الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 2

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 2


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني قدس سره الجزء الثاني مؤسسة تنظيم ونشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هوية الكتاب * اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 2) * * المؤلف: السيد مصطفى الخميني (قدس سره) * * تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) * * سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 * * الطبعة: الاولى * * المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج * * الكمية: 3000 نسخة * * السعر: ريال * جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

المقصد الثاني في الأوامر

[ 3 ]

الفصل الأول فيما يتعلق بمادة الأمر وهو امور وقبل الإيماء إليها نشير إلى نكتة: وهي أن قضية ما سلف منا في تعريف علم الاصول (1)، كون المباحث السابقة من العلم، فتكون هي المقصد الأول، فما ترى من القوم في غير محله. (1) تقدم في الجزء الأول: 1.

[ 5 ]

الأمر الأول حول معنى مادة الأمر واشتراكها المعنوي المعروف والمشهور: أن لفظة " الأمر " لها معان، كالطلب، والشأن، والفعل، والغرض، والحادثة، والفعل العجيب، وغير ذلك (1)، فيكون مشتركا لفظيا في الكل. وفي مقابله أنه ذو معنى واحد، ومشترك معنوي بين الكل، وهذا ما زعمه العلامة النائيني (رحمه الله) (2) ولا يمكن الالتزام به، للزوم الجهل بالجامع، مع عدم قيام البرهان على امتناع الاشتراك اللفظي، فعليه يطلب منه الدليل. وقد يستدل على الجامع المزبور - لأن الاشتراك المعنوي أقرب إلى الصواب -: بأن جميع الأشياء باعتبار صدورها من فاعلها فعل، ومن تلك الأشياء القوانين الإلهية والجواهر الأعلين والأدنين، فالكل مشترك في كونه فعلا (3). وفيه: - مضافا إلى أنه ليس متبادرا من موارد استعمالات تلك الكلمة في السنة والكتاب - أنه غير قابل لكونه مادة المشتقات، ضرورة أن وضع تلك المادة نوعي، ووضع هذه اللفظة شخصي.


1 - كفاية الاصول: 81، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 128، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194، تهذيب الاصول 1: 131. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 128. 3 - منتهى الاصول 1: 110. (*)

[ 6 ]

وربما اشتهر بين جماعة من المحققين، الاشتراك اللفظي بين معناه الاشتقاقي - وهو الطلب - وسائر معانيه (1). وفيه أولا: كون الأمر بمعنى الطلب ممنوع، بل هو لازمه، وإن ترى في اللغة تفسيره فهو من التفسير الخفي، لشهادة الوجدان على خلافه. وثانيا: تصوير الجامع بين سائر المعاني، أيضا مشكل. وتوهم: أنه الشئ (2)، أو الشأن (3)، أو الفعل (4)، غير سديد، لعدم مساعدة ذلك مع بعض الاستعمالات، فراجع المفصلات. والذي هو الأقرب إلى الصواب: أن الاشتراك اللفظي في المقام - حسبما تقرر منا سابقا (5)، وأشرنا إليه - غير سديد، بل غير ممكن، لأن ما هو مادة المشتقات وضعها نوعي، وما هو موضوع للمعاني الجامدة وضعها شخصي، ولا يعقل كون كلمة واحدة موضوعة بوضعين: شخصي، ونوعي، للزوم الجمع بين المتنافيين بالضرورة. والاشتراك المعنوي بين سائر الموارد ثابت، بأن يقال: بأن الموضوع له هذه الكلمة، هي الهيئات والصيغ الأمرية المستعملة بما لها من المعاني، من غير فرق بين كونها من الأوامر التكوينية، أو التشريعية، فما ورد في الكتاب من قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (6) أو أن * (الروح من أمر ربي) * (7) وقوله تعالى: * (فإذا جاء أمرنا


1 - مفاتيح الاصول: 108 / السطر 26، الفصول الغروية: 62، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 199، كفاية الاصول: 82، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194. 2 - كفاية الاصول: 82، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 194. 3 - الفصول الغروية: 62 / السطر 36. 4 - منتهى الاصول 1: 111. 5 - تقدم في الجزء الأول: 358 - 363. 6 - القمر (54): 50. 7 - الإسراء (17): 85. (*)

[ 7 ]

وفار التنور) * (1) وهكذا، كله من الأمر بالمعنى المزبور، إلا أن الاختلاف في الخصوصيات واللواحق هنا، كالاختلاف في سائر الأسماء والألفاظ المستعملة في حقه تعالى وتقدس، فلا تخلط. فعلى ما تقرر: إن الأمر مشترك معنوي، والموضوع له هي الهيئات بما لها من المعاني، وبذلك يخرج الأوامر الامتحانية عن كونها أوامر، لأنها غير مستعملة فيما هو معانيها حقيقة، فتأمل. وأما توهم استعمال الأمر في الفعل العجيب (2)، فهو غير ثابت، ولعله بكسر " الهمزة " كما في قوله تعالى: * (لقد جئت شيئا إمرا) * (3) فوقع الخلط. وأما توهم استعماله في الشأن (4)، كما يقال: " شغلني أمر كذا " فلا يبعد كونه لأجل كونه مورد الأمر، أو مورد الطلب. وتوهم استعماله في مطلق الفعل (5) كما في قوله تعالى: * (وما أمر فرعون برشيد) * (6) فهو فاسد، لأنه مسبوق بقوله تعالى: * (واتبعوا أمر فرعون) * (7). فبالجملة: إلى هنا وصلت الأقوال في المسألة إلى أربعة أو خمسة: الاشتراك المعنوي بتصوير الجامع، وهو ممتنع وباطل. الاشتراك اللفظي بين معناه الاشتقاقي والجامد، وهو أيضا ممتنع.


1 - هود (11): 40، المؤمنون (23): 27. 2 - كفاية الاصول: 81. 3 - الكهف (18): 71. 4 - كفاية الاصول: 81. 5 - نفس المصدر. 6 - هود (11): 97. 7 - نفس المصدر. (*)

[ 8 ]

الاشتراك المعنوي بإرجاع جميع المعاني في مختلف الاستعمالات إلى معنى واحد، وهو الهيئات المستعملة في معانيها، وهذا موافق أيضا لما يستفاد من الاستعمالات. وأما ما يقال: " من أن " الأمر " يجمع على " أوامر " فيما إذا اريد منه معناه الاشتقاقي، ويجمع على " امور " فيما كان المراد منه المعنى الجامد " (1) فهو خلاف ما صرح به " أقرب الموارد " (2). وإن كان لابد لك من الالتزام بالأمرين، فقل: أحدهما: مادة " الأمر " وهي موضوعة لتلك الصيغ بما لها من المعاني، وبما أنها أمر حدثي، كما يقال: " زيد أمرني " أي قال مثلا: " اضرب " أو " يأمرني " أي يقول: " اضرب " أو " زيد مأمور من قبل كذا " أي قال له مثلا " افعل كذا " فمنه يعلم: أن الموضوع له هي الصيغ بما لها من المعنى الحدثي. ثانيهما: " أمر " مادة، وهيئة، فإنه موضوع لمعنى جامد يجمع على " امور " وهذا أقرب إلى الصواب من سائر المحتملات. نعم، لا يبعد كون المعنى الثاني موضوعا بالوضع التخصصي، والمعنى الأول موضوعا بالوضع التخصيصي، أي أن الأمر المصدري استعمل مرارا في معنى آخر، حتى صار بهيئته ذا وضع آخر، كما هو مختار بعض الأجلة في عدة من المشتقات، ك‍ " المجتهد والكاتب والمعلم والوزير " وغير ذلك (3). تنبيه: بناء على ما ذكرنا، فلا دلالة في هذه المادة على الطلب، لما عرفت:


1 - نهاية الدراية 1: 252، منتهى الاصول 1: 111. 2 - أقرب الموارد 1: 18. 3 - لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 97 و 178. (*)

[ 9 ]

من أن " الطلب " ليس من معانيه (1)، ضرورة أن في حقيقة الأمر اعتبر الاستعلاء، أو العلو، على سبيل منع الخلو، وليس هذا إلا لإفادة تلك المادة ذلك، وهذا ليس متبادرا من معنى الطلب، بل ربما ينعكس، فإنه إذا قال أحد لصديقه مثلا: " افعل لي كذا " فيسأله: " أتأمرني بذلك " وهو يجيبه: " كلا، بل أطلبه منك ". وتوهم تصريح اللغويين بذلك (2) فاسد، لعدم دلالته على أنه معناه بالترادف، بل بناء اللغويين على نقل الطالب إلى معنى اللغة بوجه، وإلا فلابد من الالتزام بالترادف في جميع اللغات المفسرة بعضها ببعض، بل يلزم وجوب الترادف، وإلا يمتنع تدوين كتب اللغة. فإذا ورد في رواية " آمرك بكذا " فمعناه " أنه أقول لك افعله " فالمدار في الوجوب والاستحباب هذه الهيئة، دون تلك الهيئة، ولا معنى لكونها دالة على غير ما هو الموضوع له. نعم، له إنشاء مفاد تلك الصيغ الموضوع لها بهذا اللفظ، كما في كثير من المواقف، وسيأتي زيادة تنقيح (3). وبما أشرنا إليه يظهر مواضع الاشتباه والخلط في كلمات الأعلام (4). تذنيب: في بعض صور الشك في معنى " الأمر " إذا شك في مورد في معنى " الأمر " فمع القرينة فهو، وإلا فالرجوع إلى


1 - تقدم في الصفحة 6. 2 - تشريح الاصول: 65 - 66. 3 - يأتي في الصفحة 17 - 18. 4 - الفصول الغروية: 63 / السطر 4، لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 195. (*)

[ 10 ]

المرجحات المذكورة في الكتب المفصلة (1) غير جائز. ومع ثبوت أحد المعاني فهو المأخوذ. ولو شك في النقل، فأصالة اتحاد العرفين محكمة. ومع ثبوت المعنيين أو الأكثر، لابد من القرينة المعينة. والأمر بعد ذلك كله سهل.


1 - قوانين الاصول 1: 32، مفاتيح الاصول: 88 - 95، الفصول الغروية: 40، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 94 - 111. (*)

[ 11 ]

الأمر الثاني حول اعتبار العلو والاستعلاء في مفهوم الأمر اختلفت كلماتهم في اعتبار العلو والاستعلاء في مفهوم " الأمر " وعدمه، على أقوال: فمن قائل: بأنهما معا معتبران، أما الأول: فللوجدان والتبادر، وأما الثاني: فلعدم صدقه على طلب المولى من العبد في محيط الانس والتلطيف، وإليه ذهب الوالد المحقق - مد ظله - (1). وفيه: أن التلطف والالتماس والاستدعاء يضر بآمريته، لاشتراط أعدامها في صدق " الأمر " فالدليل أخص من المدعى. ومن قائل بعدم اعتبارهما فيه، لأن الطلب ينقسم إلى قسمين: طلب يسمى " أمرا " وطلب يسمى " دعاء " ويعبر عنهما بالفارسية " فرمان " و " خواهش " فإذا بعث أحد أحدا بداعي إثبات أن نفس أمره باعث، فهو أمر، وإذا كان بداعي انبعاثه عن البعث مع ضم الضمائم الاخر إليه - من الالتماس والدعاء - فهو ليس أمرا، فلا يعتبر في مفهومه العلو والاستعلاء.


1 - مناهج الوصول 1: 239 - 240، تهذيب الاصول 1: 133. (*)

[ 12 ]

وبعبارة اخرى: لا ينبغي أن يصدر في الفرض الأول إلا ما يعد أمرا، وفي الفرض الثاني إلا ما لا يعد أمرا. هذا ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (1). ووهنه واضح، لعدم إمكان الالتزام بعدم أخذهما أو واحد منهما في مفهومه، مع عدم كونه لائقا إلا من الشخص المزبور، فالتضييق من غير التقييد ممتنع، ومع عدم التقييد فلابد من الصدق في الفرضين. ومن قائل: إن المأخوذ فيه هو العلو، وعليه أكثر الأعلام (2). وفيه: أن مجرد العلو الذاتي الواقعي، غير كاف في صدق " الأمر " وجدانا، فإن الأمر أخص منه، كما إن كلمة " فرمان " في الفارسية أخص من " الأمر " فإنه مأخوذ فيه بعض اللواحق الاخر. وقد يقال: بأن المعتبر هو العلو مع عدم الانخفاض (3). وقد يقال: باعتبار العلو، أو الاستعلاء، على سبيل منع الخلو (4)، والمقصود اعتبار العلو الحقيقي أو الادعائي، فإنه أيضا كاف في صدقه (5). وتوهم امتناع تصوير الجامع كما في كتاب العلامة الأراكي (6)، في غير محله، فإن ما هو الجامع هو العلو المزبور، فتدبر. هذا ما عندهم. والذي ينبغي الإشارة إليه أولا: هو أن من الواجبات الإلهية، الأمر


1 - نهاية الاصول: 86 - 87. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 201، كفاية الاصول: 83، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 129، مقالات الاصول 1: 207، محاضرات في اصول الفقه 2: 13. 3 - هداية المسترشدين: 132 / السطر 21 - 23. 4 - إشارات الاصول: 80. 5 - نفس المصدر. 6 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 196. (*)

[ 13 ]

بالمعروف والنهي عن المنكر، وبناء الفقهاء إلى زماننا هذا على وجوبه العمومي على كافة الناس، من غير تقييد بكون الآمر لابد وأن يكون عاليا مستعليا، بل يجب عندهم الأمر بالمعروف على السافل بالنسبة إلى العالي المستعلي، وعند ذلك يلزم أحد أمرين: إما الالتزام بعدم اعتبارهما مفهوما، وأن مطلق البعث أمر ولو كان مصحوبا بالاستدعاء والالتماس. وإما الالتزام بأن ما هو الواجب ليس مشتركا فيه كافة الناس، بل هو مخصوص بجمعية معينة لذلك وهذا من المقامات والمناصب، كما هو الآن كذلك في بعض الدول الإسلامية. والذي يساعده الذوق وبعض الآيات والروايات هو الثاني، وما هو قضية الاتفاق والإجماع هو الأول. وتوهم: أن عمومية الحكم تستفاد من دليل آخر، غير تام. إن قلت: ما هو محل البحث هو الأمر المولوي، وأما سائر الأوامر - ومنها الإرشاديات - فلا يعتبر فيها العلو والاستعلاء، فعليه يسقط الإشكال من أساسه (1). قلت أولا: تقسيم الأوامر إلى هذه الأقسام، دليل على أن " الأمر " يصدق على تلك البعوث والتحريكات. وثانيا: المسألة لغوية، والأصحاب اعتبروا العلو، لأجل التبادر، وقد ورد في الكتاب والسنة كلمة " الأمر بالمعروف " إلى حد لاتعد ولا تحصى، فالآمرون بالمعروف ينحصرون بالذين لهم العلو الواقعي، قضاء لحق كلمة " الأمر " ولعل الأمر في كلمة " الناهين " كذلك.


1 - لاحظ نهاية النهاية 1: 90. (*)

[ 14 ]

وتوهم: أن هذه المسألة اصولية، بدعوى: أن العلو معتبر في الأوامر التي يجب إطاعتها، دون مطلق الأمر، غير تام، لمخالفة كلماتهم لذلك، ولأن الأوامر الواجبة إطاعتها، ليست مقيدة بكونها صادرة عن علو، فإن إطاعة الزوج والوالد والسيد، واجبة على الزوجة والولد والعبد، مع أن من الممكن علو هؤلاء عليهم فلا تخلط. والذي هو الحق في المسألة الفقهية المشار إليها، غير واضح بعد عندي، وقد احتملنا اختصاص ذلك بطائفة، وأن الأمر بالمعروف من المناصب التي لابد من كونها بيد الحاكم والوالي، وإلا يلزم في بيان معروف واحد منكرات عديدة، كما نشاهدها بالوجدان، ولا نبالي بالالتزام بذلك وإن قلنا: بأن العلو غير معتبر في صدق " الأمر " لأن دليل تلك المسألة ليس هذا الوجه فقط، بل هذا من المؤيدات. وأما ما هو الحق في هذه المسألة: فهو أن تقسيم الأوامر إلى الأوامر المختلفة، كالامتحانية، والإرشادية والغيرية، وإطلاق " فعل الأمر " في الكتب الأدبية على الصيغ الخاصة من غير النظر إلى القيد الزائد، ومقابلة النهي مع الأمر، وعدم اعتبار قيد العلو والاستعلاء فيه، مع أنهما يستعملان معا في الكتاب والسنة، وذهاب الفقهاء من الفريقين إلى وجوب الأمر بالمعروف على كافة الناس بالنسبة إلى كل أحد، من غير إشعارهم بخصوصية العلو في الآمرين، وحكاية فعل من بعث العالي إلى المعروف " بأنه أمر بكذا " من غير استعلاء منه في ذلك، وأنه إذا صنع ذلك امتثل قوله تعالى: * (الآمرون بالمعروف) * (1) وقوله تعالى: * (تأمرون بالمعروف) * (2) وهكذا من غير انتظار، وغير ذلك مما يطلع عليه الفكور، كلها شاهدة على عدم أخذ


1 - التوبة (9): 112. 2 - آل عمران (3): 110. (*)

[ 15 ]

العلو والاستعلاء في مفهومه. ولا ينبغي لأرباب النظر الخلط بين الاستعمالات الخاصة في افق من الزمان الواضحة مناشئها، وبين ما هو معنى اللغة والمادة. ومما يؤيد مقالتنا: أن الأوامر الصادرة من الأزواج والآباء والسادة، بالنسبة إلى الزوجات والأبناء والعبيد، واجبة الإطاعة، مع أنها كثيرا ما لا تصدر من العالي، كيف ؟ ! ويمكن كون الزوجة عالية على زوجها بالعلم والمال والجاه والمقام، وهكذا في الابن والعبد، ولو كانت هي الالتماس والاستدعاء، لما كان وجه لوجوب الطاعة عند العقلاء، كما لا يخفى. وتوهم كفاية الاستعلاء، كتوهم: أن العلو الاعتباري المزبور كاف، ومن الممكن دعوى: أن الاستعلاء المعتبر ليس إلا العلو، لعدم إمكان التفكيك بينهما، لأن المراد من " العلو " هو العنوان المظهر، لا الأوصاف الذاتية، فعليه يكفي العلو، وهو في الأمثلة المزبورة موجود. وأنت خبير بفساد ذلك، فإن العلو المعتبر هو المعنى العرفي، فربما يكون لهؤلاء المذكورين، علو عرفي على مقابليهم، مع وجوب إطاعتهم على هؤلاء، فلا تغفل. ومما يؤكد مرامنا، تقسيمه إلى الأوامر الواجبة والمندوبة، مع أن المتفاهم على ما يتراءى من مرادفاته كما في الفارسية - وهو كلمة " فرمان " - لا يناسب الندب والترخيص في الترك، فيعلم من ذلك: أن كلمة " فرمان " ليست مساوقة " للأمر " ولا كلمة " دستور " مساوقة له. ثم إن المراجعة إلى كتب اللغة وما وصل منهم إلينا، تعطي عدم صحة ما بنوا عليه، والفحص عن المشتقات يؤدي إلى الاطمئنان بفساد ما قالوا، وليس فيها شئ

[ 16 ]

يعطي اعتبار العلو أو الاستعلاء في صدق هذه الكلمة (1). بل المستفاد من اشتقاقاتها عكس ذلك، فقال في " الأقرب " (2): " معنى * (يأتمرون بك) * (3) أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك، وفي قتلك. والأمير قائد الأعمى، والجار، والمشاور، وزوج المرأة ". وأنت تعلم: أن الكل مشترك في معنى واحد وهو الأمر، وهو البعث الأعم من العالي أو الداني. وأما اطلاق " أولي الأمر " أو " صاحب الأمر " على الرئيس والسلطان، فلا يستلزم قصور الكلمة في الصدق على الآخر، فليتدبر. ومما يؤيد ذلك تفسيره في اللغة ب‍ " الطلب " مع عدم اعتبارهما فيه، كما اشير إليه (4). وما ذكرناه سابقا (5) فهو من باب إلزام الخصم. نعم لاشبهة في أن الطلب أعم من الأمر، لأنه إذا طلبه بالإشارة أو بسائر الجمل، يقال: " طلبه " حقيقة، ولايقال: " أمره " إلا لكونها مفيدة فائدة الأمر.


1 - لاحظ مقاييس اللغة 1: 137، المصباح المنير: 29، لسان العرب 1: 203. 2 - أقرب الموارد 1: 18. 3 - القصص (28): 20. 4 - تقدم في الصفحة 6. 5 - تقدم في الصفحة 9. (*)

[ 17 ]

الأمر الثالث حول عدم دلالة مادة الأمر على الطلب بناء على كون مادة الأمر دالة على الطلب، فهل هي لمطلق الطلب - كما اختاره العلامة الأراكي وبعض آخر (1) - بالوضع، وإن كانت مفيدة للوجوب فيما إذا كان لها الإطلاق ؟ أو للطلب الإلزامي، كما عليه الوالد المحقق - مد ظله - معللا بالتبادر، وقائلا: " إن المقام ليس موقف التمسك بالإطلاق، بل مورده صيغة الأمر، لا مادته " ؟ (2) أو لا هذا ولا ذاك، كما هو مختارنا ؟ ضرورة أن مادة الأمر، لا تحكي إلا عن الموضوع له، وما هو الموضوع له الهيئات المستعملة في معانيها، وتكون هي بنفسها فارغة عن الوجوب والندب. مثلا: قوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (3) ليس فيه إنشاء


1 - مقالات الاصول 1: 206، منتهى الاصول 1: 112. 2 - مناهج الوصول 1: 241. 3 - النور (24): 63. (*)

[ 18 ]

طلب، حتى يقال: هو الطلب الوجوبي، أو الاستحبابي، بل هذه إفادة حاكية عن صيغ الأمر، وأنه من هذه الآية يعلم كونها موضوعة للوجوب. وهكذا قوله تعالى: * (إذ أمرتك) * (1) فإنه ناظر إلى ما أمره به بقوله: * (اسجدوا لادم) * (2). وكذا قوله تعالى: * (يقطعون ما أمر الله به أن يوصل) * (3) فإنه أيضا ليس إلا دالا على أن الوصل واجب، ومورد الأمر بالصيغة. هكذا حررنا في " التفسير الكبير " (4). إلى غير ذلك مما استشهد به في المقام فإن كل ذلك أجنبي عن المسألة. نعم، يصح الاستدلال بها في المسألة الآتية (5) في صيغ الأمر، وأنها موضوعة للوجوب أم لا. فبالجملة: كون مادة الأمر موضوعة للطلب، معناه: أنه يمكن إنشاء الطلب بها، مع أن الإنشاء من المعاني الحرفية والإيجادية التي تكون من خواص الهيئات نوعا، دون المواد، فتلك المادة أجنبية في أصل وضعها عن كونها للطلب، فضلا عن كونها للإنشاء، وفضلا عن البحث عن أنها لمطلق الطلب، أو الطلب الإلزامي. نعم، قد يتمكن المستعمل من إنشاء الطلب بها، كما في قولك: " آمرك أن تعيد صلاتك " فإن هيئة " آمر " ليست مستعملة في المعنى الاستقبالي، بل هي مفيدة المعنى الآخر، فهل تستعمل هي في الإنشاء، أم هي استعملت في المعنى الآخر ؟ ثم إن مادة الأمر، كيف يمكن استعمالها في المعنى الطلبي والإنشائي، مع أنه


1 - الأعراف (7): 12. 2 - الأعراف (7): 11. 3 - البقرة (2): 27. 4 - تفسير القرآن الكريم، المؤلف (قدس سره) (سورة البقرة: 27، مسائل اللغة والصرف، المسألة 14). 5 - يأتي في الصفحة 77. (*)

[ 19 ]

لا يمكن إلا مجازا، ضرورة أن تلك المادة، وضعت للهيئات وللصيغ المستعملة في الإنشاء والطلب، فمفادها هي الإرادة المظهرة والطلب المظهر بغيرها، فكيف يصح استعمالها في المعنى الإيجادي، وكيف يعقل إيجاد شئ بها ؟ فهنا إشكالان: أحدهما: مخصوص بهيئة " آمر " المستعملة في غير المعنى الموضوع له. ثانيهما: مخصوص بمادة " الأمر " المستعملة في الإنشاء، مع أنها موضوعة للحكاية عن الهيئات المستعملة بمالها من المعاني، كما مر تفصيله (1). أما الإشكال في الجهة الاولى، فمندفع: بأن هيئة المضارع - على ما مر - لاتدل على الحكاية عن المستقبل، بل هي موضوعة للأعم. وأما الجهة الثانية، فيندفع: " بأن هذه المادة اقيمت مقام هيئة الأمر، لمناسبة مقتضية، وكأنه إذا قيل: " آمرك بكذا " أي " أقول لك افعل كذلك " فيحصل المعنى الإنشائي بهذه المادة في خصوص هذه الأمثلة تجريدا، أو غير ذلك مما يمكن توهمه. فالبحث الذي عنونه الأصحاب في المقام حول مادة الأمر ساقط، والاستشهادات التي ذكروها أجنبية، كما عرفت. وأما أن مفاد هذا الإنشاء الحاصل بتوسط تلك المادة، هو مطلق الطلب، أو الطلب الإلزامي، فهو أيضا غير صحيح، لأن تلك المادة اقيمت مقام الهيئة، أي كأنها معنى اسمي اقيم مقام المعاني الحرفية كما هو الرائج، فإن كانت الهيئة مفيدة الوجوب أو الندب أو غير ذلك، فهي مثلها من غير زيادة ونقيصة، وإن كانت تفيد ذلك بمقدمات الحكمة، فهي أيضا كذلك، فما ترى من منع جريان مقدمات الحكمة في مثلها (2)، في غير محله، فافهم واغتنم.


1 - تقدم في الصفحة 8. 2 - مناهج الوصول 1: 242. (*)

[ 21 ]

الأمر الرابع في الطلب والإرادة قد اختلفت كلماتهم في اتحاد الطلب - الذي هو معنى الأمر عندهم - مع الإرادة مفهوما، أو هو ومصداقا، أو لا هو مفهوما، ولا مصداقا، على أقوال ثلاثة: فعن المشهور من الإمامية والمعتزلة: هو الاتحاد مصداقا (1). وعن بعض آخر: اتحادهما مفهوما (2). وعن الأشاعرة: اختلافهما مصداقا ومفهوما (3). ولما عرفت منا سقوط المعنى المشهور من كونه بمعنى الطلب، بل الأمر بمادته موضوع للصيغ بمالها من المعاني، ولا ربط له بالطلب ونحوه في عالم المفهومية (4)، سقط البحث عن هذه المسألة هنا، لعدم ربط لها بالمقام.


1 - كشف المراد: 223، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي: 198. 2 - كفاية الاصول: 85. 3 - لاحظ نقد المحصل: 170، شرح المواقف 8: 93، شرح التجريد، القوشچي: 246. 4 - تقدم في الصفحة 9. (*)

[ 22 ]

والعجب أن الأعلام أوقعوا أنفسهم في مسألة وعويصة أجنبية عن هذه المسائل، وبعيدة عن أفهام المحققين، فضلا عن المشتغلين بالعلوم الاعتبارية ! ! وكأن ذلك لمجرد المساس، ولتناسب بعيد جدا، فإن من كون الأمر بمعنى الطلب، ذهب ذهنهم إلى الطلب والإرادة، ومن لفظة " الإرادة " سافر إدراكهم إلى الإرادة التكوينية والتشريعية، ومن تلك الصفة إلى اختياريتها ولا اختياريتها، ومن ذلك إلى مسألة الجبر والتفويض، ولما عرفت منا انقطاع رأس السلسلة، وأجنبية مادة الأمر عن مفهوم الطلب، تسقط هذه العواقب المستتبعة. ولكن لعدم خلو كتابنا من بعض ما يقرب من أفهام المحصلين - من المسائل المربوطة في المقام هنا باللغة، والاصول، والكلام، دون الفلسفة العليا - نشير إلى تلك المسائل في ضمن جهات: الجهة الاولى: في أن المسألة ليست لغوية قد يستظهر من بعض الأفاضل: أن المسألة لغوية، وأن الاختلاف بين هؤلاء الفحول، يرجع إلى اختلاف في المفهوم اللغوي، وأن البحث في هذه المرحلة انجر إلى المقاتلة وسفك الدماء، وكان المأمون يحبس الأشاعرة أزمنة طويلة، لقولهم باختلاف الإرادة والطلب مثلا. ولا أظن أن يتفوه به بعد ذلك أحد، فما يظهر من " الكفاية " (1) وبعض آخر (2)، في غاية الإشكال. نعم، ربما يمكن تأييد بعض المباحث العلمية بالمتبادرات من المفاهيم اللغوية، فيقال: بأن اختلاف مفهومهما كاشف عن اختلاف الهوية والوجود.


1 - كفاية الاصول: 85. 2 - نهاية النهاية 1: 94. (*)

[ 23 ]

وفيه: أن هذا لو تم لا يدل على ذلك، أفما سمعت: " باختلاف مفهوم الوجود والوحدة، مع اتحادهما مصداقا " وغير ذلك من الألفاظ المتساوقة، ك‍ " الإنسان والناطق " ؟ ! نعم إذا ثبت اتحادهما مفهوما، فلا يعقل الالتزام بالاثنينية، لامتناع ذلك بالضرورة، وحيث إن اختلافهما مفهوما مما لا غبار عليه، فلا شهادة من ناحية اللغة على البحث العلمي في المقام (1). وربما يخطر بالبال دعوى الاتحاد المفهومي، ضرورة أن حسب اللغة تكون كلمة " راد يرود " بمعنى الطلب، والآن يستعمل الإرادة في الطلب في العرف الدارج واستعمال الإرادة في الصفة النفسانية من المجاز، للتلازم بين الصفة المزبورة والإنشاء والبعث المظهر فإذا قيل: " فلان أرادك " أي طلبك، وإذا قيل: " فلان طالب العلم " أي يريده. وفيه: أن مادة " الإرادة " " راد يرود " وفي القرآن الكريم: * (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه) * (2) وهي بمعنى الطلب الخاص. وأما الإرادة، فبحسب اللغة فسرت بالتحميل على أمر وشئ، وبحسب الاستعمال تارة: يراد منها الاشتهاء، كقوله تعالى: * (يريد الله ليذهب عنكم الرجس) * (3) أو * (إذا أراد شيئا) * (4) أو * (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون) * (5) وغير ذلك. واخرى: تستعمل في المعنى المظهر والطلب الظاهر، كما في بعض الزيارات:


1 - لاحظ تشريح الاصول: 66. 2 - يوسف (12): 23. 3 - الأحزاب (33): 33. 4 - يس (36): 82. 5 - القصص (28): 83. (*)

[ 24 ]

" وإرادة الرب في مقادير اموره تهبط إليكم " (1). فبالجملة: ما تسلمه الأصحاب - رضي الله عنهم -: من اختلاف مفهومهما واقعا، وبحسب اللغة، غير واضح السبيل، بل لا يبعد اتحادهما في موارد الاستعمالات. نعم، ربما يستعمل الإرادة في الأفعال الراجعة إلى المريد، من غير صحة استعمال الطلب، فلعله شاهد على أن المفاهيم بحسب اللغة مختلفة، والأمر - بعدما عرفت - سهل جدا. بحث وتذييل: في عدم اصولية المسألة بل هي كلامية وفلسفية ربما يمكن دعوى: أن المسألة اصولية، وأن النزاع في المقام يرجع إلى بحث اصولي، لأن النزاع يكون في أن مدلول الأمر، هل هو الإرادة، والطلب متحد معها، أو منطبق على الكاشف عنها، كي تكون كاشفة عن الإرادة عند الإمامية والمعتزلة، وكاشفة أيضا عن الطلب، فيترتب على الصيغة ما يترتب عليها ؟ أو لا تكون كاشفة عند الأشاعرة، فلا يترتب عليها ما يترتب عليها من الأحكام. وفيه: أن مجرد ذلك لا يكفي لاندراجها في المباحث الاصولية، فما يظهر من العلامة الأصفهاني (2) غير سديد. هذا مع أن النزاع في المقام، ليس في مسألة اصولية بالضرورة، كما يظهر من الأدلة الآتية. مع أن ما هو الموضوع لبناء العقلاء أو حكم العقل من لزوم الامتثال عقيب الأمر، ليس لأجل انكشاف الإرادة بعنوانها أو الطلب بمفهومه بالأمر، حتى إذا أنكرنا حقيقة الإرادة حتى في المخلوق، وقلنا: هي العلم بالصلاح، ولا صفة زائدة


1 - كامل الزيارات 2: 200، بحار الأنوار 98: 151. 2 - نهاية الدراية 1: 261. (*)

[ 25 ]

على القدرة والعلم في النفس، يلزم عدم لزوم الامتثال. فعلى هذا، تكون المسألة ذات جنبتين: إحداهما: كونها كلامية إذا نظرنا إليها لأجل البحث حول الباري عز اسمه، وأن في ذاته تعالى - زائدا على أوصافه - تكون صفة اخرى مسماة ب‍ " الطلب والكلام النفسي " بالوجه الذي يأتي، وإن لم تساعده اللغة فرضا، أو لا صفة له تعالى بذلك الاسم قبال علمه وقدرته وحكمته. ثانيتهما: كونها عقلية وفلسفية إذا نظرنا إلى أن في دار التحقق، هل يكون للأمر الكذائي حد وماهية، أم لا ؟ وعلى الأول: ما هو حده وماهيته ؟ فالبحث عن أصل تحققه بحث مقدمي في الفلسفة العليا، كالبحث عن أصل تحقق الوجود، إلا على وجه سلكناه في " قواعدنا الحكمية " (1). الجهة الثانية: في الإشارة الإجمالية إلى تأريخ المسألة فإن له قدما في فهم ما هو المقصود في الباب. كان الناس في أول طلوع الإسلام إلى زمان التابعين وبعدهم بمدة قصيرة، يأخذون المسائل الاعتقادية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وعن الأصحاب الخواص، وأمير المؤمنين عليه صلوات المصلين، وكانت شواغلهم في حياتهم الاجتماعية والسياسية، مانعة عن الغور في المباحث العقلية والموضوعات الاعتقادية، وسدا عن التفكر فيما هو الخارج عن محيطهم البدوي، وافقهم البسيط. وبعد اختلاط المسلمين بغيرهم وامتزاجهم، وبعد تمامية عصر الخلفاء - وهو عصر إشغال الحواس والأفكار - شرعوا رويدا رويدا في هذه المباحث، بعد ظهور


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 26 ]

كبرياتها العقلية ومطالبها العالية - بنحو الإيماء والإشارة - عن أمير المؤمنين إلى زمان السجاد والباقر (عليهم السلام). ومن الباحثين عن تلك الامور والغائرين فيها، الحسن البصري - أسير عين التمر - فإنه كان رئيسا في حلقة من الحلقات العلمية، ويتفكر في المسائل العقلية الراجعة إليه تعالى وتقدس، فاتفق في يوم تشاح بينه وبين واصل بن عطاء في مسألة، فاعتزل عنه، فبدأ نشوء المعتزلة باعتزاله، حتى وصلت النوبة إلى أبي الحسن الأشعري - من معاصري الكليني، وأحفاد أبي موسى الأشعري المعروف - فخالف مرامهم، وأيد ما وصل إليهم من البصري، واختلقوا مذهبه بعدما اندرس (1)، فصارت الامة الإسلامية - حسب الاعتقادات الكلامية - بين هاتين: معتزلة، وأشاعرة. وفي مقابلهم الإمامية الذين يأخذون المعتقدات من الوحي والتنزيل، وأصحابه وأربابه. وتلك المسألة التي مضت الإشارة إليها، كانت مسألة تكلم الباري جل اسمه، وسبب النزاع في هذا، هو التخاصم في أن القرآن حادث، أم قديم، وقد حكي أن التشاجر بين الفريقين بلغ إلى حد اريق فيه الدماء الكثيرة، والمأمون كان من المعتزلة، ويحارب المخالفين، ويحبسهم لأجل اعتقادهم بقدم القرآن، ولما كان البحث حول كلامه تعالى سمي الباحث ب‍ " المتكلم " (2). فتحصل إلى هنا: أن هذه المسألة، نشأت عن مسألة كلامية اعتقادية، غير راجعة إلى مباحث الاصول واللغة قطعا، والإمامية والمعتزلة يقولون: بأن الطلب والإرادة متحدان، والأشاعرة يدعون الافتراق. وغرضهم من ذلك: أن الأشاعرة يدعون: أن وراء العلم والقدرة والإرادة،


1 - الملل والنحل، الشهرستاني 1: 36 و 85. 2 - الملل والنحل، الشهرستاني 1: 36. (*)

[ 27 ]

صفة اخرى تسمى ب‍ " الكلام النفسي " وهؤلاء ينكرون ذلك: بأنا إذا راجعنا وجداننا، لانجد وراءها أمرا آخر يسمى به. أو أن الأشاعرة يدعون: أن وراء الزجر الإنشائي والطلب الإنشائي، زجر وطلب حقيقي، ووراء الكلام اللفظي كلام نفسي، ويعرب عن ذلك قوله: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا (1) الجهة الثالثة: فيما استدل به للأشعري على اختلاف الطلب والإرادة وهو امور: الأول: لاشبهة في وجود الأوامر الامتحانية، ولا إشكال في عدم كون الإرادة من مبادئها، وإلا يلزم اتحاد تلك الأوامر مع الأوامر الحقيقية، فما هو الفارق ليس إلا كون الطلب من مبادئها، وإلا يلزم أن لا تكون تلك الأوامر أوامر، مع أنها أوامر بالضرورة. فبالجملة: لا يشترط في تحقق الأمر الإلزامي وهكذا النهي، استباقهما بالإرادة والكراهة، فإنهما من المبادئ الوجودية للأمر والنهي الحقيقيين المتعلقين بالمواد واقعا، بل ربما يكون أمر آخر وراءهما مبدأ لهما، وهو الطلب النفساني، والكلام النفسي. ولا يمكن إنكار ذلك، لأن مجرد التصور والتصديق والقدرة غير كاف، ولا ثالث إلا ذلك، فلا وجه للتمسك بعدم الوجدان، كما في كلام المعتزلي والإمامي، لأنه أعم، والبرهان قائم على لزومه وإن خفي على النفس نيله وتحصيله (2). والعجب من العلامة النائيني (رحمه الله) من تخيل التزام الأشعري بالطلب مجامعا


1 - منسوب إلى الأخطل، لاحظ شرح المقاصد 4: 150. 2 - شرح المقاصد 4: 194، شرح المواقف 8: 94، شرح التجريد، القوشچي: 246. (*

[ 28 ]

للإرادة ! ! (1) مع أن الأمر ليس كذلك، بل هو بصدد إثبات الأمر الآخر وراءهما عند فقدها، كما سيظهر من سائر البراهين القائمة عليه. أقول: فيما مر جهات من النظر ربما تظهر تدريجا فيما يأتي. والذي هو مورد البحث هنا: هو أن الأوامر الامتحانية وغير الامتحانية، مشتركة - من جميع الجهات - في السلسلة الطولية والمعاليل والغايات، من لزوم التصور، والتصديق، وغير ذلك، وإنما الاختلاف بينهما في الدواعي، فإن الآمر إذا لاحظ قيام غرضه بالضرب، يترشح منه - بعد التصديق - إرادة إلى إيجاد الهيئة الباعثة إلى الضرب، فيريد ذلك، ويتحقق المراد بتبع الإرادة. وإذا لاحظ امتحان طفله، يرى أن هذا لا يحصل إلا بأمره نحو شئ، فيوجد الهيئة الباعثة إلى الضرب. فما هو الداعي في الأول، لا يحصل إلا بالضرب بوجوده الخارجي، ولكن لا يريد الضرب، بل يريد البعث إلى الضرب، بإيجاد الهيئة الموضوعة له. وما هو الداعي في الثاني، هو الاطلاع على حدود تأثير الأمر وحد انقياد المأمور والطفل، فلا شئ وراء الإرادة في جميع الأوامر. وتوهم تعلق الإرادة بصدور الضرب (2)، من الواضح بطلانه كما يأتي. نعم، الإرادة بمعنى الحب والاشتهاء والميل والكيف النفساني، متعلقة بالضرب، ولكنها غير الإرادة بمعنى المبدأ الفعال، وبمعنى الأمر الحاصل بفعالية النفس، فلا تخلط. فتوهم: أن البعث والزجر صوري هنا، ولا واقعية له (3)، منشأه الخلط بين


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 131 - 133. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203، منتهى الاصول 1: 117. 3 - الفصول الغروية: 68 / السطر 29، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203. (*)

[ 29 ]

الأغراض والدواعي. فما يظهر من صاحب " الكفاية ": من تقسيم الإرادة إلى الإنشائية، والتكوينية الجدية الحقيقية (1) - لو تم - فهو بلحاظ أن الإرادة التشريعية، هي التي تعلقت بالقانون والبعث، قبال إرادة الفاعل، فإنها تعلقت بالضرب. وأما توهم: أن الإرادة في التشريع غير الإرادة في التكوين، فهو واضح المنع، لأن كل فعل صادر من الفاعل المختار مسبوق بالإرادة، إلا أن الاختلاف في الدواعي ومتعلقات الإرادة. وما أفاده العلامة الأراكي (رحمه الله) (2) هنا، في غاية الوهن، ولا حاجة إلى نقله ونقده، والعذر منهم أنهم ليسوا من أهله. الثاني: لاشبهة في استحقاق الكفار بل مطلق العصاة للعقاب، ولا شبهة في أن صحة العقوبة، منوطة بترشح الإرادة الجدية من المولى متوجهة إلى أفعالهم وأعمالهم، ولا كلام في أن إرادته تعالى علة الإيجاد، فلا يعقل التفكيك بينها وبين متعلقها، فلابد من الالتزام بأمر آخر وراء الإرادة، وهو المسمى ب‍ " الطلب والكلام النفسي " وإلا يلزم عدم صحة العقوبة، بل وعدم استحقاقهم (3). وأنت ترى: أن الأشعري التزم بهذه الصفة للبرهان العقلي، وإلا فلا منع من قبله - عند فساده - من إنكار مرامه، كما عرفت: أنه يريد إثبات أمر غير الإرادة في موقفها، لا مجامعا لها، وأن المسألة عقلية، لا لغوية، وأنه لا يمكن الإصلاح بين الفرق المذكورة، بحمل حديث الاتحاد والعينية، على العينية مفهوما ومصداقا وإنشاء، وحمل حديث المغايرة والاثنينية على اثنينية الإنشائي من الطلب، كما هو المتبادر منه بدوا، والحقيقي من الإرادة كما هو المراد غالبا منها حين إطلاقها،


1 - كفاية الاصول: 84 - 87. 2 - مقالات الاصول 1: 216، نهاية الأفكار 1: 168 - 169. 3 - لاحظ كفاية الاصول: 88، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 199 - 200. (*)

[ 30 ]

فيرجع النزاع لفظيا. فما في " الكفاية " وغيره من إصلاح ذات البين (1) حسن، ولكنه ليس بمصيب، فلا تغفل. أقول: قد عرفت أن إرادة الأمر ليست متعلقة بالضرب والقتل وبالصوم والصلاة، بل إرادة متعلقة بالبعث إليها والزجر عن المحرمات، وعند ذلك لا يتخلف المراد عن الإرادة، بل هو حاصل. وأما ما قيل: " بأن الإرادة متعلقة بصدور الفعل من المكلف عن اختيار " (2) فهو - مضافا إلى بطلانه كما مر - يلزم منه صدور الفعل مسبوقا بالاختيار، لعدم إمكان تخلف المراد عنها بالنسبة إلى إرادته تعالى، دون إرادتنا، فإنها ليست علة تامة، ولا جزءها الأخير فينا، وسيأتي الإيماء إليه إن شاء الله تعالى. ويمكن تقريب هذا البرهان بوجه آخر: وهو أنه تعالى وكل مولى إذا كان عالما بالكفر والعصيان، لا يتمكن من ترشيح الإرادة الجدية بالنسبة إلى العبد المزبور، كما لا يعقل ترشيح الإرادة بالنسبة إلى بعث الحجر والعاجز والجاهل والناسي، مع حفظ العناوين، فإذن يلزم عدم استحقاق هؤلاء الكفرة الفجرة للعقوبة، لعدم إمكان تعلق الإرادة بالبعث أيضا، فلابد من الالتزام بالطلب الذي هو محقق استحقاق العقوبة، ولا إرادة بعد ذلك رأسا. وعند ذلك تحصل المغايرة بين الطلب والإرادة بالضرورة، فإنه إذا سئل عنه: " هل يريد ذلك " أو " أراده " فلا جواب إلا: " أنه لم يرده " لعدم الأمر به، وعدم اظهاره، بعد كون الإرادة هي الفعل النفساني، ومن مقولة الفعل تسامحا، وإذا سئل


1 - كفاية الاصول: 85 - 87، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 327، حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 55. 2 - كشف المراد: 307، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203. (*)

[ 31 ]

عنه: " هل يطلبه ويشتهيه، ويميل إليه " فالجواب: " نعم ". فيعلم: أن هذا الطلب غير الإرادة المصطلحة قطعا، وإن اطلق على كل واحد منهما مفهوم الآخر، ولكن الغرض إثبات أمر آخر وراء صفة الإرادة والعلم والقدرة والكراهة، وهو صفة الطلب الذي هو من مقولة الانفعال، أو الكيف النفساني، ولا يعقل اتحادهما مع اختلافهما بحسب المقولة. فتحصل: أن تصحيح العقوبة لا ينحصر بالإرادة المظهرة، أو الإرادة نفسها، أو الطلب الإنشائي، بل ربما يكون تصحيح العقوبة بأمر آخر وهو الطلب، بل والاشتهاء النفساني غير البالغ إلى حد الإرادة، لأجل الموانع الراجعة إلى امتناع العبيد عن الإطاعة والامتثال. ولعمري، إنه بعد هذا التقريب، لا يتمكن الأعلام من حل هذا الإعضال، وهذا من غير فرق بين ما ذكرناه في مصب الإرادة التشريعية، وبين كون مصبها صدور الفعل عن الغير اختيارا، وبين كون مصبها إيصال الغير إلى الفائدة. أقول: الخلط بين الخطابات الشخصية والكلية القانونية، يورث إشكالات، وأوقع الأصحاب في انحرافات، وتفصيل ذلك يطلب من محاله، ولعل ذلك يأتي في مباحث الترتب (1). وإجماله: أن من شرائط الخطاب الشخصي، احتمال تأثير الأمر في المخاطب والمأمور، وإلا فلا تصدر الإرادة الجدية مع فقد الاحتمال، ولعل لذلك قال الله تعالى: * (وقولا له قولا لينا) * (2) لعدم إمكان أمره تعالى جدا، لعلمه بعدم انبعاثه مثلا.


1 - يأتي في الجزء الثالث: 437 وما بعدها. 2 - طه (20): 44. (*)

[ 32 ]

ومن شرائط الخطاب القانوني، احتمال تأثير القانون في المجتمع البشري، من غير ملاحظة الأفراد والأشخاص، ومن غير انحلال الخطاب إلى الخطابات، فإذا كان جميع المجتمع والامة، كافرين ومتمردين وعاصين، فلا يعقل الخطاب القانوني الجدي أيضا، إلا من الغافل غير الملتفت. فلاينبغي توهم انحلاله إلى الكثير (1)، وشرطية احتمال الانبعاث في كل مخاطب بالخطاب العام بعد الانحلال، ضرورة أن الخطاب كالإخبار، فكما أن " كل نار حارة " لا يكون إخبارات كثيرة وإن كان ينحل إلى الاخبارات المتعددة، كذلك الإنشاء الكلي القانوني واحد، والمنشأ منحل إلى الكثير، ولذلك صح الخطاب لجميع الطوائف المشار إليها، بما فيهم العالم والقادر والذاكر وغير المتمرد والمؤمن، وغير ذلك، بمقدار يصح جعل القانون، ويمكن ترشح الإرادة الجدية متعلقة بمثل هذا القانون الكلي العام، فافهم واغتنم، فإنه مزال الأقدام. وهذا ما أفاده السيد الوالد المحقق - مد ظله - في المسائل الآتية (2)، وإن تغافل عنه هنا، والأمر سهل. ويمكن أن يقال: بأن قضية البرهان المزبور عدم صدور التكليف رأسا، لا كون الطلب مبدءه. الثالث: قضية البراهين مجبورية العباد والمكلفين في أفعالهم وأعمالهم، ولا تأثير لقدرتهم في شئ منها، فلا معنى لتعلق إرادة الله تعالى التشريعية والمولى الحقيقي بهذه الأعمال العاجز عنها العباد، فيلزم عدم تعلق التكاليف بهم، وهو خلاف الضرورة، فيعلم أن مبدأ هذه التكاليف ليس الإرادة، فليسم ذلك " الطلب " (3). أقول: أما مقالة الجبر فهي سخيفة، وتفصيلها في مقام آخر، لخروج الكلام


1 - لاحظ ما علقناه في الجزء الثالث: 341، هامش 3. 2 - مناهج الوصول 1: 25 - 27 و 60 - 61، تهذيب الاصول 1: 307 - 309 و 339 - 342. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 199. (*)

[ 33 ]

عن وضع الكتاب وطلابه، ويكفي لفسادها - بعد فساد التوهمات الباعثة عليها، وقيام البراهين القطعية على امتناعها، ولزوم إمكان الواجب جل اسمه، وكونه في معرض الحوادث والتغييرات، وغير ذلك من التوالي الفاسدة شهادة الوجدان السليم والطبع المستقيم، على أن الناس والحيوانات مختارون في جميع شؤونهم وأفعالهم وأقوالهم، وأن الكل مشتركون في القيام بالإيجاد بعد الترجيح والاصطفاء وأن حركة يد الكاتب الخبير غير حركة يد المرتعش القصير، ولا حاجة في مقابل هذا الوجدان إلى إقامة البرهان. وربما يقال: بأن البراهين لا تفيد أكثر من ذلك، وما كان مخالفا ففيه جهة القصور والنقصان (1). ولكن في نفسي شئ، لاحتمال دعوى أن الجبار على الإطلاق، كما هو الفاعل على الإطلاق، ومباشر جميع الأفعال والأعمال، قادر على إيجاد هذا الوهم، وهو مختارية العباد، فمجرد الوجدان بلا ضم البرهان غير سديد، إلا لبعض النفوس الصافية الخالية عن الشوائب والأوهام. ثم إنه لا معنى للأشعري من الالتزام بالتكليف، لأنه لو فرضنا وجود الطلب وراء الإرادة المسمى ب‍ " الكلام النفسي " فلا يمكن لنا الالتزام بالتكليف مع فقد القدرة المعتبرة. ولو التزم بعدم اعتبارها، فلا وجه لعدم التزامه بصحة العقوبة في مورد دون مورد، بل هو من المنكرين للحسن والقبح، ويقول بصحة عقوبة كل أحد بلا وجه، لأنه تصرف في سلطانه، وصحة إنعام كل أحد، لأنه مختار في مملكته (2). فهذا النحو من الاستدلال، غريب عما وصل منهم من المباني الفاسدة، والعقائد الكاسدة.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 203. 2 - لاحظ كشف المراد: 318، شرح المقاصد 4: 282، شرح المواقف 8: 181. (*)

[ 34 ]

هذه هي الأدلة الناهضة على إثبات أمر آخر وصفة اخرى نفسانية مسماة ب‍ " الطلب " التي تكون بمنزلة الإرادة في مبدئيتها للأوامر والنواهي، والمقصود الأصلي إثباتها في المبدأ الأعلى، ولكن الأدلة تورث ثبوتها في غيره تعالى. إفادة فيها فائدة: مغايرة الطلب النفسي للكلام النفسي ربما يستظهر من بعض الكلمات: أن القول بالطلب قبال الإرادة، هو القول بالكلام النفسي (1). ولكن الحق خلافه، فإن مسألة الكلام النفسي، نشأت من اختلاف الأشاعرة والمعتزلة في كيفية توصيفه تعالى بالتكلم، ولا نظر عندئذ إلى مبادئ الأوامر والنواهي. كما أن أدلة الكلام النفسي، غير أدلة الطلب النفساني الذي هو مبدأ التكاليف الإلهية بالنسبة إلى العصاة والكفار، دون غيرهم، أو الكل بناء على مقتضى البرهان الأخير. نعم، يمكن دعوى: أن الطلب النفساني والكلام النفسي في المبدأ الأعلى واحد، لأنه تعالى يوصف بالتكلم لتلك الصفة، وهي مبدأ كلامه من الأمر والنهي، وغير ذلك من الكلمات الصادرة عنه تعالى وحيا وإيحاء من الكتب السماوية والأصوات الحاصلة في إسماع الأنباء من الأشجار وغيرها، فعليه ترجع المسألتان في الحقيقة إلى جهة واحدة، فلذلك يصح الاستدلال لهم بالأدلة الاخرى المذكورة في المفصلات حول إثبات الكلام النفسي، ونحن نشير إلى أمتنها وهو: الرابع: لاشبهة في توصيفه تعالى وتقدس بصفة " المتكلم " ولا إشكال في أن الاتصاف والحمل، لا يعقل إلا بنحو من الارتباط بين مبدأ المشتق والموضوع، وذلك المبدأ إما يكون الألفاظ الصادرة من الفاعل والمتكلم، أو تكون محكياتها القائمة


1 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 206 / السطر 35، منتهى الاصول: 116. (*)

[ 35 ]

بنفس المتكلم، فإن كان تلك الصوادر فهو غير معقول، فيتعين الثاني، وهو المطلوب. وأما عدم معقولية الأول، فلأن قيام تلك الألفاظ ليس قيام حلول، لا في المبدأ الأعلى، ولا في سائر الموصوفين بالتكلم، لأنها متصرمة الذات، متقضية الحقيقة، ربما تعد من مقولة الكيف، فتكون صادرة من المتكلم وإن كانت قائمة بالهواء، فليست هي حالة في نفس المتكلم، ولا جسمه، فتعين كونها قائمة بالمتكلم قيام صدور، كالضرب والقتل، ويوصف المتكلم بها، لتلك الجهة. ولكنه في المبدأ الأعلى ممتنع، لأن هذا الصادر منه تعالى ليس بلا واسطة، للزوم كونه منقضي الذات، ومتصرم الصفات، ومتجدد الأحوال، وملازما للمواد والهيولى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وما ترى في بعض كتب فضلاء العصر في غاية التأسف، ونهاية الترحم. ولعمري، إن عدم تعرضهم لمثل هذه المسائل، كان أولى بديانتهم المقدسة ومذهبهم المنزه، ولكن التعرض لما لا يعلمون، والغور فيما هم جاهلون به جدا وحقيقة، يورث جواز تفسيقهم، بل وأحيانا تكفيرهم، فإن هذه الاعتقادات الفاسدة الكاسدة من المتفقهين في الشريعة المقدسة، تستلزم انحراف جماعة من الحق إلى الضلال، ومن النور إلى الظلمة، والله هو المستعان. فإنه صرح بعدم لزوم كونه تعالى ذا كمالات قديمة، أخذا بظواهر بعض النصوص، واتكالا على عقول المتكلمين. ولا يسعني الآن الغور في هذه البحار التي لا ساحل لها، وقد حرر المحقق الوالد - مد ظله - مسائل هذه المسألة في رسالة على حدة (1)، أعانني الله تبارك وتعالى على طبعها في الوقت المناسب. فبالجملة: لو كانت علية الذات مع الوساطة كافية للتوصيف، للزم صدق هيئات جميع المشتقات على المبدأ الأعلى، من " النائم، والمستيقظ، والضارب،


1 - وهي رسالة الطلب والإرادة. (*)

[ 36 ]

والقاتل " وغير ذلك، لأن جميع الأشياء ليست خارجة عن حيطة قدرته، ولا عن مدار حكومته وإرادته، بالضرورة من العقل والنقل. ومن عجيب ما قيل في المسألة: " إن عدم صدق بعض الهيئات، لقصور في الوضع، أو لعدم حسن الاستعمال " (1). وأنت خبير: بأن وضع الهيئات نوعي، ولا وجه لعدم حسن الاستعمال إلا لإشكال يجده الطبع والعقل، لا عدم سماع الاستعمال فقط، فلا تخلط، ولا تكن من الجاهلين المبعدين، غفر الله لهم ولنا يوم الدين. ف‍ " التكلم " الذي هو مبدأ حمل المشتق في المبدأ الأعلى، هو الأمر المتحد معه تعالى، بناء على اتحاد الذات والصفات، أو حال فيه، كما يقول به المتكلم، وحيث إن المبدأ في توصيف الممكنات، ليس إلا ما هو المبدأ في توصيف الواجب، فلامنع من دعوى: أن الكلام اللفظي، ليس هو سبب الحمل واتصاف الممكن ب‍ " المتكلم " بل في جميع الموضوعات أمر واحد، وهو الكلام النفسي، وهو المطلوب. وهذا الكلام النفسي ليس التصور، ولا التصديق، ولا القدرة، ولا العلم، بل هو روح الكلام اللفظي، ضرورة أن هذه التراكيب الصادرة، كالبناء الصادر من المهندس، فكما أن رسمه البناء قبل تحققه في الخارج، تقدر في النفس، وتحدد فيها، وهو أمر وراء تصور مفهوم البناء، والتصديق بلزوم وجوده في الخارج والعين، فكذلك الكلمات والحروف تصب في القوالب الجملية، ثم تنشأ في النشأة العينية، وتوجد في خارج الأذهان، فالجمل الخبرية والإنشائية، حاكيات عن الجمل الذهنية والمنشآت النفس الأمرية. ولعل ما سلكه بعض أعلام العصر: من أن الإنشاء هو إبراز المعتبرات


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 30. (*)

[ 37 ]

النفسانية (1)، يرجع إلى القول بالكلام النفسي، لأن هذه المعتبرات الموجودة في النفس، قد حصلت بالتصور والتصديق، ولكنها بعد كونها موجودة في الذهن وباقية فيه، ليست في عالم البقاء تصديقا، ولا تصورا، بل هي وجود ذهني باعتبار، وخارجي باعتبار، فكما أن الوجودات الخارجية ليست من التصور والتصديق، كذلك الوجودات الذهنية. نعم، هي علوم، ولكنها علوم بمعنى الحاصل من المصدر، ولا مشاحة في كونها بهذا المعنى من العلم، ولكنها في الحقيقة تركيبات نفسانية مسماة ب‍ " الكلام النفسي " فافهم وتدبر. فما ترى في كتب جماعة من تحليل مفاد الهيئات في الجمل الاسمية والإخبارية، والجمل الإنشائية: بأن موادها لاتدل ولا تحكي إلا عن المتصورات، وهيئاتها إلا عن العلم التصديقي والاعتقاد بذلك (2)، أو تكون هيئاتها حاكية عن قصد الحكاية عن النسبة التصديقية (3)، أو موضوعة للحكاية عن الهوهوية - الواقعية (4)، أو الادعائية - الصادقة أو الكاذبة، ولا شئ وراء هذه الامور، كي يكون محكيات هذه الكلمات ومداليها، أو لا حاكي وراء المواد والهيئات، حتى تكون حاكية عن الأمر الثالث، فالقصور إما في مرحلة الثبوت، كما في كلام جملة من الفضلاء (5)، ولو فرضنا وجود مثله فالقصور في مرحلة الإثبات، كما هو مختار العلامة المحشي (رحمه الله) (6).


1 - أجود التقريرات 1: 26، محاضرات في اصول الفقه 1: 88. 2 - منتهى الاصول 1: 116 - 117. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 85. 4 - مناهج الوصول 1: 120. 5 - منتهى الاصول 1: 116، محاضرات في اصول الفقه 2: 20 - 22. 6 - نهاية الدراية 1: 264 - 266. (*)

[ 38 ]

غير سديد، وناشئ بالنسبة إلى مرحلة الثبوت، عن قصور التأمل في الوجودات الذهنية، وفي التصور والتصديق اللذين هما غير المتصور والمصدق به، كما لا يخفى في التفكيك العقلي. وبالنسبة إلى مرحلة الإثبات، ناشئ عن أن الأشعري لا يريد إثبات كون الكلام النفسي، مدلول الكلام اللفظي بالمطابقة، بل ربما يمكن أن يكون مدعي الكلام النفسي، ناظرا إلى أنه مدلول الكلام اللفظي بالالتزام، فأوامره تعالى ونواهيه وكتبه، كلها تحكي - بالملازمة - عن ذلك الوصف النفساني في الإخبار والإنشاء. هذا غاية ما يمكن أن يقال بتقريب منا، مع قصور أفهام الأشاعرة عن الوصول إلى هذه المراحل من التدقيق والتحقيق بالضرورة، ولاسيما على القول: بأن الكلام النفسي، هو كمال الوجود الذي لابد منه في أصل الوجود، وإلا يلزم التركيب من النقص والكمال الذي هو شر التراكيب، فإنه خارج عن افق أفهام علماء الامة نوعا. وربما يؤيد الكلام النفسي بالشواهد اللغوية، كقوله تعالى: * (يقولون في أنفسهم) * (1) والقول والكلام واحد، وكما يقال: " كلام في نفسي " وهكذا. وأما الاستشهاد لهم بقوله تعالى: * (فأسرها يوسف في نفسه) * (2) وقوله تعالى: * (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) * (3) فلا يخلو من غرابة. أقول: الالتزام بمثل هذا الكلام النفسي، لا يستلزم سقوط الإرادة عن المبدئية للتكاليف الإلهية، التي هي مقصودنا في مسألة الطلب والإرادة، فإنه لا مانع من


1 - المجادلة (58): 8. 2 - يوسف (12): 77. 3 - البقرة (2): 284. (*)

[ 39 ]

اختيار أن الكلمات التي تصدر من الإنسان في النوم، ليست من الصوت الذي يحصل من القرع والقلع، ولا يسمع بالاذن والسمع، ولكنه أنى لك من كونها مبدأ الأمر والنهي ؟ ! ضرورة أن هذه الوجودات النورية الذهنية الحاصلة في صقع النفس، ليست هي نفس التصور والتصديق، ولكنها إذا اشتهينا وجودها في الأعيان، فلابد لنا من التصور والتصديق المتعلقين بإيجادها، ثم الإرادة المتعلقة بالإيجاد، وهكذا في الأوامر والنواهي في المبدأ الأعلى. فنفس الكلام النفسي غير كاف، فلابد للأشعري من الالتزام بالكلام النفسي في توصيفه تعالى بالتكلم، وبالطلب النفساني في تصديه تعالى للأمر والنهي. وهذا في نفسه بعيد عن كلماتهم، وإن كان يمكن دعوى: أن في المقام ثلاث مسائل: مسألة الطلب والإرادة، ومسألة الكلام النفسي، ومسألة الجبر والتفويض، وعلى كل تقدير الأمر سهل جدا. ثم إن توصيفه تعالى ب‍ " المتكلم " ليس لأجل قيام الأمر الحلولي أو الصدوري، لفساد كل واحد منهما: أما الثاني: فهو واضح كما مر. وأما الأول: فلأن الحلول يستلزم التركيب، وهو في حقه تعالى ممتنع، لبساطته جلت آلاؤه وعظم كبرياؤه. فيكون وجه اتصافه ب‍ " المتكلم " أن الكلام هو المعرب عما في الذات وجميع العالم كلامه تعالى وآياته تعالى وتقدس وقد ورد في الحديث الشريف: " إن كلامه تعالى ليس بصوت يقرع، ولا بكلام يسمع " (1) فكلامه تعالى فعله، وهو الوجود المنبسط على الماهيات الإمكانية، فالكلام النفسي في حقه تعالى يستلزم المحال، إلا برجوعه إلى كمال الوجود. وأما مسألة اختصاص الكتب السماوية بكلامه تعالى، فمع أن قضية ما مر


1 - نهج البلاغة: 368. (*)

[ 40 ]

لزوم كون كل شئ كتابه، فهو بحث آخر خارج عن نطاق الكلام في المقام، وداخل في مسألة كيفية نزول الوحي والتنزيل، وكيفية تنزل الملائكة والروح، فليطلب من كتابنا الآخر (1). تنبيهات: الأول: في بيان حقيقة الإرادة وماهيتها قد اشتهر بين الأفاضل والأعلام: أن الإرادة هي الشوق المؤكد (2)، بل المعروف في كتب المعقول تفسيرها وتعريفها بذلك، وجعلها مقابل الكراهة في مبدئيتها في الأوامر، ومبدئية الكراهة في النواهي والزواجر (3). فقالوا: " إنا إذا تصورنا شيئا ثم صدقنا بفائدته، فيحصل إليه الاشتياق، فيشتد الشوق حتى يحصل العزم والجزم على إيجاده، فيوجده ويأتي به، وهذا الجزم والاهتمام الشديد، ليس إلا الميل النفساني، فإن كان قاصرا فلا يتحقق بعده الفعل، وإذا كمل واشتد يحصل بعده المشوق والمشتاق إليه. وفي مقابلها الكراهة، فإنها الباعثة على الترك. وتلك الإرادة والكراهة هي المبدأ في الأمر والنهي " (4). أقول: لا شبهة في أن الأفعال الاختيارية الصادرة من الإنسان، تحتاج إلى


1 - المراد من " كتابنا الآخر " على ما صرح به في الصفحة 71، هو القواعد الحكمية وهي مفقودة. 2 - كفاية الاصول: 86، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 132، نهاية الدراية 1: 279، منتهى الاصول 1: 115، محاضرات في اصول الفقه 2: 38. 3 - المبدأ والمعاد، صدر المتألهين: 99 / السطر 7. 4 - كفاية الاصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، بحوث في الاصول، رسالة في الطلب والإرادة: 4. (*)

[ 41 ]

المبادئ، وهي أولا: التصور، وثانيا: التصديق، ولا يعتبر التصديق بالفائدة، ضرورة أن كثيرا ما يصدر الفعل مع التردد في فائدته. نعم، أصل التصديق بلزوم وجوده - مما يترتب عليه بعض الأغراض الاخر - مما لابد منه. وبعبارة اخرى: التصديق بفائدة في المفعول، ليس شرطا في صدور الفعل، ولذلك يصدر من السفهاء والغافلين ذلك الفعل بدونها، وأما التصديق الأعم منه ومن الفائدة في التصدي للفعل وإيجاده المصدري، فلابد منه. فما يظهر من القوم من جعلها من المقدمات (1)، يرجع إلى ذلك، كما أن نفيه الأعم كما في كلام الوالد المحقق (2)، ناظر إلى ما ذكرناه. وأما الشوق والميل وموافقة الطبع، فهو ليس من المقدمات الحتمية، فكيف تكون الإرادة، الشوق المؤكد ؟ ! ضرورة إقدام الإنسان على الامور غير الملائمة للطيب النفساني، وإن كانت موافقة للطيب العقلائي، كما في شرب الأدوية، وعمل الانتحار، وقطع الأعضاء، وغير ذلك. فليس الاشتياق والشوق بمعناهما المعروف، من المبادئ قطعا، فضلا عن كون الإرادة من تلك المقولة، ضرورة أن الإرادة من أفعال النفس، ومن مخلوقاتها القائمة بها قيام صدور، فليست من مقولة أصلا، أو لو كانت فهي من مقولة المضاف، أي هي نفس الإضافة الموجودة بين النفس والمراد، قائمة بهما قيام الإضافة بالطرفين، والشوق من مقولة الكيف النفساني، ويكون من حالاتها، وقائما بها. وما ذكرناه موافق للوجدان والبرهان.


1 - كفاية الاصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، نهاية الدراية 1: 279، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 207. 2 - الطلب والإرادة: 39. (*)

[ 42 ]

فالإرادة فعل اختياري، والشوق ميل طبيعي، ضرورة أنه كثيرا ما يتفق الشوق الأكيد إلى شئ، ولكنه لا يورث وجود الشئ في الخارج، لما لا يجد في ذلك بعض المصالح العقلائية، وربما لا شوق له أو له الشوق القصير، ويريد المشتاق إليه، لما فيه بعض المنافع العقلائية. وأما جعل الكراهة مقابلها كما في الكتب العقلية (1) أيضا، فهو من الخلط بين الإرادة التي هي مقصودنا هنا، وبين مطلق الميل والاشتياق. ومن العجيب توهم: أن الكراهة مبدأ النهي ! ! (2) فإن النهي والأمر متفقان في الحاجة إلى تعلق الإرادة بإيجادهما الاعتباري، فما ترى في كتب الاصوليين اغترارا بظواهر صدرت من أرباب الحكمة، خال من التحصيل. كما أن توهم: أنها من مقولة الفعل والانفعال، غفلة عن حقيقة تلك المقولة، وهو أنهما من أوصاف الجواهر ولواحقها، وأما نفس الحرارة في تأثير النار وتأثر الماء، فهي - كالإرادة هنا - خارجة عن المقولتين، فلا تخلط. مع أنا أنكرنا هاتين المقولتين وبعضها الاخر في " القواعد الحكمية " (3). فما هو حدها وماهيتها: أنها ليست من مقولة، لكونها من المضاف الإشراقي، ضرورة أن تحقق المراد بالإرادة، وما كان شأنه ذلك يعد من الوجود وإشراقه، ولا ينسلك في عداد الماهيات. نعم، بما أن المراد كان موجودا بالتصور قبل الإرادة، ثم تعلق به الإرادة، يعتبر تحققه قبلها، فينسلك في الإضافة المقولية التي توجدها النفس، فتكون ربطا بينها وبين المراد، فهي نفس المقولة الحقيقية، والطرفان يعدان من المضاف المشهوري، كما لا يخفى على أهله.


1 - الحكمة المتعالية 4: 113. 2 - كفاية الاصول: 320، نهاية الاصول: 252، تهذيب الاصول 2: 67. 3 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 43 ]

الثاني: في إمكان الإرادة ووقوعها ربما يخطر بالبال شبهات في أصل وجود الإرادة، وكان الأولى تقديمها، لأن " ما " الحقيقية متأخرة عن " هل " البسيطة، إلا أن مفروغية وجودها حدانا إلى الغور في ماهيتها أولا. ومن تلك الشبهات: أنها لا أصل لها، بل هي العلم بالصلاح. أما في إله العالم، فهو صريح كلمات الفلاسفة وأرباب الحكمة المتعالية (1)، فهي فيه علمه بنظام العالم على الوجه الأتم الأكمل، فإن هذا العلم من حيث أنه كاف في وجود النظام الأتم، ومرجح لطرف وجوده على عدمه، إرادة. وأما فينا، فإنا إذا أدركنا لزوم وجود شئ، تتحرك القوة المنبثة بعد ذلك الإدراك نحوه، وأما إذا قصر إدراكنا عن لزومه، وضعف عن لابدية تحققه لجهة من الجهات، فلا حركة عقيبه. بل في كلامهم: " إن العلم إذا تأكد، يصير سببا للوجود الخارجي، كالماشي على شاهق جدار ضيق عرضه، إذا غلبه توهم السقوط، يصير سببا لسقوطه فلا يستبعد أن يكون العلم الأزلي سببا لوجود الكائنات " (2). أقول: الحق أن الإرادة غير العلم حتى فيه تعالى، وذلك لأن الخلط في كفاية إحدى الصفات عن الصفة الاخرى في حقه، كالخلط الذي ابتلي به المتكلم في القول بعدم وجود الأوصاف فيه تعالى، لكفاية الذات، فإنه باطل إذا رجع إلى فقد كمال الوصف، وصحيح إذا رجع إلى الوحدة المحضة في حقه تعالى وتقدس،


1 - الهيات الشفاء: 362 - 370، المبدأ والمعاد، صدر المتألهين: 99 / السطر 8، الحكمة المتعالية 4: 114 و 6: 331 - 354، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 184. 2 - الحكمة المتعالية 4: 114. (*)

[ 44 ]

ضرورة أنه تعالى لكونه صرف الوجود، صرف كل كمال وجمال، لأن جميع الكمالات ترجع إلى كمال الوجود وأصل الوجود، وإلا يلزم التركب في البسيط الحقيقي. وإذا كان الاختيار والإرادة من كمالات الوجود، فهما - كالعلم والقدرة - ثابتان في حقه تعالى، فهو في ذاته مختار ومريد بالاختيار الذاتي والإرادة الذاتية، فإذا صح أن يقال: علمه بالنظام الأتم الإلهي الرباني كاف في تحقق النظام الأكمل الكياني، صح أن يقال: ذاته كافية، لأنه عينها. ولكن كفاية ذلك، لأجل أنه ذات مستجمعة لجميع الكمالات اللازمة في تحقق العالم من الواجب الوجود، وبما إنه إذا قيس العالم إليه تعالى، وأنه مختار في ذاته يقال: " هذا العالم صادر عن اختيار " وبما أنه عالم وقدير يقال: " هو صادر عن علة عالم وقادر " وبما أنه مريد يصح أن يقال: " هذا العالم صادر عن المريد بالإرادة الذاتية ". نعم، هذا النظام والعالم قضه وقضيضه، ومن صدره إلى ذيله، نفس الإرادة الفعلية، لاتحاد الإرادة الفعلية والمراد، وهي الماهيات الإمكانية. كما يكون الأمر كذلك في الحيوان والإنسان، فإن النفس ذات علم ذاتي، وقدرة ذاتية، وإرادة ذاتية، تكون منشأ التصورات والعلوم في صقعها، وتكون منشأ الإرادة في محيطها، وتكون ذات اختيار ذاتي يكون سببا لاختيارية هذه الامور، فيريد بالاختيار الذاتي، ويوجد الإنسان في صقعه ذا رؤوس كثيرة، ويخلق بهمته في صقعه ما يشاء من التخيلات بالاختيار والإرادة الذاتية، وهكذا. نعم، بين الكائنات من الحيوانات والأناسي، وبينه تعالى ومن في صقعه تعالى، فرق في أن لمرادنا ومعلومنا الذاتي، مرادا ومعلوما عرضيا خارجيا، وأن

[ 45 ]

إرادتنا قد تتخلف عن المراد، كما يأتي (1)، دون إرادته تعالى. فما ورد: من " أن إرادته فعله " (2) في مقام نفي المراد الآخر وراء نفس تلك الإرادة، ولايكون في مقام أن الذات الأحدية الجمعية، خالية عن الإرادة الذاتية، حتى يلزم إما دعوى كفاية العلم، أو دعوى إجباره تعالى في خلق الأشياء، وكل ذلك سيئة عليه تقدس وتعالى، يغفرها لمن يشاء، والله الهادي إلى الصواب. ثم إنه إذا راجعنا وجداننا، نجد أن العلم ومقولته، من الأوصاف الثابتة الحاصلة من الحواس الظاهرة بالعلية، أو الإعداد، على اختلاف المسالك في المسألة (3). وأما الإرادة، فهي من الأوصاف التي إذا تحققت إما تنتهي إلى المراد، بالتحرك نحوه، أو التحريك بالبعث والزجر، أو لا تنتهي إليه، لإمكان التخلف الثبوتي. ولكن لا يمكن حصول هذا الوصف في النفس مع عدم الجزم بتحققه إثباتا، أي لا يعقل حصول الإرادة إلا بعد العلم بأن طرفه - وهو المراد - يوجد ويتحقق، وهذا المعنى غير موجود في العلم بالضرورة. فهي من مقولة اخرى، وقد مرت مقولتها (4)، فلا تخلط، فافهم واغتنم، فإنه سيأتي بعض المباحث التي تنفعك في البيان المزبور (5)، وبها تنحل المعضلة المشهورة التي جعلت الأفهام حيارى، والأفكار صرعى، وقد هرب القوم منها إلى كل مهرب، ولكن مع الأسف أرعدوا وأبرقوا ولم يأتوا بشئ صالح، والأمر إليك فتأمل.


1 - يأتي في الجزء الثالث: 111 - 119. 2 - الكافي 1: 110 / 3، وفيه " فإرادة الله الفعل ". 3 - الحكمة المتعالية 1: 299. 4 - تقدم في الصفحة 42. 5 - يأتي في الصفحة 47 و 64 - 65. (*)

[ 46 ]

ومنها: أن العلم والقدرة كافيان في تحقق الفعل، والأخيرة تنوب عن الإرادة، لأنها محققتها وما تؤدي إلى الفعل أو الترك، فلا حاجة إلى ثالث وراءهما. وأنت خبير: بأن القدرة فسرت ب‍ " مشية الفعل أو الترك " (1) فلابد من المشية. هذا مع أنه لو كان تفسيرها: أنها القوة على الفعل أو الترك، فيكون المقدور بالنسبة إليها بالإمكان، مع أن الشئ ما لم يجب لم يوجد، فالذي هو الشئ بالنسبة إليه واجب، هي الإرادة التي تتعلق بعد الترجيح، فيصير جميع الأعدام الممكنة الطارئة عليه مسدودة من قبل علته، إلا العدم الممكن عليه من قبل عدم علته، ويصير واجبا فيوجد. وقد يتوهم عدم تمامية هذه القاعدة، لأن الإرادة قد تتحقق ولا يوجد الشئ، كما يأتي تحقيقه (2). وفيه: أنه يكشف به عدم وجوبه، لأن من شرائط تأثير الإرادة فينا، وجود القوة المنبثة في العضلات الممكنة للقبض والبسط بالإمكان الاستعدادي. وهذا التوهم كتوهم: أن هذه القاعدة تستلزم الجبر (3)، وقد عرفت: أن الإرادة مسبوقة بالاختيار والإرادة الذاتية، فلا شئ خارجا عن الاختيار، فإن اختيارية أحد المبادئ - ولاسيما مثل الإرادة - كافية في عدم الانتهاء إلى الجبر، فتدبر. فتحصل إلى الآن: أن حقيقة الإرادة أمر وراء العلم بالصلاح، ووراء الشوق والاشتياق.


1 - الحكمة المتعالية 4: 111 - 113 و 6: 307، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 177. 2 - يأتي في الصفحة 50 وما بعدها. 3 - تقدم في الصفحة 43 - 44. (*)

[ 47 ]

ومما يشهد لذلك: أن الإرادة هي الأمر الاختياري، والشوق والعلم من الامور الطبيعية، ولهذا اشتهر القول بعقاب المكلف بإرادة المعاصي، ولا يعاقب باشتهائها (1). وربما إليه يرجع قوله تعالى: * (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * (2) ومنه يعلم أيضا: أن الإرادة من الهمة، والهمة هي الحالة الحاصلة من فعالية النفس وخلاقيتها، وما كانت كذلك لا تكون داخلة في إحدى المقولات، لرجوعها إلى حقيقة الإضافة الإشراقية. إفاضة فيها إضافة اعلم: أن نسبة المعلوم إلى العلم، كنسبة المقدور إلى القدرة، فكما أن اشتداد القدرة، لا يورث تحقق المقدور بدون العلم في الفواعل الاختيارية، كذلك اشتداد العلم، لا يقتضي تحقق المعلوم بالعلم بدون القدرة، فما اشتهر بين الفلاسفة حتى أرباب الحكمة المتعالية (3) - كما اشير إليه -: " من أن العلم إذا كمل واشتد، يصير سببا للتحقق " (4) غير صحيح، لأن ماهية العلم وحقيقته ليست لها هذه الوسعة والاقتضاء، وطبيعته وذاته لا تختلف باختلاف الافق والموضوعات. لست أقول: إنه من المقولات، بل المقصود بيان ما هو لازم هويته، وثمرة وجوده، فلاتضطرب. ومن هنا يعلم: أن هذه الشبهة - وهي أن الإرادة ليست إلا إدراك لزوم الوجود - غير قابلة للتصديق، وإن كانت قوية جدا، وقريبة من افق التحقيق،


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 4: 113. 2 - يوسف (12): 24. 3 - الهيات الشفاء: 414، شرح الإشارات 3: 318، الحكمة المتعالية 4: 114. 4 - تقدم في الصفحة 43. (*)

[ 48 ]

ولاسيما بعد ذهاب هؤلاء إلى ذلك في حقه تعالى وتقدس (1)، والتفصيل يطلب من مقام آخر. ثم اعلم: أنه لا ضير في الالتزام بعدم وجود صفة بعنوان " الإرادة " كما لا يدل على ذلك كتب اللغة، فإن المتبادر منها - حسب المراجعة إليها، وإلى مواقف الاستعمال في الكتاب والسنة - ليس إلا معنى يرادف الاشتهاء والميل، أو المعنى المظهر كالطلب. فإذن إذا التزمنا بأن ما هو الجزء الأخير، هو الإدراك المتعقب بالإدراك - فإن التصور والتصديق بالفائدة والصلاح الإجماليين، غير كافيين بالضرورة، كما يظهر بالوجدان - فبعد ذلك نحتاج إلى إدراك الصلاح المطلق، وإدراك لزوم وجوده، فإنه عند ذلك يتحرك العضلات نحوه، وتحصل الحركة عقيبه. وهذا النحو من الإدراك قد يحصل بالاختيار، بأن يتصدى الإنسان للتأمل والفكر في أطراف ما تصوره، وصدق بثمرته مثلا إجمالا، من دون تصديق بفائدته الفورية، ولزوم وجوده فورا. وقد لا يحصل بالاختيار، لإمكان إدراك النفس ذلك بلا حاجة إلى التأمل، فلا يمكن نفي الثالث، ودعوى كفاية العلم بالصلاح (2) بنحو الإجمال في ذلك. اللهم إلا أن يقال: في ذلك ضرر لا يمكن التخلص منه، وهو أن الإرادة اختيارية، والنفس في إيجادها مختارة باختيارها الذاتي، ولو كان الجزء الأخير هو الإدراك، فيلزم خروج الفعل أحيانا عن الاختيار، ففي هذا أيضا شهادة قطعية على أن الصفة الأخيرة التي تحصل في النفس هي الإرادة، لما نجد - وجدانا - لزوم ذلك، وأن إدراك لزوم الوجود غير كاف، فافهم وتدبر.


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 4: 114. 2 - الهيات الشفاء: 362 - 370، المبدأ والمعاد، صدر المتألهين: 99 / السطر 8، الحكمة المتعالية 4: 114 و 6: 331 - 354، كفاية الاصول: 90. (*)

[ 49 ]

الثالث: في مبادئ وجود الإرادة بعد الفراغ من الإرادة وجودا وماهية، يقع البحث في مبادئ وجودها، وقد مر أيضا تحقيق ذلك (1)، وعرفت أن منها: التصور، ومنها: التصديق بلزوم وجوده، لا بالفائدة، فإنه كثيرا ما يشك في فائدة أمر وثمرته، ولكن بالاحتمال يريد الإنسان إيجاده. ولكن ليس معنى ذلك، أن مع التردد اللبي في النفس، يتمكن النفس من خلق الإرادة، بل لابد من الجزم بلزوم ذلك، وأن وجوده وإن كان محتملا، لفائدة أحسن من عدمه. فما ترى في كتب القوم: من اعتبار التصديق بالفائدة (2)، إن كان معناه ذلك فهو، وإلا فهو ليس من المقدمات الحتمية. وليس منها الشوق والميل النفساني، لاقدام الإنسان على المضار التي بالقياس إلى الخيرات العالية أولى من الترك، كشرب الأدوية، وأمثال ذلك. إن قلت: بعد إدراك توقف الخير الكثير على إرادة المكروه، يشتاق إليه النفس، وتميل إليه وتطلبه. قلت: قد اشير إلى أن ذلك ليس من الطيب النفساني والشوق الحيواني، بل هي الطيبة العقلائية والميل الإدراكي (3)، ولا يمكن إرادة الشوق العقلائي فيما ذكروه من مبادئ الإرادة، لأن ما جعلوه منها أعم من المبادئ لإرادة الإنسان أو الحيوان، وهذا الدرك العالي والطيب العقلائي غير متصور فيه.


1 - تقدم في الصفحة 40. 2 - كفاية الاصول: 86، أجود التقريرات 1: 88، نهاية الدراية 1: 279، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 204 و 207. 3 - تقدم في الصفحة 41. (*)

[ 50 ]

نعم، جعل الشوق المزبور أعم من الشوق الحيواني ممكن. ولكن الإنصاف عدم صدق " الشوق " على الدرك العقلي المزبور. ومن ذلك يعلم تصديق مقالتنا الماضية، من نفي إنكار تحديدها بالشوق المؤكد (1)، فافهم واغتنم. ثم إن من المبادئ لها هو القدرة على الفعل، أو احتمالها، ومع العلم بالعجز عن الفعل فلايتمشى منه الإرادة، كما هو الظاهر. الرابع: هل الإرادة جزء أخير من العلة التامة ؟ قد اشتهر بين الاصوليين: " أن الإرادة هي الجزء الأخير من العلة التامة " (2). والمشهور في الكتب العقلية: " أن من مبادئ الفعل، القوة المنبثة في العضلة القابلة للانعطاف، وذات استعداد للقبض والبسط، فإنه كثيرا ما يتفق أن الإنسان يريد تحريك يده، ولكنها - لنومها، وغلبة الرطوبة على المراكز المسلطة عليها النفس بتوسط الأرواح البخارية مثلا في الحيوانات التي لها الدم السيال - تتأبى عن قبول الحركة، وتتعصى عن الانقياد، ولا تطيع الأمر الصادر من سلطان النفس ذات القدرة والملكوت، فلا علية للإرادة " (3). والذي هو الحق: أن القول بأنها الجزء الأخير من العلة التامة، لا ينافي شرطية الإمكان الاستعدادي في الآلة التي تفعل بها، لأنها من قبيل شرطية إمكان الماهية


1 - تقدم في الصفحة 41. 2 - كفاية الاصول: 86، نهاية الدراية 1: 279، بحوث في الاصول، رسالة في الطلب والإرادة: 4، محاضرات في اصول الفقه 2: 35. 3 - شرح الإشارات 2: 411 - 412، الحكمة المتعالية 2: 251 و 4: 114، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 294. (*)

[ 51 ]

في قبول الإرادة الضرورية الأزلية الإلهية، وذلك لأنه فيما كان الشرط المذكور موجودا، ليس بين الإرادة وحصول الحركة، أمر آخر متوسط يستند إليه الحركة استناد الفعل إلى الفاعل، بل الاستناد المزبور من قبيل استناد الفعل إلى القابل، فما هو المتصور والمصدق به هي الحركة، وما هو مورد القدرة والإرادة هي الحركة، وتلك القوة شرط تأثير الإرادة. فكون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة أمر، وكونها مستتبعة للمراد مطلقا أمر آخر، وما هو المصدق هو الأول، دون الثاني، وبذلك يجمع مابين المشهورين عن الفريقين * (والصلح خير) * (1). وبعبارة اخرى: مادام الإنسان لم يتحقق منه إرادة الفعل، يكون مختارا في الفعل والترك، فبمجرد العلم والقدرة، لا يخرج الفعل عن الإمكان إلى الوجوب، ولا يكون الأمر خارجا عن اختياره، وهكذا في إيجاد الإرادة، كما اشير إليه، ويأتي في التنبيه الآتي، ولكنه بعد إيجادها لا يتمكن من التخلف عن المراد، وإن يمكن أن لا يتحقق المراد في المحيط الذي أراد تحققه، لما عرفت من الشرط الآخر في تحقق الفعل. فلا يمكن نفي كون الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة، لأن العلية التامة التي يتقيدها النفس وفي تحت قدرتها، هي الإرادة وبعض مبادئها أحيانا، وما هو شرط التحقق خارج عن القدرة والاختيار. كما لا يمكن دعوى: أن الفعل يتحقق بالإرادة، لإمكان التفكيك، فإنه عند العلم بالقدرة على تحريك حجر، تتمشى إرادة ذلك، ولا تتحقق الحركة، لثقلة، فلا تخلط.


1 - النساء (4): 128. (*)

[ 52 ]

ثم إن علية الإرادة وجزئيتها للعلة التامة، تابعة لكيفية تعلقها بالمراد، وهذا لا ينافي ما ذكرناه، وعليه بناء الواجب المعلق في الاصول. وبه يندفع الإشكال المعروف في المعقول: " من أن إرادة الرب أزلية، فكيف يوجد المراد فيما لا يزال ؟ ! " والتفصيل في محله (1). الخامس: حول إشكال اختيارية الإرادة واضطراريتها من المباحث المتعلقة بالإرادة: أنها هل هي اختيارية، أو اضطرارية، وأن النفس توجدها على أن تكون فاعلها بالاختيار، أو هي توجدها على أن تكون علتها الطبيعية والإلجائية ؟ وعلى التقديرين يلزم إشكال، فإنها إن كانت اختيارية، فقد سبق أن قلنا: إن الأفعال الاختيارية مسبوقة بالإرادة، فلابد من إرادة اخرى سابقة عليها، فيتسلسل. وإن كانت توجد قهرا عليها، فتكون النفس مضطرة إليها، فلا يكون الفعل الصادر والحركة المستعقبة لها، من الفعل الاختياري، لما قد سبق: أنها الجزء الأخير من العلة التامة، أو قد سبق: أن ميزان اختيارية الفعل الصادر اختيارية الإرادة، ضرورة أنه بعد تحققها فلا اختيار له بعد ذلك. وهذا لا ينافي الاختيار لما أن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا يلزم من هنا إشكال على قاعدة " إن الشئ ما لم يجب لم يوجد " كما لا يخفى عليك إن كنت من أهل الفن. ثم إن القوم في تقرير هذه المسألة توهموا: أن الشبهة ينجر ذيلها إلى إرادة الله تعالى، وأن الإشكال لا يمكن أن يحرر إلا بإرجاع الإرادة في السلسلة الطولية، إلى


1 - الحكمة المتعالية 6: 314 و 348 و 379، و 7: 282 و 332. (*)

[ 53 ]

الإرادة الأزلية القديمة (1). مع أنك أحطت مما تلوناه عليك: بأن الإشكال يتم تقريرا من غير مساس الحاجة إلى إرجاعها إلى إرادته تعالى. فتحصل: أن الإرادة لما كانت من الموجودات الواقعية، فتحتاج في تحققها إلى العلة والمبادئ، فإن كانت من قبيل حرارة النار، فتحصل وتوجد من النفس قهرا وطبعا، فالنفس فاعلها بالطبع، وإن كانت من قبيل سائر الأفعال الاختيارية، فتحتاج النفس في إيجادها إلى المبادئ الوجودية، ومنها الإرادة فيتسلسل، والكل غير قابل للتصديق بالضرورة والوجدان، لأن معنى التسلسل عدم تحقق الإرادة رأسا، وهو واضح المنع، ووجه الضرورة في الأول أوضح. وهذه الشبهة هي العويصة المعروفة التي قد جعلت الأفهام حيارى، والأفكار صرعى، فهرب كل منهم مهربا، وأتوا بأجوبة لا بأس بالإشارة إلى بعض منها، ومن الذين تصدوا وحاولوا الجواب عنها، المعلم العليم الحكيم المعظم، وفخر علماء بني آدم، السيد الماجد المير، محمد الداماد (قدس سره) فقال: " هذا الشك مما لم يبلغني عن أحد من السابقين واللاحقين شئ في دفاعه. والوجه في ذلك: أنه إذا انساقت العلل والأسباب المترتبة المتأدية بالإنسان إلى أن يتصور فعلا، ويعتقد فيه خيرا ما، انبعث إليه تشوق إليه لا محالة، فإذا تأكد هيجان الشوق، واستتم نصاب إجماعه، تم قوام الإرادة المستوجبة لاهتزاز العضلات والأعضاء الأدوية، فإن تلك الهيئة الإرادية حالة شوقية إجمالية للنفس، بحيث إذا قيست إلى الفعل نفسه، وكان هو الملتفت إليه بالذات، كانت هي شوقا إليه، وإرادة له. وإذا قيست إلى إرادة الفعل، وكان الملتفت إليه هي نفسها، لانفس الفعل، كانت


1 - كفاية الاصول: 88 - 89، بحوث في الاصول، رسالة في الطلب والإرادة: 49، محاضرات في اصول الفقه 2: 52 - 53. (*)

[ 54 ]

هي شوقا وإرادة بالنسبة إلى الإرادة، من غير شوق آخر وإرادة اخرى جديدة. وكذلك الأمر في إرادة الإرادة، وإرادة إرادة الإرادة... إلى سائر المراتب التي في استطاعة العقل أن يلتفت إليها بالذات، ويلاحظها على التفصيل. فكل من تلك الإرادات المفصلة تكون بالإرادة، وهي بأسرها مضمنة في تلك الحالة الشوقية الإرادية. والترتيب بينها بالتقدم والتأخر عند التفصيل، ليس يصادم اتحادها في تلك الحالة الإجمالية بهيئتها الوحدانية، فإن ذلك إنما يمتنع في الكمية الاتصالية والهوية الامتدادية، لاغير " (1) انتهى ما هو المهم من كلامه، رفع في مقامه. ويتوجه إليه أولا: أن الحالة الشوقية والهيجان المتأكد، ممنوعة في كثير من الإرادات، كما مر (2)، فإن الإرادة تحصل في افق النفس لدرك العقل توقف الفرار من الموت على قطع الأعضاء، من غير وجود تلك الحالة حتى تكون هي صندوق الإرادة، كلما شاءت النفس أخرجت منها إرادة. فكأنه (قدس سره) قطع السلسلة، بأن الإرادة الاختيارية، ليست معلولة الإرادة المتقدمة عليها إلا بهذا المعنى، أي أن الشوق الذي أورث الإرادة في الفرض الأول، هو السبب لتحقق إرادة الإرادة في الفرض الثاني، وهكذا. وعلى هذا لا يتوجه إليه ما أورده عليه تلميذه الأكبر من الإشكالات الثلاثة. والعجب أنه لم يصل إلى مغزى مرامه ! ! وقال: " هذه الإرادات الكثيرة قابلة لأن نأخذها، ونطلب أن علتها أية شئ هي ؟ فإن كانت إرادة اخرى، لزم كون شئ واحد داخلا وخارجا بالنسبة إلى شئ واحد بعينه، وهو مجموع الإرادات، وذلك محال.


1 - القبسات: 473 - 474، الحكمة المتعالية 6: 389. 2 - تقدم في الصفحة 41. (*)

[ 55 ]

وإن كان شيئا آخر، لزم الجبر في الإرادة، وهذا هو الحق " (1) انتهى. وكأنه (قدس سره) أخذ هذا التقرير مما قيل في الاستدلال على بطلان التسلسل: " من إثبات الغني بالذات بين السلسلة الفقراء غير المتناهية " غفلة عن بطلان القياس، وأجنبية ما رامه السيد عما أفاده التلميذ كما عرفت، فلا تخلط. ويتوجه إليه ثانيا: أن قطع السلسلة بذلك، لا يستلزم رفع الشبهة، لأنه إذا كانت الإرادة حاصلة قهرا وبالطبع، تكون النفس فاعلة بالطبع بالنسبة إليها. وإن كانت حاصلة بالاختيار، فلابد من إرادة، والشوق المزبور إما هو نفس الإرادة، فيلزم عدم اختيارية الفعل، لأنها غير اختيارية وميل طبيعي، وإما هو سبب الإرادة، فيكون المعلول - وهي الإرادة - حاصلا في النفس بلا اختيار، فيكون الفعل بلا اختيار، فما هو المهم في الشك والشبهة المزبورة، مغفول عنه في كلامه. وأما ما أورده عليه المحقق الفحل النحرير في الفن، الوالد المعظم الجليل - مد ظله العالي -: " من أن السلسلة في الامور الاعتبارية تنقطع بانقطاع النظر، كما في إمكان الممكنات، ووجوب الواجب، وضرورة القضايا الضرورية، وإنما الإرادة من الحقائق المحتاجة إلى العلة، وهي إما إرادة اخرى، أو شئ من خارج، فيتسلسل، أو يلزم الاضطرار والجبر " (2) انتهى. فهو غير وجيه، لأنه يقول: بأن إرادة الفعل معلولة الشوق، وإرادة إرادة الفعل معلولة الشوق المزبور، أو يقول: الشوق المزبور هي إرادة الفعل، وسبب إرادة الإرادة وهكذا، فلا يلزم كونها بلا علة، بل علتها الشوق. وإن كانت عبارته المحكية عنه، لا تخلو عن إيهام أن الأمر - بحسب الواقع - تابع الاعتبار، ولكن لابد من تنزيه جنابه عما يستظهر من كلامه بدوا.


1 - الحكمة المتعالية 6: 390. 2 - الطلب والإرادة: 97. (*)

[ 56 ]

فتحصل: أن ما أورده عليه العلمان - عفي عنهما - في غير محله، وكلام السيد قابل للتأويل بالوجه القريب، ولكنه مع ذلك غير صحيح، لما عرفت منا، فلاحظ وتدبر جيدا. فتحصل: أن السيد (قدس سره) في مقام قطع التسلسل، بدعوى أن في النفس خزانة الإرادة، لا بمعنى وجود الإرادات الطولية بالفعل، حتى يتوجه إليه إشكال تلميذه، بل بمعنى قوة خلاقة للإرادة، أو هي نفس الإرادة إذا لوحظت بالنسبة إلى الفعل الخارجي، وتلك القوة - وهي الشوق الأكيد - كافية في حصول الإرادة إذا لوحظت الإرادة نفسها. والذي يتوجه إليه: أن بذلك ينقطع السلسلة، إلا أن تلك القوة أولا: ممنوعة. وثانيا: التسلسل الذي يلزم لا يكون قابلا للدفع، لأن ما هو المقصود من " التسلسل " هو أن وصف الاختيار للفعل الاختياري، موقوف على كون إرادته موصوفة بالاختيار، ووصف هذه الإرادة موقوف على اتصاف إرادتها، فيتسلسل، لاحتياج المتأخر إلى المتقدم، فيلزم الخلف، لعدم إمكان اتصاف المتأخر إلا بعد انقطاع السلسلة، فإذا كان المتأخر موصوفا يعلم عدم التوقف، وهذا هو التناقض الذي يلزم من صحة التسلسل، فافهم واغتنم. ومن الذين تصدوا لدفع الشبهة صاحب " الحكمة المتعالية " فقال: " المختار ما يكون فعله بإرادته، لا ما يكون إرادته بإرادته، وإلا لزم أن لا يكون إرادته تعالى عين ذاته، والقادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر عنه الفعل، وإلا فلا، لا ما يكون إن أراد الإرادة للفعل فعل، وإلا لم يفعل " (1) انتهى. وبعبارة أتى بها المحقق الوالد - مد ظله - في رسالته: " إن الإرادة من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، وزانها وزان سائر الصفات الكذائية، فكما أن المعلوم ما


1 - الحكمة المتعالية 6: 388. (*)

[ 57 ]

تعلق به العلم، لا ما تعلق بعلمه العلم، والمحبوب ما تعلق به الحب، لا ما تعلق بحبه الحب وهكذا، كذلك المراد ما تعلق به الإرادة، لا ما تعلق بإرادته الإرادة، والمختار من يكون فعله بإرادة واختيار، لا إرادته واختياره. ولو توقف الفعل الإرادي على كون الإرادة المتعلقة به متعلقا للإرادة، لزم أن لا يوجد فعل إرادي قط، حتى ما صدر عن الواجب. إن قلت: هذا مجرد اصطلاح لا يدفع به الإشكال من عدم صحة العقوبة على الفعل الإلجائي الاضطراري، فإن مبدأ الفعل - وهو الإرادة - إذا لم يكن اختياريا، يكون الفعل اضطراريا، فلا يصح معه العقوبة. قلت: هاهنا مقامان: أحدهما: تشخيص الفعل الاختياري عن الاضطراري. وثانيهما: تشخيص مناط صحة العقوبة عند العقلاء. أما المقام الأول: فلا إشكال في أن مناط الإرادية في جميع الأفعال الصادرة من الفاعل - واجبا كان، أو ممكنا - ما عرفت. وأما المقام الثاني: فلاريب في ترخيص جميع العقلاء من كافة الملل، العقوبة على العصيان، ويفرقون بين الحركة الارتعاشية، والحركة الإرادية " (1) انتهى ملخص ما أفاده، وكان يعتمد عليه، ولم يوجه إليه إشكالا في رسالته المعمولة في الطلب والإرادة. أقول أولا: إن السيد الاستاذ تصدى للدفاع من ناحية لزوم التسلسل، وقد عرفت حاله، وهذا النحرير الأكبر والعالم الأعظم والمبتكر المفخم، حاول الدفاع من ناحية اختيارية الفعل واضطراريته، مع أن من المشكل حل كيفية وجود الإرادة في النفس، وأنها توجد بالاختيار والإرادة، أم لا، من غير النظر إلى مصححات العقوبة والمثوبة.


1 - الطلب والإرادة: 105 - 107. (*)

[ 58 ]

وثانيا: إذا كانت الإرادة غير اختيارية، وكانت هي السبب الوحيد للفعل، وكانت الجزء الأخير من العلة التامة بعد تمامية الشرائط - على الوجه الماضي تفصيله - فكيف يوصف الفعل بالاختيار ؟ ! وما نرى من اتصاف الفعل بالاختيار، فهو لأجل رجوع مبادئه إلى الاختيار، ولذلك سيقت قاعدة " الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " ولاريب أن العلم والتصديق والميل، ليس اختياريا في كثير من الأفعال، وما هو الوحيد والدائم تحت اختيار سلطان النفس - إن كانت الإرادة - فهي، وإلا فلا وجه لتوصيف الفعل بالاختيار. وأما النقض بالواجب، فهو موكول إلى محله تفصيلا، وإجماله: أن إرادته الفعلية تحصل بالاختيار الذاتي والإرادة الذاتية، كما يأتي منا بيانه، فلا يلزم من كون الفعل مختارا، عدم كون إرادته تحت الاختيار، إن ثبت الاختيار الذاتي. ثم إن من أعمال القوة النفسانية، هي المسماة في عصرنا ب‍ (الهيپنوتيزم) وهذا هو تأثير النفس في النفس الاخرى بإلقائها الإرادة عليها، وجعل مبادئ الفعل تحت سلطانها، قبال (منيتيزم) الذي هو التصرف في القوة المنبثة في العضلة، وفي أمر خارج عن سلطان النفس الاخرى والطرف، فهل يقبل العقل إجراء العقوبة على من صنع به ذلك، مع أنه فعله بالإرادة ؟ ! وأما ما أتى به السيد الوالد - مد ظله - من البرهان، فهو يرجع إلى تحرير الشبهة، فإنه إذا كانت إرادة الفعل محتاجة إلى الإرادة يلزم التسلسل، وقضية بطلانه عدم تحقق الفعل الإرادي مطلقا، وليس هذا أمرا آخر، ولا دليلا على حل الشبهة، كما لا يخفى. وثالثا: وإن شئت قلت وسادسا: تحسين العقوبة وتقبيحها - بحكم العقلاء - هما الحسن والقبح العرفيان، والذي هو مقصود العدلية والإمامية، إثبات الحسن

[ 59 ]

والقبح العقليين، فإذا كان - بحسب درك العقل - حركة اليد المرتعشة كحركة يد غير المرتعش في عدم كونها بالاختيار، تكون الاولى ليست اختيارية، لأجل خروج تلك القوة عن سلطان النفس، والثانية لأجل خروج علتها عنه، فلا تخلط بين الحسنين والقبحين العقلائيين والعقليين، فافهم واغتنم. ثم إنه (قدس سره) أضاف في ذيل كلامه قوله: " على أن لأحد أن يقول: إن إرادة الإرادة - كالعلم بالعلم، وكوجود الوجود، ولزوم اللزوم - من الامور الصحيحة الانتزاع، ويتضاعف فيه جواز الاعتبار لا إلى حد، لكن تنقطع السلسلة بانقطاع الاعتبار من الذهن الفارض، لعدم التوقف العلي هناك في الخارج " (1) انتهى. وأنت بعدما علمت مغزى كلام استاذه المير الداماد (قدس سره) من أنه أيضا تصدى لذلك، وعرفت ما وقع هو فيه، فلا نعيد مواضع الشبهة هنا، لمرورك عليها آنفا. فتحصل إلى هنا: أن المقصود الأقصى والمطلوب الأعلى، حل الشبهة من ناحية اختيارية الفعل ولا اختياريته، ولا ابالي من توصيف الفعل ب‍ " الإرادي " فإنه يكفي فيه مجرد استباقه بالإرادة وإن كانت الإرادة بالاضطرار، وما هو اللازم كون الفعل موصوفا بالاختيار عند العقل الدقيق البرهاني، دون الأفهام السوقية الساذجة، ولا شبهة في أن وصف الاختيار للفعل متقوم باستباقه بالاختيار، وإذا كان المبادئ والفعل خارجة عنه، فكيف هو يوصف به ؟ ! فلا تخلط. وما ترى في حاشية العلامة الأصفهاني (رحمه الله): من توهمه حل الشبهة بما أفاده صدر المتألهين في المسألة (2)، لا يخلو من تأسف. ومن الذين تصدوا لحلها، العلامة الهروي صاحب " الكفاية " (قدس سره) فقال - بعد خروجه عن فنه، ودرج المسألة فيما ليس من أهله، وخلطه بين الاصول العقلية،


1 - الحكمة المتعالية 6: 388 - 389. 2 - نهاية الدراية 1: 288. (*)

[ 60 ]

وعدم نيله القواعد الأولية، كما هو الظاهر الواضح على من له أدنى إلمام بها -: إنما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الإرادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، وإلا فلابد من صدورها بالاختيار " (1) انتهى مورد الحاجة منه. وفيه: - مضافا إلى أن أصل الشبهة، هو أن الإرادة التي هي من الموجودات المحتاجة إلى المؤثر، كيف تحصل وتوجد ؟ فإن كان ذلك بإرادة اخرى يتسلسل، وإن كان بنفسها فيدور، وإن كانت النفس فاعلها بالطبع، فهو مضافا إلى مخالفة الوجدان، لا يساعده البرهان الآتي - أن مبادئ الإرادة قد لا تكون اختيارية، وهو العلم، والاقتدار على الفعل، والميل والاشتياق إليه. مثلا: قد يتفق أن يحصل العلم بوجود الحرام في البيت، من إسماع الغير الاختياري، ثم تشتاق إليه النفس قهرا وطبعا، وتكون لها القوة على الإتيان به بالفطرة، فإذا حصلت هذه المبادئ، فأين المبدأ الذي هو الاختيار ؟ ! وإن قلنا: بأن الإرادة اختيارية بالوجدان فهو صحيح، ولكن الإشكال المزبور في كيفية اختياريتها، مع احتياجها في ذلك إلى نفسها أو سنخها، وفي الكل محذور، كما اشير إليه مرارا. وأما ما يظهر من تلميذه المحشي: من إرجاع كلامه إلى الإرادة التشريعية، وأن متعلقها الفعل الاختياري للعبد، دون مطلق الفعل (2)، فهو غير سديد، لأن الإشكال في كيفية إرادة الله تعالى أمر، وفي كيفية إرادة العبد لفعله المباشري أمر آخر، والبحث هنا في الثاني وإن ينجر ذيله إلى الأول. ولكنك عرفت: أنه انجرار غير لازم (3)، لأن الشبهة متوجهة إلى جميع


1 - كفاية الاصول: 89. 2 - نهاية الدراية 1: 284. 3 - تقدم في الصفحة 52 - 53. (*)

[ 61 ]

الطوائف من الملل حتى المنكرين للمبدأ الأعلى، خذلهم الله تعالى، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. ثم إنه يرد عليه: أن معنى اختيارية بعض مبادئها، أنه يحصل بالإرادة، فيأتي السؤال عن هذه الإرادة المتعلقة بذلك المبدأ الاختياري. وهذا ما أورده عليه الوالد المحقق - مد ظله وجزاه الله خيرا - (1). ومنهم صاحب " الدرر " (قدس سره) فقال: " إن الإرادة قد تتحقق لمصلحة في نفسها، لأنا نرى بالوجدان إمكان أن يقصد الإنسان البقاء في مكان عشرة أيام، ويكون الأثر مترتبا على القصد، دون البقاء " (2) انتهى. وفيه: نقض بأن تلك الإرادة إذا كانت من الحوادث، فتحتاج إلى إرادة اخرى، فيتسلسل. وفيه أيضا: أن تلك الإرادة لو كانت نفس المصلحة - في نفسها - كافية في تحققها، فينسد باب إثبات الصانع، للزوم جواز الترجح بلا علة ومرجح. والحل: أن الإرادة قد تتعلق بما فيه الصلاح والمطلوب النفسي، وقد تتعلق بما فيه الصلاح والمطلوبية الغيرية. وعلى الثاني تارة: يكون الغيرية لأجل توقف الخير والصلاح في الأمر الخارجي. واخرى: لأجل الخير والصلاح في نفس الإرادة، لكونها موضوعا في الأدلة، كما فيما نحن فيه، فالإرادة لابد وأن تتعلق بالراجح وهو البقاء، ورجحانه من قبل توقف موضوع الأدلة على الإرادة، وإذا كانت هي من الصفات ذات الإضافة، فيكون المضاف إليه دخيلا بالمعنى الحرفي، وخارجا بالمعنى الاسمي، فالتقيد داخل،


1 - الطلب والإرادة: 100. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 338. (*)

[ 62 ]

والقيد خارج، فلا تغفل. وربما يقال - والقائل السيد الاستاذ البروجردي في مباحث التعبدي والتوصلي - دفعا للإشكال: " بأن إرادية كل شئ بالإرادة، وإرادية الإرادة بنفسها، وهذا كما في الوجود وأمثاله " (1). وأنت خبير بما فيه من الخلط بين الحيثية التعليلية والتقييدية، وربما يرجع ذلك إلى ما ورد في الأخبار: من " أن الله تبارك وتعالى خلق الأشياء بالمشية، وخلق المشية بنفسها " (2) وسيأتي تحقيقه عند ذكر الحق في المسألة (3). والذي أفاده الوالد - مد ظله - بعدما أفاض في تحقيق المسألة، ويأتي بيانه زائدا عليه: " هو أن النفس في الأفعال الخارجية الصادرة منها، لما كان توجهها الاستقلالي إليها، وتكون المبادئ - من التصور إلى العزم والإرادة - منظورا بها، أي بنحو التوسل إلى الغير، وبنعت الآلية، لم تكن متصورة، ولا مرادة، ولا مشتاقا إليها بالذات، بل المتصور والمراد والمشتاق إليه، هو الفعل الخارجي الذي يتوسل بها إليه، فلا معنى لتعلق الإرادة بالإرادة ولو فرض إمكانه، لعدم كونها متصورة، ولا مشتاقا إليها، ولا معتقدا فيها النفع " (4) انتهى. وأنت ترى أنه حل عرفي، وخارج عن حيطة المسألة العقلية، وأن تمام الشبهة حول كيفية حدوث الإرادة حسب القواعد العقلية، ولا معنى لمثله فيما يكون سلطانه العقل، وسبيله البرهان ولا يقاس بالموضوعات الشرعية. هذا مع أن في بعض الأحيان، تكون هي منظورا فيها، كما في قصد الإقامة.


1 - نهاية الاصول: 122. 2 - الكافي 1: 110، بحار الأنوار 57: 56. 3 - يأتي في الصفحة 64 - 65. 4 - الطلب والإرادة: 112. (*)

[ 63 ]

ولقد حان وقت طلوع ما به تنحل المعضلة، وترتفع الشبهة، وقد مر إجماله منا في السالف بإثبات الإرادة والاختيار الذاتيين للنفس، وأن السلسلة قهرا تنقطع بذلك (1). وقبل الخوض في الجواب، نشير إلى إعضال آخر في المقام: وهو أن فعل الله تعالى إما يكون بالإرادة، أو لا، لاسبيل إلى الثاني، فإن كان بالإرادة فهي إما عين ذاته، أو زائدة عليها لاسبيل إلى الثاني، للزوم الإمكان، والتركب من النقص والكمال، وللتسلسل، ضرورة أن هذه الإرادة إما تحصل بلا إرادة، أو تحصل بنفسها، أو بإرادة اخرى زائدة، والكل ممنوع، فيتعين كونها مستندة إلى إرادة ذاتية. وتوهم كفاية العلم الذاتي والقدرة الذاتية، لحصول تلك الصفة الزائدة على الذات، غير سديد كما عرفت (2)، ضرورة أن المشية مأخوذة في القدرة، فكيف تكون القدرة ذاتية، ولا تكون المشية عين ذاته ؟ ! هذا مع أن نسبة المعلوم والمقدور إلى العلم والقدرة بالإمكان، " والشئ ما لم يجب لم يوجد "، من غير فرق بين العلم الإمكاني والوجوبي، والقدرة الإمكانية والوجوبية، لعدم التخصيص في الأحكام العقلية. هذا مع أن المقصود الأقصى إثبات الاختيار الذاتي، فهو تعالى ذو اختيار، وليس صفة الاختيار له زائدة على ذاته بالضرورة، وإلا يلزم تحققها لذاته بلا اختيار، فما ترى في كتب المتكلمين وجماعة من الاصوليين: من نفي الإرادة الذاتية (3)، ظانين المصاعب الكثيرة في ذلك، كله ناشئ عن الجهالة، وعدم نيل


1 - تقدم في الصفحة 44. 2 - تقدم في الصفحة 46. 3 - شرح المقاصد 4: 128 و 133، شرح المواقف 8: 85 - 86، محاضرات في اصول الفقه 2: 37 - 38. (*)

[ 64 ]

الحقائق من الطرق الصحيحة. وهذا هو معنى الحديث الشهير: " إن الأشياء خلقت بالمشية، والمشية بنفسها " (1) فإن المشية الفعلية - وهي الوجود المنبسط مثلا - معلولة المشية الذاتية، وإلا فلا يعقل خلق الشئ بنفسه الشخصية، كما لا يخفى. إذا عرفت ذلك، فلابد من أن تطلع على أن النفس المتحدة، هي من دار القدرة والملكوت، ومن ذوات التجرد والجبروت، تكون ظله تعالى في استجماعها جميع القوى - بنحو الكثرة - في الوحدة، على وجه لا يناقض بساطتها، ولايضاد وحدتها. وإن شئت قلت: أفعال النفس تنقسم إلى الأفعال الجوارحية، والجوانحية، فما كانت من أفعالها الجوارحية، تحتاج في وجودها إلى المبادئ المفصلة المزبورة، من التصور إلى العزم والإرادة، وما كانت من أفعالها الجوانحية، فلا معنى لاحتياجها في خلقها إلى المبادئ، كما هو الواضح بالوجدان. فإذا لاحظت حال خلق النفس للصور العلمية، وأنها تقدر على إيجادها لأجل وجود الملكة العلمية، أو لأجل كونها خلاقة لها، لارتفاع الحجب والموانع عن تأثيرها فيها، ولا تكون في ذلك محتاجة إلى تصورها، بل هي توجد بنفس التصور، وكثيرا ما تقتدر على إيجاد الصور والمتخيلات بالاختيار، أي قد يحصل المعنى التصوري في النفس بالأسباب والمعدات الخارجية، كالسماع والإبصار، فعند ذلك لا تكون هي مختارة في حصولها. ولكن فيما إذا كانت المبادئ لتحقيق المعنى التصوري، موجودة في خزانة النفس من قبل، وتكون واجدة لمواد المرتسمات الذهنية، تكون بالاختيار والخيار في ذلك أحيانا. ولكن لا اختيار لها على الإطلاق من جميع الجهات، كما لا خيار


1 - الكافي 1: 85 / 4، التوحيد: 148. (*)

[ 65 ]

للمبدأ الأعلى في علمه بذاته وعلمه بغيره، لا لقصور في حقه تعالى، بل لعدم تعلق الاختيار في الواجبات والضروريات. إذا لاحظت ذلك، تقدر على أن تكون على بصيرة في الإرادة والقصد والعزم التي هي من الأفعال الجوانحية، فإنها خلاقة لها، وفعالة لها، من غير حاجة إلى الإرادة الفعلية والاختيار الزائد على ذاتها، بل نفس ذاتها - بما لها من الكمالات الأولية، وبما أنها مستجمعة لجميع النعوت بنحو الجمع والاندماج، مع نهاية الضعف والفتور - مختارة في ذلك. بل الاختيار من الأوصاف الذاتية غير المنقسمة إلى الاختيار الذاتي والفعلي، بخلاف العلم والقدرة والإرادة، ودليل ذلك عدم المحاكاة له في الأعيان، ولا الأذهان، مع وجوده فينا وفي المبدأ الأعلى بالقطع واليقين. فعلى ما تقرر إلى هنا، تندفع الشبهة، وتنقطع السلسلة، ويثبت الاختيار. وهذا الذي ذكرناه مضافا إلى موافقته للبرهان، يشاهده الوجدان، فإن " من عرف نفسه فقد عرف ربه " (1) فإذا لاحظ كيفية تصدي النفس لخلق هذه الأفعال، وأنها بالنسبة إليها فاعلة بالعناية، بل بالتجلي - بخلاف فاعليتها لأفعالها الجوارحية، فإنها بالقصد والآلة - يتوجه إلى كيفية فاعليته تعالى، وإن كان هذا الأمر خارجا عما حاولته هذه السطور من التوضيح والتحرير. إن قلت: هذا فيما إذا كانت الإرادة والصور العلمية من الأفعال ومخلوقاتها، وأما إذا كانت من العوارض وحالاتها القائمة بها قياما الحلوليا، فلايتم ما افيد وتقرر. قلت: نعم، ولكن شهادة الوجدان وقضية البرهان - كما مر تفصيله - على أن الأمر ليس كما توهم، ولاسيما في الإرادة. مع أن مقتضى ما هو الأقرب، أنها بالنسبة


1 - غرر الحكم ودرر الكلم: 7946. (*)

[ 66 ]

إلى جميع المدركات الخيالية والوهمية بالإيجاد وخلق المماثلات، على التفصيل المذكور في الكتب المفصلة (1)، وما هو النافع لنا هنا كون الإرادة فعلها، وهو كذلك بالضرورة والوجدان. بل الحق بناء على كونها قائمة بالنفس قياما حلوليا أيضا، استنادها إليها، وتقومها بها، فتكون النفس متصدية لوجودها، ولكن ذلك لا بإرادة اخرى زائدة على ذاتها، بل بإرادة عين ذاتها، واختيار عين حقيقتها، فإنها مجمع الكمالات، قضاء لحق تجردها، ولحق التشكيك الخاصي الثابت بين أنحاء الوجودات، ولاسيما المجردات كما لا يخفى. إن قلت: كيف يعقل الإرادة الذاتية مع كونها من الصفات ذات الإضافة، فيلزم كون جميع المرادات داخلة في الذات، وقديمة الوجود وقديما ذاتيا ؟ ! قلت: هذا في المبدأ الأعلى مندفع: بأن المراد نفس ذاته، لأنه المحب والمحبوب، والغاية في الخلق ذاته، بظهورها عليها، كما في الحديث الشريف (2). ونظيره فينا إذا تعلقت ببقاء الإنسان، فإن المراد نفس الذات، لا أمرا خارجا عنها حتى يلزم ما توهم. وليس معنى تعلق الإرادة المتعلقة بالذات، كون الذات متصدية لإيجادها، بل ذلك تابع لكيفية تعلق الإرادة، كما مضى (3). هذا في المبدأ الأعلى. وأما فينا، فربما يشكل لأجل عدم تصدي النفس للإرادة دائما، بل ربما تريد، وربما لا تريد بالإرادة الفعلية، وتلك الإرادة معلولة الإرادة الذاتية، فيلزم الاضطرار الدائم للإرادة الذاتية.


1 - الحكمة المتعالية 2: 264 - 266. 2 - لعله إشارة إلى حديث " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف "، بحار الأنوار 84: 344. 3 - تقدم في الصفحة 43 - 44. (*)

[ 67 ]

وحله: أن المراد من " الإرادة الذاتية " هو تصدي الذات لخلق الإرادة الفعلية، من غير احتياجها إلى الإرادة الاخرى، والذات تحتاج في التصدي إلى المبادئ، وإذا حصلت المبادئ وادرك الصلاح، يختار الإرادة، من غير الحاجة إلى الإرادة الاخرى، وهذا لا يستلزم كون الفعل النفساني - وهي الإرادة - اضطرارية، لاختيارية ذاتية سابقة عليها. إن قلت: نسبة الإرادة الفعلية إلى الاختيار الذاتي بالإمكان، فلابد من الإرادة، لخروجها من الإمكان إلى الوجوب. قلت: لا يتقوم الخروج المذكور بثبوت الإرادة الذاتية في النفس، بل النفس تتصدى لذلك من غير احتياج إليها، كما هو المشاهد بالوجدان. وإن شئت قلت: إدراك رجحان وجودها، كاف في صرف قدرتها إلى طرف، فتأمل جيدا. إن قلت: لا معنى للإرادة الذاتية والاختيار الذاتي في الممكنات، لأن المراد من " الذاتي " إما ذاتي باب الإيساغوجي، أو ذاتي باب البرهان: أما الأول: فواضح المنع. وأما الثاني: فهو خارج المحمول الذي لا يتصور إلا في حقه تعالى، الذي ذاته الوجود والعلم والقدرة والإرادة، وأما في الممكنات فإن لها الماهيات، والوجود وكماله خارج عنها، ومحمول عليها بالضميمة، وإن كانت الحيثية التعليلية عين الحيثية التقييدية في المجردات الأمرية. قلت: نعم، ولكن كمالات الوجود بما هو الوجود، كلها خارج المحمول، من غير فرق بين أنحاء الوجودات. نعم، بالقياس إلى الحدود والماهيات محمولات بالضميمة، فالإرادة ذاتية للنفس، أي أن وجود النفس واجد لها بوجدانها أصل وجودها، لا أمر زائد عليها، كما في الصور الارتسامية والمعاني الوهمية، فإنها موجودة لها، زائدة على أصل

[ 68 ]

الوجود، ظاهرة عليها من بطونها بعد ارتفاع الحجب عنها، أو بعد اتصافها بالملكية الداخلة في أصل وجودها، خلاقة للصور المفصلة. هذا مع أن المعروف بين أبناء الفضيلة، أن النفس وما فوقها إنيات صرفة لا ماهية لها (1)، من غير لزوم التنافي مع القاعدة المعروفة " كل ممكن زوج تركيبي من ماهية ووجود " وللمسألة شأن آخر، ومعلم ومتعلم أعلى، فلتطلب من محالها. وبعبارة اخرى: جعل النفس بالجعل البسيط، يكفي عن جعل الإرادة والاختيار الذاتيين، بخلاف الإرادة والعلم الزائدين على أصل وجودها، فإنهما يحتاجان إلى جعل آخر، فهذا هو المراد من " الذاتي " في المسألة، فلا تخلط، ولا تغتر بما في ظواهر سمعتها. والمناط في تشخيص العناوين الذاتية عن غيرها: هو أن كل حيثية كانت النفس عالمة بها بعلم حضوري - بمعنى أن علمها بنفسها كاف عن العلم بها - فهي داخلة في وجود النفس، ولا يعقل جعل بينها وبين النفس، ولا شبهة - وجدانا - في أن الاختيار مما يدركه النفس بإدراك ذاتها، لا بصورة زائدة على ذاتها. إن قلت: الاختيار الذاتي والإرادة الذاتية، يستلزم التفويض. قلت: كلا، فإن التفويض يستلزم وجوب الوجود، والاستقلال في الفعل يلازم الاستقلال في الذات، وهذا غير لازم من تلك المسألة، فتدبر. السادس: حول تقسيم الإرادة إلى التكوينية والتشريعية من تلك المباحث بحث تقسيمها إلى الإرادة التكوينية والتشريعية، وهذا التقسيم ليس بلحاظ ذاتها، لعدم اختلافها في القسمين بحسب الحقيقة، بل التقسيم بلحاظ أمر خارج عنها متعلق بها، وهو متعلقها، وسرايته إليها لأجل كونها من


1 - لاحظ الحكمة المتعالية 1: 43. (*)

[ 69 ]

الصفات ذات الإضافة، فتلك الإرادة في التشريعية والتكوينية واحدة، وإنما اختلافها بحسب المراد. ثم إن الذي حداهم إلى هذا التقسيم، ما رأوا من القاعدة المعروفة المسبوقة " وهي أن الإرادة الجزء الأخير من العلة التامة " فبعدما سمعوا ذلك، لاحظوا انتقاضها بالإرادة المتعلقة في الأوامر والنواهي بصدور الفعل من المكلف، مع عدم صدوره منه، فإنها تتخلف عن المراد، فبنوا على تخصيص القاعدة العقلية، أو تضييق مصبها، وبيان موقفها: فقال " الكفاية " في موضع منها جوابا عن النقض المزبور: " بأن استحالة التخلف، إنما تكون في الإرادة التكوينية، وهي العلم بالنظام على النحو الكامل التام، دون الإرادة التشريعية، وهو العلم بالمصلحة في فعل المكلف، وما لا محيص عنه في التكليف إنما هو هذه الإرادة التشريعية، لا التكوينية " (1) انتهى. وقد صدقه جماعة من الأفاضل فيما أفاده، ومنهم العلامة الأراكي صاحب " المقالات " فقال: " الإرادة التشريعية: هي التي تعلقت بصدور الفعل من غيره بالاختيار، والإرادة التكوينية ليست كذلك، والاولى تنفك عن المراد، دون الثانية " (2). وقال المحشي العلامة (قدس سره): " إن الإرادة التشريعية ليست ما تتعلق بالتحريك والبعث، فإنهما من أفعاله، فلا مقابلة بين التشريعية والتكوينية، بل التشريعية هي الشوق المتعلق بفعل الغير اختيارا. وهذا الشوق يتصور فيما إذا كان لفعل الغير فائدة عائدة إلى المريد، وإلا فلا يعقل تحقق الشوق المزبور، ولذلك لا يعقل هذا


1 - كفاية الاصول: 88. 2 - مقالات الاصول 1: 216. (*)

[ 70 ]

النحو من الإرادة في النفوس النبوية والعلوية " (1) انتهى. فتحصل إلى هنا: أن جماعة اختاروا التفكيك بين الإرادتين (2). وهذا المدقق النحرير وإن أشرف على التحقيق (3)، ولكنه لم يأت بجميع ما هو الحق، فذهب إلى اتحاد الإرادة التكوينية والتشريعية في المبدأ الأعلى والمبادئ العالية، بإنكار المقابلة. وهذا معناه اختياره الإرادة التشريعية في مقابل التكوينية في العرف والعقلاء والنفوس الجزئية المستفيدة. والذي هوالحق: أن الإرادة التشريعية كالتكوينية من حيث المبادئ والأحكام، وإنما الاختلاف بينهما في المتعلق وبحسب المراد، ضرورة أن الإرادة من الأعيان الموجودة في افق النفس، فتحتاج إلى العلة بالضرورة من غير فرق بينهما. نعم، إذا أراد الإنسان والفاعل المباشر شرب الماء، يتحرك نحوه بحركة عضلات اليد والرجل مثلا، وحركة الفم والازدراد، حتى يحصل الشرب. وإذا رأى أن يتصدى خادمه لذلك، فلا يريد إلا ما هو في اختياره، أي لا يتمكن من إرادة شئ خارج عن اختيار المريد وهو صدور الفعل من المأمور به، لأنه أمر خارج عن حيطة سلطانه، بل هو يريد تحريكه وبعثه نحو إتيان الماء، وهذا أمر مقدور له، فيبعثه نحوه باستعمال الهيئات الموضوعة لذلك، فيتوسل بها إلى ما هو غرضه ومقصوده اللبي. وعند ذلك يعلم، عدم الفرق بين الإرادة المتعلقة بتحريك الغير، وبين الإرادة المتعلقة بحركة نفسه نحو إتيان الماء، في الحكم، فتكون هاتان الإرادتان غير


1 - نهاية الدراية 1: 281. 2 - كفاية الاصول: 88، مقالات الاصول 1: 216. 3 - نهاية الدراية 1: 281. (*)

[ 71 ]

متخلفتين عن المراد. فلا فرق بين كون الغرض الفائدة العائدة إليه، أو كون الغرض الفائدة العائدة إلى المأمور، فإن الإرادة التشريعية في جميع الأفراد - نبيا كان، أو وليا، أو عاديا - لا تختلف حسب المتعلق والمراد، وإنما الاختلاف في المقاصد والأغراض الخارجة عن حيطة الإنشاء وإبراز المراد، كما هو الظاهر. وبعد هذا البيان القويم البنيان، ينقدح مواضع الخلط في الكلمات. هذا مع أن الإرادة المتعلقة بفعل الغير اختيارا، تستلزم تحقق المراد بالإرادة والاختيار، لأن ترجيح أحد الطرفين بإرادة غالبة على الإرادة المباشرية، لا ينافي صدور الفعل عن الإرادة والاختيار، ولا يلزم الخلف المتوهم في كلمات صاحب " المقالات " (1). ثم إن الظاهر من " الكفاية " تفسير الإرادة في التكوينية والتشريعية: بالعلم بالصلاح (2)، وقد عرفت: أن الإرادة بمعنى واحد في الذاتية والفعلية، وفي المبدأ وغيره، وإنما الاختلاف في هذه الإرادات في الامور الخارجة عنها اللاحقة بها، فتوصيفها ب‍ " التشريعية " لأجل تعلقها بالتشريع والتقنين. وأما كيفية الإرادة التشريعية في المبدأ الأعلى، فهي من المسائل الغامضة التي قلما يتفق لبشر أن يصل إلى مغزاها، ويكشف لديه مصيرها وموردها، فإن ذلك من شعب كيفية نزول الوحي وإيحاء الكتب إلى الأنبياء المرسلين، وهذا من أسرار الأسفار الأربعة، ومن بطون المعارف الإلهية، وقد فصلناه في " القواعد الحكمية " (3)


1 - مقالات الاصول 1: 216، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 2 - كفاية الاصول: 88. 3 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره)، (مفقودة). (*)

[ 72 ]

فتكون خارجة عن هذه العلوم الاعتبارية. ولقد اشير إلى بعض مراتبها وطائفة من رموزها في الكتاب الإلهي، ولعل منه قوله تعالى: * (نزل به الروح الامين * على قلبك) * (1). وقوله تعالى: * (إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون) * (2). وقوله تعالى: * (إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالافق الاعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) * (3). وربما يشير إلى تلك البارقة الإلهية ما عن الصادق (عليه السلام): " والله، ما جاءت ولاية علي (عليه السلام) من الأرض، ولكن جاءت من السماء مشافهة " (4). وقال في " الصافي ": " وفي التعبير عن هذا المعنى بهذه العبارة، إشارة لطيفة إلى أن السائر بهذا السير منه سبحانه نزل، وإليه صعد، وأن الحركة الصعودية كانت انعطافية، وأنها لم تقع على نفس المسافة النزولية " (5) انتهى. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.


1 - الشعراء (26): 193. 2 - الواقعة (56): 77 - 78. 3 - النجم (53): 4 - 15. 4 - الكافي 1: 443 / 13. 5 - تفسير الصافي 5: 88. (*)

[ 73 ]

الفصل الثاني فيما يتعلق بهيئة الأمر وصيغتها وضعا وهو يتم في مقامين:

[ 75 ]

تمهيد وقبل الخوض في ذلك، لابد من الإشارة إلى الخلط الواقع في كلمات الأعلام (رحمهم الله) وهو أن عنوان المسألة، أجنبي عن البحث عن الجمل الخبرية المستعملة في مقام الإنشاء، فعلا كان، أو تركا. هذا أولا. وثانيا: لا معنى لعقد البحث حول دلالة الصيغة على الوجوب مستقلا، لأن القول الأعرف أنها تدل على الطلب الوجوبي، فالبحث عن الوجوب والندب، ليس خارجا عن البحث عن حدود الموضوع له. نعم، بناء على بعض الأقوال: وهو أن الموضوع له في الصيغة هو الطلب المطلق (1)، أو البعث المطلق (2)، وبناء على بعض الأقوال الاخر (3)، يأتي النزاع الآخر: وهو أنه هل يمكن استفادة الوجوب والحصة الخاصة من الطلب مثلا، أم لا ؟ وثالثا: ليس بحث التعبدي والتوصلي، من المباحث الراجعة إلى هيئة الأوامر، لأنه من تقسيمات الواجب، ولو كان مجرد المساس إلى الهيئة كافيا، لكان


1 - الفصول الغروية: 64 / السطر 38. 2 - لاحظ نهاية الدراية 1: 307. 3 - لاحظ مفاتيح الاصول: 110 - 111. (*)

[ 76 ]

ينبغي ذكر جميع المباحث هنا، فافهم ولا تخلط. ورابعا: كثير من المباحث الآتية - كمبحث المرة والتكرار، والفور والتراخي، والنفسية والغيرية - خارجة عنها وضعا، ومربوطة بها إطلاقا، كما لا يخفى.

[ 77 ]

المقام الأول في أنها هل لها معنى واحد، أو معان متعددة ؟ وعلى الأول: هل معناها الواحد هو الطلب، أو البعث البسيط، من غير تلونه بلون خاص، أو هو الطلب الوجوبي، أو البعث الوجوبي، أو الندبي، فيصير المحتملات ستة. وعلى الثاني: فهل هي حقيقة في التعدد بالوضع التعييني، أو بالوضع التعيني، لكثرة الاستعمال مجازا ؟ وتلك المعاني المتعددة كثيرة، منها: الطلب بقسميه، والإغراء، والتحذير، والاستهزاء، والتعجيز، والإرشاد، وغير ذلك من المذكورات في الكتب المفصلة (1). كما أن الأقوال في المسألة مختلفة: أما وحدة المعنى، وتعدد المستعمل فيه مجازا، فهو ساقط، كما مر في


1 - مفاتيح الاصول: 110 / السطر 18، هداية المسترشدين: 137 / السطر 17، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 214 - 215. (*)

[ 78 ]

المجازات (1). وأما توهم تعدد المعنى (2) فهو في غاية الوهن، لما فيه - مضافا إلى البعد - من عدم شهادة شئ عليه، وتخيل أن كثرة الاستعمالات في المختلفات من المواقف، دليل تعدد الوضع، في غير محله، لأن الخلط بين الدواعي استلزم ذلك، كما أفاده الأصحاب (رحمهم الله) (3). فالهيئة في قوله تعالى: * (فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم) * (4) مثلها في قوله تعالى: * (أقيموا الصلوة) * (5) إلا أن الداعي في الاولى إفادة العجز بلازم الاستعمال، وفي الثانية إفادة الاستهزاء به، وفي الثالثة كذلك، أي إفادة نفس البعث إلى المتعلق مثلا، وهكذا في التمني والترجي. بل الأمر كذلك في سائر الهيئات المستعملة في المختلفات، كالاستفهام، فإن أداته ليست موضوعة للمتعدد، حتى يصير له معنى استفهاميا حقيقيا، ومعنى إنكاريا وهكذا، بل الخصوصيات مستفادة من اللواحق الخارجة عن حدود الموضوع له. وقد يشكل: بأنه لابد من الالتزام بالتعدد، لأن كل استعمال لا يخلو من داع، فهو أمر لاحق بالهيئة، وغير داخل في الموضوع له، ففيما يستعمل في العجز والاستهزاء والتهديد والإنذار، يكون المستعمل فيه واحدا، والدواعي مختلفة، ويريد المستعمل إبراز داعيه بذلك، وإظهار مقصوده بمثله، من غير الاستعمال المجازي، أو


1 - تقدم في الجزء الأول: 142 - 144. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 122 - 123. 3 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 215 / السطر 25، كفاية الاصول: 91، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 210. 4 - البقرة (2): 23. 5 - البقرة (2): 43 و 83 و 110. (*)

[ 79 ]

لزوم تعدد الموضوع له، فلابد من كونه كذلك أيضا، في الهيئات المستعملة في الكتاب تكليفا للعباد، فيكون الداعي في الأمر بالصلاة والصوم، إبراز شئ زائد على أصل البعث والطلب، وهو اللزوم والثبوت والوجوب والتحتم، مع أنه غير قابل للتصديق، وليس أمرا وراء ذلك يمكن أن يعد داعيا في هذه الاستعمالات، فيتعين تعدد الموضوع له. وبعبارة اخرى: ما أفاده " الكفاية " بقوله: " إن الصيغة لم تستعمل في واحد منها إلا في إنشاء الطلب، ولكن الداعي إلى ذلك كما يكون تارة: هو البعث والتحريك نحو المطلوب الواقعي، يكون اخرى: أحد هذه الامور، كما لا يخفى " (1) انتهى، في غاية الإشكال، لأن البعث والتحريك هو تمام مفاد الهيئة، وليس داعيا زائدا على أصل الموضوع له. مع أنك عرفت لزوم أمر آخر وراء الموضوع له والمستعمل فيه، يعد هو الداعي، كما في سائر الاستعمالات. وما أفاده بقوله: " قصارى... " - (2) وهو كون الموضوع له هو إنشاء الطلب المقيد بداعي البعث والتحريك، فيكون مجازا في سائر الاستعمالات - غير سديد عندنا، من إنكار الاستعمالات المجازية، بمعنى الاستعمال في غير الموضوع له. اللهم إلا أن يقال: بأن الهيئة للبعث والتحريك الاعتباري إلى المادة، وإذا لم يكن قرينة على إحدى الدواعي، فهي تفيد مطلوبية المادة حقيقة. إن قلت: ما هو الداعي هو جعل المادة والمتعلق على ذمة المكلفين، وتكون متكفلة لإفادة الجهة الوضعية في هذا البعث والتحريك الإنشائي، في خصوص التكاليف الإلهية، فالداعي في " صل " وأمثاله، جعل الصلاة في الذمة ودينا. قلت: هذا غير معقول للزوم التسلسل، ضرورة أن مجرد اشتغال الذمة، غير


1 - كفاية الاصول: 91. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 80 ]

كاف لانبعاث المكلف والقيام نحوه، فلابد من إيجاب إفراغ الذمة والأمر به، وإذا كان مفاد الأمر الثاني أيضا جعل شئ في الذمة يتسلسل، فلا تغفل. فتحصل: أن القول بوحدة الموضوع له، ليس واضحا سبيله، سواء كان المستعمل فيه أيضا واحدا، فلا يكون مجازا أصلا، أو كان متعددا ومجازا. إن قلت: لابد من الالتزام بتعدد المستعمل فيه، فيكشف منه تعدد الموضوع له، لأن الأصل كون الاستعمال على نعت الحقيقة، وذلك لأن الإنشاء هو إبراز المعتبر النفساني والوجود الذهني، بحيث يكون ما به الإنشاء بعد الإنشاء، مصداقا لذلك المعتبر حقيقة. مثلا: استعمال الهيئة في الاستهزاء والتعجيز ونحوهما، ليس إلا إبراز ما في القلب والنفس من السخرية والاستهزاء وما شاكلهما، فالصيغة في كل مورد منهما، تبرز معنى يختلف عن الثاني ويغايره، فيكون المعنى المستعمل فيه متعددا. قلت: هذا من الآراء الفاسدة التي أشرنا في الصحيح والأعم وفي غير موضع إلى مفاسده (1)، ضرورة أن الامور النفسانية - بقيد النفسانية - غير قابلة للإبراز والإظهار، وما هو القابل هو المعاني الاعتبارية مع قطع النظر عن التقيد المزبور، فيكون الإنشاء هو الإيجاد الاعتباري المستلزم للوجود الاعتباري في محيط الاعتبار. فالمستعمل فيه أمر، وما هو السبب لبروز الدواعي أمر آخر، فإن المستعمل فيه هو المعنى الإيجادي، بعثا كان، أو طلبا، أو غيرهما، وهو الموضوع له، وهذا الاستعمال بعد تحققه، كاشف ومبرز لما هو الداعي إليه، والمقصود الأصلي منه، والمراد الجدي، فلا تخلط. وأما توهم: أن قضية هذا التقرير تعدد المستعمل فيه، دون الموضوع له، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة، فهو أفسد، لما اشير إليه من أن جميع الاستعمالات


1 - تقدم في الجزء الأول: 233 - 234. (*)

[ 81 ]

المجازية، حقائق لغوية، ومجازات عقلية (1). هذا كله بناء على التعدد. وأما بناء على الوحدة، فاحتمال كون الموضوع له الطلب الندبي أو البعث الندبي، في غاية الوهن، لعدم الشاهد عليه، والاستعمال الكثير في الندب، لا يقتضي كونه هو الموضوع له، وغيره مجازا، كما هو الظاهر. وكذا احتمال كونه الطلب الوجوبي، أو البعث الوجوبي، بمعنى أن الموضوع له مركب ومقيد، كما عرفت من " الكفاية " احتماله، بل تقويته (2). ولكن المستفاد منه هو القضية الحينية، وهي غير معقولة في المقام، لرجوعها إلى القضية المشروطة. اللهم إلا أن ترجع إلى تعهد الواضع ممنوعية الاستعمال إلا في مقام الداعي إلى البعث والتحريك، وهذا أيضا غير صحيح جدا. وأما كون القيد هو الوجوب، فهو وإن ساعده أحيانا بعض الانصرافات، ولكن المتبادر والمنصرف إليه في مجموع الهيئات، عدم كون الوجوب بمفهومه الاسمي داخلا، ولاسيما على القول: بأن مفادها معان حرفية، واستفادة الوجوب عند البعث والتحريك والطلب والاستعمال بأمر آخر، كمالايخفى. فبقي احتمالان آخران: أحدهما: ما هو المشهور، من أنها موضوعة لإنشاء الطلب (3). وثانيهما: أنها موضوعة للبعث نحو المادة والمتعلق، من غير كون مفهوم الطلب الاسمي واردا في الموضوع له، أو البعث الاسمي، لأنها تفيد المعنى الجزئي. وتفسير مفاد الصيغة: بالطلب والبعث والإغراء، غير مستلزم لكونها داخلة في


1 - تقدم في الجزء الأول: 142 - 144. 2 - كفاية الاصول: 91. 3 - كفاية الاصول: 91، نهاية الأفكار 1: 177، الحاشية على كفاية الاصول، البروجردي 1: 172. (*)

[ 82 ]

الموضوع له بالمفاهيم الاستقلالية (1). والذي هو الأقرب فعلا إلى النفس - بعد المراجعة إلى الموارد المختلفة من استعمالات الصيغ، خصوصا فيما تستعمل بالنسبة إلى الحيوانات، ولاسيما عند مراجعة الأبكمين في إفادة المقاصد، وخصوصا إذا راجعنا حالات البشر قبل التأريخ، وأن الألفاظ قامت مقام الحركات الصادرة من الأعضاء واليد في الإفادة والاستفادة - أن الهيئات قائمة مقام الإشارات من الآخرين، وإذا كان رب الكلب يأمر المتعلم نحو الصيد باليد والهيئات الاستعمالية، فلا يتبادر منه إلا أنها موضوعة للتحريك الاعتباري والبعث والإغراء نحو المادة في عالم الوضع واللغات. وسائر المفاهيم - من الطلب وغيره - مستفادة من ذلك، للملازمة العقلائية بين هذه الحركات والصيغ، وتلك المعاني، فافهم. إن قلت: كيف يمكن ترشح الإرادة إلى البعث جدا في سائر الاستعمالات، كالتعجيز، والاستهزاء ؟ ! والاستعمال الأعم خارج عن الموضوع له بالضرورة، وإلا يلزم كون البعث المتوجه إلى الجدار والدار، من البعث حقيقة، فاحتمال كون المخاطب ينبعث من هذا التحريك الاعتباري والبعث بالصيغة، شرط في صدق الموضوع له وتحققه. فما في " الكفاية " (2) وغيره (3): من أنه في جميع هذه الاستعمالات إنشاء الطلب، غير قابل للتصديق، وهكذا ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - (4).


1 - مناهج الوصول 1: 243. 2 - كفاية الاصول: 91. 3 - نهاية الأفكار 1: 177. 4 - مناهج الوصول 1: 245. (*)

[ 83 ]

قلت: لامنع من الالتزام بأنه لإنشاء الطلب الأعم من الجد والهزل، وللبعث والإغراء الأعم من الواقعي والصوري. اللهم إلا أن يقال: كيف يمكن الالتزام بأنه صوري وهزل، مع أن الاستعمال متقوم بالجد، أو أن الاستهزاء متقوم به أيضا ؟ ! والذي هو التحقيق في المقام: ما ذكرناه في الأوامر الامتحانية والأعذارية، من أن ترشح الإرادة الجدية، ليس منوطا بكون المصلحة في المأمور به، بل ربما يتفق الصلاح في الجعل، ويؤدي إلى ترشح الإرادة الجدية، كما مر تفصيله في الطلب والإرادة (1)، فعليه يترشح الإرادة الجدية إلى البعث والزجر، لما فيه المقصود والمطلب: وهو السخرية والتعجيز. فتحصل إلى هنا: أن ما هو المتفاهم من الهيئة - بعد المراجعة إلى قيامها مقام الإشارات - هو التحريك والبعث والإغراء، لا بمفهومها الإنشائي، بل بمصداقها الشائع الصناعي. إن قلت: بناء عليه يلزم كون الموضوع له خاصا، مع أن مقتضى ما تحرر عموم الموضوع له في الهيئات (2). قلت: نعم، ولكنه فيما لم يكن دليل يقتضيه. إن قلت: قضية بعض الشبهات السابقة في الوضع، امتناع عموم الوضع، وخصوص الموضوع له (3). قلت: نعم، ولكنه قد مضى إمكان ذلك بالاستعمال، وإلغاء الاختصاص بدال


1 - تقدم في الصفحة 28. 2 - تقدم في الجزء الأول: 118 - 121. 3 - تقدم في الجزء الأول: 77 - 80. (*)

[ 84 ]

آخر، وأن الواضع كما يمكن له وضع الخاص، والموضوع له العام بالاستعمال، وإلغاء الخصوصية، يمكن له العكس، بإلغاء الاختصاص (1)، ففي مقام وضع أسماء الإشارة مثلا، يتوصل بالاستعمال الخارجي إلى الموضوع له، وبإفادة عدم اختصاص هذه اللفظة بهذه الشخصية والهوية، يتوصل إلى تجويز استعمالها في سائر المسانخات مع المستعمل فيه والمشابهات معه، فافهم واغتنم. ثم إنك قد عرفت فيما مضى: أن الوضع في جميع الهيئات نوعي (2)، وهكذا في المواد، لما عرفت: من أن المناط في الوضع الشخصي، كون الهيئة والمادة معا موضوعة بوضع واحد، كما في الجوامد (3). وأيضا قد مضى: أنه وضع فعلي، لا تهيئي، لأن معنى الوضع التهيئي، عدم دلالة الموضوع على شئ إلا مع الانضمام، والمادة والهيئة الموضوعتان وإن دلتا على معنى مخصوص، ولكن المادة بلا هيئة معلومة أو موضوعة، تدل على المعنى التصوري، ولا دال معها على خصوصيتها، وهكذا في جانب الهيئة، فلا تخلط. تذنيب: في محذور ايجادية استعمال الصيغة في معناها وجوابه قضية ما مر منا: أن صيغة الأمر ليست إلا قائمة مقام التحريك باليد في عالم الاعتبار والمواضعة (4)، وعند ذلك قد يشكل استعمال ذلك، للزوم كونه استعمالا إيجاديا، والاستعمال الإيجادي مستحيل، لتقوم الاستعمال بتقدم المعنى المستعمل


1 - تقدم في الجزء الأول: 75. 2 - تقدم في الجزء الأول: 110 - 111. 3 - تقدم في الجزء الأول: 358 - 359. 4 - تقدم في الصفحة 82. (*)

[ 85 ]

فيه عليه ولو بالرتبة، أو ولو كانا معا في الزمان، بل في الرتبة، ضرورة أن الاستعمال في سائر الألفاظ، ليس سبب تحقق المعنى، بل المعنى يتحقق بعلة اخرى متقدمة على الاستعمال، أو مقارنة معه، وأما إذا كان نفس الاستعمال علة وجود المعنى، فهو متقدم عليه بالرتبة، فكيف يصح الاستعمال، ويترشح الإرادة إلى ذلك ؟ ! وإليه يشير العلامة المعظم في " الدرر " فأنكر الاستعمال الإيجادي (1). ويمكن حله: بأن المعاني التي تستعمل فيها الألفاظ، تتصور قبل الاستعمال، وباستعمالها فيها يعتبر وجود تلك المعاني خارجا، فافهم واغتنم. إيقاظ وإرشاد: في كيفية استعمال الباري للصيغ الإنشائية قضية ما مر في صيغة الأمر (2): أن سائر الصيغ الإنشائية - كألفاظ التمني، والترجي، والاستفهام، والتشبيه - ليست مستعملات في المعاني المختلفة مجازا، أو اشتراكا لفظيا، حتى في المبدأ الأعلى تعالى وتقدس، والذي هو الموضوع له والمستعمل فيه، هي المعاني الوحدانية، وسائر الاستعمالات ترجع إليها، وتختلف بالدواعي والأغراض. وما هو المعنى الوحداني، هو المعنى الاعتباري الكلي المتخذ من الامور الواقعية القلبية والوجدانية، من غير كونها داخلة في الموضوع له، فإذا قيل: * (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) * (3) أو قيل: * (لعله يتذكر أو يخشى) * (4) فليس معناهما


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 41. 2 - تقدم في الصفحة 78. 3 - الطلاق (65): 1. 4 - طه (20): 44. (*)

[ 86 ]

إلا رجاء التحقق، من غير دخول سائر اللوازم في الموضوع له، ومنها الجهل والعجز مثلا، بل لابد هنا من منشأ، وهو أعم من العلاقة الإمكانية الملازمة للجهل والعجز، أو المحبة الوجوبية المقارنة مع العلم والقدرة. وبعبارة اخرى: جميع الترجيات والتمنيات في الكتاب والسنة حقيقية، لأن ميزان الحقيقي والإنشائي: هو أنه إن كان في المتكلم محبة وعلاقة بالنسبة إلى تحقق المرجو والمتمني، فهو حقيقي، وإلا فهو إنشائي وصوري. وهذا يتصور في حقه تعالى، لأنه مع علمه وقدرته يحب هداية فرعون، ولكن للزوم المفاسد في النظام الأتم مثلا، لا يمكن تعلق المشية به، ولذلك ورد: * (فلو شاء لهداكم أجمعين) * (1) وعدم القابلية وعدم إمكان الجمع بين لوازم الخلق، لا يورث قصورا في الخالق، فعند ذلك يصح أن يقال: * (لعله يتذكر أو يخشى) * (2) من غير كونه صوريا، فما ترى في الكتب من التخيلات، وحملها على المجازات (3) كما اشير إليه، غير مرضي، لعدم الاحتياج إليه بعد وضوح حملها على الحقيقة، وبعد إمكان تعلق الرجاء والتمني للمستحيلات، فافهم واغتنم. وفي الاستفهام ليس إلا طلب الفهم القائم مقام حركة اليد في الطلب، ولكنه كما يحصل بحركة اليد طلب الفهم الواقعي والحقيقي، كذلك بها يحصل معنى الاستفهام الإنكاري، فما ترى في كتاب ابن هشام من جعل معنى همزة الاستفهام قريبا من السطر الواحد (4)، لا يخلو من تأسف.


1 - الأنعام (6): 149. 2 - طه (20): 44. 3 - كفاية الاصول: 91 - 92، تنقيح الاصول (تقريرات الإمام الخميني (رحمه الله)) الاشتهاردي 1: 241. 4 - مغني اللبيب: 4 / 17. (*)

[ 87 ]

هذا، وربما يحسن الكلام بتغافل العالم والقادر عن لوازم الاستعمال، فيكون من الاستعمال الحقيقي أيضا، ولكنه ادعاء، وهذا لا يستلزم المجازية في الكلمة، وإن كان من المجاز العقلي الذي ذكرناه في محله، وهو اختلاف المراد الاستعمالي مع المقصود الجدي (1)، فما في " الكفاية " من تقسيم هذه المعاني إلى الحقيقي والإنشائي (2)، لا يخلو من غرابة، فإن ما هو الحقيقي ليس من الموضوع له رأسا، فلا تخلط.


1 - تقدم في الجزء الأول: 142 - 144. 2 - كفاية الاصول: 91. (*)

[ 89 ]

المقام الثاني في دلالة الصيغة على الوجوب ثبوتا وإثباتا بعدما عرفت وحدة المعنى، وأنه هو التحريك الاعتباري بالحمل الشائع، من غير أخذ القيد الآخر فيه من الوجوب أو الندب، فلابد من الالتزام بأحد أمرين: إما عدم لزوم الامتثال عقيبه إلا مع القرينة، أو إثبات أن عدم القرينة على سائر المعاني، قرينة الوجوب والتحتم، من غير لزوم كون الاستعمال مجازيا. لاسبيل إلى الالتزام بالأول، فيتعين الثاني. وأما الدليل على الدعوى الاولى: فهو أن بناء العرف والعقلاء عليه قطعا. وكثرة الاستعمالات الاخر مع القرائن، لا تورث قصورا في بنائهم، كما هو المشاهد. ودعوى: أن بناءهم على الأخذ بالأمر لوجود قرينة عليه، حالية كانت، أو مقالية (1)، غير بعيدة، ولكن المراجعة إلى عادتهم تعطي أنهم يؤاخذون عليه، ويحتج بعضهم على بعض، من غير توقف على القرينة، ومن غير انتظارها، فأصل هذا


1 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 273 / السطر 10 - 12. (*)

[ 90 ]

ولزوم التبعية، مما لاشك فيه إنصافا. وتوهم: أن ما هو موضوع البحث ليس مطلق الصيغة، بل الصيغة الصادرة عن الاستعلاء والعلو جمعا، أو على سبيل منع الخلو، وفي ذلك كفاية للقرينية، من غير حاجة إلى إثبات الدعوى الثانية (1)، فاسد، ضرورة أن التحقيق في تلك المسألة، عدم اعتبارهما في مفهوم الأمر رأسا. مع أن المعروف بينهم كفاية العلو. هذا مع أن الأوامر الندبية، صادرة عن المبادئ العالية، فلا يكفي ذلك للقرينية. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن البحث حول الدعوى الثانية يقع في جهتين: الجهة الاولى: في إمكان التوسل إلى إفادة الإرادة الحتمية اللزومية، وإلى إفادة الوجوب واللزوم، بالهيئة الموضوعة للمعنى الآخر. الجهة الثانية: في كيفية استفادة الوجوب منها، فإن مجرد الإمكان غير كاف عن المرحلة الثانية ومقام الاستظهار والإثبات. الجهة الاولى: البحث الثبوتي قد يشكل ذلك عقلا، لأن الألفاظ الموضوعة للمعاني، لاتدل إلا على الموضوعة له، ومع فرض كون الاستعمال حقيقيا، ومع فرض عدم قيام القرينة، كيف يعقل توسل المولى إلى إفادة الإرادة الوجوبية، والتكليف اللزومي، والغرض الحتمي ؟ ! نعم، يمكن استظهار العادة الخاصة منه بعد مضي مدة، أو إعلام رسمي بأن يكون بناؤه على الإتيان بالقرينة الوجودية في سائر الموارد، وعلى عدم الإتيان بالقرينة إذا كانت إرادته حتمية، وقصده لزوميا.


1 - هداية المسترشدين: 136 / السطر 19. (*)

[ 91 ]

ولكنه في المقام غير صحيح، لأن الإعلام الرسمي غير موجود، وبناء العقلاء والعرف على حمل الأوامر الأولية - الموجودة في الكتاب والسنة - على الوجوب من أول الأمر، فلابد من استناد الوجوب إلى الوضع، وهذا أيضا خلاف المفروض. ويمكن أن يقال في دفع الإشكال المذكور: بأن بناء العقلاء في محاوراتهم من قبل الإسلام على ذلك، ولا طريقة حديثة له في هذا الباب، فكما أنهم يحتجون بذلك في محاوراتهم، فكذلك الأمر في التكاليف الإلهية، فالمتكلم المريد إفادة الإرادة اللزومية، يتمكن عند ذلك من ترك القرينة على سائر الدواعي، التي يمكن أن تكون مقصودة في الاستعمال. أو إذا كان يجد أن عقل العقلاء يحكم بلزوم التبعية للأمر الصادر عند احتمال كون الإرادة حتمية لزومية، فإنه عندئذ يتمكن من التوسل إلى مرامه ومقصوده. أو غير ذلك من الطرق التي استدل بها في مرحلة الإثبات: من دعوى الانصراف، أو الكاشفية العقلائية، أو أمثالها. ثم إن قضية ما مر - من جعل اللزوم والوجوب من الدواعي في الاستعمال - (1) هو إمكان ذلك أيضا، ولكنه يحتاج إلى نصب القرينة على ذلك، كما لا يخفى. فعليه إذا أمكن ذلك في الجملة، فلا مانع من الالتزام بعدم الدلالة الوضعية للصيغة على الوجوب واللزوم، من غير لزوم إشكال ثبوتي. وإن شئت قلت: تقرر الإشكال من وجهين تارة: بلحاظ إمكانه الثبوتي. ويندفع: بأنه لا مانع من إرادة تحميل الوجوب من التحريك الاعتباري بالصيغة، كسائر الدواعي. واخرى: بلحاظ حال الإثبات، وأنه كيف تتمشى الإرادة من المتكلم المريد


1 - تقدم في الصفحة 79. (*)

[ 92 ]

وجوب شئ ولزومه، مع عدم استعماله ما يدل عليه بالدلالة الوضعية، ولا ما يكون قرينة على مراده وداعيه ؟ ! ويندفع ذلك: بأنه بعدما يجد أن بناءهم على الامتثال، وعدم الاعتذار ببعض الأعذار، يتمشى منه القصد والإرادة. واختلافهم في وجه ذلك، لا يورث خللا في إرادته. فما أفاده جمع: " من أن قضية التبادر هو الوجوب " (1) لا يرجع إلى محصل، للزوم المجازية في غيره، مع شهادة الوجدان على خلافه، ولا يثبت بعد ذلك استناد التبادر إلى حاق اللفظ، كما هو الظاهر. الجهة الثانية: البحث الإثباتي في كيفية استفادة الوجوب - بعد ثبوت إفادتها الوجوب، وبعدما ظهر إمكانه عقلا - طرق عديدة مفصلة في الكتب المطولة، ونحن نشير إلى عمدها إجمالا: الطريقة الاولى: دعوى الانصراف، معللا بغلبة الاستعمال (2). وأنت خبير بما فيه من منع الصغرى والكبرى. الطريقة الثانية: أن الصيغة وإن لم تدل بالوضع على أكثر من التحريك الاعتباري، ولكنها كاشفة عن الإرادة الحتمية كشفا عقلائيا (3). وفيه ما لا يخفى، لأن الكشف العقلائي منوط بكثرة الاستعمال البالغة إلى حد الاتفاق في الإرادة اللزومية مع القرينة، حتى يعد من الوضع التخصصي، وإلا فلا


1 - مفاتيح الاصول: 111 / السطر 11، مناهج الأحكام والاصول: 38 / السطر 10، هداية المسترشدين: 140 / السطر 11، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 269 / السطر 21. 2 - هداية المسترشدين: 139 / السطر 39، نهاية الدراية 1: 308. 3 - تهذيب الاصول 1: 139 - 140. (*)

[ 93 ]

وجه للكاشفية الظنية، فضلا عن العقلائية. الطريقة الثالثة: أن عدم القرينة قرينة الوجوب واللزوم (1). ولعمري، إنه أقرب الوجوه، فإن العرف والعقلاء بناؤهم على نسبة الوجوب واللزوم إلى المولى، بعدما رأوا منه الأمر والبعث والتحريك، فيعلم من النسبة المزبورة: أن الصيغة تلازم الوجوب والتحتم عند قيام القرينة العدمية. وإن شئت قلت: الوجوب والندب من العناوين المتقابلة، ومنشأ تقابلهما إما ذاتهما، لما بينهما من الاختلاف الذاتي في عالم العنوانية، أو اختلاف مناشئهما، وهي الإرادة الموجودة في نفس الموالي. واختلاف الإرادات ليس كاختلاف الماهيات العالية الجنسية أو النوعية، بل الإرادة في الندب والوجوب من نوع واحد، واختلافهما بالمنضمات الفردية. وما قرع سمعك: من التشكيك الخاصي، فهو ليس في الفردين من النور والوجود العرضيين، بل هو في النور الواحد الذي له مراتب، وما فيه التشكيك هو الواحد الشخصي بحسب مراتبه من العلية والمعلولية، وأما بين الأفراد العرضية التي ليست بينها العلية والمعلولية، فلا تشكيك خاصي، فلا معنى لتصوير التشكيك بين الفردين من الخط الطويل والقصير، فإنهما متباينان كزيد وعمرو. نعم، النور الضعيف الموجود بعين وجود القوي، ممتاز عنه بنفس النورانية، لا بالنور الآخر. نعم هذا التشكيك هو التشكيك العامي. فبالجملة: لا يعقل كون الوجوب ناشئا من الإرادة غير المحدودة، والندب من الإرادة المحدودة وإن كانتا مشككتين، فإنه أجنبي عما نحن بصدد إثباته، فإذا كان كل واحد منهما غير الآخر في الوجود والعلل ومبادئها، فلا معنى لاحتياج أحدهما


1 - لاحظ نهاية الاصول: 103. (*)

[ 94 ]

إلى القرينة، دون الآخر. نعم، يمكن كون قرينة أحدهما عدم القرينة، فعند ذلك يتم المقصود، ويستفاد الوجوب عند التحريك والبعث، فلا تغفل. الطريقة الرابعة: " أن بناء العقلاء على تمامية الحجة من المولى بالأمر، ولا يصغى إلى الأعذار الراجعة إلى المحتملات، والاستعمالات الكثيرة للصيغة، فكأنهم يرون أن تمام الموضوع لوجوب الطاعة، هو البعث والإغراء، سواء كان صادرا بالصيغة، أو بالإشارة ونحوها، من غير التوجه إلى المسائل العلمية، والتشكيك الخاصي بين أنحاء الإرادات، وأن الظاهر من طريقتهم أن بعث المولى لابد وأن لا يكون بلا جواب، وأنه لابد من الانبعاث نحوه، إلا إذا دل الدليل على الترخيص " (1). أقول: هذا ما أفاده السيد المحقق الوالد - مد ظله - واستظهر أن ذلك هو مرام شيخه العلامة أعلى الله مقامه. وأنت بعد المراجعة إلى " الدرر " (2) تحيط خبرا بأن الأمر ليس كما قيل، وأن ما أفاده غير مقبول، ضرورة أن العقلاء ينسبون الإرادة الحتمية والوجوب واللزوم إلى المولى، والفقهاء وأرباب النظر بناؤهم على الإفتاء بالوجوب في هذه المواقف، ولو كان الأمر كما ذكر لما كان لذلك وجه. الطريقة الخامسة: " أن قضية مقدمات الحكمة هو الوجوب واللزوم، وذلك لأن الوجوب واللزوم من العناوين الاعتبارية التي لا تحتاج في مقام الإفادة والاستفادة إلى القيد الزائد، بخلاف الاستحباب والندب.


1 - مناهج الوصول 1: 255 - 256. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 74 - 75. (*)

[ 95 ]

وإن شئت قلت: الإرادة التي توجد في النفس لإفادة الوجوب، لا حد لها، بخلاف الإرادة التي توجد فيها لإفادة الندب. وبعبارة ثالثة: إن كل طالب إنما يأمر لأجل التوسل إلى إيجاد المأمور به، فلابد وأن لا يكون طلبه قاصرا عن ذلك، وإلا فعليه البيان، والطلب الإلزامي غير قاصر عنه، دون الاستحبابي، فلابد أن يحمل عليه الطلب " (1) انتهى. أقول: هذا هو الوجه الذي اعتمد عليه صاحب " المقالات " ولعمري، إنه أسخف الوجوه، وكأنه نسب إليه ما لا يرضى به، لأنه كيف يمكن أن يكون نقاط الضعف فيه، مخفية على مثله (قدس سره) ؟ ! فبالجملة: كل مفهوم إذا كان مقابل مفهوم آخر، إما يكون تقابلهما بتمام ذاتهما البسيطة، أو المركبة، أو ببعض الذات: فإذا كان ببعض الذات، فلابد من الاشتراك في البعض الآخر. وإن كان الوجوب والندب من قبيل الأول، أو من قبيل الثاني، فلا يمكن كفاية الصيغة المطلقة لاستفادة أحدهما المعين بالضرورة، لاحتياج كل إلى القيد والقرينة. وإن كان ما به الاختلاف عين ما به الامتياز، وتكون النسبة بينهما نسبة الأقل والأكثر، فهو لا يتصور في العناوين مطلقا، والوجوب والندب منها بالضرورة. ولو سلمنا أن المقصود إثبات الأمر الآخر، وهو الوجوب، وعدم الوجوب، أي يكون النظر إلى حقيقة خارجية تكون هي منشأ انتزاعهما، وليس الوجوب من الامور الاعتبارية، بل هو من الانتزاعيات، فإنه عند ذلك يأتي ما مر منا (2): من أن التشكيك الخاصي بين الإرادات، لا يستلزم كون الإرادة في أول وجودها، منشأ لانتزاع مفهوم الوجوب، بل الأمر بالعكس، لأن الوجوب ينتزع من المرتبة الشديدة،


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 213 - 214. 2 - تقدم في الصفحة 93 - 94. (*)

[ 96 ]

ولا دليل على وجود هذه المرتبة، بل القدر المتيقن هو أصل الإرادة الذي هو منشأ انتزاع مفهوم اللاوجوب. فتحصل: أن التمسك بمقدمات الحكمة، موقوفة صحته على إثبات أن الإطلاق يقتضي الوجوب، وهو ممنوع، لما مر من اختلاف العناوين بحسب المفهوم، واختلاف الإرادات بحسب الوجود، واختلافها في الشدة والضعف، تابع لاختلاف المصالح والمفاسد المدركة في المرادات والمتعلقات، وليس ذات الإرادة - بما هي إرادة - ذات تشكيك، بل التشكيك فيها بتبع التشكيك في الجهات الاخر. ولو كانت ذواتها مشككة بالتشكيك الخاصي - كما لا يبعد ذلك في بادي النظر - ولكنه أجنبي عن المرام والمقصود في المقام. فينحصر الاستفادة بالطريقة الرابعة: وهي أن طريقة العقلاء على استكشاف الإرادة الجدية الحتمية من القرينة العدمية، وهي عدم ذكر القرينة الوجودية على سائر الدواعي في الاستعمال. فتحصل: أن الشبهة كانت موقوفة على مقدمات: أحدها: كون الصيغة موضوعة للتحريك الاعتباري، أو البعث والإغراء، أو إنشاء الطلب، أو إيقاع النسبة. ثانيها: عدم اتكاء المتكلم على القرينة. ثالثها: استفادة العرف والعقلاء الوجوب منها. فإنه عند تمامية هذه المقدمات يلزم التناقض، فإنه كيف يعقل الجمع بينها، مع كون المفروض هذه الامور الثلاثة ؟ ! وكان الجواب: إنكار المقدمة الثانية، بإثبات اتكاء المتكلم على القرينة، ولكنها عدمية، وهذه القرينة والعادة العرفية، نشأت من أوائل الأمر قبل ظهور الإسلام، بل وسائر الأديان، فلاحظ وتدبر جيدا.

[ 97 ]

ولعمري، إن المسألة واضحة، وما كانت تحتاج إلى هذه الإطالة، ولاسيما بعد كونها علمية لا عملية، إلا في بعض الموارد الآتية. ومن العجيب إطالة الأعلام هنا حول بعض ما لا ربط له بالمقام، من ذكر الأقوال، والاحتمالات في تعريف الوجوب والندب، ومع ذلك لم يأت بما هو الحق ! ! فإن شئت فراجع " نهاية الاصول " للسيد الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (1) حتى تقف على ما اشير إليه. ثم إن هاهنا طرقا اخر، كدعوى حكم العقل بلزوم الإطاعة (2)، أو دعوى: أن العقل يحكم بلزوم الامتثال (3)، وأمثال ذلك مما غير خفي وجه ضعفها في حد ذاتها. مع أن مقتضى هذه الطرق، عدم جواز إفتاء الفقيه بالوجوب الشرعي، في المواقف التي وردت الأوامر في الكتاب أو السنة، مع أن الضرورة عند كل ذي وجدان قاضية، بأن العقلاء ينتقلون من الصيغ والإشارة والكتابة، إلى المقاصد والأغراض الحتمية، والإرادات اللزومية، حاكين ذلك بالألفاظ والمفاهيم الاسمية، ناسبين كل ذلك إلى المولى، بلا شائبة شبهة، وخطور إشكال. تذنيب: في بيان ثمرة النزاع تظهر ثمرة النزاع فيما إذا ورد الأمر في جملة واحدة، كقوله: " اغتسل للجمعة والجنابة " بل وفيما إذا ورد الأمران في الجملتين المتعقبتين، كقوله تعالى: * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) * (4) فمن قال: بأن الموضوع له هو


1 - نهاية الاصول: 99 - 104. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 136. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 132. 4 - النساء (4): 59. (*)

[ 98 ]

الوجوب (1) - كما أيده " الكفاية " (2) - فيلزم الإشكال العقلي في الاولى، لعدم إمكان الجمع العقلائي بين استعمالها في المجاز والحقيقة، فلابد من دعوى سقوط هذه الجملة عن إثبات الوجوب بها، بعد قيام الدليل المنفصل على عدم وجوب غسل الجمعة. ويلزم الأخذ بالجملة الثانية، وحملها على الوجوب، لأن القرينة العقلية على عدم الوجوب الشرعي في الأمر الأول، لا تورث قصورا في دلالة الصيغة على الوجوب بالوضع قطعا. ومن قال: بأن الموضوع له أمر وحداني بسيط - على اختلاف التعابير التي اشير إليها (3) - فله إيجاب غسل الجنابة معللا: بأن القرينة قائمة على أن الداعي في غسل الجمعة، هو جعل الاستحباب والندب، دون غسل الجنابة، والقرينة العدمية قائمة على أن الداعي في الآخر هو جعل الوجوب على الوجه الذي مضى. نعم، ربما يمكن دعوى: أن للمتكلم الاتكاء على القرينة في غسل الجمعة، لأن التفكيك خلاف المتفاهم العرفي، فما يصح للقرينية موجود في الكلام. ومن هنا يعلم وجه النظر في المثال الثاني، وأنه على مسلكنا ربما يشكل استفادة الوجوب، لصحة اتكاء المتكلم على القرينة الموجودة، فتأمل. ولذلك قيل (4) وقلنا في محله (5): إن قوله تعالى: * (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * (6) قاصر عن إثبات التحريم، لقوله تعالى: * (وتعاونوا على البر


1 - معالم الدين: 39، قوانين الاصول 1: 83. 2 - كفاية الاصول: 92. 3 - تقدم في الصفحة 81. 4 - حاشية المحقق الإيرواني على المكاسب 1: 15 / 31. 5 - لعله في المكاسب المحرمة من " تحريرات في الفقه " للمؤلف (قدس سره) وهي مفقودة. 6 - المائدة (5): 2. (*)

[ 99 ]

والتقوى) * فافهم واغتنم. ويمكن دعوى: أن الوجوب لو كان يستفاد من مقدمات الحكمة فلا يثبت هنا، لأن ما يصلح للقرينية يورث الشك في تمامية المقدمات، وإذا كان يستفاد من القرينة العدمية، فيقع المعارضة بين قرينة الوجوب - وهو عدم القرينة - وما هو القرينة على الندب الصالح للقرينية، فإنه عند ذلك ربما يتعين الأول. اللهم إلا أن يقال: إذا كان ذلك صالحا للقرينية، فلا يعارض ذلك عدم القرينة على الوجوب، لأنه مع كونه صالحا، يصير قهرا سببا لعدم انعقاد الظهور الوجوبي، فتأمل. ايقاظ: في الاستدلال بالكتاب على الوجوب ربما يمكن الاستدلال على أن الأمر واجب الامتثال، بقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (1) وقوله تعالى: * (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) * (2) والمراد من الأمر هو الهيئة والصيغة المستعملة في الكتاب، على الوجه الذي مضى تفصيله (3). فهاتان الآيتان تدلان على أن نفس الأمر بالصيغة - كما في قصة إبليس: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس) * (4) - يقتضي الامتثال ولزوم التبعية، ولكنهما لا تدلان على أن ذلك لأجل الدلالة الوضعية، بل ربما كان لأجل ما أشرنا إليه، فلا تغفل.


1 - النور (24): 63. 2 - الأعراف (7): 12. 3 - تقدم في الصفحة 17 - 18. 4 - البقرة (2): 34. (*)

[ 100 ]

فائدة: حول أن موضوع المسألة هو الأوامر المولوية قد اشير إلى أمر إجمالا: وهو أن موضوع هذه المسألة، هو أن صيغة الأمر هل تدل على الوجوب، أم لا بل هو مطلق الصيغة ولو كانت إرشادية، أو موضوعها الأوامر المولوية ؟ لا سبيل إلى الأول، فيأتي إشكال: وهو أن الأوامر الصادرة عن الفقيه في مقام الإفتاء، بل والصادرة عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم في مقام الإفتاء، ليست مولوية، بل هي مرشدة إلى حكم الله تعالى وقانونه، فلا وجه لاستفادة الوجوب منها، تمسكا ببناء العقلاء والعرف، واستدلالا بطريقة الموالي والعبيد، فما كان في الكتاب مثلا فهو يعد من الأوامر المولوية، وهكذا ما كان نظيرها، وما ورد في المآثير من الأوامر ونحوها فلا شهادة عند العقلاء بعد كونها مرشدة، فهي تابعة للمرشد إليه، من كونه وجوبا أو ندبا، واستفادة ذلك - أي أن المرشد إليه واجب أو ندب - لا يمكن إلا بالقرينة الخاصة. والعجب من استاذنا البروجردي (1) (رحمه الله) حيث توجه إلى هذه النكتة، ولكنه - مضافا إلى قصور في تقريبه إشكالا - غير واصل إلى أصل الشبهة، وهو عدم لزوم الامتثال فيما إذا ورد الأمر في الأخبار والروايات بشئ، في العبادات كان، أو غيرها، مع أن الضرورة قاضية بخلاف ذلك، وأن العقلاء مع كون موضوع المسألة هي الأوامر المولوية، يتحركون بتلك التحريكات، من الفقهاء كانت، أو من الأئمة (عليهم السلام)، ويكشف بها القانون الإلزامي، إلا إذا قامت القرينة على الخلاف. فإذا سئل مثلا عن صلاة الكسوف، فقال: " صل " أو عن زكاة الأبدان، فقال: " زك " وهكذا، بناؤهم على لزوم القيام والانبعاث واستكشاف القانون والحكم الإلزامي بلا شبهة وريب.


1 - نهاية الاصول: 103 - 104. (*)

[ 101 ]

والذي هو الحجر الأساسي، عدم ورود النص في أن موضوع مسألتنا هذه، مخصوص بتلك الأوامر، أو أن الأوامر الصادرة في مقام الإفتاء تكون مولوية، لأن ميزان المولوية، ليس كون الآمر معاقبا على ترك المأمور به، كما في أوامر الأب والزوج بالنسبة إلى الابن والزوجة، ولا يكون ميزانها كون المأمور به فيه صلاح الأمر، وإلا يلزم عدم كون أوامر الله تعالى مولوية. اللهم إلا أن يقال: إن المناط صحة العقوبة عليه، وهذا لا يكون في أمر الفقيه والمفتي بالضرورة. نعم، هو مصحح العقوبة، لأجل العلم بالإرادة اللزومية من قبل المولى الحقيقي، فهذه الأوامر كواشف عن الإرادات المستورة. هذا، وفي كون الأوامر الإلهية التشريعية مولوية اصطلاحية، إشكال قوي، نشير إليه في ذيل تقسيم الواجب إلى النفسي والغيري (1)، وعلى هذا يسقط الواجب الشرعي، فيكون جميع الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية. فتحصل: أن بناء العقلاء على الامتثال في هذه الأوامر أيضا، وما اشتهر: " من أن موضوع هذه المسألة هي الأوامر المولوية، أو قيل: " إن موضوع البحث هي الأوامر الصادرة عن العالي المستعلي " (2) غير وجيه. نعم لا بناء من العقلاء على وجوب الامتثال، ولا تكون الصيغة كاشفة عندهم عن الإرادة الحتمية، إلا في بعض الصيغ، ومجرد كونه صيغة الأمر، لا يكفي لوجوب الامتثال. وأما توهم الملازمة بين كونها أمرا، وبين كونها واجبة الامتثال والانبعاث، أو


1 - يأتي في الجزء الثالث: 152 - 159. 2 - لاحظ هداية المسترشدين: 138 / السطر 18 - 20. (*)

[ 102 ]

واجبة الإطاعة والتبعية، فهو ناشئ من اعتبار مفهوم العلو أو الاستعلاء في مفهوم الأمر، وقد مر فساده تفصيلا (1). بحث وتفصيل: في الجمل الخبرية المستعملة في الإنشاء قد تستعمل الجمل الخبرية في مقام الإنشاء، وهي تارة: تكون فعلية، كقوله مثلا: " يعيد " و " يتوضأ " و " يغتسل " وكقولهم: " بعت " و " اشتريت " و " قبلت ". واخرى: تكون اسمية، كقوله: " أنت ضامن " أو " هو ضامن " أو " هي طالق " و " هذا مسجد ". فهل في هذه المواقف تكون الاستعمالات مجازية، أو تكون حقيقية ؟ وعلى كل تقدير: يستفاد الوجوب من القسم الأول، وهي الجمل الفعلية الاستقبالية، أم لا ؟ وعلى الأول: فما هو طريق فهمه واستفادته ؟ فالكلام يتم في جهات نشير إليها إجمالا: الجهة الاولى: في كيفية الاستعمال ظاهر المشهور أنها مجاز، لظهور أن الهيئة موضوعة للإخبار، واستعمالها في غيره من المجاز في الكلمة (2). وصرح بعض المتأخرين (3) وتبعه جماعة (4): بأنها حقيقة، لعدم وضعها لذلك،


1 - تقدم في الصفحة 11 - 16. 2 - لاحظ هداية المسترشدين: 154. 3 - كفاية الاصول: 92. 4 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 216. (*)

[ 103 ]

بل الإخبارية والإنشائية من الدواعي الخارجة عن الموضوع له، فتارة: تستعمل للإعلام والإخبار، واخرى: تستعمل للإنشاء والإيجاد، وليس في كلماتهم ما هو الموضوع له والجامع الذي لابد منه، وإلا يلزم الاشتراك اللفظي الذي يفر منه هؤلاء، كيف ؟ ! وهم يفرون من تعدد المعنى الحقيقي والمجازي، فضلا عن تعدد الوضع والموضوع له. واختار الوالد المحقق أمرا ثالثا: وهو المجازية (1)، بالمعنى الذي اختاره في محله (2)، فلا يكون الاستعمال إلا في الموضوع له، ولكن لنقل المخاطب إلى ما هو المقصود، فيكون من باب الادعاء، فالجمل الإخبارية مستعملة فيما هو الموضوع له، وهو الإخبار عما يأتي، بدعوى تحققه من المخاطب، وأنه يقوم به من غير احتياج إلى الأمر، بل سلامة فطرته كافية في بعثه إليه، كما في أمر الوالد ولده بهذه الطريقة المشتملة على التلطيف والاستيناس. ولا يخفى: أن ما هو المبحوث عنه في كلماتهم هنا هو الجمل الفعلية الاستقبالية، ومن الممكن دعواهم التفصيل بين هذه الجمل المشار إليها. ولكن الذي يظهر لي: أن الالتزام بالمجاز غير صحيح، لظهور هذه الجملات في الإنشاء، مثل ظهورها في الإخبار، وكما إن الثاني يحتاج إلى القرينة، كذلك الأول، فتكون القرينة معينة، لا صارفة. فبالوضع التخصصي بلغت هذه الهيئات - لكثرة الاستعمال - إلى الحقيقة الثانوية، بحيث لا يفهم من هذه الاستعمالات مجاز أصلا وإن قلنا بالمجاز المشهور. وأما الالتزام بالجامع المعنوي بين الإخبار والإنشاء، فهو غير ممكن، ضرورة


1 - مناهج الوصول 1: 257، تهذيب الاصول 1: 145 - 146. 2 - تهذيب الاصول 1: 44 - 45. (*)

[ 104 ]

أن قياس ما نحن فيه بصيغة الأمر مع الفارق، فإنه في صيغة الأمر كان الموضوع له معينا في كلماتهم، بأنه طلب إنشائي، أو بعث، أو تحريك اعتباري، أو إيقاع للنسبة، وهذا فيما نحن فيه غير معلوم، لأنه لا يعقل الجمع بين المعنى الإخباري والإنشائي، فإن الإخبار هو الإعلام عن النسبة الواقعية غير المستندة في وجودها إلى الاستعمال، والإنشاء هو المعنى الذي يوجد بالاستعمال، فيكون الاستعمال هنا إيجاديا، وهناك إخطاريا. نعم، بناء على القول برجوع الإنشاء إلى إبراز ما في الضمير، والإخبار عن المعتبر النفساني (1)، فهو له وجه، ولكنه فاسد كما مر (2)، ولا أظن التزام القائلين: بأن الإنشاء هو الإبراز، أنه عين الإخبار، ولكن الأوعية مختلفة، فوعاء جملة " زيد قائم " هو الخارج صدقا وكذبا، ووعاء جملة " هذا مسجد " أو " أنت طالق " و " ضامن " الذهن، وقد تكون متحدة كما في القضايا المعقولة، فتدبر جيدا. وأما الالتزام بالمجاز في الإرادة الجدية دون الاستعمالية، على التقريب الذي عرفته من السيد الوالد - مد ظله -، فهو وإن صح ثبوتا، ولكنه غير مرضي إثباتا، لأن كلمة " بعت " وأمثالها، وكلمات " يعيد " و " يتوضأ " وأمثالها، ربما تكون في الكثرة الاستعمالية إلى حد لا يجد العرف فيها المجازية، بل المتبادر منها هي المعاني الإنشائية، فتكون من الاشتراك اللفظي. نعم، الهيئة موضوعة أولا للإخبار، ثم استعيرت للإنشاء واستعملت فيه، حتى عد من معانيها، وهذا مما لا ضير فيه. نعم، الجمل الاسمية مختلفة، فما كانت من قبيل " هي طالق " فالاشتراك


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 88 - 90. 2 - تقدم في الجزء الأول: 127. (*)

[ 105 ]

اللفظي قريب جدا، وما كانت من قبيل " هذا مسجد " فربما يحتاج إلى القرينة الصارفة، لا المعينة، لأن المتبادر منها بلا قرينة هو المعنى الإخباري. فالمدار في الفرق بين الاشتراك اللفظي والحقيقة والمجاز، أنه إن كان اللفظ محتاجا في فهم المعنى منه إلى القرينة مطلقا، فهو يعد من المشترك اللفظي في معانيه، وإن كان محتاجا في فهم أحد المعاني إليها، فهو مجاز فيه، وحقيقة في غيره. وتوهم: أن الالتزام بالاشتراك اللفظي بعيد في نفسه، في غير محله، لأنه فيما إذا أردنا إثبات ذلك بالوضع التخصيصي، وأما إذا أردنا إثبات أحد المعنيين بالوضع التخصصي، فهو - مضافا إلى عدم بعده - قريب وواقع، وجميع الاشتراكات اللفظية من هذا القبيل، فلا تغفل. الجهة الثانية: في دلالتها على الوجوب لاشبهة عند العقل والعقلاء في لزوم الامتثال، واكتشاف الإرادة اللزومية من الجمل المستعملة في مقام الإنشاء بداعي الإيجاب والإلزام، من غير فرق بين الاسمية والفعلية، فإذا ورد مثلا: " سألته عن صلاة الرجل " فقال: " يعيد صلاته " فإنه يستظهر منه لزومه. وعدم ظهور بعض الجمل الاسمية في إفادة الإيجاب - ك‍ " زيد قائم " في إفادة وجوب القيام - لا يستلزم منع سائر الجمل، لأنه تابع الاستعمال. ويلزم الوضع الشخصي في خصوص هذه الجملة، كما التزمنا بذلك في خصوص " هي طالق " وأمثالها (1)، وقد مر أن هذا هو الأصل المسلم عند قاطبة


1 - تقدم في الجزء الأول: 128. (*)

[ 106 ]

العقلاء، من غير فرق بين كونهم في مقام إنشاء إلزامي نفسي، أو إرشادي إفتائي، فإنه إذا سئل مثلا عن صلاة الزلزلة، فأجاب: " يصلي " أو أجاب " هو آت بها " فإنه يكون ظاهرا في وجوبها، ويستكشف منها القانون الوجوبي والحكم الحتمي، من غير حاجة إلى القرينة الدالة على تعيين داعي الوجوب واللزوم (1). الجهة الثالثة: في وجه الدلالة على الوجوب بعدما أحطت خبرا بما مر منا في صيغة الأمر (2)، تقدر على عرفان إمكان إفادة اللزوم بهذه الهيئات من غير لزوم إشكال، وتقدر على كيفية استفادة الوجوب، فإن طريقة العرف وبناء العقلاء على حملها على الوجوب، واستكشاف الإرادة الحتمية منها، إلا مع القرينة على خلافه، فالقرينة العدمية سبب لكشف المراد الجدي اللزومي. وأيضا: تحيط خبرا بما في مقدمات الحكمة التي أفادها الخراساني صاحب " الكفاية " (قدس سره) (3) من أن مقدمات الإطلاق تورث الأخذ بالمطلق، وتكون النتيجة هي الإرادة الندبية، لا بعنوانها كما لا يخفى، وما تفيد الإرادة اللزومية هي الاتكاء على القرينة، ولكنها قرينة عدمية، لا وجودية، والأمر - بعد وضوح أصل المسألة - سهل.


1 - تقدم في الصفحة 100. 2 - تقدم في الصفحة 96 - 97. 3 - كفاية الاصول: 93. (*)

[ 107 ]

الفصل الثالث فيما يتعلق بهيئة الأمر إطلاقا

[ 109 ]

تمهيد وقبل الخوض في مباحثها، لابد من الإشارة إلى أمرين: الأول: في المراد من " الإطلاق " هنا المراد من " الإطلاق " هنا ليس ما يراد منه في باب المطلق والمقيد، فإنه هو الإطلاق المورث للتوسعة، والمقصود هنا هو الإطلاق المورث للضيق، أي أن إلقاء الأمر وتوجيهه إلى المخاطب والمكلفين، منصرف وظاهر في أن ما هو متعلق الأمر، هو الواجب التعييني لا التخييري، والنفسي لا الغيري، والعيني لا الكفائي، وهكذا، كما يأتي في المباحث المتكفلة لها من ذي قبل (1). وأما الشك في كونه واجبا مشروطا، فهو منفي بإطلاق الهيئة أو المادة، كسائر ما شك فيه من الشرائط والأجزاء، وهكذا إذا شك في عباديته، وأنه مشروط بقصد القربة، بناء على إمكان التمسك به. فعليه يتوجه إلى ما صنعه " الكفاية " من الإتيان بالبحث عن التعبدي والتوصلي هنا (2)، إشكال الخروج عن مباحث الصيغة، ولذلك عدل عنه صاحب


1 - يأتي في الجزء الثالث: 129 وما بعدها، وفي الجزء الرابع: 3 وما بعدها. 2 - كفاية الاصول: 94. (*)

[ 110 ]

" الدرر " رضوان الله عليه وأتى بمباحث التعبدي والتوصلي في تقاسيم الواجب (1)، والأمر سهل. وإني وإن سلكت في " مختصرنا النافع في الاصول " الذي ألفته في سنوات سابقة (2) مسلك شيخ مشايخنا في " الدرر " غافلا عما صنعه وبحثت عنها هناك، ولكن لا بأس بتبعية الأكثر، بإتيان تلك المسألة هنا، لأسهليته. الثاني: في تشخيص محل النزاع لاشبهة في جواز التمسك بالإطلاق بعد تمامية مقدمات الحكمة، لرفع ما شك في المأمور به من الأجزاء والشرائط، وإنما البحث هنا في أن هذه المقدمات، قابلة للإتمام عند الشك في قيد القربة، وتقييد المأمور به بقصد الطاعة والامتثال، أو بقصد الوجوب واللزوم، أو بسائر القصود الاخر المسانخة مع هذه المقاصد، أم لا يمكن إتمامها ؟ فالجهة المبحوث عنها هنا هذه. وأما البحث حول أنحاء القربات، وأقسام الإطاعات، فهو أجنبي عن هذه المسألة، ولكن لاضير فيه، لعدم خلوه من فائدة، فما ترى في كتاب سيدنا الاستاذ البروجردي من جعل أساس البحث حول تفسير الواجب التعبدي والتوصلي (3)، غير مرضي. وبعبارة اخرى: البحث هنا صغروي، وممحض في إمكان تمامية المقدمات وعدمه.


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 93. 2 - المختصر النافع في علم الاصول، للمؤلف (قدس سره) (مفقود). 3 - نهاية الاصول: 110 - 111. (*)

[ 111 ]

والإشكال في أن قصد القربة لا يتوقف على تماميتها، لأنه أمر خارج عن الأمر، ولايحتاج إليه في ذلك، لأن الحسن الذاتي الثابت بالعقل، كاف في التقرب به من الله تعالى، خارج عما نحن بصدده، وليس الأصحاب في موقف البحث عنه وعما به عبادية العبادة، فليتدبر. فالجهة المبحوث عنها، هي أنه لو فرضنا أن قصد التقرب ليس إلا إتيان المأمور به امتثالا للأمر، والقربة لا تحصل إلا بالانبعاث عن الأمر، وبالتحرك نحو المأمور به بالتحريك الاعتباري الثابت من قبل المولى، فهل يمكن عند الشك في اعتبار القيد المزبور اللاحق بالطبيعة قهرا التمسك بالإطلاق ؟ أو لا يمكن، للزوم المحاذير الراجعة إلى عدم تمامية المقدمات، ضرورة أن صحة التمسك بالإطلاق، موقوفة على إمكان التقييد، وإذا امتنع ذلك فيمتنع ذلك، فيتعين الاحتياط ؟ فبالجملة: وإن أمكن دعوى سقوط البحث الطويل في المسألة، لأن منشأه توهم: أن معنى قصد القربة، هو الامتثال وإتيان المأمور به بداعي الأمر، وعند ذلك يطول البحث، ويصبح الكلام في واد آخر، ويلزم المحاذير التي توهمها المتأخرون (1) بعد الشيخ الأعظم (قدس سره) تبعا له (2)، غافلين عن أن الأمر ليس كذلك، وأن المبنى فاسد، ضرورة أن قصد القربة والعمل التعبدي، ليس إلا الإتيان به بداع إلهي، وبنحو مرتبط به تعالى، من غير اشتراط تعلق الأمر في عباديته. فتعظيم المولى ومدحه وثناؤه إذا كان بقصد التقرب إليه، من العبادات وإن لم يتعلق به أمر.


1 - كفاية الاصول: 95 - 99، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149 - 151. 2 - مطارح الأنظار: 60 - 61. (*)

[ 112 ]

لكن لابد من الأمر لكشف ما يليق بجنابه تعالى، وإذا تعلق الأمر، واحرز لياقته بجناه تعالى، يكفي في تحققه عبادة إتيانه بداعي التعظيم ونحوه. ولو كان العبودية متقومة بالأمر، وبالإتيان بداعي الأمر والامتثال، لما كان وجه للنهي عن عبادة الأوثان والأصنام. فيعلم من ذلك: أنه أمر جبلي وارتكازي، وكثير من مصاديقه العرفية وما به يتحقق، معلومة عند العقلاء، كالسجود، والركوع، وسائر ما ينتزع منه التعظيم والخضوع. فما ترى في كتب الأصحاب لا يخلو من غرابة، وسيأتي الإيماء إليه (1). ولكن مع ذلك كله لا يسقط البحث الاصولي، لعدم تقومه بذلك، بل مناط المسألة محفوظ. هذا مع أن كثيرا من الأعلام، لا يرتضون بالمقالة المذكورة، ويرون مناط العبودية الامتثال للأمر، وأنه بدونه لا يمكن اتصاف شئ وعمل بالقربة (2)، فافهم واغتنم. فتحصل: أن هذه القيود كغيرها في إمكان تمامية مقدمات الحكمة بلحاظها، وصحة التمسك بها لرفعها إذا شك. نعم، ربما يجري بعض الشبهات الآتية على نفي إمكان التمسك في مطلق هذه القيود (3)، ولكنه ليس مما يليق بالذكر، فانتظر.


1 - يأتي في الصفحة 116 - 117. 2 - لاحظ مطارح الأنظار: 60 / السطر 9 - 10، كفاية الاصول: 95 حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 357، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 217 - 218. 3 - يأتي في الصفحة 146 - 147. (*)

[ 113 ]

المقام الأول: في التعبدي والتوصلي إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم: أن الكلام في المقام - وهو البحث الأول - يتم في مباحث ثلاثة: الأول: في إمكان أخذ قصد الأمر والامتثال في متعلق الأمر وعدمه. الثاني: في كبرى المسألة، وأن هذا شرط أم لا. الثالث: حول قضية الاصول العملية. حول التقسيم إلى التعبدي والتوصلي وتعريفهما وقبل الخوض فيها، لابد من الإشارة إلى مقدمة: وهي أن المشهور إلى زماننا هذا تقسيم الواجب إلى التعبدي والتوصلي (1)، والمعروف بين القدماء في تفسيرهما " أن التعبدي: ما لا يكون الغرض فيه معروفا ومعلوما، والتوصلي: ما هو المعلوم فيه الغرض والمقصود من الأمر والبعث " (2) وقد بلغت تعريفاتهم حولهما إلى ستة أو أكثر (3). ولا أظن جواز صرف الوقت فيما لا يغني، ولايكون مفيدا في نفسه، ولا مرتبطا بالمسألة أي ارتباط كان. والعجب من بعض فضلاء العصر، من تفسيره " تارة بأن التوصلي: هو الواجب الذي يسقط بالإتيان به خارجا، سواء جاء به نفس المكلف، أو شخص آخر، والذي


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 93، مناهج الوصول 1: 258، محاضرات في اصول الفقه 2: 139. 2 - لاحظ مقالات الاصول 1: 229، منتهى الاصول 1: 126. 3 - منتهى الاصول 1: 126 - 128. (*)

[ 114 ]

يقابله هو الواجب الذي لا يسقط بفعل الغير " ! ! ثم فتح بحث الاستنابة والنيابة، وكيفية ذلك. وتوهم هنا بحثا آخر في المقام، لا يليق بهم (1). والأمر واضح جدا، ضرورة أن المقام وموقفنا، هو البحث عن الواجب التعبدي والتوصلي، لا التوصلي وما يقابله بإلغاء التعبدي، فإذا لوحظت المقابلة بينهما، تنحصر الجهة المبحوث عنها، في أن الواجب التعبدي هو كذا، والتوصلي كذا، وإذا شك في مورد أنه تعبدي أو توصلي، فهل قضية القواعد هي الأول، أم الثاني ؟ المسماة ب‍ " أصالة التعبدية " أو " التوصلية " من غير النظر إلى جهة المباشرة. نعم، سيأتي منا تقسيم آخر أبدعناه في محله في الواجبات، وهو تقسيمها إلى الواجب العيني المباشري، والواجب العيني الأعم منه ومن التسبيب، كصلاة الولد عن والده، فإنه مع أنه عيني، ليس مباشريا، ولا تنافي بين العينية والسببية (2)، لأن مناط العينية أمر آخر غير ما توهمه القوم إلى زماننا هذا، فافهم وانتظر. فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين المباحث، فما ترى في كتب العلامة النائيني (3) وبعض تلاميذه (4)، من عقد بحث آخر هنا، ناشئ عن القصور. ومن الأعاجيب إطلاقه " التعبدية " على ما يقابل التوصلية بالتفسير الثاني، فيكون عنده رد السلام والتحية تعبديا ! ! وهل هذا إلا المجازفة في البحث، والتفريط في القول ؟ ! هذا، وقد عدل المحقق الوالد - مد ظله - من التقسيم الثنائي إلى الثلاثي، بل


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 139 - 140. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 52. 3 - فوائد الاصول 1: 138. 4 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 141. (*)

[ 115 ]

إلى الرباعي، بأن الواجب تارة: يكون نفس الطبيعة، من غير دخالة شئ آخر فيه إلا نفسها، فيكون تحققه في الخارج سببا لسقوط الأمر، سواء كان مباشره نفس المكلف، أو غيره. وعلى تقدير كونه مقيدا بصدوره من نفس المكلف، فليس مقيدا بأمر وراء تحققه في الخارج، كستر العورة، وإنقاذ الغريق. واخرى: يكون بحيث لا يسقط أمره إلا بقصد عنوانه، لأنه من العناوين القصدية، من غير لزوم الإتيان به تقربا وللأمر، بل لا يضاده إتيانه رياء، ولا ينافيه، كرد السلام، وأداء الدين، والكفارات بناء على عدم اعتبار قصد القربة فيها، فإنه بدون قصد العناوين المذكورة لا يسقط الأمر، لعدم اتصاف العمل الخارجي بتلك العناوين إلا بالقصد والنية. وثالثة: ما يحتاج في سقوط أمره إلى قصد العنوان وقصد القربة، كالعبادات، وهي على ضربين: فإن منها: ما يرادفها كلمة (پرستش) في الفارسية، كالصلاة والحج مثلا. ومنها: ما لا يعد عبادة، كالقربيات المالية من الأخماس والزكوات (1). وأنت خبير: بأن هذا التقسيم صحيح في حد نفسه، ويساعده الذوق السليم، والفهم المستقيم، ولكن أساس البحث حول تعريف التعبدي، فإنه إن عرف: بأنه الواجب الذي لا يحصل الغرض منه إلا بإتيانه بداع إلهي، فلا يبقى إشكال فيما إذا شك في واجب أنه تعبدي أو توصلي - بعد تمامية المقدمات - في الحمل على التوصلية، فأصالة التوصلية هي المرجع قطعا. وإن عرف: بأنه عبارة عما يعتبر فيه إتيانه بقصد إطاعة الأمر المتوجه إليه،


1 - مناهج الوصول 1: 258. (*)

[ 116 ]

تأتي الإشكالات والمحاذير الآتية (1). فبالجملة: لا غبار في تعريفهما، ولا خفاء في مفهومهما، حتى يحتاج إلى التحديد، بل الخفاء في أمر آخر يؤخذ في حده. وعلى كل تقدير: إذا قلنا: بأنه هو الواجب الذي لابد من قصد أمره في سقوطه وامتثاله، فهل قضية القواعد هي أصالة التعبدية، أم التوصلية عند الشك ؟ ولعمري، إن المراجعة إلى كلمات القوم في المقام، تورث عدم وصولهم نوعا إلى مغزى المرام والمقصود في الكلام. ومما يشهد على ذلك، ويعرب عنه، ويكون دليلا على ما ادعيناه: غورهم في تعريف الواجب التوصلي، وتحديده بما لا يكون التعبدي مقابله، حتى صار التقسيم المزبور متبدلا إلى تقسيمه إلى التوصلي وغير التوصلي، مع أن أساس البحث هنا حول الواجب التعبدي، وبيان حقيقته، وحقيقة ما به عبودية العبادة الواجبة أو المستحبة، من غير النظر إلى فهم مفهوم " التوصلي " وماهيته. ولذلك ذكرنا في الدورة السابقة عند تحرير مباحث هذه المسألة: أن المقصود ليس إثبات أصالة التوصلية بعنوانها، بل المطلوب نفي أصالة التعبدية، سواء ثبت الواجب التوصلي بعنوانه، أم لم يثبت، ضرورة أن مع عدم جريان مقدمات الإطلاق، وجريان أصالة البراءة فرضا، لا يثبت التوصلية، لأن الأصل بالنسبة إليها يصير مثبتا. وتوهم: أن التوصلية ليست إلا عدم التعبدية بالسلب المحصل، غير سديد، لأن تقسيم الشئ إلى قسمين، لا يمكن إلا بلحوق القيد على الطبيعة في الطرفين ولو كان القيد عدميا، فافهم واغتنم، وكن على بصيرة من أمرك.


1 - يأتي في الصفحة 118 - 133. (*)

[ 117 ]

ثم إنه سيأتي منا في تنبيهات المسألة، قضية إطلاق الأمر فيما إذا شك في أن الأمر، يسقط بإتيان المأمور به غفلة، ولا عن اختيار، ويأتي أيضا هناك مقتضاه عند الشك في أن الإتيان بالمصداق المحرم، كاف في سقوطه، أم لابد من الإتيان بمصداق مباح (1). وأما قضية الشك في كفاية تصدي الغير عن المكلف به وعدمه، فيأتي تفصيله في أقسام الواجب، حسبما يؤدي إليه النظر الدقيق في وجه تقسيم الواجب العيني إلى قسمين (2)، كما اشير إليه، فليتدبر. إن قلت: كما يسقط بحث التعبدي والتوصلي، بناء على كون ملاك التعبدية هي الإتيان بداع إلهي مضى تفصيله (3)، كذلك يسقط بناء على ما يستظهر (4) من قوله تعالى: * (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (5) النافي للواجب التوصلي، والمثبت لأن جميع الواجبات تعبدية، فلا تصل النوبة إلى الشك. قلت: الالتزام بذلك مما لا يكاد يتوهم، وتفصيله وبيان المراد من الآية الكريمة الشريفة، موكول إلى محله، وسيأتي الإيماء إليه إن شاء الله تعالى (6).


1 - يأتي في الصفحة 181 - 188. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 52. 3 - تقدم في الصفحة 111. 4 - نهاية النهاية 1: 103. 5 - البينة (98): 5. 6 - يأتي في الصفحة 152 - 154. (*)

[ 118 ]

المبحث الأول حول إمكان أخذ قصد الأمر والإتيان بالمأمور بداعي أمره، وامتثالا وتحركا بتحريك اعتباري، وانبعاثا بالبعث في متعلق الأمر وعدمه. فالمعروف المفروغ عنه إلى زمان الشيخ الأعظم (قدس سره): أنه كسائر الشروط في الإمكان. وقد منع ذلك، وأرسله أصحابه وتلامذته إرسال المسلمات، وادعي امتناعه الذاتي، أو الغيري، وأقاموا على ذلك حججا وبراهين، بعضها يؤدي إلى امتناعه في مرحلة الجعل، وبعضها يؤدي إلى الامتناع في مرحلة الامتثال، المؤدي قهرا إلى الامتناع الغيري في مرحلة الجعل. ولابد من الإشارة إلى تلك الوجوه في مرحلتين: المرحلة الاولى: فيما اقيم على الامتناع الذاتي، وممنوعيته في مرحلة الجعل والتشريع وهو امور: أحدها: لزوم الدور في مرحلة التصور (1)، وهذا أمر قبل المرحلتين كما لا يخفى، وهو أن تصور الأمر موقوف على تصور متعلقه، فلو كان قصد الأمر من أجزائه وقيوده وشرائطه - بناء على رجوعها إلى تقيد الطبيعة بها - لتوقف تصور


1 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 357. (*)

[ 119 ]

المتعلق على تصور الأمر أيضا، لأن تصور المركب متوقف على تصور أجزائه وقيوده برمتها. ثانيها: لا شبهة في تقدم الموضوع على حكمه - بملاك تقدم المعروض على عرضه - تقدما بالرتبة، وإذا كان الموضوع متوقفا على الأمر، لأخذ قصد الأمر وداعيه فيه، فهو موقوف على نفسه، ففي مرحلة الجعل يلزم تقدم الشئ - وهو الأمر - على نفسه برتبتين: رتبة لتقدم جزء الموضوع على الكل، ورتبة لتقدم الموضوع على الحكم. أو يقال: رتبة لتقدم الموضوع على الحكم، ورتبة لتقدم الحكم والأمر على قصد الأمر، فما هو المتأخر عن الأمر المتأخر عن الموضوع، مأخوذ في الموضوع، وهذا أفحش من الدور فسادا (1). ثالثها: الأمر موقوف على الموضوع، والموضوع متوقف على الأمر، فيلزم الدور، فكيف يعقل جعل الحكم على الموضوع بنفس الأمر المتعلق به ؟ ! (2) وفي كونه برهانا آخر إشكال، بل منع. رابعها: أخذ قصد الأمر، موجب لتقدم الشئ على نفسه في مرحلة الإنشاء، وذلك لأن المأخوذ في متعلق التكاليف في القضايا الحقيقية، لابد وأن يكون مفروض الوجود، سواء كان من قبيل الوقت الخارج عن القدرة، أو من قبيل الطهور الداخل تحت القدرة، فلو اخذ قصد الامتثال قيدا للمأمور به، فلا محالة يكون الأمر مفروض الوجود، وهذا هو تقدم الشئ على نفسه (3). وفي كونه برهانا آخر نظر، بل منع.


1 - لاحظ منتهى الاصول 1: 129 - 132. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 94. 3 - أجود التقريرات 1: 106 - 108. (*)

[ 120 ]

وأما توهم: أن هذا الوجه يرجع إلى مستحيل آخر، وهو اتحاد الموضوع والحكم (1)، فهو فاسد، ولا أرى له وجها، لأن الموضوع المأخوذ مفروض الوجود، ليس هو الأمر حتى يكون الحكم نفس ذلك الأمر فيتحدان، بل الموضوع المأخوذ مفروض الوجود مشتمل على أجزاء، ومنها: قصد الأمر، فيلزم تقدم الشئ على نفسه، فلا تخلط. أقول: ظاهر هذه التقارير في إحداث الإشكال في المسألة، واضح المنع، ضرورة انتقاضه أولا: بأن جميع الفواعل الاختيارية، تحتاج في فاعليتها إلى تقدير العلل الغائية، ولو كانت العلل الغائية مترتبة على الأفعال الاختيارية للزم الدور. وثانيا: حله أن ما هو المتقدم ليس عين ما هو المتأخر، فإن ما هو المتقدم هو المعنى التصوري الموجود في الذهن، وما هو المتأخر هو المعنى الخارجي، فهما شخصان من الوجود. وفيما نحن فيه أيضا ما هو المتقدم هو المعنى التصوري من الأمر، وما هو المتأخر هو المعنى الواقعي والتصديقي، أي كما يلاحظ الحاكم سائر القيود، ويتعلق حكمه وأمره بها، كذلك يتصور قصد الأمر، وهو ليس إلا مفهوما كسائر القيود المأخوذة، ويتعلق به بعين تعلقه بالكل، وبنفس المقيد والقيد، من غير فرق بينهما. هذا، وفي دفع الإشكال الأول المربوط بأصل التصور نقول: إنه لا يتوقف تصور مفهوم " الأمر " بالحمل الأولي على الموضوع، لعدم التضايف بينهما، وأما في مرحلة الجعل والإنشاء، فلا دور وإن كان توقف في البين، كما عرفت. خامسها: لزوم تقدم المتأخر بالطبع، وذلك لأن الحكم ليس من العوارض الخارجية، كعوارض الوجود، ولا من العوارض الذهنية، كعوارض الماهية بما هي


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 155 - 157. (*)

[ 121 ]

ذهنية، بل هو من قبيل عوارض الماهية اعتبارا ووهما (1)، لأن المقصود منه ليس نفس الإرادة، حتى تكون تكوينية، وخارجة عن الإنشاء والجعل، وعن قابليتها للإنشاء، وتكون خارجة عن المقولات، حسبما عرفت منا سابقا (2). فعلى هذا، لا تقدم للموضوع على الحكم، بل هما معا، ولا علية بينهما، بل هما معلولا علة ثالثة. إلا أن الموضوع - بما هو موضوع - متقدم بالطبع على الحكم، ولو اخذ الحكم فيه يلزم تقدمه عليه، مع تأخره عنه. ولعل غرض المستشكلين كان يرجع إلى ذلك، لأن علية الموضوع للحكم، واضحة المنع وبالعكس، ومعلولية كل واحد منهما للحاكم المتصور، واضحة جدا. أقول: ماله المعية مع الموضوع، غير ما هو المتقدم عليه، فإن ما هو المتقدم عليه، هو المعنى التصوري العلمي الذي ليس إلا كسائر الشرائط والقيود، وما هو مع الموضوع هو الحكم بالحمل الشائع، وهو شخص الأمر المتعلق بالصلاة. فبالجملة: للحاكم تصوير الصلاة التي أولها التكبير، وآخرها التسليم، وتصوير الشرائط والقيود، ومنها: تصوير مفهوم " قصد الأمر " ثم بعد ذلك يقوم ويقول مثلا: " صل مع الطهور، وقصد الأمر، والستر، والقبلة ". نعم، لو اريد من " قصد الأمر " المأخوذ، هو المعنى المتأخر عن شخص الأمر المتعلق بالكل، بأن يريد أخذ قصد الأمر الشخصي، لا الطبيعي والنوعي والمفهومي، فهو ممتنع بالضرورة، وسيأتي إمكانه بالدليل المنفصل إن شاء الله تعالى (3). هذا مع أن إمكان قصد الأمر العنواني بالحمل الأولي في المتعلق، كاف لصحة


1 - نهاية الدراية 1: 323 - 324. 2 - تقدم في الصفحة 40 - 42. 3 - يأتي في الصفحة 123 - 125. (*)

[ 122 ]

التمسك بالإطلاق، فالامتناع المذكور لا يضر بالمقصود، فلا تغفل. سادسها: لزوم الجمع بين اللحاظين: الآلي، والاستقلالي، ضرورة أن الأمر آلة البعث، ومغفول عنه قهرا، وقصد الأمر قيد وملحوظ استقلالا، لاحتياجه - في سراية الأمر إليه - إلى اللحاظ الاستقلالي، فلا يكون مغفولا، والشئ الواحد كيف يكون مغفولا، وغير مغفول ؟ ! (1) وأما اختلاف الزمانين، فهو وإن كان يثمر لحل الإعضال، إلا أنه لا حاجة إليه هنا، وذلك لأن ما هو الملحوظ استقلالا، هو مفهوم " قصد الأمر " وما هو المغفول عنه هو الأمر بالحمل الشائع الحاصل من استعمال هيئة الأمر وصيغته، فلا يكون الشئ الواحد مغفولا وغير مغفول، فافهم، ولا تكن من الخالطين. سابعها: لزوم الخلف، وذلك لأن الأمر المتعلق بالصلاة المتقيدة بقصد الأمر، يكون متعلقه مقيدا، مع أن المفروض لزوم الإتيان بالصلاة بداعي أمرها، فتكون هي واجبة ومأمورا بها. وبعبارة اخرى: ما هو الواجب والمأمور به هي الصلاة، ولو كانت المقيدة بالأمر واجبة، لزم كونها واجبة بالعرض والمجاز، أو بالأمر الضمني والغيري، بناء على تصويرهما، وهذا خلف ومخالف للوجدان. أقول: يرد عليه نقض بسائر الأجزاء التحليلية، وهي الشرائط والقيود المأخوذة في متعلق الأمر. وحله: أن ما هو المأمور به هي الصلاة بقصد الأمر، فإذا اشتغل بها قاصدا الأمر فهو قد أتى بالمأمور به، وإلا فلا يسقط الأمر. ودعوى: أن الواجب هي الصلاة بدون قيد قصد الأمر، خلف دون العكس.


1 - نهاية الاصول: 112. (*)

[ 123 ]

وإن شئت قلت: الواجب هي الصلاة المقيدة، ولكنه إذا تحرك بالأمر نحوها، غافلا عن قصد الأمر، فقد امتثل الأمر وسقط. هذا مع أن انحلال الأمر إلى الأجزاء التحليلية، حتى تصير الطبيعة واجبة بالأمر الضمني (1)، محل إشكال، فلا تغفل. وللعلامة صاحب " المقالات " كلام يمشي معه في كثير من المباحث الاصولية والفقهية، فتوهم هنا أيضا: أن ما هو المأمور به هي الحصة غير المتقيدة، ومع ذلك ليست مطلقة، فما هو الواجب هي الصلاة، مع أنها لا تسقط بإتيانها على الإطلاق (2). وأنت خبير بفساده، كما مر مرارا توضيحه (3)، ولا نطيل بتكراره تفصيلا. ثامنها: لزوم الجمع بين المتقابلين والمتنافيين، وذلك أنه لاريب في أن موضوع الحكم، متقدم في اللحاظ على حكمه، وهو متأخر عنه، كما أنه لاريب في أن قصد الامتثال ونحوه، يكون مترتبا في وجوده وتحققه على وجود الأمر، الذي هو متأخر في اللحاظ عن الأمر أيضا، فيكون متأخرا برتبتين عن موضوع الأمر، فإذا اخذ جزء من موضوع الأمر، أو قيدا فيه، لزم أن يكون الشئ الواحد - في اللحاظ الواحد - متقدما في اللحاظ، ومتأخرا فيه، وهذا مستحيل (4). أقول: هذا ما أفاده صاحب " المقالات " واتكأ عليه في المقام، وأنت خبير بأنه إن اريد الأمر الشخصي الذي لم يصدر بعد، فجميع المحذورات متوجهة، وتكون المسألة واضحة المنع، من غير حاجة إلى التأمل والبرهان.


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 167. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 228. 3 - تقدم في الجزء الأول: 215 - 216. 4 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229 - 231. (*)

[ 124 ]

وإن اريد منه ما اريد من سائر القيود، كالستر والاستقبال والطهور، مما ليس موجودا حال الأمر، وتعلق الأمر بإيجاد الطبيعة المتقيدة بها، مع عدم كونها خارجة عن الاختيار، ومع عدم لزوم كون المكلف حال الأمر واجدا لهذه الشرائط والقيود - وإن كان من الشرائط ما هو خارج عن الاختيار، كالوقت مثلا - فهذا أيضا ممكن لحاظه، من غير لزوم إشكال وامتناع في مرحلة الجعل والإنشاء. وأما لزوم الإشكال في مرحلة الامتثال، فهو أمر آخر سيأتي تفصيله (1). ولعمري، إن المسألة لمكان عدم اتضاح المراد منها، وقعت مصب النفي والإثبات، وإلا إذا كان المقصود معلوما فطرفاها من البديهيات. ومما يؤسف له أن مثل هذا الخلط في محل التشاح والنزاع، كثير الدور في المسائل العلمية، فلا تغفل. تاسعها: لو أمكن أخذ قصد الأمر والامتثال في متعلق الحكم، لأمكن أخذ العلم بالحكم في متعلقه، وحيث يكون الثاني مستحيلا، فكذلك الأول، وذلك لأن وجه الامتناع لزوم الدور، وسر لزوم الدور: أنه من الانقسامات اللاحقة بالحكم، في مقابل سائر القيود التي هي من الانقسامات السابقة على الحكم، ككون الصلاة في مكان كذا، وزمان كذا، وفي وضع كذا، وهكذا، وقصد الأمر من تلك الانقسامات بالضرورة، فهو أيضا يمتنع (2). وفيه: - مضافا إلى أن ذلك ليس وجها على حدة، بل تقريب لتثبيت الدور - أن العلم وقصد الأمر من تلك الانقسامات، إذا كان المراد ما هو العلم بالحمل الشائع وما هو قصد الأمر بعد تحققه وجعله ووجوده، ومن الانقسامات السابقة على الحكم، إن كان المراد منها عنوانهما ومفهومهما بالحمل الأولي، وعند ذلك لا يلزم إشكال. نعم، لا معنى لأخذ عنوان " العلم بالحكم " في الموضوع، لأن المراد هو


1 - يأتي في الصفحة 126 - 133. 2 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149. (*)

[ 125 ]

مصداقه، بخلاف قصد الأمر، فإن المراد هو أخذ عنوانه، حتى يكون الأمر باعثا إليه إذا تحقق، فلا معنى للمقايسة بين العلم وقصد الأمر في المقام، فلا تخلط. وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن أخذ قصد الأمر الشخصي، غير ممكن، لأن الأمر - بوجوده الشخصي - متأخر عن تصور الموضوع، مع أنه لابد من تصوير الموضوع حتى يمكن ترشح الإرادة، ويمكن الأمر به والبعث إليه. ولكنه إذا كان ذات الصلاة مثلا متصورة، وكانت هي ذات مصلحة باعثة إلى الأمر بها، فإذا تصدى الآمر للأمر بها، وخاطب المكلفين بقوله: " صلوا " فبدا له في أن يزيد فيها قيدا آخر، لأن المصلحة تكون قائمة بالمقيدة، فزاد في كلامه وقال: " صلوا مع قصد هذا الأمر المتعلق بها " فإنه عند ذلك يدعو إلى المقيد، وقد اخذ القصد في متعلق الأمر الشخصي، ولكنه تصوير ممتنع في حق الشارع المقدس جل وعلا، وممكن في حقنا. عاشرها: لازم التقييد بداعي الأمر، هو لزوم عدمه من وجوده، وذلك لأن أخذ الإتيان بداعي الأمر في متعلق الأمر، يقتضي اختصاص ما عداه بالأمر، وقد تبين في محله: أن الأمر لا يدعو إلا إلى متعلقه، وهذا مساوق لعدم أخذه فيه، إذ لا معنى لأخذه فيه إلا تعلق الأمر بالمجموع من الصلاة، والإتيان بداعي الأمر، فيلزم من أخذه فيه عدم أخذه فيه، وما يلزم من وجوده عدمه محال (1). أقول: هذا ما سطره العلامة المحشي (رحمه الله) وفيه ما لا يخفى، فإن قيد الإتيان بقصد الأمر، من القيود الراجعة إلى المادة بحسب الثبوت، فلا معنى لتعلق الهيئة في مقام الاستعمال والإنشاء، بغير ما تصوره المقنن، ولا وجه لدعوة الأمر إلى غير ما يتعلق به، وهو المقيد، فالاقتضاء المزبور في كلامه ممنوع. وهذا أيضا ليس من الوجوه المستقلة في المسألة، كما هو الظاهر.


1 - نهاية الدراية 1: 327. (*)

[ 126 ]

المرحلة الثانية: حول الوجوه الناهضة على امتناعه بالغير واستحالته في مقام الامتثال والإطاعة وهي كثيرة: الوجه الأول: ما أفاده " الكفاية " فقال ما مجمله: أن القدرة على الامتثال، مسلوبة إذا كان قصد الامتثال مأخوذا في المتعلق، وذلك لأن المأمور به بداعي الأمر، ليس الطبيعة المطلقة، كالمأمور به مع الستر والطهور، بل هي الحصة المقيدة، فالصلاة ليست مأمورا بها وحدها، بل الصلاة جزء المأمور به، لأن ما هو المأمور به مركب بالفرض، فكيف يعقل إتيانها بقصد الامتثال ؟ ! لأن معنى إتيانها بداعي أمرها، أنها واجبة، وأنها مأمور بها (1)، انتهى. وبعبارة اخرى، وهي مقصوده الأعلى: إن العبد لابد له من تصور الداعي في إتيانه بالواجب، فلو كان الداعي داخلا في المأمور به، يحتاج إلى تصور الداعي الآخر، وهكذا فيتسلسل. وإن شئت جعلته وجها آخر في بيان الاستحالة فتدبر. ثم إن ظاهر ما يستظهر من التقرير الأول امتناعه الذاتي في مرحلة الجعل أيضا، والأمر سهل. الوجه الثاني: ما أفاده المحشي المزبور (قدس سره) (2) كما هو في " الدرر " (3) وهو أن أخذ قصد الأمر في المتعلق، يستلزم داعوية الشئ إلى داعوية نفسه، وهذه هي علية الشئ لنفسه، ضرورة أن الأمر هو تحريك المكلف نحو ما تعلق به، فلو كان


1 - كفاية الاصول: 95. 2 - نهاية الدراية: 325. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 95. (*)

[ 127 ]

متعلقه هي الصلاة بداعي الأمر، فقد دعا إلى إتيانها، وإلى داعوية الأمر، وهذا يرجع إلى علية الشئ لعلية نفسه، وهذا مستحيل، لأن العلية وصف لذات العلة، من دون التقييد بأمر في ناحية المعلول حتى يلزم الدور، أو التسلسل، كما لا يخفى. الوجه الثالث: الأمر الذي لابد من إتيان المأمور به بداعية، هو الأمر النفسي، لأنه أمر يمكن أن يكون مقربا، ولأنه أمر شرعي مولوي تأسيسي. والأمر المأخوذ في المتعلق هو الأمر النفسي الاختراعي، الذي ليس مما يتقرب به بنفسه، فإن قام لأجل الأمر الضمني، فلا يسقط الأمر النفسي، وإن قام لأجل الأمر النفسي، فلا يأتي بجميع أجزاء المأمور به، كمالايخفى. الوجه الرابع: العبد إما يتحرك بالأمر المتوجه إليه بقوله: " اغتسل " أو لا يتحرك، فإن تحرك به فقد أتى بما هو الواجب اللبي - وهو المأمور به - بقصد الأمر وبتحريكه. وإن لم يتحرك به، فلا حاجة إلى أخذه فيه، لأنه به لا يزداد في باعثيته، فأخذ قصد الأمر في المتعلق، لغو غير محتاج إليه. أقول: الجواب عن هذه التقارير المختلفة الراجعة إلى أمر واحد في الواقع: هو أن المقصود الأصلي في مرحلة الثبوت، هو تحقق المأمور به على وجه التعبد، والإتيان به مع كون الداعي هو الأمر المتعلق به، قبال الإتيان بذات الفعل مع الغفلة عن أمر المولى. فإذا رأى المولى أن هذا الأمر يمكن أن يتوسل إليه، إذا جعل عنوان " قصد الأمر " في متعلقه، فلابد أن يأمر بالصلاة مع قصد الأمر، وذلك لأن المكلف الملتفت إلى الأمر وأطرافه، وقيود المأمور به، ينتقل من هذا التقييد إلى أن نفس الصلاة، ليست كافية في سقوط الأمر، بل لابد من امتثال الأمر والانبعاث به، لأنه يجد العقوبة في مخالفة الأمر، فيتحرك قهرا نحو المأمور به.

[ 128 ]

وبعبارة اخرى: التحرك نحو المأمور به، لا يكون لأجل الأمر فقط، بل التحرك ناشئ من اللواحق والجهات الاخر، من العقاب، والثواب، أو الامور العالية الموجودة في نفوس المقربين. ولكنه إذا كان متوجها إلى أن العقاب في ترك المأمور به، ويرى أن المأمور به الصلاة، مع كون الانبعاث نحوها عن الأمر، فلابد أن يتوجه إليها بذلك الأمر، فيحصل المأمور به، ويسقط الأمر، فإن ما هو المأخوذ في متعلق الأمر بالحمل الشائع، هو مفهوم " قصد الأمر " وإذا كان هو في الخارج آتيا بالصلاة بداعي الأمر، فقد امتثل. ولكنه إذا أتى بها غفلة عن الأمر، ثم توجه إلى الأمر، فيجد لزوم إعادتها، فلا يكون لغوا، ولا يكون التحرك بالأمر النفسي، فإن ما هو القيد هو مفهوم " الأمر " الذي لا باعثية له أصلا، بل الباعثية من صفات الأمر بالحمل الشائع، فهو إذا امتثل بالأمر بالحمل الشائع، فقد امتثل الأمر المأخوذ في المتعلق، لأنه مصداقه، وهو القيد المأخوذ لا بشخصه، بل بالعنوان المتوسل إلى الشخص بعد الأخذ في المتعلق. وبعبارة اخرى: ليس قصد الأمر داخلا في المأمور به، دخول سائر الأجزاء والشرائط، بل هو عنوان مشير إلى تضيق المرام، وأخصية المطلوب، فلو كان ينحل الأمر إلى الأوامر الضمنية، حسب الأجزاء الذهنية، والتحليلية، فلا ينحل إلى هذا الأمر المأخوذ في المتعلق، فإن مجرد أخذه في المتعلق غير كاف، بل المناط كونه من الامور الدخيلة بعنوانها الذاتي في المأمور به، وأما إذا كان مثل قصد الأمر الذي لا يرى دخالته في المأمور به لسقوط الأمر ولو كان جاهلا به - إذا كان انبعاثه نحو المأمور به بالأمر - فلا ينحل إليه، ولا يتوجه إليه الأمر الضمني أو الغيري، وسيوافيك بحث ينفعك، فانتظر. ومن ذلك البيان الوافي والتقرير الكافي، يتمكن الخبير البصير من الاطلاع

[ 129 ]

على مواضع الخلط في كلمات القوم والأعلام - رضوان الله تعالى عليهم -. فتحصل: أنه قادر على الامتثال، وعرفت أنه لا يلزم التسلسل، لانقطاع السلسلة بالانبعاث عن الأمر بالحمل الشائع، من غير لزوم العلم بالأمر بالحمل الأولي، فضلا عما إذا كان عالما به، كما لا يخفى. وأحطت خبرا بعدم لزوم كون الشئ داعيا إلى داعوية نفسه، لأنه إذا كان داعيا إلى الطبيعة المتقيدة، فليس القيد له الداعوية والمحركية رأسا، حتى يلزم ذلك، لأن ما هو المحرك، هو البعث الخارجي الذي توجه إلى الصلاة، وإذا امتثل العبد وأتى بالصلاة منبعثا عن الأمر، ومتحركا بتحريكه، فقد أتى بجميع المأمور به وقيده وشرطه بدون إشكال، من غير فرق بين كون أخذ الأمر بعنوان " القيدية والشرطية " أو بنحو آخر، كما أفاده العلامة المحشي (رحمه الله) (1). مع أن النحو الآخر غير ممكن، لما عرفت سابقا: من أن التقييد بدون طريان القيد على الطبيعة، غير ممكن. فتوهم تعلق الأمر بذات المقيد، أي بهذا الصنف من الصلاة، وذات هذه الحصة من حصص الطبيعي، فلا يلزم محذور، في غاية الوهن، لرجوعه إما إلى فرض كون القربة حاصلة بغير قصد الأمر، فهو خلف كما عرفت، أو إلى كونها مضيقة من غير اللحاظ، وهو ممتنع. إن قلت: إنا إذا راجعنا وجداننا، فلانجد أن أخذ قصد الأمر في المتعلق، يوجب تحريك العبد إلى الصلاة، بل العبد - بما عنده من المبادئ الخاصة، والعلوم المخصوصة بالآثار والتبعات - قد يتحرك بالأمر، فيحصل غرض المولى، وإذا كان لا يتحرك بالأمر، فلا يحركه أخذ قصد الأمر، فلا وجه لتقييد الأمر به إذا كان الغرض مقيدا.


1 - نهاية الدراية 1: 327. (*)

[ 130 ]

قلت: قد اشتهر بين العقلاء والعباد، التصدي للمأمور به لأجل الأمر، ويقولون: " إن المولى والسيد أمرنا بكذا، فامتثالا لأمره نأتي به " فهل هذا إلا التحرك بالأمر ؟ ! فإذا اخذ قصد الأمر في المتعلق، فإن كانوا متحركين نحوه للأمر بالحمل الشائع، فقد وقع جميع المأمور به وإن كانوا غافلين عن القيد المزبور، ولا يجب العلم بأجزاء المأمور به وشرائطه بالضرورة، ضرورة كفاية كونه ساترا حين الصلاة وإن كان معتقدا بعدم وجوبه. وإن كان تحرك نحوه، وأتى به غفلة عن الأمر، ثم توجه إلى أنه أمره بالإتيان بداعي الأمر، فيعيد صلاته قهرا، لأنه لوجود المبادئ فيه يتحرك بذلك القيد إلى الإعادة، ويعلم أن ما أتى به غير واقع على ما هو المطلوب الأعلى والأقصى. فتحصل من ذلك التفصيل الطويل الذيل: أن قصد الأمر المذكور في ذيل الأمر، عنوان مشير إلى الأمر الشخصي المتوجه إلى المكلف، وينتقل إلى أن المأمور به، لا يكون بحيث كيفما تحقق يكون مسقطا للأمر، من غير كونه واجبا ضمنيا أصلا. وسيأتي زيادة توضيح إن شاء الله تعالى. ولا معنى لإمكان أخذه في متعلق الأوامر إلا ذلك، لأنه به يتوسل إلى تضيق مرامه، وإذا أخل به يثبت الإطلاق بعد تمامية سائر مقدماته. الوجه الخامس: لا شبهة في شرطية القدرة على المكلف به قبل التكليف، حتى يتمكن المكلف والآمر من الأمر والتكليف، وهذا فيما نحن فيه غير حاصل، لأنه يصير قادرا بالأمر (1). وفيه: عدم قيام النص عقلا ولا شرعا، على الكلية المزبورة، بل المناط إمكان توسل الآمر إلى المأمور به ولو كان بالأمر، فتدبر.


1 - نهاية الدراية 1: 328. (*)

[ 131 ]

الوجه السادس: ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) وإجماله ببيان منا: أن مثل قصد الأمر مثل استقبال القبلة، فكما لا معنى لأخذ الاستقبال إلا بعد موجودية القبلة والكعبة، كذلك لا معنى لأخذ قصد الأمر إلا بعد وجود الأمر، فيلزم تقدم الشئ على نفسه (1). وهذا الوجه من الوجوه الناهضة على الامتناع الذاتي، والامتناع في مرحلة الجعل، وقد عرفت ما فيه بما لا مزيد عليه (2). وإن شئت قلت: إن فعلية الموضوع متوقفة على تحقق متعلقات المتعلق، ومن تلك المتعلقات هو الأمر، ففعلية الموضوع متوقفة على فعلية الأمر والحكم، فما لم يكن أمر فعلي لا يمكن قصده، فإذا كانت فعلية الحكم ممتنعة، يصير إنشاء التكليف ممتنعا بالغير. ولكنه غير خفي عدم رجوعه إلى الامتناع في مرحلة الامتثال. اللهم إلا أن يقال: بأن الامتناع الغيري كما ينشأ من الامتناع في مرحلة الفعلية، ينشأ من الامتناع في مرحلة الامتثال، فيلزم حينئذ فرق بين الامتناع الغيري المذكور في كلام الوالد المحقق - مد ظله - (3) والامتناع في مرحلة الامتثال المزبور في كلام الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (4). والذي يسهل الخطب: أنه وجه واضح المنع، ويلزم حينئذ إشكال على تقسيم السيد الاستاذ: فأولا: إن الامتناع في مرحلة الفعلية، غير راجع إلى مرحلة الجعل والامتثال، بخلاف التقسيم الذي أفاده الوالد المحقق - مد ظله - فإنه يستوعب جميع


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 149. 2 - تقدم في الصفحة 118 - 125. 3 - مناهج الوصول 1: 260. 4 - نهاية الاصول: 112. (*)

[ 132 ]

الشبهات كما لا يخفى، وذلك لأن الأمر المتعلق بالطبيعة، إذا كان القيد المأخوذ فيه غير راجع إلى الموضوع والمكلف، لابد من إيجاده، لإطلاق الهيئة، فإذا قال: " طف بالبيت " لابد من إيجاد البيت، والطواف حوله، إلا مع قيام القرينة، وإذا قال: " استقبل القبلة " فهكذا. والميزان الكلي: أن القيود ربما تكون راجعة إلى عناوين الموضوعات عرفا، كما إذا قال: " حج إذا استطعت " فإنه يرجع إلى أن المستطيع يجب عليه الحج. وفي رجوعه إشكال، تفصيله في مقام آخر. وربما تكون من قيود الطبيعة، أو قيود قيود الطبيعة، فإنه يجب - حفظا لإطلاق الهيئة - إيجادها، كما يجب إيجاد الطبيعة، فلاينبغي الخلط بين المأخوذات في المتعلقات، كما لا يخفى. وأيضا غير خفي: أن ما اشتهر: " من أن الأمر لا يدعو إلا إلى متعلقه " (1) ليس معناه أنه لا يدعو إلى متعلقات المتعلق، بل المراد أنه لا يدعو إلى ما هو الأجنبي عن المأمور به، فلا تخلط. وثانيا: استقبال القبلة كالطهور الوضوئي، فلو كان الأمر المتعلق بالصلاة مستقبل القبلة، غير باعث إلى إيجاد القبلة، لما كان وجه لباعثيته إلى إيجاد الوضوء، لأن ما هو الشرط والجزء التحليلي هو الطهور، أو الكون على الطهارة كونا رابطا، وأما ما هو طرف هذه الإضافة وسبب تحققها - وهي الصلاة والوضوء - فهو خارج، كخروج القبلة والكعبة عن المأمور به، فإن القيود خارجة، والتقيدات داخلة، حسبما تقرر في محله (2).


1 - كفاية الاصول: 95، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 225، مناهج الوصول 1: 266. 2 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 27. (*)

[ 133 ]

وثالثا: ما مر منا جوابا عن الشبهات: وهو أن قصد الأمر ليس مأخوذا في المتعلق، كأخذ سائر الأجزاء والشرائط، حتى يكون محتاجا إلى الداعي، كما في غيره، بل قصد الأمر اخذ مشيرا إلى أن المرام ضيق، وأن المأمور به ليس يسقط أمره بمجرد تحققه في الخارج، كما في التوصلي مثلا. ولقد علمت: أن وجدان كل ذي وجدان، حاكم بأن المكلف العالم بالأمر، والجاهل بخصوصية مأخوذة في المتعلق، وهي قصد الأمر، إذا تحرك بالأمر وأتى بالمأمور به فقد سقط أمره، وليس ذلك إلا لأن ما هو الغرض والمقصود حاصل بذلك قطعا. وأما إذا أخل المولى بأخذه فيه، وأتى المكلف الجاهل بالأمر بالمأمور به، حسب الدواعي النفسانية، فإنه يسقط أمره. ولكنه إذا توجه إلى أنه اخذ في المتعلق فيه قصد الأمر، فيتوجه إلى تضيق المرام فينبعث، لما فيه من المبادئ إلى المكلف به، ويعيد صلاته وغسله وهكذا، فلابد من أخذ هذا العنوان المشير فيه، من غير انحلال الأمر إليه، على تقدير انحلاله إلى سائر الأجزاء والشرائط. تذييل: فيه توضيح لكيفية التمسك بالإطلاق لنفي قصد الأمر قضية ما سلف منا أن قصد الأمر المأخوذ في المتعلق، ليس مورد النظر بعنوانه الاسمي، بل المناط أخذ ما هو المشير إلى تضيق المرام والمقصود، ولذلك يمكن أخذ العناوين الاخر، مثل عنوان " تحركه بتحريك الآمر " أو " انبعاثه بالبعث المتعلق بالطبيعة " فما توهمه القائلون بالامتناع - كالأكثر - ساقط جدا. كما إن ما أفاده المنكر له غير سالم، لأن أخذ قصد الأمر والتحرك بالتحريك بالعنوان الذاتي - كسائر الأجزاء - يستلزم الإشكال الفقهي عليهم، لأنه لابد من

[ 134 ]

إتيان المأمور به بجميع أجزائه مع العلم بها، مع أن الأمر الواحد باعث إلى الكل من غير لزوم الأوامر المتعددة، ضرورة أن الأوامر المتعددة ليست تعبدية، بل هي ترشحية ضمنية، واختراعية عقلية خارجة عن محيط القانون والعرف. فما أفاده بعض الأفاضل: من الالتزام بكون الواجب مركبا من الأمر النفسي والضمني، ومن الأمر التعبدي والتوصلي (1)، في غاية الوهن. وأعجب من ذلك توهم: أن ما هو الداعي إلى الامتثال هو الأمر الضمني (2) ! ! فإنه لو كان الأمر كما توهم، للزم عدم سقوط الأمر النفسي، وعدم ترتب الثواب والعقاب على فعله وتركه. فما هو الواجب بالأمر النفسي هو الطبيعة، ولا قيد هناك، ولكنه لقوله: " صل مع قصد الأمر " يتوجه الإنسان إلى أن في مقام الخارج ونفس الأمر، لابد وأن يكون التحرك بداعي الأمر وإن كان غافلا أو جاهلا به. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أن الأمر ليس محركا، وأنه موضوع الطاعة " (3) في غير محله، لأن الطاعة لا تحصل إلا بكون الانبعاث عن البعث. نعم، ليس الأمر علة تامة للتحريك، كما لاشبهة في أن مراد القوم من " محركية الأمر " ليس ذلك، لشرائط كثيرة في تحريكه. نعم، هذه الشرائط كلها دخيلة في قابلية القابل، وانبعاث التحرك، وعند وجود تلك الشرائط يقال: " الأمر محرك " فلا تخلط. كما إن ما أفاده هنا: " من أن الأمر المتعلق بالمركب، واحد متعلق بعنوان واحد بسيط، ذي أجزاء بوجوده الخارجي " في غاية المتانة، ولكنه يلزم منه لزوم


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 167. 2 - نفس المصدر. 3 - مناهج الوصول 1: 267. (*)

[ 135 ]

العلم بالأجزاء في العبادات القربية وبالشرائط فقها. اللهم إلا أن يقال كما مر في ضمن كلامنا: إن المسألة حسب الفقه غير واضحة، ولا دليل على عدم سقوط أمر الصلاة إذا أتى بها متحركا بتحريكه، جاهلا بشرائطها، كالستر ونحوه، مع كونه واجدا له. ولكنك عرفت: أن هذا الجزء ليس كسائر الأجزاء، وله خصوصية مختصة به، على الوجه الذي عرفت منا، فلاتبتني المسألة على الالتزام بوحدانية المتعلق في الاصول، وعلى عدم اعتبار العلم بالأجزاء والقربة في جميع الأجزاء في الفقه، فافهم واغتنم. فإذا فرغنا من هذه الشبهات برمتها، والإعضالات بجملتها، تبين لك إمكان التمسك بالإطلاق عند الشك في التعبدية والتوصلية، وعلمت أن إمكان التمسك به، لا يتوقف على إثبات إمكان أخذه في المتعلق بكونه من أجزاء المأمور به شرطا أو شطرا، مع أنه كان بمكان من الإمكان. إن قلت: لو أمكن تعلق الوجوب بالمركب من الصلاة وقصد الأمر، وبالتحرك بتحريكه، للزم تعلقه بأمر غير اختياري، فإن الفعل وإن كان بالاختيار وبالإرادة، إلا أن إرادته حيث لا تكون بإرادة اخرى - وإلا لتسلسلت - ليست باختيارية، كما لا يخفى (1). قلت: هذا ما في " الكفاية " ولقد علمت منا في تنبيهات مباحث الطلب والإرادة (2)، اختيارية الإرادة من غير استباقها بإرادة زائدة على الذات المجردة المستجمعة لجميع القوى على نعت الضعف والفتور، لما ثبت التشكيك بين أنحاء المجردات بوجه صحيح. هذا أولا.


1 - كفاية الاصول: 95 - 96. 2 - تقدم في الصفحة 65. (*)

[ 136 ]

وثانيا: قد أحطت خبرا بما لا تجده في غير كتابنا: بأن قصد الأمر، ليس بعنوانه مورد النظر والبحث، بل المقصود هو التحرك بتحريك الأمر، وهذا أمر اختياري إذا كان في العبد مبادئ تلك الحركة، كما اشير إليه، فتأمل. وثالثا: وهو الأساس ما علمت منا: من أن قصد الأمر ليس مورد الوجوب، لا الوجوب الاستقلالي، ولا الضمني، ولا الغيري، فلا يكون الواجب مركبا من الجزء الاختياري، وغير الاختياري، حتى يكون المركب منها غير اختياري، فلا يصح تعلق الأمر به رأسا. وبعبارة اخرى: متعلق الأمر في العبادات وفي زمرة من المعاملات - بالمعنى الأعم - هو الفعل المقيد بصدوره عن الإرادة، ولكنه ليس من القيود التي لا تحصل في صورة الجهل بها، فمنه يعلم: أن هذا القيد جئ به لإفادة انتقال المخاطب إلى أخصية الغرض، وتضيق المرام، ويكون من العناوين الإشارية إلى أمر آخر، وهذا المقدار من إمكان الأخذ، كاف في صحة التمسك بالإطلاق. تذنيبان التذنيب الأول: حول أخذ قصد الأمر بأمر ثان لو سلمنا امتناع توصل المولى إلى أخذ قصد الأمر في متعلق التكليف، فهل يتمكن من ذلك بالأمر الثاني، بأن يدعو الأمر الأول إلى الطبيعة، والأمر الثاني إلى قصد الأمر، أم لا ؟ فيه قولان: اختار " الكفاية " الثاني معللا: بأن الأمر الأول إما يسقط بمجرد الإتيان بالطبيعة، فلا يبقى مجال لامتثال الأمر الثاني، لارتفاع موضوعه، وانتفاء محله ومورده، لأن متعلق الثاني هي الطبيعة مع قصد الأمر. وإن كان لا يسقط بمجرد

[ 137 ]

الإتيان بها، فلا يكون له وجه إلا عدم تحقق الغرض الباعث إلى الأمر، فإن الضرورة قاضية بأن الإتيان بمتعلق الأمر، يستلزم سقوطه، فإذا كان لا يسقط فليس إلا لبقاء الغرض، فلابد من الإتيان بقصد الأمر بحكم العقل، ولو كان يشك في ذلك فبحكمه أيضا يجب، فلاتصل النوبة إلى الأمر الثاني، وتلزم اللغوية (1). أقول: مرادهم من " الأمر الثاني " هو الأمر التأسيسي النفسي، وعليه لا يعقل تعلق الأمر الثاني بالطبيعة المقيدة، لما تقرر منا في محله من امتناع ذلك (2)، وأن البعث التأسيسي إلى شئ واحد، لا يمكن إلا مرة واحدة، وما يتعلق به ثانيا يكون تأكيدا، وإذا كان مشتملا على القيد يكون إرشادا إلى تقييد المتعلق في الأمر الأول، فتصوير الأمر الثاني ممنوع وممتنع، فلا يعقل ما فرضه الأصحاب (رحمهم الله) معقولا (3). هذا، ولو سلمنا إمكان الأمر الثاني التأسيسي المتعلق بالقيد، فلا وجه لما افيد في المقام، لأن الالتزام بالشق الثاني ممكن، ضرورة أن المكلف الملتفت إلى العقاب على ترك الأمر الثاني، لا يبادر إلى امتثاله، حتى يبقى موضوع للأمر الأول، كمن نذر أن يصلي صلاته جماعة أول الظهر، فإنه إذا بادر إلى امتثال الأمر المتعلق بصلاة الظهر أول الوقت، فهو وإن امتثل أمره، ويسقط أمر الفريضة، ولكنه عصى وجوب الوفاء بالنذر، ولا يتمكن من تداركه، لانتفاء موضوعه، وإذا كان يرى ذلك فلا يبادر إليه إلا بالجماعة أول الوقت، فلا يكون الأمر الثاني لغوا. وربما يقال: بإمكان الالتزام بالشق الأول في كلامه، لإمكان الالتزام بلزوم


1 - كفاية الاصول: 96 - 97. 2 - يأتي في الصفحة 257 - 259. 3 - أجود التقريرات 1: 116، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 231 - 232، منتهى الاصول 1: 139. (*)

[ 138 ]

الإعادة بعد كون المصلحة الموجودة في متعلق الأمر الثاني ملزمة. وبعبارة اخرى: الامتثال عقيب الامتثال مما يمكن فرضه، فيما كان القيد الموجب لحدوث الأمر الثاني، ذا مصلحة إلزامية، فإذا بادر المكلف إلى امتثال الأمر الأول فهو يسقط، ولكنه يجب عليه الإعادة، لإدراك المصلحة الملزمة المتصورة في الأمر الثاني، وهي لاتتدارك إلا بإتيان الطبيعة بداعي الأمر الأول (1)، انتهى. وفيه ما لا يخفى، ضرورة أن الأمر الأول إما يسقط، أو لا، فإن سقط فلا إعادة، فإن المأمور به بالأمر الثاني، غير المأمور به بالأمر الأول، وإن لم يسقط فلا يكون الشق الأول مورد الالتزام. وبعبارة اخرى: المصلحة الثانية إن كانت استقلالية، فلا يتصور الإعادة، وإن كانت غير استقلالية، فلا يتصور سقوط الأمر الأول، فافهم وتدبر. فتحصل: أنه لا لغوية في الأمر الثاني. مع أن قضية ما يأتي هو البراءة عند الشك في التعبدية والتوصلية (2). ثم إنه ربما يستظهر امتناع الأمر الثاني ولو كان إرشاديا، وذلك للغويته بعد حكم العقل بالاشتغال، فما في " الكفاية " من البرهان الضعيف، يقتضي امتناع الأمر الثاني الإرشادي أيضا، كما لا يخفى، فتأمل. إن قلت: كيف يعقل ترشح الإرادة الجدية للأمر الأول، مع أن متعلقها الطبيعة المطلقة التي لا مصلحة فيها، فإذا كان الأمر الأول قاصرا عن الباعثية، فكيف يمكن أن يصير باعثا بالأمر الثاني المتعلق بالطبيعة المقيدة، فيكون ما هو تمام الباعث هو الثاني ؟ ! فلا معنى للأمر الأول.


1 - نهاية الدراية 1: 332 - 333. 2 - يأتي في الصفحة 167. (*)

[ 139 ]

قلت: هذه شبهة ترد على جميع الأوامر الإنشائية التي تعلقت بالامور العامة الكلية، ثم بعد مضي مدة يجئ وقت التقييد والتخصيص، أو بعد مضي مدة يجئ وقت العمل بها، فكما إنها ليست باعثة حين وجودها، وتصير بعد التحاق قيودها باعثة، كذلك الأمر هنا، فإن الأمر الأول المتعلق بالطبيعة إما لا يكون إلا إنشائيا، فبلحوق الأمر الثاني يكشف الجد على طبقه، فيصير باعثا. أو يكون فعليا، ولكن بعد مضي مدة يصير المصلحة في الطبيعة المقيدة، فيصدر الأمر الثاني، فلا يلزم عدم باعثية الأمر الأول. وحيث يكون الفرض الأول خارجا عن مفروض المسألة، وهو كون الأمرين فعليين مستقلين، ولكل واحد منهما موافقة ومخالفة، يتعين الفرض الثاني، وهو كون المصلحة بدوا في الطبيعة المطلقة، ثم صارت في المقيدة، فامر بها، فإنه حينئذ لا يلزم عدم باعثية كلا الأمرين، ولا لغويتهما. نعم، بناء على ما ذكرناه وجها للامتناع، وأن الأمر الثاني لا يكون نفسيا تأسيسيا، فلا يختص بالموافقة والمخالفة، ولا يكون ذا عتاب وعقاب، وذا امتثال وثواب، يتوجه أيضا: أن الأمر التأسيسي النفسي - بحسب الواقع ونفس الأمر - أحد أمرين: إما يكون الأول، فيكون الثاني إرشادا إلى القيدية. أو يكون الثاني، فيكون الأول لغوا، أو منسوخا. وحيث لا سبيل إلى الثاني ثبوتا، ولو أمكن لا وجه له إثباتا، يتعين فيما إذا ورد الأمران، حمل الأول على التأسيس، والثاني على الإرشاد إلى تقيد متعلق الأمر الأول، كقوله: " صل " وقوله ثانيا: " صل فيما يؤكل لحمه " فافهم واغتنم. نعم، في المثال المزبور هو إرشاد إلى قيد في المأمور به، وفيما نحن فيه هو إرشاد إلى تضيق المرام، وأخصية الغرض.

[ 140 ]

وهم: حول حقيقة الأجزاء والشرائط ودفعه قال العلامة المحشي (رحمه الله) في المقام: إن المساعد مع الاعتبار، بل الزائد عليه على ما يظهر منه إجمالا، أن المركبات المشتملة على الأجزاء والشرائط، تحتاج إلى أمرين: الأول: ما يتعلق بالأجزاء الذهنية التي تكون دخيلة في اقتضاء المركب. والثاني: ما يتعلق بالأجزاء التحليلية التي هي الدخيلة في تأثير المركب. ولايكون هذه الأجزاء التي يعبر عنها ب‍ " الشرائط " في عرض تلك الأجزاء، ولا يعقل حينئذ - بحسب اللب - تعلق الإرادة بذات السبب وشرائطه في عرض واحد، فله الأمر حينئذ بذات السبب، والأمر بكل واحد من الشرائط مستقلا. وعدم سقوط الأمر الأول مع عدم الإتيان بالأمر الثاني، من لوازم الاشتراط، من دون فرق بين القربة وغيرها (1)، انتهى ببيان منا. وأنت خبير: بأن هذا الذي أفاده، كأنه مأخوذ من المركبات الخارجية التكوينية وشرائطها، التي ترجع إلى مقام تأثيرها، مثلا النار من المركبات فرضا، والأجزاء التي تحصلها هي المادة والصورة، ولكن شرائط تأثيرها خارجة عنها في مرحلة الماهية، ولاحقة بها في مقام العلية والتأثير، ففيما نحن فيه والمركبات الاعتبارية أيضا، يكون الأمر مثلها. وهذا هو الذي احتملناه في رسالة حررنا فيها مسائل " قاعدة لا تعاد " (2)، وذكرنا هناك: أن لازم هذا التحرير والتقرير، عدم وجوب الإعادة على من أخل بالشرائط، لأنها شرط كون الصلاة ناهية عن الفحشاء، كما صرح به العلامة المزبور.


1 - نهاية الدراية 1: 334. 2 - رسالة في قاعدة لا تعاد للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 141 ]

ويبعد التزامه بذلك جدا، كما يستبعد التزامه بأن اللازم، كونها ناهية عن الفحشاء بنحو العام الاستغراقي، ولا شبهة في أن كثيرا من صلواتنا، لا تكون من الناهية عن الفحشاء جدا، ونعوذ بالله تعالى. فعليه يسقط الوهم المزبور، ويكون جميع الأجزاء داخلة في الماهية من غير فرق بينها. ومجرد كون بعض منها من الأجزاء الأولية، وبعضها من الثانوية في الاعتبار، لا يستلزم ترتبها في مقام الجعل والتشريع، فلا تخلط. شبهة تعين إفادة قصد القربة بدليل منفصل وحلها قضية ما سلف في الصحيح والأعم، أن الشرائط الآتية من قبل الأمر، خارجة عن محل النزاع، وليست دخيلة في المسمى عند الكل، بل قيل: بامتناع كونها داخلة، فعليه يتعين إفادة هذا القيد بالدليل المنفصل (1). وأنت خبير بما فيه مبنى، لما تقرر منا في محله فراجع، وبناء، لما أن ذلك لايؤدي إلى تعين الأمر الثاني والبيان المنفصل، بل يكفي البيان المتصل. ولو قيل: لا أثر منه في الأخبار، والإجماع كاشف عن الدليل المنفصل (2). قلنا: نعم، ولكن الدليل المتصل ربما كان من اللبيات، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالصلاة مثلا، وكانت هذه الصورة التي يعبد بها الرب الجليل، مفروغا عنها عند أهل المسجد، في كونها ممحضة للعبادة التي لا تحصل إلا بالقربة، فلا تخلط. كلام المحقق العراقي في المقام وجوابه ذهب صاحب " المقالات " العلامة الأراكي (رحمه الله) في بدو الأمر إلى الامتناع في


1 - تقدم في الجزء الأول: 202 - 205. 2 - مناهج الوصول 1: 270. (*)

[ 142 ]

المسألة، ثم قال: " ويمكن أن ننفرد عنهم بتحرير، يفيد إمكان أخذ قصد الامتثال أو دعوة الأمر في متعلق شخصه شرطا، أو شطرا، وذلك يتوقف على تمهيد مقدمة. وإجمالها: أن الطلبات العرضية، كما يمكن إيجادها بإنشاء واحد، كما في قوله: " أكرم العلماء " كذلك يمكن إيجاد الطلبات الطولية بإنشاء واحد، كما في قوله: " صدق العادل " فإنه بإنشاء واحد يوجد الوجوبات المتعددة، بحيث يكون أحد الأفراد، محققا لموضوع الفرد الآخر، فموضوعه " خبر العادل " المحقق وجدانا، أو تعبدا. وبذلك البيان تنحل الشبهة المعروفة في الإخبار مع الواسطة، حيث إن في تطبيق الكبرى الشرعية، لابد من أمرين: أحدهما: تشخيص صغراها. ثانيهما: كونه ذا أثر شرعي. وفي مثل خبر الشيخ، عن الصفار، عن زرارة، عنه (عليه السلام) لا يمكن تطبيقها، لا في مبدأ السلسلة، ولا في وسطها، ولا في آخرها: أما في المبدأ، فلعدم الأثر الشرعي. وأما في المختم، فلعدم الموضوع الوجداني. وأما في المتوسط، فلعدمهما. وتكفل دليل " صدق العادل " لإثبات موضوع نفسه، غير ممكن إلا بطريق اشير إليه. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه يمكن أن ينشئ المولى وجوبين طوليين، أحدهما يحقق موضوع الآخر بإنشاء واحد، كما لو قال: " صل مع قصد الأمر " أو " مع قصد امتثال وجوب الصلاة " فتكون هذه العبارة ونحوها إنشاء واحدا لوجوبين: أحدهما: متعلق بالحصة المقارنة لدعوة الأمر. وثانيهما: وجوب إتيان تلك الحصة بدعوة أمرها. وبذلك ترتفع المحاذير

[ 143 ]

المزبورة طرا " (1) انتهى. أقول: مما اشتبه عليه أنه ظن أن البيان المزبور، يؤدي إلى إمكان أخذه في متعلق الأمر الشخصي، وقد عرفت: أن ذلك من الممتنع على الشارع المقدس، وإن كان لنا تصويره فينا (2). وقد خلط (رحمه الله) بين الأمر الشخصي، ووحدة الأمر وتعدده، فإنه في المثال الذي أفاده، لا يكون المأخوذ في المتعلق إلا عنوانا ومفهوما من الأمر تصورا، وهذا ليس الأمر الشخصي بالضرورة. ثم بعد مفروعية تمامية المقدمة، لايتم المقصود بالأصالة، وذلك لأن معنى الطلبات الطولية، كون أحد الطلبين تاما، كما في الطلبات العرضية، وإذا كان أحد الطلبات الطولية تاما، فلابد من سقوط الوجوب، ومعنى الطولية أن بسقوط الوجوب المتقدم رتبة، لا يبقى محل وموضوع للوجوب الآخر، وهذا فيما نحن فيه باطل بالضرورة، لأن إتيان الطبيعة الخالية عن القيد، لا يكون مطلوبا رأسا، فلا طلب إلا واحد متعلق بالمقيد، فلا تعدد في الطلب حتى يكون طوليا، أو عرضيا، فلايستنتج من تلك المقدمة ما قصده وأراده، فتدبر. إيقاظ كما يمكن أن يتوصل المولى بالأمر الواحد إلى مرامه ومقصوده، وبالأمرين إذا كان ثانيهما إرشاديا، كذلك يمكن إفادة مرامه من غير التوصل إلى الأمر، فبقوله: " عليك صلاة الليل بقصد الامتثال " أو " يأتي بها بقصد الأمر وبداعيه " ينتقل المكلف إلى إرادة المولى، وإلى تضيق مرامه، ولا شبهة في أن هذا المقدار كاف في


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 232 - 234. 2 - تقدم في الصفحة 125. (*)

[ 144 ]

صدق الامتثال المتوقف على الأمر، لأن الأمر بعنوانه غير لازم، بل المناط هي الإرادة المظهرة بأي مظهر كان، ولا أظن أن يتوهم الامتناع في هذه التراكيب، فليتأمل. إشكال آخر على الأمرين قد مضى إشكال لا يمكن الذب عنه (1)، وقد تعرضنا لتفصيله في مباحث اجتماع الأمر والنهي (2)، ومباحث الترتب (3). وهنا إشكال آخر يشكل الذب عنه: وهو أن الأمر الأول توصلي لا محالة، لأنه متعلق بنفس طبيعة الصلاة مثلا، والأمر الثاني أيضا توصلي، ولكنه لا يمكن امتثاله إلا بوجه يستلزم تعبدية الأمر الأول، فإن التحرك بتحريك الأمر الأول متعلق الأمر الثاني، فهذا لا يسقط إلا إذا تحرك العبد بالأمر الأول، فإن كان غافلا عن الأمر الثاني، فيمكن امتثال الأمرين، فإنه بتحركه عن الأمر الأول، يسقط الأمرين قهرا. وإن كان ملتفتا إلى الأمر الثاني، فلا يعقل تحركه بالأمر الأول، بل يتحرك إذا كانت فيه المبادئ الدخيلة في التحرك بالأمر الثاني، ولا معنى لتحركه بالأمر الثاني إلى التحرك بالأمر الأول، لعدم إمكان التحركين في شئ واحد، أو لعدم إمكان التحريكين الطوليين، بل التحرك يستند إلى الجامع، أو إلى الأمر الثاني فقط، فلا يسقط الأمران قهرا، لأن سقوط الأمرين متوقف على تحركه بالأمر الأول، كما لا يخفى. إن قلت: هذا الإشكال بعينه جار في أصل المسألة، وهو أخذ قصد الأمر


1 - تقدم في الصفحة 136 - 137. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 144 - 146. 3 - يأتي في الجزء الثالث: 502 - 503 و 508 - 510. (*)

[ 145 ]

والتحرك به في متعلق الأمر الأول نفسه. قلت: كلا، ضرورة أن هذا لا يورث إلا انتقال المكلف إلى تضيق المرام، ولايكون أمر باعث إلى باعثية الأمر الأول، لا استقلالا، ولا تبعا وضمنا، فاللامعقولية المزبورة مستندة إلى تعدد الأمر ولو كان الثاني ضمنيا، فتدبر. فالمحصول مما قدمناه، امتناع وصول المولى إلى غرضه بالأمرين المولويين. نعم، يمكن وصوله إلى مرامه بالأمر الثاني الإرشادي، المتكفل لبيان الشرطية والجزئية على نحو سائر الأجزاء والشرائط. نعم، فرق بين المقام وسائر الأجزاء والشرائط، فإن الأمر الثاني هنا إرشاد إلى أخصية المرام، وهناك إرشاد إلى شرطية المأمور به، بحيث يتعلق به الأمر. إن قلت: بناء على امتناع أخذ قصد الأمر وما يماثله في متعلق الأمر، وإمكان التوصل إلى بيان حدود المأمور به، فهل يمكن التمسك بالإطلاقات في الأدلة الأولية، أم هذا غير صحيح، لعدم إمكان التقييد، فيكون هذا من التمسك بالإطلاق المقامي، دون الإطلاق اللفظي، على ما هو المصطلح عليه عند الأصحاب (قدس سرهم) ؟ قلت: إن قلنا: بأن الإطلاق صفة اللفظ، وأن مقدمات الإطلاق تنوب مناب ألفاظ العموم، وأنه هو جمع القيود، فلايتم التمسك بناء على ما اشتهر: " من أن من شرائط تمامية المقدمات، إمكان التقييد " (1) كما هو المفروض، وسيأتي تفصيله في البحث الآتي إن شاء الله تعالى (2). وإن قلنا: بأن الإطلاق من الدلالات العقلية، وأن ذلك مأخوذ من الفعل الاختياري الصادر من المقنن والمولى العالم المختار، وأنه لمكان أخذه طبيعة


1 - كفاية الاصول 1: 372، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155. 2 - يأتي في الصفحة 148 - 152. (*)

[ 146 ]

موضوعا لحكم وعدم إتيان شئ آخر قيدا لها مع علمه بالواقعة، واختياره في ذلك، فالتمسك بالإطلاق ممكن، من غير فرق بين هذا الشرط الممتنع أخذه في متعلق الأمر، وغيره مما يمكن فيه ذلك، لأن امتناعه في متعلقه، لايمنع من تمكنه من الإرشاد إلى القيد بالدليل المنفصل، فإذا لم يتذكر ذلك في محاله يعلم: أن ما هو تمام مرامه ومقصده، نفس الطبيعة من غير دخالة القيود الاخر، فافهم وتدبر. التذنيب الثاني: حول أخذ سائر الدواعي القربية في متعلق الأمر في إمكان أخذ سائر الدواعي القربية في متعلق الأمر وعدمه قولان: فصاحب " الكفاية " اختار الأول (1)، والعلامة النائيني ذهب إلى الثاني، مدعيا جريان المحاذير السابقة في المراحل الثلاثة: مرحلة الإنشاء، والفعلية، والامتثال هنا (2). وأنت بعدما أحطت خبرا بفساد ما أفاده هناك (3)، فلا تحتاج إلى التكرار الممل، والاطناب المبطل، ولا أدري إن من يقول بالامتناع مطلقا، كيف يصنع مع قوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (4) ؟ ! وبناء على ما سلف منا، لا تكون هذه الدواعي داخلة في متعلق الأمر، حتى تكون واجبات ضمنية، بل هي أيضا - مثل قصد الأمر والامتثال - عناوين مشيرة إلى أخصية المرام والمقصد، على الوجه الماضي تفصيله (5).


1 - كفاية الاصول: 97. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 151. 3 - تقدم في الصفحة 124. 4 - البقرة (2): 196. 5 - تقدم في الصفحة 128. (*)

[ 147 ]

وأما ما في " الكفاية ": " من أن هذه الدواعي غير معتبرة قطعا، لكفاية الاقتصار على قصد الامتثال الذي عرفت عدم إمكان أخذه فيه " (1) انتهى، فهو لا يرجع إلى محصل، لأن من الممكن جهل العبد بالأمر، وإذا أتى بالصلاة لا بإحدى الدواعي الاخر القربية كقصد المحبوبية له تعالى، أو قصد مصلحة منتهية إليه تعالى، أو سائر المقاصد العالية التي لا تنالها أيدينا، ولا بداعي الأمر، فإنه عند ذلك تصح صلاته، ولا تجب عليه الإعادة، لإطلاق الأمر. فبالجملة: امتناع أخذ أحد الأطراف الكافية في عبادية العبادة، لا يورث قصورا في التمسك بالإطلاق، بعد كون غيره من سائر الدواعي ممكن الأخذ. بل هذا أمر سار في جميع الشرائط، فإنه لا يتمكن العبد من جميع أفراد الشرط قطعا، ولكن تمكنه من بعض مصاديقه كاف في إمكان الإطلاق في حقه، فلا تخلط. فبالجملة: لا محصل لما أفاده، لأن المقصود في المقام إثبات إمكان تمامية مقدمات الإطلاق، وإذا أمكن ذلك فقضية القاعدة هي أصالة التوصلية، ولا يلزم إتيان الفعل بإحدى الدواعي القربية، فقوله بكفاية قصد الامتثال، أجنبي عما هو المقصود بالأصالة. ولو كان مقصوده أن التقييد بهذه الدواعي، يستلزم عدم إجزاء قصد الأمر والامتثال، فهو مندفع بحكم العقل بحصول القربة أولا بذلك، وبالإجماع ثانيا، فلابد من أخذ هذه الدواعي على سبيل منع الخلو، حتى يعلم: أنه من الواجب التعبدي والتوسعة الثابتة من ناحية غيرها، لا يضر بلزوم أخذ إحداها، وإذا طرح التقييد يعلم: أن تمام مطلوبه ومرامه نفس الطبيعة بأي نحو اتفقت.


1 - كفاية الاصول: 97. (*)

[ 148 ]

المبحث الثاني هل يستلزم امتناع التقييد امتناع الإطلاق ؟ لو سلمنا امتناع التقييد، وامتناع أخذ قصد الأمر في المتعلق، فالمعروف المشهور بين الأعلام امتناع الإطلاق إثباتا أيضا (1). وأما في مرحلة الثبوت، فالامتناع الأول يورث وجوب الإطلاق، كما عن الشيخ الأعظم، فإنه قال: " إذا امتنع التقييد يجب الإطلاق، لامتناع الفرض الثالث، وهو الإهمال في مرحلة الثبوت " (2). والذي يظهر من الفضلاء، ابتناء هذه القاعدة الكلية على فهم تقابل الإطلاق والتقييد، وأن التقابل بينهما لما كان تقابل العدم والملكة، فالامتناع في المقدم استلزم الامتناع في التالي. واختلفت كلماتهم في تقابلهما، فمن قائل: بأنه من تقابل التضاد، وكان هذا رأي المشهور إلى زمان سلطان المحققين (3). ومن قائل: إنه تقابل العدم والملكة (4)، وهو رأي المشهور من بعده (5). وقيل بالأول في مرحلة الثبوت، وبالثاني في مرحلة الإثبات (6).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155، محاضرات في اصول الفقه 2: 173. 2 - لاحظ أجود التقريرات 1: 112. 3 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 2: 565، أجود التقريرات 1: 520. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 155، منتهى الاصول 1: 468. 5 - أجود التقريرات 1: 520. 6 - محاضرات في اصول الفقه 2: 173. (*)

[ 149 ]

وربما يظهر من العلامة المحشي (قدس سره) أن تقابلهما تارة: يكون من قبيل العدم والملكة، كما فيما كان ممكنا، واخرى: من قبيل السلب والإيجاب، كما فيما كان ضروريا (1) انتهى ما أفاده في الهوامش. أقول: هذا ما عندهم، والذي عندنا ويصير خلاصة البحث في المقام امور: أحدها: في المراد من الإطلاق والتقييد أن الإطلاق والتقييد لا معنى لهما في مرحلة الثبوت، لأن في مرحلة الأغراض والمقاصد، إذا كان الغرض ومرام المولى نفس الطبيعة، فلا يعقل التقييد. وإذا كان الغرض حصة منها، وتلك الطبيعة مع خصوصية، فلا يعقل الإطلاق. فإذا امتنع كل طرف يجب الطرف الآخر، والتعبير عن هذا ب‍ " التقييد " غير صحيح، بل هو تضيق المرام وتحدد المطلوب، فإذا قيل: " امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق " فهو كلام ناظر إلى مرحلة التقييد بالنسبة إلى الإطلاق المتوهم من الكلام في الابتداء. مثلا: إذا قال المولى: " أكرم العالم " فكأنه أطلق، ثم إذا قال بعد قوله " العالم ": " العادل " فهو من التقييد، أي إن الإطلاق والتقييد هنا، من الإطلاق والتقييد التوهميين، كالتعارض الوهمي بين العام والخاص، والإطلاق والتقييد بعد انعقاد الظهور في المطلق مثلا. فما أفاده الشيخ وتبعه بعض آخر في المقام، أجنبي عن هذه القاعدة المربوطة بمقام الإثبات والجعل والكشف.


1 - نهاية الدراية 1: 339. (*)

[ 150 ]

ثانيها: حول النسبة بين الإطلاق والتقييد بناء على صحة قولهم: " امتناع التقييد يستلزم امتناع الإطلاق " فلا فرق بين كون تقابلها التضاد، أو الإيجاب والسلب، أو العدم والملكة، لأن سند هذه القاعدة، بناء العرف والعقلاء في احتجاجاتهم، ولا سبيل لهذه المصطلحات الصادرة عن غير أهلها في الفنون الاعتبارية والعلوم غير الحقيقية في هذا المقام والميدان، فإن استكشاف مراد المولى والمقنن سعة وضيقا، تابع لمقدار دلالة ألفاظه، وسائر القرائن الحالية والمقالية. فإذا قال: " أكرم العالم " يمكن كشف أن إكرام العالم تمام مرامه ومقصده، بشرط عدم كونه في محذور عقلي عن إفادة القيد، أو محذور عقلائي معلوم عندهم، سواء كان تقابل الإطلاق والتقييد من التضاد، أو غيره، ضرورة أنه بعدما كان تحقق أحد الضدين - وهو الإطلاق - منوطا بإمكان تحقق الضد الآخر - وهو التقييد - فلابد في الحكم بتحققه من إحراز إمكانه إثباتا. ثالثها: في الفرق بين الإطلاق والتقييد الثبوتيين والإثباتيين الإطلاق والتقييد هما من أفعال الإنسان والمقنن، فإنه إذا أرسل كلامه بعدم ذكر قيد معه، يقال: " إنه أطلق " وكان كلامه مطلقا بلحاظ فعله، والتقييد أيضا من الأفعال القائمة بالإنسان قياما صدوريا. ولايكون الإطلاق من المعاني الداخلة في إحدى المقولات، لعدم شأنية الوجود له حتى يعد منها، كما لا يخفى، وتفصيله في المطلق والمقيد (1).


1 - يأتي في الجزء الخامس: 393 - 396. (*)

[ 151 ]

وأما تضيق المرام وتحدد المطلوب والمقصود، فهو أجنبي عن التقييد والإطلاق الراجعين إلى عالم الإثبات والإظهار، فلاينبغي الخلط بين مفاد القاعدة المعروفة " كلما امتنع التقييد امتنع الإطلاق " وبين قول الشيخ (رحمه الله) مثلا، مما يرجع إلى أنه إذا امتنع التضيق في مقام الثبوت، يجب الإطلاق وبالعكس، بداهة أن كل إنسان - بحسب مرامه ومقصوده - إما ذو مرام مطلق فيمتنع تضيقه وبالعكس، للزوم الخلف. رابعها: في تحقيق قاعدة استلزام امتناع التقييد للإطلاق القاعدة المعروفة، إن اريد منها أن امتناع التقييد متصلا ومنفصلا بالأمر الإرشادي، يستلزم امتناع الإطلاق، فهو في غاية المتانة. وأما إذا اريد منها أن ما امتنع تقييده بدليل متصل أو منفصل - كالأمر الثاني المولوي - امتنع إطلاقه، فهو ممنوع، لما عرفت منا: من أن المراد من " الإطلاق " في باب المطلق والمقيد ليس ما اشتهر، وهو دلالة اللفظ بعد تمامية مقدمات الإطلاق على الإطلاق والسريان، بل هو من الدلالات العقلائية والعقلية، متخذة من الفعل الاختياري الصادر عن الفاعل المختار الملتفت العالم بالأطراف. وإذا امتنع التقييد بالمتصل فله إفادة مرامه بدليل آخر إرشادا إليه. وإذا سكت عن ذلك يعلم: أن ما هو تمام الموضوع لمرامه ومقصوده، هي نفس الطبيعة والصلاة، ولا خصوصية مأخوذة فيها، وليس هذا من الإطلاق المقامي، كما لا يخفى. كما إن المراد من " الإطلاق " في القاعدة، ليس الإطلاق المقامي، وإلا فلا تصح القاعدة مطلقا.

[ 152 ]

فالذي تحصل: أن القاعدة غير قابلة للتصديق على ما يستظهر منها، وهو أن من شرائط انعقاد الإطلاق، إمكان التقييد بالمتصل، وأما على ما احتملناه في مفادها، فهي قاعدة صحيحة عرفية بلا شبهة وريب. ثم إنه ربما يمكن دعوى: أن المراد من هذه القاعدة " أن كلما امتنع التقييد امتنع الإطلاق " هو امتناع الإطلاق لأجل الجهة التي امتنع التقييد، لا لأجل الامتناع بالغير، لأن معنى الإطلاق هو التقييدات ولحاظ كافة القيود، ومنها: قيد قصد الأمر والامتثال، فامتناع الإطلاق أيضا بالذات. ولكنه خلاف ظاهرها كما هو الواضح. مع أن الإطلاق ليس معناه جمع القيود، بل هو رفض القيود، وتقسيم الإطلاق إلى النظري والطبيعي، غير تام، كما لا يخفى. فتحصل إلى هنا: أن ما اشتهر من أصالة التعبدية عند الشك (1)، غير قابل للتصديق، إما لعدم تمامية المقدمتين، أو لعدم تمامية المقدمة الثانية، فمقتضى إطلاق الأدلة الأولية عدم التعبدية. بحث وتفصيل: حول الاستدلال بالكتاب والسنة على أصالة التعبدية ربما يخطر بالبال دعوى أصالة التعبدية، للأدلة اللفظية، كالكتاب والسنة، وقد مر الإيماء إليه (2)، وهو قوله تعالى: * (وما امروا إلا ليعبدوا الله) * (3). والروايات المحكية عن " الكافي " وغيره: " إنما الأعمال بالنيات " (4)


1 - لاحظ أجود التقريرات 1: 112، مناهج الوصول 1: 275. 2 - تقدم في الصفحة 117. 3 - البينة (98): 5. 4 - تهذيب الأحكام 4: 186 / 519، وسائل الشيعة 1: 46 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10. (*)

[ 153 ]

و " لا عمل إلا بالنية " (1) و " ولكل امرئ ما نوى " (2). وغير ذلك مما يرشد إلى شرطية النية في جميع الأعمال، وأنه لا يكون العمل في الشرع عملا إلا لأجل الاقتران بالنية والقربة والإخلاص، فكلمة " إنما " تفيد أن ما هو العمل هو العمل القربي فقط، فالشك المزبور يرتفع بهذه العمومات والإطلاقات اللفظية. ويتوجه إليه: أن المراجعة إلى صدر الآية في سورة البينة، يعطي أنها أجنبية عن المسألة، لأن المذكور في الصدر، هم الكفار، والمشركون، وأهل الكتاب، فالمراد من الأوامر فيها هي الأوامر المتوجهة إليهم. اللهم إلا أن يقال: بأن الأوامر المتوجهة إليهم ليست كلها قربية، بل هم والمسلمون على شرع سواء. مع أن أهل الكتاب ما كانوا مشركين في العبادة، حتى يقال: بأن الآية سيقت لزجرهم عن الشرك العبادي. نعم، يمكن دعوى: أن قوله تعالى: * (إلا ليعبدوا الله) * قرينة على أن المراد من الأوامر في المستثنى منه هي الأوامر الخاصة، أي في أمرهم بالعبادة، لا يكون النظر إلا إلى العبادة، دون الأغراض الاخر. ويشهد لذلك قوله تعالى: * (مخلصين له الدين) * (3). فبالجملة: يجب عليهم توحيد العبادة والإخلاص فيها، برفض الشهوات، والعلل الدنيوية، والأغراض النفسانية. ولو كان المعنى أعم فيشكل الالتزام بالتخصيص، لأن التخصيصات الكثيرة مستهجنة وإن لم تكن آحاد المخصص كثيرة


1 - الكافي 8: 234 / 312، وسائل الشيعة 1: 46 - 48 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 1 و 2 و 9. 2 - تهذيب الأحكام 4: 186 / 519، وسائل الشيعة 1: 46 كتاب الطهارة، أبواب مقدمة العبادات، الباب 5، الحديث 10. 3 - البينة (98): 5. (*)

[ 154 ]

جدا، ولا يمكن إرجاعها إلى عنوان واحد هو الخارج، كما لا يخفى. هذا مع أنه لا يمكن التمسك بهذا العام المخصص لرفع الشك في التعبدية، لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية. ثم إن الظاهر من المآثير المذكورة: أن المراد من " النية " ليس القربة والعبودية، بل هي وجه العمل، وما به تمتاز الأفعال المشتركة في الخارج بعضها عن بعض، كالعناوين الملحوظة تنويعا للطبيعة أو غير ذلك. مثلا: لا يقع جواب السلام إلا بالنية، أي بقصد الرد والجواب، ولايكون هو السلام الابتدائي إلا بالنية، فالأفعال الخارجية المشتركة بين التعظيم والتحقير لا تكون تعظيما إلا بالقصد ولا توهينا إلا بالنية. وربما إليه يرجع قوله (عليه السلام) - على ما في بعض الأخبار -: " وضع إحدى اليدين على الاخرى عمل، ولا عمل في الصلاة " (1) فإنه يأتي بذلك بعنوان التشريع، وأنه من الصلاة، فإن العمل ليس عملا إلا بالنية، ولو نوى من ذلك الوضع أمرا آخر - وهو حك جسده، أو غير ذلك - فلا يكون مبطلا للصلاة، فافهم واغتنم. نعم، ظاهر قوله: " لكل امرئ ما نوى " أن المنوي أمر ذو ثواب، أو هو نفس الثواب، لقرينة " اللام " فيكون ناظرا إلى أن جلب الحسنات بالنية، وهذا لا يورث أن دفع المضرات والشرور والعقاب بها أيضا، كما هو المعلوم. ثم إنه يلزم لو كان يصح الاستناد إليها، عدم صحة الاستناد، لما مر من خروج جمع من الواجبات التوصلية عنه خروجا مستهجنا، لأن ادعاء أن العمل غير القربي ليس بعمل، يناقض ترتيب آثار العمل على عدة كثيرة من الأعمال التوصلية، كما لا يخفى. هذا كله حول الوجوه اللفظية لإثبات أصالة التعبدية.


1 - وسائل الشيعة 7: 266، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة، الباب 15، الحديث 4. (*)

[ 155 ]

الوجوه العقلية على أصالة التعبدية ثم إن هاهنا بعضا من الوجوه الاخر التي استند إليها لأصالة التعبدية، لا بأس بالإشارة إليها: أولها: ما سلكه شيخ مشايخنا العلامة الحائري في اخريات عمره، وبنى عليه جمعا من المسائل العلمية (1)، كعدم التداخل في الأسباب، وكظهور الأمر في الفور، ودلالته على المرة، وهكذا اختار أصالة التعبدية بعد ذهابه إلى التوصلية في " درره " (2) والدورة الاولى من بحثه. وملخص ما أفاده: أنه قاس العلل التشريعية بالعلل التكوينية، وأن الإرادة بالنسبة إلى المراد كالعلة التكوينية، وإن لم تكن عينها من جميع الجهات، فإذا كانت العلة التكوينية مستتبعة لمعلولها بلا تخلل وبلا تخلف، فتلك الإرادة الموجودة في المقنن مثل تلك العلل، فشأنية الإرادة التشريعية والتكوينية واحدة. وكما إن علية الإرادة التكوينية، ليست مقيدة بأمر في ناحية المعلول، فلا يكون موجديتها منوطة بتقيدها بالمعلول، للزوم الدور، ولا تكون - مع أنها ليست مقيدة - مطلقة، بحيث تؤثر في إحراق القطن كيفما اتفق، فلا يكون المعلول قيدا، ولا العلة مطلقة، بل ما هو العلة هي الطبيعة المضيقة التي لا تنطبق إلا على المقيد، وهي المعبر عنها ب‍ " الحصة التوأمة " في كلام شقيقه العلامة الأراكي في " مقالاته " (3). فعلى هذا، لابد من الالتزام بأن الأمر المتعلق بشئ، وإن لم يكن الشئ


1 - لاحظ مناهج الوصول 1: 275 - 276. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 100 - 102. 3 - مقالات الاصول 1: 245. (*)

[ 156 ]

مقيدا بجهة من ناحية الأمر، ولايكون الأمر مطلقا، ولكن لا يكون مجرد تحقق المأمور به، كافيا في سقوطه، بل ما هو مسقطه هي الطبيعة المضيقة التي وجدت بتحريك الآمر. وهكذا يجب الالتزام بالفورية، وبدلالته على المرة، لعدم التفكيك بين العلة ومعلولها، ولعدم اقتضاء العلة الواحدة إلا معلولا واحدا، انتهى. فكأنه بمقياس العلل التكوينية وخواصها المختلفة وآثارها الشتى، استظهر المسائل المزبورة، فاستظهر التضيق - الذي هو الحد المتوسط بين الإطلاق والتقييد - من التكوين، لأجل أنه لا مطلق، ولا مقيد، كما استظهر صاحب " المقالات " منه ذلك، وبنى شتات المسائل العلمية عليه، وحل به الغوامض العقلية من أول الاصول إلى آخره. ومن العجب، أنه لا يجري هذه المقالة في هذه المسألة قائلا: " بأن الحصة التوأمة، غير وافية بحل معضلة أخذ قصد الأمر في المتعلق " ! ! فراجع، واستظهر الفورية من جهة اخرى، والمرة من جهة ثالثة (1). وما هذا إلا للاستظهار، فلا يرد عليه بعض ما أورده عليه السيد الوالد - مد ظله - (2): من أن وزان العلل التكوينية يكون كذا وكذا، وأن المعاليل ربط محض بعللها، فإنه (رحمه الله) ما كان في هذا الموقف، وما كان أهلا لذلك الميدان، ولكنه لمكان التقريب إلى الأذهان، وأن العرف يساعد على ذلك لأجل ما يرون في التكوين، التجأ إلى هذا القياس، الذي هو الممنوع في الشرع الأقدس إلا في هذه المحال، فليتدبر جيدا.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 228، مقالات الاصول 1: 245 - 246. 2 - مناهج الوصول 1: 276 - 277، تهذيب الاصول 1: 161 - 162. (*)

[ 157 ]

أقول: ياليته ما كان عادلا عن الفكرة الاولى، وما خطر بباله هذه المقايسة الهلكاء، كي يقع فيما لا ينبغي، ولقد مر منا في الصحائف السابقة: أن مقايسة العلل الاعتبارية بالتكوينية، غير صحيحة، وتورث الزلل الكثير، والخطأ غير اليسير. فبالجملة: لو سلمنا تمامية جميع المقدمات، فإن ثبت إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلق، فلا وجه للتضييق في خصوص هذا القيد، فلابد - بناء على مرامه - من نفي الإطلاق بالنسبة إلى سائر القيود والشرائط. وإن ثبت امتناعه، فلا حاجة إلى تلك الإطالة المنعطفة عن جادة الاعتدال والواقع، ولا تكون طريقة جديدة في تحرير الأصل في المسألة. ثانيها: الأمر الصادر من الآمر لا يكون إلا لغرض، لاحتياجه إليه بالضرورة، ولايكون الغرض إلا جعل الداعي، فيأمر بداعي تحريك الأمر، فلو كان المأمور منبعثا عن غير هذا الداعي، يلزم لغوية الداعي الموجود في نفس المولى، فلا يكون الفعل المحقق بغير داعي الأمر، مسقطا لأمره قهرا وطبعا (1). أقول: هذه مصادرة، ضرورة أن الواجبات التعبدية تكون هكذا، وأما الواجبات التوصلية، فأوامرها ليست إلا لانتقال المكلفين إلى لزوم تحقق متعلقاتها سواء كان الداعي إلى إيجادها أمرها، أو أمرا آخر من الدواعي الاخر النفسانية. هذا مع أن من الممكن دعوى: أن غاية الأمر إمكان جعل الداعي، لا الداعي الفعلي، فلا تخلط. وبعبارة اخرى: الهيئات موضوعة للتحريك الاعتباري الإنشائي، سواء صارت محركة بالفعل وباعثة، أو لم تصر كذلك. ثم إنه لو كان الأمر الصادر من الآمر مغيا بما قيل، للزم إنكار الواجبات


1 - لاحظ أجود التقريرات 1: 113، فوائد الاصول 1: 156. (*)

[ 158 ]

التوصلية رأسا، وهو فاسد بالضرورة. ثالثها: لا شبهة في وجوب إطاعة المولى عقلا ونقلا، بمعنى أن المستفاد من الكتاب العزيز، لزوم انتزاع عنوان " الإطاعة " من أعمال العباد، زائدا على حكم العقل بلزوم تبعية العبد للمولى، ومفهوم " الطاعة " لا يتحقق بمجرد التطابق القهري بين المأتي به والمأمور به، أي مجرد تحقق المأمور به غفلة عن الأمر، لا يكفي لانتزاع هذا المفهوم، بل اللازم في ذلك كون العبد، متحركا بالأمر في إمكان انتزاع مفهوم " الطاعة والإطاعة ". فقوله تعالى: * (أطيعوا الله ورسوله) * (1) إما إرشاد إلى حكم العقل، فيعلم منه لزوم كون المأتي به متنزعا منه عنوان " الطاعة " وإما إرشادي إلى تقييد متعلق سائر الأوامر بكونه بحيث ينتزع منه هذا المفهوم، وهو المطلوب (2). أقول: ما يحكم به العقل هو لزوم القيام بالوظائف الثابتة بالأوامر، ولا يدعو الأمر إلا إلى متعلقه، وهي الصلاة، فلا سبيل للعقل إلى الحكم بكون المأمور به مقيدا بكذا، حتى ينتزع عنه عنوان " الطاعة " وهكذا في جانب النواهي، فإن الترك والانتراك على حد سواء في إسقاط النهي من غير شرطية الانزجار بالنهي حتى يتضيق دائرة المنهي عنه. وأما الآية الشريفة، فلا ينتقل منها العرف إلا إلى هذا، وأما استفادة تقييد متعلق الأمر والنهي بكونه قابلا للانتزاع المزبور، أو استفادة كون المأتي به في ظرف الامتثال، قابلا لانتزاع مفهوم " الإطاعة " - على اختلاف المسالك في امتناع وإمكان إحدى الطريقين دون الاخرى - فهو في غاية الإشكال، ونهاية الصعوبة، وإلا يلزم الابتلاء بكون جميع الأوامر والنواهي، متقيدة بحسب الجعل، أو متضيقة


1 - الأنفال (8): 20 و 46. 2 - لاحظ إشارات الاصول: 113 / السطر 1 - 3. (*)

[ 159 ]

بحسب الامتثال، بكون المأمور متحركا بتحريكها، ومنزجرا بزجرها، وهذا غير قابل للتصديق. ولو كان بعض الواجبات خارجا يسقط الاستدلال، لما يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، بل يلزم التمسك بالإطلاق في الشبهة المصداقية لدليل المقيد، بناء على رجوع التقييدات الكثيرة إلى التقييد بالعنوان الواحد، كما مضى ذيل الوجه الأول (1)، فتأمل. ويمكن أن يقال: بأن غاية ما يستدل به هو إطلاق الآية - لحذف المتعلق - على المرام المزبور، وهو قابل للتقييد، وعندئذ لايتم المقصود كما لا يخفى. إيقاظ: في استدلال الشيخ الأعظم بقاعدة الإجزاء لأصالة التوصلية المحكي عن الشيخ الأعظم (قدس سره) في تقريراته التي تنسب إليه - وهي لجدي العلامة النحرير الشيخ أبي القاسم الكلانتر (قدس سره) -: " أن قاعدة الإجزاء تقضي بأصالة التوصلية، وعدم اعتبار قصد الأمر، حيث إن الأمر لم يتعلق إلا بذات الأجزاء والشرائط، من دون أن يكون له تعلق بقصد الامتثال، ولا غير ذلك من الدواعي، فعليه يسقط الأمر بمجرد التطابق قهرا وطبعا " (2) انتهى. وفي تقرير العلامة الكاظمي (رحمه الله): " أن هذا الكلام بمكان من الغرابة، لوضوح أن قاعدة الإجزاء إنما تكون إذا اتي بجميع ما يعتبر في المأمور به، وهذا إنما يكون بعد تعيين المأمور به. ومن مجرد الأمر بذات الأجزاء والشرائط، لا يمكن تعيين المأمور به. نعم، لو كان للأمر إطلاق أمكن تعيينه من نفس الإطلاق، ولكنه مفروض


1 - تقدم في الصفحة 154. 2 - مطارح الأنظار: 60 / السطر 17 - 21 و 61 / السطر 10 - 11. (*)

[ 160 ]

العدم " (1). أقول: ما أورده عليه خال من التحصيل، ضرورة أن حدود المأمور به، تابعة لحدود ما تعلق به الإنشاء، فلا يعقل أوسعية المأمور به عما تعلق به الأمر، ولا أضيقيته بالضرورة. وبعبارة اخرى: المأمور به لا يكون ذا مرتبتين: مرتبة الثبوت، ومرتبة الإثبات، بل المأمور به ذو مرتبة واحدة، وهي مرتبة الإثبات، لأن الأمر لا يكون إلا ذا مرتبة واحدة، وهي مرتبة الإثبات، فإذا تعلق الأمر إنشاء بالصلاة مثلا، فهي المأمور به، ولا يعقل كون المأمور به أمرا آخر، أو هي مع قيد آخر وإن امتنع أخذ القيد المزبور. نعم، الغرض يكون أضيق، والمرام يكون أخص، وهو خارج عن محيط الأمر والمأمور به، فلابد من القول بسقوط الأمر قهرا وتبعا، وليس هذا إلا ما هو المطلوب من أصالة التوصلية. والذي هو التحقيق: أنه مع احتمال عدم سقوط الأمر، لأجل عدم الإيفاء بالغرض الباعث إلى الأمر، وأن من الممكن تضييق المرام، وهو لا يحصل إلا بإتيان ما هو الوافي به، لا يمكن العلم بالسقوط إلا بالتمسك بأحد أمرين: إما الاطلاق، وهو مفروض العدم، أو البراءة، فلا يكون هذا من الدليل الاجتهادي على أصالة التوصلية الذي هو محل النظر للمستدل، وهو المقصود بالبحث هنا، فافهم ولا تخلط. هذا، واستدل السيد الاستاذ الفشاركي على أصالة التوصلية: " بأن الهيئة عرفا تدل على أن متعلقها تمام المقصود، إذ لولا ذلك لكان الأمر توطئة وتمهيدا لغرض آخر، وهو خلاف ظاهر الأمر " (2). انتهى.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 158. 2 - لاحظ درر الفوائد، المحقق الحائري: 102، نهاية الدراية 1: 341. (*)

[ 161 ]

وإني بعد التدبر، ما فهمت مغزى كلامه، إذ الملازمة المزبورة ممنوعة. المبحث الثالث في مقتضى الاصول العملية عند الشك في أخذ قصد القربة وقبل الخوض فيه لابد من الإشارة إلى مقدمة: وهي أن النوبة تصل إليه إذا امتنع أخذ القيد المشكوك في المتعلق، أو أمكن، وكان دليل المأمور به مهملا، وحيث لا امتناع ولا إهمال، فلا تصل النوبة إلى البحث عن مقتضاها. بل لو سلمنا الامتناع والإهمال، فلنا التمسك بالاطلاق المقامي بتقريب: أن الآمر إذا كان في مقام بيان تمام ماله دخل في حصول غرضه، وإن لم يكن له دخل في متعلق أمره، ومع ذلك سكت في ذلك المقام، ولم ينصب دلالة على دخل قصد الامتثال في حصوله، كان هذا قرينة على عدم دخله في غرضه، وإلا لكان سكوته نقضا له، وخلاف الحكمة. فبالجملة: فرق بين الإطلاق الكلامي والمقامي، والثاني لا يكون مشروطا باللفظ وبإمكان التقييد. نعم، لابد من إحراز أنه في مقام إفادة الأغراض، وعند ذلك ومع السكوت، يعلم عدم وجود الغرض له. ولقد مضى أن المراد من " الإطلاق " في القاعدة المعروفة " إذا امتنع التقييد امتنع الإطلاق " هو الإطلاق الكلامي، لا المقامي (1). أقول: ربما يشكل تمامية مقدمات الحكمة في المقام، وذلك لأن من تلك المقدمات: " أنه لو لم يبين المولى ما هو الدخيل في مرامه وغرضه، لكان مخلا به،


1 - تقدم في الصفحة 151. (*)

[ 162 ]

وهو خلاف كونه عالما حكيما " ومعنى ذلك أنه لو لم يلزم الإخلال بالغرض، لما كان واجبا عليه الإشارة للقيد، فله الاتكال على حكم العقل، إذا كان يقول بالاشتغال في الشك في القيد. ولكن ذلك فيما كان القيد مورد الالتفات العمومي، فلو كان من القيود المغفول عنها، فلا يمكن الاتكال عليه، لعدم انتقال عموم المكلفين إليه. فمجرد حكم العقل بالاشتغال غير كاف للاتكال. وهكذا يكون ذلك فيما كان حكم العقل بالاشتغال، من الأحكام النظرية الأولية، بحيث لا يختلف فيه اثنان مثلا، وإلا فلا يجوز الاتكال على الاشتغال. فما تجد في كلام العلامة الأراكي (رحمه الله): من كفاية حكم العقل بالاشتغال (1)، غير سديد. فإذا كان القيد من القيود الملتفت إليها على نعت الاحتمال، ويخطر احتمال قيديته في ذهن الكافة، وكان حكم العقل البديهي هو الاشتغال، فلا يلزم ذكر القيد، لعدم الإخلال بالغرض عند ترك التقييد، وحيث إن الإطلاق المقامي كالإطلاق الكلامي في هذه الجهة، فلايتم مقدمات الحكمة لهما معا. وتوهم: أن قيد الدعوة من القيود المغفول عنها، في غير محله، لاشتهار الواجبات التعبدية من أول طلوع الإسلام إلى زمان المتأخرين، وأن قصد القربة من الامور الواضحة عند المسلمين، فلا يلزم الإخلال بالغرض، فتدبر جيدا. قلت أولا: لو كان ما قيل تاما للزم سقوط الحاجة إلى الأصل العملي، لأن تمامية ذلك موقوفة على مفروغية حكم العقل بالاشتغال، فما هو الوجه لأساس الاحتياج إلى تحرير الأصل العملي، هو الوجه لسقوطه. اللهم إلا أن يقال: بأن اللازم بعد ذلك هو المراجعة إلى مقتضى الاستصحاب في المسألة، فلا يسقط الاحتياج بنحو كلي، فليتدبر.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 237 - 238. (*)

[ 163 ]

وثانيا: ليس حكم العقل بالاشتغال من الأحكام الضرورية، وقد اختلف المحققون في ذلك، فيتم الإطلاق في الكلام والمقام، فلا تصل النوبة إلى الاصول العملية، فما أفاده العلامة الأراكي (رحمه الله) في المسألة (1)، غير سديد جدا. ثم إنه (قدس سره) قال بالتفصيل بين الإطلاق اللفظي والمقامي، بما لا يرجع إلى محصل. وإجماله: هو أن قيد الدعوة وإن كان من القيود غير المغفول عنها، ولكن حكم العقل بالاشتغال، لايمنع من انعقاد الإطلاق الكلامي، وذلك لأن ذلك يستلزم الدور، ضرورة أن الإطلاق إذا كان منوطا بالاشتغال، كيف يكون هو هادما له ومنفيا إياه ؟ ! فلا يكون الإطلاق الكلامي منوطا بالاشتغال، بل هو وارد عليه، وهو حكم تعليقي. والسر في ذلك: أن المتكلم في الإطلاق الكلامي، ليس في مقام إفادة مرامه بكل ما أمكن ولو كان هو الاشتغال عند الشك، بل هو في مقام إفادة مرامه بالألفاظ الموضوعة، وإلا يلزم امتناع انعقاد الإطلاق مطلقا، فعليه ينعقد الإطلاق الكلامي، إذا كان يمكن بيان مرامه بالألفاظ، ولم يبين. نعم، إذا صدر الدليل المقيد، فهو مقدم على الإطلاق لجهات محررة في محله، وهذا ليس في الإطلاق المقامي، فإنه ناظر إلى عدم الإخلال بغرضه ولو كان متكئا على قاعدة الاشتغال عند الشك، فعليه لا يمكن الإخلال بغرضه عند ترك بيانه (2)، انتهى. وأنت خبير بما فيه أولا: من لزوم الدور في الإطلاق المقامي، لأنه من الأمارات والحجج الاجتهادية، فلا تغفل.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 237 - 238. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 239. (*)

[ 164 ]

وثانيا: حكم العقل بالاشتغال، مانع عن وجود الإطلاق وتحققه، فكيف يعقل ورود هذا الإطلاق عليه ؟ ! فانتفاء الدور ليس بالالتزام بورود الإطلاق عليه، لأن حكم العقل بالاشتغال من علل وجوده. فما هو حل المشكلة، هو أن الاشتغال إذا كان بحكم العقل الضروري، فلا يتحقق الإطلاق، وإذا كان بحكم العقل النظري فيرد عليه الإطلاق، لعدم تقومه به. هذا مع أن حكم العقل الضروري بالاشتغال، ليس مضادا للإطلاق، بل للمتكلم الاتكال عليه، فلا مانع من التصريح بالإطلاق، فإذا صرح به فيرد على الاشتغال الثابت بحكم العقل، فاغتنم. فتحصل: أن البحث عن مقتضى الاصول العملية غير لازم عندنا، لتمامية الإطلاقات اللفظية، بل ولا يبعد تمامية الإطلاق المقامي أيضا. ولكن مع ذلك كله، لا بأس بصرف عنان البحث - بعد هذه المقدمة - في ذلك، فنقول: البحث هنا يقع في مقامات: أحدها: في قضية الاستصحاب والظاهر أن مقتضى استصحاب العدم النعتي، عدم وجوب اعتبار القيد الزائد في المأمور به، وسقوطه بمجرد الإتيان بالأجزاء المعلومة، كما في جريان أصالة البراءة الشرعية، ضرورة أن الشك في سقوطه، ناشئ عن الشك في لحاظ القيد الزائد، أو ناشئ عن الشك في أن غرضه متعلق بالأكثر، أو الأقل، وعلى كل تقدير، نفس التعبد بعدم تعلق الغرض بالقيد الزائد، كاف للتعبد بسقوط الأمر بإتيان نفس الطبيعة. وفيه: أن الأغراض ليست تدريجية الوجود، حتى يصح جريانه في الزائد، فلا حالة سابقة نعتية. هذا مع أن إجراء هذا النحو من الاستصحاب بلحاظ علم الشرع المقدس،

[ 165 ]

غير تام، لإمكان الالتزام بالتدريجية في سائر الموالي، دونه تعالى وأصل العدم الأزلي غير جار أو غير مفيد كما هو المحرر. ثم أن استصحاب بقاء الغرض إلى الإتيان بجميع ما يحتمل دخله غير جار وغير مفيد وتفصيله في الأقل والأكثر. ثانيها: في قضية البراءة العقلية والعقلائية فالذي استظهره الشيخ وتبعه " الكفاية " (رحمهما الله): (1) أن جريان البراءة هنا ممنوع ولو سلمنا جريانها في الأقل والأكثر، وذلك لأن في الأقل والأكثر، كان يمكن دعوى: أن المأمور به بحدوده غير معلوم، فالشك هناك يرجع إلى الشك في الثبوت، وهذه الدعوى هنا غير مسموعة، ضرورة أن المأمور به بحدوده معلوم، ولاشك في متعلق الأمر، فكما لا معنى للتمسك بالإطلاق لرفع مثل هذا المشكوك، كذلك لا معنى للتمسك بالبراءة، لرجوع الشك إلى الشك في السقوط، فلاينبغي الخلط بين الشك في كيفية الامتثال، وفي كميته، فإن الثاني مرجع البراءة، دون الأول. وأما إشكال المتأخرين: بأنه يتمكن من البيان المستقل بالجملة الخبرية أو الإنشائية الإرشادية إلى حدود الغرض، فإذا أخل بذلك فيمكن التمسك بالإطلاق المقامي، لا الكلامي، وبالبراءة العقلية، لأن مناطها قبح العقاب بلا بيان، بل امتناعه عليه تعالى، من غير فرق بين البيان المتصل، أو المنفصل (2). فهو قابل للدفع: بأن له الاتكال على حكم العقل بالاشتغال، فإنه إذا كان يرى أن الشك في الكيفية مجرى الاحتياط، فلا يلزم عليه البيان، كما لا يلزم عليه بيان العقاب على ترك الحكم الواقعي قبل الفحص، لأنه بحكم العقل، فلا حاجة إلى البيان في أمثال المقام.


1 - مطارح الأنظار: 61 / السطر 18 - 20، كفاية الاصول: 98. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 196 - 198. (*)

[ 166 ]

وأما ما أورد عليه الوالد المحقق - مد ظله - والعلامة المحشي، وصاحب " المقالات " (1): من أن الحجة ليست تامة على الأزيد من الغرض الوافي به المأمور به، فما هو مورد تمامية الحجة من الغرض، هو المقدار من الغرض الوافي به المأمور به في مرحلة الإثبات والإنشاء. ولو كان هذا البيان تاما، لكان يلزم القول بالاشتغال في الأقل والأكثر مطلقا، وهذا مما لا يقول به الشيخ (قدس سره). فهو لا يخلو من إشكال، ضرورة أن الحجة اللفظية مثلا، قائمة على المأمور به في عالم الإنشاء والإثبات، ولكنها تستلزم تمامية الحجة العقلية، لأن الأمر المتعلق بالصلاة مثلا، لا يدعو إلا إليها، وإذا كان المولى معذورا عقلا في إفادة مرامه بالوضع، يكون المأمور به ظاهرا نفس الطبيعة. ولكن سقوطها بمجرد التطابق ممنوع، والعقل من الحجج القائمة على لزوم الاحتياط عند الشك في الكيفية، فالحجة الوضعية غير ناهضة على الغرض الأخص، ولكن العقلية منها قائمة على الاحتياط جدا. إن قلت: لا بأس باتكاله على قاعدة الاشتغال، إذا كان ذلك من الواضحات عند عامة المكلفين وأما في مثل المقام فلا يصح، لأنه مطرح الأنظار المختلفة والآراء المتشتتة. قلت: لا يشترط في عدم جريان البراءة العقلية كون الاشتغال من الواضحات عند العامة. نعم هذا شرط في عدم انعقاد الإطلاق. والسر في ذلك: هو أن الإطلاق من الأدلة الاجتهادية النوعية، فيلاحظ فيه القيود على حسب اللحاظ الكلي، ولا معنى لاتكال المتكلم على قاعدة الاشتغال بعدم ذكر القيد المعتبر في المأمور به، للزوم الإخلال بغرضه قهرا عند


1 - مناهج الوصول 1: 278 - 279، نهاية الدراية 1: 344، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 241 - 243. (*)

[ 167 ]

القائلين بالبراءة. وأما في جريان البراءة العقلية، فلا يشترط كون المتكلم كسائر الناس في عدم الخروج عن المتعارفات في إفادة أغراضه، بل المدار هنا على حكم العقل والعقلاء، فلا منع من الالتزام بعدم لزوم إفادة القيد إذا كان يؤتى به إجمالا، لأن غرضه ربما يحصل بإتيان جمع، فليتدبر. فبالجملة تحصل: أن جريان مقدمات لزوم الاحتياط في المسألة، مبني على القول بصحة اتكال المتكلم على حكم العقل بالاشتغال، حتى لا يكون من العقاب بلا بيان، وإذا يلزم توقف لزوم الاحتياط على لزوم الاحتياط، فهذا باطل بالضرورة. وعند ذلك إن قلنا: بأن العقاب لا يمكن إلا مع الحجة الثابتة للمولى على العبد، فهي هنا ممنوعة. وإن قلنا: بأن ترك التكليف المحتمل لا يجوز إلا مع القطع بالعذر، فلابد من الاحتياط، لأن عدم إمكان الحكم بالاشتغال غير الحكم بالبراءة، كما لا يخفى، وفي المقام ما هو الثابت هو الأول، دون الثاني. هذا بناء على فرض إمكان البيان المستقل بالجمل الخبرية، أو الإنشائية الإرشادية. ولو فرضنا امتناع وصوله بمثلها، فظاهر الكل هو الاشتغال، لما يظهر منهم في الجواب عن الإشكال على البراءة: بإمكان بيان المولى بالاستقلال. ولكنه محل بحث أيضا، لأن مسألة قبح العقاب بلا بيان، ليست إلا درك العقل امتناع ذلك عند عدم وصول البيان بطريق عادي، فإذا لم يصل ذلك - سواء كان لأجل امتناع الإيصال، أو لأجل سائر المحاذير - فلاتتم حجة المولى على العبد، وهو وصول البيان، فلا يصح العقاب. وأما اتكاله على حكمه بالاشتغال، فالبحث فيه ما مر آنفا، فلو تم ما افيد: من

[ 168 ]

لزوم كون حكمه بالاشتغال من الأحكام الضرورية عند عامة الناس، فلايتم قاعدة الاحتياط قطعا، فافهم وتدبر. إيقاظ: في عدم اشتراط البراءة بإمكان إيصال البيان المعروف بين الأصحاب (رحمهم الله): أن إمكان الإيصال ليس شرطا لجريان البراءة العقلية (1)، وقد خالفهم السيد الاستاذ محمد الداماد (رحمه الله): بأن حكم العقلاء على خلاف ذلك، وأن المولى إذا كان في محذور عقلي كما نحن فيه، أو محذور عقلائي كما إذا كان في السجن، أو في التقية، وعلمنا من حاله وجود أغراض له وتكاليف من قبله، فإن جريان البراءة ممنوع، لشرطية إمكان الإيصال، فعليه يشكل جريانها فيما نحن فيه، وفي الأقل والأكثر، إلا أن وجه المعذورية مختلف، كما هو الظاهر، وأشرنا إليه آنفا. وأنت خبير: بأنه لو تم فهو فيما كان لا يمكن البيان بالمنفصل والمتصل الثابت من الإخبار، أو الإنشاء الإرشادي، وهو ممنوع كما عرفت (2). وهم ودفع قال العلامة النائيني (رحمه الله): " إن نسبة الأغراض والمقاصد إلى الماهيات المأمور بها، ليست كنسبة المسببات التوليدية إلى أسبابها، حتى يقال بالاشتغال، بل المقاصد والأغراض معلولة الامور المختلفة، والعناوين المأمور بها معدة بالنسبة إليها، فلا معنى لوجوب حفظ الغرض، وللزوم إتيان ما يشك في دخله في المقصود (3).


1 - لا ما يأتي في الجزء السابع: 130. 2 - تقدم في الصفحة 145 - 145. 3 - أجود التقريرات 1: 120. (*)

[ 169 ]

وأنت خبير: بأن مناط البراءة والاشتغال ليس هذا، ولا ذاك، بل لو كان بين المأمور به والغرض علية، ولكن تعلق الأمر لا بعنوان العلة، لا يجب الاحتياط، كما لو كان بينهما الإعداد والاستعداد، وتعلق الأمر بالمستعد، وكان يمتنع علية البيان بالنسبة إلى المعد، لا يمكن الحكم بالبراءة، لاحتمال شرطية إمكان الإيصال في عدم استحقاق العقاب عند ترك الغرض القائم عليه البيان إجمالا، كما نحن فيه، فليتدبر جيدا. شبهة وحل قال العلامة الأصفهاني في هوامش حواشيه: إن قضية القواعد هي البراءة فيما نحن فيه وإن قلنا: بالاشتغال في الأقل والأكثر، بعكس ما اشتهر، ضرورة أن حجة المولى في المقام، قاصرة عن تنفيذ الجزء المحتمل، ومجرد كونه دخيلا في الغرض غير كاف، بعد معلومية المأمور به بحده. بخلاف باب الأقل والأكثر، فإن متعلق الأمر الشخصي حيث هو مردد بين الأقل والأكثر، والغرض كذلك مردد بين ما يقوم بالأكثر، وما يقوم بالأقل، فالأمر المعلوم حجة على الغرض المردد، فيجب تحصيله (1)، انتهى محصله. وأنت خبير بعدما مر: بما في مقالته الاولى، وأما لزوم الاحتياط في الأقل والأكثر، فهو بعد انحلال العلم الإجمالي بلا وجه إذا كان الغرض غير وارد في متعلق الأمر، فلاينبغي الخلط بين كون الغرض علة واقعية، وبين كونه داخلا بعنوانه في متعلق الأمر، أو كان هو بنفسه مورد الأمر، فلا تخلط.


1 - لاحظ نهاية الدراية 1: 344 - 345. (*)

[ 170 ]

ذنابة: وفيها بيان آخر للاشتغال اعلم: أن هاهنا بيانا ثالثا للاشتغال غير البيانين الأولين: وهو أن ديانة الإسلام على التسهيل، بحيث قدم ملاك التسهيل على سائر الملاكات في كثير من المقامات، فإذا كان يرى أن جماعة من المكلفين يقعون في صعوبة التكليف الموهوم والمحتمل، ولا تجري أصالة البراءة الشرعية، لما يشترط في جريانها ما هو المفقود في المقام، فعليه عند ذلك بيان عدم اعتبار قصد القربة والامتثال في التكاليف الكذائية، حتى لا يلزم خلاف أساس الشريعة السهلة السمحة، وإذا أخل بذلك فيعلم: أن قصد الأمر دخيل، ومن الممكن عند ذلك أنه بينه، ولكن لم يصل إلينا البيان، أو كان يرى مراعاة السهولة في الجملة، لما فيه أيضا من المصلحة. فبالجملة: من عدم تعرضه لعدم شرطية ذلك في الأوامر يعلم شرطيته، وإلا كان قضية ما مر الإشارة في آية أو رواية إلى إطلاق المرام، فلمراعاة التسهيل أجمل في المقام، أو كان قيام جماعة بهذه الطريقة في أداء الوظائف الواجبة، كافيا فيما هو مرامه ومقصوده، فإجراء البراءة العقلية مشكل بعد ذلك جدا. ثالثها: في مقتضى أصالة البراءة الشرعية فإن النظر البدوي فيها يؤدي إلى جواز التمسك بها، لأنه من الشك في جزء المأمور به وإن كان خارجا عن محط الأمر، لأن المراد من " جزء المأمور به " هو الجزء الذي يجب إتيانه ولحاظه حين الامتثال، وإن كان لا يمكن تعلق الأمر به. ولكن ذلك يشكل من جهات: أولها: أن كل جزء ليس قابلا للرفع إلا إذا كان قابلا للوضع، وحيث هو ممتنع وضعه فرضا، فيمتنع رفعه شرعا.

[ 171 ]

وتوهم التمسك بحديث الرفع لحال الجزء العقلي والذهني الدخيل في الغرض، فاسد، لامتناع تعلق الوضع به تشريعا، ولا يكفي إمكان الوضع التكويني للرفع التشريعي (1). ولو قيل بإمكانه بالدليل الآخر، فهو أيضا محل إشكال، كما مضى (2). وكفاية الإرشاد إلى أخصية المرام لجريان البراءة عن الجزء المشكوك فيه، محل منع، لأن إمكان الإرشاد إلى أخصية الغرض، لا يستلزم إمكان الوضع المعتبر في إمكان الرفع. فما ترى في كتب المتأخرين: من التمسك بالبراءة الشرعية لإمكان الجعل بالدليل المنفصل (3)، إن اريد منه جعله في متعلق الأمر الأول، فهو خلاف المفروض، من امتناعه بالجعل الأولي والثانوي ولو كان بعنوان المتمم. وإن اريد منه الإرشاد إلى أخصية المرام، فهو غير كاف لصحة الرفع بناء على ما اشتهر. أقول: ما اشتهر من شرطية إمكان وضع ما يرفع في المأمور به (4)، غير سديد، بل المناط هو إمكان الإرشاد إلى الدخالة في المأمور به، أو في كيفية الامتثال وسبب سقوط الأمر وإن كان خارجا عن حد المأمور به إنشاء وجعلا، فلا يشترط إمكان الوضع في متعلق الأمر، ولا إمكان الإرشاد إلى دخالته في المأمور به جزء أو شرطا، بل ذلك كاف. والسر في ذلك: أن الرفع يستلزم توهم الضيق من غير كون مصب الضيق


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 163 - 164، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 245. 2 - تقدم في الصفحة 135 - 138. 3 - أجود التقريرات 1: 117 - 118، منتهى الاصول 1: 142 - 147. 4 - أجود التقريرات 1: 119، مناهج الوصول 1: 280، محاضرات في اصول الفقه 2: 194. (*)

[ 172 ]

تحت الأمر، أو فوق الأمر. وبعبارة اخرى: لا منع من إجراء حديث الرفع في الجزء التكويني، بلحاظ الأثر العملي، فإذا ارتفع ضيق المرام، فلا يبقى شك في سقوط الأمر بإتيان متعلقه، فليتدبر. ولو سلمنا امتناع البيان المنفصل على الإطلاق، وإن كان لا يقول به أحد، فلنا دعوى: أن مفاد حديث الرفع هو الكناية عن عدم الوضع، فلا معنى لإمكان الوضع في صحة الرفع، وهذا عندي غير بعيد جدا. وأما الإشكال: بأنه يستلزم اختصاص الأحكام بالعالمين، وهو خلاف الإجماع، فهو غير مندفع بالالتزام باشتراك العالم والجاهل في الإنشاء فقط دون الجد، وإذا كانوا مشتركين معهم في الجد، فلابد من حمل الحديث على رفع المؤاخذة، أو إجرائه في غير الشبهات الحكمية، والتفصيل في محله (1). ثانيها: إذا قلنا بالاشتغال العقلي يشكل التمسك بحديث الرفع، لعدم تمامية مقدمات الإطلاق. وفيه ما مضى تفصيله سابقا (2). ونزيد عليه: أن فقد مقدمة الإطلاق يستلزم الإهمال على الإطلاق، ولا معنى لنفي الإطلاق الحيثي، وهذا واضح الفساد في حديث الرفع، وفيما مضى سابقا، لأن الإطلاق ليس إلا أن ما هو مصب الجعل والحكم تمام الموضوع، ولا قيد له، وأما أنه تمام الموضوع من حيث دون حيث، فهو لايتم إلا على القول: بأن الإطلاق هو جمع القيود، لا رفضها، فإنه عند ذلك يمكن جمع طائفة من القيود، دون الاخرى. وتوهم: أن هذا خلاف ما هو المتسالم عليه في الفقه من نفي الإطلاق من


1 - يأتي في الجزء السابع: 72 - 76. 2 - تقدم في الصفحة 163. (*)

[ 173 ]

حيث، وإثباته من حيث، غير صحيح، لأن الحيثيات مختلفة، فإن إنكار الإطلاق من حيث الأجزاء فيما نحن فيه، وإثباته من حيث الشرائط ممكن، وهكذا إثباته من حيث الحكم التكليفي، وإنكاره من حيث الحكم الوضعي ممكن، وهكذا. وأما إثباته من حيث الحكم الوضعي للصلاة، وإنكاره من حيث الحكم الوضعي في الصوم، فهو غير صحيح، وفيما نحن فيه يكون الأمر كذلك، لتمسكهم بإطلاقه في جميع الشرائط والأجزاء إلا بعضا منها، فإنه لا معنى لكونه متحيثا بهذا النحو من البحث إلا على ما قيل في معنى الإطلاق واشتهر: من أنه جمع القيود، لا رفضه (1)، فافهم واغتنم. وعلى هذا، تقدر على رفع الشبهات الواضحة في كلمات العلامة الأراكي وبعض تلاميذه (2). ثالثها: بناء على امتناع أخذ القيد المشكوك في المتعلق، حتى يكون أمر الواجب بين الأقل والأكثر الارتباطيين، يلزم مثبتية الأصل في المقام، لأن إثبات أن ما هو تحت الأمر الأول هو تمام المأمور به، ليس إلا بحكم العقل، بعد رفع القيد المشكوك القابل للوضع بالأمر الثاني مثلا. وتوهم: أن هذا الإشكال سار في مطلق الأقل والأكثر، مندفع بخفاء الواسطة هناك، وعدمه هنا، كما التزم به صاحب " المقالات " وبنى اندفاع هذه الشبهة وما قبلها على الإشكال في المعنى (3)، وهذا منه في غاية الغرابة. وما أفاده الوالد المحقق دفعا لهذه الشبهة (4)، ولو كان في حد نفسه تاما، إلا


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 564، درر الفوائد: 236. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 243. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 244. 4 - مناهج الوصول 1: 281. (*)

[ 174 ]

أن في المقام نكتة اخرى مخفية على القوم، وهي أن المأمور به ليس مورد الشك، ولا إبهام في حدوده حتى يحتاج إلى إثبات أن الباقي تمام المأمور به، كما في عبارة الفاضل المزبور، أو قلنا بعدم الاحتياج إلى إثباته، بل المدار على ما قام عليه الحجة، سواء كان عنوان " تمام المطلوب والمأمور به " أو لم يكن، كما في عبارة المحقق المذكور. بل المفروض امتناع أخذه تحت الأمر، فكيف يمكن الشبهة في حد المأمور به، كما مضى في كلام الشيخ الأعظم (قدس سره) (1) ؟ فإذا كان الأمر كما سمعت، فالشك يرجع إلى ما هو المورث لتضيق المرام المستلزم لعدم سقوط الأمر، وعند ذلك كيف يعقل إجراء الحديث ؟ ! وإلا فإذا أجريناه فلا كلام في عدم مثبتيته. نعم، بناء على امتناع أخذه في متعلق الأمر الأول، وإمكان جعله بالمتمم، فلابد من التشبث بخفاء الواسطة، وهو عندنا غير سديد، لعدم الفرق بين الجلي والخفي، كما حررناه وحققه الوالد في محله (2)، وخفي عليه أمره هنا، ولم يشر إليه، وتشبث بما اشير إليه آنفا. فبالجملة: لا موقع لتوهم المثبتية رأسا. وأما إجراء حديث الرفع، فإن قلنا: بأن الأمر الآخر متكفل للتكليف المستقل، ناظر إلى الأمر الأول، فالتكليف المستقل قابل للرفع بذاته. وإن قلنا: بأنه إرشاد إلى تضييق المرام، فالضيق قابل للرفع بحسب الأثر العملي، ولا حاجة إلى إفادة كون ما تعلق به الأمر الأول، يسقط بإتيان نفس الطبيعة، بل هو بعد رفع الضيق قهري، لارتفاع الشك في السبب، فليتدبر جيدا.


1 - تقدم في الصفحة 165. 2 - الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 158. (*)

[ 175 ]

وبالجملة: صاحب " الكفاية " ومن تبعه توهموا أن مجرى البراءة هو الجزء القابل للجعل، وإذا ارتفعت قابليته فلا يمكن رفعه (1)، ومن أورد عليه الإشكال ظن أن إمكان الجعل بالدليل الثاني كاف في صحة الرفع (2)، مع أن الأمر ليس كما تخيلوا، بل المرفوع هو عنوان " ضيق التكليف وضيق المرام " بلحاظ أثره، وهو التوسعة في مقام الامتثال، وسقوط الأمر بإتيان الطبيعة، كما في رفع المكره والمضطر إليهما، فلا يكون الأصل ممنوع الجريان، ولا مثبتا أصلا. وإن شئت قلت: ما هو المرفوع هنا أمر تكويني بلحاظ أثره، كما في الشبهات الموضوعية، ولا يشترط قابلية الأثر للوضع في متعلق الأمر الأول، بل يكفي إمكان إفادة أخصية الغرض بالإطلاق المقامي في رفع ما شك فيه بلحاظ التضييق الآتي من قبله في مقام الامتثال، فليتدبر جيدا. رابعها: قد تقرر في محله: أن جريان البراءة في الأقل والأكثر، مخصوص بما إذا لم يكن في المحصلات العقلية والعادية، فإن فيها لابد من الاحتياط، وإذا شك فيما نحن فيه في سقوط الأمر لأجل دخالة القيد في الغرض، فهو يرجع إلى كون المأمور به من المحصلات العقلية والعادية، فلابد من الاحتياط. وبعبارة اخرى: إذا كان المأمور به معلوم الحد، ومع ذلك صح الشك في سقوط أمره، فلا يعقل ذلك إلا برجوع المأمور به في الظاهر إلى أن المأمور به أمر آخر محصل، وما هو في الظاهر متعلق الأمر يحصله، فكيف يمكن التمسك بالبراءة النقلية (3) ؟ !


1 - كفاية الاصول: 99، حاشية كفاية الاصول، القوچاني: 63، حقائق الاصول 1: 178. 2 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 378. 3 - لاحظ أجود التقريرات 1: 118 - 119، نهاية الدراية 1: 350، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 244 - 245. (*)

[ 176 ]

أقول أولا: هذا ليس من المحصلات العقلية أو العادية، بل هو يعد من المحصلات الشرعية، والمعروف فيها أيضا هو الاشتغال، ولكنه عندنا محل إشكال، ولقد تعرضنا في محله لجريان البراءة فيها (1). وثانيا: رجوعه إلى أن المأمور به أمر تحصيلي بالذي تعلق به الأمر، يتم لو كان الغرض معلوما، وفيما نحن فيه هو مشكوك، فلا يمكن القطع بالانقلاب، ومع الشك في أنه مطلوب بنفسه، أو مطلوب لأجل أمر آخر، لا يمكن الحكم بالاشتغال وإن لا يحكم بأنه - حسب الفهم العرفي - مطلوب بذاته، كما هو مختار السيد الفشاركي (قدس سره) في تقريب أصالة التوصلية، ولكنك عرفت ما مضى فيه (2). وإن شئت قلت: ليس الشك المذكور مستلزما للانقلاب، بل هو يستلزم كون الكيفية الخاصة في مقام الامتثال، معتبرة في سقوط الأمر، وهي لا تستلزم كون الغرض الأخص مورد الطلب، فتأمل جدا. فتحصل: أن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (3) تقريرا لما في " الكفاية " (4) حول الاشتغال وإن كان بعيدا عن ظاهرها، ولكنه بعد انضمام البيان المزبور منا إليه صار وجها على حدة للاحتياط في المسألة، والله العالم بحقائق الامور. وأيضا تحصل: أن الشك في سقوط الأمر بعد معلومية حدود المأمور به، لا يستلزم الانقلاب إلا احتمالا، وهذا يصير من الشبهة في أن المسألة من صغريات الأقل والأكثر، أو من صغريات المتحصل والمحصل، ولا يمكن عند ذلك إجراء


1 - يأتي في الجزء الثامن: 67 - 68. 2 - تقدم في الصفحة 160 - 161. 3 - أجود التقريرات 1: 118 - 119. 4 - كفاية الاصول: 98. (*)

[ 177 ]

البراءة اللفظية. اللهم إلا أن يقال: بأن المتفاهم العرفي هو كون متعلق الأمر هو المطلوب بذاته، فيتعين المأمور به، ولكن بعد امتناع الأخذ في المتعلق، لا يمكن إجراء البراءة الشرعية إلا بالوجه الذي مضى منا سبيله. والتمسك باستصحاب عدم وجود الغرض الزائد على ما تعلق به الأمر، أو عدم وجود ما يورث انقلاب هذا الظاهر إلى كون الواجب هو الغرض، لا يخلو من إشكال، فتدبر جيدا. وإن شئت قلت: الشك المزبور يرجع إلى الشك في أن غرض المولى هو ما يفي به المأمور به الظاهري، أي ما تعلق به الأمر والجعل، أو يكون غرضه الأخص، فلايفي به ما تعلق به الأمر في مرحلة الإنشاء والجعل، فإذا لم يمكن إجراء البراءة في نفس المأمور به، أمكن إجراؤها في رفع الضيق في المرام، على التفصيل الماضي. خامسها: إن المستفاد من الكتاب، هو أن العبادة مورد الأمر، وهي تحصل بما تعارف في الخارج، كالصلاة، والصوم، فهي معنى حاصل منهما، وهي واجبة، والأفعال الخارجية محققتها، فلابد عند الشك من الاحتياط. والأمر المتوجه إلى العبادة توصلي، ومرشد إلى لزومها عند المولى. أقول: لو كان هذا حقا فيلزم الاحتياط في مطلق الأقل والأكثر، والتفصيل في محله. مع أن مجرد كون الواجب من المحصلات الشرعية، لا يستلزم الاحتياط، كما فصلناه في مقامه (1).


1 - يأتي في الجزء الثامن: 60 و 67 - 68. (*)

[ 178 ]

تنبيهات التنبيه الأول: حول التمسك بمتمم الجعل وبمعنى العبادية لإثبات التقييد استفادة التقيد به على طريقتنا، ممكنة بالأمر الأول، فيؤخذ عنوان " قصد الأمر " في المتعلق، ويصير هذا سببا لانتقال المكلفين إلى أخصية المرام والمقصد، من غير تعلق الأمر بهذا القيد، لأنه عنوان مشير إلى أمر آخر وممكنة بالأمر الثاني الإرشادي إرشادا إلى ما سلف. وأما الإرشاد إلى أنه جزء المأمور به وشرطه، حتى يكون في الانحلال مثلا ينحل إليه الأمر، فهو غير محتاج إليه، بل ربما لا يساعده بعض ما مر منا في الإشكال على الأمر الثاني (1)، فتأمل جيدا. ومما ذكرنا يظهر: أن التمسك بالمتمم للجعل، بتوهم أن الأمر الأول ممتنع أن يشمل هذا القيد، ولكن يتمم ذلك بالأمر الثاني، كما أفاده العلامة النائيني (2)، في غاية السقوط، فإن الأمر الثاني لا يمكن أن يكون باعثا إلى باعثية الأمر الأول، كما مضى، ولا يمكن أن يرشد إلى قيد في المأمور به الأول، للزوم الامتناع والخلف، كما هو الظاهر، فمن يقول بالامتناع، لا يمكن له أن يتوسل إلى استفادة العبادية من الألفاظ - ولو كانت إرشادية - إلا بالوجه الذي أبدعناه في المسألة (3).


1 - تقدم في الصفحة 137 - 140. 2 - أجود التقريرات 1: 115 - 116. 3 - تقدم في الصفحة 139. (*)

[ 179 ]

وأما ما أفاده السيد المجدد الشيرازي في المقام: " من أن العبادية إنما هي كيفية في المأمور به، وعنوان له، ويكون قصد الأمر أو الوجه أو غير ذلك، من المحققات لذلك العنوان، ومحصلا له، من دون أن يكون متعلقا للأمر، ولا مأخوذا في المأمور به. وبالجملة: العبادة هي عبارة عن الوظيفة التي شرعت لأجل أن يتعبد بها العبد، فالصلاة المأتي بها بعنوان التعبد وإظهارا للعبودية، هي المأمور بها، والأمر بها على هذا الوجه بمكان من الإمكان " (1) انتهى. ففيه أولا: أن هذا هو الوجه الذي يستلزم سقوط بحث التعبدي والتوصلي، كما شرحناه سابقا (2)، وذكرنا أن هذه المسألة مبنية على تقوم عبادية العبادة بقصد الأمر والامتثال، وأن المشكلة التي حدت الأعلام إلى فتح هذا الباب، أن العبادية معناها الإتيان بداعي الأمر، فكيف يعقل أخذه في متعلق الأمر ؟ ! وثانيا: هذا يستلزم الاشتغال، لأن الواجب بناء عليه - كما مضى منا - يصير عنوان " العبادة " وعند ذلك إما يتعين الاحتياط مطلقا في الأقل والأكثر إلا في التوصليات، أو يتعين الاشتغال في المحصلات الشرعية، ولا أظن التزامه بذلك. وثالثا: يلزم كون الأمر المتوجه إلى العبادات توصليا، وأن مناط العبادية كون الفعل صادرا عن داع إلهي، وهذا أيضا بعيد. مع أنه مناقض لما أفاده من كفاية الإتيان بالفعل بداعي الأمر في العبادية، فراجع وتدبر. وأما استفادة العبادية من الإطلاق المقامي، فهو أيضا محل المناقشة، لأنه فيما إذا أمكن إفادتها بالألفاظ، وهي - على ما أشرنا إليه - على ما سلكه القوم ممتنعة.


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 152 - 153. 2 - تقدم في الصفحة 211. (*)

[ 180 ]

نعم، هي ممكنة لو كانت هي الإرشاد إلى أخصية المرام وضيق الطلب، دون أن تكون إرشادا إلى قيد في المتعلق، لأنه يستلزم الامتناع المزبور. التنبيه الثاني: حول اقتضاء الأمر لاختيارية الفعل قد سلك جمع من الأصحاب هنا: حول أن الواجبات التعبدية أعم من القربيات، ومما يعتبر فيه قيد المباشرة والاختيار، وكون الفرد المحرم مسقطا له (1)، والأمر في الاصطلاح سهل. وقد أشرنا سابقا (2) إلى أن مسألة المباشرة والتسبيب، تأتي في أقسام الواجب (3)، وقد ذكرنا هناك: أن الواجب العيني ينقسم - بوجه - إلى العيني المباشري، والعيني التسبيبي، ونذكر هناك قضية القاعدة العملية عند الشك، والإحالة هنا أولى من الإطالة. وأما مسألة الاختيار والاضطرار، وأن الأوامر المتعلقة بالعباد تقتضي اختيارية الفعل، أم لا فيكفي إذا صدر الفعل لا عن اختيار، فهي محل الخلاف، وقد يتصدى لها هذا التنبيه. فنقول: قد ذهب العلامة النائيني (قدس سره) إلى أصالة التعبدية في هذه المسألة (4)، كما في أصل المسألة، وفي المسألة المشار إليها، وخالفه بعض تلاميذه (5) تبعا للاستاذ العلامة الشيخ الأراكي (قدس سره) وقال بالتوصلية في هذه المسألة (6)، والكلام يقع


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 139 - 141. 2 - تقدم في الصفحة 114. 3 - يأتي في الجزء الرابع: 52 - 53. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 143 - 144. 5 - محاضرات في اصول الفقه 2: 146 - 147. 6 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 249 - 250. (*)

[ 181 ]

في مقامين: المقام الأول: حول مقتضى الدليل الاجتهادي وهو عندي التوصلية، وذلك لأن القدرة والاختيار ليست من قيود التكليف، بل هي من الموجبات لتنجيز الخطاب، وتعذير العبد في صورة الخلاف، فإذا توجه إلى العباد " اغسلوا أيديكم من أبوال ما لا يؤكل لحمه " ونظائره مما لا يحتاج في تحققه في الخارج - قضاء لحق المادة - إلى أمر زائد عن أصل صدور الفعل، فلا يجب إلا الغسل، سواء صدر عن الاختيار، أو عن اللا اختيار. وإن شئت قلت: العناوين المأخوذة في متعلق الأوامر، مختلفة بعد عدم كونها قربية، فإن منها: ما يحتاج إلى قصد العنوان، كرد السلام، والتعظيم، وأداء الدين، والوفاء بالنذر، وأداء الكفارات، فإنه لابد من الاختيار فيها، لاقتضاء المادة ذلك. ومنها: ما لا يكون محتاجا إلى أمر مربوط بالنية والقصد، كالغسل، وإحراق الكتب الضالة، وقلع مادة الفساد، وكسر آلات القمار، وأمثالها مما لا يحتاج إلى أمر ذهني، فإن المادة ساكتة، ولا اقتضاء من قبل الهيئة أصلا، لأنها ليست إلا لتحريك المطلعين إلى العمل والفعل في الخارج. وتوهم: أن الأمر ليس معناه إلا توجيه إرادته نحو المطلوب، وإيجاد الداعي فيه إلى المقصود، وهذا يؤدي إلى شرطية الاختيار في السقوط، كما وقع في كلمات الميرزا النائيني (رحمه الله) (1) فاسد جدا، لما مضى من أن الأمر ليس إلا لإمكان الداعوية، أو ليس إلا لتوجيه المكلفين إلى لزوم تحقق المأمور به خارجا، وأما سائر الجهات فهي خارجة (2) ولو كان حقيقة الأمر وهويته ذلك لما أمكن إفادة الإطلاق في


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 143، أجود التقريرات 1: 102. 2 - تقدم في الصفحة 81 - 84. (*)

[ 182 ]

متعلقه. وفي كلماته مواضع كثيرة من الخلط، لا نقصد رفع الإبهام عنها، ولعله يطلع عليها الخبير البصير. ومما ذكرنا يظهر الخدشة في كلام العلامة الأراكي (قدس سره) أيضا، لأنه توهم: أن الهيئة وإن كانت مقيدة بالقدرة، ولكن كاشفيتها عن مصلحة المادة على الإطلاق باقية، فإذا كان الأمر كذلك فلا وجه لأصالة التعبدية (1). وأنت خبير: بأن الهيئة إذا كانت مقيدة، فهي غير قابلة للكشف، لأن مطلوبية المتعلق سعة وضيقا تابعة لدائرة الهيئة إطلاقا وتقييدا، ولا يعقل إطلاق المادة بعد تضييق الهيئة وإن كان الضيق من قبل حكم العقل، لأن من المحتمل اتكال المولى على حكمه في عدم الإتيان بالكاشف عن قصور المصلحة، فتدبر. فالوجوه التي استند إليها أواشير إليها، كلها مزيفة على ما سلكناه في محله (2). ولو فرضنا تقييد الهيئة بالقدرة، فهي وإن كانت بحسب الثبوت ذات احتمالين: احتمال كون المتعلق مضيقا في المطلوبية والمصلحة، واحتمال كون القدرة معتبرة لصحة الخطاب، دون مصلحة المتعلق، ولكن ذلك بحسب الثبوت لا يورث رفع الإبهام إثباتا، فلابد في مرحلة الإثبات من دليل على أعمية المصلحة بعد تصور كاشفها احتمالا فتصير الأدلة الاجتهادية عند ذلك قاصرة عن إثبات أحد الأصلين: أصالة التعبدية، والتوصلية. المقام الثاني: قضية الأصل العملي وهو البراءة، لرجوع الشبهة إلى الشبهة في أن الزائد على لزوم تحقق المأمور به في الخارج معتبر، وهو قيد صدوره عن القدرة والاختيار والإرادة، أم لا،


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 249 - 250. 2 - يأتي في الجزء الثالث: 97 - 99. (*)

[ 183 ]

فإذا كان نائما تحت السماء، فأمطرت السماء، فغسلت يداه، فإن الأمر بالغسل ساقط، لأنه قد تحقق، وما زاد عليه مشكوك منفي بالبراءة العقلية والعقلائية والشرعية. وغير خفي: أن البراءة هنا مقدمة على الاستصحاب المتوهم، لانتفاء الشك بجريانها قبل حدوثه تعبدا. شبهة: قد يشكل تصوير الشك، في أن الواجب هل هو المعنى الاختياري، أو الأعم منه ومن غير الاختياري ؟ إلا برجوعه إلى أن مفاد الهيئة، ليس إلا أن المادة واجبة التحقق، وهذا مع كون الأمر مستلزما للخطاب مشكل، لأن الخطاب يستلزم المباشرة، والفعل الصادر لا عن اختيار لا يعد من فعل الإنسان مباشرة، حتى يكون كافيا إذا صدر لا عن اختيار. مثلا: إذا ورد " اغسل ثوبك " واتفق نزول المطر عليه، فإنه وإن غسل ثوبه، ولكنه لا يعد هذا فعله المباشري. فإذا كان ظاهر الخطاب مباشرة الفعل، فلابد من الالتزام بأصالة التعبدية في ناحية الاختيار أيضا. ثم إن من المحتمل دعوى اختلاف فهم العرف بين ما إذا ورد إفادة المطلوب بالمضارع المجهول، فيقال مثلا: " يغسل ثوبه " وبين ما إذا قال: " ليغسل ثوبه " بالأمر، وفيما إذا قال: " يغسل ثوبه " بالمعلوم أيضا مثل الأمر، ففي الاولى لا يستفاد المباشرة، ولا الاختيارية، بخلاف الصورتين الأخيرتين. وأما إذا قامت القرينة على أحد الأطراف فهو المتبع، فإن فهم العرف ربما يكون في بعض الأحيان، قرينة على أن قيد المباشرة والاختيار لا خصوصية له أصلا، كما في الأمر بالغسل، وإحراق الكتاب، وكسر الأصنام، وربما يجد ذلك قيدا كما في القربيات، وربما لا يجد أمرا، ويتردد، كما في بعض الأمثلة النادرة، كجواب السلام والتحية مثلا.

[ 184 ]

التنبيه الثالث: في أن إطلاق الخطاب هل يقتضي الإتيان بالفرد المباح ؟ هل الخطاب بإطلاقه، يقتضي الإتيان في مقام الامتثال بالمصداق المباح، فلا يسقط الأمر بالمصداق المحرم، أم قضية الإطلاق هو التوسعة، كما في جميع المواقف. وقبل الإشارة إلى مقتضى الدليل الاجتهادي، لابد من تحرير محل النزاع، ولقد خفي على الباحثين كلهم، لوقوعهم في بحث جواز اجتماع الأمر والنهي، وفي مسألة النهي عن العبادات، وهو بعيد عن ساحتهم مع توغلهم في الاصول، وذلك لأن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أنه بعد مفروغية إمكان الامتثال بالفرد المحرم عقلا، فهل هو كاف عرفا وعند العقلاء، أم لابد من الامتثال بالفرد المباح ؟ فكون الواجب تعبديا ينافي الحرمة، أو كون النسبة عموما مطلقا، تناقض إطلاق الملاك في المطلق، وكون التركيب اتحاديا يضاد حفظ الخطاب والتكليف، كلها أجنبية عما نحن فيه. فهذه المسألة كسابقاتها، مسألة عقلائية استظهارية من إرسال الخطاب مع إمكان الامتثال حسب درك العقل بدوا. ولذلك تكون الجهة المبحوث عنها، أعم من كون المأمور به مصداق المحرم بعنوان آخر منطبق عليه - كالغسل، والتصرف في ماء الغير، وكالصلاة في الدار المغصوبة - ومن كونه مستلزما للمحرم، أو متوقفا عليه. فعليه نقول: إن المراد من " الإطلاق " هنا، ليس الإطلاق المصطلح عليه في

[ 185 ]

باب المطلق والمقيد، كما عرفت منا تفصيله (1)، بل المراد من " الإطلاق " هو الإرسال مع الاتكاء على القرينة العدمية، وهي عدم ذكر القيد على الخصوصية، فإنه عند عدم ذكرها يكشف - لأجل تلك القرينة العدمية، وهي عدم ذكر القيد - أن الواجب نفسي، عيني، تعيني، مباشري، وهكذا. مقتضى الدليل الاجتهادي فإذا عرفت ذلك، فهل الإطلاق يقتضي كون الفرد مباحا، لأن بناء العرف على الاتكال على الإطلاق عندما يريد كون المأتي به محللا ومباحا، وغير مستلزم للمحرم، وإذا كان المراد أعم كان بناؤهم على ذكر الأعمية، بإفادة إطلاق المطلوب والمرام باللفظ، أم الإطلاق في هذه المسألة من هذه الجهة قاصر ؟ وجهان. لا يبعد الأول، لعدم إمكان التزام العقلاء بأن الشرع في الواجب، يلتزم بأنه واجب ولو كان مستلزما للمحرم، أو متحدا معه مصداقا لا عنوانا، فإنه غير معقول، فعليه لا يبعد دعوى فهم العقلاء من الأوامر والواجبات، أن المادة ليست مطلوبة على الإطلاق، خصوصا مع الاختيار والمندوحة، كما هو مفروض البحث في المسألة. فجميع ما قيل في المقام أجنبي عن أساس البحث، فاغتنم، وكن على بصيرة من أمرك. وأما التمسك بالإطلاق المصطلح عليه في محله، فهو هنا وإن كان ممكنا، ولكنه يورث التوسعة، وهي خلاف فهم العرف، كما في إثبات العينية والنفسية والتعينية، فإن قضية الإطلاق المصطلح عدم هذه الامور، قضاء لحق الإرسال. مع أن مقتضى الإطلاق هنا هو التضييق، وهولايمكن إلا بالوجه المشار إليه، فلاينبغي الخلط.


1 - تقدم في الصفحة 151. (*)

[ 186 ]

وبعبارة اخرى: انقسام الواجب إلى النفسي والغيري، وإلى العيني والكفائي وهكذا، يقتضي كون المراد عند الإطلاق هو الجامع بينهما، لا أحد القسيمين، وإذا كان المراد من التمسك بالإطلاق إثبات أحدهما، فلابد من كونه غير الإطلاق المحرر في باب المطلق والمقيد، كما لا يخفى. هذا كله قضية الأدلة الاجتهادية. مقتضى الأصل العملي وإذا شك في ذلك فالمرجع هي البراءة، لعدم الكاشف عن ضيق المرام. بل مع اقتضاء الإطلاق المصطلح التوسعة، لا تصل النوبة إلى البراءة، وهذا أمر عجيب، لأن مقتضى الإطلاق الأول هو التضييق، وإذا سقط هذا فقضية الإطلاق الثاني هو التوسعة، وإذا سقطا فالمرجع هي البراءة، ولا معنى للاشتغال، لأن الشك في ثبوت التكليف الزائد. وربما يخطر بالبال دعوى: أن التفصيل الذي ذكرناه في كيفية إفادة المطلوب في التنبيه السابق يأتي هنا أيضا، ونتيجة ذلك: أنه فيما إذا ورد الدليل بصورة الأمر، أو بصورة الفعل المضارع المعلوم، فهو ظاهر في المباشرة، بخلاف ما إذا كان بصورة الفعل المضارع المجهول، فإنه ظاهر في أن المطلوب نفس المادة كيفما اتفقت، إلا مع القرينة، كمناسبات الحكم والموضوع. وعند ذلك، إذا كان الدليل قاصرا عن إثبات لزوم كون المأتي به، غير محرم مصداقا، أو غير مستلزم للمحرم، أو غير متوقف عليه، فلأجل ظهوره في الصورتين الاولتين في المباشرة، يتعين الاشتغال، لأن الشك يرجع إلى مقام السقوط بالمصداق المحرم. ولكنك خبير بفساده، لأنه مسبب عن الشك في تقيد المأمور به، وإلا ففي جميع موارد الأقل والأكثر يلزم الاحتياط، فجريان البراءة إذا كان الدليل قاصرا، مما

[ 187 ]

لا شبهة فيه، ولا تصل النوبة إلى الاستصحاب، لحكومة البراءة عليه. وهذا ليس لأجل حكومة الأصل غير المحرز على المحرز، بل هو لأجل دفع الشك الاستصحابي بها، لا رفعه، وبينهما فرق واضح، كما لا يخفى. فما ترى في كلمات العلامة الأراكي (رحمه الله): من حكومة البراءة على الاستصحاب (1)، خلاف الاصطلاح، والأمر سهل. وتوهم: أن الإتيان بصيغة المجهول، لا يستلزم قصور الدليل في إفادة كون الواجب غير مستلزم للحرام، وغير منطبق عليه عنوان المحرم، وغير متوقف عليه، لاشتراك فهم العرف في مطلق الأساليب، غير بعيد جدا. ثم إن ثمرة هذا الأصل كثيرة، لأن جمعا من الفقهاء بنوا على الإشكال في شرطية إباحة مكان الوضوء والغسل، أو إباحة الماء، أو إباحة مكان المصلي، وهكذا من أول الفقه إلى آخره، معللين: بعدم الدليل على التقييد، ولا يقتضي القواعد العقلية ذلك، ونحن بنينا على التقيد لهذا الوجه الوجيه جدا. هذا كله فيما كان المكلف في التوسعة. وأما إذا كان منحصرا بالمحرم، فيدور الأمر بين الملاكين، ولابد حينئذ من المراجعة إلى الأهم، ومع التساوي يكون هو بالخيار، وهذا خارج عما هو المقصود بالبحث هنا، فلا تخلط. إيقاظ: في شمول بحث التوصلي والتعبدي للنواهي لا يختص الشبهات المزبورة في صدر المسألة بالواجبات التعبدية، بل هي جلها - لولا كلها - تأتي في المحرمات القربية، كتروك الإحرام، فأخذ قصد الامتثال والطاعة في متعلق النهي، أيضا محل البحث، فما يظهر من القوم من اختصاص


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 250. (*)

[ 188 ]

النزاع في مسألة أصالة التعبدية بالأوامر، في غير محله. والإشكال الصغروي هنا: بأن تروك الإحرام ليست من المحرمات القربية في غير محله قطعا، بل ترك القواطع في الصلاة أيضا يعد منها. نعم، على القول بعدم حرمتها الذاتية، وأنها من المبطلات فقط، لايتم المقصود. ولكنه في الصلاة وقواطعها يمكن الالتزام به. وأما في الحج فالتحقيق: أن الحج لا يبطل بترك تروكه - إلا نادرا منها - ولو كان من أول الأمر قاصدا لإتيانها، لما تقرر: من أن إحرام الحج كإحرام الصلاة، وتكون التروك من أحكام المحرم، فتكون من المحرمات القربية الذاتية، فيأتي فيها النزاع المعروف أيضا، فافهم وتدبر جيدا. المقام الثاني في أن مقتضى إطلاق الأمر النفسية والعينية والتعيينية قد عرفت: أن قضية إطلاق الصيغة كون البعث وجوبيا (1)، فهل قضيته كونه نفسيا تعينيا عينيا أيضا ؟ نعم، وذلك لارتكاز العقلاء قطعا، وعليه بناؤهم يقينا، والذي هو الظاهر منهم أيضا، أن من الإطلاق المزبور يستكشف الحكم الجدي، ويحتج بعضهم على بعض: بأن مرام المولى كذا، وإرادته كذا، وأنه يريد كذا، فيعلم من طريقتهم هذه الأمر النفساني أيضا. فما ترى في " الدرر " وتبعه الوالد - مد ظله - (2): من أن الأمر سبب تمامية


1 - تقدم في الصفحة 90 - 94. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 75 - 76، مناهج الوصول 1: 282. (*)

[ 189 ]

الحجة من قبل المولى على العبد، فلايصغى إلى الأعذار والاحتمالات النافية للنفسية والعينية والتعيينية، غير وجيه جدا، بل هي تورث تمامية الحجة، ويكشف بها المراد الجدي للمولى، وإلا فلا يصح الإفتاء على طبق هذه الإطلاقات: بأن الأمر الكذائي واجب نفسي عيني تعييني. ثم إن كلمات القوم في توجيه طريقة العقلاء مضطربة (1)، والذي هو التحقيق: أن الواجب في الشريعة على أنواع: نفسي، وغيري، وتعييني، وتخييري، وعيني، وكفائي، ولا شبهة في أن التقسيم يحتاج إلى الجامع الاسمي، وإلى خصوصيات ترد على المقسم، حتى يمتاز الأقسام بعضها عن بعض، والكلي عن المقسم. وأما كيفية تصوير الجامع الاسمي من المعاني الحرفية - كمفهوم " الربط " و " النسبة " - فقد مضى في محله (2). فعليه لا معنى للتمسك بالإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيد لإثبات أحد القسيمين، لأن أثر ذاك الإطلاق كون المجعول هو المعنى الكلي الجامع، وحيث هو - فرضا - ممتنع يلزم الإجمال في الدليل، لعدم وجود القرينة على أحد القسيمين. فما ترى في كتب القوم: من التمسك بالإطلاق المصطلح في ذلك الباب (3) ساقط. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أن الجامع غير معقول في المعاني الحرفية، فلابد من القول بتمامية حجة المولى على العبد " (4) غير سديد، لأن قضية امتناع جعل الجامع بين الوجوبين - النفسي والغيري - إجمال الدليل المتكفل


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 136، مناهج الوصول 1: 255 - 256. 2 - تقدم في الصفحة 102 - 103. 3 - كفاية الاصول: 99، نهاية الأفكار 1: 209، منتهى الاصول 1: 197. 4 - مناهج الوصول 1: 282 - 283. (*)

[ 190 ]

للجعل، فلابد من استكشاف وجه ارتكاز العقلاء الناهض على فهم مراد المولى من الإطلاق في المقام، وهذا غير ممكن إلا بالوجه السديد الذي أشرنا إليه سابقا (1). وهو أن القرائن على قسمين: وجودية جزئية، وعدمية كلية، فربما يتكئ المتكلم على القرينة الوجودية، واخرى على العدمية النوعية، ومن الثاني سكوته بعد الأمر، فإنه شاهد على أنه بعث وجوبي، وشاهد على أنه نفسي، وعيني، وتعييني، فإن بناءهم على إفادة الندب والغيرية وأمثالها بالقرينة الوجودية الجزئية، وعلى إفادة الوجوب والنفسية مثلا بالقرينة العدمية النوعية. وهذه أيضا قرينة، فلا معنى لحمل " الإطلاق " في هذه المباحث على الإطلاق المصطلح، بل المراد منه هنا هو الإلقاء بلا قرينة وجودية تشهد على أن المراد قسم خاص من القسيمين، فيرفع الإجمال والإبهام لأجل هذه القرينة العدمية، ولا يحتاج حينئذ إلى مقدمات الإطلاق وإحرازها، بل مجرد الأمر كاشف عن حدود الإرادة وتعينها، من غير توقف على إحراز كونه في مقام البيان وسائر المقدمات، بلا شبهة وإشكال. وأما ما في " الكفاية ": من اقتضاء الحكمة ذلك (2)، فهو ممنوع، لأنه كثيرا ما يقع الإجمال في الأدلة، فلا برهان على لزوم كون الكلام خارجا عن اللغوية. مع أنه لا يكون لغوا إذا أتى بغيره، لأنه من آثاره، فلو قال: " صل " واحتمل كفاية الصدقة عنه فتصدق، فإنه لا يلزم اللغوية، لأنه تصدق لأجل قوله: " صل " فلابد من تحرير المسألة على وجه مفيد في جميع المقامات والفروض. هذا بناء على حمل كلامه على أن المراد من " الحكمة " هو صون كلام الحكيم من اللغوية. وأما بناء على ما هو الأظهر، من إرادته مقدمات الحكمة، فالاستدلال ينتج


1 - تقدم في الصفحة 96. 2 - كفاية الاصول: 99. (*)

[ 191 ]

العكس قطعا، كما عرفت بما لا مزيد عليه. فتحصل إلى هنا: أن الهيئة الموضوعة للتحريك الاعتباري الأعم من النفسي والغيري، لا ينصرف إلى أحدهما المعين إلا بالدليل والقرينة، سواء أمكن جعل الجامع بها، أم لم يمكن جعله بها. وإن شئت قلت: التحريك الاعتباري بالحمل الشائع وإن لا يكون جامعا ذاتيا بين النفسي والغيري، ولكن النفسية والغيرية - كسائر الدواعي - تستفاد من القرائن، كما مر في استعمال الهيئة في المعاني المختلفة من غير لزوم المجازية والاشتراك (1)، فلا يفي مقدمات الإطلاق بكون الوجوب والتحريك، متعلقا بالمطلوب النفسي العيني التعييني. إن قلت: يمكن التمسك بإطلاق دليل ما ثبت نفسيته عند الشك في النفسية والغيرية، فإن معنى احتمال الوجوب الغيري في مثل غسل الجمعة مثلا في قوله: " اغتسل للجمعة والجنابة " تضيق وجوب الصلاة به، وإذا كان لدليلها إطلاق فيرفع الضيق، ولازمه العقلائي أن غسل الجمعة واجب نفسي (2). قلت: هذا غير واف بتمام المطلوب، لعدم ثبوت الإطلاق في جميع موارد الشك. مع أن بناء العقلاء على حملها على النفسية مطلقا، من غير النظر إلى حال دليل ما يحتمل غيريته بالنسبة إليه بالضرورة. مع أن من الممكن احتمال غيريته بالنسبة إلى ما هو المقطوع عدم وجوبه في زمان الغيبة مثلا، كصلاة الجمعة. وفي كون بناء العقلاء على كشف حال هذا المشكوك بأصالة الإطلاق في الدليل الآخر كلام، ويمكن الالتزام بأنه أصل عقلائي


1 - تقدم في الصفحة 85. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 220 - 222، أجود التقريرات 1: 169. (*)

[ 192 ]

حيثي كأصالة الصحة، فلا تخلط. إن قلت: يمكن التمسك بالإطلاق الأحوالي - المصطلح عليه في باب المطلق والمقيد - هنا، لأن معنى الواجب التخييري والكفائي: هو الواجب المشروط على ما تقرر في محله، فكما يتمسك بإطلاق الهيئة لرفع القيد المحتمل، كذلك الأمر هنا (1). قلت: نعم، ولكنه مبنى فاسد، وأساس باطل ذكرناه في محله (2). هذا مع أن الضرورة قاضية، بأن بناء العقلاء على حمل الأمر على النفسي العيني... إلى آخره، من غير انتظار إحراز مقدمات الحكمة، ولو كان وجه الحمل إطلاق الكلام، يلزم عدم ذهابهم إلى حمله على النفسي... إلى آخره، في بعض الموارد، مع أنه لا يوجد في الفقه مورد إلا ويحمل الأمر فيه على النفسي العيني التعييني بلا توقف على أمر آخر. ولو كان مراد القوم من " الإطلاق " هنا، هو الإطلاق الأحوالي المتصور للمادة والهيئة، لكان ينبغي أن يقال: إطلاق الأمر يقتضي النفسي العيني التعييني المطلق المنجز وهكذا، مقابل المقابلات، ومنها: احتمال المشروطية والتعليق. وربما يمكن دعوى: أن التعليق أيضا من الاحتمالات التي ترتفع بالإطلاق المصطلح في المقام، لعدم تضيق في الإرادة، بخلاف المشروط، فإنه هو المضيق، فلا تغفل. فبالجملة: الأولى أن يقال: إن إلقاء الآمر متوجها إلى المخاطب، يقتضي كون المادة واجبة نفسية عينية مباشرية، مقابل العيني غير المباشري، على ما تصورناه، والأمر بعد ذلك كله سهل جدا.


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 381. 2 - يأتي في الجزء الخامس: 456 - 458. (*)

[ 193 ]

المقام الثالث في الأمر الواقع عقيب الحظر اعلم: أن هذه المسألة في الحقيقة تذييل للمباحث السابقة، وذلك لأن البحث هنا حول أن الأمر إذا كان محفوفا بما يصلح للقرينية، هل يستفاد منه أيضا الوجوب والنفسية والعينية والتعيينية وغيرها، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: ليس الجهة المبحوث عنها هنا أمرا جزئيا، وبحثا خاصا بالأمر الواقع عقيب الحظر، بل الجهة المقصودة معنى أعم من ذلك، ومن الهيئة المقارنة لما يصلح للقرينية على خلاف ما يستفاد منها إطلاقا، ضرورة أنه مع وجود القرينة على الندب والغيرية وغيرها، يحمل عليها، ومع عدم القرينة يحمل على الوجوب والنفسية... إلى آخره. وإذا كان في الكلام ما يصلح للقرينية على الندب والغيرية، كقوله: " اغتسل للجمعة والجنابة " فإن الجنابة قرينة على أن الهيئة في الجمعة غيرية، بناء على مفروغية استفادة الغيرية منه، وأن غسل الجنابة ليس مطلوبا نفسيا. ومن هذا القبيل الأمر الواقع عقيب المنع التحريمي، أو التنزيهي، أو الواقع عقيب توهم المنع، كقوله تعالى: * (وإذا حللتم فاصطادوا) * (1). فبالجملة: المقصود بالبحث كلي لا يختص بالوجوب، بل يشمل النفسية وأخواتها، ولا يختص بكون الأمر عقيب الحظر، بل يشمل كل ما كان في كلام صالحا للقرينية على مقابلاتها.


1 - المائدة (5): 2. (*)

[ 194 ]

إذا عرفت ذلك فاعلم: أن استفادة الوجوب والنفسية، إن كانت لأجل عدم القرينة الذي هو القرينة عليها، فإذا كان الكلام محفوفا بالصالح لها، يلزم الشك المستند والمستقر العقلائي في تمامية الحجة، واستكشاف اللزوم والنفسية. نعم، لو قلنا: بأن الهيئة موضوعة للوجوب، ومجاز في الندب، أو قلنا: بأنها موضوعة لإفادة المطلوب النفسي، ومجاز فيما كان مستعملا في الغيري، فلا يبعد تعين الأخذ بالمدلول المطابقي. اللهم إلا أن يقال: إن المجاز المشهور يمنع عن الحمل على الحقيقة، لعدم التعبد في إجراء أصالة الحقيقة من ناحية الشرع، فإذا كانت هي ساقطة لكثرة الاستعمال المجازي، فلا يمكن استفادة الوجوب على جميع المباني، أي سواء قلنا بمقالة السيد (1)، أو قلنا بمقالة الوالد (2) - عفي عنهما - أو قلنا: بأنها كاشفة عقلائية، لأجل القرينة العدمية عن الإرادة اللزومية والمطلوب النفسي (3)، فإنه على جميع التقادير لا يمكن ذلك، كما لا يخفى. ثم إن الأنظار كثيرا ما تختلف بالنسبة إلى صغرى الصالح للقرينية، والمناط هو الصالح النوعي، لا الشخصي، فاحتمال الحظر الشخصي غير كاف، إلا في الخطابات الجزئية الشخصية، والوهم والتوهم غير العقلائي لا يكفي، فلا تغفل. ومما ذكرناه يظهر قصور كتب القوم عن إفادة ما هو الشأن في البحث. هذا كله في كبرى المسألة. وأما في صغراها التي تعرض لها الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - وهو


1 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 53. 2 - مناهج الوصول 1: 256. 3 - نهاية الدراية 1: 308. (*)

[ 195 ]

الأمر عقيب الحظر (1)، فالاحتمالات ربما تكون أربعة: من الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، لأن من الممكن كون الأمر لرفع اشتداد المبغوضية. بل وهي خمسة، بناء على كون الإذن المطلق غير الإباحة الخاصة. وربما يختلف باب التعبديات عن غيرها، فيكون القدر المتيقن في الباب الأول هو الاستحباب، وفي الباب الثاني هي الإباحة، فلايتم ما اشتهر: من عدم دلالة الأمر على أحد المحتملات (2). نعم، لا يمكن تعيين إحدى الاحتمالات بنحو كلي، لاختلاف مواقف الاستعمالات حسب القرائن الكلية والجزئية، فلا تخلط، وكن على بصيرة من أمرك. إيقاظ: وفيه وجه لتعين النفسي العيني التعييني ربما يخطر بالبال دعوى: أن بناء العقلاء كما يكون على عدم الاعتناء باحتمال وجود القرينة غير الواصلة إلينا، كذلك يكون على عدم الاعتناء باحتمال قرينية الموجود، وباحتمال صالحيته للقرينية، لأن معنى الصالح للقرينية ليس إلا احتمال اتكاء المتكلم على ما يصلح لها، وهذا أمر غير جائز عند العقلاء في حق المقننين، فإن القانون والمقنن المتكفل له، لابد من كونه بريئا مما يوجب الإخلال بالغرض، وإذا كان الكلام فاقدا للقرينة الواضحة يعلم: أن مرام المولى هو الوجوب النفسي العيني التعييني. فبالجملة: الاحتمال المزبور في حقه ممنوع، فتصير النتيجة عكس ما اشتهر وذكر، فليتدبر جيدا.


1 - هداية المسترشدين: 154، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 294، كفاية الاصول: 99 - 100. 2 - كفاية الاصول: 100، محاضرات في اصول الفقه 2: 205 - 206. (*)

[ 197 ]

الفصل الرابع فيما يمكن تعلقه بهيئة الأمر أو بمادة صيغ الأوامر وهو بحث المرة والتكرار، والفور والتراخي، وأمثالهما مما يأتي، فالكلام يقع في مقامات:

[ 199 ]

المقام الأول في المرة والتكرار وقبل الخوض فيما هو الحق في المقام، لابد من تقديم أمرين: الأمر الأول: في المراد من " المرة والتكرار " وقد يقال: هو الوجود والوجودات وإن كانت دفعة واحدة (1). وقد يقال: بأنه الدفعة والدفعات وإن كانتا وجودين (2). والثالث: أنه الأعم (3)... وغير ذلك مما في المطولات (4). والذي هو مورد النظر، هو أنه هل يمكن أن يلتزم أحد من العقلاء فيما إذا ورد " أكرم زيدا " بتكرار الإكرام، ووجوب ذلك في دفعات، أو وجوب إدامة الإكرام والضيافة ؟ ! وهل يصح إسناد هذا الأمر الفاحش فساده عند الصغير والكبير، إلى


1 - مناهج الوصول 1: 287، تهذيب الاصول 1: 170. 2 - الفصول الغروية: 71 / السطر 25. 3 - كفاية الاصول: 101. 4 - هداية المسترشدين: 173 - 174. (*)

[ 200 ]

جماعة من الأفاضل والأعلام، كما يتراءى من كلمات المتأخرين ؟ ! (1) ولذلك لم يذهب أحد منهم إلى التكرار، بل هم بين قائل بعدم الدلالة على شئ منهما، كما هو الأكثر (2)، وبين قائل بالمرة، كما نسب إلى العلامة الحائري في درسه (3)، وقد عرفت منا سابقا وجهه نقلا عنه (4). وهل يصح طرح البحث على الوجه الذي لا يذهب الكل فيه إلا إلى جانب واحد، كالبحث عن أن الأمر هل يدل على الإيجاد ليلا، أو نهارا، أو هما معا، أو لا يدل على شئ منها ؟ ! إذا تأملت في ذلك فاعلم: أن الذي يظهر لي أن البحث، ما كان في الهيئة والمادة وضعا وإطلاقا، بل البحث يكون فيما إذا كان الكلام، مشتملا على جهة اخرى غير أصل الطبيعة والموضوع، كما إذا ورد " أكرم زيدا يوم الجمعة " أو قال: " إن جاءك زيد أكرمه " ونحوهما من الأسباب الممكنة لاقتضاء الكثرة، بأن يتوهم وجوب تكرار الإكرام بتكرار يوم الجمعة، أو لزوم تكراره بتكرار مجئ زيد. فلو كان البحث حول الهيئة، ففي مثل " أكرم زيدا " لا معنى للقول بالتكرار والدفعات، بل لا يتصور فيه الوجودات دفعة وعرضا، فالنزاع فيه يرجع إلى لزوم إدامة الإكرام، وجواز قطعه، لأنه لا يلتزم أحد بأن الهيئة أو المادة أو المجموع منهما، تدل على القطع والوصل، قضاء لحق مفهوم التكرار في مثل " أكرم زيدا ". فيعلم من عنوان البحث: أن الجهة المبحوث عنها، هي الكلام المشتمل على


1 - قوانين الاصول 1: 90 / السطر 22، الفصول الغروية: 71 / السطر 18، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241. 2 - كفاية الاصول: 100، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241، مناهج الوصول 1: 284، محاضرات في اصول الفقه 2: 207. 3 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 169. 4 - تقدم في الصفحة 155. (*)

[ 201 ]

الجهة المقتضية - بالوضع والطبع - للقطع والوصل، كما في المثالين، ضرورة أن يوم الجمعة، ومجئ زيد، وسنة الحج، ووقت الصلاة، يتكرر خارجا، ويسقط الحكم بمضي يوم الجمعة، وبانتفاء المجئ قهرا، فإذا استجمع الشرائط ثانيا، فهل يجب ثانيا، أم لا ؟ فبالجملة: بعد المراجعة إلى عنوان البحث، وأن في الشريعة كانت أحكام متكررة بتكرر الجهات المقتضية له، وقع النزاع في أن ذلك مستند إلى نفس القضية، أو القرائن الخارجية، فمن قال مثلا بالمرة، أو بعدم دلالتها عليها وعلى التكرار، استند إلى الامور الخارجية (1)، ومن قال بالتكرار استند إلى اقتضاء نفس القضية ذلك (2). وإن شئت قلت: يرتفع النزاع، ويجمع بين الأقوال، لأن القائل بعدم الدلالة - هيئة ومادة وجمعا، وضعا وإطلاقا - على المرة والتكرار، أراد ما لا يريده القائل بالدلالة على التكرار، لأنه يريد دلالة القضية المشتملة على الجهة المزبورة على التكرار، وهي وإن كانت ممنوعة حسب الصناعة العلمية، ولكنها قابلة للتصديق حسب الاستظهار العرفي، كما يأتي إن شاء الله تعالى (3). فبالجملة تحصل: أن ما تخيله القوم من أن النزاع هنا، حول دلالة الهيئة، أو المادة، أو هما معا، على المرة والتكرار (4)، غير وجيه جدا، بل النزاع - بعد مراجعة ما ورد من الشريعة في قوانينها، من لزوم تكرار عدة من الواجبات حسب استجماع الشرائط مكررا، كالعبادات اليومية، والصوم السنوي، وعدم وجوب تكرار بعضها،


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحق العراقي) الآملي 1: 255، نهاية الدراية 1: 355. 2 - لاحظ قوانين الاصول 1: 91 / السطر 33. 3 - يأتي في الصفحة 205 - 206. 4 - كفاية الاصول: 100، نهاية الأفكار 1: 210 و 212 - 213. (*)

[ 202 ]

كالحج وإن استجمع الشرائط في السنة الآتية بعد أداء الحج في الاولى - يكون في القانون المشتمل على ما يستلزم التكرار طبعا، ويتكرر استجماع الشرائط في الأزمنة المختلفة خارجا، كالأمثلة المزبورة. وبناء على هذا، يكون المراد من " المرة والتكرار " هي الدفعة والدفعات، دون الوجود والوجودات، ولا الأعم، لأن البحث يرجع إلى أن تكرار الجهة المقتضية للتكرار في الحكم يستلزم التكرار فيه، أم لا ؟ وأيضا: يكون المراد من " الدفعات " التكرار أبدا عند استجماع الشرائط ثانيا وثالثا، لا التكرار إلى حد خاص مقابل المرة، وهذا أيضا من الشواهد على أن الجهة المبحوث عنها هنا، هي التي ذكرناها. الأمر الثاني: في خلو الكلام عن الجهة المقتضية للتكرار إذا كان الكلام خاليا من تلك الجهة، كما إذا ورد " أكرم زيدا " إن كان، وهذا في الشريعة قليل الوقوع، لأن الأحكام المتعارفة في الشريعة كلها بين مالها الأسباب المذكورة في نفس القانون، وبين كونها موقتات يتكرر أوقاتها في اليوم والليلة، أو في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة. وهذا أيضا من الشواهد على أن النظر الأصلي في بحث المرة والتكرار كان إلى الذي ذكرناه، فاغتنم جدا. ولو فرضنا وقوعه، كما في الأمر بالوفاء بالنذر المطلق، فهل يجب التكرار، أو يجب الاستدامة، أم يجوز الاقتصار على المرة ؟ مثلا إذا نذر أن يصلي، فهل عليه إدامة الصلاة، أو تكرارها، أو يكفي صلاة واحدة ؟ وهذا نزاع ساقط جدا، لعدم إمكان التزام أحد بتكرار الصلاة، لعدم الوجه له

[ 203 ]

عقلا وعرفا، ولا يتصور الإدامة، لأنها مشروعة على الوجه الذي لا يمكن فرض إدامتها. بخلاف ما إذا نذر مثلا إكرام زيد، فإن مصداق الإكرام لا انتهاء له، ولم يعتبر فيه الحد في الشريعة، فإنه يمكن إدامته، وعند ذلك فيمكن توهم وجوب الإدامة، لعدم سقوط الأمر إلا إذا رفع اليد عن الإكرام عقلا، فإذا كان الأمر كذلك، فيمكن توهم وجوب الإدامة عرفا، لأن مقتضى الحدوث والبقاء واحد، كما لا يخفى. ولكنه مع ذلك بحكم العقلاء، يجوز الاكتفاء بعد رفع اليد عنه، ولا يجب الاستمرار قطعا، لا لاقتضاء الهيئة أو المادة ذلك، بل لفهم العقلاء، بل وحكم العقل بالسقوط بعد صدق الطبيعة على المأتي به عرفا. ثم إنه قد يتوهم دلالة الهيئة على المرة (1)، كما عرفت سابقا، ومضى فساده (2). وتوهم اقتضاء مقدمات الحكمة ذلك (3)، مدفوع بما مر أيضا، لأن المرة من الخصوصيات الزائدة على أصل الطبيعة. ودعوى: أن الإطلاق بالمعنى المذكور في البحث السابق (4)، يقتضي ذلك، لاحتياج التكرار إلى القرينة الوجودية مسموعة، إلا أن ذلك مما لا حاجة إليه بعد اقتضاء الإطلاق الأحوالي أيضا ذلك، فتدبر. ثم إن قضية الاصول العملية في هذه المسألة هي البراءة، لأن مرجع الشك - بعد فرض تحقق المصداق للمأمور به والطبيعة بأول فرد، أو بقطع الإدامة - إلى أن الوجود الملحوظ هو الساري، وأن الواجب بنحو العموم الاستغراقي، أم لا، فلا


1 - تقدم في الصفحة 199 - 200. 2 - تقدم في الصفحة 155 - 157. 3 - نهاية الدراية 1: 355، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 255. 4 - تقدم في الصفحة 110. (*)

[ 204 ]

معنى لاستصحاب الوجوب المعلوم، لانتفائه بأول مصداق، ولا يحتمل بقاؤه الشخصي. التحقيق في المقام إذا عرفت هذين الأمرين، فالذي هو الحق في النزاع على الوجه الذي حررناه: هو أن قضية الصناعة العلمية - بعد فرض كون الكلام مطلقا لا عاما - عدم وجوب التكرار عند استجماع الشرائط ثانيا. مثلا: إذا وردت قضية " إن جاءك زيد فأكرمه " فأكرمه بعد مجيئه، ثم جاء ثانيا، فإن استفادة تكرار وجوب الإكرام يحتاج إلى دال، وهو مفقود. ومجرد استفادة علية المجئ للوجوب، لا يكفي لكونه علة على نحو يقتضي التكرار، لأن احتمال كونه علة تامة بأول وجوده، غير قابل للدفع. وتوهم: أن هذا مندفع بإطلاق جملة الشرط، أو بإطلاق القيد الواقع في الكلام، كقوله: " أكرم زيدا يوم الجمعة " فاسد، ضرورة أن الإطلاق لا يقتضي إلا كون الموضوع للوجوب هو المجئ، وأما التكرار عند التكرار فهو خارج عن عهدته. هذا مع أن استفادة العلية من الجملة الشرطية خصوصا، ومن القيد الواقع في المثال المزبور، محل إشكال، بل منع، كما تقرر في بحث المفهوم والمنطوق (1). ومما يشهد بل يدل على عدم دلالة الجملة المزبورة على التكرار عند التكرار: ما ورد في الحج - على ما ببالي - من السؤال عن تكرار الحج حسب كل عام، فقيل في جوابه: " أما تخاف لو قلت: نعم، لكان واجبا ؟ ! " (2). فإن المستظهر منه


1 - يأتي في الجزء الخامس: 19 وما بعدها. 2 - عوالي اللآلي 2: 85 / 231، مستدرك الوسائل 8: 14، كتاب الحج، أبواب وجوب = (*)

[ 205 ]

ومن بعض المآثير الاخر (1)، عدم دلالة الآية (2) على الأكثر من مرة واحدة. ومثلها سائر الآيات، كقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (3) وقوله: * (أقم الصلوة لدلوك الشمس) * (4) وهكذا مما تتكرر شرائطه، وتوجد وتنعدم، فإن لزوم التكرار لا يستفاد منها قطعا، بل الدليل عليه القرائن والأدلة الخارجية. نعم، ربما يختلف فهم العرف مع مقتضى الصناعة، وهو فيما إذا كان احتمال دخالة أول الوجود في ثبوت الحكم، بعيدا غايته، بل العرف يجد علية الشرط للجزاء، ومعنى ذلك تكرار المعلول بتكرار علته، ولذلك اشتهر وجوب تكرار المسبب، إذا تخلل بين مصداقين من السبب في الكفارات وصلوات الآيات، وهكذا كما في الضمانات، فإن الضرورة قاضية بعدم جواز الاكتفاء بالمرة، بل الأمر في الضمان على عدم تداخل المسببات وإن لم يتخلل المسبب بين الأسباب، فلاينبغي الخلط بين المواضيع، فافهم وكن على بصيرة. إن قلت: قضية الإطلاق هو أن الحكم لازم ماهية الموضوع، والجزاء لازم ماهية الشرط، فيتكرر بتكراره. قلت: لا يعقل كون الماهية ملحوظة بما هي هي في البعث إليها، فلابد من لحاظ أمر زائد عليها، وهو أمر صرف الوجود وناقض العدم، أو الوجود السرياني إجمالا، أو الوجود السرياني إطلاقا وعموما، وكل واحد من هذه اللحاظات قيود


= الحج وشرائطه، الباب 3، الحديث 4. 1 - وسائل الشيعة 11: 19 كتاب الحج، أبواب وجوبه وشرائطه، الباب 3، جامع أحاديث الشيعة 10: 221، كتاب الحج، الباب 2. 2 - * (فيه ايات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) *. آل عمران (3): 97. 3 - البقرة (2): 185. 4 - الإسراء (17): 78. (*)

[ 206 ]

زائدة على أصل الطبيعة، فإذن لا معنى لاقتضاء الإطلاق أحدها دون الآخر، فيرجع إلى الإهمال من هذه الجهة، وإن كان له الإطلاق من جهات اخر. ودعوى: أنه يرجع إلى الإطلاق بالمعنى المصطلح في المعاني الحرفية، وقد مر تفصيله (1)، فيكون عدم إتيان القرينة على صرف الوجود أو الوجود الساري الإجمالي، قرينة على اللحاظ الثالث، غير مسموعة، لعدم بناء من العقلاء على ذلك. بل في مثل قوله: " إن جاءك زيد فأكرمه " بناؤهم على عدم إكرامه إذا تكرر منه المجئ، فلا تخلط بين القرائن والارتكازات الخاصة. ولو كان لآية الحج إطلاق من هذه الجهة، يلزم التقييد المستهجن، وهو في حكم التخصيص المستهجن. ولو كان الاستهجان لأجل العموم، لكان يلزم عدم التخصيص المستهجن مطلقا عند من يرى الحاجة في العمومات إلى مقدمات الحكمة أيضا (2)، فليتدبر. هذا، ولو سلمنا أن المتكلم لا يلاحظ إحدى الوجودات، بل العقل يحكم بذلك على المكلف، فيكون الحكم لازم الماهية في الاعتبار، فهو أيضا لايتقضي التكرار، كما لا يخفى، فتأمل. ثم إنه لا ينبغي توهم: أن هذا المبحث هو البحث المحرر في المفاهيم، ضرورة أن ما هناك هو مسألة تداخل المسببات والأسباب، وهو فيما لم يتخلل بين مصداقين من السبب امتثال. وبعبارة اخرى: ما هناك حول أنه بعد مفروغية التكرار في ناحية المسبب، يصح الاكتفاء بالمرة، أو لابد من الامتثالات، وهكذا في ناحية الأسباب، فهذا البحث أجنبي عن المباحث المحررة في المفهوم والمنطوق. مع أن الجهة المبحوث عنها هنا، أعم من كون الجهة المقتضية للتكرار هي


1 - تقدم في الجزء الأول: 90 - 93. 2 - كفاية الاصول: 254 - 255، أجود التقريرات 1: 440 - 441، نهاية الأفكار 1: 509 - 510. (*)

[ 207 ]

الأسباب، أو سائر القيود التي تتكرر فتوجد وتنعدم، كما عرفت (1). ومما ذكرناه في الأمر الثاني، يعلم قضية الاصول العملية هنا، وهي البراءة فيما إذا كان الكلام قاصرا عن إفادة أحد الطرفين. تنبيهان التنبيه الأول: في إتيان الأفراد العرضية دفعة مع وحدة الأمر إذا تعلق الأمر بالطبيعة القابلة للكثرة الطولية والعرضية، فجمع المكلف بين الأفراد العرضية، كما إذا قال: " أكرم العالم " وكان نفس إكرامه مسقطا لأمره، وما كان يجب عليه إكرام كل عالم بوجه الانحلال المتصور في أمثال المقامات، فهل إكرام المجموع منهم دفعة واحدة، امتثال واحد ؟ أو امتثالات كثيرة ؟ أو هو تابع لقصد المكلف، فإن قصد الامتثال بالمجموع فهو امتثال واحد، وإن قصد الامتثال بكل واحد فهو امتثالات ؟ أو لا امتثال رأسا ؟ أما الاحتمال الأخير فهو في مفروض المسألة غير سديد. نعم إذا كان المستفاد من الدليل، وجوب إكرام فرد من العالم، كان للاحتمال الأخير وجه، بدعوى ظهوره في الفرد بشرط لا. وأما دعوى: أن وجوب إكرام العالم، فيما إذا كان يسقط الأمر بأول المصداق، يرجع إلى اعتبار صرف الوجود واعتبار ناقض العدم عرفا، وإن لم يمكن ذلك عقلا


1 - تقدم في الصفحة 199 - 202. (*)

[ 208 ]

في الطبائع، فإذا أقدم على إكرام مجموع العلماء، فوحدة الإكرام تقتضي وحدة الموضوع، وهو مجموع العلماء في لحاظ الجمع، وهو ليس بعالم، فلا يسقط الأمر، فهي غير مسموعة عرفا، لشهادة العقل بسقوط الأمر لإكرامه العالم قطعا. وأما الاحتمال الأول، فهو مختار الوالد المحقق - مد ظله -، معللا: " بأن كثرة الطبيعة ووحدتها بحسب الأفراد، لا تستلزم كثرة الأمر، والامتثال الكثير تابع لكثرة الأمر، لتقومه به، دون الطبيعة، فالمجموع امتثال واحد، كما أن لهذا الأمر الساقط ثوابا واحدا، وفي تركه عقابا واحدا " (1). وأما الاحتمال الثاني، فهو مختار السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) حيث قال: " بأن للطبيعة ليست وجودا واحدا، فيما إذا وجدت بالوجودات العرضية، فلا معنى لكونه امتثالا واحدا، نظير الواجب الكفائي، فإنه لو أتى به جماعة دفعة واحدة، فقد امتثلوا الأوامر المتعددة، لأن القول بأن لكثرة الطبيعة وجودا واحدا، في غاية الضعف " (2). وأما الاحتمال الثالث، فهو منسوب في كلامه إلى العلامة الخراساني (رحمه الله) (3) ولعله كان في تقريراته، لأنه ليس في " كفايته " ولا يذكر تلميذه وجها له، بل استضعفه، ولعله استند في ذلك إلى أن بناء العرف على ذلك. وسيظهر لك في التنبيه الثاني أن الامتثال من الامور الاختيارية بحسب الارتكازات العقلائية، وأن الامتثال عقيب الامتثال جائز في الاعتبار، وأن التخيير بين الأقل والأكثر ممكن، وهكذا مما يترتب على هذه المقالة (4)، فانتظر.


1 - مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الاصول 1: 172. 2 - نهاية الاصول: 124. 3 - لاحظ نهاية الاصول: 124. 4 - يأتي في الصفحة 211. (*)

[ 209 ]

والذي هو التحقيق في المقام: أن الانحلال على قسمين: أحدهما: ما يرجع إلى تعدد الأمر واقعا، ويكون لكل واحد من الأوامر امتثال، وعقاب، وثواب، كما في مثل: " أكرم كل عالم ". وثانيهما: ما يرجع إلى تعدد الأمر في ناحية الثواب، دون العقاب، فإن امتثل المجموع يتحقق الثوابان، وإن ترك لا يستحق إلا عقابا واحدا. وهو فيما نحن فيه على عكس الواجب الكفائي، وذلك لأن قوله: " أكرم العالم " لابد له من مسقط، ولا يعقل كون أحد الإكرامات - معينا - مسقطا، ولا أحدها غير المعين، ولا المجموع، لأنه ليس وراء الآحاد خارجا. فعليه يقال: لامنع من دعوى أن قضية قوله: " أكرم العالم " هو استحقاق المثوبات، لأن كل واحد من الإكرامات المتعلقة بالعالم، مورد طلبه بلا شبهة، لعدم ميز بينها، ويصح أن يحتج على المولى بأن كل واحد من هذه الإكرامات واجب، وموصوف بالوجوب، فإذا فرض جعل المثوبة على إكرام العالم، فيجب تكرارها، لتعدد الامتثال، فما أتى به القوم طرا، غير مقبول. نعم، ما أفاده الاستاذ (رحمه الله): من أنه الامتثالات في محله، ولكنه لم يبين وجهه، ولذلك يرد عليه ما أورده الوالد - مد ظله - عليه (1). ثم إنه غير خفي: أن مختار المحقق الخراساني (قدس سره) لا يستلزم رفع الشبهة العقلية في المسألة، فإن البحث - على احتماله - يأتي فيما إذا قصد الامتثال بالكل، وأنه في هذا الفرض هل يتعدد الامتثال، أو لا يمكن ؟ فلا تخلط. فبالجملة: لابد من الالتزام بأحد أمرين: إما يكون المجموع امتثالا واحدا وهذا لا يمكن إلا بكون المجموع مورد


1 - مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الاصول 1: 172. (*)

[ 210 ]

الأمر وهو خلف. وإما بكون الأمر ينحل - فيما إذا اتي بالأفراد العرضية - إلى الأوامر. ولكنها لاتستتبع العقابات، لعدم نشوئها عن الملاكات المختلفة والمتعددة. فما ترى في كلام الوالد - مد ظله -: من دعوى الملازمة بين الأوامر المتعددة، والعقابات والثوابات (1)، فهي غير مسموعة، بل التعدد المستلزم لتعدد الملاك، يستلزم تعدد العقاب والثواب. ومما يدل على أن الأوامر المتعددة، لا تستلزم العقاب المتعدد إلا في الصورة السابقة: ما إذا أمر المولى بإكرام زيد، ثم غفل عن أمره وأمر ثانيا بذلك، فإن الأمر الثاني مع الغفلة عن الأمر الأول، لا يكون تأكيدا، بل هو يقع تأسيسا، لأنه يريد بالإرادة الجديدة وجوب إكرامه، فإذا امتثل الأمرين بإكرامه، لا يستحق إلا ثوابا واحدا، ولا يعاقب إلا مرة واحدة عند التخلف عنهما، فإذا أمكن الجمع بين الإكرامين، فقد امتثل الأمرين، ويستحق الثوابين والجعلين، لأن كلامه يقتضي ذلك، وقضية الأدلة هو التعدد. فلو كان لا يريد إلا ثوابا واحدا، يجب عليه جعل القانون على وجه لا يستحق المكلف - حسب المتفاهم العرفي - ثواب آخر زائدا عليه، فإتيانه الطبيعة متعلق الأمر يورث الاستحقاق الأكثر، ولا يستحق عند التخلف إلا العقاب الواحد. إذا تبين ذلك تبين: أن في المسألة امتثالات كثيرة، وعقابا واحدا، ضرورة أن العقاب بحكم العقل والعقلاء، وهو في المثال المزبور واحد قطعا، لعدم جعل العقاب على ترك الامتثال فرضا، وأما تعدد الثواب فهو تابع لما يستظهر من إطلاق جعله، فلا تخلط.


1 - مناهج الوصول 1: 290، تهذيب الاصول 1: 172. (*)

[ 211 ]

التنبيه الثاني: في الامتثال عقيب الامتثال المشهور المعروف امتناع الامتثال عقيب الامتثال (1)، وفي " الكفاية " تفصيل (2) لا ينبغي أن يصغى إليه. وجه الامتناع واضح، ضرورة أن معنى أن الأمر متعلق بالطبيعة، مع كون الغرض وجودها الصرف، سقوط الغرض والأمر بإتيانها، ومعنى الامتثال الثاني كون الغرض وجودها الساري، وهو خلف وتناقض. أو معناه تعدد الأمر بلا ملاك. أو الامتثال بلا أمر، وهكذا مما لا يمكن الالتزام به. وأما تخيل أن المولى إذا أمر بإتيان الماء للوضوء والشرب، فاريق الماء بعد الامتثال، فإنه يجب عليه الامتثال ثانيا، لبقاء الغرض (3)، فهو مخدوش من جهات عديدة، لانحتاج إلى رفع نقابها. والذي هو التحقيق: أن الامتثال متقوم بالأمر، ولا معنى لصدق الامتثال إذا كان غرض المولى معلوما، فإن وجوب القيام بالغرض المعلوم، لا يكون ملازما لصدق الطاعة والإطاعة والامتثال. هذا أولا. وثانيا: ليس هذا الأمر المتعلق بالطبيعة، ساقطا بالامتثال، فإنه لا معنى للسقوط إلا إذا رجع إلى قصور الأمر عن الباعثية لتمامية الغرض، وإلا فالأمر المتعلق بالطبيعة، باق في عالمه الإنشائي أبدا.


1 - منتهى الاصول 1: 242، مناهج الوصول 1: 304 - 305، محاضرات في اصول الفقه 2: 225. 2 - كفاية الاصول: 102 - 103 و 107. 3 - كفاية الاصول: 103. (*)

[ 212 ]

وثالثا: الأغراض الموجبة لصدور الأمر مختلفة: فمنها: ماهي بسيطة غير ذات مراتب، كما إذا تعلق غرض المولى بقتل زيد وضربه، فإنه عند تحقق القتل والضرب لا غرض له باق، وإن كان يمكن تصويره ثبوتا، ولكنه غير باق حسب المتعارف. ومنها: ماهي ذات مراتب، كغرضه المتعلق بإكرام الفقير والمسكين، فإن الأمر الصادر منه وإن كان - بلحاظ بعض الجهات الاخر - غير منحل إلى الأوامر، لكونه متعلقا بنفس الطبيعة، كما هو مفروض البحث، ولكنه لا يسقط الغرض بمجرد إكرام الفقير، فإنه في نفسه طالب لإكرامه بوجه أحسن مثلا، فلا يسقط الغرض رأسا. فإذا تبين لك هذه الامور، يتضح لك: أن ما تعارف بين العقلاء من تبديل المصداق بالمصداق الأحسن بعد الامتثال، لما له من الوجه العقلي أيضا، ضرورة أنا إذا راجعنا وجداننا، نجد جواز تبديل الدرهم المغشوش بالدرهم الخالص، وأنه بذلك يكون أقرب إلى مولاه في القيام بوظيفته بالقطع واليقين، وليس ذلك إلا لأن الامتثال لا يستلزم سقوط الأمر، بل هو يستلزم سقوط الغرض الإلزامي، ولكن الأمر باق بحاله. هذا هو التقريب الذي لامنع من الالتزام به في صلاة الجماعة. ولكن بعد المراجعة لتلك الأدلة، يظهر وجه آخر منها ذكرناه في كتاب الصلاة (1): وهو أن الامور الاعتبارية بيد من له الاعتبار، وبيد المقنن النافذ في كلمته، فإذا فوض الامور إلى المكلفين، فيكون اعتبارهم نافذا، والأمر في الامتثال عقيب الامتثال من هذا القبيل، فإنه إذا أتى بصلاة الظهر، فهو بالخيار بين الإعادة،


1 - لم نعثر عليه في مباحث الصلاة الموجودة لدينا. (*)

[ 213 ]

وجعل ما أتى به تسبيحا، وبين اعتبار ما أتى به فريضة، فإن الأمر إذا كان كذلك فلا يحتاج في الامتثال الثاني إلى الانحلال المفروض عدمه، بل له إعادة الأمر الساقط، وإتيان الفرد الآخر، لأن الغرض غير ساقط، وإعادة الأمر اعتبار بيد المكلفين. فتحصل: أن هنا طريقين لتصوير الامتثال عقيب الامتثال: أحدهما: متفرع على أن الأمر الأول لا يسقط رأسا، بل الساقط غرض إلزامي. ثانيهما: أن الأمر الأول يسقط، ولكن للعبد اعتبار عوده، للإتيان بالمصداق الأتم. ولو اريد الامتثال عقيب الامتثال، مع وحدة الأمر شخصا، وانعدامه بالامتثال الأول، فهو مستحيل. ولكنه ليس مقصودهم، بل المتبادر من المنكرين، هو أن الأمر المتعلق بالطبيعة يسقط، ولا يعقل له الوجود ثانيا حتى يعتبر الامتثال مكررا، وأنت عرفت ما فيه (1)، فلا تخلط. فبالجملة: قد توهم الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - سقوط الأمر، وامتناع عوده، فحكموا بامتناع الامتثال عقيب الامتثال، لأن معنى الامتثال عدم الأمر، ومعنى الامتثال عقيب الامتثال وجوده، وهو تناقض. وأنت بعدما أحطت خبرا بما أشرنا إليه، عرفت إمكانه، بل وقوعه في الشريعة، كما هو صريح الأخبار في المعادة (2)، ولذلك قوينا أن الصلاة المعادة تكون على صفة الوجوب، كما هو المفتى به في كلام بعض فقهاء العصر (3)، فراجع.


1 - تقدم في الصفحة 211 - 212. 2 - وسائل الشيعة 8: 401 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54. 3 - لاحظ ما علقه السيد الحكيم (رحمه الله) على العروة الوثقى: 284، (دار الكتب الإسلامية 1397) ومستمسك العروة الوثقى 7: 376. (*)

[ 214 ]

ثم إنه غير خفي: أن المقصود ليس إثبات إمكان الامتثال عقيب الامتثال في جميع الأوامر بل المقصود إثبات إمكانه في الجملة. وإن شئت قلت: قضية الوجه الأول جواز الامتثال عقيب الامتثال، ومقتضى الثاني جواز تبديل الامتثال بالامتثال الآخر، فتدبر. إن قلت: على الوجه الأول يلزم الانحلال، وهو خلف. قلت: كلا، فإن الانحلال الخلف، هو انحلال التكليف الوجوبي إلى التكاليف الكثيرة، حسب الأفراد والمصاديق، والتكليف فيما نحن فيه لا ينحل. نعم، لا يسقط باعثيته، لبقاء الغرض غير اللازم استيفاؤه. ولو استوفي فلا يبقى له الباعثية في مرحلة الامتثال الثالث مثلا، وهذا شاهد على عدم الانحلال. ثم إن في المسألة (إن قلت قلتات) ترجع إلى مباحث الفقه، وتكون خارجة عن كبراها، ومن شاء فليرجع إليها.

[ 215 ]

المقام الثاني في الفور والتراخي اعلم: أنه لا يوجد أحد يقول بدلالة الهيئة، أو المادة، أو ما يقوم مقام الهيئة الأمرية - كهيئة المضارع مثلا - على التراخي، بل الأمر دائر بين دعوى الدلالة على الفور، وعدم الدلالة عليه، وتكون النتيجة التراخي، فما يظهر من العنوان في غير محله. ولا يوجد أيضا أحد يدعي دلالة أحدهما أو المجموع منهما - بناء على احتمال دلالة ثالثة لهما بالوضع الآخر - على الفور ولو كانت القرينة على خلافه. ولا أظن التزام أحد بوجوب الفور والمبادرة إلى الواجب فيما كان من الواجبات الموسعة، ضرورة أن مقدمات الإطلاق تنفي ذلك. فالبحث والكلام في المقام، حول الأوامر الصادرة عن الموالي الخالية عن الأغراض. نعم، يمكن دعوى دلالة بعض الآيات الآتية على وجوب المبادرة حتى في الواجبات الموسعة، ولكنه بحث آخر خارج عن الجهة المبحوث عنها هنا، وسيأتي

[ 216 ]

الإيماء إليه إن شاء الله تعالى (1). إذا عرفت ذلك، وأحطت خبرا بمورد النزاع، ومحل التشاح، فاعلم: أن المشهور المعروف بين الأعلام والمحققين، عدم دلالة الهيئة والمادة على الفور (2)، كما عرفت في المرة والتكرار (3). ومجرد إمكان الاستعمال غير كاف، كما إن مجرد إمكان دعوى دلالة الهيئة فقط أو المادة فقط على الفور، غير كافية. مع ان في إمكان دلالة المادة على الفورية إشكالا، بل منعا، فلو أمكن لأحد دعوى الوضع للفور، فهو في جانب الهيئة، فإنها كما تدل على الطلب، تكون ظاهرة - لأجل فهم العرف الكاشف عن الوضع - على لزوم المبادرة. ويمكن دعوى دلالتها على استحباب المبادرة، ولزوم أصل الطبيعة. ولكن الخبير الواقف على أطراف المسألة، وموارد الاستعمالات، يعلم بضعف هذه الدعاوى، وعدم إمكان الالتزام بها وضعا، للزوم المجاز في كثير من الاستعمالات، فالدلالة الوضعية منتفية جدا. بقي الكلام فيما يمكن أن يكون وجها للفورية عقلا، أو نقلا، أو عرفا، وهي امور: أحدها: ما اختاره شيخ مشايخنا (رحمه الله) في مجلس بحثه، قياسا بين العلل التكوينية والتشريعية، وأن هذه المقايسة تورث قوة ظهور الأمر في عليته لتحقق الطبيعة، فلمكان عدم الانفكاك بينهما يتعين الفورية (4). واحتمله العلامة الأراكي (5).


1 - يأتي في الصفحة 220. 2 - كفاية الاصول: 103، أجود التقريرات 1: 193، مقالات الاصول 1: 258، تهذيب الاصول 1: 173. 3 - تقدم في الصفحة 199 - 200. 4 - انظر مناهج الوصول 1: 291، تهذيب الاصول 1: 173. 5 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 251. (*)

[ 217 ]

وأنت قد أحطت خبرا بما في تقريبه، ولا زائد عليه. ثانيها: المراجعة إلى الأوامر العرفية، ومراعاة الجهة المقتضية للأمر - من الاحتياج إلى المأمور به في الموارد الكثيرة - تعطي الظهور الثانوي العرفي في الفورية. ولو كان المولى في مقام البعث إلى الطبيعة فقط دون فوريتها، لما كان وجه معتد به في المبادرة إلى الأمر، فإن عند ذلك يعلم: أن الغرض فوري. فزمان الأمر يورث ظهوره في الفورية، دون الهيئة والمادة، ولذلك إذا قال المولى لعبده: " أكرم زيدا، واضرب عمرا " وترك ذلك إلى زمان، معتذرا بعدم دال على الفورية، فله المؤاخذة، وهذا هو المتعارف فعلا بين الموالي والعبيد. أقول: كنت في سالف الزمان نؤيد هذه المقالة، ظنا أن الأوامر المتعارفة بين العباد والموالي، مبنية على الفور، كما هي مبنية على الوجوب. ولكن الذي يظهر لي أن سر ذلك أمران: أحدهما: تصدي المولى للأمر عند الحاجة إلى المأمور به. ثانيهما: أن المولى العرفي يصاحب عبده، فلا وجه للمبادرة إلى الأمر. وعند انتفاء ذلك فلا دليل على الفورية، ولذلك إذا كان يريد السفر فيصدر الأوامر، فإنها ليست على الفور، والأمر في القوانين الكلية الإلهية مثله. مع عدم احتياجه إلى المأمور به، فالمقايسة بين الأوامر العرفية والأوامر الواقعة في الشريعة في غير محلها، كالقياس بين التكوين والتشريع، فما ترى من العلامة المحشي الإيرواني هنا (1) غير سديد، فلو ورد الأمر بالصلاة عند الكسوف والخسوف والزلزلة وهكذا، فلا ظهور له في الفورية العرفية. ثالثها: أن إطلاق الأمر كما يقتضي الوجوب والنفسية، يقتضي الفورية، لتعارف ذكر التراخي بالقيود الوجودية، فإذا كان الكلام فاقدا لها فيستفاد منه


1 - نهاية النهاية 1: 116. (*)

[ 218 ]

الفورية، للقرينة العدمية، وهي عدم ذكر القرينة على التراخي، كما سلف في أمثاله (1). وفيه: أنه يتم في الأوامر العرفية إمكانا، ولكنه غير تام في القوانين الكلية التي هي المقصود بالأصالة، فهذا المتعارف هناك ممنوع. ولزوم عدم خروج القوانين الإسلامية عن المتعارف بين الموالي والعبيد في الطريقة، صحيح لو كان الأمر عرفا كذلك في القوانين العرفية، ولكنه غير ثابت جدا، فإذا ورد الأمر بالقضاء بعد مضي وقت الأداء، فلا شاهد على المضايقة، وهكذا ما ورد في الضمانات والديات. رابعها: إذا كان الوجوب مستفادا من الأمر، وكان الأمر حجة تامة من المولى، فأخر العبد، ولم يتمكن من الإتيان، فقد ترك المأمور به الفعلي بلا عذر. وبعبارة اخرى: ترك الواجب الموسع في الوقت، لا يورث استحقاق العقوبة، بخلاف ترك الواجب في غير الوقت، فإنه ترك بلا حجة. وفيه: إذا فرضنا قصور الدليل الاجتهادي عن إثبات الفورية، فلا معنى لصحة الاحتجاج على العبد، ويكون اعتذاره بعدم وجوب المبادرة، مقبولا ولو احتمل عدم تمكنه من إتيانه بعد مضي برهة من الزمان. خامسها: لو أمكن الالتزام بجواز التراخي، للزم الالتزام بجواز التأخير على الإطلاق، لعدم إمكان التفكيك، فيلزم ترخيص ترك الواجبات غير الموقتة، معتذرا بأنها ما كانت مبنية على الفور، فلابد من الالتزام بالفورية، فلو نذر أن يصلي ركعتين، فالأمر المتوجه إليه بالوفاء بالنذر يورث المبادرة، وإلا يلزم جواز تركه إلى أن يموت، فإذا سئل " لم تركت الوفاء بالنذر ؟ " فيجيب ب‍ " أنه ما كان واجبا على الفور " وهكذا. أقول: وأنت خبير بما تقرر في محله: من دلالة بعض الأخبار على عدم


1 - تقدم في الصفحة 202 - 204. (*)

[ 219 ]

جواز التراخي إلى حد التهاون بالتكليف (1). هذا أولا. وثانيا: لا تلازم بين الفورية وعدم التراخي، لأن مرتكز العقلاء على جواز التأخير إلى حد، لا مطلقا كما لا يخفى. سادسها: الأغراض بحسب الثبوت مختلفة: فمنها: ما يكون مبنيا على الفور بنحو وحدة المطلوب. ومنها: ما يكون على الفور بنحو تعدد المطلوب. وهذا على وجهين: أحدهما: ما يكون على نعت الفور فالفور. ثانيهما: ما يكون على نعت التراخي بعد الفور. ومنها: ما يكون بنحو التراخي العرفي. وربما يمكن أن يكون الغرض بنحو التراخي العقلي، فلا يسقط بموته. فإذا ورد الأمر الخالي عن القرائن ففيه الاحتمالات، ومنها: أنه إذا تركه فقط عصى، وفوت على المولى مصلحته، وعند ذلك قد أخل بالواجب، فهل يجوز ترك المبادرة عقلا بعد تمامية الحجة على أصل الوجوب قطعا ؟ ! كلا. أقول: هذا من صغريات الأقل والأكثر، فإن الإخلال بالأكثر ربما يؤدي إلى ترك المأمور به رأسا، ولكنه مع ذلك لا يقتضي وجوبه، فأصل وجوب الأقل معلوم، والزائد منفي بالبراءات الثلاث: العقلية، والعرفية، والشرعية. نعم، بناء على الاحتمال المزبور، لا قطع ببقاء الأمر، ولكن قضية العقل هو الاشتغال. اللهم إلا أن يقال: بأن المتعارف ذكر تعدد المطلوب أو الوحدة المتقيدة بالفورية مع القرينة، وعند الإطلاق يعلم: أن الواجب مبني على التوسعة، فيكون الأمر باقيا، فليتأمل.


1 - وسائل الشيعة 4: 23 كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 6. (*)

[ 220 ]

سابعها: قوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * (1) فإن الواجب من الخيرات، فلابد من الاستباق إليه، وهو الفور. وفيه احتمالات - حسب المادة والهيئة - كثيرة. والالتزام بوجوب الاستباق في الواجبات، وبالندب في المندوبات - كما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الآية الشريفة (2) تورث وجوب الأمر بالمعروف الواجب، ومندوبية الأمر بالمعروف المستحب - بمكان من الإمكان، على ما تقرر في الهيئات (3)، فلا إجمال في الهيئة كما توهم (4). وحملها على الإرشاد (5)، كحمل الهيئة المورثة لوجوب الأمر بالمعروف على الإرشاد، فكما أن الثاني غير جائز، كذلك الأول. ومجرد موافقة العقل والارتكاز، غير كاف للحمل المذكور. هذا كله بحسب الهيئة. وأما بحسب المادة، فكما يحتمل إرادة الاستباق بين الأفراد في الواجب الكفائي الذي يفوت محله بقيام أحد به، يحتمل إرادة الاستباق بحسب قطعات الزمان وأفراده، قبال التهاون، فيريد استعجال الناس في القيام بالخيرات. ويحتمل المجموع، لأن المقصود هو السبق إلى الخيرات بجلب المنافع والثمرات، فما يظهر من القوم (6) والوالد المحقق - مد ظله - (7) في غير محله.


1 - البقرة (2): 148، المائدة (5): 48. 2 - * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) *. آل عمران (3): 104. 3 - تقدم في الصفحة 81 - 82 و 96 - 99. 4 - مناهج الوصول 1: 293. 5 - نهاية الأفكار 1: 219. 6 - محاضرات في اصول الفقه 2: 214 - 215. 7 - مناهج الوصول 1: 293. (*)

[ 221 ]

ولو سلمنا أن مادة " الاستباق " ظاهرة في سبق بعضهم لبعض، كما في قوله تعالى: * (واستبقا الباب) * (1) ولكن لاريب في أن النظر في الآية إلى الأمر بجلب الخيرات سريعا عاجلا، والإقدام بالاستعجال إليها، بإلغاء خصوصية السبق. وتوهم التخصيص الكثير بالواجبات الموسعة الموقتة والمستحبات (2)، غير سديد، لعدم ثبوت كثرتها إلى حد الاستهجان. ولكن بعد اللتيا والتي، لا يمكن استفادة الوجوب منها، لإباء مادتها، ولتناسب الحكم والموضوع مع الاستحباب، دون الإلزام والوجوب المولوي، والله العالم. ثامنها: قوله تعالى: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) * (3) فإن المغفرة أعم مما في التفاسير من الاختلاف الشديد، فإنها هي سبب الغفران، أي هي نفسها، فيلزم من الأمر بها الفحص عن أسبابها المؤدية إليها، ومنها الواجبات والمندوبات، فيكون الفور في الاولى واجبا، وفي الثانية مندوبا، حسب اقتضاء المتعلقات على ما عرفت في السابق (4). ودعوى: أن هيئة المفاعلة، ناظرة إلى تسارع بعضهم على بعض في الخيرات والمبرات والواجبات والمندوبات الكفائية المشتركة بين الأفراد، كبناء المساجد، والآبار، والقناطر وهكذا (5)، غير مسموعة، لكثرة استعمال هذه الهيئة في المعنى المجرد، حتى قيل: بأنها موضوعة لخلاف ما اشتهر فيها (6). وبإلغاء الخصوصية يمكن استفادة العمومية لو سلمنا الاختصاص، أو فرضنا الشك في الموضوع له، كما


1 - يوسف (12): 25. 2 - كفاية الاصول: 103، نهاية الأفكار 1: 219. 3 - آل عمران (3): 133. 4 - تقدم في الصفحة 220. 5 - مناهج الوصول 1: 293. 6 - حاشية المكاسب، الأصفهاني 1: 2 / السطر 7. (*)

[ 222 ]

هو الأظهر، فليتدبر. أقول: قضية المتبادر من المغفرة، سبق الذنب والعصيان عرفا، وحيث لا ذنب فلا فور في طلب المغفرة، فلا يثبت المطلوب، أي لا موضوع للمغفرة. مع أن الواجبات ليست أسباب المغفرة للذنوب إلا أحيانا، كما لا يخفى، فالآية أجنبية عن هذه المسألة. نعم، يمكن توهم دلالة الآية الاولى على الفور، فإذا عصى فتدل الثانية على الفور فالفور، لتحقق موضوعها، فتأمل جيدا. ذنابة: في منع دلالة الأمر على الفور فالفور بناء على دلالة الأمر على الفور، ففي دلالته على الفور فالفور - ثبوتا وإثباتا - إشكال، بل منع. ويظهر النظر بعد التدبر في أن الأغراض تختلف: فمنها: ما هو المقيد، فيكون في الزمان الثاني مبغوضا مثلا. ومنها: ما يكون القيد فيه مطلوبا ثانيا في المرتبة الاولى، دون الثانية، فيكون الفورية مطلوبة في الزمان الأول، وأصل الطبيعة مطلوبة في الزمان الثاني، من غير تقييد بالفورية. ومنها: ما يكون القيد مطلوبا في جميع الأزمنة على صفة الوجوب. ومنها: ما يكون مطلوبا على صفة الندب. فمن يرى دلالة الأمر على الفور (1)، لا يتمكن من إثبات الفور فالفور بمجرد إثبات تعدد المطلوب، كما اشير إليه، فما في " الكفاية " وغيرها من توهم: أن الفور فالفور متفرع على إثبات تعدد المطلوب (2)، غير وجيه.


1 - تقدم في الصفحة 216، الهامش 2. 2 - كفاية الاصول: 104، تهذيب الاصول 1: 176. (*)

[ 223 ]

فلابد من دعوى: أن الهيئة تدل وضعا أو إطلاقا أو غير ذلك، على تعدد المطلوب بسبيل الفور فالفور، وأنى له إثبات مثل ذلك ؟ ! ويمكن دعوى عدم معقوليته، لأن تصدي الخطاب الواحد للأمرين المترتبتين طولا المقيد ثانيهما بعصيان الأول، غير ممكن. اللهم إلا أن يقال: باستعمال الهيئة في الأكثر من معنى واحد، فيكون في الآن الأول واجبا تنجيزيا، وبالنسبة إلى حال العصيان واجبا معلقا، لا مشروطا، أو يكون منجزا، والعصيان شرطا متأخرا. ويمكن دعوى: أنه باستعمال الهيئة في المعنى الواحد، وباختلاف النسب والمتعلقات - كما عرفت فيما مضى (1) - يثبت الوجوبان: المنجز، والمعلق، من غير لزوم اعتبار الجامع بين الوجوبين، حتى يقال بامتناعه في المعاني الحرفية. تتمة: في أن العصيان بحسب الآنات أو الأزمنة بناء على الفور فالفور، فهل العصيان بحسب الآنات، أو بحسب الأزمنة القابلة لوقوع الواجب فيها ؟ مثلا: إذا كانت صلاة الزلزلة واجبة فورا ففورا، فهل مجرد التأخير محرم، فيكون في زمان قصير محرمات كثيرة أو لابد من كون الزمان قابلا لوقوع الواجب فيه، فيلزم مثلا في نصف ساعة، ارتكاب المعصية خمس مرات أو يختلف باختلاف الأشخاص في صلواتهم. وهذه المسألة مشكلة جدا، وما وجدنا في كتبهم من تعرض لهذه الجهة، وتحتاج إلى مزيد تأمل خارج عن الكتاب.


1 - تقدم في الصفحة 220. (*)

[ 225 ]

المقام الثالث حول متعلق الأوامر، وما يتعلق به الأمر في مقام الإنشاء والجعل فاعلم: أنه قد يظهر من بعضهم أن المسألة لغوية، وأن البحث يكون حول مفاد الهيئة، وما يقوم مقامها، كالإشارة، والجمل الخبرية، وأنها هل هي موضوعة لطلب الوجود والإيجاد، أو هي موضوعة للتحريك الاعتباري، والبعث إلى جانب المادة المتعلقة له ؟ (1). وأما احتمال كون المواد موضوعة للطبائع بما هي موجودة، أو لا موجودة، فهو باطل، وإلا يلزم المجاز في سلب الوجود عنها، وحمل العدم عليها، فهي - أي المواد - خالية بالقطع واليقين من كونها موضوعة للطبيعة الموجودة، أو المعدومة، أو هما معا في اللحاظ. فالصلاة والصوم والضرب، موضوعة لنفس الطبائع، من غير إشراب مفهوم


1 - الفصول الغروية: 107 / السطر 37. (*)

[ 226 ]

الوجود والعدم، كما يومئ إليه الإجماع المحكي (1) عن السكاكي: من أن المصدر الخالي من اللام والتنوين، موضوع للطبيعة اللابشرط (2). وربما يظهر من بعضهم: أن البحث هنا حول أن المطلوب ماذا في الأوامر، بل وفي النواهي ؟ ولا يكون البحث حول مسألة إنشائية لفظية، بل البحث حول الفحص عن المطلوب، وأنه هل هو إيجاد الطبيعة ووجودها، أو نفسها ؟ (3) وعن ثالث احتمال الثلاثة، وأن البحث حول أن المتعلق أو المطلوب، هو الوجود المضاف إلى الطبيعة، أو فردها، أو نفسها ؟ لما تقرر من الفرق بين وجود الطبيعة وفردها، فإن وجودها عار من جميع الخصوصيات المفردة، وفردها مشتمل على جميع الخصوصيات المفردة من المقولات التسع العرضية. وربما يقال: كما في كلام العلامة المحشي (رحمه الله): " إن المسألة عقلية، ونشأت من أن الطبائع بنفسها في الخارج، أو بمصداقها وبفردها، أو هي ناشئة من بحث أصالة الوجود والماهية جعلا، لا تحققا، فإن كانت الماهية متعلق الجعل، فهي مورد الأمر، وإن كان الوجود أصلا في الجعل، فهو متعلق الأمر " (4) وهكذا من الأقاويل المشروحة في المطولات (5). والذي لا يكاد ينقضي منه تعجبي، أن المادة عند المحققين، ليست موضوعة إلا لنفس الطبيعة، والهيئة ليست إلا للبعث نحوها والتحريك إلى جانبها (6)، أو لإيقاع


1 - قوانين الاصول 1: 121 / السطر 22، كفاية الاصول: 100. 2 - مفتاح العلوم: 93. 3 - قوانين الاصول 1: 121 / السطر 19، كفاية الاصول: 171 نهاية النهاية 1: 196. 4 - نهاية الدراية 2: 253 - 256. 5 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 417، نهاية الأفكار 1: 380 - 381. 6 - تهذيب الاصول 1: 346. (*)

[ 227 ]

النسبة (1)، أو للطلب الفارغ عن قيد الوجود والعدم (2)، فإذا تعلقت الهيئة بالمادة، ولم يكن هناك وضع على حدة، فمن أين جاء مفهوم الوجود في الأوامر، ومفهوم العدم في النواهي ؟ ! وأما إرجاع البحث من مقام الإنشاء والاستعمال، إلى مقام الإرادة والطلب النفساني (3)، فهو في غاية الفساد، لأن ما هو متعلق الأمر في مقام الإثبات، لا يمكن أن ينقلب إلى أمر آخر، فما هو المأمور به، ليس إلا الطبيعة بحسب مقام الإنشاء. ولو اقتضى البرهان أن المقصود الأصلي أمر آخر غيرها، ويكون من لوازمها، فهو لا يستدعي تعلق الأمر به في مقام الجعل قطعا. وبعبارة اخرى: الخلط بين متعلق الأوامر والنواهي، وبين ما هو المطلوب الذاتي والمقصود الأصلي، أحدث هذه الغائلة بين أربابها وأصحابها، وإلا فالأمر هو الهيئة، ومتعلقها هي المادة، ولا شئ وراء هذين الأمرين، فما وجه هذا التشاح، والنزاع الطويل ذيله، والعديم نفعه ؟ ! وهكذا توهم: أن متعلق الأمر هو الفرد بمفهومه وعنوانه، لا بواقعيته وخارجيته، فإنه لا يكون متعلق الأمر، ولا ذاك أيضا، لأن الطبيعة لا تكون حاكية إلا عن معناها. نعم، للآمر أن يبعث تارة: إلى وجود الطبيعة، فيقول: " أوجد الضرب " واخرى: إلى فرده فيقول: " أوجد فردا من الضرب " بإلغاء خصوصية الوجود الملحوظ مع الهيئة، وثالثة: إلى الطبيعة نفسها فقط.


1 - فوائد الاصول 1: 129. 2 - كفاية الاصول: 90 - 91. 3 - أجود التقريرات 1: 211 - 212، انظر بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 405. (*)

[ 228 ]

فتحصل: أن الجهة المبحوث عنها هنا، هي أن متعلق الأمر والنهي ماذا ؟ وهو تابع لما جعله المتكلم موردهما ومصبهما، ولا يعقل الانقلاب في مقام الإثبات، فلا وجه لهذا النزاع. نعم، هنا نزاع آخر: وهو أن المطلوب الأصلي، وما يتعلق به الشوق، هل هو ما تعلق به الأمر والنهي ظاهرا، أم هو أمر آخر من الوجود والفرد ؟ فافهم واغتنم. ثم إن توهم كون النزاع عقليا، في غاية السقوط، ضرورة أن المسائل العقلية المشار إليها، بعيدة عن أذهان المحققين، فضلا عن غيرهم. نعم، فيما جعلناه مطرحا للبحث يمكن، دعوى: أن المطلوب هو الوجود ارتكازا، وهذا من الشواهد على أصالة الوجود، كما يأتي (1). وأما توهم: أن النزاع لغوي، فهو أفحش، ضرورة أن المتبادر من المادة ليس إلا نفس الطبيعة، والهيئة ليست إلا لأحد الامور المشار إليها، من البعث، والتحريك، والطلب، وإيقاع النسبة، من غير إشراب الوجود فيها. ولذلك ترى أن المرتكز العقلائي في شرح قولنا: " اضرب زيدا " هو أطلب وجود الضرب، أو إيجاده، أو أبعث إلى الإيجاد وهكذا، فيكون الوجود داخلا في المتعلق، مع أن الضرورة قاضية بعدم اشتمال الطبيعة على الوجود، فهذا التفسير ناشئ من المطلوب النفساني، دون الطلب الإنشائي، فلا تخلط. إذا عرفت ذلك، وأحطت خبرا بضعف ما قيل أو يقال في المقام، وتخليط الأعلام بين مقام الثبوت والإثبات، فلابد من الإشارة إلى شبهة عقلية في المسألة على جميع التقادير، ولعلها أورثت ذهاب جمع غفير إلى صرف الظهور في مقام


1 - يأتي في الصفحة 230 - 231. (*)

[ 229 ]

الإثبات، والالتزام بأن متعلق الأمر ليس ما هو المأخوذ فيه ظاهرا (1): وهو أن المحتملات والأقوال في متعلق الأوامر والنواهي متعددة ومختلفة، والكل لا يخلو عن شبهة. والحق: كون المتعلق نفس الطبيعة، كما هو مختار الوالد المحقق - مد ظله - (2) والسيد الاستاذ البروجردي (3)، وهو الظاهر من " الدرر " (4). والشبهة: هي أن الطبيعة من حيث هي، غير وافية بالغرض، وغير شاملة للمصلحة، فإن المصالح من آثار الوجود، فكيف يعقل كونها متعلق الأمر ؟ ! فبحكم العقل متعلقه الإيجاد والوجود، دون الطبيعة، ودون الفرد، لخروج الخصوصيات عن الأغراض. وربما يجاب أولا: بالنقض بأن الطبيعة بوجودها الخالي من خصوصيات مفردة في هذه النشأة، غير مشتملة على المصلحة، ولو أمكن فرض التخلية هنا، لأمكن هذا الفرض هناك أيضا. وثانيا: أنها وإن كانت من حيث هي ليست إلا هي، لا مطلوبة، ولا لا مطلوبة، ولكنها - بلحاظ خارج عن ذاتها - يتعلق بها الطلب، ولا يلزم تعلق الطلب بوجودها، فما ترى في كتب القوم غير خال من التحصيل. بل الحق: أن متعلق الإرادة والعلم والشوق والميل النفساني، ليس إلا تلك الماهية، لا الأمر الزائد عليها في اللحاظ الأول. نعم، في اللحاظ الثاني توصف ب‍ " أنها كذا وكذا " فلأجل كون هذه الامور من الأوصاف ذات الإضافة، لا يلزم كون طرف الإضافة غير ذات الماهية، ففي الأمر


1 - نهاية الأفكار 1: 380 - 381، منتهى الاصول 1: 268، محاضرات في اصول الفقه 4: 12 - 13. 2 - مناهج الوصول 2: 65، تهذيب الاصول 1: 343. 3 - نهاية الاصول: 240 - 241. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 148 - 151. (*)

[ 230 ]

والنهي أيضا كذلك. ولو قيل: إن الطبيعة المبعوث إليها، قابلة للوجود في الذهن والخارج، فلو كان مراد المولى ومطلوبه، نفسها الأعم من الوجود في النشأتين، يلزم كفاية تصورها الذهني في سقوط الأمر. وإن كان المراد وجودها الخارجي، فيختلف متعلق الأمر والمطلوب الحقيقي، فإن الأول هي الماهية، والثاني وجودها الخارجي، وهو خلاف الظاهر من الدليل الناطق: بأن المطلوب ما تعلق به الأمر والبعث من حيث هو هو، فعليه لابد من التصرف فيما تعلق به الأمر، وجعل المتعلق وجودها الخارجي بمفهومه الاسمي مثلا، كما يأتي (1). هذا مع أن الطبيعة من حيث هي وإن كانت قابلة لتعلق الطلب بها، فتصير مطلوبة بالأمر الزائد على ذاتها، ولكنها خالية من الصلاح والفساد، فكيف يتعلق بها الأمر والنهي ؟ ! فعليه يكون ما هو المتعلق في مرحلة الإنشاء والإثبات، غير ما هو المطلوب والمقصود في مرحلة الثبوت والإرادة. أقول: قضية ما تحرر منا في تحرير محل النزاع، أن المراد من متعلق الأمر، ليس إلا ما تعلقت به الهيئة في مقام الإنشاء، لعدم إمكان تعلق الأمر بشئ في مقام الثبوت، لأنه ليس من الامور التي كانت له مرحلتان: مرحلة الثبوت، والإثبات، بل هو منحصر بمرحلة واحدة، وهي الإثبات، فلا يعقل في مثل " صل " و " اضرب " إلا أن يتعلق الهيئة بالمفهوم الكلي، والأمر الاعتباري والطبيعي، ولو شاء الآمر أن يتعلق أمره بشئ آخر غير ذلك، فعليه أن ينشئ بوجه آخر، كما مضى سبيله. ولكن كون المطلوب الواقعي والمراد الحقيقي أمرا آخرا - وهو وجودها الخارجي بعنوانه - لا يستلزم الانقلاب في متعلق الأمر، لعدم فائدة في هذا


1 - يأتي في الصفحة 233 - 235. (*)

[ 231 ]

الانقلاب، وذلك لأن مفهوم " إيجاد الطبيعة " كمفهوم " الطبيعة " في عدم اشتماله على المصلحة، وعدم كونه مطلوبا واقعا، فإن ما هو المطلوب هو وجودها الخارجي، الذي لا يعقل تعلق الأمر به. فتحصل إلى هنا: أن الشبهة منحصرة في أن الواجب بحسب اللب، هل هو الصلاة والصوم، أم الواجب إيجاد الصلاة والصوم، أم الواجب هي الصلاة بما هي مرآة للخارج، وحاكية عن الوجود في الأعيان، مع أن المفروض تعلق الهيئة بالطبيعة، المقتضي لكون الواجب نفسها، لا أمرا آخر وراءها، أم الواجب فرد الصلاة والصوم ؟ ! وربما يوجد في كلام الوالد - مد ظله -: أن المتعلق هي الطبيعة، ولكن الطبيعة ليست طبيعة إلا إذا صارت خارجية (1). وأنت خبير: بأن ما تعلق به الأمر ليس إلا عنوانا ومفهوما، كلما جعل وفي أي صقع من الأصقاع تحقق، يكون هو ذاك العنوان بالضرورة. وقياس الطبائع الأصلية بالعناوين الاعتبارية مع الفارق، فإن ما قرع سمعه المبارك تام - فرضا - في الماهيات الأصلية، فلا تخلط. وربما يوجد في كلام شيخه العلامة وهو أيضا: أن البعث إلى الطبيعة، يلازم عرفا انتقال العبد إلى إيجادها في الخارج، وإلى إتيانها في عمود الزمان (2). وهذا مخدوش بأن الأمر وإن كان كذلك، ولكن يلزم - بناء عليه - كون البعث إلى الطبيعة من الكنايات إلى ما هو الواجب والمأمور به، وهو الإيجاد، وهذا خلف، لأن المقصود إثبات أن الواجب حقيقة هي الطبيعة، لا الأمر الآخر الملازم معها من الوجود، أو سائر الخصوصيات المفردة.


1 - مناهج الوصول 2: 67 - 69، تهذيب الاصول 1: 347 - 348. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 151. (*)

[ 232 ]

فتحصل إلى هنا: أن ما أفاده القوم في تحرير محل النزاع (1) ساقط، وسببه القصور عن نيل حقائق الامور. فالمحصول مما قدمنا مع الإطالة التي لا تخلو من الإملال: أن العاقل لا يمكن أن يتفوه بأن متعلق الأمر غير الطبيعة، مع أن المراد من الأمر ليس إلا الهيئة، والمقصود من المادة ليست إلا الطبيعة اللابشرط. فعليه كل من التزم بخلاف ذلك، فقد حداه إليه أمر من الامور العقلية، وبرهان من البراهين العقلائية: فمن قال: بأن المتعلق هي الطبيعة بما هي مرآة، وحاكية عن الخارج، ومتحدة معه، فقد رأى أن الطبيعة من حيث هي ليست إلا هي، لا مطلوبة، ولا لا مطلوبة (2). ومن اعتقد بأن المتعلق هو وجودها، ويكون البعث إلى إيجاد ذلك الوجود في الأعيان، وفي صفحة التكوين، فقد رأى أن الطبيعة لا يتعلق بها الجعل، وهي من الامور الانتزاعية المجعولة بالعرض (3). ومن ظن أن المتعلق هو الفرد، فقد رأى أن ما هو ممكن التحقق في الخارج هي الأفراد، لا الطبائع بنفسها (4). ومن قال: بأن المتعلق هي الطبيعة بما هي هي (5)، ابتلي بإشكال لم يدفع في كلماتهم: وهو أن تلك الطبيعة ليست ذات مصالح ومفاسد، مع أن قضية المذهب كون متعلق التكاليف الإلهية ذا مصالح ومفاسد.


1 - تقدم في الصفحة 225 - 226. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 404 - 405. 3 - نهاية الدراية 2: 256 - 257. 4 - مناهج الأحكام والاصول: 66 / السطر 8. 5 - كفاية الاصول: 171، نهاية النهاية 1: 196. (*)

[ 233 ]

فعلى ما تقرر إلى هنا، يتوجه إلى جميع المقالات إشكال لابد من دفعه. وأنت بعدما عرفت منا، تقدر على دفع توهم كون المتعلق هو الفرد، ضرورة أن الطبيعة ليست حاكية عنه، ولا وجودها، بداهة أن الوجود لو كان داخلا في الطبيعة، يلزم كونها واجبة الوجود، فينحصر الأمر بالأمرين. ولا سبيل إلى الالتزام بأن متعلق الأمر، الطبيعة بما هي مرآة للخارج، لعدم إمكان أخذها عنوانا مشيرا إلى أن الخارج متعلق، فقهرا تصير هي المتعلق بالذات. ولو اريد من ذلك التعبير، إيقاع المخاطب إلى الإيجاد في الخارج، لأن المطلوب خارجية الطبيعة، فهو لا يتوقف على ذلك، بل لك الاتكال على فهم العقلاء من البعث إلى الطبيعة ذلك، وأن الآمر إذا كان يجد وصوله إلى مرامه بذلك النحو، فقهرا تصدر منه الإرادة إلى جعل الهيئة متعلقة بالطبيعة، فلا تخلط. والذي هو الحق كما اشير إليه (1): أن المتعلق هي الطبيعة، وأن الواجب هي الصلاة والصوم. بل الذي يتعلق به الإرادة التكوينية هي الماهيات: أما الأخير: فذلك، لأن الإرادة لو تعلقت بأمر آخر غير الطبيعة، يلزم كون الأمر الآخر هو الوجود ليس إلا، فتكون الطبيعة ذات وجود، وهو خلف، لأنها ليست مع قطع النظر عن الإرادة، إلا هي، لاموجودة، ولا لا موجودة. وهكذا يكون المطلوب والمعشوق والمتصور والمعلوم، نفس الطبيعة، لا الأمر الآخر القائم بها. نعم، وجود الطبيعة هي الإرادة المتعلقة بها، ويكون ما هو المجعول بالذات هي الإرادة، وما هو المجعول بالإرادة وبالعرض هي الطبيعة، فالإيجاد متعلق بالطبيعة، ويكون وجود الطبيعة مورد الجعل. هذا كله في الإرادة التكوينية، من غير فرق بين إرادة الرب والمربوب. وأما الأول: وهي الهيئات، فإنها أيضا متعلقات بالماهيات الاعتبارية،


1 - تقدم في الصفحة 229. (*)

[ 234 ]

كالصلاة والصوم، أو الحقيقية، كالضرب والقتل. ولكن ميزان الواجب النفسي والغيري، ليس ما توهم: " من أن الواجب النفسي: هو الذي فيه الملاك والمصلحة، والغيري: ما لا يكون كذلك " (1) بل ميزان النفسي والغيري أمر إثباتي، أي ما تعلق به الأمر، ويكون هو المأمور به - ظاهرا - لنفسه، لا لأمر آخر: هو الواجب النفسي وإن كان الغرض الأقصى أمرا آخر وراء ذلك، كما يأتي في محله تفصيله (2). فعليه لا يشترط كون متعلق الأمر والنهي ذا مصلحة شخصية، أو مفسدة، بل الأوامر والنواهي - حسب مذهب العدلية - لابد وأن تكون ذات مصالح ومفاسد وإن لم يكن في شخص المتعلق مصلحة أو مفسدة، فإذا أمر المولى بالصلاة، وكان يرى أن المصالح المقصودة تحصل من وجودها، فلا يلزم كون الواجب ومتعلق الأمر وجودها، بل انتهاء المتعلق إلى المصلحة المقصودة، كاف في نفسية المتعلق ووجوبه، وكونه متعلق الأمر واقعا. فما قد يتوهم من الإشكال على تعلق الأمر بالطبيعة: من خلوها من المصلحة والمفسدة (3)، غير وارد. مع أن جماعة من العقلاء يزعمون أن المصالح للطبائع، والوجود اعتباري، أو بالوجود تظهر آثار الماهيات، فلا تخلط. فتعلق الأمر بالطبيعة - حسب الظاهر - قطعي، وهو حسب الواقع والجد أيضا كذلك. وأما الإشكال: بأن الهيئة لا تكون باعثة إلا نحو ما تعلقت به، وهي الماهية ليست إلا، فهو - كما اشير إليه (4) - قابل للدفع: بأن الآمر المتوجه إلى أن العقلاء لا يفهمون من ذلك إلا لزوم الإتيان بها خارجا، فلا منع من جعل الأمر متعلقا بها،


1 - كفاية الاصول: 136. 2 - يأتي في الجزء الثالث: 129 - 138. 3 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 404، نهاية الأفكار 1: 380. 4 - تقدم في الصفحة 229 - 230. (*)

[ 235 ]

كما أنه لو جعل متعلق الأمر وجود الطبيعة، يعلم أنه ينتقل منه العبيد إلى إيجادها، فالاتكال على القرائن القطعية، دأب قاطبة العقلاء في محاوراتهم. نعم، لو جعل المتعلق نفس الطبيعة، فالقائل بأصالة الوجود والماهية ينبعث نحوه، كما عرفت، ولو جعل المتعلق وجودها، فللقائل بأصالة الماهية الإباء عنه، لأن المتعلق غير قابل للتحقق في الخارج، فافهم وتدبر جيدا. إن قلت: هذا يستلزم الاستعمال الكنائي أيضا، أي يكون الهيئة - بحسب الإرادة الاستعمالية - متعلقة بالمادة، وبحسب الإرادة الجدية متعلقة بالإيجاد، فيكون الواجب النفسي إيجاد الصلاة، لا الصلاة. قلت: فرق بين الاستعمال الكنائي، وبين توقف الفرار من اللغوية في الاستعمال المطابقي، على انتقال المخاطب إلى الأمر الآخر الملازم له، أو إلى المطلوب ذاتا وواقعا، والأمر فيما نحن فيه من القسم الثاني، فإن المجعول المطابقي والواجب - حسب الإنشاء - هي الطبيعة. وكون المراد من ذلك لبا أمرا آخر، لا يستلزم الاستعمال الكنائي، كما لا يخفى. مع أنك قد عرفت: أن جعل الماهية متعلق الأمر - بداعي حث المخاطب إلى إيقاعها في الخارج، أو إتيانها خارجا، أو غير ذلك من التعابير - هو الأوفق من جعل أحد المفاهيم المضافة إلى تلك الماهية مورد الأمر (1). مع أنه أسوأ حالا من الماهية، ضرورة أنها تأتي في الخارج، بخلاف مفهوم " الوجود " وأنها تكون ذات آثار تظهر بالوجود مثلا، بخلاف مفهوم " الإيجاد والإيقاع " وغير ذلك من التعابير المختلفة. فما ترى في كتب القوم (2) غير صحيح، لا عقلا، ولا عرفا، لا واقعا ولبا، ولا


1 - تقدم في الصفحة 229 - 231. 2 - الفصول الغروية: 107 / السطر 36 - 38، كفاية الاصول: 171، نهاية النهاية 1: 196 - 197، نهاية الأفكار 1: 380 - 381. (*)

[ 236 ]

ظاهرا وإنشاء. فذلكة الكلام أن متعلق الأمر، لابد وأن يكون شيئا قابلا للتحقق في النشأتين: نشأة الذهن، ونشأة الخارج، لأن الأمر بداعي ذلك، وما كان شأنه ذلك منحصر بالماهية، فإن الوجود الحقيقي نفس الخارجية، ولا يعقل ذهنيته، وإلا انقلب عما هو عليه، ومفهوم " الوجود والعدم " ذهنيان لا يعقل خارجيتهما، ولا شئ وراء الماهية حتى يكون هو مركز الأمر، ومهبط الهيئة بالضرورة. ولما كان المولى واصلا إلى مرامه ومقصوده بجعل الماهية واجبة، فلا وجه لصرف ذلك إلى غيرها وإن كان ذلك الغير هو الغرض الأعلى، وهو ذو المصلحة، فليتدبر جيدا. تذنيب بناء على ما مر يكون التخيير عقليا، بل هو مقتضى جميع المسالك، لأن المقصود ليس إسراء الحكم إلى جميع الوجودات والأفراد، وإلا يلزم الجمع بينها. ويمكن تصوير التخيير الشرعي، بجعل الماهية عنوانا مشيرا إلى خصوصيات مختلفة في الأفراد، وهذا ضروري البطلان.

[ 237 ]

المقام الرابع في أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه المعروف بين أكثر المخالفين أو الأشاعرة فقط، جواز أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه (1). والمشهور بين المتأخرين عدم جوازه (2). واختار السيد المحقق الوالد - مد ظله - جوازه في الخطابات الكلية القانونية في الجملة (3). وقبل الإشارة إلى ما هو التحقيق في المسألة، لابد من الإشارة إلى مقدمة نافعة: وهي أن القوم توهموا أن النزاع في مسألة علمية نافعة في الفقه، وتكون - كسائر المسائل الاصولية - قابلة للاستنباط بها في المسائل الفرعية. وخاضوا في المراد من عنوان البحث، ومن القيود الواقعة في محط النزاع، على احتمالات ثلاثة


1 - شرح العضدي: 106 - 107، معالم الدين: 85، قوانين الاصول 1: 126، الفصول الغروية: 109 / السطر 16. 2 - معالم الدين: 85، قوانين الاصول 1: 124 / السطر 5، و 125 / السطر الأخير، كفاية الاصول: 169، نهاية الأفكار 1: 378 - 379. 3 - مناهج الوصول 2: 61، تهذيب الاصول 1: 340 - 341. (*)

[ 238 ]

في كلمة " يجوز " واحتمالات أربعة في " الشرط " واحتمالين في " الانتفاء " فبضرب بعضها ببعض تحصل احتمالات أكثر من عشرين مثلا. وهكذا. غافلين عن أن هذه المسألة، جواب عن الشبهة الواقع فيها الناس كلهم، ولابد لكل أحد من دفعها وحلها، وتلك الشبهة: هي أن الله تبارك وتعالى يكون عالما بالمكلفين وحالاتهم، ويكون هو الأمر والمقنن، وهو الناهي، فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن ترشح الإرادة الجدية والأمر الحقيقي من العالم بالوقائع، وهو عصيان العبيد وطغيانهم، فلا يأتمرون، ولا ينتهون، وعند ذلك كيف يعقل صدور الأمر والنهي منه جل وعلا ؟ ! من غير اختصاص بالأمر، بل النهي مثله في الجواز وعدمه. فالمراد انتفاء شرط الأمر، وهو احتمال الانبعاث، أو القطع به، أو انتفاء ما يؤدي إلى انتفاء هذا الشرط، وهو العجز عن المأمور به. وأما توهم: أن انتفاء الشرط بعد الإقرار بالشرطية، يستلزم انتفاء الأمر، كما في " الفصول " و " الكفاية " (1) ففي غير محله، ضرورة أن من الممكن الالتزام بأن الأوامر الامتحانية والإعذارية، أمر يورث استحقاق العقوبة، كما مر منا تصديقه (2)، فلا تخلط. وأما جعل هذه المسألة من متفرعات بحث الطلب والإرادة (3)، فهو في غير محله، ولقد علمت منا الأدلة الناهضة على تعدد الطلب والإرادة، وما كان فيها هذه المسألة، فإنها لا تنتهي إلى الالتزام بالتعدد (4)، ضرورة أن تلك المسألة حول وحدة


1 - الفصول الغروية: 109 / السطر 17، كفاية الاصول: 170. 2 - تقدم في الصفحة 27 - 31. 3 - نهاية الأفكار 1: 379، مناهج الوصول 2: 59 - 60. 4 - تقدم في الصفحة 27 وما بعدها. (*)

[ 239 ]

الطلب والإرادة، وهذه المسألة راجعة إلى الأمر، وهو مقام الإنشاء والجعل. ولو كانت من متفرعات تلك المسألة، كان على الأشاعرة إنكار إمكان الأمر مع العلم بانتفاء شرطه، دون الطلب، حتى يثبت بذلك تعدد الأمر، وهو الإرادة المظهرة مع الطلب، فما ترى في كتب أصحابنا الاصوليين (1)، أيضا لا يخلو من تأسف. فبالجملة: البحث في المقام، يكون حول تصوير إصدار الأمر والنهي من العالم بانتفاء شرط تنفيذهما، وشرط نافعيتهما، وعدم كونهما لغوا، وهذا مشكل وإعضال لابد من حله، فإرجاع البحث إلى أن الأمر مع العلم بانتفاء شرط وجوده، كما في " الفصول " و " الكفاية " (2) بعد الاعتراف بالشرطية، أو إرجاع البحث إلى فقد شرط المأمور به والمكلف به، كما في كلام جمع آخرين (3)، غير سديد، بل البحث يرجع إلى أن فقد شرط الأمر مع العلم بفقدانه، هل يستلزم امتناع صدور الإرادة والجد من المولى العالم الحكيم، أم لا ؟ فهذه المسألة سيقت لرفع شبهة عقلية، وراجعة إلى مقام الإثبات، وهو فرض علم الآمر بعدم تأثير الأمر ولغويته، فكيف يمكن عقاب عصاة الناس، مع عدم إمكان توجيه الخطاب الجدي إليهم ؟ ! من غير فرق بين الكفار ومن بحكمهم، ومن غير فرق بين كون الحكم الصادر من العالم بانتفاء الشرط أصلا تكليفيا، أو وضعيا، فإن جعل الأحكام الوضعية، بلحاظ الثمرات المترتبة عليها، فإذا كان عالما بانتفاء الثمرة - وهي التكاليف المستتبعة لها - لا يعقل صدور الجد منه إلى جعلها،


1 - قوانين الاصول 1: 124 - 126، الفصول الغروية: 109، كفاية الاصول: 169 - 170، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 411 - 412. 2 - الفصول الغروية 1: 109 / السطر 17، كفاية الاصول: 170. 3 - نهاية الأفكار 1: 378، منتهى الاصول 1: 267. (*)

[ 240 ]

فليتدبر جيدا. ثم إن انتفاء الشرط تارة: يكون لأجل عصيان المأمور، وخبث سريرته، وأنه يعاند الآمر ويستهزئ به. واخرى: يكون لأجل عجزه وجهله. والكل شريك في امتناع توجيه الخطاب الجدي إليهم المستتبع للعقاب. فتحصل: أن المراد ليس انتفاء شرط الأمر مع الإقرار بشرطيته، فإنه يناقض نفس العنوان، بل المراد أن ما توهمه المشهور من الشرطية لصدور الأمر - وهو احتمال الانبعاث، أو القطع بالانبعاث - شرط عام، أو يمكن تحقق الأمر بدونه، واختار الثاني جماعة (1) وأي دليل أدل على الشئ من وقوعه ؟ ! فإن عصاة الناس يعاقبون على الفروع والتكاليف، وهي لا تصير تكليفا إلا بالأمر الجدي لا الامتحاني، ولا الإعذاري. وبعدما عرفت ذلك يعلم: أن مجرد اشتراك لفظة " الأمر " أورث اختيار هذا البحث في الأوامر، وإلا فهو أجنبي عن المسألة الاصولية. نعم، ما هو البحث المنتج: هو أن احتمال الانبعاث أو القطع به، من شرائط تحقق الأمر، أم لا، وإذا كان هو من الشرائط، فلا يمكن وجوده بدونه، وإذا لم يكن من الشرائط فيمكن، وحيث إن التحقيق - على ما مر - أن الأوامر الامتحانية والإعذارية تكون أمرا واقعا وحقيقة، وأن الميزان المصحح للعقوبة ليس كون الأمر بداعي الانبعاث، بل ما هو المصحح أعم من ذلك، فلا منع من تحققه بدون الشرط المزبور. هذا كله تمام الكلام في إمكان تصوير الأمر مع فقد الشرط المراد في العنوان.


1 - لاحظ مناهج الوصول 2: 60 - 61، تهذيب الاصول 1: 340. (*)

[ 241 ]

وأما حل الشبهة المشار إليها، فهو من طريقين: الطريق الأول: ما مر منا في مباحث الطلب والإرادة: من أن استحقاق العقوبة، لا يتوقف على الأمر بداعي الانبعاث، ولا على غيره من الأوامر الامتحانية أو الإعذارية (1)، فإن عدم ترشح الإرادة الجدية من قبل المولى تارة: يكون لأجل عدم المقتضي في المتعلق، أو لوجود المانع. واخرى: يكون لأجل علمه بعدم قيام المكلف بالوظيفة، فإنه عند ذلك يستحق العقوبة عند العقلاء بالضرورة، لأن المكلف عارف بغرض المولى قهرا، فلابد من القيام على طبقه، فلا يلزم من امتناع أمر الآمر عند فقد شرطه، عدم استحقاقه العقوبة. الطريق الثاني: ما سلكه الوالد المحقق - مد ظله -: من أن الخطابات القانونية لا تنحل إلى خطابات عديدة، حتى يلزم مراعاة شرط الخطاب الشخصي في تلك الخطابات طرا، وذلك الشرط هو احتمال الانبعاث، والمكلف العاصي والعاجز والجاهل، غير مخاطبين بالخطاب الجدي قطعا، بل الخطابات القانونية لا تنحل إلى الكثير، فيكون الخطاب واحدا، والمخاطب كثيرا. فإن كان جميع المخاطبين فاقدين لقابلية التأثير، فهو خطاب لغو، غير ممكن ترشح الجد على طبقه. وإن كانوا مختلفين كما هو المتعارف، فإرادة الجد مترشحة على العنوان الكلي المنطبق، ولايكون لأحد عذر عند العلم والقدرة، فيكون الحكم بالنسبة إلى العصاة جديا مع فقد شرطه، فترتفع الشبهة، وتصير النتيجة إمكان أمر الآمر مع العلم


1 - تقدم في الصفحة 31. (*)

[ 242 ]

بانتفاء شرطه في بعض المواقف، فليتدبر (1). فذلكة البحث أن الكلام هنا في مرحلتين: أولاهما: في أن احتمال الانبعاث أو القطع به، هل هو من شرائط الأمر، أم لا ؟ والجواب ما قد اشير إليه ومر في محله: من أن حقيقة الأمر، قابلة للتحقق في الأوامر الامتحانية والإعذارية، وتكفي تلك الأوامر لصحة العقوبة، خصوصا بالنسبة إلى المولى الحقيقي وعبيده، لأن ميزان العقاب أمر آخر غير ما اشتهر. ثانيتهما: بناء على الشرطية، وأن ميزان صحة العقاب صدور الأمر متوجها إلى العبد بداعي الانبعاث، كيف يمكن تصحيح عقاب الكفار والعصاة، بل والعاجزين ؟ والجواب ما عرفت، فافهم واغتنم.


1 - مناهج الوصول 2: 60 - 61، تهذيب الاصول 1: 340 - 342. (*)

[ 243 ]

المقام الخامس إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز، أو الاستحباب، أم لا ؟ اعلم: أن الجهة المبحوث عنها، أعم مما إذا كان الحكم السابق وجوبا، أو تحريما، أو استحبابا، أو كراهة، فإنه يأتي النزاع في بقاء أمر، إلا أنه على بعض التقادير يحتمل بقاء الأمرين مثلا، وعلى بعض التقادير يحتمل بقاء أصل الإباحة، بناء على كونها من الأحكام الشرعية المجعولة، كما هو المشهور. وهكذا هي أعم مما كان الدليل الثاني، ناسخا لمفاد الدليل الأول نسخا ممكنا شرعا، أو كان من قبيل الحكومة والتخصيص، ضرورة أن قضية الحكومة والتخصيص، هو انكشاف قصور الإرادة من الأول، ولكن لهذا البحث مجال في أن مقتضاهما قصورها بالمرة، أو عدم وصول الإرادة - بالنسبة إلى مورد التخصيص والحكومة - إلى نصاب الحتم وميقات البت. ومما يؤيد ذلك، وقوع الأعلام في هذا البحث عند تعرض الأصحاب لدليل

[ 244 ]

رفع القلم عن الصبي، وعند البحث عن صحة عباداته، فإنه لو كان دليل الرفع رافعا لأصل الإلزام، فالإطلاقات الأولية والعمومات الكلية، باقية في بعث الصبي إلى العبادة، اللازم منه صحتها قهرا (1). فبالجملة: هل قضية الجمع بين الأدلة القابلة للجمع بالتخصيص والحكومة والتقييد، ارتفاع الحكم في مواردها طرا، أم لا ؟ بل يمكن استفادة الندب والكراهة من العام المخصص مثلا ؟ فلا تخلط، ولا تغفل. إذا علمت ذلك كله، فالبحث حول المسألة يقع في جهات: الجهة الاولى: في حقيقة الحكم وجوبيا كان، أو تحريميا، ندبيا كان، أو تنزيهيا. اعلم: أن الحكم من الامور الاعتبارية الإيقاعية، وله الوجود الاعتباري الباقي ببقاء علل اعتباره، ولكل واحد من الامور الاعتبارية علل واقعية تكوينية، وتلك العلل تنتهي إلى الإرادة المتعلقة من رب الاعتبار بذلك الأمر الاعتباري، سواء كان متقوما بإرادة واحد نافذ في الامة، أو كان متقوما بإرادة المجتمع البشري، كالامور الاعتبارية الموجودة تبعا، أو بنحو آخر قررناه في مواضع مختلفة (2)، كالملكية، والزوجية، والطلاق، والحرية، وهكذا من العناوين الكلية في المعاملات، بل والعبادات والمخترعات الإسلامية، وغير الإسلامية. وما هو محط النسخ ويقال: هو المنسوخ، هو هذا الأمر الاعتباري. فإذا عرفت ذلك، فهل سبيل إلى إعدام هذا الأمر الاعتباري مع بقاء الأمر


1 - مستمسك العروة الوثقى 7: 101 - 102. 2 - تقدم في الجزء الأول: 275 - 279 و 124 - 126. (*)

[ 245 ]

الآخر عقلا وثبوتا، أم لا ؟ لا شبهة عندنا في تعين الامتناع، من غير فرق بين كون الإرادة ذات مراتب، أو كون الوجوب ذا مراتب، بناء على تصوير الاشتداد والضعف في الامور الاعتبارية، كما هو الحق، وذلك لأن معنى التشكيك، ليس بقاء الإرادة الضعيفة عند انتفاء الإرادة القوية والشديدة، لأن الإرادة القوية والضعيفة إرادتان، كوجود زيد، ووجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلاف مراتب السواد والبياض، فإن الاشتداد والضعف في مراتب الأعراض الحالة موجود. ومما يدل على ذلك: وجدانك انتفاء الإرادة عند انتفاء المصلحة الملزمة، وحدوث الإرادة الاخرى، لا انتفاء شدة الإرادة، وبقاء الإرادة الضعيفة، كما توهمه الأصحاب هنا طرا، إلا من هو نحرير هذا الفن، وهو الوالد المحقق - مد ظله - (1). ومما يدل عليه مضافا إليه: أن الإرادة معلولة النفس، وتتشخص بالمراد، وكيف يعقل انتفاء المراد وبقاء الإرادة ؟ ! فلا يقاس العرض القائم بالمحل - كالسواد، والبياض - بالمعاليل الصادرة عن النفس، كالعلم، والإرادة. ثم إن اعتبار الاشتداد والضعف في الاعتباريات، لا يستلزم التشكيك في الوجوب الذي هو أمر بسيط. وتعريفه بالعناوين المختلفة المتكثرة - كتعريف البسائط - لا يستلزم تركبه الواقعي، وتشكيكه الخاصي في كل مرتبة، فإنه يستلزم انتفاء ذات المشكك أصلا كما هو المحرر في محله ومقامه، فافهم واغتنم. فما ترى في كتب جمع: " من أن القول بإمكان بقاء الجواز وعدمه، والاستحباب وعدمه، تابع للقول بالتشكيك في مفهوم الوجوب والاعتباريات " (2) في غير محله، لأن الالتزام بالتشكيك - لا في الإرادة، ولا في الوجوب - لا ينتج ذلك.


1 - مناهج الوصول 2: 79 - 80، تهذيب الاصول 1: 357. 2 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 413، منتهى الاصول 1: 264. (*)

[ 246 ]

نعم، لو أمكن الالتزام بالتشكيك في الوجوب المجعول الواحد بالوحدة الشخصية العددية، لكان الالتزام ببقاء المجعول في الاعتبار ممكنا. ولكنه بمعزل عن التحقيق، ولا يقول به إلا من هو أجنبي عن المباحث العقلية. هذا كله حسب الصناعة العقلية. ولكنك أحطت خبرا فيما مضى، بأن الاعتباريات لا يأتيها الامتناع واللا امتناع إلا من قبل أمر واحد، وهو اللغوية، واللا لغوية، فإن محيط العقلاء محيط خارج عن مسألة الدور، والتسلسل، والتشكيك، وغير ذلك من العناوين المخصوصة بالعلوم العقلية، ولايكون في وعاء الاعتبار شئ ممتنعا، إلا إذا كان اعتباره لغوا وبلا أثر. ولذلك قلنا بإمكان اعتبار المناقضة والمضادة، إذا كان فيه الأثر المقصود للعقلاء، كما يتصور المناقضة والمضادة في الحكم عليه بالامتناع. فبالجملة: فيما نحن فيه لا معنى لامتناع نسخ الحكم، بعدما نجد توصيفه ب‍ " الإلزام وعدمه " فإن هذا التوصيف دليل التجزئة. وتوهم: أن وصف " الإلزام " من قبيل الأوصاف المنوعة، فلا يعقل نسخ الوصف، وبقاء الجنس أو الأمر الآخر المباين معه، في غير محله، لأنه من الخلط بين العقليات والاعتباريات، ضرورة أن بناء العقلاء على نفي الإلزام في عالم التشريع بالصراحة، فيقال في مقام الإنشاء بعد الإيجاب: " نسخت لزوم الحكم المزبور " فإنه ينتقل العرف منه إلى بقاء أصل الحكم، وهو مساوق للندب وإن لم يكن عينه بحده. ولعله إلى ذلك يرجع قول من يريد إبقاء الندب أو الجواز، بإثبات التركيب والتشكيك في الوجوب، وإن كان لا يحتاج إلى إعمال قاعدة التشكيك، حتى يتوجه إليه: أن المسألة ليست من صغرياتها.

[ 247 ]

فتحصل: أن المدار على الأثر، فإذا كان في التجزئة أثر مقصود، فهو ممكن بلا شبهة وإشكال، فلو اقتضى ظاهر الدليل تلك التجزئة، فلا بأس بالمصير إليه. الجهة الثانية: في تصوير بقاء الحكم بعد النسخ ظاهر القوم وصريح الوالد - مد ظله -: أن الالتزام بالامتناع في الجهة الاولى، يورث سقوط إمكان الالتزام ببقاء الجواز أو الندب من طريق آخر (1). والذي هو الحق: أن التفكيك ممكن، بأن نلتزم بامتناع نسخ الحكم، وبقاء الجواز، ومع ذلك نقول: بأن قضية الجمع بين الأدلة هو بقاء الجواز، لا الجواز الجنسي الذي لا يبقى مع ذهاب الإلزام الفصلي، بل الجواز الآخر. وذلك لأن دليل المنسوخ - مع قطع النظر عن القرينة القائمة على ترخيص الترك - كاشف عن الإرادة الإلزامية، حسبما تقرر منا في محله (2)، ومع قيام القرينة على جواز الترك، لا ينقلب الدليل الأول عن مفاده، لأنه كان يستكشف منه الإرادة الإلتزامية لأجل عدم القرينة، فإذا ثبتت القرينة في العصر المتأخر على رخصة الترك، يؤخذ بالدليلين، وتصير النتيجة هو الاستحباب، أو الكراهة، وتكون النتيجة في الجمع بين العمومات وحديث رفع القلم عن الصبي، صحة عبادة الصبي، لاستحبابها. فبالجملة: ما نحن فيه من قبيل القرينة المنفصلة القائمة على إرادة الندب - في جملة " اغتسل للجمعة والجنابة " - من الجمعة، فإن ذلك كما لا يضر ثبوتا بإرادة الإلزام في الآخر، كذلك فيما نحن فيه، لما تقرر: أن الهيئة ليست موضوعة


1 - مناهج الوصول 2: 81، تهذيب الاصول 1: 358. 2 - تقدم في الصفحة 89 وما بعدها. (*)

[ 248 ]

في الأوامر إلا للتحريك الاعتباري الفارغ عن سائر القيود (1)، فلا مانع من الالتزام ثبوتا بأن دليل المنسوخ، باق على دلالته الوضعية - وهي التحريك الاعتباري - إلى ما بعد زمان صدور دليل الناسخ، وهكذا العمومات والمطلقات هذا كله حسب التصور الثبوتي. وأما بحسب التصديق، فربما يشكل الجمع بين الدليلين، بحمل دليل الناسخ على كونه قرينة على الترخيص في الترك، بل ربما هو ناظر إلى رفع الحكم المجعول. نعم، إذا كان التناسب بين الحكم والموضوع، مقتضيا لذلك حتى في مثل دليل الناسخ الحاكم، أو المخصص بلسان الحكومة، فلانمنع من الالتزام به، وهذا مما لا يمكن أن لا يصار إليه في الجمع بين الأدلة الأولية وحديث رفع القلم، فإنه - قضاء لحق مناسبة الحكم والموضوع - ناظر إلى رفع القلم الإلزامي، لا مطلق القلم، فإنه لا منة فيه، بل المنة في خلافه، كما لا يخفى. ومما ذكرناه يظهر مواضع النظر في كلمات القوم (2)، ومواقف الخلط حتى في كلام المحقق الوالد - مد ظله - (3). وإن شئت قلت: لو كان الحكم الإلزامي مستفادا من الدلالة الوضعية، فلا يمكن المصير إلى إبقاء الجواز إلا على القول بإمكان تجزئة الحكم حسبما تحرر. وإذا كان مستفادا من الإطلاق، فلا منع من الالتزام المذكور، سواء قلنا


1 - تقدم في الصفحة 79 - 80 و 89. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 413 - 414، منتهى الاصول 1: 263 - 265، محاضرات في اصول الفقه 4: 22 - 25. 3 - مناهج الوصول 2: 81 - 83، تهذيب الاصول 1: 358 - 359. (*)

[ 249 ]

بإمكان تجزئة الحكم، أو امتناعه. فما ترى في كتب القوم: من الحكم بالإمكان مطلقا أو بالامتناع مطلقا، في غير محله، فليتدبر جيدا. الجهة الثالثة: في مقتضى الاستصحاب وهو مختلف فيه، فمن قائل: بأنه لا يفيد هنا شيئا، حتى على القول بجريان الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، لأن الحكم المنسوخ معدوم قطعا، وما هو محتمل البقاء ليس من الحكم المجعول الشرعي، بل هو العنوان الجامع الانتزاعي، وهذا هو رأي الوالد المحقق - مد ظله - (1). ومن قائل بجريانه، بناء على كون الندب والاستحباب من مراتب الوجوب، والكراهة من مراتب الحرمة، والإباحة والجواز من مراتب الحكم، فإن وحدة القضيتين - المتيقنة، والمشكوكة - محفوظة بذهاب مرتبة، وبقاء مرتبة، فيستصحب بقاء أصل الحكم، كما يستصحب بقاء البياض، وهذا هو استصحاب الشخصي، لا الكلي (2). ولكنه غير صحيح، لما عرفت منا: من أن الاستحباب والندب بعنوانه وحده، غير مجامع للوجوب، وما هو المجامع له - وهو أصل الحكم - وإن كان قابلا للبقاء حسبما تحرر، ولكنه في مرتبة تعلق اليقين لا تكثر في الحكم (3). اللهم إلا أن يقال: إذا أمكن التجزئة في الحكم اعتبارا لما فيه الأثر المقصود، فلابد من تكثر اليقين، وهو حاصل، ويكفي ذلك ولو كان في مرتبة الشك - أي عند الشك في بقاء أصل الحكم - يتذكر ثبوت اليقين بأصل الحكم في الزمان السابق،


1 - مناهج الوصول 2: 83، تهذيب الاصول 1: 360. 2 - لاحظ حقائق الاصول 1: 331. 3 - تقدم في الصفحة 245 - 246. (*)

[ 250 ]

فافهم وتدبر جيدا. فتحصل: أن استصحاب الشخصي جار، بناء على ما تقرر من تجزئة الحكم في الاعتبار، لما فيه من الآثار (1). ومن قائل بجريان استصحاب الكلي من القسم الثالث، كما في " الكفاية " بناء على جريانه (2). وفيه ما مر في كلام الوالد المحقق - مد ظله -: من أنه على تقدير جريانه فيه لا يجري هنا، لأن الباقي في ظرف الشك أمر انتزاعي، لا حكم شرعي، ولا موضوع ذو حكم شرعي. اللهم إلا أن يقال: بأن المستصحب قد يكون أمرا ثالثا، وهو عدم الوجوب والحرمة، فإنهما لا يكونان كذلك، فلابد من الأثر، وهنا هو حاصل، فليتدبر. وهنا كلام آخر أشرنا إليه في المرحلة السابقة: وهو إمكان استصحاب الحكم الشخصي من طريق آخر، وهو أن الوجوب المنسوخ لا يستفاد من دليل المنسوخ وضعا، بل الوجوب مستفاد من عدم قيام القرينة على الندب، فإذا قامت القرينة، وشك في بقاء الحكم والبعث الثابت بدليل المنسوخ، يصح الاستصحاب، ويكون المستصحب الحكم المستفاد من الهيئة، فتأمل. هذا كله بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام التي يشك في نسخها. وأما بناء على ما تقرر منا: من عدم جريانه لأجل بعض شبهات يتعلق بها (3) - لا الشبهة المعروفة عن النراقي من المعارضة (4)، فإنها واهية - فلا يجري


1 - تقدم في الصفحة 245 - 247. 2 - كفاية الاصول: 173. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 537 - 538. 4 - مناهج الأحكام والاصول: 238 / السطر 2، عوائد الأيام: 213. (*)

[ 251 ]

الاستصحاب هنا، كما لا يجري في مطلق الأحكام الكلية حتى الأحكام العدمية، أي لا يجري حتى استصحاب عدم الوجوب والحرمة الأزليين، والتفصيل والتحقيق حوله يطلب من مظانه (1). وربما يشكل جريان الاستصحاب الشخصي على النحو الأخير، كما توهمه العلامة المحشي (رحمه الله) (2) وذلك لأن المستصحب لا يكون البعث بداعي الانبعاث، لأنه من الموضوعات، ولا أثر شرعي له، فلابد أن يكون حكما، وحيث لا تعين له من الوجوب والندب، فيكون المستصحب أصل الحكم الجامع، فيرجع إلى استصحاب الشخصي على الوجه الأول المقرر، فتدبر. والمراد من " الجامع " ليس الجامع العنواني حتى يكون كليا، بل هو كجامعية زيد لحالي العلم والجهل، فلا تغفل.


1 - يأتي في الجزء الثامن: 533 - 535. 2 - نهاية الدراية 2: 262 - 263. (*)

[ 253 ]

المقام السادس هل الأمر بالأمر بشئ أمر بذلك الشئ، أم لا ؟ وكأن المسألة بحسب مقام الثبوت مفروغ عنها، واختلاف الأعلام فيها حول مقام الإثبات. وأنت خبير: بأن الأمر ليس إلا معنى إيجاديا، وبعثا إنشائيا قائما بالباعث والمحرك قياما صدوريا، ولا يكون له مرحلتان: مرحلة الثبوت، والإثبات، بل الأمر تمام هويته في مرحلة الإثبات، فعليه لا معنى لكون الأمر بالأمر بشئ أمرا بذلك الشئ بالضرورة. وأما نقل أمر الغير بألفاظ الحكاية، فهو ليس من الاستعمال الإيجادي أو الإنشاء الاعتباري، بل هو حكاية لما أوجده الباعث، فإذا قال الرسول: " قال الله تعالى: افعل كذا " فإنه وإن كان بحسب التكوين كلمة " افعل " صادرة من الرسول، ولكن هي حكاية الأمر المسموع، وهو خارج عن هذه المسألة. بل الكلام في المقام حول ما إذا أنشأ المأمور الأول الأمر الثاني، وتصدى هو للبعث والتحريك بنفسه، وهذا واضح المنع جدا، فما ترى في " الكفاية " من صحته

[ 254 ]

ثبوتا (1)، وفي غيرها من صحته إثباتا (2)، من الغفلة قطعا. فتحصل: أن الأمر الأول هيئته ومادته غير الأمر الثاني، فكيف يستند الأمر الثاني إلى الأمر الأول ؟ ! هذا. وتوهم: أن صحة عبادات الصبي، متقومة بكون الأمر بالأمر بشئ، أمرا بذلك الشئ (3)، فاسد، لأن في صحتها يكفي العلم بالغرض والطلب، فإذا ورد مثلا مخاطبا إلى الأولياء: " مروا صبيانكم بالصلاة إذا كانوا بني سبع سنين " (4) فلا يكون هذا أمرا بالصلاة من جنابه (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعا، ولكنه يستفاد منه عرفا أنه ذو غرض في ذلك، وطالب له، وإذا كان كذلك فيكون عباداته صحيحة، فلاينبغي الخلط بين عنوان المسألة، وبين ما هو المستفاد من الدليل عرفا. وأما احتمال كون المصلحة في أمر الأولياء فقط، أو في أمرهم والصلاة معا، فهو وإن كان ممكنا عقلا، إلا أنه بعيد عرفا. وهذا نظير ما يستفاد من قوله تعالى: * (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) * (5) فإنه لا يكون أمرا بالاتباع وترتيب الآثار بعد السؤال، ولكنه معلوم منه لزوم ترتيب الأثر، وأنه لابد من صحة ما يترتب عليه من الآثار، فإذا سأل أهل الذكر عن شئ فقال: " افعل كذا " يجب تبعية أمره، لما فيه - حسب الآية - من المصلحة، ويكون صحيحا شرعا، من غير كونه أمرا من الله تعالى، أو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك الشئ.


1 - كفاية الاصول: 178 - 179. 2 - محاضرات في اصول الفقه 4: 76. 3 - نفس المصدر. 4 - وسائل الشيعة 4: 19 كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 3، الحديث 5. 5 - النحل (16): 43، الأنبياء (22): 7. (*)

[ 255 ]

ومن ذلك يعلم مواقف الخلط والاشتباه الواقع في كلمات الاعلام (قدس سرهم). وربما يخطر بالبال دعوى: أن مجرد كون العبادة مأمورا بها، غير كاف لصحتها، لأن الأمر المصحح لها هو الأمر الصادر بداعي الانبعاث، وأما الأمر الصادر بداعي الامتحان، فهو وإن كان عندنا أمرا، ولكنه لا يستلزم صحتها، ولا قرينة على تعيين الأول، بل القرينة - بمناسبة المقام - تساعد على الثاني، فليتدبر. ثم إن من الممكن توهم توقف صحة العبادة على انبعاثهم عن بعث المولى، لا بعث آبائهم، وعليه لابد من كون الأمر الثاني إما أمر الآمر الأول، أو يكون أمرا إرشاديا، كأوامر الأنبياء والرسل. وفيه: أنه في باب الأمر بالمعروف يكون الأمر للآمر، ويكون الانبعاث عن الأمر الصادر من الآمر، ومع ذلك تكون العبادة صحيحة، وإلا يلزم كون الأمر بالمعروف أمرا بالمنكر، وهو خلف قطعا، فيعلم من ذلك ما تقرر منا في محله: من أن هذا النحو من الانبعاث لا يضر بصحة العبادة، والتفصيل في مقام آخر (1).


1 - تحريرات في الفقه، الواجبات في الصلاة، المقام العاشر من المطلب الأول. (*)

[ 257 ]

المقام السابع في الأمر بعد الأمر وقبل الامتثال الأمر الواقع عقيب الأمر الآخر مع وحدة المادة والمتعلق، لا يكون إلا مثل الأمر الأول استعمالا وعلة وغاية. نعم، يعتبر بعد تحقق الاستعمال أن يكون الثاني تأكيدا للأول، وليس هذا إلا من قبيل التأكيد في الجمل التامة الخبرية أو الناقصة، بتكرار الموضوع في " ضرب زيد زيد " ومنشأ اعتبار التأكيد وحدة الإرادة الأصلية، ووحدة الغاية. ودعوى: أن التأسيس أولى من التأكيد، فلابد من حمل إطلاق المادة على التقييد، بحيث يلزم منه تعدد المتعلق، فيقتضي تعدد الامتثال، ليست من الاصول العقلائية. وغير خفي: أن التأسيس بدون التقييد غير ممكن، لأن الإرادة والحب والتصور والتصديق بالفائدة - بحسب السنخ هنا - واحدة، فلو كان يمكن تعلق الإرادتين التأسيسيتين بشئ واحد، لأمكن تعلق الحبين والشوقين به، مع أنه واضح المنع، فما هو من الإرادة سبب لوجوب الامتثال مثلا، هي الإرادة الأصلية الموجبة

[ 258 ]

لإرادة إصدار اللفظ والهيئة، ولإرادة اخرى متعلقة بإصدار اللفظ الآخر شخصا، ولكنه عين الأول سنخا، وهذا الاختلاف الشخصي، لا يستلزم تعدد الإرادة الأصلية بالضرورة، فعليه يعلم أن التقييد بلا دليل. وما في " الكفاية ": " من أن إطلاق الهيئة يقتضي التأسيس " (1) غير واضح، بل الهيئة لا تورث إلا البعث والتحريك اعتبارا، من غير كونها موضوعة لأمر آخر. ولو اريد من " الإطلاق " ما مضى سابقا - من أنه عند الإطلاق يحمل على النفسي العيني التعييني (2) - فهو يتم عند عدم القرينة على الخلاف، وهي المسبوقية بالأمر الأول، فتأمل جيدا. ثم إن في المسألة شقوقا اخر لا يهمنا التعرض لها، وإن يظهر من " الفصول " التردد بين التأسيس والتأكيد في بعضها (3)، والأمر بعد ذلك كله سهل، والله من وراء القصد. فتحصل: أن المسألة بحسب مقام الثبوت واضحة. وتوهم: أن تعدد البعث كاشف عن تعدد الإرادة - كما اشير إليه - في غير محله، لأن منكشفه ليس إرادة أصلية، بل هي إرادات اخر، كما في باب المقدمة. وبحسب مقام الإثبات، لا يمكن الالتزام بالتأكيد إلا في مواضع خاصة، وإلا فيحمل على التقييد، وأن المراد والمأمور به في كل غير الآخر. ولا يشترط كون القيد الوارد على الطبيعة، عنوانا في المأمور به، بل القيد الذي يدرك لزومه - فرارا من الإشكال العقلي - هو القيد المورث لكثرة المتعلق وتعدده.


1 - كفاية الاصول: 179. 2 - تقدم في الصفحة 188. 3 - الفصول الغروية: 119 / السطر 29 - 34. (*)

[ 259 ]

نعم، ربما يستظهر أحيانا في بعض المواقف ذلك، كما إذا قال: " إن أجنبت اغتسل " ثم ورد في دليل آخر في الأعصار المتأخرة " إن أدركت يوم الجمعة اغتسل " فإنه لا يمكن الالتزام بالتأكيد، فلابد من التقييد، ويكون القيد عنوانا عرفا، فيشترط قصده حين الامتثال، ففيما إذا كان الأمر مثله، يكون المأمور به مقيدا ومنوعا، فلا تغفل. ثم إن من الواضح امتناع الإرادتين التأسيسيتين بشئ واحد، من شخص واحد، مع التوجه والالتفات، وأما من الآمرين فيمكن ذلك، ويأتي حينئذ البحث عن التداخل وعدمه، والتداخل واضح جدا، كما اشير إليه سابقا في بعض المباحث الماضية (1). كما أنه ممكن مع الغفلة. ولكنه لا يستلزم الامتثال المتعدد، لأن مدار تعدد الامتثال على تعدد الجهة المقتضية لذلك الأمر، وكون تلك الجهة والغرض قريبة، دون الجهة البعيدة، فلا تخلط. فما يظهر من " الكفاية ": من أن مجرد التعدد التأسيسي، كاف لتعدد الامتثال (2)، في غير محله بالضرورة.


1 - تقدم في الصفحة 137 - 139. 2 - كفاية الاصول: 179. (*)

[ 261 ]

الفصل الخامس في الإجزاء والكلام فيما يتعلق به يتم في ضمن مقدمة ومواقف:

[ 263 ]

المقدمة فيما يتعلق بما جعله القوم عنوانا وحيث ظنوا أنه العنوان الجامع لمباحث الإجزاء، ذكر " الفصول ": " أن الأمر بشئ إذا اتي به على وجهه، هل يقتضي الإجزاء، أم لا (1) ؟ وحيث قيل عليه: " إن الأمر لا يكون موضوعا لأكثر من البعث إلى الطبيعة، والمادة لأكثر من الطبيعة اللابشرط " (2) عدل عنه الآخرون، وقالوا: " إن المسألة عقلية، لا لفظية " فعنونوا " أن إتيان المأمور به على وجهه، هل يقتضي الإجزاء، أم لا (3) ؟ وحيث إن الاقتضاء ليس من لوازم الإتيان، لا بنحو العلية، ولا بنحو الإعداد، وتكون النسبة مجازية، بل هو دليل تمامية أمد الإرادة، وسقوط الغرض، عدل عنه


1 - الفصول الغروية: 116 / السطر 9. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 241. 3 - كفاية الاصول: 104، نهاية الأفكار 1: 222. (*)

[ 264 ]

المحقق الوالد - مد ظله - بإسقاط كلمة " الاقتضاء " (1). وحيث إن كلمة " على وجهه " من القيود المأخوذة في كلمات القدماء (2)، وليس ما توهمه " الكفاية " في محله: " من أنها تشير إلى القيود المعتبرة في المأمور به عقلا، كقصد القربة فإنه - على ما مر - يمتنع أخذه فيه " (3)، ضرورة أن هذه الشبهة من زمن الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (4)، فتكون أجنبية عن هذا البحث بالمرة، فلابد من حملها إما على التوضيح، كما عليه الأكثر (5). أو حملها على ما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره): " من أنها ربما كانت زائدة في العنوان، لأجل شبهة أوقعها القاضي عبد الجبار في الري من قبل الديالمة: وهي أن من صلى مع الطهارة المستصحبة، ثم انكشف خلافه، يعيد ولا يجزي مع امتثاله الأمر الاستصحابي " (6). ووجه رده بتلك الزيادة كما أفاده: " هو أن المأمور به في هذا المثال، لم يؤت به على وجهه، من جهة أن الطهارة الحدثية بوجودها الواقعي شرط ". وأنت خبير: بأن الحمل الأول خلاف القاعدة، والثاني أوضح فسادا، لأنه يلزم منه خروج مباحث الإجزاء التي هي الأهم، وتكون المسألة منحصرة بالبحث عن إجزاء المأمور به عن أمره المتعلق به، الذي لا بحث فيه عند القوم، وعد من


1 - مناهج الوصول 1: 299 - 300، تهذيب الاصول 1: 178 - 179. 2 - عدة الاصول: 83 / 15، شرح العضدي: 204 / السطر 11، ولاحظ مفاتيح الاصول: 125 / السطر الأخير و 126 / السطر 1، مناهج الأحكام والاصول: 66 / السطر 22. 3 - كفاية الاصول: 105. 4 - تقدم في الصفحة 118. 5 - نهاية النهاية 1: 118، تهذيب الاصول 1: 179. 6 - نهاية الاصول: 125. (*)

[ 265 ]

الضروريات الأولية. والذي هو الأقرب على تقدير صحة العنوان المزبور: أن قيد " على وجهه " إشارة إلى إتيان المأمور به على الشرائط المعتبرة فيه حسب الأدلة حين الإتيان، ولا نظر في بحث الإجزاء إلى تلك المسألة الواضحة عندهم، بل نظرهم في هذه المسألة إلى إجزاء الأمر الاضطراري والظاهري عن الواقعي، فقيد " على وجهه " يفيد إخراج ما لا بحث فيه، ويورث تركيز البحث فيما هو المهم في مباحث المسألة، فلا تخلط. أقول: لا شبهة في لزوم كون العنوان الموضوع للبحث هنا، شاملا للمباحث المختلفة التي تذكر تحته، وجامعا لشتاتها، وهو هنا مشكل، بل ممنوع، وذلك لأن مباحث هذه المسألة - على المعروف - ثلاثة، وعلى ما هو الحق أربعة: أحدها: البحث عن إجزاء الإتيان بالمأمور به عن أمره، واقعيا كان أو اضطراريا، أو ظاهريا. ثانيها: إجزاء الإتيان بالمأمور به الاضطراري عن الأمر الواقعي، على ما هو المعروف في تعابير القوم (1)، أو عن المأمور به الواقعي، على ما في بعض التعابير الاخر (2). ثالثها: إجزاء الإتيان بالمأمور به الظاهري عن الأمر الواقعي، أو عن المأمور به الواقعي، على ما عرفت من الاختلاف في التعبيرين. رابعها: أن ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري، هل يورث الإجزاء، أي سقوط القضاء خارج الوقت، أم لا ؟ مثلا: لو أدى نظر المجتهد إلى جواز ترك صلاة الكسوف، واستند إليه المقلد


1 - فرائد الاصول 1: 242، نهاية الاصول: 132، محاضرات في اصول الفقه 2: 224. 2 - نهاية الأفكار 1: 224. (*)

[ 266 ]

فتركها، ثم قلد الآخر، وقال بوجوب القضاء، فهل عليه ذلك، أم هو مثل ترك جزء المأمور به مستندا إلى فتواه في عدم لزوم الإعادة ؟ وهكذا إذا ترك إعطاء الخمس والزكاة في ظرفه، لأجل الدليل، ثم بعد مضي سنوات تبدل رأي المقلد مثلا. فبالجملة: الدليل المقتضي لعدم وجوب الإعادة والقضاء عند التخلف بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط، هو بعينه يقتضي ذلك عند التخلف عن الكل، كما يأتي من غير فرق. ولعل الأصحاب يقولون بالإجزاء في مسألة تبدل رأي المجتهد، حتى فيما إذا ترك المأمور به مستندا إلى فتوى مجتهده، وسيأتي تحقيقه، فعلى هذا لا يعقل الجامع بين هذه المسائل بالضرورة. وأما بناء على كون مباحثه ثلاثة، فأيضا يشكل تصويره، ضرورة أن مجرد الإجمال في العنوان - كما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - غير كاف، فإن قوله: " إتيان المأمور به على وجهه هل يجزي، أم لا ؟ " (1) يشمل إتيان الصلاة والإجزاء عن الصوم، وإتيان المأمور به الواقعي والإجزاء عن الاضطراري، مع أنه غير مقصود بالبحث، فلابد من التقييد حتى يشمل المباحث الثلاثة، وعند ذلك يخرج البحث الأول. ولو كان الإجمال كافيا، فالأولى جعل عنوان البحث كلمة " الإجزاء " من غير إضافة شئ آخر إليها، لعدم الحاجة عندهم إليه، لكونه ضروريا، فينحصر التقييد بالمبحث الثاني والثالث، وهذا معنى عدم الجامع، فلا تغفل. إيقاظ: في الفارق بين مسألة الإجزاء وغيرها بناء على ما سلكناه في بحث المرة والتكرار في تحرير محل البحث، من أن الكلام هناك حول أن الجهة المقتضية للتكرار طبعا، هل تورث لزوم التكرار


1 - تهذيب الاصول 1: 178. (*)

[ 267 ]

بتكرارها ؟ (1) لا وجه لتوهم اتحاد البحثين، أو إغناء ذاك عن هذا. وأما على ما سلكه القوم هناك، من أن القائل بالتكرار يقول: إن الهيئة قاضية بذلك، من غير فرق بين كون المأتي به الأول طبيعة اضطرارية، أو ظاهرية، أو واقعية أولية، فإنه إذا أتى بكل واحد منها، فلابد له من التكرار إذا ارتفع موضوع الحكم الظاهري، أو الواقعي الثانوي، فعليه لا يبقى وجه لهذا النزاع. ومن العجب توهم القوم جريان النزاع بالنسبة إلى إجزاء المأمور به عن أمر نفسه (2)، فإنه لو سلمنا ذلك، لكنه ليس من النزاع الأساسي في هذه المسألة، فإن المبحوث عنه هنا هو البحثان الآخران: وهما إجزاء المأمور به الاضطراري والظاهري عن المأمور به الواقعي. فبالجملة: يلزم سقوطه على القول بالتكرار هناك، إما رأسا، أو نتيجة. نعم، على القول بعدم دلالته على المرة، ولا التكرار، أو دلالته على المرة، فلابد من هذا البحث، كما لا يخفى. ثم إنه لاربط بين هذه المسألة، ومسألة تبعية القضاء للأداء، فإن البحث هناك - على المشهور - حول أن القضاء بأمر جديد، أو الأمر الأول يكفي، فإن قلنا: بأنه يكفي فلا كفاية عن هذه المسألة، لما يمكن الالتزام بعدم وجوبه، لكفاية المأتي به في الوقت عما هو خارج الوقت، فلا مساس بين المسألتين حتى المسألة الرابعة التي أحدثناها، ضرورة أنه وإن ترك المأمور به في الوقت، ولكنه مستند إلى الدليل، وما هو موضوع تلك المسألة، هو ترك المأمور به في الوقت، فإذا قلنا بالإجزاء فلا معنى للقضاء، فتلك المسألة في حكم الكبرى لهذه المسألة.


1 - تقدم في الصفحة 200 - 201. 2 - كفاية الاصول: 107، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 242 - 243، نهاية الأفكار 1: 224. (*)

[ 268 ]

إذا عرفت ذلك، فالبحث في مسائل الإجزاء يتم في مواقف: الموقف الأول في أن الإجزاء عند الامتثال ليس قهريا المعروف والمشهور بين أبناء التحقيق: أن إتيان المأمور به على قيوده وشرائطه، علة تامة لسقوط الأمر وحصول الغرض (1)، فلا معنى للبحث عن الإجزاء بالنسبة إلى الأمر المتعلق بذلك المأمور به، واقعيا كان، أو اضطراريا، أو ظاهريا. وبعبارة اخرى: الأمر الداعي إلى الصلاة المائية، بعد الإتيان بها يسقط قطعا، وهكذا ما هو الداعي إلى الترابية، أو الطهارة الاستصحابية الظاهرية، فإنه بمجرد الإتيان بكل واحد منها، لا يبقى له أثر، ولا معنى للتعبد به ثانيا وثالثا، من غير الحاجة إلى البرهان، فكما أن الامتثال عقيب الامتثال ممتنع، كذلك تبديل الامتثال بالامتثال الآخر ممتنع، والامتثال عقيب العصيان - مع فرض وحدة الأمر والطلب - ممتنع، وبالعكس. وكل ذلك لملاك واحد، وهو أن مفهوم " الامتثال " و " العصيان " متقومان بالأمر، وحيث لا أمر لسقوطه، لا يمكن أن يتحقق أحد هذين المفهومين ثانيا. وأما سقوط الأمر بعد الامتثال فهو واضح، فإنه كسقوط الإرادة في الأفعال المباشرية، فكما لا يعقل بقاء الإرادة مع تحقق المراد، لا يعقل بقاء الأمر مع تحقق المأمور به على الوجه المعتبر، ومع جامعيته لما اعتبر فيه، وقد مر شطر من الكلام


1 - كفاية الاصول: 107، نهاية الدراية 1: 373، نهاية الأفكار 1: 224، تهذيب الاصول 1: 181 - 182. (*)

[ 269 ]

حول المقام في مباحث المرة والتكرار (1)، ولا نعيده. هذا ما عندهم. وأما ما خطر ببال " الكفاية " (2) فهو خروج عن البحث، كما فصلناه في السابق (3)، فلانطيله. وأما ما عندنا، فهو أن الامتثال ليس من الامور القهرية، بل هو من الامور الاختيارية، كسائر الاختياريات، وقد شرحنا ذلك في تلك المسألة مستوفى. وإجمال ما أقوله هنا: هو أن الأمر الصادر في القوانين الكلية، لا يسقط بامتثال المأمور، ضرورة أن ذلك بعث - بنحو - إلى كلي، ولا يعقل سقوطه، بمعنى انخلاع المادة عن الهيئة، وفناء الهيئة، فلابد أن يراد من " السقوط " سقوطه عن الباعثية ثانيا بعد الإتيان بالمأمور به. فإن كان الموجود في الأدلة نفس الدليل الأول، فلا دليل على بقاء الباعثية بنحو الباعثية الإلزامية، ولا الباعثية الاستحبابية والندبية، أي التي رخص ترك متعلقه في النص مثلا. وأما إذا قام دليل على بقاء الباعثية الاولى - أي الإلزامية - فيعلم منه تعدد الأمر، ويكون خارجا عن مفروض البحث، وهو وحدة الأمر. وإن قام الدليل على بقاء الأمر، مع ترخيص الترك، فلا يكون الأمر الثاني غير الأمر الأول، ضرورة أن وجه البقاء، عدم كون المأتي به مستوفيا لتمام المصلحة، وحيث إن المصلحة الندبية باقية، فيبقى الأمر الشخصي الأول، ويدعو إلى متعلقه مع الترخيص إلى تركه، كما ترى في أخبار الصلاة المعادة، فالامتثال الثاني وإن كان يحتاج إلى الأمر قطعا، إلا أن الامتثال الأول لا يورث سقوط الأمر، بمعنى إعدامه،


1 - تقدم في الصفحة 203 - 205. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 124. 3 - تقدم في الصفحة 208 - 211. (*)

[ 270 ]

بل يورث سقوطه، بمعنى قصور باعثيته الإلزامية، فلا تخلط، واغتنم جدا. فبالجملة: إن اريد من " الإجزاء " هنا، أن المأتي به الواجد للشرائط، سبب لسقوط الأمر عن الباعثية الإلزامية، فهو مسلم، ولاريب فيه، للزوم الخلف والمناقضة، وغير ذلك من التوالي الفاسدة. وإن اريد منه سقوط الأمر بالمرة، وعدم بقاء داعويته إلى الطبيعة ثانيا وثالثا بنحو الندب، فهو ممنوع، ولا نريد من " الامتثال عقيب الامتثال " إلا ذلك. وهذا غير تعدد الأمر وانحلاله، ضرورة أن الأوامر الانحلالية تابعة للأغراض المختلفة في الوجود، وفيما نحن فيه لا يكون كذلك. وأيضا فإن الانحلال فيها من أول الأمر، فلاينبغي الخلط جدا. وما قيل أو يمكن أن يقال في بحث الصلاة المعادة من الاحتمالات والوجوه، كلها بعيدة عن الصواب، وتفصيله في محاله. ثم إن الأولى والأحسن في هذه المسألة وجه آخر أبدعناه، وذكرناه سابقا (1). وإجماله: أن السقوط كما عرفت، بمعنى عدم بقاء الأمر على صفة الباعثية، وهذه الصفة كما تزول بإيجاد المأمور به خارجا، تعود بإعدام ذلك الفرد واقعا، أو في الاعتبار. مثلا: إذا قال المولى: " تصدق بدرهم " فإعطاء الدرهم يورث سقوط باعثية الأمر، ولكنه إذا تمكن من إعدام ذلك الإعطاء واقعا، بتعقبه بالمن والأذى، أو اعتبارا، تعود تلك الصفة، لأن معنى الإعدام عدم تحقق الامتثال. فإذا ورد في الشريعة: " يجعلها الفريضة " (2) وورود " وإن شئت فصل معهم


1 - تقدم في الصفحة 211 و 213. 2 - وسائل الشيعة 8: 401، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديث 1. (*)

[ 271 ]

واجعلها تسبيحا " (1) فيعلم أن ذلك في اختيار العبد، فإذا جعل ما أتى به أولا تسبيحا فكأنه ما صلى بعد، فعليه إعادته وجوبا. فبالجملة: الإجزاء - بمعنى عدم وجوب الإعادة والقضاء، وبمعنى عدم التعبد ثانيا، مع قطع النظر عن الدليل الآخر - قطعي، وبمعنى امتناع بقاء الأمر الواحد الشخصي، أو بمعنى امتناع إعدام الامتثال الأول حتى يوجد محل للامتثال الثاني ممنوع، بل هو واقع. فما اشتهر: " من أن الامتثال والإجزاء أمر قهري غير اختياري " (2) صحيح، بمعنى أن ذلك يؤدي إلى سقوط الباعثية الإلزامية مثلا في التكاليف الإلزامية، أو سقوط الباعثية بالنسبة إلى المصلحة الملزمة، أو المصلحة الأهم. وهذا لا يستلزم سقوط أصل باعثيته إذا قامت القرينة عليه، ضرورة أن أوصاف الباعثية - من الإلزام والندب - مستفادة من القرائن الخارجية، ولا تستعمل الهيئة إلا فيما هو موضوعها، وهو التحريك الاعتباري. وغير صحيح، بمعنى إمكان الامتثال عقيب الامتثال، وإمكان تبديله بالآخر وهكذا، مع اعتبار الوحدة في الأمر فيما إذا أتى به، ثم أعدم وأفنى في الاعتبار ما أتى به، وهذا هو المقصود في الباب. وأما لو اريد من تصوير الامتثال عقيب الامتثال وغير ذلك، تصويره بدون الأمر، فهو غير ممكن، وغير مقصود، كما ذكرنا تفصيله في مباحث المرة والتكرار (3).


1 - وسائل الشيعة 8: 403، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54، الحديث 8. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 242، منتهى الاصول 1: 242. 3 - تقدم في الصفحة 211. (*)

[ 272 ]

ثم إن المراجعة إلى أخبار الجماعة، والصلاة المعادة (1)، وإلى ما ورد في صلاة الآيات (2)، يورث الاطمئنان بأن كل واحدة من الطريقتين اللتين أشرنا إليهما، قابلة لحمل المآثير عليها. ولكن قضية ما ورد في المعادة أن الثانية هي المرادة، وقضية ما ورد في الكسوف أن الاولى مرادة، والله العالم، فلاحظ وتدبر جيدا. وربما يخطر بالبال دعوى: أن الإعادة لا يناسب إلا مع اعتبار إعدام المأتي به في الرتبة السابقة كما لا يخفى. ثم إن مقتضى الطريقة الاولى أن المعادة مستحبة، والأمر الأولي والإنشاء الابتدائي باق على نعت الندبية، لقيام القرينة، وقضية الطريقة الثانية أن المعادة تنوى وجوبا، وعليه فتوى بعض المعاصرين (3). إن قلت: بناء على الأخيرة - وهي الأوفق بالأدلة - يلزم وجوب المعادة إذا اعتبر عدم الامتثال الأول، بجعله تسبيحا وغير صلاة، والالتزام بذلك مشكل جدا. قلت: لا دليل على نفوذ إعدامه وتبديل الصلاة تسبيحا إلا إذا تعقبه - بحسب الواقع - الصلاة المعادة، فإن اعتبره تسبيحا، ثم ترك المعادة، يعلم أنه ليس تنقلب صلاته بذلك لا صلاة، حتى يجب عليه الإعادة. إن قلت: اعتبار الانقلاب يستلزم انعدام الأمر، لأن ما هو المنقلب هي الصلاة بقصد الوجوب والمأمور بها، فإذا انقلبت انعدم الأمر، للتضايف والملازمة. قلت: قد مضى أن الامتثال لا يورث سقوط الأمر، ولا يوصف المأتي به


1 - وسائل الشيعة 8: 401 - 403 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 54. 2 - وسائل الشيعة 7: 498 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الكسوف والآيات، الباب 8. 3 - لاحظ ما علقه السيد الحكيم (رحمه الله) على العروة الوثقى: 284 كتاب الصلاة، (دار الكتب الإسلامية 1397)، مستمسك العروة الوثقى 7: 376. (*)

[ 273 ]

بالمأمور به بالوصف الخارجي، بل معنى السقوط هو سقوط الباعثية، وهو يجامع بقاء الأمر الإنشائي الذي لا روح له، لسقوط الغرض المستلزم لسقوط الإرادة، ولكنه إذا اعتبر تبديل الامتثال وجعله تسبيحا، فلابد أن يعود الغرض، وتعود الإرادة، ويكون الإنشاء باعثه. هذا مع أن في سقوط الغرض بنحو كلي لا الإرادة، إشكالا اشير إليه في الطريقة الاولى. ولعمري، إن من تدبر فيما أسمعناكم، لا يحصل له إلا الاطمئنان بأن ظاهر أخبار المسألة ذلك. وفي المسألة (إن قلت قلتات) ترجع إلى جهات فقهية خارجة عن هذه المسألة، ومن شاء فليرجع هناك. والذي هو المقصود بالبحث: أن ما اشتهر في هذه المسألة، وكان مفروغا عنه عند الكل، مخدوش جدا.

[ 274 ]

الموقف الثاني في إجزاء الاضطراري عن الواقعي هل امتثال الأمر الاضطراري بإتيان متعلقه، يورث الإجزاء والاكتفاء به عن المأمور به الواقعي، أم لا ؟ مثلا: إذا أتى بالترابية أو أتى بالصلاة قاعدا أو مضطجعا، أو مع الموانع الشرعية وهكذا، ثم زال الاضطرار، وتبدلت حالته، فهل يجب عليه الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه، أم لا ؟ وتمام البحث هنا يستدعي ذكر امور: أحدها: في أن المسألة عقلية أو لفظية لاشبهة في عقلية المسألة السابقة، وإنما الشبهة في أن هذه المسألة عقلية، أو لفظية. قيل: " هي عقلية، لأن دليل المسألة لا يستلزم لفظية المسألة " (1). وقيل: " هي لفظية، لأن البحث حول نسبة الأدلة، وحول ما يستفاد من الأدلة في الأحكام الواقعية الثانوية " (2). والذي هو الحق: أن من يقول بتعدد المأمور به والأمر (3)، فلابد وأن يقول بأن


1 - منتهى الاصول 1: 238 - 239، محاضرات في اصول الفقه 2: 220. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 261. 3 - كفاية الاصول: 108، نهاية الأفكار 1: 226. (*)

[ 275 ]

المسألة لفظية، لأن إجزاء الطبيعة الفاقدة عن الواجدة - حسب حكم العقل - ممتنع، بعد ثبوت كونهما مأمورا بهما، فلابد من التصرف بحسب الأدلة الشرعية في واحد من المأمور بهما، حتى يمكن الإجزاء. والذي يقول بوحدة الأمر والمأمور به، وأن التعبير ب‍ " الأمر الاضطراري والواقعي " أو " المأمور به الاضطراري والواقعي " (1) غلط، يقول بأن المسألة عقلية، لأنها تصير كالمسألة الاولى المذكورة في الموقف الأول، والأمر - بعد ذلك كله - سهل. ثانيها: في عدم الحاجة إلى ذكر البحث في مقامين قد ذكر جمع وفيهم العلامة النائيني (رحمه الله) والوالد المحقق - مد ظله - البحث في هذا الموقف في مقامين: في الإعادة، والقضاء (2). وأنت خبير: بأنه إن قلنا بالإجزاء في العذر غير المستوعب، ففي المستوعب بطريق أولى. وإن قلنا بعدم الإجزاء في غير المستوعب، فهو لأجل عدم تحقق موضوع المسألة، وهو الاضطرار في جميع الوقت، فلا حاجة إلى ذكر البحث في مقامين، بل البحث حول أمر واحد، وهو أن الاضطرار المسوغ إن كان صرف وجوده، فلا إعادة ولا قضاء، إلا على وجه يأتي. وإن كان وجوده المستوعب، فلا بحث عن القضاء، وتجب الإعادة، لعدم تحقق موضوع هذه المسألة، وهو الإتيان بالمأمور به الاضطراري، ولذلك لاتجد


1 - نهاية الاصول: 128، تهذيب الاصول 1: 181. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 243، منتهى الاصول 1: 245، تهذيب الاصول 1: 185. (*)

[ 276 ]

من يقول بالتفصيل بين الإجزاء بالنسبة إلى القضاء، وعدمه بالنسبة إلى الإعادة، أو عكسه، فتأمل، والأمر سهل جدا. ثالثها: في انحصار البحث بمقام الإثبات قد تعرض " الكفاية " (1) وجمع من المحشين - ومنهم العلامة المحشي (قدس سره) (2) - والعلامة صاحب " المقالات " (3) حول المقامين: مقام الثبوت، ومقام الإثبات، فجعلوا محور الكلام في مقام الثبوت حول التصورات الممكنة حسب المصالح والمفاسد، وأن المأمور به الاضطراري تارة: يكون وافيا بتمام الاختياري، واخرى: لا، وعلى الأول كذا، وعلى الثاني كذا، حتى بلغت إلى ثمانية - بل تسعة - بحسب المصالح المتصورة في المأمور به، أو المصالح في نفس الأمر. ومنها: أن مصلحة الاضطراري يمكن أن تكون في عرض الواقعي، كمصلحة القصر والإتمام، حتى يصح التبديل اختيارا، كما أفتى به المحقق في " المعتبر " (4) وصدقه الاستاذ السيد البروجردي هنا (5)، وهو من عجائب ما صدر منهما (قدس سرهما). وأنت خبير: بأن هذا بحث لا يرجع إلى محصل، ضرورة أن الاصولي والفقيه خادم الأدلة والإطلاق والعموم، ولا يلاحظ ما هو الخارج عن افق عقله وحد فكره، فضلا عن حدود علمه وفنه، فاللازم عليه التفتيش عن حال الأدلة بمقدار يسعه المقام، ثم إيكال الأمر إلى محله، حسب اختلاف صور الاضطرار، مع إمكان


1 - كفاية الاصول: 108 - 109. 2 - نهاية الدراية 1: 382، حقائق الاصول 1: 197 - 202. 3 - نهاية الأفكار 1: 227 - 228. 4 - المعتبر 1: 366. 5 - نهاية الاصول: 131. (*)

[ 277 ]

اختلاف الأدلة حسب تلك الصور بلا شبهة وإشكال. رابعها: في أن البحث إثباتي تصوري النزاع في بحث الإجزاء في المواقف الثلاثة الأخيرة، ليس حول مفاد الأدلة تصديقا، بل الجهة المبحوث عنها هنا هو البحث الإثباتي التصوري، بمعنى أنه إن كان مفاد الأدلة في أبواب الاضطرار كذا، فلابد من القول بالإجزاء، وإن كان مفادها كذا، فلابد من القول بعدمه، وإن كان كذا فيفصل بين الأداء والقضاء وهكذا، فما ترى من البحث حول الأدلة إثباتا، في غير محله، لأن تصديق أحد الاحتمالات يحتاج إلى مؤونة زائدة على المسألة الاصولية. ثم إن البحث أيضا، ليس إلا بعد الفراغ عن كون المأمور به الاضطراري، مورد الأمر الاضطراري واقعا، لا تخيلا وتوهما، فإنه إذا كان القول بعدم الإجزاء لعدم تحقق الأمر الاضطراري بموضوعه، فهو خارج عن محل الكلام. فما هو مورد البحث والنزاع: هو أن الإتيان بفرد الطبيعة الناقص، مع كونه متعلق الأمر واقعا وحقيقة، ويكون واقعيا ثانويا، يكفي عن الواقعي الأولي، أم لا، فما يظهر من بعض من الإشكال بعدم الإجزاء، لأجل أن الاضطرار المسوغ هو الاضطرار المستوعب، فهو في غير محله، كما أفاده المحقق الوالد - مد ظله وأدام الله وجوده - (1)، فالبحث هنا بعد فرض كون الموضوع محققا، أو بعد تصديقه فقها. ومما يشهد على ما عرفت: أن البحث في هذا الموقف بعد الفراغ عن الموقف الأول، وكان المفروض هناك سقوط الأمر الاضطراري بمصداقه ومتعلقه، فلاينبغي الخلط بين الجهات كما خلطوا.


1 - مناهج الوصول 1: 312، تهذيب الاصول 1: 187. (*)

[ 278 ]

خامسها: في وحدة الأمر وتعدده في المقام ظاهر جماعة أن هنا أمرين ومأمورين بهما: أحدهما: الأمر الاضطراري المتعلق بالطبيعة الناقصة. ثانيهما: الأمر الاختياري المتعلق بالمأمور به الواقعي الأولي، وهو الاختياري (1). وصريح بعض منهم وفيهم الاستاذان: البروجردي (رحمه الله) والسيد الوالد - مد ظله - (2) ولعله يستظهر من " الدرر " (3): أن هنا ليس إلا أمرا واحدا، وخطابا فاردا، وإنما الاختلاف في حالات المكلفين، المستلزم لاختلاف المأمور به بحسب الأجزاء والشرائط، فيكون الواجب على الواجد، الصلاة المائية، وعلى الفاقد، الترابية. وعليه بنوا مرامهم في هذا الموقف من الإجزاء، وادعوا وضوح هذه المسألة بعد ذلك، وقالوا: " لو كان هنا أمران ومأموران بهما، للزم امتناع الإجزاء، كيف ؟ ! ولا يعقل الإجزاء بين الصوم والصلاة، وكذلك الأمر هنا، بخلاف ما إذا كان هنا أمر واحد، فإنه ممتثل قهرا، لتحقق موضوعه، وهو الاضطرار آنا ما، كما قد عرفت ذلك (4)، فإنه لا يعقل إنكار الإجزاء، لرجوعه إلى الخلف، كما لا يخفى. أقول: إن قلنا بأن الأمر واحد، وأن الباعث نحو المأمور به الاضطراري، هو الباعث نحو الاختياري، وأنهما بحسب اختلاف الحالات يختلفان نقيصة وكمالا،


1 - كفاية الاصول: 108، نهاية الأفكار 1: 226. 2 - نهاية الاصول: 128، تهذيب الاصول 1: 181. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 80. 4 - تقدم في الصفحة 269 - 270. (*)

[ 279 ]

فيلزم بناء عليه جواز تبديل الحال، وهذا ضروري الفساد: أما بيان الاستلزام، فلأن معنى ذلك هو وحدة الطلب والمطلوب، وإنما اختلاف المطلوب كما وكيفا ليس إلا من جهة تبادل الأحوال المعتبرة في الأدلة، كالسفر والحضر، ولذلك ترى أن من يقول بذلك، والتفت إلى هذه الملازمة، التزم بهذا التالي (1). فبالجملة: قالوا: إن الداعي إلى الركعتين في السفر، كما يكون قوله تعالى: * (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (2) وهو الداعي إلى أربع ركعات في الحضر، والاختلاف يعلم من الدليل المنفصل، كذلك هو الداعي إلى الترابية والمائية، واختلاف حدود المأمور به يعلم من الدليل الآخر، كتابا كان، أو سنة، وقد تقرر في محله إمكان جعل الجزئية والشرطية ورفعهما مستقلا (3)، من غير الحاجة إلى رفع الأمر عن الطبيعة، وإنشائه ثانيا على الطبيعة الناقصة، حتى يحتاج إلى الأمرين. وفي كلام الوالد المحقق - مد ظله - (4) الإشارة إلى أن وجه اختيار تعدد الأمر، ربما كان عندهم امتناع جعل الجزئية والشرطية ورفعهما بدون رفع الأمر عن الطبيعة كلها، وهو باطل. فبالجملة تحصل: أن لازم ذلك ذاك من غير شبهة، كما ذكره الفقيه البروجردي (قدس سره) (5). وأما بيان فساده، فهو موكول إلى محله، ولا أظن التزام أحد به وإن ظهر


1 - نهاية الاصول: 131. 2 - الإسراء (17): 78. 3 - يأتي في الجزء الثامن: 431. 4 - تهذيب الاصول 1: 180. 5 - نهاية الاصول: 131. (*)

[ 280 ]

منه (قدس سره) ولكنه خطأ قطعا، كما يظهر من حواشيه على " العروة " (1) ومجرد ذهاب " المعتبر " إليه (2) لا يورث خللا في ظهور فساد مختاره، وبه يشهد الكتاب (3) والسنة (4)، أفترضي أن تقول بوجوب الفحص عن الماء مدة مديدة، ثم بعد العثور عليه يهريقه ويتيمم، فهل هذا إلا الجزاف المنسوب إلى الشريعة المطهرة ؟ ! فإذن لابد من الالتزام بالمطلوب الأعلى والأدنى، والمطلوب الأولي والثانوي، ولا يعقل تعدد المطلوب مع وحدة الأمر والطلب بالضرورة. وبعبارة اخرى: لابد من الالتزام بأن هناك طبيعة كاملة، وطبيعة ناقصة، وأنه لا يرضى بالناقصة عن الكاملة إلا في مواقف خاصة مثلا، وإنما البحث في تشخيصها. وبالجملة: هنا أمران: فإن قلنا بأنهما فعليان، وأحدهما: متعلق بالاضطراري، وثانيهما: بالواقعي، وكلا يدعو إلى متعلقه، فهو أيضا باطل سواء قلنا بأنهما تعيينيان، أو تخييريان، فإنه على الأول يلزم الجمع، وهو واضح المنع، وعلى الثاني يلزم - مضافا إلى جواز تبديل الحال الواضح فساده ولزومه - أنه لا يكون من الإجزاء، ضرورة أن أحد فردي الواجب التخييري، لا يكون مجزيا عن الآخر، فإن الإجزاء هو اعتبار بين الأمرين الطوليين، لا العرضيين، فما ترى من التعبير ب‍ " الإجزاء " على التخيير فهو في غير محله. وأما توهم: أن التخيير ممتنع، لأنه من التخيير بين الأقل والأكثر، فهو فاسد، لاختلاف زمان الواجبين، فكما يمكن التخيير بين الأقل والأكثر إذا كان مكانهما مختلفا، فيكون مخيرا بين ركعتين هنا، وأربع ركعات على رأس ثمانية فراسخ، بناء


1 - العروة الوثقى: 145، في مسوغات التيمم، المسألة 13، (الطبعة الحجرية في سنة 1373 ه‍. ق.). 2 - المعتبر 1: 366. 3 - المائدة (5): 6. 4 - لاحظ وسائل الشيعة 3: 341 كتاب الطهارة، أبواب التيمم، الباب 1، الحديث 1، والباب 3، الحديث 2. (*)

[ 281 ]

على كونهما واجبا مخيرا، ولا مشاحة في المثال، كذلك يمكن التخيير بينهما فيما اختلف زمانهما، فيكون مخيرا بين إعطاء درهم الآن، وثلاثة دراهم في الليل، فإنه تخيير جائز، بل واقع. فلا بأس بكونه مخيرا بين الناقصة والكاملة، بأن يأتي بالاولى أول الوقت، وبالثانية آخره، فما ترى في كلام بعض الأعلام: من أن التخيير بين الأقل والأكثر غير جائز (1)، فهو محل منع صغرى، بل وكبرى، كما يأتي في محله إن شاء الله تعالى (2)، فانتظر. وإن قلنا: بأن أحدهما فعلي، والآخر شأني، فلابد من كون الفعلي هو الأمر الاضطراري، والإنشائي هو الأمر الاختياري، ضرورة أنه في عكسه يلزم الخلف، لما مضى من أن المفروض تحقق موضوع الأمر الاضطراري، ولا يعقل مع ذلك الفرض شأنية الأمر وإنشائيته. فيتعين على هذا كون الأمر الاضطراري فعليا، بمعنى أن المولى ذو مطلوب أعلى، وهي الصلاة المائية في الوقت، مع أغراض اخر في نفسها وجعلها، ثم بعد ذلك إذا كان يرى اختلاف الناس، واختلاف قدرتهم وتمكنهم في الوقت من أوله إلى آخره، ولا يمكن حفظ جميع المطلوب مع هذا الاختلاف الشديد الواضح، يتنزل عن مطلوبه الأعلى، لحفظ المصالح الاخر السياسية وغير السياسية. ومن السياسية تسهيل الأمر على المكلفين، لئلا يرتدعوا عن الشريعة المطهرة، ولا يقع في أنفسهم أنها صعب يشكل المشي معها، ولا تناسب إلا أهل العطلة وجماعة خاصة كما لا يخفى، فيوسع عليهم الأمر، مع شدة طلبه للصلاة


1 - قوانين الاصول: 117، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 235، تهذيب الاصول 1: 363 - 364. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 16 - 18. (*)

[ 282 ]

الجامعة للشرائط، طلبا نفسانيا غير مظهر بإيجاب مستتبع للعقاب. وهذا مما يمكن جدا، كما نرى من حالنا بالمقايسة إلى مطلوباتنا من عبيدنا، فلا تذهل. فإذا وسع عليهم الأمر بترخيص الإتيان بالناقصة، مع عدم بنائه على الإيجاب ثانيا عند تبدل الحال ورفع الاضطرار، فلابد وأن يرفع اليد عن الكاملة بقبول الناقصة وليس هذا إلا الإجزاء وهو الاكتفاء بالناقصة عن الكاملة التي كانت مطلوبه الأعلى، فافهم واغتنم. فتحصل: أن ما هو بحسب الجعل الأولي مورد الطلب، هي الكاملة، فلا يمكن تفويت المصلحة، لاستلزامه المنقصة، ولكنه إذا ارتكب ذلك فيجزي بحسب الحكم الوضعي، لتحقق موضوعه حسب الأدلة المتعرضة للحكم الواقعي الثانوي والمطلوب الأدنى. إن قلت: لا منع من الالتزام بتحقق موضوع الأمر الاضطراري، ولكنه إذا تبدل الحال يجب عليه التدارك، بالتكرار، وعدم وجوب التكرار في الصلاة، فهو للنص والإجماع، فلا منع من الالتزام به في غيرها. قلت: لا يعقل الترخيص إلا بعد رفع اليد عن الواقع الأولي، لأنه إذا كان طلبه الجدي باقيا بالنسبة إلى الكاملة، فلا يدعو إلا إليها، فلا يرخص في أول الوقت في إتيان ما لا يطلبه. نعم، يمكن دعوى إيجاب الاضطراري والواقعي الأولي، لأن الاضطراري مشتمل مثلا على مصلحة أول الوقت، والاختياري مشتمل على مصلحة المائية، فإذا أتى بهما أدرك المصلحتين. ولكنه مجرد احتمال، لأن من المحتمل ارتباطية المصلحتين، كما هو الأوفق بالأدلة. فبالجملة: هذا خروج عن بحث الإجزاء، لأن مفروض الكلام حول أن الواجب ليس متعددا، ولو أمكن ذلك فهو - بحسب الفرض - من الأقل والأكثر

[ 283 ]

الارتباطيين، بمعنى عدم إمكان استيفاء تمام المصلحة إلا بمصداق واحد، لا بمصداقين كما لا يخفى، ولا ينبغي الخلط جدا كما خلطوا. فما قد يقال: من أن الإجزاء لو تم فهو في مثل الصلاة، للإجماع على مقدار الواجب منها (1)، فهو في غير محله. ومقتضى ما ذكرناه أنه إذا كان في أول الوقت مختارا، فتخلف عصيانا أو نسيانا، وكان آخر الوقت مضطرا، فإنه لا يسقط عنه الأمر، بل الواجب عليه عند ذلك هي الناقصة، فترخيص المولى أول الوقت، لا يمكن إلا على الوجه الذي اشير إليه المورث للإجزاء. وتعيين المائية أول الوقت مع العلم بحصول الاضطرار آخره، لا يورث سقوط الأمر بعد تفويت مصلحة المائية، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: هذه المسألة شبيهة بمسألة الترتب، فكما أن هناك ليس إلا أمرين، أحدهما: فعلي، والآخر: شأني، كذلك الأمر هنا. ولكنه في تلك المسألة، يكون الأهم والمهم متباينين في الماهية والوجود، بخلافه هنا، ضرورة أن اختلاف الناقصة والكاملة، ربما تكون في الكيف، واخرى يكون في الكم، كما هو الظاهر. وأيضا: في تلك المسألة يكون المهم والأهم بحسب الأمر طوليين، وبحسب الزمان عرضيين، وهنا يكون الاختياري والاضطراري بحسب الزمان أيضا طوليين، ولذلك ربما يكون المهم من أول الأمر فعليا هنا، بخلافه هناك، فإن الأهم فعلي في جميع فروض البحث، وإلا فليس من الترتب المصطلح. وكما أن امتثال المهم، لا يعقل إلا بعد إعراض المولى عن الأهم، أو سقوطه بالعصيان، كذلك الأمر هنا، فإن امتثال الاضطراري لا يعقل إلا بعد تحقق موضوعه، ورفع اليد عن الأهم، وهي المائية، وإن كان ذلك ليس لأجل العصيان إلا فيما كان


1 - أجود التقريرات 1: 206. (*)

[ 284 ]

في أول الوقت مختارا، وعصى بتفويت المائية، فليتدبر جيدا. إيقاظ: فيه برهان على تعدد الأمر ولا يخفى عليك: أن الالتزام بالعصيان في تفويت المائية، لا يمكن إلا برجوعه إلى عصيان الأمر النفسي، ولايكون الأمر المتوجه إلى الطهارة نفسيا بالضرورة، فيكون الأمر بالطبيعة ساقطا، ثم بعد عصيانه يوجد الأمر الآخر متوجها إليها مع الترابية، فقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (1) إشارة إلى أنه صل مع المائية، وإن لم يوجد الماء، أو وجد واريق، فصل مع الترابية فهناك أمران: أحدهما: متوجه إلى المطلوب الأعلى. وثانيهما: إلى الأدنى بعد الاضطرار إليه، وعدم التمكن من الإتيان بالأول فافهم وتأمل. ثم إن الإشكال المتوجه إلى الترتب (2)، لا يتوجه إلى هذه المسألة، لاختلاف وقتهما، فإن وقت المهم والأهم هناك واحد، بخلاف وقت الاضطراري والاختياري. هذا مع أن فقدان الماء في أول الوقت، يستلزم - حسب الأدلة - تعين الأمر وفعليته، فلا يكون شرطه عصيان الأهم، بخلاف باب الترتب، فلا تخلط. فالمحصول مما قدمناه: أن الإجزاء لا يكون إلا برفع اليد عما هو المطلوب الأعلى حفاظا على مصالح اخر. وأما دعوى: أنه يمكن بالحكومة، بأن يكون دليل الواقعي الثانوي، متكفلا


1 - النساء (4): 43، المائدة (5): 6. 2 - كفاية الاصول: 166. (*)

[ 285 ]

لتنزيله منزلة الواقعي الأولي (1)، فهي غير مسموعة، لأن تلك الدعوى لا تكون إلا بعد سقوط الطلب الجدي الأولي ثبوتا، وهي كاشفة عنه إثباتا. وأما توهم الإجزاء، لأجل استيفاء المصلحة الأعلى بالاضطرارية (2)، فهو باطل، للزوم جواز تبديل الحال اختيارا. مع أن مفهوم الإجزاء شاهد على فرض أن المأتي به أقل ملاكا من المطلوب الأولي. تنبيه: على عدم الفرق في الإجزاء بين اطلاق الدليل وإهماله بناء على ما سلكناه في وجه الإجزاء، فلا فرق بين كون دليل الاضطرار له الإطلاق، أو الإهمال، لأن الإهمال المورث للشك في تحقق موضوع الاضطرار، يستلزم الخروج عن الجهة المبحوث عنها. وإذا كان موضوعه متحققا، فلا حاجة إلى الإطلاق من جهات اخر، أي لا حاجة إلى إثبات بدليته على الإطلاق، فإن أصل البدلية آنا ما، يستلزم الإجزاء والاكتفاء به عما هو المطلوب الأعلى قهرا، كما عرفت. وهكذا الكلام في إطلاق المبدل منه وإهماله، فإنه على تقدير إهماله يرجع إلى الشك في رفع اليد عن المطلوب الأولي، فلا يتحقق موضوع البحث، وعلى تقدير تحقق موضوعه فلا حاجة إليه من جهة اخرى. إن قلت: الملازمة - كما اشير إليه - ممنوعة، ضرورة أن من الممكن جواز البدار، والترخيص في الإتيان بالبدل الاضطراري، ويكون النتيجة التخيير بين المصداقين: الاضطراري، والاختياري.


1 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 234. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 244 - 245. (*)

[ 286 ]

ولكنه إذا تبدل الحال آخر الوقت، يتعين عليه الاختياري، لعدم وفاء الاضطراري بتمام المطلوب. ومجرد الاحتمال كاف لعدم إمكان الحكم بالإجزاء. وتصير النتيجة على هذا: لزوم الجمع بين الأداء والقضاء، لأنه بذلك لا يفوت شئ من المصلحة اللازم دركها. قلت: من توهم ذلك - كما هو عن جماعة من الأفاضل (1) - فهو لعدم الوقوف على مغزى المرام في المقام، وهو أن الجهة المبحوث عنها في مسألة الإجزاء: هي أن الإتيان بالطبيعة الناقصة، يجزي عن الطبيعة الكاملة، أم لا، كالإتيان بمصاديق الصلاة الاضطرارية عن الواقعية، والصوم الاضطراري عن الواقعي وهكذا. أو الإتيان بما يعد صلاة مجازا - كصلاة الغرقى عن الصلاة الجامعة لجميع الأجزاء والشرائط - مجز، أم لا، مما يرجع إلى الأقل والأكثر واقعا، أو اعتبارا الراجع إلى الأقل والأكثر في الملاك أيضا، أي كما لا معنى لأن يصلي حال الاختيار صلاة مع النجس، وصلاة مع الطاهر، بتوهم أن الصلاة الاولى واجدة لمصلحة أول الوقت، والصلاة الثانية واجدة لمصلحة الطهارة، كذلك الأمر حال الاضطرار. وسر ذلك: هو أن الملاك أيضا من قبيل الأقل والأكثر الارتباطيين القائم بمصداق واحد، لا بالمصاديق الكثيرة المختلفة، حتى أنه إذا صرح دليل بوجوب الاختيارية آخر الوقت مع الإتيان بالاضطرارية، فهو لا يكشف عن عدم الإجزاء، بل هو كاشف عن أجنبية المصداق الاضطراري عن الاختياري، ويكون الباعث إلى الترخيص جهة اخرى، كما لا يخفى. إن قلت: إنا نرى بالوجدان إمكان كون المطلوب الأعلى، مباينا في الطبيعة مع المطلوب الأدنى، كما إذا أمر المولى باشتراء البطيخ، ثم أفاد: " أنه إذا لم يوجد البطيخ فليشتر الرقي " فإن الثاني مجز عن الأول، لكونه مصداقا اضطراريا للمطلوب


1 - العروة الوثقى 1: 500، المسألة 3. (*)

[ 287 ]

الجامع، مع كونه مباينا معه في الطبيعة. قلت: هذا غير صحيح، لأن الغرض الأقصى ليس مورد الأمر، ولا الغرض الجامع بين الأعلى والأدنى، بل الذي هو مورد الأمر هو الطبيعة، فإن كان بين الاضطراري والاختياري، جامعا بحسب الطبيعة، فيصح أن يقال: هل الإتيان بمصداق الاضطراري كاف عن الاختياري، أم لا ؟ وإلا فلا يصح، ضرورة أن الرقي ليس مصداقا اضطراريا للبطيخ بالضرورة، بخلاف الترابية بالنسبة إلى المائية. ففي الجهة المبحوث عنها في بحث الإجزاء، لابد من التوجه والالتفات إلى هذه النكتة، وكان ينبغي أن نذكر هذه الجهة من الامور مستقلة. إن قيل: بناء عليه لابد من الالتزام بوحدة الأمر، حتى يكون المأمور به الواحد ذا مصداقين: اضطراري، وواقعي. قلنا: كلا، بل لابد من كون الطبيعة محفوظة بين المصداقين، وإن كان الأمر المتوجه إلى الاضطراري، غير الأمر المتوجه إلى الاختياري. فإذا أحطت خبرا بما أسمعناك، تقدر على استخراج الإجزاء بحكم العقل الضروري، فإن ترخيص البدار لا يعقل إلا بعد رفع اليد عن المطلوب الأعلى، فما هو المأمور به فعلا قد اتي به، وما هو المطلوب الأعلى والواقعي الأولي - حسب الجعل والتشريع - قد رفع اليد عنه، وانصرف عن خصوصيته قهرا وطبعا. سادسها: في صور الشك في الإجزاء وحكمها إذا شك في الإجزاء، فالصور لاختلاف مناشئ الشك كثيرة، نذكر مهماتها: الصورة الاولى: إذا فرضنا تحقق موضوع البدل الاضطراري، ولكن شك في أن البدل المزبور، يكفي عن المصلحة ثبوتا، أم لابد من التكرار حتى يدرك ما فات منها، فالظاهر جريان البراءة بعد مفروضية الإهمال، لأن ذلك يرجع إلى الشك في

[ 288 ]

حدوث التكليف آخر الوقت. وهذا من غير فرق بين كون الأمر بالبدل غير الأمر بالمبدل منه، أو بكونهما واحدا، أو الاختلاف في الأمر الغيري، وهو الأمر بالمائية والترابية لاختلاف حالات المكلفين، فإنه بعد الإتيان بالبدل الاضطراري، يشك في حدوث الأمر الغيري للمائية، وسيأتي زيادة توضيح من ذي قبل إن شاء الله تعالى. الصورة الثانية: في الفرض السابق، إذا كان في أول الوقت مختارا فترك، ثم بعد ذلك تبدلت حالته، فلا شبهة في لزوم الإتيان بالاضطراري، بناء على المشهور في العبادات وأمثالها. وإنما البحث في القضاء، فإن قلنا: إنه بالأمر الجديد، فتجري البراءة. وإن قلنا: هو بالأمر الأول فلابد من القضاء، لأنه بعد العلم بالمأمور به المأتي لابد من الفراغ عنه، وهو لا يحصل احتمالا بالفرد الاضطراري في الوقت. وربما يختلف الحكم على القول بوحدة الأمر وتعدده، فإنه على الأول يمكن الالتزام في القضاء بأنه بالأمر الأول. وأما على الثاني: فالأمر بالاختياري يسقط، لسقوط موضوعه، وهو واجد الماء، والأمر بالاضطراري يحدث، فلا يبقى أمر يمكن استصحابه بعد الوقت، لأن الأمر الحادث في أول الوقت قد زال قطعا، لتبدل الموضوع، والأمر الثاني الحادث آخر الوقت قد امتثل وسقط، لأن موضوعه - وهو العذر المستوعب - قد تحقق. نعم، إذا شك في أن موضوع الاضطراري آخر الوقت، هل هو الاضطرار من الأثناء إلى آخر الوقت، أم هو الاضطرار في مجموع الوقت ؟ فإنه عند ذلك - لولا الأدلة الثانوية - تجري البراءة عن التكليف، لأنه حال الاختيار قد عصى أو نسي، وحال الاضطرار يشك في حدوث التكليف. نعم، يمكن الالتزام بأن الأمر الأول، لا يسقط بسقوط المطلوب الأعلى، وهو

[ 289 ]

المائية، كما هو مبنى أن القضاء بالأمر الأول، فعند ذلك يجري الاستصحاب الحكمي، فليتدبر جيدا. وأما التمسك بالاستصحاب الموضوعي، وهو عدم الإتيان بالمأمور به وفريضته لإثبات القضاء، فهو محل إشكال من جهتين: تارة: من جهة أن الموضوع هو الفوت، لاعدم الإتيان. واخرى: من جهة أنه أصل مثبت. والمسألة - على ما ببالي - محل البحث، ليس لما اشتهر: " من أن موضوع القضاء هو الفوت " (1) ولكن البحث في أنه فوت الفريضة، أو فوت المصلحة، في محله، ومورد التصديق، والتفصيل يطلب من الفقه. وربما يمكن دعوى عدم ترتب ثمرة على الاستصحاب، لأن مع فرض تحقق موضوع البدل الاضطراري - وهو الاضطرار من الأثناء إلى آخر الوقت - لا يمكن إجراء استصحاب عدم الإتيان بالفريضة. نعم، يمكن إجراء عدم إدراكه تمام المصلحة بالفرد الاضطراري، على نحو العدم الأزلي، ولكن لا يكون في حد نفسه واضح الجريان، ولايكون موضوع القضاء قطعا. ثم إنه ربما يظهر من بعض الأعلام، لزوم الاحتياط في نظير المقام (2)، لأن احتمال بقاء المصلحة الملزمة، يستلزم الاحتياط، للشك في القدرة بعد العلم بتمام المصلحة، فلا يلزم في الاحتياط الشك في القدرة مع العلم بالتكليف الفعلي، بل لو كان مطلوب أعلى، وشك في سقوطه بالأدنى، واحتمل بقاء المطلوب الأولي واحتمل إمكان استيفاؤه بالإعادة، فلابد من الاحتياط وإن لم يكن علم فعلي بالتكليف.


1 - نهاية التقرير 2: 204 و 210، مستند العروة الوثقى، كتاب الصلاة 1 / 5: 77. 2 - نهاية الأفكار 1: 230. (*)

[ 290 ]

ونظيره أطراف العلم الإجمالي بعد خروج بعض الأطراف عن دائرة العلم المستلزم لانتفائه، فإنه لا يكون علم فعلا بالتكليف، ولكنه يجب الاحتياط مع الشك في القدرة، كما لا يخفى. وأنت خبير بما فيه وبما في المقايسة. الصورة الثالثة: لو كان في أول الوقت مضطرا، وشك في أن موضوع البدل هو العذر المستوعب، أو مطلق العذر، فأتى بالبدل، بناء على جوازه وعدم حرمته تشريعا، فهل يجب الإعادة في الوقت، والقضاء خارجه، عند تبدل حاله في الوقت، أم لا ؟ صريح " الكفاية " هو الثاني، تمسكا بالبراءة عن التكليف المشكوك حدوثه، وقال: " إنه في القضاء بطريق أولى " (1). وقال السيد الاستاذ البروجردي (رحمه الله): " هذا فاسد جدا، لأن المكلف قد علم باشتغال ذمته بالأمر الواقعي، فيكون مرجع شكه إلى السقوط بالفرد الاضطراري " (2). وأفاد المحقق الوالد - مد ظله -: " أن من يقول بالأمرين فالبراءة محكمة، ومن يقول بالأمر الواحد فالاشتغال محكم " (3). وأضاف العلامة الأراكي (قدس سره): " بأن المسألة من صغريات دوران الأمر بين التعيين والتخيير، لأنه إذا ترك الاضطراري يتعين عليه الاختياري، ولا يجب عليه البدار إلى الاضطراري، فيكون هو مخيرا بين الفرد الاختياري والاضطراري، أو يكون الاختياري متعينا عليه، فلابد من الاحتياط، سواء كان هناك أمران، أو أمر


1 - كفاية الاصول: 110. 2 - نهاية الاصول 1: 131 - 132. 3 - تهذيب الاصول 1: 187. (*)

[ 291 ]

واحد، لتنجيز العلم الإجمالي الامور المتدرجة، كغيرها " (1). وقيل: " بأنه وإن كان منها، إلا أن محكمية الاشتغال في جميع فروض دوران الأمر بين التعيين والتخيير ممنوعة، بل هو في بعض الموارد، كما يظهر تفصيله في محله " (2) وهذا ليس إشكالا في المسألة، كما لا يخفى. أقول: الاشتغال من طريقين: الأول: هو أن المأمور به بحدوده وقيوده - ومنها الطهارة المائية مثلا في أول الوقت - معلوم ولو كان المكلف فاقد الماء، فإذا علم باشتغال ذمته به، فيرجع الشك إلى سقوطه به، فيجب الاحتياط بالتكرار، ولا يجب القضاء، لعدم علمه بموضوعه بناء على كون الموضوع عنوان " الفوت ". وأما إذا قلنا: بأن موضوعه أعم منه ومن عدم الإتيان بالفريضة، فيجري الاستصحاب الموضوعي، كما لا يخفى. ويتوجه إليه: أنه كيف يعقل تنجز المأمور به بتمام قيوده وحدوده مع عجزه عن القيد ؟ ! فإنه كما لا يعقل ذلك في أصل الخطاب، لا يعقل ذلك في قيد المكلف به. ودعوى: أن ما هو المعلوم هو الجامع بين المقيد والمطلق، أو المقيد بالقيد الكذائي والكذائي (3)، مسموعة، إلا أنه يرجع إلى الأقل والأكثر، فيكون الجامع واجبا معلوما، والقيود مشكوكة تجري فيها البراءة. إن قيل: هو قادر بلحاظ جميع الوقت، فيكون بلحاظ جميع الوقت، فيكون بلحاظ حاله الفعلي مشكوك القدرة.


1 - نهاية الأفكار 1: 230. 2 - محاضرات في اصول الفقه 2: 246 - 247. 3 - محاضرات في اصول الفقه 2: 248. (*)

[ 292 ]

قلنا: نعم، إلا أنه لا يعقل توجيه الخطاب الفعلي المنجز إليه. وغاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاشتغال هنا: هو أن القدرة والعجز خارجان عن المأمور به، ولايكون الخطاب - حسب ما تحرر في محله - منحلا إلى الخطابات حسب حالات الأفراد (1)، فإذن يجوز كون الواجب على كافة المكلفين، هو الصلاة المائية، وحيث يكون فيهم من هو القادر عليها، فيكفي صدور الخطاب الجدي بالنسبة إلى الكل، فعليه لابد من الاحتياط، لرجوع الشك إلى كفاية الفرد الاضطراري عنه. وكان على الوالد المحقق - مد ظله - التوسل بهذا التقريب في إفادة الاشتغال، كما لا يخفى. وفيه: أن ذلك أصل لا غبار فيه، ويستثمر منه الآثار العديدة، وتنحل به المعضلات الكثيرة، ولكنه هنا غير نافع، لأن مقتضى ما تحرر في محله: أن التمكن من المائية وعدم التمكن منها، مأخوذ في الدليل، وعند ذلك لا يمكن جعل الخطاب الأعم بالنسبة إلى العاجز. فإذا قيل: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر... فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * (2) فيعلم خروجه عن الخطاب الأولي، واختصاصه بواجد الماء، فلا يعقل تصوير كون الواجب على الفاقد هي المائية، حتى يمكن تثبيت الاشتغال، فلا تغفل، ولا تخلط. وتوهم إمكانه بنحو الواجب المعلق، بأن يقال: بأن الواجب حين الفقدان، فعلي بلحاظ حال الوجدان، وهو آخر الوقت، غير نافع، لأنه مع فرض الشك في


1 - يأتي في الجزء الثالث: 347 - 348. 2 - النساء (4): 43، المائدة (5): 6. (*)

[ 293 ]

أن موضوع الاضطرار هو مطلق العذر، أم هو العذر المستوعب، يشك في وجوبه التعليقي، ولا يمكن العلم به، لأن مع احتمال رفع اليد عن المطلوب الأعلى، لا يمكن العلم بالطلب المعلق الفعلي. نعم يعلم بالمعلق المشروط بعدم الإتيان بالبدل. فبالجملة: لابد من كون متعلق التكليف في لزوم الخروج عن عهدته عند الشك، معلوما من جميع الحدود والقيود، وإذا دخل الوقت، إما يكون الواجب هي الطبيعة الجامعة بين الأفراد، من غير معلومية الخصوصيات، كالترابية، والمائية، فمقتضى البراءة في الأقل والأكثر عدم وجوب الأكثر، وإن كانت الطبيعة واحدة، والأمر واحدا. وإن كان ما هو المعلوم هي الطبيعة المائية، فيدعو الأمر إليها، فلابد من الاحتياط. إلا أنه غير صحيح، لأنه مع احتمال كونه موضوع الترابية لا يعلم الخصوصية. وإن قلنا: بأن ما هو المعلوم من الأول هي الترابية، فلا وجه للاشتغال. ومعنى أن ما هو الواجب هي الترابية: هو أن الصلاة واجبة، وتقع بصفة الوجوب، ولكنها من جهة خصوصية المصداق - وهي الترابية - مورد الرخصة، وأنه يجوز له التأخير إلى آخر الوقت، كما هو شأن جميع الواجبات الموسعة، فإنها تقع بصفة الوجوب إذا تحققت في أول الوقت، ولكنه يجوز تأخيرها، والإتيان بمصاديق اخر مع الخصوصيات الاخرى، كما لا يخفى. الثاني: أن هذه المسألة من صغريات مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، فلابد من القول بالاحتياط، وقد عرفت في طي البحث وجهه، فلا نعيده. أقول أولا: إن مقتضى ما تحرر منا في محله: أن المسألة من صغريات دوران الأمر بين كونه من الواجب التعييني الذاتي، أو الواجب العيني العرضي، على ما

[ 294 ]

اصطلحنا عليه في أقسام الواجب (1). مثلا: في مسألة صلاة الجمعة والظهر، ليس الوجوب تخييريا، بل الواجب بالذات هو الظهر، والجمعة تكون مجزية عنه، وهذا ليس من الواجب التخييري اصطلاحا، الذي يكون التخيير فيه مجعولا من أول الأمر. وتظهر الثمرة في صورة الشك، فإنه على ما ذكرناه يتعين الاشتغال إذا لم يكن الدليل ناهضا على الإجزاء، بخلاف الأمر على ما أفاده القوم، فإنه يمكن اختيار البراءة، بناء على جريانها في دوران الأمر بين التعيين والتخيير. وعلى هذا تعرف: أن مسألتنا هذه لو كانت من صغريات مسألة، فهي من صغريات هذه المسألة، لا تلك، فلا تغفل. وثانيا: ليست هذه المسألة من صغريات المسألتين السابقتين، ضرورة أن الواجب معلوم في أصله، والأمر النفسي العيني واضح من أول الوقت، وإنما الشبهة في خصوصياته، فإن كان المكلف موضوع البدل، فيجوز له البدار إلى الترابية، فيكون ما هو المدعو إليه هي الصلاة الترابية، من غير كونها واجبة عليه بالتعيين، وإن لم يكن موضوعها، فلابد من الصبر والانتظار حتى يأتي بالمائية. فما هو الواجب عليه موسعا هي الصلاة، ولا شبهة في ذلك، ولا ترديد فيه أصلا، وحيث لا دليل على حدود المكلف به من أول الوقت، لا سبيل إلى إيجاب التأخير، ولو أتى به أول الوقت يشك في ثبوت الأمر بالخصوصية بعدما صار واجدا للماء، والشك في سقوط التكليف ينشأ من الشك في حدوده، وحيث لا دليل عليه فالمرجع هي البراءة - كما أفاده " الكفاية " (2) - بلا شبهة وإشكال.


1 - يأتي في الجزء الرابع: 73. 2 - كفاية الاصول: 110. (*)

[ 295 ]

فتحصل: أنه مع الإتيان بالبدل الاحتمالي، لا يبقى موقف للعلم بالتكليف مع الخصوصية. نعم، لو قلنا بعدم جواز البدار عند الشبهة، وقلنا ببطلان الترابية، فلابد من الصبر والانتظار. وهذا كأنه خروج عن موضوع البحث، ولا يضر بالجهة المبحوث عنها هنا، كما لا يخفى. وإن شئت قلت: لا يمكن أن يقال بالتخيير بين الترابية والمائية، لأن الترابية في طول المائية، وحيث لا يكون في أول الوقت يجب عليه المائية، لفقدانه، فيكون من المحتمل رفع اليد عنها بالإتيان بالترابية، فالتكليف بالمائية - أي بالخصوصية - لا يتنجز بعد ذلك، لأن ترك البدل من شروطه. ومما ذكرنا يظهر عدم حصول الفرق بين وحدة الأمر وتعدده. كما أنه إذا جرت البراءة بالنسبة إلى الإعادة، فبالنسبة إلى القضاء بطريق أولى، وذلك لأن تقريب الاشتغال - بإدراج المسألة في صغريات دوران الأمر بين التعيين والتخيير - لا يمكن بالنسبة إلى القضاء، وهكذا التقريب الأول. الصورة الرابعة: ثم إنه يظهر من حكم ما سبق، حكم هذه الصورة: وهي ما إذا كان مختارا في أول الوقت، وصار مضطرا، وشك في أنه موضوع الاضطرار، فأتى بالبدل الاحتمالي، ثم في الوقت وجد الماء، أو خارجه، فالظاهر تعين المائية، للعلم بها، والشك في الخروج عن عهدتها. وإذا ترك البدل يتعين القضاء. وأما لو أتى به، ففي وجوب القضاء بحث مضى، والقاعدة هي البراءة، على تأمل تفصيله في مباحث القضاء في الفقه. وأما وجوب الإتيان بالبدل الاحتمالي، فهو محل إشكال، إلا في موارد

[ 296 ]

الإجماع على أن " الصلاة لا تترك بحال " (1) وموارد العلم الإجمالي بوجوب الأداء عليه في الوقت، أو القضاء خارجه، فإنه يجب الاحتياط بالجمع. نعم، ربما يشكل تنجيز هذا العلم، لأن موضوع القضاء هو " الفوت " وهذا يورث قصور العلم بالتكليف الفعلي على أي تقدير، كما هو الظاهر. اللهم إلا أن يقال: بأن موضوعه أعم منه ومن عدم الإتيان بالفريضة، وعند ذلك يحرز بالاستصحاب. والذي هو أساس البراءة: هو أن الترخيص إلى البدل، لا يمكن إلا برفع اليد عن المطلوب الأعلى، كما مر، ومع احتمال الترخيص، لا يمكن العلم بالطلب الأعلى، ومع عدم العلم به لا سبيل إلى الاشتغال.


1 - وسائل الشيعة 12: 346، كتاب الحج، أبواب الإحرام، الباب 19، الحديث 1، مع تفاوت يسير. (*)

[ 297 ]

الموقف الثالث في إجزاء المأمور به الظاهري عن الواقعي بمعنى أنه لو أتى بالناقصة حسب ما يؤدي إليه أصل من الاصول، أو أمارة من الأمارات، ثم تبين النقصان، فهل تجب الإعادة والقضاء، أم لا ؟ وبعبارة اخرى: يجوز ترتيب الآثر الثابت حسب الأدلة الأولية للمركب الكامل، على المركب الناقص، فيكتفي بالصلاة بلا سورة، أو مع النجس، ولا يعيد، ولا يقضيها، وبالصوم مع الإتيان ببعض المفطرات، أو مع الإفطار في الوقت حسب الاستصحاب، أو الدليل، ولا يقضيه، وبالحج مع تبين أنه لم يكن مستطيعا حسب الواقع، ولكن حسب استصحاب بقاء أمواله، أو قيام الأمارة، كان يجب عليه الحج، وهكذا في جميع المركبات التي أتى المكلف بالناقص منها حسب الوظيفة الظاهرية. وأما مع ترك الكل، فهو موكول إلى البحث الرابع الذي أشرنا إليه، وأدرجناه في مباحث الإجزاء (1)، خلافا للأعلام (2). ومن صغريات هذه المسألة الطهارات الثلاث، حسبما يظهر من ظواهر الكلمات، فلو توضأ أو اغتسل أو تيمم - حسب قاعدة الطهارة أو استصحابها - بالماء المشكوكة طهارته، أو التراب المشكوكة طهارته، ثم تبين نجاستهما، فهل


1 - يأتي في الصفحة 346. 2 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 190. (*)

[ 298 ]

يعيد، أم لا ؟ وهكذا لو عفر إناء الولوغ بالتراب المشكوك حاله، ثم تبين نجاسته. فلا فرق بين المركبات المطلوبة بنفسها، والمركبات المجعولة للغير، مع أنها مطلوبة نفسيا ندبا، في دخول الكل في محط البحث. ومثلها المركبات الاخر المعتبرة في المعاملات، كالعقود، والإيقاعات. فلو تمسك بأصالة البراءة الشرعية لرفع اعتبار قيد شرعا فيها، بناء على جريانه في مثله، ثم تبين خلافه، أو قام الدليل على أن زيدا يعرف العقد العربي، ثم تبين أنه عقد فارسيا، وكان لايعرف ذلك، أو قلنا بجواز الاتكاء على استصحاب علمه بالعربية، فأوكل الأمر إليه، فتبين الخلاف، فهل يجزي هذا الناقص عن الكامل، ويجوز ترتيب آثاره عليه، أم لا ؟ فلا فرق بين الاصول والأمارات الجارية في الشبهات الموضوعية، أو الحكمية - كما صرح به بعضهم (1) - في دخول الكل في محط البحث. إن قلت: بناء على هذا يجري النزاع حتى في مثل التذكية، وفي مثل التصرف في مال الغير بدون الإذن الواقعي، إذا كان الإذن محرزا بالاستصحاب، مع أن مفهوم " الإجزاء " و " أن المأمور به الظاهري عن الواقعي يجزي، أم لا " يأبى عن ذلك، لعدم تعلق الأمر بذلك. قلت: ليس عنوان " الإجزاء " في الدليل، وليس الباحث عن هذه المسألة من يتبع قوله، فعليه لابد من ملاحظة ملاك البحث والمقصود الأصلي فيه، وهو أعم من ذلك، ضرورة أن المقصود هو أن الإتيان بطبيعة ناقصة، يكفي عن الكاملة في ترتب الآثار الشرعية عليها المخصوصة بالكاملة حسب الغرض الأولي، أم لا يكفي. فلا يختص البحث بالعبادات، ولا بالمركبات الخاصة، بل البحث جار حتى


1 - لاحظ محاضرات في اصول الفقه 2: 360. (*)

[ 299 ]

في مثل المركب من الجزءين إذا أتى بأحدهما، وأحرز الآخر بالأصل، كما في تصرفه في مال الغير، فإنه إذا أحرز شرط جواز التصرف بالاستصحاب، ثم تبين خلافه، يأتي البحث في أنه ضامن أم لا، وهكذا في أن صلاته في ثوبه صحيحة، أم لا. فعلى ما تقرر لا يشترط كون الناقص مأمورا به، بل المناط أعم. ثم إنه ربما يخطر بالبال الفرق بين المركبات التي لها المسببات الباقية اعتبارا، وبين ما ليست كذلك، فإن مثل الصلاة والصوم والحج وهكذا، لا يعتبر لها البقاء، ومثل الطهارات والعقود والإيقاعات والحلية في التذكية وأمثال ذلك، يعتبر بها البقاء: فما كان من قبيل الأول يأتي فيه النزاع. وما كان من قبيل الثاني، فبالنسبة إلى الآثار السابقة، يأتي أيضا فيه البحث. مثلا: إذا توضأ بالماء النجس الواقعي والطاهر الظاهري، تصح صلاته، ولكنه بعدما تبين فلا نزاع في لزوم التوضي للصلوات الآتية. وهكذا إذا صام شهر رمضان، ثم تبين أنه جنب، فإنه يأتي البحث في صحة صوم شهر رمضان، ولا يأتي في لزوم تحصيل الطهارة للآتية. وأما بالنسبة إلى الآثار الآتية، فلا يأتي النزاع، كما اشير إليه، وعرفت المقصود. وأنت خبير: بأن العقود والإيقاعات، يأتي النزاع فيها بالنسبة إلى الآثار الآتية، ولعل المشهور هو الإجزاء فيها، فلا يجب إعادة العقد بالعربي، لترتيب الآثار بعد ذلك. نعم، ربما يخطر دعوى الفرق بين ما كان من الشروط شرطا حدوثا فقط، كالعربية، والماضوية، وكالحديد في تحقق التذكية، والقابلية وهكذا، وبين ما كان منها شرطا حدوثا وبقاء، كطيب المالك لجواز التصرف، فإنه لا معنى لترخيص

[ 300 ]

التصرف بعد تبين عدم الطيب، بخلاف إمكان الترخيص بالنسبة إلى الصلوات الآتية، بدعوى أن طهارة الماء المحرزة بالأصل أو الأمارة، كافية في إزالة الحدث والخبث، فلا يكون بعد ذلك جنابة، حتى يحتاج إلى الإزالة بالنسبة إلى الأعمال الآتية المشروطة بالطهارة، فافهم واغتنم. فتحصل إلى هنا: أوسعية بحث الإجزاء في المقام مما يظهر من بعض كلماتهم (1)، ولا وجه للاقتصار على ما ينطبق عليه عنوان المسألة، من كون الطبيعة الناقصة مأمورا بها، بل لو كان من الامور الرخصية، ومن الشرائط لامور اخر - كالتذكية بالنسبة إلى جواز الأكل - فهو أيضا داخل في ملاك البحث، وإلا يلزم خروج مباحث العقود والإيقاعات عنها، لعدم تعلق الأمر بها، لا ندبا، ولا وجوبا، إلا في بعض المواقف، على تأمل فيه، فلا تغفل. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن تمام الكلام في مقامين: المقام الأول: في الأمارات وقبل الخوض في أصل المقصود، لابد من تقديم امور: أحدها: في المراد من الأمارات المراد من " الأمارات " أعم من الأمارات العقلائية الممضاة الجارية في الأحكام والموضوعات، كخبر الثقة، والبينة، وقاعدة اليد وغيرها، ومن الأمارات التأسيسية الشرعية التي يستظهر من أدلتها أن الشرع المقدس مثلا، اعتبرها كالأمارة، حتى تكون مثبتاتها حجة.


1 - كفاية الاصول: 110، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 246. (*)

[ 301 ]

وهي من جهة الصغرى محل الكلام، وربما يمكن دعوى أن الاستصحاب منها، أو رأي الفقيه والمجتهد من هذا القبيل، لما تقرر في محله من سقوطه عن الحجية العقلائية، لاختلافهم في مسألة واحدة مرارا وكرارا، ولكن ربما اعتبر شرعا كالأمارات الاخر. ثم إن بناء الأصحاب إلى زماننا هذا، على إخراج مثل القطع عن هذه المسألة (1)، حتى من القائل بالإجزاء في الأمارات. ولعل سر ذلك عندهم: أن حجيته ذاتية، لا تنالها يد الجعل والتشريع، فلا ربط لعالم الشرع بهذه الأمارة العقلية، ولا تصرف منه، ولا إمضاء من قبله، ولاتتميم لكشفه، ولاغير ذلك من العبارات المختلفة. والذي هو الحق عندي: أن حجية القطع ليست ذاتية، بل هي - كغيرها - تحتاج إلى دليل الإمضاء، لأن الحجية ليست ذاتية، لا بالمعنى المصطلح عليه في باب الإيساغوجي والكليات الخمسة، ولا في باب البرهان، بل الحجية من الاعتبارات العقلائية، فربما أمكن للشرع إسقاطه عنها، فلا يكون عذرا، وإذا توجه المكلف إلى ذلك، فلا يرد في واد يحصل له القطع، ولا يدخل في مقام يوجد له العلم، فيرتدع عن هذا، ولا يسلك سبيلا يؤدي إلى وقوعه في العلم. نعم، بعدما كان عالما لا يمكن ردعه، وتفصيل ذلك في محله (2). ولعل هذا مما يستفاد من بعض عبارات الشيخ الأنصاري (قدس سره) (3)، كما صرح به الوالد - مد ظله - (4). ولو سلمنا أن حجيته ذاتية، فهو داخل في محل البحث أيضا، وذلك على بعض الوجوه الآتية في تقريب الإجزاء في الأمارات مثلا، لو قلنا: بأن وجه الإجزاء


1 - لاحظ منتهى الاصول 1: 253. 2 - يأتي في الجزء السادس: 22 - 39. 3 - فرائد الاصول 1: 5 - 6. 4 - تهذيب الاصول 2: 8 - 9. (*)

[ 302 ]

فيها، أن الشرع بعد إمضاء الأمارة العقلائية المؤدية إلى خلاف الواقع، لا يكون باقيا على إرادته الأولية، بل لابد من رفع اليد عند ذلك عنها، جمعا بين الحكمين. فعليه يأتي هذا الوجه هنا، لأن هذا المشرع والمقنن، هو الله تعالى الذي خلق كل شئ، وبيده كل شئ، ومن تلك الأشياء القطع المؤدي إلى خلاف شريعته وقانونه، فكيف يمكن ترشح الإرادة الجدية منه تعالى في مورد خطأ الطريق التكويني الذي أمر خلقته بيده ؟ ! فلابد من رفع اليد عن الحكم التشريعي، فيحصل الإجزاء قهرا. فبالجملة: جميع الأمارات داخلة في محط البحث وموضوع الكلام، فلا تخلط، ولا تغفل. ثانيها: في قصر بحث الإجزاء على طريقية الأمارات البحث هنا مقصور على مسلك الحق في باب حجية الطرق والأمارات، من الطريقية، ولا ينبغي تشقيق الشقوق، وتكثير الكلام على السببية بأنحائها، بعد عدم رضا أحد من العقلاء بها، لا السببية التي أبدعها الأشاعرة من إنكار الأحكام الواقعية رأسا، ولا التي اخترعها المعتزلة، من قلب الواقع عما كان عليه عند تخلف مؤدى الأمارة عن الواقع. وأما السببية بمعنى المصلحة السلوكية، فهي ليست من أنحاء السببية، لأن صاحبها يأبى عنها، وربما يؤدي نظره إلى التفصيل بين الإعادة والقضاء هنا، فيكون رأيا ثالثا في مسألة الإجزاء، كما لا يخفى. فبالجملة: الإجزاء على رأي العامة في الطرق ضروري، بل لا معنى لعدمه، وعلى رأي الإمامية محل البحث، سواء قلنا بالمصلحة السلوكية، أو لم نقل، لأن وفاء تلك المصلحة بذاك، غير ثابت ثبوتا، كما يأتي الإيماء إليه.

[ 303 ]

وسواء قلنا: بأن الطرق أعذار ومنجزات، ولا شئ وراء ذلك، وتكون حججا بين الموالي والعبيد، من غير ارتباط بعالم الواقع ونفس الأمر، كما هو الحق الظاهر عند كل عاقل وخبير (1)، أو قلنا: بأنها مجعولة بملاك غلبة الإصابة للواقع، فتكون حسب مؤدياتها أحكام مجعولة مماثلة للأحكام الواقعية، كما هو المنسوب في التعليقة إلى المشهور (2). وعلى كل حال: نزاع الإجزاء منوط بالالتزام بالحكمين: الظاهري، والواقعي، وأنه عند انكشاف الواقع، ولدى تخلف الظاهري عن الواقعي، هل يجوز ترتيب الآثار على المأتي به غير الواجد للشرط أو الجزء، أو الواجد للمانع، أم لا ؟ وأما مع إنكار أحد الحكمين - الواقعي كان، أم الظاهري - فلا معنى له، لأنه على الأول يتعين الإجزاء، وعلى الثاني يتعين الاحتياط، فلا يجزي قهرا وقطعا. ثم إن السببية في الطرق باطلة على إطلاقها، فتوهم الفرق بين الطرق القائمة على أصل الحكم، وبين القائمة على قيود الموضوع، كالشرط، والجزء، وأنها في الاولى باطلة، دون الثانية (3)، في غير محله، ضرورة أن مجرد إمكان الالتزام بالسببية، لا يورث صحة ذلك، وإلا فهي ممكنة حتى بالنسبة إلى أصل الحكم والموضوع، كما لا يخفى. فما ترى في كلام العلامة الأراكي (قدس سره): من نفي الاستبعاد عنه (4)، لا يخلو من غرابة، ضرورة أن دليل حجيتها في الكل واحد، ولا يستفاد من قوله: " لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا " (5) إلا المعذرية والمخبرية، حسب


1 - كفاية الاصول: 319. 2 - نهاية الدراية 1: 400. 3 - أجود التقريرات 1: 197، منتهى الاصول 1: 254. 4 - نهاية الأفكار 1: 245 - 246. 5 - وسائل الشيعة 27: 149 كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 40. (*)

[ 304 ]

دلالة المطابقة في الاولى، والالتزام في الثانية. إن قلت: تدارك المصلحة الفائتة بالمصلحة السلوكية والالتزامية، يورث الإجزاء، فهذا مثل السببية، فإن مضى الوقت فيتدارك جميع ما فات منه في الوقت، ولا يجب عليه القضاء عند انكشاف الخلاف بعد الوقت، وإن انكشف الخلاف في الوقت فعليه القضاء. قلت أولا: يمكن دعوى أن السلوك آنا ما يكفي، ويتدارك به جميع ما يمكن أن يفوت منه، فلا يجب الأداء والإعادة، كالقضاء. وأما عند الشك، فهو تابع للبحث الآخر الآتي في محله. وثانيا: لا تلازم بين تدارك ما فات منه وبين الإجزاء، لأن شخص مصلحة الواقع باق على حاله، ويكون الأمر الواقعي تابع تلك المصلحة، وهذا كثير النظير في العرفيات، فلا تغفل. فما أفاده بعض إشكالا على القول بالمصلحة السلوكية: من أنها تؤدي إلى الإجزاء، والتفصيل بين الإعادة والقضاء (1)، في غير محله. ولعل معنى: " أن للمصيب أجرين، وللمخطئ أجرا واحدا " (2) يرجع إلى ذلك. نعم، ما أفاده العلامة النائيني (قدس سره) هنا بقوله: " ومن المعلوم أن المصلحة السلوكية، لا تقتضي الإجزاء عند انكشاف الخلاف، فإن المصلحة السلوكية - على القول بها - إنما هي لتدارك فوت مصلحة الواقع، وهذا مع انكشاف الخلاف وإمكان تحصيل المصلحة الواقعية، لا يتحقق " (3) انتهى، يستلزم الإجزاء إذا مضى الوقت ولم ينكشف، لأنه بعد الوقت لا يمكن تحصيل المصلحة الواقعية، لارتباطية مصلحة


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 276. 2 - سنن الترمذي 2: 393، كنز العمال 5: 630. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 247 - 248. (*)

[ 305 ]

الصلاة والوقت حسب الفرض، فليتدبر. ثم إنه قد يتراءى من كلام بعض الأفاضل والأعلام: أن ما هو محل البحث ويمكن الالتزام بالإجزاء فيه، هو الطريق المستوفي لشرائط الحجية، دون موهوم الحجية. مثلا: إذا قام طريق على شرطية السورة، ثم قام طريق أقوى منه على عدم شرطيتها، أو اقتضى العموم أو الإطلاق عدم شرطية المركب بشئ، ثم تبين وجود مخصص يقتضي شرطيته، أو وجدت قرينة صارفة أو معينة على خلافهما، أو وجدت مزية للرواية المتروكة على الرواية المأخوذة، أو قرينة على أن ابن سنان في السند هو محمد، ثم تبين أنه عبد الله وهكذا، فإنه في جميع هذه المواقف، لا يكون الإجزاء حتى على السببية، لأن من يقول بها يقول فيما هو مستوف لجهات الحجية، لا فيما هو موهوم الحجية، وينكشف بعد ذلك أنه ما كان حجة واقعا (1)، انتهى. وأنت خبير بما فيه من القصور والفتور، ضرورة: أن في الشبهات الحكمية الكلية، يكون جميع الانكشافات من هذا القبيل، ولا معنى للحجية الواقعية إلا بمعنى أنه إذا أخل بوظيفته من الفحص، ثم تبين وجود الطريق، فإنه عند ذلك يكون الطريق الأول موهوم الحجة، وإلا فهو حجة وعذر. هذا أولا. وثانيا: ما هو ملاك الإجزاء عندنا، هو أنه مع ترخيص الشرع بالأخذ والتطرق، لا يمكن إلا إمضاء المأتي به، وهو الإجزاء، وهذا المناط يجري في مطلق الحجة، سواء كانت على الأحكام، أو الموضوعات. نعم، ما اشير إليه خارج، لعدم كونه حجة إلا بعد إحراز الشرط، وهو الفحص الكافي عن مقدار الدليل، ومعارضاته، وقيوده من القرائن وغيرها.


1 - كفاية الاصول: 112، منتهى الاصول 1: 254، محاضرات في اصول الفقه 2: 282. (*

[ 306 ]

ثالثها: في الفرق بين الإجزاء هنا وبين الإجزاء في مباحث الاجتهاد والتقليد لا ينبغي الخلط بين بحث الإجزاء هنا، وبحث الإجزاء في الاجتهاو والتقليد، ولا ينبغي إدراج تلك المسألة وخصوصياتها في هذه المسألة، فإن الجهة المبحوث عنها هنا: هي أنه إذا تبين نقصان المأتي به عن المأمور به الواقعي، فهل يكفي الناقص عن الكامل، أم لا ؟ ولا نظر إلى كيفية التبين، وأنه قطعي، أو ظني، أو غير ذلك، والجهة المبحوث عنها في تلك المسألة: هي أنه إذا اختلفت آراء المجتهدين وتقليد المقلدين، فهل يكون الرأي الأول حجة إلى زمان التبدل، أو لا، أو يفصل بين ما إذا كان الرأي الأخير مستندا إلى القطع بالخلاف، وما كان مستندا إلى الدليل الظني. فما ترى من المخالطة (1) وإن لم يكن به بأس، ولكنه خروج عما عليه القوم في المباحث، وإلا يلزم تكرار المسألة في الاصول. وإن شئت قلت: لا إهمال في كيفية التبين هنا، بل المراد هو ما إذا استند في العمل الأول إلى الطريق العقلي، أو العقلائي، أو الشرعي، ثم تبين له بطلان ذلك الطريق قطعا، لشواهد كثيرة قد خفيت عليه. وعلى كل حال ما يأتي في توجيه الإجزاء، لا تختلف فيه الصور المزبورة، كما ستعرف إن شاء الله تعالى. الأقوال في إجزاء الأمارات وبيان الحق إذا عرفت تلك الجهات فاعلم: أن المنسوب إلى الشهرة القديمة والحديثة (2)


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 258 - 259، منتهى الاصول 1: 259 - 261. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 141. (*)

[ 307 ]

إلى عصر الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) هو الإجزاء في الأمارات، وظاهر المدعي عدم الفرق بين أنحاء الأمارات، كما يظهر منه عدم الفرق بين الأمارات في الأحكام، والموضوعات (1). هذا، ويظهر مما اسند إلى الشهيد، أن القول بالإجزاء من التصويب المجمع على بطلانه (2). وحيث إن المسألة هنا تدور مدار القاعدة العقلية، من غير النظر إلى خصوصيات اخر من الأدلة اللفظية في بعض المركبات، أو الإجماع في بعض، فلابد من النظر إلى ما هو قضية الصناعة العلمية. والمعروف بين أبناء الفضل والتحقيق في العصر عدم الإجزاء (3)، وقد خالفهم السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) وكان يصر على الإجزاء (4)، وكنا من أول الأمر نوافقه، وكان ذلك عندنا من الواضحات. فنقول: إن هذه المسألة، من متفرعات مسألة كيفية الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، فإن قلنا هناك: بانحفاظ الحكم الواقعي على ما هو عليه من الجد والإلزام في جميع النواحي، فلابد من القول بعدم الإجزاء، لأن الطرق ليست إلا معذرات ومنجزات. وإذا قلنا: بعدم انحفاظ الأحكام الواقعية في مرتبة الحكم الظاهري، ومع الترخيص والإمضاء والرضا بالطرق المؤدية إلى خلافها أحيانا، فلابد من القول بالإجزاء، وذلك لامتناع الجمع بينهما عقلا، فإنه لا يعقل ترشح الإرادة الجدية من


1 - مطارح الأنظار: 22 / السطر 9. 2 - حكاه في فرائد الاصول 1: 46، لاحظ تمهيد القواعد: 322 - 323. 3 - مطارح الأنظار: 23 / السطر، كفاية الاصول: 111، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 246 - 255، نهاية الأفكار 1: 243، تهذيب الاصول 1: 190. 4 - نهاية الاصول: 138 - 139. (*)

[ 308 ]

المولى الملتفت إلى جعل السورة مثلا جزء على جميع التقادير، مع عدم رفع اليد عن جزئيتها، سواء أدت الأمارة إليها، أو أدت إلى خلافها، ومع ذلك يترشح منه الإرادة والرضا بجعل الطرق والأمارات، بل يجب عليه حينئذ السكوت، وإحالة الأمر إلى العقل، وإعلام عدم الرضا بالطرق، أو جعل الاحتياط. وثمرة هذا القول هو الالتزام بأن الطرق والأمارات منجزات عند الإصابة، وليست معذرات، لعدم بقاء الإرادة على حالها، كما لا يخفى. إذا أحطت خبرا بما تلوناه عليك، يظهر لك: أن دليل الإمضاء وإظهار الرضا، لا يفرق بين الأمارات التي لا يكشف خلافها، أو التي كشف خلافها، لوحدة الدليل والإمضاء، فإذن لا يفهم العقلاء من تلك الأدلة، إلا أن الشرع الأقدس في مورد المخالفة، رفع اليد عن الواقع، وانصرف عن مطلوبه الأعلى، لمصالح عالية من حفظ النظام، ومن تسهيل الأمر، وترغيب الناس إلى أساس الديانة والإسلام، وغير ذلك. وبعبارة اخرى: الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري في مورد الأمارات، لا يمكن ثبوتا إلا بما اشير إليه، وهو مختار السيد، والوالد المحقق - مد ظله - أيضا (1). وتوهم: أنه من التصويب المجمع على بطلانه، في غير محله. مع أن الإجماع على أمر غير معقول، لا يورث شيئا، ولذلك التزم صاحب " الكفاية " (قدس سره) بأن الحكم الواقعي إنشائي (2)، وهذا يرجع إلى عدم إرادة جدية على الحكم الواقعي. وأما الإجزاء فيمكن دعوى عدمه هنا، لأنه لا مانع من الالتزام برفع اليد عن الواقع، بالنسبة إلى ما لا ينكشف خلافه. مثلا: إذا قام دليل على عدم وجوب السورة، أو عدم مفطرية الارتماس، أو عدم لزوم طهارة ماء الوضوء، أو على أن القبلة هكذا، أو غير ذلك من الأحكام


1 - نهاية الاصول: 134 - 136، تهذيب الاصول 2: 66. 2 - درر الفوائد، المحقق الخراساني: 36 - 37. (*)

[ 309 ]

والموضوعات الوضعية والتكليفية، وكان بحسب الواقع تجب السورة وهكذا في الصلاة وغيرها، فإن الترخيص في التطرق والعمل بالأمارات غير المنكشفة إلى آخر العمر، أو آخر الوقت المضروب للطبيعة، لا يعقل مع بقاء الجد والإرادة الإلزامية على الشرطية، فقهرا بالنسبة إليها تضمحل الإرادة. ولكن بالنسبة إلى الأمارة التي تنكشف في أثناء الوقت - بحسب الواقع واللب - لاتضمحل الإرادة، بل الواقع محفوظ، فلا يكون حينئذ تصويب اصطلاحي إلا في صورة واحدة، فعليه تجب الإعادة، ويجب القضاء إذا تبين خارج الوقت، وقام دليل على تعدد المطلوب، لأنه بحسب التصور كان قد رفع اليد عن مصلحة الوقت، ولكنه لا يرفع اليد عن مصلحة الطبيعة. فبالجملة: لا إلزام ثبوتا بالإجزاء، ولكنه يتم إثباتا بعد وحدة دليل إمضاء الأمارة، وبعد عدم تعرض الشرع للأمارات التي ينكشف خلافها، فإنه عند ذلك لا يفهم إلا رفع اليد بمجرد قيام الأمارة. إن قلت: إذا كان الإجماع على بطلان التصويب، وكانت بعض الروايات المتعرضة لإمضاء الطرق والأمارات، ناظرة إلى المعذرية والمنجزية، فالقدر المتيقن من لزوم رفع اليد هو المتعين، وهو ما إذا لم ينكشف خلافه، وأما لو كشف الخلاف حتى بعد الموت، فيترتب آثار الأحكام الواقعية، ويجب على الوصي العمل بوظائفه، وعلى الولد الأكبر قضاء ما فات منه، وهكذا. قلت: أما الإجماع المزبور، فلا يفيد إلا بطلان التصويب قبال التخطئة، وهذا مما لا يقول به الإمامية، والذي نقول به هو صرف نظر الشرع عن الواقع فيما نحن فيه، لأمر أهم، وهذا مما لا دليل على بطلانه. هذا مع أن حجية الإجماع المزبور ممنوعة، لما يظهر من الشيخ في " العدة "

[ 310 ]

أن المسألة عقلية، لا شرعية (1)، فراجع. وأما توهم دلالة مثل قوله (عليه السلام): " لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا " (2) على المعذرية والمنجزية، ولا معنى للمعذرية إلا محفوظية الأحكام الواقعية في رتبة الظاهرية، وإلا فلا حكم حتى يسأل عنه، ويحتاج العبد إلى الاعتذار بتأدية الطرق خلاف الواقع، فهو غير سديد، ضرورة أنه دليل على منجزية الطرق، وأنه إذا قامت الطرق وخبر الثقة على حكم، فلا عذر لأحد في ترك العمل به، باحتمال عدم كونه موافقا للواقع، فإنه لا يكون عند الإصابة معذورا، وأما أن الطريق عذر عند المخالفة فلا يستكشف منه، إن لم نقل بدلالته على منجزيتها فقط، فما ترى في حاشية العلامة المحشي (قدس سره) (3) في غير محله. فتحصل: أن قضية وحدة دليل الأمارات - بعد كونها مستلزمة لصرف النظر، ورفع اليد عن الواقع في صورة عدم كشف الخلاف - هو الإجزاء عرفا حتى في صورة كشف الخلاف، فتكون الأمارات منجزات، لا معذرات. وبعبارة اخرى: يمكن دعوى أن فهم العقلاء والعرف في الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية يختلف، فإن لاحظنا النسبة بين الواقعيات النفسية - كوجوب صلاة الجمعة، ووجوب الحج، وغير ذلك - وبين أدلة تنفيذ الطرق والأمارات، تعين وأن يقال بانحفاظ الواقع مع إمكان الاستيفاء، فلو دل دليل على عدم وجوب شئ نفسي، ثم قبل مضي وقته تبين وجوبه، فإنه لا معنى لرفع اليد عن الواقع. وأما إذا لاحظنا النسبة بين الأحكام الغيرية، وتلك الأدلة، فحيث إن الأمر


1 - عدة الاصول: 83. 2 - تقدم في الصفحة 303، الهامش 5. 3 - نهاية الدراية 1: 400. (*)

[ 311 ]

الداعي إلى الطبيعة، يدعو إليها في جميع الوقت، فلا يستفاد من الجمع بين هذه الأدلة إلا أنه إذا صادف دليل الأمارة الواقع فهو، وإلا فقد رفع المولى يده - لمصالح - عن واقعه ومطلوبه، وحينئذ يكون الناقص والمأتي به الفاقد للشرط والجزء والواجد للمانع، مسقطا لأمره المتعلق بالطبيعة. إن قلت: لا دليل على حجية الأمارات والطرق، إلا إمضاء الشرع والسكوت وعدم الردع، وعند ذلك يتعين الأخذ بإطلاق الأحكام الواقعية وانحفاظها حتى يخرج وقتها، ولا يتمكن العبد من امتثالها، وعلى هذا يلزم التفصيل بين الأمارات الإمضائية، وبين الأمارات التأسيسية، كالاستصحاب مثلا، وفتوى الفقيه، وغيرهما مما قام الدليل الشرعي على حجيته على نعت حجية الأمارات. قلت أولا: قد تواترت النصوص على حجية خبر الثقات والعدول، ومن شاء فليرجع إلى مقدمات كتاب " جامع الأحاديث " للاستاذ البروجردي (قدس سره) (1). وثانيا: العقلاء يستكشفون من السكوت رضا الشرع بالطرق، فلابد وأن يتوجهوا إلى المناقضة بين الواقعيات، وهذا الرضا والطيب، فينتقلوا منه إلى صورة التخلف عن الواقع، ومنه إلى سكوت الشرع حذاء ذلك، فإنه يعلم من ذلك عدم الفرق بين الصورتين: صورة عدم انكشاف الخلاف، وصورة كشف الخلاف، فليتأمل جيدا. وإن شئت قلت: إنا إذا راجعنا دليل الصلاة ووجوبها من أول الوقت إلى آخره، ودليل عدم وجوب السورة مثلا فيها، ودليل جواز العمل بخبر الثقة، لانجد إلا أن الشرع أراد من إيجاب العمل بقوله، وترخيص التبعية له، التسهيل على العباد، ولا يكون للتسهيل معنى محصل إلا جواز ترتيب آثار الواقع على الصلاة بدون السورة، وإلا يلزم وجوب الإعادة، وهو خلاف المنة المرعية في ذلك.


1 - جامع أحاديث الشيعة 1: 268 - 308 أبواب المقدمات، باب حجية أخبار الثقات. (*)

[ 312 ]

مثلا: إذا قام دليل على عدم وجوب السورة، ودليل على عدم وجوب جلسة الاستراحة، ودليل على عدم شرطية الإجهار في المغرب، ودليل على عدم مانعية شعر الميتة وهكذا، فقام وصلى صلاة كذائية، ثم بعد ساعة تبين وجوب السورة فأعاد، وبعد ساعة اخرى تبين وجوب جلسة الاستراحة وهكذا، فهل ترى من نفسك صحة نسبة هذا إلى الشرع المبعوث بالشريعة السهلة السمحة ؟ ! وتوهم عدم اتفاق ذلك، لا يستلزم صحة النسبة، لأن القانون لابد وأن يكون بحيث لا يلزم منه أمثال هذه اللوازم. ولو كانت تجب الإعادة في الوقت، ويجب القضاء خارج الوقت، وعلى الولد الأكبر بعد الموت، كان عليه أن يأمر بالاحتياط إلى أواخر الوقت، أو يقول بعدم جواز الاتكاء إلا على البينة، وغير ذلك، حتى يحافظ على حكمه الواقعي. ولا يستلزم مثل هذه المحاذير هذا، ولاسيما فيما إذا تعين العمل بخبر الثقة، كما في ضيق الوقت، فإنه لو لم يرفع اليد عن السورة مثلا في ضيق الوقت، فلا يكون ترخيص العمل بخبر الثقة، إلا لحفظ مصلحة الوقت، وأنه لمكان احتمال الإصابة يجب عليه الطبيعة، لإمكان تدارك الوقت، مع أن الضرورة قاضية بأن ترخيص الشرع في العمل بالطرق والأمارات، ليس إلا قبال إيجاب الاحتياط، المستلزم لوقوع الامة الإسلامية في الصعوبة، أو كان يؤدي أحيانا إلى الانزجار عن أساس الديانة. ومن هنا يظهر وجه القول بالإجزاء بالنسبة إلى خارج الوقت، وعدم الإجزاء بالنسبة إلى الأداء والإعادة (1). تذنيب: حول إمكان حفظ الحكم الواقعي الفعلي ربما يظهر لي بعد التدبر: أن من آثار القول بأن الخطابات الشرعية قانونية


1 - محاضرات في اصول الفقه 2: 272. (*)

[ 313 ]

كلية، لاشخصية جزئية، أن الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية ممكن، مع الالتزام بفعلية تلك الأحكام، وبقاء إرادة المولى على حالها من الجد والحتم، ضرورة أن الأحكام الواقعية متساوية النسبة إلى من قام عنده الطريق المصيب، ومن قام عنده الطريق المخطئ، وعلى الثاني أيضا تتساوى بالنسبة إلى من انكشف تخلف طريقه لديه في الوقت، أو خارجه، أو بعد موته، ومن لم ينكشف طريقه أبدا، أو إلى حال لا ثمرة لانكشاف خلافه. ولا خصوصية ملحوظة حين جعل الأحكام الواقعية، بل الموضوع لها هو " المكلف " و " الإنسان " و " المؤمن " وأمثال هذه العناوين الكلية، فلا خطاب خاص لمن تخلف طريقه عن الواقع، ولا ينكشف أبدا، حتى يقال: بامتناع ترشح الإرادة الجدية والحتمية مع ترشح الرضا والطيب بجعل الطرق والأمارات والعمل بها، فافهم واغتنم. نعم، هذا لايتم فيما إذا كان التخلف بالنسبة إلى متعلق الأحكام، ومتعلقات المتعلق، فإنه إذا قام دليل على عدم حرمة الخمر مثلا، فدليل التنفيذ لا يجامع كون الخمر محرمة واقعية، فما افيد يختص بما إذا كان التخلف بالنسبة إلى قيود الموضوع، كما اشير إليه. ولكنك عرفت: أن ذلك لا يستلزم خلاف ما أسمعناك إلى الآن، بداهة أن مقصودنا إثبات الإجزاء، بدعوى أن فهم العقلاء والعرف ينتهي - في الجمع بين إمضاء الطرق والأمارات، وجعل القوانين والواقعيات، بعد ملاحظة أن الإمضاء ليس إلا لتسهيل الأمر - إلى الإجزاء، وسقوط الشرطية والجزئية والمانعية وهكذا. وتوهم: أن معذريتها للعقاب والعتاب، كافية لرعاية حق الناس والمكلفين في جانبها، فاسد جدا، لما مر من لزوم المشقات الكثيرة المنافية لملاك التسهيل. إن قلت: في مثل الصلاة والحج - باستثناء بعض أفعالهما - لا يجب الإعادة

[ 314 ]

عند ترك الأفعال والأعمال. قلت: نعم، ولكن هل ترى من نفسك، أنه إذا أخل المكلف الجاهل ببعض شرائط الوضوء والغسل والتيمم، كما هو الكثير طول عمره، وهكذا في الصوم، وغير ذلك من المركبات، أنه يجب عليه قضاء ما فاته إلى آخر العمر ؟ ! وإذا لاحظت شرائط الطهارات الثلاث بكثرتها تعلم: أن ذلك من المشقة التي لا تتحمل عادة، وإن كان يمكن قضاء ما فاته عقلا أو عادة في الزمان الطويل. وهكذا في الصوم، فإنه لو قام عنده دليل على عدم مفطرية الارتماس، وكان قد ارتمس في جميع حياته مثلا، فإنه هل ترى من نفسك إلزامه بوجوب القضاء وهكذا في سائر المركبات ؟ ! إن قلت: هذه التقاريب المختلفة تنتج الإجزاء، بالنسبة إلى الأحكام الغيرية المرتبطة بالأحكام النفسية، وأما بالنسبة إلى الأحكام الوضعية التي لا أمر للشارع فيها، بل تلك المركبات - كالعقود، والإيقاعات، ومثلها التذكية مثلا - اعتبرت لترخيص الشرع في التصرف في الممنوعات والمحرمات، كالتصرف في مال الغير، والاستمتاع بالأجنبية، وأكل اللحوم وهكذا، فإذن لا معنى للإجزاء هنا، بل قضية طريقية الأمارات بقاء الحكم الوضعي على حاله، من القيدية، والجزئية، وعدم جواز ترتيب الآثار بعد انكشاف الخلاف، فلا يجوز بعد ذلك التصرف، ولا الاستمتاع، ولا الأكل. قلت: قد عرفت منا: أن جهة النزاع أعم مما كان المركب مورد الأمر، كالعبادات، أو كان مورد الشئ الآخر، بل المقصود في مسألة الإجزاء، هو أن قضية الأدلة هل هي كفاية المركب الفاقد عن الكامل في الآثار، أم لا (1) ؟ فعليه نقول: إذا كان التصرف في مال الغير، والاستمتاع بالأجنبية، وأكل


1 - تقدم في الصفحة 297 - 298. (*)

[ 315 ]

اللحوم قبل التذكية، مبغوضا ومحرما شرعا، فإن كان الشرع يلاحظ مبغوضه الواقعي، فيلزم عند العقلاء جعل الاحتياط في الجملة، حتى لا يتخلفوا عن مرامه ومطلوبه ومبغوضه حتى الإمكان، إلا إذا كان يؤدي إلى خلاف التسهيل، أو المشقة غير المتحملة عادة. ولكن بعد ما نجد التوسعة في الطرق والأمارات، وأنه رخص في العمل بما يعمل به العرف والعقلاء، فلابد أن يعلم منه عرفا وعقلا أنه لا شئ مبغوض عنده عند التخلف عن الواقع، من غير النظر إلى حال كشف الخلاف، فإذا عقد ثم تبين بطلانه، أو ذكى ثم تبين أن الآلة كانت من غير الحديد، ومع ذلك كانت الشريعة ترخص في التبعية لهذه الأمارات المتخلفة أحيانا أو كثيرا، فيعلم سقوط الشرطية والقيدية. بل مع ملاحظة حرمة التبذير والإسراف في الأموال، يعلم رفع اليد عن شرطية الحديد في محللية التذكية فافهم واغتنم. لا يقال: قد اشتهر الإجماع في الأعصار المتأخرة على بطلان التصويب (1)، وهذا من التصويب. لأنا نقول: قد مضى شطر من البحث حول هذه الشبهة، وعرفت أن رفع اليد عن الإيجاب غير التصويب (2)، فإن من يقول بالتصويب، يقول بعدم الإرادة الواقعية والشوق للمولى بالنسبة إلى الأحكام الواقعية، بل الحكم الواقعي مؤدى الأمارات، وأما نحن فنقول: إن محبوب المولى هو الإتيان بالسورة، وهو مطلوبه، ولكن ليس كل مطلوب يجب مراعاته على العالم به، إلا بعد الإيجاب والإنشاء والإبراز، فإذا لاحظ المولى ملاكات اخر فيرفع اليد عن التحميل، وهذا هو معنى رفع اليد عن الواقع، ولا يلزم منه عدم بقاء حبه وشوقه إليه، فلاحظ نفسك في امورك تعرف ربك


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 758، نهاية الاصول: 151. 2 - تقدم في الصفحة 309 - 310. (*)

[ 316 ]

في قوانينه. إن قيل: فلا داعي إلى إطلاق جعل المولى من الأول، بل المجعول مشروط، وهذا هو الدور المستحيل، والمعروف في اختصاص الحكم بالعالم (1). قلنا: نعم، ولا نبالي من الالتزام بالاختصاص في مقام الإيجاب من أول الأمر، لعدم إمكان سريان الجهل إلى الشرع الأقدس، ولكنه لا يلزم منه الدور، لما تقرر منا في محله: من إمكان توقف فعلية الحكم على العلم بالحكم الإنشائي، ولا عكس، فلا دور (2). مثلا: الشرع يعتبر وجوب السورة في الصلاة، فمن قام عنده طريق عليه، وعلم بهذا الحكم الإنشائي، يتعين عليه السورة، ومن قام عنده طريق على عدم وجوبها، أو أصل على عدم وجوبها، فلا فعلية له، فلا شرطية، وحيث إنه قد أتى بما هو وظيفته حسب الخطاب المشتمل على أصل التكليف، فلا مورد لبقاء الشرطية، فلا تخلط، واغتنم جيدا. هذا كله ما عندنا من الإجزاء في الأمارات. ولا نسمي مثل هذا التقديم - أي تقديم أدلة الأمارات على الأدلة المتكفلة للأحكام الواقعية - " حكومة " اصطلاحية، بل ذلك فهم المرام من القرائن المختلفة، وكشف تضيق الواقع من الأمارات الخاصة، فتدبر. إشارة لبعض الوجوه على إجزاء الأمارات ونقدها وهنا وجوه اخرى ربما تؤدي إلى الإجزاء في الأمارات في الجملة، ولا بأس بالإشارة الإجمالية إليها.


1 - يأتي في الجزء السادس: 117. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 317 ]

فمنها: ما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (قدس سره) وآخر نظره مع ما أطاله: هو دعوى حكومة الأدلة الظاهرية على الأدلة الواقعية (1). وتعرف تلك الحكومة بعد فهم الأحكام الظاهرية في الأمارات، وهو أن الأمارة بما أنها من الطرق التكوينية إلى الوقائع، لاتعد حكما ظاهريا، بل تعد حكما ظاهريا باعتبار دليل تنفيذها، وهو قوله مثلا: " صدق العادل " المنحل إلى قضايا عديدة، فإذا ورد في الشرع " أن الصلاة لابد وأن تكون في الثوب الطاهر " وقام خبر الثقة على طهارة الثوب، فيرجع قوله: " صدق العادل " إلى تصديقه العملي، وهو ليس إلا البناء على طهارة الثوب، فكأنه قال: " ابن على طهارة هذا الثوب " وإذا لاحظنا الدليلين يلزم التوسعة في الطهارة المعتبرة في الصلاة وهكذا، فيعلم من ذلك أن ما هو المعتبر أعم من الواقع ومما قام عليه الطرق. وأما الإشكال على هذه الحكومة: بأنها حكومة ظاهرية لا واقعية، والفرق بين الحكومتين: أن الحكومة الواقعية لاتخلف لها عن الواقع حتى يكشف، بخلاف الحكومة الظاهرية، فإنها قد تتخلف عن الواقع، وتجب الإعادة، ويترتب آثار الواقع بعد الانكشاف (2). فهو يندفع: بأن ذلك صحيح، فيما إذا بنينا على انحفاظ الأحكام الواقعية بعد قيام الأمارة، وأما إذا بنينا على أنها ليست محفوظة فلا، كما هو الظاهر. ولكنك تعلم: أن ذلك لا يعد من الحكومة، بل هو أمر آخر ذكرناه وأوضحناه، وهو أن العقلاء بعد ملاحظة الأطراف، يفهمون أن الشرع الأقدس لا يلتزم بواقعه على جميع التقادير، وهذا يورث الإجزاء. هذا مع أن في مثل قيام الأمارة على عدم جزئية السورة، ليس حكومة


1 - نهاية الاصول: 140 - 141. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 250. (*)

[ 318 ]

وتوسعة، بل هو رفع اليد عن إطلاق دليل الشرط، فافهم ولا تخلط. فما توهمه العلامة النائيني: من أن الحكومة ظاهرية، فلا إجزاء (1)، فهو ليس برهانا على المسألة، بل هو إعادة المدعى بصورة الاصطلاح، كما هو دأبه وعادته نوعا وغالبا. كما أن ما تخيله الاستاذ البروجردي من الحكومة، غير كاف لتمام المقصود، بل لايتم حتى في مورد، كما لا يخفى. ومنها: إذا كان المركب مشروطا شرعا بالطهارة، فإنه عند ذلك يجب - بمقتضى العلم بالشرطية - الفحص عن الماء الطاهر والثوب الطاهر، وتنجزهما حسب العلم على المكلف، وليس الطريق القائم منجزا للحكم، بل هو ليس إلا توسعة في الواقع، وقناعة عن الواقع بالظاهر. وسره: أن جعل الحكم الظاهري هنا، ليس لغرض المنجزية والمعذرية، لأن الحكم منجز بالعلم السابق، فإذن لابد من كونه بلحاظ الأمر الآخر، وهو ليس إلا التسهيل المؤدي إلى التوسعة. أقول: هذا ما استخرجته من مطاوي كلمات السيد الاستاذ (قدس سره) (2) وجعلناه وجها على حدة. ولكنه - مضافا إلى عدم وفائه بتمام المقصود، لجريان البراءة في بعض الشبهات الموضوعية، وجميع الشبهات الحكمية، فلا تنجز للمشكوك قبل قيام الأمارة - أن مع الالتزام بانحفاظ الحكم الواقعي لا مانع من الالتزام بالمعذرية هنا، لأنه مع التخلف عن الشرط بلا عذر يكون معاقبا، بخلاف ما إذا أتى بالصلاة بدون الطهارة اللباسية، مع قيام الطريق على الطهارة توهما وتخيلا، فإنه لا يستحق العقوبة.


1 - نفس المصدر. 2 - نهاية الاصول: 144 - 147. (*)

[ 319 ]

فما ترى في كلامه من دعوى انحصار وجه المنجزية بالتوسعة (1)، في غير محله. نعم هو المستفاد العقلائي، على الوجه الذي عرفت منا تفصيله (2). ومنها: أنه لابد من تدارك المصلحة عند فوت المصلحة الواقعية، فإذا تدارك ذلك يلزم الإجزاء. وفيه: أن الشرع المقدس، لابد وأن تكون قوانينه النفسية والطريقية، على نهج عقلائي، وملاكات واقعية حقيقية، أو اعتبارية، وأما وجوب تدارك ما فات لأجل لحاظ المصالح العالية النوعية، فهو ممنوع. مثلا: إن الشارع يلاحظ سهولة الأمر ورغبة الناس إلى الديانة في قوانينه، فإذن يجد لزوم ترخيص المكلفين في العمل بالطرق والأمارات، لئلا يقعوا في الإشكالات والانحراف عن الديانة المقدسة، وهو يرى أن كثيرا من الطرق يخطئ، ولاينكشف خلافه، فيبادر إلى ذلك، لما فيه المصلحة العالية الاجتماعية، فلا دليل على الالزام المزبور. هذا أولا. وثانيا: ربما لا يمكن التدارك. وثالثا: لو أمكن ذلك، فلا بأس بالالتزام بالوجوب التخييري بين المصلحة السلوكية، والإتيان بالمشكوك فيه بنحو الواجب التخييري. وعلى كل حال: قصد المصلحة السلوكية من الأساطير الأولية، وقد مضى شطر منه. ومنها: أن دليل الأمارة لو سلمنا عدم إفادته الإجزاء، ولكن موردها دائما من موارد حديث الرفع (3)، حيث إن الواقع الذي أخطأته الأمارة مجهول، فيأتي


1 - نهاية الاصول: 416 - 417. 2 - تقدم في الصفحة 309 - 313. 3 - التوحيد: 353، الخصال: 417، وسائل الشيعة 15: 369 كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1، جامع أحاديث الشيعة 1: 389، أبواب المقدمات، الحديث 629. (*)

[ 320 ]

الإجزاء من حيث انطباق مورد حديث الرفع - الحاكم على الأدلة الواقعية - على موارد الأمارات. هذا ما يوجد في خلال كلمات المحشي المدقق (قدس سره) (1). وفيه أولا: أن العمومية ممنوعة، لما مضى من أن في الموارد التي كان الحكم منجزا بالعلم - كما إذا اشترط المركب بشئ معلوم، كالطهارة مثلا - فإنه لابد من إحرازها مع قطع النظر عن قيام الطريق على تعيين الصغرى، فعلى التخلف لا يجري حديث الرفع. نعم، إذا انضم هذا الوجه إلى الوجه الثاني، يتم وجه كامل، ولكنه غير وجيه، لما عرفت وتعرف. وثانيا: أن الظاهر من حديث الرفع، أن ما كان غير ناهضة عليه حجة شرعية مرفوع، وأن المراد " مما لا يعلم " ما لا حجة عليه، فلا يشمل موارد الأمارات. اللهم إلا أن يقال: بأن هذا هو قضية حكومة الأمارة على الأصل، ولكن لازم كون المورد تكوينا، مورد انطباق الأصل هو الإجزاء، لأن مع مجهولية الواقع، وجريان حديث الرفع ذاتا، يستكشف عدم فعلية المجهول في الفرض، وتحت هذا مطلوبنا، وهو الإجزاء، فليتأمل جيدا. وأما توهم جريانه الترتبي والتقديري (2)، فهو غير كاف، لأنه يرجع إلى عدم جريانه الفعلي، كما لا يخفى. ومنها: قضية الإطلاق المقامي هو الإجزاء. وتقريبه: أن أدلة تنفيذ الأمارات ساكتة عن حال الطرق بعد انكشاف الخلاف، مع أنه من المسائل المبتلى بها، وكان كثير الدور في العصور الاولى.


1 - نهاية الدراية 1: 401. 2 - نهاية الأفكار 1: 249. (*)

[ 321 ]

وبعبارة اخرى: سكوت الشرع قبال العمل بالطرق والأمارات، وعدم تعرضه لحال انكشاف الخلاف، شاهد على اشتراك المركبات الشرعية والعرفية في الحكم، وهو الإجزاء، فإذا لاحظ العقلاء أن في مثل الصلاة اجتزأ بالناقص، وهكذا في الطواف، بناء على عموم التنزيل، وهو أهم المركبات الإسلامية، فيعرفون من ذلك أن الأمر كذلك في الكل، لا قياسا، بل سكوته بضميمة ذلك يورث ما أشرنا إليه. فما قيل كما في كلمات العلامة الأراكي (قدس سره): من أن إطلاق الأحكام الواقعية كاف، لكونها بيانا لحكم العمل على طبق الواقع بعد انكشاف الخلاف (1)، غير سديد، لأن العقلاء والناظرين إلى أطراف المسألة، يجمعون بين تلك الأحكام، وهذه التنفيذات للطرق والأمارات، من دون ملاحظة كشف الخلاف، وأن الشرع المقدس لابد وأن رفض الواقع في مواقف التخلف. مع أن ملاحظة الصلاة وهذا السكوت الممتد، أقوى دلالة على المطلوب من الإطلاق والعموم الموقوفين على عدم قيام هذه الامور على خلافهما في حجيتهما وكاشفيتهما عن الإرادة الجدية، فلاحظ، ولا تكن من الغافلين. ومنها: أن عدم الإجزاء يستلزم العسر والحرج المنفيين في الشريعة. وفيه ما لا يخفى صغرى وكبرى. ومنها: الإجماع المدعى في كلمات جمع (2). وقضية الجمع بينه وبين الإجماع القائم على بطلان التصويب (3)، حمل الثاني على التصويب في أصل الحكم، دون الأحكام الغيرية، من الشرطية، والجزئية، والمانعية.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 293 - 294. 2 - عدة الاصول: 83 / السطر 15، مناهج الأحكام والاصول: 6 / السطر 26، نهاية الاصول: 141. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 4: 758، نهاية الاصول: 151. (*)

[ 322 ]

هذا مع أن كل واحد من الإجماعين غير حجتين، لاستناد المجمعين في الأول إلى الامور الاخر احتمالا. وقد عرفت أن قضية تأريخ مسألة التخطئة والتصويب، يؤدي إلى أن المسألة عقلية، وأن الإجماع المزبور من المتكلمين الإماميين، قبال الأشاعرة والمعتزلة (1). والذي أفاده السيد الاستاذ (قدس سره): " هو أن منشأ النزاع في هذه المسألة هو النزاع في أحوال صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم هل من العدول والثقات، أم لا ؟ فذهب جمع من المتكلمين من أهل السنة إلى أن كل صحابي لا يخطئ، فضلا عن صدور الفسق عنه (2)، فوصلت النوبة إلى حل إشكال خلاف معاوية عليه الهاوية، مع أمير المؤمنين صلوات الله تعالى عليه: بأن هذا نشأ من اختلاف اجتهادهما. وعن جماعة منهم وهم المعتزلة: التفصيل بين صورة الإصابة والخطأ (3). وعن بعض منهم: أن الصحابي يكون فاسقا، فضلا عن صدور الخطأ منه. وهذا هو الرأي الشاذ، ويعبر عنه في عرفهم: بأنه رأي أصحاب البدع (4) " (5) فافهم وتدبر جيدا. فما ترى في كلام العلامة النائيني (قدس سره) من تقسيم المسألة إلى أقسام ثلاثة، زاعما وجود الإجماع في العبادات (6)، فهو خال من التحصيل. ومنها: بعض الوجوه الاخر المخصوصة بباب الاجتهاد والتقليد (7). وحيث


1 - لاحظ نهج الحق وكشف الصدق: 406، معالم الدين: 236 / السطر 8، نهاية الاصول: 152. 2 - شرح المقاصد 5: 309، ولاحظ اسد الغابة 1: 110، الإصابة 1: 162. 3 - المستصفى 2: 361. 4 - شرح المواقف 8: 374. 5 - نهاية الاصول: 151 - 152. 6 - أجود التقريرات 1: 206. 7 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 256 - 258. (*)

[ 323 ]

قد عرفت منا اختصاص البحث هنا، بما إذا انكشف الخلاف على الوجه الواضح المعلوم (1)، وأن مسألة تبدل الآراء والتقليد موكولة إلى مباحث الاجتهاد، فتلك الوجوه موكولة إلى هناك، لئلا يلزم التكرار، والحمد لله على كل حال. ثم إن هنا شبهات مشتركة بين القول بالإجزاء في الأمارات والاصول، ولتلك الجهة نذكرها بعد الفراغ عن البحث الآتي إن شاء الله تعالى (2). تذنيب: في صور الشك في إجزاء الأمارات وأحكامها إذا شك في الإجزاء، فهل قضية الاصول العملية أيضا ذلك، أم لا، أو يفصل في المسألة ؟ وجوه. والذي يستدعيه التحقيق في المقام: أن صور الشك كثيرة، لأنه تارة: يشك في أن حجية الأمارة، هل تكون على السببية والموضوعية، أم الطريقية والكاشفية ؟ واخرى: يشك في أن قاعدة التجاوز والاستصحاب مثلا، أمارة، أو أصل، بعد الفراغ عن عدم الإجزاء في الأمارات، دون الاصول. وثالثة: يشك في أن القرائن التي أقمناها على استكشاف رفع اليد عن الواقع، تامة، أم لا ؟ الصورة الاولى: ظاهر " الكفاية " هو الاشتغال، توهما أن هذا هو قضية استصحاب عدم الإتيان بما يسقط معه الواجب الواقعي (3). ومراده من هذا الأصل، هو الاشتغال العقلي بعد العلم بأصل التكليف الإلزامي في الوقت - وهو الصلاة مع السورة - عند قيام الأمارة الثانية على وجوبها.


1 - تقدم في الصفحة 306. 2 - يأتي في الصفحة 338. 3 - كفاية الاصول: 111. (*)

[ 324 ]

نعم، إذا انكشف الخلاف خارج الوقت، فلا يجب القضاء، لأن موضوعه " الفوت " وهو مشكوك. وأنت خبير بما فيه نقضا من جريان هذا الأصل في الأقل والأكثر أيضا وحلا من أن مع احتمال السببية، لايقين بالتكليف الإلزامي إلا بمقدار أتى به، وبعد انكشاف الخلاف لا برهان على بقاء الحكم الإلزامي، لاحتمال السببية، وهو مساوق لعدم انكشاف الخلاف، كما لا يخفى. نعم، إن قلنا: بأن الحكم الواقعي ولو على السببية باق، ويكون هو الحكم الواقعي الأولي، وهو فعلي، ومؤدى الأمارات من قبيل الحكم الثانوي، كما في باب الاضطرار، فإن انكشف الخلاف يتنجز الحكم الواقعي الأولي، وهو يقتضي الإعادة في الوقت، ومع الشك في الطريقية والسببية لابد من الإعادة، فلا تخلط. وتوهم: أن إمكان الاستيفاء مشكوك بعد الإتيان بالمصداق الناقص، في محله، ولكنه لابد من الاحتياط لأنه من الشك في القدرة بعد العلم بالمصلحة العالية الإلزامية، فتأمل جيدا. الصورة الثانية: إذا شك في أمارية شئ وأصليته، فإن قلنا: بأن وجه الإجزاء في الاصول هي الحكومة (1)، فلابد من الاحتياط، لأنه بعد كشف الخلاف يشك في كفاية ما أتى به عما ثبت عليه. مثلا: إذا صلى باللباس النجس بحسب الأصل، ثم تبين الخلاف، وقلنا: بأن الأصل يورث التوسعة فيما هو الشرط، وهي الطهارة، فالطهارة واجبة ومعلومة، ولكنه بعد انكشاف الخلاف، يشك في سقوط ما وجب عليه. وإن قلنا: بأن وجه الإجزاء هو الانصراف عن الواقع، وعن شرطية الطهارة عند الشك - كما هو كذلك في الشبهات الحكمية، فإنه لا يتصور هناك حكومة - فإنه


1 - تهذيب الاصول 1: 191 - 192. (*)

[ 325 ]

تجري البراءة، لأن معنى رفع اليد عن الواقع، ليس أن المولى أراد بعد دخول الوقت إرادة إلزامية، ثم بعدما يرى قيام الأمارة على الخلاف يرفع يده عن الواقع، فإنه في حقه تعالى ممتنع، بل هذا يرجع إلى عدم تحقق الإرادة في الأزل، بالنسبة إلى صورة التخلف، وإذا شك في الأمارية والأصلية، يرجع الشك إلى أنه أراد شرطية السورة، أم لا، أو شرطية الطهارة، أم لا، فيكون المرجع هو الشك في الثبوت، فتجري البراءة. الصورة الثالثة: لو تردد الأمر بين تقدم إطلاق دليل الواقع، وأدلة تنفيذ الأمارات، لأجل عدم حصول القطع بالمسألة بعد المراجعة إلى القرائن التي ذكرناها وشرحناها، فمع فرض ثبوت الإطلاق والعموم في أدلة الأحكام الواقعية، يكون هو المرجع. اللهم إلا أن يقال: بأن مع قيام ما يصلح للقرينية، يشكل انعقاد الإطلاق، فيكون المرجع هي البراءة، لرجوع الشك إلى الشرطية في ذلك الحال. وتوهم التفصيل بين العمومات والإطلاقات، لعدم الحاجة في الاولى إلى مقدمات الإطلاق، في غير محله. مع أن الفرق غير ثابت. ومع الشك أيضا لا يمكن الاتكال على تلك الأدلة. نعم، في إضرار ما يصلح للقرينية بالإطلاق، إشكال مضى منا، فليتدبر جيدا. هذا تمام البحث فيما يتعلق بالإجزاء في الأمارات من المقام الأول. المقام الثاني: فيما يتعلق بالإجزاء في الاصول فالمعروف بين المتأخرين إنكاره (1)، واختار " الكفاية " ذلك في مثل أصالتي


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248 - 254، نهاية الأفكار 1: 246. (*)

[ 326 ]

الحل والطهارة، واستقوى ذلك في الاستصحاب (1)، وتبعه الوالد المحقق - مد ظله - وقال به في جميع الاصول الشرعية حتى قاعدتي التجاوز والفراغ، وحتى في الاصول العدمية (2). والذي هو الحق: أن الإجزاء في الأمارات إن تم، فهو في الاصول تام، وإلا فيشكل، ولذلك لم يسند التفصيل إلى الأصحاب (قدس سرهم) بل المنسوب إليهم هو الإجزاء على الإطلاق (3). التحقيق في إجزاء أصالتي الطهارة والحل إذا علمت ذلك، فلنذكر أولا ما هو قضية التحقيق، ثم نردفه بما أتى به القوم في المسألة على سبيل الإجمال. فنقول: قضية الأدلة الأولية المتكفلة للأحكام الواقعية، اشتراك الكل في الحكم، وانحفاظ رتبة الأحكام الواقعية في جميع المراحل، وبالنسبة إلى جميع المكلفين. وإذا لاحظناها مع الأدلة المتكفلة لتأسيس الاصول الشرعية، المنتهية أحيانا إلى خلاف تلك الأدلة، نجد أن الشرع في مقام التسهيل على المكلفين، فكما عرفت التقريب في الأمارات على الإجزاء، كذلك الأمر هنا. وهاهنا أولى، لأن تأسيسها بيد الشرع، فإنه كان يمكن أن يقتنع بالأمارات، ولكنه رفقا بالامة الإسلامية، وشفقة عليهم، ابتدع المبدعات الجديدة التي لا سبيل لعقول الناس إليها، وهي تؤدي إلى خلاف مرامه ومقصده كثيرا، ومع ذلك ارتضى بذلك، حذرا من إيقاع


1 - كفاية الاصول: 110. 2 - تهذيب الاصول 1: 191 - 197. 3 - تهذيب الاصول 1: 195. (*)

[ 327 ]

الامة في الكلفة والمشقة. فهل ترضى نفسك بإيجاب الإعادة والقضاء، وعدم ترتيب الآثار على ما وقع ناقصا، بتوهم أن الواقع محفوظ ؟ فبالجملة: إذا صلى بالطاهر الظاهري، أو توضأ بالماء الطاهر الظاهري وهكذا، ثم تبين الخلاف، يعلم عدم شرطية الطهارة حال الشك والشبهة، لا أن شرط الماء المتوضأ به، يكون أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية. إن قلت: إن الظاهر من حديثي أصالة الحل والطهارة (1)، جعل الطهارة والحلية على موضوع خاص، وهو الشك في الموضوع، لا الحكم، فإذا قيس لسانهما إلى دليل شرطية الثوب الطاهر في الصلاة والطواف مثلا، يقدم عليه حكومة، لما يلزم منه التوسعة في المحمول، فيستفاد من المجموع أن الشرط هي الطهارة الأعم من الواقعية والظاهرية. قلت: هذا أحد الاحتمالات في أدلة الاصول، أو هذين الأصلين، ومنها: أن جعل الطهارة في حال الشك لحال الشك، لا جعلها في حال الشك للأعم منه ومن حال العلم بالخلاف، فيكون - بناء عليه - هذا الأصل عذرا للمتخلف عن الواقع، لا توسعة في دليل الواقع. مع أن المتعارف في التوسعة، كون دليل الحاكم متكفلا للأمر الواقعي، لا لصورة الشك، وإن كان ذلك ممكنا عقلا، فلا تغفل. فبالجملة: ما سلكه السيد الوالد المحقق - مد ظله - (2) يستلزم صحة الوضوء


1 - الكافي 5: 313 / 39، وسائل الشيعة 17: 88 كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 1، تهذيب الأحكام 1: 284 / 119، وسائل الشيعة 3: 467 كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4. 2 - تهذيب الاصول 1: 192 - 193. (*)

[ 328 ]

بالماء الطاهر الظاهري، وصحة البيع إذا كان المبيع من الأعيان النجسة. ولا يتوهم: إن ذلك نتيجة حكومة أدلة الاصول على أدلة النجاسات، كما في كلامه - مد ظله - فإنه أيضا من حكومة تلك الأدلة على أدلة اشتراط الطهارة في المعقود عليه (1)، وهكذا. فعلى ما تقرر، لا يمكن فهم الإجزاء من لسان الأدلة في الاصول، بل الإجزاء ينحصر بوجه واحد، وهو ما سلكناه من دعوى إسقاط شرطية الطهارة مثلا عما يشترط بالطهور، وهذا من غير فرق بين الأمثلة. وما ترى في كلماتهم: " من عدم إمكان التزام فقيه بذلك " (2) غير سديد. مع أن بعد وجود الاتفاق في مورد على شرطية الطهارة، يعلم أن دليل الواقع في خصوصه باق على حاله. وبعبارة اخرى: على هذا المسلك يمكن التفكيك بحسب الموارد المختلفة، لما أن في بعض منها يعرف انحفاظ حكم الواقع، وفي بعض منها يعرف سقوط الحكم، ورفع اليد عنه لأقوائية ملاك التسهيل، كما لا يخفى على المتأمل المتدبر. وجه بديع للإجزاء في الاصول ثم إن هنا وجها آخر للإجزاء، سلكناه في مباحث الجمع بين الأحكام الظاهرية والواقعية، وهو أن مؤدى الاصول ليس حكما ظاهريا، بل كلها أحكام واقعية، وذلك لأن النسبة بين موضوعي الحكمين، عموم من وجه. مثلا: موضوع الحرمة في أدلة تحريم الخمر هي الخمر، وموضوع الحلية في أدلة تحليل المشكوك هو مشكوك الخمر بما هو مشكوك، وهما يتصادقان في


1 - تهذيب الاصول 1: 192 - 193 و 195. 2 - أجود التقريرات 1: 200، الهامش 1. (*)

[ 329 ]

الخمر الواقعية المشكوكة، ويختلفان في الخمر المعلومة، وفي المشكوك الذي ليس خمرا بحسب الواقع. فتصير النتيجة: أن هذه المسألة كمسائل المتزاحمين في الأدلة الواقعية، فكما أن هناك يجمع بينهما إذا أمكن، ويطرح أحدهما إذا تعين، ويكون المكلف بالتخيير إذا تساويا ملاكا، كذلك الأمر هنا. إلا أن الأمر بحسب مقام الإثبات، متعين في تقديم أدلة الشكوك على أدلة الواقع، إلا في مثل الشبهات المهتم بها، فإن هناك يقدم حفظ الواقع، ولابد من الاحتياط. ولأجل ذلك قررنا تجويز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهات المقرونة بالعلم، إلا في مواضع خاصة دل الدليل هناك على وجوب التحفظ على الواقع مطلقا، أو في الجملة (1). فعلى هذا، إذا شك في حلية شئ أو نجاسة شئ، فهما بما هما مشكوكان طاهران واقعا، وبما هما خمر مثلا، محرم، ونجس واقعا. ولا منع من ذلك بعد اختلاف العناوين في مرحلة الجعل والتشريع، كما تقرر في اجتماع الأمر والنهي (2)، فكما يجوز إبقاء حرمة الغصب ووجوب الصلاة على حالهما مع وحدة المصداق، لاختلاف العناوين ومراكز الأحكام، كذلك فيما نحن، فإذا دل الدليل على أن الصلاة مشروطة بالثوب الطاهر، وقام الأصل على أن الثوب المشكوك طاهر، فلا حكومة في البين، بل هو من باب تعيين الموضوع والمصداق، كما إذا قامت البينة على الطهارة الواقعية للثوب. فبالجملة: مشكوك النجاسة طاهر، والدم نجس، وإذا كان شئ واحد دما، ومشكوك الدمية إثباتا، فهو نجس وطاهر، باختلاف العنوانين: الذاتي، والعرضي،


1 - يأتي في الجزء السابع: 342. 2 - يأتي في الجزء الرابع: 146. (*)

[ 330 ]

وحيث يتعين تقدم أدلة المشكوك على أدلة نجاسة الدم في مورد الاختلاف - للزوم لغوية العكس - يلزم الإجزاء، وفي المسألة (إن قلت قلتات) تعرضنا لها في تلك المسألة، فراجع. نعم، هنا شبهة استظهارية لا بأس بالإشارة إليها: وهي أن الظاهر من أدلة قاعدتي الحل والطهارة، أن موضوع الطهارة الظاهرية هو " الشئ " لا المشكوك، وهذا حيث لا يكون ممكنا، فلابد من حمل جعل الطهارة على ترتيب آثارها عند الشك، فيكون الطهارة الظاهرية معناها العذر عند المخالفة، وترخيص الإتيان بالعمل المشروط بالطهارة (1). ويندفع: بأن الأمر وإن كان في بادي النظر كما توهم، إلا أن بلحاظ الغاية، وبلحاظ ظهور الجملة في جعل الطهارة، وبلحاظ أن الطهارة المجعولة الظاهرية، لا يعقل كون موضوعها العنوان الذاتي، يعلم أن الموضوع هو " الشئ المشكوك بما هو مشكوك " لا الشئ بعنوانه الذاتي إذا كان مشكوكا بنحو القيدية، أو بنحو العلية الخارجة عن الموضوع، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: الحيثيات التعليلية ترجع إلى الحيثيات التقييدية، فيكون موضوع الطهارة المجعولة " الشئ المشكوك " وحيث إن " الشئ " فيه الإيهام والكناية، فلا ينتقل منه العرف إلا إلى أن ما هو تمام الموضوع هو المشكوكية، لا الأمر الآخر، فتدبر. هذا كله حول الأصلين: الحلية، والطهارة. بيان حال إجزاء الاستصحاب وأما الاستصحاب، فلا يبعد كونه بحسب دليله أمارة شرعية بالسببية، أو بلحاظ الكشف الناقص، ولكنه محكوم بأحكام الأمارات، لأن اعتباره بقاء اليقين،


1 - تهذيب الاصول 1: 192. (*)

[ 331 ]

وهو اس الأمارات... (1) ولذلك يكون مثبتاتها حجة، وإذا قلنا بعدم الإجزاء في الأمارات، فهو كذلك هنا، ولكنك عرفت التحقيق هناك أيضا (2). وأما قاعدتا التجاوز والفراغ، ففي كونهما أمارة شرعية (3)، أو أصلا شرعيا حيثيا (4) خلاف، لاختلاف لسان أخبارها، وحيث إن التحقيق عندنا هو الإجزاء على كل تقدير، تصير النتيجة أيضا ذلك. نعم، بناء على كونهما أمارة، فوجه الإجزاء ما سلكناه في الأمارات. وبناء على كونهما أصلين، فوجه الإجزاء أيضا هو الوجه الأول، لإباء أدلتهما من جعل أمر وراء ما هو المجعول أولا. نعم، قضية الجمع بين الأدلة، هو رفع اليد عن الجزئية بعد الدخول في الغير. بيان حال إجزاء البراءة الشرعية وأما أصالة البراءة الشرعية، فالاحتمالات فيها كثيرة، فإن قلنا: بأن مفادها رفع المجهول ادعاء، بلحاظ رفع جميع الآثار، ومنها: الشرطية والجزئية والمانعية (5)، فتصير النتيجة الإجزاء، لأن ما أتى به تمام ما هو المأمور به في ظرف الإتيان، فيسقط الأمر قهرا، فلاتصل النوبة إلى عود الأمر بالطبيعة، حتى يكون الأمر بالسورة باعثا نحوها. وإن قلنا: بأن مفادها جعل المجهول والمشكوك جزئيته وشرطيته مرفوعا،


1 - سقط من النسخة المخطوطة نحو سطرين. 2 - تقدم في الصفحة 307 - 312. 3 - مصباح الاصول 3: 262 - 264. 4 - تهذيب الاصول 1: 197. 5 - تهذيب الاصول 1: 195. (*)

[ 332 ]

كما في أصالتي الحل والطهارة (1)، فأيضا يتعين الإجزاء. وأما سائر الاحتمالات (2)، فهي لا ترجع إلى محصل، وفي بعضها احتمال ينتهي إلى الإجزاء أيضا، فتدبر. اشكال ودفع لو سلمنا أن مفاد أصالتي الحل والطهارة، جعل الطهارة والحل للمشكوك، وسلمنا تقدم دليل الشك على دليل الواقع، ولكنه يتم مادام الشك، فإذا زال الشك يتبين أنه صلى في النجس الواقعي الذاتي، ومقتضى ذلك هو الإعادة، لما دل من الدليل على أن النجاسة مانعة من صحة الصلاة، وهو أعم مما إذا لم يصل، أو كان صلى، ثم تبين له ذلك، فقضية إطلاق دليل مانعية النجاسة وشرطية الطهارة، الإعادة والقضاء (3). ويندفع ذلك: بأنه إذا كان حين الشك، واجدا لما هو الشرط واقعا، وكان بين الدليلين عموم من وجه، وقلنا بتقديم أدلة الشك، فلازمه صحة الصلاة، وسقوط الأمر واقعا، وهذا لا ينافي مانعية النجاسة الواقعية الذاتية، لأن ملاكه قصور الملاك الثاني، وإلا فحكمه الفعلي أيضا هي المانعية، كما قررنا في محله (4). فبالجملة: كما أن الصلاة مستحبة، والغصب حرام، ولكن الشرع لا يتصرف في أحد القانونين، ويقول العقل بترك الصلاة، لأقوائية ملاك الحرمة، ولكنه مع ذلك لو صلى سقط أمر الصلاة، كذلك الأمر فيما نحن فيه.


1 - يأتي في الجزء السابع: 71 - 74. 2 - يأتي في الجزء السابع: 58 وما بعدها. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229 - 230. 4 - يأتي في الجزء السادس: 187 - 188. (*)

[ 333 ]

فذلكة البحث: في طرق إثبات الإجزاء إن الإجزاء يتصور من طريقين: أحدهما: إثبات عدم شرطية ما تركه حين الشك. والشبهة على خلاف إطلاق دليل الشرط، أو الجزء، أو المانع. ثانيهما: إثبات واجدية المأتي به لما هو الشرط حسب الدليل الأولي الاجتهادي مثلا، ولو كان قضية الدليل هي الشرطية أو الجزئية أو المانعية على كل تقدير، ولم يكن المأتي به واجدا له، فيلزم بقاء الأمر وعدم الإجزاء. وهذا الوجهان والطريقان، قد اتخذناهما في الأمارات والاصول على سبيل منع الخلو، فذكرنا في مورد الأمارات، رفع اليد عن الشرطية والجزئية والمانعية، وذكرنا في مورد الاصول، إمكان جريانهما. وربما يكون الوجه الثاني في مجرى قاعدتي الحل والطهارة، أقوى وأقرب إلى لسان أدلتهما من الأول، والوجه الأول أقرب إلى سائر الاصول، كما لا يخفى. وعلى هذا، يلزم سقوط ما اشتهر من الحكم الظاهري في مؤدى الاصول الشرعية (1)، بل الاصول الشرعية بين ما يكون كالأمارات في النتيجة، وبين ما يكون موضوعه أعم من موضوع دليل الواقع أعم من وجه. إن قلت: يلزم في ظرف الشك، كون الصلاة في الطاهر الواقعي والنجس الواقعي معا، لأن الثوب المشكوك إذا كان بحسب الواقع دما، يكون نجسا، وبما أنه مشكوك يكون طاهرا واقعا، وهذا أمر غير معقول. قلت: لا منع من ذلك بعد كونهما اعتباريين، وحيث إن الصلاة تكون واجدة للطهارة، تكون صحيحة، وحيث يستكشف بعد ذلك وجود النجاسة في الثوب،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248، درر الفوائد، المحقق الحائري: 81، نهاية الأفكار 1: 243 و 246. (*)

[ 334 ]

ولا تكون هي تقاوم الطهارة الموجودة، لا تورث الإعادة والقضاء. وسيأتي زيادة توضيح حول مفاد الأصلين، ويظهر ما هو الأقوى في مفادهما المنتهي إلى القول بالإجزاء. إيقاظ: حول إجزاء أصالة الصحة قد اشتهر بين أبناء العلم أن يقال: " بأن أصالة الصحة من الاصول العقلائية " (1) فهل يأتي الأجزاء إذا كانت أصلا ممضاة شرعا، أم لا ؟ والذي هو التحقيق: أن المراد من " الأصل العقلائي " ليس أن العقلاء بناؤهم على ترتيب آثار الواقع على الشك، كما في الاصول الشرعية التأسيسية، بل المقصود أن هذا الأصل ليس مثل الأمارات في حجية مثبتاتها، بل هو أمارة حيثية، بمعنى أن الكاشفية فيها ليست تامة عندهم، وإن كانت بلحاظ الغلبة، وبلحاظ أن النسيان والسهو في التخلف عن إتيان القيود المعتبرة في المركب، خلاف الأصل. فعلى هذا، هي أيضا أمارة على وجدان المركب المشكوك لما يعتبر فيه، ويترتب عليه آثار ذلك المركب، لا الآثار الاخر، فتندرج في زمرة الأمارات، وتكون في النتيجة مثلها، فلا تغفل عنها. بحث وتحصيل: فيما تخيله الأعلام ورده قد عرفت: أن الأشهر بين أبناء العصر عدم الإجزاء (2)، وغاية ما يتخيلوه


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 609، نهاية الأفكار 4: 78، الاستصحاب، الإمام الخميني (رحمه الله): 385. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 248 - 252، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 229، نهاية الأفكار 1: 249 - 250، محاضرات في اصول الفقه 2: 258. (*)

[ 335 ]

لذلك: أن هذا هو مقتضى كون مؤدى الاصول أحكاما ظاهرية، فإن معنى الحكم الظاهري، ليس إلا ترتيب آثار الواقع مادام الشك، وإذا زال الشك، وانكشف الإخلال بالواقع، فلابد من حفظ الواقع، لإطلاق دليله، فعليه الإعادة والقضاء، ولا يجوز ترتيب الآثار على المركب الناقص، عقودا كانت، أو إيقاعات، بناء على إمكان إجراء بعض الاصول فيها في الشبهة الحكمية. وأما ما يقوله صاحب " الكفاية " والوالد المحقق - مد ظله وعفي عنهما -: من حديث الحكومة والتوسعة (1)، فهو يرجع إلى إنكار كون الأصلين في المفاد حكما ظاهريا، كما عرفت منا، وتصير النتيجة على رأيهم: أن ما هو الموضوع للطهارة الظاهرية هو " المشكوك " وهكذا للحلية الظاهرية. وهذا ليس من الحكومة، لاختلاف الموضوعين، وعند ذلك لا معنى للحكومة رأسا، بل هو مصداق الطهارة الواقعية. وهذا في حد ذاته صحيح، إلا أنه خلاف بنائهم في الاصول: من أن مؤداها الأحكام الظاهرية، فإن معنى ذلك أن ما هو موضوع النجاسة والحرمة، هو موضوع الحلية والطهارة حال الشك، ولذلك يلزم التضاد واجتماع المثلين. ويرتفع ذلك التعاند: بأن الثاني ادعائي بلحاظ الأثر، لا واقعي، وعند ذلك لا يعقل تعرضهما لحال ارتفاع الموضوع، وهو الشك، فإذا زال الشك يعلم بقاء الأمر بالطبيعة، فلا معنى لدعوى: أنه قد أتى بالوظيفة، وقد سقط الأمر، ولايكون أمر آخر متعلقا بها، كما ترى في كلماته - مد ظله - (2) فلاحظ وتدبر جيدا.


1 - كفاية الاصول: 110، تهذيب الاصول 1: 192 - 195. 2 - تهذيب الاصول 1: 193. (*)

[ 336 ]

فذلكة الكلام في المقام حول الاحتمالات في اجزاء قاعدتي الحل والطهارة وهي ثلاثة: أحدها: ما اختاره جمع من المنكرين للإجزاء: وهو أن مفادهما الحلية والطهارة العذرية حال الشك، ولا يجوز ترتيب آثار الواقع بعد زوال الشك. وهذا هو المراد من " الطهارة والحلية الظاهريتين " (1). ثانيها: ما سلكناه في هذا المضمار: من أن مفادهما جعل الحلية والطهارة على عنوان مستقل (2)، فتكونان واقعيتين، وليس تقدمهما على أدلة الشرائط بالحكومة، لأن معنى " الحكومة " هو التوسعة في الحكم مع انتفاء الموضوع تكوينا، كما إذا ورد: " لاسهو لمن أقر على نفسه بالسهو " (3) فإنه يورث زوال حكم السهو عن كثير السهو، بالتضييق في دائرة دليل المحكوم تعبدا، أو إذا ورد: " أن الظن شك " فإنه يلتحق به أحكام الشك، بالتوسعة في دائرته. وأما جعل الطهارة على موضوع آخر مباين لموضوع دليل المحكوم بالعموم من وجه، فهو لا يورث الحكومة في هذه المسألة، كما هو الظاهر جدا. وهذا هو الظاهر من " الكفاية " و " تهذيب الاصول " (4) وإن كانا غافلين عن لازم مرامهما، من إنكار كونهما من الاصول المنتهية إلى الأحكام الظاهرية. ثالثها: وهو الأقرب إلى لسان الأدلة: أن مفادهما تقييد أدلة حرمة المحرمات، ونجاسة القذرات الشرعية، فكما أن نتيجة ملاحظة دليل حرمة الميتة


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 303 - 304، منتهى الاصول 1: 256، محاضرات في اصول الفقه 2: 256 - 257. 2 - تقدم في الصفحة 328 - 330. 3 - وسائل الشيعة 8: 329 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8. 4 - كفاية الاصول: 110، تهذيب الاصول 1: 192 - 193. (*)

[ 337 ]

ولحم الخنزير، ودليل قاعدة الحل، هو أن الميتة ولحم الخنزير حلالان حال الشبهة والشك، ويكون الحاصل تقييد الأدلة الأولية بها - وهذا من غير فرق بين الشبهات الموضوعية التي يمكن التقييد فيها، والشبهات الحكمية التي يأتي فيها الدور المندفع بما تقرر في محله (1) - كذلك الأمر عند ملاحظة دليل النجاسات ودليل قاعدة الطهارة، فيلزم بناء عليه طهارة الدم عند الشك والشبهة، ويكون هذا مقدما على دليل الواقع بالضرورة، ويصير النتيجة الإجزاء، لأن المأتي به - بناء عليه - واجد للشرط. وهذا تقريب جديد للإجزاء غير التقريبين السابقين، ويمكن إجراؤه في استصحاب الطهارة والحلية أيضا، إلا أن قضية ما عرفت منا: أنه من الأمارات الإبداعية الشرعية. ولعمري، إن هذا التقريب أقرب إلى افق التحقيق من الأولين، إلا أنه يختص بمثل هذين الأصلين. وما ترى من الالتزام بالحكم الظاهري والعذر الشرعي (2)، غير موافق للإنصاف، ضرورة أن من يأكل لحم الخنزير وهو لا يعلم، لا يكون مرتكب الحرام، ومعذورا، بل هو مرتكب الحلال واقعا وحقيقة، فهكذا في جانب النجاسات. هذا مع أنه لابد لهم من الالتزام بالإجزاء أيضا، ضرورة أن دعوى الطهارة والحلية، تحتاج إلى المصحح العقلائي، والأثر الواضح المصحح لذلك هو سقوط الإعادة والقضاء، وأما مجرد الرخصة التكليفية بصورة العبادة في مقابل توهم التشريع المحرم مثلا، فهو لا يكفي مع هذا الادعاء إنصافا وجدا، فكما أن رفع المجهول في حديث الرفع يحتاج إلى المصحح، وتصير النتيجة اختصاص روح


1 - يأتي في الجزء السادس: 117 - 118. 2 - أجود التقريرات 1: 199، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 303 - 304. (*)

[ 338 ]

الحكم بالعالم، كذلك الأمر هنا. فلاينبغي الخلط بين ما إذا ورد: " من شك في طهارة شئ ونجاسته، تجوز له الصلاة فيه جوازا تلكيفيا " وبين قوله: " كل شئ طاهر... " (1) في ادعاء الطهارة، والحمل والهوهوية لا يصح إلا مع رعاية أظهر الآثار، وإطلاقه يورث جواز ترتيب مطلق الآثار. فتحصل: أنه على جميع الاحتمالات، يشكل الفرار من الإجزاء، وإنما الاختلاف في طريق استفادته. ثم إن من الاحتمالات وهو رابعها: جعل الطهارة للدم النجس لو كان المشكوك دما، لا للدم، فإنه يلزم التهافت بين الحكم الواقعي والظاهري، ويحتاج إلى الدفع، بخلاف ما إذا كان موضوع الطهارة " الدم النجس " فإنه لا منع من كون أحد المتقابلين موضوع المتقابل الآخر، كما يكون السطح عارض الجسم التعليمي، والخط عارض السطح، وعند ذلك أيضا يلزم صحة الإجزاء، لأن هذه الطهارة واقعية، لا ظاهرية، فإذا ثبت في الفقه أن ما هو الشرط طهارة الثوب، فهي حاصلة. وإذا قلنا: بأن هذا شرط، والنجاسة مانعة، يشكل، وحله بما عرفت. شبهات على إجزاء الأمارات والاصول وجوابها وهاهنا شبهات على القول بالإجزاء، لابد من دفعها، وتتوجه إلى الأمارات والاصول: منها: لو كان مفاد الأمارات عند الشك في طهارة شئ ونجاسته، هو الكاشفية التكوينية بحسب طبعها، ولكن هذا المقدار غير كاف لجواز ترتيب الآثار


1 - المقنع: 15، مستدرك الوسائل 2: 583. (*)

[ 339 ]

على الكشف، بل لابد من لحوق إمضاء الشرع لها، وهو يرجع إلى الترخيص في البناء العملي على طبقها. فإذا ورد: " صدق العادل " فمعناه أنه ابن على طهارة الثوب والماء المشكوكين، وهكذا، فبناء على هذا، يلزم طهارة ملاقيه، فيصير الثوب طاهرا، وما لاقاه ليس بنجس، لعدم ملاقاته إلا للطاهر. ولأن من شرائط مطهرية الماء كونه طاهرا، فإذا ورد من الشرع لزوم البناء العملي على طبقها، فلابد من الأخذ بآثارها، ومنها ذلك، وهذا في الاصول بطريق أولى (1). وتوهم عدم توجه هذه الشبهة إلى من يقول بالطهارة الظاهرية العذرية عند الشك، غير صحيح، لأن قضية ادعاء الطهارة هو ترتيب آثارها إجمالا، ومقتضى إطلاق الادعاء ترتيب جميع الآثار، ومن الآثار البارزة في الماء طهارة ملاقيه، وعدم نجاسة ما لاقاه تعبدا أو ادعاء ولو انكشف الخلاف. وتوهم: أن طهارة الملاقي ليست من آثار الملاقاة شرعا، في غير محله، لأن المقصود هو عدم لزوم ترتيب آثار النجاسة على الملاقي بعد الملاقاة، وهذا غير ممكن بعد تعبد الشرع بطهارة الملاقى بالفتح. منها: بناء على هذا، يلزم الإجزاء في الوضوء والغسل والتيمم، وكل شئ اشترط بالطهارة في تأثيره، أو موضوعيته للأثر، مثل طهارة الأرض لمطهريته، والتراب لمطهريته في الولوغ، وهكذا كطهارة المعقود عليه. ويلزم عدم لزوم الإعادة بالنسبة إلى ذات الطهارات الثلاث، لأنها وقعت من أول الأمر صحيحة، ولا يلتزم بهذه التوالي أحد من الفقهاء (2). منها: يلزم بناء على الإجزاء، صحة العقد والإيقاع واقعا ولو كان على


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 251. 2 - أجود التقريرات 1: 200، الهامش 1. (*)

[ 340 ]

المحرمات الرضاعية والنسبية، مثلا لو عقد على من شك في حصول رضاعه، ثم تبين الخلاف، أنه يصح العقد، ويترتب عليه آثاره. وهكذا لو استصحب مالكية زيد لفلان، ثم باعه، ثم تبين الخلاف، صح البيع، ويجوز له ترتيب آثار ملك زيد حتى بعد الانكشاف، وهكذا من الأشباه والنظائر (1). منها: بناء على أن النجاسة مانعة عن صحة البيع في الأعيان النجسة، ويلتحق بها المتنجسات غير القابلة للتطهير، فلو شك، وأجرينا البراءة الشرعية عن المانعية، بناء على عدم كونها مثبتة هنا، كما في المركبات العبادية، فيصح البيع، ويترتب عليه الآثار إلى الأبد، ويصير المشتري مالكا للمثمن، وهكذا. منها: لو صح الإجزاء يلزم جواز أكل الذبيحة إذا اتكل على أصل من الاصول في صحة الذبح ظاهرا، ثم تبين الخلاف، مثلا لو شك في إسلام الذابح واستصحب، أو في حديدية القاطع فاستصحب، أو في بقاء القابلية فاستصحب، ثم تبين خلاف الكل، فإنه يترتب آثار الحلية حتى بعد التبين. ومن هنا يظهر الشبهات الاخر الكثيرة في أدوار الفقه على هذا المعنى الحديث. ومنها: إنكار الضمان إذا أتلف مال الغير، بتوهم أنه ماله استصحابا، فتأمل. ومنها: الإجزاء في مستثنى قاعدة " لا تعاد... " فلو صلى باستصحاب الطهور، أو باستصحاب بقاء الوقت، ثم تبين الخلاف، فلا يعيد، مع أن ضرورة الفقه على خلافه. ومنها: غير ذلك. أقول: قد يشكل تارة: بأن الاصول الجارية في كثير من الأمثلة المزبورة مثبتة.


1 - نفس المصدر. (*)

[ 341 ]

وفيه: أن ذلك ممنوع إلا فيما شذ. مع أن الاستصحاب عندنا حجة في مثبتاته. والإشكالات مشتركة الورود بين الأمارات والاصول، فلابد من حل هذه المعضلات. واخرى: بأن قضية ما سلف من اشتهار القول بالإجزاء حتى في الأمارات، هو الالتزام بهذه الامور. وفيه: أن القدر المتيقن منها في الصلاة، ولا دليل على ذهاب الإمامية إلى الإجزاء في مطلق المركبات، ولعل استنادهم فيها إلى قاعدة " لا تعاد... " القواعد العامة، فليتأمل جيدا. والذي هو الحق: أن وجه الإجزاء في الأمارات كان أمرا وحيدا، وهو الاستظهار من أدلة تنفيذها بأن الشرع المقدس، لا يكون ملتزما بواقعياته على كل تقدير، وقد فرغنا من سد ثغوره، فأذن إن أمكن في كل مورد الالتزام بالإجزاء فهو، وإلا فيعلم من الخارج أن الواقع محفوظ على جميع التقادير. وبعبارة اخرى: الواقعيات مختلفة المراتب: فطائفة منها محفوظة على جميع التقادير، بحيث لا يجوز الشرع العمل على طبق الأمارات والاصول، بل يوجب الاحتياط والتورع. وبعض منها يرخص في العمل على طبق الأمارات، دون الاصول. وبعض منها يرخص على الإطلاق، ولكنه بعد انكشاف الخلاف يعلم أنه لا يتجاوز عن واقعه. وبعض منها يكون مورد التجاوز، ولا يوجب الإعادة والقضاء، كما في مثل الصلاة مثلا بالنسبة إلى كثير من أجزائها وشروطها، وهكذا. فعلى هذا، إن لم يقم دليل من الإجماع والعقل أو النقل على محفوظية تلك الواقعيات، فقضية القاعدة الأولية هو الإجزاء، فالتفكيك - بناء على هذا - بين

[ 342 ]

الأحكام المهتم بها، وبين غيرها، ممكن جدا. ومن تلك الأمارات هو الاستصحاب على رأينا، فإذا رأينا أن مفاد النصوص الخاصة، هي الإعادة بعد التوجه إلى فقد الصلاة للطهور والوقت، فيعلم من ذلك: أن الشرع ملتزم بذلك، ولايكون رافع اليد عنه، فاغتنم. فكثير من الإشكالات المزبورة، كان منشؤها التمسك بالاستصحاب، ويكون طريق الحل والدفع منحصرا بذلك. وأما مجرد استيحاش الفقهاء في العصر عن الالتزام بأمر، فهو غير كاف للكشف عن الأهمية عند الشرع، ولذلك يمكن الالتزام بحلية الذبيحة بعد انكشاف الخلاف في الموارد التي أشرنا إليها، هذا في الأمارات. وأما الاصول، فقد عرفت منا وجوها للإجزاء، وكان أول هذه الوجوه الوجه الذي اخترناه للإجزاء في الأمارات، فعلى هذا في مورد الاصول أيضا يمكن التفكيك كما لا يخفى. وعلى هذا، لا يتوجه الشبهة الاولى إلينا، لأن رفع اليد عن الواقعيات الأولية في موارد الأمارات والاصول، لا يورث الحكم بطهارة ملاقي النجس، أو الحكم بعدم نجاسته، لأجنبية ذلك عما هو المقصود. نعم، يلزم رفع اليد عن شرطية طهارة الماء في الوضوء وغيره، وعن شرطية طهارة الثوب في الصلاة، لا عن شرطية طهارة الماء في رفع النجاسة عن الثوب الملاقي إياه. ولو قلنا: بأنه يلزم عليه رفع اليد عن شرطية الصلاة بالطهور، لا عن شرطية الوضوء بالماء الطاهر، كان أولى، لأنه بناء عليه يلزم عليه الوضوء للصلاة الآتية، وتجب عليه إعادة الصلاة وقضاؤها، لأنها تكون صلاة بلا طهور، وقضية المستثنى في قاعدة " لا تعاد... " وبعض النصوص الاخر (1)، أهمية هذا الشرط، فيعلم من هنا


1 - وسائل الشيعة 1: 370، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 3. (*)

[ 343 ]

عدم رفع اليد عن واقعه، وهو اشتراط الصلاة بالوضوء. ومما يؤيد ذلك: أن ما هو المطلوب النفسي، هو المقياس في المقام، لا المطلوبات الغيرية، كالطهارات الثلاث. فعلى ما تقرر هنا، ارتفعت الشبهة الثانية أيضا، لأن التوسع في الواقعيات والانصراف عنها بمقدار الضرورة، واللازم بحكم العقل، فلا معنى للحكم بطهارة باطن القدم أو الولوغ، بل غاية ما يغمض الشرع عنه نظره هي القيود المعتبرة في الواجبات النفسية. فهذه الطريقة قابلة للدفع بها عن الشبهات كلها، مثلا في مثل العقود والإيقاعات، لا معنى لتصحيح الشرع إياها، حتى يترتب عليها آثار الصحة من الأول إلى حين الكشف، أو إلى الأبد، بل الشرع يرفع اليد عن المحرم والمبغوض الذي له في البين، وهو النظر إلى الأجنبية، والدخول عليها، والتصرف في مال الغير بغير الإذن، لأن ما لا يجامع الترخيص في العمل بالأمارات والاصول ذلك، لا ذاك، فلو تبين الخلاف، وعلم فقد العقد أو الإيقاع للجزء أو الشرط، فلابد من إعادته. وفي مثل رفع مانعية النجاسة عن صحة العقد قرضا، يرفع اليد عن حرمة أكل الثمن، فلا معنى للبناء على الصحة. وفي مثل الذبح بغير الشرائط الأولية، يرفع اليد عن حرمة أكل الذبيحة الفاسدة، لا نجاستها، وهكذا. فبناء عليه تبين إلى هنا: أن القول بالإجزاء في الأمارات والاصول، لا يستلزم هذه الشبهات رأسا، لما أن الوجه في ذلك، غير الوجوه التي توهمها الأصحاب (قدس سرهم). وأما بناء على بعض الوجوه في الإجزاء في الاصول، فالشبهة تختص بطائفة

[ 344 ]

القائلين بالإجزاء. ولكن قد عرفت: أن الإجزاء هو مقتضى جميع التقارير في مفاد قاعدة الحل والطهارة، فلابد من دفعها، ويدور الأمر بين أحد أمرين: إما إنكار إطلاق القاعدتين، بل وحديث الرفع، بدعوى: أن مطلق الآثار، ليس مرفوعا، ولا مترتبا على الحلال والطاهر الظاهريين، واختيار الإجزاء على الوجه الذي فصلناه. وإما الالتزام بهذه التوالي، بدعوى عدم الدليل على بطلانها، والله العالم. وعلى كل تقدير لا سبيل للفرار عن الإجزاء في الجملة. وفيما يلزم منه الفقه الجديد لا يلتزم به، للنص الخاص مثلا، فلا تخلط. فتحصل إلى هنا: أن الإجزاء لا يكون إلا من وجهين: أحدهما: إسقاط شرطية ما هو الشرط حال الجهل، وعدم الاطلاع على الواقع. ثانيهما: إثبات واجدية المأتي به للشرط، لأنه أعم من الشرط الواقعي الأولي. فإن التزمنا بالأول، لا يلزم شبهة إلا بعض ما دفعناها في تقرير أصل المسألة. وإن التزمنا بالثاني، يلزم الشبهات العديدة التي لا يمكن الفرار عنها إلا بالالتزام بها. وغير خفي: أنه بناء على ما سلكناه من الإجزاء، لابد من القول به في جميع خصوصيات المأمور به في جميع أبواب الفقه، كالحج، والصوم، والخمس، والزكاة مثلا، فإذا امتثل حسب الأدلة، فأدى وظيفته في الوقت المضروب له، ثم تبين نقصان ما أتى به، فهو يجزي عن الواقع والكامل. نعم فيما لا وقت له شرعا، بحث يأتي إن شاء الله تعالى (1).


1 - يأتي في الصفحة 347 - 348. (*)

[ 345 ]

تذنيب: في مقتضى الاصول عند الشك في الإجزاء قد عرفت قضية الاصول العملية عند الشك في الإجزاء في مباحث الأمارات. ومن هنا يظهر النظر في مقتضاها هنا، فلو شك في الإجزاء، فإن كان منشأ الشك الشك في أصلية شئ وأماريته، فقد مضى البحث عنه. وإن كان منشأ الشك الشبهة في أن أدلة الاصول، تنهض قرينة على رفع اليد عن الواقع في مورد التخلف، ويكون مفادها جعل الأحكام الظاهرية قبال الأحكام الواقعية، أم لا، بل هي ناظرة إلى جعل الأحكام الواقعية على عنوان " الشك " أو تخصيص أدلة الواقع بما وراء الشك والشبهة، فهل مقتضى الاصول العملية يكون الاشتغال والاحتياط، أو البراءة ؟ وجهان مضى سبيلهما سابقا. وتحقيقه: أن المفروض في المسألة هو البناء على إطلاق أدلة الواقع، وأن ما هو الشرط مثلا شرط على أي تقدير، فإذا شك في مفاد أدلة الاصول فلابد من الاحتياط، لأن الشك في الواقع وشرطية ما شك فيه، يرتفع بإطلاق دليل الواقع. اللهم إلا أن يقال: بالإجزاء على جميع الاحتمالات في مفاد أدلة الاصول، كما عرفت منا (1)، فعند ذلك يتعين الإجزاء. نعم، لو فرضنا عدم القول بالإجزاء على بعض التقاريب في أدلة الاصول، فالمرجع إطلاق دليل الشرط، فيلزم الإعادة والقضاء.


1 - تقدم في الصفحة 336 - 337. (*)

[ 346 ]

الموقف الرابع حول الإجزاء عند ترك المأمور به حسب الدليل الظاهري لو اتكل على أمارة أو أصل في ترك الطبيعة الموقتة، ثم تبين بعد مضي الوقت وجوبها فيه، فهل يجب القضاء بعد ثبوت الدليل عليه، أم لا، لأن الترك المستند إليه، كاشف عن رفع اليد عنها عند التخلف ؟ مثلا: إذا قلنا حسب الدليل الاجتهادي أو البراءة الشرعية: بعدم وجوب صلاة الكسوف، ثم تبين بعد ذلك وجوبها في الوقت، والقضاء خارج الوقت، وكان لدليل القضاء إطلاق، ولكنه ليس نصا في ذلك، فهل يجب القضاء، أم لا ؟ وجهان. ويوجه الثاني: بأن الترك المستند إلى الدليل، مع ملاحظة إمضاء الشرع الطرق، وتأسيس أصالة البراءة الظاهرة في رفع اليد ورفع ما لا يعلم ادعاء، بحسب جميع آثاره، شواهد على عدم وجوب تلك الصلاة على هذا المكلف. نعم لو تركها عمدا في وقتها فعليه القضاء. وبالجملة: قضية ما سلف منا هو الإجزاء أيضا، وهذا هو الإجزاء بالمعنى الأعم، أي يسقط التكليف الأولي. وبعبارة اخرى يكشف عدم ثبوته بالنسبة إليه. ولعمري، إن من يلتزم بالإجزاء في المسألة الثالثة، لابد وأن يلتزم به هنا، لاتحاد الملاك والمناط. وهكذا إذا استند إلى الاستصحاب في بقاء شعبان، ثم تبين أنه من رمضان، أو استند إليه في بقاء الوقت، فترك الصلاة بظن سعة الوقت، ثم تبين خروجه، وهكذا. نعم، فيما إذا علمنا من الخارج أهمية الواجب، وأن الشرع لا ينصرف

[ 347 ]

ولا يتجاوز عنه، فعليه التدارك خارج الوقت، كما عرفت تفصيله (1). ثم إن مقتضى الاصول العملية عند الشك هي البراءة، لأن القضاء بالأمر الجديد، وموضوعها " الفوت " وهو غير محرز، ضرورة أن الفوت فرع وجود التكليف، ومع التجاوز عن التكليف لا فوت. اللهم إلا أن يقال: قضية إطلاق دليل الواقع، بطلان ما أتى به، فعليه القضاء. إن قلت: التجاوز عن التكليف لأجل المزاحمة مع مصلحة التسهيل، لا يورث قصورا في مصلحة الواجب، فلو تخلف وتركه يصح إيجاب القضاء عليه، لصدق " الفوت ". قلت: هذا بحسب التصور والثبوت، ومن المحتمل دخالة عدم المزاحمة مع مصلحة التسهيل في مطلوبية العبادة مثلا، فلا يمكن كشف مطلوبية المادة بعد سقوط الهيئة لأجل المزاحمة. فتحصل: أن الإجزاء في الواجبات الموقتة - بمعنى عدم وجوبها عند الاستناد في تركها إلى سبب شرعي - متعين. ويمكن دعوى عدم سقوط الهيئة، إلا أن الشرع يرفع اليد عن إيجاب القضاء على مثله بمقتضى تسبيبه إلى الترك، فيكون في فسحة من التكليف، منة عليه، فاغتنم وتدبر. ذنابة: حول الإجزاء في الواجبات غير الموقتة الواجبات غير الموقتة شرعا، سواء كانت واجبة على سبيل الفور فالفور، كصلاة الزلزلة، أو كانت واجبة على الإطلاق، كالكفارات مثلا، إن أتى بها ناقصة


1 - تقدم في الصفحة 340 - 342. (*)

[ 348 ]

لأجل الاستناد إلى أمارة أو أصل، فالأصل يقتضي الإجزاء فيها، على ما تقرر، فلو أدى في الزكاة من الغلات حنطة نازلة، ثم تبين وجوب أداء الحنطة الغالية، أو من كل حنطة تعلقت بها الزكاة، فإنه يجزيه ما أداه، وهكذا في سائر ما يتعلق بها الزكاة. وأما إذا تركها مستندا إلى دليل شرعي، فأخر صلاة الزلزلة مستندا إلى عدم الدليل على وجوبها، أو ترك أداء الخمس مستندا إليه، ثم تبين وجوبه، أو ترك كفارة الدخول حال الحيض مثلا، ثم تبين وجوبها، فهل عليه الأداء، أم لا ؟ وجهان. ولكن الأظهر ثبوته، لأن الترخيص في التمسك بالطرق والاصول، لا يزاحم مرامه ومقصوده حسب الفهم البدوي. وهذا نظير التمسك بالدليل في ترك الطبيعة في بعض الوقت، ثم في الوقت تبين وجوبها. وبعبارة اخرى: قضية حديث الرفع في سائر الموارد، هو الرفع بجميع آثاره من القضاء والأداء ادعاء، وفيما نحن فيه يكون رفعا للتكليف بآثاره، وليس من آثاره الإعادة والقضاء، ولايكون الحكم موضوعا واقعا، حتى يشك في حدوثه بعد العلم، فيكون الحكم ثابتا بعد رفع الجهالة، فافهم واغتنم، ولا تكن من الجاهلين. ولكن الأظهر ثبوته، لأن الترخيص في التمسك بالطرق والاصول، لا يزاحم مرامه ومقصوده حسب الفهم البدوي. وهذا نظير التمسك بالدليل في ترك الطبيعة في بعض الوقت، ثم في الوقت تبين وجوبها. وبعبارة اخرى: قضية حديث الرفع في سائر الموارد، هو الرفع بجميع آثاره من القضاء والأداء ادعاء، وفيما نحن فيه يكون رفعا للتكليف بآثاره، وليس من آثاره الإعادة والقضاء، ولايكون الحكم موضوعا واقعا، حتى يشك في حدوثه بعد العلم، فيكون الحكم ثابتا بعد رفع الجهالة، فافهم واغتنم، ولا تكن من الجاهلين. بل لك دعوى عدم جريان حديث الرفع في الواجب الموسع المشكوك وجوبه قبل أن يضيق وقته بأن يكون في تأخيره التهاون، فإنه لا منة في رفعه، كما لا يخفى. وبعبارة اخرى: بعد إطلاق الواجب بحسب الأزمنة، فلا وجه لرفع اليد عنه في مورد التخلف، لعدم حصول التزاحم المزبور في المضيقات والموقتات، فإذا تبين وجوب صلاة الزلزلة ووجوب الخمس وهكذا، فعليه الأداء. وتوهم: أن قضية ذلك إنكار الإجزاء في الموقتات الموسعة إذا تبين وجوبها في الوقت، في محله، إلا أن أهم الواجبات الموسعة هي الصلوات، وقضية

[ 349 ]

ما تقرر في محله استحباب الإتيان بها فورا ففورا، وهذا يرجع إلى ملاحظة الملاكات، ونتيجة ما ذكرناه تقديم ملاك التسهيل في الترخيص بالعمل بالطرق والأمارات والاصول. هذا آخر ما أردناه في هذه المسألة، وقد خرجنا عن اقتضاء الكتاب، إلا أن ذلك كان مقتضى الباب، لابتلاء الأصحاب بها في كثير من الأبواب، فليعذرني أخواني في الخروج عنه، والله ولي التوفيق، وإليه حسن مآب.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية