجل تجريه على مولاه بعدم حفظ المال، لا يبقى وجه لضمان الناهي إلا في صورة الغرور. هذا كله في صورة تبين أن المال كان للناهي، أو كان للمحافظ، وأما إذا كان لغيرهما، والمفروض أنه وديعة عنده، فهو ضامن بلا إشكال وأما ضمان الناهي فهو مرهون بصدق " الغرور " وإلا فلا ضمان ظاهرا. هذا آخر ما أردناه في هذه المقالة، وهنا تفصيل لا يسعه المقام، وكان ينبغي تحرير بحوث هذه المسألة، حتى تكون مرجعا لما تترتب عليه من الفروع الكثيرة، ولعل المتأخرين يخوضون فيها، ويوفون حقها. وقد تم الفراغ من تسويد هذه المباحث في يوم الأحد، من الاسبوع الأول، من شهر صفر المظفر، العام الثاني والتسعين بعد الثلاثمائة والألف، في النجف الأشرف، المصادف للاسبوع الآخر من السنة الشمسية، العام الواحد والخمسين والثلاثمائة بعد الألف من الهجرة النبوية، على مهاجرها آلاف السلام والتحية، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين، آمين رب العالمين. مصطفى الخميني

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية