الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر ج 2

أصول الفقه

الشيخ محمد رضا المظفر ج 2


[ 1 ]

أصول الفقه

[ 3 ]

الشيخ محمد رضا المظفر أصول الفقه المجلد الثاني

[ 5 ]

المقصد الثالث مباحث الحجة

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: إن مقصودنا من هذا البحث، وهو (مباحث الحجة)، تنقيح ما يصلح أن يكون دليلا وحجة على الاحكام الشرعية، لنتوصل إلى الواقع من أحكام الله تعالى. فإن أصبنا بالدليل ذلك الواقع كما أردنا، فذلك هو الغاية القصوى، وإن أخطأناه، فنحن نكون معذورين غير معاقبين في مخالفة الواقع. والسر في كوننا معذورين عند الخطأ هو لاجل أننا قد بذلنا جهدنا وقصارى وسعنا في البحث عن الطرق الموصلة إلى الواقع من أحكام الله تعالى، حتى ثبت لدينا - على سبيل القطع - أن هذا الدليل المعين، كخبر الواحد مثلا، قد ارتضاه الشارع لنا طريقا إلى أحكامه (جعله حجة عليها. فالخطأ الذي نقع فيه انما جاء من الدليل الذي نصبه وارتضاه لنا، لا من قبلنا. وسيأتي بيان كيف نكون معذورين، وكيف يصح وقوع الخطأ في الدليل المنصوب حجة، مع أن الشارع هو الذي نصبه وجعله حجة. * * * ولا شك في أن هذا المقصد هو غاية الغايات من مباحث علم أصول الفقه، وهو العمدة فيها، لانه هو الذي يحصل كبريات مسائل المقصدين السابقين (الاول والثاني) فإنه لما كان يبحث في المقصد الاول عن تشخيص

[ 8 ]

صغريات الظواهر اللفظية (1) فإنه في هذا المقصد يبحث عن حجية مطلق الظواهر اللفظية بنحو العموم، فتتألف الصغرى من نتيجة المقصد الاول، والكبرى من نتيجة هذا المقصد، ليستنتج من ذلك الحكم الشرعي، فيقال مثلا. صيغة افعل ظاهرة في الوجوب (الصغرى) وكل ظاهر حجة (الكبرى) فينتج: صيغة افعل حجة في الوجوب (النتيجة) فإذا وردت صيغة افعل في آية أو حديث استنتج من ذلك وجوب متعلقها. وهكذا يقال في المقصد الثاني، إذ يبحث فيه عن تشخيص صغريات احكام العقل، وفي هذا المقصد يبحث عن حجية حكم العقل فتتألف منهما صغرى وكبرى. وقد أوضحنا كل ذلك في تمهيد المقصدين (فراجع). وعليه، فلا بد ان نستقصي في بحثنا عن كل ما قيل أو يمكن ان يقال باعتباره وحجيته، لنستوفي البحث، ولنعذر عند الله تعالى في اتباع ما يصح اتباعه وطرح مالا يثبت اعتباره. وينبغي بنا أيضا - من باب التمهيد والمقدمة - ان نبحث عن موضوع هذا المقصد، وعن معنى الحجية، وخصائصها: والمناط فيها، وكيفية اعتبارها، وما يتعلق بذلك، فنضع المقدمة في عدة مباحث، كما نضع المقصد في عدة أبواب:


(1) ان بعض مشايخنا الاعاظم قدس سره التزم في المسألة الاصولية أنها يجب أن تقع كبرى في القياس الذي يستنبط منه الحكم الشرعي وجعل ذلك مناطا في كون المسألة أصولية، ووجه المسائل الاصولية على هذا النحو. وهو في الحقيقة لزوم ما لا يلزم وقد أوضحنا الحقيقة هنا وفيما سبق.

[ 9 ]

المقدمة وفيها مباحث: 1 - موضوع المقصد الثالث من التمهيد المتقدم في بيان المقصود من (مباحث الحجة) يتبين لنا أن الموضوع لهذا المقصد الذي يبحث فيه عن لواحق ذلك الموضوع ومحمولاته هو: (كل شئ يصلح أن يدعى ثبوت الحكم الشرعي به، ليكون دليلا وحجة عليه). فإن استطعنا في هذا المقصد ان نثبت بدليل قطعي (1) إن هذا الطريق مثلا حجة، اخذنا به ورجعنا إليه لاثبات الاحكام الشرعية، وإلا طرحناه وأهملناه وبصريح العبارة نقول: إن الموضوع لهذا المقصد في الحقيقة هو (ذات الدليل) بما هو في نفسه، لا بما هو دليل. وأما محمولاته ولواحقه التي نفحصها ونبحث عنها لاثباتها له، فهي كون ذلك الشئ دليلا وحجة، فأما ان نثبت ذلك أو ننفيه.


(1) سيأتي في المبحث السادس بيان انه لماذا يجب أن يكون ثبوت حجية الدليل بالدليل القطعي ولا يكفي الدليل الظني. (*)

[ 10 ]

ولا يصح ان نجعل موضوعه الدليل بما هو دليل، أو الحجة بما هي حجة، أي بصفة كونه دليلا وحجة، كما نسب ذلك إلى المحقق القمي أعلى الله مقامه في قوانينه، إذ جعل موضوع أصل علم الاصول الادلة الاربعة بما هي أدلة. ولو كان الامر كما ذهب إليه رحمه الله لوجب أن تخرج مسائل هذا المقصد كلها عن علم الاصول، لانها تكون حينئذ من مباديه التصورية لا من مسائله. وذلك واضح، لان البحث عن حجية الدليل يكون بحثا عن أصل وجود الموضوع وثبوته الذي هو مفاد كان التامة، لا بحثا عن لواحق الموضوع الذي هو مفاد كان الناقصة. والمعروف عند اهل الفن أن البحث عن وجود الموضوع - أي موضوع كان سواء كان موضوع العلم أو موضوع أحد أبوابه ومسائله - معدود من مبادئ العلم التصورية، لا من مسائله. ولكن هنا ملاحظة ينبغي التنبيه عليها في هذا الصدد، هي: إن تخصيص موضوع علم الاصول بالادلة الاربعة - كما فعل الكثير من مؤلفينا - يستدعي أن يلتزموا بأن الموضوع هو الدليل بما هو دليل، كما فعل صاحب القوانين، وذلك لان هؤلاء لما خصصوا الموضوع بهذه الاربعة فإنما خصصوه بها لانها معلومة الحجية عندهم، فلا بد أنهم لاحظوها موضوعا للعلم بما هي أدلة، لا بما هي هي، وإلا لجعلوا الموضوع شاملا لها ولغيرها مما هو غير معتبر عندهم كالقياس والاستحسان ونحوهما، وما كان وجه لتخصيصها بالادلة الاربعة. وحينئذ لا مخرج لهم من الاشكال المتقدم، وهو لزوم خروج عمدة مسائل علم الاصول عنه. وعلى هذا يتضح أن مناقشة صاحب الفصول لصاحب القوانين ليست في محلها، لان دعواه هذه لا بد من الالتزام بها بعد الالتزام بان الموضوع خصوص الادلة الاربعة، وإن لزم عليه اشكال خروج اهم المسائل عنه. ولو كان الموضوع هي الادلة بما هي هي - كما ذهب إليه صاحب

[ 11 ]

الفصول - لما كان معنى لتخصيصه بخصوص الاربعة، ولوجب تعميمه لك ما يصلح أن يبحث عن دليليته وإن ثبت بعد البحث انه ليس بدليل. والخلاصة: انه اما أن نخصص الموضوع بالادلة الاربعة فيجب ان نلتزم بما التزم به صاحب القوانين فتخرج مباحث هذا المقصد الثالث عن علم الاصول، واما أن نعمم الموضوع - كما هو الصحيح - لكل ما يصلح أن يدعى أنه دليل، فلا يختص بالاربعة. وحينئذ يصح أن نلتزم بما التزم به صاحب الفصول وتدخل مباحث هذا المقصد في مسائل العلم. فالالتزام بأن الموضوع هي الاربعة فقط ثم الالتزام بأنها بما هي هي لا يجتمعان. وهذا أحد الشواهد على تعميم موضوع علم الاصول لغير الادلة الاربعة، وهو الذي نريد اثباته هنا. وقد سبقت الاشارة إلى ذلك ص 6 من المجلد الاول. والنتيجة: ان الموضوع الذي يبحث عنه في هذا المقصد هو: (كل شئ يصلح أن يدعى انه دليل وحجة). فيعم البحث كل ما يقال انه حجة، فيدخل فيه البحث عن حجية خبر الواحد والظواهر والشهرة والاجماع المنقول والقياس والاستحسان ونحو ذلك، بالاضافة إلى البحث عن أصل الكتاب والسنة والاجماع والعقل. فما ثبت أنه حجة من هذه الامور أخذنا به، وما لم يثبت طرحناه. كما يدخل فيه أيضا البحث عن مسألة التعادل والتراجيح، لان البحث فيها - في الحقيقة - عن تعيين ما هو حجة ودليل من بين المتعارضين، فتكون المسألة من مسائل مباحث الحجة. ونحن جعلناها في المجلد الاول ص 8 خاتمة لعلم الاصول اتباعا لمنهج القوم، ورأينا الآن العدول عن ذلك رعاية لواقعها وللاختصار.

[ 12 ]

2 - معنى الحجة 1 - الحجة لغة: كل شئ يصلح ان يحتج به على الغير. وذلك بأن يكون به الظفر على الغير عند الخصومة معه. والظفر على الغير على نحوين: أما باسكاته وقطع عذره وابطاله. واما بأن يلجئه على عذر صاحب الحجة فتكون الحجة معذرة له لدى الغير. 2 - وأما الحجة في الاصطلاح العلمي فلها معنيان أو اصطلاحان: أ - ما عند المناطقة. ومعناها: (كل ما يتألف من قضايا تنتج مطلوبا) أي مجموع القضايا المترابطة التي يتوصل بتأليفها وترابطها إلى العلم المجهول سواء كان في مقام الخصومة مع أحد أم لم يكن. وقد يطلقون الحجة أيضا على نفس (الحد الاوسط) في القياس. ب - ما عند الاصوليين، ومعناها عندهم حسب تتبع استعمالها: (كل شئ يثبت متعلقه ولا يبلغ درجة القطع). أي لا يكون سببا للقطع بمتعلقه، والا فمع القطع يكون القطع هو الحجة ولكن هو حجة بمعناها اللغوي. أو قل بتعبير آخر: (الحجة كل شئ يكشف عن شئ آخر ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له) ونعني بكونه مثبتا له: ان اثباته يكون بحسب الجعل من الشارع المكلف بعنوان أنه هو الواقع. وانما يصح ذلك ويكون مثبتا له فبضيمة الدليل على اعتبار ذلك الشئ الكاشف الحاكي وعلى أنه حجة من قبل الشارع. وسيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق معنى الجعل للحجية وكيف يثبت الحكم بالحجة.

[ 13 ]

وعلى هذا، فالحجة بهذا الاصطلاح لا تشمل القطع، أي أن القطع لا يسمى حجة بهذا المعنى بل بالمعنى اللغوي. لان طريقية القطع - كما سيأتي - ذاتية غير مجعولة من قبل أحد. وتكون الحجة بهذا المعنى الاصولي مرادفة لكلمة (الامارة). كما أن كلمة (الدليل) وكلمة (الطريق) تستعملان في هذا المعنى، فيكونان مرادفتين لكلمة الامارة والحجة أو كالمترادفتين. وعليه، فلك أن تقول في عنوان هذا المقصد بدل كلمة (مباحث الحجة): (مباحث الامارات). أو (مباحث الادلة). أو (مباحث الطرق) وكلها تؤدي معنى واحدا. ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا الصدد ان استعمال كلمة (الحجة) في المعنى الذي تؤديه كلمة (الامارة) مأخوذ من المعنى اللغوي من باب تسمية الخاص باسم العام، نظرا إلى أن الامارة مما يصح أن يحتج المكلف بها إذا عمل بها وصادفت مخالفة الواقع فتكون معذرة له، كما انه مما يصح أن يحتج بها المولى على المكلف إذا لم يعمل بها ووقع في مخالفة الحكم الواقعي فيستحق العقاب على المخالفة. 3 - مدلول كلمة الامارة والظن المعتبر بعد أن قلنا: ان الامارة مرادفة لكلمة الحجة باصطلاح الاصوليين، ينبغي أن ننقل ؟ ؟ الكلام إلى كلمة (الامارة) لنتسقط بعض استعمالاتها، كما سنستعملها بدل كلمة الحجة في المباحث الآتية فنقول: إنه كثيرا ما يجري على السنة الاصوليين اطلاق كلمة الامارة على معنى ما تؤديه كلمة (الظن). ويقصدون من الظن (الظن المعتبر): أي الذي اعتبره الشارع وجعله حجة، ويوهم ذلك أن الامارة والظن المعتبر لفظان مترادفان يؤديان معنى واحدا، مع أنهما ليسا كذلك.

[ 14 ]

وفي الحقيقة ان هذا تسامح في التعبير منهم على نحو المجاز في الاستعمال لا أنه وضع آخر لكلمة الامارة. وانما مدلول الامارة الحقيقي هو كل شئ اعتبره الشارع لاجل أنه يكون سببا للظن كخبر الواحد والظواهر. والمجاز هنا: أما من جهة اطلاق السبب على مسببه، فيسمى الظن المسبب (امارة) وأما من جهة اطلاق المسبب على سببه، فتسمى الامارة التي هي سبب للظن (ظنا) فيقولون: الظن المعتبر والظن الخاص، والاعتبار والخصوصية إنما هما لسبب الظن. ومنشأ هذا التسامح في الاطلاق هو أن السر في اعتبار الامارة وجعلها حجة وطريقا هو افادتها للظن دائما أو على الاغلب، ويقولون للثاني الذي يفيد الظن على الاغلب: (الظن النوعي) على ما سيأتي بيانه. 4 - الظن النوعي ومعنى (الظن النوعي): ان الامارة تكون من شأنها ان تفيد الظن عند غالب الناس ونوعهم. واعتبارها عند الشارع انما يكون من هذه الجهة، فلا يضر في اعتبارها وحجيتها الا يحصل منها ظن فعلي للشخص الذي قامت عنده الامارة، بل تكون حجة عند هذا الشخص أيضا حيث أن دليل اعتبارها دل على أن الشارع انما اعتبرها حجة ورضي بها طريقا لان من شأنها ان تفيد الظن وان لم يحصل الظن الفعلي منها لدى بعض الاشخاص. ثم لا يخفى عليك انا قد نعبر فيما يأتي تبعا للاصوليين فنقول: الظن الخاص أو الظن المعتبر أو الظن الحجة، وأمثال هذه التعبيرات، والمقصود منها دائما سبب الظن، أعني الامارة المعتبرة وان لم تفد ظنا فعليا. فلا يشتبه عليك الحال. 5 - الامارة والاصل العملي واصطلاح الامارة لا يشمل (الاصل العملي) كالبراءة والاحتياط والتخيير

[ 15 ]

والاستصحاب، بل هذه الاصول تقع في جانب والامارة في جانب آخر مقابل له فإن المكلف إنما يرجع إلى الاصول إذا افتقد الامارة، أي إذا لم تقم عنده الحجة على الحكم الشرعي الواقعي. على ما سيأتي توضيحه وبيان السر فيه. ولا ينافي ذلك أن هذه الاصول أيضا قد يطلق عليها إنها حجة، فإن اطلاق الحجة عليها ليس بمعنى الحجة في باب الامارات، بل بالمعنى اللغوي باعتبار إنها معذورة للمكلف إذا عمل بها واخطأ الواقع، ويحتج بها المولى على المكلف إذا خالفها ولم يعمل بها ففوت الواقع المطلوب. ولاجل هذا جعلنا باب (الاصول العملية) بابا آخر مقابل باب (مباحث الحجة). وقد أشير في تعريف الامارة إلى خروج الاصول العملية بقولهم: (يثبت متعلقه)، لان الاصول العملية لا تثبت متعلقاتها، لانه ليس لسانها لسان إثبات الواقع والحكاية عنه، وانما هي في حقيقتها مرجع للمكلف في مقام العمل عند الحيرة والشك في الواقع وعدم ثبوت حجة عليه. وغاية شأنها انها تكون معذرة للمكلف. ومن هنا اختلفوا في (الاستصحاب) انه إمارة أو أصل، باعتبار ان له شأن الحكاية عن الواقع واحرازه في الجملة، لان اليقين السابق غالبا ما يورث الظن ببقاء المتيقن في الزمان اللاحق، ولان حقيقته - كما سيأتي في موضعه - البناء على اليقين السابق بعد الشك كأن المتيقن السابق لم يزل ولم يشك في بقائه. ولاجل هذا سمي الاستصحاب عند من يراه أصلا: (اصلا محرزا). فمن لاحظ في الاستصحاب جهة ما له من احراز وأنه يوجب الظن واعتبر حجيته من هذه الجهة عدة من الامارات. ومن لاحظ فيه أن الشارع إنما جعله مرجعا للمكلف عند الشك والحيرة واعتبر حجيته من جهة دلالة الاخبار عليه عده من جملة الاصول. وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح ذلك في محله مع بيان الحق فيه.

[ 16 ]

6 - المناط في إثبات حجية الامارة مما يجب أن نعرفه - قبل البحث والتفتيش عن الامارات التي هي حجة - المناط في إثبات حجية الامارة وأنه بأي شئ يثبت لنا أنها حجة يعول عليها. وهذا هو أهم شئ تجب معرفته قبل الدخول في المقصود، فنقول: إنه لا شك في أن الظن بما هو ظن لا يصح أن يكون هو المناط في حجية الامارة ولا يجوز أن يعول عليه في إثبات الواقع، لقوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا)، وقد ذم الله تعالى في كتابه المجيد من يتبع الظن بما هو ظن كقوله: (أن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)، وقال تعالى: (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ؟). وفي هذه الآية الاخيرة بالخصوص قد جعل ما أذن به أمرا مقابلا للافتراء عليه، فما لم يأذن به لا بد أن يكون افتراءا بحكم المقابلة بينهما، فلو نسبنا الحكم إلى الله تعالى من دون إذن منه فلا محالة يكون افتراءا محرما مذموما بمقتضى الآية. ولا شك في أن العمل بالظن والالتزام به على أنه من الله ومثبت لاحكامه يكون من نوع نسبة الحكم إليه من دون إذن منه، فيدخل في قسم الافتراء المحرم. وعلى هذا التقرير، فالقاعدة تقتضي أن الظن بما هو ظن لا يجوز العمل على مقتضاه ولا الاخذ به لاثبات أحكام الله مهما كان سببه، لانه لا يغني من الحق شيئا، فيكون خرصا باطلا، وافتراءا محرما. هذا مقتضى القاعدة الاولية في الظن بمقتضى هذه الآيات الكريمة، ولكن لو ثبت بدليل قطعي وحجة يقينية أن الشارع قد جعل ظنا خاصا من سبب مخصوص طريقا لاحكامه واعتبره حجة عليها وارتضاه إمارة يرجع إليها وجوز لنا الاخذ بذلك السبب المحقق للظن - فإن هذا الظن يخرج عن مقتضى تلك القاعدة الاولية، إذ لا يكون خرصا وتخمينا ولا افتراء. وخروجه من القاعدة يكون تخصيصا بالنسبة إلى آية النهي عن اتباع الظن، ويكون تخصصا بالنسبة إلى آية الافتراء لانه يكون حينئذ من قسم ما

[ 17 ]

أذن الله تعالى به، وما أذن به ليس افتراء. وفي الحقيقة إن الاخذ بالظن المعتبر الذي ثبت على سبيل القطع بأنه حجة لا يكون أخذا بالظن بما هو ظن وإن كان اعتباره عند الشارع من جهة كونه ظنا، بل يكون أخذا بالقطع واليقين ذلك القطع الذي قام على اعتبار ذلك السبب للظن، وسيأتي أن القطع حجة بذاته لا يحتاج إلى جعل من أحد. ومن هنا يظهر الجواب عما شنع به جماعة من الاخبارين على الاصوليين من أخذهم ببعض الامارات الظنية الخاصة كخبر الواحد ونحوه إذ شنعوا عليهم بأنهم أخذوا بالظن الذي لا يغني من الحق شيئا. وقد فاتهم أن الاصوليين إذ أخذوا بالظنون الخاصة لم يأخذوا بها من جهة إنها ظنون فقط، بل أخذوا بها من حجة أنها معلومة الاعتبار على سبيل القطع بحجيتها، فكان أخذهم بها في الحقيقة أخذا بالقطع واليقين، لا بالظن والخرص والتخمين. ولاجل هذا سميت الامارات المعتبرة بالطرق العلمية نسبة إلى العلم القائم على اعتبارها وحجيتها، لان حجيتها ثابتة بالعلم. * * * إلى هنا يتضح ما أردنا أن نرمي إليه، وهو أن المناط في إثبات حجية الامارات ومرجع اعتبارها وقوامه ما هو ؟ - انه العلم القائم على اعتبارها وحجيتها، فإذا لم يحصل العلم بحجيتها واليقين باذن الشارع بالتعويل عليها والاخذ بها، لا يجوز الاخذ بها وإن أفادت ظنا غالبا لان الاخذ بها يكون حينئذ خرصا وإفتراء على الله تعالى. ولاجل هذا قالوا: يكفي في طرح الامارة أن يقع الشك في اعتبارها، أو فقل على الاصح: يكفي الا يحصل العلم باعتبارها، فإن نفس عدم العلم بذلك كاف في حصول العلم بعدم اعتبارها، أي بعدم جواز التعويل عليها والاستناد إليها. وذلك كالقياس والاستحسان وما إليهما وإن أفادت ظنا قويا.

[ 18 ]

ولا نحتاج في مثل هذه الامور إلى الدليل على عدم اعتبارها وعدم حجيتها، بل بمجرد عدم حصول القطع بحجية الشئ يحصل القطع بعدم جواز الاستناد إليه في مقام العمل، وبعدم صحة التعويل عليه، فيكون القطع مأخوذا في موضوع حجية الامارة. * * * ويتحصل من ذلك كله أن أمارية الامارة وحجية الحجة انما تحصل وتتحقق بوصول علمها إلى المكلف، وبدون العلم بالحجية لا معنى لفرض كون الشئ إمارة وحجة، ولذا قلنا: إن مناط إثبات الحجة وقوامها (العلم). فهو مأخوذ في موضوع الحجية فإن العلم تنتهي إليه حجية كل حجة. ولزيادة الايضاح لهذا الامر، ولتمكين النفوس المبتدئة من الاقتناع بهذه الحقيقة البديهية، نقول من طريق آخر لاثباتها: أولا - إن الظن بما هو ظن ليس حجة بذاته. وهذه مقدمة واضحة قطعية، والا لو كان الظن حجة بذاته لما جاز النهي عن اتباعه والعمل به ولو في بعض الموارد على نحو الموجبة الجزئية، لان ما هو بذاته حجة يستحيل النهي عن الاخذ به، كما سيأتي في حجية القطع (المبحث الآتي) ولا شك في وقوع النهي عن اتباع الظن في الشريعة الاسلامية المطهرة، ويكفي في إثبات ذلك قوله تعالى: (إن يتبعون إلا الظن..). ثانيا - إذا لم يكن الظن حجة بذاته، فحجيته تكون عرضية، أي أنها تكون مستفادة من الغير. فننقل الكلام إلى ذلك الغير المستفادة منه حجية الظن. فإن كان هو القطع، فذلك هو (المطلوب). وإن لم يكن قطعا، فما هو ؟

[ 19 ]

وليس يمكن فرض شئ آخر غير نفس الظن، فإنه لا ثالث لهما يمكن فرض حجيته. ولكن الظن الثاني القائم على حجية الظن الاول أيضا ليس حجة بذاته، إذ لا فرق بين ظن وظن من هذه الناحية. فننقل الكلام إلى هذا (الظن الثاني)، ولا بد أن تكون حجيته أيضا مستفادة من الغير، فما هو ذلك الغير ؟. فإن كان هو القطع، فذلك هو (المطلوب). وإن لم يكن قطعا، فظن ثالث. فننقل الكلام إلى هذا (الظن الثالث)، فيحتاج إلى (ظن رابع). وهكذا إلى غير النهاية، ولا ينقطع التسلسل الا بالانتهاء إلى ما هو حجة بذاته وليس هو إلا (العلم). ثالثا - فانتهى الامر بالاخير إلى (العلم). فتم المطلوب. وبعبارة أسد وأخصر، نقول: إن الظن لما كانت حجيته ليست ذاتية، فلا تكون الا بالعرض، وكل ما بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما هو بالذات، ولا مجاز بلا حقيقة. وما هو حجة بالذات ليس الا (العلم). فانتهى الامر بالاخير إلى (العلم). وهذا ما أردنا إثباته، وهو أن قوام الامارة والمناط في إثبات حجيتها هو (العلم) فانه تنتهي إليه حجية كل حجة، لان حجيته ذاتية. 7 - حجية العلم ذاتية كررنا في البحث السابق القول بأن (حجية العلم ذاتية) ووعدنا ببيانها، وقد حل هنا الوفاء بالوعد، فنقول:

[ 20 ]

قد ظهر مما سبق معنى كون الشئ حجيته ذاتية، فان معناه أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته، فليست مستفادة من الغير ولا تحتاج إلى جعل من الشارع ولا إلى صدور أمر منه باتباعه، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتباع ذلك الشئ. وما هذا شأنه ليس هو إلا العلم. ولقد أحسن الشيخ العظيم الانصاري (قده) مجلي هذه الابحاث في تعليل وجوب متابعة القطع (1) فانه بعد أن ذكر أنه (لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه مادام موجودا) علل ذلك بقوله: (لانه بنفسه طريق إلى الواقع وليست طريقته قابلة لجعل الشارع اثباتا أو نفيا). وهذا الكلام فيه شئ من الغموض بعد أن اختلفت تعبيرات الاصوليين من بعده، فنقول لبيانه: إن هنا شيئين أو تعبيرين: (أحدهما) وجوب متابعة القطع والاخذ به. (ثانيهما) طريقية القطع للواقع. فما المراد من كون القطع حجة بذاته ؟ هل المراد أن وجوب متابعته أمر ذاتي له، كما وقع في تعبيرات بعض الاصوليين المتأخرين، أم أن المراد أن طريقيته ذاتية ؟. وإنما صح أن يسأل هذا السؤال، فمن أجل قياسه على الظن حينما نقول: أنه حجة، فأن فيه جهتين:


(1) مما يجب التنبيه عليه أن المراد من العلم هنا هو (القطع) أي الجزم الذي لا يحتمل الخلاف، ولا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه، وإن كان في نظر القاطع لا يراه الا مطابقا للواقع، فالقطع الذي هو حجة تجب متابعته أعم من اليقين والجهل المركب. يعني أن المبحوث عنه هو العلم جهة أنه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع. (*)

[ 21 ]

1 - (جهة طريقيته للواقع) فحينما نقول: ان حجيته مجعولة، نقصد أن طريقيته مجعولة، لانها ليست ذاتية له، لوجود احتمال الخلاف. فالشارع يجعله طريقا إلى الواقع بالغاء احتمال الخلاف، كأنه لم يكن فتتم بذلك طريقيته الناقصة ليكون كالقطع في الايصال إلى الواقع. وهذا المعنى هو المجعول للشارع. 2 - (جهة وجوب متابعته) فحينما نقول: أنه حجة، نقصد أن الشارع أمر بوجوب متابعة ذلك الظن والاخذ به أمرا مولويا. فينتزع من هذا الامر أن هذا الظن موصل إلى الواقع ومنجز له. فيكون المجعول هذا الوجوب، ويكون هذا معنى حجية الظن. وإذا كان هذا حال الظن، فالقطع ينبغي أن يكون له أيضا هاتان الجهتان، فنلاحظهما حينما نقول مثلا: إن حجيته ذاتية أما من جهة كونه طريقا بذاته وأما من جهة وجوب متابعته لذاته. ولكن - في الحقيقة - أن التعبير بوجوب متابعة القطع لا يخلو عن مسامحة ظاهرة، منشأها ضيق العبارة عن المقصود، إذ يقاس على الظن، والسر في ذلك واضح، لانه ليس للقطع متابعة مستقلة غير الاخذ بالواقع المقطوع به، فضلا عن أن يكون لهذه المتابعة وجوب مستقل غير نفس وجوب الاخذ بالواقع المقطوع به، أي وجوب طاعة الواقع المنكشف بالقطع من وجوب أو حرمة أو نحوهما. إذ ليس وراء انكشاف الواقع شئ ينتظره الانسان، فإذا انكشف الواقع له فلا بد أن يأخذ به. وهذه اللابدية لابدية عقلية (1) منشأها أن القطع بنفسه طريق إلى الواقع، وعليه فيرجع التعبير بوجوب متابعة القطع إلى معنى كون القطع بنفسه طريقا إلى الواقع، وأن نفسه نفس انكشاف الواقع. فالجهتان فيه جهة واحدة في الحقيقة.


(1) هذه اللابدية العقلية هي نفس وجوب الطاعة الذي هو وجوب عقلي. لانه داخل في الآراء المحمودة التي تتطابق عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء، كما شرحناه في الجزء الثاني.

[ 22 ]

وهذا هو السر في تعليل الانصاري رحمه الله لوجوب متابعته بكونه طريقا بذاته ولم يتعرض في التعليل لنفس الوجوب. ومن أجل هذا ركز البحث كله على طريقته الذاتية. ويظهر لنا - حينئذ - أنه لا معنى لان يقال في تعليل حجيته الذاتية: أن وجوب متابعته أمر ذاتي له. وإذا اتضح ما تقدم وجب علينا توضيح معنى كون القطع طريقا ذاتيا، وهو كل البحث عن حجية القطع وما وراءه من الكلام فكله فضول، وعليه فنقول: تقدم أن القطع حقيقته انكشاف الواقع، لانه حقيقة نورية محظة لا غطش فيها والا احتمال للخطأ يرافقها. فالعلم نور لذاته نور لغيره، فذاته نفس الانكشاف لا أنه شئ له الانكشاف. وقد عرفتم في مباحث الفلسفة ان الذات والذاتي يستحيل جعله بالجعل التأليفي، لان جعل شئ لشئ انما يصح أن يفرض فيما يمكن فيه التفكيك بين المجعول والمجعول له. وواضح أنه يستحيل التفكيك بين الشئ وذاته أي بين الشئ ونفسه، ولا بينه وبين ذاتياته. وهذا معنى قولهم المشهور: (الذاتي لا يعلل). وإنما المعقول من جعل القطع هو جعله بالجعل البسيط أي خلقه وايجاده. وعليه، فلا معنى لفرض جعل الطريقية للقطع جعلا تأليفيا، بأي نحو فرض للجعل سواء كان جعلا تكوينيا أم جعلا تشريعيا، فان ذلك مساوق لجعل القطع لنفس القطع، وجعل الطريق لذات الطريق. وعلى تقدير التنزيل عن هذا وقلنا مع من قال: ان القطع شئ له الطريقية والكاشفية عن الواقع، كما وقع في تعبيرات بعض الاصوليين المتأخرين عن الشيخ - فعلى الاقل تكون الطريقية من لوازم ذاته التي لا تنفك عنه، كالزوجية بالنسبة إلى الاربعة. ولوازم الذات كالذات يستحيل أيضا جعلها بالجعل التأليفي على ما هو الحق، وانما يكون جعلها بنفس جعل الذات جعلا

[ 23 ]

بسيطا لا بجعل آخر وراء جعل الذات. وقد أوضحنا ذلك في مباحث الفلسفة. وإذا استحال جعل الطريقية للقطع استحال نفيها عنه، لانه كما يستحيل جعل الذات ولوازمها يستحيل نفي الذات ولوازمها عنها وسلبها بالسلب التأليفي. بل نحن انما نعرف استحالة جعل الذات والذاتي ولوازم الذات بالجعل التأليفي لانا نعرف اولا امتناع انفكاك الذات عن نفسها وامتناع انفكاك لوازمها عنها، كما تقدم بيانه. على أن نفي الطريقية عن القطع يلزم منه التناقض بالنسبة إلى القاطع وفي نظره، فانه - مثلا - حينما يقطع بأن هذا الشئ واجب يستحيل عليه أن يقطع ثانيا بأن هذا القطع ليس طريقا موصلا إلى الواقع، فان معنى هذا أن يقطع ثانيا بأن ما قطع بأنه واجب ليس بواجب مع فرض بقاء قطعه الاول على حاله. وهذا تناقض بحسب نظر القاطع ووجد انه يستحيل أن يقع منه حتى لو كان في الواقع على خطأ في قطعه الاول ولا يصح هذا إلا إذا تبدل قطعه وزال. وهذا شئ آخر غير ما نحن في صدده. والحاصل أن اجتماع القطعين بالنفي والاثبات محال كاجتماع النفي والاثبات بل يستحيل في حقه حتى احتمال أن قطعه ليس طريقا إلى الواقع. فان هذا الاحتمال مساوق لانسلاخ القطع عنده، وانقلابه إلى الظن. فما فرض أنه قطع لا يكون قطعا، وهو خلف محال. وهذا الكلام لا ينافي أن يحتمل الانسان أو يقطع أن بعض علومه على الاجمال غير المعين في نوع خاص ولا في زمن من الازمنة كان على خطأ، فانه بالنسبة إلى كل قطع فعلي بشخصه لا يتطرق إليه الاحتمال بخطأه، والا لو اتفق له ذلك لا نسلخ عن كونه قطعا جازما. نعم لو احتمل خطأ أحد علوم محصورة ومعينة في وقت واحد فانه لا بد أن تتسلخ كلها عن كونها اعتقادا جازما، فان بقاء قطعه في جميعها مع تطرق احتمال خطأ واحد منها لا على التعيين لا بجتمعان.

[ 24 ]

والخلاصة: أن القطع يستحيل جعل الطريقية له تكوينا وتشريعا، ويستحيل نفيها عنه، مهما كان السبب الموجب له. * * * وعليه. فلا يعقل التصرف بأسبابه، كما نسب ذلك إلى بعض الاخباريين من حكمهم بعدم تجويز الاخذ بالقطع إذا كان سببه من مقدمات عقلية، وقد أشرنا إلى ذلك في المجلد الاول ص 196. وكذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الاشخاص بأن يعتبر قطع شخص ولا يعتبر قطع آخر، كما قيل بعدم الاعتبار بقطع القطاع قياسا على كثير الشك الذي حكم شرعا بعدم الاعتبار بشكه في ترتب أحكام الشك. وكذلك لا يمكن التصرف فيه من جهة الازمنة ولا من جهة متعلقة بأن يفرق في اعتباره بين ما إذا كان متعلقه الحكم فلا يعتبر، وبين ما إذا كان متعلقه موضوع الحكم أو متعلقه فيعتبر. فان القطع في كل ذلك طريقيته ذاتية غير قابلة للتصرف فيها بوجه من الوجوه وغير قابلة لتعلق الجعل بها نفيا واثباتا. وانما الذي يصح ويمكن أن يقع في الباب هو الفات نظر الخاطئ في قطعه إلى الخلل في مقدمات قطعه، فإذا تنبه إلى الخلل في سبب قطعه فلا محالة ان قطعه سيتبدل اما إلى احتمال الخلاف أو إلى القطع بالخلاف ولا ضمير في ذلك. وهذا واضح 8 - موطن حجية الامارات قد أشرنا في مبحث الاجزاء (المجلد الاول ص 230) إلى أن جعل الطرق والامارات يكون في فرض التمكن من تحصيل العلم. وأحلنا بيانه إلى محله. وهذا هو محله، فنقول: إن غرضنا من ذلك القول هو أننا إذ نقول: أن أمارة حجة كخبر الواحد - مثلا - فانما نعني أن تلك الامارة مجعولة حجة مطلقة، أي أنها في نفسها حجة مع قطع النظر عن كون الشخص الذي قامت عنده تلك

[ 25 ]

الامارة متمكنا من تحصيل العلم بالواقع أو غير متمكن منه فهي حجة يجوز الرجوع إليها لتحصيل الاحكام مطلقا حتى في موطن يمكن فيه أن يحصل القطع بالحكم لمن قامت عنده الامارة، أي كان باب العلم بالنسبة إليه مفتوحا. فمثلا، إذا قلنا بحجية خبر الواحد فانا نقول أنه حجة حتى في زمان يسع المكلف أن يرجع إلى المعصوم رأسا فيأخذ الحكم منه مشافهة على سبيل اليقين، فانه في هذا الحال لو كان خبر الواحد حجة، يجوز للمكلف أن يرجع إليه، ولا يجب عليه أن يرجع إلى المعصوم. وعلى هذا، فلا يكون موطن حجية الامارات في خصوص مورد تعذر حصول العلم أو امتناعه، اي ليس في خصوص مورد انسداد باب العلم، بل الاعم من ذلك. فيشمل حتى موطن التمكن من تحصيل العلم وانفتاح بابه. نعم، مع حصول العلم بالواقع فعلا لا يبقى موضع للرجوع إلى الامارة بل لا معنى لحجيتها حينئذ، لا سيما مع مخالفتها للعلم، لان معنى ذلك انكشاف خطأها. ومن هنا كان هذا الامر موضع حيرة الاصوليين وبحثهم، إذ للسائل - كما سيأتي - أن يسأل: كيف جاز أن تفرضوا صحة الرجوع إلى الامارات الظنية مع انفتاح باب العلم بالاحكام، إذ قد يوجب سلوكها تفويت الواقع عند خطأها ؟ ولا يحسن من الشارع أن يأذن بتفويت الواقع مع التمكن من تحصيله. بل ذلك قبيح يستحيل في حقه. ولاجل هذا السؤال المحرج سلك الاصوليون عدة طرق للجواب عنه وتصحيح جعل حجية الامارات. وسيأتي بيان هذه الطرق والصحيح منها في البحث (12) ص 33. وغرضنا من ذكر هذا التنبيه هو أن هذا التصحيح شاهد على ما أردنا الاشارة إليه هنا: من أن موطن حجية الامارات وموردها ما هو أعم من فرض التمكن من تحصيل العلم وانفتاح بابه ومن فرض انسداد بابه.

[ 26 ]

ومن هنا نعرف وجه المناقشة في استدلال بعضهم على حجية خبر الواحد بالخصوص بدليل انسداد باب العلم، كما صنع صاحب المعالم، فانه لما كان المقصود اثبات حجية خبر الواحد في نفسه حتى مع فرض انفتاح باب العلم لا يبقى معنى للاستدلال على حجيته بدليل الانسداد. على أن دليل الانسداد أنما يثبت فيه حجية مطلق الظن من حيث هو ظن كما سيأتي بيانه، فلا يثبت به حجية ظن خاص بما هو ظن خاص. نعم، استدل بعضهم على حجية خبر الواحد بدليل الانسداد الصغير ولا يبعد صحة ذلك، ويعنون به انسداد باب العلم في خصوص الاخبار التي بأيدينا التي نعلم على الاجمال بأن بعضها موصل إلى الواقع ومحصل له. ولا يتميز الموصل إلى الواقع من غيره، مع انحصار السنة في هذه الاخبار التي بأيدينا وحينئذ نلتجئ إلى الاكتفاء بما يفيد الظن والاطمئنان من هذه الاخبار وهذا ما نعنيه بخبر الواحد. والفرق بين دليل الانسداد الكبير والصغير: أن الكبير هو انسداد باب العلم في جميع الاحكام من جهة السنة وغيرها، والصغير هو انسداد باب العلم بالسنة مع انفتاح باب العلم في الطرق الاخرى، والمفروض أنه ليس لدينا الا هذه الاخبار التي لا يفيد أكثرها العلم، وبعضها حجة قطعا وموصل إلى الواقع. 9 - الظن الخاص والظن المطلق تكرر منا هذا التعبير بالظن الخاص والظن المطلق، وهو اصطلاح للاصوليين المتأخرين فينبغي بيان ما يعنون بهما، فنقول: 1 - يراد من (الظن الخاص): كل ظن قام دليل قطعي على حجيته واعتباره بخصوصه غير دليل الانسداد الكبير. وعليه فيكون المراد منه الامارة التي هي حجة مطلقا حتى مع انفتاح باب

[ 27 ]

العلم، ويسمى أيضا (الطريق العلمي) نسبة إلى العلم باعتبار قيام العلم على حجيته كما تقدم. 2 - يراد من (الظن المطلق): كل ظن قام دليل الانسداد الكبير على حجيته واعتباره. فيكون المراد منه الامارة التي هي حجة في خصوص حالة انسداد باب العلم والعلمي، أي انسداد باب نفس العلم بالاحكام وباب الطرق العلمية المؤدية إليها. ونحن في هذا المختصر لا نبحث إلا عن الظنون الخاصة فقط، أما الظنون المطلقة فلا نتعرض لها، لثبوت حجية جملة من الامارات المغنية عندنا عن فرض انسداد باب العلم والعلمي. فلا تصل النوبة إلى هذا الفرض حتى نبحث عن دليل الانسداد لاثبات حجية مطلق الظن. ولكن بعد ان انتهينا إلى هنا ينبغي ألا يخلو هذا المختصر من الاشارة إلى مقدمات دليل الانسداد على نحو الاختصار تنويرا لذهن الطالب، فنقول: 10 - مقدمات دليل الانسداد ان الدليل المعروف ب‍ (دليل الانسداد) يتألف من مقدمات أربع إذا تمت يترتب عليها حكم العقل بلزوم العمل بما قام عليه الظن في الاحكام أي ظن كان، عدا الظن الثابت فيه - على نحو القطع - عدم جواز العمل به كالقياس مثلا. ونحن نذكر بالاختصار هذه المقدمات: 1 - (المقدمة الاولى) دعوى انسداد باب العلم والعلمي في معظم أبواب الفقه في عصورنا المتأخرة عن عصر أئمتنا عليهم السلام. وقد علمت أن اساس المقدمات كلها هي هذه المقدمة، وهي دعوى قد ثبت عندنا عدم صحتها، لثبوت انفتاح باب الظن الخاص بل العلم في معظم أبواب الفقه فانهار هذا الدليل من أساسه.

[ 28 ]

2 - (المقدمة الثانية) أنه لا يجوز إهمال امتثال الاحكام الواقعية المعلومة إجمالا، ولا يجوز طرحها في مقام العمل. وإهمالها وطرحها يقع بفرضين: أما بأن نعتبر أنفسنا كالبهائم والاطفال لا تكليف علينا. وأما بأن نرجع إلى أصالة البراءة وأصالة عدم التكليف في كل موضع لا يعلم وجوبه وحرمته. وكلا الفرضين ضروري البطلان. 3 - المقدمة الثالثة) ان بعد فرض وجوب التعرض للاحكام المعلومة إجمالا فإن الامر لتحصيل فراغ الذمة منها يدور بين حالات أربع لا خامسة لها: أ - تقليد من يرى انفتاح باب العلم. ب - الاخذ بالاحتياط في كل مسألة. ج - الرجوع إلى الاصل العملي الجاري في كل مسألة من نحو البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب، حسبما يقتضيه حال المسألة. د - الرجوع إلى الظن في كل مسألة فيها ظن بالحكم، وفيما عداها يرجع إلى الاصول العملية. ولا يصح الاخذ بالحالات الثلاث الاولى، فتتعين الرابعة. أما (الاولى) وهي تقليد الغير في انفتاح باب العلم فلا يجوز، لان المفروض أن المكلف يعتقد بالانسداد فكيف يصح له الرجوع إلى من يعتقد بخطأه وأنه على جهل. وأما (الثانية) وهي الاخذ بالاحتياط، فانه يلزم منه العسر والحرج الشديدان، بل يلزم اختلال النظام لو كلف جميع المكلفين بذلك. وأما (الثالثة) وهي الاخذ بالاصل الجاري فلا يصح أيضا لوجود العلم الاجمالي بالتكاليف ولا يمكن ملاحظة كل مسألة على حدة غير منظمة إلى غيرها من المسائل الاخرى المجهولة الحكم. والحاصل أن وجود العلم الاجمالي بوجود المحرمات والواجبات في جميع المسائل المشكوكة الحكم يمنع من إجراء اصل

[ 29 ]

البراءة والاستصحاب، ولو في بعضها. 4 - (المقدمة الرابعة) انه بعد أن أبطلنا الرجوع إلى الحالات الثلاث ينحصر الامر في الرجوع إلى الحالة الرابعة في المسائل التي يقوم فيها الظن، وفيها يدور الامر بين الرجوع إلى الطرف الراجح في الظن وبين الرجوع إلى الطرف المرجوح أي الموهوم. ولا شك في أن الاخذ بطرف المرجوح ترجيح للمرجوح على الراجح، وهو قبيح عقلا. وعليه، فيتعين الاخذ بالظن ما لم يقطع بعدم جواز الاخذ به كالقياس. (وهو المطلوب). وفي فرض الظن المقطوع بعدم حجيته يرجع إلى الاصول العملية، كما يرجع إليها في المسائل المشكوكة التي لا يقوم فيها ظن أصلا. ولا ضير حينئذ بالرجوع إلى الاصول العملية لانحلال العلم الاجمالي بقيام الظن في معظم المسائل الفقهية إلى: علم تفصيلي بالاحكام التي قامت عليها الحجة، وشك بدوي في الموارد الاخرى، فتجري فيها الاصول. هذه خلاصة (مقدمات دليل الانسداد)، وفيها أبحاث دقيقة طويلة الذيل لا حاجة لنا بها، ويكفي ما ذكرناه عنها بالاختصار. 11 - اشتراك الاحكام بين العالم والجاهل قام اجماع الامامية على أن أحكام الله تعالى مشتركة بين العالم والجاهل بها، أي أن حكم الله ثابت لموضوعه في الواقع سواء علم به المكلف أم لم يعلم، فانه مكلف به على كل حال. فالصلاة - مثلا - واجبة على جميع المكلفين سواء علموا بوجوبها أم جهلوه، فلا يكون العلم دخيلا في ثبوت الحكم أصلا. وغاية ما نقوله في دخالة العلم في التكليف دخالته في تنجز الحكم التكليفي، بمعنى أنه لا يتنجز على المكلف على وجه يستحق على مخالفته

[ 30 ]

العقاب الا إذا علم به، سواء كان العلم تفصيليا أو اجماليا (1)، أو قامت لديه حجة معتبرة على الحكم تقوم مقام العلم. فالعلم وما يقوم مقامه يكون - على ما هو التحقيق - شرطا لتنجز التكليف لا علة تامة، خلافا للشيخ الآخند صاحب الكفاية قدس سره. فإذا لم يحصل العلم ولا ما يقوم مقامه بعد الفحص واليأس لا يتنجز عليه التكليف الواقعي، يعني لا يعاقب المكلف لو وقع في مخالفته على جهل، ولا لكان العقاب عليه عقابا بلا بيان، وهو قبيح عقلا، (وسيأتي إن شاء الله تعالى في إصل البراءة شرح ذلك). وفي قبال هذا القول زعم من يرى أن الاحكام انما تثبت لخصوص العالم بها أو من قامت عنده الحجة، فمن لم يعلم بالحكم ولم تقم لديه الحجة عليه لا حكم في حقه حقيقة وفي الواقع. ومن هؤلاء من يذهب إلى تصويب المجتهد، إذ يقول: ان كل مجتهد مصيب وسيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى في هذا الجزء. وعن الشيخ الانصاري - أعلى الله مقامه - وعن غيره أيضا كصاحب الفصول رحمه الله، ان أخبارنا متواترة معنى في اشتراك الاحكام بين العالم والجاهل وهو كذلك. و (الدليل على هذا الاشتراك) - مع قطع النظر عن الاجماع وتواتر الاخبار - واضح، وهو أن نقول: 1 - ان الحكم لو لم يكن مشتركا لكان مختصا بالعالم به إذ لا يجوز أن يكون مختصا بالجاهل به، وهو واضح. 2 - وإذا ثبت انه مختص بالعالم، فان معناه تعليق الحكم على العلم به. 3 - ولكن تعليق الحكم على العلم به محال، لانه يلزم منه الخلف.


(1) سيأتي في الجزء الرابع ان شاء الله تعالى مدى تأثير العلم الاجمالي في تنجيز الاحكام الواقعية. (*)

[ 31 ]

4 - اذن يتعين ان يكون مشتركا بين العالم والجاهل. (بيان لزوم الخلف): انه لو كان الحكم معلقا على العلم به كوجوب الصلاة مثلا، فانه يلزمه - بل هو نفس معنى التعليق - عدم الوجوب لطبيعي الصلاة، إذ الوجوب يكون حسب الفرض للصلاة المعلومة الوجوب بما هي معلومة الوجوب، بينما أن تعلق العلم بوجوب الصلاة لا يمكن فرضه إلا إذا كان الوجوب متعلقا بطبيعي الصلاة. فما فرضناه متعلقا بطبيعي الصلاة لم يكن متعلقا بطبيعيها، بل بخصوص معلوم الوجوب. وهذا هو الخلف المحال. وببيان آخر في وجه استحالة تعليق الحكم على العلم به نقول: إن تعليق الحكم على العلم به يستلزم منه المحال، وهو استحالة العلم بالحكم، والذي يستلزم منه المحال محال، فيستحيل نفس الحكم. وذلك لانه قبل حصول العلم لا حكم - حسب الفرض، فإذا أراد أن يعلم يعلم بماذا ؟ فلا يعقل حصول العلم لديه بغير متعلق مفروض الحصول. وإذا استحال حصول العلم استحال حصول الحكم المعلق عليه، لاستحالة ثبوت الحكم بدون موضوعه. وهو واضح. وعلى هذا، فيستحيل تقييد الحكم بالعلم به. وإذا استحال ذلك تعين أن يكون الحكم مشتركا بين العالم والجاهل، أي بثبوته واقعا في صورتي العلم والجهل، وان كان الجاهل القاصر معذورا أي انه لا يعاقب على المخالفة. وهذا شئ آخر غير نفس عدم ثبوت الحكم في حقه. * * * ولكنه قد يستشكل في استكشاف اشتراك الاحكام في هذا الدليل بما تقدم منا في المجلد الاول (ص 69 و 159)، من أن الاطلاق والتقييد متلازمان في مقام الاثبات لانهما من قبيل العدم والملكة، فإذا استحال التقييد في مورد

[ 32 ]

استحال معه الاطلاق أيضا. فكيف - اذن - نستكشف اشتراك الاحكام من اطلاق أدلتها لامتناع تقييدها بالعلم. والاطلاق كالتقييد محال بالنسبة إلى قيد العلم في أدلة الاحكام. وقد أصر شيخنا النائيني أعلى الله مقامه على امتناع الاطلاق في ذلك، وقال بما محصله: انه لا يمكن أن نحكم بالاشتراك من نفس أدلة الاحكام، بل لا بد لاثباته من دليل آخر سماه (متمم الجعل)، على أن يكون الاشتراك من باب (نتيجة الاطلاق)، كاستفادة تقييد الامر العبادي بقصد الامتثال من دليل ثان (متمم للجعل) على أن يكون ذلك من باب (نتيجة التقييد) وكاستفادة تقييد وجوب الجهر والاخفات والقصر والاتمام بالعلم بالوجوب من دليل آخر متمم للجعل، على أن يكون ذلك أيضا من باب نتيجة التقييد. وقال بما خلاصته: يمكن استفادة الاطلاق في المقام من الادلة التي ادعى الشيخ الانصاري تواترها، فتكون هي المتممة للجعل. أقول: ويمكن الجواب عن الاشكال المذكور بما محصله: ان هذا الكلام صحيح لو كانت استفادة اشتراك الاحكام متوقفة على اثبات اطلاق أدلتها بالنسبة إلى العالم بها، غير أن المطلوب الذي ينفعنا هو نفس عدم اختصاص الاحكام بالعالم على نحو السالبة المحصلة. فيكون التقابل بين اشتراك الاحكام واختصاصها بالعالم من قبيل تقابل السلب والايجاب، لا من باب تقابل العدم والملكة، لان المراد من الاشتراك نفس عدم الاختصاص بالعالم. وهذه السلب يكفي في استفادته من أدلة الاحكام من نفس اثبات امتناع الاختصاص، ولا يحتاج إلى مؤنة زائدة لاثبات الاطلاق أو اثبات نتيجة الاطلاق بتمم الجعل من اجماع أو أدلة اخرى، لانه من نفس امتناع التقييد نعلم أن الحكم مشترك لا يختص بالعالم. نعم يتم ذلك الاشكال لو كان امتناع التقييد ليس إلا من جهة بيانية وفي مرحلة الانشاء في دليل نفس الحكم، وان كان واقعه يمكن أن يكون مقيدا أو مطلقا مع قطع النظر عن أدائه باللفظ، فإنه حينئذ لا يمكن بيانه بنفسه دليله

[ 33 ]

الاول فنحتاج إلى استكشاف الواقع المراد من دليل آخر نسميه متمم الجعل ولاجل ذلك نسميه بالمتمم للجعل، فتحصل لنا نتيجة الاطلاق أو نتيجة التقييد من دون أن يحصل تقييد أو اطلاق المفروض انهما مستحيلان كما كان الحال في تقييد الوجوب بقصد الامتثال في الواجب التعبدي. أما لو كان نفس الحكم واقعا مع قطع النظر عن أدائه بأية عبارة كانت - كما فيما نحن فيه - يستحيل تقييده سواء أدى ذلك ببيان واحد أو ببيانين أو بالف بيان، فإن واقعه لا محالة ينحصر في حالة واحدة، وهو أن يكون في نفسه شاملا لحالتي وجود القيد المفروض وعدمه. وعليه، فلا حاجة في مثله إلى استكشاف الاشتراك من نفس اطلاق دليله الاول ولا من دليل ثان متمم للجعل. ولا نمانع أن نسمي ذلك (نتيجة الاطلاق) إذا حلا لكم هذا التعبير. ويبقى الكلام حينئذ في وجه تقييد وجوب الجهر والاخفات والقصر والاتمام بالعلم مع فرض امتناعه حتى بمتمم الجعل، والمفروض أن هذا التقييد ثابت في الشريعة، فكيف تصححون ذلك ؟ - فنقول: انه لما امتنع تقييد الحكم بالعلم فلا بد أن نلتمس توجيها لهذا الظاهر من الادلة. وينحصر التوجيه في أن نفرض أن يكون هذا التقييد من باب اعفاء الجاهل بالحكم في هذين الموردين عن الاعادة والقضاء واسقاطهما عنه اكتفاء بما وقع كاعفاء الناسي، وان كان الوجوب واقعا غير مقيد بالعلم. والاعادة والقضاء بيد الشارع رفعهما ووضعهما. ويشهد لهذا التوجيه أن بعض الروايات في البابين عبرت بسقوط الاعادة عنه، كالرواية عن أبي جعفر عليه السلام فيمن صلى في السفر أربعا: (ان كانت قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد، وان لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا اعادة). 12 - تصحيح جعل الامارة بعدما ثبت أن جعل الامارة يشمل فرض انفتاح باب العلم - مع ما ثبت

[ 34 ]

مع اشتراك الاحكام بين العالم والجاهل - تنشأ (شبهة عويصة) في صحة جعل الامارة قد أشرنا إليها فيما سبق ص 25، وهي: - انه في فرض التمكن من تحصيل الواقع والوصول إليه كيف جاز أن يأذن الشارع باتباع الامارة الظنية، وهي - حسب الفرض - تحتمل الخطأ المفوت للواقع. والاذن في تفويته قبيح عقلا، لان الامارة لو كانت دالة على جواز الفعل - مثلا - وكان الواقع هو الوجوب أو الحرمة، فإن الاذن باتباع الامارة في هذا الفرض يكون أذنا بترك الواجب أو فعل الحرام، مع أن الفعل لا يزال باقيا على وجوبه الواقعي أو حرمته الواقعية مع تمكن المكلف من الوصول إلى معرفة الواقع حسب الفرض. ولا شك في قبح ذلك من الحكيم. وهذه الشبهة هي التي الجأت بعض الاصوليين إلى القول بأن الامارة مجعولة على نحو (السببية)، إذ عجزوا عن تصحيح جعل الامارة على نحو (الطريقية) التي هي الاصل في الامارة على ما سيأتي من شرح ذلك قريبا. والحق معهم إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الامارة على نحو الطريقية، لان المفروض أن الامارة قد ثبتت حجيتها قطعا فلا بد أن يفرض - حينئذ - في قيام الامارة أو في اتباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير خطأها حتى لا يكون اذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا، ما دام ان تفويته له يكون لمصلحة أقوى وأجدى أو مساوية لمصلحة الواقع فينشأ على طبق مؤدى الامارة حكم ظاهري بعنوان انه الواقع، إما ان يكون مماثلا للواقع عند الاصابة أو مخالفا له عند الخطأ. ونحن - بحمد الله تعالى - نرى ان الشبهة يمكن دفعها على تقدير الطريقية، فلا حاجة إلى فرض السببية. والوجه في دفع الشبهة: انه بعد أن فرضنا أن القطع قام على ان الامارة الكذائية كخبر الواحد حجة يجوز اتباعها مع التمكن من تحصيل العلم، فلا بد أن يكون الاذن من الشارع العالم بالحقائق الواقعية لامر علم به وغاب عنا علمه. ولا يخرج هذا الامر عن أحد شيئين لا ثالث لهما، وكل منهما جائز عقلا لا مانع منه:

[ 35 ]

1 - ان يكون قد علم بأن اصابة الامارة للواقع مساوية لاصابة العلوم التي تتفق للمكلفين أو اكثر منها. بمعنى ان العلوم التي يتمكن المكلفون من تحصيلها يعلم الشارع بأن خطأها سيكون مساويا لخطأ الامارة المجعولة أو أكثر خطأ منها. 2 - ان يكون قد علم بأن في عدم جعل امارات خاصة لتحصيل الاحكام والاقتصار على العلم تضييقا على المكلفين ومشقة عليهم، لا سيما بعد ان كانت تلك الامارات قد أعتادوا سلوكها والاخذ بها في شؤونهم الخاصة وأمورهم الدنيوية وبناء العقلاء كلهم كان عليها. وهذا الاحتمال الثاني قريب إلى التصديق جدا، فإنه لا نشك في أن تكليف كل واحد من الناس بالرجوع إلى المعصوم أو الاخبار المتواترة في تحصيل جميع الاحكام أمر فيه مالا يوصف من الضيق والمشقة، لا سيما أن ذلك على خلاف ما جرت عليه طريقتهم في معرفة ما يتعلق بشؤونهم الدنيوية. وعليه، فمن القريب جدا ان الشارع إنما رخص في اتباع الامارات الخاصة فلغرض تسهيل الاخذ باحكامه والوصول إليها. ومصلحة التسهيل من المصالح النوعية المتقدمة في نظر الشارع على المصالح الشخصية التي قد نفوت أحيانا على بعض المكلفين عند العمل بالامارة لو أخطأت. وهذا أمر معلوم من طريقة الشريعة الاسلامية التي بنيت في تشريعها على التيسير والتسهيل. وعلى التقديرين والاحتمالين فإن الشارع في اذنه باتباع الامارة طريقا إلى الوصول إلى الواقع من أحكامه لا بد أن يفرض فيه أنه قد تسامح في التكاليف الواقعية عند خطأ الامارة، أي ان الامارة تكون معذرة للمكلف فلا يستحق العقاب في مخالفة الحكم كما لا يستحق ذلك عند المخالفة في خطأ القطع، لا انه بقيام الامارة يحدث حكم آخر ثانوي، بل شأنها في هذه الجهة شأن القطع بلا فرق. ولذا إن الشارع في الموارد التي يريد فيها المحافظة على تحصيل الواقع على

[ 36 ]

كل حال أمر باتباع الاحتياط ولم يكتف بالظنون فيها، وذلك كموارد الدماء والفروج. 13 - الامارة طريق أو سبب قد أشرنا في البحث السابق إلى مذهبي السببية والطريقية في الامارة وقد عقدنا هذا البحث لبيان هذا الخلاف. فإن ذلك من الامور التي وقعت أخيرا موضع البحث والرد والبدل عند الاصوليين، فاختلفوا في أن الامارة هل هي حجة مجعولة على نحو (الطريقية)، أو انها حجة مجعولة على نحو (السببية)، أي انها طريق أو سبب. والمقصود من كونها (طريقا): انها مجعولة لتكون موصلة فقط إلى الواقع للكشف عنه، فإن أصابته فانه يكون منجزا بها وهي منجزة له، وإن أخطأته فانها حينئذ تكون صرف معذر للمكلف في مخالفة الواقع. والمقصود من كونها (سببا): انها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤداها تقاوم تفويت مصلحة الاحكام الواقعية على تقدير الخطأ، فينشئ الشارع حكما ظاهريا على طبق ما أدت إليه الامارة. والحق انها مأخوذة على نحو (الطريقية). والسر في ذلك واضح بعدما تقدم، فإن القول بالسببية - كما قلنا - مترتب على القول بالطريقية، يعني إن منشأ قول من قال بالسببية هو العجز عن تصحيح جعل الطرق على نحو الطريقية، فيلتجئ إلى فرض السببية. أما إذا أمكن تصحيح الطريقية فلا يبقى دليل على السببية ويتعين كون الامارة طريقا محضا، لان الطريقية هي الاصل فيها. ومعنى إن الطريقية هي الاصل: ان طبع الامارة لو خليت ونفسها يقتضي أن تكون طريقا محضا إلى مؤداها، لان لسانها التعبير عن الواقع والحكاية والكشف عنه. على أن العقلاء انما يعتبرونها ويستقر بناؤهم عليها فلاجل كشفها عن الواقع، ولا معنى لان يفرض في بناء العقلاء أنه على نحو

[ 37 ]

السببية، وبناء العقلاء هو الاساس الاول في حجية الامارة كما سيأتي. نعم إذا منع مانع عقلي من فرض الامارة طريقا من جهة الشبهة المتقدمة أو نحوها، فلا بد أن تخرج على خلاف طبعها ونلتجئ إلى فرض السببية. ولما كنا دفعنا الشبهة في جعلها على نحو الطريقية فلا تصل النوبة إلى التماس دليل على سببيتها أو طريقيتها، إذ لا موضع للترديد والاحتمال لنحتاج إلى الدليل. * * * هذا وقد يلتمس الدليل على السببية من نفس دليل حجية الامارة بأن يقال: ان دليل الحجية - لا شك - يدل على وجوب اتباع الامارة. ولما كانت الاحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها، فلا بد أن يكون في اتباع الامارة مصلحة تقتضي وجوب اتباعها وإن كانت على خطأ في الواقع. وهذه هي السببية بعينها. أقول: والجواب عن ذلك واضح فانا نسلم إن الاحكام تابعة للمصالح والمفاسد، ولكن لا يلزم في المقام أن يكون في نفس اتباع الامارة مصلحة، بل يكفي ان ينبعث الوجوب من نفس مصلحة الواقع، فيكون جعل وجوب اتباع الامارة لغرض تحصيل مصلحة الواقع. بل يجب ان يكون الحال فيها كذلك، لانه - لا شك - ان الغرض من جعل الامارة هي الوصول بها إلى الواقع فالمحافظة على الواقع والوصول إليه هو الباعث على جعل الامارة لغرض تنجيزه وتحصيله، فيكون الامر باتباع الامارة طريقا إلى تحصيل الواقع. ولذا نقول: إذا لم تصب الواقع لا تكليف هناك ولا تدارك لما فات من الواقع، وما هي إلا المعذرية في مخالفته ورفع العقاب على المخالفة، لا اكثر وهذه المعذرية تقتضيها نفس الرخصة في اتباع الامارة التي قد تخطئ. وعلى هذا، فليس لهذا الامر الطريقي المتعلق باتباع الامارة بما هو أمر طريقي مخالفة ولا موافقة، لانه في الحقيقة ليس فيه جعل للداعي إلى الفعل الذي هو مؤدى الامارة مستقلا عن الامر الواقعي وإنما هو جعل للامارة

[ 38 ]

منجزة للامر الواقعي، فهو موجب لدعوة الامر الواقعي، فلا بعث حقيقي في مقابل البعث الواقعي فلا تكون له مصلحة الا مصحلة الواقع، ولا طاعة غير طاعة الواقع، إذ لا بعث فيه إلا بعث الواقع. 14 - المصلحة السلوكية ذهب الشيخ الانصاري قدس سره إلى فرض المصلحة السلوكية في الامارات لتصحيح جعلها - كما تقدمت الاشارة إلى ذلك في مبحث الاجزاء المجلد الاول ص 230 - وحمل عليه كلام الشيخ الطوسي في العدة والعلامة في النهاية. وإنما ذهب إلى هذا الفرض لانه لم يتم عنده تصحيح جعل الامارة على نحو الطريقية المحضة، ووجد أيضا ان القول بالسببية المحضة يستلزم القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الامامية فسلك طريقا وسطا لا يذهب به إلى الطريقية المحضة ولا إلى السببية المحضة وهو ان يفرض المصلحة في نفس سلوك الامارة وتطبيق العمل على ما أدت إليه، وبهذه المصلحة بتدارك ما يفوت من مصلحة الواقع عند الخطأ. فتكون الامارة من ناحية لها شأن الطريقية إلى الواقع، ومن ناحية اخرى لها شأن السببية. وغرضه من فرض المصلحة السلوكية ان نفس سلوك طريق الامارة والاستناد إليها في العمل بمؤداها فيه مصلحة تعود لشخص المكلف يتدارك بها ما يفوته من مصلحة الواقع عند الخطأ، من دون أن يحدث في نفس المؤدى - أي في ذات الفعل والعمل - مصلحة حتى تستلزم انشاء حكم آخر غير الحكم الواقعي على طبق ما أدت إليه الامارة الذي هو نوع من التصويب (1).


(1) ان التصويب الباطل على ما بينه الشيخ على نحوين: (الاول) ما ينسب إلى الاشاعرة وهو أن يفرض أن لا حكم ثابتا في نفسه يشترك فيه العالم والجاهل، بل الشارع ينشئ أحكامه على طبق ما تؤدي إليه آراء المجتهدين. (الثاني) ما ينسب إلى المعتزلة وهو أن تكون هناك أحكام واقعية ثابتة في نفسها يشترك فيها العالم والجاهل. ولكن لرأي المجتهد أثرا في تبدل عنوان موضوع الحكم أو متعلقه، فتحدث على وفق ما أدى إليه رأيه = (*)

[ 39 ]

قال رحمه الله في رسائله فيما قال: (ومعنى وجوب العمل على طبق الامارة وجوب ترتيب احكام الواقع على مؤداها من دون ان تحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع). ولا ينبغي أن يتوهم أن القول بالمصلحة السلوكية هي نفس ما ذكرناه في أحد وجهي تصحيح الطريقية من فرض مصلحة التسهيل، لان الغرض من القول بالمصلحة السلوكية أن تحدث مصلحة في سلوك الامارة تعود تلك المصلحة لشخص المكلف لتدارك ما يفوته من مصلحة الواقع، بينما ان غرضنا من مصلحة التسهيل مصلحة نوعية قد لا تعود لشخص من قامت عنده الامارة، وتلك المصلحة النوعية مقدمة في مقام المزاحمة عند الشارع على مصلحة الواقع التي قد تفوت على شخص المكلف. وإذا اتضح الفرق بينهما نقول: ان القول بالمصلحة السلوكية وفرضها يأتي بالمرتبة الثانية للقول بمصلحة التسهيل. يعني انه إذا لم تثبت عندنا مصلحة التسهيل، أو قلنا بعدم تقديم المصلحة النوعية على المصلحة الشخصية، ولم يصح عندنا أيضا احتمال مساواة خطأ الامارات للعلوم - فانا نلتجئ إلى ما سلكه الشيخ من المصلحة السلوكية إذا استطعنا تصحيحها، فرارا من الوقوع في التصويب الباطل. وأما نحن فإذ ثبت عندنا ان هناك مصلحة التسهيل في جعل الامارة تفوق المصالح الشخصية ومقدمة عليها عند الشارع، اصبحنا في غنى عن فرض المصلحة السلوكية. على أن المصلحة السلوكية إلى الآن لم نتحقق مراد الشيخ منها ولم نجد الوجه لتصحيحها في نفسها، فإن في عبارته شيئا من الاضطراب والايهام، وكفى أن يقع في بعض النسخ زيادة كلمة (الامر) على قوله: (إلا ان العمل


= مصلحة غالبة على مصلحة الواقع، فينشئ الشارع أحكاما ظاهرية ثانوية غير الاحكام الواقعية. وهذا المعنى من التصويب ترجع إليه السببية المحضة. وإنما كان هذا تصويبا باطلا لان معناه جلو ؟ ؟ ؟ الواقع عن الحكم حين قيام الامارة على خلافه. (*)

[ 40 ]

على طبق تلك الامارة) فتصير العبارة هكذا (إلا ان الامر بالعمل.) فلا يدرى مقصوده هل انه في نفس العمل مصلحة سلوكية أو في الامر به. وقيل: ان هذا التصحيح وقع من بعض تلامذته إذ أوكل إليه أمر تصحيح العبارة بعد مناقشات تلاميذه لها في مجلس البحث. وعلى كل حال، فإن الظاهر أن الفارق عنده بين السببية المحضة وبين المصلحة السلوكية بمقتضى عبارته قبل التصحيح المذكور ان المصلحة على الاول تكون قائمة بذات الفعل وعلى الثاني قائمة بعنوان آخر هو السلوك فلا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل. ولكننا لم نتعقل هذا الفارق المذكور، لانه انما يتم إذا استطعنا أن نتعقل لعنوان السلوك عنوانا مستقلا في وجوده عن ذات الفعل لا ينطبق عليه ولا يتحد معه حتى لا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل، وتصوير هذا في غاية الاشكال. ولعل هذا هو السر في مناقشة تلاميذه له فحمل بعضهم على اضافة كلمة (الامر)، ليجعل المصلحة تعود إلى نفس الامر لا إلى متعلقه فلا يقع التزاحم بين المصلحتين. وجه الاشكال: (اولا) اننا لا نفهم من عنوان السلوك والاستناد إلى الامارة إلا عنوانا للفعل الذي تؤدي إليه الامارة بأي معنى فسرنا السلوك والاستناد، إذ ليس للسلوك ومتابعة الامارة وجود آخر مستقل غير نفس وجود الفعل المستند إلى الامارة. نعم، إذا أردنا من الاستناد إلى الامارة معنى آخر، وهو الفعل القصدي من النفس، فإن له وجودا آخر غير وجود الفعل لانه فعل قلبي جوانحي لا وجود له إلا وجودا قصديا. ولكنه من البعيد جدا أن يكون ذلك غرض الشيخ من السلوك، لان هذا الفعل القلبي انما يصح أن يفرض وجوبه ففي خصوص الامور العبادية. ولا معنى للالتزام بوجوب القصد في جميع أفعال الانسان المستند فعلها إلى الامارة. (ثانيا) على تقدير تسليم اختلافهما وجودا فإن قيام المصلحة بشئ إنما يدعو إلى تعلق الامر به لا بشئ آخر غيره وجودا وان كانا متلازمين في

[ 41 ]

الوجود. فمهما فرضنا من معنى للسلوك وإن كان بمعنى الفعل القلبي فإنه إذا كانت المصلحة المقتضية للامر قائمة به فكيف يصح توجيه الامر إلى ذات الفعل والمفروض ان له وجودا آخر لم تقم به المصلحة. وأما اضافة كلمة (الامر) على عبارة الشيخ فهي بعيدة جدا عن مراده وعباراته الاخرى. 15 - الحجية امر اعتباري أو انتزاعي من الامور التي وقعت موضع البحث أيضا عن المتأخرين مسألة ان الحجية هل هي من الامور الاعتبارية المجعولة بنفسها وذاتها، أو انها من الانتزاعيات التي تنتزع من المجعولات. وهذا النزاع في الحجية فرع - في الحقيقة - عن النزاع في أصل الاحكام والوضعية. وهذا النزاع في خصوص الحجية - على الاقل - لم أجد له ثمرة عملية في الاصول. على أن هذا النزاع في أصله غير محقق ولا مفهوم لان لكلمتي الاعتبارية والانتزاعية مصطلحات كثيرة، في بعضها تكون الكلمتان متقابلتين، وفي البعض الآخر متداخلتين. وتفصيل ذلك يخرجنا عن وضع الرسالة. ونكتفي أن نقول على سبيل الاختصار: إن الذي يظهر من اكثر كلمات المتنازعين في المسألة أن المراد من الامر الانتزاعي هو المجعول ثانيا وبالعرض في مقابل المجعول أولا وبالذات، بمعنى ان الايجاد والجعل الاعتباري ينسب أولا وبالذات إلى شئ والمجعول حقيقة ثم ينسب الجعل ثانيا وبالعرض إلى شئ آخر. فالمجعول الاول هو الامر الاعتباري والثاني هو الامر الانتزاعي. فيكون هناك جعل واحد ينسب إلى الاول بالذات والى الثاني بالعرض، لا أنه هناك جعلان واعتباران ينسب احدهما إلى شئ ابتداء وينسب ثانيهما إلى آخر يتبع الاول، فإن هذا ليس مراد المتنازعين قطعا.

[ 42 ]

فيقال في الملكية - مثلا - التي هي من جملة موارد النزاع ان المجعول أولا وبالذات هو اباحة تصرف الشخص بالشئ المملوك، فينتزع منها أنه مالك، أي ان الجعل ينسب ثانيا وبالعرض إلى الملكية. فالملكية يقال لها: انها مجعولة بالعرض ويقال لها: انها منتزعة من الاباحة. هذا إذا قيل ان الملكية انتزاعية، أما إذا قيل انها اعتبارية فتكون عندهم هي المجعولة اولا وبالذات للشارع أو العرف. وعلى هذا، فإذا أريد من الانتزاع هذا المعنى - فالحق أن الحجية أمر اعتباري، وكذلك الملكية والزوجية ونحوها من الاحكام الوضعية. وشأنها في ذلك شأن الاحكام التكليفية المسلم فيها انها من الاعتباريات الشرعية. توضيح ذلك: إن حقيقة الجعل هو الايجاد. والايجاد على نحوين: 1 - ما يراد منه ايجاد الشئ حقيقة في الخارج. ويسمى: الجعل التكويني، أو الخلق. 2 - ما يراد منه ايجاد الشئ اعتبارا وتنزيلا، وذلك بتنزيله منزلة الشئ الخارجي الواقعي من جهة ترتيب أثر من آثاره أو لخصوصية فيه من خصوصيات الامر الواقعي. ويسمى: الجعل الاعتباري، أو التنزيلي. وليس له واقع إلا الاعتبار والتنزيل، وان كان نفس الاعتبار أمرا واقعيا حقيقيا لا اعتباريا. مثلا حينما يقال: زيد أسد، فإن الاسد مطابقة الحقيقي هو الحيوان المفترس المخصوص، وهو طبعا مجعول ومخلوق بالجعل والخلق التكويني، ولكن العرف يعتبرون الشجاع أسدا. فزيد أسدا اعتبارا وتنزيلا من قبل العرف من جهة ما فيه من خصوصية الشجاعة كالاسد الحقيقي. ومن هذا المثال يظهر كيف ان الاحكام التكليفية اعتبارات شرعية، لان الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا عن يدفعه بيده مثلا ليحركه نحو العمل ينشئ الامر بداعي جعل في دخيلة نفس المأمور. فيكون هذا الانشاء للآمر دفعا وتحريكا اعتباريا تنزيلا له منزلة الدفع الخارجي

[ 43 ]

باليد مثلا. وكذلك النهي زجر اعتباري تنزيلا له منزله الردع والزجر الخارجي باليد مثلا. وكذلك يقال في حجية الامارة المجعولة، فان القطع لما كان موصلا إلى الواقع حقيقة وطريقا بنفسه إليه، فالشارع يعتبر الامارة الظنية طريقا إلى الواقع تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بالغاء احتمال الخلاف، فتكون الامارة قطعا اعتباريا وطريقا تنزيليا. ومتى صح وأمكن أن تكون الحجية هي المعتبرة اولا وبالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا وبالعرض، حتى تكون أمرا انتزاعيا، الا ان يريدوا من الانتزاع معنى آخر، وهو ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزامية كأن تستفاد الحجية للامارة من الامر باتباعها مثل ما لو قال الامام (ع): (صدق العادل) الذي يدل بالدلالة الالتزامية على حجية خبر العادل واعتباره عند الشارع. وهذا المعنى للانتزاعي صحيح ولا مانع من أن يقال للحجية انها أمر انتزاعي بهذا المعنى، ولكنه بعيد عن مرامهم لان هذا المعنى من الانتزاعية لا يقابل الاعتبارية بالمعنى الذي شرحناه. وعلى كل حال فدعوى انتزاعية الحجية بأي معنى للانتزاعي لا موجب لها، لاسيما انه لم يتفق ورود أمر من الشارع باتباع امارة من الامارات في جميع ما بأيدينا من الآيات والروايات حتى يفرض ان الحجية منتزعة من ذلك الامر. هذا كل ما أردنا بيانه من المقدمات قبل الدخول في المقصود. والآن نشرع في البحث عن المقصود، وهو تشخيص الادلة التي هي حجة على الاحكام الشرعية من قبل الشارع المقدس. ونضعها في أبواب.

[ 45 ]

الباب الاول الكتاب العزيز

[ 47 ]

تمهيد: ان القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله، والموجود بأيدي الناس بين الدفتين هو الكتاب المنزل إلى الرسول بالحق لا ريب فيه هدى ورحمة (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله). فهو - اذن - الحجة القاطعة بيننا وبينه تعالى، التي لا شك ولا ريب فيها، وهو المصدر الاول لاحكام الشريعة الاسلامية بما تضمنته آياته من بيان ما شرعه الله للبشر. وأما ما سواه من سنة أو اجماع أو عقل فإليه ينتهي ومن منبعه يستقي. ولكن الذي يجب أن يعلم أنه قطعي الحجة من ناحية الصدور فقط لتواتره عند المسلمين جيلا بعد جيل. وأما من ناحية الدلالة فليس قطعيا كله، لان فيه متشابها ومحكما. ثم (المحكم): منه ما هو نص، أي قطعي الدلالة. ومنه ما هو ظاهر تتوقف حجيته على القول بحجية الظواهر. ومن الناس من لم يقل بحجية ظاهرة خاصة، وان كانت الظواهر حجة. ثم ان فيه ناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومطلقا ومقيدا، ومجملا ومبينا. وكل ذلك لا يجعله قطعي الدلالة في كثير من آياته. ومن أجل ذلك وجب البحث عن هذه النواحي لتكميل حجيته. وأهم ما يجب البحث عنه من ناحية أصولية في أمور ثلاثة: 1 - في حجية ظواهره. وهذا بحث ينبغي ان يلحق بمباحث الظواهر الآتية، فلنرجئه إلى هناك.

[ 48 ]

2 - في جواز تخصيصه وتقييده بحجة أخرى كخبر الواحد ونحوه. وقد تقدم البحث عنه في المجلد الاول ص 154. 3 - في جواز نسخه. والبحث عن ذلك ليس فيه كثير فائدة في الفقه، كما ستعرف، ومع ذلك ينبغي ألا يخلو كتابنا من الاشارة إليه بالاختصار، فنقول: نسخ الكتاب العزيز حقيقة النسخ: النسخ اصطلاحا: رفع ما هو ثابت في الشريعة من الاحكام ونحوها. والمراد من (الثبوت في الشريعة): الثبوت الواقعي الحقيقي، في مقابل الثبوت الظاهري بسبب الظهور اللفظي. ولذلك، فرفع الحكم - الثابت بظهور العموم أو الاطلاق - بالدليل المخصص أو المقيد لا يسمى نسخا، بل يقال له: تخصيص أو تقييد أو نحوهما، باعتبار ان هذا الدليل الثاني المقدم على ظهور الدليل الاول يكون قرينة عليه وكاشفا عن المراد الواقعي للشارع، فلا يكون رافعا للحكم الا ظاهرا، ولا رفع فيه للحكم حقيقة بخلاف النسخ. ومن هنا يظهر الفرق الحقيقي بين النسخ وبين التخصيص والتقييد. وسيأتي مزيد ايضاح لهذه الناحية في جواب الاعتراضات على النسخ. وقولنا: (من الاحكام ونحوها)، فلبيان تعميم النسخ للاحكام التكليفية والوضعية ولكل أمر بيد الشارع رفعه ووضعه بالجعل التشريعي بما هو شارع. وعليه فلا يشمل النسخ الاصطلاحي المجعولات التكوينية التي بيده رفعها ووضعها بما هو خالق الكائنات. وبهذا التعبير يشمل النسخ نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به، باعتبار أن القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع وان كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله،

[ 49 ]

ولكن بالاختصار نقول: ان نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي، سواء كان نسخا لاصل التلاوة أو نسخا لها ولما تضمنته من حكم معا، وان كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة كقوله تعالى (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر)، وقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك، ولا ظاهرتين، وانما اكثر ما تدل الآيتان على امكان وقوعه. امكان نسخ القرآن: قد وقعت عند بعض الناس شبهات في امكان اصل النسخ ثم في امكان نسخ القرآن خاصة. وتنوارا للاذهان نشير إلى أهم الشبه ودفعها، فنقول: أ - قيل: ان المرفوع في النسخ اما حكم ثابت أو ما لا ثبات له. والثابت يستحيل رفعه، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه. وعلى هذا فلا بد أن يؤول النسخ بمعنى رفع مثل الحكم لا رفع عينه، أو بمعنى انتهاء أمد الحكم. والجواب: انا نختار الشق الاول وهو أن المرفوع ما هو ثابت، ولكن ليس معنى رفع الثابت رفعه بما هو عليه من حالة الثبوت وحين فرض ثبوته حتى يكون ذلك مستحيلا، بل هو من باب اعدام الموجود وليس اعدام الموجود بمستحيل. والاحكام لما كانت مجعولة على نحو القضايا الحقيقية فان قوام الحكم يكون بفرض الموضوع موجودا، ولا يتوقف على ثبوته خارجا تحقيقا، فإذا انشئ الحكم كذلك فهو ثابت في عالم التشريع والاعتبارات بثبوت الموضوع فرضا، ولا يرتفع الا برفعه تشريعا. وهذا هو معنى رفع الحكم الثابت، وهو النسخ. 2 - وقيل: ان ما اثبته الله من الاحكام لا بد أن يكون لمصلحة أو مفسدة في متعلق الحكم. وماله مصلحة في ذاته لا ينقلب فيكون ذا مفسدة، وكذلك العكس، والا لزم انقلاب الحسن قبيحا والقبيح حسنا، وهو محال.

[ 50 ]

وحينئذ يستحيل السنخ، لانه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل، أو عدم حكمة الناسخ أو جهله بوجه الحكمة. والاخيران مستحيلان بالنسبة إلى الشارع المقدس. والجواب واضح، بعد معرفة ما ذكرناه في الجزء الثاني في المباحث العقلية من معاني الحسن والقبيح، فإن المستحيل انقلاب الحسن والقبيح الذاتيين ولا معنى لقياسهما على المصالح والمفاسد التي تتبدل وتتغير بحسب اختلاف الاحوال والازمان. ولا يبعد في أن يكون الشئ ذا مصلحة في زمان ذا مفسدة في زمان آخر. وان كان لا يعلم ذلك إلا من قبل الشارع العالم المحيط بحقائق الاشياء. وهذا غير معنى الحسن والقبح اللذين نقول فيهما انه يستحيل فيهما الانقلاب. مضافا إلى أن الاشياء تختلف فيها وجوه الحسن والقبح باختلاف الاحوال مما لم يكن الحسن والقبح فيه ذاتيين، كما تقدم هناك. وإذا كان الامر كذلك فمن الجائز ان يكون الحكم المنسوخ كان ذا مصلحة ثم زالت في الزمان الثاني فنسخ، أو كان ينطبق عليه عنوان حسن ثم زال عنه العنوان في الزمان الثاني فنسخ. فهذه هي الحكمة في النسخ. 3 - وقيل: إذا كان النسخ - كما قلتم - لاجل انتهاء أمد المصلحة، فينتهي أمد الحكم بانتهائها، فإنه - والحال هذه - اما ان يكون الشارع الناسخ قد علم بانتهاء أمد المصلحة من أول الامر واما ان يكون جاهلا به. لا مجال للثاني، لان ذلك مستحيل في حقه تعالى، وهو البداء الباطل المستحيل فيتعين الاول، وعليه فيكون الحكم في الواقع موقتا وان أنشأه الناسخ مطلقا في الظاهر، ويكون الدليل على النسخ في الحقيقة مبينا وكاشفا عن مراد الناسخ. وهذا هو معنى التخصيص، غاية الامر يكون تخصيصا بحسب الاوقات لا الاحوال، فلا يكون فرق بين النسخ والتخصيص إلا بالتسمية.

[ 51 ]

والجواب: نحن نسلم ان الحكم المنسوخ ينتهي أمده في الواقع والله عالم بانتهائه، ولكن ليس معنى ذلك انه موقت أي مقيد انشاء بالوقت، بل هو قد انشئ على طبق المصلحة مطلقا على نحو القضايا الحقيقية، فهو ثابت ما دامت المصلحة كسائر الاحكام المنشأة على طبق مصالحها، فلو قدر للمصلحة ان تستمر لبقي الحكم مستمرا، غير أن الشارع لما علم بانتهاء أمد المصلحة رفع الحكم ونسخه. وهذا نظير أن يخلق الله الشئ، ثم يرفعه باعدامه، وليس معنى ذلك أن يخلقه موقتا على وجه يكون التوقيت قيدا للخلق والمخلوق بما هو مخلوق وإن علم به من الاول أن امده ينتهي. ومن هنا يظهر الفرق جليا بين النسخ والتخصيص، فإنه في (التخصيص) يكون الحكم من أول الامر انشئ مقيدا ومخصصا، ولكن اللفظ كان عاما بحسب الظاهر، فيأتي الدليل المخصص فيكون كاشفا عن المراد، لا انه مزيل ورافع لما هو ثابت في الواقع. واما في (النسخ) فإنه لما انشئ الحكم مطلقا فمقتضاه أن يدوم لو لم يرفعه النسخ، فالنسخ يكون محوا لما هو ثابت (يمحو الله ما يشاء ويثبت..)، لا أن الدوام والاستمرار مدلول لظاهر الدليل بحسب اطلاقه وعمومه، والمنشأ في الواقع الحكم الموقت، ثم يأتي الدليل الناسخ فيكشف عن المراد من الدليل الاول ويفسره. بل الدوام من اقتضاء نفس ثبوت الحكم من دون أن يكون لفظ دليل الحكم دالا عليه بعموم أو اطلاق. يعني ان الحكم المنشأ لو خلى وطبعه مع قطع النظر عن دلالة دليله لدام واستمر ما لم يأت ما يزيله ويرفعه كسائر الموجودات التي تقتضي بطبيعتها الاستمرار والدوام. 4 - وقيل: ان كلام الله تعالى قديم، والقديم لا يتصور رفعه. والجواب: بعد تسليم هذا الفرض وهو قدم كلام الله (1) فإن هذا يختص


(1) ان قدم الكلام في الله يرتبط بمسألة الكلام النفسي وأن من صفات الله تعالى = (*)

[ 52 ]

بنسخ التلاوة فلا يكون دليلا على بطلان أصل النسخ. مع انه قد تقدم من نص القرآن الكريم ما يدل على امكان نسخ التلاوة وان لم يكن صريحا في وقوعه كقوله تعالى: (وإذا بدلنا آية مكان آية..)، فهو اما أن يدل على أن كلامه تعالى غير قديم أو أن القديم يمكن رفعه. مضافا إلى انه ليس معنى نسخ التلاوة رفع أصل الكلام، بل رفع تبليغه وقطع علاقة المكلفين بتلاوته. وقوع نسخ القرآن واصالة عدم النسخ: هذا هو الامر الذي يهمنا اثباته من ناحية اصولية. ولا شك في انه قد أجمع علماء الامة الاسلامية على انه لا يصح الحكم بنسخ آية من القرآن إلا بدليل قطعي، سواء كان النسخ بقرآن أيضا أو بسنة أو باجماع. كما انه مما اجمع عليه العلماء أيضا أن في القرآن الكريم ناسخا ومنسوخا. وكل هذا قطعي لا شك فيه. ولكن الذي هو موضع البحث والنظر تشخيص موارد الناسخ والمنسوخ في القرآن. وإذا لم يحصل القطع بالنسخ بطل موضع الاستدلال عليه بالادلة الظنية للاجتماع المتقدم. وأما ما ثبت فيه النسخ منه على سبيل الجزم فهو موارد قليلة جدا لا تهمنا كثيرا من ناحية فقهية استدلالية لمكان القطع فيها. وعلى هذا، فالقاعدة الاصولية التي ننتفع بها ونستخلصها هنا هي: ان الناسخ ان كان قطعيا أخذنا به واتبعناه، وان كان ظنيا فلا حجة فيه ولا يصح الاخذ به، لما تقدم من الاجماع على عدم جواز الحكم بالنسخ إلا بدليل قطعي. ولذا أجمع الفقهاء من جميع طوائف المسلمين على ان (الاصل عدم * (هاش) * = الذاتية أنه متكلم. والحق الثابت عندنا بطلان هذا الرأي في أصله وما يتفرع عليه من فروع. وهذا أمر موكول إثباته إلى الفلسفة وعلم الكلام.

[ 53 ]

النسخ) عند الشك في النسخ، واجماعهم هذا ليس من جهة ذهابهم إلى حجية الاستصحاب كما ربما يتوهمه بعضهم، بل حتى من لا يذهب إلى حجية الاستصحاب يقول بأصالة عدم النسخ، وما ذلك إلا من جهة هذا الاجماع على اشتراط العلم في ثبوت النسخ.

[ 55 ]

الباب الثاني السنة

[ 57 ]

تمهيد: السنة في اصطلاح الفقهاء: (قول النبي أو فعله أو تقريره). ومنشأ هذا الاصطلاح أمر النبي صلى الله عليه وآله باتباع سنته فغلبت كلمة (السنة) حينما تطلق مجردة عن نسبتها إلى أحد على خصوص ما يتضمن بيان حكم من الاحكام من النبي صلى الله عليه وآله سواء كان ذلك بقول أو فعل أو تقرير، على ما سيأتي من ذكر مدى ما يدل الفعل والتقرير على بيان الاحكام. أما فقهاء (الامامية) بالخصوص فلما ثبت لديهم ان المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرى قول النبي من كونه حجة على العباد واجب الاتباع فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فكانت السنة باصطلاحهم: (قول المعصوم أو فعله أو تقريره) والسر في ذلك ان الائمة من آل البيت عليه السلام ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقاة في الرواية، بل لانهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الاحكام الواقعة، فلا يحكمون إلا عن الاحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي، وذلك من طريق الالهام كالنبي من طريق الوحي أو من طريق التلقي من المعصوم قبله، كما قال مولانا أمير المؤمنين (ع): (علمني رسول الله صلى الله عليه وآله الف باب من العلم ينفتح لي من كل باب الف باب). وعليه فليس بيانهم للاحكام من نوع رواية السنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم (سنة) لا حكاية السنة واما ما يجئ على لسانهم احيانا من

[ 58 ]

روايات وأحاديث عن نفس النبي صلى الله عليه وآله، فهي اما لاجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه، واما لاجل اقامة الحجة على الغير، واما لغير ذلك من الدواعي. واما اثبات امامتهم وان قولهم يجري مجرى قول الرسول صلى الله عليه وآله فهو بحث يتكفل به علم الكلام. وإذا ثبت أن السنة بمالها من المعنى الواسع الذي عندنا هي مصدر من مصادر التشريع الاسلامي فإن حصل عليها الانسان بنفسه بالسماع من نفس المعصوم ومشاهدته فقد أخذ الحكم الواقعي من مصدره الاصلي على سبيل الجزم واليقين من ناحية السند، كالاخذ من القرآن الكريم ثقل الله الاكبر، والائمة من آل البيت ثقله الاصغر. أما إذا لم يحصل ذلك لطالب الحكم الواقعي - كما في العهود المتأخرة عن عصرهم - فإنه لا بد له في أخذ الاحكام من أن يرجع - بعد القرآن الكريم - إلى الاحاديث التي تنقل السنة، اما من طريق التواتر أو من طريق أخبار الآحاد على الخلاف الذي سيأتي في مدى حجية أخبار الآحاد. وعلى هذا فالاحاديث ليست هي السنة بل هي الناقلة لها والحاكية عنها ولكن قد تسمى بالنسبة توسعا من أجل كونها مثبتة لها. ومن أجل هذا يلزمنا البحث عن الاخبار في باب السنة، لانه يتعلق ذلك باثباتها. ونعقد الفصل في مباحث اربعة: 1 - دلالة فعل المعصوم لا شك في أن فعل المعصوم - بحكم كونه معصوما - يدل على اباحة الفعل، على الاقل، كما ان تركه لفعل يدل على عدم وجوبه على الاقل. ولا شك في أن هذه الدلالة بهذا الحد أمر قطعي ليس موضعا للشبهة بعد ثبوت عصمته. ثم نقول بعد هذا: انه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع

[ 59 ]

من ذلك، وذلك فيما إذا صدر منه الفعل محفوفا بالقرينة كأن يحرز انه في مقام بيان حكم من الاحكام أو عبادة من العبادات كالوضوء والصلاة ونحوهما، فإنه حينئذ يكون لفعله ظهور في وجه الفعل من كونه واجبا أو مستحبا أو غير ذلك حسبما تقتضيه القرينة. ولا شبهة في أن هذا الظهور حجة كظواهر الالفاظ بمناط واحد، وكم استدل الفقهاء على حكم أفعال الوضوء والصلاة والحج وغيرها وكيفياتها بحكاية فعل النبي أو الامام في هذه الامور. كل هذا لا كلام ولا خلاف لاحد فيه.. وإنما وقع الكلام للقوم في موضعين: 1 - في دلالة فعل المعصوم المجرد عن القرائن على أكثر من اباحة الفعل فقد قال بعضهم: انه يدل بمجرده على وجوب الفعل بالنسبة الينا. وقيل: يدل على استحبابه. وقيل لا دلالة له على شئ منهما، أي انه لا يدل على أكثر من إباحة الفعل في حقنا. والحق هو الاخير، لعدم ما يصلح ان يجعل له مثل هذه الدلالة. وقد يظن ظان أن قوله تعالى في سورة الاحزاب 21: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) يدل على وجوب التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله في افعاله. ووجوب الاقتداء بفعله يلزم منه وجوب كل فعل يفعله في حقنا وإن كان بالنسبة إليه لم يكن واجبا، إلا ما دل الدليل الخاص على عدم وجوبه في حقنا. وقيل: انه ان لم تدل الآية على وجوب الاقتداء فعلى الاقل تدل على حسن الاقتداء به واستحبابه. وقد أجاب العلامة الحلي عن هذا الوهم فأحسن، كما نقل عنه إذ قال: (ان الاسوة عبارة عن الاتيان بفعل الغير لانه فعله على الوجه الذي فعله، فإن كان واجبا تعبدنا بايقاعه واجبا، وإن كان مندوبا تعبدنا بايقاعه مندوبا، وإن كان مباحا تعبدنا باعتقاد اباحته). وغرضه قدس سره من التعبد باعتقاد اباحته فيما إذا كان مباحا، ليس

[ 60 ]

مجرد الاعتقاد حتى يرد عليه - كما في الفصول - بأن ذلك أسوة في الاعتقاد لا الفعل، بل يريد - كما هو الظاهر من صدر كلامه - ان معنى الاسوة في المباح هو ان نتخير في الفعل والترك أي لا نلتزم بالفعل ولا بالترك، إذ الاسوة في كل شئ بحسب ماله من الحكم، فلا تتحقق الاسوة في المباح بالنسبة إلى الاتيان بفعل الغير إلا بالاعتقاد بالاباحة. ثم نزيد على ما ذكره العلامة فنقول: ان الآية الكريمة لا دلالة لها على أكثر من رجحان الاسوة وحسنها فلا نسلم دلالتها على وجوب التأسي. مضافا إلى ان الآية نزلت في واقعة الاحزاب فهي واردة مورد الحث على التأسي به في الصبر على القتال وتحمل مصائب الجهاد في سبيل الله، فلا عموم لها بلزوم التأسي أو حسنه في كل فعل حتى الافعال العادية. وليس معنى هذا اننا نقول بأن المورد يقيد المطلق أو يخصص العام، بل انما نقول: انه يكون عقبة في اتمام مقدمات الحكمة للتمسك بالاطلاق. فهو يضر بالاطلاق من دون ان يكون له ظهور في التقييد، كما نبهنا على ذلك في أكثر من مناسبة. والخلاصة: ان دعوى دلالة هذه الآية الكريمة على وجوب فعل ما يفعله النبي مطلقا أو استحبابه مطلقا بالنسبة الينا بعيدة كل البعد عن التحقيق. وكذلك دعوى دلالة الآيات الآمرة باطاعة الرسول أو باتباعه على وجوب كل ما يفعله في حقنا، فإنها اوهن من أن نذكرها لردها. 2 - في حجية فعل المعصوم بالنسبة الينا، فانه قد وقع كلام للاصوليين في ان فعله إذا ظهر وجهه انه على نحو الاباحة أو الوجوب أو الاستحباب مثلا هل هو حجة بالنسبة الينا ؟ أي انه هل يدل على اشتراكنا معه وتعديه الينا فيكون مباحا لنا كما كان واجبا عليه.. وهكذا ؟ ومنشأ الخلاف: أن النبي صلى الله عليه وآله اختص باحكام لا تتعدى إلى غيره ولا يشترك معه باقي المسلمين: مثل وجوب التهجد في الليل وجواز العقد على اكثر من اربع زوجات. وكذلك له من الاحكام ما يختص بمنصب الولاية العامة فلا تكون لغير النبي أو الامام باعتبار انه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

[ 61 ]

فإن علم ان الفعل الذي وقع من المعصوم انه من مختصاته فلا شك في أنه لا مجال لتوهم تعديه إلى غيره، وان علم عدم اختصاصه به بأي نحو من انحاء الاختصاص فلا شك في انه يعم جميع المسلمين فيكون فعله حجة علينا. هذا كله ليس موضع الكلام. وإنما موضع الشبهة في الفعل الذي لم يظهر حاله في كونه من مختصاته أو ليس من مختصاته ولا قرينة تعين احدهما، فهل هذا بمجرده كاف للحكم بانه من مختصاته، أو للحكم بعمومه للجميع. أو انه غير كاف فلا ظهور له أصلا في كل من النحوين ؟ وجوه، بل اقوال. والاقرب هو الوجه الثاني. والوجه في ذلك: ان النبي بشر مثلنا له ما لنا وعليه ما علينا وهو مكلف من الله تعالى بما كلف به الناس، إلا ما قام الدليل الخاص على اختصاصه ببعض الاحكام: أما من جهة شخصه بذاته واما من جهة منصب الولاية، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف. هذا مقتضى عموم أدلة اشتراكه معنا في التكليف. فإذا صدر منه فعل ولم يعلم اختصاصه به فالظاهر في فعله ان حكمه فيه حكم سائر الناس. فيكون فعله حجة علينا وحجة لنا، لا سيما مع ما دل على عموم حسن التأسي به. ولا نقول ذلك من جهة قاعدة الحمل على الاعم الاغلب، فانا لا نرى حجية مثل هذه القاعدة في كل مجالاتها. وإنما ذلك من باب التمسك بالعام في الدوران في التخصيص بين الاقل والاكثر. 2 - دلالة تقرير المعصوم المقصود من تقرير المعصوم: ان يفعل شخص بمشهد المعصوم وحضوره فعلا، فيسكت المعصوم عنه مع توجهه إليه وعلمه بفعله، وكان المعصوم بحالة يسعه تنبيه الفاعل لو كان مخطئا. والسعة تكون من جهة عدم ضيق الوقت عن البيان ومن جهة عدم المانع منه كالخوف والتقية واليأس من تأثير الارشاد والتنييه ونحو ذلك

[ 62 ]

فإن سكوت المعصوم عن ردع الفاعل أو عن بيان شئ حول الموضوع لتصحيحه يسمى تقريرا للفعل، أو اقرارا عليه، أو امضاء له. ما شئت فعبر. وهذا التقرير - إذا تحقق بشروطه المتقدمة - فلا شك في انه يكون ظاهرا في كون الفعل جائزا فيما إذا كان محتمل الحرمة، كما انه يكون ظاهرا في كون الفعل مشروعا صحيحا فيما إذا كان عبادة أو معاملة، لانه لو كان في الواقع محرما أو كان فيه خلل لكان على المعصوم نهيه عنه وردعه إذا كان الفاعل عالما عارفا بما يفعل، وذلك من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكان عليه بيان الحكم ووجه الفعل إذا كان الفاعل جاهلا بالحكم، وذلك من باب وجوب تعليم الجاهل. ويلحق بتقرير الفعل التقرير لبيان الحكم، كما لو بين شخص بمحضر المعصوم حكما أو كيفية عبادة أو معاملة، وكان بوسع المعصوم البيان، فإن سكوت الامام يكون ظاهرا في كونه اقرارا على قوله وتصحيحا وامضاء له. وهذا كله واضح، ليس فيه موضع للخلاف. 3 - الخبر المتواتر إن الخبر على قسمين رئيسين: خبر متواتر، وخبر واحد و (المتواتر): ما أفاد سكون النفس سكونا يزول معه الشك ويحصل الجزم القاطع من أجل اخبار جماعة يتمنع تواطؤهم على الكذب. ويقابله (خبر الواحد) في اصطلاح الاصوليين، وان كان المخبر أكثر من واحد، ولكن لم يبلغ المخبرون حد التواتر. وقد شرحنا حقيقة التواتر في كتاب المنطق (الجزء الثالث ص 10) فراجع. والذي ينبغي ذكره هنا أن الخبر قد يكون له وسائط كثيرة في النقل، كالاخبار التي تصلنا على الحوادث القديمة، فإنه يجب - ليكون الخبر متواترا موجبا للعلم - ان تحقق شروط التواتر في كل طبقة طبقة من وسائط الخبر،

[ 63 ]

وألا فلا يكون الخبر متواترا في الوسائط المتأخرة، لان النتيجة تتبع أخس المقدمات. والسر في ذلك واضح، لان الخبر ذا الوسائط يتضمن في الحقيقة عدة أخبار متتابعة، إذ ان كل طبقة تخبر عن خبر الطبقة السابقة عليها، فحينما يقول جماعة حدثنا جماعة عن كذا بواسطة واحدة مثلا، فإن خبر الطبقة الاولى الناقلة لنا يكون في الحقيقة خبرها ليس عن نفس الحادثة بل عن خبر الطبقة الثانية عن الحادثة. وكذلك إذا تعددت الوسائط إلى أكثر من واحدة فهذه الوسائط هي خبر عن خبر حتى تنتهي إلى الواسطة الاخيرة التي تنتقل عن نفس الحادثة، فلا بد أن يكون الجماعة الاولى خبرها متواترا عن خبر متواتر عن متواتر وهكذا، إذ كل خبر من هذه الاخبار له حكمه في نفسه. ومتى اختل شرط التواتر في طبقة واحدة خرج الخبر جملة عن كونه متواترا وصار من أخبار الآحاد. وهكذا الحال في اخبار الآحاد، فإن الخبر الصحيح ذا الوسائط إنما يكون صحيحا إذا توفرت شروط الصحة في كل واسطة من وسائطه، والا فالنتيجة تتبع أخس المقدمات. * * * 4 - خبر الواحد إن خبر الواحد - وهو مالا يبلغ حد التواتر من الاخبار - قد يفيد علما وإن كان المخبر شخصا واحدا، وذلك فيما إذا أحتف خبره بقرائن توجب العلم بصدقه، ولا شك في أن مثل هذا الخبر حجة. وهذا لا بحث لنا فيه، لانه مع حصول العلم تحصل الغاية القصوى. إذ ليس وراء العلم غاية في الحجية واليه تنتهي حجية كل حجة كما تقدم. واما إذا لم يحتف بالقرائن الموجبة للعلم بصدقه، وإن احتف بالقرائن الموجبة للاطمئنان إليه دون مرتبة العلم - فقد وقع الخلاف العظيم في حجيته وشروط حجيته - والخلاف في الحقيقة - عند الامامية بالخصوص - يرجع إلى

[ 64 ]

الخلاف في القيام الدليل القطعي على حجية خبر الواحد وعدم قيامه، وإلا فمن المتفق عليه عندهم ان خبر الواحد بما هو خبر مفيد للظن الشخصي أو النوعي لا عبرة به لان الظن في نفسه ليس حجة عندهم قطعا، فالشأن كل الشأن عندهم في حصول هذا الدليل القطعي ومدى دلالته. فمن ينكر حجية خبر الواحد كالسيد الشريف المرتضى ومن أتبعه انما ينكر وجود هذا الدليل القطعي، ومن يقول بحجيته كالشيخ الطوسي وباقي العلماء يرى وجود الدليل القاطع. ولاجل ان يتضح ما نقول ننقل نص أقوال الطرفين في ذلك: قال الشيخ الطوسي في العدة (ج 1 ص 44): (من عمل بخبر الواحد فإنما يعمل به إذا دل دليل على وجوب العمل به اما من الكتاب أو السنة أو الاجماع، فلا يكون قد عمل بغير علم). وصرح بذلك السيد المرتضى في الموصليات حسبما نقله عنه الشيخ ابن أدريس في مقدمة كتابه السرائر فقال: (لا بد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم) إلى ان قال: (ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد، لانها لا توجب علما ولا عملا، وأوجبنا ان يكون العمل تابعا للعلم، لان خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه ومن ظننت صدقه يجوز ان يكون كاذبا). وأصرح منه قوله بعد ذلك: (والعقل لا يمنع من العبادة بالقياس والعمل بخبر الواحد. ولو تعبد الله تعالى بذلك لساغ ولدخل في باب الصحة لان عبادته بذلك توجب العلم الذي لا بد أن يكون العمل تابعا له). وعلى هذا فيتضح ان المسلم فيه عند الجميع ان خبر الواحد لو خلى ونفسه لا يجوز الاعتماد عليه لانه لا يفيد إلا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا. وانما موضع النزاع هو قيام الدليل القطعي على حجيته. وعلى هذا فقد وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة: فمنهم من أنكر حجيته مطلقا، وقد حكي هذا القول عن السيد المرتضى

[ 65 ]

والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن ادريس وادعوا في ذلك الاجماع. ولكن هذا القول منقطع الآخر فإنه لم يعرف موافق لهم بعد عصر ابن ادريس إلى يومنا هذا. ومنهم من قال: (ان الاخبار المدونة في الكتب المعروفة لا سيما الكتب الاربعة مقطوعة الصدق) وهذا ما ينسب إلى جماعة من متأخري الاخباريين، قال الشيخ الانصاري تعقيبا على ذلك: (وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلا التحرز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم، والا فمدعى القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه..). وأما القائلون بحجية خبر الواحد فقد اختلفوا أيضا: فبعضهم يرى أن المعتبر من الاخبار هو كل ما في الكتب الاربعة بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور. وبعضهم يرى أن المعتبر بعضها والمناط في الاعتبار عمل الاصحاب، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقق في المعارج، وقيل المناط فيه عدالة الراوي أو مطلق وثاقته، أو مجرد الظن بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي.. إلى غير ذلك من التفصيلات. والمقصود لنا الآن بيان اثبات حجية بالخصوص في الجملة في مقابل السلب الكلي، ثم ننظر في مدى دلالة الادلة على ذلك. فالعمدة ان ننظر أولا في الادلة التي ذكروها من الكتاب والسنة والاجماع وبناء العقلاء، ثم في مدى دلالتها: أ - أدلة حجية خبر الواحد من الكتاب العزيز تمهيد: لا يخفى ان من يستدل على حجية خبر الواحد بالآيات الكريمة لا يدعى بأنها نص قطعي الدلالة على المطلوب، وإنما اقصى ما يدعيه انها ظاهرة فيه. وإذا كان الامر كذلك فقد يشكل الخصم بان الدليل على حجية الحجة يجب ان يكون قطعيا كما تقدم، فلا يصح الاستدلال بالآيات التي هي ظنية

[ 66 ]

الدلالة، لان ذلك استدلال بالظن على حجية الظن، ولا ينفع كونها قطعية الصدور. ولكن الجواب عن هذا الوهم واضح، لانه قد ثبت بالدليل القطعي حجية ظواهر الكتاب العزيز كما سيأتي، فالاستدلال بها ينتهي بالاخير إلى العلم، فلا يكون استدلالا بالظن على حجية الظن. ونحن على هذا المبنى نذكر الآيات التي ذكروها على حجية خبر الواحد فنكتفي باثبات ظهورها في المطلوب: (الآية الاولى) - آية النبأ: وهي قوله تعالى في سورة الحجرات 6: (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جهة مفهوم الوصف ومن جهة مفهوم الشرط، والذي يبدو ان الاستدلال بها من جهة مفهوم الشرط كاف في المطلوب. وتقريب الاستدلال يتوقف على شرح ألفاظ الآية اولا، فنقول: 1 - (التبين)، ان لهذه المادة معنيين: (الاول) بمعنى الظهور، فيكون فعلها لازما، فنقول: تبين الشئ، إذا ظهر وبان. ومنه قوله تعالى: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود)، (حتى يتبين لهم أنه الحق). و (الثاني) بمعنى الظهور عليه، يعني العلم به واستكشافه، أو التصدي للعلم به وطلبه، فيكون فعلها متعديا، فتقول: تبينت ؟ ؟ الشئ، إذا علمته، أو إذا تصديت للعلم به وطلبته. وعلى المعنى الثاني وهو التصدي للعلم به يتضمن معنى لتثبت فيه والتأني فيه لكشفه واظهاره والعلم به. ومنه قوله تعالى في سورة النساء 94: (إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) ومن أجل هذا قرئ بدل فتبينوا: (فتثبتوا) ومنه كذلك هذه الآية التي نحن بصددها (ان جاءكم

[ 67 ]

فاسق بنبأ فتبينوا) وكذلك قرئ فيها (فتثبتوا) فان هذه القراءة مما تدل على ان المعنيين (وهما التبين والتثبت) متقاربان. 2 - (ان تصيبوا قوما بجهالة). يظهر من كثير من التفاسير أن هذا المقطع من الآية كلام مستأنف جاء لتعليل وجوب التبين. وتبعهم على ذلك بعض الاصوليين الذين بحثوا هذه الآية هنا. ولاجل ذلك قدروا لكلمة (فتبينوا) مفعولا، فقالوا مثلا: (معناه فتبينوا صدقة من كذبه): كما قدروا لتحقيق نظم الآية وربطها لتصلح هذه الفقرة أن تكون تعليلا كلمة تدل على التعليل بأن قالوا: (معناها: خشية ان تصيبوا قوما بجهالة، أو حذار ان تصيبوا، أو لئلا تصيبوا قوما..) ونحو ذلك. وهذه التقديرات كلها تكلف وتمحل لا تساعد عليها قرينة ولا قاعدة عربية. ومن العجيب ان يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار ويرسل ارسال المسلمات. والذي أرجحه ان مقتضى سياق الكلام والاتساق مع اصول القواعد العربية أن يكون قوله: (ان تصيبوا قوما..) مفعولا لتبينوا فيكون معناه (فتثبتوا واحذروا اصابة قوم بجهالة). والظاهر أن قوله تعالى: (فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة) يكون كناية عن لازم معناه، وهو عدم حجية خبر الفاسق، لانه لو حجة لما دعا إلى الحذر من اصابة قوم بجهالة عند العمل به ثم من الندم على العمل به. 3 - (الجهالة): اسم مأخوذ من الجهل أو مصدر ثان له، قال عنها أهل اللغة: (الجهالة: ان تفعل فعلا بغير العلم) ثم هم فسروا الجهل بانه المقابل للعلم، عبروا عنه تارة بتقابل التضاد وأخرى بتقابل النقيض، وان كان الاصح في التعبير العلمي انه من تقابل العدم والملكة. والذي يبدو لي من تتبع استعمال كلمة الجهل ومشتقاتها في أصول اللغة العربية ان اعطاء لفظ الجهل معنى يقابل العلم بهذا التحديد الضيق لمعناه جاء مصطلحا جديدا عند المسلمين في عهدهم لنقل الفلسفة اليوناية إلى العربية الذي استدعى تحديد معاني كثير من الالفاظ وكسبها اطارا يناسب

[ 68 ]

الافكار الفلسفية، والا فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة والتعقل والروية، فهو يؤدي تقريبا معنى السفه أو الفعل السفهي عندما يكون عن غضب مثلا وحماقة وعدم بصيرة وعلم. وعلى كل حال هو بمعناه الواسع اللغوي يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحا علميا بعد ذلك. ولكنه ليس هو اياه. وعليه، فيكون معنى (الجهالة) ان تفعل فعلا بغير حكمة وتعقل وروية الذي لازمه عادة اصابة عدم الواقع والحق. * * * إذا عرفت هذه الشروح لمفردات الآية الكريمة يتضح لك معناها وما تؤدي إليه من دلالة على المقصود في المقام: انها تعطي أن النبأ من شأنه ان يصدق به عند الناس ويؤخذ به من جهة ان ذلك من سيرتهم، والا فلماذا نهى عن الاخذ بخبر الفاسق من جهة انه فاسق. فأراد تعالى ان يلفت انظار المؤمنين إلى انه لا ينبغي ان يعتمدوا كل خبر من أي مصدر كان، بل إذا جاء به فاسق ينبغي ألا يؤخذ به بلا ترو، وانما يجب فيه أن يتثبتوا ان يصيبوا قوما بجهالة أي بفعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضر بالقوم. والسر في ذلك ان المتوقع من الفاسق ألا يصدق في خبره فلا ينبغي أن يصدق ويعمل بخبره. فتدل الآية بحسب المفهوم على ان خبر العادل يتوقع منه الصدق فلا يجب فيه الحذر والتثبت من اصابة قوم بجهالة. ولازم ذلك انه حجة. والذي نقوله ونستفيده وله دخل في استفادة المطلوب من الآية، ان النبأ في مفروض الآية مما يعتمد عليه عند الناس وتعارفوا الاخذ به بلا تثبت والا لما كانت حاجة للامر فيه بالتبين في خبر الفاسق، إذا كان النبأ من جهة ما هو نبأ لا يعمل به الناس. ولما علقت الآية وجوب التبين والتثبت على مجئ الفاسق يظهر منه بمقتضى مفهوم الشرط أن خبر العادل ليس له هذا الشأن، بل الناس لهم ان

[ 69 ]

يبقوا فيه على سجيتهم من الاخذ به وتصديقه من دون تثبت وتبين لمعرفة صدقه من كذبه من جهة خوف اصابة قوم بجهالة. وطبعا لا يكون ذلك الا من جهة اعتبار خبر العادل وحجيته، لان المترقب منه الصدق، فيكشف ذلك عن حجية قول العادل عند الشارع والغاء احتمال الخلاف فيه. والظاهر ان بهذا البيان للآية يرتفع كثير من الشكوك التي قيلت على الاستدلال بها على المطلوب فلا نطيل في ذكرها وردها. * * * (الآية الثانية) آية النفر: وهي قوله تعالى في سورة التوبة 123: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون). ان الاستدلال بهذه الآية الكريمة على المطلوب يتم بمرحلتين من البيان: 1 - الكلام في صدر الآية: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة)، تمهيدا للاستدلال، فان الظاهر من هذه الفقرة نفي وجوب النفر على المؤمنين كافة (1) والمراد من النفر بقرينة باقي الآية النفر إلى الرسول للتفقه في الدين لا النفر إلى الجهاد، وان كانت الآيات التي قبلها واردة في الجهاد، فان ذلك وحده غير كاف ليكون قرينة مع ظهور باقي الآية في النفر إلى التعلم والتفقه. ان الكلام الواحد يفسر بعضه بعضا. وهذه الفقرة اما جملة خبرية يراد بها انشاء نفي الوجوب فتكون في الحقيقة جملة انشائية، واما جملة خبرية يراد بها الاخبار جدا عن عدم وقوعه من الجميع اما لاستحالته عادة أو لتعذره اللازم له عدم وجوب النفر عليهم جميعا فتكون دالة بالدلالة الالتزامية على عدم جعل مثل هذا الوجوب من الشارع. وعلى


(1) يستفيد بعضهم من الآية النهي عن نفر الكافة. وهي استفادة بعيدة جدا وليست كلمة (ما) من أدوات النهي. إذن ليس لهذه الآية أكثر من الدلالة على نفي الوجوب. (*)

[ 70 ]

كلا الحالين فهي تدل على عدم تشريع وجوب النفر على كل واحد واحد اما انشاء أو اخبارا. ولكن ليس من شأن الشارع بما هو شارع ان ينفي وجوب شئ انشاء أو اخبارا الا إذا كان في مقام رفع توهم الوجوب لذلك الشئ أو اعتقاده. واعتقاد وجوب النفر أمر متوقع لدى العقلاء، لان التعلم واجب عقلي على كل أحد وتحصيل اليقين فيه المنحصر عادة في مشافهة الرسول أيضا واجب عقلي. فحق ان يعتقد المؤمنون بوجوب النفر إلى الرسول شرعا لتحصيل المعرفة بالاحكام. ومن جهة أخرى، فانه مما لا شبهة فيه ان نفر جميع المؤمنين في جميع أقطار الاسلام إلى الرسول لاخذ الاحكام منه بلا واسطة كلما عنت حاجة وعرضت لهم مسألة أمر ليس عمليا من جهات كثيرة، فضلا عما فيه من مشقة عظيمة لا توصف بل هو مستحيل عادة. إذا عرفت ذلك فنقول: ان الله تعالى أراد بهذه الفقرة - والله العالم - أن يرفع عنهم هذه الكلفة والمشقة برفع وجوب النفر رحمة بالمؤمنين. ولكن هذا التخفيف ليس معناه أن يستلزم رفع أصل وجوب التفقه، بل الضرورات تقدر بقدرها. ولا شك ان التخفيف يحصل برفع الوجوب على كل واحد واحد، فلا بد من علاج لهذا الامر اللازم تحقيقه على كل حال وهو التعلم، بتشريع طريقة أخرى للتعلم غير طريقة التعلم اليقيني من نفس لسان الرسول. وقد بينت بقية الآية هذا العلاج وهذه الطريقة وهو قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة.) والتفريع بالفاء شاهد على ان هذا علاج متفرع على نفي وجوب النفر على الجميع. ومن هذا البيان يظهر أن هذه الفقرة (صدر الآية) لها الدخل الكبير في فهم الباقي من الآية الذي هو موضع الاستدلال على حجية خبر الواحد. وقد أغفل هذه الناحية المستدلون بهذه الآية على المطلوب، فلم يوجهوا الارتباط بين صدر الآية وبقيتها للاستدلال بها، على نحو ما يأتي. 2 - الكلام عن نفس موقع الاستدلال من الآية على حجية خبر الواحد

[ 71 ]

المتفرع هذا الموقع على صدرها لمكان فاء التفريع. انه تعالى بعد أن بين عدم وجوب النفر على كل واحد واحد تخفيفا عليهم حرضهم على اتباع طريقة أخرى بدلالة (لولا) التي هي للتحضيض، والطريقة هي أن ينفر قسم من كل قوم ليرجعوا إلى قومهم فيبلغونهم الاحكام بعد أن يتفقهوا في الدين ويتعلموا الاحكام. وهو في الواقع خير علاج لتحصيل التعليم بل الامر منحصر فيه. فالآية الكريمة بمجموعها تقرر أمرا عقليا وهو وجوب المعرفة والتعلم، وإذ تعذرت المعرفة اليقينية بنفر كل واحد إلى النبي ليتفقه في الدين فلم يجب، رخص الله تعالى لهم لتحصيل تلك الغاية - اعني التعلم - بأن ينفر طائفة من كل فرقة. والطائفة المتفقهة هي التي تتولى حينئذ تعلم الباقين من قومهم بل انه لم يكن قد رخصهم فقط بذلك وإنما اوجب عليهم ان ينفر طائفة من كل قوم، ويستفاد الوجوب من (لولا) التحضيضية ومن الغاية من النفر وهو التفقه لانذار القوم الباقين لاجل أن يحذروا من العقاب، مضافا إلى أن أصل التعلم واجب عقلي كما قررنا. كل ذلك شواهد ظاهرة على وجوب تفقه جماعة من كل قوم لاجل تعليم قومهم الحلال والحرام. ويكون ذلك - طبعا - وجوبا كفائيا. وإذا استفدنا وجوب تفقه كل طائفة من كل قوم أو تشريع ذلك بالترخيص فيه على الاقل لغرض انذار قومهم إذا رجعوا إليهم - فلا بد أن نستفيد من ذلك أن نقلهم للاحكام قد جعله الله تعالى حجة على الآخرين وإلا لكان تشريع هذا النفر على نحو الوجوب أو الترخيص لغوا بلا فائدة بعد أن نفى وجوب النفر على الجميع. بل لو لم يكن نقل الاحكام حجة لما بقيت طريقة لتعلم الاحكام تكون معذرة للمكلف وحجة له أو عليه. والحاصل إن رفع وجوب النفر على الجميع والاكتفاء بنفر قسم منهم ليتفقهوا في الدين ويعلموا الآخرين هو بمجموعه دليل واضح على حجية نقل الاحكام في الجملة وإن لم يستلزم العلم اليقيني، لان الآية من ناحية اشتراط الانذار بما يوجب العلم مطلقة فكذلك تكون مطلقة من ناحية قبول الانذار

[ 72 ]

والتعليم، وإلا كان هذا التدبير الذي شرعه الله لغوا وبلا فائدة وغير محصل للغرض الذي من أجله كان النفر وتشريعه. هكذا ينبغي أن تفهم الآية الكريمة في الاستدلال على المطلوب، وبهذا البيان يندفع كثير مما أورد على الاستدلال بها للمطلوب. وينبغي ألا يخفى عليكم أنه لا يتوقف الاستدلال بها على أن يكون نفر الطائفة من كل قوم واجبا، بل يكفي ثبوت أن هذه الطريقة مشرعة من قبل الله وان كان بنحو الترخيص بها، لان نفس تشريعها يستلزم تشريع حجية نقل الاحكام من المتفقه. فلذلك لا تبقى حاجة إلى التطويل في استفادة الوجوب. كما أن الاستدلال بها لا يتوقف على كون الحذر عند انذار النافرين المتفقهين واجبا واستفادة ذلك من لعل أو من اصل حسن الحذر، بل الامر بالعكس، فإن نفس جعل حجية قول النافرين المتفقهين المستفاد من الآية يكون دليلا على وجوب الحذر. نعم يبقى شئ، وهو أن الواجب ان ينفر من كل فرقة طائفة، والطائفة ثلاثة فأكثر، أو اكثر من ثلاثة. وحينئذ لا تشمل الآية خبر الشخص الواحد أو الاثنين. ولكن يمكن دفع ذلك بانه لا دلالة في الآية على انه يجب في الطائفة ان ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم مجتمعين بشرط الاجتماع، فالآية من هذه الناحية مطلقة وبمقتضى اطلاقها يكون خبر الواحد لو انفرد بالاخبار حجة أيضا. يعني ان العموم فيها أفرادي لا مجموعي. (تنبيه): ان هذه الآية الكريمة تدل أيضا على وجوب قبول فتوى المجتهد بالنسبة إلى العامي، كما دلت على وجوب قبول خبر الواحد، وذلك ظاهر لان كلمة التفقه عامة للطرفين وقد أفاد ذلك شيخنا النائيني قدس سره كما في تقريرات بعض الاساطين من تلامذته، فانه قال: (ان التفقه في العصور المتأخرة، وإن كان هو استنباط الحكم الشرعي بتنقيح جهات ثلاث: الصدور وجهة الصدور والدلالة، ومن المعلوم ان تنقيح الجهتين الاخيرتين مما يحتاج إلى اعمال النظر

[ 73 ]

والدقة، إلا أن التفقه في الصدر الاول لم يكن محتاجا الا إلى اثبات الصدور ليس الا، لكن اختلاف محقق التفقه باختلاف الازمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه، فكما أن العارف بالاحكام الشرعية باعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه كذلك العارف بها من دون اعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة). وبمقتضى عموم التفقه فإن الآية الكريمة أيضا تدل على وجوب الاجتهاد في العصور المتأخرة عن عصور المعصومين وجوبا كفائيا، بمعنى انه يجب على كل قوم ان ينفر منهم طائفة فيرحلوا لتحصيل التفقه وهو الاجتهاد لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، كما تدل أيضا بالملازمة التي سبق ذكرها على حجية قول المجتهد على الناس الآخرين ووجوب قبول فتواه عليهم. * * * (الآية الثالثة) - آية حرمة الكتمان: وهي قوله تعالى في سورة البقرة 159: (ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله..). وجه الاستدلال بها يشبه الاستدلال بآية النفر، فإنه لما حرم الله تعالى كتمان البينات والهدى وجب أن يقبل قول من يظهر البينات والهدى ويبينه للناس وإن كان ذلك المظهر والمبين واحدا لا يوجب قوله العلم، وألا لكان تحريم الكتمان لغوا وبلا فائدة لو لم يكن قوله حجة مطلقا. والحاصل ان هناك ملازمة عقلية بين وجوب الاظهار ووجوب القبول، وإلا لكان وجوب الاظهار لغوا وبلا فائدة. ولما كان وجوب الاظهار لم يشترط فيه أن يكون الاظهار موجبا للعلم فكذلك لازمه وهو وجوب القبول لا بد أن يكون مطلقا من هذه الناحية غير مشترط فيه بما يوجب العلم. وعلى هذا الاساس من الملازمة قلنا بدلالة آية النفر على حجية خبر الواحد وحجية فتوى المجتهد. ولكن الانصاف ان الاستدلال لا يتم بهذه الآية الكريمة، بل هي أجنبية

[ 74 ]

جدا عما نحن فيه، لان ما نحن فيه وهو حجية خبر الواحد - ان يظهر المخبر شيئا لم يكن ظاهرا ويعلم ما تعلم من احكام غير معلومة للآخرين كما في آية النفر. فإذا وجب قبوله على الآخرين وإلا كان وجوب التعليم والاظهار لغوا، واما هذه الآية فهي واردة في مورد كتمان ما هو ظاهر وبين للناس جميعا، بدليل قوله تعالى: (من بعد ما بيناه للناس في الكتاب) لا اظهار ما هو خفي على الآخرين. والغرض: ان هذه الآية واردة في مورد ما هو بين واجب القبول سواء كتم أم اظهر، لا في مورد يكون قبوله من جهة الاظهار حتى تكون ملازمة بين وجوب القبول وحرمة الكتمان فيقال: لو لم يقبل لما حرم الكتمان. وبهذا يظهر الفرق بين هذه الآية وآية النفر. وينسق على هذه الآية باقي الآيات الاخر التي ذكرت للاستدلال بها على المطلوب فلا نطيل بذكرها. ب - دليل حجية خبر الواحد من السنة من البديهي انه لا يصح الاستدلال على حجية خبر الواحد بنفس خبر الواحد فإنه دور ظاهر، بل لا بد ان تكون الاخبار المستدل بها على حجيته معلومة الصدور من المعصومين، اما بتواتر أو قرينة قطعية. ولا شك في انه ليس في أيدينا من الاخبار ما هو متواتر بلفظه في هذا المضمون، وإنما كل ما قيل هو تواتر الاخبار معنى في حجية خبر الواحد إذا كان ثقة مؤتمنا في الرواية، كما رآه الشيخ الحر صاحب الوسائل. وهذه دعوى غير بعيدة، فإن المتتبع يكاد يقطع جازما بتواتر الاخبار في هذا المعنى، بل هي بالفعل متواترة لا ينبغي ان يعتري فيها الريب للمنصف (1).


(1) إن الشيخ صاحب الكفاية لم يتضح له تواتر الاخبار معنى، وإنما أقصى ما اعترف به (أنها متواترة اجمالا) وغرضه من التواتر الاجمالي هو العلم بصدور بعضها عنهم عليهم السلام يقينا. وتسمية ذلك بالتواتر مسامحة ظاهرة. (*)

[ 75 ]

وقد ذكر الشيخ الانصاري قدس الله نفسه طوائف من الاخبار، يحصل بانضمام بعضها إلى بعض العلم بحجية خبر الواحد الثقة المأمون من الكذب في الشريعة، وان هذا أمر مفروغ عنه عند آل البيت عليهم السلام. ونحن نشير إلى هذه الطوائف على الاجمال وعلى الطالب أن يرجع إلى الوسائل (كتاب القضاء) والى رسائل الشيخ في حجية خبر الواحد للاطلاع على تفاصيلها: (الطائفة الاولى) - ما ورد في الخبرين المتعارضين في الاخذ بالمرجحات كالاعدل والاصدق والمشهور ثم التخيير عند التساوي. وسيأتي ذكر بعضها في باب التعادل والتراجيح. ولولا أن خبر الواحد الثقة حجة لما كان معنى لفرض التعارض بين الخبرين ولا معنى للترجيح بالمرجحات المذكورة والتخيير عند عدم المرجح كما هو واضح. (الطائفة الثانية) - ما ورد في ارجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الائمة عليهم السلام، على وجه يظهر فيه عدم الفرق في الارجاع بين الفتوى والرواية، مثل ارجاعه عليه السلام إلى زرارة بقوله: (إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس) يشير بذلك إلى زرارة. ومثل قوله عليه السلام، لما قال له عبد العزيز بن المهدي: ربما أحتاج ولست ألقاك في كل وقت، أفيونس ابن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني ؟ قال: نعم. قال الشيخ الاعظم: (وظاهر هذه الرواية أن قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند الراوي فسأل عن وثاقة يونس ليرتب عليه اخذ المعالم منه). إلى غير ذلك من الروايات التي تنسق على هذا المضمون ونحوه. (الطائفة الثالثة) - ما دل على وجوب الرجوع إلى الرواة والثقات والعلماء، مثل قوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم).. إلى ما شاء الله من الروايات في أمثال هذا المعنى. (الطائفة الرابعة) ما دل على الترغيب في الرواية والحث عليها وكتابتها

[ 76 ]

وإبلاغها، مثل الحديث النبوي المستفيض بل المتواتر: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما يوم القيامة) الذي لاجله صنف كثير من العلماء الاربعينيات، ومثل قوله عليه السلام للراوي: (اكتب وبث علمك في بني عمك فإنه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلا بكتبهم) إلى غير ذلك من الاحاديث. (الطائفة الخامسة): ما دل على ذم الكذب عليهم والتحذير من الكذابين عليهم، فإنه لو لم يكن الاخذ باخبار الآحاد أمرا معروفا بين المسلمين لما كان مجال للكذب عليهم، ولما كان مورد للخوف من الكذب عليهم ولا التحذير من الكذابين، لانه لا أثر للكذب لو كان خبر الواحد على كل حال غير مقبول عند المسلمين. قال الشيخ الاعظم بعد نقله لهذه الطوائف من الاخبار - وهو على حق فيما قال -: (إلى غير ذلك من الاخبار التي يستفاد من مجموعها رضى الائمة بالعمل بالخبر، وإن لم يفد القطع، وقد ادعى في الوسائل تواتر الاخبار بالعمل بخبر الثقة، إلا أن القدر المتيقن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء ويقبحون التوقف فيه لاجل ذلك الاحتمال، كما دل عليه الفاظ الثقة والمأمون والصادق وغيرها الواردة في الاخبار المتقدمة وهي أيضا منصرف اطلاق غيرها). وأضاف: (واما العدالة فأكثر الاخبار المتقدمة خالية عنها، بل وفي كثير منها التصريح بخلافه). * * * ج‍ - دليل حجية خبر الواحد من الاجماع حكى جماعة كبيرة تصريحا وتلويحا الاجماع من قبل علماء الامامية على حجية خبر الواحد إذا كان ثقة مأمونا في نقله وان لم يفد خبره العلم. وعلى رأس الحاكين للاجماع شيخ الطائفة الطوسي أعلى الله مقامه في كتابه العدة (ج 1 ص 47) لكنه اشترط فيما اختاره من الرأي وحكى عليه الاجماع أن

[ 77 ]

يكون خبر الواحد واردا من طريق أصحابنا القائلين بالامامة وكان ذلك مرويا عن النبي أو عن الواحد من الائمة وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله. وتبعه على ذلك في التصريح بالاجماع السيد رضي الدين ابن طاوس، والعلامة الحلي في النهاية، والمحدث المجلسي في بعض رسائله، كما حكى ذلك عنهم الشيخ الاعظم في الرسائل. وفي مقابل ذلك حكى جماعة أخرى اجماع الامامية على عدم الحجية. وعلى رأسهم السيد الشريف المرتضى أعلى الله درجته، وجعله بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة. وتبعه على ذلك الشيخ إبن إدريس في السرائر ونقل كلاما للسيد المرتضى في المقدمة، وأنتقد في اكثر من موضع في كتابه الشيخ الطوسي في عمله بخبر الواحد، وكرر تبعا للسيد قوله: (ان خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا) وكذلك نقل عن الطبرسي صاحب مجمع البيان تصريحه في نقل الاجماع على عدم العمل بخبر الواحد. والغريب في الباب وقوع مثل هذا التدافع بين نقل الشيخ والسيد عن اجماع الامامية، مع انهما متعاصران بل الاول تلمذ على الثاني، وهما الخبيران العالمان بمذهب الامامية. وليس من شأنهما أن يحكيا مثل هذا الامر بدون تثبت وخبرة كاملة. فلذلك وقع الباحثون في حيرة عظيمة من أجل التوفيق بين نقليهما. وقد حكى الشيخ الاعظم في الرسائل وجوها للجمع: مثل ان يكون مراد السيد المرتضى من خبر الواحد الذي حكى الاجماع على عدم العمل به هو خبر الواحد الذي يرويه مخالفونا والشيخ يتفق معه على ذلك. وقيل: يجوز أن يكون مراده من خبر الواحد ما يقابل المأخوذ من الثقات المحفوظ في الاصول المعمول بها عند جميع خواص الطائفة وحينئذ يتقارب مع الشيخ في الحكاية عن الاجماع وقيل: يجوز ان يكون مراد الشيخ من خبر الواحد خبر الواحد المحفوظ بالقرائن المفيدة للعلم بصدقه فيتفق حينئذ نقله مع نقل السيد. وهذه الوجوه من التوجيهات قد استحسن الشيخ الانصاري منها الاول

[ 78 ]

ثم الثاني. ولكنه يرى أن الارجح من الجميع ما ذكره هو من الوجه (1) وأكد عليه اكثر من مرة، فقال: (ويمكن الجمع بينهما بوجه أحسن، وهو أن مراد السيد من (العلم) الذي ادعاه في صدق الاخبار هو مجرد الاطمئنان، فإن المحكى عنه في تعريف العلم انه (ما اقتضى سكون النفس)، وهو الذي أدعى بعض الاخباريين أن مرادنا من العلم بصدور الاخبار هذا المعنى، لا اليقين الذي لا يقبل الاحتمال رأسا. فمراد الشيخ من تجرد هذه الاخبار عن القرائن تجردها عن القرائن الاربع التي ذكرها اولا، وهي موافقة الكتاب والسنة والاجماع والدليل العقلي. ومراد السيد من القرائن التي أدعى في عبارته المتقدمة (2) احتفاف اكثر الاخبار بها هي الامور الموجبة للوثوق بالراوي أو بالرواية بمعنى سكون النفس بهما وركونها اليهما). ثم قال: (ولعل هذا الوجه أحسن وجوه الجمع بين كلامي الشيخ والسيد خصوصا مع ملاحظة تصريح السيد في كلامه بأن اكثر الاخبار متواترة أو محفوفة وتصريح الشيخ في كلامه المتقدم بانكار ذلك). هذا ما أفاده الشيخ الانصاري في توجيه كلام هذين العلمين، ولكني لا أحسب ان السيد المرتضى يرتضي بهذا الجمع، لانه صرح في عبارته المنقولة في مقدمة السرائر بأن مراده من العلم القطع الجازم، قال: (اعلم انه لا بد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم بها، لانه متى لم نعلم الحكم ونقطع بالعلم على انه مصلحة جوزنا كونه مفسدة). وأصرح منه (3) قوله بعد ذلك: (ولذلك ابطلنا في الشريعة العمل بأخبار


(1) ذكر المحقق الاشتياني في حاشيته على الرسائل في هذا الموقع أن هذا الوجه من التوجيه سبق إليه بعض أفاضل المتأخرين وهو المحقق النراقي صاحب المناهج، ونقل نص عبارته. (2) غرضه من عبارته المتقدمة عبارته التي نقلها في السرائر عن السيد وقد نقلها الشيخ الاعظم في الرسائل. (3) إنما قلت اصرح منه، لانه يحتمل في العبارة المتقدمة أنه يريد من العلم ما يعم العلم بالحكم والعلم بمشروعية الطريق إليه وإن كان الطريق في نفسه ظنيا. وهذا الاحتمال لا يتطرق إلى عبارته الثانية. (*)

[ 79 ]

الآحاد لانها لا توجب علما ولا عملا وأوجبنا ان يكون العمل تابعا للعلم لان خبر الواحد إذا كان عدلا فغاية ما يقتضيه الظن لصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز ان يكون كاذبا وان ظننت به الصدق، فان الظن لا يمنع من التجويز فعاد الامر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنه إقدام على ما لا نأمن من كونه فسادا أو غير صلاح). هذا، ويحتمل احتملا بعيدا أن السيد لم يرد من التجويز - الذي قال عنه انه لا يمنع منه الظن - كل تجويز حتى الضعيف الذي لا يعتني به العقلاء ويجتمع مع اطمئنان النفس، بل أراد منه التجويز الذي لا يجتمع مع اطمئنان النفس ويرفع الامان بصدق الخبر، وإنما قلنا ان هذا الاحتمال بعيد لانه يدفعه: ان السيد حصر في بعض عباراته ما يثبت الاحكام عند من نأى عن المعصومين أو وجد بعدهم، حصره في خصوص الخبر المتواتر المفضي إلى العلم واجماع الفرقة المحقة لا غيرهما. وأما تفسيره للعلم بسكون النفس فهذا تفسير شائع في عبارات المتقدمين ومنهم الشيخ نفسه في العدة. والظاهر انهم يريدون من سكون النفس الجزم القاطع لا مجرد الاطمئنان وإن لم يبلغ القطع كما هو متعارف التعبير به في لسان المتأخرين. نعم لقد عمل السيد المرتضى على خلاف ما أصله هنا، وكذلك ابن ادريس الذي تابعه في هذا القول، لانه كان كثيرا ما يأخذ باخبار الآحاد الموثوقة المروية في كتب أصحابنا، ومن العسير عليه وعلى غيره ان يدعى تواترها جميعا أو احتفافها بقرائن توجب القطع بصدورها. وعلى ذلك جرت استنباطاته الفقهية وكذلك ابن ادريس في السرائر، ولعل عمله هذا يكون قرينة على مراده من ذلك الكلام ومفسرا له على نحو ما أحتمله الشيخ الانصاري. * * * وعلى كل حال سواء استطعنا تأويل كلام السيد بما يوافق كلام الشيخ أو لم نستطيع، فإن دعوى الشيخ اجماع الطائفة على اعتبار خبر الواحد الموثوق به

[ 80 ]

المأمون من الكذب وان لم يكن عادلا بالمعنى الخاص ولم يوجب قوله العلم القاطع - دعوى مقبولة ومؤيدة، يؤيدها عمل جميع العلماء من لدن الصدر الاول إلى اليوم حتى نفس السيد وابن أدريس كما ذكرنا، بل السيد نفسه اعترف في بعض كلامه بعمل الطائفة باخبار الآحاد إلا انه أدعى انه لما كان من المعلوم عدم عملهم بالاخبار المجردة كعدم عملهم بالقياس فلا بد من حمل موارد عملهم على الاخبار المحفوفة بالقرائن، قائلا: (ليس ينبغي أن يرجع عن الامور المعلومة المشهورة المقطوع عليها - ويقصد بالامور المعلومة عدم عملهم بالظنون - إلى ما هو مشتبه وملتبس ومجمل - ويقصد بالمشتبه المجمل وجه عملهم باخبار الآحاد - وقد علم كل موافق ومخالف أن الشيعة الامامية تبطل القياس في الشريعة حيث لا يؤدي إلى العلم وكذلك نقول في اخبار الآحاد). ونحن نقول للسيد المرتضى: صحيح ان المعلوم من طريقة الشيعة الامامية عدم عملهم بالظنون بما هي ظنون، ولكن خبر الواحد الثقة المأمون وما سواه من الظنون المعتبرة كالظواهر إذا كانوا قد عملوا بها فانهم لم يعملوا بها إلا لانها ظنون قام الدليل القاطع على اعتبارها وحجيتها. فلم يكن العمل بها عملا بالظن، بل يكون - بالاخير - عملا بالعلم. وعليه، فنحن نقول معه: (انه لا بد في الاحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم بها، لانه متى لم نعلم الحكم ونقطع بالعلم على انه مصلحة جوزنا كونه مفسدة). وخبر الواحد الثقة المأمون لما ثبت اعتباره فهو طريق يوصل العلم بالاحكام، ونقطع بالعلم - على حد تعبيره - على انه مصلحة لا نجوز كونه مفسدة. ويؤيد أيضا دعوى الشيخ للاجماع قرائن كثيرة ذكر جملة منها الشيخ الانصاري في الرسائل: (منها) ما ادعاه الكشي من اجماع العصابة على تصحيح ما يصح عن جماعة، فإنه من المعلوم أن معنى التصحيح المجمع عليه هو عد خبره صحيحا بمعنى عملهم به، لا القطع بصدوره، إذ الاجماع وقع على التصحيح لا على الصحة. و (منها) دعوى النجاشي ان مراسيل ابن أبي عمير مقبولة عند الاصحاب، وهذه العبارة من النجاشي تدل دلالة صريحة

[ 81 ]

على عمل الاصحاب بمراسيل مثل ابن أبي عمير لا من أجل القطع بالصدور، بل لعلمهم انه لا يروي أو لا يرسل الا عن ثقة. إلى غير ذلك من القرائن التي ذكرها الشيخ الانصاري من هذا القبيل. وعليك بمراجعة الرسائل في هذا الموضوع فقد استوفت البحث احسن استيفاء، واجاد فيها الشيخ فيما افاد، والمت بالموضوع من جميع اطرافه، كعادته في جميع أبحاثه. وقد ختم البحث بقوله السديد: (والانصاف انه لم يحصل في مسألة يدعى فيها الاجماع من الاجماعات المنقولة والشهرة العظيمة والامارات الكثيرة الدالة على العمل ما حصل في هذه المسألة، فالشاك في تحقق الاجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الاجماع في مسألة من المسائل الفقهية اللهم الا في ضروريات المذهب). واضاف: (لكن الانصاف ان المتيقن من هذا كله الخبر المفيد للاطمئنان لا مطلق الظن). ونحن له من المؤيدين. جزاه الله خير ما يجزي العلماء العاملين. د - دليل حجية خير الواحد من بناء العقلاء انه من المعلوم قطعا الذي لا يعتريه الريب استقرار بناء العقلاء طرا واتفاق سيرتهم العملية، على اختلاف مشاربهم واذواقهم، على الاخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنون إلى صدقه ويأمنون كذبه، وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات. وهذه السيرة العملية جارية حتى في الاوامر الصادرة من ملوكهم وحكامهم وذوي الامر منهم. وسر هذه السيرة ان الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغية بنظرهم لا يعتنون بها، فلا يلتفتون إلى احتمال تعمد الكذب من الثقة، كما لا يلتفتون إلى احتمال خطأه واشتباهه أو غفلته. وكذلك أخذهم بظواهر الكلام وظواهر الافعال، فان بناءهم العملي على الغاء الاحتمالات الضعيفة المقابلة. وذلك من كل ملة ونحلة. وعلى هذه السيرة العملية قامت معايش الناس وانتظمت حياة البشر، ولولاها لاختل نظامهم الاجتماعي ولسادهم الاضطراب لقلة ما يوجب العلم

[ 82 ]

القطعي من الاخبار المتعارفة سندا ومتنا. والمسلمون بالخصوص كسائر الناس جرت سيرتهم العملية على مثل ذلك في استفادة الاحكام الشرعية من القديم إلى يوم الناس هذا، لانهم متحدو المسلك والطريقة مع سائر البشر، كما جرت سيرتهم بما هم عقلاء على ذلك في غير الاحكام الشرعية. ألا ترى هل كان يتوقف المسلمون من أخذ احكامهم الدينية من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله أو من اصحاب الائمة عليهم السلام الموثوقين عندهم ؟. وهل ترى هل يتوقف المقلدون اليوم وقبل اليوم في العمل بما يخبرهم الثقات عن رأي المجتهد الذي يرجعون إليه ؟ وهل ترى تتوقف الزوجة في العمل بما يحكيه لها زوجها الذي تطمئن إلى خبره عن رأي المجتهد في المسائل التي تخصها كالحيض مثلا ؟. وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس بما فيهم المسلمون على الاخذ بخبر الواحد الثقة - فان الشارع المقدس متحد المسلك معهم لانه منهم بل هو رئيسهم، فلا بد ان نعلم بأنه متخذ لهذه الطريقة العقلائية كسائر الناس ما دام انه لم يثبت لنا ان له في تبليغ الاحكام طريقا خاصا مخترعا منه غير طريق العقلاء، ولو كان له طريق خاص قد اخترعه غير مسلك العقلاء لاذاعه وبينه للناس ولظهر واشتهر ولما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة باقي البشر. * * * وهذا الدليل قطعي لا يداخله الشك، لانه مركب من مقدمتين قطعيتين: 1 - ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة والاخذ به. 2 - كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم واشتراكه معهم، لانه متحد المسلك معهم. قال شيخنا النائيني (قده) كما في تقريرات تلميذه الكاظمي (قده) (ج 3 ص 69): (واما طريقة العقلاء فهي عمدة ادلة الباب بحيث لو فرض انه

[ 83 ]

كان سبيل إلى المناقشة في بقية الادلة فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائية القائمة على الاعتماد على خبر الثقة والاتكال عليه في محاوراتهم). واقصى ما قيل في الشك في هذا الاستدلال هو: ان الشارع لئن كان متحد المسلك مع العقلاء فانما يستكشف موافقته لهم ورضاه بطريقتهم إذا لم يثبت الردع منه عنها. ويكفي في الردع الآيات الناهية عن اتباع الظن وما وراء العلم التي ذكرناها سابقا في البحث السادس من المقدمة، لانها بعمومها تشمل خبر الواحد غير المفيد للعلم. وقد عالجنا هذا الامر فيما يتعلق بشمول هذه الآيات الناهية للاستصحاب في الجزء الرابع مبحث الاستصحاب، فقلنا: ان هذه الآيات غير صالحة للردع عن الاستصحاب الذي جرت سيرة العقلاء على الاخذ به، لان المقصود من النهي عن اتباع غير العلم النهي عنه إذ يراد به إثبات الواقع، كقوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا) بينما انه ليس المقصود من الاستصحاب اثبات الواقع والحق، بل هو اصل وقاعدة عملية يرجع إليها في مقام العمل عند الشك في الواقع والحق. فيخرج الاستصحاب عن عموم هذه الآيات موضوعا. وهذا العلاج - طبعا - لا يجري في مثل خبر الواحد، لان المقصود به كسائر الامارات الاخرى اثبات الواقع وتحصيل الحق. ولكن مع ذلك نقول: ان خبر الواحد خارج عن عموم هذه الآيات تخصصا كالظواهر التي أيضا حجيتها مستندة إلى بناء العقلاء على ما سيأتي. وذلك بأن يقال - حسبما أفاده استاذنا المحقق الاصفهاني قدس سره في حاشيته على الكفاية ج 3 ص 14 - قال: (أن لسان النهي عن اتباع الظن وانه لا يغني من الحق شيئا ليس لسان التعبد بأمر على خلاف الطريقة العقلائية، بل من باب ايكال الامر إلى عقل المكلف من جهة ان الظن بما هو ظن لا مسوغ للاعتماد عليه والركون إليه. فلا نظر في الآيات الناهية إلى ما استقرت عليه

[ 84 ]

سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتباعه من أجل كونه خبر الثقة. ولذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتباع روايته بعد فرض وثاقته). أو يقال - حسبما أفاده شيخنا النائيني قدس سره على ما في تقريرات الكاظمي قدس سره ج 3 ص 69 - قال: (ان الآيات الناهية عن العمل بالظن لا تشمل خبر الثقة، لان العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم، بل هو من أفراد العلم لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع، لما قد جرت على ذلك طباعهم واستقرت عليه عادتهم. فهو خارج عن العمل بالظن موضوعا. فلا تصلح أن تكون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم رادعة عن العمل بخبر الثقة، بل الردع يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص). وعلى كل حال، لو كانت هذه الآيات صالحة للردع عن مثل خبر الواحد والظواهر التي جرت سيرة العقلاء على العمل بها ومنهم المسلمون - لعرف ذلك بين المسلمين وانكشف لهم ولما أطبقوا على العمل بها وجرت سيرتهم عليه. فهذا دليل قطعي على عدم صلاحية هذه الآيات للردع عن العمل بخبر الواحد فلا نطيل بذكر الدور الذي أشكلوا به في المقام والجواب عنه. وإن شئت الاطلاع فراجع الرسائل وكفاية الاصول.

[ 85 ]

الباب الثالث الاجماع

[ 87 ]

الاجماع الاجماع أحد معانيه في اللغة: الاتفاق. والمراد منه في الاصطلاح: اتفاق خاص. وهو: اما اتفاق الفقهاء من المسلمين على حكم شرعي. أو اتفاق اهل الحل والعقد من المسلمين على الحكم. أو اتفاق أمة محمد على الحكم. على أختلاف التعريفات عندهم. ومهما اختلفت هذه التعبيرات فانها - على ما يظهر - ترمي إلى معنى جامع بينها، وهو: اتفاق جماعة لاتفاقهم شأن في اثبات الحكم الشرعي. ولذا استثنوا من المسلمين سواد الناس وعوامهم لانهم لا شأن لآرائهم في استكشاف الحكم الشرعي، وانما هم تبع للعلماء ولاهل الحل والعقد. وعلى كل حال، فإن هذا (الاجماع) بما له من هذا المعنى قد جعله الاصوليون من اهل السنة أحد الادلة الاربعة أو الثلاثة على الحكم الشرعي، في مقابل الكتاب والسنة. أما الامامية فقد جعلوه أيضا أحد الادلة على الحكم الشرعي، ولكن من ناحية شكلية واسمية فقط، مجاراة للنهج الدراسي في اصول الفقه عند السنيين أي انهم لا يعتبرونه دليلا مستقلا في مقابل الكتاب والسنة، بل إنما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنة، أي عن قول المعصوم، فالحجية والعصمة ليستا للاجماع، بل الحجة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الاجماع عندما تكون له أهلية هذا الكشف.

[ 88 ]

ولذا توسع الامامية في اطلاق كلمة الاجماع على اتفاق جماعة قليلة لا يسمى اتفاقهم في الاصطلاح اجماعا، باعتبار أن اتفاقهم يكشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم فيكون له حكم الاجماع، بينما لا يعتبرون الاجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم وإن سمي اجماعا بالاصطلاح. وهذه نقطة خلاف جوهرية في الاجماع، ينبغي أن نجليها ونلتمس الحق فيها، فإن لها كل الاثر في تقييم الاجماع من جهة حجيته. ولاجل أن نتوصل إلى الغرض المقصود لا بد من توجيه بعض الاسئلة لانفسنا لنلتمس الجواب عليها: أولا - من اين انبثق للاصوليين القول بالاجماع، فجعلوه حجة ودليلا مستقلا على الحكم الشرعي: في مقابل الكتاب والسنة. ثانيا - هل المعتبر عند من يقول بالاجماع اتفاق جميع الامة، أو اتفاق جميع العلماء في عصر من العصور، أو بعض منهم يعتد به ؟ ومن هم الذين يعتد بأقوالهم ؟ اما السؤال الاول: فإن الذي يثيره في النفس ويجعلها في موضع الشك فيه ان اجماع الناس جميعا على شئ أو اجماع أمة من الامم بما هو اجماع واتفاق لا قيمة علمية له في استكشاف حكم الله، لانه لا ملازمة بينه وبين حكم الله. فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم الله بأي وجه من وجوه الملازمة. نعم الشئ الذي يجب ألا يفوتنا التنبيه عليه في الباب أنا قد قلنا فيما سبق في الجزء الثاني وسيأتي: ان تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العملية التي نسميها الآراء المحمودة والتي تتعلق بحفظ النظام والنوع يستكشف به الحكم الشرعي، لان الشارع من العقلاء بل رئيسهم وهو خالق العقل فلا بد ان يحكم بحكمهم. ولكن هذا التطابق ليس من نوع الاجماع المقصود، بل هو نفس الدليل

[ 89 ]

العقلي الذي نقول بحجيته في مقابل الكتاب والسنة والاجماع وهو من باب التحسين والتقبيح العقليين الذي ينكره هؤلاء الذاهبون إلى حجية الاجماع. أما اجماع الناس - الذي لا يدخل في تطابق آراء العقلاء بما هم العقلاء - فلا سبيل إلى اتخاذه دليلا على الحكم الشرعي، لان اتفاقهم قد يكون بدافع العادة أو العقيدة أو الانفعال النفسي أو الشبهة أو نحو ذلك. وكل هذه الدوافع من خصائص البشر لا يشاركهم الشارع فيها لتنزهه عنها. فإذا حكموا بشئ بأحد هذه الدوافع لا يجب ان يحكم الشارع بحكمهم، فلا يستكشف من اتفاقهم على حكم بما ما هو اتفاق أن هذا الحكم واقعا هو حكم الشارع ولو أن اجماع الناس بما هو اجماع كيفما كان وبأي دافع كان، هو حجة ودليل - لوجب ان يكون اجماع الامم الاخرى غير المسلمة أيضا حجة ودليلا. ولا يقول بذلك واحد ممن يرى حجية الاجماع. اذن ! كيف اتخذ الاصوليون اجماع المسلمين بالخصوص حجة ؟ وما الدليل لهم على ذلك ؟ وللجواب عن هذا السؤال علينا ان نرجع القهقري إلى أول اجماع اتخذ دليلا في تأريخ المسلمين. انه الاجماع المدعى على بيعة أبي بكر خليفة للمسلمين. فإنه إذا وقعت البيعة له - والمفروض انه لا سند لها من طريق النص القرآني والسنة النبوية - اضطروا إلى تصحيح شرعيتها من طريق الاجماع فقالوا: أولا - ان المسلمين من أهل المدينة اواهل الحل والعقد منهم أجمعوا على بيعته. وثانيا - ان الامامة من الفروع لا من الاصول. وثالثا - ان الاجماع حجة في مقابل الكتاب والسنة، أي انه دليل ثالث غير الكتاب والسنة. ثم منه توسعوا فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعية الفرعية. وسلكوا لاثبات حجيته ثلاثة مسالك: الكتاب والسنة والعقل. ومن الطبيعي ألا يجعلوا

[ 90 ]

الاجماع من مسالكه لانه يؤدي إلى اثبات الشئ بنفسه، وهو دور باطل. اما (مسلك الكتاب) فآيات استدلوا بها لا تنهض دليلا على مقصودهم، وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين وهي قوله تعالى (سورة النساء 114): (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا). فإنها توجب اتباع سبيل المؤمنين، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم فيجب اتباعه. وبهذه الآية تمسك الشافعي على ما نقل عنه. ويكفينا في رد الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزالي منها إذ قال (1): (الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاقه ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الاعداء عنه نوله ما تولى. فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم إليه متابعة سبيل المؤمنين من نصرته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهي). ثم قال: (وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم) وهو كذلك كما استظهره، اما الآيات الاخرى فقد اعترف الغزالي كغيره في عدم ظهورها في حجية الاجماع، فلا نطيل بذكرها ومناقشة الاستدلال بها. وأما (مسلك السنة) فهي احاديث رووها بما يؤدي مضمون الحديث (لا تجتمع أمتي على الخطأ)، وقد ادعوا تواترها معنى، فاستنبطوا منها عصمة الامة الاسلامية من الخطأ والضلالة، فيكون اجتماعها كقول المعصوم حجة ومصدرا مستقلا لمعرفة حكم الله. وهذه الاحاديث - على تقدير التسليم بصحتها وانها توجب العلم لتواترها معنى - لا تنفع في تصحيح دعواهم، لان المفهوم من اجتماع الامة كل الامة، لا بعضها فلا يثبت بهذه الاحاديث عصمة البعض من الامة، بينما أن مقصودهم من الاجماع اجماع خصوص الفقهاء أو اهل الحل والعقد عصر من العصور، بل خصوص الفقهاء المعروفين، بل خصوص المعروفين من فقهاء طائفة خاصة


(1) المستصفي ج 1 ص 111. (*)

[ 91 ]

وهي طائفة أهل السنة، بل يكتفون باتفاق جماعة ويطمئنون إليهم كما هو الواقع في بيعة السقيفة. فأنى لنا أن نحصل على اجماع جميع الامة بجميع طوائفها واشخاصها في جميع العصور إلا في ضروريات الدين مثل وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما. وهذه ضروريات الدين ليست من نوع الاجماع المبحوث عنه. ولا تحتاج في اثبات الحكم بها إلى القول بحجية الاجماع. واما (مسلك العقل) الذي عبر بعضهم بالطريق المعنوي - فغاية ما يقال في توجيهه: ان الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها فلا يقطعون بها إلا عن مستند قاطع، وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حدة التواتر فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب وتحيل عليهم الغلط. فقطعهم في غير محل القطع محال في العادة. والتابعون وتابعو التابعين إذا قطعوا بما قطع به الصحابة فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق مع كثرتهم. ومثل هذا الدليل يصح ان يناقش فيه: بأن اجماعهم هذا ان كان يعلم بسببه قول المعصوم فلا شك في أن هذا علم قطعي بالحكم الواقعي، فيكون حجة لانه قطع بالنسبة، ولا كلام لاحد فيه، لان هذا الاجماع يكون من طرق اثبات السنة. وأما إذا لم يعلم بسببه قول المعصوم - كما هو المقصود من فرض الاجماع حجة مستقلة ودليلا في مقابل الكتاب والسنة - فأن قطع المجمعين مهما كانوا لئن كان يستحيل في العادة قصدهم الكذب في ادعاء القطع كما في الخبر المتواتر فإنه لا يستحيل في حقهم الغفلة أو الاشتباه أو الغلط، كما لا يستحيل أن يكون اجماعهم بدافع العادة أو العقيدة أو أي دافع من الدوافع الاخرى التي أشرنا إليها سابقا. ولاجل ذلك اشترطنا في التواتر الموجب للعلم الا يتطرق إليه احتمال خطأ المخبرين في فهم الحادثة واشتباههم كما شرحناه في كتاب المنطق الجزء الثالث ص 10.

[ 92 ]

ولاعجب في تطرق احتمال الخطأ في اتفاق الناس على رأي، بل تطرق الاحتمال إلى ذلك اكثر من تطرقه إلى الاتفاق في النقل، لان اسباب الاشتباه والغلط فيه اكثر. ثم ان هذا الطريق العقلي أو المعنوي لو تم، فأي شئ يخصصه بخصوص الصحابة أو المسلمين أو علماء طائفة خاصة من دون باقي الناس وسائر الامم، الا إذا ثبت من دليل آخر اختصاص المسلمين أو بعض منهم بمزية خاصة ليست للامم الاخرى وهي العصمة من الخطأ. فإذا - على التقدير - لا يكون الدليل على الاجماع الا هذا الدليل الذي يثبت العصمة للامة المسلمة أو بعضها، لا الطريق العقلي المدعى. وهذا رجوع إلى المسلك الاول والثاني وليس هو مسلكا مستقلا عنها. وبالختام نقول: إذا كانت هذه المسالك الثلاثة لم تتم لنا أدلة على حجية الاجماع من أصلة من جهة انه اجماع، فلا يظهر للاجماع قيمة من ناحية كونه حجة ومصدرا للتشريع الاسلامي مهما بالغ الناس في الاعتماد عليه. وانما يصح الاعتماد عليه إذا كشف لنا عن قول المعصوم فيكون حينئذ كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنة. وسيأتي البحث عن ذلك. وأما السؤال الثاني: فالذي يثيره أن ظاهر تلك المسالك الثلاثة المتقدمة يقضي بأن الحجة إنما هو اجماع الامة كلها أو جميع المؤمنين بدون استثناء فمتى ما شذ واحد منهم أي كان فلا يتحقق الاجماع الذي قام الدليل على حجيته، فانه مع وجود المخالف وان كان واحدا لا يحصل القطع بحجية اجماع من عداه مهما كان شأنهم، لان العصمة على تقدير ثبوتها بالادلة المتقدمة انما ثبتت لجميع الامة لا لبعضها. ولكن ما توقعوه من ذهابهم إلى حجية الاجماع - وهو اثبات شرعية بيعة ابي بكر - لم يحصل لهم، لانه قد ثبت من طريق التواتر مخالفة علي عليه السلام وجماعة كبيرة من بني هاشم وباقي المسلمين، ولئن التجأ أكثرهم بعد ذلك إلى

[ 93 ]

البيعة فانه بقي منهم من لم يبايع حتى مات مثل سعد بن عبادة (قتيل الجن !). ولاجل هذه المفارقة بين أدلة الاجماع وواقعه الذي ارادوا تصحيحه كثرت الاقوال في هذا الباب لتوجيهها: فقال مالك - على ما نسب إليه -: ان الحجة هو اجماع اهل المدينة فقط. وقال قوم: الحجة اجماع أهل الحرمين مكة والمدينة والمصرين الكوفة والبصرة. وقال قوم: المعتبر إجماع أهل الحل والعقد. وقال بعض: المعتبر اجماع الفقهاء الاصوليين خاصة. وقال بعض: الاعتبار باجماع اكثر المسلمين واشترط بعض في المجمعين ان يحققوا عدد التواتر. وقال آخرون: الاعتبار باجماع الصحابة فقط دون غيرهم ممن جاءوا بعد عصرهم كما نسب ذلك إلى داود وشيعته. إلى غير ذلك من الاقوال التي يطول ذكرها المنقولة في جملة من كتب الاصول. وكل هذه الاقوال تحكمات لا سند لها ولا دليل، ولا ترفع الغائلة من تلك المفارقة الصارخة. والذي دفع أولئك القائلين بتلك المقالات امور وقعت في تأريخ بيعة الخلفاء يطول شرحها ارادوا تصحيحها بالاجماع. هذه هي الجذور العميقة للمسألة التي اوقعت القائلين بحجة الاجماع في حيص وبيص لتصحيحه وتوجيهه، والا فتلك المسالك الثلاثة - ان سلمت - لا تدل على اكثر من حجية اجماع الكل بدون استثناء، فتخصيص حجيته ببعض الامة دون بعض بلا مخصص. نعم المخصص هو الرغبة في اصلاح أصل المذهب والمحافظة عليه على كل حال. الاجماع عند الامامية ان الاجماع بما هو اجماع لا قيمة علمية له عند الامامية ما لم يكشف عن قول المعصوم، كما تقدم وجهه. فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف، فيدخل حينئذ في السنة، ولا يكون دليلا مستقلا في مقابلها. وقد تقدم انه لم تثبت عندنا عصمة الامة عن الخطأ، وانما اقصى ما يثبت

[ 94 ]

عندنا من اتفاق الامة انه يكشف عن رأي من له العصمة. فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف. وعلى هذا، فيكون الاجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم، فكما ان الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلا على الحكم الشرعي رأسا بل هو دليل على الدليل على الحكم، فكذلك الاجماع ليس بنفسه دليلا بل هو دليل على الدليل. غاية الامر ان هناك فرقا بين الاجماع والخبر المتواتر: ان الخبر دليل لفظي على قول المعصوم أي انه يثبت به نفس كلام المعصوم ولفظه فيما إذا كان التواتر للفظ. اما الاجماع فهو دليل قطعي على نفس رأي المعصوم لا على لفظ خاص له، لانه لا يثبت به - في أي حال - ان المعصوم قد تلفظ بلفظ خاص معين في بيانه للحكم. ولاجل هذا يسمى الاجماع بالدليل اللبي، نظير الدليل العقلي. يعني انه يثبت بهما نفس المعنى والمضمون من الحكم الشرعي الذي هو كاللب بالنسبة إلى اللفظ الحاكي عنه الذي هو كالقشر له. والثمرة بين الدليل اللفظي واللبي تظهر في المخصص إذا كان لبيا أو لفظيا، على ما ذكره الشيخ الانصاري كما تقدم (في المجلد الاول ص 141) لذهابه إلى جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا دون ما إذا كان لفظيا. وإذا كان الاجماع حجة من جهة كشفه عن قول المعصوم فلا يجب فيه اتفاق الجميع بغير استثناء كما هو مصطلح أهل السنة على مبناهم، بل يكفي اتفاق كل من يستكشف من اتفاقهم قول المعصوم كثروا أم قلوا إذا كان العلم باتفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم، كما صرح بذلك جماعة من علمائنا. قال المحقق في المعتبر ص 6، بعد أن أناط حجية الاجماع بدخول المعصوم: (فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين كان قولهما حجة).

[ 95 ]

وقال السيد المرتضى على ما نقل عنه: (إذا كان علة كون الاجماع حجة كون الامام فيهم فكل جماعة كثرت أو قلت كان الامام في أقوالها فاجماعها حجة). إلى غير ذلك من التصريحات المنقولة عن جماعة كثيرة من علمائنا. لكن سيأتي انه على بعض المسالك في الاجماع لا بد من احراز اتفاق الجميع. وعلى هذا، فيكون تسمية اتفاق جماعة من علماء الامامية بالاجماع مسامحة ظاهرة، فان الاجماع حقيقة عرفية في اتفاق جميع العلماء من المسلمين على حكم شرعي. ولا يلزم من كون مثل اتفاق الجماعة القليلة حجة أن يصح تسميتها بالاجماع، ولكن قد شاع هذا التسامح في لسان الخاصة من علماء الامامية على وجه أصبح لهم اصطلاح آخر فيه، فيراد من الاجماع عندهم كل اتفاق يستكشف منه قول المعصوم سواء كان اتفاق الجميع أو البعض، فيعم القسمين. والخلاصة التي نريد ان ننص عليها وتعنينا من البحث: ان الاجماع انما يكون حجة إذا علم بسببه - على سبيل القطع - قول المعصوم، فما لم يحصل العلم بقوله وان حصل الظن منه فلا قيمة له عندنا، ولا دليل على حجية مثله. أما كيف يستكشف من الاجماع على سبيل القطع قول المعصوم فهذا ما ينبغي البحث عنه. وقد ذكروا لذلك طرقا انهاها المحقق الشيخ أسد الله التستري في رسالته في المواسعة والمضايقة - على ما نقل عنه - إلى اثنتي عشرة طريقا. ونحن نكتفي بذكر الطرق المعروفة وهي ثلاث بل اربع: 1 - (طريقة الحس)، وبها يسمى الاجماع: الاجماع الدخولي، وتسمى (الطريقة التضمنية). وهي الطريقة المعروفة عند قدماء الاصحاب التي اختارها السيد المرتضى وجماعة سلكوا مسلكه. وحاصلها: ان يعلم بدخول الامام في ضمن المجمعين على سبيل القطع من دون ان يعرف بشخصه من بينهم.

[ 96 ]

وهذه الطريقة انما تتصور إذا استقصى الشخص المحصل للاجماع بنفسه وتتبع أقوال العلماء فعرف اتفاقهم ووجد من بينها اقوالا متميزة معلومة لاشخاص مجهولين حتى حصل له العلم بان الامام من جملة أولئك المتفقين أو يتواتر لديهم النقل عن أهل بلد أو عصر فعلم ان الامام كان من جملتهم ولم يعلم قوله بعينه من بينهم فيكون من نوع الاجماع المنقول بالتواتر. ومن الواضح ان هذه الطريقة لا تتحقق غالبا الا لمن كان موجودا في عصر الامام. أما بالنسبة إلى العصور المتأخرة فبعيدة التحقق لا سيما في الصورة الاولى وهي السماع من نفس الامام. وقد ذكروا انه لا يضر في حجية الاجماع - على هذه الطريقة - مخالفة معلوم النسب وان كثروا ممن يعلم انه غير الامام، بخلاف مجهول النسب على وجه يحتمل انه الامام. فانه في هذه الصورة لا يتحقق العلم بدخول الامام في المجمعين. 2 - (طريقة قاعدة اللطف). وهي ان يستكشف عقلا رأى المعصوم من اتفاق من عداه من العلماء الموجودين في عصره خاصة أو في العصور المتأخرة، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة خفية أو ظاهرة أما بظهوره نفسه أو باظهار من يبين الحق في المسألة. فان قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الامام وعصمته تقتضي ايضا أن يظهر الامام الحق في المسألة التي يتفق المفتون فيها على خلاف الحق، وإلا للزم سقوط التكليف بذلك الحكم أو اخلال الامام بأعظم ما وجب عليه ونصب لاجله، وهو تبليغ الاحكام المنزلة. وهذه الطريقة هي التي اختارها الشيخ الطوسي ومن تبعه، بل يرى الحصار استكشاف قول الامام من الاجماع فيها. وربما يستظهر من كلام السيد المرتضى المنقول في العدة عنه في رد هذه الطريقة كونها معروفة قبل الشيخ أيضا. ولازم هذه الطريقة قدح المخالقة مطلقا سواء كانت من معلوم

[ 97 ]

النسب أو مجهوله مع العلم بعدم كونه الامام ولم يكن معه برهان يدل على صحة فتواه. ولازم هذه الطريقة ايضا عدم كشف الاجماع إذا كان هناك آية أو سنة قطعية على خلاف المجمعين وان لم يفهموا دلالتها على الخلاف. إذ يجوز ان يكون الامام قد اعتمد عليها في تبليغ الحق. 3 - (طريقة الحدس) وهي أن يقطع بكون ما اتفق عليه فقهاء الامامية وصل إليهم من رئيسهم وامامهم يدا بيد، فان اتفاقهم مع كثرة اختلافهم في اكثر المسائل يعلم منه ان الاتفاق كان مستندا إلى رأي امامهم لاعن اختراع للرأي من تلقاء انفسهم اتباعا للاهواء أو استقلالا بالفهم. كما يكون ذلك في اتفاق اتباع سائر ذوي الاراء والمذاهب فانه لا نشك فيها انها مأخوذة من متبوعهم ورئيسهم الذي يرجعون إليه. والذي يظهر انه قد ذهب إلى هذه الطريقة اكثر المتأخرين. ولازمها ان الاتفاق ينبغي ان يقع في جميع العصور من عصر الائمة إلى العصر الذي نحن فيه، لان اتفاق أهل عصر واحد مع مخالفة من تقدم يقدح في حصول القطع، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممن يعتد بقوله، فضلا عن مجهول النسب. 4 - (طريقة التقرير)، وهي أن يتحقق الاجماع بمرأى ومسمع من المعصوم، مع امكان ردعهم ببيان الحق لهم ولو بالقاء الخلاف بينهم، فان اتفاق الفقهاء على حكم - والحال هذه - يكشف عن اقرار المعصوم لهم فيما رأوه وتقريرهم على ما ذهبوا إليه. فيكون ذلك دليلا على ان ما اتفقوا عليه هو حكم الله واقعا. وهذه الطريقة لا تتم الا مع احراز جميع شروط التقرير التي قد تقدم الكلام عليها في مبحث السنة. ومع احراز جميع الشروط لا شك في استكشاف موافقة المعصوم، بل بيان الحكم من شخص واحد بمرأى ومسمع من المعصوم مع امكان ردعه وسكوته عنه يكون سكوته تقريرا كاشفا عن موافقته. ولكن المهم ان يثبت لنا ان الاجماع في عصر الغيبة هل يتحقق فيه امكان الردع من الامام ولو بالقاء الخلاف، أو هل يجب على الامام بيان

[ 98 ]

الحكم الواقعي والحال هذه ؟ وسيأتي ما ينفع في المقام. * * * هذه خلاصة ما قيل من الوجوه المعروفة في استنتاج قول الامام من الاجماع وقد يحصل للانسان المتتبع لاقوال العلماء المحصل لاجماعهم بعض الوجوه دون البعض، أي لا يجب في كل اجماع ان يبتني على وجه واحد من هذه الوجوه وان كان السيد المرتضى يرى انحصاره في الطريقة الاولى (الطريقة التضمنية) أي الاجماع الدخولي، والشيخ الطوسي يرى انحصاره في الطريقة الثانية لاقوال (طريقة قاعدة اللطف). وعلى كل حال، فان الاجماع انما يكون حجة إذا كشف كشفا قطعيا عن قول المعصوم من أي سبب كان وعلى أية طريقة حصل. فليس من الضروري ان نفرض حصوله من طريقة مخصوصة من هذه الطرق أو نحوها، بل المناط حصول القطع بقول المعصوم. * * * والتحقيق انه يندر حصول القطع بقول المعصوم من الاجماع المحصل ندرة لا تبقى معها قيمة لاكثر الاجماعات التي نحصلها، بل لجميعها بالنسبة إلى عصور الغيبة. وتفصيل ذلك ان نقول (ببرهان السبر والتقسيم): ان المجمعين اما ان يكون رأيهم الذي اتفقوا عليه بغير مستند ودليل أو عن مستند ودليل. - لا يصح الفرض الاول، لان ذلك مستحيل عادة في حقهم. ولو جاز ذلك في حقهم فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحق. - فيتعين الفرض الثاني، وهو أن يكون لهم مدرك، خفي علينا وظهر لهم. ومدارك الاحكام منحصرة عند الامامية في اربعة: الكتاب والسنة والاجماع والدليل العقلي. ولا يصح ان يكون مدركهم ما عدا السنة من هذه الاربعة:

[ 99 ]

اما (الكتاب) فانما لا يصح ان يكون مدركهم فلاجل ان القرآن الكريم بين ايدينا مقروء ومفهوم، فلا يمكن فرض آية منه خفيت علينا وظهرت لهم. ولو فرض انهم فهموا من آية شيئا خفي علينا وجهه فان فهمهم ليس حجة علينا فاجتماعهم لو استند إلى ذلك لا يكون موجبا للقطع بالحكم الواقعي أو موجبا لقيام الحجة علينا. فلا ينفع مثل هذا الاجماع. وأما (الاجماع) فواضح انه لا يصح ان يكون مدركا لهم، لان هذا الاجماع الذي صار مدركا للاجماع ننقل الكلام إليه أيضا، فنسأل عن مدركه. فلابد ان ينتهي إلى غيره من المدارك الاخرى. وأما (الدليل العقلي) فأوضح، لانه لا يتصور هناك قضية عقلية يتوصل بها إلى حكم شرعي كانت مستورة علينا وظهرت لهم، ضرورة انه لا بد في القضية العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي ان تتطابق عليها جميع آراء العقلاء، والا فلا يصح التوصل بها إلى الحكم الشرعي. فلو ان المجمعين كانوا قد تمسكوا بقضية عقلية ليست بهذه المثابة فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحق وموافقة الامام، لانهم يكونون كمن لامدرك لهم. فانحصر مدركهم في جميع الاحوال (السنة). والاستناد إلى السنة يتصور على وجهين: 1 - ان يسمع المجمعون أو بعضهم الحكم من المعصوم مشافهة أو يرون فعله أو تقريره. وهذا بالنسبة إلى عصرنا لا سبيل فيه حتى إلى الظن به فضلا عن القطع، وان احتمل امكان مشافهة بعض الابدال من العلماء للامام. بل الحال كذلك حتى بالنسبة إلى من هم في عصر المعصومين، أي انه لا يحصل القطع فيه لنا بمشافهتهم للمعصوم، لاحتمال انهم استندوا إلى رواية وثقوا بها، وان كان احتمال المشافهة قريبا جدا. بل هي مظنونة. على انه لا مجال - بالنسبة الينا - لتحصيل اجماع الفقهاء الموجودين في تلك العصور، إذ ليست آراؤهم مدونة، وكل ما دونوه هي الاحاديث التي ذكروها في أصولهم المعروفة بالاصول الاربعمائة.

[ 100 ]

2 - ان يستند المجمعون إلى رواية عن المعصوم. ولا مجال في هذا الاجماع لافادته القطع بالحكم أو كشفه عن الحجة الشرعية من جهة السند والدلالة معا: اما من (جهة السند) فلاحتمال ان المجمعين كانوا متفقين على اعتبار الخبر الموثق أو الحسن، فمن لا يرى حجيتهما لا مجال له في الاستناد إلى مثله. فمن أين يحصل لنا العلم بأنهم استندوا إلى ما هو حجة باتفاق الجميع. وأما من (جهة الدلالة) فلاحتمال ان يكون ذلك الخبر المفروض - أو فرض انه حجة من جهة السند - ليس نصا في الحكم. ولا ينفع ان يكون ظاهرا عندهم في الحكم، فان ظهور دليل عند قوم لا يستلزم ان يكون ظاهرا لدى كل أحد، وفهم قوم ليس حجة على غيرهم. الا ترى ان المتقدمين اشتهر عندهم استفادة النجاسة من اخبار البئر واشتهر عند المتأخرين عكس ذلك ابتداء من العلامة الحلي. فلعل الخبر الذي كان مدركا لهم ليس ظاهرا عندنا لو اطلعنا عليه. إذا عرفت ذلك ظهر لك ان الاجماع لا يستلزم القطع بقول المعصوم عدا الاجماع الدخولي وهو بالنسبة الينا غير عملي. وأما القول بأن (قاعدة اللطف) تقتضي ان يكون الامام موافقا لرأي المجمعين وان استند المجمعون إلى خبر الواحد الذي ربما لا تثبت لنا حجيته من جهة السند أو الدلالة لو اطلعنا عليه - فاننا لم نتحقق جريان هذه القاعدة في المقام وفاقا لما ذهب إليه الشيخ الانصاري وغيره، بالرغم من تعويل الشيخ الطوسي واتباعه عليها، لان السبب الذي يدعو إلى اختفاء الامام واحتجاب نفعه مع ما فيه من تفويت لاعظم المصالح النوعية للبشر هو نفسه قد يدعو إلى احتجاب حكم الله عند اجماع العلماء على حكم مخالف للواقع لا سيما إذا كان الاجماع من أهل عصر واحد. ولا يلزم من ذلك اخلال الامام بالواجب عليه وهو تبليغ الاحكام، لان الاحتجاب ليس من سببه.

[ 101 ]

وعلى هذا فمن اين يحصل لنا القطع بانه لا بد للامام من اظهار الحق في حال غيبته عند حصول اجماع مخالف للواقع ؟ وللمشكك ان يزيد على ذلك فيقول: لماذا لا تقتضي هذه القاعدة ان يظهر الامام الحق حتى في صورة الخلاف، لا سيما بعض المسائل الخلافية قد يقع فيها أكثر الناس في مخالفة الواقع ؟ بل لو احصينا المسائل الخلافية في الفقه التي هي الاكثر من مسائله لوجدنا ان كثيرا من الناس لا محالة واقعون في مخالفة الواقع، فلماذا لا يجب على الامام هنا تبليغ الاحكام ليقل الخلاف أو ينعدم وبه نجاة المؤمنين من الوقوع في مخالفة الواقع. وإذا جاء الاحتمال لا يبقى مجال لاستلزام الاجماع القطع بقول المعصوم من جهة قاعدة اللطف. واما (مسلك الحدس) فان عهدة دعواه على مدعيها وليس من السهل حصول القطع للانسان في ذلك، الا ان يبلغ الاتفاق درجة يكون الحكم فيه من ضروريات الدين أو المذهب، أو قريبا من ذلك عندما يحرز اتفاق جميع العلماء في جميع العصور بغير استثناء، فان مثل هذا الاتفاق يستلزم عادة موافقته لقول الامام وان كان مستند المجمعين خبر الواحد أو الاصل. وكذلك يلحق بالحدس مسلك التقرير ونحوه مما هو من هذا القبيل. وعلى كل حال لم تبق لنا ثقة بالاجماع فيما بعد عصر الامام في استفادة قول الامام على سبيل القطع واليقين. الاجماع المنقول إن الاجماع - في الاصطلاح - ينقسم إلى قسمين: 1 - (الاجماع المحصل). والمقصود به الاجماع الذي يحصله الفقيه بنفسه بتتبع اقوال أهل الفتوى. وهو الذي تقدم البحث عنه. 2 - (الاجماع المنقول). والمقصود به الاجماع الذي لم يحصله الفقيه بنفسه وانما ينقله له من حصله من الفقهاء، سواء كان النقل له بواسطة أم بوسائط.

[ 102 ]

ثم النقل (تارة) يقع على نحو التواتر. وهذا حكمه حكم المحصل من جهة الحجية. و (اخرى) يقع على نحو خبر الواحد، وإذا أطلق قول (الاجماع المنقول) في لسان الاصوليين فالمراد منه هذا الاخير. وقد وقع الخلاف بينهم في حجيته على أقوال. ولكن الذي يظهر انهم متفقون على حجية نقل الاجماع الدخولي، وهو الاجماع الذي يعلم الا فيه من حال الناقل انه تتبع فتاوى من نقل اتفاقهم حتى المعصوم، فيدخل المعصوم في جملة المجمعين. وينبغي ان يتفقوا على ذلك، لانه لا يشترط في حجية خبر الواحد معرفة المعصوم تفصيلا حين سماع الناقل منه، وهذا الناقل حسب الفرض قد نقل عن المعصوم بلا واسطة وان لم يعرفه بالتفصيل. غير ان الاجماع الدخولي مما يعلم عدم وقوع نقله، لا سيما في العصور المتأخرة عن عصر الائمة، بل لم يعهد من الناقلين للاجماع من ينقله على هذا الوجه ويدعى ذلك. وعليه، فموضع الخلاف منحصر في حجية الاجماع المنقول غير الاجماع الدخولي، وهو كما قلنا على أقوال: 1 - إنه حجة مطلقا، لانه خبر واحد. 2 - انه ليس بحجة مطلقا، لانه لا يدخل في افراد خبر الواحد من جهة كونه حجة. 3 - التفصيل بين نقل اجماع جميع الفقهاء في جميع العصور الذي يعلم فيه من طريق الحدس قول المعصوم فيكون حجة، وبين غيره من الاجماعات المنقولة الذي يستكشف منها بقاعدة اللطف أو نحوها قول المعصوم فلا يكون حجة. والى هذا التفصيل مال الشيخ الانصاري الاعظم. * * * وسر الخلاف في المسألة يكمن في ان ادلة خبر الواحد من جهة أنها تدل

[ 103 ]

على وجوب التعبد بالخبر لا تشمل كل خبر عن أي شئ كان، بل مختصة بالخبر الحاكي عن حكم شرعي أو عن ذي أثر شرعي، لصح ان يتعبدنا الشارع به. والا فالمحكي بالخبر إذا لم يكن حكما شرعيا أو ذا أثر شرعي لا معنى للتعبد به، فلا يكون مشمولا لادلة حجية خبر الواحد. ومن المعلوم ان الاجماع المنقول - غير الاجماع الدخولي - انما المحكى به بالمطابقة نفس أقوال العلماء، وأقوال العلماء في أنفسها بما هي اقوال علماء ليست حكما شرعيا ولا ذات أثر شرعي. وعليه، فنقل أقوال العلماء من جهة كونها أقوال علماء لا يصح ان يكون مشمولا لادلة خبر الواحد. وانما يصح ان يكون مشمولا لها إذا كشف هذا النقل عن الحكم الصادر عن المعصوم ليصح التعبد به. إذا عرفت ذلك، فنقول: ان ثبت لدينا: انه يكفي في صحة التعبد بالخبر هو كشفه - على أي نحو كان من الكشف - عن الحكم الصادر من المعصوم، ولو باعتبار الناقل، نظرا إلى أنه لا يعتبر في حجية الخبر حكاية نص الفاظ المعصوم، لان المناط معرفة حكمه ولذا يجوز النقل بالمعنى - فالاجماع المنقول الذي هو موضع البحث يكون حجة مطلقا، لانه كاشف وحاك عن الحكم باعتقاد الناقل فيكون مشمولا لادلة حجية الخبر. واما ان ثبت لدينا: ان المناط في صحة التعبد بالخبر ان يكون حاكيا عن الحكم من طريق الحس، أي يجب ان يكون الناقل قد سمع بنفسه الحكم من المعصوم، ولذا لا تشمل أدلة حجية الخبر فتوى المجتهد وإن كان قاطعا بالحكم مع ان فتواه في الحقيقة حكاية عن الحكم بحسب اجتهاده - فالاجماع المنقول الذي هو موضع البحث ليس بحجة مطلقا. وأما لو ثبت أن الاخبار عن حدس اللازم للاخبار عن حس يصح التعبد به لان حكمه حكم الاخبار عن حس بلا فرق - فان التفصيل المتقدم في القول الثالث يكون هو الاحق. * * *

[ 104 ]

وإذا اتضح لدينا سر الخلاف في المسألة، بقي علينا أن نفهم أي وجه من الوجوه المتقدمة هو الاولى بالتصديق والاحق بالاعتماد، فنقول: أولا - إن أدلة خبر الواحد جميعها من آيات وروايات وبناء عقلاء، أقصى دلالتها أنها تدل على وجوب تصديق الثقة وتصويبه في نقله لغرض التعبد بما ينقل. ولكنها لا تدل على تصويبه في اعتقاده. بيان ذلك: ان معنى تصديق الثقة هو البناء على واقعية نقله، وواقعية النقل تستلزم واقعية المنقول، بل واقعية النقل عين واقعية المنقول، فالقطع بواقعية النقل لا محالة يستلزم القطع بواقعية المنقول، وكذلك البناء على واقعية النقل يستلزم البناء على واقعية المنقول. وعليه، فإذا المنقول حكما أو ذا أثر شرعي صح البناء على الخبر والتعبد به بالنظر إلى هذا المنقول، أما إذا كان المنقول اعتقاد الناقل، كما لو أخبر شخص عن اعتقاده بحكم فغاية ما يقتضي البناء على تصديق نقله هو البناء على واقعية اعتقاده الذي هو المنقول، والاعتقاد في نفسه ليس حكما ولا ذا أثر شرعي. اما صحة اعتقاده ومطابقته للواقع فذلك شئ آخر اجنبي عنه، لان واقعية الاعتقاد لا تستلزم واقعية المعتقد به، يعني اننا قد نصدق المخبر عن اعتقاده في ان هذا هو اعتقاده واقعا لكن لا يلزمنا ان نصدق بأن ما اعتقده صحيح وله واقعية. ومن هنا نقول: انه إذا أخبر شخص بانه سمع الحكم من المعصوم صح ان نبني على واقعية نقله تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر، لان ذلك يستلزم واقعية المنقول وهو الحكم، إذ لم يمكن التفكيك بين واقعية النقل وواقعية المنقول. أما إذا أخبر عن اعتقاده بأن المعصوم حكم بكذا فلا يصح البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له بمقتضى أدلة حجية الخبر، لان البناء على واقعية اعتقاده تصديقا له لا يستلزم البناء على واقعية معتقده. فيجوز التفكيك بينهما. فتحصل ان أدلة خبر الواحد انما تدل على ان الثقة مصدق ويجب تصويبه في نقله، ولا تدل على تصويبه في رأيه واعتقاده وحدسه. وليس هناك أصل

[ 105 ]

عقلائي يقول: إن الاصل في الانسان أو الثقة خاصة ان يكون مصيبا في رأيه وحدسه واعتقاده. ثانيا - بعد ان ثبت ان ادلة حجية الخبر لا تدل على تصويب الناقل في رأيه وحدسه، فنقول: لو أن ما أخبر به الناقل للاجماع يستلزم في نظر المنقول إليه الحكم الصادر من المعصوم وان لم يكن في نظر الناقل مستلزما لذلك - فهل هذا أيضا غير مشمول لادلة حجية الخبر ؟ الحق انه ينبغي ان يكون مشمولا لها، لان الاخذ به حينئذ لا يكون من جهة تصديق الناقل في رأيه، وربما كان الناقل لا يرى الاستلزام، بل لا يكون الاخذ به الا من جهة تصديقه في نقله، لانه لما كان المنقول - وهو الاجماع - يستلزم في نظر المنقول إليه الحكم الصادر من المعصوم، فالاخذ به والبناء على صحة نقله يستلزم البناء على صدور الحكم فيصح التعبد به بلحاظ هذه الجهة. بل ان الخبر عن فتاوى الفقهاء يكون في نظر المنقول إليه ملزوما للخبر عن رأي المعصوم. وحينئذ يكون هذا الخبر الثاني اللازم للخبر الاول هو المشمول لادلة حجية الخبر، لا سيما إذا كان في نظر الناقل أيضا مستلزما. ولا نحتاج بعدئذ إلى تصحيح شمولها للخبر الاول الملزوم بلحاظ استلزامه للحكم. يعنى ان الخبر عن الاجماع يكون دالا بالدلالة الالتزامية على صدور الحكم من المعصوم، فيكون من ناحية المدلول التزامي وهو الاخبار عن صدور الحكم حجة مشمولا لادلة حجية الخبر، وان لم يكن من جهة المدلول المطابقي حجة مشمولا لها، لان الدلالة الالتزامية غير تابعة للدلالة المطابقية من ناحية الحجية وان كانت تابعة لها ثبوتا إذ لا دلالة التزامية الا مع فرض الدلالة المطابقية ولكن لا تلازم بينهما في الحجية. وإذا اتضح لك ما شرحناه يتضح لك ان الاولى التفصيل في الاجماع المنقول بين ما إذا كان كاشفا عن الحكم في نظر المنقول إليه لو كان هو المحصل له فيكون حجة، وبين ما إذا كان كاشفا عن الحكم في نظر الناقل فقط دون المنقول إليه، فلا يكون حجة، لما تقدم ان أدلة خبر الواحد لا تدل

[ 106 ]

على تصديق الناقل في نظره ورأيه. ولعله إلى هذا التفصيل يرمي الشيخ الاعظم في تفصيله الذي أشرنا إليه سابقا.

[ 107 ]

الباب الرابع الدليل العقلي

[ 109 ]

قد مضى في الجزء الثاني البحث مستوفى عن الملازمات العقلية، لتشخيص صغريات حجية العقل، أي لتعيين القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي وبيان ما هو الدليل العقلي الذي يكون حجة. وقد حصرناها هناك في قسمين رئيسين: (الاول) حكم العقل بالحسن والقبح وهو قسم المستقلات العقلية، (والثاني) حكمه بالملازمة بين حكم الشرع وحكم آخر، وهو قسم غير المستقلات العقلية. ووعدنا هناك ببيان وجه حجية الدليل العقلي، والآن قد حل الوفاء بالوعد، ولكن قبل بيان وجه الحجية لا بد من الكرة بأسلوب جديد إلى البحث عن تلك القضايا العقلية، لغرض بيان الآراء فيها وبيان وجه حصرها وتعيينها فيما ذكرناه، فنقول: ان علماءنا الاصوليين من المتقدمين حصروا الادلة على الاحكام الشرعية في الاربعة المعروفة التي رابعها (الدليل العقلي)، بينما ان بعض علماء أهل السنة أضافوا إلى الاربعة المذكورة القياس ونحوه على اختلاف آرائهم. ومن هنا نعرف ان المراد من الدليل العقلي مالا يشمل مثل القياس، فمن ظن من الاخباريين في الاصوليين انهم يريدون منه ما يشمل القياس ليس في موضعه، وهو ظن تأباه تصريحاتهم في عدم الاعتبار بالقياس ونحوه. ومع ذلك فانه لم يظهر لي بالضبط ما كان يقصد المتقدمون من علمائنا بالدليل العقلي، حتى أن الكثير منهم لم يذكره من الادلة، أو لم يفسره، أو فسره بما لا يصلح أن يكون دليلا في قبال الكتاب والسنة. وأقدم نص وجدته ما ذكره الشيخ المفيد المتوفي سنة 413 في رسالته

[ 110 ]

الاصولية التي لخصها الشيخ الكراجكي (1)، فانه لم يذكر الدليل العقلي من جملة أدلة الاحكام، وانما ذكر ان أصول الاحكام ثلاثة الكتاب والسنة النبوية وأقوال الائمة عليهم السلام، ثم ذكر ان الطرق الموصلة إلى ما في هذه الاصول ثلاثة: اللسان، والاخبار، وأولها العقل، وقال عنه: (وهو سبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الاخبار). وهذا التصريح كما ترى اجنبي عما نحن في صدده. ثم يأتي بعده تلميذه الشيخ الطوسي المتوفى سنة 460 في كتابه (العدة) الذي هو أول كتاب مبسط في الاصول، فلم يصرح بالدليل العقلي فضلا عن ان يشرحه أو يفرد له بحثا. وكل ما جاء فيه في آخر فصل منه أنه بعد ان قسم المعلومات إلى ضرورية ومكتسبة والمكتسب إلى عقلي وسمعي ذكر من جملة امثلة الضروري العلم بوجوب رد الوديعة وشكر المنعم وقبح الظلم والكذب، ثم ذكر في معرض كلامه ان القتل والظلم معلوم بالعقل قبحه ويريد من قبحه تحريمه. وذكر أيضا ان الادلة الموجبة للعلم فبالعقل بعلم كونها أدلة ولا مدخل للشرع في ذلك. وأول من وجدته من الاصوليين يصرح بالدليل العقلي الشيخ ابن ادريس المتوفى 598، فقال في السرائر ص 2: (فإذا فقدت الثلاثة - يعني الكتاب والسنة والاجماع - فالمعتمد عنه المحققين التمسك بدليل العقل فيها). ولكنه لم يذكر المراد منه. ثم يأتي المحقق الحلي المتوفى 676، فيشرح المراد منه فيقول في كتابه (المعتبر) ص 6 بما ملخصه: وأما الدليل العقلي فقسمان: احدهما ما يتوقف فيه على الخطاب، وهو ثلاثة: لحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب، وثانيهما ما ينفرد العقل بالدلالة عليه ويحصره في وجوه الحسن والقبح، بما لا يخلو من المناقشة في امثلته.


(1) راجع تأليفه كنز الفوائد ص 186 المطبوع على الحجر في ايران سنة 1322 ه‍. (*)

[ 111 ]

ويزيد عليه الشهيد الاول المتوفى 786 في مقدمة كتابه (الذكرى)، فيجعل القسم الاول ما يشمل الانواع الثلاثة التي ذكرها المحقق، وثلاثة أخرى وهي: مقدمة الواجب، ومسألة الضد، وأصل الاباحة في المنافع والحرمة في المضار. ويجعل القسم الثاني ما يشمل ما ذكره المحقق واربعة أخرى وهي: البراءة الاصلية، وما لا دليل عليه، والاخذ بالاقل عند الترديد بينه وبين الاكثر، والاستصحاب. وهكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلفين، في حين ان الكتب الدراسية المتدوالة، مثل المعالم والرسائل والكفاية، لم تبحث هذا الموضوع ولم تعرف الدليل العقلي. ولم تذكر مصاديقه، الا اشارات عابرة في ثنايا الكلام. ومن تصريحات المحقق والشهيد الاول يظهر انه لم تتجل فكرة الدليل العقلي في تلك العصور، فوسعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظية مثل لحن الخطاب، وهو ان تدل قرينة عقلية على حذف لفظ، وفحوى الخطاب، ويعنون به مفهوم الموافقة، ودليل الخطاب، ويعنون به مفهوم المخالفة. وهذه كلها تدخل في حجية الظهور، ولا علاقة لها بدليل العقل المقابل للكتاب والسنة. وكذلك الاستصحاب، فانه أصل عملي قائم برأسه، كما بحثه المتقدمون في مقابل دليل العقل. والغريب في الامر أنه حتى مثل المحقق القمي المتوفى سنة 1231 نسق على مثل هذا التفسير لدليل العقل فأدخل فيه الظواهر مثل المفاهيم، بينما هو نفسه عرفه بأنه (حكم عقلي يوصل به إلى الحكم الشرعي وينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي (1). وأحسن من رأيته قد بحث الموضوع بحثا مفيدا معاصره العلامة السيد محسن الكاظمي في كتابه (المحصول)، وكذلك تلميذه المحقق صاحب الحاشية على المعالم الشيخ محمد تقي الاصفهاني الذي نسج على منواله، وان كان فيما


(1) راجع أول الجزء الثاني من كتاب القوانين. (*)

[ 112 ]

ذكره بعض الملاحظات لا مجال لذكرها ومناقشتها هنا. وعلى كل حال، فان ادخال المفاهيم والاستصحاب ونحوها في مصاديق الدليل العقلي لا يناسب جعله دليلا في مقابل الكتاب والسنة، ولا يناسب تعريفه بأنه ما ينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشرعي. وبسبب عدم وضوح المقصود من الدليل العقلي انتحى الاخباريون باللائمة على الاصوليين إذ يأخذون بالعقل حجة على الحكم الشرعي. ولكنهم انفسهم أيضا لم يتضح مقصودهم في التزهيد بالعقل، وهل تراهم يحكمون غير عقولهم في التزهيد بالعقول ؟ ويتجلي لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقلي ما ذكره الشيخ المحدث البحراني في حدائقه، وهذا نص عبارته (1): (المقام الثالث في دليل العقل. وفسره بعض بالبراءة والاستصحاب. وآخرون قصروه على الثاني. وثالث فسره بلحن الخطاب وفحوى الخطاب ودليل الخطاب. ورابع بعد البراءة الاصلية والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين المندرج فيه مقدمة الواجب واستلزام الامر بالشئ النهي عن ضده الخاص، والدلالة الالتزامية). ثم تكلم عن كل منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدث عنه. ولم يذكر من الاقوال حكم العقل في مسألة الحسن والقبح، بينما أن حكم العقل المقصود الذي ينبغي ان يجعل دليلا هو خصوص التلازم بين الحكمين وحكم العقل في الحسن والقبح. وما نقله من الاقوال لم يكن دقيقا كما سبق بيان بعضها. * * * وكيفما كان، فالذي يصلح ان يكون مرادا من الدليل العقلي المقابل للكتاب والسنة هو: كل حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعي. وبعبارة ثانية هو: كل قضية عقلية يتوصل بها إلى العلم القطعي بالحكم الشرعي، وقد صرح بهذا المعنى جماعة من المحققين المتأخرين.


(1) الجزء الاول ص 40 طبع النجف. (*)

[ 113 ]

وهذا أمر طبيعي، لانه إذا كان الدليل العقلي مقابلا للكتاب والسنة لا بد ألا يعتبر حجة الا إذا كان موجبا للقطع الذي هو حجة بذاته. فلذلك لا يصح أن يكون شاملا للظنون وما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدمات العقلية. ولكن هذا التحديد بهذا المقدار لا يزال مجملا، وقد وقع خلط وخبط عظيمان في فهم هذا الامر. ولاجل أن نرفع جميع الشكوك والمغالطات والاوهام لا بد لنا من توضيح الامر بشئ من البسط، لوضع النقاط على الحروف كما يقولون، فنقول: أ - انه قد تقدم (م 1 ص 205): ان العقل ينقسم إلى عقل نظري وعقل عملي. وهذا التقسيم باعتبار ما يتعلق به الادراك: فالمراد من (العقل النظري): ادراك ما ينبغي ان يعلم، أي ادراك الامور التي لها واقع، والمراد من (العقل العملي): ادراك ما ينبغي أن يعمل، أي حكمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو لا ينبغي فعله. 2 - انه ما المراد من العقل الذي نقول انه حجة من هذين القسمين ؟ - ان كان المراد (العقل النظري) فلا يمكن ان يستقل بادراك الاحكام الشرعية ابتداء، أي لا طريق للعقل ان يعلم من دون الاستعانة بالملازمة ان هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع. والسر في ذلك واضح، لان احكام الله توقيفية فلا يمكن العلم بها الا من طريق السماع من مبلغ الاحكام المنصوب من قبله تعالى لتبليغها، ضرورة ان احكام الله ليست من القضايا الاولية وليست مما تنالها المشاهدة بالبصر ونحوه من الحواس الظاهرة بل الباطنة، وليست أيضا مما تنالها التجربة والحدس. وإذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلغها ! وشأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر كاللغات والخطوط والرموز ونحوها. وكذلك ملاكات الاحكام، كنفس الاحكام، لا يمكن العلم بها الا من طريق السماع من مبلغ الاحكام، لانه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها

[ 114 ]

أسرار أحكام الله وملاكاتها التي انيطت بها الاحكام عنده (1) والظن لا يغني عن الحق شيئا. وعلى هذا، فمن نفى حجية العقل، وقال: ان الاحكام سمعية لا تدرك بالعقول - فهو على حقل إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه، وهو نفي استقلال العقل النظري من ادراك الاحكام وملاكاتها. ولعل بعض منكري الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع قصد هذا المعنى كصاحب الفصول وجماعة من الاخباريين، ولكن خانه التعبير عن مقصوده. وإذا كان هذا مرادهم فهو أجنبي عما نحن بصدده من كون الدليل العقلي حجة يتوصل به إلى الحكم الشرعي. - إننا نقصد من الدليل العقلي حكم العقل النظري بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا وبين حكم شرعي آخر، كحكمه بالملازمة في مسألة الاجزاء ومقدمة الواجب ونحوهما، وكحكمه باستحالة التكليف بلا بيان اللازم منه حكم الشارع بالبراءة، وكحكمه بتقديم الاهم في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعلية حكم الاهم عند الله، وكحكمه بوجوب مطابقة حكم الله لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة. فإن هذه الملازمات وأمثالها أمور حقيقية واقعية يدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسب، لكونها من الاوليات والفطريات التي قياساتها معها، أو لكونها تنتهي إليها فيعلم بها العقل على سبيل الجزم. وإذا قطع العقل بالملازمة - والمفروض انه قاطع بثبوت الملزوم - فإنه لا بد أن يقطع بثبوت اللازم وهو - أي اللازم - حكم الشارع. ومع حصول القطع فإن القطع حجة يستحيل النهي عنه، بل به حجية كل حجة كما سبق بيانه ص 15. وعليه، فهذه الملازمات العقلية هي كبريات القضايا العقلية التي بضمها إلى صغرياتها يتوصل بها إلى الحكم الشرعي. ولا أظن أحدا بعد التوجه إليها


(1) راجع ما تقدم (م 1 ص 218). (*)

[ 115 ]

والالتفات إلى حقيقتها يستطيع انكارها إلا السوفسطائيين الذين ينكرون الوثوق بكل معرفة حتى المحسوسات. ولا أظن ان هذه القضايا العقلية هي مقصود من أنكر حجيتها من الاخباريين وغيرهم، وإن اوهمت بعض عباراتهم ذلك لعدم التمييز بين نقاط البحث. وإذا عرفت ذلك تعرف ان الخلط في المقصود من ادراك العقل النظري وعدم التمييز بين ما يدركه من الاحكام ابتداء وما يدركه منها بتوسط الملازمة هو سبب المحنة في هذا الاختلاف وسبب المغالطة التي وقع فيها بعضهم إذ نفى مطلقا ادراك العقل لحكم الشارع وحجيته، قائلا: ان احكام الله توقيفية لا مسرح للعقول فيها، وغفل عن أن هذا التعليل انما يصلح لنفي ادراكه للحكم ابتداء وبالاستقلال، ولا يصلح لنفي ادراكه للملازمة المستتبع لعلمه بثبوت اللازم وهو الحكم. * * * 3 - هذا كله إذا أريد من العقل (العقل النظري). وأما لو أريد به (العقل العملي)، فكذلك لا يمكن ان يستقل في ادراك أن هذا ينبغي فعله عند الشارع أو لا ينبغي، بل لا معنى لذلك، لان هذا الادراك وظيفة العقل النظري، باعتبار أن كون هذا الفعل ينبغي فعله عند الشارع بالخصوص أو لا ينبغي من الامور الواقعية التي تدرك بالعقل النظري لا بالعقل العملي، وإنما كل ما للعقل العملي من وظيفة هو ان يستقل بادراك أن هذا الفعل في نفسه مما ينبغي فعله أو لا ينبغي مع قطع النظر عن نسبته إلى الشارع المقدس أو إلى أي حاكم آخر، يعني ان العقل العملي يكون هو الحاكم في الفعل، لا حاكيا عن حاكم آخر. وإذا حصل للعقل العملي هذا الادراك جاء العقل النظري عقيبه، فقد يحكم بالملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشارع وقد لا يحكم. ولا يحكم بالملازمة إلا في خصوص مورد مسألة التحسين والتقبيح العقليين، أي خصوص القضايا المشهورات التي تسمى الآراء المحمودة والتي تطابقت عليها

[ 116 ]

آراء العقلاء كافة بما هم عقلاء. وحينئذ بعد حكم العقل النظري بالملازمة يستكشف حكم الشارع على سبيل القطع، لانه بضم المقدمة العقلية المشهورة التي هي من الآراء المحمودة التي يدركها العقل العملي إلى المقدمة التي تتضمن الحكم بالملازمة التي يدركها العقل النظري - يحصل للعقل النظري العلم بان الشارع له هذا الحكم، لانه حينئذ يقطع باللازم وهو الحكم بعد فرض قطعه بثبوت الملزوم والملازمة. ومن هنا قلنا سابقا: إن المستقلات العقلية تنحصر في مسألة واحدة، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين، لانه لا يشارك الشارع حكم العقل العملي الا فيها، أي ان العقل النظري لا يحكم بالملازمة الا في هذا المورد خاصة (1). وجه حجية العقل: 4 - إذا عرفت ما شرحناه، وهو ان العقل النظري يقطع باللازم، اعني حكم الشارع، بعد قطعه بثبوت الملزوم الذي هو حكم الشرع أو العقل، وبعد فرض قطعه بالملازمة - نشرع في بيان وجه حجية العقل، فنقول: لقد انتهى الامر بنا في البحث السابق إلى أن الدليل العقلي ما أوجب القطع بحكم الشارع، وإذا كان الامر كذلك فليس ما وراء القطع حجة، فإنه تنتهي إليه حجية كل حجة، لانه - كما تقدم ص 19 - هو حجة بذاته. ولا يعقل سلخ الحجية عنه. وهل تثبت الشريعة الا بالعقل ؟ وهل يثبت التوحيد والنبوة الا بالعقل ؟ وإذا سلخنا انفسنا عن حكم العقل فيكف نصدق برسالة ؟ وكيف نؤمن بشريعة ؟ بل كيف نؤمن بانفسنا واعتقاداتها ؟ وهل العقل الا ما عبد به الرحمن ؟ وهل يعبد الديان الا به ؟


(1) راجع البحث الرابع في اسباب حكم العقل العملي ج 2 ص 223 فما بعدها لتعرف السر في التخصيص بالاراء المحدودة. (*)

[ 117 ]

ان التشكيك في حكم العقل سفسطة ليس وراءها سفسطة، نعم كل ما يمكن الشك فيه هو الصغريات، أعني ثبوت الملازمات في المستقلات العقلية أو في غير المستقلات العقلية. ونحن انما نتكلم في حجية العقل لاثبات الحكم الشرعي بعد ثبوت تلك الملازمات. وقد شرحنا في الجزء الثاني مواقع كثيرة من تلك الملازمات، فأثبتنا بعضها في مثل المستقلات العقلية، ونفينا بعضا آخر في مثل مقدمة الواجب ومسألة الضد. أما بعد ثبوت الملازمة وثبوت الملزوم فأي معنى للشك في حجية العقل، أو الشك في ثبوت اللازم، وهو حكم الشارع. ولكن مع كل هذا وقع الشك لبعض الاخباريين في هذا الموضوع، فلا بد من تجليته لكشف المغالطة، فنقول: قد أشرنا في المجلد الاول ص 196 إلى هذا النزاع، وقلنا: ان مرجع هذا النزاع إلى ثلاث نواح، وذلك حسب اختلاف عباراتهم: (الاولى): في امكان ان ينفي الشارع حجية هذا القطع. وقد اتضح لنا ذلك بما شرحناه في حجية القطع الذاتية ص 19 من هذا الجزء فارجع إليه، لتعرف استحالة النهي عن اتباع القطع. (الثانية): بعد فرض امكان حجية القطع هل نهى الشارع عن الاخذ بحكم العقل ؟ وقد ادعى ذلك جملة من الاخباريين الذين وصل الينا كلامهم مدعين ان الحكم الشرعي لا يتنجز ولا يجوز الاخذ به إلا إذا ثبت من طريق الكتاب والسنة. أقول: ومرد هذه الدعوى في الحقيقة إلى دعوى تقييد الاحكام الشرعية بالعلم بها من طريق الكتاب والسنة. وهذا خير ما يوجه به كلامهم ولكن قد سبق الكلام مفصلا في مسألة اشتراك الاحكام بين العالم والجاهل ص 29 من هذا الجزء، فقلنا: انه يستحيل تعلق الاحكام على العلم بها مطلقا، فضلا عن تقييدها بالعلم الناشئ من سبب خاص، وهذه الاستحالة ثابتة حتى لو قلنا بامكان نفي حجية القطع. لما قلناه من لزوم الخلف، كما شرحناه هناك. وأما ما ورد عن آل البيت عليهم السلام من نحو قولهم: (ان دين الله لا

[ 118 ]

يصاب بالعقول) فقد ورد في قباله مثل قولهم: (ان لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والانبياء والائمة عليهم السلام واما الباطنة فالعقول) (1). والحل لهذا التعارض الظاهري بين الطائفتين، هو أن المقصود من الطائفة الاولى بيان عدم استقلال العقل في ادراك الاحكام ومداركها، في قبال الاعتماد على القياس والاستحسان، لانها واردة في هذا المقام، أي ان الاحكام ومدارك الاحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال. وهو حق كما شرحناه سابقا. ومن المعلوم ان مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو دعوى ان للعقل ان يدرك الاحكام مستقلا ويدرك ملاكاتها، ومقصود من يعتمد على القياس هو دعوى ان للعقل ان يدرك ملاكات الاحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس. وهذا معنى الاجتهاد بالرأي. وقد سبق ان هذه الادراكات ليست من وظيفة العقل النظري ولا العقل العملي، لان هذه أمور لا تصاب إلا من طريق السماع من مبلغ الاحكام. وعليه فهذه الطائفة من الاخبار لا مانع من الاخذ بها على ظواهرها لانها واردة في مقام معارضة الاجتهاد بالرأي، ولكنها اجنبية عما نحن بصدده وعما نقوله في القضايا العقلية التي يتوصل بها إلى الحكم الشرعي. كما إنها اجنبية عن الطائفة الثانية من الاخبار التي تثني على العقل وتنص على انه حجة الله الباطنة، لانها تثني على العقل فيما هو من وظيفته ان يدركه، لا على الظنون والاوهام، ولا على ادعاءات ادراك مالا يدركه العقل بطبيعته. (الناحية الثالثة) - بعد فرض عدم امكان نفي الشارع حجية القطع والنهي عنه، يجب ان نتسأل عن معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل ؟ والجواب الصحيح عن هذا السؤال عند هؤلاء ان يقال: ان معناه ادراك الشارع وعلمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه لدى العقلاء. وهذا شئ آخر غير أمره ونهيه، والنافع هو أن نستكشف أمره ونهيه، فيحتاج اثبات أمره


(1) راجع كتاب العقل من أصول الكافي. وهو أول كتبه. (*)

[ 119 ]

ونهيه إلى دليل آخر سمعي، ولا يكفي فيه ذلك الدليل العقلي الذي اقصى ما يستنتج منه ان الشارع عالم بحكم العقلاء، أو انه حكم بنفس ما حكم به العقلاء، فلا يكون منه أمر مولوي أو نهي مولوي. أقول: وهذه آخر مرحلة لتوجيه مقالة منكري حجية العقل، وهو توجيه يختص بالمستقلات العقلية. ولهذا التوجيه صورة ظاهرية يمكن أن تنطلي على المبتدئين أكثر من تلك التوجيهات في المراحل السابقة. وهذا التوجيه ينطوي على احدى دعويين: 1 - دعوى انكار الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وقد تقدم تفنيدها في المجلد الاول ص 217، فلا نعيد. 2 - الدعوى التي أشرنا إليها هناك في آخر ص 218 من المجلد الاول وتوضيحها: ان ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذم فقط: والمدح والذم غير الثواب والعقاب، فاستحقاقهما لا يستلزم استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى. والذي ينفع في استكشاف حكم الشارع هو الثاني ولا يكفي الاول. ولو فرض إنا صححنا الاستلزام للثواب والعقاب، فإن ذلك لا يدركه كل أحد. ولو فرض انه أدركه كل احد فإن ذلك ليس كافيا للدعوة إلى الفعل إلا عند الفذ من الناس. وعلى أي تقدير فرض فلا يستغني اكثر الناس عن توجيه الامر من المولى أو النهي منه في مقام الدعوة إلى الفعل أو الزجر عنه. وإذا كان نفس ادراك الحسن والقبح غير كاف في الدعوة - والمفروض لم يقم دليل سمعي على الحكم - فلا نستطيع ان نحكم بان الشارع له أمر ونهي على طبق حكم العقل قد اكتفى عن بيانه اعتمادا على ادراك العقل، ليكون حكم العقل كاشفا عن حكمه. لاحتمال ألا يكون للشارع حكم مولوي على طبق حكم العقل حينئذ. وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، لان المدار على القطع في المقام.

[ 120 ]

والجواب: إنه قد أشرنا في الحاشية (م 1 ص 220) إلى ما يفند الشق الاول من هذه الدعوة الثانية، إذ قلنا: الحق ان معنى استحقاق المدح ليس الا استحقاق الثواب، ومعنى استحقاق الذم ليس الا استحقاق العقاب، لا انهما شيئان أحدهما يستلزم الآخر، لان حقيقة المدح والمقصود منه هو المجازاة بالخير لا المدح باللسان، وحقيقة الذم والمقصود منه هو المجازاة بالشر لا الذم باللسان. وهذا المعنى هو الذي يحكم به العقل، ولذا قال المحققون من الفلاسفة: (ان مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه). وأرادوا هذا المعنى. بل بالنسبة إلى الله تعالى لا معنى لفرض استحقاق المدح والذم اللسانيين عنده، بل ليست مجازاته بالخير إلا الثواب وليست مجازاته بالشر الا العقاب. وأما الشق الثاني من هذه الدعوى فالجواب عنه: إنه لما كان المفروض ان المدح والذم من القضايا المشهورات التي تتطابق عليها آراء العقلاء كافة فلا بد ان يفرض فيه أن يكون صالحا لدعوة كل واحد من الناس. ومن هنا نقول: انه مع هذا الفرض يستحيل توجيه دعوة مولوية من الله تعالى ثانيا لاستحالة جعل الداعي مع فرض وجود ما يصلح للدعوة عند المكلف إلا من باب التأكيد ولفت النظر. ولذا ذهبنا هناك إلى أن الاوامر الشرعية الواردة في موارد حكم العقل مثل وجوب الطاعة ونحوها يستحيل فيها أن تكون أوامر تأسيسية (أي مولوية)، بل هي أوامر تأكيدية (اي ارشادية). واما ان هذا الادراك لا يدعو إلا الفذ من الناس فقد يكون صحيحا ولكن لا يضر في مقصودنا، لانه لا نقصد من كون حكم العقل داعيا انه داع بالفعل لكل أحد، بل انما نقصد - وهو النافع لنا - انه صالح للدعوة. وهذا شأن كل داع حتى الاوامر المولوية، فإنه لا يترقب منها إلا صلاحيتها للدعوة لا فعلية الدعوة، لانه ليس قوام كون الامر أمرا من قبل الشارع أو من قبل غيره فعلية دعوته لجميع المكلفين، بل الامر في حقيقته ليس هو إلا جعل ما يصلح أن يكون داعيا، يعني ليس المجعول في الامر فعلية الدعوة. وعليه، فلا يضر في كونه صالحا للدعوة عدم امتثال أكثر الناس.

[ 121 ]

الباب الخامس حجية الظواهر

[ 123 ]

تمهيدات: 1 - تقدم في المجلد الاول ص 43: إن الغرض من المقصد الاول تشخيص ظواهر بعض الالفاظ من ناحية عامة والغاية منه - كما ذكرنا - تنقيح صغريات أصالة الظهور. وطبعا انما يكون ذلك في خصوص الموارد التي وقع فيها الخلاف بين الناس. وقلنا: اننا سنبحث عن الكبرى، وهي حجية (أصالة الظهور)، في المقصد الثالث. وقد حل بحمد الله تعالى موضع البحث عنها. 2 - ان البحث عن حجية الظواهر من توابع البحث عن الكتاب والسنة، أعني ان الظواهر ليست دليلا قائما بنفسه في مقابل الكتاب والسنة بل انما تحتاج إلى اثبات حجيتها لغرض الاخذ بالكتاب والسنة، فهي من متممات حجيتها، إذ من الواضح انه لا مجال للاخذ بهما من دون ان تكون ظواهرهما حجة. والنصوص التي هي قطعية الدلالة أقل القليل فيهما. 3 - تقدم ان الاصل حرمة العمل بالظن ما لم يدل دليل قطعي على حجيته، والظواهر من جملة الظنون، فلا بد من التماس دليل قطعي على حجيتها ليصح التمسك بظواهر الآيات والاخبار. وسيأتي بيان هذا الدليل. 4 - ان البحث عن الظهور يتم بمرحلتين: (الاولى) - في ان هذا اللفظ المخصوص ظاهر في هذا المعنى المخصوص أم غير ظاهر. والمقصد الاول كله متكفل بالبحث عن ظهور بعض الالفاظ التي وقع الخلاف في ظهورها، كالاوامر والنواهي والعموم والخصوص والاطلاق والتقييد. وهي في الحقيقة من بعض صغريات أصالة الظهور.

[ 124 ]

(الثانية) - في ان اللفظ الذي قد احرز ظهوره هل هو حجة عند الشارع في ذلك المعنى، فيصح ان يحتج به المولى على المكلفين ويصح ان يحتج به المكلفون ؟ والبحث عن هذه المرحلة الثانية هو المقصد الذي عقد من اجله هذا الباب، وهو الكبرى التي إذا ضممناها إلى صغرياتها يتم لنا الاخذ بظواهر الآيات والروايات. 5 - ان المرحلة الاولى - وهي تشخيص صغريات أصالة الظهور - تقع بصورة عامة في موردين: (الاول) - في وضع اللفظ للمعنى المبحوث عنه، فانه إذا احرز وضعه له لا محالة يكون ظاهرا فيه، نحو وضع صيغة افعل للوجوب والجملة الشرطية لما يستلزم المفهوم. إلى غير ذلك. (الثاني) - في قيام قرينة عامة أو خاصة على ارادة المعنى من اللفظ. والحاجة إلى القرينة اما في مورد ارادة غير ما وضع له اللفظ، واما في مورد اشتراك اللفظ في أكثر من معنى. ومع فرض وجود القرينة لا محالة يكون اللفظ ظاهرا فيما قامت عليه القرينة سواء كانت القرينة متصلة أو منفصلة. وإذا اتضحت هذه التمهيدات فينبغي أن نتحدث عما يهم من كل من المرحلتين في مباحث مفيدة في الباب. (طرق اثبات الظواهر) إذا وقع الشك في الموردين السابقين، فهناك طرق لمعرفة وضع الالفاظ ومعرفة القرائن العامة: (منها) - أن يتتبع الباحث بنفسه استعملات العرب ويعمل رأيه واجتهاده إذا كان من أهل الخبرة باللسان والمعرفة بالنكات البيانية. ونظير ذلك ما استنبطناه (م 1 ص 58) من أن كلمة (الامر) لفظ مشترك بين ما يفيد معنى الشئ والطلب، وذلك بدلالة اختلاف اشتقاق الكلمة بحسب المعنيين

[ 125 ]

واختلاف الجمع فيها بحسبهما. و (منها) - ان يرجع إلى علامات الحقيقة والمجاز كالتبادر واخواته. وقد تقدم الكلام عن هذه العلامات (م 1 ص 21 - 24). و (منها) - ان يرجع إلى أقوال علماء اللغة. وسيأتي بيان قيمة أقوالهم. وهناك أصول اتبعها بعض القدماء لتعيين وضع الالفاظ أو ظهوراتها، في موارد تعارض أحوال اللفظ. والحق انه لا أصل لها مطلقا، لانه لا دليل على اعتبارها. وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدم (م 1 ص 25). وهي مثل ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز، ومثل أصالة الحقيقة لاثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازا. أما انه لا دليل على اعتبارها، فلان حجية مثل هذه الاصول لا بد من استنادها إلى بناء العقلاء. والمسلم من بنائهم هو ثبوته في الاصول التي تجري لاثبات مرادات المتكلم دون ما يجري لتعيين وضع الالفاظ والقرائن. ولا دليل آخر في مثلها غير بناء العقلاء. * * * (حجية قول اللغوي) إن (اقوال اللغويين) لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف وضع الالفاظ لان أكثر المدونين للغة همهم ان يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها من دون كثير عناية منهم بتمييز المعاني الحقيقية من المجازية الا نادرا، عدا الزمخشري في كتابه (اساس اللغة)، وعدا بعض المؤلفات في فقه اللغة. وعلى تقدير أن ينص اللغويون على المعنى الحقيقي، فان أفاد نصهم العلم بالوضع فهو، والا فلا بد من التماس الدليل على حجية الظن الناشئ من قولهم. وقيل في الاستدلال عليه وجوه من الادلة لا بأس بذكرها وما عندنا فيها:

[ 126 ]

أولا - قيل: الدليل الاجماع. وذلك لانه قائم على الاخذ بقول اللغوي بلا نكير من أحد وان كان اللغوي واحدا. أقول: وأنى لنا بتحصيل هذا الاجماع العملي المدعى بالنسبة إلى جميع الفقهاء ؟ وعلى تقدير تحصيله فأنى لنا من اثبات حجية مثله ؟ وقد تقدم البحث مفصلا عن منشأ حجية الاجماع، وليس هو مما يشمل هذا المقام بما هو حجة، لان المعصوم لا يرجع إلى نصوص أهل اللغة حتى يستكشف من الاجماع موافقته في هذه المسألة، أي رجوعه إلى أهل اللغة عملا. ثانيا - قيل: الدليل بناء العقلاء لان من سيرة العقلاء وبنائهم العملي على الرجوع إلى أهل الخبرة الموثوق بهم في جميع الامور التي يحتاج في معرفتها إلى خبرة وإعمال الرأي والاجتهاد، كالشؤون الهندسية والطبية ومنها اللغات ودقائقها، ومن المعلوم ان اللغوي معدود من أهل الخبرة في فنه. والشارع لم يثبت منه الردع عن هذه السيرة العملية، فيستكشف من ذلك موافقته لهم ورضاه بها. أقول: ان بناء العقلاء إنما يكون حجة إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وامضاؤه لطريقتهم. وهذا بديهي. ولكن نحن نناقش اطلاق المقدمة المتقدمة القائلة: ان موافقة الشارع لبناء العقلاء تستكشف من مجرد عدم ثبوت ردعه عن طريقتهم، بل لا يحصل هذا الاستكشاف الا بأحد شروط ثلاثة كلها غير متوفرة في المقام: 1 - ألا يكون مانع من كون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في البناء والسيرة، فإنه في هذا الفرض لا بد أن يستكشف انه متحد المسلك معهم بمجرد عدم ثبوت ردعه لانه من العقلاء بل رئيسهم. ولو كان له مسلك ثان لبينه ولعرفناه، وليس هذا مما يخفى. ومن هذا الباب الظواهر وخبر الواحد، فإن الاخذ بالظواهر والاعتماد

[ 127 ]

عليها في التفهيم، مما جرت عليها سيرة العقلاء، والشارع لا بد أن يكون متحد المسلك معهم لانه لا مانع من ذلك بالنسبة إليه وهو منهم بما هم عقلاء ولم يثبت منه ردع. وكذلك يقال في خبر الواحد الثقة فإنه لا مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في الاعتماد عليه في تبليغ الاحكام ولم يثبت منه الردع. أما الرجوع إلى أهل الخبرة فلا معنى لفرض أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء في ذلك، لانه لا معنى لفرض حاجته إلى أهل الخبرة في شأن من الشؤون حتى يمكن فرض ان تكون له سيرة عملية في ذلك لا سيما في اللغة العربية. 2 - إذا كان هناك مانع من أن يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء، فلا بد أن يثبت لدينا جريان السيرة العملية حتى في الامور الشرعية بمرأى ومسمع من الشارع، فإذا لم يثبت حينئذ الردع منه يكون سكوته من قبيل التقرير لمسلك العقلاء. وهذا مثل الاستصحاب فإنه لما كان مورده الشك في الحالة السابقة فلا معنى لفرض اتحاد الشارع في المسلك مع العقلاء بالاخذ بالحالة السابقة، إذ لا معنى لفرض شكه في بقاء حكمه، ولكن لما كان الاستصحاب قد جرت السيرة فيه حتى في الامور الشرعية ولم يثبت ردع الشارع عنه فإنه يستكشف منه امضاؤه لطريقتهم. أما الرجوع إلى اهل الخبرة في اللغة فلم يعلم جريان السيرة العقلائية في الاخذ بقول اللغوي في خصوص الامور الشرعية، حتى يستكشف من عدم ثبوت ردعه رضاه بهذه السيرة في الامور الشرعية. 3 - إذا انتفى الشرطان المتقدمان فلا بد حينئذ من قيام دليل خاص قطعي على رضا الشارع وامضائه للسيرة العملية عند العقلاء. وفي مقامنا ليس عندنا هذا الدليل، بل الآيات الناهية عن اتباع الظن كافية في ثبوت الردع عن هذه السيرة العملية. ثالثا - قيل: الدليل حكم العقل.

[ 128 ]

لان العقل يحكم بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم، فلا بد أن يحكم الشارع بذلك أيضا، إذ أن هذا الحكم العقلي من الآراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء، والشارع منهم، بل رئيسهم. وبهذا الحكم العقلي أوجبنا رجوع العامي إلى المجتهد في التقليد، غاية الامر أنا اشترطنا في المجتهد شروطا خاصة كالعدالة والذكورة لدليل خاص. وهذا الدليل الخاص غير موجود في الرجوع إلى قول اللغوي، لانه في الشؤون الفنية لم يحكم العقل الا برجوع الجاهل إلى العالم الموثوق به من دون اعتبار عدالة أو نحوها كالرجوع إلى الاطباء والمهندسين. وليس هناك دليل خاص يشترط العدالة أو نحوها في اللغوي، كما ورد في المجتهد. أقول: وهذا الوجه أقرب الوجوه في اثبات حجية قول اللغوي، ولم اجد الآن ما يقدح به. * * * (الظهور التصوري والتصديقي) قيل: ان الظهور على قسمين: تصوري وتصديقي. 1 - (الظهور التصوري) الذي ينشأ من وضع اللفظ لمعنى مخصوص. وهو عبارة عن دلالة مفردات الكلام على معانيها اللغوية أو العرفية. وهو تابع للعلم بالوضع سواء كان في الكلام أو في خارجه قرينة على خلافه أو لم تكن. 2 - (الظهور التصديقي) الذي ينشأ من مجموع الكلام. وهو عبارة عن دلالة جملة الكلام على ما يتضمنه من المعنى، فقد تكون دلالة الجملة مطابقة لدلالة المفردات وقد تكون مغايرة لها كما إذا احتف الكلام بقرينة توجب صرف مفاد جملة الكلام عما يقتضيه مفاد المفردات. والظهور التصديقي يتوقف على فراغ المتكلم من كلامه فإن لكل متكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من القرائن فما دام متشاغلا بالكلام لا ينعقد لكلامه الظهور التصديقي. ويستتبع هذا الظهور التصديقي ظهور ثان تصديقي، وهو الظهور بان

[ 129 ]

هذا هو مراد المتكلم، وهذا هو المعين لمراد المتكلم في نفس الامر. فيتوقف على عدم القرينة المتصلة والمنفصلة، لان القرينة مطلقا تهدم هذا الظهور، بخلاف الظهور التصديقي الاول فانه لا تهدمه القرينة المنفصلة. أقول: ونحن لا نتعقل هذا التقسيم، بل الظهور قسم واحد، وليس هو الا دلالة اللفظ على مراد المتكلم. وهذه الدلالة هي التي نسميها الدلالة التصديقية. وهي أن يلزم من العلم بصدور اللفظ من المتكلم العلم بمراده من اللفظ، أو يلزم منه الظن بمراده. والاول يسمى (النص)، ويختص الثاني باسم (الظهور). ولا معنى للقول بان اللفظ ظاهر ظهورا تصوريا في معناه الموضوع له، وقد سبق في المجلد الاول ص 18 بيان حقيقة الدلالة، وإن ما يسمونه بالدلالة التصورية ليست بدلالة، وانما كان ذلك منهم تسامحا في التعبير بل هي من باب تداعي المعاني، فلا علم ولا ظن فيها بمراد المتكلم، فلا دلالة فلا ظهور، وإنما كان خطور. والفرق بعيد بينهما. وأما تقسيم الظهور التصديقي إلى قسمين فهو تسامح أيضا، لانه لا يكون الظهور ظهورا الا إذا كشف عن المراد الجدي للمتكلم اما على نحو اليقين أو الظن، فالقرينة المنفصلة لا محالة تهدم الظهور مطلقا. نعم قبل العلم بها يحصل للمخاطب قطع بدوي أو ظن بدوي يزولان عند العلم بها، فيقال حينئذ قد انعقد للكلام ظهور على خلاف ما تقتضيه القرينة المنفصلة. وهذا كلام شايع عن الاصوليين (راجع م 1 ص 133). وفي الحقيقة ان غرضهم من ذلك الظهور الابتدائي البدوي الذي يزول عند العلم بالقرينة المنفصلة، لا انه هناك ظهوران ظهور لا يزول بالقرينة المنفصلة وظهور يزول بها. ولا بأس أن يسمى هذا الظهور البدوي الظهور الذاتي وتسميته بالظهور مسامحة على كل حال. وعلى كل حال، سواء سميت الدلالة التصورية ظهورا أم لم تسم، وسواء سمي الظن البدوي ظهورا أم لم يسم، فان موضع الكلام في حجية الظهور هو الظهور الكاشف عن مراد المتكلم بما هو كاشف وان كان كشفا نوعيا.

[ 130 ]

(وجه حجية الظهور) ان الدليل على حجية الظاهر منحصر في بناء العقلاء. والدليل يتألف من مقدمتين قطعيتين، على نحو ما تقدم في الدليل على حجية خبر الواحد من طريق بناء العقلاء. وتفصيلهما هنا أن نقول: (المقدمة الاولى) - انه من المقطوع به الذي لا يعتريه الريب ان أهل المحاورة من العقلاء قد جرت سيرتهم العملية وتبانيهم في محاوراتهم الكلامية على اعتماد المتكلم على ظواهر كلامه في تفهيم مقاصده، ولا يفرضون عليه ان يأتي بكلام قطعي في مطلوبه لا يحتمل الخلاف. وكذلك - تبعا لسيرتهم الاولى - تبانوا أيضا على العمل بظواهر كلام المتكلم والاخذ بها في فهم مقاصده، ولا يحتاجون في ذلك إلى أن يكون كلامه نصا في مطلوبه لا يحتمل الخلاف. فلذلك يكون الظاهر حجة للمتكلم على السامع يحاسبه عليه ويحتج به عليه لو حمله على خلاف الظاهر، ويكون أيضا حجة للسامع على المتكلم يحاسبه عليه ويحتج به عليه لو ادعى خلاف الظاهر. ومن أجل هذا يؤخذ المرء بظاهر اقراره ويدان به وإن لم يكن نصا في المراد. (المقدمة الثانية) - ان من المقطوع به أيضا ان الشارع المقدس لم يخرج في محاوراته واستعماله للالفاظ عن مسلك اهل المحاورة من العقلاء في تفهيم مقاصده بدليل ان الشارع من العقلاء بل رئيسهم، فهو متحد المسلك معهم، ولا مانع من اتحاده معهم في هذا المسلك، ولم يثبت من قبله ما يخالفه. وإذا ثبتت هاتان المقدمتان القطعيتان لا محالة يثبت على سبيل الجزم ان الظاهر حجة عند الشارع، حجة له على المكلفين، وحجة معذرة للمكلفين. هذا، ولكن وقعت لبعض الناس شكوك في عموم كل من المقدمتين، لا بد من التعرض لها وكشف الحقيقة فيها. أما (المقدمة الاولى) فقد وقعت عدة أبحاث فيها:

[ 131 ]

1 - في أن تباني العقلاء على حجية الظاهر هل يشترط فيه حصول الظن الفعلي بالمراد ؟ 2 - في أن تبانيهم هل يشترط فيه عدم الظن بخلاف الظاهر ؟ 3 - في ان تبانيهم هل يشترط فيه جريان اصالة عدم القرينة ؟ 4 - في ان تبانيهم هل هو مختص بمن قصد افهامه فقط، أو يعم غيرهم فيكون الظاهر حجة مطلقا ؟ واما (المقدمة الثانية) - فقد وقع البحث فيها في حجية ظواهر الكتاب العزيز، بل قيل: ان الشارع ردع عن الاخذ بظواهر الكتاب فلم يكن متحد المسلك فيه مع العقلاء. وهذه المقالة منسوبة إلى الاخباريين. وعليه فينبغي البحث عن كل واحد واحد من هذه الامور، فنقول: 1 - اشتراط الظن الفعلي بالوفاق: قيل: لا بد في حجية الظاهر من حصول ظن فعلي بمراد المتكلم، والا فهو ليس بظاهر. يعني ان المقوم لكون الكلام ظاهرا حصول الظن الفعلي للمخاطب بالمراد منه، والا فلا يكون ظاهرا، بل يكون مجملا. أقول: من المعلوم ان الظهور صفة قائمة باللفظ، وهو كونه بحالة يكون كاشفا عن مراد المتكلم ودالا عليه، والظن بما هو ظن أمر قائم بالسامع لا باللفظ فكيف يكون مقوما لكون اللفظ ظاهرا، وإنما اقصى ما يقال انه يستلزم الظن فمن هذه الجهة يتوهم ان الظن يكون مقوما لظهوره. وفي الحقيقة ان المقوم لكون الكلام ظاهرا عند أهل المحاورة هو كشفه الذاتي عن المراد، أي كون الكلام من شأنه أن يثير الظن عند السامع بالمراد منه، وإن لم يحصل ظن فعلي للسامع، لان ذلك هو الصفة القائمة بالكلام المقومة لكونه ظاهرا عند أهل المحاورة. والمدرك لحجية الظاهر ليس الا بناء العقلاء فهو المتبع في أصل الحجية وخصوصياتها. الا ترى لا يصح للسامع أن يحتج بعدم حصول الظن الفعلي عنده من الظاهر إذا أراد مخالفته مهما كان

[ 132 ]

السبب لعدم حصول ظنه، ما دام ان اللفظ بحالة من شأنه ان يثير الظن لدى عامة الناس. وهذا ما يسمى بالظن النوعي، فيكتفي به في حجية الظاهر، كما يكتفي به في حجية خبر الواحد كما تقدم، والا لو كان الظن الفعلي معتبرا في حجية الظهور لكان كل كلام في آن واحد حجة بالنسبة إلى شخص غير حجة بالنسبة إلى شخص آخر. وهذا ما لا يتوهمه أحد. ومن البديهي انه لا يصح ادعاء ان الظاهر لكي يكون حجة لا بد ان يستلزم الظن الفعلي عند جميع الناس بغير استثناء، والا فلا يكون حجة بالنسبة إلى كل احد. 2 - اعتبار عدم الظن بالخلاف: قيل: ان لم يعتبر الظن بالوفاق فعلى الاقل يعتبر ألا يحصل ظن بالخلاف. قال الشيخ صاحب الكفاية في رده: (والظاهر أن سيرتهم على اتباعها - أي الظواهر - من غير تقييد بافادتها الظن فعلا، ولا بعدم الظن كذلك على خلافها، ضرورة انه لا مجال للاعتذار من مخالفتها بعدم افادتها الظن بالوفاق ولا بوجود الظن بالخلاف). أقول: ان كان منشأ الظن بالخلاف أمر يصح في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم، فانه لا ينبغي الشك في أن مثل هذا الظن يضر في حجية الظهور بل - على التحقيق - لا يبقى معه ظهور للكلام حتى يكون موضعا لبناء العقلاء، لان الظهور يكون حينئذ على طبق. ذلك الامر المعتمد عليه في التفهيم، حتى لو فرض ان ذلك الامر ليس بامارة معتبرة عند الشارع، لان الملاك في ذلك بناء العقلاء. وأما إذا كان منشأ الظن ليس مما يصح الاعتماد عليه في التفهيم عند العقلاء فلا قيمة لهذا الظن من ناحية بناء العقلاء على اتباع الظاهر، لان الظهور قائم في خلافه، ولا ينبغي الشك في عدم تأثير مثله في تبانيهم على حجية الظهور. والظاهر ان مراد الشيخ صاحب الكفاية من الظن بالخلاف هذا القسم الثاني فقط لا ما يعم القسم الاول.

[ 133 ]

ولعل مراد القائل باعتبار عدم الظن بالخلاف هو القسم الاول فقط، لا ما يعم القسم الثاني، فيقع التصالح بين الطرفين. 3 - اصالة عدم القرينة: ذهب الشيخ الاعظم في رسائله إلى أن الاصول الوجودية - مثل أصالة الحقيقة واصالة العموم واصالة الاطلاق ونحوها التي هي كلها أنواع لاصالة الظهور - ترجع كلها إلى أصالة عدم القرينة، بمعنى ان أصالة الحقيقة ترجع إلى أصالة عدم قرينة المجاز، وأصالة العموم إلى أصالة عدم المخصص.. وهكذا. والظاهر ان غرضه من الرجوع: أن حجية اصالة الظهور إنما هي من جهة بناء العقلاء على حجية أصالة عدم القرينة. وذهب الشيخ صاحب الكفاية إلى العكس من ذلك، أي انه يرى أن أصالة عدم القرينة هي التي ترجع إلى أصالة الظهور. يعني ان العقلاء ليس لهم الا بناء واحد وهو البناء على أصالة الظهور، وهو نفسه بناء على أصالة عدم القرينة، لا أنه هناك، بناءان عندهم: بناء على أصالة عدم القرينة وبناء آخر على اصالة الظهور والبناء الثاني بعد البناء الاول ومتوقف عليه، ولا أن البناء على اصالة الظهور مرجع حجيته ومعناه إلى البناء على اصالة عدم القرينة. أقول: الحق ان الامر لا كما أفاده الشيخ الاعظم ولا كما افاده صاحب الكفاية، فانه ليس هناك أصل عند العقلاء غير أصالة الظهور يصح ان يقال له: (اصالة عدم القرينة)، فضلا عن ان يكون هو المرجع لاصالة الظهور أو أن اصالة الظهور هي المرجع له. بيان ذلك: انه عند الحاجة إلى اجراء أصالة الظهور لا بد أن يحتمل ان المتكلم الحكيم أراد خلاف ظاهر كلامه. وهذا الاحتمال لا يخرج عن احدى صورتين لا ثالثة لهما: (الاولى) أن يحتمل ارادة خلاف الظاهر مع العلم بعدم نصب قرينة من قبله لا متصلة ولا منفصلة. وهذا الاحتمال اما من جهة احتمال الغفلة عن

[ 134 ]

نصب القرينة أو احتمال قصد الايهام، أو احتمال الخطأ، أو احتمال قصد الهزل، أو لغير ذلك - فانه في هذه الموارد يلزم المتكلم بظاهر كلامه، فيكون حجة عليه، ويكون حجة له أيضا على الآخرين. ولا تسمع منه دعوى الغفلة ونحوها، وكذلك لا تسمع من الآخرين دعوى احتمالهم للغفلة ونحوها، وهذا معنى أصالة الظهور عند العقلاء، أي ان الظهور هو الحجة عندهم - كالنص - بالغاء كل تلك الاحتمالات. ومن الواضح انه في هذه الموارد لا موقع لاصالة عدم القرينة سالبة بانتفاء الموضوع، لانه لا احتمال لوجودها حتى نحتاج إلى نفيها بالاصل. فلا موقع اذن في هذه الصورة للقول برجوع أصالة الظهور إلى هذا الاصل، ولا للقول برجوعه إلى أصالة الظهور. (الثانية) - ان يحتمل ارادة خلاف الظاهر من جهة احتمال نصب قرينة خفيت علينا - فانه في هذه الصورة يكون موقع لتوهم جريان أصالة عدم القرينة، ولكن في الحقيقة ان معنى بناء العقلاء على اصالة الظهور - كما تقدم - انهم يعتبرون الظهور حجة كالنص بالغاء احتمال الخلاف، أي احتمال كان. ومن جملة الاحتمالات التي تلغى ان وجدت احتمال نصب القرينة. وحكمه حكم احتمال الغفلة ونحوها من جهة انه احتمال ملغي ومنفي لدى العقلاء. وعليه، فالمنفي عند العقلاء هو الاحتمال، لا ان المنفي وجود القرينة الواقعية، لان القرينة الواقعية غير الواصلة لا أثر لها في نظر العقلاء ولا تضر في الظهور حتى يحتاج إلى نفيها بالاصل، بينما ان معنى اصالة عدم القرينة - لو كانت - البناء على نفي وجود القرينة، لا البناء على نفي احتمالها، والبناء على نفي الاحتمال هو معنى البناء على أصالة الظهور ليس شيئا آخر. وإذا اتضح ذلك يكون واضحا لدينا انه ليس للعقلاء في هذه الصورة الثانية أيضا اصل يقال له (اصالة عدم القرينة)، حتى يقال برجوعه إلى أصالة الظهور أو برجوعها إليه، سالبة بانتفاء الموضوع. والخلاصة: انه ليس لدى العقلاء الا أصل واحد، هو أصالة الظهور، وليس لهم الا بناء واحد، وهو البناء على الغاء كل احتمال ينافي الظهور: من

[ 135 ]

نحو احتمال الغفلة، أو الخطأ، أو تعمد الايهام، أو نصب القرينة على الخلاف أو غير ذلك. فكل هذه الاحتمالات - ان وجدت - ملغية في نظر العقلاء، وليس معنى الغائها الا اعتبار الظهور حجة كأنه نص لا احتمال معه بالخلاف لا انه هناك لدى العقلاء أصول متعددة وبناءات مترتبة مترابطة، كما ربما يتوهم، حتى يكون بعضها متقدما على بعض، أو بعضها يساند بعضا. نعم، لا بأس بتسمية الغاء احتمال الغفلة باصالة عدم الغفلة من باب المسامحة، وكذلك تسمية الغاء احتمال القرينة باصالة عدمها.. وهكذا في كل تلك الاحتمالات ولكن ليس ذلك الا تعبيرا آخر عن اصالة الظهور. ولعل من يقول برجوع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة أو بالعكس أراد هذا المعنى من أصالة عدم القرينة. وحينئذ لو كان هذا مرادهم لكان كل من القولين صحيحا ولكان مالهما واحدا، فلا خلاف. 4 - حجية الظهور بالنسبة إلى غير المقصودين بالافهام: ذهب المحقق القمي في قوانينه إلى عدم حجية الظهور بالنسبة إلى من لم يقصد افهامه بالكلام. ومثل لغير المقصودين بالافهام بأهل زماننا وامثالهم الذين لم يشافهوا بالكتاب العزيز وبالسنة، نظرا إلى ان الكتاب العزيز ليست خطاباته موجهة لغير المشافهين، وليس هو من قبيل تأليفات المصنفين التي يقصد بها افهام كل قارئ لها. واما السنة فبالنسبة إلى الاخبار الصادرة عن المعصومين في مقام الجواب عن سؤال السائلين لا يقصد منها الا افهام السائلين دون سواهم. أقول: ان هذا القول لا يستقيم، وقد ناقشه كل من جاء بعده من المحققين، وخلاصة ما ينبغي مناقشته به ان يقال: ان هذا كلام مجمل غير واضح، فما الغرض من نفي حجية الظهور بالنسبة إلى غير المقصود افهامه ؟ 1 - ان كان الغرض ان الكلام لا ظهور ذاتي له بالنسبة إلى هذا الشخص فهو أمر يكذبه الوجدان. 2 - وان كان الغرض - كما قيل في توجيه كلامه - دعوى انه ليس للعقلاء

[ 136 ]

بناء على الغاء احتمال القرينة في الظواهر بالنسبة إلى غير المقصود بالافهام، فهي دعوى بلا دليل، بل المعروف في بناء العقلاء عكس ذلك، قال الشيخ الانصاري في مقام رده: (انه لا فرق في العمل بالظهور اللفظي واصالة عدم الصارف عن الظاهر: بين من قصد افهامه ومن لم يقصد). 3 - وان كان الغرض - كما قيل في توجيه كلامه ايضا - انه لما كان من الجائز عقلا ان يعتمد المتكلم الحكيم على قرينة غير معهودة ولا معروفة الا لدى من قصد افهامه، فهو احتمال لا ينفيه العقل، لانه لا يقبح من الحكيم ولا يلزم نقض غرضه إذا نصب قرينة تخفى على غير المقصودين بالافهام. ومثل هذه القرينة الخفية على تقدير وجودها لا يتوقع من غير المقصود بالافهام ان يعثر عليها بعد الفحص. فهو كلام صحيح في نفسه الا انه غير مرتبط بما نحن فيه، أي لا يضر بحجية الظهور ببناء العقلاء. وتوضيح ذلك: ان الذي يقوم حجية الظهور هو نفي احتمال القرينة ببناء العقلاء لا نفي احتمالها بحكم العقل، ولا ملازمة بينهما، أي انه إذا كان احتمال القرينة لا ينفيه العقل فلا يلزم منه عدم نفيه ببناء العقلاء النافع في حجية الظهور. بل الامر أكثر من ان يقال انه لا ملازمة بينهما، فان الظهور لا يكون ظهورا الا إذا كان هناك احتمال للقرينة غير منفي بحكم العقل، والا لو كان احتمالها منفيا بحكم العقل كان الكلام نصا لا ظاهرا. وعلى نحو العموم نقول: لا يكون الكلام ظاهرا ليس بنص قطعي في المقصود الا إذا كان مقترنا باحتمال عقلي أو احتمالات عقلية غير مستحيلة التحقق، مثل احتمال خطأ المتكلم، أو غفلته، أو تعمده للايهام لحكمة، أو نصبه لقرينة تخفى على الغير أو لا تخفى. ثم لا يكون الظاهر حجة الا إذا كان البناء العملي من العقلاء على الغاء مثل هذه الاحتمالات، أي عدم الاعتناء بها في مقام العمل بالظاهر. وعليه فالنفي الادعائي العملي للاحتمالات هو المقوم لحجية الظهور، لا نفي الاحتمالات عقلا من جهة استحالة تحقق المحتمل، فانه إذا كانت

[ 137 ]

الاحتمالات مستحيلة التحقق لا تكون محتملات ويكون الكلام حينئذ نصا لا نحتاج في الاخذ به إلى فرض بناء العقلاء على الغاء الاحتمالات. وإذا اتضح ذلك نستطيع ان نعرف ان هذا التوجيه المذكور للقول بالتفصيل في حجية الظهور لا وجه له، فانه اكثر ما يثبت به ان نصب القرينة الخفية بالنسبة إلى من لم يقصد افهامه امر محتمل غير مستحيل التحقق، لانه لا يقبح من الحكيم ان يصنع مثل ذلك، فالقرينة محتملة عقلا. ولكن هذا لا يمنع من ان يكون البناء العملي من العقلاء على الغاء مثل هذا الاحتمال، سواء امكن ان يعثر على هذه القرينة بعد الفحص - لو كانت - أو لا يمكن. 4 - ثم على تقدير تسليم الفرق في حجية الظهور بين المقصودين بالافهام وبين غيره، فالشأن كل الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز والسنة: أما (الكتاب العزيز) فانه من المعلوم لنا ان التكاليف التي يتضمنها عامة لجميع المكلفين ولا اختصاص لها بالمشافهين. وبمقتضى عمومها يجب الا تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين. بل لا شك في ان المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالافهام بخطابات القرآن الكريم. وأما (السنة)، فان الاحاديث الحاكية لها على الاكثر تتضمن تكاليف عامة لجميع المكلفين أو المقصود بها افهام الجميع حتى غير المشافهين، وقلما يقصد بها افهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على اسئلة خاصة. وإذا قصد ذلك فان التكليف فيها لا بد ان يعم غير السائل بقاعدة الاشتراك. ومقتضى الامانة في النقل وعدم الخيانة من الراوي المفروض فيه ذلك ان ينبه على كل قرينة دخيلة في الظهور، ومع عدم بيانها منه يحكم بعدمها. 5 - حجية ظواهر الكتاب: نسب إلى جماعة من الاخباريين القول بعدم حجية ظواهر الكتاب العزيز، وأكدوا: انه لا يجوز العمل بها من دون ان يرد بيان وتفسير لها من طريق آل البيت عليهم السلام.

[ 138 ]

أقول: ان القائلين بحجية ظواهر الكتاب: أ - لا يقصدون حجية كل ما في الكتاب، وفيه آيات محكمات وأخر متشابهات. بل المتشابهات لا يجوز تفسيرها بالرأي. ولكن التمييز بين المحكم والمتشابه ليس بالامر العسير على الباحث المتدبر، إذا كان هذا ما يمنع من الاخذ بالظواهر التي هي من نوع المحكم. 2 - لا يقصدون - أيضا - بالعمل بالمحكم من آياته جواز التسرع بالعمل به من دون فحص كامل عن كل ما يصلح لصرفه عن الظهور في الكتاب والسنة من نحو الناسخ والمخصص والمقيد وقرينة المجاز.. 3 - لا يقصدون - ايضا - انه يصح لكل احد ان يأخذ بظواهره وان لم تكن له سابقة معرفة وعلم ودراسة لكل ما يتعلق بمضمون آياته. فالعامي وشبه العامي ليس له ان يدعي فهم ظواهر الكتاب والاخذ بها. وهذا أمر لا اختصاص له بالقرآن، بل هذا شأن كل كلام يتضمن المعارف العالية والامور العلمية وهو يتوخى الدقة في التعبير. ألا ترى أن لكل علم اهلا يرجع إليهم في فهم مقاصد كتب ذلك العلم، وإن له اصحابا يؤخذ منهم آراء ما فيه من مؤلفات. مع ان هذه الكتب والمؤلفات لها ظواهر تجري على قوانين الكلام وأصول اللغة، وسنن أهل المحاورة هي حجة على المخاطبين بها وهي حجة على مؤلفيها، ولكن لا يكفي للعامي ان يرجع إليها ليكون عالما بها أو يحتج بها أو يحتج بها عليه بغير تلمذة على أحد أهلها، ولو فعل ذلك هل تراه لا يؤنب على ذلك ولا يلام. وكل ذلك لا يسقط ظواهرها عن كونها حجة في نفسها، ولا يخرجها عن كونها ظواهر يصح الاحتجاج بها. وعلى هذا، فالقرآن الكريم إذ نقول انه حجة على العباد، فليس معنى ذلك ان ظواهره كلها هي حجة بالنسبة إلى كل أحد حتى بالنسبة إلى من لم يتزود بشئ من العلم والمعرفة. * * * وحينئذ نقول لمن ينكر حجية ظواهر الكتاب: ماذا تعني من هذا الانكار ؟

[ 139 ]

1 - ان كنت تعني هذا المعنى الذي تقدم ذكره، وهو عدم جواز التسرع بالاخذ بها من دون فحص عما يصلح لصرفها عن ظواهرها وعدم جواز التسرع بالاخذ بها من كل أحد - فهو كلام صحيح. وهو أمر طبيعي في كل كلام عال رفيع، وفي كل مؤلف في المعارف العالية. ولكن قلنا: انه ليس معنى ذلك ان ظواهره مطلقا ليست بحجة بالنسبة إلى كل أحد. 2 - وإن كنت تعني الجمود على خصوص ما ورد من آل البيت عليهم السلام، على وجه لا يجوز التعرض لظواهر القرآن والاخذ بها مطلقا فيما لم يرد فيه بيان من قبلهم، حتى بالنسبة إلى من يستطيع فهمه من العارفين بمواقع الكلام وأساليبه ومقتضيات الاحوال، مع الفحص عن كل ما يصلح للقرينة أو ما يصلح لنسخه - فإنه أمر لا يثبته ما ذكروه له من أدلة. كيف، وقد ورد عنهم عليهم السلام ارجاع الناس إلى القرآن الكريم، مثل ما ورد من الامر بعرض الاخبار المتعارضة عليه، بل ورد عنهم ما هو أعظم من ذلك وهو عرض كل ما ورد عنهم على القرآن الكريم، كما ورد عنهم الامر برد الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود، ووردت عنهم أخبار خاصة دالة على جواز التمسك بظواهره نحو قوله عليه السلام لزرارة لما قال له: (من اين علمت ان المسح ببعض الرأس ؟) فقال عليه السلام: (لمكان الباء) ويقصد الباء من قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم). فعرف زرارة كيف يستفيد الحكم من ظاهر الكتاب. ثم إذا كان يجب الجمود على ما ورد من أخبار بيت العصمة فإن معنى ذلك هو الاخذ بظواهر أقوالهم لا بظواهر الكتاب. وحينئذ ننقل الكلام إلى نفس اخبارهم حتى فيما يتعلق منها بتفسير الكتاب، فنقول: هل يكفي لكل أحد ان يرجع إلى ظواهرها من دون تدبر وبصيرة ومعرفة، ومن دون فحص عن القرائن واطلاع على كل ما دخل في مضامينها ؟ بل هذه الاخبار لا تقل من هذه الجهة عن ظواهر الكتاب، بل الامر فيها أعظم لان سندها يحتاج إلى تصحيح وتنقيح وفحص، ولان جملة منها منقول بالمعنى، وما ينقل بالمعنى لا يحرز فيه نص الفاظ المعصوم وتعبيره ولا مراداته.

[ 140 ]

ولا يحرز في اكثرها أن النقل كان لنص الالفاظ. * * * واما ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي، مثل النبوي المشهور: (من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) - فالجواب عنه ان التفسير غير الاخذ بالظاهر والاخذ بالظاهر لا يسمى تفسيرا. على ان مقتضى الجمع بينها وبين تلك الاخبار المجوزة للاخذ بالكتاب والرجوع إليه حمل التفسير بالرأي - إذا سلمنا انه يشمل الاخذ بالظاهر - على معنى التسرع بالاخذ به بالاجتهادات الشخصية من دون فحص ومن دون سابق معرفة وتأمل ودراسة كما يعطيه التعليل في بعضها بان فيه ناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا. مع انه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها الا أهل الذكر، وفيه ما يقصر عن الوصول إلى ادراكه أكثر الناس. ولا يزال تنكشف له من الاسرار ما كان خافيا على المفسرين كلما تقدمت العلوم والمعارف مما يوجب الدهشة ويحقق اعجازه من هذه الناحية. والتحقيق ان في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا وخفاء، وليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس، وكذلك كل كلام، ولا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهرا يصلح للاحتجاج به عند أهله. بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كل أحد، وظهور آخر يحتاج إلى تأمل وبصيرة فيخفى على كثير من الناس. ولنضرب لذلك مثلا قوله تعالى: (انا اعطيناك الكوثر)، فان هذه الآية الكريمة ظاهرة في أن الله تعالى قد أنعم على نبيه محمد صلى الله عليه وآله باعطائه الكوثر. وهذا الظهور بهذا المقدار لا شك فيه لكل احد. ولكن ليس كل الناس فهموا المراد من (الكوثر) فقيل: المراد به نهر في الجنة وقيل: المراد القرآن والنبوة. وقيل: المراد به ابنته فاطمة عليها السلام. وقيل غير ذلك. ولكن من يدقق في السورة يجد ان فيها قرينة على المراد منه، وهي الآية التي بعدها (إن شانئك هو الابتر) والابتر: الذي لا عقب له، فإنه بمقتضى

[ 141 ]

المقابلة يفهم منها ان المراد الانعام عليه بكثرة العقب والذرية. وكلمة (الكوثر) لا تأبى عن ذلك، فان (فوعل) تأتي للمبالغة، فيراد بها المبالغة في الكثرة، والكثرة: نماء العدد. فيكون المعنى: إنا اعطيناك الكثير من الذرية والنسل. وبعد هذه المقارنة ووضوح معنى الكوثر يكون للآية ظهور يصح الاحتجاج به ولكنه ظهور بعد التأمل والتبصر. وحينئذ ينكشف صحة تفسير كلمة (الكوثر) بفاطمة لانحصار ذريته الكثيرة من طريقها، لا على ان تكون الكلمة من اسمائها. * * *

[ 143 ]

الباب السادس الشهرة

[ 145 ]

ان الشهرة لغة تتضمن معنى ذيوع الشئ ووضوحه. ومنه قولهم: شهر فلان سيفه، وسيف مشهور. وقد اطلقت (الشهرة) باصطلاح اهل الحديث على كل خبر كثر راويه على وجه لا يبلغ حد التواتر. والخبر يقال له حينئذ: (مشهور)، كما قد يقال له: (مستفيض). وكذلك يطلقون (الشهرة) باصطلاح الفقهاء على كل ما لا يبلغ درجة الاجماع من الاقوال في المسألة الفقهية. فهي عندهم لكل قول كثر القائل به في مقابل القول النادر. والقول يقال به: (مشهور)، كما أن المفتين الكثيرين انفسهم يقال لهم: (مشهور)، فيقولون: ذهب المشهور إلى كذا، وقال المشهور بكذا.. وهكذا. وعلى هذا، فالشهرة في الاصطلاح على قسمين: 1 - (الشهرة في الرواية)، وهي كما تقدم عبارة عن شيوع نقل الخبر من عدة رواة على وجه لا يبلغ حد التواتر. ولا يشترط في تسميتها بالشهرة أن يشتهر العمل بالخبر عند الفقهاء أيضا، فقد يشتهر وقد لا يشتهر. وسيأتي في مبحث التعادل والتراجيح ان هذه الشهرة من أسباب ترجيح الخبر على ما يعارضه من الاخبار. فيكون الخبر المشهور حجة من هذه الجهة. 2 - (الشهرة في الفتوى)، وهي كما تقدم عبارة عن شيوع الفتوى عند الفقهاء بحكم شرعي، وذلك بان يكثر المفتون على وجه لا تبلغ الشهرة درجة الاجماع الموجب للقطع بقول المعصوم. فالمقصود بالشهرة - اذن - ذيوع الفتوى الموجبة للاعتقاد بمطابقتها للواقع من غير ان يبلغ درجة القطع.

[ 146 ]

وهذه الشهرة في الفتوى على قسمين من جهة وقوع البحث عنها والنزاع فيها: (الاول) - ان يعلم فيها أن مستندها خبر خاص موجود بين ايدينا. وتسمى حينئذ (الشهرة العملية). وسيأتي في باب التعادل والتراجيح البحث عما إذا كانت هذه الشهرة العملية موجبة لجبر الخبر الضعيف من جهة السند، والبحث أيضا عما إذا كانت موجبة لجبر الخبر غير الظاهر من جهة الدلالة. (الثاني) - ألا يعلم فيها ان مستندها أي شئ هو، فتكون شهرة في الفتوى مجردة، سواء كان هناك خبر على طبق الشهرة ولكن لم يستند إليها المشهور أو لم يعلم استنادهم إليه، أم لم يكن خبر اصلا. وينبغي ان تسمى هذه ب‍ (الشهرة الفتوائية). وهي - اعني الشهرة الفتوائية - موضوع بحثنا هنا الذي لاجله عقدنا هذا الباب، فقد قيل (1): أن هذه الشهرة حجة على الحكم الذي وقعت عليه الفتوى من جهة كونها شهرة فتكون من الظنون الخاصة كخبر الواحد. وقيل: لا دليل على حجيتها. وهذا الاختلاف بعد الاتفاق على ان فتوى مجتهد واحد أو اكثر ما لم تبلغ الشهرة لا تكون حجة على مجتهد آخر ولا يجوز التعويل عليها. وهذا معنى ما ذهبوا إليه من عدم جواز التقليد، أي بالنسبة إلى من يتمكن من الاستنباط. والحق انه لا دليل على حجية الظن الناشئ من الشهرة، مهما بلغ من القوة، وإن كان من المسلم به أن الخبر الذي عمل به المشهور حجة ولو كان ضعيفا من ناحية السند، كما سيأتي بيانه في محله. وقد ذكروا لحجية الشهرة جملة من الادلة كلها مردودة:


(1) نسب إلى الشهيد الاول ترجيحه هذا القول ونقله عن بعض الاصحاب من دون أن يذكر اسمه. ونسب أيضا إلى المحقق الخوانساري اختيار هذا القول وعزي كذلك إلى صاحب المعالم. ولكن الشهرة على خلافهم.

[ 147 ]

الدليل الاول - أولويتها من خبر العادل قيل: ان أدلة حجية خبر الواحد تدل على حجية الشهرة بمفهوم الموافقة، نظرا إلى أن الظن الحاصل من الشهرة أقوى غالبا من الظن الحاصل من خبر الواحد حتى العادل. فالشهرة أولى بالحجية من خبر العادل. والجواب: إن هذا المفهوم انما يتم إذا أحرزنا على نحو اليقين أن العلة في حجية خبر العادل هو افادته الظن ليكون ما هو اقوى ظنا أولى بالحجية. ولكن هذا غير ثابت في وجه حجية خبر الواحد إذا لم يكن الثابت عدم اعتبار الظن الفعلي. الدليل الثاني - عموم تعليل آية النبأ وقيل: ان عموم التعليل في آية النبأ (ان تصيبوا قوما بجهالة) يدل على اعتبار مثل الشهرة: لان الذي يفهم من التعليل ان الاصابة من الجهالة هي المانع من قبول خبر الفاسق بلا تبين. فيدل على ان كل ما يؤمن معه من الاصابة بجهالة فهو حجة يجب الاخذ به. والشهرة كذلك. والجواب: ان هذا ليس تمسكا بعموم التعليل - على تقدير تسليم ان هذه الفقرة من الآية واردة مورد التعليل وقد تقدم بيان ذلك في أدلة حجية خبر الواحد - بل هذا الاستدلال تمسك بعموم نقيض التعليل. ولا دلالة في الآية على نقيض التعليل بالضرورة، لان هذه الآية نظير نهي الطبيب عن بعض الطعام لانه حامض مثلا، فان هذا التعليل لا يدل على ان كل ما هو ليس بحامض يجوز أو يجب أكله. وكذلك هنا، فان حرمة العمل بنبأ الفاسق بدون تبين لانه يستلزم الاصابة بجهالة لا تدل على وجوب الاخذ بكل ما يؤمن فيه ذلك وما لا يستلزم الاصابة بجهالة. واما دلالتها على خصوص حجية خبر الواحد العادل فقد استفدناه من طريق آخر، وهو طريق مفهوم الشرط على ما تقدم شرحه، لا من طريق عموم نقيض التعليل. وبعبارة اخرى: ان أكثر ما تدل الآية في تعليلها على ان الاصابة بجهالة

[ 148 ]

مانع عن تأثير المقتضي لحجية الخبر، ولا تدل على وجود المقتضي للحجية في كل شئ آخر حيث لا يوجد فيه المانع حتى تكون دالة على حجية مثل الشهرة المفقود فيها المانع. أو نقول: ان فقدان المانع عن الحجية في مثل الشهرة لا يستلزم وجود المقتضى فيها للحجية ولا تدل الآية على ان كل ما ليس فيه مانع ففيه المقتضى موجود. الدليل الثالث - دلالة بعض الاخبار قيل: ان بعض الاخبار دالة على اعتبار الشهرة، مثل مرفوعة زرارة: قال زرارة: قلت: جعلت فداك ! يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان، فبأيهما نعمل ؟ قال عليه السلام: خذ بما اشتهر بين اصحابك، ودع الشاذ النادر. قلت: يا سيدي هما معا مشهوران مأثوران عنكم. قال: خذ بما يقوله أعدلهما.. إلى آخر الخبر. والاستدلال بهذه المرفوعة من وجهتين: (الاول) - ان المراد من الموصول في قوله: (بما اشتهر) مطلق المشهور بما هو مشهور، لا خصوص الخبر، فيعم المشهور بالفتوى، لان الموصول من الاسماء المبهمة التي تحتاج إلى ما يعين مدلولها، والمعين لمدلول الموصول هي الصلة، وهنا وهي قوله (اشتهر) تشمل كل شئ اشتهر حتى الفتوى. (الثاني) - انه على تقدير ان يراد من الموصول خصوص الخبر فان المفهوم من المرفوعة اناطة الحكم بالشهرة. فتدل على أن الشهرة بما هي شهرة توجب اعتبار المشتهر. فيدور الحكم معها حيثما دارت، فالفتوى المشتهرة أيضا معتبرة كالخبر المشهور. والجواب: أما عن (الوجه الاول) فبأن الموصول كما يتعين المراد منه بالصلة كذلك

[ 149 ]

يتعين بالقرائن الاخرى المحفوفة به. والذي يعينه هنا السؤال المتقدم عليه، إذ السؤال وقع عن نفس الخبر والجواب لا بد أن يطابق السؤال. وهذا نظير ما لو سئلت: أي اخوتك احب اليك ؟ فأجبت: من كان أكبر مني، فانه لا ينبغي ان يتوهم احد ان الحكم في هذا الجواب يعم كل من كان أكبر منك ولو كان من غير اخوتك. وأما عن (الوجه الثاني)، فبأنه بعد وضوح ارادة الخبر من الموصول يكون الظاهر من الجملة تعليف الحكم على الشهرة في خصوص الخبر، فيكون المناط في الحكم شهرة الخبر بما انها شهرة الخبر، لا الشهرة بما هي وان كانت منسوبة لشئ آخر. وكذلك يقاس الحال في مقبولة ابن حنظلة الآتية في باب التعادل والتراجيح. تنبيه: من المعروف عن المحققين من علمائنا انهم لا يجرأون على مخالفة المشهور الا مع دليل قوي ومستند جلي يصرفهم عن المشهور. بل ما زالوا يحرصون على موافقة المشهور وتحصيل دليل يوافقه ولو كان الدال على غيره أولى بالاخذ وأقوى في نفسه، وما ذلك من جهة التقليد للاكثر ولا من جهة قولهم بحجية الشهرة. وانما منشأ ذلك اكبار المشهور من آراء العلماء لا سيما إذا كانوا من أهل التحقيق والنظر. وهذه طريقة جارية في سائر الفنون، فان مخالفة اكثر المحققين في كل صناعة لا تسهل الا مع حجة واضحة وباعث قوى، لان المنصف قد يشك في صحة رأيه مقابل المشهور فيجوز على نفسه الخطأ، ويخشى ان يكون رأيه عن جهل مركب لا سيما إذا كان قول المشهور هو الموافق للاحتياط.

[ 151 ]

الباب السابع السيرة

[ 153 ]

المقصود من (السيرة) - كما هو واضح - استمرار عادة الناس وتبانيهم العملي على فعل شئ، أو ترك شئ. والمقصود بالناس: إما جميع العقلاء والعرف العام من كل ملة ونحلة، فيعم المسلمين وغيرهم. وتسمى السيرة حينئذ (السيرة العقلائية). والتعبير الشايع عند الاصوليين المتأخرين تسميتها ب‍ (بناء العقلاء). وإما جميع المسلمين بما هم مسلمون، أو خصوص أهل نحلة خاصة منهم كالامامية مثلا. وتسمى السيرة حينئذ (سيرة المتشرعة) أو (السيرة الشرعية) أو (السيرة الاسلامية). وينبغي التنبيه على حجية كل من هذين القسمين لاستكشاف الحكم الشرعي فيما جرت عليه السيرة، وعلى مدى دلالة السيرة، فنقول: 1 - حجية بناء العقلاء لقد تكلمنا أكثر من مرة فيما سبق من هذا الجزء عن (بناء العقلاء)، واستدللنا به على حجية خبر الواحد وحجية الظواهر. وقد أشبعنا الموضوع بحثا في مسألة (حجية قول اللغوي) ص 128 من هذا الجزء. وهناك قلنا: ان بناء العقلاء لا يكون دليلا الا إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وامضاؤه لطريقة العقلاء، لان اليقين تنتهي إليه حجية كل حجة. وقلنا هناك: ان موافقة الشارع لا تستكشف على نحو اليقين الا بأحد شروط ثلاثة. ونذكر خلاصتها هنا بأسلوب آخر من البيان، فنقول:

[ 154 ]

ان السيرة اما ان ينتظر فيها ان يكون الشارع متحد المسلك مع العقلاء، إذ لا مانع من ذلك. وأما ألا ينتظر ذلك، لوجود مانع من اتحاده معهم في المسلك، كما في الاستصحاب. فان كان (الاول). فان ثبت من الشارع الردع عن العمل بها فلا حجية فيها قطعا. وان لم يثبت الردع منه فلا بد أن يعلم اتحاده في المسلك معهم، لانه أحد العقلاء، بل رئيسهم، فلو لم يرتضها ولم يتخذها مسلكا له كسائر العقلاء لبين ذلك ولردعهم عنها ولذكر لهم مسلكه الذي يتخذه بدلا عنها، لا سيما في الامارات المعمول بها عند العقلاء، كخبر الواحد الثقة والظواهر. وان كان (الثاني). فأما ان يعلم جريان سيرة العقلاء في العمل بها في الامور الشرعية، كما في الاستصحاب. وأما ألا يعلم ذلك كما في الرجوع إلى اهل الخبرة في اثبات اللغات. فان كان (الاول) فنفس عدم ثبوت ردعه كاف في استكشاف موافقته لهم، لان ذلك مما يعنيه ويهمه، فلو لم يرتضها - وهي بمرأى ومسمع منه - لردعهم عنها، ولبلغهم بالردع، بأي نحو من انحاء التبليغ، فبمجرد عدم ثبوت الردع منه نعلم بموافقته، ضرورة أن الردع الواقعي غير الواصل لا يعقل أن يكون ردعا فعليا وحجة. وبهذا نثبت حجية مثل الاستصحاب ببناء العقلاء، لانه لما كان مما بنى على العمل به العقلاء بما فيهم المسلمون وقد أجروه في الامور الشرعية بمرأى ومسمع من الامام، والمفروض انه لم يكن هناك ما يحول دون اظهار الردع وتبليغه من تقية ونحوها - فلا بد ان يكون الشارع قد ارتضاه طريقة في الامور الشرعية.

[ 155 ]

وإن كان (الثاني) - اي لم يعلم ثبوت السيرة في الامور الشرعية - فإنه لا يكفي حينئذ في استكشاف موافقة الشارع عدم ثبوت الردع منه، إذ لعله ردعهم عن اجرائها في الامور الشرعية فلم يجروها، أو لعلهم لم يجروها في الامور الشرعية من عند أنفسهم فلم يكن من وظيفة الشارع ان يردع عنها في غير الامور الشرعية لو كان لا يرتضيها في الشرعيات. وعليه، فلاجل استكشاف رضا الشارع وموافقته على اجرائها في الشرعيات لا بد من اقامة دليل خاص قطعي على ذلك. وبعض السير من هذا القبيل قد ثبت عن الشارع امضاؤه لها، مثل الرجوع إلى أهل الخبرة عند النزاع في تقدير قيم الاشياء ومقاديرها، نظير القيميات المضمونة بالتلف ونحوه، وتقدير قدر الكفاية في نفقة الاقارب ونحو ذلك. أما ما لم يثبت فيها دليل خاص كالسيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغات، فلا عبرة بها، وإن حصل الظن منها، لان الظن لا يغني عن الحق شيئا. كما تقدم ذلك هناك. 2 - حجية سيرة المتشرعة ان السيرة عند المتشرعة من المسلمين على فعل شئ أو تركه هي في الحقيقة من نوع الاجماع، بل هي أرقي انواع الاجماع، لانها اجماع عملي، من العلماء وغيرهم. والاجماع في الفتوى اجماع قولي، ومن العلماء خاصة. والسيرة على نحوين: تارة يعلم فيها انها كانت جارية في عصور المعصومين عليهم السلام، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها أو يكون مقررا لها، وأخرى لا يعلم ذلك أو يعلم حدوثها بعد عصورهم. فإن كانت على (النحو الاول) - فلا شك في انها حجة قطعية على موافقة الشارع، فتكون بنفسها دليلا على الحكم كالاجماع القولي الموجب للحدس

[ 156 ]

القطعي برأي المعصوم. وبهذا تختلف (1) عن (سيرة العقلاء) فإنها إنما تكون حجة إذا ثبت من دليل اخر امضاء الشارع لها ولو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله كما سبق. وإن كانت على (النحو الثاني) - فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع واليقين، كما قلنا في الاجماع، وهي نوع منه. بل هي دون الاجماع القولي في ذلك كما سيأتي وجهه. قال الشيخ الاعظم في كتاب البيع في مبحث المعاطاة (2): (واما ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث - يقصد توريث ما يباع معطاة - فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة وقلة المبالاة في الدين، مما لا يحصى في عبادتهم، ومعاملاتهم، كما لا يخفى). ومن الواضح انه يعني من السيرة هذا النحو الثاني. والسر في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة، هو ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر وتأثير العادات على عواطف الناس: ان بعض الناس المتنفذين أو المغامرين قد يعمل شيئا، استجابة لعادة غير اسلامية أو لهوى في نفسه، أو لتأثيرات خارجية نحو تقليد الاغيار، أو لبواعث انفعالات نفسية مثل حب التفوق على الخصوم أو اظهار عظمة شخصه أو دينه أو نحو ذلك. ويأتي آخر فيقلد الاول في عمله، ويستمر العمل، فيشيع بين الناس من دون ان يحصل من يردعهم عن ذلك، لغفلة أو لتسامح، أو لخوف، أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم، أو لغير ذلك. وإذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقاه الجيل بعد الجيل، فيصبح سيرة المسلمين، وينسى تأريخ تلك العادة. وإذا استقرت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة التي من شأنها ان تتكون لها قدسية واحترام لدى الجمهور، فيعدون مخالفتها من المنكرات القبيحة، وحينئذ


(1) راجع حاشية شيخنا الاصفهاني على مكاسب الشيخ ص 25. (2) المكاسب ص 83 طبع تبريز سنة 375 ه‍. (*)

[ 157 ]

يتراءى أنها عادة شرعية وسيرة اسلامية، وأن المخالف لها مخالف لقانون الاسلام وخارج على الشرع. ويشبه أن يكون من هذا الباب سيرة تقبيل اليد، والقيام احتراما للقادم، والاحتفاء بيوم النوروز، وزخرفة المساجد والمقابر.. وما إلى ذلك من عادات اجتماعية حادثة. وكل من يغتر بهذه السيرات وأمثالها، فإنه لم يتوصل إلى ما توصل إليه الشيخ الانصاري الاعظم من ادراك سر نشأة العادات عند الناس على طول الزمن، وإن لكل جيل من العادات في السلوك والاجتماع والمعاملات والمظاهر والملابس ما قد يختلف كل الاختلاف عن عادات الجيل الآخر. هذا بالنسبة إلى شعب واحد وقطر واحد، فضلا عن الشعوب والاقطار بعضها مع بعض. والتبدل في العادات غالبا يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحس به من جرى على أيديهم التبديل. ولاجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا انها كانت موجودة في العصور الاسلامية الاولى. ومع الشك في ذلك فأجدر بها ألا تكون حجة لان الشك في حجية الشئ كاف في وهن حجيته، إذ لا حجة الا بعلم. 3 - مدى دلالة السيرة إن السيرة عندما تكون حجة فأقصى ما تقتضيه أن تدل على مشروعية الفعل وعدم حرمته في صورة السيرة على الفعل، أو تدل على مشروعية الترك وعدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك. أما استفادة الوجوب من سيرة الفعل، والحرمة من سيرة الترك - فأمر لا تقتضيه نفس السيرة. بل كذلك الاستحباب والكراهة، لان العمل في حد ذاته مجمل لا دلالة له على اكثر من مشروعية الفعل أو الترك. نعم المداومة والاستمرار على العمل من قبل جميع الناس المتشرعين قد يستظهر منها استحبابه، لانه يدل ذلك على استحسانه عندهم على الاقل. ولكن يمكن أن يقال ان الاستحسان له ربما ينشأ من كون اصبح عادة لهم،

[ 158 ]

والعادات من شأنها أن يكون فاعلها ممدوحا مرغوبا فيه لدى الجمهور وتاركها مذموما عندهم. فلا يوثق - اذن - فيما جرت عليه السيرة بإن المدح للفاعل والذم للتارك كانا من ناحية شرعية. والغرض إن السيرة بما هي سيرة لا يستكشف منها وجوب الفعل ولا استحبابه، في سيرة الفعل، ولا يستكشف منها حرمة الفعل ولا كراهته في سيرة الترك. نعم هناك بعض الامور يكون لازم مشروعيتها وجوبها، والا لم تكن مشروعة. وذلك مثل الامارة كخبر الواحد والظواهر، فإن السيرة على العمل بالامارة لما دلت على مشروعية العمل بها فإن لازمه أن يكون واجبا، لانه لا يشرع العمل بها ولا يصلح إلا إذا كانت حجة منصوبة من قبل الشارع لتبليغ الاحكام واستكشافها. وإذا كانت حجة وجب العمل بها قطعا لوجوب تحصيل الاحكام وتعلمها. فينتج من ذلك انه لا يمكن فرض مشروعية العمل بالامارة مع فرض عدم وجوبه. * * *

[ 159 ]

الباب الثامن القياس

[ 161 ]

تمهيد: ان القياس - على ما سيأتي تحديده وبيان موضع البحث فيه - من الامارات التي وقعت فيها معركة الآراء بين الفقهاء. وعلماء الامامية - تبعا لآل البيت عليهم السلام - أبطلوا العمل به. ومن الفرق الاخرى أهل الظاهر المعروفين ب‍ (الظاهرية) اصحاب داود بن خلف امام أهل الظاهر. وكذلك الحنابلة لم يكن يقيمون له وزنا. وأول من توسع فيه في القرن الثاني ابو حنيفة (رأس القياسيين)، وقد نشط في عصره، وأخذ به الشافعية والمالكية. ولقد بالغ به جماعة فقدموه على الاجماع، بل غلا آخرون فردوا الاحاديث بالقياس، وربما صار بعضهم يؤول الآيات بالقياس. ومن المعلوم عند آل البيت عليهم السلام انهم لا يجوزون العمل به، وقد شاع عنهم: (ان دين الله لا يصاب بالعقول) و (ان السنة إذا قيست محق الدين). بل شنوا حربا شعواء لا هوادة فيها على أهل الرأي وقياسهم ما وجدوا للكلام متسعا. ومناظرات الامام الصادق (ع) معهم معروفة، لا سيما مع أبي حنيفة، وقد رواها حتى أهل السنة إذ قال له فيما رواه ابن حزم (1) (اتق الله ولا تقس، فانا نقف غدا بين يدي الله فنقول: (قال الله وقال رسوله) وتقول أنت واصحابك: سمعنا ورأينا). والذي يبدو ان المخالفين لآل البيت الذين سلكوا غير طريقهم ولم


(1) أبطال القياس ص 71 مطبعة جامعة دمشق 1379 ه‍. (*)

[ 162 ]

يعجبهم ان يستقوا من منبع علومهم أعوزهم العلم بأحكام الله وما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله، فالتجأوا إلى ان يصطنعوا الرأي والاجتهادات الاستحسانية للفتيا والقضاء بين الناس، بل حكموا الرأي والاجتهاد حتى فيما يخالف النص، أو جعلوا ذلك عذرا مبررا لمخالفة النص، كما في قصة تبرير الخليفة الاول لفعلة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة وقد خلا بزوجته ليلة قتله، فقال عنه: (انه اجتهد فأخطأ)، وذلك لما أراد الخليفة عمر بن الخطاب ان يقاد به ويقام عليه الحد (1). وكان الرأي والقياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة والتابعين، حتى بدأ البحث فيه لتركيزه وتوسعة الاخذ به في القرن الثاني على يد أبي حنيفة واصحابه. ثم بعد ان اخذت الدولة العباسية تساند أهل القياس وبعد ظهور النقاد له، انبرى جماعة من علمائهم لتحديد معالمه وتوسيع ابحاثه، ووضع القيود والاستدراكات له، حتى صار فنا قائما بنفسه. ونحن يهمنا منه البحث عن موضع الخلاف فيه وحجيته، فنقول: 1 - تعريف القياس إن خير التعريفات للقياس - في رأينا - ان يقال: (هو اثبات حكم في محل بعلة لثبوته في محل آخر بتلك العلة). والمحل الاول، وهو المقيس، يسمى (فرعا). والمحل الثاني، وهو المقيس عليه، يسمى (أصلا). والعلة المشتركة تسمى (جامعا). وفي الحقيقة ان القياس عملية من المستدل (أي القياس) لغرض استنتاج حكم شرعي لمحل لم يرد فيه نص بحكمه الشرعي، إذ توجب هذه العملية عنده الاعتقاد يقينا أو ظنا بحكم الشارع. والعملية القياسية هي نفس حمل الفرع على الاصل في الحكم الثابت للاصل شرعا، فيعطى القايس حكما للفرع مثل حكم الاصل، فان كان


(1) راجع كتاب (السقيقة) للمؤلف ص 17، الطبعة الثالثة. (*)

[ 163 ]

الوجوب اعطى له الوجوب، وان كان الحرمة فالحرمة.. وهكذا. ومعنى هذا الاعطاء ان يحكم بأن الفرع ينبغي أن يكون محكوما عند الشارع بمثل حكم الاصل للعلة المشتركة بينهما. وهذا الاعطاء أو الحكم هو الذي يوجب عنده الاعتقاد بأن للفرع مثل ما للاصل من الحكم عند الشاعر، ويكون هذا الاعطاء أو الحكم أو الاثبات أو الحمل - ما شئت فعبر - دليلا عنده على حكم الله في الفرع. وعليه: (فالدليل): هو الاثبات الذي هو نفس عملية الحمل واعطاء الحكم للفرع من قبل القايس. و (نتيجة الدليل): هو الحكم بان الشارع قد حكم فعلا على هذا الفرع بمثل حكم الاصل. فتكون هذه العملية من القايس دليلا على حكم الشارع، لانها توجب اعتقاده اليقيني أو الظني بأن الشان له هذا الحكم. وبهذا التقرير يندفع الاعتراض على مثل هذا التعريف بان الدليل - وهو الاثبات نفسه نتيجة الدليل، بينما انه يجب ان يكون الدليل مغايرا للمستدل عليه. وجه الدفع، انه اتضح بذلك البيان ان الاثبات في الحقيقة - وهو عملية الحمل - عمل القايس وحكمه (لا حكم الشارع) وهو الدليل. وأما المستدل عليه، فهو حكم الشارع على الفرع، وانما حصل للقايس هذا الاستدلال لحصول الاعتقاد له بحكم الشارع من تلك العملية القياسية التي أجراها. ومن هنا يظهر ان هذا التعريف افضل التعريفات وابعدها عن المناقشات. واما تعريفه بالمساواة بين الفرع والاصل في العلة أو نحو ذلك، فانه تعريف بمورد القياس، وليست المساواة قياسا. وعلى كل حال، لا يستحق الموضوع الاطالة، بعد ان كان المقصود من القياس واضحا.

[ 164 ]

2 - اركان القياس بما تقدم من البيان يتضح ان للقياس اربعة اركان: 1 - (الاصل)، وهو المقيس عليه المعلوم ثبوت الحكم له شرعا. 2 - (الفرع)، وهو المقيس، المطلوب اثبات الحكم له شرعا. 3 - (العلة)، وهي الجهة المشتركة بين الاصل والفرع التي اقتضت ثبوت الحكم. وتسمى (جامعا). 4 - (الحكم)، وهو نوع الحكم الذي ثبت للاصل ويراد اثباته للفرع. وقد وقعت ابحاث عن كل من هذه الاركان مما لا يهمنا التعرض لها الا فيما يتعلق بأصل حجيته وما يرتبط بذلك. وبهذا الكفاية. * * * 3 - حجية القياس ان حجية كل امارة تناط بالعلم - وقد سبق بيان ذلك في هذا الجزء أكثر من مرة - فالقياس، كباقي الامارات، لا يكون حجة الا في صورتين لا ثالث لهما: 1 - ان يكون بنفسه موجبا للعلم بالحكم الشرعي. 2 - ان يقوم دليل قاطع على حجيته، إذا لم يكن بنفسه موجبا للعلم. وحينئذ لا بد من بحث موضوع حجية القياس من الناحيتين، فنقول: 1 - هل القياس يوجب العلم ؟ ان القياس نوع من (التمثيل) المصطلح عليه في المنطق - راجع (المنطق) للمؤلف 2 / 147 - 149 -. وقلنا هناك: ان التمثيل من الادلة التي لا تفيد الا الاحتمال، لانه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر، بل في عدة أمور، ان يتشابها من جميع الوجوه والخصوصيات.

[ 165 ]

نعم، إذا قويت وجوه الشبه بين الاصل والفرع وتعددت، يقوى في النفس الاحتمال حتى يكون ظنا ويقرب من اليقين. والقيافة من هذا الباب. ولكن كل ذلك لا يغني عن الحق شيئا. غير انه إذا علمنا - بطريقة من الطرق - ان جهة المشابهة علة تامة لثبوت الحكم في الاصل عند الشارع، ثم علمنا ايضا بأن هذه العلة التامة موجودة بخصوصياتها في الفرع، فانه لا محالة يحصل لنا، على نحو اليقين، استنباط ان مثل هذا الحكم ثابت في الفرع كثبوته في الاصل، لاستحالة تخلف المعلول عن علته التامة. ويكون من القياس المنطقي البرهاني الذي يفيد اليقين. ولكن الشأن كل الشأن في حصول الطريق لنا إلى العلم بان الجامع علة تامة للحكم الشرعي. وقد سبق ص 114 من هذا الجزءان ملاكات الاحكام لا مسرح للعقول، أو لا مجال للنظر العقلي فيها، فلا تعلم الا من طريق السماع من مبلغ الاحكام الذي نصبه الله تعالى مبلغا وهاديا. والغرض من كون الملاكات لا مسرح للعقول فيها أن أصل تعليل الحكم بالملاك لا يعرف الا من طريق السماع لانه أمر توقيفي، أما نفس وجود الملاك في ذاته فقد يعرف من طريق الحس ونحوه، لكن لا بما هو علة وملاك، كالاسكار فان كونه علة للتحريم في الخمر لا يمكن معرفته من غير طريق التبليغ بالادلة السمعية، أما وجود الاسكار في الخمر وغيره من المسكرات فأمر يعرف بالوجدان، ولكن لا ربط لذلك بمعرفة كونه هو الملاك في التحريم، فانه ليس هذا من الوجدانيات. وعلى كل حال، فان السر في ان الاحكام وملاكاتها لا مسرح للعقول في معرفتها واضح، لانها امور توقيفية من وضع الشارع، كاللغات والعلامات والاشارات التي لا تعرف الا من قبل واضعيها، ولا تدرك بالنظر العقلي، إلا من طريق الملازمات العقلية القطعية التي تكلمنا عنها فيما تقدم في بحث الملازمات العقلية في الجزء الثاني. وفي دليل العقل من هذا الجزء. والقياس لا يشكل ملازمة عقلية بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس. نعم إذا ورد نص من قبل الشارع في بيان علة الحكم في المقيس عليه فانه

[ 166 ]

يصح الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيس بشرطين: (الاول) ان نعلم بان العلة المنصوصة تامة يدور معها الحكم اينما دارت، و (الثاني) أن نعلم بوجودها في المقيس. والخلاصة: ان القياس في نفسه لا يفيد العلم بالحكم، لانه لا يتكفل ثبوت الملازمة بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس. ويستثنى منه منصوص العلة بالشرطين اللذين تقدما. وفي الحقيقة ان منصوص العلة ليس من نوع القياس كما سيأتي بيانه. وكذلك قياس الاولوية. * * * ولاجل ان يتضح الموضوع أكثر نقول: ان الاحتمالات الموجودة في كل قياس خمسة ومع هذه الاحتمالات لا تحصل الملازمة بين حكم الاصل وحكم الفرع، ولا يمكن رفع هذه الاحتمالات الا بورود النص من الشارع، والاحتمالات هي: 1 - احتمال ان يكون الحكم في الاصل معللا عند الله بعلة أخرى غير ما ظنه القايس. بل يحتمل على مذهب هؤلاء ألا يكون الحكم معللا عند الله بشئ اصلا، لانهم لا يرون الاحكام الشرعية معللة بالمصالح والمفاسد، وهذا من مفارقات آرائهم فانهم إذا كانوا لا يرون تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد فكيف يؤكدون تعليل الحكم الشرعي في المقيس عليه بالعلة التي يظنونها، بل كيف يحصل لهم الظن بالتعليل ؟ 2 - احتمال ان هناك آخر ينضم إلى ما ظنه القايس علة بان يكون المجموع منهما هو العلة للحكم، لو فرض ان القايس أصاب في أصل التعليل. 3 - احتمال ان يكون القايس قد أضاف شيئا اجنبيا إلى العلة الحقيقية لم يكن له دخل في الحكم في المقيس عليه. 4 - احتمال ان يكون ما ظنه القايس علة - ان كان مصيبا في ظنه - ليس هو الوصف المجرد بل بما هو مضاف إلى موضوعه (اعني الاصل) لخصوصية

[ 167 ]

فيه. مثال ذلك: لو علم بأن الجهل بالثمن علة موجبة شرعا في افساد البيع، وأراد ان يقيس على البيع عقد النكاح إذا كان المهر فيه مجهولا، فانه يحتمل أن يكون الجهل بالعوض الموجب لفساد البيع هو الجهل بخصوص العوض في البيع، لا مطلق الجهل بالعوض من حيث هو جهل بالعوض ليسري الحكم إلى كل معاوضة، حتى في مثل الصلح المعاوضي والنكاح باعتبار أنه يتضمن معنى المعاوضة عن البضع. 5 - احتمال ان تكون العلة الحقيقية لحكم المقيس عليه غير موجودة أو غير متوفرة بخصوصياتها في المقيس. وكل هذه الاحتمالات لا بد من دفعها ليحصل لنا العلم بالنتيجة، ولا يدفعها الا الادلة السمعية الواردة عن الشارع. * * * وقيل: من الممكن تحصيل العلم بالعلة بطريق برهان السبر والتقسيم. وبرهان السبر والتقسيم عبارة عن عد جميع الاحتمالات الممكنة، ثم يقام الدليل على نفي واحد واحد حتى ينحصر الامر في واحد منها، فيتعين، فيقال مثلا: حرمة الربا في البر: أما ان تكون معللة بالطعم، أو بالقوت، أو بالكيل. والكل باطل ما عدا الكيل. فيتعين التعليل به. أقول: من شرط برهان السبر والتقسيم ليكون برهانا حقيقيا، ان تحصر المحتملات حصرا عقليا من طريق القسمة الثنائية (1) التي تردد بين النفي والاثبات. وما يذكر من الاحتمالات في تعليل الحكم الشرعي لا تعدو ان تكون


(1) كتاب المنطق للمؤلف 1 / 106 - 108 الطبعة الثانية. (*)

[ 168 ]

احتمالات استطاع القايس ان يحتملها ولم يحتمل غيرها، لا أنها مبنية على الحصر العقلي المردد بين النفي والاثبات. وإذا كان الامر كذلك فكل ما يفرضه من الاحتمالات يجوز ان يكون وراءها احتمالات لم يتصورها أصلا. ومن الاحتمالات ان تكون العلة اجتماع محتملين أو اكثر مما احتمله القايس. ومن الاحتمالات أن يكون ملاك الحكم شيئا آخر خارجا عن أوصاف المقيس عليه لا يمكن ان يهتدي إليه القايس، مثل التعليل في قوله تعالى (سورة النساء: 160): (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم)، فان الظاهر من الآية ان العلة في تحريم الطيبات عصيانهم لا اوصاف تلك الاشياء. بل من الاحتمالات عند هذا القايس الذي لا يرى تبعية الاحكام للمصالح والمفاسد ان الحكم لا ملاك ولا علة له، فكيف ان يدعي حصر العلل فيما احتمله وقد لا تكون له علة. وعلى كل حال، فلا يمكن ان يستنتج من مثل السبر والتقسيم هنا أكثر من الاحتمال. وإذا تنزلنا فأكثر ما يحصل من الظن. فرجع الامر بالاخير إلى الظن (وان الظن لا يغني من الحق شيئا). وفي الحقيقة ان القائلين بالقياس لا يدعون افادته العلم، بل اقصى ما يتوقعونه إفادته للظن، غير انهم يرون ان مثل هذا الظن حجة. وفي البحث الآتي نبحث عن ادلة حجيته. 2 - الدليل على حجية القياس الظني: بعد ان ثبت ان القياس في حد ذاته لا يفيد العلم، بقي علينا ان نبحث عن الادلة على حجية الظن الحاصل منه، ليكون من الظنون الخاصة المستثناة من عموم الآيات الناهية عن اتباع الظن، كما صنعنا في خبر الواحد، والظواهر، فنقول: أما نحن - الامامية - ففي غنى عن هذا البحث، لانه ثبت لدينا على

[ 169 ]

سبيل القطع من طريق آل البيت عليهم السلام عدم اعتبار هذا الظن الحاصل من القياس: فقد تواتر عنهم النهي عن الاخذ بالقياس، وان دين الله لا يصاب بالعقول، فلا الاحكام في انفسها تصيبها العقول، ولا ملاكاتها وعللها. على انه يكفينا في ابطال القياس ان نبطل ما تمسكوا به لاثبات حجيته من الادلة، لنرجع إلى عمومات النهي عن اتباع الظن وما وراء العلم. أما غيرنا - من أهل السنة الذين ذهبوا إلى حجيته - فقد تمسكوا بالادلة الاربعة: الكتاب والسنة والاجماع والعقل. ولا بأس ان نشير إلى نماذج من استدلالاتهم لنرى ان ما تمسكوا به لا يصلح لاثبات مقصودهم، فنقول: الدليل من الآيات القرآنية: (منها) - قوله تعالى - (الحشر 59): (فاعتبروا يا أولي الابصار)، بناء على تفسير الاعتبار بالعبور والمجاوزة، والقياس عبور ومجاوزة من الاصل إلى الفرع. و (فيه) إن الاعتبار هو الاتعاظ لغة، وهو الانسب بمعنى الآية الواردة في الذين كفروا من أهل الكتاب، إذ قذف الله في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. وأين هي من القياس الذي نحن فيه ؟ وقال ابن حزم في كتابه ابطال القياس ص 30: (ومحال ان يقول لنا: فاعتبروا يا أولي الابصار، ويريد القياس، ثم لا يبين لنا في القرآن ولا في الحديث: أي شئ نقيس ؟ ولا (متى نقيس ؟) ولا (على أي نقيس ؟). ولو وجدنا ذلك لوجب أن نقيس ما أمرنا بقياسه حيث امرنا، وحرم علينا أن نقيس مالا نص فيه جملة، ولا نتعدى حدوده). و (منها) قوله تعالى (يس 36): (قال من يحيي العظام وهي رميم قال يحييها الذي انشأها أول مرة)، باعتبار أن الآية تدل على مساواة النظير للنظير، بل هي استدلال بالقياس لافحام من ينكر احياء العظام وهي رميم. ولولا ان القياس حجة لما صح الاستدلال فيها.

[ 170 ]

و (فيه) إن الآية لا تدل على هذه المساواة بين النظيرين كنظيرين في أية جهة كانت، كما انها ليست استدلالا بالقياس، وانما جاءت لرفع استغراب المنكرين للبعث، إذ يتخيلون العجز عن إحياء الرميم، فأرادت الآية أن تثبت الملازمة بين القدرة على إنشاء العظام وايجادها لاول مرة بلا سابق وجود وبين القدرة على احيائها من جديد، بل القدرة على الثاني أولى، وإذا ثبتت الملازمة والمفروض ان الملزوم (وهو القدرة على انشائها أول مرة) موجود مسلم، فلا بد أن يثبت اللازم (وهو القدرة على احيائها وهي رميم). واين هذا من القياس ؟ ولو صح ان يراد من الآية القياس فهو نوع من قياس الاولوية المقطوعة، واين هذا من قياس المساواة المطلوب اثبات حجيته، وهو الذي يبتني على ظن المساواة في العلة ؟ وقد استدلوا بآيات أخر مثل قوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم)، (يأمر بالعدل والاحسان). والتشبث بمثل هذه الآيات لا يعدو ان يكون من باب تشبث الغريق بالطحلب - كما يقولون -. الدليل من السنة: رووا عن النبي صلى الله عليه وآله احاديث لتصحيح القياس لا تنهض حجة لهم. ولا بأس ان نذكر بعضها كنموذج عنها، فنقول: (منها) - الحديث المأثور عن معاذ ان رسول الله صلى الله عليه وآله بعثه قاضيا إلى اليمن وقال له فيما قال: بماذا تقضي إذا لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ؟ قال معاذ: (اجتهد رأيي ولا آلو)، فقال صلى الله عليه وآله: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله). قالوا: قد أقر النبي الاجتهاد بالرأي. واجتهاد الرأي لا بد من رده إلى اصل، والا كان رأيا مرسلا، والرأي المرسل غير معتبر. فانحصر الامر بالقياس. و (الجواب): ان الحديث مرسل لا حجة فيه، لان راويه - هو الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة - رواه عن اناس من اهل حمص !. ثم

[ 171 ]

الحارث هذا نفسه مجهول لا يدري احد من هو ؟ ولا يعرف له غير هذا الحديث. ثم ان الحديث معارض بحديث آخر (1) في نفس الواقعة، إذ جاء فيه: (لا تقضين ولا تفضلن الا بما تعلم. وان اشكل عليك أمر فقف حتى تتبينه أو تكتب الي). فأجدر بذلك الحديث ان يكون موضوعا على الحارث أو منه. مضافا إلى انه لا حصر فيما ذكروا، فقد يراد من الاجتهاد بالرأي استفراغ الوسع في الفحص عن الحكم، ولو بالرجوع إلى العمومات أو الاصول. ولعله يشير إلى ذلك قوله (ولا آلو). و (منها) - حديث الخثعمية التي سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قضاء الحج عن ابيها الذي فاتته فريضة الحج: اينفعه ذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله لها: (أرأيت لو كان على ابيك دين فقضيته اكان ينفعه ذلك ؟) قالت: نعم. قال: (فدين الله أحق بالقضاء). قالوا: فألحق الرسول دين الله بدين الآدمي في وجوب القضاء. وهو عين القياس. و (الجواب): انه لا معنى للقول بان الرسول اجرى القياس في حكمه بقضاء الحج، وهو المشرع المتلقي الاحكام من الله تعالى بالوحي، فهل كان لا يعلم بحكم قضاء الحج فاحتاج ان يستدل عليه بالقياس ؟ ما لكم كيف تحكمون ! وانما المقصود من الحديث - على تقدير صحته - تنبيه الخثعمية على تطبيق العام على ما سألت عنه، وهو - أعني العام - وجوب قضاء كل دين إذ خفي عليها أن الحج مما يعد من الديون التي يجب قضاؤها عن الميت، وهو أولى بالقضاء لانه دين الله. ولا شك في ان تطبيق العام على مصاديقه المعلومة لا يحتاج إلى تشريع


(1) راجع تعليقة الناشر لكتاب أبطال القياس لابن حزم ص 15. (*)

[ 172 ]

جديد غير تشريع نفس العام، لان الانطباق قهري. وليس هو من نوع القياس. ولا ينقضي العجب ممن يذهب إلى عدم وجوب قضاء الحج ولا الصوم كالحنفية، ويقول (دين الناس أحق بالقضاء) ثم يستدل بهذا الحديث على حجية القياس ؟ و (منها) حديث بيع الرطب بالتمر، فان رسول الله صلى الله عليه وآله سأل: أينقص الرطب إذا يبس ؟ فلما أجيب بنعم، قال: (فلا، اذن). والجواب: ان هذا الحديث - على تقدير صحته - يشبه حديث الخثعمية، فان المقصود منه التنبيه على تطبيق العام على أحد مصاديقه الخفية. وليس هو من القياس في شئ. وكذلك يقال في أكثر الاحاديث المروية في الباب. على انها بجملتها معارضة باحاديث أخر يفهم منها النهي عن الاخذ بالرأي من دون الرجوع إلى الكتاب والسنة. الدليل من الاجماع: والاجماع هو أهم دليل عندهم، وعليه معولهم في هذه المسألة. والغرض منه اجماع الصحابة. ويجب الاعتراف بأن بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي واكثروا بل حتى فيما خالف النص تصرفا في الشريعة باجتهاداتهم. والانصاف ان ذلك لا ينبغي ان ينكر من طريقتهم، ولكن - كما سبق ان اوضحناه - لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم من كونها على نحو القياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة، ولم يعرف عنهم على اي اساس كانت اجتهاداتهم، أكانت تأويلا للنصوص أو جهلا بها أو استهانة بها ؟ ربما كان بعض هذا أو كله من بعضهم. وفي الحقيقة انما تطور البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه وخصائصه

[ 173 ]

في القرن الثاني والثالث كما سبق بيانه، فميزوا بين القياس والاستحسان والمصالح المرسلة. ومن الاجتهادات قول عمر بن الخطاب: (متعتان كانتا على عهد رسول الله انا محرمهما ومعاقب عليهما) ومنها: جمعه الناس لصلاة التراويح، ومنها: إلغاؤه في الاذان (حي على خير العمل). فهل كان ذلك من القياس أو من الاستحسان المحض ؟ لا ينبغي ان يشك ان مثل هذه الاجتهادات ليست من القياس في شئ. وكذلك كثير من الاجتهادات عندهم. وعليه فابن حزم على حق إذا كان يقصد انكار ان يكون القياس سابقا معروفا بحدوده في اجتهادات الصحابة، حينما قال في كتابه إبطال القياس ص 5: (ثم حدث القياس في القرن الثاني فقال به بعضهم وأنكره سائرهم وتبرؤا منه) وقال في كتابه الاحكام 7 / 177: (انه بدعة حدث في القرن الثاني ثم فشا وظهر في القرن الثالث) اما إذا أراد انكار أصل الاجتهادات بالرأي من بعض الصحابة - وهو لا يريد ذلك قطعا - فهو انكار لامر ضروري متواتر عنهم. وقد ذكر الغزالي في كتابه المستصفى 2 / 58 - 62 كثيرا من مواضع اجتهادات الصحابة برأيهم، ولكن لم يستطيع أن يثبت انها على نحو القياس الا لانه لم ير وجها لتصحيحها الا بالقياس وتعليل النص. وليس هو منه الا من باب حسن الظن، لا اكثر. واكثرها لا يصح تطبيقها على القياس. وعلى كل حال، فالشأن كل الشأن في تحقيق اجماع الامة والصحابة على الاخذ بالقياس ونحن نمنعه أشد المنع. اما (اولا) فلما قلناه قريبا أنه لم يثبت ان اجتهاداتهم كانت من نوع القياس بل في بعضها ثبت عكس ذلك، كاجتهادات عمر بن الخطاب المتقدمة ومثلها اجتهاد عثمان في حرق المصاحف، ونحو ذلك. واما (ثانيا) - فان استعمال بعضهم للرأي - سواء كان مبنيا على القياس

[ 174 ]

أو على غيره - لا يكشف عن موافقة الجميع، كما قال ابن حزم (1) فأنصف: (اين وجدتم هذا الاجماع ؟ وقد علمتم ان الصحابة ألوف لا تحفظ الفتيا عنهم في اشخاص المسائل الا عن مائة ونيف وثلاثين نفرا: منهم سبعة مكثرون وثلاثة عشر نفسا متوسطون، والباقون مقلون جدا تروى عنهم المسألة والمسألتان حاشا المسائل التي تيقن اجماعهم عليها (2) كالصلوات وصوم رمضان. فاين الاجماع على القول بالرأي ؟). والغرض الذي نرمي إليه انه لا ينكر ثبوت الاجتهاد بالرأي عند جملة من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت، بل ربما من غيرهم. وانما الذي ينكر أن يكون ذلك بمجرده محققا لاجماع الامة أو الصحابة واتفاق الثلاثة أو العشرة بل العشرون ليس اجماعا مهما كانوا. نعم أفصى ما يقال في هذا الصدد: ان الباقين سكتوا وسكوتهم اقرار، فيتحقق الاجماع. ولكن يجاب عن ذلك ان السكوت لا نسلم انه يحقق الاجماع، لانه لا يدل على الاقرار الا من المعصوم بشروط الاقرار. والسر في ذلك أن السكوت في حد ذاته مجمل، فيه عند غير المعصوم اكثر من وجه واحد واحتمال: إذ قد ينشأ من الخوف، أو الجبن أو الخجل، أو المداهنة، أو عدم العناية ببيان الحق، أو الجهل بالحكم الشرعي، أو وجهه أو عدم وصول نبأ الفتيا إليهم.. إلى ما شاء الله من هذه الاحتمالات التي لا دافع لها بالنسبة إلى غير المعصوم. وقد يجتمع في شخص واحد اكثر من سبب واحد للسكوت عن الحق. ومن الاحتمالات ايضا أن يكون قد أنكر بعض الناس ولكن لم يصل نبأ الانكار الينا. ودواعي اخفاء الانكار وخفائه كثيرة لا تحد ولا تحصر. وأما (ثالثا) - فان سكوت الباقين غير مسلم. ويكفي لابطال الاجماع


(1) ابطال القياس ص 19. (2) هذه ليست من المسائل الاجماعية بل هذه من ضروريات الدين. وقد تقدم أن الاخذ بها ليس أخذا بالاجماع. (*)

[ 175 ]

انكار شخص واحد له شأن في الفتيا إذ لا يتحقق معه اتفاق الجميع، فكيف إذا كان المنكرون أكثر من واحد، وقد ثبت تخطئة القول بالرأي عن ابن عباس وابن مسعود وأضربهما، بل روي ذلك حتى عن عمر بن الخطاب (1): (اياكم واصحاب الرأي فانهم أعداء السنن أعيتهم الاحاديث ان يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) وإن كنت أظن ان هذه الرواية موضوعة عليه لثبوت أنه في مقدمة اصحاب أهل الرأي، مع أن اسلوب بيان الرواية بعيدة عن النسبة إليه والى عصره. وعلى كل حال، لا شئ ابلغ في الانكار من المجاهرة بالخلاف والفتوى بالضد، وهذا قد كان من جماعة كما قلنا، بل زاد بعضهم كابن عباس وابن مسعود ان انتهى إلى ذكر المباهلة والتخويف من الله تعالى. وهل شئ ابلغ في الانكار من هذا ؟ فاين الاجماع ؟ ونحن يكفينا إنكار علي بن أبي طالب عليه السلام وهو المعصوم الذي يدور معه الحق كيفما دار كما في الحديث النبوي المعروف. وانكاره معلوم من طريقته، وقد رووا عنه قوله: (لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره). وهو يريد بذلك ابطال القول بجواز المسح على الخف الذي لا مدرك له الا القياس أو الاستحسان. الدليل من العقل: لم يذكر اكثر الباحثين عن القياس دليلا عقليا على حجيته (2)، غير ان جملة منهم ذكر له وجوها احسنها فيما أحسب ما سنذكره، مع انه من أوهن الاستدلالات. الدليل: انا نعلم قطعا بان الحوادث لا نهاية لها.


(1) أبطال القياس ص 58 والمستصفى 2 / 61. (2) قال الشيخ الطوسي في العدة 2 / 84: (فأما من أثبته فاختلفوا فمنهم من أثبته عقلا وهم شذاذ غير محصلين). (*)

[ 176 ]

ونعلم قطعا انه لم يرد النص في جميع الحوادث، لتناهي النصوص، ويستحيل أن يستوعب المتناهي مالا يتناهى. اذن، فيعلم انه لا بد من مرجع لاستنباط الاحكام لتلافي النواقص من الحوادث وليس هو الا القياس. والجواب: صحيح ان الحوادث الجزئية غير متناهية، ولكن لا يجب في كل حادثة جزئية أن يرد نص من الشارع بخصوصها، بل يكفي ان تدخل في أحد العمومات. والامور العامة محدودة متناهية لا يمتنع ضبطها ولا يمتنع استيعاب النصوص لها. على ان فيه مناقشات اخرى لا حاجة بذكرها. 4 - منصوص العلة وقياس الاولوية ذهب بعض علمائنا كالعلامة الحلي إلى انه يستثنى من القياس الباطل، ما كان منصوص العلة وقياس الاولوية، فان القياس فيهما حجة. وبعض قال: لا ! ان الدليل الدال على حرمة الاخذ بالقياس شامل للقسمين، وليس هناك ما يوجب استثناءهما. والصحيح أن يقال: ان منصوص العلة وقياس الاولوية هما حجة، ولكن لا استثناءا من القياس، لانهما في الحقيقة ليسا من نوع القياس، بل هما من نوع الظواهر، فحجيتهما من باب حجية الظهور. وهذا ما يحتاج إلى البيان، فنقول: منصوص العلة: اما (منصوص العلة)، فان فهم من النص على العلة أن العلة عامة على وجه لا اختصاص لها بالمعلل (الذي هو كالاصل في القياس) - فلا شك في ان الحكم يكون عاما شاملا للفرع، مثل مالو قال: حرم الخمر لانه مسكر، فيفهم منه حرمة النبيذ لانه مسكر ايضا. واما إذا لم يفهم منه ذلك، فلا وجه لتعدية الحكم إلى الفرع الا بنوع من القياس الباطل، مثل ما لو قيل: هذا

[ 177 ]

العنب حلو لان لونه أسود، فإنه لا يفهم منه ان كل ما لونه أسود حلو، بل العنب الاسود خاصة حلو. وفي الحقيقة انه بظهور النص في كون العلة عامة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصا بالمعلل إلى كون موضوعه كل ما فيه العلة، فيكون الموضوع عاما يشمل المعلل (الاصل) وغيره، ويكون المعلل من قبيل المثال للقاعدة العامة، لا ان موضوع الحكم هو خصوص المعلل (الاصل) ونستنبط منه الحكم في الفرع من جهة العلة المشتركة، حتى يكون المدرك مجرد الحمل والقياس. كما في الصورة الثانية أي التي لم يفهم فيها عموم العلة. ولاجل هذا نقول: ان الاخذ بالحكم في الفرع في الصورة الاولى يكون من باب الاخذ بظاهر العموم، وليس هو من القياس في شئ ليكون القول بحجية التعليل استثناء من عمومات النهي عن القياس. مثال ذلك قوله (ع) في صحيحة ابن بزيع: (ماء البئر واسع لا يفسده شئ.. لان له مادة)، فان المفهوم منه - أي الظاهر منه - أن كل ماء له مادة واسع لا يفسده شئ، واما ماء البئر فانما هو أحد مصاديق الموضوع العام للقاعدة، فيشمل الموضوع بعمومه كلا من ماء البئر وماء الحمام وماء العيون وماء حنفية الاسالة.. وغيرها، فالاخذ بهذا الحكم وتطبيقه على هذه الامور غير ماء البئر ليس أخذا بالقياس، بل هو أخذ بظهور العموم، والظهور حجة. هذا، وفي عين الوقت لما كنا لا نستظهر من هذه الرواية شمول العلة (لان له مادة) لكل ماله مادة وان لم يكن ماء مطلقا، فان الحكم (وهو الاعتصام من التنجس) لا نعديه إلى الماء المضاف الذي له مادة الا بالقياس، وهو ليس بحجة. وما هنا يتضح الفرق بين الاخذ بالعموم في منصوص العلة والاخذ بالقياس، فلا بد من التفرقة بينهما في كل علة منصوصة لئلا يقع الخلط بينهما. ومن أجل هذا الخلط بينهما يكثر العثار في تعرف الموضوع للحكم. وبهذا البيان والتفريق بين الصورتين يمكن التوفيق بين المتنازعين في حجية

[ 178 ]

منصوص العلة، فمن يراه حجة يراه فيما إذا كان له ظهور في عموم العلة، ومن لا يرى حجيته يراه فيما إذا كان الاخذ به أخذا به على نهج القياس. والخلاصة: إن المدار في منصوص العلة أن يكون له ظهور في عموم الموضوع لغير ما له الحكم (أي المعلل الاصل)، فانه عموم من جملة الظواهر التي هي حجة. ولا بد حينئذ ان تكون حجيته على مقدار ماله من الظهور في العموم، فإذا أردنا تعديته إلى غير ما يشمله ظهور العموم فان التعدية لا محالة تكون من نوع الحمل والقياس الذي لا دليل عليه، بل قام الدليل على بطلانه. قياس الاولوية: أما (قياس الاولوية) فهو نفسه الذي يسمى (مفهوم الموافقة) الذي تقدمت الاشارة إليه 1 / 104 وقلنا هناك: انه يسمى (فحوى الخطاب)، كمثال الآية الكريمة (ولا تقل لهما أف) الدالة بالاولوية على النهي عن الشتم والضرب ونحوهما. وتقدم في هذا الجزء ص 111 أن هذا من الظواهر. فهو حجة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ، لا من أجل كونه قياسا، حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس، وان اشبه القياس، ولذلك سمي بقياس الاولوية والقياس الجلي. ومن هنا لا يفرض مفهوم الموافقة الا حيث يكون للفظ ظهور بتعدي الحكم إلى ما هو أولى في علة الحكم، كآية التأفيف المتقدمة. ومنه دلالة الاذن بسكنى الدار على جواز التصرف بمرافقها بطريق أولى. ويقال لمثل هذا في عرف الفقهاء: (إذن الفحوى) ومنه الآية الكريمة (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) الدالة بالاولوية على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير. وبالجملة انما تأخذ بقياس الاولوية إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب، إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علة الحكم، فيكون حجة من باب الظواهر. ومن أجل هذا عدوه من المفاهيم

[ 179 ]

وسموه مفهوم الموافقة. أما إذا لم يكن ذلك مفهوما من فحوى الخطاب فلا يسمى ذلك مفهوما بالاصطلاح، ولا تكفي مجرد الاولوية وحدها في تعدية الحكم، إذ يكون من القياس الباطل. ويشهد لذلك ما ورد من النهي عن مثله في صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبدالله الصادق (ع) (1). قال أبان: قلت له: ما تقول في رجل قطع اصبعا من أصابع المرأة ؟ كم فيها ؟ قال: عشر من الابل. قلت: قطع اثنتين (2). قال: عشرون. قلت: قطع ثلاثا ؟ قال: ثلاثون. قلت: قطع أربعا ؟ قال: عشرون. قلت: سبحان الله ! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ! ؟ ان هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان. فقال: مهلا يا أبان ! هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وآله ان المرأة تعاقل (3) الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف. يا أبان ! انك أخذتني بالقياس. والسنة إذا قيست محق الدين. فهنا في هذا المثال لم يكن في المسألة خطاب يفهم منه في الفحوى من


(1) الكافي 7 / 299 طبع طهران بالحروف سنة 1379 ه‍. (2) في النسخة المطبوعة (اثنين). (3) تعاقل: توازن. وفي النسخة المطبوعة (تقابل) - وأحسبه من تصحيح الناشر اشتباها. (*)

[ 180 ]

جهة الاولوية تعدية الحكم إلى غير ما تضمنه الخطاب حتى يكون من باب مفهوم الموافقة. وانما الذي وقع من أبان قياس مجرد لم يكن مستنده فيه الا جهة الاولوية، إذ تصور - بمقتضى القاعدة العقلية الحسابية - أن الدية تتضاعف بالنسبة بتضاعف قطع الاصابع، فإذا كان في قطع الثلاث ثلاثون من الابل فلا بد أن يكون في قطع الاربع اربعون، لان قطع الاربع قطع للثلاثة وزيادة. ولكن أبان كان لا يدري ان المرأة ديتها نصف دية الرجل شرعا فيما يبلغ ثلث الدية فما زاد، وهي مائة من الابل. والخلاصة: انا نقول ببطلان قياس الاولوية إذا كان الاخذ به لمجرد الاولوية، اما إذا كان مفهوما من التخاطب بالفحوى من جهة الاولوية فهو حجة من باب الظواهر، فلا يكون قياسا ؟ ؟ مستثنى من القياس الباطل. تنبيه: الاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرايع بقى من الادلة المعتبرة عند جملة من علماء السنة: (الاستحسان)، و (المصالح المرسلة) و (سد الذرايع). وهي - ان لم ترجع إلى ظواهر الادلة السمعية أو الملازمات العقلية - لا دليل على حجيتها، بل هي أظهر أفراد الظن المنهي عنه. وهي دون القياس من ناحية الاعتبار. ولو أردنا اخراجها من عمومات حرمة العمل بالظن لا يبقى عندنا ما يصلح لانطباق هذه العمومات عليه مما يستحق الذكر، فيبقى النهي عن الظن بلا موضوع. ومن البديهي عدم جواز تخصيص الاكثر. على انه قد أوضحنا فيما سبق في الدليل العقلي ان الاحكام وملاكاتها لا يستقل العقل بادراكها ابتداء. أي ليس من الممكن للعقول أن تنالها ابتداء من دون السماع من مبلغ الاحكام الا بالملازمة العقلية. وشأنها في ذلك شأن جميع المجعولات كاللغات والاشارات والعلامات ونحوها، فانه لا معنى للقول

[ 181 ]

بانها تعلم من طريق عقلي مجرد، سواء كان من طريق بديهي أم نظري. ولو صح للعقل هذا الامر لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل ونصب الائمة، إذ يكون حينئذ كل ذي عقل متمكنا بنفسه من معرفة احكام الله تعالى، ويصبح كل مجتهد نبيا أو اماما. ومن هنا تعرف السر في اصرار اصحاب الرأي على قولهم بأن كل مجتهد مصيب، وقد اعترف الامام الغزالي (1) بانه لا يمكن اثبات حجية القياس الا بتصويب كل مجتهد، وزاد على ذلك قوله بأن المجتهد وان خالف النص فهو مصيب وان الخطأ غير ممكن في حقه. ومن أجل ما ذكرناه من عدم امكان اثبات حجية مثل هذه الادلة رأينا الاكتفاء بذلك عن شرح هذه الادلة ومرادهم منها ومناقشة أدلتهم. ونحيل الطلاب على محاضرات (مدخل الفقه المقارن) التي ألقاها أستاذ المادة في كلية الفقه الاخ السيد محمد تقي الحكيم، فان فيها الكفاية.


(1) المستصفى 2 / 57. (*)

[ 183 ]

الباب التاسع التعادل والتراجيح

[ 185 ]

تمهيد: عنون الاصوليون من القديم هذه المسألة بعنوانها المذكور. ومرادهم من كلمة (التعادل) تكافؤ الدليلين المتعارضين في كل شئ يقتضي ترجيح أحدهما على الآخر. ومرادهم من كلمة (التراجيح): جمع ترجيح على خلاف القياس في جمع المصدر، إذ جمعه ترجيحات. والمقصود منه المصدر بمعنى الفاعل، أي المرجح. وانما جاءوا به على صيغة الجمع دون (التعادل)، لان المرجحات بين الدليلين المتعارضين متعددة، والتعادل لا يكون الا في فرض واحد، وهو فرض فقدان كل المرجحات. والغرض من هذا البحث: بيان أحكام التعادل بين الدليلين المتعارضين وبيان أحكام المرحجات لاحدهما على الآخر. ومن هنا نعرف أن الانسب ان تعنون المسألة بعنوان (التعارض بين الادلة)، لان التعادل والترجيح بين الادلة انما يفرض في مورد التعارض بينهما، غير انه لما كان هم الاصوليين في البحث وغايتهم منه معرفة كيفية العمل بالادلة المتعارضة عند تعادلها وترجيحها عنونوها بما ذكرناه. وهذه المسألة - كما ذكرناه سابقا - أليق شئ بها مباحث الحجة، لان نتيجتها تحصيل الحجة على الحكم الشرعي عند التعارض بين الادلة. وقبل الشروع في بيان احكام التعارض ينبغي في:

[ 186 ]

- المقدمة - بيان أمور يحتاج إليها: مثل حقيقة التعارض وشروطه، وقياسه بالتزاحم، والحكومة والورود، ومثل القواعد العامة في الباب، فنقول: 1 - حقيقة التعارض: التعارض: مصدر من باب (التفاعل) الذي يقتضي فاعلين، ولا يقع الا من جانبين، فيقال: تعارض الدليلان. ولا تقول: (تعارض الدليل)، وتسكت. وعليه، فلا بد من فرض دليلين كل منهما يعارض الآخر. ومعنى المعارضة: ان كلا منهما - إذا تمت مقومات حجيته - يبطل الآخر ويكذبه. والتكاذب اما ان يكون في جميع مدلولاتهما ونواحي الدلالة فيهما، واما في بعض النواحي على وجه لا يصح فرض بقاء حجية كل منهما مع فرض بقاء حجية الآخر ولا يصح العمل بها معا. فمرجع التعارض في الحقيقة إلى التكاذب بين الدليلين في ناحية ما، أي أن كلا منهما يكذب الآخر، ولا يجتمعان على الصدق. هذا هو المعنى الاصطلاحي للتعارض. وهو مأخوذ من عارضه، أي حانبه وعدل عنه. 2 - شروط التعارض: ولا يتحقق هذا المعنى من التعارض الا بشروط سبعة هي مقومات التعارض نذكرها لتتضح حقيقة التعارض ومواقعه: 1 - ألا يكون أحد الدليلين أو كل منهما قطعيا، لانه لو كان احدهما قطعيا فإنه يعلم منه كذب الآخر، والمعلوم كذبه لا يعارض غيره. واما القطع بالمتنافيين ففي نفسه أمر مستحيل لا يقع.

[ 187 ]

2 - ألا يكون الظن الفعلي معتبرا في حجيتهما معا، لاستحالة حصول الظن الفعلي بالمتكاذبين كاستحالة القطع بهما. نعم يجوز ان يعتبر في أحدهما المعين الظن الفعلي دون الآخر. 3 - ان يتنافى مدلولاهما ولو عرضا وفي بعض النواحي، ليحصل التكاذب بينهما. سواء كان التنافي في مدلولهما المطابقي أو التضمني أو الالتزامي. والجامع في ذلك أن يؤديا إلى مالا يمكن تشريعه ويمتنع جعله في نفس الامر، ولو كان هذا الامتناع لامر خارج عن نفس مدلولهما، كما في تعارض دليل وجوب صلاة الجمعة مع دليل وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة، فان الدليلين في نفسهما لا تكاذب بينهما إذ لا يمتنع اجتماع وجوب صلاتين في وقت واحد، ولكن لما علم من دليل خارج انه لا تجب الا صلاة واحدة في الوقت الواحد فانهما يتكاذبان حينئذ بضميمة هذا الدليل الثالث الخارج عنهما. وعلى هذا، يمكن تحديد الضابط للتعارض بأن يقال: الضابط في التعارض: امتناع اجتماع مدلوليهما في الوعاء المناسب لهما إما من ناحية تكوينية أو من ناحية تشريعية. أو يقال بعبارة جامعة: الضابط في التعارض: تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق احدهما مع صدق الآخر. ومن هنا يعلم ان التعارض ليس وصفا للمدلولين كما قيل، بل المدلولان يوصفان بانهما متنافيان لا متعارضان. وانما التعارض وصف للدليلين بما هما دليلان على امرين متنافيين لا يجتمعان، لان امتناع صدق الدليلين معا وتكاذبهما انما ينشأ من تنافي المدلولين. ولاجل هذا قال صاحب الكفاية: (التعارض هو تنافي الدليلين أو الادلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات). فحصر التعارض في مقام الاثبات ومرحلة الدلالة. 4 - ان يكون كل من الدليلين واجدا لشرائط الحجية، بمعنى أن كلا منهما

[ 188 ]

لو خلى ونفسه ولم يحصل ما يعارضه لكان حجة يجب العمل بموجبه، وان كان احدهما لا على التعيين بمجرد التعارض يسقط عن الحجية بالفعل. والسر في ذلك واضح، فانه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجية في نفسه لا يصلح ان يكون مكذبا لما هو حجة وان كان منافيا له في مدلوله فلا يكون معارضا له، لما قلنا من ان التعارض وصف للدالين بما هما دالان في مقام الاثبات، واذ لا اثبات فيما هو غير حجة فلا يكذب ما فيه الاثبات. اذن، لا تعارض بين الحجة واللا حجة، كما لا تعارض بين اللاحجتين. ومن هنا يتضح انه لو كان هناك خبر - مثلا - غير واجد لشرائط الحجة واشتبه بما هو واجد لها، فان الخبرين لا يدخلان في باب التعارض، فلا تجري عليها احكامه وقواعده، وان كان من جهة العلم بكذب أحدهما حالهما حال المتعارضين. نعم في مثل هذين الخبرين تجري قواعد العلم الاجمالي. 5 - ألا يكون الدليلان متزاحمين، فان المتعارض قواعد غير قواعد التزاحم على ما يأتي، وان كان المتعارضان يشتركان مع المتزاحمين في جهة واحدة، وهي امتناع اجتماع الحكمين في التحقيق في موردهما، ولكن الفرق في جهة الامتناع: فانه في التعارض من جهة التشريع فيتكاذب الدليلان، وفي التزاحم من جهة الامتثال فلا يتكاذبان. ولا بد من إفراد بحث مستقل في بيان الفرق، كما سيأتي. 6 - ألا يكون أحد الدليلين حاكما على الآخر. 7 - ألا يكون أحدهما واردا على الآخر. وسيأتي ان الحكومة والورود يرفعان التعارض والتكاذب بين الدليلين. ولا بد من افراد بحث عنهما أيضا، فانه امر اساسي في تحقيق التعارض وفهمه: 3 - الفرق بين التعارض والتزاحم: تقدم في 2 / 286 بيان الحق الذي ينبغي ان يعول عليه في سر التفرقة بين بابي التعارض والتزاحم، ثم بينهما وبين باب اجتماع الامر والنهي.

[ 189 ]

وخلاصته: إن التعارض - في خصوص مورد العامين من وجه - انما يحصل حيث تكون لكل منهما دلالة التزامية على نفي حكم الآخر في مورد الاجتماع بينهما، فيتكاذبان من هذه الجهة. وأما إذا لم يكن للعامين من وجه مثل هذه الدلالة الالتزامية فلا تعارض بينهما، إذ لا تكاذب بينهما في مقام الجعل والتشريع. وحينئذ - أي حينما يفقدان تلك الدلالة الالتزامية - لو امتنع على المكلف ان يجمع بينهما في الامتثال لاي سبب من الاسباب، فان الامر في مقام الامتثال يدور بينهما: بان يمتثل اما هذا أو ذاك. وهنا يقع التزاحم بين الحكمين. وطبعا انما يفرض ذلك فيما إذا كان الحكمان الزاميين. ومن أجل هذا قلنا في الشرط الخامس من شروط التعارض: أن امتناع اجتماع الحكمين في التحقق إذا كان في مقام التشريع دخل الدليلان في باب التعارض لانهما حينئذ يتكاذبان. أما إذا كان الامتناع في مقام الامتثال دخلا في باب التزاحم إذ لا تكاذب حينئذ بين الدليلين. وهذا هو الفرق الحقيقي بين باب التعارض وباب التزاحم في أي مورد يفرض. وينبغي ألا يغيب عن بال الطالب انه حينما ذكرنا العامين من وجه فقط في مقام التفرقة بين البابين - كما تقدم في الجزء الثاني - لم نذكره لاجل إختصاص البابين بالعامين من وجه، بل لان العامين من وجه موضع شبهة عدم التفرقة بين البابين ثم بينهما وبين باب اجتماع الامر والنهي. وقد سبق تفصيل ذلك هناك فراجع. وعليه، فالضابط في التفرقة بين البابين - كما اشرنا إليه أكثر من مرة - هو أن الدليلين يكونان متعارضين إذا تكاذبا في مقام التشريع، ويكونان متزاحمين إذا امتنع الجمع بينهما في مقام الامتثال مع عدم التكاذب في مقام التشريع. وفي تعارض الادلة قواعد للترجيح ستأتي، وقد عقد هذا الباب لاجلها وينحصر الترجيح فيها بقوة السند أو الدلالة.

[ 190 ]

وأما التزاحم فله قواعد أخرى تتصل بالحكم نفسه ولا ترتبط بالسند أو الدلالة. ولا ينبغي ان يخلو كتابنا من الاشارة إليها. وهذه خير مناسبة لذكرها، فنقول: 4 - تعادل وتراجيح المتزاحمين: لا شك في انه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية، فان الحكم فيهما هو التخيير. وهذا أمر محل اتفاق، وان وقع الخلاف في تعادل المتعارضين انه يقتضي التساقط أو التخيير على ما سيأتي. وفي الحقيقة ان هذا التخيير إنما يحكم به العقل، والمراد به العقل العملي. بيان ذلك: إنه بعد فرض عدم امكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين وعدم جواز تركهما معا، ولا مرجح لاحدهما على الآخر حسب الفرض ويستحيل الترجيح بلا مرجح - فلا مناص من أن يترك الامر إلى اختيار المكلف نفسه إذ يستحيل بقاء التكليف الفعلي في كل منهما، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا. وهذا الحكم العقلي مما تطابقت عليه آراء العقلاء. ومن هذا الحكم العقلي يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقلي كسائر الاحكام العقلية القطعية، لان هذا من باب المستقلات العقلية التي تبتني على الملازمات العقلية المحضة. مثاله: إذا دار الامر بين انقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات لا ترجيح لاحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الانقاذ - فانه لا مناص للمكلف من أن يفعل أحدهما ويترك الآخر، فهو على التخيير عقلا بينهما المستكشف منه رضى الشارع بذلك وموافقته على التخيير. إذا عرفت ذلك، فيكون من المهم جدا أن نعرف ما هي المرجحات في باب التزاحم. ومن الواضح إنه لا بد أن تنتهي كلها إلى أهمية أحد الحكمين عند الشارع، فالاهم عنده هو الارجح في التقديم. ولما كانت الاهمية تختلف جهتها ومنشأها، فلا بد من بيان تلك الجهات وهي تستكشف بأمور نذكرها

[ 191 ]

على الاختصار: 1 - ان يكون أحد الواجبين لا بدل له مع كون الواجب الآخر المزاحم له ذا بدل، سواء كان البدل اختياريا كخصال الكفارة، أو اضطراريا كالتيمم بالنسبة إلى الوضوء، وكالجلوس بالنسبة إلى القيام في الصلاة. ولا شك في أن ما لا بدل له أهم مما له البدل قطعا عند المزاحمة وان كان البدل اضطراريا، لان الشارع قد رخص في ترك ذي البدل إلى بدله الاضطراري عند الضرورة ولم يرخص في ترك مالا بدل له، ولا شك في أن تقديم ما لا بدل له جمع بين التكليفين في الامتثال دون صورة تقديم ذي البدل، فان فيه تفويتا للاول بلا تدارك. 2 - ان يكون أحد الواجبين مضيقا أو فوريا، مع كون الواجب الآخر المزاحم له موسعا، فان المضيق أو الفوري أهم من الموسع قطعا، كدوران الامر بين ازالة النجاسة عن المسجد واقامة الصلاة في سعة وقتها. وهذا الثاني ينسق على الاول، لان الموسع له بدل طولي اختياري دون المضيق والفوري، فتقديم المضيق أو الفوري جمع بين التكليفين في الامتثال دون تقديم الموسع فان فيه تفويتا للتكليف بالمضيق أو الفوري بلا تدارك. ومثله ما لو دار الامر بين المضيق والفوري كدوران الامر بين الصلاة في آخر وقتها وازالة النجاسة عن المسجد فان الصلاة مقدمة أذ لا تدارك لها. 3 - أن يكون أحد الواجبين صاحب الوقت المختص دون الآخر، وكان كل منهما مضيقا، كما لو دار الامر بين أداء الصلاة اليومية في آخر وقتها وبين صلاة الآيات في ضيق وقتها، لان الوقت لما كان مختصا باليومية فهي أولى به عند مزاحمتها بما لا اختصاص له في أصل تشريعه بالوقت المعين وانما اتفق حصول سببه في ذلك الوقت وتضيق وقت أدائه. ومسألة تقديم اليومية على صلاة الآيات إذا تضيق وقتهما معا أمر اجماعي متفق عليه، ولا منشأ له الا أهمية ذات الوقت المختص المفهومة من بعض الروايات. 4 - ان يكون أحد الواجبين وجوبه مشروطا بالقدرة الشرعية دون الآخر.

[ 192 ]

والمراد من القدرة الشرعية هي القدرة المأخوذة في لسان الدليل شرطا للوجوب، كالحج المشروط وجوبه بالاستطاعة ونحوه. ومع فرض المزاحمة بينه وبين واجب آخر وجوبه غير مشروط بالقدرة لا يحصل العلم بتحقق ما هو شرط في الوجوب، لاحتمال أن مزاحمته للواجب الآخر تكون سالبة للقدرة المعتبرة في الوجوب، ومع عدم اليقين بحصول شروط الوجوب لا يحصل اليقين بأصل التكليف، فلا يزاحم ما كان وجوبه منجزا معلوما. ولو قال قائل: ان كل واجب مشروط وجوبه بالقدرة عقلا، اذن، للوجوب، كالحج المشروط وجوبه بالاستطاعة ونحوه. فالجواب: نحن نسلم باشتراط كل واجب بالقدرة عقلا، لكنه لما لم تؤخذ القدرة في الواجب الآخر في لسان الدليل، فهو من ناحية الدلالة اللفظية مطلق وانما العقل هو الذي يحكم بلزوم القدرة. ويكفي في حصول شرط القدرة العقلية نفس تمكن المكلف من فعله ولو مع فرض المزاحمة، إذ لا شك في ان المكلف في فرض المزاحمة قادر ومتمكن من فعل هذا الواجب المفروض، وذلك بترك الواجب المزاحم له المشروط بالقدرة الشرعية. والخلاصة: أن الواجب الآخر وجوبه منجز فعلي لحصول شرطه وهو القدرة العقلية، بخلاف مزاحمه المشروط، لما ذكرنا من احتمال أن ما أخذ في الدليل قدرة خاصة لا تشمل هذه القدرة الحاصلة عند المزاحمة. فلا يحرز تنجزه ولا تعلم فعليته. وعليه، فيرتفع التزاحم بين الوجوبين من رأس، ويخلو الجو للواجب المطلق، وان كان مشروطا بالقدرة العقلية. 5 - أن يكون أحد الواجبين مقدما بحسب زمان امتثاله على الآخر، كما لو دار الامر بين القيام للركعة المتقدمة وبين القيام لركعة بعدها، في فرض كون المكلف عاجزا عن القيام للركعتين معا متمكنا من أحداهما فقط. فانه - في هذا الفرض - يكون المتقدم مستقر الوجوب في محله لحصول

[ 193 ]

القدرة الفعلية بالنسبة إليه. فإذا فعله انتفت القدرة الفعلية بالنسبة إلى المتأخر فلا يبقى له مجال. ولا فرق في هذا الفرض بين ما إذا كانا معا مشروطين بالقدرة الشرعية أو مطلقين معا، أما لو اختلفا فان المطلق مقدم على المشروط بالقدرة الشرعية وان كان زمان فعله متأخرا. 6 - ان يكون أحد الواجبين أولى عند الشارع في التقديم من غير تلك الجهات المتقدمة. والاولوية تعرف اما من الادلة، واما من مناسبة الحكم للموضوع، واما من معرفة ملاكات الاحكام بتوسط الادلة السمعية. ومن أجل ذلك فان الاولوية تختلف باختلاف ما يستفاد من هذه الامور، ولا ضابط عام يمكن الرجوع إليه عند الشك: فمن تلك الاولوية ما إذا كان في الحكم الحفاظ على بيضة الاسلام، فانه أولى بالتقديم من كل شئ في مقام المزاحمة. و (منها) ما كان يتعلق بحقوق الناس، فانه أولى من غيره من التكاليف الشرعية المحضة، أي التي لا علاقة لها بحقوق غير المكلف بها. و (منها) ما كان من قبيل الدماء والفروج، فانه يحافظ عليه أكثر من غيره، لما هو المعروف عند الشارع المقدس من الامر بالاحتياط الشديد في أمرها. فلو دار الامر بين حفظ نفس المؤمن وحفظ ماله، فان حفظ نفسه مقدم على حفظ ماله قطعا. و (منها) ما كان ركنا في العبادة، فانه مقدم على ما ليس له هذه الصفة عند المزاحمة، كما لو وقع التزاحم في الصلاة بين أداء القراءة والركوع، فان الركوع مقدم على القراءة وان كان زمان امتثاله متأخرا عن القراءة. وعلى مثل هذه فقس، وامثالها كثير لا يحصى، كما لو دار الامر بين الصلح بين المؤمنين بالكذب وبين الصدق وفيه الفتنة بينهم، فان الصلح مقدم على الصدق. وهذا معروف من ضرورة الشرع الاسلامي.

[ 194 ]

ومما ينبغي ان يعلم في هذا الصدد انه لو احتمل اهمية أحد المتزحمين فان الاحتياط يقتضي تقديم محتمل الاهمية. وهذا الحكم العقلي بالاحتياط يجري في كل مورد يدور فيه الامر بين التعيين والتخيير في الواجبات. وعليه، فلا يجب احراز أهمية أحد المتزاحمين، بل يكفي الاحتمال. وهذا أصل ينفع كثيرا في الفروع الفقهية، فاحتفظ به. 5 - الحكومة والورود: وهذا البحث من مبتكرات الشيخ الانصاري رحمه الله، وقد فتح به بابا جديدا في الاسلوب الاستدلالي، ولئن نشأ هذا الاصطلاح في عصره من قبل غيره - كما يبدو من التعبير بالحكومة والورود في جواهر الكلام - فانه لم يكن بهذا التحديد والسعة اللذين انتهى اليهما الشيخ. وكان رحمه الله - على ما ينقل عنه - يصرح بأن أساطين الفقه المتقدمين لم يغفلوا عن مغزى ما كان يرمي إليه، وان لم يبحثوه بصريح القول ولا بهذا المصطلح. واللفتة الكريمة منه كانت في ملاحظته لنوع من الادلة، إذ وجد ان من حقها أن تقدم على أدلة أخرى، في حين انها ليست بالنسبة إليها من قبيل الخاص والعام، بل قد يكون بينهما العموم من وجه. ولا يوجب هذا التقديم سقوط الادلة الاخرى عن الحجية، ولا تجري بينهما قواعد التعارض، لانه لم يكن بينهما تكاذب بحسب لسانهما من ناحية أدائية ولا منافاة، يعني ان لسان أحدهما لا يكذب الآخر ولا يبطله، بل احدهما المعين من حقه بحسب لسانه وادائه لمعناه وعنوانه ان يكون مقدما على الآخر تقديما لا يستلزم بطلان الآخر ولا تكذيبه ولا صرفه عن ظهوره. وهذا هو العجيب في الامر والجديد على الباحثين، وذلك مثل تقديم أدلة الامارة على أدلة الاصول العملية بلا اسقاط لحجية الثانية ولا صرف لظهورها.

[ 195 ]

والمعروف ان أحد اللامعين من تلامذته (1) التقى به في درس الشيخ صاحب الجواهر قبل ان يتعرف عليه وقبل أن يعرف الشيخ بين الناس، وسأله سؤال امتهان واختبار عن سر تقديم دليل على آخر جاء ذكرهما في الدرس المذكور، فقال له: إنه حاكم عليه. قال: وما الحكومة ؟ فقال له: يحتاج إلى ان تحضر درسي ستة أشهر على الاقل لتفهم معنى الحكومة. ومن هنا إبتدأت علاقة التلميذ باستاذه. إن موضوعا يحتاج إلى درس ستة اشهر - وان كان فيه نوع من المبالغة - كم يحتاج إلى البسط في البيان، بينما ان الشيخ في كتبه لم يوفه حقه من البيان، الا بعض الشئ في التعادل والتراجيح، وبعض اللقطات المتفرقة في غضون كتبه. ولذا بقي الموضوع متأرجحا في كتب الاصوليين من بعده، وان كان مقصودهم ومقصوده اصبح واضحا عند أهل العلم في العصور المتأخرة. ولا يسع هذا المختصر شرح هذا الامر شرحا كافيا، وانما نكتفي بالاشارة إلى خلاصة ما توصلنا إليه من فهم معنى الحكومة وفهم معنى أخيها (الورود) قدر الامكان، فنقول: 1 - الحكومة ان الذي نفهمه من مقصودهم في الحكومة هو: أن يقدم أحد الدليلين على الآخر تقديم سيطرة وقهر من ناحية ادائية، ولذا سميت بالحكومة. فيكون تقديم الدليل الحاكم على المحكوم ليس من ناحية السند ولا من ناحية الحجية، بل هما على ما هما عليه من الحجية بعد التقديم، أي أنهما بحسب لسانهما وادائهما لا يتكاذبان في مدلولهما، فلا يتعارضان. وانما التقديم - كما قلنا - من ناحية أدائية بحسب لسانهما، ولكن لا من جهة التخصيص ولا من جهة (الورود) الآتي معناه. فأي تقديم للدليل على الآخر بهذه القيود فهو يسمى (حكومة).


(1) قيل هو مرزا حبيب الله الرشتي. (*)

[ 196 ]

وهذا في الحقيقة هو الضابط لها، فلذلك وجب توضيح الفرق بينها وبين التخصيص من جهة، ثم بينها وبين الورود من جهة اخرى، ليتضح معناها بعض الوضوح: أما الفرق بينها وبين (التخصيص) فنقول: ان التخصيص ليكون تخصيصا لا بد ان يفرض فيه الدليل الخاص منافيا في مدلوله للعام. ولاجل هذا يكونان متعارضين متكاذبين بحسب لسانهما بالنسبة إلى موضوع الخاص غير انه لما كان الخاص أظهر من العام فيجب ان يقدم عليه لبناء العقلاء على العمل بالخاص، فيستكشف منه ان المتكلم الحكيم لم يرد العموم من العام وان كان ظاهر اللفظ العموم والشمول، لحكم العقل يقبح ذلك من الحكيم مع فرض العمل بالخاص عند أهل المحاورة من العقلاء. وعليه، فالتخصيص عبارة عن الحكم بسلب حكم العام عن الخاص واخراج الخاص عن عموم العام، مع فرض بقاء عموم لفظ العام شاملا للخاص بحسب لسانه وظهوره الذاتي. أما الحكومة (في بعض مواردها) هي كالتخصيص بالنتيجة، من جهة خروج مدلول أحد الدليلين عن عموم مدلول الآخر، ولكن الفرق في كيفية الاخراج، فإنه في التخصيص اخراج حقيقي مع بقاء الظهور الذاتي للعموم في شموله، وفي الحكومة اخراج تنزيلي على وجه لا يبقى ظهور ذاتي للعموم في الشمول، بمعنى ان الدليل الحاكم يكون لسانه تحديد موضوع الدليل المحكوم أو محموله، تنزيلا وادعاءا، فلذلك يكون الحاكم متصرفا في عقد الوضع أو عقد الحمل في الدليل المحكوم. ونستعين على بيان الفرق بالمثال، فنقول: لو قال الآمر عقيب أمره باكرام العلماء: (لا تكرم الفاسق)، فان القول الثاني يكون مخصصا للاول لانه ليس مفاده الا عدم وجوب اكرام الفاسق مع بقاء صفة العالم له. اما لو قال عقيب أمره: (الفاسق ليس بعالم) فانه يكون حاكما على الاول، لان مفاده اخراج الفاسق عن صفة العالم تنزيلا، بتنزيل الفسق منزلة الجهل أو علم الفاسق بمنزلة عدم العلم. وهذا تصرف في عقد الوضع، فلا يبقى عموم لفظ العلماء

[ 197 ]

شاملا للفاسق بحسب هذا الادعاء والتنزيل. وبالطبع لا يعطي له حينئذ حكم العلماء من وجوب الاكرام ونحوه. ومثاله في الشرعيات قوله عليه السلام: (لا شك لكثير الشك) ونحوه مثل نفي شك المأموم مع حفظ الامام وبالعكس، فان هذا ونحوه يكون حاكما على أدلة حكم الشك، لان لسانه اخراج شك كثير الشك وشك المأموم أو الامام عن حضيرة صفة الشك تنزيلا، فمن حقه حينئذ ألا يعطى له أحكام الشك من نحو ابطال الصلاة أو البناء على الاكثر أو الاقل أو غير ذلك. وانما قلنا: (الحكومة في بعض مواردها كالتخصيص)، فلان بعض موارد الحكومة الاخرى عكس التخصيص، لان الحكومة على قسمين: قسم يكون التصرف فيها بتضييق الموضوع كالامثلة المتقدمة، وقسم بتوسعته، مثل مالو قال عقيب الامر باكرام العلماء: (المتقي عالم)، فان هذا يكون حاكما على الاول وليس فيه اخراج، بل هو تصرف في الموضوع بتوسعة معنى العالم ادعاء إلى ما يشمل المتقى، تنزيلا للتقوى منزلة العلم، فيعطى للمتقي حكم العلماء من وجوب الاكرام ونحوه. ومثاله في الشرعيات: (الطواف صلاة)، فان هذا التنزيل يعطي للطواف الاحكام المناسبة التي تخص الصلاة من نحو أحكام الشكوك. ومثله: (لحمة الرضاع كلحمة النسب) الموسع لموضع احكام النسب. 2 - الورود وأما الفرق بين الحكومة وبين الورود، فنقول: كما قلنا ان الحكومة كالتخصيص في النتيجة، كذلك الورود كالتخصص في النتيجة، لان كلا من الورود والتخصص خروج الشئ بالدليل عن موضوع دليل آخر خروجا حقيقيا، ولكن الفرق ان الخروج في التخصص خروج بالتكوين بلا عناية التعبد من الشارع، كخروج الجاهل عن موضوع دليل (أكرم العلماء) فيقال: ان الجاهل خارج عن عموم العلماء تخصصا، وأما في الورود فان الخروج من الموضوع بنفس التعبد من الشارع بلا خروج

[ 198 ]

تكويني، فيكون الدليل الدال على التعبد واردا على الدليل المثبت لحكم موضوعه. مثاله دليل الامارة الوارد على أدلة الاصول العقلية كالبراءة وقاعدة الاحتياط وقاعدة التخيير، فان البراءة العقلية لما كان موضوعها عدم البيان الذي يحكم فيه العقل بقبح العقاب معه، فالدليل الدال على حجية الامارة يعتبر الامارة بيانا تعبدا، وبهذا التعبد يرتفع موضوع البراءة العقلية وهو عدم البيان. وهكذا الحال في قاعدتي الاحتياط والتخيير فان موضوع الاولى عدم المؤمن من العقاب، والامارة بمقتضى دليل حجيتها مؤمنة منه، وموضوع الثانية الحيرة في الدوران بين المحذورين، والامارة بمقتضى دليل حجيتها مرجحة لاحد الطرفين، فترتفع الحيرة. وبهذا البيان لمعنى الورود يتضح الفرق بينه وبين الحكومة، فان ورود أحد الدليلين باعتبار كون أحدهما رافعا لموضوع الآخر حقيقة لكن بعناية التعبد، فيكون الاول واردا على الثاني، أما الحكومة فانها لا توجب خروج مدلول الحاكم عن موضوع مدلول المحكوم وجدانا وعلى وجه الحقيقة، بل الخروج فيها انما يكون حكميا وتنزيليا وبعناية ثبوت المتعبد به اعتبارا. 6 - القاعدة في المتعارضين التساقط أو التخيير: أشرنا فيما تقدم (ص 190) إلى ان القاعدة في التعادل بين المتزاحمين هو التخيير بحكم العقل، وذلك محل وفاق، أما في تعادل المتعارضين فقد وقع الخلاف في ان القاعدة هي التساقط أو التخيير ؟ والحق إن القاعدة الاولية هي التساقط وعلية أساتذتنا المحققون، وان دل الدليل من الاخبار على التخيير كما سيأتي، ونحن نتكلم في القاعدة بناء على المختار من ان الامارات مجعولة على نحو الطريقية. ولا حاجة للبحث عنها بناء على السببية، فنقول: إن الدليل الذي يوهم لزوم التخيير هو: ان التعارض لا يقع بين الدليلين الا إذا كان كل منهما واجدا لشرائط الحجية، كما تقدم في شروط

[ 199 ]

التعارض (ص 191) والتعارض أكثر ما يوجب سقوط أحدهما غير المعين عن الحجية الفعلية لمكان التكاذب بينهما، فيبقى الثاني غير المعين على ما هو عليه من الحجية الفعلية واقعا، ولما لم يمكن تعيينه والمفروض ان الحجة الفعلية منجزة للتكليف يجب العمل بها، فلا بد من التخيير بينهما. والجواب: ان التخيير المقصود اما ان يراد به التخيير من جهة الحجية أو من جهة الواقع: فان كان الاول فلا معنى لوجوب التخيير بين المتعارضين، لان دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد أنفسهما انما مفاده حجية أفراده على نحو التعيين لا حجية هذا أو ذاك من أفراده لا على التعيين، حتى يصح أن يفرض أن احدهما غير المعين حجة يجب الاخذ به فعلا، فيجب التخيير في تطبيق دليل الحجية على ما يشاء منهما. وبعبارة أخرى: ان دليل الحجية الشامل لكل منهما في حد نفسه انما يدل على وجود المقتضى للحجية في كل منهما لولا المانع، لا فعلية الحجية. ولما كان التعارض يقتضي تكاذبهما فلا محالة يسقط أحدهما غير المعين عن الفعلية، أي يكون كل منهما مانعا عن فعلية حجية الآخر. وإذا كان الامر كذلك فكل منهما لم تتم فيه مقومات الحجية الفعلية ليكون منجزا للواقع يجب العمل به، فلا يكون أحدهما غير المعين يجب الاخذ به فعلا، حتى يجب التخيير، بل حينئذ يتساقطان، أي أن كلا منهما يكون ساقطا عن الحجية الفعلية وخارجا عن دليل الحجية. وان كان الثاني فنقول: (أولا) - لا يصح ان يفرض التخيير من جهة الواقع الا إذا علم باصابة أحدهما للواقع، ولكن ليس ذلك أمرا لازما في الحجتين المتعارضتين، إذ يجوز فيهما ان يكونا معا كاذبتين. وانما اللازم فيهما من جهة التعارض هو العلم بكذب أحدهما لا العلم بمطابقة احدهما للواقع. وعلى هذا فليس الواقع محرزا في أحدهما حتى يجب التخيير بينهما من أجله. و (ثانيا) - على تقدير حصول العلم باصابة أحدهما غير المعين للواقع، فانه

[ 200 ]

أيضا لا وجه للتخيير بينهما، إذ لا وجه للتخيير بين الواقع وغيره. وهذا واضح. وغاية ما يقال: انه إذا حصل العلم بمطابقة احدهما للواقع فان الحكم الواقعي يتنجز بالعلم الاجمالي، وحينئذ يجب اجراء قواعد العلم الاجمالي فيه. ولكن لا يرتبط حينئذ بمسألتنا - وهي مسألة: ان القاعدة في المتعارضين هو التساقط أو التخيير - لان قواعد العلم الاجمالي تجري حينئذ حتى مع العلم بعدم حجية الدليلين معا. وقد يقتضي العلم الاجمالي في بعض الموارد التخيير وقد يقتضي الاحتياط في البعض الآخر، على اختلاف الموارد. * * * إذا عرفت ذلك فيتحصل: ان القاعدة الاولية بين المتعارضين هو التساقط مع عدم حصول مزية في أحدهما تقتضي الترجيح. اما لو كان الدليلان المتعارضان يقتضيان معا نفي حكم ثالث فهل مقتضى تساقطهما عدم حجيتهما في نفي الثالث ؟ الحق انه لا يقتضي ذلك لان المعارضة بينهما أقصى ما تقتضي سقوط حجيتهما في دلالتهما فيما هما متعارضان فيه، فيبقيان في دلالتهما الاخرى على ما هما عليه من الحجية، إذ لا مانع من شمول ادلة الحجية لهما معا في ذلك. وقد سبق أن قلنا إن الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في اصل الوجود لا في الحجية فلا مانع من أن يكون الدليل حجة في دلالته الالتزامية مع وجود المانع عن حجيته في الدلالة المطابقية. هذا فيما إذا كانت إحدى الدلالتين تابعة للاخرى في الوجوب، فكيف الحال في الدلالتين اللتين لا تبعية بينهما في الوجوه فان الحكم فيه بعدم سقوط حجية احداهما بسقوط الاخرى أولى. 7 - الجمع بين المتعارضين أولى من الطرح: اشتهر بينهم ان الجمع بين المتعارضين مهما أمكن من الطرح، وقد نقل عن (غوالي اللآلي) دعوى الاجماع على هذه القاعدة.

[ 201 ]

وظاهر ان المراد من الجمع الذي هو أولى من الطرح هو الجمع في الدلالة، فانه إذا كان الجمع بينهما في الدلالة ممكنا تلاءما فيرتفع التعارض بينهما فلا يتكاذبان. وتشمل القاعدة بحسب ذلك صورة تعادل المتعارضين في السند، وصورة ما إذا كانت لاحدهما مزية تقتضي ترجيحه في السند، لانه في الصورة الثانية بتقديم ذي المزية يلزم طرح الآخر مع فرض امكان الجمع. وعليه، فمقتضى القاعدة مع امكان الجمع عدم جواز طرحهما معا على القول بالتساقط، وعدم طرح أحدهما غير المعين على القول بالتخيير، وعدم طرح أحدهما المعين غير ذي المزية مع الترجيح. ومن أجل هذا تكون لهذه القاعدة أهمية كبيرة في العمل بالمتعارضين، فيجب البحث عنها من ناحية مدركها، ومن ناحية عمومها لكل جمع حتى الجمع التبرعي. 1 - أما من (الناحية الاولى) فمن الظاهر انه لا مدرك لها الا حكم العقل بأولية الجمع، لان التعارض لا يقع الا مع فرض تمامية مقومات الحجية في كل منهما من ناحية السند والدلالة، كما تقدم في الشرط الرابع من شروط التعارض (ص 188) ومع فرض وجود مقومات الحجية أي وجود المقتضي للحجية، فانه لا وجه لرفع اليد عن ذلك الا مع وجود مانع من تأثير المقتضي، وما المانع في فرض التعارض الا تكاذبهما. ومع فرض امكان الجمع في الدلالة بينهما لا يحرز تكاذبهما فلا يحرز المانع عن تأثير مقتضى الحجية فيهما، فكيف يصح ان نحكم بتساقطهما أو سقوط احدهما. 2 - واما من (الناحية الثانية) فانا نقول: ان المراد من الجمع التبرعي ما يرجع إلى التأويل الكيفي الذي لا يساعد عليه عرف أهل المحاورة ولا شاهد عليه من دليل ثالث. وقد يظن الظان ان امكان الجمع التبرعي يحقق هذه القاعدة وهي أولوية الجمع من الطرح بمقتضى التقدير المتقدم في مدركها، إذ لا يحرز المانع وهو تكاذب المتعارضين حينئذ، فيكون الجمع أولى.

[ 202 ]

ولكن يجاب عن ذلك: انه لو كان مضمون هذه القاعدة المجمع عليها ما يشمل الجمع التبرعي فلا يبقى هناك دليلان متعارضان وللزم طرح كل ما ورد في باب التعارض من الاخبار العلاجية الا فيما هو نادر ندرة لا يصح حمل الاخبار عليها، وهو صورة كون كل من المتعارضين نصا في دلالته لا يمكن تأويله بوجه من الوجوه. بل ربما يقال: لا وجود لهذه الصورة في المتعارضين. وببيان آخر برهاني نقول: إن المتعارضين لا يخلوان عن حالات أربع: اما ان يكونا مقطوعي الدلالة مظنوني السند، أو بالعكس أي يكونان مظنوني الدلالة مقطوعي السند، أو يكون أحدهما مقطوع الدلالة مظنون السند والآخر بالعكس، أو يكونان مظنوني الدلالة والسند معا. أما فرض أحدهما أو كل منهما مقطوع الدلالة والسند معا فان ذلك يخرجهما عن كونهما متعارضين، بل الفرض الثاني مستحيل كما تقدم (ص 188). وعليه فللمتعارضين أربع حالات ممكنة لا غيرها: فان كانت (الاولى) فلا مجال فيها للجمع في الدلالة مطلقا للقطع بدلالة كل منهما فهو خارج عن مورد القاعدة رأسا كما أشرنا إليه، بل هما في هذه الحالة اما ان يرجع فيهما إلى الترجيحات السندية أو يتساقطان حيث لا مرجح أو يتخير بينهما. وان كانت (الثانية)، فانه مع القطع بسندهما كالمتواترين أو الآيتين القرآنيتين لا يعقل طرحهما أو طرح احدهما من ناحية السند، فلم يبق الا التصرف فيهما من ناحية الدلالة. ولا يعقل جريان أصالة الظهور فيهما معا لتكاذبهما في الظهور. وحينئذ فان كان هناك جمع عرفي بينهما بأن يكون احدهما المعين قرينة على الآخر أو كل منهما قرينة على التصرف في الآخر على نحو ما يأتي من بيان وجوه الجمع الدلالتي، فان هذا الجمع في الحقيقة يكون هو الظاهر منهما فيدخلان بحسبه في باب الظواهر ويتعين الاخذ بهذا الظهور. وان لم يكن هنا جمع عرفي فان الجمع التبرعي لا يجعل لهما ظهورا فيه ليدخل في باب الظواهر ويكون موضعا لبناء العقلاء. ولا دليل في المقام غير بناء العقلاء على الاخذ بالظواهر، فما الذي يصحح الاخذ بهذا التأويل التبرعي. ويكون دليلا على حجيته ؟

[ 203 ]

وغاية ما يقتضي تعارضهما عدم ارادة ظهور كل منهما، ولا يقتضي ان يكون المراد غير ظاهرهما من الجمع التبرعي فان هذا يحتاج إلى دليل يعينه ويدل على حجيتهما فيه. ولا دليل حسب الفرض ؟ وان كانت (الثالثة) فانه يدور الامر فيها بين التصرف في سند مظنون السند وبين التصرف في ظهور مظنون الدلالة أو طرحهما معا، فان كان مقطوع الدلالة صالحا للتصرف بحسب عرف أهل المحاورة في ظهور الآخر تعين ذلك، إذ يكون قرينة على المراد من الآخر فيدخل بحسبه في الظواهر التي هي حجة. واما إذا لم يكن لمقطوع الدلالة هذه الصلاحية فان تأويل الظاهر تبرعا لا يدخل في الظاهر حينئذ ليكون حجة ببناء العقلاء ولا دليل آخر عليه كما تقدم في الصورة الثانية. ويتعين في هذا الفرض طرح هذين الدليلين: طرح مقطوع الدلالة من ناحية السند، وطرح مقطوع السند من ناحية الدلالة. فلا يكون الجمع أولى، إذ ليس إجراء دليل أصالة السند بأولى من دليل أصالة الظهور، وكذلك العكس، ولا معنى في هذه الحالة للرجوع إلى المرجحات في السند مع القطع بسند أحدهما كما هو واضح. وان كانت (الرابعة)، فان الامر يدور فيها بين التصرف في أصالة السند في أحدهما والتصرف في أصالة الظهور في الآخر، لا أن الامر يدور بين السندين ولا بين الظهورين، والسر في هذا الدوران: ان دليل حجية السند يشملهما معا على حد سواء بلا ترجيح لاحدهما على الآخر حسب الفرض، وكذلك دليل حجية الظهور. ولما كان يمتنع اجتماع ظهورهما لفرض تعارضهما، فإذا أردنا أن نأخذ بسندهما معا، لا بد ان نحكم بكذب ظهور احدهما، فيصادم حجية سند أحدهما حجية ظهور الآخر، وكذلك إذا أردنا أن نأخذ بظهورهما معا لا بد ان نحكم بكذب سند أحدهما فيصادم حجية ظهور أحدهما حجية سند الآخر. فيرجع الامر في هذه الحالة إلى الدوران بين حجية سند احدهما وحجية ظهور الآخر. وإذا كان الامر كذلك فليس أحدهما أولى من الآخر، كما تقدم. نعم لو كان هناك جمع عرفي بين ظهوريهما فانه حينئذ لا تجري أصالة

[ 204 ]

الظهور فيهما على حد سواء، بل المتبع في بناء العقلاء ما يقتضيه الجمع العرفي الذي يقتضي الملاءمة بينهما، فلا يصلح كل منهما لمعارضة الآخر. ومن هنا نقول: ان الجمع العرفي أولى من الطرح. بل بالجمع العرفي يخرجان عن كونهما متعارضين، كما سيأتي. فلا مقتضى لطرح أحدهما أو طرحهما معا. اما إذا لم يكن بينهما جمع عرفي، فان الجمع التبرعي لا يصلح للملاءمة بين ظهوريهما، فتبقى أصالة الظهور حجة في كل منهما، فيبقيان على ماهما عليه من التعارض، فاما ان يقدم أحدهما على الآخر لمزية أو يتخير بينهما أو يتساقطان. فتحصل من ذلك كله انه لا مجال للقول بأولوية الجمع التبرعي من الطرح في كل صورة مفروضة للمتعارضين. إذا عرفت ما ذكرناه من الامور في (المقدمة) - فلنشرع في المقصود، والامور التي ينبغي ان نبحثها ثلاثة: الجمع العرفي، والقاعدة الثانوية في المتعادلين، والمرجحات السندية وما يتعلق بها. * * *

[ 205 ]

الامر الاول الجمع العرفي بمقتضى ما شرحناه في المقدمة الاخيرة يتضح ان القدر المتيقن من قاعدة أولوية الجمع من الطرح في المتعارضين هو (الجمع العرفي) الذي سماه الشيخ الاعظم ب‍ (الجمع المقبول)، وغرضه المقبول عند العرف. ويسمى الجمع الدلالتي. وفي الحقيقة - كما تقدمت الاشارة إلى ذلك - انه بالجمع العرفي يخرج الدليلان عن التعارض. والوجه في ذلك انه انما نحكم بالتساقط أو التخيير أو الرجوع إلى العلاجات السندية حيث تكون هناك حيرة في الاخذ بهما معا. وفي موارد الجمع العرفي لا حيرة ولا تردد. وبعبارة أخرى، انه لما كان التعبد بالمتنافيين مستحيلا، فلا بد من العلاج إما بطرحهما أو بالتخيير بينهما أو بالرجوع إلى المرجحات السندية وغيرها، واما لو كان الدليلان متلائمين غير متنافيين بمقتضى الجمع العرفي المقبول فان التعبد بهما معا يكون تعبدا بالمتلائمين، فلا استحالة فيه ولا محذور حتى نحتاج إلى العلاج. ويتضح من ذلك انه في موارد الجمع لا تعارض، وفي موارد التعارض لا جمع. وللجمع العرفي موارد لا بأس بالاشارة إلى بعضها للتدريب: (فمنها) ما إذا كان أحد الدليلين أخص من الآخر، فان الخاص مقدم على العام يوجب التصرف فيه، لانه بمنزلة القرينة عليه. وقد جرى البحث في ان الخاص مطلقا بما هو خاص مقدم على العام، أو انما يقدم عليه لكونه أقوى ظهورا فلو كان العام أقوى ظهورا كان العام هو المقدم، ومال الشيخ الاعظم إلى الثاني. كما جرى البحث في ان اصالة الظهور في الخاص حاكمة، أو واردة على أصالة الظهور في العام، أو ان في ذلك تفصيلا. ولا يهمنا

[ 206 ]

التعرض إلى هذا البحث، فان المهم تقديم الخاص على العام على أي نحو كان من انحاء التقديم. ويلحق بهذا الجمع العرفي تقديم النص على الظاهر، والاظهر على الظاهر، فانها من باب واحد. و (منها) ما إذا كان لاحد المتعارضين قدر متيقن في الارادة أو لكل منهما قدر متيقن، ولكن لا على ان يكون قدرا متيقنا من اللفظ، بل من الخارج، لانه لو كان للفظ قدر متيقن فان الدليلين يكونان من أول الامر غير متعارضين، إذ لا اطلاق حينئذ ولا عموم للفظ، فلا يكون ذلك من نوع الجمع العرفي للمتعارضين سالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا تعارض. مثال القدر المتيقن من الخارج ما إذا ورد (ثمن العذرة سحت) وورد ايضا (لا بأس ببيع العذرة)، فان عذرة الانسان قدر متيقن من الدليل الاول، وعذرة مأكول اللحم قدر متيقن من الثاني، فهما من ناحية لفظية متبائنان متعارضان، ولكن لما كان لكل منهما قدر متيقن فالتكاذب يكون بينهم بالنسبة إلى غير القدر المتيقن، فيحمل كل منهما على القدر المتيقن، فيرتفع التكاذب بينهما، ويتلاءمان عرفا. و (منها) ما إذا كان احد العامين من وجه بمرتبة لو اقتصر فيه على ما عدا مورد الاجتماع يلزم التخصيص المستهجن إذ يكون الباقي من القلة لا يحسن ان يراد من العموم، فان مثل هذا العام يقال عنه: انه يأبى عن التخصيص. فيكون ذلك قرينة على تخصيص العام الثاني. و (منها) ما إذا كان احد العامين من وجه واردا مورد التحديدات كالاوزان والمقادير والمسافات، فان مثل هذا يكون موجبا لقوة الظهور على وجه يلحق بالنص، إذ يكون ذلك العام ايضا مما يقال فيه: انه يأبى عن التخصيص. وهناك موارد أخرى وقع الخلاف في عدها من موارد الجمع العرفي، مثل ما إذا كان لكل من الدليلين مجاز هو أقرب مجازاته، ومثل ما إذا لم يكن لكل منهما الا مجاز بعيد أو مجازات متساوية النسبة إلى المعنى الحقيقي، ومثل ما إذا دار

[ 207 ]

الامر بين التخصيص والنسخ فهل مقتضى الجمع العرفي تقديم التخصيص أو تقديم النسخ أو التفصيل في ذلك وقد تقدم البحث عن ذلك في المجلد الاول ص 150، فراجع... ولا تسع هذه الرسالة استيعاب هذه الابحاث.

[ 208 ]

الامر الثاني القاعدة الثانوية للمتعادلين قد تقدم ان القاعدة الاولية في المتعادلين هي التساقط، ولكن استفاضت الاخبار بل تواترت في عدم التساقط، غير ان آراء الاصحاب اختلفت في استفادة نوع الحكم منها لاختلافها على ثلاثة اقوال: 1 - التخيير في الاخذ باحدهما، وهو مختار المشهور، بل نقل الاجماع عليه. 2 - التوقف بما يرجع إلى الاحتياط في العمل، ولو كان الاحتياط مخالفا لهما كالجمع بين القصر والاتمام في مورد تعارض الادلة بالنسبة اليهما. وانما كان التوقف يرجع إلى الاحتياط، لان التوقف يراد منه التوقف في الفتوى على طبق احدهما، وهذا يستلزم الاحتياط في العمل، كما في المورد الفاقد للنص، مع العلم الاجمالي بالحكم. 3 - وجوب الاخذ بما طابق منهما الاحتياط، فان لم يكن فيهما ما يطابق الاحتياط تخير بينهما. ولا بد من النظر في الاخبار لاستظهار الاصح من الاقوال. وقبل النظر فيها ينبغي الكلام عن امكان صحة هذه الاقوال جملة، بعد ما سبق من تحقيق ان القاعدة الاولية بحكم العقل هي التساقط، فكيف يصح الحكم بعدم تساقطهما حينئذ ؟ واكثرها اشكالا هو القول بالتخيير بينهما، للمنافاة الظاهرة بين الحكم بتساقطهما وبين الحكم بالتخيير. نقول في الجواب عن هذا السؤال: انه إذا فرضت قيام الاجماع ونهوض الاخبار على عدم تساقط المتعارضين، فان ذلك يكشف عن جعل جديد من قبل الشارع لحجية أحد الخبرين بالفعل لا على التعيين، وهذا الجعل الجديد لا ينافي ما قلناه سابقا من سر تساقط المتعارضين بناء على الطريقية، لانه انما

[ 209 ]

حكمنا بالتساقط فمن جهة قصور دلالة أدلة حجية الامارة عن شمولها للمتعارضين أو لاحدهما لا على التعيين، ولكن لا يقدح في ذلك ان يرد دليل خاص يتضمن بيان حجية احدهما غير المعين بجعل جديد، لا بنفس الجعل الاول الذي تتضمنه الادلة العامة. ولا يلزم من ذلك - كما قيل - ان تكون الامارة حينئذ مجعولة على نحو السببية، فانه انما يلزم ذلك لو كان عدم التساقط باعتبار الجعل الاول. وبعبارة أخرى أوضح: انه لو خلينا نحن والادلة العامة الدالة على حجية الامارة فانه لا يبقى دليل لنا على حجية أحد المتعارضين، لقصور تلك الادلة عن شمولها لهما، فلا بد من الحكم بعدم حجيتهما معا. أما وقد فرض قيام دليل خاص في صورة التعارض بالخصوص على حجية احدهما فلا بد من الاخذ به ويدل على حجية احدهما بجعل جديد، ولا مانع عقلي من تلك. وعلى هذا، فالقاعدة المستفادة من هذا الدليل الخاص قاعدة ثانوية مجعولة من قبل الشارع، بعد أن كانت القاعدة الاولية بحكم العقل هي التساقط. بقي علينا ان نفهم معنى التخيير على تقدير القول به، بعد ان بينا سابقا انه لا معنى للتخيير بين المتعارضين من جهة الحجية، ولا من جهة الواقع فنقول: إن معنى التخيير بمقتضى هذا الدليل الخاص أن كل واحد من المتعارضين منجز للواقع على تقدير اصابته للواقع ومعذر للمكلف على تقدير الخطأ، وهذا هو معنى الجعل الجديد الذي قلناه، فللمكلف ان يختار ما يشاء منهما فان أصاب الواقع فقد تنجز به والا فهو معذور. وهذا بخلاف ما لو كنا نحن والادلة العامة، فانه لا منجزية لاحدهما غير المعين ولا معذرية له. والشاهد على ذلك انه بمقتضى هذا الدليل الخاص لا يجوز ترك العمل بهما معا، لانه على تقدير الخطأ في تركهما لا معذر له في مخالفة الواقع، بينهما انه معذور في مخالفة الواقع لو اخذ باحدهما. وهذا بخلاف ما لو لم يكن هذا الدليل الخاص، موجودا فانه يجوز له ترك العمل بهما معا وان استلزم

[ 210 ]

مخالفة الواقع إذ لا منجز للواقع بالمتعارضين بمقتضى الادلة العامة. * * * إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر لك اخبار الباب ليتضح الحق في المسألة، فان منها ما يدل على التخيير مطلقا، ومنها ما يدل على التخيير في صورة التعادل، ومنها ما يدل على التوقف، ثم نعقب عليها بما يقتضي، فنقول: ان الذي عثرنا عليه من الاخبار هو كما يلي: 1 - خبر الحسن بن جهم عن الرضا عليه السلام (1): قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين، مختلفين، فلا نعلم ايهما الحق ؟ قال: فإذا لم تعلم، فموسع عليك بأيهما اخذت. وهذا الحديث بهذا المقدار منه ظاهر في التخيير بين المتعارضين مطلقا، ولكن صدره - الذي لم نذكره - مقيد بالعرض على الكتاب والسنة، فهو يدل على ان التخيير انما هو بعد فقدان المرجح ولو في الجملة. 2 - خبر الحارث بن المغيرة عن ابي عبدالله عليه السلام (2): (إذا سمعت من اصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه). وهذا الخبر أيضا يستظهر منه التخيير مطلقا من كلمة (فموسع عليك) ويقيد بالروايات الدالة على الترجيح الآتية. ولكن يمكن ان يناقش في استظهار التخيير منه: (أولا) - بان الخبر وارد في فرض التمكن من لقاء الامام والاخذ منه، فلا


(1) الوسائل، كتاب القضاء الباب 9 من أبواب صفات القاضي، عن الاحتجاج. (2) نفس المصدر. (*)

[ 211 ]

يعلم شموله لحال الغيبة الذي يهمنا اثباته، لان الرخصة في التخيير مدة قصيرة لا تستلزم الرخصة فيه ابدا ولا تدل عليها. (ثانيا) بأن الخبر غير ظاهر في فرض التعارض، بل ربما يكون واردا لبيان حجية الحديث الذي يرويه الثقات من الاصحاب. ومعنى (موسع عليك) الرخصة بالاخذ به كناية عن حجيته، غاية الامر انه يدل على ان الرخصة مغياة برؤية الامام ليأخذ منه الحكم على سبيل اليقين. وهذا امر لا بد منه في كل حجة ظنية، وان كانت عامة حتى لزمان حضور الامام الا انه مع حصول اليقين بمشافهته لا بد ان ينتهى امد جواز العمل بها. وعليه، فلا شاهد بهذا الخبر على ما نحن فيه. 3 - مكاتبة عبدالله بن محمد إلى ابي الحسن عليه السلام (1): (اختلف اصحابنا في روايتهم عن ابي عبدالله عليه السلام في ركعتي الفجر في السفر: فروى بعضهم أن صلهما في المحمل، وروى بعضهم ان لا تصلهما الا على الارض، فاعلمني كيف تصنع انت لاقتدي بك في ذلك !). فوقع عليه السلام: (موسع عليك بأية عملت). وهذه ايضا استظهروا منها التخيير مطلقا وتحمل على المقيدات كالثانية. ولكن يمكن المناقشة في هذا الاستظهار بأنه من المحتمل ان يراد من التوقيع بيان التخيير في العمل بكل من المرويين باعتبار ان الحكم الواقعي هو جواز صلاة ركعتي الفجر في السفر في المحمل وعلى الارض معا، لا ان المراد التخيير بين الروايتين، فيكون الغرض تخطئة الروايتين. وهو احتمال قريب جدا، لاسيما ان السؤال لم يكن عن كيفية العمل بالمتعارضين بل السؤال عن كيفية عمل الامام ليقتدى به، أي أنه سؤال عن حكم صلاة ركعتي الفجر لا عن حكم المتعارضين، والجواب ينبغي ان يطابق السؤال، فكيف صح ان يحمل على بيان كيفية العمل بالمتعارضين، وعليه فلا يكون في هذا الخبر أيضا شاهد على ما نحن فيه كالخبر الثاني. 4 - جواب مكاتبة الحميري إلى الحجة عجل الله فرجه (2).


(1) نفس المصدر. (2) نفس المصدر. (*)

[ 212 ]

(في ذلك حديثان: أما أحدهما فانه إذا انتقل من حالة إلى أخرى فعليه التكبير. وأما الحديث الآخر فانه روى انه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير. وكذلك التشهد الاول يجري هذا المجرى. وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صوابا). وهذا الجواب أيضا استظهروا منه التخيير مطلقا ويحمل على المقيدات. ولكنه أيضا يناقش في هذا الاستظهار بانه من المحتمل قريبا ان المراد بيان التخيير في العمل بالتكبير لبيان عدم وجوبه، لا التخيير بين المتعارضين. ويشهد لذلك التعبير بقوله: (كان صوابا)، لان المتعارضين لا يمكن ان يكون كل واحد منهما صوابا، ثم لا معنى لجواب الامام عن السؤال عن الحكم الواقعي بذكر روايتين متعارضتين ثم العلاج بينهما، الا لبيان خطأ الروايتين وان الحكم الواقعي على خلافهما. 5 - مرفوعة زرارة المروية عن غوالي اللآلي، وقد جاء في آخرها: (إذن فتخير احدهما، فتأخذ به وتدع الآخر). ولا شك في ظهور هذه الفقرة منها في وجوب التخيير بين المتعارضين وفي انه بعد فرض التعادل، لانها جاءت بعد ذكر المرجحات وفرض انعدامها، ولكن الشأن في صحة سندها وسيأتي التعرض له. وهي من أهم اخبار الباب من جهة مضمونها. 6 - خبر سماعة عن ابي عبدالله عليه السلام (1). قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في امر، كلاهما يرويه: أحدهما بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ فقال: يرجئه حتى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتى يلقاه. وقد استظهروا من قوله عليه السلام: (فهو في سعة) التخيير مطلقا. وفيه (أولا) - ان الرواية واردة في فرض التمكن من لقاء الامام أو كل من يخبره بالحكم على سبيل اليقين من نواب الامام خصوصا أو عموما. فهي تشبه من هذه الناحية الرواية الثانية المتقدمة.


(1) الكافي ج 1 ص 66 الطبعة الثانية بطهران سنة 1380. (*)

[ 213 ]

و (ثانيا) - ان الاولى فيها ان تجعل من أدلة التوقف، لا التخيير، وذلك لكلمة (يرجئه). واما قوله (في سعة) فالظاهر ان المراد به التخيير بين الفعل والترك، باعتبار ان الامر حسب فرض السؤال يدور بين المحذورين وهو الوجوب والحرمة. اذن، فليس المقصود منه التخيير بين الروايتين، لا سيما ان ذلك لا يلتئم مع الامر بالارجاء، لان العمل باحدهما تخييرا ليس ارجاء، بل الارجاء ترك العمل بهما معا. فلا دلالة لهذه الرواية على التخيير بين المتعارضين. 7 - وقال الكليني بعد تلك الرواية: (وفي رواية اخرى: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك). يظهر منه انها رواية اخرى، لا انها نص آخر في جواب عن نفس السؤال في الرواية المتقدمة، والا لكان المناسب ان يقول (بايهما اخذ) لضمير الغائب، لا (بأيهما اخذت) بنحو الخطاب. وظاهرها الحكم بالتخيير بين المتعارضين مطلقا، ويحمل على المقيدات. 8 - ما في عيون اخبار الرضا (1) للصدوق في خبر طويل جاء في آخره: (فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا، أو بأيهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد إلى رسول الله). والظاهر من هذه الفقرة هو التخيير بين المتعارضين، الا انه بملاحظة صدرها وذيلها يمكن ان يستظهر منها ارادة التخيير في العمل بالنسبة إلى ما اخبر عن حكمه انه على نحو الكراهة) ولذا انها فيما يتعلق بالاخبار عن الحكم الالزامي صرحت بلزوم العرض على الكتاب والسنة، لا سيما وقد اعقب تلك الفقرة التي نقلناها قوله عليه السلام: (وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه اولى بذلك، ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا). وهذه الفقرات صريحة في وجوب التوقف والتريث. وعليه فالاجدر بهذه الرواية ان تجعل من أدلة التوقف، لا التخيير.


(1) راجع عنه تعليقة الكافي ج 1 ص 66. (*)

[ 214 ]

9 - مقبولة عمر بن حنظلة الآتي ذكرها في المرجحات، وقد جاء في آخرها: (إذا كان ذلك - أي فقدت المرجحات - فارجئه حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات). وهذه ظاهرة في وجوب التوقف عند التعادل. 10 - خبر سماعة عن ابي عبدالله عليه السلام (1): قلت: يرد علينا حديثان: واحد يأمرنا بالعمل به، والآخر ينهانا عن العمل به ؟ قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك، فتسأل عنه. قلت: لا بد ان يعمل باحدهما. قال: اعمل بما فيه خلاف العامة. 11 - مرسلة صاحب غوالي اللآلي، على ما نقل عنه، فانه بعد روايته المرفوعة المتقدمة برقم 5 قال: (وفي رواية انه قال عليه السلام: اذن فارجئه حتى تلقى امامك فتسأله). * * * هذه جملة ما عثرت عليه من الروايات فيما يتعلق بالتخيير أو التوقف. والظاهر منها - بعد ملاحظة اخبار الترجيح الآتية، وبعد ملاحظة مقيداتها بصورة فقدان المرجح ولو في الجملة - ان الرجوع إلى التخيير أو التوقف بعد فقد المرجحات فتحمل مطلقاتها على مقيداتها. والخلاصة ان المتحصل منها جميعا انه يجب أولا ملاحظة المرجحات بين المتعارضين فان لم تتوفر المرجحات فالقاعدة هي التخيير أو التوقف على حسب استفادتنا من الاخبار، لا ان القاعدة التخيير أو التوقف في كل متعارضين وان كان فيهما ما يرجح احدهما على الاخر. نعم المستفاد من الرواية العاشرة فقط - وهي خبر سماعه - ان التوقف هو الحكم الاولي، إذ أرجعه إلى الترجيح بمخالفة العامة بعد فرض ضرورة العمل بأحدهما بحسب فرض السائل.


(1) الوسائل، كتاب القضاء، الباب 9 من أبواب صفات القاضي. (*)

[ 215 ]

ولكن التأمل فيها يعطي انها لا تنافي ادلة تقديم الترجيح، فان الظاهر ان المراد منها ترك العمل رأسا انتطارا لملاقاة الامام، لا التوقف والعمل بالاحتياط. وبعد هذا يبقى علينا ان نعرف وجه الجمع بين أخبار التخيير واخبار التوقف فيما ذكرناه من الاخبار المتقدمة. وقد ذكروا وجوها للجمع لا يغني أكثرها. راجع الحدائق (ج 1 ص 100). وأنت - بعد ملاحظة ما مر من المناقشات في الاخبار التي استظهروا منها التخيير - تستطيع ان تحكم بأن التوقف هو القاعدة الاولية، وأن التخيير لا مستند له، إذ لم يبق ما يصلح مستندا له الا الرواية الاولى، وهي لا تصلح لمعارضة الروايات الكثيرة الدالة على وجوب التوقف والرد إلى الامام. اما (الخامسة). وهي مرفوعة زرارة فهي ضعيفة السند جدا، وقد اشرنا فيما سبق إلى ذلك وسيأتي بيانه، على ان راويها نفسه عقبها بالمرسلة المتقدمة (برقم 11) الواردة في التوقف والارجاء. واما (السابعة) مرسلة الكليني، فليس من البعيد انها من استنباطاته حسبما فهمه من الروايات، لا أنها رواية مستقلة في قبال سائر روايات الباب. ويشهد لذلك ما ذكره في مقدمة الكافي (ص 9) من مرسلة اخرى بهذا المضمون: (بأيهما اخذتم من باب التسليم وسعكم)، لانه لم ترد عنده رواية بهذا التعبير الا تلك المرسلة التي نحن بصددها وهي بخطاب المفرد، وهذه بخطاب الجمع. وعليه فيظهر ان المرسلتين معا هما من مستنبطاته، فلا يصح الاعتماد عليهما. إذا عرفت ما ذكرناه يظهر لك ان القول بالتخيير لا مستند له يصلح لمعارضة أخبار التوقف، ولا للخروج عن القاعدة الاولية للمتعارضين وهي التساقط، وان كان التخيير مذهب المشهور. واما اخبار التوقف فانها مضافا إلى كثرتها وصحة بعضها وقوة دلالتها لا تنافي قاعدة التساقط في الحقيقة، لان الارجاء والتوقف لا يزيد على التساقط، بل هو من لوازمه، فأخبار التوقف تكون على القاعدة. وقيل في وجه تقديم اخبار التخيير: ان أدلة التخيير مطلقة بالنسبة إلى زمن الحضور، بينما ان اخبار التوقف مقيدة به. وصناعة الاطلاق والتقييد

[ 216 ]

تقتضي رفع التعارض بينهما بحمل المطلق على المقيد. ونتيجة ذلك التخيير في زمان الغيبة كما عليه المشهور. اقول: ان اخبار التوقف كلها بلسان الارجاء إلى ملاقاة الامام فلا يستفاد منها تقييد الحكم بالتوقف بزمان الحضور، لان استفادة ذلك يتوقف على ان يكون للغاية مفهوم، وقد تقدم (م 1 ص 116) بيان المناط في استفادة مفهوم الغاية، فقلنا: (ان الغاية إذا كانت قيدا للموضوع أو المحمول فقط لا دلالة لها على المفهوم، ولا تدل على المفهوم الا إذا كان التقييد بالغاية راجعا إلى الحكم). والغاية هنا غاية لنفس الارجاء لا لحكمه وهو الوجوب، يعني ان المستفاد من هذه الاخبار ان نفس الارجاء مغيى بملاقاة الامام، لا وجوبه. والحاصل: انه لا يفهم من اخبار التوقف، الا انه لا يجوز الاخذ بالاخبار المتعارضة المتكافئة، ولا العمل بواحد منها، وانما يحال الامر في شأنها الا الامام ويؤجل البت فيها إلى ملاقاته، لتحصيل الحجة على الحكم بعد السؤال عنه. فهي تقول بما يؤل إلى ان الاخبار المتعارضة المتكافئة لا تصلح لاثبات الحكم، فلا تجوز الفتوى ولا العمل بأحدها. وينحصر الامر حينئذ بملاقاة الامام والسؤال منه. فإذا لم تحصل الملاقاة ولو لغيبة الامام فلا يجوز الاقدام على العمل بأحد المتعارضين. وعلى هذا، فتكون هذه الاخبار مباينة لاخبار التخيير لا أخص منها.

[ 217 ]

الامر الثالث المرجحات تقدم ص 188 ان من شروط تحقق التعارض ان يكون كل من الدليلين واجدا لشرائط الحجية في حد نفسه، لانه لا تعارض بين الحجة واللا حجة، فإذا بحثنا عن المرجحات فالذي نعنيه ان نبحث عما يرجح الحجة على الاخرى، بعد فرض حجيتهما معا في انفسهما، لا عما يقوم اصل الحجة ويميزها عن اللا حجة. وعليه فالجهة التي تكون من مقومات الحجة مع قطع النظر عن المعارضة لا تدخل في مرجحات باب التعارض، بل تكون من مميزات الحجة عن اللا حجة. ومن أجل هذا يجب ان نتنبه إلى الروايات المذكورة في باب الترجيحات إلى أنها واردة في صدد اي شئ من ذلك: في صدد الترجيح أو التمييز. فلو كانت على النحو الثاني لا يكون فيها شاهد على ما نحن فيه، كما قاله الشيخ صاحب الكفاية في روايات الترجيح بموافقة الكتاب كما سيأتي. إذا عرفت ما ذكرناه من جهة البحث التي تقصدها في بيان المرجحات، فنقول: ان المرجحات المدعى انها منصوص عليها في الاخبار خمسة اصناف: الترجيح بالاحدث تاريخا، وبصفات الراوي، وبالشهرة، وبموافقة الكتاب وبمخالفة العامة. فينبغي اولا البحث عنها واحدة واحدة، ثم بيان أية منها اولى بالتقديم لو تعارضت، ثم بيان انه هل يجب الاقتصار عليها أو يتعدى إلى غيرها. فهنا ثلاثة مقامات: المقام الاول - المرجحات الخمسة 1 - الترجيح بالاحداث: في هذا الترجيح روايات أربع، نكتفي منها بما رواه الكليني بسنده إلى أبي

[ 218 ]

عبدالله عليه السلام (1) قال عليه السلام: أرأيت لو حدثتك بحديث - العام - ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه، بأيهما كنت تأخذ. قلت: آخذ بالاخير. فقال لي: رحمك الله ! أقول: ان الذي يستظهره بعض اجلة مشايخنا قدس سره ان هذه الروايات لا شاهد بها على ما نحن فيه، أي انها لا تدل على ترجيح الا حدث من البيانين كقاعدة عامة بالنسبة إلى كل مكلف وبالنسبة إلى جميع العصور، لانه لا تدل على ذلك الا إذا فهم منها ان الا حدث هو الحكم الواقعي وان الاول واقع موقع التقية أو نحوها، مع انه لا يفهم منها اكثر من ان من ألقي إليه البيان خاصة حكمه الفعلي ما تضمنه البيان الاخير. وليست ناظرة إلى انه هو الحكم الواقعي، فلربما كان حكما ظاهريا بالنسبة إليه من باب التقية. كما انه ليست ناظرة إلى ان هذا الحكم الفعلي هو حكم كل أحد وفي كل زمان. والحاصل ان هذه الطائفة من الروايات لا دلالة فيها على ان البيان الاخير يتضمن الحكم الواقعي، وان ذلك بالنسبة إلى جميع المكلفين في جميع الازمنة، حتى يكون الاخذ بالاحدث وظيفة عامة لجميع المكلفين ولجميع الازمان حتى زمن الغيبة ولو كان من باب التقية، ولا شك ان الازمان والاشخاص تتفاوت وتختلف من جهة شدة التقية أو لزومها. 2 - الترجيح بالصفات: ان الروايات التي ذكرت الترجيح بالصفات تنحصر في مقبولة ابن حنظلة ومرفوعة زرارة المشار اليهما سابقا. والمرفوعة كما قلنا ضعيفة جدا، لانها مرفوعة ومرسلة ولم يروها الا صاحب (غوالي اللآلي). وقد طعن صاحب (الحدائق) في التأليف والمؤلف إذ قال ج 1 ص 99: (فانا لم نقف عليها في غير كتاب غوالي اللآلى، مع ما هي عليه من الرفع والارسال، وما عليه الكتاب من نسبة صاحبه إلى التساهل في نقل الاخبار والاهمال وخلط غثها بسمينها وصحيحها بسقيمها).


(1) الكافي ج 1 ص 67. (*)

[ 219 ]

اذن، الكلام فيها فضول، فالعمدة في الباب المقبولة التي قبلها العلماء لان راويها صفوان بن يحيى الذي هو من اصحاب الاجماع، أي الذين اجمع الصحابة على تصحيح ما يصح عنهم، كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم (1). واليك نصها بعد حذف مقدمتها: قلت: فان كان كل رجل اختار رجلا من اصحابنا فرضيا ان يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وافقههما واصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قلت: فانهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟ قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي به حكمنا المجمع عليه من أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا، ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه. وانما الامور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وامر مشكل يرد علمه إلى الله ورسوله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم). قلت: فان كان الخبران عنكما (2) مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر: فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك ! أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم، بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.


(1) الكافي ج 1 ص 67، والفقيه المطبوع بطهران سنة 1376 ص 318 والتهذيب في باب الزيادات من كتاب القضاء. (2) يقصد الباقر والصادق عليهما السلام. (*)

[ 220 ]

قلت: جعلت فداك ! فان وافقهم الخبران جميعا ؟ قال: انظر إلى ما هم إليه أميل - حكامهم وقضاتهم - فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: إذا كان ذلك فأرجه وفي (بعض النسخ: فارجئه) حتى تلقى امامك، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات. انتهت المقبولة. أقول: من الواضح ان موردها التعارض بين الحاكمين، لا بين الراويين ولكن لما كان الحكم والفتوى في الصدر الاول يقعان بنص الاحاديث، لا أنهما يقعان بتعبير من الحاكم أو المفتي كالعصور المتأخرة استنباطا من الاحاديث - تعرضت هذه المقبولة للرواية والراوي لارتباط الرواية بالحكم. ومن هنا استدل بها على الترجيح للروايات المتعارضة. غير انه - مع ذلك - لا يجعلها شاهدا على ما نحن فيه. والسر في ذلك واضح لان اعتبار شئ في الراوي بما هو حاكم غير اعتباره فيه بما هو راو ومحدث، والمفهوم من المقبولة ان ترجيح الاعدل والاورع والافقه انما هو بما هو حاكم في مقام نفوذ حكمه، لا في مقام قبول روايته. ويشهد لذلك انها جعلت من جملة المرجحات كونه (أفقه) في عرض كونه أعدل وأصدق في الحديث. ولا ربط للافقهية بترجيح الرواية من جهة كونها رواية. نعم ان المقبولة انتقلت بعد ذلك إلى الترجيح للرواية بما هي رواية ابتداء من الترجيح بالشهرة، وان كان ذلك من أجل كونها سندا لحكم الحاكم، فان هذا أمر آخر غير الترجيح لنفس الحكم وبيان نفوذه. وعليه، فالمقبولة لا دليل فيها على الترجيح بالصفات. وأما الترجيح بالشهرة وما يليها فسيأتي الكلام عنه. ويؤيد هذا الاستنتاج أن صاحب الكافي لم يذكر في مقدمة كتابه الترجيح بصفات الراوي. 3 - الترجيح بالشهرة: تقدم ص 146 ان الشهرة ليست حجة في نفسها، وأما إذا كانت مرجحة

[ 221 ]

للرواية - على القول به - فلا ينافي عدم حجيتها في نفسها. والشهرة المرجحة على نحوين: شهرة عملية وهي الشهرة الفتوائية المطابقة للرواية، وشهرة في الرواية وان لم يكن العمل على طبقها مشهورا. أما (الاولى) فلم يرد فيها من الاخبار ما يدل على الترجيح بها، فإذا قلنا بالترجيح بها، فلا بد أن يكون بمناط وجوب الترجيح بكل ما يوجب الاقربية إلى الواقع، على ما سيأتي وجهه، غاية الامر ان تقوية الرواية بالعمل بها يشترط فيها أمران: 1 - ان يعرف استناد الفتوى إليها، إذ لا يكفي مجرد مطابقة فتوى المشهور للرواية في الوثوق باقر بيتها إلى الواقع. 2 - أن تكون الشهرة العملية قديمة، أي واقعة في عصر الائمة أو العصر الذي يليه الذي تم فيه جمع الاخبار وتحقيقها. أما الشهرة في العصور المتأخرة فيشكل تقوية الرواية بها. هذا من جهة الترجيح بالشهرة العملية في مقام التعارض، أما من جهة جبر الشهرة للخبر الضعيف مع قطع النظر عن وجود ما يعارضه فقد وقع نزاع للعلماء فيه. والحق انها جابرة له إذا كانت قديمة أيضا، لان العمل بالخبر عند المشهور من القدماء مما يوجب الوثوق بصدوره. والوثوق هو المناط في حجية الخبر كما تقدم. وبالعكس من ذلك اعراض الاصحاب عن الخبر فانه يوجب وهنه وان كان روايه ثقة وكان قوي السند، بل كلما قوي سند الخبر فأعرض عنه الاصحاب كان ذلك اكثر دلالة على وهنه. وأما (الثانية)، وهي الشهرة في الرواية - فان اجماع المحققين قائم على الترجيح بها، وقد دلت عليه المقبولة المتقدمة، وقد جاء فيها (فان المجمع عليه لا ريب فيه). والمقصود من (المجمع عليه) المشهور، بدليل فهم السائل ذلك، إذ عقبه بالسؤال: (فان كان الخبران عنكما مشهورين). ولا معنى لان يراد من الشهرة الاجماع. وقد يقال: ان شهرة الرواية في عصر الائمة يوجب كون الخبر مقطوع الصدور، وعلى الاقل يوجب كونه موثوقا بصدوره. وإذا كان كذلك فالشاذ المعارض له إما مقطوع العدم أو موثوق بعدمه، فلا تعمه أدلة حجية الخبر. وعليه فيخرج اقتضاء الشهرة في الرواية عن مسألة ترجيح احدى الحجتين بل

[ 222 ]

تكون لتمييز الحجة عن اللاحجة. والجواب: إن الشاذ المقطوع العدم لا يدخل في مسألتنا قطعا، وأما الموثوق بعدمه من جهة حصول الثقة الفعلية بمعارضة، فلا يضر ذلك في كونه مشمولا لادلة حجية الخبر، لان الظاهر كفاية وثاقة الراوي في قبول خبره من دون اناطة بالوثوق الفعلي بخبره. وقد تقدم في حجية خبر الثقة انه لا يشترط حصول الظن الفعلي به ولا عدم الظن بخلافه. 4 - الترجيح بموافقة الكتاب: في ذلك روايات كثيرة: (منها) مقبولة ابن حنظلة المتقدمة. و (منها) خبر الحسن بن الجهم المتقدم (رقم 1) فقد جاء في صدره: قلت له: تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة ؟ قال: ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عزوجل واحاديثنا: فان كان يشبههما فهو منا، وان لم يكن يشبههما فليس منا. قال في الكفاية: (ان في كون اخبار موافقة الكتاب أو مخالفة القوم من أخبار الباب نظرا: وجهه قوة احتمال ان يكون المخالف للكتاب في نفسه غير حجة، بشهادة ما ورد في انه زخرف وباطل وليس بشئ أو انه لم نقله أو أمر بطرحه على الجدار..). أقول: في مسألة موافقة الكتاب ومخالفته طائفتان من الاخبار: (الاولى) - في بيان مقياس أصل حجية الخبر، لا في مقام المعارضة بغيره، وهي التي ورد فيها التعبيرات المذكورة في الكفاية: انه زخرف وباطل. إلى آخره. فلا بد ان تحمل هذه الطائفة على المخالفة لصريح الكتاب، لانه هو الذي يصح وصفه بأنه زخرف وباطل ونحوهما. (والثانية) في بيان ترجيح أحد المتعارضين. وهذه لم يرد فيها مثل ذلك التعبيرات، وقد قرأت بعضها. وينبغي ان تحمل على المخالفة لظاهر الكتاب لا لنصه، لا سيما أن مورد بعضها مثل المقبولة في الخبر الذي لو كان وحده لاخذ به وانما المانع من الاخذ به وجود المعارض، إذ الامر بالاخذ بالموافق وترك المخالف وقع في المقبولة بعد فرض كونهما مشهورين قد رواهما الثقات، ثم فرض السائل موافقتهما معا للكتاب بعد ذلك إذ قال: (فان كان الفقيهان

[ 223 ]

عرفا حكمه من الكتاب والسنة). ولا يكون ذلك الا الموافقة لظاهره والا لزم وجود نصين متبائنين في الكتاب. كل ذلك يدل على أن المراد من مخالفة الكتاب في المقبولة مخالفة الظاهر لا النص. ويشهد لما قلناه أيضا ما جاء في خبر الحسن المتقدم: (فان كان يشبههما فهو منا)، فان التعبير بكلمة (يشبههما) يشير إلى أن المراد الموافقة والمخالفة للظاهر. 5 - مخالفة العامة: إن الاخبار المطلقة الآمرة بالاخذ بما خالف العامة وترك ما وافقها كلها منقولة عن رسالة للقطب الراوندي، وقد نقل عن الفاضل النراقي انه قال: انها غير ثابتة عن القطب ثبوتا شايعا فلا حجة فيما نقل عنه. وهناك رواية مرسلة عن الاحتجاج تقدمت في رقم (10) لا حجة فيها لضعفها بالارسال. فينحصر الدليل في (المقبولة) المتقدمة. وظاهرها كما سبق قريبا ان الترجيح بموافقة الكتاب ومخالفة العامة بعد فرض حجة الخبرين في انفسهما، فتدل على الترجيح لا على التمييز كما قيل. والنتيجة: ان المستفاد من الاخبار ان المرجحات المنصوصة ثلاثة: الشهرة، وموافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة. وهذا ما استفاده الشيخ الكليني في مقدمة الكافي. المقام الثاني - في المفاضلة بين المرجحات ان المرجحات في جملتها ترجع إلى ثلاث نواح لا تخرج عنها. 1 - ما يكون مرجحا للصدور، ويسمى (المرجح الصدوري)، ومعنى ذلك ان المرجح يجعل صدور أحد الخبرين اقرب من صدور الآخر. وذلك مثل موافقة المشهور وصفات الراوي. 2 - ما يكون مرجحا لجهة الصدور، ويسمى (المرجح الجهتي) فان صدور الخبر - المعلوم الصدور حقيقة أو تعبدا - قد يكون لجهة الحكم الواقعي وقد يكون لبيان خلافه لتقية أو غيرها من مصالح اظهار خلاف الواقع. وذلك

[ 224 ]

مثل ما إذا كان الخبر مخالفا للعامة، فانه يرجح في مورد معارضته بخبر آخر موافق لهم أن صدوره كان لبيان الحكم الواقعي، لانه لا يحتمل فيه اظهار خلاف الواقع، بخلاف الآخر. 3 - ما يكون مرجح للمضمون، ويسمى (المرجح المضموني). وذلك مثل موافقة الكتاب والسنة، إذ يكون مضمون الخبر الموافق أقرب إلى الواقع في النظر. وقد وقع الكلام في هذه المرجحات انها مترتبة عند التعارض بينها أو أنها في عرض واحد، على أقوال: (الاول) - انها في عرض واحد، فلو كان أحد الخبرين المتعارضين واجدا لبعضها والخبر الآخر واجدا لبعض آخر وقع التزاحم بين الخبرين، فيقدم الاقوى مناطا، فان لم يكن احدهما أقوى مناطا تخير بينهما. وهذا هو مختار الشيخ صاحب الكفاية. (الثاني) - انها مترتبة ويقدم المرجح الجهتي على غيره، فالمخالف للعامة أولى بالتقديم على الموافق لهم وان كان مشهورا. وهذا هو المنسوب إلى الوحيد البهبهاني. (الثالث) - انها مترتبة، ولكن على العكس من الاول، أي انه يقدم المرجح الصدوري على غيره، فيقدم المشهور الموافق للعامة على الشاذ المخالف لهم. وهذا هو ما ذهب إليه شيخنا النائيني. (الرابع) - انها مترتبة حسبما جاء في المقبولة أو في الروايات الاخرى، بأن يقدم - مثلا حسبما يظهر من المقبولة - المشهور فان تساويا في الشهرة قدم الموافق للكتاب والسنة، فان تساويا في ذلك قدم ما يخالف العامة. وهناك أقوال أخرى لا فائدة في نقلها. وفي الحقيقة ان هذا الخلاف ليس بمناط واحد، بل يبتنى على أشياء: (منها) - انه يبتنى على القول بوجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة، فان مقتضى ذلك ان يرجع إلى مدى دلالة أخبار الباب، والى ما ينبغي من الجمع بينها بالجمع العرفي فيما اختلفت فهي، وقد وقع في ذلك كلام طويل لكثير من الاعلام يحتاج استقصاؤه إلى كثير من الوقت.

[ 225 ]

والذي نقوله - على نحو الاختصار -: انه يبدو من تتبع الاخبار إنه لا تفاضل في الترجيح بين الامور المذكورة فيها. ويشهد لذلك اقتصار جملة منها على واحد منها، ثم ما جمع المرجحات منها كالمقبولة والمرفوعة على تقدير الاعتماد عليها لم تذكرها، كما لم تتفق في الترتيب بينها. نعم ان (المقبولة) - التي هي عمدتنا في الباب والتي لم نستفد منها الترجيح بالصفات كما تقدم - ذكرت الشهرة اولا، ويظهر منها أن الشهرة أكثر أهمية من كل مرجح. واما باقي المرجحات فقد يقال لا يظهر من المقبولة الترتيب بينها، كيف وقد جمعت بينها في الجواب عندما فرض السائل الخبرين متساويين في الشهرة. وعلى كل حال، فان استفادة الترتيب بين المرجحات من الاخبار مشكل جدا ما عدا تقديم الشهرة على غيرها. و (منها) انه يبتني - بعد فرض القول بالتعدي إلى غير المرجحات المنصوصة - على ان القاعدة هل تقتضي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي، أو بالعكس، أو لا تقتضي شيئا منهما ؟. وعلى التقدير الثالث لا بد ان يرجع إلى اقوائية المرجح في الكشف عن مطابقة الخبر للواقع، فكل مرجح يكون أقوى من هذه الجهة أيا كان فهو اولى بالتقديم. وقد أصر شيخنا النائيني أعلى الله درجته على الاول، اي انه يرى ان القاعدة تقتضي تقديم المرجح الصدوري على المرجح الجهتي. وبنى ذلك على كون الخبر صادرا لبيان الحكم الواقعي لا لغرض آخر يتفرع على فرض صدوره حقيقة أو تعبدا، لان جهة الصدور من شؤون الصادر، فما لا صدور له لا معنى للكلام عنه انه صادر لبيان الحكم الواقعي أو لبيان غيره. وعليه فإذا كان الخبر الموافق للعامة مشهورا وكان الخبر الشاذ مخالفا لهم كان الترجيح للشهرة دون مخالفة الآخر للعامة، لان مقتضى الحكم بحجة المشهور عدم حجية الشاذ فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقع، ليحمل المشهور على التقية، إذ لا تعبد بصدور الشاذ حينئذ. أقول: ان المسلم انما هو تأخر رتبة الحكم بكون الخبر صادرا لبيان الواقع أو لغيره عن الحكم بصدوره حقيقة أو تعبدا وتوقف الاول على الثاني، ولكن ذلك غير المدعى، وهو توقف مرجح الاول على مرجح الثاني فانه ليس المسلم نفس المدعى، ولا يلزمه.

[ 226 ]

أما انه ليس نفسه فواضح لما قلناه من ان المسلم هو توقف الاول على الثاني وهو بالبديهة غير توقف مرجحه على مرجحه الذي هو المدعى. واما انه لا يستلزمه فكذلك واضح، فانه إذا تصورنا هناك خبرين متعارضين: 1 - مشهور موافقا للعامة. 2 - شاذا مخالفا لهم. فان الترجيح للشاذ بالمخالفة انما يتوقف على حجيده الاقتضائية الثابتة له في نفسه، لا على فعلية حجيته، ولا على عدم فعلية حجية المشهور في قباله، بل فعلية حجية الشاذ تنشأ من الترجيح له بالمخالفة ويترتب عليه حينئذ عدم فعلية حجية المشهور. وكذلك الترجيح للمشهور بالشهرة انما يتوقف على حجيته الاقتضائية الثابتة له في نفسه، لا على فعلية حجيته، ولا على فعلية حجية الشاذ في قباله، بل فعلية حجية المشهور تنشأ من الترجيح له بالشهرة ويترتب عليها حينئذ عدم فعلية حجية الشاذ وعليه فكما لا يتوقف الترجيح بالشهرة على عدم فعلية الشاذ المقابل له، كذلك لا يتوقف الترجيح بالمخالفة على عدم فعلية المشهور المقابل له، ومن ذلك يتضح انه كما يقتضي الحكم بحجية المشهور عدم حجية الشاذ فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي، كذلك يقتضي الحكم بحجية الشاذ عدم حجية المشهور فلا معنى لحمله على بيان الحكم الواقعي. وليس الاول أولى بالتقديم من الثاني. نعم إذا دل دليل خاص مثل (المقبولة) على اولوية الشهرة بالتقديم من المخالفة فهذا شئ آخر هو مقتضى الدليل، لا انه مقتضى القاعدة. والنتيجة: إنه لا قاعدة هناك تقتضي تقديم احد المرجحات على الآخر، ما عدا الشهرة التي دلت المقبولة على تقديمها، وما عدا ذلك فالمقدم هو الاقوى مناطا أي ما هو الاقرب إلى الواقع في نظر المجتهد، فان لم يحصل التقاضل من هذه الجهة فالقاعدة هي التساقط لا التخيير. ومع التساقط يرجع إلى الاصول العملية التي يقتضيها المورد.

[ 227 ]

المقام الثالث - في التعدي عن المرجحات المنصوصة لقد اختلفت انظار الفقهاء في وجوب الترجيح بغير المرجحات المنصوصة على أقوال: 1 - وجوب التعدي إلى كل ما يوجب الاقربية إلى الواقع نوعا، وهو القول المشهور، ومال إليه الشيخ الاعظم وجماعة من محققي اساتذتنا. وزاد بعض الفقهاء الاعتبار في الترجيح بكل مزية، وان لم تفد الاقربية إلى الواقع أو الصدور، مثل تقديم ما يتضمن الحظر على ما يتضمن الاباحة. 2 - وجوب الاقتصار على المرجحات المنصوصة، وهو الذي يظهر من كلام الشيخ الكليني في مقدمة الكافي، ومال إليه الشيخ صاحب الكفاية. وهو لازم طريقة الاخباريين في الاقتصار على نصوص الاخبار والجمود عليها. 3 - التفصيل بين صفات الراوي فيجوز التعدي فيها وبين غيرها فلا يجوز. ولما كانت المباني في الاصل في المتعارضين مختلفة، فلا بد ان تختلف الاقوال في هذه المسألة على حسبها، فنقول: اولا - إذا قلنا بأن الاصل في المتعارضين هو التساقط - وهو المختار - فان الاصل يقتضي عدم الترجيح الا ما علم بدليل كون شئ مرجحا، ولكن هذا الدليل هل يكفي فيه نفس حجية الامارة، أو يحتاج إلى دليل خاص جديد ؟ فان قلنا: ان دليل الامارة كاف في الترجيح، فلا شك في اعتبار كل مزية توجب الاقربية إلى الواقع نوعا. والظاهر ان الدليل كاف في ذلك، لا سيما إذا كان دليلها بناء العقلاء الذي هو أقوى ادلة حجيتها، فان الظاهر ان بناءهم على العمل بكل ما هو اقرب إلى الواقع من الخبرين المتعارضين، أي ان العقلاء وأهل العرف في مورد التعارض بين الخبرين غير المتكافئين لا يتوقفون في العمل بما هو أقرب إلى الواقع في نظرهم ولا يبقون في حيرة من ذلك، وان كانوا يعملون بالخبر الآخر المرجوح لو بقي وحده بلا معارض. وإذا كان للعقلاء مثل هذا البناء العملي فانه يستكشف منه رضى الشارع وامضاؤه على ما تقدم وجهه في خبر الواحد والظواهر.

[ 228 ]

وان قلنا: ان دليل الامارة غير كاف ولا بد من دليل جديد، فلا محالة يجب الاقتصار على المرجحات المنصوصة، الا إذا استفدنا من أدلة الترجيح عموم الترجيح بكل مزية توجب اقربية الامارة إلى الواقع، كما ذهب إليه الشيخ الاعظم، فانه أكد في الرسائل على ان المستفاد من الاخبار ان المناط في الترجيح هو الاقربية إلى مطابقة الواقع في نظر الناظر في المتعارضين، من جهة انه أقرب من دون مدخلية خصوصية سبب ومزية. وقد ناقش هذه الاستفادة صاحب الكفاية فراجع. ثانيا - إذا قلنا بان القاعدة الاولية في المتعارضين هو التخيير، فان الترجيح على كل حال لا يحتاج إلى دليل جديد، فان احتمال تعين الراجح كاف في لزوم الترجيح، لانه يكون المورد من باب الدوران بين التعيين والتخيير، والعقل يحكم بعدم جواز تقديم المرجوح على الراجح لا سيما في مقامنا، وذلك لانه بناء على القول بالتخيير يحصل العلم بأن الراجح منجز للواقع اما تعيينا واما تخييرا وكذلك هو معذر عند المخالفة للواقع. واما المرجوح فلا يحرز كونه معذرا ولا يكون العمل به معذرا بالفعل لو كان مخالفا للواقع. وعليه، فيجوز الاقتصار على العمل بالراجح بلا شك، لانه معذر قطعا على كل حال سواء وافق الواقع أم خالفه، ولا يجوز الاقتصار على العمل بالمرجوح لعدم احراز كونه معذرا. ثالثا - إذا قلنا بان القاعدة الثانوية الشرعية في المتعارضين هو التخيير كما هو المشهور وان كانت القاعدة الاولية العقلية هي التساقط - فلا بد ان نرجع إلى مقدار دلالة اخبار الباب. فان استفدنا منها التخيير مطلقا حتى مع وجود المرجحات فذلك دليل على عدم اعتبار الترجيح مطلقا بأي مرجح كان. وان استفدنا منها التخيير في صورة تكافؤ المتعارضين فقط، فلا بد من استفادة الترجيح من نفس الاخبار، اما بكل مزية أو بخصوص المزايا المنصوصة وقد عرفت ان الشيخ الاعظم يستفيد منها العموم. * * * إذا عرفت ما شرحناه فانك تعرف ان الحق على كل حال ما ذهب إليه الشيخ الاعظم الذي هو مذهب المشهور، وهو الترجيح بكل مزية توجب اقربية الامارة إلى الواقع نوعا، وذلك بناء على المختار من ان القاعدة هي

[ 229 ]

التساقط فانها مخصوصة بما إذا كان المتعارضان متكافئين. واما ما فيه المزية الموجبة لاقربية الامارة إلى الواقع في نظر الناظر فان بناء العقلاء مستقر على العمل بذي المزية الموجبة للاقربية إلى الواقع كما تقدم. ولا نحتاج بناء على هذا إلى استفادة عموم الترجيح من الاخبار وان كان الحق ان الاخبار تشعر بذلك، فهي تؤيد ما نقول، ولا حاجة إلى التطويل في بيان وجه الاستفادة منها. هذا آخر ما اردنا بيانه في مسألة التعادل والتراجيح، وبقيت هناك ابحاث كثيرة في هذه المسألة نحيل الطالب فيها إلى المطولات. والحمد لله رب العالمين.

[ 230 ]

كان كل ما عثرنا عليه من (مباحث الاصول العملية) التي تشكل الجز الرابع والاخير من الكتاب بين أوراق آية الله المؤلف طاب مثواه: هو (مبحث الاستصحاب) الذي آثرنا نشره لوحده في هذه الطبعة من الكتاب وألحقناه في الجزء الثالث.. ونامل بعون الله تعالى أن نعثر على البحوث الثلاثة الباقية من هذا الجزء لنقوم بنشرها في الطبعات اللاحقة. الناشر

[ 231 ]

المقصد الرابع مباحث الاصول العملية

[ 233 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: لا شك في ان كل متشرع يعلم علما اجماليا بأن لله تعالى احكاما الزامية من نحو الوجوب والحرمة يجب على المكلفين امتثالها يشترك فيها العالم والجاهل بها. وهذا (العلم الاجمالي) منجز لتلك التكاليف الالزامية الواقعية، فيجب على المكلف - بمقتضى حكم العقل بوجوب تفريغ الذمة مما علم اشتغالها به من تلك التكاليف - ان يسعى إلى تحصيل المعرفة بها بالطرق المؤمنة له التي يعلم بفراغ ذمته باتباعها. ومن أجل هذا نذهب إلى القول بوجوب المعرفة وبوجوب الفحص من الادلة والحجج المثبتة لتلك الاحكام، حتى يستفرغ المكلف وسعه في البحث ويستنفد مجهوده الممكن له (1). وحينئذ، إذا فحص المكلف وتمت له اقامة الحجة على جميع الموارد


(1) لو فرض أن مكلفا لا يسعه فحص أدلة الاحكام لسبب ما، ولو من جهة لزوم العسر والحرج - فانه يجوز له أن يقلد من يطمئن إليه من المجتهدين الذي تم له فحص الادلة وتحصيل الحجة، وذلك بمقتضى ادلة جواز التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم، كما يجوز له أن يعمل بالاحتياط في جميع الموارد المحتملة للتكليف والتي يمكن فيها الاحتياط على النحو الذي يأتي بيانه في موقعه ومن هنا قسموا عليه المكلف إلى مجتهد ومقلد ومحتاط. ونحن غرضنا من هذا المقصد انما هو البحث عن وظيفة المجتهد فقط. وهو المناسب لعلم الاصول (*)

[ 234 ]

المحتملة كلها، فذاك هو كل المطلوب وهو أقصى ما يرمي إليه المجتهد الباحث ويطلب منه، ولكن هذا فرض لم يتفق حصوله لواحد من المجتهدين، بأن تحصل له الادلة على الاحكام الالزامية كلها، لعدم توفر الادلة على الجميع. وأما إذا فحص ولم تتم له اقامة الحجة الا على جملة من الموارد، وبقيت لديه موارد أخرى يحتمل فيها ثبوت التكليف ويتعذر فيها اقامة الحجة لاي سبب كان (1) - فان المكلف يقع لا محالة في حالة من الشك تجعله في حيرة من أمر تكليفه. فماذا تراه صانعا ؟ هل هناك حكم عقلي يركن إليه ويطمئن بالرجوع إلى مقتضاه ؟ أو أن الشارع قد راعى هذه الحالة للمكلف لعلمه بوقوعه فيها فجعل له وظائف عملية يرجع إليها عند الحاجة ويعمل بها لتطمينه من الوقوع في العقاب ؟ هذه اسئلة يجب الجواب عنها. وهذا المقصد الرابع وضع للجواب عنها، ليحصل للمكلف اليقين بوظيفته التي يجب عليه ان يعمل بها عند الشك والحيرة. * * * وهذه الوظيفة أو الوظائف هي التي تسمى عند الاصوليين بالاصل العملي، أو القاعدة الاصولية، أو الدليل الفقاهتي. وقد اتضح ؟ ؟ لدى الاصوليين ان الوظيفة الجارية في جميع أبواب الفقه من غير اختصاص بباب دون باب هي على اربعة أنواع:


(1) ان تعذر اقامة الحجة قد يحصل من جهة فقدان الدليل، وقد يحصل من جهة اجماله، وقد يحصل من جهة تعارض الدليلين وتعادلهما من دون مرجح لاحدهما على الآخر.

[ 235 ]

1 - أصالة البراءة. 2 - اصالة الاحتياط. 3 - أصالة التخيير. 4 - أصالة الاستصحاب. ومن جميع ما تقدم يتضح لنا: أولا - ان موضوع هذا المقصد الرابع هو الشك بالحكم (1). ثانيا - ان هذه الاصول الاربعة مأخوذ في موضوعها الشك بالحكم أيضا. * * * ثم اعلم ان الحصر في هذه الاصول الاربعة حصر استقرائي، لانها هي التي وجدوا انها تجري في جميع أبواب الفقه، ولذا يمكن فرض أصول أخرى غيرها ولو في ابواب خاصة من الفقه. وبالفعل هناك جملة من الاصول في الموارد الخاصة يرجع إليها الشاك في الحكم مثل أصالة الطاهرة الجاري في مورد الشك بالطهارة في الشبهة الحكمية والموضوعية. وانما تعددت هذه الاصول الاربعة فلتعدد مجاريها أي مواردها التي تختلف باختلاف حالات الشك، إذ لكل أصل منها حالة من الشك هي مجراه على وجه لا يجزي فيها غيره من باقي الاصول. غير انه مما يوجب علمه ان مجاري هذه الاصول لا تعرف، كما لا يعرف ان مجرى هذه الحالة هو مجرى هذا الاصل مثلا إلى من طريق أدلة جريان هذه الاصول واعتبارها. وفي بعضها اختلاف باختلاف الاقوال فيها. وقد ذكر مشايخ الاصول على سبيل الفهرس في مجاريها وجوها مختلفة لا


(1) المقصود بالشك ما هو أعم من الشك الحقيقي (وهو تساوي الطرفين) ومن الظن غير المعتبر، نظرا إلى أن حكمه حكم الشك، بل باعتبار آخر يدخل الظن غير المعتبر في الشك حقيقة، من ناحية أنه لا يرفع حيرة المكلف باتباعه فيبقى العامل به شاكا في فراغ ذمته.

[ 236 ]

يخلو بعضها من نقد وملاحظات. واحسنها - فيما يبدو - ما أفاد شيخنا النائيني اعلى الله مقامه. وخلاصته: ان الشك على نحوين: 1 - أن تكون للمشكوك حالة سابقة وقد لاحظها الشارع أي قد اعتبرها. وهذا هو مجرى (الاستصحاب). 2 - الا تكون له حالة سابقة أو كانت ولكن لم يلاحظها الشارع. وهذه الحالة لا تخلو عن احدى صور ثلاث: أ - أن يكون التكليف مجهولا مطلقا، أي لم يعلم حتى بجنسه. وهذه هي مجرى (أصالة البراءة). ب - أن يكون التكليف معلوما في الجملة مع امكان الاحتياط. وهذه مجرى (أصالة الاحتياط). ج‍ - أن يكون التكليف معلوما كذلك ولا يمكن الاحتياط. وهذه مجرى (قاعدة التخيير). وقبل الكلام في كل واحدة من هذه الاصول لا بد من بيان أمور من باب المقدمة تنويرا للاذهان. وهي: (الاول) - ان الشك في الشئ ينقسم باعتبار الحكم المأخوذ فيه على نحوين: 1 - أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الواقعي، كالشك في عدد ركعات الصلاة، فانه قد يوجب في بعض الحالات تبدل الحكم الواقعي إلى الركعات المنفصلة. 2 - أن يكون مأخوذا موضوعا للحكم الظاهري. وهذا النحو هو المقصود بالبحث في المقام. وأما النحو الاول فهو يدخل في مسائل الفقه.

[ 237 ]

(الثاني) - ان الشك في الشئ ينقسم باعتبار متعلقه أي الشئ المشكوك فيه على نحوين: 1 - ان يكون المتعلق موضوعا خارجيا، كالشك في طهارة ماء معين أو في أن هذا المايع المعين خل أو خمر. وتسمى الشبهة حينئذ (موضوعية). 2 - أن يكون المتعلق حكما كليا، كالشك في حرمة التدخين، أو انه من المفطرات للصوم، أو نجاسة العصير العنبي إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه. وتسمى الشبهة حينئذ (حكمية). والشبهة الحكمية هي المقصودة بالبحث في هذا المقصد الرابع، وإذا جاء التعرض لحكم الشبهات الموضوعية فانما هو استطرادي قد تقتضيه طبيعة البحث باعتبار أن هذه الاصول في طبيعتها تعم الشبهات الحكمية والموضوعية في جريانها، والا فالبحث عن حكم الشك في الشبهة الموضوعية من مسائل الفقه. (الثالث) - انه قد علم مما تقدم في صدور التنبيه ان الرجوع إلى الاصول العملية انما يصح بعد الفحص واليأس من الظفر بالامارة على الحكم الشرعي في مورد الشبهة. ومنه يعلم انه مع الامل ووجود المجال للفحص لا وجه لاجراء الاصول والاكتفاء بها في مقام العمل، بل اللازم ان يفحص حتى ييأس، لان ذلك هو مقتضى وجوب المعرفة والتعلم، فلا معذر عن التكليف الواقعي لو وقع في مخالفته بالعمل بالاصل لا سيما مثل اصل البراءة.

[ 239 ]

الاستصحاب

[ 241 ]

تعريفه: إذا تيقن المكلف بحكم أو بموضوع ذي حكم ثم تزلزل يقينه السابق بأن شك في بقاء ما كان قد تيقن به سابقا - فانه بمقتضى ذهاب يقينه السابق يقع المكلف في حيرة من امره في مقام العمل: هل يعمل على وفق ما كان متيقنا به ولكنه ربما زال ذلك المتيقن فيقع في مخالفة الواقع، أو لا يعمل على وفقه فينقضي ذلك اليقين بسبب ما عراه من الشك ويتحلل مما تيقن به سابقا ولكنه ربما كان المتيقن باقيا على حاله لم يزل فيقع في مخالفة الواقع ؟ اذن ماذا تراه صانعا ؟ - لا شك ان هذه الحيرة طبيعية للمكلف الشاك فتحتاج إلى ما يرفعها من مستند شرعي، فان ثبت بالدليل ان القاعدة هي ان يعمل على وفق اليقين السابق وجب الاخذ بها ويكون معذورا لو وقع في المخالفة، والا فلابد ان يرجع إلى مستند يطمنه من التحلل مما تيقن به سابقا ولو مثل أصل البراءة أو الاحتياط. وقد ثبت لدى الكثير من الاصوليين ان القاعدة في ذلك ان يأخذ بالمتيقن السابق عند الشك اللاحق في بقائه، على اختلاف أقوالهم في شروط جريان هذه القاعدة وحدودها على ما سيأتي. وسموا هذه القاعدة ب‍ (الاستصحاب). * * * وكلمة (الاستصحاب): مأخوذة في اصل اشتقاقها من كلمة (الصحبة) من باب الاستفعال، فتقول: استصحبت هذا الشخص، أي اتخذته صاحبا مرافقا لك. وتقول: استصحبت هذا الشئ، أي حملته معك. وانما صح اطلاق هذه الكلمة على هذه القاعدة في اصطلاح الاصوليين،

[ 242 ]

فباعتبار أن العامل بها يتخذ ما تيقن به سابقا صحيبا له إلى الزمان اللاحق في مقام العمل. وعليه، فكما يصح ان تطلق كلمة الاستصحاب على نفس الابقاء العملي من الشخص المكلف العامل كذلك يصح اطلاقها على نفس القاعدة لهذا الابقاء العملي، لان القاعدة في الحقيقة ابقاء واستصحاب من الشارع حكما. إذا عرفت ذلك، فينبغي ان يجعل التعريف لهذه القاعدة المجعولة، لا لنفس الابقاء العملي من المكلف العامل بالقاعدة، لان المكلف يقال له: عامل بالاستصحاب ومجر له، وان صح ان يقال له: انه استصحب، كما يقال له: أجرى الاستصحاب. وعلى كل، فموضوع البحث هنا هو هذه القاعدة العامة. والمقصود بالبحث اثباتها واقامة الدليل عليها وبيان مدى حدود العمل بها، فلا وجه لجعل التعريف لذات الابقاء العملي الذي هو فعل العامل بالقاعدة كما صنع بعضهم فوقع في حيرة من توجيه التعريفات. والى تعريف القاعدة نظر من عرف الاستصحاب بانه: (ابقاء ماكان). فان القاعدة في الحقيقة معناها ابقاؤه حكما، وكذلك من عرفه بأنه (الحكم ببقاء ما كان)، ولذا قال الشيخ الانصاري عن ذلك التعريف: (والمراد بالابقاء: الحكم بالبقاء)، بعد أن قال: انه أسد التعاريف واخصرها. ولقد أحسن وأجاد في تفسير الابقاء بالحكم بالبقاء، ليدلنا على ان المراد من الابقاء الابقاء حكما الذي هو القاعدة، لا الابقاء عملا الذي هو فعل العامل بها. * * * وقد اعترض على هذا التعريف الذي استحسنه الشيخ بعدة أمور نذكر أهمها ونجيب عنها: (منها)، لا جامع للاستصحاب بحسب المشارب فيه من جهة المباني الثلاثة الآتية في حجيته، وهي: الاخبار، وبناء العقلاء، وحكم العقل. فلا يصح ان يعبر عنه بالابقاء على جميع هذه المباني، وذلك لان المراد منه

[ 243 ]

ان كان الابقاء العملي من المكلف فليس بهذا المعنى موردا لحكم العقل، لان المراد من حكم العقل هنا اذعانه كما سيأتي، واذعانه انما هو ببقاء الحكم لا بابقائه العملي من المكلف. وان كان المراد منه الابقاء غير المنسوب إلى المكلف، فمن الواضح أنه لا جهة جامعة بين الالزام الشرعي الذي هو متعلق بالابقاء وبين البناء العقلائي والادراك العقلي. والجواب يظهر مما سبق، فان المراد من الاستصحاب هو القاعدة في العمل المجعولة من قبل الشارع، وهي قاعدة واحدة في معناها على جميع المباني، غاية الامر ان الدليل عليها تارة يكون الاخبار، واخرى بناء العقلاء، وثالثة اذعان العقل الذي يستكشف منه حكم الشرع. و (منها)، ان التعريف المذكور لا يتكفل ببيان اركان الاستصحاب من نحو اليقين السابق والشك اللاحق. والجواب: ان التعبير (بابقاء ما كان) مشعر بالركنين معا: اما الاول وهو اليقين السابق فيفهم من كلمة (ما كان)، لانه - كما أفاده الشيخ الانصاري - (دخل الوصف في الموضوع مشعر بعليته للحكم، فعلة الابقاء انه كان، فيخرج من التعريف ابقاء الحكم لاجل وجود علته أو دليله). وحينئذ لا يفرض انه كان الا إذا كان متيقنا. وأما الثاني وهو الشك اللاحق فيفهم من كلمة (الابقاء) الذي معناه الابقاء حكما وتنزيلا وتعبدا، ولا يكون الحكم التعبدي التنزيلي الا في مورد مفروض فيه الشك بالواقع الحقيقي، بل مع عدم الشك بالبقاء لا معنى لفرض الابقاء وانما يكون بقاء للحكم ويكون أيضا عملا بالحاضر لا بما كان. مقومات الاستصحاب: بعد ان أشرنا إلى ان لقاعدة الاستصحاب اركانا نقول تعقيبا على ذلك: ان هذه القاعدة تتقوم بعدة امور إذا لم تتوفر فيها فأما الا تسمى استصحابا أو لا تكون مشمولة لادلته الآتية: ويمكن ان ترتقي هذه المقومات إلى سبعة أمور حسبما تقتنص من كلمات الباحثين: 1 - (اليقين). والمقصود به اليقين بالحالة السابقة، سواء كانت حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي. وقد قلنا سابقا ان ذلك ركن في الاستصحاب، لان المفهوم من الاخبار الدالة عليه بل من معناه ان يثبت يقين

[ 244 ]

بالحالة السابقة وان لثبوت هذا اليقين علية في القاعدة. ولا فرق في ذلك بين ان نقول بان اعتبار سبق اليقين من جهة كونه صفة قائمة بالنفس وبين ان نقول بذلك من جهة كونه طريقا وكاشفا. وسيأتي بيان وجه الحق من القولين. 2 - (الشك). والمقصود منه الشك في بقاء اليقين. وقد قلنا سابقا انه ركن في الاستصحاب، لانه لا معنى لفرض هذه القاعدة ولا للحاجة إليها مع فرض بقاء اليقين أو تبدله بيقين آخر، ولا يصح ان تجري الا في فرض الشك ببقاء ما كان متيقنا. فالشك مفروغ عنه في فرض جريان قاعدة الاستصحاب فلا بد ان يكون مأخوذا في موضوعها. ولكن ينبغي ألا يخفى ان المقصود من الشك ما هو أعم من الشك بمعناه الحقيقي أي تساوي الاحتمالين، ومن الظن غير المعتبر. فيكون المراد منه عدم العلم والعلمي مطلقا، وسيأتي الاشارة إلى سر ذلك. 3 - (اجتماع اليقين والشك في زمان واحد)، بمعنى ان يتفق في آن واحد حصول اليقين والشك، لا بمعنى ان مبدأ حدوثهما يكون في آن واحد، بل قد يكون مبدأ حدوث اليقين قبل حدوث الشك كما هو المتعارف في أمثلة الاستصحاب، وقد يكونان متقارنين حدوثا كما لو علم يوم الجمعة - مثلا - بطهارة ثوبه يوم الخميس، وفي نفس يوم الجمعة في آن حصول العلم حصل له الشك في بقاء الطهارة السابقة إلى يوم الجمعة وقد يكون مبدأ حدوث اليقين متأخرا عن حدوث الشك، كما لو حدث الشك يوم الجمعة في طهارة ثوبه واستمر الشك إلى يوم السبت ثم حدث له يقين يوم السبت في ان الثوب كان طاهرا يوم الخميس، فان كل هذه الفروض هي مجرى للاستصحاب. والوجه في اعتبار اجتماع اليقين والشك في الزمان واضح، لان ذلك هو المقوم لحقيقة الاستصحاب الذي هو ابقاء ما كان، إذ لو لم يجتمع اليقين السابق مع الشك اللاحق زمانا فانه لا يفرض ذلك الا فيما إذا تبدل اليقين بالشك وسرى الشك إليه فلا يكون العمل باليقين ابقاء لما كان، بل هذا مورد قاعدة اليقين المباينة في حقيقتها لقاعدة الاستصحاب وسيأتي الاشارة إليها. 4 - (تعدد زمان المتيقن والمشكوك). ويشعر بهذا الشرط نفس الشرط الثالث المتقدم، لانه مع فرض وحدة زمان اليقين والشك يستحيل فرض اتحاد زمان المتيقن والمشكوك مع كون المتيقن نفس المشكوك كما سيأتي اشتراط ذلك

[ 245 ]

في الاستصحاب أيضا. وذلك لان معناه اجتماع اليقين والشك بشئ واحد وهو محال. والحقيقة ان وحدة زمان صفتي اليقين والشك بشئ واحد يستلزم تعدد زمان متعلقهما، وبالعكس، أي ان وحدة زمان متعلقهما يستلزم تعدد زمان الصفتين. وعليه، فلا يفرض الاستصحاب الا في مورد اتحاد زمان اليقين والشك مع تعدد زمان متعلقهما. واما في فرض العكس بان يتعدد زمانهما مع اتحاد زمان متعلقهما بان يكون في الزمان اللاحق شاكا في نفس ماتيقنه سابقا بوصف وجوده السابق، فان هذا هو مورد ما يسمى بقاعدة اليقين، والعمل باليقين لا يكون ابقاء لما كان: مثلا: إذا تيقن بحياة شخص يوم الجمعة ثم شك يوم السبت بنفس حياته يوم الجمعة بأن سرى الشك إلى يوم الجمعة، أي انه تبدل يقينه السابق إلى الشك، فان العمل على اليقين لا يكون ابقاء لما كان لانه حينئذ لم يحرز ما كان تيقن به انه كان. ومن اجل هذا عبروا عن مورد قاعدة اليقين بالشك الساري. وهذا هو الفرق الاساسي بين القاعدتين. وسيأتي ان اخبار الاستصحاب لا تشملها ولا دليل عليها غيرها. 5 - (وحدة متعلق اليقين والشك)، أي ان الشك يتعلق بنفس ما تعلق به اليقين مع قطع النظر عن اعتبار الزمان. وهذا هو المقوم لمعنى الاستصحاب الذي حقيقته ابقاء ماكان. وبهذا تفترق قاعدة الاستصحاب عن قاعدة المقتضي والمانع التي موردها ما لو حصل اليقين بالمقتضى والشك في الرافع أي المانع في تأثيره، فيكون المشكوك فيها غير المتيقن. فان من يذهب إلى صحة هذه القاعدة يقول: انه يجب البناء على تحقق المقتضى (بالفتح) إذا تيقن بوجود المقتضى (بالكسر) ويكفي ذلك بلا حاجة إلى احراز عدم المانع من تأثيره، أي ان مجرد احراز المقتضى كاف في ترتيب آثار مقتضاه. وسيأتي الكلام ان شاء الله تعالى فيها. 6 - (سبق زمان المتيقن على زمان المشكوك)، أي انه يجب ان يتعلق الشك في بقاء ما هو متيقن الوجود سابقا، وهذا هو الظاهر من معنى الاستصحاب، فلو انعكس الامر بان كان زمان المتيقن متأخرا عن زمان

[ 246 ]

المشكوك بان يشك في مبدأ حدوث ما هو متيقن الوجود في الزمان الحاضر. فان هذا يرجع إلى الاستصحاب القهقري الذي لا دليل عليه. مثاله: ما لو علم بأن صيغة افعل حقيقة في الوجوب في لغتنا الفعلية الحاضرة وشك في مبدأ حدوث وضعها لهذا المعنى: هل كان في أصل وضع لغة العرب أو انها نقلت عن معناها الاصلي إلى هذا المعنى في العصور الاسلامية ؟ - فانه يقال هنا ان الاصل عدم النقل، لغرض اثبات انها موضوعة لهذا المعنى في اصل اللغة. ومعنى ذلك في الحقيقة جر اليقين اللاحق إلى الزمن المتقدم. ومثل هذا الاستصحاب يحتاج إلى دليل خاص ولا تكفي فيه أخبار الاستصحاب ولا أدلته الاخرى، لانه ليس من باب عدم نقض اليقين بالشك، بل يرجع أمره إلى نقض الشك المتقدم باليقين المتأخر. 7 - (فعلية الشك واليقين)، بعنى انه لا يكفي الشك التقديري ولا اليقين التقديري. واعتبار هذا الشرط لا من أجل ان الاستصحاب لا يتحقق معناه الا بفرضه، بل لان ذلك مقتضى ظهور لفظ الشك واليقين في اخبار الاستصحاب، فانهما ظاهران في كونهما فعليين كسائر الالفاظ في ظهورها في فعلية عناوينها. وانما يعتبر هذا الشرط في قبال من يتوهم جريان الاستصحاب في مورد الشك التقديري، ومثاله - كما ذكره بعضهم -: ما لو تيقن المكلف بالحدث ثم غفل عن حاله وصلى، ثم بعد الفراغ من الصلاة شك في انه هل تطهر قبل الدخول في الصلاة. فان مقتضى قاعدة الفراغ صحة صلاته لحدوث الشك بعد الفراغ من العمل وعدم وجود الشك قبله. ولا نقول بجريان استصحاب الحدث إلى حين الصلاة لعدم فعلية الشك الا بعد الصلاة. واما الاستصحاب الجاري بعد الصلاة فهو محكوم لقاعدة الفراغ. أما لو قلنا بجريان الاستصحاب مع الشك التقديري وكان يقدر فيه الشك في الحدث لو انه التفت قبل الصلاة. فان المصلي حينئذ يكون بمنزلة من دخل في الصلاة وهو غير متطهر يقينا، فلا تصح صلاته وان كان غافلا حين الصلاة ولا تصححها قاعدة الفراغ لانها لا تكون حاكمة على الاستصحاب الجاري قبل الدخول في الصلاة. معنى حجية الاستصحاب: من جملة المناقشات في تعريف الاستصحاب المتقدم وهو (ابقاء ما كان)

[ 247 ]

ونحوه: ما قاله بعضهم: انه لا شك في صحة توصيف الاستصحاب بالحجية، مع انه لو أريد منه ما يؤدي معنى الابقاء لا يصح وصفه بالحجة، لانه ان اريد منه الابقاء العملي المنسوب إلى المكلف فواضح عدم صحة توصيفه بالحجة، لانه ليس الابقاء العملي يصح ان يكون دليلا على شئ وحجة فيه. وان اريد منه الالزام الشرعي فانه مدلول الدليل، لا انه دليل على نفسه وحجة على نفسه، وكيف يكون دليلا على نفسه وحجة على نفسه. فهو من هذه الجهة شأنه شأن الاحكام التكليفية المدلولة للادلة. قلت: نستطيع حل هذه الشبهة بالرجوع إلى ما ذكرناه من معنى الابقاء الذي هو مؤدى الاستصحاب، وهوان المراد به القاعدة الشرعية المجعولة في مقام العمل. فليس المراد منه الابقاء العملي المنسوب إلى المكلف ولا الالزام الشرعي، فيصح توصيفه بالحجة ولكن لا بمعنى الحجة في باب الامارات بل بالمعنى اللغوي لها، لانه لا معنى لكون قاعدة العمل دليلا على شئ مثبتة له، بل هي الامر المجعول من قبل الشارع فتحتاج إلى اثبات ودليل كسائر الاحكام التكليفية من هذه الجهة، ولكنه نظرا إلى ان العمل على وفقها عند الجهل بالواقع يكون معذرا للمكلف إذا وقع في مخالفة الواقع كما انه يصح الاحتجاج بها على المكلف إذا لم يعمل على وفقها فوقع في المخالفة. صح ان توصف بكونها حجة بالمعنى اللغوي. وبهذه الحجة يصح التوصيف بالحجة سائر الاصول العملية والقواعد الفقهية المجعولة للشاك الجاهل بالواقع، فانها كلها توصف بالحجة في تعبيراتهم، ولا شك في انه لا معنى لان يراد منها الحجة في باب الامارات، فيتعين ان يراد منها هذا المعنى اللغوي من الحجة. وبهذه الجهة تفترق القواعد والاصول الموضوعة للشاك عن سائر الاحكام التكليفية، فانها لا يصح توصيفها بالحجة مطلقا حتى بالمعنى اللغوي. غير انه يجب ألا يغيب عن البال ان توصيف القواعد والاصول الموضوعة للشاك بالحجة يتوقف على ثبوت مجعوليتها من قبل الشارع بالدليل الدال عليها. فالحجة في الحقيقة هي القاعدة المجعولة للشاك بما انها مجعولة من قبله. والا إذا لم تثبت مجعوليتها لا يصح ان تسمى قاعدة فضلا عن توصيفها بالحجة. وعليه، فيكون المقوم لحجية القاعدة المجعولة للشاك - أية قاعدة كانت - هو الدليل الدال عليها الذي هو حجة بالمعنى الاصطلاحي.

[ 248 ]

وإذا ثبت صحة توصيف نفس قاعدة الاستصحاب بالحجة بالمعنى اللغوي لم تبق حاجة إلى التأويل لتصحيح توصيف الاستصحاب بالحجة - كما صنع بعض مشايخنا طيب الله ثراه - إذ جعل الموصوف بالحجة فيه على اختلاف المباني احد أمور ثلاثة: 1 - (اليقين السابق)، باعتبار انه يكون منجزا للحكم حدوثا عقلا والحكم بقاء بجعل الشارع. 2 - (الظن بالبقاء اللاحق)، بناء على اعتبار الاستصحاب من باب حكم العقل. 3 - (مجرد الكون السابق) فان الوجود السابق يكون حجة في نظر العقلاء على الوجود الظاهري في اللاحق، لا من جهة وثاقة اليقين السابق، ولا من جهة رعاية الظن بالبقاء اللاحق، بل من جهة الاهتمام بالمقتضيات والتحفظ على الاغراض الواقعية. فان كل هذه التأويلات انما نلتجئ إليها إذا عجزنا عن تصحيح توصيف نفس الاستصحاب بالحجة، وقد عرفت صحة توصيفه بالحجة بمعناها اللغوي. ثم لا شك في ان الموصوف بالحجة في لسان الاصوليين نفس الاستصحاب، لا اليقين المقوم لتحققه، ولا الظن بالبقاء، ولا مجرد الكون السابق، وان كان ذلك كله مما يصح توصيفه بالحجة. هل الاستصحاب أمارة أو أصل ؟ بعد ان تقدم انه لا يصح توصيف قاعدة العمل للشاك - اية قاعدة كانت - بالحجة في باب الامارات يتضح لك انه لا يصح توصيفها بالامارة فانه تكون امارة على أي شئ وعلى أي حكم. ولا فرق في ذلك بين قاعدة الاستصحاب وبين غيرها من الاصول العملية والقواعد الفقهية. إذ ان قاعدة الاستصحاب في الحقيقة مضمونها حكم عام وأصل عملي يرجع إليها المكلف عند الشك والحيرة ببقاء ما كان. ولا يفرق في ذلك بين ان يكون الدليل عليها الاخبار أو غيرها من الادلة كبناء العقلاء، وحكم العقل، والاجماع. ولكن الشيخ الانصاري أعلى الله مقامه فرق في الاستصحاب بين ان

[ 249 ]

يكون مبناه الاخبار فيكون اصلا، وبين ان يكون مبناه حكم العقل فيكون امارة. قال ما نصه: (ان عد الاستصحاب من الاحكام الظاهرية الثابتة للشئ بوصف كونه مشكوك الحكم نظير أصل البراءة وقاعدة الاشتغال مبني على استفادته من الاخبار، واما بناء على كونه من أحكام العقل فهو دليل ظني اجتهادي نظير القياس والاستقراء على القول بهما). أقول: وكأن من تأخر عنه اخذ هذا الرأي ارسال المسلمات، والذي يظهر من القدماء انه معدود عندهم من الامارات كالقيام إذ لا مستند لهم عليه الا حكم العقل. غير ان الذي يبدو لي ان الاستصحاب حتى على القول بان مستنده حكم العقل لا يخرج عن كونه قاعدة عملية ليس مضمونها الا حكما ظاهريا مجعولا للشاك. واما الظن ببقاء المتيقن - على تقدير حكم العقل وعلى تقدير حجية مثل هذا الظن - لا يكون الا مستندا للقاعدة ودليلا عليها وشأنه في ذلك شأن الاخبار وبناء العقلاء، لا ان الظن هو نفس القاعدة حتى تكون امارة، لان هذا الظن نستنتج منه ان الشارع جعل هذه القاعدة الاستصحابية لاجل العمل بها عند الشك والحيرة. والحاصل ان هذا الظن يكون مستندا للاستصحاب لا انه نفس الاستصحاب، وهو من هذه الجهة كالاخبار وبناء العقلاء، فكما ان الاخبار يصح ان توصف بانها امارة على الاستصحاب إذا قام الدليل القطعي على اعتبارها ولا يلزم من ذلك ان يكون نفس الاستصحاب امارة، كذلك يصح ان يوصف هذا الظن بانه امارة إذا قام الدليل القطعي على اعتباره ولا يلزم منه ان يكون نفس الاستصحاب امارة. فاتضح انه لا يصح توصيف الاستصحاب بانه امارة على جميع المباني فيه، وانما هو اصل عملي لا غير. الاقوال في الاستصحاب: تشعبت في الاستصحاب اقوال العلماء بشكل يصعب حصرها على ما يبدو. ونحن نحيل خلاصتها إلى ما جاء في رسائل الشيخ الانصاري ثقة بتحقيقه - وهو خريت هذه الصناعة الصبور على ملاحقة اقوال العلماء وتتبعها - قال رحمه الله بعد ان توسع في نقل الاقوال والتعقيب عليها ما نصه:

[ 250 ]

(هذه جملة ما حضرني من كلمات الاصحاب، والمتحصل منها في بادي النظر احد عشر قولا: 1 - القول بالحجية مطلقا (1). 2 - عدمها مطلقا. 3 - التفصيل بين العدمي والوجودي. 4 - التفصيل بين الامور الخارجية وبين الحكم الشرعي مطلقا، فلا يعتبر في الاول. 5 - التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي وغيره فلا يعتبر في الاول الا في عدم النسخ. 6 - التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره فلا يعتبر في غير الاول. وهذا هو الذي ربما يستظهر من كلام المحقق الخونساري في حاشية شرح الدروس على ما حكاه السيد في شرح الوافية. 7 - التفصيل بين الاحكام الوضعية - يعني نفس الاسباب والشروط والموانع والاحكام التكليفية التابعة لها - وبين غيرها من الاحكام الشرعية فتجري في الاول دون الثاني. 8 - التفصيل بين ما ثبت بالاجماع وغيره فلا يعتبر في الاول. 9 - التفصيل بين كون المستصحب مما ثبت بدليله أو من الخارج استمراره فشك في الغاية الرافعة له، وبين غيره، فيعتبر في الاول دون الثاني، كما هو ظاهر المعارج. 10 - هذا التفصيل مع اختصاص الشك بوجود الغاية كما هو الظاهر من المحقق السبزواري. 11 - زيادة الشك في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقي دون المفهومي، كما هو ظاهر ما سيجئ من المحقق الخونساري. ثم انه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في


(1) ذهب إلى القول من المتأخرين الشيخ الآخند صاحب الكفاية ره.

[ 251 ]

الاصول والفروع لزادت الاقوال على العدد المذكور بكثير، بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة، الا ان صرف الوقت في هذا مما لا ينبغي. والاقوى هو (القول التاسع) وهو الذي اختاره المحقق) انتهى ما أردنا نقله من عبارة الشيخ الاعظم. وينبغي ان يزاد تفصيل آخر لم يتعرض له في نقل الاقوال، وهو رأي خاص به، إذ فصل بين كون المستصحب مما ثبت بدليل عقلي فلا يجري فيه الاستصحاب، وبين ما ثبت بدليل آخر فيجري فيه. ولعله انما لم يذكره في ضمن الاقوال لانه يرى ان الحكم الثابت بدليل عقلي لا يمكن ان يتطرق إليه الشك، بل اما ان يعلم بقاؤه أو يعلم زواله، فلا يتحقق فيه ركن الاستصحاب وهو الشك. فلا يكون ذلك تفصيلا في حجية الاستصحاب. وقبل ان ندخل في مناقشة الاقوال والترجيح بينها ينبغي ان نذكر الادلة على الاستصحاب التي تمسك بها القائلون بحجيته لنناقشها ونذكر مدى دلالتها:

[ 252 ]

ادلة الاستصحاب الدليل الاول - بناء العقلاء لا شك في ان العقلاء من الناس على اختلاف مشاربهم واذواقهم جرت سيرتهم في عملهم وتبانوا في سلوكهم العملي على الاخذ بالمتيقن السابق عند الشك اللاحق في بقائه. وعلى ذلك قامت معايش العباد، ولولا ذلك لاختل النظام الاجتماعي ولما قامت لهم سوق وتجارة. وقيل: ان ذلك مرتكز حتى في نفوس الحيوانات: فالطيور ترجع إلى أوكارها والماشية تعود إلى مرابضها. ولكن هذا التعميم للحيوانات محل نظر، بل ينبغي ان يعد من المهازل لعدم حصول الاحتمال عندها حتى يكون ذلك منها استصحابا، بل تجري في ذلك على وفق عادتها بنحو لا شعوري. وعلى كل حال، فان بناء العقلاء في عملهم مستقر على الاخذ بالحالة السابقة عند الشك في بقائها، في جميع احوالهم وشؤونهم، مع الالتفات إلى ذلك والتوجه إليه. وإذا ثبتت هذه المقدمة ننتقل إلى مقدمة أخرى فنقول: ان الشارع من العقلاء بل رئيسهم فهو متحد المسلك معهم، فإذا لم يظهر منه الردع عن طريقتهم العملية يثبت على سبيل القطع انه ليس له مسلك آخر غير مسلكهم والا لظهر وبان ولبلغه الناس. وقد تقدم مثل ذلك في حجية خبر الواحد. وهذا الدليل - كما ترى - يتكون من مقدمتين قطعيتين: 1 - ثبوت بناء العقلاء على اجراء الاستصحاب. 2 - كشف هذا البناء عن موافقة الشارع واشتراكه معهم. وقد وقعت المناقشة في المقدمتين معا. ويكفي في المناقشة ثبوت الاحتمال فيبطل به الاستدلال، لان مثل هذه المقدمات يجب ان تكون قطعية والا فلا يثبت بها المطلوب ولا تقوم بها للاستصحاب ونحوه حجة. أما (الاولى)، فقد ناقش فيها استاذنا الشيخ النائيني رحمه الله: بأن بناء

[ 253 ]

العقلاء لم يثبت الا فيما إذا كان الشك في الرافع، اما إذا كان الشك في المقتضى فلم يثبت منهم هذا البناء (على ما سيأتي من معنى المقتضى والرافع اللذين يقصدهما الشيخ الانصاري). فيكون بناء العقلاء هذا دليلا على التفصيل المختار له وهو القول التاسع. ولا يبعد صحة ما أفاده من التفصيل في بناء العقلاء، بل يكفي احتمال اختصاص بنائهم بالشك في الرافع. ومع الاحتمال يبطل الاستدلال كما سبق. واما (المقدمة الثانية)، فقد ناقش فيها شيخنا الآخند في الكفاية بوجهين نذكرهما ونذكر الجواب عنهما: (اولا) - ان بناء العقلاء لا يستكشف منه اعتبار الاستصحاب عند الشارع الا إذا احرزنا ان منشأ بنائهم العملي هو التعبد بالحالة السابقة من قبلهم، أي أنهم يأخذون بالحالة السابقة من أجل انها سابقة، لنستكشف منه تعبد الشارع. ولكن ليس هذا بمحرز منهم إذا لم يكن مقطوع العدم، فانه من الجائز قريبا ان أخذهم بالحالة السابقة لا لاجل انها حالة سابقة بل لاجل رجاء تحصيل الواقع مرة، أو لاجل الاحتياط اخرى، أو لاجل اطمئنانهم ببقاء ما كان ثالثة، أو لاجل ظنهم بالبقاء ولو نوعا رابعة، أو لاجل غفلتهم عن الشك أحيانا خامسة. وإذا كان الامر كذلك فلم يحرز تعبد الشارع بالحالة السابقة الذي هو النافع في المقصود. والجواب: ان المقصود النافع من ثبوت بناء العقلاء هو ثبوت تبانيهم العملي على الاخذ بالحالة السابقة، وهذا ثابت عندهم من غير شك، أي ان لهم قاعدة عملية تبانوا عليها ويتبعونها ابدا مع الالتفات والتوجه إلى ذلك، أما فرض الغفلة من بعضهم أحيانا فهو صحيح ولكن لا يضر في ثبوت التباني منهم دائما مع الالتفات. ولا يضر في استكشاف مشاركة الشارع معهم في تبانيهم اختلاف اسباب التباني عندهم من جهة مجرد الكون السابق أو من جهة الاطمئنان عندهم أو الظن لاجل الغلبة أو لاي شئ آخر من هذا القبيل، فهي قاعدة ثابتة عندهم فتكون ثابتة ايضا عند الشارع ولا يلزم ان يكون ثبوتها عنده من جميع الاسباب التي لاحظوها. وإذا ثبتت عند الشارع فليس ثبوتها عنده الا التعبد بها من قبله فتكون حجة على المكلف وله. نعم احتمال كون السبب في بنائهم ولو احيانا رجاء تحصيل الواقع أو

[ 254 ]

الاحتياط من قبلهم قد يضر في استكشاف ثبوتها عند الشارع كقاعدة لانها لا تكون عندهم كقاعدة لاجل الحالة السابقة، ولكن الرجاء بعيد جدا من قبلهم ما لم يكن هناك عندهم اطمئنان أو ظن أو تعبد بالحالة السابقة لاحتمال ان الواقع غير الحالة السابقة، بل قد يترتب على عدم البقاء اغراض مهمة فالبناء على البقاء خلاف الرجاء. وكذلك الاحتياط قد يقتضى البناء على عدم البقاء. فهذه الاحتمالات ساقطة في كونها سببا لتباني العقلاء ولو احيانا. (ثانيا) - بعد التسليم بأن منشأ بناء العقلاء هو التعبد ببقاء ما كان نقول: ان هذا لا يستكشف منه حكم الشارع الا إذا احرزنا رضاه ببنائهم وثبت لدينا انه ماض عنده. ولكن لا دليل على هذا الرضا والامضاء، بل ان عمومات الآيات والاخبار الناهية عن اتباع غير العلم كافية في الردع عن اتباع بناء العقلاء. وكذلك ما دل على البراءة والاحتياط في الشبهات. بل احتمال عمومها للمورد كاف في تزلزل اليقين بهذه المقدمة. فلا وجه لاتباع هذا البناء، إذ لا بد في اتباعه من قيام الدليل على انه ممضي من قبل الشارع. ولا دليل. والجواب ظاهر من تقريبنا للمقدمة الثانية على النحو الذي بيناه، فانه لا يجب في كشف موافقة الشارع احراز امضائه من دليل آخر، لان نفس بناء العقلاء هو الدليل والكاشف عن موافقته كما تقدم. فيكفي في المطلوب عدم ثبوت الردع ولا حاجة إلى دليل آخر على اثبات رضاه وامضائه. وعليه، فلم يبق علينا الا النظر في الآيات والاخبار الناهية عن اتباع غير العلم في انها صالحة للردع المقام أو غير صالحة ؟ والحق انها غير صالحة، لان المقصود من النهي عن اتباع غير العلم هو النهي عنه لاثبات الواقع به، وليس المقصود من الاستصحاب اثبات الواقع، فلا يشمل هذا النهي الاستصحاب الذي هو قاعدة كلية يرجع إليها عند الشك، فلا ترتبط بالموضوع الذي نهت عنه الآيات والاخبار حتى تكون شاملة لمثله، أي ان الاستصحاب خارج عن الآيات والاخبار تخصصا. واما ما دل على البراءة أو الاحتياط فهو في عرض الدليل على الاستصحاب فلا يصلح للردع عنه لان كلا منهما موضوعه الشك، بل ادلة الاستصحاب مقدمة على ادلة هذه الاصول كما سيأتي.

[ 255 ]

الدليل الثاني - حكم العقل والمقصود منه هنا هو حكم العقل النظري لا العملي، إذ يذعن بالملازمة بين العلم بثبوت الشئ في الزمان السابق وبين رجحان بقائه في الزمان اللاحق عند الشك ببقائه. أي انه إذا علم الانسان بثبوت شئ في زمان ثم طرأ ما يزلزل العلم ببقائه في الزمان اللاحق فان العقل يحكم برجحان بقائه وبانه مظنون البقاء. وإذا حكم العقل برجحان البقاء فلا بد ان يحكم الشرع أيضا برجحان البقاء. والى هذا يرجع ما نقل عن العضدي في تعريف الاستصحاب (بأن معناه ان الحكم الفلاني قد كان ولم يعلم عدمه وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء). أقول: وهذا حكم العقل لا ينهض دليلا على الاستصحاب على ما سنشرحه، والظاهر ان القدماء القائلين بحجيته لم يكن عندهم دليل عليه غير هذا الدليل، كما يظهر جليا من تعريف العضدي المتقدم، إذ أخذ فيه نفس حكم العقل هذا، ولعله لاجل هذا أنكره من أنكره من قدماء أصحابنا إذ لم يتنبهوا إلى ادلته الاخرى على ما يظهر، فانه اول من تمسك ببناء العقلاء العلامة الحلي في النهاية، وأول من تمسك بالاخبار الشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي وتبعه صاحب الذخيرة وشارح الدروس وشاع بين من تأخر عنهم، كما حقق ذلك الشيخ الانصاري في رسائله في الامر الاول من مقدمات الاستصحاب، ثم قال: (نعم ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الاخبار حيث عبر عن استصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه بنقض اليقين باليقين. وهذه العبارة ظاهرة انها مأخوذة من الاخبار). وعلى كل حال فهذا الدليل العقلي فيه مجال للمناقشة من وجهين: (الاول) في أصل الملازمة العقلية المدعاة. ويكفي في تكذيبها الوجدان، فانا نجد ان كثيرا ما يحصل العلم بالحالة السابقة ولا يحصل الظن ببقائها عند الشك لمجرد ثبوتها سابقا. (الثاني) على تقدير تسليم هذه الملازمة، فان أقصى ما يثبت بها حصول الظن بالبقاء، وهذا الظن لا يثبت به حكم الشرع الا بضميمة دليل آخر يدل

[ 256 ]

على حجية هذا الظن بالخصوص ليستثني مما دل على حرمة التعبد بالظن. والشأن كل الشأن في اثبات هذا الدليل. فلا تنهض هذه الملازمة العقلية على تقديرها دليلا بنفسها على الحكم الشرعي. ولو كان هناك دليل على حجية هذا الظن بالخصوص لكان هو الدليل على الاستصحاب لا الملازمة وانما تكون الملازمة محققة لموضوعه. ثم ما المراد من قولهم: ان الشارع يحكم برجحان البقاء على طبق حكم العقل، فانه على اطلاقه موجب للايهام والمغالطة، فانه ان كان المراد انه يظن بالبقاء كما يظن سائر الناس فلا معنى له. وان كان المراد انه يحكم بحجية هذا الرجحان فهذا لا تقتضيه الملازمة بل يحتاج اثبات ذلك إلى دليل آخر كما ذكرنا. وان كان المراد انه يحكم بأن البقاء مظنون وراجح عند الناس، أي يعلم بذلك، فهذا وان كان تقتضيه الملازمة ولكن هذا المقدار غير نافع ولا يكفي وحده في اثبات المطلوب، إذ لا يكشف مجرد علمه بحصول الظن عند الناس عن اعتباره لهذا الظن ورضاه به. والنافع في الباب اثبات هذا الاعتبار من قبله للظن لا حكمه بأن هذا الشئ مظنون البقاء عند الناس.

[ 257 ]

الدليل الثالث - الاجماع نقل جماعة الاتفاق على اعتبار الاستصحاب منهم صاحب المبادئ على ما نقل عنه، إذ قال: (الاستصحاب حجة لاجماع الفقهاء على انه متى حصل حكم ثم وقع الشك في انه طرأ ما يزيله أم لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا). أقول: ان تحصيل الاجماع في هذه المسألة مشكل جدا، لوقوع الاختلافات الكثيرة فيها كما سبق الا ان يراد منه حصول الاجماع في الجملة عن نحو الموجبة الجزئية في مقابل السلب الكلي وهذا الاجماع بهذا المقدار قطعي. ألا ترى ان الفقهاء في مسألة من تيقن بالطهارة وشك في الحدث أو الخبث قد اتفقت كلمتهم من زمن الشيخ الطوسي بل من قبله إلى زماننا الحاضر على ترتيب آثار الطهارة السابقة بلا نكير منهم، وكذا في كثير من المسائل مما هو نظير ذلك. ومعلوم ان فرض كلامهم في مورد الشك اللاحق لا في مورد الشك الساري، فلا يكون حكمهم بذلك من جهة قاعدة اليقين، بل ولا من جهة قاعدة المقتضي والمانع. والحاصل ان هذا ومثله يكفي في الاستدلال على اعتبار الاستصحاب في الجملة في مقابل السلب الكلي، وهو قطعي بهذا المقدار. ويمكن حمل قول منكر الاستصحاب مطلقا على انكار حجيته من طريق الظن لا من أي طريق كان، في مقابل من قال بحجيته لاجل تلك الملازمة العقلية المدعاة. نعم دعوى الاجماع على حجية مطلق الاستصحاب أو في خصوص ما إذا كان الشك في الرافع في غاية الاشكال، بعدما عرفت من تلك الاقوال.

[ 258 ]

الدليل الرابع - الاخبار وهي العمدة في اثبات الاستصحاب وعليها التعويل، وإذا كانت أخبار آحاد فقد تقدم حجية خبر الواحد، مضافا إلى انها مستفيضة ومؤيدة بكثير من القرائن العقلية والنقلية. وإذا كان الشيخ الانصاري قد شك فيها بقوله: (هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المستدل بها للاستصحاب، وقد عرفت عدم ظهور الصحيح منها وعدم صحة الظاهر منها)، فانها في الحقيقة هي جل اعتماده في مختاره، وقد عقب هذا الكلام بقوله: (فلعل الاستدلال بالمجموع باعتبار التجابر والتعاضد)، ثم أيدها بالاخبار الواردة في الموارد الخاصة. وعلى كل حال، فينبغي النظر فيها لمعرفة حجيتها ومدى دلالتها، ولنذكرها واحدة واحدة، فنقول: 1 - صحيحة زرارة الاولى وهي مضمرة لعدم ذكر الامام المسؤول فيها، ولكنه كما قال الشيخ الانصاري لا يضرها الاضمار، والوجه في ذلك ان زرارة لا يروي عن غير الامام لا سيما مثل هذا الحكم بهذا البيان، والمنقول عن فوائد العلامة الطباطبائي ان المقصود به الامام الباقر عليه السلام. (قال زرارة: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ قال يا زرارة ؟ قد تنام العين ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن فقد وجب الوضوء. قلت: فان حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم ؟ قال: لا ! حتى يستيقن انه نام. حتى يجئ من ذلك أمر بين. والا فانه على يقين من وضوئه. ولا ينقض اليقين بالشك أبدا، ولكنه ينقضه بيقين آخر). ونذكر في هذه الصحيحة بحثين:

[ 259 ]

(الاول) - في فقهها. ولا يخفى ان فيها سؤالين (أولهما) عن شبهة مفهومية حكمية لغرض معرفة سعة موضوع النوع من جهة كونه ناقضا للوضوء، إذ لا شك في انه ليس المقصود السؤال عن معنى النوم لغة ولا عن كون الخفقة أو الخفقتين ناقضة للوضوء على نحو الاستقلال في مقابل النوم. فينحصر ان يكون مراده - والجواب قرينة على ذلك أيضا - هو السؤال عن شمول النوم الناقص للخفقة والخفقتين، مع علم السائل بأن النوم في نفسه له مراتب تختلف شدة وضعفا ومنه الخفقة والخفقتان، ومع علمه بأن النوم ناقض للوضوء في الجملة. فلذلك اجاب الامام بتحديد النوم الناقض وهو الذي تنام فيه العين والاذن معا. اما ما تنام فيه العين دون القلب والاذن كما في الخفقة والخفقتين فليس ناقضا. وأما السؤال (الثاني) فهو - لا شك - عن الشبهة الموضوعية بقرينة الجواب، لانه لو كان مراد السائل الاستفهام عن مرتبة أخرى من النوم التي لا يحس معها بما يتحرك في جنبه، لكان ينبغي ان يرفع الامام شبهته بتحديد آخر للنوم الناقض. ولو كانت شبهة السائل شبهة مفهومية حكمية لما كان معنى لفرض الشك في الحكم الواقعي في جواب الامام ثم اجراء الاستصحاب، ولما صح ان يفرض الامام استيقان السائل بالنوم تارة وعدم استيقانه أخرى، لان الشبهة لو كانت مفهومية حكمية لكان السائل عالما بان هذه المرتبة هي من النوم، ولكن يجهل حكمها كالسؤال الاول. وإذا كان الامر كذلك فالجواب الاخير إذا كان متضمنا لقاعدة الاستصحاب كما سيأتي فموردها يكون حينئذ خصوص الشبهة الموضوعية، فيقال حينئذ: لا يستكشف من اطلاق الجواب عموم القاعدة للشبهة الحكمية الذي يهمنا بالدرجة الاولى اثباته، إذ يكون المورد من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب، وقد تقدم في الجزء الاول ان ذلك يمنع من التمسك بالاطلاق وان لم يكن صالحا للقرينية، لما هو المعروف ان المورد لا يخصص العام ولا يقيد المطلق. نعم قد يقال في الجواب: ان كلمة (ابدا) لها من قوة الدلالة على العموم والاطلاق مالا يحد منها القدر المتيقن في مقام التخاطب، فهي تعطي في ظهورها القوي ان كل يقين مهما كان متعلقه وفي أي مورد كان لا ينقض بالشك أبدا. (الثاني) في دلالتها على الاستصحاب.

[ 260 ]

وتقريب الاستدلال بها ان قوله (ع): (فانه على يقين من وضوئه) جملة خبرية هي جواب الشرط (1) ومعنى هذه الجملة الشرطية: انه ان لم يستيقن بانه قد نام فانه باق على يقين من وضوئه، أي انه لم يحصل ما يرفع اليقين به وهو اليقين بالنوم. وهذه مقدمة تمهيدية وتوطئة لبيان ان الشك ليس رافعا لليقين وإنما الذي يرفعه اليقين بالنوم، وليس الغرض منها إلا بيان انه على يقين من وضوئه، ليقول ثانيا انه لا ينبغي ان يرفع اليد عن هذا اليقين إذ لا موجب لانحلاله ورفع اليد عنه إلا الشك الموجود، والشك بما هو شك لا يصلح ان يكون رافعا وناقضا لليقين، وانما ينقض اليقين اليقين لا غير. فقوله: (والا فانه علي يقين من وضوئه) بمنزلة الصغرى، وقوله (ولا ينقض اليقين بالشك أبدا) بمنزلة الكبرى. وهذه الكبرى مفادها قاعدة الاستصحاب، وهي البناء على اليقين السابق وعدم نقضه بالشك اللاحق. فيفهم منها ان كل يقين سابق لا ينقضه الشك اللاحق. هذا وقد وقعت المناقشة في الاستدلال بهذه الصحيحة من عدة وجوه: (منها) - ما أفاده الشيخ الانصاري إذ قال: (ولكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس، إذ لو كانت للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغرى (ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشك) فيفيد قاعدة كلية في باب الوضوء) إلى آخر ما افاده، ولكنه استظهر اخيرا كون اللام للجنس. أقول: ان كون اللام للعهد يقتضي ان يكون المراد من اليقين في الكبرى شخص اليقين المتقدم فان هذا هو معنى العهد. وعليه فلا تفيد قاعدة كلية


(1) بنى الشيخ الانصاري ومن حذا حذوه الاستدلال بهذه الصحيحة على أن جواب الشرط محذوف وأن قوله (فانه على يقين من وضوئه) علة للجواب قامت مقامه. وقال: (وجعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلف). فيكون معنى الرواية على قوله ان يستيقن أنه قدم نام فلا يجب عليه الوضوء لانه على يقين من وضوئه في السابق. فحذف (فلا يجب عليه الوضوء) وأقام العلة مقامه. وهذا الوجه الذي ذكره وإن كان وجيها ولكن الحذف خلاف الاصل ولا موجب له ولا تكلف في جعل الموجود نفس الجزاء على ما بيناه في المتن. ولا يتوقف الاستدلال بالصحيحة على هذا الوجه ولا على ذلك الوجه ولا على أي وجه آخر ذكروه. فان المقصود منها في بيان قاعدة الاستصحاب مفهوم واضح يحصل في جميع هذه الوجوه. (*)

[ 261 ]

حتى في باب الوضوء. ومنه يتضح غرابة احتمال ارادة العهد من اللام بل ذلك مستهجن جدا، فان ظاهر الكلام هو تطبيق كبرى على صغرى لا سيما مع اضافة كلمة (أبدا). فيتعين ان تكون اللام للجنس. ولكن مع ذلك هذا وحده غير كاف في التعميم لكل يقين حتى في غير الوضوء، لامكان ان يراد جنس اليقين بالوضوء بقرينة تقييده في الصغرى به لا كل يقين فيكون ذلك من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب، فيمنع من التمسك بالاطلاق، كما سبق نظيره. وهذا الاحتمال لا ينافي كون الكبرى كلية غاية الامر تكون كبرى كلية خاصة بالوضوء. فيتضح ان مجرد كون اللام للجنس لا يتم به الاستدلال مع تقدم ما يصلح للقرينة، ولعل هذا هو مراد الشيخ من التعبير بالعهد، ومقصوده تقدم القرينة، فكان ذلك تسامحا في التعبير. وعلى كل حال، فالظاهر من الصحيحة ظهورا قويا: ارادة مطلق اليقين لا خصوص اليقين بالوضوء، وذلك لمناسبة الحكم والموضوع، فان المناسب لعدم النقض بالشك بما هو شك هو اليقين بما هو يقين، لا بما هو يقين بالوضوء، لان المقابلة بين الشك واليقين واسناد عدم النقض إلى الشك تجعل اللفظ كالصريح في ان العبرة في عدم جواز النقض هو جهة اليقين بما هو يقين لا اليقين المقيد بالوضوء من جهة كونه مقيدا بالوضوء. ولا يصلح ذكر قيد (من وضوئه) في الصغرى ان يكون قرينة على التقييد في الكبرى ولا أن يكون من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب، لان طبيعة الصغرى ان تكون في دائرة اضيق من دائرة الكبرى ومفروض المسألة في الصغرى باب الوضوء فلا بد من ذكره. وعليه، فلا يبعد ان مؤدى الصغرى هكذا (فانه من وضوئه على يقين) فلا تكون كلمة (من وضوئه) قيد لليقين، يعني ان الحد الاوسط المتكرر هو (اليقين) لا (اليقين من وضوئه). و (منها) - ان الوضوء أمر آني متصرم ليس له استمرار في الوجود وانما الذي إذا ثبت استدام هو أثره وهو الطهارة، ومتعلق اليقين في الصحيحة هو الوضوء لا الطهارة، ومتعلق الشك هو المانع من استمرار الطهارة أثر المتيقن، فيكون

[ 262 ]

الشك في استمرار أثر المتيقن لا المتيقن نفسه. وعليه فلا يكون متعلق اليقين نفس متعلق الشك، فانخرم الشرط الخامس في الاستصحاب، ويكون ذلك موردا لقاعدة المقتضي والمانع. فتكون الصحيحة دليلا عليه لا على الاستصحاب. و (فيه) ان الجمود على لفظ الوضوء يوهم ذلك، ولكن المتعارف من مثل هذا التعبير في لسان الاخبار ارادة الطهارة التي هي أثر له باطلاق السبب وارادة المسبب، ونفس صدر الصحيحة (الرجل ينام وهو على وضوء) يشعر بذلك. فالمتبادر والظاهر من قوله (فانه على يقين من وضوئه) انه متيقن بالطهارة المستمرة لولا الرافع لها، والشك انما هو في ارتفاعها للشك في وجود الرافع. فيكون متعلق اليقين نفس متعلق الشك. فما ابعدها عن قاعدة المقتضى والمانع. و (منها) - ما افاده الشيخ الانصاري في مناقشة جميع الاخبار العامة المستدل بها على حجية مطلق الاستصحاب، واستنتج من ذلك انها مختصة بالشك في الرافع، فيكون الاستصحاب حجة فيه فقط، قال رحمه الله: (فالمعروف بين المتأخرين الاستدلال بها على حجية الاستصحاب في جميع الموارد، وفيه تأمل قد فتح بابه المحقق الخونساري في شرح الدروس). وسيأتي ان شاء الله تعالى في آخر الاخبار بيان هذه المناقشة ونقدها. 2 - صحيحة زرارة الثانية وهي مضمرة ايضا كالسابقة. (قال زرارة: قلت له: اصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني فعلمت أثره إلى ان اصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت ان بثوبي شيئا وصليت ثم اني ذكرت بعد ذلك ؟ قال: تعيد الصلاة وتغسله. قلت: فان لم اكن رأيت موضعه وعلمت انه اصابه فطلبته ولم اقدر عليه، فلما صليت وجدته ؟ قال: تغسله وتعيد.

[ 263 ]

قلت: فان ظننت انه اصابه ولم اتيقن، فنظرت ولم أر شيئا، فصليت فيه، فرأيت فيه ؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك ؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت. وليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك أبدا. قلت: فاني قد علمت انه قد أصابه ولم أدر اين هو فأغسله ؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد اصابها، حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علي ان شككت انه اصابه شئ أن انظر فيه ؟ قال: لا ! ولكنك انما تريد ان تذهب بالشك الذي وقع في نفسك. قلت: ان رأيته في ثوبي وانا في الصلاة ؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته، ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك، فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشك) الحديث. * * * والاستدلال بهذه الصحيحة للمطلوب في فقرتين منها، بل قيل في ثلاث: (الاولى) - قوله: (لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت.) الخ بناء على ان المراد من اليقين بالطهارة هو اليقين بالطهارة الواقع قبل الظن الاصابة بالنجاسة. وهذا المعنى هو الظاهر منها. ويحتمل بعيدا ان يراد منه اليقين بالطهارة الواقع بعد ظن الاصابة وبعد الفحص عن النجاسة، إذ قال: (فنظرت ولم أر شيئا)، على أن يكون قوله (ولم أر شيئا) عبارة اخرى عن اليقين بالطهارة. وعلى هذا الاحتمال يكون مفاد الرواية قاعدة اليقين لا الاستصحاب، لانه يكون حينئذ مفاد قوله (فرأيت فيه) تبدل اليقين بالطهارة باليقين بالنجاسة. ووجه بعد هذا الاحتمال ان قوله (ولم أر شيئا) ليس فيه أي ظهور بحصول اليقين بالطهارة بعد النظر والفحص.

[ 264 ]

(الثانية) - قوله أخيرا: (فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك) ودلالتها كالفقرة الاولى ظاهرة على ما تقدم في الصحيحة الاولى من ظهور كون اللام في اليقين لجنس اليقين بما هو يقين. وهذا المعنى هنا اظهر مما هو في الصحيحة الاولى. الثالثة) - قوله: (حتى تكون على يقين من طهارتك)، فانه عليه السلام إذ جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة من غسل الثوب في مورد سبق العلم بنجاسته، يظهر منه انه لو لم يحصل اليقين بالطهارة فهو محكوم بالنجاسة لمكان سبق اليقين بها. ولكن الاستدلال بهذه الفقرة مبني على ان احراز الطهارة ليس شرطا في الدخول في الصلاة، والا لو كان الاحراز شرطا فيحتمل ان يكون عليه السلام انما جعل الغاية حصول اليقين بالطهارة لاجل احراز الشرط المذكور، لا لاجل التخلص من جريان استصحاب النجاسة. فلا يكون لها ظهور في الاستصحاب. 3 - صحيحة زرارة الثالثة (قال زرارة: قلت له (أي الباقر أو الصادق عليهما السلام): من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين وقد احرز الثنتين ؟ قال: يركع بركعتين واربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب، ويتشهد، ولا شئ عليه. وإذا لم يدر ثلاث هو أو في اربع وقد أحرز الثلاث - قام فأضاف إليها أخرى، ولا شئ عليه. ولا ينقض اليقين بالشك. ولا يدخل الشك في اليقين. ولا يخلط احدهما بالآخر. ولكن ينقض الشك باليقين. ويتم على اليقين فيبني عليه. ولا يعتد بالشك في حال من الحالات). * * * وجه الاستدلال بها - على ما قيل - انه في الشك بين الثلاث والاربع وقد احرز الثلاث يكون قد سبق منه اليقين بعدم الاتيان بالرابعة، فيستصحب. ولذلك وجب عليه ان يضيف إليها رابعة، لانه لا يجوز نقض اليقين بالشك، بل لا بد ان ينقضه باليقين باتيان الرابعة فينقض شكه باليقين. وتكون هذه

[ 265 ]

الفقرات الست كلها تأكيدا على قاعدة الاستصحاب. وقد تأمل الشيخ الانصاري في هذا الاستدلال، لانه انما يتم إذا كان المراد بقوله (قام فأضاف إليها اخرى) القيام للركعة الرابعة من دون تسليم في الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة حتى يكون حاصل جواب الامام البناء على الاقل. ولكن هذا مخالف للمذهب وموافق لقول العامة، بل مخالف لظاهر الفقرة الاولى وهي قوله (ركع بركعتين وهو قائم بفاتحة الكتاب) فانها ظاهرة بسبب تعيين الفاتحة في ارادة ركعتين منفصلتين، اعني صلاة الاحتياط. وعليه، فيتعين ان يكون المراد به القيام بعد التسليم في الركعة المرددة إلى ركعة مستقلة منفصلة. وإذا كان الامر كذلك فيكون المراد من اليقين في جميع الفقرات اليقين بالبراءة الحاصل من الاحتياط باتيان الركعة. فتكون الفقرات الست واردة لبيان وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بفراغ الذمة. وهذا اجنبي عن قاعدة الاستصحاب. اقول: هذا خلاصة ما افاده الشيخ، ولكن حمل الفقرة الاولى (ولا ينقض اليقين بالشك) على ارادة اليقين ببراءة الذمة الحاصل من الاخذ بالاحتياط بعيدا جدا عن مساقها، بل أبعد من البعيد، لان ظاهر هذا التعبير بل صريحه فرض حصول اليقين ثم النهي عن نقضه في فرض حصوله، بينما ان اليقين بالبراءة انما المطلوب تحصليه وهو غير حاصل، فكيف يصح حمل هذه الجملة على الامر بتحصيله. فلا بد ان يراد اليقين بشئ آخر غير البراءة. وعليه، فمن القريب جدا ان يراد من اليقين اليقين بوقوع الثلاث وصحتها كما هو مفروض المسألة بقوله: (وقد احرز الثلاث) - لا اليقين بعدم الاتيان برابعة كما تصوره هذا المستدل حتى يرد عليه ما افاده الشيخ - وحينئذ فلو اراد المكلف ان يعتد بشكه فقد نقض اليقين بالشك، واعتداده بشكه بأحد امور ثلاثة: إما بابطال الصلاة واعادتها رأسا، واما بالاخذ باحتمال نقصانها فيكملها برابعة كما هو مذهب العامة، وأما بالاخذ باحتمال كمالها بالبناء على الاكثر فيسلم على المشكوكة من دون اتيان برابعة متصلة وخلط احدهما بالآخر. ولاجل هذا عالج الامام عليه السلام صلاة هذا الشاك لاجل المحافظة على يقينه بالثلاث وعدم نقضه بالشك، وذلك بأن أمره بالقيام واضافة ركعة اخرى، ولا بد انها مفصولة، ويفهم كونها مفصولة من صدر الرواية (ركع

[ 266 ]

بركعتين وهو قائم بفاتحة الكتاب) فان اسلوب العلاج لا بد ان يكون واحدا في الفرضين، مضافا إلى ان ذلك يفهم من تأكيد الامام بان لا يدخل الشك في اليقين ولا يخلط احدهما بالآخر لانه باضافة ركعة متصلة يقع الخلط وادخال الشك في اليقين. وعليه، فتكون الرواية دالة على قاعدة الاستصحاب من جهة، ولكن المقصود فيها استصحاب وقوع الثلاث صحيحة، كما انها تكون دالة على علاج حالة الشك الذي لا يجوز نقض اليقين به من جهة أخرى، وذلك بأمره بالقيام واضافة ركعة منفصلة لتحصيل اليقين بصحة الصلاة لانها ان كانت ثلاثا فقد جاء بالرابعة وان كانت اربعا تكون الركعة المنفصلة نفلا. ومنه يعلم ان المراد من اليقين في الفقرتين الرابعة والخامسة (ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين ويبني عليه) غير اليقين من الفقرات الاولى فان المراد به هناك اليقين بوقوع الثلاث صحيحة والمراد به في هاتين الفقرتين اليقين بالبراءة، لانه باتيان ركعة منفصلة يحصل له اليقين ببراءة الذمة فيكون ذلك نقضا للشك باليقين الحادث من الاحتياط. ويفهم هذا التفصيل من المراد باليقين من الاستدراك وهو قوله (ولكنه) فانه بعد ان نهى عن نقض اليقين بالشك ذكر العلاج بقوله (لكنه) فهو امر بنقض الشك باليقين والاتمام على اليقين والبناء عليه، ولا يتصور ذلك الا باتيان ركعة منفصلة. ولا يجب - كما قيل - ان يكون المراد من اليقين في جميع الفقرات معنى واحدا بل لا يصح ذلك فان اسلوب الكلام لا يساعد عليه، فان الناقض للشك يجب ان يكون غير الذي ينقضه الشك. والحاصل ان الرواية تكون خلاصة معناها النهي عن الابطال والنهي على الركون إلى ما تذهب إليه العامة من البناء على الاقل والنهي عن البناء على الاكثر مع عدم الاتيان بركعة منفصلة. ثم تضمنت الامر بعد ذلك بما يؤدي معنى الاخذ بالاحتياط بالاتيان بركعة منفصلة لانه بهذا يتحقق نقض الشك باليقين والاتمام على اليقين والبناء عليه. وعلى هذا، فالرواية تتضمن قاعدة الاستصحاب وتنطبق ايضا على باقي الروايات المبينة لمذهب الخاصة، وان كانت ليست ظاهرة فيه على وجه تكون بيانا لمذهب الخاصة، ولكن صدرها يفسرها. ويظهر أن الامام عليه السلام أوكل الحكم وتفصيله إلى معروفية هذا الحكم عند السائل والى فهمه وذوقه،

[ 267 ]

وانما اراد ان يؤكد على سر هذا الحكم والرد على من يرى خلافه الذي فيه نقض لليقين بالشك وعدم الاخذ باليقين. 4 - رواية محمد بن مسلم محمد بن مسلم عن ابي عبدالله عليه السلام، قال: قال امير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (من كان على يقين فشك، فليمض على يقينه، فان الشك لا ينقض اليقين). وفي رواية أخرى عنه عليه السلام بهذا المضمون: (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه، فان اليقين لا يدفع بالشك). استدل بعضهم بهذه الرواية على الاستصحاب مدعيا ظهورها فيه. ولكن الذي نراه انها غير ظاهرة فيه، فان القدر المسلم منها انها صريحة في ان مبدأ حدوث الشك بعد حدوث اليقين من أجل كلمة الفاء التي تدل على الترتيب. غير ان هذا القدر من البيان يصح ان يراد منه قاعدة اليقين ويصح ان يراد منه قاعدة الاستصحاب، إذ يجوز ان يراد ان اليقين قد زال بحدوث الشك فيتحد زمان متعلقهما فتكون موردا للقاعدة الاولى، ويجوز ان يراد ان اليقين قد بقى إلى زمان الشك فيختلف زمان متعلقهما فتكون موردا للاستصحاب وليس في الرواية ظهور في احدهما بالخصوص (1)، وان قال الشيخ الانصاري: انها ظاهرة في وحدة زمان متعلقهما، ولذلك قرب ان تكون دالة على قاعدة اليقين، وقال الشيخ الآخند: انها ظاهرة في اختلاف زمان متعلقهما، فقرب ان تكون دالة على الاستصحاب. وقد ذكر كل منهما تقريبات لما استظهره لا نراها ناهضة على مطلوبهما.


(1) لا يخفى ان هنا مقدمة مطوية يجب التنبيه لها، وهي أن تجرد كلمة اليقين والشك في الرواية من ذكر المتعلق يدل على وحدة المتعلق، يعني أن هذا التجرد يدل على أن ما تعلق به اليقين هو نفس ما تعلق به الشك، والا فان من المقطوع به انه ليس المراد اليقين بأي شئ كان والشك بأي شئ كان لا يرتبط بالمتيقن. ولكن كونها دالة على وحدة المتعلق لا يجعلها ظاهرة في كونه واحدا في جميع الجهات حتى من جهة الزمان لتكون ظاهرة في قاعدة اليقين كما قيل. (*)

[ 268 ]

وعليه فتكون الرواية مجملة من هذه الناحية، الا إذا جوزنا الجمع في التعبير بين القاعدتين وحينئذ تدل عليهما معا، يعني انها تدل على ان اليقين بما هو يقين لا يجوز نقضه بالشك سواء كان ذلك اليقين هو المجامع للشك أو غير المجامع له، وقيل: انه لا يجوز الجمع في التعبير بين القاعدتين لانه يلزم استعمال اللفظ في اكثر من معنى وهو مستحيل. وسيأتي ان شاء الله تعالى ما ينفع في المقام. نعم يمكن دعوى ظهورها في الاستصحاب بالخصوص، بان يقال - كما قربه بعض اساتذتنا -: ان الظاهر في كل كلام هو اتحاد زمان النسبة مع زمان الجري، فقوله عليه السلام: (فليمض على يقينه) يكون ظاهرا في ان زمان نسبة وجوب المضي على اليقين نفس زمان حصول اليقين. ولا ينطبق ذلك الا على الاستصحاب لبقاء اليقين في مورده محفوظا إلى زمان العمل به. واما قاعدة اليقين فان موردها الشك الساري فيكون اليقين في ظرف وجوب العمل به معدوما. ولعله من أجل هذا الظهور استظهر من استظهر دلالة الرواية على الاستصحاب. 5 - مكاتبة علي بن محمد القاساني قال: كتبت إليه - وانا بالمدينة - عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام أم لا ؟ فكتب: اليقين لا يدخله الشك. صم للرؤية وافطر للرؤية. قال الشيخ الانصاري: (والانصاف ان هذه الرواية اظهرها في هذا الباب، الا ان سندها غير سليم). وذكر في وجه دلالتها: (ان تفريع تحديد كل من الصوم والافطار على رؤية هلالي رمضان وشوال لا يستقيم الا بارادة عدم جعل اليقين السابق مدخولا بالشك، أي مزاحما به). وقد اورد عليه صاحب الكفاية بما محصله مع توضيح منا: انا نمنع من ظهور هذه الرواية في الاستصحاب فضلا عن أظهريتها، نظر إلى ان دلالتها عليه تتوقف على أن يراد من اليقين اليقين بعدم دخول رمضان وعدم دخول شوال، ولكن ليس من البعيد ان يكون المراد به اليقين بدخول رمضان المنوط به وجوب الصوم واليقين بدخول شوال المنوط به وجوب الافطار. ومعنى انه لا يدخله الشك انه لا يعطي حكم اليقين للشك ولا ينزل منزلته، بل المدار

[ 269 ]

في وجوب الصوم والافطار على اليقين فقط، فانه وحده هو المناط في وجوبهما، أي ان الصوم والافطار يدوران مداره. ولذا قال بعده: (صم للرؤية وافطر للرؤية) مؤكدا لاشتراط وجوب الصوم والافطار باليقين. وهذا المضمون دلت عليه جملة من الاخبار بقريب من هذا التعبير مما يقرب ارادته من هذه الرواية ويؤكده. ولا بأس في ذكر بعض هذه الاخبار لتتضح موافقتها لهذه الرواية: (منها) قول ابي جعفر عليه السلام: (إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا. وليس بالرأي ولا بالتظني، ولكن بالرؤية). و (منها): صم للرؤية وافطر للرؤية. واياك والشك والظن. فان خفى عليكم فأتموا الشهر الاول ثلاثين. و (منها): صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن. مدى دلالة الاخبار ان تلك الاخبار العامة المتقدمة هي أهم ما استدل به للاستصحاب. وهناك اخبار خاصة تؤيدها. ذكر بعضها الشيخ الانصاري، ونحن نذكر واحدة منها للاستئناس، وهي رواية عبدالله بن سنان الواردة فيمن يعير ثوبه الذمي وهو يعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير. قال: فهل علي أن اغسله ؟ فقال: لا ! لانك أعرته اياه وهو طاهر، ولم تستيقن انه نجسه. قال الشيخ: (وفيها دلالة واضحة على أن وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله هو سبق طهارته وعدم العلم بارتفاعها). والمهم لنا ان نبحث الآن عن مدى دلالة تكلم الاخبار من جهة بعض التفصيلات المهمة في الاستصحاب، فنقول: 1 - التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية: إن المنسوب إلى الاخباريين اعتبار الاستصحاب في خصوص الشبهة

[ 270 ]

الموضوعية، وأما الشبهات الحكمية مطلقا فعلى القاعدة عندهم من وجوب الرجوع إلى قاعدة الاحتياط. وعلل ذلك بعضهم بان اخبار الاستصحاب لا عموم لها ولا اطلاق يشمل الشبهة الحكمية، لان القدر المتيقن منها خصوص الشبهة الموضوعية، لا سيما ان بعضها وارد في خصوصها، فلا تعارض أدلة الاحتياط. ولكن الانصاف ان لاخبار الاستصحاب من قوة الاطلاق والشمول ما يجعلها ظاهرة في شمولها للشبهة الحكمية، ولا سيما ان أكثرها وارد مورد التعليل وظاهرها تعليق الحكم على اليقين من جهة ما هو يقين، كما سبق بيان ذلك في الصحيحة الاولى. فيكون شمولها للشبهة الحكمية حينئذ من باب التمسك بالعلة المنصوصة. على أن رواية محمد بن مسلم المتقدمة عامة لم ترد في خصوص الشبهة الموضوعية. فالحق شمول الاخبار للشبهتين. واما أدلة الاحتياط فقد تقدمت المناقشة في دلالتها فلا تصلح لمعارضة أدلة الاستصحاب. 2 - التفصيل بين الشك في المقتضى والرافع: هذا هو القول التاسع المتقدم، والاصل فيه المحقق الحلي، ثم المحقق الخونساري، وأيده كل التأييد الشيخ الاعظم، وقد دعمه جملة من تأخر عنه. وخالفهم في ذلك الشيخ الاخند فذهب إلى اعتبار الاستصحاب مطلقا وهو الحق ولكن بطريقة أخرى غير التي سلكها الشيخ الاخند. ومن أجل هذا اصبح هذا التفصيل من اهم الاقوال التي عليها مدار المناقشات العلمية في عصرنا. ويلزمنا النظر فيه من جهتين: من جهة المقصود من المقتضى والمانع، ومن جهة مدى دلالة الاخبار عليه. 1 - المقصود من المقتضى والمانع ونحيل ذلك إلى تصريح الشيخ نفسه فقد قال: (المراد بالشك من جهة المقتضى: الشك من حيث استعداده وقابليته في ذاته للبقاء، كالشك في بقاء الليل والنهار وخيار الغبن بعد الزمان الاول). فيفهم منه انه ليس المراد من المقتضى - كما قد ينصرف ذلك من اطلاق كلمة المقتضى - مقتضي الحكم اي الملاك والمصلحة فيه، ولا المقتضي لوجود

[ 271 ]

الشئ في باب الاسباب والمسببات بحسب الجعل الشرعي، مثل ؟ ؟ أن يقال: ان الوضوء مقتض للطهارة وعقد النكاح مقتض للزوجية. بل المراد نفس استعداد المستصحب في ذاته للبقاء وقابليته له من أية جهة كانت تلك القابلية وسواء فهمت هذه القابلية من الدليل أو من الخارج. ويختلف ذلك باختلاف المستصحبات وأحوالها، فليس فيه نوع ولا صنف مضبوط من حيث مقدار الاستعداد، كما صرح بذلك الشيخ. والتعبير عن الشك في القابلية بالشك في المقتضي فيه نوع من المسامحة توجب الايهام. وينبغي أن يعبر عنه بالشك في اقتضائه للبقاء لا الشك في المقتضي، ولكن بعد وضوح المقصود فالامر سهل. واما الشك في الرافع، فعلى هذا يكون المقصود منه الشك في طرو ما يرفع المستصحب مع القطع باستعداده وقابليته للبقاء لولا طرو الرفع، كما صرح به الشيخ، وذكر انه على اقسام. والمتحصل من مجموع كلامه في جملة مقامات انه ينقسم إلى قسمين رئيسين: الشك في وجود الرافع والشك في رافعية الموجود. وهذا القسم الثاني انكر المحقق السبزواري حجية الاستصحاب فيه باقسامه الثلاثة الآتية وهو القول العاشر في تعداد الاقوال. ونحن نذكر هذه الاقسام لتوضيح مقصود الشيخ. 1 - (الشك في وجود الرافع). ومثل له بالشك في حدوث البول مع العلم بسبق الطهارة. وهو رحمه الله لا يعني به إلا الشك في الشبهة الموضوعية خاصة واما ما كان في الشبهة الحكمية فلا يعمه كلامه، لان الشك في وجود الرافع فيها ينحصر عنده في الشك في النسخ خاصة لانه لا معنى لرفع الحكم إلا نسخه. وأجراء الاستصحاب في عدم النسخ - كما قال - اجماعي بل ضروري. والسر في ذلك ما تقدم في مباحث النسخ في الجزء الثالث من أن اجماع المسلمين قائم على انه لا يصح النسخ الا بدليل قطعي، فمع الشك لا بد أن يؤخذ بالحكم السابق المشكوك نسخه، أي ان الاصل عدم النسخ لاجل هذا الاجماع، لا لاجل حجية الاستصحاب. 2 - (الشك في رافعية الموجود). وذلك بأن يحصل شئ معلوم الوجود قطعا ولكن يشك في كونه رافعا للحكم. وهو على اقسام ثلاثة: (الاول) - فيما إذا كان الشك من أجل تردد المستصحب بين ما يكون الموجود رافعا له وبين ما يكون. ومثل له بما إذا علم بانه مشغول الذمة بصلاة

[ 272 ]

ما، في ظهر يوم الجمعة، ولا يعلم انها صلاة الجمعة أو صلاة الظهر فإذا صلى الظهر مثلا فانه يتردد أمره لا محالة في أن هذه الصلاة الموجودة التي وقعت منه هل هي رافعة لشغل الذمة بالتكليف المذكور أو غير رافعة. (الثاني) - فيما إذا كان الشك من أجل الجهل بصفة الموجود في كونه رافعا مستقلا في الشرع، كالمذي المشكوك في كونه ناقضا للطهارة، مع العلم بعدم كونه مصداقا للرافع المعلوم وهو البول. (الثالث) - فيما إذا كان الشك من أجل الجهل بصفة الموجود في كونه مصداقا للرافع المعلوم مفهومه أو من أجل الجهل به في كونه مصداقا للرافع المجهول مفهومه. مثال الاول الشك في الرطوبة الخارجة في كونها بولا، أو مذيا مع معلومية مفهوم البول والمذي وحكمهما. ومثال الثاني الشك في النوم الحادث في كونه غالبا للسمع والبصر أو غالبا للبصر فقط مع الجهل بمفهوم النوم الناقض في انه يشمل النوم الغالب للبصر فقط. ورأي الشيخ ان الاستصحاب يجري في جميع هذه الاقسام، سواء كان شكا في وجود الرافع أو في رافعية الموجود بأقسامه الثلاثة، خلافا للمحقق السبزواري إذ اعتبر الاستصحاب في الشك في وجود الرافع فقط دون الشك في رافعية الموجود كما تقدمت الاشارة إلى ذلك. 2 - مدى دلالة الاخبار على هذا التفصيل قال الشيخ الاعظم: (ان حقيقة النقض هو رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل. والاقرب إليه على تقدير مجازيته هو رفع الامر الثابت) إلى ان قال: (فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار). وعليه، فلا يشمل اليقين المنهي عن نقضه بالشك في الاخبار اليقين إذا تعلق بأمر ليس من شأنه الاستمرار أو المشكوك استمراره. توضيح مقصوده مع المحافظة على الفاظه حد الامكان: ان النقض لغة لما كان معناه رفع الهيئة الاتصالية كما في نقض الحبل، فان هذا المعنى الحقيقي ليس هو المراد من الروايات قطعا، لان المفروض في مواردها طرو الشك في استمرار المتيقن، فلا هيئة اتصالية باقية لليقين ولا لمتعلقه بعد الشك في بقائه واستمراره.

[ 273 ]

فيتعين ان يكون اسناد النقض إلى اليقين على نحو المجاز، ولكن هذا المجاز له معنيان يدور الامر بينهما، وإذا تعددت المعاني المجازية فلا بد أن يحمل اللفظ على اقربها إلى المعنى الحقيقي. وهذا يكون قرينة معينة للمعنى المجازي. وهنا المعنيان المجازيان أحدهما أقرب من الآخر، وهما: 1 - ان يراد من النقض مطلق رفع اليد عن الشئ وترك العمل به وترتيب الاثر عليه ولو لعدم المقتضي له، فيكون المنقوض عاما شاملا لكل يقين. 2 - ان يراد منه رفع الامر الثابت. وهذا المعنى الثاني هو الاقرب إلى المعنى الحقيقي، فهو الظاهر من اسناد النقض. وحينئذ فيختص متعلقه بما من شأنه الاستمرار المختص بالموارد التي يوجد فيها هذا المعنى. والظاهر رجحان هذا المعنى الثاني على الاول، لان الفعل الخاص بصير مخصصا لمتعلقه إذا كان متعلقه عاما، كما في قول القائل: (لا تضرب أحدا)، فان الضرب يكون قرينة على اختصاص متعلقه بالاحياء، ولا يكون عمومه للاموات قرينة على ارادة مطلق الضرب. * * * هذه خلاصة ما أفاده الشيخ، وقد وقعت فيه عدة مناقشات نذكر أهمها ونذكر ما عندنا ليتضح مقصوده وليتجلى الحق ان شاء الله تعالى: 1 - (المناقشة الاولى) - ان النقض يقابل الابرام. والنقض كما فسروه في اللغة -: افساد ما أبرمت من عقد أو بناء أو حبل أو نحو ذلك. وعليه، فتفسيره من الشيخ برفع الهيئة الاتصالية ليس واضحا بل ليس صحيحا، إذ ان مقابل الاتصال الانفصال، فيكون معنى النقض حينئذ انفصال المتصل. وهو بعيد جدا عن معنى نقض العهد والعقد. اقول: ليس من البعيد أن يريد الشيخ من الاتصال ما يقابل الانحلال وإن كان ذلك على نحو المسامحة منه في التعبير، لا ما يقابل الانفصال. فلا اشكال.

[ 274 ]

2 - (المناقشة الثانية)، وهي أهم مناقشة عليها يبتني صحة استدلاله على التفصيل أو بطلانه. وحاصلها: ان هذا التوجيه من الشيخ للاستدلال يتوقف على التصرف في اليقين بارادة المتيقن منه، كما نبه عليه نفسه، لانه لو كان النقض مستندا إلى نفس اليقين كما هو ظاهر التعبير فان اليقين بنفسه مبرم ومحكم فيصح اسناد النقض إليه ولو لم يكن لمتعلقه في ذاته استعداد البقاء، ضرورة انه لا يحتاج فرض الابرام في المنقوض إلى فرض ان يكون متعلق اليقين ثابتا ومبرما في نفسه حتى تختص حرمة النقص بالشك في الرافع. ولكن لا يصح ارادة المتيقن من اليقين على وجه يكون الاسناد اللفظي إلى نفس المتيقن، لانه انما يصح ذلك إذا كان على نحو المجاز في الكلمة أو على نحو حذف المضاف، وكلا الوجهين بعيدان كل البعد إذ لا علاقة بين اليقين والمتيقن حتى يصح استعمال احدهما مكان الآخر على نحو المجاز في الكلمة، بل ينبغي ان يعد ذلك من الاغلاط. واما تقدير المضاف بأن نقدر متعلق اليقين أو نحو ذلك فان تقدير المحذوف يحتاج إلى قرينة لفظية مفقودة. ومن أجل هذا استظهر المحقق الآخند عموم الاخبار لموردي الشك في المقتضي والرافع، لان النقض إذا كان مسندا إلى نفس اليقين فلا يحتاج في صحة اسناد النقض إليه إلى فرض ان يكون المتيقن مما له استعداد للبقاء. اقول: ان البحث عن هذا الموضوع بجميع اطرافه وتعقيب كل ما قيل في هذا الشأن من اساتذتنا وغيرهم يخرجنا عن طور هذه الرسالة، فالجدير بنا أن نكتفي بذكر خلاصة ما نراه من الحق في المسألة متجنبين الاشارة إلى خصوصيات الآراء والاقوال فيها حد الامكان. وعليه فنقول: ينبغي تقديم مقدمات قبل بيان المختار، وهي: (اولا) - انه لا شك في ان النقض المنهي عنه مسند إلى اليقين في لفظ الاخبار، وظاهرها ان وثاقة اليقين من جهة ما هو يقين هي المقتضية للتمسك به وعدم نقضه في قبال الشك الذي هو عين الوهن والتزلزل، لا سيما مع التعبير في بعضها بقوله عليه السلام: (لا ينبغي)، والتعليل في البعض الآخر بوجود اليقين المشعر بعليته للحكم كما سبق بيانه في قوله عليه السلام: (فانه على يقين من وضوئه)، ولا سيما مع مقابلة اليقين بالشك، ولا شك انه ليس المراد من الشك المشكوك.

[ 275 ]

وعلى هذا يتضح جليا ان حمل اليقين على إرادة المتيقن على وجه يكون الاسناد اللفظي إلى المتيقن بنحو المجاز في الكلمة أو بنحو حذف المضاف خلاف الظاهر منها بل خلاف سياقها بل مستهجن جدا فيتأيد ما قاله المعترض ولذا استبعد شيخنا المحقق النائيني ان يريد الشيخ الاعظم من المجاز المجاز في الكلمة، وهو استبعاد في محله وأبعد منه ارادة حذف المضاف. (ثانيا) - انه من المسلم به عند الجميع الذي لا شك فيه ايضا ان النهي عن نقض اليقين في الاخبار ليس على حقيقته. والسر واضح، لان اليقين حسن الفرض منتقض فعلا بالشك فلا يقع تحت اختيار المكلف فلا يصح النهي عنه. وحينئذ، فلا معنى للنهي عنه إلا ان يراد به عدم الاعتناء بالشك عملا والبناء عليه كأنه لم يكن، لغرض ترتيب احكام اليقين عند الشك، ولكن لا يصح ان يقصد احكام اليقين من جهة انه صفة من الصفات لارتفاع احكامه بارتفاعه قطعا، فلم يكن رفع اليد عن الحكم عملا نقضا له بالشك بل باليقين لزوال موضوع الحكم قطعا. وعليه، فالمراد من الاحكام الاحكام الثابتة للمتيقن بواسطة اليقين به، فهو تعبير آخر عن الامر بالعمل بالحالة السابقة في الوقت اللاحق. بمعنى وجوب العمل في مقام الشك بمثل العمل في مقام اليقين كأن الشك لم يكن، فكأنه قال: اعمل في حال شكك كما كنت تعمل في حال يقينك ولا تعتني بالشك. إذا عرفت ذلك فيبقى ان نعرف على أي وجه يصح أن يكون التعبير بحرمة نقض اليقين تعبيرا عن ذلك المعنى، فان ذلك لا يخلو بحسب التصور عن أحد أمور اربعة: 1 - ان يكون المراد من اليقين المتيقن على نحو المجاز في الكلمة. 2 - ان يكون النقض أيضا متعلقا في لسان الدليل بنفس المتيقن ولكن على حذف المضاف. 3 - ان يكون النقض المنهي عنه مسندا إلى اليقين على نحو المجاز في الاسناد ويكون في الحقيقة مسندا إلى نفس المتيقن، والمصحح لذلك اتحاد اليقين والمتيقن أو كون اليقين آلة وطريقا إلى المتيقن.

[ 276 ]

4 - ان يكون النهي عن نقض اليقين كناية عن لزوم العمل بالمتيقن واجراء احكامه، لان ذلك لازم معناه، باعتبار ان اليقين بالشئ مقتض للعمل به، فحله يلازم رفع اليد عن ذلك الشئ أو عن حكمه، إذ لا يبقى حينئذ ما يقتضي العمل به، فالنهي عن حله يلزمه النهي عن ترك مقتضاه، اعني النهي عن ترك العمل بمتعلقه. وقد عرفت في (المقدمة الاولى) وفي مناقشة الشيخ بعد إرادة الوجهين الاولين، فيدور الامر بين الثالث والرابع، والرابع هو الاوجه والاقرب، ولعله هو مراد الشيخ الاعظم، وان كان الذي يبدو من بعض تعبيراته ارادة الوجه الاول الذي استبعد شيخنا المحقق النائيني ان يكون مقصوده ذلك كما تقدم. اما هو - اعني شيخنا النائيني - فلم يصرح بارادة أي من الوجهين الآخرين، والانسب في عبارة بعض المقررين لبحثه ارادة الوجه الثالث إذ قال: (انه يصح ورود النقض على اليقين بعناية المتيقن). وعلى كل حال فالوجه الرابع اعني الاستعمال الكنائي أقرب الوجوه واولاها، وفيه من البلاغة في البيان ما ليس في غيره، كما ان فيه المحافظة على ظهور الاخبار وسياقها في اسناد النقض إلى نفس اليقين، وقد استظهرنا منها كما تقدم في المقدمة الاولى ان وثاقة اليقين بما هو يقين هي المقتضية للتمسك به. وفي الكناية - كما هو المعروف - بيان للمراد مع اقامة الدليل عليه، فان المراد الاستعمالي هنا الذي هو حرمة نقض اليقين بالشك يكون كالدليل والمستند للمراد الجدي المقصود الاصلي في البيان، والمراد الجدي هو لزوم العمل على وفق المتيقن بلسان النهي عن نقض اليقين. (ثالثا) - بعد ما تقدم ان نسأل عن المراد من النقض في الاخبار هل المراد النقض الحقيقي أو النقض العملي ؟ المعروف ان ارادة النقض الحقيقي محال فلا بد أن يراد النقض العملي، لان نقض اليقين - كما تقدم - ليس تحت اختيار المكلف فلا يصح النهي عنه. وعلى هذا بنى الشيخ الاعظم وصاحب الكفاية وغيرهما. ولكن التدقيق في المسألة يعطي غير هذا: انما يلزم هذا المحذور لو كان النهي عن نقض اليقين مرادا جديدا، اما على ما ذكرناه من أنه على وجه الكناية، فانه - كما ذكرنا - يكون مرادا استعماليا فقط، ولا محذور في كون المراد الاستعمالي - في الكناية - محالا أو كاذبا في نفسه، انما المحذور إذا كان المراد الجدي المكنى عنه كذلك.

[ 277 ]

وعليه، فحمل النقض على معناه الحقيقي اولى ما دام ان ذلك يصح بلا محذور. النتيجة: إنه إذا تمت هذه المقدمات فصح اسناد النقض الحقيقي إلى اليقين من أجل وثاقته من جهة ما هو يقين، وان كان النهي عنه يراد به لازم معناه على سبيل الكناية - فانا نقول: ان اليقين لما كان في نفسه مبرما ومحكما فلا يحتاج في صحة اسناد النقض إليه إلى فرض ان يكون متعلقه مما له استعداد في ذاته للبقاء، وإنما يلزم ذلك لو كان الاسناد اللفظي إلى نفس المتيقن ولو على نحو المجاز. وأما كون ان المراد الجدي هو النهي عن ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن، فان ذلك مراد لبي وليس فيه اسناد للنقض إلى المتيقن في مقام اللفظ حتى يكون ذلك قرينة لفظية على المراد من المتيقن. والسر في ذلك ان الكناية لا يقدر فيها لفظ المكنى عنه على ان المكنى عنه ليس هو حرمة نقض المتيقن بل - كما تقدم - هو حرمة ترك مقتضى اليقين الذي هو عبارة عن لزوم العمل بالمتيقن، فلا نقض مسند إلى المتيقن لا لفظا ولا لبا، حتى يكون ذلك قرينة على ان المراد من المتيقن هو ماله استعداد في ذاته للبقاء لاجل ان يكون مبرما يصح اسناد النقض إليه. الخلاصة: وخلاصة ما توصلنا إليه هو: ان الحق ان النقض مسند إلى نفس اليقين بلا مجاز في الكلمة ولا في الاسناد ولا على حذف مضاف، ولكن النهي عنه جعل عنوانا على سبيل الكناية عن لازم معناه، وهو لزوم الاخذ بالمتيقن في ثاني الحال بترتيب آثاره الشرعية عليه، وهذا المكنى عنه عبارة أخرى عن الحكم ببقاء المتيقن. وإذا كان النهي عن نقض اليقين من باب الكناية فلا يستدعي ذلك ان نفرض في متعلقه استعداد البقاء ليتحقق معنى النقض لانه متحقق بدون ذلك. وعليه فمقتضى الاخبار حجية الاستصحاب في موردي الشك في المقتضى والرافع معا. ونحن إذا توصلنا إلى هنا من بيان حجية الاستصحاب مطلقا في مقابل

[ 278 ]

التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ الانصاري - لا نجد كثير حاجة في التعرض للتفصيلات الاخرى في هذا المختصر ونحيل ذلك إلى المطولات لا سيما رسالة الشيخ في الاستصحاب فان في ما ذكره الغنى والكفاية. * * *

[ 279 ]

تنبيهات الاستصحاب بعد فراغ الشيخ الانصاري من ذكر الاقوال في المسألة ومناقشتها شرع في بيان أمور تتعلق به بلغت اثني عشر أمرا، واشتهرت باسم (تنبيهات الاستصحاب)، فصار لها شأن كبير عند الاصوليين، وصارت موضع عنايتهم، لما لاكثرها من الفوائد الكبيرة في الفقه ولما لها من المباحث الدقيقة الاصولية. وزاد فيها شيخ أساتذتنا في الكفاية تنبيهين فصارت اربعة عشر تنبيها. ونحن ذاكرون بعون الله تعالى أهمها متوخين الاختصار حد الامكان والاقتصار على ما ينفع الطالب المبتدئ. التنبيه الاول استصحاب الكلي (1) الغرض من استصحاب الكلي: هو استصحابه فيما إذا تيقن بوجوده في ضمن فرد من أفراد ثم شك في بقاء نفس ذلك الكلي. وهذا الشك في بقاء الكلي في ضمن أفراده يتصور على انحاء ثلاثة عرفت باسم اقسام استصحاب الكلي: 1 - ان يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في بقاء نفس ذلك الفرد الذي تيقن بوجوده. 2 - ان يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في تعيين ذلك الفرد المتيقن سابقا بأن يتردد الفرد بين ما هو باق جزما وبين ما هو مرتفع جزما، اي انه كان قد تيقن على الاجمال بوجود فرد ما من أفراد الكلي فيتيقن بوجود الكلي في ضمنه، ولكن هذا الفرد الواقعي مردد عنده بين ان يكون له عمر طويل فهو باق جزما في الزمان الثاني وبين ان يكون له عمر قصير فهو مرتفع جزما في الزمان الثاني. ومن أجل هذا الترديد يحصل له الشك في بقاء الكلي. مثاله: ما إذا علم على الاجمال بخروج بلل مردد بين أن يكون بولا أو


(1) هذا هو التنبيه الاول في تعداد الرسائل والتنبيه الثالث في تعداد الكفاية. (*)

[ 280 ]

منيا، ثم توضأ فانه في هذا الحال يتيقن بحصول الحدث الكلي في ضمن هذا الفرد المردد، فان كان البلل بولا فحدثه أصغر قد ارتفع بالوضوء جزما وان كان منيا فحدثه اكبر لم يرتفع بالوضوء، فعلى القول بجريان استصحاب الكلي يستصحب هنا كلي الحدث، فتترتب عليه آثار كلي الحدث مثل حرمة مس المصحف، أما آثار خصوص الحدث الاكبر أو الاصغر فلا تترتب مثل حرمة دخول المسجد وقراءة العزائم. 3 - ان يكون الشك في بقاء الكلي من جهة الشك في وجود فرد آخر مقام الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه، أي ان الشك في بقاء الكلي مستند إلى احتمال وجود فرد ثان غير الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه، لانه ان كان الفرد الثاني قد وجد واقعا فان الكلي باق بوجوده وان لم يكن قد وجد فقد انقطع وجود الكلي بارتفاع الفرد الاول. أما (القسم الاول) - فالحق فيه جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلي فيترتب عليه أثره الشرعي، كما لا كلام في جريان استصحاب نفس الفرد فيترتب عليه أثره الشرعي بما له من الخصوصية الفردية. وهذا لا خلاف فيه. وأما (القسم الثاني) - فالحق فيه أيضا جريان الاستصحاب بالنسبة إلى الكلي، واما بالنسبة إلى الفرد فلا يجري قطعا، بل الفرد يجري فيه استصحاب عدم خصوصية الفرد، ففي المثال المتقدم يجري استصحاب كلي الحدث بعد الوضوء فلا يجوز له مس المصحف، اما بالنسبة إلى خصوصية الفرد فالاصل عدمها، فما هو آثار خصوص الجنابة مثلا لا يجب الاخذ بها فلا يحرم قبل الغسل ما يحرم على الجنب من نحو دخول المساجد وقراءة العزائم كما تقدم. ولاجل بيان صحة جريان الاستصحاب في الكلي في هذا القسم الثاني وحصول اركانه لابد من ذكر ما قيل انه مانع من جريانه والجواب عنه. وقد اشار الشيخ إلى وجهين في المنع وأجاب عنهما، وهما كل ما يمكن ان يقال في المنع: (الاول) - قال: (وتوهم عدم جريان الاصل في القدر المشترك من حيث دورانه بين ما هو مقطوع الانتفاء وما هو مشكوك الحدوث وهو محكوم الانتفاء بحكم الاصل). توضيح التوهم: ان أهم أركان الاستصحاب هو اليقين بالحدوث والشك في البقاء، وفي المقام ان حصل الركن الاول وهو اليقين بالحدوث، فان الركن

[ 281 ]

الثاني وهو الشك في البقاء غير حاصل. وجه ذلك ان الكلي لا وجود له الا بوجود أفراده، ومن الواضح ان وجود الكلي في ضمن الفرد القصير مقطوع الارتفاع في الزمان الثاني وجدانا، وأما وجوده في ضمن الفرد الطويل فهو مشكوك الحدوث من أول الامر وهو منفي بالاصل فيكون الكلي مرتفعا في الزمان الثاني إما وجدانا أو بالاصل تعبدا، فلا شك في بقائه. والجواب: ان هذا التوهم فيه خلط بين الكلي وفرده، أو فقل فيه خلط بين ذات الحصة من الكلي أي ذات الكلي الطبيعي وبين الحصة منه بما لها من الخصوصية والتعين الخاص، فان الذي هو معلوم الارتفاع اما وجدانا لو تعبدا انما هو الحصة بما لها من التعين الخاص، وهي بالاضافة إلى ذلك غير معلومة الحدوث أيضا، فلم يتحقق فيها الركنان معا، لانه كما ان كل فرد من الفردين مشكوك الحدوث في نفسه فان الحصة الموجودة به بما لها من التعين الخاص كذلك مشكوكة الحدوث، إذ لا يقين بوجود هذه الحصة ولا يقين بوجود تلك الحصة، ولا موجود ثالث حسب الفرض. واما ذات الحصة المتعينة واقعا لا بما لها من التعين الخاص بهذا الفرد أو بذلك الفرد أي القدر المشترك بينهما، ففي الوقت الذي هي فيه معلومة الحدوث هي مشكوكة البقاء إذ لا علم بارتفاعها ولا تعبد بارتفاعها بل لاجل القطع بزوال التعين الخاص يشك في ارتفاعها وبقائها لاحتمال كون تعينها هو التعين الباقي أو هو التعين الزائل، وارتفاع الفرد لا يقتضي الا ارتفاع الحصة المتعينة به، وهي كما قدمنا غير معلومة الحدوث وانما المعلوم ذات الحصة أي القدر المشترك. والحاصل: ان ما هو غير مشكوك البقاء اما وجدانا أو تعبدا لا يقين بحدوثه اصلا وهو الحصة بما لها من التعين الخاص وما هو متيقن الحدوث هو مشكوك البقاء وجدانا وهو ذات الحصة لا بما لها من التعين الخاص. وقد اشار الشيخ إلى هذا الجواب بقوله: (انه لا يقدح ذلك في استصحابه بعد فرض الشك في بقائه وارتفاعه). (الثاني) - قال الشيخ الاعظم: (توهم كون الشك في بقائه مسببا عن الشك في حدوث ذلك المشكوك، فإذا حكم باصالة عدم حدوثه لزمه ارتفاع القدر المشترك لانه من آثاره). والجواب الصحيح هو ما اشار إليه بقوله: (ان ارتفاع القدر المشترك من لوازم كون الحادث ذلك الامر المقطوع الارتفاع لا من لوازم عدم حدوث

[ 282 ]

الامر الآخر. نعم اللازم من عدم حدوثه هو عدم وجود ما هو في ضمنه من القدر المشترك في الزمان الثاني لا ارتفاع القدر المشترك بين الامرين. وبينهما فرق واضح). توضيح ما افاده من الجواب: انا نمنع ان يكون الشك في بقاء القدر المشترك - أي الكلي - مسببا عن الشك في حدوث الفرد الطويل وعدمه، لان وجود الكلي - حسب الفرض - متيقن الحدوث من أول الامر اما في ضمن القصير أو الطويل فلا يعقل ان يكون عدمه بعد وجوده مستندا إلى عدم الفرد الطويل من الاول وإلا لما وجد من الاول، بل في الحقيقة ان الشك في بقاء الكلي أي في وجوده وعدمه بعد فرض القطع بوجوده مستند إلى احتمال وجود هذا الفرد الطويل مع احتمال وجود ذلك الفرد القصير يعني يستند إلى الاحتمالين معا لا لخصوص احتمال وجود الطويل، إذ يحتمل بقاء وجوده الاول لاحتمال حدوث الطويل ويحتمل عدمه بعد الوجود لاحتمال حدوث القصير المرتفع قطعا في ثاني الحال. والحاصل: ان احتمال وجود الكلى وعدمه في ثاني الحال مسبب عن الشك في ان الحادث المعلوم هل هو الطويل أو القصير، لا انه مسبب عن خصوص احتمال حدوث الطويل حتى يكون نفيه بالاصل موجبا لنفي الشك في وجود الكلي في ثاني الحال، فلا بد من نفي كل من الفردين بالاصل حتى يكون ذلك موجبا لارتفاع القدر المشترك والاصلان معا لا يجريان مع فرض العلم الاجمالي. وأما (القسم الثالث) - وهو ما إذا كان الشك في بقاء الكلى مستندا إلى احتمال وجود فرد ثان غير الفرد المعلوم حدوثه ثم ارتفاعه - فهو على نحوين: 1 - ان يحتمل حدوث الفرد الثاني في ظرف وجود الاول. 2 - ان يحتمل حدوثه مقارنا لارتفاع الاول، وهو على نحوين: اما يتبدله إليه أو بمجرد المقارنة الاتفاقية بين ارتفاع الاول وحدوث الثاني. وفي جريان الاستصحاب في هذا (القسم الثالث) من الكلى احتمالات أو أقوال ثلاثة: أ - جريانه مطلقا. ب - عدم جريانه مطلقا.

[ 283 ]

ج‍ - التفصيل بين النحوين المذكورين، فيجري في الاول دون الثاني مطلقا. وهذا التفصيل هو الذي مال إليه الشيخ الاعظم. والسر في الخلاف يعود إلى: أن الاركان في الاستصحاب هل هي متوفرة هنا أو غير متوفرة، والمشكوك توفره في المقام هو الركن الخامس، وهو اتحاد متعلق اليقين والشك. ولا شك في أن الكلي المتيقن نفسه هو المشكوك بقاؤه في هذا القسم فهو واحد نوعا، فينبغي ان يسأل: أولا - هل هذه الوحدة النوعية بين المتيقن والمشكوك كافية في تحقق الوحدة المعتبرة في الاستصحاب أو غير كافية بل لا بد له من وحدة خارجية. ثانيا - بعد فرض عدم كفاية الوحدة النوعية هل أن الكلى الطبيعي له وحدة خارجية بوجود أفراده، بمعنى انه يكون بوحدته الخارجية معروضا لتعينات أفراده المتبائنة، بناء على ما قيل من ان نسبة الكلى إلى افراده من باب نسبة الاب الواحد إلى الابناء الكثيرة كما نقل ذلك ابن سينا عن بعض من عاصره، أو ان الكلى الطبيعي لا وجود له إلا بوجود أفراده بالعرض ففي كل فرد حصة موجودة منه غير الحصة الموجودة في فرد آخر، فلا تكون له وحدة خارجية بوجود أفراده المتعددة بل نسبته إلى افراده من قبيل نسبة الآباء المتعددة إلى الابناء المتعددة، وهذا هو المعروف عند المحققين. فالقائل بجريان الاستصحاب في هذا القسم اما أن يلتزم بكفاية الوحدة النوعية في تحقق ركن الاستصحاب واما ان يلتزم بأن الكلى له وحدة خارجية بوجود افراده المتعددة، وإلا فلا يجري الاستصحاب. وإذا اتضح هذا التحليل الدقيق لمنشأ الاقوال في المسألة يتضح الحق فيها، وهو القول الثاني وهو عدم جريان الاستصحاب مطلقا. أما (اولا)، فلانه من الواضح عدم كفاية الوحدة النوعية في الاستصحاب، لان معنى بقاء المستصحب فيه هو استمراره خارجا بعد اليقين به. ونحن لا نعني من استصحاب الكلى استصحاب نفس الماهية من حيث هي فان هذا لا معنى له، بل المراد استصحابها بما لها من الوجود الخارجي لغرض ترتيب احكامها الفعلية. وأما (ثانيا)، فلانه من الواضح أيضا ان الحق ان نسبة الكلي إلى أفراده

[ 284 ]

من قبيل نسبة الآباء إلى الابناء، لانه من الضروري أن الكلي لا وجود له إلا بالعرض بوجود أفراده. وفي مقامنا قد وجدت حصة من الكلي وقد ارتفعت هذه الحصة يقينا، والحصة الاخرى منه في الفرد الثاني هي من أول الامر مشكوكة الحدوث، فلم يتحد المتيقن والمشكوك. وبهذا يتفرق القسم الثالث عن القسم الثاني من استصحاب الكلي، لانه في القسم الثاني - كما سبق - ذات الحصة من الكلي المتعينة واقعا المعلومة الحدوث على الاجمال هي نفسها مشكوكة البقاء، حيث لا يدرى انها الحصة المضافة إلى الفرد الطويل أو الفرد القصير. وبهذا ايضا يتضح انه لا وجه للتفصيل المتقدم الذي مال إليه الشيخ الاعظم، فان احتمال وجود الفرد الثاني في ظرف وجود الفرد الاول لا يقدم ولا يؤخر ولا يضمن الوحدة الخارجية للمتيقن والمشكوك إلا إذا قلنا بمقالة من يذهب إلى أن نسبة الكلى إلى أفراده من قبيل نسبة الاب الواحد إلى ابنائه، وحاشا الشيخ ان يرى هذا الرأي. ولا شك ان الحصة الموجودة في ضمن الفرد الثاني من أول الامر مشكوكة الحدوث، واما المتيقن حدوثه فهو حصة أخرى وهي في عين الحال متيقنة الارتفاع. ويكون وزان هذا القسم وزان استصحاب الفرد المردد الآتي ذكره. (تنبيه) وقد استثنى من هذا القسم الثالث ما يتسامح به العرف فيعدون الفرد اللاحق المشكوك الحدوث مع الفرد السابق كالمستمر الواحد، مثل ما لو علم السواد الشديد في محل وشك في ارتفاعه أصلا أو تبدله بسواد أضعف، فانه في مثله حكم الجميع بجريان الاستصحاب. ومن هذا الباب ما لو كان شخص كثير الشك ثم شك في زوال صفة كثرة الشك عنه اصلا أو تبدلها إلى مرتبة من الشك دون الاولى. قال الشيخ الاعظم في تعليل جريان الاستصحاب في هذا الباب: العبرة في جريان الاستصحاب عد الموجود السابق مستمرا إلى اللاحق، ولو كان الامر اللاحق على تقدير وجوده مغايرا بحسب الدقة للفرد السابق). يعني ان العبرة في اتحاد المتيقن والمشكوك هو الاتحاد عرفا وبحسب النظر المسامحي وان كانا بحسب الدقة العقلية متغايرين كما في المقام. * * *

[ 285 ]

التنبيه الثاني (1) الشبهة العبائية أو استصحاب الفرد المردد ينقل ان السيد الجليل السيد اسماعيل الصدر قدس سره زار النجف الاشرف ايام الشيخ المحقق الاخند فأثار في أوساطها العلمية مسألة تناقلوها وصارت عندهم موضعا للرد والبدل واشتهرت بالشبهة العبائية. وحاصلها: انه لو وقعت نجاسة على احد طرفي عباءة ولم يعلم انه الطرف الاعلى أو الاسفل، ثم طهر أحد الطرفين وليكن الاسفل مثلا، فان تلك النجاسة المعلومة الحدوث تصبح نفسها مشكوكة الارتفاع فينبغي ان يجري استصحابها، بينما ان مقتضى جريان استصحاب النجاسة في هذه العباءة أن يحكم بنجاسة البدن - مثلا - الملاقي لطرفي العباءة معا. مع ان هذا اللازم باطل قطعا بالضرورة، لان ملاقي أحد طرفي الشبهة المحصورة محكوم عليه بالطهارة بالاجماع كما تقدم في محله. وهنا لم يلاق البدن الا أحد طرفي الشبهة وهو الطرف الاعلى وأما الطرف الاسفل - وان لاقاه - فانه قد خرج عن طرف الشبهة - حسب الفرض - بتطهيره يقينا فلا معنى للحكم بنجاسة ملاقيه. والنكتة في الشبهة ان هذا الاستصحاب يبدو من باب استصحاب الكلي من القسم الثاني، ولا شك في ان مستصحب النجاسة لا بد أن يحكم بنجاسة ملاقيه، بينما انه هنا لا يحكم بنجاسة الملاقي، فيكشف ذلك عن عدم صحة استصحاب الكلي القسم الثاني. وقد استقر الجواب عند المحققين عن هذه الشبهة على: ان هذا الاستصحاب ليس من باب استصحاب الكلي، بل هو من نوع آخر سموه (استصحاب الفرد المردد) وقد اتفقوا على عدم صحة جريانه عدا ما نقل عن بعض الاجلة في حاشيته على كتاب البيع للشيخ الاعظم، إذ قال بما محصله: (بأن تردده بحسب علمنا لا يضر بيقين وجوده سابقا، والمفروض ان أثر القدر المشترك أثر لكل من الفردين، فيمكن ترتيب ذلك الاثر باستصحاب الشخص الواقعي المعلوم سابقا، كما في القسم الاول الذي حكم الشيخ فيه


() لم يذكر هذا التنبيه في الرسائل ولا في الكفاية. (*)

[ 286 ]

باستصحاب كل من الكلي وفرده). أقول: ويجب ان يعلم - قبل كل شئ - الضابط لكون المورد من باب استصحاب الكلي القسم الثاني أو من باب استصحاب الفرد المردد، فان عدم التفرقة بين الموردين هو الموجب للاشتباه وتحكم تلك الشبهة. اذن ما الضابط لهما ؟ ان الضابط في ذلك ان الاثر المراد ترتيبه أما أن يكون أثرا للكلي، أي أثر لذات الحصة من الكلي لا بما لها من التعين الخاص والخصوصية المفردة، أو أثرا للفرد، أي أثر للحصة بما لها من التعين الخاص والخصوصية المفردة. فان كان (الاول) فيكفي فيه استصحاب القدر المشترك أي ذات الحصة الموجودة أما في ضمن الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير انه هو الحادث أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير انه هو الحادث، ويكون ذلك من باب استصحاب الكلي القسم الثاني، وقد تقدم اننا لا نعني من استصحاب الكلي نفس الماهية الكلية بل استصحاب وجودها. وان كان (الثاني) فلا يكفي استصحاب القدر المشترك وانما الذي ينفع استصحاب الفرد بما له من الخصوصية المفردة المفروض فيه انه مردد بين الفرد المقطوع الارتفاع على تقدير انه الحادث أو الفرد المقطوع البقاء على تقدير انه الحادث، ويكون ذلك من باب استصحاب الفرد المردد. إذا عرفت هذا الضابط فالمثال الذي وقعت فيه الشبهة هو من النوع الثاني، لان الموضوع للنجاسة المستصحبة ليس أصل العباءة أو الطرف الكلي منها، بل نجاسة الطرف الخاص بما هو طرف خاص اما الاعلى أو الاسفل. وبعد هذا يبقى أن نتسأل: لماذا لا يصح جريان استصحاب الفرد المردد ؟ نقول: لقد اختلفت تعبيرات الاساتذة في وجهه، فقد قيل: لانه لا يتوفر فيه الركن الثاني وهو الشك في البقاء، وقيل: بل لا يتوفر الركن الاول وهو اليقين بالحدوث فضلا عن الركن الثاني. أما الوجه الاول، فبيانه ان الفرد بما له من الخصوصية مردد حسب الفرض بين ما هو مقطوع البقاء وبين ما هو مقطوع الارتفاع، فلا شك في بقاء الفرد الواقعي الذي كان معلوم الحدوث لانه اما مقطوع البقاء أو مقطوع الارتفاع. واما الوجه الثاني - وهو الاصح - فبيانه: ان اليقين بالحدوث اريد به اليقين بحدوث الفرد مع قطع النظر عن الخصوصية المفردة لانها مجهولة حسب

[ 287 ]

الفرض، فاليقين موجود ولكن المتيقن حينئذ هو الكلي الذي يصلح للانطباق على كل من الفردين. وان أريد به اليقين بالفرد بماله من الخصوصية المفردة فواضح أنه غير حاصل فعلا لان المفروض ان الخصوصية المفردة مجهولة ومرددة بين خصوصيتين، فكيف تكون متيقنة في عين الحال، إذ المردد بما هو مردد لا معنى لان يكون معلوما متعينا، هذا خلف محال، وإنما المعلوم هو القدر المشترك. وفي الحقيقة ان كل علم اجمالي مؤلف من علم وجهل ومتعلق العلم هو القدر المشترك ومتعلق الجهل خصوصياته، وإلا فلا معنى للاجمال في العلم وهو عين اليقين والانكشاف. وانما سمي بالعلم الاجمالي لانضمام الجهل بالخصوصيات إلى العلم بالجامع. وعليه، فان ما هو متيقن - وهو الكلي - لا فائدة في استصحابه لغرض ترتيب أثر الفرد بخصوصه، وماله الاثر المراد ترتبه عليه - وهو الفرد بخصوصيته - غير متيقن بل هو مجهول مردد بين خصوصيتين، فلا يتحقق في استصحاب الفرد المردد ركن اليقين بالحالة السابقة، لا أن الفرد المردد متيقن ولكن لا شك في بقائه. والوجه الاصح هو الثاني كما ذكرنا. واما الوجه الاول - وهو انه لا شك في بقاء المتيقن - فغريب صدوره عن بعض اهل التحقيق، فان كونه مرددا بين ما هو مقطوع البقاء وبين ما هو مقطوع الارتفاع معناه في الحقيقة هو الشك فعلا في بقاء الفرد الواقعي وارتفاعه، لان المفروض ان القطع بالبقاء والقطع بالارتفاع ليسا قطعين فعليين بل كل منهما قطع على تقدير مشكوك، والقطع على تقدير مشكوك ليس قطعا فعلا، بل هو عين الشك. وعلى كل حال، فلا معنى لاستصحاب الفرد المردد، ولا معنى لان يقال المشترك ومتعلق الجهل خصوصياته، وإلا فلا معنى للاجمال في العلم وهو عين اليقين والانكشاف. وانما سمي بالعلم الاجمالي لانضمام الجهل بالخصوصيات إلى العلم بالجامع. وعليه، فان ما هو متيقن - وهو الكلي - لا فائدة في استصحابه لغرض ترتيب أثر الفرد بخصوصه، وماله الاثر المراد ترتبه عليه - وهو الفرد بخصوصيته - غير متيقن بل هو مجهول مردد بين خصوصيتين، فلا يتحقق في استصحاب الفرد المردد ركن اليقين بالحالة السابقة، لا أن الفرد المردد متيقن ولكن لا شك في بقائه. والوجه الاصح هو الثاني كما ذكرنا. واما الوجه الاول - وهو انه لا شك في بقاء المتيقن - فغريب صدوره عن بعض اهل التحقيق، فان كونه مرددا بين ما هو مقطوع البقاء وبين ما هو مقطوع الارتفاع معناه في الحقيقة هو الشك فعلا في بقاء الفرد الواقعي وارتفاعه، لان المفروض ان القطع بالبقاء والقطع بالارتفاع ليسا قطعين فعليين بل كل منهما قطع على تقدير مشكوك، والقطع على تقدير مشكوك ليس قطعا فعلا، بل هو عين الشك. وعلى كل حال، فلا معنى لاستصحاب الفرد المردد، ولا معنى لان يقال - كما سبق عن بعض الاجلة -: (ان تردده بحسب علمنا لا يضر بيقين وجوده سابقا) فانه كيف يكون تردده بحسب علمنا لا يضر باليقين ؟ وهل اليقين إلا العلم ؟ إلا إذا أراد من اليقين بوجوده سابقا اليقين بالقدر المشترك والتردد في الفرد، فاليقين متعلق بشئ والتردد بشئ آخر، فيتوفر ركنا الاستصحاب بالنسبة إلى القدر المشترك لا بالنسبة إلى الفرد المراد استصحابه، فما هو متيقن لا يراد استصحابه وما يراد استصحابه غير متيقن على ما سبق بيانه * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية