الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 3

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 3


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الثالث مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 3) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: 14500 ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

الفصل السادس في مقدمة الواجب

[ 3 ]

والبحث حول هذه المسألة يستدعي تقديم امور: الأمر الأول: في تحرير محل النزاع ومقام التشاح أي ما يمكن أن يقع مورد البحث عند الأعلام - رضي الله عنهم - من بدو حدوثها. وكان ذلك بين العامة والخاصة، معنونا في كتبهم الاصولية، ولا يحضرني الآن تأريخ البحث، مع قلة جدواه. وعلى كل تقدير: لاشبهة في أنه إذا كان شئ واجبا، وكان في وجوده الخارجي، محتاجا إلى المبادئ الخاصة والمقدمات المعينة، من الشرائط، والعلل، ورفع الموانع وهكذا، وكان هذا واضحا عند العقل، فالعقل يدرك لابدية ذلك، قضاء لحق امتناع المعلول بدون علته، فبعد إدراك العلية، وتشخيص العلة، يدرك لزوم ذاك عند إرادة إيجاد الواجب وذي المقدمة. وهذا لا يعقل أن يقع مورد النفي، حتى يبحث عنه عاقل. وأيضا: ليس البحث حول أن الإرادة المتعلقة بالواجب والوجوب الثابت لذي المقدمة، يترشح بنفسه إلى المقدمات الدخيلة في تحققه، لأن معنى ذلك كون المقدمات داخلة في أجزاء الواجب، وهو خلف. ولا يقول أحد: بأن هذا الترشح قهري، لعدم إمكان تعلق الشئ - بعد الإضافة إلى شئ آخر - بشئ ثان، لأنه قد تشخص بذلك المضاف، فالإرادة المتعلقة بالبعث إلى الصلاة، لا تتجاوز عنها إلى مقدماتها الخارجة عن ماهيتها قهرا.

[ 4 ]

ولا يمكن اختيارا أيضا إلا بإرجاعها إلى أجزائها في الماهية مثلا. ولا أيضا في أن المولى والآمر بعد إدراك اللابدية العقلية، هل يوجب المقدمة إيجابا إنشائيا، كما يوجب ذي المقدمة ؟ لأنه كثيرا ما يحتاج الواجب إلى مقدمات، ولايكون لإيجابها في الأخبار والآثار أثر، فلا معنى لإلزام الشرع بايجاب المقدمة بعد إيجاب ذي المقدمة. ولا أيضا في أن الوجوب الثابت بنحو الحقيقة، يسند حقيقة إلى المقدمة، أم مجازا، فيكون البحث لغويا. ولا يعقل أن يكون البحث في أصل الملازمة بين إرادة الشئ وإرادة المقدمات، التي هي ملازمة طبيعية تكوينية، لأن المقدمات كثيرا ما تكون مذهولا عنها. مع أن إرادة المقدمة، ليست معلولة إرادة ذي المقدمة ومخلوقتها، بل هي مخلوقة النفس ومعلولتها، كإرادة ذي المقدمة. نعم، هي من مبادئ تلك الإرادة، ولكن مجرد كونها من مبادئ إرادة المقدمة، لا يستلزم تحقق الإرادة التشريعية في نفس المولى قهرا عليه. فتحصل: أن الوجوب والإيجاب، ليس بمجرد درك التوقف الثابت في نفس الآمر ولو كان عالما بالمقدمات على الإطلاق، كما في المولى الحقيقي والشرع الواقعي، فإنه أمر اعتباري إنشائي متقوم بالإظهار. ولا أيضا في أن المولى هل له طلب نفساني من العبد بالنسبة إلى المقدمات، وعنوان " ما يتوقف عليه الواجب " ؟ لأن هذا بحسب الثبوت غير قابل للإنكار، ضرورة أن الآمر المتوجه العالم بجميع المقدمات، والطالب لشئ طلبا جديا، والشائق إليه شوقا عاليا، يطلب - بحسب الطبع النفساني، وبحسب الارتكاز الوجداني، ولأجل العشق للمطلوب الأعلى - طلبا نفسانيا، أي يكون ذا علاقة بذلك، وذا محبة، واشتياق إليه، ولكنه ليس إرادة، فإنها صفة فعالة للنفس، ومخلوق

[ 5 ]

صادر منها، على ما تقرر منا في محله (1)، وفي هذا الكتاب (2)، ولا يكون من اللوازم لتلك الإرادة كسائر اللوازم. بل الذي يمكن أن يقع محل النفي والإثبات: هو أن الآمر بعد الأمر بالشئ، وبعد درك اللابدية القهرية، وبعد ثبوت الشوق إليها طبعا، فهل يريد ذلك كما أراد الواجب الأصلي وذا المقدمة، أم لا ؟ أو يقال: هل إبراز الطلب لشئ وإنشاء الإرادة التشريعية، قرينة عقلائية وكاشف عرفي عن حصول تلك الإرادة منه لتلك المقدمات - بعد إمكان ذلك - أم لا ؟ فمن أوجب استظهر ذلك، ومن أنكر اقتنع بمقتضى الصناعة بعد فقد الدليل اللفظي عليها. ومما ذكرناه يظهر مواضع الخلط والاشتباه في كلمات القوم (3)، حتى الوالد المحقق - مد ظله - (4). ومن العجب: ما توهمه القوم: " من أن البحث هنا حول ترشح الإرادة قهرا عن إرادة ذي المقدمة " (5) ! ! وأنت خبير: بأن ذلك يرجع إلى كون الإرادة الثابتة مخلوقة الإرادة الاولى، وهذا واضح المنع. وهكذا ما أفاده الوالد - مد ظله -: " من جعل الملازمة بين إرادة الواجب، وإرادة ما يراه المولى مقدمة، مورد البحث " (6) ! !


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - تقدم في الجزء الثاني: 40 - 41. 3 - نهاية الأفكار 1: 258، نهاية الاصول: 153، محاضرات في اصول الفقه 2: 293. 4 - مناهج الوصول 1: 323 - 327، تهذيب الاصول 1: 198. 5 - أجود التقريرات 1: 214، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 262، منتهى الاصول 1: 275. 6 - مناهج الوصول 1: 326، تهذيب الاصول 1: 198. (*)

[ 6 ]

ضرورة أن الكلام حول ما إذا كان المولى فرضا عالما بالمقدمة، وعالما بالتوقف، وشائقا نحوه، فإنه هل يمكن هنا القول بالوجوب، أم لا، أو يمكن أن يقال: بأنه يريد ذلك زائدا على الشوق والاشتياق، أم لا ؟ ولو كان الوجوب والإرادة قهري الوجود بعد تلك الإرادة - لأنها ليست إلا الشوق المؤكد، وهو حاصل - فلا يبقى مورد للنزاع، ويصير القول بوجوب المقدمة قطعيا، لأن الشوق والميل الطبيعي قطعي ووجداني. فتحصل: أن مقدمة الواجب ليس مورد البحث وجوبها بالمعنى الاعتباري الإنشائي، فإنه ممنوع قطعا، إلا في مقدمات أوجبها الشرع بألفاظ الإيجاب، بل المراد هو حصول الإرادة التشريعية في نفس المولى، كالإرادة التشريعية الموجودة في نفسه بالنسبة إلى ذي المقدمة، فيكون - على هذا - ما هو محط البحث: أن الإرادة المتعلقة بطبيعة، أو إيجاب أمر، هل تتعقبه إرادة اخرى متعلقة بمقدماتها، أم لا ؟ وإن شئت قلت: هل مقدمة الواجب تكون مرادة بإرادة تشريعية اخرى، أم لا ؟ وأما التعبير ب‍ " الوجوب " فهو غلط، لأن الوجوب والإيجاب فرع الإنشاء والإبراز، ولا معنى لإرادة اللزوم العقلي منه، لأنه أمر مفروغ عنه، كما هو الواضح. ولا يخفى: أن الفرق بين الإرادتين، هو أن الاولى ليست من مبادئها الوجودية إرادة، بخلاف الثانية وهي الإرادة المتعلقة بالمقدمة، فإنها من مبادئها الإرادة الاولى المتعلقة بإيجاب كذا، وليست المبادئ الموجودة في النفس، موجبة لإجبارها على خلقها، حتى يقال باضطرارها إليه، لما تقرر منا: من أن النفس مختارة في ذلك ولو حصلت مبادئها التي توهمها القوم مبادئ لها (1). ضرورة أن مع الشوق الأكيد لها، لا مانع من عدم تجمع النفس على إبداعها، لملاحظة مصالح اخر، ومنها الثمرات المترتبة على القول بالوجوب في باب


1 - تقدم في الجزء الثاني: 52 وما بعدها. (*)

[ 7 ]

المقدمة، فإنه يمكن أن لا تتصدى لإيجادها، بلحاظ أن لا يترتب تلك الثمرات عليها، فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين. ثم إن العنوان الجامع هو عنوان " ما يتوقف عليه الواجب " فلو التزم أحد بوجوب المقدمة، فلا يقول: بأن ما يراه المولى مقدمة هو الواجب، أو ما يراه العبد مقدمة هو اللازم، لاختلاف تشخيص المولى وعبده فيما هو الموقوف عليه أحيانا. وحيث إن البحث لا يختص بالمولى الحقيقي الواقف على كل الامور، فلابد من اعتبار عنوان جامع يشمل ما هو الموقوف عليه واقعا، ويشترك فيه جميع الموالي، وهو هذا كما لا يخفى. الأمر الثاني: هل مسألة مقدمة الواجب من المسائل الاصولية ؟ اختلفت كلمات الأعلام في أن هذه المسألة، من مسائل أي من العلوم ؟ فهل هي مسألة كلامية، بتوهم أن المتكلم يبحث عن صحة العقوبة والمثوبة على الواجب المقدمي وعدمها (1) ؟ وهذا غير صحيح، لأن ذلك بعد الفراغ عن أصل وجوبها، وإلا فلا معنى لذلك البحث. أم هي مسألة تعد من مبادئ الأحكام ؟ كما اختاره السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (2) - تبعا للحاجبي والبهائي (3)، وهو مختار المحشي المدقق (قدس سره) (4) - معللا: " بأن القدماء كانوا يبحثون في فصل عن معاندات الأحكام وملازماتها،


1 - نهاية الأفكار 1: 259، لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 294. 2 - نهاية الاصول: 154. 3 - شرح العضدي: 90 / السطر 21، زبدة الاصول: 55، هداية المسترشدين: 191 / السطر 31. 4 - نهاية الدراية 2: 9. (*)

[ 8 ]

ويسمونها: المبادئ الأحكامية، وهذا منها. ولايكون من مباحث الاصول، لأن موضوعه هو الحجة في الفقه، ولا معنى للبحث عن الحجية هنا، بل البحث عنها بعد الفراغ عن أصل وجودها، وما هو محل البحث هي الملازمة بين الوجوبين، فإن كانت الملازمة فالحجية أحد المتلازمين على الآخر واضحة، ولا معنى للبحث، وإن لم تكن ملازمة فلا معنى للحجية ". وأنت خبير بما مر منا في محله: من أن المعتبر في العلوم هي المبادئ التصورية، والتصديقية، وليست مبادئ الأحكام إلا راجعة إلى إحداهما (1). هذا مع أن ما هو محط البحث هو حجية الملازمة، ولا يلزم في المسائل التي يحمل عليها " الحجية " كونها محل الخلاف، كحجية القطع، فبعد ثبوت الملازمة يبحث عن حجيتها، فيصير بحث المقدمة من المبادئ التصديقية لموضوع هذه المسألة. أو هي من المسائل الفقهية، لأن البحث حول المقدمة يرجع إلى أنه واجب شرعا، أم لا (2) ؟ وفيه: أن المنظور فيه هو استكشاف أن الملازمة بين الإرادتين ملازمة عرفية، فإن ثبتت الملازمة فيحكم بالوجوب. وبعبارة اخرى: إذا سئل عن الفقيه: " ما الدليل على وجوبها ؟ " فلابد وأن يتمسك بمثل ذلك، فما هو المبحوث عنه هنا ليس بحثا فقهيا، وإن كان ظاهر عنوان القوم يوهم ذلك. ولكنك عرفت: أن عنوان البحث ما ذكرناه: وهو أنه إذا أوجب الشرع شيئا، فهل تكون مقدماته مرادة، أم لا ؟ وهذا معناه أنه هل العقلاء والعرف، يرون الملازمة حتى يحكموا بوجود اللازم، أم لا ؟ فليتدبر.


1 - تقدم في الجزء الأول: 51. 2 - معالم الدين: 57، لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 293. (*)

[ 9 ]

أم هي من المسائل الاصولية، كما هو المشهور بين أبناء التحصيل، والمعروف بين أهل النظر (1)، معللين: " بأن ميزان المسألة الاصولية منطبق عليها، لوقوعها في طريق استنباط الحكم الكلي الفرعي ". أو هي مسألة فلسفية، وجوه وجهات. فبالجملة: يدور الأمر بين المسلكين، فإن قلنا: بأن موضوع العلم هي الحجة في الفقه والدليل عليه، ومسائله متقومة بتشخيص تعينات تلك الحجة ومصاديقها، فالبحث عن هذه المسألة يكون من المبادئ التصديقية. وإن قلنا: بأن موضوع العلم ما يمكن أن يقع... إلى آخره، ومسائله كذا، فالمسألة من مسائل الاصول، فتكون النتيجة تابعة لبحث آخر. والذي عرفت منا: أن هذه المسألة من المبادئ، إلا أنه بعد الفراغ عن الملازمة يقع عنوان الملازمة من مصاديق الحجة وتعيناتها، بمعنى أن أحد المتلازمين حجة على الآخر، فتدبر. ثم إن الظاهر من كتب القدماء ك‍ " العدة " (2) وكتاب أبي الحسين البصري (3): أن المسألة لفظية. وبناء المتأخرين على أنها عقلية صرفة ومحضة، أو عقلائية، غير دخيل فيها اللفظ (4). وما يتمسك به من الدلالة الالتزامية على وجود تلك الإرادة (5)، غير واقع في


1 - كفاية الاصول: 114، أجود التقريرات 1: 212، نهاية الأفكار 1: 261، مناهج الوصول 1: 327 - 329، محاضرات في اصول الفقه 2: 295. 2 - عدة الاصول: 74. 3 - المعتمد في اصول الفقه 1: 93. 4 - أجود التقريرات 1: 212، مناهج الوصول: 327، محاضرات في اصول الفقه 2: 295. 5 - نهاية الأفكار 1: 261. (*)

[ 10 ]

محله، كما أوضحه السيد الوالد المحقق - مد ظله - (1). وعلى كل تقدير: تختلف الأدلة القائمة، ولو كان الاستدلال ميزان اللفظية والعقلية، فهي مسألة عقلية، وعرفية، ولفظية، فتدبر جيدا. الأمر الثالث: في خروج مقدمة الحرام مقتضى ما يظهر من القوم: أن ما هو محط البحث هو مقدمة الواجب، وهو الفعل الذي وجب بحسب الشرع، فيكون الترك الواجب في المحرمات، خارجا عن حريم الكلام، ولذلك عقدوا له بابا في الفصل الآخر (2). ولقد عدل عما ذكره القوم في " الدرر " وقال: " الأولى جعل عنوان البحث هكذا: هل الإرادات الحتمية للمريد - سواء كانت متعلقة بالفعل ابتداء، أو بالترك من جهة مبغوضية الفعل - تقتضي إرادة ما يحتاج ذلك المراد إليه " (3) انتهى. وأنت خبير بما تقرر في محله: من أنه في المحرمات ليست إرادة متعلقة بترك الفعل رأسا، وإلا يلزم أن لا يصدر عنه الفعل قهرا وجبرا، بل الذي هو المراد هو الزجر عن المادة، وفي الأمر هو البعث إليها، والتحريك نحوها (4)، فلابد من إثبات الملازمة بين الإرادة المتعلقة بالزجر، وإرادة الترك والبعث نحوه، ثم بعد إثبات تلك الملازمة، يستكشف ملازمة اخرى بين الإرادة الثانية وإرادة ثالثة اخرى، وهذا غير موافق للتحقيق، فما هو مورد البحث هنا هو مقدمة الواجب.


1 - تهذيب الاصول 1: 200 - 201، مناهج الوصول 1: 327 - 328. 2 - كفاية الاصول: 159، أجود التقريرات 1: 248، مناهج الوصول 1: 415. محاضرات في اصول الفقه 2: 439. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 84. 4 - يأتي في الجزء الرابع: 83 - 93. (*)

[ 11 ]

نعم، إذا كان الترك مبعوثا إليه في مورد، فهو مورد النزاع، ويكون هو من الواجبات الشرعية كالفعل. فليتدبر جيدا. الأمر الرابع: حول إمكان الالتزام بان المقدمة مستحبة المعروف والمشهور: أن المسألة ثنائية الطرف، ويكون أمر المقدمة دائرا بين الوجوب الشرعي الغيري وعدمه، بعد مفروغية لزومها العقلي (1)، ضرورة أن الملازمة إن ثبتت فهي واجبة، وإلا فلا. ولكنك أحطت خبرا وسيأتي زيادة توضيح: بأن من الممكن الالتزام باستحباب المقدمة شرعا، مثلا إذا كان الحج واجبا، والمشي إليه واجبا عقلا، وكان المولى يجد أن الناس مختلفون في الانبعاث عن أمر الحج، فمنهم: من ينبعث عنه بلا لحاظ شئ آخر، ومنهم: من يلاحظ التجارة في ذلك، ومنهم: من لا ينبعث إلا إذا كان فيه النفع الكثير، فإذا رأى المولى ذلك: فتارة: يلاحظ المشي والأقدام في نفسها، فلا يكون في تلك مصلحة أصلا. واخرى: يلاحظ أن هذه الأقدام تنتهي إلى الواجب، فيجعل حذاء كل قدم ثوابا، وتكون هذه الأقدام مستحبة، ومورد الأمر التشريعي الناشئ من الأمر بذي المقدمة. والسر في ذلك: أن الملازمة بين الإرادتين ليست عقلية، بل يمكن التفكيك بينهما، ولكن يمكن دعوى كونها نوعية وغالبية، فإذا كانت الإرادة الثانية تحت سلطان المولى، فربما يريد إرادة تشريعية إلزامية، واخرى يريد إرادة تشريعية ندبية.


1 - كفاية الاصول: 114، أجود التقريرات 1: 213 - 214، نهاية الأفكار 1: 258، تهذيب الاصول 1: 198، محاضرات في اصول الفقه 2: 292 - 293. (*)

[ 12 ]

ومن ذلك تنحل شبهة الثواب على المشي إلى زيارة مولى الكل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذهابا وإيابا، وإلى زيارة السيد الشهيد (عليه السلام) ذهابا، وهكذا. الأمر الخامس: إناطة هذا البحث بأحد أنحاء التقدم مناط البحث والملاك في مسألة مقدمة الواجب: هو أن يكون بين ذي المقدمة والمقدمة أحد أقسام التقدم، حتى يمكن أن تكون الإرادة الثانية، متعلقة بأمر غير ما هو ذو المقدمة، ضرورة امتناع تعدد الإرادة التأسيسية مع وحدة المراد. فإذا كان الميزان هو الغيرية الواقعية بحسب الاعتبار، لا بحسب الوجود، يندرج كل شئ يكون بينه وبين الآخر عنوان " المقدمية " و " ذي المقدمية " ولو كانا بحسب العين والخارج متحدي الوجود في مصب النزاع، وذلك لأن محل تعلق الإرادة التشريعية - على ما تقرر في مبحث تعلق الأوامر - ليس الخارج، ولا الطبيعية الخارجية، بل محط تعلق الأمر عالم وراء عالم الذهن والخارج، وداخل فيهما، كما في عالم الاعتباريات والماهيات (1)، فلاحظ. أقسام المقدمة وبيان ما يدخل منها في محل البحث إذا أحطت خبرا بهذا المختصر، نبين لك امورا: أحدها: دخول العلة التامة والمعلول في بحث المقدمة، لأن ملاك التقدم هي العلية، وملاك السبق هي السببية، فلو كان الواجب عنوان " المسبب " يقع البحث في تحقق الإرادة الاخرى متعلقة بالعلة والسبب، وإن كانت العلة والمعلول مختلفين بالرتبة، ومتحدين في معنى آخر.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 230 - 237. (*)

[ 13 ]

ثانيها: دخول الوجود بالنسبة إلى الماهية في محل النزاع، بناء على تجريد الوجود منها، فإنه لو كان العقل يدرك أن الطبيعة لا تصير قابلة للأثر إلا بالوجود، فيقع البحث المزبور هنا، ويكون الوجود مقدما على الطبيعة تقدما بالحقيقة، على ما هو المصطلح عليه في الكتب العقلية (1)، فإذا أمر بالضرب، تحصل - على القول بوجوب المقدمة - إرادة اخرى لإيجادها خارجا مقدمة. ثالثها: يدخل العلل الناقصة والمعدات الوجودية، التي يكون تقدمها على ذي المقدمة تقدما بالطبع، ويكون تأخر ذي المقدمة عنه تأخرا بالطبع. وهذا هو القدر المتيقن عند الأصحاب في محط النزاع. رابعها: دخول أجزاء المركب، فإن ذات كل جزء إذا لوحظ بالنسبة إلى المركب التأليفي كالبيت، والاعتباري كالصلاة، بل والحقيقي كالجسم - على إشكال منا في تركبه، ولقد تحرر في كتابنا " القواعد الحكمية " (2) بساطته - فهو أمر مباين للكل، ولا يعتبر منه عنوان " الجزئية " في هذا اللحاظ، لأن المنظور هو ذاته، لا عنوان " الجزء " ويصح في هذا اللحاظ سلب عنوان " الصلاة " عن الركوع والسجود، وهكذا كل واحد من الأجزاء إذا لوحظ مستقلا وبعنوانه الذاتي الدخيل في تحقق الكل. وهذا قسم آخر من التقدم والسبق، فلك أن تعبر عنه ب‍ " التقدم بالطبع " لأن الصورة والمادة - كل واحدة - مقدمة على الجسم بالطبع وإن كان الجسم في ماهيته مركبا منهما على المشهور (3)، أو سمه باسم آخر، وهو " التقدم بالذات " مثلا،


1 - الحكمة المتعالية 3: 257، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 86 - 87. 2 - مفقودة. 3 - الشفاء، قسم الطبيعيات 1: 34. (*)

[ 14 ]

وسيأتي شبهات على اندراج بعض هذه الأقسام في محل النزاع مع دفعها (1). خامسها: اندراج أجزاء المركب بما هي أجزاء، فإن كل جزء وإن كان لا ينتزع عنه عنوان " الجزئية " إلا مع انتزاع عنوان " الكلية " عن الكل، ولكن الكل والجزء على قسمين: أحدهما: ما لا يصدق الطبيعة على الكل بدون هذا الجزء الخاص. ثانيهما: ما يصدق. مثلا تارة: يلاحظ الشئ المركب الذي ليس له إلا جزآن، فإذا اعتبر أحد الجزئين مقابل الكل، لا يصدق على البقية اسم الطبيعة في هذه المرتبة. واخرى: يلاحظ المركب ذا أجزاء كثيرة كالصلاة، فإذا لوحظ جزؤها فلا يسلب عنوان " الصلاة " عن البقية. فعليه ما يكون من قبيل القسم الأول، يكون تقدمه على المركب تقدما بالتجوهر، وما يكون من القسم الثاني، يكون تقدمه بالذات أو بالطبع أيضا، ويكون عنوان " الجزء " غير منتزع عن الجزء الملحوظ حذاء المركب، وينتزع في الفرض الثاني، لأن كلية الكل باقية بالاخريات، فلا مانع من انتزاع الجزئية. نعم، مع ذلك كله لا يعقل انتزاع الجزئية على وصف الفعلية وإن كانت البقية كلا، فإنها ليست كلا بالقياس إلى هذا الجزء إلا شأنا، كما أن هذا الجزء ليس جزء له إلا شأنا. ولكن مناط تعلق الإرادة الثانية موجود، وهو الغيرية في مرحلة اللحاظ والتشريع. سادسها: دخول قيود المركب في محل النزاع أيضا، ضرورة أن المركب قد يكون ذا أجزاء، كالركوع، والسجود، وقد يكون ذا قيود وشروط، كالطهور، والستر، والاستقبال، وهكذا، فإن كل واحد من الأجزاء - سواء كان جزء متدرج الوجود غير


1 - يأتي في الصفحة 16 - 27. (*)

[ 15 ]

محفوظ مع الطبيعة، كالأجزاء الأولية، أو جزء محفوظا معها من أول وجودها إلى آخره، كالشروط والقيود المزبورة - متعلق الأمر الأول والإرادة الاولى بعين تعلقه بالكل الإجمالي، وكل واحد منها غير المركب، ويسلب عنه عنوان الصلاة، فتثبت الغيرية، ويحصل مناط تعلق الإرادة الثانية به. فبالجملة: المناط والميزان - بعد فرض كونهما مقدمة وذا المقدمة لمتعلق الإرادة الاخرى بالمقدمة - هي الغيرية في عالم الاعتبار واللحاظ الموافق للواقع الاعتباري، لا الخارجي والعيني والتكويني، فلا تخلط. سابعها: دخول أمثال الطهارات الثلاث في محل البحث أيضا، لأن كونها محصلات القيود المعتبرة في المركب، لا يضر بكونها - بنحو - من مقدماته، ولذلك اشتهر هذا في الاندراج أيضا (1)، فليتأمل. فتحصل حتى الآن: أن مناط دخول شئ في محط البحث، ثبوت الغيرية بينه وبين ذي المقدمة، مع توقف ذي المقدمة عليه بنحو من التوقف، سواء كان ذلك يرجع إلى التوقف في الوجود، أو التوقف في الاسم والماهية. وقد عرفت: أن ظرف الغيرية هو ظرف تعلق الإرادة والجعل، أي يعتبر الغيرية في مقام الجعل والتشريع، ومقام تحقق الإرادة الثانية التشريعية التأسيسية، وإن سلبت الغيرية بحسب الوجود والخارج. ومما ذكرناه يظهر مواقف الضعف في كلمات القوم (رحمهم الله) وينقدح طريق دفع الشبهات المتوهمة في المسألة، ولكن لمكان ابتلاء الفضلاء والمحققين بالإشكالات والانحرافات، لابد من التفصيل في الأمر، والله من ورائها محيط.


1 - قوانين الاصول 1: 100 / السطر 15 و 19 و 21، هداية المسترشدين: 195 / السطر 11، أجود التقريرات 1: 220، نهاية الأفكار 1: 270، نهاية الاصول: 157. (*)

[ 16 ]

شبهات وتفصيات الاولى: ليست الأسباب التوليدية والعلل التامة داخلة في محط البحث، وذلك لأن الأمر الأول والإرادة الاولى، ترجع من مصبها - بحسب اللفظ والإنشاء - إلى العلة والسبب، لأنه مورد القدرة والاختيار، دون ذاك. ولأن العلة والمعلول لا يختلفان إلا بالاعتبار في الخارج، فإن حركة اليد والمفتاح واحدة تنسب إلى اليد تارة، وإلى المفتاح اخرى، فلا يمكن ترشيح الإرادة الثانية للعنوان الآخر، بعد كونهما بحسب الوجود واحدا (1). وفيه أولا: أن ما هو المحرر في محله، إمكان كون الواجب الشرعي هو المسبب، ويكفي لاختياريته اختيارية سببه، ولا داعي إلى تبديل مصب الإرادة الاولى. هذا مع أن ما هو المأمور به نوعا، يكون له الأسباب المتفرقة الناقصة، التي تجمعها في العين يستلزم وجود المعلول والمسبب، ومجرد تخلل الإرادة، لا يستلزم تجويز كون الواجب في هذه المواقف، نفس ما هو المأمور به إنشاء، وفي العلل التامة علته وسببه. بل مع ملاحظة أن ما هو مورد الاختيار حقيقة هي الإرادة الفاعلية - لا الفعل، فإنه مختار باختيارية الإرادة - لا يلزم انقلاب جميع الواجبات الشرعية إلى الأمر الآخر، فليتدبر. وثانيا: ليس معنى العلية، وحدة وجود العلة والمعلول، وإن قلنا: بأن معنى


1 - أجود التقريرات 1: 219، منتهى الاصول 1: 283. (*)

[ 17 ]

العلية هي التشأن، كما هو المقرر عند أهله (1). وثالثا: ليست العلية بين حركة اليد والمفتاح كما اشتهر، بل المفتاح بمنزلة الإصبع يكون حركته كحركة جالس السفينة مجازية، لا حقيقية، وحركة المعلول حقيقية، لا مجازية. ورابعا: يكفي الاختلاف العنواني الكاشف عن اختلاف الاعتبارين في تحصل الإرادة الثانية، ضرورة أن المولى إذا قال: " حرك المفتاح " فإنه غير ما إذا قال: " حرك يدك " وإذا كان بين العنوانين في عالم التشريع اختلاف وغيرية، فلا بأس بتعدد الإرادتين حسبما عرفت من الميزان والملاك في موضوع البحث. فما اشتهر في الأسباب التوليدية - كالإلقاء والإحراق، والقتل والضرب بالبندقة، والتقبيل والرجوع في المطلقة الرجعية (2) - غير تام، لاختلاف العنوانين حسب الاعتبار واقعا في محيط التشريع. ومما ذكرناه يظهر إمكان توسعة هذه الشبهة إلى العلة الناقصة بالبيان الذي تحرر، مع ما مر من جوابه. وبعبارة اخرى: لو تمت هذه الشبهة وهي رجوع الحكم المتعلق بالمعلول والمسبب إلى العلة والسبب، للزم أولا: إنكار جميع الواجبات الشرعية، لأن اختيارية تلك الأفعال باختيارية إرادة تعلقت بها، على ما تقرر في مباحث الإرادة (3)، وثانيا: خروج جميع المقدمات الخارجية والداخلية عن حريم البحث، لأن المعلول لا يحصل إلا بعد تجمع العلل الناقصة، وحيث إن العلة والمعلول مختلفان وجودا في الاعتبار، وهو غير كاف لتعدد الإرادة، فيلزم عدم حصول


1 - الحكمة المتعالية 2: 299 - 301. 2 - أجود التقريرات 1: 219، منتهى الاصول 1: 283. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 43 - 48. (*)

[ 18 ]

الإرادة الثانية متعلقة بمجموع العلل، فتأمل. الثانية: ليس المركب إلا الأجزاء الداخلية بالأسر، فإذن لا يعتبر الغيرية والبينونة بين المقدمة وذي المقدمة (1). وبعبارة اخرى: لا يمكن تعلق الإرادة التأسيسية الثانية التشريعية بالأجزاء، للزوم كون الشئ الواحد متعلق الإرادتين التأسيسيتين المستقلتين، وهذا محال بالبديهة. وقد يقال: " إن المركب وذا المقدمة هو الأجزاء بشرط الاجتماع، والمقدمة هي الأجزاء بالأسر " (2). وأنت خبير بما فيه وإن قال به " الكفاية " ضرورة أن الأجزاء بالأسر، لا يعقل لحاظها إلا مجتمعة، فيكون هذا التعبير والتعبير الأول واحدا. وبعبارة اخرى: لا يمكن سلب المركب عن الأجزاء بالأسر، ولا العكس، لما تحرر في محله: من أن الأجزاء بالأسر مورد اللحاظ الإجمالي قهرا، فتكون هي والمركب - وهو الأجزاء في لحاظ الاجتماع - واحدا (3)، فلا تغفل. والذي هو الحق ما عرفت: من أن المركب يكون تحت عنوان واحد، وموصوفا بمفهوم فارد، مثل الصلاة والحج والاعتكاف والعسكر والثريا والفوج والدار، من غير فرق بين المركبات المؤلفة، والمركبات الاعتبارية، والمركبات


1 - هداية المسترشدين: 216، أجود التقريرات 1: 216، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 264 - 268، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 313 - 319، تهذيب الاصول 1: 204. 2 - كفاية الاصول: 115. 3 - لاحظ الحكمة المتعالية 2: 37 - 44. (*)

[ 19 ]

الحقيقية، كالبيت والعسكر والجسم (1)، فإذا كان الجزء المزبور يلاحظ حيال الكل، وحذاء المركب كالركوع قبال الصلاة، فيسلب الكل - وهو عنوان " الصلاة " - عنه، ويسلب هو عن الصلاة، فيحصل الغيرية في عالم اللحاظ ويكفي ذلك لتحقق الإرادة الثانية. وإذا انضم إلى الجزء المزبور جزء آخر - كذكر الركوع - فالأمر كذلك، ولكنه إذا تراكمت الأجزاء الملحوظة قبال الكل، بحيث صارت الصلاة صادقة على تلك الأجزاء الملحوظة اجتماعا قبال الكل، فلا يكون هي المقدمة، بل هي نفس ذي المقدمة والمركب، ولا يحصل الغيرية حينئذ حتى يحصل المتعلق الآخر للإرادة الثانية. فما ترى في كلمات العلمين البروجردي والوالد الخميني - عفي عنهما - (2)، فهو في غاية المتانة في حل هذه المشكلة، ولكن لا يخلو من قصور، لما لا يلزم مراعاة كل جزء على حدة، بل المناط هي ملاحظة مقدار من الأجزاء، بحيث لا ينتفي عنوان المسمى عن الباقية، فإذا لوحظت ثلاثة أجزاء من الصلاة فهي أيضا مقدمة، وهكذا الاثنان منها والأربعة. وأما توهم إمكان لحاظ الجزء قبال الكل، مع لحاظ الجزء الآخر في عرض اللحاظ الأول، حتى يلزم عدم صدق المركب على الباقي، ولا على الجزء الملحوظ، فهو غير تام، لأن الجمع بينهما غير ممكن، لأن اللحاظ الأول متقوم بأن يكون حذاء الجزء مركب، ولو كان في عرضه لحاظ الجزء الآخر ممكنا، للزم انحلال المركب رأسا، لا لحاظ الجزء قبال الكل، فليتبصر.


1 - تقدم في الصفحة 13. 2 - نهاية الاصول: 155 - 156، مناهج الوصول 1: 329 - 332، تهذيب الاصول 1: 204 - 206. (*)

[ 20 ]

إن قلت: إذا كان المركب ذا جزئين، أو لوحظ نصف أجزاء الصلاة، بحيث لا يصدق على كل واحد من القسمين عنوان " الصلاة " فيلزم خروج هذا عن حريم النزاع. وبعبارة اخرى: بناء على هذا، يلزم خروج الأجزاء المتقدمة بالتقدم التجوهري عن محط التشاح، لأن الطبيعة ليست صادقة على الجزء الآخر. قلت: يلاحظ الجزء تارة: بعنوان الجزئية حذاء الكلية، ويكون عنوانهما فعليين، واخرى: ذات الجزء حذاء الكل. فإنه إذا لوحظ الأول فلا تقدم، ولا تأخر، ويكون - لمكان التضايف بين العنوانين - ملازمة في الاعتبار والانتزاع. وإذا لوحظ الثاني، فلا يلزم عدم صدق الكل، لأن ما في الكل هو عنوان الكل، والجزء مغفول عنه، وفان فيه، فيصح أن يقال: " الجسم مركب، وأحد الجزءين منه الصورة " فإن قولنا: " أحد جزئيه الصورة " في حال لحاظ الجسم إجمالا، وفانيا فيه ما هو جزؤه الواقعي بالفعل، لا ما هو جزؤه الشأني. فما هو جزؤه الواقعي الفعلي، هو موجود معه، ومورث لصدق " الجسم " ولحاظه، وما هو ليس بجزئه الفعلي يقع حذاء الجسم، ولا يورث سلب صدق " الجسم " وعدم إمكان لحاظه الإجمالي، فافهم واغتنم جدا. إن قلت: ليس الجزء الداخلي من المقدمات الخارجية، كما ترى، ولا من الداخلية، لأن الكل - وهو المركب - يتحقق بدونه. مثلا: الركوع على هذا، جزء المركب، ولكنه يتحقق بدونه، لصدق المركب - على ما تقرر في الصحيح والأعم (1) - على بقية الأجزاء. فما هو المقدمة ما لا يتحقق المركب إلا به، وما لا يتحقق المركب إلا به يكون - على ما فرضتم - غير مقدمة.


1 - تقدم في الجزء الأول: 226 - 230. (*)

[ 21 ]

وبعبارة اخرى: لحاظ كل جزء مقدمة، لا يستلزم إلا عدم كونه مقدمة، لتحقق المركب بدونه. ولحاظ المجموع بالأسر مقدمة - كما صنعه " الكفاية " (1) - لا يستلزم إلا كون المقدمة نفس المركب، فعليه تكون الأجزاء خارجة عن محط البحث، كما أفاده العلامة الأراكي (قدس سره) (2). قلت: الجزء تارة: يلاحظ بالنسبة إلى الطبيعة بما هي طبيعة، واخرى: يلاحظ إلى الكل والطبيعة بما هي مأمور بها: فعلى الأول: الأمر كما تحقق، وليس البحث حوله، وعلى الثاني: ليس كما توهم، لأن المأمور به لا يتحقق إلا به، وهذا هو محل النزاع. الثالثة: قد استشكل العلامة المحشي " للمعالم " (قدس سرهما) بإشكال آخر على الأجزاء الداخلية: بأن دخولها يستلزم اتصاف الشئ الواحد بوجوبين، أحدهما: نفسي متعلق بالكل، والثاني: غيري متعلق بالأجزاء، وحيث إنها ليست إلا الكل، فيلزم اتحاد موضوعهما (3). وأنت خبير: بأن منشأ هذه الشبهة، عدم إمكان كيفية تصوير الجزء والكل، والخلط بين ما هو الموقوف عليه، وما هو الموقوف، وبعدما أحطت إحاطة كاملة بأن الموضوع للوجوب النفسي هو الكل، والموضوع للوجوب الغيري هو الجزء الملحوظ حيال الكل، فلا يبقى لهذه الشبهة مورد. وربما يتخيل إمكان اجتماع الوجوبين، كما في موارد النذر، وفي مثل صلاة


1 - كفاية الاصول: 115. 2 - نهاية الأفكار 1: 262. 3 - لاحظ هداية المسترشدين: 216. (*)

[ 22 ]

الظهر بالنسبة إلى العصر (1). وأنت خبير: بأنه في مورد الأول لا يبقى الوجوبان بحالهما، بل يرجعان إلى الواحد، على ما اشتهر (2)، وهذا فيما نحن فيه غير صحيح، للزوم كون الإرادة الثانية والإرادة النفسية متداخلتان، فيرجع إلى الإرادة الواحدة النفسية الشديدة بالنسبة إلى الظهر، وهي غير كافية لما هو الغرض في بحث المقدمة، من الثمرة الفرضية الآتي بيانها (3). مع أن قضية ما سلف منا (4): أن مورد الإرادة النفسية العبادية في الواجب المنذور هي الظهر، ومورد الإرادة النفسية التوصلية عنوان " الوفاء بالنذر " فلا معنى للتداخل. وفي المورد الثاني، ليس الظهر بما هو ظهر مورد الإرادة المقدمية، بل هو بعنوان " التوقف والوقوف عليه " وهذا متحد مع عنوان " الظهر " في الخارج، ومختلف معه في محيط التشريع والجعل، فلا تغفل، وتأمل. الرابعة: ما مر من الشبهات على الأجزاء الداخلية، يأتي على القيود المأخوذة في الطبيعة. وخروج هذه القيود عن مسمى الطبائع - كما في الأعم والصحيح على ما قيل (5)، خلافا للحق - لا يستلزم خروجها عن محط النزاع في هذه المسألة، لأن مناط البحث: هو أن إيجاب شئ، هل يستلزم الإيجاب الآخر، أو إرادة اخرى، أم


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 299 - 301. 2 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 301. 3 - يأتي في الصفحة 250. 4 - تقدم في الجزء الأول: 269. 5 - نهاية الأفكار 1: 75 - 76. (*)

[ 23 ]

لا ؟ وإذا كانت القيود واردة في محل الهيئة، فهي كالأجزاء. وتوهم خروجها عن منصرف كلمات الأعلام، لا يورث قصورا في ملاك البحث. الخامسة: ربما يشكل دخول أمثال الطهارات الثلاث في محل البحث، وذلك لأن ما هو قيد المأمور به، ليس الغسل والوضوء والتيمم، بل القيد هو المعنى المحصل منها، فكل ما كان من هذا القبيل فهو خارج، لأن دخوله واندراجه في البحث، فرع ثبوت الملازمة بين إرادة الكل وإرادة القيد، حتى يقال: بأن الإرادة الثانية المتعلقة بالقيد، تستتبع الإرادة الثالثة المتعلقة بمحصلات القيود، بناء على أعمية مورد البحث من الملازمة بين إرادة ذي المقدمة والمقدمة، أو إرادة المقدمة وإرادة مقدمة المقدمة، وبناء على دخول العلة التامة في البحث، كما مضى وعرفت (1). وفيه: أن ما هو الأقوى عند بعض، هو أن المقدمة والواجب الشرطي، ليس إلا هذه الغسلات الخارجية، مع عدم تخلل إحدى النواقض بينها وبين المركب، وأما حصول الأمر النفساني منها في النفس، وأنه هو الشرط، فهو غير مبرهن عليه، ويصير هذا من قبيل شرطية الظهر للعصر (2). هذا أولا، فتأمل. وثانيا: لا يمكن التفكيك بين الإرادة الثانية والثالثة، فمن التزم بالملازمة، فهو لأجل ملاك يأتي في المرحلة المتأخرة أيضا وهكذا. ولا معنى لكون البحث حول الملازمة بين الإرادة النفسية وغيرها، بل الجهة المبحوث عنها أعم منها ومن ذلك. وملاكه: هو أن الإرادة المتعلقة بشئ هل تستتبع إرادة اخرى متعلقة بما يتوقف عليه ذاك الشئ، أم لا ؟ سواء كانت تلك الإرادة نفسية، أم مقدمية. ولذلك


1 - تقدم في الصفحة 12. 2 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 3: 515. (*)

[ 24 ]

لابد من كون عنوان البحث هكذا، لا أن إيجاب شئ هل يكون كذا، أم لا ؟ حتى يقال: بأن خصوصية الإيجاب والإنشاء والإبراز، داخلة في محط الكلام. ومما يترتب على العنوان المزبور، شمول البحث لما إذا كانت إرادة المولى معلومة بالقرائن، لا بالإنشاء، فإنه أيضا مندرج في محط النزاع، كما لا يخفى. وثالثا: أن مقدمة المقدمة، ومحصل المقدمة، وعلة القيد والجزء، إذا لوحظت نسبة الكل إليها، يكون بينهما الغيرية والتوقف، فيكون داخل البحث، ولا يلزم مراعاة المقدمات القريبة حتى يشكل الأمر هنا، كما هو الظاهر. فالمحصول مما قدمناه إلى هنا: اندراج جميع هذه الامور في محط البحث ومصب التشاح بلا شبهة. نعم، الجزء بما هو جزء وهو فان في الكل، لا يمكن لحاظه، لأنه باللحاظ يخرج عن الجزئية الفعلية، ويصير جزء شأنيا. وعليه لا يعقل اعتبار الاثنينية بين الجزء الفعلي والكل، لأن حقيقة الجزء الفعلي مرهونة بالغفلة، وإذا نظرنا إليه فهو بحذاء الكل، فما ترى في كلمات المدقق المحشي (قدس سره) (1) لا يخلو عن التأسف، والبحث بعد كونه عرفيا لا نرد مناهله العقلية. السادسة: ربما يشكل اندراج الأجزاء الخارجية التعبدية - وهي في الاصطلاح الصحيح مثل الطهارات الثلاث، قبال المقدمات الوجودية، والأجزاء الداخلية، والقيود والشروط - لأجل أن الالتزام بالملازمة، يستلزم سقوطها عن المقدمية. وبعبارة اخرى: الأجزاء الخارجية التعبدية، لا يمكن أن تكون واردة مورد البحث، بخلاف الخارجية التوصلية، وذلك لأن مقدميتها موقوفة على عدم ثبوت


1 - نهاية الدراية 2: 26 - 27. (*)

[ 25 ]

الإرادة الثانية، وإلا يلزم عدم كونها قابلة لكونها مقدمة، وذلك لما سيأتي تفصيله في تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري، وأن الواجب الغيري ليس تعبديا وقربيا (1)، فإذن لا يمكن الإتيان بالطهارات الثلاث على وجه التقرب والعبادة، لأن الباعث نحوها الأمر الغيري، وما يمكن أن ينبعث عنه العبد هو الأمر الغيري، ومن وجوده يلزم عدمه، لأنه يدعو إلى المقدمة وما هو الموقوف عليه، ولا يعقل امتثال مثله، ضرورة أن الأمر المتعلق بالصلاة، لا يعقل أن يكون توصليا، فالأمر المتعلق بالوضوء كذلك، وهكذا. أقول: قد اجيب عن هذه الشبهة في تلك المسألة بأجوبة عديدة (2)، كلها غير مصدقة، ولعل أمتن الأجوبة: هو أن عبادية الشئ ليست بالانبعاث عن الأمر والامتثال فقط، بل عبادية الشئ تابعة لما عرفت تفصيله في التعبدي والتوصلي (3)، فيكون على هذا ما هو المبعوث إليه بالأمر الغيري عبادة، ولا يتقوم عنوان العبادة إلا بكون العمل مما يتقرب به عرفا أو شرعا. ولو كانت العبادة متقومة بالأمر، للزم أن يكون نهي المشركين عن عبادة الأوثان غير جدي، مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم الشرع الأقدس، وهل هذا إلا أنها ليست متقومة بالأمر ؟ ! ولا يضر الانبعاث عن الأمر الغيري بالعبادية، بعد كون الأمر داعيا إلى متعلقه، وهي العبادة، وما هو الموضوع لأن يعبد ويتقرب به لله تعالى. السابعة: المشهور في ألسنة جماعة: أن الأجزاء واجبة بالوجوب الضمني، فلا يعقل


1 - يأتي في الصفحة 170 - 175. 2 - كفاية الاصول: 139 - 140، نهاية الأفكار 1: 327 - 328، تهذيب الاصول 1: 253. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 113 - 117. (*)

[ 26 ]

اتصافها بالوجوب الغيري (1)، لأنهما كالوجوب والحرمة في التعاند والتخالف. ومعنى " الوجوب الضمني " هو الوجوب الانبساطي، فهي واجبات بمثله. وأنت خبير: بأن العناوين المركبة بسائط عرفية، وتكون الأجزاء في ظرف لحاظها موضوعا للأمر، مغفولا عنها، وأن المولى لا يرى إلا الصلاة والحج، فلا معنى للوجوب الانبساطي رأسا، وأنه من الأغلاط الأولية الشائعة بين الفضلاء، ولا يتوجهون إلى ما يقولون: من التجزئة في الأمر، فإن التجزئة في الامور الاعتبارية ممكنة، كما ذكرناه في العقد الواقع على المجموع المركب من ماله ومال غيره، من غير الانحلال إلى العقدين. ولكنه في موقف أساس الحاجة، لتقوم البناءات العقلائية به، لا جزافا وقهرا، ولا ثمرة لهذه التجزئة في المقام بعد ارتباطية المركب حسب الفرض. وبعبارة اخرى: لا يعقل تجزئة الواحد الاعتباري إلا بلحاظ متعلقه، وإذا تجزأ فيصير كل واجبا مستقلا، ولا يعقل حينئذ اعتبار الأقل والأكثر، وهذا خلف. ومما يشهد على التجزي: ما أفاده القوم في إرث الخيار (2) ولكنك تعلم أنه يرجع إلى استقلال كل من الوراث. في إعمال حصته من الخيار، وهذا فيما نحن فيه غير مطلوب قطعا. ولو كان التجزي المزبور صحيحا، لكان يصح انه ينبعث عن تلك الأوامر الجزئية، مع عدم اطلاعه على عنوان " الصلاة " وأمر الكل، ولا أظن التزامهم به، فالوجوب الضمني من المجازات لا الحقائق، فلا تخلط. هذا مع أن متعلق الوجوب الضمني، غير متعلق الوجوب الغيري، فإن


1 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 268، نهاية الاصول: 157. 2 - قواعد الأحكام 1: 143 / السطر 22، منية الطالب 2: 158 / السطر 20. (*)

[ 27 ]

الأجزاء الموصوفة بالضمنية هي حال فنائها في الكل، حتى يكون الكل وتلك الأجزاء واحدة، فيكون واجبا ضمنيا نفسيا، وما هو الموصوف بالوجوب الغيري، هو ذات الجزء الملحوظ إزاء الكل وقباله، على الوجه الذي عرفت (1). مع أن الجمع بين الوجوبين، لا يلزم مع قطع النظر عما سمعت، لأن ما هو مصب الأمر الغيري هو عنوان " الموقوف عليه والمحتاج إليه " لا ذات الجزء فلا تخلط جدا. هذا مع أن قضية الانحلال إلى الوجوبات الضمنية، الانحلال إلى القيود الوجودية كالطهارة، والقيود العدمية كعدم القران وهكذا، ولا أظن التزامهم به. ولعمري، إن أساس شبهات الأعلام في المقام (2)، قصور باعهم عن الاطلاع على كيفية اعتبار المركبات وأجزائها، مع خلطهم بين الاتحاد والغيرية في الخارج ومحيط التشريع، ولذلك ترى أنه نسب إلى العلامة الأراكي (رحمه الله) (3) أو غيره (4)، بل والشيخ الأنصاري (قدس سره) (5): أن دخول الأجزاء في محط النزاع، منوط بكون مصب الأوامر الصور الذهنية، لا الخارج، وحيث إن المأمور به هو الوجود، لا الصورة، ولا الطبيعة، فلا يعقل التعدد بين الكل والجزء، لاتحادهما في الوجود. وأنت خبير: بأن من يقول: بأن المأمور به هو الوجودات (6)، ليس مقصوده


1 - تقدم في الصفحة 18 - 20. 2 - كفاية الاصول: 115، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 267 - 268، نهاية الأفكار 1: 262 - 269، نهاية الاصول: 157، منتهى الاصول 1: 278. 3 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 313 - 314، مقالات الاصول 1: 292. 4 - منتهى الاصول 1: 279. 5 - مطارح الأنظار: 40 / السطر 1 - 8، لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 123 - 124. 6 - منتهى الاصول 1: 268. (*)

[ 28 ]

الوجود بالحمل الشائع، فإذن لابد وأن يلزم التفكيك في محيط التشريع. مع أنك قد عرفت: أن متعلق الأمر هي الطبيعة (1)، ومسألة الوجود والإيجاد من اللوازم العقلية التي تدخل في محط البحث هنا أيضا، وإن كان الوجود والطبيعة في الخارج متحدين هوية. بقي شئ: في ثمرة دخول الأجزاء في النزاع ذكر العلامة الأراكي (قدس سره): أن ثمرة القولين تظهر في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، من جهة الرجوع إلى البراءة والاشتغال، فإنه على القول بدخول الأجزاء في محل النزاع، وثبوت الملازمة، ربما يتعين الاشتغال - كما اختاره " الكفاية " نظرا إلى حصول العلم الإجمالي بالتكليف، وعدم إمكان حله بالعلم التفصيلي بالأقل الأعم من النفسي والغيري، لتولد مثله من العلم الإجمالي السابق عليه (2) - وأما على القول بعدم دخولها في محط النزاع، فلا تكون واجبة، فينحل العلم، لأنه إجمالي تخيلي، لا واقعي، ضرورة رجوعه إلى العلم التفصيلي والشك البدوي (3)، انتهى بعد تصرفنا فيما هو مقصوده، وإلا فما نسب إليه لا يخلو من تأسف. وأما توهم: أن هذه الثمرة تترتب على القول بالوجوب الضمني، فهو لا يضر، لأن ذلك لا يورث عدم ترتبها على الوجوب الغيري. نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن مع الالتزام بالوجوب الغيري، يمكن إجراء البراءة العقلية، وذلك لأن مجرد عدم انحلال العلم الإجمالي، لا يورث تمامية البيان


1 - تقدم في الجزء الثاني: 228. 2 - كفاية الاصول: 413. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 319، نهاية الأفكار 1: 269. (*)

[ 29 ]

على الجزء المشكوك، ولا يصحح العقوبة عليه. وبعبارة اخرى: يلزم من الانحلال محذور علمي، ولكنه لا يستلزم تمامية الحجة العقلية على مورد الشك، ولذلك تجري البراءة الشرعية في طرف مثل هذا العلم الإجمالي، مع أن موضوعها ما لا حجة عليه شرعا وعقلا. هذا، وقضية ما سلف في كيفية دخول جزء المركب في محل النزاع (1)، أن كل جزء إذا كان يلاحظ بحيال الكل، ويكون عنوان الكل عنه مسلوبا، وهو مسلوب عن عنوان الكل، كالركوع والصلاة، فهو غير المركب، ويحتاج المركب إليه. وأما فيما تعارف في الأقل والأكثر من مشكوكية الجزء العاشر، فلا يكون الأجزاء التسعة مورد الوجوب الغيري، لأنها والطبيعة واحدة، ولا يسلب عن الأجزاء التسعة عنوان " الصلاة " لأنها هي، فلا تكون واجبة بالوجوب الغيري، فلا يمكن استشمام الانحلال المزبور من هذه المسألة، فلا تغفل، واغتنم جدا. وأما توهم: أن هذا ليس من نتائج القول بدخول الجزء في محط البحث، بل هو من ثمرات القول بالوجوب الغيري، فهو في غير محله، لأن الوجوب الغيري لا يمكن إلا بعد إمكان البحث عنه، وهذا لا يتحقق إلا مع إدراج الجزء في محل النزاع، كما لا يخفى. ثم إن الأصحاب قسموا المقدمة إلى عقلية، وشرعية، وعادية. وإلى مقدمة الوجود، والصحة، والعلم، والوجوب (2)، وحيث لا تكون من المسائل العلمية، ولا من التقاسيم الصحيحة، عدلنا عن إطالة البحث عنها، والله ولي التوفيق.


1 - تقدم في الصفحة 13. 2 - كفاية الاصول: 116 - 117، أجود التقريرات 1: 220، محاضرات في اصول الفقه 2: 302 - 303. (*)

[ 30 ]

الأمر السادس: حول جريان شبهة الشرط المتأخر في المتقدم مقتضى ما تحرر منا في ملاك بحث المقدمة (1)، عدم الفرق بين المقدمات المتقدمة زمانا، كالمعدات، وبين الامور الدخيلة في تحصل المأمور به المقارنة معه زمانا، وبين ما هو المتأخر عنه زمانا الدخيلة في تحققه خارجا. وحيث لاشبهة في الاولى والثانية، تصل النوبة إلى الشبهة العقلية في الثالثة الآتية من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). إن قلت: تقدم العلل الناقصة على المعلول، وانحفاظها إلى حال استجماع شرائط التأثير، مما لا بأس به، كما هو المتراءى في جميع العلل الزمانية، وأما تقدم تلك العلة وفناؤها، فهو أيضا غير ممكن، لأن فرض كونها علة ناقصة، يناقض إمكان تحقق المعلول عند عدمها. قلت: هذا ما يظهر من " الكفاية " (3) حيث أجرى الشبهة العقلية بالنسبة إلى المقدمة المتقدمة زمانا. واستشكل جل من تأخر عنه: بأن الوجدان في المعدات على خلافه (4)، غافلين عن أن مقصود " الكفاية " ليس ما هو الظاهر فساده، بل مقصوده هو أن فرض العلة الناقصة، وانعدامها حين تحقق الأثر، مما لا يجتمعان عقلا، وذلك مثل العقد المتصرم بالنسبة إلى تحقق المعلول، وهو المعنى الإنشائي والملكية الإنشائية، فإنه كيف يعقل حصول الامور المتأخرة تأخرا عليا، مع عدم


1 - تقدم في الصفحة 12 - 15. 2 - يأتي في الصفحة 36. 3 - كفاية الاصول: 118. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 284، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 467، نهاية الدراية 2: 35. (*)

[ 31 ]

وجود العلة التامة ؟ ! وتوهم: أن آدم (عليه السلام) معد بالنسبة إلى النبي الأعظم ومعدوم، غير نافع، لأن الالتزام ببقاء أثر المعد الأول مع المعد الآخر، يكفي لرفع الشبهة، كما هو كذلك في المعدات المترتبة، ولكن لا يمكن الالتزام بذلك هنا، ضرورة أن الألفاظ المعتبرة في الإيجاب والحروف، اللازم استعمالها في تحقق الأمر الإنشائي، ليست ذات أثر محفوظ في التأخر بالضرورة، حتى يقال: بأن الحرف الأخير والحرف الأول، كالأب والجد بالنسبة إلى الملكية والابن. وبعبارة اخرى: الأمر هنا ليس كالأمر في صدور الفعل من الفاعل، فإن القدرة والعلم من شرائط تحقق الفعل، ولكن الإرادة هي العلة التي إليها يستند الفعل، ويعتبر بقاء القدرة والعلم حين تأثير الإرادة. وأما الحرف الأخير من ألفاظ الإيجاب، فليس علة حصول الملكية الإنشائية، بل الملكية تستند إلى ألفاظ الإيجاب بأجمعها، فلاينبغي الخلط بين ذوات المعدات، وبين آثارها اللازمة في حصول المستعد في ظرفه، فعليه كما يشكل الأمر في المقدمة المتأخرة، يشكل الأمر في المقدمة المتقدمة زمانا. ولا يصح أن يقاس ذلك بالصلاة، فإن الصلاة ليست معتبرة علة، حتى يقال: بأن تصرم أجزائها ينافي اعتبار العلية للمجموع، بل الصلاة نفس المأمور بها، فإذا تحقق الجزء الأخير فقد تحقق المركب الاعتباري فيسقط أمره، لا أنها علة للسقوط، كما مضى في بحث الإجزاء (1). نعم، إذا لاحظنا أنها علة المعراج وسبب التقرب، فيشكل بأن المعلول - وهو التقرب - إما يحصل بالجزء الأخير، وهو معلوم العدم، أو يحصل تدريجا. وأما إمكان حصول ذلك مستندا إلى التكبيرة إلى السلام، ومع ذلك عند تحققه


1 - لاحظ ما تقدم في الجزء الثاني: 268 - 270. (*)

[ 32 ]

لا يكون للتكبيرة وجود إلا بنحو التموج الهوائي، فهو مما لا يمكن الالتزام به عقلا. نعم، يتوجه إلى " الكفاية ": أن البحث هنا حول أن الوجوب المتعلق بذي المقدمة، يستلزم وجوبا آخر، أم لا، وهذه المسألة ومسألة بيع الفضولي وأمثالها، خارجة عن الجهة المبحوث عنها في المقام، ولايكون في الواجبات الشرعية، إلا وتكون المقدمات المتقدمة عليها زمانا، باقية بآثارها حال الإتيان بالمركب، فيكون الشرائط المعتبرة في تحققه صحيحا، حاصلة عند الإتيان به، وقد مضى أن جميع المقدمات الوجودية والأجزاء الخارجية بذاتها، الداخلية بآثارها - وهو التقيد المعتبر في المركب - داخلة في حريم النزاع ومحط البحث (1). وأما حل هذه المعضلة، فهو هين بعد المراجعة إلى أوسعية الامور الاعتبارية من هذه التوهمات الباردة، وأن العقود ليست عللا واقعية للمعاليل الاعتبارية، بل هي موضوعات أو اعتبار العلل. وأما مسألة صحة بيع الفضولي المفروض لحوق الإجازة به من الأول فهي عندنا ممنوعة أولا، ويأتي ما هو حل أمثال هذه الشبهة (2) ثانيا إن شاء الله تعالى. فبالجملة تحصل: أن أساس الشبهة، مأخوذ من مقايسة التكوين بالتشريع والاعتبار هنا، ضرورة أنه في التكوين لا يعقل كون العلة متصرمة الوجود ومتقضية الذات، والمعلول آني الوجود ودفعي التحقق، ولكن في الاعتباريات ليست علية ومعلولية إلا اعتبارا، ومعنى ذلك عدم المنع عقلا من الوحدة العرفية بين الأجزاء المتصرمة، ولذلك اعتبرت الموالاة كما لا يخفى. وربما توهم من أجل هذه الشبهة صاحب " المقالات ": أن الإنشاء ليس إيجادا، بل الإنشاء هو إبراز ما في الخيال، فيكون المعاني الإنشائية موجودات في


1 - تقدم في الصفحة 12 - 15. 2 - يأتي في الصفحة 41. (*)

[ 33 ]

النفس، ومظهرات بالألفاظ، فإن هذا لا يستلزم إشكالا، بخلاف ما إذا قلنا بالإيجاد، فإن الإيجاد بالمتصرم بالذات، لا يعقل بعد تصرم الجزء الأول عند تحقق المعلول الإنشائي (1). ولكنك أحطت خبرا: بأن اعتبار المبادلة مثلا قبل الإبراز إن كان بيعا، فقد تحقق ولايحتاج إلى الإبراز، فيكون الوفاء واجبا، وإن لم يكن متحققا فيعلم: أنه يتحقق بالإبراز والاستعمال، وحيث لاسبيل إلى الأول يتعين الثاني. وما هو الجواب عنه ما عرفت: من أن الإيجاد الاعتباري لا يقاس بالإيجاد الحقيقي. خروج شرائط التكليف عن محط البحث ثم إنك بعد الإحاطة بما أسمعناك، تجد أن البحث عن شرائط التكليف المتقدمة زمانا عليه، أو المتأخرة عنه، أو المقارنة معه، خارج عن محط البحث فيما نحن فيه، ضرورة أن الكلام هنا حول الملازمة بين الإرادة الموجودة المتعلقة بذي المقدمة، وإرادة اخرى متعلقة بالمقدمة، وأما شرط نفس تعلق الإرادة الاولى فهو بحث آخر، ومجرد اشتراك الكل في المحذور العقلي لا يصحح إسراء الكلام إلى غير المقام. وغير خفي: أن المراد من شرائط التكليف المتقدمة زمانا، أو المتأخرة زمانا، هو ما إذا تخلل الزمان بين الشرط والمشروط، فيكون في الزمان الأول الشرط موجودا، ثم انعدم وبلغ الزمان الثاني الذي هو زمان التكليف، أو انقضى زمان التكليف، ثم بلغ زمان الشرط، مثل عقد الفضولي بالنسبة إلى الإجازة، وصوم المستحاضة بالنسبة إلى الأغسال الليلية.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 325. (*)

[ 34 ]

وهذا مثل ما إذا فرضنا أن قدرة المكلف في الخارج، شرط التكليف، فإن كانت هي حاصلة حين التكليف فهو، وإلا فإن كانت حينه معدومة، ثم وجدت حين الامتثال، فإنه داخل في محط البحث. أو قلنا: بأنه في مثل " إن جاءك زيد فأكرمه غدا " يكون الوجوب بعد تحقق المجئ - وهو الشرط - حاصلا بعد مضي اليوم، لا بعد تحقق المجئ بلا فصل، فإنه يندرج في محط البحث. وأما إرجاع هذا إلى الشرط المقارن، وأن ما هو الشرط هو الوجود اللحاظي والذهني، ولايكون القدرة - بالحمل الشائع - شرط تحقق الإرادة الجدية، لا في الخطاب الشخصي، ولا في القانوني (1)، فهو خروج عن الجهة المبحوث عنها، وإلا فهو من الواضح الذي لا غبار عليه في التكاليف الشخصية في القضايا الخارجية. نعم، ربما استشكل العلامة النائيني (قدس سره) في الخطابات الكلية التي تكون بنحو القضايا الحقيقية، معللا: " بأن المجعول والجعل والفعلية والإنشاء في الخطاب الشخصي، متحدا الزمان، ولا يكون تفكيك بين زمان الجعل الإنشائي، وزمان فعلية التكليف، لحصول شرطه وفي القضايا الحقيقية مختلفا الزمان، فإنه يمكن أن يتحقق الحكم الإنشائي، ولايكون هذا فعليا، لعدم استجماع شرائطه. وشرائط هذا هي الامور الخارجية الموجودة في عمود الزمان، لا الذهنية واللحاظية، لأنها من قيود الموضوعات، وقيود الموضوعات للتكاليف لابد من تحققها، لأن نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى معلولها " (2). وأنت خبير: بأن هذا التفصيل أيضا أجنبي عن البحث، لأن معنى هذا هو أن فعلية التكليف، لا تحصل إلا مع اقترانها بالقيود المعتبرة فيها زمانا، وهذا لا ينافي ما


1 - لاحظ كفاية الاصول: 118 - 119. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 275 - 276، و 4: 174 - 175. (*)

[ 35 ]

سلكه " الكفاية " وغيره (1)، لأنهم ليسوا بصدد بيان جميع مراحل التكليف، بل هم بصدد دفع الشبهة المعروفة: وهي أنه مع عجز المكلف حين التكليف، كيف يمكن ترشح الإرادة الجدية من المولى الملتفت ؟ ! فاجيب: بأن ما هو شرط الفعل الاختياري ليس القدرة بالحمل الشائع، بل الميزان علم المكلف بالقدرة، فإنه كاف. مع أن القدرة على الامتثال في ظرفه، كافية لحصول الجد من الأول، لأن الغرض يحصل بها سواء كانت حاصلة حين التكليف، أم لم تكن. ونظيره في الوضعيات بيع السلف، فإن العجز حين النقل، لا يورث قصورا في الإرادة الجدية، كما هو الظاهر. فتحصل: أن الأعلام مع ورودهم فيما هو الخارج عن البحث في هذه المسألة، لم يكونوا واردين فيما هو مورد البحث في الشرط المتقدم والمتأخر زمانا، فإن البحث حول ما يكون متقدما زمانا، ويكون هو شرطا، لا أثره الباقي كالطهارة والوضوء. فبالجملة: لو سلمنا أن شرائط التكليف، قابلة لإدراجها في هذه المسألة، لأنها بعد فرض تحقق الوجوب فعلا قبل تحقق شرطه، يأتي الكلام: وهو أن بين هذه الإرادة وإرادة الشرط، أيضا ملازمة، أم لا، لأن من الممكن ترشح الإرادة الاخرى بعد فعلية الإرادة الاولى وتعلقها بالشرط المتأخر. اللهم إلا أن يقال: بأن هذا خلف، لرجوعه إلى الوجوب غير المشروط، لأنه إذا وجب تحصيل الشرط يلزم ذلك، فيكون لأجله شرط التكليف خارجا عن بحث الملازمة. فتحصل: أنه لا ينبغي الخلط بين الجهة المبحوث عنها في بحث المقدمة،


1 - كفاية الاصول: 118 - 119، نهاية الأفكار 1: 279 - 281. (*)

[ 36 ]

وبين شرائط التكليف. ولا ينبغي أيضا الخلط بين ما هو الشبهة في شرائط المأمور به، وبين ما هو شرط التكليف في مثل القدرة المعتبرة في تحقق الإرادة، فإن ما هو مصحح حصول الإرادة، ليس إلا الصور العلمية الحاصلة في نفس المولى، وهذا ليس - كما عرفت - حلا للشبهة. فإذا عرفت ذلك فالحق: أنه مع إمكان الالتزام بالشرط المتأخر في شرائط المأمور به، يمكن ذلك في شرائط التكليف أيضا قطعا، لأن ما يأتي من الأجوبة لتصحيح الشرط المتأخر واقعا، يأتي جوابا عنها في هذه المسألة (1) فانتظر، وما هو الصحيح من بين تلك الأجوبة هو الصحيح هنا، لوحدة المناط والملاك شبهة، فافهم وتدبر جيدا. شبهة قوية على إدراج المقدمة المتأخرة في محل البحث إذا تبين لك محط البحث، وحدود النزاع في بحث مقدمة الواجب، فإدراج المقدمة المتأخرة في محل البحث مورد الشبهة عقلا، كما عرفت الشبهات الكثيرة في إدراج كثير من المقدمات في حريم النزاع (2)، وتلك الشبهة هنا قوية، وذلك لأن العقل البديهي حاكم: بأن كل شئ تكوينيا كان أو اعتباريا، إذا فرض معلوليته لشئ آخر، فلابد من تمامية أجزاء العلة وشرائطها في الرتبة السابقة، حتى يتحقق المعلول، وإلا يلزم الخلف، ويقع التناقض في الاعتبار، فإنه كيف يمكن القول: بأن صوم المستحاضة قبل مجئ الأغسال الليلية، صحيح بالفعل، وقد سقط أمره كسائر المركبات الاعتبارية، ومع ذلك مشروط بشرط مستقبل، وهي تلك الأغسال ؟ !


1 - يأتي في الصفحة 38 - 42. 2 - تقدم في الصفحة 16 - 29. (*)

[ 37 ]

أو كيف يمكن دعوى: أن عقد الفضولي قبل لحوق الإجازة، أثر أثره، وانتقل الملك إلى صاحبه واقعا وثبوتا، ومع ذلك تكون الإجازة شرطا دخيلا في ذلك ؟ ! فإذا لا يعقل ذلك، لا يعقل ترشح الإرادة الغيرية إليها، ولذلك أصبحت الأصحاب - رضوان الله عليهم - صرعى وحيارى، وكل أخذ مهربا. فمنهم: من أنكر أصل الشرطية. ومنهم: من تصرف في معنى " الشرط ". ومنهم: من خرج عن أصل الشبهة غفلة واشتباها. ومنهم: من تصرف فيما هو الشرط. ومن بينهم من تصدى لحل هذه المعضلة، ونشير إليها إجمالا: فأما من أنكر أصل الشرطية (1)، فهو في راحة، وجوابه في الفقه. وأما من خرج عن الخصوصية في المسألة، فهو العلامة النائيني، فإنه (قدس سره) اعتبر المتأخر شرطا، لا الشرط متأخرا، فقال: " هذا المتأخر الذي هو الشرط كأجزاء المركب الداخلية، فكما تكون صحة الركعة الاولى مشروطة بالأخيرة، وبإتيانها يصح الكل، كذلك الأمر هنا " (2). وأنت خبير: بأن الإعضال في المقام، ناشئ من القول بالصحة الفعلية للمتقدم، وأن صومها صحيح فعلي إذا كان الغسل في ظرفه موجودا، لا الصحة التأهلية والمراعاتية، وأن العقد صحيح فعلي مؤثر من الأول، إذا كان بحسب الثبوت يلحقه الإجازة، لا تأهلا، وإلا فهو أمر واضح الإمكان، ورائج الوقوع. وأما من تصرف في معنى " الشرط " فهو العلامة الأراكي (رحمه الله) وملخص ما


1 - جواهر الكلام 3: 366، لاحظ المكاسب، الشيخ الأنصاري: 133 / السطر 20 - 21. 2 - أجود التقريرات 1: 221. (*)

[ 38 ]

أفاده مرارا، وبنى عليه المسائل العلمية، وبه انحل عنده العويصات والشبهات: أن الشرط ليس جزء دخيلا في الأثر، وإن اطلق عليه في بعض الأحيان فهو هنا غير مقصود، بل الشرط هو طرف ما يحدد المقتضي، وطرف ما يحصل به الخصوصية اللازمة لتأثير المقتضي أثره. وبعبارة اخرى: لا معنى لتأثير طبيعي النار في طبيعي القطن، ولا لطبيعي الصلاة في طبيعي القرب، أو في سقوط الأمر، بل كما في التكوين يكون النار بحصتها الخاصة مؤثرة، كذلك الصوم والصلاة بحصتهما الخاصة مؤثران، وكما أن تلك الخصوصية تحصل للنار من الإضافة إلى القطن، وتحصل المماسة التي هي شرط التأثير للمقتضي، وليس هو من أجزاء العلة، كذلك تحصل الخصوصية التي بها يكون العقد صحيحا، والصوم صحيحا بالإضافة، وأما هذه الخصوصية فكما تحصل من الإضافة إلى المقارن والمتقدم والمتأخر في التكوين، كذلك الأمر في التشريع (1). أقول: قد مر منا ما هو الجواب عن مقالته، وإجماله أولا: أنه في التكوين أيضا، لا يعقل حصول الإضافة الفعلية من الطرف المعدوم الفعلي. وثانيا: أن الامور التكوينية الخارجية، تكون المؤثرات فيها والمتأثرات بها تابعة للوجود، وهو لا يكون طبيعيا، فلابد من الشخصية الخارجية حتى يحصل الأثر. وهذا في الاعتباريات التي تكون امورا كلية ومفاهيم خالية من الشخصية، غير معقول، بل التحصص لا يعقل أن يحصل إلا بالتقييد، فإذا كان قيد الكلي والطبيعي فعليا، فما هو منشأ هذا القيد لا يعقل معدوميته، بل إذا لاحظنا نسبة القيد إلى ما هو منشأه، فهو يكون بالعلية، فكيف يمكن تأثير المعدوم في الموجود، أو حصول المعلول قبل علته ؟ !


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 320 - 321. (*)

[ 39 ]

ولعمري، إن ما كان يفيده في هذه المقالة، غير ما استفاد منها بعدها، فإن ما تفيده هو أن التحصص، لا يعتبر أن يكون بالتقييد، كما نرى في التكوين، وإلا يلزم تقيد العلة بالمعلول في التأثير، وهو دور واضح. وهذا صحيح. وأما ما استفاده منها: فهو أن هذا التحصص يحصل بالإضافة إلى المتأخر والمتقدم، ويكون هذا جاريا في الاعتباريات. وهذا غير صحيح جدا، كما عرفت تفصيله. وأما من تصرف فيما هو الشرط فهم جماعة: أحدهم: الفاضل الخبير صاحب " الفصول " (رحمه الله) فقال: " إن الشرط هو عنوان التعقب بالأغسال، أو الإجازة " (1). وثانيهم: العلامة صاحب " الكفاية " (رحمه الله) فقال: إن الشرط هو الإضافة إلى المتأخر، فإن الأشياء تختلف حسب اختلافات الإضافة في الحسن والقبح، فلا منع من اتصاف المتقدم بالحسن إذا اضيف إلى المتأخر، فيكون سبب الحسن هي الإضافة إلى المتأخر، فما هو القرين مع المتقدم - وهو الإضافة - شرط (2). هذا هو ثمرة كلامه، وإن لا يخلو عباراته من التأسف. ولعل إليه يرجع كلام العلامة الأراكي (3) أيضا كما لا يخفى. كما أن هذا مأخوذ أيضا مما سبق من " الفصول " فلا تغفل. وأنت خبير: بأن الإضافة الفعلية لا تحصل مع انعدام الطرف، فإن المتضايفين متكافئان وجودا وفعلية وقوة وهكذا. هذا مع أن الشرط هو الغسل والإجازة حسب الدليل.


1 - الفصول الغروية: 80 / السطر 35 - 37. 2 - كفاية الاصول: 119 - 120. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 320 - 321. (*)

[ 40 ]

وتوهم: أن الإضافة تحصل من لحاظ الإجازة المتأخرة، والتعقب يوجد بلحاظ الغسل، فهو أفحش، لأنه يرجع إلى إسقاط الشرطية، لأن لحاظ الغسل المتأخر، لا يستلزم إيجابه ووجوب الإتيان. فبالجملة: لا شبهة في مدخلية المتأخر في الجملة ولو للعنوان الفعلي المقترن، وهذا بعد كونه معدوما غير ممكن. ولعمري، إن هذا الخلط قد وقع في كلام جملة منهم، زاعمين أن الإضافة قليلة المؤونة، أو غافلين عن أن طرف الإضافة ليس أمرا ذهنيا، مع أن طرفها الآخر خارجي، وهو الفعل الذي اتي به. مع أن الذهنية المحضة لا تكون شرطا. نعم، ربما يخطر بالبال دعوى: أن مقصودهم أن الشرط مقارن، وهو الأمر المعتبر وصفا للفعل، وهو العقد والصوم، وذلك الأمر عنوان " التعقب " أو غير ذلك، وهذا العنوان متقوم بالطرف، ويكفي لذلك كونه أمرا ذهنيا، ولكن لا مجرد الذهنية، بل الصورة الذهنية الحاكية عن الخارج التي تصير صادقة، ويتحقق محاكاه بعد ذلك. وأنت خبير: بأن عنوان " التعقب " لا يعقل أن يحصل من الإضافة إلى الطرف المقارن ولو كان ذهنيا، بل هو متقوم بالمتأخر، فيكون الطرف ما في الخارج، وهو معدوم. وكلام " الكفاية " (1) صريح في إفادة أن الإضافة إلى المتأخر، تورث الحسن للمتقدم، وهذا أيضا غير تام. نعم، إن قلنا: بأن الشرط هو المقارن مع الصورة الذهنية، الذي تعقبته الأغسال الليلية والإجازة مثلا، فهذا أقل محذورا مما اشتهر في كلماتهم. ولكنه خلاف الأدلة إثباتا، ويلزم بناء عليه بطلان صوم المستحاضة إذا كان بناؤها على عدم الإتيان بالأغسال الليلية، والالتزام بذلك مشكل إلا من جهة الإخلال بقصد القربة. وهكذا يلزم بطلان عقد الفضولي الصادر من الغاصب الباني على عدم إلحاق


1 - كفاية الاصول: 119 - 120. (*)

[ 41 ]

الإجازة، فلاحظ وتدبر جيدا. وأما من تصدى لتصوير الشرط المتأخر من غير التصرف في الشرط، ومن غير الخروج عن محل البحث، مع عدم الذهول عن أن الإضافة إلى المتأخر غير معقولة، فهو الوالد المحقق - مد ظله - فقال: " إن للحقائق المتصرمة الخارجية - كالزمان والحركة، بما أنها متصرمة ومتقضية الذات - أجزاء طولية قهرا، وتكون تلك الأجزاء بعضها متقدما على الآخر، لا بالتقدم العنواني، ولا بالتقدم الإضافي والاعتباري، بل هذا هو المعبر عنه ب‍ " واقع التقدم " فإنه لا يمكن إنكار ذلك وجدانا، فإن اليوم متقدم على الغد، لا بمفهوم " التقدم " حتى يلزم انخرام القاعدة العقلية: " وهي أن المتضايفين متكافئان قوة وفعلا " بل اليوم له التقدم الذاتي وبالذات على الغد، سواء لوحظ ذلك، أم لم يلحظ. هذا في نفس أجزاء المتدرج الذاتي. وأما الحوادث الواقعة في افق الأزمنة، فلها أيضا هذا النحو من التقدم والتأخر بالتبع، وتصير حينئذ الحوادث الواقعة في هذا الزمان مثلا متقدمة بواقع التقدم - لا بمفهومه الإضافي - على الحوادث الآتية. إذا تبين لك ذلك تقدر على حل المعضلة، لأن هذا المعنى الواقعي لا يكون موجودا بواقعيته التقدمية إلا إذا لحقه المتأخر، فإن جاءت الإجازة والأغسال الليلية، يكون العقد والصوم مقدما عليهما بواقع التقدم، وإلا فلا يكونان متقدمين بهذا المعنى من التقدم، من غير لزوم تأثير المعدوم المتأخر في الموجود المتقدم، بل هذا أمرحاصل من طبع الزمان والزماني، لما فيه من التصرم الذاتي الذي عرفت معناه " (1). أقول: لو كان التقدم والتأخر بالمعنى المزبور ذاتيين، يلزم كون الشئ الواحد ذا ذاتين متخالفتين، فإن اليوم ذاتيه التقدم على الغد، وذاتيه التأخر عن


1 - مناهج الوصول 1: 341 - 342، تهذيب الاصول 1: 213 - 215. (*)

[ 42 ]

الأمس، وقد صرح بهذا الذاتي مرارا. وكيف يمكن أن يقال: بأن الحادث في اليوم له التقدم الواقعي على الحادث في الغد، وليس له التقدم الواقعي على ما لم يحدث في الغد، ولا يحدث فيه ؟ ! مع أن التقدم لو كان ذاتيا فلاتفكيك. وبالجملة: عنوان " الذاتي " هنا اطلق على الذاتي في باب البرهان، وهو خارج المحمول، وإذا كان التقدم بواقع التقدم تقدما بالذات، فيعتبر منه هذا العنوان، سواء كان شئ، أو لم يكن. وإذا قطعنا النظر عن عنوان " الذات " و " العرض " ونظرنا إلى الواقعيات، فلا يكون هناك خارج المحمول وذاتي باب البرهان، ولا يحكم هنا إلا على شئ متقضي الذات، ومتصرم الوجود، ولايكون تقدم، ولا تأخر، بل هناك أمر عيني، وهو الزمان والحركة. وما ترى في الكتب العقلية: من التعبير ب‍ " واقع التقدم " اريد منه ما هو الأمر الخارجي المتصرم، وإلا فبمجرد توجيه اللحاظ إلى ما وراء التكوين من العناوين الاخر، يلزم ما لا يلتزم به الخبير البصير. ثم إن ما سلكه غير موافق للفقه، لأن الظاهر أن المتأخر دخيل في التأثير، لا أن العقد والصوم المتقدمين بواقع التقدم، تمام الموضوع للحكم بالصحة، فتدبر. وأما التمسك بذيل العرف، بأن هذه العناوين - ك‍ " التقدم، والتأخر، والتعقب " - من الانتزاعيات عن المتدرجات كالزمان، وعن الزمانيات بالتبع (1)، فهو لحل معضلة انخرام القاعدة العقلية: " وهي أن المتضايفين متكافئان قوة وفعلا " مما لا بأس به، ولكنه خلاف الظواهر من دخالة التأخر اعتبارا في النقل والصحة، ومن أن نفس الإجازة والأغسال الليلية شرط، لا العناوين الانتزاعية بالانتزاعات العرفية، حتى يسامح عقلا في ذلك. بقي شئ: وهو أن من الامور الاعتبارية بيد المعتبرين سعة وضيقا، وأن


1 - لاحظ مناهج الوصول 1: 343، تهذيب الاصول 1: 216. (*)

[ 43 ]

الملكية منها، وأن نسبة العقد إلى الملكية نسبة الموضوع إلى الحكم، ولا علية في البين، فلا منع من اعتبار الملكية عند تحقق عقد الفضولي إذا كان يتعقب بالإجازة، فلا إطلاق، ولا تقييد، بل هناك التزام بأمرين، أحدهما: حصول الملكية من الأول بموضوعية عقد الفضولي، ولكن إذا كان هذا متعقبا بالإجازة، فلا يقيد بالمفهوم الإضافي حتى يلزم الإشكال. وأنت خبير: بأن مثل هذا لا يورث انحلال الشبهة في الصوم، فإن الصوم الذي أراده المولى إذا كان صحيحا، فينتهي أمد الإرادة، وهذا أثر تكويني من الصحة الاعتبارية، فكيف يعقل تحقق الأمد، وانتهاء الإرادة قبل حصول الأغسال الدخيلة ؟ ! مع أن انقلاب عنوان الإضافة إلى القضية الشرطية، يستلزم عدم انخرام قاعدة " أن المتضايفين متكافئان " ولا يستلزم عدم انخرام قاعدة " أن المتأخر لا يعقل كونه دخيلا في صحة المتقدم " وهذا فيما نحن فيه معناه ذلك، لأن العقد المتقدم إن أثر أثره، ولا قيد له رأسا بنحو السالبة المحصلة، فلا وجه للزوم لحوق الإجازة. وإن كان هناك حالة انتظارية، فيلزم تدخل المتأخر في المتقدم. وهذا أشد إشكالا، وأصعب على المتأخرين من انخرام القاعدة الاولى. تنبيه: في توهم وقوع الشرط المتأخر وجوابه قد يتوهم أن الشرط المتأخر واقع، وذلك في مثل الحمامي والمستحم، فإن رضا الحمامي مشروط بأداء المستحم حين الخروج، فالرضا متقدم، والخروج متأخر. ولعمري، إن الضحك عليه أولى من انخراط هؤلاء في عداد الفضلاء. ومن العجيب خلط هذا الفاضل بين الكشف الحقيقي والانقلابي فتوهم أن إشكال

[ 44 ]

الشرط المتأخر ينحل ! ! فلاحظ وتأمل. التحقيق في الجواب عن شبهة الشرط المتأخر إذا أحطت خبرا وعلمت: أن هذه الوجوه كلها، لا تغني ولا تسمن من جوع، لاتشفي العليل، ولا تروي الغليل، فاعلم: أن الامور الإضافية والمتدرجات الزمانية والحوادث الكونية المتصرمة بذواتها - قضها وقضيضها - لها وجهتان، وإليها ينظر من مقامين، وبذلك يختلف أحكامها وآثارها العقلية والاعتبارية: فإن لاحظناها من افق الزمان، وكان اللاحظ زمانيا، من الحوادث المتقضية بذاتها الداخلة في أحكام المادة والمدة، فلا يجد العالم إلا حقيقة متصرمة زائلة وداثرة، تمام هويتها بين حالتي الوجود والعدم، وكل جزء منه محفوف بالعدمين، لا بقاء للمتقدم عند المتأخر، ولا للمتأخر عند المتقدم، وهذه هي الحركة القطعية التي هي اس الحركة. ولتلك الأجزاء والحوادث الزمانية صورة جمعية في النفوس البشرية، وبلحاظ تلك الصورة، يتوهم انقسام الزمان والحركة إلى الأجزاء، ويتخيل تقسيم المتدرج الذاتي إلى شيئين، كالأمس والغد، وإلى الشهر والأسبوع، والمتقدم والمتأخر وهكذا، من غير كون موضوع محمول المتقدم محفوظا عند موضوع مفهوم المتأخر حسب العين ولكنهما كالإمكان والوجوب لا خارجية لهما، بل الخارج ظرف الاتصاف. وإن لاحظنا أن من يلاحظ الأزمنة فارغ عنها، ومن يكون ناظرا إلى المتدرجات خارج عن افقها وحيطتها، وأنه على سطح آخر أعلى وأرفع، وفي وعاء أوسع وأبسط، بحيث تكون تلك المتدرجات الزمانية مجتمعات عنده، وهذه المتفرقات الكونية مطويات بيمينه، فلا يمكن الحكم بالتقدم والتأخر، بل الكل عنده

[ 45 ]

وبالقياس إليه، موجودات محصلة فعلية بوجود غير زماني. وأنت إذا كنت في بئر ناظر منها إلى من يعبر عليها، فتحكم من ذلك المكان بذهاب واحد، ومجئ آخر، مع أنك إذا كنت على سطح ترى الكل، لا تحكم بذلك قطعا، وليس هذا إلا لأن الأحكام تختلف بلحاظ أماكن الحاكم. وإذا نظرت إلى هذه المسجلات العصرية، تجد أن المتأخر موجود عندك فعلا، فإن الخطابة المحفوظة في الشرائط لها الأجزاء، بحيث إذا شرع في الإفادة يتقدم بعضها على بعض، مع أن الكل عندك مجتمع وحاضر. وبهذا القياس الباطل من جهات، والمقرب من جهة واحدة، وبهذا الشمعة سر في الآفاق العلوية، وفوق تلك الآفاق المجردة في الأزمنة المناسبة لها المعبر عنها ب‍ " الدهر " و " السرمد " فلاتجد هناك إلا أن الكل بصورة واحدة جمعية، كما أن الحركة الخارجية توجد بصورة واحدة. وإذا كان في نفسك هذا التدرج الذاتي موجودا جمعا، فالعالم المتدرج بجوهره يكون هكذا عند السميع البصير، فالصوم لا يكون متقدما، ولا العقد، بل هما مع الأغسال والإجازة عند المقنن الحقيقي ومشرع الإسلامي. وحيث إن الحاكم بالصحة في هذه الديانة المقدسة، ليس من الزمانيات والواقعيات تحت أحكام الطبائع، حتى يكون الأمر كما توهم، فلا يقاس بالحاكم الزماني، ومن الخلط بين القوانين العرفية التي حاكمها العرف والقوانين الشرعية التي حاكمها الشرع الحقيقي، وقعت هذه الالتباسات والاشتباهات، فالمتأخر ليس إلا مع المتقدم، فلا إعضال. وبهذا تحفظ الظواهر، وترتفع الشبهة، ولا نخرج عن حريم البحث، فافهم واغتنم جيدا. فالمحصول من ذلك: أن جميع المقدمات داخلة في محط النزاع في بحث المقدمة، كما أن إشكال الشرط المتأخر ينحل في الأحكام والوضعيات والمكلف به.

[ 46 ]

نعم، قد عرفت: أنه مع فعلية الحكم، لا يمكن القول بدخول المتأخر والمتقدم في محط البحث، للزوم الخلف، ومع الالتزام بصحة الصوم فعلا، لا يبقى وجوب ذي المقدمة، حتى يترشح منه إرادة إلى المقدمة المتأخرة (1). ولكن يمكن إدراجهما في المسألة، لما عرفت: أن أصل البحوث العلمية، يرجع إلى مقام لا تقدم ولا تأخر عنده، فلا مانع من ذلك عقلا أيضا. إن قلت: كيف ؟ ! ويلزم بناء عليه كون الواجب المشروط، واجبا تحصيل شرطه، وهو مما لا يلتزم به قطعا. قلت: نعم، إلا أنه لا نظير له في الفقه، ولا مثال له في الشريعة، ولا يلزم منه تحصيل شرط الواجب على الإطلاق، لأن الوجوب مشروط بما ليس موجودا في الزمان، لا بما هو الموجود في افق آخر حتى يلزم الانقلاب، فلا تخلط. وإن شئت قلت: الكلام بعد الفراغ عن مرحلة الإثبات، وهي دلالة الدليل على أن الحكم فعلي ومشروط بالمتقدم والمتأخر، أو المأمور به والحكم الوضعي فعلي ومشروط بالمتقدم والمتأخر، وأما لو دل الدليل على عدم فعلية الحكم فلا يلزم تحصيل الشرط، لعدم العلم بفعلية الحكم، كما هو الظاهر الواضح. فإلى الآن بحمد الله وله الشكر، تبين حدود ما هي الجهة المبحوث عنها في بحث مقدمة الواجب، واتضح أن فعلية الحكم وصحة المأمور به الفعلية، لا تنافي التقيد بالمتأخر، ولا يلزم منه خروج المتأخر عن حريم النزاع، وهكذا بالنسبة إلى المتقدم. ولو قيل: المعية في لحاظ الشرع الحقيقي، لا تستلزم بقاء الإرادة التشريعية بعد الإتيان بذي المقدمة، فعليه لا يبقى وجه لإرادة المقدمة بعد انتفاء تلك الإرادة. قلنا: هذا على رأي من يتوهم: أن الإرادة الثانية تترشح عن الاولى، وتتولد


1 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 36 - 38. (*)

[ 47 ]

منها (1)، لا على الرأي الحق: وهو أن الثانية كالاولى، في أن النفس يختار في إنشائها، وما هو الفرق بينهما لا يستلزم جبر النفس في جعلها وخلقها، وذلك أن الاولى من مبادئ الثانية، ولا عكس. وهذه المبدئية كمبدئية العلم والقدرة، لا كمبدئية العلة للمعلول، فلا تكن من الغافلين، واشكر واغتنم. إن قلت: الحل المزبور يستلزم كون الشرط هو الإجازة بوجودها الدهري، أو الأغسال الليلية بوجودها العلوي الجمعي، وهذا خلاف الظواهر الشرعية. قلت: كلا، فإن وجودها الزماني مطوي، ولا دليل إلا على أن العقد مشروط بالإجازة، وهو حاصل، وهكذا في صوم المستحاضة. ذنابة: في اندراج الموانع الوجودية في محط النزاع إلى الآن تبين حدود ما هو الداخل في محط النزاع في المقدمة بحمد الله وله الشكر، فهل يندرج تحته الموانع الوجودية، ضرورة أن الشئ يحتاج في تحققه إلى استجماع الشرائط والمقتضيات، ورفع الموانع والمضادات، أم لا ؟ الظاهر نعم، لأن الملاك واحد، والمناط فارد، ومجرد كون الملازمة هناك بين إرادتين، إحداهما: متعلقة بذي المقدمة، والاخرى: بالمقدمة، وهنا بين الإرادة المتعلقة بذي المقدمة، والإرادة المتعلقة بالزجر عن المانع، أو بإعدام المانع، لا يورث خللا، وعد مثل هذه الإرادة في الكتب المتعارفة (2) كراهة من السهو، وهو ناشئ من غفلة أرباب المعقول أيضا، حتى صدر المتألهين (رحمه الله) (3) فالأمر سهل.


1 - أجود التقريرات 1: 214، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 263 و 285. 2 - كفاية الاصول: 319 - 320، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 317، نهاية الأفكار 3: 67. 3 - الحكمة المتعالية 4: 113. (*)

[ 48 ]

نعم، بناء على ما سلكناه من امتناع المضادة والممانعة الوجودية في الامور الاعتبارية، وأنها ترجع إلى اعتبار الأعدام شرطا في المأمور به، وقيدا له (1)، لا يمكن إدراج مثلها في محط البحث، ومن تخيل إمكانه فلابد من إدراجها في محيط النزاع، كما هو الظاهر. الأمر السابع: في تقاسيم الوجوب وإنما عدلنا عن تعبير القوم وهو " تقسيمات الواجب " (2) لأن الجهة المبحوث عنها في المقام، ترجع إلى لزوم فهم أقسام الوجوب، لأن الكلام حول أن الوجوب المتعلق بشئ، يستلزم الوجوب الآخر، أو الإرادة المتعلقة بشئ تستتبع الإرادة الاخرى، أم لا، من غير النظر إلى فهم المراد والواجب. ومن هنا يظهر وجه النظر فيما صنعه العلامة النائيني (رحمه الله) من تخليط المباحث بتوهم: أن البحث في مقدمة الواجب، لا يستدعي البحث عن أقسام الواجب (3)، مع أن الضرورة قاضية بأن فهم أقسام الوجوب لازم، حتى يعلم أي قسم منها يستدعي وجوب المقدمة. وبالجملة: هي كثيرة:


1 - تقدم في الجزء الأول: 203، ويأتي في هذا الجزء: 506 وفي الجزء الثامن: 56 - 57. 2 - كفاية الاصول: 121، مناهج الوصول 1: 347، نهاية الاصول: 168. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 169 - 170. (*)

[ 49 ]

التقسيم الأول الوجوب المطلق، والوجوب المشروط وقد عرف " الإطلاق " و " الاشتراط " بتعاريف شتى (1) لا يهمنا الخوض فيها، والبحث عن تلك الرسوم، مع قصور الكل، وقلة الجدوى. والذي لا بأس بالإيماء إليه: هو أن " المطلق " تارة: يطلق ويراد منه المطلق على الإطلاق، كما في أقسام الماهيات، فالماهية المطلقة هي التي تكون كافة القيود خارجة عن ذاتها، حتى قيد الإطلاق. وهذا هو المراد في بحث المطلق والمقيد عندنا. واختار جمع أن المطلق في تلك المسألة جمع القيود، لا رفضها (2). واخرى: يطلق ويرسل ويراد منه المطلق الحيثي والإضافي، أي أنه بلحاظ شئ مقيد، وبلحاظ آخر مطلق، ولايكون مقيدا. وهذا أيضا يراد منه في تلك المسألة، وهو المراد هنا. فالوجوب المطلق معناه: أنه بالقياس إلى شئ مطلق، ومقابله المشروط:


1 - مطارح الأنظار: 43 / السطر 2 - 5، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 304 / السطر 10 - 16. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 564، درر الفوائد، المحقق الحائري: 234. (*)

[ 50 ]

وهو أنه بالقياس إلى ذلك الشئ المفروض مشروط، وإن كانا ينعكسان بالقياس إلى شئ ثالث. وأما المشروط هنا، فهو المقيد في تلك المسألة بعينه، ولكن لما كان عند المشهور يرجع القيد في هذه المسألة إلى الوجوب (1)، عبر عنه ب‍ " المشروط " أخذا عن القضية الشرطية المستعملة في العلوم الأدبية وفي الميزان. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المشهور إلى عصر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) كانوا على تصحيح هذا التقسيم (2)، وهو المعروف عن العامة أيضا (3)، ولكنه (قدس سره) استشكل عليهم: بأن هذا غير موافق للعقل والدليل اللبي، وإن كان مقتضى القواعد الأدبية رجوع الشرط والقيد إلى الهيئة، إلا أن العدول عنها واجب بحكم العقل (4). فالبحث في هذه المسألة يقع في جهات: الجهة الاولى مقتضى القواعد الأدبية حول القضية الشرطية ومحتملات المسألة لاشبهة أنه في القضايا الإخبارية، تكون القيود راجعة إلى مفاد هيئة الجملة، فقولنا: " زيد كاتب في السوق " تكون فيه احتمالات ثلاثة: أحدها: أن زيدا الموجود في السوق كاتب، فيكون القيد راجعا إلى عقد الوضع.


1 - نهاية الاصول: 169. 2 - قوانين الاصول 1: 100 / السطر 4، هداية المسترشدين: 192 / السطر 21، الفصول الغروية: 79 / السطر 21، لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 329. 3 - لاحظ مطارح الأنظار: 43 / السطر 4. 4 - مطارح الأنظار: 45 - 46. (*)

[ 51 ]

وثانيها: أن زيدا ثابتة له الكتابة الموجودة في السوق، فيكون القيد راجعا إلى عقد الحمل. وثالثها: أن زيدا ثابتة له في السوق الكتابة، فيكون راجعا إلى مفاد الجملة والهيئة، وهذا هو الظاهر المقطوع به في كلماتهم. وأما في القضايا الإنشائية مثل قولنا: " إن جاءك زيد أكرمه " فهل هي تفيد الملازمة بين العقدين والمقدم والتالي، فلا يكون تقييد في البين، لا تقييد المادة، ولا تقييد الهيئة ؟ كما في قولنا: " إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود " فإن الحكم على موجودية النهار، ليس مقيدا - مادة وهيئة - بطلوع الشمس، ولا يعقل ذلك، بل هو لإفادة الملازمة بين الجزاء والشرط وإثبات العلية، أو أنهما معلولا علة ثالثة. وأما ما قد يتوهم: من أن المادة مشروطة، وهو وجود النهار بالشمس، كما في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) (1) فهو غفلة عن حقيقة الشرط، فإن المعلول ليس مشروطا بالعلة حقيقة، ولا مجازا. وإطلاق " العلة التامة " على المقدم بالنسبة إلى الجزاء والتالي في بحث المفاهيم، من التوسعة، ضرورة أن الوجوب معلول الإيجاب والبعث الصادر من المولى، كما لا يخفى. فبالجملة: القضية الشرطية الإخبارية، ليس معناها أن المقدم شرط اصطلاحي بالنسبة إلى التالي، وهو كونه قيدا له مادة أو هيئة، بل ربما سيقت لإفادة الأمر الآخر، فتدبر. ومن هذا القبيل القضايا الحقيقية المنحلة إلى قضية شرطية، مثل قولنا: " كل نار حارة " فإنه يرجع بحسب الثبوت إلى قولنا: " كل شئ صدق عليه: أنه نار، صدق عليه: أنه حار " من غير تقييد في المادة والحكم، بل الحكم فعلي ولذلك


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 182. (*)

[ 52 ]

تكون القضايا الحقيقية من القضايا البتية، لا الفرضية والتقديرية، فلا تخلط. هذا أحد الاحتمالات في القضايا الإنشائية. ثانيها: كونها كالقضايا الاتفاقية، مثل قولك: " إذا كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق " فلاربط بين الشرط والجزاء، فتأمل جدا. ثالثها: وهو مختار المشهور: أن الشرط راجع إلى مفاد الهيئة في الجزاء (1)، أي أن إكرام زيد واجب إن جاءك، أو مفاد المحمول إذا كان يؤدي المعنى الحرفي بقالب اسمي، كما في المثال المزبور، فتكون القضية معلقة. رابعها: وهو مختار الشيخ الأنصاري (قدس سره) ومن تبعه (2): وهو أن القيد راجع إلى المادة، ويصير معناها: أن الإكرام المتقيد بمجئ زيد واجب، كما يقال الصلاة المتقيدة بالستر والاستقبال واجبة. وربما قيل: إن الشيخ ما كان بصدد إرجاع القيد إلى المادة، بل كان في مقام إثبات امتناع رجوعه إلى الهيئة ومفادها، وإن ما نسب إليه في تقريرات جدي العلامة (قدس سره) اشتباه (3). ولكنه في غير محله بعد إقامة البرهان اللبي على المسألة، كما يأتي (4). خامسها: وهو مختار العلامة النائيني (رحمه الله): وهو أن الشرط يرجع إلى عنوان الموضوع، فيكون إكرام زيد الجائي واجبا، والحج على المستطيع واجبا، وهكذا (5). ثم إن المحتمل إرجاع الشرط إلى كل واحد من المعنى الحرفي، والمتعلق


1 - تقدم في الصفحة 50. 2 - نفس المصدر. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 181. 4 - يأتي في الصفحة 64 - 70. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 182. (*)

[ 53 ]

الذي هي المادة، ومتعلق المتعلق الذي هو الموضوع، أو إلى اثنين منها، فبالضرب تصير الأقسام كثيرة، ولكن بعضها يستحيل، وبعضها مما لا يكاد أن ينظر فيه. وأما ما أطال في المقام العلامة النائيني (رحمه الله): من رجوع الشرط إلى المعنى الإفرادي، أو التركيبي، أو الإنشاء، أو المنشأ، أو غير ذلك (1)، فلا يرجع إلى محصل بعد ملاحظة ما في الهامش، والأقسام المتصورة لا تكون خارجة عما حررناه وأبدعناه. كما أن ما ذكره من التوالي الفاسدة على بعض الاحتمالات، لا يخلو من غرابة. تنبيه: في التفصيل بين القضايا الإنشائية والإخبارية إذا قلنا: بأن " الشرط " هنا أعم من الشرط الاصطلاحي، فيشمل وجود العلة بالنسبة إلى وجود المعلول، يصح أن يفصل في القضايا فيقال: إن الشرط في القضايا الإخبارية والحملية، راجع إلى المادة، وفي القضايا الإنشائية إلى الهيئة، أو المادة، على الخلاف الماضي (2)، ففي قوله تعالى: * (ثم إذا شاء أنشره) * (3) يكون النشر مشروطا بالمشية، وفي قوله تعالى: * (إن جائكم فاسق) * (4) يكون وجوب التبين مشروطا. وأما توهم: أن ما هو المشروط هو التبين الواجب، فهو لا يخلو من سخافة، للزوم التناقض، لظهور القيد في الفعلية، كما لا يخفى.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 179 - 180. 2 - تقدم في الصفحة 50. 3 - عبس (80): 22. 4 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 54 ]

إيقاظ: في اختلاف أداة الشرط أداة الشرط حسب القواعد الأدبية مختلفة: فمنها: ما يستعمل مع علم المتكلم بتحقق المقدم، مثل " إذ " و " إذا ". ومنها: ما يستعمل حال جهل المتكلم بالتحقق، مثل " إن ". ومنها: ما يستعمل حال علم المتكلم بامتناع المقدم لامتناع التالي، أو بالعكس، مثل " لو " ولعل كلمة " كلما " أيضا - حسب ما يتراءى من الكتاب العزيز - تكون مثل كلمة " لو " الشرطية. فعليه يمكن التفصيل بين المواقف في احتمالات المسألة، فإذا استعملت كلمة " إذا " فالشرط راجع إلى المادة، وإذا استعملت كلمة " لو " فلا يعقل رجوع الشرط إلى المادة، لامتناع الطلب الفعلي والمطلوب ممتنع واقعا، أو في علم المتكلم، فلاتذهل. الجهة الثانية حول آثار ولوازم هذه الاحتمالات فنقول: إن كان مفاد القضية ثبوت الملازمة بين الشرط والجزاء، ويكون الجزاء معلول الشرط، فلا يثبت المعلول قبل العلة، ولا يعقل - بناء عليه - اقتضاء للوجوب قبل تحقق المجئ، ولا يثبت له الداعوية والباعثية نحو شئ، لأن ذلك ليس إلا مجرد الإنشاء ومحض الصورة. وإن كانت الملازمة بين المقدم والتالي بنحو الملازمة الثابتة بين المعلولين لعلة واحدة، فالأمر كما تحرر، وذلك لأن قبل المجئ لا يعلم ثبوت الحكم،

[ 55 ]

وبالمجي يكشف العلة، وبها يكشف المعلول الآخر. وإن كان الشرط يرجع إلى الهيئة والمفاد التركيبي، كما في القضايا الإخبارية، ويكون وسطا لإثبات الوجوب على المادة، وعلة أو جزء العلة لباعثية الهيئة نحو المادة المطلوبة بها، فالأمر كما تحرر، لعدم فعلية للحكم قبل ذلك، والحكم الإنشائي حكم مجازي، لا واقعي. وما قد يتوهم من أن المفاد التركيبي غير مفاد الهيئة، كما في تقريرات الفاضل المزبور (1)، لا يخلو من تأسف. وإن كان الشرط يرجع إلى المتعلق والمادة، فيكون الهيئة مطلقة، أي يجب الإكرام المقيد، أي أوجد الإكرام عند المجئ، فحينئذ لابد من إيجاد المجئ حتى يوجد الإكرام عنده، لأنه من قبيل قيود المتعلق، كالستر، والاستقبال، والطهارة، مما يجب في الصلاة، لأن الهيئة مطلقة. وتوهم مفروضية وجود القيد، كمفروضية وجود الموضوع (2)، في غير محله، لأن مفروضية وجود القيد يرجع إلى الاحتمال الخامس. وأما عدم وجوب إيجاد الموضوع عند هذا، فذلك لأنه أمر مفروغ خروجه عن تحت القدرة، ويكون فوق دائرة الطلب، وإلا فقضية القواعد هو أيضا ذلك، فإذا قال المولى: " صل في المسجد " وكانت الهيئة مطلقة، فالواجب تحصيل المسجد ولو بالبناء، كما يقال في الطواف بالبيت. والعجب من الميرزا النائيني (قدس سره) (3) وغيره ممن سلك مسلكه (4)، حيث توهم عدم اختلاف الآثار حسب اختلاف مرجع الشرط ! !


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 180 - 181. 2 - نفس المصدر. 3 - أجود التقريرات 1: 129 - 130، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 179 - 182. 4 - منتهى الاصول 1: 165. (*)

[ 56 ]

وإن قلنا: بأن مرجع الشرط هو الموضوع، فيكون الإكرام المطلق واجبا على الإطلاق لزيد الجائي، فإنه من قبيل ما مر في عدم الاقتضاء للهيئة قبل تحقق موضوعه. ولكن الحكم ليس مشروطا بناء على هذا، بل الحكم فعلي، لفعلية القضايا البتية والحقيقية. نعم، إذا علم بتحقق الشرط في المستقبل، فلابد من المحافظة على مقدماته المفوتة. وغير خفي: أن الحكم والموضوع ليسا من قبيل العلل والمعاليل، بل الحكم معلول النفس، واعتبرت الملازمة، أو يكون تشخص الحكم بالموضوع، فيتقدم الموضوع عليه تقدما بالطبع، ولايكون الحكم مشروطا بوجود الموضوع شرطية تستلزم انشائية الحكم، بل هذه الشرطية لا تنافي الفعلية في الوجود، لأنها شرطية فرضية، لا واقعية، كما يقال: " كلما كان المعلول موجودا فالعلة موجودة " وهذا لا يورث استناد العلة إلى المعلول، ولا اشتراطها به وجودا، كما لا يخفى. الجهة الثالثة حول مقتضى القاعدة وما يمكن أن يكون سببا لرفع اليد عنها فالمعروف بينهم: أن قضية الفهم العرفي في القضية الشرطية، رجوع الشرط والقيد إلى الهيئة ومفاد الجملة الناقصة والمعنى التركيبي. والذي هو الحق: أن هذا ليس ظهورا مستندا إلى الوضع، بل القضايا تختلف في الظهور، وذلك لاختلاف الأداة، وعدم ثبوت الوضع لها على نحو معين، فتكون القضايا بحسب الهيئة التركيبية والمواد المستعملة فيها، مختلفة ظهورا، ولا يمكن أخذ القاعدة الكلية والمقياس الواحد، كما عرفت في الجهة الاولى اختلاف القضايا الشرطية، واختلاف موادها في مختلف الفنون والعلوم.

[ 57 ]

نعم، لا يبعد دعوى ظهورها في القضايا المستعملة في القوانين الاعتبارية الشرعية وغير الشرعية، في إفادة مدخلية المقدم في مفاد الجملة الناقصة المركبة، ويكون شرطا للهيئة إفادة، كما عليه كافة أرباب العقول. نعم، هنا شبهات ربما حدت إلى اختيار خلاف ذلك، من رجوعه إلى المادة، أو الموضوع، حسب اختلاف الجهات الاخر التي بها يستقر ظهورها في إحدى الأخيرتين، فلابد من صرف النظر إلى تلك الشبهات ومقتضاها: الاولى: أن تقييد الهيئة غير ممكن، ضرورة أن معاني الهيئات جزئية، والمعاني الجزئية غير قابلة للتقييد، لأن التقييد يستلزم التقسيم، وتقسيم الأمر الجزئي غير ممكن بالضرورة. وفيه: أن جزئية المعاني الحرفية محل الخلاف، والذي هو الحق: أنها في مقام الوضع كلية، وفي مقام الاستعمال جزئية من غير لزوم المجاز، على ما مر تفصيله وتحقيقه (1). ولكن كبرى امتناع تقييد الجزئي ممنوعة، لأن الأشخاص الخارجية قابلة للتقييد بحسب الحالات. هذا ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (2). ولكنه غير مرضي، لأن الهيئة المستعملة في البعث بالحمل الشائع، إذا لم تكن قابلة للبعث الفعلي، وتامة للباعثية من قبل الوضع، لا من قبل الشرائط المعتبرة في المكلفين للانبعاث، فلا تكون مستعملة حقيقة في المعنى الموضوع له، حتى يكون مفادها الجزئي غير القابل للتقييد، بل هي لا تكون مستعملة في البعث بالحمل الشائع إلا بعد تحقق الشرط، فقبل التحقق لا يتحقق المعنى الجزئي.


1 - تقدم في الجزء الأول: 101. 2 - مناهج الوصول 1: 352، تهذيب الاصول 1: 224. (*)

[ 58 ]

وبعبارة اخرى: الهيئة موضوعة للبعث بالحمل الشائع، وهذا لا يكون إلا عند فعلية التكليف، ولا يجامع التكليف المشروط، فإذا كان مفادها مشروطا، فيلزم أن يكون حين الاستعمال مجازيا، أو لا يكون هذا استعمالا، بل هو أمر إعدادي لحصول شرائط الاستعمال، وهو بعد تحقق الشرط، فيصير بعد ذلك جزئيا، فلا يكون في البين قبل تحقق الشرط معنى جزئي، حتى يقيد أولا بقيد. نعم، هو باعث بالقوة، ويصير باعثا بالفعل، وكما أن باعثيته بالاعتبار، كذلك كونها باعثة بالقوة وبالفعل. فعليه تحصل: أن ما تخيله العلامة الأراكي (قدس سره): من أنها باعثة بالفعل على التقدير (1)، غير تام. كما أن ما أفاده الآخرون: من إمكان تقييد الجزئي (2)، أو أن الموضوع له كلي، وهكذا المستعمل فيه، ولكن الخصوصية والجزئية جاءت من قبل الاستعمال، كما هو مختار " الكفاية " (3) غير تام وباطل، بل الهيئة تكون ملقاة، وليست مستعملة في معناها، وهو البعث نحو المادة بعثا فعليا، ويصير بعد حصول الشرط باعثا نحو المطلوب. والمراد من " الفعلية " ليس كونها مستتبعة للانبعاث، فلا تخلط. ولايكون الاستعمال كما مر إلا الاستيفاء من علق الوضع (4)، سواء كان حين الإلقاء، أو بعد الإلقاء، كما في مواضع الاستخدام، بناء على أن لا يكون مرجع الضمير مستعملا في الأكثر من معنى واحد. فإذا ورد: " إن جاءك زيد فأكرمه " يكون الشرط وسطا بين باعثية الهيئة،


1 - نهاية الأفكار 1: 295 - 298. 2 - مناهج الوصول 1: 352، تهذيب الاصول 1: 224. 3 - كفاية الاصول: 122 - 123. 4 - تقدم في الجزء الأول: 295. (*)

[ 59 ]

ومانعا عن تحقق الاستعمال الحقيقي في الاعتبار، وإذا تحقق الشرط يرتفع المنع والمحذور، ويصير المعنى التعليقي فعليا، بمعنى أن الهيئة تصير باعثة، ويكون بعد ذلك استعمال حقيقي في المعنى الموضوع له. ومن هذا القبيل البيع المعلق على مجئ زيد، أو على مجئ الجمعة، فإنه بعد تحقق ألفاظ البيع، لا يكون إلا مجرد الإلقاء، ولا يستعمل الهيئات في معانيها، بل المتكلم وظيفته الإلقاء، وأما حصول المعاني الموضوع لها، فهو خارج عن اختيار المتكلم، وتابع لنحو الاستعمال والإلقاء، فإذا تحقق المجئ ويوم الجمعة، يحصل المسبب والمعنى المقصود، لأن الشرط والقيد كان في الاعتبار مانعا عن حصول تلك المعاني، وعن تحقق الاستعمال الحقيقي، فلايتوهم أنه بعد ذلك يحتاج إلى إعادة الإيجاب، أو إعادة الأمر فيما نحن فيه، بل الإلقاء مقدمة حصول الاستعمال، وهو الاستيفاء من علق الوضع، فليتدبر، واغتنم. الثانية: أن معاني الهيئات جزئية، والمعاني الجزئية آبية عن التعليق، بل أمرها دائر بين الوجود والعدم، فإذا تحققت القضية الشرطية، فقد تحقق المعنى الجزئي وهو البعث، فلابد من رجوع القيد إلى المادة، أو الموضوع (1). وقد اجيب: بأن الخلط بين التكوين والتشريع والاعتبار، أوقع الاشتباهات الكثيرة في النفوس العالية، ومنها هي، لأن الإيجاد الحاصل بآلة الهيئة، اعتباري قابل للتعليق، ويكون هذا المعنى الحاصل المعلق في قبال العدم المطلق (2). وهذا في حد نفسه حق صرف لا غبار عليه، إلا أنه فيما نحن فيه يمكن أن يقال كما عرفت: بأن المعنى الجزئي أمره دائر بين الوجود والعدم، ولا يعتبر فيه


1 - أجود التقريرات 1: 131، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 181. 2 - مناهج الوصول 1: 353، تهذيب الاصول 1: 224. (*)

[ 60 ]

التعليق، ولكن ذلك لا يستلزم فعلية الهيئة مفادا، بل الهيئة لأجل وجود الشرط لها الحالة الانتظارية حتى تكون مفيدة، والمتكلم بعد الإتيان بالشرط أحدث مانعا عن إفادتها المعنى الموضوع له، فإذا ارتفع المانع وتحقق الشرط، يكون ظرف الاستعمال الواقعي موجودا، فلا تخلط. وأما ما قد يتوهم: من أن الاستعمال الإيجادي من الأكاذيب الممتنعة، فالهيئات مستعملات في المعاني المعتبرة ذهنا، وتورث تضييق المعاني الاسمية (1)، فقد سلف ما يتعلق به مرارا (2)، ولا نعيده حذر الإطالة. الثالثة: أن المعاني الحرفية لا يعقل تقييدها، للزوم الجمع بين المتنافيين، ضرورة أن التقييد يستلزم اللحاظ الاسمي (3). ولو قيل: إن التقييد بلحاظ ثان بعد اللحاظ الأول، بل جميع التقييدات باللحاظ الآخر، وما هو الممنوع هو الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في آن واحد (4). قلنا: ليس الإشكال ذلك حتى يتوجه إليه ما اشير إليه، بل الإشكال أن حرفية المعاني الحرفية واقعية، ولا تختلف باختلاف الأنظار ولو كانت متأخرة أو متقدمة، والمعنى الحرفي - بالحمل الشائع - لا يعقل أن ينظر إليه حتى يقيد، والتقييد يحتاج إلى اللحاظ بالضرورة، فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (5) هنا، غير وجيه، وهكذا ما أفاده بعض آخر (6). وبعبارة اخرى: التقييد متوقف على أن يكون القابل له منظورا إليه، ومنظورا فيه، فلو كان المعنى الحرفي منسلخا عن حرفيته بالنظر فيه، فلا يكون المقيد -


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 79. 2 - تقدم في الجزء الأول: 94 - 98 و 126 - 128. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 181. 4 و 5 - مناهج الوصول 1: 351، تهذيب الاصول 1: 223. 6 - مقالات الاصول 1: 321، محاضرات في اصول الفقه 2: 321. (*)

[ 61 ]

بحسب اللب - مفاد الهيئة، لأنه حرفي، وذلك المقيد اسمي. وإن بقي على حرفيته، فلا يقبل التقيد، لأنه متوقف على كون المنظور فيه اسما، وهذا غير الإشكال الأول. وأنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما تلوناه عليك آنفا: وهو أنه فيما نحن فيه لا يحصل تقييد بعد الإطلاق، بل هنا خلق المعنى المضيق، وهذا المعنى المضيق في المعاني الاسمية: هو أن يكون المعاني المقصودة محكية بالقوالب والألفاظ، وفي المعاني الاسمية المقيدة بالمعاني الحرفية في عالم التصور والذهن: هو أن تنشأ في نشأة الاعتبار تلك الاعتبارات التصورية والتخيلية، فعليه لا يكون المعنى الحرفي قبل تحقق الشرط موجودا، حتى يقيد بالشرط، فإذا تحقق الشرط يتحقق المعنى الحرفي، وهو البعث إلى الإكرام، فلا تقييد، بل هو قبل تحقق الشرط ممنوع عن العمل والبعث، كما اشير إليه مرارا (1). وأما توهم: أن إنكار تقييد الهيئة إنكار للوجوب المشروط، وتثبيت لهذه الشبهات، فهو فاسد جدا، لأن منكر الوجوب المشروط، يثبت فعلية الوجوب بمجرد إيقاع المتكلم تلك القضية المشروطة، ولكنهم بين من يقول بالفعلية المطلقة، وبين من يقول بالفعلية على تقدير، والفعلية المطلقة تناقض المقصود، وهو عدم قصد الباعثية من الهيئة قبل الشرط، والفعلية التقديرية تناقض صدرا وذيلا. وأما نحن فنقول: بعدم فعلية التكليف بعد الإلقاء والإيقاع، من غير تقييد لمفاد الهيئة، فإنك إذا فرضت أن المخاطب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الموجودة فيه جميع شرائط الانبعاث، وخوطب بقوله: " إن جاءك زيد فأكرمه " فإنه لا ينبعث بمجرد استماع هذه القضية، فلو كانت الهيئة مستعملة في معناها الموضوع له - وهو البعث الاعتباري بالحمل الشائع - كان الانبعاث مسلما، لاجتماع سائر الشرائط المعتبرة


1 - خصوصا ما تقدم في الصفحة 57. (*)

[ 62 ]

في المكلف. فلابد إما من القول بأن الموضوع له معنى كلي حتى بعد الاستعمال أو يقال بفعلية البعث والتكليف. والأول خلاف حرفية المعنى، والثاني خلاف المقصود من القضية. وأما الثالث - وهو كونه قيد الموضوع - فخلاف ظاهر القضايا الشرطية. وما ذهب إليه العلامة النائيني (قدس سره) من إطالة البحث هنا حول القضايا الحقيقية والخارجية (1) - مضافا إلى أنه لم يصل إلى حقيقة تلك القضيتين توهم أن القضية الشرطية من القضايا الحقيقية، أو القضية الحقيقية من الشرطيات اللزومية، وكلاهما غلط واضح. فيتعين الرابع، وهو توقف الاستعمال على تحقق الشرط، وليس الاستعمال إلا الاستيفاء المقصود من علق الوضع والعلاقة الموجودة بين سلسلة الألفاظ وقافلة المعاني، وذلك الاستيفاء قد يكون حين الإلقاء، كما في نوع الموارد، واخرى: يكون بعد الإلقاء، كما فيما نحن فيه، فليتدبر جيدا. ثم إن هنا شبهة اخرى وهي الرابعة، واشير إليها في أثناء البحث: وهي أن الاستعمال مبني على الغفلة عن خصوصياته، والتقييد مبني على الالتفات، فيلزم الجمع بين المعنى الآلي والاستقلالي (2). وفيه: أن ذلك لا يختص بما نحن فيه. والحل أن التقييد بلحاظ ثان. مع أن المعاني قبل الاستعمال، تصير مرتبة في النفس، ثم يستعمل المستعمل فيها الكلمات الموضوعة لها، فلا تقييد، بل هو من خلق المضيق من الأول كما عرفت. الخامسة: أن المقيد والمشروط هو الوجوب، والوجوب ليس داخلا في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 170 - 178. 2 - تقدم في الصفحة 60. (*)

[ 63 ]

حدود معاني الهيئة، وهكذا في ناحية النهي، فإن المشروط هي الحرمة، وهي خارجة عن مفاد النواهي لغة ووضعا، حسبما يؤدي إليه نظر المدققين (1)، كما عرفت في محله (2)، ويأتي في النواهي (3). بل الوجوب والحرمة من الاعتبارات المتأخرة عن الاستعمال، ومن الانتزاعيات الحاصلة من البعث والزجر، فكما أنا إذا راجعنا البعث بالإشارة والتحريك الخارجي، وراجعنا الزجر بالإشارة الخارجية والمنع اليدوي، لانجد هناك وجوبا ولا تحريما، بل الإشارة التكوينية كاشفة عقلا وعرفا عن الإرادة اللزومية، المورثة لاعتبار الوجوب أو الحرمة، كذلك الأمر في الهيئات القائمة مقامها في الاعتبار، وكما أنه لا تحريك خارجي في الوجوب المشروط، ولا في الحرمة المشروطة، فكذلك لاتحريك اعتباري في المشروط منهما أيضا. فإذا فرضنا أن الهيئة موضوعة، وقائمة مقام ذلك المعنى في الاعتبار، فلا يكون موجبا لحصول معنى الوجوب والحرمة حتى يصيرا مشروطين، فتلك الهيئة معلقة بحسب الاستعمال، لا أن مفادها معلق على الشرط المذكور في القضية، حتى يقال: بأنه مستعمل في معناها، فإنه لو كان مستعملا في معناها، فلابد من اعتبار الوجوب قهرا، ومن اعتبار التحريك الخارجي مقامه طبعا. وهذا هو غاية مقصودنا في بيان الوجوب المشروط، مع إنكار رجوع القيد إلى مفاد الهيئة، فلو كان جميع الشبهات التي أفادها الأعلام (رحمهم الله) لرجوع القيد إلى الهيئة تامة، ما كان يلزم منه الالتزام برجوع القيد إلى المادة. ولعل لذلك قيل: " إن الشيخ الأعظم الأنصاري ما كان بصدد إثبات إرجاع


1 - أجود التقريرات 1: 95 - 96، مقالات الاصول 1: 222. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 82 - 96. 3 - يأتي في الجزء الرابع: 95. (*)

[ 64 ]

القيد إلى المادة، بل كان بصدد إثبات امتناع رجوع القيد إلى الهيئة " (1). ولكنك عرفت: أنه ليس ممتنعا على مسلك كلية المعنى الحرفي (2). بل لو سلمنا جواز تقييد المعنى الشخصي - كما في الجزئيات الخارجية - لا نسلم الأمر هنا، لما عرفت من الخلف في المعنى المفروض للهيئة (3)، فافهم واغتنم جدا. السادسة: وهو البرهان اللبي الذي قررناه في المقام في رجوع القيد بحسب الثبوت والتصور إلى المادة، أو إلى متعلق المادة والموضوع، ولايكون على أي تقدير راجعا إلى الهيئة، وذلك لأنه إذا راجعنا وجداننا في المثال المزبور، فإما نجد أنفسنا طالبين الإكرام على الإطلاق، بحيث يجب تحصيل وصف المجئ حتى يتحقق الإكرام، فلابد من الالتزام بأن المطلوب هي المادة المقيدة على الإطلاق، كما فيما إذا تعلق الغرض باستقبال العالم على الإطلاق، واتفق أن العالم دخل المدينة ليلا فإنه لابد من إخراجه عنها أولا، ثم استقباله. وإما نجد أنفسنا طالبين لإكرام زيد إذا تحقق المجئ، فما هو المطلوب في أنفسنا فعلا هو إكرامه عند المجئ، وهذا الطلب موجود في النفس بالفعل، نظير الوجوب المعلق في الواجبات المعلقة حسب القيود غير الاختيارية كالأوقات، فلا تكون النفس غير شاغلة لشئ إذا كانت تدرك لزوم الإكرام عند المجئ، وهذا يجتمع مع كون المجئ مبغوضا له أيضا، فالطلب النفساني لا يكون مشروطا، ولا قابلا لأن يكون مشروطا، لأنه أمر تكويني. ثم إن القيود الاختيارية خالية من الشبهة، والقيود غير الاختيارية المعلوم تحققها كالأوقات أيضا خارجة عن الإشكال، وإنما الإشكال في القيود غير


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 181. 2 - تقدم في الصفحة 57. 3 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 57. (*)

[ 65 ]

الاختيارية غير المعلوم تحققها، أو المعلوم عدم تحققها، كقول الطبيب: " إذا مرضت فاشرب المسهل " بعد العلم بأن المطلوب ليس إيجاد المرض حتى يتحقق الشرب. فإنه في الصورة الاولى تكون المادة مطلوبة، وهي الإكرام عند المجئ على أن يكون القضية حينية، ولا تقييد في الهيئة. وهذا الطلب موجود في النفس، وإذا سئل المولى عنه فلا يجيب إلا بأنه يطلب ذلك، ويكون ذلك مطلوبه حين مجئ زيد. وهكذا في الصورة الثانية، فإنه قبل الوقت يريد الصلاة في الوقت، ويطلبها طلبا فعليا، لأمر متأخر، بناء على إمكان الوجوب المعلق. وأما في الصورة الثالثة، فهل نجد في نفس الطبيب طلبا فعليا للشرب عند المرض من غير كونه آمرا بتحصيل المرض، بل ذلك مبغوضه، أو لا يكون ذلك، للعلم بعدم تحققه في الخارج ؟ والذي هو الظاهر وجود الطلب أيضا في الخفايا، ولا يتمكن من إنكار ذلك إذا فحصنا في زوايا قلبه، ولا يشترط العلم أو الشك في تحقق الشرط، كما تخيلناه سابقا، بل هذا ممكن حتى مع العلم بالامتناع، لأن ما في نفسه هو الطلب المتعلق بالعنوان، لا بالمعنون. فأين الوجوب المشروط وكون الطلب مشروطا ؟ ! بل في الكل يكون مفاد الهيئة مطلقا. ومن العجيب ما توهمه العلمان السيدان البروجردي والخميني - عفي عنهما -: من أن في مثل قوله: " إذا قدرت على الإنقاذ فأنقذ " لا يكون الشرط - بحسب الثبوت - راجعا إلا إلى الهيئة، وفي مثل: " إذا مرضت فاشرب المسهل " يمتنع كونه راجعا إلى غير الهيئة (1). مع أن ما في نفس المولى أمران، أحدهما: الحب، والآخر: هو الطلب: أما الحب، فيتعلق بإنقاذه على الإطلاق.


1 - نهاية الاصول: 173 - 175، مناهج الوصول 1: 348 - 349. (*)

[ 66 ]

وأما الطلب، فيتعلق بالإنقاذ عند القدرة، فهو طالبه عند القدرة، ولو سئل عنه فلا يكون الجواب إلا " نعم ". وهكذا في المثال الثاني، فإنه وإن كان يبغض المرض، ولكنه طالب - حسبما في نفسه من القواعد - لشرب المسهل عند المرض طلبا فعليا، فلا محيص على هذا من الالتزام بأن الطلب لا يكون مقيدا، وهذا يتم وجدانا وبرهانا. ومما ذكرناه يظهر الوجه في الأمثلة الاخرى الواردة في الشريعة في الكفارات، فإن قوله: " إن ظاهرت فأعتق رقبة " وقوله: " إن أصبت الصيد في الحرم فعليك كذا " يرجع بحسب اللب إلى طلب الكفارة عند العصيان، وهذا طلب فعلي وإن كان أصل تحصيل القيد مبغوضا. ومن هذا القبيل إيجاب التوبة عند العصيان. وليس معنى عدم رجوع القيد إلى الهيئة، كون الطلب منجزا، بل القيد الراجع إلى غير الهيئة بين ما يستلزم كون الطلب منجزا، وبين ما يستلزم كون الطلب معلقا. والذي يظهر من العلمين - عفي عنهما - أنهما كأنما ظنا أن مراجعة القيد إلى غير الهيئة، يستلزم الطلب الفعلي الباعث نحو المادة المقيدة، ويأمر بتحصيل القيد. كلا، بل الأمر ليس إلا ما شرحناه. وبعبارة اخرى: الأمر بحسب الثبوت واللب دائر بين القضيتين: القضية المقيدة، والقضية الحينية، فالقضية المقيدة متكفلة لإيجاب الطبيعة المقيدة على الإطلاق، كما في الصلاة، فإنه لابد من إيجاد الصلاة بقيودها الشرعية، والقضية الحينية متكفلة لإيجاب الطبيعة المطلقة حين اتصاف الموضوع بوصف، أو حين مجئ زمان كذا، كالحج والصلاة قبل الوقت، فإنه يجب الحج حين الاستطاعة، والصلاة قبل الوقت واجبة حين الزوال. فتحصل: أن القضية المشروطة والوجوب المشروط - بحسب اللب

[ 67 ]

والثبوت - يرجع إلى الوجوب المعلق، ولقد تقرر في محله: أن الوجوب في الواجب المعلق غير مشروط (1)، فلا تخلط. هذا، وإن شئت قلت: إن الشرط بحسب اللب يرجع إلى عنوان الموضوع، فيكون داخلا في رتبة موضوع الحكم، فكما أن الحكم فعلي في القضايا الكلية التبعية وإن لم يكن موضوعه موجودا بمصداقه الخارجي، كما في القضايا الحقيقية، كذلك الأمر هنا، فالحج واجب على المستطيع، ولا يعقل باعثية هذا الوجوب نحو قيد موضوعه، كما لا يكون باعثا نحو موضوعه. وهذا هو المرام الذي اختاره العلامة النائيني في رجوع القضية الشرطية إلى القضية الحقيقية، برجوع القيد والشرط إلى الموضوع (2)، وإن أخطأ (قدس سره) في تفسير القضايا الحقيقية والخارجية بما لا حاجة إلى رفع النقاب عنهما. ولو قيل: إن القضايا الحينية في الامور الإنشائية والطلبية، ترجع إلى المقيدة، لاستحالة إطلاق الطلب بالنسبة إلى القيد، لأنه دخيل في المصلحة، وليس أجنبيا عن حدود المأمور به، فما هو الواجب وذو مصلحة هو الحج عن استطاعة، أو الصلاة الموقتة، لا الحج حين الاستطاعة، بحيث تكون الاستطاعة غير دخيلة في المصلحة الإيجابية، وهكذا الوقت. قلنا: نعم، وهذا ما ذكرناه مرارا في الفقه، ولكن لا يلزم منه كون القيد واجب التحصيل بعد فرض إطلاق الهيئة، لأنه يرجع إما إلى عنوان الموضوع، كما اشير إليه، أو إلى مفروضية تحققه، كما في قوله: " صل في المسجد " فإن العرف لا ينتقل منه إلى إيجاب بناء المسجد، مع أن القيد دخيل في مصلحة الصلاة، فهذا لأجل أن


1 - لاحظ ما يأتي في الصفحة 109 - 110 و 121 - 123. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 178 - 179. (*)

[ 68 ]

العرف ينتقل من هذه القضية إلى مفروضية وجود القيد الداخل في المأمور به وفي مصلحته، فلا يرى وجوب تحصيله عند الفقدان، كما هو الظاهر. وأما توهم: أنه في أمثال هذه المواقف، تكون المادة مطلقة في المصلحة، ولكن الشرع - رعاية لحال المكلفين - لا يبعث إلى تلك المادة إلا حال الاستطاعة مثلا، كما في تقريرات السيد البروجردي (قدس سره) (1)، فهو من الغرائب، لأن المراد من " المصلحة " ليست إلا المصلحة لضرب القانون، وهي مقيدة، فإن المقنن يرى أن الحج على الإطلاق يكون فيه المفسدة، وهي الانزجار عن الشريعة، فيلاحظ الجهات الكثيرة حتى يضرب قانونا، فما أفاده: من أن الهيئة كثيرا ما تقيد، لأجل وجود المانع، وأتى بالأمثلة الكثيرة (2)، لا يخلو من تأسف جدا. هذا كله ما عندنا في تقريب الدليل اللبي في المقام حول القضية الشرطية، مع دفع ما قيل في المقام من غير توجه شبهة إليه. وأما ما عن الشيخ الأنصاري (قدس سره): من لزوم رجوع القيد إلى المادة على أي تقدير (3)، فهو مهبط الإشكالات، لماعرفت في كلام العلمين: من أن كثيرا من القضايا الشرطية، لا يكون فيها مفاد المادة مقيدا، بل يستحيل، لأن تقييد المادة يستلزم - مع إطلاق الهيئة - وجوب تحصيل القيد، فيجب في الحج تحصيل الاستطاعة، وهكذا مما سطر في الكتب، ولا يمكن دفعها إلا برجوعه إلى ما شرحناه وذكرناه (4). ومن العجيب أنه (قدس سره) قد تصدى لدفع النقض المذكور بما لا ينبغي صدوره منه ! ! ولعله وقع خلط فيما نسب إليه.


1 و 2 - نهاية الاصول: 174 - 175. 3 - تقدم في الصفحة 50. 4 - تقدم في الصفحة 64 - 65. (*)

[ 69 ]

وملخص ما أفادها دفعا: " أن الأحكام الشرعية لما كانت على مذاق العدلية، تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في المتلقات، وكانت المصالح والمفاسد مما تختلف بالوجوه والاعتبارات، فتارة: يكون الفعل... " كذا إلى أن قال: " واخرى: يكون... " كذا. إلى أن قال: " وثالثة: يكون الفعل المقيد بقيد خاص ذا مصلحة، بشرط أن لا يكون قيده واقعا تحت الأمر، بحيث يكون لكون القيد غير مكلف به، دخل في كون الفعل حسنا وذا مصلحة. فلا محالة يجب على المولى في الصورة الثالثة، الأمر بالمقيد بنحو لا يسري إلى قيده، ولا يصير تحصيله واجبا. وعلى هذا يمكن أن يكون مثال الحج ونظائره من هذا القبيل " (1) انتهى ملخص ما أردنا نقله. وأنت خبير: بأنه مناقضة، ضرورة أنه إذا كان شئ قيدا في متعلق الأمر، فقهرا يكون الأمر باعثا نحوه. مع أنه لو كان شرط مطلوبية الحج، عدم كون الاستطاعة مطلوبة، فهو شرط حاصل دائما، فلابد من إيجاد الحج، لإطلاق طلبه. نعم، بناء على ما سلكناه: من أن القيد يمكن أن يكون دخيلا - بحسب الثبوت - في المصلحة، ولكن ليس واردا في متعلق الأمر، بل هو مفروض الوجود، ولا يعقل الأمر نحوه، لأن الأمر لإيجاد المعدوم، وما هو مفروض وجوده لا يحتاج إلى الأمر، فيكون المبعوث إليه حسب الصناعة، نفس الطبيعة بنحو القضية الحينية، وإن كانت بحسب المصالح مقيدة، كما عرفت في قولنا: " صل في المسجد " فإن المصلحة قائمة بالصلاة في المسجد في المثال، ولكن لا تدعو الهيئة إلى عمارة المسجد إذا كان معدوما، لأنه ظاهر في مفروضية وجود المسجد، ولذلك لا ينبعث أحد من العقلاء من هذا المثال إلى لزوم بناء المسجد عند فقدانه.


1 - مطارح الأنظار: 48 / السطر 22 - 33. (*)

[ 70 ]

ومما ذكرناه تبين: أنه لا وجه لتعين إرجاع القيد والشرط إلى عنوان الموضوع، كما صنعه بعض الأفاضل (رحمه الله) (1) لأن فرض وجود القيد يستلزم خاصية ذلك، كما لا يخفى، فليتدبر جيدا. فذلكة الكلام إن الأقسام المتصورة بحسب الثبوت ثلاثة، وفي الكل يكون الطلب النفساني موجودا بالفعل: الأول: ما يكون المادة مطلوبة على الإطلاق، كإكرام زيد في قوله: " أكرم زيدا ". والثاني: ما هو يكون المادة المقيدة مطلوبة على الإطلاق، كالصلاة مع الستر والطهور والقبلة، فإنه يجب تحصيل القيود، لقيام المصالح بالمادة المقيدة، وتكون لازمة التحصيل. والثالث: ما يكون المادة المقيدة ذات مصلحة، ولكن القيد مفروض الوجود، فيكون المطلوب هي المادة عند وجود القيد على الإطلاق. ولكن المقرر في محله: أن هذا الطلب، كما لا يدعو في الفرض الأول إلى تحصيل موضوعه - وهو زيد في المثال المذكور - كذلك لا يمكن أن يدعو إلى القيد المفروض وجوده، سواء قلنا برجوعه إلى العنوان للموضوع، أو قلنا ببقائه على قيديته، بل اللازم هو إبقاؤه على قيديته، لأن رجوعه إلى الموضوع، يستلزم كون علة الحكم هو المقيد لا القيد، مع أن ما هو بحسب الثبوت قيد وعلة ويكون ظاهر القضية، هو الشرط فقط، فليتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 181 - 182. (*)

[ 71 ]

التحقيق في المشروط إثباتا إذا أحطت خبرا بما في هذه المقالة في مرحلة الثبوت، تصل النوبة إلى مرحلة الإثبات في القضية الشرطية، فإن كانت تلك القضية من قبيل قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) * (1) فهو ظاهر في أنه اعتبر قيد الاستطاعة مفروض الوجود، فإن الوجوب مطلق، والموضوع له الإطلاق، والقيد المأتي به بصيغة الماضي، لإفادة مفروضية وجوده عند الإيجاب. وهذا من الواضح البين عند المنصف الخبير، الواقف على أساليب العربية. وأما في القضايا الشرطية المتعارفة، مثل قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * (2) والمثال المعروف: " إن جاءك زيد فأكرمه " فلا شبهة في أنه ليس ظاهرا في مفروضية وجود المجئ، ولا في رجوعه إلى عنوان الموضوع، ولا في كونه قيد المادة اللازم تحصيله، فيبقى احتمالان آخران: أحدهما: ما عن المشهور، من كونه قيد مفاد الهيئة وهو الوجوب (3). وقد عرفت الإشكال فيه (4). ثانيهما: ما عليه بناؤنا واخترعناه، وهو أن الشرط مورث لتعليق الاستعمال، ويكون الهيئة قبل تحقق الشرط غير مفيدة لفائدتها، وهي البعث والإغراء والتحريك


1 - آل عمران (3): 97. 2 - الحجرات (49): 6. 3 - قوانين الاصول 1: 100 / السطر 4، هداية المسترشدين: 192 / السطر 21، الفصول الغروية: 79 / السطر 21، لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 329. 4 - تقدم في الصفحة 56. (*)

[ 72 ]

الاعتباري نحو المطلوب. وهذا الوجه هو الموافق لظاهر الاسلوب، والمساعد على البرهان الماضي تفصيله (1). إن قلت: بناء عليه يلزم الاختلاف بين مرحلتي الثبوت والإثبات، فإنه في مرحلة الثبوت، يكون الطلب قبل المجئ فعليا، وفي مرحلة الإثبات، يكون الهيئة غير مفيدة للطلب النفساني، وإذن لابد من صرف الظاهر إلى ما هو المعلوم ثبوتا، لأن الإثبات تابع الثبوت بعد معلوميته بالدليل الخارج. قلت: نعم، ولكن لا يلزم ذاك وذلك، لأن الاطلاع على إرادة المولى من الخارج، وإن كان يستلزم الإطاعة حسب حكم العقل، لعدم الخصوصية للألفاظ والإظهار بطريق الاستعمال، ولكن إذا كان المولى بصدد جعل الحكم على وجه لا يورث المشقة، ولا يولد الصعوبة على المكلفين، أو احتملنا ذلك، فله أن يأتي لإفادة مرامه بالقضية الشرطية، حتى يظهر أن العباد في سعة من تحصيل المقدمات. وتوهم: أنه لا يختلف الحال بين كون الوجوب فعليا، والقيد مفروض الوجود، وبين كونه غير فعلي، فاسد جدا، ضرورة أن الطلب الفعلي باعث نحو المقدمات، بناء على ثبوت الملازمة بحكم العقل، فإنه إذا كان الإكرام واجبا عند مجئ زيد، وكان مجئ زيد معلوما، وما هو مفروض الوجود معلوما تحققه، يجب على العبد تحصيل مقدمات الضيافة والإكرام، بخلاف الطلب الإنشائي وما بحكمه، فإنه لا يجب عند الأكثر، وإن أوجبه شيخ المشايخ العلامة الحائري (رحمه الله) كما يأتي (2). فإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن الشرع كان في هذا الموقف، فاعتبر الاستعمال المعلق، وإن كان بحسب الواقع ليس تعليقا في الإرادة والطلب، ولا في


1 - تقدم في الصفحة 64. 2 - يأتي في الصفحة 78. (*)

[ 73 ]

مفاد الهيئة، وهذا الاعتبار لإفادة ذلك. فلاينبغي الخلط بين مقامي الثبوت والإثبات، وبين موقفين: موقف إفادة تمام مرامه على ما في طلبه ونفسه، وموقف تسهيله على العباد، وعدم إيقاعهم في المضيقة والمشقة. فعلى هذا لا يجب التبعية لمرحلة الثبوت بعد هذا الاحتمال في مرحلة الإثبات. فتحصل: أن الوجوب المشروط ثبوتا غير معقول، والوجوب المشروط إثباتا يرجع إلى مشروطية الاستعمال، وإلى التعليق في كون الهيئة مفيدة ومستعملة فيما هو الموضوع له، وأن اللازم هو الاتباع لمقام الثبوت، مادام لم يعلم أن المولى في مقام إفادة الأمر الآخر إثباتا، وفي مقام التسهيل عملا، كما نحن فيه، فإنه بالنظر إلى مرحلة الثبوت واللب، لابد من المحافظة على المقدمات المفوتة، وبالنظر إلى مقام الإثبات والتعليق، لا يجب التحفظ عليها حسب الصناعة العلمية، لأنه في مقام إفادة عدم فعلية الحكم، وعدم فعلية روح الحكم وهو الإرادة، وإن كان روح الحكم فعلية. وبعبارة اخرى: في مقام إفادة جواز ترتيب آثار الوجوب المشروط قبل تحقق شرطه، وإن كان طلبه النفساني فعليا وداعيا ومقتضيا، فليتدبر جيدا. ذنابة: بناء على ما عرفت تبين: أن الحكم في الوجوب المشروط ليس فعليا إن كان هو المعنى المعبر عن البعث، أو كان هو نفس البعث. ويكون فعليا إن كان تعبيرا عن الإرادة الإيجابية والطلب الوجوبي، أو نفس الطلب القلبي. ولايكون فعليا إن كان معبرا عن الإرادة الفعلية المظهرة، أو كان هو نفس الإرادة المظهرة. والذي هو الحق: هو أن الحكم بمفهومه متقوم بمقام الإنشاء والإبراز،

[ 74 ]

فلا يكون هنا حكم فعلي قبل تحقق الشرط. الجهة الرابعة في شبهة إيجاب المقدمة المفوتة قبل الوقت ومسالك الإجابة عنها بعدما عرفت حقيقة الوجوب المشروط بحسب مقام الثبوت والإثبات، وأن في مقام الثبوت تكون القضية المشروطة قضية حينية، وفي مقام الإثبات باقية على حالها من التعليق، ولكن فرق بين التعليق الذي أفاده المشهور: وهو أن مفاد الهيئة معلق (1)، وبين التعليق الذي ذكرناه: وهو أن الاستعمال معلق، والهيئة قبل تحقق الشرط لا تكون مستعملة - بالحمل الشائع - في المعنى الموضوع له. وأيضا تبين: أن اللازم هو مراعاة مقام الإثبات بحسب الآثار فيما نحن فيه، دون الثبوت. فربما يشكل الأمر في إيجاب المشهور تحصيل المقدمات الوجودية قبل تحقق الشرط في مثل الصلاة، بالنسبة إلى المحافظة على الطهارة قبل الوقت، ضرورة أن مع كون الصلاة مشروطة بالوقت وجوبا، فلا فعلية لحكمها قبل الوقت، وإذا كانت فعلية الحكم منتفية - بل لا حكم أصلا، لعدم إفادة الهيئة بعثا نحو المادة قبل مجئ الشرط وهو الوقت - فلا معنى لوجوب المقدمة، سواء قلنا: بأنها واجبة شرعا، أو واجبة عقلا: أما على الأول كما هو المعروف، فلأنه لا يعقل ترشح الإرادة الفعلية من الإرادة المتعلقة بذي المقدمة غير المظهرة، أو غير البالغة حد الفعلية، ولا تولد


1 - تقدم في الصفحة 50 و 71. (*)

[ 75 ]

البعث الفعلي والحكم الإيجابي من الحكم الذي لا يتحقق بعد. وأما على الثاني، فلأن العقل لا يدرك إلا لزوم القيام بطلب المولى وحكمه الفعلي، وإذا كان الحكم فعلا غير باعث ولا نافذ فلا يجب، ويصح له الاعتذار بعدما تحقق بالعجز ونحوه. هذا، لو سلمنا حكم العقل بذلك، ولكن المشهور قالوا بالوجوب الغيري للمقدمة قبل الوقت، ولأجله التزموا به، فليلاحظ. فما اشتهر من المراعاة والمحافظة على الطهارة قبل مجئ الوقت شرعا، ليس موافقا للقاعدة كلا. المسلك الأول: ما عن " الفصول " في الجواب عن الشبهة، وهذه الشبهة عويصة جدا، وقد اختلفت أنظارهم في حلها، واتخذ كل مهربا، فصاحب " الفصول " (قدس سره) انتقل منه إلى الوجوب المعلق، وإلى التقسيم الآخر في أنحاء الواجبات، فقال: " إن من أقسامها الواجب المعلق، وهو ما كان وجوبه فعليا، والواجب استقباليا، ووجوب الصلاة - حسب كثير من النصوص - من هذا القبيل. وربما يمكن استكشاف ذلك من الشهرة المزبورة على وجوب تحصيل المقدمة الوجودية قبل حصول شرطه " (1). ويتوجه إليه: أنه لو سلمنا الوجوب المعلق ثبوتا، فلا نسلم انحصار طريق إيجاب المقدمة الوجودية بالالتزام بصحته، وذلك لأن قضية ما سلف منا: أن الوجوب في الواجب المشروط بحسب الثبوت فعلي (2)، والتزمنا إثباتا بالوجوب


1 - الفصول الغروية: 79 / السطر 36. 2 - تقدم في الصفحة 64 - 65 و 70 - 71. (*)

[ 76 ]

المشروط، لاختلاف آثاره مع الوجوب الفعلي، فلو كان ذلك الأثر غير مترتب عليه - كما في المقام - فلا محيص إلا من إنكار تبعية مقام الثبوت لمقام الإثبات، وإثبات أن الملاك والمناط هو ملاحظة الطلب النفساني، وإذا كان في المثال المزبور قيد الوجوب - وهو الوقت - مفروض الوجود ومعلوم التحقق، فلابد من المحافظة على المقدمات الوجودية قبل مجئ الوقت، لأن الوجوب فعلي، والإرادة النفسانية موجودة. وإن شئت قلت: الوجوب المعلق الذي اعتبره " الفصول " مما لا محيص عنه بحسب مقام التصور، ويكون ذلك منشأ لإيجاب تلك المقدمات، ولكنه لو كان الدليل إثباتا، متكفلا في ظاهره لاعتبار الوجوب المشروط، فيؤخذ به، وهذا فيما نحن فيه - بعد قيام الشهرة - غير ممكن، أي مقتضى الشهرة هو أن القضية الشرطية الظاهرة في الوجوب المشروط، راجعة إلى القضية الحينية التي يكون الوجوب في مرحلة الإثبات أيضا فعليا. وسيظهر مزيد بيان حول المسالك الاخر، وينفعك إن شاء الله تعالى. المسلك الثاني: ما أفاده العلامة الأراكي من دعوى فعلية الوجوب في الواجب المشروط ثبوتا وإثباتا، ولكنها فعلية تقديرية (1). وقد عرفت: أن الفعلية التقديرية لا معنى معقول لها، والمعنى المعقول في المسألة هو الفعلية بنحو القضية الحينية، أي الحج واجب حين الاستطاعة، أو الصلاة واجبة حين الزوال، أو الصوم واجب حين طلوع الفجر، على الوجه الذي


1 - نهاية الأفكار 1: 295 - 299. (*)

[ 77 ]

عرفت مرارا (1). هذا مع أن القول بالفعلية، يستلزم اتصاف جميع المقدمات - مفوتة كانت أو غير مفوتة - بالوجوب الغيري، ومن غير فرق بين صورة العلم بتحقق القيد المفروض وجوده، كالاستطاعة والوقت، أو مع الشك، ولا أظن التزامه بذلك في جميع الأبواب. بل الإشكال باق على حاله، لعدم معقولية البعث المنجز إلى المقدمة، مع أنه ناشئ من البعث على التقدير. المسلك الثالث: ما تقدم منا تصويره وهو أن الوجوب فعلي لكن شرط التكليف الفعلي متأخر، وهو الوقت، فإذا كان الشرط معلوم التحقق فلابد من المحافظة، وإذا كان مشكوك التحقق فلا يجب. وهذا هو معنى الشرط المتأخر في التكليف الذي قد فرغنا من تصويره (2)، ولازمه إيجاب تحصيل الشرط المتأخر ولو كان للتكليف، قضاء لحق فعلية الحكم قبل تحققه، وهذا مما لا يمكن الالتزام به في الواجبات المشروطة على الإطلاق، ولا في خصوص المقام، لأنه لا يفي بتمام المطلوب. وأما ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره): من تصويره للشرط المتأخر، بأن من شرائط التكليف هي القدرة في ظرف الامتثال، فالشرط متأخر (3). ففيه: أن شرط التكليف هو العلم بالقدرة في ظرف الامتثال، لأن التكليف - وهو الإيجاب - متقوم بذلك، لا بالقدرة الواقعية، فلاينبغي الخلط بين التكليف


1 - تقدم في الصفحة 66 و 69 و 76. 2 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 30 وما بعدها. 3 - نهاية الاصول: 180. (*)

[ 78 ]

المصدري، والتكليف الحاصل المصدري. فبالجملة: فعلية التكليف قبل الوقت، تستلزم وجوب تحصيل الوقت إن أمكن في هذه الأزمنة. وأما توهم اختصاص ذلك بالشرط المتأخر غير المقدور كالوقت، فهو سخيف، لأن المقدمات المفوتة واجبة حتى في مثل الحج المشروط بالاستطاعة الاختيارية، فلا تخلط. ولا يخفى: أن هذا المسلك موجود في تقريرات العلامة النائيني (رحمه الله) أيضا (1). المسلك الرابع: ما ادعاه شيخ مشايخنا العلامة الحائري (قدس سره) وهو أن الوقت شرط الوجوب، ولا فعلية للحكم قبل الوقت، ولكن بناء العقلاء على المحافظة على المقدمات الوجودية المفوتة، إذا كان الشرط معلوم التحقق، ولا يعتنون بمعذرية العجز فيما نحن فيه بعد الالتفات إلى أطراف المسألة (2)، وهذا هو الصريح من " الكفاية " في ذيل الواجب المعلق (3). وبتقريب آخر منا: أن العجز عذر إذا كانت القدرة المأخوذة في موضوع الدليل قيدا وشرطا، فإنه يصح تبديل عنوان " المقتدر " إلى عنوان " العاجز " في عنوان المسافر والحاضر، وهكذا سائر العناوين ك‍ " المستطيع " وغيره، وليس عذرا إذا كانت القدرة شرطا عقليا، لا شرعيا، وكانت معتبرة بحكم العقل، فإنه عند ذلك لابد من المحافظة على مطلوب المولى كلما أمكن وقدر، فإذا كان يقتدر على الامتثال


1 - أجود التقريرات 1: 148. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 108 - 110. 3 - كفاية الاصول: 131 - 132. (*)

[ 79 ]

بالنسبة إلى التكليف الآتي قيده وشرطه، فلا يكون العجز الطارئ بسوء الاختيار، عذرا عقلا وعرفا، والعجز بالاختيار لا ينافي صحة العقوبة واستحقاق العذاب. وهذا نظير ما إذا علم الإنسان أن بدخوله في الدار، يكره على شرب الخمر، فإن دليل " رفع... ما اكرهوا عليه " (1) منصرف عن مثله، ولايكون الإكراه الحاصل بسوء الاختيار، عذرا عند العقلاء، ولذلك لا يشك أحد منهم في عدم صحة الدخول بعد العلم بذلك، فعلى هذا لابد من تحصيل الطهور وغيره قبل الوقت. وأما التمسك بقاعدة " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " (2) فهو في غير محله، لأنها قاعدة سيقت قبال قاعدة " الشئ ما لم يجب لم يوجد، فإذا وجب وجد " لإفادة أن هذا الوجوب المنافي للاختيار، لا ينافي الاختيار، لأنه وجوب جاء بالاختيار، ولا ربط لها بالوجوب التكليفي حتى يقيد بأنه لا ينافيه عقابا لا خطابا. والأمر - بعدما علم - سهل لا غبار عليه. هذا، مع أن المقرر في محله: أن التقييد المزبور بلا وجه، ضرورة إمكان توجيه الخطاب القانوني إلى كافة الآحاد، ويكون العجز عذرا، والتفصيل في محله (3)، فما عن أبي هاشم موافق لغاية الفكر ونهاية النظر (4)، فتدبر. وأما تقسيم القدرة الشرعية إلى ثلاثة أو أربعة، وأنها إما تكون معتبرة كالقدرة العقلية على الإطلاق ولا تكون دخيلة في شئ من الملاك أو تكون معتبرة ودخيلة


1 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 2 - أجود التقريرات 1: 150، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 197. 3 - يأتي في الصفحة 437 وما بعدها. 4 - شرح العضدي: 94، قوانين الاصول 1: 153 / السطر 21 - 22، مطارح الأنظار: 153 / السطر 24، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 197، محاضرات في اصول الفقه 2: 358. (*)

[ 80 ]

في الملاك. وعلى الثاني إما تكون معتبرة على الإطلاق، أو معتبرة بعد الوجوب، وقبل زمان الواجب، أو غير ذلك من الصورة (1)، فهو غير محتاج إليه، ويمكن هذا التقسيم إلى أنحاء كثيرة. والذي هو المهم في المقام: أولا: أن هذا الوجه لو تم، يستلزم وجوب المقدمات المفوتة عقلا، لا شرعا، مع أن الظاهر من المشهور أن المقدمات الوجودية واجبة وجوبا غيريا شرعيا، فلاتنحل المعضلة بذلك. وثانيا: أن القدرة متى كانت، لا تخلو من أحد أمرين: إما تكون قيد الهيئة، أو تكون قيد المادة، فإن كانت قيد الهيئة، فلا وجوب حال العجز، ويصح التعجيز قبل فعلية الوجوب من قبل عدم تحقق شرط الآخر، ولا يجب تحصيلها، لأن معنى ذلك هو أن المصلحة قائمة بالمادة حين الاقتدار المفروض وجوده، على الوجه الماضي سبيله (2). وإن كانت قيد المادة فهي تارة: تكون داخلة تحت دائرة الطلب، فلابد من إبقائها، والمحافظة عليها. واخرى: تكون دخيلة في المصلحة، وخارجة عن دائرة الطلب والإيجاب، لمفروضية وجودها، فلا يجب الإبقاء، ولكنها إذا كانت باقية إلى حال فعلية الحكم من سائر النواحي، لا يجوز إعدامها. وربما يكون عنوان " القادر " و " العاجز " موضوعا في الدليل ك‍ " المسافر والحاضر " فإنه حينئذ يجوز الإفناء والإخراج عنه وإن صار الحكم منجزا، لعدم إمكان تصدي الحكم للمحافظة على موضوعه.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 198 - 201. 2 - تقدم في الصفحة 67 - 70. (*)

[ 81 ]

ولو كان مفاد القضية الشرطية راجعا إلى عنوان الموضوع، يلزم ذلك، ولا يلتزم به من يدعيه كما في " المستطيع والعاجز " فليتدبر. وثالثا: إذا كان الحكم قبل الوقت غير فعلي، وبعد الوقت يكون المكلف عاجزا، والعجز يمنع عن حدوث الخطاب، فمن أين يمكن العلم بالمصلحة الملزمة التي لابد من المحافظة على مقدماتها المفوتة، مع أن طريق استكشاف المصالح والمفاسد هي الهيئات الكاشفة عن الطلبات والزجرات ؟ ! وبعبارة اخرى: الخطاب الإنشائي يورث وجود المصلحة، عند تحقق شرط الوجوب والقدرة، وإن يمكن أن لا يكون بحسب التصور قيد المصلحة، وتكون المادة مطلوبة على الإطلاق. وممنوعية الخطاب لمحذور عقلائي وهو القبح، أو عقلي وهو القبح في حقه تعالى، وأن حقيقة البعث لا تجامع العجز، ولكن ذلك لا يستلزم كون نفس الآمر كذلك، لاحتمال اتكال المقنن على حكم العقل بأن الخطاب بدونه محال، وإذن لا يتمكن من كشف المصلحة للمادة على كل تقدير. فما ترى في كتب الأصحاب مشحونة في صفحات كثيرة (1)، خالية من التحصيل. وهذا ينفعك في كثير من المقامات، مما كثر دور هذا النحو من الاستدلال في الكتب الاصولية والفقهية، فحكم العقل مع هذا غير ثابت، وغير مرضي. نعم، بناء على ما تقرر في محله: من أن العاجز والقادر - كالجاهل والعالم - مشتركان في الخطاب بذاتهما، وخارجان عنه بعنوانهما (2)، يصح ما افيد، لأن القدرة عقلية، ولا يورث العجز في الوقت قصورا في شمول الخطاب. وهذا هو الوجه في استنكار العقلاء دخول الدار مع العلم بالاستكراه فيها على شرب الخمر، فتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 195 - 204، محاضرات في اصول الفقه 2: 357 - 367. 2 - يأتي في الصفحة 449. (*)

[ 82 ]

المسلك الخامس: ما سلكه الأردبيلي (قدس سره) (1) وتبعه تلميذاه صاحبا " المدارك " و " المعالم " (2) واحتمله السيد الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (3) ولم يرده: وهو أن هذه المقدمات المفوتة واجبة بالدليل الآخر، لا بالملازمة بين المقدمة وذي المقدمة، وتلك تصير واجبة للغير، لا واجبة بالغير، ويسمى ب‍ " الوجوب النفسي التهيئي ". أقول: جميع الواجبات النفسية موصوفة بمثله، لأنه للغير في الكل، ضرورة أن المطلوب الأعلى فيها الوصول إلى فناء الرب، والتحلي بجلباب الربوبية، والتخلق بأسمائه وصفاته، وفي المعاملات والسياسات هو النظام الأتم المدني والدولي، ولا يعتبر في الواجبات النفسية كون المصلحة القصوى في موردها ومصبها. هذا مع أن المشهور كما عرفت حسب إطلاق كلامهم، التزموا بالوجوب الغيري للمقدمات المفوتة وغيرها (4)، ولا تنحل بذلك تلك المعضلة أيضا. المسلك السادس: ما اختاره العلامة النائيني (رحمه الله) وانتهى به إلى التفصيل بين تحصيل المقدمات المفوتة، كتحصيل الماء والستر، وبين إعدام المقدمات الموجودة المفوتة، كإراقة الماء، وإحراق الستر، فجوز تركه في الأول، ومنع الإخلال بالمحافظة في الثاني.


1 - مجمع الفائدة والبرهان 2: 110، فرائد الاصول 2: 513. 2 - مدارك الأحكام 2: 345، معالم الدين: 201. 3 - نهاية الاصول: 180. 4 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 202. (*)

[ 83 ]

وملخص مرامه: أن قاعدة الملازمة العقلية المستكشفة بها الأحكام الشرعية، جارية في المقام، وذلك لأن الملاك قبل الوقت تام، لعدم تقيده بالقدرة، فالمصلحة الملزمة النفسية الثابتة لذي المقدمة، كما تدعو إلى الحكم الشرعي، وإيجاب الصلاة مثلا، كذلك تلك المصلحة داعية إلى إيجاب تلك المقدمات، لتقوم جلب المصلحة بها. وهذا هو حكم غيري لا نفسي، لأنه ناشئ من ملاك ذي المقدمة، وليس غيريا ترشحيا، لعدم الإرادة الفعلية لذي المقدمة حتى يعقل ترشح هذه الإرادة منها. فهذا قسم آخر يثبت بمتمم الجعل، أي يكون الملاك الواحد داعيا إلى جعلين: جعل الحكم النفسي، وجعل الحكم الغيري، فيتوصل المولى إلى مطلوبه بهذا الجعل المتمم، كما في التعبدي والتوصلي، إلا أنه فرق بين ما نحن فيه وهناك، بالتقديم والتأخير، كما لا يخفى. وتوهم: أن هذا الحكم الشرعي، ناشئ من الحكم العقلي بالأمن من العقاب، فيكون داخلا في سلسلة معاليل الأحكام، والقاعدة تجري في سلسلة علل الأحكام، وهي المصالح الكامنة في متعلقات الفعل، في غير محله، لما عرفت: أن الداعي إلى الجعل الثاني، ملاك ذي المقدمة (1). أقول: قضية هذا التقريب - بعد فرض إطلاق المصلحة الملزمة، وأن القدرة مأخوذة عقلا - عدم الفرق بين المقدمات المفوتة، وأنه لابد من حفظ القدرة ومن تحصيلها بعد ثبوت القدرة على القدرة. نعم، إذا اخذت القدرة بوجه خاص، كان للتفصيل المزبور وجه، ولكنه خلف. ثم إنه (قدس سره) قد اهتم بإثبات توصيف الوجوب العقلي الإرشادي - الذي يقول


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 197 - 203. (*)

[ 84 ]

به " الكفاية " (1) وغيره - ب‍ " الوجوب الشرعي الغيري " (2) وليس هذا طريقا آخر في حل المشكلة. وحيث قد عرفت منا: أن كشف المصلحة الملزمة، غير معقول في هذه المواقف إلا من قبل الهيئات، وأنها تورث وجود المصلحة الملزمة (3)، وإذا كانت هي قبل الوقت غير فعلية، وهكذا بعده، فلا سبيل إلى تلك المصلحة الملزمة في الوقت، لإمكان قصور المقتضي حين العجز، واتكال المولى على إدراك العقل في إفادة هذا القصور، فليس العجز سببا للقصور حتى يقال بالقطع بعدمه، بل القصور من أجل أمر آخر اتفق مع العجز خارجا، وإذا لم يكن حال العجز تكليف فعلي حتى يستكشف المصلحة الملزمة، اتكل المولى في مرامه على هذا الحكم العقلي، فلا تخلط. فموضوع قاعدة الملازمة غير محرز. ولو سلمنا ذلك: فاعلم أن قاعدة الملازمة من أكاذيب القواعد، وذلك لأن العقل أولا: لا يحكم بشئ، بل العقل يدرك لزوم شئ، والملازمة بين إدراك لزوم شئ وحكم الشرع، بلا وجه، بل الشرع أيضا يدرك لزومه. وهذا غير الإرادة الباعثة. وثانيا: لا وجه لإلجاء الشرع إلى الإرادة الباعثة الغيرية، بعد قيام العقل بلزوم تلك الإرادة، ولا ينبغي الخلط بين الإرادة الفاعلية، والإرادة الآمرية، فإن الإرادة الفاعلية تستلزم الإرادة الغيرية، لأنها تتعلق بإصدار الفعل، فإذا كان التوقف معلوما، فقهرا تحصل الإرادة الاخرى متوجهة إلى المقدمات، بخلاف الإرادة


1 - كفاية الاصول: 132، نهاية الدراية 2: 87. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 202. 3 - تقدم في الصفحة 81. (*)

[ 85 ]

الآمرية، فإنها متعلقة بالبعث، وتبعث المكلفين نحو المطلوب، وهذه لا تستلزم تلك الإرادة، لعدم بنائه على المبادرة إلى إيجاد الفعل في الخارج، حتى يتوقف وجوده على شئ لابد من إرادته. وهذه الإرادة تسمى ب‍ " الإرادة التشريعية ". وأما توهم: أن متعلق الإرادة الآمرية، صدور الفعل عن الفاعل المكلف عن اختيار، وتكون هي غير الإرادة الفاعلية، لإمكان تخلف المراد عنها دونها (1)، فهو غير مرضي وجدانا وبرهانا، كما تعرضنا لذلك في تنبيهات بحث الطلب والإرادة (2). ولو كان الأمر كما زعم فالمقصود أظهر، لأن القياس مع الفارق الواضح. ومن ابتلي بالقياس بين الإرادتين، ابتلي بكثير من الإشكالات والشبهات. ومما يعرب عن ذلك: أن الآمر والمأمور مختلفان - بحسب التشخيص - فيما يتوقف عليه المأمور به والمكلف به، فربما يلزم أن إرادة الآمر تتعلق بما يراه مقدمة، وهو ليس بمقدمة، ولا شبهة في لزوم تبعية المأمور لتشخيصه، لا تشخيص المولى، فهذا شاهد على أن المولى يتكل في ذلك على العقل، ولا يكون ملجأ في تلك الإرادة حتى يثبت بالملازمة. والذي هو مقصود مريد هذه القاعدة: أن مذهب العدلية وإدراك العقل على أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، فإذا أدرك العقل شيئا حسنا، أو قبيحا، فالشرع بما أنه عقل محض، ويكون مداره على المصالح والمفاسد، يصدق ذلك الإدراك تنجيزا وتعذيرا، لا أنه يريد بالإرادة التشريعية الآمرية ذلك، وإلا يلزم تعدد العقاب في جميع المحرمات والواجبات، ضرورة أن الغصب محرم شرعا بعنوانه الذاتي، والظلم بإدراك العقل قبيح، فيكون محرما شرعا، فإذا تحقق الغصب تحقق الظلم، فيعاقب إما مرارا، أوعقابا شديدا، لتعدد جهة البغض، فلا تغفل.


1 - كفاية الاصول: 88 - 89، نهاية الدراية 1: 280، نهاية الأفكار 1: 168. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 69 - 71. (*)

[ 86 ]

المسلك السابع: ما سلكه السيد المحقق الوالد - مد ظله - وهو الأقرب إلى افق التحقيق من الاخريات: وهو أن الإرادة الغيرية، ليست مترشحة عن الإرادة النفسية ترشح المعلول عن العلة، حتى يقال بامتناع تحقق الاولى بدون الثانية، للزوم التفكيك بين العلة والمعلول، بل إرادة الغير معلولة النفس، وذلك بعد إدراكها التوقف بين ذي المقدمة والمقدمة، فإذا كان يرى أن ذا المقدمة في محله لا يحصل إلا بالطهور، وهذا الطهور في الوقت غير ممكن تحصيله، فيريده كما في الإرادة الفاعلية، من غير حصول الإرادة الثانية في النفس، لعدم تحقق شرط الوجوب. وهذا ليس معناه إنكار الملازمة، بل الملازمة ممكن دعواها إذا كانت الإرادة النفسية فعلية، ولكن هذا إنكار لكون الإرادة الغيرية، ملازمة للإرادة النفسية، دون العكس، فالإرادة الغيرية لازم أعم، فافهم (1). أقول: ما أفاده لا غبار عليه، إلا أن قضية ما سلكناه، هو أنه بحسب الثبوت لا يعقل الوجوب المشروط، ولا يعقل كون الإرادة قبل حصول الشرط معدومة، وبعده تصير موجودة، بل هي فعلية، ولكن متعلقها أمر يقع في المتأخر على الوجه الذي عرفت منا (2)، ويأتي تفصيله في الوجوب المعلق (3). ولو كان ما افيد وأفادوه صحيحا، يلزم حدوث الإرادة في المبدأ الأعلى بعد تحقق الشرط، وهو منزه عن الحوادث، فقبل الشرط وبعده لا يفترق الثبوت. وهذا برهان قويم على ما ذكرناه،


1 - مناهج الوصول 1: 356 - 358، تهذيب الاصول 1: 228 - 230. 2 - تقدم في الصفحة 64 - 65. 3 - يأتي في الصفحة 114 - 116. (*)

[ 87 ]

ولا يناله من لاحظ له من العقليات. وتوهم: أن الشرط يرجع إلى قيد الموضوع، فيكون الحكم فعليا على موضوعه دائما، كما في القضايا الحقيقية، غير نافع، لأن رجوع قيد الاستطاعة إلى عنوان الموضوع وإن أمكن ثبوتا، ولكن لا ينحل به الإعضال، لأنه إذا كان مستطيعا قبل الموسم، يجب عليه الحج في الموسم، فتكون الإرادة فعلية، والمراد فيما لا يزال، وسيأتي زيادة تحقيق حول المسألة في الوجوب المعلق إن شاء الله تعالى (1)، وأنه لا محيص من الإقرار به تكوينا وتشريعا. نعم، الوجوب مشروط بحسب الإثبات، بلحاظ الأثر المترتب عليه اعتبارا وتعبدا على النحو الذي أبدعناه في المقام، وعلى هذا تكون الإرادة الاولى الغيرية معلولة النفس، لاتصافها بتلك الإرادة والطلب النفساني، وهذا هو الوجدان في الإرادة الفاعلية بلاشك ومرية. تنبيه وتذنيب: في عدم وجوب التعلم قبل الشرط ووقت الوجوب قضية ما عرفت منا، عدم وجوب المقدمات الوجودية قبل تحقق شرط الوجوب حسب الصناعة الأولية، حفظا للقضية الشرطية على ظاهرها. ويمكن الخروج عن ذلك، بأن تصير تلك القضية، منقلبة من ظاهرها إلى القضية الحينية، التي يكون الوجوب فيها فعليا مطابقا للثبوت إذا اقتضاه الدليل. هذا في المقدمات الوجودية المشترك فيها البالغ وغير البالغ الذي يبلغ في الوقت. وأما المقدمات العلمية المشترك فيها أيضا البالغ وغير البالغ، فهل هي أيضا


1 - يأتي في الصفحة 114 - 117. (*)

[ 88 ]

تجب، أم لا ؟ وعلى الأول يكون وجوبا نفسيا أو غيريا ؟ وعلى الأول وجوبا نفسيا مطلقا، أو تهيئيا، على ما هو المنسوب إلى الأردبيلي وتلميذيه، كما اشير إليه في أصل المسألة (1) ؟ وجوه تذكر في ضمن مسألتين: المسألة الاولى: أن عدم فعلية الخطاب بالنسبة إلى غير البالغ، لايمنع من صحة العقوبة على ترك الواجب والإخلال به بعد التكليف والبلوغ، إذا كان رشيدا يدرك المصالح والمفاسد، ومن أعظم المجتهدين البالغين أعلى مدارج الكمال، لما عرفت من فعلية الإرادة بحسب مرحلة الثبوت. نعم، إذا لم يكن دليل من الشرع على المحافظة على تلك المقدمات في حقه، وكان ظاهر الأدلة هو شرطية البلوغ، فلا يجب ولا يستحق العقوبة، لأن اعتبار القضية الشرطية، لأجل ترخيص المكلفين في التوسعة في تحصيل المقدمات قبل تحقق الشرط، وإذا صار عاجزا عن الاحتياط والجمع، وأخل بالواقع، فهو عذر. المسألة الثانية: أن ترك التعلم المؤدي إلى ترك الواجب مع العلم بذلك، لا يكون محرما شرعيا، بل ذلك يورث صحة العقوبة على الواجب النفسي المتروك، وذلك لا لعدم إمكان جعل العقاب عليه ثبوتا، أو لعدم إمكان اعتبار الوجوب النفسي للتعلم إثباتا، فإن كل ذلك بمكان من الإمكان، بل لعدم مساعدة الأدلة إثباتا على ذلك بعد كونه من المسائل العرفية والعقلائية الرائجة بين الموالي والعبيد، والشائعة في القوانين الدولية والسياسية المدنية بين الدول والرعية والامة، وليس للإسلام طريق بديع في المقام.


1 - تقدم في الصفحة 82. (*)

[ 89 ]

وقوله (عليه السلام) - على ما في بعض الأخبار -: " هلا تعلمت ؟ " (1) ليس معناه صحة العقوبة على ترك التعليم، بل هو بيان لأن يعلم منه: أن مطلق الجهل، ليس عذرا بالنسبة إلى ترك المأمور به والمطلوب النفسي. ثم إن ذلك مقتضى الأدلة مع قطع النظر عن ظاهر القضية الشرطية، وإلا فلا منع من ترخيص ذلك، ولا يستحق العقوبة إذا أخل بالمطلوب النفسي لأجل الجهل، فيصير عاجزا عن الجمع والاحتياط، لما عرفت: من أن اعتبار القضية الشرطية، توسعة على المكلفين في تحصيل المقدمات كلها، وأن المولى في جعل قانونه بنحو القضية الشرطية، قد انصرف عن المصلحة الملزمة إذا اخل بها لأجل تقصير أو قصور في شرائطه قبل الشرط. نعم، بعد تحقق الشرط، لابد من القيام بالميسور والاحتياط مهما أمكن، إلا إذا علم بأن الميسور لا يكون مطلوبا، وأن ما يحتاط به لا يفي بشئ، كأجزاء المركب الاعتباري مثلا، فليتدبر جيدا. ومما ذكرنا يظهر حال سائر الصور الكثيرة، من ترك التعلم المؤدي إلى الإخلال بالتمييز، وغيره مما سطر في المفصلات. وأيضا ظهر: أن حال الشك ليس أسوأ من حال العلم، فإذا كان عالما بالابتلاء بالأحكام، وكان شرط فعليتها مفقودا غير واجب عليه التعلم، فكيف بحال الشك ؟ ! نعم، إذا فرضنا قيام الإجماع أو الشهرة على وجوب التعلم (2)، الكاشف بهما أن القضية الشرطية ساقطة من حيث الظهور، فقد عرفت لزوم التعلم، لصحة العقوبة.


1 - الأمالي، للشيخ الطوسي: 9 / 10، بحار الأنوار 1: 77 / 58، 2: 29 / 10 و 180 / 3. 2 - فرائد الاصول 2: 510، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 278. (*)

[ 90 ]

ولو شك في تمامية هذه الشهرة والإجماع، فالقضية الشرطية باقية على حالها. فما ترى من الأصحاب (قدس سرهم) في هذه المسألة، من الالتزام بالوجوب حتى حال الشك (1)، فهو ناشئ من ملاحظة المصلحة الإلزامية في الوقت، غافلين عن أن تلك المصلحة تارة: تؤدى بالقضية الحينية، وهي تقتضي فعلية التكليف المورث لوجوب المقدمات ووجوب التعلم. واخرى: تؤدى بالقضية الشرطية التي لا ترجع - حسب الصناعة - إلى قضية اخرى، بل هي باقية على حالها، ومن آثارها عدم وجوب المقدمات، وجواز ترك التعلم قبل تحقق الشرط، فافهم واغتنم.


1 - كفاية الاصول: 425، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 206 - 207 و 4: 278. (*)

[ 91 ]

الجهة الخامسة في صيرورة الواجب المشروط مطلقا بتحقق شرطه هل الواجب المشروط بعد تحقق شرطه، ينقلب إلى الواجب المطلق، أم هو باق على مشروطيته ؟ ومبنى هذه المسألة: هو أن الشرط الظاهر في أنه واسطة في ثبوت الحكم للموضوع حدوثا، يورث دخالته بقاء، ويكون الحكم دائرا مدار الشرط في الحدوث والبقاء، حتى لا يمكن أن يكون حافظا لبقاء الشرط، وموجبا للتحفظ عليه على المكلف، أم لا ؟ أو إن شئت قلت: مبنى هذه المسألة، هو أن الشرط في القضية الشرطية، هل يرجع إلى عنوان الموضوع، فيكون مع بقاء الموضوع فعليا، ولكن يجوز إعدام الموضوع، لعدم إمكان تعلق الحكم بنحو يورث حفظ الموضوع، أم لا ؟ مثلا: إذا ورد جملة " إن سافرت فقصر " فإن قلنا: بأن السفر علة حدوث القصر فقط، فعليه التقصير وإن انعدم السفر، لأنه واسطة ثبوت الحكم للمكلف، وعليه يترتب حكم من قال: بأن المناط في القصر والإتمام أول الوقت (1)، وتفصيله في الفقه، وعلى هذا يصير الواجب المشروط واجبا مطلقا. وإن قلنا: بأن السفر علة الحكم حدوثا وبقاء، فيرتفع بانعدام السفر، ولا معنى لكون الحكم حافظا لعلته، للزوم كون المعلول علة علته، وهذا واضح البطلان.


1 - لاحظ مستمسك العروة الوثقى 8: 176، لاحظ مستند العروة الوثقى، الصلاة 8: 391. (*)

[ 92 ]

وهكذا إذا قلنا: بأن جملة الشرط تصير عنوانا للموضوع، فيكون القضية بتية وهي: " أن المكلف المسافر يقصر " وعند ذلك أيضا فالقضية وإن كانت بتية، ولكنها في حكم الشرطية، لبقاء الوجوب المشروط على مشروطيته، ولا يصير مطلقا. إن قلت: الحيثيات التعليلية ترجع إلى الحيثيات التقييدية، فتكون النتيجة بقاء الوجوب المشروط بحاله. قلت: ما هو المشهور في محله هو رجوع الحيثيات التعليلية إلى التقييدية في الأحكام العقلية (1)، لا الأحكام الاعتبارية والتشريعية. مثلا: إذا قلنا: " بأن الغصب قبيح، لأنه ظلم " يرجع هذا التعليل إلى أن ما هو القبيح بالذات هو الظلم، والغصب المقيد بالظلم قبيح بما أنه ظلم، بخلاف ما إذا قلنا: " بأن الغصب حرام، والخمر حرام، لأنه ظلم " أو " لأنه مسكر " فإن هذا التعليل باق في الاعتبار على عليته، فيكون ما هو الموضوع للحكم بالحرمة عنوان " الغصب " و " الخمر " لا عنوان " الظلم " و " المسكر " ولا عنوانهما المقيد بهما، حتى يكون قيد الموضوع. إذا علمت ذلك، فالذي لا ينبغي الارتياب فيه: هو ظهور القضية الشرطية في أن الشرط دخيل في الحدوث، ويكون واسطة في الثبوت، من غير وساطة الموضوع في ذلك. ولو كان يرجع إلى عنوان الموضوع، فلا يبقى ذلك الظهور بحاله، لاحتمال مدخلية الموضوع المركب في الحكم. فإذا قال المولى: " أكرم زيدا العالم " فيحتمل دخالة زيد في الحكم إجمالا، ويكون الاحتمال قريبا عرفا، بخلاف ما إذا علقه على العلم، فإنه أقوى في دخالته في الحكم وعليته له، ولذلك اشتهر أقوائية ظهور القضية الشرطية في المفهوم من


1 - لاحظ نهاية الدراية 2: 131، مناهج الوصول 1: 390 - 391. (*)

[ 93 ]

القضية المقيدة. ثم إنه لو أمكن إرجاع القيد والشرط إلى الموضوع، يلزم جواز إعدامه كما عرفت، وهذا مما لا يمكن الالتزام به في مثل قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (1) لعدم جواز إعدام موضوعه بعد تحققه. ولو كان هذا مثل ذلك، فيكون تبديل العنوان جائزا، فإذا قال: " المستطيع يحج، وغير المستطيع لا يحج " فهو كقوله: " المسافر يقصر، والحاضر لا يقصر " مع أنه لا يجوز بعد فعلية الموضوع - في مثل الحج - إعدامه، وليس ذلك إلا لأجل أن الاستطاعة ليست قيد الموضوع. ولا ينبغي توهم الفرق بين المثالين، ضرورة أنه بعد دخول الوقت، وتنجز الحكم عليه، يجوز تبديل العنوان. ثم إن القضية الشرطية، ليست إلا ظاهرة في دخالة الشرط في الجملة، فانتفاء الحكم في جملة الجزاء بانتفاء الشرط ممنوع، كما تقرر في مباحث المفاهيم (2)، ولذلك يجب الحج متسكعا، وتفصيل البحث من هذه الجهة، يطلب من المباحث الآتية في المفاهيم، وينقلب الوجوب المشروط إلى الوجوب المطلق بعد تحقق الشرط. وإن شئت قلت: الواجبات المشروطة مشروطة دائما، إلا أنها تصير منجزة بعد تحقق الشرط، وتكون منجزة دائميا، إلا إذا قامت القرينة على أن الشرط واسطة في العروض، فتدبر. ولو شك في ذلك، فقضية الاستصحاب هو بقاء الحكم الثابت قبل زوال الشرط، كما لا يخفى.


1 - آل عمران (3): 97. 2 - يأتي في الجزء الخامس: 27 وما بعدها. (*)

[ 94 ]

الجهة السادسة صور الشك في رجوع القيد إلى المادة أو الهيئة وحكمها لو شك في مرجع القيد المأخوذ في الجملة، أنه راجع إلى الهيئة، أو إلى المادة، فهل هناك أصل لفظي يصح الاتكال عليه لرفع الشبهة، أو لابد من المراجعة إلى الاصول العملية ؟ وحيث إن صور الشك كثيرة جدا، نشير إليها وإلى تقاسيمها إجمالا، ثم نتعرض لأهمها مع رعاية الاختصار: فنقول: إن الاحتمالات بحسب الثبوت في مرجع القيد كثيرة، لأنه كما يحتمل في قوله: " إن سافرت فقصر " أو في قوله: " قصر مسافرا " أن يكون القيد راجعا إلى الموضوع، يحتمل كونه راجعا إلى المادة، فيجب إيجاد الصلاة في السفر قصرا، بإيجاد السفر أولا، ثم الصلاة فيه قصرا. وكما يحتمل كونه راجعا إلى الهيئة، كذلك يحتمل كونه راجعا إلى غير المادة والهيئة، بل يكون من قبيل الظرف، فيجب القصر حين السفر من قبيل الوجوب المعلق، أو راجعا إليهما، فيكون السفر غير واجب تحصيله، ولكنه إذا سافر يجب إبقاء سفره حتى يأتي بالصلاة قصرا. فالسفر على احتمال كونه قيد الهيئة، شرط الحدوث، لا البقاء، وعلى احتمال كونه قيدهما، شرط الحدوث والبقاء، مع كون الهيئة بعد تحقق الشرط داعية إلى الصلاة قصرا في السفر على الإطلاق. وبالاصطلاح العلمي: إن القضية الشرطية كما عرفت بحسب الثبوت، يمكن أن تكون شرطية، ويمكن أن تكون مقيدة بورود القيد في جانب الموضوع، أو مقيدة بورود القيد على المادة، أو مقيدة بورود القيد عليهما، أو حينية، ويكون القيد مقدر

[ 95 ]

الوجود، كما في القيود غير الاختيارية، أو مقيدة حدوثا، لا مطلقا، فالاحتمالات الرئيسة خمسة (1). ثم إن دليل القيد تارة: يكون متصلا، واخرى: يكون منفصلا. وعلى الثاني تارة: يكون لفظيا، واخرى: يكون لبيا. فعلى هذا، تكون صور الشك والشبهة تارة: خماسية، واخرى: رباعية، وثالثة: ثلاثية، ورابعة: ثنائية، أي العلم الإجمالي تارة: يكون أطرافه الاحتمالات كلها، واخرى: يكون أطرافها بعضا منها. إن قلت: قد أفاد العلامة محشي " المعالم " (قدس سره): أن تقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة (2)، فلا يمكن تصوير كون القيد راجعا إلى الهيئة فقط، فيسقط بعض الصور والاحتمالات. قلت: إنه (قدس سره) كأنه نظر إلى مثال " صل متطهرا " وأن تقييد الهيئة بالطهور، يستلزم كون المادة أو الموضوع، موصوفا بالطهارة حين الامتثال، وغفل عن أن من القيود، ما يكون قيد الهيئة حدوثا، فيكون واسطة في ثبوت الحكم على موضوعه، من غير دخالة له في البقاء، كما في مثالنا، فإن من الممكن كون السفر قيد الهيئة، ولكن لا يكون قيد المادة، فيجوز أن يكون الواجب عليه القصر ولو كان حين الامتثال حاضرا. ومثله الحج، فإن الاستطاعة قيد الحدوث، لا البقاء، ولذلك يصح الحج من المتسكع بالضرورة، فما أفاده وظن أنه يستلزم رفع الشبهة عند الشك في مرجع القيد، غير تام فلا تخلط. لا يقال: العلم الإجمالي الخماسي الأطراف غير معقول، لتكرر المعلوم


1 - تقدم في الصفحة 50 - 52. 2 - هداية المسترشدين: 196 / السطر 28 - 33. (*)

[ 96 ]

بالإجمال إذا كان أحد الأطراف الهيئة، والآخر المادة، والثالث مجموعهما، فإنه لا يقع مجموع الطرفين طرفا للعلم. لأنا نقول: نعم، في مثل الإناءات يمكن دعوى المناقضة، ولكن ذلك هنا غير مخدوش، لاختلاف الموارد من هذه الجهة. وهذا نظير ما تقرر في مباحث الفضولي في شرائط نفوذ العقد، فإنه هناك يحصل علم إجمالي: بأنها شرائط العقد، أو شرائط الإجازة، أو شرائطهما، وهذا أمر واضح إمكانه. إذا عرفت ذلك، وأحطت خبرا بصور المسألة فاعلم: أنه لا أصل لفظي وعقلائي يمكن أن يكون هو المرجع عند الشك والشبهة، فتصل النوبة إلى الاصول العملية، ومقتضاها هي البراءة في نوع الصور، لأن مع كون أحد الأطراف احتمال كون القيد راجعا إلى الهيئة، أو احتمال كون القيد راجعا إلى الموضوع، أو احتمال كون القيد راجعا إلى الهيئة والمادة، يكون التكليف قبل تحقق الشرط - كما هو مفروض البحث - مشكوكا. نعم، فيما إذا علمنا إجمالا: بأن القيد إما راجع إلى المادة، فيكون التكليف مطلقا منجزا، ويجب تحصيل القيد، لإمكان تحصيله كما هو المفروض، أو يكون القيد راجعا إلى المتعلق، فيكون ظرفا، وتكون القضية حينية، ويصير الواجب معلقا، بناء على تصوير الوجوب المعلق حتى في صورة اختيارية الظرف، وما اخذ بعنوان الحين، كقوله: " صل حين السفر " فيكون الظرف غير واجب التحصيل. ولكنه إذا حصل يتنجز الوجوب الثابت قبله بنحو المعلق. فإن علمنا من الخارج بتحقق القيد، فعليه لابد من القيام بالوظيفة والمقدمات الوجودية، حذرا من الوقوع فيما لا يعد عذرا عقلا، كما مضى تفصيله (1).


1 - تقدم في الصفحة 65 - 67. (*)

[ 97 ]

وإذا كان شاكا في حصول الظرف والقيد، فلا شئ عليه، لعدم العلم بتنجز التكليف بعد ذلك، والاحتمال ليس منجزا. وحيث إن المنسوب إلى شيخ المحشين، العلامة الأصفهاني في " الهداية " (1) وإلى الشيخ الأنصاري (2) ترجيح أحد الأطراف في بعض صور المسألة، والتمسك بالأصل اللفظي لانحلال العلم الإجمالي (3)، فلابد من الإيماء إلى ما أفاداه، أو يمكن إفادته: الأول: قد عرفت من " الهداية " أن في دوران الأمر بين رجوع القيد إلى الهيئة والمادة، أن الأصل يقتضي الثاني، لأن التقييد على خلاف الأصل، وتقييد الهيئة يستلزم تقييد المادة، ولا عكس، فدار الأمر بين تقييد المادة - وهو تقييد واحد - وتقييد الهيئة، وهو تقييدان (4). وقد عرفت منا أولا: أنه لا ملازمة ثبوتا بين رجوع القيد إلى الهيئة والمادة، ولا تلازم من كلا الطرفين (5). وثانيا: تقييد الهيئة لا يستلزم تقييد المادة، بل يستلزم بطلان مورد الإطلاق في ناحية المادة، أي يستلزم عدم انعقاد الإطلاق في جانب المادة بالنسبة إلى القيد الآتي من قبل الهيئة. مثلا: إذا قال المولى: " صل متطهرا " وشك في أنه قيد الهيئة، فلا يجب تحصيل الطهارة، أو قيد المادة، فيجب تحصيل الطهارة، وإتيان الصلاة متطهرا، فإذا


1 - هداية المسترشدين: 196 / السطر 28 - 35. 2 - مطارح الأنظار: 49 / السطر 19 - 21. 3 - مناهج الوصول 1: 365، تهذيب الاصول 1: 237. 4 - هداية المسترشدين: 196 / السطر 28 - 35. 5 - تقدم في الصفحة 51 - 52. (*)

[ 98 ]

رجع إلى الهيئة فمعناه أنه تجب الصلاة عن طهارة، فلا ينعقد الإطلاق في ناحية المادة والمتعلق. إن قلت: محل النزاع ليس في القيد المتصل، بل الجهة المبحوث عنها إما تكون أعم، أو تنحصر بما إذا ورد دليل القيد منفصلا. مثلا: إذا ورد " صل " ثم ورد " ولاتصل إلا متطهرا " وشك في أنه قيد الهيئة أو المادة، فإنه عند ذلك يلزم الدوران المزبور، ويصير الأمر مرددا بين الأقل والأكثر، ولذلك يظهر من " الكفاية " الميل إلى هذا التقريب (1). قلت: لافرق بين المتصل والمنفصل، في أن تقييد الهيئة يستلزم تضيق المادة، ويكون المطلوب مقيدا وحصة خاصة، ولا معنى لرجوع القيد إلى الهيئة، إلا بأن يكون المطلوب مضيقا من الأول، وكاشفا عن تضيق المراد من رأس. وهذا ليس خلاف الاصول العقلائية، لأنه عند كشف تضيق المراد، لا يلزم المجاز، ولا التقييد. وبعبارة اخرى: كل واحد من إطلاق الهيئة والمادة، قابل للتمسك به بعد انعقاد الظهور، ولكنه إذا فرضنا رجوع القيد إلى الهيئة، فهو يستلزم قهرا بطلان مورد إطلاق المادة، كما في المتصل، فلا يدور الأمر بين تقييد وتقييدين إلا في صورة عدم الملازمة، وعند ذلك لا يلزم إلا تقييد واحد، إما متوجه إلى الهيئة، أو إلى المادة، فافهم واغتنم. وأما ما أفاده المحقق الوالد - مد ظله -: من أن هذا النحو من الاستلزام، ينعكس في جانب تقييد المادة، بدعوى أن الهيئة في قوله: " أكرم زيدا " وفي قوله: " أكرم زيدا إكراما مقيدا بمجيئه " مختلفة، فإن الاولى تدعو إلى المطلق، والثانية


1 - كفاية الاصول: 135. (*)

[ 99 ]

تدعو إلى المضيق (1)، فهو بعيد عن ساحته، ضرورة أن الهيئة ليست إلا للبعث نحو المادة والمتعلق، ولو كان المتعلق مقيدا بقيد يجب تحصيله فهو مع ما إذا كان متعلقه مطلقا واحد، والاختلاف في أمر آخر، فتقييد الهيئة ربما يستلزم تقييد المادة وتضيق المطلوب ولا عكس، فلاحظ جيدا. وأما ما أفاده بعض الفضلاء المعاصرين: من إنكار الملازمة (2)، فهو حق صرف كما عرفت، ولكن ذلك ليس على إطلاقه حتى يكون عدم الملازمة كليا، بل ربما يكون الملازمة من الخارج ثابتة، كما في نسبة الصلاة إلى الطهور والوقت، فإن الطهور والوقت قيد الهيئة والمادة، فإذا أمكن ذلك، فربما يكون في حال الشك ثبوت الملازمة مفروغا عنه، فلاتنحل الشبهة أساسا إلا بوجه ذكرناه. وبهذا ينقدح ما أفاده الشيخ الأنصاري (قدس سره) وجها ثانيا للترجيح: وهو أن تقييد الهيئة وإن كان لا يستلزم التقييد، ويورث نتيجة التقييد، ولكن لا فرق في ذلك - وهو رجحان رجوع القيد - بين كون الدوران بين التقييد والتقييدين، أو بين التقييد والتقييد ونتيجة التقييد، في أن الأصل هو البناء على الأقل (3). وأنت قد عرفت: أن ما هو خلاف الأصل هو التقييد عند الشك في أصل ورود القيد، وأما في خصوص مرجع القيد فلا أصل عقلائي يعين ذلك (4)، ضرورة أن بناء العقلاء عملي، وهو متوقف على كون هذا الفرض مورد الابتلاء حتى يعلم حاله منها. لا يقال: إن الشيخ الأنصاري (قدس سره) في مخلص من هذه الشبهة، لامتناع رجوع


1 - مناهج الوصول 1: 369 - 370، تهذيب الاصول 1: 241 - 242. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 342 - 343 و 346. 3 - مطارح الأنظار: 49 / السطر 22 - 24. 4 - تقدم في الصفحة 96. (*)

[ 100 ]

القيد عنده إلى الهيئة، فيكون البحث لديه تقديريا. لأنا نقول: إنه وإن كان في مهرب من خصوص هذا العلم الإجمالي، ولكن هناك علم إجمالي آخر: وهو دوران كون القيد راجعا إلى المادة، فيكون واجبا منجزا، أو أنه قيد اخذ مفروض الوجود، فيكون واجبا معلقا، أي اخذ القيد ظرفا وبنحو القضية الحينية، فيكون فوق دائرة الطلب في مقام البعث والإيجاب. وما قد توهم: من أنه يمكن تصوير العلم الإجمالي الأول بين الهيئة والمادة على مسلكه (قدس سره) أيضا فيما إذا افيد الوجوب بالجملة الاسمية (1)، فهو لا يخلو من التأسف، لأن مفاد الهيئات الاسمية والفعلية مشتركة في كونها حرفية، لأن الموضوع له في الكل جزئي وخاص، فلا تخلط. ذنابة: في تلخيص الأقوال والوجوه في المسألة ونقدها المحكي عن العلامة النائيني (قدس سره): هو أن العلم الإجمالي ينحل، لدوران الأمر بين الأقل والأكثر، فيكون المرجع على كل تقدير في المتصل والمنفصل هو المادة، لأنها إما مقيدة بذاتها، أو مقيدة بالتبع، فإطلاق الهيئة محفوظ بحاله (2). وأورد عليه: بإنكار الملازمة (3). والجواب عنه: أنه وإن كان الأمر كذلك ثبوتا، ولكن قد يتفق الملازمة، ومع ذلك يكون العلم الإجمالي موجودا، فلابد من تحصيل جواب آخر لدفع هذا التقريب، أوتصديقه في خصوص هذا الفرض، حتى تكون الأقوال في المسألة أربعة:


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 331. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 217. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 342 - 343 و 346 - 347. (*)

[ 101 ]

الأول: قول الشيخين (رحمهما الله) وهو الرجوع إلى المادة. الثاني: الإجمال مطلقا، وهو مختارنا ومختار جمع (1)، وفيهم الوالد المحقق - مد ظله - (2). الثالث: التفصيل بين كون دليل القيد متصلا، ومنفصلا، وهو مختار " الكفاية " (3) وبعض آخر، وإن أمر (رحمه الله) فيها بالتأمل، وهو الظاهر في إسرائه الإجمال حتى في المنفصل. والرابع: هو التفصيل بين القيود، فما كان منها قيد الهيئة والمادة معا ثبوتا إذا كان قيد الهيئة إثباتا، وبين ما لا يكون كذلك، وتكون النسبة عموما من وجه، وهذا هو الذي يقرب عندنا احتمالا. وهناك احتمال خامس أو قول: وهو التفصيل في مبنى الإطلاق فيما كان دليل المقيد منفصلا، فإن قلنا: بأن الإطلاق معلق على عدم ورود القيد إلى الأبد، كما نسب إلى الشيخ (قدس سره) (4) وقال بورود دليل القيد على معارضه، فهو يسري إجماله إلى المطلق. وإن قلنا: بأن الإطلاق معلق على عدم وجود القيد في مقام التخاطب - كما عن الأكثر (5)، وهو الأقرب - فلا يسري. ولكنه عندنا غير صحيح، لأنه لا منع من الالتزام بهذا المعنى، ومع ذلك نقول بالسراية في القوانين ووضعها.


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 536 - 537. 2 - مناهج الوصول 1: 365، تهذيب الاصول 1: 237. 3 - كفاية الاصول: 134 - 135. 4 - فرائد الاصول 2: 792. 5 - كفاية الاصول: 513، نهاية الأفكار 4، الجزء الثاني: 148. (*)

[ 102 ]

والذي هو الجواب: أن هذا العلم التفصيلي المتولد من العلم الإجمالي، لا يورث انحلاله، كما تحرر. هذا بحسب الثبوت. أقوال المسألة باعتبار مقام الإثبات وأما بحسب الإثبات، ففي كثير من الموارد، يمكن التفكيك بين الآثار، فتجري القاعدة الموضوعة للشك، ويصير مورد الشك صحيحا ظاهريا. ولكن ذلك هنا غير ممكن، لعدم وجود دليل على ذلك، كما لا يخفى، فافهم واغتنم. مثلا: إذا علمنا ببطلان الظهر أو العصر، وقلنا باشتراط الترتيب واقعا بينهما، فتعلم تفصيلا ببطلان العصر، إما لذاته، أو لأجل بطلان الظهر، ولكن هذا العلم الإجمالي لا ينحل بمثل هذا المعلوم التفصيلي، لتقومه به. نعم، تجري قاعدة الفراغ والتجاوز، وأصالة الصحة في الظهر بلا معارض، فيأتي بالعصر - حسب الظاهر - في مقام التفكيك بين الآثار واللوازم، هكذا تحرر في محله. فالمحصول بعد ذلك كله: أن الدليل يصير مجملا، وتجب المراجعة إلى مقتضى الاصول العملية، كما قد مضى سبيله (1). وغير خفي: أن الوجه الأول يحرر على ثلاثة أوجه، والكل - بحسب أساس التقريب - واحد، ولذلك أدمجنا بعضها في بعض. الوجه الثاني: ما في تقريرات جدي العلامة (قدس سره) منسوبا إلى الشيخ (قدس سره) أيضا: وهو أن قضية القواعد تقديم العام والإطلاق الشمولي على العام والإطلاق البدلي (2)،


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - مطارح الأنظار 49: 19 - 22. (*)

[ 103 ]

وهذا لا يخص بما إذا كان التعارض بين الإطلاقين، أو العام الشمولي والإطلاق البدلي، بل ملاك الترجيح يجري في مطلق الشمولي والبدلي، وذلك لأن الإطلاق البدلي حجة معلقة، والشمولي حجة منجزة، والثانية مقدمة على الاولى، كما أفاده في بحث التعادل والترجيح (1). وأما العموم البدلي، كما إذا قال: " لا تكرم أي فاسق " فإنه لايقام قوله: " أكرم العلماء " لأن دلالته على البدل وعرضية، ودلالته على الشمول وطولية، والطولية تدل على سريان الحكم قبل أن يسري الحكم البدلي إلى ذلك الفرد، وهو الفاسق، فكأن سرايته إلى ذلك الفرد معلقة على عدم تقدم دال آخر على حكم ضد حكمه. وهذا وإن لم يكن في كلامه (قدس سره) ولكن الذي يظهر جواز توهم تقديم الشمولي على البدلي حتى في الدلالات الوضعية، فتأمل. هذه مقدمة. ومقدمة اخرى: وهي أن إطلاق الهيئة شمولي، وإطلاق المادة بدلي، ولو كانا متعانقين في الدلالة ومتلازمين في الإفادة، وذلك لأن في قوله: " صل " دالين أحدهما: الهيئة والآخر: المادة، أما الهيئة فمفادها طبيعة الوجوب، لا وجوب ما، أي أن المنشأ هو الوجوب على كل تقدير، سواء كان القيد المشكوك فيه موجودا، أو معدوما، فالوجوب ينشأ بالنسبة إلى التقادير الممكنة عرضا، ولكن المادة ليست مطلوبة بجميع آحادها وأفرادها، فيكون المطلوب فردا ما. هذا غاية ما يمكن أن يقرب به الإطلاقان الشمولي والبدلي في الكلام الواحد، بالنسبة إلى الهيئة والمادة، فعلى هاتين المقدمتين يتعين فيما نحن فيه، إرجاع القيد إلى المادة، دون الهيئة، فيكون الواجب فيما تردد بين المشروط والمطلق هو المطلق، وفيما تردد بين المنجز والمعلق هو المنجز، فعلى المكلف


1 - فرائد الاصول 2: 792. (*)

[ 104 ]

المبادرة إلى تحصيل القيد، ولايجوز له التأخير إلى أن يحصل القيد طبعا. أقول تارة: ينظر إلى ما اشتهر من تقسيم الإطلاق إلى الشمولي والبدلي (1) فيقال: بأنه قسمة ضيزى غير صحيحة جدا، لأن الإطلاق هو رفض القيود، وجعل الطبيعة تمام الموضوع للحكم، فيكون فعل الجاعل المختار العاقل، دليلا على أن ما هو مورد الحكم تمام الموضوع، فلا دلالة للفظة على الإطلاق حتى تكون شمولية أو بدلية. نعم، ربما يستفاد الشمولية والبدلية، كما في * (أحل الله البيع) * (2) و " أكرم عالما " من مناسبات الحكم والموضوع، أو من بعض الدلالات، كدلالة التنوين أحيانا، وأن التقسيم المذكور راجع إلى العموم، كما تقرر في مقامه (3). واخرى: ينظر إلى أن ترجيح الشمولي على البدلي، بلا أساس في الإطلاقات، لاتحاد الكل في وجه الدلالة، وما قرع سمعكم فهو مخصوص فرضا بالعام الشمولي المعارض للإطلاق، سواء كان شموليا، أو بدليا، لأن دلالة العام بالوضع، دون الإطلاق. بل يمكن ترجيح البدلي الدال عليه وضعا على الشمولي الثابت بمقدمات الحكمة، كما في " الكفاية " (4). وثالثة: ينظر إلى أن ترجيح الشمولي على البدلي في الإطلاقات، يصح فيما إذا كان المعاندة بين الدليلين بالذات، وما نحن فيه ليس المعارضة بالذات، حتى يقدم أقوى الظهورين على الآخر، بل هنا تعرض المعاندة من العلم الإجمالي


1 - كفاية الاصول: 292، أجود التقريرات 1: 160 - 162 و 519، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 520 - 521. 2 - البقرة (2): 275. 3 - يأتي في الجزء الخامس: 455. 4 - كفاية الاصول: 134. (*)

[ 105 ]

الحاصل من الخارج: بأن القيد إما راجع إلى الهيئة، أو إلى المادة، وإلا فلا تهافت بينهما بالذات. ورابعة: ينظر إلى أنه لا محصل للإطلاق الشمولي أو البدلي فيما نحن فيه، لو كان تقسيم الإطلاق إليهما صحيحا، وقلنا بتقديم الإطلاق الشمولي على البدلي حتى في صورة المعارضة بالعرض، وذلك لأن الشمول في الهيئة، يوجب كون إطلاق المادة شموليا أيضا، ضرورة أن معنى الشمول في الهيئة، هو البعث على كل تقدير، وتعلق الإرادة على كل فرض. وإن شئت قلت: معناه هو البعث على جميع التقادير، بحيث يكون في كل تقدير إيجاب، ووجوب، ومعه كيف يمكن أن يكون إطلاق المادة بدليا، إذ كيف تتعلق إرادات وإيجابات في عرض واحد بفرد ما ؟ ! فتحصل إلى هنا: أن الشبهات والنظرات في مقالة الشيخ الأعظم الأنصاري من نواح شتى، وكل واحدة من ناظر وأكثر: والنظرة الاولى: للوالد المحقق - مد ظله - والعلامة الأراكي، من إنكار أساس البحث (1). والثانية: للعلامة الخراساني (رحمه الله) من إنكار كبرى المسألة (2). والثالثة: لبعض المعاصرين من إنكار صغرى المسألة (3). والرابعة: للوالد - مد ظله - من إنكار تصور المسألة بوجه معقول (4).


1 - مناهج الوصول 1: 365، تهذيب الاصول 1: 237، نهاية الأفكار 1: 323. 2 - كفاية الاصول: 134. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 338. 4 - مناهج الوصول 1: 368 - 369. (*)

[ 106 ]

والذي هو التحقيق: أن كل ذلك في غير محله، لجهة من الجهات: أما إنكار أساس البحث والتقسيم، فهو في محله، ولكن ذلك لا يورث رفع الغائلة، واندفاع ما قيل في مقام الترجيح، لأنه لا يرجع إلى إنكار الإطلاق الشمولي والبدلي حتى مع دلالة الدليل الآخر، ضرورة أن قوله تعالى: * (أحل الله البيع) * (1) شمولي، لما يفهم من مناسبات خارجة عن دلالة ألفاظ الكتاب، وقوله " أكرم العالم " بدلي أيضا بلا شبهة، من غير دلالة من اللفظ عليه، بل هو أيضا يفهم من الخارج. فإذا ثبت أن الشمولية والبدلية، ليست من تقسيمات الإطلاق، كما في العموم، ولكن يكون المطلقات بدلية وشمولية، لمناسبات اخر ودلالات اخرى، فلنا أن نقول: إن إطلاق الهيئة شمولي، والمادة بدلي، لتلك المناسبات، فإنكار تقسيمه الذاتي إليهما، لا يستلزم عدم كون المطلقات - بجهات اخر - بدلية وشمولية، فإذن لابد من إنكار الجهات الاخر، حتى يتوجه الإشكال إلى التقريب المزبور. هذا ما يتوجه إلى النظرة الاولى. وأما ما يتوجه إلى النظرة الثانية: فهو أن مقدمات الحكمة تقوم مقام أداة العموم، فإن قامت مقام أداة العموم الشمولي، فهي مثلها في أحكامها العقلائية، لصيرورة القضية بها قضية حقيقية منحلة إلى قضايا كثيرة غير متناهية عرضا. وإن قامت مقام أداة العموم البدلي - كلفظة " أي " مثلا، ويرادفها في الفارسية (هركدام) - فهي مثلها في ذلك، لانحلالها إلى القضايا الكثيرة طولا، فيقدم الأول على الثاني في المعارضة، كما يقدم العموم الشمولي على البدلي، على ما عرفت تقريبه، ففيما نحن فيه يقدم مفاد الهيئة على المادة، لعين ما عرفت في الدليلين المنفصلين. وأما ما يتوجه إلى النظرة الثالثة: فهو أنه قد خلط بين المعارضة والتعارض


1 - البقرة (2): 275. (*)

[ 107 ]

- الذي يكون موضوعا للأدلة العلاجية، من كون الخبرين بنفسهما متعارضين - وبين ما نحن فيه، ضرورة أن في تلك المسألة يمكن أن يقال: بظهور قوله: " إذا جاء عنكم الخبران المتعارضان " في أن التعارض وصف الخبرين بالذات، فلا يشمل معارضة أخبار وجوب الجمعة والظهر، لأنها ليست متكاذبة ومتعارضة بالذات. وأما فيما نحن فيه، فما هو الدليل هو حكم العقلاء بترجيح الشمولي على البدلي. ولو كان الشرط ثبوت المعارضة بالذات في ترجيح الشمولي على البدلي، لما كان مورد لذلك الحكم، لأن الدليلين اللذين بينهما العموم من وجه، ليسا متعارضين بالذات، بل التعارض في الخارج عن محيط الدلالة واللفظ، فعلى هذا لا معنى للإشكال الصغروي. نعم، يمكن دعوى: أن بناء العقلاء ثابتة في الدليلين المنفصلين، ولكنها إن كانت تامة في أصلها، فهي لا تفترق في الصورتين، فليتدبر. وأما ما يتوجه إلى النظرة الأخيرة: فهو ما قد عرفت منا في كيفية التقريب (1)، فليتأمل. والذي هو الحق: أن تصوير الإطلاقين في المقام - أحدهما: للهيئة، والثاني: للمادة، بحيث يكون كل واحد منهما ذا مقدمات للحكمة على حدة - غير صحيح، بل المتكلم بعدما يرى المصلحة في الصلاة مثلا مادة، وأن الهيئة أيضا لا تحتاج إلى قيد، يقول للمكلف: " صل " فبمقدمات الحكمة الواحدة يثبت الإطلاق للهيئة والمادة ولا تنحل تلك المقدمات إلى مقدمتين، فتكون إحداهما: مفيدة الشمولية، والاخرى: مفيدة البدلية، فإذا ورد القيد المجمل المردد بين رجوعه إلى الهيئة والمادة، يعلم عدم تمامية مقدمات الحكمة، وأنه لم يكن في مقام إفادة تمام الخصوصيات،


1 - تقدم في الصفحة 102 - 105. (*)

[ 108 ]

لمصالح، فإن تبين مرجع القيد فهو، وإلا فيصير الدليل المقيد مجملا. وهذا على مسلك من يقول بعدم دلالة الهيئة والمادة على المعنى التصوري أوضح. وعلى مسلكنا أيضا واضح، ضرورة أن المعنى التصديقي، لا يحصل إلا من تعانق المادة والهيئة، فكما أن المعنى التصديقي للكلام لا يتحقق إلا من تعانقهما، كذلك مقدمات الحكمة الواحدة، تكفي لحصول الإطلاق لكل واحد من الهيئة والمادة. فلو تردد الأمر بين أطراف ثلاثة أو أربعة أو خمسة، أو باعتبار اشتمال الكلام على القيود الاخر تردد بين الأكثر، يصير الدليل المقيد مجملا بلا إشكال. الجهة السابعة في دخول المقدمات المفوتة للوجوب الغيري في محل النزاع بعد البناء على صحة الوجوب المشروط ولو في الاعتبار وبحسب الآثار، فكما أن مقدمات الوجوب المطلق، داخلة في محيط النزاع في مسألة مقدمة الواجب، كذلك مقدمات الوجوب المشروط. ولكن الوجوب الغيري المتصور في الفرض الأول مطلق، تبعا لإطلاق وجوبه النفسي، وفي الفرض الثاني مشروط، تبعا لمشروطية وجوب ذي المقدمة، فهو تابع في الاشتراط والإطلاق لذي المقدمة اشتراطا وإطلاقا. ثم إنه كما يكون من تلك الجهة تابعا لذاك، فهل هو في الشرط أيضا تابع، فيتحد شرط ذي المقدمة والمقدمة، أم يختلف ؟ فلو قال: " صل إن كنت طاهرا " فإرادة الصلاة إذا كانت مستتبعة لإرادة متعلقة بمقدمتها وهو التستر، فهل يكون الوجوب الغيري للتستر مشروطا بالطهارة، أو يكون مشروطا بفعلية خطاب ذي المقدمة ؟ والكل محتمل كما لا يخفى.

[ 109 ]

التقسيم الثاني في المنجز والمعلق المعروف عن صاحب " الفصول " (قدس سره) تقسيم الواجب إلى المنجز والمعلق (1). وربما يقال: إنه قسم المطلق إلى المنجز والمعلق (2)، أو يقال: إنه جعل أقسام الوجوب ثلاثة: المشروط، والمنجز، والمعلق (3). والبحث عن ذلك ليس دأب المحققين. كما أن البحث عن أن مختار الشيخ الأنصاري في الواجب المشروط، يرجع إلى معلق " الفصول " أو تكون النسبة عموما من وجه، أو مطلقا، وما أفاده الشيخ من المشروط - بعد اختيار امتناع رجوع القيد إلى الهيئة - هو معنى التعليق، لأن الهيئة بلا قيد، فيكون مفادها فعليا، والمادة ليست واجبة في زمان وجود الوجوب، فيكون غير منجز، فإذا لم يكن مشروطا ولا منجزا فهو المعلق، أو شئ آخر سمه أي اسم شئت، أيضا ليس دأبنا.


1 - الفصول الغروية: 79 / السطر 36. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 320 / السطر 37، محاضرات في اصول الفقه 2: 347. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 106. (*)

[ 110 ]

والذي هو المهم عندنا بالبحث قبل ورودنا في أساس المسألة، هو الإيماء إلى بعض الامور، حتى لا يلزم الخلط، ويتضح مصب النزاع والتشاح، ويتحد موقف النفي والإثبات: الأمر الأول: في المراد من المنجز والمعلق اعلم: أن الوجوب المطلق كما عرفت، لا يكون ثابتا على الإطلاق في الشريعة، فالنظر فيه إلى ما هو المطلق من حيث الإضافة إلى قيد، فإذا لاحظنا قيدا فتارة: يكون هذا القيد قيد الهيئة، واخرى: يكون قيد المادة، وثالثة: لا يكون قيد الهيئة ولا المادة، بحسب مقام الجعل والإيجاب، بل يكون القيد ظرف المتعلق، ومن متعلقات الفعل (1). مثلا: الاستطاعة تارة: تكون قيد الهيئة، فالواجب بالنسبة إليها مشروط. واخرى: تكون قيد المادة، فالواجب بالنسبة إليها مطلق، ويكون المتعلق مقيدا، ويجب تحصيل القيد. ففي الأول يكون الوجوب مشروطا واستقباليا، والواجب أيضا استقباليا، وفي الثاني يكون الوجوب والواجب حاليا. وثالثة: تكون الاستطاعة ظرف القضية ومفادها، أي لا قيد الهيئة، ولا قيد المادة، فالهيئة مطلقة بالنسبة إليها وإن كانت من نظر آخر مشروطة، والمادة غير مقيدة ومطلقة أيضا بلحاظها وإن كانت مقيدة بقيود اخر، فهي تكون خارجة عنهما، أي تصير القضية حينية، لا مشروطة، ولا مقيدة، بل مطلقة حينية، أي يجب الحج


1 - تقدم في الصفحة 49 - 50. (*)

[ 111 ]

حين الاستطاعة. وهذا هو الوجوب المعلق المجامع للمشروط والمقيد بشرط آخر، وقيد آخر غير قيد الاستطاعة، فلا تخلط فيما هو روح البحث وأساس المسألة. ثم إن محط النزاع لا يخص بما إذا كان القيد المزبور غير اختياري، بل لا فرق بينه وبين الاختياري في إمكان التصوير وعدمه، فما ترى في كلمات القوم: من أن " الفصول " هل قال كذا، أو لم يقل ؟ وأن الشيخ هل صنع كذا، أو لم يصنع ؟ خارج عن وظيفتنا. فبالجملة: لافرق بين الفرضين في أصل المسألة، ضرورة أن من يقول: بأن القيد غير الاختياري يرجع إلى قيد الهيئة، فيكون الواجب مشروطا، يقول: بأن القيد الاختياري يرجع إما إلى المادة، أو الهيئة، فالفرق في ناحية اخرى، لا في أساس البحث. الأمر الثاني: في المراد من الوجوب المعلق لا يقول مثبت الوجوب المعلق: بأن الإرادة التي هي منشأ اعتبار الوجوب بعد الظهور، تنفك عن المراد بالذات، حتى ينكر عليه من استوحش من هذا التقسيم، فيقول: إن الإرادة متشخصة بالمراد، فلا يعقل تحقق الإرادة بلا مراد، من غير فرق بين الإرادة التكوينية والتشريعية (1)، بل من يريد إثبات المعلق، يريد تفكيك الإرادة عن المراد بالعرض، وما هو الفعل الخارجي. فالبحث يكون في المقام حول أن الإرادة والوجوب، هل يمكن أن يتعلق بالمتأخر زمانا، بمعنى أن تكون الإرادة السابقة المتشخصة بصورة المراد ذهنا،


1 - تشريح الاصول: 191 / السطر 21. (*)

[ 112 ]

والموجودة بوجود المراد الذهني، علة وجود المراد فيما لا يزال وفي الزمان المستقبل، أم لا ؟ فبالجملة: من يدعي الوجوب المعلق، لا يريد إثبات تحقق الإرادة بدون المراد في ظرف وجود الإرادة، أي لا يتمكن من أن يدعي تحققها بلا المراد بالذات، بل الإرادة عنده كالعلم لابد لها من طرف، لكونها من الأفعال ذات الإضافة، أو من الصفات ذات الإضافة. وعلى كل حال: لا يعقل تصورها بالحمل الشائع إلا مع طرف في ظرف وجودها وحصولها، لأنها متشخصة بالمراد، ويكون المراد في المرتبة السابقة عليها وجودا، أي المراد بالذات، لا المراد بالعرض. إذا عرفت هذه المسألة، ومحل النزاع، وما هو المقصود من " الوجوب المعلق " تصورا، فالآن حان وقت تحقيق المسألة تصديقا، ولا بأس بذكر بعض المقدمات سابقة على ما هو المطلوب، حتى لا يبقى محل إشكال للآخرين: الاولى: في إشارة لحقيقة الإرادة قد تقرر في مباحث الطلب والإرادة: أن الإرادة من أفعال النفس، وليست الجزء الأخير من العلة التامة، بل يحصل انفكاك بين المعلول والإرادة في أفعالنا، وهي حركة العضلات والقبض والبسط المتصور لها، فكثيرا ما نريد شيئا - وهي حركة العضلة - ولا تحصل تلك الحركة في الخارج، لعدم تمامية شرط وجودها في العضو، وهو إمكانه الاستعدادي لقبول صورة الحركة لحصول الرخوة في الروح البخاري مثلا (1).


1 - تقدم في الجزء الثاني: 50 - 52. (*)

[ 113 ]

ومر: أن الإرادة ليست هي الشوق المؤكد، بل الشوق والاشتياق من مقولة الانفعال، ومن أوصاف النفس، والإرادة فعل النفس، وخارجة عن أية مقولة حتى " أن يفعل " لعدم حصولها تدريجا، بل هي آنية الوجود، وبعد تمامية مقدمات وجودها وشرائط تحققها (1)، فلا نطيل الكلام بذكر هذه الامور تفصيلا. وأيضا قد تقرر منا مرارا: أن الإرادة التكوينية والتشريعية، لا تختلف في حقيقة الإرادة، ولايكون المراد في الثانية متخلفا عن الإرادة، بل الإرادة التكوينية في الفاعل، تتعلق بما يريد إيجاده بتوسط الحركة التي توجد في العضلات مثلا، والإرادة الثانية أيضا تكوينية متعلقة ببعث العباد إلى المادة، وهو يحصل بلا تخلف (2). وما اشتهر: " من أن متعلق الإرادة التشريعية فعل الغير " (3) من الغلط الواضح. وتوهم إمكان دفع الإشكال المتوجه إليه - بأنه يلزم التخلف، مع أن الإرادة علة تامة في الفاعل الإلهي -: بأن المراد هو صدور الفعل عنه عن اختيار، غير تام، ضرورة أن لازم ذلك، صدور الفعل عنه عن اختيار، ولاتنافي بين ذلك وبين اختيارية الفعل، فتأمل. فبالجملة: الوجدان حاكم بأن ما يريده الشرع والآمر، هو البعث نحو المادة وإن كان يشتاق لفعل الغير وصدوره منه، أو يطلبه بعد التوجه الثاني، ولكنه لا يريده، لعدم إمكان تعلق الإرادة بما هو الخارج عن حيطة قدرته، ولا معنى للإرادة التشريعية حتى يقال: بأنها تكون هكذا، لا الإرادة الفاعلية. نعم، المراد من " الإرادة التشريعية " هو أن المراد تشريع القانون وبعث الغير نحو المطلوب، فلاحظ.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 40 - 42. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 69 - 72. 3 - نهاية الدراية 1: 280 - 281، نهاية الأفكار 1: 168 - 169. (*)

[ 114 ]

الثانية: حول انفكاك الإرادة الأزلية عن المراد قضية ما تقرر في الكتب العقلية: هو أن الله تبارك وتعالى نافذة قدرته وإرادته، ولا شئ خارج عن حكومته (1). وهذا هو الظاهر من الكتاب حينما يقول: * (والله خلقكم وما تعملون) * (2) ويقول: * (خالق كل شئ) * (3) ومن الأشياء أفعال العباد، وكان ما يعملون ويعبدون هي الصورة التي كانت تصنعها أيديهم من الخشب، لا مادة الخشب، فاغتنم وافهم. وأيضا تقرر في محله: أنه تعالى منزه عن الحوادث، ولا يوصف بها، بل الحوادث كلها خلائق الله تعالى (4). فإذن تحدث مشكلة ومعضلة قوية: وهي أنه كيف يمكن استناد المخلوق الزماني فيما لا يزال، إلى الموجود الأزلي المنزه من حوادث الصفات، ومنها: الإرادة ؟ ! لأن الحوادث الزمانية المستندة إليه تعالى، إما تستلزم حدوث الإرادة، أو تكون الحوادث قديمة زمانا، والكل ممنوع عقلا ووجدانا. وما هو الحجر الأساسي حلا لمثل هذه الشبهة: هو أن الإرادة عليتها تابعة لكيفية تعلقها، فإذا تعلقت الإرادة بوجود زيد فعلا، فلابد أن يتحقق المراد، وهو زيد، وإذا تعلقت الإرادة بوجود زيد غدا، فلابد أن يتحقق المراد في القطع، فلو تحقق المراد في الحال، فقد تخلف المراد عن الإرادة، لأنها تعلقت بتلك الكيفية، لا بهذه الكيفية. فهو تعالى الغني بالذات، يريد في الأزل خلق زيد مثلا أو فعل المكلف مثلا


1 - الشواهد الربوبية: 137 - 138. 2 - الصافات (37): 96. 3 - الأنعام (6): 102، الرعد (13): 16، الزمر (39): 62، غافر (40): 62. 4 - الحكمة المتعالية 6: 93. (*)

[ 115 ]

فيما لا يزال، فتكون الإرادة أزلية، والمراد حادثا في الزمان المتأخر، وفي عصر كذا. وأما كيفية تصوير هذه الإرادة، وكيفية المراد بالذات وبالعرض في حقه تعالى، فهي موكولة إلى أرباب الفن، ولقد تعرضنا في " القواعد الحكمية " (1) لقصارى هذه المسائل، ومن شاء فليرجع إلى ما هناك، وإنه من مزال الأقدام، لا يجوز للعالم الاصولي سلوك هذه المسالك الخطيرة، لوقوعه فيما لا ينبغي، ولا يعد معذورا، لجهله بجهله. الاستدلال على الواجب المعلق وبيان انفكاك المراد عن الإرادة والمقصود من هذا التمثيل تصوير أن الإرادة، لاتستتبع المراد على كل حال، ويمكن التفكيك بينهما، وهو تابع لكيفية تعلقها به. هذا حسب البرهان العقلي المشعوف بالعرفان والشهود العلمي. وأما بحسب الوجدان، فانظر إلى ما تريده في كربلاء وأنت في النجف، فإن الضرورة قاضية بأن إرادة كربلاء توجب - لكونها إحدى مبادئ إرادة مقدماته - إرادة في وجودك نحو تلك المقدمة، وهي أخذ السيارة، وتحصيل ما يرتبط به حتى توصلك إليها، لزيارة الحسين - روحي فداه - ليلة الجمعة، فهل أنت بالنسبة إلى الزيارة لست مريدا، أن أنت مريدها بالضرورة ؟ فهل تحصل إذا كنت مريدها الزيارة بلا انتظار، أم الإرادة حاصلة، والزيارة تحصل بعد ذلك ؟ فحصل التفكيك بين الإرادة والمراد في الإرادة الفاعلية، فلا شبهة في تحققها قبل تحقق المراد بزمان طويل، وليس هذا التفكيك إلا لأجل أن الإرادة تعلقت بالمتأخر، ولكن التأخر المعلوم فعلا مراد بالذات فعلا، ومتأخر في الوجود زمانا.


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 116 ]

وتوهم: أن كربلاء ليست مرادة، بل هي مشتاق إليها، وتميل النفس إليها ميلا كاملا، وعند ذلك تريد المقدمات، فكل مقدمة قريبة في الوجود هي المرادة، ولاتفكيك، وكل متأخر في الوجود مشتاق إليه، ومعلوم الصلاح، ثم تتعلق به الإرادة عند استجماع سائر الشرائط، فلا يلزم تفكيك وإذا سئل وجدان أحد بأنك تريد كربلاء وتقصدها ؟ فيجيب: " نعم " فهو بمعنى الطلب والميل، لا الإرادة التي هي الجزء الأخير للعلة التامة، مدفوع بما عرفت. والعجب من العلامة المحشي الأصفهاني حيث توهم ذلك، وتنظر في إمكان تعلق الإرادة التكوينية بالمتأخر (1)، غفلة عن البرهان والوجدان، وتبعه بعض أفاضل تلاميذه في التكوينية دون التشريعية، مع تصريحه بعدم الفرق بين الإرادتين (2). إن قلت: الإرادة ليست إلا اختيار النفس ما يرى فيه صلاح وجوده، وهذا المعنى كيف يمكن تخلفه عنها ؟ ! قلت: نعم، إلا أن معنى اختياره ليس عدم التفكيك بينه وبين تحققه. وبعبارة اخرى: النفس تختار، ولكنه يتعلق اختياره بالمتأخر، وهو زيارة كربلاء المقدسة، ولذلك الاختيار يثبت الإرادة الثانية من الإرادة الأولية، وإلا يلزم نشوء الإرادة المقدمية من الشوق والميل، أو من العالم بالصلاح غير البالغ إلى حد العزم والتصميم والجزم. نعم، قد عرفت منا شبهة في أصل صفة الإرادة ووجودها، مع دفعها، في تنبيهات مباحث الطلب والإرادة (3)، فليراجع إلى ما هناك لعل الله يهديك، ويكون لي ذخرا ليوم الفقر والفاقة.


1 - نهاية الدراية 2: 73 - 76. 2 - منتهى الاصول 1: 118 - 119. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 43 - 48. (*)

[ 117 ]

فعلى ما تقرر، يجوز كون الوجوب فعليا، والواجب استقباليا. بل يجب أن يكون جميع القوانين هكذا، فإن المولى يريد في الأزل بعث العباد فيما لا يزال. بل جميع القوانين الإلهية لابد وأن تكون بحسب الثبوت - كما تقرر منا في الوجوب المشروط (1) - هكذا، وإلا يلزم حدوث الإرادة فيه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. فبالجملة: جميع القوانين الإلهية من الواجبات المعلقة، لأن الإرادة التقنينية من شعب الإرادة التكوينية، فلايتخلف المراد عن الإرادة، لأنها تعلقت بهذه الكيفية، وليست الإرادة الأزلية متعلقة بقوانين الإسلام على سبيل الإبداع، حتى يوجد قانون الإسلام في افق آخر، أو في زمان متقدم على العصر المتأخر. وهذا أيضا برهان آخر. نعم، يحصل الفرق بين المطلق والمعلق في الخصوصيات، فإذا أراد الصلاة من العبد بالإرادة الأزلية فيما لا يزال، وفي افق الحوادث والزمانيات، وتحقق العبد البالغ ووجه في الخارج، فعليه إتيان الصلاة من غير انتظار، وإذا أراد بتلك الإرادة من البالغ الحج عند الاستطاعة، فبعد ما يوجد المكلف في عمود الزمان لا يجب عليه الحج، لحالة انتظارية للحج، وهي الاستطاعة. وأما الوجوب المشروط فهو ثبوتا معلق، وإثباتا - بحسب الآثار واللوازم - مشروط ادعاء، لا مشروط واقعا ولبا. وعندما تبين ذلك، ظهر عدم الفرق بين القيد الاختياري، وغير الاختياري في الوجوب المعلق، ضرورة إمكان تشكيل القضية الحينية من القيدين، فيقال: " صل حين الزوال " أو يقال: " حج حين الاستطاعة ". وأما ما أفاده العلامة الخراساني (رحمه الله): من عدم الفرق بين المعلق والمنجز في الأثر، لأن المعلق وجوبه فعلي، وهو مشترك مع المنجز في تلك الجهة، وأثرهما


1 - تقدم في الصفحة 64 - 67. (*)

[ 118 ]

واحد، وتأخير الواجب في أحدهما دون الآخر - كالحجر جنب الإنسان - لا يقتضي التقسيم الصحيح (1). وبعبارة اخرى: إنه (رحمه الله) يريد أن كلا منهما واجب مطلق ومنجز، ولكن أحدهما منجز، بمعنى وقوعه صحيحا بعد تحقق وجوبه، والآخر لا يقع صحيحا إلا بعد حصول الشرط الآخر، والقيد المعتبر ظرفا له. فما أورده على مقالته في الحاشية (2) في غير محله. فالأثر المقصود من هذا التقسيم، يحصل بدعوى: أن الصلاة مثلا قبل الوقت واجب مطلق، وليس مشروطا بالوقت، وهو منجز أيضا، لأنه لابد - إذا كان مطلقا ولم يكن تقسيم آخر - أن يكون منجزا، قبال المشروط الذي هو ليس مطلقا، ولامنجزا. فهو في غير محله، لأنه إذا كان مطلقا، فلابد من تحصيل القيد المتأخر إذا أمكن، كالاستطاعة، لأنه منجز، ومعنى المنجز: عدم إمكان إعدام ما يورث إعدامه. وبعبارة اخرى: التكليف المنجز ما يصح العقوبة على التخلف عنه، إلا بتبديل موضوعه، كمنجزية القصر للمسافر، وإذا كان موضوعه عنوان " الإنسان " مثلا كالحج، فإن كان الحج قبل الموسم، واجبا معلقا على الاستطاعة، فلا معنى لداعوية أمره إليها، ويجوز إعدام الاستطاعة، بمعنى إيجاد المانع عن تحققها، بخلاف ما إذا كان تكليف الحج منجزا قبل حصول الاستطاعة، فإنه يدعو إلى الاستطاعة، فالتقسيم إلى المعلق والمنجز في محله، لاختلاف آثارهما من بعض الجهات الاخر، فتدبر. فبالجملة: تحصل حتى الآن: أن الوجوب المعلق قابل للتحقق، من غير فرق


1 - كفاية الاصول: 128. 2 - نهاية الدراية 2: 72، الهامش 31. (*)

[ 119 ]

بين القضايا الكلية المستعملة في القوانين، وبين القضايا الشخصية الجزئية. بل قضية ما مر منا، أن جميع الأحكام والقوانين الإلهية، لابد وأن تكون من قبيل الواجبات المعلقة، لأن إرادة جعلها أزلية، والمراد من الحوادث الكونية، وإنما اختلاف المنجز والمعلق والمشروط في ناحية اخرى، وهي أنه كما عرفت تارة: يريد في الأزل بعث زيد إلى الصلاة من غير شرط آخر وحالة انتظارية، فهو يعد من المطلق المنجز، بعدما وجد زيد بالإرادة التكوينية في عصره، واخرى: يريد بعثه نحو الحج عند الاستطاعة. فما يظهر من الأعلام كلهم: من أن في الوجوب المنجز، لا يكون بين الإرادة والمراد تخلف، وإنما التخلف منحصر بالوجوب المعلق (1)، في غير محله، بل التخلف عمومي. وحيث قد عرفت حال الوجوب المشروط، وأنه معلق لبا (2)، فيكون المجعول التكويني والتشريعي مشتركين في عمومية التعليق، فما من وجود في الحوادث إلا وإرادة وجوده أزلية، وما من قانون إلا وإرادة تشريعه أزلية، فافهم واغتنم جيدا. شبهات وتفصيات الشبهة الاولى: قد عرفت من " الكفاية " الشبهة في أن هذا التقسيم لا أثر له، ولا يترتب عليه الثمرة (3)، وبذلك أيضا صرح الاستاذان البروجردي والخميني - عفي عنهما -:


1 - كفاية الاصول: 128، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 188 - 191، نهاية الأفكار 1: 305 - 308. مناهج الاصول 1: 359 - 363. 2 - تقدم في الصفحة 66. 3 - كفاية الاصول: 128. (*)

[ 120 ]

فقال الأول: " إن الالتزام بالشرط المتأخر والوجوب المتقدم، كاف لترتب ثمرة الخلاف بين المعلق والمنجز (1). والثاني يقول: " إن التقسيم صحيح، ولكنه عادم الثمرة بالنسبة إلى المقدمات المفوتة التي أثبت وجوبها " (2). وأنت في سعة من حل هذه الشبهة، لما مر من أن الوجوب المشروط بالمتأخر، وإن أمكن على نحو ما ذكرناه، ولكنه يستلزم بعد ثبوت فعليته عدم جواز إعدام الشرط المتأخر، وعدم جواز الفرار من القيد الآتي (3) مثلا، إذا كانت الصلاة قبل الوقت واجبة بالوجوب الفعلي المنجز، فلا يجوز للمكلف الفرار من الزوال إذا تمكن، لأن الإرادة الحاصلة لذي المقدمة على الإطلاق، تدعو إلى تحصيل المقدمة والشرط المتأخر. ومن عجيب ما أفاده (قدس سره): " من أن التكليف مشروط بالقدرة، وهي تحصل حين الامتثال، فالمشروط مقدم على شرطه " (4) ! ! وأنت قد عرفت سابقا: أن صدور الإرادة الجدية من المولى، مشروط بعلم المولى بحصول القدرة، لا بالقدرة الواقعية (5). نعم، القدرة الواقعية تنجز التكليف، والعجز الواقعي يعذر العبد، فلا تخلط. وأما إيجاب المقدمات المفوتة في الوجوب المشروط، فهو غير ممكن، لما عرفت: من أن اعتبار الوجوب المشروط، متقوم بأن المولى يريد تسهيل العبد


1 - نهاية الاصول: 179. 2 - مناهج الوصول 1: 358، تهذيب الاصول 1: 237. 3 - تقدم في الصفحة 30 وما بعدها و 91 - 93. 4 - نهاية الاصول: 180. 5 - تقدم في الصفحة 77. (*)

[ 121 ]

بالنسبة إلى تحصيل المقدمات قبل تحقق الشرط (1)، فإذا كانت الصلاة واجبة مشروطة بحسب الدليل الإثباتي، فلابد من عدم وجوب مقدماته على الإطلاق وإن علمنا بحصول الشرط. نعم، إذا علمنا من دليل منفصل - كالإجماع ونحوه - بوجوب المقدمات في خصوص الصلاة مثلا، فيعلم من ذلك أن الشرع ألغى ظاهر القضية، ولاحظ الوجوب بحسب اللب، وهو الوجوب المعلق، فإيجاب المقدمات لأجل اعتبار الوجوب المعلق، كما تحرر تفصيله (2). الشبهة الثانية: لو سلمنا الوجوب المعلق ثبوتا، ولكنه غير ممكن إثباتا، بل هو في جميع القضايا - شرطية كانت، أو حينية - يكون من الوجوب المشروط. وبعبارة اخرى: الوجوب المشروط بحسب اللب معلق، والوجوب المعلق بحسب مقام الاستعمال مشروط، وذلك لأن البعث يكون في القضية المشروطة، غير حاصل إلا بعد تحقق الشرط، ولايكون مفاد الهيئة في القضية المشروطة مفادا إنشائيا حتى يصير فعليا، بل كما أن الهيئة لا تستعمل في معناها قبل تحققه، كذلك الأمر هنا في قولك: " صل حين الزوال " ضرورة أن هيئة " صل " موضوعة للمعنى الجزئي، أو لابد أن تستعمل في الجزئي. فإذا لا يكون شرائط الانبعاث موجودة، فلا بعث فعلي، ولا وجوب فعلي، حتى يقال: بأن الواجب استقبالي، فتلك الشبهة التي أوردتم على الوجوب المشروط الذي ذكره الجمهور، يرد عليكم هنا، فلا تغفل. أقول: إن من شرائط استعمال الهيئة فيما هو وضعت له، انبعاث العبد عقيب


1 - تقدم في الصفحة 72 - 73. 2 - تقدم في الصفحة 89 - 90. (*)

[ 122 ]

البعث، حتى يقال: بأن البعث مطلقا لا يكون علة الانبعاث، بل الانبعاث معلول المبادئ الاخر النفسانية، وفي صورة العصيان وترك الطاعة، يلزم أن لا يكون بعث، بل باعثية الهيئة لابد وأن تكون من قبل المولى، بالغة إلى حد الفعلية، ولايكون هناك حالة انتظارية من قبل القانون، كما في الوجوب المشروط. وما نحن فيه تقصر الهيئة عن إفادة البعث، لأخذ القضية حينية، فالقضية الحينية ترجع إلى الشرطية حسب الاستعمال، فلا يتصور البعث الفعلي هنا، لأنه إذا كان البعث فعليا في الوجوب المعلق، فلابد وأن ينبعث العبد نحو المادة، إذا كان شرائط الانبعاث في نفس المخاطب موجودة، مع أنه لا ينبعث نحو المطلوب ولو كان المخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذه الشبهة لا تختص بمسلكنا في الوجوب المشروط، بل يشترك فيها الجمهور أيضا، لأنه إذا كان مفاد الهيئة بعثا فعليا غير مشروط واقعا، فلأية جهة لا ينبعث نحو المادة المخاطب والمكلف المنقاد لمولاه، وهل هذا إلا لأنه ليس بعثا فعليا، بل مشروط ؟ ! وهذا من غير فرق بين كون القضايا حقيقية، أو خارجية، أو شخصية، فلا يتصور البعث الفعلي وإن كانت الإرادة فعلية، والطلب فعليا بحسب اللب والثبوت. أقول: أما الشبهة فيمكن الذب عنها على مسلك من يقول: باستعمالها في البعث الفعلي نحو المتأخر، ولا يلزم من ذلك قصور في مفاد الهيئة، ولا كونها موضوعة لأمر كلي عام، أو أن الموضوع له عام وكلي، وهكذا المستعمل فيه، وذلك لأن القيد المأخوذ في القضية الشرطية قيد البعث، ويصير لأجله وجوبا مشروطا، والقيد المأخوذ في القضية الحينية قيد الانبعاث، فيكون البعث مطلقا وفعليا. وأما عدم انبعاث المكلف عقيب هذا البعث الفعلي، فلعدم تحقق ذاك الحين،

[ 123 ]

وهو الزوال والاستطاعة. والقصور في باعثية الأمر، كأنه من قبيل القصور المتصور في العاصي، لا من قبيل القصور المتصور من قبل القانون واعتبار الشرط. ولا يمكن الذب عنها على مسلكنا. نعم، ولكن لنا أن نقول: بأن المولى إذا كان ذا مرام، وهو الصلاة مع الستر، فإن أفاد ذلك المراد بقوله: " صل مع الستر " فيعلم منه وجوبه المنجز. وإذا أفاده مرامه بقوله: " صل إن كان الستر موجودا " فيعلم منه أنه في مقام تسهيل الأمر على العباد، ويكون الوجوب مشروطا. وإذا أفاد مرامه بقوله: " صل حين وجود الستر " فيعلم منه أنه في مقام إفادة الأمر الثالث، وفي موقف إبراز مرامه على وجه آخر بين الوجهين، وهو الوجوب الفعلي مع عدم إيجاب الستر كالأول، ومع عدم مراعاة التسهيل بحسب مقدمات الوجود كالثاني، وإن كان لا يمكن لنا - حسب النظر العلمي - استعمال الهيئة في معناها الموضوع له، ولكن تلك الهيئة في تلك الجملة تفيد مرامه ومسلكه، وتبرز مقصوده وأمله، وهذا هو المتبع، فافهم واغتنم جيدا. الشبهة الثالثة: إن القيد الذي فرضه صاحب " الفصول " قيدا للواجب، إنما هو غير اختياري كالزمان، وهذا لا يمكن توجه التكليف والطلب إليه، لأنه غير مقدور، فلابد من أخذه مفروض الوجود، ومعه يعود القيد إلى الحكم والوجوب، دون المادة، ومتى كان كذلك استحال تحقق الوجوب قبل تحقق القيد، بناء على ما تقرر وتقدم من استنحالة الشرط المتأخر، فعليه فالوجوب منحصر بين مشروط ومطلق، ولا ثالث (1). وأنت خبير بما فيه أولا: أن هذا التقريب لا يفي باستحالة الوجوب المعلق


1 - أجود التقريرات 1: 136. (*)

[ 124 ]

بالنسبة إلى القيد الممكن تعلق التكليف به. بل غير خفي أنه لو أمكن، وتعلق به التكليف، لخرج عن الوجوب المعلق، فكأنه (قدس سره) لم يصل إلى مغزى المرام في الوجوب المعلق، حسب ما قرره بعض تلاميذه. وثانيا: ليس القيد في الوجوب المعلق مورد التكليف، بل التقيد مورد التكليف، وهو ممكن التحصيل، ضرورة إمكان إيجاد الصلاة بعد الزوال وإن لم يمكن جر الزوال إلى ما قبله. فبالجملة: القيد المأخوذ في الدليل بنحو القضية الحينية - أي اخذ القيد خارجا عن مصب الأمر - لا يجب تحصيله، ولكن عدم وجوب تحصيله، لا يستلزم كون الحكم بالنسبة إليه مشروطا بحسب الاعتبار، بل الحكم بالنسبة إليه معلق، أي الوجوب موجود، وظرف الانبعاث متأخر، لا ظرف البعث، كما هو ممكن في البعد المكاني. فهذه الشبهة وما قبلها ليستا جديرتين بالذكر: نعم، ما في كلمات العلامة النائيني (رحمه الله) - على ما في تقريرات بعض تلاميذه الاخر (1) - أقرب إلى كونه شبهة في المسألة، وأحرى بالذكر. الشبهة الرابعة: القيد المزبور في القضية الحينية، إما يكون ذا صلاح ومصلحة في الأمر والمأمور به، أو يكون بلا مصلحة رأسا: لا سبيل إلى الثاني، للزوم تجويز الإتيان بالحج والصلاة قبل الاستطاعة والزوال. وعلى الأول: فإن كان ذا مصلحة ملزمة، فلابد من الأمر بتحصيله، وهذا يستلزم كون الوجوب مطلقا منجزا، ويستلزم إيجاب جر الزمان إلى السابق، وتحصيل الاستطاعة، فلا وجوب معلق. وإن كان ذا مصلحة غير ملزمة، فإن كانت مصلحة الصلاة والحج ملزمة، فيتعين


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 189 - 190. (*)

[ 125 ]

إيجابهما قبل الوقت والاستطاعة، وإن صارت مصلحتهما بتلك المصلحة ملزمة، فلابد من عدم الإيجاب بعد حصول المصلحة، فأين تصوير الوجوب المعلق (1) ؟ ! وهذا هو بتقريب منا، يوجد في خلال كلماته (قدس سره) مع تغيير ما في تفسير مرامه ومقصوده في الإشكال والشبهة. أقول: قد عرفت منا أن النظر إلى مرحلة اللب والثبوت، يعطي إنكار الوجوب المشروط، لا المعلق (2)، ضرورة أن الإنسان إما يكون طالبا للصلاة مع الستر، فيكون الطلب والمطلوب متحدي الزمان، وهو الواجب المنجز. وإما يكون طالبا للصلاة حين التستر، وطالبا لإكرام زيد حين المجئ، وللحج حين الاستطاعة وهكذا، فيكون زمان الطلب الفعلي وزمان المطلوب بالعرض مختلفين. هذا ما قد أقمنا عليه البرهان والوجدان (3)، فإنكار الوجوب المشروط - بحسب اللب - مما لا محيص عنه جدا. وأما تحليل المصلحة والمفسدة، فقد مر: أن القيد ربما يكون ذا مصلحة ملزمة، إلا أن الشرع - بملاحظة ملاك التسهيل - لا يوجه التكليف إليه، ولكن يرى صحة التكليف إذا حصل لا عن كلفة وتكليف، كما في الاستطاعة، فعند ذلك لا يرجع الوجوب إلى المشروط، لأن الطلب فعلي في النفس بالنسبة إلى الحج حين الاستطاعة، لا أن الإرادة تصير مشروطة، والطلب يصير مشروطا، كما توهم، لعدم معقولية الاشتراط في التكوين لو أمكن في التشريع (4). فما هو عقدة هذا الفاضل العلامة في الوجوب المعلق: هو أنه كان يرى عند


1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الصفحة 66. 3 - تقدم في الصفحة 113 - 116. 4 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 67 - 69. (*)

[ 126 ]

عدم تحقق الوجوب المنجز، ما هو الحكم هو الوجوب المشروط لا غير، وكان يأخذ المدعى في الدليل، كما هو كثيرا ما سلك هذا المسلك، فافهم وتدبر. الشبهة الخامسة: ومما ذكرناه يظهر - كما ظهر في بحث الوجوب المشروط -: أن القضية الحينية في الامور الاعتبارية، لا أساس لها، بل القضايا تابعة للملاك النفس الأمري، فالقيود إذا كانت دخيلة في المصلحة، تكون القضية شرطية، وإذا كانت غير دخيلة وأجنبية، تكون القضية حينية، ولا شبهة في دخالة الاستطاعة والوقت في الحكم، فكيف تكون القضية بالنسبة إليهما حينية ؟ ! لأن القضايا الحينية من القضايا البتية، لا المشروطة (1)، فلاتذهل. أقول: نعم، الأمر كما حرر، إلا أن الشرع المقدس لمصالح اخر، يلاحظ في الاعتبار ما هو الدخيل في المصلحة غير الداخل، ولكن لا بنحو لا مدخلية له أصلا، حتى يكون إيجاب الحج والصلاة حين الاستطاعة والزوال لغوا، بل لإرادة التسهيل اعتبر هكذا، فإذا تحقق القيد طبعا يتنجز ما هو الواجب. الشبهة السادسة: ومن عجيب ما قيل في المقام أيضا: " إن جميع القيود المأخوذة في التكليف، لابد وأن تكون من قيود الموضوع، والتكليف في جميع القضايا الحقيقية بالنسبة إلى القيود المزبورة مشروط، من غير فرق بين القيد الاختياري وغير الاختياري، فعلى هذا فما الجهة في عد الواجب بالنسبة إلى الوقت مثلا أو إلى الاستطاعة معلقا، دون سائر القيود ؟ ! " (2) ! ! أقول: هذه جملة ربما سبقت في كلمات بعض الأفاضل أيضا، وأنت بعدما أحطت خبرا بميزان القيود والملاكات، وأن الأمر بحسب اللب لا يكون خارجا عن


1 - تقدم في الصفحة 66 - 69. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 186 - 188. (*)

[ 127 ]

الوجوبين: المعلق، والمنجز، فلاتحتاج إلى مؤونة زائدة في حل أمثاله. فالمحصول مما قدمناه إلى هنا: هو أن في القضايا الشرعية، يمكن أن يؤخذ بعض القيود، ولايكون هو راجعا إلى الهيئة، ولا إلى المادة، بل يكون في الاعتبار مأخوذا ظرف الانبعاث، وإن كان بحسب الثبوت داخلا في مصلحة المادة. وأما الشبهة التي توهمها ركن الشبهات: وهو لزوم التفكيك بين العلة والمعلول، والإرادة والمراد، فقد مر - بحمد الله - دفعها بما لا مزيد عليه في مقدمات المسألة (1)، فلا تغفل، ولا تخلط. ذنابة: حول وجوب تحصيل المقدمات الوجودية ووجوب المحافظة عليها إذا تبين ذلك، فإن كان القيد المأخوذ في الدليل ظرفا للانبعاث، وتكون القضية الحينية معلومة التحقق في الاستقبال، كالزوال والاستطاعة مثلا، فلابد من تحصيل المقدمات الوجودية، ولايكون القيد المزبور مورد الأمر الغيري، بناء على الملازمة، ويكون خارجا عن محط البحث، للزوم الخلف وهو كون الوجوب المعلق منجزا، فهو مأخوذ خارجا عن الأمر وعن دائرة الطلب، ويكون مفروض الوجود، أي اعتبر وجوده في لحاظ المولى على الوجه المذكور، وهذا لا شبهة فيه. وإنما الإشكال والشبهة في أنه إذا شك في تحقق الزوال والاستطاعة فرضا، فهل يجب الاحتياط بالنسبة إلى المقدمات الموجودة، أم لا ؟ وجهان: من أن معنى فعلية الحكم في الوجوب المعلق، أن كل إنسان محكوم بهذا الحكم، ويكون الحكم فعليا بالنسبة إليه، وهو مخاطب بخطاب " حج وصل عند


1 - تقدم في الصفحة 114 - 119. (*)

[ 128 ]

الاستطاعة والزوال " فهو الآن يعلم بتكليفه بالحج حين الاستطاعة، فلو أخل بالمقدمات الوجودية، ثم اتفقت استطاعته، فقد أخل بالوجوب والمرام من غير عذر. ومن أن المخاطب في دليل الحج من يتفق بحسب علم الله له الاستطاعة، وإذا شك في تحقق الاستطاعة، يشك في توجيه الخطاب المعلق إليه، فلا يكون الخطاب معلوما، ولا معنى لكون كل فرد من أفراد الناس مخاطبا بالحج عند الاستطاعة، للغوية خطاب من لا يتفق له هذا الحين وظرف الانبعاث بالحج، فلابد أن يتعين الوجه الثاني. اللهم إلا أن يقال: هذا في الخطابات الشخصية أو القانونية المنحلة إلى الخطابات الشخصية، وأما الخطابات القانونية فلا مانع من لغوية بعض منها، كما تحرر في محله (1). نعم، يمكن التشبث باستصحاب عدم تحقق الاستطاعة، لرفع وجوب الاحتياط العقلي، وليس هذا من المثبت، فتأمل جيدا.


1 - يأتي في الصفحة 449 وما بعدها. (*)

[ 129 ]

التقسيم الثالث في النفسي والغيري تارة: ينسب إلى الشهرة أنهم عرفوا: " بأن الواجب النفسي: ما وجب لا لواجب آخر، والواجب الغيري: ما وجب لواجب آخر " (1). واخرى: ينسب إليهم " بأن الواجب النفسي: ما وجب لا للتوصل به إلى واجب آخر، والغيري: ما وجب للتوصل به إلى واجب آخر " (2). وثالثة: " أن الواجب النفسي: ما تعلق به الوجوب لذاته، وبما هو هو، والواجب الغيري: ما تعلق به البعث لا لذاته، بل للتوصل به إلى آخر " (3). ورابعة: على المحكي عن تقريرات جدي العلامة (قدس سره) " بأن القوم عرفوهما بأن النفسي: ما امر به لنفسه، والغيري: ما امر به لغيره " (4). وحيث اعتقد " الكفاية " قصور الأخير بعدم العكس في الأول، لعدم شموله


1 - أجود التقريرات 1: 166. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 219. 3 - نهاية الاصول: 180. 4 - مطارح الأنظار: 66 / السطر 20. (*)

[ 130 ]

إلا للمعرفة من الواجبات النفسية، وبعدم الطرد في الثاني، لأن الواجبات النفسية غير المعرفة تصير غيرية، لأجل ترتب المصالح الاخر عليها، فتجاوز عن هذا، وقال بما في " التقريرات " (1): " وهو أن طلب شئ وإيجابه لا يكاد يكون بلا داع، فإن كان الداعي فيه هو التوصل به إلى واجب لا يكاد التوصل بدونه إليه - لتوقفه عليه - فالواجب غيري، وإلا فالواجب نفسي، سواء كان الداعي محبوبيته الذاتية، كالمعرفة بالله، أو محبوبيته بماله من فائدة مترتبة عليه، كأكثر الواجبات " (2). وحيث إن تفسيره للواجب النفسي مورد الإشكال، لأجل أن الإرادة الباعثة نحو الصلاة والصوم، معلولة لإرادة اخرى سابقة عليها، وهي إرادة تحقق تلك المصالح الكامنة تحت تلك الطبائع، فلا تكون هي إلا غيرية، ولأن المحبوبية بمالها من الفائدة تستلزم كون الغيرية نفسية أيضا، عدل عنه الآخرون، حتى وصلت النوبة إلى السيد المحقق الاستاذ البروجردي (قدس سره). فقال: " إن الواجب النفسي: عبارة عما توجه إليه نظر المولى، ولاحظه بحدوده وأطرافه، ثم بعث العبد نحوه ببعث مستقل. والواجب الغيري: عبارة عما لم يتوجه إليه بما هو هو بعث مستقل، بل البعث المتوجه إليه ظلي، بناء على الوجوب الغيري " (3). وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " إن البعث إذا تعلق بشئ لأجل التوصل إلى مبعوث إليه فوقه، فهو غيري، وإن تعلق بشئ من غير أن يكون فوقه مبعوث إليه، فهو نفسي " (4).


1 - مطارح الأنظار: 66 / السطر 26. 2 - كفاية الاصول: 135. 3 - نهاية الاصول: 183. 4 - مناهج الوصول 1: 371، تهذيب الاصول 1: 242. (*)

[ 131 ]

بيان مقسم الوجوبين النفسي والغيري ولما تحتاج المسألة إلى النظر الإجمالي في أن ما هو المقسم في الوجوب النفسي والغيري، هل هو الشوق والمحبة والمصالح الكلية التي تكون الأحكام تابعة لها، أم المقسم لهما هو الوجوب والحكم، أو الطلب والإرادة النفسانية. فنقول: لاشبهة في أن ما هو المحبوب الذاتي، والمشتاق إليه في السلسلة الطولية المركبة من الاشتياقات، ليس هذه الأفعال والحركات الصادرة من الإنسان في الإرادة التكوينية، ولا في الإرادة التشريعية. بل ما هو المطلوب الأقصى ليس هي المعرفة، لما تقرر في محله: من أن العلم النظري والحكمة النظرية، مطلوبة للغير، وهي صيرورة الإنسان الإمكاني غنيا بالغير، وباقيا بالوجوب الذاتي الأبدي، ومتخلفا بأوصافه وصفاته، ومنطويا في ذاته، ومستجمعا لكمالاته الباقية بصفة الوجوب، فإن خيرة الإنسان وفطرته تعشق الكمال المطلق، وتتحرك نحو ذلك الكمال على الإطلاق حتى لا يقف اشتهاؤه عند وصوله إلى جميع الكمالات الوجوبية إلا إذا صار واجب الوجود بالغير، وفانيا ومضمحلا، فيكون باقيا بتلك الصفة الوجوبية الأزلية، وقادرا وخالقا وكاملا على الإطلاق (1). فما ترى في كتب القوم: " من أن غاية اشتهاء الإنسان هي المعرفة " (2) فهو في غير محله. ولعله مأخوذ من بعض الروايات (3) اغترارا بها، غفلة عن اختلاف الناس حسب اختلاف الخطابات الواردة عن الأئمة المعصومين - صلوات الله تعالى


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 382. 3 - بحار الأنوار 5: 312 / 1. (*)

[ 132 ]

عليهم أجمعين -. وأما توهم: أن إيجاب ذلك غير ممكن عقلا، لامتناع تعلق الأمر بما لا يتعلق به القدرة، فهو غير صحيح، ضرورة أن القدرة على المقدمات، تكفي لتصحيح ذلك، ولا برهان من قبل العقل على لزوم كون المشروعات الشرعية، واجبات نفسية إلهية. وبالجملة: مراد الإنسان في الإرادة الفاعلية على هذا الإجمال يكون هكذا. وتحصل: أن النظر إن كان إلى ما هو المقصود والغرض في الإرادة الفاعلية، وما هو المشتاق إليه والمطلوب والغاية في الإرادة الإنسانية، فهو ليس معرفة الله تعالى كما اشتهر، بل هو البقاء بالوجود الوجوبي، فهل ترى من نفسك في هذه النظرة، أن يكون الواجب الشرعي، هذا المعنى البعيد عن أذهان عامة عائلة البشر، وهذا الدقيق الذي لا تناله أيادي الأوحديين، فضلا عن غيرهم ؟ ! فلو كان مدار الوجوب النفسي والذاتي، على ما هو المطلوب الأقصى والمحبوب الذاتي، كان يلزم أن يكون الواجب الشرعي مثل هذا، فيعلم من ذلك: أن مقسم الوجوب النفسي والغيري، ليس المطلوب الذاتي والمحبوب الأقصى، ولا المصالح والأغراض. وتوهم امتناع جعله واجبا شرعيا، لأجل عدم إمكان توصل كافة عائلة البشر إليه، صحيح، ولكنه يستلزم سقوط التكاليف قهرا، كما لا يخفى، ونتيجة ذلك هو كون المحرمات الشرعية ممنوعات، لكونها موانع الوصول إلى هذا المقصد الأعلى، وواجباتها مقتضيات لذلك. عدم كون معرفته تعالى واجبا نفسيا ثم إن الأصحاب (رحمهم الله) بمجرد توهم: أن ما هو المطلوب الذاتي للإنسان بما هو إنسان، هي معرفة الله تبارك وتعالى، وقعوا في اشتباه آخر، وهو توهم: أن الواجب

[ 133 ]

النفسي هي معرفة الله (1)، مع أن معرفة الله ليست المقصود الأصلي في الواجبات النفسانية، ضرورة أن معرفة الله، يمكن أن تكون المقصود الأصلي للإرادة الفاعلية، ولكن لا يمكن أن تكون الغاية للإرادة الآمرية والإلهية. بل غاية فعله تعالى ليست إلا متحدة مع مبدأ الفعل، لما تقرر في محله: من أن العالي لايتصنع للداني، وأن المستعلي بالذات غني عن التوصل إلى الغير (2)، ولذلك قيل: " إن حبه بذاته غاية فعله " (3) فإن حبه بذاته يستلزم الحب بصفاته، والحب بالصفات يستلزم الحب بلوازم الصفات المستتبعة للأعيان الثابتة العلمية، ثم لتلك الأعيان في النشأة العينية. فهل ترى من نفسك كون الواجب النفسي في الإرادة التشريعية مثل ذلك ؟ ! فلا يجوز أن يتدخل الإنسان فيما هو خارج عن افق تعلقه وتدبره، ولا ينبغي الخلط بين ما هو المقسم في الواجبات النفسية والغيرية التي تكون معروفة عند العوام والخواص، وبين ما هو الخارج عن محيط أفكار الناس وأخص الخواص. ومجرد ما قيل: " من أن الواجبات الشرعية، ألطاف في الواجبات العقلية " (4) لا يستلزم نقض خيط العلوم الاعتبارية، فإن معنى هذه الجملة، لا ينافي الواجبات النفسية والغيرية والمحرمات الشرعية بالضرورة، لأن ملحظ العقل هو ذاك، وملحظ الشرع والقانون هذا الأمر الاعتباري، وهو الوجوب المنتزع عن الإرادة البارزة، أو هو نفس الإرادة، على ما يفهمه العقلاء من الإرادة في جعل القوانين العرفية، على وجه لا يكون خارجا عن افق التحقيق حسب ما قرر في الكتب العقلية، فليتأمل.


1 - مطارح الأنظار: 66 / السطر 10 - 20، كفاية الاصول: 135. 2 - الحكمة المتعالية 2: 263 - 264. 3 - نفس المصدر. 4 - كفاية الاصول: 414، نهاية الأفكار 1: 173 و 315. (*)

[ 134 ]

معنى الوجوبين النفسي والغيري إذا تبين لك هذا المجمل فاعلم: أن الوجوب النفسي والغيري، مشتركان في أصل الوجوب، وممتازان في خصوصية النفسية والغيرية، فما هو الوجوب وما هي الجهة المشتركة، فهل هي الحكم وهو الأمر الاعتباري العقلائي المنتزع من البعث، كما اختاره الوالد المحقق - مد ظله - (1) فعليه يكون الوجوب النفسي ما هو المبعوث إليه بالبعث الذي لا يكون فوقه بعث آخر، أو لا يكون لأجل المبعوث إليه الآخر، والغيري ما هو كذلك ؟ أو الوجوب يعتبر من البعث بما أنه كاشف عن الإرادة الموجودة في نفس الآمر، فإذا كان بهذا اللحاظ يعتبر الوجوب، فلا يكون المقسم هو الحكم، بل المقسم أعم من الحكم ومن الإرادة البارزة بغير هيئة البعث. بل لو ظهرت تلك الإرادة بمظهر آخر، فهو أيضا ينتزع منه الحكم ؟ بل وإذا اطلع الإنسان على تلك الإرادة في نفس المولى، فيعتبر الوجوب واللزوم، ويجد المعنى القابل للانقسام إلى النفسي والغيري، لا بشخصه، بل بنوعه، بل لو اطلع على مرام المولى ومقصوده، أيضا يكون الأمر كذلك، ويكون هذا أيضا مثل ذاك، ولكن لا بالمعنى الذي اشير إليه، وهو المقصود الذاتي. بل لو اطلع على مقصود المولى منه، أي من العبد، وهذا غير المقصود الذاتي، فإنه - أي هذا المقصود والمطلوب منه - أيضا نفسي. ويمكن أن يكون غيريا بالوجه الذي اشير إليه. وهذا الأخير - أي ما هو مقسم الوجوب النفسي والغيري - هذا، لا ذاك.


1 - تهذيب الاصول 1: 144 و 242. (*)

[ 135 ]

نعم، مفهوم الحكم ربما لا ينتزع إلا بعد البعث، ومفهوم الوجوب أوسع منه، وينتزع من الإرادة الموجودة غير المظهرة لمانع، ولكن النفسية والغيرية تردان على المعنى الأعم، وهو المطلوب والمقصود المضاف إلى العبد. فعند ذلك يظهر ضعف ما قيل أو يقال في هذه المقالة. ولما كان صدق مقالتنا يظهر من توجيه المتعلمين إلى مثال، فإن في ذلك برهانا وإرشادا وتنبيها للوجدان، فنقول: في الموالي العرفية إذا أراد المولى تأسيس بناء مسجد، فلا شبهة في أن غرضه الذاتي، ربما ينجر إلى الوصول إلى تلك المقامات التي أشرنا إليها، ولكنه - تبعا لغرض تأسيس البناء، واحتياج البناء إلى الخدام والعمال - تارة: يأمر المهندس بإيجاد خريطة المسجد. واخرى: يأمر المعمار برسم هذه الخريطة على القاع المهيأة للمسجد. وثالثة: يأمر البناء ببناء المسجد. ورابعة: يأمر السائق بجلب مواد البناء للمسجد. وخامسة: يأمر صانع الطابوق بطبح الطابوق للمسجد. وسادسة: يأمر العمال بمعاونة البناء في أمر المسجد وبنائه. وسابعة: غير ذلك. فإذا نظرنا إلى المولى الباني لبناء المسجد، فلانجد منه إلا الأوامر النفسية متوجهة إلى الأشخاص المختلفين، وعلى كل واحد منهم يجب امتثال الأمر المتوجه إليه، لأنه طلب منه شيئا وبعثه نحوه، من غير كون هذا البعث في هذا اللحاظ بالنسبة إلى هذا العامل غيريا، لأن الغيري هو البعث أو الإرادة المترشحة أو المتولدة منه متوجهة إليه على مقدمات ما هو المبعوث إليه. ففي المثال المزبور، كان قد أمر صانع الطابوق بصنعة الطابوق، وهذه الصنعة متوقفة على مقدمات وشرائط وجودية، وتلك المقدمات والشرائط إذا كانت مورد

[ 136 ]

الإرادة والبعث، يكون من البعث الغيري، ولا يصح عتاب صانع الطابوق ب‍ " أنك لم ما اشتريت التراب حتى تتمكن من تسليم الطابوق " لأنه أمر غيري ومطلوب غيري بالنسبة إليه، وما هو المطلوب النفسي منه ويصح العقاب والعتاب عليه، تسليم الطابوق وطبخه، وهكذا بالنسبة إلى المهندس والمعمار. فالنفسية والغيرية إضافيتان، فيمكن أن يكون الشئ الواحد نفسيا بالنسبة إلى شخص، وغيريا بالنسبة إلى شخص آخر. ثم إنه بعدما عرفت ذلك، فإن علمنا من المولى إرادة الخريطة من المهندس... وهكذا إلى آخر ما مر، ولكن لم يظهر تلك الإرادة، فإنه يصح العقوبة على المرادات النفسية، ولا يصح على الغيرية، وينقسم المراد إلى النفسي والغيري، وإن لم ينقسم الوجوب والحكم، لتقومهما بالظهور بأي مظهر كان مثلا. وهكذا إذا كان المولى نائما، ولكن فهمنا من الخارج تعلق غرضه ببناء المسجد، وتعلق غرضه بالنسبة إلى زيد لهندسة المسجد، وإلى عمرو لمعمارية المسجد... وهكذا، يجب الاتباع، ويصح التقسيم، ويحصل النفسي والغيري أيضا، فافهم واغتنم. بحث وتحصيل: في حكم التردد بين النفسية والغيرية لو تردد الوجوب بين النفسية والغيرية، فقد تقرر منا في أوائل مباحث الهيئة ما يرتبط بهذه المسألة (1)، ولكن لما تصدى الأصحاب للبحث المزبور هنا تفصيلا، فلا بأس بالإشارة الإجمالية إليه هنا: فنقول: الكلام هنا يقع في مرحلتين:


1 - تقدم في الجزء الثاني: 189 وما بعدها. (*)

[ 137 ]

المرحلة الاولى: في مقتضى الأصل اللفظي ولاريب عند أحد في أن عند الشك، يحمل المشكوك على النفسية، سواء قلنا: بأن المعاني الهيئوية جزئية حرفية، والموضوعات للهيئات خاصة شخصية، أو قلنا: بكليتها في الوضع والاستعمال، وسواء قلنا: بإمكان تقييد الهيئات، أو امتناعها، فأصل المسألة مما لا شبهة فيه. إنما الكلام في وجه المسألة، فقد أخذ كل مسلكا وسبيلا، فقيل بالانصراف، كما يظهر من " الكفاية " (1) ومن " تهذيب الاصول " في ابتداء كلامه (2). وقيل: " بأن حجة المولى تامة بالنسبة إلى مفاد الكلام، فلايعتذر العبد بعذره، ولايجوز له التقاعد، لعدم مقبولية العذر هنا عند العقلاء " وهذا أيضا يظهر من " تهذيب الاصول " (3) فراجع. وقيل: " إن النفسية قضية الإطلاق، لأن الغيري يحتاج إلى المؤونة الزائدة، وهذا ما يظهر من " الكفاية " أيضا (4)، ومن العلامة الأراكي (رحمه الله) (5) وجملة آخرين (6). وقيل: " إن الشك في الوجوب النفسي والغيري، يرجع إلى الشك في تقييد المادة الاخرى المفروض وجوبها النفسي.


1 - كفاية الاصول: 136. 2 - تهذيب الاصول 1: 244. 3 - نفس المصدر. 4 - كفاية الاصول: 136. 5 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 372. 6 - مطارح الأنظار: 67 / السطر 10 - 12، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 221، محاضرات في اصول الفقه 2: 388. (*)

[ 138 ]

مثلا: إذا شك في نفسية الوضوء وغيريته، فالشك المزبور يرجع إلى الشك في أن الصلاة واجبة على الإطلاق، أو مشروطة بالطهور صحة، فإذا كان لدليل الصلاة إطلاق، فيرفع الشك فيما نحن فيه، ويصير المشكوك فيه نفسيا، لأن لواز الإطلاقات اللفظية حجة عند العقلاء ". وأنت خبير بقصور كل هذه المسالك: أما الانصراف، فلأنه بلا وجه بعد كثرة الواجبات الغيرية. وأما تمامية الحجة، فلأنها لا تستلزم كونه نفسيا، فلا يكشف النفسية بذلك. مع أن الكلام في كيفية كشف النفسية والانتمامية الحجة قطعية عند الكل. وأما التمسك بالإطلاق، فلما تقرر منا مرارا: من أن الإطلاق المصطلح عليه في بحث المطلق والمقيد، غير الإطلاق المذكور هنا في مباحث الهيئة، فإن الإطلاق هناك يفيد التوسعة، وأن الحكم ثابت لما هو الموضوع له، ولا يكون الأمر الآخر دخيلا فيه، ولا يعقل إفادة الإطلاق أحد القسمين (1). مثلا: إذا ورد " أكرم العالم " لا يعقل إفادة الإطلاق وجوب إكرام العالم الهاشمي، فهكذا إذا ورد " أكرم زيدا " لا يعقل إفادة إطلاقه كونه واجبا نفسيا، لأنه مقابل الوجوب الغيري، ولهما الجامع الاسمي، فيكون ثمرة الإطلاق كون المستعمل فيه نفس الوجوب الجامع. وبعبارة اخرى: إن تمامية مقدمات الحكمة، كما تفيد في " أكرم العالم " - بالنسبة إلى الموضوع والمتعلق - أنه نفس طبيعة العالم، والإكرام واجب، كذلك تلك المقدمات تفيد أن ما هو المعبوث إليه، هو نفس الوجوب الجامع بين الغيري والنفسي، فما كان أثر الوجوب الجامع يترتب عليه، ولا معنى لوجوب ترتيب آثار


1 - تقدم في الجزء الثاني: 109. (*)

[ 139 ]

الوجوب الخاص من النفسي والغيري. إن قلت: لا يعقل الجامع بين المعاني الحرفية، ولو فرضنا الجامع فلا نتصور كونه مورد الاستعمال، بل الاستعمال في الهيئات لا يخلو إما يكون في النفسي، أو الغيري بحسب البرهان، أو بحسب الوجدان، فإذا كان الوجوب الغيري محتاجا إلى مؤونة زائدة، فيتعين النفسي. فالاحتمالات الثلاثة مدفوع أولها: بأن الجامع مفروغ عنه أنه غير مستعمل فيه، والثاني مدفوع: بأنه يحتاج إلى البيان الزائد، فيتعين الثالث وهو النفسي. قلت: نعم، إلا أن احتياج الغيري إلى المؤونة الزائدة مما لا أصل له، ضرورة أن الوجوب بمفهومه الاسمي، ينقسم إلى النفسي والغيري، فلابد من لحاظ قيد حتى يحصل القسمان. وبداهة أن الإرادة في النفسية، تحتاج إلى المبادئ الوجودية من التصور والتصديق، حتى تحصل في افق النفس، وهكذا في الغيرية، لأنها أيضا إرادة توجد في النفس حسب المبادئ الوجودية. وبداهة إمكان إبراز المولى عند قوله: " أكرم العالم " " أكرمه إكراما نفسيا " أو يقول: " أكرمه إكراما غيريا ووجوبا غيريا " فأين جاء ما اشتهر من احتياج الغيري إلى المؤونة الزائدة، دون النفسي (1) ؟ ! فتحصل: أن جميع ما قيل في هذا المقام، مما لا يكاد يصغى إليه. وإذا تبين ذلك نقول: غير خفي: أن مورد النزاع هو ما إذا تردد الوجوب بين النفسي والغيري، ولم


1 - مطارح الأنظار: 67 / السطر 10 - 12، كفاية الاصول: 136، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 221، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 372، محاضرات في اصول الفقه 2: 388. (*)

[ 140 ]

يكن الوجوب النفسي الذي يحتمل غيرية هذا الوجوب بالنسبة إليه، معلوما من رأس، أو لو كان ذلك النفسي معلوما فلا إطلاق له. مثلا: إذا تردد وجوب الغسل أنه نفسي، أو غيري، ولم يكن لدليل الصلاة إطلاق، فهل يكون هناك أصل لفظي يرجع إليه، أم لا ؟ فتلك الصورتان مورد الكلام في المقام. وأما الصورة الثالثة، وهي ما كان لدليل الصلاة إطلاق لفظي، فهي خارجة عن الجهة المبحوث عنها، ضرورة إمكان رفع الغائلة من طريق الإطلاق المزبور، فإنه إذا قلنا: بأن الصلاة لا يعتبر فيها الطهور، فلا يبقى الإشكال والشك في الغسل، لما قيل: " إن مثبتات الإطلاقات اللفظية حجة " (1). فما ترى في كلمات العلامتين النائيني والعراقي وغيرهما، من الخوض حول هذه الصلاة (2)، فهو من الغفلة عن أساس المسألة. مع أن الإطلاق إن كان رفض القيود كما هو الحق، فليس يتمسك به لرفع الشبهة هنا، لأن المقدار الثابت من بناء العقلاء، هو عدم الاعتبار باحتمال قيد في دليل الصلاة، وعدم الاعتناء باحتمال الغيرية مع عدم وجود القرينة المعتبرة. وأما رفع الشك بالإطلاق في دليل الصلاة، فهو بحث علمي، وليس من حدود الوظائف العقلائية. نعم، إذا كان الإطلاق عند العقلاء هو لحاظ جميع القيود إجمالا، ومنها: قيد الطهارة، فيمكن أن يقال: بارتفاع الغائلة هنا بإطلاق دليل الصلاة التي هي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 222، محاضرات في اصول الفقه 2: 389. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 221، لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 372، محاضرات في اصول الفقه 2: 388 - 389. (*)

[ 141 ]

المشروطة احتمالا بالغسل، وعند ذلك يمكن التفصيل في الصورة الثالثة بين المسالك، وبين كون دليل الصلاة في المثال المزبور عاما، أو مطلقا، بناء على اختلافهما في الإفادة والمفاد، فلا تخلط. وأما في الصورتين الاوليين اللتين هما مصب البحث ومورد الكلام، فهو بعدما عرفت: من أن بناء العقلاء قائم على الأخذ بالنفسية فيما إذا لم يكن قرينة على الغيرية، أو قرينة صالحة على احتمال إرادة الغيرية، بحيث يصير الشك عند العقلاء شكا مستقرا في أنفسهم، وكان البحث حول ما يمكن أن يعد وجها علميا للمسألة، فما هو الوجه الوجيه عندنا ما قد مضى تفصيله منا في مباحث الهيئات، وكيفية استفادة الوجوب، والنفسية، والعينية، والتعيينية هناك (1). وإجماله: هوأن القرائن بين ما هي كلية وجزئية، وبين ما هي وجودية وعدمية، والقرائن الوجودية: هي التي يتكل عليها المتكلم بإظهارها في الكلام، أو في المقام، والقرائن العدمية: هي التي استفيدت من دأب المتكلم وعادته وطريقته وسجيته. مثلا: إذا علمنا من عادة المتكلم: أنه إذا كان يريد شيئا على نعت الإلزام، لا على نعت الاستحباب، لا يلحق بكلامه شيئا مما فيه الشفقة والرحمة، فإنه عند ذلك يعرف الوجوب، لأجل القرينة العدمية، وهي عدم إتيانه بالقرينة بعد كونه بانيا على القرينة بغيره، فهذه هي القرينة العدمية. والتي هي المعروفة من طرق العقلاء في محاوراتهم، أنهم في مقام إفادة النفسية، والتعينية، والعينية، والوجوب، والتنجز، وغير ذلك من أقسام الواجبات، لا يأتون بالقرينة الوجودية في كلماتهم على إفادتها، فهي قرينة عدمية على مرامهم في الاستعمالات، فكما يستفاد القسيم - وهو الغيري والندب - من القرينة، يستفاد


1 - تقدم في الجزء الثاني: 189 - 192. (*)

[ 142 ]

القسيم الآخر أيضا من القرينة. فلافرق بين النفسي والغيري، في أن الهيئة بالنسبة إلى الكل، على السوية استعمالا ووضعا، وأن النفسية والغيرية مشتركتان في المبادئ والحاجة إلى اللحاظ والتصور الخاص، ولكن الفرق بينهما في أمر خارج عنهما، وهو أن مرام المولى قلما يتفق أن يتعلق بالإجمال، بل مرام المتكلمين دائر بين إفادة النفسي والغيري، والوجوب أو الندب، فإذا علم من طريقتهم ذلك، فكل واحد من النفسي والغيري، يستفاد من القرينة الخارجية المتصلة، إلا أنها في طرف الغيري وجودية، وفي طرف النفسي عدمية، فافهم واغتنم. ذنابة: حول التمسك بالجامع الاسمي بين الحروف لإثبات النفسية إذا فرضنا الجامع الإسمي بين الحروف كمفهوم الربط والوجوب، فلا مانع من التمسك بالإطلاق. وفيه: نعم، إلا أنه يفيد المعنى الجامع، لا المعنى الخاص وهو النفسي، وهذا من عجيب ما قيل في المقام. مع أن تصوير الجامع الاسمي بين الحروف، من المشكلات التي ذكرناها في مباحث الحروف (1)، وأن المولى إذا قال: " الصلاة فريضة " أو " الغسل واجب " إما يريد النفسي، أو الغيري، ولا يريد الجامع، وما يمكن يتقيد لا يكون مراده ومنشأه، وما هو منشؤه لا يكون جامعا، فلا تخلط. تذنيب: في حكم ما لو كان التردد على سبيل منع الخلو كان البحث حول ما إذا تردد الوجوب بين النفسية والغيرية على سبيل


1 - تقدم في الجزء الأول: 91 - 98. (*)

[ 143 ]

المنفصلة الحقيقية. ولو تردد على سبيل منع الخلو، فاحتملنا أن الوجوب النفسي واجب غيري، كما في صلاة الظهر بالنسبة إلى العصر، فلا شبهة في لزوم ترتيب آثار النفسية. وأما حفظ الأثر الغيري، فهو محتاج إلى الدليل، ولا أصل عند العقلاء. مثلا: إذا شك في أن الغسل يوم الجمعة، واجب نفسي، أو غيري، بحيث احتملنا الجمع، فإنه يجب الغسل، وأما لزوم المحافظة على الطهارة إلى صلاة الجمعة، فهو منفي بإطلاق دليل الجمعة، أو بالبراءة الشرعية والعقلية. المرحلة الثانية: في مقتضى الأصل العملي لو استقر الشك، ولم يتمكن من رفع الشبهة عند الإطلاق، إما لعدم تمامية ما سبق، أو لوجود ما يصلح للقرينية على الغيرية، كما إذا ورد: " اغتسل للجمعة والجنابة " وكانت الجنابة واجبة بالغير، فإنه يشك في غيرية الجمعة ونفسيتها، ولا ظهور للهيئة في النفسية، لقيام ما يصلح للقرينة على الغيرية، وهي الجنابة، فهل قضية الاصول العملية هو وجوب الاغتسال، ووجوب المحافظة عليه لصلاة الجمعة، أم لا ؟ أو يفصل في صور المسألة ؟: الصورة الاولى: ما إذا علم في المثال المزبور بوجوب صلاة الجمعة تفصيلا، وكان وجوبها فعليا منجزا، كما إذا كان بعد دخول الوقت، وشك في وجوب الإقامة أنها نفسي، أو غيري مشروطة بها الصلاة، ويعتبر مع فرض غيريتها تقديمها عليها، وعدم الفصل الطويل بينها وبين الصلاة، فعند ذلك فأصل وجوب الجمعة مما لاريب فيه، كما أن أصل وجوب الاغتسال مما لاريب فيه، لأن غسل الجمعة إما

[ 144 ]

واجب نفسي، أو غيري. ولا فرق بين كون الغيري واجبا شرعيا، أو عقليا، لأنه على أي تقدير يعلم بلزوم إتيان غسل الجمعة، إما لأجل نفسيته، أو لأجل شرطية النفسي الآخر المعلومة تفصيلا فعليته. وإنما الإشكال في لزوم المحافظة على الطهارة، أو لزوم المحافظة على الترتيب في المثال، وعدم الإخلال بالموالاة، وغير ذلك من أحكام الغيرية. فقال العلامة النائيني (رحمه الله) بالبراءة، لأنه من صغريات الأقل والأكثر (1)، وهكذا العلامة المحشي الأصفهاني (رحمه الله) (2) بل هو الظاهر من " الكفاية " حيث أوجب الغسل، لأنه معلوم الوجوب، ومشكوكة جهة وجوبه من النفسي والغيري، وهو لا يضر (3)، وهو صريح العلامة الأراكي أيضا (4). وقيل: " بأن البراءة هنا تابعة لجريانها في الأقل والأكثر ". وقيل: " إن الوجوب الجامع معلوم، وخصوصية كل واحد منهما مشكوكة، فإذا جرت البراءة عن خصوصية الغيرية، تجري في خصوصية النفسية، فيقع المعارضة بين الأصلين، فلابد من الاحتياط بالمحافظة على غسل الجمعة إلى صلاة الجمعة، وعلى الإقامة بتقديمها عليها، وعدم الإتيان بالفعل المضر وهكذا " (5). والذي يحصل لنا أنه هنا صورتان: إحداهما: ما إذا كان الوجوب الغيري غير ذي أثر خاص، بل غيريته ليست إلا شرطية وجودها بمفاد " كان " التامة سواء تقدم، أو تأخر، ولا يعتبر له العدم حتى


1 - أجود التقريرات 1: 170، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 222 - 223. 2 - نهاية الدراية 2: 109. 3 - كفاية الاصول: 138. 4 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 373. 5 - محاضرات في اصول الفقه 2: 392. (*)

[ 145 ]

ينعدم بالفعل، أو يكون من الشرط المطلق، متقدما كان، أو متأخرا، فإنه في هذه الصورة لا تجري البراءة بالنسبة إلى التقييد، لعدم الأثر الشرعي له، ولا يثبت به عنوان النفسية، حتى يقال: بأن قضية أصالة التعبدية إذا شك في التعبدية والتوصلية، هي الاحتياط، فلابد من قصد القربة بالنسبة إلى ما شك في نفسيته وغيريته. نعم، إذا كان قربيا على كل تقدير - كما في الوضوء بالنسبة إلى الصلاة - فلابد من قصدها، كما لا يخفى. ثانيتهما: ما إذا كان الوجوب الغيري ذا أثر شرعي، كما في الأمثلة المزبورة، فهنا أيضا صورتان: إحداهما: ما إذا كان للوجوب النفسي أثر، وهو قصد القربة مثلا، فإنه لا تجري البراءة بالنسبة إلى الأكثر والتقيد، لمعارضتها بالبراءة بالنسبة إلى خصوصية النفسية، فلابد من الاحتياط، بأن يغتسل قربة إلى الله تعالى، ويحافظ عليها إلى أن يأتي بالجمعة، أو أن يأتي بالوضوء قربة إلى الله، ويقدمه على الصلاة، ولايبطلة. ثانيتهما: ما إذا لم يكن للنفسي أثر، فإنه عند ذلك تجري البراءة بالنسبة إلى آثار خاصة بالغيرية، لعدم جريان البراءة عن خصوصية النفسية، لعدم الأثر لها، ولذلك اشتهر بينهم إجراء البراءة، وكأنهم فرضوا هذه الصورة في كلماتهم، فافهم واغتنم. هذا كله فيما لم يكن لما شك في نفسيته وغيريته، حالة سابقة من النفسية والغيرية، وإلا فيؤخذ بها. أو كان الوجوب الغيري المشكوك عقليا، لا شرعيا حتى لا يفيد الاستصحاب بناء على عدم جريانه هنا، وجريانه هناك، كما لا يخفى. ولو كان التردد بين النفسية والغيرية على سبيل منفصلة مانعة الخلو، فيمكن أن تحصل المعارضة بين استصحاب النفسية والبراءة عن الغيرية، فلا تخلط بين

[ 146 ]

صور المسألة، وما يطرأ عليها من الأحكام والاعتبارات. ثم إن هنا صورة رابعة: هي ما إذا كان الوجوب النفسي ذا أثر شرعي، دون الغيري، بل كان أصل وجوده شرطا على تقدير ثبوت وجوبه الغيري، فإنه في هذه الصورة تجري البراءة عن خصوصية النفسية. مثلا: لو تردد الوجوب بين كونه نفسيا قربيا، أوغيريا غيرقربي، وكان كما اشير إليه، فإنه يجب عليه الإتيان به، ولكنه تجرى البراءة بالنسبة إلى وجوب قصد القربة. نعم، بناء على أصالة التعبدية، لابد من الاحتياط، ولكنها خلاف التحقيق، كما عرفت تفصيله في محله (1). هذا كله إذا كان الواجب النفسي الذي يكون الغيري المحتملة غيريته بالنسبة إليه معلوما بالتفصيل، كما في غسل الجمعة بالنسبة إلى صلاة الجمعة. وأما إذا كان معلوما بالإجمال في صورة تنجيز العلم الإجمالي لأطرافه، كما إذا كان في المثال المذكور يعلم إجمالا: بأن غسل الجمعة إما واجب نفسي، أو غيري، وعلى تقدير غيريته إما شرط ومقدمة وجودية لصلاة الجمعة، أو الظهر المعلوم وجوبهما إجمالا، فالظاهر عدم الفرق في الصور التي أشرنا إليها من اختلافها في جريان البراءة وعدمه هذا. وغير خفي: أن الصورة الأصلية الرئيسة، هي هذه الصورة المشتملة على تلك الصور الكثيرة، لأن مفروض البحث هو ما إذا كان المعلوم بالإجمال النفسية والغيرية، أي يكون كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر، واجبا فعليا منجزا. وأما الصورة التي لا يكون الوجوب على تقدير غيريته فعليا، فهي خارجة عما يتفاهم من فرض العلم الإجمالي، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 147 - 159. (*)

[ 147 ]

الصورة الثانية: إذا تردد الوجوب بين النفسي والغيري، وعلى تقدير كونه واجبا غيريا وشرطا للصحة بالنسبة إلى المعنى الآخر، لا يكون ذلك النفسي الآخر واجبا بالفعل، بل هو محتمل الوجوب، كغسل الجمعة بالنسبة إلى صلاة الجمعة في عصر الغيبة، فإنه لا وجه لإيجاب ما تردد أمره، فلا يكون الغسل واجبا. وهذا يجتمع مع احتمال حرمة ذلك الأمر النفسي المحتمل وجوبه، بل يجتمع مع تمامية الحجة بالنسبة إلى حرمته، فإن احتمال الوجوب سار، فلا تغفل. الصورة الثالثة: في المثال المزبور يتردد في الوجوب النفسي والغيري، ولكنه على تقدير كونه غيريا بالنسبة إلى صلاة الجمعة، لا تكون الصلاة واجبة فعلا، بل هو واجب مشروط غير موجود شرطه، أي شرط الهيئة. وهذاتارة: يكون شرطه غير حاصل، كما في الصورة الاولى، وقد عرفت حكمها. واخرى: يكون شرطه ممكن الحصول، فالأمر كما حرر، لأنه إذا شك في تحقق الشرط للوجوب في الواجب النفسي، يشك في فعلية الوجوب بالنسبة ما تردد فيه، وهو غسل الجمعة. مثلا: إذا تردد في وجوب الطواف عليه نفسيا أو غيريا، ولكنه غيري بالنسبة إلى الحج الذي وجوبه مشروط بالاستطاعة التي ليست حاصلة فعلا، ولكنها يمكن أن تحصل، فإنه لا يجب عليه الطواف بالضرورة. وإرجاع العلم الإجمالي المزبور إلى أنه يعلم بوجوب الطواف أو الحج المتقيد بالطواف لا يفي، لأن أحد طرفي العلم إذا كان وجود به مشروطا، لا يورث التنجيز في الطرف الآخر بالبداهة. وثالثة: يعلم بتحقق الشرط، فعند ذلك تختلف المسالك، فعلى ما سلكه القوم لابد من الاحتياط، لأنه يرجع إلى العلم الإجمالي في التدريجيات، وهو أن المعلوم بالإجمال، مردد بين كونه غسل الجمعة، أو صلاة الجمعة مع الغسل، ويكون على

[ 148 ]

التقدير الثاني منجزا أيضا، لكونها من المقدمات المفوتة والمخلة بالفرض الإلزامي إذا تركه قبل الظهر. وأما على ما سلكناه، من أن اعتبار الوجوب المشروط، متقوم بتسهيل المولى على العبد بالنسبة إلى المقدمات الوجودية قبل الوقت، وإلا ينقلب إلى المعلق كما تحرر سابقا (1)، فما دام لم يثبت إجماع على وجوب تلك المقدمات، لا يجب بحكم العقل، فتجري البراءة ولو علم بتحققه، لعدم العلم بفعلية التكليف والهيئة، ومع عدم فعلية الهيئة، لا يعقل استكشاف المصلحة الملزمة، حسبما تحرر منا في السابق (2). هذا، ولا يختلف بين ما إذا كان الغسل المردد وجوبه بين النفسي والغيري، مضيقا بحسب الوقت على التقديرين، أو كان موسعا على التقدير الثاني، فإنه لابد من تكراره إذا دخل الوقت، فإجراء البراءة على المسلك المشهور غير صحيح، وإن كان يجري في الأقل والأكثر. والعجب من بعض الأصحاب، حيث توهم إجراء البراءة هنا في هذه الصورة (3)، مع أنه ممن يصر على لزوم المحافظة على المقدمات المفوتة وتنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات (4) ! ! والأمر بعد ذلك سهل. ولعل مصب كلامه غير هذه الصورة الأخيرة من الصور الثلاث المشار إليها، والخلط بين الصور أوقع الأصحاب (رحمهم الله) فيما لا ينبغي. وقد عرفت تعين البراءة في


1 - تقدم في الصفحة 72 - 73. 2 - تقدم في الصفحة 81. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 223. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 111 - 112. (*)

[ 149 ]

الصور الثلاث من هذه الصورة أيضا. ومن هنا يعلم وجه جريان البراءة عن النفسية إذا كان الواجب الآخر الذي يكون مشروطا به، غير منجز وجوبه لإحدى الجهات الموجبة لعدم التنجيز، من كون الأطراف غير محصورة، أو خارجة عن محل الابتلاء، أو غير ذلك، بناء على الفرق بين هذه الصور في تنجيز العلم الإجمالي وعدمه، لأن مناط إمكان إجراء البراءة عن وجوبه النفسي، عدم وجود العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي، حتى لا يلزم منه المخالفة العملية، فتجري البراءة عن وجوبه الغيري والنفسي من غير لزوم محذور. المراد: من " التوسط في التنجيز " الوارد في كلام المحقق النائيني بقي شئ في المقام: وهو أن العلامة (رحمه الله) قال " فيما إذا تردد الوجوب بين النفسي والغيري، واحتمل الوجوب الآخر كما في الصورة الثانية: بجريان البراءة عن الآخر، والاشتغال بالنسبة إلى المردد وجوبه (1). مثلا: إذا علم بأنه إما يجب عليه الطواف نفسيا، أو غيريا، واحتمل وجوب الحج بالنسبة إلى نفسه، لاحتمال كونه مستطيعا، يجب عليه الطواف، ولا يجب عليه الحج، وذلك لأنه من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر، ومن قبيل التوسط في التنجيز الذي عليه يبتني جريان البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين، إذ كما أن العلم بوجوب ما عدا السورة مع الشك في وجوبها يقتضي وجوب امتثال ما علم، ولايجوز إجراء البراءة فيه، مع أنه يحتمل كون ما عدا السورة واجبا غيريا


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 223 - 224. (*)

[ 150 ]

ومقدمة للصلاة مع السورة، فكذلك المقام من غير فرق بينهما إلا فيما ليس بفارق، كما لا يخفى ". ولعل مراده من " التوسط في التنجيز " أن العلم الإجمالي بوجوب الأقل أو الأكثر، لا يورث تنجيز الأكثر، ولكنه وسط لتنجز الأقل، وذلك لأن إجراء البراءة في الظاهر عن الأكثر، لا يستلزم عدم تنجز الأقل في الظاهر وإن كان من أجزاء المركب والكل، فكما أن في الأقل والأكثر يحتمل كون الأقل بلا أثر، وبلا ملاك وثمرة، كذلك يحتمل هنا، فكيف يتنجز التكليف هناك، ولا يتنجز هنا ؟ ! وتوهم: أن ملاك البراءة في الأقل والأكثر، كون الأقل إما واجبا نفسيا، أو ضمنيا، وهو من النفسي أيضا، وهذا الانحلال لا يتصور هنا، لأن الوضوء المردد بين كونه واجبا نفسيا أو غيريا، ليس من الواجبات الضمنية بالنسبة إلى الصلاة (1)، غير صحيح، لما عرفت: من أن الوجوب الضمني من الأكاذيب الأولية، ولا يتصور له معنى معقول (2). فما هو ملاك الاشتغال بالنسبة إلى الأقل، والبراءة بالنسبة إلى الأكثر، ليس إلا تنجز الأقل بالعلم التفصيلي، وعدم تنجز الأكثر، للشك البدوي. ولو سلمنا عدم انحلال العلم الإجمالي كما تحرر هناك (3)، فتصل النوبة إلى البراءة الشرعية، فلا معنى لإجراء البراءة عن الأكثر، فعليه يجب الوضوء والغسل والطواف والإقامة في الأمثلة المزبورة في طي البحث.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 156 - 157، مناهج الوصول 1: 376، تهذيب الاصول 1: 247. 2 - تقدم في الصفحة 26 - 28. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 151 ]

فبالجملة: إذا كان المقدمات الداخلية والخارجية، مشتركة في الوجوب الغيري، فلابد من الاحتياط قطعا. أقول: والذي هو الحق أن وجه جريان البراءة في الأقل والأكثر، والاشتغال بالنسبة إلى الأقل، أن حجة المولى بالنسبة إلى الأقل تامة، وهي الأجزاء المسماة ب‍ " الصلاة " مثلا، ولايكون الوجوب مرددا بين النفسي والغيري، لما يأتي من أن الوجوب الغيري، لايتم لا بالنسبة إلى المقدمات الداخلية، ولا الخارجية (1)، بل الأمر دائر بين كون بقية الأجزاء واجبة، أو غير واجبة، ولكن لما كانت بقية الأجزاء مورد الأمر، فلا معنى للقعود عن الوظيفة، باحتمال عدم الوجوب، وإن كان الأمر لا إطلاق له، كما هو المفروض في بحث الأقل والأكثر، فافهم واغتنم جيدا. وهذا الوجه لا يجري في المقام، لأن غسل الجمعة مردد بين كونه واجبا نفسيا متعلق الأمر، وواجبا غيريا لا يتعلق به الأمر الشرعي، بل هو واجب عقلي محض، فعند ذلك لا تتم حجة المولى بالنسبة إليه. وعلى هذا يصح التفصيل بين ما إذا قلنا بوجوب المقدمات الخارجية وجوبا شرعيا، وبين وجوبها العقلي، فعلى الأول يأتي الوجه المزبور، ولا يتم الإشكالات المترائية من تلاميذه موردين عليه (قدس سره) (2). وعلى المسلك المنصور تجري البراءة هنا، لا في الأقل والأكثر. ثم إن هاهنا صورا اخر تظهر أحكامها خلال النظر فيما سبق، والإيجاز المخل أولى من الإطناب الممل، فافهم وتأمل.


1 - يأتي في الصفحة 170 - 173. 2 - منتهى الاصول 1: 200 - 201. (*)

[ 152 ]

تذنيب في الثواب والعقاب، وأنهما بالجعالة أو التفضل أو... لبعض المناسبات وقع البحث هنا حول الثواب والعقاب، وأن الواجبات النفسية تقتضي الثواب بالاستحقاق، أو التفضل، أو الغيرية تقتضي الثواب، أم لا ؟ ولا بأس بالإشارة الإجمالية إلى بعض مباحث المسألة، ويتم ذلك في ضمن جهات: الجهة الاولى: في إنكار الوجوب المولوي في الشرائع الإلهية قد عرفت معنى النفسي والغيري، وصحة انقسام الوجوب إليهما بالضرورة (1)، وإنما الشبهة في أن القوانين الإلهية، مشتملة على الواجبات النفسية، كسائر القوانين العرفية، أم جميع الأوامر في الأحكام الإسلامية إرشادية، وليست مولوية حتى تكون بعضها نفسية، وبعضها غيرية. وبعبارة اخرى: بين العقلاء طائفتان من الأوامر: طائفة منها نفسية يعاقب على مخالفتها، ويؤخذ العاصي، فإن كان مقبول العذر فهو، وإلا فيضرب عنقه، ويحبس حسب الجزاء المفروض، أو حسب الاستحقاق المعلوم عند العقول. وطائفة ثانية هي الإرشادية، كأوامر الأطباء الجسمانيين، فإنها ليست إلا


1 - تقدم في الصفحة 129. (*)

[ 153 ]

أوامر إرشادية لما يرون من مصالح الأشياء ومفاسدها، فيرشدون المراجعين إليها، ويحذرونهم من عواقبها الراجعة إليهم من حسنها وسوئها، ونقصها وكمالها، فيكون لأعمالهم تبعات قهرية طبيعية وتكوينية، تحصل بمجرد الإتيان بها، والأطباء كاشفون هذه الخواص والآثار، ومبعوثون من قبل الله تعالى بنحو من البعث، لا كبعث الأنبياء والرسل على كافة الخلق، ويرشدونهم إلى ما يصلح حالهم، ويمنعهم عن المضرات والمفسدات. فهل عند ذلك يعقل كون أمر الطبيب أمرا مولويا، أو هل يعقل كون أمر الله ونهيه بالنسبة إلى تلك المصالح والمفاسد مولويا، إذا كان لا يترتب على مخالفته وعصيانه غير الأثر السي ء، وغير تبعات تلك الأعمال، ولايكون العقاب الآخر مجعولا على المخالفة، بل كان لا يترتب على مخالفة شرب المسهل إلا سوء المزاج، ويبقى على حاله من سوء حاله، وانحراف طبيعته، ولايكون شئ آخر وراء ذلك ؟ ! وهكذا إذا كان لا يترتب على موافقة تلك الأوامر إلا تبعاتها القهرية، وآثارها التكوينية، وكان عقابها منحصرا بذلك، فهل يعقل كون الأوامر في هذا المحيط وتلك الصورة، نفسية ومولوية ؟ ! كلا، بل لابد وأن تكون إرشادية إلى تلك التبعات، لعدم معنى للمواخذة على المخالفة لابتلاء العاصي بالعقاب إلا بإذن الله، والمطيع بالثواب إلا بإذن الله. إذا لاحظت في دقيق نظرك هذه المقالة، يخطر ببالك الشبهة في الواجبات والمحرمات الإلهية، فإنها ربما كانت كالواجب والمحرم في محيط الطبيب والمريض، ويكون الأنبياء أطباء الروح، ويخبرون عما لا يطلع عليه البشر في هذه النشأة، ولذلك يجب على الله تعالى بعث الرسل، وإنزال الكتب، لإعلام الناس بهذه المصائب والمثوبات، وأن الأعمال في هذه النشأة تلازم الصور المؤذية والملذة،

[ 154 ]

فينهى عن المؤذية، ويأمر بالملذة، وتكون الصور البرهوتية التي تحسن عندها القردة والخنازير، من تبعات غلبة الشهوات والغضب، فلابد عقلا من تعديل القوى الثلاث، حتى لا يبتلى الإنسان بتلك الصور المفصلة في الكتب الاخر (1). وهكذا الصور البرزخية وغيرها المناسبة مع الطبع، الملتذة بها النفوس في الحشر والمعاد، وتكون هي حاصلة لها ومصاحبة إياها في البرازخ وغيرها، فعند ذلك كيف يعقل الأمر المولوي - نفسيا كان أو غيريا - من صاحب الشريعة إذا كان يرى ذلك، ويحيط بتلك المصالح والمفاسد ؟ ! فبالجملة: إذا كان الثواب والعقاب، متجسمين من الأعمال وخاصة الأذكار والأفكار - كما ربما تقتضيه بعض الآثار، وكثير من البراهين، بل والآيات المسطورة في الرق المنشور - فلا يعقل النفسية والغيرية، ويتم البحث المزبور المسطور في أساطير السابقين، ويسقط ما اشتهر من القول بالواجبات النفسية والغيرية في الشرائع الإلهية. نعم هي في غيرها موجودة. إن قلت: لا يمكن الالتزام بذلك، لأن الواجبات القربية، متوقفة على كون أوامرها مولوية. قلت: كلا، وقد تحرر أن العبادة ليست متقومة بالأمر، بل المشركون كانوا يعبدون الأصنام، فلو كانت هي متقومة بالأمر، لما كان وجه لنهيهم عنها، لعدم إمكان صدور الأمر من الأوثان والأصنام، كما هو الظاهر (2)، فالعبادة متقومة باكتشاف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن العمل الكذائي يليق أن يعبد به الله تعالى، ويؤتى به عبادة له تعالى، والنهي يرشد إلى عدم لياقة العمل الكذائي بحضرته الربوبية، فلا تخلط.


1 - الحكمة المتعالية 9: 293. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 110 - 112. (*)

[ 155 ]

إن قلت: لا يعقل إنكار الوجوب النفسي، لأن ترك الواجبات يستلزم العقاب، والترك ليس بعمل حتى يستتبع تلك الصور المزبورة المؤذية، وهكذا ترك المحرمات، مع أن الضرورة قاضية بأن تارك الصلاة في الجحيم، وتارك المحرمات يثاب على تركه، فلابد من كون الثواب والعقاب غير ما تخيل وتوهم. قلت: أما ترك المحرمات إذا كان بلا توجه إلى المحرم، أو بلا كف عنه، فهو لا يثاب عليه عند جملة من الأصحاب (رحمهم الله) بل قيل: " إن ذلك ليس منهيا، لأن النهي هو الكف، وهو لا يتصور إلا مع الابتلاء " فإذا كان ذلك عبارة عن الكف، فهو فعل النفس، وحبس القوى، وهذا يستلزم الصور الملذة والحسنة من الحور، والقصور، والفاكهة، والرمان. وأما ترك الواجبات مع التوجه والالتفات، فهو أيضا كذلك. وأما الجاهل المقصر، فهو ينحصر بالملتفت، ولايكون من أقسام الجاهل المقصر من لا يلتفت إلى جهله بالسلب المحصل، فلا يلزم إشكال، لأن كل ذلك قابل الذب، فلا تغفل. فتحصل: أنه لا ضرورة تقابل هذه الشبهة حتى يمكن توهم اندفاعها، بدعوى العلم الإجمالي ببطلانها وإن لم يكن لنا تعيين النقطة الباطلة في الشبهة، بل قضية هذه الشبهة والمقالة في الثواب والعقاب، إنكار الوجوب المولوي، لا إنكار العقاب والثواب، فلا تخلط. وبناء على تلك المقالة، لا معنى للثواب والعقاب على الغيري بما هو الغيري، ضرورة أن تبعات الأفعال لا تكشف بالأوامر الغيرية. نعم، ربما يترتب الآثار والخواص قهرا وإن كان يصدر الفعل جهلا، كما في الآثار الطبيعية. ولكنه خلاف ما عليه الشريعة قطعا، ولذلك يمكن دعوى: أن من شرائط ترتب الآثار، العلم بالأمر، أو احتمال الأمر، مع عدم العذر الموجه، فإن هذه

[ 156 ]

الخطورات الذهنية والصور العلمية، دخيلة في الاستتباع، فلا تخلط. إن قلت: يكفي لحصول الإرادة المولوية والإيجاب المولوي، شرطية العلم بالأمر في ترتب اللوازم والآثار. قلت: إذا كان يكفي أصل الأمر الأعم من الإرشادي والمولوي في الترتب المزبور، فلا مصلحة في اعتبار مولويته. وهنا مذهب آخر وجواب صحيح خارج عن افق الباحثين، ولاسيما محصلي الاصول، ولذلك يكون العدول أولى. ذنابة: وفيها استدلال على امتناع مولوية الأوامر في الشرائع مع رده ربما يستدل على امتناع كون الأوامر في الشرائع الإلهية مولوية: بأن الأمر الصادر منه تعالى، إذا كان لا يستلزم خلافه ولا وفاقه ثمرة، وأثرا له تعالى، بل جميع المنافع والمضار في الأمر والنهي عائدة إلى العباد، فكيف يكون هي مولوية ؟ ! ولكنه قابل للدفع، كما هو غير خفي على الفطن العارف وبما سلكناه في حقيقة النفسية والغيرية. وأما حديث امتناع صدور الأمر التشريعي من العالي بالنسبة إلى الداني، فهو طويل الذيل يطلب من محاله (1). إيقاظ وتنبيه: حول ما أفاده الوالد المحقق في المقام يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - احتمال ترتب الثواب على هذه المقالة على الوجوب الغيري، لأن وجه الترتب صفاء النفس الحاصل من الأفعال، والنيات


1 - تقدم في الصفحة 133. (*)

[ 157 ]

الخيرة، والمقاصد الكاشفة عن حسن الذات، وغير ذلك. ويظهر من بعض عباراته: أن ترتب الآثار اختياري للنفس، وأنها تصير ذات قدرة خلاقة على خلق الصور البهية، أو على خلق الصور المؤذية. وهذا غير ظاهر عندنا (1). أما ترتب الثواب على المقدمات المأتية بعنوان المطلوبية للمولى، فهو خارج عن الجهة المبحوث عنها، لأن ما ذكرناه في تلك المقالة: أن الثواب والعقاب يترتبان على الأفعال، فإن كانت هي عبادية، وتكون الأوامر الشرعية الكاشفة عن التوابع، تكشف عن تعبديتها، فلابد من الإتيان بها تعبدا، والأثرمترتب عليه على هذه الكيفية. وإن كانت توصلية، فيعلم من الأمر الشرعي والإرشاد الإلهي: أن الأثر مترتب على نفس الفعل وإن اتي به لغير الله. فما اشتهر بين الأعلام: " من أن الثواب مترتب على الفعل، بشرط الإتيان به بقصد القربة والنية الخالصة " غير صحيح، لأن إطلاق الأمر كاشف عن أن التوابع للفعل الأعم. ثم إنه لو كان الأثر فعلا اختياريا للنفس، وتكون النفس بعد التلبس بالاستعداد الكافي، وبعد صيرورتها كاملة بتلك الأفعال، مختارة في إيجادها، فيكون العقاب اختياريا، وهذا ضروري الفساد. والالتزام بالتفكيك غير جائز. مع أن الظاهر من الشريعة: أن أمر الإنسان دائر بين الثواب والعقاب، ولايكون خارجا عنهما، ولو كان اختياريا يلزم إمكان كونه في غير الجنة والنار، والله العالم بحقائق الامور، فليتدبر جيدا. ومما ذكرنا يظهر: أن مجرد الإتيان بالفعل موجها إياه بوجهة الله، غير كاف لكونه ذا أثر، وتابع مطلوب وحسنا، بل ذلك تابع لمقدار الكشف الثابت بالشرائع، أو من يحصل له الكشف إجمالا في هذه المراحل فرضا وتخيلا، وإلا فمجرد ذلك غير


1 - مناهج الوصول 1: 379 و 377، تهذيب الاصول 1: 248. (*)

[ 158 ]

ثابت جدا. نعم، لا يبعد دعوى: أن ذلك ثابت في الشريعة الإلهية، وهو أن كل فعل إذا صنعه العبد لله تعالى، قاصدا إياه وخيره، يترتب عليه الآثار المطلوبة والصور الملذة. والأدلة المتكفلة لحشر العبد مع من أحبه، ومع ما نوى، يقتضي ذلك، كما لا يخفى. الجهة الثانية: في أن الثواب بالاستحقاق أو التفضل أو... ذهب جمع من المتشرعة إلى أن الجمع بين العقاب بالمعنى المزبور، والعقاب بالمعنى الذي اختاره المتشرعة - وهو أنه جعلي - وهكذا الثواب، بمكان من الإمكان. وهذا هو الرأي الجامع بين الأدلة العقلية والنقلية، ولا برهان تام على امتناع كون العقاب والثواب على طريق الجعالة، كما في الثواب والعقاب المتعارفين بين العباد والموالي العرفيين. فعلى هذا، تصوير الوجوب المولوي ممكن، ويكون الواجبات دائرة بين كونها إرشادية ومولوية، والمولوية بين كونها نفسية وغيرية، ويكون البحث هنا حول أن الأوامر المولوية الغيرية، تكون ذات ثواب، بعد الاتفاق على أنها ليست ذات عقاب، حتى على فرض كونها من الأسباب والمسببات التوليدية على وجه عرفت منا، خلافا لما توهمه العلامة النائيني (رحمه الله): من الالتزام بذلك في التوليديات، توهما أن السبب والمسبب إذا كانا موجودين بالوجود الواحد، ومختلفين بالعنوان والجهة، يكون كل واحد منهما مأمورا به بالأمر النفسي (1). وقد عرفت فساده (2). مع أن ذلك لا يستلزم الثواب على الغيري والعقاب عليه، بل هو يرجع إلى أن الأمر بالمسبب نفسيا، يتجاوز إلى السبب، فلا يكون تخلف عن الأصل المعروف،


1 - أجود التقريرات 1: 219 - 220. 2 - تقدم في الصفحة 16 - 17. (*)

[ 159 ]

وهو أن الغيري لا يعاقب عليه قطعا. فتحصل: أن العقاب منتف، وإنما البحث في الثواب عليه، وكأنهم فارغون من أصل مولوية الأمر في الوجوب الغيري، فوقع البحث عندهم حول أن هذا الأمر المولوي الغيري، يستتبع استحقاق الثواب، أم لا ؟ أقول: هنا بحثان: الأول: في إنكار الأوامر المولوية حتى على القول بجعالة العقاب أن قضية بعض ما اشير إليه في الجهة الاولى، إنكار الأوامر المولوية حتى على المسلك الأخير في العقاب والثواب، لأن من براهينه أن الله تبارك وتعالى عال ذاتا وفعلا، ولا يعقل أن يتكفل العالي للداني على ما تحرر في محله (1)، ولا يتصنع المستعلي بالذات لما هو دونه، بل كل موجود متوجه إلى العلو، ليرقى إليه، وهو تعالى لا يتصور له الرقاء، فغاية فعله ذاته تعالى وتقدس، فكيف يصدر منه الإرادة التشريعية - التي هي من جملة الإرادة النظامية - لغرض الانبعاث، فيشكل تصديق الأمر المولوي على هذا المسلك أيضا. ثم إن الأوامر الغيرية، كيف يمكن أن تكون مولوية ؟ وما هو المختلف فيه: هو أنه هل يترشح من البعث والإرادة النفسية، إرادة اخرى متوجهة إلى العبد، أم لا ؟ وأما أنها إرادة مولوية غيرية فهو غير معلوم، ومجرد تعبير القوم عنه ب‍ " الوجوب الغيري " لا يكفي لإثبات أنها الإرادة المولوية الغيرية. ولعمري، إني لا أفهم مولوية الإرادة الغيرية، لأن معنى المولوي والوجوب المولوي، هو استتباع العقاب والعقاب عند الترك، وإلا فلا يتصور للمولوية معنى آخر. ومجرد توجيه الأمر مستعليا وعاليا، لا يكفي لمولويته، فإذا سقط عن


1 - الحكمة المتعالية 2: 264. (*)

[ 160 ]

المولوية لا يثبت له الثواب، لأنه لو كان للأمر الغيري ثواب، فهو فيما إذا كان مولويا، لا إرشاديا. اللهم إلا أن يقال: هي كالأوامر الندبية، ولكنه أيضا قياس غير تام يأتي في الجهة الثالثة تفصيله. الثاني: تبعية الثواب والعقاب لمقدار الجعل بناء على الجعالة بناء على كون الثواب والعقاب على نعت الجعالة، فترتبهما على الغيري بل والواجبات التوصلية، تابع لكيفية الجعالة والجعل، ولا معنى بعد ذلك لأن الثواب يتحقق على المقدمات، أم لا، ضرورة أن المستأجر إذا استأجر أحدا لزيارة الحسين (عليه السلام): فتارة: يجعل حذاء الزيارة أجرا. واخرى: يجعل حذاء كل خطوه أجرا. وعلى الثاني تارة: يجعل حذاء الخطوات الموصلة أجرا. واخرى: على الخطوات وإن لم تكن موصلة أجرا. فإنه على كل تقدير يمكن ذلك من غير احتياج ذلك إلى الأمر أصلا، ضرورة أن من يقول في عقد الجعالة: " من رد ضالتي فله درهم " لا يأمر أحدا برد الضالة، ولكن كل من ردها يستحق ذلك، أو يكون له المرجح في إعطاء الدرهم إليه، وسيأتي البحث حول الاستحقاق والتفصيل في الآتي إن شاء الله تعالى. فبالجملة: بعد فرض صحة هذا المسلك، أو مسلك من يقول بانحصار العقاب والثواب بالجعالة، ولا تبعات للأعمال، فالعقاب والثواب تابع الجعل. نعم، لابد في جعل العقاب من مراعاة العدل والسنخية بين العمل وجزائه، فإنه لا يجوز عقلا جعل جزاء ترك جواب السلام، الخلود في النار، فإنه ربما يعد

[ 161 ]

قبيحا وظلما عند العدلية، كما لا يخفى. وأما توقف ترتب الثواب على التعبد بها والتقرب، وقصد الخير والثواب، فهو مناف لإطلاق الأدلة، ولا دليل على التقييد. ومجرد ما ورد من " لكل امرء ما نوى " (1) و " لا عمل إلا بنية " (2) لا يكفي للتقييد، لأن تلك الأدلة لا تورث أن الثواب يستتبع قصد القربة (3)، على ما تقرر، فكما أن ترك التوصليات يورث العقاب، كذلك إتيانها يستلزم الثواب المجعول، وهكذا في الأوامر الغيرية. بل قد عرفت عدم الحاجة إلى الأمر في ترتب الثواب، لإمكان جعل الثواب على الخطوات من غير أن يأمر بها، فما ترى في كتب القوم (رحمهم الله) لا يخلو من تأسف، والأمر بعد ذلك سهل. الجهة الثالثة: حول مسلك ترتب الثواب والعقاب على عنواني " الإطاعة " و " العصيان " قد يقال: إن الثواب والعقاب تابعان لعنواني " الإطاعة " و " العصيان " ولا حد لهما إلا في بعض الواجبات أو المحرمات، وإلا فالمدار الكلي على الإطاعة والعصيان، فمن أطاع مولاه يستحق، أو يكون الترجيح معه في الإعطاء، ومن عصاه فيستحق العقوبة، أو يكون عنده المرجح للعقاب إذا أراد المولى عقابه (4).


1 - تهذيب الأحكام 4: 186 / 519، وسائل الشيعة 10: 13، كتاب الصوم، أبواب وجوب الصوم، الباب 2، الحديث 12. 2 - الكافي 2: 1 84، وسائل الشيعة 1: 46، كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 153 - 154. 4 - كشف المراد: 408، كفاية الاصول: 138، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 378. (*)

[ 162 ]

فعلى هذا، إن كانت الأوامر الغيرية ذات إطاعة، فله ذلك، وإلا فلا، بعد الفراغ عن أنها ليست ذات عقاب وعصيان قطعا. وغير خفي: أن هذا ليس مسلكا ثالثا في كيفية العذاب والعقاب، بل الاختلاف في جهة اخرى يأتي بيانها. وبالجملة يمكن أن يقال: بأن الأوامر الغيرية وإن لم تكن مستلزمة عند الترك للعقاب، لعدم اعتبار العصيان لها، ولكنها - كالأوامر الندبية والاستحبابية - تستتبع الثواب، لما يفرض لها الإطاعة والامتثال، فبناء على ثبوت الملازمة بين الإرادتين - وبعبارة اخرى: بناء على الوجوب الغيري - يترتب الثواب، لاعتبار عنوان " الطاعة " لأنها ليست إلا موافقة الأمر الصادر عن المولى وامتثاله بالانبعاث عنه. وتوهم: أن الأوامر الغيرية ليست باعثة، لأن العبد إما ينبعث بالأمر النفسي، فلاينبعث بالأمر الغيري. وإن لا ينبعث بالأمر النفسي، فلا يعقل باعثية الأمر الغيري بالنسبة إليه، فلا يتحقق منه الإطاعة بالنسبة إلى الأوامر الغيرية. ومجرد التوافق لا يورث صدق عنوان " الإطاعة " كما أن مجرد التخلف، لا يستلزم صدق عنوان " العصيان " (1). قابل للدفع: بأن العبد ربما لا ينبعث نحو الواجب النفسي، لما لا يجد فيه الخير الكثير، وينبعث نحوه إذا كان يجد أن في مقدماته التبعات المطلوبة، وهو الثواب، ولاسيما إذا كان الثواب معلوما حده، وكان كثيرا، فعليه يمكن أن يكون الأمر الغيري باعثا بضميمة الأمر النفسي، وهذا الانضمام لا يضر بترتب الثواب، كما لا يخفى. إن قلت: يلزم الدور، لأنه يتوقف تحقق عنوان " الإطاعة " على كون الأمر مولويا باعثا، ويتوقف باعثيته على كونه ذا ثواب، مع أن الثواب لا يكون إلا بالإطاعة والطاعة.


1 - لاحظ نهاية الدراية 2: 113 - 114، مناهج الوصول 1: 409. (*)

[ 163 ]

قلت: يندفع ذلك: بأن المولى إذا كان يرى أن العبد يكون هكذا، فيترشح منه الإرادة الآمرية الباعثة. فبالجملة: إذا كان الأمر الغيري مولويا باعثا، يتحقق عنوان " الطاعة ". ولكنك عرفت منا الشبهة في مولوية الأوامر الغيرية، وذكرنا هناك: أن القياس في غير محله (1)، لأن ترك المستحبات الشرعية، يستلزم التبعات والكدورة وبعض الندامات، وهذا لا يتصور في ترك الواجبات الغيرية بما هي غيرية. فبالجملة: لا أفهم وجها محصلا للوجوب الغيري المولوي، حتى يمكن اعتبار الانبعاث عنه، فيحصل عنوان " الإطاعة " ولولا هذه الشبهة كان للقول بإمكان ترتب الثواب على مطلق الأوامر الغيرية، وجه قوي جدا. الجهة الرابعة: في أن الثواب والعقاب بالاستحقاق أم بشئ آخر هل العقاب والثواب بالاستحقاق، أو كلاهما بالتفضل الإلهي، أم العقاب بالاستحقاق، دون الثواب، أو لا بالتفضل، ولا بالاستحقاق، أو يكون العقاب من التفضل، والثواب بالاستحقاق ؟ وجوه واحتمالات وأقوال. لا يصح لنا ولايجوز لباحث العلوم الاعتبارية، التدخل في هذه العلوم الغريبة عن أذهان العالمين منهم، فضلا عن المحصلين، ولنا في هذه المباحث مكتوبات اخر، من شاء فليراجع ما هناك (2). ونشير إشارة إجمالية من غير النظر التصديقي إلى ما هو الحق، ولكن نشير إلى بعض ما قيل من المذاهب الفاسدة: فالأشعري يقول: بأن الله تبارك وتعالى يصنع في ملكه ما يشاء، فيعذب من


1 - تقدم في الصفحة 158 - 159. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 164 ]

يشاء ويعطي من يشاء بيده الملك وليس لأحد أن يتدخل في سلطانه، ويتجاوز في حكومته، فالعقاب والثواب ليسا بالاستحقاق، لأن العباد مجبورون في أفعالهم، وإذا كانوا كذلك فلا يستحقون العقاب، ولكن يجوز له تعالى ذلك (1). ولايحتاج سوء مقالته ومبناه إلى تجشم الاستدلال. والمعروف عن المذهب: أن الثواب والعقاب بالاستحقاق (2). ونسب إلى المفيد وجماعة: أن الثواب بالتفضل، والعقاب بالاستحقاق (3). والذي ظهر لك مما قد مضى: أن العقاب والثواب على المسلك الأول ليسا بالتفضل، ولا بالاستحقاق. وعلى المسلك الثاني فالعقاب بالاستحقاق، والثواب وإن لم يكن بالاستحقاق، ولكنه يجب عليه تعالى الوفاء بالوعد، فإن التخلف إما كذب، أو قبيح إن كان إنشاء (4). ويمكن دعوى: أنه بالاستحقاق، لأن ما قيل: " من أن الإنسان بجميع قواه الملكية والملكوتية وجميع معدات فعله، مملوكه تعالى " (5) خروج عن الطرق العقلائية المتبعة في هذه المباحث، فكما أن العقاب بالاستحقاق وإلا فيمكن تقريب ذلك بوجه لا يستتبع الخير، ولا استحقاق العقاب، كذلك الثواب بالاستحقاق. وهذه الدعوى قريبة جدا. وأما على المسلك الثالث، فهو أيضا لا يخلو من أحد مسلكين، من حيث إن


1 - لاحظ كشف المراد: 307. 2 - كشف المراد: 407 - 409، كفاية الاصول: 138. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 224، نهاية الاصول: 185 - 186، محاضرات في اصول الفقه 2: 395. 4 - تقدم في الصفحة 152 - 159. 5 - نهاية الاصول: 185، مناهج الوصول 1: 378، تهذيب الاصول 1: 249. (*)

[ 165 ]

العقاب والثواب من التوابع القهرية، أو من قبيل الجعالة، ولكنه ثالث المسالك في الموضوع الذي يستتبع ذلك العقاب والثواب. مثلا: على المسلك الأول إتيان الصلاة عبادة، يستتبع قهرا صورة ملذة، وعلى الثاني يورث استحقاقها، أو بالتفصيل، والثالث يقول: بأن تلك الصورة - سواء كانت بالاستتباع أو بالتفضل والاستحقاق - لا تحصل إلا إذا انطبق على المأتي به عنوان " الإطاعة والامتثال " المتقوم بالأمر، فلا يعد هذا مقابل المسلك الأول والثاني في كيفية العقاب، فما يظهر من تقريرات الوالد - مد ظله - لا يخلو من غرابة (1). فعلى هذا، إن كان يقول بعد تحقق الطاعة مثلا بالاستتباع، فلا استحقاق، ولا تفضل، وإن كان يقول بالثاني، فيستحق العقاب، بل والثواب على التقريب المشار إليه. إن قلت: بناء العقلاء في المماليك عدم الاستحقاق. نعم في الاجراء يثبت استحقاق اجرة المثل. قلت: لا نسلم ذلك فيما إذا جعل المولى على العبيد جعالة حذاء أفعالهم وأشغالهم، مثلا لو قال المولى لعبده: " اصنع كذلك فلك علي كذا " فإنه يستحق عند القوم عليه جعله بالضرورة. ولا اريد أن أقول: إن العبد يستحق على الرب شيئا، حتى يعد من التجاسر، نعوذ بالله تعالى من ذلك، بل المقصود إثبات استحقاق العبد بالنسبة إلى الجعل والاجرة المجعولة، وأنه يثبت له حق على ذلك المجعول، فلا تخلط. ثم إنه غير خفي: أن مع عدم ثبوت الاستحقاق، يكون الامتثال والإطاعة والإتيان بالأعمال الحسنة، مرجحا لتوجيه التفضلات الإلهية بالنسبة إليه، وإلا فلو


1 - تهذيب الاصول 1: 249. (*)

[ 166 ]

كان هذا العبد العاصي متساوي النسبة بالنسبة إليها، فهو من الغلط، ولا يقول به مثل المفيد، فنفي الاستحقاق ليس معناه استواء النسبة، فافهم وتدبر جيدا. إرشاد وإفاضة: في إثبات العقاب بمعنى اللوازم القهرية للأفعال السيئة اعلم: أن العقاب بمعنى اللوازم القهرية والآثار والخواص للأفعال والتروك المنهية، على الوجه الماضي تفصيله (1)، مما ثبت بالكتاب والسنة في الجملة، وبمعنى الموجود الخارجي في البرزخ والقيامة، فيكون " القبر حفرة من حفر النيران " (2) مما يساعده الكتاب والسنة، وفيه خلاف بين أهالي المعقول البرهانيين، ولكنه عندنا مما لا برهان على امتناعه، بعد اعتضاده بالظواهر النقلية، بل يشهد عليه الشواهد والمكاشفات القطعية، بل هو قضية بعض البراهين المحررة في محلها. وملخص البحث في هذه المرحلة: أن الإنسان - بما أنه في هذه النشأة، مشفوع بالأخلاق الرذيلة، والملازمات الكدرة، والسجايا الخبيثة، والرذائل اللعينة - يحتاج إلى التصفية في هذه النشأة من جميع هذه الامور، لاقترانها بالمادة والمدة، فإن حصل له الصفاء الباطني من تبعية الأنبياء في الدستورات والفرامين، وصار لائقا بالفوز بالجنة، ودخول المحافل الإلهية، والحشر مع الوجودات الطيبة فهو. وإلا فلابد من تهذيبه عنها في الأعقاب والعقبات المتأخرة، بتوسط الملائكة الإلهية بما يتوجه إليه من أول الأمر - وهو حال النزع - إلى آخر منازل البرزخ وأحكامها، فإن حصلت له تلك البهجة، وذلك التجلي والجلوة الطاهرة، فيدخل في زمرة الأولياء والأصفياء، ويليق أن يتشرف بالمحضر الربوبي في جنة النعيم.


1 - تقدم في الصفحة 152 - 157. 2 - بحار الأنوار 6: 205 و 214. (*)

[ 167 ]

وإن لم يخلص من تلك المضيقات ولم يتحل بالحلية الإلهية وبالجلباب الملكوتي، وبقي في السجين، فالرحمة الإلهية لا تغادره، وتشمله حتى لا يبقى على حاله مع تلك الرفقاء والأصدقاء المؤذية وغير المأنوسة التي ليست من جنسه، بل تكون من الأجناس الشيطانية والشهوية والغضبية، فتكون النار الخارجية، كالنار المحماة التي يستعملها أرباب الصنائع لتخليص الذهب والفضة من الرصاص والنحاس، فإن الذهب بلسان ذاته ينادي ويشتهي تلك النار، حتى تخلصه من هذا الصديق وجار السوء، وإليه يشير قوله تعالى: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل) * (1). فإن حصلت له اللياقة بعد ذلك ليدخل دار البقاء، ويصاحب الأنبياء والمؤمنين فهو، وإلا فيبقى في الجحيم خالدا مادامت السماوات والأرض إلى ما شاء الله تعالى. فبالجملة: آخر الدواء الكي، فالكي دواء ورحمة من الله تبارك وتقدس، فانظر إلى قوله تعالى كيف عد العذاب من الآلاء: * (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان) * (2). فعلى هذا يمكن أن يقال: بأن الجنة التي هي ظل النفس الراقية، ليست بالاستحقاق، ولكن الجنة الموجودة في الآخرة والبرزخ في القوس النزولي بالاستحقاق، على الوجه المشار إليه. والعقاب الذي هو تبعة الملكات الباطلة والرذيلة، ليس بالاستحقاق بالمعنى المتعارف منه، وإلا فهو أيضا بالاستحقاق، لأنه من قبل سوء الاختيار ابتلي به. والعقاب الذي هو في البرزخ والقيامة بالتفضل، لأنه تعالى - إنعاما على


1 - الأعراف (7): 43، الحجر (15): 47. 2 - الرحمن (55): 35 - 36. (*)

[ 168 ]

العباد، وإرفاقا بهم، حتى يتسرع في إزالة الرذيلة المؤذية الأبدية بالنار وطبقاتها - أوقدها. فليعذرني إخواني في الخروج عما يناسب هذا الفن، ومن كان أهلا لبعض المطالب يكفيه ذلك، وليس ما وراء عبادان قرية. فذلكة الكلام في المقام: هو أن اللطف العام الإلهي، والمحبة الكاملة الربانية، كما تؤدي إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب في هذه النشأة المادية، كذلك تقتضي العناية الربوبية والحكمة البارعة الإلهية، أن لا يخيب العبد بدعائه واستغاثته بإرسال الزبانية واللهبات النارية، لقلع مادة الفساد، ونزع التبعات الحاصلة من الملكات والاستعدادات في النشآت، برزخيا كانت، أو قيامة، والله العالم بحقائق الامور، فانزع اللهم ما في الصدور يا ألله. الجهة الخامسة: في إشكالات الطهارات الثلاث قد أشكل الأمر في الطهارات الثلاث من نواح ثلاث: الناحية الاولى: في أنها كيف تكون ذوات مثوبات، مع أنها واجبات غيرية، وقد تقرر: أن الوجوب الغيري لا يثاب عليه، ولا يعاقب على تركه (1). والجواب والحل: أن من الممكن دعوى أنها ذوات أوامر نفسية استحبابية، ولا تكون المثوبة إلا لأجلها، لا لأجل الأوامر الغيرية. هذا أولا. وثانيا: قد عرفت أن الثواب إذا كان بعنوان الجعالة، كما هو رأي المتشرعة، فلا يلزم كون ما يثاب عليه واجبا نفسيا، ومورد الأمر أصلا، بل يمكن جعل الثواب على التوصليات، وعلى بعض الأفعال وإن لم يكن مأمورا به، كما في مثل جعل


1 - تقدم في الصفحة 158 - 161. (*)

[ 169 ]

الجعالة في عقد الجعالة، فإن من يرد عبده الضال يستحق الأجر من غير صدور الأمر من قبل الجاعل، كما لا يخفى. وثالثا: أن الثواب ربما يترتب على كيفية النية، فإذا نوى العبد من الطهارات الثلاث قصد التوصل إلى المحبوب النفسي، فقد أتى بما يكشف عن حسن سريرته، وقيامه بالوظائف، وهذا كاف عند العقلاء لاستحقاق المثوبة أو التفضل عليه. فلو أشكل الأمر في التيمم: بأنه ليس من المستحبات النفسية، فيكون هذا وجه انحلال الإشكال فيه، بناء على كون مناط الثواب إبراز قصد الإطاعة ولو للأمر المتعلق بذي المقدمة. نعم، يشكل حل الإعضال بناء على كون الثواب من آثار امتثال الأمر النفسي، ومع ذلك يثاب على الطهارات الثلاث إذا أتى بها المكلف امتثالا للأمر الغيري، بناء على ثبوته، وثبوت الملازمة وصحتها، كما نسب إلى المشهور (1). وغاية ما يمكن تخيله هنا: هو أن الأمر النفسي متعلق بالطهارة بما هي هي، والأمر الغيري أيضا متعلق بما هي مقدمة بذاتها، لا بعنوان آخر منطبق عليها، فيجتمع الأمر الندبي القربي، والوجوبي التوصلي، وحيث لا يعقل بقاؤهما على حالهما، لامتناع اجتماعهما مع وحدة المتعلق، فلابد من تساقطهما، وثبوت الأمر الواحد القربي اللزومي، وهذا أمر يحصل من الفعل والانفعال بين الأمرين، كما في موارد النذر والاستئجار وغيرهما، فيصح الوضوء، ويثاب عليه، وتكون الصحة لأجل امتثال الأمر الغيري، فينحل الإشكال والإعضال. وهذا هو الذي يظهر من العلامة النائيني في بعض المواقف (2).


1 - معالم الدين: 57، مطارح الأنظار: 83 / السطر 11. 2 - أجود التقريرات 1: 177 - 178، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 229. (*)

[ 170 ]

وفيه: بعد الغض عما فيه من الإشكالات، يلزم كون ثواب الأمر الواجبي والمستحبي واحدا، وهذا خلاف المفروض، بعد الغض عن أن المفروض ترتب الثواب على الأمر الغيري، لا النفسي القربي الوجوبي، فلا ينحل به الإشكال في مفروض المسألة. وأما الإشكالات التي ترد عليه فهي كثيرة، وإجمالها: أن الأمر النفسي لا يتعلق بالذات الخالية عن قيد القربة، لما تقرر من إمكان ذلك في محله (1)، وأن الأمر الغيري يتعلق بما هو الموقوف عليه، لا بما هو الذات، فلا يتحد المتعلقان حتى يسقط الأمران ولو تعلق الأمر النفسي بعنوان " الوضوء " ولكن الأمر الغيري يتعلق بعنوان " الوضوء القربي " لأنه هو المقدمة، لا الذات، فلايدعو إلا إلى ما هو الشرط. الناحية الثانية: قد اشتهر جواز إتيان الطهارات الثلاث للأمر الغيري، مع أنه قد تقرر: أن الأمر الغيري توصلي، لا تعبدي، فكيف يمكن تصحيح تلك الطهارات المأتي بها لأجل الأوامر الغيرية المتعلقة بها (2) ؟ ! وأما ما أتى به " الكفاية ": " من أن الأمر الغيري يتعلق بما هي عبادة، ويدعو إلى الإتيان بالطهارات امتثالا لأمرها " (3) فهو مضافا إلى الخلف - وهو أن المشهور قالوا بصحة الوضوء المأتي به للأمر الغيري، مع الغفلة عن الأوامر النفسية - أن الأمر الغيري إذا تعلق بالوضوء القربي، فإن انبعث المكلف نحو الوضوء بالأمر النفسي، فهو خلف، لأن المفروض انبعاثه بالأمر الغيري. وإن انبعث بالأمر الغيري نحو الوضوء، فلا يعقل كون الأمر النفسي داعيا إياه


1 - تقدم في الجزء الثاني: 126 - 133. 2 - مطارح الأنظار: 70 - 71، كفاية الاصول: 139، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 226. 3 - كفاية الاصول: 140. (*)

[ 171 ]

2 نحوه، ضرورة أن الحركة التي تحصل في عضلات العبد، لا يمكن أن تكون مستندة إلى الأمر النفسي لأجل الأمر الغيري، بل هو يتحرك بالأمر الغيري، ويكون الأمر النفسي مخطورا بباله، لا باعثا إياه نحو الوضوء والغسل والتيمم. والعجب أن الأصحاب المتأخرين، غفلوا عن هذه النكتة، حتى الوالد المحقق - مد ظله - وتوهم صحة ما في " الكفاية " (1) ! ! مع أنه واضح الفساد، بداهة أن المكلف لو كان ينبعث عن الأمر، فلاينبعث إلا عن الأمر الواحد، أو المجموع عرضا، لا طولا، وفيما نحن فيه أرادوا إثبات انبعاثه عن الأمرين الطوليين، وهذا واضح المنع. وأما طولية الأمرين فواضحة، لأن الأمر الغيري يدعو إلى الوضوء المأمور به بالأمر الموجود بالحمل الشائع، والأمر النفسي يدعو إلى الوضوء المقيد امتثاله بامتثال الأمر المتعلق به، ولكنه أمر بالعنوان المأخوذ في المتعلق، لا بالحمل الشائع، فلاينبغي الخلط بين المسألتين: الطولية، والعرضية. والذي هو الجواب: أن الأمر لا يكون تعبديا، ولا توصليا، بل التعبدية والتوصلية من أوصاف المتعلقات، كما تحرر تفصيله هناك (2). وأما مناط التعبدية والتوصلية، فهو يعلم من الشرع أحيانا، ومن العرف نوعا. وقد عرفت منا: أن العابدين للأوثان والأصنام كانوا مشركين في العبادة، مع عدم وجود أمر في البين، وقد نهى الشرع الأقدس عن عبادتهم للأوثان (3). فالأفعال التي تصلح للعبودية، أو تكون صالحة من قبل الشرع لأن يؤتى بها عبادة، ليست متعلقة للأمر العبادي، بل الأمر يدعو الناس إلى الإتيان بها للتقرب بها منه تعالى، وتكون الأوامر الشرعية كواشف عن تلك الصلاحية.


1 - مناهج الوصول 1: 383 - 385، تهذيب الاصول 1: 254. 2 - تقدم في الجزء الثاني: 118 - 133. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 112. (*)

[ 172 ]

وفيما نحن فيه استكشفنا صلاحية الطهارات الثلاث لذلك من الإجماع والأدلة الخاصة مثلا، فإذا انبعث العبد من الأمر الغيري نحوها، فلا يكون هذا الانبعاث مضرا بعباديتها، إن لم يكن مؤكدا لها، وكانبعاث تارك الصلاة من أمر الآمر بالمعروف نحوها، فإنه لا يضر بعباديتها، وإلا يلزم كونه أمرا بالمنكر، لا بالمعروف كما لا يخفى. فلو كانت عبادية الطهارات الثلاث بالأوامر الغيرية، يلزم الإشكال المزبور، وإلا فلا إشكال من رأس. ثم إن هنا أجوبة اخرى حلا للإعضال السابق، لا خير في التعرض لها، ولكن نشير إليها إجمالا: الأول: ما عرفت من العلامة النائيني في الناحية الاولى من الفعل والانفعال المتخيلين بين الأمر النفسي والغيري (1)، وقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه (2)، مع أنه لا بأس بالالتزام بسقوط الأمرين: النفسي، والغيري، وإبقاء المطلوبية الذاتية الكافية للعبادية. والثاني: أيضا منه، وهو من الغرائب، ظنا أن المقدمات الداخلية والخارجية، مورد الأوامر الضمنية النفسية (3)، وقد مر ما فيه بناء ومبنى، وأن الأوامر الضمنية مما لا أساس لها حتى في الداخلية، فضلا عن الخارجية (4). والثالث: أن الأمر الغيري إذا كان باعثا نحو الشئ، ويكون المكلف منبعثا به نحو المقدمة، يكون عباديا، لأن المراد من العبادية ليست إلا الامتثال، فإذن يحصل


1 - تقدم في الصفحة 169. 2 - تقدم في الصفحة 170. 3 - أجود التقريرات 1: 175، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 228. 4 - تقدم في الصفحة 26 - 27. (*)

[ 173 ]

المطلوب، وهي صحة الطهارات الثلاث عبادة. وهذا هو الذي ربما يكون أقوى الأجوبة في المسألة، بعد عدم وجود برهان على ميزان التعبدية والتوصلية، حتى يقال: بقيام الإجماع على توصلية الأوامر الغيرية، بل المكلف إذا أتى للأمر الغيري - بمعنى أنه انبعث نحوها به - فقد أتى بما هو العبادة والتقرب به إلى الله تعالى. وبعبارة اخرى: عبادية الشئ كما تكون بكشف الشرع المقدس صلاحية الفعل للتعبدية وإن لم يكن أمر في البين، يمكن أن تكون لأجل الانبعاث والامتثال، كما هو كذلك عند العرف والعقلاء. وهنا شق ثالث: وهو تطبيق عنوان حسن عقلي أو عقلائي عليه، والإتيان به، كما فيما نحن فيه إذا أتى بها لأجل المطلوب الأعلى والمحبوب الذاتي المتقوم به، وإن لم يكن هناك أمر غيري من رأس. والرابع: ما أفاده العلامة الأراكي (رحمه الله): " وهو أن الإرادة الغيرية تنبسط على ذوات هذه الأفعال، وعلى قيد الدعوة، فإذا انبسطت على المجموع المركب من الأمر الذهني والحركات الخارجية يأخذ كل نصيبه، ويصير واجبا ضمنيا. إلا أن الإرادة المنحلة إلى الإرادتين، تكون على الانحلال الطولي، لا العرضي، وذلك بطولية متعلقهما، حيث إن نسبة قصد الدعوة إلى الأجزاء الخارجية، نسبة العرض إلى الموضوع، فيكون الانبعاث نحو الخارج من الأمر المتعلق به، والانبعاث من الانبعاث عن هذا الأمر من الأمر الغيري، وما هو مصحح عبادية الذوات الخارجية هو الأمر الأول، وما هو الموصوف بالوجوب الغيري هو المجموع المركب " (1). وأنت بعدما أحطت خبرابما أسمعناك حول مقالة " الكفاية " من الامتناع العقلي


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 381. (*)

[ 174 ]

في الانبعاث الطولي، لا الإرادة الطولية (1)، تعرف أنه لا ينحل بذلك تلك المعضلة. وإجماله: أن المكلف بحسب اللب والواقع، يكون متحركا نحو الوضوء بالأمر الغيري، ويخطر بباله الأمر المتعلق بذوات الأفعال، ولايكون تحركه نحو الأفعال لأجل الأمر الغيري، وإلا لو كان الأمر الغيري محركا إياه، لكان يتحرك من غير الحاجة إلى تصور الأمر الغيري. فبالجملة: لو كان التحرك أحيانا مستندا إلى الأمر، لا إلى المبادئ النفسانية، فما هو المحرك هو الأمر الغيري، ولا يعقل التحريك إلى التحرك من التحريك الآخر، فإن التحرك الذي يحصل له في الخارج، لا يكون إلا واحدا، وهو معلول الأمر الغيري، لا النفسي الندبي. نعم، لو أمكن كون المكلف متحركا بتحركين، كان لما قيل وجه، ولكنه ممتنع بالضرورة. وهم عدم عبادية التيمم ودفعه التيمم ليس من العباديات النفسية، فلا ينحل الإعضال بالوجه الأسبق (2). وقيل: " هو مثل الوضوء والغسل، ونزل منزلتهما (3)، لقوله (عليه السلام): " التراب أحد الطهورين " (4). وفيه: أن الطهور ليس مورد الأمر، بل المقدمة هي الوضوء والغسل


1 - تقدم في الصفحة 170 - 171. 2 - مطارح الأنظار: 71 / السطر 5، أجود التقريرات 1: 175. 3 - أجود التقريرات 1: 175، الهامش 1، محاضرات في اصول الفقه 2: 398. 4 - الرواية هكذا: " فإن التيمم أحد الطهورين ". تهذيب الأحكام 1: 200 / 580، وسائل الشيعة 3: 381، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 21، الحديث 1. (*)

[ 175 ]

العباديان، ولا دليل على تنزيله منزلتهما، ومجرد التعبير السابق، لا يكفي لاستفادة قربية التيمم كما لا يخفى. نعم، إذا كان دليل متكفلا لتنزيل التيمم منزلة الوضوء أو الغسل، كان الاستظهار المزبور في محله. وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " يمكن استكشاف قربيته من اعتبار قصد القربة في صحته، ولكنه لا منع من الالتزام بأنه قربي نفسي في حال دون حال " (1). وهذا في حد نفسه ممكن، ولكنه بعيد، لأنه إن كان قربيا ومن المقربات، فلايتقوم بقصد إحدى الغايات، ومن ذلك يعلم: أن قربيته للأمر الغيري، أو لغرض الإتيان بإحدى الغايات الشرعية، فيبقى الإشكال في خصوصه على حاله. ولكن الجواب هو ما عرفت منا في زمرة الأجوبة: من أن عبادية العبادات، ليست متقومة بالأمر النفسي، ولا بالأمر رأسا (2)، فعليه يثبت الفرق بين التيمم وغيره: بأن الغسل والوضوء يمكن أن يؤتى بهما للأمر النفسي، بخلاف الترابي، فإنه لا يمكن أن يقع عبادة إلا لأجل تطبيق عنوان حسن عليه، وهو توقف المطلوب عليه، ولذلك يمكن إتيان سائر الشرائط تعبدا، ولكنه لا يشترط بذلك، فلا تخلط. وأيضا: هنا جواب آخر ذكرناه: وهو أن الأوامر الغيرية، يمكن أن تكون مقربة كالنفسية، لاتحاد المناط والملاك كما هو الواضح. الناحية الثالثة: المشهور إمكان إتيان الطهارات الثلاث لأمرها الغيري، وتصير عبادة بذلك. ولكنه ممتنع، للزوم الدور، وذلك لأن الأمر الغيري، لا يترشح إلا إلى ما هو


1 - مناهج الوصول 1: 384، تهذيب الاصول 1: 252. 2 - تقدم في الصفحة 171 - 172. (*)

[ 176 ]

المقدمة، وهي الطهارة العبادية، فلابد وأن تكون عبادة بغير الأمر الغيري، فإذا كانت متوقفة عباديتها على الأمر الغيري، يتوقف عباديتها على عباديتها، أو يتوقف العبادية على الأمر، والأمر على العبادية، وهذا دور صريح (1). وأما الجواب عنه: بإتيانها للأوامر النفسية (2)، فهو في غير محله، لما أن المفروض في الإشكال صحة إتيانها عبادة للأوامر الغيرية، فهذا ليس مخلصا من الإشكال، بل هو تصديق له، وعلاج لكيفية عبادية المقدمة، وقد عرفت ذلك بما لا مزيد عليه من الطرق الثلاث. ولعمري، إن الأصحاب (رحمهم الله) لم يقرروا الإشكال حقه، وتوهموا أن الشبهة في كيفية عبادية الطهارات الثلاث ووجهها، ولكنه ليس بإشكال في المسألة، حتى يقال أو قيل بمقالات كثيرة في هذا التقريب من الشبهة كما ترى في " الكفاية " (3) وفي تقريرات النائيني إيرادا عليه (4)، وفي غيره جوابا ودفعا له (5)، فإن كل ذلك خال من التحصيل، وتبعيد للمسافة. وما هو أساس الشبهة المغروسة في الأذهان، صحة الطهارات الثلاث إذا اتي بها للأمر الغيري، مع أن الأوامر الغيرية ليست مقربات، وإذا فرض مقربيتها يلزم الدور، كما تحرر. والجواب عن الدور: ما عرفت في مسألة التعبدي والتوصلي، من إمكان أخذ


1 - لاحظ الطهارة، الشيخ الأنصاري: 87 / السطر 28 - 36، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 227، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 379. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 228. 3 - كفاية الاصول: 139 - 140. 4 - أجود التقريرات 1: 175. 5 - محاضرات في اصول الفقه 2: 397 - 399. (*)

[ 177 ]

قصد الأمر في المتعلق (1)، فلا يكون هذا إشكالا حديثا في المسألة. وأما الإشكال: بأنه مع فرض الإمكان، لا يكون الغيري مقربا، فقد عرفت حله من طريقين، ولا زائد عليهما فيما أظنه، والله العالم بالخفاء. وإن شئت قلت: هذا الإشكال الأخير، ليس شبهة في الطهارات الثلاث، بل هو شبهة على الطريق الثاني الذي أبدعناه جوابا لحل الإعضال: من إمكان كون الأوامر الغيرية مقربات، وجوابها ما تحرر في تلك المسألة (2). فما أفاده الشيخ الأنصاري في " كتاب الطهارة ": " من لزوم الدور إن كانت عباديتها للأمر الغيري، ومن لزوم الخلف إن كان متعلقا بما ليس بعبادة، لأن ما هو المقدمة هي العبادة، لا ذوات الطهارات الثلاث " (3) في غير محله، لأنه الإشكال السابق في تلك المسألة، والأمر الغيري يكون قابلا لأن يتقرب به. مع أن العبادية ليست متقومة بالأمر، كما تحرر (4). الناحية الرابعة: قضية ما تحرر واشتهر، عدم مقربية الأمر الغيري، وحيث لا يمكن اجتماعه مع الأمر النفسي، فكيف يعقل إتيان المقدمات العبادية وإيجادها ؟ !: أما عدم إمكان الاجتماع، فلما مضى من أن الأحكام متضادة في الاعتبار، أو غير قابلة للاجتماع، لعدم إمكان اجتماع الإرادتين مع وحدة المراد، ومع كونهما تأسيسيتين تسقط الإرادتان، فلا يتمكن من تحصيل تلك المقدمات، ولا من إيجاد


1 - تقدم في الصفحة 118 - 133. 2 - تقدم في الصفحة 171 - 173. 3 - الطهارة، الشيخ الأنصاري: 87 / السطر 28 - 36. 4 - تقدم في الصفحة 170 - 173. (*)

[ 178 ]

غيرها عبادة، مع أن الضرورة قاضية بإمكان ذلك في الطهارات الثلاث وفي غيرها. أقول: يتوجه إليه أولا: أن الطهارات الثلاث وغيرها قبل تحقق شرط وجوب ذي المقدمة - كالوقت مثلا بالنسبة إلى الصلوات - قابلة لأن يؤتى بها عبادة، إما لأجل أوامرها النفسية، بناء على كون الترابية أيضا مستحبة نفسا. أو لأجل تطبيق العنوان الآخر المستحسن عليها وهو كونها مما يتوقف عليها المحبوب الذي سيكون واجبا، فإن هذا المقدار كاف في التقرب، وقد عرفت: أن الشرع لم يحدث طريقا خاصا في أنواع المقربات وأنحائها، بل هي من الامور العقلائية، وللشرع أيضا بعض الدخالة في الموضوعات، وفيما يليق أن يتقرب به منه تعالى (1)، فلا أمر غيري قبل الوقت حتى لا يجتمع مع الأمر النفسي. اللهم إلا أن يقال: بأن الواجبات المشروطة واجبة معلقة ثبوتا، فلا يعقل الجمع. ويمكن دفعه: بأنه وإن كان كذلك ثبوتا، ولكنه قابل لاعتبار خلافه إثباتا، نظرا إلى الأثر المترتب عليه، وهو بقاء الأمر النفسي والمحبوبية الذاتية، ومن هنا يظهر وجه صحة الطهارات قبل الوقت. وهذا هو سر صحة الوضوء التهيئي، لأن المكلف يريد المحبوب، لا المأمور به الفعلي، ولا ينبعث عن الأمر الغيري، بل ينبعث عن التوجه إلى المولى ومحبوبه الذي يريده منه في الآتي. وثانيا: إذا كان الأمر الغيري قبل الوقت أو بعده، يتعلق بذات العبادات والطهارات الثلاث، فهو فيما إذا لم يكن مزاحم له في الاعتبار، وهو الحكم الاستحبابي والأمر النفسي السابق، فإنه يمنع عن حدوث مثله. واشتداد الإرادة الوجوبية من الإرادة الندبية، لا يستلزم إعدامها، كما في الأعراض الخارجية.


1 - تقدم في الصفحة 173. (*)

[ 179 ]

وتوهم: أن قبل الوقت لاتقدم للأمر النفسي حتى يمنع عنها، في غير محله، لأنه لا يقول أحد بالوجوب الغيري إلا في الوقت القريب، فلا تخلط. نعم، يمكن أن يقال: الأمر النفسي بحكم الدليل الشرعي، وهذا لا يقاوم حكم العقل بالملازمة بين الإرادتين، فإنه لا يمكن التخصيص في ذلك، فإذا ثبتت الملازمة لابد من الالتزام بالوجوب الغيري، لا الندب. اللهم إلا أن يقال: بأن الملازمة المدعاة ليست عقلية، بل هي - لو كانت - عقلائية في الإرادة التشريعية دون الفاعلية، فإنها هناك عقلية، كما تحرر في المباحث الاولى من هذه المسألة (1). أو يقال: إن دليل الاستحباب النفسي، يقاوم دليل الوجوب النفسي للصلاة في هذا الفرض، كما لا يخفى فليتدبر. وثالثا: ما هو مصب الإرادة الغيرية، ليس ذات الأفعال الخارجية، بل هي موردها بالعرض، لانطباق عنوان عليها وهو " كونها الموقوف عليها " وهذا هو الحيثية التعليلية التي ترجع في الأحكام العقلية إلى الحيثيات التقييدية، وتكون عنوانا للأحكام العقلية. نعم، في خصوص بعض المقدمات الوارد فيها الأمر الغيري، يمكن أن يلزم الاجتماع، كما في الوضوء والغسل، حسبما يستظهر من " الكتاب ". ويمكن دعوى رجوعه حسب الفهم العرفي، إلى عنوان " المقدمة والموقوف عليه " كما لا يخفى. وأما ما في " الكفاية ": " من أن الأمر الغيري يتعلق بالعبادة، وبذوات تلك الأفعال بما هي عبادة " (2) فغير صحيح، لأن الأمر الغيري يتعلق بكل ما هو موقوف


1 - تقدم في الصفحة 4 - 5. 2 - كفاية الاصول: 139 - 140. (*)

[ 180 ]

عليه، فيتعلق بالذوات، لأنها مما يتوقف عليها، وبعباديتها، لأنها أيضا كذلك، ولايكون منحصرا في تعلقه بما هو العلة التامة، أو العلة الناقصة الكاملة، كالوضوء العبادي، بل يتعلق بكل جزء جزء، فلا تغفل. وإن شئت قلت: الأمر الغيري واحد، يتعلق بالعنوان الواحد من غير انحلال. وأما ما مر منا سابقا: من إمكان الالتزام بالتزاحم، وبعدم حدوث الأمر الثالث المتوهم في كلمات العلامة النائيني (رحمه الله) كما عرفت (1)، فهو يصح على القول بالملازمة العقلائية، دون العقلية، فإنه على الثاني لا يعقل الإهمال، فلابد من الالتزام بانتفاء الأمر النفسي، وتعلق الأمر الغيري. اللهم إلا أن يقال: بتعارض دليل الاستحباب النفسي، والوجوب النفسي لذي المقدمة، فافهم واغتنم. وبعبارة اخرى: تقع المعارضة بالعرض بين الدليلين، للعلم بعدم إمكان الجمع بينهما من الخارج، كما هو الظاهر. ومن هنا يظهر وجه صحة الإتيان بالطهارات الثلاث بعد دخول الوقت للأمر النفسي والغيري ولو كان غافلا عنهما، وأتى بها لأجل إدراكه أن المطلوب والمحبوب لايتم إلا بها فتصح أيضا، فمن كان معتقدا بعدم وجوب المقدمة غيريا، وبعدم استحباب الطهارات الثلاث نفسيا، يمكن أن يكون معتقدا بأنها مقدمات عبادية، فيأتي بها على هذا الوجه، وتصير صحيحة وعبادة مقربة. تذنيب: لاشبهة في دخول مقدمات الواجب النفسي في محط النزاع ومصب البحث في باب المقدمة، وإنما الإشكال فيما إذا ورد في الدليل الشرعي، الأمر الغيري، كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) * (2) فهل هذا الأمر


1 - تقدم في الصفحة 170. 2 - المائدة (5): 6. (*)

[ 181 ]

وهذه الإرادة الغيرية، أيضا داخلة في تلك المسألة، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: القائل بالملازمة، يدعي التلازم بين الوجوب النفسي ومقدماته، أو بين وجوب ذي المقدمة ومقدماته، وإن كان وجوب ذي المقدمة، غيريا بالنسبة إلى الوجوب الآخر، كالوضوء بالنسبة إلى تحصيل الماء وشرائه ؟ والجواب: أن الملازمة المدعاة إن كانت عقلية، فجميع المقدمات مورد الأمر الغيري الناشئ من الأمر والإرادة النفسية، لملاك التوقف والمقدمية، حسبما اشير إليه (1)، ويأتي تفصيله (2). وإن كانت الملازمة المدعاة عقلائية وعرفية، وتكون هي مورد النزاع، فيمكن دعوى: أن الأمر النفسي، يستتبع الأمر الغيري، والإرادة النفسية تلازم الإرادة الغيرية، بشرط عدم إبراز المولى تلك الإرادة الغيرية، فإذا أظهرها واعتبرها في التشريع والكتاب والسنة، فلا تكون ملازمة بين إرادة مقدمة هذه المقدمة، وذلك الواجب النفسي، بل لو كانت ملازمة فهي بين إرادة المقدمة، وإرادة مقدمة المقدمة، وعند ذلك يمكن توهم التفكيك، فافهم وتدبر جيدا. الأمر الثامن: حول اشتراط وجوب المقدمة بإرادة إتيان ذيها قد عرفت في مطاوي بحوثنا السابقة: أن وجوب المقدمة، تابع لوجوب ذيها في الإطلاق والاشتراط (3)، فمن قال بالملازمة بين الوجوبين، أو الإرادتين، اعتبر ذلك، فلا يوجد من يقول بعدم التبعية بينهما: أما فيما إذا كان ذو المقدمة مشروطا، فمشروطية المقدمة مما لاتكاد تنكر.


1 - تقدم في الصفحة 83 - 85. 2 - يأتي في الصفحة 267 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 108. (*)

[ 182 ]

وأما إذا كان ذو المقدمة مطلقا، فقد نسب إلى " المعالم " اشتراط وجوبها بإرادة الفاعل إتيان ذي المقدمة (1). ويتوجه إليه: أن هذا غير لائق به، لأن إرادة المقدمة ظل الإرادة الأصلية، فإذا كانت هي موجودة، فلابد أن تترشح تلك الإرادة من إرادة ذي المقدمة إلى المقدمة قهرا وطبعا، ولا معنى لمشروطيته بإرادة الفاعل، لأن مناط الترشح وملاك الوجوب، هو التوقف، وهذا لا يتوقف على إرادته ذا المقدمة. أقول: قد عرفت فيما مضى في مسألة المقدمات المفوتة: أن الملازمة بين ذي المقدمة والمقدمة وإن كانت تستلزم الإرادة الغيرية والمقدمية، ولكن لا منع عقلا من إيجاد الآمر إرادة مقدمية قبل تحقق شرط وجوب ذي المقدمة، فإذا كان يرى أن الصلاة مشروطة بالوقت والطهور، والمكلف قبل الوقت لا ينبعث نحو الطهور، وتفوت مصلحة الصلاة في الوقت، فيريد الطهور بإرادة مستقلة غيرية ناشئة عن الملاك، لا الإرادة الفعلية، فيمكن أن توجد الإرادة الفعلية المقدمية، قبل تحقق شرط ذي المقدمة (2). نعم، لا تكون هي مترشحة وظلا لتلك الإرادة، كما لا يعقل ذلك مطلقا، وسيظهر وجهه تفصيلا، وقد تقدم إجماله (3). وأما ما أفاده " المعالم " فإن كان يثبت الملازمة العقلية بين ذي المقدمة وإرادته بمناط التوقف، فلا يرجع كلامه إلى معنى معقول، لما اشير إليه. وإن كان يرى أن التوقف، يكون في حال إرادة ذي المقدمة، فهو أيضا واضح المنع.


1 - معالم الدين: 74. 2 - تقدم في الصفحة 86 - 87. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 183 ]

وإن كان يرى أن العقل، لا يتمكن من درك التلازم إلا بحسب الضرورة، وأنه لا معنى لإيجابها قبل إرادة ذيها، لأنه لغو، فيتوجه إليه: أنه بعد الإرادة أيضا لغو، لأنه إذا كان يريد الفعل، فتحصل في نفسه إرادة مقدمته طبعا وقهرا. نعم، يمكن أن يقال: بأن الأمر الغيري، حسابه غير حساب الأمر النفسي، فإن النفسي من قبل المولى يتعلق بالصلاة، ويدعو إليها، ولا معنى لتضيقه وجودا، أي أن هذا الأمر موجود وباعث، سواء حصل الانبعاث، أم لا، بخلاف الأمر الغيري فإنه بحكم العقل، فلا يكون وجوده أوسع مما يدركه العقل، والذي هو الثابت عند ذلك، هو الأمر الغيري الباعث المنتهي إلى انبعاث العبد، لا الأعم، فيحصل فرق بينهما في الوجود سعة وضيقا. بل الإرادة الغيرية، لاتترشح إلا في مورد يعلم المريد انبعاث العبد إلى المقدمة المطلقة، أو الموصلة. فعلى هذا، لا يكون قول " المعالم " في عرض الأقوال الاخر في هذه المسألة، بل هو قول آخر في مسألة اخرى نبهنا عليها، وقد غفل عنه الأعلام طرا. وهذا الاحتمال الأخير، هو الظاهر من عبارة " المعالم " فراجع. فبالجملة: يمكن دعوى أن " المعالم " أخذ مقالته من الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) * (1) فإن الظاهر منه أن وجوب الغسل، مشروط بإرادة إقامة الصلاة، ولا يستلزم مشروطية المقدمة مشروطية ذي المقدمة، إذا كان الشرط إرادة الصلاة، وكان هذا واجبا تحصيله بحسب العقل. فما ترى في كتب القوم إشكالا عليه: " من أن الإرادة الغيرية مترشحة من


1 - المائدة (5): 6. (*)

[ 184 ]

إرادة ذي المقدمة، فلا يعقل وجود العلة بدون المعلول " (1) وأيضا إشكالا آخر عليه: " من أن مشروطية المقدمة تستلزم مشروطية ذي المقدمة " (2) خال من التحصيل، لأنه يريد إثبات أن الملازمة، لا تكون إلا في هذا الموقف، فلا تخلط. الأمر التاسع: في بيان معروض الوجوب الغيري لو سلمنا الملازمة بين الإرادتين، فهل معروض الإرادة الثانية - وهي إرادة المقدمة - هي ذات المقدمة المطلقة ؟ أو هي المقدمة التي يقصد بها التوصل إلى صاحبها، أو المقدمة الموصلة، أو المقدمة حال الإيصال ؟ أو معروض الوجوب هي المقدمة بقصد التوصل، مع كونها موصلة، أو حال الإيصال، فيجمع بين القيدين ؟ أم الواجب هو عنوان " الموقوف عليه توقفا ناقصا " أو " توقفا تاما " بمعنى أن الواجب هو عنوان " ما يتوقف عليه " وكان بحسب الواقع موقوفا عليه بالفعل ؟ أم معروضه هي المقدمة الموصلة للفعل، المسماة عندي ب‍ " المنتهية إلى الواجب " ؟ وجوه وأقوال: فالمنسوب إلى " الفصول ": أن الواجب هي المقدمة الموصلة (3)، واختاره الوالد المحقق - مد ظله - (4).


1 - نهاية الاصول: 191. 2 - منتهى الاصول 1: 293. 3 - الفصول الغروية: 81 / السطر 4 - 6، و 87 / السطر 14. 4 - تهذيب الاصول 1: 267. (*)

[ 185 ]

وذهب " الكفاية " إلى أن الواجب هي المقدمة المطلقة (1)، وهو مختار العلامة النائيني (رحمه الله) (2). ونسب في تقريرات جدي العلامة (رحمه الله) إلى الشيخ (رحمه الله): أن الواجب هي المقدمة بقصد التوصل إلى ذيها (3)، وإن كانت النسبة محل التأمل، والأمر سهل. واختار صاحب " الدرر " (رحمه الله): أن الواجب هي المقدمة حال الإيصال (4)، وهو المحكي عن بعض آخر (5) فهذه هي الأقوال الأربعة المشهورة عن المشايخ في هذه المسألة. ومن الممكن دعوى: أن الواجب ليس ذات المقدمة حتى يلزم الأوامر الكثيرة، لكثرة المقدمات، ومقدمات المقدمات، بل الواجب شئ واحد هو عنوان " الموقوف عليه ". وهنا احتمالان: أحدهما: كون الواجب عنوان " ما يتوقف عليه " سواء كان مترتبا عليه الفعل والمطلوب، أم لم يكن، بل يكفي لوجوبه شأنيته لذلك. ثانيهما: كون الواجب ما يتوقف عليه بعنوانه، مع كونه منتهيا إلى المطلوب، فيكون الواجب شيئا واحدا وهو عنوان " الموقوف عليه فعلا " ولا تكفي الشأنية لعروض الوجوب. وبين الأول ومقالة " الكفاية " والثاني ومقالة " الفصول " فرق واضح، فإن مقالة " الكفاية " تنتهي إلى أن الواجب ذات ما يتوقف عليه، لا عنوان " الموقوف عليه "


1 - كفاية الاصول: 143. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 285 - 286. 3 - مطارح الأنظار: 72 / السطر 8 و 34. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 119. 5 - هداية المسترشدين: 219 / السطر 28، أجود التقريرات 1: 240، منتهى الاصول 1: 296. (*)

[ 186 ]

فيكون الأوامر كثيرة، وهذا الاحتمال وإن كان يجتمع مع ذلك، ولكن مقصودنا حصر الأمر على عنوان " الموقوف عليه " من غير الانحلال إلى الكثير، بل الكثرة في معروض العنوان، لا في نفسه حتى يلزم كثرة الأوامر. ومقالة " الفصول " ظاهرة في أن الواجب ذات المقدمة الموصلة، والاحتمال الثاني يفيد أن الواجب، هو عنوان لا ينطبق إلا على العلة التامة المنتهية إلى ذي المقدمة من غير فرق بين كون العلة متكثرة الأجزاء، كالأقدام بالنسبة إلى الحج، أو بسيطة، لما عرفت من دخوله في محل البحث في ابتداء المسألة (1). إيقاظ وإرشاد قد عرفت منا (2): أن الملازمة التي نبحث عنها في الآتي إن شاء الله تعالى (3)، يمكن أن تكون عقلية، ويمكن أن تكون عقلائية، بل الظاهر هو مورد البحث قديما، فإن الملازمة العقلية ممنوعة عند العقول القاصرة، فضلا عن غيرهم. فعلى هذا يمكن التفكيك، فإن قلنا - فرضا - بالملازمة العقلية، يكون معروض الوجوب مثلا هي الموصلة. وإن قلنا بالملازمة العرفية، يكون معروض الوجوب هي المطلقة، أو غيرذلك.


1 - تقدم في الصفحة 12. 2 - تقدم في الصفحة 3 - 5. 3 - يأتي في الصفحة 267 وما بعدها. (*)

[ 187 ]

بيان المسالك في معروض الوجوب الغيري ونقدها إذا عرفت ذلك، فلابد من الإشارة والإيماء إلى ما حرره القوم، تشحيذا للأذهان، وتقديما لفهم ما هو مرامنا في المسألة. فنقول: المسالك كثيرة: المسلك الأول: ما عن الشيخ الأعظم (قدس سره) بناء على صحة النسبة: من اعتبار قصد المقدمة في معروض الوجوب. ويتوجه إليه: أن التقييد المزبور إن كان راجعا إلى الهيئة ووجوب المقدمة، فهو يرجع إلى مقالة " المعالم " (1) في تلك المسألة، وقد صرح المقرر بتبعية وجوب المقدمة لذيها في الإطلاق والاشتراط. وإن كان راجعا إلى المادة فهو بلا وجه، لأن ملاك اتصافها بالوجوب إما التوقف الناقص، أو التام، وهذا يحصل خارجا سواء قصد، أم لم يقصد، فمعروض الوجوب لا يكون مقيدا بذلك. إن قلت: الوجدان يحكم بأن الدخول في الدار المغصوبة، لأجل انقاذ الغريق، جائز وإن لم ينته إلى الإنقاذ، وغير جائز إذا لم يقصد الإنقاذ، فيعلم من ذلك: أن


1 - معالم الاصول: 74 / السطر 3 - 6. (*)

[ 188 ]

الإرادة الترشحية، مخصوصة بصورة قصد التوصل، حتى في المقدمات المباحة، لئلا يلزم التفكيك في الحكم العقلي، ولا يلزم تخصيص الأحكام العقلية. قلت: نعم، ولكن الوجدان حاكم بمعذوريته، لا بحلية التصرف مطلقا، فإن من الممكن أن يكون الواجب هي الموصلة، فإن دخل وانتهى إلى الإنقاذ فقد انكشف وجوبه في نفس الأمر وهو متجرئ. وإن دخل مع قصد الإنقاذ، ولم ينته إلى الإنقاذ، فقد ارتكب المحرم، ولكنه معذور، فما هو مورد الوجدان هو المعذورية، لا المحللية، فلا تخلط. وأما ما في تقريرات العلامة الأراكي (قدس سره): " من استحالة مقالة الشيخ، لأجل رجوعها إلى اشتراط وجوب المقدمة بإرادتها، إذ لا يعقل قصد التوصل بها إلى ذيها من دون تعلق إرادة المكلف بها " (1). فهو غير صحيح، لما عرفت في الأمر السابق من إمكان كون وجوب المقدمة، مشروطا بإرادة ذيها (2)، كما هو ظاهر الكتاب، وذلك لأن الصلاة واجبة على الإطلاق، فعلى المكلف إرادتها بحكم العقل، وإذا أرادها يحصل شرط وجوب المقدمة، ولا شبهة في تقدم إرادة ذي المقدمة على المقدمة وإن كان ذو المقدمة متأخرا في الوجود، فإذا سبقت إرادته بالنسبة إلى ذي المقدمة، حصل شرط وجوب المقدمة شرعا وهو الوضوء، فإذا أراد الوضوء فقد أراد ما هو الواجب، فما توهمه هذا الفاضل هنا وعند إيراده على مقالة " المعالم " في غير محله جدا (3).


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 385 / السطر 25. 2 - تقدم في الصفحة 181 - 184. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 385. (*)

[ 189 ]

بحث وتحقيق يستظهر من تقريرات جدي العلامة (قدس سره): أن الشيخ (رحمه الله) يريد من التقييد المزبور أمرا آخر: وهو أن امتثال الأمر الغيري، لا يحصل إلا فيما إذا قصد التوصل به إلى الواجب النفسي (1)، فما هو معروض الوجوب ليس المقدمة المطلقة، وإن كان بها يحصل الغرض، وهو التمكن من الواجب، ولكنها لاتوصف بالوجوب الغيري إلا إذا قصد بها التوصل إلى الواجب، لأن الموصوف بالوجوب هو المعنى الذي يصدر عن اختيار. وربما يتوجه إليه: أن امتثال الأمر لا يتقوم إلا بقصد الأمر المزبور، فامتثال الأمر النفسي، لا يكون إلا إذا كان الانبعاث من ذلك الأمر، وامتثال الأمر الغيري، لا يكون إلا إذا كان الانبعاث من الأمر الغيري. وهذا المعنى لا يمكن إلا فيمن كان متوجها إلى الأمر النفسي، لأن تصور الأمر الغيري، لا يعقل إلا مع تصور الأمر النفسي، فيحصل في نفسه قصد امتثال الأمر الغيري، لأجل التوصل به إلى النفسي، ولكن ذلك لايمنع من اتصاف الفعل المقدمي بصفة الوجوب، إذا أتى به لا لأجل التوصل (2). وفيه: أنه بعد التوجه إلى أن معنى وجوب الشئ: هو أن الشرع بعث المكلف نحو إيجاده، وخاطبه بذلك إلزاما، فإذا أتى به عن اختيار، يكون هو الواجب ولو كان توصليا. وأما إذا اتفق صدوره منه، فهو وإن كان يحصل به الغرض، وهو الغسل مثلا،


1 - مطارح الأنظار: 72 / السطر 21. 2 - كفاية الاصول: 143. (*)

[ 190 ]

ولكنه لا يوصف بالوجوب. وحيث إن الأمر الغيري التوصلي، متقوم في اللحاظ بلحاظ الأمر النفسي، فقهرا يحصل قصد التوصل به إلى الواجب، فما هو معروض الوجوب هو المقدمة بقصد التوصل، وما هو يورث تمكنه من الواجب أعم من ذلك. فتحصل من هذا التقريب البديع: أن ما هو الموصوف بالوجوب، ومعروض هذه الصفة، غير ما هو معروض المطلوب وموصوف هذه الصفة، فإن للمولى بعد الأمر بالصلاة - بناء على وجود الملازمة - شيئين: أحدهما: ما هو مطلوبه ومحبوبه. وثانيهما: ما هو مأموره ومورد تشريعه. أما الأول: فهي مطلق المقدمة، لأنه بها يتمكن من الواجب النفسي، وهذه الملازمة مما لاتكاد تنكر عند منكري الملازمة في الفرض الثاني. وأما الثاني: فهي المقدمة بقصد التوصل، أي المقدمة التي تصدر عن اختيار، لأن معنى إيجابه، هو بعث العبد بصرف قدرته في ناحية الوجود والإيجاد، فيكون المطلوب التشريعي هو المعنى المصدري، وإن كان المطلوب التكويني هو الوجود والمعنى الاسم المصدري. فإذا اعتبر صدوره عن اختيار في اتصافه بالوجوب، حتى في التوصليات النفسية، فإذا كان الواجب غيريا، فهو كالمتضايفين بالنسبة إلى الواجب النفسي، فلا ينفك تصوره عن تصور ذاك، فيكون معروض الوجوب هي المقدمة بشرط قصد التوصل بها إلى الواجب النفسي، فافهم واغتنم. ومما ذكرناه وحررناه، يظهر مواقف النظر في كلمات القوم والأعلام في المقام، من غير الحاجة إلى التشبث ببعض المقدمات التي قررها بعض المدققين من

[ 191 ]

المحشين (1)، مع ما فيها من الإشكال أو الإشكالات. ولا يرد على مقالة الشيخ (رحمه الله) إلا ما نذكره في الآتي: من أن المحبوب هي الموصلة، لا المطلقة، والمشروع أيضا تابع المحبوب (2)، فانتظر. وسيظهر في أصل المسألة: أن إيجاب الشئ تأسيسا وشرعا، لا يعقل إلا فيما إذا كان المطلوب هو وجوده الصادر عن اختيار، وإلا فلو كان مطلوب المولى أصل وجوده بأي نحو اتفق، فلا معنى لإيجابه التشريعي، بل الأمر هنا يرجع إلى الإرشاد إلى المطلوبية المطلقة، ولذلك لا يعقل تشريع المقدمة وإيجابها، فافهم واغتنم. والذي هو التحقيق: أن الامتثال متقوم بالالتفات والانبعاث من الأمر، وأما اتصاف الفعل بالوجوب، فلايتقوم بذلك، فلو صدقنا أن الوجوب يقتضي اختيارية الفعل، والغيرية تقتضي قصد التوصل قهرا، ولكن لا يستلزم ذلك الالتفات والتوجه، فلو توضأ أحد للأمر النفسي الاستحبابي غافلا عن الأمر الغيري، أو معتقدا عدمه، ثم تبين بعد ذلك وجود ذلك الأمر الغيري، فإنه يستكشف اتصاف العمل بالوجوب بالضرورة، فلاينبغي الخلط بين ما هو شرط اتصاف الفعل ب‍ " الوجوب " وبين ما هو شرط اتصاف المكلف ب‍ " الممتثل والمطيع ". تذنيب: فيما يمكن الاستدلال به على اعتبار قصد التوصل قد طالبوا الشيخ (رحمه الله) بدليل اعتبار قصد التوصل في معروض الوجوب الغيري. وله أن يجيبهم: بأن الدليل في المقدمات العبادية - كالطهارات الثلاث - هي قاعدة الاشتغال، لعدم جريان البراءة في المحصلات الشرعية، فلو كانت عبادية


1 - نهاية الدراية 2: 133. 2 - يأتي في الصفحة 205 - 206. (*)

[ 192 ]

الطهارات الثلاث بالأمر الغيري على بعض الوجوه السابقة، فلابد من القصد المزبور. وأنت خبير بما فيه من جهات الضعف، ولو سلمنا جميعها، فلا يستكشف من تلك القاعدة: أن معروض الوجوب الغيري، هي المقدمة بقصد التوصل، لأن مجرد حكم العقل بالاشتغال، لا يكشف عن دخالة القيد في الحكم واقعا. ذنابة: لو تم وجه لمقالة الشيخ (رحمه الله) وتبين في الآتي: أن ما هو معروض الوجوب هي الموصلة (1)، يلزم القول الآخر في المسألة: وهو كون الواجب المقدمة الموصلة بقصد التوصل. وجه آخر لمختار الشيخ الأعظم (قدس سره) ومما يعد وجها لما أفاده (قدس سره): هو أن قضية حكم العقل في باب المقدمة، أن الواجب ليس ذاتها، بل الواجب هو التوصل، لا الشئ لأجل التوصل، لأن الحيثيات العقلية في الأحكام العقلية، ترجع إلى الحيثيات التقييدية، فالغضب لأجل الظلم لا يكون قبيحا، بل الظلم قبيح، وينطبق على الغضب، وإلا يلزم انتزاع العنوان الواحد من الكثير بما هو الكثير (2)، كما لا يخفى. وأنت خبير: بأن هذا الدليل، لا يورث كون الواجب في المقدمة قصد التوصل، لأنه ليس موقوفا عليه، فهو لو تم برهانا يفيد: أن الواجب ومعروض الوجوب، هو الموصل بعنوانه، لا الذات الخارجية لأجل الإيصال، وهذا أجنبي عن مقالة تنسب إلى الشيخ، وسيظهر تحقيقه عند بيان مسلك " الفصول " (3) في المسألة.


1 - يأتي في الصفحة 206. 2 - نهاية الدراية 2: 133. 3 - يأتي في الصفحة 203 - 204. (*)

[ 193 ]

المسلك الثاني: ما نسب إلى المشهور وهو وجوب ذات المقدمة المطلقة، واختاره " الكفاية " وبعض آخر (1)، وذلك لأجل أن مناط الوجوب هو التوقف، وهذا سبب لعروض الوجوب على المقدمة، ويكون واسطة في الثبوت، كوساطة الغايات لإيجاب الواجبات النفسية. أقول أولا: إن الواجب لو كان مطلق المقدمة بملاك التوقف، فلا يكون ذاتها، لأن الإرادة التشريعية الشأنية، ليست في الأدلة الشرعية إلا ما شذ، فلا معنى للمقايسة بينها وبين الإرادة المتعلقة بذي المقدمة بملاك المصالح والغايات المترتبة عليه. فإذا كان دليل هذا الوجوب هو العقل ودركه، فلابد وأن يلاحظه، ولاريب أن العقل لا يدرك إلا وجوب عنوان " الموقوف عليه " لا ذاته، وهو الوضوء، والغسل، والستر مثلا. مع أن المكلف والمكلف ربما يختلفان فيما هو الموقوف عليه، فيكون شئ عند المولى موقوفا، ولايكون موقوفا عليه عند المكلف وبالعكس، وعند ذلك لا يطلع العبد على ما يراه المولى موقوفا عليه، فلابد وأن يكون الواجب أمرا معلوما عند الكل، وهو " الموقوف عليه " وأما مصداقه فهو تابع لدرك المكلفين في المقدمات العقلية والعرفية والعادية. نعم، يمكن الالتزام بذلك في خصوص المقدمات الشرعية، ولكنه لا معنى للتفكيك بينها، فيقال: بأن معروض الوجوب في تلك المقدمات عنوان " الموقوف عليه " وفي هذه المقدمات ذواتها، بل العقل يدرك الكل على نسق واحد. ولعمري، إن القائل بالمقدمة المطلقة لو كان يريد ذلك، لكان كلامه أقرب إلى


1 - كفاية الاصول: 143، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 286، لاحظ نهاية الأفكار 1: 332 - 333. (*)

[ 194 ]

افق الاعتبار والدقة، وأبعد عن الإشكالات والموهنات، فإنه بناء على القول بوجوب ذات المقدمة، يلزم الوجوبات الكثيرة غير المتناهية أحيانا، لأن جميع الحركات والمعدات السابقة على صلاة الظهر من يوم الخميس، مقدمة إعدادية لها، فيلزم كون الكل مورد الإرادات التشريعية، مع أن ضرورة العقول قاضية بعدم انقداح تلك الكثرات في النفوس، وإن كان يمكن في ناحية المولى الحقيقي عز اسمه. وأما بناء على ما مر (1) فيمكن أن يقال: بأن الإرادة الثانية تعلقت بعنوان " الموقوف عليه " وتنحل حسب مصاديقه، ولا يلزم تكثرها التكويني حتى يستبعد ذلك. وأيضا: إذا كان الواجب هو عنوان " الموقوف عليه " لا ذات المقدمة، لا يلزم الوهن الآخر عليه: وهو أن في الدخول في الأرض المغصوبة، مع عدم قصد إنقاذ الغريق، يلزم كون الدخول واجبا، لأنه الموقوف عليه واقعا، وهذا الوجوب لا يجتمع مع الحرام، فلابد من علاج المزاحمة: إما بدعوى: أن ذلك ليس محرما، وهو واضح الفساد. أو بدعوى: أنه ليس واجبا، فيلزم تخصيص حكم العقل بالملازمة. اللهم إلا أن يقال: بأن الملازمة المدعاة هي العرفية العقلائية، وهي قابلة للتخصيص. ولكن هذه الشبهة على القول: بأن الواجب هو عنوان " الموقوف عليه " تندفع بالالتزام بأن الدخول محرم، والواجب عنوان " الموقوف عليه " فلا يلزم اجتماع الحرام والواجب، فإن كان بقصد التوصل فهو له عذر، وإلا فلا يعذر في ارتكابه المحرم. وأيضا: فيما إذا كان للشئ مقدمات عديدة عرضية محرمة، ومباحة، يلزم أن


1 - تقدم في الصفحة 184 - 186. (*)

[ 195 ]

يترشح الإرادات المقدمية إلى كل واحدة منها، وهذا غير لازم بحكم العقل القائل بالملازمة، بل لابد من اختصاص الإرادة بالمحللة، وفي المحللات بما هو الجامع بينها. وأما إخراج المقدمة المحرمة عن حريم النزاع، فسيأتي توضيح فساده إن شاء الله تعالى (1). والعجب من " الكفاية " حيث أرجع الواجبات التخييرية إلى الواجب الواحد، معللا: " بأن الواحد لا يصدر إلا عن الواحد، فالحكم في الواجبات المخيرة لما هو الجامع بينها " (2) ! ! ولم يتنبه هنا إلى هذه المسألة. مع أن ما ذكره هناك غير تام، وفساد تعليله - لأهله - واضح، وعذره أنه لم يكن واردا في هذا الميدان، فافهم وتأمل جيدا. إيقاظ: في الرد على امتناع وجوب مطلق المقدمة المراد من " وجوب مطلق المقدمة " أن وجوبها له الإطلاق، فيقال إيرادا عليه: بأن ذلك غير ممكن، لأن التقييد بالإيصال ممتنع، والإطلاق تابع للتقييد إمكانا وامتناعا (3). والجواب عنه أولا: أن المراد منه ليس كما توهم، بل المراد أن معروض الإرادة الترشحية، هو مطلق ما يتمكن به العبد من الواجب، في مقابل من يقول: بأن معروضها من الأول مضيق، وهو مثلا عنوان " الموصل إلى الواجب " وكل منهما مشترك في إطلاق الهيئة على موضوعها، ومختلف في سعة الموضوع وضيقه حين ترشح الإرادة.


1 - يأتي في الصفحة 212 - 215. 2 - كفاية الاصول: 174. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 294. (*)

[ 196 ]

وثانيا: لا نسلم امتناع التقييد، كما يأتي (1). وثالثا: إن ما اشتهر بين الأعلام " من أن امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق " (2) غير مرضي، وذلك لما تقرر منا: من أن امتناع التقييد لا ينافي تمامية الإطلاق ثبوتا بالضرورة، فإذا أمكن أن يخبر عن حدود مرامه ولم يخبر، يتم الإطلاق إثباتا (3). نعم، لو كان الإطلاق منوطا باللحاظ، فهو غير ممكن بالنسبة إلى القيد الممتنع، لا بالنسبة إلى سائر القيود، فما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) هنا (4)، وأتى به العلامة الأراكي جوابا (5)، كلاهما غير موافق للتحقيق، فليتدبر جيدا. ثم إن الظاهر من القائلين بالمقدمة المطلقة: هو أن معروض الوجوب، ما يتمكن به العبد من الواجب، سواء كان مانع عقلي عن وجوده، أم لم يكن، وسواء علم بذلك المانع المكلف، أو جهل به، فإن الملاك هو التمكن، وهو حاصل. وهذا في غاية القرب من التحقيق. ولعمري، إنهم يخصون معروض الوجوب بما إذا لم يكن مانع عقلا عن إيجاد الواجب، لما أنهم يرون سقوط التكليف حال العجز، فيسقط الأمر الغيري قهرا ولو قلنا بصحة التكليف.


1 - يأتي في الصفحة 206 - 207. 2 - كفاية الاصول: 97، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155، منتهى الاصول 1: 297، محاضرات في اصول الفقه 2: 173. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 151 - 152. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 294 - 295. 5 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 390. (*)

[ 197 ]

المسلك الثالث: ما سلكه العلمان صاحبا " الدرر " و " المقالات " (رحمهما الله) مع اختلافهما في التقريب. فقال في " الدرر ": " ويمكن أن يقال: إن الطلب متعلق بالمقدمات في لحاظ الإيصال، لا مقيدا به حتى يلزم المحذورات السابقة. والمراد: أن الآمر بعد تصور المقدمات بأجمعها، يريدها بذواتها، لأن تلك الذوات بهذه الملاحظة، لا تنفك عن المطلوب الأصلي، ولو لاحظ مقدمة منفكة عما عداها، لا يريدها جزما، فإن ذاتها وإن كانت مورد الإرادة، لكن لما كانت المطلوبية في ظرف ملاحظة باقي المقدمات معها، لم تكن كل واحدة مرادة بنحو الإطلاق، بحيث تسري الإرادة إلى حال انفكاكها عن باقي المقدمات. وهذا الذي ذكرناه مساوق للوجدان، ولا يرد عليه ما ورد على القول باعتبار الإيصال قيدا، وإن اتحد معه في الأثر " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه من المناقضة أولا: فإنه كيف يمكن الجمع بين قوله: " فإن ذاتها وإن كانت مورد الإرادة " وبين قوله: " ولكن... " ؟ ! فإن مقتضى الأول، أن الواجب هو مطلق المقدمة، ومقتضى الاستدراك أنها ليست مورد الإرادة على الإطلاق، فإذا لم تكن مورد الإرادة على الإطلاق، فلابد من وجود ما يورث الضيق والتضييق، حتى لا تتعلق الإرادة إلا بالمضيق، فإن كان الضيق المتصور جائيا من قبل لحاظ الآمر، كما هو المفروض، وكان لحاظ انضمام سائر المقدمات، فلا يكون مورد الإرادة إلا ما هو الموصل بالحمل الشائع، وإن لم يكن عنوان " الموصل ". وكأنه (قدس سره) كان يرى جميع إشكالات المقدمة الموصلة تحت أمر واحد: وهو كون معروض الوجوب عنوان " الموصل والإيصال " لا خارجه ومعروضه، وعلى هذا يكون مورد الإرادة هي المقدمات بذواتها، المنتظمة في لحاظه، المنتهية إلى ذي


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 119. (*)

[ 198 ]

المقدمة بحسب الواقع ونفس الأمر. وسيجئ كما مضى: أن هذا غير ممكن في المقام، لأن العقل ليس مشرعا، حتى يدرك الملاك والمناط، ويشرع الحكم على موضوع آخر فيه المناط على الإجمال والإهمال، كما في الواجبات الشرعية، بل العقل يرجع الحيثيات التعليلية إلى التقييدية، وإلا يلزم انتزاع الواحد من الكثير بما هو كثير، كما سيظهر، فعند ذلك يتعين أن يكون مورد الإرادة والطلب والحب والملاك والمناط واحدا، ويستكشف - بناء عليه - التشريع الإلهي مثلا، لاغير. وقال في تقريرات العلامة الأراكي: " والتحقيق في المقام: هو القول بأن الواجب ليس مطلق المقدمة، ولا خصوص المقدمة المقيدة بالإيصال، بل الواجب هي المقدمة في ظرف الإيصال بنحو القضية الحينية. وبعبارة اخرى: الواجب هي الحصة من المقدمة، التوأمة مع وجود سائر المقدمات، الملازمة لوجود ذي المقدمة " (1) انتهى. وهذا هو المسلك الذي أبدعه وسلكه في مهام المشكلات والمعضلات، وبه حل الغوامض العلمية والمشاكل البحثية، وقد عرفت بما لا مزيد عليه في الكتاب تقريبا وجوابا وقياسه بالعلل التكوينية (2)، وهو (قدس سره) في مقام الفرار من الإطلاق، وإثبات التضييق بدون التقييد في الامور الاعتبارية، قياسا بالتكوينية، واستنباطا من القضايا الحينية التي لا تكون معتبرة في الاعتباريات والشرعيات، فلا نعيد، ولا تخلط. وبالجملة: ما أفاده (قدس سره) " من أن الطبيعة في جميع التقييدات، لا تكون مطلقة، ولا مقيدة، ولا مقيدة بالإطلاق، ولا بالإهمال، بل القيد يرد بعد رؤية الحصة الخاصة


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 389. 2 - تقدم في الجزء الأول: 215 - 216، وفي الجزء الثاني: 81 و 123. (*)

[ 199 ]

من الطبيعة، من غير كون التقييد واردا على الإطلاق " غير راجع إلى محصل، ضرورة امتناع كون الطبيعة مرآة للخصوصية الخارجة عن حدود الموضوع له، فما يرد عليه القيد هي الطبيعة نفسها، من غير كونها مطلقة لحاظا، ولا مقيدة، بل هي غير ملحوظة بالسلب المحصل مع شئ، وتكون الخصوصية واردة عليها في القضية اللفظية الدالة على القضية الذهنية الموافقة للخارج، من غير كون ما في الخارج محكيا إلا بالألفاظ والدلالات، فلا تخلط جدا، وكن من الشاكرين. وفي تقرير ثالث: أن الغرض من وجوب المقدمة، ليس إلا التوصل إلى ذي المقدمة، وتحققه في الخارج، ومن الواضح البديهي: أن ذلك لا يترتب على كل مقدمة بالاستقلال، وإنما هو أثر لمجموع المقدمات. وبعبارة اخرى: إن الغرض الداعي إلى إيجاب كل مقدمة من مقدمات الواجب، وإن كان هو حفظ وجود ذي المقدمة من ناحية تلك المقدمة كما تقدم، إلا أن محبوبية ذلك للمولى، ودعوته إلى إيجاب المقدمة، تختص بصورة انضمامها إلى سائر المقدمات. ونتيجة ذلك: هو أن الغرض من إيجاب مقدمات الواجب، ليس إلا حفظ وجود الواجب في الخارج، ولازمه ترشح أمر غيري واحد من الوجوب النفسي إلى مجموع المقدمات، لأن المفروض وحدة الغرض الداعي إلى إيجاب المقدمات، فينبسط ذلك الأمر الغيري على كل مقدمة، انبساط الوجوب على أجزاء الواجب النفسي، فتأخذ كل مقدمة حصة من ذلك الأمر الغيري، وتكون واجبة بالوجوب الغيري الضمني، ويترتب على ذلك أن متعلق كل أمر ضمني من تلك الأوامر الغيرية، حصة من المقدمة، وهي المقارنة لوجود سائر المقدمات. فمتعلق الوجوب الغيري لا مطلق من حيث سائر المقدمات، ولا مقيد بوجودها، بل هو المقدمة حين تحقق الباقي منها، وحال الانضمام، كما في أجزاء

[ 200 ]

الواجب بعينها، كما لا يخفى. والفرق بين هذا التقريب وما مضى: أن في الأول وصريح الثاني، تكون الأوامر الغيرية متعددة مستقلة متلازمة في الثبوت والسقوط، من غير استلزام الملازمة في الثبوت والسقوط وحدة الحكم، لأن وحدة الحكم منشأها وحدة الغرض والأمر، وفي هذا التقريب يكون الأمر الغيري، واحدا متقسطا على الأجزاء، كما في نفس ذي المقدمة. أقول: لاشبهة في أن في وحدة الملاك والمناط، مناط وحدة الحكم في لحاظ الجاعل والحاكم، وإذا كان مناط وجوب كل واحد من المقدمات، هو التوصل لا التمكن، فلا يعقل كون وجوب كل مقدمة مستقلا وتأسيسا، فإذا كان الوجوب والحكم واحدا، لوحدة الغرض والملاك، فلابد وأن يكون متعلق الحكم واحدا، لعدم إمكان تعلق الحكم الواحد بالكثير بما هو كثير، فعليه لابد من لحاظ جامع بين تلك الكثرات، حتى يكون هو مورد الأمر والوجوب، ولا جامع بينها إلا عنوان الموصلية، فإذا تقرر ذلك يلزم سقوط جميع هذه التقاريب. والعجب من العلامة الأراكي، حيث ظن أن هنا ملاكات كثيرة، لاختلاف المقدمات في الشرطية والإعدادية والاقتضائية (1) ! ! وأنت خبير: بأنه لو فرضنا تعدد هذه الامور ذاتا، ولكن كلها لجهة واحدة مورد التعلق، وهو التوصل، فاختلاف الذوات غير كاف لاختلاف الحكم، كما في الصلاة، فإن التكبيرة والقراءة والركوع مختلفة، ولكنها بملاك واحد مورد نظر الجاعل والحاكم، ولذلك لا يعقل تعدد الأوامر المتلازمة سقوطا وثبوتا في الطبيعة الواحدة، إلا برجوع كل واحد منها إلى لحاظ خاص حيال الجزء الآخر. هذا أولا. وثانيا: هذه الملازمة ليست طبيعية، فلابد وأن تكون لحاظية، فلابد وأن


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 390. (*)

[ 201 ]

يكون كل واحد منها إما قيد هيئة الآخر، أو مادته، على سبيل منع الخلو، فيصير الأمر بعد ذلك أفحش. ولذلك ليس الواجب في المركب الاعتباري إلا عنوانا واحدا، ولا حكم للأجزاء، ولا لحاظ لها رأسا. ويتوجه إلى التقريب الذي أفاده العلمان هنا من إرجاع القضية المقيدة إلى القضية الحينية - بعد مفروضية أن القضية ليست شرطية، ولا مطلقة، فإن الشرطية مقالة " المعالم " أو الشيخ مثلا، والمطلقة مقالة المشهور و " الكفاية " والمقيدة مقالة " الفصول " وفي كل ذلك إشكال عقلي، فلا منع من اعتبار كونها حينية، أنك عرفت في سالف المباحث: أن القضايا الحينية المعتبرة في المنطق، هي القضايا الاتفاقية، وهي ما لا تكون على نعت اللزوم، ولا يكون بين الجزاء والشرط أية دخالة، كما إذا قال: " الصلاة واجبة حين كون الصوم واجبا " و " الحمار ناهق حين كون الإنسان ناطقا " (1) وفي اعتبار آخر بينهما الإمكان بالقياس، وفي اعتباره حتى في هذه القضايا إشكال حررناه في " القواعد الحكمية " (2). فعلى هذا، ليست القضية الحينية من الامور الاختيارية وبيدنا، بل لها الملاك الواقعي والمناط النفس الأمري، فلا معنى لاعتبار الإيصال والوصل حالا وظرفا، لما أن له المدخلية الثبوتية والملاك الواقعي، فعليه لا يكون مورد الأمر إلا مقيدا بهذا العنوان، وحيث إنه تمام العلة كما عرفت، فيكون معروض الوجوب نفس هذا القيد بالذات، وفي اتصاف الآخر به نوع مسامحة، كما لا يخفى. فمجرد امتناع القضية المقيدة، وكون المعروض هو عنوان " الموصلية " لا يكفي لكون المعروض ذوات المقدمات حال الإيصال. إن قلت: كيف لا يمكن، والأمر بيد الشرع وإن لم يكن بيدنا ؟ ! فإذا اعتبر


1 - تقدم في الصفحة 121 - 126. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 202 ]

الشرع ما هو الدخيل لبا ظرف الواجب، فلابد وأن يكون المعروض أمرا آخر في الاعتبار والتشريع، وإن كان بحسب اللب والثبوت له الدخالة عقلا. قلت: لو أمضى الشرع في اللحاظ والادعاء هذه المدخلية، فتكون هذه الحال لغوا وتصير النتيجة وجوب مطلق المقدمة، فلا تخلط. وغير خفي: أن التقريب الأخير مشتمل على جهتين: الاولى: أن معروض الوجوب الغيري الأصلي هي الموصلة، لأنه اعتبر الجامع بين المقدمات الكثيرة، لما صرح بوحدة الأمر الغيري، وهي تقتضي ذاك الجامع، ولا جامع إلا بلحاظ ما هو الناظم بينها، وهي وحدة الملاك، وليس هو إلا الإيصال. الثانية: أن ذوات المقدمات أيضا، تكون معروض الوجوب الغيري وإن كان ضمنيا، فإن كنا بصدد إثبات اتصاف ذوات المقدمات بالوجوب ولو كان ضمنيا، كان لما أفاده وجه، وإلا فإن كنا بصدد نفي معروضية العنوان للوجوب، فلا وجه لما ذكره، لما يتوجه إليه من جميع المحاذير المتوجهة إلى المقدمة الموصلة. ثم إنه لو سلمنا الوجوب الضمني، فيلزم بعد البناء على دخول الأجزاء الداخلية في محل النزاع، ترشح الأمر الغيري إلى تلك الأجزاء، لعدم الفرق بين أجزاء الواجب النفسي والغيري، فيرجع البحث إلى معروض الوجوب المترشح من الوجوب الغيري على أجزاء الواجب الغيري، فيعود البحث الأول، فتأمل تعرف. هذا، وقد تقرر منا: أن الوجوب الضمني أفحش وأفسد من الوجوب الغيري، لعدم إمكان تصوره، بخلافه فإنه غير صحيح تصديقا (1). ويتوجه إلى هذه المقالة: أنه لو سلمنا أن القضية حينية، ولكن المقدمات الكثيرة، لا تكون في حال كثرتها مورد الأمر الغيري، فمعروض الوجوب جامع يعتبره الآمر طبعا وقهرا بين تلك الكثرات.


1 - تقدم في الصفحة 25 - 28 و 172. (*)

[ 203 ]

المسلك الرابع: ما نسب إلى " الفصول " وظاهره أنه بعدما رأى أن أخاه صاحب " الحاشية " اعتبر في معروض الوجوب حال الإيصال (1)، على ما هو المحكي عنه، التفت إلى أن يقول: بأن المعروض هي الموصلة. وربما يستظهر أنهما في مقام واحد، لعدم ذكره في المحكي عنه هذا الفرض، وهو الوجوب حال الإيصال، فكأنهما يقولان بشئ واحد: وهو أن الواجب هي المقدمة إذا كان يترتب عليها فعل الغير، فجعل معروض الوجوب الحصة من المقدمة المنتهية إلى ذي المقدمة، لا عنوان " الموصل " فراجع، والأمر سهل. ثم لو كان المقصود كون معروض الوجوب هو عنوان " الموصل " فليس هذا من العناوين القصدية عنده، حتى يعتبر في اتصافها بالوجوب قصد الموصلية والإيصال، كما يظهر من تقريرات السيد البروجردي (قدس سره) بل كلامه كالنص في أن معروض الوجوب عنده، ليس قصديا (2)، لما أن معنى الموصلية أمر يحصل في الخارج عند ترتب ذي المقدمة على المقدمة، سواء قصد ذلك، أم لم يقصد. فبالجملة: الضرورة قاضية بأنها ليست من العناوين القصدية. إن قلت: فما الفرق بين مقالة " الفصول " ومقالة من يقول: بأن الواجب هو السبب، والمقدمة المتسبب بها إلى ذي المقدمة، كما يأتي عند ذكر الأقوال في وجوب المقدمة (3) ؟ ! قلت: هذا ما أورده عليه سيدنا البروجردي (رحمه الله) ظانا عدم الفرق (4). وأنت


1 - هداية المسترشدين: 219 / السطر 28، منتهى الاصول 1: 296 - 297. 2 - نهاية الاصول: 193. 3 - يأتي في الصفحة 210 وما بعدها. 4 - نهاية الاصول: 41. (*)

[ 204 ]

خبير بأن معروض الوجوب على مقالته، قابل للتصديق، من ناحية أن الملاك ومناط الوجوب هو التوصل، وفي الأحكام العقلية لابد من إرجاع الحيثيات التعليلية إلى التقييدية، كما عرفت، فيكون الخارج والسبب والمقدمة الموصلة - بالحمل الشائع - معروض الموصل الذي هو معروض الوجوب. وأما كونها بذاتها معروض الوجوب، فيتوجه إليه ما مر في سائر المسالك (1)، فلا تخلط جدا. إن قلت: الإرجاع المزبور يصح في تلك الأحكام، لا في الأحكام الشرعية المستكشفة بالعقل. قلت: نعم، إلا أن العقل يحلل ويجزئ الملاكات، ويصل في هذه المسألة إلى أن ما هو مناط الوجوب، هو الموصلية والتوصل، فإن كان من الشرع دليل لفظي على وجوب ذات المقدمة لعلة خارجية، كان ذلك مسموعا. وإلا فلا شأن للعقل في أن يدرك أن المشروع ومعروض الوجوب، هي الذات المقارنة للملاك، أو الذات لأجل المناط، وهو الإيصال، بل العقل لا يدرك أزيد من أن معروض الإرادة الثانية الترشحية، ليس إلا ما هو محبوبه ومطلوبه، وهو الموصل إلى مرامه ومطلوبه الأصلي، دون أمر آخر. وقد وقع هذا الخلط بين كلمات جمع من أفاضل البحث، كما وقع السهو الكثير في حدود المسألة، ويظهر مما حررناه (2)، فلانشير إليه، حذرا من الإطالة. إن قلت: ما يمكن أن يكون ملاكا للوجوب في جميع المقدمات الداخلية والخارجية، لا ينحصر بالتوصل، بل يمكن أن يكون هو التمكن أو التوقف الأعم من


1 - تقدم في الصفحة 187 - 202. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 205 ]

التوصل والتمكن، وهذا هو مراد جدي العلامة في " التقريرات ": " من أن الملاك الجامع هو الاستلزام العدمي، وهو ما يلزم من عدمه العدم " (1). فبالجملة: لابد من إثبات انحصار الملاك بالتوصل، حتى يكون معروض الوجوب هذا الملاك، وإلا فلاوجه لسلب معروضية العنوانين الأخيرين عن الوجوب. قلت: الدليل هو الوجدان، والبرهان. أما الأول: فلأن الضرورة قاضية بأن النظر في المقدمات، ليس إلا آليا إلى الغير، ومرآة إلى مطلوب آخر، فما هو مورد الطلب والحب ليست ذواتها المطلقة، فهي مقيدة قهرا بالمطلوب الأول. وأما الثاني: فلأن اللغوية غير جائزة على الشرع، وفي مفروض المسألة تلزم لغوية تشريع الوجوب على التمكن، أو التوقف الأعم من التوصل. ولذلك لا يعتبر قصد التوصل، لعدم دخالته في الوصول والإيصال، وإن كان للشرع اعتبار ذلك لبعض الجهات في بعض الأحيان والمقدمات، ولكن مقدار المشروع الشرعي المستكشف بالعقل فرضا، ليس إلا صرف الموصلية. وغير خفي: إنا لسنا بصدد إثبات أن " الفصول " ذهب إلى هذا المسلك، بل الظاهر أنه اعتبر معروض الوجوب، المقدمة إذا كان يترتب عليها فعل الغير، فراجع (2). وهذه العبارة تومئ إلى المقالة السابقة الباطل سندها واعتبارها. فالمحصول مما قدمناه: هو أن مقتضى الذوق البدوي، أن ما هو معروضه هي الموصلة، بل هو الإيصال الفارغ عن الذات، أو هي الموصلة بالذات، ومصداقها الذاتي هو الإيصال، ولا خصوصية لقيد آخر، فيكون تمام الموضوع هي الموصلية،


1 - مطارح الأنظار: 75 / السطر 35 - 37. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 206 ]

ولا دخالة لقصد التوصل، وذلك لأن الملاك والمناط هو ذاك، وما هو الملاك هو الموضوع في العقليات، ولا برهان على مداخلة شئ آخر، فهو تمام الموضوع. وهذا هو البرهان التام العقلي على هذا المسلك. مختارنا في متعلق الوجوب، وأنه المقدمة الموصلة بالفعل والذي يظهر لي: أن ما هو معروض الوجوب ليس الموصلة، حتى يقال: بأن الواجب من قبل الشرع، له الإطلاق من حيث الترتب الفعلي وعدمه، وأن الإرادة التشريعية الثانية تعلقت بالعنوان المزبور، كما تعلقت الإرادة التشريعية الاولى بعنوان المطلوب بالأصالة، من غير مدخلية إرادة الآمر في التعلق، وإلا يلزم أن لا يكون واجبا بدون إرادته، وهو خلف. بل ما هو معروضه هي الموصلة بالفعل، فلا يكون خطاب تشريعي بالنسبة إلى الموصلة بالنسبة إلى الكافر، بناء على تعلق الخطاب النفسي به، وبالنسبة إلى العاصي ومن لا ينبعث نحو المأمور به، بخلاف الخطاب النفسي، فإنه - حسبما تقرر في محله - متعلق بالكافر والعاصي (1)، لأنه عند عدمه لا يستلزم صحة العقوبة إلا على بعض الوجوه السابقة. فعلى هذا، فرق بين الخطابين: الغيري، والنفسي، فإن الأول يختص بالمطيع ومن يريد الواجب النفسي، وذلك لأنه كما لا معنى لتشريع مطلق المقدمة، لأن ما هو مورد طلبه وحبه هي الموصلة، كذلك لا معنى لتشريع مطلق الموصلة، بل مطلوبه هي الموصلة بالحمل الشائع، وإلا تلزم اللغوية، لعدم وجه لخطابه بالنسبة إلى ما لا يكون موصلا بالفعل، مما لا يترتب عليه الأثر الذي يترتب على الخطاب النفسي.


1 - يأتي في الصفحة 439 - 443. (*)

[ 207 ]

إن قلت: هذه مقالة " المعالم " و " الفصول " فتتوجه إليهما إشكالاتهما، ولو اندفع ما يتوجه إلى الثاني، فكيف يمكن حل معضلة الأول ؟ ! قلت: أما حل ما يتوجه إلى الثاني، فسيأتي من ذي قبل (1). وأما حل المعضلة الاولى فقد مر تفصيله (2)، وذكرنا في البحث السابق، إمكان كون إرادة العامل، شرطا لوجوب المقدمة، واستظهرنا ذلك من الكتاب العزيز (3). هذا، ولكنا لسنا نريد أن نقول هنا: بأنها قيد الهيئة، ولا نقول: بأن إرادة المكلف والعامل قيد المادة، حتى يكون معروض الوجوب هي الموصلة بالقوة أيضا، بل إرادة العامل والمكلف معرفة لحدود إرادة الآمر والشرع، ويستكشف اتصاف الموصلة بالوجوب عند إرادة العامل، وترتب العمل والفعل عليه، لعدم ملاك للأعم، ولاختصاص مناط الترشح بهذا الصورة. إن قلت: هذه هي القضية الحينية التي فررتم منها في هذه المسائل، لأن معنى ذلك هو أن ترشح الإرادة الثانية، يكون حين إرادة العامل المكلف به. قلت: قد تذكرنا هناك: أن انعقاد القضية الحينية بالنسبة إلى قيد الإيصال، غير جائز، لأن للإيصال مدخلية في الحكم وفي القضية، فيكون هو الموضوع حقيقة، لا ظرفا وحينا (4). وهنا نقول: بأن ما هو المناط هو الإيصال بالفعل، لا عنوان " الموصلة " سواء تحقق الواجب النفسي، أم لم يتحقق، فإذا أخذنا قيد إرادة المكلف، فلا يكون ذلك إلا لمعرفية أن مناط الوجوب، أضيق من السابق.


1 - يأتي في الصفحة 216 وما بعدها. 2 - تقدم في الصفحة 182 - 183. 3 - تقدم في الصفحة 183 - 188. 4 - تقدم في الصفحة 201. (*)

[ 208 ]

وهذا نظير ما إذا قال المولى: " أكرم العالم العادل " وكان نظره من أخذ العدل، إلى بيان أن مناط وجوب إكرام العالم قاصر، ولا يشمل كل العلماء، لبعض جهات اخر، ولا مدخلية للعدل في الحكم، بل اخذ العدل للمعرفية، فلا تكون القيود كلها للمدخلية الملاكية، فلا تخلط. فتحصل إلى الآن: أن ما أفاده القوم في معروض الوجوب، كله خال من التحصيل، وما هو المعروض والواجب على تقدير الملازمة - عقلية كانت، أو عقلائية - هي الموصلة بالفعل، وإن شئت فسمها " المقدمة المنتهية إلى الواجب " وهذا البيان لمعرفية ضيق المناط والملاك عند العقل، ولسنا بصدد تعريف معروض التشريع الإلهي بعنوانه الذاتي. فبالجملة: من الممكن دعوى ظهور قوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا...) * (1) في أن مصب الهيئة الغيرية حين القيام وإرادة الصلاة، هو الوضوء والغسل، لا مطلقا. وأما استظهار أن مصب الوجوب الغيري، ذات المقدمة، لا عنوان " الموصلة والمنتهية " فهو في غير محله، لأنه في مورد خاص، والعقل يأبى عنه، كما عرفت (2). إن قلت: لو كانت الإرادة الثانية، مختصة بصورة إرادة المكلف إتيان الفعل، فهي تكون لاغية. قلت: هذا هو إشكال يأتي في أصل المسألة والملازمة، ولك أن تقول: بكفاية الفرار من اللغوية أن المقدمة إذا كانت واجبة بحسب الشرع، فصورة كونها محرمة ذاتا، تستلزم التهافت والتضاد، فإذا قلنا بعدم حرمتها، لأجل عدم إمكان اجتماعها مع وجوبها، فلا يلزم التجري في بعض الصور، وهذا كاف. وتفصيل


1 - المائدة (5): 6. 2 - تقدم في الصفحة 192 - 195. (*)

[ 209 ]

المسألة يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). إن قلت: من يقول بالموصلة، لايرد إلا ما هو الموصل بالحمل الشائع، أي يختص معروض الوجوب بالموصلة بالفعل. قلت: هذا خلاف ما بنوا عليه، من أن وجوب المقدمة إطلاقا واشتراطا، تابع لذي المقدمة (2)، فإنه على رأينا لا يكون كذلك، فإن وجوب ذي المقدمة، أعم من صورة إرادة العامل إتيان العمل وعدمه، بخلاف وجوب المقدمة، فإنه لا يترشح إلا حين إرادة الإتيان، من غير كون الإرادة المزبورة قيد الهيئة، أو المادة. فبالجملة: القائل بالمقدمة المطلقة يقول: بأن معروض الوجوب هي الموقوف عليها، سواء كان توقفا تاما، أو ناقصا، لأن ملاكه هو التمكن، وهذا حاصل في الصورتين، والقائل بالموصلة يقول: بأن معروضه هي الموصلة، أي أن الخطاب ينادي: " بأن الصلاة واجبة، والموصل إليها واجب غيري، من غير النظر إلى حال المكلفين من إتيان المكلف به وعدمه ". وأما نحن فنقول: باختصاص الملازمة بصورة إرادة إتيان ذي المقدمة، من غير كون هذه الإرادة دخيلة، بل هي معرفة لضيق مصب الإرادة والملاك والمناط، على الوجه الماضي تفصيله، فلا تخلط. لا يقال: بناء على هذا لو دخل الأرض المغصوبة، ثم أراد إنقاذ الغريق، يكون الدخول محرما، ولايكون معذورا، لأن إرادة ذي المقدمة حصلت بعد الإتيان بالمقدمة. لأنا نقول: بعدما عرفت أن الإرادة المزبورة، ليست إلا معرفة وكاشفة،


1 - يأتي في الصفحة 213 - 215. 2 - كفاية الاصول: 125 و 142، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 285، نهاية الاصول: 191. (*)

[ 210 ]

فلا يفرق بين كونها موجودة قبل الدخول، أو بعده، فإنه إذا تبين أنه يريد الإنقاذ يعلم: أن الدخول كان معروض الوجوب الغيري، أو يكون عنوان " الموصلة بالفعل " معروضه، كما هو الحق، لا الدخول، فيكون على هذا معذورا في ارتكاب المحرم، لا أن الدخول يوصف ب‍ " المحرم " لما تقرر في محله: من عدم سقوط الأحكام الشرعية عند التزاحم، فلا تكن من الغافلين (1). وسيأتي زيادة توضيح عند ذكر المحاذير العقلية للمقدمة الموصلة (2). تذنيب يشتمل على مباحث: المبحث الأول: حول الأدلة المستدل بها على وجوب الموصلة غير ما مر من الدليل الوحيد الفريد (3): منها: ما نسب إلى " الفصول ": " من أن للآمر أن يصرح بعدم إرادة غير الموصلة، وهذا كاشف عن عدم وجود الملاك في المطلقة، وله أن يصرح بإرادته الموصلة لاغير، فيكون فيها الملاك والمناط " (4). وقد أورد عليه صاحب " الكفاية ": " أن فيما أفاده جزافا صرفا، لعدم جواز تصريحه بذلك بعد كون الملاك هو التمكن، وهو حاصل في الموصلة وغيرها " (5). والحق: أن ما أورده عليه غير لائق للصدور منه، ضرورة أن العقول كلها


1 - لاحظ الصفحة 461. 2 - يأتي في الصفحة 215 - 228. 3 - تقدم في الصفحة 205 - 206. 4 - الفصول الغروية: 86 / السطر 19. 5 - كفاية الاصول: 148. (*)

[ 211 ]

على أن المطلوب والمحبوب، ليس الأعم، فلو كان المعروض أعم، فلابد وأن يكون لاقتضاء البرهان، لا الوجدان. ولكن مع ذلك لايتم استدلال " الفصول ": أما تصريحه: " بأن الواجب هي الموصلة " (1) فلا منع لإمكانه. وأما تصريحه: " بأن غير الموصلة غير مرادة، وأنه لا يريد المطلقة " (2) فهو لازم أعم من أصل إرادة المقدمة، ومن إرادة المقدمة الموصلة، ولعله إذا صرح بعدم إرادته غير الموصلة، فهو لأجل عدم إرادة مطلق المقدمة، موصلة كانت، أو غير موصلة، فلابد من ضم أمر آخر إليه حتى يتم الاستدلال، وهو التصريح بالموصلة، ونفي المطلقة معا، حتى يستكشف. وهذا في الحقيقة ليس دليلا على حدة، لأن منشأ صحة الاستدلال المزبور، ما مر من الوجدان والبرهان على الموصلة. ومنها: أن الوجدان شاهد على أن الإنسان إذا اشتاق إلى شئ، فيشتاق إلى مقدماته التي توصله إلى ما أراده واشتاق إليه، فلايشتاق إلى الطبيب إلا في صورة تنتهي إلى التداوي، لا لزيارة البيت ونحوه (3). وأورد عليه في " الكفاية ": " بأن الغاية من الإيجاب ليست إلا التمكن، وهو حاصل " (4). والذي يظهر لي: أن أدلة " الفصول " واهية، لرجوعها إلى أمر واحد، ومناقشات " الكفاية " أوهن منها، لرجوعها إلى شئ فارد: وهو أن الموصلة ليست


1 - الفصول الغروية: 81 / السطر 4 - 6. 2 - الفصول الغروية: 87 / السطر 12 - 17. 3 - الفصول الغروية: 86 / السطر 23. 4 - كفاية الاصول: 149 - 150. (*)

[ 212 ]

مقدورة، وما هو المقدور هي المطلقة، فإن المكلف بالمقدمة الاولى يتمكن من الثانية، وبالثانية من الثالثة، فما هو معروض الوجوب، ما يحصل منه تمكنه بالنسبة إلى ذي المقدمة، فلا تكون الموصلة من الأول معروض الوجوب، فما هو من الأول مورد تعلق الإرادة الثانية، هي المقدمة الاولى، وهي بوحدتها ليست موصلة، وكان في ذهنه الشريف ذلك، فناقش في الوجدانيات. وأنت خبير: بأن القدرة على المكلف به، موجودة من الأول بالقدرة على مقدماته الكثيرة، وهذه القدرة هي مصححة التكليف بالنسبة إلى المعلول، من دون علته وأسبابه وعلله وشرائطه، فإنها كلها ليست مورد التكليف. مثلا: إذا علمنا بأن الدخول في دار زيد، يلازم الإكراه على شرب الخمر، فهل يتمكن عاقل من تجويز ذلك، مستدلا: بأن ما هو مورد القدرة هي المقدمة المطلقة، وهي ليست محرمة، وما هو المحرم هو الشرب، وهو ليس مقدورا مثلا، لأنه مكره عليه، فيكون معذورا في الارتكاب ؟ ! فإذن تبين: أن ما هو ملاك التكليف بذي المقدمة، هي القدرة على المقدمة، والقدرة عليها حاصلة. وكان ينبغي أن نذكر ذلك من المحاذير في المسألة، ولكنه لكونه أكثر نفعا ذكرناه هنا. ومنها: ما نسب إلى السيد اليزدي صاحب " العروة " (قدس سره): " وهو أن العقل يرخص في تحريم المقدمة غير الموصلة، مع أنه يستحيل تحريم مطلق المقدمة الأعم من الموصلة وغيرها، وهذا دليل على أن الواجب هي الموصلة لاغير " (1). وقد أورد عليه صاحب " الكفاية ": " بأن المقدمات غير المباحة خارجة من محل البحث، فعدم اتصاف المحرمة بالوجوب الغيري، لأجل وجود المانع، لا لعدم المقتضي، فتحريم المقدمة غير الموصلة، لا يدل على أن الموصلة واجبة، بل للشرع


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 420. (*)

[ 213 ]

تحريم بعض الموصلات، وهذا دليل على أن محل البحث هي المقدمات المباحة (1). فبالجملة: لا يكون عدم اتصاف غير الموصلة بالوجوب الغيري في المفروض من المسألة، لأجل أن ملاك الوجوب هو التوصل، بل ملاك الوجوب هو التمكن، وفي هذا الفرض لاتوصف بالوجوب الغيري، لوجود المانع وهي الحرمة. أقول: هذا غير وجيه، لأن معروض الوجوب ليس عين معروض الحرمة، حتى تمنع الحرمة عن عروض الوجوب، ضرورة أن ما أوجبه الشرع هو عنوان " الموصلة " مثلا، وما حرمه هو عنوان " الدخول في الأرض المغصوبة " سواء كانت المطلقة، أو الموصلة المنحصرة، أو غير المنحصرة، فإذا قلنا: بأن تعدد العنوان كاف للالتزام بالحكمين المتنافيين، فلا يلزم خروج المحرمة عن محل النزاع. هذا، ولو فرضنا أن الشرع حرم عين العنوان المزبور، فإن قلنا: بأن الملازمة المدعاة هي العقلية، فلا فرق عند العقل في الكشف بين سبق الحرمة وعدمه، لأن للعقل كشف الوجوب الغيري على وجه يستكشف انتهاء أمد التحريم في خصوص تلك المقدمة. وإن قلنا: بأنها عقلائية، فلخروج المقدمات المحرمة عن حريم النزاع وجه، وقد مر بعض الكلام حول هذه المسألة (2)، فراجع. فعلى هذا، إذا حرم الشرع المقدمات غير الموصلة بحسب الواقع، لاسبيل للعقل إلى أن يكشف الوجوب الغيري المزاحم لها، فيعلم منه: أن الوجوب الغيري منحصر بالموصلة. وبعبارة اخرى: ما يمكن أن يكون محرما إما يكون غير ما هو معروض


1 - كفاية الاصول: 147 - 148 و 150. 2 - تقدم في الصفحة 194 - 195. (*)

[ 214 ]

الوجوب الغيري عنوانا، فلا تزاحم، لما تقرر في محله من إمكان الاجتماع (1). ولو كان عينه، بأن يكون المحرم عين ما هو معروض الوجوب، إما لأجل اقتضاء لسان الدليل في الفرض ذلك، أو لأجل امتناع الاجتماع، فحينئذ نقول: إذا كانت الملازمة المدعاة عقلية، وأن ملاك الوجوب هو التمكن، أو التوقف والتوصل، أو الانتهاء كما جعلناه الملاك، فلا يعقل عدم ترشح الوجوب إلى ما هو أخص منه، لأنه من قبيل تخصيص الحكم العقلي، وعند ذلك لابد من الالتزام بارتفاع المانع، وهي الحرمة، وهذا هو ينكشف بحكم العقل. وإذا كانت الملازمة المدعاة عقلائية، فلا بأس بتخصيص مصب العروض، وإخراج المقدمات المحرمة عن حريم النزاع، كما لا يخفى. فتحريم الشرع المقدمات غير الموصلة، أو تحريمه الموصلة المعينة من الموصلات المتعددة، مع كون الملاك هو التمكن أو التوصل، غير ممكن عقلا. ولو صح ذلك فهو دليل على عدم ثبوت الملازمة رأسا، كما يأتي. فعلى ما تقرر انقدح: أن ما اشتهر بينهم من خروج المقدمات المحرمة عن حريم النزاع (2)، غير صحيح. ثم بناء على هذا، فهل يتم استدلال صاحب " العروة " ؟ كلا، ضرورة أن ملاك الوجوب إن كان التمكن، فيكشف عدم الحرمة بالنسبة إلى غير الموصلة. وإن كان التوصل، فيكشف أيضا عدمها بالنسبة إلى إحدى الموصلات. وإن كان الانتهاء إلى الواجب، وهو التوصل بالفعل، فيكشف عدم الحرمة فيما كانت محرمة تلك الموصلة المنحصرة، فإن ما هو الموصل بالفعل ليس إلا واحدا، ولا يتعدد. فينقلب النزاع إلى ما هو الملاك، فلا يكون ما ذكره وأفاده دليلا مستقلا،


1 - يأتي في الجزء الرابع: 199 وما بعدها. 2 - كفاية الاصول: 159، أجود التقريرات 1: 248 - 250، نهاية الأفكار 1: 356. (*)

[ 215 ]

لأنه (قدس سره) كأنه أخذ المدعى في الدليل، لما قال: " يجوز تحريم غير الموصلة، لأن الملاك هو التوصل " وهذا هو أول الكلام، فلا تخلط. ثم إن من صاحب " الكفاية " يستظهر إشكال آخر (1) منشأه بعض المحاذير الآتية للموصلة، فتفصيله هناك. ولنا في تقريب الإشكال الآخر بيان آخر: وهو أن تحريم المقدمات غير الموصلة، يستلزم عدم وجوب الموصلة، وذلك لأن الموصلة هي المركبة من المطلقة، وتكون المطلقة إحدى أجزائها، فإذا كانت هي محرمة شرعا، فيستلزم عجز العبد عن الموصلة، فيسري عجزه إلى الواجب النفسي، فإذا سقط الوجوب النفسي، فلا وجوب غيري حتى يعرض الموصلة، فمن تحريم المطلقة يكشف عدم عروض الوجوب الغيري على الموصلة. والجواب: أن الجزء الأول من أجزاء المقدمة الموصلة، يشك في تعقبه بسائر الأجزاء، فيشك في حرمته، لأنه من الشبهة الموضوعية للمقدمة المطلقة، فيجوز أن يبتدر ويبادر إليه، فإن أتى ببقية الأجزاء بحسب الواقع، فقد اتصف بالموصلة، فلا يكون محرما، وإلا فقد انكشف أنه قد ارتكب المحرم، ولكنه معذور، فتحريم المطلقة لا يستلزم عدم جواز صرف العبد قدرته في الموصلة، فافهم واغتنم. المبحث الثاني: في المحاذير التي ذكروها لوجوب الموصلة سواء اريد منها ما هو الظاهر: منهم من أن المقدمة الموصلة قابلة للتعدد والتكرر، ويكون الكل معروض الوجوب بعروضه على العنوان المزبور، أو اريد منها ما هو المختار: من أن الموصلة هي المقدمة المنحصرة بالواحدة التي تعرف بما مر


1 - كفاية الاصول: 150. (*)

[ 216 ]

تفصيله (1)، فلا يكون معروض الوجوب إلا واحدة، وما هو الموصوف وفي الخارج معروض هذا العنوان أيضا إلا واحدا. منها: الدور (2)، بتقريب أن عنوان " الموصلية " الذي هو معروض الوجوب، يتوقف تحققه على تحقق ذي المقدمة، لأنه بدونه لا يمكن أن يوجد، ولا يمكن أن توصف المقدمة ب‍ " الموصلة " إلا بعد التعقب بذي المقدمة، فعليه يكون ذو المقدمة من المقدمات الوجودية لوجود المقدمة، فيترشح إليه الوجوب الغيري، وتوقف ذي المقدمة على المقدمة ضروري، فيلزم توقف المقدمة على نفسها. وهناك تقاريب اخر كلها بلا محصل. والذي هو الحل: أن ذات ذي المقدمة في الخارج، تتوقف على ذات المقدمة توقف المعلول على علته، ولكن وصف المقدمة وهو عنوان " الموصلية " متوقف على تعقبه بذي المقدمة، نظير أن ذات المعلول متوقفة على ذات علته، ولكن وصف " العلية " موقوف على تحقق ذات المعلول، فإذا تحقق هو، وتحقق ذاك عقيبه، يوصفان معا ب‍ " العلية " و " المعلولية " وإن كان توصيف ذات العلة ب‍ " العلية " لا يمكن إلا بعد وجود المعلول، فلاينبغي عد هذه الامور من المحاذير إنصافا. ومنها: يلزم اتصاف ذي المقدمة بالوجوبين: النفسي، والغيري، وهو محال، للزوم اجتماع المثلين، وذلك لأن الحج مثلاواجب نفسي، وبما أن وصف " الموصلية " متوقف على تحقق الحج، فالحج واجب غيري، فيلزم كونه معروض الوجوبين. وحديث اندكاك أحدهما في الآخر، مما يضحك الثكلى، للزوم كونه واجبا غيريا لإمكان اندكاك النفسي في الغيري، فيلزم عدم النفسي رأسا، وهذا محال، لأنه


1 - تقدم في الصفحة 205 - 206. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 290. (*)

[ 217 ]

خلف. ولإمكان اندكاك الغيري في النفسي، فيلزم عدم ترشح الإرادة بالنسبة إليه بعد الاندكاك، وهو تخصيص بلا مخصص، والالتزام بهما جمعا ممتنع، لامتناع كون الواحد معروض الواجبين التأسيسيين. والجواب: أن مصب الوجوب النفسي هو الحج بذاته، ومصب الوجوب الغيري هو عنوان آخر وهو " الموصلية " ولا يتجاوز الأمر الغيري من متعلقه إلى شئ آخر، فلا يسري إلى الحج، بل الحج في هذا اللحاظ ليس إلا ما يتوقف عليه عنوان " الموصلية " فمعروض الوجوبين مختلف وهذا الخلط كثيرا ما أوقعهم في الاشتباه. وتوهم إمكان الجمع بينهما، لأن أحدهما: نفسي، والآخر: في لحاظ آخر غيري، كما في صلاة المغرب والظهر بالنسبة إلى العشاء والعصر، غير نافع، لأن معنى اللحاظ الغيري: هو أن ما هو معروض وجوبه الغيري عنوان " التوقف " و " التمكن " و " التوصل " مثلا لا عنوان " الظهرية " فلو قلنا بسراية الأمر إلى المعنون، ولا يكفي تعدد العنوان لتعدد الأمر، فالشبهة غير قابلة للاندفاع. إن قلت: كيف لا يمكن، ولنا أن نقول: بأن معروض الوجوب النفسي هو ذات العمل، وهو في المثال الحج، ومعروض الوجوب الغيري ليس عنوان " الموصل " ولا قيدية للإيصال في العنوان المزبور، بل معروض الوجوب هي السلسلة من المقدمات الملازمة لوجود ذي المقدمة، دون المفارقة ؟ ! قلت: قد عرفت هذا في كلام سيدنا البروجردي (رحمه الله) إشكالا على الموصلة: بعدم الفرق بينها وبين القائل: بأن معروض الوجوب هي المقدمة السببية، لا المفارقة، وجوابه أيضا: من أن القائل بالموصلة، يريد إثبات أن معروض الوجوب هو عنوان

[ 218 ]

" الموصلة " لا الذات الخارجية (1). هذا مع أن للوجوب الغيري العارض على العلة الملازمة ملاكا، ولابد وأن تكون هي معروضه، لما تقرر (2)، فلا نكرر، فلاينبغي الخلط بين الأحكام الشرعية المستكشفة بالعقل، وبين ما جعلها الشارع وتصدى تشريعه نفس الشريعة، فإن موضوعها في الأول ملاكها، وفي الثاني ما جعله الشرع موضوعا لها. فبالجملة: الأمر الغيري والنفسي فيما نحن فيه، إما يمكن إبقاؤهما على حالهما، لأن ملاك الأول غير الثاني وإن كان الموضوع واحدا، فلا يكون الاجتماع محذورا. وإما يكون موضوع أحدهما غير الآخر، فلا يلزم محذور أيضا. وأما حديث الاندكاك، فهو - كحديث الاجتماع مع وحدة الملاك - مما لا يمكن الالتزام به، فليتدبر. والأمثلة السابقة لا تفيد أكثر من ذلك، فلا محذور في كون معروض الوجوب هي الموصلة. وربما يخطر بالبال دعوى: أن في معروضية الموصلة لو كان محذور لعروض الوجوب، يلزم كون غير الموصلة المأخوذة بشرط لا عن الإيصال معروضة، فهل يمكن الالتزام بذلك ؟ بيان الاستلزام: أن القائل بالمطلقة يقول بالموصلة، ولا يقول: بأن العنوان الأعم بما هو أعم الملحوظ فيه اللاوصول والوصول معروضه، فيقول: بأن المعروض يكون الموصلة والمطلقة، وهذه المطلقة تقابل الموصلة، فيكون هو المأخوذ بشرط لا حتى تقابلها، فينحصر المعروض بالمقدمة التي لاتوصل، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 203 - 204. 2 - تقدم في الصفحة 204 - 206. (*)

[ 219 ]

ومنها: أنه يلزم من وجوب الموصلة، كون ذي المقدمة مورد الوجوب الغيري بعنوانه. وهذا محذورآخر، لماعرفت من لزوم تعدد المعروضين فيما نحن فيه لاعتبار الغيرية والتعدد - ولو في عالم العنوانية - بين ذي المقدمة والمقدمة، فلو كان بين ذي المقدمة والمقدمة وحدة عنوانية، يلزم كون الشئ مقدمة لنفسه، ولا يعقل هذا (1). بيان الاستلزام: أن الحج الواجب النفسي، يستلزم الأمر الغيري المتعلق بالموصلة، وبما أن وصف " الموصلية " متوقف على تحقق الحج، فلابد من ترشح الأمر الغيري الآخر إلى الحج بملاك التوصل، فيكون الحج مقدمة وذا المقدمة، ولايكون بينهما تغاير، مع اعتبار التغاير بينهما بالضرورة. وتوهم: أن الأمر الغيري الأول المترشح من أمر الحج، متعلق بعنوان " الموصلة " وهو غير عنوان " الحج " والأمر الغيري الثاني المتعلق بالحج، مترشح من الأمر الغيري المتعلق بالموصلة، وهما أيضا متغايران، فيحصل الشرط، وهي الغيرية في مصب الأمرين. غير صحيح، لما عرفت في بعض المقدمات السابقة: أن الأمر الغيري المترشح من الأمر النفسي، مورد الكلام والنزاع في باب الملازمة إذا كانت عقلية (2)، فلا يكون الأمر الغيري المتعلق بالمقدمة، منشأ لترشح الأمر الغيري الآخر بمقدمة المقدمة وهكذا. بل جميع المقدمات مصب الأوامر الترشحية من ذي المقدمة وإن كان بينها التقدم والتأخر والعلية والمعلولية، فالأمر الغيري المتعلق بالحج، مترشح من الأمر بالحج وإن توسط بينهما الأمر الغيري الآخر.


1 - تهذيب الاصول 1: 263. 2 - تقدم في الصفحة 181. (*)

[ 220 ]

أقول: هذا محذور يتوجه إلى القول: بأن معروض الوجوب قد يكون موصلة، وقد يكون مطلقة، فإنه عند ذلك يلزم ترشح الإرادة الغيرية إلى الموصلة، ويكون الحج خارجا، لأنه مقوم عنوان " الموصلة " ومحققه، لا موصوفه ومعروضه، فإن معروضه هي المقدمات، لا ذي المقدمة، فعليه لابد من أمر آخر ترشح إليه من النفسي. وأما إذا قلنا: بأن الموصلة معروض الوجوب مطلقا، فلابد من كون مورد النزاع أعم من الواجب الغيري والنفسي، أي أن البحث في أن مقدمة الواجب واجبة أم لا، أعم من كون الواجب المزبور نفسيا، أو غيريا، فإذا كان السير الموصل واجبا غيريا، وكان وصف " الموصلية " متقوما بالحج، ويكون الحج موصلا إلى ذلك الوصف، يكون هو أيضا معروض الوجوب، ولكن بوصف " الموصلية " وتحت هذا العنوان، فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين. ولا تتوهم: أن هذه الشبهة عين الشبهة الاولى، ضرورة أن من الممكن التزام أحد بإمكان اجتماع الواجبين، ولا يمكن لأحد أن يختار عدم اعتبار الغيرية بين معروض النفسي والغيري، كما عرفت فيما سبق (1). ومن العجيب ما في تقريرات السيد الوالد - مد ظله - من توهمه: " أن توقف وصف الموصلية إلى الصلاة، لا يستلزم تعلق الوجوب بها " (2) انتهى ! ! ولست أدري وجهه، لأن ملاك الترشح والوجوب إذا كان موجودا، فلا معنى لعدم تعلقه بها. فالحل ما عرفت منا: من أعمية المراد من الواجب في عنوان المسألة، فلا تغفل. نعم، إذا قلنا: بأن الملازمة المدعاة هي العقلائية، فيمكن دعوى عدم عروض


1 - تقدم في الصفحة 177 - 181. 2 - تهذيب الاصول 1: 263. (*)

[ 221 ]

الوجوب للصلاة والحج فيما نحن فيه، لعدم قيام الدليل عليه. ومنها: التسلسل (1)، بتقريب أن معروض الوجوب هي الموصلة، والمشتقات مركبة من الذات والوصف، وكل مركب ينحل إلى الأجزاء، فتكون الأجزاء واجبة بالغير، لدخولها - حسبما تقرر (2) - في محط النزاع، وإذا كانت الأجزاء واجبة بالغير، فلابد وأن تكون بقيد الإيصال، فكل جزء موصل إلى المركب الموصل إلى الواجب واجب، فرأس السلسلة أيضا يشتمل على عنوان مشتق منحل إلى الأجزاء وهكذا، فيلزم التسلسل المحال، لعدم إمكان توقف الإرادة الغيرية إلى حد معين. وكان ينبغي أن يجيب الميرزا النائيني (قدس سره) عن هذه الشبهة: بأن الأجزاء الداخلية خارجة عن محط النزاع، كما صرح به الطائفة الآخرون (3)، فلا يتوجه على مبناه إشكاله إلى " الفصول ". وتوهم: أن وصف " الموصلية " خارج كما عرفت فيما سبق، فاسد لماعرفت (4). وأما ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أن الواجب هي الموصلة إلى ذي المقدمة، لا الموصلة إلى المقدمة " (5) فهو أفسد، ضرورة أن التخصيص غير جائز بعد وجود الملاك. نعم على القول بالملازمة العرفية، فلا بأس به. والجواب: أن أجزاء المركب بوصف " الموصلية إلى المركب " واجبة، ولكن معروض الوجوب في الموصلة هي المنحصرة بالواحدة، كما عرفت منا، وعلمت أن ما هو الواجب الغيري هي المقدمة المنتهية إلى الواجب الموصلة بالفعل، أي الموصلة عند إرادة إتيان الواجب لا غير، فلا يكون المركب ذا أجزاء ومقدمات


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 290. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 15. 3 - تقدم تخريجه في الصفحة 18، الهامش 1. 4 - تقدم في الصفحة 205. 5 - تهذيب الاصول 1: 262. (*)

[ 222 ]

كثيرة موصلة، بل له مقدمة واحدة موصوفة ب‍ " الموصلة " هذا أولا. إذا عرفته فليعلم: أن الأجزاء بأسرها إذا كانت بوصف " الموصلية " واجبة، فهي لا تكون شيئا وراء المركب الموصل، لأن الأجزاء بالأسر هي المركب، كما مر في المباحث السابقة. فتمام الشبهة نشأت من تحليل المركب إلى القيد والمقيد، ومن تكثير المقدمة الموصلة، مع أن الموصلة بحسب الواقع واحدة، وهي في المركب نفس الأجزاء، فلا يلزم التسلسل. وبعبارة اخرى: إذا كان الحج واجبا، فمقدمته الموصلة واجبة، وإذا حللناها إلى الذات والوصف، فلا يكون كل واحد منها واجبا، لعدم كون كل واحد ذا ملاك، لا وحده، ولا بلحاظ قيد الإيصال: أما وحده، فهو واضح. وأما بلحاظ قيد الإيصال، فلما عرفت: من أن ما هو الموصل إلى المطلوب النفسي، لا يمكن أن يكون بحسب الواقع متعددا وإن كان بحسب الإمكان كثيرا، فإذن ينحصر بأن يكون الواجب شيئا واحدا، وهو عنوان " الموصل إلى الواجب النفسي، والمنتهي إليه " وهو بحسب الخارج هي الذات، وتصير متصفة بالموصلية بعد لحوق ذي المقدمة بها. وبعبارة ثالثة: الذات الموصوفة بالإيصال لو كان معروضة للوجوب، فلا يكون وصفها أمرا آخر غير الإيصال الأول الذي انحل عنوان " الموصلة " إليه وإلى الذات حتى يلزم التسلسل، وذلك لأن كل ما كان منتهيا إلى الواجب النفسي، هو معروض الوجوب، وهو الذات الموصلة بالفعل، فإذا انحلت إلى الذات والوصف، وقلنا: إن الذات الموصلة إلى الموصلة واجبة، فهي الواجب الأول، لا الثاني، لأن الواجب الأول لا لون له إلا عنوان " الذات الموصلة " فالتحليل إلى الكثير لا يستلزم

[ 223 ]

تعدد الأمر، فتدبر. ثم إن الوالد المحقق - مد ظله - دفعا لتقريب التسلسل أفاد تقريبا آخر. وإجمال ما أفاده: أن انحلال الموصلة إلى الذات والإيصال، وإن كان يقتضي كون الذات بوصف " الإيصال " واجبة أيضا، ولكن لا يمكن أن يقتضي كون الإيصال أيضا بوصف الإيصال واجبا، بل الإيصال واجب بذاته، وغيره واجب به (1)، انتهى. وهذا هو ما قيل: " إن كل شئ موجود بالوجود، والوجود موجود بذاته، وإلا لتسلسل " ولا يعقل اعتبار الإيصال العرضي والوصفي للإيصال، فالإيصال موصل بذاته، وهذا مصداق بسيط للمشتق، فلا ينحل كما تقرر (2). وبعبارة اخرى: الذات تنقسم لما هي مطلقة، وموصلة، فلابد وأن يكون معروض الوجوب هي الموصلة، ولكن الإيصال لا ينقسم إلى المطلقة والموصلة، بل الإيصال موصل على الإطلاق، فلاتسلسل. وهذا جواب متين في تلك الناحية، وأما المعضلة فهي باقية في الناحية الاخرى، والجواب ما عرفت. ومنها: أن الإيصال إما يكون قيد الهيئة، فيكون الوجوب مترشحا بعد تحقق المقدمة وذي المقدمة، وهذا محال، لامتناع الترشح بعد انتفاء سببه، وهذا هو تحصيل الحاصل. وتوهم: أنه شرط الشبهة بنحو المتأخر وإن كان ممكنا عقلا، ولكن العقل في هذا المقام يجد وجود الملازمة من غير انتظار أمر، فلا يكون اتصاف المقدمة بالوجوب مشروطا بالمتأخر، بحيث يكون المتأخر شرط الوجوب. وإما يكون قيد المادة والواجب، وعند ذلك فإن كان السبب المنتهي إلى ذي


1 - تهذيب الاصول 1: 262. 2 - الحكمة المتعالية 1: 40. (*)

[ 224 ]

المقدمة من الأسباب التوليدية، فهو يمكن اتصافه ب‍ " الموصلية " إلا أن ما هو الواجب - بحسب اللب والحقيقة - هو السبب، فإنه تحت الاختيار، فيلزم اجتماع النفسي والغيري، وكون ما هو المقدمة عين ما هو الواجب النفسي، وهذا أيضا محال. وإن كان السبب المقدمات المتسلسلة المنتهية إلى الوجوب، لا يكون من التوليديات، فهو أيضا لا يتصف ب‍ " الموصلية " فيكون - بناء على هذا - قول " الفصول " و " المعالم " واحدا، بل وقول من يقول بالمقدمة السببية دون غيرها، ولا يلتزم به أرباب القول بالموصلة. أقول: هذا ما يستظهر من العلمين صاحبي " الكفاية " (1) و " التقريرات " (2) وهو في غاية الضعف، ضرورة أن وصف " الموصلية " ثابت من الأول لأول الأجزاء، وللمقدمات التي - بحسب الواقع - تنتهي إلى الواجب، وإن كان بحسب الإثبات غير معلوم لنا وللمكلف. هذا وسيأتي مزيد بيان حول ذلك (3)، فانتظر وتأمل. وأما إرجاع الوجوب المتعلق بالمسبب إلى السبب التوليدي، فهو من الأمر الواضح فساده، كما مر مرارا (4)، وسيأتي في محله مزيد توضيح، ضرورة أن اختيارية السبب كافية لجعل الوجوب على المسبب، ولاستحقاق العقاب عليه، كما لا يخفى. وفيما مر - بتقريب منا - في تقريب الشبهة إشكالات اخر، ولا حاجة إلى ذكرها. ومنها: ما مر من " الكفاية " بتقريب منا: وهو أن وجه وجوب المقدمة، هو توقف القدرة على إتيان الواجب عليها، والقدرة على الإتيان بالواجب موقوفة على


1 - كفاية الاصول: 145 - 146. 2 - أجود التقريرات 1: 237 - 238. 3 - يأتي في الصفحة 232 وما بعدها. 4 - تقدم في الصفحة 16. (*)

[ 225 ]

المطلقة، لا الموصلة، لعدم تخلل القدرة بين الموصلة وذي المقدمة، فلابد - على هذا - أن يكون معروض الوجوب، ما يتخلل بينه وبين ذي المقدمة القدرة عليه. وبعبارة اخرى: لابد وأن لا يلزم من تحقق المقدمة، خروج ذي المقدمة عن تحت اختيار العبد، وهذا ينحصر بالمطلقة (1). والجواب: أن تخلل القدرة ليس شرطا، بمعنى أنه لا يلزم أن يفرغ المكلف من المقدمة الواجبة، وفي نفس الوقت لم يأت بذي المقدمة، بل الشرط هي القدرة على ذي المقدمة بالقدرة على المقدمة، وهو حاصل في الموصلة، وإلا يلزم أن يختص الوجوب بغير الموصلة، لا بالجامع بينها والمطلقة. وغير خفي: أنه وإن كان لا يستفاد من كلامه ذلك، إلا أن مقتضى تقريبه لإيجاب المطلقة ذاك، فليتدبر. ومنها: أنه لو كانت الموصلة واجبة، للزم كون الإرادة في نوع الواجبات - إلا ما شذ منها - مورد الإيجاب الغيري، والالتزام بوجوب الإرادة التزام بالتسلسل، فمن القول بوجوب الموصلة يلزم التسلسل، ولكنه بتقريب آخر، وفي مورد آخر. أقول: هذا ما يستظهر من " الكفاية " (2) ولابد وأن نقول: لا يخرج منه الواجبات التوليدية أيضا، فالاستثناء المزبور غير صحيح، لأن الإحراق إذا كان واجبا، فالموصل إليه هو إرادة الإلقاء ونفس الإلقاء، فيكون في التوليديات أيضا معروض الوجوب منبسطا على الإرادة، ووجوبها يستلزم التسلسل، وذلك لأن الإرادة الواجبة، تحتاج إلى الإرادة في تحققها، وهكذا الثانية إلى الثالثة، فيتسلسل. والجواب أولا على مبنى القوم: أن الإرادة الاولى داخلة في معروض الوجوب، دون الثانية، لأن الاولى موصلة إلى الواجب، والثانية إلى المقدمة،


1 - كفاية الاصول: 149 - 150. 2 - كفاية الاصول: 145 - 146. (*)

[ 226 ]

فلاتجب. ولكنه عندنا غير تام كما مر. وثانيا: قد تقرر منا في مباحث الطلب والإرادة: أن الإرادة اختيارية، ويتعلق بها التكليف، كما في إرادة إقامة عشرة أيام، وهي توجد بإرادة ذاتية تتصدى لها النفس، من غير حاجة إلى الإرادة الفعلية (1)، وإن كان في تسميتها " إرادة ذاتية " إشكال، ولكن اختياريتها كان على أقسام. وغير خفي: أن " الكفاية " وأكثر الأصحاب، قائلون: بأن مثل الإرادة ليس متعلق الأمر الغيري، حتى فيما كان معروض الوجوب المقدمة المطلقة، لأنها علة تامة أو الجزء الأخير من العلة التامة، والعلل التامة خارجة - عند كثير منهم - عن حريم النزاع في مبحث وجوب المقدمة (2)، فلا يتوجه إليهم هنا إشكال آخر وراء ما اختاروه من المبنى الفاسد، وهو خروج مثلها عن محط الكلام في المقام. ومنها: ما عن العلامة الخراساني (رحمه الله) أيضا: " من أن الإتيان بالمقدمة المطلقة إما يستلزم سقوط الأمر المقدمي، فهو المطلوب، أو لا يستلزم، ويكون باقيا، فهو خلاف الوجدان، لأن المأتي به وافق المأمور به " (3). وأنت خبير: بأن المأتي به يوافق المأمور به، إذا كانت المطلقة مورد الأمر، لا الموصلة، فدعوى " الكفاية " ترجع إلى أن الوجدان حاكم بأن المطلقة واجبة، وهذا ليس إشكالا ومحذورا في المسألة، كما لا يخفى. ومنها: وهو آخرها، ولعله أصعبها: وهو أن ما هو الواجب فيما فرضناه، هو عنوان " الموصلة " ولا شبهة في أن " الموصلة " من العناوين المضايفة لعنوان آخر في التصور، ك‍ " الفوقية والتحتية، والعلية والمعلولية " ففي مقام الجعل يتصور المولى


1 - تقدم في الجزء الثاني: 64 - 66. 2 - كفاية الاصول: 146. 3 - كفاية الاصول: 146. (*)

[ 227 ]

واجبه النفسي كالحج، ويعلق الوجوب عليه، ثم يتصور الموصلة إلى الحج، ولا يمكن أن يتصور الموصلة على الإطلاق، فإذا تصور الموصلة إلى الحج يعلق عليها الوجوب الغيري، فيكون الواجب عنوان " الموصلة إلى الحج " مثلا، وهذا مما لا محذور فيه في عالم الذهن واللحاظ. وإنما المحذور في عالم التطبيق والخارج، وذلك أن الخطوة الاولى بحسب الخارج، لا يمكن أن تكون مضافة إلى الحج الخارجي، لعدم وجود للحج بعد، فلاتوصف ب‍ " الموصلية " فعلا وإذا تحقق الحج لا بقاء لذات الخطوة حتى توصف ب‍ " الموصلية " بعد ذلك. وبعبارة اخرى: وصف " الموصلية " متقوم بالمتقدم الزماني، والمتأخر الزماني، ولا يعقل اجتماعهما في زمان واحد، ولا يكفي لحاظ المتأخر في توصيف الخطوة ب‍ " الموصلية إلى الحج " ففيما تحققت الخطوة، لا تحقق للحج حتى يمكن توصيفها ب‍ " الموصلية " وفيما يتحقق الحج لا بقاء للخطوة حتى يمكن التوصيف، لأن المعدوم لا يوصف بشئ، ولا يمكن أن يكون دخيلا في توصيف الخطوة بشئ. فبالجملة: المتضايفان متكافئان قوة وفعلا، ولا شبهة في أن بين وصف " الموصلية " في المقدمة ووصف " المتوصل إليه " في ذي المقدمة تضايف، وبين ذاتيهما ترتب زماني خارجي، فكيف يعقل اتصاف المتقدم بالوصف فعلا مع عدم وجود الطرف المتأخر في هذا الزمان ؟ ! وفيما يوجد الطرف - وهو الحج - لا بقاء للمتقدم. نعم، لو كانت المقدمة وذو المقدمة، من الأسباب والمسببات التوليدية، فيمكن توهم الاتصاف بالفعل. ولكنك أحطت خبرا: بأن إرادة الإلقاء بالنسبة إلى الإحراق، ليست من

[ 228 ]

الأسباب التوليدية، وهي إن كانت حاصلة فالإلقاء حاصل، وبعده الإحراق، وإن كانت غير حاصلة، فتكون داخلة في محط الوجوب الغيري، فالتصور المزبور غير ممكن تحققه خارجا، فإن بين الإلقاء والإحراق وإن لم يكن ترتب وجودي، لكونهما معا في الوجود، ولكن بين إرادة الإلقاء والإحراق ترتب وجودي، وتخالف في الوجود. هذا، ولكن قد مضى منا: أن الإلقاء إذا كان في عالم العنوان غير الإحراق، يكون محط الأمر الغيري، وداخلا في مصب النزاع، ويكفي لذلك ترتبهما العقلي، فإنه صحيح أن يقال: " ألقاه فأحرقه " فلا تغفل. والذي هو الجواب عن هذه العويصة: هو أن مسألة معروض الوجوب الغيري، مسألة عقلية صرفة، فلابد من مداخلة العقل في ذلك، فيكون حسب إدراكه عنوان " الموصل " عند إرادة الفعل، أوعنوان " المنتهي إلى الواجب " معروضه، لاغير. وأما مسألة اتصاف السير والخطوات ب‍ " الموصلية إلى الواجب بالفعل " من أول وجودها، إذا كان بحسب الواقع ينتهي العبد بها إلى المطلوب النفسي - وبعبارة اخرى: مسألة تطبيق معروض الوجوب على الخارج - فهي ليست عقلية، بل هي عرفية وعقلائية، لأن معروض الوجوب الشرعي المستكشف بالعقل، عنوان من العناوين، كسائر العناوين المأخوذة في التشريعات النفسية والغيرية، فكما هناك متبع فهم العرف في اتصاف العمل الخارجي ب‍ " الصلاة، والصوم، والوضوء، والغسل " كذلك الأمر هنا، فاتصاف هذه الخطوة ب‍ " الموصلية " بنظر العرف، وهو بلا شبهة ناهض على ذلك: إما لما يجد أن ذا المقدمة حاصل. أو يجد بعد تحققه بقاء الخطوة في نظره العرفي، فيصح التوصيف. والشاهد على هذه المقالة: عدم توجه أرباب الدقة والفضل إلى هذه

[ 229 ]

المعضلة، وما كان ذلك إلا لأجل بعده عن الأفهام العلمية، فضلا عن السوقية، فليغتنم. المبحث الثالث: في ثمرة القول بوجوب المطلقة، أو الموصلة، أو ما قصد به التوصل وهكذا وحيث إن الأقوال في معروض الوجوب كثيرة، فلابد من ملاحظة ثمرة كل قول مع القول الآخر. مثلا: هل للقول بوجوب المقدمة المطلقة، ثمرة حذاء سائر الأقوال، أم لا ؟ وهل للقول بوجوب المقدمة حال الإيصال، ثمرة مقابل سائر الأقوال، أم لا، وهكذا ؟ والأصحاب (رحمهم الله) ذكروا ثمرة واحدة أو ثمرتين للقول بوجوب المطلقة والموصلة، ولم يذكروا أو لم يلاحظوا هذه الجهة في هذا الموقف، وإن كان يستظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) ثمرات لمقالته مقابل المقدمة المطلقة (1). والأمر بعد ذلك سهل، ونشير إلى ذلك في أثناء البحث: الثمرة الاولى: وهي أهمها، أن الإزالة إذا كانت واجبة، وكانت أهم من الصلاة في المسجد، كما في وسع الوقت، تكون الصلاة محرمة وباطلة على القول بوجوب المطلقة: أما أنها محرمة، فلأجل أن ترك الصلاة مما يتوقف عليه فعل الإزالة، فيكون هو واجبا غيريا، وإذا كان هو واجبا غيريا، ففعل الصلاة الذي هو ضده العام، يكون


1 - مطارح الأنظار: 72 / السطر 17. (*)

[ 230 ]

مورد النهي، لأن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام على المشهور بينهم (1)، فيكون محرما. وأما بطلانها، فلأن النهي عن العبادة يستلزم بطلانها، لما تقرر في محله (2)، فتكون باطلة. هذا، وأما على القول بمقالة " المعالم " والشيخ، وصاحب " الفصول " وعلى ما اخترناه، فلا وجوب لترك الصلاة، لأن ما هو معروض الوجوب هو الترك الخاص المنتهي إلى فعل الإزالة، أو الترك حال الإيصال، أو الترك عند إرادة إتيان الواجب، أو الترك إذا قصد به إزالة النجاسة عن المسجد، لا مطلق الترك المورث لتمكن العبد من الإزالة، وإن كان مشغولا بفعل آخر غير الصلاة والإزالة. إن قلت: يمكن تحليل هذه الثمرة إلى ثمرتين: إحداهما: أن وجوب الترك يستتبع الحرمة التكليفية. ثانيهما: أنه يستتبع الحرمة الوضعية، ولولا الحرمة التكليفية يشكل القول بالحرمة الوضعية، وذلك لأن النهي عن العبادة لا يجتمع مع الأمر بها، فإذا لم تكن هي مأمورا بها، فتكون محرمة تشريعا. قلت: إذا كان الوجوب المتعلق بالترك - أي ترك الصلاة - غيريا، فكيف يعقل كون النهي عن ضده نفسيا ذاتيا ؟ ! فتلك الحرمة ليست إلا إرشادا إلى الفساد، على إشكال، بل منع ذكرناه في محله: من أن مطلق النهي لا يدل على الفساد. اللهم إلا أن يقال: بأن النهي المزبور إذا كان غير مجامع للأمر بالصلاة، يستتبع سقوط الأمر، وإذا كان الأمر ساقطا تحرم الصلاة، لأجل الملازمة القهرية بين


1 - يأتي في الصفحة 305 وما بعدها. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 337 وما بعدها. (*)

[ 231 ]

الحرمة وعدم الأمر في العبادات. ولكنه ليس ثمرة على حدة، بل أثران مترتبان بناء على تمامية هذه المقدمات، وليس كل واحد في عرض الآخر، لتلازمهما. فعلى المقدمة المطلقة يعاقب تارة: لترك الإزالة والفور، واخرى: لإتيانه الصلاة غير المشروعة مع أنها باطلة ومع سائر المقالات لا يعاقب إلا مرة واحدة، وتصح صلاته. إن قلت: تمامية هذه الثمرة موقوفة على تمامية المقدمات الكثيرة التي كلها غير تامة عندنا، فإنه كما لا يكون الأمر بالشئ مقتضيا للنهي رأسا وأصلا، لا يكون نهيه مورثا للفساد أيضا، ولايكون الصلاة بدون الأمر باطلة، وهكذا، فكيف يعد مثل ذلك ثمرة في هذه المسألة. قلت: لاتتقوم الثمرة بكونها مورد التصديق لكل أحد، بل ثمرة المسألة الاصولية، هي كونها قابلة لأن يترتب عليها تلك الثمرة عند طائفة، وإن لم تكن مترتبة عند اخرى، لتقومها بالمباني الاخر المخدوشة لديهم، فلاينبغي الخلط كما خلطوا في كثير من المقامات. وغير خفي: أن هذه المسألة اصولية، لاشتراكها مع غيرها في الجهة التي بها تكون المسائل اصولية، ويستنتج منها المسألة الفقهية بالإمكان، ولا يشترط في الاصولية الاستنتاج الفعلي، كما عرفت. تنبيه وإرشاد: لانحتاج في تتميم هذه الثمرة إلى التمسك، بأن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام ونقيضه، وإلى التمسك بأن النهي عن العبادة يورث الفساد، حتى يشكل كل ذلك، بل يكفي في المسألة كون الأمر الغيري بترك الصلاة، غير قابل لأن يجتمع مع الأمر النفسي بالصلاة، ضرورة امتناع كون الشئ ونقيضه مأمورا بهما، فإذا كان الترك واجبا، فلابد وأن تكون الصلاة بلا أمر،

[ 232 ]

فتكون هي باطلة، للحاجة إلى الأمر في صحتها، أو انكشاف حسنها، ويعاقب على فعلها، للتشريع. نعم، يمكن تصحيح الصلاة بوجه آخر يسمى ب‍ " الترتب " ولكنه فاسد على مسلكنا. فعلى مسلك المشهور من بطلان العبادة بلا أمر يترتب الثمرة المزبورة من غير إمساس الحاجة إلى تلك المباني. وغير خفي: أن ما أورده الشيخ على ما في ذيله كما يأتي، مبني على كون الصلاة باطلة لأجل النهي، فإذا صح ما قلناه سقط إيراده، ولا يحتاج إلى الجواب، فتدبر. إيقاظ: لو قلنا: بأن الواجب هو عنوان " الموصلة " الأعم من الموصلة بالفعل أو بالقوة، كما هو ظاهر القائلين بالموصلة، فإنهم يقولون: بأن تارك الواجب النفسي مأمور بالأمر الغيري المتعلق بالموصلة، ويقولون: بأن الموصلة تتعدد، ولا تكون منحصرة دائما في الواحدة، فلنا أن نقول: ببطلان الصلاة على هذه الموصلة، لأن ما هو الواجب ومعروض الوجوب، هو ترك الصلاة وإرادة فعل الإزالة، فيكون المحرم والمنهي فعل الصلاة وعدم الإرادة، فإذا ترك فعل الإزالة، واشتغل بالصلاة، فقد أتى بالمحرم والمنهي عنه، وهو الصلاة وعدم إرادة الفعل الإزالي، فتكون باطلة. فما أفاده الشيخ الأعظم: من إنكار الثمرة (1)، قابل للتوجيه، كما يأتي تفصيله. نعم، على ما سلكناه إذا ترك فعل الإزالة، لا يستكشف وجود الأمر الغيري حتى يتعلق بالترك، وحتى يزاحم أمر الصلاة، فعليه تكون الصلاة صحيحة، لبقاء أمرها على حاله، أو حتى يقال: بأنه يقتضي النهي عن ضده، فيقتضي الفساد، فافهم واغتنم.


1 - مطارح الأنظار: 82 - 83. (*)

[ 233 ]

ولا يخفى: أن المحكي من عبارة " الفصول " هنا، يدل على أنه (قدس سره) أراد من " الموصلة " ما اصطلحنا عليه، وهي المنتهية، أي الموصلة بالمعنى الأخص، فراجع كتابه (1). وهم ودفع: ربما يقال: إن الصلاة في مفروض المسألة باطلة، لضديتها مع الإزالة، ولا يمكن الجمع بينهما، فيسقط أمرالمهم فتبطل، لكفاية عدم الأمر في بطلانها. وفيه: أن الثمرة لا تنتفي بذلك، لما يمكن دعوى صحة الصلاة لأجل الترتب، أو لأجل إمكان لغوية الأمرين الفعليين العرضيين، فمجرد بطلانها على مسلك، لا يورث سقوط الثمرة من المسألة، فلا تخلط. إعضال وانحلال: قد ذكر الشيخ الأنصاري (قدس سره) على ما نسب إليه في تقريرات جدي العلامة (قدس سره): أن الصلاة في مفروض المسألة باطلة، وإن قلنا بصحة جميع المباني المترتبة عليها تلك الثمرة، فإن الإشكال - بتقريب منا - في تلك المباني، لا يستلزم سقوط ثمرة المسألة، لما أن طائفة اعتقدوا بتلك المباني، وهذا يكفي، وذلك لأن نقيض ترك الصلاة الموصل، ليس الصلاة، بل نقيضه ترك الترك الخاص، لأن نقيض كل شئ رفعه، وإذا كان المرفوع خاصا ومقيدا فنقيضه أعم، لما تقرر من أن نقيض الأخص أعم (2)، فإذن يكون المنهي عنه عنوانا كليا ذا فردين: أحدهما: الصلاة. والآخر: هو الترك المطلق والمجرد. فكما أن فيما كان الواجب هو الترك المطلق، يكون نقيضه - وهو ترك الترك - حراما ومنهيا عنه، وهو متحد مع الصلاة، وتكون الصلاة باطلة، كذلك فيما كان الواجب هو الترك الخاص، فإن نقيضه - وهو ترك الترك الخاص - منطبق على


1 - الفصول الغروية: 86 / السطر 15 - 20. 2 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 19 / السطر 8 - 10. (*)

[ 234 ]

الصلاة، وتكون الصلاة من أفراده، فهي باطلة، لاتحاد الكلي ومصداقه (1). وقد أورد عليه العلامة الخراساني (رحمه الله): " بأن الحرمة والنهي فيما كان المنهي عنه عنوان ترك الترك الخاص، لا يسري إلى الصلاة، لأن حرمة الشئ لا تسري إلى ما يلازمه، فضلا عن مقارناته " (2). فكأنه (رحمه الله) ظن أن الملازمة تكون بين المنهي عنه والمأتي به، والاتحاد العيني لازم في فساد المأتي به، وهو هنا منتف. وقد تعرض الوالد المحقق - مد ظله - (3) لجميع ما في كلامه هنا صدرا وذيلا، وأوضح مفاسد مرامه بما لا مزيد عليه، فمن شاء فليراجع. وعلى كل تقدير: لا يمكن المساعدة على ما أفاده، ضرورة أن الكلي المنهي - وهو عنوان ترك الترك الخاص - عين عنوان ترك الترك المطلق، فلو كان يكفي للبطلان الثاني فيكفي الأول. ولا وجه لتوهم الفرق بينهما بعد إقراره بأن نقيض كل شئ رفعه (4). وبعبارة اخرى: ليس عنوان المنهي عنه مفارقا لعنوان الصلاة خارجا إلا عند انتفاء موضوعه، وهي الصلاة، وهذا لا يستلزم عدم السراية، فلو كان يمكن تحقق الصلاة ولا ينطبق عليها عنوان المنهي عنه كان... (5) هو الأعم والأخص المطلق وعدم السراية مخصوص بما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه. وينحل إعضال الشيخ (قدس سره): بأن ما اشتهر: " من أن نقيض كل شئ رفعه، من


1 - مطارح الأنظار: 78 / السطر 21 - 33. 2 - كفاية الاصول: 151 - 152. 3 - تهذيب الاصول 1: 271 - 272. 4 - كفاية الاصول: 151. 5 - سقط من المخطوط نحو سطر هنا. (*)

[ 235 ]

الأغلاط، ضرورة أن التناقض من أحكام القضايا، ورفع الشئ من الأحكام التصورية، كقولنا: " زيد " و " لازيد " مما يعتبر فيه تقابل الإيجاب والسلب. فإذن يكون معنى التناقض، اختلاف القضيتين في الكيف، بعد الاتحاد في الامور المعروفة المحررة البالغة إلى التسعة أو الثمانية، بحيث يلزم من صدق كل كذب الاخرى، فالصلاة وتركها من المتقابلين سلبا وإيجابا، فلا معنى لأخذ النقيض من ترك الصلاة، وهو ترك الترك. كما لا معنى لما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أن نقيض كل شئ رفعه، أو مرفوعه " (1) لأنه وإن كان كذلك، إلا أنه أجنبي عن موضوع الأحكام الشرعية التي هي امور تصورية، لا تصديقية. فبالجملة: يسقط جميع ما أفاده القوم، وحرره الوالد - مد ظله - تفصيلا حول التناقض في هذه المسألة (2)، فافهم واغتنم. فعلى ما تقرر إلى هنا: إن الترك الواجب يقتضي النهي عن ضده العام، وهو مقابله، لا نقيضه، ومقابله هو فعل الصلاة، وإلا يلزم أن لا يكون لأحد المتقابلين مقابل، فإنه لو كان ترك الصلاة مقابله ترك الترك، فلا يكون بين فعل الصلاة وتركها مقابلة. مع أن عنوان المقابل من المتضايف المتكررة فيه النسبة، فلابد وأن يكون الصلاة مقابله، لا ترك الترك. نعم، على القول بوجوب الموصلة، يكون مقابل ترك الصلاة الموصل، ترك هذا الترك، لا فعل الصلاة، فيحتاج في بطلانها - على هذا المبنى - إلى انضمام أمر آخر، وهو أن النهي المتعلق بالعنوان الأعم من الصلاة عموما مطلقا، يورث البطلان،


1 - تهذيب الاصول 1: 270 - 271. 2 - تهذيب الاصول 1: 271 - 274. (*)

[ 236 ]

كما اشير إليه وتحرر. وأما ما أفاد الوالد - مد ظله -: " من أن نقيض كل شئ واحد، فيكون نقيض الترك الخاص، ترك الترك الخاص بعنوانه الوحداني، فلا يكون الصلاة نقيضه، وإلا يلزم كون الترك المجرد نقيضه الآخر " (1) فهو في حد ذاته صحيح، إلا أن فيما نحن فيه، يستلزم تعلق النهي بعنوان الترك المزبور، بطلان الصلاة، لما تقرر عند طائفة من سراية النهي من الكلي إلى مصداقه. وتوهم: أن الصلاة لا يعقل أن تكون مصداق الترك الخاص، في محله، لما أن الصلاة لا تكون عقلا مصداق إحدى المقولات، لأنها اعتبارية، إلا أنه لا يلاحظ في محيط التشريع تلك الدقة، فهي مصداق الترك عرفا، فلو صح ما قيل من السراية، يمكن إبطال الصلاة، لأجل ذلك، فلا تغفل. فما هو المهم في الجواب: هو أنه إذا كان معروض الوجوب هو الترك الموصل، فعند الاشتغال بالصلاة، أو عند الاشتغال بغيرها، يستكشف عدم هذا الوجوب الغيري، فلا يبقى وجه لإبطالها، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: إذا كان ما هو الواجب هو الترك الموصل، فإن اشتغل المكلف بالإزالة، يكون الترك المزبور معروض الوجوب في ظرفه، ويعلم ذلك بعد ذاك. وإن لم يشتغل المكلف بحسب الواقع بالإزالة، أو اشتغل بفعل آخر، فلايترشح الوجوب إلى الترك الموصل، سواء قلنا: بأن نقيض كل شئ رفعه، أو رفعه ومرفوعه، أو قلنا: بأن الترك متحد مع ما في الخارج، أو غير متحد، أو غير ذلك من المقالات المسطورة في الكتب المفصلة، فإن كل هذه المقالات لا تفي بشئ، بعد كون الاشتغال بغير الإزالة، كاشفا عن عدم ترشح الإرادة الثانية والوجوب الغيري إلى شئ.


1 - تهذيب الاصول 1: 271. (*)

[ 237 ]

وإن شئت قلت بالتفصيل: وهو أنه إن قلنا بالموصلة، وقلنا: بأن نقيض كل شئ رفعه، فتبطل على كل تقدير. وإن قلنا بالمنتهية - حسب اصطلاحنا - فهي صحيحة، سواء قلنا: بأن نقيض كل شئ رفعه، أو هو ومرفوعه، فافهم واغتنم. شبهة وإزاحة كما يمكن أن يقال: ببطلان الصلاة على جميع المسالك في المقدمة، فتسقط الثمرة، يمكن توهم صحة الصلاة أيضا، لا من ناحية الإشكال في بعض المباني السابقة التي ابتنيت الثمرة عليها، بل من نواح اخر: الاولى: أن ترك الصلاة واجب، ونقيض هذا هو ترك الترك، وهو حرام ومنهي عنه، ولا معنى لبطلان الصلاة بانطباق عنوان آخر عليها، لأن المنهي عنه أمر خارج عنها، وينطبق عليها، وما هو يورث الفساد والحرمة هو النهي المتعلق بعنوان العبادة، لا بالعنوان المنطبق عليها. والجواب ما عرفت: من أن مسألة التناقض مخصوصة بالقضايا، والتقابل ثابت بين الترك والفعل، كما مر. الثانية: لو سلمنا جميع المباني السابقة، فلنا الإشكال في بطلانها على جميع المسالك والأقوال: وهو أن ما هو المأمور به بالأمر الغيري، هو عنوان " الموقوف عليه " سواء قلنا بالمقدمة المطلقة، أو الموصلة، أو المنتهية، ولايكون ذات المقدمة مورد الأمر. فعلى هذا يكون النهي متعلقا بضد هذا العنوان، أي مقتضى الأمر الغيري وجوب إيجاد ما يتوقف عليه الإزالة، وهو ترك الصلاة، ومقتضى النهي حرمة ترك ما يتوقف عليه الإزالة، وهو الصلاة، فكيف تسري الحرمة إلى الصلاة حتى تكون باطلة لعدم تعلق النهي بها ؟ ! وأما كونها مصداق المنهي عنه، أو محقق العصيان، فهو لا يورث البطلان من

[ 238 ]

ناحية النهي في العبادة، بل هو لو استلزم البطلان فهو لأجل الأمر الآخر الذي فيه الخلاف. وبعبارة اخرى: لا يمكن تتميم هذه الثمرة على الوجه المحرر في كتب القوم من التمسك بالنهي المتعلق بالعبادة (1)، ونحتاج لإثبات الفساد والحرمة إلى التمسك بالجهة الاخرى في المسألة، كما لا يخفى. أقول أولا: ظاهر " الكفاية " (2) وصريح بعض آخر (3) " أن مصب الأمر الغيري هي ذات المقدمة، لا العنوان المزبور " فإذن تصير الصلاة منهية، لأن المأمور به هو تركها. نعم، بناء على القول: بأن معروض الحرمة هو ترك ما يتوقف عليه الإزالة، كان لهذه الشبهة وجه، فلا يسقط الثمرة رأسا. وثانيا: على القول بالمقدمة المطلقة، يكون مصداق المنهي عنه منحصرا بالصلاة، وهذا يورث الفساد، بخلاف ما إذا كان المصداق متعددا، كما على القول الآخر، فليتدبر. ويمكن أن يقال: بأن المحرم عنوان، والواجب هي الصلاة، وهي عنوان آخر، ولكن بين العنوانين إذا كان عموم من وجه، يمكن الالتزام ببقاء الأمر والنهي، وترشح الإرادتين. وأما إذا كان بينهما التساوي، أو العموم والخصوص المطلق، فلا يمكن ذلك، كما تحرر في مباحث اجتماع الأمر والنهي، فلا يمكن تصحيح الصلاة بعد أهمية الإزالة منها - كما هو المفروض - إلا على القول بالموصلة بالمعنى الأخص، فإنه بالاشتغال بالصلاة يكشف عدم وجود الأمر الغيري من الأول.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 296، تهذيب الاصول 1: 270. 2 - تقدم في الصفحة 184. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 285 - 286. (*)

[ 239 ]

اللهم إلا أن يقال: بأن الأمر الغيري واحد وإن كانت الأوامر النفسية كثيرة، وذلك لأن المولى لا يترشح منه عند كل واجب نفسي، أمر غيري مخصوص به، بل هو أوجب ما يتوقف عليه واجبه، فتكون النسبة بين ما أوجبه بالأمر الغيري - وهو عنوان " ما يتوقف عليه الواجب " - وبين الصلاة عموما من وجه، فتصير الصلاة صحيحة عند القائلين بالاجتماع، فافهم واغتنم. فبالجملة: بناء على كون معروض الوجوب أحد العنوانين: " الموقوف عليه " أو " الموصلة " فالنهي يتعلق بترك العنوان المزبور، وهو ينطبق على الصلاة خارجا وإن كان المعروض ذات المقدمة، وهو ترك الصلاة، فالمنهي عنه هي الصلاة على المقدمة المطلقة، لما تقرر: من أن الصلاة تقابل تركها، وتكون منهيا عنها (1). وأما على المقدمة الموصلة، فالمنهي عنه ليس عنوان " الصلاة " لأن المأمور به هو الترك المقيد، والعدم المقيد ليس مقابله الوجود المطلق، بل مقابله عدم هذا الترك المقيد، فلا يتعلق النهي بالصلاة. مع أنه إذا كان يشتغل بالصلاة، يكشف عن عدم وجود الأمر الغيري رأسا، فلا نهي، فلا فساد. فعلى هذا، يشكل القول بفساد الصلاة على القول: بأن معروض الوجوب هو الموصلة، سواء قلنا: بأن معروضه ذات المقدمة الموصلة، أو قلنا: بأن معروضه هو العنوان. اللهم إلا أن يقال: بأن مقابل ترك الصلاة الموصل، ليس ترك هذا الترك، بل هي الصلاة المزاحمة للإيصال، فيكون النهي متعلقا بالصلاة المزاحمة له، فتصير باطلة، وذلك لأن مقابل المقيد وإن لم يكن الوجود المطلق، ولكنه يكون الوجود المقيد، لا عدم ذاك الترك المقيد، لما عرفت من اقتضاء مفهوم " التقابل " تكرار النسبة الإضافية لطرفيها.


1 - تقدم في الصفحة 234 - 236. (*)

[ 240 ]

وفيه: أنه غير تام، لإمكان ارتفاعهما، مع أن المتقابلين بالسلب والإيجاب لا يرتفعان، وذلك لأن الترك المجرد والجلوس في المسجد، ليس بصلاة، ولا بترك موصل إلى فعل الإزالة، فلا يقاس هذا بعدم زيد في السوق، فإن مقابله " زيد الذي في السوق " لاتصاف زيد بالسوق في الحالتين، بخلاف الصلاة، فإنها لاتوصف ب‍ " الموصلية " في حالتي العدم والوجود، أي عدمها يوصف، ولكن وجودها لا يوصف. وتوهم: أن مقابل ترك الصلاة الموصل، هي الصلاة واللاموصل (1)، فاسد، لأن مقابل كل شئ شئ واحد، فمقابل السلب الواحد الإيجاب الواحد وبالعكس، وإلا يلزم الارتفاع، فيكون على هذا يقابل ترك الصلاة، هي الصلاة، ومقابل ترك الصلاة الموصل، ترك هذا الترك. إذا تحرر ذلك، فالبطلان على المطلقة واضح، وعلى الموصلة نحتاج إلى ضم مقدمة اخرى غير المقدمات المشتركة بينهما: وهي أن النهي المتعلق بالعنوان الأعم من عنوان العبادة عموما مطلقا، يستلزم فسادها، فليتأمل جيدا. الثالثة: لو سلمنا أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام، وهذا النهي يقتضي الفساد، ولكن هنا دقيقة يشكل معها ذلك، لأجل أن النهي إن تعلق بعنوان " الصلاة " فيكون إرشادا إلى البطلان، ولكنه إن تعلق بعنوان " الترك " فلا يكون إلا تحريما نفسيا، لعدم وجه للقول بفساد الترك، فلابد من التمسك بأن النهي يورث الحرمة التكليفية، وهي تدل على الفساد. وهذا محل منع من جهتين: الاولى: أن دلالة النهي التحريمي على الفساد قابلة للمناقشة - كما يأتي في محله - حتى في العبادات. الثانية: لا معنى لكونه نهيا تحريميا، لأن هذا النهي مولود الأمر الغيري،


1 - مطارح الأنظار: 78 / السطر 27. (*)

[ 241 ]

فكيف يعقل كونه نفسيا ؟ ! هذا مع أن حرمة ترك الترك تكليفا، لا تستلزم فساد الصلاة، فتكون المسألة مندرجة في المتزاحمين، لأن الصلاة واجبة، وترك الترك حرام، والعبد لا يتمكن من امتثالهما. والجواب ما مر: من أن ترك الترك ليس ضده العام، بل الصلاة ضده العام، فتكون هي منهية، وليس النهي مولويا، بل هو إرشاد إلى فسادها واعتبار شرط فيها، وهو عدم كونها مزاحمة بالأهم، فافهم. إرشاد وإيقاظ بناء على اقتضاء الأمر بالشئ النهي عن ضده العام، يمكن دعوى انحلال هذا النهي إلى النواهي، فعلى هذا إذا كان متعلق الأمر الغيري، ترك الصلاة الموصل، فمتعلق النهي ترك هذا الترك الخاص، وهو ينحل إلى نهيين: نهي متوجه إلى الترك المجرد، وآخر: متوجه إلى الصلاة، فيلزم فسادها على المذهبين، فيسقط الثمرة. اللهم إلا أن يقال: بأنه من قبيل انحلال الأمر إلى الأوامر الضمنية. وهو عندنا من الأباطيل، ضرورة أن المنهي ليس كليا ذا مصاديق، بل هو عنوان ذو أجزاء في الاعتبار، فليتدبر جيدا. ثم إن هذا النهي إن تعلق بالصلاة، فيمكن أن يكون إرشادا. وإن تعلق بعنوان " الترك " فلا معنى لكونه إرشادا إلى فساد الترك وبطلانه، فيكون تحريما. وهو هنا غير ممكن، لأنه مولود الأمر الغيري، كما لا يخفى. بقي شئ: وهو التحقيق الحقيق في المقام اعلم: أن الأوامر الغيرية، لا تكون متعلقة إلا بالعناوين المنطبقة على العبادة،

[ 242 ]

وتكون على نعت القانون الكلي، كسائر القوانين الكلية، وقضية الخطابات القانونية صحة الالتزام بوجوب الأهم والمهم معا عرضا، كما يأتي تفصيله (1)، فعلى هذا تكون الصلاة في مفروض المسألة صحيحة وإن كان العبد آثما، وكان ترك الموقوف عليه حراما، لأن خطاب الإزالة والصلاة، ليسا شخصيين حتى تلاحظ النسبة الشخصية بينهما، فيلزم ما لزم، والتفصيل معلوم لأهله. الثمرة الثانية: أن مقتضى الأقوال مختلف بالنسبة إلى المقدمة المحرمة، إن قلنا: بأن المحرمة داخلة في محل النزاع، والعجب ممن توهم خروجها عنه (2)، ومع ذلك جعلها ثمرة المسألة ! ! فبالجملة: إن قلنا: إن معروض الوجوب هي ذات المطلقة، فتصير المحرمة واجبة، لامتناع بقاء الحرمة مع الوجوب. وإن قلنا: بأن الواجب هي المقدمة بقصد التوصل، فتزول الحرمة في حال قصد التوصل وهكذا، فزوال الحرمة دائر مدار مصب الوجوب. فإن قلنا بالموصلة بالمعنى الأخص، فتزول فيما إذا سلك الأرض المغصوبة، وانتهى سلوكه إلى الإنقاذ خارجا. ولو قلنا: بأن الواجب هو عنوان " الموقوف عليه " سواء قلنا بالمطلقة، أو الموصلة، أو المنتهية، أي عنوان " ما يتوقف عليه الواجب " ولو كان توقفا ناقصا، أو عنوانه إذا كان توقفا تاما، أو كان توقفا تاما بالحمل الشائع، وانتهى إلى الواجب والإنقاذ، فلاتزول الحرمة، لاختلاف موضوعها مع موضوع الوجوب، ولكنه إن


1 - يأتي في الصفحة 462 - 464. 2 - تقدم في الصفحة 214. (*)

[ 243 ]

سلك المغصوبة لأجل الإنقاذ، يكون معذورا وإن لم ينقذ. وإن سلكها لا لأجله، ولكن اتفق له الإنقاذ، يستحق العقوبة على السلوك، لأنه ارتكب المحرم بلا عذر، وقد فرغنا من ذلك في محله، وأشرنا إليه في السابق (1). فعلى هذا، تسقط الثمرة المزبورة على هذا الرأي الأخير، وفي المسألة (إن قلت قلتات) تطول، والعدول أولى. الثمرة الثالثة: ما في تقريرات جدي العلامة (قدس سره) ناسبا إياه إلى الشيخ، ذاكرا أنه ثمرة القول بوجوب المقدمة بقصد التوصل، وهو فروع الكثيرة نشير إلى بعض منها: الأول: فيما إذا جهل المكلف القبلة، وتعين عليه - حسب العلم الإجمالي - الصلاة إلى أربع جهات، وهكذا في سائر المواقف التي يجب فيها التكرار، كما في الثوبين وغير ذلك، فأتى بصلاة واحدة، فإن كان من قصده الإتيان بالبقية، وصادفت الاولى القبلة، صحت ولا شئ عليه، وإلا فتكون هي باطلة ولو صادفت الواقع، لأن الإتيان بها إلى جهة واحدة أو في ثوب واحد، إنما هو مقدمة لتحصيل الواجب النفسي، والمفروض أنه لم يقصد التوصل والمقدمية للواجب النفسي، فكيف تكون صحيحة ؟ ! فعليه إعادتها (2). وأنت خبير بما فيه، فمضافا إلى الخلط بين المقدمة العلمية والمقدمة الوجودية، أن الإتيان بها بدون قصد التوصل، يمنع عن توصيفه ب‍ " الوجوب الغيري " ولكن لايمنع عن تحقق المأمور به النفسي، فإنه في مفروض البحث يكون مقربا، لما قصد الأمر الواقعي، وصادف الواقع، فلا شئ عليه وراء ذلك.


1 - تقدم في الصفحة 209 - 210. 2 - مطارح الأنظار: 72 / السطر 17. (*)

[ 244 ]

وأما عدم كفاية الامتثال الاحتمالي مع القدرة على الامتثال التفصيلي، فهو أجنبي عن هذه المسألة، لأن المفروض عدم قدرته على تحصيل القبلة، فشرع في الصلوات، واتفق اشتمال الاولى عليها. هذا مع أن مسألة تقديم الامتثال التفصيلي على الظني والاحتمالي، مما لاتعقل إلا بالرجوع إلى تقييد المأمور به بقيد، كسائر القيود، وهو غير ممكن للعقل، ولا دليل من الشرع عليه، وتفصيله في محله (1). فما في تقريرات العلامة النائيني (2) وتقريرات جدي العلامة (3) مما لا يرجعان إلى محصل، فتأمل. الثاني: فيما لو توضأ المكلف لغاية خاصة، فعلى القول بوجوب المقدمة بقصد التوصل، يجوز البدار إلى تلك الغاية، دون سائر الغايات (4). وعن جدي العلامة (قدس سره): " أنه يتم في الأغسال، دون الوضوءات، لأنها لا تختلف ماهية باختلاف الغايات، بخلاف الأغسال " (5). وكأنه (قدس سره) خلط بين الأسباب، والغايات، فإن الفرق بين الوضوء والغسل: هو أن الوضوء لا يتعدد ماهية بتعدد أسبابه، بخلاف الغسل، فبحسب الغاية كل مشترك في توحد الماهية، كما لا يخفى. وأنت خبير: بأن استيفاء الغاية الاخرى، جائز بعد الغاية الاولى، وإلا يلزم كون شك الوضوء في الوضوء من الشك في المقتضي، وقد منع الشيخ من جريان الاستصحاب فيه، ضرورة أنه لو كان بإتيان الغاية ينتهي أمد الوضوء، فيكون عند الشك في بقائه، شاكا في انتهاء أمد وجوده بإتيان غايته.


1 - يأتي في الجزء السادس: 195 وما بعدها. 2 - أجود التقريرات 1: 235. 3 - مطارح الأنظار: 72. 4 - نفس المصدر. 5 - مطارح الأنظار: 73. (*)

[ 245 ]

هذا، ويلزم على القول بوجوب الموصلة أو حال الإيصال، عدم تحقق الوضوء إذا لم يترتب الغاية، وهذا غير ممكن الالتزام به. فيعلم من ذلك: أن مسألة الوضوءات والأغسال، ليست داخلة في بحث مقدمة الواجب، وأنها من المستحبات النفسية، ولو كانت غيرية فغايتها نفس الكون على الطهارة. الأمر العاشر: في تقسيم الواجب إلى الأصلي والتبعي وسيظهر وجه اختصاص هذا التقسيم بالمقام إن شاء الله تعالى. اعلم: أنه إن اريد من ذلك أن الواجب تارة: يكون مدلول الخطاب المطابقي، واخرى: مدلوله الالتزامي، فالأول أصلي، والثاني تبعي، كما عن " الفصول " (1) و " القوانين " (2) وإليه مال السيد الوالد - مد ظله - (3) فهو غريب، لأن الانقسامات تصير أكثر من ذلك، حسب التضمن، والالتزام البين، وغير البين، وحسب الإشارة، وفحوى الكلام، والأولوية، وأمثال ذلك. وإن اريد من ذلك أن الواجب تارة: يكون مورد الإرادة الاستقلالية، واخرى: التبعية، وتكون الثانية كالاولى في أنها موجودة بالفعل تبعا (4)، فهذا ليس تقسيما على حدة وراء تقسيمه إلى النفسي والغيري. وإن اريد أن الواجب قد تكون إرادته فعلية، وقد تكون تقديرية، فهذا لا يناسب التعبير عنه ب‍ " التبعية " فإن الواجب النفسي قد يكون تقديريا، كما فيما إذا وقع طفل المولى في الماء، فإنه يجب إنقاذه، لما أنه لو التفت لأراده، وهكذا في


1 - الفصول الغروية: 82 / السطر 7. 2 - قوانين الاصول 1: 100 / السطر 1. 3 - تهذيب الاصول 1: 275. 4 - كفاية الاصول: 152. (*)

[ 246 ]

الواجب الغيري، ولا يعتبر كون تلك الإرادة ارتكازية، فإنها فعلية، بل هي في هذه الصورة تقديرية محضة. فلابد هنا من تفسير يناسب المقام من جهتين: الاولى: يناسب كونه من مقدمات بحث المقدمة، وكأنه لدفع الشبهة اعتبروه، وإلا فكثير من الواجبات الاخر غير مذكورة هنا، ولأجل ذلك اختص بالذكر في " الكفاية " (1) والأمر سهل. والثانية: يناسب مفهوم " الأصلي " و " التبعي ". فنقول: إن قضية الملازمة بين الإرادتين، هو كون الإرادة الثانية - حسبما أفادوه - رشح الإرادة الاولى وظلها، وإذا كانت تلك الإرادة موجودة في النفس، فلابد وأن تكون هي موجودة، قضاء لحق الملازمة، ولا يعقل التقدير وكونها مقدرة الوجود. ولكن هذه الإرادة تارة: تكون فعلية تفصيلية، واخرى: فعلية ارتكازية مغفول عنها، وغير ملتفت إليها. وإذا كانت هي هكذا، فهل يمكن اعتبار الوجوب منها وجوبا فعليا، أم يعتبر في اعتبار الوجوب كونها مورد الالتفات التفصيلي، وفي مقام النفس جلية ؟ وعند ذلك يشكل نوع الواجبات الغيرية في الاتصاف ب‍ " الوجوب الغيري " إن قلنا: بأن الوجوب ينتزع عن الإرادة التفصيلية، دون الإجمالية الارتكازية، فعند ذلك لابد من دفع هذه الشبهة. فدفعوها باعتبار التقسيم الآخر في الواجب: وهو أنه قد يكون أصليا، وقد يكون تبعيا، والتبعي أيضا واجب، فتوصف المقدمة ب‍ " الوجوب الغيري " ويكون مزاحما للحرمة المتعلقة بها أحيانا.


1 - نفس المصدر. (*)

[ 247 ]

وغير خفي: أن معنى " التبعية " لغة، تناسب هذا الاصطلاح نوعا، لا كلا، لإمكان كون الواجب النفسي أحيانا، غير مورد الالتفات التفصيلي. هذا، والذي يسهل الخطب: أن اعتبار الالتفات واللا التفات في هذا التقسيم، لا يصح بالنسبة إلى حضرته تعالى وتقدس، فتكون جميع الواجبات الإسلامية - نفسية كانت، أو غيرية - أصلية، لا تبعية، فتندفع الشبهة من هذه الناحية، والأمر - بعد ذلك كله - سهل. وهنا بعض احتمالات اخر، لا ثمرة مهمة في نقلها ونقدها، والله العالم. الأمر الحادي عشر: في أن الوجوب الغيري أصلي وتبعي لو سلمنا الملازمة والوجوب الغيري، ففيما إذا أظهر المولى إرادته الغيرية، فهو من الواجب الغيري الواضح سبيله، وهكذا إذا ثبت من طريق آخر تلك الإرادة في نفسه. وأما فيما لو كان غافلا عن تلك الإرادة، وكان يريد الإرادة الغيرية إذا توجه والتفت إلى التوقف، فهل تكون المقدمة أيضا واجبة بالفعل، مع أن الوجوب اعتبار متقوم بالإبراز والإظهار، أو بوجود الإرادة في النفس، ولا يكفي الارتكاز ؟ أم لا تكون إلا واجبة بالقوة، وواجبة تقديرية ومجازية ؟ وغير خفي: أن الواجب التقديري يجتمع مع الحرمة الفعلية، لعدم التنافي بعد إمكان غفلة المولى. ولعمري، إن هذه المسألة أوقعت الباحثين في اعتبار التقسيم الآخر للواجب: وهو انقسامه إلى الأصلي والتبعي، وبنوا على أن الواجب الغيري قد يكون أصليا، وقد يكون تبعيا، بخلاف النفسي، فإنه - مطلقا - يكون أصليا. نعم إذا فسر التبعي بوجه آخر، يوصف النفسي به أيضا.

[ 248 ]

فبالجملة: قضية التحقيق أن الوجوب بمعنى اللزوم، لا يتقوم بالإنشاء والإظهار، وكذا بمعنى الثبوت، فلو كان المولى مريدا للإكرام، واطلع العبد عليه، فيجب عليه تبعية إرادته بالضرورة، ويكون الإكرام واجبا وثابتا عليه. ولو كان الوجوب معنى اعتباريا منتزعا من الإنشاء وإبراز الإرادة، فلا يوصف في الفرض السابق الإكرام ب‍ " الوجوب " كما أن الحكم كذلك عند المتبادر والمتفاهم البدوي. وهنا شق ثالث: وهو ما لو اطلع المولى عليه لأراده، سواء كان ذلك في المطلوب النفسي، أو الغيري، ففيما إذا أظهر إرادته في القالب اللفظي أو الإشارة، فهو من الواجب الأصلي، ومقابله التبعي. وهذا تفسير غير صحيح، لأن معنى " التبعية " هو كون الوجوب تبعا للوجوب الآخر، أو إذا كانت الإرادة في نفسه موجودة بالفعل، ولكنها غير مظهرة بعد، فيكون هذا مع سابقه أصليا، والآخر تبعيا، أي مقابله وهو ما لا تكون الإرادة في نفسه موجودة، كما في حال النوم، ولكنه لو توجه لأراد، فيكون هذا تبعيا، وهذا أيضا خلاف الظاهر من " التبعية ". فجميع هذه الأنحاء من الواجبات الأصلية. فيبقى التبعية: وهو ما كان بحسب الثبوت والإثبات تبعا، وهو ينحصر في الوجوب الغيري، فإن الإرادة فيه تابعة للإرادة الاخرى، لا بمعنى الترشح، بل بمعنى أن من مبادئ وجود الإرادة التبعية، وجود الإرادة الأصلية بحسب مقام الثبوت، ويستظهر ذلك بعد ظهور الإرادة الأصلية من المولى. فعلى هذا، لا يتوجه الإشكال: بأن الوجوب الغيري غير صحيح، لأن الوجوب معنى متقوم بالبروز والظهور، والإرادة الغيرية مخفية، ولها شأنية الوجود أحيانا.

[ 249 ]

ومما ذكرناه يظهر ما في كلمات القوم في هذا المقام. مع أن المسألة قليلة الجدوى، وكأنهم لذهولهم عما هو مقصود الباحثين من هذا التقسيم، وقعوا في معركة تفسير الأصلي والتبعي بما هو خارج عن التحقيق. وبالجملة: لست أقول: إن الوجوب التبعي هو الوجوب المجازي، كالوجود التبعي، بل الوجوب التبعي هو الوجوب واقعا، وفي مرتكز النفس، ولكنه تابع لأمر آخر. والدليل على وجود هذا المعنى الارتكازي: هو الوجوب البارز الظاهر بالفعل. وإن شئت قلت: الواجب بالوجوب التبعي موصوف ب‍ " الوجوب " مجازا وتقديرا بعلاقة الأول. هذا بحسب الثبوت. والدليل على هذا المجاز: هو الوجوب المستدعي لذلك البارز الظاهر بقالب لفظي مثلا. والذي يسهل الخطب: أن الغفلة والذهول واللا التفات، لا تتصور في مقنن الإسلام ومشرع هذه الشريعة، فجميع الواجبات الإسلامية - نفسية كانت، أو غيرية - مورد الالتفات الفعلي، فيكون كلها من الواجبات الأصلية، لعدم التقدير فيها. ومما ذكرنا يظهر: أن تقسيم الواجب إلى الأصلي والتبعي، لا يصح بالنسبة إلى حال المقنن في الإسلام، ولايحتاج إليه. ويظهر: أن " الكفاية " ذكر هذه المسألة مستقلة (1)، ولعله كان عليه أن يذكره تحت عنوان " الأمر الخامس " لابتناء دفع الشبهة عن الواجب الغيري على ذلك، ولم يكن ينبغي أن يذكره في ذيل " الأمر الثالث " لأن " الأمر الثالث " انعقد لذكر الواجبات التي تكون مقدماتها داخلة في محط النزاع (2)، لا مطلق الواجبات. والأمر - بعد ذلك كله - سهل، فافهم واغتنم، وتأمل جيدا.


1 - كفاية الاصول: 152. 2 - كفاية الاصول: 121. (*)

[ 250 ]

ذنابة: جريان الاصول العملية في الأصلي والتبعي بناء على أن الأصلي والتبعي ليسا بلحاظ حال الثبوت، كما في " الكفاية " (1) وتقريرات الشيخ (رحمه الله) (2) ولا بلحاظ الإثبات، كما هو مختار الوالد (3)، وإحدى محتملات كلامهما، بل هو بلحاظ الثبوت والإثبات معا، أي الواجب الأصلي: هو الواجب الفعلي، وإرادته فعلية، والواجب التبعي: هو ما كان إرادته تقديرية، وتابعة للإرادة الاخرى، وتكون تلك الإرادة الثانية، دليلا على ذلك الوجوب التقديري، لأجل استتباعها ذلك، فهل تجري الاصول العملية عند الشك في ذلك، أم لا ؟ ظاهر القوم إجراؤها (4) وإن قيل بمثبتيتها (5). والتحقيق: أن ذلك غير صحيح، لأن الوجوب التقديري، غير متصور بالنسبة إلى المقنن الحقيقي، فلا تخلط. الأمر الثاني عشر: حول ثمرة أصل مسألة مقدمة الواجب وقبل الإيماء إلى تلك الثمرات، لابد من الإشارة إلى ملاك المسألة الاصولية وثمرتها، وقد مر تفصيله في أول الكتاب (6)، وإجماله هو هذا:


1 - نفس المصدر. 2 - انظر مطارح الأنظار: 78 / السطر 33. 3 - تهذيب الاصول 1: 275. 4 - كفاية الاصول: 153، نهاية الدراية 2: 158. 5 - انظر مطارح الأنظار: 79 / السطر 14، تهذيب الاصول 1: 276. 6 - تقدم في الجزء الأول: 33 وما بعدها. (*)

[ 251 ]

اعلم: أن المسألة الاصولية هي الحجة والواسطة في الثبوت، وتقع كبرى في قياس الاستنباط، أو ما يؤدي إلى تلك الحجج تأدية عامة، وقد ذكرنا وجه هذا الذيل في محله (1). ثم إن المسألة الاصولية تارة: تكون عقلية، ولا يحتاج إلى إعمال دليل على ثبوت محمولها لموضوعها. واخرى: تحتاج إلى الاستدلال، والدليل على تلك المسألة ليس اصوليا. فعلى هذا يقال: " الوضوء مقدمة الواجب، وكل مقدمة للواجب واجبة، فالوضوء واجب " وأما دليل تلك الكبرى، فهو حكم العقل مثلا بالملازمة بين الإرادتين، فإنه عند هذا الحكم تثبت هذه المسألة، فما في كلام العلامة المحشي (قدس سره) غير لائق بجنابه، ومن شاء فليراجع محله (2). إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الأصحاب قد ذكروا ثمرات لهذه المسألة، لا بأس بذكرها إجمالا: الثمرة الاولى: أنه لو نذر أن يأتي بواجب من غير النظر إلى خصوصية الوجوب، فإنه إذا أتى بمقدماته فقد وفى بالنذر (3). وما في " الكفاية " (4) وغيرها (5) من الإشكال الصغروي في خصوص النذر، غير جائز.


1 - نفس المصدر. 2 - نهاية الدراية 2: 159 - 160. 3 - مطارح الأنظار: 80 / السطر 30. 4 - كفاية الاصول: 154. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 298. (*)

[ 252 ]

ولعمري، إن ما أفاده وأفاده غيره هنا، خارج عن البحث جدا، لأن من الممكن فرض كون المنذور هو الواجب الأعم، إذ لم يلاحظ أية خصوصية حتى يكون منصرفا إلى النفسي، أو غير ذلك. وهكذا لو نذر أن يأتي بالواجب المقدمي، فإنه على القول بالملازمة يكون النذر منعقدا، لما أنه راجح، وإلا فربما لا يكون منعقدا في بعض الصور، كما لا يخفى. وفيه: أن ملاك ثمرة المسألة الاصولية، كونها نتيجة للقياس الذي كانت تلك المسألة كبراها، وفيما نحن فيه تكون تلك المسألة، محقق موضوع المنذور الثابت في الشرع الوفاء به، أي مقتضى النذر وجوب الوفاء به بإتيان واجب، وتلك المسألة أثبتت مصداقا لذلك الواجب المنذور، أو أثبتت مصداق المنذور، كما في الفرض الثاني، والقياس الذي ينعقد هنا هو هكذا: " مقدمة الواجب واجبة، ويجب الوفاء بالنذر بإتيان واجب، فيجب - لأجل النذر - مقدمة الواجب، وفاء بالنذر " على سبيل البدلية، لا التعيين كما لا يخفى. نعم، لو قلنا: بكفاية مطلق الأثر، لأن المقصود هو الخروج من لغوية البحث، فهذا يكفي، فليتأمل. ثم اعلم: أن هذه الثمرة يمكن أن تذكر ثمرة في المسألة السابقة، وهي مسألة معروض الوجوب، فإنه إن قلنا: بالمقدمة المطلقة، فيكون الإتيان ببعض من المقدمات إبراء للنذر، وإلا فلا يبرأ إلا بإتيان ذي المقدمة، فيحصل البرء به، فلافائدة في ذلك. اللهم إلا أن يقال: بأنه إذا كان بحسب الواقع يأتي بذي المقدمة، يحصل البرء بالمقدمة، ويسقط أمره به، فما تخيل من أن الإبراء يحصل بالواجب النفسي، فهو في غير مقامه.

[ 253 ]

الثمرة الثانية: توسعة دائرة التقرب بالمقدمة (1)، فإن من الممكن التقرب بها لأجل أمرها، ومن الممكن التقرب بها، لأجل التوصل بها إلى المطلوب الآخر وإن لم تكن مورد الأمر رأسا. وما قيل: " بأنه يمكن التقرب لأجل التوصل ولو لم تكن واجبة شرعا " (2) ساقط، لأنه يكفي لذلك إمكان التقرب. وتوهم: أن الأوامر الغيرية ليست مقربة (3)، فاسد مضى تفصيله (4). فبالجملة: يمكن أن يقصد المكلف الأمر الغيري المتوجه إلى الوضوء، ويأتي امتثالا لذلك الأمر، فإنه يصح وضوؤه ولا يلزم إتيان الوضوء للحسن الذاتي، أو للأمر النفسي، أو لغير ذلك. نعم، يتوجه إليها ما مر: من أنها ليست ثمرة المسألة الاصولية. اللهم إلا أن يقال: بكفاية ذلك، كما اشير إليه. الثمرة الثالثة: بناء على وجوبها، يثبت ضمان الآمر بالنسبة إلى الاجير، إذا كان قد أمر ببناء البيت، فهيأ الأجير مقدمات البناء، ولم يأت بما استؤجر له إذا نهى عنه


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 397، نهاية الأفكار 1: 349. 2 - نهاية الأفكار 1: 349. 3 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 249 و 277. 4 - تقدم في الصفحة 161 - 162. (*)

[ 254 ]

الآمر (1)، فتأمل. وما استشكل عليه الوالد - مد ظله -: " من أن الأمر الغيري ليس باعثا نحو المقدمات، فلا يستند إليه الضمان مطلقا " (2) فهو إشكال في أصل ثبوت الوجوب الغيري، كما لا يخفى، وسيأتي تحقيقه (3). مع أن مشروطية الضمان بكون المأمور منبعثا عن الأمر ممنوعة، وإلايلزم عدمه إذا كان ينبعث عن دواع نفسانية، فكيفي للضمان توجيه الأمر والخطاب، فلا تغفل. وما قيل: " بأن الضمان مستند إلى اللابدية العقلية " (4) غير صحيح، للزوم ثبوت الضمان حتى في صورة تخلف الأجير عن العمل، مع أن الضرورة قاضية بأن ذلك غير صحيح. ومع أن اللابدية ليست من أسباب الضمان. وتوهم ثبوت الضمان لأجل الاستيفاء، ولايحتاج ذلك إلى الأمر، غير ضائر، لأن في بعض المواقف يكون نفس الاستيفاء مورثا للضمان، على خلاف فيه، ولكن يكفي للثمرة احتياجها إلى الأمر في الجملة. مع أن ذهاب طائفة إلى الحاجة في الضمان إلى الأمر أيضا، يكفي لترتب الثمرة كما لا يخفى. فبالجملة: في المفروض من المسألة يترتب الثمرة. اللهم إلا أن يقال: بأن الضمان مستند إلى أن فعل المسلم محترم. وفيه: أنه لا بأس بكون الضمان مستندا إلى السببين فيما إذا كان الأجير مسلما، وإلى الأمر فيما كان الأجير غير محترم فعله، فليتأمل.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 397. 2 - تهذيب الاصول 1: 277. 3 - يأتي في الصفحة 268 - 275. 4 - منتهى الاصول 1: 300. (*)

[ 255 ]

ثم إن هذه الثمرة تنحصر بالمطلقة وما ضاهاها، وأما مثل الموصلة والمنتهية فلا. اللهم إلا أن يقال: بأن المقدمات توصف ب‍ " الموصلية " إذا انصرف المولى من الأمر النفسي، وانتهى أمد الحكم نسخا، كما في مفروض البحث، فإن الآمر بعد انتهاء الأجير إلى شروعه في بناء البيت، إذا انصرف عن البناء، يكون الأجير آتيا بالموصلة، فتأمل. وبعبارة اخرى: على الموصلة أيضا يترتب الثمرة، لبقاء الأمر إلى حال الاشتغال بالبناء، وبعد الشروع في البناء فتارة: ينصرف الأجير، فهو لا يكون آتيا بما يوجب الضمان على الموصلة. وبعبارة ثالثة: الانصراف تارة: يستند إلى الأجير. واخرى: إلى المؤجر. فإن استند إلى الأجير، فلا ضمان بالضرورة، سواء قلنا بالموصلة، أو غيرها. وإن استند إلى المؤجر، فيثبت الضمان على المطلقة، وأما على الموصلة فيشكل جدا. نعم، لنا أن نقول: بأنه إذا استأجره للبناء، غافلا عن أن المقدمات ليست موجودة في البلدة، فبنى المأمور البيت، فإنه يستحق اجرة بناء البيت، وعلى القول بوجوب المقدمة الموصلة، يستحق على جلبه المقدمات من الأماكن البعيدة، وكأنه قد أمره بذلك خارجا عن مقتضى الإجارة، فيكون ضامنا لما صرفه في جلب تلك المقدمات، فتدبر واغتنم. وغير خفي: أن المقدمات لابد وأن تكون إما داخلة في مورد الإجارة مثلا، فيلزم الغرر، فيخرج عن محل الكلام، أو ملحوظة في الإجارة، لاختلاف قيم الإجارة باختلافها بالضرورة، فعند ذلك يتصور الثمرة المزبورة.

[ 256 ]

اللهم إلا أن يقال: بعدم فساد الإجارة من هذا الغرر ونحوه، فيكون في هذه الصورة الأخيرة ثمرة الموصلة، مترتبة، لثبوت الضمان. الثمرة الرابعة: قد اشتهر عدم جواز أخذ الاجرة على الواجبات (1)، فبناء على عموم الحكم لكل واجب غيري كفائي وغيره، يلزم حرمته هنا، بناء على الملازمة، وإلا فلا. ولا يختص ذلك بالمطلقة، بل يحرم على الموصلة أيضا، كما لا يخفى. والإشكال المبنوي في الكبرى الفقهية (2)، خارج عن التحصيل، لأن عدم ارتضاء بعض بالكبرى الكلية، لا يورث سقوط الثمرة، لما عرفت مرارا: من أن ملاك الثمرة كونها مترتبة على المسألة الاصولية ولو كان عند بعض، ولا يعتبر اتفاقهم عليه، كما لا يخفى. فبناء على مزاحمة صفة الوجوب للاجرة، يحرم ذلك، ولا تصح الإجارة. وقريب من التوهم السابق توهم: أن المقدمات العبادية، يكون أخذ الاجرة عليها باطلا وحراما، لأجل عباديتها (3)، ضرورة أن استناد الحرمة إلى السببين، لا يورث سقوط الثمرة. مع أن من الممكن دعوى عدم التمانع بين العبادة وأخذ الاجرة، بل التمانع بين الوجوب والإجارة، فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك. بل لنا دعوى: أن البطلان والحرمة يستندان إلى العلة الأعم، وهي الوجوب، لا الأخص، وهي العبادة، لعدم إمكان اعتبار التضاد بينها وبين الإجارة، بعد كون


1 - جواهر الكلام 22: 116، المكاسب، الشيخ الأنصاري: 61 / السطر 30، المكاسب المحرمة، الإمام الخميني (قدس سره) 2: 257. 2 - كفاية الاصول: 154. 3 - مطارح الأنظار: 81 / السطر 28. (*)

[ 257 ]

الوجوب الموجود في جميع المقدمات، مضادا لها، فافهم وتأمل. نعم، يتوجه إليها: أنها ليست ثمرة المسألة الاصولية بالتقريب الماضي، ويتوجه إليه ما احتملناه، فاغتنم. الثمرة الخامسة: قد ذكر في " الكفاية " في خلال الثمرات: " أن منها حصول الإصرار على الذنب، وتحقق الفسق بترك الواجب الذي له مقدمات " (1). ولا معنى لذلك، بعد عدم كون الأوامر الغيرية ذات عقاب وعصيان، ولعله اضيف إلى كلامه (رحمه الله) وإلا فهو أجل من أمثال هذه الامور. وما توهم إشكالا عليه: بأن ترك إحدى المقدمات، يورث امتناع الواجب عليه، فلا يحصل الإصرار (2)، في غير محله، لأن سقوط الأمر النفسي وسائر الأوامر الغيرية، يستند إلى سوء اختياره، فهو بترك إحدى المقدمات عصى الأوامر الكثيرة، ولا وجه لتوهم اشتراط وجوب سائر المقدمات بوجود الاولى، كما لا يخفى. نعم، هنا إشكال آخر: وهو أن حصول الإصرار بالذنوب الكثيرة الدفعية آناما، محل إشكال (3)، فلا تغفل. الثمرة السادسة: قد حكي عن الوحيد البهبهاني (قدس سره): " أن من ثمرات القول بالوجوب، اندراج


1 - كفاية الاصول: 154. 2 - منتهى الاصول 1: 299. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 430. (*)

[ 258 ]

المسألة في مسألة اجتماع الأمر والنهي، فيما إذا كانت المقدمة محرمة (1)، ضرورة أن موضوع الوجوب عنوان غير عنوان المحرم، وتكون النسبة بينهما عموما من وجه، سواء قلنا: بأن معروض الوجوب الغيري هو عنوان " المقدمة " أو قلنا: إنه عنوان " الموقوف عليه ". وتوهم: أن معروضه ذات المنهي عنه، فإن كان عبادة يكون من النهي عن العبادة، وإن كان معاملة فمن النهي عنها (2)، في غير محله، لما تقرر منا: أن معروض الوجوب هي الحيثية التقييدية في الأحكام العقلية (3) وفيما نحن فيه بالضرورة ولما أن دخولها في تلك المسألة أيضا، يعد من ثمرات القول بالوجوب الغيري، ونتيجة ذلك جواز ترك الواجب النفسي، أو وجوبه بناء على اقتضاء النهي حرمة المقدمة. وثالثا: دخولها في تلك المسألة، فرع كون عباديتها من الأمر الغيري منحصرة فيه. فما في " الكفاية " (4) خال من التحصيل جدا. فبالجملة: ربما يشكل بأن النسبة بين المحرم والواجب، عموم مطلق، لأن المحرم هو عنوان ذاتي للفعل، كالتصرف في الأرض المغصوبة، وله الإطلاق، والواجب هو عنوان عرضي للفعل، فإن كان جميع المقدمات محرمة، فالأمر الغيري المتعلق بالموقوف عليه الواجب المزبور، لا يتجاوز عن هذا العنوان، ولكنه يكون بينه وبين المحرم عموم وخصوص مطلق، فلاتندرج في هذه المسألة. وهذا الإشكال لا يورث سقوط الثمرة، لأن المقصود من الثمرة، ليس أن كل أمر غيري له ثمرة كذائية، بل المقصود ترتب الثمرة إجمالا على القول المزبور.


1 - لاحظ مطارح الأنظار: 81 / السطر 36، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 346 / السطر 4، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 299. 2 - كفاية الاصول: 155. 3 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 198. 4 - كفاية الاصول 1: 198، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 104. (*)

[ 259 ]

هذا مع أن بعضا من الأصحاب، التزموا بجريان نزاع الاجتماع في هذه الصورة (1) أيضا، خلافا لما تقرر منا في محله (2). إن قلت: كيف يتصور الثمرة على الموصلة المحرمة، فإنه على المطلقة إذا كانت إحدى المقدمات محرمة، تكون النسبة عموما من وجه، لأن الأمر الغيري متعلق بكل ما يتوقف عليه الواجب، محرما كان، أو مباحا، والنهي متعلق بالتصرف في مال الغير، مقدمة كانت، أو غير مقدمة، وأما على الموصلة إذا كانت هي محرمة، فلا يتصور العموم من وجه. قلت: الجواب الجواب المذكور آنفا في صورة انحصار المقدمة في المحرمة على القول بوجوب المطلقة. وهنا جواب آخر أهم: وهو ما اشير إليه في السابق، من أن الأمر الغيري في الشريعة واحد، متعلق بعنوان " ما يتوقف عليه الواجب " (3) ويكون المترشح عن جميع الواجبات الشرعية، أمرا واحدا ينحل، وإلا فلا يكون يترشح من كل واجب أمر واحد، حتى يلاحظ النسبة بينه وبين المحرم، فعليه تكون النسبة بين العنوانين دائما عموما من وجه، فتندرج المسألة تحت بحث اجتماع الأمر والنهي. لا يقال: من شرائط اندراج المسألة وجود المندوحة، وإذا كانت هي موجودة، فتكون هي الواجب الغيري، فلا وجه لعد ذلك ثمرة لهذه المسألة. لأنا نقول: بأن المندوحة ليست شرطا، مع أن مقدمة الحرام مورد الأمر الغيري، لأجل انطباق عنوان " الواجب الغيري " عليها. وبعبارة اخرى: قد عرفت دخول المحرمات في حريم النزاع، فما في


1 - الفصول الغروية: 125 / السطر 8. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 143 - 146. 3 - تقدم في الصفحة 184 - 186. (*)

[ 260 ]

" الكفاية " (1) هنا خال من التحصيل. إن قيل: المقدمة إما توصلية، أو تعبدية، فإن كان توصلية، فالغرض منها يحصل سواء كانت واجبة، أو لم تكن. وإن كانت تعبدية كالطهارات الثلاث، فإن قلنا بامتناع الاجتماع، حكم ببطلانها إذا كانت محرمة، سواء قلنا بوجوب المقدمة، أو لم نقل. وإن قلنا بجواز الاجتماع، صحت على القول بعدم الوجوب أيضا، وذلك لأجل أن عباديتها لا تستند إلى الأمر الغيري. وقد يستظهر من العلامة النائيني الارتضاء بمثله (2)، وهو من الإشكالات المذكورة في " الكفاية " (3). قلنا: نعم، إلا أنه يكفي لكون عباديتها قابلة للاستناد إلى الأمر الغيري، فلو اتفق في المثال المزبور أن تعبد العبد وتقرب بالأمر الغيري في مورد الاجتماع، صحت المقدمة وإن كانت هي قابلة لأن تكون عبادية لأجل الجهات الاخر، إلا أنها كانت مغفولا عنها عنده. نعم، يتوجه إلى هذه الثمرة: أن مجرد الاندراج في تلك المسألة لو كان كافيا، للزم عدم اختصاصه بذلك، لإمكان الاندراج في جميع المسائل الاصولية الباحثة عن خصوصيات الأمر. مثلا تندرج في مسألة " أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه " وفي مسألة " الأمر عقيب الحظر " وهكذا فيما إذا كانت الملازمة عقلائية، وهذا ليس ثمرة للمسألة كما لا يخفى. ولو كان الثمرة لأجل انتهائها إلى العمل، فهو لا يتوقف على الاندراج المزبور،


1 - كفاية الاصول: 159. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 300. 3 - كفاية الاصول: 155. (*)

[ 261 ]

لما عرفت في خلال الثمرات: من أن التوسعة في التقرب منها (1). الأمر الثالث عشر: في مقتضى الاصول العملية عند الشك في وجوب المقدمة لو فرضنا قصور الأدلة الاجتهادية الآتية عن إثبات أحد طرفي هذه المسألة، من الملازمة وعدمها، فقضية الاصول العملية ماذا ؟ والكلام هنا حول مسلكين: أحدهما: ما إذا كانت الملازمة المدعاة عقلية صرفة، ويكون المقدمة من لوازم ذي المقدمة قهرا، كسائر اللوازم التي لا يتخللها الجعل الاستقلالي. ثانيهما: ما إذا كانت الملازمة المدعاة عقلائية، ولايكون بينما التلازم الطبيعي قطعا، بحيث كان يترشح وجوب المقدمة وإرادتها وجميع خصوصياتها الفعلية والشأنية من ذي المقدمة ترشحا طبيعيا، كسائر المعاليل بالنسبة إلى العلل الطبيعية، أو لو كانت اختيارية لكان يجب عقلا إيجاد تلك الإرادة التبعية، ويسلب الاختيار من المولى بعد إيجاد الواجب النفسي. أما على المسلك الأول الذي هو ظاهر الأصحاب، وقد بينا في محله امتناعه (2)، وسيأتي زيادة توضيح حوله (3)، فالبحث في المسألتين: الاصولية، والفقهية: أما في المسألة الاصولية، فحيث إن الملازمة كسائر العناوين ذات ماهية،


1 - تقدم في الصفحة 253. 2 - تقدم في الصفحة 3 - 6. 3 - يأتي في الصفحة 265 - 267. (*)

[ 262 ]

ووجود، فإذا نظرنا إليها مع قطع النظر عن تحققها الخارجي تبعا لتحقق طرفيها، فلا أثر شرعي يترتب على نفس التعبد بعدمها. مع أن هذا العدم لا حالة سابقة له، لاحتمال وجود الملازمة في الأزل، فإجراء البراءة والاستصحاب الموضوعيين، لا فائدة فيه كما هو الظاهر. وإذا نظرنا إلى تحققها التبعي، فيمكن أن يتوهم: أن مع وجود الحالة السابقة له أنه ذو أثر، ضرورة أن التعبد بعدمها إلى زمان وجود الطرف - وهو ذو المقدمة - يقتضي عدم وجوب المقدمة، لأنه من قبيل استصحاب أعدام الموضوعات لسلب أحكامها، وهذا هو استصحاب جار عند الكل وإن ناقش فيه الوالد - مد ظله - (1). اللهم إلا أن يقال: بأن التعبد بعدم الملازمة، ليس من التعبد بعدم الموضوع، لأن وجوب المقدمة موضوعه المقدمة، لا الملازمة، فهو من قبيل التعبد بعدم العلة لانتفاء المعلول. والذي هو المهم: أن المثبت من الاستصحاب عندنا حجة، فالإشكال ينحصر بعدم جريانه الذاتي رأسا، فلا وجه للاصول العملية من البراءة والاستصحاب، ولا لاستصحاب العدم المحمولي، ولا النعتي، فإنه أظهر فسادا، كما هو الظاهر. وأما في المسألة الثانية وهي الفرعية، فاجراء البراءة والاستصحاب الحكميين، محل الخلاف والإشكال. وقد يشكل ذلك أولا: بأنه لا ثمرة في نفي الوجوب الشرعي بعد اللابدية العقلية (2). وفيه: ما قد عرفت من الآثار الممكنة على وجوبها الشرعي، من حرمة أخذ


1 - لاحظ الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 169. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 300. (*)

[ 263 ]

الاجرة، وغير ذلك مما يمكن (1)، وإن كان فقها مورد المناقشة، إلا أنه لا يضر إذا كان لأحد من الفقهاء اختياره، كما لا يخفى. ويشكل ثانيا: بأن البراءة الشرعية تحتاج إلى الامتنان، ولا عقاب على المقدمة حتى يكون في رفع الوجوب امتنان (2). وفيه: أن الامتنان لا ينحصر بالعقاب، فإذا كان يرتفع الوجوب، يجوز ترتيب الآثار السابقة عليه، من حلية أخذ الاجرة، وعدم ثبوت الضمان وهكذا. وربما يشكل ثالثا: بأن مع فرض وجوب ذي المقدمة، يكون المقدمة واجبة على تقدير الملازمة، ومع الشك في الملازمة يشك في إمكان التعبد، فلابد من إحراز إمكان التعبد أولا، حتى يمكن التعبد بعدم الوجوب ثانيا. وفيه: أن عدم الإحراز كاف، ومن الدليل الاجتهادي المنطبق على المورد، أو من الدليل الفقاهتي، يستكشف الإمكان، كما تحرر في أوائل مباحث الظن (3)، فتأمل. وبعبارة اخرى: إذا كانت الملازمة مشتبهة بالشبهة الحكمية الكلية، فلا ضير في التفكيك بين الوجوبين. ولو كانت مشتبهة بالشبهة الموضوعية - فرضا لو أمكن - فالتفكيك غير جائز، لأن معناه عدم كلية الملازمة، وهو خلف. وهنا إشكال رابع من السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره). وإجماله: أن في موارد جريان البراءة والاستصحاب الترخيصي، لابد وأن يكون المولى راضيا بترك الواقع عند المخالفة، ويتمكن من الانصراف عن الواقع. مثلا: إذا شك في وجوب صلاة الجمعة، فمع جريان الأصلين، لابد وأن يصح


1 - تقدم في الصفحة 254 - 256. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 435. 3 - لاحظ نهاية الدراية 2: 169، ويأتي في الجزء السادس: 222 - 224. (*)

[ 264 ]

أن يقال: " لو كان واجبا لانصرف عنه، وإلا فلا يعقل الترخيص فيما يؤدي إلى خلاف مرامه بحسب الثبوت ". وفيما نحن فيه لا يكون الأمر هكذا، وذلك لأن مع فرض الوجوب النفسي، واحتمال الملازمة العقلية القهرية، لا يعقل احتمال انصراف الشرع عن الوجوب الغيري، لأنه مساوق لاحتمال التفكيك، وهو غير معقول، ضرورة أن الوجوب الغيري، ظل الوجوب النفسي في جميع المراتب، من الاقتضاء إلى الشأنية والفعلية، فيتنجز بتنجزه، والوجوب الغيري تابع النفسي تبعية قهرية خارجة عن حدود الاختيار، ولا يعقل احتمال عدم الوجوب النفسي، لأنه خلف لما فرض وجوبه، فلا يعقل الترخيص، فلابد من إيجاب الاحتياط (1). أقول: نعم، هذا فيما إذا فرضنا العلم بالوجوب النفسي، وهو مجرد فرض. وأما إذا قامت الحجة على الوجوب النفسي، كما هو المتعارف في أنواع الواجبات، فلامنع من الأخذ بإطلاق دليل الأصلين، والالتزام بالتفكيك إثباتا، لأن نفي الوجوب الغيري، لا يجتمع مع الوجوب النفسي الواقعي، لا مع الوجوب النفسي القائمة عليه الحجة، فافهم واغتنم. تنبيه: قضية ما تحرر منا في محله، عدم جريان الاستصحابات الحكمية الكلية، وجودية كانت، أو عدمية (2)، وذلك لا لما قيل من مقالة النراقي (3) وغيره (4)، بل لأمر


1 - نهاية الاصول: 197. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 3 - مناهج الأحكام والاصول: 235 - 236 / السطر 39، ولاحظ 392 / السطر 3. 4 - مصباح الاصول 3: 37 - 38. (*)

[ 265 ]

آخر، ويكون وجه عدم جريانها في الطائفة الاولى، غير الوجه لعدم جريانها في الثانية، فيكون الأصل الجاري في هذه المسألة، منحصرا بالبراءة الشرعية، دون العقلية، ولا العقلائية، لأن أثرهما نفي استحقاق العقاب، وهو هنا منتف موضوعا. وأما على المسلك الثاني، فالبحث في المسألة الفرعية هنا، مثل ما مر في المسلك الأول طابق النعل بالنعل. وأما في المسألة الاصولية، وإجراء الأصل الموضوعي، فهو ممكن، لأن الشك في الملازمة العقلائية، يرجع إلى الشك في أن الإرادة الاولى، تستتبع الإرادة الثانية بحسب الخارج والغالب، وبحسب فهم العقلاء، أم لا، بعد عدم الملازمة العقلية بينهما، لأنها ليست من عوارض وجود الاولى، ولا من عوارض ماهيتها بالضرورة، ولايكون المولى مضطرا إلى إيجادها عقيب إيجاد الاولى. فبالجملة: بعد تحقق الإرادة النفسية، يشك في أنه أراد الإرادة الثانية، أم لا، وهي مسبوقة بالعدم، وقضية التعبد بعدمها عدم الوجوب، لأنهما واحد في الحقيقة ولو اختلفا في الاعتبار. نعم، بناء على ما تقرر منا من الإشكال في جريان استصحاب عدم إرادته تعالى للمقدمة (1)، ينحصر الأصل بالبراءة الشرعية أيضا.


1 - تقدم في الصفحة 264. (*)

[ 267 ]

التحقيق في أصل وجود الملازمة وعدمها إذا تمت هذه الامور الكثيرة، وأحطت خبرا بما ذكرناه في طيها، فحان وقت البحث عن أصل المسألة، وهي الملازمة بين الأوامر النفسية، وأوامر اخرى تسمى " غيرية " متعلقة بالمقدمات على الوجه الماضي تفصيله. أو هي الملازمة بين الإرادة النفسية، وإرادة اخرى متعلقة بما يتوقف عليه الواجب توقفا تاما. أو لا تكون الملازمة، لا في مقام الإنشاء والظهور، ولا في مقام الثبوت. وحيث إن الملازمة المدعاة، يمكن أن تكون عقلية، أو تكون عقلائية، لاختلاف الأدلة الناهضة في المسألة، لابد من عقد البحثين، إلا أنا نذكر الأدلة متداخلة حذرا من التطويل. وبالجملة: الأدلة في هذه المسألة بين ما تكون ناهضة على عدم ثبوت الملازمة، ردا على من يقيم الدليل على الملازمة، وبين ما تكون ناهضة على امتناع الملازمة عقلا وعرفا، فالمبحث يقع في الناحيتين. وغير خفي: أن الأقوال في المسألة كثيرة، تأتي الإشارة إليها إن شاء الله تعالى.

[ 268 ]

الناحية الاولى في نقد ما استدل به على الملازمة مطلقا سواء كانت المقدمة سببا، أو غير سبب، أو شرطا شرعيا، أو غيره. وهو مختار الأكثر والمشهور، وهو المعروف بين المتأخرين إلا من شذ، وهو كثير: فمنها: ما نسب إلى رئيس المعتزلة وهو أبو الحسين البصري الاصولي المتوفى عام 436: وهو أنه لو جاز ترك المقدمة شرعا، لكان إما يجوز ترك ذي المقدمة، وهو خلف، لأنه واجب على الإطلاق، أو يجوز التكليف بما لا يطاق، وهو قبيح بالضرورة (1). واجيب: بأنه لا منافاة بين جواز تركه شرعا، ووجوب إيجاده عقلا، حسب اقتضاء الوجوب النفسي. وأما إطالة الكلام حول ما أفاده من القضية الشرطية، وأنها اقترانية، أو استثنائية (2)، فهي من اللغو المنهي عنه بعد وضوح المسألة ومقصوده. ومنها: ما يخطر بالبال وهو أنه ما من واقعة إلا والشرع ذو حكم فيها، فإذا سئل عن حكم المقدمة، فإما يجيب بالحرمة، أو الكراهة، أو الاستحباب، أو الإباحة، أو الوجوب، لا سبيل


1 - لاحظ هداية المسترشدين: 205 / السطر 13. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 200. (*)

[ 269 ]

إلى الثلاثة الاولى، ولا إلى الرابعة، لما تقرر أنها ليست حكما مجعولا شرعيا، فيتعين الخامس وهو المطلوب، فتأمل. أو يقال: لاسبيل إلى الرابعة، لأن جعل الرخصة وترشح إرادة الترخيص، لا يجتمع مع أن الجاعل يجد عقله اللابدية العقلية ولزوم إتيانها، فالإباحة لا تجتمع مع لزوم تلك الإرادة في مقام العمل. وفيه: أن جعل الإباحة إن كان بلحاظ درك العقل لزومه، فهو غير ممكن، ولا سبيل إليه. وإن كان بلحاظ عدم ترتب العقاب على فعله، فهو مما لا منع منه، ولا شبهة في أن جاعلها يريد الثاني. فبالجملة: حسب الشرع تكون المقدمة بعناوينها الذاتية، ذات أحكام خاصة، وبعنوان " المقدمة " مباحة شرعا، فلا تخلط. ومنها: ما في " الكفاية " وغيرها وهو وجود الأوامر الغيرية في الشرعيات والعرفيات مولوية، ولا تكاد تتعلق تلك الأوامر الغيرية إلا لملاك في نفس المتعلقات، فهي بملاك التوقف، وهذا هو الملاك الساري في جميع مقدمات الواجبات، فيكون الكل مورد الأمر، أو الإرادة التفصيلية، أو الارتكازية (1). وبذلك التقريب يندفع ما يتوجه إليه: من أنه إذا كانت إرادة ذي المقدمة علة، فلابد لها من معلول موجود بالفعل، لا بالتقدير، فلا معنى لكون الإرادة الثانية تقديرية، وأنه لو التفت لأراد، فإن من الممكن أن يكون نظره إلى أنها ارتكازية دائما، وتصير تفصيلية عند الالتفات.


1 - كفاية الاصول: 157. (*)

[ 270 ]

ويمكن أن يقال: بأن المراد من " الترشح " في كلامه ليس ما نسب إلى القائلين به، من استناد الإرادة الثانية إلى الاولى استناد المعلول إلى علته، بل معنى الترشح: هو أنه إذا كان المولى يريد شيئا، فعليه أن يريد مقدماته، للتوقف، فتكون الإرادة الثانية معلولة النفس كالاولى، وتكون الاولى من مبادئ وجودها، كما لا يخفى. وأورد عليه السيد البروجردي (قدس سره): بأن الأوامر الغيرية المبرزة، ليست في الحقيقة وبالنظر الدقيق، إلا باعثة نحو المطلوب النفسي، ولا تعد تلك الأوامر أمرا حتى توصف ب‍ " المولوية " بل هي مؤكدات للمطلوب الأصلي، ولذلك لا يعد إطاعات عند امتثال الأوامر الغيرية، ولا إطاعة واحدة، بناء على الموصلة (1)، انتهى ملخص ما أفاده بتفصيله ببيان منا. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن كل واحد من الأمر المتعلق بالدخول في السوق، وباشتراء اللحم والشحم، بعث على حدة، وله المبادئ المستقلة، وله المواد الخاصة، فأين يعقل كون أحدهما عين الآخر ؟ ! وأما حصول التأكيد، فهو لا ينافي مولوية تلك الأوامر، بل مولويتها تؤكد كونها تأكيدا للمطلوب النفسي. وبشدة انس الذهن بالأوامر المولوية النفسية، لا يخطر بالبال كون الأوامر الغيرية مولوية، وكأنه يظهر في بادئ الأمر أن المولوي، ما يستتبع العقاب والعتاب، أو الثواب، مع أن من المولوي ما لا يترتب عليه شئ لأجل ذاته، بل لأجل الأمر الآخر المترتب عليه، يترتب عليه الامور المطلوبة. ثم إن العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره) أورد عليه: بأن الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط، ظاهرة في الإرشاد إلى الشرطية والجزئية.


1 - نهاية الاصول: 201. (*)

[ 271 ]

ويؤيد ذلك، نفس الأوامر المتعلقة بالأجزاء، مع أنه لا وجوب مقدمي لها. وأضف إليه: أن الأوامر المقدمية في العرفيات والشرعيات، أيضا إرشاد إلى المقدمة، أو تأكيد (1)، انتهى مع إضافة منا. وفيه: أن الأمر المولوي ليس معناه إلا ما يصدر من المولى بداعي البعث، سواء كان بعثا إلى المطلوبات النفسية، أو الغيرية، ولو كان للأمر المولوي معنى آخر، لما كان له مصداق إلا الأوامر المولوية النفسية، فيكون هذا دليلا على امتناع صدور الأمر الغيري. فبالجملة: إذا صدر من المولى الأمر بداعي البعث فهو مولوي، ولكنه تارة: يستفاد منه الجزئية والشرطية والمانعية، واخرى: أمر آخر، وهذه الامور لا تنافي مولوية الأوامر. فما اشتهر: من جعل الأوامر الإرشادية في المعاملات والعبادات والأجزاء والشرائط، مقابل الأوامر المولوية، من الأمر الواضح بطلانه. وأما خروج الأجزاء الداخلية عن محل النزاع، فيكون أوامرها إرشادية، فهو من الغلط، لما تقرر منا من دخولها قطعا (2). ومن الأدلة القطعية على ذلك، نفس تعلق الأوامر المولوية بالأجزاء، فإنه في هذا اللحاظ يكون الجزء مقابل الكل في اللحاظ، كما لا يخفى، فاغتنم. وتوهم: أن الأمر المولوي ما روعي فيه المولوية والتغليظ، فهو واضح المنع، لوجود الأوامر الندبية. وهكذا في ناحية النواهي المولوية، فلاحظ وتدبر جيدا. أقول: الحق وجوب المقدمة وجوبا مولويا غيريا، فيما إذا أظهر المولى بعثه وإرادته، فيكون ما في " الكفاية " إلى هنا في محله.


1 - نهاية الدراية 2: 171. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 14. (*)

[ 272 ]

ولكنه استنبط هنا ما لا يكون موافقا للتحقيق، وهو قوله: " إن من ذلك يعلم وجود تلك الأوامر في مطلق الواجبات، لوجود الملاك " (1) وهذا واضح المنع والفساد، وسيظهر وجه ذلك تفصيلا في الآتي إن شاء الله تعالى (2). وإجماله: أنه لا ينبغي الخلط بين الشوق والعلقة بالمقدمة، وبين الوجوب والإرادة التشريعية، وما هو الثابت الساري هو الأول، دون الثاني، ويتضح أن حديث ترشح الإرادة الثانية من الاولى، فتكون هي دائمة الوجود، مما لا أصل له. ومنها: ما عن الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (3) قال في " الدرر ": " وهذا هو أسدها وأمتنها " (4): " وهو دعوى شهادة الوجدان على ذلك، ولا نقول: إن الوجدان شاهد على فعلية الإرادة الغيرية عند الإرادة النفسية حتى يقال بغفلة الآمر كثيرا عن المقدمات، بل المقصود هو أنه لو توجه لأمر بذلك ". وفيه أولا: أن هذا يرجع إلى إنكار الملازمة العقلية بين الإرادتين، وإلا يلزم دعوى فعلية وجودها، مع دعوى أنها ارتكازية، لا تفصيلية، كما اشير إليه آنفا. وثانيا: بناء على دعوى الملازمة العقلائية، فمجرد الإرادة التقديرية غير كاف للوجوب الشرعي. وأما في مثل إنقاذ الابن عندما كان المولى نائما، فهو ليس لأجل الإرادة التقديرية، بل لأجل الملاك القطعي الفعلي، ويصح العقوبة عند العقلاء على تركه، من


1 - كفاية الاصول: 156 - 157. 2 - يأتي في الصفحة 276 - 281. 3 - مطارح الأنظار: 83 / السطر 17. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 125. (*)

[ 273 ]

غير اشتراط صحة العقوبة بتلك القضية التقديرية. فبالجملة: يمكن دعوى أنه - أي المولى في المثال - لو توجه لكان يريد الإنقاذ، وفيما نحن فيه لا يرى لزوم الإيجاب، لما أن العقل يجد اللابدية، فإذا كانت الملازمة العقلائية مورد الدعوى، فإثباتها بتلك الشهادة ممنوع جدا، والملازمة العقلية لا تناسب كون الإرادة الثانية مقدرة الوجود. ومنها: ما عن العلامة النائيني (1) والأراكي (2) وغيرهما (3) من مقايسة التكوين بالتشريع، فكما أن في الإرادة الفاعلية لابد من الإرادة الثانية والمتعلقة بالمقدمات، كذلك في الإرادة الآمرية. وما أورد عليهم الاستاذ البروجردي (قدس سره): " من أن الإرادة التشريعية ليس معناها ما توهموه " (4) في محله كما عرفت، ضرورة أن متعلق الإرادة التشريعية، ليس صدور الفعل من المأمور، بل متعلقها بعث المكلفين نحو المأمور به، ولذلك لا يتخلف متعلق هذه الإرادة عنها دائما في الحق الأول أيضا. ولكنه لا يضر بمقصودهم هنا، وهو أنه كما في الفاعلية يكون الأمر كذا، فالآمرية مثلها في تلك الجهة. والذي يتوجه إليهم: أن القياس مخدوش، لعدم الدليل على لزوم اشتراك الإرادتين في تلك الجهة، ضرورة أن في الفاعلية لابد عقلا من ذلك، لمكان توقف المعلول على علته، وأما في الآمرية فيمكن أن يصرح المولى بعدم إيجابه المقدمات، وأنها غير داخلة في مورد البعث، وأما تعلق حبه بالمقدمات وشوقه


1 - أجود التقريرات 1: 230 - 231. 2 - نهاية الأفكار 1: 351 - 352. 3 - حقائق الاصول 1: 296. 4 - نهاية الاصول: 201. (*)

[ 274 ]

إليها، فهو أعم من الإرادة، إذ يمكن الشوق الأكيد، ولايكون عقيبه الإرادة والبعث، وقد مضى منا في محله: أن الشوق الأكيد من مقولة الكيف النفساني، والإرادة من فعل النفس، فلاينبغي الخلط بينهما (1). ولا يظهر لي بعد التأمل أنهم كيف يرون الملازمة العقلية بين إرادة الشئ وإرادة مقدماته، بمعنى جعلها واجبة، كجعل ذي المقدمة واجبا، وكيف خلطوا بين الحب والشوق، وبين الإرادة التشريعية، وكيف اعتقدوا أن المولى إذا سئل عنه يجيب بالوجوب ؟ ! مع أنه ربما لا يمكن الإحالة إلى العقل. مع أن الوجوب التقديري غير ما هو المطلوب، وهو الوجوب الغيري الفعلي. وأعجب من ذلك كله توهم العلية بين الإرادتين، ومع ذلك يقول العلامة الأراكي صريحا: " بأن الإرادة الثانية هي الإرادة التبعية " (2) ! ! ومراده من " التبعية " هي التقديرية. ولعمري، إنهم مع الغفلة عن أطراف المسألة، وقعوا في حيص وبيص، والأمر سهل. ومنها: ما نسب إلى الفاضل السبزواري في " الدرر " (3) وقد بسط فيه الكلام، ونقل عنه الدليلين الواهيين، وهما يرجعان إلى واحد بتقريب منا، وهو أحسن مما قربه: وهو أنه لابد وأن تكون المقدمة واجبة، لأن ما هو تحت الاختيار هي المقدمة، وأما ذو المقدمة فليس مورد الاختيار، فلا تكليف


1 - تقدم في الجزء الثاني: 40 - 42. 2 - مقالات الاصول: 322 - 323. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 127. (*)

[ 275 ]

بالنسبة إليه فعليا وإن كان هو المطلوب النفسي، فالعقاب على ترك المقدمة، ولكن الثواب على إتيان ذي المقدمة، فالأمر الغيري مصحح العقاب، لا الأمر النفسي، ولو لم يكن الوجوب الغيري فما يستحق العقاب. وغير خفي: أن مثل ذلك ما في موضع من " الكفاية " (1) أيضا. ولعمري، إن ما أفاده: " من أن من ثمرات الوجوب الغيري، حصول الفسق بالإصرار على ترك الواجب " كان منشأه هذا التقريب. وأنت خبير بما فيه، كما مر مرارا (2)، ولا حاجة إلى التطويل والإطناب، فافهم وتدبر جيدا. الناحية الثانية في أدلة امتناع الملازمة ونقدها قد عرفت: أن الأدلة الناهضة على الملازمة قاصرة، وذكرنا أنه إذا أظهر المولى إرادته الغيرية، وبعث نحو المقدمة، يكون المقدمة واجبة بالغير، وإلا فلا (3)، وعلى هذا يلزم التفصيل الحديث في المسألة، وهو ثبوت الوجوب الغيري في كل مورد أبرز المولى ذلك الوجوب، وإلا فلا وجوب غيري، ولا إرادة. وحيث إن قضية بعض البراهين امتناع الملازمة، فإن ثبت ذلك، فلابد من حمل تلك الأوامر الغيرية على غير الوجوب الغيري المولوي، وإلا فيؤخذ بما


1 - كفاية الاصول: 154. 2 - تقدم في الصفحة 257. 3 - تقدم في الصفحة 267. (*)

[ 276 ]

تقتضيه الظواهر من الوجوب الغيري المولوي. وغاية ما يمكن أن يستدل به على الامتناع، ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (1) ولأجله اعتقد الامتناع، ونحن نذكر ذلك بزيادة تقريب منا، حتى يتم جميع جهات البرهان: اعلم: أن الملازمة المتصورة عقلية كانت أو عقلائية، إما تكون بين البعث إلى ذي المقدمة والبعث إلى المقدمة، أو بين الإرادة المتعلقة به وبها، أو بين البعث المتعلق بذي المقدمة وإرادة المقدمة. ولا سبيل إلى الاحتمال الرابع وإن أمكن، ضرورة أن البعث إلى المقدمة، معلول إرادة ذي المقدمة، ويكون كاشفا عن سبق تلك الإرادة، فلا تبعية كما لا يخفى. وأما التلازم بين البعثين، فهو ممنوع قطعا، ولا يقول به أحد، لأن حقيقة البعث هي ظهور الإرادة الآمرية التشريعية المتعلقة ببعث العبد نحو المأمور به، وكثيرا يوجد الأوامر النفسية في الشريعة من غير تعقبها بذلك البعث، أو تقدم ذاك البعث عليها في الظهور والإبراز. فيكون الأمر دائرا بين الاحتمالين: كون الإرادة الثانية لازم الاولى، أو لازم البعث الأول والأمر النفسي مثلا، فلنا أن نسأل عن هذا اللزوم: فهل الثاني من لوازم ماهية الاولى أو الأول، أو من لوازم وجودهما ؟ لاسبيل إليهما قطعا، ضرورة أن لوازم الماهيات اعتباريات، كاعتبارية أنفسها، ولوازم الوجود معاليل ذلك الوجود، وليست الإرادة الثانية مفاضة بالاولى، ولا بالبعث النفسي: أما الثاني: فهو واضح. وأما الأول: فلأن إرادة المولى قاصرة عن كونها خلاقة لشئ في نفسه،


1 - مناهج الوصول 1: 410 - 411، تهذيب الاصول 1: 279 - 280. (*)

[ 277 ]

بحيث يستند إليها في الوجود من غير مداخلة النفس، لما عرفت أن الملازمة المدعاة، أعم من الملازمة في حقه تعالى، أو في حق سائر الموالي، ولا شبهة في أن كثيرا من الموالي، غافلين عن تلك الإرادة، فلو كانت بينهما العلية فلا يعقل ذلك، بل لابد من دعوى تحققها في النفس دائما مع عدم الالتفات إليها، وهو خلاف الوجدان بالضرورة. فبالجملة: عدم العلية بين الإرادتين، مما لا يكاد يخفى، فأين الملازمة ؟ ! وعند ذلك فلنا أن نقول: إنه وإن كان الأمر كذلك، ولكن المولى مجبور في تلك الإرادة بالاختيار، بمعنى أنه مختار في إرادة ذي المقدمة والبعث إليه، ولكنه إذا حصلت في نفسه تلك الإرادة، يمتنع عليه أن لا يريد: أما في المولى الحقيقي فواضح، لالتفاته إلى التوقف. وأما في غيره، فيريده عند الالتفات، أو تكون الإرادة مرتكزة في نفسه، ولكنه غير ملتفت إليها، فتلك الإرادة معلولة النفس مثلا، والإرادة الاولى أو البعث الأول من المبادئ الوجودية لها، كما لا يخفى. أقول: الأشياء على ثلاثة: أحدها: ما تكون ذات مقام ثبوتي وإثباتي، كالصفات الحسنة والرذيلة. مثلا السخاوة والشجاعة الثبوتية، ماهي من الكيفيات النفسانية القارة في النفس، وهما في مرحلة الإثبات، ما يكون ظاهرا بآثارهما من الأفعال السخية والبطولية، وهكذا غيرهما. ثانيها: ما تكون ذات مقام إثباتي، ولا ثبوت لها، كالحكم، والبيع، وأمثالهما، فإنه بماهيته مرهون الإثبات ومقام الإظهار والإبراز، ولايكون في عالم الثبوت بيع، ولا حكم وإن كان قد يتخيل (1)، ومن هذا القبيل الإرادة.


1 - مقالات الاصول 1: 98. (*)

[ 278 ]

ثالثها: ما تكون عكس ذلك، ومثاله الاختيار. فبالجملة: الإرادة ليست ذات مقام ثبوت، بل هي في كل موقف، لابد لها من متعلق يكون هو المراد، وهو في الإرادة الفاعلية الحركة مثلا، وفي الإرادة الآمرية البعث بإبراز الألفاظ الموضوعة له وهكذا. وأما في الإرادة الذاتية، فهي حقيقة في المعنى المشفوع بالاختيار الذاتي، ولذلك فسرت ب‍ " العلم بالصلاح " فإن الذات المشفوعة بالاختيار الذاتي الملازم مع العلم بالصلاح، لها خاصية تلك الإرادة، وتفصيله في محله (1)، وقد تعرضنا لبعض هذه المباحث في أوائل هذا المقصد (2). فعلى هذا، كيف يعقل الإرادة الآمرية في نفس المولى، وهي غير ظاهرة بإحدى مظاهرها من اللفظ والإشارة وما شابههما ؟ ! وقد مضى: أن ما هو المطابق لوجدان كل ذي وجدان، هي الملازمة بين الإرادة المتعلقة بالبعث إلى ذي المقدمة، وبين الشوق والحب (3) للمقدمات، ولكنهما ليسا الإرادة، ولايكفيان لاعتبار الوجوب والحكم، فما هو في نفس المولى ليس إلا هذه الامور، دون الإرادة. إن قلت: نعم، ولكن للمولى البعث نحو المقدمات أحيانا، كما وقع في الكتاب والسنة كثيرا، ولاسيما بالنسبة إلى المقدمات الداخلية، فيستكشف بذلك التلازم العقلائي مطلقا. قلت: لا يعقل أن يكون هذا البعث مولويا، وذلك لأن العبد لا يخلو من إحدى حالتين: لأنه إما يكون ينبعث من الأمر النفسي، أم لا ينبعث منه، فإن كان ينبعث منه


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - تقدم في الجزء الثاني: 39 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 3 - 5. (*)

[ 279 ]

فلا وجه لانبعاثه من الأمر الغيري، وإن كان لا ينبعث منه فلا وجه أيضا لانبعاثه منه، لأنه أمر غيري لا عقاب عليه، ولا ثواب، فعلى كل تقدير لا ثمرة تترتب على هذا الأمر الغيري، فيكون لغوا، ضرورة أن غرض الآمر من الأمر، ليس إلا بعث العبد نحو المأمور به، وهذا مما لا يحصل من الأمر الغيري، فالأمر الغيري لابد وأن يكون إرشادا إلى حكم العقل في المقدمات الوجودية العقلية، وإلى الشرطية والجزئية في المقدمات الشرعية الداخلية والخارجية. أقول: الأمر كما حقق، ولا شبهة عندنا في عدم الملازمة العقلية، ولا العقلائية بين الإرادتين، ولكن لنا أن ندفع إجبار المولى في إرادته الغيرية بالوجه المزبور: بأن الوجدان حاكم بصحة نداء المولى: بأنه ما أوجب على كل أحد المقدمة، وما أراد من المكلفين - بإرادة مولوية - جميع المقدمات من المطلقة إلى الموصلة والمنتهية، فهل ترى في ذلك عبثا ولعبا في الكلام ؟ ! أم تجد أن هذا موافق للعقل، لأنه بعدما كان العقل يرى اللابدية، فما كان لزوم لتلك الإرادة وذلك الإيجاب. فتحصل حتى الآن: أن الملازمة ممنوعة، وإلزام المولى بتلك الإرادة أيضا ممنوع. وأما دفع شبهة الوالد المحقق - مد ظله - (1) بيانا للامتناع، فلنا دعوى: أن للمولى جعل الثواب على كل خطوة موصلة ومنتهية إلى الواجب، فإن العبد إذا كان يرى الثواب الكثير فينبعث، فلا تلزم اللغوية، فيكون الأوامر الغيرية الواردة في الشريعة، باقية على وجوبها الغيري المولوي. ثم إن العبد تارة: يكون ناظرا إلى ما يترتب من الآثار على المأمور به فعلا وتركا، فيكون انبعاثه من تلك المبادئ، لا من الأمر، فكيف يكون في هذه المواقف الغرض من الأمر بعث العبد ؟ !


1 - تقدم في الصفحة 275 - 276. (*)

[ 280 ]

واخرى: يكون ناظرا إلى القيام بالشكر، وأنه يستقبح التخلف عن فرمان المولى وأوامره، من غير النظر إلى كيفية المطلوب والأمر، فيكون فيما إذا أمر بقوله: " قم فصل " منبعثا عن الأمر الأول في قيامه، وعن الثاني في صلاته، ولذلك يقول: " أمرني أن أقوم واصلي، فقمت وصليت " وهل أكثر من ذلك يعتبر في ثمرة الأمر ؟ ! فإنه بذلك تحصل الإطاعة المرغوب فيها بالنسبة إلى الأمرين: الغيري، والنفسي. فتحصل حتى الآن: أن هذه الأقوال الأربعة كلها غير نقية. والحق: هو القول الخامس في المسألة، وهو أن في كل مورد ورد الأمر الغيري في الكتاب والسنة، فهو مولوي، ويكون مورده واجبا غيريا، دون سائر الموارد، فالوجوب الغيري - كالوجوب النفسي - تابع للإنشاء والإرادة من المولى. والتجاوز عنها إلى غيرها بلا شاهد ودليل، وحمل هذه الموارد على غير الأمر المولوي الغيري، أيضا بلا وجه. نعم، لو قامت القرينة على عدم كونه أمرا مولويا، فلا بأس بالأخذ بتلك القرينة، كما هو الظاهر. تذنيب: حول التفصيل في وجوب المقدمة بين السبب وغيره من المقدمات قد اشير آنفا (1) إلى أن من الطائفة من فصل بين السبب وغير السبب (2). والمراد من " السبب " هو العلة التي تكون هي مورد القدرة، دون المسبب، ويتحدان في الوجود، ويختلفان في اللحاظ والعنوان، ويعبر عنه ب‍ " الأسباب التوليدية ". ولو كان المراد مطلق السبب والمسبب، للزم دعوى: أن نوع الواجبات الشرعية من قبيل الأسباب والمسببات، لأن ما هو مورد القدرة - حتى في مثل


1 - تقدم في الصفحة 268. 2 - معالم الدين: 57. (*)

[ 281 ]

الصلاة - بالذات هي الإرادة والحركة، وأما وجود الصلاة بعنوانها الذاتي، فلا يتعلق بها الإرادة، كما تحرر في الكتب العقلية بالنسبة إلى المركبات التأليفية، والاعتبارية مثلها في هذه الجهة، فإن الهيئة العرضية تعرض الخارج من غير تعلق الإرادة بها بالذات، والصورة الصلاتية مثلها، كما هو الواضح. ونظر المفصل إلى أن معروض الوجوب النفسي، هو المطلوب النفسي، لا المطلوب الغيري وهو السبب، حتى يتوجه إليه ما أورد عليه المتأخرون، فإنه يفصل في وجوب المقدمة، وما نسب إليهم ليس تفصيلا في هذه المسألة. فعلى هذا، اريد أمر آخر: وهو أن صحة العقوبة على المسبب، غير ممكنة بمجرد تعلق الأمر النفسي به، واختيارية السبب وإن كانت كافية لجعل المسبب واجبا، ولكنها لا تكفي لتوجيه العقاب نحوه فلابد من الأمر المصحح لاستحقاق العقوبة، وهو الأمر الغيري، فإنه وإن لم يكن ذا عقاب ولا ذا ثواب، ولكنه مصحح العقوبة على المسبب، وإتيان المسبب مصحح الثواب، لا السبب. وأنت خبير بما فيه أساسا. مع أن إثبات الإرادة الغيرية، لا يمكن إلا بما سبق. ذنابة: حول التفصيل في وجوب المقدمة بين الشرط الشرعي وغيره عن بعض آخر التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره (1)، فإن كان ذلك يرجع إلى أن في مقام الإثبات، يفهم الشرط من الأوامر الغيرية نوعا، فهو يقرب مما ذكرناه، لأن في الكتاب والسنة قلما يتفق الأمر بالمقدمات الوجودية، كما أنه قلما يتفق ذكر الشروط في حال بيان ماهية الصلاة، بل المتعارف إما يكون نفس الشرط


1 - شرح العضدي: 91 / السطر 5. (*)

[ 282 ]

متعلق الأمر كقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا...) * (1). أو يرجع الأمر إلى ذلك، كقوله مثلا: " صل مع الطهور " فإنه ليس أمرا مولويا، لما أن الصلاة قد وجبت بالكتاب، ووجوبها واضح لا يحتاج إلى التأكيد، بل هو راجع إلى قوله: " كن على طهور في الصلاة " أو " أوجد الطهور حال الصلاة " فيكون الشروط الشرعية مورد الأوامر الغيرية، دون الإرشادية، لما عرفت منا (2). وما اشتهر في محله، واشير إليه في كلام العلامة الأراكي هنا: من أن جعل الشروط بالأوامر الغيرية، غير ممكن، بل الشروط اعتبرت في الماهية، ويكون الأمر النفسي المتعلق بها، داعيا إليها (3)، فهو من اللغو المنهي عنه، وقد تبين فساده في مواضع كثيرة. وما أفاده الوالد - مد ظله -: من الدور لو كانت الشرطية في مقام الثبوت، متوقفة على الأمر الغيري (4)، في غير محله، لأن من المحتمل ثبوتا كون الشرطية عند الله تعالى للصلاة، تابعة لأمر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والالتزام بذلك غير الالتزام بأن جميع الأحكام الكلية الإلهية بيده (صلى الله عليه وآله وسلم) فلا تخلط. وأما لو كان نظر المفصل إلى أن مطلق الشرط الشرعي، واجب بالغير، كما يستظهر مما اقيم له، أو استدل به، فهو لا يرجع إلى محصل، لما تقرر: من أن الوجوب الغيري، تابع الإيجاب والإرادة، فإن تعلق بالشرط الشرعي، فيكون هو الواجب الغيري، ومع ذلك ينتزع منه الشرطية، لأن معنى " الوجوب الغيري " ليس


1 - المائدة (5): 6. 2 - تقدم في الصفحة 270 - 271. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 402. 4 - تهذيب الاصول 1: 282. (*)

[ 283 ]

إلا ذلك. وإن تعلق بسائر المقدمات، فهكذا. كما أن بيان الشرطية لا ينحصر بالأمر الغيري، لإمكان أن يقال: " بأن الطهور شرط في الصلاة " أو " لازم فيها " وهكذا مثل أن يقال: " لا صلاة إلا بطهور " (1) فإنه عند ذلك لا يصير هو واجبا شرعيا غيريا مولويا. هذا تمام البحث حول مقدمة الواجب. ومما ذكرنا يظهر البحث حول مقدمة المستحب، وأنه لا تلازم بين الإرادتين ولا البعثين، ولا يلجأ المولى على إرادة المقدمة، ولكنه له جعلها مستحبة للغير. تذنيب: في مقدمة الحرام وأنها هل هي محرمة شرعا بالغير، أم لا، أو يفصل ؟ وقبل الخوض فيما هو محل النزاع ومصب الأقوال، لابد من الإشارة إلى حكم المقدمة التي تكون هي من الأسباب التوليدية بالنسبة إلى الفعل المحرم، بحيث لا يكون الفعل المزبور مورد الإرادة والقدرة، ولا صادرا من المكلف، ثم ينظر إلى غيرها من المقدمات التي ليست هكذا. أما الحق في هذه المواقف: فهو عدم الحرمة، لا تبعية، ولا نفسية، خلافا " للكفاية " (2) والعلامة الأراكي، حيث اختارا حرمتها التبعية (3)، وخلافا للعلامة النائيني، حيث اختار حرمتها النفسية ظاهرا، على ما نسب إليه (4).


1 - تهذيب الأحكام 1: 49 / 144، وسائل الشيعة 1: 315، كتاب الطهارة، أبواب أحكام الخلوة، الباب 9، الحديث 1. 2 - كفاية الاصول: 160. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 402. 4 - أجود التقريرات 1: 249، محاضرات في اصول الفقه 2: 439. (*)

[ 284 ]

أما عدم حرمتها النفسية، فلأن عدم مقدوريته بلا واسطة، لا يستلزم انتقال التكليف إلى السبب، كما مر مرارا: من كفاية الاقتدار عليه بالواسطة (1). وأما عدم حرمتها التبعية، فلأن الملازمة الخارجية الوجودية، تنافي كون أحد المتلازمين محكوما بحكم مضاد للحكم الآخر، وأما لزوم محكوميته بحكم المماثل فلا. وتوهم ترشح الإرادة من باب الملازمة الثابتة في باب مقدمة الواجب، قد فرغنا عنه وعن بطلانها الضروري جدا (2). فبالجملة: حركة المفتاح لو كانت فرضا معلولة لحركة اليد، فهي إن كانت محرمة، فلاتستلزم محرمية حركة المفتاح وإن كان بينهما العلية، ولا يتوسط بينهما الاختيار، ولا الإرادة، ولا يصدر تلك الحركة من المكلف، لأنها مستندة إلى ما يستند إليه، ولكن مع ذلك كله هو فعل المكلف مع الوسط، كسائر أفعاله، فإن الإحراق فعل النار، وفعل المكلف، ويجوز تحريم إحراق الكتب المحترمة عليه، مع كون الإلقاء غير محكوم بحكم. نعم، بناء على عدم خلو الوقائع من الأحكام، فلابد من حكم ثابت للسبب، وهو الحرمة قهرا. اللهم إلا أن يقال: بأنه الإباحة شرعا، ومعناها عدم الحرمة، وإن كان بحكم العقل واجب الترك، فلا تخلط. إذا تبين ذلك، يقع البحث في المقدمات الاخر التي يتوسط بينها وبين ذيها الاختيار والإرادة، فهل تكون هي محرمة مطلقا، أم حال الإيصال، كما أفاده


1 - تقدم في الصفحة 16 و 224. 2 - تقدم في الصفحة 4 - 7. (*)

[ 285 ]

العلامة الأراكي (قدس سره) (1) ؟ أو ليست هي محرمة مطلقا (2)، أو تكون المقدمة الأخيرة محرمة (3)، أم تكون إحدى المقدمات على التخيير واجبة الترك، وتتعين في الأخيرة أحيانا (4)، أم المحرم ما قصد به التوصل إلى الحرام (5) ؟ أم يفصل بين كون المحرم عنوانا وإن لم يصدر بالاختيار، وإن كان لا عقاب إلا على صدوره بالاختيار، وبين ما كان المحرم هو الفعل الصادر بالاختيار والإرادة، كما عن العلامة الحائري (قدس سره) (6) ؟ أو يفصل بين كون معنى النهي طلب الترك، وبين كون معناه الزجر عن الفعل، كما يظهر من الاستاذ البروجردي (قدس سره) (7) ؟ وجوه، بل أقوال. لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى بعض منها، بعد التنبيه إلى ما هو الحق الحقيق بالتصديق: وهو أن الحرام - حسبما تحرر في محله - ليس إلا ما منع عنه الشرع، وزجر المكلفين عن إيجاده (8)، فيكون ما هو مصب الزجر والمنع ومورد الإنشاء والإرادة المتعلقة بالزجر عنه، محرما شرعا، ويؤاخذ به، ويستحق العقوبة عليه، لا على أمر آخر. ولا شبهة في أن العقل حاكم بلزوم تركه، ولا معنى لحرمة شئ


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 402. 2 - كفاية الاصول: 159. 3 - تهذيب الاصول 1: 284. 4 - نهاية الدراية 2: 178، حقائق الاصول 1: 301. 5 - أجود التقريرات 1: 249 - 250، ولاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 439. 6 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 130 - 131، تهذيب الاصول 1: 283 - 284. 7 - نهاية الاصول: 203 - 204. 8 - يأتي في الجزء الرابع: 84 - 86. (*)

[ 286 ]

آخر، ولا لزوم ترك الشئ الآخر، وعلى هذا فما وجه تحريم المقدمة ؟ ! إلا أن يقال: بأن الملازمة الثابتة بين إرادة الواجب النفسي وبين المقدمة، ثابتة هنا أيضا، وقد فرغنا من ذلك، ومن عدم ثبوت تلك الملازمة (1)، فلا تخلط. فما يظهر من السيد الاستاذ (قدس سره) من التفصيل، فهو في غير محله، لأنه إن قلنا بالملازمة، فلا فرق بين المسألتين، وإن أنكرنا فهكذا، فتوهم: أنه على القول: بأن النهي زجر عن الفعل، لا يلزم منه الزجر إلى المقدمات، في غير محله، لأنه إذا كان توقف الزجر عنه في الخارج على الانزجار عن المقدمة، فلابد من إرادة تعلقت بالزجر الثاني. نعم، معروض المحرم الغيري والإرادة الثانية، يختلف مع معروض الوجوب الغيري، كما يأتي. وبعبارة اخرى: البغض الموجب للنهي والزجر عن المبغوض، يورث البغض لما يتمكن العبد عليه، فيزجره عنه، حسب اقتضاء الإرادة والبغض الأول، للإرادة والبغض الثاني العرضي الغيري، فما أفاده غير مرضي. وأما ما اختاره العلامة الأراكي (قدس سره): من أن المحرم هو المقدمة حال الإيصال إلى المحرم، فنظره إلى أن معروض الحرام - بعد ثبوت الملازمة - هو هذا، دون مطلق المقدمة، فيكون المبغوض هي السلسلة التي تلازم بحسب الخارج وجود المبغوض النفسي، وتنتهي إليه. وأنت خبير بما فيه، لما أنه من باب الملازمة العقلية التي ادعاها في الواجب (2)، اختاره هنا، وقد مر فسادها (3)، ولاسيما ما في مختاره من أن المعروض


1 - تقدم في الصفحة 267 وما بعدها. 2 - نهاية الأفكار: 351 - 352. 3 - تقدم في الصفحة 10 - 13 و 272 - 275. (*)

[ 287 ]

هي الذات حال الإيصال، فإنه من الممتنع فيما نحن فيه، كما مر تفصيله (1). وربما يقال: إن الأخيرة محرمة، ويكون المطلوب تركها، وهي الإرادة فقط، وذلك لأن وجود المعلول في الواجب النفسي، لا يمكن إلا باجتماع أجزاء علته، فلابد من جميع العلل حتى يتمكن المكلف من الواجب النفسي، بخلاف ترك المعلول وعدمه، فإنه بانعدام إحدى علل وجوده يتحقق. فإذا كان ضرب اليتيم مثلا - وهو المحرم - موقوفا في وجوده على اشتراء العود، والمشي، وغيرهما، فلابد من إيجادهما، وإذا اريد إعدامه في الخارج فلا يتوقف على ترك المقدمات كلها، حتى يكون الكل مورد البغض والإرادة والكراهة، بل نفس عدم الإرادة كاف في عدم تحققه، فيكون المبغوض ومورد الزجر الإرادة، أو يكون المطلوب العرضي عدم الإرادة، بناء على كون مفاد النهي طلب الترك، فيحدث طلب متعلق بترك الإرادة. وما قيل: " من أن الإرادة ليست قابلة لتعلق التكليف بها " (2) في غير محله، لما تقرر وبرهن عليه مرارا (3). وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن المولى الزاجر عن ضرب اليتيم، إذا كان يجد أن المكلف يتمكن من إيجاد مبغوضه إذا اشترى العود، ومشى إلى محلة كذا، فلابد من أن يزجره عن كل ما يمكنه ويورث انتهاءه إلى المبغوض، ومن تلك المبادئ هي الإرادة، فيزجره عنها. وهنا قول آخر: وهو أن مقتضى كون المطلوب ترك الضرب في المثال


1 - تقدم في الصفحة 197 - 199. 2 - كفاية الاصول: 146، نهاية الدراية 2: 141. 3 - تقدم في الجزء الثاني: 55، وفي هذا الجزء: 226. (*)

[ 288 ]

المزبور، والترك يتحقق بترك إحدى المقدمات، فالواجب ترك إحداها على التخيير، لأن بتركها يترك الحرام قطعا (1). وبعبارة اخرى: إن كان مفاد النهي طلب الترك، فالواجب ترك إحدى المقدمات وإن كان مفاده الزجر عن الفعل، فالمحرم جميع المقدمات، لأنه بها يتمكن من المبغوض النفسي، فلابد من أن يزجره المولى عن الكل، عكس ما تخيله السيد البروجردي (قدس سره) (2). وأما توهم: أن الأخيرة وهي الإرادة، ليست اختيارية، فلا يكون الواحد من بينها لا واجبا تعيينا، ولا تخييرا: أما عدم وجوبه التعييني، فلما اشير إليه. وأما عدم وجوبه التخييري، فلأن عدم اختيارية أحد الأطراف، ينافي التكليف. فهو غير تام، لما أن الإرادة اختيارية، ولأن على تقدير ذلك يكون باقي الأطراف، مورد التكليف التخييري، ولا وجه لسقوطه رأسا، لأن المولى يتشبث لأن يجد وسيلة إلى مرامه، وهو عدم وقوع مبغوضه في الخارج، فعند ذلك يزجر أولا: عن المبغوض، وثانيا: عما يتمكن العبد منه ويمكن تكليفه به، فلا تخلط. وأنت خبير بما فيه من فساد المبنى، فإن النهي ليس إلا منع المكلفين عن إيقاع المادة والمبغوض. مع أن واجب الترك من المقدمات معلوم عنوانا، وهو ما يورث عجز العبد عن المبغوض، فليتدبر، واغتنم. وربما يتوهم: أن المحرم هو خصوص ما قصد به الحرام، فلو اشترى العود


1 - تقدم في الصفحة 285. 2 - تقدم في الصفحة 285 - 286. (*)

[ 289 ]

لضرب اليتيم، فهو محرم غيري، فلابد من تركه (1). وكأنه لما رأى أن مجرد المقدمة المنتهية إلى المحرم، لا يعقل أن يلتزم بحرمتها، فلابد من القيد المزبور حتى نخرج من هذا الاستبعاد. وأنت خبير: بأنه غير كاف لترشح الإرادة الزاجرة إليه، لما تقرر في مقدمة الواجب (2). نعم، يمكن توهم حرمة ذلك من باب آخر، إما لأجل حرمة التجري، وأن حرمة التجري - بالمعنى الأعم - تستلزم حرمته، وإلا فهو ليس من التجري المصطلح، فإنه ما إذا ضرب في المثال المزبور يتيما، ثم تبين أنه كان واجب الضرب، أو جائزه. أو لدعوى اقتضاء طائفة من الأخبار ممنوعية مثله، لما روي أن نية المحرم محرمة، كما في قصة: " القاتل والمقتول كلاهما في النار " فسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) - حسب بعض الأخبار -: هذا القاتل، فما بال المقتول ؟ قال: " إنه نوى قتل صاحبه " (3). وبالجملة: هو المحرم النفسي الأجنبي عما نحن فيه. أو دعوى إلغاء الخصوصية عن آية حرمة التعاون (4)، فإنه من معاونة نفسه على المحرم، فافهم وتأمل جيدا. وأما ما في " الدرر " لشيخ مشايخنا العظام (قدس سرهم) من التفصيل بين


1 - راجع الصفحة 285 / الهامش 5. 2 - تقدم في الصفحة 181 - 182. 3 - تهذيب الأحكام 6: 174 / 347، وسائل الشيعة 15: 148، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، الباب 67، الحديث 1. 4 - المائدة (5): 2. (*)

[ 290 ]

العنوان المبغوض على الإطلاق، وبين ما يكون الإرادة دخيلة في المبغوضية (1)، فلعمري إنه غير راجع إلى محصل، ولاسيما بعد انتهائه في تحرير تفصيله إلى القول بوجوب ترك المقدمة، فإنه واضح السقوط جدا. والذي هو الحق الحقيق بالتصديق على تقدير الملازمة: هو أن الكلام في المقام يدور حول معروض الحرمة الغيرية، وأنه هو كل ما يمكن العبد من المبغوض، أو يكون المحرم كل ما يوصل العبد إلى المبغوض النفسي، أو ينتهي إلى المبغوض الأصلي والنفسي، وبعدما عرفت البحث في مسألة مقدمة الواجب، يتضح لك: أن ما هو معروض الحرمة - وهو المبغوض بالعرض - هي العلة المنتهية إلى المبغوض تحت عنوان " الموصل والمنتهي إليه " فيكون الشرع قد نهى وزجر عن شرب الخمر مثلا، وعن إيجاد الموصل إليه والعلة المنتهية إليه. ولكن المكلف تارة: يعجز عن الشرب بترك المقدمة الاولى من المقدمات الطولية، وعند ذلك يمتثل الأمر الغيري، لأنه بتعجيزه نفسه عن الشرب - بترك المقدمة الاولى - امتثل النهي الغيري، وترك الموصل إلى الشرب. فالفرق بين الواجب والحرام في المقدمة، ليس إلا في هذه الجهة: وهي أنه من ناحية امتثال الأمر الغيري، لابد من إتيان جميع المقدمات المنتهية إلى الواجب، ومن ناحية امتثال النهي الغيري، لا يحتاج إلى ترك جميع المقدمات المنتهية إلى المبغوض الذاتي، بل ترك الاولى كاف. فلو لم يترك الاولى، لا يعد بالنسبة إلى النهي الغيري غير ممتثل، لإمكان ترك الثانية، وهكذا إلى أن ينتهي إلى الإرادة والفعل المحرم، فإن ترك الإرادة فقد امتثل النهي الغيري، وإلا فإن أراد، وتحقق الفعل، فقد اتصفت المقدمات بالحرمة الغيرية.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 130 - 131. (*)

[ 291 ]

ولو أراد، ولم يتحقق الفعل، لعصيان الأعصاب والأوتار تبعية فرمان القلب والنفس، كما قد يتفق، فلا يتحقق التخلف عن النهي الغيري أيضا، لأن المحرم بالحرمة الغيرية هي الموصلة بالفعل، لا الموصل الشأني، كما تحرر في مقدمة الواجب (1). فبالجملة: ما ترى في كلمات القوم من الصدر والذيل، فهو ساقط. وقد خلطوا فيما هو أساس البحث في المسألة: وهو أن في مقام التشريع والجعل، لا فرق بين الواجب والحرام في مقدمتهما، وما هو معروض الوجوب والحرمة، وأن في المحرم ينهى المولى - على الملازمة - عن إيجاد عنوان " الموصل " وفي الواجب يأمر بإيجاده. وأما في مقام الإطاعة والامتثال، فبينهما فرق واضح، فربما من ناحية المحرم، يتحقق امتثال النهي الغيري بترك المقدمة الاولى، أو الثانية، أو الثالثة في المقدمات الطولية، التي يعجز العبد بترك كل واحدة منها عن المحرم النفسي، ويتمكن من المحرم بفعل كل واحد منها، كما في المثال المزبور في السابق. فالبحث عن أن الإرادة متعلق للتكليف، أو ليست متعلقا، أو البحث عن أن مطلق المقدمة واجب تركها، أو واحد منها، أو غير ذلك، كله ناشئ من عدم الوصول إلى مغزى البحث، فليتدبر. وهكذا البحث عن أن الموصوف بالحرمة، هي المقدمات، أو الأخيرة، فإن ذلك تابع لما تعلق به النهي، كما لا يخفى. ذنابة: في ثبوت الحرمة الغيرية في بعض النواهي الشرعية لا بأس بالالتزام بالحرمة الغيرية في النواهي الشرعية الواردة في المركبات


1 - تقدم في الصفحة 206 - 208. (*)

[ 292 ]

الزاجرة عن أشياء، فإنها نواه تحريمية مولوية غيرية، وتورث المانعية والقاطعية، أو شرطية العدم، حسبما تحرر وتقرر في الوجوب الغيري (1). فما اشتهر بين أهل الفضل: من حمل هذه الأوامر على الإرشاد، من التوهم الناشئ من أن الأوامر الإرشادية، غير الأوامر المولوية الغيرية (2)، مع أن الغيرية من الأوامر معناه النظر إلى الأمر الآخر، والمولوية معناها يكون الأمر في مقام التكليف، وبيان وظائف العباد، فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين. إيقاظ: في حرمة الضد والمعاند بناء على الملازمة قد ذكرنا في أوائل هذا الفصل: أن البحث في وجوب المقدمة، ينتهي إلى الملازمة بين الأمر بالشئ والنهي عن مضاداته ومعانداته الوجودية، لأن الملاك المقتضي لوجوب المقدمة، يقتضي حرمة ضده، وممنوعية معانده حرمة غيرية، فلو ثبت الملازمة فهو، وإلا فالكل على حد سواء (3). وهنا نذكر: أن النواهي الغيرية، لا يلزم أن تكون ناشئة عن المحرمات النفسية فقط، بل للمولى أن يتصدى للنهي عن الموانع والقواطع، فتكون هي منهية شرعا، وتلك النواهي نشأت من الأمر النفسي، فيكون ذلك المطلوب النفسي من مبادئها، فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين.


1 - تقدم في الصفحة 134 - 135 و 161 و 163 و 271. 2 - نهاية الدراية 2: 171. 3 - تقدم في الصفحة 10. (*)

[ 293 ]

الفصل السابع في مسألة الضد هل الأمر بالشئ - وجوبيا كان أو ندبيا، لفظيا كان أو غير لفظي - يقتضي النهي عن الضد، ويستلزم حرمة ذلك، أو كراهته، أم لا ؟

[ 295 ]

هل هذه المسألة لفظية أو عقلية ؟ وقبل الخوض فيما يستدعيه البحث عن أصل المسألة من الامور التالية، لا بأس بالإشارة إلى مقدمة: وهي أن هذه المسألة هل هي عقلية أم لفظية ؟ وعلى كل تقدير: هل هي اصولية، أم لغوية، أم تكون من المبادئ الأحكامية، أو التصديقية ؟ أقول: إن كان ملاك عقلية المسألة، وجود الأدلة العقلية في طي البراهين القائمة عليها، فهي عقلية. وإن كان مناطها عدم الاستدلال بالأدلة اللفظية فهي لفظية، لما يأتي من الاستدلالات المختلفة في المسألة نفيا وإثباتا (1). وإن كان سبب عقلية المسألة عنوان الباب، فهي لفظية، لعدم منصوصية لفظة " الاقتضاء " في العقلية، بخلاف لفظ " الأمر ". وأما ما قد يقال: بأن المسألة عقلية، لعدم النظر إلى الأمر الصادر في الشريعة، بل النظر إلى الوجوب الثابت فيها، سواء كان ثابتا باللفظ، أو الإجماع، أو العقل، وأن عنوانها في طي المباحث غالبي، كما عن العلامة النائيني (2) وجماعة


1 - يأتي في الصفحة 311 - 321. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 301، أجود التقريرات 1: 250 - 251. (*)

[ 296 ]

اخرى (1)، فهي مخدوشة، وذلك لأن الوجوب الثابت بالإجماع والعقل، إن كان هو المعنى الثبوتي - وهو الشوق النفساني - فهو ليس من الوجوب الاعتباري الذي هو المستلزم أحيانا للنهي. وإن كان ذلك الوجوب هو الوجوب الإنشائي القانوني المجعول على الكل، فهو لابد وأن يكون في قالب لفظي أو غير لفظي يشبه اللفظي. فبالجملة: يتقوم الوجوب بالإنشاء والإبراز، وأما لزوم تبعية المولى في ملاكات أحكامه أحيانا، فهو أجنبي عن هذه المسألة عنوانا، لما أنه ليس من الوجوب رأسا. نعم، المرام اللازم استيفاؤه، كالأمر في الاقتضاء واللا اقتضاء، كما يأتي إن شاء الله تعالى (2). ثم إنه لابد من جامع بين الوجوب والندب في تحرير البحث، وذلك الجامع هو الأمر. وأما الوجوب والندب الثابتان بالعقل والإجماع، فلا جامع لهما، وتصير النتيجة حينئذ أخص، كما لا يخفى. هذا مع أن حرمة الضد المقصود إثباتها ثمرة لهذه المسألة، لاتترتب على الوجوب المتعلق بالشئ عند جمع (3)، لإمكان أن يتوهم أن الحرمة تستظهر من النهي الناشئ من الأمر، فلو قال المولى: " تجب الإزالة من المسجد " فلا يستفاد منه إلا عدم وجوب ضدها، وأما حرمة ضدها فهي تتوقف على النهي، والنهي لا يكون إلا باعتبار الأمر. فتحصل منا إلى هنا: أن ما تعارف في عصرنا من توهم أن المسألة إما عقلية


1 - مقالات الاصول 1: 339، منتهى الاصول 1: 300 - 301، محاضرات في اصول الفقه 3: 5. 2 - يأتي في الصفحة 355. 3 - مقالات الاصول 1: 341، مناهج الوصول 2: 16 - 17، محاضرات في اصول الفقه 3: 39 و 49. (*)

[ 297 ]

أو لفظية (1)، غير نقي جدا، بل هذه المسائل عقلية باعتبار، ولفظية باعتبار آخر، ولاضير في ذلك كما ترى. وإن شئت قلت: إذا نظرنا إلى مقام الثبوت، وأن الإرادة المتعلقة بإيجاب شئ، تلازم إرادة تحريم ضده - من غير النظر إلى اللفظ - فالمسألة عقلية. وإذا نظرنا إلى مقام الإثبات، وكان المولى أفاد الوجوب بالأمر، فيمكن أن تكون المسألة لفظية، لأن من الممكن دعوى دلالة الأمر على النهي، ودلالة النهي على الحرمة، فيتوسط بين حرمة الضد وإرادة الوجوب شئ آخر، وهو النهي. وأما لو أفاد الوجوب بمادته وبالمفهوم الاسمي، فلا شبهة في عدم دلالته على النهي بالضرورة. فبالجملة: كون الوجوب تارة: يستفاد من اللفظ، واخرى: من العقل أو الإجماع، لا يورث كون المسألة لفظية، بل الوجوب لأجل استفادته تارة: من الأمر، واخرى: من مادة الوجوب، يورث كون المسألة على الأول لفظية، وعلى الثاني عقلية. إعضال: على العنوان المعروف للمسألة لاشبهة في أن عنوان المسألة لو كان على المعروف (2)، فلا يشمل ما لو استند الوجوب الثابت للشئ إلى غير الأمر، لأنه لا يقتضي النهي بالضرورة لفظا، ولا عقلا، بل يقتضي الحرمة، وهي غير النهي.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 301، منتهى الاصول 1: 300، محاضرات في اصول الفقه 3: 5 - 6. 2 - أي: الأمر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أم لا ؟ الفصول الغروية: 91 / السطر 27، مطارح الأنظار: 103 / السطر 30، كفاية الاصول: 160. (*)

[ 298 ]

وإن تصرفنا فيه، وجعلنا عنوان البحث هكذا: " إيجاب شئ هل يقتضي حرمة ضده أم لا ؟ " فلا يشمل المندوب، مع أنه أيضا داخل في محط البحث، وتكون المسألة عند ذلك عقلية قطعا. وهكذا تكون المسألة عقلية إذا قلنا في عنوان البحث: " هل طلب الشئ يقتضي حرمة ضده أم لا ؟ " والاستدلال بالأدلة اللفظية على إثباته حينئذ، لا يورث خروجها عن العقلية، كما لا يخفى. فعلى هذا، يختلف العناوين في لفظية المسألة وعقليتها، فلا تخلط، والأمر سهل. ذنابة: في بيان اصولية المسألة ولغويتها هذه المسألة لغوية في نظر، واصولية، لانطباق قانون المسألة الاصولية في نظر آخر عليها، ولا ضير في ذلك. وأما كونها من المبادئ الأحكامية، لرجوعها إلى البحث عن ملازمات الأحكام، كما أفاده العلامة البروجردي (قدس سره) (1) فهو ساقط، لعدم الأساس للمبادئ الأحكامية حسب العلوم المتعارفة. نعم، يمكن الالتزام بها في خصوص علم الاصول، كما سيظهر في مسألة اجتماع الأمر والنهي، فانتظر (2). وإن شئت قلت: تختلف هذه المسألة باختلاف عناوين الباب، فإن قلنا: بأن المسألة عقلية، وذكرنا في عنوانها ما اشير إليه (3)، فهي اصولية وليست لغوية. وإن جعلنا العنوان المشهور فهي لغوية من جهة، واصولية، لأنها حجة على المسألة


1 - نهاية الاصول: 206. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 127 - 130. 3 - تقدم في الصفحة 295 - 296. (*)

[ 299 ]

الفقهية الفرعية. وإن شئت قلت: المسائل اللغوية هي المسائل التي إذا ثبت كل طرف منها، يثبت حدود الموضوع له، والمسائل الاصولية هي المسألة الواقعة كبرى قياس الاستنتاج والحجة على الفرعية، وهي ليست محفوظة في كل طرف من طرفي هذه المسألة، بل بعد الفراغ عن أن الأمر يدل على النهي، يحتج به على فساد الصلاة عند المزاحمة مع الإزالة مثلا، فتلك المسألة دليل هذه المسألة، فلا تخلط، والأمر بعد ذلك كله سهل. إعادة وإفادة الأقرب أن يقال في عنوان البحث: إن طلب الشئ - إيجابا كان أو ندبا - هل يقتضي الزجر عن ضده - تحريما كان أو كراهة - اقتضاء عقليا أو لفظيا، أم لا ؟ فيقول جمع: بعدم الاقتضاء مطلقا (1)، ويمكن أن يقال: بالاقتضاء مطلقا (2)، ويمكن التفصيل بين أنحاء الأضداد (3)، كما يمكن التفصيل بين الاقتضاء العقلي


1 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 85 - 86، شرح العضدي: 199، مناهج الوصول 2: 17 - 20، محاضرات في اصول الفقه 3: 49 - 50. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 218، الفصول الغروية: 92 / السطر 16 - 20. 3 - كالتفصيل بين الضد العام والضد الخاص: معالم الدين: 62 - 64، قوانين الاصول 1: 108 / السطر 16، كفاية الاصول: 160 - 165، نهاية الأفكار 1: 360، نهاية الاصول: 208، والتفصيل بين الضدين اللذين لهما ثالث والضدين لا ثالث لهما: معارج الاصول: 73، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 304، والتفصيل بين الضد الموجود والضد المعدوم: المحكي عن المحقق الخوانساري، مطارح الأنظار: 108 / السطر 18، والتفصيل بين ما إذا كان فعل الضد رافعا للتمكن من الواجب وعدمه: المحكي عن صاحب المقابس، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 388 / السطر 9. (*)

[ 300 ]

واللفظي (1). ومن يقول بالاقتضاء في مقام الدلالة، يستكشف به الملازمة الثبوتية بين الإرادتين طبعا وقهرا. ولك التفصيل بين كيفية الطلب، فإن كان بصورة الأمر فهو يقتضي إجمالا، وإن كان بصورة غير الأمر - كالإشارة ونحوها مثل مادة الوجوب - فلا يقتضي كلا، أو ينحصر اقتضاؤه في العقل دون اللفظ. إذا عرفت ذلك، فلنقدم امورا نحتاج إليها في تحقيق المرام في المقام: الأمر الأول: في شمول البحث للنواهي أيضا لا يختص هذا البحث بالأوامر، بل يأتي في النواهي، وهو أن النهي عن الشئ، هل يقتضي الأمر بضده أم لا، والزجر عن الشئ - تحريما كان أو تنزيها - يورث الأمر بضده أم لا، فإذا قال: " لا تصل في وبر كذا " فهل يقضي الأمر بترك الصلاة فيه في الضد العام وهكذا، أم لا ؟ الأمر الثاني: في عدم الفرق بين الأمر بالفعل والترك لافرق بين كون المأمور به فعل شئ، أو ترك شئ، فإذا قال: " اترك الصلاة " فبناء على الاقتضاء، يكون فعل الصلاة مورد النهي. وربما يترتب على هذا ثمرة خاصة، وهي أن أمر الحائض بترك الصلاة أيام الأقراء، لا يستلزم بطلانها، بخلاف النهي عنها، وهكذا الأمر بترك البيع وقت النداء، فتأمل.


1 - انظر معارج الاصول: 73، مناهج الأحكام والاصول: 61 / السطر 14. (*)

[ 301 ]

الأمر الثالث: في المراد من الاقتضاء أفاد القوم ب‍ " أن المراد من " الاقتضاء " معنى أعم من الاستلزام، لذهاب بعض إلى العينية (1)، والبعض الآخر إلى التضمن (2)، ولا جامع بين الأقوال، على وجه يمكن اندراج الكل في عنوان المسألة " (3) فيكون تفسيره ب‍ " الأعمية " من المجاز، وهو غير جائز في أمثال المقام، ولذلك قال السيد المحقق الوالد: إن القول بالعينية والتضمن من الواضح فساده فيكون " الاقتضاء " باقيا على حاله، أو يبدل العنوان بتبديل كلمة " الاقتضاء " إلى " الاستلزام " (4). أقول: لست أظن أن يقول أحد بالعينية في مقام اللفظ والمفهوم اللفظي الوضعي، فإن معنى " العينية " هو اتحاد الموضوع له في الأمر والنهي، والالتزام بالوضع الخاص في المركبات، وهذا ما لا يلتزم به العاقل. فعلى هذا، يكون المراد من " العينية " هي الوحدة في مقام الثبوت، كما يقال: " إن الأمر بترك الصلاة عين النهي عن الصلاة ". وحيث أن المحرر في مقره: أن الدلالة التضمنية ليست من الدلالة الوضعية كالالتزامية (5)، فيكون المراد من " الاقتضاء " معناه الظاهر. فلا تغتر بما في صحف المتأخرين، من البحث حول الدلالة المطابقية


1 - الفصول الغروية: 92 / السطر 16، لاحظ شرح العضدي 1: 199. 2 - معالم الدين: 62 - 63. 3 - مطارح الأنظار: 117 / السطر 16، كفاية الاصول: 160، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 301، محاضرات في اصول الفقه 3: 8. 4 - مناهج الوصول 2: 8 - 9، تهذيب الاصول 1: 287 - 288. 5 - لاحظ شرح الإشارات 1: 28 - 29، شرح المطالع 30 / السطر 5 - 12، شروح التلخيص 3: 262 - 265. (*)

[ 302 ]

والتضمنية (1)، بل قضية ما عرفت منا: أن أحدا لا يقول بالاولى، والثانية ليست من اللفظية، فيحفظ عنوان المسألة، فتدبر. الأمر الرابع: في بيان التفصيل بين أنحاء الأضداد إن من الأقوال في المسألة، التفصيل بين أنحاء الأضداد (2)، فيكون المراد من " الضد " هو المقابل للشئ غير المجامع معه، تقابلا بالتضاد، أو بالسلب والإيجاب. هذا، وعلى تقدير كونه تقابلا بالتضاد، لا فرق بين كونه تقابلا مشهوريا، أو حقيقيا (3). مثلا: إذا أمر المولى بإزالة النجاسة من المسجد، فمقابله على السلب والإيجاب هو ترك الإزالة. ومقابله على التضاد الحقيقي - اعتبارا لا واقعا - هي الصلاة أو الجلوس أو الكنس، معينا أو غير معين. وأما المضاد الحقيقي، فلا يكون للإزالة إلا ما يكون تحت نوعها القريب، فلا تخلط. ومقابله على التضاد المشهوري، الأمر الوجودي الجامع بين الأضداد الخاصة، وهو الاشتغال غير الإزالي، بناء على أن يكون ترك الشغل أيضا، نوعا من الشغل. والأمر بعد ذلك كله سهل، لوضوح المرام. وبعبارة اخرى: تكون المقابلة بين الإزالة وتركها، ويكون الترك - وهو


1 - الفصول الغروية: 92 - 93، مطارح الأنظار: 120 - 121، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 302، نهاية الأفكار 1: 377. 2 - تقدم في الصفحة 299. 3 - الحكمة المتعالية 2: 118، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 116 - 117. (*)

[ 303 ]

العدمي - من الضد العام، لاشتماله على الأضداد الوجودية الخاصة، وانطباقه عليها ولو عرضا. وأيضا: تكون المقابلة بينها وبين كل واحد من الأضداد الوجودية، ويسمى هذا ب‍ " الضد الخاص " سواء كان معينا، أو غير معين. وثالثة: تحصل المقابلة بينها وبين الوجودي العام والجامع بين الأضداد، وهو أيضا من الضد العام، فليتدبر. إذا عرفت هذه الامور، فاعلم أن البحث في مرحلتين:

[ 305 ]

المرحلة الاولى في الضد العام هل أن طلب الشئ أو الأمر به، يقتضي الزجر والنهي عن ضده العام - وهو نقيضه أو ما في حكمه - أم لا ؟ أو يفصل بين الضد العام الوجودي فلا، وبين العدمي فنعم ؟ وغير خفي: أن الذي كان ينبغي، هو تقديم هذا البحث على مسألة الضد الخاص، وذلك لأن من مقدمات براهينه الآتية (1) اقتضاءه الضد العام، كما أن من مقدماته وجوب المقدمة شرعا، وحيث فرغنا عن مسألة وجوب المقدمة، فلابد من البحث عن اقتضاء الضد العام، حتى ندخل في البحث الآتي من غير الاحتياج إلى المدخل الموضوعي. فنقول: الأقوال في هذه المسألة كثيرة، فقول بأن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده العام (2)، وقول بالتضمن (3)، وقول بالالتزام بالمعنى الأخص (4)، وقول


1 - يأتي في الصفحة 311 - 312 و 319 - 321. 2 - الفصول الغروية: 92 / السطر 16، لاحظ شرح العضدي 1: 199. 3 - معالم الدين: 63. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 303. (*)

[ 306 ]

بالمعنى الأعم (1)، وقول بعدم الاقتضاء (2). والأخير هو الأوفق بالتحقيق، ولعمري إن المسألة واضحة وإن حكى (3) عن جمع: أن اقتضاءه من الأمر المفروغ عنه، وإنما الخلاف في كيفية الاقتضاء والدلالة (4). وبالجملة: من توهم العينية (5)، فكأنه كان لأجل أن حقيقة النهي عبارة عن طلب ترك الشئ، فإذن يكون معنى " لا تترك الصلاة " أي أطلب منك ترك ترك الصلاة، وهو عين قوله: " صل " وإذا كان مراده من " العينية " هي العينية المصداقية، أو العينية في المبادئ، أو العينية في المصالح والملاكات، كان لما أفاده وجه، وإلا فهو ساقط، وعلى قائله العقول ساخطة. وهكذا من توهم التضمن (6)، فكأنه أراد منه أن حقيقة الأمر هي طلب الشئ، مع المنع من الترك، فينحل قوله: " صل " إلى طلب الصلاة، والنهي عن تركها. ويتوجه إليه: - مضافا إلى ما في الكتب المفصلة (7) - أن عنوان البحث أعم من الأمر الوجوبي، وبناء على مسلكه يخرج الأمر الندبي عن حريم النزاع، وهو


1 - مناهج الأحكام والاصول: 61 / السطر 15، قوانين الاصول 1: 113 / السطر 12. 2 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 85 - 88، شرح العضدي: 199، مناهج الوصول 2: 117 - 120، محاضرات في اصول الفقه 3: 49 - 50. 3 - نهاية الاصول: 206. 4 - معالم الدين: 62، فرائد الاصول 1: 302، نهاية الأفكار 1: 376 - 377. 5 - الفصول الغروية: 92 / السطر 16، لاحظ شرح العضدي 1: 199. 6 - معالم الدين: 63. 7 - قوانين الاصول 1: 113 / السطر 9 - 12، هداية المسترشدين: 225 / السطر 23، الفصول الغروية: 93 / السطر 31. (*)

[ 307 ]

خلاف التحقيق. ثم إن القائل بالعينية والتضمن، لا يريد الاتحاد في المفاهيم التصورية، فإنه لا يقول به الجن ولا الإنس، بل مقصوده لزوم ترشح الإرادة من الكراهة وبالعكس، كما في مسألة مقدمة الواجب، وقد فرغنا من ذلك تفصيلا، أن حديث لزوم الترشح، غير راجع إلى محصل حتى مع الالتفات والتوجه، فضلا عن الغفلة والذهول (1)، فعلى هذا يسقط القول بالاستلزام بكلا معنييه أيضا. والمسألة لا تحتاج إلى مزيد بيان وتجشم استدلال، ضرورة أن الألفاظ تابعة في الدلالة لوضعها، ولا شبهة في أن لفظة " النهي " و " الترك " و " ترك الترك " لاتدل إلا على حدود الموضوع له، وكذلك لفظة " الأمر " و " الصلاة ". وغير خفي: أن من يقول بالاقتضاء بأي معنى من معانيه، لابد له من أن يقول: بأن النهي عن الشئ يقتضي الأمر بضده العام، وهو ترك شرب الخمر، فإذن يلزم التسلسل، لأن الأمر بالشئ يقتضي النهي، والنهي يقتضي الأمر... وهكذا، فإذا انقطعت السلسلة في الأثناء، فلنا أن نقول بانقطاعها من الأول، فلا اقتضاء رأسا. ومن العجب تعرض الأصحاب تفصيلا لهذه الأقوال (2)، مع أنها لا تحتاج إلى مزيد بيان في الإبطال. وبعبارة اخرى: أخذ بعضهم في البحث هنا جدا، مع أنه بالمزاح أولى وأقرب، والله المستعان.


1 - تقدم في الصفحة 3 - 5. 2 - معالم الدين: 62 - 67، الفصول الغروية: 92 - 93، مناهج الأحكام والاصول: 61 - 62، مطارح الأنظار: 120 - 121. (*)

[ 308 ]

ذنابة قد تحصل، أن غاية ما يمكن أن يتوصل به لتقريب الاقتضاء، هو أن إرادة فعل الصلاة، تستلزم إرادة الزجر عن تركها، والحب المتعلق بفعل الصلاة، يلازم كراهة تركها، ولا نحتاج في لزوم النهي الثاني عقيب الأمر إلى الكراهة الذاتية، والمصلحة التي على حدة، أو المفسدة المستقلة، بل يكفي لاعتبار الحرمة تلك الكراهة التبعية القهرية الحاصلة من تلك المصلحة الكامنة في فعل الصلاة. وما في كتبهم من الإشكال على الاقتضاء (1)، يندفع بهذا التقريب، كما لا يخفى على أهله. نعم، يتوجه إليه: أن مع الالتفات يحصل في النفس الكراهة من الترك، ولكنها ليست هي الحرمة، أو النهي والزجر، لأن هذه الامور اعتبارية إنشائية متقومة بالإظهار والإبراز، فلو تصدى المولى بعد الأمر بالصلاة، للنهي عن تركها تحريما، فهو يستلزم اعتبار الحرمة زائدا على وجوب فعلها. مع أن مقتضى ما سلكه المتأخرون - من احتياج الحكم إلى المفسدة والمصلحة الكامنة في متعلقه (2) - عدم إمكان وقوع التحريم وإن صرح به المولى، وهذا خلاف التحقيق، لأن اعتبار تعدد الحكم بيد المولى، ويكفي لذلك إدراكه تشديد الأمر في المسألة، فإذا أدرك أن الصلاة مما يهم أمرها، فيأمر بها، وينهى عن


1 - معالم الدين: 67، كفاية الاصول: 161، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 303. 2 - كفاية الاصول: 414، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 326، محاضرات في اصول الفقه 3: 70. (*)

[ 309 ]

تركها مستقلا، ويصرح بالعقابين. فالمسألة بحسب الثبوت مما لا إشكال فيها. وأما بحسب الإثبات، فلا اقتضاء من قبل الأمر بالنسبة إلى النهي عن نقيضه وضده العام، سواء كان ضده العام العدمي وهو الترك، أو ضده العام الوجودي، وهو جامع الأضداد الخاصة، أو الضد العام الآخر، وهو أحد الأضداد لا على التعيين. إن قلت: لو توجه العبد إلى كراهة المولى لشئ كراهة تامة، فعليه الامتثال بالانزجار عنه، ولا نعني هنا من الحرمة المقصودة إلا ذلك. قلت: نعم، هذا يتم فيما كانت الكراهة الموجودة في نفسها أصلية، لا ترشحية، أي في مثل كراهته لشرب الخمر يجب اتباعها بتركه، ولكن في كراهته لترك الصلاة بعد الأمر بها وإيجاب فعلها فلا، بل هذا متقوم بالإبراز والجعل، كما هو الظاهر. ومما ذكرناه يظهر ضعف ما أفاده القوم في هذه المسألة، وانحرافهم عن كيفية تقريبها، ويتبين أن مع نص المولى على التحريم يمكن الالتزام بالحرمة، خلافا لما يظهر من بعضهم، وإن لا تعرض في كلامهم لتلك الجهة من البحث، فافهم واغتنم. وفذلكة الكلام: أن المسألة ذات أقوال متخالفة غايتها، لأن من قائل بالاقتضاء بنحو العينية (1) أو ما يقرب منها (2)، ومن قائل بعدم إمكان تحريم الضد العام (3) ولو تكفل المولى له، والقول العدل هو الوسط، كما عرفت وتبين، بحمد الله، وله الشكر.


1 - الفصول الغروية: 92 / السطر 22. 2 - معالم الدين: 63. 3 - مناهج الوصول 2: 16، تهذيب الاصول 1: 296. (*)

[ 311 ]

المرحلة الثانية في الضد الخاص وقيل: " عدم اقتضائه هنا من الأمر المفروغ عنه، وكان النزاع في الاولى " (1) واشتهر القول بالاقتضاء عن جمع (2). وقيل: بالتفصيل، فإن كان المأمور به مع ضده من الضدين لا ثالث لهما فنعم، وإلا فلا إلا باللزوم بالمعنى الأعم (3). والذي هو الحق عدم الاقتضاء، وما يمكن أن يستند إليه للاقتضاء امور: الأمر الأول: دلالة الأمر بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على ذلك كما قيل به في المرحلة الاولى (4). وفيه ما لا يخفى، ولا يدعيه أحد، وإن كان يمكن تقريبه على الوجه الماضي


1 - حكاه في نهاية الاصول: 206. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 1: 218، مناهج الأحكام والاصول: 61 / السطر 14، غرر العوائد من درر الفوائد: 58. 3 - فوائد الاصول 1: 304 - 305. 4 - تقدم في الصفحة 307. (*)

[ 312 ]

في المرحلة الاولى، كما لا يخفى، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى (1). الأمر الثاني: قاعدة التلازم وهذا البرهان موقوف على ثبوت مقدمات ثلاث: الاولى: أن كل ضد ملازم مع نقيض ضده. الثانية: أن كل ملازم متحد حكما مع ملازمة الآخر. الثالثة: أن حكم نقيض كل شئ ضد نقيضه الآخر. وبعبارة اخرى: المتناقضان مختلفان حكما بالتضاد والمقابلة. هذا ما هو البرهان بالإجمال، وتفصيلها: أما المقدمة الاولى: فهو أن الإزالة مثلا ضد الصلاة، وهما غير مجتمعين في زمان واحد، فإذن تجتمع الإزالة مع نقيض الصلاة وهو عدمها، لئلا يلزم ارتفاع النقيضين، وحيث لا تكون الإزالة عين العدم المزبور، لعدم معقوليته، فهما متلازمان في الصدق، مثل التلازم في الصدق بين عنواني " مستقبل القبلة " و " مستدبر الجدي " في هذه الآفاق. وقد أورد عليها المحقق الوالد - مد ظله -: بأن نقيض كل شئ، رفعه بالسلب المحصل، لا بالإيجاب العدولي (2). ومعناه: أن " الصلاة " لاتصدق على فعل الإزالة، لا أن " عدم الصلاة " يصدق على فعل الإزالة. وبعبارة اخرى: فعل الإزالة ضد الصلاة، فلا يصدق عليه " الصلاة " لا أنه يصدق عليه " عدم الصلاة " حتى يتوهم التلازم بين فعل الإزالة وعدم الصلاة.


1 - يأتي في الصفحة 318 - 319. 2 - مناهج الوصول 2: 17 - 18، تهذيب الاصول 1: 297 - 298. (*)

[ 313 ]

وأنت خبير: بأن ما أفاده في غاية المتانة حسب القواعد العقلية المراعى حالها في العلوم والقضايا، ولكن الذي هو المهم هنا: هو أن فعل الإزالة بعدما يكون موضوع القضية فيما نحن فيه، هل يصدق عليه " الصلاة " أم لا ؟ والجواب: أنه لا يصدق عليه " الصلاة " كما أفاده. وهنا سؤال آخر: وهو أنه هل يصدق عليه " عدم الصلاة " أم لا ؟ من غير النظر إلى المناقضة وأحكام التناقض في القضايا. والجواب هنا: نعم، لأن فعل الإزالة لا يسلب عنه عدم الصلاة. نعم، ليس العدم من الحيثيات الواقعية في موقع الصدق، ولذلك قيل: " إن ما ينطبق عليه العدم هو المصدوق عليه، لا المصداق " (1) ولكنه يكفي تخيلا، لما يمكن جعل مثله موضوعا للحكم الشرعي، وللحكم عليه: بأنه ملزوم لكذا، فإنه وإن لا يكون مورد المصلحة ولا المفسدة، ولكن لا يعتبر المصالح والمفاسد في شخص متعلقات الأحكام، بل يكفي لحاظ المصلحة في موضوع آخر، لجعل الحكم على موضوع ملازم إياه. مثلا: التروك في الإحرام وإن لم تكن قابلة واقعا للمفاسد النفس الأمرية، ولكن لمصالح اخر اجبر المولى على جعل الوجوب على التروك، مع أن في فعلها مفسدة، أو فيما يلازم تركها مصلحة. فما قد يتوهم واشتهر: من أن مصب الأوامر والنواهي على مذهب العدلية، ذومصالح ومفاسد (2)، في غير محله، والذي يقتضيه مذهب العدلية أن لا تكون


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 47 - 48، نهاية الحكمة: 21 - 22. 2 - كشف المراد: 347، هداية المسترشدين: 211 / السطر 26، الفصول الغروية: 126 / السطر 22 - 23، كفاية الاصول: 414، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327، مقالات الاصول 1: 309. (*)

[ 314 ]

الأحكام جزافية، ليس إلا. ومن هنا ينقدح الإيراد الآخر على هذه المقدمة: بأن هذا العدم ليس بحسب الخارج ذو حيثية، حتى يكون موضوعا لحكم (1). ويندفع بما مر. ولك جعل هذا إيرادا على المقدمة الثانية. والأمر بعدما عرفت حقيقته، سهل جدا، وسيأتي الإيماء إليه. إن قلت: لا ملازمة بين فعل الإزالة وعدم الصلاة، ضرورة أنهما من الضدين اللذين لهما الثالث، فإن القعود في المسجد ليس من فعل الإزالة، فالملازمة ممنوعة جدا (2). قلت: هذا ما تخيله العلامة النائيني (رحمه الله) وأنت خبير: بأن البحث هنا حول أن الأمر بالشئ، يقتضي الزجر عن ضده أم لا، فإذا ثبت التلازم بين المأمور به وعدم الصلاة، فهو يكفي مقدمة للبرهان المذكور، ولا حاجة إلى التلازم بين عدم الصلاة وفعل الإزالة، فإنه ولو كان أعم لا يضر بالمقصود، كما هو غير خفي على ذوي الأفهام. فتبين حتى الآن: أن الإيرادين المذكورين عن العلمين، قابلان للذب. وأما المقدمة الثانية: فاورد عليها: أولا: بأن التوافق في الحكم بين المتلازمات غير لازم، بل اللازم هو عدم التخالف في الحكم (3)، ولا يعقل أن يكون الاستقبال واجبا، واستدبار الجدي حراما،


1 - مناهج الوصول 2: 18. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 304. 3 - كفاية الاصول: 164، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 303 - 304، نهاية الأفكار 1: 364 - 365. (*)

[ 315 ]

أو مستحبا، أو مكروها، أو مباحا، ضرورة أن جعل هذه الأحكام وترشح الإرادة بالنسبة إليها، يناقض الإرادة المتعلقة بإيجاب الاستقبال، ولكن لا يلزم ترشحها، فيكون على هذا ذلك الملازم - وهو الاستدبار - بلا حكم، فالفعل الإزالي واجب، ولكن ترك الصلاة لا واجب ولا محرم، وهكذا الوفاء بالدين واجب، وترك الصلاة ليس واجبا. وثانيا: لا يعقل أن يكون العدم موضوعا لشئ، سواء كان من الأعدام المطلقة، أو كان من الأعدام المضافة. وما تسمع من النهي عن ترك الصلاة، والترهيب بالنسبة إلى تاركها، ومن تروك الإحرام وغيرها، كلها ترجع إلى وجوب الفعل، وتعلق الحب الشديد بالفعل وهكذا (1)، وذلك لأجل أن العدم لاحظ له من الوجود، ولا يعقل إيجاده وامتثاله حتى يأمر به أو ينهى عنه، بل هو لا شيئية محضة. وما اشتهر: " من أن الأعدام المضافة لها حظ من الوجود " (2) من الغفلة في التعليم. نعم، العدم مقابل الملكة، هو قوة الوجود، ويكون هو مجرد اصطلاح، وإلا قوة الوجود من الوجودات الخارجية، ولمكان إفادتهم: " أنه قوة الكمال " عبر عنه ب‍ " العدم " كما تحرر في محله (3). وأنت خبير بما في الإيراد الأول، فإن مقتضى ما ذهب إليه الأصحاب - رضي الله عنهم - وهو عدم خلو الوقائع عن الأحكام (4)، اعتبار حكم لعدم الصلاة.


1 - مناهج الوصول 2: 18، تهذيب الاصول 1: 298. 2 - كشف المراد: 40، الحكمة المتعالية 1: 344، و 2: 108. 3 - الحكمة المتعالية 2: 117، الشواهد الربوبية: 64. 4 - مفاتيح الاصول: 437 / السطر 9، كفاية الاصول: 164، درر الفوائد، المحقق الحائري: 351، وقاية الأذهان: 368، حقائق الاصول 1: 313. (*)

[ 316 ]

اللهم إلا أن يقال: بأنه لو تم فرضا، يصح في غير عنوان العدم المزبور، وإلا يلزم أن يكون كل موضوع، ذا حكمين بالنسبة إلى اعتبار وجوده واعتبار عدمه، وينحل - بعبارة اخرى - إلى حكمين: حكم إيجابي، وحكم سلبي، وهذا ظاهر الفساد. نعم، بناء على ما ذهب إليه القوم من ترشح الإرادة في مبحث مقدمة الواجب (1)، فلابد من الالتزام بوجوب عدم الصلاة، لأنه مثل المقدمة، وإن لا يكون بملاكها، كما لا يخفى (2). ولكنك أحطت خبرا بما فيه، وأن ترشح الإرادة قهرا مما لا أساس له في مثل الإرادة التشريعية (3). وأما ما قيل: من امتناع إيجاب الملازم فيما نحن فيه، لأنه لغو، كما أفاده السيد الوالد - مد ظله - في مبحث المقدمة (4)، فلا يعقل أن يكون عدم الصلاة واجبا نفسيا، ولا غيريا. فهو ساقط، لما تحرر: أن للمولى تشديد الأمر في مثل ما نحن فيه، لترغيب الناس إلى محبوبه، وذلك التشديد كما يمكن أن يكون بجعل العقاب الشديد عند ترك الإزالة، يمكن أن يجعل العقاب المستقل عند ترك ترك الصلاة، فلا تلزم اللغوية (5). وتفصيل ذلك تحرر وتقرر في بحث المقدمة (6).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 262، أجود التقريرات 1: 230 - 231، نهاية الدراية 2: 171، نهاية الأفكار 1: 351 - 353. 2 - انظر مناهج الوصول 2: 16 - 17. 3 - تقدم في الصفحة 4 - 5. 4 - مناهج الوصول 1: 411، تهذيب الاصول 1: 279 - 280. 5 - تقدم في الصفحة 308 - 309. 6 - تقدم في الصفحة 275 - 280. (*)

[ 317 ]

وبعبارة اخرى: يصح إيجاب الاستقبال مستقلا، وإيجاب استدبار الجدي مستقلا، وجعل العقاب على ترك كل واحد، نظرا إلى ترغيب الناس، ووصوله إلى مقصوده. وأما الإيراد الثاني، فهو مندفع بما عرفت ذيل المقدمة الاولى: من أن الموضوعات القابلة لأن تكون محل الأحكام الاعتبارية الشرعية، أعم من كونها الوجوديات أو العدميات (1)، فإن للشارع لحاظ ترك شرب الخمر وإيجابه، ولايجوز التصرف فيه بتوهم، أن ما هو المجعول هو الحرمة، بل المجعول هو الوجوب، وامتثال كل حكم بحسب حال موضوعه، ويكفي وجود مفسدة شرب الخمر لاعتبار الوجوب على تركه في عالم التشريع والاعتبار. ومن الخلط بين العقليات وبين الاعتباريات والتشريع، وقعت أغلاط كثيرة في كتب القوم. ولأجل هذا التدقيق ذكرنا في محله: أن الصلاة واجبة، ولعنوان " تارك الصلاة " أحكام اخر خاصة (2)، وهذا العنوان ليس يصدق بمجرد ترك الصلاة مرة، بل هو عنوان اعتبر فيه الإدمان، ولا معنى لإرجاع تلك الأحكام إلى ترك الصلاة مرة، ولا إلى أن هذا العنوان عدم، ولا شيئية للعدم (3). بل لنا فيما إذا ساعد الدليل، الالتزام بوجوب الفعل، وحرمة الترك، كما في مثل حلق اللحية، فإنه محرم مثلا، وهنا عنوان آخر وهو واجب، وهو عنوان " إعفاء اللحى " (4) فتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 313 - 314. 2 - لم نعثر على ما أفاده (قدس سره) في ما بأيدينا من كتبه. 3 - مناهج الوصول 2: 18. 4 - الفقيه 1: 76 / 332 و 334، وسائل الشيعة 2: 116 - 117، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمام، الباب 67. (*)

[ 318 ]

وأما المقدمة الثالثة: فهي متوقفة على القول بأن الأمر بالشئ نهي عن ضده العام، وقد مر في مقدمات المسألة: أن المأمور به لا يشترط كونه أمرا وجوديا (1)، بل الجهة المبحوث عنها أعم، فإذا قال المولى: " اترك الصلاة " فتركها واجب، فيكون فعلها منهيا عنه ومحرما، وهو المطلوب. ويتوجه إليه: فساد المبنى، كما تحرر في المرحلة الاولى من المبحث (2)، فلايتم المطلوب والمقصود. وأما توهم: أن مع وجوب الترك لا يعقل حرمة الفعل، لأنها لغو، سواء كانت نفسية، أو غيرية (3)، فهو مندفع بما مر: في توهم لغوية وجوب تركها للاستلزام، وقد اشير إليه آنفا. فهذا الدليل غير تام، لأجل سقوط المقدمة الأخيرة فقط، ولا يتوجه إليه سائر التوهمات (4)، فافهم. تذنيب: تقريب الدلالة الالتزامية بوجه آخر ربما يتوهم: أن الأمر بالشئ عين النهي عن ضده، إذا لم يكن الثالث بينهما، كما في الحركة، والسكون المعلول للإرادة، فإنه أمر وجودي.


1 - تقدم في الصفحة 300. 2 - تقدم في الصفحة 305 - 307. 3 - مناهج الوصول 2: 16 - 17، محاضرات في اصول الفقه 3: 38 - 39. 4 - لاحظ كفاية الاصول: 164، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 303 - 304، نهاية الأفكار 1: 364 - 365. (*)

[ 319 ]

وهكذا عين ضده إذا كان بينهما العدم والملكة، كما في الحركة، والسكون الأعم من السكون الإرادي. أو أن الأمر بالشئ يستلزم باللزوم البين بالمعنى الأخص، ذلك الضد (1). أقول: وهنا تقريب آخر اشير إليه في الأمر الأول إجمالا (2)، وهنا تفصيله: وهو أن المولى الآمر بشئ يكون هو محبوبه ومطلوبه، يكون - بحكم العقل - زاجرا عن مضاداته وممانعاته، فكما يعلن وجود الاقتضاء في أداء الدين وفعل الإزالة، يكشف عن مضاده وممانعاته الوجودية، ويكون ساخطا عليها، ومبغضا إياها، فتترشح الإرادة الثانية من الإرادة الاولى متوجهة إلى تلك الأضداد والمقابلات، سواء كان بينهما ثالث، أو لم يكن، فينهى عنها، حذرا من خلاف الحكمة المقتضية إياه. وأما توهم اختصاص النهي بصورة دون صورة، تمسكا بذيل العرف (3)، فهو غير مرضي جدا، وما هو الجواب هنا هو الجواب في مبحث المقدمة (4)، لأن مجرد المنافرة القلبية من الضد، لا يلازم إرادة الزجر عنه، لجواز اتكائه على حكم عقل المكلفين، كما هو الواضح والظاهر. الأمر الثالث: قاعدة الاستلزام وهي أن إتيان الصلاة مثلا مستلزم للمحرم، ومستلزم المحرم محرم، فالصلاة محرمة. فهنا دعاو ثلاث:


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 304 - 305، أجود التقريرات 1: 253 - 254. 2 - تقدم في الصفحة 311. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 304. 4 - تقدم في الصفحة 271 و 280. (*)

[ 320 ]

الاولى: وهي صغرى المسألة، أن الصلاة التي هي ضد المأمور به، تستلزم ترك المأمور به، ضرورة امتناع الامتثال بهما معا. والثانية: أن ترك المأمور به وهي الإزالة حرام، لأنه الضد العام، والأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام قطعا. والثالثة: أن مستلزم الحرام حرام، لأنه من الأسباب، والسبب محرم في باب مقدمة الحرام، أو لما مر: من أن المتلازمين متفقان في الحكم (1)، وإلا يلزم خلو الواقعة من الحكم، وهو خلاف مذهب الخاصة (2)، فالصلاة - وهي ضد الإزالة - منهي عنها، وتكون محرمة. وغير خفي: أن هذا التقريب يخالف التقريب السابق. وأما توهم: أن الاستلزام غير صحيح، لأنه فرع كون أحدهما في الرتبة المتأخرة عن الآخر، مع أن الصلاة في رتبة ترك الواجب، وليست تستلزم ذلك، بل هو ينطبق عليها قهرا. فهو قابل للاندفاع: بأن البحث ليس في مقتضيات مدلول الاستلزام لغة، بل النظر إلى أن الصلاة من الأسباب المنتهية إلى ترك الواجب، وحرمة مثل هذه المقدمة بديهية. أقول: سيأتي البحث حول هذه المسألة في الأمر الرابع مفصلا. وعلى كل تقدير يكفي لسقوط هذا الوجه، ما تحرر منا في محله: من أن مستلزم المحرم والمقدمات التوليدية ليست محرمة (3)، وأن الأمر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده


1 - تقدم في الصفحة 312. 2 - تقدم في الصفحة 315. 3 - تقدم في الصفحة 283 - 284. (*)

[ 321 ]

العام بالضرورة (1). بل عدم الاقتضاء هنا، أولى من عدم الاقتضاء في الضد الخاص، ضرورة أن ترك الواجب مما لا يحتاج إلى النهي عنه، ويكون للعقل سبيل إلى مبغوضيته العرضية الترشحية، بخلاف الضد الخاص، فإنه ربما يكون للعقل سبيل إلى احتمال محبوبيته في الرتبة المتأخرة، فلابد من النهي عنه، قضاء لحق عدم الإهمال في ناحية فعل المحبوب والواجب على الإطلاق، أي على المولى سد الموانع، وإيجاد المقتضي في عالم التشريع، لأجل الوصول إلى المرام والمقصود، وعند ذلك ينهى عن الأضداد، لأن في ترك نهيه إخلالا بغرضه، وهو خلاف الحكمة. الأمر الرابع: وهو عمدة الوجوه المستدل بها على حرمة الضد الخاص (2) وأن الأمر بالشئ يورث الزجر عنه. وهذا يتوقف على دعاو ثلاث حتى يتبين المطلوب: الاولى: أن ترك أحد الضدين مقدمة للضد الآخر، فترك الصلاة مقدمة لفعل الإزالة والوفاء بالدين. الثانية: أن مقدمة الواجب واجبة. الثالثة: أن الترك الواجب يستتبع حرمة الفعل، لأن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام بالضرورة، فتكون الصلاة منهيا عنها. ويكفي لفساد هذا الوجه بطلان الدعويين الاخريين، كما تبين سابقا، وذكرنا: أن وجوب المقدمة ليس دائميا، بل هو دائر مدار إيجاب الشرع (3)، وقلنا في هذه


1 - تقدم في الصفحة 305 - 309. 2 - هداية المسترشدين: 230 / السطر 1 - 3، الفصول الغروية: 92 / السطر 32 - 34. 3 - تقدم في الصفحة 271 و 280. (*)

[ 322 ]

المسألة: إن الأمر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده العام مطلقا (1)، فلايتم المطلوب مطلقا، كما لا يخفى. وحيث جعل الأصحاب - رضوان الله عليهم - الدعوى الاولى مورد البحث والكلام في هذا المقام (2) - تشحيذا لأذهان الأعلام - من غير الحاجة إليه، ولاسيما إطالتهم حولها وحول الأقوال والاحتمالات الممكنة في المسألة، فلا بأس بالإشارة الإجمالية أولا: إلى بيان حول المقدمة الاولى، وثانيا: حول الأقوال في المسألة، وثالثا: حول ما هو الحق فيما بينها. فالكلام على هذا في النواحي الثلاث: الناحية الاولى: في تقريب أن عدم أحد الضدين وتركه، مقدمة للضد الآخر لاشبهة في أن الشئ بعدما ثبت إمكانه وتحققه، فلابد وأن يستند في طائفة من الحقائق، إلى العلة التامة المركبة من المقتضيات، والشرائط، وعدم الموانع. وأما طائفة اخرى منها فيكفي لوجودها نفس حقيقة العلة البسيطة. ففي تلك الطائفة، لا يعقل مع الإخلال بالمقتضي أو الشرط أو عدم المانع، وجود المعلول، فعند ذلك يتبين: أن عدم المانع من الامور الدخيلة في تحقق المعلول، لأن الضد - وهو المانع - يمنع عن وجوده ويضاد تحققه بالضرورة، وحيث تتقدم العلة على المعلول، فتتقدم بجميع أجزائها عليه، سواء كان من قبيل التقدم بالعلية، أو من قبيل التقدم بالطبع، كما إذا قيس ولوحظ منفردا، لا منضما.


1 - تقدم في الصفحة 305 - 309. 2 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20، هداية المسترشدين: 230 - 231، مطارح الأنظار: 108 - 112، كفاية الاصول: 161. (*)

[ 323 ]

الناحية الثانية: في ذكر الأقوال في المسألة وأنت خبير: بأن ما هو الحجر الأساس في المقام، إثبات أن عدم أحد الضدين، مقدمة للضد الآخر دفعا ورفعا، وإثبات أن ترك الصلاة، مقدمة لفعل الإزالة وإن لم يشرع في الصلاة. وأما سائر الأقوال فهي غير لازمة هنا، ولا مهمة في البحث. وهذا هو القول المشهور في المسألة (1)، واستند إليه - على ما نسب إليهما (2) - صاحب " الحاشية " (3) و " القوانين " (4). ولكن لمزيد من الاطلاع نقول: الأقوال في المسألة أربعة، وقيل: خمسة (5)، بناء على كون مقالة الكعبي قولا في المسألة. الأول: ما نسب (6) إلى الحاجبي والعضدي، وهو أن كل واحد من عدم الضد ووجوده، مقدمة لوجود الضد الآخر وعدمه، فيكون كل واحد من عدم السواد ووجوده، مقدمة لوجود البياض وعدمه (7). نعم، في الضدين اللذين لهما ثالث، يكون عدم السواد مقدمة ناقصة، وفيما لا ثالث لهما مقدمة منحصرة.


1 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20 - 22، مناهج الأحكام والاصول: 61 / السطر 21 - 24، الفصول الغروية: 92 / السطر 33. 2 - مطارح الأنظار: 108 / السطر 16. 3 - هداية المسترشدين: 230 / السطر 1 - 3. 4 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20. 5 - مطارح الأنظار: 108 / السطر 18. 6 - الفصول الغروية: 94 / السطر 22، مطارح الأنظار: 104 / السطر 11. 7 - شرح العضدي: 90 و 96 - 97 و 199. (*)

[ 324 ]

الثاني: ما هو المعروف بين فضلاء العصر، من نفي المقدمية في جانب الوجود والعدم مطلقا (1). الثالث: ما نسب إلى الكعبي، من مقدمية الضد لترك الضد (2)، وبذلك أنكر الإباحة، توهما أن ترك المحرمات لا يمكن إلا بالاشتغال بإحدى المباحات، فيكون هذا واجبا من باب المقدمة. الرابع: ما نسب إلى العلامة الخونساري (قدس سره) من أن ترك الضد، مقدمة لوجود الضد الآخر رفعا، لا دفعا (3)، أي سواد الجسم ضد البياض، فلابد من إعدام السواد الموجود لحلول البياض، وأما إذا لم يكن في الجسم سواد، فلا مقدمية لعدمه بالنسبة إلى البياض بالضرورة. وهكذا فيما نحن فيه، الاشتغال بالصلاة ضد الاشتغال بالإزالة، فلا يعقل تحققها إلا بإعدامها، وأما إذا كان تارك الصلاة بالمرة فلا معنى لكون ترك الصلاة مقدمة للإزالة، كما هو الظاهر. الخامس: التفصيل المومأ إليه في القول الثاني (4). الناحية الثالثة: فيما هو الحق في هذه المسألة، وهو انتفاء المقدمية ويظهر ذلك بالإشارة إلى جهات الضعف في التقريب السابق (5)، وهي كثيرة، نشير إلى بعض منها:


1 - أجود التقريرات 1: 255، نهاية الاصول: 210، منتهى الاصول 1: 307 - 308. 2 - شرح العضدي: 96 / السطر 20. 3 - مطارح الأنظار: 107 / السطر 14، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 377 / السطر 14. 4 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20 - 21، الفصول الغروية: 93 / السطر 6. 5 - تقدم في الصفحة 322. (*)

[ 325 ]

فمنها: أنا إذا راجعنا وجداننا في الأعيان الخارجية، وكيفية تلونها بالألوان المتضادة، نتمكن من أن نحكم بجواز أن يوجد جسم متلونا بلون السواد من غير أن يسبق عليه عدم البياض سبقا زمانيا، ولا غير زماني، وما هذا إلا لعدم مدخلية عدم الضد في طرو الضد الآخر. وأما دخالة عدم السواد الموجود في الجسم في طرو البياض، فهو أيضا اشتباه، لأن صدق " عدم كون الجسم أسود " كاف لقابلية الجسم للبياض، ولا يعتبر صدق " كون الجسم غير أسود " حتى يقال: بأن هذا المحمول يعتبر في تحقق ضده، وهذا من الخلط بين القضية السالبة المحصلة، والموجبة المعدولة، وسيظهر حل المسألة بوجه عقلي وعلمي. ومنها: أن في جميع موارد توهم شرطية عدم المانع، يرجع الأمر إلى شرطية ضد المانع. مثلا: ما اشتهر " من شرطية عدم الرطوبة لتأثير النار " فهو في الحقيقة معناه اشتراط اليبوسة، فإذا قيل: " عدم السواد شرط عروض البياض " فهو معناه أن الإمكان الاستعدادي والقابلية الخاصة، معتبر في عروض اللون المخصوص، ولا يكفي مجرد التجسم في ذلك العروض، وتلك القابلية منتفية بلون السواد، وثابتة عند فقده، فلا يكون عدم السواد شرطا، بل هناك أمر آخر وجودي يلازم ذلك. والذي هو اس المسألة: أن العدم سواء كان عدما مطلقا أو مضافا، لا يحكم عليه بالأحكام السارية إلى الخارج، ولايكون موضوعا، لأنه السلب والباطل والعاطل، وما هو حقيقته اللاحقيقة، كيف يحكم عليه " بأنه مقدمة لكذا " أو " الأمر الوجودي مقدمة لذلك العدم الكذائي " ؟ ! وهذه القضايا تسويلات نفسانية، لا محاكاة لها في الخارج، فإن الخارج

[ 326 ]

ظرف الوجودات، ولا معنى لاتصافه بالأعدام، إلا الأعدام التي تقع حذاء الملكات، وهي في الحقيقة قوة الوجودات، كما اشير إليه في السابق (1). فكون الإنسان متلونا بلون الصلاة، لا يجتمع مع تلونه بلون فعل الإزالة، ولكن يكفي لعروض اللون الثاني صدق " أنه ليس متلونا بلون الصلاة " ولا يعتبر كونه متلونا بلون عدم الصلاة في تلونه بلون فعل الإزالة. وإن شئت قلت: لا يعتبر إرادة ترك الصلاة في تحقق إرادة فعل الإزالة، بل يكفي عدم إرادة فعل الصلاة لحصول تلك الإرادة. وهذا هو العدم الصرف الذي لا محكي له في الخارج، ولا يمكن أن يتخيل مقدمية ذلك، لأنه لا شئ محض، ومن الاختراعات النفسانية، على الوجه المحرر في كتابنا " القواعد الحكمية " (2). فما اشتهر: " أن ترك الصلاة مقدمة " (3) إن اريد منه أن إرادة ترك الصلاة لازمة، فهو واضح المنع. وإن اريد عدم إرادة فعل الصلاة، بأن لا يكون المكلف متلونا باللون الصلاتي، فهو اعتبار صحيح، ولكنه ليس مقدمة، ولا يعقل مقدميته، لأنه القضية السالبة المحصلة الصادقة حتى في ظرف انتفاء موضوعها. ولعمري، إن من ألف هذا البرهان من هذه المقدمة (4)، كان ينظر إلى الإطلاقات العرفية، غفلة عن أن الحقائق الحكمية، لاتقتنص من تلك الإطلاقات،


1 - تقدم في الصفحة 315. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20 - 21 و 113 / السطر 18 - 25، الفصول الغروية: 108 / السطر 12، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 296، أجود التقريرات 1: 243. 4 - قوانين الاصول 1: 108 / السطر 20، هداية المسترشدين: 230 / السطر 1 - 3. (

[ 327 ]

وليس هنا محل التسامح، لأن في موقف إقامة البرهان العقلي، لابد من إعمال القوة الفكرية غايتها ونهايتها، كما هو غير خفي على أهلها. تتميم: في إبطال بعض الوجوه الاخر المذكورة لنفي المقدمية من البيان المزبور انقدح ما في الكتب الكثيرة، والوجوه الاخر المتمسك بها لإبطال المقدمية (1)، التي هي مشتركة في أخذ العدم شيئا وموضوعا للحكم. ومن تلك الوجوه قولهم: ب‍ " أن عدم الضد في رتبة الضد الآخر " فكيف يكون هو مقدمة للضد، والمقدمة ليست في رتبة ذي المقدمة (2) ؟ ! هذا مع أن العدم الذي هو في الرتبة، هو العدم البديل، لا العدم الواقعي المجامع، وما هو مورد نظر المستدل هو العدم المجامع الذي يتخيل خارجيته، فإن ما هو مقدمة الأمر الخارجي، لا يكون مفهوما صرفا. وهكذا قولهم بلزوم الدور (3)، فإن عدم الضد لو كان مقدمة للضد، فالضد مقدمة لعدم الضد الآخر، بل الثاني أولى، بخلاف الأول، إلا في الضدين لا ثالث لهما كما مر (4)، فما في " الكفاية " (5) غير راجع إلى التحقيق في المسألة. وهكذا ما أفاده العلامة النائيني: من الحكم بأن عدم المعلول فيما إذا كان مستندا إلى عدم المقتضي، لا يستند إلى المانع، وفيما نحن فيه عدم الإزالة يستند إلى عدم إرادته، لا إلى وجود المانع، ضرورة أن عدم المعلول لا شئ محض لا يستند


1 - هداية المسترشدين: 230، مطارح الأنظار: 108 / السطر 21، كفاية الاصول: 161 - 163. 2 - كفاية الاصول: 163. 3 - هداية المسترشدين: 230 / السطر 9، مطارح الأنظار: 108 / السطر 26، كفاية الاصول: 161. 4 - تقدم في الصفحة 323. 5 - كفاية الاصول: 162. (*)

[ 328 ]

إلى شئ مطلقا حتى يختلف أنحاء الاستناد في الرتبة (1). ولقد اشغلت صفحات كتب بعض تلاميذه بهذا المعنى المسامحي (2) الذي تحرر في محله: أنه إطلاق عوامي، لا واقعية له (3). بل قد عرفت منا: أن المانع في الواقع والحقيقة، يرجع إلى الاختلال بالشرط المعتبر، إما في فاعلية الفاعل، أو قابلية القابل، وليس أمرا وراء ذلك حتى في التكوينيات، فضلا عن التشريعيات والتدوينيات (4)، فاغتنم. ومن العجيب ما في حاشية العلامة الأصفهاني (قدس سره)، حيث قال: " فالتحقيق الذي ينبغي ويليق: هو تسليم مقدمية عدم الضد لوجود الضد الآخر بنحو التقدم بالطبع ". ثم أضاف: " أنه لا يجدي الخصم، إذ ليس كل متقدم بالطبع يجب بالوجوب المقدمي، كما عرفت في أجزاء الواجب (5)، فإن الجزء له التقدم الطبعي، لكنه حيث لا وجود للأجزاء بالأسر وراء وجود الواجب النفسي، فلا معنى لإيجابها بوجوب غيري زيادة على وجوبها النفسي " (6) انتهى ما أردنا نقله. وأنت قد أحطت خبرا: بأن العدم المجامع - وهو العدم الزماني للضد - مقدم على الضد، ولكنه ليس له المقدمية لوجود الضد بالضرورة، وما هو مقصودنا هو إثبات مقدمية العدم للوجود، وهو مستحيل. وعلمت في محله: أن الأجزاء الداخلية داخلة في محط البحث عن وجوب


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 307 - 308، أجود التقريرات 1: 255. 2 - محاضرات في اصول الفقه 3: 10. 3 - الحكمة المتعالية 1: 350. 4 - تقدم في الصفحة 325. 5 - نهاية الدراية 2: 27. 6 - نفس المصدر: 186. (*)

[ 329 ]

المقدمة (1)، مع أن هذا العدم من أجزاء علة الواجب، لا من أجزاء الواجب. فبالجملة: لايتم ما أفاده القوم في إبطال المقدمة الاولى (2)، مع أنها باطلة بالضرورة. تذنيب: حول مختار الكعبي تارة: يسند إلى الكعبي إنكار الإباحة (3). واخرى: يسند إليه أن الحكم دائر بين الواجب والحرام (4). ومقتضى برهانه هو الثاني، لأن ترك الحرام لا يمكن إلا بالاشتغال بفعل ما، سواء كان من مقولة الحركة، أو من مقولة السكون، فلابد من إيجاب هذا الاشتغال، مقدمة لترك الحرام الواجب، ومقدمة الواجب واجبة، فتكون جميع الأحكام واجبة، وهذا غير جائز التزام مثله به، للزوم إنكار المستحب. ولو أجاب: بأن الأفعال بعناوينها الذاتية مستحبة، وبعنوان آخر واجبة (5)، قلنا مثل ذلك القول بالنسبة إلى المباحات الشرعية. وأنت تقدر على الاطلاع على أماكن ضعف كلامه من جهات شتى، لا معنى لصرف العمر حوله. ويلزم على رأيه وجوب الاشتغال بالمكروه، لعدم الفرق بين أنحاء المقدمة عقلا.


1 - تقدم في الجزء الأول: 14. 2 - تقدم في الصفحة 327. 3 - لاحظ شرح العضدي 1: 203 / السطر 3، معالم الدين: 68. 4 - محاضرات في اصول الفقه 3: 42. 5 - هداية المسترشدين: 237 / السطر 36. (*)

[ 330 ]

تذنيب آخر: في حكم الشك في مقدمية ترك أحد الضدين لو شك في مقدمية ترك أحد الضدين للضد الآخر، فهو يرجع إلى الشك في جواز تركه، وفي حرمة الفعل، فيلزم جريان البراءة شرعا وعقلا، ولازمه صحة العبادة، وجواز فعل الضد. وربما يقال: إن البراءة العقلية من الوجوب المقدمي لا معنى لها، وإذا كان فعل الإزالة واجبا معلوما، يصح العقاب على تركه إذا كان مستندا إلى ترك تلك المقدمة المشكوكة، وهي ترك الصلاة. وأما البراءة الشرعية فيشكل إجراؤها، لأنه على تقدير كون الترك مقدمة، فالوجوب المتعلق به - بحكم العقل - على حد الوجوب المتعلق بفعل الإزالة، وهو الضد، وحيث هو - في هذه الحالة - حكم منجز، فهكذا مقدمته، فلا يعقل الترخيص، لأن من شرائط الترخيص الفعلي إمكان الترخيص، وهو هنا محال. وبعبارة واضحة: إن ارتضاء المولى في موارد البراءة الشرعية معتبر، وهنا لا يرتضي بذلك، لأن وجوب الإزالة معلوم، فلا تصل النوبة إلى إجرائها بالنسبة إلى المقدمة، لأنه على تقدير المقدمية غير راض بالترك (1). أقول: هذا ما أفاده " الدرر " (رحمه الله) وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن الوجوب الغيري ليس مصب الأدلة، لعدم فائدة في رفع الوجوب الغيري، ولا امتنان في ذلك. وأما توهم: أن النهي المترشح من الأمر الغيري، يورث فساد العبادة، وإذا كان الأمر الغيري مورد الرفع، فلا نهي حتى يلزم البطلان (2)، فهو غير تمام، لما


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 134 - 135. 2 - لاحظ مطارح الأنظار: 107 / السطر 35 - 37. (*)

[ 331 ]

سيأتي من أن مثل هذا النهي، ليس نهيا في العبادة. مع أنه لو كان من النهي في العبادة، فإيراثه البطلان محل الإشكال، كما سيظهر. الخاتمة: في ثمرة المسألة وهي كثيرة، نذكر بعضا منها: الأولى: بناء على الاقتضاء يلزم تعدد العقاب في الضد العام والخاص، ويكون الترك محرما تكليفا، وهكذا الضد الخاص، وهي الصلاة أو غيرها. الثانية: يلزم كونه مصرا على المصية، بناء على أن الإصرار يتحقق بالمعصيتين. وربما يتوجه إلى حرمة الضد الخاص: أن هذا النهي لمكان ترشحه من الأمر المقدمي، لا يكون ذا تبعة من العقاب والفسق (1)، كيف ؟ ! وأمره المقدمي يكون كذلك، ولا يعقل زيادة الفرع على الأصل. هذا إذا كان البرهان على الاقتضاء، مسألة مقدمية ترك الضد للضد. وإذا كان غيره من الوجوه الاخر، فيقال: إن هذا النهي لا يكشف عن المفسدة، ولا يكون إرشادا إلى الشرطية أو المانعية، فلا يكون مفسد العبادة. فبالجملة هو نوع نهي غير النواهي المتعارفة. أقول: هذه الشبهة قابلة للاندفاع، ضرورة أن الإرادة الغيرية إذا كانت مترشحة، وإرادة الزجر والنهي أيضا مترشحة قهرا ولا بالاختيار، فللإيراد


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 316، أجود التقريرات 1: 262، مناهج الوصول 2: 20. (*)

[ 332 ]

المزبور مجال (1). وأما على ما هو الحق: من أنها ليست خارجة عن الاختيار، بل المولى مع التوجه إلى أطراف المسألة، يأمر بترك الصلاة، ولمزيد الاهتمام ينهى عن الصلاة، فيكون النهي صادرا عن المبادئ المستقلة النفسانية الموجودة في النفس على حدة، مع لحاظ المصلحة الخاصة، وهو الاهتمام بشأن فعل الإزالة، فلا منع من كون النهي مستتبعا للعقاب والفسق، ولا نحتاج في النواهي النفسية والمولوية إلى أزيد من ذلك. واختفاء مثل هذا التحقيق على أفاضل القوم (2) لا يعجبني، والذي هو العجيب خفاؤه على الوالد - مد ظله -، فظن أن مثل هذا النهي ليس يستتبع شيئا، وهما أنه لا يكشف عن مفسدة في المقام (3)، غافلا عن أن النفسية المولوية لاتتقوم بالمفسدة أو المصلحة في المتعلقات، بل يكفي لذلك عدم كونها عبثا وجزافا، كما مر مرارا (4). وبعبارة اخرى: ملاحظة المزاحمة كافية لتحريم المزاحم، ويكون هو حراما مستقلا ومنهيا واقعا. وهنا شبهة اخرى متوجهة إلى حرمة الضد العام، ومندفعة بما اشير إليه: وهي أنه كيف يعقل ترشح إرادتين، إحداهما: متعلقة بفعل شئ، والاخرى: متعلقة بتركه ؟ أو كيف يعقل كون شئ في تركه المفسدة أو المصلحة، مع أنه عدم، ولا شيئية للعدم (5) ؟


1 - تقدم في الصفحة 278 - 280. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 137، الهامش 1، أجود التقريرات 1: 262، محاضرات في اصول الفقه 3: 880. 3 - مناهج الوصول 2: 20. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 234، وفي هذا الجزء: 313 - 314. 5 - لاحظ مناهج الوصول 2: 17. (*)

[ 333 ]

وجه الاندفاع: ما مر منا في المرحلة الاولى من البحث، ويكفيك إن كنت شاعرا ما أفدناه هنا (1). فبالجملة تحصل أن الالتزام بترتب الثمرتين ممكن. الثالثة: بطلان العبادة إذا كانت ضدا، لما أن النهي عن العبادة يورث الفساد، ففي المثال المعروف في المسألة، يلزم بطلان الصلاة عند ترك فعل الإزالة، لأنها تكون مورد النهي حسب الفرض. ويمكن دعوى جريانها في الضد العام أيضا، ضرورة أن الأمر بترك الصلاة حال الإقراء والحيض، لا يدل على الفساد إلا برجوعه إلى النهي عرفا، أو استلزامه النهي عن فعلها وضدها وهي الصلاة فقوله: " دعي الصلاة أيام إقرائك " (2) يستلزم النهي عنها، وهو يستلزم الفساد. بل تأتي في المعاملات، كما نشير إليه (3). ومن العجب، أن الأصحاب - رضي الله عنهم - مع كونهم في موقف ذكر ثمرة المسألة، لم يذكروا للضد العام ثمرة (4) ! ! مع أنه قيل: " إن النزاع ليس في الضد العام، ضرورة أن الاقتضاء كان مفروغا عنه عندهم " (5) فهو كان أولى بذكرها من الضد الخاص، كما لا يخفى.


1 - تقدم في الصفحة 313 - 314. 2 - الكافي 3: 83 / 1، تهذيب الأحكام 1: 381 / 1183، وسائل الشيعة 2: 276، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 3، الحديث 4 و 287، الباب 7، الحديث 2 و 288، الباب 8، الحديث 3. 3 - يأتي في الصفحة 338. 4 - قوانين الاصول 1: 113 / السطر 16، الفصول الغروية: 95 / السطر 14، مطارح الأنظار: 118 / السطر 31، محاضرات في اصول الفقه 3: 50. 5 - معالم الدين: 62، نهاية الاصول: 206. (*)

[ 334 ]

شبهات وتفصيات الشبهة الاولى: ما مر آنفا من أن الأمر المقدمي، لا يستتبع إلا النهي المسانخ معه في عدم استتباعه لشئ، وقد اجيب بما لا مزيد عليه. ومثله ما قيل: " إن النهي في هذه المسألة مقدمي، لا يكشف عن فساد في متعلقه، ولايكون إرشادا إلى الفساد، سواء كان دليل الاقتضاء قاعدة الاستلزام والملازمة، أو مسألة مقدمية ترك الضد للضد (1). وأنت قد عرفت: أنه على كل تقدير، يمكن أن يكون مولويا، كما في صلاة الحائض، أو إرشادا إلى اشتراط عدم انتزاع مفهوم المزاحمة للأهم منه (2). الشبهة الثانية: أن الواجب الغيري لو كان مطلق المقدمة، كان وجها لفساد الصلاة، للنهي عنها. وأما إذا كان المقدمة الموصلة، فلا يلزم تعلق النهي بعنوان الصلاة، بل النهي يتعلق بنقيض ترك الصلاة الموصل إلى فعل الإزالة، ونقيضه هو ترك هذا الترك المقيد المنطبق على الصلاة، فيكون مورد النهي خارجا عن الصلاة، فلا يلزم الفساد (3).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 316، أجود التقريرات 1: 262، مناهج الوصول 2: 20. 2 - تقدم في الصفحة 331 - 333. 3 - الفصول الغروية: 97 / السطر 12. (*)

[ 335 ]

وإن أبيت إلا أن تلتزم بالفساد هنا، لأجل بعض ما مر في مسألة مقدمة الواجب وثمرتها تفصيلا (1)، فلنا دعوى: أن بطلان الصلاة ممنوع حتى على القول بوجوب مطلق المقدمة (2)، وذلك لأن ما هو الواجب ومعروضه - حسب الحق الذي لا مناص عنه - هو عنوان الموقوف عليه (3)، فلا يكون عنوان " ترك الصلاة " مورد الأمر حتى يتعلق النهي بالصلاة، بل مورد النهي عنوان كلي آخر. مثلا: فيما نحن فيه، يترشح من الأمر بفعل الإزالة، أمر بإيجاد الموقوف عليه، ونهي عن إيجاد ضد الموقوف عليه، من غير النظر إلى المصداق الذاتي، لاختلاف تشخيص الآحاد فيما هو المصداق الذاتي. فعلى هذا، يمكن إجراء هذه الشبهة في الضد العام أيضا، فإن الأمر بترك الصلاة أيام الحيض، يستلزم النهي عن الضد العام. وأما هل يكون مورد النهي، هو عنوان الصلاة في هذا المثال، أم عنوان الضد العام، أي ينادي المولى بعد قوله: " اترك الصلاة " بقوله: " لا توجد ضده العام " من غير النظر إلى المصداق الذاتي ؟ أقول: لو سلمنا جميع هذه الامور، كما هو ليس ببعيد جدا، ولكن يمكن دفع الشبهة بما تحرر في محله: من أن فساد العبادة ليس متقوما بكونها بعنوانها الذاتي منهيا عنها، بل لو كان بين العنوان المنهي عنه وعنوان العبادة تلازم في الصدق، فهو يورث الفساد، لعدم معقولية التفكيك (4).


1 - تقدم في الصفحة 229. 2 - كفاية الاصول: 142 - 143. 3 - تقدم في الصفحة 193 - 194. 4 - تقدم في الصفحة 238 - 239، ويأتي الجزء الرابع: 142 - 144. (*)

[ 336 ]

وهكذا إذا كان عنوان المنهي عنه، أعم مطلقا من عنوان العبادة، على إشكال فيه يأتي في الآتي (1). فعلى هذا، كون المنهي عنه عنوان الضد العام يستلزم هنا الفساد، لأنه لا مصداق له إلا الصلاة، وكون النهي متوجها إلى ترك إيجاد ضد الموقوف، عليه يستلزم فسادها، لأعميته من عنوان العبادة، واندراجها تحته، فلو ورد: " لاتعبد الله " وورد: " صل " ولم يكن الجمع العرفي ممكنا، فعندئذ لا يمكن الالتزام بصحة الصلاة، بتوهم أن النهي متعلق بما هو خارج عن عنوان الصلاة، فليتدبر جيدا. الشبهة الثالثة: أن الأمر بترك الصلاة حال الحيض (2)، وترك البيع وقت النداء (3)، لابد وأن يرجع إلى النهي عن الصلاة والبيع، لما لا يعقل كون الترك مورد الأمر واقعا، لأنه ليس إلا أمرا عدميا لا واقعية له حتى يكون ذا مصلحة، ولذلك لابد من العدول عما اشتهر: " من أن تروك الحج واجبة " (4) إلى محرمية الامور المزبورة في الحج (5). ولقد مر الجواب عن هذه الشبهة مرارا (6)، وأنه ما كان ينبغي الخلط بين التكوين والتشريع، ولا بين كون المعتبر أن لا تكون الأوامر والنواهي جزافا، وذات مصالح تكوينية، أو أعم منها ومن المصالح السياسية والاجتماعية، وبين كون


1 - يأتي في الجزء الرابع: 142 - 144. 2 - تقدم في الصفحة 333. 3 - الجمعة (62): 9. 4 - النهاية: 216، السرائر 1: 542، مجمع الفائدة والبرهان 3: 46. 5 - مناهج الوصول 2: 18. 6 - تقدم في الصفحة 308 و 313 - 314 و 332. (*)

[ 337 ]

المعتبر اشتمال متعلق كل حكم على مصلحة تكوينية وخارجية، فإن الأول يكفي، ولا حاجة إلى الثاني. بل كثير من الأحكام الكلية الإلهية، ليست مصالحها إلا اجتماعية وسياسية، من غير كون فرد منها خاصا مشتملا على مصلحة، بل ربما يكون مشتملا على المفسدة، ولكن للأغراض العامة يتوجه إليه النهي، فلا تخلط جدا. الشبهة الرابعة: ما نسب (1) إلى وحيد عصره الشيخ البهائي (قدس سره) وهو في شقاق مع بعض من تلك الشبهات، لأنه يريد إثبات نفي الثمرة بإبطال الصلاة وإن لم يكن الأمر بالشئ مورثا للنهي (2)، وبعضهم كانوا بصدد تصحيح الصلاة ولو تعلق بها النهي (3). فعلى كل تقدير تنفى الثمرة، وذلك لأجل أن الأمر بالشئ إذا لم يكن مقتضيا للنهي، فلا شبهة في اقتضائه عدم الأمر بالضد، وهذا يكفي لبطلان العبادة، لاحتياجها إلى الأمر. ولو قيل: لا معنى لكون الأمر مقتضيا عدم الأمر، لأن عدم الأمر لا شئ محض، وهو لا يمكن أن يقتضيه شئ، فما في تعابير العلامة الأراكي (قدس سره) (4) وغيره (5)، خال عن التحصيل.


1 - هداية المسترشدين: 244 / السطر 39. 2 - زبدة الاصول: 99. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 315 - 316، أجود التقريرات 1: 262. 4 - مقالات الاصول 1: 341. 5 - زبدة الاصول: 99، قوانين الاصول 1: 115 / السطر 23. (*)

[ 338 ]

قلنا: نعم، ولكن الغرض إفادة عدم إمكان ترشح الأمر الآخر إلى الضد، لامتناع الجمع، ولا شبهة في اعتبار القدرة في صحة التكليف، وهي حينئذ منتفية، فإذا أمر المولى بأداء الدين والإزالة، فلا يتمكن من الأمر بالصلاة، لأجل عدم تمكن العبد من الجمع، كما هو الظاهر. بل لنا إجراء هذه الشبهة بالنسبة إلى ما كان معاملة، فإنها أيضا تفسد، لاحتياجها إلى إرادة التنفيذ، وهي لا يعقل ترشحها، ولذلك استشكلنا في المكاسب المحرمة في صحة بيع العبد المرتد الذي أوجب الله قتله، فإن إيجاب القتل والأمر بالإعدام، لا يجتمع مع إرادة جعل البيع صحيحا (1). وتوهم: أنه يكفي عدم المنع للصحة (2) غير صحيح، لما تقرر من الحاجة إلى الإمضاء والرضا ولو كان بعدم الردع (3)، ففي صفحة نفس المولى لابد من الإرادتين، وهما متنافيتان. وإن شئت قلت: النهي عن البيع إيجاب لإبقاء عدمه، فلا يرى وجوده رأسا، وهذا ينافي إرادة جعل الصحة عليه، واعتباره صحيحا ونافذا. فائدة: بناء على هذا تبين: أن الثمرة المزبورة لا تختص بصورة كون الضد عبادة، كما لا تختص بالضد الخاص، بل هي تأتي في المعاملة إذا كانت ضدا للمأمور به، وفي الضد العام إذا كان المأمور به أمرا عدميا، كما في قوله تعالى: * (وذروا البيع) * (4) وقوله (عليه السلام): " دعي الصلاة... " (5).


1 - المكاسب المحرمة، من تحريرات في الفقه للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - مناهج الوصول 2: 163. 3 - نهاية الدراية 1: 22 - 23، نهاية الأفكار 1: 100. 4 - الجمعة (62): 9. 5 - الكافي 3: 83 / 1، تهذيب الأحكام 1: 381 / 1183، وسائل الشيعة 2: 276، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 3، الحديث 4. (*)

[ 339 ]

مسالك إبطال الشبهة الرابعة إذا عرفت هذه الشبهة، وتبين لك عدم اختصاصها بالعبادة، فقد تصدى جمع من الأعلام والأفاضل لدفعها ولحلها، فهنا مسالك: المسلك الأول ما عن العلامة الخراساني (قدس سره) فاستظهر أن عدم الأمر بالعبادة إذا كان لعدم المقتضي، فهي باطلة، وإذا كان لأجل المزاحمة، وعدم إمكان الأمر حين المزاحمة، فلا يكشف عن الفساد، لعدم كشفه عن قصور الملاك، ويكفي لصحة العبادة اشتمالها على المصلحة وإمكان التقرب بها من المولى. والأمر فيما نحن فيه من قبيل الثاني، لا الأول، كما ترى (1). وفيه: أن المصالح والمفاسد في المتعلقات، تستكشف بالأوامر والنواهي، فإذا فقدت فلا كاشف. وأما بقاء مطلوبية المادة عند سقوط الهيئة للمزاحمة، فهو قابل للمناقشة: بأن من المحتمل اتكال المولى على مثل هذا الدليل العقلي، وعلى حكم العقل، فلم يصرح بالمفسدة أو عدم المصلحة حال المزاحمة. وبعبارة اخرى: لا نتمكن من الحكم بالصحة، لاحتمال سقوط المصلحة في


1 - كفاية الاصول: 166. (*)

[ 340 ]

تلك البرهة، وسكوت المولى عن الإرشاد إلى ذلك، لأجل حكم العقل بأن مع سقوط الهيئة، لا يمكن كشف مطلوبية المادة، فإطلاق محبوبية المادة ممنوع إثباتا، وإن يحتمل ثبوتا. المسلك الثاني ما لبعض آخر بتقريب منا وهو أن الأمر لا يتعلق إلا بالطبيعة، كما تقرر سابقا وتحرر (1)، فإذا أمر المولى بإزالة النجاسة من المسجد، فما هو المأمور به طبيعة كلية، وليست الخصوصيات الخارجة عن الملاكات، داخلة في حدود المأمور به، ولاينبسط عليها الأمر. وهكذا إذا أمر بالصلاة من أول الظهر إلى الغروب، فالمأمور بها صلاة مقيدة بالوقت المحدود بالحدين، كلية قابلة للانطباق على الأفراد الطولية، ولايكون التخيير شرعيا بالضرورة. فإذا توجه التكليف بالإزالة في الوقت المحدود للصلاة، وكان أهم، فإنه لا يستلزم سقوط الأمر بالنسبة إلى الصلاة حال التزاحم، لأن ما هو مورد الأمر لا يزاحم الإزالة، وما يزاحم الإزالة ليس مورد الأمر. نعم، إذا ضاق وقت الصلاة، فضيق الوقت وإن كان لا يورث انقلابا في الأمر، ولا في متعلقه، ولا يصير الواجب الموسع مضيقا، ولكن لا يعقل للمولى الملتفت إرادة الصلاة، للزوم الجمع بين الضدين، وهو ممتنع، فتأمل.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 229. (*)

[ 341 ]

أقول: ما نسب (1) إلى المحقق الثاني (قدس سره) من التفصيل السابق (2) مخدوش، وذلك لأن الخطابات الشرعية، إن كانت تنحل بحسب الآحاد والأفراد إلى الخطابات الجزئية والشخصية، وتنحل بحسب حالات الأفراد، كالعجز والقدرة، كما هو الرأي العام (3)، فكذلك هي تنحل بحسب أجزاء الزمان في الواجبات الموسعة، وذلك لأن المولى إذا سئل في حال المزاحمة عن وجوب الصلاة والإزالة معا، وعن فعلية أحدهما أو كليهما، فلا يتمكن من أن يجيب بالنسبة إلى تلك اللحظة: " بأن كليهما منجز وجوبه " فيتعين الأهم، ويكون المهم بلا أمر. وهذا الانحلال العقلي لا يستلزم كون التخيير شرعيا، كما هو غير خفي على أهله. فبالجملة: يقتضي انحلال الخطاب بحسب حال المكلف، وعدم إمكان خطاب العاجز، امتناع الخطاب في أثناء الوقت بالنسبة إلى الصلاة، لأن لازم طلب الأهم صرف القدرة فيه، وعند ذلك يمتنع ترشح الإرادة بالنسبة إلى المهم. وهذا معنى قولهم: " الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي " (4) لأنه يرجع إلى الامتناع بالغير، فهو كالممتنع بالذات عقلا.


1 - أجود التقريرات 1: 261، وقاية الأذهان: 319 - 320. 2 - جامع المقاصد 5: 12 - 14. 3 - المعروف المشهور انحلال الخطابات إلى خطابات جزئية شخصية بعدد أفراد المكلفين ويستفاد ذلك من خلال كلماتهم لاحظ للمثال: فرائد الاصول 2: 420 - 421 و 523 - 524، كفاية الاصول: 168، فوائد الاصول 4: 50 - 55، منتهى الاصول 1: 227، محاضرات في اصول الفقه 4: 51 - 52، و 5: 151، وقد خالفهم في ذلك المؤلف الشهيد (قدس سره) تبعا لوالده العلامة الإمام الخميني (قدس سره): لاحظ تهذيب الاصول 1: 307 - 308، مناهج الوصول 2: 25 - 28، ويأتي البحث عنه مفصلا في الصفحة 427 وما بعدها. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 314، منتهى الاصول 1: 319، محاضرات في اصول الفقه 3: 61. (*)

[ 342 ]

وغير خفي: أنه لا يتوقف جواز الأمر بالمهم حال التوسعة، على كون الأوامر متعلقة بالطبائع، بل ولو كانت هي متعلقة بالأفراد يمكن توهم إمكانه، لأن معنى تعلقها بالأفراد ليس هو تعلقها بالخارج، فإنه واضح الفساد، ضرورة أن الفرد الخارجي للمأمور به واف بالغرض، ولا داعي إلى تحصيله، فلو قال المولى: " أزل فورا " وقال: " أوجد فردا من الصلاة من أول الزوال إلى المغرب " يجوز توهم إمكانه، لسعة الوقت، ولكفاية القدرة المهملة لتكليفه فعلا في تمام الوقت. فبالجملة: ما هو السر لتوهم الإمكان لسعة الوقت، وما هو الحجر الأساس لبطلان التوهم المزبور، انحلال الخطاب حسب أجزاء الزمان. نعم، بناء على ما هو الحق، من عدم انحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات حسب الأفراد والحالات، ولا بالنسبة إلى أجزاء الزمان، فيمكن تصوير الأمر بالمهم في عرض الأمر بالأهم مطلقا، موسعين كانا، أو مضيقين، وسيأتي تفصيله من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). المسلك الثالث لمن توهم جريان الثمرة المزبورة في المعاملات فيقول: إن العبادة لو بطلت بمجرد سقوط الأمر، ولكن المعاملة ليست مثلها (2)، فإطلاق كلامه (قدس سره) (3) مخدوش، لتأتي الثمرة فيها، فلو اشتغل بالبيع يكون


1 - يأتي في الصفحة 439 - 456. 2 - قوانين الاصول 1: 116 / السطر 2، مناهج الأحكام والاصول: 65 / السطر 1. 3 - زبدة الاصول: 99. (*)

[ 343 ]

البيع مورد النهي، فإن قلنا: بأن النهي عن المعاملة يدل على الفساد فهو، أو قلنا: هو يدل على الصحة فهو أيضا ثمرة، ولا يعتبر في الثمرة أزيد من هذا. فبالجملة: لوجود النهي تندرج المسألة في صغرى البحث الآتي، وهو النهي عن المعاملات (1). ولنا أن نقول: بأن المعاملة وإن لم تكن مثل العبادة في كيفية تعلق الأمر، ولكن الأمر بالإزالة إن أفضى إلى صرف القدرة في جانبها، يكون المكلف في حكم العاجز بالنسبة إلى المعاملة، ومعاملة العاجز باطلة، لأن الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي، فتأمل. اللهم إلا أن يقال: بأن هذا غير صحيح، لأن المعاملات لا تحتاج إلى الرضا القلبي والطيب، حتى لا يمكن الجمع بين طيب الفعل المتعلق بفعل الإزالة المستتبع للإرادة، وبين صحة المعاملة، لأن الشرع لا يأمر بشئ في المعاملات، بل يعتبرها نافذة. ولذلك قيل: " إن النهي دليل الصحة " (2) فيعلم منه إمكان اجتماع المبغوضية والصحة الموقوفة على الإمضاء. ولكنه عندي محل المناقشة جدا، والمسألة تحتاج إلى مزيد تأمل، والأصحاب غير متعرضين لحدودها وإن تعرضنا لها في المكاسب المحرمة (3) وبعض المباحث الاخر (4)، فليتدبر.


1 - يأتي في الجزء الرابع: 362. 2 - كما عن أبي حنيفة، لاحظ المحصول في علم اصول الفقه 1: 350، مطارح الأنظار: 166 / السطر 15. 3 - المكاسب المحرمة، من تحريرات في الفقه للمؤلف الشهيد (قدس سره) (مفقودة). 4 - يأتي في الجزء الرابع: 378 - 384. (*)

[ 344 ]

المسلك الرابع ما أبدعناه وهو يتوقف على بيان مقدمات: المقدمة الاولى: لا شبهة في أن الإطلاق ليس معناه جمع القيود لحاظا، بل الإطلاق - حسب ما تحرر في محله (1) - رفض القيود، وكشف أن الموضوع المأخوذ في الدليل تمام الموضوع للحكم، بلا مدخلية لشئ آخر في الموضوعية شطرا، ولا شرطا. ولو كان الإطلاق لحاظ القيود الكثيرة إجمالا، فلا يعقل التقييد، لأن لحاظ القيد وإسراء الحكم إليه، يناقض الدليل المقيد. فالإطلاق بحسب المعنى مقابل التقييد، وليس بمعنى التقييدات. مثلا: إذا كان معنى " صل " أي صل سواء كانت فيما يؤكل، وفيما لا يؤكل، فلا يعقل الجمع بينه وبين قوله (عليه السلام): " لا تصل في وبر ما لا يؤكل " (2) وتفصيله في محله، وسيوافيك في ذكر سائر المسالك تمام البحث إن شاء الله تعالى (3).


1 - تقدم في الجزء الأول: 297 و 312، ويأتي في الصفحة 402 - 404 و 441 - 442. 2 - تهذيب الأحكام 2: 209 / 819، علل الشرايع: 342 / 1 و 2، وسائل الشيعة 4: 346 - 347، كتاب الصلاة، أبواب لباس المصلي، الباب 4، الحديث 4 و 7. 3 - يأتي في الصفحة 426 - 427. (*)

[ 345 ]

المقدمة الثانية: إن قضية إطلاق كل دليل، استكشاف محبوبية المادة المطلقة، ويكون نطاق تلك المحبوبية، تابعا لنطاق ذلك الإطلاق، كما يكون كيفية تلك المحبوبية من اللزوم والندب، تابعة لكيفية الأمر لزوما وندبا. مثلا: إذا قال المولى: " أكرم العالم " يستكشف منه محبوبية إكرامه اللزومية، وأنه لا يتجاوز عن تلك المحبوبية، ولا يرتضي بالإهمال بالنسبة إليها. وما ذكرناه يجري بالنسبة إلى العمومات أيضا، بل الكشف في العموم أقوى من الإطلاق، كما لا يخفى. المقدمة الثالثة: لو سلمنا اعتبار القدرة عقلا في صحة التكليف، فلا يعقل فيما إذا ابتلي المكلف بالضدين، وجود الخطابين الفعليين العرضيين، وذلك لا لأجل قصور المقتضيات والمحبوبية، لأن كل واحد منهما له الإطلاق الكاشف عن محبوبية المادة، مع قطع النظر عن الآخر. بل لأجل الابتلاء بالضد، وعدم القدرة على الجمع، فلا يتمشى من المولى ترشيح الإرادتين بالنسبة إليه بالضرورة، ولازم ذلك سقوط إحداهما وصرف النظر عنها، أو سقوطهما معا. فإن كانا متساويين فهما يسقطان، إما لأجل الترجيح بلا مرجح، أو لأجل عدم إمكان الاطلاع على ما هو المأمور به. وإن كانا غير متساويين، فيكون الأهم وذو المزية مورد الأمر، دون الآخر.

[ 346 ]

وما اشتهر: من استكشاف الحكم التخييري في الصورة الاولى (1)، فهو غير صحيح، لامتناع الكشف، كما يأتي إن شاء الله تعالى (2). المقدمة الرابعة: صحة العقوبة لاتتقوم بالأمر والنهي، بل لو اطلع العبد على المطلوب الإلزامي للمولى، فأهمل وماطل حتى أخل به، فإنه يستحق العقوبة والمؤاخذة، كما إذا اطلع على غريق، والمولى نائم غير ملتفت، فإن الإهمال باعتذار: أنه لم يأمر بذلك، لا يورث المعذورية عند العقل قطعا. وهكذا إذا كان العبد لا يعتني بأمره ونهيه، ولايبالي بما يقول المولى، كالعصاة والكفار، فإنهم في جنب الأوامر والنواهي كالحجر في جنب الإنسان، لايتأثرون بها، ولا ينبعثون عنها. وبعبارة اخرى: من شرائط تحقق الأمر الجدي، احتمال الانبعاث، وإمكان الارتداع، وهو منتف فرضا، فإن المولى إذا كان في هذا الموقف يرى لغوية أمره ونهيه، فلايترشح منه إرادة البعث والزجر، ولكن لا يتمكن العبد من الاعتذار: بأنه لو كان يأمر لأطاعه، لأنه كان بحسب الواقع لا يطيع، فعند ذلك يستحق العقوبة، لتمامية المقتضي والمحبوبية، فإن قصور العبد مستلزم لعدم إمكان ترشح الإرادة التشريعية.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 332 - 334، منتهى الاصول 1: 324، مناهج الوصول 2: 29، محاضرات في اصول الفقه 3: 263 - 264 و 268 - 270 و 279. 2 - يأتي في الصفحة 387 - 388. (*)

[ 347 ]

المقدمة الخامسة: لا معنى لأن يستكشف العقل خطابا للشرع، وحكما للمولى، بل ما هو من شأنه هو الدرك، فيدرك جواز العقاب وصحته على شئ دون شئ، ولا يزداد على ذلك بالضرورة. وبعبارة اخرى: الحكم متقوم بالإرادة والإنشاء، والعبد لا يتمكن من الاستيلاء عليهما، أو لا يحتاج إليه أصلا. المقدمة السادسة: إذا عرفت تلك المقدمات المندمجة، مع عدم أساس الحاجة إلى بعض منها، فاعلم: أن في مورد ابتلاء المكلف بالضدين، فإن كانا متساويين في الأهمية، فهو مضافا إلى خروجه عن المقصود في المقام، لا يتعلق بهما الأمر مطلقا، للزوم الترجيح بلا مرجح، أو لا كاشف لنا عن أحدهما المعين إثباتا، وإن أمكن ثبوتا، فيكون كل واحد بلا أمر، ويعاقب مرة واحدة، لعدم تقوم استحقاق العقوبة بالأمر بعد كشف المطلوبية بإطلاق كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر، ولعدم القدرة على الجمع، فلا يستحق إلا واحدة، ولا يلزم هناك ترجيح بلا مرجح. المقدمة السابعة: قد اشير في خلال المقدمة الرابعة: إلى أن من شرائط البعث الجدي والزجر الحقيقي، احتمال انبعاث العبد والمكلف وانزجاره، فلو علم المولى بعدم ذلك - بأن لا يوجد في نفسه هذا الاحتمال - لا يتمكن من ذلك، لأنه من قبيل بعث الحجر وزجر المدر.

[ 348 ]

ولعل لتلك النكتة، أمر الحق تعالى موسى وهارون بقوله: * (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) * (1) لأنه تعالى كان عالما بأنه لا ينبعث من الأمر والنهي. وغير خفي: أن هذا الشرط شرط حدوثا وبقاء، فلو توجه بعد الأمر إلى أنه لا يعتني بأمره وبعثه، فإنه لا تبقى الإرادة التشريعية في نفسه، وتسقط طبعا. ولأجل ذلك ذكرنا: أن سقوط الأمر كما يكون بالإطاعة والعصيان، يكون بالإخلال بشرط إبقاء تلك الإرادة أيضا، وذلك بالبناء القلبي الواقعي على عدم الاعتناء بأمره (2)، فما اشتهر: من أن سقوط الأمر إما بالعصيان، أو الإطاعة (3)، في غير محله. بل لنا أن نقول: إن الأمر ليس إلا آلة البعث والتحريك الاعتباري، وبه يستكشف عرفا - على مذهب العدلية - المصالح الكامنة والمقاصد العالية في متعلقه، وأما الانبعاث الخارجي والتحرك نحو المأمور به، فهو معلول الأسباب الاخر والمقتضيات الكثيرة، من كيفية الإدراك، إلى كيفية اتصاف العبد بالملكات والحالات، وإلى حدود الالتزامات بتبعات الأحكام، وكيفية الاعتقادات بالنسبة إليها. فإذا قال المولى: " أزل النجاسة عن المسجد " فيعلم من ذلك وجود الغرض الإلزامي الذي لا يرضى بتركه حسب الأفهام العرفية، وإذا امتثل العبد يعد مطيعا، وأما بعد صدور الأمر فلا معنى لبقائه، بل الباقي الذي هو اللازم مراعاته، شوق المولى الإلزامي إليه، كشوقه إلى إنقاذ غريقه. نعم، العبادة إذا كانت موقوفة في ظرف الامتثال على الأمر، فلابد من الالتزام


1 - طه (20): 44. 2 - تقدم في الصفحة 346. 3 - مطارح الأنظار: 86 / السطر 1، تقريرات المجدد الشيرازي 2: 274، مناهج الوصول 2: 41. (*)

[ 349 ]

ببقائه، وتحصل الثمرة فيما نحن فيه، ضرورة إمكان تعلق شوق المولى شوقا إلزاميا بالنسبة إلى شئ حال عجز العبد، ولا يمكن أمره بذلك، إما لقبحه، أو لاقتضاء الأمر والتكليف كون المخاطب قادرا. فإذا ابتلي العبد بتكليفين، أحدهما: توصلي، والآخر: تعبدي، مع القدرة الواحدة، فيسقط أمر التوصلي ولو كان أهم، لأن من سقوطه لا يلزم شئ، ولا يختل شئ، ويبقى التعبدي، فتصح الصلاة فيما نحن فيه. نعم هذا في مثل هذا المثال. وأما إذا كان الأهم والمهم عباديين، وكان المفروض توقف صحة العبادة على الأمر، فلابد من التشبث بما ذكرناه أولا (1)، وسينقدح تفصيله (2) إن شاء الله تعالى. هذا في مورد ترك العبد الضدين. وأما إذا كان يأتي بأحدهما بحسب الواقع، فيكون ذاك مورد أمره، ويستكشف هذا بذاك، لأن المولى كلما لم يجد محذورا في توجيه الخطاب، يوجهه إلى العبد، وفي هذه الصورة لا محذور. وتوهم: أن هذا الأمر لا يكون باعثا للعبد نحو المطلوب، لأن الفعل يصير مورد الأمر بعد إرادة العبد إياه، غير تام، لأن المولى إذا كان يأمر - بحسب الواقع - عبده بالنسبة إلى ما يختاره في علمه، والعبد إذا كان متوجها إلى أن ما يختاره هو مورد الأمر، فيشتاق إلى ذلك حتى يتوجه إليه الأمر فيمتثل، فيكون الأمر ثبوتا متوجها إليه قبل اختياره، لعلمه بأنه يختار الصلاة مثلا. وبالجملة: المكلف إذا بنى على ذلك جزما، فيتوجه إلى أنه هو المأمور به إثباتا، فيكشف أن هذا الفعل مورد الأمر، فتصح العبادة المتقومة بالأمر. هذا إذا كانا


1 - تقدم في الصفحة 345 - 346. 2 - يأتي في الصفحة 352 - 354. (*)

[ 350 ]

ضدين غير راجح أحدهما على الآخر. وأما إذا كان لأحدهما المزية على الآخر، ففيما إذا بنى العبد على تركهما معا فالأمر سهل، لما مر (1)، ويكون الأمر متوجها إلى ذي المزية وإن كان ذلك مضيقا. وأما فيما إذا كان بناؤه على الإتيان بالمهم، كالصلاة في المثال المعروف، فبمقتضى المقدمات السابقة، وما اشير إليه آنفا، يكون الأمر بالأهم ساقطا، من غير الحاجة في سقوطه إلى تصوير فعليته وعصيانه. بل العبد الباقي على عصيان المولى، لا يعقل توجيه الخطاب إليه، لأنه لغو، ولا يمكن ترشح الإرادة البعثية نحوه، كالكفار والعصاة، فعند ذلك يتوجه إليه الأمر بالمهم، لأن محبوب المولى - وهي الصلاة - محفوظة محبوبيتها، والمولى يتمكن عند ذلك من الأمر بها. فبالجملة: لانحتاج إلى تصوير الخطابين الترتبيين أو العرضيين، في تصوير الأمر بالمهم في هذه المسألة، بل الأمر بالأهم - لمكان كون العبد غير مبال به - يسقط، ولكن الأمر بالمهم - لاجتماع شرائطه - غير ساقط، ويدعو العبد إلى الصلاة، وتكون هي المأمور به. نعم، هو يستحق العقوبة على الإهمال بالنسبة إلى الأهم، وللإخلال به، وحيث لا عقوبة إلا مرة واحدة، فلا يكون الأمر المتوجه إليه وجوبيا، بل الأمر المتعلق بالمهم نحو آخر منه، وهذا يكفي لصحتها قطعا. فذلكة الكلام في المقام إن المسالك في تصوير الأمر بالمهم ثلاثة: أحدها: مسلك المشهور من الخطاب الترتبي، فيكون الأهم مورد الأمر على


1 - تقدم في الصفحة 346 - 347. (*)

[ 351 ]

الإطلاق، والمهم مشروطا بعصيان الأهم (1). ثانيها: مسلك السيد المجدد الوالد - مد ظله -، من الالتزام بإمكان الخطابين الفعليين العرضيين (2). ثالثها: مسلكنا، وهو إسقاط الأمر بالأهم، من غير الحاجة إلى اعتبار العصيان في سقوطه، حتى يتوجه إليه الإشكال، فيصير مسلكنا خاليا من إشكالات كل واحد من المسلكين، ولا يتقوم بكثير من المقدمات المحتاج إليها في تتميم المسلكين، ويكون على القول بالاقتضاء الصلاة باطلة، لأنها مورد النهي، وعلى القول بعدم الاقتضاء تكون الصلاة صحيحة، لأجل كونها مورد أمر وإن سقط الأمر الأهم. والذي هو الإشكال الأساس وقد اندفع: هو أن الأمر بالمهم وإن كان يثبت عند المولى، ويترشح منه بالنسبة إلى العبد الباني على ترك الأهم، والباني على إتيان المحبوب الملزم، لأنه - أي المولى - عالم بأنه يختار الصلاة مثلا، ولكن العبد لا ينبعث من هذا الأمر بنحو المأمور به، لأنه لا يتمكن من الاطلاع إلا بعد الاشتغال أو الفراغ، فيكون داعيه إليه غير الأمر، وهو المحذور الذي يفر منه القوم في المقام. أقول: قد اشير إلى أن العبد إذا كان يرى أن المولى إذا أدرك منه البناء على الامتثال، يخاطبه ويأمره، فيعلم أنه يجب أن يمتثل أمر المولى بالصلاة، فيتوجه بعد ذلك إلى توجيه الخطاب إليه، فيشتغل بالصلاة وغيرها، لأجل الأمر بها. فبالجملة: بعدما كان بناء المولى على تحقق محبوبه الأولي، وهو فعل


1 - جامع المقاصد 5: 13 - 14، كشف الغطاء: 27 / السطر 22، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، درر الفوائد، المحقق الحائري: 140، منتهى الاصول 1: 351. 2 - مناهج الوصول 2: 23. (*)

[ 352 ]

الإزالة، وعلى تحقق محبوبه الثانوي، وهو فعل الصلاة، وكان يأمر بهما لو كان يتمكن العبد من ذلك الجمع الممتنع، فعليه أن يوجه الأمر أولا إلى محبوبه الأولي. وإذا كان يرى أنه بناؤه الواقعي على العصيان، فإما لا يتمكن من بعثه، لأنه كالعاجز والجاهل لا يعقل خطابه، وكالكافر والعاصي. أو لا يبقى له الداعي إلى بعثه بعد استحقاقه العقوبة على تركه، من غير الاحتياج إلى الأمر في استحقاقه وعقابه، فعند ذلك يبعثه ويدعوه إلى المهم، حتى لا يبقى محبوبه، ولا يترك مطلوبه. وبعبارة اخرى: إذا كان الوصول إلى المرام والمطلوب في ناحية المهم - وهي العبادة - متوقفا على الأمر، فعليه أن يوجه أمره إليه بالنسبة إلى المهم، حتى يصل إليه، ولايجوز عند العقل إهماله بالنسبة إليه بعد عدم وصوله إلى مرامه الأهم، وهو فعل الإزالة مثلا. وإذا كان بناء العبد واقعا على إتيان الصلاة، فيتوجه حينئذ إلى أمر المولى، ويكون الأمر باعثا نحو الصلاة بقاء، بل حدوثا أيضا، لأنه بداعي امتثال أمره الصلاتي، بنى على إتيان الصلاة. وبذلك تندفع الشبهة الاخرى: وهي أن العبد لا يستند انبعاثه إلى الأمر، بل يستند إلى غرض آخر أوقعه في البناء على الإتيان بالصلاة. وجه الاندفاع: أن العبد الملتفت إلى أن المولى ذو مطلوب إلزامي، وغير متمكن من الأمر والخطاب للمحذور العقلي، ينقدح في نفسه البناء على إتيان مطلوبه وما سيأمر به، أي إذا التفت إلى أنه سيأمر بما بنى عليه، فيبني عليه طبعا، ويصير مورد الأمر قهرا. والمحصول مما قدمناه: أن صور المسألة أربع: الاولى والثانية في الضدين المتساويين في الملاك، الثالثة والرابعة في الضدين المختلفين فيه، وعرفت حال كل

[ 353 ]

منهما، فإن العبد إذا ترك المتساويين كلا، فلا أمر ثبوتا وإثباتا، ويستحق العقوبة مرة واحدة، لأنه ذو قدرة واحدة. وإذا ترك أحدهما، وبنى على إتيان الآخر، صح الآخر، لاستكشاف الأمر، ولا يستحق العقوبة رأسا. هذا حال الصورتين من الفرض الأول. وأما إذا ترك الأهم والمهم، فلا أمر بالنسبة إلى المهم، ويستحق العقوبة على الأهم. وهذا مما يصدقه العقلاء. وعلى مسلك القوم ومسلك الوالد - مد ظله -، يلزم العقابان، وهو خلاف المرتكز العرفي والعقلائي، وإن أمكن تصويره عقلا. وأما إذا بنى على ترك الأهم فقط، فيكون المهم مورد الأمر، ويستحق العقوبة على تركه الأهم، ولكن يتدارك مصلحة المهم بتمامها، وربما يتمكن من جبر العقاب المزبور بذلك الثواب المذكور. نعم، هذا الأمر ليس يستحق مخالفه العقاب وإن كان متعلقه ذا مصلحة إلزامية، وذلك لأنه يقبح عقاب العاجز عن الجمع وإن لم يكن الجمع مورد الأمر، فإن مناط صحة العقوبة غير مناط صحة الأمر، كما هو المتراءى فيما نحن فيه (1). وتوهم: أن سقوط أمر الأهم بلا وجه مدفوع بما مر: من أن بعث الباني على ترك الأهم غير ممكن، أو غير لازم، فيسقط أمر الأهم بمجرد البناء على إتيان المهم، ويثبت أمر المهم، لأجل البناء المذكور، وتكون في المثال المعروف الصلاة مورد الأمر قهرا، وتصح بلا إشكال (2). وغير خفي: أن هذا الثبوت، ليس معناه إلا أن العقل يدرك بقاء الأمر بالمهم من أول الأمر، لأن المولى العالم بأطراف القضية، كان يعلم أنه لا ينبعث نحو الأهم،


1 - تقدم في الصفحة 345 - 347. 2 - تقدم في الصفحة 349 - 350. (*)

[ 354 ]

فوجه من الأول الأمر بالمهم إليه. ولست أقول: إن العقل يكشف الأمر، حتى يقال: بأن الكشف ليس دأب العقل، فافهم وتأمل. ذنابة: في مناط وحدة العقاب وتعدده إذا بنى على إتيان صلاة الزلزلة في المثال الذي ذكرناه، وكان هو القدر المتيقن من مورد النزاع، وفرضنا أن الصلاة تصير مورد الأمر، ففي الضدين المتساويين، هل يتعين العقاب المزبور على ترك الصلاة، إذا بنى على الإتيان ثم انصرف، أم لا ؟ وفي الأهم والمهم إذا بنى على ترك الأهم، وعلى إتيان المهم، ثم بعد البناء والاشتغال انصرف من الصلاة، فهل يتعدد العقاب، أم لا ؟ الظاهر أن في السؤال الأول لا وجه للتعين، لعدم الحاجة إليه، لأن وحدة الملاك تستتبع وحدة العقاب، فلا فرق بين كون العقاب على ترك الصلاة، أو ترك الإزالة. وفي السؤال الثاني لا وجه للتعدد، لأن مناط وحدة العقاب وتعدده، القدرة وتعددها، وهو هنا منتف. بل من الممكن دعوى: أن في صورة الانصراف، يتوجه العبد إلى عدم توجيه الخطاب، ولكنه غير تام، لأن الأمر ليس دائرا مدار ذلك، فإذا كان قادرا على إتيان المهم مثلا، ومنبعثا نحوه لأجل كشفه الأمر، يكون الأمر ثابتا بحسب الثبوت، ولا يسقط بانصرافه، فلاحظ جيدا. وغير خفي: أن على مسلكنا أيضا يمكن الالتزام بتعدد العقاب في الأهم والمهم، وفي صورة تساوي الضدين ملاكا، ولكن ذلك فيما إذا بنى ثم انصرف، وهذا

[ 355 ]

لأجل أن تركه الأهم يورث استحقاقه العقاب، لأجل الإخلال بالغرض المعلوم، مع القدرة على استيفائه، وتركه المهم لأجل الإخلال بالمأمور به، ولايكون أحد الأمرين مقيدا بالآخر إنشاء، ولا امتثالا، كما لا يخفى. تنبيهات التنبيه الأول: في أنه متى تظهر ثمرة الالتزام بالأمر ؟ تظهر ثمرة الالتزام بالأمر إذا قلنا: بأن عبادية الشئ منوطة بالأمر والانبعاث نحو المأمور به بذلك الأمر، كما هو رأي جماعة (1). إن قلت: إذا سقط الأمر الأهم بالبناء، فلا نهي عن العبادة، حتى يكون صحة المهم ثمرة النزاع. قلت: النهي كما يحدث على القول بالاقتضاء من الأمر بالشئ، يحدث من الملاك المعلوم في الأهم، فالمهم على الاقتضاء يصير باطلا، وإلا فلا، فتدبر جيدا. وأما على القول: بأن التقرب يحصل عند العلم بالملاك (2)، فلا ثمرة، وذلك لأن المفروض في المسألة، هو الصورة التي كشفنا فيها الملاك في كل واحد من الضدين، بحيث لو أمكن الجمع للعبد لكان المولى يأمر بالجمع، ويحافظ على إطلاق الخطابين، فتصرفه في الخطابين، ليس إلا لأجل الامتناع الغيري المترشح من الامتناع الذاتي في ناحية المكلف، وهو الجمع بين الضدين.


1 - زبدة الاصول: 99، قوانين الاصول 1: 159 / السطر 10، رياض المسائل 1: 128 / السطر 25، جواهر الكلام 9: 155. 2 - كفاية الاصول: 166، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 315. (*)

[ 356 ]

نعم، على المسلكين الآخرين القائلين بالأمرين العرضيين أو الطوليين (1)، يكون استكشاف المصلحة بالأمر، فلا يتوجه الإشكال الصغروي إليهم: من أنه لا يمكن العلم بالمصلحة إلا بالأمر، حسب ما عرفت منا في الإيراد على كلام العلامة الخراساني (قدس سره) (2). ولكنه يتوجه إلينا، لأن سقوط الأمر يوجب الشك في ثبوت المصلحة وبقاء المقتضي. نعم، لا يمكن في صورة التزاحم، دعوى عدم وجودها مطلقا، بمعنى أن فعل الإزالة والصلاة كليهما غير ثابتة مصلحتيهما، فيجوز للمكلف الإهمال بالنسبة إليهما، بل يكون ملاك أحدهما قطعيا، لأن منشأ احتمال سقوط المقتضي عدم القدرة، إما لأجل أن القدرة دخيلة فيهما، أو لأجل احتمال قصور المقتضي حين سقوط القدرة من ناحية اخرى، لا من جهة العجز وعدم القدرة. فبالجملة: في هذه الصورة، يحدث العلم الإجمالي بوجود مصلحة ملزمة في المتساويين، وعليه الاحتياط. اللهم إلا أن يقال: بأنه غير منجز هنا. وفيه أن العلم الإجمالي هنا - بل الاحتمال - منجز، لعدم رضا الشرع بتركه، فلا تجري الاصول العملية، حسب ما تحرر منا في محله (3). إلا أن ذلك لا يستلزم الحكم بصحة الصلاة، لاحتمال قصور المقتضي في ناحيتها، ولا كاشف إثباتا عنه. إن قلت: يجري استصحاب بقاء المقتضي والمصلحة التي يتقرب بها العبد، فالصلاة قبل الابتلاء بالضد، كانت ذات مصلحة يمكن التقرب بها إلى الله، وشك في بقائها.


1 - يأتي في الصفحة 426 - 427 و 469 - 470. 2 - تقدم في الصفحة 339 - 340. 3 - يأتي في الجزء السادس: 183 - 184 و 195. (*)

[ 357 ]

قلت: لا يخلو جريانه من نوع إشكال وشائبة شبهة، فلو صح جريانه لكان ذلك أيضا دفاعا عما وجهناه إلى صاحب " الكفاية " سابقا (1)، واشير إليه آنفا. نعم، بناء على ما احتملناه في مفاد أدلته: من أنها سيقت لإفادة إطالة عمر اليقين، وطرح الشك في عالم التعبد، من غير النظر إلى الجهات الاخر، يصح إجراؤه، ويكون كل من مثبتاته حجة أيضا (2)، فليتدبر وليتأمل جدا. التنبيه الثاني: في أقسام المتزاحمين وصورهما لاشبهة في كبرى مسألة التعارض والتزاحم، وأن الأدلة المتعارضة هي التي تختلف وتتضاد في عالم الإنشاء والجعل، والأدلة المتزاحمة هي المتخالفات في مقام الامتثال والإطاعة، المتضادات في مرحلة الجمع والخارج. فإذا كانت الأدلة متكاذبة مدلولا، فلابد من علاجها بإحدى العلاجات المحررة في محلها. وإذا كانت الأدلة متزاحمة - أي غير قابلة للجمع في مقام الامتثال والتطبيق، وإن كانت متفقة وغير متضادة في مقام الإنشاء والجعل - فلابد من الرجوع إلى حكم العقل ودركه في باب التزاحم. فعلى هذا، لابد من النظر أولا إلى أقسام المتزاحمات، أي المتضادات في الجمع امتثالا، وثانيا إلى ما هو العلاج، وحيث عرفت: أن من العلاجات إسقاط الأدلة في المتساويين ملاكا، والالتزام بأحد الدليلين فيما إذا بنى العبد على امتثال أحدهما المعين (3)، وأيضا عرفت: سقوط الأمر بالمهم في المختلفين ملاكا، وسقوط


1 - تقدم في الصفحة 339 - 340. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 403 - 405 و 415 - 420. 3 - تقدم في الصفحة 345 - 346. (*)

[ 358 ]

الأهم إذا بنى على إتيان المهم (1)، فلا نحتاج إلى البحث عن العلاج، فيكون النظر مقصورا على ما يتصور فيه التزاحم. الصورة الاولى للمتزاحمين: إذا عرفت ذلك فاعلم: أن من صور التضاد والتمانع والتزاحم، ما إذا كان الواجبان فوريين، كصلاة الزلزلة وفعل الإزالة، سواء كانا فورا ففورا، أو فورا فقط، وجريان العلاج المذكور في هذه الصورة من الواضح البين، وتكون الصلاة صحيحة، إلا على القول: بأن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن ضده. الصورة الثانية: ما إذا كان الواجبان مضيقين، سواء كانا مضيقين بالذات، أو مضيقين بالعرض: أما مثال الأول: فربما يشكل ذلك، اللهم إلا أن يقال: بانعقاد النذر، فلو نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، ثم اتفقت استطاعته للحج، فإنه يجب عليه الزيارة والحج معا. أو يقال: بأن هذا من المعارضة في الوقت، لأجل المعارضة والمضادة في المكان، وإلا فهما قابلان للجمع. نعم، إذا نذر صوم يوم الخميس لنفسه، ثم أمر مولاه وأبوه بصومه لغيره في ذلك الوقت، فيكونان من الواجب المضيق بالذات، أي اخذ الضيق في نفس المجعول الشرعي، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 349 - 350. (*)

[ 359 ]

وأما مثال الثاني: فهو كصلاتي الفريضة والكسوف، إذا ضاق وقتهما الموسع بأصل الشرع، فإنهما لا يختلفان إلا في مقام الامتثال والتطبيق، ولا يمكن الجمع بينهما بعد الضيق، وعليه يجري العلاج المذكور المبسوط تحقيقه. وهكذا فعل الإزالة والصلاة في آخر وقتها. وستأتي بعض المناقشات مع ما فيها (1)، كما مر سابقا (2). الصورة الثالثة: ما إذا كان الواجبان موسعين، وقد أخرجهما الأصحاب عن حريم البحث، وقالوا: إن هنا لا تعارض ولا تزاحم، حتى نحتاج إلى العلاج، أما الأول فواضح، وأما الثاني، فلأن العبد يتمكن من الجمع بينهما في سعة الوقت بالضرورة (3). ولنا هنا شبهة أشرنا إليها فيما سبق: وهي أن قضية انحلال التكليف بحسب أجزاء الزمان، هي المزاحمة ووقوع المكلف في محذور مسألة التزاحم، وهذا الانحلال مما لا مناص عنه عند القائلين بانحلال الخطابات حسب الأفراد والحالات (4). بل على من استشكل في الصورة الآتية: بأن الموسع والمضيق متزاحمان، أن يقول بالتزاحم هنا أيضا، لأن العلامة النائيني (قدس سره) - بتوهم أن التقييد إذا كان ممتنعا، فالإطلاق ممتنع - قال: إن الفرد المزاحم للمضيق، لا يعقل أن يبقى تحت إطلاق


1 - يأتي في الصفحة 360 - 362 و 473 - 475. 2 - تقدم في الصفحة 351 - 354. 3 - لاحظ قوانين الاصول 1: 113 / السطر 2، مناهج الأحكام والاصول: 64 / السطر 21، بحوث في الاصول، المحقق الاصفهاني: 99. 4 - تقدم في الصفحة 340 - 342. (*)

[ 360 ]

دليل الواجب الموسع، فلابد من علاج باب التزاحم (1) فإذا صح ما أفاده فهو يأتي فيما نحن فيه أيضا، كما ترى وسيتضح اتضاحا. الصورة الرابعة: ما إذا كان أحدهما موسعا، والآخر مضيقا، فإن بين الأصحاب - رضي الله عنهم - من توهم وقوع التضاد، وأن النوبة تصل إلى معالجته بما يعالج به غيره (2)، ومن قال: بأن المزاحمة منتفية (3). وقد شرحنا ذلك عند قول المحقق الثاني (قدس سره)، وذكرنا أن الأمر دائر بين أحد أمرين: إما الالتزام بالتزاحم هنا وفي المضيقين بالعرض، أو الالتزام بعدم التزاحم مطلقا حتى في المضيقين بالعرض (4)، ضرورة أن الواجب الموسع لا ينقلب إلى المضيق بضيق الوقت، بل كيفية الإرادة والحكم في أول الزمان، عين تلك الكيفية في أثنائه وفي آخره، فتأمل. فبالجملة: لا فرق بين الصور الثلاث الأخيرة - أي الواجبين المضيقين بالعرض، والواجبين الموسعين، والواجبين اللذين أحدهما موسع، والآخر مضيق - في أنها مندرجة في كبرى باب التزاحم، فإن قلنا بالانحلال، يكن العبد واقعا في محذور الجمع بين التكليفين مع القدرة الواحدة، ولا يتمكن من الجمع بين التكليفين، فلابد من علاجهما، والعلاج ما عرفت (5).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 322 و 373 و 4: 709. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 709، منتهى الاصول 1: 357. 3 - جامع المقاصد 5: 12، مناهج الأحكام والاصول: 64 / السطر 22، مطارح الأنظار: 114 / السطر 33، محاضرات في اصول الفقه 3: 93. 4 - تقدم في الصفحة 340 - 342. 5 - تقدم في الصفحة 357 - 358. (*)

[ 361 ]

نعم، إذا قلنا: بعدم الانحلال فلا يقع في المحذور المزبور، لإمكان الجمع بينهما إلا في آخر الوقت، فإن مع فعلية الخطابين والقدرة واحدة لا يتمكن من تطبيقهما، فلابد من علاجهما بما عرفت تفصيله (1). وأما ما اشير إليه: من أن بعضا منهم قال: " بأن المزاحمة تقع بين المضيق والموسع، ولا تقع بين الموسعين " فهو غير تام، لأن وجه الوقوع هو الانحلال، فإذا انحل كل من خطابي الواجبين الموسعين تقع المزاحمة، ويقع المكلف في المحذور. وتوهم: أن الوجه هو أن الإطلاق عنده هو جمع القيود (2)، فإذا كان من القيود قيد المزاحمة مع الواجب الآخر المضيق، وكان هذا التقييد ممتنعا، فيكون الإطلاق ممتنعا، فيرجع الأمر إلى المحذور، فلابد من رفع اليد: إما عن دليل الواجب المضيق، أو إطلاق الواجب الموسع، وعند ذلك لا يعقل الجمع بين الخطابين الفعليين العرضيين، فلابد من الالتزام بالترتب الذي هو العلاج المشهور، أو الالتزام بسقوط الكل (3) أو أحدهما، وهو علاج أبدعناه في المقام (4). فاسد، ضرورة أن مقتضى هذا انقلاب كبرى التزاحم إلى التعارض، وتكون المعارضة بعد ذلك في المدلولين، أي مدلول خطاب الواجب المضيق، ومدلول خطاب الواجب الموسع، ويصير المرجع عندئذ العرف، وهو حاكم بالتقييد، أي عدم وجوب الفرد المزاحم. بيان ذلك: أن التعارض هو تعاند الأدلة وتكاذبها في مرحلة التشريع والتقنين والجعل، فإذا ورد " أن فعل الإزالة واجب " وورد في دليل آخر " إن الصلاة واجبة "


1 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 564. 3 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 3: 92 - 93. 4 - تقدم في الصفحة 345 - 346. (*)

[ 362 ]

يقع التكاذب بينهما في مرحلة الدلالة والإنشاء، بمعنى أن قضية إطلاق الدليل الثاني - حسب الإنشاء الصوري - وجوب الفرد المزاحم، وحيث هو غير ممكن إيجابه، لأن التقييد ممتنع، فلابد وأن يرفع الوجوب عن هذا الفرد، وحينئذ بين دليل الواجب المضيق وهذا الواجب الموسع يمكن الجمع العقلائي، بإخراج الفرد المزاحم. وبعبارة اخرى: كون المسألة من صغريات باب التزاحم، مشروط بأن يستكشف الملاك والمطلوبية من إطلاق كل واحد من الدليلين مثلا، ولأجل المحذور العقلي لا يتمكن العبد من الجمع، فيتوصل إلى الخطاب الترتبي، أو إسقاط أحدهما، وإثبات الآخر، بالوجه المحرر عندنا (1). وأما إذا امتنع التقييد والإطلاق، فلا يعقل كشف الملاك في مورد القيد، فعند ذلك كيف يعقل الأمر الترتبي ؟ ! فلابد أولا من كون ملاك كل واحد غير مقيد بالآخر، ويكون مطلوبية كل في عرض مطلوبية الآخر وإن كان الخطاب ليس كذلك. وأما على ما سلكه، يلزم عدم إمكان تصوير الأمر بالمهم، لأنه لا دليل لكشف الملاك حتى يرفع اليد عن الإطلاق بالمقدار اللازم عقلا، وهو صورة إطاعة الأهم دون عصيانه. ثم إن كون الإطلاق جمع القيود (2) من الأباطيل، وإن امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق (3) مخدوش، بل امتناع التقييد يستلزم وجوب الإطلاق. وقد مر ما يتعلق بذلك في مباحث التعبدي والتوصلي (4).


1 - تقدم في الصفحة 343 - 350. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 564. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 150 - 152. (*)

[ 363 ]

وغير خفي: أن هذه المسألة غير مرتبطة بكون النسبة بين الإطلاق والتقييد العدم والملكة، أو التضاد، أو السلب والإيجاب، كما هو الموافق للتحقيق. تذنيب: في تصور المزاحمة بين الواجب والحرام وعلاجها كما يتصور المزاحمة بين دليلي الواجبين، يتصور المزاحمة بين الحرام والواجب. مثلا: إذا آجرت الحائض نفسها لكنس المسجد في يوم الخميس، ثم بعد عقد الإجارة حاضت، فإنها يحرم عليها الدخول، ولا تتمكن من امتثال التكليفين: التحريمي، والوجوبي، ضرورة أن الأول يقتضي دخول المسجد، والآخر يقتضي حرمته ومنعها منه، فيتزاحم دليل الحرمة مع دليل الوفاء بالعقد، فلابد من العلاج، وعلاجه - حسب ما تحرر (1) - صحة عقد الإجارة عند البناء على العصيان والتخلف. إن قلت: قضية النص (2) والفتوى (3) اشتراط صحة عقد الإجارة بكون المنفعة محللة، ف‍ " إن الله تعالى إذا حرم شيئا حرم ثمنه " (4) فلا تقع الإجارة صحيحة من رأس، فإذا حاضت يستكشف عدم انعقاد العقد المزبور، فليست هذه المسألة من صغريات كبرى التزاحم.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155 و 565. 2 - تهذيب الأحكام 7: 134 / 593، وسائل الشيعة 17: 174، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 39، الحديث 1. 3 - لاحظ إيضاح الفوائد 2: 251، مفتاح الكرامة 7: 135 / السطر 8، العروة الوثقى 2: 575 كتاب الإجارة، الفصل الأول، تحرير الوسيلة 1: 571، كتاب الإجارة، المسألة 2. 4 - عوالي اللآلي 1: 181 / 240، مسند أحمد بن حنبل 1: 322، السنن الكبرى، للبيهقي 6: 13. (*)

[ 364 ]

قلت أولا: إن المحرم هو دخول المسجد والمكث فيه، ومورد الإجارة هو الكنس، والكنس ليس مورد النهي وعلى هذا تقع صحيحة، ويحصل المحذور العقلي القابل للعلاج، فتأمل (1). وثانيا: ما اشتهر من أن إجارة النفس وإيجارها من الإجارة المصطلحة (2)، ممنوع عندنا، بل حقيقة هذه الإجارة غير إجارة الأعيان، ولايكون ثمرة العقد إلا اشتغال الذمة بالأداء، فلا يكون ثمن العقد مقابل منفعة، حتى يكون محرما بمحرمية المنفعة والمثمن. وقد تحرر منا في محله: احتمال اختصاص القاعدة بالبيع دون غيره (3). وثالثا: إذا قلنا بأن الحرمة هي الاعتبار الحاصل من إنشاء الزجر، فهي تنتفي بالبناء على دخول المسجد، حسب ما تحرر منا (4)، فلا حرمة حتى يتحقق صغرى القاعدة الفقهية، وهي " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ". اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى ذلك سقوط القاعدة كلا، فيعلم منه أن المبغوضية كافية لبطلان العقد، فليتأمل جيدا.


1 وجهه: هو أن الكنس يلازم المكث والدخول، ولا يعقل ترشح إرادة جعل الحلية بالنسبة إلى عنوان الكنس، بعد حرمة الدخول المطلق. اللهم إلا أن يقال: لا حاجة إلى تلك الإرادة، بل يكفي عدم محرمية مورد الإجارة (أ)، واستلزام المحرم لا يورث الحرمة، كما تحرر سابقا (ب)، فتدبر (منه (قدس سره)). (أ) لاحظ مستند العروة الوثقى، كتاب الإجارة: 48. (ب) تقدم في الصفحة 320. 2 - قواعد الأحكام 1: 228 / السطر 24، مفتاح الكرامة 7: 116 / السطر 3 و 172 / السطر 5، تحرير الوسيلة 1: 570. 3 - لم نعثر عليه فيما بأيدينا من كتبه (قدس سره). 4 - تقدم في الصفحة 349 - 350. (*)

[ 365 ]

وبالجملة: الغرض هو التنبيه على عدم انحصار صغريات كبرى التزاحم بالواجبات، وعليك أن توجد مثالا آخر خاليا عن هذه الشبهة. ذنابة: في اجتماع التزاحم والتعارض ربما تقع المزاحمة بين الدليلين، مع أنهما بحسب الدلالة متعارضان. مثلا: إذا نذر أن يدخل مسجد الكوفة، ثم بعد ذلك نهاه عنه والده، فبناء على ما هو المعروف في باب النذر وإطاعة الوالد (1)، أن مقتضى الأدلة هو محرمية الدخول، ووجوبه، فيكون أحد الدليلين متعارضا مع الآخر في الإنشاء والجعل، ويقع التكاذب بينهما، ضرورة أن الأمر بدخول مسجد الكوفة معارض للنهي عنه، ويكون من قبيل " أكرم العلماء " و " لا تكرم العلماء " ولكنهم مع ذلك لايعالجون ذلك بعلاجات باب التعارض (2). فإن قلنا: بتقييد صحة النذر هنا، وأنها مقيدة بما إذا لم يكن فيه معصية الله، فلا يصح النذر اللاحق. وهكذا إذا قلنا: بأن " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (3) فإن مقتضاه عدم انعقاد الأمر اللاحق. وإن قلنا: بأن الأمر ليس كما اشتهر، فلابد من علاج باب التزاحم إذا وقعت صيغة النذر وأمر الوالد في زمان واحد، أو وقع أمر الوالد ونهي الوالدة في زمن واحد، فإن العبد يقع في المحذور العقلي، فلابد من علاج باب التزاحم. وأما الإشكال في هذه الأمثلة: بأن كل ذلك من قبيل المتزاحمين


1 - إرشاد الأذهان 2: 94، كشف اللثام 2: 234، معتمد العروة الوثقى، كتاب الحج 1: 370 - 374. 2 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 330. 3 - نهج البلاغة: 500 / 165، بحار الأنوار 72: 337. (*)

[ 366 ]

المشهورين، لأن المزاحمة تقع بين دليل وجوب الوفاء بالنذر، ووجوب إطاعة الوالد، ولا شئ وراء ذلك، فهو - إن كان في محله - خارج عن دأب المحصلين، لأن المقصود التنبيه إلى الصور حسب اختلاف المذاهب والمسالك. وبالجملة: بعد أمره ونهيها بالنسبة إلى أمر واحد وعنوان فارد، يلزم كون الواحد مورد الأمر والنهي، وعليه علاج باب التزاحم، بالأخذ بالأهم أولا، وإلا فيكون ما بنى عليه هو المأمور به، فإن احتاج إلى الأمر يصير بالأمر صحيحا. الصورة الخامسة: أي من الصور التي تحتاج إلى كبرى باب التزاحم، ما إذا ابتلي المكلف بتكليفين: أحدهما: مشروط بالقدرة العقلية، كما هو شأن جميع التكاليف وإن لا يلزم من الاشتراط خصوصية لازمة، كما يأتي تفصيله (1). وثانيهما: مشروط بالقدرة الشرعية. فإن مقتضى العقل تقديم الأول على الثاني، وهو المتفاهم عرفا من الأدلة. مثلا: إذا ورد الأمر بحفظ النفس المحترمة، وورد الأمر بالوضوء عند وجدان الماء، فإن العقل والعرف حاكمان بلزوم صرف الماء - غير الكافي إلا لأحدهما - في حفظ النفس المحترمة، وبالتيمم وبالطهور الترابي، لأن عند لزوم الصرف في التكليف الأول، يعد عرفا غير واجد الماء. أو لأجل أن المستفاد من الأدلة الشرعية من الكتاب (2) والسنة (3) - حسبما


1 - يأتي في الصفحة 401 - 409. 2 - النساء (4): 43، المائدة (5): 6. 3 - الكافي 3: 65 - 66 / 1 - 4، وسائل الشيعة 3: 388 - 389، كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 25. (*)

[ 367 ]

تحرر (1) - وجوب ذاك، وعدم جواز صرفه في الوضوء، لأن موضوع الوضوء أعم من عدم الوجود ان الواقعي والشرعي، وإن شئت قلت: الممتنع الشرعي كالممتنع العقلي. فعلى هذا، يأتي الكلام في أن المكلف إذا بنى على عصيان الأمر الأهم، وعدم الاعتناء بشأنه، فهل يصح وضوؤه وغسله، بتوهم أن ذلك بعد البناء المزبور يصير مورد الأمر، أم لا ؟ لأجل تقييد أمر الوضوء بالماء الذي لا محذور في استعماله، ولا يلزم منه مخالفة المولى، ومع التقييد لا يمكن كشف الملاك اللازم - حسب المقدمات السابقة - في كشف الأمر بالمهم. أقول: قد اختلفت كلمات أرباب الترتب، فعن جماعة منهم عدم جريان الترتب هنا (2)، لما اشير إليه، وعن بعضهم جريانه، لأن ذلك يستلزم عدم جريان الترتب مطلقا، ضرورة أنه إذا كان الأمر بالمهم بعد كشف الملاك، يلزم الدور، لأن كشف الملاك أيضا بالأمر (3). والذي هو الحق عندنا على ما سلكناه في علاج باب التزاحم: أن مورد المزاحمة بين التكاليف، لابد وأن يكون بحيث لو أمكن للمكلف الجمع، لتعين الجمع بأي وجه اتفق (4). فإذا ابتلي المكلف في المثال المزبور، فهل ترى أن الشرع لا يكون له إلا مطلوب واحد، ولا مطلوب آخر أصلا، كما في تخصيص العام وتقييد المطلق، أم أن


1 - مباحث التيمم من كتاب الطهارة، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة)، لاحظ جواهر الكلام 5: 114. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367 - 368، منتهى الاصول 1: 352. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 98 - 99. 4 - تقدم في الصفحة 357 - 358. (*)

[ 368 ]

العقل يدرك مطلوبية كل واحد منهما، إلا أن المحذور العقلي اقتضى صرف الماء في حفظ النفس المحترمة، ولو تخلف عن ذلك، وبنى على عدم الاعتناء، يكون الوضوء مورد الأمر، لأنه لا قصور في ملاك الوضوء قطعا وجزما، لأن الوجدان حاكم بأن الشرع لأجلها أمر بالترابية، فلو كان العبد غير مبال بحفظها فعليه الوضوء. ولأجل ذلك أفتى من أفتى بصحة الوضوء والغسل (1)، ويلزم بناء عليه أيضا بطلان التيمم، لأنه واجد الماء. وبعبارة اخرى: التقييد على نحوين: أحدهما: ما يستكشف بدليل القيد قصور المقتضي في مورد القيد. وثانيهما: أنه لا يكون القيد المذكور كاشفا عنه، بل كان النظر في التقييد إلى مراعاة الأمر الآخر الأهم. فما كان من قبيل الأول، فلا يلزم المحذور، ويكون الشرع في مورده ساكتا، كما إذا قال المولى: " أكرم العالم " ثم قال: " لا تكرم الفساق من العلماء " فإن في مورد العالم الفاسق لا ملاك قطعا أو ظاهرا، ويكفي الشك. وأما إذا قال المولى: " أزل النجاسة عن المسجد " ثم قال: " إذا ابتليت بإزالة النجاسة عن المسجد، فدخل وقت الصلاة، فلاتصل قبل أن تزول " فإنه يعلم من الدليل الثاني: أن النظر إلى أهمية ملاك الإزالة، ولا تكون الصلاة قاصرة الملاك والمطلوبية. ولذلك فمع التصريح المذكور، يمكن إدراجه في موضوع هذه المسألة، ويكون من صغريات كبرى التزاحم. فكل دليل إذا كان بالقياس إلى الدليل الآخر من قبيل الثاني، يمكن دعوى أنه مورد الأمر، بعد البناء على عدم الاعتناء بشأن الأهم.


1 - مستمسك العروة الوثقى 4: 352 - 353. (*)

[ 369 ]

نعم، إذا شك في ذلك فلا يمكن، كما هو الظاهر. ومن هذا القبيل، ما إذا كان الماء الموجود عنده، غير كاف لرفع الحدث والخبث، فإنه إذا فرض وجوب صرفه في رفع الخبث أولا، فإذا بنى على التخلف، يصح منه الوضوء وهكذا، فاغتنم. ولا يكاد ينقضي تعجبي ممن أتعب نفسه في هذه المباحث، وتوهم أن الملاك المزبور يستكشف بالأمر الترتبي (1)، فإن معناه عدم وصوله إلى حقيقة الترتب، وذلك لأن الترتب يكون في مورد يكون كل واحد من الدليلين - مع قطع النظر عن الآخر - تام الملاك، فاستكشف الملاك في هذا اللحاظ، وإذا ابتلي المكلف بالمزاحمة، فلابد من رفع اليد عن الدليلين بالمقدار اللازم عقلا، فإن امتثل الأهم فهو، وإلا فيكون أمر المهم فعليا. فلو لم يستكشف الملاك المزبور أولا، لا وجه للزوم رفع اليد بالمقدار اللازم عقلا، وهل هذا إلا لأجل الاطلاع على المطلوب الإلزامي للمولى، وبذلك يتوصل العقل إلى تقييد المهم حذرا منه ؟ ! وإلا فلا معنى لكون القيد في مورد البحث، عصيان الأهم، أو البناء على عدم الإتيان به. وسيأتي في مباحث الترتب الذي توهمه القوم، تفصيله وبطلانه إن شاء الله تعالى (2). فما عن الشيخ الأنصاري والسيد الشيرازي (3) وأتباعهما (4): من إبطال الوضوء، غير راجع إلى التحصيل. مع أن إبطال الشيخ ليس لأجل الإشكال في


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 98. 2 - يأتي في الصفحة 468 وما بعدها. 3 - أجود التقريرات 1: 310. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 368، منتهى الاصول 1: 352 - 353. (*)

[ 370 ]

صغرى المسألة، حتى يتمسك بفتواه لذلك، بل هو من منكري كبرى الترتب (1)، فلا تخلط. الصورة السادسة: ما إذا كان الإضرار بالنفس محرما، فإذا كان الوضوء ضرريا، فالواجب هو التيمم والترابية، لأن مع المحذور الشرعي ينتقل الحكم من المائية إليها. ولو بنى على الإضرار بها، يكون الوضوء مورد الأمر، وهذا من موارد الابتلاء بالمزاحمين: التحريمي والاستحبابي، مقابل سائر المزاحمات، أو الإيجابي الغيري، بناء على وجوبه الغيري أيضا. بل لو قلنا: بأن أدلة نفي الضرر رافعة للحكم الضرري، فهو أيضا من قبيل التقييد الذي يكون في مورده الملاك محفوظا، لظهور الجعل والتشريع في أن الشرع لاحظ حال المكلفين، وأمرا أهم، وهو عدم تضررهم بها، فإذا رضوا بذلك فلا منع، فيكون المقتضي موجودا، والأمر باقيا، فليتدبر جيدا. وغير خفي: أن للإشكال الصغروي في هذه الأمثلة مجالا، ولكن النظر إلى بيان إمكان الالتزام فيها بكونها من مصاديق كبرى التزاحم، فلا تغفل، ولا تخلط. وبالجملة تحصل: أن في موارد أخذ القدرة شرعا، لا يلزم كون الملاك غير كاف لبا، خلافا لما توهمه العلامة المزبور (قدس سره) (2) فإن القدرة المأخوذة شرعا تارة: تكون مثل الحج، فإنه ربما كان لأجل عدم ابتلاء المكلفين بالضيق، وبما يخالف الشريعة السمحة السهلة، فلا يرى الملاك الكلي، فلا يكون الحج صحيحا ممن لايستطيع.


1 - مطارح الأنظار: 56 - 57. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367. (*)

[ 371 ]

واخرى: تؤخذ لأجل أمر أهم، بحيث يكون المهم مطلوبا أيضا، ولكنه لتوصله إليه اعتبرها قيدا، فإنه عند ذلك يكون الملاك محفوظا، والأمر موجودا. فإذا كان علاج أمثال هذه الموارد بما عرفت منا (1)، يلزم سقوط الأمر بالأهم والنهي عن الإضرار، فيصبح الوضوء والغسل مورد الأمر، ويصيران صحيحين، ولا يصح الترابية. وغير خفي: أن نظرنا في هذه الأمثلة إلى الإشارة إلى إمكان وقوع التزاحم، وأما تصديقه الفقهي فهو بحث آخر، لأن من الممكن أن تختلف النفوس في كيفية الاستفادة من الأدلة: فمنهم: من يفهم منها أن الشرع ذو غرض في مورد القيد، إلا أنه لمكان الجهة الاخرى تجاوز عن غرضه، وإذا رضي المكلف بتلك المشقة فلا يبالي - من الأمر به (2). ومنهم: من لا يدرك في هذه المواقف ذلك، ويعتقد أو يحتمل أن الوضوء الضرري بلا ملاك (3)، لأن من الملاك احتمالا، كون نظره إلى أن ينسد باب تدارك المفسدة المبتلى بها المكلف - بترك الأهم أو الإتيان به - بإتيان المهم، حتى في الصورة التي هي القدر المتيقن من موارد التزاحم. وبعبارة اخرى: فيما إذا ابتلي العبد بالإزالة والصلاة، وقلنا: بسقوط أمر الصلاة بدوا، فإنه من المحتمل عدم عود الأمر، وعدم تقييده بالعصيان، لأنه بذلك يتجرأ العبد على ترك الإزالة، لتوهم انسداد ما يتوجه إليه من المفسدة بجلب


1 - تقدم في الصفحة 349 - 355. 2 - مستمسك العروة الوثقى 4: 330 - 334. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367. (*)

[ 372 ]

المصلحة، وسيأتي زيادة توضيح في محله (1) إن شاء الله تعالى. فبالجملة: بناء على ما سكلناه في علاج باب التزاحم (2)، يسقط الأهم بمجرد البناء الواقعي على تركه، ويبقى الأمر بالمهم، ولا يلزم الإشكال المشار إليه، لأنه لا سقوط للأمر بالمهم ولا تقييد. بخلاف ما سلكه القوم: من سقوط الأمر بالمهم، فإنه من الممكن الإشكال الصغروي في كشف الملاك، باحتمال أن في موقف سقوط الأمر لا كاشف ولا منكشف، وأن الشرع لا يلتزم بالتقييد، لأنه يورث الجرأة احتمالا على عصيان الأهم، كما عرفت. نعم، من يدعي كشف الملاك قبل سقوط الأمر، وإطلاق المادة حال فقد الأمر بالمهم (3)، فهو يتمكن من التقييد المزبور، ولا يلزم المحذور، وعند ذلك يتعين تقييد الأهم بالعصيان، فافهم واغتنم. الصورة السابعة: المزاحمة بين الوجوبين الغيريين، فيما إذا ابتلي المكلف بالحدث والخبث، ولايكون عنده من الماء لرفعهما ما يكفي لهما، فإنه - حسب ما يعلم من الفقه - يجب صرف الماء في رفع الخبث، ثم يتيمم (4)، وذلك لأن دليل رفع الخبث غير مقيد بالقدرة، بخلاف دليل رفع الحدث، فإذا وجب صرفه فيه فهو فاقد الماء في محيط


1 - يأتي في الصفحة 501 - 502. 2 - تقدم في الصفحة 347 - 348. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 326. 4 - جامع المقاصد 1: 477، مفتاح الكرامة 1: 527 / السطر 14، العروة الوثقى 1: 477 السادس من مسوغات التيمم. (*)

[ 373 ]

الشرع، فعليه الترابية. فلو صرف الماء في الطهارة المائية، فهل يبطل الوضوء، أم لا ؟ وجهان. ظاهرهم هو الأول، إما لأجل أن كشف الملاك غير ممكن في صورة التقييد بالقدرة الشرعية، كسائر الموارد التي تصدى الشرع بنفسه للتقييد (1)، أو لأجل وقوع المعارضة - بعد سقوط الأمر النفسي - بين دليلي الجزء والشرط (2). والأقوى هو الثاني، وذلك لأنه بعد مفروغية الوجوب الغيري، لابد من الالتزام بأن كل واحد من الطهارة الخبثية والحدثية، مطلوب غيري، وبعد مفروغية أن الصلاة بمحذور سقوط الشرط، لا يسقط أمرها النفسي، فلابد من الالتزام بالأمر الغيري الباعث نحو المطلوب الغيري، فإذا تمكن العبد من الطهارتين فهو، وإلا فعليه صرف القدرة في جانب الطهور الخبثي. فلو أراق الماء، فلا شبهة في تعين الطهور الترابي والصلاة في النجس مثلا، فهل تجد من نفسك أن إراقة الماء على الأرض، تورث صحة الصلاة مع الترابية، وإراقة الماء على بدنه بالغسل أو الوضوء، تورث بطلانها، فهل هذا إلا المجازفة في القول ؟ ! فليس هناك إلا أن المطلوب الغيري الأهم، هو صرفه في رفع الخبث، فإذا صرفه في الوضوء يعجز، ويكون الأمر بالمهم الغيري موجودا، من غير لزوم المعارضة، أو القصور في كشف الملاك. أو بعد البناء على الغسل والوضوء، يسقط الأمر الغيري بالأهم، فيدعوه الأمر الآخر إلى المهم، فافهم واغتنم. وإن شئت قلت: تصحيح المهم الموقوفة صحته على الأمر، لا يمكن على


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367. 2 - محاضرات في اصول الفقه 3: 100. (*)

[ 374 ]

مقدمات الترتب المشهورة بين الأعلام والأفاضل (قدس سرهم) (1)، ولكنه يمكن على ما سلكناه في هذا المضمار، لأن مع الاحتمال المزبور أخيرا، لا يكون الأمر بالمهم كاشفا عن الملاك في صورة المزاحمة، ولا يكون الأمر الترتبي مع الإخلال في الكشف حادثا، لأن الأمر الترتبي لا يعقل حدوثه إلا بعد كشف إطلاق المادة، كما عرفت (2)، وسيأتي توضيحه التفصيلي عند ذكر الترتب على مسلك القوم، مع ما فيه من المفاسد الواضحة (3). نعم، على ما سلكناه لا يسقط الأمر بالمهم، بل أمر الأهم يسقط، ويكون الخطاب بالمهم باقيا بلا مزاحم. إن قلت: الأوامر الغيرية ترشحية قهرية (4)، ولذلك لابد من تقييد دليل الجزء والشرط حال العجز، ومع التقييد لا يمكن تصحيح الوضوء والغسل بالأمر، بل لو كانا متساويين ملاكا، فعليه أحدهما: من الطهارة الحدثية، أو الخبثية، ومع أهمية أحدهما يكشف عدم جزئية الآخر وشرطيته. قلت أولا: قد عرفت منا: أن تلك الأوامر - كالأوامر النفسية - ليست قهرية، ولا ترشحية، بل هي اختيارية، والخلط بين التكوين والتشريع أوقعهم في ذلك (5). وثانيا: قد عرفت أن لأحد كشف الملاك حتى في مورد القيد (6)، لما عرفت أن القيود ثلاثة: قيد يكشف عن مبغوضية مورده، وقيد يكشف عن عدم المصلحة


1 - كشف الغطاء: 27 / السطر 22، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، درر الفوائد، المحقق الحائري: 140، نهاية الأفكار 1: 374. 2 - تقدم في الصفحة 345. 3 - يأتي في الصفحة 468 - 470. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 220. 5 - تقدم في الصفحة 332. 6 - تقدم في الصفحة 370 - 371. (*)

[ 375 ]

في مورده، وقيد يكشف عن أهمية الأمر الآخر في مورده، وفيما إذا كان من قبيل الثالث يمكن تصحيحه بالأمر بعد البناء على ترك الأهم (1). فذلكة البحث إن في جميع الموارد التي تلوناها عليك، سواء كانت من قبيل التزاحم بين الواجبين التعبديين، أو التوصليين، أو التعبدي والتوصلي، أو كانت من قبيل التزاحم بين الغيريين، أو النفسي والغيري، أو كانت بين الواجب والمستحب، أو المحرم والواجب، أو المحرم والمستحب، أو غيرها، يمكن حسب العقل، تصحيح المأتي به - المتوقفة صحته على الأمر - بالأمر، وإن أمكن تصحيحه بجهة اخرى. إيقاظ: في إمكان تصحيح الصلاة مع ترك الجزء أو الشرط عمدا لاشبهة في أن المركب الاعتباري، يبطل بالإخلال بما يعتبر فيه، شرطا أو شطرا، زيادة أو نقيصة، فإذا دل الدليل على صحته عند الاختلال، يستكشف منه أن ما هو الجزء أو الشرط، له الجزئية والشرطية في إحدى الحالات، دون كلها. مثلا: قضية القواعد الأولية، بطلان الصلاة بالإخلال بما اعتبر فيها، وقضية قاعدة " لا تعاد " صحتها مع الإخلال بكثير من أجزائها وشرائطها، إلا خمسة منها مثلا، ومقتضى إطلاق تلك القاعدة صحتها حتى مع الإخلال بها جهلا وعمدا، فضلا عن النسيان والغفلة حكما أو موضوعا، وعند ذلك يلزم الشبهة العقلية، وهي لغوية أدلة اعتبار الأجزاء والشرائط جزء وشرطا، ضرورة أن معنى الجزئية والشرطية، هو البطلان والفساد ولو في حال من الحالات كالعمد (2).


1 - تقدم في الصفحة 368 - 369. 2 - يأتي في الجزء الثامن: 97. (*)

[ 376 ]

وأما الالتزام بصحتها حتى مع الإخلال العمدي، فهو غير معقول إلا برجوع تلك الأدلة إلى أنها في مقام إيجاب الشئ في المركب كالقنوت في الصلاة، ولا يمكن الجمع بين الجزئية والشرطية وبين الصحة. أقول: قد التزم بذلك العلامة الورع التقي الشيرازي (قدس سره) وصدقه الوالد - مد ظله - في محله (1)، تخيلا " أن إشكال المسألة: هو أن ترك ما وجب في الصلاة عامدا، يوجب عدم تحقق الامتثال، الموجب للإعادة عقلا مع بقاء الوقت، كما هو المتيقن من مورد الرواية، والحكم بعدم الإعادة مناف لذلك " انتهى ما في رسالته المعمولة في الخلل (2). وأجاب (قدس سره) - بعد النقض ببعض أفعال الحج، حيث يقولون بصحة الحج مع تعمد ترك بعض أجزائه غير الركنية (3)، وبالجاهل المقصر في حكم القصر والإتمام (4)، والجهر والإخفات في الصلاة - (5): " بأن من الممكن الالتزام بأمرين: أمر متعلق بالأقل وهو الخمسة مثلا، وأمر آخر متعلق بتلك الأجزاء أيضا، وبالأجزاء الاخر المفروض وجوبها، فيتحقق هناك أمران: أمر بالبعض، وأمر بالكل المشتمل على ذلك كله وغيره، نظير ما إذا نذر الإتيان بالصلاة المشتملة على الأجزاء المستحبة، ونظير الأمر الندبي في الصلاة الندبية. فإذا تحقق تصوير ذلك، فلو أتى بالصلاة، وأخل ببعض ما يعتبر في الأمر الثاني، فلا يمنع ذلك من الصحة، وحصول الامتثال، وعدم وجوب الإعادة بالنسبة


1 - الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره): 184 - 185. 2 - الخلل في الصلاة، المحقق الشيرازي: 194. 3 - جامع المقاصد 3: 259. 4 - جامع المقاصد 2: 516، مدارك الأحكام 4: 472 - 473، العروة الوثقى 1: 650، أحكام القراءة، المسألة 22. 5 - جامع المقاصد 2: 261، العروة الوثقى 1: 650، أحكام القراءة، المسألة 22. (

[ 377 ]

إلى الأمر الأول، لما فرض من عدم الإخلال بما يعتبر فيه، وإنما أخل بما يعتبر في الأمر الثاني، وذلك يوجب عدم الامتثال بالنسبة إليه فقط، لا بالنسبة إلى مجموع المركب. لكنه يسقط الأمران جميعا بالنسبة إليه: أما الأمر الأول: فلما فرض من تحقق امتثاله. وأما الأمر بالأكثر: فلعدم بقاء مورد له بعد سقوط الأمر الأول، لما فرض من أن مورده عين مورد الأول، مع إضافة زيادات من الأجزاء والشرائط إليه، فبعد سقوط الأمر الأول، وعدم بقاء مورد له، لا يبقى مورد للأمر الثاني، لأن مورد الأمر الأول بعض مورد الأمر الثاني، وانتفاء الجزء موجب لانتفاء الكل. وذلك لا ينافي كونه عاصيا بالنسبة إلى الثاني، ومطيعا بالنسبة إلى الأمر الأول " (1) انتهى بألفاظه الشريفة، مع رعاية الاختصار. أقول: لولا جلالة شأنه لما كان وجه لنقل ما أفاده، مع ما فيه من الأنظار الواضحة حتى في تنظيراته، ومع أن إشكال المسألة ليس ما ذكره، فإن تصوير الواجب في الواجب ليس محتاجا إلى العناية. وغير خفي: أن المعضلة ما عرفت، وهي غير قابلة للانحلال بذلك الوجه، ضرورة أن البعض والكل لا يكونان متباينين، حتى يمكن تعلق الوجوبين التأسيسيين المستقلين بهما، للزوم كون الأقل مورد الأمرين التأسيسيين المستقلين، وهو بمراحل عن الواقع. ومسألة الواجب في الواجب أيضا ليست من قبيل أمرين، أحدهما: متعلق بالكل، والآخر: بالبعض. وبالجملة: لو أراد إبطال الطبيعة الكلية دون الطبيعة الناقصة بتصوير طبيعتين، إحداهما: الأقل، والاخرى: الأكثر، فلا يعقل كون المكلف موردا لخطابين فعليين


1 - الخلل في الصلاة، المحقق الشيرازي: 194 / السطر 14. (*)

[ 378 ]

عرضا، أحدهما: متعلق بالكل، والآخر: بالبعض، مع كونهما خطابين تأسيسيين مستقلين مستتبعين للعقاب والثواب. فبالجملة: يمكن أن يقال: بأن اعتبار الجزئية والشرطية، باعتبار بطلان الطبيعة الكلية، دون أصل الطبيعة، أي هنا دائرتان: المحيطة، والمحاطة: أما المحيطة، فهي بالإخلال تبطل. وأما المحاطة، فلا تبطل إلا بالإخلال بالخمسة. ولكنه مجرد فرض لابد من كونهما مورد الأمرين، وهو غير معقول حسب الوجدان والعقل. فإذا وصلت النوبة إلى ذلك فلنا تصوير أمرين، أحدهما: متعلق بالكل في الابتداء، والآخر: لا يتعلق بشئ، ولا يدعو نحو شئ فعلا وقبل الصلاة، فإذا شرع في الصلاة، وترك السورة مثلا عمدا، يسقط الأمر الأول، ويتوجه إليه الأمر الثاني، لأن مطلوبه طوليان أحدهما: الكل، والآخر: هي الخمسة، وهي الدائرة المحاطة. فإبطال الدائرة المحيطة والكل، لا يستلزم بطلان الآخر، من غير لزوم الأمرين العرضيين، وإذا كان بناؤه على ترك تلك الأجزاء، فيدعوه إلى الخمسة الأمر المتعلق بها. وبذلك ينتفي الإشكال العقلي. فمن علاج باب التزاحم، ربما يستخرج بعض المسائل الاخر، كما عرفت، فافهم واغتنم. ولو أبيت عن الالتزام بالإشكال العقلي المزبور (1)، إما لأجل الشبهة في كبراه، أو لأجل الشبهة في صغراه، بدعوى أن الأمر المتعلق بالكل، غير الأمر المتعلق بطائفة من الأجزاء بحسب المتعلق، فإن متعلق الأول عنوان فان فيه الأجزاء الركنية وغير الركنية، ومتعلق الثاني عنوان فان فيه الأجزاء الركنية، من غير


1 - تقدم في الصفحة 375. (*)

[ 379 ]

كون العنوان المزبور - بحسب التفصيل - غير الأجزاء، ولكنه في لحاظ الوحدة والكثرة مختلف معها (1)، كما تقرر في محلها (2). فلنا أن نقول: إن الضرورة قاضية بعدم وجود الخطابين الفعليين العرضيين بالنسبة إلى كل أحد، حتى يقال: بأن كل من يأتي بتمام الأجزاء وبالطبيعة المحيطة، يمتثل الأمرين، ويستحق الثوابين، ومن يتركها يعاقب عقابين. نعم، على ما تصورناه لا يلزم تلك التوالي، وذلك لأن من ضم الأمر المتعلق بالكل إلى إطلاق قاعدة " لا تعاد... " يستفاد أن المطلوب ذو مرتبتين، وأن المطلوب الأولي هو الطبيعة الكلية التي تبطل بترك الجزء العمدي، ولا يليق إتيان سائر الأجزاء غير الركنية، لأنه بلا أثر، لبطلان الكل بتركه، والمطلوب المحفوظ بعد عصيان المطلوب الأول أو بعد البناء على تركه، هو الطبيعة الناقصة المحاطة المتشكلة من الخمسة مثلا، وهي متعلق الأمر الحادث، وتصير صحيحة. ولو تم هذه التوهمات لترتب عليها الفروع الكثيرة، ولعل قضية الجمع بين الشرطية والصحة المطلقة في الحج لأجل هذا، وإلا فلابد من الالتزام بعدم الشرطية، وبأنه من قبيل الواجب في الواجب، فتأمل. الصورة الثامنة: وهي من الصور التي تقع فيها المزاحمة بين التكاليف الإلهية، ما تكون ثلاثية الأطراف، بأن ابتلي بثلاثة تكاليف، أحدها: تعلق بأداء الدين، والآخر: بالإزالة، والثالث: بالصلاة، مع القدرة الواحدة، فبناء على ما هو المختار في علاج باب التزاحم، تكون المعضلة منحلة، وتصح الصلاة ولو كانت متأخرة عن سائر


1 - الخلل في الصلاة، الإمام الخميني (قدس سره): 185. 2 - تقدم في الصفحة 20 - 21. (*)

[ 380 ]

الواجبات ملاكا، ومحتاجة إلى الأمر في الصحة، لما عرفت: من أن سقوط الأمر لا يتوقف على الإطاعة أو العصيان، بل البناء على الإهمال يستلزم سقوطه (1)، فعليه صرف القدرة في الواقع في آخر السلسلة، وهكذا في سائر الفروض والموارد التي يكثر في الفقه الابتلاء بها. ومما ذكرناه بطوله في تلك الصور، يظهر ميزان التزاحم وملاك علاج هذه الغائلة في سائر الموارد، سواء كان ثنائيا، أو ثلاثيا، أو رباعيا، وسواء كانت الملاكات متساوية، أو كان بعض منها أهم، والاخر متساوية، أو غير ذلك. الصورة التاسعة: المزاحمة الواقعة بين الواجبين الضمنيين، بناء على صحة هذا النحو من الوجوب، وتقريب كيفية وقوع التزاحم وكيفية العلاج، يظهر مما فصلناه سابقا في الواجبين الغيريين (2). الصورة العاشرة: ما إذا كان الواجبان طوليين، كالركعة الاولى والثانية، أو الصوم يوم الخميس والجمعة، مع كون القدرة واحدة، فإنه هل تكون المسألة من صغريات باب التزاحم أم لا ؟ فيها قولان. والحق هو الأول في المثال الثاني، لأن منشأ توهم الإشكال في صغروية المسألة: أن صوم الجمعة لا يكون وجوبه فعليا، للزوم القول بالوجوب المعلق (3)،


1 - تقدم في الصفحة 348. 2 - تقدم في الصفحة 372 - 373. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329 - 330. (*)

[ 381 ]

وهو غير تام. وتوهم فعلية خطاب آخر، وهو حفظ القدرة للمتأخر (1)، فاسد لأنه ليس من الخطاب الشرعي. مع أن انكار فعلية الوجوب المعلق (2)، يستلزم الشك في تحقق خطاب حفظ القدرة، لأنه لا كاشف عندئذ عن الملاك للمتأخر حتى يتمسك بخطاب " احفظ قدرتك للمتأخر ". ومنشأ توهم الإشكال في صغروية المسألة في المثال الأول: عدم وجود الخطاب الاستقلالي بالنسبة إلى الركعات (3). وأنت قد أحطت خبرا مما سبق: بأن الواجب المعلق مما لابد من الالتزام به، ولولا الوجوب المعلق لما قام للعالم نظام، ولا للمسلمين سوق (4)، فإذا كان العبد متعذرا عليه الصومان مجموعا، وكانا متساويين، فله صرف القدرة في كل واحد منهما. وقد مر كيفية استكشاف الأمر المصحح (5). وإذا كان المتقدم أهم فلا بحث، فإذا عصى فعليه الصوم المتأخر. بل قضية سقوط الأمر بالأهم، من غير الحاجة إلى العصيان. ولو كان المتقدم مهما فيصح أيضا، لما عرفت تفصيله (6). إن قلت: كيف يمكن الالتزام بترك الواجب مع القدرة عليه، فإنه من الترك بلا عذر ؟ !


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 196 - 202. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 186 - 189، أجود التقريرات 1: 278، الهامش 1. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 294 - 301. 4 - تقدم في الصفحة 118 - 119. 5 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 6 - نفس المصدر. (*)

[ 382 ]

فعليه صرف القدرة في صورة التساوي في المتقدم، وصوم يوم الخميس (1). قلت: لا يعقل مع القدرة الواحدة خطابان فعليان ولو كان أحدهما معلقا، والآخر فعليا منجزا، فإذن يكون الواجب ما يختاره العبد ويبني عليه، ولذلك لو عصى الأهم المتقدم - بالبناء على المتأخر - يصح المتأخر، لأنه من بنائه يستكشف بقاء الأمر بالنسبة إليه، وسقوطه بالنسبة إلى المتقدم، حسب ما تحرر منا وسلف (2). هذا، وفي المثال الآخر لا يكون تكليف بالنسبة إلى الأجزاء غيريا، ولا ضمنيا حسب المبنى، إلا في مورد دل عليه الدليل (3). وأما حسب قول القائل به (4) فهو من قبيل دوران الأمر بين الحدث والخبث، وقد مر تفصيله (5). وأما على ما هو الحق، فلا وجه لتعين صرف القدرة بالنسبة إلى الركعة الاولى، لأنه ليس من ترك التكليف بغير عذر، بل هو من صرف القدرة في مصلحة المولى من غير تعيين من قبله. وبعبارة اخرى: العقل حاكم بلزوم الصلاة، ومع القدرة على القيام فلابد من القيام، وأما كيفية صرف القدرة فهي غير مبينة من قبل الشرع، ولا يجد العقل وراء التخيير أمرا آخر، فليتدبر. فبالجملة: في التكليفين النفسيين الطوليين بعد تحقق التزاحم، يصح صوم كل يوم من الأيام، من غير فرق بين كون المتقدم أهم، أو المتأخر، ويستحق العقوبة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329 - 330، محاضرات في اصول الفقه 3: 280 - 281. 2 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 3 - تقدم في الصفحة 24 - 27 و 219 - 220. 4 - نهاية الاصول: 157، محاضرات في اصول الفقه 3: 296. 5 - تقدم في الصفحة 372 - 373. (*)

[ 383 ]

على ترك الأهم. ويتخير في صورة التساوي، ويستحق على واحد أو على كل واحد عقابا إذا ترك الكل، على اختلاف الاحتمالين اللذين مضى سبيلهما (1). وربما يتوهم: أن القدرة إذا اخذت قيدا شرعيا، يتعين الصوم الأول، وإلا فيتخير، وهو مختار بعض الأعلام، ولعله مختار العلامة النائيني (2) وغيره (3). وأنت خبير: بأنه يرجع إلى خروج المسألة عن صغرى باب التزاحم، لأن أخذ القدرة قيدا شرعيا مع كونها واحدة، ينافي إمكان استكشاف المقتضي والملاك، فتخرج عن كبرى باب التزاحم. وسيظهر تمام الكلام حول ذلك (4)، كما سيظهر أن القدرة ليست قيدا شرعيا عند بيان مسلك الوالد المحقق - مد ظله - (5). وأما في مثل التكاليف الغيرية، فمع الإذعان بها فالأمر واضح كما عرفت (6)، ويكون المسألة من صغريات التزاحم. ومع إنكارها فلا تكون المسألة من صغريات التعارض، ولا التزاحم، ويكون - لولا الدليل الخاص - حكمها التخيير، ولا تبطل بتركه في المتقدم. هذا، ولو كان القيام في الركعة الاولى والثانية، أهم من الثالثة والرابعة، كما لا يعبد، وهو لا يقدر في الرباعية إلا على القيام في الركعتين، فهل تبطل الصلاة مع الإخلال به فيها بإتيان الأخيرتين قائما، أم لا ؟


1 - تقدم في الصفحة 353 - 354. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329 - 334، أجود التقريرات 1: 273 و 279. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 241 و 279. 4 - يأتي في الصفحة 391 - 392. 5 - يأتي في الصفحة 455 - 456. 6 - تقدم في الصفحة 372 - 373. (*)

[ 384 ]

وجهان مبنيان على أن القيام من شرائط الصلاة وأجزائها الرئيسة فتبطل. أو أن مع البناء على تركه في الاوليين، لا يسقط أمر الصلاة، كما عرفت فيما مضى (1)، فلتصحيحها وجه قوي إن فرغنا عن صغرى المسألة، وهي عدم سقوط ملاك الصلاة بالبناء على ترك بعض الشرائط أو الأجزاء عمدا، كما عرفت تفصيله عند بيان كيفية شمول قاعدة " لا تعاد... " للترك العمدي (2). فبالجملة: في جميع هذه المواقف، يمكن تصوير المزاحمة وعلاجها على الوجه الذي أبدعناه واضحا. وأما على الوجه الذي ابتكره الوالد كما سيمر عليك (3)، فهو يختص ببعض الموارد دون بعض. وأما على الوجه المعروف بين المتأخرين المسمى ب‍ " الترتب " فهو محل خلاف بين القائلين به، وأنه هل يجري الترتب في الطوليات، أم لا ؟ وسيظهر لك بطلان أساسه، فتسقط فروعه (4). التنبيه الثالث: في شرائط تحقق التزاحم وكيفية أخذ القدرة ما ذكرناه في هذه المسألة، كان هو طريق علاج المتزاحمين قبال سائر الطرق، وأما شرائط تحقق المزاحمة في التكليف، فهي وإن كانت اتضحت مما سبق، إلا أن الإشارة إليها إجمالا مما لابد منها، ولاسيما بالنسبة إلى كيفية أخذ القدرة في الأحكام الإلهية.


1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الصفحة 375 - 379. 3 - يأتي في الصفحة 462 - 468. 4 - يأتي في الصفحة 468. (*)

[ 385 ]

فنقول: لا شبهة في أن الأدلة الشرعية إذا لم تكن متكاذبة في مقام الدلالة - حتى تندرج في كبرى مسألة التعارض - فهي قد تكون متزاحمة في مقام الامتثال والإطاعة. ومن شرائط ذلك: كون الإطلاق رفض القيود، وإلا فلا يتأتى التزاحم بين الأدلة، بل يكون كل واحد بالنسبة إلى الآخر معارضا بالعرض، كما اشير إليه (1)، ونفصل فيما يأتي إن شاء الله تعالى (2). ومن تلك الشرائط: ثبوت الإطلاق لكل واحد من الدليلين، وإلا فلا مزاحمة في مقام الإطاعة، لعدم ثبوت الاقتضاء. ومنها: أن لا يكون التنافي بين الدليلين في مقام الامتثال دائميا، وإلا فيكون من التعارض كما لا يخفى. ومنها: كون العبد ذا قدرة واحدة، ولو كان مقتدرا على الإطلاق أو عاجزا على الإطلاق، فلا يتزاحم تزاحما فعليا بينها، نعم لا يشترط بعدم إمكان الفرار من التكليفين ولو بإعدام موضوع أحدهما، بل يمكن فرض التزاحم بين الوجوب التعييني والتخييري، كما سيظهر وجهه (3). وأما ما يظهر من " الكفاية " من اشتراط إحراز المقتضيات في تحقق التزاحم (4)، فهو محمول على الاقتضاء، بمعنى شوق المولى وحبه، أو المصالح والمفاسد، وإلا فإحرازها ليس معتبرا في تحققه، بل المناط فعلية التكاليف مع


1 - تقدم في الصفحة 361. 2 - يأتي في الصفحة 426 - 429. 3 - يأتي في الصفحة 400 - 402. 4 - كفاية الاصول: 189 و 211. (*)

[ 386 ]

القدرة الواحدة. ولذلك يمكن أن يلتزم مثل الأشعري بالتزاحم. اللهم إلا أن يقال: بأنه لا يلتزم بالحسن والقبح (1)، فتأمل. وربما يشكل الأمر هنا: بأن القدرة إذا لم تكن مأخوذة في التكاليف كلا - لا شرعا، ولا عقلا - فيمكن الالتزام بتحقق التزاحم، لإمكان استكشاف مطلوبية المادة، وذلك لعدم سقوط الهيئة، ولبقائها بحالها. وأما إذا كانت القدرة قيدا شرعيا، أو كانت قيدا عقليا، أو كانت شرطا لتوجيه الخطاب وترشح الإرادة الجدية - كما هي لا تخلو عن إحدى هذه الاحتمالات، حسب ما يؤدي إليه أنظارهم - فلا يمكن كشف مطلوبية المادة، لسقوط الهيئة طبعا وقهرا. وما ذكرناه في مقدمات المسألة (2)، وفي مبادئ كيفية علاج باب التزاحم (3)، هو كان أمرا فرضيا، أي لو فرضنا التزاحم بين الأدلة، فما هو علاجه ؟ وأما الذي هو مورد نظرنا هنا، فهو البحث عن شرائط تحقق التزاحم تصديقا، فإنا إذا راجعنا حال مكلف قادر على الإطلاق، نجد أنه مكلف بفعل الإزالة والصلاة، ويعلم حينئذ مطلوبية المادة، وإذا راجعنا حال مكلف عاجز على الإطلاق، لا نجده مكلفا بشئ، ولا كاشف عن مطلوبية المادة عندئذ. ومجرد احتمال المطلوبية، وأن القدرة واللاقدرة غير دخيلة في الملاك واللاملاك، غير كاف في مرحلة التصديق، فإن من ثبوت القدرة يثبت الأمر، ولكن من انتفاء القدرة لا يكشف أن انتفاء الأمر معلول العجز فقط، لاحتمال كونه معلول شئ آخر مقارن معه، أو مصاحب له.


1 - المطالب العالية 3: 389 ولاحظ كشف المراد: 302. 2 - تقدم في الصفحة 344 - 347. 3 - تقدم في الصفحة 357 - 363. (*)

[ 387 ]

فعلى هذا، إذا كان المكلف قادرا في الجملة، فيكشف عدم فعلية أحد التكليفين بالضرورة، فإذا انتفى التكليف ينتفي الكاشف عن المقتضي، فلا يتصور التزاحم رأسا. وبعبارة اخرى: لابد من إحراز المقتضيات حتى يتحقق التزاحم، ومع كون القدرة أمرها دائرا بين احتمال كونها دخيلة في الاقتضاء، أو تكون مقارنة لما هو الدخيل، لا يعقل إحراز المقتضي، وتصير المسألة مورد الشبهة، ولا يمكن حينئذ إعمال علاج باب التزاحم، سواء كان علاجنا، أو علاج الآخرين من الترتب وغيره. نعم، فرق بين مسلكنا ومسلك القائلين بالترتب: وهو أنه على ما أبدعناه يمكن أن يقال في صورة التساوي: بأن المأمور به ما يختاره - على الوجه الذي عرفت - (1) ويكون الآخر ساقطا، وبعد ذلك نحتمل قصور المقتضي بالنسبة إليه أيضا. وأما على مسلكهم من كشف الخطاب التخييري (2)، يلزم إشكال امتناع الكشف، وأنه كيف يعقل ذلك إلا على القول: بأنه من الأول يكون الحكم تخييريا بالنسبة إليه ؟ ! وهو يرجع إلى أن الإطلاق في كل دليل هو لحاظ حالات جميع الأفراد وحالات المزاحمات، وهو خلاف التحقيق. مع أنه - كما اشير إليه - يستلزم كون المسألة من صغريات باب التعارض، دون التزاحم، فتدبر. فبالجملة: في مسألة الأهم والمهم، واختصاص التكليف بالأهم، مع سقوط الهيئة بالنسبة إلى المهم ابتداء لأجل العجز، لا يمكن إحياء التكليف بالعصيان، أو بالبناء على الترك، والعزم على عدم الاعتناء بشأن الأهم، لأنه يتعين التكليف أولا بالنسبة إلى الأهم، ويسقط عن الآخر. ولعل السقوط يلازم قصور المقتضي، وهو إما


1 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 2 - لاحظ أجود التقريرات 1: 279. (*)

[ 388 ]

نفس القدرة، أو ما يصاحبها، بحيث لا يرجع برجوع القدرة. وتوهم: أنه خلاف إطلاق دليل المهم (1)، غير صحيح، وذلك لأن مع كون القدرة واحدة، لا يمكن تصوير الإطلاق للمهم، وذلك لأن غاية ما يمكن تقريبه لإثباته: هو أن كل واحد من الدليلين - مع قطع النظر عن الآخر - مطلق (2)، ولكنه بمعزل عن التحقيق، لأن معنى قطع النظر عن الأهم، هو قطع النظر عن قدرة المكلف الملحوظة مع الأهم، أو المحفوظة المخزونة له، وعند ذلك كيف يعقل الإطلاق للمهم ؟ ! فإذن لا يمكن تصوير الفعلية للمهم مع قطع النظر عن الأهم، وعندئذ لا يمكن كشف مطلوبية المادة - وهي الصلاة - حال عصيان الأهم، وحال العزم على العصيان، فلا تقع المزاحمة بين الأدلة بناء على هذا مطلقا، وتصير النتيجة بطلان الصلاة، وكل شئ موقوف على الأمر. أقول: هذه الشبهة غير قابلة الانحلال إذا قلنا: بسقوط أمر المهم حال فعلية أمر الأهم، فلا يتمكن أرباب القول بالترتب من تصوير المزاحمة، حتى يحتاج إلى الأمر الترتبي، لأن هؤلاء بين من يقول: بأن القدرة إما قيد عقلي (3)، أو شرط توجيه التكليف (4)، أن الموضوع والمخاطب هو " القادر " (5) وبانتفاء القدرة لا يبقى لموضوع التكليف أثر. ومن تمكن من تصوير الأمرين الفعليين عرضا مع القدرة الواحدة، لا يحتاج إلى الأمر الترتبي، كالوالد المحقق - مد ظله - (6).


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327 و 366 - 367. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 366 - 367. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 148. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 324. 5 - مفاتيح الاصول: 317 / السطر 11، درر الفوائد، المحقق الحائري: 107 - 111، منتهى الاصول 1: 326. 6 - مناهج الوصول 2: 23. (*)

[ 389 ]

نعم، ما سلكناه في هذا المضمار سليم عن هذه العويصة، وذلك لما عرفت في علاج باب التزاحم (1): من أن أمر المهم لا يسقط بمجرد المزاحمة مع الأهم، بل سقوط الأمر وعدم سقوطه، تابعان لبناء المكلف على الإتيان وعدمه، وحيث أن حال المكلف لا يخلو عن إحدى حالات ثلاث: إما يكون تارك الكل، أو يكون تارك الأهم، أو يكون تارك المهم بحسب الواقع، والمولى الملتفت إلى أطراف المصالح والمفاسد، والمتوجه إلى أن المهم في صحته موقوف على الأمر، وأنه بان على ترك الأهم، لا بد وأن يوجه إليه خطاب المهم، ويسقط الأهم، فتصح صلاته، لأنها مورد الأمر. تذنيب: إذا كان مورد الأمر الأهم عباديا، موقوفة على الأمر صحته، وكان بحسب الواقع بناء المكلف على امتثال الأهم، فيبقى أمر الأهم، وتصح صلاته، وعندئذ لا يمكن كشف المقتضي للمهم. إيقاظ: في كيفية تصوير الأمر بالمهم إنك قد عرفت فيما سبق (2): أن البعث والأمر ليس إلا للتحريك، وأما ما هو المحرك الواقعي، هو حدود إدراك المكلف من المولى والأمر، وحدود التزاماته بتبعات التكاليف، فإذا صدر من المولى أمر بالنسبة إلى فعل الإزالة، واطلع العبد على أن للمولى غرضا هاما، واستكشف بالأمر ذلك المطلوب الجدي الإلزامي، فلا معنى لبقاء الأمر، ولا حاجة إليه وإلى فعليته وغيرها، ولا يتوقف استحقاق العقوبة على بقائه بحسب اللب والثبوت.


1 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 2 - تقدم في الصفحة 348. (*)

[ 390 ]

نعم، إذا دل دليل من قبل المولى على انتفائه فهو المتبع. كما أنه لو كان صحة المأمور به موقوفة على بقائه مثلا، فلابد من الالتزام ببقائه، كما نحن فيه. فعلى هذا، لا يسقط أمر الصلاة المهم، ويسقط أمر الأهم، ولكنه لا يستتبع إلا وجوب صرف القدرة أولا في الأهم، ومع البناء على عدم الاعتناء فعليه صرفها في المهم، من غير قصور في مقتضي المهم، ومن غير حصول المزاحمة من ناحية الأهم. وبعبارة اخرى: أمر الإزالة مطلقا ساقط، ولا حاجة إلى بقائه بعد استكشاف الملاك الإلزامي به، وبعد تحقق الموضوع المحرك اعتبارا، وبعد أن سقوطه لا يتوقف على المزاحمة واللا مزاحمة. فعندئذ لنا أن نقول: إن مقتضى الأهم قد استكشف، ولا دليل على انتفائه، ولا عذر في تركه، ولا يتقوم مطلوب المولى النفساني - ولو كان إلزاميا - على القدرة، أي يمكن أن يكون للمولى شوق نفساني إلزامي، كشوقه إلى إنقاذ ولده، مع عجز العبد عن ذلك، فإذا كان العبد قادرا فعليه الإنقاذ، وإذا كان عاجزا فلا يسقط شئ، ولا يحصل قصور في طلبه النفساني وشوقه، فإذا اشتغل بالصلاة فهي المأمور بها، وتصح ويستحق العقوبة على ترك الأهم عندئذ بالضرورة. فبالجملة: لتصوير الأمر بالمهم في المثال المعروف طريقان: الأول: ما هو الحجر الأساس في علاج باب التزاحم. والثاني: ما يختص بمثل هذا الفرع ومشابهه، مما يكون أحد المتزاحمين عباديا، والآخر توصليا، فإن أمر التوصلي يسقط ولو كان أهم، لعدم الحاجة إلى بقائه وإلى فعلية التكليف الإنشائي وغيره. وإن شئت قلت: للمولى أن يخبر العبد بشوقه الإلزامي بالنسبة إلى إنقاذ الغريق، وأن يأمره بالصلاة مع كونه ذا قدرة واحدة، وعندئذ لا يلزم قبح، ولا محال

[ 391 ]

وخلف، والأوامر التوصلية في حكم الإخبار، ولا تكون إلا آلات الكشف. وتوهم: أن صدق " الإطاعة " موقوف عليه (1)، ممنوع صغرى وكبرى، وذلك لأن وجوده الحدوثي يكفي لذلك، بعد بقاء المستكشف به والمصلحة الملزمة، ولأن صدق " الإطاعة " ليس من الواجبات الشرعية، ولا العقلية، فلاحظ وتدبر جيدا. فذلكة الكلام في المقام إن القدرة إذا كانت دخيلة في فعلية التكليف بأي نحو كان من الدخالة، فلابد من انتفاء فعليته عند انتفائها، وإن لم يعلم كيفية الدخالة، ووجهة المدخلية. نعم، إذا كان وجه الدخالة، هو أن توجيه الخطاب والتكليف، أو ترشح الإرادة، غير ممكن (2) أو قبيح (3)، أو أن نفس التكليف يقتضي ذلك (4)، أو هو موضوع التكليف، فبانتفائها تنتفي الفعلية، ولكن لا يكون التكليف بلا اقتضاء وبدون الملاك. وإذا كان وجه الدخالة، هو كونها واردة في محل التكليف وملاكه (5)، أي بدون القدرة لا يكون ملاك، فإنه أيضا يورث انتفاء الفعلية مع استلزامه انتفاء الاقتضاء. وتوهم: أن الأدلة في مقام التشريع لها الإطلاق، ولا تكون القدرة مأخوذة


1 - قوانين الاصول 1: 159 / السطر 10. 2 - الفصول الغروية: 125 / السطر 19، نهاية الاصول: 164 - 165، محاضرات في اصول الفقه 4: 188 - 189. 3 - مفاتيح الاصول: 317 / السطر 11 - 18، الرسائل الفشاركية: 187. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 314 و 323. 5 - منتهى الاصول 1: 326. (*)

[ 392 ]

فيها، فيؤخذ بالإطلاق (1)، في غير محله، ضرورة أن حكم العقل بدخالة القدرة في الفعلية، كاف لأن يتكل عليه الشرع، فإذا كان الشرع يجد أن عقل العقلاء يعتبر القدرة في فعلية التكليف، ويعتقدون انتفاءه بانتفائها، فله الاتكال على مثله، ولا يجب أن يبين كيفية الدخالة، وأنها من القسم الأول أو الثاني، فتأمل جيدا. فتحصل: أنه لابد لتصوير الأمر بالمهم، من الالتزام بعدم سقوطه عن الفعلية حال المزاحمة، سواء قلنا: بأن الأهم يسقط، كما هو مقتضى المسلك الذي أبدعناه (2)، أو قلنا: بأن الأهم أيضا لا يسقط، كما هو مختار الوالد (3)، وهو أيضا صحيح في حد نفسه، كما سيمر عليك تحقيقه (4). وأما القائلون بالسقوط ولو في الرتبة (5)، فهم غير متمكنين من الفرار من هذه العويصة، وسيتضح سائر الإيرادات عليهم إن شاء الله تعالى (6). فبالجملة: إذا ورد " أزل النجاسة عن المسجد " فإن كان قادرا فعليه ذلك، وإن لا يعلم أن القدرة منجزة فقط، أو هي مع منجزيته دخيلان في الاقتضاء. وإذا كان عاجزا أو صار عاجزا، يسقط الفعلية، سواء كان لأجل كلا الأمرين، أو لأجل أحدهما، وإذا سقطت فعليته فلا طريق إلى كشف الاقتضاء، لأنه بالأمر، وهو منتف، فلا يمكن تصوير الإطلاق وإثباته للمهم حال المزاحمة ولو قطع النظر عنها، كما تبين (7)، فلا تغفل.


1 - أجود التقريرات 1: 309. 2 - تقدم في الصفحة 344. 3 - مناهج الوصول 2: 23 - 30، تهذيب الاصول 1: 238 - 248. 4 - يأتي في الصفحة 462. 5 - يأتي في الصفحة 468 - 469. 6 - يأتي في الصفحة 498 - 512. 7 - تقدم في الصفحة 387 - 388. (*)

[ 393 ]

استئناف وإعادة قد تبين في محله: أن ما كان محبوب المولى، ومورد شوقه الإلزامي، لازم التبعية وإن لم يكن مورد إرادته، كما إذا كان ولده يغرق، فإنه يجب الإنقاذ، للاطلاع على مرامه (1). فعلى هذا، القدرة إما تكون دخيلة في المحبوبية، أو تكون دخيلة في المرادية، أو هما معا: فإن كانت من قبيل الأول والثالث، فلا محبوب له حال عجز العبد. وإن كانت من قبيل الثاني، فلا مراد له وإن كان له المحبوب، فإن اطلع العبد عليه فيتبع، وإلا فلا وجه للزوم الاتباع. ثم إن الدليل الوارد من الشرع، قد يتعرض لأخذ القدرة، كما في الحج مثلا، فهي معتبرة في المحبوب، ولكن لا يجب تحصيلها، إما لأجل رجوعها إلى موضوع الدليل، أو لأجل عدم تحصيل الشرط. وإذا لم تكن مأخوذة في الدليل: فإما تكون دخيلة في المحبوب، ويجب تحصيلها، أو لا تكون دخيلة في المحبوب، ويجب التحفظ عليها وتحصيلها أيضا، أخذا بإطلاق الدليل. مثلا: إذا ورد " أزل النجاسة عن المسجد " فمن الممكن كون القدرة دخيلة في المحبوب، فلا تكون محبوبة بالنسبة إلى العاجز، أو يكون محبوبة بالنسبة إليه، ولكن لا تكون مرادة، إما لامتناع ترشح الإرادة، أو لقبح خطاب العاجز، أو لاقتضاء التكليف القدرة، أو لغير ذلك (2)، أو للكل مجموعا، وعلى كل تقدير لابد من القيام


1 - تقدم في الصفحة 346. 2 - تقدم في الصفحة 391. (*)

[ 394 ]

بالوظيفة، وإن لم يكن جهة المسألة معلومة. وتظهر الثمرة بناء على هذا حال المزاحمة، فإنه إذا قلنا: بسقوط التكليف حال العجز بالنسبة إلى المهم، لأجل أن القدرة الواحدة إما دخيلة في محبوبية المادة في ناحية الأهم، أو دخيلة في تنجزها وفعلية التكليف بالنسبة إليها، فعلى كل تقدير لا يمكن تصوير الفعلية في ناحية المهم وإحرازها. ولا يكفي إطلاق دليل المهم لدفع هذا الاحتمال، لأنه يرجع إلى الشك في انعقاده، مع عدم السبيل إلى دفع هذا الشك. فمجرد قطع النظر عن الأهم، لا يكفي لانعقاد إطلاق المهم، فإن معناه أن مع قطع النظر عن الملاك وما هو الدخيل في المحبوبية ولو احتمالا، ينعقد الإطلاق، وهذا لايتم ولو أن معنى الإطلاق رفض القيود، لا جمعه، كما هو الحق. ولو صح ذلك للزم الإخلال بفعلية الأهم، وهو خلف. وإن شئت قلت: لا معنى لتصوير الإطلاق لكل واحد - مع قطع النظر عن الآخر - بالنسبة إلى ما هو إما من مبادئ حكم الأهم، أو من مبادئ حكم المهم ولو احتمالا. ومعنى ثبوت الإطلاق للمهم مع قطع النظر عن الأهم، يرجع إلى قطع النظر عن علل قوام حكمه وملاك وجوده، فلابد من إسقاط القدرة كلا، وهو إما بطريق سلكه الوالد المحقق - مد ظله - (1)، أو بطريق سلكناه لحصول التزاحم بين التكاليف مطلقا (2). وأما على ما سلكه القوم، فلا يتصور التزاحم حتى يحتاج إلى علاجه، بل في كل وقت يكون أحد الدليلين مأخوذا، والآخر مطروحا، لا من باب التعارض أيضا كما لا يخفى، بل لأجل عدم ثبوت الحكم الشرعي لحال المزاحمة بالنسبة إلى


1 - مناهج الوصول 2: 23 - 29، تهذيب الاصول 1: 238. 2 - تقدم في الصفحة 344. (*)

[ 395 ]

المهم، فافهم. إن قلت: هذه الإطالة والإشكال تنشأ من توهم: أن الإطلاق منوط بلحاظ حال المزاحمة، ومعه كيف يعقل تحقق الإطلاق، وكيف يعقل تحقق المزاحمة ؟ ! لأنها موقوفة على ثبوت الإطلاق. قلت: كلا، ضرورة أن قيد القدرة غير سائر القيود، فإن غيرها غير دخيل في فعلية التكليف أو توجيهه، بخلافها فإن الخطاب بدونها يسقط قهرا وطبعا، وحيث أن الخطابات الشرعية تنحل عندهم إلى الخطابات الشخصية (1)، لا يعقل انعقاد الإطلاق للمهم، كما لا يعقل عند العجز المطلق لكل واحد من الدليلين. ولك أن تراجع نفسك في خطاباتك الشخصية إلى عبدك في مسجد الكوفة، إذا كان قادرا على أحد الفعلين، فهل تتمكن من أن تريد منه الإزالة مع قطع النظر عن الصلاة، وتريد منه الصلاة مع قطع النظر عن الإزالة، بتوهم أن الإطلاق رفض القيود ؟ ! وما هو حالك في هذا الخطاب، هو حال الشرع في الخطاب القانوني المنحل إلى الخطابات الشخصية الكثيرة، فعلى هذا لا يعقل المزاحمة بين التكاليف، فليتدبر، واغتنم، واشكر. والسر كل السر: أن القدرة الواحدة الشخصية إذا كانت من مبادئ حكم الأهم، احتمالا غير قابل للرفع، ومن شرائط مرادية الأهم قطعا، فهي لا يعقل أن تكون من مبادئ حكم المهم بمجرد قطع النظر عن الأهم، لأن كل حكم يقتضي المبادئ الخاصة به، لا يشاركه فيها غيره، وإلا لا يكون حكمان.


1 - أجود التقريرات 1: 148، نهاية الاصول: 230 - 231، منتهى الاصول 1: 227، محاضرات في اصول الفقه 2: 206 و 4: 51 - 52. (*)

[ 396 ]

فإثبات الإطلاق للمهم - لأجل أن ذلك هو ضروري عند قطع النظر عن الأهم (1) - ممنوع ولو كانت القضايا حقيقية، وكان موضوعها " القادر " فإن كل واحد من الخطابين وإن كان موضوعه فعليا، لأن المكلف قادر، ولكن ذلك فيما كانت القدرة متعددة، وإذا كانت واحدة فلا فعلية لأحدهما، لأن موضوع الأهم غير موضوع المهم بالشخص. ومجرد قطع النظر عن الأهم، لا يكفي لتحقق موضوع المهم، ولو كان يكفي لكان الالتزام بالتكليفين الفعليين العرضيين ممكنا، لأن ما هو الممتنع أن يرجع الخطابان إلى خطاب واحد إلى الأهم والمهم عرضا، وأما إذا كانا خطابين فلا مانع من اجتماعهما، لأن كل واحد تام جميع شرائطه، من المبادئ إلى الشرائط. وحيث أنه غير موافق للوجدان، فيعلم: أن كون القضية حقيقية، وكون الإطلاق رفض القيود، ومجرد قطع النظر عن الأهم، لا يورث فعلية المهم في حد نفسه، حتى يتحقق التزاحم. نعم، بناء على ما سلكناه: من أن الخطابات الشرعية والعرفية، ليست إلا آلات الشوق المؤكد الذي لا يرضى بتركه، ويجوز للمولى إظهار ذلك عند العاجز المطلق، ولو كان هو قادرا - من باب اشتباه المولى - فعليه إتيانه، فإذا كان هناك دليلان، وكان الأهم توصليا، والمهم تعبديا، مع القدرة الواحدة، فمن الدليل الأول يعلم حد شوقه، ومن إطلاقه يعلم عدم الرضا بتركه، ولا بقاء للهيئة والأمر، ولكن الأمر الثاني المتوقفة صحة العبادة عليه، باق كما عرفت (2)، فيتحقق التزاحم بينهما، لفعلية الحكمين وإن لا يكون خطاب للأهم في البين.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 324 - 327. 2 - تقدم في الصفحة 43 - 44 و 65. (*)

[ 397 ]

التنبيه الرابع: في مرجحات باب التزاحم بعد الفراغ من صغرى باب التزاحم، ومن كبرى كيفية علاجه، تصل النوبة إلى أن المتزاحمين تارة: يكونان متساويين، واخرى: مختلفين، لكون أحدهما أهم، ولم نحقق بعد طريق تشخيص الأهم من المهم، وما هو سبب كون أحدهما ذا المزية دون الآخر، فهل هناك قاعدة كلية شرعية أو عقلية، أو لا بل لابد من المراجعة إلى المرجحات الجزئية والقرائن الخاصة ؟ لاشبهة في أنه لا مرجح كلي في المقام من العقل، ولا من الشرع، بل تشخيص أهمية أحدهما من الآخر له طريق واحد صحيح، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية وكيفية إفادة الشرع، فإن من الفحص عنها يطلع الخبير البصير على ذي المزية من بينها. وقد ذكر الأصحاب - رضي الله عنهم - عدة امور لترجيح أحد المتزاحمين على الآخر، وتعيين أحدهما بالنسبة إلى شقيقه (1). أولها: ترجيح ما لا بدل له على ماله البدل أن كل واجب إذا زاحمه الواجب الآخر، وكان للآخر بدل، يقدم ما لا بدل له على ماله البدل. وقد مثلوا بالأمثلة الكثيرة التي لا تخلو من المناقشة أو المناقشات (2)، ولا يهمنا التعرض لها بتفصيل.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 322 - 329، منتهى الاصول 1: 324 - 329، محاضرات في اصول الفقه 3: 224. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327، محاضرات في اصول الفقه 3: 225. (*)

[ 398 ]

وما هو مثاله الواضح - بعد كون المراد من البدل هو البدل الطولي الشرعي - أن المكلف إذا استطاع لحجة الإسلام، واتفق بعد تمامية شرائط الوجوب أن يحتاج إلى اشتراء الماء للغسل أو الوضوء، وكان إذا يشتري الماء تسقط استطاعته، فهل يجب عليه الوضوء أو الغسل للصلاة، ويترك الحج، أو يجب عليه الحج، وينتقل من الطهارة المائية إلى الترابية، لأنها لها البدل، فيستوفي التكليف بمصالحه، أو يتخير في ذلك ؟ إن قلت: الأمر الغيري لا يزاحم الأمر النفسي (1). قلت: قد فرغنا من إمكان تصوير التزاحم بين مطلق الأوامر المولوية، غيرية كانت، أو نفسية، أو ضمنية. وما توهم: من أن التزاحم غير معقول بينها، بل يرجع ذلك إلى التعارض بين أدلة الشرائط (2)، فهو ناشئ من قلة الباع وعدم الاطلاع على حقيقة الأوامر الغيرية، بناء على صحتها، كما هو كذلك في خصوص الوضوء والغسل، على ما تقرر منا في مقدمة الواجب (3)، ولا داعي إلى إعادته. نعم، بناء على كون الأوامر الغيرية إرشادا محضا إلى الشرطية، فلاتزاحم، لعدم اقتضائها القدرة واللاقدرة، وسيمر عليك بعض التوضيحات حوله أيضا (4). إن قلت: الواجب المشروط لا ينقلب بعد تحقق شرطه إلى الواجب المطلق، فلا يتعين الحج حينئذ بحيث، لا يتمكن العبد من الفرار من التكليفين في المثال، بل


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 228. 2 - محاضرات في اصول الفقه 3: 230. 3 - تقدم في الصفحة 150 وما بعدها. 4 - يأتي في الصفحة 402 - 405. (*)

[ 399 ]

له إعدام موضوع الحج، كما في الحاضر والمسافر (1). قلت: الواجب المشروط في مقام الإنشاء وكيفية جعله، لا ينقلب إلى المطلق في مقام التشريع والتقنين، ولكنه بعد تحقق الشرط لا يمكن إعدام الشرط، بحكم العقلاء، وبضرورة الفقه في مثل الحج. وأما في مثل السفر والحضر فليس السفر شرطا في الأدلة، بل السفر والحضر موضوعا القصر والإتمام، وتبدل الموضوع جائز. وأما توهم رجوع القضايا الشرطية إلى مقيدة الموضوع وعناوين الموضوعات (2)، فهو فاسد، وقد فرغنا من حدوده في مسألة الواجب المشروط (3)، فراجع وتدبر جيدا. أقول: لنا السؤال عن كبرى المسألة، وأنه أي دليل على ذلك، وهو تقديم ما ليس له بدل على ماله بدل، مع عدم قيام إجماع عليه، ولا نص ؟ قيل: هنا وجهان: الأول: بتقريب منا، أن في دوران الأمر بين ترك خصوصية الواجب، وبين أصل الواجب، يتعين الأول، ففي المثال يتعين الحج مع الصلاة الترابية (4). الثاني: أن ماله البدل تكون القدرة المأخوذة فيه قدرة شرعية، وإذا دار أمره بين واجبين: أحدهما مقيد بالقدرة الشرعية، دون الآخر، يتقدم الآخر عليه (5). وأنت خبير: بأن الوجه الأول يضعف: بأنه من الخرص، وما دام لم يدل دليل شرعي فلابرهان على ما توهم، لإمكان أهمية خصوصية الواجب من الواجب


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 339. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 178 - 179. 3 - تقدم في الصفحة 51 و 91 - 93. 4 - منتهى الاصول 1: 325. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327. (*)

[ 400 ]

الآخر، بل هو واقع بالضرورة. وأما الوجه الثاني: فمضافا إلى عدم تماميته في المثال المزبور، لأن القدرة المأخوذة في الواجبين شرعية، يأتي أنها إحدى المرجحات التي تحتاج إلى الدليل أيضا (1). فبالجملة: كبرى هذا المرجح مخدوشة جدا، وربما يتقدم ماله البدل على ما ليس له البدل، كما إذا تعين عليه أداء الدين في المثلي بالمثل، مع أن ما تعين يكون مورد النذر أو اليمين، فإن في مقام الأداء للمثلي بدل، وهي القيمة عند التعذر، ومع ذلك جواز صرفه في مورد النذر مشكل، لأهمية حقوق الناس. وبالتأمل فيما أسمعناك يظهر كيفية وقوع التزاحم في المثال الأخير، فلا تكن من الغافلين. هذا، وربما يتعين في الشرع البدل عند العجز عقلا، وتكون القدرة عقلية، كما في موارد بدلية الاستغفار عن الصوم، فتأمل جيدا. وغير خفي: أن هذا الدليل لو تم ليلزم رجوع المرجح الآتي ثالثا إلى الأول، لأنه دليله، فتأمل جدا. هذا كله مع أن الأمر لا يدور بين ترك الخصوصية وأصل الواجب، لأن قضاء الحج ممكن، وهو نوع بدل من الواجب، فلا يكون المثال مما نحن فيه. ثانيها: تقديم ما لا عديل له على ما له العديل كل واجب إذا كان له العديل يقدم عليه ما لا عديل له، سواء كان عديله شرعيا كما في التخيير الشرعي، أو كان عديله عقليا، كما في الطوليات وأفراد الطبيعة الواجبة، فإذا وقع الزحام بين الواجب التعييني والتخييري، وبين الموسع والمضيق، يتعين التعييني والمضيق.


1 - يأتي في الصفحة 404 - 407. (*)

[ 401 ]

إن قلت: لا تزاحم بين الموسع والمضيق (1)، كما مر (2). قلت: قد فرغنا عن إمكان تصويره على القول بانحلال الخطاب حسب أجزاء الزمان، كما ينحل حسب الأفراد والحالات (3). إن قلت: لا تزاحم بين التعييني والتخييري، لإمكان الجمع باختيار الطرف الآخر، ضرورة أن التزاحم صفة التكليفين عند القدرة الواحدة غير الكافية (4). قلت: إن قلنا بأن الواجبات التخييرية الشرعية ترجع إلى وجوب الجامع، وتكون الأطراف محصلاته مثلا (5)، فهو من قبيل التخيير العقلي، الذي اشير إليه آنفا من إمكان تصوير التزاحم، لأنه بالنسبة إلى كل واحد من مصاديق ذلك الواجب قادر، وبالنسبة إلى الواجب التعييني أيضا قادر، فيقع الزحام حيث تكون القدرة واحدة. وإن قلنا: بأن كل واحد من الأطراف موصوف بالوجوب، ولكنه وجوب تخييري، وهو سنخ آخر من الوجوب (6)، فلابد من القدرة على جميع الأطراف، وإلا فيقبح الخطاب التخييري، فيلزم التهافت بين التخييري والتعييني، لاستجلاب كل، قدرة المكلف نحو نفسه، وحيث هي واحدة فيقع التزاحم وإن أمكن الجمع، فتدبر تعرف. أقول: بناء على هذا يسقط ما توهمه القوم، من المناقشة في صغرى


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 92 - 93. 2 - تقدم في الصفحة 360 - 361. 3 - تقدم في الصفحة 341 وما بعدها. 4 - محاضرات في اصول الفقه 3: 227. 5 - كفاية الاصول: 174 - 175، نهاية النهاية 1: 201، محاضرات في اصول الفقه 4: 40 - 41. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235. (*)

[ 402 ]

المسألة (1). نعم بناء على القول بالخطابات القانونية (2)، لا تزاحم بين الموسع والمضيق. ثم إن لنا أن نسأل عن وجه التقديم، وأن مجرد إمكان الجمع بين التكليفين، هل هو كاف للزوم صرف القدرة في ناحية الواجب التعييني ؟ أم لابد للمكلف من صحة الاعتذار، وأن على كل عاقل أن يكون مقبول العذر في مقام التخلف ؟ فلو صرف قدرته في إطعام المسكين، ولم يصرفها في أداء الدين، أو أداء الواجب التعييني الآخر، كالحج وغيره، فإنه يقبل منه اعتذاره: بأن تكليفه بالنسبة إلى الاطعام كان فعليا في حد نفسه، وكان يستجلب قدرته نحوه، فصرفها فيه، ولا دليل من قبل الشارع فرضا على لزوم إعمال القدرة في سائر الأطراف حتى يتمكن من التعييني، وإلا فهو خلف بالضرورة. ولعمري، إن قضية الصناعة ذلك، ولكن العقلاء لا يقولون إلا بلزوم صرف القدرة في ناحية التعييني، وليس ذلك إلا لأجل أن الاطلاع على مرام المولى هو المتبع، دون الجهات الاخر، فإنها اخذت آلات له، فلا تخلط. ثالثها: تأخير المتقيد بالقدرة الشرعية عن غير المتقيد بها كل واجب متقيد بالقدرة شرعا، يتأخر في مقام المزاحمة عن الواجب غير المتقيد بها شرعا. ومثاله ما إذا ابتلي المكلف بالحدث والخبث، فإن رفع الخبث غير متقيد بها، بخلاف الثاني، فيتعين صرف الماء - إذا لم يكن وافيا بكليهما - في رفع الخبث، دون الحدث.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 322، محاضرات في اصول الفقه 3: 227. 2 - يأتي في الصفحة 437 وما بعدها. (*)

[ 403 ]

إن قلت: لا يعقل التزاحم بين الواجبات الغيرية، لأن مع العجز عن الطهارتين يسقط تكليف الصلاة، ومع سقوطه لا وجوب غيري. نعم، في الصلاة لابد من خصوصية، وهي لزوم إتيانها على كل تقدير، وعند ذلك يقع التعارض بين دليلي الشرطين والجزءين، فلابد من علاجها بمرجحات ذلك الباب (1). قلت: قد فرغنا من جريان التزاحم بتفصيل في مطلق الواجبات المولوية، غيرية كانت، أو نفسية (2)، وإذا كان هناك أمر غيري مولوي فهو يدعو نحو متعلقه، ويحتاج إلى قدرة العبد، من غير النظر إلى الأمر الآخر الداعي نحو متعلقه. نعم، بناء على القول: بأن معروض الوجوب الغيري هو الموصلة لا المطلقة (3)، يشكل. اللهم إلا أن يقال: بعدم رجوعه أيضا إلى الأمر الواحد المتعلق بالعنوان الواحد، ولكنه خلاف التحقيق. فعلى القول: بأن معروض الوجوب الغيري واحد، كما هو الحق (4)، فلا يمكن التزاحم بين الغيريات. وأما على القول: بأن معروضه مطلق المقدمة، ومتعلقه ذات المقدمة (5)، فلا فرق بين الغيري والنفسي، فافهم واغتنم. فهذا المثال خارج حسب الحق، عن موضوع مسألة التزاحم، وهذا هو وجه


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 100 و 228 و 231. 2 - تقدم في الصفحة 350 وما بعدها. 3 - الفصول الغروية: 86 / 12. 4 - تقدم في الصفحة 237 - 239. 5 - كفاية الاصول: 145. (*)

[ 404 ]

الخروج، لا ما قيل أو يقال (1). نعم، بناء على ما هو المختار في الواجبات الغيرية (2)، يمكن اندراجه فيها إذا كان في السنة أمر من الشرع بالنسبة إلى الطهارة الخبثية، مثل الأمر الوارد في الكتاب بالنسبة إلى الطهارة الحدثية الظاهر في المولوية (3)، فراجع وتدبر. ويشكل الأمر في هذا المثال، من ناحية أن القدرة المأخوذة في جانب الوضوء ليست شرعية، بل هي عرفية، وهي في حكم العقلية، ولذا لا يجوز تبديل الموضوع، ولا ينبغي الخلط بين أنحاء الاعتبارات في القدرة، كما سيتضح لك بإجمال (4). ويمكن تصوير المثال الصحيح لهذه الكبرى: وهو ما إذا نذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في أيام عرفة، فاتفقت استطاعته، فإنه يقع التزاحم. وتوهم: أن القدرة في جانب النذر شرعية (5)، باطل، بل لا يبعد عدم اعتبارها في انعقادها مطلقا، والتفصيل في مقام آخر (6). فإذا وقع الزحام بينه وبين الحج، فلابد من تقديم النذر على الحج، بناء على تمامية الكبرى المذكورة. وهكذا إذا قلنا: بأن موضوع الوضوء ليس عنوانا واحدا، وهي القدرة الشرعية، بل هو مختلف حسب الموارد، وربما تكون عقلية، فإذا زاحمه الحج - كما


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367، محاضرات في اصول الفقه 3: 100 و 294. 2 - تقدم في الصفحة 24 - 26 و 150 - 152 و 168 - 169. 3 - النساء (4): 43، المائدة (5) 6. 4 - يأتي في الصفحة 407 - 409. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329 - 330، أجود التقريرات 1: 273 - 274، منتهى الاصول 1: 327. 6 - يأتي في الصفحة 415 - 419. (*)

[ 405 ]

في المثال الأول في المرجح الأول (1) - يتعين صرفه في تحصيل الطهارة، لأن قدرتها عقلية، بخلاف القدرة في ناحية الحج، فإنها شرعية. إن قلت: ربما تتزاحم المرجحات، كما في المثال المذكور، فإن مقتضى أن الوضوء له البدل تقديم الحج عليه، وبما أن الحج قدرته شرعية يقدم الوضوء عليه، فبم نعالج ذلك ؟ قلت: نعم، ربما يتفق ذلك، ولم يتعرض أرباب هذه الإطالات - على ما ببالي - لحكمه، وحيث أن ما ذكروه للترجيح كله خال عن التحقيق، فلانبالي بذلك. ولعله يأتي بعض الكلام حوله من ذي قبل (2)، كما سنتعرض لجهة اخرى، وهي مقتضى الشك في مرجحية إحدى المرجحات، أو في تحققها (3). وأما توهم: أن الوضوء متقيد بالقدرة الشرعية، لأن كل ماله البدل يكون كذلك (4)، فقد فرغنا عنه فيما مر (5). أقول: لنا أن نسأل عن الدليل على هذه الكبرى. وغاية ما يوجد في كلماتهم: أن الدليل المطلق وغير المقيد، يستجلب قدرة العبد إلى جانبه، ويصير العبد عاجزا في هذا الاعتبار، فلا يتحقق موضوع الدليل الآخر المقيد بالقدرة (6). وأنت خبير بما فيه:


1 - تقدم في الصفحة 397 - 399. 2 - يأتي في الصفحة 415 - 420. 3 - يأتي في الصفحة 421 - 426. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327. 5 - تقدم في الصفحة 400. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 322، محاضرات في اصول الفقه 3: 241. (*)

[ 406 ]

أولا: من لزوم عدم كون المسألة من صغريات باب التزاحم. وثانيا: لو صح ذلك للزم عدم تصوير الأمر بالمهم حال المزاحمة، لأنه عاجز في الاعتبار. وثالثا: وهو حل المعضلة، أن كل واحد من الدليلين مع قطع النظر عن الآخر، تام الملاك وفعلي، وكون القدرة موضوعا في ناحية الدليل المقيد، لا يستلزم شيئا، لأن القدرة موضوع التكليف الآخر أيضا، ولو صح إعدام الموضوع لصح ذلك في الطرفين. نعم، إذا قلنا: بأن القدرة موضوع بالنسبة إلى الحج، ولا مدخلية لها بالنسبة إلى الوضوء (1)، فيمكن أن يقال: بأنه يمكن الجمع بإعدام موضوع تكليف الحج، والعمل بالآخر، من غير لزوم تفويت الملاك رأسا. وليتك أحطت خبرا: بأن المثال المزبور خارج عن هذه الكبرى، لأن القدرة شرط وواسطة في ثبوت الحكم على موضوعه، وهو " الإنسان " ولا يزول الحكم بزواله، ولذلك يجب تسكعا. ولعمري، إنه لا يوجد في الشرع تكليف يكون موضوعه " القادر " حتى يتوهم التزاحم بينه وبين ما ليس موضوعه القادر. مع أنه بعد ذلك كله لا يعد من التزاحم عندهم، لإمكان الفرار عقلا. فبالجملة: القدرة إما من القيود الراجعة إلى حال الموضوع، سواء كانت عقلية، أو شرعية، أو لا ترجع إلا إذا كانت شرعية، وكانت في لسان الدليل موضوعا، وإلا فمجرد كونها شرطا لا يكفي، كما تحرر تفصيله في الواجب المشروط (2):


1 - يأتي في الصفحة 409. 2 - تقدم في الصفحة 78 - 80. (*)

[ 407 ]

فعلى الأول: لا وجه لتقديم أحد الواجبين على الآخر. وعلى الثاني: فمضافا إلى الإشكال الصغروي في تحقق التزاحم، لا يوجد في الشرع له المثال وإن صحت الكبرى. نعم، بناء على ما أبدعناه: من أن إمكان الفرار لا يضر بالتزاحم، كما عرفت في تزاحم التعييني والتخييري يتزاحم الواجبان في مفروض اشير إليه، ويقدم غير المتقيد على المتقيد بحكم العقلاء، دون العقل، كما عرفت. فبالجملة تحصل: أن التقاريب التي يمكن التوصل بها لترجيح المتقيد بالقدرة العقلية على المتقيد بالقدرة الشرعية، غير كافية. بل قضية ما اشير إليه أن التكليف المطلق من القدرة عقلا وشرعا، بحيث لا تكون القدرة قيدا، بل هي من المنجزات، إذا زاحمه المتقيد بالقدرة شرعا، لا يقدم عليه حسب حكم العقل ولو كان الشرط يرجع إلى حال الموضوع، أو كان الدليل متكفلا لجعل الحكم على القادر. نعم، في الصورة الأخيرة يجب حسب حكم العقلاء، الجمع بين مقاصد المولى ولو بإعدام موضوع التكليف، فإنه لا يضر بمقصوده، ويصرف القدرة في الناحية الاخرى. إيقاظ: البحث هنا حول تقديم المتقيد بالقدرة عقلا على المتقيد شرعا، من غير النظر إلى المرجحات الاخر، فالتقسيم المعروف في كلمات الفضلاء: " بأن التكليفين المتقيدين بالقدرة إما أن يكونا كلاهما متقيدين بالقدرة العقلية، أو بالقدرة الشرعية، أو يختلف، وعلى الثالث إما أن يتقدم زمانا أحدهما، أو يتقارنا " (1) كله خال عن التحصيل، وأجنبي عن المسألة، وإدراج لإحدى المرجحات في الاخرى. مع أنه إطالة بلا فائدة، ولاسيما بذكر الفروع الفقهية. وقد علمت تمام الحق في


1 - أجود التقريرات 1: 272، محاضرات في اصول الفقه 3: 239، منتهى الاصول 1: 326. (*)

[ 408 ]

المرجحات في ابتداء المسألة (1). رابعها: ربما يقال: إن كل واجب إذا زاحمه الآخر، وكان اختلافهما منحصرا بالتقدم والتأخر الزمانيين، يقدم المتقدم زمانا على المتأخر (2). وأما الإشكال في أصل التزاحم: بعدم فعلية المتأخر زمانا (3)، فمدفوع بما تقرر: من تمامية الوجوب المعلق (4). مع أنه يمكن دعوى تحققه بين الواجب الفعلي والمشروط الذي نعلم بتحقق شرطه، فإنه وإن لا تزاحم بين التكليفين، ولكنه يمكن أن يرخص العقل في جواز صرف القدرة في المتأخر. وبالجملة: مثال الأول ما إذا كان المكلف قادرا على الستر في إحدى الظهرين، ومثال الثاني ما إذا كان قادرا على الستر في الظهرين مثلا، أو العشاءين، بناء على كون الوقت شرط الوجوب (5). وغير خفي: أن في المثال الأول لا يكون الوجوب الثاني معلقا أيضا، بخلاف المثال الثاني، فإن وجوب الواجب الثاني معلق عند بعض (6). والمقصود أن النظر هنا، إلى ما إذا كان الواجبان متقيدين بالقدرة عقلا، أو غير متقيدين بها مطلقا، أو كانا متقيدين بالقدرة عرفا، أو شرعا، ويكونان شريكين من


1 - تقدم في الصفحة 397 وما بعدها. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329 و 333. 3 - منتهى الاصول 1: 329. 4 - تقدم في الصفحة 109 وما بعدها. 5 - محاضرات في اصول الفقه 2: 318 - 319 و 355. 6 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 349 و 353. (*)

[ 409 ]

هذه الجهة، ضرورة ثبوت الفرق بين القدرة العقلية، والشرعية، والعرفية: فالشرعية، هي مثل الاستطاعة في الحج المفسرة في الشريعة حدودها. والعقلية، هي ما يدركها العقل لمنجزية التكليف أو فعليته. والعرفية، ما يدركها العرف من موضوع الدليل. وهي أخص من الثانية، ضرورة عدم الوجدان العقلي أضيق من عدم الوجدان العرفي. والثانية كثيرا ما تصدق دون الاولى. ولا ينبغي الخلط بينهما، كما خلطوا وتوهموا: أن القدرة في مثل الوضوء وأمثاله شرعية (1)، مع أنها عرفية أو مختلفة، حسب ما تحرر في أحكام التيمم، فإن مسوغاته كثيرة، فتارة: يكون العجز الشرعي مسوغا، واخرى: العجز العرفي، وثالثة: العجز العقلي. وربما يتوهم التفصيل بين المتقدم زمانا المتقيد بالقدرة شرعا، وبين المتقدم زمانا المتقيد عقلا، فما كان من قبيل الأول يقدم على شريكه، وما كان من قبيل الثاني يحكم فيه بالتخيير (2). وربما يمكن توهم التفصيل بين تقدم زمان التكليف، وتقدم زمان الامتثال، فإن كان زمان التكليفين واحدا يحكم بالتخيير، وإن كان زمانهما مختلفا يحكم بتعين المتقدم: مثال الأول ما مر. ومثال الثاني ما إذا قلنا: بأن وجوب العصر يحدث بعد مضي مقدار صلاة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367 و 379، محاضرات في اصول الفقه 3: 96 - 100. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 332 - 333، محاضرات في اصول الفقه 3: 241 و 268. (*)

[ 410 ]

الظهر، ومقدار الوقت الاختصاصي، أو في مثل تقدم النذر على الاستطاعة، بناء على كونهما من باب واحد، فلا تخلط بين جهات المسألة، وكن من الذاكرين (1). والذي هو التحقيق: أنه لا إشكال في صغرى المسألة، وإنما البحث في كبراها، وهي غير تامة عندنا، ضرورة أن النظر إذا كان إلى الهيئة فهما فعليتان، وإذا كان إلى مقتضاهما - من جلب القدرة في مقام الامتثال مثلا - فهما متساويتان، وإذا كان إلى حفظ مصالح المولى فلا فرق بينهما. إن قلت: إذا كان المتقدم زمانا مقيدا بالقدرة الشرعية، يتعين ذلك، لانتفاء موضوع المتأخر، فلايفوت شئ من المولى، ضرورة أن المتأخر أيضا مثله. قلت: القدرة الشرعية ليست إلا واسطة في الثبوت، كما عرفت (2)، ولا يزول الحكم بزوالها. نعم، بناء على القول: بأن القدرة الشرعية ترجع إلى أن موضوع التكليف هو " القادر " ويجوز للمكلف تبديل موضوعه، لعدم اقتضاء التكليف انحفاظه، بل لا يعقل ذلك، ولعدم الدليل الآخر على لزوم المحافظة عليه، يمكن ذلك. ولكنه مضافا إلى عدم تمامية المبنى، قد عرفت حال البناء: من أن إمكان الفرار لا يكون مرجحا عند العقل (3). نعم هو حكم العقلاء وجدانا. وبالجملة: مع فعلية التكليفين يتخير عقلا، وإن كان مقتضى المحافظة على مصالح المولى، تقديم الأول على الثاني ولو كان الثاني أهم، لأن الأهمية لا تنفع في مفروض المسألة بالضرورة. إن قلت: إذا كان زمان التكليف متقدما، فتلك القدرة الواحدة الدخيلة في


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 330 - 332. 2 - تقدم في الصفحة 406. 3 - تقدم في الصفحة 400 - 402. (*)

[ 411 ]

الملاك، كما إذا كانت شرعية، أو غير الدخيلة فيه - كما إذا كانت غير مأخوذة في الدليل مثلا - مجلوبة - حسب اقتضاء التكليف امتثاله - إلى جانب المتقدم زمانا وإن كان متأخرا امتثالا، فلا يكون المتأخر ذا ملاك، ولا ذا منجز، ويكون المكلف ممنوعا شرعا، وهو في حكم الممنوع عقلا (1). قلت أولا: إنه خروج عن التزاحم، لأنه لا ملاك للمتأخر حينئذ. وثانيا: إنه ليس معنى استجلاب المتقدم زمانا، إلا اقتضاءه صرف القدرة في ناحية في مقام الامتثال، وهذا لا يستلزم الامتناع إلا توهما واعتبارا، ولا شاهد على هذا الاعتبار وعلى معتبريته عند الشرع، فإذا كانا متساويين من جهات اخر، ومختلفين في التقدم والتأخر تكليفا كان أو في ظرف الامتثال فلامعين للمتقدم زمانا على المتأخر مطلقا. ومسألة أن الممنوع شرعا كالممنوع عقلا (2)، من الخطابيات، ولا برهان عليها، بل البرهان - على خلافها - ناهض جدا، فليتدبر، واغتنم. خامسها: قد عرفت في صدر هذا التنبيه (3): أن ما هو الطريق الوحيد لتقديم أحد المتزاحمين على الآخر، لسان الأخبار والروايات والكتاب والسنة في كيفية إفادة المرام والمقصود، فما هو طريق معرفة المحرمات العظيمة والواجبات المعظمة والكبائر والصغائر، هو الطريق هنا ليس غير.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 329 - 330، أجود التقريرات 1: 273. 2 - مطارح الأنظار: 56 / 36، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 365 / 22، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 318، منتهى الاصول 1: 319. 3 - تقدم في الصفحة 397. (*)

[ 412 ]

والذي لا شبهة فيه: أن في الشريعة عدة واجبات هامة، كحفظ بيضة الإسلام والنظام والحكومة، وحفظ النفوس والأعراض وأمثالها، فإنها في مقام المعارضة تقدم على غيرها وهكذا، كتقدم الواجب على المستحب، والحرام على المستحب، لو اتفق فرضا التزاحم بينهما. وبالجملة: يقدم ما هو الأهم في نظر الشرع أو المتشرعة على غيره في جميع أنحاء المتزاحمين اللذين مر جمع منها (1). وهذه المسألة بالمراجعة إلى محالها المبتلى بها، يظهر حكمها، ولا قاعدة كلية يرجع إليها، إلا أنه ربما يمكن تخيل بعض الكليات: فمنها: أن الواجب الثابت بالكتاب يقدم على الثابت بالسنة، إذا لم يكن في البين مرجح آخر. وهذا الشرط لابد وأن يراعى في جانب جميع المرجحات، فإن الجهة المبحوث عنها مشروطة بذلك الشرط طبعا. أو الثابت بالسنة القطعية والضرورة مقدم على غيره، ضرورة أن من قطعية السند، ومن تعرض الكتاب والسنة القطعية، يعلم أهمية الحكم في نظر صاحب الشريعة، فكما أن الكتاب مرجع أو مرجح في باب التعارض، كذلك هو المرجح في هذا الباب. إن قلت: قطعية السنة من الاتفاقيات. قلت: ربما يستكشف منها اهتمام صاحب الشريعة، حتى توفرت الدواعي لنقلها وكتبها، فليتأمل. وبالجملة: على القول بأن اختلاف قاعدتي الحرج والضرر في مورد من التزاحم (2)، تقدم الاولى، فتأمل.


1 - تقدم في الصفحة 358 وما بعدها. 2 - فرائد الاصول 1: 316 - 317 و 2: 538، تهذيب الاصول 2: 500. (*)

[ 413 ]

ومنها: أن كل ما كان من حقوق الناس، يقدم على ما هو من حقوق الله وتكاليفه، فيقدم مثل نفقة الزوجة على الام والأب. وفي كون الأجير الذي استطاع بعد عقد الإجارة، مثالا لما نحن فيه إشكال، إما لأجل أنه على القول بمالكية المستأجر عليه، لا يجئ تكليف الحج (1). وإما لأجل أنه على القول بعدم وجود الحكم الوضعي في باب إجارة النفس، كما هو الأظهر حتى في الأجير الخاص، لا يكون من تزاحم حق الناس مع حق الله، بل كل من حق الله. نعم، على القول: بأن المستأجر في هذه الإجارة يتملك على ذمته الحج، فهو لا ينافي خطاب الحج إذا استطاع (2)، يكون من أمثلة المقام، فافهم وتأمل تأملا تاما، لأنه من مزال الأقدام. ومنها: أن كل واجب شرعي اعتبر دينا، متقدم على ما هو التكليف المحض، فإن من اعتباره دينا يستكشف أهميته " فدين الله أحق بالقضاء " والإفراغ مما ليس دين الله. وأما توهم: أن كل تكليف دين واعتبر في ذمة المكلف (3)، فهو من الغرائب، وقد مر في بعض المواقف فساده (4). ومنها: في صورة التزاحم بين الحرام والواجب، أو المكروه والمستحب، يقدم المحرم والمكروه، لأن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، إلا في صورة استكشف من الخارج أهميتهما الذاتية.


1 - لاحظ معتمد العروة الوثقى 1: 197 - 198. 2 - مستمسك العروة الوثقى 10: 155. 3 - العروة الوثقى 2: 488، كتاب الحج، الفصل الثالث، المسألة 8. 4 - تقدم في الجزء الثاني: 79 - 80. (*)

[ 414 ]

ومنها: إذا زاحم التعبدي التوصلي يقدم التعبدي، فإذا وقعت المزاحمة بين إزالة النجاسة من المسجد التي تجب فورا ففورا، وبين صلاة الزلزلة التي هي كذلك عندهم (1)، تقدم الثانية، وذلك لأن التعبدي هو التوصلي مع قيد زائد، فيكون أرجح طبعا. ومنها: إذا وقعت المزاحمة بين الكفارة الواجبة وبين أصل الواجب تقدم الاولى فلو لم يتمكن إلا من صوم الكفارة المعين، وقضاء صوم أو الصوم الأدائي النذري، يتعين الأول، وذلك لأن ما يترتب على الأول - مضافا إلى امتثال الواجب - زوال المظلمة الآتية من ترك الواجب، فبإتيانه يجلب النفع، ويرفع الخسارة والذنب، بخلاف الثاني. ومنها: الترجيح بالمرجحات الخارجية المنطبقة على أحد المتزاحمين دون الآخر، فإنه منه يستكشف أهميته، مثل ما إذا تزاحم الغريقان، وكان لأحدهما الأقوام والعشيرة من المؤمنين، دون الآخر، فإنه بإنقاذ الأول قد فرج قلوب المؤمنين الكثيرين فيقدم، فتأمل جيدا. أقول: الذي هو الحق أن هذه الامور - إلا بعضا منها - ظنية، و * (الظن لا يغني من الحق شيئا) * (2) وغير خفي أيضا: أنها على فرض تماميتها لا تورث تعين الأهم. نعم ربما يقتضي بعضها ذلك، والله العالم. تذنيب: في التزاحم بين الواجب والمستحب ربما يقال: بتقدم الواجب على المستحب في مقام التزاحم، للأهمية (3). وربما


1 - العروة الوثقى 1: 568، تحرير الوسيلة 1: 192، المسألة 3. 2 - يونس (10): 36. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 101 - 102. (*)

[ 415 ]

يتخيل عدم تحقق المزاحمة بينهما رأسا (1)، وهو غير تام بعد ثبوت الإطلاق لأدلته، كما هو المفروض. والذي يقتضيه النظر: أن المستحب غير المقيد بالقدرة شرعا، إذا زاحمه الواجب المقيد بالقدرة الشرعية، يقدم على ذلك الواجب، حسب رأي العلامة النائيني (2) وتلاميذه (3)، ضرورة أن مع إعمال القدرة في جانب المستحب، ينعدم موضوع الواجب من غير تفويت ملاك، ولا عكس. ونتيجة هذا جواز صرفها في المستحب، فيجوز لكل مستطيع أن يختار زيارة الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة على الخروج للحج، لأن موضوعه " المستطيع " بل قد عرفت عدم التزاحم عندئذ (4). بل صريح كلامه يقتضي ذلك، لأنه يقول: " يتقدم المتقدم زمانا المتقيد بالقدرة الشرعية، على المتأخر زمانا المتقيد بالقدرة الشرعية ولو كان المتأخر أهم " (5) ولا أظن التزامه بذلك هنا. وأما نحن فنقول في مثل الحج: إن القدرة شرعية، ولكن ليس معنى القدرة الشرعية أنها موضوع الدليل، بل يمكن أن تكون القدرة الشرعية واسطة في الثبوت، ولا معنى لرجوع القضايا الشرطية إلى قيود الموضوع كما توهموه (6).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 384، محاضرات في اصول الفقه 3: 269. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 322، أجود التقريرات 1: 272. 3 - منتهى الاصول 1: 326 - 327، محاضرات في اصول الفقه 3: 239 - 240. 4 - تقدم في الصفحة 404 - 407. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 329. 6 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 178 - 182، 339 - 341، أجود التقريرات 1: 287 - 288، منتهى الاصول 1: 161 - 162 و 333. (*)

[ 416 ]

ثم إن من عجيب ما يلزم عليه أنه قال: " إذا نذر الزيارة في عرفة تكون القدرة شرعية " (1) ومعنى هذا هو عدم تقدمها على الحج، فقبل النذر تكون القدرة عقلية فتقدم على الحج، وبعد النذر لاتقدم على الحج. والذي هو الحق في مسألة النذر: أن النذور غير المقيدة بالقدرة الشرعية - كالزيارة المزبورة - لا تنقلب بالنذر إلى أمر آخر، وأما الأمر التوصلي الإلزامي الجائي من قبل النذر، فهو مرهون بوجود القدرة على الامتثال، وقد مر أن اعتبار القدرة في تحقق النذر وانعقاده، غير مبرهن (2)، فعليه لو نذر غافلا عن حاله، ثم توجه إلى عجزه، لا يلزم الإخلال بالنذر إذا كان مطلقا، فإذا اتفق قدرته فعليه الامتثال، كسائر التكاليف، فلاحظ وتدبر جيدا. تذنيب آخر: في تقدم بعض المرجحات على البعض إذا تزاحم الواجبان، وكان أحدهما مترجحا بأحد المرجحات، والآخر بالاخرى، فهل يكون بين المزايا امتياز، أم لا فتصير النتيجة التخيير ؟ وقبل الخوض في مثال ذلك لا بأس بالإشارة إلى نكتة: وهي أن أحد المتزاحمين إذا كان مقيدا بالقدرة الشرعية، والآخر بالقدرة العقلية، فإن قلنا: بأن الوجب الذي له البدل متقيد بالقدرة الشرعية (3)، فلا يوجد مثال في مفروض البحث للكبرى المزبورة. وإن قلنا: بعدم التقيد المزبور، كما أشرنا إليه في مطاوي بحوثنا (4)، فيمكن


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 330، أجود التقريرات 1: 273 - 274. 2 - تقدم في الصفحة 404. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327. 4 - تقدم في الصفحة 403 - 409. (*)

[ 417 ]

تصوير المثال: وهو ما إذا ابتلي المكلف بوجوب الحج، ولزوم الطهارة عن الحدث، فمقتضى أن الطهارة لها البدل يقدم الحج، ومقتضى أن الحج قدرته شرعية تقدم الطهارة عليه، ولا يمكن الجمع بين المقتضيين، وعند ذلك إن قلنا: بأن القدرة الشرعية موضوع الدليل، فلاتزاحم عندهم (1). وإنما الإشكال على مسلكنا: من كون القدرة واسطة في الثبوت، فإنه عند ذلك يشكل الأمر. نعم، يندفع وينحل بما عرفت بما لا مزيد عليه: من عدم تمامية الكبرى المعروفة، وهي " تقدم ما لا بدل له على ماله البدل " بل وعدم تمامية سائر الكبريات (2)، فعليه يرجع إلى الأهم في نظر الشرع وإلا فتخير. وغير خفي: أن مجرد الأهمية غير كاف، بل لابد وأن تصل الأهمية إلى مرتبة اللزوم، وإلا فمن الممكن أهمية واجب على واجب آخر بمقدار لا يجب استيفاؤه. إذا تبين ذلك، واتضح المقصود ومثال المسألة إجمالا، فلا بأس بأن نذكر ما هو المثال لتلك الكبرى تفصيلا: وهو ما إذا تزاحم واجبان، وكان أحدهما متقدما زمانا، ومقيدا بالقدرة الشرعية، والآخر متأخرا زمانا، ومتقيدا بالقدرة العقلية، أو كان المتقدم الزماني ذا بدل، والمتأخر بلا بدل، فبناء على تمامية الكبريات المزبورة تقع المعارضة بين المزايا، كما هو الظاهر. فبالجملة: إذا وقعت المزاحمة بين درك الطهارة المائية، ودرك تمام الوقت، فهو من تزاحم المتقدم زمانا الذي يكون مقيدا بالقدرة الشرعية، والمتأخر زمانا الذي هو المقيد عقلا، فإن مقتضى ما تحرر منا: أن ملاك التقدم والتأخر إن تم،


1 - تقدم في الصفحة 410. 2 - تقدم في الصفحة 399 - 400. (*)

[ 418 ]

فلا يفرق بين السبق واللحوق في زمان التكليف، أو في زمان الامتثال (1)، فيقع التزاحم بين الوجوب الغيري للطهارة المائية المتقدم زمان امتثاله، وبين الوجوب الغيري للوقت المتأخر، فلابد من تقديم الطهارة المائية على درك الوقت بتمامه، خلافا لما توهمه الفضلاء من العكس (2). نعم، حيث أن كبرى المسألة - وهي " اقتضاء السبق الزماني التقدم في الامتثال " - ممنوعة، فلا يصح التقديم المزبور. ومن الممكن دعوى: أن هذا المثال ينطبق عليه الغرض الآخر أيضا، ضرورة أن المتقدم زمانا ذو بدل دون المتأخر، فبما أن المتقدم زمانا ذو بدل لابد من تأخيره، فيقع التهافت والتكاذب والتعاند من نواح شتى، فلو تمت كبريات المرجحات فيؤخذ هنا بالمتأخر، لأنه ذو مزيتين، دون المتقدم فإنه ذو مزية واحدة، وهي السبق الزماني. إن قلت: كما للمائية بدل، كذلك للوقت اعتبار البدل حسب قاعدة الإدراك، فلايفوته شئ، والابتلاء بوجوب المائية يكفي، للضرورة المبيحة للتأخير وإن فات شئ من الوقت. بل تصير القدرة شرعية بالنسبة إلى المتأخر، بناء على أن كل ماله البدل قدرته شرعية، فلابد من صرف الوقت لتحصيل المائية (3). قلت: الكلام في صغرى مسألة تعارض المزايا ولو استشكل الأمر في المثال الأخير فيكفي المثال الأول، ضرورة أن كل واحد من الطهارة والوقت له البدل،


1 - تقدم في الصفحة 409 - 411. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 327، محاضرات في اصول الفقه 3: 234، منتهى الاصول 1: 325 - 326. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 231. (*)

[ 419 ]

ومتقيد بالقدرة الشرعية أو العقلية. اللهم إلا أن يقال: بتخالفها في جانب القدرة، ويكون المتأخر مقيدا بالعقلية. وأما البحث عن كبراها، فالحق الذي لاشبهة فيه: أن تلك المزايا بين ما لا أساس لها، وبين ما يرجع الترجيح بها إلى إخراج المسألة عن صغرى باب التزاحم. ولو سلمنا عدم الخروج على التقريب الذي ذكرناه (1)، كما ليس ببعيد، فالتقديم لحكم العقل في كل مورد كان، وذلك لأجل إمكان الإتيان بأحد المتزاحمين، وعدم وقوع المولى في خلاف مصلحة الآخر ولو بإعدام موضوعه. وأما على تقدير كونها المرجحات واقعا، فلا يمكن الحكم الكلي، بل لابد من لحاظ كل واحد مع الآخر. والمسألة تطول مع قلة فائدتها، فالعدول عنها أولى وأحسن. وبالجملة: المرجحات في باب التزاحم، لا تكون معينة إلا بأحد وجهين: إما بأن يكون عند العقل، بحيث لا يفوت شئ من المصلحة في جانب الآخر ولو بإعدام موضوعه، أو يكون الرجحان في أحد الطرفين أزيد بمقدار يجب استيفاؤه، وإلا فلا تكون معينة، فافهم واغتنم. تتمة: في تزاحم تحصيل الطهارة المائية مع درك الوقت في الفرع المزبور يمكن أن يقال: بلزوم صرف الوقت في تحصيل الطهارة المائية (2)، لأجل أن قاعدة " من أدرك... " وإن لا تجري للتوسعة حال الاختيار، ولكنها تجري للتوسعة حال الاضطرار وعند الأعذار العرفية والشرعية، ومن تلك


1 - تقدم في الصفحة 402 - 407. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 328، أجود التقريرات 1: 272. (*)

[ 420 ]

الأعذار ما إذا توقف تحصيل الشرائط على صرف الوقت، فإنه عند ذلك يعد معذورا بالنسبة إلى التأخير، فتصح صلاته للقاعدة. وإن شئت قلت: مع القدرة العرفية مع الوجدان لا ينتقل من المائية إلى الترابية. وبعبارة ثالثة: قاعدة الإدراك لا تشمل صورة واحدة، وهي صورة العمد والاختيار، وأما سائر الصور فهي تشملها، ومنها ما نحن فيه، فإنه ببذل الوقت في تحصيل المائية يعد معذورا، وينطبق عليه " أنه أدرك ركعة " فالتأخير لأجل ذلك جائز شرعا، وصلاته صحيحة وضعا، وفاقا له أي للجواز الشرعي. ويمكن أن يقال: بأن ملاك الانتقال من المائية إلى الترابية، لحاظ وجدان الماء في الوقت المضروب للصلاة، فإن كان واجدا في الوقت يصح المائية، وإلا فعليه الترابية. وعلى هذا فيما نحن فيه لابد من الترابية، لأنه بلحاظ الوقت المضروب له غير واجد. وأما قاعدة الإدراك، فإن كانت لتوسعة الوقت حال الاختيار، كان لتعين المائية وجه قوي، وأما إذا كانت هي لحال غير الاختيار - حسب ما تقرر في الفقه - فلا يفيد التوسعة في هذه الحال شيئا مما نحن فيه. وبعبارة اخرى: موضوع الترابية غير التمكن في الوقت من المائية والمراد من " الوقت " هو الوقت المضروب للطبيعة حال الاختيار. وإن شئت قلت: اعتبار الانتقال من المائية إلى الترابية، بلحاظ المحافظة على مصالح الصلاة وخصوصياتها التي منها الوقت، ولأجل دركها شرعت الترابية، فلا يجوز المبادرة إلى المائية في هذه الصلاة، للزوم المحافظة على الوقت، ومقتضاه الانتقال كما هو مفروض المسألة. ويمكن أن يتوهم التخيير (1)، قضاء لحق الجمع بين هذه الوجوه وتلك الوجوه.


1 - التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 477. (*)

[ 421 ]

وبالجملة: موضوع الترابية " المعذور شرعا " وبلحاظ إحدى الوظائف الشرعية، كحفظ النفس المحترمة، أو حفظ وقت الصلاة، وموضوع قاعدة الإدراك أيضا " المعذور شرعا أو عقلا " فمن الأول الحائض، وهكذا من لاحظ في تأخيره وظيفة إلهية، كحفظ النفس، فإنه عند ذلك يجوز له التأخير، ويكون مصداق " من أدرك... " وهكذا إذا كان يحافظ على الطهور المائي، فإن كان أحدهما أهم من الآخر بحسب الأدلة، يقدم ذاك، وإلا فهو بالخيار. ولعمري، إن الأخير أرجح، واحتمال أهمية المائية (1)، تمسكا بما ورد في أهمية الطهور، وأنه " ثلث الصلاة " (2) في غير محله، لأن الطهور الذي هو ثلث أعم من المائية والترابية، ومن كونهما من الخمسة المستثناة يعلم توافقهما في الأهمية. وللمسألة محل آخر تطلب من ذلك المحل، ضرورة أن الحق إعطاء كل مسألة حقها، وهو هنا غير ممكن جدا، فليتدبر جيدا. خاتمة: في مقتضى الاصول العملية بالنسبة إلى محتمل الأهمية هل مقتضى الاصول العملية في محتمل الأهمية هو التخيير، أم يتعين صرف القدرة في المعين ؟ والمراد من " محتمل الأهمية " ما احتمل بلوغ أهميته إلى حد يجب استيفاؤه، وإلا فمجرد الأهمية غير كاف حتى في صورة العلم بها، كما عرفت (3). قد تقرر في محله: أن في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الطرق


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 232. 2 - الفقيه 1: 33، وسائل الشيعة 1: 366، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 1، الحديث 8. 3 - تقدم في الصفحة 417. (*)

[ 422 ]

والحجج، يتعين الأخذ بالمعين، لأن الشك في الآخر مرجعه الشك في الحجة، وهو مساوق لعدم الحجية (1). وأيضا: مقتضى الاصول في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في التكاليف، وفي مرحلة الجعل والمجعول، مبتن على القول: بأن الوجوب التخييري نوع وجوب آخر (2)، أو يرجع إلى الوجوب التعييني (3)، أو المشروط (4)، أو ما في حكمه (5)، وكان النظر في تلك المسألة إلى تعين الاحتياط والاشتغال (6)، لأن المعين واجب قطعا إما بالوجوب التعييني، أو التخييري، فلابد من إتيانه، أو إتيان ما يسقط به، والطرف لا يكون مسقطيته معلومة، كما ترى. وأما فيما دار الأمر بين التعيين والتخيير في التكاليف الغيرية، فمع فرض التزاحم بينها، فالكلام فيه هو الكلام في النفسية، ومع إنكار التزاحم بينها (7) فالاحتياط أيضا متعين، لرجوع الشك إلى الشك في سقوط التكليف النفسي، فتأمل جيدا. والذي هو محل البحث: هو الدوران بين التعيين والتخيير في مقام التزاحم، وفي مرحلة الامتثال، وأنه يجب في مقام الامتثال بعد ثبوت التزاحم، اختيار المعين، أو هو بالخيار في الاختيار. فنقول: إن قلنا بأن كل واحد من التكليفين فعلي في مرحلة الإنشاء والجعل،


1 - يأتي في الجزء السابع: 261. 2 - نهاية الاصول: 228، تهذيب الاصول 1: 361 - 362. 3 - كفاية الاصول: 174 - 175، نهاية النهاية 1: 200 - 201، محاضرات في اصول الفقه 4: 40. 4 - منتهى الاصول 1: 219 - 222. 5 - نهاية الأفكار 1: 368 - 369 و 391 - 392. 6 - يأتي في الصفحة 241 وما بعدها. 7 - محاضرات في اصول الفقه 3: 229. (*)

[ 423 ]

فيمكن توهم البراءة، ضرورة أن الشك فيما هو الأهم، شك في أن الشرع ألزم اختيار محتمل الأهمية. نعم، إن قلنا: بأن إلزام الأهم ليس بحكم الشرع، بل هو إلزام العقل بعد درك الأهمية، وإذا شك في الأهم يشك في أن الاشتغال بالمهم، عذر بالنسبة إلى ترك الأهم، أم لا، والعقل يحكم بلزوم كون العبد معذورا في مقابل التكليف المعلوم، ولا شبهة في معلومية محتمل الأهم من حيث فعلية التكليف، فصرف القدرة في جانبه عذر بالنسبة إلى المهم قطعا، وأما صرفها في جانب المهم فمشكوكة عذريته بالنسبة إلى الأهم، فافهم وتأمل تعرف. وإن قلنا: كل واحد من التكليفين بالبناء على الترك يسقط، فلو بنى على ترك معلوم الأهمية يسقط أمره، دون أمر المهم، والاشتغال بالمهم المأمور به لا يعد عذرا بالنسبة إلى ترك مرام المولى الأهم وإذا كان المرام في أحد الجانبين محتمل الأهمية، فالبناء على ترك المهم وإتيان المحتمل، عذر قطعي بالنسبة إلى التكليف المعلوم، وأما البناء على ترك محتمل الأهمية بإتيان المهم، فمشكوكة عذريته. اللهم إلا أن يقال: بأن الذي يجده العقل هنا - بعد الاطلاع على مرام المولى في جانب الصلاة والإزالة - هو أنه يدرك رضا المولى بترك المهم عند القدرة الواحدة، ولا يرضى بترك الأهم، فلابد من إتيان الأهم، وإذا شك في الأهمية يشك في حدود رضا المولى، وهو مشكوك، فلا معين لمحتمل الأهمية. ومجرد كون الإتيان به عذرا قطعيا غير كاف، وإلا ففي الأقل والأكثر نعلم أن إتيان الأكثر يورث القطع بالبراءة، ويكون عذرا قطعيا، ولكنه لا يجب، لعدم العلم بحدود الجعل. وفيما نحن فيه على هذا، يرجع الشك إلى حدود رضا المولى، والمقدار

[ 424 ]

اللازم اتباعه هو المقدار المعلوم، فالمسألة دائرة مدار هذه النكتة، وهي أنه هل يراعى جانب العقل والاعتذار العقلي، أو يراعى جانب رضا الشرع ؟ فلا تخلط. وإن قلنا: بأن إطلاق التكليف في ناحية الأهم محفوظ، دون المهم، ويكون المهم مقيدا بعصيان الأهم، كما هو مقالة الترتب، فمع الشك في الأهمية يشك في تقييد إطلاق الأهم، ويعلم تقييد المهم، ومع الشك في التقييد لابد من ترتيب آثار بقاء الإطلاق، فلابد من الاحتياط باختيار محتمل الأهمية. وربما يقال بالتفصيل " وأن التخيير في صورة التساوي عقلي أو شرعي ؟ فإن قلنا: بأنه عقلي فلابد من الاحتياط، وإن قلنا: إنه شرعي فهو مندرج في كبرى مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في التكاليف " (1) انتهى. وغير خفي: أن التخيير الشرعي في مقام الإطاعة والامتثال غير صحيح. هذا مع أنه إن كان يرجع إلى ما ذكرناه - من أنه إن كان في صورة إحراز الأهمية، تعين الأهم لأجل الحكم الشرعي، فمقتضى الأصل هي البراءة، وإلا فهو الاشتغال - كان لما أفاده وجه وإلا فلا يرجع إلى محصل. هذا مع أنك أحطت خبرا بفساد المبنى، وهو التخيير الشرعي في صورة التساوي (2)، فلاحظ وتدبر جيدا. هذا آخر ما أردناه في مسألة التزاحم وأحكامه، وصارت نتيجة أبحاثنا إلى هنا: أن مع الأمر بالضد يمكن تصوير الأمر بالضد الآخر قبل الامتثال والعصيان. إن قلت: بناء على مسلكهم تخرج المسألة عن مبحث الأمر بالشئ، لأن مقتضى المسلك سقوط الأمر بالإزالة بالبناء على عدم الإتيان، فلاتترتب الثمرة


1 - أجود التقريرات 1: 279 - 280. 2 - تقدم في الصفحة 346. (*)

[ 425 ]

المقصودة، لانتفاء موضوعها وهو " الأمر بالشئ ". قلت: قد تحرر في مقدمات الضد: أن المراد من " الأمر بالشئ " أعم من كونه مأمورا بالأمر الإنشائي (1)، وإذا كان فعل الإزالة مورد الطلب ومرام المولى، فهو يقتضي النهي عن ضده الخاص، وإذا كان الضد الخاص عبادة تفسد، لأجل النهي، لا لأجل عدم الأمر الذي استشكل به البهائي (قدس سره) (2). وإن قلنا: بعدم الاقتضاء - كما عرفت (3) - فلا تفسد. والحمد لله، وله المنة والشكر. إعادة وإفادة: بناء على مسلكنا في المتزاحمين (4)، وأن في صورة التساوي يسقط الأمران، وفي صورة الأهم والمهم يسقط أمر المهم عند البناء على الإتيان بالأهم، وإلا فيسقط الأهم، إذا شك في الأهمية يشك في أن المسألة من صغريات المتساويين، أو من صغريات الأهم والمهم، والمقدار القائم عليه الحجة هو عدم جواز ترك أحدهما عقلا، وأما تعين الأهم فهو بلا وجه. اللهم إلا أن يقال: بأن مقتضى الشك هو الشك في سقوط أمر محتمل الأهمية، لأنه عند التساوي يسقط، وإذا شك في التساوي يشك في السقوط، فلابد من ترتب آثار عدم السقوط، إما لأجل الاستصحاب، أو لأجل قاعدة عقلية. فبالجملة: مع فرض أن الشبهة من دوران الأمر في مقام الامتثال، لابد من الاحتياط، كما لا يخفى (5).


1 - تقدم في الصفحة 295. 2 - زبدة الاصول: 99. 3 - تقدم في الصفحة 311. 4 - تقدم في الصفحة 345. 5 - لاحظ أجود التقريرات 1: 279. (*)

[ 426 ]

المسلك الخامس ما أبدعه الوالد المحقق - مد ظله - (1) وإجماله التزامه - مد ظله - بالأمرين العقليين العرضيين، مع القدرة الواحدة، من غير الحاجة إلى الترتب. وبعبارة اخرى: المحذور العقلي الذي اعتقده أرباب الترتب وتمسكوا بذيله (2)، ليس من المحذور، لإمكان التكاليف الكثيرة الفعلية مع القدرة الواحدة، بل ضد العجز المطلق. وقد أوضح مرامه بذكر مقدمات، لا مدخلية لعبضها في تحقيق مسلكه، وحيث أنه من المسالك الراقية الكثيرة الفائدة في الفقه من أوله إلى آخره، وبه تنحل المعضلات العلمية والغوامض الفهقية، فلابد من أن نذكره مع ما يخطر ببالي القاصر تشييدا لأركانه، مع الإشارة إلى ما هو غير الدخيل في أساسه وبنيانه. فنقول: قال - مد ظله -: " المقدمة الاولى: أن الأوامر حسب التحقيق، متعلقة بالطبائع بالضرورة " (3). قلت: نعم، إلا أنه غير دخيل فيما هو المهم بالمقصود هنا، ضرورة أن الأوامر


1 - مناهج الوصول 2: 23 - 30، تهذيب الاصول 1: 302 - 312. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336 - 337، درر الفوائد، المحقق الحائري: 145، نهاية الأفكار 1: 374 - 375، نهاية الاصول: 218 - 219. 3 - مناهج الوصول 2: 23. (*)

[ 427 ]

ولو كانت متعلقة بالأفراد، يمكن تصوير الأمرين، فيكون مورد الأمر في الإزالة الفرد منها، وفي الصلاة الفرد منها، كما يأتي ويتضح جدا، ولأجل ذلك لم يحتج في نتيجة البحث في حل مشكلة متوجهة إليه، إلى التمسك بذيل هذه المقدمة (1). " والثانية: أن الإطلاق هو رفض القيود، بجعل الموضوع المتصور مصب الحكم، مع إفادة أنه تمام الموضوع، ولا مدخلية لشئ آخر فيه، وليس هو جمع القيود، ولا لحاظ رفض القيود، كما يتراءى من بعضهم " (2). أقول: نعم، إلا أنه لم يبين وجه دخالة هذه المسألة في أساس مسلكه. مع أنه من الممكن دعوى: أن الإطلاق سواء كان رفض القيود أو جمعه، يمكن تصوير التكليفين الفعليين، وذلك لأن ما هو المهم، إسقاط شرطية القدرة في توجيه التكليف وفعليته، ضرورة أن عند ذلك، يكون كل واحد من تكليف فعل الإزالة والصلاة فعليا، سواء كان إطلاق التكليف جمع القيود، أو رفضه، فلو قلنا: بأن إطلاق تكليف فعل الإزالة، معناه أنه واجب سواء كانت الصلاة واجبة أو غير واجبة، وهكذا إطلاق فعل الصلاة، فإنه إن لم تكن القدرة دخيلة، يكن كل واحد من الوجوبين فعليا، كسائر المواقف. ويؤيد ذلك عدم احتياجه - مد ظله - في حل المشكلة المتوجهة إليه، إلى التمسك بذيل هذه المقدمة. نعم، هو كثير النفع في المسائل الاخر، لا في هذه المسألة. نعم، قد عرفت فيما سبق الإشكال على هذه المقالة (3): بأن من شرائط تحقق


1 - مناهج الوصول 2: 29، تهذيب الاصول 1: 311. 2 - مناهج الوصول 2: 23، تهذيب الاصول 1: 302. 3 - تقدم في الصفحة 361. (*)

[ 428 ]

التزاحم، كون الإطلاق رفض القيود لا جمعه، وإلا تكن المسألة من صغريات باب التعارض، فلا يتحقق التزاحم، حتى نحتاج إلى علاجه، وإلى أحكامه، وإلى الترتب وغيره، وذلك لأن معنى " صل " أي تجب الصلاة الغصبية والصلاة غير الغصبية، ومعنى " لا تغصب " أي يحرم الغصب الصلاتي والغصب غير الصلاتي، فإذن لا يمكن إجراء مبادئ التزاحم، لتعارض الدليلين في مورد الاجتماع. وهكذا يكون معنى " أزل النجاسة عن المسجد " أن الإزالة المقارنة مع الصلاة واجبة، ومعنى " صل " أن الصلاة المقارنة مع الإزالة واجبة، فيرجع إلى التكليف بالجمع، ونعلم حينئذ بكذب أحدهما، فيكون التكاذب بينهما بالعرض، كما في مثل المعارضة بين دليل صلاة الجمعة والظهر، فتدبر. فهذه المقدمة تكون نافعة لتحقق موضوع البحث في هذه المرحلة، لا في حل مشكلة المسألة، كما لا يخفى. " والثالثة: أن الأوامر المتعلقة بالطبائع، لا تعرض لها لأحوال الطبيعة وأفرادها، ومنه يظهر بالأولوية عدم تعرضها لحال المزاحمات الواقعة بين الأفراد في الخارج، وفي مقام الامتثال، ويظهر أن التزاحم الواقع بينها يكون بالعرض، لا بالذات، وهذا واضح لا غبار عليه. واتضح بذلك بطلان اشتراط المهم بعصيان الأهم، الذي يبتني عليه أساس الترتب، لأن المراد من " الشرطية " إن كان أنه شرط شرعا، فقد عرفت قصور الأدلة عن التعرض لحال التزاحم بين الأفراد، المتأخر عن الطبائع، المتأخرة عن التقنين والجعل برتبتين. ولو قلنا: بعدم التأخر، فلا شبهة في أن الأمر لا يكون له إلا الهيئة والمادة، ولا يدل شئ منهما على ذلك بالضرورة.

[ 429 ]

وإن اريدأنه شرط شرعي استكشف بالعقل، أو شرط عقلي، فسيظهر بطلانه " (1). أقول: يتوجه إليه: أولا: أن هذه المقدمة أي دخالة لها في مرامه ومسلكه ؟ ! بل الظاهر منه أنه أفادها لإبطال مذهب خصمه، فلاينبغي أن تذكر هنا. وثانيا: أن بطلان مذهب الخصم لا يمكن بذلك، لأنه لا يقول: بأن نفس الأدلة المتزاحمة متكفلة لحال العلاج، بل هم قائلون: بأن مقتضى إطلاق كل واحد من الدليلين مع المحذور العقلي، هو الفرار عن التقييد بالمقدار الممكن، فيكشف أن الشرع يرضى بالتقييد المزبور، قضاء لحق المحافظة على مرامه بالمقدار الميسور عقلا (2)، فافهم وتأمل جدا. وهذا نظير سائر الموارد التي يستكشف فيها تقييد الدليل لبا. نعم، يتوجه إليهم الإشكالات الكثيرة الآتي بيانها (3)، ولكن ليس هنا مقام توجيه الإشكال إليهم، فلا تخلط. " والرابعة: قد اعتبروا للحكم مراتب أربع: مرتبة الاقتضاء، ومرتبة الإنشاء، ومرتبة الفعلية، ومرتبة التنجز (4). والذي هو من مراتب الحكم هو الإنشاء والفعلية، دون الاقتضاء والتنجز، ضرورة أن الاقتضاء من المبادئ، وداخل في العلل السابقة عليه عند الإمامية


1 - مناهج الوصول 2: 23، تهذيب الاصول 1: 303. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 337 - 351، نهاية الأفكار 1: 370 - 375، محاضرات في اصول الفقه 3: 120 - 123. 3 - يأتي في الصفحة 475 - 478 و 498 - 513. 4 - كفاية الاصول: 297، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 2: 6، حقائق الاصول 2: 8 - 9. (*)

[ 430 ]

والمعتزلة (1)، والتنجز حكم عقلي غير مربوط بمراتب الأحكام المجعولة، ويرجع إلى قطع العذر في المخالفة، وإمكان الاعتذار له عند عدمه ". ثم أفاد: " أن القوم تخيلوا في معنى " الإنشائية والفعلية " ما لا يمكن المساعدة عليه، وفسروا " الإنشائية " بما يشمل الحكم غير المنجز، و " الفعلية " بما هو المنجز (2). وبعبارة اخرى: تخيلوا أن الحكم يمكن أن يكون إنشائيا بالنسبة إلى فرد في ساعة، وفعليا بالنسبة إليه في ساعة اخرى، فإن كان عاجزا فهو شأني، وهكذا لو كان غافلا وساهيا، وإن كان قادرا فهو فعلي، وهكذا بالنسبة إلى العالم والجاهل. مع أن الضرورة قاضية بامتناعه بالنسبة إلى بعض منها " ومراده العالم " وغير صحيح بالنسبة إلى بعض آخر " ولم يكشف عن ذلك، بل أقام البرهان على امتناع التفسير المزبور: " وهو أن هذه المبادلة في الحكم ترجع إلى المبادلة في الإرادة، وهي غير معقولة في إرادة الشرع، فكيف يعقل أن نلتزم بقبض إرادته بالنسبة إلى شخص حال عجزه، ثم بسط إرادته بالنسبة إليه حال قدرته، وهكذا حال صحوه ولهوه، وحال ذكره ونسيانه، وعلمه وجهله ؟ ! هذا مع أن القوانين العرفية، غير مساعدة على هذه الطريقة في قوانينه ". ثم شرع في تفسير الأحكام الفعلية والإنشائية، وقال: " الحكم الإنشائي، هو الحكم المجعول على نعت القانون الكلي لعامة البشر، أو لجماعة منهم، بعدما يجد


1 - لاحظ كشف المراد: 319، شرح العضدي: 78 / السطر 6. 2 - بحر الفوائد: 12 / 26، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 102، نهاية الدراية 3: 25 - 26. (*)

[ 431 ]

الصلاح في ذلك الإنشاء. ثم إن كان المقنن - سواء كان واحدا أو كثيرا - يرى المصلحة في إبلاغه وإجرائه: فتارة: يبلغه مع المخصصات المتصلة، فيكون هو الحكم الفعلي البالغ حد الإجراء. واخرى: يبلغه، ولكنه يصدر المخصصات تدريجا، فإنه حكم فعلي بالنسبة إلى غير موارد التخصيص، وإنشائي بالنسبة إلى موارد التخصيص. ومن الإنشائي أيضا: الأحكام الكلية المجعولة غير البالغ وقت إجرائها وآن تطبيقها، مثل الأحكام المودعة عند صاحب الأمر عليه السلام وعجل الله تعالى فرجه الشريف. وإذا تبين لك حقيقة الإنشاء والشأنية في الأحكام، ومعنى " الفعلية " تجد أن التنجز من الأحكام العقلية، ولا يختلف الحكم في مورد التنجز واللاتنجز. وبعبارة اخرى: إذا فرضنا حصول عائق عن وصول الحكم إلى المكلف وإن كان قاصرا عن إزاحة علته، أو عروض مانع كالعجز، لا يوجب ذلك سقوط الحكم عن الفعلية، ورجوعه إلى الإنشائية، حتى يلزم الامتناع المزبور " (1). أقول: البحث معه - مد ظله - يقع في جهات: الجهة الاولى: أن الحكم كما لا يكون ذا مراتب أربع، كذلك لا يكون ذا مرتبتين، لأن معنى الرتب هو الاشتداد والتضعف، وهو لو سلمنا اعتباره في الاعتباريات أيضا كما يقال: " الناصب لنا أهل البيت أنجس من الكلب " (2)


1 - مناهج الوصول 2: 24 - 25، تهذيب الاصول 1: 304 - 306. 2 - نص الرواية هكذا: " إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب وأن الناصب لنا = (*)

[ 432 ]

فلا يمكن المساعدة عليه هنا، لعدم الدليل عليه. بل الحكم حقيقة هو إما الإرادة المظهرة، أو المعنى الاعتباري المشفوع بالإرادة التشريعية المتعلقة بالبعث نحو المادة. والحكم الشأني والإنشائي ليس حكما حقيقة، بل هو حكم صوري وادعائي، لأنه بشكل الحكم وعلى منواله. ولو كان هذا يكفي لكونه حكما، لكان الإنشائي الهزلي أيضا من الحكم، فكما أن كلام الهازل ليس حكما، لعدم وجود الإرادة الواقعية على وفقه، كذلك الحكم الإنشائي فإنه ليس حكما، لعدم وجود الإرادة حين إنشائه. وأما الأحكام المودعة لدى صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه، فهي أحكام فعلية تعليقية لا شأنية، فتبصر. ولو كان هذا من الحكم أيضا، فالتنجز أيضا من مراتبه، لأن الجاهل - حسب الإجماع من الخارج - مورد الحكم الفعلي (1)، ولكنه غير منجز عليه، وإذا اطلع يصير الحكم منجزا. فالحكم باعتبار يوصف ب‍ " الإنشائية " وباعتبار آخر يوصف ب‍ " الفعلية " فباعتبار ثالث يوصف ب‍ " المنجزية " والتوصيفات الثلاثة دليل الاختلاف في مراتبه. الجهة الثانية: أن للقوم أن يقولوا كما قالوا: " إن القضايا الشرعية قضايا حقيقية، وموضوعاتها العناوين الكلية، والإرادة التشريعية الكلية متعلقة بتلك العناوين العامة، ولا تتبدل الإرادة كلا، وإنما التبدل في الموضوعات، فما هو مورد


= أهل البيت لأنجس منه ". علل الشرايع 1: 292، وسائل الشيعة 1: 220 كتاب الطهارة، أبواب الماء المضاف، الباب 11، الحديث 5. 1 - لاحظ فرائد الاصول: 27 / 8، كفاية الاصول: 536. (*)

[ 433 ]

الإرادة هو القادر دون العاجز، والذاكر دون غيره، والحكم بالنسبة إلى القادر فعلي مطلقا، وبالنسبة إلى العاجز شأني مطلقا، نظير المستطيع في الحج، فإنه بتغير الاستطاعة لا تتغير الإرادة بالنسبة إلى شخص واحد، بل موضوع الإرادة عنوان واحد، فما يتغير ليس مورد الإرادة، وما هو مورد الإرادة لا يتغير " (1). فما أفاده من البرهان العلمي على امتناعه قابل للدفع، كما هو الظاهر. وأما سبب ذهابهم إلى ذلك فسيظهر إن شاء الله تعالى (2). الجهة الثالثة: ما أفاده في تفسير " الإنشائية والفعلية " غير موافق للتحقيق، ضرورة أن الواجبات المشروطة من الأحكام الإنشائية قبل تحقق الشرط، وعلى تفسيره تكون من الأحكام الفعلية. وأيضا: يلزم كون الوجوب المعلق من الأحكام الإنشائية، إذا كان زمان التعليق بعيدا كزمان الظهور بالنسبة إلى الأحكام المودعة عنده عجل الله تعالى فرجه. وكأنه - مد ظله - أراد من " الإنشائية والفعلية " غير ما يراد منهما في سائر المواقف، مع أن الأمر ليس كذلك، فإذا قيل: " البيع الإنشائي والفعلي " فلايراد منهما إلا ما لا أثر له فعلا، ولا تكون إرادة المالك نافذة وراءه، وماله الأثر، ويكون موضوعا لاعتبار النقل بالفعل. نعم، لا بأس باختراعه اصطلاحا، إلا أنه لا يجدي شيئا في المسألة، كما سيظهر (3).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 172 - 173 و 514، منتهى الاصول 1: 164 - 165 و 333، محاضرات في اصول الفقه 3: 110. 2 - يأتي في الصفحة 434. 3 - يأتي في الصفحة 436. (*)

[ 434 ]

هذا مع أنه يتوجه إليه الإشكال المذكور في كلامه على القوم، وذلك لأن من اختلاف الحالات، إذا كان يلزم اختلاف الأحكام، فتتوسع الإرادة وتنقبض، وهو محال. مثلا: إذا ورد " أكرم العلماء إلا الفساق منهم " فيجب إكرام زيد العادل، وإذا صار فاسقا ينقلب الوجوب، ويسقط الحكم الفعلي، فكما تنحل هذه المشكلة: بأن التغير في الحالات الخارجية لا يورث التغيير في الإرادة، ضرورة أن المراد بالإرادة هو وجوب إكرام العالم العادل بنحو القضية الحقيقية، وما ليس مورد الإرادة هو إكرام العادل الفاسق، وتلك الإرادة أزلية، وهكذا اللاإرادة، وما هويتغير هو الموضوع بحسب الوجود الخارجي، من غير سراية الإرادة إلى زيد الخارجي حتى يتبدل بتبدل حاله، ويسقط بسقوط وصفه، هكذا تنحل في جانب القدرة وغيرها من الأحوال. نعم، في خصوص الجاهل ثبت الإجماع على الاشتراك. فبالجملة: لايتم ما أفاده تفسيرا، ولاما أفاده برهانا على مرامه، فليتدبر جيدا. أقول: اعلم أن القضايا الشرعية الكلية بمثابة القضايا الحقيقية، فإذا ورد " المستطيع - مثلا - يجب عليه الحج " فهو في قوة القضية الشرطية، أو تكون من القضايا البتية، إلا أن موضوعها قابل للصدق على الأفراد الموجودة، وعلى التي ستوجد، لعدم أخذ قيد في جانب الموضوع حتى تصير قضية خارجية، ومن غير كون الصدق على ما سيوجد فعليا، أو على الأفراد المقدرة الوجود، بل تكون القضية بهذه الخاصة وهكذا إذا قيل: " حرم عليكم الخمر والخنزير ". فكل حكم شرعي بالنسبة إلى موضوعه المأخوذ في الدليل، من القضايا الحقيقية، وإن كان يمكن أن يوجد أحيانا سائر القضايا، كالخارجية ونحوها. وغير خفي: أن القضية الحقيقية تارة: تكون شرطية، واخرى: تكون فعلية،

[ 435 ]

ولذلك تكون المقابلة بين القضية الحقيقية والخارجية، لا الحقيقية والشرطية في علم المنطق (1). وهذا مما لا شبهة فيه، وإنما الكلام في أن الأصحاب توهموا: أن القضايا الشرعية بالنسبة إلى القدرة والعجز وأمثالهما، أيضا من القضايا الحقيقية، لامتناع كون موضوعها الأعم، فيكون قوله تعالى: * (حرمت عليكم...) * (2) أي على القادر، وهكذا في الأحكام التي لا موضوع لها، مثل الصلاة، والحج، فإن مخاطبها المسمى ب‍ " الموضوع " أيضا هو القادر. وبعبارة اخرى: لولا المحذور العقلي لما كان وجه للتصرف في ظواهر الأدلة، ولو أمكن الفرار من هذا المحذور لما كانوا يرضون بذلك التصرف، بجعل موضوع الأدلة " القادر " مع أن الأدلة موضوعها العناوين العامة الأعم من العاجز والقادر، فقوله: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) * (3) - حسب الدليل - موضوعه أعم، إلا أن العقل يتصرف عندهم في ذلك، لامتناع خطاب العاجز. فما هو المهم في المسألة إثبات أن ذلك بمكان من الإمكان، وقد تصدى له - مد ظله - في بعض المقدمات الآتية (4). ومن هنا ينقدح عدم دخالة هذه المقدمة في أساس مسلكه وقوام مرامه، بل إسقاط كون القدرة موضوعا محتاج إلى البحث، فإن ثبت يعلم أن القضايا الشرعية الحقيقية باقية على ظواهرها، ولا يتم ما تخيلوه.


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 50. 2 - المائدة (5): 3. 3 - المائدة (5): 1. 4 - يأتي في الصفحة 437 - 438. (*)

[ 436 ]

ذنابة: في أن الحكم الفعلي قد يكون ظاهريا إنشائيا واقعا قد عرفت في طي الجهات السابقة: أن الحق عدم كون الحكم ذا مراتب، وما هو حقيقة الحكم هو الحكم الفعلي، ومعنى " الفعلية " هو ما لا يكون له الحالة الانتظارية، مقابل الأحكام المودعة عنده - عجل الله تعالى فرجه - ومقابل الحكم المشروط قبل تحقق شرطه، فإنهما من الأحكام الإنشائية. وغير خفي: أن الأحكام الكلية والعمومات الملقاة في عصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الامة للعمل، كلها أحكام فعلية حسب الظاهر، لعدم جواز الاخلال بها بعنوان إمكان طرو المخصص، فإذا صدر المخصص في العصور المتأخرة، يستكشف أنهم تخيلوا فعليتها، فالحكم الفعلي ينقسم باعتبار: إلى الفعلي الواقعي، وإلى الفعلي الظاهري الإنشائي واقعا. وهذا هنا يكفيك، وتفصيله مع (ان قلت قلتاته) قد مضى في المطلق والمشروط (1)، ويأتي في الأدلة العقلية بتفصيل بديع. إيقاظ: هل يمكن تقييد الأدلة بالعلم، كالقدرة ؟ ربما يقال: بأن القوم كيف اعتبروا في موضوع الأدلة " القادر " فرارا عن المحذور العقلي، ولم يعتبروا ذلك في العالم والجاهل، مع أن المحذور العقلي مشترك بينهما ؟ ! فلابد من القول: بأن الموضوع " العالم القادر ". ومجرد وجود المحذور العقلي الآخر من جعل الموضوع " العالم " لا يستلزم الالتزام بالمحذور المزبور، فكما أنهم لأجل ذلك المحذور العقلي - وهو الدور -


1 - تقدم في الصفحة 71 - 74. (*)

[ 437 ]

قالوا: " إن موضوع الأدلة ليس الأخص بعنوانه، ويكون الحكم ثابتا بالنسبة إلى الجاهل لأجل الإجماع " فعليهم أن يقولوا بذلك في مثل القدرة، محافظة على إطلاقها، فيكون موضوع الأدلة في هذه المسألة مثله في تلك المسألة. اللهم إلا أن يقال: بأن في مثل القدرة، لا محذور عقلا ولا إجماع على الاشتراك، بخلاف العلم، فإنه يلزم منه المحذور، مع وجود الإجماع على الاشتراك، وبذلك يختلف العلم والقدرة (1). أقول: سيظهر حقيقة هذه المسألة فيما يأتي من المقدمات الهامة في توضيح هذا المسلك الشريف. ونشير هنا إلى نكتة: وهي أن من الممكن جعل الحكم الإنشائي على كافة الناس، ويكون العلم بهذا الحكم الإنشائي، سببا لتعلق الحكم الفعلي بالعالم، فما هو معلومه أولا هو الحكم الإنشائي، وما هو المتأخر عن علمه هو الحكم الفعلي، فلا يلزم الدور والاستحالة المزبورة في كلام الوالد المحقق هنا أيضا. فعلى هذا موضوع الأدلة هو " العالم " بهذا المعنى، فلا تغفل. ولكن لا يخفى عليك: أن هذه على طريق المماشاة، وإلا فسيتضح من ذي قبل تمام ما هو الحق في المقام (2). وبالجملة: يمكن أن يكون الموضوع هو " العالم القادر " لما توهموا: أن خطاب الجاهل والعاجز غير ممكن وقبيح، ولا يلزم من ذلك محذور الاستحالة في ناحية العالم أيضا. " والمقدمة الخامسة: أن الخطاب تارة: يكون خطابا شخصيا، واخرى:


1 - مقالات الاصول 1: 313. 2 - يأتي في الصفحة 455 - 459. (*)

[ 438 ]

خطابا قانونيا (1). الخطاب الشخصي: هو الخطاب إلى الفرد الخاص، كالأوامر الصادرة من الموالي إلى العبيد. والخطاب القانوني: هو الخطاب إلى العناوين العامة والموضوعات الكلية، كقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) * (2) وهكذا، فإن ما هو مورد الخطاب عنوان واحد وهو * (الناس) * أو * (الذين آمنوا) * بمعنى أن خطاب الكثير لا يتكثر، ولا يتعدد، ولا ينحل إلى الخطابات الشخصية، بل الخطاب معنى جزئي صادر من المخاطب - بالكسر - إلى معنى وحداني في حال الخطاب، وذلك المعنى الوحداني متكثر بلحاظ ذات العنوان، وقابل للصدق على الكثير، ولا يستلزم هذه الكثرة كثرة واقعية إجمالية في الخطاب، على ما توهمه القوم - رضي الله عنهم - (3)، والانحلال الحكمي غير انحلال الخطاب، كما سيظهر إن شاء الله تعالى (4). وبتوضيح منا وتفصيل لازم: أن هنا شبهات لابد من حلها على القول بانحلال الخطاب القانوني إلى الخطابات الكثيرة الشخصية، أو إلى الخطابات الصنفية، كصنف القادر والذاكر والعالم ونحوه.


1 - تهذيب الاصول 1: 307. 2 - المائدة (5): 1. 3 - تقدم في الصفحة 395 الهامش 1. 4 - يأتي في الصفحة 450 - 451. (*)

[ 439 ]

شبهات: على القول بانحلال الخطابات إلى الخطابات الشخصية والصنفية الشبهة الاولى: لا يعقل خطاب الجاهل، كما لا يعقل بالنسبة إلى العاجز، وذلك لقبحه، بل لامتناعه حسب ما أفادوه: من أن القبيح من الملتفت في هذه المرحلة غير ممكن صدوره فمن كان متوجها إلى جهل المخاطب، كيف يعقل مخاطبته بالخطاب الجدي، وكيف يعقل تكليفه بالتكليف الفعلي ؟ ! وعلى هذا، إذا كان خطاب العالم أيضا ممتنعا للزم الدور، فكيف يمكن تصوير الخطاب بالنسبة إلى الامة وعامة البشر، فإن اختصاصه بالجاهل ذو محذور عقلي، وهكذا إلى العالم ؟ ! وتوهم إمكان الفرار من الدور (1) كما تقرر آنفا، غير تام حسب الأدلة الظاهرة في مخاطبة الناس والامة بالخطابات الفعلية، وبتوجيه التكاليف إليهم (2)، فلابد من حل هذه المعضلة بوجه آخر. وما عن العلامة الأراكي (3) والنائيني (4): من تصوير الحد المتوسط بين الإطلاق والتقييد، حتى يمكن توجيه الخطاب إلى عنوان لا ينطبق إلا على العالم،


1 - بحر الفوائد: 14 / 19 - 26. 2 - البقرة (2): 21، آل عمران (3): 97، النساء (4): 1، إبراهيم (14): 44، الإسراء (17): 94. 3 - نهاية الأفكار 3: 15 - 16. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 349، و 3: 11 - 12، أجود التقريرات 1: 293 - 294. (*)

[ 440 ]

ومن أن التقييد والإطلاق وإن كانا غير ممكنين، ولكن لنا التمسك بنتيجة الإطلاق والتقييد، غير موافق للتحصيل، كما تقرر مرارا (1)، ويأتي تفصيله في المباحث العقلية، إن شاء الله تعالى (2). وبعبارة اخرى: نتيجة الإطلاق والتقييد ليست شيئا صحيحا، بل يلزم عليه الاستكشاف من دليل خارج، وهذا التزام بالإشكال المزبور: وهو عدم دخول العالم والجاهل في الأدلة. الشبهة الثانية: كما لا يجوز مخاطبة العاجز والجاهل بالنسبة إلى المكلف به، لا يجوز مخاطبة المكلفين بالنسبة إلى الامور الخارجة عن محل الابتلاء، لأنه من الخطاب القبيح، كما اعترفوا بذلك (3)، وبناء على هذا يلزم أن لا يكون كل خمر محرما على كل إنسان، فيصح أن يقال: " إن الخمر الموجود في القطر الغربي حلال على المكلفين " أو " لا يكون محرما عليهم " وهكذا في عكسه. وأيضا: يلزم في الأحكام الوضعية، أن لا يكون كل كلب وخنزير نجسا بالنسبة إلى كل مكلف، لأن الأمر بالاجتناب عن كل كلب قبيح، ولاسيما على القول بأن الأحكام الوضعية منتزعة عن التكليفية، كما هو مرام الشيخ الأنصاري (قدس سره) (4). ويلزم أن لا يعتبر الضمان، بعدما استقر بالنسبة إلى الخارج عن محل الابتلاء البالغ إلى حد العجز، فيكون العاجز غير ضامن، بل لو كان عاجزا، وأتلف مال الغير،


1 - تقدم في الجزء الأول: 215 - 216 وفي الجزء الثاني: 81 و 123. 2 - لم نعثر عليه. 3 - فرائد الاصول: 251 / 5، كفاية الاصول: 410، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 50 - 51. 4 - فرائد الاصول: 350 / السطر 11. (*)

[ 441 ]

لا يكون ضامنا، لامتناع خطابه بالإفراغ، فيكون اعتبار الضمان لغوا. وبالجملة: يلزم التفكيك في نوع الأحكام الإلهية، وتكون حينئذ نسبية، وهذا مما لا يمكن الاعتراف به. وتوهم: أن الأحكام الوضعية إذا كانت مستقلة في الوضع، فلاتحتاج إلى الخطاب، حتى يلزم القبيح، في غير محله، لأن الأحكام الوضعية بدون الحكم التكليفي، لغو وإن كان ممكنا جعلها مستقلا، ضرورة أنه يريد الجاعل من جعل النجاسة على الخمر والكلب، أن ينزجر الناس عنه فيما يشترط بالطهارة وفي الأكل والشرب. أو يلزم أن يكون نجسا بالنسبة إلى ما يشترط صحته بالطهارة، لعدم وجود التكليف في البين، وغير نجس بالنسبة إلى مثل الأكل والشرب، فتأمل جيدا. بل يلزم أن لا يكون الكلب الخارج عن محل الابتلاء بالنسبة إلى كل مكلف نجسا، ولا طاهرا، فكلاب الغابات وخنازير الآجام لا طاهرة، ولا نجسة، لأن جعل الحلية والطهارة أيضا باعتبار الأثر المرغوب فيها، فيكون لغوا بدونه، فتكون خلوا عنهما، وهذا أيضا غير ممكن الالتزام به في الفقه. الشبهة الثالثة: كما يقبح خطاب الجاهل والعاجز، ويمتنع ذلك من الملتفت، كذلك يقبح ويمتنع منه بالنسبة إلى الكفار، بل والعصاة، بل والمطيعين، لأن البعث بداعي الانبعاث، ومع احتمال الانبعاث يمكن ترشح الإرادة التشريعية، وأما مع القطع بعدم الانبعاث، ومع العلم بانزجاره بدون النهي، فلا معنى لإرادة البعث. فمن يقتضي شرافته الذاتية، وسريرته الطيبة، رد مال الغير عند الإتلاف، أو يكون بحيث لا يكذب ولا يغتب حسب جبلته الطبيعية، لا يصح خطابه بقوله:

[ 442 ]

" لا تكذب أي فلان، ولا تغتب " فإنه يورث الاضحوكة والاشمئزاز من المولى، ومن المتكلم الآمر بالمعروف. فعلى هذا، يلزم عدم توجه الخطابات الإلهية إلى أمثالهم، ولا يكونون حينئذ من المكلفين بالتكاليف واقعا. فبالجملة: كل ذلك مشترك مع العاجز والخارج عن محل الابتلاء، في ملاك القبح المنتهي إلى امتناع صدور الإرادة التشريعية من المولى، وعند ذلك كيف يستحقون العقوبة عند التخلف ؟ ! فالعصاة والكفار - بناء على هذا - غير مستحقين للعقوبة. ولو قلنا: بأن الكفار غير مكلفين بالفروع، فكيف يلتزم بعدم تكليفهم بالأخماس والزكوات وبالضمانات، مع أنهم مكلفون بأمثالها ؟ بل مقتضى قاعدة الجب تكليفهم مطلقا (1)، وإن دلت بعض الأخبار على خلافه (2)، ولذلك ذهب الأخباريون إلى عدم تكليفهم بها (3)، مع أن من الممكن إرادة نفي تبعات التكاليف عنهم، لابتلائهم بمصيبة الكفر والإلحاد الذي هو أشد منها. ثم لو سلمنا إمكان تصوير عقاب الكفار والعصاة، بما مر منا في محله: من أن عدم إرادة المولى إذا كان مستندا إلى عدم المقتضي، فهو لا يورث استحقاق العقوبة،


1 - المصطادة من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الإسلام يجب ما قبله. عوالي اللآلي 2: 54 / 145 و 224 / 38، مستدرك الوسائل 7: 448، كتاب الصيام، أبواب أحكام شهر رمضان، الباب 15، الحديث 2. 2 - الكافي 1: 138 / 3، تفسير القمي 2: 262، ذيل آية 7 من سورة فصلت، الاحتجاج 1: 601. 3 - فوائد المدنية، الفصل الحادي عشر: 226، تفسير الصافي 4: 353، ذيل آية 7 من سورة فصلت، الوافي 2: 82 القسم الأول، باب معرفة الإمام، ذيل حديث 3، الحدائق الناظرة 3: 39 - 40، الدرر النجفية: 93 - 95. (*)

[ 443 ]

لانتفاء التكليف بانتفاء المقتضي، وأما إذا كان مستندا إلى عدم مبالاة المكلفين، فهو لا يورث عدم الاستحقاق (1)، ولكن ذلك - وهو عدم كونهم مكلفين - خلاف ظواهر الأدلة التي موضوعها * (الناس) * مع أن حل الشبهة في مورد لا يكفي، لما نحتاج إلى حل المعضلة من جميع الجوانب، وهو غير ممكن لهم. الشبهة الرابعة: أن مقتضى ما زعمه القوم: من عدم إمكان المحافظة على عموم الخطابات الكلية القانونية (2)، كون الموضوع عنوان " القادر " وقضية ذلك جريان البراءة في الشك في القدرة، كما في سائر الموارد من الشبهات الموضوعية، وقد تشبث القوم للفرار عن ذلك بذكر طرق ووجوه (3)، كلها حسب الصناعة غير نقية. وأحسن ما يقال في المقام: إن سقوط الهيئة لأجل العجز، لا يضر بإطلاق المادة (4). وفيه: أن مع قطع النظر عن الهيئة لا يتصور إطلاق للمادة، لأن الإطلاق من تبعات تعلق الحكم بالمادة، وليس من صفات نفس المادة، وإلا فلا حاجة إلى مقدمات الإطلاق. وربما يقال: بأن سقوط الهيئة لأجل طرو العجز، لا يستلزم الشك في محبوبية المادة ومطلوبيتها، مما نعلم من الخارج عدم مدخلية القدرة في مطلوبيتها، بل القدرة


1 - تقدم في الصفحة 346. 2 - تقدم في الصفحة 395. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 54 - 56، نهاية الأفكار 3: 341 - 342، مقالات الاصول 1: 313 - 314، محاضرات في اصول الفقه 2: 146. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 326. (*)

[ 444 ]

دخيلة في صحة المخاطبة فقط (1). وبعبارة اخرى: فرق بين الموضوع المذكور في لسان الشرع، وبين ما يستنبطه العقل، فما كان من قبيل الأول تجري فيه البراءة عند الشك، وما كان من قبيل الثاني فلابد من الالتزام بالاشتغال، لأن العقل أقدم على هذا الموضوع فرارا عن الشبهة العقلية، وإلا فلا قصور في إفهام الهيئة مطلوبية المادة. أقول: من الممكن والجائز عند العقل، أن المولى لم يأخذ في موضوع الدليل عنوان " القادر " اتكالا على عقولكم الحاكمة والمدركة أخصية الموضوع، فلا يصح التمسك بالإطلاق حينئذ، كما لا يخفى. وقد مر منا تفصيله في تنبيهات أشرنا إليها في ذيل مسلكنا، فراجع (2). وبالجملة: مقتضى الانحراف عن ظواهر الأدلة وعن عمومها القانوني الشامل للكل، بجعل موضوعها " القادر " لزوم القول بالبراءة في شبهات المسألة، مع أنهم لا يرضون به، وسيأتي الكلام في المقدمة السادسة حول هذه المسألة على الوجه الذي أبدعناه. الشبهة الخامسة: من تبعات القول بانحلال الخطاب القانوني العمومي إلى الخطابات الشخصية الجزئية، تعدد الإرادة التشريعية في ذات الشارع الأقدس، ضرورة أن من اختار هذا الانحلال يريد أن يقول: بأن كل فرد من أفراد المخاطبين مورد الإرادة التي تخص


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 55، مقالات الاصول 1: 313. 2 - تقدم في الصفحة 391 - 394. (*)

[ 445 ]

به، وتكون الإرادة كثيرة، وإلا فمع وحدة الإرادة التشريعية وحدة مساوقة للوجود، لا يعقل كثرة المراد كثرة واقعية، ضرورة أنها من صفات ذات الإضافة، فكما لا يعقل تعدد المريد مع وحدة الإرادة، كذلك لا يعقل تعدد المراد مع وحدة الإرادة، ولاسيما وأن تشخص الإرادة بالمراد، فإذن تلزم الكثرة الواقعية في الإرادة التشريعية. وأيضا: ليس المراد من " الإرادة التشريعية " إلا الإرادة التكوينية المتعلقة بالبعث والتقنين، وليس هذه الإرادة التشريعية من الاعتباريات. كما أن مقتضى ما تحرر مرارا في محله: أن المراد بتلك الإرادة ليس فعل المكلف، بل المراد بها هو جعل القانون، وبعث الناس نحو المادة (1)، ولذلك لا يتخلف منها أيضا هذا المراد، بخلاف ما إذا كان المراد بها فعلهم، فإنه يتخلف. وتوهم اندفاع ذلك: بأن المراد هو صدور الفعل عن اختيار (2)، فاسد، لأن مقتضى ذلك وجوب صدوره عن اختيار، وإلا لو تخلف فيلزم التخلف عن تلك الإرادة. فلا تغتر بما في صحف الآخرين. إذا عرفت ذلك كله، انتبهت إلى ما أردنا توجيهه إليهم: من لزوم الكثرة الواقعية في إرادته تعالى، وهو في حقه ممتنع. وفي المسألة بحث طويل محرر منا في قواعدنا الحكمية (3)، وأشرنا إليه في تنبيهات مباحث الطلب والإرادة (4). هذا مع أن الوجدان أحسن شاهد على أن في مورد توجيه الخطاب إلى الكثير، لا تكون في النفس إرادات كثيرة، بل هناك إرادة واحدة بالضرورة.


1 - تقدم في الجزء الثاني: 29 و 68 - 72. 2 - مقالات الاصول 1: 216. 3 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 4 - تقدم في الجزء الثاني: 68 - 72. (*)

[ 446 ]

وغير خفي: أن مقتضى هذا التقريب في إرادته تعالى، وحدة الإرادة في جميع القوانين التشريعية، لما تقرر في محله: من أن الإرادة التشريعية جزء من النظام الكياني، التابع للنظام الرباني، المستتبع للنظام الإلهي، المنقهر في النظام الذاتي (1). الشبهة السادسة: بناء على القول: بعدم انحفاظ الخطابات الكلية القانونية، بالنسبة إلى حال الجهل والسهو والنسيان، وأنه لا يمكن تصوير الأحكام الفعلية بالنسبة إليهم (2)، يلزم لغوية حديث الرفع (3)، وعدم الحاجة إليه، ضرورة أن مع عدم وجود التكليف ثبوتا، لا معنى لذلك قطعا. ومجرد إمكان إيجاب الاحتياط والتحفظ (4) لا يكفي، لأنه مع سكوت الشرع عنه، يحكم بعدم الوجوب عقلا، فلا داعي إلى اعتبار الرفع، بل عدم الداعي إلى جعل الاحتياط كاف، كما هو الظاهر، فتأمل. وبعبارة اخرى: ظاهر حديث الرفع، أن ما هو المرفوع حال الجهل، ثابت مع قطع النظر عن حديث الرفع، وأن الامتنان في نفس رفع المجهول، لا في الأمر الآخر، وهو عدم إيجاب الاحتياط، والتحفظ عن النسيان. فإن قلنا: بأن الخطابات العامة القانونية، تستتبع الأحكام الفعلية بالنسبة إلى


1 - قد تعرض المصنف هذا البحث في القواعد الحكمية وهو مفقود كما أشار إليه في الجزء الثاني: 71 - 72. 2 - فرائد الاصول 2: 462، حقائق الاصول 2: 338 و 340، أجود التقريرات 2: 339. 3 - الكافي 2: 335 / 2، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 8: 249، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 30، الحديث 2. 4 - فرائد الاصول 1: 322. (*)

[ 447 ]

الكل على حد سواء، فيكون المنة في نفس الرفع المستند إلى " ما لا يعلمون ". ولكن كما أن مقتضى سائر الفقرات أنه رفع ادعائي، فإنه لا معنى لكونه رفعا حقيقيا بالنسبة إلى " ما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه " كذلك بالنسبة إلى المجهول والمنسي في الأحكام. وكما أنه رفع ادعائي بالنسبة إلى الموضوعات المجهولة والمنسية، كذلك رفع ادعائي بالنسبة إلى الأحكام الثابتة في موردهم حسب القانون الكلي العام. وأما على مذهبهم: من صرف تلك القوانين العامة عن ظواهرها، فلابد من أن يكون الرفع بلحاظ الشمول الإنشائي، ويكون دفعا حقيقة، وهذا واضح المنع، للزوم التفكيك في الإسناد الواحد عرفا. ولعمري، إن الأصحاب لعدم تمكنهم من تصوير الحكم الفعلي في هذه الموارد، ارتكبوا ما ارتكبوا فقالوا: " إن الامتنان بلحاظ إمكان التضييق من ناحية جعل التكليف الآخر، أو الاحتياط والتحفظ " (1) وأنت خبير بما فيه من ظهور الغرابة، فإن الحديث ناظر إلى أن رفع ما لا يعلمون منة، لا الأمر الآخر الأجنبي. وقالوا: " إن الرفع بلحاظ حال الإنشاء بالنسبة إلى مثل الفقرة الاولى " مع أنه لا يمكن الرفع واقعا ولو كان متعلقه الإنشاء، فلابد وأن يكون مجازا وادعائيا. فعليه، إذا أمكن تصوير التكليف الفعلي بالنسبة إلى الفقرة الاولى وما شابهها، لكانوا يفرحون جدا، لحل هذه المعضلات المتوجهة إليهم الآتية من قبل عدم تمكنهم من المحافظة على عموم القانون. إن قلت: مقتضى إطلاق حديث الرفع رفع جميع الآثار، وعندئذ تلزم اللغوية في جعل الأحكام الفعلية في تلك الموارد. قلت: هذا أيضا من تبعات انحلال الخطاب، وحساب كل حال بخطاب


1 - فرائد الاصول 1: 323، كفاية الاصول: 386 - 387، نهاية الأفكار 3: 213. (*

[ 448 ]

واحد، وإلا فاللغوية الآتية من ناحية الإطلاق والعموم، لا يجب الفرار منها، كما تحرر منا مرارا (1)، وما يجب الفرار منه من اللغوية، هي لغوية ذات الدليل وتمام مفاده، فافهم واغتنم. وبالجملة: لا يلزم من الجمع بين حديث الرفع والقوانين الكلية، اختصاص التكليف بالعالمين والذاكرين، حتى نحتاج إلى ضم الإجماع من الخارج لإثبات الاشتراك، كما لا يخفى على الفطن العارف. الشبهة السابعة: مقتضى عدم المحافظة على العمومات القانونية، اختصاص العالمين بالتكاليف دون الجهال، بناء على ما مر: من إمكان منع الدور (2). وتوهم قيام الإجماع على الاشتراك (3)، قابل للمناقشة بعدم ثبوت ذلك، أو عدم ثبوت الإطلاق لمعقده. ولازم ذلك عدم صحة عقاب المقصر، وعدم ثبوت الوضعيات المنتزعة عن التكليف بالنسبة إلى القاصر، بناء على الانتزاع، بل مطلقا كما مر (4)، فافهم وتدبر. الشبهة الثامنة: لاشبهة في وجوب القضاء على النائم الذي استوعب نومه الوقت (5)، وإذا كان


1 - يأتي في الصفحة 452 - 454، ولاحظ تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة: 170. 2 - تقدم في الصفحة 436 - 437. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 3: 12. 4 - تقدم في الصفحة 441. 5 - مدارك الأحكام 4: 290، جواهر الكلام 13: 12 - 13، العروة الوثقى 1: 574، فصل في صلاة القضاء. (*)

[ 449 ]

موضوع القضاء هو " الفوت " فهو غير متصور في حقه، لأنه ليس مورد التكليف حتى يفوت منه شئ. الشبهة التاسعة: الكفار مكلفون بالصلاة حال كفرهم، ولا تصح منهم الصلاة، وإذا أسلموا سقطت عنهم الصلاة، فكيف يمكن توجيه التكليف بداعي الانبعاث إليهم ؟ ! إذا تبينت لك المفاسد المترتبة من عدم المحافظة على الخطابات القانونية الكلية، فاعلم: أن مقتضى كون الخطاب قانونيا، اندفاع جميع هذه الشبهات وانحلالها بالمرة، ضرورة أن مع كون المخاطبين والموضوع عنوان * (الناس) * أو * (الذين آمنوا) * من غير انحلاله إلى العالم والقادر، ولا بالنسبة إلى ما في محل الابتلاء، ولا إلى غير هذه الأصناف، يكون العالم والجاهل والقادر والعاجز، وكل إنسان ومن يصدق عليه عنوان * (الناس) * وعنوان * (الذين آمنوا) * في حد سواء بالنسبة إلى الخطاب المزبور، ويكون الحكم بالنسبة إلى العنوان الجامع فعليا، ولا دخالة للعلم، ولا للقدرة في هذا الخطاب، بل الخطاب عمومي: فمن كان بحسب الواقع عالما فهو غير معذور، ويكون التكليف منجزا. ومن كان جاهلا يكون معذورا، وهكذا بالنسبة إلى القادر والعاجز. ولا تجري البراءة عند الشك في القدرة، للزوم إحراز العذر بعد العلم بالتكليف، لأن المكلف بما هو إنسان مورد التكليف، لا بما هو قادر حتى يتمسك بالبراءة، ولا شبهة له في كونه إنسانا، فإذن لابد من إقامة العذر عند التخلف. فتحصل حتى الآن الشبهات المتوجهة إلى القول بالانحلال، وثمرات القول بانحفاظ الخطاب القانوني، وعدم انحلاله حسب الأشخاص والأصناف.

[ 450 ]

الشبهة العقلية الموجبة لانحلال الخطاب وجوابها بقي الكلام حول الشبهة العقلية التي ابتلي بها القوم، وربما لأجلها ذهبوا إلى انحلال الخطاب إلى الخطابات: وهي أن كل واحد من أفراد المخاطبين، لابد أن يكون مورد التكليف ومورد الحكم، من غير ارتباط حكمه بحكم الفرد الآخر، لأن العموم اصولي استغراقي، فيكون الحكم الكلي منحلا إلى الأحكام الكثيرة، ولذلك تجري البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية، ويتعدد العقاب والثواب بتعدد المكلفين، فيتعدد الحكم، فيكون كل فرد مورد الحكم المخصوص به. والحكم سواء كان نفس الإرادة، أو كان الإرادة المظهرة، أو كان المعنى المنشأ بتلك الإرادة، أو كان معنى انتزاعيا من ذلك المعنى المنشأ، أو كان غير ذلك، يكون مخصوصا بكل فرد، ومتعددا حسب الأفراد، فيكون من قبل المولى بالنسبة إلى كل فرد، إرادة صدور الفعل منه، أو إرادة بعثه نحو المادة، على اختلاف المذهبين في متعلق الإرادة التشريعية. وعلى كل حال: كيف يعقل توجيه تلك الإرادة إلى الفرد الذي هو جاهل، والمولى ملتفت إلى جهله، وإلى الفرد الذي هو عاجز وغافل، والمولى ملتفت إلى حاله ؟ ! فإن كان الخطاب القانوني، معناه عدم الانحلال بحسب الأفراد، فيكون الأفراد بلا تكليف، فهو خلف. وإن اريد منه: أنهم مع كونه قانونيا مورد التكليف والحكم، فهو مناقضة ومستحيل. وبعبارة اخرى: لسنا قائلين بانحلال الخطاب الذي هو معنى جزئي حرفي

[ 451 ]

قائم بالمخاطب، وبما نصوره بصورة المخاطب، بل مقصودنا من " انحلال الخطاب " هو انحلال الحكم العام الاستغراقي حسب الأفراد، وأن كل فرد مخصوص بحكم يخص به، ويستتبع إطاعته وعصيانه وثوابه وعقابه. فيتوجه السؤال هنا إلى كيفية إمكان الانحلال الحكمي الراجع إلى التكاليف الكثيرة، وكل تكليف متوجه إلى شخص وباعث إياه نحو المادة، ولو كان هذا الشخص عاجزا غافلا جاهلا، فكيف يتوجه إليه هذا التكليف، فهل يكون بعد هذا إلا القول: بأن هؤلاء الأفراد بعناوين خارجة، وليسوا مورد التكليف الفعلي ؟ ! ولابد من علاج بعض الشبهات السابقة من طريق آخر غير هذا المسلك. أقول: قبل الخوض في حل هذه المعضلة - التي لا يوجد في كلمات الوالد المؤسس - مد ظله - إشارة إليها - لابد من إفادة مطلب لازم في فهم الخطاب القانوني، وكيفية افتراقه عن الخطاب الشخصي: وهو أن في الخطاب الشخصي، لابد من كون الفرد مستجمعا لشرائط صدور الخطاب، من العلم، والقدرة، واحتمال الانبعاث، وإلا فلا يمكن توجيهه إليه بالضرورة إلا خطابا صوريا. وتوهم إمكان إتمام الحجة، وتعارف ذلك بين الموالي والعبيد (1) * (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) * (2) في غير محله، لأن تحقق الإرادة التشريعية بقصد البعث وفي موقف احتمال الانبعاث غير ممكن، ومسألة إتمام الحجة صحيح، لا لأجل وجود تلك الإرادة في النفس فعلا، بل لأجل اطلاع العبيد على مرام المولى اللازم استيفاؤه، ولذلك تتم الحجة ولو كانت بجملة إخبارية، فيخبر عن مرامه اللازم اتباعه. هذا في الخطاب الشخصي.


1 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 310. 2 - الأنفال (8): 42. (*)

[ 452 ]

وأما في الخطابات القانونية، فلا يشترط كون جميع الأفراد واجدا للشرائط المزبورة، بل واجدية طائفة منهم تكفي لتحقق الإرادة التشريعية المتعلقة بالعنوان العام الكلي، ويكون عندئذ جميع المخاطبين مورد التكليف. وهذا الذي ذكرناه يظهر من التدبر في موردين: أحدهما: من التدبر في خطابات الوعاظ الذين يعظون الناس المستمعين إليهم، المختلفين فيما يوعظون به، فمنهم من يكون عاجزا، ومنهم من لا يتوجه حين مخاطبته إلى ما أفاده، ومنهم من هو النائم، ومنهم من هو الغافل، ومنهم من يأخذه سخريا، ويستهزئ به، ويضحك على ما يتفوه به، وجمع منهم متوجهون إليه، ويرتدعون من زواجره، ويأتمرون بأوامره، وتقع المواعظ في قلوبهم. فهل في هذه الواقعة يتعدد الخطاب، ويتكثر الواحد الكلي إلى الشخصيات ؟ ! أم لا يشمل خطابه إلا الطائفة الأخيرة، ويكون الآخرون خارجين عن ذيله ؟ أم أن الكل مشمول بخطابه الكلي، وهو حين خطابه لا يتوجه إلا إلى العناوين التي يأخذها في الخطاب، من عنوان * (الناس) * أو * (المؤمنون) * أو * (المسلمون) * أو غير ذلك، ويكون الكل محكومين بحكمه، ولو كان كتاب وحساب لا يعد المتخلفون معذورين إلا بالأعذار العقلية المقبولة ؟ فبالجملة: التكليف عام انحلالي بالضرورة، ولا قصور في فعليته بالنسبة إلى العموم، ومع ذلك تكون الإرادة واحدة، والخطاب واحدا. نعم، لا يجوز اختصاص الجاهلين والعاجزين والغافلين والساهين والناسين بالخطابات الاختصاصية، لأن البعث بداعي الانبعاث، وإرادة مثل هذا البعث غير ممكن تحققها. وهكذا إذا كان جميع المستمعين مستهزئين، أو عاجزين، أو جاهلين، فإنه عند ذلك أيضا لا يتمكن من ترشيح الإرادة التشريعية الإيعاظية، ولا من توجيه

[ 453 ]

الخطابات الجدية، فكل فرد من أفراد المستمعين لا يلزم واجديته للشرائط، ولكن يعتبر كون طائفة منهم أن يكونوا واجدين لها، فإنه عند ذلك تترشح تلك الإرادة. ثانيهما: من التدبر في مجالس التقنين العرفية، وفي محافل التشريعات البشرية، فإنهم إذا لاحظوا أن الدولة تحتاج إلى النظام، فلابد من ضرب قانون التجنيد، لما فيه مصالح الامة والمملكة، فإذا تم القانون يلقونه - حسب الأسباب الموجودة المتعارفة - إلى أفراد الدولة وآحاد القطر المعين، فمن كان واجدا للشرائط المقررة في القانون، يكون مورد التكليف. ولا تكون إراداتهم في ضرب القانون المزبور، كثيرة حسب الآحاد الموجودة بالفعل، ولا يوجد بعد ذلك في أنفسهم الإرادة الاخرى حسب الأفراد المعدومة، لانعدامهم بأنفسهم، مع بقاء قوانينهم المضروبة في الدفاتر والدساتير، فلا يعقل في حقهم حصول الإرادة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يوجدون بعد ذلك. ولكن مع ذلك كله، يكون القانون نافذا في حق الكل، ولا يختص العاجز ولا الجاهل والناسي بخطاب حتى يلزم المحال، بل الكل مكلفون، وهم بين معذورين، وبين من لا يعذر، فيكون التكليف والقانون الواحد الكلي، متساوي النسبة بالنسبة إلى جميع الأفراد، وبالنسبة إلى جميع الآحاد، عاجزا كان أو قادرا. فما هو مورد الخطاب، عنوان جامع كلي ينطبق على جميع الأصناف والأفراد على حد سواء، ولأجل الانطباق المزبور يكون الكلي مورد التكليف بما أنه إنسان، أو بما أنه مؤمن وهكذا، لا بما أنه عالم، أو قادر، أو ذاكر، فإنه تصرف في القانون على وجه غير جائز. نعم، إذا اخذ عنوان " القادر " فيخرج مقابله، وهكذا سائر العناوين. فبالجملة: بالنظر إلى هذه الطريقة الواضحة في القوانين العرفية، يظهر ما هو المقصود بالذات، وما هو الوجه في طريق تصوير الخطاب بالنسبة إلى الجاهل

[ 454 ]

العاجز الغافل، لا بما أنه كذلك، بل بعنوان آخر ينطبق عليه. وغير خفي: أن المفروض في هذين الموردين، أن المقنن والمخاطب عالم بأحوال المخاطبين والامة، وإلا فمع فرض الجهل، فلا شبهة في إمكان خطاب العاجز وغيره، وإمكان ترشح الجد حتى في الخطابات الشخصية، فلا تخلط. إذا أحطت خبرا في طي هذه المقدمة، بكيفية القوانين الكلية، وخصوصياتها، وثمراتها، واطلعت على أن في جعل القوانين الكلية، لا تكون الإرادة التشريعية كثيرة تفصيلا، ولا كثرة ثبوتية للإرادة، لأنها بتمام هويتها أمر إثباتي، لا ثبوت لها، تقتدر على حل المعضلة الأخيرة: وهي أن كل واحد من الأفراد وإن كان محكوما بحكم مخصوص به، والحكم وإن تقوم بالإرادة، بمعنى أنه هو عينها، أو هو أمر متأخر عنها لاحق بها، ولكن تكفي تلك الإرادة المتعلقة بالكلي والقانون العام لاعتبار الحكم المزبور لكل أحد. أو يقال: بأن تلك الإرادة الواحدة المتعلقة بالخطاب العام القانوني، تنحل حكما - حسب الأفراد، وحسب حكم العقل، وفهم العرف - إلى الأفراد، فيكون الانحلال إلى الكثير بنحو العموم الاستغراقي، ويكون الانحلال حكميا، ضرورة أن الوجدان قاض بوحدة الإرادة، فالكثرة اعتبارية بلحاظ أن المراد معنى كلي انحلالي. وهذا المعنى الانحلالي يوجب سريان الانحلال حكما إلى الإرادة، لا واقعا وموضوعا، فإنه خلاف الوجدان، ومناف للبرهان، كما مضى سبيله (1). فعلى هذا، كل فرد من الأفراد بما أنه إنسان، وبما أنه مؤمن، مسلم محكوم بالحكم الانحلالي الذي يتوجه إلى الآحاد، حسب توجيه الخطاب الكلي، لا حسب توجيه الخطاب الشخصي.


1 - تقدم في الصفحة 444 - 445 و 450 - 452. (*)

[ 455 ]

فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) * (1) وإن كان في قوة الانحلال إلى أفراد المؤمن ومصاديقه الذاتية، ولكن لا يلزم من كونه في قوة الكثير، كون كل واحد من هذا الخطاب بالقوة، جامعا لجميع الشرائط المعتبرة في صحة توجيه الخطاب الشخصي الفعلي. فما هي الشرائط في الخطاب الشخصي، شرائط لأجل أنه خطاب فعلي، وإذا كان الخطاب بالقوة فلاتعتبر تلك الشرائط، مع انحلال هذا العام والقانون الكلي إلى الكثير انحلالا حكميا موجبا لصحة انتساب كل واحد إليه، واختصاصه بالحكم المخصوص به. هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذه المرحلة وتلك المقدمة. ولعمري، إن من ألقى حجاب العناد، وتدبر بعين الإنصاف والسداد، لا يتمكن من رفض هذه البارقة الملكوتية التي تنحل بها كثير من المعضلات، وأساس طائفة من المشكلات، فلله تعالى دره، وعليه أجره، جزاه الله خيرا، ورزقنا الله تعالى بطول بقاء وجوده الشريف ما هو المأمول والمرتجى. " المقدمة السادسة: قال - مد ظله -: " مقتضى إطلاق الأدلة الشرعية عدم تقيدها بالقدرة. وما قيل: بأن الإرادة الاستعمالية وإن كانت أعم، ولكن المراد الجدي أخص، وهو حال القدرة، فيكون مقيدا بها، فهو غير تام، وذلك لأن التقييد إما يكون بحكم الشرع، أو يكون بحكم العقل، وكلاهما مستحيل، ضرورة أن مقتضى كونه من ناحية الشرع، هي البراءة في مورد الشك، وهم غير ملتزمين بذلك، لقولهم بالاحتياط عند الشك في القدرة (2). مع أنه يلزم جواز إحداث ما يعذر به اختيارا.


1 - المائدة (5): 1. 2 - تقدم في الصفحة 444. (*)

[ 456 ]

ومقتضى كونه من ناحية العقل، جواز تصرف الغير في حكم الآخر، وهو غير ممكن، وبلا محصل. فالعقل لا شغل له ولا حكم له إلا درك لزوم الإطاعة والامتثال، ودرك مورد الإطاعة والامتثال، وأن في مورد الجهل والعجز يكون العبد معذورا، دون حال العلم والقدرة. وغير خفي: أن ما أفاده القوم في لزوم تقييد الخطابات بالنسبة إلى القدرة، يقتضي لزوم تقييدها بالنسبة إلى العلم، لاشتراك الجاهل مع العاجز في قبح الخطاب " (1). ثم أضاف - مد ظله - إشكالا مع جوابه حول إمكان إتمام الحجة بالنسبة إلى العاصي، فيكون الخطاب إليه ممكنا، وقال: " إن ذلك غير صحيح، لإن إتمام الحجة في مورد امتناع ترشح إرادة البعث بداعي الانبعاث، غير صحيح (2). أقول أولا: بعد إمكان تصوير الخطابات القانونية، والتكليف الفعلي في مورد العجز، لا حاجة إلى هذه المقدمة، ولا مدخلية لها فيما هو المقصود بالمقام. وقد عرفت: أنهم لأجل ابتلائهم بعدم تمكنهم من التحفظ على إطلاق الأدلة، اعتبروا قيد القدرة (3)، وإلا فلهم هذا المقدار من الاطلاع قطعا. على أن الأدلة حسب الظاهر لها الإطلاق. فالمهم إثبات إمكان التحفظ على هذا الظاهر، وقد تكلف لذلك المقدمة السابقة، ولا تكون لهذه المقدمة مدخلية في المسألة. ومما يشهد على هذه الدقيقة، ابتلاؤه - مد ظله - في ذيل هذه المقدمة بالتمسك بما مر في الخامسة.


1 - مناهج الوصول 2: 28، تهذيب الاصول 1: 309. 2 - تهذيب الاصول 1: 310. 3 - تقدم في الصفحة 435. (*)

[ 457 ]

وثانيا: أن لنا أن نقول: بأن العقل يدرك خروج العاجز عن المخاطبات فقط، وأما درك أن الموضوع هو " القادر " كما هو يظهر منهم، فهو غير تام. وقد مر تفصيلا ما يتوجه إليهم في المقدمة الخامسة، بناء على مسلكهم الفاسد من جعل الموضوع " القادر " ولا نعيده. وإذا كان العاجز خارجا لأجل امتناع المخاطبة، فلابد من التحفظ والاحتياط عند الشك في القدرة، لأن موضوع الدليل هو * (الناس) * مثلا، والناس ثلاثة أصناف: الأول: الذين هم عاجزون، وهم خارجون عنه. الثاني: الذين هم قادرون، وهم مندرجون. والثالث: الذين هم شاكون، وهم أيضا بما أنهم من الناس، مندرجون في الخطاب، لإمكان خطاب الشاك في القدرة، فلابد من الاحتياط. نعم، ربما يكون المخاطب غافلا أو شاكا، فلا شبهة في المسألة، لإمكان ترشح الإرادة التشريعية منه بالضرورة، وأما إذا كان عالما بالوقائع فهو في إمكان خطابه ولا إمكانه، تابع لعلمه، فربما يتمكن من مخاطبة الشاك، لما يعلم أنه القادر، فلا تخلط. وبعبارة اخرى: ما هو الخارج بالدليل اللبي هو العاجز، والمخصص اللبي لا يورث تعنون العام بعنوان المخصص، حتى لا يمكن التمسك به في الشبهة المصداقية، بخلاف المخصص اللفظي، فإنه - حسب التحقيق - يورث التعنون، فلا يصير الدليل بعد خروج العاجز، الناس غير العاجزين. فبالجملة: تبين إمكان إيجاب الاحتياط مع إخراج العاجزين عن مورد الخطاب، وتبين فساد ما أورده ثانيا: من جواز انقلاب الموضوع اختيارا. نعم، هو متوجه إلى ظاهرهم، وإلا فيمكن الدفاع عنه في الجملة.

[ 458 ]

وثالثا: كما لا يعقل تقييد العقل، بمعنى التصرف في إرادة المولى وإعدامها في مورد القيد، كذلك لا يعقل للمولى ذلك، لأنه يرجع إلى النسخ المستحيل. وكما يجوز للمولى التقييد في أدلته، بمعنى جعل القرينة على كشف أمر الإرادة وحدودها، كذلك للعقل الكشف عن حدود إرادة المولى، كما في كثير من الموارد التي يستكشف العقل مطلوبية شئ للمولى، أو مبغوضيته له، أو يستكشف عدم مطلوبيته له وهكذا. ففيما نحن فيه، يستكشف العقل لأجل امتناع مخاطبة العاجزين، خروجهم من الأدلة. نعم، لا معنى لجعل الموضوع " القادر " إلا فيما إذا لم يكن بين إخراج العاجز وكون الموضوع القادر واسطة وثمرة، وهو هنا غير صحيح، لما اشير إليه آنفا. ورابعا: أنهم ملتزمون بخروج الجاهل عن الخطابات الاولية، ولأجله تشبثوا بمسألة متمم الجعل ونتيجة الإطلاق، وقال العلامة الأراكي (قدس سره): " بأن موضوع الأدلة عنوان لا ينطبق إلا على العالم " (1) فرارا من الإشكال المتوجه إليهم: من اختصاص العالم أيضا بالخطاب، وقد مر تفصيله فيما سبق (2). وخامسا: دليل إتمام الحجة يورث تماميتها، لأجل ما سبق منا: وهو إطلاع العبد على مرام المولى اللازم استيفاؤه (3)، لا لأجل ترشح الإرادة الجدية حتى يقال بامتناعه، فافهم وتدبر جيدا. " المقدمة السابعة: لاشبهة في أن الأمربكل من الضدين أمر بالمقدور الممكن، والذي هو غير المقدور هو الجمع بين التكليفين، وهو غير مورد للتكليف بالضرورة.


1 - نهاية الأفكار 3: 15 - 16. 2 - تقدم في الصفحة 436 - 437. 3 - تقدم في الصفحة 451. (*)

[ 459 ]

فإذا قامت الحجة على وجوب الإزالة، والحجة الاخرى على وجوب الصلاة، ففيما إذا تمكن العبد من الجمع بينهما كما لا يكون من التكليف بالجمع، كذلك فيما إذا لا يتمكن منه لا يكون من الأمر بالجمع بين الضدين، بل كل واحد من الدليلين على موضوعه باعث نحوه، ويدعو إلى متعلقه. والذي صدر من الآمر، هو ضرب القانون بالنسبة إلى كل واحد على حدة، وليس لمجموع الموضوعين المتعلقين وجود على حدة بالضرورة، كما لا يصدر منه القانون الوحداني بالجمع بينهما، حتى يقال: هو غير مقدور. وقد تقدم: أن الأمر لا يتعلق إلا بنفس الطبائع المطلقة، من غير النظر إلى الخصوصيات، والحالات الطارئة، وجهات التزاحم، وعلاجه. ومعنى إطلاقها: أن المتعلق تمام الموضوع بلا دخالة قيد، لا أن معناه أن المتعلق مطلوب، سواء اجتمع مع هذا أم لا، إذ كل ذلك خارج عن محط الإطلاق. ولا تنس أيضا: أن توارد الأمرين على موضوعين متضادين، مع أن الوقت الواحد لا يسع إلا لواحد منهما، إنما يقبح لو كان الخطابان شخصيين. وأما الخطاب القانوني الذي تختلف فيه حالات المكلفين، فرب مكلف لا يصادف أول الزوال إلا موضوعا واحدا، وهو الصلاة، وربما يصادف الموضوعين، فيصح توارد الأمرين بالنسبة إلى الكل، ومنهم الشخص الواقف أمام المتزاحمين، ولايستهجن ذلك " (1). أقول أولا: لا مدخلية لهذه المقدمة فيما هو مقصوده - مد ظله -، ضرورة أن موضوع البحث: هو أن يكون المكلف مبتليا بالتكليفين، اللذين كل واحد منهما - مع قطع النظر عن الآخر - يدعوه إلى نحوه وجانبه، وهو غير متمكن من جوابهما، ولو كان يرجع الخطابان إلى الخطاب الواحد الداعي إلى الضدين، لما كان وجه لغور


1 - مناهج الوصول 2: 28 - 29، تهذيب الاصول 1: 310 - 311. (*)

[ 460 ]

الأصحاب في هذه المسألة، لوضوح امتناع الأمر بغير المقدور، فليس في كتاب أحد من أرباب هذه الصناعة، ما يقتضي التعرض لمثلها. وقد عدها من المقدمات الدخيلة في تصوير الترتب، السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) (1) وهو أيضا باطل. نعم، هذه المقدمة لازمة لتصوير التزاحم بين الأدلة، وأنه كيف يوجد الزحام والمزاحمة بينها ؟ وإلا فلا يقول أحد: بأن الأمر بالصلاة والأمر بالصوم، يرجعان إلى الأمر الواحد نحو الجمع بينهما، وهكذا في مثل الإزالة والصلاة حال التزاحم. وتمام هم القائلين بالترتب وغيره، انحفاظ كل واحد من الدليلين في موضوعه، وانحفاظ إطلاقه، مع قطع النظر عن الآخر، من غير لزوم الجمع بين الضدين، برجوع الدليلين إلى الدليل الواحد. والعجب من السيد (رحمه الله) حيث قال: " إن هذه المقدمة لها الأهمية التامة في تصوير الترتب " (2) مع أنها لا مدخلية لها في ذلك، بل هي تحرير كيفية التزاحم بين الأدلة، وأن الترتب من أحكام التزاحم، فلا تخلط. وثانيا: بعدما عرفت ذلك، تبين لك أن الأمر سواء تعلق بالطبيعة، أو بالفرد ويسري إلى الحالات، أم كان شيئا آخر، لاربط له بهذه المسألة، لأن معنى إطلاقه السرياني، ليس رجوع الدليلين إلى واحد. نعم، قد عرفت منا مرارا: أن مقتضى القول بالإطلاق المزبور، الإشكال في كيفية تصوير التزاحم بين الأدلة، ضرورة أن من موارد التزاحم عندهم محل اجتماع الأمر والنهي ولو كان مفاد " صل " أي يجب عليك الصلاة الغصبية والصلاة غير


1 - نهاية الاصول: 218. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 461 ]

الغصبية، ومفاد " لا تغصب " أي يحرم عليك الغصب الصلاتي والغصب غير الصلاتي، يلزم التكاذب بين الدليلين في مقام الجعل والدلالة، كما هو الظاهر. وهكذا في المثال المعروف، يكون معنى " صل " أن الصلاة المقارنة مع فعل الإزالة واجبة، ومعنى " أزل " أن إزالة المقارن مع فعل الصلاة واجبة، وتصير المسألة من مصاديق باب التعارض، لامتناع كون الصلاة المزبورة والإزالة المذكورة، واجبتين عقلا. نعم، هو من التعارض بالعرض، كتعارض دليل الجمعة والظهر، فافهم واغتنم. وثالثا: لو سلمنا رجوع الدليلين إلى الدليل الواحد في حال المزاحمة، فيكون الجمع مورد التكليف، فهو - على مسلك القوم - يرجع إلى سقوطه، لامتناع مخاطبة العاجز وغير القادر. وأما على مسلككم فهو ممكن، فيكون المكلف باقيا تكليفه في حال التزاحم ومعذورا، لامتناع الامتثال، ولابد حينئذ من التوصل إلى أدلة " الميسور لا يسقط بالمعسور " فلاتحاشي من قبلكم عن ذلك، فتأمل. ورابعا: في موارد التزاحم إذا كان المولى غير ملتفت، فيتمكن من ترشيح الإرادة بالنسبة إلى كل واحد من المتعلقين، ولا يرجعان - حتى في الخطابات الشخصية - إلى الخطاب الواحد. وإذا كان ملتفتا، ففي الخطاب غير القانوني لا يتمكن من توجيه الخطاب الثاني، لا لأنه يقبح الخطاب، كما لا يخفى. فتحصل لحد الآن: أن ما هو المهم في مسلكه، إثبات المقدمة الخامسة المنطوية فيها السادسة، وبحمد الله وله الشكر نحن فرغنا منها، ومن ميقات تحقيقها، ونصاب تدقيقها.

[ 462 ]

ثمرة المقدمة الخامسة: التي أفادها الوالد المؤسس - مد ظله - فإليك ما هو الثمرة المقصودة منها هنا: فنقول: إذا تبين لك هذه المسألة الرئيسة، وتلك المقدمة الأساسية، فاعلم: أن في مواقف التزاحم، إذا كان المتزاحمان متساويين في الملاك، يكون كل واحد مورد التكليف، لأنه بالنسبة إلى كل واحد قادر. ولو كان عاجزا بالنسبة إلى الكل، فهو أيضا مورد كلا التكليفين، لإمكان شمول الخطاب القانوني إياه، كما مر تفصيله (1). فما يظهر منه - مد ظله - من تصوير القدرة الواحدة (2)، فهو لأجل مفروض المسألة. فإذا كان قادرا على واحد منهما عقلا، فامتثل أحد الخطابين، يعد معذورا بالنسبة إلى الآخر. وإذا ترك امتثالهما لا يعد معذورا بالنسبة إلى كليهما، لأن كل واحد منهما يدعو إلى نفسه، وقد ترك امتثاله بلا عذر، والمفروض أنه ليس في المقام تكليف واحد بالجمع بينهما، كما ترى، وعند ذلك يصح العقابان بالنسبة إليه. وإذا كان أحدهما الأهم يتعين عند العقل ذلك، فمع الاشتغال بالأهم يعد معذورا بالنسبة إلى ترك المهم، ولو انعكس الأمر لا يعد معذورا. ولو اشتغل في الأثناء بمحرم، أو كان التزاحم بين الثلاثة، يستحق العقوبات الثلاث والأربع، وهكذا حسب تزايد التكاليف، فافهم واغتنم. وإذ قد أحطت خبرا، تبين لك: أن الحاجة إلى الترتب للفرار من الجمع بين


1 - تقدم في الصفحة 437 وما بعدها. 2 - تهذيب الاصول 1: 311. (*)

[ 463 ]

الضدين ممنوعة، بل هنا أمران وتكليفان فعليان عرضيان، سواء كانا متساويين، أو كان أحدهما أهم، وسواء كانت القدرة واحدة، أو لم تكن قدرة رأسا. فما توهمه الشيخ البهائي (قدس سره): من أن الأمر بالشئ لا أقل من اقتضائه عدم الأمر بالضد (1)، غير راجع إلى التحصيل في الخطابات القانونية، فلو كان له اقتضاء النهي عن الضد، تكون الصلاة باطلة، للنهي، أو لعدم الأمر حسب ما أفاده. فبالجملة: إذا كانت القدرة واحدة، والتكاليف كثيرة، يستحق العقوبة على ترك الكل، لأن كل واحد منها قد ترك بلا عذر، وحيث إن المفروض هو التزاحم بين التكاليف، فلا معنى لرجوع الكل إلى واحد، ولا معنى لكون التكليف الموجود تخييريا، كما مضى تفصيله أيضا (2). مع أن عدم تمكنهم من المحافظة على فعليتهما، أوقعهم في توهم الخطاب التخييري في مورد التساوي (3)، وإلا فلا مانع من قبلهم عن قبول فعليتهما. وإذا لم تكن قدرة رأسا لا يستحق العقوبة أصلا. فما اشتهر: " من أن تعدد العقاب تابع لتعدد القدرة " (4) غير صحيح، بل يمكن تصوير استحقاق العقوبات الكثيرة مع كون القدرة واحدة، بل تعدد العقاب تابع لتعدد التكليف ولو كانت القدرة واحدة، كما أن القدرة الواحدة ليست دخيلة - فيما نحن فيه - في توجيه التكليف. نعم، هي دخيلة في استحقاق العقوبة غير مرة عندما ترك الامتثال بالمرة.


1 - زبدة الاصول: 99. 2 - تقدم في الصفحة 345 - 346. 3 - أجود التقريرات 1: 279، نهاية الأفكار 1: 365، محاضرات في اصول الفقه 3: 279. 4 - كفاية الاصول: 168، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 338، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 45. (*)

[ 464 ]

بقي شئ: في بيان كيفية إرادته تعالى حال التزاحم إن في الخطابات العرفية، لا تعرض لحال الاصطكاك والتزاحم، ولا مانع من عدم اطلاعهم على حدود القانون حسب المصلحة ومصلحة الإجراء، لتوصلهم بالمخصصات والمواد المنفصلة في الأزمنة اللاحقة، عند الاطلاع على بعض الخصوصيات. وهذا في الحقيقة هو الإهمال الثبوتي، لإمكانه في حقهم. وأما في الخطابات الشرعية، فلا يعقل الإهمال الثبوتي، وعدم علم المقنن بحال الاصطكاك والتزاحم، بل هو عالم بجميع الخصوصيات، فإذا كان ملتفتا إلى ابتلاء المكلف بالتكاليف الكثيرة غير القابلة للجمع، فإما تبقى الإرادة فهو محال، وإلا فلا فعلية للتكليف، فلابد أن يرجع إلى التخيير الشرعي. أقول: نعم، إلا أن الشارع العالم بالوقائع يضرب القوانين الكلية، ويلاحظ ما هو الدخيل في موضوعها، وأما سائر الجهات المعلومة لديه الأجنبية عنها، وغير الدخيلة في الموضوع والملاك، فهي غير مأخوذة في القانون. وأما إرادته حال التزاحم، فهي باقية بالنسبة إلى كل واحد منهما، لأنها - على ما عرفت (1) - ليست إرادة شخصية في موقف الاصطكاك والتزاحم، حتى تمتنع، وتكون من قبيل الأمر والإرادة الواحدة المتعلقة بالجمع بين الضدين، بل هي إرادة قانونية على الوجه الماضي سبيلها، الممكن اعتبارها حال العجز، والجهل، والغفلة، وغيرها. وللشارع عند ضرب القوانين الكلية، الاتكاء على هداية الرسول الباطني في مقام التزاحم، وكيفية الامتثال والإطاعة، من غير تعرض لذلك كما ترى.


1 - تقدم في الصفحة 454. (*)

[ 465 ]

بقي شئ آخر: حول شمول القضايا الإخبارية غير المشتملة على الخطاب للعاجزين إن ما ذكره القوم: من الشبهة في شمول الأدلة للعاجزين ونحوهم، وعموم الخطابات بالنسبة إليهم، هل يختص بها، أو يشمل الأدلة المتكفلة للإيجاب العمومي مثلا على نعت القضايا الإخبارية، من غير اشتمالها على الخطاب ؟ مثل قوله (عليه السلام): " يجب على كل أحد في كل اسبوع، خمس وثلاثون صلاة " مثلا (1)، فإن هذه الأدلة غير شاملة للخطاب. والمحذور الذي يستظهر منهم، هو قبح خطاب العاجز (2)، فيمكن بناء على هذا جعل التكليف الفعلي على العاجزين، سواء كان داع أم لم يكن. أو يقال: إن في كل مورد لا يصح خطاب العاجز، لا يجوز جعل الوجوب عليه، لأنه لابد وأن يكون بداعي الانبعاث، ومع الالتفات لا يتمكن من الجعل الجدي. ومن الممكن التفصيل، فيقال: إن خطاب العاجز مطلقا غير جائز، بخلاف الجعل عليه، فإنه إذا كان بداع من الدواعي فهو يجوز. مثلا: لا يجوز خطاب العاجز بقوله " صل " مع التفاته إلى عجزه من أول الزوال إلى الغروب، بخلاف ما إذا كان بنعت الجعل، فإنه يجوز إذا كان بداعي توجيه القضاء عليه خارج الوقت.


1 - نص الحديث هكذا، محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " إن الله عزوجل فرض في كل سبعة أيام خمسا وثلاثين صلاة... "، الكافي 3: 418 / 1، تهذيب الأحكام 3: 19 / 69، المعتبر: 200 / 35، وسائل الشيعة 7: 299، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجمعة، الباب 1، الحديث 14. 2 - فرائد الاصول: 308 / 23، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 197. (*)

[ 466 ]

فإذا قال المولى: " يجب على العاجز في الوقت الصلاة " فهو تارة: يكون بداعي الانبعاث واخرى: يكون بداعي انتقاله إلى تحقق موضوع القضاء وهو " الفوت " بخلاف الخطاب فإن قوله " صل " ليس إلا هيئة ومادة، والهيئة للبعث، وهو لا يمكن إلا في ظرف احتمال الانبعاث وإمكانه، فافهم وتأمل. وغير خفي: أن هنا تفصيلا آخر ناشئا من اختلاف المسالك في مفاد الإنشاء والبعث: وهو أن الهيئة إن كانت لمجرد التحريك الاعتباري نحو المادة (1)، فلابد في هذه البعوث الجدية القانونية من احتمال الانبعاث، وهكذا في البعوث الشخصية الجدية. وإن كانت القضية الإنشائية البعثية مفادها إشغال ذمة المكلف بالمادة، وتحميلها عليها، وتكون في حكم الدين الإلهي مثلا (2)، فعند ذلك يجوز خطاب العاجز، بداعي جعل المادة في ذمته، وتوجيهه نحو القضاء. نعم، مع العجز المستوعب لا يعتبر ذلك، لأنه من اللغو. فجعل الصلاة في الذمة مع العجز المستوعب للوقت ممكن، فعليه إذا كان أمر الإزالة فعليا، يصح للمولى أن يجعل الصلاة في ذمته حتى في حال المقارنة مع فعل الإزالة، فإن اشتغل بها وترك الإزالة فقد أتى بالمجعول الإلهي، من غير الحاجة إلى تلك الإطالات. أما ترى: أنه لو كان زيد مديونا لعمرو ولبكر، ولا يتمكن من أداء دينهما، ويكون أداء أحدهما أهم، أنه إذا أدى الدين المهم يفرغ ذمته بالضرورة. نعم، إذا كان الأداء موقوفا على فعلية الأمر بالإفراغ، فلابد من التشبث بأحد


1 - مناهج الوصول 1: 243 - 244، تهذيب الاصول 1: 135. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 89، و 4: 86 - 88. (*)

[ 467 ]

المسالك، كما هو الظاهر. وبعبارة اخرى: يعتبر المولى الصلاة دينا، ولا يوجه الخطاب الشرعي، ولا يريد منه بالإرادة التشريعية شيئا، بل يتكئ على حكم العقل بلزوم إفراغ الذمة في الوقت، ويتحقق بذلك موضوع أدلة القضاء أيضا. وعلى هذا لا تكون الصلاة حينئذ باطلة لأجل عدم الأمر، لأن مثله ينوب مناب الأمر في تصحيحها. وهذا غير الوجه الذي أفاده المحقق الخراساني (قدس سره): من العلم بالحسن الذاتي (1)، الذي قد مر بعض الكلام فيه (2). وإن شئت جعلت هذا مسلكا آخر في الفرار عن شبهة الشيخ البهائي (قدس سره) (3) والله ولي الأمر، وعليه التكلان. تذييل: في عدم فعلية الخطاب الشخصي وعدم شموله للعاجز حال التزاحم لاشبهة في أن مفروض البحث، هو ما إذا كانت العمومات والإطلاقات متزاحمة، فهل يمكن التحفظ عليها، أم لابد من إخراج العاجز عنها، أو جعل موضوعها " القادر " ؟ وأما إذا لم يكن عموم وإطلاق، بمعنى أن يكون الحكم المبتلى بالمزاحم من الأحكام الصادرة عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في الواقعة الشخصية التي ابتلي بها شخص، فإنه عندئذ لا يمكن إثبات الحكم على الأعم من القادر والعاجز، ولا يمكن الالتزام بفعلية الحكم حال التزاحم، وذلك لأن في مثل وجوب الإزالة من المسجد،


1 - كفاية الاصول: 165 - 166. 2 - تقدم في الصفحة 339. 3 - زبدة الاصول: 99، تقدم في الصفحة 337. (*)

[ 468 ]

لو سأل من ابتلي بها الإمام (عليه السلام)، واجيب: " بأنها واجبة " فإن كان هذا الحكم الجزئي غير المضروب بشكل القانون، شعبة من الحكم الكلي القانوني المضروب على العناوين العامة - ك‍ * (الناس) * وأمثاله - فهو يتم، وإلا فلا، لاحتمال كونه فرعا من الكلي الذي موضوعه " القادر " فلا محرز لما هو القانون الكلي حينئذ، حتى يتمكن من إثبات فعلية الحكم على الكل. هذا مع احتمال عدم كونه من أصل الكلي الثابت في الإسلام، بل هو حكم من الصادق (عليه السلام) على بعض المباني في مفوضية الأحكام إليهم (عليهم السلام). فإذا كان كذلك، فما هو القدر المسلم من السراية والعلم بعدم الخصوصية، هو إلغاء العصر والمكان والنجاسة الخاصة والمسجد والشخص، وأما إسراء الحكم الخاص الصادر بنحو الخطاب الشخصي للعاجزين، فهو غير ممكن. فما أفاده - مد ظله - يتم فيما إذا كان التزاحم بين الخطابين القانونيين لا غير، فافهم وكن من الشاكرين. المسلك السادس في الترتب وهو ما ارتضاه جل المتأخرين، آخذين أصله من المحقق الثاني (1) والشيخ كاشف الغطاء (2)، وتفصيله من المجدد الشيرازي (قدس سرهم) (3) وترتيبه من الاستاذ المدقق


1 - جامع المقاصد 5: 12 - 13. 2 - كشف الغطاء: 27. 3 - تقريرات المجدد الشيرازي 2: 273 - 282. (*)

[ 469 ]

السيد الفشاركي (1)، ولخصه شيخ مشايخنا في " الدرر " (2) والعلامة النائيني في تقريراته (3)، وذكره استاذنا البروجردي (قدس سرهم) بمقدمة وجيزة في تقريراته (4). ونحن بعد اللتيا والتي، في غنى عن هذا المسلك المعروف ب‍ " مسلك الترتب " لعدم الاحتياج إلى ذلك، بعدما تبين لك منا: أن سقوط الأمر بالأهم لا يتقوم بالعصيان والإطاعة، حتى يلزم التهافت بين المهم والأهم، ويكون المهم بلا أمر (5). بل أمر الأهم يسقط، لأجل الإخلال بشرط البعث، وهو البناء الجدي على العصيان، فإنه مع البناء عليه لا يترشح الأمر بالأهم ويسقط، ويكون المحل بعد ذلك قابلا للأمر بالمهم، وتكون الصلاة صحيحة في المثال المعروف، وفي كل مورد وقع التزاحم، وبنى المكلف قبل وقت الأهم وقبل الابتلاء به، على العصيان. وهذا الذي ذكرناه ليس يرجع إلى ما قيل: " من كون البناء على العصيان شرط المهم " (6) فإنه لا يوجب ارتفاع المحذور العقلي، بل البناء سبب سقوط الأمر بالأهم، كما عرفت تفصيله (7). فلا حاجة إلى تصوير الترتب وهكذا، بعدما تبين لك من كيفية تصوير الأحكام الفعلية بالنسبة إلى العاجزين وغيرهم، وأنه لا محذور في ذلك، ولا يلزم منه الأمر بالجمع بين الضدين مطلقا، كما عرفت بما لا مزيد عليه (8).


1 - الرسائل الفشاركية: 184 - 189. 2 - درر الفوائد المحقق الحائري: 140 - 147. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، أجود التقريرات 1: 286. 4 - نهاية الاصول: 218. 5 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 6 - كشف الغطاء: 27 / 22، حقائق الاصول 1: 318. 7 - تقدم في الصفحة 349 - 350. 8 - تقدم في الصفحة 449. (*)

[ 470 ]

ولكن لا بأس مع ذلك بالإشارة إلى هذا المسلك، وإلى أنه من الأباطيل الواضحة، كالنار على المنار، أو كالشمس في رائعة النهار. وحيث إن القوم المتكفلين لهذه المسألة، مختلفون حسب تصوير المقدمات الكثيرة غير الدخيلة في أصل البحث، وما هو المقصود بالذات من " الترتب " فلا ندخل في تلك المقدمات، ونذكر التقاريب المختلفة على نهج الاختصار، بذكر ما هو المهم في فهم المطلب. المقدمة الاولى: في بيان أساس الترتب وسبب الالتزام به وقبل الخوض في تلك التقاريب، لابد من الإشارة إلى مقدمة مشتملة على ما هو مصب الترتب، وما هو المقصود منه رأسا: وهي أن مقتضى ما عرفت منا فيما سلف: أن الأدلة الشرعية إذا لم تكن متكاذبة في مقام الدلالة، فلا تكون متعارضة في الاصطلاح، وإذا كانت ملتئمة في مقام الإنشاء والجعل والقانون، فربما يتفق اصطكاكها في مقام الامتثال كما عرفت، فإذا وقعت المزاحمة بينها في مقام الامتثال على الشرائط المعتبرة في التزاحم بالتفصيل الماضي، فلابد من علاج التزاحم (1). فقالوا: " إذا كان الدليلان المتزاحمان متساويين في الملاك، فمقتضى حكم العقل هو التخيير، بأن يكون كل واحد من الدليلين مقيدا بعدم امتثال الآخر " (2) أو


1 - تقدم في الصفحة 357. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 366، وقاية الأذهان: 301 - 302، مناهج الوصول 2: 29. (*)

[ 471 ]

قالوا: " باستكشاف الحكم الواحد التخييري " (1) فيكون التخيير شرعيا، لا عقليا. وإذا كانا أهم ومهم، فربما يختلج بالبال سقوط المهم، وينحفظ الأهم، لامتناع الجمع، ويكون سقوطه مطلقا، بحيث لو عصى الأهم بتركه، فلا شئ عليه من ناحية ترك المهم، ولايكون مشروعا فعله إذا كان عباديا، فينحصر تكليفه بالأهم. ولكنه مجرد تخيل عندهم، لأن قضية إدراك العقل هو الفرار من المحذور العقلي - وهو امتناع الجمع - بالمقدار اللازم، ولا وجه للزائد عليه، وذلك لأن إطلاق الأهم يدعو نحوه على الإطلاق، وهكذا الإطلاق في ناحية المهم مع قطع النظر عن المحذور العقلي، فإذا لوحظ المحذور العقلي فلابد من رفع اليد عن الإطلاق بالمقدار المعين، فكما فيما كانا متساويين يقيد إطلاق كل واحد، ويكون كل واحد واجبا عند ترك الآخر، كذلك فيما نحن فيه، يقيد إطلاق المهم بعصيان الأهم، حتى لا يكون الزمان فارغا - على سبيل منع الخلو - عن أحد الأمرين، أحدهما: مطلق، والآخر: مشروط. وإن شئت قلت: القضية المتشكلة هنا هي هكذا: " إما يكون العبد في هذا الظرف والزمان الذي لا يسع لهما معا، مشغولا بالأهم وفاعلا للإزالة، أو يجب عليه فعل الصلاة، حتى لا يفوت مصلحة المولى عند التمكن من فعل الصلاة بترك الإزالة ". وبذلك ترتفع غائلة لزوم الجمع بين الضدين، وتنحفظ مصلحة التكليف بالمقدار الممكن عقلا، ويقع التقييد بالمقدار اللازم حسب دركه، لا الزائد عليه. وأيضا: بمثله ترتفع شبهة الشيخ البهائي (قدس سره) أيضا على ثمرة مسألة الضد (2). اللهم إلا أن يقال: بأن الشبهة المزبورة تنقلب حينئذ، وذلك لأن موضوع


1 - لاحظ أجود التقريرات 1: 279. 2 - زبدة الاصول: 99. (*)

[ 472 ]

المسألة كان " إن الأمر بالشئ هل يقتضي... أم لا ؟ " وإذا سقط الأمر بالأهم فلا يبقى محل للنهي عن الضد، لأنه نهي تبع الأمر بالشئ، فإذا اشتغل المكلف بالصلاة تكون صحيحة على أي تقدير، لأنها مورد الأمر، ولا نهي متوجه إليهما، لعدم الأمر بالإزالة ولو كان مقتضيا للنهي عن الضد، فافهم واغتنم. وغير خفي: أن المسالك المذكورة في المقام حول هذه الشبهة على صنفين: أحدهما: ما يتعرض لحل مشكلة الشيخ (رحمه الله) بإمكان الاستثمار من بحث الضد، وهو مثل ما أفاده الكركي (قدس سره) (1). ولايكون جوابا عنها، لتقدم عصره على عصر الشيخ، ومثل ما ذكرناه من إمكان الاستثمار في المعاملات (2)، وهكذا ما أشرنا إليه أخيرا. ثانيهما: ما يكون متكفلا لغائلة لزوم الجمع بين الضدين، ولإنكار هذا الاستلزام المفروغ عنه في كلامه، وهذا مثل ما سلكناه: من إسقاط الأمر بالأهم عند الاشتغال بالمهم، لا بالعصيان (3)، مثل ما سلكه الوالد المحقق - مد ظله -: من إثبات بقاء الأمرين العرضيين من غير لزوم المحذور رأسا (4)، ومثل ما يعبر عنه ب‍ " الترتب " من الفرار من كون التكليفين مطلقين في المتساويين، ومن إطلاق المهم إذا كان الآخر أهم، وعند ذلك لا يكون تزاحم بينهما بالضرورة.


1 - جامع المقاصد 5: 12 - 13. 2 - تقدم في الصفحة 342 - 343. 3 - تقدم في الصفحة 351 - 355. 4 - مناهج الوصول 2: 23. (*)

[ 473 ]

المقدمة الثانية: في بيان المورد المسلم الذي يجري فيه الترتب عندهم إذا تبين لك أساس مقالة الترتب، وما هو الداعي عندهم إلى الالتزام به، لابد من ذكر مقدمة اخرى محتوية على المورد المسلم عند الكل، الذي يجري فيه الترتب عند القائلين به، ثم نردفه بالتقاريب الممكنة، فإن أمكن الالتزام به في ذلك المورد، فلنا البحث عن سائر الموارد المختلف فيها، وإلا فلا داعي لإطالة البحث حولها: وهي أن الذي لاشبهة فيه: أن نفس جعل عصيان تكليف، شرطا لفعلية التكليف الآخر، مما لا محذور فيه، فيصح أن يكون عصيان أمر صلاة الظهر مثلا، شرطا لوجوب القضاء، أو عصيان أمر الصلاة مثلا شرطا لوجوب القضاء على الولي وهكذا. فما هو مورد المحذور العقلي، ليس نفس الترتب ولو كان بين المترتب والمترتب عليه تأخر زماني، فإن مع التأخر الزماني يصح هذا، وهو ليس مورد إنكار المنكرين. والذي لا إشكال عندهم أيضا: هو أن " الترتب " المقصود هو الترتب العلي، بمعنى كون زمان العلة والمعلول زمانا واحدا، فيكون بين المترتب والمترتب عليه تأخرا بالمعلولية، وتقدما بالعلية، أو ما بحكمها، كتقدم الشرط على المشروط. فعلى هذا، في الواجبين اللذين يكون أحدهما أهم، والآخر مهما، وكان زمان وجوب الأهم والمهم واحدا، ولكن يتقدم أحدهما على الآخر نحو التقدم

[ 474 ]

بالعلية، قالوا: " بأنه لا يلزم منهما الجمع بين الضدين مثلا، إذا كان أول زوال يوم الجمعة إزالة النجاسة من المسجد واجبا، وكان فيها وجوب الصلاة مشروطا بالعصيان، فإنه بعصيان الأهم تكون العبادة مأمورا بها، مع وحدة زمان التكليفين، وترتب أحدهما على الآخر " (1). وهذه الصورة من الصور الكثيرة التي اجري فيها الترتب عند أربابه، وهي مورد نظرنا هنا نفيا وإثباتا، ومحط البحث. إن قلت: هذا المثال مورد المناقشة كما مضى سبيله، ضرورة أن فعل الإزالة واجب فورا ففورا، فإذا كان العصيان الأول شرطا يلزم المحال والمحذور العقلي. وإذا كان العصيان إلى انتفاء موضوع الإزالة شرطا، فيتأخر وجوب الصلاة عنه تأخرا زمانيا. وإذا كان العصيان المتأخر شرطا للوجوب المتقدم، فهو أيضا يستلزم المحذور الآخر (2). قلت: نعم، ولكن المقصود أرباب الترتب، إثبات صحة الصلاة التي اشتغل بها المكلف في أول الزوال، فيكون الشرط هو العصيان الأول، ولا نظر إلى العصيانات المتأخرة إذا فرض أن وجوب الإزالة فوري، ويسقط بالعصيان، ولايكون من فور ففور. ولك فرض المسألة على وجه آخر أيضا، حتى لا يتوجه إليها المحذور المزبور: وهو كون العصيان الآخر المنتهي إلى انتفاء موضوع الإزالة، مقارنا لأول


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 360، نهاية الأفكار 1: 375، محاضرات في اصول الفقه 3: 110. 2 - لاحظ مناهج الوصول 2: 50 - 52، محاضرات في اصول الفقه 3: 106 - 109. (*)

[ 475 ]

الزوال، فإنه إذا كان شرطا يلزم الترتب العقلي، لأن في أول الزوال الأمر بالأهم باق، والأمر بالمهم أيضا موجود في ذلك الزمان، ومتأخر رتبة، لتخلل الشرط بينهما، وهو شرط عصيان الأهم. فتحصل إلى الآن: أن هذه الصورة، مورد إجراء قانون الترتب عند القائلين به اتفاقا. بيان الشبهة المهمة على الترتب فإذا أحطت خبرا بما هو المقصود من " الترتب " وبما هو مورد التسالم، وأنهم يقولون بالترتب في مثل الأهم والمهم (1)، وبالترتبين في المتساويين (2)، وأيضا يقولون بتعدد العقاب بلا محذور عقلي (3)، كما التزمنا بذلك (4)، والتزم الوالد المحقق (5)، لعدم رجوع التكليفين إلى التكليف بالجمع بالضرورة، فلنشرع فيما هو إحدى الشبهات عليهم، ثم نشرع في التقاريب التي ذكروها لإثبات الترتب بقلع هذه المادة، ثم بعد ذلك - بعون الله وقدرته - نذكر بعضها الآخر إن شاء الله تعالى. وها هي: إن في الصورة المزبورة إذا كان أحدهما أهم، فلابد من تحقق العصيان بالحمل الشائع، حتى يمكن فعلية المهم، أي لابد من تحقق الشرط بالحمل الشائع، حتى يمكن ترتب المشروط عليه.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 145، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، نهاية الاصول: 217، محاضرات في اصول الفقه 3: 106. 2 - فرائد الاصول 2: 761، محاضرات في اصول الفقه 3: 162. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 338 و 365 - 366، نهاية الاصول: 224، محاضرات في اصول الفقه 3: 142 - 143. 4 - تقدم في الصفحة 354. 5 - مناهج الوصول 2: 30. (*)

[ 476 ]

ومعنى " العصيان " هو ترك المأمور به على وجه لا يتمكن المكلف من اللاعصيان، أي ترك المأمور به على وجه يسقط أمره، لعدم إمكان قيامه بما هو المأمور به، وإلا فلا معنى للعصيان. مثلا: ترك الصلاة في أول الوقت في الموسع، ليس من العصيان، لتمكن العبد من إتيانها وامتثال أمرها، وهذا أمر واضح، ويتضح من ذي قبل أكثر منه إن شاء الله. وعلى هذا، أول الزوال إذا كان أمر الأهم موجودا، فهو لا يسقط إلا بالعصيان، ومعناه عجز العبد عن الامتثال، فلو كان في أول الزمان أمر المهم موجودا أيضا، فهو بعد لم يعجز عن امتثال الأهم، لأنه بمضي الزمان يصير عاجزا بالحمل الشائع وعاصيا، فكيف يعقل تحقق أمر المهم ؟ ! وبعبارة اخرى: العصيان المتوسط، سواء كان من الحقائق، أو الاعتباريات، أو الانتزاعيات، إذا كان من الامور الآنية والبنائية، كان لما أفادوه وجه، وإلا فكيف يمكن أن يتخلل الأمر المحتاج إلى الزمان في التحقق، بين المترتبين بالترتب العقلي ؟ ! ولا شبهة في أن شرط المهم عصيان الأهم، وبين الشرط والمشروط ليس يتخلل شئ، ولكن ما هو الشرط متخلل بين الأمر بالأهم والأمر بالمهم، فإن أمر المهم مترتب على أمر الأهم بتخلل العصيان، وهو أمر زماني، لأن معناه عجز العبد عن الامتثال عجزا لا يعد عذرا. فإذن لا يكون في أول الزوال إلا أمر الأهم، فإذا عجز المكلف عن امتثاله بعصيانه، يوجد الأمر الآخر، وهذا لا يكون إلا بمضي زمان الزوال حتى لا يبقى ظرف امتثاله، وبعد ذلك يوجد الأمر بالمهم، وهذا هو الترتب الزماني، لا العقلي المقصود لهم.

[ 477 ]

ولمزيد الاطلاع على حد هذه الشبهة، وعلى حد التقاريب الآتية دفعا لها، نقول: لو كان الأهم من الموقتات الشرعية كالصوم، والمهم أيضا منها، أو من الموسعات، فإنهم يقولون بجريان الترتب فيها، والأمر هنا أوضح، ضرورة أن أول الفجر ظرف الامتثال والفعلية بالنسبة إلى الأهم، وعصيانه معناه عجز العبد عن الصوم، فهل العبد يعجز عن الصوم في أول الفجر، أو بعده ؟ فإن كان عصيانه في أول الفجر ممكنا، بأن يكون العصيان أمرا غير زماني، كان لذلك وجه واضح، لاتحاد زمان الشرط - وهو العصيان - وزمان الأهم والمهم، لإمكان كل ذلك. وأما إذا كان معنى العصيان: عجز العبد بعدم تمكنه من امتثال الأمر الأهم، وعدم تمكنه لا يحصل ولا يتحقق إلا بمضي الزمان، فلا يتحقق الشرط إلا بمضي الزمان، فيكون وجوب المهم متأخرا زمانا، لتخلل الشئ الزماني بين الأمرين، وعند ذلك كيف يعقل وحدة الزمان لهما، مع تخلل الشئ الزماني بينهما ؟ ! وبعبارة واضحة: إن العصيان المتحقق بالاشتغال بفعل المهم، متأخر عن فعل المهم في الرتبة، فكيف يعقل كونه شرطا لوجوب فعل المهم المتقدم عليه في الرتبة ؟ ! فيلزم تقدم ما هو المتأخر في الرتبة، وهذا دور واضح المنع، أو تقدم الشئ على نفسه، فإنه أفحش فسادا من الدور، على ما تحرر (1) فتأمل. وإن شئت قلت: إن الانبعاث نحو المهم، متأخر عن البعث إليه في الرتبة، والعصيان إما في رتبة الانبعاث الخارجي، أو متأخر عنه، فكيف يعقل كونه شرطا لفعلية البعث المتقدم عليه طبعا ؟ ! فتدبر تفهم. وسيزيد اتضاحا عند ذكر التقاريب الممكنة لإثبات الترتب إن شاء الله تعالى (2).


1 - الحكمة المتعالية 2: 142. 2 - يأتي في الصفحة 492 - 496. (*)

[ 478 ]

وبالجملة: مجرد إمكان اتحاد زمان الشرط والمشروط غير كاف، لاختلاف الشروط، والعصيان ليس من تلك الشروط. مثلا: إذا كان الشرط وجود الحركة الخاصة، فلابد من تحقق الحركة - بالحمل الشائع - حتى يتحقق الشرط، ولا يكفي أول وجودها، لأن الحركة بسيطة، وأول وجودها مجرد لحاظ عقلي، ولاتفكيك بين أول وجودها وثاني وجودها، بل هو وجود متدرج خارج من القوة إلى الفعل، فلابد من انطباقها على الزمان حتى تعد حركة، وإلا يلزم أن تكون من الامور القارة الذات. فما هو الشرط أمر وحداني بسيط ينطبق على الزمان، فإذا تحقق هذا الأمر الوحداني يصير التكليف فعليا، ففعلية التكليف وإن كانت متأخرة عن الشرط تأخرا بالرتبة، ولكن نفس الشرط ليس متحدا زمانا مع زمان المكلف به، والعصيان من هذا القبيل، كما تبين واتضح. وإن شئت قلت: جعل العصيان شرطا - كجعل العجز عن امتثال تكليف الأهم شرطا - لا يكون عذرا شرعا، لا مطلق العجز. وأنت إذا راجعت وجدانك، تجد أنك تقدر في أول الزوال على الأهم، فلا يكون شرط المهم في أول الزوال موجودا بالضرورة. تقاريب دفع الشبهة وحلها إذا تبينت هاتان المقدمتان، وتلك الشبهة والعويصة، فلنشرع في تعقيبها بذكر التقاريب التي يمكن أن تكون دفعا وحلا لها، أو لغيرها مما يأتي تفصيله (1): التقريب الأول: أن الشبهة في مقابل البديهة، والبرهان في قبال الوجدان،


1 - يأتي في الصفحة 498 - 512. (*)

[ 479 ]

واهية ثبوتا، وإن لم يمكن الاطلاع على جهة الضعف وسر الفساد، وذلك لأن الوجدان شاهد على أن المولى يمكن أن يأمر عبده بالذهاب إلى المدرسة، ويأمره على تقدير العصيان بالذهاب إلى أمر كذا، أو أن يجلس في الدار وهكذا، وهذا شاهد على وقوع الترتب، فإن عصيان الأمر الأول شرط فعلية الأمر الثاني (1). وأنت خبير بما فيه: أولا: من أن مقتضى فهم العقلاء في هذه الخطابات العرفية، هو التخيير إذا لم يكن مقيدا بالعصيان، وما هو المتعارف بينهم عدم التقييد بالعصيان، فلا يعلم من طريقتهم شئ يفيد أرباب الترتب، لأنه مجرد فرض، وليس في الخطابات العرفية منه أثر. نعم، ما هو المعروف عنهم هو الأمر بالذهاب أولا، ثم الأمر على تقدير عدم الذهاب بالجلوس في الدار، وهذه الخطابات الطولية المترتبة، لا تورث استحقاق العبد للعقاب عند ترك الذهاب، وامتثال الأمر الثاني بالضرورة، وكأنه تخيير يورث أهمية الطرف الأول، لا إلى حد يستحق العقوبة على التخلف عنه، فيكون الاختيار بيده. وثانيا: مع إطلاق الأمر الأول بحسب الزمان، فلا يتصور العصيان إلا إذا كان فوريا، وإذا كان فوريا أو موقتا بوقت فيأتي الإشكال المزبور، وإلا فلا يتصور العصيان. مثلا: إذا قال المولى في المثال المزبور: " عليك بالذهاب إلى المدرسة حتى الساعة الثامنة، مع العصيان فعليك بالجلوس في البيت " فإن عصيان الأمر الأول يتحقق إذا عجز عن امتثاله، ومع سعة الوقت - لتحقق امتثاله - لا يتحقق شرط الأمر الثاني، ولا شبهة في أن أول الساعة الثامنة إذا كان داخلا في المغيا، يتمكن من


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 102. (*)

[ 480 ]

الامتثال، ثم بعد ذلك يعجز ويتحقق شرط الأمر الثاني بالضرورة. فما هو من المتعارف في الخطابات الطولية المترتبة، هو ما يؤدي التخيير عرفا، أو يكون البناء على ترك الأمر الأول، كافيا لرفع اليد عنه، ولانصراف المولى عن أمره، فإنه كثيرا ما ينصرف المولى عن أمره لأجل ذلك، لا لأجل العصيان المتقوم ببقاء الأمر إلى وقت العجز عن الامتثال، فلا تخلط جدا. وإن شئت قلت: ما هو المتعارف في الطوليات العرفية، هو الترتب الزماني، لا الترتب العقلي، وهذه الخطابات العرفية ليست ناظرة إلى الترتب العقلي المقصود في المقام. التقريب الثاني: هذه الشبهة في مقابل الإجماع والاتفاق على عدة من الفروع، غير قابلة للإصغاء إليها: ومنها: لو فرض وجوب الإقامة على المسافر من أول الزوال، فيكون وجوب القصر عليه، مترتبا على عصيان وجوب الإقامة، حيث إنه لو عصى ولم يقصد الإقامة، توجه إليه خطاب القصر. وكذا لو فرض حرمة الإقامة، فإن وجوب التمام مترتب على عصيان حرمة الإقامة. ولا نعني ب‍ " الترتب " إلا هذا، ضرورة أن ظرف الوجوب أول الزوال، وظرف وجوب الصلاة قصرا أيضا أول الزوال، فإذا قصد الإقامة من أول الزوال فقد عصى ووجب، ولكن الوجوب الثاني مترتب على عصيان الوجوب الأول، وهكذا في الفرع الأخير (1)، فتدبر.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 357 - 359، منتهى الاصول 1: 348، محاضرات في اصول الفقه 3: 103 - 104. (*)

[ 481 ]

أقول: وقد ذكروا فروعا اخر (1) لا يهمنا الإشارة إليها بعد كفاية الواحد منها، لاتحاد الكل فيما هو مقصودهم، وإن كان لكل فرع بعض الخصوصيات الاخر الخارجة عن هذه المسألة، والإحالة إلى محالها أولى وأحسن. والذي هو المهم هنا الإشارة إلى جهتين: الجهة الاولى: أن ما هو الواجب بالنذر وشبهه، لو كان عنوان " الإقامة في بلد كذا " فرضا، فيجب قصد الإقامة عشرة أيام في أول الزوال، وما هو الواجب بدخول الزوال هو الصلاة، سواء كانت قصرا أو تماما، ولكن إذا كان يقصد الإقامة - ولو في أثناء الوقت - فعليه التمام، وإذا كان يتركها فعليه القصر، فالوجوب آت على الإطلاق من غير التقييد بشئ، ولايكون مترتبا وجوب صلاة الظهر والعصر على شئ، ولا موقوفا على قصد الإقامة، أو قصد عدم الإقامة، بل " إذا دخل الوقت وجبت الصلاة والطهور " (2). فمن نذر أن يقيم في أول الزوال وعصى، أو نذر ولم يعص، لا يترتب على عصيانه وعدم عصيانه شئ. نعم، إذا قصد فعليه أن يتم، وإذا تركه وعصى فعليه القصر، لأجل الجهة الاخرى الخارجة عن المسألة. فما ترى في كتبهم من التمسك بهذه المسألة وما ضاهاها للترتب، وأن وجوب الصلاة قصرا مترتب على عصيان وجوب الإقامة، في غاية الوهن والاشتباه. ومن هنا يظهر السبيل للمناقشة في سائر ما قالوه.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 357 - 359، منتهى الاصول 1: 348، محاضرات في اصول الفقه 3: 103 - 104. 2 - تهذيب الأحكام 2: 140 / 546، وسائل الشيعة 1: 372، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 4، الحديث 1. (*)

[ 482 ]

الجهة الثانية: لو سلمنا أن الوجوب الجائي في أول الزوال، متلون بلون القصر والتمام أيضا، كما هو متلون بلون الظهرية والعصرية، فيكون الوجوب الآتي في أول الزوال متوقفا على حال المصلي، وأنه مقيم أو غير مقيم، فإن كان مقيما فهو متلون بلون التمام، وإن كان غير مقيم متلون بلون القصر. فعند ذلك إذا دخل الوقت، فهل ينتزع منه عنوان " المقيم " أو عنوان " غير المقيم " ؟ فإن كان قد ترك قصدها كما هو المفروض، فالوجوب الآتي متلون بلون القصر، ويكون العنوان المنتزع منه عنوان " غير المقيم " وإذا كان هذا العنوان ينتزع منه فلا يكون عاصيا، وإذا لم يكن عاصيا فلا يسقط وجوب الوفاء بالنذر في هذه الرتبة بالضرورة. وبالجملة: لنا أن نقول: إن ما هو المفروغ عنه عند الفقهاء، والمتسالم عليه في الفقه، هو وجوب الوفاء بالنذر، ووجوب الصلاة بدخول الوقت، ومن كان مقيما يتم، ومن كان غير مقيم يقصر، وأما فروع وحدة رتبة الوجوبين فلا، لما يمكن أن يترتب أحدهما على الآخر ترتبا زمانيا، لا عقليا. ومن هنا يظهر الخلط في سائر الفروع. وما هو الحجر الأساس: أن وجوب الصلاة قصرا مقتضى دليلين: الأول: الأدلة المتكفلة لإيجاب الصلوات اليومية، وهو غير مترتب على العصيان واللا عصيان. والثاني: الأدلة المتكفلة لإيجاب القصر على المسافر غير المقيم، وهو تابع لموضوعه، وإن كان بحسب اللب بينهما التقارن، ولكن لا ينبغي الخلط جدا. وإن شئت قلت: ليس وجوب الصلاة قصرا من التكاليف النفسية الشرعية، بل هو من الإرشادات الشرعية إلى وظيفة المسافر والحاضر، والمقيم وغير المقيم، فما هو التكليف النفسي فهو غير مترتب على العصيان، وما هو الإرشاد إلى كيفية صلاة غير المقيم لا يعقل لأن يكون مترتبا عليه.

[ 483 ]

التقريب الثالث: ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (قدس سره) واعتقد بذلك بداهة الترتب: " وهو أن من البديهي أن الأمرين إذا كانا داعيين نحو المتعلقين في عرض واحد، مع القدرة الواحدة، يستتبعان - عند الدقة العقلية - المحال والمحذور العقلي، بمعنى امتناع تحقق الإرادتين الجديتين الباعثتين من الملتفت، والمتوجه إلى عجز العبد. ولكن ذلك لا يرجع إلى التكليف الواحد بالجمع بين المتعلقين، حتى يتوهم أن المحذور العقلي: هو رجوعهما إلى إرادة باعثة نحو الجمع بين الضدين، وغير القابلين للجمع، مثل الإزالة والصلاة. بل كل واحد مع قطع النظر عن الآخر، يدعو نحو متعلقه، فلا يكون طلب كل واحد منهما مستقلا محالا، ولا يتعلق الطلب الواحد بالجمع بينهما، فلا محذور عقلا من هذه الناحية، فلا معنى لتوهم امتناع الترتب من تلك الجهة، وهي طلب الجمع بين الضدين. فما هو وجه الاستحالة هنا، هو امتناع ترشح الإرادتين من المريد الواحد الملتفت، متوجهتين إلى المتعلقين غير القابلين للجمع، مع كونهما في عرض واحد. وأما إذا كانا لا في عرض واحد، بأن يكونا طوليين، ويكون أحدهما في رتبة عدم تأثير الآخر، وعدم تحريكه نحو ما تعلق به، فيكون وجود الآخر في هذه الرتبة والظرف بلا مزاحم، إذ المفروض أن هذه الرتبة رتبة عدم تأثير الأول، ورتبة خيبته عما قصد منه، أعني داعويته للمكلف، وانبعاثه بذلك نحو العمل، وفي هذه الرتبة يكون المكلف فارغا وقادرا على امتثال الأمر الثاني. فالترتب المصطلح عليه من أوضح الواضحات، فإن الأمر بالأهم - وهي الإزالة - وإن كان مطلقا غير مشروط بشئ، ولكن الأمر ليس علة تامة لوجود متعلقه، وإنما هو لإيجاد الداعي في نفس المكلف، وتحريكه نحو المأمور به، حتى

[ 484 ]

يوجده باختياره. فإذا توجه الآمر بعد إصدار الأمر بالأهم، إلى أن المكلف يمكن أن يمتثله، ويمكن أن يعصيه، وأن ظرف الفعل في رتبة العصيان للأهم، يكون فارغا خاليا من الفعل، بحيث لو لم يشغله المهم لكان خاليا من الأهم والمهم كليهما، فلا محالة ينقدح في نفسه إرادة البعث نحو المهم في هذه الرتبة، حتى لا يكون الظرف خاليا من الواجب المشتمل على المصلحة. ولا مانع من انقداح الإرادة الثانية حينئذ في نفسه، لأن المفروض في نفسه خلو الزمان عن الأهم، وتمكن المكلف من امتثال المهم " (1) انتهى. أقول: ما مر من الدليلين كان من قبيل البرهان الإني على الترتب، وهذا وما يأتي من قبيل البرهان اللمي عليه. وكأن القائلين بالترتب كان همهم الفرار من العرضية بتصوير الطولية، وأن الضرورة قاضية بأن من جعل عصيان أمرالأهم شرطا لفعلية المهم، تحصل الطولية، ضرورة أن العصيان معنى متأخر عن الأمر في وجه، والشرط معنى يتقدم على المشروط، فكيف يكون المشروط بالعصيان في رتبة الأمر المتقوم به العصيان ؟ ! فإذن لا يكون الأمران عرضيين، فلا استحالة في البين. وأنت خبير: بأن معضلة الترتب ليست في نفس العرضية، حتى ترتفع بالطولية العقلية، بل مشكلة الترتب في أن ما هو الحد المتوسط المتأخر رتبة عن أمر الأهم، والمتقدم رتبة على أمر المهم - وهو عصيان الأهم - لا يعقل أن يتحقق في الرتبة، فإن كان هو مما يتحقق في الرتبة كان لما أفاده وجها وجه. ولكن قد سبق: أن المعتبر في فعلية الأمر الثاني، هو كون المكلف بحيث ينتزع منه عنوان " العاجز عن امتثال الأهم " عجزا لا يعد عذرا، المعبر عنه ب‍ " العصيان "


1 - نهاية الاصول: 218 - 220. (*)

[ 485 ]

والعجز عن امتثال الأهم لا يجتمع زمانا مع فعلية المهم، لأنه في زمان فعلية المهم قادر على امتثال الأهم، وإذا كان قادرا لا يعد عاجزا، فلا يكون عاصيا، فلا تخلط (1). التقريب الرابع: ما نسب إلى العلامة الأراكي (قدس سره) وتمام نظره (رحمه الله) إلى أن تصوير الترتب على الوجه الرافع للمحذور العقلي، لا يتوقف على القول باشتراط أمر المهم بعصيان الأهم، بل لنا تصويره على نعت الوجوب المعلق. وما أفاده في تقريبه لا يخلو من التأسف والغرابة، لاشتماله على المسافة البعيدة، والأكل من القفاء، ولذلك نذكره ببيان منا، حتى يمكن نيله بأدنى التفات: وهو أن الأمر بالأهم يدعو نحو متعلقه على الإطلاق، ويكون مقتضاه لزوم إشغال الوقت بمادته ومتعلقه. ولو كان مقتضى الأمر بالمهم أيضا ذلك للزم المحذور. وأما إذا كان الأمر الثاني على نعت القضايا الحينية، ويكون القيد - الذي باعتباره تكون القضية حينية - هو حال عصيان أمر الأهم، فإنه من الحالات التي يمكن أن تتحقق في الخارج، ولا تكون هذه الحال داخلة في مصب الأمر الثاني، وهو أمر المهم، ولا تحت دائرة طلب المهم، بل هي من قبيل القيود المفروض وجودها، فإذن يعقل أن يكون الجمع بين الضدين مورد الطلب، لأن الطلب الأول يقتضي سد العصيان عقلا، والطلب الثاني لا يدعو نحوه، وبالنسبة إليه يكون ساكتا، وعند ذلك يتحقق الخطاب الثاني في زمان الخطاب الأول، من غير استلزام الاستحالة (2). وبهذا البيان تندفع بعض الشبهات المتوجهة إليه، ولاسيما ما يتوجه إلى تعبيره عن الطلب الأول ب‍ " الطلب التام " والطلب الثاني: ب‍ " الطلب الناقص " (3) فإنه


1 - تقدم في الصفحة 475 - 476. 2 - مقالات الاصول 1: 342 - 344، نهاية الأفكار 1: 369 - 373. 3 - منتهى الاصول 1: 375 - 376، مناهج الوصول 2: 57 - 58، تهذيب الاصول 1: 308. (*)

[ 486 ]

لو كان صحيحا، يلزم عدم التهافت بين المطلق والمقيد في صورة كون المطلق مرادا جدا بتمامه، فإن الطلب المطلق تام، والطلب المقيد ناقص، وهكذا في العام والخاص، وكما أن المطاردة بين العام والخاص وبين المطلق والمقيد، ترتفع باستكشاف أن المطلق مورد الإرادة الإنشائية، كذلك لابد من ذلك هنا، وإلا يكون الطلب التام طاردا للناقص، وإن كان الناقص غير طارد له، فليتدبر. وما يتوجه إليه: " من أن الأمر بالشئ على الإطلاق، يقتضي سد جميع أعدامه المأتية من قبل إعدام مقدماته، أو من قبل وجود أضداده " (1) انتهى، ومعنى ذلك أن الأمر بالشئ يقتضي النهي عن الضد العام، وهذا النهي ينحل إلى النواهي الكثيرة المتعلقة بما يورثه، أو ينحل إلى النواهي المتعلقة بالحصص الكثيرة من العدم المطلق، وقد مر فساد هذه الاقتضاءات (2)، ولا يرضى هو بذلك، فلا تغفل. أقول: والذي يسهل الخطب، أن اهتمامه بتصوير الخطابين - على وجه لا تكون المطاردة في البين - غير كاف، ولا يكفي مجرد كون القضية الثانية قضية حينية، ومن قبيل الواجبات المعلقة، لأن الحال المأخوذ حينا هو حال العصيان، وهو معناه حال العجز عن الأهم بسوء الاختيار، ولا شبهة في أن في تلك الحال ومقارنا معها، لابد من إمكان انتزاع عنوان " القادر " من المكلف حتى يتوجه إليه الطلب الأول والأمر بالأهم. وأنت إذا تأملت في ذلك تعرف أن عنوان " القادر والعاجز " من العناوين المتقابلة، ولا يعقل انتزاعهما من الواحد، بالنسبة إلى الشئ الواحد، في زمان واحد، والترتب متقوم بذلك حتى يكون أمر الأهم موجودا، وأمر المهم أيضا موجودا، وإلا فإن انتزع منه عنوان " القادر " فقط، فلا يكون الحين المعتبر لتوجيه


1 - منتهى الاصول 1: 376. 2 - تقدم في الصفحة 305 - 309. (*)

[ 487 ]

الخطاب الثاني موجودا. وإن كان ينتزع منه عنوان " العاجز " فقط، فلا يكون أمر الأهم متوجها حينئذ، فلا يتحقق الترتب، إما لأجل عدم تحقق الترتب، أو لأجل عدم تحقق المترتب عليه. وإن كان ينتزع منه القادر في الزمان الأول، والعاجز في الزمان المتأخر، فلا يتحقق الترتب العقلي الذي هو المقصود هنا. ولعمري، إن المسألة بعد ذلك مما لا غبار عليها، ولا شبهة تعتريها. ومن هنا ينقدح: أن تنظيره بالمتساويين ملاكا، بتوهم أن التخيير حكم العقل، من غير كون منشئه اشتراط وجوب كل بعصيان الآخر، إذ لازمه تأخر كل واحد من الأمرين عن الآخر، ولا إلى اشتراط كل أمر بعدم وجود غيره، إذ لازمه أن لا يقتضي كل أمر إيجاد مقتضاه حال وجود الآخر، بل منشؤه أن الطلب في ظرف المزاحمة يقتضي سد جميع أبواب العدم، إلا العدم الطارئ من إتيان ضده (1)، لا يخلو من تأسف من جهات شتى، كما لا يخفى. مع أن هذا ليس من الترتب الاصطلاحي. وبالجملة: إنه (قدس سره) قد تصدى لتصوير الأمرين الفعليين العرضيين زمانا، من غير كون أحدهما مترتبا على الآخر، لانتفاء الاشتراط الذي هو أساس الترتب عقلا، فلا يكون أمر المهم تنجزه مترتبا على ترك الأهم في ظرفه، سواء كان تركا ينتزع منه العصيان، أو تركا لا ينتزع منه العصيان. ولكنك عرفت: عدم إمكان اندفاع عويصة المسألة بذلك، فلاحظ وتدبر جيدا، وسيأتي زيادة بيان ينفعك إن شاء الله تعالى (2). التقريب الخامس: أن الإطاعة والعصيان في الاعتبار، متأخران عن الأمر، ولا يجتمعان معه في الرتبة، ضرورة أن الإطلاق اللحاظي بالنسبة إليهما غير ممكن،


1 - مقالات الاصول 1: 342 - 343. 2 - يأتي في الصفحة 489 - 490. (*)

[ 488 ]

أي لا يعقل أن يلاحظ الآمر إيجاب الإزالة سواء اطيع أمره أو عصي، بل مع الإطاعة لا أمر، ومع العصيان لابقاء لاقتضائه (1). فهذا كاشف عن تأخرهما عنه، من غير الحاجة إلى إثبات معية العصيان في رتبة الإطاعة المتأخرة عن الأمر، حتى يتوجه إليه: بأن ما مع المتأخر رتبة لا يكون متأخرا (2). فإذن ترتفع غائلة الترتب، وتوهم استلزامه الجمع بين الضدين (3)، بل يمتنع عند ذلك هذا الاستلزام. ونسبة هذا إلى العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره) (4) في غير محله ظاهرا، لأنه تعرض له، ونفى صحته (5). أقول: لسنا بصدد ذكر جميع نقاط ضعف هذه التقاريب، والإشكالات المتوجهة إليها، والخلطات الواقعة فيها، من توهم الرتب العقلية بين الاعتباريات، بل نظرنا إلى أن مشكلة الترتب لا تنحل بمثله، كما عرفت مرارا (6). التقريب السادس: ما أفاده العلامة المحشي الأصفهاني (قدس سره): " وهو أن الأمر بالإضافة إلى متعلقه، من قبيل المقتضي بالإضافة إلى مقتضاه، فإذا كان المقتضيان المتنافيان في التأثير لا على تقدير، وكان الغرض من كل منهما فعلية مقتضاه عند انقياد المكلف له، فلا محالة يستحيل تأثيرهما وفعلية مقتضاهما وإن كان المكلف في كمال الانقياد.


1 - نهاية الأفكار 1: 374 - 375. 2 - نهاية الدراية 2: 219. 3 - كفاية الاصول: 166. 4 - تهذيب الاصول 1: 337. 5 - نهاية الدراية 2: 218 - 219. 6 - تقدم في الصفحة 475 - 478. (*)

[ 489 ]

وإذا كان المقتضيان مترتبين، بأن كان أحد المقتضيين لا اقتضاء له إلا عند عدم تأثير الآخر، فلا مانع من فعلية مقتضى الأمر المترتب، وحيث إن فعلية أصل اقتضاء المترتب، منوطة بعدم تأثير المترتب عليه، فلا محالة يستحيل مانعيته عن تأثير الأمر المترتب عليه، إذ ما كان اقتضاؤه منوطا بعدم فعلية مقتضى سبب من الأسباب، يستحيل أن يزاحمه في التأثير، ولا مزاحمة بين المقتضيين إلا من حيث التأثير، وإلا فذوات المقتضيات بما هي لا تزاحم بينها " (1) انتهى بألفاظه مع تصحيح. أقول: هذا هو ما سمعت من السيد البروجردي (قدس سره) (2) ولا يبعد أن يكون نظره الشريف إلى أن بالتقييد الحاصل عقلا بالنسبة إلى المهم، يرتفع الإشكال، سواء كان ترتب اصطلاحا، أم لم يكن ترتب، وسواء كان بنحو الشرطية، أو بنحو الحينية. وإني لست في موقف المناظرة معه في جزئيات كلامه، ولكنك تعرف قصور هذا التقريب أيضا عن حل المعضلة التي قربناها على الترتب، وذكرناه غير مرة. التقريب السابع: وربما يمكن توهم أن نظره ونظر العلامة الأراكي، إلى إثبات الترتب حال العصيان، وحال ترك الأمر بالأهم وإن لم يكن عصيان، وإذا صح الترتب حال ترك المأمور به بالأمر الأول، صح حال عصيانه، لعدم دخالة علم المكلف وجهله فيما يريده الآمر والشرع. بيانه: أنه إذا كان العبد مأمورا بالأمر الأول وأمر الأهم، وكان جاهلا بذلك، واشتغل بالصلاة في أول الزوال وفي زمان فعلية أمر الأهم، فهل تجد قصورا في إمكان تحقق الإرادتين معا زمانا، مع كون الثانية متوجهة إليه، وتكون هي المنجزة دون الاولى، لتحقق شرط الثانية والاولى ؟ !


1 - نهاية الدراية 2: 241 - 242. 2 - تقدم في الصفحة 483. (*)

[ 490 ]

أما شرط الثانية، فهو كونه تارك الأمر الأول في أول الزوال. وأما شرط الاولى، فهوكونه قادرا. ولا يضر جهله بفعلية التكليف، وإن يضر بتنجزه. فإذا صح ذلك، فكيف يعقل أن يكون علم المكلف بالأمر الأول، موجبا لامتناع تحققهما على الوجه الذي قد تحققتا في حال الجهل، مع أن علمه لا يفيد إلا صحة العقوبة والتنجز، ولا مدخلية له في الفعلية ؟ ! وهذا التقريب من مبدعاتنا لحل مشكلة الترتب، فلا تغفل. وبعبارة اخرى: لا يكون الشرط حال الجهل عصيان الأهم، بل الشرط ترك الأهم، فلا يلزم المحذور المزبور. أقول: لا يمكن الفرار من المحذور، ضرورة أن مجرد الترك لا يكفي، لأن الترك الباقي معه الأمر بالأهم بشخصه لا بسنخه، غير كاف، وليس شرطا، بل ما هو الشرط أو اخذ حينا هو الترك الخاص، أي الترك الملازم للعجز المضر بفعلية الأهم، وإذا تحقق ما يضر بفعلية الأهم في الآن الأول وفي أول الزوال، يتحقق تنجز المهم أو فعليته وتنجزه، وما هو إلا العجز المقارن مع القدرة بالنسبة إلى الشئ الواحد في زمان واحد، كما سبق (1). التقريب الثامن: ما أفاده العلمان، شيخ مشايخنا العلامة الحائري جد أولادي (2)، والعلامة النائيني (قدس سرهما) (3) وتبعهما جمع من تلامذتهما (4). وقد مهدوا


1 - تقدم في الصفحة 485 - 487. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 140 - 146. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336 - 356، أجود التقريرات 1: 286 - 302. 4 - منتهى الاصول 1: 330 - 346، محاضرات في اصول الفقه 3: 105 - 126، إفاضة العوائد 1: 225 - 230. (*)

[ 491 ]

- تبعا لاستاذهما السيد الفشاركي (قدس سره) (1) - مقدمات عديدة، بين ماهي الناقصة، وبين ما لا مدخلية لها في مهمة المسألة، ونحن نشير إليها في ضمن مقدمة، مع اختلافهما في تصويرها: وهي أن الأمر بالأهم لا شبهة في إطلاقه، كما لاشبهة في أن زمان عصيان الأمر وزمان إطاعته، متحدان مع زمان فعلية الأمر، ضرورة أن العصيان والإطاعة متأخران عن الأمر تأخرا بالرتبة. هذا حول الأمر بالأهم. وأما الأمر بالمهم، فلا شبهة في عدم إمكان انحفاظ إطلاقه، لما أن من إطلاقه يلزم المحذور المزبور، فلابد من الخروج عن إطلاقه بالتقييد والاشتراط. وحيث إن القضايا الشرطية حسبما تحرر، ترجع إلى القضايا البتية، لرجوع الشروط المأخوذة في الأدلة إلى عناوين الموضوعات، وذلك قضاء لحق ما سبق: من أن القضايا الشرعية قضايا حقيقية، وتكون الأحكام - حسب الموضوعات المأخوذة في القضايا الحقيقية - فعلية، إلا أنها لا تخرج بذلك عن الشرطية، ضرورة أن كل حكم بالنسبة إلى موضوعه محدد ومشروط. وما توهم من انقلاب الشرطية إلى المطلقة بعد تحقق الشرط باطل. فإذا تبين ذلك، فلابد من جعل موضوع الأمر بالمهم عنوان " العاصي " فيكون موضوع دليل الأهم عنوان " القادر ". وعلى هذا، وإن لم يكن بين الأمرين - الأمر بالأهم والأمر بالمهم - ترتب، لأن الترتب هو كون أحدهما علة للآخر، أو في حكم العلة، ولا شبهة في أن الأمر بالأهم ليس علة، ولا من شرائط علة تحقق المهم، ولكن هنا نحو ترتب آخر، فإن الأمر بالأهم وعصيانه في زمان واحد، والأمر بالمهم وشرطه أيضا في ذلك الزمان، لأن شرطه هو العصيان، فما هو موضوع الأمر بالمهم زمانه مع زمان الأمر بالأهم


1 - الرسائل الفشاركية: 184 - 189. (*)

[ 492 ]

واحد، إلا أن تقدم الشرط والموضوع على الحكم، وتأخر العصيان عن الحكم، يستلزم طبعا تقدم الأهم على المهم على المهم، لا تقدما بالترتب، ولكن لا يلزم من اجتماعهما التهافت، وطلب الجمع بين الضدين. وإن شئت قلت: لسنا في مقام إثبات مفهوم الترتب، بل النظر إلى أن من تقييد إطلاق المهم، لا يلزم طلب الجمع بين الضدين، سمي ذلك " ترتبا " أو لم يسم به، فلا تخلط. فالترتب المزبور وإن كان مورد المناقشة، ولكنه لأجل هذه النكتة يرفع الغائلة من البين. وحيث إن القدرة التي تكون مأخوذة موضوعا لأمر الأهم، معناها أن كل ماهية تحت الاختيار فعلا وتركا، ولا يرجع ذلك إلى أن بإعمال القدرة في طرف، وترجيح أحد جانبيها على الطرف الآخر، يخرج الطرف الآخر عن تحت القدرة، فلا يكون عنوان " القادر " الموضوع لأمر الأهم ساقطا حال العصيان، فما هو شرط فعلية الأهم متحد زمانا مع ما هو شرط فعلية المهم، وهو عنوان " العاصي ". فعلى هذا، اتحد زمان فعلية الأمر بالأهم، وعصيانه، وزمان تحقق شرط المهم، وفعليته، وعصيانه، وتلك الأزمنة الخمسة واحدة خارجا، مع اختلاف الرتب بين هذه الامور الزمانية. وإن شئت قلت بتعبير منا: كما أن بعضا مما سلف كان - بتقريب منا - أن الوجدان قاض بعدم التهافت بين الآمر المنادي بقوله: " اترك عصيان الأهم " وبين الآمر المنادي بأنه " أيها العاصي صل " فهل ترى في نفسك بعد ذلك شيئا ؟ ! أقول: يتوجه إليهم مضافا إلى أن المعضلة التي وجهناها إلى أرباب الترتب (1)


1 - تقدم في الصفحة 475 - 478. (*)

[ 493 ]

باقية بحالها، ضرورة أن عنوان " العاصي " وعنوان " القادر " لا يجتمعان، لأن عنوان " العاصي " معناه العاجز عن الأهم، وعن امتثاله، وتطبيقه على الوقت المضروب له، أوتطبيقه على الكيفية المأخوذة في الدليل، وهي الفورية مثلا، فلو كان عنوان " القادر " باقيا حال عنوان " العاصي " يلزم كون الأهم مورد القدرة ومورد العجز، وهو محال بالضرورة، وابقاء عنوان " القادر " حال تحقق عنوان " العاصي " معناه ذلك، فلا تخلط. أن الالتزام بمعية عنوان " القادر " مع " العاصي " غير ممكن، لأجل أن إعمال القدرة في أحد الطرفين، لا معنى له إلا بالإرادة، وإلا فنسبة الشئ إلى القدرة بالإمكان دائما، فيخرج الفعل بالإرادة من أحد الطرفين إلى الطرف المعين، فإذن يصير الشئ واجبا بالغير ويوجد، فإن الشئ ما لم يجب لم يوجد، كما تحرر عند أهله (1)، ومن أنكر هذه القاعدة (2) فهو لأجل جهله بالعقليات، وكفى به عذرا. هذا مع أن كثيرا من تلك المقدمات مخدوشة، ولاسيما مسألة رجوع الشرط إلى عنوان الموضوع، وأسوأ حالا من ذلك توهم: أن القضايا الشرطية لأجل ذلك، لا تخرج عن الشرطية إلى الإطلاق (3)، وسيأتي أن هذا التقريب وغيره، لا ينحل به مشكلة طلب الجمع بين الضدين، فضلا عن هذه العويصة إن شاء الله تعالى. ولعمري، إن العلامة النائيني (قدس سره) كان تمام همه حول حفظ القضية الشرطية على حالها بعد تحقق الشرط، غافلا عن أن الأمر كذلك ولكن تنجز القضية الشرطية بتحقق موضوعها، وإذا تحقق الموضوع فكيف يمكن الجمع بين الأمرين المتنجزين المختلفين في الاقتضاء ؟ !


1 - كشف المراد: 54 - 55، الحكمة المتعالية 1: 199 - 201. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 69. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 339. (*)

[ 494 ]

مثلا: هل ترى في نفسك صحة قول المولى لأحد، مع القدرة الواحدة، بعنوان القادر عقلا: " أد دينك " وبعنوان المستطيع: " حج " أم مجرد كون القضية الثانية شرطية لا يكفي لإمكان الجمع بين الخطابين في زمان واحد ؟ ! وهكذا فيما نحن فيه، هل يمكن أن يخاطبه بقوله له: " أزل النجاسة عن المسجد " وبقوله في زمان التكليف الأول: " أيها العاصي، صل مع تحقق العصيان ووجود الأمر الأول " أم يلزم كون التكليفين متهافتين، فإن اجتماع موضوع الأهم وهو " القادر " وموضوع المهم وهو " العاصي " معناه توجه الإرادتين المنجزتين المختلفتين في الاقتضاء في زمان واحد ؟ ! وسيمر عليك زيادة تحقيق من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). ولو سلمنا إمكان اندفاع غائلة طلب الجمع، فما هو أس الغائلة وأساسها غير قابل للدفع، وهم غير متوجهين إليه، وإلا فما كان لأحد من أرباب العلم والفضل، توهم صحة الترتب جدا. وبالجملة: مقتضى هذا التقريب تثبيت الشبهة المزبورة، لأن أربابه قد تصدوا لإثبات أن موضوع الأهم هو " القادر " وموضوع المهم هو " العاصي " غافلين عن أنهما غير قابلين للجمع في زمان واحد، بالنسبة إلى شئ واحد، فافهم واغتنم. التقريب التاسع: موضوع الأدلة الشرعية ليس عنوان " القادر " خلافا لما توهمه جمع، بل موضوعها ما هو المأخوذ في نفسها، من عنوان * (الناس) * و " المؤمن " وغير ذلك. نعم، قد خرج منها حسب الدليل اللبي، عنوان " العاجز " لامتناع توجيه الخطاب إليه، ولا يلزم من ذلك محذور. ومقتضى ذلك هو الاشتغال عند الشك في القدرة، حسب ما تقرر في العام


1 - يأتي في الصفحة 498 - 499. (*)

[ 495 ]

والخاص: من أن في الشبهات المصداقية للمخصص اللبي، يتمسك بالعمومات (1). فعلى هذا، لا يلزم هنا محذور، لأن تمام الشبهة والعويصة كانت حول انتزاع العنوانين المتقابلين وهما " القادر والعاصي " - على التفسير الذي عرفت منا - من المكلف الواحد، في الزمان الواحد، بالنسبة إلى شئ واحد (2)، وإذا لم يكن عنوان " القادر " موضوع دليل الأهم، بل كان موضوعه عنوان * (الناس) * فلا يلزم المحذور المزبور بالضرورة. وهذه الشبهة كانت تتوجه إلى مقالة من يعتبر عنوان " القادر " موضوعا في الأدلة الشرعية. فعلى هذا، لا يلزم من تقييد إطلاق أمر المهم محذور، لا محذور طلب الجمع بين الضدين، ولا المحذور المزبور. أقول أولا: مقتضى هذا عدم انحلال الشبهة، بالنسبة إلى صورة وقوع التزاحم بين الدليلين اللذين يكون الأهم منهما موضوعه " الاستطاعة والقدرة " كما لا يخفى. وثانيا: قد أشرنا في أوائل تقريب هذه الشبهة والعويصة: إلى أن تمام الإشكال ناشئ من أخذ العصيان شرطا لفعلية المهم (3)، مع أن بالعصيان ينتهي أمد الإرادة بالنسبة إلى الأهم، لأن العصيان حقيقته - على ما عرفت - تعجيز العبد نفسه عن إمكان القيام بالتكليف، عجزا لا يعد عذرا (4)، ومع العجز لا يعقل بقاء التكليف حسب اتفاقهم عليه (5). فعلى هذا، كيف يمكن الجمع بين تكليفي الأهم والمهم في الفعلية، مع كون ما


1 - مطارح الأنظار: 194 / 24، نهاية الاصول: 334. 2 - تقدم في الصفحة 486 - 487. 3 - تقدم في الصفحة 475. 4 - تقدم في الصفحة 475 - 476. 5 - فرائد الاصول: 308 / 33، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 197 و 315، محاضرات في اصول الفقه 3: 154. (*)

[ 496 ]

هو شرط فعلية المهم، كاشف عن انتفاء فعلية الأهم بانتهاء أمد الإرادة ؟ ! وحيث إن ما هو الشرط هو العصيان الخارجي، والطغيان بوجوده الاعتباري في الخارج، بل ولو كان العصيان أمرا انتزاعيا، فلابد من تحقق منشأ انتزاعه في الخارج، حتى ينتزع منه، ومعنى ذلك هو تحقق عجز العبد - خارجا - عن امتثال الأهم، فالمكلف بشروعه في الصلاة يحقق العصيان، أو منشأ انتزاعه، ولكن بذلك يذهب بالأهم، ويأتي بالمهم، فكيف يجتمعان في زمان واحد، مع أن المقصود اجتماعهما في زمان واحد ؟ ! نعم، يتحد زمان فعلية المهم، وزمان انتفاء الأهم، وزمان تحقق شرط المهم، وزمان ما به يعلم انتفاء الأهم، وهو العصيان، وإذا كان بين زمان فعلية المهم وزمان انتهاء أمد الأهم وحدة، فكيف يعقل اتحاد زمان اجتماعهما، للزوم الجمع بين المتناقضين: وهما وجود الأهم، وعدم الأهم ؟ ! أما وجود الأهم، فلأنه مدعى الترتبي. وأما عدم الأهم، فلأنه معنى تحقق شرط المهم، فافهم وتأمل، فإن الأمر بعد ذلك كله مما لا خفاء فيه. إن قلت: " عصيان الأهم " عنوان، و " الشروع في العصيان " أو " حال العصيان " عنوان آخر، وما هو الشرط هو حال العصيان، لا العصيان، وما يلزم منه المحذور هو الأول، دون الثاني. قلت: إن كان معنى " حال العصيان " يرجع إلى إمكان أن لا يعصي العبد بعد بالرجوع والعود، فلا يكون الشرط - وهو حال العصيان - متحققا. وإن يرجع إلى عدم إمكان ذلك فهو متحقق، وليس وراء العصيان أمر يسمى " حال العصيان " فالأمر على هذا لا يخلو من أحد الفرضين. وعلى كل لايتم المطلوب.

[ 497 ]

تذنيب: في أن العجز الحاصل بالعصيان يوجب سقوط أمر الأهم ربما يقال: إن الامتثال سبب سقوط الأمر، والعجز عن الامتثال أيضا سبب، والعصيان بما هو العصيان لا امتثال، ولا عجز: أما الأول: فهو واضح. وأما الثاني: فلأن الأمر لابد وأن يكون موجودا حال الامتثال والعصيان، حتى يتحقق الامتثال والعصيان، فلا يكون حال العصيان أمر الأهم ساقطا (1). وفيه: أن العصيان سبب انتفاء الأمر، بمعنى أنه دليل على انتهاء أمد الإرادة، وهو حقيقة العجز عن الامتثال، إلا أن هنا عجزين: الأول: ما يكون عجزا، ويعد عذرا عند العقلاء. الثاني: ما لا يعد عذرا، ويكون عصيانا. وقد عرفت: أنه لا شئ ثالث وراء الامتثال والعصيان، يعد حال العصيان، ضرورة أن قولنا: " حال العصيان " كقولنا: " حال الإيمان، وحال الكفر، وحال الشجاعة، والسخاوة " فإن في جميع تلك الأحوال يكون المضاف إليه متحققا، ويكون أمرا مستمرا منطبقا على الزمان، وليس العصيان من هذا القبيل، بل العصيان هو التخلف عن الأمر والامتثال، على وجه لا يقدر العبد على تطبيق المأمور به على الخارج، وهو من الامور الآنية والدفعية، سواء في ذلك عصيان الأوامر الموقتة، أو الأوامر الفورية. ومن العجيب، توهم القائل بالترتب: أن العصيان إما آني، أو استمراري ! ! مع أن العصيان الاستمراري يرجع إلى عصيانات، لوجود الأوامر الكثيرة، كما في أداء


1 - محاضرات في اصول الفقه 3: 153 - 155. (*)

[ 498 ]

الدين الواجب، وصلاة الزلزلة الواجبة، هكذا أفاده صاحب " التقريرات " (1) فلا تغفل. ولعمري، إن من تفوه بكلمة " حال العصيان " لم يتوجه إلى ما هو معناه حقيقة، والله الهادي إلى سواء السبيل. وبالجملة: قد عرفت أن هذه التقاريب كلها، قاصرة عن حل هذه المعضلة. وإني وإن كنت بصدد إثبات إمكان الترتب، خلافا للوالد المحقق - مد ظله -، وبصدد نفي الحاجة إليه في تصوير الأمر بالمهم، خلافا للقوم، ولكن بعد التدبر والتأمل تبين لي أن طريق إمكانه مسدود جدا، ويكفي لامتناعه ذهاب مثل الشيخ الأعظم الأنصاري والمحقق الخراساني (قدس سرهما) إلى استحالته (2)، وإن كان طريق تقريب الاستحالة الذي قربناه تبعا للوالد المحقق - مد ظله - غير ما ظنوه * (والله من ورائهم محيط) *. شبهات وتفصيات الشبهة الاولى: لا يعقل الفرار من غائلة الجمع بين الضدين بمجرد تقييد أمر المهم، لأن ما هو الممتنع هو فعلية التكليفين في زمان واحد، لا في رتبة واحدة، واختلاف الرتب لا يورث إمكانه مع اتحاد زمانهما، ضرورة أن المراجع إلى وجدانه في ذلك الزمان، يجد وجود الإرادتين الفعليتين المختلفتين في الاقتضاء، إحداهما: تدعوه إلى الإزالة، والاخرى: إلى الصلاة، فيلزم طلب الجمع بين الضدين. وتلك التقاريب لا تورث عدم وجودهما معا في الزمان الواحد، وما هو المحال هو ذلك وإن كان أحدهما متعلقا بعنوان، والآخر بعنوان " العاصي " من غير دعوة إلى العصيان الذي هو شرطه أو موضوعه. ولكن هذا نظير ما مر منا: من أنه كيف يعقل أن يتوجه خطاب من المولى إلى


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 374 - 375. 2 - مطارح الأنظار: 56 - 59، كفاية الاصول: 166 - 168. (*)

[ 499 ]

العبد، بالنسبة إلى أداء دينه، وخطاب آخر إليه بالنسبة إلى الحج، وإن كان موضوع الحج هو " الاستطاعة " أو كانت هي شرطه (1) ؟ ! وإن شئت قلت: إذا كان في زمان فعلية الأهم موضوع المهم موجودا، يكون أمر المهم منجزا وداعيا إياه نحو الصلاة، كما إذا كان مستطيعا، فإن أمر الحج يكون منجزا وداعيا إياه نحو الحج. وهذا ليس معناه رجوع الواجب المشروط إلى المطلق، بمعنى وجوب حفظ موضوعه، بل هو مقتضى تنجز الواجب المشروط بعد تحقق شرطه، ومقتضى فعليته، فكيف يعقل عند ذلك دعوة الأهم إياه إلى الإزالة وأداء الدين ؟ ! وتوهم الفرق بين المثال والممثل له، في غير محله. نعم، حسب الفقه لا يكون الإنسان مستطيعا، إذا كان أمر أداء الدين فعليا، ولكن المقصود إفادة المرام بالمثال، وليس من دأبهم النقاش في الأمثال. وأما توهم: أن شرط الأهم هو العصيان المستلزم للطولية، بخلاف الاستطاعة، فإنها ليست في طول أمر أداء الدين، فهو أيضا فاسد، لأن العصيان إذا كان يجتمع مع الأهم زمانا، فهو مثل الاستطاعة، والتأخر الرتبي لا يوجب شيئا فيما هو منشأ الفساد. وغير خفي: أن إجراء الترتب - على تقدير صحته في المثال المزبور - ممكن، فتدبر. وبالجملة: أرباب الترتب كأنهم كانوا يرون عدم التنافي بين المشروط والمطلق، غافلين عن أن المشروط المنجز والفعلي وإن لا يدعو نحو شرطه، ولا موضوعه، ولكنه يدعو نحوالصلاة، مع دعوة الأهم نحو الإزالة على نهج واحد، لأن أمر الإزالة أيضا بالنسبة إلى موضوعه مشروط.


1 - تقدم في الصفحة 494. (*)

[ 500 ]

وبعبارة اخرى: كل من الأهم والمهم مشروطان بالنسبة إلى موضوعهما، ومنجزان، لوجود موضوعهما، ويلزم من تنجزهما طلب الجمع بين الضدين، كما في المثال المزبور. أقول: قد تفصى عن هذه الشبهة جميع القائلين بالترتب، على اختلاف تعابيرهم ومسالكهم (1)، ولكن قد تبين أن مع تحقق موضوع المهم في عرض تحقق موضوع الأهم، لا يمكن التفصي عن هذه العويصة أيضا. ولو قيل: الأمر بالأهم يستلزم النهي عن العصيان، والأمر بالمهم لا يدعو إلى العصيان، ويكون موضوعه العصيان، أو شرطه، فكيف يلزم طلب الجمع ؟ ! بل يمتنع اللزوم المتوهم، كما هو الظاهر (2). قلنا: نعم، إلا أن ذلك يدفع طلب الجمع، إذا كان دليل الأهم غير باق حال تحقق العصيان الذي هو الشرط أو الموضوع، وأما مع بقائه ففعلية الأهم حال تحققه، يلزم منها التالي الفاسد المزبور قطعا. ومن هنا يظهر: أن جعل العصيان المتأخر شرطا لفعلية المهم (3) لا ينفع، لأن الإشكال ناشئ من تنجز المهم وفعليته في عرض فعلية الأهم وتنجزه، وإذا كان مع تأخر الشرط المهم منجزا فالشبهة أقوى، لاتحاد موضوع الأهم والمهم، مع تنجز التكليفين المختلفين في الاقتضاء والدعوة. كما أن جعل الشرط عنوان " العصيان " المنتزع من الأمر الاستقبالي - وهو " الذي يعصي " مثلا (4) - لا ينفع شيئا، فلابد للفرار من الشبهة من الالتزام: بأن المهم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 359 - 362، درر الفوائد، المحقق الحائري: 145، نهاية الاصول: 218 - 219. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 351 - 352. 3 - محاضرات في اصول الفقه 3: 107 - 108. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 348. (*)

[ 501 ]

واجب مشروط إنشائي غير منجز في عرض الأهم. هذا مع أن هنا بعض شبهات اخرى لا نريد توضيحها، بعد كون النظر إلى أن هذه الغائلة الأولية غير مندفعة، فضلا عن سائر الغوائل والمعضلات، والله الهادي إلى سواء الصراط. الشبهة الثانية: قد اشتهر بين القائلين بالترتب، أن قوام الترتب بكون كل واحد من الدليلين، ذا ملاك تام، وتكون المادة مطلوبة على الإطلاق، ومقتضى التحفظ على الإطلاق هو التقييد الترتبي، لا التقييد على الإطلاق (1). وعن بعضهم عدم تقوم الترتب بذلك، بل لابد من إطلاق كل واحد من الدليلين مع قطع النظر عن الآخر، وعند ذلك لابد من الخروج عن الإطلاق بمقدار يدفع به المحذور (2). وفيه: أنه إذا أمكن ثبوت الإطلاق لكل واحد مع قطع النظر عن الآخر، للزم - حسب كشف العدلية (3) - وجود الملاك لكل واحد من الدليلين طبعا. وسقوط الهيئة في حال المزاحمة لأجل التزاحم، لا يورث قصورا في الكشف، لأنه مقتضى التقدير المزبور، كما هو الظاهر. إذا تبين ذلك فاعلم: أن استكشاف الملاك بالهيئة بالضرورة، وإذا لم تكن الهيئة حال المزاحمة فيمكن وجود الملاك، لأجل أن سقوطها يكون لأجل المزاحمة. ويحتمل عدم وجوده، لأجل اتكاء الشرع على حكم العقل بالسقوط، فلم يقيد الهيئة. وبعبارة اخرى: يجري الترتب في مورد صح أن يقال: بأن كل واحد من


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 367. 2 - محاضرات في اصول الفقه 3: 99. 3 - تقدم تخريجه في الصفحة 313. (*)

[ 502 ]

الأهم والمهم مطلوب ذاتا، بحيث لو أمكن للمكلف الجمع بينهما لا يكون قصورا في جانب المقتضي، وهذا مع سقوط الهيئة غير معلوم، لاحتمال عدم مطلوبية المهم حال المزاحمة، فالإتيان بالمهم - صحيحا - موقوف على كشف الملاك، وكشف الملاك موقوف على ثبوت الهيئة، والمفروض أنها ساقطة، فليتدبر. أقول: يمكن التفصي عن هذه الشبهة - بعد ثبوت الإطلاق لكل واحد من الدليلين مع قطع النظر عن الآخر -: بأن هيئة المهم تسقط حال إطاعة الأهم، وأما في سائر الأحوال فلا تسقط، ويكون كاشفا طبعا عن الملاك، ولكن كشفه عن الملاك لا ينفع شيئا، بل تمام المناط ثبوت الإطلاق له في جميع الأحوال، والقدر الخارج من تلك الأحوال حال الإطاعة، ففي حال العصيان تكون الهيئة باقية بحالها. وبعبارة اخرى: عنوان صفة المزاحمة من العناوين المنطبقة على المهم، ولو كانت الهيئة حال المزاحمة ساقطة، فمعناه أن المهم بلا أمر، وهو خلف، فلاينبغي الخلط كما قد يتوهم، فافهم. وإن شئت قلت: لا يتقوم الترتب بانكشاف الملاك للمهم حتى حال إطاعة الأهم، فلا يتوجه الإشكال: بأن في تلك الحال تكون الهيئة ساقطة، ومع سقوطها لا يعقل كشف الملاك، بل الترتب متقوم بإطلاق كل واحد من الدليلين، وإذا كان يحكم العقل بالاقتصار على القدر اللازم في الخروج عن إطلاق المهم، لابد من تقييد المهم بعصيان الأهم، لأنه القدر اللازم للفرار عن المحذور. فما أفاده في جريان الترتب غير تام، وما يعتبر في جريانه موجود وحاصل، فلا تخلط. الشبهة الثالثة: لا يعقل حسب الموازين العقلية، الترتب بين الأمرين، وذلك لأن التقدم الرتبي - حسب ما تحرر في محله - له المناط والملاك الخاص

[ 503 ]

الموجود واقعا بين المترتبين، ويدركه العقل، كما بين العلة والمعلول (1). وأيضا تحرر: أن ما مع المتقدم ليس بمتقدم في المتقدمات بالرتبة، وأما بالزمان فهو وإن كان الأمر كذلك، ولكنه ليس لأجل المعية، بل لأجل الملاك المخصوص بالشئ الموجود مع المتقدم، وهو نفس ذلك الزمان (2). فعلى هذا، الأمر بالأهم وإن كان متقدما على العصيان، والشرط وإن كان متقدما على المشروط، ولكن كون العصيان شرطا، لا يقتضي تقدم أمر الأهم على المهم برتبة، فضلا عن رتبتين، وذلك لأن ملاك التقدم ليس موجودا بين الأمرين، فلا يعقل الطولية بين الأمرين، فلاترتب. وتوهم: أن أمر المهم متأخر عما هو المتأخر عن الأهم، فيكون هو المتأخر، لأجل قياس المساواة (3)، فهو ممنوع، لأن قياس المساواة - على فرض اعتباره - مخصوص بالمقادير والكميات المتصلة والمنفصلة. وأظهر فسادا ما ربما قيل: " بأن أمر المهم متأخر عن الأهم بثلاث مراتب، لأن أمر الأهم يقتضي النهي عن ضده العام، والعصيان متأخر عن النهي المتأخر عن الأمر، ويكون متقدما على أمر المهم، فأمر الأهم تقدم على أمر المهم بثلاث مراتب في اعتبار، وبمرتبتين في اعتبار آخر " (4). أقول أولا: بناء على تسلم تقدم أمر الأهم على العصيان تقدما بالعلية، يكون تقدم الأهم على المهم لملاك في نفس ذاتهما، ضرورة أن علة علة الشئ، متقدمة على الشئ بملاك العلية إذا كانت تامة، أو تكون متقدمة بالطبع إذا كانت ناقصة، أو


1 - الحكمة المتعالية 3: 255 - 270. 2 - الحكمة المتعالية 2: 138 - 140. 3 - نهاية الدراية 2: 248، لاحظ نهاية الأفكار 1: 375. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 351 - 352. (*)

[ 504 ]

في حكم الناقصة. وإذا كان العصيان متقدما بالطبع على أمر المهم، فأمر الأهم متقدم على أمر المهم، لأجل الملاك الموجود في ذاتهما، لأن حقيقة العلية ثابتة للعلة المتقدمة، دون المتأخرة، فإن علة علة الشئ أولى بالشئ من العلة القريبة، فإن العلة البعيدة حد أتم للمعلول من العلة القريبة، فإنها حد تام له. وإثبات هذه البارقة الإلهية في العلم الأعلى، ومن شاء فليراجع " قواعدنا الحكمية " (1). نعم، سيظهر لك: أنه لا علية بين أمر الأهم والعصيان، وقد عرفته فيما سبق في مطاوي بحوثنا. وثانيا: لا يبالي القائل بالترتب بمثل ذلك، لأنه في مقام رفع غائلة الجمع بين الضدين، سواء كان ترتب، أو لم يكن، فهو في موقف إثبات أن مع تقييد المهم، لا يلزم المحذور المزبور كما مر (2)، فتدبر. ومن هنا يظهر: أن إنكار العلية بين أمر الأهم والعصيان، لا يضر بالترتب المقصود أيضا، فبذلك تندفع هذه الشبهة أيضا. كما لا حاجة إلى إثبات الطولية بين الأمر والإطاعة وإثبات العرضية بين الإطاعة والعصيان، ثم إثبات الطولية بين الأمر والعصيان. مع أنك قد عرفت فساد توهم: أن ما مع المتقدم على الشئ متقدم على ذلك الشئ، فافهم واغتنم. مع أن دعوى العرضية بين الإطاعة والعصيان (3) ممنوعة، لأن دليل تلك


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - تقدم في الصفحة 492 - 493. 3 - نهاية الأفكار 1: 374 - 375. (*)

[ 505 ]

الدعوى: هو أن المتناقضين في رتبة واحدة، وسيمر عليك امتناع ذلك، لأن أحد النقيضين عدم محض، ولا يمكن الحكم عليه: " بأنه في رتبة كذا " فانتظر. الشبهة الرابعة: لاشبهة في أن كل شئ إذا جعل شرطا، فهو إما دخيل في فاعلية الفاعل، أو قابلية القابل، وما كان شأنه ذلك لابد وأن يكون أمرا وجوديا، بداهة أن الأعدام لا حظ لها من الوجود، وهكذا العدميات. نعم، للقوى مقابل الصور، حظ من الوجود، لأنها موجودة كالصور، إلا أنها لأجل كونها قوة الكمال الثاني ربما تسمى ب‍ " العدم " أو " العدمي " و " عدم الملكة " ولكنه كمال أول، وموجود من الموجودات الواقعية. فبناء على هذا، لا يعقل جعل العصيان شرطا لفعلية المهم، لأن العصيان ليس إلا ترك المأمور به بلا عذر في الوقت المضروب له، أو على الكيفية المضروبة له، مثل الفورية. وتوهم: أنه إرادة الترك، أو أنه صفة نفسانية مثل الطغيان والتورط في الحمى (1)، في غير محله، لأن ما هو تمام حقيقة العصيان في ناحية الواجب أو المحرم الذي هو الترك، هو الترك في ذلك الوقت بلا عذر، وما هو شأنه ذلك كيف يكون شرطا للأمر ؟ ! إن قلت: قد تداول في الكتب الفقهية جعل الأعدام شروطا في الهيئات، مثل أن لا تكون الصلاة فيما لا يؤكل لحمه. وبعبارة اخرى: مقتضى التحقيق في الاعتباريات، رجوع الموانع إلى اشتراط أعدامها، لعدم معقولية المانع في المركبات الاعتبارية، عبادية كانت، أو معاملية، ولو كانت هذه الشبهة هنا تامة يلزم سقوط تلك الأدلة عقلا، لأن كل واحد من الاحتمالين ذو محذور عقلي.


1 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 328. (*)

[ 506 ]

قلت: نعم، مقتضى ما تحرر منا امتناع اعتبار الموانع في الاعتباريات، إلا على قول الأخصي، وتفصيله في محله (1)، ولكن هنا خلط بين شرائط المأمور به، وشرائط الأمر، ففي الاولى يمكن أن يعتبر الشرع أمرا فيما يتصوره في المركب شرطا تحليليا، ويكون ذلك الأمر عدميا، لأن تصور الامور التي لا واقعية لها في الخارج ممكن، وعلى هذا اعتبار ذلك لانتهائه إلى مقصود الجاعل والمقنن، ممكن في الطبيعة والمأمور به، وتفصيله مذكور منا في مباحث قاعدة " لا تعاد... " (2) وفي موضع من " كتاب البيع " في شرائط العوضين (3). وأما في الثانية فلا يمكن، لأنه يعتبر بوجوده الخارجي شرطا للإرادة وفعليتها، ولا بأس بأن يكون الأمر الاعتباري، شرطا لفعلية الإرادة والحكم، وأما ما هو العدم المحض، كيف يكون دخيلا في فعلية الإرادة التكوينية، وفي تحقق تلك الإرادة ؟ ! والمسألة واضحة جدا. نعم، العصيان في جانب المحرمات هو شرب المسكر، أو ينتزع من ذلك الأمر الوجودي، فجعل مثله شرطا مما لا بأس به، وأما ترك الواجب في الوقت المضروب له بلا عذر، فلا يعقل أن يعد شرطا، ويجعل متقدما على الشئ، أو متأخرا عن الشئ، لأن العدم المحض لا يحكم عليه بشئ، ولا يشار إليه مطلقا. وقد تبين فيما سبق: أن ما اشتهر من أن المتناقضين في رتبة واحدة (4) من الأباطيل، لأن أحد النقيضين عدم صرف. نعم لا يحكم عليه " بأنه مع الشئ ". فعلى هذا، لا يصح الاستدلال لكون العصيان في رتبة الإطاعة: بأنه نقيضه


1 - يأتي في الجزء الثامن: 55 - 57 و 82 - 83. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 3 - هذه المباحث من تحريرات في الفقه، كتاب البيع مفقودة. 4 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 362 و 374 - 375. (*)

[ 507 ]

وفي رتبته (1)، مع أنه ليس نقيضا للإطاعة، فإن نقيضها تركها المطلق الأعم من العصيان. فبالجملة: لا يمكن تتميم الترتب بجعل العصيان شرطا. وهكذا لو جعل الشرط عنوانا للموضوع، فإن العدم لا مدخلية له في الحكم، مع أن الظاهر من جعله عنوانا دخالته في ملاك الحكم. نعم، يمكن جعله معرفا لتضيق دائرة الطلب على نحو الواجب المعلق، فلا ينهدم أساس الترتب بمثل هذه الشبهة، فيمكن على هذا التفصي من تلك المشكلة أيضا، فما يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - (2) قابل للدفع، فلا تغفل. وإن شئت قلت: بناء على هذه الشبهة، يشكل تصوير الترتب بين الأمرين، وأما بين النهي والأمر فلا، لأن عصيان النهي أمر وجودي، فاغتنم. الشبهة الخامسة: مقتضى ما تحرر عند الأعلام (3)، انحلال الخطاب الكلي والقانوني إلى الخطابات الكثيرة، ففي مثل الصلاة فيما نحن فيه، ينحل إلى الخطابات الكثيرة، حسب أجزاء الزمان، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يتصور الخطاب الصلاتي حال وجود المزاحم الأهم، مع توجه المخاطب والشارع إلى المزاحمة، كما هو المفروض والمعلوم، فإذا لم يكن خطاب حال المزاحمة، فلا معنى لتصويره عند عصيان الأهم، لقصور الدليل عن إثباته، فلا يتصور حينئذ خطاب ترتبي. وبعبارة اخرى: يتوقف الخطاب الترتبي على أحد الأمرين: إما استكشاف الملاك التام، وقد مر عدم إمكانه عند سقوط الهيئة، أوإثبات الإطلاق للدليل الواحد. وأما إذا كان الدليل كثيرا واقعا، وخطابات متعددة حقيقة، فلا يعقل الخطاب الترتبي،


1 - نهاية الأفكار 1: 374 - 375. 2 - مناهج الوصول 2: 48. 3 - تقدم في الصفحة 395. (*)

[ 508 ]

بل هنا خطاب واحد بالنسبة إلى الأهم، ولا يوجد خطاب بالنسبة إلى المهم، لامتناع ترشح الإرادة الثانية بالنسبة إلى الأهم، والخطاب الثاني بالنسبة إليه، من المولى الملتفت. ومع الالتزام بعدم الانحلال إلى الخطابات كما هو التحقيق، لا حاجة إلى الترتب، كما عرفت تفصيله فيما سبق (1)، وبناء على هذا لابد من الالتزام بأن التخيير شرعي. اللهم إلا أن يقال: إن الخطابات الكثيرة في مثل الواجبات الموسعة، ناشئة عن الإرادة الواحدة والملاك الواحد، فلا يكون التخيير إلا عقليا. ولابد من الالتزام بأن القدرة معتبرة حال الخطاب، ولا يكفي القدرة حال الامتثال كما عن المشهور (2)، لأن كل واحد من هذه الخطابات له الامتثال الخاص به حال الخطاب، فافهم واغتنم جيدا. أقول: ربما يمكن أن يقال تفصيا عن هذا الإشكال: بأن انحلال الخطاب حسب الأفراد والحالات مما التزموا به، ولكن لا يلزم منه الالتزام بالانحلال حسب أجزاء الزمان، بل الخطاب في مثل الواجبات الموسعة مثلا واحد، لوحدة الإرادة والملاك الكامن في صلاة زيد، وأما بالنسبة إلى زيد في الجزء الأول من الزمان المضروب له، والجزء الثاني وهكذا، فلا انحلال بالضرورة. فهاهنا إرادة واحدة بالنسبة إلى زيد في أجزاء الزمان، بخلاف ما إذا تعدد الأفراد حسب الحالات. ولأجل ذلك قلنا: إن فعلية الحكم في ناحية المهم الموسع،


1 - تقدم في الصفحة 438. 2 - كفاية الاصول: 95، نهاية الأفكار 1: 306، محاضرات في اصول الفقه 3: 183، و 4: 188. (*)

[ 509 ]

لا تنافي فعلية الحكم في ناحية الأهم المضيق (1)، خلافا لما يستظهر من المحقق الثاني حول مسألة ثمرة الضد (2). قلت: قد مر تفصيله في أوائل هذه المباحث، وذكرنا هناك لزوم الانحلال (3)، ولا يكفي الفرق المزبور للفارقية، فتأمل. الشبهة السادسة: لو أمكن اجتماع الإرادتين الآمريتين التشريعيتين في زمان واحد، مع كونهما طوليتين، للزم إمكان اجتماع الإرادتين الفاعليتين التكوينيتين طولا في زمان واحد، والثاني محال بالضرورة، فالأول مثله. وقال العلامة المحشي (قدس سره): " إنه مع الفارق، لأن الإرادة التكوينية هي الجزء الأخير من العلة التامة للفعل، فلا يعقل إرادة اخرى لعدم متعلق الاولى مع ثبوتها، بخلاف الإرادة التشريعية، فإنها ليست كذلك، بل الجزء الأخير لعلة الفعل إرادة المكلف، فهي من قبيل المقتضي، وثبوت المقتضي مع عدم مقتضاه مما لا مانع عنه " (4) انتهى. وفيه: أن ما اشتهر " من أن الإرادة الفاعلية جزء الأخير من العلة التامة " (5) مما لا أصل له، وقد مضى تفصيله (6). وإجماله: أن الوجدان قاض باشتراط القوة المنبعثة في العضلة في حصول الحركة، وباشتراط إمكان القبض والبسط في تحقق الفعل الخارجي، ولذلك كثيرا ما


1 - تقدم في الصفحة 340 - 342. 2 - جامع المقاصد 5: 12. 3 - تقدم في الصفحة 341. 4 - نهاية الدراية 2: 243. 5 - نهاية الدراية 2: 243، نهاية الأفكار 1: 357، بحوث في الاصول، رسالة في الطلب والإرادة: 88. 6 - تقدم في الجزء الثاني: 50 - 52. (*)

[ 510 ]

تتحقق الإرادة مع الغفلة عن تلك القوة، والجارحة تتعصى عن قبولها، لأن الروح البخاري غير سار في تلك العضلة والعروق. وأيضا: إن الإرادة التشريعية والتكوينية، واحدة بحسب الحاجة إلى المبادئ، ومختلفة من حيث المتعلق، فإن متعلق الإرادة التشريعية هو البعث نحو المادة، ومتعلق الإرادة التكوينية هو الفعل والحركة، ولا يتخلف عن تلك الإرادة كل واحد من المرادين: لا المراد الأول وهو البعث نحو المادة لأجل الانبعاث، ولا المراد الثاني وهو الفعل وإحداث الحركة، فما توهمه (قدس سره) فارقا غير تام. أقول: لا تمانع ذاتي بين الإرادتين التشريعيتين في مفروض المسألة، لإمكان تحقق الثانية مع الغفلة عن الاولى، بخلاف الإرادتين التكوينيتين، ولا يلزم بقاء صفة الإرادة التشريعية في النفس في لزوم الانبعاث، بل إذا تحقق البعث فيلزم ذلك وإن انعدمت الإرادة بالسهو والنوم، فتوهم امتناعهما الذاتي غير صحيح، بخلاف الإرادتين الفاعليتين. فعلى هذا، إذا كان الامتناع لأجل الالتفات، فيمكن أن يوجدا معا، لاختلاف موضوعهما، أو بجعل الشرط لإحداهما دون الاخرى، وهذا الأخير هو تمام السر لإمكان اجتماعهما الطولي، دون الإرادتين الفاعليتين، فإنهما غير قابلتين للاجتماع ذاتا، فتأمل. وإن شئت قلت: لامانع من اجتماع الإرادتين الفاعليتين، إذا كانت إحداهما مشروطة ولو كانت مخالفة للاولى في الاقتضاء، وإذا صارت فعلية يتحقق الشرط، فلا يعقل بقاء الإرادة الاولى معها بالضرورة. وهذا هو أيضا كذلك في التشريعيتين إذا كان موضوع الإرادة الثانية موجودا، أو شرطه متحققا. ومجرد إمكان تحقق البعث الثاني، مع الغفلة عن الأول، من غير لزوم

[ 511 ]

الإعراض عن الأول - لأن قوام البعث بقاء ليس بالإرادة التشريعية، بل تلك الإرادة تنتفي بعد الخطاب والبعث بالضرورة - لا يورث فرقا فيما هو الأساس. فعلى هذا تكون الشبهة قوية جدا، فافهم جيدا. وبعبارة اخرى: تعلق الإرادتين الفاعليتين المختلفتين حسب كيفية التعلق ممكن، كما إذا كان تعلق إحداهما بالأمر الحالي، والاخرى بالأمر الاستقبالي، فوحدة الزمان لا تضر، بل الإشكال ناشئ من كيفية التعلق مع وحدة الزمان. والأمر كذلك في الإرادتين التشريعيتين، بعد كونهما مثلهما في أنهما من الامور التكوينية، ومحتاجة إلى المبادئ والعلل في التحقق، ويكون اختلافهما في المتعلق، وإلا فلا فرق بين الإرادتين كما مضى تفصيله، ضرورة أن نفس المولى تأبى عن قبول هاتين الإرادتين المختلفتين في الاقتضاء، مع وحدة زمانهما وفعليتهما، ووحدة زمان التأثير الاقتضائي بالنسبة إلى الانبعاث، فإن الاقتضاء من هذه الجهة لا ينفع فيما هو المهم، فتأمل جيدا. الشبهة السابعة: بناء على القول بالاقتضاء بالنسبة إلى الضد العام، يلزم كون المهم واجبا وحراما (1): أما الأول: فهو المفروض. وأما الثاني: فلانطباق المحرم عليه، ويكون هو المحرم، أو يلزم كون المتلازمين مختلفين في الحكم (2)، ضرورة ثبوت الملازمة بين ترك الأهم وفعل المهم. ولو نوقش في ذلك: بأن التلازم في الضدين اللذين لهما الثالث ممنوع (3)، فيتوجه الإشكال في الضدين لا ثالث لهما.


1 - لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 389 / 4. 2 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 2: 45. 3 - نهاية الدراية 2: 243. (*)

[ 512 ]

وبناء على القول بالاقتضاء بالنسبة إلى الضد الخاص، يلزم كون المهم واجبا - كما هو المفروض - وحراما. وحيث إن المباني باطلة، فلا داعي إلى التفصيل في سائر المناقشات. مع أن ما هو المحرم على الاقتضاء عنوان آخر، ولا يسري إلى ما ينطبق عليه حتى في الضد الخاص، فإن النهي - على ما مر - لا يتعلق بالعنوان الذاتي، وهي الصلاة مثلا فيما نحن فيه، بل يتعلق بعنوان الضد القابل للصدق على الأضداد الاخر (1). مع أنه يلزم كون الأهم أيضا محرما، بعد فعلية أمر المهم. وتوهم: أن الطولية أو التقييد والاشتراط ترفع هذه الغوائل، غير تام، لأن اجتماع التكليفين الفعليين المنجزين في زمان واحد يستتبع ذلك وإن كان أحدهما مشروطا ومقيدا بما هو في طول الآخر، فتدبر. ثم إن هنا شبهات اخر، إلا أن كلها قابلة للدفع، وقد ذكرنا عمدها، وكان يكفي لإسقاط قاعدة الترتب - على التقاريب المزبورة - إحدى الشبهات المذكورة، ولكن لمزيد الاطلاع وليتضح فسادها أشرنا إلى بعض منها، وفي ذلك غنى وكفاية. خاتمة: حول تقييد المهم بإطاعة أمر الأهم ربما يخطر بالبال: أن لتصوير الأمر بالمهم طريقا آخر، ومسلكا بديعا، وتقريبا حديثا لابد من الإشارة إليه: وهو أن من تقييد المهم ترتفع غائلة الترتب، من غير لزوم الغوائل الاخر، ولكن ذلك بأن يكون الدليل المستكشف، ناظرا إلى حال المكلف تكوينا، لأن الفساد ناشئ من عجز العبد عن الجمع، أو عن الامتناع الذاتي


1 - تقدم في الصفحة 335 - 336. (*)

[ 513 ]

الثابت بين الضدين، وذلك أن يكون مفاد هذا الدليل تقييد المهم بالاشتغال وإطاعة الأهم، وتكون النتيجة نفي المهم حال الإطاعة والاشتغال. فإذا ورد قوله: " إذا اشتغلت بالأهم وكنت مطيعا لأمره، فليس عليك المهم " ويكون العبد - بحسب متن الواقع - إما شاغلا للأهم، فلا مهم عليه، وإما شاغلا للمهم، فيكون حسب إطلاق أمره مورد الأمر، وإما ليس شاغلا لكل من الأهم والمهم، فيستحق العقوبة، لأنه بالنسبة إلى كل واحد جامع للشرائط، ولا تكليف بالجمع بينهما حتى يكون معذورا. وبالجملة: من تقييد المهم بعصيان الأهم، تأتي الشبهات التي ترجع إلى معنى العصيان وحقيقته، وأما من تقييده بإطاعة الأهم لا تأتي تلك الشبهات. إن قلت: حين الاشتغال بالمهم، هل يكون أمر الأهم فعليا وموجودا أم لا ؟: فإن كان فعليا، فيلزم الإشكال المزبور المتوجه إلى الترتب المعروف (1). وان كان ساقطا فهو المسلك الذي أبدعتموه، وقد مضى (2). فعلى كل تقدير: إما أن لايتم الترتب بهذا التقريب أيضا، أو يرجع إلى بعض المسالك السابقة. قلت: لاشبهة في عدم توجه الإشكالات الناشئة من التقييد بالعصيان إلى التقييد بالإطاعة. وأما الأمر بالأهم - وهو فعل الإزالة - فهو فعلي حال الاشتغال به، وليس بفعلي حال الاشتغال بالمهم، وأيضا هو فعلي حال ترك المهم. ولسنا في مقام إثبات الجمع بين الحكمين الفعليين في زمان واحد، بل النظر إلى أن في حال الابتلاء بالمزاحمة بين التكاليف، يكون الأمر هكذا: وهو أن المكلف مع ترك المهم والأهم يستحق العقوبتين، ومع ترك المهم يكون الأهم مع


1 - تقدم في الصفحة 475. 2 - تقدم في الصفحة 344. (*)

[ 514 ]

الأمر، وهكذا في عكسه، سواء كانا فعليين في زمان واحد، أو لم يكونا كذلك. ولا شبهة أنه بعد ثبوت الإطلاق لكل واحد من الدليلين، وبعد عدم رجوعهما إلى دليل واحد باعث نحو الجمع بينهما، تصير النتيجة على هذا النحو من التقييد هكذا، ويثبت المطلوب. فما هو مورد نظر الترتبي، هو إثبات هذه المسألة بشقوقها من غير النظر إلى التقريب الخاص، أو التقييد بنحو معين. وبعبارة اخرى: كما أن العقل في المتساويين، يجد طريق التخلص من الإشكال، منحصرا بالتقييدين على وجه يستلزم العقابين عند تركهما، دون التخيير الشرعي، كذلك فيما نحن فيه، العقل يجد طريق التخلص منحصرا بالتقييد من جانبين، إلا أن إحراز الأهمية من الخارج يستلزم أولا إقدام العبد على الأهم، وأما مع اشتغاله بالمهم فلا يلزم عدم الأمر. كما أن مع اشتغاله به يسقط أمر الأهم، للعجز الطارئ. فسقوط أمر المهم للعجز الموجود، وسقوط أمر الأهم للعجز الطارئ، وهذا التعجيز - بسوء الاختيار - لا يعد عذرا، فافهم واغتنم، وكن من الشاكرين، وتأمل جدا. وإن شئت قلت: لا يعقل استحقاق العقابين، إلا مع فرض فعلية التكليفين معا في زمان واحد، وهو محال، وليس هو المهم في مسألة الضد وبحث التزاحم، بل المهم تصوير الأمر بالمهم عند الاشتغال به، وهو مع تقييد المهم بعصيان الأهم يستلزم المحذور، وأما مع تقييده بإطاعة الأهم فلايستتبع محذورا، ضرورة أن مع الاشتغال بالمهم، يكون هو مورد الأمر حسب إطلاق دليله، ويسقط أمر الأهم، لعدم معقولية بقائه مع العجز. ولكن جواز العقاب عليه، ليس لأجل فعلية التكليف، بل هو لأجل تعجيزه

[ 515 ]

بسوء الاختيار، فمع الاشتغال بالمهم يستحق العقوبة من تلك الجهة. وبالجملة: هذا النحو من التقييد، أقل محذورا جدا من التقييد المعروف في كلماتهم (1). والذي هو الحجر الأساس عندنا: أنه لا حاجة - على تقدير إمكان هذا النحو من التصوير - إلى تصديقه، لما تقرر: أن التكاليف القانونية فعلية، ولا يشترط القدرة لفعليتها حين التكليف، ولا حين الامتثال (2)، فلا داعي إلى هذه المقالة، لا في الأهم والمهم، ولا في المتساويين. وإلى هنا تم ما هو المقصود في هذه المسألة، ونرجو من إخواننا أهل الفضل أن يعذروني لو اطيل الكلام في المقام، لأنه من مزال الأقدام، مع كثرة فوائده في الفقه، وفي حل المسائل والمشكلات العلمية، والله هو الموفق. وقد بقي شئ من البحث، ولكن الانصراف عنه أولى وأحسن. ذنابة: في إبطال الترتبين بين المتساويين قد عرفت في طي المباحث السابقة: أن التخيير في المتساويين مختلف، فعلى مسلكنا ومسلك الوالد المحقق - مد ظله - يكون شرعيا، وعلى بعض المسالك الاخر يكون عقليا (3). وعرفت أيضا: إمكان تصوير التخيير الشرعي على القول بالترتب. وأيضا تبين: إمكان الالتزام بتعدد العقاب ولو كان التخيير عقليا، لأن منشأه


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 336، درر الفوائد، المحقق الحائري: 140، نهاية الاصول: 218 - 220. 2 - تقدم في الصفحة 449. 3 - تقدم في الصفحة 508. (*) 2 - تقدم في الصفحة 449. 3 - تقدم في الصفحة 508. (*)

[ 516 ]

المحذورية العقلية بعد استكشاف الملاك، والمطلوبية الملزمة. وأيضا تبين: أن ما هو قيد للهيئة في كل واحد من الطرفين، ليس عصيان الطرف الآخر، بل هو إما الاشتغال والإطاعة، أي تسقط الهيئة عن الفعلية بالاشتغال بالطرف الآخر. أو يكون القيد أمرا عدميا، وهو ترك كل واحد من الطرفين بالنسبة إلى الطرف الآخر. أو يكون القيد بنحو الظرفية والحينية. وفي الجميع محذور عقلي واضح، فإنه على الفرض الأول يلزم عند تركهما معا سقوطهما معا، أو فعليتهما. وعلى الثاني وهو ترك المأمور به في ظرفه، يستلزم العجز عن الآخر طبعا، حسب ما هو المفروض. وعلى الثالث أيضا يلزم المحذورين معا. ولا يقاس ما نحن فيه بالأهم والمهم لأن الأهم - عند تركهما معا - باق على فعليته دون المهم، كما لا يخفى. فتوهم الترتبين في المتساويين (1) غير صحيح، وإن قلنا بصحة الترتب على الوجه الذي أبدعناه في الأهم والمهم (2). والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، قد فرغنا منه يوم الأحد من المحرم، عام 1391.


1 - فرائد الاصول 2: 761. 2 - تقدم في الصفحة 512 - 513. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية