الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحريرات في الأصول - السيد مصطفى الخميني ج 1

تحريرات في الأصول

السيد مصطفى الخميني ج 1


[ 1 ]

تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني الجزء الاول مؤسسة تنظيم نشر آثار الامام الخميني قدس سره

[ 2 ]

بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني قدس سره هوية الكتاب اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 1) المؤلف: السيد مصطفى الخميني قدس سره تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم آثار الامام الخميني قدس سره سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 الطبعة: الاولى المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج الكمية: 3000 نسخة السعر: 12500 ريال جميع الحقوق محفوظة للناشر

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 1 ]

نبذة مختصرة من حياة المصنف طهارة المولد وكرم المحتد في مدينة قم المقدسة، وفي اسرة تطاول السماء مجدا وسؤددا، ولد الشهيد السعيد عام 1309 ه‍. ش. سماه أبوه العظيم محمدا، وطوقه ب‍ " مصطفى " لقبا، وكناه ب‍ " أبي الحسن "، ولم يكنه ب‍ " أبي القاسم "، كي لا تجتمع النعوت الثلاثة لغير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وغلب عليه لقبه، فاشتهر بالسيد " مصطفى ". انحدر من صلب ماجد، انحنى له الدهر تبجيلا وتعظيما، وتصاغرت شواهق الجبال لشموخه وجلاله، ذلك والده المقدس، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وأنطق العدو ثناء عليه قبل الصديق، فعدوه رجل العالم الأول لعامين انبهارا بعظمته وقيادته. وأما والدته التقية الفاضلة فهي كريمة آية الله الميرزا محمد الثقفي صاحب كتاب " روان جاويد " في التفسير و " غرر العوائد من درر الفوائد " في الاصول، وكثيرا ما عبر عنه المترجم في كتبه ب‍ " جدي المحشي ". وكان آية الله الميرزا أبو الفضل الطهراني صاحب كتاب " شفاء الصدور في شرح زيارة عاشور " جدا لوالدته الفاضلة.

[ 2 ]

كما كان جدها الأعلى آية الله العلامة الشهير الميرزا أبو القاسم الكلانتر مقرر الشيخ الأعظم الأنصاري، وتقريراته الشهيرة معروفة ب‍ " مطارح الأنظار "، ويعبر عنه الشهيد ب‍ " جدي المقرر ". وهي - حفظها الله تعالى - تنطوي على نفس طيبة طاهرة، وأخلاق وسجايا حميدة مجيدة، وروح شفافة نقية، لها منامات عجيبة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها وسردها، إلا أن من المناسب هنا أن نذكر ما يخص سيدنا المترجم له، وذلك ما حدثت به أيام حملها بولدها الشهيد (قدس سره) حيث رأت في منامها الصديقة الطاهرة (عليها السلام) جالسة في بستان واضعة في حجرها سيد الشهداء (عليه السلام) وهو طفل صغير. وقد عبروا لها هذا المنام بأن الله تعالى سيرزقها ولدا ذكرا فحسب، ولم يكتشفوا - أو لم يكشفوا لها - تأويل رؤياها من بعد، تلك الرؤيا الصادقة، وأنها ستلد ولدا عظيما يستشهد، ويكون دمه ثورة على الطغاة المستكبرين، ومنارا للمجاهدين والمستضعفين. نشأته العلمية وعطاؤه المبكر نشأ الشهيد وترعرع في ربوع قم المقدسة ورحابها. اشتغل بدراسة العلوم العصرية الحديثة في أوائل صباه حتى ست سنوات، وبعدها اشتغل بطلب العلوم الدينية. وقد ارتدى الزي العلمائي الخاص وهو ابن سبع عشرة سنة وذلك بإصرار من والده العظيم. درس العلوم الأدبية بإتقان حتى اجتهد فيها وأبدى رأيه السديد في قبال آراء علمائها المبرزين، ولو تصفحت كتابه المنيف " تفسير القرآن الكريم " لرأيت

[ 3 ]

شواهد الصدق على ما قلناه. وبعدها شرع بدراسة العلوم الاخرى فقها واصولا، رجالا وحديثا، فلسفة وعرفانا. استطاع بذكائه الوقاد ومثابرته الجادة أن يلم بهذه العلوم العميقة الدقيقة في فترة قياسية وجيزة. درس العديد من الكتب الدراسية العالية وكان موضع تقدير وحفاوة فائقين من طلابه ومريديه، وقد غذاهم بعصارة روحه وخالص أفكاره. وقد أنهى في مدينة قم المقدسة دورة اصولية مختصرة ولما يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره المبارك. وأما في النجف الأشرف فقد ألقى سماحته دورة اصولية مفصلة، نقد فيها آراء المحققين، وأبدى فيها آراءه الفذة وتحقيقاته البكر، مما يدل على نضج علمي وإبداع فكري مبكرين. هذا، مضافا إلى دروسه الموسعة في الفقه والتفسير التي كانت مثارا للدهشة في العمق والسعة والاستيعاب. ومهما بالغنا في تمجيده وإطرائه فلسنا بالغين شأو ما قاله فيه والده المقدس الإمام الراحل طاب ثراه حيث قال في حق ولده حين بلغ الخامسة والثلاثين: " إن مصطفى أفضل مني حينما كنت في سنه "، هذا، مع أن الإمام (قدس سره) بلغ ما بلغ من تعلم اصول العلوم وفرغ منها في هذا السن، وهذه شهادة منه (قدس سره) على اجتهاد ولده في شتى العلوم المتعارفة، اصولا وفروعا، معقولا ومنقولا. وكان من خصائص سيدنا الشهيد ذكاؤه المفرط ودقته النافذة وحافظته المتميزة، فقد كتب رسالة " لاضرر " وهو في السجن لايمتلك من المصادر غير ما في خزانة نفسه، وكتب بحث " الواجبات في الصلاة " وهو في منفاه في تركيا، ولم

[ 4 ]

يكن في حوزته غير " الوسائل " و " العروة الوثقى " و " الوسيلة " المحشاة. وقد تجلت سعة حفظه ودقة فكره في جلسة استغرقت حوالي الأربع ساعات كان السيد الشهيد يجيب فيها على أسئلة الحاضرين في العلوم المختلفة. أساتذته الكرام درس سيدنا الشهيد على أعاظم علماء عصره، وحضر بحوثهم بجدارة واقتدار وتفهم واستيعاب، وكان من أجلة أساتذته آية الله العظمى السيد البروجردي قدس الله نفسه الزكية. وآية الله العظمى السيد محمد المحقق الداماد (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد الحجة الكوهكمري (قدس سره)، الذي عبر عنه السيد الشهيد ب‍ " جد أولادي "، فإنه تزوج كريمة آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره)، وكان هذا الشيخ صهرا لآية الله العظمى السيد الحجة على كريمته، ولهذا عبر المصنف (رحمه الله) عن آية الله العظمى المؤسس الشيخ الحائري (قدس سره)، أيضا ب‍ " جد أولادي ". وكان تلمذه في الحكمة والفلسفة على آية الله العظمى السيد أبي الحسن الرفيعي القزويني (قدس سره). هذا لكن جل استفادته كانت من والده السيد الإمام العلامة المحقق في الأخلاق واللغة والفقه والاصول والمعقول والمنقول والعرفان والسلوك وتربية ذوقه السليم في كشف أسرار العلوم وإدراك حقيقة الدين الإسلامي الناصعة والعلاقة الوثيقة بين الدين والسياسة والوعي الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن الفضائل الروحية والنفسية كالزهد والتقوى والشجاعة وغيرها. وحضر عند أول وروده إلى النجف الأشرف بحوث علمائها المبرزين كآية الله العظمى السيد الحكيم (قدس سره) وآية الله العظمى السيد الشاهرودي (قدس سره) وآية الله

[ 5 ]

العظمى السيد الخوئي (قدس سره) وغيرهم، وكان حضوره حضور نقد وتدقيق وحصيلته رسالته المسماة ب‍ " دروس الأعلام ونقدها ". مصنفاته عمر قصير في حساب الزمن، ولكنه كبير في النتائج والآثار، وكم من أعمار طالبت بلا أثر يذكر أو فائدة تؤثر. أي قلم كان لشهيدنا العظيم سيال متدفق في فنون العلوم المختلفة والدراسات العلمية المتنوعة، مؤلفات ومصنفات كبيرة ورسائل وحواش كثيرة كتبها في قم المقدسة وبورسا والنجف الأشرف، إلا أنه - وللأسف - قد ضاعت علينا كتبه التي صنفها في قم المقدسة حيث قد صادرتها حكومة الشاه العميل، بعد أن أقصته مع والده العظيم إلى تركيا، ولم يبق لنا منها سوى ما صنفه في النجف الأشرف وبورسا، حيث جاءت بها إلى إيران المرأة الصالحة التي كانت تحظى بخدمتهم هناك، وآثرتها على حوائجها ولوازمها الخاصة، خوفا من ضياع ما رأته من مشاق تحملها سيدنا الشهيد في سنين متمادية في حر النجف وظروفه القاسية في آناء الليل والنهار. كتبه المفقودة: 1 - القواعد الحكمية، وقد أرجع إليها كثيرا من المباحث العقلية الفلسفية بل والمنطقية في كتبه. 2 - رسالة " لا تعاد "، وهي رسالة مستوعبة مفصلة.

[ 6 ]

3 - الخلل في الصلاة، وهذا غير ما كتبه في النجف الأشرف المبطوع ضمن تراثه. 4 - المختصر النافع في علم الاصول، كتبه أثناء دورته الاصولية الاولى. 5 - رسالة في قاعدة " لاضرر ". 6 - رسالة في حديث الرفع. 7 - رسالة في العلم الإجمالي، كتبها في " القيطرية " أثناء التبعيد. 8 - كتاب الإجارة، وهو مجلدان. 9 - المكاسب المحرمة، وهو جزء من كتابه الكبير " تحريرات في الفقه ". 10 - تتمة كتاب البيع، وفيه الأبحاث الباقية من كتاب البيع المطبوع ضمن تراثه. 11 - كتاب الخيارات، وهو المجلدان الأول والثاني من الخيارات. 12 - رسالة في علم الباري. 13 - رسالة في الرد على كتاب " الهيئة والإسلام ". 14 - رسالة في قضاء الصلوات. 15 - الفوائد الرجالية. 16 - كتاب الاجتهاد والتقليد، مفصلة. 17 - كتاب الصلاة، والظاهر أنه قسم من كتابه الكبير " تحريرات في الفقه "، وقد صرح بكتابته لبعض مباحثه نحو " صلاة المسافر " و " القضاء عن الولي " و " صلاة الجماعة " و " أوقات الصلوات " و " مكان المصلي " و " الأذان والإقامة ". 18 - رسالة في " السرقفلية ". وله تعليقات كثيرة على عدة من الكتب الأدبية والفقهية والرجالية والفلسفية والعرفانية وقد صرح ببعضها في مطاوي كتبه: منها تعليقته على " شرح الرضي على الكافية ".

[ 7 ]

ومنها حاشيته على خاتمة " مستدرك الوسائل ". ومنها تعليقته على كتاب " المبدأ والمعاد " لصدر المتألهين. كتبه المطبوعة: 1 - تحريرات في الاصول. 2 - مستند تحرير الوسيلة. 3 - تفسير القرآن الكريم. 4 - تعليقات على الحكمة المتعالية. 5 - تحرير العروة الوثقى. 6 - تعليقة على العروة الوثقى. 7 - دروس الأعلام ونقدها. 8 - العوائد والفوائد. 9 - ولاية الفقيه: وهو قطعة من كتاب البيع المفقود بعض أجزائه. تحريرات في الفقه 10 - الطهارة. 11 - الواجبات في الصلاة. 12 - الخلل في الصلاة. 13 - الصوم. 14 - كتاب البيع من أوله إلى مبحث تعاقب الأيدي. 15 - كتاب الخيارات وهو المجلدان الثالث والرابع.

[ 8 ]

أخلاقه وعبادته العوامل الوراثية والبيئية والعائلية لها الأثر الكبير على شخصية الإنسان كل إنسان، فهو ابن بيئته وابن فواعله التربوية والوراثية، فلاعجب أن نجد شهيدنا الغالي يعيش قمة الخلق الكريم والفضائل الروحية، والنفسية والسلوكية والكمالات الأخلاقية والعقلية، فقد عاش في بيت من بيوتات العلم والتقى والزهد والهدى، تتلألأ لياليه بأنوار التبتل والانقطاع إلى لله المتعال، كما تمتلئ ساعات نهاره بالعلم والجهاد ومعالي الامور، بيت يعيش هم الإسلام والمسلمين بدون فتور أو انقطاع. لاعجب أن نجد شهيدنا العظيم مجمعا للفضائل والمكارم وقد كان مربيه بطل العلم والتقوى والجهاد، وقد تشرب من أجوائه التي عاشها بين يديه، أسمى الكمالات الروحية والمعنوية وأقدس المزايا والسجايا وأجل النعوت وأجمل الصفات. إذا عرفت ذلك تعرف السر في حلول هذا الولد البار من نفس والده العظيم ذلك الموقع الخاص والمقام الرفيع، فكان يشيد بفضائل ولده قولا وعملا، ويشير إلى مكانته العلمية والمعنوية، وعرف عنه (قدس سره) أنه لم يمد رجليه في حضرة ولده إكراما وتبجيلا له. وقد عرف هذا الولد البار حق والديه، فلم يفعل شيئا كرهاه، وكان يحترمهما إلى حد التقديس، وكان يعلم ما لوالده العظيم من مقام روحي وعلمي جليل، وأهداف إلهية عالية يعيش همها بلا فتور ليله ونهاره في صمته وكلامه، يجاهد في سبيل ربه جهادا كبيرا لايعرف الكلل ولا الملل ولا الخوف ولا الضجر، وكان يشير

[ 9 ]

في كل مناسبة - في أحاديثه وكتاباته - بمقام والده الكبير الفقيه الحكيم والمجاهد العظيم. وسار الولد على مسار أبيه واختط خطاه، وتبنى أهدافه وأمانيه، وجاهد كما جاهد أبوه بإصرار وشجاعة وعزم وثبات. ومن الصفات الغر لسيدنا الشهيد أنه كان شريفا عفيفا زاهدا عابدا قريبا من الناس محبوبا لديهم، كريما محسنا محبا لأصدقائه مؤثرا للسمر معهم على سائر المتع، وربما قضى معهم الساعات الطويلة من الليل، ثم يغفي إغفاءة يقوم بعدها لصلاة الليل والتضرع والابتهال لرب العزة والجلال، ثم يعود بشغف ونشاط إلى بحثه وتدريسه وتأليفه. وهكذا كان عالما عابدا مجدا نشطا، مواظبا على النوافل والأدعية والأوراد، ملتزما بصلاة الجماعة، محتاطا في تصرفاته، خصوصا فيما يتعلق ببيت المال إلى أبعد الحدود، وكان زاهدا في دنياه وراغبا في اخراه. جهاده السياسي لابد للمسلم المجاهد من علم بما يجاهد لأجله، وبالمحيط الذي يجاهد فيه، وبالعدو الذي يجاهده، كما لابد أن يمتلك الأداة التي يجاهد بها، من قوة مادية ومعنوية، وقبل ذلك أو مع ذلك لابد له من قائد حكيم يؤمن بقيادته إيمانا مطلقا. لقد توافرت لسيدنا الشهيد كل هذه المقومات التي صنعت منه مجاهدا عظيما يعيش هم الإسلام والمسلمين حتى تكللت حياته بالشهادة ذلك الوسام الإلهي العظيم. لقد كان (رحمه الله) عالما بالشريعة الإسلامية، الخاتمة التي يجاهد من أجلها وكان

[ 10 ]

مجتهدا فيها اصولا وفروعا. وكان يعيش هموم المسلمين عن قرب وتفاعل، ومحيطا بمؤامرات العدو على الامة الإسلامية بتفصيل وتتبع، وكان يمتلك مع ذلك الشجاعة والإيمان والأعوان، وكان كل ذلك بفضل والده العظيم الذي أحسن تربيته ووفر له مقومات المجاهد الشجاع، وكان (رحمه الله) يؤمن بقيادة والده العظيم وحكمته إيمانا مطلقا، وقد غذاه والده الحكيم منذ نعومة أظفاره بالعلم والتقوى، وأنشأه على فهم الإسلام الحقيقي الناصع وشموليته وكماله وأصلحيته لقيادة الناس إلى مرفأ الأمن والسلام والسعادة في الدنيا والآخرة وعلمه منذ أوائل صباه أن السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام، سياسة محمد وعلي - صلوات الله عليهما وآلهما -، وليست سياسة الأبالسة والطغاة، سياسة الحق والعدل والخير لعموم البشر، وليس سياسة الختل والخداع والظلم والضلال. علمه وهو صبي يافع ذكي متفتح أن قيادة الناس وحكم البلاد فرض على عاتق الفقهاء العدول الأكفاء في عصر الغيبة الكبرى، ولابد للمسلمين أن يلقوا لهم بالقياد، وأن يذعنوا لهم بالطاعة والانقياد، حتى يقودوهم لما فيه رضا بارئهم وسعادتهم، وعليهم أن يجاهدوا في سبيل الله تحت قيادتهم، حتى يرغموا انوف الطغاة وينتصر الإسلام وتكون كلمة الله هي العليا في الأرض كما في السماء. لقد كان الشهيد السعيد ترجمانا صادقا لآراء والده العظيم ومعتقداته كما كان ساعده الفتي ومساعده الأمين في جهاده العظيم ونهضته الإسلامية المباركة. ويتبين لك صدق ما سمعت من خلال مواقفه السياسية الجهادية التي وقفها، وإليك بعض النماذج المهمة من تلك المواقف: 1 - حيث قامت سلطات الشاه الغاشمة باعتقال الإمام الراحل (قدس سره)

[ 11 ]

لاعتقادها بأن عزل القائد عن الامة كاف لإخماد الثورة التي ألهبها في نفوس الأحرار والأخيار، وهنا قام الشهيد السعيد بدوره الفعال في إلهاب مشاعر الامة وقيادة جماهيرها الغاضبة من أجل تخليص قائدها العظيم من سجون الشاه العميل وتحريره من أيدي أزلامه الخونة. 2 - وبعد أن ضاقت السلطات الغاشمة ذرعا بالإمام الراحل ونشاطاته السياسية الواعية، وخطاباته الحماسية اللاهبة، ورأت في اعتقاله من قبل خطرا محدقا، عمدت إلى تبعيده عن جماهيره الثائرة مؤملة أن تخبو جذوتها المتقدة، فأقصته إلى تركيا وأخضعته هناك للرقابة التامة. فهل ترى سيدنا الشهيد يقر له قرار أمام هذه الفعلة النكراء التي قامت بها السلطات الظالمة وطاغوتها المتفرعن ؟ ! لقد صعد الشهيد السعيد من نشاطاته الجهادية وجهاده السياسي، فقام النظام الشاهنشاهي الغاشم باعتقاله وزجه في ظلمات السجون، وتحت ضغط الجماهير المسلمة الغاضبة اضطرت سلطات الشاه المقبور إلى الإفراج عنه بعد شهرين فقط. وما أن شم نسيم الحرية حتى عاد المسلم الثائر إلى نشاطه السياسي الفاعل، فكان بحق خليفة والده العظيم في قيادة الامة، التي كانت تضطرم غضبا على الظالمين الآثمين بحقها وبحق قائدها الأمين، فلم يجد النظام الطاغوتي الظالم بدا من إقصائه عن وطنه ومغناه إلى تركيا حيث نفي القائد الوالد. 3 - وبعد أن حل أرض النجف الأشرف مع والده الحكيم ورغم كل الضغوط، كان يقوم في ظل والده القائد بدوره السياسي وواجبه الشرعي تجاه دينه وامته، واكب الأحداث الساخنة في الساحة السياسية في وطنه الإسلامي الكبير في إيران والعراق وسوريا ولبنان وسواها، وكان نائبا لوالده الإمام في

[ 12 ]

إدارة شؤونه السياسية وقيادة الثورة في بلاده من بعيد بطريقة بكر واسلوب فذ. وسينشر المؤتمر المنعقد في الذكرى العشرين لشهادته تفاصيل مواقفه السياسية ونشاطاته الجهادية ودوره الرائد في ثورة الوالد القائد على الطغاة والمستكبرين. خاتمة حياته وجهاده لقد أدرك العدو الحاقد خطر بقاء هذا المجاهد الثائر بخصائصه الفذة إلى جنب والده القائد العظيم، فأراد أن يفت بعضد الإرادة الحديدية الصلبة وأن يثلم من العزم الراسخ والجبل الشامخ ولم يكن يدور في خلده أن شهادة هذا المجاهد العظيم، ستكون سببا للقضاء على عميل الغرب العتيد، وتقويض دعائم الحكم الوطيد لحارس مصالحه الأمين في الشرق الأوسط، كما أوضحنا ذلك من قبل. لقد كان لاستشهاده (قدس سره) - ظلما وغدرا - وقع كبير وأثر بالغ في قلوب المؤمنين كافة، ولكن ذلك الأثر البالغ يتضاعف على قلب والده العطوف العارف بخصائص ولده الفقيد، الذي نشأ على يديه الكريمتين، ولده الذي تربى في حجره، ونشأه على خطه وفكره، وسقاه من نمير روحه ونوره، حتى عقد آماله الكبار عليه، ولقد بكى عليه بكاء شديدا، ولكن لم يفت في عزمه، بل ألهبه مضاء وعزما أكيدا على محاربة الطغاة والمستكبرين ونصرة المستضعفين. لقد قضى الشهيد السعيد نحبه في ظروف غامضة عام 1356 هجري شمسي عن عمر ناهز السابعة والأربعين، فانطوت بذلك صفحة من صفحات الخلود، وووري إلى جنب جده العظيم أمير المؤمنين وإمام المتقين - عليه أفضل الصلوات والتحيات -، وانقضت بذلك حياة حافلة بالمآثر والأمجاد زاخرة بالفضائل

[ 13 ]

والجهاد، فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد فاستشهد، ويوم يبعث حيا، * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. وقفة مع الكتاب بين يديك أيها القارئ الكريم كتاب متفرد بخصائص ومزايا جليلة من حيث الاسلوب وعرض الأقوال ونقدها وعمق الفكرة وجدتها وكثرة المعاني ودقتها وتعدد الإشكالات وأجوبتها والردود ومناقشتها، ومع كل هذا فالمؤلف العبقري كان على حذر شديد من الخروج عن دائرة بحثه والانسياق وراء الأفكار الثانوية غير ذات الدخالة في صميم موضوعه كما صنع الكثير من المصنفين والباحثين، ومن أجل هذا أطلق على كتابه عنوان " التحريرات "، فهو في بحوثه كافة اصولا وفقها وحكمة وتفسيرا وغيرها، يتجنب الزوائد والفضول، ويسعى إلى تحريرها عما لا يمسها إلا من بعيد، ويخلصها من حالة " التورم " غير الطبيعي الذي ساد البحوث الاصولية والفقهية في الأعم الأغلب. وهذا لايمنع إسهابه الواسع في كثير من الامور الدخيلة في موضوع بحثه وتفاصيله المسهبة فيما له علاقة وثيقة بحقيقة مقصده، حينما تكون المسألة ذات أهمية بينة، ويتوقف فهمها - بعمق ووضوح - على مقدمات عديدة وتفاصيل كثيرة، فإنه يستفيض في بيان كل ذلك. وربما استطرد في بعض البحوث الفرعية وخرج يسيرا عن صميم بحثه، لكنه يعود سريعا معتذرا إلى قارئيه من استطراده هذا بكثرة فائدة هذه المسألة الفرعية، وأنها تلقي ضوءا على موضوع بحثه الذي قد يدق على الأفهام، وقد

[ 14 ]

يكون من مزال الأقدام. وكثيرا ما يترك بعض المشاكل والمسائل العلمية لخروجها عن دائرة بحثه، أو يرجئها إلى مقام آخر إلى حيث موضعها المناسب. ومما يجدر ذكره أنه (قدس سره) كان قد ألقى دورتين في علم الاصول، وقد كتب بحوثه في دورتيه بقلمه. وكانت دورته الاصولية الاولى في قم المقدسة قبل تبعيده عن وطنه وكانت تتسم باختصار والتهذيب، وقد تمخضت عن كتاب عنونه ب‍ " المختصر النافع في علم الاصول "، ومما يؤسف له أنه قد ضاع في ضمن ما ضاع من تراثه الثر. وأما دورته الاصولية الثانية فقد ألقاها، بعد أن ألقى به النوى إلى جوار جده المعظم أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف. وهي دورة مفصلة أسهب فيها وأطنب ودقق فيها وعمق، وأتى بالبديع من الفكر المتين والرأي الرصين. وقد شرع (رحمه الله) في دورته هذه في حدود عام 1387 ه‍، وتوقفت في يوم شهادته عام 1396 ه‍، وقد أسفرت عن هذا الكتاب الخالد. ومما يؤسف له أن هذه الدورة لم تتم، فلم يمهله الأجل المحتوم لإكمالها، فخر مضرجا بدم الشهادة يشكو إلى الله ظلامته، ولما يتم مباحث الاستصحاب التعليقي وما بعده من مباحث الاستصحاب والتعارض والترجيح. ومن خصائص كتابه هذا - بل وسائر مؤلفاته - أنه (قدس سره) أرخ للحوادث السياسية والاجتماعية والشخصية الواقعة أثناء تسجيله لبحوثه في الفقه والاصول وغيرهما، وأكثر مايؤرخ للأحداث السياسية التي تحل في امته، فكثيرا ما نعى وشنع على الشاه العميل جرائمه بحق شعبه ودينه وعلماء الدين المجاهدين وبالأخص في حق والده الإمام الثائر - طاب ثراه - وما نال من ظلم الشاه ونظامه البائد.

[ 15 ]

وقد أرخ لزيارة الأربعين سيرا على الأقدام من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة قاصدا زيارة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) تعظيما لشعائر الله وحرمات الدين. كما يفهم من بعض كلماته في كتابه هذا أنه كان يحضر عند والده الإمام الراحل (قدس سره) في بحثه لكتاب البيع في الوقت الذي كان سيدنا الشهيد مشغولا في تدبيج هذا السفر العظيم. وأرخ (رحمه الله) ضمن كتابه هذا أيضا لجريمة النظام الحاكم في تسفير وتهجير الكثير من أبناء الشيعة من العراق، خصوصا طلبة العلوم الإيرانيين، مما أدى إلى اضمحلال الحوزة العلمية في النجف الأشرف حتى أوشكت على الزوال، وحذر - رضوان الله عليه - من مغبة هذه الأعمال الإجرامية والعدوانية التي قام بها طاغوت العراق المتفرعن لأغراض سياسية خبيثة خدمة للكفر والاستكبار العالميين. وبعد هذا فقد اتسم الكتاب بالدقة الفائقة والسعة والاستيعاب مع بعد المغزى وعمق المعنى بحيث لا يتيسر إلا للأوحدي سبر كنهه وأغواره، فقد يعبر عن فكرة ما بخمس عبارات يحسبها القارئ العادي أنها لم تختلف سوى ألفاظها، ولكن أصحاب الفن وخبراء هذا العلم يدركون أن لكل واحد منها معنى يفترق عن الآخر بجهة أو أكثر. وهذا يعبر عن عمق فكره ودقة نظره وإحاطته بأسرار المطالب. ومما يدلل على الحيوية الفكرية والقدرة الإبداعية التي يتمتع بها المصنف (رحمه الله) ما يراه القارئ خلال بحوث هذا الكتاب فقد يظن ما يقرؤه هو رأي المصنف في هذه المسألة، لقوة دفاعه عن الرأي الذي يطرحه فيها وتشييده له

[ 16 ]

بالأدلة المحكمة، ولكنه سرعان ما ينقض ما بناه حجرا حجرا، ويقيم على أنقاضه بناء آخر أكثر إحكاما وأشد تماسكا. وقد يصعب على القارئ معرفة مختاره في النظريات العلمية المعمقة، حيث لم يدع آراءه ومتبنياته شريعة لكل وارد، بل ضن بها على غير أهلها من اولي العمق والجد والاجتهاد. ولعل من خصائص الكتاب أن مؤلفه أعده بالدرجة الاولى لعرض آرائه ومختاراته في المسائل والنظريات العلمية الاصولية، إلا أنه كان شديد الحرص على عرض نظريات والده الإمام الراحل - طاب ثراه - وآرائه الاصولية، حيث إن إمامنا الراحل (قدس سره) كان قد ترك بحث الاصول في النجف الأشرف، وذلك بسبب ما عاناه من طائفة من العلماء المخالفين لخط الإمام القائد، وذوي النزعة المحافظة على القديم، والمؤثرة للراحة والدعة على الجهاد وما يستتبعه من قلق البال واضطراب الحال. ولهذا رأى شهيدنا المصنف أن من واجبه أن يعرف للملأ العلمي بآراء والده المقدس، فكان يعرضها بتفصيل عرض الناقد البصير والعالم الخبير، فيصحح ما يراه صحيحا ويورد على ما يراه مخالفا لنظره، وكثيرا ما شيد نظريات والده الإمام ببيان آخر وببراهين اخرى يرسي أركانها ويحكم بنيانها كي يجنبها من الإشكالات والإيرادات التي قد ترد عليها. وربما استفاد من نظريات والده الإمام ككبريات في مسائل اخرى لاستخلاص نتائج جديدة، ونقدم مثالا لذلك مشكلة توجيه الخطاب إلى الجاهل وغير القادر وكيفية معالجتها، فقد ذهب المشهور إلى استهجان هذا الخطاب، غير أن إمامنا الراحل - طاب ثراه - خالفهم إلى عدم استهجانه، نظرا إلى أن الخطابات قد تكون شخصية واخرى تكون قانونية كلية، وإنما يثبت هذا الاستهجان في الاولى دون الثانية، فأي قبح أو استهجان في توجيه خطاب كلي عام إلى كل

[ 17 ]

مكلف بتحريم الزنا - مثلا - من غير توجيه خطاب خاص ولا انحلال إلى خطابات شخصية إلى كل واحد من المكلفين، فهل يمنع عجز بعض الأفراد من ارتكاب هذا المحرم عقلا أو عادة من توجيه ذلك الخطاب الكلي العام ؟ ! لقد اختار سيدنا الشهيد (رحمه الله) هذه النظرية ودافع عنها بقوة وإصرار، واستطاع أن يتوسع في الاستفادة منها في غير المقام، وذلك في مسألة الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية مع الالتزام بفعلية الأحكام الواقعية، وبقاء إرادة المولى - جل وعلا - على حالها من الجد والحتم، لأن الأحكام الواقعية قانونية كلية تعم من قام عنده الطريق المصيب والمخطئ على حد سواء، سواء انكشف تخلف الطريق الخاطئ في الوقت أو خارجه، بل ولو بعد موته أو لم ينكشف أصلا، فإن موضوع الأحكام هو " المكلف " بعنوانه الكلي العام، ولا خطاب خاص إلى من تخلف طريقه عن الواقع وأخطأه ولم ينكشف أبدا، حتى يقال بامتناع ترشح الإرادة الجدية الواقعية مع جعل الطرق والأمارات. وقد حذا الشهيد حذو والده الإمام (قدس سرهما) في الكثير من الآراء والنظريات العلمية العميقة، خاصة فيما يتعلق بنقد بعض المدارس الاصولية السائدة والتي البست حلل الواقعية حتى كثر أتباعها والمدافعون عنها، فقاما - جزى الله بالخير سعيهما - بتنقيح المباحث العلمية وتأسيس مدرسة اصولية خالدة. ومن هنا تتجلى المكانة العلمية الشامخة للإمام الراحل (قدس سره) الذي حاول الأعداء وذوو الجمود والجبن والخور أن يغمطوا حقه، ولا يعترفوا بعظيم منزلته بين فطاحل العلماء والمراجع العظام، كما غبنوا حق ولده الشهيد (قدس سره) ولكن الله ينصر من نصره، فأعلى كعبهما على هاماتهم. ومما تبع فيه سيدنا الشهيد - عن اجتهاد وتحقيق - والده الإمام (قدس سره) تجويزه

[ 18 ]

الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق، لا المفاهيم فحسب، ودعوته إلى التفكيك بين المسائل الاصولية والعقلية، كما نعى على الخالطين بين الفلسفة والاصول وعلى الخابطين فيما ليسوا له بأهل، ومن أمثلة هذا التفكيك - الذي صار إليه تبعا لوالده العظيم - قوله بعدم استحالة الدور والتسلسل في المسائل الاصولية وسواها من الامور الاعتبارية، واختصاص هذه الاستحالة بالامور الواقعية، فلا خلط بين المقامين. كما تبع والده الإمام (قدس سره) في مسألة أمارية الاستصحاب، التي تبناها الإمام الراحل في دورته الاصولية الاولى، ثم عدل عنها إلى اصولية الاستصحاب في الدورة الثانية، ولكن الشهيد (رحمه الله) لم يرتض بعدول والده الإمام هذا، واستمر على مقولته بأمارية الاستصحاب. وأخيرا وبسبب الموقف الخالي من الشرعية والإنصاف الذي وقفته شريحة من علماء النجف وأتباعهم والمحيطين بهم إزاء إمامنا الراحل - طاب ثراه - وبسبب ما مارسته إزاء هذا المصلح الكبير من أساليب لا يرتضيها ديننا الحنيف ولا الخلق الكريم، والتي حالت بينه وبين عقد البحث الاصولي، بل ومنعوا طلاب العلوم الدينية من حضور بحثه الفقهي وحين شرع الإمام الراحل (قدس سره) ببحث ولاية الفقيه قاطع ثلة من الطلبة درسه الفقهي محتجين بأن الإمام يريد إقحامنا في السياسة، فإنه يرمي ببحثه هذا الاعتراض على الشاه المستبد. لأجل كل هذا تجد الحدة - أحيانا - تطفح على المصنف (رحمه الله) في ثنايا كتابه هذا، غضبا لله وللإسلام والمسلمين، حيث حاولوا حرمان الامة من بركات وجود هذا الإمام العظيم والمصلح الكبير، ومنع أفكاره النيرة من الانتشار في الأجواء المظلمة التي تعيشها الامة بسبب المؤامرة الاستعمارية الظالمة التي شملت جميع

[ 19 ]

مقدرات البلاد والعباد. وبعد هذا كله فالكتاب حافل بالفوائد الكثيرة ودقائق الأفكار والنظريات العلمية العميقة، وما ذكرناه في هذه المقدمة الموجزة، ليس إلا إشارة عابرة إلى بحر خضم ملئ بغوالي اللآلي ونفائسها، نترك للقارئ الخبير استكشافها والوقوف عليها، وسيجد شواهد كثيرة على مقالتنا هذه. وهنا بودنا أن نشكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد السجادي دام تأييده فضيلة السبق إلى نشر هذا السفر القيم. عملنا في تحقيق الكتاب 1 - مقابلة النسخة المطبوعة من قبل وزارة الإرشاد مع النسخة الخطية للكتاب، وهي مسودة بخط المصنف (رحمه الله) كثيرة الشطب، وقد قطع بعض حواشيها عند التجليد، وهذه المخطوطة محفوظة مع سائر كتب المصنف (رحمه الله) في المكتبة العامة لآية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)، ونحن بدورنا نشكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمود المرعشي دام عزه، لمساعداته الكثيرة وخدماته الجليلة التي قدمها لنا. وقد قمنا بتصحيح الطبعة الاولى، وأضفنا إليها السقوط التي عثرنا عليها، اعتمادا على النسخة الخطية المشار إليها، باذلين أقصى جهدنا لأن تكون طبعتنا هذه أقرب إلى الكمال وإلى مقصود المصنف الشهيد (قدس سره). 2 - تقويم النص وتقطيعه وتزيينه بعلائم الترقيم المناسبة، وهو جهد علمي وفني يتناسب مع طبيعة الكتاب المحقق من ناحية دقة مطالبه وصعوبتها وسلامة النسخة المعتمدة وخلوها من التصحيف والسقوط والأغلاط، وبذلك يستطيع

[ 20 ]

القارئ الكريم تقدير الجهد المبذول في هذا المجال بالنسبة لهذا الكتاب. 3 - عنونة مطالب الكتاب: وحيث إن مخطوطة المصنف الشهيد (قدس سره) مسودة لم يتناولها ثانية بالتصحيح والتهذيب، ولم يضع العناوين لجميع مطالب الكتاب، لذا فقد قمنا بوضع العناوين بحسب الحاجة في المواضع التي لم يعنونها المصنف (رحمه الله). 4 - تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء، وهو جهد علمي ضخم يعتمد على فهم دقيق لمطالب الكتاب والكتب التي نقل عنها المصنف (قدس سره)، وقد توفر لهذا العمل الشاق ثلة من أفاضل المحققين في مؤسستنا شكر الله سعيهم وذخر لهم أجرهم. وقد استعملنا كلمة " انظر " في الموارد التي لم نجزم بثبوت نسبة الأقوال إلى أصحابها، كما استعملنا كلمة " لاحظ " في موردين: الأول: حيث ينقل المصنف (رحمه الله) أقوال العلماء نقلا حدسيا. الثاني: في الموارد التي لا نعثر على صاحب القول، ونعثر على الناقل عنه، هذا، وإن الشهيد العلامة (قدس سره) - إحاطة منه بالمباني المختلفة - قد نقل آراء الأعلام (قدس سرهم) وأقوالهم بتصرف كثير، من تلخيص وتهذيب وحذف للزوائد، أو شرح وتوضيح وبيان، وقد صرح بأن دأبه ذلك. وقد أدت طريقة المصنف (رحمه الله) هذه في نقل الأقوال إلى بعض الصعوبات في تخريجها ومعرفة قائليها. 5 - إرجاعات المصنف (قدس سره)، سواء كانت إلى نفس كتابه سابقا أو لاحقا، أو إلى كتبه الاخرى، وقد بلغت آلاف الموارد، وهو جهد كبير لا يخفى على من مارسه، ولا يمكن القيام به إلا بعد إتمام التحقيق بجميع مراحله، وصف حروفه

[ 21 ]

بشكل نهائي، بحيث لا تتغير أرقام الصفحات فيما بعد. وتظهر أهمية هذا العمل نظرا إلى أن الشهيد (قدس سره) في كتبه، لا يعيد ما بحثه في موضع منها ثانية لو احتاج إليه في موضع آخر، بل يكتفي بالإشارة الإجمالية إلى موضعه، فتحديد مواضع الإرجاعات ضروري لفهم المطالب، وبدونه لا تفهم أو تفهم بشكل ناقص. هذا، وقد تركنا تراجم الأعلام والرجال، كما احترزنا عن التعليقات التوضيحية كي لا يزداد حجم الكتاب على ما هو عليه من المجلدات الثمانية. هذا، وقد قمنا بتحقيق هذا الكتاب وسائر كتب المصنف الشهيد (قدس سره) البالغة (28) مجلدا، وأنجزناها بجميع مراحل التحقيق - من المقابلة والتخريجات البالغة مائة ألف تخريج والتقويم والتقطيع وغيرها - في فترة زمنية قصيرة جدا قياسا مع العمل الضخم المنجز، وقد تم بتوفيق الله عزوجل حيث أمدنا بعونه ولطفه، وبجهد مجموعة من الأفاضل باذلين غاية وسعهم في إخراجه بأحسن وجه أمكنهم. وفي الختام نرفع إلى مقام المؤلف الشهيد العلامة (قدس سره) وإلى حضرات الأعلام والفضلاء اعتذارنا مما قد يعثر عليه من خلل أو زلل في عملنا، وعذرنا في ذلك رغبتنا في إتحاف الملأ العلمي الكريم بمجموعة مصنفات العلامة الشهيد (قدس سره) القيمة، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادته. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشكر فضيلة الأخ الجليل الشيخ محمد حسين ساعى فرد دام عزه على عظيم جهوده المشكورة التي بذلها في هذا السبيل، أجزل الله ثوابه وشكر مساعيه. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدسة

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم والمعاندين أجمعين إلى قيام يوم الدين. اعلم: أنه يجب قبل الخوض في مقاصد الكتاب، أن نذكر المسائل المتعارف ذكرها في ضمن مباحث، وإن شئت جعلتها المقصد الأول، كما يأتي وجهه (1). (1) يأتي في الصفحة 40 - 41.

[ 3 ]

المقصد الأول موضوع الاصول وتعريفه مع نبذة من مباحث الألفاظ

[ 5 ]

المبحث الأول فيما يتعلق بموضوع العلم ويتم الكلام فيه في نواح شتى:

[ 7 ]

الناحية الاولى أصل الحاجة إلى الموضوع في العلوم الحقيقية أو الاعتبارية وقد اشتهر هذا بين أبناء التحقيق، وصار ذلك من الأصل المسلم والأمر المفروغ عنه، وأن لكل فن وعلم موضوعا يمتاز العلم به عن الآخر، ويكون هو مورد البحث بأحواله وأطواره وخصوصياته وآثاره وأحكامه (1). وقد خالفهم الوالد المحقق - مد ظله - بإنكاره عليهم أشد الإنكار، ذاكرا أن العلوم ما كانت في عصر التدوين إلا عدة قضايا متشتتة، تجمعها خصوصية كامنة في نفس المسائل، بها امتازت عن سائر العلوم، ولم يعهد من أرباب التأليف والتصنيف، ذكر الموضوع الواحد بالعنوان الخاص حتى يكون موضوع العلم (2). ويشهد لما أفاده: ما حكي عن المعلم الأول: " من أنا ما ورثنا عمن تقدمنا في الأقيسة إلا ضوابط غير مفصلة، وأما تفصيلها وإفراد كل قياس بشروطه


1 - الشفاء، قسم المنطق 3: 150، شروح الشمسية 1: 150 - 160، الفصول الغروية: 10، كفاية الاصول: 21. 2 - تهذيب الاصول 1: 1 - 3. (*)

[ 8 ]

وضروبه، فهو أمر كددنا فيه أنفسنا، وأسهرنا أعيننا، حتى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممن يأتي بعدنا زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسده " (1) انتهى. وأيضا يشهد له: خلو الكتب المدونة في العلوم العصرية عن ذكر الموضوع على حدة، بل العلم عبارة عن عدة مسائل مرتبطة. ومما يشهد له: أن كثرة المسائل وتراكم المباحث، تورث تكثر العلم الواحد إلى العلوم الكثيرة، فيكون بدن الإنسان الذي كان موضوعا للعلم الواحد، موضوعات للعلوم المختلفة، ويتخرج من كل جامعة متخصص في المسائل المرتبطة بعضو دون عضو، بحيث تكون تلك المسائل المتسانخة معها في العصر الأول، متخالفة بعضها مع بعض في العصور المتأخرة. وهذا أعظم شاهد على أن الموضوع للعلم غير محتاج إليه، فلا وجه لما ارتكبه القوم في المقام، فليتدبر، فإنه مزال الأقدام. ثم إن الذي يلجئه إلى الإنكار المزبور، عدم إمكان تصوير الموضوع بالمعنى المعروف بينهم: " من أنه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. ونسبة الموضوع إلى موضوع المسائل نسبة الكلي إلى مصاديقه، والطبيعي إلى أفراده " (2) ضرورة أن من العلوم ما هو المتحد موضوع علمه ومسألته ذاتا وعنوانا، كعلم العرفان، بل والفلسفة العليا، لأن موضوعه " الوجود " بالوحدة الشخصية لا الوحدة السنخية، فإن الوجودات ليست عند المحققين منهم متباينات (1). ومن العلوم ما هو موضوعه الكل،


1 - هذه العبارة قد تكررت في الكتب نقلا عن منطق الشفاء، وهو مضمون كلام الشيخ، لاحظ الشفاء 4: 110 - 115 وأيضا شرح حكمة الإشراق، قطب الدين الشيرازي: 21. 2 - الفصول الغروية: 10 - 12، كفاية الاصول: 21، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني)، الكاظمي 1: 20 - 22،. (*)

[ 9 ]

كعلم الجغرافيا، ولايكون كليا. ثم إن كثيرا من مسائل العلوم، خارجة عن العوارض الذاتية، سواء فسرناها بما اعتقده القدماء (2)، أو بما عليه المتأخرون، كصدر المتألهين (3) وتلاميذه (4)، بداهة أن مسائل الجغرافيا وأشباهها، ليست من العوارض الذاتية لموضوعها، وهي " الأرض ". وهكذا في علم الفقه، فإن مباحث الإرث والنجاسات والطهارات وسائر الأحكام الوضعية - كالضمانات وغيرها - ليست من العوارض لفعل المكلف. وهكذا في علم الفلسفة، فإن مباحث الماهيات، بل والبحث عن نفس الموضوع فيها - وهو من أهم المسائل في العلم الإلهي بالمعنى الأعم - خارج عن تلك العوارض. وهكذا مسائل المعاد والجنة والنار، وغير ذلك من مباحث علم النفس وشؤونها. بل القضايا السالبة المعمول بها في جميع العلوم، تكون خارجة عنها، لأن التحقيق أن المسلوب فيها الربط، لا أن السلب فيها مربوط، فهي صادقة بانتفاء الموضوع، فكيف تكون من عوارض الموضوع ؟ ! مثلا: في الفصل المنعقد لأحكام الوجود يعقد باب " أنه ليس بجوهر، ولا عرض، وليس بمركب... " وهكذا، وهذه المسائل من الفلسفة، مع أنها صادقة بلا استلزام لوجود الموضوع، كما هو الظاهر. أقول: ما أفاده - دام ظله - لا يورث إلا عدم الحاجة إلى بيان الموضوع،


1 - الحكمة المتعالية 1: 35 - 37، شرح المنظومة، قسم الحكمة 1: 32 - 37. 2 - شروح الشمسية 1: 150، شرح المطالع: 18، القواعد الجلية: 188، الشواهد الربوبية: 19، شرح المنظومة، قسم المنطق: 6 - 7. 3 - الحكمة المتعالية 1: 30 - 32. 4 - شوارق الإلهام 1: 5 - 6. ومن تلاميذ مكتبه الحكيم السبزواري في حاشيته على الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)

[ 10 ]

وعدم تمامية ما أفاده القوم لموضوع العلم، فعليه لا برهان على عدم الموضوع وإن صرح في آخر كلامه بذلك، ولكنه غير مبرهن فيما قرره المقرر (1). والذي هو التحقيق: أن مسائل كل علم مرتبطة ومتسانخة بعضها مع بعض، وفيها - كما أقر به - سنخية وخصوصية كامنة في نفسها (2). مع أنا إذا راجعنا مثلا مسائل علم النحو، نجد أن بعضا منها مع بعض متحد في الموضوع، فيقال: " المبتدأ مرفوع " و " المبتدأ لابد وأن يكون معرفا " وبعضها متحد مع البعض في المحمول، كما يقال: " الحال منصوب " و " التمييز منصوب " وبعضها مختلف مع البعض في الموضوع والمحمول، والنسبة فرعهما، كما يقال: " الفاعل مرفوع " و " المفعول منصوب ". وهكذا في الفلسفة تختلف المسائل كثيرا مع الاخريات منها في الموضوع والمحمول. فإذا كان الأمر كذلك في تلك الخصوصية الكامنة في نفس تلك المسائل المختلفة، حتى تكون المتشتتات مرتبطة بها، وتكون هي كالخيط الداخل فيها والرابط بينها، فعندئذ لابد من الإقرار بوجود الجهة الجامعة بينها، وتكون المسائل واردة حولها، ومتعرضة لما يرتبط بها، ويتسانخ معها، المعبر عنها ب‍ " موضوع العلم " والفن المتصدي له متكفل بطرح تلك القضايا والمسائل، حتى يترتب الغاية والغرض المقصود في تحريرها وتنظيمها عليها، بعد الاطلاع عليها، والغور فيها. فبالجملة: عدم إمكان تصحيح تعريف القوم لموضوع العلم، وعدم إمكان تطبيق ما أفادوه في ذلك على المسائل المطروحة في العلم، لايؤدي إلى إنكار تلك


1 - تهذيب الاصول 1: 4. 2 - تهذيب الاصول 1: 1. (*)

[ 11 ]

الجهة الكامنة المصرح بها في كلامه - مد ظله - (1) التي هي الموضوع حقيقة. وما عرفت من الشواهد فبعض منها لا شهادة لها، وبعض منها خلط بين موضوع العلم ووحدة العلم: أما كلام المعلم الأول، فهو لا يشهد على أن القضايا الواصلة إلينا غير متسانخة حتى لا يكون لها الموضوع. وتوهم لزوم اطلاع الباحث على الموضوع بخصوصيته (2) فاسد، ضرورة أن المتعلمين يشتغلون في أثناء المباحث بمسائل العلم، من غير الاطلاع التفصيلي على الموضوع، فلو جعل الإنسان " الوجود " مثلا موضوعا للعلم، ولايكون مطلعا على جميع مسائله فما صنع قبيحا، بل يحول العلم بعد إبداعه إلى الخلف الصالح بعده، ويصير علما كاملا، فجهالة المتعلمين بالموضوع تفصيلا، لا تورث انتفاء الموضوع واقعا. وأما خلو الكتب العصرية عن ذلك، فهو أيضا لا يشهد على العدم، لأنهم في موقف طرح المسائل النافعة، دون مطلق المسائل، فإنه دأب فضلائنا، فإنهم لا يبالون به، ويطرحون كل ما فيه نفع ولو كان لتشحيذ الأذهان. وأما تشعب العلم الواحد إلى العلوم الكثيرة كالطب، أو رجوع العلوم الكثيرة إلى العلم الواحد، كالجغرافيا بناء على كون " المملكة في ابتداء نشوئها " هي موضوعها، لا الأرض بأقاليمها الخمسة، فهو لا يدل على ما قصده، بل هو دليل أن وحدة العلم ليست واقعية بالواقع المحفوظ، بل لها الواقعية بالواقع المتبدل حسب


1 - نفس المصدر. 2 - شرح المطالع: 18، شروح الشمسية 1: 150 - 160، شوارق الإلهام: 3 / السطر 4 و 6 / السطر 7. (*)

[ 12 ]

اختلاف الأزمان والموجبات الموجودة فيها، كما سيأتي تفصيله (1). فعلى ما تقرر إلى هنا، تبين لك لابدية الجهة الجامعة بين المسائل، والموضوع الوحداني والفرداني بين القضايا المستعملة في العلم. وأما التمسك بقاعدة امتناع صدور الواحد من الكثير لإيجاب الموضوع في العلم (2)، فهو لا يخلو من غرابة، ولعمري إن أرباب العلوم، لابد لهم من مراعاة الاحتياط في التدخل فيما ليسوا أهلا له، فلا تغفل.


1 - يأتي في الصفحة 43 - 44. 2 - حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 2، الهامش 1، ولاحظ أيضا حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 48. (*)

[ 13 ]

الناحية الثانية فيما هو الموضوع للعلوم وهاهنا أنظار: النظر الأول: في المراد من " الموضوع " فالمحكي عنهم: " هو أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية " (1). والمراد من " الموضوع " ليس ما نسب إلى ظاهر الحكماء: " من أنه نفس موضوعات مسائله عينا، وما يتحد معها خارجا، وإن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده " (2). انتهى، حتى ينتقض بالعلوم المشار إليها،


1 - الشفاء، قسم المنطق 3: 155 - 161، الحكمة المتعالية 1: 30 - 35، كفاية الاصول: 21، نهاية الدراية 1: 19. 2 - انظر كفاية الاصول: 21، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 22، نهاية الدراية 1: 26. (*)

[ 14 ]

فكأنهم لاحظوا بعض العلوم كعلم النحو، وظنوا أن جميع العلوم مثله، وما توجهوا إلى أن موضوع العلم في الفلسفة محمول في المسائل، وموضوع العرفان واحد خارجا ومفهوما في العلم والمسألة، ولا تغاير بينهما بنحو الكلي والفرد. بل ملاحظة موضوع علم النحو يعطي خلاف ظنهم، لتعدد الموضوع في النحو. وتوهم أن موضوعه " الكلمة اللابشرط " غير تام، لأن بها لا يحصل الكلام لتقومه بالنسبة والهوهوية، فلا تغفل. كما ليس المراد منه الموضوع في مقابل المحمول، حتى ينتقض: بأن ما هو الموضوع في الفلسفة محمول في القضايا والمسائل، ويرد النقض: بانقلاب القضية، كما صنعه الحكيم السبزواري (رحمه الله) في مختصره (1). وهكذا ينتقض بعلم الصرف والنحو، وسائر العلوم التي يمتاز موضوعها بالقيد الوارد على الجهة المجتمعة فيها العلوم، وهي قيد الحيثية. فمن هنا تعلم أن المراد من الموضوع ما هو الجهة الجامعة للمسائل، والرابطة بين المتشتتات، المشار إليها في بعض العلوم بعناوين بسيطة، ك‍ " الوجود " في الفلسفة، و " الجسم الطبيعي " في الطبيعي، وفي بعضها بعناوين مركبة، ك‍ " الكلمة والكلام من حيث الإعراب والبناء " في النحو، و " من حيث الصحة والاعتلال " في الصرف، وك‍ " الأدلة الأربعة " في الاصول. وهكذا يمكن إضافة كلمة " أو ما يؤدي إليه " لموضوع الفقه، وهو " فعل المكلف " حتى تجتمع فيه جميع مباحث الفقه، ولا يلزم النقوض المزبورة عليه. وقد يتوهم: أن العلوم على قسمين: القسم الأول: ما هو الموضوع فيه معلوم كالفلسفة والعرفان والطبيعي، لأنه هو الموضوع للمسائل.


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 206. (*)

[ 15 ]

والقسم الثاني: ما لا موضوع له، بل الغاية والغرض تكون جامعة للمسائل (1). وهذا فاسد، ضرورة أن إضافة قيد الحيثية إلى الكلمة في موضوع الصرف والنحو، غير الفائدة المترتبة عليهما، وهو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال، كما هو الواضح، فما أصر عليه: من عدم الموضوع لبعض العلوم، غير راجع إلى محصل. وقال بعض السادة من أساتيذنا: " إن المراد من الموضوع في الجملة المعروفة، مقابل المحمول، ولكن لا المحمول في المسألة، بل الموضوع للعلم هو جامع المحمولات المبينة في المسائل، ويكون في الحقيقة موضوعا لموضوعات المسائل، وتكون تلك الموضوعات محمولاته " (2). بيان ذلك مع رعاية الاختصار: أن موضوع العلم ما يجعل مصب النظر، ويبحث عن طوارئه وعوارضه وتعيناته وشؤونه، وهو في الفلسفة " الوجود والموجود " فإن البحث فيها حول تعينات الوجود ومظاهره، وأنه هل يتعين بالتعين الجوهري، أو العرضي، أو المجرد أو المادي ؟ ويكون في الحقيقة القضية المستعملة في العلم عكس ما يفرض في المسائل، فإن المتعارف أن يقال: " الإنسان موجود " و " العقل موجود " مع أن التحقيق هو أن يقال: " الوجود جوهر " و " الوجود مجرد " و " الوجود عرض " و " الوجود فلك وملك " فإن هذه الماهيات عوارض الوجود عرضا تحليليا، كما يأتي تفصيله في ذيل العوارض الذاتية (3). ففي الحقيقة طالب الفلسفة يتفحص عن شوؤن الوجود وأطواره وأحكامه وتعيناته وتشؤناته، فما هو المحمول في المسألة هو " الموجود " والذي يثبت


1 - منتهى الاصول 1: 6 - 9. 2 - نهاية الاصول: 12. 3 - يأتي في الصفحة 25 - 26. (*)

[ 16 ]

لموضوع المسألة حصة من الوجود، أو مرتبة خاصة منه، والذي هو جامع تلك الحصص والمراتب، هو الحقيقة المطلقة منه التي هو موضوع العلم، وتكون تلك الموضوعات والماهيات المعروضة للوجود الخاص - في الاعتبار والذهن - عوارض تلك الحقيقة، ومحمولات ذلك الموضوع في التحليل، وإلا فالكل متحد حد الكون والخارج. وهكذا في النحو ما هو الموضوع جامع المحمولات وإن لا يكون بعنوانه موضوعا فيه، وذلك الجامع هو الإعراب والبناء، أو هي حالة آخر الكلمة، فتلك الحالة رفع ونصب وجر، ولها الأسباب المختلفة، فالرفع من شؤون تلك الحالة، وهكذا الضم والفتح والكسر، والقضية المنعقدة تكون هكذا: " حالة آخر الكلمة نصب ورفع وجر " والقضية المستعملة في العلم " إن الفاعل مرفوع " و " المفعول منصوب " فما هو الجامع لتلك المحاميل في الإعراب والبناء، هو تلك الحالة والحركة التي هي في الحقيقة موضوع العلم. أقول: ظاهر ما نسب إليه أنه توهم: أن جامع المحمولات موضوع لموضوعات المسائل، وتكون هي أعراضا ذاتية له، مع أن الأمر ليس كذلك حتى في علم النحو الذي مثل به، فإن موضوع المسألة - وهو " الفاعل " و " المفعول " - ليس من عوارض ذلك الجامع، نعم في الفلسفة، وبعض العلوم الاخر ربما يكون كذلك، ولكنه ليس كذلك في مثل علم العرفان، فإن محمولات المسائل جامعها موضوع العلم، وهو نفس موضوعات المسائل عينا ومفهوما. بل الأمر حسب ما يؤدي إليه نظر المحققين، كذلك في الفلسفة (1)، لأن موضوعها ليس " مفهوم الوجود " بالضرورة، فإنه من المعقولات الذهنية والمفاهيم الواضحة التي لا خارجية لها، فموضوعها " خارج الوجود وحقيقته الخارجية " وهي


1 - الشفاء، قسم المنطق 3: 10 - 12، الحكمة المتعالية 1: 35 - 36. (*)

[ 17 ]

ليست محمول المسائل، فالموضوعات أعراض ذاتية لتلك الحقيقة، وهي الواحدة بالوحدة الشخصية، إذ القول بالحقائق المتباينة باطل عندهم (1)، فيتحد موضوع العلم وموضوعات المسائل. ولو قيل: بناء على هذا يلزم صحة تفسير " الكفاية " (2) هنا. قلت: هذا هو غير موافق للتحقيق عندنا، على ما فسرناه في " القواعد الحكمية " (3) وقلنا: إن القائلين بأصالة الماهية من أعظم الفلاسفة، مع إنكارهم تلك الحقيقة (4)، فليس " الوجود " ولا " مفهومه " موضوعها، بل موضوعها الأمر الجامع بين الوجود والماهية، وهي " الواقعية " بعد الفراغ عن ثبوتها في الجملة. وهكذا ربما لايتم في مثل علم الجغرافيا. ولا يمكن إتمامه في علم النحو، بناء على أن موضوعه " الكلمة والكلام " ولا يمكن إرجاع الثاني إلى الاولى، لأن الكلمة المطلقة ليست مورثة للكلام، والكلمة المقيدة بالانتساب، لا تنطبق على الكلمة المطلقة عن النسبة، كالحروف النواصب والجوازم. فعلى هذا، لا يعقل الجامع بين محمولات العلوم التي يتعدد موضوعها، ضرورة أن كثيرا من مباحث النحو، مربوط بإعراب الجمل والإعرابات المحلية، وكثيرا ما يقع البحث في المعاني المربوطة بالجملة، كغير الباب الأول من الأبواب الثمانية في " المغني ". ودعوى: أن النحو علمان (5)، ويكون الباب الأول من " مغني اللبيب " علما،


1 - الحكمة المتعالية 1: 35 - 37، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 15 و 22. 2 - كفاية الاصول: 21. 3 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 4 - حكمة الإشراق: 64 - 67، التلويحات: 22 - 23. 5 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 54. (*)

[ 18 ]

وسائر الأبواب علما آخر، فاسدة بالبديهة. ولا يمكن الالتزام بما أفاده، في علم المنطق، فإن موضوعه " المعقولات الثانية " وجامع محمولات المسائل معقول رابع، فالبحث عن الذاتية والعرضية والقياس والبرهان وأحكام القضايا - من الموجبات والسوالب في البسائط والمختلطات - يجمعها فرضا عنوان كلي، وليس هو موضوع المنطق، بل موضوعه " الطبيعة المعقولة ". مع أن تصوير الجامع بين محمولات مسائل المنطق غير ممكن، لأن نسبة بعض مسائله - كالمعرفية والجنسية والفصلية وأمثالها - إلى بعضها كالقياس والبرهان، نسبة الكلمة إلى الكلام، ولا جامع بينها بنحو يفيد تمام المطلوب، كما لا يخفى. ولا في علم الفقه، فإن موضوعه إذا كان جامع المحمولات، أهو " الحكم الأعم من الوضع أو التكليف " أو هو الثاني فقط، بناء على تأخر الوضع عن التكليف في الاعتبار، كما قيل به (1)، وهذا الحكم ليس من تطوراته وشؤونه موضوعات المسائل، وهو الأفعال الخارجية التكوينية، فكيف يعقل ذلك مع أن الموضوع أمر اعتباري، والمحمول أمر خارجي في الأعيان ؟ ! ولا في علم الصرف، بل لا جامع بين الصحة والاعتلال. فعلى ما عرفت من فساد المبنيين - وهما كون المراد من " الموضوع " في العبارة الواصلة من الأقدمين، نفس موضوعات المسائل، أو جامع محمولات المسائل - تعرف أن المقصود من " الموضوع " ما هو الجامع الرابط بين المسائل المتشتتة والقضايا المتباينة، ويكون نظر المتعلم إلى الفحص عما يرتبط به ويتسانخ معه من الأعراض وغيرها.


1 - فرائد الاصول 2: 601. (*)

[ 19 ]

وهذا قد يكون نفس موضوعات المسائل، وقد يكون جامع المحمولات، وقد لا يكون إلا العنوانين ك‍ " الكلمة والكلام " وقد يحتاج إلى إيراد قيد الحيثية، وقد يحتاج إلى ذكر القيدين بعد ذكر الحيثية ك‍ " الإعراب والبناء " ولا برهان على أن الموضوع، لابد وأن يفسر بمعنى واحد ومفهوم فارد. فتحصل إلى هنا: أن " الموضوع " في العبارة المشار إليها، ما هو المجعول للنظر فيه، ويكون مصب النفي والإثبات، للخصوصيات المختلفة فيه، وهو الجامع بين الشتات. إن قيل: هذا في الحقيقة إنكار لموضوع العلم، لأن الغرض في العلم قد يكون جامع الشتات (1). قلنا: نعم، هذا ما قد يتوهم، وقد اشير إليه، ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن الغرض والغاية والفائدة، من العناوين الموجودة في أنفس المدونين، وربما تترتب على تعلم المتعلمين، كما إذا أرادوا حفظ الكلام عن الغلط، فهذا أمر اقتضائي مترتب - على نعت الاقتضاء - على العلم، فليست الجهة الجامعة التي هي الجهة الفعلية الموجودة في العلم، هي ذلك الغرض. وبعبارة اخرى: العلم علم وإن لم يكن مدونا، ولا متعلما، أي لا يعتبر لحاظهما في وجود العلم. ولذلك ما هو الجامع - بمعنى الموضوع في العلم - غير الغرض فيه، وقد تصدى أرباب العلوم بعد ذكر الموضوع، لذكر الفائدة والثمرة والغرض والغاية. وإن شئت قلت: ما هو الغاية هنا هي ما لأجله الحركة، لا ما إليه الحركة، وما لأجله الحركة ليس يترتب على الحركة إلا أحيانا، فليست الغاية هي الجهة الجامعة المعبر عنها ب‍ " الموضوع " بالضرورة.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي)، الآملي 1: 22، منتهى الاصول 1: 9. (*)

[ 20 ]

هذا تمام الكلام في النظر الأول مما يتعلق بالعبارة الواصلة من الأقدمين. بقي أنظار اخر: النظر الثاني: في المراد من " العوارض " اعلم: أنه قد يطلق " العرض " ويراد منه ما هو الخارج عن الشئ وملحق به، بمعنى أن العقل يدركه منه، وهذا هو العرض في المنطق في الإيساغوجي، أي الكليات الخمسة (1). وهذا أعم من العرض في باب مشاركة الحد والبرهان (2)، فإن العرض هنا ما هو الخارج عن ذات الشئ، سواء كان قابلا للجعل، أو لم يكن، بخلاف العرض في باب البرهان (3)، فإنه ما هو القابل للجعل، مقابل الذاتي في ذلك الباب، وهو ما لا يقبل الجعل، وإن كان ذاتي بابي الأول والثاني لا يقبل الجعل، ومشتركا من هذه الجهة، إلا أن الذاتي في باب الكليات، ذاتي أخص من ذاتي باب البرهان، لأن المراد منه ما هو الأعم منه ومن خارج المحمول الذي لا تناله يد الجعل. وهذا العرض أقسام: لأنه تارة: يكون نفس ذات الشئ كافية في اعتباره، كالإمكان بالنسبة إلى الماهية، ولايكون العرض في الخارج. واخرى: لابد من اعتبار اللحاظ الزائد على الماهية، كالحرارة للنار، فإنها موضوعة لها، ولكنه لابد من الوجود الخارجي في ترتبها عليها، من غير كون الخارج قيدا في الموضوع، بل القضية من قبيل القضايا الحينية، ويكون العرض من


1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 29 - 31. 2 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 36. 3 - الجوهر النضيد: 208، شرح المنظومة، قسم المنطق: 31 و 92. (*)

[ 21 ]

الوجودات الخارجية. وثالثة: لابد من اللحاظ الزائد، إلا أنه قيد في الموضوع، كالحرارة بالنسبة إلى الماء. وهذا أيضا قد يكون القيد الزائد ثابتا لذي الواسطة، وهي النار في المثال المذكور. وقد لا يكون، كما فيما إذا كانت الشموس واسطة، بناء على رأي القدماء، فإنها ليست بذات الحرارة، إلا أنها دخيلة في ظهور حرارة الأجسام، وتخرجها من القوة إلى الفعل (1). وهذا العرض الخارج عن حقيقة الشئ، قد يكون متحدا مع الشئ في الوجود، ومختلفا معه في الماهية والاعتبار، كالأجناس بالنسبة إلى الفصول وبالعكس، فإن كل جنس عرضي بالنسبة إلى الفصل، فالحيوان عرض للناطق، وبالعكس، ولمكان الاتحاد يصح الحمل. وهذا هو المعروف ب‍ " الأعراض التحليلية " (2). ومن مثالها الوجود والماهية فإن كل واحد منهما عرضي للآخر، ويحمل عليه، فيقال: " الماهية تعرض الوجود، ومن عوارضها، والوجود يعرضها " (3) والكل بحسب الذهن دون الخارج، لاتحادهما هوية وعينا. وقد لا يكون متحدا مع الشئ في الوجود أيضا، كالحرارة بالنسبة إلى النار، فإنها من آثارها، والتعجب والضحك بالنسبة إلى طبيعة الإنسان. وقد يطلق " العرض " ويراد منه مقابل الجوهر الذي لا يكون وجوده إلا في


1 - النجاة، قسم الطبيعيات: 152 - 154. 2 - المشاعر: 11 و 16 و 23، نهاية الدراية 1: 23. 3 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 18، أنوار الهداية 1: 270. (*)

[ 22 ]

الموضوع، وهو المقولات التسع العرضية (1). وهذه العوارض تثبت لموضوعاتها، لأجل الحيثيات التقييدية الثابتة فيها من الخصوصيات والإضافات، ولذلك تعد من المحمولات بالضميمة. وقد يطلق ويراد منه ما يقابل الحقيقة، فيقال مثلا: " السفينة متحركة، وجالسها متحرك بالعرض، لا بالحقيقة والواقع " فالمراد منه المجاز، كما قيل بذلك في الوجود والماهية، بدعوى أن الموجودية ثابتة للوجود بالحقيقة، وللماهيات بالعرض والمجاز (2). وهذا هو الإطلاق العرفي حسب الاستعمالات اللغوية. النظر الثالث: في المراد من " العرض الذاتي " بعدما عرفت جملة من أقسام الأعراض وتقسيماتها على الاختصار، تصل النوبة لتفسير العرض الذاتي، فعن القدماء تفسير العرض الذاتي: " بما يعرض للشئ، بحيث يكون هو كافيا في العروض، أو تكون الواسطة مساوية له في الصدق " (3) كالوحدة، والوجود، وسائر العناوين المساوقة معه، فإن نفي قابلية القسمة عن الوجود خارجا، لأجل وحدته، وإثبات النورانية لتلك الوحدة، لأجل الوجود، وهذه السراية لأجل الاتحاد. ومن هذا القبيل النوع والفصل، فإن ما يثبت للفصل يثبت للنوع، وبالعكس، مع اختلافهما في المفهوم. وهذا هو المعروف في كلام جماعة ب‍ " الجزء الداخلي " فإن الفصل هو الجزء الداخلي للنوع المساوي معه في الصدق. وقال الآخرون: " بأن الأعراض الذاتية هي التي تعرض للشئ، بمعنى أن


1 - الجوهر النضيد: 24، الحكمة المتعالية 4: 201، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 136. 2 - الحكمة المتعالية 3: 257. 3 - شرح المطالع: 10 و 11، شروح الشمسية: 150. (*)

[ 23 ]

تكون صفة له بحال نفسه، لا بحال متعلقه، فإنه بالعرض والمجاز " (1). ووجه الابتلاء بهذا التفسير، توهمهم أن المراد من " العوارض الذاتية " في الجملة الواصلة إلينا في تعريف موضوع العلم، هو العرض الذاتي المصطلح عليه في العلم الأعلى، مع أن الأمر ليس كذلك كما يأتي (2). ولو كان الابتلاء بالإشكال موجبا للتدخل في المراد من كلمات القوم، وتفسيرها بوجه آخر لحل الإشكال، لكان ذلك بابا واسعا في حل الشبهات، وربما يأتي بعد زماننا هذا من يفسرها بأمر آخر، لاستلزامه لإشكالات اخر، فتدبر. والذي أظنه بعد التأمل التام: أن الأعراض الذاتية قبال الأعراض الأجنبية والغريبة، فما كان من العوارض لاحقا بذات من الذوات - بمعنى أن تكون الذات كافية بذاتها لعروضه عليها - فهو العرض الذاتي، أي يخص بذات دون الذوات الاخر، ولا شريك لتلك الذات من أمر آخر يعرضه هذا العرض، ولا شريك لتلك الذات دخيل في عروضه عليها من العلل. فالعرض الذاتي ما يخص بذات، وقهرا تكون تلك الذات موضوع الاعتبار المذكور، وعلة العرض المزبور، فلا يكون الزوجية من عوارض " الأربعة " الذاتية، لاشتراك " الستة " معها فيها، ولا التعجب من العوارض الذاتية للإنسان، لاشتراك الأنواع الاخر المشابهة معه في الإدراك الكلي، فهذا العرض غريب وأجنبي عن الذات المعينة المخصوصة بالنظر. وهكذا كل عرض يكون كذلك هو العرض الغريب، فما لا يعرض للشئ حقيقة، ويعرض له لأجل الجهة المعانقة معه من الأجزاء الداخلية، أو الامور


1 - الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1، نهاية الدراية 1: 26. 2 - يأتي في الصفحة 30 - 31. (*)

[ 24 ]

الخارجية - سواء كانت أعم، أو أخص، أو مباينة، كما مضى أمثلتها (1) - فهو الغريب. وقد تصدى جمع لتفسير الأعراض الذاتية والغريبة (2)، ولكن الإنصاف أن الغور فيها بعد ذلك من " اللغو المنهي ". النظر الرابع: المراد من " الأعراض الذاتية " في عبارة الأقدمين فإن كانت هي ما أفاده المشهور (3) إلى عصر صدر المتألهين (قدس سره) فكثير من مباحث العلوم خارج عن التفسير المذكور، لأن موضوعات المسائل أنواع وأصناف - أو كالأنواع - لموضوع العلم، وليس هذا مما يمكن الالتزام بخفائه عليهم، مع أنهم أهل الفن، ومبتكرو العلوم وجامعو الفنون، خلافا للفاضل الخوانساري في " حواشي الشفاء " (4). فيعلم من ذلك: أن " الأعراض الذاتية " في هذه العبارة ليست ما هي المصطلح عليها في المنطق عندهم، خصوصا بعد تصديهم لذلك البحث في كتبهم الحكمية، وديباجة المباحث العقلية، والمسائل الفلسفية. ومما ظنه الحكيم المتأله صاحب " الحكمة المتعالية " أن المقصود من " العوارض الذاتية " في تلك العبارة هو ذاك، ولما تذكر الإشكال المتوجه إليهم بنى


1 - تقدم في الصفحة 20. 2 - هداية المسترشدين 14 - 17، الفصول الغروية: 10، كفاية الاصول: 21، نهاية الأفكار 1: 13 - 18. 3 - شرح المطالع: 18، الشفاء، قسم المنطق 3: 155 - 167، شرح عيون الحكمة 1: 216، شروح الشمسية: 150. 4 - على ما أفاده الحكيم السبزواري في حاشية الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)

[ 25 ]

على تفسيرها بوجه آخر، حتى تكون مسائل العلم أعراضا ذاتية لموضوعه (1). وقد عرفت: أن هذا ليس دفعا للإشكال الظاهر عليهم، بل هو الالتزام به، والخروج عما هو الطريق المألوف والدأب المجبول عليه، كما لا يخفى. مع أنه ربما لا يمكن تتميمه على تفسيره، قال في كتابه الكبير بعد البحث الطويل: " نعم، كل ما يلحق الشئ لأمر أخص، وكان ذلك الشئ مفتقرا في لحوقه له إلى أن يصير نوعا متهيئا لقبوله، ليس عرضا ذاتيا، بل عرض غريب. كما أن ما يلحق الموجود قبل أن يصير كذلك، عرض ذاتي، ضرورة أن لحوق الفصول لطبيعة الجنس - كالاستقامة والانحناء للخط مثلا - ليس بعد أن يصير نوعا متخصص الاستعداد، بل التخصص إنما يحصل بها، لا قبلها، فهي مع كونها أخص من طبيعة الجنس، أعراض أولية " (2) انتهى. فبالجملة: مجرد الوساطة لا يضر بالعرض الذاتي، بل المناط في العرضين - الذاتي والغريب عنده - الوساطة الخارجية، لا المفهومية، أي جميع أعراض النوع بالنسبة إلى الجنس، والفصل بالنسبة إلى الأجناس، وبالعكس، أعراض ذاتية، ولكن عوارض الجسم الطبيعي في العلم الطبيعي، والجسم التعليمي في المجسمات، والكم المنفصل في الحساب، كلها أعراض غريبة، للزوم الخصوصية في الموضوع، لا من قبل المحمول. وإن شئت قلت: الأعراض الذاتية ومعروضاتها موجودات بوجود واحد، والأعراض الغريبة ومعروضاتها موجودة بالوجودين: الجوهري، والعرضي، أو الموضوعي، والعرضي، فهناك جعل بسيط، وهنا جعل مركب، فجميع الأعراض التحليلية ذاتية، وجميع الأعراض الخارجية غريبة بالنسبة إلى موضوع العلم وإن


1 - الحكمة المتعالية 1: 30 - 34. 2 - لاحظ الحكمة المتعالية 1: 33 - 34. (*)

[ 26 ]

كانت ذاتية لموضوعها. أقول: فبالجملة تنحل الشبهة، وهو (قدس سره) يريد أن القدماء أيضا مقصودهم من " العرض الذاتي " هو ذلك. فما اشتهر من نسبة التفسير الأول إليهم، والتفسير الثاني إليه، لا يخلو من إشكال، كما في كلامنا أيضا ترى ذلك، والأمر سهل. وعلى هذا، يمكن دفع الإشكالات المذكورة عليهم: تارة: بأن مباحث الماهيات خارجة عن الفلسفة الاولى، لعدم كونها من الأعراض الذاتية، فإنها عنده منها، بل في خصوصها صرح في الكتاب الكبير قائلا: " ويتضح لك من طريقتنا في تحقيق مباحث الوجود التي هي دار الأسرار الإلهية: أن الماهيات أعراض ذاتية لتلك الحقيقة " (1) انتهى. اللهم إلا أن يقال: المسائل المعروفة في العلم الإلهي من الأعراض الذاتية، ولكن كل ما يرجع إلى الموضوع فهو ليس منها، مثل البحث عن أصالة الوجود والماهية، وتركبه وعدمه، وبساطته وعدمه، وأنه لا حد له، لأن موضوع العلم ليس موضوع المسألة، بل موضوع المسألة عرض ذاتي للعلم، كالماهيات، ويكون موضوع العلم نفس موضوعات المسائل المختلف معها عنوانا، والمتحد خارجا، كما مر (2). هذا مع أن ما يثبت في العلم عنده أنه العرض الذاتي، ليس من الأعراض الذاتية في العلم عند الأكثر، وهذا غير تام، للزوم كون الشئ عرضا ذاتيا على المذهبين، ولذلك قيل واشتهر: " إن ما هو المفهوم المردد في المسألة هو العرض الذاتي " (3) لأن المسألة بأي طرف منها ثبتت، تكون من مسائل العلم، ويكون


1 - الحكمة المتعالية 1: 25. 2 - تقدم في الصفحة 13. 3 - هداية المسترشدين: 17 / السطر 9 - 15. (*)

[ 27 ]

محمولها من عوارض الموضوع الكلي فليتدبر. واخرى: بأن مباحث الجنة والنار ليست من الأعراض الذاتية. وفيه: أن البحث فيها بالنسبة إلى الجنة والنار الخارجيتين، يكون من عوارض الموجود المنقسم إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى المجرد المحض، والمقدر، والمادي، والجنة والنار من أنواع الموجودات المقدرة في القوس النزولي، وبالنسبة إلى الجنة والنار غير الخارجيتين يكون البحث عن عوارض النفس، وأنها باقية بعد خراب البدن، وأنها خلاقة للصور المقدرة في القوس الصعودي، وقادرة على إحضار الكائنات والمبتدعات بوجه تقرر في محله. نعم، هذا لايتم على الدقة العقلية في تفسيره " للعرض الذاتي " لتخصص النفس التي من عوارض الموجود بخصوصية خارجية، وتهيئها من قبل غير الوصف العارض في عروض هذه الأوصاف على الموجود المطلق. وما توهمه المحشي العلامة: من تمامية الشبهة على التفسير المزبور (1) غير صحيح. هذا مع أن العوارض الذاتية للأجناس عوارض الأنواع، لأن الجنس مأخوذ لا بشرط، فالحكم " بأن الجوهر هو الموجود لا في موضوع " ثابت لأنواعه، كما أن الحكم " بأن النفس موجود مجرد ذاتا، لا فعلا " ثابت للموجود المطلق، فيلزم جواز كون موضوع المسألة أعم من موضوع العلم، وهذا يستلزم تداخل مسائل العلم الأعلى في العلم الأدنى، كما لا يخفى. وثالثة: بأن القضايا السوالب المستعملة في العلوم، غير متقومة بالموضوعات في الصوادق، فكيف تكون المحمولات فيها من الأعراض الذاتية ؟ ! وفيه: أن القضايا هي السوالب المحصلة بعد اعتبار وجود الموضوع خارجا، وهذا اعتبار لازم في المسائل، وإلا فكثيرا ما لا يبحث عن شئ يكون موضوعه


1 - نهاية الدراية 1: 21 - 24. (*)

[ 28 ]

المعدوم، فالقضية سالبة محصلة مع اعتبار وجود الموضوع. نعم، نفي الحكم ليس من العوارض، إلا أنه يستلزم إثبات نقيضه وضده، مثل " أن الوجود ليس بجوهر، ولا عرض " من مسائل العلم، وليس المحمول إثبات الأمر العدمي حتى تكون القضية معدولة، بل الثابت بهذه القضية المحصلة، بساطة الوجود في الخارج والذهن، وإثبات أنه الواحد بالوحدة الحقة الحقيقية، فكأنه تكون المسألة معنونة هكذا: " في أن الوجود واحد بجميع الوحدات المعتبرة في العقل والخارج ". هذا، وتتميم ما أفاده في سائر العلوم خصوصا العلوم الاعتبارية - بحيث يستوعب جميع المسائل - غير ممكن، خصوصا في مثل علم الجغرافيا والتأريخ. بل في مثل علم الفقه أيضا مشكل، ضرورة أن الأحكام الوضعية من المسائل الفقهية، وإرجاعها إلى الأحكام التكليفية غير تام، كما تقرر في محله. هذا مع أن ما يستفاد من كلام القوم: أن مقصودهم من " العرض الذاتي " هو ما ذكرناه (1). وإلحاق الأمر المساوي، لدعوى أن تساوق النسبتين في الصدق كالاتحاد في الذات، وإلا فهو أيضا عرض أجنبي عن الذات غير مربوط بها. وما أفاده الحكيم المزبور: من أن مقصودهم ذلك لا ذاك، غير قابل للتصديق، لأنهم في العبارة الواصلة عنهم في تفسيره صرحوا: ب‍ " أن ما يعرض للأمر المساوي من العرض الذاتي " (2) وهذا مما لا يمكن تفسيره بأمر آخر. نعم، إذا أجملوا في التعبير كان لاستكشاف العرض الذاتي - بالمعنى الأخير - من عبائرهم وجه، ولكنه غير ممكن جدا.


1 - تقدم في الصفحة 23 - 24. 2 - شرح المطالع: 18، شرح عيون الحكمة: 216، القواعد الجلية: 188، شروح الشمسية: 150. (*)

[ 29 ]

وتصريح الشيخ في بعض كتبه (1)، بما يوافق مذهبه في تفسيره، لا يورث تعينه فيه، كما هو الظاهر البارز. فعلى ما تقرر إلى هنا، تعين أن يكون المراد من " العوارض الذاتية " غير ما اصطلح عليه في المنطق والفلسفة. إن قلت: ما المانع من تفسيرها بما يعرض للشئ حقيقة، قبال ما يعرض للشئ على نعت المجاز وبالعرض، كما اشير إليه (2) ؟ قلت: هذا ما أفاده الحكيم السبزواري، ولعله يرجع إلى ما رامه صدر المتألهين. قال في " حواشي الأسفار ": " والحق في معنى العرض الذاتي أن يقال: هو ما يكون عارضا للشئ ووصفا له بالحقيقة، بلا شائبة مجاز وكذب، أي يكون من قبيل ما يقال له عند أهل العربية: الوصف بحال الشئ لا الوصف بحال متعلق الشئ. وبعبارة اخرى: العرض الذاتي ما لا يكون له واسطة في العروض، لكن بعض أنحائها التي كحركة السفينة الواسطة لحركة جالسها " (3) انتهى. فعليه تكون جميع الأعراض للموضوعات الأعم والأخص أعراضا ذاتية، كما صرح به في ذيل ذلك، وقال: " والسبب في أن أحوال الفصل هي أحوال الجنس، أن الجنس إذا اخذ لا بشرط كان متحدا مع الفصل، فكانت أحوال أحدهما هي أحوال الآخر


1 - النجاة: 198. 2 - تقدم في الصفحة 22. 3 - الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)

[ 30 ]

بالحقيقة " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه كما اشير إليه (2)، ضرورة أن لازمه جواز إدخال مسائل العلم الأعلى في العلم الأدنى، لأن عوارض الكم المطلق عوارض ذاتية للكم المنفصل، الذي هو موضوع الحساب، أو الكم المتصل الذي هو موضوع الهندسة، لأن الجنس متحد مع الفصل، وتكون هي ثابتة له على نعت الحقيقة، فافهم وتدبر جيدا. فعلى هذا لنا دعوى: أن " الموضوع " في هذه العبارة كما أنه ليس منحصرا بالموضوع في مقابل المحمول، بل هو الأعم منه، والمقصود هي الرابطة الموجودة بين المسائل المختلفة، والجهة المشتركة بين القضايا المستعملة في العلوم، سواء كان موضوع المسألة، أو جامع المحمولات، أو نفس موضوعات المسائل، أو كان بسيطا، أو مركبا، أو مقيدا. ولا يعقل كون جميع المسائل لموضوع النحو المركب، أعراضا له، سواء كانت ذاتية، أو غريبة، خصوصا بعد كونه مركبا من ثلاثة أجزاء: إعراب آخر الكلمة، وبناؤها، والكلام، وهكذا في الصرف، فإنه فيه صحة الكلمة، واعتلالها، وهذه المفاهيم هي الحبال الداخلة في حلق مسائل العلم، فتكون جامعة لها. كذلك الأعراض الذاتية، ليست منحصرة بالأعراض الذاتية المصطلحة في المنطق، بل هي الأعم منها ومما يلحق بالشئ، لسنخية هي أقوى من السنخية المقتضية للبحث عنه في العلم الآخر. ولذلك كثيرا ما يتفق اتحاد المسألة، واختلاف العلم، فيبحث عنها في العلوم الكثيرة، للسنخية التي تورث ذلك ولو مع الوسائط، فيقع البحث عن كلمة " الصعيد " في اللغة، وعنها في التفسير، وعنها في الفقه.


1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الصفحة 27. (*)

[ 31 ]

وهذا لا يرجع إلى أن اتحاد الغرض يوجب ذلك، حتى يقال: بأن الجهة المشتركة بين المسائل قد تكون اتحاد الأغراض (1)، لما عرفت: من أن تلك السنخية في المرتبة المتقدمة، ولولا تلك السنخية لا يعقل اتحاد الغرض، وعرفت الجهات الاخر المؤدية إلى امتناع كونه سببا للربط (2)، فلاحظ. فعلى هذا، البحث عن عوارض الجنس في العلم الأدنى - بعد كون الجنس موضوعا للعلم الآخر، أو عرضا في العلم الأعلى - غير صحيح، لأن تلك السنخية أقوى من السنخية الثابتة في العلم الأدنى، فلا وجه لجر مباحث الجوهر إلى العلم الطبيعي، ومباحث الكم المطلق إلى الحساب والهندسة، لكونها في الفلسفة أولى وأقرب. فذلكة البحث فيما هو الموضوع عندنا موضوع كل علم ما يبحث فيه عما يرتبط به ارتباطا خاصا يدركه العقل السليم، ويجده الذوق الخالص من الشوائب والأوهام. وهذه قد تكون عوارض ذاتية بالتفاسير الماضية، وقد لا تكون منها، كمباحث النجوم، والتأريخ، والجغرافيا. وقد تكون من اللواحق المسانخة مع الموضوع المفروض، كمسائل النحو والصرف، فإن عدة من مسائله من عوارض الكلمة، وعدة منها من مسائل الكلمة، وتكون بين الجميع سنخية معلومة، لارتباط المحمولات بعض مع بعض، أو الموضوعات بعض مع بعض، ويجمعها الكلمة والكلام، وهكذا الصرف.


1 - نهاية الأفكار 1: 11 - 12، منتهى الاصول 1: 7 و 9، محاضرات في اصول الفقه 1: 19 - 20. 2 - تقدم في الصفحة 18 - 20. (*)

[ 32 ]

بل علم الاصول بناء على المشهور أيضا كذلك، وهكذا موضوع علم الفقه، فإنه هو " فعل الإنسان، أو ما يؤدي إليه " فافهم وتدبر. فبالجملة: قد علمت أن " العوارض الذاتية " في العبارة الواصلة، مما لا يمكن الالتزام بها بالمعاني الممكنة لها المصطلح عليها في المنطق، فلابد إما من الالتزام بخلاف الظاهر فيها، وجعلها الأعم كما أشرنا إليه (1)، أو تغيير العبارة بالوجه الذي سمعت منا آنفا. والأمر بعد تلك الإطالة سهل، غفر الله لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.


1 - تقدم في الصفحة 29. (*)

[ 33 ]

الناحية الثالثة في موضوع علم الاصول فالمعروف إلى العصور الأخيرة: أن موضوعه " الأدلة الأربعة بما هي أدلة " (1) كما يستظهر من الفاضل القمي (قدس سره) (2). وعدل عنه " الفصول " وقال: " موضوعه الأدلة بذاتها " (3) ظنا أن الإشكالات المتوهمة في المسألة تندفع بذلك. وقال جماعة: بعدم الموضوع له (4). وقيل: " موضوعه كل ما كان من عوارضه واقعا في طريق استنباط الحكم الشرعي، أو ما ينتهي إليه العمل " (5).


1 - مناهج الأحكام، النراقي: 3، فرائد الاصول 1: 60، ضوابط الاصول: 8. 2 - قوانين الاصول 1: 9 / السطر 21. 3 - الفصول الغروية: 11 - 12. 4 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 23، محاضرات في اصول الفقه 1: 28. 5 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 29. (*)

[ 34 ]

وقال في " الكفاية ": " موضوعه هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة " (1). وذهب الوالد المحقق - مد ظله - وبعض السادة من أساتيذنا إلى أنه الحجة في الفقه (2)، ظنا أنه غير ما نسب إلى الأكثر، مع أن الأمر ليس كذلك، فإن ما هو الموضوع عنوان " الدليل بما هو دليل " وهو صادق على الأربعة. نعم، لابد من التقييد بقولهم: " في الفقه " لئلا يشترك معه العلوم الاخرى التي يحتج فيها بتلك الأدلة. وبعبارة اخرى: موضوع الاصول ليس مثل موضوع النحو مركبا، حتى يكون هي الأربعة، بل هو العنوان الواحد المقيد، وهو الدليل في الفقه. وعدم ذكر القيد في كلام القائلين به لوضوحه. إن قلت: يلزم خروج جميع مباحث الاصول إلا المباحث الراجعة إلى تعارض الأدلة (3)، لأن البحث عن خصوصيات الموضوع وأصل تحققه، ليس إلا من المبادئ التصورية في العلم، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. والعدول إلى ما في " الفصول " (4) لا يخلو من التأسف، لأنه مضافا إلى عدم حل الشبهة به - ضرورة أن البحث في مباحث الملازمات العقلية، بل والاصول العملية وهكذا، ليس من العوارض لذات الدليل - أن مباحث المعارضة بين الأدلة تكون خارجة، إلا بدعوى أن المراد من " الدليل " هي الحجة الفعلية، لا الأعم منها ومن الحجة الذاتية.


1 - كفاية الاصول: 22. 2 - أنوار الهداية 1: 270 - 271، نهاية الاصول: 15. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 33، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 20 - 21، أنوار الهداية 1: 268 - 271. 4 - الفصول الغروية: 11 - 12. (*)

[ 35 ]

قلت: هذا بناء على التوهم المشهور: من كون موضوع العلم جامع موضوعات المسائل، وأما على ما عرفت: من أنه جامع محمولات المسائل، فلا يلزم الإشكال، وقد مر بيان الكبرى الكلية في ذلك (1). وفي مقام تطبيقها على موضوع الاصول نقول: موضوع كل علم إما هو الثابت بالضرورة، أو يثبت في العلم الأعلى، وأما في نفس العلم فهو الأمر الواضح، ويكون البحث في الجهات المجهولة والامور غير المعلومة التي من عوارضه الذاتية. فأصل وجود الحجة على الأحكام الثابتة في الشريعة المقدسة، مما لا شبهة فيه، فإنا نعلم بالتكاليف، ونعلم بلزوم الخروج عن عهدة تلك الوظائف الإلهية، ولا نعلم أن ما هو الحجة أي شئ، وأي أمر يكون هو الدليل على تلك الوظائف، فيقع هذا مورد الفحص والبحث، فهل الخبر الواحد حجة، أو الشهرة حجة، أو الاستصحاب حجة، أو الخبر المعارض حجة... وهكذا ؟ وكون الحجة محمولا في تلك القضايا، لا يستلزم عدم كون الجامع موضوعا للعلم، لعدم البرهان على لزوم ذلك، كما عرفت (2). وإن شئت قلت: ما هو موضوع العلم هنا أيضا جامع الموضوعات، إلا أن حقيقة القضايا المستعملة في العلم: " أن الحجة المعلومة بالإجمال، هل هي الشهرة، أم الإجماع، أو السنة، أو الكتاب، أو غير ذلك ؟ " فالاصولي يفحص عن تعينات الحجة وتطوراتها ومظاهرها، كما في العلم الإلهي الأعظم. إن قلت: الأمر كما اشير إليه في كثير من مباحث العلم، كالظواهر، والاستصحاب وخبر الواحد، ولكن أكثر المسائل الاصولية تكون خارجة، كالبحث عن مسألة اجتماع الأمر والنهي، ووجوب المقدمة، ومسائل البراءة والاشتغال، مما


1 - تقدم في الصفحة 18 - 19. 2 - تقدم في الصفحة 15 - 16. (*)

[ 36 ]

لا اسم عن الحجة فيها (1). قلت: كلا، فإن المراد من " كون موضوع علم الاصول هي الحجة " هو أن الاصولي يتفحص عما يمكن أن يحتج به في الفقه، سواء كان الاحتجاج لإثبات حكم، أو نفيه، كحجية خبر الثقة والاستصحاب، أو لإثبات العذر أو قطعه، كمسائل البراءة والاشتغال. وبعبارة اخرى: مسائل علم الاصول إما هي القواعد الشرعية، كحجية الاستصحاب، أو القواعد العقلائية، كحجية الظواهر، أو القواعد العقلية التي يثبت بها الحكم الشرعي، كمسائل الاجتماع، والمقدمة، وحرمة الضد، أو القواعد العقلية لإثبات العذر وقطعه، كمسائل البراءة والاشتغال، وكل ذلك حجة للفقيه في الاستنباط، وليس مسألة من المسائل الاصولية إلا ويحتج بها في الفقه بنحو من الاحتجاج، فيصدق عليها " أنها هي الحجة في الفقه ". إن قيل: بناء عليه وإن يندرج جل المسائل الاصولية فيما هو الموضوع وهو " الدليل في الفقه " بل مباحث الاجتهاد والتقليد مندرجة، لأن الجهة المبحوث عنها هي حجية فتوى الفقيه لنفسه ولغيره، وحجية التقليد، وحجية العلم الإجمالي الكبير والصغير وهكذا، إلا أن مباحث الضد واجتماع الأمر والنهي خارجة عنه، لعدم البحث فيها حول الحجية، بخلاف مثل مباحث البراءة والاشتغال والتعارض والتخيير، كما هو الواضح. قلنا: مناط كون المسألة من مسائل العلم، انطباق عنوان الموضوع عليها، وكونها من العوارض الذاتية له، سواء كانت مسألة ضرورية، أو نظرية، فإن في العلوم مسائل مختلفة، وفي تلك المسائل ماهي الضروريات الأولية، كمسألة امتناع إعادة المعدوم مثلا، وهكذا مسألة حجية القطع، مع أنهما من مسائل العلم، فعليه


1 - لاحظ أنوار الهداية 1: 272. (*)

[ 37 ]

لامانع من كون البحث في حجية المفاهيم أيضا من مباحث العلم، لأن كون النزاع صغرويا، لا يورث عدم كونها من مسائل العلم. نعم، البحث عن وجود المفهوم وعدمه، من المبادئ لتلك المسألة التي هي مفروغ عنها وثابتة بالضرورة، كمسألة القطع، بل والعلم الإجمالي، دون الحجة الإجمالية، فلا تخلط. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الجهة المبحوث عنها في المسائل المشار إليها وإن لم تكن من مسائل العلم، إلا أن ذلك في حكم الصغرى، ومن المبادئ لما هو الحجة بالضرورة، فإذا ثبتت الملازمة مثلا بين الإرادة الأصلية والإرادة المتعلقة بالمقدمة، فلابد أن يجب شرعا ذلك، إلا أن ثبوت تلك الإرادة محل البحث، كثبوت القطع في قطع القطاع، فإنه يبحث عنه في أن قطعه هو القطع الحجة، أو ليس هو ذلك. فبالجملة: يمكن إدراج تلك المسائل في موضوع العلم. ولكنه مع ذلك ربما يشكل الأمر، لأن مناط المسألة الاصولية، هو إمكان كونها واقعة في طريق الاستنباط إمكانا ذاتيا ووقوعيا واستعداديا قريبا، لا بعيدا، وعند ذلك يخرج مباحث المعاني الحرفية، والوضع، والمشتقات، والصحيح والأعم، وكثير من مباحث الأمر والنهي، والمسائل المشار إليها من هذا القبيل. ولو صح إدراج تلك المسائل بالتقريب المزبور في الموضوع المذكور، للزم إدراج مباحث اللغة والنحو والصرف أيضا، التي ربما يحتاج إليها الاصولي في تحرير مسائله، فخروج هذه المباحث من علم الاصول، مما لابد منه. وإن شئت قلت: المراد من " الحجة والدليل " إن كان كل ما يمكن احتجاج الفقيه به في إثبات محمول المسألة لموضوعها في الفقه، فهو أعم من الكبريات الاصولية بالضرورة. وإن كان المراد منه هي الحجة، بمعنى الوسط في الإثبات، فمباحث البراءة

[ 38 ]

والاشتغال خارجة، بل مباحث العام والخاص والمطلق والمقيد وهكذا، أيضا تخرج، فتدبر جيدا. هذا مع شموله القواعد الفقهية، فلا يكون الموضوع المزبور جامعا، ولا مانعا. والذي هو التحقيق: أن علم الاصول دون لأجل الفقه، والمقصود فيه تحرير المسائل التي يبتلي بها الفقيه في المسائل الفرعية، ولأجل الفرار من التكرار ولأغراض اخر، بنوا على تدوين علم تكفل لتلك المسائل والمباحث، وصار - بعد المختصرات السابقة - علما كافلا للعلوم المتشتتة، راقيا في قضاياه. وعلى هذا، لا ينبغي تصوير الموضوع الجامع بين تلك المسائل الشتى، بل لا يعقل، للاختلاف الذاتي بين مباحث المعاني الحرفية والمشتقات والصحيح والأعم، ومباحث الحجج العقلائية، كخبر الواحد والشهرة والقطع والظن وغير ذلك، فإن الاوليات إلى مباحث الأدب واللغة من تلك المسائل أقرب، والسنخية الشديدة بينها وبين تلك العلوم الأدبية موجودة بالضرورة. فعلى هذا، لابد من تصوير الجامع الصحيح الذي هو الرابطة بين مسائل الاصول، ويكون أبعد من الإشكالات: فنقول: أما توهم كونها ذوات الأدلة وذات الحجة (1)، فهو فاسد، ضرورة عدم الجامع بين الذوات المتباينة، حتى يكون هو الموضوع. وعنوان " الذات " بالنسبة إلى ذوات موضوعات المسائل وإن كان جامعا عرضيا، إلا أن المقصود هنا هو العنوان المشير إلى تلك الذوات، لعدم إمكان أخذ الذات المطلقة، وعدم إمكان أخذ الذات المقيدة بالإضافة إلى الأدلة، للزوم الإشكال أيضا، فلابد أن يراد منه العنوان المشير، فكيف يكون هو موضوع العلم ؟ ! فلابدية كون الموضوع جامعا ذاتيا أو


1 - الفصول الغروية: 11 - 12. (*)

[ 39 ]

عرضيا، منظور فيها، وإلا يلزم تعدد العلم، لتعدد الموضوع بتعدد المسألة، كما لا يخفى. وهو الدليل والحجة. إلا أنه لابد من أن يقال: بأن موضوع علم الاصول " هو الدليل والحجة على المسألة الفقهية، أو ما يؤدي إليه تأدية عامة ". والمراد من " الحجة " ليس ما يحتج به العبد على المولى وبالعكس في مقام الامتثال، ضرورة أن من الممكن احتجاج بعضهم على بعض بالمسائل اللغوية، فلو عصى العبد، وشرب الخمر، بدعوى أنه ليس موضوعا للمسكر، فيحتج عليه المولى بتصريح اللغويين: " بأنه المسكر " وهكذا القواعد الفقهية. فما أفاده العلمان في تحرير ما ذكراه لايتم (1). فالمراد من " الحجة " هي الوسط في إثبات ما هو الحكم والمحمول في المسألة الفقهية لموضوعها. والمراد من " المحمول " أعم من الأمر الإيجابي الثابت للموضوع، أو الأمر العدمي، أو سلب أمر من الامور المحتملة، فلو شك في وجوب شئ فهو مسألة فقهية، والجواب عنها: " أنه ليس بواجب أو بحرام، لأنه مشكوك، وكل مشكوك مرفوع " أو " كل مشكوك قبيح العقاب عليه، فهو قبيح العقاب عليه ". فجميع المسائل الاصولية، تقع دليلا على المسألة الفقهية، أو تؤدي إلى ذلك، كالمباحث الأدبية المشار إليها، فإنها تؤدي إلى تنجز الحكم في مورد، وعدمه في آخر، وتمامية الحجة وعدمها وهكذا، فلا تخلط. وأما القواعد الفقهية، فهي وإن كانت تقع - حسب الشكل الأول - كبرى، إلا أن الاحتياج إلى تشكيل الشكل الأول ممنوع، لأن الفرق بين المسائل الاصولية والقواعد الفقهية: هو أن الاولى تكون مورد النظر من حيث الخصوصيات اللغوية


1 - نهاية الاصول: 15 - 16، أنوار الهداية 1: 270 - 271. (*)

[ 40 ]

الملحوظة فيها، بخلاف الثانية، فإن النظر فيها إلى المعنى الأعم من ذلك. وبعبارة اخرى: المسائل الاصولية هي الواسطة في الثبوت، والقواعد الفقهية هي الواسطة في العروض، ضرورة أن الشهرة أجنبية عن موضوع المسألة وهو " فعل المكلف " الذي اريد إثبات الوجوب مثلا له، وقاعدة " ما يضمن بصحيحه... " منطبقة على مصاديقها الذاتية، وبعد الانطباق يثبت الحكم قهرا، فافهم واغتنم. هذا، والذي يسهل الخطب: أن علم الاصول ليس بعلم كسائر العلوم الحقيقية أو الاعتبارية، وذلك لأن الذي كان في أول الأمر مدونا هو الفقه، ولما كان الفقيه محتاجا إلى تحرير بعض المسائل التي يكثر الابتلاء بها في الفقه، وكان يرى لزوم تكرارها في الكتب العديدة، بل والمسائل المختلفة من أول الفقه إلى آخره، دون في ديباجة الكتاب وفي مقدمته ما يكون شاملا لهذه المباحث، ثم بعد الاستكمال صار ذلك كثير المسائل، فرآه أنه بلغ إلى حد يليق بالاستقلال. ولذلك ترى المباحث فيه مختلفة تجمعها السنخية، إلا أن بينها الاختلاف، فإن منها ما هو لغوي محض، ومنها ما هو عقلي محض، وليس أحد من العلوم المدونة إلى عصرنا، تكون مسائله متباعدة بعضها عن بعض إلى هذا الحد. ولذلك يشكل تصوير الموضوع له، فأنكر جماعة موضوع جميع العلوم، أو طائفة منها (1)، مع أن الأمر ليس كما توهموه، وقال الآخرون بالإبهام والإجمال (2)، كما مضى تفصيله (3).


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 23، منتهى الاصول 1: 6 - 9، محاضرات في اصول الفقه 1: 15 - 20. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 33 - 34، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 29، تهذيب الاصول 1: 8 - 9. 3 - تقدم في الصفحة 33 - 34. (*)

[ 41 ]

وهكذا يشكل تعريفه، كما يأتي (1). فعلى ما ذكرنا، يمكن جعل المبادئ التصورية والتصديقية التي ليست من العلم، داخلة فيه، فيكون جل - لولا كل - المسائل المبحوث عنها في علم الاصول فعلا، من العلم. وتوهم تعدد الموضوع في العلم الواحد (2)، مندفع بما سمعت منا تفصيلا في تحرير موضوع العلوم ومعناه (3).


1 - يأتي في الصفحة 47 - 50. 2 - كفاية الاصول: 22، محاضرات في اصول الفقه 1: 24 - 25. 3 - تقدم في الصفحة 31 - 32. (*)

[ 43 ]

الناحية الرابعة في وحدة العلوم وسائر أحكامها لا شبهة في أنها وحدة اعتبارية، ضرورة أن المسائل المختلفة موجودة بالوجودات، وليست الوحدة الحقيقية إلا مساوقة للوجود الحقيقي، وحيث إن العلم ليس إلا عدة قضايا كثيرة، فتلك الوحدة اعتبارية بالضرورة. إن قلت: قد يكون موضوع العلم، الواحد الحقيقي، كما في علم العرفان، بل وعلم الفلسفة، فلا منع من الوحدة الحقيقية في بعض العلوم. قلت: موضوع العلم ليس نفس العلم، بل العلم عبارة عن المسائل الكثيرة، فتلك الوحدة الثابتة للعلم اعتبارية، إلا أن منشأ هذه الوحدة الاعتبارية قد يكون الواحد الحقيقي، واخرى يكون الواحد بالسنخ، كسائر العلوم، فلاينبغي الخلط بين وحدة الموضوع ووحدة العلم. ثم إن العلوم مختلفة من هذه الجهة، فإن منها: ما يكون موضوعه الواقع المحفوظ إلى زماننا، كعلوم الفلسفة والعرفان والنحو والصرف، وإن يمكن انقلابه وتكثره فيما إذا تراكمت المسائل.

[ 44 ]

ومنها: ما يكون موضوعه الواقع غير المحفوظ كالطب، فإنه كان موضوعه " بدن الإنسان " ثم تشعب إلى الشعب الكثيرة، فصار كل عضو موضوعا لعلم على حدة، ومثله النحو والصرف، فإنهما كانا أولا علما واحدا، ثم صارا علمين. ومن العلوم ما يكون موضوعه الأمر الاعتباري، ولا واقعية له. ومنها: ما يكون موضوعه الأمر الذهني، كالمنطق. ومنها: ما يكون موضوعه الأمر الذهني المتعلق بالخارج، كالحساب. فوحدة العلم وكثرته اعتبارية. كما أشرنا سابقا: إلى إمكان رجوع العلوم الكثيرة إلى العلم الواحد، بل يمكن جعل جميع العلوم من العلم الأعلى، لأن البحث فيه عن أحوال الأعيان الخارجية وأحكامها، ويلحق به البحث عن آثارها وخواصها البسيطة والمركبة (1). وأما العلم، فقد مضى أنه نفس المسائل المتشتتة، ونسبة المسائل بعضها إلى بعض مختلفة، وقد فصلنا في الناحية الثانية ما يتعلق به (2). والذي يظهر: أن مسائل العلوم هي الموضوعات والمحمولات قبل ثبوتها لها، لا بعدها، للزوم الخروج عن كونها مسألة قبل الإثبات. وقد مضى في كلام جمع من أهل المعقول جعل النسبة المرددة محمول الموضوع (3)، ولكنه غير تام، لأن النسبة المرددة كاذبة، وتام لأجل أن لفظة " المسألة " من " السؤال " ومعناه التردد في الأمر، فتدبر. وأما تمايز العلوم، فهو على ما عرفت ب‍ " الموضوعات "، على التفسير الذي


1 - تقدم في الصفحة 27. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 20 و 30 - 31. 3 - تقدم في الصفحة 27. (*)

[ 45 ]

ذكرناه (1)، وهذا أحسن شاهد على أن المشهور أرادوا من " الموضوعات " أمرا آخر غير ما هو المقابل للمحمول. وتوهم: أن من العلوم ما يكون تمايزها بالموضوعات، ومنها: بالأغراض، ومنها: بالحيثيات، كما عن " الفصول " (2) وجماعة آخرين (3)، فاسد بالضرورة، لأن الموضوع هو الأعم، أولا. وثانيا: الأغراض في الرتبة المتأخرة عن العلم، فإن العلم علم مع قطع النظر عن المدون والمتعلم، فلاينبغي الخلط بين الجهات الذاتية المتقدمة، والجهات العرضية المتأخرة، سواء كان المراد من " الغرض " القدرة على حفظ اللسان عن الخطأ في علم النحو وهكذا في أمثاله، أو الحفظ الفعلي والصون بالحمل الشائع، ضرورة أن السنخية في نفس المسائل، تورث تمييز العلوم بعضها عن بعض، وتلك السنخية هي الموضوع في العلم، على التفصيل الذي عرفت. فيصح حينئذ أن يقال كما هو المشهور المعروف: بأن تمايز العلوم بالموضوعات. نعم، قد يندرج بعض المسائل من علم في العلم الآخر: وهذا تارة: يكون من المبادئ التصورية أو التصديقية في العلم الآخر، كالبحث في الفقه عن " الصعيد " أو عن مسألة اصولية، فإنه ليس من مسائل العلم، إلا أن توقف حكم المسألة في هذا العلم عليه، يلزم الفقيه بالورود في العلوم الاخر. ولو كان ما ذكره كثير من فضلاء العصر - حفظهم الله تعالى - والسابقين


1 - تقدم في الصفحة 31 - 32. 2 - الفصول الغروية: 11 / السطر 20. 3 - فرائد الاصول 1: 24 - 25، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 19، منتهى الاصول 1: 11 - 13. (*)

[ 46 ]

- رحمهم الله تعالى -: " من أن وحدة الغرض سبب للتمايز في طائفة من العلوم " (1) يلزم تجويز إدراج جميع المسائل من علم في علم آخر، لتوقف استكشاف الحكم في علم على مسائل العلوم الاخر، فهذا أحسن شاهد على فساد مختارهم. واخرى: تكون السنخية مشتركة بين مسألة وعلمين، فإنه لو كان السنخية أقوى في أحدهما - كما مضى الإيماء إليه (2) - فلابد أن تعد من مسائل ذلك العلم، والبحث عنها في العلم الآخر، للاحتياج إليها في فهم مسألة فيه. وإن كانت السنخية فرضا متقاربة، فلا منع من درجها في العلمين، إلا أنه مجرد فرض. ولا يلزم من ذلك تداخل المسائل من علمين، لأنه يرجع إلى وحدة العلم قهرا، كما عرفت. وأما الغرض في العلوم، فهو ليس معلول المسائل، لأنها ليست علله الطبيعية، ولا الإلهية، بل هي الإعداد لقدرة النفس على الاستيفاء منه إذا أراد، وقد مر شطر من الكلام حوله (3)، فما حكى العلامة العراقي (رحمه الله) من توهم نسبة العلية بينهما (4)، واضح البطلان بالبرهان والوجدان.


1 - كفاية الاصول: 22، درر الفوائد، المحقق الحائري: 34، نهاية الأفكار 1: 11، حقائق الاصول 1: 10، منتهى الاصول 1: 7 - 9. 2 - تقدم في الصفحة 30 - 31. 3 - تقدم في الصفحة 19 - 20. 4 - لاحظ مقالات الاصول 1: 35، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 3 - 6. (*)

[ 47 ]

الناحية الخامسة تعريف علم الاصول وقد اضطربت عبائرهم في ذلك، فالمعروف: " أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية " (1). ولما كان شاملا للقواعد الفقهية، وغير شامل للظن على الحكومة، بل ولمطلق الأحكام العقلية الثابتة وظيفة في الفروع، أو توهم انتقاضه بالاصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية، عدل عنه بعض الأفاضل، فقال: " هو صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل " (2). ولما كان ذلك مشتملا على القواعد الفقهية، كقاعدة نفي الضرر والحرج، وقاعدة التجاوز والفراغ، وغير مشتمل على كثير من مباحث الاصول اللفظية، عدل


1 - قوانين الاصول 1: 5 / السطر 3، الفصول الغروية: 9 / السطر 39، مناهج الأحكام والاصول: 1 / السطر 7. 2 - كفاية الاصول: 23. (*)

[ 48 ]

عنه الفاضل الآخر، وقال: " هو عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلي " (1). ولما كان منتقضا بما عرفت، وغير شامل لكثير مما اشير إليه، مع أن الاصول ليست العلم بالكبريات، بل هي نفسها سواء كانت متعلق العلم أو لم تكن، عدل عنه الوالد - مد ظله - وقال: " إنه القواعد الآلية التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية " (2) فتخرج القواعد الفقهية ب‍ " الآلية " وتندرج الاصول العملية بالأخير. ولكن كثير من المباحث اللفظية خارج أيضا. فالأولى في تعريفه أن يقال: هو القواعد التي يمكن أن يحتج بها على الوظائف الثابتة من المولى على العباد، أو ما يؤدي إلى تلك الحجج تأدية عامة. وعلى هذا يندرج جميع المباحث، وتخرج القواعد الفقهية: أما خروجها، فلما عرفت: من أن المراد من " الحجة " هي الواسطة في الثبوت، وتلك القواعد وسائط في العروض (3). وأما دخول المباحث العقلية والاصول العملية، فلأن الوظائف هي الأعم من جميع المجهولات الوضعية والتكليفية، والظاهرية والواقعية، والوجودية والعدمية، والعزائم والرخص. والمراد من " الثبوت " أعم من الثابت بالعلم الإجمالي، أو بالاحتمال قبل الفحص. والمراد من الجملة الأخيرة إخراج سائر المباحث اللغوية التي تكون منافعها قليلة في تحصيل تلك الحجج الواقعة في الوسط لإثبات الأحكام.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 19 و 29. 2 - مناهج الوصول 1: 51، تهذيب الاصول 1: 5. 3 - تقدم في الصفحة 39 - 40. (*)

[ 49 ]

وأما إدخال مباحث الألفاظ التي تكون خارجة حقيقة عن مسائل العلم، وتكون من المبادئ التصورية، وتكون عامة المنفعة في الفقه، وفي المسائل التي هي بالذات مسائل اصولية، فبالقيد الأخير. والملازمات العقلية - كمباحث الضد، والمقدمة، واجتماع الأمر والنهي - أيضا مندرجة فيه. فتحصل: أن مباحث علم الاصول على أقسام: قسم منها: المبادئ التصورية، وتكون مما يعم الابتلاء بها في الفقه والاصول. وقسم منها: المباحث العقلية التي يستكشف بها الحكم الإلهي الواقعي، كالمباحث المشار إليها آنفا. وقسم منها: المباحث العقلائية التي يستكشف بها الأحكام الواقعية، كمباحث العمومات والظهورات. والمراد من " الواقعية " هنا أعم من الواقعية مقابل الظاهرية. وقسم منها: المباحث العقلية التي يستكشف بها الوظيفة الفعلية في مقام العمل، كمباحث العلم الإجمالي، والظن على الحكومة، ولا نظر فيها إلى الأحكام الواقعية، ولا الظاهرية. نعم المقصود الأقصى حفظ الحكم الواقعي. وقسم منها: المباحث التي يستكشف بها الأحكام الظاهرية، كالاصول العملية. فلابد من تعريف شامل لتلك المباحث الخمسة، وطارد للقواعد الفقهية، وسائر المباحث اللغوية والرجالية. ثم إن المراد من قولنا: " يمكن " هو أن علم الاصول علم سواء ترتب عليه استنباط الحكم الإلهي، أو ترتب عليه استنباط الأحكام العرفية في القوانين الحكومية والحقوقية، أو لم يترتب عليه شئ، فالتقييد بقولهم: " لاستنباط... " غريب. اللهم إلا أن يحمل " اللام " على أنه للغاية، بمعنى ما لأجلها الحركة، لا ما

[ 50 ]

إليها الحركة، فلا تغفل. تذنيب مسائل العلوم مختلفة: فمنها: ما تكون من قبيل القضايا الحقيقية. ومنها: ما تكون قضايا جزئية، كالمستعملات في علم العرفان والجغرافيا والتأريخ. ومنها: ما تكون قضايا كلية خارجية، كالمستعملات في علم التفسير والرجال والدراية. ومنها: ما تكون قضايا إنشائية كالحقيقية، كالمستعملات في الفقه، فقولنا: " كل نار حارة " و " كل خمر حرام " حقيقية، إلا أن المتكلم في الثاني يريد جعل الحكم لازم الماهية حتى تكون عامة. فما اشتهر: " من أن القضايا المستعملة في العلوم كلها حقيقية " (1) غير خال من الغرابة.


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 172، ولاحظ تهذيب الاصول 1: 2. (*)

[ 51 ]

خاتمة حول المبادئ التصورية والتصديقية والأحكامية قد اشتهر في علم الاصول تقسيم المبادئ إلى مبادئ تصورية، وتصديقية، وأحكامية (1). والتحقيق خلافه، وذلك لأن المراد من " المبادئ التصورية " أعم مما يرتبط بتصور الموضوع في المسألة وحدوده، والمحمول فيها وحدوده، ولما كان الحكم في الفقه محمول المسألة، يبحث عنه هل هو قسم واحد، أو له أقسام، وكل قسم منه قابل للجعل المستقل، أم لا، أو يفصل، وغير ذلك ؟ فكما أن البحث عن المخترعات الشرعية، من المبادئ التصورية لموضوع المسألة، كذلك البحث عن الأحكام الوضعية، من المبادئ التصورية لمحمول المسألة. ولا يخفى: أنها من المسائل الاصولية بناء على ما جعلناه موضوعا، ويكون داخلا في تعريفنا، بخلاف ما جعله القوم موضوعا ومعرفا، فإنه خارج عنه، كما لا يخفى. ثم المبادئ التصديقية، هي البراهين المستعملة في المسألة لإثبات الحكم فيها لموضوعها، وهي إذا كانت بديهية تسمى " العلوم المتعارفة ". وإذا كانت نظرية، فإن كانت ثابتة في العلم الآخر، وتكون منتجة نتيجة


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 27، منتهى الاصول 1: 13. (*)

[ 52 ]

بالفعل، أو يصدقها المتعلم لحسن الظن بالمعلم، لأنه سيصدقها بالتفصيل في نفس العلم، فهي " الاصول الموضوعة ". وفي غير الصور المذكورة تسمى ب‍ " المصادرة " ضرورة أن إثبات مسألة بدعوى اخرى منضمة إليها، لا يكون صحيحا، كما لا يخفى.

[ 53 ]

المبحث الثاني في الوضع

[ 55 ]

تمهيد لما كان الوضع حقيقة ذات إضافة إلى الواضع تارة، وإلى لحاظه اخرى، وإلى الموضوع له ثالثة، وتكون ذات وحدة نوعية قابلة للقسمة إلى الكثير من جهة التعين والتعيين، ومن جهة النوعي والشخصي، وغير ذلك، يقع البحث فيه من جهات. وقبل ذلك نقدم مقدمة: وهي أن المقصود هنا ليس تفتيش حال لفظة " وضع " وأنه معناه أي شئ ؟ حتى يستظهر من هذه اللغة ما هو المقصود الأساسي في البحث، ضرورة أنه كما يمكن عنوان المبحث بالوجه المعروف، يمكن عنوان المبحث بعناوين اخرى مرادفة معه في المعنى، أو متقاربة معه فيه، فليس النظر في مفهومه بالحمل الأولي. فالذي هو موضوعنا، ومحل فحصنا، ومورد النظر لنا: هو أن مجتمع البشر الآن ذو شؤون كثيرة، ومن شؤونهم التوصل إلى اللغات والألفاظ - التي هي ليست إلا حركات وأصوات خاصة - لإدارة السياسات الفردية والاجتماعية، والتمسك بالجمل والمفردات لإبراز ما يراد إلقاؤه، وهذا أمر واقع بين أيدينا في كل صباح ومساء.

[ 56 ]

فلا بحث عن أصل اللغات، ولا المعاني، ولا في أصل " الارتباط الإجمالي " و " العلقة المهملة " و " الاختصاص " وغير ذلك من التعابير الممكنة، بل البحث حول حقيقة ذلك، والجهات الراجعة إلى ذلك المعنى الإضافي التي اشير إليها.

[ 57 ]

الجهة الاولى في حقيقة الوضع المحكي عن ابن عباد: أن الأمر المتوسط بين اللغات والمعاني مفقود، بل المعاني من لوازم ذات اللغات (1)، كلوازم الماهيات. أو يقال: إن الأمر المتوسط بينهما، هي السنخية الواقعية الخارجة عن قدرة الناس، والناس يتوهمون أنهم جاعلون الألفاظ حذاء المعاني، أو هم متخيلون أن الأمر بيدهم في تعهدهم وتبانيهم، بل الواقع ونفس الأمر بيد الله تعالى، وبين الأسماء والمسميات جهات طبيعية وواقعية، يكون الواضع الجزء الأخير من العلل المادية والغيبية في الوضع والجعل، أي الإبراز والإظهار بتلك الطريقة الوهمية، وهو الإنشاء ف‍ " الأسماء تنزل من السماء ". ومما يعرب عن ذلك، العلوم الغريبة التي هي من القطعيات عند أربابها، ومن يطعن فيها فلعدم اطلاعه، و " إن الإنسان عدو لما جهله " فإن تلك العلوم على مباني الأسماء كثيرا، بل كلا، فلا تكون الروابط الطبيعية والسنخيات الواقعية بين الأشياء،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 31. (*)

[ 58 ]

كلها مقطوعة. نعم، هذا غير الدلالة التي هي معلولة الجهات الاخر غير تلك السنخية الواقعية، وهذا ليس مراد مثل ابن عباد الذي كان من فضلاء الشيعة، بل ربما يمكن تفسير مقصوده بما اشير إليه، فلاينبغي الخلط. فعلى هذا، فلا شبهة في نحو ارتباط بمعنى الحاصل من المصدر، أو الحاصل من الاستعمال، من غير كونه طبيعيا. وقيل: " هو الأمر الواقعي، إلا أنه ليس من قبيل الجواهر والأعراض، بل هو من قبيل أعراض الماهيات " (1) وفيه ما لا يخفى على أهله. فهي على التحقيق، من الامور الاعتبارية المضافة بين الشيئين، من غير النظر إلى اللحاظ الآخر وراءهما بذاتهما. والامور الاعتبارية وإن لا ظرف لها وراء الأذهان، إلا أنها تارة: تعتبر في الخارج كالملكية، واخرى: لا يعتبر إلا نفسها، وهي مثل تلك الملازمة الجعلية الموجودة بين الألفاظ والمعاني المتباينة معها. وتوهم بقائها مع انتفاء طرفي الإضافة فاسد، لعدم إمكانه، فما عن العلامة العراقي (رحمه الله) (2) لا يرجع إلى محصل بالضرورة. إذا عرفت ذلك، يظهر لك: أن كلمات القوم مضطربة، فيظهر من جمع منهم أن الموضوع المتنازع فيه هي كلمة " الوضع " ومفاده بالحمل الأولي، ولذلك نفوا إمكان تقسيمه إلى التعييني والتعيني، قائلين: " إنه جعل الشئ على الشئ للغاية المخصوصة، كوضع الحجر والعلم لإعلام الفرسخ والميل " (3). وهذا باطل، لما


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 29. 2 - نهاية الأفكار 1: 26. 3 - نهاية الدراية 1: 44 - 48، مناهج الوصول 1: 57. (*)

[ 59 ]

عرفت في المقدمة (1). ويظهر من قوم آخرين: أنه " التعهد " و " التباني " و " الهوهوية " وغير ذلك من العبائر (2)، وهذا أيضا فاسد، ضرورة أن الوضع - بالمعنى المصدري - ليس هو التعهد، ولا غيره، وبمعنى الحاصل من المصدر - وهو المعنى الذي يدرك بين اللفظ والمعنى - أيضا ليس متحدا بمفهومه مع مفهوم هذه العبائر بالضرورة. نعم، تلك العلاقة والملازمة التي كانت معدومة، وصارت موجودة، كما يمكن أن تحصل بكلمة " وضعت " و " جعلت " حصولا بالتبع، يمكن أن تحصل هي بذاتها، بأن يقول الواضع بعد شرائطه الآتية: " أوجدت علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى " فعندئذ توجد تلك العلاقة الاعتبارية أولا وبالذات، وتنالها يد الجعل، لكونها اعتبارية، فما توهمه العلامة الحائري من امتناعه (3)، ناشئ من الغفلة عن حقيقة الأمر وماهية المسألة. وكما يمكن أن يتوصل الواضع بنحو التعهد والتباني، بأن يقول: " تعهدت بأن اريد المعنى الكذائي عند إلقاء اللفظ الكذائي " يمكن أن يفيد ذلك بالحمل الشائع الصناعي، فيقول: " هذا زيد " فإن الاتحاد والهوهوية لا يمكن إلا بالاتحاد في الوجود حقيقة أو ادعاء. وهذا كما يمكن دعواه على أن يكون اللفظ من مراتب المعنى، له العكس، بجعل المعنى من لوازم ماهية اللفظ، فيحمل عليه، لأن لازم الشئ متحد معه. فما عن النهاوندي وأتباعه، وبعض الفضلاء وأصدقائه (4)، غير صالح.


1 - تقدم في الصفحة 55 - 56. 2 - تشريح الاصول: 25، درر الفوائد، المحقق الحائري: 35، منتهى الاصول 1: 15. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 35. 4 - تشريح الاصول: 25، درر الفوائد، المحقق الحائري: 35، محاضرات في اصول الفقه 1: 44. (*)

[ 60 ]

ودعوى أن الألفاظ وضعت للمعاني بالجعل والتشريع نوعا، لا بالوجوه الاخر (1)، لو كان مسموعة لا تفيد فيما نحن فيه شيئا، كما لا يخفى. فما رامه العلمان، الأصفهاني، والوالد - مد ظله - (2) أيضا غير تام. فبالجملة: توهم أن الدلالة اللفظية الوضعية متقومة بأحد الامور المذكورة وجودا، أو هي إحداها مفهوما، فاسد قطعا، بل الدلالة اللفظية تعتبر من الدلالات الاخر العقلية، كدلالة المعاني على المعاني، بل الأضداد على الأضداد، إلا أن أنحاء الدلالة مختلفة، واللفظية منها بالجعل والمعاهدة والقرار والتباني وأمثالها. ثم إن ظاهر " الكفاية " من تفسير " الوضع " - وهو بالمعنى اللغوي من مقولة الفعل - ب‍ " الاختصاص " (3) وهو من مقولة الانفعال - على تسامح فيهما - ربما كان لأجل الإيماء إلى ما قررناه وحررناه، وإلا فهو من الواضح الذي لا ينبغي صدوره منه (رحمه الله). فتحصل: أن ما يصح أن يتنازع فيه ليس مفهوم " الوضع " لغة، لعدم إمكان اختلاف المحققين فيه بعد صراحة أهل اللغة فيه، ولا هو تلك العلاقة والارتباط الموجود بين قافلة الألفاظ وسلسلة المعاني من حيث مفاد " كان " التامة، ولا الناقصة. نعم، في أنه طبيعي، أو واقعي، أو اعتباري، خلاف، إلا أن الظاهر أنه ليس خلافا واضحا غير راجع إلى أمر واحد، لما عرفت: أن القول بالدلالة الذاتية والطبعية مما لا يمكن استناده إلى عاقل، فضلا عن ابن عباد. والعجب من إطالة الكلام حول رده، والإصرار عليه من طلاب الفضل وأرباب العقل، بإقامة البراهين


1 - أجود التقريرات 1: 12. 2 - نهاية الدراية 1: 44 - 48، مناهج الوصول 1: 57 - 58. 3 - كفاية الاصول: 24. (*)

[ 61 ]

القطعية عليه ! ! (1). وأن من يقول: بأنه الأمر الواقعي (2)، لا يريد منه الأمر التكويني والخارجي، بل أراد أنه الأمر الاعتباري المحفوظ الذي لا يتبدل بعد تمامية الاعتبار. وقد عرفت: أن الامور الاعتبارية - سواء كانت من الاعتباريات بعد الاجتماع، أو من الاعتباريات الاخر - لا واقعية لها إلا بالمعتبرين، فبانتفائهم تنتفي قهرا. وهذا ليس معناه أنه متقوم بهم مفهوما، بل هو متقوم في الوجود والتحقق. فما هو الصحيح بأن يتنازع فيه، هو السبب الذي يتعقبه التلازم والعلقة والربط المذكور، وأنه أي شئ ؟ وقد عرفت تحقيقه. وما يظهر منهم: من أن الوضع هو التباني، أو هو التعهد، أو هو الاختصاص، أو هو الجعل، أو غير ذلك، كله بضرب من التسامح، لأن تلك العلاقة المفروغ عن وجودها بين القافلتين، ليست هي هذه الامور، لا بالحمل الأولي، ولا بالشائع الصناعي، من غير فرق بين أن اريد منه المعنى اللغوي والمفهوم الأولي المصدري الحدثي، أو اريد منه المعنى الحاصل منه، لأن المعنى الحاصل من الوضع ليس إلا الانجعال والاتضاع، دون الاختصاص والربط، فإنه معلول الوضع بالتبع، فتدبر. إن قيل: هذا تام بحسب مقام الثبوت، وأما بحسب مقام الإثبات، وأن تلك العلاقة حصلت بأي طريق من الأسباب المذكورة ؟ فهو غير واضح، واختلاف المحققين في ذلك. قلنا: بعدما عرفت إمكان استناد الربط المزبور لأنحاء الأسباب المختلفة، لا يمكن لنا كشف ما هو السبب من بينها، لإمكان اختلاف الواضعين في ذلك، بل


1 - مفاتيح الاصول: 2، الفصول الغروية: 23، نهاية الأفكار 1: 23 - 25، محاضرات في اصول الفقه 1: 32. 2 - نهاية الأفكار 1: 25 - 27. (*)

[ 62 ]

الواضع الواحد. فعليه يسقط النزاع المشهور في الوضع، ويتبين أن الغفلة عن حقيقة المسألة، أوقعتهم في ذلك. إن قيل: ظاهر القول بأن الوضع ليس إلا التباني والتعهد، إنكار وجود الربط الاعتباري بين اللفظ والمعنى، فضلا عن غيره. قلنا: هذا غير ظاهر أولا. وثانيا: غير تام، لأن حصول تلك العلقة ليس أمرا اختياريا، بل هي تحصل قهرا، كما في الاستعمالات الكثيرة. وثالثا: هذا يرجع إلى النزاع الآخر غير النزاعين المعروفين، فيلزم البحث في مفاد " كان " التامة، وأصل وجود العلقة، ثم في أنها واقعية، أو طبيعية، أو اعتبارية، ثم بعد ذلك في أن الأسباب المورثة لها، واحدة، أم كثيرة. فتحصل: أن الجهة المتنازع فيها ليست مفهوم الوضع المصدري، ولا معنى الحاصل منه، ولا في تحقق العلاقة والربط المشهود بين الألفاظ والمعاني، بل ما يمكن أن يتنازع فيه إجمالا، هو السبب الموجد لتلك العلقة الاعتبارية، وهو أعم مما توهم. فعليه يصح أن يقال: إن جميع ما قيل في معنى الوضع صحيح، وباطل: صحيح، لأنه من الأسباب التي يمكن أن يتسبب بها إليها، وباطل، لأن حقيقة المسبب ليست السبب بالحمل الأولي، حتى يصح تعريفه وتحديده به. وإن شئت قلت: الوضع هو إنشاء الربط بين الألفاظ والمعاني، والإنشاء المذكور يتصور بطرق مختلفة: منها: التعهد. ومنها: التباني. ومنها: بقوله: " أنشأت علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى ".

[ 63 ]

ومنها: " جعلت ووضعت ". ومنها: الهوهوية. ومنها: الجمل الخبرية المفيدة للإنشاء. ومنها: الاستعمال. ومنها: كثرة الاستعمال. ومنها: غير ذلك. نعم، بناء عليه لا يعد الوضع التعيني من الوضع بهذا المعنى. إيقاظ: في جواب شبهة امتناع حصول الوضع بالاستعمال الهوهوية الادعائية بأن يقول: " هذا " مشيرا إلى الموجود الخارجي " زيد " وكما تورث تلك العلقة والارتباط المتقوم بها، الدلالة الوضعية اللفظية، كذلك الاستعمال في الجملة التصديقية التي اريد بها إفهام مقصد من مقاصده، يورث ذلك الأمر الاعتباري. إلا أنه قد يشكل الثاني: بأن ذلك يستلزم الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، ضرورة أن النظر في استيفاء الغرض باللفظ آلي، وفي جعل اللفظ موضوعا للمعنى بإحداث تلك العلقة استقلالي. ويلزم الدور، لأن صحة الاستعمال متوقفة على الدلالة المتوقفة على الوضع، والوضع معلول الاستعمال، وهو دور صريح بالضرورة. وتوهم: أن الملحوظ في الآلي هو الشخص، وفي الاستقلالي هو النوع - كما أفاده العلامة العراقي (1) - في غاية الوهن، لأن ما يتكلم به ليس إلا اللفظ، وهو الجزئي الخارجي.


1 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 31. (*)

[ 64 ]

نعم، ترتفع الغائلة - بعد تصديق امتناع الجمع -: بأن الاستعمال يكون بلحاظ واحد، سواء كان آليا، أو استقلاليا، إلا أن الغرض والداعي متعدد، ولا منع من ذلك بعد وجود القرينة على الدواعي الكثيرة، فكما يصح الاستعمال لإفادة حياته ونطقه وغرضه وبلاغته وفصاحته وأدبه وغير ذلك، يصح كله مع إفادة الوضع أيضا. فعلى هذا، يصح تقسيم الوضع إلى التعييني والتعيني، ويرتفع الشبهة من الجهتين. إلا أن المقصود ليس تقسيم ذات شئ إلى شيئين، بل المقصود بيان أن تلك العلاقة والربط بين قوافل الألفاظ وسلاسل المعاني، كما تحصل بجعلها بالذات وتحصل بالجعل التبعي، كذلك تحصل بالقهر والغلبة. وإن شئت قلت: هذا هو أيضا تعييني، إلا أن الواضع ليس شخصا معينا لاحظا ذلك، بل هو الأفراد الكثيرون الذين استعملوا اللفظ في معناه مع القرينة، حتى صار ظاهرا فيه بدونها، فحصلت تلك العلاقة بعد ذلك مستندة إليهم. وأما الدور المتوهم (1) فيندفع فيما نحن فيه، ضرورة استناد الدلالة إلى اللفظ مع القرينة، وما افيد يتم إذا كان مستندا إليه فقط.


1 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 37 / السطر 34. (*)

[ 65 ]

الجهة الثانية في الواضع فالمحكي عن الأشاعرة: أنه هو الله تبارك وتعالى، بتوسيط الإلهام والأنبياء وأوليائه، ظنا أنه قضية امتناع الترجيح بلا مرجح، وامتناع إحاطة البشر بخصوصيات غير متناهية (1). وهذا هو مختار بعض فضلاء مقاربي عصرنا (2). ولعمري، إنه مما لا ينبغي إطالة الكلام حوله، لكونه من اللغو المنهي عنه، بداهة أن الأشياء من قضها وقضيضها معلولة له تعالى، وأنه الواهب للصور، إلا أن ذلك ليس معناه كونه تعالى واضع اللغة، فيكون في الأعلام الشخصية والمخترعات العصرية كذلك، أو يكون منحصرا بأسماء الأجناس كما قيل. فالذي هو الأمر الوجداني والبرهاني: أن الواضع في كل نوع من الأنواع هو الطبيعي، لا الفرد الخاص حتى يلزم امتناع الإحاطة.


1 - المطول: 281، قوانين الاصول 1: 194 / السطر 14، تهذيب الاصول 1: 7. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 30. (*)

[ 66 ]

وقصة الترجيح بلا مرجح (1) تندفع بالمرجحات الموجودة عند كل واضع من الإنس، فهو باللغة والشرع والتعصبات القومية وغير ذلك. فكانت اللغات الموضوعة في بدو نشر البشر، غير بالغة عدد الأصابع والأنامل، ثم مست الحاجة بعده إلى أن صارت غير متناهية، فتدبر. ثم إن من شرائط الواضع كونه نافذا في صنعه، وإلا فلا تحصل تلك العلقة وذلك الربط. وهذا الذي ذكرناه لا ينافي دخالة الإلهامات والإيحاء في وضع طوائف من اللغات، لأنه أيضا من طبيعي الإنسان الذي هو الواضع، ولعله مما يطمئن به في بعض اللغات التي هي مشحونة في الهيئات والمواد بالدقائق، فإن القوانين المترائية في لسان العرب، لا تستند إلى نفس الطبائع الغريزية، فإنه معلوم البطلان، فلا مانع من الالتزام بدخالة الأنبياء والحكماء والعلماء وأرباب العقول في ذلك، ولعل يعرب ابن قحطان منهم، ولست أدري خلافه، فلا منع من كون ذلك بيد الرسل في الجملة، حتى يتمكن الإنسان الذي * (علمه البيان) * (2) من الوضع على حسب ما تعلم من الأوضاع. ثم إن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله): " من أنه هو الله تعالى بنحو الإلهام الذي هو الحد الوسط بين التكوين والتشريع " (3) لا يخلو من غرابة. مع أن التشريع عين التكوين أيضا، كما تقرر في محله (4). وكأنه (رحمه الله) توهم المجتمع البشري البالغ إلى ملايين بلا لغة، ثم بعد ذلك


1 - قوانين الاصول 1: 194 / السطر 11 - 19، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 30 - 31. 2 - الرحمن (55): 4. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 30، أجود التقريرات 1: 12. 4 - يأتي في الجزء الثاني: 68 - 69. (*)

[ 67 ]

وضعت اللغات، فقال بما قال، وإلا فإذا كان وضع اللغات تدريجيا حسب الحاجات - كما نجده اليوم بالنسبة إلى الحادثات - لما كان يتفوه بما لا ينبغي، فلا تغفل. هذا مع أن ما قيل لا يستقيم في الوضع التعيني، ولا في الوضع الاستعمالي. بل الوضع هو الإنشاء، لا الإخبار، والمنشئ ليس هو تعالى بالضرورة، وإلا يلزم استناد جميع الإنشاءات إليه تعالى كلية وجزئية، فالمنشئ هو الإنسان مثلا، فهو الواضع، ولكن علمه بذلك وانتقاله إلى الأطراف بإمداد غيبي، وهذا لا يختص بالأوضاع، فالواضع في الأعلام الشخصية هو الآباء، وهكذا في الأعلام الجنسية، كما في المستحدثات اليومية يكون الأمر كذلك، فلا تخلط. وربما يشير إلى ما ذكرنا قوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) * (1) ومع ذلك يستند إليه تعالى أيضا، كما في قوله تعالى: * (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) * (2) فافهم واغتنم.


1 - النجم (53): 23. 2 - مريم (19): 7. (*)

[ 69 ]

الجهة الثالثة فيما اشتهر من تقسيم الوضع إلى الأقسام والكلام فيها يتم في ضمن مقامات: المقام الأول: فيما تصوره القوم وهي على المشهور ثلاثة، توهما أن الوضع الخاص والموضوع له العام ممتنع (1)، ضرورة أن الأمر الموجود في الذهن والملحوظ الذهني، لا يعقل أن يكون مرآة ووجها للعام، لأن تلك الخصوصيات تأبى عن ذلك، وتمنع عن سريان الوضع إلى المصاديق المشتركة مع الملحوظ فيما اريد في الوضع. مثلا: إذا أراد الواضع أن يضع " الإنسان " للحيوان الناطق، فتصور زيدا، فلا يمكن له جعل اللفظ بإزاء المعنى المشترك، وهي الإنسانية الموجودة في زيد، لأن تعريته من تلك الخصوصيات، خروج عن مفروض البحث، وبقاءه في اللحاظ


1 - كفاية الاصول: 24، نهاية الدراية 1: 49. (*)

[ 70 ]

مع تلك الخصوصيات، مانع عن إمكان إسراء الوضع إلى جميع المصاديق. وهكذا إذا أراد أن يضع لفظ " الجسم " حذاء تلك الجسمية الموجودة فيه، أو الجوهرية، وهكذا سائر ما يريد الواضع وضع اللغة حذاءه، فإنه في جميع الفروض إما يلزم الوضع العام، لا الخاص، أو لا يتمكن الواضع من البلوغ إلى أمله ومقصوده، وإن صنع ذلك بتخيل إمكانه فلا يقع على ما هو، لأن الممتنع لا يصير ممكنا بالخيال الماخوليائي. ومن الممكن دعوى جعل ذلك اللفظ بحذاء زيد، لأنه ذو أبعاد ثلاثة، أو بما فيه الجسمية، أو لاشتماله على الجوهرية وهكذا، فإنه لا يتعرى زيد إلى الطبيعة والخصوصيات حال اللحاظ. إلا أن النتيجة عموم الموضوع له. وبعبارة اخرى: لا تعرية قبل الوضع، بل التعرية بالتعليل بعد الوضع. وليس هذا من الوضع الخاص، والموضوع له الخاص، ولا من المقالة المعروفة: " من أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة، لتنصيص الواضع بالعموم " وسيظهر إن شاء الله تعالى حال تلك المقالة من ذي قبل (1). فبالجملة: ما أفاده المحقق الرشتي (قدس سره) (2) - الذي هو عندي في الصف الأول من علماء الغيبة الكبرى، رضوان الله تعالى عليهم، - قابل للتصديق، ضرورة أن جعل اللفظ حذاء زيد، ليس إلا من الوضع الخاص، وهو لحاظ زيد، ثم التسرية إلى عموم الموضوع له بالتعليل، فلا يلزم التجريد والتحليل، حتى يكون من الوضع العام فيخرج عن موضوع الكلام. وما قيل عليه في كلام المدقق المحشي الأصفهاني (رحمه الله): " من أن اللحاظ الذي لابد منه في الوضع للكلي، لحاظ نفسه، ولحاظ الفرد من حيث فرديته، أو


1 - يأتي في الصفحة 109. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 40 / السطر 23 - 36. (*)

[ 71 ]

لحاظ الكلي الموجود فيه، لا دخل له بلحاظ الكلي بما هو كلي " (1) انتهى، غير تام، ضرورة أن الملحوظ هنا يعلم من التعليل، واللحاظ لا يتعلق إلا بالخاص، فلا يلزم لحاظ الكلي مستقلا حين لحاظ الخاص. وما أفاده العلمان، الاستاذ الحائري، وتلميذه المحقق الوالد - عفي عنهما - غير تام: أما ما في " الدرر " من المثال المجرد (2)، فلا يخلو من غرابة وخلط عظيم. فبالجملة ربما يكون الواضع لاحظا عنوان العام على نعت الإجمال، وهذا ليس من الوضع الخاص. وأما ما في " تهذيب الاصول " من امتناع القسم الثالث والرابع بوجه، وإمكانهما بوجه (3)، فهو يتم في الثالث، دون الرابع، ضرورة أن الواضع المريد إسراء الوضع إلى الخصوصية المشتركة، يلزم عليه قهرا تحليل ما في لحاظه من الخاص، وتعريته من الخصوصيات قهرا وبلا اختيار، فيصير من الوضع العام. ولا يخفى: أن الوضع العام، كما يمكن أن يتحقق بالإرادة والتجزئة والتحليل قبل إرادة الوضع، كذلك يتحقق في زمن إرادة التسرية، وإلا يكون الملحوظ واللحاظ واحدا، فيلزم خصوص الموضوع والوضع، فلابد من حيلة جامعة بين إسراء الوضع إلى العموم وهو الملحوظ، وعدم تعرية اللحاظ وهو الخصوص، وهذا لا يمكن إلا بالوجه المزبور، من غير لزوم الالتزام بالمقالة المشهورة بين أرباب المعقول في بعض الفنون العقلية، لما اشير إليه. ثم إن هاهنا قسما خامسا: وهو أن عموم الموضوع له، معناه العموم بالحمل


1 - نهاية الدراية 1: 50. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 36. 3 - تهذيب الاصول 1: 15. (*)

[ 72 ]

الشائع، وهي نفس الطبائع. ولك لحاظ العموم بالحمل الأولي، فإنه حينئذ يلزم الاستعمال المجازي دائما، فلا واقع له وإن كان بحسب التصور ممكنا. وأما في الخاص فما هو الموضوع له هو الخاص بعنوانه (1)، انتهى. ولك نقده: بأن ذلك معناه جعل اللفظ حذاء العام المجموعي، كلفظ " القوم " ونحوه، مع الفرق الآخر، وهو أن " القوم " موضوع بالوضع العام والموضوع له العام، وهو موضوع بالوضع والموضوع له الخاصين، فيكون الأفراد بأسرها أجزاء الموضوع له في المركب الاعتباري، واستعمال اللفظة الموضوعة للكل في الجزء من المجاز المرسل، فلا يكون قسما خامسا. أو يكون لحاظ العموم موجبا لكونه أمرا ذهنيا، فلا يكون الموضوع إلا خاصا وجزئيا ذهنيا. وليس في الخاص الخصوص بما هو خصوص بالحمل الأولي، مورد الوضع واللحاظ، بل اللحاظ تعلق بالجزئي من غير لحاظ جزئيته، فلا تغفل. إن قلت: لا يعقل عموم الوضع، أي لحاظ متعلق بأمر كلي، لأن اللحاظ معنى حرفي قائم بالأمر الجزئي، وهو النفس، وطرفه لابد وأن يكون جزئيا، ففي جميع المواقف يكون اللحاظ خاصا، ولو تم امتناع الوضع الخاص والموضوع له العام، يلزم امتناع عموم الموضوع له رأسا. قلت أولا: بالنقض، فيلزم امتناعه على كل حال، لأن الملحوظ أيضا موجود في النفس، فيكون جزئيا. وثانيا: بالحل على ما في الكتب العقلية تفصيله (2)، وإجماله هنا، وهو أن الموجودات الذهنية ليست جزئية حقيقية مادام لم يلحق بها أنحاء الوجودات التي


1 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 16. 2 - الحكمة المتعالية 1: 272 - 274 و 2: 8 - 10. (*)

[ 73 ]

تختص بها، المورثة لبروز آثارها، وأما ظل النفس فهو متعلق بنفس الطبيعة، ولا يعقل تعلقه بالموجود الذهني، للزوم التسلسل أو الدور. نعم، بعد تعلقه بنفس الطبيعة، تكون الطبيعة ذهنية في النظر الثانوي. وإن شئت قلت: كما إن الوجود في العين متعلقه نفس الماهية، لا بما هي خارجية، بل تصير خارجية بذلك الوجود، كذلك هي في الذهن، إلا أن التعرية من إشراق النفس، تؤدي إلى إمكان الحكم على الطبيعة بما هي هي، ولا يمكن التحليل في الخارج، لأن الطبيعة فيها معروض الوجود المخصوص بها، فلا تخلط. وللمسألة مقام آخر، وحولها " إن قلت قلتات " كثيرة، وقد تعرضنا في " القواعد الحكمية " لبيان الفرق بين الطبيعة الذهنية والطبيعة الخارجية، بما لا غبار عليه (1). المقام الثاني: فيما يمكن تصوره في الوضع وأقسامه وهو حسب ما يؤدي إليه النظر بدوا، ستة عشر قسما، وذلك لأن ملاحظة حالات الموضوع له والخصوصيات الموجودة فيه، تورث عموم الموضوع وكونه كليا، مثل أعلام الأشخاص، فإن الموضوع له فيها هي الكليات المنحصرة بالفرد، ضرورة أن القيود اللاحقة بالطبائع، لا توجب الشخصية ما دام لم يلحق بها الوجود، ولم يلتصق بها لون الخارجية، وهي حقيقة الوجود. ولا شبهة في أن " زيد موجود " قضية ممكنة، ولو كان الموضوع له خاصا كانت القضية ضرورية بشرط المحمول. ولاريب في أن " زيد معدوم " صحيح، ولو كان لحاظ الوجود داخلا في


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 74 ]

المسمى كان ذلك غلطا. ولا شبهة في أن انقسام زيد إلى موجود ومعدوم صحيح، ولو كان الأمر كما توهم (1) لكان ذلك باطلا. فها هنا علم: أن الموضوع قد يكون عاما، وقد يكون كليا منحصرا بالفرد. وتوهم: أنه من العام إذا كانت جميع أفراده معدومة إلا الفرد الواحد فاسد، ضرورة أن الفرق بينهما واضح، ولا ينبغي الخلط بين عدم الصدق لعدم المصداق، وبين عدم قابلية الصدق. ثم إن من أقسام الموضوع له ما هو الجزئي، كما في اسم الجلالة " الله " تبارك وتعالى، وكل اسم لوحظ في مسماه الوجود بنحو الجزئية، وكان هو تمام المسمى. ومن تلك الأقسام - وهو القسم الرابع -: ما هو " الموضوع خاص " في اصطلاحنا، كما في أسماء الإشارة، فإن الموضوع هو الإشارة بالحمل الشائع إلى المفرد المذكر من غير النظر إلى الخصوصيات اللاحقة به، وإن كان لابد منها في تحقق المسمى وهو المفرد المذكر، أو في تحقق طرف المسمى، بناء على ما يأتي في تحقيق أسماء الإشارة (2). فبالجملة: في الأقسام الأربعة إلا القسم الثالث، لا يلاحظ الوجود في الموضوع له، وإن كان في تحققه دخيلا وأساسا. ومما يشهد على أن خصوصيات المصاديق في الألفاظ التي موضوعاتها خاصة ليست داخلة: أن بلفظة " هذا " يصح الإشارة إلى فاقد جميع الخصوصيات، بل لو أمكن تحقق المفرد المذكر بدون جميع اللواحق حتى الوجود، لصح الإشارة إليه بكلمة " هذا " وما كان ذلك مجازا بالضرورة.


1 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي، 39 / السطر 33. 2 - يأتي في الصفحة 130 - 132. (*)

[ 75 ]

فتحصل إلى هنا: أن أقسام الموضوع له بحسب التصور أربعة، وإذا ضربت في حالات الواضع - بحسب إمكان لحاظها - تصير ستة عشر، إلا أن كثيرا منها غير صحيح: أما في الموضوع له العام، فيمكن " الوضع العام والوضع الكلي " حسب اصطلاحنا - على ما عرفت في المقام الأول - والوضع الجزئي، لإمكان لحاظ زيد بوجوده الذهني، فإنه عند ذلك يصير جزئيا حقيقيا خارجيا، وجعل لفظة " الإنسان " حذاءه، ثم التسرية إلى جميع المصاديق بالتعليل على الوجه المذكور (1). كما يمكن جعل " الإنسان " لزيد الخارجي، مشيرا إلى وجوده في الخارج، ثم تعميم الموضوع له بذكر العلة، على نحو ما سبق. وأما الوضع الخاص فربما لا يمكن، لأنه إذا لوحظ زيد بوجوده الذهني، فإن جعل اللفظ حذاءه فيكون من الوضع الجزئي، وإن جعل حذاء المسمى مع قطع النظر عن الوجود، فيكون من الوضع الكلي. وأما الموضوع له الكلي، فبالوضع الكلي ممكن كما هو الظاهر. وبالوضع الخاص أيضا ممكن، إذا أفاد إلغاء الوجود بدال آخر. وأما بالوضع الجزئي فهو أيضا ممكن بالوجه الآنف. وأما بالوضع العام فهو غير ممكن، لأن العام لا يكون مرآة للأخص بما هو أخص. ومجرد المرآتية الإجمالية مع كون الواضع قاصدا إلى إسراء الوضع إلى الأخص، غير كاف، لأن المدار في الواضع على الإنشاء، دون القصد والغرض. وأما الموضوع له الخاص، فبالوضع العام واضح إلا على شبهة تأتي (2). وبالوضع الكلي كذلك، لأنه يجعل مثلا لفظة " الإنسان " لزيد وما يشاركه في


1 - تقدم في الصفحة 70 - 73. 2 - تأتي في الصفحة 77 - 78. (*)

[ 76 ]

الذاتيات القريبة. ودعوى: أنه من تعدد الوضع بالعطف، والمقصود تمكنه بالوضع الواحد غير بعيدة. ومثله بالوضع الجزئي، إذا جعل اللفظة حذاء زيد بقيد الوجود. وأما بالوضع الخاص، فهو أيضا مثل ما مر ممنوع كما اشير إليه، ضرورة أن الوجود في الوضع الكلي وإن اخذ بشرط لا، وفي الوضع الجزئي وإن اخذ بشرط شئ، وفي الوضع الخاص وإن اخذ لا بشرط، إلا أنه في الواقع إما يقع اللفظ في لحاظ الواضع حذاءه، أو لا يقع، فإن وقع فهو الجزئي، وإن لم يقع فهو الكلي، ولا شق ثالث في هذه المرتبة، كما هو الظاهر. وأما الموضوع له الجزئي، فلا يمكن إلا بالوضع الكلي، ضرورة أن لحاظ العام لا يورث انحصار الوضع به، ولحاظ الجزئي لا يورث ذلك أيضا، للزوم صحة الحمل، وهي عند ذلك منفية، لعدم السراية إلى الخارج، ولحاظ الخاص يرجع إلى أحد اللحاظين، كما مر. مثلا: إذا اريد وضع الكلمة الشريفة " الله " لخالق السموات والأرض، فلابد من لحاظ ما لا ينطبق إلا عليه، كالواجب بالذات وأمثاله، وأما لحاظ ذلك العنوان بقيد الوجود الذهني، فيمنع عن صحة حمل كلمة " الله " عليه تعالى وتقدس، فعليه يتعين في مثله وما اخذ الوجود الخارجي في نحو حقيقته، من اللحاظ الكلي غير القابل للصدق إلا عليه، حتى يتحقق الوضع. تنبيه: في أنحاء الوضع والموضوع له العامين الوضع والموضوع له العامان يتصوران على أنحاء، وذلك لأن الملحوظ وهو الموضوع له واللحاظ وهو الوضع واحد، أو متعدد، وعلى الثاني إما يكون بينهما

[ 77 ]

التساوق، أو يكون الملحوظ لازم اللحاظ، أو بالعكس. مثلا تارة: يلاحظ الحيوان الناطق، فيضع لفظة " الإنسان " له. واخرى: يلاحظ الماشي المستوي القامة، فيضع لفظة " الإنسان " لما يساوقه، وهو الحيوان الناطق. وثالثة: يلاحظ الضاحك، فيضع لفظة " الإنسان " لمعروضه وملزومه، وهو الحيوان الناطق. ورابعة: يعكس فيضع لفظة " الضاحك " لما هو لازم الحيوان الناطق. فتصير حسب التصور، تسعة عشر قسما، ويزداد عليها بالوجه الأخير، حسب مراعاة المساوقات واللوازم والملزومات في سائر الموضوعات لها، فلا تغفل. ذنابة: في بيان امتناع الوضع العام والموضوع له الخاص يمكن دعوى امتناع الوضع العام والموضوع له الخاص، ضرورة أن العناوين المأخوذة للمرآتية والحكائية، ليست إلا المعاني الاسمية، فقهرا يقع اللفظ حذاء تلك العناوين المأخوذة بعنوان المشير. وبعبارة اخرى: ما اشتهر " من أن العناوين بعضها منظور فيها، وبعضها منظور بها " (1) كاذب باطل، ومجرد توهم عاطل، بداهة أن ذلك يرجع إلى كونها ممر الوضع، وآلة إسراء الوضع إلى الموضوع له، وهذا أمر غير معقول في المقام بالضرورة، فإذا اريد أن يجعل لفظة " الإنسان " لمصاديق الحيوان الناطق، فلا يكون الملحوظ واللحاظ إلا مصاديق الحيوان الناطق، وهذا عنوان كلي كسائر العناوين. ومثله ما إذا قال: " وضعت لفظة الإنسان لكل فرد من أفراد الإنسان " فإنه


1 - المطول مع حاشية المير سيد شريف: 372، نهاية الدراية 2: 258 ولاحظ نهاية الاصول: 57. (*)

[ 78 ]

لا يستلزم خصوص الموضوع له وتشخصه، ضرورة أن الموضوع المتشخص ما لوحظ فيه الوجود، لأنه مبدأ الشخصية، فهذا العنوان وإن يورث تكثر العنوان العام، إلا أن مجرد إيراث الكثرة بالإضافة المشاهدة بين كلمة " كل " و " الحيوان الناطق " لا يقتضي جزئية الموضوع له. فعلى هذا، يكون فيما إذا جعل لفظة " الإنسان " حذاء الحيوان الناطق - بنحو كان الموضوع له نفس الطبيعة - جميع المصاديق بما هي حيوان ناطق، مصداق الموضوع له، بل هو نفسه، على ما تقرر في الكتب العقلية (1). وفيما إذا جعله حذاء كل مصداق من الحيوان الناطق، يكون المصاديق موضوعات لها بما هو منطبق عليها عنوان المصداقية. فإمكان حذف عنوان المصداق ومفهومه بالحمل الأولي، وإسراء الحكم والوضع إلى واقع المصداق وحمله الشائع، ممنوع. وإن شئت قلت: اشتهاء الواضع وإن كان إيصال الوضع إلى الخارجيات الجزئية، إلا أن المدار على ما ينشئه، لما عرفت أن الوضع عبارة عن إنشاء علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى (2)، وما هو متعلق هذا الإنشاء ليس الخارج، لعدم إمكان نيله، وما هو النائل ليس إلا المفاهيم، فيلزم كونها موضوعات لها، فيكون الموضوع له عاما. المقام الثالث: فيما هو الواقع من تلك الصور الممكنة لا شبهة في عموم الموضوع له في أسماء الأجناس، وأما كون الوضع فيها


1 - الحكمة المتعالية 1: 272. 2 - تقدم في الصفحة 58 - 62. (*)

[ 79 ]

عاما فهو ممنوع، لما عرفت من إمكان الوضع الخاص (1)، بل المتعارف خصوص الوضع، لأن الظاهر عدم لحاظ المعنى الكلي فيها. بل الأشياء المتدرجة في الكشف إذا تعلقت بها أنظار الكاشفين، عينوا لها اسما خاصا لبعض المناسبات، وكثيرا ما يكون الاسم الموضوع لها اسم الكاشف، وهو لا يرى إلا ما هو في يده، ولكنه يجعل له اسما من غير الأخذ بالخصوصية فيه، بخلاف الأعلام الشخصية، فإنها موضوعة على المسميات مع الخصوصيات المهملة، لا المشخصة الجزئية، كما هو الظاهر. فما قيل: " إن الوضع فيها عام " (2) لا دليل عليه، لعدم الاطلاع على حالات الواضعين. نعم بناء على امتناعه يتعين ذلك قهرا. وأما في الأعلام الشخصية، فالمتعارف فيها أن الموضوع له كلي باصطلاحنا. نعم، إذا جعل اللفظ مشيرا إلى ما في الخارج، فربما يكون خاصا، لعدم التزامه بخصوصيات الوجود وتوابعه. إلا أن تلك الخصوصيات داخلة في الموضوع له، فعليه يلزم كونه جزئيا. اللهم إلا أن يستنبط العلة، كما مر تفصيله (3). وهكذا يكون الوضع بنحو الكلي مما يتصور مفهوما لا ينطبق إلا عليه. وأما في اسم الجلالة، فالمعروف أنه علم، إلا أن قضية ما ذكرنا في امتناع الوضع العام، امتناع الوضع الكلي، والموضوع له الجزئي، لأنه لا يمكن إسراء الوضع إلى الخارج بالعناوين المشيرة، لعدم الأساس لتلك العناوين. وما ترى في بعض المواقف من مشيريتها، فهو بالنظر إلى طلب المولى ومقصده، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 70 - 71. 2 - كفاية الاصول: 25. 3 - تقدم في الصفحة 70. (*)

[ 80 ]

فعلى هذا، تكون الجلالة اسما لمعنى كلي لا ينطبق إلا عليه تعالى وتقدس، وليس علما. ولذلك تكون قضية " الله تعالى موجود " قضية ضرورية، فإن وجهه هو كون الموضوع له واجب الوجود، ولو كان موضوعها المصداق الخارجي - أي خالق السماوات والأرض - فلابد من إثبات ضرورية تلك القضية، فليتدبر.

[ 81 ]

حول المعاني الحرفية وأما في الحروف وما ضاهاها، كأسماء الإشارة، والمبهمات كالموصولات، ونحوها كالهيئات، فالمشهور بين المتعرضين أن الموضوع له خاص (1). واختار صاحبا " الكفاية " و " المقالات " عمومه (2). وقضية ما مر منا هو الثاني، لما عرفت: أن الوضع العام والموضوع له الخاص ممتنع (3). ولا شبهة في أنها ليست من الوضع الخاص والموضوع له الخاص، للزوم تعدد الوضع، وهو قطعي الفساد، فيتعين كون الموضوع له فيها عاما أيضا. هذا، ولكن لما كان في المقام شبهات على عموم الموضوع له فيها، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى ما هو التحقيق في المعاني الحرفية، حتى يتبين حالها، وحال ما ذهب إليه أرباب المعقول والاصول فيها من المفاسد الكثيرة. فنقول: البحث في هذه المرحلة يتم في ضمن مقدمة وجهات. أما المقدمة فهو أنه لا شبهة في أن المعاني الاسمية - والمراد منها مقابل المعاني الحرفية، سواء كانت ذاتية، أو حدثية - مختلفة بحسب الأوعية، فمن المعاني الاسمية ما يكون وعاؤها الذهن، ولا تطرق لها إلى الخارج والعين، كمعاني الأنواع والأجناس، والذاتية والعرضية، والمعرفية، وغير ذلك من الموضوعات المبحوث عنها في المنطق.


1 - معالم الدين: 128، قوانين الاصول 1: 10 / السطر 6 - 7، الفصول الغروية: 16 / السطر 6 - 8. 2 - كفاية الاصول: 25، مقالات الاصول 1: 92. 3 - تقدم في الصفحة 77 - 78. (*)

[ 82 ]

ودعوى: أنها بمعانيها الأولية تكون في الخارج مسموعة، إلا أن ما هو الموضوع لها فعلا ينحصر به. ومنها: ما لا يكون إلا في الخارج، كمفهوم الوجود، وكلمة الجلالة، بناء على كون ما وضع فيها جزئيا حقيقيا. ومنها: ما لا خصوصية لها حسب الأوعية، كأسماء الطبائع، فإنها ذوات مصاديق ذهنية وخارجية دنيوية واخروية. إذا عرفت ذلك، فالبحث يقع أولا: في أصل المعنى الحرفي. ثم في أن المعاني الحرفية - كالمعاني الاسمية - مختلفة حسب الأوعية، أو كلها تختص بوعاء خاص من الذهن أو الخارج. ثم في أنها معان واقعية، أم اعتبارية، أو مختلفة، فمنها: الواقعية، ومنها: الاعتبارية. ثم في أن الموضوع له - بناء على إمكان الوضع العام، كما هو المشهور المعروف (1) - عام أم خاص. الجهة الاولى: في بيان المعاني الحرفية فعن ابن الحاجب في " الكافية " في حد الاسم: " أنه ما دل على معنى في نفسه " وفي حد الحرف: " أنه ما دل على معنى في غيره " (2). وعن الشارح الرضي (رحمه الله): " الاسم: كلمة دلت على معنى ثابت في نفس تلك الكلمة، والحرف: كلمة دلت على معنى ثابت في لفظ غيرها " (3) انتهى.


1 - كفاية الاصول: 25، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 33. 2 - شرح الكافية 1: 7. 3 - شرح الكافية 1: 9. (*)

[ 83 ]

وعن الجامي: " أن المعنى الاسمي مفهوم متحصل بنفسه، لا يحتاج في تحصله ذهنا إلى معنى آخر، بخلاف المعنى الحرفي، فإنه تحصل في الذهن وتحقق فيه بتبع غيره من المعاني " (1). وعن صاحب " الحاشية ": " أن معاني الأسماء معان متحصلة في نفس الأمر، ومعاني الحروف معان إنشائية إيقاعية توجد بإنشاء المتكلم " (2). وعن بعض محشي " القوانين ": " أن المعنى الحرفي: عبارة عن حقائق الارتباطات الواقعة بين المفاهيم المستقلة بحسب اللحاظ، والمعنى الاسمي: عبارة عن نفس تلك المفاهيم المستقلة المتشتتة التي لا ارتباط بينها في حد ذاتها مع قطع النظر عن المعاني الحرفية " (3) انتهى. والذي يحصل من المجموع: أن المعاني الحرفية هي المعاني الاندكاكية غير المتحصلة في ذاتها، وتكون متحصلة بالغير، والحروف تدل على تلك المندكات والفانيات في المعاني الاسمية القائمات بها، المورثة لخروجها عن الإطلاق إلى الضيق والتحديد. فالمعاني الاسمية لاتدل إلا على المعاني الكلية غير المحدودة بالحد الخاص. مع أن ما تحقق منها في العين وتشتغل صفحة التكوين بها، ليست هي بإطلاقها، فتكون الحروف دوالا على الضيق العارض بها. وإليه يشير قول الشريف في حواشيه على " المطول ": " إن معاني الأسماء معان استقلالية ملحوظة بذواتها، ومعاني الحروف معان آلية " (4) حيث إنها تلحظ


1 - شرح الجامي على الكافية: 12 - 13. 2 - هداية المسترشدين: 34 / السطر 15. 3 - قوانين الاصول 1: 10 / السطر 6. 4 - المطول مع حاشية المير سيد شريف: 372 - 373. (*)

[ 84 ]

بنحو الآلية والمرآتية لملاحظة غيرها. ثم الذي يحصل من بعض تعابيرهم: أن المعاني الحرفية وعاؤها الذهن، ولا خارجية لها (1)، وسنحقق ذلك من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). الجهة الثانية: في وعاء المعاني الحرفية فالمشهور بين أرباب المعقول (3) وأصحاب الاصول (4): أن الوجود بحسب المراتب أربعة: فمنه: ما بذاته ولذاته وفي ذاته، وهو الواجب عز اسمه. ومنه: ما لذاته وفي ذاته وبغيره، وهي الجواهر العالية والدانية. ومنه: ما في ذاته وبغيره ولغيره، وهي الأعراض في الجملة، فإنها إذا وجدت وجدت في موضوع. والقسم الرابع: هو الوجود الرابط الذي لا نفسية له، قبال الثلاثة التي تعد وجودا محموليا لوقوع الوجود فيها محمول القضية الثنائية. ويسمى القسم الثالث ب‍ " الوجود الرابطي " والثاني ب‍ " الوجود النفسي " أيضا. والذي يدل على غير الأخير البرهان والوجدان، وإنما الكلام فيما هو الدليل على الأخير، وهو امور: الأول: أن المقولات التسع بعضها - وهو الكيف والكم، أو المتكيف والمتكمم -


1 - المعتبر، لأبي البركات البغدادي 2: 14، الحكمة المتعالية 1: 143 و 332 - 335 و 4: 200، نهاية الدراية 1: 51. 2 - يأتي في الصفحة 91 - 95. 3 - الحكمة المتعالية 1: 79 - 82، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 61 - 63. 4 - نهاية الدراية 1: 52، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 84، محاضرات في اصول الفقه 1: 67. (*)

[ 85 ]

وجودات رابطية، بخلاف السبع الاخر، فإنها نسب وإضافات وهيئات، فهي وجودات ربطية بين الشيئين، ومحمولات بالضميمة، فلابد من حصولها في الخارج. وفيه: أن هذا ليس برهانا على المطلب، بل هو من التمسك بالإجماع في المسألة العقلية، والحق أحق أن يتبع من عقول الرجال وآرائهم، وقد تقرر منا إنكار تلك المقولات في " حواشي الأسفار " (1) وفي " القواعد الحكمية " (2). الثاني: لولا هذا الوجود الرابط، لما كان يرتبط المعاني الاسمية بعضها بالبعض، مثلا في قولنا: " زيد له البياض " أو " الجدار له الفوقية " كما يكون الموضوع زيدا الموجود، ويكون لفظ " زيد " حاكيا عنه، وهو الوجود الجوهري، ويكون المحمول البياض الموجود، ويكون كلمة " البياض " حاكية عنه، وهو الوجود العرضي والرابطي، كذلك يكون بينهما الوجود الثالث المتعلق به الجار والمجرور، وتكون كلمة " له " دليلا عليه، وهو الوجود الربطي. فتكون القضية هكذا: " زيد الموجود موجود وثابت له البياض الموجود " فعليه يعلم الوجودات الثلاثة في القضية، ولا معنى لعدم تطابق القضية المعقولة مع القضية الخارجية. مع أن الألفاظ موضوعة للدلالة على ما هو في العين، فيستكشف الوجود الرابط في الخارج، وتكون العين مشمولة له أيضا. وفيه أولا: لو كان كلمة الجار مقيدة لذلك الوجود، لما كان وجه لإعادتها بعد إظهاره بالمعنى الاسمي، مع أنه لابد منه بالضرورة. وثانيا: التقسيم المعروف في الكتب العقلية غير صحيح، ضرورة أن المقسم إما الوجود، أو الماهية:


1 - لاحظ ما علقه المؤلف (قدس سره) على الحكمة المتعالية 4: 4 - 7. 2 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 86 ]

فإن كان الوجود، فلا معنى لما يقال في هذا المقام: " بأن العرض هو المعنى المستقل في الذهن وإن كان غير مستقل في العين، قبال المعنى الرابع، وهو ما لا يستقل في الذهن والعين " (1). وإن كان الماهية، فلا معنى لأخذ الوجود في تعريفها. مع أن ماهية الوجود الرابط متصورة، وهي النسبة والربط. ودعوى: أنها ليست ماهية لذلك الوجود، للزوم التطابق بين الماهيات والوجودات، لأنها معتبرة منها، ومتخذة عنها (2)، صحيحة، إلا أن ذلك أيضا منقوض بالعرض، فإن نحو وجوده في نفسه عين كونه لغيره، فهو أيضا ربط بالجوهر وطوره وشأنه، فكيف تكون له الماهية المستقلة في الذهن واللحاظ ؟ ! وتوهم كون المقسم هو الموجود (3) باطل، لأنه وإن كان واحدا في العين، إلا أن في مقام التعريف يحلله العقل إلى شئ وشئ، وإلا يلزم من أخذ الماهية في تفسيره زيادة الحد على المحدود، وهو هنا غير مغتفر، كما لا يخفى. وثالثا: الموجود بجميع معانيه ربط صرف بعلته، على ما صرح به الأصحاب (4)، حتى قالوا: " ليس هو شيئا له الربط، للزوم الاستقلال الذاتي " (5) فعليه كيف يعقل الوجود الجوهري بعد كون الجواهر متدليات الى الرب، ونفس الروابط إلى العلة ؟ ! والعجب من الحكيم السبزواري، حيث أجاب: " بأنها بالنسبة إلى العلة تكون


1 - نهاية الدراية 1: 51 - 52 و 59، لاحظ مناهج الوصول 1: 69. 2 - مناهج الوصول 1: 69، محاضرات في اصول الفقه 1: 69 و 72. 3 - المشارح والمطارحات (مجموعة مصنفات شيخ الإشراق) 1: 212 - 213، الحكمة المتعالية 1: 85. 4 - الحكمة المتعالية 1: 329 - 330، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 62 - 63. 5 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 27. (*)

[ 87 ]

كذلك، وأما بالنظر إلى أنفسها فيصح التقسيم " (1) ! ! وأنت خبير: بأنه اعتراف باعتبارية المسائل العقلية، وحاشاه من ذلك. والذي هو الحق في المسألة: أن الموجودات جميعا روابط، إلا أن بعضا منها ربط بالعلة ربطا صدوريا، وبعضا منها ربط بالعلة ربطا حلوليا، فما كان من الأول فهو الجوهر، وما كان من الثاني فهو العرض. وأما مسألة مشمولية العين للوجود الرابط، فهي ممنوعة، بل الماهية العرضية منتسبة إلى الجوهر بوجودها الذي هو عين كونها للغير، ويكون من أطواره وتبعاته، وإلا فلا يعقل الحمل المقتضي للهوهوية، فمفهوم البياض أجنبي عن الجوهر، ولكن وجوده ربط بعلته، وهو الجوهر. بل الوجود الواحد ينسب إلى الجوهر في لحاظ، وإلى العرض في آخر، كما صرحوا به في كيفية وجود الجسم التعليمي مع الجسم الطبيعي، واتحادهما في الخارج (2). فعليه، تكون القضية المذكورة حاملة للوجود الجوهري، ولمفهوم العرض، ولوجود العرض المرتبط بالموضوع، ولا ثالث في البين حتى يكون في العين، فالوجود في المحمول عين الوجود الرابط في القضية، وإن اختلفا اعتبارا ولحاظا. الثالث: مفهوم " النسبة والربط والإضافة " وأمثال ذلك، كواشف عن مسميات، فلابد من وجودها، وتكون تلك الألفاظ حاكية عن المعاني الخارجية بالوجدان والضرورة. وفيه أولا: كيف يعقل كون مصاديق المعنى الاسمي معاني حرفية، فهل يعقل


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 62 - 63. 2 - شرح الإشارات 2: 5 - 6، الحكمة المتعالية 5: 22 - 23، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 138 - 139. (*)

[ 88 ]

انتزاع المعنى الجوهري من المصاديق العرضية، أو المعنى العرضي من المصاديق الجوهرية ؟ ! فلا يمكن ذلك بالبرهان، فلابد من طرح الوجدان. وثانيا: جميع المفاهيم الاعتبارية تكون ذات مصداق أو مصاديق تكوينية، ثم بعد ذلك اتخذ العقلاء من تلك المفاهيم الواقعية - التي لها المصاديق الخارجية - المعاني الاعتبارية، لغرض ترتيب الآثار المخصوصة بها في التكوين على المعتبر الذي اعتبر في الخارج. مثلا: الملكية والوضع... وهكذا لهما المصاديق الواقعية، ولكنهم للتوسعة اعتبروا الملكية الاعتبارية والوضع الاعتباري الحاصل بين الألفاظ والمعاني، مع أنه ليس اللفظ موضوعا على المعنى كموضوعية اللبنة على اللبنة، والحجر على الحجر في الأعلام، وقد تعرضنا لذلك المبحث في الكتب الفقهية بتفصيل ومرارا. ومن تلك المفاهيم " الربط والإضافة والنسبة " فإنها معان تكوينية بين العلة والمعلول، ولكن توسعة اعتبرت بين المتباينين لإفادة الحمل، كما مر في بيان " معنى الهوهوية في الوضع " (1) ولكن الذي هو المحكي بها في القضايا الحقيقية ليس إلا وجود العرض، فإنه ربط بالعلة وشأنها وطورها، ومتحد معها، حتى يصح حملها عليه، فلا شئ وراء الجوهر وطوره. بل قد عرفت إنكار وجود العرض إلا بمعنى وجوده في غيره، ولذلك تكون المقولات محمولات على الموضوعات، ولا يعقل الحمل إلا بالاتحاد، فلا واسطة، وإلا يلزم عدم إمكان الحمل، كما لا يخفى. فبالجملة: لو كان المراد من " واقعية المعاني الحرفية والوجودات الربطية " هي وجودات العرض، فيكون مفهوم العرض أمرا مستقلا ذهنيا، ووجوده معنى حرفيا، فلا منع من الالتزام بذلك، وإلا فلا ثالث بالضرورة.


1 - تقدم في الصفحة 59. (*)

[ 89 ]

بل لنا البرهان على امتناعه، وذلك لأن هذا النحو من الوجود لابد له من جاعل، لعدم كونه واجب الوجود، وحيث لا يتعلق به الجعل استقلالا - لأنه الربط بين الشيئين - فهو مجعول الشيئين. ولا يعقل كونه مجعول الكثير مع أنه واحد بالشخص، ولا يكون أحدهما علة، لعدم المعين، ولزوم الترجيح بلا مرجح. فكونه مجعولا بتبع مجعولية الجوهر والعرض، لا يستلزم عدم كونه مجعولا للفاعل الموجب، كما في حرارة النار، فهي مجعولة النار بالضرورة. فما اشتهر: من المقولات السبع النسبية (1)، إن رجع إلى وجود العرض الفاني في الجوهر وجودا فهو، وإلا فلا واقعية لها، بل النفس تخترع من المقايسات معاني كثيرة من غير كونها ذات مصاديق مستقلة، ولا مستتبعة، فلا تخلط. شبهة حول كيفية نيل المعنى الاسمي من الحرفي بقي في المقام شئ وقد أشرنا إليه: وهو كيفية نيل المعنى الاسمي من المصاديق الحرفية، بل كيفية المعنى والمفهوم الجوهري من الموجودات التي هي عين الروابط لعللها ولو كانت روابط صدورية. وهذه الشبهة لا تختص بالمعاني الخاصة، كالنسبة والربط، بل - على ما تقرر (2) - تشترك فيها سائر العناوين الاستقلالية، فيلزم إما كون جميع العناوين حروفا، وبه قيل: يشعر قوله: " من علمني حرفا فقد صيرني عبدا " (3) أي من علمني حرفية العوالم من رأسها إلى قدمها.


1 - الحكمة المتعالية 4: 4، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 137 - 143. 2 - تقدم في الصفحة 86. 3 - عوالي اللآلي 1: 292 وفيه " من تعلمت منه حرفا صرت له عبدا ". (*)

[ 90 ]

أو يلزم كون جميع الحروف أسماء ومعنى جوهريا، ولا ثالث. ولعل تعريفهم للجوهر والعرض بالقضية الشرطية (1)، لإفهام أن ما في الخارج ليس بجوهر، ولا بعرض، ولكنهما لو فرض تحققهما في الأعيان فلا يكونان إلا بالنحو المذكور في القضية. أو لعل المراد من " الخارج " في القضية، الخارج عن ذهن الإنسان، والخارج عن حيطة البارئ عز اسمه، وكلاهما ممتنعان، ولا منع من عقد القضية الشرطية من الممتنعين، كما هو الظاهر البارز، وسيوافيك تمام البحث في الآتي. فذلكة الكلام في المقام: هو أن الموجود في الأعيان، ليس إلا الجوهر وكمالاته التي هي شؤونه وترتبط به، والمفاهيم الجوهرية تنتزع من أصل الوجود، والمفاهيم الكمالية العرضية تنتزع من كمالاته وأطواره، وليست لتلك الكمالات وجودات حيال وجود الموضوعات، وإلا فليست هي كمالات ذلك الوجود. فالإنسان والعالم مختلفان في المفهومية، ومتفقان في المصداق، إلا أن مصداق الإنسان هو أصل الوجود المشترك بين جميع المصاديق والأفراد، ومصداق العالم هو الوجود مع كماله الخاص به الفاني فيه المتحد معه، وإلا فلا يصح الحمل، ولا يكون كمالا له. فالمقولات ليست إلا المحمولات الكاشفات عن أصل الوجود وكماله. وإليه يشير أرسطو المعلم الأول في تفسير المقولة: ب‍ " أنها المتكمم والمتكيف " (2). ولا وجود ثالث وراء الوجود المبدأ لاعتبار الجوهر، وكماله المبدأ لاعتبار


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 136. 2 - لاحظ منطق أرسطو 1: 35، وأيضا الحكمة المتعالية 1: 42، الهامش 3. (*)

[ 91 ]

المفاهيم الاشتقاقية. وليس اختيار الأعيان بيد الاعتبار، حتى يكون هناك وجود ثالث، أو يكون الوجود الذي لا نفسية له في العين، بل هو كونه في نفسه عين كونه لغيره قابلا لأن يكون حيال وجود الموضوع، بل هو مرتبط به، وقائم فيه، مع تسامح في هذه التعابير. فما اشتهر: " من أن الفرق بين المشتقات والمبادئ بالاعتبار " (1) خال عن التحصيل. وأما كيفية اعتبار مفهوم العرض والكم والكيف، فهي تأتي في الآتي حول البحث عن عموم الموضوع له في الحروف وخصوصه (2)، فانتظر. الجهة الثالثة: في بيان حقيقة المعاني الحرفية بعد الاطلاع على ما أسمعناك، تقدر على تعريف المعاني الحرفية، ونيل تلك الحقيقة، وأنها هي الخصوصيات الكمالية القائمة بالمعاني الجوهرية، المورثة لتحدد ذلك المعنى، وخروجه من الإطلاق والاشتراك إلى التقييد والتفرد. مثلا: في المثال المعروف " سرت من البصرة إلى الكوفة " يكون معنى السير بحسب المفهوم الاسمي مطلقا، إلا أنه بعدما تحقق في الخارج يكون مشوبا بالخصوصيات المختلفة، من صدوره من الفاعل، وكون مبدئه البصرة، ومختمه الكوفة، وتلك الخصوصيات خارجة عن مفهوم السير، وقائمة بوجوده المرتبط بالوجود الفاعلي، ويكون ما في الخارج المتحرك المتخصص بخصوصيات جزئية، نحو وجودها الخارجية والمتحقق في العين.


1 - كفاية الاصول: 74، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 116 - 118، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 175. 2 - تأتي في الصفحة 104 - 105. (*)

[ 92 ]

وتلك المعاني محكية بالألفاظ، إلا أن معنى أصل السير والفاعل والكوفة والبصرة، محكية بالمفاهيم الاسمية، والخصوصيات الجزئية الملتحقة بتلك المسميات الاسمية معان حرفية محكية بالهيئة وكلمة " إلى " و " من ". فتكون المسميات في الحروف، الحدود الطارئة والملتحقة بالمسميات في الأسماء، وتحكي الحروف عن الخصوصيات اللاحقة بالطبائع، ولا تحكي عنها نفسها، لأن الموضوع له فيها نفس الطبائع اللابشرط. فما اشتهر: " من أن المعاني الحرفية هي الوجودات الرابطة، حيال الوجودات الجوهرية والعرضية " (1) فاسد وباطل عاطل. وتوهم: أن المعاني الحرفية لا واقعية لها (2) من الأمر البين فساده، بل قد عرفت: أن جميع المعنونات معان حرفية، فالمعاني الحرفية في اصطلاح الفيلسوف، تشمل الجواهر الأعلين والأدنين، حسب ما برهن عليه كما اشير إليه (3)، وحسب ما اصطلح عليه الادباء وعلماء اللغة، هي ما عرفت في طي كلماتهم السابقة (4)، واشير إليه آنفا. ثم إن المعاني الحرفية بعدما كانت واقعية من غير دخالة لحاظ اللاحظ فيها، لا تكون ذهنية. فما قد يقال: " بأن المعاني الحرفية روابط ذهنية بين الجمل، خبرية كانت، أو إنشائية، وتوجد في النفس، ولا واقعية لها " (5) في غاية الوهن والسخافة، وذلك لأن تلك الخصوصيات الوجودية، طارئة على الطبائع الكلية، ومورثة


1 - الحكمة المتعالية 1: 78 - 82، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 61 - 62، نهاية الدراية 1: 51 - 54. 2 - أجود التقريرات 1: 20. 3 - تقدم في الصفحة 86 - 87. 4 - تقدم في الصفحة 82 - 83. 5 - أجود التقريرات 1: 18. (*)

[ 93 ]

لشخصيتها، أو من أمارات التشخص، ولا تكون تلك الأمارات إلا جزئية بجزئية الوجود، وإلا فليست أمارة، بل تكون مباينة مع ذي الأمارة قهرا وطبعا. هذا مع أن لنا الاستغناء عن الحروف، بوضع الأسماء لتلك الطبائع على نعت التقييد بالخصوصيات الطارئة عليها في العين والخارج، فيقوم مقام " سرت من البصرة إلى الكوفة " " سافرت إلى الكوفة " بأن تكون كلمة " سافر " موضوعة من أول الأمر للسير من البصرة، فعندئذ يتخير المتكلم في أداء ما وقع في الخارج بين الجملتين، كما هو الظاهر. ولتلك الجهة وضعت للناقة ألف لغة، وما هذا إلا لحاظ الخصوصيات التي لا نفسية لها في العين، بل تكون وجوداتها عين وجودها لغيرها، على وجه عرفت تفصيله. فعلم مما مر: أن المعاني الحرفية امور واقعية عينية، كالمعاني الاسمية. نعم، كما تكون من المعاني الاسمية ماهي اعتبارية، كذلك من المعاني الحرفية ماهي اعتبارية. وكما مر: أن المعاني الاعتبارية الاسمية، متخذة من المعاني التكوينية الاسمية، وليست هي معاني اختراعية (1)، كذلك المعاني الحرفية الاعتبارية - مثل ما يعتبر به النداء والقسم، وأمثالهما من التمني والترجي - متخذة من المعاني الحرفية الواقعية التكوينية، فإن ما هو النداء بالحمل الشائع، ليس إلا خصوصية قائمة بالحقيقة الجوهرية، وتكون من كمالاتها. وهكذا التمني والترجي من النفوس القدسية، فإنهما منهما مستلزمة لحصول المعنى منها، وصدوره عنها، ومن غيرهم لا تكون إلا اعتبار ذلك المعنى، فلا تخلط.


1 - تقدم في الصفحة 88. (*)

[ 94 ]

ومن جميع ما اشير إليه تبين: أن المعاني الحرفية والاسمية مختلفة بالتجوهر، وبينهما الخلاف والافتراق في الواقع ونفس الأمر، وتكون المعاني الاسمية من قبيل الماهيات المختلفة في الوعاء، والمعاني الحرفية من قبيل الوجودات الجزئية غير المتبدلة بحسب الأوعية، فما كان نفس حقيقته، الخارجية لا يأتي في الذهن، وما هو حقيقته، الذهنية والمعقولية لا يأتي في الخارج. فما يظهر من صاحبي " الكفاية " و " الدرر ": من أن المعاني الحرفية والاسمية سيان، حسب المعنى والمفهوم، ومختلفان حسب لحاظ الواضع، كما في " الكفاية " (1) أو حسب الحاجة في التحقق إلى الامور الاخر، كما في " الدرر " (2) لا يرجع إلى محصل، ضرورة أن الخصوصيات اللاحقة بالمعاني الاسمية، امور غير مرتبطة بعالم الوضع واللحاظ، والاحتياج إلى الامور الاخر في التحقق، مشترك بين المعاني الاسمية والحرفية، فتكون الاسمية حرفية، لعدم الميز بينهما حسب ما يتراءى منه، فراجع. وتبين أن المعاني الحرفية خارجية جزئية، لا ذهنية. ولو قيل: فكيف يصح قولنا: " ابتداء سيري البصرة، وانتهاؤه الكوفة " فلو كانت هي المعاني الخارجية الحرفية، فكيف تكون محكية بالعناوين الإسمية ؟ ! قلنا أولا: قد أشرنا إلى ذلك، بأنه دليل على أن الحروف مما ليس واجبا استعمالها في إفادة المعاني المقصودة، فلا تكون هي المعاني الذهنية المخلوقة في النفس لانسجام الكلام. وثانيا: سيظهر لك أن المفاهيم الاختراعية المأخوذة من الامور الخارجية،


1 - كفاية الاصول: 26 - 27. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 37 - 38. (*)

[ 95 ]

ربما تكون مستقلة ذهنا، إلا أن مصاديقها التي هي تلك المفاهيم بالحمل الشائع امور حرفية جزئية (1)، وعند ذلك تنحل هذه المعضلة. وتبين أن المفاهيم الحرفية قد تكون ذهنية، كالكليات المخصوصة بخصوصية التعقل التي بها تكون مصاديق لمفاهيم الأجناس والأنواع والفصول وأمثالها، فخصوصية كون الطبيعي معقولا، كخصوصية كون البصرة مبدأ السير، فكما أن تلك الخصوصية قائمة بها أو بالمتحرك منها، كذلك هي قائمة بتلك الصورة الحاضرة في النفس. وتبين أن المعاني الحرفية قد تكون اعتبارية. فافهم هذه الامور التي تليناها، حتى تكفيك عما في المطولات. ثم إن شئت الضابط للفرق بين المعاني الاسمية والحرفية، والامتياز بينها: فكل شئ تحمل الإشارة الحسية مستقلا في هذه النشأة الكائنة في عمود الزمان، فهو المعنى الاسمي، وكل شئ لا يتحمل تلك الإشارة الحسية، فهو المعنى الحرفي، ويكون من سنخ الوجود الفاني والقائم بالغير، بمعنى أنه في نفسه عين كونه لغيره، وذلك هو وجود الأعراض، لا نفسها. وتوهم: أن ذلك يرجع إلى إنكار المقولات النسبية، في غير محله، ضرورة أن الموجود الخارجي كما ينتزع منه عنوان " المتكيف والمتكمم " ينتزع منه عنوان " المتمتي والمتأين " ويكون التمتي والتأين بمنزلة الكيف والكم. نعم، مقولة الإضافة بمعنى النسبة المتكررة، مما لا أساس لها، وتفصيلها يطلب من " حواشينا على طبيعيات الأسفار " (2) ومن كتابنا الموسوم ب‍ " القواعد


1 - يأتي في الصفحة 100. 2 - لاحظ ما علقه المؤلف (قدس سره) على الحكمة المتعالية 4: 190. (*)

[ 96 ]

الحكمية " (1). إن قلت: كثيرا ما يطلق الحروف ولا تكون لها المحكيات الخارجية بالمعنى المزبور، مثلا يقال: " زيد له الإنسانية " و " الله تعالى له الوجود " أو " إن الوجود لشريكه ممتنع " أو " الجمع بين المتناقضين ممتنع " أو يقال: " لا خارجية للإمكان والوجوب " وأمثال ذلك مما تشهد على أن الحروف آلة الربط بين الجمل، وحيث لاتعدد في وضعها، فيعلم أنها لا واقعية لها إلا الارتباط بين الجمل، كما أفاده صاحب " التقريرات " (رحمه الله) (2). قلت: تنحل هذه الشبهة بعد الغور فيما هو الموضوع له في الحروف، والذي هو محل الكلام في المقام نقضا وحلا: هو أن المعاني على وتيرة واحدة مع قطع النظر عن الألفاظ ووضعها، أو تكون المعاني مختلفة، فإن بعضها مع بعض منها متفاوتة في الحقيقة، ومتباينة في الواقع ونفس الأمر، ولعدم الميز بين المبحثين وقع الخلط في كلمات الأعلام - رضوان الله تعالى عليهم -. فتحصل: أن ما اشتهر: " من أن المعاني الحرفية إيجادية على نعت الكلي " (3) أو " إخطارية وإحضارية على نعت الكلي " (4) غير تام، بل هي متفاوتة، لأن منها: ما لها الواقعية في الأعيان، ومنها: ما لها الواقعية الاعتبارية وإن كانت متخذة من الواقعية، إلا أنها فعلا تكون اعتبارية. ومثلها الأسماء، فإنها إخطارية وإيجادية بالمعنى المشار إليه، فليتدبر. فما


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - أجود التقريرات 1: 18. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 42. 4 - نهاية الأفكار 1: 47. (*)

[ 97 ]

اشتهر: " من أن المعاني في الأسماء كلها إخطارية " (1) أيضا غير تام، وكأنه الأمر المفروغ عنه في كتبهم. نعم، يمكن دعوى: أن جميع المعاني الاسمية والحرفية إحضارية، لأن المعتبرات الاسمية - كالملكية والرقية والحرية وغيرها - من المفاهيم النفس الأمرية، كما ذكرناه سابقا (2)، ثم المعتبرين من باب الاتساع للأغراض العقلائية، اعتبروا تحقق ذلك المفهوم الاسمي السابق في الوجود، عقيب الإنشاءات، فيكون من باب تطبيق المعنى الكلي على المورد الجزئي، لا من باب الإيجاد، أي المعتبر عند العقلاء هو المعنى الكلي على نعت القضية الشرطية، أي عند تحقق البيع يعتبر الملكية، ثم بعدما تحقق السبب يترتب المسبب، من باب تحقق صغرى تلك القضية الكلية المعتبرة، فلا يعتبر في كل معاملة باعتبار خاص الملكية والرقية والزوجية وأمثالها. فعليه تكون الأسماء كلها إخطارية، وبتلك المثابة تكون المعاني الحرفية أيضا كذلك. فبالجملة: ما أفاده صاحب " الحاشية " من التفصيل بين الحروف (3)، إن يرجع إلى أن إيجادية حروف التأكيد والقسم والتمني والنداء والتشبيه وأمثالها، بمعنى صيرورة ما هو ليس إلى الأيس، فهو غلط. وإن اريد تحقق هذه المعاني بعد تحقق موضوعاتها وأسبابها في عالم الاعتبار، فالحروف كالأسماء، فتكون المعاني الاسمية كذلك، فلا تخلط. فتحصل: أن المراد من " إيجادية المعاني الحرفية " ليس إلا اعتباريتها،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 37، نهاية الأفكار 1: 47. 2 - تقدم في الصفحة 88. 3 - هداية المسترشدين: 23 / السطر 1 - 8. (*)

[ 98 ]

والمقصود من " اعتباريتها " ليس أنها توجد بالحروف، كما هو الظاهر من القائلين بها (1) حتى الوالد المحقق - مد ظله - المفصل بين معانيها (2)، بل الحروف موضوعات، وتلك المعاني من قبيل أحكامها، أو أنها أسباب، وتلك المعاني مسبباتها، كما في أسباب العقود والإيقاعات، فإنه لا يعتبر عقيب كل سبب سبب اعتبار جزئي متعلق به، بل القضية المعتبرة كلية، ثم بعدما تحقق السبب أو موضوعها يترتب المسبب والحكم قهرا، كما عرفت آنفا. وبذلك تنحل الشبهة في الاستعمال الإيجادي، ضرورة أن صحة الاستعمال موقوفة على وجود المستعمل فيه في المرتبة السابقة، فكيف يعقل تأخره عن الاستعمال وحدوثه به ؟ ! وإن شئت قلت: إن الاستعمال في الإخطاريات، هو إفناء اللفظ في المعنى، أو هو الاستثمار من العلق الموجودة بين الألفاظ والمعاني، أو هو تنجيز الوضع، وفي الحروف هو إيجاد العلامة، فإنها علامات على المعاني، وهكذا في جميع الإيجاديات، فتأمل. الجهة الرابعة: في وضع الحروف ظاهر القوم ابتناء المسألة على التحقيق في المعاني الحرفية، فإن كانت معاني كلية كالاسمية، فالموضوع له فيها عام، وإلا فهو خاص (3). والذي هو الحق: أن المعاني الحرفية من أنحاء الوجودات، ولا تكون إلا


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 37 و 42. 2 - مناهج الوصول 1: 77. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 33، نهاية الأفكار 1: 38، نهاية الاصول: 18. (*)

[ 99 ]

جزئية خارجية، وسيتضح لك حال الوضع في أمثال حروف التمني والترجي والنداء وأمثالها (1)، ومع ذلك يكون الموضوع له فيها عاما. وهذا لا لما ذهب إليه صاحب " المقالات ": من امتناع الوضع العام (2) كما أشرنا إليه، بل لو سلمنا إمكان الوضع عاما، والموضوع له خاصا، لكان المتعين في الحروف عموم الموضوع له، وقد عرفت: أنه لا وجه لدعوى عموم الوضع (3) بعدما عرفت إمكان ذلك، أي خصوصه (4)، فعليه يكون التحقيق عموم الموضوع له، لا الوضع. بل كما يمكن عمومه يمكن خصوصه. بيان ذلك: أنك قد عرفت أن ما هو في العين، ليس إلا الوجود جعلا وتحققا، والماهيات الجوهرية والعرضية هي العناوين المخترعة من الخارج بالملاحظات بين الموجودات، وما هو في الخارج جعلا ليس إلا الوجود المعلولي الذي هو الربط بالعلة (5)، وأي ربط أعظم من ربط المعلول بعلته ؟ ! فإنه أشد من ربط المقبول بقابله، والعرض بموضوعه، أو ربط القابل بمقبوله، كما في الهيولى والصورة، فعليه كيف يعقل أخذ المفاهيم الاسمية من الوجودات الرابطة، بل التي هي نفس الربط ؟ ! فإذا أمكن ذلك، فهذا يقتضي إمكانه في المعاني الحرفية بالمعنى الأخص. والذي هو السر في ذلك: أن النفس الإنسانية، قادرة على أخذ المعاني الكلية بالملاحظات اللازمة بين الامور الخارجية، فإذا لاحظت أن الوجودات المعلولية الصادرة - المربوطة بالعلة ربطا صدوريا - هي لا تكون قائمة إلا بالعلة، فمع قطع


1 - يأتي في الصفحة 106. 2 - مقالات الاصول 1: 72 - 79. 3 - تقدم في الصفحة 78 - 79. 4 - تقدم في الصفحة 69 - 71. 5 - تقدم في الصفحة 86 - 87. (*)

[ 100 ]

النظر عن القيام بها وإن كان هو ليس شيئا في نفس الأمر، ولكنه لا يقتضي قصور النفس عن هذا اللحاظ، فتشاهد اشتراك المعاليل - بنحو الكلي - في ربطها بالعلة، إلا أن منها ماهي الربط بها بلا وسط، أو مع الوسط، بلا أن يكون قائما بها قياما حلوليا، فعندئذ ترى الفرق بين أنحاء الوجودات: فمنها: ما هو الواجب عز اسمه. ومنها: ما هو وجود الجواهر. ومنها: ما هو وجود الأعراض. فمفاهيم الجواهر مفاهيم مأخوذة من تلك الوجودات، ومصاديقها النفس الأمرية ليست إلا الحروف والربطيات الصرفة، ونفس تلك الوجودات القائمات بالعلل صدورا. ومن هذا القبيل المفاهيم في المعاني الحرفية، التي هي الروابط لتلك الموضوعات المربوطة بذاتها، الحالة فيها، والقائمة بها قياما حلوليا، فإن تلك المفاهيم وإن تكن كلية واسمية، إلا أن مصاديقها النفس الأمرية، ليست إلا الروابط المخصصة الفانيات في محالها، فكما للعقل أخذ معنى الجوهر من تلك الوجودات، له أخذ مفهوم الابتداء والانتهاء والظرفية والملكية والغاية والاستثناء وغير ذلك من هذه الوجودات، وكما لا تكون مصاديق تلك المفاهيم إلا الربطيات الصرفة، كذلك مصاديق هذه المفاهيم. فلاينبغي الخلط بين مقام الواقع والتكوين، ومقام الوضع واللغات، فما هو الموضوع له أمر، وما هو مصداقه أمر آخر. وتحت هذا سر جواز استعمال تلك المفاهيم الكلية مقام الحروف، فيصح أن يقال: " مبدأ سيري البصرة، ومنتهاه الكوفة " كما يصح جعل لفظة حذاء المعنى المركب، وهو " السير من البصرة " مثلا، أو " الوصول الى الكوفة " وهكذا، فإنه عندئذ

[ 101 ]

يستغنى عن تلك الأدوات، وما هذا إلا لأجل أن ما هو الرابط هي تلك المعاني، سواء القيت بالحروف، أو الأسماء. وتوهم: أن هذا من التوسل إلى الهيئات، ويكون الموضوع له فيها خاصا، فاسد كما سيتضح لك (1). مع أنه لو سلمناه هناك لا يلزم الأمر هنا، لما نجد أن الربط المخصوص بين السير والبصرة، يمكن حكايته بتلك المفاهيم المتخذة من تلك الوجودات. نعم، قد يشكل ذلك بلزوم الاستعمال المجازي دائما، لأن ما هو الموضوع له غير ما هو المستعمل فيه. ولكنه مندفع: بأن ما هو الموضوع له هو الابتداء، وليس الابتداء ابتداء إلا بالوجود، وإذا كان هو في الخارج معنى ربطيا، فما هو المستعمل فيه والموضوع له واحد، إلا أن الاختلاف بحسب الموطن، كاختلاف مفاهيم الجواهر ومصاديقها. وتوهم: أن العناوين الذهنية على قسمين: أحدهما: ما هي الماهيات الأصيلة التي ظرف تحققها الذهن والخارج معا. ثانيهما: ما هي العناوين للمعنونات الخارجية، وتكون من قبيل خارج المحمول. فما كانت كذلك فهي لا خارجية لها إلا بخارجية مبدأ انتزاعها، كالوجود مفهوما ومصداقا، ومعاني الابتداء والانتهاء والظرفية والملكية - وغير ذلك من المتخذات العقلية - كلها ليست خارجية، بل تكون عناوين لما هو الخارج، فلابد من خصوص الموضوع له، بل - في اصطلاحنا - من جزئية الموضوع له، للزوم كونه الوجودات، وهي تساوق الجزئية (2).


1 - يأتي في الصفحة 119 - 121. 2 - نهاية الدراية 1: 53. (*)

[ 102 ]

في غير محله، ضرورة أنه لو لم يكن حيثية الابتداء خارجية، لما كانت الحكاية عنها بعنوانها الاسمي - كقولنا: " مبدأ سيري البصرة " - صحيحة، مع أن الوجدان قاض بصحة ذلك، ولا يكون من الاستعمال المجازي، فيعلم منه أن ما هو في الخارج وإن لا يأتي في النفس وبالعكس، إلا أن مثابته مثابة الجوهر والعرض، فإن ما هو في الذهن عرض قائم حال بالنفس، جوهر في الخارج، من غير لزوم كون الجوهر والعرض معنى واحدا، فافهم وتدبر. فذلكة المرام ونهاية الفكر في المقام هو السؤال من الأعلام عن مسألة كيفية أخذ النفس المفاهيم الاسمية من المعاني الحرفية، مع التباين والتفارق الجوهري بينهما، فكيف يؤخذ عنوان المعاني الحرفية من الروابط الخارجية التي نفس حقيقتها خارجية، مع أن العنوان المشار إليه مفهوم اسمي ؟ فهل هذا يشهد على عدم الفرق بين تلك المعاني إلا حسب الأوطان، فلا يكون الفرق جوهريا، أو يشهد على أن تلك المفاهيم حرفية ؟ أو كيف تكون تلك المفاهيم حاكية عن المباينات، فكيف يمكن الوضع العام والموضوع له الخاص ؟ ! لأنه لا يعقل ذلك إلا بمرآتية العنوان الجامع الكاشف والحاكي عن مصاديقه، عرضية كانت، أو ذاتية، فعليه لابد من تفويض الأمر إلى الملك العلام. أو يقال بعد ذلك: بأن المعاني الحرفية في الأعيان تباين المعاني الاسمية فيها، ولا شبهة في أن الخارج مشغول بمعنيين: معنى اسمي ومعنى مرتبط واندكاكي، ولكنه كما تكون الطبيعة الواحدة، مختلفة الحكم بالجوهرية والعرضية في الخارج والذهن، هنا الأمر نظيره، ضرورة أن ما هو في الخارج وإن كان معنى اندكاكيا وربطيا، ولكن النفس القادرة على التجزئة والتحليل، وعلى أنحاء

[ 103 ]

اللحاظات بالنسبة إلى الامور المختلفة على الوجه الصحيح، لها لحاظ مفهوم الربط. وإن شئت قلت: مفهوم الربط والنسبة مأخوذ من الارتباطات المتعارفة العرفية، وهكذا غيره من المفاهيم، فإن كل مفهوم لابد له من مأخذ صحيح، ثم استعمل تلك المفاهيم في المواقف الاخر، للتوسل إلى الأغراض والمقاصد الصحيحة، فعليه يكون أخذ المفاهيم الاسمية من المعاني الاسمية، إلا أن للمناسبات الخاصة تطلق لانتقال النفس إلى ما هو غرض المتكلم، وهذا كاف في السببية لنقل الإنسان إلى مقصده. ولكنه ليس موجبا للقول: بأن الموضوع له خاص، بل هذا يورث كون الابتداء أيضا من تلك المفاهيم، وهو ممنوع، ضرورة أنه لا يؤخذ إلا من المعنى الحرفي، لعدم إمكان تعقل المصداق الاسمي له، كما هو الظاهر. فعليه لابد من حل المعضلة، وهو لا يمكن بالتوسل بذيل الوضع العام والموضوع له الخاص كما عرفت (1)، مع امتناعه في ذاته. فيعلم منه: أن ما هو الموضوع له هو أمر كلي ذهني، لو كان في الخارج يكون جزئيا حرفيا، فكما أن ما هو في الذهن عرض وكلي، وإذا وجد في الخارج يكون جوهرا جزئيا، كذلك مفهوم الابتداء والانتهاء والظرفية وغيرها. وكما يكون الموضوع له في الجواهر معنى جوهريا، لا عرضا ذهنيا، كذلك الموضوع له هنا معنى اسمي وإن هو في الخارج معنى حرفي. وكما أن الموضوع له في الجواهر عام، كذلك هنا عام، فليتدبر جدا. إن قلت: بناء على هذا يكون الموضوع له فيها الجزئي، لأنه الوجود، دون المفاهيم، ودون المصاديق الذاتية لها المقترنة بالخصوصيات الزائدة على ذات الموضوع له، كما في أسماء الإشارة، ودون الموضوع له الكلي، كما في أعلام


1 - تقدم في الصفحة 99. (*)

[ 104 ]

الأشخاص. قلت: نعم، وهذا هو الحق الصرف، ولكنه فرق بين كون الموضوع له بالوضع الإنشائي في الحمل الأولي، والموضوع له بالحمل الشائع، فما هو الموضوع له بالذات هو العام والعنوان، إلا أن هذه العناوين ليست أنفسها حقيقة إلا بالمصداق والوجود. وقد عرفت: أن العناوين الذهنية بين ما تكون معتبرة في الخارج والذهن حقيقة وبنفسها، كالماهيات والطبائع، وبين ما هو المتحد في القضية مع الموضوع خارجا، وإن كان الخارج ظرفا له بالعرض، لا بالحقيقة، ولكنه هو في الخارج بمناشئ اعتباره واتخاذه (1)، ولو كان بين مفهوم الوجود والوجود تباينا بالخارجية والذهنية، لما صح الحمل، وهكذا بين حيثية الابتداء التي هي الوجود الرابط، وبين الابتداء، لما صح الحمل، ولما صح الاستفادة من مشتقات الابتداء مقام كلمة " من ". إن قيل: مصاديق الحروف على ما تقرر (2)، هي الوجودات الكامنة في الموضوعات، المورثة لاعتبار العناوين الاشتقاقية الكمالية منها، فمن أين جاء مفهوم الكيف والكم ؟ ! قلنا: لا يلزم اتخاذ جميع المفاهيم من الخارج، حتى يكون بحذائه في الخارج حيثية تمتاز عن سائر الحيثيات، ولذلك يصح الحكم على الممتنعات الخارجية، مع أنه لا واقعية لها فيها، فمن أين جاء تلك المفاهيم ؟ ! فكما أن مفهوم " شريك الباري " متخذ من " الشركة " و " الباري " في العقل، ومفهوم اجتماع الضدين والنقيضين من البسائط التصورية، كذلك مفهوم الكيف والكم، يتخذان من المتكمم والمتكيف بعدما صح التحليل، وإلا فلا حذاء في الخارج للكيف، للزوم كون ما في


1 - تقدم في الصفحة 101. 2 - تقدم في الصفحة 91 - 92 و 100. (*)

[ 105 ]

الخارج وجودا تابعا للحاظنا، وهو واضح المنع. وما اشتهر: " من أن الفرق بين المبدأ والمشتق اعتباري، ويكون الأول بشرط لا، والثاني لا بشرط " (1) مما لا أساس له، والتفصيل في مقام آخر (2). فبالجملة: المفاهيم المتخذة من أنحاء الوجودات الخارجية التي تكون لها خارجات المحمول، وتحمل عليها بالحمل الشائع، ربما يشكل كيفية نيل النفس لها. وقد يقال: بأنه من أصعب الامور تناولا، لأن ما لا إحاطة به للنفس، كيف يتمكن من اعتبار أمر منها ؟ ! فعليه يمكن دعوى أن مبدأ اعتبار الوجود ملاحظة الوجودات الذهنية، وفقدانها لأمر، ووجد انها لأمر آخر، وعندئذ يعتبر مفهوم العدم والوجود. وقد خرجنا عما هو محط النظر في المقام، فليعذرني الإخوان، لأنه من مزال الأقدام. وبذلك الذي أسمعناك وأسلفناك، تقدر على حل شبهة: وهي ما عرفت من استعمال الأدوات في الماديات والمجردات، مع عدم خصوصية حرفية قائمة بتلك الموجودات المجردة البسيطة، خصوصا المبدأ الأعلى. وذلك لأن معنى " الابتداء " و " الانتهاء " و " الظرفية " وأمثال ذلك، بين ما هو الواقع في نفس الأمر، كما في قولنا: " زيد في الدار " وقولنا: " سرت من البصرة إلى الكوفة " وتكون الحروف - كالأسماء - ذات مداليل خارجية بالضرورة والوجدان، وبين ما هو الملحق به ادعاء، وفي التشبيه والتنظير، وأمثال ذلك من التلاعبات المتعارفة في أنحاء الاستعمالات. ففي قولنا: " زيد في الخارج " أو قولنا: " الوجود من الله تعالى نازل إلى الهيولى " وهكذا، فإنه ليس في " زيد " معنى حرفي كحرفية الابتداء والظرفية في


1 - كفاية الاصول: 75، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 116 - 118. 2 - لاحظ ما يأتي في الصفحة 374 - 379. (*)

[ 106 ]

المثال الأول، إلا أنه من باب الادعاء والاتساع، لا الحقيقة، وهكذا الابتداء والانتهاء في المثال الثاني، فإنه من باب توهم المبدئية الحرفية، وإلا فهو تعالى حقيقة المبدئية لسائر الموجودات، إلا أنه ليس خصوصية قائمة به تعالى، بخلاف التحرك من البصرة. ولعدم نيل هذا قيل: " بأن المعاني الحرفية من عالم المفهوم، وتكون المعاني الحرفية تضييق المعاني الاسمية " (1) ظنا أنه بذلك تنحل هذه الشبهة، غفلة عن أن المعاني الحرفية الخارجية، من المبرهنات العقلية والمرتكزات الوجدانية. فبالجملة: ما ترى في كتب الأدب من قولهم: " بأن كلمة من للابتداء، وكلمة إلى للانتهاء، وكلمة في للظرفية، وكلمة على للاستعلاء " وهكذا، هو بظاهره موافق لافق التحقيق، وحقيق بالتصديق. هذا تمام الكلام في الحروف الحاكية. التحقيق في الحروف الإيجادية وأما حروف النداء وغيرها مما يضاهيها في دخولها على الجمل التصديقية، فهي ليست موضوعة لمعنى ذهني، ولا لحقيقة خارجية، بل هي الأسباب الموضوعة لاعتبار المعاني الخارجية المترتبة على الأسباب التكوينية، وتكون موضوعات لاعتبارها في الخارج، وقد عرفت توضيحه (2). وإجماله: هو أن التمني والترجي والنداء، مصاديق خارجية عينية، كالمعاني الاسمية، ومعان اعتبارية، ولكن الأسماء موضوعة للمعاني الاسمية، والحروف موضوعة لاعتبار تلك المعتبرات عقيبها، فلا دلالة لها إلا من قبيل دلالة الأعلام على الفراسخ، فإنها دلالة لا بالوضع المتعارف في اللغات، بل هي من قبيل الانتقال


1 - أجود التقريرات 1: 18، التعليقة 1، محاضرات في اصول الفقه 1: 75 - 79. 2 - تقدم في الصفحة 93 - 94. (*)

[ 107 ]

من الضد إلى الضد، فإنه ليس " الأسود " موضوعا للأبيض، مع دلالته وسببيته للانتقال، وهذه الحروف - على ما يحللها الوجدان - ليست إلا عناوين، وليست لها الحكاية عن شئ، ولا إيجاد الشئ بل الأمر الكلي المعتبر عند العقلاء - على ما عرفت (1) - ينطبق بإلقاء هذه الأدوات. وإن شئت قلت: إن لجميع هذه المعاني الاسمية، محكيات خارجية وحيثيات في نفس الأمر شاغلة للعين، ومعاني اعتبارية اخذت منها واعتبرت: فما كان من قبيل الأول، تكون تلك الحروف بالنسبة إليها حاكيات. وما كان من قبيل الثاني، تكون الحروف بالنسبة إليها موجدات، بمعنى أن تلك المعاني - على نعت الكلي - اعتبرت عقيبها، من غير استعمالها فيها، بل هو أمر آخر، وهو الإلقاء قبال الاستعمال. وسيتضح لك حقيقة الإلقاء والاستعمال في الامور الآتية إن شاء الله تعالى (2). فما قيل: " من أن الحروف كلها حاكيات " (3) أو " كلها موجدات " (4) أو " بعضا منها حاكيات، وبعضها موجدات " (5) كله الغفلة والذهول، بل الحروف كلها حاكيات، فيما كانت المعاني المستعمل فيها معانيها الأولية والواقعية، وكلها موجدات، فيما كانت المعاني المستعمل فيها اعتبارية، كاعتبار الابتداء في المبدأ الأعلى، أو في الزمان، واعتبار المظروفية له تعالى وهكذا، فلا تخلط. فما قد يتوهم: من أن صحة استعمال الأدوات في المجردات والبسائط الخارجية - كقولنا: " من يوم السبت إلى الخميس " أو " من العشرة إلى العشرين " -


1 - تقدم في الصفحة 87 - 88. 2 - يأتي في الصفحة 151. 3 - نهاية الأفكار 1: 47 - 51. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 42، أجود التقريرات 1: 18. 5 - هداية المسترشدين: 23 / السطر 1، مناهج الوصول 1: 72. (*)

[ 108 ]

دليل على أن المعاني الحرفية ليست إلا واقعيات في عالم المفهوم (1)، فاسد جدا، لما اشير إليه. ولو كان الإطلاق والاستعمال دليلا عليه، لكان يلزم من صحة استعمال قضية " البصرة موجودة " عدم أصالة الوجود، ويستلزم كون الوجود في المفاهيم الذهنية، ضرورة عدم الوجود المخصوص بالبصرة، لأنها من المؤلفات الاعتبارية، فلاينبغي الخلط بين الحقائق والاعتباريات، وبين الإطلاقات المبنية على الحقيقة الأولية والثانوية. وتوهم لزوم الاشتراك اللفظي بين الحروف المستعملة في المركبات التي تكون المعاني الحرفية قائمة بها، وبين البسائط، أو لزوم المجاز، في غير محله، لأن تلك الأدوات موضوعة للابتداء والانتهاء على الوجه الذي عرفت (2)، من غير أخذ خصوصية المستعمل فيه فيها، من كونه معنى واقعيا، بل هي موضوعة للابتداء، وهو بذاته ذو حيثية خارجية في هذه النشأة وذو حيثية اعتبارية في البسائط، واختلاف المصاديق في الحقيقة، لا يستلزم عدم إمكان الجامع المقصود في باب الوضع والألفاظ. ومما ذكرنا يظهر صحة قول المولى لعبده: " سر من البصرة إلى الكوفة " فإن الابتداء هنا اعتباري، لا واقعي، وإذا تحقق السير فللابتداء مصداق خارجي واقعي، ولذلك يمكن قبل تحققه دعوى أن الحد في العبارة للمحدود، لا للامتثال، ولكنه بعدما تحقق لا يمكن قلبه بالضرورة، فما هو مبدأ السير لا ينقلب عما هو عليه، كما لا يخفى.


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 72 و 77 - 78. 2 - تقدم في الصفحة 105 - 106. (*)

[ 109 ]

تذنيب: هل الألفاظ موضوعة للمعاني العامة ؟ المشهور في بعض العلوم: أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة (1)، مثلا " الكتاب " موضوع لما ينتقش فيه، سواء كان ماديا، أو مجردا، وسواء كان نقشه معقولا، أو محسوسا، أو متخيلا، أو موهوما، وهكذا غيره من الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة، ك‍ " السماء، والأرض، والجنة والنار، والحساب، والميزان، والصراط، والدار، والشجر، والماء، والعسل " وغير ذلك من العناوين الدارجة في المآثير والأخبار المتعلقة لأحكام المجردات، وأحوال المعاد والقيامة، والجنة والنار. ولو كانت الموضوعات لها المعاني الخاصة الملحوظ بلحاظ الواضعين القاصرين، للزم المجازات الكثيرة. وبعدما اتضح من صحة الوضع الخاص والموضوع له العام (2)، فلا منع من الالتزام بذلك. أقول: نعم، إلا أن ما عرفت من إمكانه هو ما إذا صرح الواضع بالعلة، حتى يسري الوضع إلى عموم الموضوع له، وما نحن فيه من العلة المستنبطة، لا المنصوصة. مع أن الوضع متوقف على الإنشاء، وحدود الإنشاء إذا كانت مضيقة فلا يسري إلى المعنى الأعم، ومجرد فرض السؤال عن الواضع لا يكفي لعموم الموضوع له، بل لابد من لحاظ العموم. فدعوى: أن هذه الألفاظ موضوعة للمعاني العامة - كما صرح به الحكيم


1 - أسرار الحكم: 53، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 161. 2 - تقدم في الصفحة 69 - 71. (*)

[ 110 ]

السبزواري (قدس سره) (1) والوالد المحقق - مد ظله - في بعض كتبه في بعض العلوم (2) - مطابقة للذوق، إلا أنها غير موافقة للبرهان. وأما لزوم المجاز والكناية، فهو مما لا بأس به بعد كون المقصود من المجاز هو التلاعب في المعاني، لا الألفاظ، كما سيأتي تفصيله (3)، فلا مانع من إطلاق " الجنات " و " النيران " على ما في الآخرة المشابهة لهما في الأثر، وإن كانت مختلفة بالحقيقة فرضا. الجهة الخامسة: في وضع الهيئات وهي من الامور التي وقعت أنظار المحققين فيها مختلفة، وأنها هل هي مثل الأعلام الشخصية، أو مثل الأسماء الجنسية، أو الموضوع له فيها خاص، والوضع عام ؟ ويتم البحث حولها في ضمن امور: الأمر الأول: حول الوضع النوعي لا شبهة في أن الهيئة في الجوامد، تابعة لمادتها في الوضع خصوصا وعموما، جزئيا وكليا. وأما هي في المشتقات فالمشهور على أن الوضع فيها نوعي، وليس بشخصي (4)، وهذا تقسيم آخر للوضع بعد تقسيمه إلى التعييني والتعيني. والمراد من " الوضع النوعي " هو أن هيئة " فاعل " موضوعة بالوضع النوعي


1 - شرح الأسماء الحسنى: 428، أسرار الحكم: 53. 2 - لاحظ مصباح الهداية: 39 و 50. 3 - يأتي في الصفحة 146 - 147. 4 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي 1: 48 / السطر 32، كفاية الاصول: 33، منتهى الاصول 1: 37 - 38. (*)

[ 111 ]

لمطلق من يصدر عنه الفعل، وليست مخصوصة بتلك المادة وهي مادة " فعل " وبهذا المعنى يكون وضع المادة في المشتقات مثلها في النوعية. نعم، يبقى الإشكال في أنه من الوضع الخاص والموضوع له العام الذي أصر القوم على امتناعه (1)، ضرورة أن الهيئة غير قابلة للتعقل إلا بالمادة وبالعكس، فما هو متعلق اللحاظ أمر خاص، وهي كلمة " فاعل " والتفكيك لا يمكن إلا بذكر العلة بعد ذلك، وإلا يلزم استقلال الهيئة في التصور. أو بذكر كلمة " هيئة فاعل " حتى يسري الوضع إلى سائر المواد، فيكون المادة مغفولا عنها، إلا أن الغفلة ليست دائمية، فلو لم يتمكن الواضع من الغفلة يلزم - على المشهور - امتناع إسراء الوضع إلى مطلق المادة، كما يلزم امتناعه بالنسبة إلى سائر الهيئات الطارئة على المادة الموضوعة لطبيعة من الطبائع في ضمن هيئة من الهيئات، مع أن الأمر ليس كذلك، فيعلم أن الوضع خاص. وأما أن الموضوع له عام، أو خاص، أو جزئي، فهو يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). الأمر الثاني: في أنحاء الهيئات المستعملة في الكلام الهيئات المستعملة في الكلام مختلفة: فمنها: الهيئة في الجملة الخبرية. ومنها: المستعملة في الإنشائية. ومنها: المستعملة تامة. ومنها: الناقصة.


1 - كفاية الاصول: 24، نهاية الاصول: 18. 2 - يأتي في الصفحة 116 - 123. (*)

[ 112 ]

ومنها: المستعملة في الجمل الاسمية. ومنها: في الجمل الفعلية. ومنها: الخبرية المستعملة في الإنشاء. ومنها: غير ذلك. فهل لتلك الهيئات المختلفة وضع خاص، أم يكفي الوضع في المفردات عن الوضع في المركبات ؟ لا شبهة في عدمه. نعم، قد يتوهم الاستثناء في خصوص الجمل الفعلية، أو في مطلق الجمل، بدعوى أن الفعل والهيئة إذا كان موضوعين، وكان الجامد موضوعا، فلا حاجة بعده إلى الوضع الرابع لهيئة الجملة، فالوضع في الهيئات الناقصة مما يحتاج إليه، دون الهيئات التامة، فإذا قال: " زيد قائم " أو " ضارب " أو " ضرب " فإنه يفهم منه المعنى من دون الحاجة إلى وضعها على حدة (1). ولكنه غير تام، بل لو انعكس الأمر فهو الأولى بأن يجعل الواضع بوضع الجملة وضع سائر المواد والمفردات، فإذا قال: " هيئة زيد قائم لكذا " فلا معنى للاحتياج إلى وضع الهيئة الناقصة، بخلاف ما لو وضع الهيئة الناقصة، فإنها لا تفيد فائدة يصح السكوت عليها، كما لا يخفى. فتحصل: أن قضية السهولة، هو التوصل إلى وضع مادة المشتقات، وهيئاتها، وهيئات الجمل التامة، والناقصة، على نحو الوضع النوعي بالوجه الذي عرفت. وغير خفي: أن الهيئات التامة قد تكون ذات إفادة خاصة، كما في تقديم الخبر على المبتدأ، والجار والمجرور على الفعل، وهكذا. وأما توهم الوضع الخامس لمطلق الجمل (2)، فهو مما لا معنى له، ولا حاجة


1 - هداية المسترشدين: 35 - 36. 2 - لاحظ نهاية الدراية 1: 76، محاضرات في اصول الفقه 1: 111. (*)

[ 113 ]

إليه، وإن لم يكن محذور فيه عقلا، ولعله يأتي الإشارة إليه من ذي قبل. الأمر الثالث: في أنحاء الجمل الخبرية التامة وأنحاء الجمل الجمل الخبرية التامة على أنحاء: فمنها: ما يكون مفادها الهوهوية، كقولنا: " الإنسان إنسان " أو " حيوان ناطق " أو " ممكن " أو " نوع " أو " إنه تعالى موجود " و " الوجود نور " و " البياض أبيض " مما يكون مفاد الكل واحدا، وهي الهوهوية التي لا زيادة عليها، ولا واسطة بين الموضوع والمحمول حتى تسمى " نسبة ". وما اشتهر: " من أن النسبة موجودة في القضية " (1) فهو في القضايا الاخر، دونها. نعم، النسبة الحكمية التي هي مفاد الجملة التصديقية، غير النسبة الخارجية التي هي الوجود الزائد على الموضوع. ومنها: ما يكون مفادها الهوهوية، إلا أنه في القضايا المتعارفة في العلوم، مثل " زيد قائم " و " الجسم أبيض " و " الجوهر كذا " و " الطبيعة سيالة " وهكذا، فإن المشهور فيها أن القضية مركبة من الموضوع، والمحمول، والنسبة (2)، ولكنه فاسد. بل قضية ما عرفت منا عدم تمامية النسبة، لأن اللابشرط من مراتب الجوهر، فما هو المحمول من كمالاته الفانية فيه وشؤونه القائمة به (3)، فما أفاده


1 - الجوهر النضيد: 38، شرح المطالع: 113، نهاية الأفكار 1: 56 - 57، منتهى الاصول 1: 24. 2 - المطول: 35، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 40، نهاية الأفكار 1: 56 - 57، منتهى الاصول 1: 24. 3 - تقدم في الصفحة 91 - 92. (*)

[ 114 ]

الوالد - مد ظله -: من إنكار النسبة في هذه القضايا (1)، حق محض لا شبهة فيه. مع شهادة البرهان، لأنه لو كان الأمر كما قيل يلزم إما المجاز، أو تعدد الوضع، أو زيادة الصفات على الذات الأحدية في القضايا المستعملة في حقه تعالى، مع أن الوجدان شاهد على خلافه. فعناوين المشتقات المأخوذة من الذوات بكمالاتها، لا تكون زائدة عليها، خصوصا بناء على اعتبار الذات فيها، كما لا يخفى. ومنها: ما تكون من قبيل " زيد له البياض " و " هو في الدار " من القضايا المسماة ب‍ " المؤولة " فإنها عند الكل مشتملة على النسبة. ولكنه غير تام، ضرورة أن معنى هذه الجملة: هو أن زيدا كائن له البياض، وثابت في الدار، فما دام لم يعتبر المشتق لا يصح الحمل، والمشتق معتبر من الذات بالحيثية الكمالية الملحوظة معها الفانية فيها حتى يكون كمالا لها، وإلا فهو أجنبي عنها، ولايكون مصححا للحمل، كما هو الظاهر. فالحروف في هذه الجمل، حاكيات عن وجودات الأعراض القائمة بالذوات، أي أن مفهوم " البياض " ومفهوم " الجسم " المتباينين بحسب التقرر، مرتبطان بحسب الخارج، ولا رابط بينهما إلا بوجود العرض الذي لا نفسية له إلا في الغير. فما هو المحكي بالحروف غير ما هو المحكي بالهيئة، فإن المحكي بالحروف نفس الوجود في الموضوع، والمحكي بالهيئة فناء ذلك مع ما يتعلق به في الموضوع، و " أنه كماله " و " جماله " و " شأنه " و " طوره " وهكذا من العبائر المختلفة. فوجود النسبة في القضايا بنحو الكلي ممنوع، من غير فرق بين أنحائها. ومما يشهد لذلك صحة اعتبار القضايا المؤولة في الماهيات ولوزامها مع عدم لحاق الوجود بها في هذا الاعتبار، فتأمل جيدا.


1 - مناهج الوصول 1: 86 - 87. (*)

[ 115 ]

فتحصل: أن مفاد الحمليات لابد وأن يكون الهوهوية، من غير فرق بين أنحائها، وإذا كانت هي كذلك، فلا محكي لها إلا الاتحاد والوحدة، واقعية كانت، أو اعتبارية، أو ادعائية. ثم إن أنحاء الحمل ثلاثة: أولي ذاتي وثانوي عرضي وشائع صناعي: فالأول: ك‍ " الإنسان حيوان ناطق " مما يكون مفاده التحديدات المنطقية، سواء كانت التحديدات تامة، بأخذ جميع الأجناس العالية والسافلة والفصول فيها، أو كانت ناقصة، بأخذ الفصل الأخير، أو هو مع الجنس الأخير فيها، كما هو الشائع. والثاني: ك‍ " الإنسان نوع وممكن " مما لا دخالة للوجود في الحمل، بل نفس تقرر الماهية كاف في صحة الحمل، ولا يكون المحمول من أجزاء الماهية والموضوع، ولا من عوارضه الخارجية ومن المحمولات بالضميمة، بأن يكون الضميمة مصداقا ذاتيا للمحمول، والموضوع مصداقا عرضيا، فإن المعقولية الملحوظة في موضوع القضية المذكورة، ليست مصداق النوع، بل النوع مصداقه الإنسان العقلي. وبذلك يظهر: أن المناط في المحمولات بالضميمة والخارج المحمول ماذا، ويتبين أن هذا أيضا ثلاثة أقسام: المحمولات بالضميمة، والخارج المحمول، والخارج المحمول بالضميمة، ك‍ " الإنسان نوع ". والثالث: ما كان المحمول من العوارض الخارجية للموضوع، ويكون من الكمالات الوجودية أو العدمية له، ومفاده الهوهوية في الوجود، لا في التقرر كما في القسم الثاني، ولا يكون الفرق بينهما بالإجمال والتفصيل، كما في القسم الأول. الأمر الرابع: وفيه إشارة لمناط الصدق مناط الصدق كون مفاد الجملة التصديقية مطابقا للواقع المناسب له، ومناط

[ 116 ]

الكذب عدم هذه المطابقة، وتفصيل البحث حول هذا الأمر يأتي في المباحث الآتية من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). حول الهيئات الإخبارية الناقصة إذا عرفت ذلك فاعلم: أن البحث حول وضع المشتقات وكيفياتها، يأتي في مباحث المشتقات (2)، والبحث حول وضع المركبات على حدة - زائدا على وضع المفردات والهيئات - يأتي في بعض المباحث الآتية على سبيل الإجمال، كما اشير إليه إجمالا. والذي هو مورد البحث هنا وضع الهيئات المركبة التامة - كالجمل الإخبارية، أو الإنشائية - والناقصة: أما الناقصة، فلا شبهة في أن الموضوع له فيها عام، وليست مشتملة إلا على نحو ارتباط بين المضاف والمضاف إليه، والموصوف والصفة. نعم تارة: يكون الارتباط المذكور - كالطرفين - له المحاذاة الخارجية، كقولنا " إله العالم " فإن لكل واحد من المضاف والإضافة والمضاف إليه، محكيا خارجيا واقعيا. واخرى: يكون اعتباريا، مثل " غلام زيد " فإن الملكية والابوة والبنوة - وغير ذلك من الموجبات للإضافة - لا خارجية لها وإن كانت اعتبارية في الخارج، أي اعتبر خارجيتها. والبنوة والابوة من المتضايفات في المفهومية، وليست من مقولة الإضافة،


1 - يأتي في الصفحة 118 - 119. 2 - يأتي في الصفحة 357. (*)

[ 117 ]

وإن توهمه القوم في كتبهم (1)، فإن مقولة الإضافة غير التضايف في المفاهيم المشتركة فيها المجردات والماديات، فلا تغفل. وثالثة: لا واقع له إلا في عالم المفهومية، مثل " غلام زيد " في القضية المفروضة التصورية. فتلك الإضافة لفظية كانت أو معنوية أو بيانية، مشتركة في إفادة المعنى الثالث، وهو وجود الربط الإجمالي، سواء كانت الرابطة المفروضة قابلة للحكاية التصديقية، مثل الإضافة البيانية، وإضافة الصفة والموصوف، أو غير قابلة لذلك، فإنه في هذا اللحاظ لا يكون المحكي بهذه الهيئة الناقصة إلا الربط الإجمالي غير القابل للسكوت عليه. فتلك الهيئة موضوعة لا لإحداث الربط، ولا للحكاية عن الربط، ولا للدلالة عليه، بل هي موضوعها الربط الخاص. نعم بعد الوضع له تكون حاكية أو دالة عليه حكاية تصورية، أو دلالة ناقصة. فما في كتب القوم: من وضع الهيئة للدلالة وهكذا (2) كما سيأتي، غير خال من الخلط بين الموضوع له وما يترتب عليه أثرا. حول الهيئات الإخبارية التامة وأما الهيئات التامة التي يصح السكوت عليها، فهي في الإخبارية - على ما في كتب القوم - موضوعة للدلالة على النسبة التصديقية (3)، أو للدلالة على


1 - الحكمة المتعالية 4: 190، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 145. 2 - نهاية الأفكار 1: 39 و 54، مناهج الوصول 1: 122. 3 - لاحظ مقالات الاصول 1: 95. (*)

[ 118 ]

الهوهوية التصديقية (1) أو لإبراز قصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر (2). وأنت خبير: باشتراك الكل في إشكال، وهو أن الدلالة من متفرعات الوضع، وإبراز القصد من الغايات المترتبة على الوضع، ف‍ " اللام " المأخوذ في هذه العبارة غير " اللام " في قولهم: " من للابتداء " فإن الموضوع له في الكلمة معنى تصوري، والموضوع له في الجملة معنى تصديقي، فكون قصد الحكاية أو إبراز قصد الحكاية موضوعا لها، من المناقضة بين ما هو الموضوع، وما هو الموضوع له. واختصاص الأولين بأن القضايا الكاذبة من القضايا الحقيقية، أي تكون الهيئة فيها مستعملة فيما وضعت لها، مع أنها لا محاكاة ولا مدلول ولا نسبة لها وراء الوهم الكاذب. اللهم إلا أن يقال: هي موضوعة للاستدلال، وهو أعم من المطابقة واللا مطابقة. واختصاص الثالث بأن مناط القضايا الكاذبة، عدم موافقة مضمون الجملة لما في الواقع ونفس الأمر، وعليه يلزم إما صدق جميع القضايا، وهو واضح المنع، وإما كون الهيئة ذات مفادين ومضمونين، أحدهما: صادق دائما، وثانيهما: صادق وكاذب، حسب التطابق وعدمه، وهذا أيضا واضح المنع، ضرورة أن الهيئة موضوعة لمعنى واحد بسيط، كسائر اللغات والهيئات التصورية، فلاينبغي الخلط، وتدبر. فعلى ما عرفت، لا يمكن تصور الموضوع له في الهيئات التصديقية، لأن تصور الهيئة التصديقية ليس إلا تصور أمر بسيط، والهيئة التصديقية مركبة، فلا يعقل إسراء الوضع إلى ما هو المقصود، لأنه غير ما هو المقصود بالوضع. إن قلت: نعم، إلا أنه كالحروف والمعاني الاسمية الحاكية عنها في حال الوضع، فكما أن بتلك العناوين الاسمية كان يمكن ذلك، فكذلك الأمر هنا، وكما أن


1 - مناهج الوصول 1: 89 - 91 و 117. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 85 - 87. (*)

[ 119 ]

هناك كان الموضوع له عاما، كذلك هنا. قلت: ليس الأمر كما قيل، ضرورة أن ما ذكرناه هناك (1): هو أن الأمر الواحد البسيط - وهي حيثية الابتداء - يمكن أن يكون معنى اسميا في موطن، وحرفيا في موطن، كما التزم المشهور من الفلاسفة في الجوهر والعرض في مباحث الوجود الذهني (2). وأما المركب والبسيط والقضية والتصور، فغير قابلة للانقلاب حسب الخارج والذهن، فعليه لابد من الالتزام بأن الموضوع له خاص، وقد عرفت أن الوضع العام والموضوع له الخاص ممتنع (3)، فلابد من علاج هذه العويصة جدا. وبعبارة اخرى: أخذ المفاهيم التصورية من الهيئات التصديقية، وإسراء الوضع إلى تلك الهيئات - كما وضعوا ذلك في الحروف - مما لا يعقل، ولو سلمنا تعقله فهو مما لا يورث السراية، لما عرفت في أصل المسألة (4)، ولخصوصية في المقام. فما أفاده جماعة من المحققين ومنهم الوالد - مد ظله -: من أن الموضوع له في الهيئات خاص، كما في الحروف (5)، غير تام في الهيئات الناقصة، لأنها وإن كانت دالة وكاشفة في الجمل الإخبارية عن حيثية غير حيثية المضاف والمضاف إليه بالضرورة، إلا أن المستكشف بها - كما قد عرفت - مختلف الأوعية، حسب أوعية المضاف والمضاف إليه، والجامع لها ليس إلا أمرا كليا، ولا دليل على لزوم كونه جامعا ذاتيا، بل هو باختيار الواضع، فما يأخذه من الشتات والمتباينات، هو


1 - تقدم في الصفحة 103 - 104. 2 - الحكمة المتعالية 1: 264. 3 - تقدم في الصفحة 77 - 78. 4 - تقدم في الصفحة 110 - 111. 5 - نهاية الدراية 1: 51، نهاية الاصول: 21 و 170، مناهج الوصول 1: 122. (*)

[ 120 ]

الجامع في عالم الوضع والألفاظ وإن كان وهميا وعنوانيا وعرضيا. وإذا كان الوضع أمرا اعتباريا، فما هو اللابد منه كونه قابلا للاعتبار في الخارج، وهذا مما لا شبهة تعتريه، فعليه كما يعتبر الواضع الجامع موضوعا له فيكون كليا، كذلك يعتبره في الخارج، فيكون ما هو الجامع موجودا في الخارج سنخ موجودية الطبيعي في الخارج، وبهذا تنحل الشبهة في الحروف أيضا. وهذا طريق آخر لحل الشبهات في عموم الموضوع له في الحروف، ولحل الشبهة في أخذ المفاهيم الاسمية من المصاديق الحرفية، وحملها عليها. وأما في الهيئات التامة، فقد عرفت الشبهة فيها. وقال صاحب " المقالات " بعموم الموضوع له في الهيئات التامة والناقصة، قائلا: إن الهيئة الناقصة تحكي عن النسبة الثابتة، والهيئة التامة تحكي عن إيقاع النسبة، نحو " زيد قائم " و " عبدي حر " في مقام إنشاء العتق، والإنسان يرى بالوجدان: أن المتكلم يرى الموضوع عاريا عن النسبة التي يريد إثباتها إخبارا أو انشاء، وهو بالحمل والإنشاء يوقعها بين الموضوع والمحمول، بخلاف النحو الأول فإن المتكلم يرى النسبة فيه ثابتة للموضوع أو المحمول (1)، انتهى ما هو لب مرامه. وأنت خبير بما فيه، لما عرفت من أن قولنا: " الربط بين غلام زيد ربط إضافي " جملة صحيحة، ولا واقعية للنسبة الناقصة، فيعلم أن المحكي بالهيئة الناقصة والمدلول عليه مختلف: فتارة: يكون تكوينا مقوما لطرف الإضافة، كقولنا: " إله العالم " فإن هذه الإضافة تحكي عن الإضافة الإشراقية. واخرى: يكون من قبيل " بياض الجسم ". وثالثة: يكون من قبيل " غلام زيد ".


1 - مقالات الاصول 1: 95، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 59 - 60. (*)

[ 121 ]

ورابعة: من قبيل ما اشير إليه. وخامسة: غير ذلك. والذي هو الجامع هو الموضوع له. ولا وجه لدعوى خصوص الموضوع له، لوقوع هذه النسبة مورد الأمر، مع فقد المضاف والمضاف إليه مجموعا، كما إذا قيل: " صل صلاة الكسوف والخسوف " وهكذا، والقيام بحل هذه الامور بطريق خارج عن المتعارف - بعد عدم لزومه - مستهجن. هذا وفي قوله: " تحكي عن إيقاع النسبة " تناقض ظاهر، وكان ينبغي أن يقال: " آلة لإيقاع النسبة " وسيظهر ما هو التحقيق في مفاد الهيئة التامة إن شاء الله تعالى. والذي هو التحقيق فيها: أن الواضع في هذه المواقف بالاستعمال يتمكن من أداء وظيفته، فإذا أراد إفادة مفاد القضية، فيقول: " زيد قائم " مريدا به أن الهيئة فيها تكون ذات دلالة على أمر غير ما يدل عليه المفردات هيئة ومادة، وفي هذا الاستعمال لا يلتزم بالصدق والكذب، بل المقصود فيه المعنى الأعم من ذلك، لإمكان أداء وظيفته بقوله: " شريك الباري موجود " فيعلم من ذلك أن ما هو مفاده، إثبات الاتحاد والهوهوية في الحمليات. وأما في الفعلية من الجملة، وهكذا في الاسمية غير الحملية، فلعل الهيئة فيهما موضوعة بوضع آخر - يطلب تفصيله في المشتقات (1) - لا الحكاية عن الهوهوية، ولا إيقاع النسبة، كما لا يخفى. والعجب من صاحب " المقالات " (رحمه الله) حيث توهم: " أن الفرق بين مفاد الناقصة والتامة، هو أن في الاولى يكون المحكي هي النسبة بلحاظ نفسها، مع قطع


1 - يأتي في الصفحة 363. (*)

[ 122 ]

النظر عن وجودها وعدمها، وفي الثانية هو وجودها " (1) انتهى. وأنت خبير: بأن عمدة البحث في الهيئات الناقصة، هي الواقعات في الجمل التامة، كقولنا: " زيد العالم قائم " و " غلام زيد فاضل " وهكذا، ولو كان القائم والفاضل زيدا الجاهل، وغلام عمرو، لكان هو الكاذب بالضرورة، ويؤخذ كذبه من عدم المحكي للنسبة الناقصة، المستلزمة لعدم النسبة التامة كما هو الواقع، فليتدبر. وما قيل: " من أن مناط كذبه عدم مطابقة مضمون الهيئة التامة للواقع " (2) إن كان يرجع إلى ما أشرنا إليه فهو، وإلا فهو ضروري الفساد بالوجدان، فما أفاده بقوله: " مع قطع النظر عن وجودها " لا فائدة فيه. فتحصل: أن الهيئة تكون موضوعة لمعنى تصديقي، فلا يكون وعاؤه الخارج، لأنه وعاء الوجود وكماله، وأما التصديق والإذعان فهو من الامور الذهنية والنفسانية، ووعاؤها الذهن، فما هو في الخارج كما يمكن لحاظه بالنسبة التصورية، يمكن لحاظه بالنسبة التصديقية، فهذا كاشف عن أن هذه الامور ليست واقعية، بل تختلف باختلاف الأغراض والمقاصد. نعم، لابد من ملاك الاتحاد في الحمل بلا شبهة، ولكنه غير ما هو الموضوع له في الهيئة، ضرورة أن العنوان الذاتي كعنوان " الإنسان " والعنوان العرضي ك‍ " العالم " ونحوه، لا يكونان متحدين في الخارج، بل ما هو المتحد هو وجود الأعراض مع الجواهر اتحاد الشئ مع كماله. فجميع العناوين اختراعية، والحمل بينها إبداعي، والهيئة موضوعها إثبات الاتحاد، وقد مضى أن ملاك الصدق ليس إلا تمامية مضمون الجملة مما هو في


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 61 - 62. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 42، محاضرات في اصول الفقه 1: 84 و 87. (*)

[ 123 ]

نفس الأمر (1)، والمراد من " نفس الأمر " أعم من الخارج، والذهن، ودرك العقل صحة الحمل، كما في قولنا: " الإنسان إنسان " فلا محكي في مجموع القضايا حتى تكون الهيئة موضوعة للحكاية، أو لإبراز قصد الحكاية، أو لأمثالها مما لاتخفى. فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين حيثية الحمل، وحيثية الاتحاد، فإن الاولى ذهنية، والثانية خارجية، فالذي هو الحامل بين العنوانين هي نفس الإنسانية، والهيئة لا تكون إلا موضوعة لما يتصدى له النفس، وهو حمل شئ على شئ. وتوهم: أن الموضوع له كلي إذا كان ذهنيا، في غير محله، لتشخصه به. كما لا ينبغي الخلط بين مباحث الألفاظ، ومسائل الفلسفة، وقد وقع ذلك في هذه المباحث وأشباهها لكثير من أهل الفضل والعلم. وارتباط مسائلها بعضها ببعض أحيانا لا يورث جوازه، ولا يستلزم اقتناص الحقائق الحكمية من الإطلاقات العرفية والاستعمالات الدارجة فليتأمل، فإن التحفظ عليه صعب جدا. ثم إن في قولنا: " إن مفاد الهيئة التامة إثبات الاتحاد " إشكالا أو إشكالين، وذلك لأن إثبات الاتحاد يستلزم دوام الصدق، ولأن مفاد القضايا في الحمليات الأولية هو الاتحاد في الذات والمفهوم، وفي الشائع الصناعي هو الاتحاد في الوجود، وفي مثل " الإنسان نوع " هو الأمر الآخر. ويمكن حل الأول: بأن الإثبات أعم من الثبوت الواقعي، فإن كان ثابتا فالقضية صادقة، وإلا فهي كاذبة. وحل الثاني: بأن المراد من " الاتحاد " هو المهمل منه، لا القسم الخاص، فإذا كان بين الموضوع والمحمول، نوع اتحاد في وعاء من الأوعية، فالهيئة متكفلة لإثباته والحكم به. وإن شئت قلت: مفاده إثبات نوع اتحاد بين الموضوع والمحمول، وأما


1 - تقدم في الصفحة 115 - 116. (*)

[ 124 ]

خصوصيات الاتحاد فتعرف في موقف الاستعمال. الأمر الخامس: في وضع الهيئات الإنشائية وهي على ثلاثة أصناف: منها: ما يختص بالإنشاء، كالأوامر والنواهي، وعهدة البحث فيها على مباحث الأمر والنهي. ومنها: ما هو الظاهر في الإخبار، وقد يستعمل في الإنشاء، كالفعل المضارع، وبعض الجمل الحملية، ك‍ " هذا مسجد " أو " مملوكك ". ومنها: بعكس ذلك كالفعل الماضي المستعمل كثيرا في الأدعية وصيغ العقود والإيقاعات، وبعض الجمل الحملية ك‍ " هي طالق " و " هو حر " و " ضامن ". ولما كان اختلاف الأعلام في الموضوع له، ناشئا من اختلافهم في حقيقة الإنشاء، فلابد من الإشارة إلى تلك الحقيقة: فنقول: جميع المعتبرات العقلائية التي عليها تدور رحى معاش الناس، متخذات من الامور التكوينية، فإذا كان المأخذ أمرا معلوما واضحا، فلا وجه للاختلاف في المأخوذ، وقد مر منا الإيماء إلى هذه القاعدة سابقا (1). هذا هو إجماله. وتفصيله: أنا إذا راجعنا كل واحد من الاعتبارات، نجد أنها ذات مناشئ خارجية مناسبة جدا للمعتبر العقلائي، مثلا الملكية الاعتبارية مأخوذة من الملكية الواقعية الثابتة للنفس بالنسبة إلى القوى، ولله تعالى بالنسبة إلى العالم، ولما كان اعتبار الملكية لأجل السلطان على المملوك، والاقتدار عليه، يعد صاحب الدار مالكا، لما نجد له السلطنة عليها في التصرفات.


1 - تقدم في الصفحة 88 و 93 - 94. (*)

[ 125 ]

والبيع هو مبادلة مال بمال، وتلك المبادلة تكوينية إذا كانت في المكان، واعتبارية إذا كانت في الملكية، والإجارة مثله، وهكذا النكاح والطلاق والعتق، فإن لكل واحد منها معنى تكوينيا، ثم بعد ذلك اعتبر في المجتمع البشري، لإدارة السياسة المدنية والحكومية، ولحفظ نظام العالم من الوقوع في المفاسد والمهالك المترتبة على الهرج والمرج. ومن هذا القبيل ما مر منا في الوضع، فإنه اعتبار من الوضع التكويني (1)، وهكذا الإنشاء، فإنه اعتبار الإيجاد، لأن معناه التكويني إيجاد الشئ، كما في قوله (عليه السلام): " أنشأ الخلق إنشاءا " (2). ثم إن المعتبرات العقلائية أبدية، إلا إذا اضمحلت الأقوام والامم، أو زالت الجهات المورثة لحدوثها، وليست باختيار الآحاد بما هم آحاد، فهي الامور الموجودة في وعاء الاعتبار، إلا أن نحو الاعتبار قضية تعليقية على نعت الكلي، كما عرفت منا أيضا تفصيله (3). فلا معنى لتوهم اعتبار الملكية من قبل المالكين، أو اعتبار الطلاق والزواج من قبل الأفراد وهكذا (4)، بل هذه الامور - بمعناها الواقعي - ليست اختيارية بيد الأفراد والآحاد، والذي هو باختيارهم أمر اعتبر - بنحو الكلي - سببا لها، وهذا بيد الأفراد والآحاد، وهو عناوين العقود والإيقاعات، كالبيع والإجارة والصلح وهكذا. وهذه العناوين لها لغات موضوعة لها، فيكون جميع هذه اللغات أسبابا لفظية لتحصل المعتبر العقلائي الذي هو مفاد تلك اللغات، وهي في الحقيقة موضوعات


1 - تقدم في الصفحة 88. 2 - نهج البلاغة: 40، بحار الأنوار 4: 248. 3 - تقدم في الصفحة 97 - 98. 4 - فوائد الاصول 1: 46. (*)

[ 126 ]

لتلك المعتبرات الكلية الخارجة عن اختيار العقلاء، وهي الملكية، والنقل والانتقال، والزواج والطلاق، بالحمل الشائع وهكذا. فهنا ثلاثة امور: اللفظ، ومعناه المنشأ به، والأثر المترتب عليه: أما اللفظ، فهو باختياره، ويوجد بإنشائه التكويني. وأما معناه، فهو باختياره مع الوسط، ويكون بين اللفظ وهذا المعنى اعتبار السببية والإيجاد. وأما الأثر، فهو مترتب على فعله الاختياري، وهذا الأثر هو الذي يترتب عليه عند العقلاء - بعد إمضائهم - القانون الكلي، وهو أن كل من نطق بهذه الألفاظ بمالها من المعاني، مريدا ذلك المعنى، فهو مالك الثمن، وذاك مالك المثمن، أو غير ذلك من التعابير الممكنة. فالذي باختيارنا السعي في إيجاد مقدم هذه القضية المعلقة والشرطية. فعلى هذا، تكون الألفاظ آلات إيجادية في وعاء الاعتبار لوجود اعتباري، وهذا هو الإنشاء الاعتباري. ولا شبهة في أن المنشئ لابد من تصوره ما يترتب على إنشائه، وما هو المنشأ، وهكذا، فما دام لم يتصور ذلك، ولا يصدق بالأثر المترتب عليه، لا يكون كلامه سببا، ولا ما يحصل منه موضوعا لتلك القضية الكلية. إذا عرفت ذلك علمت: أن ما أفاده العلمان الأصفهاني والخميني الوالد - عفي عنهما - صحيح، ولكنهما لم يبينا وجه المسألة (1)، وما أفاده غيرهما - كصاحبي " الكفاية " و " المقالات " وأتباعهما (2) - فهو الغفلة والذهول، والخروج عما هو يليق بالتحقيق.


1 - نهاية الدراية 1: 62، مناهج الوصول 1: 94 - 95. 2 - كفاية الاصول: 27، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 63 - 65، محاضرات في اصول الفقه 1: 88 - 89. (*)

[ 127 ]

والعجب من صاحب " المقالات " حيث ينسب إليه أن الإنشاء هو إبراز المعتبر النفساني بمبرز خارجي. وهذا إن رجع إلى لزوم تصور المبادلة قبل إنشاء البيع، فهو أمر واقعي مطابق للتحقيق، وقد أشرنا إليه. وإن رجع إلى أمر آخر فهو واضح المنع، ضرورة أن المعتبر النفساني لا يمكن إبرازه، لأنه أمر ذهني لا يعتبر وراء النفس، فلابد من كون المعتبر أمرا مطلقا من الذهن، ويكون في الاعتبار خارجيا، كما يقال: " زيد مالك وبايع " خارجا، لا ذهنا. وإن اريد إظهار ما في الخيال فجميع القضايا مبرزات لما في النفس، إخبارية كانت، أو إنشائية. هذا مع أنه يلزم كفاية الإخبار عما صنعه في الذهن من المبادلة الذهنية، فإنها ليست مبادلة اعتبارية، بل هي مبادلة وهمية أو خيالية، أي بدل بين الصور العلمية الموجودة عنده من الأثمان والمثمنات. فما قيل: بكفاية الأمر النفساني عن الإبراز (1)، باطل، ومنشأه الغفلة عن أن الامور الاعتبارية، موجودات معلقة على طريق القوانين الكلية، فما دام لم يوجد المقدم لا يتحقق التالي، ووجود المقدم هو المعتبر خارجا، وما كان وجوده اعتباريا في الخارج لا يتحقق بصرف الوهم والخيال. فما هو القانون الكلي: " هو أنه إذا تحقق البيع في الخارج تحقق الملكية، ويتبادل الأملاك " والبيع الوهمي غير البيع الاعتباري بالضرورة، فإن وعاء الاعتبار اخذ من وعاء الخارج، لا الذهن، فاغتنم. ثم إنك إن شئت قلت: الإنشاء هو تحقيق المعتبرات العقلائية، أي إيجادها


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 88. (*)

[ 128 ]

وإلباسها لباس الخارجية. إذا عرفت ذلك، فلابد من الالتزام بأن الموضوع له فيها خاص، لما عرفت: من أن مفاد القضية والهيئات المركبة، غير قابل لشمول العنوان الواحد له، حتى يكون هو الموضوع له (1). ثم إن الهيئة في الفعل الماضي المخصوصة بالإنشاء، لا تكون بالوضع التعييني، بل هي بالاستعمال، كما عرفت وجهه، فعليه يتعدد الوضع، وتكون تلك الهيئة مشتركة بالاشتراك اللفظي، كما في كثير من المواد، ولا سبيل إلى القول بالمجاز. وأما الهيئة في المضارع المستعملة أحيانا في الإنشاء، فهي ليست مثلها، بل الظاهر أنها تستعمل كالاستعمال في الإخبار، إلا أنه بنحو الادعاء والمجازية، لنكتة في ذلك كما لا يخفى. ومن هذا القبيل الهيئات في الجمل الاسمية الإخبارية الحملية، كقولهم: " هذا مسجد " أو " أنت ضامن " أو " هي طالق " و " هذا مملوكك " في مقام الوقف وفي مقام إنشاء البيع، فإن الكل بنحو المجاز والادعاء، ومصحح هذه الدعوى الآثار المقصودة بها. وربما تكون الجملة الحملية كثيرة الاستعمال في الإنشاء، بحيث ربما تكون حقيقة ثانوية، كما في الطلاق والضمان. ولا يستلزم صحة استعمال تلك الجملة في مواقف خاصة، صحتها على الإطلاق كما توهم، فلا يجوز أن يقال: " زيد قائم " في مقام الأمر بالقيام، بخلاف قولهم: " زيد ضامن " في مقام الأمر بالأداء، أو " هو يعيد صلاته " في مقام الأمر بالإعادة، فلا تغفل. وربما يخطر بالبال عدم صحة المجاز والادعاء في هذه الجمل الحملية، لأن


1 - تقدم في الصفحة 121 - 123. (*)

[ 129 ]

المقصود إفادة الطلاق والملكية والوقفية، فلابد من كونها بنحو الحقيقة، فإذا قال: " هذا مسجد " فلابد من استعمال الهيئة في المعنى الإيجادي الاعتباري، ويكون الموضوع من أفراد المحمول الكلي الذي هو ذو أحكام خاصة. نعم، فيما إذا قال: " هذا مملوكك " في مقام إفادة البيع، فربما كان ذلك من باب الكناية، باستعمال اللازم وإرادة الملزوم، وإلا فهو لا يقع بيعا بهذه الجملة. نعم يتمكن من مطلق التملك بناء على جوازه. وعندئذ تارة: يلزم كون الموضوع من مصاديق المحمول، كما في المثال الأول. واخرى: ليس الأمر كذلك، كما في المثال الثاني، لأن الكلي المملوك مضاف إلى زيد، وهو ليس مالكا لشئ فرضا، فتأمل. إن قلت: لا يعقل الاستعمال الإيجادي، لأن صحته تتوقف على وجود المستعمل فيه قبل الاستعمال، فكيف يعقل وجوده متأخرا عنه ؟ ! قلت: هذا ما يظهر من موضع من " الدرر " (1) وفيه ما مر في المعاني الحرفية (2).


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 41. 2 - تقدم في الصفحة 97 - 98. (*)

[ 130 ]

الجهة السادسة: في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات أما أسماء الإشارة: ففيها احتمالات، بل وأقوال: أولها: أنها موضوعات للإشارة الخارجية، كما أن لفظة " الرجل " و " زيد " موضوعتان لأمرين في الخارج، فلابد من تحقق الإشارة خارجا بأمر من الامور، كالإصبع ونحوه، ويكون لفظة " هذا " موضوعة لتلك الإشارة الموجودة بالسبب الآخر. وهذا هو قول ظاهر من الفاضل المحشي الأصفهاني، وبعض تلامذته (1). وما فيه ظاهر، ضرورة أن الإشارة تتحقق بدون الأسباب المورثة لتحققها الخارجي تحققا اعتباريا، على نحو ما عرفت منا. ومعنى " تحقق الإشارة خارجا " ليس إلا التحقق الوهمي، لا التحقق التكويني. فالإشارة قسمان: وهمي، واعتباري، فالوهمي ما يحصل من الإصبع، والاعتباري ما يحصل من اللفظة القائمة مقام الإصبع، من دون لزوم ذلك في التحقق الاعتباري. ثانيها: أنها موضوعة للإشارة المقيدة بالمشار إليه (2). ثالثها: أنها موضوعة للمشار إليه، لا بعنوانه، بل بعنوان آخر (3)، فتكون كلمة " هذا " موضوعة للمفرد المذكر، لا للمفرد المذكر المشار إليه. رابعها: أنها موضوعة له بعنوان المشار إليه، ولكن لا من تلك الإشارة


1 - نهاية الدراية 1: 63 - 64، محاضرات في اصول الفقه 1: 91. 2 - الكافية 2: 32 - 33. 3 - كفاية الاصول: 27. (*)

[ 131 ]

الاعتبارية، بل من الإشارة الخارجية (1). خامسها: أنها موضوعة لإيجاد الإشارة الاعتبارية. ولعله هو الظاهر من الوالد المحقق - مد ظله - (2). سادسها: أنها موضوعة للإشارة الاعتبارية، وأما وجودها فهو يحصل من الاستعمال في الجمل التصديقية، فيدل الهيئة التصديقية على الإيجاد، دون الهيئة التصورية. وهذا هو الظاهر من بعض سادة أساتيذنا (رحمه الله) (3). والذي يستظهر من أهل الأدب أنها موضوعة للإشارة، وهي المسند إليه (4). وهذا هو التناقض غير القابل للجمع، ضرورة أن ما هو الموضوع للإشارة بالحمل الشائع معنى حرفي، وهو لا يكون مسندا إليه إجماعا. ولذلك صرح الوالد - مد ظله -: " بأن المسند إليه هو المشار إليه، لا الإشارة، كما يعلم ذلك من إشارة الأخرس " (5). والذي يتوجه إليهم: أن المشار إليه ليس دخيلا في الموضوع له، لتحقق الإشارة بدونه فيما إذا قال: " هذا زيد " مع عدم وجود له، وأنه توهم وجوده للظلمة الشديدة، فإن الإشارة قد تحققت هنا بلا شبهة، مع أن المشار إليه لا تحقق له، فجميع الأقوال الآخذة فيه المشار إليه في الموضوع له فاسدة. فيبقى كونها موضوعة للإشارة الاعتبارية، فيكون مدلولها تلك الإشارة، كما عليها تدل إصبع الأخرس دلالة غير وضعية أو وضعية غير لفظية، وما ترى في كلام


1 - لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 44 / السطر 5، محاضرات في اصول الفقه 1: 91. 2 - مناهج الوصول 1: 96 - 97. 3 - نهاية الاصول: 25 - 26. 4 - مختصر المعاني: 50 - 51، لاحظ الكافية 2: 32 - 33. 5 - مناهج الوصول 1: 97. (*)

[ 132 ]

الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنها موضوعة لإيجاد الإشارة اعتبارا " (1) غير موافق للتحقيق، لعدم اعتبار الوجود في الموضوع له فهي موضوعة لحيثية الإشارة الاعتبارية. نعم، اعتبار الوجود والإيجاد يجئ بالاستعمال في الجملة التصديقية، على نحو ما اشير إليه آنفا، وحيث قد تقرر عدم إمكان الوضع العام والموضوع له الخاص (2)، فالموضوع له هنا هو العام، من غير لزوم التوصل إلى الوضع بالاستعمال - كما عرفت في الهيئات المركبة (3) - لأن ما هو الموضوع له هو عنوان " الإشارة " وهي تعتبر في الخارج، فتكون مصاديقها معاني حرفية، والمفهوم الذهني اسميا، كما في الحروف وأشباهها. ولذلك ترى أنه إذا قال: " هذا عالم " يصح الحكاية عنه: " بأنه أشار إليه بأنه عالم " فيعلم أن ما صنعه في الخارج مصداق الإشارة، فيكون مفهوم " الإشارة " كمفهوم " الإنسان " في الخارج، فلا تغفل، ولا تختلط. نعم في الطبيعي الحقيقي هو موجود حقيقة بالوجود - إلا على بعض المذاهب الراقية - وفي مفهوم " الربط " و " النسبة " و " الإشارة " هي موجودات في الخارج اعتبارا. وأ ما الضمائر: فالقول الوحيد في ضمير المتكلم: أنه ليس موضوعا إلا لنفس المتكلم، وليس في البين إشارة، ولا خطاب.


1 - مناهج الوصول 1: 96 - 97. 2 - تقدم في الصفحة 77 - 78. 3 - تقدم في الصفحة 120 - 123. (*)

[ 133 ]

نعم، مختار الوالد المحقق - مد ظله - أن الموضوع له خاص، قائلا: " إن المتبادر منه هو الهوية الشخصية الخارجية بالوضع العام " (1). ومختارنا: أن الموضوع له هو المتكلم، وأنه منطبق عليه لأجل كونه متكلما، ولو كان عاريا عن جميع الخصوصيات والتشخصات، كان ذلك على نعت الحقيقة. وأما ضمائر الغيبة، فالقول الوحيد فيها ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنها حروف الإشارة إلى الغائب، أما كونها حروفا فلأن المعاني الخارجية حروف، وأما كونها إشارة فللتبادر " (2). وإلى هذا يرجع قول النحوي الذي قال في جملة " ربه هو كذلك ": " بأن كلمة " رب " اضيفت إلى النكرة (3)، لأن المناط في ذلك هو المرجع ". فما اشتهر: " من أن الضمائر من المعارف كلا " (4) غير صحيح، بل في الغائب تابع له في ذلك. فما تخيله النحاة والاصوليون " من أن الموضوع لها المراجع المبهمة " (5) واضح المنع. ويشهد لذلك صحة توهم المرجع، وإرجاع الضمير إليه، فإنه إذا صنع ذلك فقد أشار إلى الغائب بالضرورة مع توهم المشار إليه، فيعلم أنه غير دخيل في الموضوع له، فكلمة " هو " مثل كلمة (أو) وكلمة " هذا " مثل كلمة (إين) في الفارسية، فليتدبر جدا يعرف. وأما الموضوع له فهو خاص عنده، وعام عندي، لأنه هو الإشارة إلى الغائب،


1 - مناهج الوصول 1: 98 - 99. 2 - مناهج الوصول 1: 96 - 97. 3 - الكافية 2: 128 و 332، شرح شذور الذهب: 319. 4 - شرح شذور الذهب: 134، شرح ابن عقيل 1: 87، البهجة المرضية 1: 41. 5 - الكافية 1: 33، مقالات الاصول 1: 106. (*)

[ 134 ]

كما كانت كلمة " هذا " موضوعة للإشارة إلى الحاضر على نحو ما عرفت، من غير كون القيد - وهو الحاضر والغائب - داخلا في الموضوع له. وأما ضمائر الخطاب، فهي على صنفين: أولهما: ماهي موضوعة لاعتبار الخطاب، فيوجد بها الخطاب في الاستعمال، فلا تكون موضوعة لأنفس المخاطبين، حتى يكون من أسمائه تعالى كلمة " إياك " مثلا، بل هي موضوعة - كأخواتها - للخطاب والمخاطبة، من دون كون المخاطب داخلا في الموضوع له. فما عرفت من الأقوال في أسماء الإشارة، آت في الضمائر والخطابات، والتحقيق في الكل: أن الموضوع له معنى اسمي كلي، ومصاديقه معان حرفية. وبذلك يعلم الفرق بين الموضوع له في المعاني الاسمية والحرفية، فإن المعاني الاسمية ماهي المستقلات في الموطنين، والمعاني الحرفية ما هي المستقلات في النفس، والمتدليات في العين والخارج بوجه مضى سبيله (1). فعدول الوالد المحقق من المشهور إلى أن هذه أدوات لا أسماء (2)، في محله إذا كان المناط مصاديق تلك الموضوعات. ولكن الحق: أن ما هو المناط هو الموضوع له، وهو المعنى الاسمي، دون مصاديقه التي هي معان حرفية. ولو رجع قول " الكفاية " وأتباعه (3) إلى ما أسسناه فهو، وإلا فهو كغيره في الضعف والفساد. ثانيهما: التي هي علامات ورموز، وليست موضوعة حتى تدل على معنى يكون هو في عالم الدلالة والاستعمال حرفا، وفي عالم الوضع والتصور اسما، وهي


1 - تقدم في الصفحة 91 - 94. 2 - مناهج الوصول 1: 98. 3 - كفاية الاصول: 27، أجود التقريرات 1: 28 - 29، نهاية الأفكار 1: 60 - 61. (*)

[ 135 ]

كالألفاظ المستعملة عقيب أسماء الإشارة، مثل قوله تعالى: * (ذلكما مما علمني ربي) * (1) فإن الظاهر والمتبادر من قوله: * (ذلكما) * ليس إلا الإشارة إلى معنى معلوم، وليس في هذا المقام خطاب إليهما، بخلاف ما إذا قيل: * (فذلكن الذي لمتنني فيه) * (2) فإنه فيه - زائدا على الإشارة - خطاب، والأمر سهل. فإن أبيت عن ذلك نقول: إن جميع ألفاظ الخطاب موضوعة للمخاطبة، فيوجد بها في مقام الاستعمال الخطاب. وما هو السر في توهم كون المشار إليه داخلا في الموضوع له (3)، وهكذا المرجع، أو المخاطب: هو أن مصاديق هذه المعاني الكلية معان حرفية، فلا تتوجه النفس من هذه الألفاظ إلا إلى الطرف الذي هو المقوم للإشارة ونحوها، ولكنه بالنظر الثانوي يعلم خلاف ذلك. ثم إن حرفية هذه المعاني، ليست كحرفية وجود الأعراض بالنسبة إلى وجود الجواهر، بل هي حرفية اعتبارية، وتلك حرفية خارجية عينية. والذي هو المناط في تشخيص كون مفاد جملة أو كلمة أنها معنى اسمي أو حرفي: هو أن المعاني الاسمية ليست لها مفاهيم اخر حاكية عنها إلا نفسها، بخلاف المعاني الحرفية، فإن لها مفاهيم اخر اسمية يحكى بها، فلحيثية المعنى الحرفي في كلمة " من " معنى اسمي هو " الابتداء " وهكذا، ولحيثية المعنى الحرفي في كلمة " هذا " وأخواتها معنى اسمي هي " الإشارة والخطاب ". وهذا دليل على أن ضمائر الغيبة مفادها الإشارة، وأن أدوات الخطاب مفادها معان حرفية، لإمكان حكايتها بالمفهوم الاسمي وهو " الخطاب " فإذا قال: * (إياك


1 - يوسف (12): 37. 2 - يوسف (12): 32. 3 - الفصول الغروية: 16 / السطر 11، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 47 / السطر 10. (*)

[ 136 ]

نعبد وإياك نستعين) * (1) يصح أن يقال: " هو خاطب ربه بهكذا ". وهكذا لحيثية مفاد الهيئة المركبة معنى اسمي يحكى به، فيقال بعد حكمهم بأن زيدا عالم: " إنه حكم باتحاد زيد والعالم " أو " أخبر بأن " " زيد " و " عالم " " متحدان في الخارج " فإن مفاد الجملة الحملية يحكى بالمفهوم الاسمي، فافهم واغتنم. وأ ما الموصولات: فقال صاحب " المقالات ": " إنها موضوعة لمعان مبهمة مقترنة بما يفرض صلة لها " (2). واختار بعض سادة أساتيذنا في " نهاية الاصول ": " أن جميع المبهمات قد وضعت بإزاء الإشارة، ليوجد بسببها الإشارة إلى امور متعينة في حد ذاتها، إما تعينا خارجيا، كما في الأغلب، أو ذكريا كما في ضمير الغائب، أو وصفيا كما في الموصولات، حيث إنه يشار بها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة " (3) انتهى. واختار الوالد المحقق - مد ظله - بعد ذكر ذلك: " أن هنا احتمالا آخر ربما يصعب تصوره، ولا يبعد أن يكون هو المتبادر منها عند إطلاقها، وهو أن يقال: إنها موضوعة لإيجاد الإشارة إلى مبهم يتوقع رفع إبهامه، بحيث يكون عملها أمرين، أحدهما: أصل الإشارة، وثانيهما: إفهام المشار إليه المتوقع للتوصيف، فيكون معنى " الذي " و " التي " معنى مبهما مشارا إليه بإيجاد الإشارة إليه. هذا في غير " من " و " ما " و " أي " وأما فيها فالظاهر أنها أسماء وضعت


1 - الفاتحة (1): 5. 2 - مقالات الاصول 1: 104 - 106، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 76. 3 - نهاية الاصول: 26. (*)

[ 137 ]

لعناوين مبهمة، والأمر سهل " (1) انتهى. والذي هو التحقيق بعد المراجعة إلى النظر الدقيق: هو أن الموصولات مختلفة: فمنها: ما اشرب فيها الإشارة، ولكنها ليست لمجرد الإشارة، بل هي موضوعة للإشارة إلى المفروض، قبال الإشارة إلى الموجود الحاضر، أو الإشارة إلى الموجود الغائب، من غير كون القيدين داخلين كما تقرر، فقوله: * (الذي هو يطعمني) * (2) فيه إشارة إلى موجود فرضي، إلا أن هذا قد يكون مطابقا للواقع، كما في المثال المذكور، وقد يكون فرضيا صرفا، كقوله: " الذي يحاربني لم تلده امه " وقد يكون فرضيا متوقع الوجود، كقوله: * (الذي يقرض الله قرضا حسنا) * (3) ومرادفه بالفارسية (آن كسي كه). ومنها: ما يكون مفادها المعنى الاسمي المبهم، ولا إشارة فيها بوجه، مثل قوله: " من رد عبدي... " وقوله: " رفع... ما لا يعلمون " (4) فإن المفهوم منه معنى كلي قابل للصدق على الكثيرين، ولا يصدق إلا على ما يصدق عليه الصلة. ومرادفه بالفارسية (چيزي كه) أو (كسي كه). فعليه إطلاق القولين الأولين ممنوع، وما أفاده بعنوان الاحتمال هو الأوفق بالصواب. فبالجملة: الموصولات تفارق الضمائر والإشارات، فإن منها: ما يكون مفاده المركب من معنى حرفي، ومعنى اسمي، ك‍ " الذي " و " التي ".


1 - مناهج الوصول 1: 98، تهذيب الاصول 1: 28. 2 - الشعراء (26): 79. 3 - البقرة (2): 245. 4 - الخصال: 417، وسائل الشيعة 15: 369 كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)

[ 138 ]

ومنها: ما يكون مفاده معنى اسميا مبهما مرتفعا إبهامه بما بعده، والضمائر والإشارات مشتركة معها في الإبهام، وارتفاع الإبهام بما بعدها في اللفظ، أو بالقرائن الاخر. ولكن الذي يورث إشكالا: هو أن كلمة " الذي " و " التي " من البسائط، فكيف يعقل كونها موضوعة للمعنيين اللذين أحدهما الموضوع له فيه خاص، والآخر عام ؟ ! اللهم إلا أن يقال: بتركبها كما في الفارسية، فإن كلمة (آن) وكلمة (كسي كه) مركبة، فيتعدد الوضع. أويقال: بأن الموضوع له خاص، كما اختاره الوالدالمحقق مستدلا بالتبادر (1). أو يقال: بأن الموضوع له عام، كما هو المختار. بل قد عرفت أن المعاني الحرفية في وعاء الوضع معان اسمية، وفي وعاء الاستعمال مصاديق حرفية (2)، فتلك المعاني في وعاء غير مختلفة، وفيما هي المختلفة فهو الخارج عن باب الوضع وعلقة الدلالة. هذا كله بناء على كون كلمة " الذي " مرادفا لكلمة (آن كسي كه) في الفارسية، وإلا فهو كغيره من الموصولات، فلاحظ وتدبر جيدا.


1 - تهذيب الاصول 1: 29، مناهج الوصول 1: 98. 2 - تقدم في الصفحة 134. (*)

[ 139 ]

المبحث الثالث في الاستعمالات المجازية

[ 141 ]

وهنا وجوه وطرق: الطريقة الاولى ما هو المشهور بين أهل الأدب والاصوليين (1)، وظنوا أن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، لمناسبة وعلاقة خاصة بين المعاني الحقيقية والمجازية. واختلفوا في أنه جائز مطلقا (2)، أو لابد من الوضع الشخصي (3)، أو النوعي (4)، أو المناسبة الخاصة المصرح بها في كلمات القوم، فلا يجوز التعدي عما وصل إلينا من الاستعمالات المجازية إلى غيرها، بل لابد من الاقتصار على العلاقات المعينة البالغة إلى خمسة وعشرين مثلا (5)، فذهب إلى كل احتمال جمع.


1 - مفتاح العلوم: 153 و 155، المطول: 278 / السطر 21، قوانين الاصول 1: 13 / السطر 5، الفصول الغروية: 14 / السطر 12. 2 - هداية المسترشدين: 36 / السطر 26، الفصول الغروية: 25 / السطر 26. 3 - نسبه إلى جماعة في هداية المسترشدين: 36 / السطر 26، وإلى شرذمة في الفصول الغروية: 24 / السطر 13. 4 - إشارات الاصول: 20 / السطر 19، ضوابط الاصول: 10 / السطر 27. 5 - المطول: 282 / السطر 24، شروح التلخيص 4: 25 وما بعدها. (*)

[ 142 ]

والذي اختاره " الكفاية " هو الأول (1)، فلاضيق من الجوانب الاخر، فلا حاجة إلى الوضع، ولا إلى الترخيص، ولا إلى العلاقات المعينة، بل الملاك حسن الاستعمال، وموافقة الذوق السليم، والذهن المستقيم، لشهادة الوجدان، ولما نجد من جوازه فيما لم يصل منهم بالنسبة إليه الإذن والترخيص، كما في استعمال اللفظ في نوعه ومثله. أقول: يتوجه إلى هذه الطريقة أولا: أن الوضع الشخصي أو النوعي إما لا معنى له في المقام، أو يستلزم خروج الكلام في المقام عما هو المقصود والمرام، فعليه ينحصر الأمر باشتراط الإذن والترخيص، وهو غير مبرهن، لا لعدم كون الواضع أهلا لذلك، كما في كلام القوم (2)، بل لأن الشرطية تحتاج إلى الدليل، وهو غير مذكور. وثانيا: إطلاق اللفظ وإرادة معناه الموضوع له أمر، وكون ذلك المعنى مقصودا بالأصالة أمر آخر. وبعبارة اخرى: قد يتفق إطلاق اللفظ في مورد لا يصح إلحاقه بالكلمات الموروثة من البلغاء، حتى يندرج في الطريقة الآتية عن السكاكي أو الأصفهاني، بل هو إطلاق متعارف، فإنه لا يصح حينئذ تتميم ذلك بتلك الطرق الخارجة عن أفهام متعارف الناس. مثلا: إذا سئل عن منزل زيد في شارع كذا ؟ فيقول المجيب: " اسأل هذه الدكة " فإنه ليس مقام إدراج هذه الكلمة في كلمات الفصحاء، حتى يقال: بأنه في مقام ادعاء أنه رجل مشهور في البلد، بحيث تعرفه الدكة، أو أن الدكة في هذه البلد تكون شاعرة وفهيمة وقابلة للسؤال، أو يكون في مقام أن السائل ليس من جنس


1 - كفاية الاصول: 28. 2 - كفاية الاصول: 28، نهاية الاصول: 28، منتهى الاصول 1: 33. (*)

[ 143 ]

البشر ونوع الإنسان حتى يجيبه الشاعر، بل ينبغي أن يجيبه الجامد أو غير ذلك. فعلى هذا، لا يأتي ما أفاده أهل الذوق من المعاصرين في جميع الاستعمالات. ولكن لا يلزم مع ذلك كله، استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، بل في المثال المذكور وفي جميع المواقف، لا يستعمل الهيئات ولا المواد إلا فيما هو الموضوع له، ولكنه تارة: يكون هو المقصود بالذات والأصالة. واخرى: يكون هو السبب لانتقال السائل إلى أمر آخر، فلا حذف في المقام، ولا مجاز في الكلمة، ولا في الإسناد: أما كونه سببا لذلك، فهو الواضح. وأما عدم كونه مجازا في الحذف والكلمة، فلأن السببية للنقل معناها عدم حذف المضاف، وكون الكلمة مستعملة فيما هو الموضوع له بالإرادة الاستعمالية، أيضا مانع عن كونه مجازا في الكلمة. وأما عدم كونه مجازا في الإسناد، فلأن المناط في ذلك كونه مرادا بالأصالة، وهو ممنوع فرضا. اللهم إلا أن يقال: إن المناط في ذلك هي الإرادة الاستعمالية، وهي موجودة، فلا تغفل. فبالجملة: المجاز بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له، غير مرضي، والمجاز - بمعنى أنه معبر ما هو المقصود بالأصالة - محقق، والذي هو المصحح لتلك الاستعمالات المجازية، التسهيل في الأمر، وأداء المقصود بأسهل ما يمكن، لأن النظر ليس مقصورا على مفاد الجمل مطابقة، بل المنظور الأصلي هو الأمر الآخر، فتدبر.

[ 144 ]

الطريقة الثانية ما أفاده السكاكي في خصوص الاستعارات (1)، وهو السبب لانتقال الشيخ أبي المجد محمد رضا الأصفهاني (رحمه الله) في " الوقاية " إلى تهذيبه وتوسعته: فهذبه بدعوى: أن اللفظ لا يستعمل في خصوصيات المورد فيما إذا قيل: " رأيت أسدا يرمي " فإنه يستلزم المجازية حتى في المصداق الحقيقي. ووسعه بعدم اختصاص ذلك في الاستعارة، بل هو جار في جميع المجازات، حتى المركبات والكنايات (2). وملخص ما أفاده: أن حقيقة المجاز ليست إلا تبادل المعاني والتلاعب بها، لا باستعارة الألفاظ وتبادلها، وإنما حسن المجازات من جهة توسعة المفاهيم إلى ما لا يسعه وضع ألفاظها، ولا يشمله نفس تلك المفاهيم ابتداء، ولكن بعد ادعاء كون هذا منه تشمله حكما. مثلا: في قوله تعالى: * (إن هذا إلا ملك كريم) * (3) ليس حسن المجاز المستعمل فيه اللفظ من جهة إعادة لفظ " الملك " خلوا عن معناه، لوجود يوسف، وجعلهما متحدين في الاسم، بل لأن " الملك " استعمل في الماهية المعهودة من الروحانيين، واطلق اللفظ عليها واستعمل فيها، وادعي انطباقها على المعنى الادعائي. وقس عليه قولنا: " رأيت أسدا وحاتما " فإن لفظي " الحاتم " و " الأسد "


1 - مفتاح العلوم: 156. 2 - وقاية الأذهان: 103 - 112. 3 - يوسف (12): 31. (*)

[ 145 ]

استعملا في معناهما، ولكن ادعي أن زيدا هو الأسد، وهو الحاتم. وما أفاده يسري في جميع الكلمات المجازية المستعملة في القرآن وأشعار الفصحاء والبلغاء، ولا يشذ عنه شئ من المجاز المرسل وغيره حتى المركبات، ففي قول الفرزدق: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم (1) يكون الاستعمال فيما وضع له، بضميمة ادعاء أنه في الشهرة بالغ إلى حد يعرفه كل شئ. وفي قولهم: " أراك تقدم رجلا، وتؤخر اخرى " لا يستعمل المفردات ولا الهيئات إلا في الموضوع له، ولا معنى لدعوى استعمال هذه الجملات في الرجل المتردد، بل هذا هو بيان حال مثله. ولهذه المقالة خضع جمع من الأعلام، كالوالد، والسيد البروجردي (2)، وهي مما لا تنكر بنحو الإجمال بالضرورة. أقول: قد عرفت أن ما أفاده لايتم في المجازات الرائجة في كلمات أراذل الناس، وعوام الامة، فلا حاجة إلى ضميمة الادعاء إلا في مواقف خاصة وكلمات الأولياء والخبراء من الفن. فبالجملة: ما أفاده من قبيل " الحكومة " المصطلحة في هذا الفن، فإذا ورد: " لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (3) أو ورد: " الطواف بالبيت صلاة " (4)


1 - ديوان الفرزدق 2: 178. 2 - مناهج الوصول 1: 104 - 107، نهاية الاصول: 29 - 31. 3 - وسائل الشيعة 8: 229 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8. 4 - عوالي اللئالي 1: 214 / 70، مستدرك الوسائل 9: 410 كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2. (*)

[ 146 ]

فلايراد منه إلا نفي السهو، أو دعوى أنه عين المحمول، وما هذا إلا سلب الحكم، أو إثباته وإسراء الحكم إلى الموضوع. ولكنه غير خفي: أن ما يجده الذوق السليم والطبع المستقيم في هذه المواقف، لا يلازم كونه مطابقا للواقع، لخلو كلمات كثيرة - حتى من أبناء الخطابة أحيانا - من هذا الدعاوى، فلابد من قرينة على هذا، وإلا فيندرج فيما ذكرناه: من أن الاستعمال كثيرا ما يكون بداعي الانتقال إلى المعاني الاخر المقصودة بالذات، فافهم وتدبر جيدا. الطريقة الثالثة ما مر منا في مباحث الوضع: وهو أن الألفاظ ليست موضوعة إلا للمعاني العامة، فإذا اطلق " الميزان والكتاب والقسطاس والصراط " وأمثال ذلك، واريد منها غير ما هو الموضوع لها بدوا، فليس هو إلا لأجل توهم أن دائرة الموضوع له مضيقة (1). وأما إذا كان هو الموضوع لأمر أعم، فيكون " الميزان " موضوعا لما يوزن به، وهكذا غيره، فما يراد من هذه التعابير، ليس من المجاز، بل هي عين الحقيقة، لأنها موضوعة لمعنى أعم. وإرادة يوسف من " الملك الكريم " من هذا القبيل، لأنه موضوع لكل ما كان فيه غلبة الروحانية، سواء كانت في المادة، أم لم تكن، فالحكومة بالإخراج في قوله: * (ما هذا بشرا) * (2) ليست إلا لعدم انطباق المعنى


1 - تقدم في الصفحة 109. 2 - يوسف (12): 31. (*)

[ 147 ]

الموضوع له عليه واقعا بالإدراج في قوله: * (إن هذا إلا ملك كريم) * (1) أيضا مثله. أقول: قد مر (2) ما في هذا المنهج المصرح به بعض أرباب التفسير والعرفان في كتبهم (3)، ولو صح ذلك في بعض اللغات، فلا يمكن تمشيه في هذا الموقف، ضرورة أن في مثل: * (وسئل القرية التي كنا فيها والعير) * (4)، وفي قوله: " والبيت يعرفه " (5) لايتم هذه المقالة، وهكذا في الاستعمالات المتعارفة، وفي المجازات المركبة، فلاينبغي الخلط. فتحصل: أن الطريقة الاولى غير صحيحة، والطريقتين الأخيرتين غير كافيتين، بل لابد من تأسيس أمر آخر، كما اشير إليه.


1 - يوسف (12): 31. 2 - تقدم في الصفحة 109 - 110. 3 - أسرار الحكم: 53، شرح الأسماء الحسنى: 428، مصباح الهداية: 39. 4 - يوسف (12): 82. 5 - تقدم في الصفحة 145. (*)

[ 149 ]

المبحث الرابع استعمال اللفظ في اللفظ

[ 151 ]

استعمال اللفظ في اللفظ إذا قيل: " زيد لفظ " أو " ثلاثي " أو " كيف مسموع " أو قيل: " ضرب فعل ماض " أو قيل: " زيد في قولك هذا: ضرب زيد، فاعل " أو قيل: " زيد في جملة ضرب زيد، فاعل " فهل هذا من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، إلا أن المعنى هنا هو اللفظ، فيكون استعمال اللفظ في اللفظ ؟ ! أو هو من سنخ آخر في باب المحاورات العرفية، وليس استعمالا فيه، بل هو الإلقاء والإطلاق والإيجاد، فيكون من قبيل الإشارة إلى الموجود الخارجي والحكم عليه " بأنه عالم " أو " قائم " فلا تكون القضية الملفوظة ذات موضوع ملفوظ، بل هو محذوف ومعلوم، فتكون القضية مركبة من الموضوع الخارجي والمحمول اللفظي ؟ فهاهنا طريقان: المشهور هو الأول، والذي اختاره بعض السادة من أساتيذنا هو الثاني (1)، وكنا في سالف الزمان نؤيده. والحق هو التفصيل: بين ما كان من قبيل الإطلاق والإلقاء وإرادة الشخص، كما في المثال الأول، فإنه من قبيل الثاني، وما كان من قبيل الاستعمال وإرادة النوع والمثل والصنف، كما في الأمثلة الاخرى، فهو من قبيل الأول، وذلك لشهادة الوجدان، ومساعدة البرهان، ضرورة أن لفظ " زيد " في الجملة المعروفة لا يكون


1 - نهاية الاصول: 34 - 35. (*)

[ 152 ]

حاكيا، ولا دالا، فلا يكون مستعملا في شئ لأن الاستعمال يلازم الدلالة والحكاية. ولا أقول هذا للزوم اتحاد الدال والمدلول (1)، حتى تصبح المسألة في واد آخر خارج عن المقام، بل الوجدان قاض بذلك. فما هو الموضوع في القضية موجود خارجي، ولو كان حاكيا عن أمر ذهني تكون القضية كاذبة، لأن زيدا المعقول ليس ملفوظا، ولا شئ آخر حتى يكون هو الحاكي عنه، ولا داعي إلى الالتزام بالاستعمال، ولا برهان عليه. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - في المقام (2)، يناقض ما أفاده في حروف الإشارة (3)، ضرورة أن الخارج يكون موضوع القضية، ومحكوما عليه، كما في الإشارة بالإصبع إلى العين الخارجية، والحكم عليها " بأنها كذا وكذا ". وليس ذلك معناه نيل الخارج حتى يلزم الخلف، لأن ما هو في الخارج إذا نالته الأنفس يكون ذهنيا، بل لو كان ذلك منقلبا إلى الذهن يلزم كذب القضية ف‍ " زيد " في قولنا: " زيد لفظ " وإن كان مسببا لحصول الصورة المعقولة من الكيف المسموع غير القار، إلا أن المحكوم عليه ليس تلك الصورة، لأنها ليست ملفوظة. فما كان هو الملفوظ، هي الحركة الخارجية الصادرة من مخارج الحروف المركبة منها كلمة " زيد " وسائر الكلمات والحروف والجمل، وهذا هو الموضوع للقضية، دون الأمر الآخر، كما إذا قيل: " العدم موجود " مريدا به وجوده اللفظي أو الكتبي، فإن الموضوع في هذه القضية أيضا نفس ما هو الصادر، ولا أمر وراء ذلك حتى يكون العدم دالا عليه، وحاكيا عنه.


1 - الفصول الغروية: 23 / السطر 39، كفاية الاصول: 29، درر الفوائد، المحقق الحائري: 40. 2 - مناهج الوصول 1: 108 - 109، تهذيب الاصول 1: 46 - 47. 3 - مناهج الوصول 1: 96 - 97، تهذيب الاصول 1: 39. (*)

[ 153 ]

وأما حديث الاختلاف الاعتباري بين الدال والمدلول، فيكون ما نحن فيه من قبيل الاستعمال (1)، فهو - مضافا إلى عدم البرهان على لزومه - غير تام، للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين غير القابل للارتفاع بالاعتبارين المختلفين. ولو سلمنا عدم تقوم الاستعمال بحقيقته باللحاظ الآلي والاستقلالي، بل ذلك في نوع الاستعمالات، دون ماهيتها، فيكون الاستعمال في المقام بمعنى سببية اللفظ الموضوع لحضور الصورة المعقولة منه، ثم بعد ذلك تنطبق تلك الصورة المعقولة على الموضوع الملفوظ المحكوم عليه " بأنه لفظ " أو " ثلاثي " أو " كيف مسموع " أو غير ذلك، فلا تعدد في اللحاظ، بل التعدد يحصل بالاستعمال الإيجادي، فإنه أيضا نوع من الاستعمال، فلا نسلم كون ما نحن فيه من هذا القبيل، لشهادة الذوق السليم على خلافه. مع أن ما ذكرناه في الحروف الإيجادية (2)، ليس من الاستعمال، فحروف النداء موضوعات لاعتبار النداء بعد الإلقاء والإيجاد، وليست مستعملات في المعاني الموجودة بها، فتأمل. ومما يشهد على ما ذكرناه قولنا: " ديز مقلوب زيد " فإن ما ذكرناه فيه من الواضح، كالنار على المنار. هذا مع أن الاختلاف الاعتباري بين الدال والمدلول، لا يستلزم تعين كون ما صدر دالا، وهو بنفسه مدلولا، لإمكان العكس، ولا معين في البين. فعلى ما تقرر، تكون القضية المعروفة " زيد لفظ " قضية موضوعها الموجود الخارجي، ومحمولها المعنى الكلي، بالاستعمال الحقيقي، ولا برهان على لزوم كون القضية الملفوظة حذاء القضية الخارجية.


1 - كفاية الاصول: 29. 2 - تقدم في الصفحة 97 - 98. (*)

[ 154 ]

وإن شئت قلت: إن هنا تكون القضية الملفوظة عين القضية الخارجية، أو تكون القضية هنا مركبة من الموضوع الخارجي الذي هو الملفوظ، والمحمول اللفظي المتحد مع الموضوع خارجا. هذا كله فيما إذا اطلق اللفظ، واريد شخصه. وأما فيما وراء ذلك، مما كان الموضوع غير مشمول للمحمول، كما في الأمثلة الاخر، ومنها: ما إذا اطلق اللفظ واريد منه جنسه، كقوله: " ضرب فعل ماض " فإن المتبادر منه الانتقال من هذه اللفظة إلى المصاديق المستعملة منه في الجمل، ولا يكون المقصود ما إذا أطلق واريد منه نفس الطبيعة النوعية، لأنها ليست فعلا ماضيا، فما هو الفعل الماضي هو المستعمل في الجمل، فعلى هذا يكون في الحقيقة استعمال، إلا أنه مجازي. ولكنه لا بمعنى استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، بل بالمعنى الذي عرفت منا في الاستعمالات المجازية (1). إن قلت: مجرد الانتقال إلى أمر وراء اللفظ، ليس من الاستعمال (2). قلت: نعم، إذا اريد منه الاستعمال الحقيقي، وأما الاستعمال المجازي، فهو ليس إلا الانتقال من اللفظ إلى ما اريد به، وما هو المقصود للمتكلم حين الاستعمال، فحقيقة الاستعمال: هي الاستفادة من اللفظ لإحضار أمر ذهني، هو مقصود المتكلم ومرامه ومراده، وبهذا المعنى يمكن استعمال " البياض " في السواد وبالعكس. فتحصل: أن كلمة " ضرب " اطلقت واريد منها ما هو المستعمل في الجملة التصديقية، وهذا هو الاستعمال، أي الاستفادة من اللفظ لإحضار ما هو الأمر الغائب عن الناس، ويكون ذهنيا ونفسانيا.


1 - تقدم في الصفحة 142 - 143. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 34. (*)

[ 155 ]

فما ذهب إليه بعض الأعلام - مع الالتزام بالتكلفات الباردة - (1) غير لازم جدا، فلا تغفل. وإجماله: هو أن المتكلم الموجد للفظة " ضرب " إذا أتى بعد ذلك بقوله: " لفظ " فهو القرينة على أنه أراد منه شخص هذا اللفظ. وإذا أتى بعد ذلك بقوله: " فعل ماض " فهو القرينة على أنه أراد منه الطبيعة، مع إلغاء الخصوصية، أو عدم لحاظها. وإذا أتى بقوله: " فعل ماض في قولي: ضرب زيد " فهو القرينة على إرادته ما يماثله في خصوص هذه الجملة. وإذا أتى بقوله: " فعل ماض في جملة: ضرب زيد " فهو القرينة على إرادة الصنف منه. ففي جميع الصور، يكون إلقاء اللفظ وإيجاد الموضوع، وباختلاف الحكم يعلم نظره. وفيه نقضا: أنه يلزم كون الموضوع في هذه القضايا مشمول المحمول، مع أن الأمر واضح المنع. وتوهم: أنه مما لا بأس بالالتزام به (2)، من أفحش المفاسد والغرائب، ضرورة أن كلمة " ضرب " ليس فعلا ماضيا، بل الفعلية والماضوية والمضارعية من أوصاف المعاني، لا الألفاظ حتى يقال: بأنها في هذه الجملة أيضا فعل ماض، ولكنها لم تستعمل في الفعل الماضي، فلا تخلط. وحلا: أن الوجدان قاض باختلاف إرادة المتكلم الذي يريد الإخبار عن ماضوية " ضرب " في جميع الجمل بنحو القضية الحقيقية، والذي يريد إيجاد اللفظ


1 - لاحظ نهاية الاصول: 34، محاضرات في اصول الفقه 1: 94 - 102. 2 - نهاية النهاية 1: 21، محاضرات في اصول الفقه 1: 102. (*)

[ 156 ]

وإرادة النوع منه، فإن بين المتكلمين بعد التحليل فرقا واضحا، وعليه يمكن الأخذ بالمسلكين: الاستعمال، والإلقاء. ولكن الذي هو المتفاهم العرفي هو الأول، دون الثاني. اللهم إلا أن يقال: بأن الاستعمال المجازي فرع الاستعمال الحقيقي، فإذا لم يكن الاستعمال الحقيقي فيما نحن فيه - لعدم الوضع الآخر لكلمة " ضرب " غير الوضع النوعي لمادتها وهيئتها - فلا معنى للاستعمال المجازي. ويمكن دعوى الاستعمال الحقيقي، لما عرفت: من إمكان الوضع بالاستعمال (1)، فللمتكلم وضع كلمة " ضرب " بالوضع الشخصي، إلا أنه من الوضع العام والموضوع له الخاص، فيكون ممتنعا، إلا بالوجه الذي عرفت منا في محله (2)، فليتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 63 - 64. 2 - تقدم في الصفحة 69 - 71. (*)

[ 157 ]

المبحث الخامس وضع الألفاظ لذوات المعاني

[ 159 ]

وضع الألفاظ لذوات المعاني هل الألفاظ موضوعة لذوات المعاني، فيكون " الإنسان " موضوعا لطبيعة الحيوان الناطق ؟ أو هي موضوعة لتلك المعاني المتقيدة بالإرادة بالحمل الشائع، أو المتقيدة بها بالحمل الأولي ؟ أو المتضيقة على نعت القضية الحينية، فلا يكون تقييد في جانب الموضوع له، ولكن مع ذلك لا إطلاق في مقام الوضع، لأن التقييد يستلزم المحذور، وهكذا الإطلاق ؟ أما محذور التقييد، فللزوم كون الموضوع له خاصا في الفرض الأول، ولزوم كون جميع الاستعمالات مجازا في الفرض الثاني. وأما محذور الإطلاق، فهو اللغوية، لأن الأعمية مما لا معنى لها بعد كون الوضع بداعي الإفهام، فعليه يتعين الحد الوسط، وهو خير الامور. أقول: البحث هنا مخلوط، وقد وقع الأعلام في الخلط بين الأغراض والمقاصد المتأخرة - وهي التي تكون ملحوظة في الاستعمالات - وبين ما هو الملحوظ تصورا حين الوضع وإنشاء العلقة الاعتبارية، والذي هو محل الكلام في المقام هو الثاني، والأول من توابعه، ولايجوز لحاظ الجهات الموجودة في مرحلة

[ 160 ]

الاستعمال في مرحلة الوضع والإنشاء. وقد تقرر: أن تلك العلقة بين الألفاظ والمعاني، تحصل بالأسباب المختلفة، ومنها: التعهد والتباني (1)، فإنه يورث حصولها وإن لم يكن استعمال، وإلا يلزم عدم الموضوع له للألفاظ، ويكون كتب اللغة لغوا، لأن ما هو الموضوع له هو المعاني حال الاستعمال، لا الأعم، مع أن ضرورة الوجدان قاضية على خلافهم. فما في " الدرر " لشيخ مشايخنا الحائري (رحمه الله) (2) لا يخلو من تأسف. وتوهم: أن ذكر المعنى بعد إلقاء اللفظ في عالم التصور من أجل شدة الانس (3) - مع أنه منقوض بما إذا لم يكن العالم بالوضع مأنوسا - يستلزم المحذور الآخر: وهو أن المتكلم بقوله: " الأسد يرمي " مادام لم يفرغ من الكلام، لا يخطر بالبال لأجل الوضع من كلامه شئ، بل الخطور لأجل الانس أولا، ثم بعد تمامية قوله: " يرمي " يخطر ثانيا لأجل الوضع، والالتزام بهذا المحذور كالالتزام بالتناقض جدا. فما نسب إلى العلمين البلخي والطوسي (رحمه الله) (4) من إنكار الدلالة الوضعية، وإثبات انحصار الدلالة بالتصديقية، أي بالجمل المستعملة (5)، أو نسب إليهما: من كون الموضوع له مقيدا بالإرادة والقصد (6)، غير قابل للتصديق، ضرورة أن القضية مركبة من الدلالة التصورية والتصديقية، ولا يعقل دلالة الموضوع على التصديق، أو على التصور والتصديق، كما لا يعقل إنكار دلالته، ولا شبهة في أن الدلالة من


1 - تقدم في الصفحة 47 - 48. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 41 - 42. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 104 - 105. 4 - لاحظ الشفاء، قسم المنطق 1: 42، شرح الإشارات 1: 32. 5 - كفاية الاصول: 31 - 32، نهاية الأفكار 1: 64 - 65. 6 - الفصول الغروية: 17 / السطر 40. (*)

[ 161 ]

متفرعات الوضع، وعدم دلالة كلمة " الأسد " على شئ بالوضع عند الإلقاء، لا ينافي دلالته عليه حين إفادة الجملة. مع أن الإرادة لا تتعلق بالمعنى التصوري، بل تتعلق بالمعنى التصديقي، فالمتكلم ناهض ومريد لإثبات رمي الأسد، وأنه يرمي، ولا يكون مريدا للأسد، ف‍ " الأسد " يدل على المعنى مع أنه ليس مرادا قطعا، والإرادة المتعلقة بالاستعمال موجودة فيما إذا أراد إلقاء الأسد، يعلم أن المخاطب يفهم منه شيئا ويخطر بباله معنى، أم لا، فهي مشتركة بين الصورتين والفرضين. فتحصل: أن احتمال دخول الإرادة في الوضع، منشأه الغفلة عن أن تلك الصفة، من الأوصاف المتعلقة بالمعاني التصديقية، ولا يعقل تعلقها بالمعاني التصورية، سواء كانت هي مصحوبة بالتصديقية، أو كانت خالية عنها، وكانت لمجرد الاطلاع على أن المخاطب عالم باللغة أم لا. وما يستظهر من كلمات القوم صدرا وذيلا، لا يخلو من مناقشات لا خير في إظهارها وإفشائها. هذا، وكان الأولى أن يجعل عنوان البحث حول أن الهيئات التامة موضوعة للمعاني المرادة، أم لا، حتى يقال: بأنها موضوعة لإثبات المعاني المرادة، كما عرفت منا تفصيله (1). فما اشتهر في عنوان البحث (2) لا يخلو من التناقض، لأن معاني الألفاظ ليست قابلة لتعلق الإرادة بها، وما هو قابل لتعلق الإرادة به فرضا هو معنى الهيئات، فافهم وتدبر جيدا. وإن شئت قلت: ما يمكن أن يجعل عنوانا في البحث هنا: " هو أن الألفاظ هل هي موضوعة للمعاني المتصورة بما هي متصورة، أم لا " والجواب: هو أنها


1 - تقدم في الصفحة 117 - 122. 2 - الفصول الغروية: 17 / السطر 29، كفاية الاصول: 31، درر الفوائد، المحقق الحائري: 41، نهاية الأفكار 1: 63، محاضرات في اصول الفقه 1: 105. (*)

[ 162 ]

لذوات المعاني، بحكم التبادر. ولك إحداث البحث الآخر حول ما هو الموضوع للهيئات التامة، كما اشير إليه، والجواب ما عرفت الإيماء إليه: وهو أن الضرورة قاضية بأن الإرادة تتعلق بإثبات المحمول للموضوع، وإثبات نحو من الاتحاد بينهما، فهي علة، وذاك معلول، ولا وجه لكون العلة بعنوانها قيدا لمعلولها. مع أن المتبادر من معنى الهيئات، هو الأمر الخالي من هذه الجهات، وما قيل: من لزوم اللغوية (1)، واضح المنع، لأن اللغو الباطل، هو الوضع للمعنى مع العلم بعدم الاستعمال أبدا، دون الوضع للمعنى مع العلم بالاستعمال في الجملة، ولا حاجة إلى جعل الألفاظ موضوعة للمعاني المضيقة غير القابلة للانطباق إلا على المراد.


1 - الفصول الغروية: 17 / السطر 34 - 35. (*)

[ 163 ]

المبحث السادس علائم الحقيقة والمجاز

[ 165 ]

تمهيد المتعارف جعل العنوان المتكفل لجهة البحث قبل الورود فيه، ولكن العلامة الخراساني (رحمه الله) لم يعنون ذلك (1)، وما هذا إلا للزوم الشبهة فيما عنونه القوم: فعنون جماعة منهم البحث هنا هكذا: " في علائم الحقيقة والمجاز وأماراتهما " (2). وأنت خبير: بأن جهة البحث هنا حول تشخيص المعنى التصوري للألفاظ، وحدود ما هو الموضوع له، وأما الحقيقة والمجاز فهما من الأوصاف الطارئة على الاستعمال، ولا بحث هنا في ذلك قطعا. وعنونه العلامة الأراكي (رحمه الله) هكذا: " في علائم الوضع " (3). وقد عرفت منا: أن " الوضع " سواء كان المراد منه المعنى المصدري القائم بالواضع، أو المعنى الحاصل من المصدري، ليس مورد البحث في مباحث الوضع (4)، ضرورة أن ما هو مورد الكلام هناك، بعد الفراغ عن حصول العلقة بين


1 - كفاية الاصول: 33. 2 - نهاية الأفكار 1: 66، نهاية الاصول: 39، مناهج الوصول 1: 124، محاضرات في اصول الفقه 1: 113. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 96. 4 - تقدم في الصفحة 61 - 62. (*)

[ 166 ]

قوافل الألفاظ وسلسلة المعاني، وتلك العلقة معلولة العلل المتعددة، فعليه لا تكون الجهة المبحوث عنها هنا ذلك. فما هو الحري بأن يجعل عنوانا للبحث هو هكذا: " في تشخيص ما هو طرف تلك العلقة المفروغ عنها " فإن الأدلة المذكورة في المقام تمامها منسوجة لفهم ذلك، وأن اللفظ وجوده معلوم، ومعناه - وهو ما ينتقل منه إليه بدون الواسطة الاخرى والدخيل الآخر - مجهول بشخصه، ومعلوم بأصله، أي أصل كون هذا اللفظ ذا معنى واضح، ولكنه بخصوصيته وتشخصه مجهول، فالبحث هنا حول ما يستدل به على تشخيصه وتمييزه. العلامة الاولى: التبادر إذا عرفت ذلك فاعلم: أن من جملة ما استدل به في المقام هو التبادر، فإن مبادرة المعنى من اللفظ بدون الدخيل الآخر - وجوديا كان، أو عدميا - وانسباقه إلى الذهن من نفس تلك اللفظة، دليل على تلك العلقة الاعتبارية بين اللفظ والمعنى. وأما سبب حصول تلك العلقة، فهو أمر آخر ربما يكون جعل الواضع، أو غير ذلك من الامور التي ذكرناها (1). فالتبادر ليس إلا دليل تلك العلقة إثباتا، ولا مدخلية له في مرحلة الثبوت، فبذلك يستكشف وجودها، ولا يتوقف وجودها عليه، بل هو معلول الامور الاخر. أقول: لا معنى لكونه دليلا عليه مع تقوم دليليته بالدليل الآخر، وهو العلم من الخارج بتلك العلقة، ضرورة عدم معقولية الانسباق إلا بعد العلم بتلك العلقة، ومع العلم بها لا معنى لانكشافها ثانيا، لأن الشئ لا ينكشف مرارا، بل الصورة الثانية


1 - تقدم في الصفحة 61 - 62. (*)

[ 167 ]

مع أنها صورة علمية إلا أنها ليست كاشفة بالتأسيس، إلا مع الغفلة والذهول، ولذلك ذكرنا في محله: امتناع قيام البراهين - بالحمل الشائع - على الأمر الواحد (1)، كما لا يخفى. ومن هنا يعلم ضعف ما سلكه القوم في المقام: بأن التبادر موقوف على العلم بالوضع، والعلم بالوضع موقوف على التبادر (2)، فاجيب بما اجيب، مع ما في أجوبتهم من النقوضات الكثيرة، فالعلم بالوضع لا يتوقف على التبادر، بل هو يحصل من طريق آخر، بمعنى أن إخبار المطلعين يورث العلم بأن معنى " الأسد " هو الحيوان المفترس، ثم بعد ذلك يتبادر منه ذاك، وليس منشأ هذا التبادر إلا العلم بالوضع والاعتقاد به. وأما حديث الإجمال والتفصيل (3) فهو غير صحيح، وأحسن ما قيل في تقريره ما عن الشيخ الرئيس في نظائر المقام وهو: " أن العلم التفصيلي بأن معنى هذا ذاك - على نحو القضية الحملية - موقوف على التبادر، وهو ليس موقوفا على هذا العلم التصديقي المحتاج إلى تصور الموضوع والمحمول، بل يحصل بالعلم الارتكازي من مبادئه وعلله، كعلم الأطفال بمعاني الألفاظ ومفاد اللغات " (4) انتهى. وأنت خبير: بأن حدود العلم التفصيلي، تابعة لمقدار انكشاف المعلوم بالعلم الإجمالي، وما في كلامه من التمثيل، دليل على أن علم الأطفال بمعاني اللغات هو العلم التصديقي، ولا يعقل ذلك إلا بعد التصور، ولا يلزم علمهم بالاصطلاح، وهو مفهوم " التصور " و " التصديق " فعلم الأطفال بمعاني اللغات، ليس إلا العلم


1 - القواعد الحكمية، للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - هداية المسترشدين: 44 / السطر 40، الفصول الغروية: 33 / السطر 22، كفاية الاصول: 33. 3 - الفصول الغروية: 33 / السطر 28 - 32، كفاية الاصول: 33، مقالات الاصول 1: 30 - 31. 4 - لاحظ التعليقة الرشيقة، الحكيم الآشتياني: 267. (*)

[ 168 ]

التصديقي الذي هو العلم الموقوف عليه فيكون الموقوف والموقوف عليه واحدا، كما لا يخفى. فبالجملة: لا معنى لكون التبادر كاشفا عن الوضع وتلك العلقة، وعن كون المعنى المنسبق إلى الذهن، مستندا إلى حاق اللفظ وصريح الكلمة، أو حاق الهيئة وصريح الجملة، لعدم اختصاص الجهة المبحوث عنها بمعاني اللغات. وأعجب من هذا ما في " الكفاية ": " من أن المتعلم يرجع إلى العلماء، فالتبادر عندهم سبب حصول علم الجاهل " (1) ! ! وجه التعجب: هو أن علم هؤلاء العلماء من أين جاء، وهم كيف صاروا عالمين ؟ ! فلا يندفع الدور بذلك، ولا يكون علم المتعلم بمعنى اللغة، لأجل التبادر القائم عنده، بل هو لأجل إخبار المطلعين، أو الاطلاع على فهمهم ذلك من اللغة بالقرائن المختلفة المتنوعة، كما مر في كلامنا السابق. مع أن ما هو المقصود في الكلام، هو أن يحصل العلم بالتبادر حتى لا يكون لغوا، ولا دورا، وهو ممنوع كما عرفت. هذا، ولو كان التبادر دليل الوضع، يلزم فيما إذا تبادر أحد المعاني من المشترك اللفظي، اختصاصه بما تبادر، فيكون مجازا في غيره، مع أن ذلك واضح المنع، فالمناط في الحقيقة والمجاز ليس التبادر وعدمه. ولو قيل: خطور المعنى من اللفظ إلى الذهن أمر، وكونه مستندا إليه من غير دخالة الأمر الآخر أمر آخر، والأول هو العلم الإجمالي، والثاني هو التفصيلي، فيندفع الدور. قلنا: نعم، إلا أن العلم التفصيلي هنا يرجع إلى العلم الآخر بأمر آخر: وهو أن هذا المعنى يخطر من هذا اللفظ إلى الذهن، ثم يتوجه تفصيلا إلى أنه لا دخل له في


1 - كفاية الاصول: 33. (*)

[ 169 ]

ذلك، بل هو مستند إلى حاق اللفظ، فكأنه كان شاكا في ذلك، فبدل شكه إلى العلم، لا أن علمه الإجمالي بدل إلى التفصيلي، فافهم وتدبر جيدا. وبعبارة واضحة: لا يندفع الدور إلا إذا كان الموقوف والموقوف عليه، مختلفين بالشخص، أو في المرتبة، وأما الاختلاف بالإجمال والتفصيل، فهو ليس دافعا للدور، لوحدة الشخص كما لا يخفى. وحيث سقط دلالة التبادر على الوضع، فلا نطيل الكلام في بعض شرائطه. نعم، هنا إشكال في أصل دلالته: " بأنه إن كان يستدل به على الوضع التعييني، فهو ممنوع. وإن كان يستدل به على الأعم منه ومن التعيني، فلا معنى له، لأن معنى وضع الجامع للقسمين، ليس إلا كون اللفظ بحيث إذا سمع فهم منه المعنى، وهو نفس التبادر " (1) انتهى. أقول: هذا ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) وما فيه غير خفي، ضرورة أن التبادر ليس من أسباب حصول العلقة بين اللفظ والمعنى، فربما تحصل العلقة، ولا دليل على حصولها إلا إخبار المطلعين، أو التبادر، بناء على إمكان كونه دليلا. تنبيه: في الاستصحاب القهقري وأصالة اتحاد العرفين إن الاطلاع على معاني اللغات بعد المراجعة إلى أهل المحاورة والغور معهم فيها، ممكن واضح، ولكن لا يثبت بذلك كون المعنى الموجود، هو المعنى الملحوظ في حال الوضع، فلعله مهجور، وهذا طارئ عليه. وهذا مما لا شبهة فيه. ولكنه إن اريد بذلك نفي جواز التمسك بكلمات السابقين، فهو ممنوع، لأصالة اتحاد العرفين، وهو الأصل العقلائي. ومن عجيب ما قيل في المقام هو التمسك بالاستصحاب القهقري، ظنا أنه


1 - نهاية الاصول: 40. (*)

[ 170 ]

الأصل العقلائي في خصوص المسألة (1) ! ! وأنت خبير: بأن هذا غفلة وذهول عن حقيقة الاستصحاب، وهو المتقوم بالشك المستقر، دون الاحتمال العقلي، فلو كان دليل حجيته بناء العقلاء، فلابد من فرض شكهم في ذلك، واستقرار ذلك الشك في نفوسهم، ولا يمكن ذلك إلا مع القرينة القائمة العقلائية. كما لو فرضنا أن معنى " الأسد " فعلا هو الحيوان المفترس، وفرضنا أنه كان معناه في زمن من الأزمنة غير ذلك، فهل ترى من نفسك تمسكهم بهذا الاستصحاب القهقري حتى يرجعوا بذلك إلى فهم مراد المولى في كلامه المردد أنه استعمل في المعنى الأول، أو المعنى الثاني ؟ ! أو يلاحظون النسبة بين الأصلين المتعارضين، ويقدمون أحدهما على الثاني، فما هذا إلا الوهم الخالي من التحصيل. فما هو الدليل المرجع للعقلاء أصالة عدم النقل، أو أصالة اتحاد العرفين، وهي مثل أصالة الظهور، أي أن بناء العقلاء على عدم الاعتناء بهذه التسويلات الباطلة، لا أن بناءهم على العمل بالاستصحاب مع وجود الشك الفعلي المستقر في نفوسهم، فإنهم عند ذلك لا يعتنون، ولا ينعقد الظهور بمثل هذا الأصل، كما هو الظاهر. تذنيب: في التمسك بأصالة عدم القرينة لاشبهة في عدم ثبوت المعنى الموضوع له بأصالة عدم القرينة، سواء كانت أصلا شرعيا، أو عقلائيا، وإنما الإشكال في أصل طرو الشك في أن المعنى المفهوم من اللفظ، هل هو مستند إلى حاقه، أو إلى قرينة، وجودية كانت أو عدمية، داخلية كانت أو خارجية، ضرورة أن الأمر دائر بين العلم بأنه يفهم منه ذلك، وبين العلم بأنه لا يفهم منه ذلك، ولا وجه لفهم المعنى منه واحتمال استناده إلى القرينة. فما في كلام


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 114. (*)

[ 171 ]

القوم (1) مجرد احتمال وبحث، ولا واقعية له كما لا يخفى. ذنابة: في عدم التبادر وتبادر الغير قيل: عدم التبادر أو تبادر الغير، علامة المجاز (2). وقيل: " عدم التبادر أعم، فلا يكون علامة " (3). والذي هو الظاهر: أنه لا معنى لتبادر الغير، فإنه لو كان دليلا فهو لأجل عدم تبادر المعنى المقصود، لا لأجل تبادر الغير. وأما عدم التبادر، فإن كان مستوعبا - أي لا يتبادر منه المعنى عند الكل - فيعلم عدم وجود العلاقة الفعلية التي هي الوضع، وسبقها وهجرانها لا يستلزم الوضع الفعلي، فيكون عدم التبادر دليلا على عدم وجود الربط بين اللفظ والمعنى فعلا. وإن كان الاستيعاب مشكوكا، فلا يكون علامة عدم وجود العلاقة، لأعميته كما هو الظاهر. نعم هو دليل عدم الربط والعلقة في تلك المنطقة. وأما عدم التبادر عند الآحاد الخاصة، فهو أعم مطلقا، لأن من شرائطه العلم الارتكازي، وإذا كان هو معدوما فلا تبادر، لانتفاء الشرط. وما يظهر من العلامة الأراكي من الأعمية (4)، في غير محله، ضرورة أن عدم الوجدان هنا دليل عدم الوجود، لأن وعاء الربط المذكور بين اللفظ والمعنى أذهان الناس، وإذا كانت هي خالية بعدم التبادر فيعلم عدم وجوده، كما لا يخفى.


1 - قوانين الاصول 1: 14 / السطر 25، هداية المسترشدين: 44 / السطر 38 - 40، كفاية الاصول: 33 - 34. 2 - قوانين الاصول 1: 13 / السطر 15، الفصول الغروية: 32 / السطر 15، نهاية الاصول: 39. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 98. 4 - نفس المصدر. (*)

[ 172 ]

العلامة الثانية: صحة الحمل ومنها: صحة الحمل المعبر عنها: ب‍ " عدم صحة السلب " أي نجد جواز الحمل. ولا يشترط في ذلك الحمل الشائع. فإمكان الحمل، وعدم إمكان السلب، كاف في ذلك، أي في كونها علامة تشخيص الموضوع له، فإذن يسقط كونها علامة، للزوم استكشاف المعنى الموضوع له بدونها، حتى يمكن الحكم بإمكانه وعدم إمكانه. وإن شئت قلت: بعد عدم إمكان دفع الدور في التبادر، فلا يمكن دفعه هنا، فلا علامة إلا إخبار المطلعين، أو الغور في المحاورات والاستعمالات، واستكشاف معاني اللغات ابتداء بالقرائن الخاصة، كما لا يخفى. هذا، وقد استشكل الوالد - مد ظله - في هذه العلامة وغيرها إلا التبادر: باستباق التبادر عليها، فلا تصل النوبة إليها، وذلك لأن المعاني التصورية تخطر بالبال تفصيلا، وهو معنى " التبادر " فلا معنى لإعمال الهيئة التصديقية لكشف حال المحمول المشكوك. وتوهم الغفلة والذهول عن التبادر، في غير محله، لأن من يريد استعلام حال الوضع لا يكون غافلا وذاهلا. فما قيل: من الإجمال والتفصيل في مسألة التبادر، لا يأتي هنا، لأنه إذا كان بصدد إقامة البرهان على المعنى الموضوع له، فقهرا يتبادر من الموضوع إلى ذهنه ما يتبادر من المحمول، ويكون عالما بأن المحمول أعم من الموضوع، أو هو أخص، أو هو مساو، أو يكون الحمل أوليا، أو ثانويا، أو غير ذلك (1). أقول: إن كان ما هي العلامة والدليل هو الحمل الشائع، نحو " الإنسان بشر "


1 - لاحظ تهذيب الاصول 1: 58 - 59، مناهج الوصول 1: 130. (*)

[ 173 ]

أو " زيد إنسان " حتى يستكشف منه المعنى الموضوع له تصديقا، بعد مسبوقية ذهنه بذلك إجمالا وارتكازا، فللغفلة عن خصوص ما به يستكشف الوضع - وهو التبادر - وجه ممكن، لأنه وإن كان بصدد استعلام المعنى الموضوع له، ولكنه يغفل عن خصوص الطريق، وهو التبادر، لا عن أصل الطريق وهو الحمل، وما هو غير ممكن هو الغفلة عن جميع الطرق، لا بعض منها. وإن كان ما هو الدليل والعلامة إمكان الحمل، كما هو الظاهر، فلا يعقل انكشاف المعنى بالحمل، بل ذلك يستكشف بالتبادر، وحيث إن التبادر أيضا ليس علامة كما مر (1)، فلا يعقل إدراك صحة الحمل وعدم صحة السلب إلا بعد الاطلاع التام على خصوصيات اللغات والمعاني، فافهم ولا تغفل. ثم إن التحقيق يظهر في علامية عدم صحة الحمل وجواز السلب للمجازية (2)، أي عدم كون المعنى المشكوك فيه هو الموضوع له، أو هو الداخل في حدود الموضوع له، ضرورة أن الحكم بذلك لا يمكن إلا باستكشاف المعنى من غير هذه الطريقة، فلاتصل النوبة إليها. مع لزوم الدور أيضا هنا وعدم جريان جوابه أيضا، كما لا يخفى. هذا، وأما إطالة البحث حول أقسام الحمل وتقسيماته الذاتية، ثم أقسام الحمل الشائع، وتفصيل البحث حول ما هو الدليل، وما ليس بدليل، فغير صحيحة جدا، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها كونه علامة بنحو الإجمال وفي مورد ما، أو كون الحمل الأولي الذاتي، علامة كشف أصل المعنى الموضوع له، والشائع الصناعي علامة حدوده وبسطه وضيقه، وأما سائر الموارد فهي خارجة، وإذا كان كاشفيته الإجمالية ممنوعة، فلا تصل النوبة إلى هذه الأقسام المسطورة في الكتب


1 - تقدم في الصفحة 166 - 168. 2 - قوانين الاصول 1: 17 / السطر 24، الفصول الغروية: 34 / السطر 7، كفاية الاصول: 34. (*)

[ 174 ]

المفصلة (1)، فلاحظ وتدبر جيدا. تذييل: وجه آخر لإبطال علامية صحة السلب قد عرفت: أن ما هو القدر المتيقن من كاشفية صحة الحمل وعدم صحة السلب عند الأصحاب قاطبة، هو ما كان الاتحاد بين الموضوع والمحمول بحسب المفهوم، وكان كل واحد منهما بسيطا، كقولنا: " المطر غيث " أو " التراب صعيد " و " الإنسان بشر " وهكذا، وهو غير مقبول، وغير موافق لافق التحقيق. ومن هنا يعلم: أن عدم صحة الحمل وصحة السلب أيضا كذلك، ضرورة أن الحال المشكوك لا يعلم من السلب بالحمل الشائع، بل هو مستكشف من إدراك صحة السلب، ومن تجويز العقل السلب بين الموضوع والمحمول، ولا يمكن إدراك ذلك إلا بإدراك عدم الاتحاد، وأن ما يفهم من المحمول غير ما يفهم من الموضوع، فلا يستكشف من السلب شئ إلا وقد كشف قبله، لأن من شرائط درك صحة السلب ذلك. وليس هذا هو تقريب الدور، حتى يقال بما قيل هناك، بل هو بيان آخر لإبطال كاشفية هذه الأمارة، وإن كان الدور جائزا كما لا يخفى. العلامة الثالثة: الاطراد ومنها: الاطراد، ولعل المراد منه ما أشرنا إليه: وهو أن المتعلم إذا راجع أهل المحاورة، ولاحظ اللفظ مستعملا في الموارد المختلفة، من الاستعمالات


1 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 98 - 100، محاضرات في اصول الفقه 1: 115 - 121. (*)

[ 175 ]

السلبية والإيجابية، وكان المستعملون يريدون منه المعنى الخاص، فإنه عندئذ يحصل له كشف الموضوع له، وإذا كان ذلك كثير الدور في الكلمات - بحيث يرى عدم تقييدهم بالقيود الخاصة، من العلائق الكلية، أو حسن الاستعمال - يجد المعنى من الاطراد وشيوع الاستعمال. وهذا أحد الطريقين لفهم المعنى الموضوع له الذي مر الإيماء إليه سابقا (1)، فالمقصود من " الاطراد " حسب الظاهر ذلك، فيكون من اللواحق للاستعمال، وليس من قبيل التبادر، أو درك جواز الحمل، حتى يلزم الإشكال. فهو بعد الغور في الامم والأقوام، يحصل له بالقرائن غير الكلامية أصل المعنى، ثم بعد ما يجد شيوعه وعدم تقييدهم بأمر في الاستعمال، يحصل له العلم بالموضوع له. وهذا هو الاجتهاد الذي صنعه أرباب اللغات، بالتقلب في القرى والقصبات. وعليه يعلم: أن عدم الاطراد دليل عدم الوضع، لأنه لو كان موضوعا لكان مطردا، للزوم الخلف. اللهم إلا أن يحتمل الاشتراك، فلا يكون أمارة على عدم الوضع، كما لا يخفى. فعلى ما تقرر يظهر: أن التقارير الاخر حوله لا تخلو من تأسف، وكأنهم ظنوا أن الاطراد هو الشيوع بحسب استعمال المستعلم، أو تكرار اللغة في الموارد المختلفة فرضا، فهجموا عليه من كل جانب (2)، ومنهم: الوالد المحقق - مد ظله - فقال: " إن الاستعمال إن كان في المصداق والفرد بخصوصيته، فهو مجاز أو غلط.


1 - تقدم في الصفحة 172. 2 - الفصول الغروية: 38 / السطر 21، كفاية الاصول: 34 - 35. (*)

[ 176 ]

وإن كان بنحو التطبيق، وإطلاق الكلي على الفرد، فهو راجع إلى علامية الحمل " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أنه راجع إلى العلم بالوضع قبله، فيلزم الدور، ولا يأتي جوابه، وقد عرفت معنى " الاطراد " فلا يتأتى إليه الإشكال إلا لأجل القصور في التقرير، مع أن الاستعمال أعم من الحمل.


1 - مناهج الوصول 1: 129 - 130، تهذيب الاصول 1: 60. (*)

[ 177 ]

المبحث السابع في تعارض الأحوال

[ 179 ]

في تعارض الأحوال فإنه عند الدوران بين التجوز والإضمار والكناية والاشتراك والنقل والاستخدام والتخصيص والتقييد، وبين أعدامها، فلا شبهة في الرجوع إلى أعدامها، أي إلى الحقيقة، وعدم الإضمار والكناية، وعدم النقل والاستخدام، وعدم التخصيص والتقييد. ولا يخفى: أن هذه الامور بعضها يرجع إلى بعض، فإنه لا معنى للكناية والمجاز والإضمار فإن هذه ترجع إلى عدم التجوز. مع أن المجازية ترجع إلى عدم تطابق الجد والاستعمال، دون الاستعمال، فإنه كلا على نعت الحقيقة. فبالجملة: بعد ورود " أكرم العلماء، وسلم عليهم " فالمتبع هو الظاهر المفهوم منه فعلا، وكل واحد من الاحتمالات المذكورة فيه جارية، ولكنها مندفعة بالاصول العقلائية، حتى مسألة الاستخدام، فإن المراد منه إرادة المعنى الآخر بعد مفروغية الاشتراك اللفظي، وعند ذلك أيضا لا بناء منهم على العدول من الجملة الثانية، بدعوى الإجمال، خصوصا بناء على ما مر: من أن الضمائر حروف الإشارة (1)، فلا يمكن الإرادة إلا من اللفظ الأول على سبيل استعمال اللفظ في معنيين، وهو إما ممتنع، أو مستبعد عن الأذهان العرفية.


1 - تقدم في الصفحة 133 - 134. (*)

[ 180 ]

هذا كله فيما إذا شك في مفاد " كان " التامة. وأما إذا كان الشك في الناقصة، بأن يكون المجازية معلومة، ولكنه يتردد الأمر بين الإضمار والكناية وسائر المجازات، والنقل والاشتراك وهكذا، أو تردد الأمر بين التخصيص والتقييد، بعد العلم بورود القرينة، أو تردد الأمر بين حمل الكلام الواصل على المعنى المفهوم منه فعلا، أو على المعنى المفهوم منه قبل عصر صدوره، ولكنه مشكوك أن عصر الاستعمال متحد مع هذا العصر، أو مع العصر الأسبق، أو تردد بين استخدامه المعنى الاشتراكي، أو المجازي والكنائي، بعد ثبوت أصل الاستخدام، ففي هذه المواقف هل يمكن الرجوع إليهم في تعيين أنحاء الاستعمالات ؟ أم تصير الكلمات والجمل مجملة فيما لم يكن المراد معلوما ؟ أو ليست مجملة، ولكن لا بناء من العقلاء - بعد العلم بالوظيفة - على تعيين نوع الاستعمال، حقيقة كان أو مجازا، في الكلمة كان أو في الإسناد، حتى في التخصيص والتقييد ؟ وجهان: ظاهرهما الثاني، ضرورة أن الاصول العقلائية هي الاصول العملية، ولاربط لها بعالم الألفاظ ومحاسن الاستعمالات، فالمدار - كما قيل - على ما هو الظاهر من اسلوب الكلام (1). وقضية أصالة اتحاد العرفين، وأصالة التطابق بين الجد والاستعمال، أنه هو مراد المتكلم، ولا يثبت بهما شئ آخر، فتدبر.


1 - كفاية الاصول: 35، تهذيب الاصول 1: 61، محاضرات في اصول الفقه 1: 125. (

[ 181 ]

المبحث الثامن في الحقيقة الشرعية

[ 183 ]

والبحث حولها يقع في ضمن جهات: الجهة الاولى: في تحرير محل النزاع وهو أن الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة - سواء كانت في العبادات، أو المعاملات، أو غيرها - كلها حقائق لغوية، ولا تصرف للشرع المقدس في ذلك، ولا إبداع منه في وضع لغة لمعنى، ولو كان فهو من التصرفات اليسيرة الراجعة إلى جعل القيود والشروط لها. أم جميع الألفاظ المذكورة المستعملة في المعاني المستحدثة وغير المستحدثة، على سبيل الوضع الثانوي والحقيقة الثانوية: أما في المعاني المستحدثة، فبالاستعمال، ونصب القرينة عليه، أو إخباره بذلك قبل الاستعمال. وتوهم: أن الاستعمال لا يورث الوضع (1)، في غير محله، لما تقرر سابقا تفصيله، وقد فرغنا عن إمكانه، من غير لزوم الجمع بين اللحاظين. بل اختلاف الدواعي يستلزم ذلك، مع نصب القرينة على تعددها (2).


1 - أجود التقريرات 1: 33. 2 - تقدم في الصفحة 62 - 64. (*)

[ 184 ]

وأما السؤال عن حكم هذا الاستعمال: هل هو حقيقة، أو مجاز، أو لا هذا ولا ذاك ؟ فيمكن الجواب بالثلاثة، كما لا يخفى. وأما في غير المستحدثة، فهو كذلك، أي يمكن باستعمال الألفاظ الاخرى فيها، فتكون حقائق شرعية، أو بإلغاء الوضع الأول، وإحداث الوضع الجديد، بمعنى رفض الربط والعلقة الوضعية اللغوية، وإحداث الربط في محيط التقنين والتشريع ثانيا، وحيث إن الأول معلوم العدم، لعدم تلك الألفاظ بأعينها، فيتعين الثاني، لإمكانه. فما أفاده المشهور: من خروج الألفاظ الموضوعة للمعاني غير المستحدثة عن حريم النزاع (1)، غير مقبول، كما أن ما أفاده العلامة الأراكي (رحمه الله): من وضع الألفاظ الاخر لها (2)، مجرد وهم لا يمكن المصير إليه. أو يفصل بين الألفاظ، فالغالب منها تكون حقائق لغوية، إلا أنه قد يوجد بعض الألفاظ، يكون من الحقيقة الشرعية. ولعل منها لفظة " الحق " و " الباطل " وفي كتاب الصلاة لفظ " السهو " فإنه - حسب ما يتراءى من الأخبار - يطلق على الشك (3)، بحيث صار حقيقة فيه، على ما قيل في محله (4)، وأيده العلامة الحائري (رحمه الله) في كتاب الصلاة (5). وقد ذكرنا في " كتاب البيع ": أن كلمة " الحق " و " الباطل " مختلفة المفاهيم حسب الآفاق


1 - الفصول الغروية: 43 / السطر 5، كفاية الاصول: 36 - 37، نهاية الاصول: 44. 2 - مقالات الاصول 1: 35. 3 - وسائل الشيعة 8: 187 - 251 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16 و 18 و 21 و 24 - 25. 4 - مرآة العقول 15: 227، الحدائق الناظرة 9: 239. 5 - الصلاة، المحقق الحائري: 415. (*)

[ 185 ]

المختلفة، وليس المعنى العرفي منها محفوظا في المصطلحات الشرعية (1). فبالجملة: حصر محل النزاع بطائفة من الألفاظ، أو حصره بما إذا كانت المعاني مستحدثة، غير موجه. بل لا معنى له فيما كانت الألفاظ مستحدثة، وإن كانت معانيها غير مستحدثة، فإن المدار على الأول، فلا مانع من كون هذه المخترعات سابقة على الإسلام، إلا أن إطلاق هذه الألفاظ عليها كان من الشرع، ولم يعهد من العرف ذلك قبل البعثة. ومن هنا يظهر مواضع الخلط في كلمات القوم (رحمهم الله). ثم إن الظاهر منهم خروج الوضع التعيني عن موضوع المسألة، لعدم كونه من الحقيقة الشرعية، ولكنه أيضا ممنوع، كما سيأتي ذكره. الجهة الثانية: فيما هو التحقيق في المسألة لاشبهة في أن معاني المعاملات وأكثر الامور، ليست مستحدثة، ولو توهم استحداث معنى فهو في العبادات، كالصلاة والصوم والحج والاعتكاف، وأمثالها كالوضوء والغسل والتيمم، وأمثالها كالحيض والنفاس والمستحاضة، وغير ذلك. ولكن المستفاد من الكتاب (2) المؤيد بالوجدان، عدم حدوث هذه المعاني بنحو الإبداع والاختراع، وذلك لما يستفاد من الشرائع السابقة من وجود الصلاة


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المبحث الأول، شبهات على الاستدلال بآية التجارة لا يمكن دفعها. 2 - كقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * البقرة (2): 183. * (أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * مريم (19): 31، * (أذن في الناس بالحج) * الحج (22): 27. (*)

[ 186 ]

والزكاة والحج والصوم وأمثالها فيها، والالتزام بالوضع الثانوي على الوجه الماضي مما لا معنى له، لعدم الحاجة إليه بعد ذلك. نعم، فيما كانت المعاني المرادة منها في الشرع، بعيدة عن المعاني العرفية، بحيث يمكن دعوى الاختلاف والبينونة بينها، فإنه عند ذلك يشكل نفي الحقيقة الشرعية. اللهم إلا أن يقال بالمجاز، ولكنه مندفع: بأنه مجاز في بدو الاستعمال، لا بعد مضي مدة، فإنه بعد ذلك يصير حقيقة شرعية. ثم إنه قد يقال: بأن الصلاة والحج والصوم والاعتكاف، من تلك المعاني، لأنها بمعنى الدعاء، أو الميل والعطف، وعلى كل تقدير لا تتناسب مع ما هو المراد منها في الشريعة. ومجرد كونها مصداق الميل والعطف لا يكفي، كما في حاشية الوحيد الأصفهاني (رحمه الله) (1) كما لا يخفى. والحج بمعنى القصد، والصوم هو الإمساك وهكذا، والاعتكاف بمعنى الخضوع المشترك فيه لغة الركوع والسجود، ولكن المراد منها في الشرع أمر آخر، وتكون تلك الألفاظ منصرفة إليه، فتكون حقيقة شرعية. بل استعمال الكلي في المصداق بخصوصياته الفردية مجاز، فيكون بعد مضي مدة حقيقة شرعية، فلا تخلط. إن قلت: الحقيقة الشرعية تنحصر بالوضع التعييني، وأما الوضع التعيني الحاصل بكثرة الاستعمال، فهو ليس من الحقيقة الشرعية، كما هو الظاهر من التوصيف، بل هو من الحقيقة المتشرعية، أو المخلوطة منهما. قلت: هذا ما يظهر من القوم، ولكنه غير تام، ضرورة أن كثرة الاستعمال من


1 - نهاية الدراية 1: 89. (*)

[ 187 ]

أرباب الشريعة مع القرينة، إذا وصلت إلى حد صارت حقيقة فيه، وموضوعة له، تكون مقابل الحقيقة اللغوية، ولا نريد من " الحقيقة الشرعية " إلا ذلك، أي حدوث الربط الوضعي في محيط الشرع والتقنين. هذا هو التحقيق في المسألة، ولا يلزم - بناء عليه - حصر الوضع بالاستعمال في المقام (1)، حتى يقال بامتناعه (2)، كما عرفت تفصيله. فعلى هذا، إنكار الحقيقة الشرعية في غاية الإشكال، بداهة أن ألفاظ الطهارات الثلاث، موضوعة لمعان خاصة، أي منصرفة بالوضع التعيني إليها، وهكذا كثير من الألفاظ التي اريد منها المعاني المركبة. فبالجملة: لاشبهة في احتياج القوانين والشرائع إلى المصطلحات الخاصة، حتى العرفية منها، وليست هي إلا بمعنى أنها ألفاظ ظاهرة في المعنى الخاص، وهذا لا يكون إلا من الحقيقة الشرعية، لأن استعمال الألفاظ في الخصوصيات اللاحقة بالمعاني الكلية مجاز، وإذا كان بحد شائع في الشريعة يصير حقيقة فيه، والألفاظ المستعملة في الشريعة من هذا القبيل، كما هو الظاهر الواضح. وأما احتمال الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بكلا قسميه، فبعيد وباطل جدا، لعدم مساعدة الوجدان معه. وأما احتمال حدوث الألفاظ المستعملة في الماهيات السابقة على الشريعة المقدسة الإسلامية أيضا فممنوع، للزوم اشتمال الكتاب على ما لا يفهمه المخاطبون في عصر الخطاب، فالالتزام بالحقيقة الشرعية في أول الإسلام غير موافق للذوق السليم، ولكنه بعد الاستعمالات الرائجة والإطلاقات الكثيرة، تحصل


1 - كفاية الاصول: 36. 2 - أجود التقريرات 1: 33 - 34. (*)

[ 188 ]

تلك الحقيقة الشرعية، لما عرفت من البينونة بين المعاني، ومن استعمال تلك الألفاظ في خصوصيات المصاديق، ومن عدم انحصار الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني. ومن هنا يظهر وجه ذكر الآيات للاستدلال بها على عدم الحقيقة الشرعية (1)، فإنها شاهدة على عدم حدوث اللغات، ولا نظر فيها إلى حدوث المعاني وعدمه. نعم، هي أيضا شاهدة على عدم حدوث المعاني أيضا، وربما يظهر منها ومن أمثالها استباق بعض الماهيات العبادية على شريعة الإسلام أيضا. إن قيل: كما يستبعد الوضع التعييني بالاستعمال، كذلك يستبعد الوضع التعيني بكثرة الاستعمال. قلنا: لا وجه له، بداهة أنه بذاته أمر مستبعد حتى قيل بامتناعه (2)، بخلاف الثاني، فإن إطلاق الألفاظ وإرادة المعاني الخاصة منها وإن لم يكن من الاستعمال المجازي عندنا، ولكنه مجاز، بمعنى عدم اتحاد المراد الجدي والاستعمالي، وإذا كان ذلك كثيرا يصبح تلك الألفاظ ظاهرة في مرادات الشرع المقدس، فيحصل الربط قهرا، والوضع بلا اختيار. ودعوى احتياج ذلك إلى القرينة، وهي مفقودة إلا في بعض المواقف الشاذة (3)، مسموعة ولكنها لا تضر، وذلك لأن القرائن المنفصلة كافية فيما كانت القوانين المجعولة في الكتاب والسنة، غير قابلة للإجراء بعد الجعل، فإذا احتاج إجراؤها إلى مضي مدة، فلا مانع من تأخير القرينة إلى تلك الحال.


1 - الفصول الغروية: 43 / السطر 6، كفاية الاصول: 36 - 37. 2 - أجود التقريرات 1: 33 - 34. 3 - تهذيب الاصول 1: 64. (*)

[ 189 ]

وأما ما يقال: " بأن الجهة المبحوث عنها هي الحقيقة الشرعية، أي الحاصلة في الصدر الأول واليوم الأول " (1) فهو غير مبرهن كما اشير إليه، فلا تخلط. الجهة الثالثة: في ثمرة القولين فقد يمكن تقرير الثمرة الاصولية، لما سيأتي في الصحيح والأعم (2)، فإن القول بالحقيقة الشرعية يورث تأتي جريان النزاع الآتي، بخلاف القول بعدمها. وهذا المقدار من الثمرة كاف ولو كان القول المزبور هو القدر المتيقن من مصب النزاع الآتي. ويمكن تقرير الثمرة في المسألة الفرعية: بأنه لو وصل من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر بالوضوء بالنسبة إلى من ابتلي بالرعاف، فإنه ربما يشكل الأمر، فإن كان " للوضوء " حقيقة شرعية بالوضع التعييني، فعليه يلزم الوضوء الاصطلاحي، وإن لم يكن ذلك فيلزم الغسل فقط. وهكذا لو فرضنا تأريخ الاستعمال بعد كثرة استعمال " الوضوء " في المعنى الاصطلاحي، فإنه أيضا يحمل عليه، كما أفتى به العامة، وجعلوه من النواقض (3)، لحصول العلقة الوضعية قبل الاستعمال. وهذه أيضا ثمرة. ويمكن تقريرها: بلزوم الإجمال بناء على معلومية تأريخ الاستعمال، مع عدم القرينة على المعنى اللغوي والاصطلاحي، فإنه بعد الاستعمال في الاصطلاحي


1 - الفصول الغروية: 43، السطر 15 - 20. 2 - يأتي في الصفحة 198 - 199. 3 - المغني، ابن قدامة 1: 176، المبسوط، السرخسي 2: 21. (*)

[ 190 ]

مع القرينة، وعدم وصوله إلى كثرة كافية في صحة اتكاء المتكلم على الاستعمال بلا قرينة، يلزم الإجمال في الخبر المزبور، لأن من المحتمل اتكاء المتكلم على القرينة المنفصلة معتقدا كفايته. وهذه ثمرة اخرى. ثم إن من المعلوم اشتراط مهجورية المعنى اللغوي في الحمل على المعنى الاصطلاحي، إلا إذا كان بالوضع التعييني، فإنه لا يحتاج إلى الهجر المزبور. فما أفاده صاحب " الدرر " (1) غير مقبول، ضرورة أنه بعد ثبوت الحقيقة الشرعية، لابد من حمل ما يرد في استعمالات الشرع عليها، وإلا يلزم لغوية الفرض المذكور. أقول: هذا النزاع لا ثمرة عملية له، إلا بالنسبة إلى البحث الآتي، لو التزمنا هناك باختصاص محل البحث بصورة خاصة، كما يأتي تفصيله (2). وأما بالنسبة إلى ما قيل (3)، فالظاهر أن القرائن المنفصلة، قد بلغت إلى حد صار مراد المولى معلوما في عصرنا، فليس في الشرع كلمة إلا وهي معلومة من هذه الجهة. وتوهم إمكان حمل كلمة على معناها اللغوي بعد وضوح المعنى الاصطلاحي، إذا كانت في الجملة الواصلة إلينا من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير طريق المعصومين (عليهم السلام) (4)، في غاية الفساد، لأنه بعد ذلك لابد من حملها عليه، كما هو الظاهر. فالبحث المزبور قليل الجدوى جدا، لأن المرادات الخاصة تظهر وإن لم تصل


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 46 - 47. 2 - يأتي في الصفحة 195 وما بعدها. 3 - لاحظ كفاية الاصول: 37، درر الفوائد، المحقق الحائري: 46 - 47. 4 - محاضرات في اصول الفقه 1: 126. (*)

[ 191 ]

الألفاظ إلى حد الحقيقة الشرعية، وحصول الحقيقة الشرعية بالوضع التعيني، بعد فهم المراد بكثرة الاستعمال المقترن مع القرينة، كما لا يخفى. هذا كله فيما يمكن أن يصغى إليه. وأما البحث عن الاصول الشرعية الجارية حول النقل، ومهجورية المعنى اللغوي والاستعمال، وحصول الوضع، فهو غير لازم، وقد مضى منا ملاك جريان مثلها (1)، فلاحظ وتدبر. ذنابة: في أن " الحقيقة " هل توصف بكونها " شرعية " يخطر بالبال المناقضة من التوصيف المعروف وهو " الحقيقة الشرعية " ضرورة أن مقتضى كونه حقيقة، تبادر المعنى من حاق اللفظ من غير دخالة القيد والقرينة، متصلة كانت أو منفصلة، حالية كانت أو مقالية، وقضية كونها شرعية، دخالة محيط الشرع والمنطقة الإسلامية والمتكلمين المخصوصين في التبادر المزبور. ولو لم تكن القرينة العامة دخيلة في ذلك، ولا القرينة الخاصة، فهي تصير حقيقة لغوية، ومنشأها أفراد الشرع وأرباب الشريعة، لا بما هم أصحاب الشرع الخاص، فعليه لا يعقل حصول الحقيقة. نعم، يمكن دعوى: أن المراد من العنوان المذكور هي الحقيقة المصطلح عليها هنا، وهو ما يقابل المجاز الذي يحتاج إلى القرائن الخاصة الجزئية، دون ما لا يحتاج إلى مطلق القرينة، حتى الكلية العامة. ومما يشهد لذلك: عدم لزوم مهجورية المعنى اللغوي في حصول تلك


1 - تقدم في الصفحة 168 - 170. (*)

[ 192 ]

الحقيقة، فلا منع من كون أفراد الشرع، يدركون المعنى الثاني في محيط التشريع عند استعمال الألفاظ الخاصة، ويدركون المعنى الأول منها في المحيط الآخر. وتوهم: أن هذه القرينة هي القرينة المعينة المحتاج إليها في ألفاظ المشترك، في غاية الوهن كما ترى.

[ 193 ]

المبحث التاسع الصحيح والأعم

[ 195 ]

الكلام في المقام يتم في ضمن امور: الأمر الأول: في تحرير محل النزاع بناء الأصحاب إلى زماننا هذا، على قصر البحث حول ألفاظ العبادات عليها وعلى المعاملات (1). وأنت خبير: بأن الجهة المبحوث عنها أمر كلي، يستكشف منه حال هذه الألفاظ بما هي مصاديق ذلك الأمر العام، ضرورة أن البحث في حدود معاني اللغات، لا يختص بألفاظ دون ألفاظ، فيشترك فيه جميع أسامي الحيوانات والنباتات والأشجار والأثمار وهكذا، وذلك لأن المقصود من تحريره، فهم حدود المعنى الموضوع له والمسمى، ودرك مقدار سعة المعنى المدلول عليه باللفظ، فلا معنى لحصر محل النزاع بألفاظ دون ألفاظ. فأخصية الغرض لا يورث أخصية البحث، أما ترى أن البحث في مباحث العمومات والإطلاقات، ليس مقصورا بما ورد في الشرع، وإن كان الغرض خاصا ؟ ! بيانه: هو أن جميع المعاني ذات أطوار ومراتب وحالات، مثلا الشجرة ذات شؤون، من القصر والطول، ومن الكيف والأوضاع، ومن الحالات الاخر الطارئة عليها في الأزمنة المختلفة، وبالجملة المقولات الزائدة على ماهيتها ووجودها -


1 - الفصول الغروية: 46 / السطر 14 و 52 / السطر 15، كفاية الاصول: 38 و 49، تهذيب الاصول 1: 66. (*)

[ 196 ]

وهي أمارات تشخصها وتعينها - مختلفة، فهل المعنى والموضوع لها الشجرة التامة الكاملة، حتى تكون الفاقدة للأوصاف الكمالية غير داخلة في مسماها ؟ أم المسمى أمر أعم، فتكون الشجرة في جميع شؤونها وشتات حياتها وخصوصياتها، موضوعة لها ؟ أو تكون الحالات مختلفة: فمنها: ماهي الداخلة في الموضوع لها، مثل كون أجزائها ذات حياة نباتية في الجملة. ومنها: ماهي الخارجة، مثل كمالاتها الاخر صغرى وكبرى، كيفا وكما ووضعا، ونقصا وكمالا، وغير ذلك. فإذا كانت الشجرة بلا روح نباتي - مثل الأمثال والأشباح الموجودة في الأعيان، والمجسمة والصور لها - فإطلاق هذه الكلمة عليها بالادعاء والمجاز، دون الحقيقة، فالموضوع له مقيد من تلك الجهة، ومطلق من الجهات الاخر ؟ فعلى هذا، تبين لك قصور طريقة الأصحاب في المسألة، وتبين: أن الجهة المبحوث عنها هي هذه، وهذا أمر سار وجار في جميع الألفاظ، ومنها: الألفاظ المستعملة في الامور الاعتبارية، عبادية كانت أو معاملية، فإذا كانت الشجرة مطلقة من حيث ترتب الثمرة عليها وعدمه، فتلك الألفاظ ربما تكون مثلها، كما لا يخفى. فتحصل: أن مصب النزاع هنا هذا الذي أبدعناه، وتصير النتيجة أن الصحيحي يقول: بأن الموضوع له " الشجرة " هي الكاملة المثمرة، ومثلها الصلاة التي ثمرتها " قربان كل تقي " (1) و " معراج المؤمن " (2) وناهية * (عن الفحشاء) * (3) وسقوط الأمر


1 - الكافي 3: 265 / 6، الفقيه 1: 136. 2 - الاعتقادات، المجلسي: 39. 3 - العنكبوت (29): 45. (*)

[ 197 ]

وأمثال ذلك، والأعمي ينكر ذلك، ويدعي أن " الشجرة " صادقة على القصيرة غير المثمرة المشحونة بالنواقص والآلام، ومثلها الصلاة، وغير ذلك من الألفاظ الموضوعة للأجناس والمخترعات اليومية، بل للأشخاص كما لا يخفى. وتوهم: أن القوم يقولون بالأعم في جميع الألفاظ، ويختلفون في هذه الألفاظ الخاصة، واضح المنع، كما سيأتي في بعض الامور الآتية (1). الأمر الثاني: فيما يمكن أن يجعل عنوانا للبحث وقد جعل الأصحاب عنوانه هكذا: " في أن ألفاظ العبادات والمعاملات أسام للصحيح منها، أو للأعم " (2). وفي كتاب " الدرر ": " في أن ألفاظ العبادات هل هي موضوعة بإزاء خصوص الصحيحة، أو الأعم " (3). وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " الأولى أن يعنون البحث هكذا: إن الأصل في استعمالات الشارع لألفاظ العبادات والمعاملات ماذا ؟ " (4) انتهى. وقد يشكل الأمر تارة: لأجل ما ذكرناه كما عرفت. واخرى: لأجل أن الوضع التعيني ليس بوضع، فلا يشمل عنوان " الموضوعة " مثله. ولوشمل قولهم " الأسامي " للوضع التعيني، فلا يشمل الاستعمالات المجازية،


1 - يأتي في الصفحة 204 - 206. 2 - كفاية الاصول: 38، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 109، محاضرات في اصول الفقه 1: 134. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 47. 4 - تهذيب الاصول 1: 67. (*)

[ 198 ]

فإن تلك الألفاظ ليست أسامي للمرادات منها، فيأتي النزاع المذكور في المجازات مع قصور عنوان البحث عن شموله. فعليه يلزم شمول البحث لتلك الألفاظ، بناء على القول بالحقيقة الشرعية بالوضع التعييني، دون التعيني والمجاز. ويمكن حله بدعوى: أن الوضع التعيني والتعييني، كليهما ليسا بوضع على ما تقرر (1)، فإن ما هو المقصود في مباحث الوضع، أمر آخر غيرهما، أو هما كلاهما وضع، نظرا إلى الأسباب المورثة لتلك العلقة والربط. وأما المجازات، فربما هي خارجة عن الجهة المبحوث عنها في جميع الاستعمالات، شرعية كانت، أو غير شرعية، ضرورة أن " الأسد " موضوع للحيوان المفترس، ولكنه لا مدخلية للشجاعة في موضوعه، ولذلك يصدق على الجبان منه، والميت منه، والصغير منه، فعليه يأتي فيه البحث، ولكنه إذا اريد منه الرجل الشجاع، فلا معنى لصدقه على من لا شجاعة فيه، فعليه يتعين المجازات في صورة وجود العلقة والسبب الادعائي. فإذا كانت (الصلاة) المستعملة في الكتاب والسنة، مجازا في المركب المقصود بالأصالة والمراد الجدي، فلابد من لحاظ اشتمالها على الدعاء، أو الميل والعطف، فلا يمكن حفظ هذا الاستعمال على الوجه الصحيح إلا مع وجودها، فيتعين في المجازات القول بالأخص. اللهم إلا أن يقال: بأن سبب الادعاء هي هذه الامور، ولا منافاة بين بطلانها وفسادها من ناحية اخرى، فهي صلاة، لاشتمالها على الدعاء، ولكنها فاسدة، لفقدانها الجزء أو الشرط الكذائي. نعم، هذا يرجع إلى النزاع الآخر، وهو كيفية ادعاء الشرع، ولحاظه العلق


1 - تقدم في الصفحة 60 - 64. (*)

[ 199 ]

والأسباب المورثة لصحة الاستعمال المجازي، فإن تم البحث هناك ترتفع الشبهة فيما نحن فيه، وعندئذ لا مانع من خروجها من الجهة المبحوث عنها في المقام، كما لا يخفى. وبالجملة: ظاهر العنوانين خروج المجازات من حريم النزاع، واختصاصه بالوضع، سواء كان من قبيل الحقيقة الشرعية، أو كان من قبيل الحقيقة اللغوية. وتوهم لغوية النزاع حينئذ، لعدم صحة " الحقيقة الشرعية " في غير محله، وذلك لأن المراد من " الحقيقة الشرعية " أعم من الحاصلة بالوضع التعييني والتعيني، والثاني مما لا يكاد ينكر بالنسبة إلى طائفة من الألفاظ، كما مضى (1). ولأن كثيرا من المخترعات الشرعية، كانت سابقة بهيئاتها وموادها على الإسلام، كالصلاة والحج وأمثالهما، فهي من الحقائق اللغوية، والتصرفات اليسيرة لا تورث الاستعمال المجازي حتى يفتتح باب الحقيقة الشرعية. ولعل إلى ذلك ترجع مقالة أبي بكر الباقلاني: " من أن الإطلاقات كانت لغوية " (2) وإلا فهي المقالة السابقة الراجعة إلى الاستعمال المجازي بالمعنى الذي ذكرناه: وهو الانتقال من المعنى المستعمل فيه إلى المراد الجدي بنصب القرينة، فإن حقيقة المجاز - وهي المعبر - هذه، كما مضى (3). فتحصل: أننا أصبحنا وقد استغنت الشريعة عن المجاز، والاستعمال بالمصحح، والأسباب المصححة، لحصول الحقيقة الشرعية بكثرة الاستعمال، أو لكون الحقيقة من أول الأمر لغوية، فلا حاجة إلى إدراج المجازات في عنوان


1 - تقدم في الصفحة 185 - 187. 2 - شرح العضدي 1: 51 - 52، الفصول الغروية: 49 / السطر 16. 3 - تقدم في الصفحة 142 - 144. (*)

[ 200 ]

المسألة، لو فرضنا إمكان إدراجها فيه. إن قلت: الحقيقة الشرعية خارجة عن عنوان البحث، لأن الظاهر منه حصول الوضع بوجه لا يحتاج إلى القرينة الخاصة والعامة، والقرينة المقالية والحالية، وقد مضى أنها تحتاج إلى الحالية العامة، وهو محيط التقنين والتشريع، ومنطقة الاستعمالات من أرباب الشرع والمتشرعة (1)، فلا وضع، ولا اسم، فلابد من دعوى الحقيقة اللغوية رأسا. قلت أولا: لا وجه للالتزام بالعنوان المذكور. وثانيا: إن من الممكن دعوى أن القرينة اللازمة هي المعينة، فتأمل. وثالثا: لا مانع من الإلحاق بعد شمول الغرض والمقصود. ثم إنه يتوجه أيضا إلى العنوان الذي اتخذه الوالد - مد ظله -: - مضافا إلى ما سلف (2) - أن الجهة المبحوث عنها في الصحيح والأعم حول الموضوع له، من غير النظر إلى الاستعمال وعدمه، وان كان المقصود لا يحصل إلا بالاستعمال، ولكنه لا يورث قصر النزاع فيه، كما مضى في بحث علائم الحقيقة والمجاز (3) فليراجع، والبحث في المجازات يرجع إلى حدود العلاقة المنظور إليها في نظر الشرع، وأنها العلاقة المورثة لصحة الاستعمال بالنسبة إلى المصاديق الصحيحة، أو هي الأعم، وهذا لا يرجع إلى ذاك، ولا وجه لإرجاعه إليه، كما هو الواضح. هذا مع أن حيثية البحث، مغفول عنها في العنوان المذكور، مع أنه لابد من معلوميتها فيه، ضرورة أن من الممكن أن يقال بعد العنوان المزبور جوابا عنه: بأن الأصل في استعمالات الشرع هو الحقيقة، ثم بعد ذلك يقع البحث في أن الموضوع


1 - تقدم في الصفحة 191. 2 - تقدم في الصفحة 197 - 198. 3 - تقدم في الصفحة 165. (*)

[ 201 ]

له خاص أو أعم، فالعنوان المأخوذ في كلامه غير واف بتمام المقصود، كما هو الظاهر، فتدبر. ثم إنه يتوجه ثالثا إلى العنوان الذي ذكره القوم: أن الصحيحي لا يريد إثبات كون الموضوع له هي الماهية الموصوفة ب‍: " الصحة " حتى يقال: بأنه إن أراد من " الصحة " مفهومها بالحمل الأولي، يلزم كونه حقيقة ومجازا بالنسبة إلى المصداق المعين، حسب اختلاف حالات المكلفين، وإن أراد منها الصحة بالحمل الشائع، يلزم كون الموضوع له خاصا (1). والسر في ذلك ما سيأتي تفصيله: من أن الصحة والفساد، أمران يعتبران حسب إضافة الماهية إلى الخارج، وتحققها فيه، فإن كانت متحققة فيه وجامعة لجميع ما يترقب منها، ينتزع منها الصحة، وإلا فالمنتزع منه هو مفهوم " الفاسد " ولا معنى لاتصاف مفهوم وعنوان بالصحة والفساد (2)، وهذا أمر واضح على جميع المباني في حقيقة الصحة والفساد، فعلى هذا يتعين العدول عن العنوان المزبور. وتوهم عدم لزومه إذا فسرا بالتمامية والنقصان (3)، في غير محله، لما يلزم الإشكال الأول، لأن معنى " التمام " حسب حالات الأفراد مختلف، فيلزم كونه حقيقة في شئ واحد، ومجازا فيه أيضا، وهذا ضروري البطلان في باب تحديد معاني اللغات، وتفسير حدود الموضوعات. مع أن المعاني والماهيات في عالمها، لاتوصف بالتمامية والنقصان. فتحصل من ذلك: أن الصحيحي يريد دعوى: أن الموضوع له ما لا ينطبق إلا على المصداق الذي ينتزع منه مفهوم " الصحة " والأعمي يقول بالأعم، وقد أخذ


1 - تهذيب الاصول 1: 67. 2 - يأتي في الصفحة 204. 3 - تهذيب الاصول 1: 69. (*)

[ 202 ]

عنوان " الصحة " مشيرا إلى ذلك، ولايكون داخلا في المسمى أصلا، ولكنه خلاف المتفاهم من العنوان، فلابد من العدول عنه إلى العنوان الآخر. وإن شئت قلت: لا يوصف الشئ بشئ إلا باعتبار أمر زائد على ذاته واقعا، أو اعتبارا، فكما أن الجسم لا يوصف بالبياض والسواد والحركة والسكون، إلا بلحاظ وجوده الخارجي، ولا يوصف بالإمكان والشيئية إلا باعتبار أمر زائد عليه، أو لحاظ أمر وراء أصل حقيقته، كاتصافه تعالى بالعلم، فإنه بلحاظ انكشاف الأشياء لديه، كذلك الطبائع والمعاني الكلية لاتوصف بهذه الامور - من الصحة والفساد، والسلامة والعيب، والتمام والنقص - إلا بعد تحققها في الخارج، فإذن لا معنى لتوهم كون الألفاظ موضوعة لها. الأمر الثالث: في تحرير محل النزاع في الشرائط قضية ما تقرر منا في تحرير حدود محل النزاع (1): هو أنه إن فرغنا واخترنا الأخص، يلزم كون ألفاظ العبادات مثلا، موضوعة لما لا يكون إلا صحيحا على الإطلاق، أي لطبيعة إذا تحققت ينتزع منها العنوان المزبور، ويتحقق بها الامتثال، ويسقط بها الأمر والطلب. وإن اخترنا الأعم تكون النتيجة هنا هو الأعم. إن قلت: النزاع في الصحيح والأعم حيثي، أي يقول الأخصي: بأن ما هو الداخل في المسمى، ليس مطلق ما هو الدخيل في سقوط الأمر، والدخيل في الامتثال، وحصول المطلوب، ضرورة أن الشرائط على أقسام: فمنها: ما هو من قبيل الستر والطهارة والاستقبال، مما يمكن أخذه في متعلق الأمر، وقد اخذ بنحو التقييد. ومنها: ما يمكن أن يؤخذ ولم يؤخذ، كعدم كون المأمور به منهيا عنه بوجه


1 - تقدم في الصفحة 195 - 197. (*)

[ 203 ]

آخر، أو عدم كونه مزاحما بالأهم أو بالمثل. ومنها: ما لا يمكن أخذه فيه، كقصد القربة، والأمر، والوجه، ووجه الوجه، وهكذا. فما كان من قبيل الأول، فهو داخل في محل النزاع، لأنها الأجزاء التحليلية، وهي كالأجزاء المقدارية. وتوهم خروجها، لتأخرها عن اعتبار أصل الماهية وإطلاق الاسم عليها، كقولهم: " صل مع الطهور " كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) غير تام، لصحة قولهم: " صل مع الركوع " وكونها خارجة عن الأجزاء غير كونها خارجة عن المسمى. ولو صح ما قيل يلزم صحة إخراج بعض الأجزاء أيضا عن حريم النزاع، إذا كانت غير دخيلة في الغرض إلا في الجملة، فلا تخلط. وما كان من قبيل الثاني، فإمكان إدراجه في محل النزاع معلوم، إلا أنه غير متنازع فيه، لعدم احتمال أحد من القائلين بالأخص كون هذه الشروط العدمية داخلة، أو هذه الموانع دخيلة في المسمى، ضرورة أن هذه الموانع ليست موانع - بالحمل الشائع - إلا بعد إمكان تحقق المسمى مع قطع النظر عنها. بل لو صح اعتبار الموانع في الاعتباريات، لا يعقل إدراجها في محل النزاع، لأنها أجنبية عن المسمى. وما كان من قبيل الثالث، فإمكانه محل منع، لأن هذه الامور من اللواحق المتأخرة عن الأمر، المتأخر عن المأمور به، فكيف يعقل دخالتها في المسمى الذي هو المأمور به ؟ ! أقول: مع أن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (2) وغيره (3) في المقام - وكان


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 111. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 60 - 61، أجود التقريرات 1: 34 - 35. 3 - نهاية الأفكار 1: 74 - 76، منتهى الاصول 1: 52 - 53، محاضرات في اصول الفقه 1: 135 - 137. (*)

[ 204 ]

محصله ما شرحناه - غير تام لجهات مذكورة في محالها، ولسنا هنا نخوض فيها، لايتم ما أفادوه هنا لو كان تاما في حد ذاته، وذلك لما يظهر من عنوانهم المسألة من أن البحث لغوي، وأن الجهة المبحوث عنها فيه لها الإطلاق. فيكون المراد: أن الصحيحي يقول: إن المسمى والموضوع له، هي الطبيعة التي إذا وجدت في الخارج، ينتزع منها عنوان " الصحة والتمامية والسلامة " وأي شئ تريد أن تعبر عنه، ويفيد هذا المعنى، والأعمي ينكره، ويدعي أن العناوين المذكورة، ليست أمارات حدود الموضوع له، بل هو الأعم، فلو انتزع منها المقابلات لها فهو أيضا من المسمى. وحصر الصحة في الصحة الحيثية والمخصوصة بناحية الأجزاء دون غيرها، مما لا شاهد له. فلو تحققت الطبيعة، ولم ينتزع منها الصحة والتمامية - سواء كان ذلك لأجل فقدانها الأجزاء المقدارية، أو التحليلية، أو الشرائط الآتية من قبل الأمر، أو كان لأجل وجود المانع، بناء على إمكان تصويره في الاعتباريات - فهي ليست مصداق المسمى والموضوع له عند الأخصي، بخلاف الأعمي. فما توهمه القوم كله الغفلة عن حقيقة الحال، والذهول عن أن الصحة والفساد والتمامية، ليست واردة بعناوينها في المسمى، حتى يتوهم: أن قصد القربة متأخر عنها، فكيف يعقل اعتباره فيها (1) ؟ ! فبالجملة: النزاع في هذه الجهة أيضا غير متصور بما يظهر من بعض الأعلام. مع أن كلمات القوم بشتاتها، تنادي بأعمية النزاع من هذه الجهة أيضا، هذا ما في " الكفاية " حيث قال: " إن وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثر، فإن الأثر مترتب


1 - أجود التقريرات 1: 35. (*)

[ 205 ]

على تام الأجزاء والشرائط " (1) انتهى، وفي " الفصول " ما هو الظاهر في الأعمية (2). وعلى كل تقدير: لا معنى لما أفاده القوم، ومنهم الوالد المحقق - مد ظله - (3)، فتدبر. إن قلت: نعم، ولكن " الصحة " و " التمامية " وما يقاربها من العناوين، كلها منتزعة من الماهية التي تكون أجزاؤها الواقعية والمقابلة للشرائط موجودة، سواء كانت الشرائط موجودة، أو لم تكن، فحقيقة هذه العناوين قاصرة بذاتها، وليست معلقة في الانتزاع من الخارج على كونها صحيحة في مصطلح الفقهاء والمتكلمين. قلت: هذا مما لا يصدقه العقل ولا الخصم، وذلك لأن سقوط الأمر وموافقة الشريعة وإن لم يكن معناهما معنى " الصحة " بالحمل الأولي، ولكنه تفسير بما هو اللازم الخاص لها، ولا معنى لدعوى الاصطلاح الخاص في مفهومهما لهؤلاء الأعلام، ف‍ " الصحة " معناها واضح، واختلاف الناس في الشرائط والأجزاء الدخيلة في تحققها، غير الاختلاف في مفهومها، والخصم ينكر دخول الشرائط لبراهين عقلية، وليس من هذا الوجه في كلامهم عين ولا أثر، فتدبر. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الذي يمكن أن يكون عنوانا لهذه المسألة، هو أن المعاني المتبادرة من الألفاظ، هل هي القابلة للاتصاف بالصحة والسلامة والتمامية ومقابلاتها، حتى تكون المسميات أعم. أو ليست قابلة لذلك، ولا تكون هذه الأوصاف الكمالية وصفا لها، حتى تكون خارجة عن ذاتها، بل هي تنتزع منها بعد تحققها، فيكون المسمى أخص ؟


1 - كفاية الاصول: 39. 2 - الفصول الغروية: 48 / السطر 14 - 20، و 49 / السطر 11 ومابعده. 3 - تهذيب الاصول 1: 69 - 71. (*)

[ 206 ]

ولا يذهب عليك أن البحث لغوي، وهذا عنوان معنوي، لأنه في العنوان كذلك، ولكن الواقع ونفس الأمر يكون بحثا لغويا، لرجوعه إلى كشف حال الواضعين ولحاظهم بالقرائن والشواهد. وإن شئت قلت: البحث هنا حول أن الألفاظ، هل هي موضوع وأسام للمعاني التي إذا تحققت ينتزع منها مفهوم " الصحة والسلامة " أو هي للأعم ؟ والأمر بعد وضوحه سهل. ثم إنك قد اطلعت خبرا على أن البحث عن مفهوم " الصحة والفساد " لا وجه له، لأن الجهة المبحوث عنها أعم من الموضوعات الموصوفة بهما، أو الموصوفة بعناوين اخرى من " السلامة والعيب والتمامية والنقصان " وغيرها، فالصحيحي لا يقصر النزاع في ذلك، حتى لو أصبح أحد ويقول: بعدم اتصاف المركبات الشرعية بالصحة، يكون هو الفارغ عن البحث، بل نظره إلى بيان أخصية الموضوع له حسب الكمال والنقص، أي أن ما هو الموضوع له هو ما ينتزع منه العناوين الكمالية المترقبة بعدما تحقق في الخارج، فلاحظ ولا تخلط. الأمر الرابع: حول الاحتياج إلى الجامع وعدمه بعد مفروغية كون الموضوع له عاما، سواء كان الوضع عاما أو خاصا، فلابد من تصوير الجامع على كلا المذهبين، وذلك لأن المصاديق والأفراد مختلفة الشؤون والحيثيات، ومتشتتة الجهات والحالات، ومتفاوتة في الخصوصيات، ولا يعقل أخذ جميع الخصوصيات المتباينة في الموضوع له بالضرورة، للزوم الخلف، وهو كون الموضوع له خاصا. بل ربما يحتاج إلى الجامع المعانق مع جميع الأطوار والنشات في الأعلام

[ 207 ]

الشخصية أيضا، ضرورة أن المسمى ب‍ " زيد " ليس المتكمم والمتكيف في الصغر، ولا في الكبر فما هو الموضوع له هو الصادق على الوجود الخارجي في جميع هذه الحالات، حتى في البرزخ والقيامة. فما يظهر من القوم: من الاحتياج إلى القدر الجامع فيما كان الموضوع له عاما فقط (1)، غير مقبول. كما أن كون الوضع عاما أيضا غير دخيل في الاحتياج إلى القدر الجامع بناء على إمكان الوضع الخاص والموضوع له العام، بل هو المدعى وقوعه كثيرا، فتدبر. وأما الحاجة إلى الجامع فيما كان الوضع عاما والموضوع له خاصا (2)، فهي مخدوشة، لأن هذا الجامع هو العنوان المشير ولو كان مأخوذا من الآثار واللواحق، ك‍ " معراج المؤمن " وما هو الجامع المحتاج إليه في الموضوع له العام، هو الجامع الحقيقي الاعتباري، أو المقولي، أو ما يقرب منهما، المحمول عليه الاسم، والمتحد معه في الحمل الأولي، كما لا يخفى. بل ربما لانحتاج إلى لحاظ المعنى العام ويكون الإيماء بألفاظ الإشارة كافيا في ذلك، كما لو كان جميع أفراد العام موجودة في محيط، فيقول الواضع: " وضعت لفظة كذا لهؤلاء " على سبيل القضية الخارجية. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المنسوب في تقريرات جدي المحقق إلى الشيخ الأعظم، الارتضاء والميل إلى إنكار كون جميع الأفراد الطولية والعرضية مصاديق الصلاة مثلا، حتى يحتاج إلى الجامع (3). لا بمعنى الالتزام بالاشتراك اللفظي،


1 - كفاية الاصول: 43، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) 1: 64، مناهج الوصول 1: 148، تهذيب الاصول 1: 71. 2 - أجود التقريرات 1: 35، محاضرات في اصول الفقه 1: 139. 3 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 10. (*)

[ 208 ]

ولا بمعنى كون الوضع عاما، والموضوع له خاصا، وما في تقريرات العلامة النائيني هنا (1)، لا يخلو من غرابة. بل بمعنى أن ما هو الموضوع له، هي الطبيعة الجامعة للأجزاء والشرائط الأولية المجعولة بدوا على المكلفين، فيكون الموضوع له عاما، ولا حاجة مع ذلك إلى الجامع المقصود في المقام - وأما مطلق الجامع فهو ضروري، كما لا يخفى - وذلك لأن اطلاقها على غير الطبيعة المزبورة، سواء كانت فاسدة، أو صحيحة، حسب اختلاف حالات المكلفين، ليس إطلاقا حقيقيا، بل هو مجاز، سواء كان من قبيل المجاز الذي يقول به المشهور (2)، أو من قبيل المجاز الذي يقول به السكاكي (3)، أو الشيخ الأصفهاني (رحمه الله) في " الوقاية " (4). إن قلت: بناء عليه يسقط نزاع الصحيح والأعم، للزوم كون الأفراد الصحيحة والفاسدة، خارجة عن الموضوع له (5). قلت: لا، فإن الصحيحي لا يجوز إطلاق اللفظة الموضوعة للمرتبة العليا - وهي الصلاة التامة الجامعة للأجزاء والشرائط - على الفاسدة الجامعة لمعظم الأجزاء، ويجوز الإطلاق على الصحيحة الفاقدة له والأعمي يجوز ذلك كله، ويرجع نزاعهم إلى فقد المصحح وعدمه، ضرورة احتياج صحة الإطلاق إلى المصحح والعلاقة، وهذا هو ما مر في بحث إدراج المجازات في محل النزاع (6).


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 63. 2 - المطول: 278 / السطر 21، قوانين الاصول 1: 13 / السطر 5، الفصول الغروية: 14 / السطر 12. 3 - مفتاح العلوم: 156. 4 - وقاية الأذهان: 103 - 112. 5 - أجود التقريرات 1: 36. 6 - تقدم في الصفحة 196 - 201. (*)

[ 209 ]

إن قلت: إطلاق " الصلاة " مثلا على الواجدة للأجزاء والهيئات الناقصة، ممكن عرفا، للمشابهة والمشاكلة مع التامة والكاملة، ولكنه ممنوع في مثل صلاة الميت والغرقى، بل والمضطجع والنائم، فإنها ليست صلاة عرفا، مع أن الصحيحي والأعمي يطلقون عليها اللفظ (1). قلت: كما أن تصوير الجامع الشامل لهذه الأفراد في غاية الإشكال هناك، كذلك الأمر هنا. ويندفع: بأن هذا يستكشف جوازه من إطلاق الشرع عليه، بمعنى أن في هذه الأفراد، يكون الادعاء بلحاظ الآثار التي هي مستكشفة بالشرع، وفي الأفراد المتوسطة بلحاظ المشابهة وغيرها، ثم بعدما ثبت ذلك من الشرع يستعمل تلك اللفظة فيها عرفا، ونتيجة هذا سقوط التمسك بإطلاق أدلة الأجزاء والشرائط، لأن موضوعها - وهي الصلاة - غير معلوم أنها الصلاة الكاملة، أو هي الأعم منها ومن الفاقدة (2)، انتهى ملخص ما يمكن تحريره هنا بتقرير منا. أقول: قد اجيب بكلمة واحدة: وهي أن الوجدان ناهض على أن إطلاق الصلاة على جميع المراتب - إلا المرتبة الدنيا، كصلاة الغرقى على إشكال فيه - على نسق واحد، ونهج فارد، من غير فرق بين ذلك، والمنكر مكابر (3). ويمكن الجواب عنه: بأن الأمر فعلا كذلك، إلا أن هذه الطبيعة ما كانت تطلق عليها هذه اللفظة على نسق واحد في بدو الأمر بالضرورة، بل القرائن الخاصة كانت تصحح ذلك. والذي هو الحجر الأساس، أن هذه اللفظة ليست موضوعة بالوضع التعييني


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 63. 2 - نفس المصدر. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 141 - 142. (*)

[ 210 ]

لتلك الطبيعة في الشرع الأنور قطعا، ومقتضى ما مر منا: أن هذه الطبيعة كانت قبل الإسلام متداولة، وكان يطلق عليها تلك اللفظة (1). فهذه اللفظة وسائر الألفاظ الموضوعة لسائر الطبائع، على نهج واحد، ونسق فارد، فكما أن لفظة " البقرة والحمار " ولفظة " الشجرة والجدار " ولفظة " المأذنة والمنارة " تطلق على جميع المصاديق المختلفة، من غير تكلف الادعاء والتنزيل، وتجشم المجاز والتأويل، ولا يخطر ببال أحد كون هذه الألفاظ موضوعة للمرتبة العليا، والطبيعة الواجدة لجميع الشرائط والأجزاء، كذلك الأمر هنا. فما أفاده يمكن توهمه لو كان الوضع تعيينيا، ولا أظن التزامه والتزام أحد به. هذا، ونفي جواز التمسك بالإطلاق على المعنى المزبور محل منع إطلاقه، ضرورة أنه لو كانت " الصلاة " في محيط الشرع تطلق كثيرا على ما يشابه الصلاة الأولية، حتى صح إرادة المرتبة المشابهة للمرتبة العليا من المراتب المتوسطة من تلك اللفظة، فإنه عند ذلك يصح التمسك بالإطلاق. بل بناء عليه يلزم الحاجة إلى الجامع، إذ هو ضروري في الوضع التعييني والتعيني. وإنكار الوضع التعيني والحقيقة المتشرعية والشرعية الحاصلة لكثرة الاستعمال في بعض الألفاظ، مكابرة جدا. والمقصود بالبحث ليس محصورا بلفظ " الصلاة " فقط، حتى تكون هي بخصوصها مورد النزاع والبحث، كما هو الواضح. هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام، وقد عرفت ما فيه (2). بقي الكلام فيما هو المهم في البحث، وهو تصوير الجامع للصحيحي والأعمي، فالبحث يقع في موقفين:


1 - تقدم في الصفحة 185 - 187. 2 - تقدم في الصفحة 195 - 196. (*)

[ 211 ]

الموقف الأول: فيما يمكن أن يكون جامعا للأخصي وهو وجوه: الوجه الأول: ما أفاده " الكفاية ": " وهو أن المسمى وإن لا يمكن التعبير عنه، للزوم الإشكال في كل ما جعل جامعا، ولكن الإشارة إليه بالآثار المشتركة بين الأفراد الصحيحة ممكنة، وما هو المشير هي العناوين الواردة من الشرع ك‍ " معراج المؤمن " (1) والناهية * (عن الفحشاء) * (2) و " قربان كل تقي " (3) فإن من الاشتراك في الأثر، يستكشف الاشتراك في المؤثر، للقاعدة المعروفة بين أهلها " (4) (5) انتهى. وما أفاده لا يخلو من قصور، لأن اللازم إثبات كون جميع الأفراد مشتركة في الحيثية التي هي المسماة ب‍ " الصلاة " وهذا مما لا يثبت، لإمكان الاشتراك في الحيثية التي تكون آثارها مشتركة، وليست هي المسماة ب‍ " الصلاة ". فالأولى أن يقال: بأن ما هو المسمى لا يمكن أن يكون معظم الأجزاء، ولا الأجزاء المجملة، للزوم النقض طردا وعكسا، ولكن حيث ثبت أن جميع الأفراد الصحيحة، مشتركة في الشرع في الاسم على نعت الحقيقة، ونجد أن الشارع يطلق على جميع هذه الأفراد لفظة " الصلاة " مثلا على وجه الحقيقة، فعندئذ يعلم وجود المسمى الجامع بينها عند الشرع وإن لا نتمكن من بيانه. وليس هذا معناه كون


1 - الاعتقادات، المجلسي: 39. 2 - العنكبوت 29: 45. 3 - الكافي 3: 265 / 6، الفقيه 1: 136 / 637. 4 - مجموعة مصنفات شيخ الإشراق 3: 125، القبسات: 368، الحكمة المتعالية 2: 210. 5 - كفاية الاصول: 39. (*)

[ 212 ]

الموضوع له والمسمى هو عنوان " المعراج " و " الناهية " وهكذا. وبناء على هذا التقريب، لا نحتاج إلى إعمال القاعدة المعروفة، حتى يتوجه إلينا: أنها قاعدة مضروبة للواحد البسيط الحقيقي، ولا معنى للتمسك بها هنا إلا غفلة وذهولا. ولعمري، إن هذا التقرير أحسن ما يمكن أن يحرر في المقام، ولكنه مع الأسف غير تام، ضرورة أن ذلك ينتج كون الإطلاقات على الأفراد الصحيحة المتوسطة - بل والنازلة والدانية - غير معلومة عندنا، وأنها على نعت الحقيقة، أو المجاز، أو الغلط، لأن المستعمل مادام لم يعلم المسمى، لا يتمكن من الاستعمال الحقيقي، مع أنا نجد أن استعمال " الصلاة " في الأفراد الصحيحة والبعيدة حسب الأجزاء والشرائط عن الأفراد الصحيحة الجامعة لها، يكون على الحقيقة، فلابد من عرفان المسمى، ويكون هو المعلوم عند مرتكزنا، فدعوى: أن المسمى معلوم للشرع دوننا (1)، غير قابلة للتصديق جدا. والعجب من بعض المعاصرين، حيث أطال الكلام في المقام حول أجنبية القاعدة عن المسألة، وكان هو دأبه ! ! ولكنه ليس منه بعجيب، لأنه قريب الافق إلى مذاق الأخباريين، فقال في طي كلامه: " إن هذه القاعدة وإن كانت تامة في العلل الطبيعية لا محالة دون الإرادية " (2) انتهى. وأنت خبير: بأنه أجنبي عن الغور في هذه المواقف، والعذر عند كرام الناس مقبول، والتفصيل موكول إلى أهله ومحله.


1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 160. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 144 - 146. (*)

[ 213 ]

الوجه الثاني: ما أفاده صاحب " الحاشية " المدقق الأصفهاني (رحمه الله) (1). وغير خفي: أنه لتمثيله بالمسائل العقلية، وخروجه عن طور الاعتبار، وقع المتأخرون في مقصوده حيارى، وأوردوا عليه الإيرادات (2). والذي يظهر منه: أنه في مقام إثبات الجامع الحقيقي الذي ليس عنوانيا حتى يكون باطلا، ولا مقوليا حتى يكون ممتنعا، بل الامور الاعتبارية كما تكون خارجة عن المقولات، تكون خارجة عن الإشكالات والتوالي الفاسدة المترتبة عليها، فإن الاعتباريات سهلة التناول، وهي بيد المعتبرين لإفادة الأغراض والمقاصد. فعليه يقال: بأن الصلاة معجون اعتباري من الحركات والأقوال والأفعال الخاصة، التي لا تلحظ تلك الخصوصيات الموجودة والثابتة لتلك الحركات فيها، بل هي المجموعة الاعتبارية من هذه الامور، فانية فيها بحسب الزيادة والنقيصة، ملحوظا فيها بعض هذه الامور على نعت الإجمال والإبهام، فلو كان المعجون المذكور ملحوظا فيه ثلاثة أجزاء معينة، فهو ينتفي عند الانتفاء، وأما إذا لوحظ ثلاثة أجزاء على البدل، ويكون معها المشترك في ذلك - وهو المسمى - فلا ينتفي المسمى بانتفائها. وإن شئت قلت: في الاعتباريات الإبهام الذاتي غير ممنوع، وفي الموضوعات الاعتبارية تعدد الذاتيات جائز، كما هو الظاهر منه، فإنه لا ينبغي نسبة الغفلة إليه عن هذا الأمر الواضح. فلو كان " الحمار " موضوعا للحيوان المتفصل بأحد الفصول المنوعة، فما هو الماهية المتحصلة الحقيقة، لا يمكن أن يتردد أمر فصله بين الامور، بخلاف باب التسمية والاعتبار، فإنه يمكن أن يجعل الاسم


1 - نهاية الدراية 1: 98 - 103. 2 - منتهى الاصول 1: 56، تهذيب الاصول 1: 74 - 75، محاضرات في اصول الفقه 1: 152 - 155. (*)

[ 214 ]

للمسمى المبهم من هذه الجهة، أو من جهة الجنس والفصل، وهكذا. فعليه يمكن أن يقال: بأن ما هو الموضوع له والمسمى، هي الطبيعة الفانية فيها الأجزاء بخصوصياتها، مع عدم خروجها عن الأجزاء المعتبرة البالغة مجموعها إلى عشرة، وعلى هذا يلزم كونه جامعا للأعمي. ولكنه قال: " إنه هو الجامع للأخص، لأن ما هو المعرف والملازم له عنوان الناهية * (عن الفحشاء) * و " معراج المؤمن " نعم لو كان المعرف المذكور عنوان الناهية بالاقتضاء، كان هو الجامع للأعمي أيضا، فعليه يتصور الجامع على كلا الرأيين والمذهبين ". أقول: لو أغمضنا عن جميع ما يتوجه إليه من الخدشات والمناقشات الواردة عليه في كلام القوم، لا يمكن لنا تصديق ما أفاده، لأن معنى ذلك جهل العرف بالموضوع له، لأن هذه المعرفات إن كانت عرفية كان لما أفاده الوجه القريب، لرجوعه أحيانا إلى ما نقول في الجامع للأعمي (1)، ولكنه عندئذ لا حاجة إلى المعرف. وأما إذا كانت شرعية، فلازمه إما كون ألفاظ العبادات، موضوعة لتلك المعرفات في الشرع، وقد فرغنا عن بطلان الحقيقة الشرعية مطلقا في ألفاظ " الصلاة " وأمثالها، بل والمتشرعية (2)، بل هي مثل سائر الألفاظ استعملها الشرع لإفادة مقصوده استعمالا عرفيا، فما جعل معرفا فهو الأثر المترتب على طائفة من تلك الطبيعة الواسعة والمطلقة. أو كون المسمى معروفا لدى الشرع فقط، وهذا خلاف ما عليه الصحيحي، لتمسكه بالتبادر في إثبات مرامه.


1 - يأتي في الصفحة 218. 2 - تقدم في الصفحة 185 - 189. (*)

[ 215 ]

إن قلت: ظاهر هذه التعابير المبينة لآثار الصلوات، كونها أثرا لكل ما صدق عليه " الصلاة " فيعلم منه أن ما لا أثر له ليس بصلاة، على نعت عكس النقيض، فيعلم منه وجود الجامع للصحيحي (1). قلت: هذه التعابير من قبيل القضايا الطبيعية المهملة، كقولهم: " السقمونيا مسهل للصفراء " وهكذا، ولا نظر فيها الى القضايا المحصورة الحقيقية، فليس هذه المعرفات إلا إشارات إلى طائفة من الصلوات، فلا تخلط. الوجه الثالث: ما أفاده العلامة الأراكي، ولعل ما تخيله متخذ مما قيل: " إن حقيقة الوجود في الخارج، سارية في جميع الماهيات والمقولات، نازلة من الأعلى إلى الأدنى، من غير لزوم الكثرة الخارجية الواقعية، وتكون المقولات والمظاهر، مراتب تلك الحقيقة وتعيناتها وشؤونها وأطوارها " (2). ولذلك قال: ما هو المسمى ليس الجامع العنواني، كعنوان " معراج المؤمن " (3) وأمثاله، ولا الجامع المقولي، لعدم الجنس الجامع بين الأجناس العالية، ولكن مع ذلك كله هنا أمران آخران، أحدهما: مفهوم الوجود، والآخر: حقيقته: فإن قلنا: بأن الموضوع له هو مفهوم الوجود المشترك بين تلك المقولات، فهو مضافا إلى لزوم صدق " الصلاة " على جميع الأشياء، يلزم كون الجامع عنوانيا، كما أنه ليس بخفي. وأما لو كان الموضوع له هي الحقيقة الخارجية على إرسالها، فيلزم كون الموضوع له لجميع الألفاظ واحدا، فما هي الموضوع لها، تلك الحقيقة المعرفة بتلك


1 - مطارح الأنظار: 13 / السطر 24، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 332، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 146، نهاية الأفكار 1: 88. 2 - الحكمة المتعالية 1: 68 - 72 و 2: 328، المشاعر: 8 و 40. 3 - الاعتقادات، المجلسي: 39. (*)

[ 216 ]

المعرفات، فتكون الحصة الخاصة من تلك السارية في تلك المقولات، هو الموضوع له والمسمى (1)، انتهى بتحرير منا، كما هو دأبنا في نقل الأقوال. أقول: يلزم عليه كون الموضوع له خاصا، بل في اصطلاحنا جزئيا، مع أن المقصود فرض الجامع، فلا تغفل. وقد ذكر الوالد المحقق - مد ظله - التوالي الفاسدة لمرامه في كتابه (2)، ومن شاء فليراجع، ولكن الأمر سهل، فلا تخلط. الوجه الرابع: أن يقال: بأن الموضوع له هو المعنى اللغوي، وجميع الاستعمالات الشرعية يكون كذلك، وإرادة الخصوصيات - من قبيل الشرائط للمسمى، والأجزاء - كلها بدليل منفصل، فتكون الضمائم خارجة عنه. نعم، هو الدعاء المعرف بتلك المعرفات المزبورة من غير كونها قيدا، فما هو المسمى هو الدعاء الذي كان كذا، لا مطلقه، والأعمي في راحة من تصويره، لأنه هو هذا مع إلغاء تلك الجهة أيضا. وفيه: - مضافا إلى ما مر من أنه ليس جامعا في محيط العرف واللغة - أنها ولو كانت موضوعة لغة للدعاء، ولكنها صارت قبل الإسلام حقيقة في الهيئة الخاصة الخضوعية والعبودية، والآن كذلك، فلابد من الجامع على هذا التقدير، لما مر من أن الاحتياج إليه على الوضعين - التعييني والتعيني - ثابت بالضرورة (3). تذنيب: في وجه امتناع الجامع على الأخصي إذا عرفت عدم إمكان تصوير الجامع للأخصي، فاعلم: أنه يمكن إقامة


1 - نهاية الأفكار 1: 81 - 86، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 116 - 119. 2 - مناهج الوصول 1: 150 - 152، تهذيب الاصول 1: 73. 3 - تقدم في الصفحة 210. (*)

[ 217 ]

البرهان على امتناعه، ضرورة أن الغرض من ذكر الجامع، هو بيان ما تصوره الواضع حين الوضع، وإذا لم يكن الواضع هو الله تعالى، أو أحد المبادئ العالية، وكان هو المتعارف من الناس، وكانت تلك الألفاظ أيضا موضوعة لمعانيها في محيط العرف والعقلاء، كسائر الألفاظ، فكيف يمكن فرض كون المسمى موجودا عند ثلاثة أجزاء، ومفقودا عند تسعة أجزاء ؟ ! وهذا هو البرهان التام، لا ما أفاده بعض الأعلام في المقام (1). تنبيه: حول ما جعله الاستاذ البروجردي جامعا للأخصي ما جعلناه الوجه الرابع، قريب مما جعله الاستاذ البروجردي (رحمه الله) جامعا للأخصي، مع قصور في بيانه، لأنه ترك ما يورث كون الحالة الخاصة الموجودة من أول الأجزاء إلى آخرها، جامعا للأخصي (2)، فراجع. وملخص ما قاله: هو أن الصلاة ليست عبارة عن نفس الأقوال والأفعال المتباينة المتدرجة بحسب الوجود - حتى لا يكون لها حقيقة باقية إلى آخر الصلاة محفوظة في جميع المراتب، ويترتب على ذلك عدم كون المصلي في حالة السكونات المتخللة مشتغلا بالصلاة - بل هي عبارة عن حالة توجه خاص يحصل للعبد، ويوجد بالشروع فيها، ويبقى ببقاء الأجزاء والشرائط، ويكون هذا المعنى المخصوص كالطبيعة المشككة، لها مراتب متفاوتة، تنتزع في كل مرتبة عما اعتبر جزء لها (3)، انتهى. وأنت خبير: بأن ما أفاده - مضافا إلى عدم مساعدة اللغة والعرف عليه -


1 - أجود التقريرات 1: 37 - 40. 2 - نهاية الاصول: 47 - 48. 3 - نفس المصدر. (*)

[ 218 ]

لا يمكن مساعدة البرهان عليه، ضرورة أن قيام الأجزاء - بل والأفعال في وجه - بالإنسان قيام صدور، وقيام تلك الحالة قيام حلول، فكيف تتحد تلك الحالة مع تلك الأجزاء والأفعال ؟ ! هذا مع أن هذه الحالة، ليست في جميع المصلين، مع أن ما أفاده جامع للأعمي. اللهم إلا أن يجعل عنوان الناهية * (عن الفحشاء) * معرفا، كما جعله غيره (1)، وعندئذ يتوجه إليه ما توجه إلى الآخرين، كما لا يخفى. هذا تمام الكلام فيما يمكن أن يعد جامعا للأخصي، وقد عرفت عدم وجوده، بل عدم إمكانه (2). الموقف الثاني: في ذكر عمدة الوجوه الممكنة لأن تكون جامعا للأعمي فمنها: ما نسب (3) إلى صاحب " القوانين " (رحمه الله): من أن الموضوع له هي الأركان بعرضها العريض، لا بحدها الخاص، وأما سائر الأجزاء والشرائط فهي الداخلة في المأمور به بالأدلة المنفصلة، لا لاقتضاء الاسم ذلك (4). وهذا هو مختار بعض المعاصرين، وقد دافع عما توجه إليه في كلمات القوم (5). ولكن الذي يتوجه إليه، وليس مدفوعا عنه، ولا يمكن دفعه: هو أن المسمى والموضوع له، ليس الأمر الشرعي والمعنى المخترع الإسلامي، حتى يقال: بأن


1 - كفاية الاصول: 39. 2 - تقدم في الصفحة 209 - 216. 3 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 15. 4 - قوانين الاصول 1: 60. 5 - محاضرات في اصول الفقه 1: 159. (*)

[ 219 ]

الصلاة بدون الركن ليست بصلاة ولو كانت مستجمعة لجميع الأجزاء والشرائط، أو يتشبث بالأدلة اللفظية، كما تشبث بها الفاضل المذكور (1). بل مسمى هذه اللفظة كغيرها، مأخوذ من العرف ومن العابدين بها الله تعالى قبل الإسلام، ولم يتصرف الشرع في التسمية، كما مضى تفصيله (2)، فإذن نجد وجدانا صدق " الصلاة " على فاقد الطهورين لغة. بل قيل: " إن البحث في الشرائط كلها، خارج عن بحث الصحيح والأعم " (3) وهل هذا إلا لكون المسمى، صادقا مع فقد الركن الشرعي، وهو الطهور حسب الأدلة الموجودة ؟ ! وبعبارة اخرى: كما أن البحث لغوي، ويكون حول أن الموضوع له بهذه الألفاظ طرا، أعم أو أخص، كذلك مفهوم " الصحة والفساد " المذكور في كلامهم لغوي، فلا معنى لدعوى الأخصي أنها ليست بصلاة عند الشرع، والأعمي أنها ليست بصحيحة عنده. فالمناط على فهم العرف في الموصوف والصفة، فكأن من تخيل أن الجامع هي الأركان المأخوذة من الشرع (4)، غفل عن الجهة المبحوث عنها في المقام. وأما إذا جعلت الأركان العرفية جامعا، فلابد من بيانها، وإلا فهي الإغراء بالجهالة. ولعمري، إن جعل الأركان جامعا للأخصي، كان أولى من جعله للأعمي، خصوصا مع الالتزام بالإهمال في ناحية عدد الأركان، كما مضى تفصيله من


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 159 - 165. 2 - تقدم في الصفحة 185 - 188. 3 - نهاية الأفكار 1: 76. 4 - قوانين الاصول 1: 60. (*)

[ 220 ]

صاحب " الحاشية " بتقريب منا (1). وما يتوجه إلى هذه المقالة: من أن سائر الأجزاء والشرائط، إن كانت داخلة فلا تحقق للمسمى بدونها، وإن كانت خارجة، فإطلاقها على المجموع مجاز، مدفوع بما تقرر في كتاب الصلاة حول الشبهة في أن قول المصلي: " ورحمة الله وبركاته " إن كان جزء في الماهية ومأمورا به بأمرها فيجب، وإن كان مستحبا بأمر آخر فلا منع من الإحداث قبله وحينه، لخروجه قبله من الصلاة، ويكون هو التعقيب لها (2). وإجماله: أن من الأجزاء ماهي الدخيلة في تحقق الاسم، ومنها ماهي لو التحق بالمسمى يدخل، ويطلق عليه " الكل " قهرا، ولو لم يلتحق به يتحقق المسمى بما هو الدخيل، كما في عنوان " الدار والبيت والسوق والحمام " فلاحظ وتدبر جيدا. وقد عبر عن هذا الوالد المحقق - مد ظله -: ب‍ " لواحق المصداق " في قبال قيود الطبيعة ومقوماتها (3). ومنها: ما نسبه شيخ مشايخنا إلى المشهور، وهو أن المسمى معظم الأجزاء (4). وتحرير ذلك بوجه لا يتوجه إليه ما وجهه " الكفاية " وأتباعه (5)، قد مضى في ذكر الوجوه المزبورة للأخصي، عند نقل كلام صاحب " الحاشية " بتقريب ذكرناه حوله (6)، بعد وضوح أن المقصود ليس كون المعظم مسمى بعنوانه، حتى يكون


1 - تقدم في الصفحة 213. 2 - لاحظ جواهر الكلام 10: 329 - 330، الصلاة، المحقق الحائري: 281 - 282. 3 - لاحظ مناهج الوصول 1: 147 و 155 - 157، تهذيب الاصول 1: 71 و 77 - 78. 4 - مطارح الأنظار: 8 / السطر 3، كفاية الاصول: 41. 5 - كفاية الاصول: 41، أجود التقريرات 1: 42 - 43، نهاية الأفكار 1: 86. 6 - تقدم في الصفحة 213. (*)

[ 221 ]

جامعا عنوانيا، مع بطلانه بذاته. وبعد ظهور عدم إرادتهم كون معظم الأجزاء في كل صلاة بالنسبة إلى أحوال المصلين، هو الموضوع له، حتى يلزم كون الموضوع له خاصا، والوضع عاما، كما يظهر من الفاضل الإيرواني، ظنا أنه مقصودهم (1). بل المقصود: أن المسمى واقع أكثرية الأجزاء، أي لو كانت صلاة المختار عشرة أجزاء، وأقل الصلوات أجزاء هي المشتملة على الستة، فما هو المسمى هو الستة على الإهمال من غير لزوم الإشكال، لعدم جواز الخلط بين المركبات الحقيقية والاعتبارية، فلاحظ وتدبر. نعم، يتوجه إلى هذه المقالة: أن الصلوات المشتملة على الأجزاء اليسيرة عند الاضطرار، ليست بصلاة حقيقة. ولعلهم يلتزمون بذلك، بدعوى مساعدة العرف على مجازية تسمية صلاة الغرقى والميت وبعض الأفراد الاخر " صلاة " كما يلتزم به الآخرون، ولا داعي إلى تصوير الجامع الكذائي، بل هو غير معقول كما لا يخفى. ويتوجه إليها ثانيا: أن المراد من " المعظم " إن كان ما هو العظيم من حيث الدخالة في الاسم بنظر العرف، فهو مجهول. وإن كان بنظر الشرع، فهي راجعة إلى القول الأول في الجامع. وإن اريد منه أكثرية الأجزاء، لا الأركان، كما هو المتفاهم منه، فكثير من الصلوات المشتملة على الركوع والسجدة والتكبيرة والسلام أو بعض الأجزاء الاخر - عوضا عما ذكرناها - صلاة عرفا، وفاقدة للمعظم. وبعبارة اخرى: ما هو المشتمل على الخمسة من العشرة، صلاة عرفا، إذا كان من تلك الخمسة ما هو القائم به بعض الهيئة المعتبرة في الصلاة، فلا تخلط.


1 - نهاية النهاية 1: 37 - 38. (*)

[ 222 ]

ومنها: الوجوه الاخر التي ذكرناها في طي الوجوه للأخصي (1)، فإن كثيرا منهم جعل ما هو الجامع للأخصي، جامعا للأعمي، مع الاختلاف في المعرف (2). مثلا: الشيخ العلامة صاحب " الحاشية " (قدس سره) بعد إفادة الجامع الاعتباري بمعرفية " معراج المؤمن " قال: " هذا هو الجامع للأعمي، بمعرفية المعراجية بالشأن والاقتضاء " (3). وفيه: أن هذا الجامع لا يحتاج إلى المعرف، لأن ما هو المسمى لابد وأن يكون معلوما بحده، لا مجملا. مع أن الأجزاء المهملة من بين الأجزاء المعلومة، ليست مسماة إذا اعتبرت خالية عن الهيئة، ضرورة أن الصلاة مركبة من الهيئة والمادة، كما سيأتي تفصيله (4). والسيد الاستاذ البروجردي أفاد في جامع الأخصي ما هو الأولى بجامعية الأعمي (5)، وقد مضى تفصيله، وعرفت أن الحالة المنطبقة على الأجزاء ليست هي الصلاة، بل لا يعقل انطباقها على الأجزاء، لأنها كيفية نفسانية قائمة قيام حلول بالمصلي، والأجزاء هي الحركات الصادرة قيام صدور بالإنسان، وقيام حلول بالهواء، فتكون من الكيفيات المحسوسة، فكيف يمكن انطباق ذاك على هذا ؟ ! كما لا يخفى. وقد عرفت أيضا إمكان جعل الدعاء جامعا للأعمي، لا الدعاء المطلق، فإنه المعنى الأولي، بل الدعاء بطرز بديع وشكل خاص، من غير خروجه عن شكل


1 - تقدم في الصفحة 209 - 217. 2 - لاحظ أجود التقريرات 1: 36، نهاية الأفكار 1: 86، نهاية الاصول: 47. 3 - نهاية الدراية 1: 113. 4 - يأتي في الصفحة 228. 5 - نهاية الاصول: 47. (*)

[ 223 ]

الدعاء. فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " صلوا كما رأيتموني اصلي " (1) أي ادعوا كما أدعو، فمفهوم الدعاء ذو عرض عريض، والصلاة مثله، إلا أنها في الشرع تطلق على الدعاء الخاص المعروف عند المتشرعة المعروف بقابليته للنهي * (عن الفحشاء) * و " معراج المؤمن " وهكذا. وفيه مالا يخفى. ومنها: الوجوه الإجمالية من غير ذكر ما هو المسمى حقيقة، كما عرفت في جعل الدعاء جامعا (2)، فإن هذه الوجوه غير كافية، لأن معلومية المسمى عند المتشرعة غير قابلة للإنكار، وهكذا في اللغة، والإيماء والإشارة والتمثيل بالأعلام المشخصة (3)، غير مفيد فيما هو المقصود في المسألة. مثلا قد يقال: بأن المسمى ما هو المعروف عند العرف، من إطلاقه في بعض الأحيان على بعض الأفراد، ومن عدم الإطلاق على الأفراد الاخر (4). وفيه: أنه لابد من الاطلاع على المعنى قبل الإطلاق والحمل، كما مضى في علائم الحقيقة والمجاز (5). وقد يقال: بأن المسمى هنا من قبيل المسميات لألفاظ المقادير، ك‍ " المثقال والحقة " (6) فكما أنها تطلق على الناقص والزائد، فهي مثلها.


1 - بحار الأنوار 82: 279. 2 - تقدم في الصفحة 216. 3 - لاحظ مطارح الأنظار: 8 / السطر 14، كفاية الاصول: 42. 4 - هداية المسترشدين: 100 - 101، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 322 - 323، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 138، أجود التقريرات 1: 43 - 44. 5 - تقدم في الصفحة 170 - 173. 6 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 136 / السطر 28 - 36، كفاية الاصول: 42. (*

[ 224 ]

وفيه: أنه بيان مضى تفصيله، ولكن التمثيل غير صحيح، لأن هذه الألفاظ موضوعات للمعاني المقدارية بالدقة العرفية، ولا يعتنى بالإطلاقات المسامحية. وقد يقال: بأن لفظة " الصلاة " بالقياس إلى معناها القصير والطويل والناقص والزائد، نظير الأعلام الشخصية، فكما أن تلك الألفاظ صادقة مع اختلاف الحالات وجميع اللواحق والخصوصيات، كذلك ألفاظ العبادات (1). وفيه: أن ما أفاده يرجع فيما نحن فيه إلى ما شرحناه سابقا، من أخذ الأجزاء الثلاثة المهملة من العشرة المفصلة المعلومة موضوعا (2)، ولكنه لايتم في الأعلام الشخصية، للزوم الامتناع فيها، بداهة أن ما هو المسمى في تلك الأعلام من الحقائق الخارجية، ولا يعقل الإهمال فيها في تجوهر ذاتها، ولا يمكن تبدل الذات، فإن الذاتيات لا تختلف ولا تتخلف في أنحاء الوجودات، فلا يصح قياس الاعتباريات بالحقائق، فإن فيه الزلل الكثير، والبعد عن محيط الشرع والتقنين، كما هو الواضح الظاهر. التحقيق فيما هو جامع الأعمي إذا عرفت ذلك كله، فاستمع لما يوحى إليك من عبدك، فقد علمت فيما سبق منا إلى هنا: أن دائرة البحث في هذه المسألة أوسع مما ظنه الأصحاب، فلابد من النظر إلى ما هو الجامع بالنسبة إلى جميع الألفاظ الموضوعة على سبيل الاشتراك المعنوي للمعاني المختلفة أفرادها ومصاديقها اختلافا فاحشا من جميع الجهات والمقولات.


1 - مطارح الأنظار: 8 / السطر 12 - 20، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 139، الرابع. 2 - تقدم في الصفحة 213. (*)

[ 225 ]

وأيضا علمت: أن قصر النظر في مفهوم " الصحة والفساد " (1) غير جائز، بل الجهة المبحوث عنها، غير راجعة إلى فهم مفهوم هاتين اللفظتين، فإن الصحيحي يريد اثبات كون المعاني ليست مطلق الطبيعة، بل هي الطبيعة الجامعة للآثار المترقية منها، وما هو الفاقد لها يعد منها مجازا ومشابهة، سواء اتصفت تلك الطبيعة بعنوان " الصحيح " كما في طائفة من الموضوعات، أو اتصفت بعنوان " السلامة " كما في اخرى منها، أو بعنوان " التمامية " كما في ثالثة منها. وأيضا علمت: أن البحث حيث يكون لغويا، فلا معنى لكون المراد من " الصحة والفساد " فيه - فرضا - هي الصحة الشرعية، أو الأعم منها ومن الصحة والفساد العرفيين (2)، بل النظر مقصور إلى ما هو مفهومهما، ومفهوم " السلامة والعيب " ومفهوم " التمامية والنقصان " في محيط العرف. فما يظهر من الوالد - مد ظله -: من أن الصحة والفساد فيما نحن فيه ليسا حيثيين، لأن الصلاة لا تتصف بالصحة الفعلية من حيث، بل هي موصوفة بأحد الوصفين بالفعل، ولا توصف بالآخر، وإذا وجدنا أنها مع فقد الشرط تكون فاسدة، فيتعين القول بالأعم، ويلزم تصوير الجامع، ويسقط احتمال القول بالأخص، لما عرفت من خروج بعض الشرائط عن محل النزاع (3)، في غير مقامه، ضرورة أن الطبيعة الفاقدة للشرط توصف بالفساد، إلا أنه توصيف شرعي إذا كان ذلك الشرط شرعيا، وإذا كان شرطا عرفيا فللأخصي دعوى المجازية، كما ادعاها فيما كان فاسدا للإخلال بالأجزاء. إن قلت: بناء على هذا يلزم خروج طائفة من الشرائط عن محل النزاع، مع


1 - تقدم في الصفحة 206. 2 - تقدم في الصفحة 219. 3 - تهذيب الاصول 1: 76. (*)

[ 226 ]

أن مقتضى ما مر دخول مطلق الشرائط فيه (1). قلت: ما ذكرناه هناك هو أمر أدق، وإجماله أن الجهة المبحوث عنها ليست الجزء، ولا الشرط، بل هي أن الألفاظ هل تكون معانيها وما هو الموضوع لها هي الطبيعة المرسلة، أم هي الطبيعة المستجمعة لما يترقب منها، وينتظر من الآثار والخواص الدنيوية والاخروية ؟ فعندئذ تدخل الشرائط في محل النزاع، إذا كانت لها الدخالة في ذلك عرفا، أو استكشفت بالشرع فصدقها العرف، كما ربما يستكشف بالطب بعض خواص للبطيخ، فإنه عند فقده ذلك الأثر لا يكون بطيخا عند الأخصي، فلا تغفل، ولا تخلط. فإذ قد تبين ذلك كله فاعلم: أن الماهيات على صنفين: أصيلة، وغير أصيلة: فالماهيات الأصيلة - مركبة كانت، كالمواليد الثلاثة: بالجمادات، والنباتات، والحيوانات، أو بسيطة، كالأعراض، والمقولات - كلها ذات أجناس وفصول، ويكون الجامع فيها معلوما، لأنه قابل للذكر بعنوانه، أو بالإيماء والإشارة، بأخذ العناوين اللازمة فصولا، كما هو الأكثر، خصوصا على القول: بأن حقائق الفصول هي الوجودات الخاصة (2). فما هو الموضوع له مثلا " الذهب " و " الفضة " الجسم الجامد الذي له خاصية كذا، ولون كذا، وما هو الموضوع له " الحنطة " و " الشعير " مثل ذلك، وهكذا في الحيوانات. ويترتب على هذه، الثمرة العملية الفقهية، مثلا الأدلة المتكفلة للكفارات في تروك الحج، إذا كانت مطلقة، ولم يرد مقيد لها، يؤخذ بإطلاقها، ويطرح الشك في كون الشاة سمينة أو سالمة أو غير ذلك بها، لأن الموضوع له " الشاة " أعم من


1 - تقدم في الصفحة 203 - 205. 2 - الحكمة المتعالية 2: 36، 5: 181، شرح المنظومة، قسم المنطق: 103. (*

[ 227 ]

السالمة والمريضة، وهكذا في الغلات والنقدين وغير ذلك. ومن هنا يعلم: أن الأوفق بالتحقيق أعمية مصب البحث في هذه المسألة، ولا يقصر على ألفاظ العبادات. وأما الماهيات غير الأصيلة، فهي مثلها ذات بسائط، ومركبات: فالبسائط منها، ما هو المعنى الواحد القائم بالواحد العرفي، ولا يكون المعنى المقوم داخلا في الموضوع له، وهذا مثل الأواني والظروف، فإن الألفاظ الموضوعة لها بجامع واحد، وهي الهيئة الخاصة اللا بشرط صغرى وكبرى إلى حد معين، ولا تكون مادة هذه المسميات دخيلة في الاسم، كما ترى. وأما المركبات منها، كالدار والحمام والسوق، وجميع المخترعات اليومية، من السيارة والطيارة والسفينة الفضائية، فإن المادة الخاصة غير دخيلة في الموضوع له، بل لو أمكن إيجاد الهيئة القائمة بها بدونها، يصدق عليها الأسماء، وهذا شاهد على أن المسمى هي الهيئة الملحوظة بلحاظ خاص في جهة، وتكون هي اللا بشرط من الجهات الكثيرة الاخرى. فالاجزاء القائمة بها البيت والحمام، فانية في مقام التسمية في تلك الهيئة، ولا يعقل في هذا اللحاظ النظر إليها، لأنها عند النظر إليها تكون جزء مباينا لها، وخارجة عنها، وتضاف إليها، فيقال: " هذا رأس (القليان) " أو " هذا وسطه " فما هو الموضوع له (للقليان) هي الهيئة والشكل المعين اللابشرط صغرى وكبرى، سوادا وبياضا، صحيحا وسالما، فلو لم يمكن الاستيفاء منه للتدخين فهو لا يضر، لأن ما هو الجامع هو الشكل المحفوظ في الحالتين. فتحصل: أن في جميع المركبات التأليفية غير الحقيقية، يكون الجامع الشكل والهيئة، وقد يسأل الصبيان: ب‍ " أن (القليان) ما هو ؟ " حتى يقال: " هذا رأس (القليان) وهذا جسد (القليان) وهذا ماؤه وناره ودخانه " وهكذا، مع أن (القليان) ليس أمرا

[ 228 ]

وراء تلك الأجزاء. ومن العجب ظن بعض المتفلسفين في عصرنا - المسمى ب‍ " الفيلسوف الأكبر الإسلامي " - أن أول الدليل على وجود النفس وراء البدن ما يقال: ب‍ " أن هذه يدي، وهذه رجلي، وهذا رأسي " فمن هو المتكلم بهذه الكلمات ؟ ! وما هذا إلا الروح ! ! ولم يتفطن هذا المرء إلى إطلاق قوله: " ونفسي وروحي " نقضا، وإلى ما ذكرنا في (القليان) مع بداهة عدم وجود الأمر البسيط المجرد وراء هذه الأجزاء المضافة إليه. وحل الشبهة ما عرفت: من أن ما هو الموضوع له هي الهيئة والشكل، وتلك الأجزاء غير منظور إليها في التسمية، بل غير داخلة فيها، والإضافة إليه لكونها موضوعا للشكل والهيئة التي هي الجامع حقيقة. ومن التدبر في أمثال هذه الامور ونظائرها، يسهل الاطلاع على ما هو الجامع في المركبات الاعتبارية، كالعبادات المركبة من الهيئات الخاصة، ومنها الصلاة، فإن الجامع فيها ليس إلا الهيئة الكاملة المشتملة على الهيئات الجزئية، كهيئة القيام والركوع والسجود والقعود، من غير لزوم جميع هذه الهيئات، بل يكفي عدة منها، وإن فقدت بعضها يبقى المسمى، كما عرفت في مثال (القليان) فإن رأسه وإن كان داخلا بحسب الهيئة الخاصة - في تلك الهيئة الكاملة المشتملة على الهيئات الجزئية الفانية في تلك الهيئة الكلية، ولكنه مع ذلك ليس دخيلا ومقوما، لبقاء الجامع بدونه. نعم، مع فقدان الرأس والوسط لا يبقى، والصلاة مثله، فإنه بدون القيام الركوع بأبدالهما العرفية، ليس صلاة. فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - وإن قرب من التحقيق، إلا أنه يلزم عليه الالتزام: بأن ما هو الجامع هنا أمر لا مانع من تردده بين الامور، وقد تحاشى عن

[ 229 ]

ذلك برهانا: بأن الإهمال في تجوهر الذات ممتنع (1)، وقد مضى وجه الخلل فيه بالخلط بين الحقائق والاعتباريات، فتدبر. إن قلت: بناء عليه يلزم الالتزام بخروج الأفراد الفاقدة للقيام والأبدال العرفية، فإن الإيماء ليس - عرفا - بدلا من الركوع والسجود، وهكذا القعود (2). قلت: لا منع من ذلك، لأن ما هو المقصود - كما يأتي في ذكر ثمرة البحث - يحصل بذلك أيضا، ضرورة ثبوت الفرق بين إنكار الجامع والالتزام بالمجازية المطلقة، وإثبات الجامع بين الأفراد المتعارفة المتقاربة وإثبات المجازية في الجملة، فإن التمسك بالإطلاق في كثير من المواقف ممكن عندئذ. نعم، فيما شك في شئ، واحتمل واقعا دخالته في المسمى، فعندئذ لا يمكن التمسك بالإطلاق، ولكنه مجرد احتمال لا واقعية له، فانتظر واغتنم. حول الجامع في المعاملات إن قلت: قضية ما تحرر دخول ألفاظ المعاملات في حريم التشاح ومورد النزاع، فلابد من تصوير الجامع هنا كغيرها. قلت: ما هو التحقيق في أسامي المعاملات، يأتي عند ذكر التحقيق في أصل المسألة (3)، وما هو المحتملات فيها فهي كثيرة: فإنه يحتمل تارة: أن يكون المسمى هنا، هو الأثر القهري الحاصل من الملكية والانتقال، الذي هو حكم العقلاء بعد وجود الأسباب والمؤثرات. وهذا


1 - مناهج الوصول 1: 155 - 158، تهذيب الاصول 1: 75 - 78. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 138 / السطر 7. 3 - يأتي في الصفحة 273. (*)

[ 230 ]

الحكم - كما مضى تفصيله سابقا (1) - يكون على نعت الكلي بنحو القضية التعليقية: " وهو أنه إذا تحقق البيع أو سبب النقل، تحصل الملكية والانتقال " فلا تخلط. وعندئذ لا يمكن الجامع، لدوران هذا الأمر المتأخر المعلول والأثر لما تقدم عليه، بين الوجود والعدم، ولا أظن التزام أحد بذلك، أي بأن هذا هو المسمى، فلا يعقل الجامع. وما ربما يتوهم من عبائر بعض الأصحاب: " من كون أسامي المعاملات موضوعة للمسبب " (2) ليس هذا، فإنه الأثر المترتب - بحكم العقلاء - على ما هو " السبب " المقصود في كلامهم، فلا تغفل. واخرى: يحتمل كون المسمى نفس الألفاظ بما لها من المعاني، من غير كون هذه المعاني دخيلة في التسمية، بناء على إمكان تعقل مثل ذلك. ولكنه غير معقول، لأن قضية ذلك كون الألفاظ بدونها داخلة في المسمى، وهو واضح المنع، فيلزم التقييد. وما اشتهر: " من إمكان التضييق بدون التقييد " كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) في نظائر المقام (3)، لا يرجع إلى محصل. وثالثة: يحتمل كونها أسامي لتلك الألفاظ بما لها من المعاني الإنشائية، فإن كانت المسماة ذاتها فيلزم المحذور السابق. وإن كانت المسماة هي مع المعاني المترتبة عليها إنشاء، فهو أيضا أمر دائر بين الوجود والعدم، لأن المسمى هو السبب - بما هو سبب - بالنسبة إلى المعاني المنشأ بها، وهذا لا يتصف بالصحة والفساد، ولا بالتمام والنقصان، لأن ما أوجده من الألفاظ غير الموجد بها المعاني الإنشائية، غير قابل للإتمام، حتى يقال: " بأنه


1 - تقدم في الصفحة 125. 2 - نهاية الأفكار 1: 97، أجود التقريرات 1: 48 - 49، تهذيب الاصول 1: 89. 3 - نهاية الأفكار 1: 44 و 64. (*)

[ 231 ]

سبب ناقص ". فبالجملة: ترتب المسبب وهو المعنى الإنشائي على الألفاظ، ترتب قهري، أي لا يمكن تحقق تلك الألفاظ بما لها من المعاني، مع عدم تحقق تلك المعاني، فيدور أمر سببيتها لها بين الوجود والعدم، فلا جامع هنا أيضا حتى يقع البحث فيما نحن فيه في ذلك. ورابعة: يحتمل كونها أسامي لتلك المعاني المنشأة بتلك الألفاظ التي هي السبب لوجودها، وتلك تكون موضوعة لحكم العقلاء، أو سببا للانتقال، فهي مسببات للألفاظ، وأسباب للملكية والانتقال، وعند ذلك يمكن دعوى إمكان اتصافها بالصحة والفساد، لأن ذلك المنشأ العقلائي الحاصل من الألفاظ، إن كان دائما موضوع حكم العقلاء بترتب الأثر، فلا يدور أمره إلا بين الوجود والعدم. وأما لو كانت النتيجة غير دائمية، كما في الفضولي على مقالة المشهور، فإن ما يصنعه الفضولي عين ما يوجده المالك، حسب الألفاظ ومعانيها ولكن الفرق حاصل بينهما بترتب الأثر على منشأ المالك، دون الفضولي، فإذن يصح أن يقال: بلحاظ ترتب الأثر يتصف بالصحة، وبلحاظ عدم ترتب النتيجة يتصف بالباطل والفاسد، فلا يدور أمره بين الوجود واللاوجود. ولو قيل: لا يوصف الشئ بالصحة بلحاظ الأثر، وبالفساد بلحاظ عدمه، فإن الأثر حاصل من الصحيح، وما ليس بصحيح لا أثر له. وبعبارة اخرى: لا يكون المركبات الاعتبارية التي هي ذات أجزاء، إلا وهي إن كانت مستجمعة للشرائط والأجزاء، يترتب عليها الأثر، فهي في المرتبة السابقة عليه توصف بالصحة وإذا لم يترتب عليها الأثر يكشف عن الإخلال بما هو الشرط في التأثير، أو الجزء المعتبر قواما، فلا يوصف إلا بالفساد. قلنا: لا نبالي بذلك بعدما عرفت منا: أن الكلام ليس محصورا في مفهوم

[ 232 ]

" الصحة " أو " السلامة " أو " التمامية " بل هو الأعم من ذلك، فإذا وصف ب‍ " التمامية " هنا فهو أيضا كاف. مع أن فقد الأثر إذا كان لفقد قيد، فهو يستلزم صحة التوصيف ب‍ " الصحة " أيضا. فبالجملة: إمكان الجامع قد اتضح هنا، فيصح النزاع المذكور. فما يظهر من جمع من خروج ألفاظ المعاملات عن حريم البحث (1)، غير تام، ولاسيما بعد اشتهار صحة الفضولي عندهم، مع أنه غير تام بحسب السبب والعلية، فليتأمل جيدا. كما أن ما يظهر من جمع من أن تلك الألفاظ إن كانت أسامي للأسباب يجري النزاع (2)، غير ظاهر، إلا إذا رجع إلى ما ذكرناه من السبب الثاني الذي هو موضوع حكم العقلاء، أو اعتبر سببا للملكية. وتوهم: أن النزاع غير صحيح، لأن المعروف بينهم أنها إما للأسباب، وهي الألفاظ بما لها من المعاني، أو المسببات بمعنى الأثر والملكية، في غير محله، لذهاب الأكثر إلى ما شرحناه، وإن كان في كلماتهم الإجمال والإهمال (3). مع أن المقصود تحرير النزاع المعقول. ومن هذا القبيل توهما: أن الثمرة لا تترتب على هذا النزاع، وسيأتي دفعه. مع أن البحث الكلي لابد وأن يكون مثمرا في الجملة، ولا يلزم كونه في جميع جهاته وحيثياته ذا ثمرة، كما لا يخفى. وخامسة: يحتمل كونها أسامي لما هو المؤثر بالفعل، لا المسبب، ولا السبب الناقص، بل السبب التام، وعندئذ لا يجرى النزاع، لعدم وجود الجامع بين


1 - مطارح الأنظار: 6 / السطر 3، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 314، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 131 / السطر 3، منتهى الاصول 1: 67. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 421، كفاية الاصول: 149، درر الفوائد، المحقق الحائري: 54، أجود التقريرات 1: 48، نهاية الأفكار 1: 97. 3 - لاحظ أجود التقريرات 1: 48 - 49، نهاية الأفكار 1: 97، تهذيب الاصول 1: 87 - 89. (*)

[ 233 ]

الصحيح والفاسد. وسادسة: يحتمل كونها أسامي للمعتبر النفساني وإن لم يكن مبرزا بإحدى المبرزات، فإن كان هذا المعتبر النفساني والتبادل الذهني من الذي يليق بذلك، يكون معتبره صحيحا، وإلا فهو فاسد، فإذا اعتبره البالغ الرشيد يكون صحيحا عرفا وشرعا، وإذا اعتبره المميز الرشيد يكون صحيحا عرفا فقط، وفاسدا شرعا، وإذا اعتبره غير المميز يعد فاسدا على الإطلاق (1). ثم إنه قد يقال: بإمكان تصوير الجامع بالنظر إلى الشرائط الشرعية، فيكون المسمى ما هو المستجمع للشرائط العرفية، فإن كانت جامعة للشرائط الشرعية أيضا فهي الصحيحة، وإلا فهي الفاسدة (2). فالصحة والفساد تارة: يلاحظان في افق العرف بالنسبة إلى الماهية العرفية، فعندئذ لا يدور الأمر إلا بين وجودها وعدمها. واخرى: يلاحظان في نظر الشرع بالنسبة إلى تلك الماهية، فعندئذ تتصف تلك الماهية ب‍ " الصحة " و " الفساد ". وتمامية النزاع على هذا، متوقف على إمكان الالتزام بالحقيقة الشرعية في المعاملات، حتى يقال: بأن الشرع تصرف في محيط العرف ولغتهم، واختار وضع تلك الألفاظ لما هو الصحيح عنده، والمؤثر في نظره. ولكنه مما لا يلتزم به الأخصي، لرجوعه إلى أن الأعمي يدعي: أن ما هو المسمى هو المؤثر العرفي وإن كان باطلا شرعا، والأخصي يدعي: أن ما هو المسمى هو المؤثر الشرعي الذي إذا تحقق ينتزع منه عنوان " الصحة ".


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 195. 2 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 423. (*)

[ 234 ]

وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن مفهوم " الصحيح " ليس إلا ما هو المستجمع المؤثر، وما لا يكون مستجمعا لشرائط التأثير والسببية أو الموضوعية، يكون فاسدا، فإذا كانت معاملة عند الشرع باطلة، فليس يعقل ذلك إلا باعتبار قيد أو شرط في التأثير والموضوعية، فيلزم التصرف القهري - بنحو القانون الكلي - في ماهية البيع ونحوها، باعتبار الجزء أو الشرط فيها، فعندئذ لابد من الالتزام بالأخص في تلك الألفاظ، أو يلزم صحة الاحتمال المذكور، فيجري النزاع المشهور (1). وأما نظر العرف، فإن كان من الملة الإسلامية مثلا التابعة للقوانين الإلهية، فبعد مضي المدة الطويلة، تصير تلك الألفاظ حقيقة عرفية ثانوية عندهم فيما هو المؤثر في القانون الإسلامي، ضرورة انقلاب العنايات العرفية حسب إعمال القوانين الشرعية، أو القوانين العرفية المخلوقة لمجاميع البشر، فافهم وتدبر. وبالجملة: الاعتبارات المخلوقة للبشر الأسبق، لا تكون دائمة الوجود، بل هي دائما تابعة للمعتبرين، فإذا تبدل في محيط وافق بناء المعتبرين إلى تغيير القانون الموجود عندهم، أو تصرفوا في قيوده نفيا أو إثباتا، تتبدل المعتبرات الموجودة، وتضمحل إلى ما اعتبر بعد ذلك، فلا يكون ما هو السبب للملكية في الأسبق، سببا في تلك الحيطة، لا أنه سبب عند الآخرين، فيتصف بالفساد عند اللاحقين، بل هو بماهيته ينعدم. نعم، الاعتبار الانفرادي، أو من القانون غير النافذ في ملته، لا يورث تغيير المعتبرات قهرا، فيبقى ما كان نافذا بينهم على حاله، فيلاحظ حينئذ أن الشرائط على قسمين: شرائط نافذة في الملة وما ليس نافذا، ولكنه دخيل عند القانون، فافهم وتدبر فيما أسمعناك، وسنزيدك توضيحا من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2).


1 - مطارح الأنظار: 6 / السطر 6، نهاية النهاية 1: 33 - 34. 2 - يأتي في الصفحة 241. (*)

[ 235 ]

الأمر الخامس: في ثمرة القولين في العبادات والمعاملات فالبحث يقع في مقامين: المقام الأول: في العبادات وقد ذكروا للمسألة ثمرات: الثمرة الاولى: إنه على الأخصي، لا يصح التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب والسنة، لأن التمسك بها فرع إحراز موضوعها، وإذا شك في شرطية شئ - بناء على كونها داخلة في مورد النزاع - وعدمها، أو في الجزئية والمانعية، فيرجع إلى الشك في أن ما بيده بدون ذلك المشكوك، صلاة أو حج أو صوم أو اعتكاف، أو غير ذلك، أم هي ليست منها وعندئذ كيف يعقل التمسك ؟ ! لأنه من التمسك بالعموم والإطلاق في الشبهة الموضوعية. وأما على الأعمي، فالتمسك بعد تمامية المقدمات الاخرى ممكن، لأن الشك المزبور لا يرجع إلى الشك في الموضوع (1). وقد يشكل ذلك: تارة: بأن التمسك بالإطلاقات المتصدية للتشريع في الكتاب والسنة، غير جائز، لفقد الشرط الآخر وهو كونها في مقام البيان، فلا ثمرة على القولين من تلك الجهة (2).


1 - مطارح الأنظار: 9 / السطر 12، كفاية الاصول: 43 - 44، درر الفوائد، المحقق الحائري: 54، مناهج الوصول 1: 161. 2 - مطارح الأنظار: 10 / السطر 25 - 32، أجود التقريرات 1: 45، نهاية الأفكار 1: 96، محاضرات في اصول الفقه 1: 176. (*)

[ 236 ]

مع أن الصحيحي يتمكن من كشف حال الموضوع من الإطلاق المقامي الثابت لبعض المآثير، مثل صحيحة حماد ونحوها (1)، فإنه - بعد كونه (عليه السلام) في مقام بيان ماهية الصلاة صدرا وذيلا، ولم يبين الأمر الآخر وراء تلك الامور - يتمكن الأخصي من التمسك بالإطلاق، لأمر آخر يستلزم نفي الشرطية والجزئية والمانعية، وذلك الأمر نفي دخالة المشكوك في موضوعية الموضوع، وإذا ثبت التلازم بين عدم الوجوب وعدم الدخالة في الاسم، يرفع الوجوب بارتفاع الثاني، كما هو الظاهر. والعجب من جمع من الأصحاب، حيث دفعوا الإشكال: بإحداث الفرق بين الإطلاق اللفظي والمقامي، وأن الأخصي لابد من التمسك بالإطلاق الثاني، والأعمي تمسك بالأول (2) ! ! وذلك لأنه ليس من الثمرة لهذا البحث الطويل الذيل، فلابد من كون ثمرة المسألة الاصولية مسألة فقهية عملية، لا مسألة علمية. فبالجملة: إما لا يصح للأعمي أيضا التمسك بالإطلاقات اللفظية، أو يجوز للأخصي التمسك بالإطلاقات المقامية. أقول: مناط الثمرة في المسألة الاصولية، ليس كونها مثمرة لجميع الباحثين عن تلك المسألة بالفعل، بل المناط إمكان الاستثمار منها في الفقه، لا مجرد الإمكان المحض، أو الإمكان الوقوعي لبعض الباحثين النادر جدا، بل الإمكان الوقوعي لطائفة من الفقهاء والاصوليين، كما نحن فيه، فإن إنكار إطلاق أدلة الطبائع طرا وإن صدر من جمع (3)، ولكنه لا يصدقه الآخرون (4)، وعندئذ لا منع من البحث


1 - وسائل الشيعة 5: 459 كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1. 2 - أجود التقريرات 1: 45، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 129 - 130، محاضرات في اصول الفقه 1: 177. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 78، نهاية الأفكار 1: 96. 4 - منتهى الاصول 1: 64 - 65، مناهج الوصول 1: 161، محاضرات في اصول الفقه 1: 177. (*)

[ 237 ]

المزبور لكل اصولي، حتى ينقح المسألة للآخرين. مثلا: لا منع من البحث عن حجية الإطلاق أو العام المخصص بالمنفصل، مع إنكاره عدم إطلاق في الأدلة، أو عدم وجود عام مخصص إلا وتخصيصه يرجع إلى الاتصال، وهكذا، فلا تخلط كما خلط بعض الأعلام (رحمه الله) (1). وأما تمسك الأخصي بالإطلاق المقامي، فهو - مضافا الى عدم تماميته في سائر العبادات، لعدم وجود مثل صحيحة حماد (2) فيها - غير تام في الصلاة، لأن كثيرا من الشرائط داخل في محل النزاع، والأخصي يدعي: أن الصحة الداخلة في المسمى، هي الصحة من قبيل الأجزاء، وتلك الشرائط كشرطية الطهور والقبلة والستر وأمثالها. مع أن تلك الصحيحة ليست ذاكرة لها. واحتمال الإطلاق والتقييد لا يخلو من الغرابة، بأن يتمسك بالإطلاق المقامي فيما وراء القيد، كما لا يخفى. هذا وقضية ما مر منا، جريان النزاع في جميع الشرائط والموانع (3)، والالتزام بالتقييد غير جائز عندئذ. واخرى: بأن الأعمي أيضا لا يجوز له التمسك بالإطلاقات، لأن متعلق الأوامر في العبادات، ليس باقيا على إطلاقه الأعم من الصحيح والفاسد، بل هو مقيد بالصحة، وحيث إن ذلك في محيط الشرع والقانون، لابد من إرادة الصحة عند الشرع، لا الصحة العرفية وإن كان فاسدا شرعيا (4). فعلى هذا، يجب على المكلفين إيجاد الطبيعة الصحيحة عند الشرع، فإذا شك


1 - نهاية الأفكار 1: 96. 2 - وسائل الشيعة 5: 459 كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 203 - 205. 4 - مطارح الأنظار: 9 / السطر 34 - 35، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 142، أجود التقريرات 1: 46، محاضرات في اصول الفقه 1: 180. (*)

[ 238 ]

في شرطية شئ، لا يصح التمسك بالإطلاق للأخصي، كما هو الواضح، ولا للأعمي، لأنه أيضا من التمسك في الشبهة الموضوعية، لأن الشك في تحقق قيد المأمور به، كالشك في تحقق الاسم، وقد تقرر في محله: لزوم حفظ موضوع الإطلاق في جميع الحالات، حتى يجوز التمسك. وبعبارة اخرى: كما لا يجوز ولا يعقل رفع الشك في الشبهة الموضوعية للعام والمطلق بهما، كذلك لا يعقل ذلك في المطلق المقيد بدليل آخر، منفصلا كان، أو كالمنفصل كما نحن فيه، فإن اعتبار قيد الصحة في المأمور به وإن لا يساعده الدليل اللفظي ولكنه يصدقه العقل. وتوهم: أن الصحة ليست قيدا، بل ولا يعقل أن تكون قيدا في المأمور به، لتأخرها عنه، لأنه منتزعة من تطابق المأمور به والمأتي به (1)، في غير محله من جهات، ومنها: أن الصحة عند الأخصي ليست قيدا في الموضوع له، كما عرفت (2)، بل ولا يعقل ذلك هناك، فما هو مراد الأخصي: هو أن المسمى هي الطبيعة التي إذا تحققت ينتزع منها ذلك، ويوصف المصداق بها، وهكذا المراد من تقييد المأمور به بالصحة. ولكنك تعلم: أن عدم كونها قيدا في لحاظ الواضع عند الأخصي، لا يورث صحة تمسكهم بالإطلاق، لأنه يشك في الانتزاع المزبور، ولا دليل عليه حتى يتشبث به، والأعمي يتمسك بالإطلاق النافي للجزئية، فيتمكن من الانتزاع المشار إليه، لأنه بعد ثبوت عدم جزئية شئ للمأمور به، يتوافق المأتي به مع المأمور به


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 130، محاضرات في اصول الفقه 1: 181. 2 - تقدم في الصفحة 201 - 202. (*)

[ 239 ]

المعلوم بحدوده، وينتزع عنوان " الصحة ". وإن شئت قلت: ما هو المأمور به هو نفس الطبيعة، لإطلاق الدليل، ولو لم يكن إلا تلك الإطلاقات، كان الواجب ما صدق عليه تلك الطبيعة فقط. وإذا كانت الأدلة الخاصة متكفلة للقيود والشرائط لها، فلابد من الإتيان بها مع تلك القيود، وإذا أتى بها فقد أسقط الأمرن، وانتزع مما أتى به الصحة، وإذا شك في قيد لها يتمسك بتلك الإطلاقات. فما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره): " من أن المأمور به يضيق قهرا، لعدم الإطلاق له حتى يشمل الفاسد " (1) في محله، إلا أن ذلك لا يرجع إلى تعنونه بعنوان " الصحيح " فإنه غير معقول، لما مر في أن العناوين الكلية لا توصف بمثله (2)، بل غايته أن العقل يحكم بلزوم كون المأتي به على وجه ينتزع منه الصحة، وفيما نحن فيه يكون الأمر كذلك على الأعمي، بعد نفي جزئية المشكوك بالإطلاق. ولايكون كذلك على الأخصي، للزوم الدور، فإن الأعمي يجد أن ما بيده يكون إذا تحقق ينتزع منه " الصحة " فلا يتمسك بالإطلاق، والأخصي لا يجد ذلك، ورفع الوجوب المشكوك متوقف على كون ما بيده صلاة، وكونها صلاة متوقف على رفع المشكوك، وهو الدور الصريح كما لا يخفى. وأما دفع الشبهة: بأن دليل المقيد وهو الصلاة الصحيحة، ليس العقل الارتكازي حتى يمنع من التمسك بالإطلاق، بل هو العقل النظري (3)، ففي غير مقامه، لأنه ممنوع صغرى وكبرى، والتفصيل في محاله.


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 130. 2 - تقدم في الصفحة 202. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 130. (*)

[ 240 ]

وثالثة: أن قضية ما تحرر منا في تقرير عنوان البحث (1)، أن الأخصي لا يقول: بأن الموضوع له هي الطبيعة المقيدة بعنوان " الصحة " حتى يلزم الإشكال، بل وهذا يستلزم الامتناع. والذي غاية مأموله: أن الموضوع له عنده، هي الطبيعة التي إذا تحققت ينتزع منها " الصحة " لا أن الوضع معلق، بل القيد المذكور معرف لبيان أن الموضوع له هي التامة الأجزاء، أو هي والشرائط، لأنها هي التي تكون كذلك. فإن أراد من " الصحة " الصحة عند العرف، فله التمسك بالإطلاقات أيضا، بالنسبة إلى ما شك في جزئيته شرعا. وإن أراد منها الصحة عند العرف والشرع، فلا يصح التمسك. والذي يظهر من تمسكهم بالإطلاقات في المعاملات مع ذهابهم إلى الأخص: هو أنهم هناك اختاروا أن المراد من " الصحة " هي الصحة عند العرف، وهذا هو المستظهر من عنوان المسألة، ومن أدلتهم، كالتبادر ونحوه. ولكن ينافي ذلك الاستظهار عدم تمسكهم بها هنا، وتصديهم لذكر الجامع بين الأفراد الصحيحة الشرعية والعرفية، مع أنهم اعتقدوا بتأسيس الشرع، وإحداث المخترعات في العبادات، فيعلم من ذلك تفكيكهم في المراد منها، فعليه يشكل جواز تمسكهم بذلك. نعم، لو ادعى أحد: بأن الألفاظ أسام للأخص عند العرف - قبال الأخصي والأعمي - فيكون قولا ثالثا قبال القولين المعروفين، وقبال قول الشيخ (2)، فإنه أخص الخواص، ولعله أقرب إلى الصواب من القائل بالأخص على الإطلاق، فله


1 - تقدم في الصفحة 201. 2 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 10 - 12. (*)

[ 241 ]

التمسك بالإطلاقات كالأعمي. اللهم إلا أن يقال: بأن اعتبار الشرع قيودا وأجزاء في الصلاة العرفية، يستلزم كونها قيودا عرفية، لما مر من أن القوانين النافذة في الملة التابعة لها، تورث انقلاب الاعتباريات البدوية إلى الاعتبارات الراقية المولودة من تلك القوانين العالية (1)، فيصير ما ليس جزء عرفيا من الأجزاء العرفية، فيشكل حينئذ التمسك أيضا، لأنه يدعي أن الموضوع له هو الصحيح عند العرف، فيشك في أن الصلاة بلا سورة صلاة، أم لا. نعم، له دعوى: أن المشكوكة جزئيته معلوم عدم كونه جزء عرفيا، لأن مناط صيرورة الجزء الشرعي جزء عرفيا، نفوذ القوانين في الملة، وهذا غير حاصل كما لا يخفى. إفادة وفذلكة الإشكالات على الثمرة الاولى، بين ما يكون متوجها إلى إطلاق الثمرة المزبورة: وهو أن الأخصي كالأعمي، يتمسك لرفع ما شك في المانعية وبعض الشرائط، ولا يتمسك لرفع ما شك في جزئيته وبعضها الآخر. وهذا مدفوع بما مر منا في جريان النزاع في مطلق الشرائط (2). وبين ما يكون متوجها إلى أن الأخصي كالأعمي في جواز التمسك. وبين ما يكون متوجها إلى أن الأعمي كالأخصي في عدم جواز التمسك. وإلى الآن أوردنا الإشكالات الأربعة، ومع هذه المناقشة في إطلاق الثمرة


1 - تقدم في الصفحة 206. 2 - تقدم في الصفحة 203 - 225. (*)

[ 242 ]

بلغت إلى خمسة. وهنا إشكال سادس: وهو أن الأخصي يتمكن من التمسك بالإطلاق، وذلك لأن قوله تعالى مثلا: * (أقم الصلوة...) *، ليس مورثا لتعلق الوجوب بالعنوان البسيط المحصل من الأجزاء والشرائط، ويكون هو المسمى، ولا مورثا لتعلقه بالبسيط المتحد مع الأجزاء بالأسر، بل المستفاد منه عرفا لزوم الإتيان بالأجزاء المعلومة في الشريعة المقدسة، مع لحاظ الشرائط والقيود، سواء كانت عند المكلف مسماة ب‍ " الصلاة " حقيقة، أو مجازا. ولا أظن التزام الفقيه ببطلان صلاة من يأتي بالأجزاء وحدودها، معتقدا أنها صلاة مجازا، وتكون هي العنوان المشير إلى تلك الأجزاء، وهي تكون العنوان الخاص المستعمل في معناه اللغوي، لانتقال الناس إلى ما هو المراد الجدي منه، الثابت بتفسير الرسول المعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده صلوات الله عليهم. فالأخصي في بحثه العلمي، يقول بالأخص في الأوضاع واللغات، ولكنه في الواقع ونفس الأمر لا يستفيد من الأدلة إلا ذلك، فبعد قصور أدلة الأجزاء والشرائط، إذا شك في وجوب شئ، فيتمسك بإطلاق قوله: * (أقم) * أي أقم هذه الأجزاء. وأنت خبير بما فيه، ولا يحتاج إلى البيان. الثمرة الثانية: إن القائلين بالأعم بين من يقول بالبراءة العقلية في الأقل والأكثر، لانحلال العلم الإجمالي بالتكليف ولو انحلالا حيثيا، كما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (1) وبين قائل بالاشتغال عقلا، لعدم الانحلال وإهمال الخطاب.


1 - نهاية الاصول: 55 - 56. (*)

[ 243 ]

وأما القائلون بالأخص، فلابد من اختيارهم الاشتغال، وذلك لأن مناط البراءة هو الشك في الثبوت، ومناط الاشتغال هو الشك في السقوط، ولاريب أن الأخصي شاك في سقوط ما ثبت، بمعنى أن الأخصي إذا شك في وجوب شئ، يصير شاكا في أن ما بيده بدونه صلاة، أم لا، فلابد من الإتيان بالمشكوك، لأنه كالمقدمة العلمية لما يثبت وجوبه. والأعمي إذا شك فهو في مخلص منه، لأن ما بيده صلاة، وقد امر بها، والشك في السورة شك فيما ليس داخلا في المسمى. واحتمال دخالته الشرعية في سقوط الأمر المتوجه إلى المسمى، مدفوع بالبراءة العقلية، أو هي والعقلائية والشرعية. فتوهم: أن ترك الجزء المشكوك غير جائز للأعمي أيضا، لأنه بتركه شاك في إتيان ما ثبت وجوبه، في غير محله، لأن منشأ الشك الثاني مرفوع بالأصل، فلا أثر له، بخلاف الأخصي، فإنه شاك في الإتيان بالصلاة المأمور بها. وبعبارة اخرى: كل واحد منهم لابد وأن يأتي بما إذا تحقق ينتزع منه عنوان " الصلاة " ويكون صلاة بالحمل الشائع، وهذا حاصل للأعمي، دون الأخصي. نعم، هما مشتركان في عدم لزوم الإتيان بمصداق ينتزع منه " الصحة " عند الشرع، لأنها مع احتمال دخالة الجزء المشكوك غير ممكنة، وما تكفل نفيه هو الأصل العملي، دون الإطلاق اللفظي حتى يمكن، كما لا يخفى. ومن هذا البيان يعلم، تعين الاحتياط على الأخصي، من غير فرق بين كون الجامع الذي يقول به، هو العنوان البسيط الخارج عن الأجزاء المعلول لها، أو كونه عنوانا بسيطا منتزعا منها، ومتحدا معها اتحاد المنتزع مع منشئه، أو كونه جامعا اعتباريا، ويعد حقيقيا في وعاء الاعتبار، فيكون هو بنفسه في الخارج كالطبيعي، أو غير ذلك مما يمكن توهمه وتخيله. نعم تعين الاشتغال على بعض الفروض،

[ 244 ]

أظهر من بعض. والعجب من العلامة النائيني (رحمه الله) حيث تصدى بنفسه للجامع للأخصي، وبنى بحثه عليه، واستشكل عليهم: بأنهم لا يمكن لهم التمسك بالبراءة ! ! (1) فراجع. واستشكلوا في هذه الثمرة، فعن الشيخ الأعظم: " أن الاشتغال والبراءة دائران مدار انحلال العلم وعدمه، فإن قلنا بانحلاله، فللأخصي إجراء البراءة، وإلا فليس للأعمي إجراؤها " (2) وصدقه المتأخرون (3). ولعله هو الظاهر من الوالد المحقق - مد ظله - أيضا، لأنه قال: " والحاصل أن القائل بالصحيح، لو جعل الجامع عنوانا بسيطا معلوما بأحد العناوين والإشارات، لما كان له مناص عن القول بالاشتغال " (4) انتهى وظاهره إمكان تمسكه بها، إذ لا يقول بمثله في الجامع. وقد صرح بذلك صاحب " الكفاية " قائلا: " إن الجامع ليس أمرا خارجيا وراء الأجزاء، بل هو أمر متحد معها نحو اتحاد المنتزع مع منشأ انتزاعه، وعند ذلك يجري البراءة " (5). وأنت خبير: بأن الغفلة عن حقيقة المسألة، وما تعلق به الأمر مع إجمال الخطاب وإهماله، أوقعتهم في ذلك، ضرورة أن المقدار الواجب المعلوم هو عنوان " الصلاة " فلابد وأن يكون ذلك صادقا على المأتي به بالقطع واليقين لأنه أمر معلوم


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 79. 2 - مطارح الأنظار: 6 - 7. 3 - كفاية الاصول: 43 - 44، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 131، نهاية الأفكار 1: 95، محاضرات في اصول الفقه 1: 170. 4 - تهذيب الاصول 1: 81. 5 - كفاية الاصول: 40. (*)

[ 245 ]

وواضح فإذا أتى الأخصي بالأقل يشك في صدقها عليه بخلاف الأعمي فهو شاك في سقوط ما ثبت وهو وجوب الصلاة وذاك شاك في ثبوت المشكوك وهو وجوب السورة وإجراء البراءة لا يورث رفع الشك في أنه صلاة حتى يقال: بأن المأتي به بعد إجرائها مصداق الصلاة، كما لا يخفى. إن قلت: المشهور إجراء البراءة، مع ذهابهم إلى أن الألفاظ موضوعة للأخص (1). قلت: ولعل ذلك لما أسمعناكم: من أن الأخصي يريد إثبات أن الموضوع له، هو الصحيح عند العرف، لا الأعم منه حتى يكون الصحيح الشرعي موضوعا له (2)، وعند ذلك يجوز إجراؤها. مع أن المتبع هو البرهان، دون عقول الرجال. إن قلت: ليست الصلاة إلا الأجزاء بالأسر، فإذا تعلق الأمر بتلك الأجزاء، وشك في الجزء الآخر، فلابد من الإتيان بها وإجراء البراءة عن المشكوك، سواء كان المسمى هو الباقي، أو كان المسمى الأجزاء المعلومة مع الجزء المشكوك. قلت: إن اريد بذلك أن الواجب ليس عنوان " الصلاة " بل الواجب هي الأجزاء، سواء صدق عليها " الصلاة " عند الأعمي، أو الأخصي، فهو. ولكنه بمعزل عن التحقيق بالضرورة، فإن الآيات والسنة ناطقة بأعلى الصوت: بأن ما هو الواجب ليس إلا الصلاة، فلابد من الالتزام بتحققها في الخارج. فإذن هي وإن لم تكن إلا الأجزاء بالأسر، إلا أن تلك الأجزاء هي الصلاة في لحاظ الوحدة، وفي عدم لحاظها بحيالها، وإلا إذا لوحظت بكثرتها غير الفانية في


1 - مطارح الأنظار: 9 / السطر 18، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 143 / السطر 34، كفاية الاصول: 44. 2 - تقدم في الصفحة 240. (*)

[ 246 ]

الوحدة الاعتبارية، فليست صلاة، بل هي نفس الأجزاء بالحمل الأولي. فعلى ذلك، كيف يتمكن الأخصي من إيجادها، مع أن إيجاد تلك الأجزاء غير الفانية في العنوان الواحد بكثرتها الملحوظة، غير كاف عما وجب عليه، وهو عنوان " الصلاة " ؟ ! فافهم واغتنم جدا. وبعبارة اخرى: الصلاة عندهما ليست إلا الأجزاء بالأسر، ولكنها عند الأعمي تنحل إلى غير المشكوكة جزئيته، وعند الأخصي تنحل إلى الأجزاء المعلومة، وما هو المشكوك على نحو الإجمال، وبدونه يشك في انحلالها إلى ما سواه. وبعبارة وضحى: الأخصي يعتقد بأن أدلة الأجزاء والشرائط، متكفلة لبيان حدود المسمى والموضوع له، لا المأمور به، فإن المأمور به هو الصلاة، ولكنها مجملة من حيث ما هو الدخيل في الاسم، فإذا تبين ذلك بها فيكشف المأمور به قهرا، بخلاف الأعمي. فعليه إذا شك في وجوب شئ، مع عدم الدليل الخاص أو العام على عدم جزئيته للمسمى، فلابد من الإتيان به، حتى يعلم بسقوط الأمر المتعلق بعنوان لابد من تحققه. لا يقال: الأعمي يرى أن ما بيده بدون السورة صلاة، وقد امر أن يأتي بها، فعليه ذلك، وإذا شك في وجوب السورة فله إجراء البراءة عنها، والأخصي لا يجد المسمى، فيكون المأمور به مجملا، وعند ذلك لا وجه للاشتغال، لعدم تمامية حجة المولى بالنسبة إلى الأمر المعلوم مفهومه، مع أنه لازم في القول بالاحتياط. لأنا نقول: بناء عليه يجوز للأخصي ترك الأجزاء الاخر، لأنه شاك في أنها هي الصلاة حتى تجب عليه، واحتمال كونها صلاة لا يورث تنجز الحكم حتى يقال: بلزوم الاحتياط في الشك في القدرة كما هو الظاهر.

[ 247 ]

وحل الشبهة: هو أنه كما في الشبهة التحريمية لابد من ترك المصداق المعلوم مصداقيته للغناء، كذلك الأمر هنا، لأن ترك الصلاة إذا كان ممنوعا قطعا، فلابد من الإتيان بالمصداق المعلوم بعد إمكانه، فإجراء البراءة عن الجزء المشكوك فيه، غير صحيح للأخصي، فأمره دائر بين ترك تمام الأجزاء، أو الإتيان بالمشكوك، وحيث إن الأول واضح المنع يتعين الثاني. فبالجملة: فيما قامت الحجة على العنوان المجمل موضوعا، لا سبيل إلى إجراء البراءة عن الخصوصية المستلزمة لكون ما وراءها شبهة موضوعية. وتوهم: أن البراءة العقلية لا تجري في الشبهات الموضوعية، لو تم - كما أصر عليه السيد الاستاذ البروجردي، والعلامة الإيرواني (رحمهما الله) (1) - فهو فيما كان العنوان مبينا، كما لا يخفى. وقد يخطر بالبال أن يقال: بأن الأخصي لا يتمكن من إجراء البراءة العقلية، ولا العقلائية، لأن الحجة على الصلاة إذا كانت تامة - وهي دعوة * (أقم الصلوة...) * جميع المكلفين الأعمي والأخصي إليها - فيتم على ما يحصل به اليقين بالبراءة، وهي السورة المشكوك وجوبها، ولا يمكنه رفع الشك المسببي عن كون ما بيده صلاة بالبراءة العقلية أو العقلائية. ولكنه يتمكن من ذلك بالشرعية، لأن رفع المجهول في عالم الادعاء برفع جميع الآثار، إذا كان لدليل الرفع إطلاق، فإذا شك في وجوب السورة، فهو مرتفع من جميع الجهات، وعند ذلك يعلم كون الباقي هي الصلاة، لأن الشك في صلاتيته مسبب عن الشك في وجوب السورة، فإنه مع هذا يحتمل دخالته في الاسم، فإذا ارتفع المنشأ ادعاء بجميع آثاره، يحكم بأن الباقي تمام المسمى، ويكون بحيث إذا تحقق ينتزع منه عنوان " الصلاة " وتكون هي الصحيحة قهرا.


1 - نهاية الاصول 1: 56 - 57، نهاية النهاية 1: 35 - 36. (*)

[ 248 ]

وليس هذا من الأصل المثبت، لأن لازم إطلاقه ذلك، وإلا يلزم عدم إطلاقه، وهو خلف. أقول: حل هذا الإشكال على مبني القوم مشكل. اللهم إلا أن يقال: بعدم الامتنان في إطلاقه، لأنه عند ذلك يتمسك بالبراءة عن أصل التكليف. ووضوح بطلانه ليس لأجل الشبهة في الصناعة، بل هو لأجل قيام الضرورة على لزوم الصلاة عليه، وهذا يكشف عن فساد المبنى جدا. وأما على مبنانا - من أن تقديم أدلة الاصول على الأدلة الأولية، لأجل أقوائية الملاك في المتزاحمين، وأن النسبة بين الطائفتين عموم من وجه - فلا ادعاء فليتدبر جيدا. الثمرة الثالثة: إن الأعمي يتمكن من التمسك بأصالة الصحة بعد العمل، إذا شك فيها، بخلاف الأخصي، لأن الشك المزبور على الأعمي، يرجع إلى الشك في إتيان ما هو الدخيل في المأمور به، بعد إحراز عنوان العمل وهي " الصلاة " وعلى الأخصي يرجع إلى الشك في عنوان العمل، وقد تقرر في محله: أنه لا تجري أصالة الصحة مع الشك في عنوان المأتي به (1). وبعبارة اخرى: على الأخصي لا يعقل التفكيك بين عنوان " الصلاة " و " الصحيح " في الصدق، لأن ما ليس بصحيح عنده ليس بصلاة، وأما على الأعمي فيلزم التفكيك، فلابد من كون مجرى أصالة الصحة أمره دائرا بين الصحة والفساد، لا الوجود والعدم، والأخصي يقول: بأن أمر الصلاة دائما دائر بين الوجود والعدم، فلاتصل النوبة إلى أصالة الصحة.


1 - لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 144 / 15 - 16. (*)

[ 249 ]

وتوهم: أن أصالة الصحة غير معقولة، لأن الشك في الصحة والفساد، دائما يرجع إلى الشك في الإخلال بالأجزاء والشرائط، والأصل مقدم عليها إذا كان متكفلا للإتيان بالشرائط والأجزاء، وعدم الإتيان بالموانع، فلا تصل إليها النوبة مطلقا. بل الصحة ليست قابلة للجعل والتعبد إلا بالتعبد في منشئها، كما لا يخفى (1). لا يضر بالمقصود، لأن المراد من " أصالة الصحة " هو أن السيرة العقلائية على عدم الاعتناء بمثل هذا الشك، أي الشك في إتيان المأمور به بجميع الأجزاء والشرائط، فلابد من مفروغية صورة العمل - وهي الصلاة - وإن شك في إتيان خصوصياتها، وهذا مما لا يمكن للأخصي، لأنه شاك في أن ما بيده صلاة. نعم، إذا قلنا: بأن الأخصي هنا يقول: بأن المراد من " الصحة " الدخيلة في المسمى، هي الصحة عند العرف، لا الصحة عند الشرع، كان هو أيضا في مخلص من إجرائها، ويرجع عند ذلك الشك في إتيان الجزء غير الدخيل في المسمى عرفا، إلى مفاد " كان " الناقصة، وتصير القضية ثلاثية. ولو قيل: بناؤه على الإتيان بالصلاة كاف في إجرائها، فإذا كان بانيا، وتلبس بالعمل، فبناء العقلاء على إتيانه بما قصده، وهي الصلاة (2). قلنا: ما هو بناء العرف والعقلاء، هو الحمل على الصحيح، وهذا من الشواهد القطعية على بطلان مرامهم ومبناهم، وأما على فرض المبنى الفاسد، فلا يعهد من بنائهم شئ. واستكشاف عنوان " الصلاة " بالحمل على الصحة، لأنه إذا كان عملا صحيحا فهو صلاة قهرا، للملازمة، غير ممكن، بل يستلزم الدور، لأنها في جريانها تتوقف على كون عنوان العمل " صلاة ".


1 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 359 - 360. 2 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 186. (*)

[ 250 ]

ولو كان يكفي مجرد العمل للاتصاف ب‍ " الصحة " لكان يلزم عليهم في المثال المعروف - وهو ما إذا علم بأنه تكلم مع زيد، ويشك في أنه سبه أو سلم عليه - أن يقال: بأن أصل العمل معلوم، فيحمل على الصحة، فيعلم منه أنه كان سلاما، فيجب الرد، مع أنه مما لا يلتزم به الأخصي قطعا. وهذا هو كذلك حتى فيما كان من قصده السلام، ولكنه لا يدري الأمر بعد ذلك. ويكفي لنا الشك في بناء العقلاء، فتدبر. تنبيه: فيه بيان لثمرة متوهمة قد ذكروا لهذه المسألة الاصولية ثمرة اخرى، وهي أنه لو نذر إعطاء دينار لمن صلى، فعليه ذلك على الأعمي إذا صلى ولو كانت فاسدة، وليس عليه الوفاء والبر على الأخصي (1). وهذا من غريب الأمر، لأن متعلق النذر على الأعم إن كان أعم، فلا رجحان له، وإن كان أخص فهو كالأخصي. ونظير ذلك في كل مورد وقع النهي عن الجمع بين الصلوات، كما في الجمعة في الأقل من فرسخ، وكما في الفرادى والجماعة إذا استلزم هتك الإمام، وكما في المرء والمرأة، فإنه على الأعمي لابد من ترك الثانية، دون الأخصي. وأنت خبير بما فيه، ولا ينبغي البحث حوله، ولا ينبغي جعله ثمرة لهذه المسألة، لأنه من قبيل استكشاف مفاد اللغة وحدود الموضوع له فيما لو نذر، وكأن العنوان بحسب اللغة غير واضح، فلا تغفل.


1 - قوانين الاصول 1: 43 / السطر 19 - 22، مطارح الأنظار: 11 / السطر 9، كفاية الاصول: 44. (*)

[ 251 ]

الثمرة الرابعة: هذا، ولكن التي هي الثمرة الصحيحة، وتكون من صغريات الثمرة السابقة: هي أن الأخصي لا يجب عليه الوفاء مع الشك في صحة صلاة المنذور له، بخلاف الأعمي. ولعل الذي أحدث هذه الثمرة وابتكرها، كان نظره إليها، فافهم واغتنم. وتوهم: أن " الصحة " إذا كانت بمعنى التمامية والجامعية للأجزاء والشرائط، وكان المكلف في مقام الإتيان بجميع الأجزاء، ثم تلبس بالصلاة - لأنه بالشروع فيها يصدق " أنه داخل في الصلاة، ومتلبس بها " - فإنه عند ذلك تجري أصالة الصحة، لأن المراد منها ليس إلا دعوى السيرة العقلائية على الإتيان بجميع ما يعتبر ويجب (1). يرجع إلى إنكار هذا الأصل الظاهر في كونها مختصة بالشك في مفاد " كان " الناقصة، وإثبات الأصل الآخر، فتدبر. المقام الثاني: في ثمرة القولين في المعاملات وهي ثلاث: الثمرة الاولى: إن الأخصي لا يتمكن من التمسك بإطلاقات أدلة المعاملات، عند الشك في شرطية شئ، أو جزئيته، أو مانعيته، بناء على كون هذه الامور أيضا داخلة في محل النزاع في المعاملات، كما عرفت في العبادات، بخلاف الأعمي، ضرورة أن


1 - مطارح الأنظار: 11 / السطر 10 - 15. (*)

[ 252 ]

الشك المزبور سبب - عند الأخصي - لكون الفاقد للمشكوك شبهة موضوعية لتلك الأدلة، كما في العبادات، وممنوعية التمسك بها في الشبهة الموضوعية، ليست خلافية. هذا إذا كان مقصوده من " الوضع للصحاح " هي الصحاح الشرعية، أي تلك الألفاظ موضوعة لما هو المؤثر شرعا، لا أن تقييد الشرع يرجع إلى اعتبار النقل والملكية، مع المنع عن ترتيب الآثار تعبدا، فإنه غير صحيح، للزوم إمضائه الملكية الاعتبارية، أو لزوم كشفه عن الملكية العرفية مع إلغاء جميع آثارها، وهذا غير ممكن قطعا. وأما لو كان الأخصي يريد الصحاح العرفية، فعند ذلك يتمكن من التشبث بالإطلاق والعموم، لعدم استلزام الشك المذكور الشك في الموضوع، ولا يلزم منه انقلاب الشبهة في شرطية شئ إلى الشبهة الموضوعية (1). إن قلت: لا منع من تمسكه بالإطلاق المقامي، لأن ماهيات المعاملات ليست اختراعية شرعية، فإذا أصبح الإسلام عليها، ومر بها فانفذها، فيعلم أن ما هو الصحيح عند العرف، هو الصحيح عند الشرع (2). قلت: بعد البناء على كون الموضوع له لتلك الألفاظ، ما هو المؤثر عند الشرع، وبعد دخالة الشرع في اعتبار شرط فيها، فلابد من كون المراد من تلك الألفاظ ما هو المؤثر عنده، فإن المتفاهم عرفا من القوانين الصادرة، هو إرادة تلك العناوين المأخوذة فيها على الوجه المبين عنده. ومما يشهد لذلك، تصرفه في المؤثرات العرفية، فإنه شاهد على أن المسمى ما هو الصحيح عنده، لا ما هو الصحيح عند العرف، فلا تغفل جدا.


1 - نهاية الأفكار 1: 99 - 100. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 141، نهاية الأفكار 1: 100. (*)

[ 253 ]

فما يظهر من جملة من فضلاء العصر: من التمسك بالإطلاق المقامي (1)، غير موجه. ومثله التمسك بالإطلاق اللفظي، ضرورة أن الأخصي يدعي انصراف القوانين الإلهية، إلى ما هو البيع في محيط القانون، وإلى ما هو الإجارة والصلح في محيط الشرايع، وبعد مراعاة الشرائط الآتية من قبل صاحب الإسلام، فلا تخلط. ومن الغريب ما في " الكفاية " من رمي الأخصي بأنه لا يختلف مع العرف في مفهوم " البيع " ضرورة أن مفهوم " البيع " عند العرف هو المؤثر، والأخصي يدعي أيضا ذلك، ولكن اختلافهم في القيود والمصاديق (2). وهذا واضح المنع، لأن الأخصي إذا كان يرى أن المؤثر هو البيع الواجد للشرط الشرعي، يكذب العرف في التطبيق على المصاديق، ولا يعقل ذلك إلا بالمكاذبة معه في المفهوم، وهكذا العرف يكذبه. نعم، ما أفاده يتم بناء على كون التأثير والأثر، من الحقائق النفس الأمرية، فإنه عند ذلك تصبح مقالة شيخ الفضلاء في " هداية المسترشدين ": من أن الملكية لها الواقعية، والطرق الشرعية والعرفية كواشف عنها (3). وأنت خبير بما فيها. فبالجملة: على هذا المبنى الفاسد، لا يتمكن الأخصي من التمسك بالإطلاق أيضا، لما عرفت منا: وهو أن الصحيحي إذا ادعى أن حقيقة البيع ما هو المؤثر في محيط الشرع، لابد وأن يدعي أن هذا هو مراد صاحب الشرع، والالتزام بالتفكيك غير صحيح، كما لا يخفى.


1 - نهاية الأفكار 1: 100، مناهج الوصول 1: 173، تهذيب الاصول 1: 89، محاضرات في اصول الفقه 1: 184 - 185. 2 - كفاية الاصول: 49. 3 - هداية المسترشدين: 114 مكرر / السطر 26 - 38، ولاحظ نهاية الدراية 1: 138. (*)

[ 254 ]

وتوهم: أن تمسك المشهور بالإطلاقات مع ذهابهم إلى الأخصية، كاشف عن التزامهم بالتفكيك، وأن المراد من * (البيع) * في المطلقات هو البيع العرفي، والإطلاقات دلائل أنها الصحاح الشرعية، والمقيدات المتأخرة ليست قرائن على إرادة البيع الشرعي (1)، في غير محله، ضرورة أن من الممكن ذهابهم إلى الأخصية العرفية، لا الشرعية، كما عرفت مرارا (2)، وإلا فالتفكيك غير ممكن جدا. ومن تأمل فيما أفدناه، لا يحتمل جواز التمسك بها مع المبنى المذكور، فليتدبر واغتنم. ولو قيل: يلزم بناء عليه، عدم فهم المخاطبين حين نزول هذه الآيات المعنى المقصود منها، أو كون فهمهم غلطا، لعدم اطلاعهم على المفهوم الشرعي منها (3). قلنا: نعم، وهذا هو الذي التزموا به في العبادات، فلو كان الأمر هناك هينا فكذلك هنا، فلا محيص بناء عليه من طرح التمسك، والالتزام بإتيان القيود المشكوكة. فبالجملة: يتوقف صحة التمسك بها، على إثبات أن الصحيح عند الشرع هو الصحيح عند العرف، وهذا مما يمكن بالإطلاقين: اللفظي، والمقامي، لولا الأدلة المخصصة الظاهرة في أن الشرع المقدس، اعتبر قيودا في ماهية البيع، اللازم منه اختلافه مع البيع العرفي، لأن الالتزام بأن بيع الخنزير والخمر، ناقل شرعا وعرفا، ولكن لا يجوز لمالكهما أنحاء التصرف فيهما، غير صحيح، للزوم اعتبار الملك من غير ترتب ثمرة عليه. وجعل التمسك بالإطلاق ثمرة واضح الفساد. فإذا لم يكن البيع ناقلا للملك شرعا، فلابد من عدم كونه بيعا عنده، فيلزم عدم جواز التمسك قهرا، ولا أقل من احتمال كون الأدلة المخصصة، ترجع إلى


1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 55. 2 - تقدم في الصفحة 240 - 245. 3 - كقوله تعالى: * (أحل الله البيع) *، البقرة (2): 275، و: * (تجارة عن تراض) *، النساء (4): 29، و: * (أوفوا بالعقود) *، المائدة (5): 1. (*)

[ 255 ]

التخصص في وعاء التشريع والاعتبار، فينكر ناقلية البيع العرفي، لا أن ينكر ممنوعية المالك عن التصرف ومحجوريته. ولو قيل: في مواقف كيف يلتزم بمالكية المحجور عن التصرف ؟ قلنا: هو محجور بمعنى أنه لو استقرض وأدى دينه، يكفي لرفع حجره، فلايلغى ملكيته. نعم، قد أفتى المحققون في الأماكن الغارقة والواقعة في الشوارع، بزوال اعتبار الملكية (1)، وما هذا إلا لتقومها بالغرض والثمرة في الاعتبار حدوثا وبقاءا. الثمرة الثانية: إن الصحيحي لا يجوز له التمسك بالبراءة بعد فرض إجمال الأدلة، لرفع شرطية ما شك فيه، دون الأعمي، فيما إذا كان صحيحا بالنسبة إلى الشرائط العرفية، لا الشرعية. توضيح ذلك: أن الشروط على صنفين: الصنف الأول: هي الشروط العرفية، فإن الشك فيها يورث الشك في أن الباقي بدونها بيع أم لا، ولا يمكن إثبات ذلك بأدلة البراءة، للزوم كونه مثبتا. الصنف الثاني: هي الشروط الشرعية، فإن الباقي هو البيع عرفا وموضوعا، فإذا شك في شرطية العربية، فإطلاقات أدلة البراءة ترفع تلك الشرطية، ولا حاجة حينئذ إلى إثبات أمر حتى يلزم كونه أصلا مثبتا، بل المقصود نفي دخالته في التأثير، وفي كونه بيعا، فعند ذلك يتمكن الأعمي، دون الأخصي، لأنه إذا شك في شرطية شئ، يلزم شكه في أن الباقي بيع عند الشرع، والتمسك بالبراءة غير جائز،


1 - بحوث فقهية، للشيخ حسين الحلي: 240 - 246، منهاج الصالحين، المحقق الخوئي 1: 428. (*)

[ 256 ]

للزوم كونها مثبتة كما لا يخفى. وقد يقرر جريان البراءة هنا بالوجه الذي مر: وهو أن الرفع الادعائي على الإطلاق، لا يمكن إلا برفع جميع الآثار المحتملة (1)، ومنها: دخالته في الاسم والمسمى، وهذا ليس من الأصل المثبت، لأن عدم ترتيب الآثار المبنية على الباقي، ينافي بذاته إطلاق دليل الأصل، وحيث ثبت له الإطلاق، فلابد من ترتيب آثار الناقلية عليه تعبدا وظاهرا. هذا هو تقريب تمسك الأخصي بها. ويمكن أن يقال: بأن الأعمي لا يصح له التمسك، فضلا عنه، ضرورة أن مجرد الفراغ عن شرطية المشكوك غير كاف، للاحتياج إلى الإمضاء، فلو كان لدليل البيع إطلاق فلا حاجة إلى إجراء البراءة. وإن لم يكن له الإطلاق، فبعد رفع المشكوكة شرطيته، لا يمكن الحكم بناقليته، لأنه من المحتمل واقعا دخالته، ودليل الأصل لا يتكفل الإمضاء والرفع الواقعي، اللهم إلا بالتقريب الذي مر آنفا، فعليه يصح التمسك لكلا الفريقين، وتسقط الثمرة. هذا، والإشكال المشار إليه يأتي في العبادات أيضا، لأن مجرد رفع المشكوكة جزئيته، لا يستلزم مشروعية الباقي، فكما نحتاج إلى كون الباقي ممضى عند الشرع في المعاملات، لابد من كونه مشروعا في العبادات. ولو كان إطلاق الكتاب يشمل تلك الصلاة، فلا حاجة إلى البراءة، وإن لم يكن له الإطلاق، فلا يكشف مشروعية العبادة ببقية الأجزاء. أقول: قضية ما تحرر منا في محله (2) كما أشرنا إليه (3)، أن الرفع ليس ادعائيا،


1 - تقدم في الصفحة 247. 2 - يأتي في الجزء السابع: 72 - 76. 3 - تقدم في الصفحة 248. (*)

[ 257 ]

بل هو لعنوان المجهول واقعي، والنسبة بين أدلة الاصول وأدلة الأحكام الأولية، عموم من وجه، فعليه يثبت كون الباقي تمام السبب، كما يثبت مشروعيته في العبادات، وقضية ما عليه الأصحاب ما ذكرناه. اللهم إلا أن يقال: بأن رفع المشكوك على الإطلاق صحيح، ولكنه فيما نحن فيه لا يكون منه إلا بإمضاء الباقي، ولا معنى للالتزام بذلك حتى تكون فيه المنة. وبعبارة اخرى: ما فيه الكلفة وفي رفعه المنة مرفوع، وأما الرفع المستلزم للوضع الذي فيه المنة، فهو ليس مشمول الحديث، وإن كان ذلك يستلزم كون المرفوع فيه المنة، فتأمل. فبالجملة: الأمر دائر بين جريان البراءة الشرعية على القولين، وعدم جريانها على القولين، ولا وجه للتفكيك، لأن مفاد حديث الرفع (1) إما يكون رفعا واقعيا، كما هو المختار، أو يكون رفعا ادعائيا. فعلى الأول: يستنتج منه مشروعية العبادات، وممضائية المعاملات على القولين. وعلى الثاني: إما يكون رفعا على الإطلاق بالوجه الذي مر (2)، أو يكون رفعا من حيث العقاب، أو التكليف الفعلي، أو هما معا، دون الغير من المحتملات الاخر. فعلى الأول: يلزم منه مشروعية العبادات، وممضائية المعاملات على القولين أيضا. وربما يمكن الإشكال هنا: بأن إطلاق الادعاء لا يستلزم إثبات المشروعية،


1 - التوحيد: 353 / 24، الخصال: 417 / 9، وسائل الشيعة 15: 369 كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. 2 - تقدم في الصفحة 247 - 256. (*)

[ 258 ]

وإمضاء المعاملة، لأنه يتوقف على كونه لغوا وهو ممنوع. مع أنه لا بأس بالالتزام به، لأن اللغو الممنوع عقلا هي لغوية أصل الجعل، دون إطلاقه، فليتدبر. وعلى الثاني: لا يصح التمسك بها على القولين، فيسقط الثمرة على كل حال. وتوهم: أن إمضاء المعاملة للأعمي، من الآثار الشرعية لحديث الرفع، دون الأخصي، فإنه لابد أولا من إثبات حقيقة البيع برفع المشكوك، وهو من الآثار العقلائية، في غير محله، لأن الأخصي لا يريد إلا إثبات الإمضاء، إلا أنه يستكشف - زائدا على مقصوده - أن حقيقة البيع هو ذلك، فلا تغفل، وتدبر. الثمرة الثالثة: إمكان تمسك الأعمي بأصالة الصحة في المعاملات، دون الأخصي، بالتقريب الذي عرفته في العبادات (1)، مع (إن قلت قلتاته). نعم، إذا التزم بأن الموضوع له هو الصحيح عند العرف، فله أيضا التمسك بها، إلا إذا شك في إتيان الشرط العرفي. وهذا بلا فرق بين كون " الصحة " بمعنى التمامية، كما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (2)، أو كانت بمعنى آخر، فتدبر. صحة القول بالأعم، وإبطال القول بالأخص إذا عرفت هذه الامور، وتذكرت أن الأخصي لا يتمكن من ذكر الجامع في العبادات (3)، فلا وجه للغور فيما يستدل به في مرحلة الإثبات. وحيث قد مضى


1 - تقدم في الصفحة 248. 2 - نهاية الاصول: 46. 3 - تقدم في الصفحة 210 - 216. (*)

[ 259 ]

فساد مذهب الشيخ (قدس سره) (1) أيضا (2)، يتعين القول بالأعم، كما عليه أكثر أبناء التحقيق (3). ولعمري، إن القول بالمجازية في استعمالات ألفاظ العبادات في غير التامة الأجزاء والشرائط (4)، أقرب إلى افق التحقيق من مختار " الكفاية " (5) وأصدقائه (6)، كما أن اختيار كون الموضوع له هو الصحيح عند العرف (7)، أقرب من ذلك، كما سيأتي وجهه في بيان المختار في المعاملات (8). بل لا وجه للغور في الأدلة التي أقامها الأخصيون (9)، قائلين: بأن الجامع ما هو الأمر المجهول، المشار إليه بالآثار المستكشفة بالشرع الأقدس، ضرورة أن التبادر وصحة السلب - بل وصحة الحمل الأولي - من الأمارات العقلائية على الحقيقة، وحدود الموضوع له، وإذا لم يكن الجامع أمرا واضحا في مرتكزهم، فلا يصح التمسك بها، فما في " الكفاية " (10) غير خال من التأسف. نعم، بناء على بعض الجوامع الاخر ربما يمكن التمسك. ولكنه أيضا ممنوع،


1 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 10 - 12. 2 - تقدم في الصفحة 207 - 209. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 51، مقالات الاصول 1: 152، نهاية الاصول: 56، مناهج الوصول 1: 162 - 166. 4 - هداية المسترشدين: 101 / السطر 22، الفصول الغروية: 46 / السطر 26. 5 - كفاية الاصول: 39 و 44 - 45. 6 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 318 - 320، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 135 / السطر 7 وما بعده، نهاية النهاية 1: 41. 7 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 55. 8 - يأتي في الصفحة 273 وما بعدها. 9 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 318 - 320، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 135 / السطر 7 وما بعده، نهاية النهاية 1: 41. 10 - كفاية الاصول: 44 - 45. (*)

[ 260 ]

لما عرفت منا: من أن جميع الجوامع المزبورة، يحتاج في تتميمها إلى المعرفات الخاصة الواصلة من الشرع (1)، وتلك المعرفات لا تلازم انكشاف الموضوع له - بحده الواقعي - كشفا تفصيليا، ولا ارتكازيا إجماليا. نعم، لو فرضنا صحة الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني، كان لبعض استدلالات الأخصي وجه ثبوتا، مثل تمسكهم بالأخبار المشتملة على القضايا الإخبارية (2)، مثل إن " الصلاة عمود الدين " (3) وناهية * (عن الفحشاء) * (4) و " قربان كل تقي " (5) وهكذا، ومثل تمسكهم بالقياس بين الطريقة المألوفة من الشرع، والطرق العرفية العقلائية (6). وأما إثباتا، فالأخبار المشتملة على القضية الإخبارية، ظاهرة في القضايا المحصورة الحقيقية، فيصير مفادها " أن كل صلاة عماد الدين " وعكس نقيضه يكون " ما ليس بعماد الدين ليس بصلاة " وهو المطلوب. وما أورده عليه صاحب " المقالات " وجماعة اخرى من الفضلاء: بأن الرجوع إلى أصالة العموم والإطلاق، يكون في موقف الشك في المراد، دون ما لو كان المراد معلوما، لأنه من الاصول العقلائية العملية (7)، في غير محله، لأن وجه الاستدلال ليس من باب دوران الأمر بين التخصيص والتخصص، حتى يقال:


1 - تقدم في الصفحة 218. 2 - كفاية الاصول: 45. 3 - عوالي اللآلي 1: 322. 4 - العنكبوت (29): 45. 5 - الكافي 3: 265 / 3، وسائل الشيعة 4: 43، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 12، الحديث 1. 6 - مطارح الأنظار: 11 / السطر 27، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 329، كفاية الاصول: 46. 7 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 136. (*)

[ 261 ]

بأولوية الثاني، فيجاب: بما عرفت. بل الوجه دعوى ظهور هذه التراكيب في القضية الحقيقية، مثل قولهم: " الإنسان حيوان ناطق " و " النار حارة " وهكذا. ولكن يتوجه إليه: اختلاف التراكيب، فما كان متكفلا للتحديد الماهوي، أو ذكر لوازم الماهيات، فإن الشأن فيها هو الحصر الاستغراقي، وما كان متكفلا لذكر خواص الأشياء وآثارها الوجودية - كقولهم: " السقمونيا مسهل للصفراء " وهكذا من الأشباه والنظائر المتعارفة في كتب الأدوية - فإن ظاهرها القضية الطبيعية، وهي في حكم المهملة، ولا أقل من الشك في الظهور المزبور. وتوهم: أنه عام استغراقي، ولكنه حكم اقتضائي، لا فعلي، أي كل صلاة عماد الدين بالاقتضاء، إن يرجع إلى الإهمال فهو، وإلا يلزم كون الحكم اقتضائيا في بعض الأفراد، وفعليا في الآخر، مع وحدة التركيب، فلا تخلط. وأما الأخبار المشتملة على القضايا الإنشائية - كقولهم (عليهم السلام): " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (1) وأمثاله - فهي أجنبية عما نحن فيه، لظهورها الحتمي في الإنشاء، والاستدلال بها يتوقف على كونها قضايا إخبارية، كما لا يخفى. فبالجملة: تحصل إلى هنا، أن عدم إمكان تصوير الجامع للأخصي ثبوتا، وعدم تمامية مقالة الشيخ (رحمه الله) إثباتا (2)، يؤديان إلى تعين القول بالأعم إثباتا، بعد الفراغ عن تصوير الجامع للأعمي، وقد عرفت: أنه مع التنزل وتصوير الجامع، لا يتمكن من الاستدلال أيضا، مع أن حديث التبادر وصحة الحمل الأولي وصحة


1 - عوالي اللآلي 3: 82 / 65، مستدرك الوسائل 4: 158 كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة، الباب 1، الحديث 5. 2 - تقدم في الصفحة 207. (*)

[ 262 ]

السلب لشائع، مما لا يرجع إلى محصل، وقد مر تفصيله في مبحثه (1)، فليراجع. إن قلت: ظاهر الأخصي هو الاعتقاد في العبادات، بأنها المخترعات الشرعية، وأنها الموضوعات لتلك الألفاظ بالوضع التعيني، فعليه يصح له الاستدلال بجميع الدلائل، لأن مقصوده من " التبادر " هو تبادر المعنى الصحيح عند أذهان المتشرعة، لا العرف، وهكذا صحة الحمل والسلب. قلت أولا: هذا لايتم إثباتا كما هو الواضح، لشهادة كل مراجع للمآثير والأخبار: بأن استعمال هذه الكلمات في الفاسد، لا يقصر عن عكسه، فكيف يمكن حصول العلقة الوضعية بكثرة الاستعمال ؟ ! وثانيا: إن الظاهر منهم ظنهم أن الوضع يكون تعيينيا، ولذلك يصح لهم التمسك بالقياس المشار إليه، وإلا فهو مما لا معنى له، لأن تقريب القياس - على ما في كتبهم (2) - هو أن ديدن العقلاء على الوضع للأخص، وذلك لعدم الحاجة إلى الاستعمال في الفاسد والأعم، فإذن يتعين أن تكون طريقة الشرع مثلهم في ذلك، وهذا شاهد قطعي على إرادتهم الوضع التعييني. وأنت خبير بما فيه من الإشكالات والموهنات، فلا تغفل. وإذا فرغنا من ذلك، فلا حاجة إلى ذكر الأدلة للأعمي، والذي هو الدليل الوحيد الذي بمراجته والتدبر فيه، يسقط بحث الصحيح والأعم من رأس، ولا ينبغي إطالة الكلام حوله إلا لتشحيذ أذهان المتعلمين، حتى ترقى أفكارهم إلى أوكار الحقائق، وتطير أرواحهم على سطوح الدقائق: هو أن الألفاظ برمتها - قضها وقضيضها، من غير اختصاص طائفة منها


1 - تقدم في الصفحة 176. 2 - كفاية الاصول: 46. (*)

[ 263 ]

بشئ - موضوعات لنفس الطبائع في الماهيات الأصيلة، والمؤلفات والمخترعات، والاعتباريات في الجملة، فإنه بالنظر إلى جميع هذه الامور، يكشف باب الاعتقاد بمقالة الأعمي، من غير الحاجة إلى الأدلة المذكورة في المفصلات (1)، فإن المنصف الخبير كما يطمئن ويعتقد برجوع الآثار إلى ربها، وبرجوع خواص الطبائع إلى ثبوت الاقتضاء والعلية بين ذواتها وتلك الخواص والآثار وجدانا. كذلك هو بمراجعة وضع الألفاظ وحالها، وكيفية دلالتها على معانيها في الجواهر والأعراض، وفي المؤلفات، كالدور والأسواق والشوارع وأمثالها، وفي المخترعات اليومية، كالسيارة والطيارة، يجد أن ما هو الموضوع له في الاعتباريات المسانخة معها - كما في العبادات، دون الاعتباريات المخصوصة ببعض الخصوصيات، كما في المعاملات - مثل غيره. ولعمري، إن بعد التدبر في ذلك - خصوصا في الألفاظ الموضوعة لأنواع الحيوانات والنباتات، وأنواع المركبات والمخترعات - لانجد وجها لعقد البحث أصلا، كما أشرنا إليه سابقا (2)، فلا نطيل الكلام بإعادته. وأما تمسكاتهم بالتبادر، وصحة الحمل الشائع، وعدم صحة الحمل الأولي، على خصوص الصحيح، وبصحة التقسيم، وبكثرة الاستعمال في الأعم في المآثير والأخبار (3)، فهي قابلة للخدشة، إلا أن الحاصل من المجموع يؤيد ما سلكناه، من المراجعة إلى الأشباه والنظائر. هذا، وفي علامية هذه الامور منع، ظهر منا وجهه في محله (4)، وتقرر هناك:


1 - هداية المسترشدين: 105 - 113. 2 - تقدم في الصفحة 227 - 228. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 51، نهاية الأفكار 1: 87 - 88. 4 - تقدم في الصفحة 176. (*)

[ 264 ]

أن الاطلاع على حدود الموضوع له، لا يمكن إلا من أمرين على سبيل منع الخلو: إما إخبار أهل اللغة بذلك. أو الاطراد بالوجه الذي قربناه. وهذان يرجعان - قضاء لحق انقطاع التسلسل - إلى تصريح الواضع، أو الواضع المستعمل، أو إلى قيام القرينة من قبله عليه، فلاحظ جيدا. إن قلت: تعطي المراجعة بعد الدقة، أن الحاجة إلى اللغة مقصورة على الصحيحة، لعدم مساس الاحتياج إلى وضع اللغة للأعم، فعندئذ يعلم: أن الطريقة الشرعية في ألفاظها، مثل الطريقة العرفية (1). قلت: أما في المقيس عليه فالأمر واضح المنع، ضرورة أن الاحتياجات مختلفة: فتارة: يحتاج إلى الاستفادة من شئ، فيكون اللفظ هناك ظاهرا في الصحيح منه، كما إذا قصد شرب الماء، أو أكل الخبز والبطيخ وهكذا، أو شراء السيارة والدار وغير ذلك، فإنه إذا أمر بها، فلابد من كون إرادته الجدية متعلقة بالأخص. واخرى: يحتاج إلى إرجاع الطبائع الفاسدة أو المريضة أو المعيوبة إلى من يعالجها، فإنه عند ذلك لابد من كون المراد الجدي، ما هو الفاسد والمريض، فإذا أمر بأن يعالج الدكتور أغنامه ومواشيه، أو أمر بمراجعة أهل الفن لإصلاح زراعته وأراضيه، فلا يريد إلا المعنى الأخص جدا وهو الفاسد، ولكن المراد الاستعمالي أعم في الفرضين. ولا شبهة في أن هذا دليل على أن الموضوع له هو الأعم، أي لا يلحظ فيه لحاظ الأعمية، ولا لحاظ الصحة والفساد معا، بل معناه عدم لحاظ شئ وراء لحاظ نفس الطبيعة القابلة للاتصاف بالوصفين، فتبين ثبوت الحاجة إلى الوضع للأعم، وإذا


1 - الفصول الغروية: 46 / السطر 31، كفاية الاصول: 46، لاحظ نهاية الأفكار 1: 90. (

[ 265 ]

كانت الطريقتان - الشرعية، والعرفية - واحدة، فيثبت المطلوب. ولكن الشأن هو أن هذا غير تام في المقيس أيضا، إذا قلنا: باختصاص الشرع بطريقة في تصديه للوضع التعييني، لأنه إذا تصدى لذلك قبال العرف، فيمكن أن يحدث الطريقة الخاصة، ولكن الحق عدم تصديه لذلك، وأن حديث المخترعات الشرعية لا يرجع إلى محصل، إلا بالمعنى الذي ذكرناه، وهو الوضع التعيني أحيانا في جملة من الألفاظ، ك‍ " المؤمن والكافر والمسلم " وغير ذلك مما مر (1)، فتدبر. فبالجملة: ما استدل به الأعمي من الأدلة، كلها قابلة للمناقشة وجدانا، ولكن قضية الحدس القطعي - بل الوجدان البديهي - اشتراك الألفاظ المستعملة في الشرائع كثيرا - إلى حد الوضع التعيني - مع غيرها في حصول العلقة للمعنى الأعم، إلا ما قام الدليل في خصوصه على خلاف ذلك عند العرف، أو الشرع، كما يأتي في المعاملات (2). تذييل حول الاستدلال على الأعم بنذر ترك الصلاة في الحمام قد يستدل للأعمي: بأن من نذر ترك الصلاة في الحمام فقد صح نذره، وعليه أن لا يحنث فيه، وهذا ممكن للأعمي، لأن ما يأتي به على خلاف نذره صلاة، فعليه الكفارة. وأما الأخصي، فلا يتمكن من الحنث، لعدم كونها صلاة، ضرورة بطلان المأتي به وفساده، للنهي عنه، فلا يكون صلاة، فلا يتحقق الحنث، وإذا كان عاجزا


1 - تقدم في الصفحة 185 - 187. 2 - يأتي في الصفحة 275. (*)

[ 266 ]

عن الحنث فلا ينعقد النذر، لاشتراط القدرة على الحنث في عقده، فبالنذر يعجز عن الحنث، فيلزم من صحة النذر عدم صحته، وما كان كذلك فهو ممتنع عقلا. أو يلزم من النهي المولود من النذر المتوجه إلى العبادة، عدم النهي، وهو مستحيل (1). أقول: لما كان في كلمات القوم مواقف للنظر، وفي تحريراتهم للمسألة جهات قصور، لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى ما هو الحق في ضمن مباحث في المقام: المبحث الأول: في انعقاد هذا النذر وعدمه، على القولين فنقول: قد يمكن دعوى عدم الانعقاد مطلقا، لأجل أن الإشكال المزبور مشترك الورود، ضرورة أن الأعمي ينذر ترك الصلاة الصحيحة، لا مطلق الصلاة، وهذا غير ممكن له الحنث فيه، وما لا يمكن الحنث فيه لا يمكن عقده (2). ويمكن دعوى: أن النذر ينعقد على القولين، لأن المقصود للأعمي ترك الصلاة المستجمعة للشرائط والأجزاء، التي هي صحيحة لولا النذر، أي لولا النهي المتعلق بها من قبل النذر، وهذا قابل للحنث (3). وأما الأخصي، فقد مر سابقا: أن الشرائط على ثلاثة أقسام، ومنها: الشرائط العقلية الدخيلة في الصحة، مثل عدم كون الصلاة مزاحمة بالأقوى، أو عدم كونها منهية عنها، وهذا القسم من الشرط خارج عندهم عن حريم النزاع (4). فالأخصي والأعمي هنا سيان من هذه الجهة، فكما هو يتمكن من الحنث، هو أيضا مثله.


1 - لاحظ كفاية الاصول: 48، نهاية الأفكار 1: 93، مناهج الوصول 1: 167. 2 - مقالات الاصول 1: 154، نهاية الاصول: 54 - 55، تهذيب الاصول 1: 85. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 52 - 53. 4 - تقدم في الصفحة 202. (*)

[ 267 ]

إن قلت: لا رجحان في ترك الصلاة المستجمعة للشرائط والأجزاء إن كانت باطلة. قلت: لا دليل على اشتراط رجحان متعلق النذر بعد النذر، بل المناط كونه راجحا مع قطع النظر عن النذر، والأمر هنا كذلك. نعم بقاء متعلق النذر راجحا شرط، وهو هنا حاصل لولا النذر، فليتدبر. وقد يشكل انعقاد النذر، لأجل أن معنى " الكراهة " في الأماكن المكروهة، لا يرجع إلا إلى حدوث المنقصة في الأمر الراجح، وعندئذ لا معنى لنذر تركه، لأنه من قبيل نذر ترك ما هو الراجح، وهو باطل بالضرورة (1). وقال الوالد المحقق - مد ظله - هنا: " بأن الكراهة لا تتعلق بذات الصلاة، كي يلزم منه هذا المحذور، بل بإيقاعها في الحمام مثلا " (2) انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن متعلق الإنشاء نذر ترك الصلاة، لا ترك إيقاعها، ورجوعه إلى ذلك صحيح، إلا أن الأمر المتعلق بذات الصلاة، أيضا يرجع إلى إيقاعها، فما فيه المصلحة الذاتية الواقعية، هو الإيجاد المتحد مع الوجود وإن لم يتعلق الإنشاء به، كما تحرر في محله (3)، فعليه كيف يعقل كون الإيقاع الصلاتي مكروها ووافيا ؟ ! فعليه يعلم بطلان النذر في هذه المواقف مطلقا. اللهم إلا أن يقال: بقصور الأدلة القائمة على اشتراط رجحان المتعلق، بحيث يستلزم بطلان النذر في هذه الصور، بل المرجوحية الآتية من قبل الخصوصيات، كافية في تحصيح النذر المذكور. ويشهد لذلك اتفاقهم على صحة مثله (4).


1 - نهاية الاصول: 55. 2 - تهذيب الاصول 1: 85. 3 - يأتي في الجزء الثاني: 227. 4 - لاحظ بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 152 / السطر 30، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 134. (*)

[ 268 ]

وقد يتوهم انعقاد النذر هنا، لأن المسألة من صغريات بحث الاجتماع والامتناع، فلا مانع من كون الصلاة واجبة، والصلاة في المكان الكذائي مكروهة، فتكون " الكراهة " بمعناها الواقعي المجامع خارجا للوجوب، كما يجتمع الحرمة والوجوب. وهذا واضح المنع، لأن ما صح هناك يختص بما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، لا العموم المطلق، فإنه محل إشكال، بل منع عندنا، فليراجع (1)، ولا تخلط. وربما يخطر بالبال دعوى: أن القدرة التي هي شرط صحة النذر، لا تنافي العجز الآتي من قبله، فإن الناذر المريد لترك الصلاة، يريد التوصل به إلى تركها، فلو تمكن من تركها تكوينا فهو أولى وأحسن، فمتعلق النذر مع قطع النذر عنه مقدور، وبالنذر معجوز عنه، وهو المطلوب. فالنذر صحيح، بل هو هنا أولى بالصحة، لأنه أراد تعجيز نفسه تشريعا فصار عاجزا تكوينا. فبالجملة: القدرة المعتبرة في تحقق النذر، هي القدرة على المنذور مع قطع النظر عنه، ولذلك لا يصح نذر ترك الطيران في الهواء، وأما العجز عن الحنث بالنذر فهو غير مضر. وهذا هو السر في تجويز النهي التشريعي عن المبغوض على الإطلاق، إذا انتفى. فتحصل إلى هنا: أن ما توهمه الأعمي من اختصاصه بإمكان الحنث دون غيره، محل البحث من جهات اشير إليها. والذي هو الحق: هو أن إنكار صحة النذر المزبور، غير ممكن بالضرورة، فلابد من حل هذه المعضلات، فلو كان المنذور صحيحا بعد النذر - كما هو مختار


1 - يأتي في الجزء الرابع: 142 - 146. (*)

[ 269 ]

السيد المحقق الوالد (1) - مد ظله - وسيأتي في البحث الآتي - فانعقاد النذر بلا شبهة ولا إشكال. وإن كان باطلا كما عليه المشهور (2)، فطريق عقده ما مر منا في خلال البحث. وقد يتوهم التفصيل كما في " الكفاية ": بأن المنذور إن كان ترك الصلاة المطلوبة بالفعل بعد النذر، فمنع انعقاده بمكان من الإمكان (3). وقال المدقق المحشي الأصفهاني (رحمه الله): " ولم يذهب إلى انعقاد هذا النذر ذو مسكة ". وإن كان ترك الصلاة الصحيحة اللولائية، فهو منعقد (4). ولعمري كما يظهر: إن العكس أقرب إلى افق التحقيق، لأن الصحيحة اللولائية ليست ذات رجحان، فلا ينعقد، والصحيحة الفعلية والمطلوبة بعد النذر ذات رجحان، وليست باطلة، لما سيأتي: من أن النهي بعد النذر لا يتعلق بالمنذور، حتى يستلزم الفساد، كما لا يخفى. المبحث الثاني: لو سلمنا انعقاد النذر، فهل الصلاة بعده تكون باطلة فيه أم لا ؟ ظاهر المشهور هو الأول، ولذلك يقال: بأن النذر لا ينعقد، ويشترك فيه الأعمي والأخصي. ولكن المعروف انعقاد النذر، مع ذهابهم إلى البطلان (5).


1 - مناهج الوصول 1: 168، تهذيب الاصول 1: 86. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 55. 3 - كفاية الاصول: 48. 4 - نهاية الدراية 1: 132. 5 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 134، نهاية الاصول: 55. (*)

[ 270 ]

وقال المحقق الوالد - مد ظله - بالثاني (1)، فيكون النذر صحيحا على القولين. وغاية ما أفاده مضافا إلى تحرير منا في المسألة: هو أن المنذور بعد النذر، لا يكون متعلق الحكم الآخر، مماثلا كان، أو مضادا، فلو نذر الإتيان بالواجب، لا يتعلق الأمر الآخر بالواجب، ولو نذر ترك الصلاة في الحمام لا يتعلق النهي بها، ولو نذر ترك شرب الخمر لا يتعلق نهي به، للزوم الجمع بين الحكمين المتنافيين. وإرجاع النهي أو الأمر الآخر إلى التأكيد دون التأسيس، يستلزم عدم ترتب الكفارة على التخلف والعصيان، لأنها من خصوصيات الأمر والنهي - الآتيين من قبل النذر - اللذين هما تأسيسيان. فعليه يعلم: أن الناذر بصيغة النذر يجعل على ذمته المنذور، ويصير بذلك موردا لخطاب: " أوفوا بنذوركم " ويكون الواجب عليه بعد النذر هو الوفاء به، دون متعلقه، فإنه واجب بالعرض وعقلا، لأنه به يسقط الأمر بالوفاء. فعناوين المنذورات الذاتية، كلها باقية على حالها بأحكامها الواجبية والاستحبابية، ولا يعقل تعلق الحكم الآخر بها تأسيسا. ولذلك إذا نذر إتيان صلاة الليل، فعليه الإتيان بها بداعي أمرها الاستحبابي، وفاء بالنذر الواجب عليه توصلا. فعلى هذه المقالة لا معنى لبطلان الصلاة بعد النذر، وعليه يسقط جميع الإشكالات في المسألة، لأنها كلها ناشئة من قبل إبطال الصلاة، إلا الإشكال الواحد: وهو أن " الكراهة " المصطلحة ليست مرادة في العبادات، والكراهة الخاصة بالعبادات ليست مرجوحة حتى ينعقد النذر. فما في " الكفاية " (2) وغيره من الكتب الفقهية (3) وغيرها (4)، كلها مخالف لما


1 - تقدم تخريجه. 2 - تقدم تخريجه. 3 - جواهر الكلام 7: 11، العروة الوثقى 1: 514، فصل في أعداد الفرائض. 4 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 134. (*)

[ 271 ]

هو الحق عنده. وفي المسألة (إن قلت قلتات) كثيرة. والذي هو الأوفق بالظواهر من الكتاب والسنة، أن الوفاء بالنذر واجب، ولا حكم وراء ذلك متعلق بالنذر. إن قلت: حل المعضلة المشار إليها بالوجه الذي مر يستلزم جواز نذر ترك زيارة أبي عبد الله (عليه السلام) قياسا على زيارة أبيه صلوات الله تعالى عليه، لأنها أفضل - على ما قيل - منها، فتكون هي مرجوحة، وما كانت مرجوحة - بمعنى الأقل ثوابا - ينعقد نذر تركها، والالتزام بذلك كما ترى. قلت: أولا: الالتزام بذلك فيما كان الوقت قاصرا عن الجمع بينهما، غير بعيد. وثانيا: لا يقاس ما نحن فيه - الذي قامت الأدلة الشرعية على المرجوحية فيها من قبل المكان، لا المزاحم - بتلك المسألة، للفارق كما لا يخفى. وعلى كل حال: دفع هذه الشبهة، لازم على المذهبين في المسألة، وأما سائر الشبهات فلو اندفعت فهو، وإلا فتصير النتيجة عدم جواز النذر المزبور، إلا إذا قيل بهذه المقالة التي أبدعها المحقق المذكور - مد ظله - فافهم وتدبر. المبحث الثالث: في سقوط استدلال الأعمي استدلال الأعمي بناء على انعقاده وصحة صلاته، ساقط من رأس. وبناء على عدم انعقاده كذلك. وأما على القول بانعقاده، وبطلان الصلاة، فعلى القول بخروج الصنف الثاني من الشرائط عن حريم النزاع - على ما مر تفصيله (1)، واشير إليه في المبحث الأول (2) - فهو أيضا ساقط، ضرورة أن الأخصي إذا صلى بعد النذر، فقد حنث في


1 - تقدم في الصفحة 203. 2 - تقدم في الصفحة 266. (*)

[ 272 ]

نذره، لأن ما أتى به صلاة عنده، لعدم تقومها بهذه الشروط. وأما بناء على ما تقرر منا: من كونها داخلة في حريم النزاع (1) - لأن الجهة المبحوث عنها كلية ولغوية، ولا نظر إلى الخصوصيات الداخلة من قبل الشرع في المأمور به. ومما يشهد لذلك استدلالهم بعدم الحاجة إلى وضعها للأعم (2)، فإنه شاهد على أن الطبيعة الفاسدة، خارجة عن محيط الوضع، ولاسيما على أنهم نوعا قائلون: بأن العبادات مخترعات شرعية (3)، وكأن بناء مذهبهم على ذلك، فيكون المراد من " الصحة والفساد " الصحة والفساد في محيط الشرع، فلابد وان يدخل الشرائط طرا في محل النزاع، فلا تغفل - فربما يصح الاستدلال، لأن الإتيان بالصلاة الجامعة للأجزاء والشرائط في المكان المنذور تركها فيه، حنث على الأعمي، وليس حنثا على الأخصي، لمساوقة مفهوم " الفساد " عنده مع مفهوم " الصلاة " كما لا يخفى. ولكنه محل إشكال، لأن الفساد الآتي من قبل النهي، الآتي من قبل النذر، ليس مفسدا، لأن النهي عن العبادة دليل الصحة، فلابد أن يرجع ذلك إلى الإخلال بشرط، وهو قصد القربة، فإنه لا يتمشى مع النهي، فيلزم عدم تمكنه من الإتيان بجميع الأجزاء والشرائط المعتبرة لولا النذر. نعم، لو قلنا: بحصول الحنث حال الغفلة والجهل، فيتمشى منه في تلك الحال قصد القربة، ويلزم الإخلال بشرط آت من قبل النذر، وهو عدم كونها منهيا عنها، بناء على دلالته على اشتراطها به، فيلزم الحنث على الأعمي، دون الأخصي، فتدبر.


1 - تقدم في الصفحة 203. 2 - تقدم في الصفحة 263. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 45، نهاية الأفكار 1: 69. (*)

[ 273 ]

الخاتمة فيما هو التحقيق في ألفاظ المعاملات وتنقيح ذلك يحتاج إلى ذكر مقدمات: المقدمة الاولى: المحتملات التي مرت سابقا كانت كثيرة (1)، ولكن عدم وضع الألفاظ لبعضها مما لا شبهة فيه، ضرورة أن النقل والانتقال - بمعنى مالكية البايع للثمن، ومالكية المشتري للمثمن - ليس البيع حقيقة، لأنه اعتبر سببا أو موضوعا لذلك، وهذا هو أثره وحكمه. وأيضا: نفس ألفاظ الإيجاب والقبول ليست بيعا، ولا جزء البيع، بأن يكون حقيقة البيع تلك الألفاظ بما لها من المعاني، لأن حقيقة البيع تعتبر باقية ولذلك تقبل الإقالة والفسخ، وتلك الألفاظ متصرمة وفانية بوجه، فهي خارجة عن حقائق المعاملات. فيبقى الكلام حول احتمالين: أحدهما: كونها موضوعة للمعاني الإنشائية الحاصلة من تلك الألفاظ، وهي ذوات الأسباب، أو هي ذوات الموضوعات، لا الأسباب بعناوينها، ولا الموضوعات بما هي موضوعة للحكم، حتى لا يمكن التخلف بينها وبين الأثر. ثانيهما: كون الموضوع له السبب أو الموضوع، بما هو السبب وبما هو


1 - تقدم في الصفحة 229 - 232. (*)

[ 274 ]

الموضوع، حتى لا يكون المتخلف منه الأثر بيعا حقيقة. وإلى ذلك يرجع قول المشهور: " بأن ألفاظ المعاملات موضوعات للمسببات " (1) فإن المراد من " المسبب " هو المنشأ بالألفاظ، لا الأثر، وقالوا: " إن أمر المسببات دائر بين الوجود والعدم " (2) فكأنهم يعتقدون أن حقيقة المعاملات، هي المعاني الإنشائية التي يترتب عليها الآثار المطلوبة، والأغراض والمقاصد. فتحصل: أن الأمر دائر بين الاحتمالين، ولا مانع من الالتزام بكل واحد منهما عقلا وثبوتا. إن قلت: كون الموضوع له ذات السبب، مما لا إشكال فيه ثبوتا، بخلاف ما لو كان عنوان " السبب " للزوم كون الأثر داخلا في ماهية المعاملة، لأنها بإطلاقها إذا لم تكن موضوعة، فلابد وأن تتقيد بأثره، وهو ممتنع عقلا. قلت: لا معنى للامتناع في الوضع، وما هو الممتنع هو تقيد العلة بالمعلول في العلية. هذا أولا. وثانيا: الواضع يلاحظ الماهية، ويعرفها في مقام الوضع لها: بالتي تكون كذا، فيلزم التقيد من غير إشكال، فلا تغفل. لا يقال: لا يعقل كون الموضوع له الأمر الباقي والمعنى الإنشائي الثابت في افق الاعتبار، لأنه معلول الأمر المتصرم، ولابد من السنخية بين العلة والمعلول، فإذا لم يكن المعنى الإنشائي بيعا، فلا يكون عنوان " السبب " أيضا بيعا، لأنه هو معلول تلك الألفاظ، فلا يبقى مورد لأن يكون موضوعا لتلك الألفاظ.


1 - كفاية الاصول: 49، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 138، منتهى الاصول 1: 66 - 67، مناهج الوصول 1: 169. 2 - كفاية الاصول: 49، أجود التقريرات 1: 48، مناهج الوصول 1: 169. (*)

[ 275 ]

لأنا نقول: ليست الألفاظ أسبابا تكوينية حتى يتوهم ما قيل، بل هي الآلات الإيجادية للمعاني الاعتبارية، أو هي المظهرات للمعتبرات العقلائية الذهنية، فعليه يسقط التوهم المشار إليه، ويبقى الاحتمالان سليمين عن الإشكال في مرحلة الثبوت. المقدمة الثانية: لا شبهة في أن جميع الاعتباريات - شرعية كانت، أو عرفية - تابعة لمصالح، ولكنها ليست داخلة في حدود القوانين والأوامر والنواهي، بل هي متقدمة على الأمر والجعل ذهنا، وتكون علة غائية، ومتأخرة عن المأمور به وجودا وخارجا. مثلا: لابد من لحاظ الأثر في إيجاب الصلاة، وهو " قربان كل تقي " (1) ولكنه ليس داخلا في حدود الأمر، بل هو متقدم على الأمر، وداخل في سلسلة العلل، ومتأخر عن المأمور به، وداخل في سلسلة المعاليل التكوينية القهرية. ففي هذه الامور الاعتبارية، لم يعتبر الصلاة سببا لأمر، ولا موضوعا لأثر. ولكن من المعتبرات العرفية والشرعية، ما هي ذات المصالح والآثار القهرية، كحفظ النظام المترتب عليها، مع عدم كونه داخلا في الاعتبار، أي لا يعتبر البيع سببا لحفظ النظام، ولكن قد يكون الأثر القهري، داخلا في اعتبار متقدم على ذلك الأثر الذي هو الاعتبار الآخر، وذلك مثل المعاملات، فإن هذه الماهيات اعتباريات، وليس نظر المعتبرين إلى تلك الماهيات مطلقا، بل نظرهم إليها لأجل التوسل بها إلى الاعتبار الآخر، وهو تبادل الملكية، وحصول النقل والانتقال، ولذلك يعتبرون البيع سببا للنقل والانتقال بنحو الكلي. وليس معنى ذلك، أنهم واقفون على كرسي القانون، ويضعون هذه الامور


1 - الكافي 3: 265 / 6، وسائل الشيعة 4: 43، كتاب الصلاة، أبواب أعداد الفرائض، الباب 12، الحديث 1. (*)

[ 276 ]

الاعتبارية، بل معناه أن ما حصل عندهم فعلا - بعد الارتكازات التي تولدت منذ بداية حضارة البشر إلى يومنا هذا - هو أنهم يعتبرون تلك الماهيات أسباب النقل، كما مضى تفصيله مرارا (1). فبالجملة: فرق واضح بين باب العبادات والمعاملات، فإن العبادات لا تعتبر لأمر آخر اعتباري ملحوظ، والمعاملات اعتبرت موضوعات أو أسبابا لاعتبار آخر مترتب عليها قهرا، ملحوظ حال اعتبار الأمر الأول. المقدمة الثالثة: الامور الاعتبارية - حدوثا وبقاء، سعة وضيقا - متقومة بالحاجة التي تمس إليها، فإن الإنسان في بدو المعيشة، ما كان يحتاج إلى التبادل، ثم بعد الحاجة إليه توسل إلى اعتبار المبادلة، وهكذا إلى أن انتهى الأمر إلى زماننا الذي ارتقى نهايته، ووصلت الاعتبارات غايتها، لشدة الاحتياج في النظام إليها. ومن تلك الاعتبارات، ماهيات المعاملات، فإنها بدوا اعتبرت بين الأعيان الخارجية، ثم بعد مساس الحاجة إلى اعتبارها في الكليات، استعملت ألفاظها مجازا في الأمر الحادث، ثم صارت حقيقة فيه، لمشابهته مع الموضوع له الأول في جهة الوضع. ولا شبهة في أن المعاملات في بدو الوجود والتأسيس، كانت على نعت المؤثر الفعلي، لعدم الحاجة إلى اعتبار ذاتها فارغة من أثر، فما اعتبر أولا وبالذات، هي الماهية الموضوعة للحكم بحصول النقل والانتقال، أو ماهية اعتبرت سببا لذلك، على الاحتمالين في تلك المسألة، وسيظهر - بعد توضيح الحق في هذه المسألة - ما هو التحقيق فيها، فانتظر.


1 - تقدم في الصفحة 125 و 231 - 232. (*)

[ 277 ]

فعلى ما تقرر، لابد من وجود الأغراض والمقاصد حتى تمس الحاجة إلى توسيع الاعتبار الأول فكما أن الاعتبار الأول يوسع في بيع الكلي لإمساس الحاجة إليه ولا يتم الغرض والمقصود إلا بتلك التوسعة، كذلك لابد من تلك الأغراض والمقاصد حتى يلزم اعتبار كون البيع هو ذات المؤثر دون عنوانه وإثبات ذلك في غاية الإشكال. الماهيات المعاملية طبائع مؤثرة اعتبارا فإذا عرفت تلك المقدمات، تقدر على استنتاج المطلوب منها، وهو أن الماهيات المعاملية، ليست إلا الطبائع الاعتبارية على وجه التأثير الاعتباري في الأثر الاعتباري، أو على وجه الموضوعية لحكم العقلاء. إن قلت: تمس الحاجة إلى توسيع البيع مثلا، فإن البيع في العهد الأول كان على نعت المعاطاة، ثم بعد الحاجة اعتبر العقد والألفاظ قائمة مقام الفعل في الإنشاء والتمليك، ثم بعد تحقق البيوع الفضولية من الغاصبين وغيرهم، لابد من اعتبار كون البيع هو ذات السبب، وإلا يلزم بطلان بيع المكره والفضولي، وعدم قابليته للصحة بعد الإجازة، مع أن بناء العقلاء على ذلك، فمنه يعلم: أن ألفاظ المعاملات، موضوعة لذوات الأسباب والموضوعات، دون عناوينها. قلت: لاشبهة في أن الأثر موقوف على الإجازة، فلا حاجة إلى اعتبار كون ما أنشأه الفضولي بيعا. بل هنا احتمال آخر قويناه في محله (1): وهو أن الإجازة تورث اتصاف ما أنشأه الفضولي ب‍ " البيع " وغيره، ولا حاجة إلى أزيد من ذلك، فلا تمس الحاجة إلى


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الأمر السادس مما يمكن أن يردع عن تصحيح الفضولي. (*)

[ 278 ]

اعتبار ذات السبب بيعا وإجارة. وأما إطلاق " البيع " على بيع المكره والفضولي، فهو كإطلاقه على بيع السكنى في المآثير الكثيرة، فإن الإطلاق أعم من الحقيقة جدا. إن قيل: من المباحث الهامة في الفضولي بحث الكشف والنقل، فلو كان الموضوع له ما هو المؤثر، فلا يبقى للبحث المزبور موقع، وهذه النتيجة والحاجة كافية في الاعتبار المذكور. قلنا: نعم، إلا أن القائلين بالكشف (1)، يرجع مرامهم إلى إنكار الفضولي بالمعنى الذي يريده القائل بالنقل (2)، ضرورة أن معنى " كاشفية الإجازة " هو أن الإجازة إذا لحقت، تكشف عن التأثير من الأول، فما هو الواقع من الفضولي هو البيع المؤثر، وإذا لم تلحق فهو كاشف عن عدم تحققه، فأمره عندهم دائر بين الوجود والعدم. ولذلك لا تنافي بين مقالة المشهور في الاصول - وهي أن ألفاظ المعاملات موضوعة وأسام للأخص (3) - وبين مقالتهم في الفقه بالكشف، بل هي من مترشحات ذاك. بخلاف القائلين بالنقل، فإنهم لابد لهم من إثبات كونها أسامي للأعم، حتى يتمكنوا من اختيار النقل، فافهم واغتنم. فنزاع الكشف والنقل هو نزاع الأعم والأخص لبا. فتحصل إلى هنا: أن الأدلة المدعاة على أن ألفاظ المعاملات موضوعة لذات


1 - رياض المسائل 1: 513 / السطر 20، جواهر الكلام 22: 285، لاحظ المكاسب: 132 / السطر 4. 2 - مجمع الفائدة والبرهان 8: 159، المكاسب: 133، السطر 23. 3 - القواعد والفوائد 1: 158، القاعدة 42، الفائدة الثانية، الفصول الغروية: 52 / السطر 15، مطارح الأنظار: 18 / السطر 19، كفاية الاصول: 49. (*)

[ 279 ]

المؤثر، كلها ساقطة جدا، بل المتبادر منها ليس إلا السببية، وقد أوضحنا ذلك في مباحث بيع المكره والفضولي توضيحا أجلى (1)، فراجع. ذنابة: هل المعاملات أسباب اعتبارية أو موضوعات لأحكام عقلائية ؟ حان وقت الوفاء بالوعد الذي واعدناك آنفا، وهو أن المعتبر عند العقلاء في ماهيات المعاملات، السببية الاعتبارية، أو أنها تعتبر موضوعات لأحكام عقلائية. لاشبهة في أنه على التقديرين، لا اعتبار جزئي في كل بيع للعقلاء، بأن يكون لهم المجمع المحيط على جميع البيوع العالمية، ويعتبرون عقيب كل بيع الأثر، فلابد من كون ذلك بنحو القانون الكلي. ولا شبهة في أن هذا القانون الكلي، ليس من مقنن قبل مساس حاجتهم إليه، ثم بعد الاحتياج راعوه، بل هي القوانين المتخذة من المرتكزات الفعلية الموجودة، كقوانين الفلسفة المتخذة من الأعيان الخارجية بدوا، ومن إدراكات عقلية نتيجة. فعليه، لابد من المراجعة إلى العقلاء في الألفاظ المختلفة الصادرة عنهم في إفادة المعنى المذكور، وإنا إذا راجعناهم في محاوراتهم، لا نجد إلا أنهم يرون أن البيع سبب الملكية، وأنه به تحصل تلك، فيعلم منه أن المعتبر الكلي عندهم، هو أنه إذا تحقق البيع يحصل به النقل والانتقال، بنحو القانون المعلق، أو بنحو القانون المنجز، وهو أن البيع وغيره أسباب النقل والانتقال، فإذا تحقق البيع يحصل ذلك بنحو اعتبار السببية والمسببية. ويشهد لذلك ذهاب المشهور - إلى زمان المتأخرين - إلى استعمال كلمة " السبب " و " الأسباب " دون " الموضوع " و " الحكم ".


1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، الوجه الاول من الوجوه العقلية لبطلان الفضولي. (*)

[ 280 ]

بل القانون الكلي المتخذ من ارتكازهم، ليس إلا إخبارا عن بنائهم العملي، فما هو مدركهم - إنصافا - من هذه العلل الاعتبارية، ليس إلا العلية الاعتبارية جدا. فبالجملة: الاحتمالات ثلاثة: أحدها: كون ما يستفاد من بنائهم بنحو الكلي، قضية معلقة بنحو آخر " وهي أن البيع إذا وجد، يوجد به النقل والانتقال، ويترتب عليه الأثر ". ثانيها: قضية معلقة بنحو آخر وهي " أن البيع إذا تحقق، يحصل النقل والانتقال ". ثالثها: قضية منجزة وهي " أن المعاملات المعاوضية، أسباب النقل والانتقال ". ولا شبهة في أن الاولى والثالثة نص في اعتبار السببية، وأما الثانية فظاهر القضية الشرطية، كون المقدم سببا للتالي. وأما توهم: أن العقلاء يدركون الانتقال عقيب البيع، فهو غير مضر، لأن الإدراك فرع الوجود الاعتباري السابق عليه، كما في الحقائق، فلا تخلط. هذا آخر ما أوردناه في الصحيح والأعم، وقد وقع الفراغ منه يوم الثلاثاء الذي عطلنا الدراسة فيه، وهو اليوم الخامس من ربيع الثاني في سنة 1388 في النجف الأشرف، على صاحبه آلاف التحية والثناء. تحقيق وتنبيه: حول برهان الوالد المحقق على امتناع القول بالأخص يظهر من الوالد المحقق - مد ظله - إقامة البرهان على امتناع القول بالأخص: " وذلك لأن الامور الاعتبارية والحقيقية، وإن كانتا مشتركتين في الاتصاف ب‍ " الصحة والفساد " إلا أن الحقيقية تمتاز عنها في أمر، وهو اتصاف المصداق الواحد منها ب‍ " الصحة والفساد " الحيثيين، فيكون البطيخ الواحد موصوفا

[ 281 ]

ب‍ " الصحة " في نصفه، وب‍ " الفساد " في نصفه، ولذلك يمكن ترتب الأثر على نصفه، دون نصفه الآخر. والاعتبارية أمرها دائر بين الاتصاف وعدمه، ولا يعقل الاتصاف الحيثي، فلا تكون الصلاة صحيحة وفاسدة، بل هي إما صحيحة على الإطلاق، أو فاسدة على الإطلاق " (1). وبعبارة منا: الأخصي يدعي أن أمر الموصوف دائر بين الوجود والعدم، والأعمي يدعي أن أمر الوصف دائر بين الوجود والعدم، ولا ثالث، وهو كون الصلاة موصوفة ب‍ " الصحة " بالنسبة إلى الأجزاء، وب‍ " الفساد " بالنسبة إلى فقد الشرائط، وعليه يلزم تعين القول بالأعم قهرا، لقبوله بتحقق الصلاة الموصوفة ب‍ " الفساد " من قبل الشرائط، فلا يكون أمرها دائرا بين الوجود والعدم. وتوهم امتناع التفكيك بين الصحة الفعلية بالنسبة إلى الأجزاء، فيكون بعضها صحيحا بالفعل، دون بعض - كما عرفت في الامور الحقيقية - دون التفكيك بين الصحة الفعلية، والشأنية التأهلية (2)، في غير محله، لأنها منوطة بالقول: بأن تقابل الصحة والفساد، تقابل العدم والملكة النوعية، لا الشخصية، وهذا غير صحيح، لأن تقابلهما من التضاد بالضرورة. ولو فرضنا أن تقابلهما من العدم والملكة، فهو بالنسبة إلى الفرد القابل لصيرورته صحيحا بالفعل، وأما ما وقع فاسدا، فلا شأن لصيرورته صحيحا إلا بالنسبة إلى النوع، كما لا يخفى. أقول: لو سلمنا جميع المقدمات المبتنية عليها مقالته، لايتم المطلوب عندنا،


1 - مناهج الوصول 1: 154 - 155، تهذيب الاصول 1: 75 - 76. 2 - نهاية الأفكار 1: 85 - 86. (*)

[ 282 ]

لما عرفت منا من جريان النزاع في جميع الأجزاء والشروط (1)، ضرورة أن الصحيحي يدعي: أن الموضوع له هو الصحيح عند الشرع، وهذا لا يمكن إلا بالتزامه بأن الفاسد خارج عنه، سواء كان فساده لأجل الإخلال بشرط وجودي شرعي، أو عقلي، أو عدمي، أو غير ذلك. هذا مع أن عنوان المسألة مورد الإشكالات الكثيرة، فلابد من النظر إلى مقصود الأخصي والأعمي، كما مر مرارا. فتصير النتيجة: أن الأخصي إن كان قائلا: بأن الموضوع له هي الأجزاء - مقابل قول الشيخ القائل: بأنه التامة الأجزاء والشرائط (2) - فلما أفاده - مد ظله - وجه. أو يقول: إن الموضوع له هي الأجزاء، وصنف من الشرائط - مقابل قوله (قدس سره) الظاهر في أن الموضوع له، جميع الأجزاء، وجميع الشروط، من غير فرق بين الأصناف الثلاثة الماضية - فأيضا لما ذكره وجه. وإذا قالوا: بأن الموضوع له ما هو الصحيح عند الشرع - كما مضى، وعرفت تفصيله وتحقيقه (3) - فلايتم ما أفاده، فلاحظ وتدبر، والحمد لله أولا وآخرا.


1 - تقدم في الصفحة 203 - 204. 2 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 10 - 11. 3 - تقدم في الصفحة: 233. (*)

[ 283 ]

المبحث العاشر

[ 284 ]

في الاشتراك

[ 285 ]

أقوال الأعلام في المسألة وقد اختلفت كلمات الأعلام: فمنهم: من يظهر منه امتناعه، مريدا به الامتناع الوقوعي - لعدم امتناعه الذاتي قطعا - ظنا أن الوضع ليس مجرد جعل اللفظ علامة على المعنى، بل هو عبارة عن جعل اللفظ مرآة تصور المعنى، ويكون حاكيا عنه، وفانيا فيه، وهذا مما لا يمكن تحققه للفظ الواحد مرتين (1). ومنهم: من ظن استحالته، بمعنى تقبيح العقل تعدد المعنى للفظ واحد، من غير استحالته الاصطلاحية، لا ذاتا، ولا وقوعا، وهما أن الغرض من الوضع ليس إلا تفهيم المعنى بتوسطه ودلالته عليه بنفسه، لا بمؤونة أمر آخر، وهذا لا يمكن مع الاشتراك، للزوم الاتكال على القرائن الحالية أو المقالية (2)، فلو كان الواضع هو الله تعالى، يلزم الامتناع الغيري والوقوعي، ولو كان حكيما آخر يلزم قبحه العقلي الذي يجتنب عنه واضع اللغات. وما تعارف في العصر المتأخر، من إبطال هذه المقالة نقضا - لوقوعه في اللغات (3) - غير مرضي عندي، كما سيأتي.


1 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 144. 2 - نهاية النهاية 1: 50 - 51. 3 - نهاية الدراية 1: 145، بدائع الأفكار (تقرير المحقق العراقي) الآملي 1: 145. (*)

[ 286 ]

ومنهم: من يظهر منه وجوب وقوعه مريدا به الوجوب الغيري، لا الذاتي، مستدلا: بأن المعاني غير متناهية، بخلاف الألفاظ، فنحتاج في التفهيم إليها مرارا (1). ويمكن أن يقال: بأن المراد من " الوجوب " هو حسنه العقلي، لا الوجوب الذي هو أحد المواد الثلاث (2)، وفي تقريره يقال: بأن الألفاظ مختلفة من جهة سهولة المخرج وصعوبته، ومتفاوتة - حسب الهيئة - في الحسن والقبح، وفي الفصاحة وعدمها، فلو سد باب الاشتراك يلزم التراكيب المستهجنة والمقبحة، ولا داعي إليها بعد إمكان التوسل بالقرائن إلى المرادات من الألفاظ في الاستعمالات. ومنهم: وهم الأكثر، من اختاروا إمكانه بالمعنيين، أي إمكانه الوقوعي، وحسنه، لعدم تمامية الأدلة المشار إليها في تعيين أحد الطرفين (3). والذي هو الحق: أن إنكار الاشتراك مع تعدد اللسان، غير صحيح قطعا، لأن اللغة الواحدة في الألسنة المختلفة، ذات معان كثيرة. ولا يلزم ما قيل هنا. وهكذا مع تعدد الواضع، كما في الأعلام الشخصية. ومثله الوضع العام، والموضوع له الخاص. وهكذا إذا كان أحد المعنيين بالوضع التعييني، والآخر بالوضع التعيني، ضرورة أن حصوله أمر قهري خارج عن الاختيار. التحقيق في المقام فما هو محل النزاع ومصب البحث، وهو اللائق والجدير به: أن الواضع الواحد، هل يصح أن يضع اللفظ الواحد لمعنيين في اللغة الواحدة، أم لا، للزوم


1 - لاحظ المصباح المنير: 872، ونهاية الأفكار 1: 103. 2 - نهاية النهاية 1: 50. 3 - معالم الدين: 32. كفاية الاصول: 51، أجود التقريرات 1: 51، مناهج الوصول 1: 178. (*)

[ 287 ]

الإخلال بغرضه ؟ ولعمري، إن نفي ذلك غير جائز. إلا أن إثبات وقوعه أيضا غير ممكن، لأن ما وقع من الاشتراك لعله كان من الاختلاط بين العشائر والقبائل، كما هو الظاهر. فدعوى عدم تكرر الوضع التعييني من الواضع الواحد في اللغة الواحدة (1)، قريبة جدا. ولما كانت إطالة الكلام بذكر الأدلة وأجوبتها، من اللغو المنهي عنه، عدلنا عنها، وطوينا ذيلها. والله ولي التوفيق. ثم إن الترادف في اللغات من الأمر البين. ويساعده الذوق، للحاجة إلى الألفاظ المترادفة في حسن الكلام، وتحسين الخطاب. وأما التساوق - وهو كون المعنيين متلازمين من حيث الصدق، وإن كانا مختلفين من حيث المعنى - فهو أيضا ممكن وواقع. وقد تعرض جمع من المنكرين للترادف، إلى إثبات التساوق بين المعاني (2)، فيقال مثلا: إن " الإنسان " و " البشر " ليسا مترادفين، لأن " الإنسان " موضوع للحيوان الناطق مقابل أنواع الحيوانات، و " البشر " موضوع له مقابل الملك. وفي الكتب العقلية كثيرا ما يتشبث بالتساوق بين الألفاظ، فيقال مثلا: بتساوق " الوجود " و " الوحدة " و " التشخص " بل وجميع الكمالات الراجعة إلى أصل الوجود (3)، وهذا مما لا مانع منه إذا ساعده الدليل، فليتأمل. فبالجملة تحصل: أن الاشتراك ليس بمستحيل ذاتا، ولا بالغير، ولا بواجب ذاتا، ولا بالغير، ولا بقبيح ذاتا، ولا بالغير، لأن الواضع ربما يغفل عن الوضع الأول


1 - لاحظ أجود التقريرات 1: 51. 2 - لاحظ مفاتيح الاصول: 21 / السطر 67. 3 - الحكمة المتعالية 1: 75. (*)

[ 288 ]

فيضع ثانيا. ولا يبعد حسنه في بعض المواقف. نعم، ما هو محل النزاع - وهو تصدي الواضع الواحد لكلمة واحدة، بوضعها مرتين في لغة واحدة، كالعربية مثلا - بعيد، وما هو الواقع أعم من كونه بهذه الطريقة، أو لأجل الأسباب الاخر التي مرت الإشارة إليها.

[ 289 ]

المبحث الحادي عشر جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد

[ 291 ]

جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد بمعنى أنه بعد ثبوت الاشتراك المزبور، وأن اللفظ الواحد يمكن أن يكون ذا معنيين، هل يجوز استعماله فيهما في الاستعمال الواحد، فهذه المسألة من متفرعات البحث السابق. ومنه يعلم ما هو محل النزاع، ومصب النفي والإثبات، فما يظهر من القوم من الإطالة حول تحرير محل البحث (1)، غير صحيح، ولذلك كان في الكتب الأولية ذكر هذه المسألة في ذيل البحث السابق (2). فاستعمال اللفظ غير المشترك في الكثير، ليس من الاستعمال المقصود في المقام بالضرورة، فما يظهر من العلامة الأراكي (قدس سره) من تعميم محل النزاع (3)، خال من التحصيل. نعم، يأتي منا جواز البحث الآخر حول استعمال اللفظ الواحد في الكثير الأعم من الحقيقة والمجاز، أو من المعنى الحقيقي والكنائي، أو في المعنيين


1 - قوانين الاصول 1: 67 / السطر 14، الفصول الغروية: 53 / السطر 15، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 161 / السطر 7. 2 - الذريعة إلى اصول الشريعة 1: 17 - 19، معالم الدين: 32 / السطر 10، قوانين الاصول 1: 60 / السطر 18. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 146. (*)

[ 292 ]

المجازيين، أو الكنائيين (1). ثم إن المراد من " الجواز " أعم من الجواز العقلائي والعقلي، لظهور دلائلهم في ذلك، فإن الظاهر من " القوانين " الاستدلال على الامتناع العقلي (2)، وهكذا صريح المتأخرين (3). ومن هنا يظهر اندفاع التناقض المتوهم هنا في عنوان المسألة (4)، وهو قولهم: " اختلفوا في جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى واحد، على سبيل الانفراد والاستقلال " ضرورة أن المراد من " الانفراد والاستقلال " ليس ما ينافي قولهم " في أكثر من معنى واحد " بل المراد إخراج استعمال اللفظ الموضوع على نعت العام المجموعي فيه، وإخراج ما هو من قبيل العام الاستغراقي، وإخراج ما هو من قبيل استعمال ألفاظ المركبات ذات الأجزاء فيها، وهكذا مما قيل في المطولات (5). إذا عرفت ذلك فاعلم: أن في المسألة أقوالا: فمنهم: من جوز عقلا وعرفا (6). ومنهم: من منع مطلقا (7). ومنهم: من جوز عقلا، ومنع عرفا (8). والذي هو التحقيق: جوازه عقلا، وممنوعيته عرفا، إلا مع الشواهد، كما في


1 - يأتي في الصفحة 302 - 305. 2 - لاحظ قوانين الاصول 1: 70 / السطر 11. 3 - كفاية الاصول: 53، أجود التقريرات 1: 51، نهاية الأفكار 1: 108. 4 - نهاية النهاية 1: 54. 5 - الفصول الغروية: 53 / السطر 16، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 161 / السطر 7. 6 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 55، نهاية الاصول: 61، مناهج الوصول 1: 186. 7 - كفاية الاصول: 53، أجود التقريرات 1: 51. 8 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 163 / السطر 21 - 25، محاضرات في اصول لفقه 1: 210. (*)

[ 293 ]

كلمات البلغاء والفصحاء، وأما في الكتاب والسنة فإنه بعيد، لأنه أقرب إلى الا حجية من الجد، ضرورة لزوم خلو القوانين الموضوعة للإرشاد من تلك الكلمات والاستعمالات، حسب الذوق السليم، والارتكاز المستقيم. وما يمكن أن يعد وجها للمنع عقلا، امور: الأمر الأول: ما يظهر من " القوانين " وهو أن الاستعمال في المعنيين موجب للتناقض، لأن المعنى الموضوع له مقيد بالوحدة، فمرجع الاستعمال في المعنيين استعماله في هذا وحده، وذاك وحده، وهما معا، وإن هو إلا المناقضة (1) ؟ ! وفيه: أنه إنكار للاشتراك. وكأنه راجع إلى أن الوضع: هو التعهد والتباني الذي قال به المحقق الرشتي (2)، والعلامة الأصفهاني في " الوقاية " (3) والوضع الثانوي خلاف التباني، فيكون الاستعمال الثانوي مناقضا. وأنت خبير بما في المبنى والبناء. الأمر الثاني: ما أفاده " الكفاية " (4) وتبعه جمع من تلامذته (5) وهوأن الاستعمال إن كان مجرد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى الموضوع له،


1 - لاحظ قوانين الاصول 1: 70 / السطر 11. 2 - لم نعثر عليه في بدائع الأفكار، وهذا القول منسوب إلى المحقق النهاوندي (رحمه الله) كما مر في الصفحة 59، ولعله وقع سهو في النسبة، لاحظ مناهج الوصول 1: 58، جواهر الاصول 1: 84. 3 - وقاية الأذهان: 63. 4 - كفاية الاصول: 53. 5 - حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 31، الهامش 58، نهاية الدراية 1: 152، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 146 - 147. (*)

[ 294 ]

فلا منع عقلا من ذلك، وإن كان معناه إفناء اللفظ في المعنى، أو كون ذلك لازمه العقلي، فلا يعقل فناء الشئ الواحد مرتين بالضرورة، لأن حقيقة " الفناء " هي التعلق بالغير، ولا يمكن أن يتعلق الواحد بالاثنين في حال الانفراد والاستقلال، بحيث لا يرجع إلى جامع بينهما. وإن شئت قلت: الجمع بين اللحاظين الآليين محال، والاستعمال هنا يستلزم ذلك، ضرورة أن نظر المستعمل إلى المعنى استقلالي، وإلى اللفظ آلي، وفيما كان المعنى متعددا فلابد من تعدد النظر الآلي. ووجه امتناع الجمع المذكور، رجوعه إلى الجمع بين الآلي والاستقلالي، لأن في الاستعمال الواحد لا يرى إلا المعنى، وإذا كان مريدا للمعنيين فلابد من النظر إلى اللفظ ثانيا، وهذا هو النظر الاستقلالي، فيجمع بينهما، وامتناع الجمع بينهما عد من الضروريات، للزوم التناقض، وهو الغفلة واللا غفلة كما لا يخفى، انتهى ببيان منا. ثم إن الظاهر عدم الفرق بين الاستعمالات الإفهامية، والإيجادية التي تختص بطائفة من الهيئات، فما قيل غير تام (1)، فتدبر. أقول: مقتضى هذا البرهان، عدم الفرق بين كون الاستعمال جعل اللفظ علامة أو غيره، لأنه على جميع التقادير يكون اللفظ مغفولا عنه، ومنظورا به، ومرادا بالتبع حين الاستعمال، فيلزم الجمع بين النظرين الآليين، لاستلزام المعنى الاستقلالي نظرا تبعيا، فإذا تعدد النظر الاستقلالي يتعدد الآلي قهرا، فلا تغفل. فما عن صاحب " المحجة ": من إقامة البرهان الآخر على الامتناع على هذا المبنى (2)، في غير محله، لاقتضاء هذا البرهان امتناعه مطلقا. والذي هو الظاهر: أن الاستعمال ليس إفناء اللفظ بحيث يكون كفناء الوجود


1 - نهاية الاصول: 61. 2 - نهاية الدراية 1: 150. (*)

[ 295 ]

في ربه حتى لا يتعقل تعدده. بل لو كان فناء فهو من الفناء غير الممنوع عن الكثرة والتعدد. وبعبارة اخرى: حقيقة الاستعمال هي الاستفادة من العلقة الثابتة بين الألفاظ والمعاني، وإذا كانت تلك العلقة متكثرة، وكان بين اللفظ الواحد والمعاني الكثيرة علقات عديدة، فتارة: يلقي اللفظ مريدا إحدى العلق وأحد المعاني، واخرى: يلقيه ويريد الكثير، بإقامة القرينة عليه. فما ظنه هؤلاء الفضلاء عن الفناء، ليس فناء حقيقيا كما يقول به الصوفية، بل ليس هو إلا الغفلة، وعدم التوجه التفصيلي إلى الألفاظ، وإلا فلا مانع من توجه الإنسان إلى اللفظ، ولذلك يراعى جانب الأدب في الألفاظ، ويلاحظ المحسنات في نفس الكلمات، خصوصا لمن يريد التكلم بلسان ليس هو من أهله. فما قيل: من لزوم الجمع بين اللحاظين الآلييين (1)، ممنوع بهذا المعنى. كما أن النظر إلى المعنى الآلي ثانيا جائز، وفيما نحن فيه لا يلزم إلا لحاظ المعاني واللفظ مستقلا، من غير تقوم الاستعمال بكون النظر إلى اللفظ آليا، فلو سلمنا امتناع الكبرى المذكورة، فلا نسلم لزومها هنا، كما لا يخفى. فبالجملة: الاستعمال ليس إلا الاستفادة والانتفاع من علقة الوضع والدلالة، وليس متقوما بكون النظر إلى الألفاظ آليا. ولو كان النظر آليا في المتعارف، ففي الاستعمال في الأكثر يكون النظر إليها استقلاليا، للاحتياج إلى الإتيان بالقرينة الدالة على إرادة الأكثر من اللفظ المستعمل. هذا مع أن الجمع بين النظرين الآليين غير ممنوع، لأنه ليس معناه إلا الغفلة عن اللفظ، لا التوجه والالتفات إلى تلك الغفلة، وهذا لا يرجع إلى الجمع بين الآلي والاستقلالي، بل إذا نظر إلى اللفظ فلا يكون النظر آليا، لعدم تقوم ماهية الاستعمال


1 - أجود التقريرات 1: 51، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 146 - 147. (*)

[ 296 ]

به، حتى يكون من توابعه القهرية اللازمة، فلا تغفل، ولا تخلط. ومما ذكرنا يظهر وجه اندفاع توهم: أن الجواز في هذه المسألة فرع المبنى في حقيقة الاستعمال، وحقيقة الاستعمال تابعة المبنى في الوضع (1)، فإن قلنا: بمقالة المحقق الرشتي من أن الوضع هو التعهد والتباني (2)، فلا يكون الاستعمال إلا تنجيز تلك الحقيقة، أي الوضع هو التعهد بالقضية الشرطية، والاستعمال تنجيز تلك القضية الشرطية، وهذا يرجع إلى كون اللفظ علامة المعنى، ولا منع من تعدد ذي العلامة، ووحدة العلامة. وأما إذا كان الوضع هو الهوهوية، وأن اللفظ من مراتب المعنى، فلا يمكن كونه من مراتب المعنيين، لأن من المعاني ما هو من الماهية الجوهرية، ومنها: ما هو من الماهية العرضية، ولا يعقل اندراج الشئ الواحد تحت مقولتين، لا واقعا، ولا اعتبارا. وأنت خبير بما فيه من غير حاجة إلى التطويل، وسيتضح لك بعض ما فيه. الأمر الثالث: ما أفاده العلامة النائيني على ما نسب إليه وإجماله: أن حقيقة الاستعمال ليست إلا عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ، وإلقائه إلى المخاطب خارجا، فيكون المعنى منظورا فيه، ولا يعقل كون شيئين، منظورا فيهما للنفس في آن واحد. فكأنه (قدس سره) قال: الجمع بين اللحاظين الاستقلاليين ممنوع، والاستعمال يستلزم ذلك، فهو ممنوع عقلا (3)، انتهى.


1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 207 - 208. 2 - مر الكلام حوله في الصفحة 293، الهامش 2. 3 - أجود التقريرات 1: 51. (*)

[ 297 ]

وما فيه غير خفي على الأصاغر، ولعله أراد أمرا آخر خفي على مقرره. وإلا فأولا: إن الاستعمال ليس إيجاد المعنى، بل ولو كان فهو إحضار المعنى، لأن المعاني في الأعلام الشخصية غير قابلة للوجود بإيجاده. وثانيا: الجمع بين الأنظار والأفعال الاستقلالية في كل آن، ممكن وواقع، نعم التوجه التفصيلي إلى شيئين ممنوع لضعفاء النفوس، وإلا فهو ليس من الممتنعات الذاتية، ولعله أراد ذلك. هذا مع أن الاستعمال لا يتقوم بالتوجه التفصيلي، بل يكفي فيه التوجه الإجمالي، ولعل الاستخدام من هذا القبيل، كما لا يخفى. الأمر الرابع: ما أفاده العلامة الأصفهاني المحشي قال: " إن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إن وجود اللفظ في الخارج، وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ووجود لطبيعي المعنى بالجعل والمواضعة والتنزيل، لا بالذات. وحيث إن الموجود الخارجي بالذات واحد، فلا مجال لأن يقال: بأن وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجا، ووجود لمعنى آخر، حيث لا وجود آخر كي ينسب إلى الآخر بالتنزيل. وليس الاستعمال إلا إيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجا، وقد عرفت: أن الإيجاد والوجود متحدان بالذات، وحيث إن الوجود واحد، فكذا الإيجاد " (1) انتهى. وفيه أولا: أن هذا التقريب يستلزم امتناع الاشتراك، لأن امتناع الاستعمال متفرع على كون اللفظ وجودا لطبيعي المعنى، ولا يعقل كون اللفظ الواحد، داخلا في


1 - نهاية الدراية 1: 152. (*)

[ 298 ]

طبيعي المعنيين المختلفين ماهية. وثانيا: ليس الاستعمال إيجاد المعنى، كما مر آنفا. وثالثا: إن الخلط بين الحقائق والاعتباريات، غير جائز على مثله الذي هو الواقف على مفاسده، ولذلك وقع فيه الآن، ضرورة أن اللفظ من مقولة، والمعنى من مقولات شتى، ولا يعقل الاندراج مطلقا. وإذا صح الاندراج في الجملة اعتبارا، فلا مضايقة من ذلك بنحو الكلي، إذا كان فيه الغرض العقلائي، فلاحظ وتدبر جيدا. فبالجملة: القائلون بالامتناع إما يعتقدون بصحة الاستخدام، أو لا، لا سبيل إلى الثاني. وعلى الأول: إما يظنون أن الضمير يستعمل في الكلمة بما لها من المعنى، أو في نفس المعنى، أو لا يستعمل إلا فيما وضع له، وهي الإشارة إلى المرجع، لاسبيل إلا إلى الثاني، وعليه يتعين الاستعمال في الأكثر، لأنه حين قوله: " إذا نزل السماء بأرض قوم " (1) يريد بالإرادة الاستعمالية المعنيين، وبالإرادة الجدية أحد المعنيين، بقرينة قوله: " نزل " وإذا وصل إلى قول الشاعر: " رعيناه وإن كانوا غضابا " يريد المعنى الثاني بالإرادة الجدية، أو يقال: أراد المعنيين من أول الأمر، إلا أنه أظهر مراده بالقرينة في محله، فلو كان الاستعمال ما توهمه هؤلاء القوم - وهو إيجاد المعنى باللفظ (2) - فلا يمكن ذلك في الاستخدام إلا بالاستعمال في الأكثر. نعم، بناء على ما هو الحق في الاستعمال، وهو الانتفاع من علق الوضع، فلك دعوى أنه بالضمير الراجع إلى اللفظ يتمكن من الانتفاع، للزوم الانتقال إلى المعنى بذلك الإرجاع، فتدبر. فتحصل: أن دعوى الامتناع، غير قابلة للإصغاء إليها.


1 - الشعر لمعاوية بن مالك، على ما نقله في لسان العرب 6: 379. 2 - أجود التقريرات 1: 51. (*)

[ 299 ]

تذييل: حول تجويز العلامة الأراكي للاستعمال في الأكثر يظهر من العلامة الأراكي (رحمه الله)، تجويز ذلك - بعد قوله بالامتناع في أصل المسألة - في فرض آخر، عده المقام الثاني في المسألة. فقال: " في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بلحاظ واحد يكون اللفظ حاكيا عن مفهومين، أو أكثر، ملحوظين للمتكلم بلحاظ واحد في مقام الاستعمال، وعدم جواز ذلك عقلا، وجهان، والتحقيق جوازه، بل ادعى بعضهم وقوعه في الأدبيات كثيرا " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه من التناقض، لأن اللحاظ الواحد يستدعي الملحوظ بالذات الواحد، ولا يعقل وحدته مع تعدده، ولو كان الملحوظ بالذات واحدا، فيخرج المفروض عن محل النزاع، فما ذكره ليس تفصيلا في المسألة. نعم، ربما يخطر بالبال أن يقال بالتفصيل، فيجوز ذلك فيما كان المعنيان عرضيين غير متقوم أحدهما - في الوجود والتحقق - بالآخر، ولايجوز فيما كانا طوليين، ويتقوم أحدهما بالآخر في الوجود والتحقق. مثلا: لو كان كلمة " البيع " موضوعة للمعنى المعروف، وللتملك الذي تتقوم حقيقة البيع به فرضا - وليس من دأب الفضلاء الإشكال في المثال - فإذا قال المولى مثلا: " بع هذا لنفسك " فإن البيع للنفس لا يمكن إلا بكون المبيع مملوكه، حتى يدخل الثمن في ملكه، فلابد من الالتزام باستعمال اللفظ أولا في التملك، ثم البيع، حتى يستعمل في الأكثر من معنى واحد. وقد يشكل جواز ذلك عقلا " لامتناع توسله للمقصود بالإنشاء الواحد، لأن المعنيين مترتبان، وتقوم حقيقة البيع بالتملك في الرتبة السابقة، ومجرد لحاظ


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 150. (*)

[ 300 ]

المستعمل المعنيين لا يكفي، للزوم تحقق المعنى الأول في الرتبة السابقة، ولايتكفل الإنشاء الواحد لتحقق الاعتبار الثاني إلا بعد تحقق الأول، مع أن الأول لا يمكن أن يتحقق إلا بهذا الاستعمال الوحداني، فلاينبغي الخلط بين المعاني التصورية، والتصديقية التي من هذا القبيل، فليتأمل ". أقول: هذا ما أفاده المحقق الوالد - مد ظله - في الفقه (1)، ولقد أوردنا عليه هناك: بأن ذلك أيضا غير ممتنع، ضرورة أن الوجود الإنشائي لكل واحد من التملك والبيع، ليس متقوما بالآخر ومترتبا، وما هو عمل الاستعمال ليس إلا ذلك، فلو تعدد قبول الطرف أو قلنا: بأن الابتداء بأول كلمة القبول، يكفي لتحقق التملك، لكونه خفيف المؤونة، أو يكفي الرضا - المظهر بأي مظهر كان - في تحققه، فلا مانع من الاستعمال في الأكثر، فتدبر. بحث وتفصيل: في جواز الاستعمال حسب القواعد الأدبية لا العقلائية وإذ قد فرغنا من حكم المسألة عقلا، فهل يجوز ذلك على حسب القواعد الأدبية ؟ الظاهر: نعم. فما يظهر من " القوانين ": من ممنوعيته حسبها، للزوم الإخلال بالوظيفة في الاستعمال (2)، غير موافق للتحقيق. مع أن الواضع لا يحق له أن يأمر المستعملين بعدم الخروج، إذا ساعدهم الذوق والاعتبار. وحديث اعتبار قيد الوحدة (3)، أو اعتبار كون الاستعمال حال الوحدة بنحو القضية الحينية (4)، يضرب على الجدار.


1 - البيع، الإمام الخميني (رحمه الله) 1: 177 - 178، و 2: 156، و 5: 282. 2 - قوانين الاصول 1: 67 - 68. 3 - معالم الدين: 33 / السطر 12. 4 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 150 - 151. (*)

[ 301 ]

نعم، قضية حكم العقلاء وبنائهم في القوانين العرفية - المبنية على الإرشاد، وتنظيم الجوامع البشرية، وسد الهرج والمرج - عدم جواز ذلك في الكتاب والسنة، ولا مانع من الالتزام به مع القرينة القطعية، وأما إذا كان بلا قرينة فلا. مثلا: إذا ورد الأمر بالتيمم بالصعيد المشترك - فرضا - لفظا بين التراب والحجر، فإنه وإن يمكن دعوى: أن عدم نصب القرينة على أحد المعنيين، دليل على إرادة المعنيين، ولكن المراجعة إلى الأشباه والنظائر، وإلى الارتكاز والوجدان، تعطي أن في أمثال هذه المواقف تكون الجملة مجملة. ولو كان يتعين ذلك، لوجب العمل بقول المولى فيما إذا ورد: " اضرب زيدا من أبنائي " وكان بينهم اثنان مسميان ب‍ " زيد " مع أن ذلك واضح المنع. وأما عمل العقلاء بالعلم الإجمالي فيما إذا ورد: " أكرم زيدا من أبنائي " فهو غير عملهم بالدلالة المطابقية. فبالجملة: بناء العقلاء على الإجمال فيما ورد في الكتاب والسنة، لا العمل. وعلى الثاني: فهل يكون الأظهر العام المجموعي، أو الاستغراقي، أي في المثال المذكور يجب التيمم بهما، أو بأحدهما، وجهان، الظاهر أن الأمثلة مختلفة في الظهور، كما لا يخفى. ذنابة: حول الاستعمال في أكثر من مصداق هل يجوز استعمال اللفظ الواحد أو الهيئة الواحدة، في الأكثر من مصداق واحد، أو لا ؟ وهذا لا يتصور بنحو الحقيقة إلا في الألفاظ والمعاني الموضوعة للجزئيات، كما في الهيئات والأعلام الشخصية، ضرورة أن الكلي لا يصح استعماله في الفرد إلا مجازا.

[ 302 ]

فبالجملة: إذا أراد تكرار الهيئة على المادة الواحدة، فتارة يقول: " أكرم أكرم " فيحصل منها التأكيد. واخرى: يقول " أكرم " مريدا استعمال الهيئة مكررا. ولعمري، إن تصوير ذلك هنا مشكل. نعم، فيما إذا قال: " زيد ضرب، وجاء، وأكرم " فكما يمكن أن يكون باستعمال واحد، يمكن تعدده، ضرورة أن كلمة العطف لا تورث تكرار لفظة " زيد " إلا لحاظا، لا واقعا، والاستعمال المتعدد متقوم باللحاظ المتكثر، فتدبر. وعليه يلزم إمكانه في الهيئة فيما إذا قال: " اضرب زيدا وعمرا " والله العالم. وبعبارة اخرى: إن كان الاستعمال ما أفاده القوم على اختلاف تعابيرهم، فهذا غير ممكن، لأن المعنى واحد، ولا يتعدد بمجرد اللحاظ، وإن كان معناه ما سلكناه - وهو الاستفادة من علقة الوضع - فهذا ممكن، لأنه بعد قوله: " زيد ضرب " إذا قال: " وأكرم " فقد استفاد ثانيا من العلقة، بإحضار زيد بماله من المعنى، فتدبر. تنبيهان الأول: لا يجوز الجمع بين معنى الحقيقي والمجازي وكذا المطابقي والكنائي لو سلمنا جواز الاستعمال في الألفاظ المشتركة، فلا نسلم ذلك في الحقيقة والمجاز، وهكذا في المعنى المطابقي والكنائي، وذلك لأن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له، وإتيان القرينة على عدم إرادة المعنى الموضوع له، وهذا لا يجتمع مع إرادة الحقيقة. ولأن الحقيقة والمجاز من الأوصاف المتقابلة، ولا يعقل اتصاف الشئ الواحد بهما.

[ 303 ]

ولأن الإتيان بالقرينة على وجه يستحسنه الطبع، غير ميسور، والتصريح بإرادة المعنيين، خروج عن الاستعمال المتعارف العقلائي. وتوهم انتقاض ما مر: بأن الجمع بين المجاز والحقيقة لو كان غير ممكن، يلزم ذلك في أصل المسألة، لأن الجمع بين المثلين غير ممكن كالضدين (1)، في غير محله، لأن الاستعمال في الأكثر ليس استعمالا متعددا، بل هو استعمال حقيقي واحد في المعنيين الحقيقيين، وفيما نحن فيه استعمال حقيقي ومجازي في المعنيين: الحقيقي والمجازي. فما في حاشية العلامة الأصفهاني نقضا على صاحب " المحجة " (2) غير مرضي، ضرورة عدم تكرار وصف الحقيقة بتعدد المستعمل فيه، لوجود الجامع. ومما ذكرنا يظهر حال الاستعمال الكنائي، فإن الكناية حقيقتها إطلاق اللفظ وإرادة لازم المعنى المطابقي، فإرادة المعنى المطابقي والالتزامي وإن لم تكن ممتنعة، ولكنها خلاف التعهد في الاستعمال. أقول: ليس المجاز إلا استعمال اللفظ في الموضوع له وإرادة ذلك المعنى، بدعوى أن المعنى المنطبق عليه اللفظ - بماله من المعنى - من مصاديق ذلك المعنى حقيقة وادعائية، فلا يلزم الجمع بين الأوصاف المتقابلة. ولك دفع الشبهة: بأن هذه الأوصاف اعتبارية، ولا مانع من الجمع بينها، فلا استحالة حتى على القول بالاستحالة في أصل المسألة، لعدم لزوم الاستعمال في الأكثر من معنى واحد في المجاز والحقيقة. وأما المنع العقلائي عن ذلك حتى في الشعر والخطابة، فهو في غير محله، لإمكان ذلك بوجه يساعده الذوق، فيقول مثلا: " لا أجد فارقا بين آساد بلدتكم إلا


1 - نهاية الدراية 1: 161. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 304 ]

في المشي، فمنهم: من يمشي على رجليه، ومنهم: من يمشي على قوائمه ". وأما في الاستعمال الكنائي، فلا إشكال فيه إلا من جهة أن الإتيان بالقرينة، لا يستلزم انتقال السامع إلى إرادته المعنيين: المطابقي، والكنائي، لأن تلك القرينة تؤكد المعنى الكنائي، لأن لازم المدلول المطابقي لازم ملزوم الكنائي قهرا، والتصريح خلاف الذوق في الاستعمال. وتوهم: أن ذلك من خصائص الكنايات الرائجة في الاستعمالات - كقوله: " زيد كثير الرماد " و " طويل النجاد " و " مهزول الفصيل " وأمثالها - دون غيرها، لا يرجع إلى محصل، لأن الدلالات الالتزامية وإن كانت مرادة مع الدلالات المطابقية، وتابعة لإرادتها، إلا أنها ليست من الكنايات، فالكناية متقومة بذلك. هذا، وليس الاستعمال في الكنايات في اللازم، حتى يلزم فيما نحن فيه الاستعمال في الأكثر، بل الاستعمال هنا في الملزوم بالإرادة الاستعمالية، والإرادة الجدية متعلقة بلازمه، فلا تخلط. فبالجملة: الأقوال في المسألة ثلاثة: أحدها: استحالة الاستعمال في الأكثر هنا، وإن أمكن في أصل المسألة (1). ثانيها: استحالته في المسألتين (2). ثالثها: أنه حتى لو استحال في تلك المسألة، ولكنه هنا ممكن، وذلك لما عرفت. ودعوى: أن إمكانه يرجع إلى دعوى بطلان عنوان المسألة، لأن الغرض هو الاستعمال في الأكثر وفي المعنيين، والمفروض أن الاستعمال المجازي، ليس إلا استعمالا حقيقيا في المعنى الموضوع له، فيرجع إلى سقوط البحث، وليس قولا في


1 - لاحظ نهاية الدراية 1: 161. 2 - قوانين الاصول 1: 70. (*)

[ 305 ]

المسألة، مسموعة، والأمر سهل، وعليه كما يسقط البحث في الاستعمال الحقيقي والمجازي، كذلك يسقط في الاستعمال الكنائي. الثاني: في عدم الفرق بين الاستعمال في المفرد وبين التثنية والجمع المعروف عدم الفرق بين المفرد والتثنية والجمع، فمن قال بالاستحالة أحاله على الإطلاق (1)، ومن قال بعدم الاستحالة جوزه كذلك (2)، وذلك لأن الهيئات في التثنية والجمع، لاتدل إلا على الكثرة من الطبيعة المدخول عليها، فإن اريد من تلك الطبيعة معنيان، فهي تدل على الكثرة منها، وإن اريد منها المعنى الواحد فهكذا. فلو أراد منها العين الجارية، فهي تدل على تعددها، وإن أراد منها المعنيين: الجارية، والباكية، فهي تدل على المتعدد من كل واحد منهما. إن قلت: لو كان الأمر كما قيل واشتهر، فما تقول في تثنية الأعلام الشخصية وجمعها، مع شهادة الوجدان بتعدد المعنى الموضوع له بوضعين على حدة ؟ ! فيكون المراد من " زيدان " شخصين خارجيين. قلت أولا: قيام القرينة القطعية كاف في إرادة الموضوعين، لامتناع الكثرة الواقعية في الوحدة الشخصية، فيكون استعمال الهيئة هنا من باب التوسع والمجاز. وثانيا: يمكن دعوى أن المراد من " الهيئة " هنا الكثرة من المسمى ب‍ " زيد " فيكون من الطبيعة الواحدة. وثالثا: يمكن دعوى أن المراد تكثير لفظة " زيد " بما له من المعنى، لا استعمال تلك اللفظة في المعنى، فتصير النتيجة فردين مسمين ب‍ " زيد " من غير لزوم استعمال الهيئة في غير ما هو المتبادر منها.


1 - قوانين الاصول 1: 67، كفاية الاصول: 53 - 54، أجود التقريرات 1: 51. 2 - وقاية الأذهان: 84، نهاية الاصول: 60 - 61، مناهج الوصول 1: 53. (*)

[ 306 ]

فما يظهر من صاحب " المعالم " (1) (رحمه الله): من ترخيص الاستعمال في التثنية والجمع، قائلا: " إنه بنحو الحقيقة " وعدم الترخيص في المفرد، ظنا أنه بنحو المجاز، غير راجع إلى التحصيل، لا التفصيل في ذات المسألة، ولا تفصيله في أنه بنحو الحقيقة هناك، وبنحو المجاز في المفرد، وذلك لأن ما توهمه دليلا - " وهو أن الهيئة في التثنية والجمع، بمنزلة تكرار مدخولهما، فلو أطلق " العين " مرارا فقال: " جئني بعين وعين " وأراد منهما المعنيين فإنه جائز بالضرورة، وهكذا في التثنية والجمع، ويكون بنحو الحقيقة بالبداهة، بخلاف المفرد، للزوم استعماله في غير ما هو الموضوع له، وهو المعنى المقيد بالوحدة، أو يلزم كون الاستعمال مجازيا، لتقيد ذلك بإرادة المعنى الواحد، كما لا يخفى " - غير موافق للتحقيق أولا، كما عرفت. وثانيا: لو كان الأمر كما تخيله، فليس هذا من التفصيل في المسألة، لأن تكرار اللفظ، وإرادة المعنيين من كل واحد منهما، صحيح بالضرورة، وليس من استعمال اللفظ الواحد في المعنيين. وثالثا: ليس هذا من التكرار حقيقة، فيلزم استعمال مادة التثنية والجمع مجازا، لأنه من قبيل استعمال المفرد، كما لا يخفى. أقول: ربما يخطر بالبال دعوى: أن الهيئة في التثنية والجمع، وضعت للدلالة على الكثرة الواحدة، أي تدل على تعدد المدخول بنوع من الكثرة، فلا تدل على كثرتين: كثرة نوعية، وكثرة فردية، فإذا قال رأيت: " عينين " أو " العيون " فإما يكون مفاده الكثرة الأفرادية من الجارية، أو الكثرة الأنواعية من الجارية والباكية، وأما دلالتهما على الكثرة الأفرادية والأنواعية، فهي ممنوعة، والاستعمال في الأكثر هنا يستلزم الجمع. وفيه: أنها تدل على الكثرة الأفرادية، وأما الكثرة الأنواعية فهي اريدت من


1 - معالم الدين: 32 - 33. (*)

[ 307 ]

لفظة " العين " المستعملة في تلك الكثرة النوعية، بنحو استعمال الواحد في الأكثر من معنى واحد. نعم، لو قيل: بأن قضية التبادر، كون الهيئة في التثنية والجمع، دالة على المعنيين بنحو تعدد الوضع، فوضعت في مثل " رجلين " للكثرة الأفرادية من نوع واحد، وفي مثل " زيدين " لمعنيين معينين بوضعين، فعلى هذا كما يمكن استعمال " العين " في الكثرة النوعية، واستعمال الهيئة في الكثرة الفردية، كذلك يمكن استعمال " العين " في أحد المعاني، واستعمال الهيئة في الكثرة النوعية تارة، وفي الفردية اخرى، لأن من يرخص الاستعمال في الأكثر، لا يفرق بين الهيئات والمواد، كما عرفت منا سابقا، فافهم وتدبر جيدا. فبالجملة: الالتزام بأن المستعمل فيه في مثل " زيدين " هو المسمى، يرجع إلى المجازية في استعمال كلمة " زيد " وهو خلاف الذوق العرفي والتبادر، وهكذا الوجه الثالث، فلابد من الالتزام بالاشتراك. أو يقال: بأن الموضوعة له الهيئة، هي الكثرة الإجمالية، نوعية كانت، أو فردية، فإذا قيل: " زيدان " فمفاد الهيئة هي الكثرة في الموضوع له، وإذا قيل: " رجلان " فمفاده الكثرة الأفرادية، وإذا قيل: " عينان " فقضية الصناعة الكثرة النوعية والفردية، من غير لزوم استعمال " العين " في الأكثر من معنى واحد، أو الالتزام باشتراك الهيئة، وتعدد الوضع فيها، بل لازم ذلك تعدد العين نوعا بحسب الوضع، وتعددها فردا، فلاحظ وتدبر جيدا. وقضية ما سلف منا في الاستعمالات الكتابية والسنية، هو الإجمال (1)، لعدم كفاية عدم الإتيان بالقرينة، للقرينية على إرادة المعنيين عرفا بالضرورة.


1 - تقدم في الصفحة 301. (*)

[ 309 ]

المبحث الثاني عشر في المشتق

[ 311 ]

مقدمة اختلفوا في أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال (1)، أم في الأعم منه ومن المنقضي عنه المبدأ (2)، بعد اتفاقهم على مجازيته فيمن سيتلبس (3) به. وهذا النزاع كان من قديم الأيام بين المتكلمين، وهو المعنون في الكتب العقلية إجمالا (4)، وقد تراكمت في عصرنا مسائله، حتى الفت فيه رسائل مستقلة (5). وقبل الخوض في تحرير محل النزاع، لابد من تقديم مقدمة متكفلة لإثبات معقولية هذا المبحث، وإلا يلزم لغويته، ضرورة اشتراط إمكان الالتزام بكل واحد من الطرفين حتى يجعل عنوانا للبحث. فنقول: البحث في هذه المسألة إما عقلي، أو لغوي، فإن قلنا: بأنه عقلي،


1 - قوانين الاصول 1: 76 / السطر 8 - 9، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 263، كفاية الاصول: 64. 2 - مبادئ الوصول إلى علم الاصول: 67، رسائل المحقق الكركي 2: 82، زبدة الاصول: 33. 3 - الوافية في اصول الفقه: 63، قوانين الاصول 1: 75 / السطر 14، كفاية الاصول: 56. 4 - الحكمة المتعالية 1: 41 - 42. 5 - ومن المطبوع منها: رسالة في المشتق للشيخ الأعظم الأنصاري، وللشيخ أبي القاسم الكلانتر، وللشيخ الشهيد النوري (قدس سرهم). (*)

[ 312 ]

فلا شبهة في أن العقل يمنع عن إمكان انتزاع المفاهيم من الذوات الخالية عن الأوصاف والمبادئ، ولو كان ذلك صحيحا لكان يجوز انتزاع كل شئ من كل شئ، فيعلم من ذلك: أن الذات الفاقدة فعلا لكل مبدأ، غير قابلة لنيل المشتق منها، لأن العناوين الانتزاعية معاليل لمناشئ انتزاعها. وقد يتوهم: " أن عروض المبدأ والصفة، سبب حدوثا وبقاء لصحة الانتزاع، ولإمكان نيل النفس من الموضوع عنوانا زائدا على ذاته " (1). وهذا بتقريب: أن تلك الصفة، تورث حدوث الحيثية الزائدة على الذات الباقية ببقائها، وهي الحيثية الاعتبارية الباقية في جميع الأزمنة، ويكون النزاع على هذا صغرويا، وهو كفاية تلك الحيثية الباقية، وعدم كفايتها. وأنت خبير بما أفاده السيد الاستاذ البروجردي (رحمه الله) (2) فإنه واضح المنع، لعدم حيثية اعتبارية باقية، ضرورة أن القيام المضمحل والمنعدم، لا يعقل بقاء حيثية له في الجسم، وهكذا في السواد، لأن تلك الحيثية - لا محالة - ليست اعتبارية محضة، بل هي موجودة في الجسم، فلا يعقل اتصافه بالصفات المضادة، للزوم الجمع بين الضدين. هذا مع أن الضرورة قاضية بأن النزاع لغوي، قضاء لحق الأدلة القائمة في المسألة، ولحق عنوان البحث. ولو كانت القابلية كافية للبحث، لما كان وجه لخروج المتلبس في المستقبل عن حريم النزاع، فلا تكون تلك القابلية سببا لإمكان إجراء المشتق على الذات الفاقدة. وإن قلنا: بأن البحث لغوي، فلابد من تصوير الجامع بين الفاقد والواجد، أو الالتزام بالاشتراك اللفظي، والثاني يورث سقوط البحث كما لا يخفى، فيتعين


1 - نهاية الاصول: 66. 2 - نفس المصدر. (*)

[ 313 ]

الأول، ولا جامع بين الذات الفاقدة والواجدة إلا نفس الذات، وهو مضافا إلى لزوم فرض الاستقبال في حريم النزاع، ربما يقول من القائلين بالأعم: ببساطة المشتق، وخلوه من الذات (1). وأما توهم كون الجامع الذات الصادر عنها الضرب مثلا، فهو غير مفيد، لأن أخذ مفهوم المشتق في الموضوع له قبل الوضع، غير ممكن. وأما دعوى: أن الجامع هو الذات التي صدر ووقع عنها الضرب، فهي أفسد، لأن الزمان المستفاد من كلمة " صدر " إن كان ملحوظا فيه، فيلزم كون التلبس بالفعل خارجا. وإن كان غير ملحوظ، فيصير الموضوع له والجامع، الذات مع الانتساب إلى الحدث الأعم من الموجود بالفعل، فيشمل من يتلبس به في المستقبل. ولعله لذلك قال صاحب " المحجة " (رحمه الله): " بأن النزاع في المشتقات ليس في المفهوم والوضع، بل النزاع في الإطلاق وصحة الحمل، بعد الاتفاق في المفهوم " (2). ولكنك خبير: بأن البحث في صحة الحمل وعدمه، إن كان يرجع إلى حكم العقل، فهو بديهي البطلان كما عرفت، وهو (قدس سره) أيضا معتقد بذلك. وإن كان يرجع إلى اللغة، فلابد من الوضع أولا حتى يصح الحمل حقيقة، ضرورة أن البحث في كون الحمل صحيحا أم لا، يرجع إلى حدود الوضع والمفهوم، فيعود المحذور المذكور. فتحصل إلى هنا: أن نزاع القوم في المشتقات غير معقول. وتوهم: أن ذلك من أدلة القائلين بالأخص، في غير محله، لأن تصوير الجامع هنا، كتصوير الجامع في نزاع الصحيحي والأعمي في لزومه أولا، حتى


1 - لاحظ فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 122. 2 - لاحظ نهاية الدراية 1: 164. (*)

[ 314 ]

يمكن البحث والتشاح في المسألة إثباتا، فهو من مقدمات النزاع، ومربوط بمقام ثبوت المسألة، كما لا يخفى. فما أفاده العلامة في " التهذيب " مستدلا للقول بالأعم: بأن معنى " الضارب " من حصل منه الضرب (1)، لا يفي للجامعية، لما اشير إليه آنفا. والذي يخطر بالبال أن يقال: هو أن الجامع الذاتي غير ممكن، وأما الجامع العنواني - لإسراء الوضع بنحو الوضع العام، والموضوع له الخاص - فممكن، فيقال: بأن الأخصي يقول: بأن الموضوع له هو المتلبس بالفعل، والأعمي يقول: بأن الجامع هو الأعم منه ومن الذي تلبس به سابقا، فالواضع لاحظ العنوان المشير إلى الخارج، وأسرى الوضع إليه. وهذا وإن كان غير معقول عندنا، على ما ذكرناه في محله (2)، ولكن عدم المعقولية عند بعض، لا يورث عدم معقولية النزاع أو لغويته، لذهاب جمع من المحققين إلى أن الموضوع له خاص في الهيئات (3)، ولعل القائلين بالأعم أيضا منهم، كلا، أو بعضا، فليتدبر جيدا. فبالجملة: تعرض الأصحاب لامتناع تصوير الجامع عند الاستدلال على المسألة (4)، في غير محله، كما أن توهم إمكان الجامع الذاتي المنطبق على الفردين - الموصوف بالفعل، والمنقضي عنه المبدأ (5) - غير ممكن. وتوهم: أن القول بالوضع العام والموضوع له الخاص، في حد الاشتراك


1 - لاحظ نهاية الدراية 1: 164. 2 - تقدم في الصفحة 77 - 78. 3 - نهاية الدراية 1: 56، مناهج الوصول 1: 122، محاضرات في اصول الفقه 1: 82. 4 - أجود التقريرات 1: 78 - 79، مناهج الوصول 1: 212، 213، محاضرات في اصول الفقه 1: 249. 5 - محاضرات في اصول الفقه 1: 250. (*)

[ 315 ]

اللفظي (1)، فلا يقول به الأعمي، غير صحيح، لأن ذلك النفي أولا بلا حجة. وثانيا: إمكان الالتزام كاف في صحة النزاع. فما أفاده الأصحاب - رضي الله عنهم - في المسألة، كله خال عن التحصيل، حتى الوالد المحقق - مد ظله - (2)، فليراجع. ثم إنه لو سلمنا امتناع النزاع في المشتقات، فهو شاهد على ما سيظهر منا: من أن النزاع في المسألة ليس كما توهمه (3) القوم، بل نزاع المشتق في أمر آخر معقول، ويكون له الجامع الذاتي، فانتظر حتى حين. إذا عرفت تلك المقدمة، فلابد لتحرير محل النزاع ومصب الخلاف والتشاح من ذكر امور: الأمر الأول: في تحرير مصب النزاع اعلم: أن البحث في المشتقات، حول أن الهيئات الجارية على الذوات الموضوعة بالوضع النوعي - من غير النظر إلى المواد والموارد الخاصة من الاستعمالات - موضوعة للأعم، أو الأخص، فما كان من الهيئات غير الجارية على الذوات - كهيئات الأمر والنهي، والماضي والمضارع، وكالمصادر وأمثالها - فهي ليست مندرجة في أصل البحث، وإن كانت تليق بذلك، كما يأتي في بعض الامور الآتية. والمراد من قولنا: " الموضوعة بالوضع النوعي " الإشارة إلى ما ارتكبه جمع


1 - مناهج الوصول 1: 212. 2 - نفس المصدر. 3 - يأتي في الصفحة 321. (*)

[ 316 ]

- ومنهم " الكفاية " والعلامة الأراكي (رحمه الله) (1) - من توهم خروج ذاتيات بابي الإيساغوجي والبرهان، وعرضيات الباب الأول أيضا، لعدم إمكان خلو الذات منها في زمن حتى يبحث عنها. ومنهم العلامة النائيني، لتصريحه " باختصاص النزاع بالعناوين العرضية المتولدة من قيام إحدى المقولات بمحالها " (2). وأنت خبير بما في ذلك، لأن الخصوصية المزبورة - وهي عدم فقدان الذات لتلك الأوصاف، وثبوت التلازم العقلي بين الذاتيات الاشتقاقية والذوات - جيئت من المواد وتلك الموارد، وإلا فلا تدل الهيئة في الكل إلا على المعنى الواحد، فلاينبغي الخلط بين هذه الامور الواضحة. وتوهم تعدد الوضع في الهيئات المزبورة، أفحش فسادا. وكأنهم ظنوا أن القائل بالأعم يقول: بأن الهيئة في كل مورد تدل عليه، فإذا لاحظوا ذلك في الطوائف الثلاث من المشتقات الجارية على الذوات المشار إليها، ورأوا أن ذلك - غير معقول هناك، قصروا محل البحث في المقولات والأعراض المصطلحة في باب البرهان، أو المرادة من المقولات العشر، غفلة عن * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (3). فبالجملة: عنوان المسألة - وهو قولهم: " إن الهيئة في المشتقات الجارية، موضوعة لذات المتلبس بالمبدأ بالفعل، أوللأعم منه ومما انقضى " - لا يستدعي كون كل مورد من الموارد التي تحمل فيها تلك المشتقات على الذوات، أن يكون المبدأ قابلا للزوال عن الذات، أو كون موضوعه مندرجا تحت الزمان، وداخلا في الزمانيات.


1 - كفاية الاصول: 58، نهاية الأفكار 1: 128. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 83. 3 - يونس (10): 36. (*)

[ 317 ]

نعم، لو كان في جميع الموارد التلازم الثبوتي العقلي بين الذوات والمبادئ، كان البحث لغوا، وأما إذا وجدنا الأوصاف المفارقة، فالبحث الكلي المزبور ينتج عند زوال تلك الأوصاف، فلا تخلط. توهم خروج بعض الهيئات عن محل النزاع ودفعه المحكي عن صاحب " الفصول ": أن بعض الهيئات - كهيئة المفعول، وهيئات أسماء المكان والزمان والآلة، بل وصيغة المبالغة - خارجة (1)، وذلك لعدم دلالتها إلا على وقوع الفعل عليه، أو إمكان صدوره كثيرا عنه، أو على حقيقته الآلية، أو أنها موضوعة للأعم بالاتفاق. وقد صدقه بعض الأعلام في خصوص المفعول (2)، لأن الهيئة لاتدل إلا على أن الفعل وقع على الطرف، وهذا أمر لا يتصور فيه الانقضاء، فيكون من الأوصاف اللازمة للذات غير القابلة للزوال. وما فيه غير خفي لا يحتاج إلى البيان، ضرورة أن صدق المفعول على الذات كصدق الفاعل، فإن كان بلحاظ الحال فقد انقضى عنه، لأن مجرد كونه قد وقع عليه الضرب لا يكفي، لأن الفاعل في الأفعال اللازمة أيضا يقع عليه المبدأ، فلابد من خروجها، فما هو مناط البحث يتصور هنا بلا فرق بين الموارد. فبالجملة: ما افيد في المقام من إخراج بعض الهيئات، غير راجع إلى محصل. هل يدخل اسم الزمان في محل النزاع ؟ نعم، في خصوص اسم الزمان شبهة عقلية: وهي أن جريان النزاع متقوم ببقاء


1 - الفصول الغروية: 60 / السطر 2. 2 - أجود التقريرات 1: 83 - 84. (*)

[ 318 ]

الذات في الحالة الفاقدة للمبدأ، حتى يمكن إجراء المشتق عليها، وهذا في الحقيقة المتصرمة بالذات المنقضية ماهية، غير ممكن. ولو أمكن حفظ الذات في الزمان الحالي، للزم كون الزمان زمانيا، فيلزم التسلسل، لإمكان إجراء النزاع في الزمان الثاني أيضا. أقول: ربما يمكن دعوى إجراء البحث فيه مع التصديق بالشبهة العقلية، وذلك لأن " مفعل " موضوع لاسم وعاء الفعل الأعم من الوعاء المكاني والزماني، وقد مر: أن إخراج الأوصاف اللازمة للذوات، في غير محله، لعدم مدخليتها فيما هو المقصود، لأن وضع الهيئات نوعي، فعليه يندرج اسم الزمان في محط البحث. ولكنها - مضافا إلى أنها دعوى بلا بينة وبرهان، ضرورة شهادة كلمات القوم على اختصاص كل واحد بوضع على حدة، وإلا يلزم أن لا يقال: " اسم الزمان واسم المكان " بل لابد وأن يقال: " ويسمى باسم الوعاء والظرف " - غير تامة عقلا، لأن إدراجه بهذه الطريقة غير لازم، لعدم ترتب الثمرة على مثله، فلو كان في ذلك نتيجة للبحث كان المستعمل المزبور حسنا، ولكن هذا أيضا يرجع إلى إنكار دخول اسم الزمان، وإثبات دخول اسم الوعاء في محل النزاع كما لا يخفى، فما رامه السيد البروجردي (رحمه الله) في المسألة (1)، غير مقبول جدا. وما في " الكفاية ": " من أن انحصار المفهوم العام بفرد كما في المقام، لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العام، وإلا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أن " الواجب " موضوع للمفهوم العام، مع انحصاره فيه تبارك وتعالى " (2) - وبعبارة اخرى: لامانع عقلا من الالتزام بالأعم في اسم الزمان، وأن الواضع وضعه للأعم، وإن كان دائما يستعمل في الأخص والمتلبس بالفعل -


1 - نهاية الاصول: 71 - 72. 2 - كفاية الاصول: 58. (*)

[ 319 ]

لا يخلو من غرابة، لما عرفت أولا: أنه لا يترتب الثمرة على مثل هذا الإدراج. وثانيا: الوضع غير المترتب عليه الاستعمال والنتيجة لغو، فلاداعي للواضع إلى مثل ذلك الوضع. وفيما ذكره من المثالين إشكالات مذكورة في الحواشي (1). وبمثابة الجوابين المزبورين في قبول الشبهة عقلا، وتصوير اندراجه في محل النزاع، ما عن العلامة النائيني زعما " أن الذات المأخوذة في المشتق، إن كانت شخصية فهي فانية، وإن كانت كلية فلها مصداق باق، فالقائل بالأعم يدعي صدقها عليه، والأخصي ينكره. فيوم العاشر من المحرم هو الذات المأخوذة في عنوان " مقتل الحسين (عليه السلام) " لا تلك الساعة الخاصة المتصرمة المنقضية " (2) انتهى. وأنت خبير بما فيه: فأولا: إن العنوان الكلي المأخوذ يتصور في بعض الأمثلة، لا في جميع الحوادث الزمانية، واختراع العنوان الكلي، خروج عن المتبادر من مفاد هيئة اسم الزمان. وثانيا: معنى ما أفاده جواز إطلاق " القائم " على من لم يتلبس بالقيام بعد، لأن العنوان المأخوذ فيه هو " الإنسان الكذائي " أو سائر العناوين القابلة للانطباق على الأفراد الاخر، فما أفاده خروج عن الجهة المبحوث عنها: " وهي زوال الوصف والمبدأ عن الشخص الموصوف، وبقاؤه بشخصه، وهو غير متصور هنا، كما صرح به نفسه الشريفة (رحمه الله). وثالثا: القائلون بالأعم يريدون إطلاق اسم " المقتل " على مطلق الأيام المتأخرة عن اليوم العاشر من المحرم، لا على الأفراد المسانخة معه في الاسم وهو كل يوم عاشر من المحرم، فافهم.


1 - نهاية الدراية 1: 173. 2 - أجود التقريرات 1: 56. (*)

[ 320 ]

ثم إنه ربما يتصدى بعض الأعلام (1) لدفع الشبهة العقلية بإبقاء الذات، وذلك - ببيان منا - لما تقرر: من أن الوحدة الشخصية الاتصالية مساوقة للوجود، والزمان المتصرم واحد بالشخص، وليس ذا وحدات وكثرة فعلية، للزوم تتالي الآنات المنتهية إلى إمكان الجزء اللايتجزأ، فلا فناء للذات المذكورة، والتقاسيم المعروفة خيالية وهمية، لا خارجية فكية. وإن شئت قلت: لا يعقل اتصاف الوجود بالعدم، لأن الشئ لا يقبل نقيضه، وليس الزمان إلا معتبرا عن الحركة الطبعية في ذوات الأشياء الباقية، ولو كان الزمان فانيا فهو بمثابة فناء الزماني، وكما أنه باق فهو يتبعه في ذلك. فلو كان عنوان " مقتل " منطبقا على الزمان الخيالي فهو باق، كما يحكم على الأزمنة السابقة بالأحكام الإيجابية. وإن كان منطبقا على الزمان والتدرج الواقعي التابع للمتدرج، فكما أن ذات زيد باقية ومتدرجة فهو مثلها، ضرورة أن الحركات العرضية الأينية وغيرها، تابعة للحركات الذاتية، وإلا يلزم الخلف، كما تقرر في مقامه (2). ولو التزم أحد من العقلاء - فرضا - في العالم، بصدق قولنا: " زيد أبيض في الحال " مع أنه كان في اليوم سنه أكثر من مائة، وزمان بياضه منذ زمن صغره وطفوليته، فلا منع من التزامه بصدق قولنا: " هذا الزمان مقتل الحسين (عليه السلام) ". فبالجملة: خروج أسماء الزمان لشبهة عقلية، يستلزم خروج جميع الهيئات، لأن التدرج ثابت في الذوات على الإطلاق، والجواب إن كان عرفيا عن الشبهة في الذوات، فهكذا الأمر في الزمان، وإن كان عقليا فهكذا. وكما أن الوحدة الشخصية في نفس الذات محفوظة، فهكذا في الزمان الذي هو معتبر عن التدرج الذاتي.


1 - نهاية الاصول: 72. 2 - الحكمة المتعالية 3: 61 - 67، 104 - 108. (*)

[ 321 ]

وبعبارة اخرى: كما أن أصل زيد باق، والفاني خصوصياته غير الدخيلة في تشخصه، كذلك أصل الزمان باق، والفاني بعض خصوصياته ومراتبه، فما هو الباقي عقلا وعرفا هي الذات، ولكنها فاقدة للمبدأ، فيكون محل التشاح والنزاع كما لا يخفى، فافهم واغتنم. وبعبارة أوضح: الزمان والزماني متحدان في الأعيان، ومختلفان في الأذهان، والشبهة لا تختص بالزمان، بل تسري في جميع المتصرمات، فيلزم خروج جميع الهيئات، وسقوط البحث، وما هو الجواب هناك هو الجواب هنا، فتدبر. تحديد الجهة المبحوث عنها في المقام أقول: هذا كله حول ما يتعلق بالمقام تحريرا لمصب البحث والنزاع. والذي يخطر بالبال: هو أن الالتزام بأن الجهة المبحوث عنها في المشتقات تكون ذلك، في غاية الإشكال، فإنه كيف يمكن توهم ذهاب جماعة من العقلاء وأهل العلم والفكر، إلى أن الجسم الذي كان قبل ألف سنة أسود، وجرى عليه التبدل إلى الكيفيات المختلفة في طول هذا الزمن، يصح أن يحمل عليه عنوان " الأسود " فعلا، والجاهل الذي اتصف بالعلم في زمن، ثم ذهب علمه، يصح حمل " العالم " عليه، والمتحرك الذي كان زمان حركته في قرون ماضية، وكان ذلك الزمان قصيرا ثم سكن، أنه يصح حمل " المتحرك " عليه، وهكذا ؟ ! ضرورة أن وضع الهيئات وإن كان نوعيا، ويمكن وضعها فرضا للأعم، إلا أن دلالة المادة الموجودة المصحوبة مع تلك الهيئة، ليست مغفولا عنها. فعليه لا يمكن احتمال ذهاب المعتزلة الذين فيهم من أرباب العقول والتدبر كثير، وهكذا ذهاب جمع من الإمامية إلى مثل هذه المقالة، ثم دعوى التبادر عليها. ولعمري، إن التشاح في هذا الأمر البديهي لو كان يمكن، للزم إمكان النزاع

[ 322 ]

في جميع الموضوعات البديهية الأولية. وتوهم خروج الأوصاف ذات الأضداد من حريم النزاع، حذرا من لزوم الجمع بينها (1)، في غير محله، لأن وضع الهيئات نوعي، فلو كان هيئة اسم الفاعل موضوعة، فأمرها دائر بين كونها موضوعة للأعم في جميع المواد، أو للأخص في الجميع، وأما كونها موضوعة في بعضها للأعم دون بعض، فخلاف ما تسالم عليه المتخاصمان، وخلاف ما يستظهر من اللغة والعرف والذوق. فخيال أن مثل " الأسود والأبيض والقائم والقاعد " خارج، ولكن مثل " الضارب " في المشتقات، و " الزوج " في الجوامد داخل، لعدم مقابلتهما بالوصف الوجودي المضاد، غير راجع إلى محصل، مع إشكال صغروي في المثال الثاني، كما لا يخفى فتدبر. إذا تدبرت فيما تلونا عليك فاعلم: أن الذي يليق بالبحث، ويمكن أن يجعل مصبا للنفي والإثبات: هو أن الأعمي في المسألة، يكون نظره إلى دعوى، عدم دلالة الهيئة على أن الذات موصوفة بالمبدأ فعلا، فليست الهيئات موضوعة إلا لإثبات أصل الاتصاف، فالمراد من " الحال " في عنوان المسألة هو هذا، وبه يخرج البحث عن الركاكة والابتذال. فالمراد من تلك الكلمة في عنوان المسألة، هو المراد من كلمة " فعلا " فيقول الأخصي: بأن الهيئة موضوعة للدلالة على أن الموضوع متصف بالمادة فعلا، والأعمي ينكر ذلك، ويجوز إجراء المشقات بلحاظ التلبس السابق، لعدم وضع الهيئة لما اشير إليه، فقولنا: " زيد ضارب " ليس معناه أنه ذو ضرب بالفعل، ولذلك يصح تقييده بقولنا: " زيد ضارب فعلا ".


1 - تمهيد القواعد: 85. (*)

[ 323 ]

فما وقع فيه الأصحاب من التردد والاختلاف في المراد من كلمة " في الحال " (1) منشأه الغفلة والذهول عما هو الجهة المبحوث عنها في أصل المسألة، وسيأتي زيادة توضيح في تفسير كلمة " في الحال " ضمن الامور الآتية إن شاء الله (2) تعالى. فبالجملة: حسب التصور، كما يحتمل كون مفاد الهيئة في الأسماء الجارية على الذوات، اتصاف الذات بالمبدأ بالفعل، أو اتصاف الذات بالمبدأ حال تلبسها به، أو اتصاف الذات به حال الجري والإطلاق والنسبة الحكمية، أو اتصافها به في زمان الحال، بناء على كون المفهوم الأول - وهو قولنا: " بالفعل " - غير هذا الأخير، كذلك يحتمل كون مفادها نفس الاتصاف، وأصل تلبس الذات بالمبدأ من غير دلالتها على أمر آخر وراءه. فكونها دالة على أن تلبسها بالمبدأ كان في الزمن الماضي، يحتاج إلى دليل آخر لفظي أو إطلاقي، وكذلك كونها دالة على أن تلبسها به في الحال وبالفعل، يحتاج إلى دليل آخر، وإلا فنفس الهيئة لاتدل على أكثر مما اشير إليه. وهذا هو النزاع المعقول، فيمكن ذهاب جمع من المفكرين في العقليات والأدبيات، إلى كل واحد من الطرفين، فلا تخلط. الأمر الثاني: في كيفية جريان النزاع في بعض الجوامد قضية عنوان المبحث، خروج الجوامد التي تكون من قبيل " الزوج، والصرورة، والحر، والعبد، والرق، والمال " وأمثال ذلك مما يحمل على الذوات.


1 - مجموعة رسائل، فقهية واصولية، رسالة في المشتق، الشيخ أبو القاسم الكلانتر: 136، كفاية الاصول: 62، مناهج الوصول 1: 211، محاضرات في اصول الفقه 1: 241. 2 - يأتي في الصفحة 327. (*)

[ 324 ]

ويقتضي ملاك البحث وثمرة النزاع، دخول هذه المذكورات في الجهة المبحوث عنها، من غير الحاجة إلى الاستشهاد بكلام جمع من الفقهاء (1)، حتى يدخل الأصحاب الاصوليون في بحث الفقه هنا، مع عدم المناسبة، ضرورة أن ما هو الملاك، هو كون الذات باقية في الحالتين، وكون الصفة من الأوصاف العرضية الزائد عليها المفارقة إياها أحيانا. وماهي ثمرة البحث في الفقه كثيرة غير خفية، خصوصا في مباحث الرضاع، وفي مسألة تجويز نظر الزوج إلى الزوجة الميتة وبالعكس، وجواز لمسها، وغير ذلك، وفي مسألة اشتراط المماثلة بين الغاسل والمغسول، فإنه لو طلق الزوج زوجته، ثم تزوجت، ثم مات الزوج الثاني، ثم ماتت الزوجة، فهل يجوز للزوج الأول غسلها، لصدق " الزوج والزوجة " عليهما، بناء على الأعمي، أو لا يجوز، بناء على الأخصي ؟ فافهم وتدبر. وأما توهم شمول العنوان لمثلها كما في " الكفاية " (2) فلعله صدر غفلة. وأما لزوم حصر البحث بما يشمل العنوان، فهو أسوء حالا من الأول، فلابد من أحد أمرين: إما الإلحاق، وإما تغيير عنوان المسألة: أما الإلحاق، فلا مشاحة فيه، إلا أنه يكون البحث في المذكورات من الاستطراد، وهذا غير صحيح، لاحتمال وجود العناوين الاخر القابلة للبحث، والمغفول عنها فعلا. فيتعين حسب الذوق تغيير عنوان المسألة، فيقال: " هل العناوين الجارية على الذوات، حقيقة في خصوص حال تلبسها بمبادئها، أو حقيقة في الأعم من ذلك، فيكفي لذلك نفس الاتصاف وأصل التلبس ولو كان في آن ما من الزمان الماضي ؟ ".


1 - إيضاح الفوائد 3: 52، مسالك الأفهام 1: 379 / السطر 34. 2 - كفاية الاصول: 57. (*)

[ 325 ]

إن قلت: قضية ذلك العنوان دخول مطلق الجوامد - ك‍ " الشجر، والحجر، والجسم، والملح، والكلب، والماء " - في محل البحث، مع أنه لا نزاع في ذلك، ولم يعهد من أحد من الأصحاب توهم صدق المذكورات على غيرها. قلت أولا: صريح العنوان بقاء الذات في الحالتين، ولا معنى لذلك في الأمثلة المزبورة، ضرورة أن تغيير الحالة فيها يوجب تغييرا في الذات، فإذا صار الكلب ملحا فليست الجهة الباقية هي الذات، بل هي قوة الذات، وقد تقرر: أن شيئية الشئ بصورته (1)، فعليه لا تندرج هذه الامور في عنوان المسألة. والمراد من " الذات المحفوظة في الحالتين " هي الذات العرفية، لا العقلية، فلا يرد ما أورده الوالد المحقق - مد ظله - (2): من انحفاظ الذات في مثل " الثلج، والماء، والخمر، والخل " ضرورة أن هذه الامور وإن كانت داخلة في العنوان، ولكنها في الفرض المزبور تكون خارجة، لاختلاف ذاتهما عرفا، ومن هذا القبيل " البخار، والماء، والحرارة، والنار " وهكذا. وثانيا: لا بأس بالالتزام بخروجها، لاتفاقهم على أن الألفاظ الموضوعة لها، وضعت على الوجه الأخص. وثالثا: الالتزام بكونها داخلة في محل البحث مما لا بأس به، لإمكان ترتب الثمرة في بعض الأحيان. مع أن من الممكن إرادة الأعم من كلمة " الذات " فإنها كما تطلق على الصور النوعية، تطلق على الهيولى المنحفظة في الأحوال والحركات، كيف ؟ ! وقد قال أرباب المعقول: " النطفة إنسان بالقوة " (3) وهكذا، فيعلم منه: أن الموضوع له في


1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 128. 2 - مناهج الوصول 1: 189. 3 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 77. (*)

[ 326 ]

الجوامد، ربما كان على وجه يشمل الأعم بلحاظ المستقبل، فلا منع من اختلاف الأعمي والأخصي في أن الموضوع له في الجوامد، دائر مدار الصور النوعية العرفية، أو هو أعم، ضرورة أن صدق " الإنسان " على ميتته، مبني على القول بالأعم، وإلا ف‍ " الميت " جامد، و " الإنسان " هو الحي الدراك، فليتدبر. هذا، ومن الألفاظ الداخلة في محل النزاع قطعا، كلمة " الجامد " وهو من المشتقات، وكلمة " المعدن " وهكذا ما شابههما، مما لا يصدق إلا على الموجودات التي تفقد الحياة النباتية والحيوانية، فعليه لا يمكن تصوير بقاء الذات في مثل ما اشير إليه، لأنه بعدما صار موضوعها ذا حياة نباتية، تبدلت صورته النوعية، فتأمل جدا. إن قلت: ليست الجوامد ذات مبدأ، وقضية ما في العنوان دخول ذوات المبادئ في محل البحث. قلت: نعم، إلا أن المراد من " المبدأ " ليس المبدأ اللفظي الاشتقاقي، بل المراد أعم من ذلك، فلا تكون كلمة " الزوج، والحر، والعبد " خالية من المبدأ، بل مبادئها " الزواج والحرية والعبودية " وهكذا. وإن شئت قلت: المراد من " المبدأ " أعم من المبدأ اللفظي والمعنوي، وقد تعارف أن يقال في تعابيرهم: " إن مبدأ اعتبار مفهوم الوجود... " أو يقال: " مبدأ انتزاع مفهوم الإنسان والفوق " كما يقال: " منشأ انتزاع مفهوم كذا كذا " فعليه لا منع من الالتزام بذلك، فيكون جميع الجوامد والمشتقات، داخلة في محيط البحث والتشاح. أو يقال: إن جميع الألفاظ ذات مصادر جعلية، وتكون هي مبدأ العناوين الجارية. أو يراد من " المبدأ " في الجميع المبادئ المعنوية، فإن المبدأ المعنوي في المشتقات، دخيل في انتزاع عناوينها من الذوات، فلولا الضرب الصادر من زيد، لا ينتزع عنوان " الضارب " وليس هو " الضرب " متعينا لأن مبدئية المصادر

[ 327 ]

للمشتقات محل خلاف. فإذا كان الأمر كذلك، وكان المراد من " الذات " أعم من الصورة النوعية والهيولى المشتركة، فلا يلزم الإشكال، ويندرج قهرا في محل النزاع حتى الأعلام الشخصية، فلو صار زيد ملحا أو ميتة، فالصورة النوعية بمنزلة الوصف الزائل، والمبدأ المعنوي والهيولى المشتركة، بمنزلة الذات المحفوظة في الحالتين، فتأمل. الأمر الثالث: حول المراد من كلمة " الحال " في العنوان قد مضى تفسير المراد من كلمة " في الحال " في عنوان المسألة، وأن النزاع المعقول هو أن الأخصي يدعي: أن الموضوع له حال التلبس فعلا، من غير النظر إلى مفهوم الزمان وأخذه في الموضوع له، والأعمي ينكره عليه، بدعوى عدم الخصوصية في ناحية الموضوع له (1). وقد يتوهم: أن المراد من " الحال " هو حال النطق، أو زمان الحال مقابل الماضي والاستقبال (2). وأنت خبير بما فيه، ضرورة أن وضع الهيئات نوعي، ولو كان الأمر كما قيل، يلزم تجوز استعمال المشتقات في المجردات الفارغة عن الزمان، ولاريب أن قولنا: " زيد كان بالأمس قائما " أو " يكون في الآتي عالما " صحيح وحقيقة، مع أن لازم التوهم المجازية، بل والغلط. ومثل هذا التوهم دعوى: أن المراد من " الحال " حال الجري والإطلاق (3)، ضرورة أن الأخصي لا ينكر صحة استعمال المشتقات، بلحاظ تلك الحال في جميع


1 - تقدم في الصفحة 322. 2 - لاحظ هداية المسترشدين: 82 / السطر 5. 3 - كفاية الاصول: 62، درر الفوائد، المحقق الحائري: 61. (*)

[ 328 ]

الأزمنة لو أمكن، ولا يدعي المجازية أو الغلطية في المثال السابق، فلا منع من قبله عن إجراء المشتق على المتلبس به سابقا، بلحاظ زمان تلبسه الذي مضى وانقضى. ولو رجع القول: بأن المراد من " الحال " حال النسبة الحكمية (1)، إلى ما ذكرناه (2) - وهو المعنى المرادف لكلمة " فعلا " و " بالفعل " - فهو، وإلا فلا يتعقل معنى آخر لها. فبالجملة: لا تنافي بين كون المراد من " الحال " هو حال التلبس بالمبدأ فعلا، وبين عدم دلالة الأسماء الاشتقاقية على زمان الحال، لأن تلازم الفعلية مع زمان الحال قهرا وبالطبع، غير اعتبار دخوله بمفهومه في الموضوع له. وقد يشكل: بأن نزاع المشتق متقوم بزمان الحال والماضي، ولو خلا عنه على الإطلاق فلا معنى للنزاع. وفيه ما لا يخفى، فإن الأخصي ليس في مقام إثبات حدود الموضوع له، بل هو في مقام إنكار كفاية التلبس المطلق لصحة الإطلاق، وإنكار أخذ الزمان في الموضوع له. وربما يخطر بالبال، أن إلغاء قيد الزمان عن الموضوع للهيئات، يستلزم تعين قول الأعمي، لأن تخلية زمان الحال عن الموضوع لها، يلازم صحة إطلاق المشتق على المتلبس في كل وقت بالضرورة، فلا محيص عن الالتزام بأن كلمة " فعلا " مقابل كلمة " الانقضاء " وليس هذا إلا أخذ مفهوم زمان الحال في الموضوع لها. وفيه: أنه فرق بين القيود المأخوذة في الكلام بعنوان المعرف، وبين المأخوذة فيه بعنوان القيد والتقييد، وفيما نحن فيه يكون الأمر من القسم الأول، ضرورة أن الأخصي يريد دعوى: أن الموضوع لها هي الذات المتصفة بأن يكون


1 - لاحظ نهاية الدراية 1: 187، مناهج الوصول 1: 211. 2 - تقدم في الصفحة 322 - 323. (*)

[ 329 ]

الوصف ثابتا لها، والأعمي يريد دعوى: أنه الأعم منها ومن الذات الفاقدة التي كانت متصفة، فافهم وتدبر. ويظهر من المحقق الوالد - مد ظله - إثبات امتناع كون المراد من " الحال " سائر الأزمنة - وهو زمان الجري والإطلاق، وزمان النطق والتكلم، وزمان النسبة الحكمية - لأن البحث هنا لغوي، وفي مرحلة تصورية، وهذه الامور متقومة بالاستعمال الذي هو في مرحلة تصديقية، فلا يعقل أخذها في تلك المفاهيم حال الوضع (1). وأنت خبير: بأنه يتم على القول: بأن الموضوع له خاص (2)، وأما على القول: بأن الموضوع له عام، فلا بأس بأخذ المفاهيم الاسمية من المذكورات في الموضوع له، كما هو خيرة جمع (3). وهكذا لايتم على مقالة شيخه العلامة الحائري: من إنكار الدلالة التصورية للألفاظ إلا حين الاستعمال التصديقي (4)، فلا تخلط. فتحصل: أن إلغاء قيد الزمان، لا يستلزم كون الموضوع له عاما، لأن العمومية والخصوصية الملحوظة هي التلبس الفعلي والأعم، لا التلبس في زمان الحال، أو في الزمانين، ولا حاجة إلى إثبات امتناع أخذ تلك العناوين في الموضوع له، بل هذا هو الأمر البديهي غير المحتاج إلى ذلك. ولعمري، إن الذي هو الأقرب من افق الصواب: أن مراد الباحثين الأقدمين من " الحال " هو زمانه، ولكن نزاع المشتق لا يتقوم بذلك كما عرفت، فالأولى تبديل كلمة " في الحال " إلى كلمة " بالفعل " أو " فعلا ".


1 - مناهج الوصول 1: 210 - 211. 2 - قوانين الاصول: 76 / السطر 8 - 9، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 263، كفاية الاصول: 64. 3 - مبادئ الوصول إلى علم الاصول: 67، رسائل المحقق الكركي 2: 82، تمهيد القواعد: 84. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 43. (*)

[ 330 ]

إن قلت: بناء عليه يلزم كون النزاع في المشتق من الأمر المبتذل الركيك، وقد فررتم من ذلك. قلت: كلا، فإن اختلافهم يرجع إلى أن الهيئة مثلا، موضوعة للموصوف بالمبدأ بالفعل، بحيث تدل على التلبس الفعلي، أو لا تدل إلا على أصل الاتصاف بالمبدأ، وأما الفعلية وغيرها فتعلم من الدوال الاخر، فلو ورد " أكرم العالم " أو " جئني بعالم " فلا دلالة للهيئة على ذلك، نعم ربما يدل القرائن المتصلة على الأخص، وهذا خارج عما نحن بصدده. فما توهمه بعض: من أن الجمل الاسمية ظاهرة في التلبس الفعلي، لعله مربوط بهيئة الجملة، أو بأمر آخر: من الاستعمال الكثير، وغير ذلك، فلاينبغي الخلط بين الظهور الوضعي، والاستظهار الإطلاقي، فربما يدعي الأعمي ما يدعيه الأخصي، للاستظهار الإطلاقي من الجمل الاسمية، أو من العناوين الجارية على الذوات في مثل " أكرم العالم " و " جئني بعالم " فإن كل ذلك لقرائن خارجية، لا لدلالة الهيئة التصورية. وإن شئت قلت: النزاع في المشتق راجع إلى أن الهيئة، هل هي موضوعة للدلالة على أن الجري بلحاظ حال التلبس الفعلي، أو الأعم ؟ وهذا هو مرادنا من كلمة " بالفعل " وأما ما أراده غيرنا منها، فيرجع إلى النزاع الذي استظهرنا سقوطه (1)، وعدم إمكان التزام أحد من العقلاء بمثله، كما مر. وبعبارة واضحة: إذا قيل: " زيد ضارب " فقضية هيئة الجملة، هو نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول، وكلمة " زيد " تدل على المسمى المعلوم، و " الضرب " على الحدث الواضح، وهيئة المحمول - على الأخصي - تدل على أن الجري بلحاظ


1 - تقدم في الصفحة 322. (*)

[ 331 ]

تلبسه الفعلي، أي أن زيدا فعلا ضارب، وصدر منه الضرب بالفعل، وفي الحال. وعلى الأعمي إنها لا تدل إلا على صدور الضرب منه، واتصافه به، وأما صدوره عنه فعلا فيحتاج إلى دليل آخر، كما أن صدوره عنه في الزمان الماضي أو الاستقبال يحتاج إلى كلمة تدل عليه، فلا تغفل. وعلى هذا، لابد من تغيير عنوان المسألة، حتى لا يكون إجمال في محل البحث، ومصب النفي والإثبات، فنقول في عنوان البحث: " هل العناوين الجارية على الذوات، موضوعة للدلالة على أن الجري كان بلحاظ تلبسها بمبادئها فعلا، أو هي موضوعة للدلالة على أصل التلبس بها، وتكون جارية عليها لذلك ؟ ". وغير خفي: أن ما صنعه الأصحاب من جعل محط البحث الحقيقة والمجاز (1)، غير صحيح، لأن الحقيقة والمجاز من الأوصاف الطارئة على الاستعمال، والبحث هنا حول الموضوع له وحدوده تصورا ولحاظا، فلا تخلط. ومن هنا يظهر ما أسمعناكم: من أن نزاع المشتق على ما تحرر عندهم، أمر غير معقول، إلا على بعض الوجوه التي أشرنا إليها (2)، على إشكال فيها، وأما النزاع الذي تصدينا لتحريره، فهو أمر معقول وممكن، وقريب جدا عقلا ولغة كما لا يخفى، ضرورة عدم لزوم التزام أحد من العقلاء: بأن هذه العناوين قابلة للحمل على كل شئ من غير لزوم المرجح الواقعي، ولا يلزم التزامه بأن الهيئة موضوعة، وتكون دالة مع قطع النظر عن دلالة المادة، بحيث إذا قيل: " زيد متحرك " تكون الهيئة دالة على أن زيدا له الحركة، والحركة التي هي المادة لاتدل على شئ أو تدل على الأعم من التحرك والسكون.


1 - الفصول الغروية: 59 / السطر 38 - 40، كفاية الاصول: 56. 2 - تقدم في الصفحة 315 - 323. (*)

[ 332 ]

إن قيل: لو كان مفاد الهيئة عند الأخصي، الدلالة على أن الذات موصوفة بالفعل - بمعنى أن الجري كان بلحاظ اتصافها الفعلي - يكون ذلك من الإفادات التصديقية، لا التصورية. قلنا: مفاد الهيئة التصديقية في الجملة التامة: هو أن الذات الكذائية زيد، ومفاد هيئة المشتق: هو أن الجري بلحاظ اتصافه الفعلي، لا أصل الاتصاف، وهذا هو المعنى التصوري. إن قلت: هذا هو الالتزام بخصوص الموضوع له في الهيئات الاشتقاقية، وعند ذلك لا يمكن تصوير الجامع للأعمي أيضا، إلا على التقريب الذي مضى تفصيله في المقدمة. قلت: كلا، فإن كونها موضوعة للدلالة على كذا، لا يلازم كون الموضوع له خاصا، وهذا نظير قولهم: " إن الأسد موضوع للدلالة على الحيوان المفترس " فربما ضيق المجال يورث بعض التوهمات. وبعبارة اخرى: إنها موضوعة للدلالة، إلا أن عند الاستعمال يكون المستعمل فيه - بتبع الموضوع له - عاما، فلا تذهل. إيقاظ: كأن من الخارج عن عنوان البحث على المشهور المعروف، مثل " البغدادي " و " العراقي " و " النجفي " و " القمي " مع أن الوضع نوعي في النسبة، وعلى ما سلكناه في هذا المضمار، اندراجه في محط البحث واضح. إعضال وانحلال: توهم دلالة " المجتهد " و " التامر " على الأعم والجواب عنه لاشبهة في أن وضع الهيئات نوعي، ولا إشكال في أن الجهة المبحوث عنها فيها، هو أن مفادها التصوري هو التلبس الفعلي، أو التلبس الأعم منه.

[ 333 ]

فعلى هذا، قد يشكل الأمر في طائفة من المشتقات الظاهرة في الأعم عند الكل وهي مثل " المجتهد " و " المهندس " في أسماء الفاعل، ومثل " البقال " و " العطار " في صيغة المبالغة، ومثل " المثمر " و " اللابن " بناء على إطلاقه على الحيوان، ومثل " التامر " و " اللابن " على من لا لبن له، ولا تمر له، فإن كل ذلك يشهد على الأعمي، فيتعين القول، ويسقط النزاع. أقول: ولعمري، إن هذه اللغات وهذه المشتقات أوقعت جماعة - كما مضى تفصيله (1) - في الالتزام بخروج طائفة من المشتقات عن محل النزاع، ومنها: أسماء الآلات، بل وطائفة من أسماء الأماكن ك‍ " المفتاح " و " المكنسة " بل و " الكنيسة " مثلها وحيث إن الالتزام بتعدد الوضع غير ممكن، فلابد من إخراجها، أو القول بالأعم مطلقا. وأما الأعلام، فذهبوا إلى أن الهيئة في الكل، لاتدل إلا على ما دل عليه هيئة " الضارب " و " الضراب " وهيئة سائر المواد، إلا أن المبادئ والمواد في هذه الطوائف مختلفة (2)، ضرورة أن منها: ما يكون من قبيل أوصاف النفس، ك‍ " العدالة " و " الاجتهاد ". ومنها: ما يكون من قبيل أوصاف النفس، مع الاشتغال الفعلي في الجملة بالفعل الذي هو لازم ذلك المبدأ، ك‍ " العطار ". ومنها: ما يكون المبدأ فيه أمرا اقتضائيا، ك‍ " المفتاح " و " المكنسة " ومن هذا النسخ " الشمس مشرقة " و " النار محرقة " و " السقمونيا مسهل " و " السم قاتل ". ومنها: ما يكون المبدأ فيه أمرا استعداديا وتهيئيا، ك‍ " المثمرة " في الشجرة،


1 - تقدم في الصفحة 317. 2 - نهاية الدراية 1: 183 - 187، نهاية الاصول: 69، مناهج الوصول 1: 208، محاضرات في اصول الفقه 1: 227 - 240. (*)

[ 334 ]

ولعله يرجع إلى الاقتضاء أيضا. فعلى هذا، التلبس والانقضاء المعتبران في العنوان، بمعنى واحد مفهوما، ومختلفان مصداقا وخارجا، فإذا زال الاجتهاد، وأعرض عن بيع العطر والبقل وهكذا، يأتي نزاع المشتقات، وهكذا إذا زالت القوة والاقتضاء والاستعداد، يأتي البحث المزبور. وظاهرهم الاتفاق على الجواب المشار إليه، معتقدين انحلال المعضلة به، كما لا يخفى ولا يستر. قلت: فيما أفادوه نظر واضح، وذلك لأن الهيئة في الكل بمعنى واحد، فلا يكون اختلاف المبادئ مستندا إليها، فيبقى كونه مستندا إلى المواد، فتكون " التجارة والنجارة والاجتهاد والبقل والثمرة والقتل والإشراق والإحراق والإسهال " وغير ذلك، دالة على الحرفة والصناعة والملكة والقوة والاستعداد. وأنت خبير: بخلوها من تلك الدلالة التصورية قطعا، ضرورة أن " القتل " في جملة " السم قاتل " و " زيد قاتل " بمعنى واحد، و " التجارة " في جملة " زيد تاجر " و " عمرو اتجر " بمعنى واحد، و " البقل " في جملة " عندي بقل " وفي " زيد بقال " بمعنى واحد، ومثله " الاجتهاد " و " الطبابة " وغير ذلك، فلا دلالة في شئ منها إلا على نفس الفعل، لو كان مما يدل على الفعل مقابل الوصف، أو على الوصف ك‍ " الشجاعة والعدالة والشرافة والبخل " فلا يدل إلا على أوصاف النفس مقابل الأفعال. فمجرد تفسير كلمة " التلبس والانقضاء " غير كاف في حل ذلك الإعضال، فلا اختلاف قطعا بين المبادئ، بالمعنى الذي قرره الأعلام - رضوان الله تعالى عليهم -. نعم، كما اشير إليه آنفا، تختلف المبادئ حسب اختلاف موضوعاتها، فمنها: ما هي من قبيل أوصاف النفس، ومنها: ما هي من قبيل أفعال البدن. ولو كانت المواد المذكورة دالة على ما أفاده القوم، كان مجرد اتخاذ السفر

[ 335 ]

شغلا - ك‍ " المكاري " و " الجمال " - كافيا في تعين التمام مع أن الأعلام (رحمهم الله) التزموا بلزوم السفرة الواحدة الطويلة، أو السفرتين القصيرتين، في انقلاب حكم القصر إلى التمام (1). ومن العجيب توهم: أن كلمة " الاجتهاد " تدل على الملكة ! ! (2) مع أنه اصطلاح حادث غير راجع إلى اللغة. وفيما ذكروه في المقام مواضع المناقشة كثيرة، إلا أنه لا حاجة إلى إيضاحها بعدما تبين: أن المشكلة والغائلة لا ترتفع بذلك. والذي يخطر بالبال: أن هذه الهيئات بمبادئها التصورية، لاتدل إلا على ما تدل عليه الاخرى، فإن قلنا بالأعم فهي مثلها، وإن قلنا بالأخص فهكذا، ولايجوز للأعمي التمسك بالجمل التصديقية لإثبات دعواه، لما مضى أن الاستظهار من الجمل، ربما يكون مستندا إلى غير ما هو المقصود، وهو هيئة المشتق (3). وأما الأمر في هذه الجمل الظاهرة في معنى آخر غير ما تقتضيه الهيئة ومادتها، فهو ذو وجوه واحتمالات: من المجاز، ومن الحقيقة الثانوية بكثرة الاستعمال، وصيرورتها من قبيل الجوامد وضعا، ومن كون إجراء تلك المشتقات على الذوات، بلحاظ حال التلبس. ولا ظهور لمطلق القضية الحملية في كون إجراء المحمول على الموضوع، بلحاظ تلبسه الفعلي، بل المشتقات مختلفة: ففي مثل " زيد عالم " و " عمرو ضارب " وهكذا، يكون ظاهرها التلبس الفعلي وإجراؤه بلحاظه، وفي مثل " زيد تاجر ومجتهد وحمال وجمال " و " الشجرة مثمرة " و " السم قاتل " وهكذا، يكون ظاهرها إجراء المشتق بلحاظ زمن الاتصاف.


1 - العروة الوثقى 2: 131، فصل في صلاة المسافر، المسألة 44. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 237. 3 - تقدم في الصفحة 331. (*)

[ 336 ]

ومن كونها محذوفة الجهة، وتكون القضية من الموجهات، أي مثلا " إن السم قاتل بالإمكان " و " الشمس مشرقة بالإمكان " من غير النظر إلى إثبات الفعلية. ولذلك يلزم التفصيل في القضايا في النزاع المعروف بين الشيخ والفارابي: من اعتبار الفعلية في أحد الأزمنة الثلاثة، أو اعتبار الإمكان، ولا تكون القضايا على نسق واحد، ومنهاج فارد (1). ومن الحقيقة الادعائية بدعوى: أن الفترات المتوسطة، غير مضرة بعنوان " التاجر ". وغير خفي: أن هذه الوجوه ليس كل واحد منها، وافيا بالجواب عن جميع الأمثلة، ولكن في الكل غنى وكفاية على سبيل منع الجمع. فبالجملة: لاربط للمسألة التي نحن فيها - وهي البحث عن المفاهيم التصورية - بباب القضايا، وما تجد من الاختلاف في القضايا ظهورا، فهو لا يدل على مقالة الأعمي، لأن وجهة الاستعمال غير واضحة، فافهم وتدبر. وبعبارة أوضح: الأعمي كان يريد إلجاء الأخصي إلى القول بالأعم، مستدلا: بأن تلك القضايا صادقة قطعا حال عدم التلبس، وحيث إن الوضع واحد فيكون الكل حقيقة في الأعم. ولكنه غفلة عن أن ذلك غير كاف، ضرورة أن الأخصي وإن كان يقر بصدق تلك القضايا التصديقية، ولكنه لايذعن بأن المفهوم التصوري من " التاجر " و " المثمر " هو الأعم، فلابد من اثبات الأمر الآخر حتى يتم مطلوب الأعمي، وهو كون الظهور في الجملة التصديقية، مستندا إلى الظهور التصوري في المشتق، وإلا فلو كان ذلك لأمر آخر فلايتم مقصوده. وكان الأولى ذكر هذه المعضلة بعنوان الدليل للأعمي، وعلى كل لا دلالة له ولا إعضال فيه بعدما عرفت.


1 - لاحظ الإشارات والتنبيهات 1: 160 - 162، الحكمة المتعالية 1: 42، الهامش 1. (*)

[ 337 ]

الأمر الرابع: في بيان بعض الشبهات على عنوان القوم بناء على العنوان الذي جعلناه محط البحث (1)، تسقط كلمة " الأعم " فلا حاجة إلى تفسيره حتى يقول الاستاذ البروجردي (رحمه الله): " إن المراد من " الأعم " ليس الأشمل في اصطلاح المنطق، بل المراد منه هو أوسعية زمان الفردية من زمان الاتصاف، فإن الأخصي يقول: بأن ميزان الفردية هو الاتصاف بالمبدأ، والأعمي يدعي خلافه، ويقول: بأن المراد هو الأشملية الفردية، ضرورة أن زيدا وعمرا إذا كانا عالمين، وزال علم أحدهما، فلا فرد للعالم إلا واحد على الأخصي، وله فردان على الأعمي " (2). وأنت خبير: بأن البحث تصوري، ولا تصل النوبة إلى خلط الجهات التصديقية بالمباحث التصورية الأفرادية. وبناء على العنوان المزبور قد يشكل الأمر: بأن العناوين الجارية على الذوات، غير متصورة إلا في الجمل التصديقية. وفيه: أنه عنوان مشير إلى ما هو المقصود، وهو أن تلك العناوين هل هي موضوعة لكذا، أم لكذا ؟ وإن شئت قلت: هل العناوين قابلة للجري ؟ سواء كان جري في العالم، أو لم يكن جري، فلاينبغي الخلط. إن قلت: ظاهر العنوان في المسألة مفروغية تركب المشتقات، لأن المفروض اعتبار بقاء الذات في الحالتين، وأن النزاع متفرع على ذلك، فكيف يتمكن القائل بالبساطة من البحث في المشتقات ؟ !


1 - تقدم في الصفحة 331. 2 - نهاية الاصول: 68. (*)

[ 338 ]

قلت: مرادنا من " الذات " في العنوان هو الموضوع والمنطبق عليه، لا الذات التي هي مورد النزاع في أنها داخلة في مفهوم المشتق، أو خارجة عنه، فما ذكرناه عنوانا لا ينافي جميع المذاهب في مفهوم المشتقات، فما يظهر من صاحب " المقالات " في المقام (1) غير وجيه. ثم إن العنوان الذي أفاده القوم لا يخلو من إشكال آخر: وهو ظهور كون المتلبس في الحال - بعنوانه الأولي - موضوعا للمشتق، مع أنه ليس كذلك، كما عن العلامة الأراكي في تقريراته (2)، وهو بعد ذلك عدل عن عنوان المشهور (3)، واتخذ عنوانا آخر. والأمر - بعدما عرفت منا في المقام - سهل لا حاجة إلى الإطالة. إن قلت: كيف يعقل نزاع المشتق في القضايا التي موضوعها المعدوم، ك‍ " العنقاء " أو الممتنع ك‍ " شريك الباري " مع أن ذلك متقوم بزوال وصف العدم في الأول، وزوال وصف الامتناع في الثاني، مع بقاء الذات في الحالة الثانية ؟ ! قلت: هذا الخلط من قبيل الخلط الذي وقع فيه الجل، من إخراج الأوصاف الذاتية عن حريم النزاع (4)، غفلة عن عدم جواز الخلط بين خصوصيات المواد في الموارد، وبين مقتضيات الهيئات. وفيما نحن فيه - بعد كون وضع الهيئات نوعيا - لامانع من بحث المشتق، لعدم اختصاص البحث بهيئة " المعدوم " و " الممتنع " حتى يقال كما عن صاحب " المحجة " (رحمه الله) ويجاب بما لاربط له بالمقام، كما في حاشية العلامة الأصفهاني (رحمه الله) (5) فليراجع، وليتأمل جيدا.


1 - مقالات الاصول 1: 190. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 155. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 166 - 167. 4 - كفاية الاصول: 58. فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 83، نهاية الأفكار 1: 128. 5 - لاحظ نهاية الدراية 1: 199. (*)

[ 339 ]

الأمر الخامس: حول قضية القواعد لدى الشك في الموضوع له وعند فرض سقوط الأدلة تعارضا، أو عدم تماميتها في نفسها. والذي لاريب فيه: أنه لاسبيل للعقل في مثل هذه المسألة، وأما العقلاء فيمكن دعوى: أن بناءهم فيما دار الأمر بين الاشتراك المعنوي والحقيقة، وبين المجاز، على الأول (1). وما قيل: " من أن البناءات العقلائية عملية، لا علمية " (2) في محله، ولكن إذا كان يرجع إلى العمل - كما في المقام - فلا منع من كونهم ذوي بناء، فإن على القول بالأعم مثلا، يرجع الى البراءة في الأمثلة الآتية، كما لا يخفى. فما في تقريرات العلامة الأراكي (3) مخدوش. نعم، وجود ذلك البناء ممنوع، ولا دليل عليه بعد غلبة الاستعمالات المجازية، وشيوعها بينهم. بقي في المقام دعوى اقتضاء القواعد الشرعية مقالة الأعم، ضرورة أن الواضع يحتاج عند الوضع للأخص إلى لحاظ الخصوصية، بخلاف الوضع للأعم، لأن المراد من " الأعم " ليس مفهومه، بل عدم ملاحظة الخصوصية مساوق لكون الوضع للأعم، وهذا غير مناف لكون مفهوم " الأعم " و " الأخص " متباينين، والأعمية تكون بلحاظ التطبيق والصدق، فما في " الكفاية " (4) وغيره (5) لا يخلو من


1 - لاحظ كفاية الاصول: 62. 2 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 182. 3 - نفس المصدر. 4 - كفاية الاصول: 63. 5 - نهاية الأفكار 1: 134، محاضرات في اصول الفقه 1: 242 - 245. (*)

[ 340 ]

غرابة. فالأصل الشرعي العدمي النعتي غير معارض بمثله. نعم، في جريانه الذاتي شبهة المثبتية. ولكنها تتم إذا اريد إثبات الظهور في الكلمة، أو في الجملة، وأما إذا اريد منه إعمال التعبد في مقام العمل، وأن الذي هو شاك في حد الوضع، فعليه ترتيب آثار الوضع للأعم في مقام العمل، فيكون أعميا تعبدا، فلا يصح له التمسك بالبراءة في مورد الشك، كما يأتي تفصيله. وقد يخطر بالبال أن يقال: إن الواضع وإن لا يحتاج في وضعه للأعم إلى لحاظ العمومية، إلا أنه ربما لاحظ ذلك غفلة. ولكنه مدفوع: بأصالة عدم الغفلة، وهي معتبرة بعد أدائها إلى العمل كما لا يخفى، فتأمل. هذا كله قضية الأصل في حد الوضع. وأما مقتضى الاصول العملية فهو مختلف: فتارة: هو الاشتغال، لجريان الاستصحاب، كما إذا كان زيد عالما، ثم زال علمه، فشك في وجوب إكرامه المعلوم سابقا، فإن مقتضى الاستصحاب الحكمي ذلك. وقد يقال: بعدم جريان الأصل الحكمي، لحكومة الأصل الموضوعي عليه (1). وفيه: أنه محل إشكال جريانه، لأن الشبهة مفهومية، فكما أن الكرية السابقة لا تحرز بالاستصحاب، إذا علم بأنه أقل من الكر عند المشهور، ويحتمل كونه كرا عند الآخرين، كذلك لا يحرز عالميته بالاستصحاب، وذلك لما قيل واشتهر: " من أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات المفهومية " (2).


1 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 182. 2 - نهاية الأفكار 4: 154، حقائق الاصول 2: 458، الاستصحاب، الإمام الخميني (قدس سره): 86 - 87، مصباح الاصول 2: 234. (*)

[ 341 ]

وأما توهم عدم جريان الأصل الحكمي، فهو من الغفلة عن حقيقة الحال، ضرورة أن زيدا الخارجي كان واجب الإكرام، وشك في وجود إكرام ذلك الموجود الخارجي المحفوظة موضوعيته لقضية: " لا تنقض اليقين بالشك " (1) فما في حاشية الإيرواني (رحمه الله) (2) لا يخلو من تأسف، وقد تبعه بعض آخر (3). وبعبارة اخرى: عدم إجراء الاستصحاب بعد الاستتار، لا ينافي جريان استصحاب وجوبن الصلاة على المكلف، ولا ينبغي الخلط بين الموضوع والحكم. واخرى: هو الاشتغال أيضا، لأجل حكم العقل، كما إذا ورد " أكرم زيدا العالم العادل " فإن اللازم هو الاحتياط، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير. وقد تقرر في محله ذلك (4). وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن الشك الاستصحابي، يتصور فيما إذا علمنا بوجوب إكرام زيد، ثم شك في ذلك بعد زوال علمه، وأما إذا فرضنا أن زيدا العالم الذي وجب إكرامه في اليوم، يصير جاهلا في الغد، فإن قضية البراءة هو عدم الوجوب، والشك البراءتي مقدم في الوجود على الشك الاستصحابي، ويصير هادما لموضوعه. وهذا نظير ما إذا شك في أن مقدار الدين ألف، أو هو مع زيادة، فإن الشك البراءتي موجود بالفعل، وقضيته عدم وجوب الزيادة، وإذا أدى دينه المعلوم - وهو الألف - يكون شاكا في فراغ الذمة، وقضية الاستصحاب بقاء دينه، إلا أن البراءة هدمت موضوعه في المرتبة السابقة على وجوده تعبدا، كما لا يخفى، فما أفاده


1 - الكافي 3: 351: 3. 2 - نهاية النهاية 1: 69 - 70. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 243 - 245. 4 - يأتي في الجزء الثالث: 427 - 439. (*)

[ 342 ]

القوم: من التمسك بالاستصحاب (1)، في غير محله. وثالثة: هو البراءة، كما في الفرض الذي ذكرناه، أو فيما إذا ورد التكليف بعد زوال العلم، أو كان حين التكليف بإكرام العلماء، معذورا بالأعذار الشرعية المورثة لارتفاع الحكم الفعلي، وإذا زال علمه ارتفع عذر المكلف، وعند ذلك تجري البراءة، لعدم العلم بحدوث التكليف. نعم، بناء على القول: بأن تلك الأعذار في حكم الأعذار العقلية، في عدم ارتباطها بالتكاليف الإلهية - كما تقرر في محله (2) - فلا معنى للبراءة، بل يتعين الاستصحاب، إلا على إشكال مضى منا، فلاحظ وتدبر جيدا. إن قلت: استصحاب بقاء الحكم إلى الغد مقدم على البراءة، كما فيما إذا شك في أثناء شهر رمضان في أن اليوم الثلاثين يجب صومه أم لا، فإنه لا يرجع إلى البراءة، بل المرجع هو الاستصحاب، موضوعيا كان، أو حكميا. قلت: لا ينبغي الخلط بين كون الواجب مما ينطبق على الزمان، كالصوم وشهر رمضان، وما لا ينطبق، كالدين وإكرام العالم، وبين ما يكون الشك في بقاء الحكم الشخصي واستمراره، وبين ما يتعدد الحكم بتعدد الأزمنة، وبين ما لا يجري فيه الأصل الموضوعي، كما نحن فيه، وما يجري فيه، كما في شهر رمضان على ما تقرر في محله، ضرورة أن في مثل شهر رمضان يجري الأصل الموضوعي، فيجب الصوم في اليوم المشكوك وإن كان حكما مستقلا، وليس من استمرار الحكم السابق. وفي مثل الدين لا معنى للشك في البقاء غدا، لعدم انطباقه عليه، وتجري - قهرا - البراءة.


1 - كفاية الاصول: 64، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 182. 2 - لاحظ ما يأتي في الجزء الثالث: 439 وما بعدها. (*)

[ 343 ]

وفيما نحن فيه إن كان الشك في حدوث الحكم الشخصي الآخر في الغد، فلاتصل النوبة إلى الاستصحاب، وأما إن كان الشك في بقاء الحكم السابق، فهو من قبيل الأقل والأكثر، وحيث قد اتضح في محله: أن البراءة تهدم موضوع الاستصحاب، فلاتصل النوبة إليه، وفي المسألة (إن قلت قلتات) اخر، فليتأمل. الأقوال في مسألة المشتق إذا عرفت تلك الامور التي تلوناها عليك فاعلم: أن الأقوال في المسألة كثيرة، والمعروف عن المعتزلة (1) وجماعة من الأقدمين (2)، أنها موضوعة للأعم. والمشهور بين الأصحاب، أنها للأخص (3)، وهو المحكي عن الأشاعرة (4). والقول الثالث وهو الظاهر من الكتب العقلية، أنها موضوعة للمعنى الأخص من السابق، ونتيجة ذلك مجازيتها حتى في خصوص المتلبس بالفعل، لأن ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات، وإلا لتسلسل، فما هو مصداق الأبيضن حقيقة هو البياض، والجسم أبيض بالبياض، فالتلبس الفعلي لا يستلزم الحقيقة (5). والرابع والخامس والسادس إلى التاسع والعاشر، هو التفصيل بين أنحاء


1 - مناهج العقول، البدخشي 1: 275، نهاية السؤل، الأسنوي 1: 273، مفاتيح الاصول: 14 / السطر 29، كفاية الاصول: 64. 2 - مبادئ الوصول إلى علم الاصول: 67، إيضاح الفوائد 3: 52، تمهيد القواعد 84. 3 - قوانين الاصول 1: 76 / السطر 8، هداية المسترشدين: 88 / السطر 25، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 263، كفاية الاصول: 64. 4 - مناهج العقول، البدخشي 1: 275، نهاية السؤل، الإسنوي 1: 273، تقريرات المجدد الشيرازي 1: 263، كفاية الاصول: 64. 5 - الحكمة المتعالية 1: 42، الهامش 3. (*)

[ 344 ]

المشتقات تارة، وأنحاء التلبسات والمبادئ اخرى. وقد كان ذهب السيد البروجردي إلى التفصيل بين ما كان مبدأه ينصرم فإنه للأعم، وبين ما لا ينصرم، فإنه للأخص (1). وذهب العلامة الإيرواني إلى التفصيل الثلاثي في المسألة (2)، فراجع. وجميع هذه الأقوال حدثت غفلة عن حقيقة الحال، وهي أن وضع الهيئات في المشتقات نوعي، ولا يلتزم أحد بتعدد الأوضاع فيها، وعليه لا معنى للتفصيل بين المبادئ المختلفة. وأما التفصيل بين أنواع الهيئات، فهو خال عن هذا الإشكال، ولكنك عرفت دخول الكل في محل التشاح ومحط النزاع (3). وأما ما يتراءى من الكتب العقلية (4)، فهو خارج عن محيط اللغة، وسيأتي توضيحه في التنبيهات الآتية إن شاء الله تعالى. وإجماله: أن نفي مصداقية الجسم للأبيض على نحو الحقيقة وفي الواقع، ليس إلا بلحاظ أنه ليس مصداقا ذاتيا له، وإثبات مصداقية البياض أيضا، لا يكون إلا لأجل الفرار من التسلسل، مع شهادة الوجدان عليه، وهذا هو غير ما هو المقصود في المقام، لعدم التنافي بين كون الجسم مصداقا عرضيا للأبيض عقلا، وبين وضع الواضع اللفظ لمعنى يكون الجسم مصداقه حقيقة، أي لا مجازا، فلاينبغي الخلط بين المقامين.


1 - نهاية الاصول: 72. 2 - نهاية النهاية 1: 70. 3 - تقدم في الصفحة 324 - 326. 4 - الحكمة المتعالية 1: 41 - 42. (*)

[ 345 ]

فإذن بقي في المقام قولان، وما هو المحرر منا سابقا: أن القائلين بالأعم لا يريدون أعمية مفهوم المشتق، بالمعنى الذي تصوره الأصحاب - رضوان الله تعالى عليهم - (1)، ضرورة أنه لو سئلوا عن معنى " العالم، والجاهل، والقادر، والعاجز، والبصير، والأعمى " لا يجيبون إلا بما يرادفها في الفارسية، وهي كلمة: (دانا، نادان، توانا، ناتوان، بينا، ونابينا) من غير تأمل وتدبر. فالأعمي كالأخصي في مرحلة الوضع الإفرادي، وفي المعنى التصوري بالضرورة، ولاريب في أن هذه الألفاظ في مرحلة الإفراد والتصور، كألفاظ الجامدات ك‍ " الشجر " و " الحجر " في خلوها عن الزمان، فلا معنى لاعتبار الانقضاء واللا انقضاء والحال والاستقبال هنا، فعليه يعلم أن الكل مشترك في المعنى الموضوع له في العناوين الجارية على الذوات. ويشهد على ما ذكرنا: أن العنوان الذي ذكرها القوم، كان حول مرحلة التصديق والاستعمال والحقيقة والمجاز، وكنا عدلنا عنه (2)، لعدم إمكان البحث اللغوي في مفاد الهيئات التصورية إلا بالوجه الذي عنوناه، كما لا يخفى. إن قلت: هذا هو الذي أفاده صاحب " المحجة ": " من أن النزاع في المشتق مخصوص بمرحلة التطبيق والصدق، وليس في مرحلة المفهوم والوضع " (3). قلت: كلا، فإن جوابه قد مضى في مطاوي بحوثنا السابقة (4)، ضرورة أن البحث في التطبيق، لا يعقل إلا بعد الفراغ عن الوضع، ولا يعقل الشك في التطبيق، إلا


1 - تقدم في الصفحة 337. 2 - تقدم في الصفحة 331. 3 - لاحظ نهاية الدراية 1: 164 - 165. 4 - تقدم في الصفحة 313. (*)

[ 346 ]

بعد الشك في حدود الموضوع له. نعم، يمكن النزاع في المشتق بالمعنى الذي ذكرناه: وهو أن الجملة الحملية مثلا، هل هي ظاهرة في اتصاف الموضوع بالمحمول بالفعل، وحين الجري، أو لا تدل إلا على أصل الاتصاف، وأما الفعلية فتعلم من القرائن (1) ؟ فتحصل إلى هنا: سقوط النزاع المعروف قطعا. ومما يدل عليه اتفاقهم على صحة استعمال المشتقات بلحاظ الزمان المستقبل، فلو كان كلمة " عالم " موضوعة في اللحاظ التصوري للمعنى الأعم، كانت مجازا في قولك: " زيد يصير عالما " أو " سيكون بصيرا " وهكذا، فيعلم من ذلك: أن الموضوع له عند الكل واحد، وإنما الاختلاف في مفاد القضايا المشتملة على المشتقات الجارية على الذوات، والعناوين الجارية على الموضوعات، وأنها هل هي تدل على التلبس حال الجري، أو لاتدل إلا على أصل الاتصاف ؟ فنقول: إن آخر ما يمكن أن يستدل به على عدم دلالتها إلا على أصل التوصيف: أن مفاد القضايا الحملية غير مقرون بالزمان، ولا دال في تلك القضايا على التلبس الفعلي، لخلوها عنه، ضرورة أن الموضوع والمحمول غير دالين إلا على معانيهما، والهيئة في الجملة لا تحكي إلا عن نحواتحاد بين الموضوع والمحمول. فعلى هاتين المقدمتين، يتعين خلوها عن الدلالة على التلبس حال الجري، فإذا قيل: " زيد ضارب " أو " عالم " أو هكذا، فلا تكون الجملة حاكية إلا عن الاتحاد في الجملة. نعم، إذا قيل: " هو ضارب أمس " أو " في الغد " أو " فعلا " تصير - بدال آخر - ظاهرة في زمن الاتصاف.


1 - تقدم في الصفحة 330. (*)

[ 347 ]

ومما يؤيد ذلك، صحة توصيف الجملة بقولك: " زيد ضارب في الحال وفعلا " وهكذا، ولو كان مفادها ذلك لكان القيد المذكور لغوا. ومن قبيل هذه القضايا، جميع المشتقات والعناوين الجارية على الذوات، فلو ورد " أكرم العالم " و " أعن الفاسق " أو " رأيت زوج هند " و " مررت بزوجة بكر " فإنها أيضا خالية عن الدلالة على الأكثر مما مضى. وأنت خبير: بأن القضايا مختلفة، ففي مثل " زيد مجتهد، وعالم، وفاضل، وعادل " وهكذا، تكون ظاهرة في التلبس الفعلي، وفي مثل هو " ضارب " أو " قاتل " أو في مثل " الشمس مشرقة " و " السم قاتل " و " السيف قاطع " وهكذا، لا يكون الأمر كذلك. ولو سلمنا أن الصناعة تقتضي كون الأمر كما افيد، ولكن لا يمكن صرف النظر عن ظهور هذه القضايا، فعليه نقول: إن القضية بحسب الوضع، لاتدل إلا على نحو اتحاد بين الموضوع والمحمول، ولكن القرائن الاخر اللفظية أو الحالية والمقامية، تدل على الأخص، وهو التلبس الفعلي، ومن تلك القرائن المواد المستعملة في ضمن الهيئات، ففي المواد التي لها البقاء والاستمرار عرفا - ك‍ " العدالة والعلم والاجتهاد والفضل " وهكذا - قرينة على التلبس الفعلي، دون ما لا بقاء لها. فبالجملة: لا يجوز التغافل عن مقتضى القرائن الكلية والجزئية الوجودية والعدمية في أنحاء الاستعمالات، والنظر إلى تلك القضايا والقرائن، أوقع الأصحاب في اختيار الأقوال الكثيرة في المسألة، وإلا فقضية الصناعة الأولية هو ما ذكرناه، ومقتضى الاستعمالات المختلفة مع القرائن المتشتتة هو التفصيل، من غير رجوع هذا التفصيل إلى اختلاف مفاد الهيئة في المشتق، فلا تخلط، ولا تذهل. ومما يشهد على التفصيل في القضايا، أنه إذا قال زيد: " أنا القاتل " يؤخذ

[ 348 ]

بإقراره، مع أنه حين الإقرار ليس متلبسا بالقتل، فلو كانت الجملة ظاهرة بالوضع في التلبس الفعلي كان يجب حمل كلامه على الأمر الآخر، ولا يؤخذ بإقراره، وإذا قال زيد: " أنا مديون لفلان " يؤخذ بإقراره، لظهور الجملة في أنه مديون بالفعل، ولو كان مفاده الأعم لما كان يجب الأخذ به، لإمكان أدائه بعد كونه مديونا. ولعمري، إن استفادة القاعدة الكلية بعد الاختلاف الشديد في أنحاء الاستعمالات، مشكلة جدا. فبالجملة: تحصل إلى الآن، أن نزاع المشتق في المعنى الإفرادي والتصوري ممنوع، وفي التطبيق والصدق غير معقول، والذي هو الممكن هو الوجه الثالث، وقد عرفت: أن الحق على طبق الصناعة العلمية أمر، وعلى طبق القرائن الخارجة عن الوضع أمر آخر، فلا تخلط. تذييل وتكميل: حول أدلة الوضع لخصوص المتلبس لو فرضنا أن النزاع يكون في مفهوم المشتق، وأنه مفهوم مضيق، أو موسع قابل للصدق على المتلبس والمنقضي عنه المبدأ، فالذي هو المفروغ عنه بين الأعلام (رحمهم الله) هو الأول (1)، وقد استدل عليه بوجوه كلها مخدوشة: أحدها: التبادر (2)، وقد عرفت في محله: أن الدور في التبادر غير قابل للدفع (3). ولو سلمنا تماميته هناك، فهاهنا مشكل آخر، لأن الذي يتبادر من المفاهيم


1 - كفاية الاصول: 64، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 120، مناهج الوصول 1: 213، محاضرات في اصول الفقه 1: 252. 2 - كفاية الاصول: 64، نهاية الأفكار 1: 135، مناهج الوصول 1: 213، محاضرات في اصول الفقه 1: 252. 3 - تقدم في الصفحة 168 - 172. (*)

[ 349 ]

التصورية، هي الذات المبهمة مع الوصف والمبدأ، وأما أن التلبس يكون بوصف الفعلية، أو الأعم، فهو مما لا يتبادر من اللفظ تصورا. نعم، المتبادر منه حال التطبيق والصدق هو الفعلية، ولكنه لا يثبت كون منشأ التبادر، هو الوضع في هيئة المشتق، بل من الممكن كون المنشأ أمرا آخر، من غير دخالة هيئة المشتق في ذلك. ولو صح ما اشتهر بينهم: " من أن المتبادر منه هو الذات المتلبسة بالمبدأ فعلا " (1) لما كان يصح أن يفسر كلمة " عالم ": " بأنه الذي هو عالم بالفعل " فأخذ مفهوم " العالم " في التفسير المزبور، شاهد على أنه خال عن قيد الفعلية، فما صدقه المتأخرون من تبادر الأخص من العناوين الجارية على الذوات، غير قابل للتصديق. ومن العجيب تمسكهم في بيان التبادر بالاستعمالات التصديقية ! ! وليس هذا إلا لعدم العثور على حق البحث في المسألة. ثانيها: صحة السلب (2)، وقد مر أن علامية هذه فرع الاطلاع على معنى اللفظ، فلاتصل النوبة إليها حتى تكون هي الدليل على معنى الألفاظ، وحدود الموضوع له (3). ثم إنها كما تكون في الحمليات الأولية، فيسلب مثلا مفهوم " البشر " عن الأسد وبالعكس، كذلك تكون في الحمليات الشائعة، وهذا في هذه المسألة أيضا متصور، فإن زيدا الجاهل بالفعل، يصح سلب العالمية عنه. ولكن صحة السلب بالحمل الأولي غير معقولة، لعدم إمكان سلب مفهوم


1 - كفاية الاصول: 64، نهاية الأفكار 1: 135، نهاية الاصول: 72، تهذيب الاصول 1: 113، محاضرات في اصول الفقه 1: 252. 2 - كفاية الاصول: 64، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 122، نهاية الأفكار 1: 135. 3 - تقدم في الصفحة 174. (*)

[ 350 ]

" العالم " عن الذات الموصوفة بالمبدأ. فبالجملة: في صحة سلب مفهوم تصوري عن مفهوم تصوري، شهادة على أن المسلوب ليس داخلا في معنى المسلوب منه، فإذا سلب مثلا عن مفهوم " الشجر " مفهوم " الحجر " وكان ذلك صحيحا، فإنه يعلم منه حد الوضع، وهذا فيما نحن فيه غير ممكن، ضرورة عدم صحة قولنا: " العالم ليس بعالم " إلا بلحاظ اختلاف حال الجري، وهذا أيضا شاهد على ما أسسناه في المسألة (1)، فافهم وتدبر. فبالجملة: إذا نظرنا إلى وجداننا، لانجد من المشتقات التصورية إلا الذات المبهمة الموصوفة بالمبدأ على وجه الإهمال، أي لا دلالة لها على الفعلية، ولا دلالة لها على الإطلاق، بأن يكون الإطلاق ملحوظا حال الوضع، ولو كانت الفعلية ملحوظة في الموضوع له، يلزم صحة سلب " العالم " عن الذات الموصوفة بالعلم، لأنه موضوع للذات الموصوفة بالعلم فعلا، مع أنك ترى أن " العالم " يحمل بالوجه الصحيح على عنوان الذات المتصفة بالعلم، فيصح أن يقال: " الذات الموصوفة بالعلم عالمة " من غير الحاجة إلى التقييد بالفعلية. ولو قلت: توصيف الذات بالموصوفة بالعلم من التوصيف بالمشتق، فيكون ظاهرا في الفعلية. قلت: صحة تقييدها بالفعلية كاشفة عن عدم دلالتها بالوضع عليها، وإن دلت عليها في الجملة التصديقية للقرينة. ثم إنه في تمامية صحة السلب الشائع إشكالا، تفصيله في الكتب المفصلة (2)، والأمر بعد ذلك قد اتضح. ثالثها: يلزم على القول بالأعم الجمع بين المتنافيات عرفا، بل وعقلا، للزوم


1 - تقدم في الصفحة 345 - 348. 2 - لاحظ الفصول الغروية: 34 - 36، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 78 - 80. (*

[ 351 ]

صدق " الأسود، والأبيض، والجاهل، والعالم، والكامل، والناقص " وهكذا على الموجود الواحد بجهة واحدة وهو مستحيل (1). وأنت بعد التدبر فيما أفدناه، لا تكون غافلا عما في هذا الوجه الذي عده جمع وجيها (2)، وهو أن الأعمي يدعي: أن مفاد الهيئة الناقصة ليس إلا أصل تلبس الذات، وأما الفعلية فهي خارجة عنه، فعليه إذا قيل: " هو أسود وأبيض " صح، لأن الفعلية تستفاد من أمر خارج، ومن القرائن الخارجية، ومن تلك القرائن امتناع كونه موصوفا بهما فعلا، فلابد وأن لا يكون كلاهما فعليين، أو أحدهما، فلا تغفل. رابعها: يتعين القول بالأخص، قضاء لحق امتناع تصوير الجامع (3)، وقد مر تفصيله في أول البحث (4)، وهذا هو أحسن شاهد على أن البحث ليس في المعنى الإفرادي. مع أنه قد عرفت إمكان التزام الأعمي بالوضع العام، والموضوع له الخاص، ولو كان ظاهرهم الاشتراك المعنوي فهو غير ممكن (5)، كما عرفت. فيعلم منه: أن الأعمي والأخصي مشتركان في أن مفاد " العالم " و " الضارب " ليس إلا معنى إبهاميا من جهتين: جهة الذات، وجهة التوصيف، فكما أن خصوصية الذات ليست داخلة، كذلك خصوصية التوصيف - من قبيل الفعلية، واللافعلية - ليست دخيلة. فتحصل: أن الوجدان شاهد على أن المفاهيم التصورية في الهيئات، خالية


1 - كفاية الاصول: 64، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 123، نهاية الأفكار 1: 135. 2 - كفاية الاصول: 64، نهاية الأفكار 1: 135 - 136، محاضرات في اصول الفقه 1: 254. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 121. 4 - تقدم في الصفحة 313. 5 - تقدم في الصفحة 314. (*)

[ 352 ]

عن قيد الفعلية، وجميع الاستدلالات المذكورة في كتب المتأخرين، غير ناهضة على خلاف ذلك، لقصور القضايا التصديقية عن إثبات المعنى الموضوع له في الهيئات الناقصة. تذنيب آخر: حول أدلة الوضع للأعم قد استدل الأعمي بامور: منها: التبادر (1)، والمراد منه: أن المفهوم من تلك العناوين الجارية، ليس إلا المعنى الإهمالي القابل للجري مطلقا، على الوجه الذي عرفت تفصيله. ومنها: عدم صحة السلب، وصحة الحمل في طائفة من المشتقات، وفي طائفة من الهيئات المقرونة بالمواد المعينة (2). وقد مثلوا للأول بأسماء المفعول والآلات والأماكن، فيعلم من ذلك: أن الأمر في الكل على نهج واحد، ونسق فارد. ويمكن التمثيل للثاني بقولنا: " السم قاتل " و " السقمونيا مسهل " و " السيف قاطع " وهكذا، فإن وحدة الوضع تقتضي كون الهيئة في الكل بالمعنى الواحد. ودعوى: أن هذه الاستعمالات لأجل الامور الاخر المذكورة في محلها - كما مضى تفصيله في مقدمات البحث (3) - غير قابلة للتصديق، ضرورة أن التجزئة والتحليل في القضية المزبورة، يورث أن مفاد المشتق ليس التلبس الفعلي، وكانت الفعلية في القضايا الاخر، مستفادة من القرائن، فلا تخلط.


1 - كفاية الاصول: 67، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 124، نهاية الأفكار 1: 138. 2 - كفاية الاصول: 67، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 124، نهاية الأفكار 1: 138. 3 - تقدم في الصفحة 333 - 336. (*)

[ 353 ]

ومن هنا يعلم: أن الإشكال عليهم: بأن قضية أن المتضايفين متكافئان قوة وفعلا، تقتضي صدق " القاتل والمقتول " على نهج واحد، ولا يمكن الالتزام بصدق الثاني دون الأول (1)، في غير محله، وذلك لأنهم قصدوا من ذلك إثبات وحدة الوضع في جميع الهيئات، كما اشير إليه. ولأن اختلاف الصدق لأجل القرينة، وليس مستندا إلى حاق اللفظ والوضع، فلا تغفل. أقول: قد تحرر منا سقوط سندية التبادر (2)، وعدم صحة السلب (3)، هذا أولا. وثانيا: الدليل الثاني ليس إلا مجرد استحسان، وإلا فلا مانع من دعوى التحاق الموارد التي تكون القضايا فيها ظاهرة في الأعم، بالقضايا الظاهرة في الأخص، بانضمام دعوى أن القرينة قامت في خصوص تلك القضايا على الأعمية، فليتدبر. ومنها: استدلال الإمام (عليه السلام) - تأسيا بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) - بقوله تعالى: * (لا ينال عهدي الظالمين) * (4) (5). والاستدلال المزبور يتم بعد التوجه إلى مقدمة: وهي أن الخصم دقيق وعالم بأن شمول الآية الكريمة الشريفة لغيره لا يضر بالخلافة، والمستدل عارف بأن الطريقة في الاستدلال على المسائل الاعتقادية، تنحصر بالطريقة الثابتة عند العقلاء، والمقبولة لديهم، فعليه لابد من الالتزام بأن مفاد المشتق أعم، وإلا فلا يكفي دعوى أنها ناظرة إلى الظلم في الزمان الماضي، لأن للخصم دعوى خلافه. وهكذا دعوى ظهور القضية في أن " الظالم " هو المرتكب للظلم فعلا،


1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 185. 2 - تقدم في الصفحة 348. 3 - تقدم في الصفحة 349. 4 - البقرة (2): 124. 5 - الكافي 1: 14 / 1، البرهان في تفسير القرآن 1: 149 / 2. (*)

[ 354 ]

فلا يشمل المرتكب التائب (1). كما لا تكفي دعوى: أن الخلافة الإسلامية من الامور المهمة العظيم شأنها، ولا يليق بها إلا العادل في جميع أيام حياته (2)، ضرورة أنه أمر خارج عن محيط العقلاء، ومندرج في مذاق أهل الذوق والعرفان، كما لا يكون خفيا على ذوي العقول والبرهان. وتوهم: أن الإمام (عليه السلام) يريد إثبات تلبسهم بالظلم حين التصدي والتقمص (3)، غير تام، لأنه إن اريد من " الظلم " نفس التصدي فهي مصادرة. وإن اريد منه سائر ما صنعوا بأهل البيت (عليهم السلام)، فهو - مضافا إلى ما سبق - غير موافق للمحكي في القصة: من إرادة الأمر الآخر، وهو عبادتهم الأوثان والأصنام في العهود السابقة، فيتعين أن يقال: بأن الاستدلال لايتم إلا على مقالة الأعمي. أقول أولا: لا مانع من الالتزام بعدم تمامية الاستدلال، لما أنه (عليه السلام) ربما كان يريد إلزام الخصم. ويشهد لذلك صحة استدلال الخصم بأن " التائب من الذنب كمن لاذنب له " (4) فلايتم الاستدلال على الأعمي أيضا. وثانيا: لو كان المتبادر هو المعنى الأخص، فلا يمكن رفع اليد عنه بذلك، ضرورة أن المعرفة بالموضوع له في اللغات، لا تكون من طريق الرواية والآيات. نعم هذا مؤيد لقول الأعمي الثابت بالتبادر فرضا. ومنها: أنه لو كان للأخص، يلزم اختصاص الحد في آية السرقة (5)،


1 - لاحظ حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 260. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 126، نهاية الاصول: 74. 3 - منتهى الاصول 1: 105. 4 - الكافي 2: 435 / 10، بحار الأنوار 6: 41 / 75. 5 - المائدة (5): 38. (*)

[ 355 ]

والجلد في آية الزنى (1) بحالهما، مع أن الضرورة قاضية بالخلاف، فيعلم أنه للأعم (2). وفيه: أن مع وجود القرينة القطعية، لا يمكن استكشاف الموضوع له. هذا مع أن مقتضى أن المادة لما يتصرم هو إرادة الأعم، فلا كاشف عن الوضع. وأعجب من الاستدلال المذكور، استدلال القائلين بالتفصيل بين المحكوم عليه والمحكوم به بهاتين الآيتين (3) ! ! وقد عرفت: أن الهيئة في الكل موضوعة بوضع واحد نوعي (4)، فلا مورد له، فلا تخلط. وقريب من الاستدلال المزبور استدلال الأخصي بآية قتل المشركين (5)، والجواب الجواب. ومنها: قوله تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن) * (6) بناء على أن المطلقة الرجعية ليست زوجة بحسب الاعتبار، وإن كانت زوجة بحسب الأحكام الشرعية، فإطلاق " البعل " على الأزواج بعد الطلاق - مع عدم الإتيان بقرينة تدل على أن الجري كان بلحاظ الحالة السابقة - دليل على الأعم. وفيه: أنه لو كان الجري بلحاظ الحال، لما كان وجه للقول بأحقيتهم بردهن. هذا، وفي قولهم: " المطلقة الرجعية زوجة " شهادة على الأخص، وإلا لما كان وجه للتنزيل، فيعلم منهم خروجها عن العنوان المزبور بمجرد الطلاق. أو لما


1 - النور (24): 2. 2 - لاحظ، نهاية السؤل، الأسنوي 1: 276، تمهيد القواعد: 85، القاعدة 19، مفاتيح الاصول: 17 / السطر 8، هداية المسترشدين: 84 / السطر 21. 3 - نهاية السؤل، الأسنوي 1: 276، تمهيد القواعد: 85، القاعدة 19. 4 - تقدم في الصفحة 315 وما بعدها. 5 - التوبة (9): 5. 6 - البقرة (2): 228. (*)

[ 356 ]

كان وجه لبيان شرطية مضي العدة في حصول البينونة، لوضوحه بحسب الوضع واللغة، بل هي لا تخرج أبدا على الأعم، فافهم. فيعلم من جميع هذه الاستدلالات الراجعة إلى الاستعمالات وأنحائها المختلفة: أن المسألة لا تتضح بها، بل لابد من إقامة الأمر الآخر عقلا أو نقلا، من قبيل التبادر، والاطراد، على الوجه الذي مضى منا تقريبه (1)، فلاحظ وتدبر جيدا. بقي في المقام امور لا بأس بالإشارة إليها: الأمر الأول: فيما هو مادة المشتقات اعلم: أنه قد اختلفت كلمات النحاة في هذه المسألة، فالمعروف عن الكوفيين أنها المصدر (2)، والمنسوب إلى البصريين أنها الفعل (3)، والمحكي عن الشارح الرضي نجم الأئمة (رحمه الله) أن النزاع في الحقيقة راجع إلى ما هو المتقدم في الوضع، لا في الأصلية والفرعية (4)، وعن بعض الأعلام: أنها اسم المصدر (5). والذي هو التحقيق: أن المادة المذكورة، لابد وأن تكون مطلقة من حيث الهيئة والمعنى، وإلا فلا يعقل كونها مادة ومبدأ في المشتقات: أما اشتراط كونها مطلقة من حيث الهيئة، فهو واضح، ضرورة أن مع تقومها بالهيئة الخاصة، لا يعقل انحفاظ تلك الهيئة في سائر الهيئات، لتباينها، فلو كانت


1 - تقدم في الصفحة 174 - 175. 2 - شرح الكافية 1: 191 - 192، شرح ابن عقيل 1: 559، البهجة المرضية 1: 197. 3 - نفس المصادر. 4 - شرح الكافية 2: 192. 5 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 157. (*)

[ 357 ]

المادة مثلا " ضرب " بالتسكين الموازن ل‍ " فعل " فلايحفظ تلك الهيئة في " ضارب " و " مضروب " بالضرورة. وأما اشتراط كونها مطلقة من حيث المعنى، فلبداهة أن لكل واحد من المشتقات معنى خاصا، ضرورة أن طبيعة الضرب كلما تحققت في الخارج فلها - زائدا على ذاتها - خصوصية، هي محكية بتلك الهيئة الطارئة عليها، فلابد من إطلاقها من تلك الخصوصية، حتى تكون منحفظة في جميع الأطوار والأشكال. فما هي المادة هي نفس الطبيعة من غير النظر إلى وجودها السعي، فإنها في هذه النظرة هي اسم المصدر، ومن غير النظر إلى صدورها، فإنها في هذه اللحظة هي المصدر، ومن غير النظر إلى ذات أصدرتها، فإنها في هذه اللحظة اسم الفاعل، وهكذا في سائر المشتقات. والسر كل السر: أن كل طبيعة لابد في تحققها الخارجي، من الخصوصيات المختلفة الملتحقة بها، والمتحدة معها، وتكون مادة المشتقات هي أصل الطبيعة، والخصوصيات زائدة عليها، وليست محكية بها، بل حاكيها هي الهيئات العارضة عليها، المتحدة معها في وجودها اللفظي، فبذلك انقدح سقوط الأقوال. ومن العجيب ما أفاده نجم الأئمة (1) ! ! فإن البحث في مادة المشتقات، غير البحث في كيفية وضعها، فإن الخلط بين المسألتين غير جائز، كما لا يخفى. الأمر الثاني: في وضع تلك المادة اعلم: أن الألفاظ بين ما هو الموضوع بالهيئة والمادة، وهي الجامدات، بأن تكون الهيئة الخاصة ملحوظة في الموضوع له، وهذا هو المراد من " الوضع


1 - شرح الكافية: 2: 192. (*)

[ 358 ]

الشخصي " أي أن شخص كلمة " الشجر " موضوع لمعناه، مع ملاحظة الهيئة المعينة، ولا تكون الهيئة هنا مخصوصة بالوضع، ولا دالة على خصوصية غير ما تدل عليه المادة، وهذا هو الأمر البديهي. وبين ما هو الموضوع بمادته مع قطع النظر عن الهيئة، إلا هيئة خاصة، وهي تقدم حرف " ضاد " على " راء " وحرف " راء " على " باء " في " ضرب " وأما هيئة " فعل " فلا تلاحظ في الموضوع له. وربما يقال: بامتناع ذلك، فلا يكون لمادة المشتقات وضع على حدة، سوى الوضع في الهيئات (1)، ووجه الامتناع أن التلفظ بالمادة من غير الهيئة الخاصة، غير ممكن، وإسراء الوضع إلى تلك المادة المتحدة مع تلك الهيئة - بمجرد إرادة الواضع واشتهائه - غير ممكن، وحيث يشترط الإطلاق في اللفظ الموضوع من جهة الهيئة كما مضى (2)، فلابد من الالتزام بالوضع الشخصي في جميع المشتقات، لأنه وإن كان بعيدا، ولكنه ممكن عقلا، بخلافه. وأنت خبير بما فيه، لما أن الإنشاء وإن تعلق في الوضع بما يتكلم به الواضع، إلا أن له إظهار الخصوصية المرادة بالألفاظ الاخر، فله إلغاء الهيئة في وضع كلمة " ضرب " بلا شبهة، كما هو كذلك في الناذر الذي ينشئ ترك شرب التتن، ويتمم كلامه بأنه لا يريد خصوصيته، فيكون المنذور ترك مطلق الدخان. فتحصل: أن مادة المشتقات لها وضع على حدة، ووضعها نوعي، لأن المراد من " الوضع النوعي " ليس إلا كون اللفظ الموضوع، غير ملحوظ بالمادة والهيئة جمعا، بل إما تكون المادة ملحوظة فقط، كما في وضع مواد المشتقات، أو تكون الهيئة ملحوظة فقط، كما في الهيئات الاشتقاقية، فما في تقريرات الوالد - مد ظله -:


1 - لاحظ منتهى الاصول 1: 98. 2 - تقدم في الصفحة 356. (*)

[ 359 ]

من إنكار الوضع النوعي (1)، غير تام وإن أراد منه معنى آخر، كما لا يخفى. إن قلت: لاثمرة في وضعها، لعدم إمكان الاستفادة من تلك المادة الموضوعة إلا في ضمن هيئة، فالأولى كونها موضوعة في ضمن إحدى الهيئات الدالة على خصوصية في الطبيعة. قلت: لا يلزم في ثمرة الوضع، كون الموضوع بنفسه قابلا للاستفادة منه، بل يكفي هيئته لذلك، نظير الهيئات مع اختصاصها بوضع على حدة بالضرورة. وإن شئت قلت: ينقسم الوضع بهذا اللحاظ إلى الوضع الفعلي، والتهيئي، فمن الأول: الجوامد، ومن الثاني: الحروف، ومادة المشتقات والهيئات. بل لا معنى للوضع الفعلي إلا على القول بوضع المركبات مستقلا. ثم إن الهيئة التي يتكلم بها لدى وضع المادة، كما يمكن أن لا تكون من الهيئات الموضوعة بالوضع النوعي، بل جئ بها للتمكن من التكلم بالمادة فقط، يمكن أن تكون من الهيئات التي لها الوضع النوعي على حدة، ولكنها ليست ملحوظة في هذا المقام: فإن كانت المادة المتكلم بها، متشكلة بالهيئة على الوجه الأول، فيقال: إن الأصل لا هذا، ولا ذاك. وإن كانت متشكلة بالهيئة على الفرض الثاني، فيقال: إن الأصل هو الفعل، مع أن من الممكن وضعها بهيئة اسمي الفاعل والمفعول. فالمراد من " الأصل " في النزاع إن رجع إلى ما ذكرناه فهو، وإلا فلا أصل لمثل هذا الأصل، كما لا يخفى. ثم إن الظاهر دخالة الهيئة في المصادر، بل وكثير منها قياسي، ولا يمكن دعوى الإطلاق في هيئة المصادر، بأن يقال: مصدر " ضرب يضرب " يكون " ضربا " بضم " الضاد " فعليه لا يعقل كونها أصلا، ولا يصح أن يقال: بأن هيئة المصدر واسم


1 - تهذيب الاصول 1: 106. (*)

[ 360 ]

المصدر، ليس لها شأن إلا تمكن الواضع من التكلم بالمادة (1)، فافهم وتدبر جيدا. إن قيل: بناء عليه يلزم كون هيئة المصدر واسم المصدر، ذات معنى زائد على أصل الطبيعة الدالة عليها المادة (2). قلنا أولا: لا منع من الالتزام بكونها ذات هيئة خاصة، ولكن لاتدل هي على معنى. وثانيا: هيئة المصدر واسم المصدر مختلفة في اللحاظ والمعنى، وهذا هو الدليل على اختلافهما في الدلالة على أصل الطبيعة، ولايكون ذلك الخلاف إلا ناشئا من هيئتهما، ولذلك قيل واشتهر: " إن الحاصل من المصدر خال من شوب الذات (3)، بخلاف المصدر " أو اشتهر: " أن الفرق بينهما ليس إلا في الاعتبار " (4) ولا يمكن ذلك إلا بلحاظ الهيئة، واختصاصها بدلالة وراء دلالة المادة. وإن شئت قلت: نفس الطبيعة خالية عن اعتبار الوجود واللا وجود، ذهنيا كان، أو خارجيا، بخلاف اسم المصدر، فإنه اعتبار الطبيعة موجودة، فلا يكون هو الأصل أيضا كما لا تكون خالية من الدلالة على أمر زائد على الطبيعة، فيكون له الوضع. بل لاسم المصدر - على ما ببالي - هيئة خاصة وهي " فعل " وفي الفارسية أيضا وزن خاص مثل (گفتار) و (كردار) و (رفتار) فما يظهر من الوالد المحقق - مد ظله -: من أن الهيئة في المصدر واسم المصدر لا معنى لها (5)، غير صحيح أيضا.


1 - مناهج الوصول 1: 202. 2 - وقاية الأذهان: 159. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 99، نهاية الأفكار 1: 125. 4 - محاضرات في اصول الفقه 1: 277 - 278. 5 - مناهج الوصول 1: 202. (*)

[ 361 ]

فبالجملة: تحصل إلى هنا امور: الأول: أن ما هو مادة المشتقات، نفس طبيعة اللفظ خالية عن جميع التعينات والأشكال الهيأوية، وخالية عن الاعتبارات الزائدة على معناها المطلق. الثاني: أن لتلك المادة وضعا على حدة. الثالث: أن المراد من أصالة " المصدر " أو " الفعل " هو أن الهيئة التي تمكن بها الواضع من التكلم هو هذا، أو ذاك، أو هو أمر آخر، فيكون الأصل هو الثالث. الرابع: أن وضعها نوعي، لا شخصي. الخامس: أن تقسيم الوضع إلى الفعلي والتهيئي غير صحيح، إلا على القول باختصاص المركبات بوضع على حدة، وإلا فجميع الألفاظ موضوعة بالوضع التهيئي. السادس: أن لهيئة المصدر واسم المصدر، معنى زائدا على معنى أصل الطبيعة الذي هو مادة المشتقات. إزاحة شبهة متعلقة بالوضع المستقل لمادة المشتقات المحكي عن الاستاذ السيد الفشاركي: أن مادة المشتقات لو كانت مخصوصة بوضع للزم دلالتها على أمر غير مادل عليها الهيئة، وهو خلاف الضرورة. وحديث البساطة والتركيب، غير القول بتعدد المعنى، وهذا مما لم يقل به أحد. وقد يقال: بأن قضية اختصاصها بوضع، دلالتها على المعنى وإن كانت الهيئة مجهولة، مع أن الأمر ليس كذلك (1).


1 - وقاية الأذهان: 161 - 162، تهذيب الاصول 1: 107. (*)

[ 362 ]

أقول: قد عرفت أن المحكي بالمادة ليس إلا نفس الحدث وطبيعة المعنى (1)، ولما كانت هي مقرونة بخصوصية أو خصوصيات في الوجود - من الزمان، والمكان، والفاعل، والمفعول، والاسم الذي وقعت فيه، وهكذا من الاشتداد، والضعف، والكثرة، والوحدة - فلابد من حكايتها بأمر آخر غير مادل على أصل الطبيعة. فعندئذ تارة: يتوسل إلى الوضع الشخصي، فيلاحظ الطبيعة مع كل واحدة من تلك الخصوصيات، فيوضع بإزائها لفظ، فيكون جميع الألفاظ جامدات. وهذا خلاف ما بنوا عليه من الوضع النوعي في هذه المواقف (2). واخرى: يتوسل إلى الوضع النوعي، فتوضع الهيئات الخاصة والأشكال والأطوار المخصوصة، للدلالة على تلك الخصوصية، وعندئذ لابد من الالتزام بتعدد المعنى، والموضوع له، والدلالة، والاستعمال، وهكذا. ولكن تعدد هذه الامور فيما نحن فيه، ليس على نعت التفصيل والتفكيك، بحيث يفهمه العرف والعادة، بل المتبادر من اللفظ المتخصص بهيئة، هو المعنى المتخصص بخصوصية، بحيث يتوهم الوضع الشخصي بين اللفظ المزبور مع المعنى المذكور. ولولا الاتفاق وحكم الوجدان على ممنوعية الوضع الشخصي، كان القول بالوضع المزبور أقرب إلى فهم الناس، فيكون ما نحن فيه من قبيل وضع آلاف لغة مثلا للناقة، فإن هذا ليس إلا بلحاظ الخصوصيات الزائدة على أصل الطبيعة، وقد اخذت تلك الخصوصية في الموضوع له، فصارت الناقة ذات لغات كثيرة بالوضع


1 - تقدم في الصفحة 357. 2 - نهاية الأفكار 1: 125، محاضرات في اصول الفقه 1: 109 - 112. (*)

[ 363 ]

الشخصي، فافهم وتدبر جيدا. الأمر الثالث: في وضع الهيئات لاشبهة في أنه نوعي، وما قيل على اختصاص المادة بالوضع من الشبهات والإشكالات، يأتي هنا بأجوبتها. ثم إن الهيئات تنقسم إلى هيئات تامة، وهيئات مركبة ناقصة، وهيئات مفردة. والبحث حول الطائفة الاولى، قد مضى في ذيل مباحث الوضع، وفي وضع الجمل المركبة (1)، وهكذا حول الطائفة الثانية، كهيئة المضاف والمضاف إليه، والموصوف والصفة. وأما حول الطائفة الثالثة، كهيئة الأفعال، وهيئة المشتقات، فالبحث حول الهيئات الجارية على الذوات، يأتي في مسألة بساطة المشتقات وتركبها (2). والذي هو مورد الكلام في المقام: أن هيئة الفعل الماضي والمستقبل موضوعة لمعنى مقرون بالزمان، أم لا تكون موضوعة إلا للمعنى الفارغ عنه. ثم إن الموضوع له خاص أو عام. وأما هيئة الأمر والنهي، فسيأتي التحقيق حولها في مباحثها (3). فالبحث هنا يتم في مقامين:


1 - تقدم في الصفحة 115 وما بعدها. 2 - يأتي في الصفحة 371. 3 - يأتي في الجزء الثاني: 77 وما بعدها، وفي الجزء الرابع: 83 - 93. (*)

[ 364 ]

المقام الأول: في دلالة الفعل على الزمان قد اشتهر عن النحاة، أن هيئة الفعلين الماضي والمضارع، تدل على صدور الفعل من الفاعل، أو اتصاف الفاعل بالفعل في الزمان الماضي، وهيئة المضارع تدل على صدوره في الزمان المستقبل، أو اتصافه به فيه (1). والمشهور بين المتأخرين من الاصوليين، خلو الأفعال طرا من الدلالة على الزمان (2)، وهذا واضح في الأمر والنهي، والتفكيك بين الفعلين الماضي والمضارع وبين الأمر والنهي، خلاف الذوق، فتكون الأفعال كلها خالية منه. وربما يقال: برجوع مقالة النحاة إليها، لعدم دلالة كلماتهم إلا على أن الأفعال تدل على المعاني مقترنة بأحد الأزمنة الثلاثة، ولفظة " الاقتران به " ربما تدل على أنهم أرادوا خروج الزمان عن المداليل المطابقية، ويكون من الدلالة الالتزامية (3). وهذا يختص بالأفعال المسندة إلى الزمان، فلا يلزم على قولهم أيضا مجازية في إسنادها إلى المجردات ونفس الزمان. وأما ما في " الكفاية " من تأييد المسألة " بأن المضارع مشترك معنوي بين الحال والاستقبال، ولا معنى له إلا أن يكون له خصوص معنى صح انطباقه على كل منهما، لا أنه يدل على مفهوم زمان يعمهما " (4) انتهى. ويدل على الاشتراك المعنوي صحة قولنا: " زيد يضرب حالا وغدا " من غير الحاجة إلى الالتزام باستعمال اللفظ في الأكثر من معنى واحد.


1 - شرح الكافية 2: 223، شرح ابن عقيل 1: 557، البهجة المرضية 1: 196. 2 - كفاية الاصول: 59، نهاية الأفكار 1: 126، محاضرات في اصول الفقه 1: 233 - 234. 3 - نهاية الأفكار 1: 127. 4 - كفاية الاصول: 59. (*)

[ 365 ]

فغير سديد، ضرورة أن الالتزام بالاشتراك المعنوي يحتاج إلى تصوير الجامع، وليس مفهوم عدم الماضي جامعا مرادا في الوضع. مع أن المعاني الحرفية ليست ذات جوامع حقيقية، ومفاد الهيئات معان حرفية، على ما اشتهر بين أبناء التحقيق. فعليه لابد من علاج آخر: وهو أن الفعل فارغ من الزمان مطلقا، ودلالته عليه ممنوعة. وأما صحة الاستعمال في الزمانيات فهي لا تقتضي إلا دخول الزمان طبعا وقهرا، لا دلالة ووضعا. وبالجملة: مفاد الماضي هو التحقق، ومفاد المضارع هو الترقب، وإذا قيس ذلك إلى الزمان، فلا محيص عن الزمان الماضي في الأول، وعن الزمان الحال والمضارع في الثاني. أقول: لا شبهة في دلالة هيئة الماضي والمضارع، على أزيد من أصل الانتساب بالضرورة، وإلا يلزم صحة قوله: " ضرب زيد غدا " و " يضرب أمس " ولذلك التزام المتأخرون بأن تلك الزيادة هو التحقق في الماضي، والترقب في المضارع (1)، ولا أزيد من ذلك. ويمكن دعوى امتناع أخذ الزمان بمفهومه الاسمي في مفادهما، لما عرفت واشير إليه: من أن أخذ المفهوم الاسمي في المعاني الأدوية ممتنع. وأنت خبير: بأن المتفاهم البدوي من الماضي والمضارع - دون الأمر والنهي - هو الزمان الماضي والمضارع، وإلى ذلك أقرب، ما عن النحاة كما هو الظاهر، فإن تم ما عن الاصوليين فهو، وإلا فلابد من الاتكاء على المفهوم العرفي، بعد خلو كلمات اللغويين من التعرض لمفاد الهيئات بنحو التفصيل والتحقيق.


1 - نهاية الأفكار 1: 127، وقاية الأذهان: 169 - 170، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 231، محاضرات في اصول الفقه 1: 233 - 236. (*)

[ 366 ]

والذي يظهر منهم كله قابل للخدشة، مثلا تمسكهم بصحة الاستعمالات في المجردات (1). وهذا غريب، لأن هذا في افق أهل اللغة جائز، وإن كان بحسب الموازين العقلية ممنوعا، ضرورة أن الأفهام المتعارفة لا تفرغ عن شوب الزمان، ولا يتمكن الأعلام والعقلاء من تصوير كيفية المجردات الفارغة عن الأزمان، فضلا عنهم. ومثله في الغرابة تمسكهم بالاستعمال في نفس الزمان (2)، ضرورة أن مضي كل زماني بزمانه، ومضي الزمان بنفس ذاته، فلا حاجة إلى اعتبار زمان للزمان حتى يلزم المحال. ومن العجيب ما عن المحشي المدقق في المقام: من إثبات المعية القيومية (3)، لدفع الشبهة ! ! وأنت خبير بما فيه، فلا تغفل. ومثله أيضا تمسكهم بأن المضارع مشترك معنوي بين الحال والاستقبال، من غير كون الزمان جامعا (4)، ضرورة أن ذلك يتم في المضارع، دون الماضي، ولا منع من التفكيك إذا ساعده الدليل، فإن الفعل المضارع - بعد المراجعة إلى الموارد الكثيرة - أعم من الاستقبال، ولذلك يختص بالحال إذا دخلت عليه " اللام " ويختص بالاستقبال إذا دخلت عليه حروف التسويف ك‍ " السين " و " سوف " وهذا غير معهود في الماضي.


1 - كفاية الاصول: 59، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 230، محاضرات في اصول الفقه 1: 234. 2 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 230، وقاية الأذهان: 169 - 170، محاضرات في اصول الفقه 1: 234 - 236. 3 - نهاية الدراية: 1: 177. 4 - كفاية الاصول: 59، نهاية النهاية 1: 65، نهاية الدراية 1: 180 - 181. (*)

[ 367 ]

وأما تمسك " الكفاية " بصحة استعمال جملة " يجيئني زيد بعد عام، وقد ضرب قبله بأيام " وجملة " جاء زيد في شهر كذا، وهو يضرب في ذلك الوقت " مع أنها تدل على المضي الإضافي والاستقبال الإضافي، لا الحقيقي (1)، ففي غير محله، ضرورة أن الزمان الماضي، كما يكون له المصداق الحقيقي تخيلا، لا واقعا، لأن الماضي ما مضى وقته، وانصرم أجله، فلا وجود له بعد حتى يحكم عليه، فكما أن هذا هو مصداقه حقيقة عند العرف، كذلك له المصداق الاعتباري. وهذا في الأفعال المستعملة في المجردات وأوصافها الذاتية، أو الفعلية، كقولهم: " علم الله كذا " أو " خلق الله العقل " أو " خلق الله الجسم والزمان " وهكذا له المصداق الإضافي، فالمدار على مضي زمان النسبة الحكمية، لا المدار على زمان النطق. وجميع هذه الاعتبارات، مشتركة في خلوها من الحقيقة العقلية، وفي اتصافها بالمضي والانصرام، فلا تخلط. فالمحصول إلى هنا امور: الأول: خلو الأمر والنهي من الزمان، ومن الخصوصية الزائدة على البعث إلى المادة. الثاني: دلالة الماضي على الزمان. الثالث: خلو المضارع من الزمان، ودلالته على الأمر الزائد على أصل النسبة. ولا يخفى: أن اعتبار الترقب في المضارع، لا يساعد مع صحة الاستعمال في المجردات، فكما أن الإشكال ينحل بما مضى في الأفعال الماضية، كذلك ينحل في المضارع. إن قلت: من الأفعال الماضية " علم، وقدر، وشرف، وعدل " مما يدل على


1 - كفاية الاصول: 60. (*)

[ 368 ]

الاستمرار، فكيف تدل الهيئة على المضي ؟ ! قلت: الهيئة لاتدل إلا على حدوث الحدث في الزمان الماضي، وأما استمراره وعدم استمراره فهما من مقتضيات المادة، ولا ربط لهما بها. المقام الثاني: في أن الموضوع له عام، أو خاص، أو جزئي على مصطلحنا اعلم: أن المتعارف في المفاهيم الاسمية، كون الموضوع له عاما، والمتعارف في المعاني الجزئية والشخصيات الخارجية، كون الموضوع له خاصا، كما في الأعلام الشخصية، على ما اشتهر بين القوم (1)، ومضى تفصيله ونقده (2)، فعليه إن كانت معاني الهيئات جزئية خارجية، يكون الموضوع له خاصا أو جزئيا، وإن كانت كلية يكون عاما. وبعبارة اخرى: المعاني الاسمية معان كلية، ويكون الموضوع له فيها عاما كالأجناس، أوكليا كالأعلام الشخصية على مصطلحنا. والمعاني الحرفية إن كانت في ذاتها غير قابلة للتعقل الاستقلالي، وتكون بذاتها جزئيات حقيقية خارجية، ولا تنالها النفس إلا بالعناوين الاسمية كعنوان " الربط والنسبة " ويكون عين حقيقة الوجود الربطي غير قابلة للانتقال إلى وعاء آخر، فيكون الموضوع له فيها جزئيا أو خاصا. وإن كانت تلك المعاني غير مختلفة مع المعاني الاسمية في الذات والهوية، بل هي في لحاظ الغير حرف، وفي لحاظها بذاتها اسم، كما عن صاحب " الكفاية " (3) فيكون الموضوع له عاما، ولا حاجة إلى إسراء الوضع بنحو الوضع


1 - كفاية الاصول: 25، أجود التقريرات 1: 14، محاضرات في اصول الفقه 1: 49 - 50. 2 - تقدم في الصفحة 73. 3 - كفاية الاصول: 60. (*)

[ 369 ]

العام والموضوع له الخاص إلى المصاديق والأفراد. فهذه المسألة مبنية على تلك المسألة، فمن قال: " بأن مفاد هيئة " ضرب " و " يضرب " معنى حرفي، أفاد: أن الموضوع له خاص، كالوالد المحقق (1) - مد ظله -، والعلامة المحشي (رحمه الله) (2) ومن اعتقد بأن مفادها معنى حرفي، ولكن المعاني الحرفية لاتباين الاستقلال الذهني (3)، أو أنكر المعاني الحرفية رأسا، أو قال: بأن معانيها اسمية، أفاد: أن الموضوع له عام، فكأن الالتزام بالموضوع له الخاص، يكون في مورد لا محيص عنه حسب حكم العقل. والذي هو الحق: أن المعاني إما يكون الإستقلال ذاتيها، فلا تختلف الذاتي في أنحاء الوجودات، بل هي محفوظة في الذهن والخارج، أو يكون اللا استقلال ذاتيها فهكذا. ومثلها الوجود إما يكون الاستقلال ذاتية كالواجب، أو يكون اللا استقلال نفس ذاته، كالوجود الإمكاني. ولو كان اللا استقلال والاستقلال من العوارض، فلابد من السؤال عن حكم ذاته، ولا جواب إلا بأن يقال: هو ليس واجبا ولا ممكنا في مرحلة ذاته، وما كان كذلك خارج عن الوجودات، وهو محال وممتنع بالضرورة. فلو كان المعنى الحرفي هو الوجود الرابط، فلابد من الالتزام بلا استقلاله الذاتي، ومن الالتزام بانحفاظه في الذهن والخارج وقد مضى البحث في هذه المرحلة في مباحثه، فليراجع (4).


1 - مناهج الوصول 1: 205. 2 - نهاية الدراية 1: 56 و 176. 3 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 37. 4 - تقدم في الصفحة 91 - 98. (*)

[ 370 ]

والذي هو الظاهر عندي: أن الواضع في وضعه التصوري، لابد له من لحاظ المعنى الكلي، حتى يتمكن من الوضع، وإذا أراد وضع هيئة " ضرب " مثلا لإفادة صدور الضرب وتحققه، فلابد من لحاظ مفهوم " الصدور " ومفهوم " التحقق " - وهما مفهومان اسميان، ولا خارجية حين الوضع لهما، أي لا مصداق لهما حين الوضع - حتى يتمكن من إسراء الوضع بتلك العناوين العامة إلى تلك المصاديق الخارجية. مع أنك قد عرفت فيما مضى امتناع الوضع العام والموضوع له الخاص (1)، فعليه لابد من الالتزام بأنه وضع تلك الهيئة لمعنى كلي محلوظ اسما، وإن كان هذا المعنى في الخارج معنى حرفيا. وقد مضى: أن جميع المعاني الاسمية الجوهرية والعرضية، ذات مصاديق هي الروابط المحضة (2)، حسبما تقرر في العلم الإلهي: من أن الوجودات بأجمعها عين الربط، ونفس التدلي إلى ربها، وليست ذات روابط حتى يلزم الاستقلال في رتبة الذوات (3)، فلا تغفل. ثم إنه لو سلمنا أن المحكي بهيئة " ضرب " هو المعنى الحرفي، وهو مصداق الصدور والتحقق، لا المفهوم الاسمي، فلا يمكن ذلك في المضارع، لعدم تحققه في الخارج، فلا يتصور إلا معنى كليا، ولا يمكن له تصور مصداقه إلا بمفهوم اسمي، فما يوجد بعد ذلك ليس هو الموضوع له بنفسه، بل هو مصداق الموضوع له بالضرورة، فيلزم التفكيك بين هيئة الماضي والمضارع، كما فككنا في مفادهما بحسب الزمان وعدمه.


1 - تقدم في الصفحة 75 - 76. 2 - تقدم في الصفحة 85 - 87. 3 - الحكمة المتعالية 1: 329 - 330، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 62 - 63. (*)

[ 371 ]

ذنابة: اختار الوالد المحقق - مد ظله - تعدد الوضع في الماضي اللازم والمتعدي، وأن هيئة " فعل " اللازم موضوعة للحكاية عن الحلول، والهيئة في المتعدي موضوعه للحكاية عن الصدور، قائلا: " أن لا جامع بين الحلول والصدور، حتى يكون هو العنوان في الوضع، أو يكون هو الموضوع له، بناء على كون الموضوع له عاما " (1). والذي يظهر لي: أن ما هو الجامع على مسلكه سهل، لأنه يكفي على مسلكه مطلق الجامع ولو كان عنوانيا، وكافيا للإشارة، كما إذا وضع هيئة " ضرب " مثلا للحكاية عن معنى أعم من الصدور والحلول، فإنه في ذلك غنى وكفاية. وأما على مسلكنا، من أن الموضوع له عام، فلا منع من كون الجامع هو عنوان " التحقق " فإنه أعم من الصدور والحلول، فتأمل. الأمر الرابع: في بساطة المشتق وتركبه وقبل الخوض في حقيقة المسألة، لابد من تقديم مقدمتين: المقدمة الاولى: في المراد من " المشتق " هنا إن المراد من " المشتق " على ما يظهر منهم في هذه المسألة، هو العناوين الاشتقاقية الاصطلاحية، فلا يندرج في هذه المسألة، الجوامد التي كانت مندرجة في أصل المسألة. والذي هو الحق عدم الفرق بينها وبين تلك الجوامد، ضرورة أن القائلين بالبساطة، تمسكوا بدليل يقتضي اندراجها فيما نحن فيه، فإن دعوى انقلاب مادة


1 - تهذيب الاصول 1: 109، مناهج الوصول 1: 205 - 207. (*)

[ 372 ]

الإمكان إلى الضرورة (1)، قاضية بأن المأخوذ في مفهوم " الزوج " ليس الذات، ومثلها التمسك بالتبادر (2). والقائل بالتركيب لا يستند في دعواه إلى انحلال المشتق إلى المادة والهيئة (3)، وأن لكل واحد منهما وضعا على حدة، فلابد من كونهما ذا مدلولين، بل دليله يقتضي الأعمية أيضا، كما لا يخفى. ثم إن دليل المسألة كما يكون شاهدا على أعمية النزاع، كذلك ثمرة البحث تشهد عليه. وأما ثمرته، فعلى ما تقرر في محله: من أن مفهوم الوصف الذي هو مورد النزاع في حجيته، هو الوصف المعتمد (4)، فإن قلنا: بأن المشتق مركب واقعا وعرفا، فيكون من الوصف المعتمد، لأن قوله: * (إن جاءكم فاسق...) * (5) يرجع إلى الذي هو فاسق، أو إلى رجل هو فاسق. وإن قلنا: بأنه بسيط، فلا يكون معتمدا، فيخرج عن محط النزاع في تلك المسألة، فإذن يظهر أن هذه الثمرة لا تختص بالمشتقات الاصطلاحية، كما هو غير خفي. المقدمة الثانية: في المراد من " البساطة والتركيب " والوجوه المحتملة فيهما كثيرة:


1 - شرح المطالع: 11 / السطر 1 من الهامش، ولاحظ كفاية الاصول: 70 - 71. 2 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 283، نهاية الاصول: 77. 3 - لاحظ شرح المطالع: 11 / السطر 13، محاضرات في اصول الفقه 1: 267. 4 - يأتي في الجزء الثاني: 441 - 442. 5 - الحجرات (49): 6. (*)

[ 373 ]

أحدها: أن يكون المراد من " البساطة " هي البساطة العقلية البريئة عن جميع الكثرات الخارجية والذهنية والتحليلية والمقدارية، كما في المبدأ الأعلى، ومفهوم الكلمة المقدسة " الله " تبارك وتعالى. ومن " المركب " ما كان ذا أجزاء تحليلية عقلية، كالمجردات. ثانيها: أن يكون المراد من " البساطة " البساطة الخارجية، كالأعراض، ومن " المركب " التركب الخارجي، كالجواهر المادية، فيكون النزاع في أن المشتق بوجوده الخارجي مركب، أو بسيط. وهذان الاحتمالان غير مقصودين بالقطع واليقين، وما نسب إلى بعض من الالتزام بالبساطة بالمعنى الأول، في غير محله، لأنه إما لم يرد ذلك، أو لم يتوجه إلى تلك البساطة. ثالثها: البساطة العقلائية، أي أن المتفاهم من المشتقات ليس إلا أمرا وحدانيا، والمتبادر منها ليس إلا معنى فاردا، و " التركب " هو كون المتفاهم منها كالمتفاهم من " غلام زيد " أي في كون المفهوم منه أمرين أو أكثر تفصيلا. رابعها: البساطة بالمعنى الأخير، بمعنى عدم انحلاله إلى الذات والحدث عقلا، وإن كان مركبا حسب التحليلات العقلية، فينحل إلى المفاهيم الكثيرة حسب الذات، والحدث، والنسبة، وفي مقابلها التركيب، بمعنى الانحلال إلى الامور المذكورة، فالقائل بالبساطة يريد هذا، والقائل بالتركيب يريد انحلاله إلى الذات والصفة. والذي هو مورد النزاع أحد المعنيين الأخيرين، فيرجع الأمر بعد ذلك إلى أن المسألة ذات احتمالات ثلاثة: البساطة العقلائية المجامعة للتركيب العقلي. والبساطة العقلية، بمعنى عدم انحلاله إلى الذات والمبدأ، وإن كان مركبا

[ 374 ]

عقليا، لأن المبدأ ينحل إلى الجنس والفصل، فكيف بالمشتق ؟ ! والتركيب الذي يقابلهما بمعنى واحد، وهو التركيب العقلائي المنحل إلى الذات، والحدث، والنسبة، على تفصيل يأتي (1). إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المحتملات في مفهوم المشتقات كثيرة، وقد ذهب إلى بعض منها طائفة: أحدها: أنه المركب من الذات، والنسبة، والحدث، فتكون جملة " زيد ضارب " في المفاد عين كلمة " ضارب " إلا أن الاختلاف في النسبة التامة والناقصة، وفي التفصيل والإجمال. وكأنه عين كلمة " الصلاة " في كونها موضوعة لمعنى واحد ذي أجزاء ومعان واضحة، من غير الحاجة إلى التحليل العقلي، أو العقلائي. وهذا هو المعروف بين الأصحاب النحويين (2)، وكانوا يعلمون الناس بأن " العادل " هو الذي ثبت له العدالة، و " الضارب " هو الذات الصادرة عنه الضرب، وهكذا. ثانيها: أنه المركب من الذات والمبدأ (3)، ولا نسبة، لا في الواقع، ولا في الموضوع له، كما هو الأقرب إلى افق التحقيق، فإن وجودات الأعراض أطوار الجواهر والموضوعات. أو لا نسبة في الموضوع له وإن كانت في الواقع، فيكون المعنى والمفهوم من كلمة " القائم " هو الذات والقيام فقط. ثالثها: أنه المركب من الذات والانتساب إلى المادة والحدث (4)، ولايكون


1 - يأتي في الصفحة 377 - 380. 2 - شرح الكافية 2: 198، شذور الذهب: 385، البهجة المرضية 2: 5. 3 - شرح المطالع: 11 / السطر 13 - 14. 4 - لاحظ الشواهد الربوبية: 44. (*)

[ 375 ]

الحدث داخلا في مفاد الهيئة إلا بالملازمة العقلية، فمعنى كلمة " القاعد " الذي له القعود، ولكن القعود مفاد المادة، لا الهيئة. رابعها: أنه بسيط، وهو نفس النسبة (1)، وأما المنتسبان فهما خارجان عن لحاظ الواضع، ولاحقان بالموضوع له بالدلالة الالتزامية. وهذا وإن كان ممكنا بناء على القول بوجود النسبة في الخارج زائدا على الجوهر وطوره، ولكن لا أظن التزام أحد بذلك. خامسها: أنه بسيط، وهو المبدأ بنفسه، من غير دخول الذات والنسبة في الموضوع له (2)، فيكون مفاد " ضارب " و " ضرب " واحدا، إلا أن الاختلاف بينهما باللابشرطية والبشرط لائية، حسب ما تقرر في محله (3): من أن الاختلاف بين المشتق والمبدأ اختلاف اعتباري، أحدهما لايتعصي عن الحمل، بخلاف الآخر. وإن شئت قلت: المبدأ إن لوحظ بنفس ذاته لحاظا اسميا، فهو الموضوع له في المصدر مثلا، وإن لوحظ فانيا في الذات فهو مفاد المشتقات، فالهيئة لاتدل إلا على المبدأ حال الفناء في الذات، ولأجل هذا الفناء يحمل على الذات، فما هو المصحح للحمل هو اللابشرطية المجامعة لألف شرط. والمراد من " اللابشرطية " هو المعنى غير القابل للذات، وإلا فلا يكون لا بشرط، بل هو بشرط لا، كما لا يخفى. أقول: ظاهر القوم أن البشرط لائية واللابشرطية، من الامور الاعتبارية (4)،


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 103، الهامش 1. 2 - أجود التقريرات 1: 65، نهاية الاصول: 77 - 78، منتهى الاصول 1: 94. 3 - لاحظ الحكمة المتعالية 5: 4، الشواهد الربوبية: 43. 4 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 64، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 284 - 286، نهاية الاصول: 78. (*)

[ 376 ]

والامور الاعتبارية مقابل الحقائق العينية والماهيات الأصيلة، ويكون الفرق بينهما: أن تلك الامور بيد المعتبرين، وتلك الحقائق لها الواقعيات المحفوظة. ووجه ذهابهم إلى ذلك، اقتناعهم في فهم كلمات القوم العقليين بظواهرها، واغترارهم بها، وإلا فالحكيم العاقل أجل من أن يتوهم: أن اللابشرط، والبشرط لا، والبشرط شئ، من الامور غير الأصيلة، فتكون الصورة في لحاظ لا بشرط، وفي آخر بشرط لا. بل العالم مركب من الصور اللابشرطية، والبشرط شيئية، والبشرط لائية، والتفصيل في محله في كتابنا الموسوم ب‍ " القواعد الحكمية " (1). فلا يكون المبدأ والحدث قابلا للحمل في لحاظ، وغير قابل في لحاظ آخر، بل ما هو القابل للحمل غير ما هو المتعصي واقعا. ولو كان الأمر كما توهم، يلزم إنكار وضع الهيئة للمعني الذي هو مدلولها، ويكون هو مصحح الحمل. على أن الحمل يحتاج إلى الاتحاد والهوهوية الواقعية بين المحمول والموضوع، فكما أن الألفاظ موضوعة للحكاية عن الواقعيات والمقاصد النفس الأمرية، فكذلك الهيئات، ولو كان مصحح الحمل لحاظ الواضع، فيلزم جوازه بين المتباينات، مع أن الضرورة قاضية بالخلاف. فما يظهر من الأعلام: من أن مفاد المبدأ والمشتق واحد (2)، في غاية الوهن عقلا وعرفا. وأما ما يظهر من الوالد المحقق: من أن هذه الامور واقعيات (3)، فغير قابل


1 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 64، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 285 - 286، نهاية الاصول: 78. 3 - مناهج الوصول 1: 219، تهذيب الاصول 1: 123 - 126. (*)

[ 377 ]

للتصديق بإطلاقه، ضرورة أن العقل يجزئ الواحد البسيط الخارجي، ويحلله إلى الأجزاء العقلية الكثيرة، فيلاحظ الجنس والفصل حتى في البسائط الخارجية، وليست تلك الأجزاء ذات محاك خارجية، بل المحكي بها واحد. فتلك الكثرات الذهنية اعتبارية، أي لا واقعية لها مع حفظ كثرتها، وهذا هو المراد من " الاعتباري " في الكتب العقلية، ولايجوز الخلط بين الاعتباريات في العلوم الاعتبارية، وبين الاعتباريات في الكتب العقلية والعلوم الحقيقية. فتحصل: أن المعاني اللابشرطية هي المعاني الواقعية، ولمكان الاتحاد الواقعي يحمل بعضها على بعض، والمعاني البشرط لائية بين ماهي معان واقعية، كالمتباينات إذا قيس بعضها إلى بعض، وبين ماهي معان متحدة في الواقع، إلا أن العقل حللها إلى الكثير، واعتبر كل واحد منها حذاء الآخر، ووضع لها الألفاظ للحكاية عنها حال الكثرة والتجزئة، فعند ذلك لا يعقل الحمل لما لوحظ كل واحد حذاء الآخر. مثلا: حقيقة الصورة العلمية - لمكان كونها كمال الجوهر النفساني، ولمكان أن الوجود العرضي، ليس إلا طور الوجود الجوهري - متحدة مع وجود موضوعها، وهذا في الواقع يكون كذلك سواء اعتبر، أم لم يعتبر. ولو لم تكن هي متحدة معه لما كانت كماله، بل تصير هي حذاءه وغيره، وما ليس داخلا في حقيقة الشئ لا يعد كمال ذلك الشئ بالضرورة. ولأجله تستلزم الحركة في مقولة الأعراض، الحركة في مقولة الجوهر بالقطع واليقين. ولكن مع ذلك يجوز للعقل التحليل والتجزئة بين الشئ وكماله، وإذا صنع ذلك، ووضع لفظ " العلم " لتلك الصور، ولفظ " الجوهر " لذلك الشئ، لا يعقل حمل أحدهما على الآخر، لعدم الاتحاد بين الملحوظين واقعا، فتبصر واغتنم.

[ 378 ]

سادسها: أنه المركب من المبدأ والنسبة، وتكون الذات خارجة عن المدلول، وداخلة بالدلالة العقلية (1). وهذا الاحتمال يجامع القول بالبساطة، وأنه لا ينحل إلى المبدأ والذات، إلا أن القائل بالبساطة ينفي التركيب على الإطلاق، بمعنى عدم انحلاله إلى المبدأ وغيره من النسبة أو الذات، وإن كان لا ينفي التركيب العقلي. سابعها: أنه ينحل إلى الحدث حين انتسابه إلى الذات، بمعنى أن تلك الحصة من الحدث، هي مفاد لفظ المشتق، فتكون النسبة والذات معا خارجتين عن دلالة اللفظ، ومستفادتين بالدلالة العقلية (2). وأنت خبير بامتناع ذلك، لعدم إمكان اعتبار القضايا الحينية في المفاهيم التصورية، ولا في الامور الاعتبارية إلا بعد رجوعها إلى التقييد، كما تقرر منا مرارا، فهذا إما يرجع إلى الاحتمال الخامس، أو إلى بعض الاحتمالات الاخر الماضية، فما في كتاب العلامة الأراكي صاحب " المقالات " لا يخلو عن تأسف. الحق تركب المشتق من الذات والتقيد الحرفي إذا تبين لك هذه الوجوه، وتبين امتناع بعضها، فاعلم: أن النسبة لا واقعية لها، بمعنى الوجود الرابط، على ما تقرر منا في محله (3)، فلو اريد من " النسبة " في هذه الوجوه ذلك الوجود - كما هو الظاهر - فيمتنع القول بالتركيب من النسبة وشئ آخر، وهكذا القول: بأن الموضوع له هي ذات النسبة فقط. فيبقى من الاحتمالات، احتمال كونه مركبا من الذات والمبدأ، ومركبا من الذات الملحوظ معها المبدأ، فيكون مفاد " ضارب " الفاعل والفعل، أو يكون مفاده


1 - مقالات الاصول 1: 190، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 169. 2 - لاحظ بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 169. 3 - لاحظ ما تقدم في الصفحة 87 - 91. (*)

[ 379 ]

فاعل الفعل، وأما نفس الفعل فهو خارج عن مدلول الهيئة. والاحتمال الأول فاسد بالضرورة، وإلا يلزم تكرر الدال، لأن المادة تدل على الفعل والحدث، ولو كان مفاد الهيئة أيضا ذلك يلزم كون كلمة " ضارب " دالة على الضرب مرتين. ومن هنا يعلم: أن القائل بتركيب المشتق من الذات والنسبة والحدث (1)، خلط بين مفهوم المشتق - أي مفاد الهيئات الاشتقاقية - وبين مفهوم " ضارب " و " عالم " بإدخال مفاد المادة في مدلول المشتق، وهذا خلط واضح، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها هي مفاد الهيئات، دون المواد المقارنة لها. فتعين على هذا، كون الهيئة دالة على الذات بما أنها مبدأ الحدث ومصدر الفعل وعلة ذلك، أو موضوعه ومحله. وهذا هو موافق للذوق، وللتبادر، وللبرهان، وذلك لأن كل طبيعة إذا وجدت في الخارج، فلابد وأن تلحقها خصوصيات كثيرة، من الزمان والمكان والعلة، وأمثال ذلك، كالكم والكيف، وكلية المقولات، وإذا لوحظ مثلا الضرب، فإن لوحظ بنفسه فله لفظ يخصه. وإذا لوحظ أنه صدر من الفاعل، فإن وضع اللفظ بحذاء صدوره من الفاعل، فيكون اللفظ موضوعا للمبدأ بتلك الخصوصية، ويلزم كون الوضع المزبور وضعا شخصيا. وأما إذا رأى الواضع الحاجة إلى الوضع النوعي، فلابد من لحاظ الذات التي هي مصدر ذلك الضرب، فإذا وضع الهيئة لتلك الذات، لاحظا صدور الفعل منها بنحو الإجمال في الذات، وعليتها للفعل، يكون الوضع نوعيا، ويصير مفاد المشتق هي الذات الملحوظة معها المادة والحدث. وبهذا التقريب يتم المطلوب في الجوامد، ك‍ " الزوج، والحر، والعبد " فإن


1 - الشواهد الربوبية: 43، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 174 / السطر 6. (*)

[ 380 ]

الاستدلال على أن مفاد الهيئة غير المادة - لأن المشتقات الاصطلاحية ذات وضعين نوعيين، فلابد من كون المدلول مركبا، ولايكون مفاد الهيئة وحدها المادة، ولا أمرا آخر مع المادة - غير واف في ذاته، وغير كاف لتمام المطلوب. فتحصل: أن المأخوذ في الهيئة هي الذات المبهمة، فإن كانت هي الموضوع له بعنوانه، فيكون الموضوع له عاما، وإن كانت الذات عنوانا مشيرا إلى الخارجيات، يكون الموضوع له خاصا. ولعمري، إن المسألة بناء على ما شرحناها، تصير بديهية، ولا تحتاج إلى البراهين، ولا تنافيها البراهين التي نشير إلى بعضها إن شاء الله تعالى. وتصير نتيجة ما حصلناه: أن مفاد الهيئة ومفاد كلمة " الزوج " الذات بما أنها علة ومحل لتلك المادة، فإن كانت المادة من الأفعال المتعدية، فتصير الذات علة، وإذا كانت من الأفعال اللازمة، تصير الذات موضوعا ومحلا، وما هو الموضوع له هو الذات المبهمة بجامعية العلة والمحل. أو يقال: بتعدد الوضع في الهيئة، كما اختاره في الماضي والمضارع الوالد المحقق - مد ظله - (1)، لعدم معقولية الجامع الصحيح العرفي، كما لا يخفى، فليتأمل. إن قلت: هل الموضوع له مركب أو بسيط ؟ وما مر يرجع إلى البساطة، لأن القضية حينية، وقد مر بطلانها (2). قلت: ما هو الموضوع له مركب من المعنى الاسمي - وهي الذات - والتقيد الحرفي، مع خروج ذات القيد عن الموضوع له. إن قلت: قد مر أن النسبة لا واقعية لها، ولا نفسية لوجودها في الأعيان، والمعاني الحرفية معان نسبية (3).


1 - مناهج الوصول 1: 205 - 207. 2 - تقدم في الصفحة 378. 3 - تقدم في الصفحة 87. (*)

[ 381 ]

قلت: ما منعناه هو الوجود الرابط، غير الوجود النفسي والرابطي، وأما المعاني الحرفية والنسب، فكلها إن كانت ترجع إلى الرابطي - كما هو الحق عندنا - فهو، وإلا فلا سبيل إليها، ففيما نحن فيه لاننكر أن المشتق مركب من الذات والمعنى الحرفي، وهو الحاكي عن وجود البياض، وأما نفس " البياض " في كلمة " أبيض " فهو مفاد المادة، وهو مفهوم الحدث مثلا، ولا شئ آخر وراء مفهوم الذات، والتقيد الحاكي عن وجود العرض في موضوعه. إن قيل: فلا يبطل بعض الاحتمالات الاخر، لإمكان اختيارهم ذلك، أي يكون مرامهم في النسبة أنها الوجود الرابطي، لا الرابط الذي لا أساس له. قلنا: نعم، ولكن بطلان تلك الاحتمالات، لا يحتاج إلى إقامة برهان، فإن احتمال كون مفاد الهيئة هي النسبة فقط، واحتمال كونه المبدأ المنتسب، في غاية الوهن، ولذلك لا يذهب إلى الأول أحد (1). وذهاب مثل صاحب " المقالات " إلى الثاني (2)، لا يخرجه عن الوهن، بعد شهادة الوجدان على خلافه. مع أنه لو كان يصح ما أفاده، فيلزم تكرار النسبة في الجملة التصديقية، فإن قوله: " زيد ضارب " مشتمل على النسبة التصديقية، فيصير معناه " زيد ثابت له الضرب المنتسب " أي الضرب الثابت له، فإن كلمة " ثابت له " مفاد النسبة التصديقية. هذا مع أنه يأبى عن الحمل، ضرورة أن المبدأ الملحوظ قبال الذات لا يحمل عليها، بخلاف الذات المقيدة بأمر، فإنها تحمل. فهذا القول - وهوتركب المشتق من الذات المبهمة محضا، ومن المعنى الحرفي، وهو تقيده بموضوعيته للمبدأ والحدث، أو عليته له - مما لا محيص عنه، فلا تغفل.


1 - حاشية فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 103. 2 - مقالات الاصول 1: 190، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 169 - 170. (*)

[ 382 ]

بحث وتحصيل: في أن حقيقة نزاع المشتق تكون حول أمر آخر كشفناه بناء على بساطة المشتق، أو تركبه من المبدأ والنسبة، لا يتصور النزاع المعروف، لعدم انحفاظ الذات في الحالتين، وبناء على تركيبه يتصور ذلك. وهذا مما يشهد على أن النزاع المذكور في أول المشتق، ليس في المفهوم الإفرادي، ولا في التطبيق، ضرورة أن القائلين بالبساطة (1)، لا يمكن أن نعدهم من الغافلين عن قضية مسلكهم في تلك المسألة. فيعلم من ذلك: أن النزاع في أمر آخر أبدعناه وكشفناه، وهو أن المشتقات الجارية على الذوات، هل هي تكون ظاهرة في أن الجري بلحاظ حال التلبس الفعلي، أو لا تكون ظاهرة في ذلك، ولا موضوعة لذلك (2) ؟ وهذا لا ينافي القول بالبساطة في هذه المسألة، كما لا يخفى. ومما يؤيد مسلكنا في هذه المسألة، ظاهر النزاع المعروف في تلك المسألة، فإن المغروس في أذهانهم هو التركب من الذات، والنسبة التقييدية التصورية، على الوجه الذي عرفت (3). فبالجملة: إن أخذنا بظاهر ما ورد عنهم في تلك المسألة، فيعلم منه أن المشتق مركب، وما كان هو أمرا مخفيا عليهم، بل كان من الواضح البديهي، وإن أولنا ذلك، فهذا النزاع شاهد قطعي على أن الجهة المبحوث عنها ليست ظاهر ما ينسب إليهم، وعلى كل تقدير يعلم الحق في المسألتين.


1 - كفاية الاصول: 70، درر الفوائد، المحقق الحائري: 66، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 106، نهاية الاصول: 76. 2 - تقدم في الصفحة 330 - 332. 3 - تقدم في الصفحة 380 - 382. (*)

[ 383 ]

وربما يتوهم: أن القول بالبساطة يلازم القول بالأخص، والقول بالتركيب يلازم القول بالأعم، وكلا الشقين باطل: أما الثاني: فواضح. وأما الأول: فلأنه من الممكن اختيار التركيب من المبدأ والنسبة، كما عن العلامة صاحب " المقالات " (1) وهو أحد معاني " البساطة " في المسألة، فلا تخلط. إرشاد وإيقاظ: في بيان مصحح الحمل وهو الاتحاد الواقعي لاشبهة في أن صحة الحمل، متقومة بالاتحاد بين الموضوع والمحمول، وهذا لا يحصل إلا بين الشئ ونفسه واقعا، واعتبار الاتحاد لا يكفي، وإلا يلزم صحة حمل كل شئ على كل شئ، فلابد من اعتبار الذات في المحمولات والجواري على الذوات، حتى يصح الحمل. نعم، الفرق بين الذات الواقعة موضوعا للقضية الشخصية، والذات المأخوذة في المشتق: هو التحصيل، والإبهام، ولذلك صح الحمل. ففي الحقيقة ما هو الصحيح من الحمل، هو حمل الشئ على نفسه، وجميع القضايا الحملية لاشتمالها على حمل الشئ على نفسه، يصح فيها الحمل، وتكون الخصوصية المأخوذة مع الذات المبهمة، سبب إفادة الحمل، والذات المأخوذة مع تلك الخصوصية، سبب صحة الحمل، فافهم وتأمل. توضيح وتشريح: حول جامع المشتقات وعموم الموضوع له


1 - مقالات الاصول 1: 190، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 169 - 170. (*)

[ 384 ]

قد عرفت: أن المبادئ والمواد مختلفة (1): فمنها: ماهي القائمة بالذوات قيام صدور، ك‍ " الضرب، والشتم ". ومنها: ماهي القائمة بها قيام حلول، ك‍ " الحسن والقبح ". ومنها: ماهي القائمة بها قيام تعلق، ك‍ " اللبن والتمر " في " اللابن والتامر ". ومنها: ماهي المحققة للذوات والمقومة لها خارجا، وإن كانت متعلقة بها ذهنا، كالوجود بناء على أصالة الوجود، فإنه متقدم على الماهية تقدما بالحقيقة في الأعيان، وعارض على الماهيات في الأذهان. وفي الجميع يكون الموضوع له، هي الذات المبهمة والشخص الإبهامي، إلا أن مجرد لحاظ النسبة غير كاف، ضرورة أن جميع المشتقات مشتركة في ذلك، فيلزم الترادف، فلابد من ملاحظة النسبة الخاصة، كالمحلية والعلية والواجدية، وأمثال ذلك، حتى يختص الوضع باسم الفاعل والصفة المشبهة. وحيث إن الذات في بعض المواد علة لها، وفي بعضها محل لها، وتكون واجدة لها، فلابد من تصوير الجامع كما اشير إليه (2)، فإن أمكن فهو، وإلا فلا بأس بالالتزام بتعدد الوضع، كما مر في السابق تفصيله (3)، وأشرنا إليه آنفا. وأما الموضوع له، ففي كونه خاصا أو عاما، خلاف ناشئ من الخلاف في أن مفاد تلك الذوات الجارية والمشتقات المحمولة، معنى حرفي، أو هو كلي، فمن قال بالأول اختار الأول، ومن اختار الثاني قال بالثاني. وقد مر منا: أن الملازمة ممنوعة (4)، فلامنع من الالتزام بكون المعنى حرفيا،


1 - تقدم في الصفحة 334 - 335. 2 - تقدم في الصفحة 312 - 315. 3 - تقدم في الصفحة 368 - 371. 4 - تقدم في الصفحة 268 - 270. (*)

[ 385 ]

والموضوع له عاما، لأن المعاني الحرفية المتصورة، بلحاظات اسمية اعتبرت في الخارج بمفاهيمها الاسمية، فتكون في الخارج متدلية، وفي الذهن مستقلة، وقد عرفت منا تفصيل البحث في المعاني الحرفية بالاصطلاح العقلي، والمعاني الحرفية بالمعنى الأعم منها (1)، فتدبر. شبهات وتفصيات اولاها: لو كان المأخوذ في المشتق مفهوم الذات، يلزم تكرر انسباقها إلى الذهن في الجملة الواحدة. وفيه: أن المتبادر من الموضوع في القضية الشخصية، هي الذات المعينة والمخصوصة، والمتفاهم من المشتق هي الذات المبهمة المرتفع إبهامها بالموضوع، ولا يعقل تشخص المبهم بأمر آخر وراء موضوعه، وهذا أمر ضروري لا غبار فيه، فليس معنى " زيد قائم " " زيد زيد له القيام " كما في تقريرات العلامة النائيني (2)، فلا تخلط. ثانيها: قد حكي عن الميرزا الشيرازي (قدس سره): " أن أخذ الذات في المشتق يستلزم أن يكون في مثل جملة " زيد ضارب " أربع نسب نسبتان تامتان، ونسبتان ناقصتان:


1 - تقدم في الصفحة 91 - 98. 2 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 107، أجود التقريرات 1: 67. (*)

[ 386 ]

أما التامتان: فإحداهما: نسبة " الضارب " إلى " زيد " التي تكفلها نفس الكلام. وثانيتهما: النسبة التي تكون نتيجتها، النسبة الناقصة المستفادة من هيئة " ضارب " لما تقرر: من أن كل نسبة تقييدية ناقصة، فهي من نتائج النسبة التامة، فلابد من وجودها، لوجود أثرها. وأما الناقصتان: فإحداهما: هي النسبة الناقصة التقييدية الموضوع لها هيئة " الضارب " كما هو المدعى. وثانيتهما: النسبة الناقصة التقييدية التي تكون نتيجة حمل " الضارب " على " زيد " لأن كل نسبة تامة مستتبعة للنسبة التقييدية الناقصة، فمن وجودها يعلم وجود أثرها، على عكس ما مر في الأول " (1). وفيه: أن المقرر في محله عدم وجود النسبة التامة بين " زيد " و " ضارب " أصلا، وأما النسبة الناقصة في المحمول، فلا منع من الالتزام بها. وحصول النسبة التامة عقلا من الدلالة اللفظية، لا يحسب من المداليل اللفظية حتى يقال: بأنه لا دال في الكلام يدل عليه. ولو سلمنا النسبة التامة في مفاد الجملة، فلا منع من الالتزام بتلك النسب العقليتين واللفظيين، فعليه تكون النسب في الجملة المذكورة، أكثر من هذا مرارا، لأن ثبوت شئ لشئ فرع ثبوت المثبت له، فلا يكون " زيد " مشتملا على جملة مفادها أنه موجود، بل ينحل إلى أن الجوهر موجود، والكم موجود، والكيف موجود، لأن زيدا مركب - حسب العقل - من مقولة الجوهر، والمقولات الاخر. والأولى صرف الكلام عن ذكر هذه الامور، التي هي أنسب بامتحان الصبيان من


1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 107 - 108. (*)

[ 387 ]

كونها برهانا. ثالثها: لو كان المشتق مركبا من الذات والنسبة، يلزم مجازية حمل " الموجود " على " الوجود " وهو خلاف التبادر العرفي، وهكذا حمل " الأبيض " على " البياض " ولذلك يظهر من الفلاسفة اختيار بساطته، وأنه عين المبدأ واقعا، وغيره اعتبارا (1). وقالوا: " إذا قيل: كل إنسان أبيض، فهو من القضايا الحقيقية، ويكون الفرد مصداقه المجازي ". وفيه أولا: يلزم المجازية على البساطة أيضا، لما نسب إليهم من المجازية في القضية المزبورة. وثانيا: يلزم غلطية " القيام قائم " و " الضحك ضاحك " و " البكاء باك " و " الشعر شاعر " و " الفسق فاسق " فمجرد حسن الاستعمال في مثل " الوجود موجود " و " البياض أبيض " و " النور نير " وهكذا، لا يستدعي البساطة كما عرفت. وثالثا: " الوجود موجود " تام على القول بأصالة الوجود، وأما على أصالة الماهية فلايتم، فلايعتقد القائلون بأصالتها بصحة الحمل المزبور، كما صرح به شيخ الإشراق في بعض كتبه (2). ورابعا: الذات المأخوذة في المشتق ليست عنوانا جوهريا، ولا مشيرا إلى العناوين الجوهرية، بل الذات المأخوذة في المشتق عنوان أعم من ذلك، ومن كل متأصل في العين، أو كل متأصل في الاعتبار، لأنها مبهمة من جميع الجهات، ومتوغلة في الإبهام بجميع الحيثيات.


1 - الحكمة المتعالية 2: 38، و 6: 64 - 66. 2 - التلويحات: 22 - 23، لاحظ الحكمة المتعالية 1: 39 - 41. (*)

[ 388 ]

ف‍ " الموجود " هو الذات التي هي عين حقيقة الوجود، فيكون المشتق في عالم اللحاظ والذهن - الذي لاحظه الواضع بعقله العرفي - مركبا، وإن كان بحسب الخارج ونفس الأمر بسيطا، لما عرفت: من أن المراد من " التركب والبساطة " التركب والبساطة العرفيتين، والذهنيتين، لا العقليتين، ولا الخارجيتين (1)، فلا تغفل. رابعها: قضية ما تحرر منا سابقا وفي بعض كتبنا الاخر: أن الوجودات العرضية، لا يحاذيها شئ في الأعيان إلا طور الجوهر وشأنه، وليس الكمالات الخارجية إلا كمال الجوهر ونعته، فهي ذاك في الواقع (2)، ولأجل هذا يقال: " إذا لوحظ زيد مثلا بحسب الذات وأصل الوجود، يعتبر منه المفاهيم الجوهرية، وإذا لوحظ هو أيضا بحسب كمالاته ينتزع منه العناوين الكمالية التي هي المقولات العرضية ". وقد تقرر: أن المعلم الأول في كتاب المنطق، عبر عن " المقولات " بالعناوين الاشتقاقية، ك‍ " المتكمم والمتكيف " (3) وهذا هو معنى " المقولة " لأن معناها المحمول. فلا تركب في الأعيان حتى يلزم التركب في مفاد المشتقات، فمفادها كمفاد ألفاظ " الشجر " و " الحجر " يكون تركيبها عقليا، لا عقلائيا لغويا، فلا فرق بين مفاد كلمة " زيد " وكلمة " قائم " في أنه واحد بحسب الدلالة، ومتكثر بحسب اللب. بل كلمة " زيد " أكثر تكثرا من كلمة " قائم " كما هو الظاهر.


1 - تقدم في الصفحة 372 - 373. 2 - تقدم في الصفحة 89 - 90. 3 - منطق أرسطو 1: 35، ولاحظ الحكمة المتعالية 1: 42، الهامش 3. (*)

[ 389 ]

وهذا يرجع إلى إنكار الوضع النوعي في الهيئات والمواد، أو إلى أن وضعها تهيئي، لا فعلي، بمعنى أن لكل واحد منهما وضعا على حدة، ولكن لاتدل على شئ، ولا ينسبق من ذلك شئ إلى الذهن مادام لم يلحق به الآخر. أقول: لا ينبغي الخلط بين قضية البراهين العقلية التي أقامها مثل صدر المتألهين على مسألة عقلية - وهي إثبات موضوع الحركة العرضية مع الجوهر، حتى يثبت الحركة الجوهرية بإثبات الحركة العرضية (1) - وبين قضية التفكيك العقلي واللحاظي الواقع في ذهن الواضع، فإنك أحطت خبرا فيما سلف: بأن للعقل تجزئة الواحد الحقيقي والبسيط الخارجي، فإذا حلله إلى الكثير، فتارة: يضع اللفظ للمعنى المتكثر، واخرى: يضع اللفظين أو الألفاظ لتلك المتكثرات الموجودة بوجود واحد: ففي الفرض الأول يلزم الوضع الشخصي، كما إذا لاحظ حقيقة الشجر بجنسها وفصلها، ثم وضع لفظة " الشجر " لها. وفي الثاني يلزم الوضع النوعي. فله تحليل الجوهر الموصوف بوصف القيام المتحد معه خارجا، فإذا حلله إلى الأمرين مثلا، ووضع للقيام الملاحظ بذاته لفظة، وللذات الواجدة له هيئة أو لفظة، فقهرا تصير الدلالة كثيرة، وإن كانت في عرض واحد، كدلالة " الجامد " على معناه، وقد فصلنا ذلك سابقا (2)، فليراجع. فبالجملة: عدم التركب في الأعيان أجنبي عن هذه المسألة، فلا تخلط. خامسها: لو كانت الذات مأخوذة في المشتق، يلزم التكرار فيما إذا أخبر ب‍ " أن زيدا


1 - الحكمة المتعالية 3: 101 - 105. 2 - تقدم في الصفحة 325 - 326. (*)

[ 390 ]

قائم " ثم أخبر ب‍ " أن زيدا ذات " أو " شئ ". وهكذا لو كان مركبا منهما يلزم التناقض بين قولنا: " هو إنسان " و " هو ليس بقائم " مع أن الضرورة قاضية بخلاف ذلك. وفيه أولا: نقض بأنه لو لم تكن الذات مأخوذة فيه يلزم التكرار، لأن قضية قاعدة الفرعية ثبوت زيد، وهو يستلزم القضية الثانية قهرا. وثانيا: حل بأن مفاد القضية الاولى ليس إلا معنى واحدا، ولا ينحل في الإفادة اللفظية إلى الكثير، والاستفادة العقلية من الدلالة اللفظية، لا يستلزم التكرار المقصود، وهو الذي يحصل من الدلالة اللفظية، فلا تخلط. هذا في المثال الأول. وأما في المثال الثاني فالأمر أوضح، ضرورة أن التناقض اختلاف القضيتين، ولا تعدد في القضايا. والسر كل السر: أن التكرار لا يحصل حتى فيما إذا قال: " زيد ذات " و " زيد ذات له القيام " وهكذا التناقض، فيعلم منه أن منشأه أمر آخر، لا البساطة. سادسها: لو كان المشتق مركبا - سواء كان تركيبا من الشئ والنسبة، أو المبدأ والنسبة - فيلزم على التقدير الأول، كون المفهوم العام داخلا في ذاتيات الشئ، وعلى التقدير الثاني كون النسبة مقومة للجوهر، والكل باطل. ولو كان مركبا من ذات الشئ وأمر آخر، للزم انقلاب مادة الإمكان إلى الضرورة. مثلا: إذا قيل في حد الإنسان: " إنه حيوان ناطق " فإن اريد من " الناطق " شئ له النطق، يلزم الشق الأول، وإن اريد منه الذات ونفس الإنسان، يلزم الشق الثاني، فلابد من الالتزام باتحاد المشتق والمبدأ. وبهذا التقريب يندفع بعض الإشكالات في المقام، كما يتضح أن ما في

[ 391 ]

" الكفاية ": " من أن الشريف أفاد: أن المشتق بسيط ينتزع عن الذات باعتبار تلبسها بالمبدأ واتصافها به " (1) من الخلط والسهو، ضرورة أنه يريد إثبات وحدة المشتق والمبدأ، لا أن مفاده الذات بلحاظ كذا، فإنه يرجع إلى التركب من الذات والنسبة بالوجه الذي تحرر منا. أقول: البحث في هذه الشبهة من جهات ثلاث: إحداها: البحث حول حقائق الأشياء، وكيفية أخذ الأجناس والفصول، وحقيقة الأجناس والفصول، وما هو مأخذهما، من المواد والصور. وثانيتها: حول ما يؤخذ بعنوان الجنس والفصل - ك‍ " الحيوان والناطق " - في الكتب العقلية، وأن هذا غير تام، ولايكون الحيوان جنسا حقيقة، ولا الناطق فصلا واقعا. وهاتان الجهتان يتكفلهما العلم الأعلى، وقد بحثناهما في مباحث الماهيات في " القواعد الحكمية " (2). وأما ثالثتها: فهي الأمر المشترك في الهيئات بعد الالتزام بالوضع الواحد فيها، وهي أن الموضوع له في مثل " الناطق، والقائم، والضاحك، واللابن، والتامر " واحد، فلو كان مفاد المشتق والمبدأ واحدا يلزم كون " اللابن " هو اللبن، واللبن مباين الوجود مع الموضوع بالضرورة، فلا يجوز الخلط بين المتفاهمات العرفية واللغوية من الألفاظ، وبين مقتضيات البراهين العقلية في الحقائق. ولنعم ما قال الفاضل الدواني: " إن الحقائق الحكمية لاتقتنص من الإطلاقات العرفية " وهكذا لاتتعين ولا تتشخص الحقائق اللغوية والمتبادرات السوقية بالبراهين الفلسفية الحكمية.


1 - كفاية الاصول: 70. 2 - القواعد الحكمية للمؤلف (قدس سره) (مفقودة). (*)

[ 392 ]

هذا، ويمكن أن يقال: إن هذا الإشكال لا يختص بالفصول الذاتية، بل يسري إلى الأسماء الجارية عليه تعالى، فإن المتبادر من المشتق - على القول بتركيبه من الذات والتقيد - هو أن الحدث والمبدأ زائد عليها زيادة ذهنية، أو هي زيادة خارجية، وكلاهما منفيان في حقه تعالى وتقدس. بل يلزم المجازية في قولنا: " الماهية موجودة " لظهور التركيب المزبور في كون المبدأ والحدث، قائما بالذات المأخوذة في المشتق، مع أن الماهية قائمة بالوجود، حسب ما تقرر في محله (1). بل يلزم الإشكال في مثل " البغدادي " و " الطهراني " لأن المتبادر من المبدأ هو الحدث القائم أو الصادر، وليست بغداد حدثا، ولا يكون التبغدد مبدأ في النسبة إلى بغداد، حتى يقال: بأنه معنى حدثي، بل المبدأ هو نفس بغداد وطهران وكاشان، و " الياء " للنسبة إليها، فيلزم بناء على ما مر من تفسير المشتق إشكالات (2)، نظير إشكال الشريف، والجواب عن الكل واحد. وتوهم خروج مثل البغدادي عن حريم النزاع في هذه المسألة، مدفوع بما مر في أول البحث (3): وهو أن المراد من " الذات " المأخوذة في المبدأ، ليس الجواهر خصوصها، ولا الأعراض فقط، بل المراد منها ذات كل شئ، واجبا كان، أو ممكنا، جوهرا كان، أو عرضا. والمراد من " التركب " هو التركب اللحاظي الذي لاحظه الواضع. والمراد من " التقيد " ليس إلا إخراج الذات عن الإطلاق إلى حصة منها، سواء كانت هي ذات متحدة مع المبدأ خارجا، أو ذهنا حسب القواعد العقلية، أو تكون


1 - الحكمة المتعالية 1: 246. 2 - تقدم في الصفحة 210. 3 - تقدم في الصفحة 332. (*)

[ 393 ]

غير المبدأ في الذهن والخارج. فإذا قيل: " الإنسان ناطق " مرادا به فصله الحقيقي، أو قيل: " زيد ناطق " مرادا به الكيف المسموع، أو قيل: " الله تبارك وتعالى عالم وقادر " أو قيل: " زيد عالم " أو قيل: " زيد موجود " وهكذا من الأمثلة المختلفة - كقوله: " زيد لابن، وتامر، وبغدادي " وهكذا - فلايراد من الذات إلا ما جعله الواضع في لحاظه داخلا في مفهوم المشتق، المتقيد في لحاظه بأمر، ولو كان ذلك الأمر عين تلك الذات. فالمراد من " الموجود " هي الذات المتقيدة بالوجود، وليس النظر إلى هذا النحو من التقيد، بل النظر إلى أصل التقيد بأي وجه كان، فلا يلزم مجازية في مثل " الوجود موجود " ولا في مثل " زيد موجود " بل الكل بنحو الحقيقة. ولا يلزم أخذ الشئ في مفهوم المشتق، بنحو يكون النطق زائدا على ذلك الشئ، بل المأخوذ فيه هي الذات الأعم من كونها عين المبدأ والمادة الفعلية التي هي حقيقة الفعل خارجا، وتمام الصورة الخارجية في الأعيان، أو تكون المادة زائدة عليها، فإنها مبهمة من تلك الجهة أيضا، كإبهامها من سائر الجهات. فالخصوصيات من كونها نفس الذات أو زائدة عليها، تعرف من الامور الخارجة عن هذه المرحلة، كما لا يخفى. ثم إنه كما لا تكون الذات الملحوظة مخصوصة بإحدى الذوات، كذلك لا تكون تلك الذات هي الذوات الجوهرية، فيصدق " الأبيض " على البياض والجسم على وجه فارد، لأن معنى " الأبيض " هو الذات المتقيدة بالبياض من غير فرق بين كونه بحسب الخارج عين البياض، فيكون وجود المقيد - وهي الذات - والقيد المزبور واحدا، أو غيره. ومن هنا يعلم: أن إطلاق الأسماء عليه تبارك وتعالى، صحيح وحقيقة، فما يظهر من الشريف وغيره في المسألة، لا يخلو من التأسف. وأنت بعد التدبر فيما

[ 394 ]

أفدناه، تقدر على نقد مقالات القوم في المقام. ثم إن المراد من قولنا في تفسير المشتق: " بأنه ذات مقيدة بالمبدأ " ليس أن المبدأ قائم بالذات قيام حلول أو صدور، بل من الممكن كون الذات متقومة بالمبدأ، كما في قولنا: " الماهية موجودة " فالمراد من " المبدأ " أيضا أعم، فالمقصود من " التركيب " ليس إلا التركيب اللحاظي الحاصل في نفس الواضع حين الوضع ملغيا جميع الخصوصيات. ومما ذكرنا يظهر: أن المبدأ أيضا أعم من كونه كالأحداث، أو يكون كالجواهر، كقولك: " زيد لابن، وعمرو بغدادي " فما هو الموضوع له أمر جامع بين جميع هذه المذكورات، فإن قلنا: بخصوص الموضوع له، فتصوير الجامع في غاية السهولة، لعدم الاحتياج إلى الجامع الحقيقي، وإن قلنا: بعموم الموضوع له فالجامع ما ذكرناه (1)، كما لا يخفى، فافهم واغتنم جيدا. إن قلت: كيف يمكن الالتزام بصحة قولنا: " الله تعالى علم كله، وقدرة كله " وصحة قولنا: " إنه عالم وقادر " مع الالتزام بتركب المشتق، وهل هذا إلا تناقض ؟ ! فلابد إما من القول بالبساطة، أو القول بالمجازية. قلت: التركب الخارجي والذهني الحقيقي، لا يجامع صحة قولنا: " هو علم كله " ولكن التركب بالمعنى الذي ذكرناه يجامعه، فإن للعقل تحليل الواحد كما عرفت. ولا يخفى: أن حسب القواعد يصح: " زيد علم وعالم " لأن المجردات متحدات مع المفاهيم الكمالية في الخارج. والقول بامتناع تحليله تعالى ذهنا صحيح، إلا أن هذا التحليل كتحليله تعالى ب‍ " أنه العالم القادر " فإن مجرد التقييد الذهني لا يستلزم التركيب الذهني، ولا الخارجي، فلا تغفل.


1 - تقدم في الصفحة 271. (*)

[ 395 ]

تذنيب: في أن الإنسان عين الناطق وليس مركبا قضية ما تحرر في محله: أن شيئية الشئ بصورته، ولا تكون الجواهر إلا أن جوهريتها وحقيقتها بفصلها الأخير، وصورتها الأخيرة، وهي الصورة الوحدانية البسيطة، فلو كان مفهوم المشتق بسيطا، يلزم كون حقيقة الإنسان مركبة من الحيوان


1 - تقدم في الصفحة 271. (*)

[ 395 ]

تذنيب: في أن الإنسان عين الناطق وليس مركبا قضية ما تحرر في محله: أن شيئية الشئ بصورته، ولا تكون الجواهر إلا أن جوهريتها وحقيقتها بفصلها الأخير، وصورتها الأخيرة، وهي الصورة الوحدانية البسيطة، فلو كان مفهوم المشتق بسيطا، يلزم كون حقيقة الإنسان مركبة من الحيوان والنطق، مع أن تلك الحقيقة عين النطق، وعين الإدراك، وليس الإدراك زائدا على ذاته، لأن علم المجرد بذاته حضوري، وهذا حاصل بحضورها لدى ذاتها. فعليه يرجع معنى " الإنسان حيوان ناطق " إلى أن الإنسان حيوان ذو إدراك، لا أنه حيوان، وإدراك، حتى يكون مركبا في حقيقته، ولأجل ذلك جئ في تحديد الحقائق - عند بيان فصلها الأخير - بالعناوين الاشتقاقية. ومن هنا يعلم: أن " الناطق " عين حقيقة الإنسان، لرجوعه إلى أنه ذات تمام حقيقتها الإدراك، فما اشتهر من الإشكال في أخذ " الناطق " فصلا: " من أنه إما نطقه المسموع، أو نطقه العلمي الإدراكي، وهو من مقولة الفعل، أو الانفعال، أو الكيف " (1) ناشئ من عدم الوصول إلى قصوى المسائل العقلية. هذا آخر ما أردنا إيراده في هذه المسألة، وقد تمت بيد الفقير المفتاق إلى رحمة ربه الغني الخلاق، في ليلة الأربعاء من شهر شعبان المعظم، من العام الثامن بعد الثمانين بعد ثلاثمائة وألف، من الهجرة النبوية، على مهاجرها الصلاة والتحية. والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا.


1 - كفاية الاصول: 71، محاضرات في اصول الفقه 1: 269 - 270. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية