الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر ج 1

أصول الفقه

الشيخ محمد رضا المظفر ج 1


[ 1 ]

اصول الفقه مؤلف الشيخ محمد رضا المظفر ناشر: مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم نوبت چاپ - چهارم شهريور 1370 -

[ 2 ]

وضع هذا الكتاب لتبسيط اصول هذا الفن للمبتدئين ليعينهم على الدخول في بحره العميق عندما يبلغون درجة المراهقين. وهو الحلقة المفقودة بين كتاب معالم الاصول وبين كفاية الاصول. يجمع بين سهولة العبارة والاختصار، وبين انتقاء الاراء الحديثة التي تطور إليها هذا الفن.

[ 3 ]

الشيخ محمد رضا المظفر أصول الفقه المجلد الاول -

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمده على آلائه ونصلي على خاتم النبيين محمد وآله الطاهرين المعصومين. تعريف علم الاصول: علم اصول الفقه هو (علم يبحث فيه عن قواعد تقع نتيجتها في طرق استنباط الحكم الشرعي). (مثاله) - ان الصلاة واجبة في الشريعة الاسلامية المقدسة، وقد دل على وجوبها من القرآن الكريم قوله تعالى: (وان أقيموا الصلاة). (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا). ولكن دلالة الآية الاولى متوقفة على ظهور صيغة الامر نحو (أقيموا) هنا - في الوجوب، ومتوقفة أيضا على ان ظهور القرآن حجة يصح الاستدلال به. وهاتان المسألتان يتكفل ببيانهما (علم الاصول). فإذا علم الفقيه من هذا العلم ان صيغة الامر ظاهرة في الوجوب، وان ظهور القرآن حجة - استطاع ان يستنبط من هذه الآية الكريمة المذكورة ان الصلاة واجبة. وهكذا في كل حكم شرعي مستفاد من أي دليل شرعي أو عقلي لا بد ان يتوقف استنباطه من الدليل على مسألة أو أكثر من مسائل هذا العلم.

[ 6 ]

الحكم: واقعي وظاهري. والدليل: اجتهادي وفقاهتي. ثم لا يخفى ان الحكم الشرعي الذي جاء ذكره في التعريف السابق على نحوين: 1 أن يكون ثابتا للشئ بما هو في نفسه فعل من الافعال، كالمثال المتقدم اعني. وجوب الصلاة، فالوجوب ثابت للصلاة بما هي صلاة في نفسها وفعل من الافعال مع قطع النظر عن أي شئ آخر. ويسمى مثل هذا الحكم (الحكم الواقعي). والدليل الدال عليه (الدليل الاجتهادي). 2 ان يكون ثابتا للشئ بما انه مجهول حكمه الواقعي، كما إذا اختلف الفقهاء في حرمة النظر إلى الاجنبية، أو وجوب الاقامة للصلاة. فعند عدم قيام الدليل على أحد الاقوال لدى الفقيه يشك في الحكم الواقعي الاولي المختلف فيه، ولاجل ألا يبقى في مقام العمل متحيرا لا بد له من وجود حكم آخر ولو كان عقليا، كوجوب الاحتياط أو البراءة أو عدم الاعتناء بالشك. ويسمى مثل هذا الحكم الثانوي (الحكم الظاهري). والدليل الدال عليه (الدليل الفقاهتي) أو (الاصل العملي). ومباحث الاصول منها ما يتكفل للبحث عما تقع نتيجته في طريق استنباط الحكم الواقعي، ومنها ما يقع في طريق الحكم الظاهري. ويجمع الكل. (وقوعها في طريق استنباط الحكم الشرعي) عدى ما ذكرناه في التعريف. موضوع علم الاصول: ان هذا العلم غير متكفل للبحث عن موضوع خاص، بل يبحث عن موضوعات شتى تشترك كلها في غرضنا المهم منه، وهو استنباط الحكم الشرعي. فلا وجه لجعل موضوع هذا العلم خصوص (الادلة الاربعة) فقط، وهي الكتاب والسنة والاجماع والعقل، أو باضافة الاستصحاب، أو باضافة القياس والاستحسان، كما صنع المتقدمون. ولا حاجة إلى الالتزام بأن العلم لا بد له من موضوع يبحث عن

[ 7 ]

عوارضه الذاتية في ذلك العلم، كما تسالمت عليه كلمة المنطقيين، فان هذا لا ملزم له ولا دليل عليه. فائدته: ان كل متشرع يعلم انه ما من فعل من افعال الانسان الاختيارية الا وله حكم في الشريعة الاسلامية المقدسة من وجوب أو حرمة أو نحوهما من الاحكام الخمسة. ويعلم ايضا ان تلك الاحكام ليست كلها معلومة لكل أحد بالعلم الضروري، بل يحتاج اكثرها لاثباتها إلى إعمال النظر واقامة الدليل، أي انها من العلوم النظرية. وعلم الاصول هو العلم الوحيد المدون للاستعانة به على الاستدلال على اثبات الاحكام الشرعية، ففائدته اذن الاستعانة على الاستدلال للاحكام من أدلتها. تقسيم ابحاثه: تنقسم مباحث هذا العلم إلى أربعة أقسام (1). 1 - (مباحث الالفاظ) وهي تبحث عن مداليل الالفاظ وظواهرها من جهة عامة نظير البحث عن ظهور صيغة افعل في الوجوب وظهور النهي في الحرمة. ونحو ذلك. 2 (المباحث العقلية) وهي ما تبحث عن لوازم الاحكام في انفسها ولو لم تكن تلك الاحكام مدلولة للفظ، كالبحث عن الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، وكالبحث عن استلزام وجوب الشئ لوجوب مقدمته


(1) وهذا التقسيم حديث تنبه له شيخنا العظيم الشيخ محمد حسين الاصفهاني قدس سره المتوفى سنة 1361، أفاده في دورة بحثه الاخيرة... وهو التقسيم الصحيح الذي يجمع مسائل علم الاصول ويدخل كل مسألة في بابها، فمثلا مبحث المشتق كان يعد من المقدمات وينبغي أن يعد من مباحث الالفاظ، ومقدمة الواجب ومسألة الاجزاء ونحوهما كانت تعد من مباحث الالفاظ وهي من بحث الملازمات العقلية. وهكذا.

[ 8 ]

المعروف هذا البحث باسم مقدمة الواجب، وكالبحث عن استلزام وجوب الشئ لحرمة ضده المعروف باسم مسألة الضد، وكالبحث عن جواز اجتماع الامر والنهي. وغير ذلك. 3 (مباحث الحجة) وهي ما يبحث فيها عن الحجية والدليلية، كالبحث عن حجية خبر الواحد، وحجية الظواهر، وحجية ظواهر الكتاب، وحجية السنة والاجماع والعقل، وما إلى ذلك. 4 (مباحث الاصول العملية) وهي تبحث عن مرجع المجتهد عند فقدان الدليل الاجتهادي، كالبحث عن أصل البراءة والاحتياط والاستصحاب ونحوها. فمقاصد الكتاب - اذن - أربعة. وله خاتمة تبحث عن تعارض الادلة وتسمى (مباحث التعادل والتراجيح) فالكتاب يقع في خمسة أجزاء (1) ان شاء الله تعالى. وقبل الشروع لا بد من مقدمة يبحث فيها عن جملة من المباحث اللغوية التي لم يستوف البحث عنها في العلوم الادبية أو لم يبحث عنها.


(1) وقد وضعه المؤلف طاب مثواه بعد ئذ في أربعة أجزاء، حيث الحق (مباحث التعادل والتراجيح) في الجزء الثالث ضمن مباحث الحجة، وقد أوضح أسباب ذلك في مقدمة الجزء الثالث. الناشر (*)

[ 9 ]

المقدمة تبحث عن أمور لها علاقة بوضع الالفاظ واستعمالها ودلالتها وفيها أربعة عشر مبحثا: 1 حقيقة الوضع لاشك ان دلالة الالفاظ على معانيها في أية لغة كانت ليست ذاتية، كذاتية دلالة الدخان - مثلا - على وجود النار، وان توهم ذلك بعضهم، لان لازم هذا الزعم ان يشترك جميع البشر في هذه الدلالة، مع ان الفارسي مثلا لا يفهم الالفاظ العربية ولا غيرها من دون تعلم وكذلك العكس في جميع اللغات. وهذا واضح وعليه، فليست دلالة الالفاظ على معانيها الا بالجعل والتخصيص من واضع تلك الالفاظ لمعانيها. ولذا تدخل الدلالة اللفظية هذه في الدلالة الوضعية. 2 من الواضع ؟ ولكن من ذلك الواضع الاول في كل لغة من اللغات ؟ قيل: ان الواضع لا بد ان يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم بتلك اللغة. وقيل - وهو الاقرب إلى الصواب - ان الطبيعة البشرية حسب القوة المودعة من الله تعالى فيها تقتضي افادة مقاصد الانسان بالالفاظ،

[ 10 ]

فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند ارادة معنى مخصوص - كما هو المشاهد من الصبيان عند أول أمرهم - فيتفاهم مع الآخرين الذين يتصلون به، والآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم الفاظا لمقاصدهم وتتألف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الالفاظ، حتى تكون لغة خاصة، لها قواعدها يتفاهم بها قوم من البشر. وهذه اللغة قد تتشعب بين أقوام متباعدة وتتطور عند كل قوم بما يحدث فيها من التغيير والزيادة، حتى قد تنبثق منها لغات اخرى فيصبح لكل جماعة لغتهم الخاصة. وعليه، تكون حقيقة الوضع هو جعل اللفظ بإزاء المعنى وتخصيصه به. ومما يدل على اختيار القول الثاني في الواضع انه لو كان الواضع شخصا واحدا لنقل ذلك في تاريخ اللغات ولعرف عند كل لغة واضعها. 3 - الوضع تعييني وتعيني ثم ان دلالة الالفاظ على معانيها الاصل فيها ان تكون ناشئة من الجعل والتخصيص ويسمى الوضع حينئذ (تعيينيا). وقد تنشأ الدلالة من اختصاص ويسمى بالمعنى الحاصل هذا الاختصاص من الكثرة في الاستعمال على درجة من الكثرة انه تألفه الاذهان بشكل إذا سمع اللفظ ينتقل السامع منه إلى المعنى. ويسمى الوضع حينئذ (تعينيا). 4 - أقسام الوضع لا بد في الوضع من تصور اللفظ والمعنى ؟ لان الوضع حكم على المعنى وعلى اللفظ، ولا يصح الحكم على الشئ الا بعد تصوره ومعرفته بوجه من الوجوه ولو على نحو الاجمال، لان تصور الشئ قد يكون بنفسه وقد يكون بوجهه أي بتصور عنوان عام ينطبق عليه ويشار به إليه إذ يكون ذلك العنوان العام مرآة وكاشفا عنه كما إذا حكمت على شبح من بعيد انه ابيض مثلا وانت لا تعرفه بنفسه انه أي شئ هو، واكثر ما تعرف عنه - مثلا انه شئ من الاشياء أو حيوان من الحيوانات. فقد صح حكمك عليه بأنه ابيض مع انك لم تعرفه ولم تتصوره بنفسه وانما تصورته بعنوان انه شئ أو حيوان لا اكثر

[ 11 ]

واشرت به إليه. وهذا ما يسمى في عرفهم (تصور الشئ بوجهه) وهو كاف لصحة الحكم على الشئ. وهذا بخلاف المجهول محضا فانه لا يمكن الحكم عليه أبدا. وعلى هذا، فانه يكفينا في صحة الوضع للمعنى ان نتصوره بوجهه، كما لو كنا تصورناه بنفسه. ولما عرفنا ان المعنى لا بد من تصوره وان تصوره على نحوين - فانه بهذا الاعتبار وباعتبار ثان هو ان المعنى قد يكون خاصا أي جزئيا وقد يكون عاما أي كليا، نقول ان الوضع ينقسم إلى أربعة أقسام عقلية: 1 - ان يكون المعنى المتصور جزئيا والموضوع له نفس الجزئي، أي ان الموضوع له معنى متصور بنفسه لا بوجهه. ويسمى هذا القسم (الوضع خاص والموضوع له خاص). 2 - ان يكون المتصور كليا والموضوع له نفس ذلك الكلي أي ان الموضوع له كلي متصور بنفسه لا بوجهه. ويسمى هذا القسم (الوضع عام والموضوع له عام). 3 - ان يكون المتصور كليا والموضوع له أفراد الكلي لا نفسه، أي ان الموضوع له جزئي غير متصور بنفسه بل بوجهه، ويسمى هذا القسم (الوضع عام والموضوع له خاص). 4 - ان يكون المتصور جزئيا والموضوع له كليا لذلك الجزئي، ويسمى هذا القسم (الوضع خاص والموضوع له عام). إذا عرفت هذه الاقسام المتصورة العقلية، فنقول. لا نزاع في امكان الاقسام الثلاثة الاولى، كما لا نزاع في وقوع القسمين الاولين. ومثال الاول الاعلام الشخصية كمحمد وعلي وجعفر، ومثال الثاني اسماء الاجناس كماء وسماء ونجم وانسان وحيوان. وانما النزاع وقع في أمرين: الاول في امكان القسم الرابع، والثاني في وقوع القسم الثالث بعد التسليم بامكانه. والصحيح عندنا استحالة الرابع ووقوع

[ 12 ]

الثالث ومثاله الحروف واسماء الاشارة والضمائر والاستفهام ونحوها على ما سيأتي. 5 استحالة القسم الرابع اما استحالة الرابع وهو الوضع الخاص والموضوع له العام فنقول في بيانه: ان النزاع في امكان ذلك ناشئ من النزاع في امكان أن يكون الخاص وجها وعنوانا للعام، وذلك لما تقدم ان المعنى الموضوع له لا بد من تصوره بنفسه أو بوجهه لا ستحالة الحكم على المجهول، والمفروض في هذا القسم ان المعنى الموضوع له لم يكن متصورا وانما تصور الخاص فقط، والا لو كان متصورا بنفسه ولو بسبب تصور الخاص كان من القسم الثاني وهو الوضع العام والموضوع له العام. ولا كلام في امكانه بل في وقوعه كما تقدم. فلا بد حينئذ للقول بامكان القسم الرابع من ان نفرض ان الخاص يصح ان يكون وجها من وجوه العام وجهة من جهاته حتى يكون تصوره كافيا عن تصور العام بنفسه ومغنيا عنه، لاجل ان يكون تصورا للعام بوجه. ولكن الصحيح الواضح لكل مفكر ان الخاص ليس من وجوه العام بل الامر بالعكس من ذلك، فان العام هو وجه من وجوه الخاص وجهة من جهاته. ولذا قلنا بامكان القسم الثالث وهو (الوضع العام والموضوع له الخاص) لانا إذا تصورنا العام فقد تصورنا في ضمنه جميع أفراده بوجه، فيمكن الوضع لنفس ذلك العام من جهة تصوره بنفسه فيكون من القسم الثاني، ويمكن الوضع لافراده من جهة تصورها بوجهها فيكون من الثالث. بخلاف الامر في تصور الخاص فلا يمكن الوضع معه الا لنفس ذلك الخاص ولا يمكن الوضع للعام لانا لم نتصوره اصلا لا بنفسه بحسب الفرض ولا بوجهه إذ ليس الخاص وجها له. ويستحيل الحكم على المجهول المطلق. 6 - وقوع الوضع العام والموضوع له الخاص وتحقيق المعنى الحرفى اما وقوع القسم الثالث، فقد قلنا: ان مثاله وضع الحروف وما يلحق بها

[ 13 ]

من اسماء الاشارة والضمائر والموصولات والاستفهام ونحوها. وقبل اثبات ذلك لا بد من (تحقيق معنى الحرف وما يمتاز به عن الاسم) فنقول: الاقوال في وضع الحروف وما يلحق بها من الاسماء ثلاثة: 1 - ان الموضوع له في الحروف هو بعينه الموضوع له في الاسماء المسانخة لها في المعنى، فمعنى (من) الابتدائية هو عين معنى كلمة الابتداء بلا فرق. وكذا معنى (على) معنى كلمة الاستعلاء، ومعنى (في) معنى كلمة الظرفية.. وهكذا. وانما الفرق في جهة أخرى، وهي ان الحرف وضع لاجل ان يستعمل في معناه إذا لوحظ ذلك المعنى حالة وآلة لغيره، أي إذا لوحظ المعنى غير مستقل في نفسه، والاسم وضع لاجل ان يستعمل في معناه إذا لوحظ مستقلا في نفسه. مثلا - مفهوم (الابتداء) معنى واحد وضع له لفظان احدهما لفظ (الابتداء) والثاني كلمة (من) لكن الاول وضع له لاجل ان يستعمل فيه عندما يلاحظ المستعمل مستقلا في نفسه، كما إذا قيل (ابتداء السير كان سريعا). والثاني وضع له لاجل ان يستعمل فيه عندما يلاحظه المستعمل غير مستقل في نفسه، كما إذا قيل (سرت من النجف). فتحصل ان الفرق بين معنى الحرف ومعنى الاسم ان الاول يلاحظه المستعمل حين الاستعمال آلة لغيره وغير مستقل في نفسه، والثاني يلاحظه حين الاستعمال مستقلا، مع ان المعنى في كليهما واحد. والفرق بين وضعيهما انما هو الغاية فقط. ولازم هذا القول ان الوضع والموضوع له في الحروف عامان. وهذا القول منسوب إلى الشيخ الرضي نجم الائمة واختاره المحقق صاحب الكفاية. 2 - ان الحروف لم توضع لمعان أصلا، بل حالها حال علامات الاعراب في افادة كيفية خاصة في لفظ آخر، فكما ان علامة الرفع في قولهم (حدثنا زرارة) تدل على ان زرارة فاعل الحديث كذلك (من) في المثال المتقدم تدل على ان النجف مبتدأ منها والسير مبتدأ به.

[ 14 ]

3 - ان الحروف موضوعة لمعان مباينة في حقيقتها وسنخها للمعاني الاسمية، فان المعاني الاسمية في حد ذاتها معان مستقلة في انفسها، ومعاني الحروف لا استقلال لها بل هي متقومة بغيرها. والصحيح هذا القول الثالث. ويحتاج إلى توضيح وبيان: ان المعاني الموجودة في الخارج على نحوين: الاول - ما يكون موجودا في نفسه، (كزيد) الذي هو من جنس الجوهر و (قيامه) مثلا الذي هو من جنس العرض، فان كلا منهما موجود في نفسه. والفرق ان الجوهر موجود في نفسه لنفسه، والعرض موجود في نفسه لغيره. الثاني - ما يكون موجودا لا في نفسه، كنسبة القيام إلى زيد. والدليل على كون هذا المعنى لا في نفسه: انه لو كان للنسب والروابط وجودات استقلالية، للزم وجود الرابط بينها وبين موضوعاتها، فننقل الكلام إلى ذلك الرابط، والمفروض انه موجود مستقل، فلا بد له من رابط ايضا.. وهكذا ننقل الكلام إلى هذا الرابط فيلزم التسلسل، والتسلسل باطل، فيعلم من ذلك ان وجود الروابط والنسب في حد ذاته متعلق بالغير ولا حقيقة له الا التعلق بالطرفين. ثم ان الانسان في مقام افادة مقاصده كما يحتاج إلى التعبير عن المعاني المستقلة كذلك يحتاج إلى التعبير عن المعاني غير المستقلة في ذاتها، فحكمة الوضع تقتضي ان توضع بإزاء كل القسمين ألفاظ خاصة، والموضوع بإزاء المعاني المستقلة هي الاسماء، والموضوع بإزاء المعاني غير المستقلة هي الحروف وما يلحق بها. وهذه المعاني غير المستقلة لما كانت على أقسام شتى فقد وضع بإزاء كل قسم لفظ يدل عليه، أو هيئة لفظية تدل عليه. مثلا - إذا قيل (نزحت البئر في دارنا بالدلو) ففيه عدة نسب مختلفة ومعان غير مستقلة: احدها نسبة النزح إلى فاعله والدال عليها هيئة الفعل للمعلوم، وثانيتها نسبته إلى ما وقع عليه أي مفعوله وهو البئر والدال عليها هيئة النصب

[ 15 ]

في الكلمة، وثالثتها إلى المكان والدال عليها كلمة (في)، ورابعتها نسبته إلى الآلة والدال عليها لفظ الباقي في كلمة (بالدلو). ومن هنا يعلم ان الدال على المعاني غير المستقلة ربما يكون لفظا مستقلا كلفظة من، والى، وفي. وربما يكون هيئة في اللفظ كهيئات المشتقات والافعال وهيئات الاعراب، (النتيجة): فقد تحقق مما بيناه ان الحروف لها معان تدل عليها كالاسماء، والفرق ان المعاني الاسمية مستقلة في أنفسها وقابلة لتصورها في ذاتها، وان كانت في الوجود الخارجي محتاجة إلى غيرها كالاعراض، واما المعاني الحرفية فهي معان غير مستقلة وغير قابلة للتصور الا في ضمن مفهوم آخر. ومن هنا يشبه كل أمر مستقل بالمعنى الحرفي. (بطلان القولين الاولين) وعلى هذا، يظهر بطلان القول الثاني القائل ان الحروف لا معاني لها وكذلك القول الاول القائل إن المعنى الحرفي والاسمي متحدان بالذات مختلفان باللحاظ. ويرد هذا القول أيضا انه لو صح اتحاد المعنيين لجاز استعمال كل من الحرف والاسم في موضع الآخر، مع انه لا يصح بالبداهة حتى على نحو المجاز، فلا يصح بدل قولنا: زيد في الدار - مثلا - ان يقال زيد الظرفية الدار. وقد اجيب عن هذا الايراد بأنه انما لا يصح احدهما في موضع الآخر لان الواضع اشترط ألا يستعمل لفظ الظرفية الا عند لحاظ معناه مستقلا، ولا يستعمل لفظ (في) الا عند لحاظ معناه غير مستقل وآلة لغيره. ولكنه جواب غير صحيح لانه لا دليل على وجوب اتباع ما يشترطه الواضع إذا لم يكن اشتراطه يوجب اعتبار خصوصية في اللفظ والمعنى. وعلى تقدير ان يكون الواضع ممن تجب طاعته فمخالفته توجب العصيان لا غلط الكلام.

[ 16 ]

(زيادة ايضاح) إذ قد عرفت ان الموجودات (1) منها ما يكون مستقلا في الوجود، ومنها ما يكون رابطا بين موجودين - فاعلم ان كل كلام مركب من كلمتين أو اكثر إذا ألقيت كلماته بغير ارتباط بينهما فان كل واحد منها كلمة مستقلة في نفسها لا ارتباط لها بالاخرى، وانما الذي يربط بين المفردات ويؤلفها كلاما واحدا هو الحرف أو احدى الهيئات الخاصة. فأنت أذا قلت مثلا: أنا. كتب. قلم - لا يكون بين هذه الكلمات ربط وانما هي مفردات صرفة منثورة. اما إذا قلت: كتبت بالقلم - كان كلاما واحدا مرتبطا بعضه مع بعض مفهما للمعنى المقصود منه. وما حصل هذا الارتباط والوحدة الكلامية الا بفضل الهيئة المخصوصة لكتبت وحرف الباء وأل. وعليه يصح ان يقال ان الحروف هي روابط المفردات المستقلة والمؤلفة للكلام الواحد والموحدة للمفردات المختلفة، شأنها شأن النسبة بين المعاني المختلفة والرابطة بين المفاهيم غير المربوطة. فكما أن النسبة رابطة بين المعاني ومؤلفة بينها فكذلك الحرف الدال عليها رابط بين الالفاظ ومؤلف بينها. والى هذا أشار سيد الاولياء أمير المؤمنين عليه السلام بقوله المعروف في تقسيم الكلمات: (الاسم ما انبأ عن المسمى، والفعل ما انبأ عن حركة المسمى، والحرف ما أوجد معنى في غيره). فأشار إلى ان المعاني الاسمية معان استقلالية، ومعاني الحروف غير مستقلة في نفسها وانما هي تحدث الربط بين المفردات. ولم نجد في تعاريف القوم للحرف تعريفا جامعا صحيحا مثل هذا التعريف.


(1) ينبغي ان يقال للتوضيح ان الموجودات على أربعة انحاء: موجود في نفسه لنفسه بنفسه وهو واجب الوجود، وموجود في نفسه لنفسه وهو الجوهر كالجسم والنفس، وموجود في نفسه لغيره بغيره وهو العرض، وموجود في غيره وهو أضعفها وهو المعنى الحرفي المعبر عنه بالرابط. فالاقسام الثلاثة الاولى الموجودات المستقلة، والرابع، عداها الذي هو المعنى الحرفي ؟ ؟ الذي لا وجود له الا وجود طرفيه.

[ 17 ]

الوضع في الحروف عام والموضوع له خاص إذا اتضح جميع ما تقدم يظهر ان كل نسبة حقيقتها متقومة بطرفيها على وجه لو قطع النظر عن الطرفين لبطلت وانعدمت، فكل نسبة في وجودها الرابط مباينة لاية نسبة أخرى ولا تصديق عليها، وهي في حد ذاتها مفهوم جزئي حقيقي. وعليه لا يمكن فرض النسبة مفهوما كليا ينطبق على كثيرين وهي متقومة بالطرفين والا لبطلت وانسلخت عن حقيقة كونها نسبة. ثم ان النسب غير محصورة فلا يمكن تصور جميعها للواضع، فلا بد في مقام الوضع لها من تصور معنى اسمي يكون عنوانا للنسب غير المحصورة حاكيا عنها وليس العنوان في نفسه نسبة، كمفهوم لفظ (النسبة الابتدائية) المشار به إلى أفراد النسب الابتدائية الكلامية. ثم يضع لنفس الافراد غير المحصورة التي لا يمكن التعبير عنها الا بعنوانها. وبعبارة أخرى ان الموضوع له هو النسبة الابتدائية بالحمل الاولي فليست بنسبة حقيقة بل تكون طرفا للنسبة كما لو قلت: الابتداء كان من هذا المكان. ومن هذا يعلم حال اسماء الاشارة والضمائر والموصولات ونحوها. فالوضع في الجميع عام والموضوع له خاص. 7 الاستعمال حقيقي ومجازي استعمال اللفظ في معناه الموضوع له (حقيقة)، واستعماله في غيره المناسب له (مجاز)، وفي غير المناسب (غلط). وهذا أمر محل وفاق. ولكنه وقع الخلاف في الاستعمال المجازي في أن صحته هل هي متوقفة على ترخيص الواضع وملاحظة العلاقات المذكورة في علم البيان، أو أن صحته طبعية تابعة لاستحسان الذوق السليم، فكلما كان المعنى غير الموضوع له مناسبا للمعنى الموضوع له واستحسنه الطبع صح استعمال اللفظ فيه، والا فلا ؟

[ 18 ]

والارجع القول الثاني، لانا نجد صحة استعمال الاسد في الرجل الشجاع مجازا، وان منع منه الواضع، وعدم صحة استعماله مجازا في كريه رائحة الفم - كما يمثلون - وان رخص الواضع. ومؤيد ذلك اتفاق اللغات المختلفة غالبا في المعاني المجازية فترى في كل لغة يعبر عن الرجل الشجاع باللفظ الموضوع للاسد. وهكذا في كثير من المجازات الشائعة عند البشر. 8 - الدلالة تابعة للارادة قسموا الدلالة إلى قسمين: التصورية والتصديقية: 1 - (التصورية) وهي ان ينتقل ذهن الانسان إلى معنى اللفظ بمجرد صدوره من لافظ، ولو علم ان اللافظ لم يقصده، كانتقال الذهن إلى المعنى الحقيقي عند استعمال اللفظ في معنى مجازي، مع ان المعنى الحقيقي ليس مقصودا للمتكلم، كانتقال الذهن إلى المعنى من اللفظ الصادر من الساهي أو النائم أو الغالط. 2 - (التصديقية) وهي دلالة اللفظ على ان المعنى مراد للمتكلم في اللفظ وقاصد لاستعماله فيه. وهذه الدلالة متوقفة على عدة اشياء (اولا) على احراز كون المتكلم في مقام البيان والافادة، و (ثانيا) على احراز انه جاد غير هازل، و (ثالثا) على احراز انه قاصد لمعنى كلامه شاعر به، و (رابعا) على عدم نصب قرينة على ارادة خلاف الموضوع له والا كانت الدلالة التصديقية على طبق القرينة المنصوبة. والمعروف ان الدلالة الاولى (التصورية) معلولة للوضع، أي ان الدلالة الوضعية هي الدلالة التصورية. وهذا هو مراد من يقول: (ان الدلالة غير تابعة للارادة بل تابعة لعلم السامع بالوضع). والحق ان الدلالة تابعة للارادة، وأول من تنبه لذلك فيما نعلم الشيخ نصير الدين الطوسي أعلى الله مقامه، لان الدلالة في الحقيقة منحصرة في الدلالة التصديقية، والدلالة التصورية التي يسمونها دلالة ليست بدلالة، وان سميت كذلك فانه من باب التشبيه والتجوز، لان التصورية في الحقيقة هي

[ 19 ]

من باب تداعي المعاني الذي يحصل بأدنى مناسبة فتقسيم الدلالة إلى تصديقية وتصورية تقسيم الشئ إلى نفسه والى غيره. والسر في ذلك ان الدلالة حقيقة - كما فسرناها في كتاب المنطق الجزء الاول بحث الدلالة - هي ان يكشف الدال عن وجود المدلول، فيحصل من العلم به العلم بالمدلول، سواء كان الدال لفظا أو غير لفظ. مثلا - ان طرقة الباب يقال انها دالة على وجود شخص على الباب طالب لاهل الدار، باعتبار ان المطرقة موضوعة لهذه الغاية. وتحليل هذا المعنى ان سماع الطرقة يكشف عن وجود طالب قاصد للطلب فيحصل من العلم بالطرقة، العلم بالطارق وقصده، ولذلك يتحرك السامع إلى اجابته. لا انه ينتقل ذهن السامع من تصور الطرقة إلى تصور شخص ما، فان هذا الانتقال قد يحصل فمجرد تصور معنى الباب أو الطرقة من دون أن يسمع طرقة ولا يسمى ذلك دلالة. ولذا ان الطرقة - لو كانت على نحو مخصوص يحصل من حركة الهواء مثلا - لا تكون دالة على ما وضعت له المطرقة وان خطر في ذهن السامع معنى ذلك. وهكذا نقول في دلالة الالفاظ على معانيها بدون فرق، فان اللفظ إذا صدر من المتكلم على نحو يجرز معه انه جاد فيه غير هازل وانه عن شعور وقصد وان غرضه البيان والافهام، ومعنى احراز ذلك ان السامع علم بذلك، فان كلامه يكون حينئذ دالا على وجود المعنى أي وجوده في نفس المتكلم بوجود قصدي، فيكون علم السامع بصدور الكلام منه يستلزم علمه بأن المتكلم قاصد لمعناه لاجل ان يفهمه السامع. وبهذا يكون الكلام دالا كما تكون الطرقة دالة. وينعقد بهذا للكلام ظهور في معناه الموضوع له أو المعنى الذي اقيمت على ارادته قرينة. ولذا نحن عرفنا الدلالة اللفظية في المنطق (1 / 26) بأنها (هي كون اللفظ بحالة ينشأ من العلم بصدوره من المتكلم العلم بالمعنى المقصود به). ومن هنا سمي المعنى معنى، أي المقصود، من عناه إذا قصده. ولاجل ان يتضح هذا الامر جيدا اعتبر باللافتات التي توضع في هذا

[ 20 ]

العصر للدلالة على ان الطريق مغلوق - مثلا - أو ان الاتجاه في الطريق إلى اليمين أو اليسار، ونحو ذلك. فان اللافتة إذا كانت موضوعة في موضعها اللائق على وجه منظم بنحو يظهر منه ان وضعها لهداية المستطرقين كان مقصودا لواضعها، فان وجودها هكذا يدل حينئذ على ما يقصد منها من غلق الطريق أو الاتجاه. اما لو شاهدتها مطروحة في الطريق مهملة أو عند الكاتب يرسمها فان المعنى المكتوب يخطر في ذهن القارئ ولكن لا تكون دالة عنده على ان الطريق مغلوقة أو ان الاتجاه كذا، بل اكثر ما يفهم من ذلك انها ستوضع لتدل على هذا بعد ذلك لا ان لها الدلالة فعلا. 9 - الوضع شخصي ونوعي قد عرفت في المبحث الرابع انه لا بد في الوضع من تصور اللفظ والمعنى وعرفت هناك ان المعنى تارة يتصوره الواضع بنفسه وأخرى بوجهه وعنوانه. فاعرف هنا ان اللفظ ايضا كذلك ربما يتصوره الواضع بنفسه ويضعه للمعنى كما هو الغالب في الالفاظ، فيسمى الوضع حينئذ (شخصيا). وربما يتصوره بوجهه وعنوانه، فيسمى الوضع (نوعيا). ومثال الوضع النوعي الهيئات، فان الهيئة غير قابلة للتصور بنفسها، بل انما يصح تصورها في مادة من مواد اللفظ كهيئة كلمة ضرب مثلا - وهي هيئة الفعل الماضي - فان تصورها لا بد ان يكون في ضمن الضاد والراء والباء أو ضمن الفاء والعين واللام في فعل. ولما كانت المواد غير محصورة ولا يمكن تصور جميعها فلا بد من الاشارة إلى أفرادها بعنوان عام فيضع كل هيئة تكون على زنة فعل مثلا أو زنة فاعل أو غيرهما، ويتوصل إلى تصور ذلك العام بوجود الهيئة في احدى المواد كمادة فعل التي جرت الاصطلاحات عليها عند علماء العربية. 10 - وضع المركبات ثم ان الهيئة الموضوعة ؟ ؟ لمعنى تارة تكون في المفردات كهيئات المشتقات التي تقدمت الاشارة إليها، واخرى في المركبات كالهيئة التركيبية بين المبتدأ والخبر

[ 21 ]

لافادة حمل شئ على شئ، وكهيئة تقديم ماحقه التأخير لافادة الاختصاص. ومن هنا تعرف انه لا حاجة إلى وضع الجمل والمركبات في افادة معانيها زائدا على وضع المفردات بالوضع الشخصي والهيئات بالوضع النوعي - كما قيل - بل هو لغو محض. ولعل من ذهب إلى وضعها اراد به وضع الهيئات التركيبية لا الجملة بأسرها بموادها وهيئاتها زيادة على وضع اجزائها. فيعود النزاع حينئذ لفظيا. 11 علامات الحقيقة والمجاز قد يعلم الانسان - اما من طريق نص أهل اللغة أو لكونه نفسه من أهل اللغة - ان لفظ كذا موضوع لمعنى كذا ولا كلام لاحد في ذلك، فانه من الواضح ان استعمال اللفظ في ذلك المعنى حقيقة وفي غيره مجاز. وقد يشك في وضع لفظ مخصوص لمعنى مخصوص، فلا يعلم ان استعماله فيه هل كان على سبيل الحقيقة فلا يحتاج إلى نصب قرينة عليه، أو على سبيل المجاز فيحتاج إلى نصب القرينة. وقد ذكر الاصوليون لتعيين الحقيقة من المجاز - أي لتعيين انه موضوع لذلك المعنى أو غير موضوع - طرقا وعلامات كثيرة نذكر هنا أهمها: (الاولى - التبادر) دلالة كل لفظ على أي معنى لا بد لها من سبب. والسبب لا يخلو فرضه عن أحد امور ثلاثة: المناسبة الذاتية. وقد عرفت بطلانها، أو العلقة الوضعية، أو القرينة الحالية أو المقالية. فإذا علم ان الدلالة مستندة إلى نفس اللفظ من غير اعتماد على قرينة فانه يثبت انها من جهة العلقة الوضعية. وهذا هو المراد بقولهم (التبادر علامة الحقيقة). والمقصود من كلمة التبادر هو انسباق المعنى من نفس اللفظ مجردا عن كل قرينة. وقد يعترض على ذلك بأن التبادر لا بد له من سبب، وليس هو الا العلم بالوضع، لان من الواضح ان الانسباق لا يحصل من اللفظ إلى معناه في أية

[ 22 ]

لغة لغير العالم بتلك اللغة، فيتوقف التبادر على العلم بالوضع. فلو أردنا اثبات الحقيقة وتحصيل العلم بالوضع بسبب التبادر - لزم الدور المحال. فلا يعقل - على هذا - ان يكون التبادر علامة للحقيقة يستفاد منه العلم بالوضع والمفروض انه مستفاد من العلم بالوضع. و (الجواب): ان كل فرد من أية أمة يعيش معها لا بد ان يستعمل الالفاظ المتداولة عندها تبعا لها، ولا بد ان يرتكز في ذهنه معنى اللفظ ارتكازا يستوجب انسباق ذهنه إلى المعنى عند سماع اللفظ، وقد يكون ذلك الارتكاز من دون التفات تفصيلي إليه وإلى خصوصيات المعنى. فإذا أراد الانسان معرفة المعنى وتلك الخصوصيات وتوجهت نفسه إليه - فانه يفتش عما هو مرتكز في نفسه من المعنى، فينظر إليه مستقلا عن القرينة، فيرى ان المتبادر من اللفظ الخاص ما هو من معناه الارتكازي. فيعرف انه حقيقة فيه. فالعلم بالوضع لمعنى خاص بخصوصياته التفصيلية أي الالتفات التفصيلي إلى الوضع والتوجه إليه يتوقف على التبادر، والتبادر انما هو موقوف على العلم الارتكازي بوضع اللفظ لمعناه غير الملتفت إليه. والحاصل ان هناك علمين: احدهما يتوقف على التبادر وهو العلم التفصيلي والآخر يتوقف التبادر عليه وهو العلم الاجمالي الارتكازي. هذا الجواب بالقياس إلى العالم بالوضع، واما بالقياس إلى غير العالم به فلا يعقل حصول التبادر عنده لفرض جهله باللغة. نعم يكون التبادر امارة على الحقيقة عنده إذا شاهد التبادر عند أهل اللغة، يعني ان الامارة عنده تبادر غيره من أهل اللغة. مثلا إذا شاهد الاعجمي من أصحاب اللغة العربية انسباق اذهانهم من لفظ الماء المجرد عن القرينة إلى الجسم السائل البارد بالطبع، فلا بد ان يحصل له العلم بأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى عندهم. وعليه فلا دور هنا لان علمه يتوقف على التبادر يتوقف على علم غيره. (العلامة الثانية - عدم صحة السلب وصحته، الحمل وعدمه) ذكروا: ان عدم صحة سلب اللفظ عن المعنى الذي يشك في وضعه له

[ 23 ]

علامة انه حقيقة فيه وان صحة السلب علامة على انه مجاز فيه. وذكروا أيضا: ان صحة حمل اللفظ على ما يشك في وضعه له علامة الحقيقة وعدم صحة الحمل علامة على المجاز. وهذا ما يحتاج إلى تفصيل وبيان، فلتحقيق الحمل وعدمه والسلب وعدمه نسلك الطرق الآتية: 1 - نجعل المعنى الذي يشك في وضع اللفظ له (موضوعا) ونعبر عنه بأي لفظ كان يدل عليه. ثم نجعل اللفظ المشكوك في وضعه لذلك المعنى (محمولا) بما له من المعنى الارتكازي. ثم نجرب ان نحمل بالحمل الاولي اللفظ بما له من المعنى المرتكز في الذهن على ذلك اللفظ الدال على المعنى المشكوك وضع اللفظ له. والحمل الاولي ملاكه الاتحاد في المفهوم والتغاير بالاعتبار (1). وحينئذ إذا أجرينا هذه التجربة فان وجدنا عند انفسنا صحة الحمل وعدم صحة السلب علمنا تفصيلا بأن اللفظ موضوع لذلك المعنى. وان وجدنا عدم صحة الحمل وصحة السلب علمنا انه ليس موضوعا لذلك المعنى بل يكون استعماله فيه مجازا. 2 - إذا لم يصح عندنا الحمل الاولي نجرب ان نحمله هذه المرة بالحمل الشايع الصناعي الذي ملاكه الاتحاد وجودا والتغاير مفهوما. وحينئذ، فان صح الحمل علمنا ان المعنيين متحدان وجودا سواء كانت النسبة التساوي أو العموم من وجه (2) أو مطلقا، ولا يتعين واحد منها بمجرد صحة الحمل. وان لم يصح الحمل وصح السلب علمنا انهما متباينان.


(1) وقد شرحنا الحمل وأقسامه في الجزء الاول من المنطق ص 76. من الطبعة الثانية. (2) إنما يفرض العموم من وجه إذا كانت القضية مهملة. (*)

[ 24 ]

3 - نجعل موضوع القضية أحد مصاديق المعنى المشكوك وضع اللفظ له لا نفس المعنى المذكور. ثم نجرب الحمل - وينحصر الحمل في هذه التجربة بالحمل الشايع - فان صح الحمل علم منه حال المصداق من جهة كونه أحد المصاديق الحقيقة لمعنى اللفظ الموضوع له سواء كان ذلك المعنى نفس المعنى المذكور أو غيره المتحد معه وجودا. كما يستعلم منه حال الموضوع له في الجملة من جهة شموله لذلك المصداق. بل قد يستعلم منه تعيين الموضوع له، مثلما إذا كان الشك في وضعه لمعنى عام أو خاص. كلفظ (الصعيد) المردد بين ان يكون موضوعا لمطلق وجه الارض أو لخصوص التراب الخالص، فإذا وجدنا صحة الحمل وعدم صحة السلب بالقياس إلى غير التراب الخالص من مصاديق الارض يعلم قهرا تعيين وضعه لعموم الارض. وان لم يصح الحمل وصح السلب علم انه ليس من أفراد الموضوع له ومصاديقه الحقيقية، وإذا كان قد استعمل فيه اللفظ فالاستعمال يكون مجازا أما فيه رأسا أو في معنى يشمله ويعمه. تنبيه: ان الدور الذي ذكر في التبادر يتوجه اشكاله هنا أيضا. والجواب عنه نفس الجواب هناك، لان صحة الحمل وصحة السلب انما هما باعتبار ما للفظ من المعنى المرتكز اجمالا، فلا تتوقف العلامة الا على العلم الارتكازي وما يتوقف على العلامة هو العلم التفصيلي. هذا كله بالنسبة إلى العارف باللغة. واما الجاهل بها فيرجع إلى أهلها في صحة الحمل والسلب وعدمهما كالتبادر. (العلامة الثالثة - الاطراد) وذكروا من جملة علامات الحقيقة والمجاز الاطراد وعدمه، فالاطراد علامة الحقيقة وعدمة المجاز. ومعنى الاطراد: ان اللفظ لا تختص صحة استعماله بالمعنى المشكوك بمقام دون مقام ولا بصورة دون صورة، كما لا يختص بمصداق دون مصداق.

[ 25 ]

والصحيح ان الاطراد ليس علامة للحقيقة، لان صحة استعمال اللفظ في معنى بما له من الخصوصيات مرة واحدة تستلزم صحته دائما سواء كان حقيقة أم مجازا. فالاطراد لا يختص بالحقيقة حتى يكون علامة لها. 12 - الاصول اللفظية تمهيد: اعلم ان الشك في اللفظ على نحوين: 1 - الشك في وضعه لمعنى من المعاني. 2 - الشك في المراد منه بعد فرض العلم بالوضع، كأن يشك في ان المتكلم أراد بقوله (رأيت اسدا) معناه الحقيقي أو معناه المجازي، مع العلم بوضع لفظ الاسد للحيوان المفترس وبأنه غير موضوع للرجل الشجاع. اما (النحو الاول) فقد كان البحث السابق معقودا لاجله، لغرض بيان العلامات المثبتة للحقيقة أو المجاز، أي المثبتة للوضع أو عدمه. وهنا نقول: ان الرجوع إلى تلك العلامات واشباهها كنص أهل اللغة أمر لا بد منه في اثبات أوضاع اللغة أية لغة كانت، ولا يكفي في اثباتها ان نجد في كلام أهل تلك اللغة استعمال اللفظ في المعنى الذي شك في وضعه له، لان الاستعمال كما يصح في المعنى الحقيقي يصح في المعني المجازي، وما يدرينا لعل المستعمل اعتمد على قرينة حالية أو مقالية في تفهيم المعنى المقصود له فاستعمله فيه على سبيل المجاز. ولذا اشتهر في لسان المحققين حتى جعلوه كقاعدة قولهم: " ان الاستعمال اعم من الحقيقة والمجاز ". ومن هنا نعلم بطلان طريقة العلماء السابقين لاثبات وضع اللفظ بمجرد وجدان استعماله في لسان العرب، كما وقع ذلك لعلم الهدى السيد المرتضى قدس سره فانه كان يجري أصالة الحقيقة في الاستعمال، بينما ان أصالة الحقيقة انما تجري عند الشك في المراد لا في الوضع، كما سيأتي. واما (النحو الثاني) فالمرجع فيه لاثبات مراد المتكلم الاصول اللفظية وهذا

[ 26 ]

البحث معقود لاجلها. فينبغي الكلام فيها من جهتين: أولا في ذكرها وفي ذكر مواردها. ثانيا - في حجيتها ومدرك حجيتها. اما من (الجهة الاولى) فنقول: أهم الاصول اللفظية ما يأتي: 1 - اصالة الحقيقة: وموردها ما إذا شك في ارادة المعنى الحقيقي أو المجازي من اللفظ بأن لم يعلم وجود القرينة على ارادة المجاز مع احتمال وجودها، فيقال حينئذ (الاصل الحقيقة)، أي الاصل ان نحمل الكلام على معناه الحقيقي، فيكون حجة فيه للمتكلم على السامع وحجة فيه للسامع على المتكلم، فلا يصح من السامع الاعتذار في مخالفة الحقيقة، بأن يقول للمتكلم: لعلك أردت المعنى المجازي، ولا يصح الاعتذار من المتكلم بأن يقول للسامع: اني أردت المعنى المجازي. 2 - اصالة العموم: وموردها ما إذا ورد لفظ عام وشك في ارادة العموم منه أو الخصوص أي شك في تخصيصه، فيقال حينئذ (الاصل العموم) فيكون حجة في العموم على المتكلم أو السامع. 3 - اصالة الاطلاق: وموردها ما إذا ورد لفظ مطلق له حالات وقيود يمكن ارادة بعضها منه وشك في ارادة هذا البعض لاحتمال وجود القيد، فيقال: (الاصل الاطلاق) فيكون حجة على السامع والمتكلم كقوله تعالى: " أحل الله البيع " فلو شك - مثلا - في البيع انه هل يشترط في صحته ان ينشأ بالفاظ عربية، فاننا نتمسك باصالة اطلاق البيع في الآية لنفي اعتبار هذا الشرط والتقييد به فنحكم حينئذ بجواز البيع بالالفاظ غير العربية. 4 - أصالة عدم التقدير: وموردها ما إذا احتمل التقدير في الكلام وليس هناك دلالة على التقدير،

[ 27 ]

فالاصل عدمه. ويلحق باصالة عدم التقدير اصالة عدم النقل واصالة عدم الاشتراك. وموردهما ما إذا احتمل معنى ثان موضوع له اللفظ، فان كان هذا الاحتمال مع فرض هجر المعنى الاول وهو المسمى بالمنقول فالاصل (عدم النقل)، وان كان مع عدم هذا الفرض وهو المسمى بالمشترك فان الاصل (عدم الاشتراك)، فيحمل اللفظ في كل منهما على ارادة المعنى الاول ما لم يثبت النقل والاشتراك. أما إذا ثبت النقل فانه يحمل على المعنى الثاني، وإذا ثبت الاشتراك فان اللفظ يبقى مجملا لا يتعين في أحد المعنيين الا بقرينة على القاعدة المعروفة في كل مشترك. 5 - أصالة الظهور: وموردها ما إذا كان اللفظ ظاهرا في معنى خاص لا على وجه النص فيه الذي لا يحتمل معه الخلاف، بل كان يحتمل ارادة خلاف الظاهر، فان الاصل حينئذ ان يحمل الكلام على الظاهر فيه. وفي الحقيقة ان جميع الاصول المتقدمة راجعة إلى هذا الاصل، لان اللفظ مع احتمال المجاز - مثلا - ظاهر في الحقيقة، ومع احتمال التخصيص ظاهر في العموم، ومع احتمال التقييد ظاهر في الاطلاق، ومع احتمال التقدير ظاهر في عدمه. فمؤدى اصالة الحقيقة نفس مؤدى اصالة الظهور في مورد احتمال التخصيص.. وهكذا في باقي الاصول المذكورة. فلو عبرنا بدلا عن كل من هذه الاصول بأصالة الظهور كان التعبير صحيحا مؤديا للغرض، بل كلها يرجع اعتبارها إلى اعتبار اصالة الظهور، فليس عندنا في الحقيقة الا أصل واحد هو أصالة الظهور، ولذا لو كان الكلام ظاهرا في المجاز واحتمل ارادة الحقيقة انعكس الامر، وكان الاصل من اللفظ المجاز، بمعنى ان الاصل الظهور، ومقتضاه الحمل على المعنى المجازي ولا تجري اصالة الحقيقة حينئذ. وهكذا لو كان الكلام ظاهرا في التخصيص أو التقييد. حجية الاصول اللفظية: وهي الجهة الثانية من البحث عن الاصول اللفظية، والبحث عنها يأتي في

[ 28 ]

بابه وهو باب مباحث الحجة. ولكن ينبغي الآن ان نتعجل في البحث عنها لكثرة الحاجة إليها، مكتفين بالاشارة فنقول: ان المدرك والدليل في جميع الاصول اللفظية واحد وهو تباني العقلاء في الخطابات الجارية بينهم على الاخذ بظهور الكلام وعدم الاعتناء باحتمال ارادة خلاف الظاهر، كما لا يعتنون باحتمال الغفلة أو الخطأ أو الهزل أو إرادة الاهمال والاجمال، فإذا احتمل الكلام المجاز أو التخصيص أو التقييد أو التقدير لا يوقفهم ذلك عن الاخذ بظاهره، كما يلغون أيضا احتمال الاشتراك والنقل ونحوهما. ولا بد ان الشارع قد أمضى هذا البناء وجرى في خطاباته على طريقتهم هذه، والا لزجرنا ونهانا عن هذا البناء في خصوص خطاباته، أو لبين لنا طريقته لو كان له غير طريقتهم طريقة خاصة يجب اتباعها ولا يجوز التعدي عنها إلى غيرها. فيعلم من ذلك على سبيل الجزم ان الظاهر حجة عنده كما هو عند العقلاء بلا فرق. 13 - الترادف والاشتراك لا ينبغي الاشكال في امكان الترادف والاشتراك، بل في وقوعهما في اللغة العربية، فلا يصغى إلى مقالة من انكرهما. وهذه بين أيدينا اللغة العربية ووقوعهما فيها واضح لا يحتاج إلى بيان. ولكن ينبغي ان نتكلم في نشأتهما، فانه يجوز ان يكونا من وضع واضع واحد، بأن يضع شخص واحد لفظين لمعنى واحد أو لفضا لمعنيين، ويجوز أن يكونا من وضع واضعين متعددين، فتضع قبيلة - مثلا - لفظا لمعنى وقبيلة أخرى لفظا آخر لذلك المعنى، أو تضع قبيلة لفظا لمعنى وقبيلة. أخرى ذلك اللفظ لمعنى آخر. وعند الجمع بين هذه اللغات باعتبار ان كل لغة منها لغة عربية صحيحة يجب اتباعها يحصل الترادف والاشتراك. والظاهر ان الاحتمال الثاني أقرب إلى واقع اللغة العربية كما صرح به بعض المؤرخين للغة، وعلى الاقل فهو الاغلب في نشأة الترادف والاشتراك ولذا نسمع علماء العربية يقولون: لغة الحجاز كذا ولغة حمير كذا ولغة تميم

[ 29 ]

كذا... وهكذا. فهذا دليل على تعدد الوضع بتعدد القبائل والاقوام والاقطار في الجملة. ولا تهمنا الاطالة في ذلك. استعمال اللفظ في اكثر من معنى: ولا شك في جواز استعمال اللفظ المشترك في أحد معانيه بمعونة القرينة المعينة، وعلى تقدير عدم القرينة يكون اللفظ مجملا لا دلالة له على أحد معانيه. كما لا شبهة في جواز استعماله في مجموع معانيه بما هو مجموع المعاني غاية الامر يكون هذا الاستعمال مجازا يحتاج إلى القرينة، لانه استعمال للفظ في غير ما وضع له. وانما وقع البحث والخلاف في جواز ارادة أكثر من معنى واحد من المشترك في استعمال واحد، على أن يكون كل من المعاني مرادا من اللفظ على حدة، وكأن اللفظ قد جعل للدلالة عليه وحده. وللعلماء في ذلك أقوال وتفصيلات كثيرة لا يهمنا الآن التعرض لها. وانما الحق عندنا عدم جواز مثل هذا الاستعمال (الدليل): ان استعمال اي لفظ في معنى انما هو بمعنى ايجاد ذلك المعنى باللفظ، لكن لا بوجوده الحقيقي، بل بوجوده الجعلي التنزيلي، لان وجود اللفظ وجود للمعنى تنزيلا. فهو وجود واحد ينسب إلى اللفظ حقيقة، أولا وبالذات، والى المعنى تنزيلا، ثانيا وبالعرض (1) فإذا أوجد المتكلم اللفظ لاجل استعماله في المعنى فكأنما أوجد المعنى وألقاه بنفسه إلى المخاطب. فلذلك يكون اللفظ ملحوظا للمتكلم بل للسامع آلة وطريقا للمعنى وفانيا فيه وتبعا للحاظه، والملحوظ بالاصالة والاستقلال هو المعنى نفسه. وهذا نظير الصورة في المرآة، فان الصورة موجودة بوجود المرآة، والوجود الحقيقي للمرآة، وهذا الوجود نفسه ينسب إلى الصورة ثانيا، وبالعرض. فإذا


(1) راجع عن توضيح الوجود اللفظي للمعنى الجزء الاول من المنطق ص 22 الطبعة الثانية للمؤلف. (*)

[ 30 ]

نظر الناظر إلى الصورة في المرآة فانما ينظر إليها بطريق المرآة بنظرة واحدة هي للصورة بالاستقلال والاصالة وللمرآة بالآلية والتبع فتكون المرآة كاللفظ ملحوظة تبعا للحاظ الصورة وفانية فيها فناء العنوان في المعنون (1). وعلى هذا، لا يمكن استعمال لفظ واحد الا في معنى واحد، فان استعماله في معنيين مستقلا بان يكون كل منهما مرادا من اللفظ كما إذا لم يكن الا نفسه، يستلزم لحاظ كل منهما بالاصالة، فلا بد من لحاظ اللفظ في آن واحد مرتين بالتبع، ومعنى ذلك اجتماع لحاظين في آن واحد على ملحوظ واحد أعني به اللفظ الفاني في كل من المعنيين. وهو محال بالضرورة فان الشئ الواحد لا يقبل الا وجودا واحدا في النفس في آن واحد. الا ترى انه لا يمكن أن يقع لك أن تنظر في مرآة واحدة إلى صورة تسع المرآة كلها وتنظر - في نفس الوقت - إلى صورة أخرى تسعها أيضا. ان هذا لمحال. وكذلك النظر في اللفظ إلى معنيين، على ان يكون كل منهما قد استعمل فيه اللفظ مستقلا ولم يحك الا عنه. نعم يجوز لحاظ اللفظ فانيا في معنى في استعمال، ثم لحاظه فانيا في معنى آخر في استعمال ثان، مثل ما تنظر في المرآة إلى صورة تسعها، ثم تنظر في وقت آخر إلى صورة اخرى تسعها. وكذا يجوز لحاظ اللفظ في مجموع معنيين في استعمال واحد ولو مجازا مثلما تنظر في المرآة في آن واحد إلى صورتين لشيئين مجتمعين. وفي الحقيقة انما استعملت اللفظ في معنى واحد هو مجموع المعنيين، ونظرت في المرآة إلى صورة واحدة لمجموع الشيئين. تنبيهان (الاول) - انه لا فرق في جواز الاستعمال في المعنيين بين أن يكونا


(1) راجع عن توضيح فناء العنوان في المعنون الجزء الاول من المنطق ص 55 من الطبعة الثانية. (*)

[ 31 ]

حقيقيين أو مجازيين أو مختلفين، فان المانع وهو تعلق لحاظين بملحوظ واحد في آن واحد موجود في الجميع، فلا يختص بالمشترك كما اشتهر. (الثاني) - ذكر بعضهم ان الاستعمال في اكثر من معنى ان لم يجز في المفرد يجوز في التثنية والجمع، بأن يراد من كلمة عينين - مثلا - فرد من العين الباصرة وفرد من العين النابعة، فلفظ عين - وهو مشترك - قد استعمل حال التثنية في معنيين: في الباصرة والنابعة. وهذا شأنه في الامكان والصحة شأن ما لو أريد معنى واحد من كلمة عينين بان يراد بها فردان من العين الباصرة مثلا، فإذا صح هذا فليصح ذاك بلا فرق. واستدل على ذلك بما ملخصه: ان التثنية والجمع في قوة تكرار الواحد بالعطف، فإذا قيل: عينان فكأنما قيل: عين وعين. واذ يجوز في قولك (عين وعين) ان تستعمل أحدهما في الباصرة والثانية في النابعة فكذلك ينبغي أن يجوز فيما هو بقوتهما أعني (عينين). وكذا الحال في الجمع. والصحيح عندنا عدم الجواز في التثنية والجمع كالمفرد. و (الدليل) ان التثنية والجمع وان كانا موضوعين لافادة التعدد، الا أن ذلك من جهة وضع الهيئة في قبال وضع المادة، وهي - أي المادة - نفس لفظ المفرد الذي طرأت عليه التثنية والجمع. فإذا قيل (عينان) مثلا، فان أريد من المادة خصوص الباصرة فالتعدد يكون فيها أي فردان منهما، وان أريد منها خصوص النابعة مثلا فالتعدد يكون بالقياس إليها، فلو أريد الباصرة والنابعة فلا بد ان يراد التعدد من كل منهما أي فرد من الباصرة وفرد من النابعة، لكنه مستلزم لاستعمال المادة في أكثر من معنى، وقد عرفت استحالته. وأما أن التثنية والجمع في قوة تكرار الواحد فمعناه أنها تدل على تكرار أفراد المعنى المراد من المادة لا تكرار نفس المعنى المراد منها. فلو أريد من استعمال التثنية أو الجمع فردان أو فرد من طبيعتين أو طبائع متعددة لا يمكن ذلك ابدا الا ان يراد من المادة (المسمى بهذا اللفظ) على نحو المجاز، فتستعمل المادة في معنى واحد وهو معنى (مسمى هذا اللفظ) وان كان مجازا، نظير الاعلام الشخصية غير القابلة لعروض التعداد على مفاهيمها الجزئية الا بتأويل المسمى. فإذا قيل (محمدان) فمعناه فردان فمعناه فردان من المسمى بلفظ (محمد)،

[ 32 ]

فاستعملت المادة وهي لفظ محمد في مفهوم المسمى مجازا. 14 - الحقيقة الشرعية لا شك في أنا - نحن المسلمين - نفهم من بعض الالفاظ المخصوصة كالصلاة والصوم ونحوهما معاني خاصة شرعية، ونجزم بان هذه المعاني حادثة لم يكن يعرفها أهل اللغة العربية قبل الاسلام، وانما نقلت تلك الالفاظ من معانيها اللغوية إلى هذه المعاني الشرعية. هذا لا شك فيه، ولكن الشك وقع عند الباحثين في ان هذا النقل وقع في عصر الشارع المقدس على نحو الوضع التعييني أو التعيني فتثبت الحقيقة الشرعية، أو أنه وقع في عصر بعده على لسان أتباعه المتشرعة فلا تثبت الحقيقة الشرعية، بل الحقيقة المتشرعية. والفائدة من هذا النزاع تظهر في الالفاظ الواردة في كلام الشارع مجردة عن القرينة سواء كانت في القرآن الكريم أم السنة. فعلى القول الاول يجب حملها على المعاني الشرعية، وعلى الثاني تحمل على المعاني اللغوية أو يتوقف فيها فلا تحمل على المعاني الشرعية ولا على اللغوية، بناء على رأي من يذهب إلى التوقف فيما إذا دار الامر بين المعنى الحقيقي وبين المجاز المشهور، إذ من المعلوم انه إذا لم تثبت الحقيقة الشرعية فهذه المعاني المستحدثة تكون - على الاقل - مجازا مشهورا في زمانه صلى الله عليه وآله. والتحقيق في المسألة ان يقال: ان نقل تلك الالفاظ إلى المعاني المستحدثة اما بالوضع التعييني أو التعيني: أما (الاول) فهو مقطوع العدم لانه لو كان لنقل الينا بالتواتر أو بالآحاد على الاقل، لعدم الداعي إلى الاخفاء، بل الدواعي متظافرة على نقله، مع أنه لم ينقل ذلك أبدا. وأما (الثاني) فهو مما لا ريب فيه بالنسبة إلى زمان امامنا أمير المؤمنين عليه السلام، لان اللفظ إذا استعمل في معنى خاص في لسان جماعة كثيرة زمانا معتدا به - لا سيما إذا كان المعنى جديدا - يصبح حقيقة فيه بكثرة الاستعمال،

[ 33 ]

فكيف إذا كان ذلك عند المسلمين قاطبة في سنين متمادية. فلا بد - اذن - من حمل تلك الالفاظ على المعاني المستحدثة فيما إذا تجردت عن القرائن في روايات الائمة عليهم السلام. نعم كونها حقيقة فيها في خصوص زمان النبي صلى الله عليه وآله غير معلوم وان كان غير بعيد، بل من المظنون ذلك، ولكن الظن في هذا الباب لا يغني عن الحق شيئا. غير أنه لا أثر لهذا الجهل، نظرا إلى أن السنة النبوية غير مبتلى بها الا ما نقل لنا من طريق آل البيت عليهم السلام على لسانهم، وقد عرفت الحال في كلماتهم انه لا بد من حملها على المعاني المستحدثة. وأما القرآن المجيد فأغلب ما ورد فيه من هذه الالفاظ أو كله محفوف بالقرائن المعينة لارادة المعنى الشرعي، فلا فائدة مهمة في هذا النزاع بالنسبة إليه. على أن الالفاظ الشرعية ليست على نسق واحد، فان بعضها كثير التداول كالصلاة والصوم والزكاة والحج، لا سيما الصلاة التي يؤدونها كل يوم خمسن مرات، فمن البعيد جدا ألا تصبح حقائق في معانيها المستحدثة بأقرب وقت في زمانه صلى الله عليه وآله. الصحيح والاعم من ملحقات المسألة السابقة مسألة (الصحيح والاعم). فقد وقع النزاع في أن الفاظ العبادات أو المعاملات أهي أسام موضوعة للمعاني الصحيحة أو للاعم منها ومن الفاسدة. وقبل بيان المختار لا بد من تقديم مقدمات: (الاولى) ان هذا النزاع لا يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية، لانه قد عرفت ان هذه الالفاظ مستعملة في لسان المتشرعة بنحو الحقيقة ولو على نحو الوضع التعيني عندهم. ولا ريب ان استعمالهم كان يتبع الاستعمال في لسان الشارع، سواء كان استعماله على نحو الحقيقة أو المجاز. فإذا عرفنا - مثلا - ان هذه الالفاظ في عرف المتشرعة كانت حقيقة في خصوص الصحيح، يستكشف منه ان المستعمل فيه في لسان الشارع هو الصحيح أيضا، مهما كان استعماله عنده أحقيقة كان أم مجازا. كما لو علم

[ 34 ]

انها كانت حقيقة في الاعم في عرفهم كان ذلك امارة على كون المستعمل فيه في لسانه هو الاعم أيضا، وان كان استعماله على نحو المجاز. (الثانية) - ان المراد من الصحيحة من العبادة أو المعاملة: هي التي تمت أجزاؤها وكملت شروطها، والصحيح اذن معناه: تام الاجزاء والشرائط، فالنزاع يرجع هنا إلى ان الموضوع له خصوص تام الاجزاء والشرائط من العبادة أو المعاملة، أو الاعم منه ومن الناقص. (الثالثة) - ان ثمرة النزاع هي: صحة رجوع القائل بالوضع للاعم - المسمى (بالاعمي) - إلى أصالة الاطلاق، دون القائل بالوضع للصحيح - المسمى (بالصحيحي) فانه لا يصح له الرجوع إلى أصالة اطلاق اللفظ. توضيح ذلك: ان المولى إذا أمرنا بإيجاد شئ وشككنا في حصول امتثاله بالاتيان بمصداق خارجي فله صورتان يختلف الحكم فيهما: 1 - أن يعلم صدق عنوان المأمور به على ذلك المصداق، ولكن يحتمل دخل قيد زائد في غرض المولى غير متوفر في ذلك المصداق، كما إذا أمر المولى يعتق رقبة، فانه يعلم بصدق عنوان المأمور به على الرقبة الكافرة، ولكن يشك في دخل وصف الايمان في غرض المولى فيحتمل ان يكون قيدا للمأمور به. فالقاعدة في مثل هذا: الرجوع إلى أصالة الاطلاق في نفي اعتبار القيد المحتمل اعتباره فلا يجب تحصيله، بل يجوز الاكتفاء في الامتثال بالمصداق المشكوك، فيمتثل في المثال لو اعتق رقبة كافرة. 2 - ان يشك في صدق نفس عنوان المأمور به على ذلك المصداق الخارجي، كما إذا أمر المولى بالتيمم بالصعيد، ولا ندري ان ما عدا التراب هل يسمى صعيدا أولا فيكون شكنا في صدق الصعيد على غير التراب. وفي مثله لا يصح الرجوع إلى اصالة الاطلاق لادخال المصداق المشكوك في عنوان المأمور به ليكتفي به في مقام الامتثال، بل لا بد من الرجوع إلى الاصول

[ 35 ]

العملية، مثل قاعدة الاحتياط أو البراءة. ومن هذا البيان تظهر ثمرة النزاع في المقام الذي نحن فيه، فانه في فرض الامر بالصلاة والشك في ان السورة - مثلا - جزء للصلاة أم لا ان قلنا ان الصلاة اسم للاعم، كانت المسألة من باب الصورة الاولى، لانه بناء على هذا القول يعلم بصدق عنوان الصلاة على المصداق الفاقد للسورة وانما الشك في اعتبار قيد زائد على المسمى، فيتمسك حينئذ باطلاق كلام المولى في نفي اعتبار القيد الزائد وهو كون السورة جزءا من الصلاة ويجوز الاكتفاء في الامتثال بفاقدها. وان قلنا ان الصلاة اسم للصحيح كانت المسألة من باب الصورة الثانية لانه عند الشك في اعتبار السورة يشك في صدق عنوان المأمور به (اعني الصلاة) على المصداق الفاقد للسورة، إذ عنوان المأمور به هو الصحيح، والصحيح هو عنوان المأمور به، فما ليس بصحيح ليس بصلاة. فالفاقد للجزء المشكوك كما يشك في صحته يشك في صدق عنوان المأمور به عليه. فلا يصح الرجوع إلى أصالة الاطلاق لنفي اعتبار جزئية السورة حتى يكتفى بفاقدها في مقام الامتثال، بل لا بد من الرجوع إلى أصالة الاحتياط أو اصالة الاحتياط أو اصالة البراءة على خلاف بين العلماء في مثله سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. المختار في المسألة: إذا عرفت ما ذكرنا من المقدمات فالمختار عندنا هو الوضع للاعم. والدليل التبادر وعدم صحة السلب عن الفاسد، وهما امارتا الحقيقة - كما تقدم -. وهم ودفع: (الوهم) - قد يتعرض على المختار فيقال: انه لا يمكن الوضع بازاء الاعم، لان الوضع له يستدعي ان نتصور معنى كليا جامعا بين أفراده ومصاديقه هو الموضوع له، كما في اسماء الاجناس. وكذلك الوضع للصحيح يستدعي تصور كلي جامع بين مراتبه وأفراده.

[ 36 ]

ولاشك أن مراتب الصلاة - مثلا - الفاسدة والصحيحة كثيرة متفاوتة، وليس بينها قدر جامع يصح وضع اللفظ بازائه. توضيح ذلك: ان أي جزء من اجزاء الصلاة حتى الاركان إذا فرض عدمه يصح اسم الصلاة على الباقي، بناء على القول بالاعم، كما يصح صدقه مع وجوده وفقدان غيره من الاجزاء. وعليه يكون كل جزء مقوما للصلاة عند وجوده غير مقوم عند عدمه، فيلزم التبدل في حقيقة الماهية، بل يلزم الترديد فيها عند وجود تمام الاجزاء لان أي جزء منها لو فرض عدمه يبقى صدق الاسم على حاله. وكل منهما - أي التبدل والترديد في الحقيقة الواحدة - غير معقول إذ أن كل ماهية تفرض لا بد ان تكون متعينة في حد ذاتها وان كانت مبهمة من جهة تشخصاتها الفردية، والتبدل أو الترديد في ذات الماهية معناه ابهامها في حد ذاتها وهو مستحيل. (الدفع): ان هذا التبادل في الاجزاء وتكثر مراتب الفاسدة لا يمنع من فرض قدر مشترك جامع بين الافراد، ولا يلزم التبدل والترديد في ذات الحقيقة الجامعة بين الافراد. وهذا نظير لفظ (الكلمة) الموضوع لما تركب من حرفين فصاعدا، ويكون الجامع بين الافراد هو ما تركب من حرفين فصاعدا، مع أن الحروف كثيرة، فربما تتركب الكلمة من الالف والباء كأب ويصدق عليها أنها كلمة، وربما تتركب من حرفين آخرين مثل يد ويصدق عليها أنها كلمة.. وهكذا. فكل حرف يجوز ان يكون داخلا وخارجا في مختلف الكلمات، مع صدق اسم الكلمة. وكيفية تصحيح الوضع في ذلك: ان الواضع يتصور - أولا - جميع الحروف الهجائية، ثم يضع لفظ (الكلمة) بازاء طبيعة المركب من اثنين فصاعدا إلى حد سبعة حروف مثلا. والغرض من التقييد بقولنا (فصاعدا) بيان الكلمة تصدق على الاكثر من حرفين كصدقها على المركب من حرفين. ولا يلزم الترديد في الماهية، فان الماهية الموضوع لها هي طبيعة اللفظ الكلي المتركب من حرفين فصاعدا، والتبدل والترديد انما يكون في اجزاء

[ 37 ]

أفرادها. وقد يسمى ذلك الكلى في المعين أو الكلى المحصور في اجزاء معينة. وفي المثال أجزاؤه المعينة هي الحروف الهجائية كلها. وعلى هذا ينبغي ان يقاس لفظ الصلاة مثلا، فانه يمكن تصور جميع أجزاء الصلاة في مراتبها كلها وهي - أي هذا الاجزاء - معينة معروفة كالحروف الهجائية، فيضع اللفظ بازاء طبيعة العمل المركب من خمسة أجزاء منها - مثلا - فصاعدا، فعند وجود تمام الاجزاء يصدق على المركب أنه صلاة، وعند وجود بعضها - ولو خمسة على أقل تقدير على الفرض - يصدق اسم الصلاة أيضا. بل الحق ان الذي لا يمكن تصور الجامع فيه هو خصوص المراتب الصحيحة وهذا المختصر لا يسع تفصيل ذلك. تنبيهان 1 - لا يجري النزاع في المعاملات بمعنى المسببات ان ألفاظ المعاملات - كالبيع والنكاح - والايقاعات كالطلاق والعتق يمكن تصوير وضعها على أحد نحوين. 1 - أن تكون موضوعة للاسباب التي تسبب مثل الملكية والزوجية والفراق والحرية ونحوها. ونعني بالسبب انشاء العقد والايقاع، كالايجاب والقبول معا في العقود، والايجاب فقط في الايقاعات. وإذا كانت كذلك فالنزاع المتقدم يصح ان نفرضه في ألفاظ المعاملات من كونها اسامي لخصوص الصحيحة أعني تامة الاجزاء والشرائط في المسبب، أو للاعم من الصحيحة والفاسدة. ونعني بالفاسدة مالا يؤثر في المسبب اما لفقدان جزء أو شرط. 2 - أن تكون موضوعة للمسببات، ونعني بالمسبب نفس الملكية والزوجية والفراق والحرية ونحوها. وعلى هذا فالنزاع المتقدم لا يصح فرضه في المعاملات، لانها لا تتصف بالصحة والفساد، لكونها بسيطة غير مركبة من أجزاء وشرائط، بل انما تتصف بالوجود تارة وبالعدم أخرى. فهذا عقد البيع - مثلا - اما أن يكون واجدا لجميع ما هو معتبر في صحة العقد أولا، فان كان الاول اتصف

[ 38 ]

بالصحة وان كان الثاني اتصف بالفساد. ولكن الملكية المسببة للعقد يدور أمرها بين الوجود والعدم لانها توجد عند صحة العقد، وعند فساده لا توجد أصلا لا انها توجد فاسدة. فإذا أريد من البيع نفس المسبب وهو الملكية المنتقلة إلى المشتري فلا تتصف بالصحة والفساد حتى يمكن تصوير النزاع فيها. 2 - لا ثمرة للنزاع في المعاملات الا في الجملة قد عرفت أنه على القول بوضع الفاظ (العبادات) للصحيحة لا يصح التمسك بالاطلاق عند الشك في اعتبار شئ فيها، جزءا كان أو شرطا، لعدم احراز صدق الاسم على الفاقد له. واحراز صدق الاسم على الفاقد شرط في صحة التمسك بالاطلاق. الا أن هذا الكلام لا يجري في ألفاظ (المعاملات)، لان معانيها غير مستحدثة، والشارع بالنسبة إليها كواحد من أهل العرف، فإذا استعمل أحد ألفاظها فيحمل لفظه على معناه الظاهر فيه عندهم الا إذا نصب قرينة على خلافه. فإذا شككنا في اعتبار شئ - عند الشارع - في صحة البيع مثلا، ولم ينصب قرينة على ذلك في كلامه، فانه يصح التمسك باطلاقه لدفع هذا الاحتمال، حتى لو قلنا بأن الفاظ المعاملات موضوعة للصحيح، لان المراد من الصحيح هو الصحيح عند العرف العام، لا عند الشارع. فإذا اعتبر الشارع قيدا زائدا على ما يعتبره العرف كان ذلك قيدا زائدا على أصل معنى اللفظ، فلا يكون دخيلا في صدق عنوان المعاملة الموضوعة - حسب الفرض - للصحيح، على المصداق المجرد عن القيد. وحالها في ذلك حال ألفاظ العبادات لو كانت موضوعة للاعم. نعم إذا احتمل أن هذا القيد دخيل في صحة المعاملة عند أهل العرف أنفسهم أيضا، فلا يصح التمسك بالاطلاق لدفع هذا الاحتمال، بناء على القول بالصحيح (كما هو شأن ألفاظ العبادات)، لان الشك يرجع إلى الشك

[ 39 ]

في صدق عنوان المعاملة. وأما على القول بالاعم، فيصح التمسك بالاطلاق لدفع الاحتمال. فتظهر ثمرة النزاع - على هذا - في ألفاظ المعاملات أيضا، ولكنها ثمرة نادرة. * * *

[ 41 ]

المقصد الاول مباحث الالفاظ

[ 43 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: المقصود من (مباحث الالفاظ) تشخيص ظهور الالفاظ من ناحية عامة اما بالوضع أو باطلاق الكلام، لتكون نتيجتها قواعد كلية تنقح صغريات " اصالة الظهور " التي سنبحث عن حجيتها في المقصد الثالث. وقد سبقت الاشارة إليها. وتلك المباحث تقع في هيئات الكلام التي يقع فيها الشك والنزاع، سواء كانت هيئات المفردات كهيئة المشتق والامر والنهي، أو هيئات الجمل كالمفاهيم ونحوها. أما البحث عن مواد الالفاظ الخاصة وبيان وضعها وظهورها - مع أنها تنقح أيضا صغريات اصالة الظهور - فانه لا يمكن ضبط قاعدة كلية عامة فيها. فلذا لا يبحث عنها في علم الاصول. ومعاجم اللغة ونحوها هي المتكفلة بتشخيص مفرداتها. وعلى أي حال، فنحن نعقد (مباحث الالفاظ) في سبعة أبواب: 1 - المشتق. 2 - الاوامر. 3 - النواهي. 4 - المفاهيم. 5 - العام والخاص. 6 - المطلق والمقيد. 7 - المجمل والمبين.

[ 45 ]

الباب الاول المشتق

[ 47 ]

اختلف الاصوليون من القديم في المشتق: في انه حقيقة في خصوص ما تلبس بالمبدأ في الحال ومجاز فيما انقضى عنه التلبس، أو انه حقيقة في كليهما، بمعنى أنه موضوع للاعم منهما ؟ بعد اتفاقهم على أنه مجاز فيما يتلبس بالمبدأ في المستقبل. - ذهب المعتزلة وجماعة من المتأخرين من أصحابنا إلى الاول. - وذهب الاشاعرة وجماعة من المتقدمين من أصحابنا إلى الثاني. والحق هو القول الاول. وللعلماء أقوال أخر فيها تفصيلات بين هذين القولين لا يهمنا التعرض لها بعد اتضاح الحق فيما يأتي. وأهم شئ يعنينا في هذه المسألة - قبل بيان الحق فيها وهو أصعب ما فيها - أن نفهم محل النزاع وموضع النفي والاثبات. ولاجل ان يتضح في الجملة موضع الخلاف نذكر مثالا له فنقول: انه ورد كراهة الوضوء والغسل بالماء المسخن بالشمس، فمن قال بالاول لا بد ألا يقول بكراهتهما بالماء الذي برد وانقضى عنه التلبس، لانه عنده لا يصدق عليه حينئذ انه مسخن بالشمس، بل كان مسخنا. ومن قال بالثاني لا بد ان يقول بكراهتهما بالماء حال انقضاء التلبس أيضا، لانه عنده يصدق عليه أنه مسخن حقيقة بلا مجاز. ولتوضيح ذلك نذكر الآن أربعة أمور مذللة لتلك الصعوبة، ثم نذكر القول المختار ودليله: 1 - ما المراد من المشتق المبحوث عنه ؟ اعلم ان (المشتق) باصطلاع النحاة ما يقابل الجامد، ومرادهم واضح.

[ 48 ]

ولكن ليس هو موضع النزاع هنا بل بين المشتق بمصطلح النحويين وبين المشتق المبحوث عنه عموم وخصوص من وجه. لان موضع النزاع هنا يشمل كل ما يحمل على الذات باعتبار قيام صفة فيها خارجة عنها تزول عنها وان كان باصطلاح النحاة معدودا من الجوامد، كلفظ الزوج والاخ والرق ونحو ذلك. ومن جهة أخرى لا يشمل الفعل بأقسامه ولا المصدر وان كانت تسمى مشتقات عند النحويين. والسر في ذلك ان موضع النزاع هنا يعتبر فيه شيئان: 1 - أن يكون جاريا على الذات، بمعنى أنه يكون حاكيا عنها وعنوانا لها، نحو اسم الفاعل، واسم المفعول، وأسماء المكان والآلة وغيرهما، وما شابه هذه الامور من الجوامد. ومن أجل هذا الشرط لا يشمل هذا النزاع الافعال ولا المصادر، لانها كلها لا تحكي عن الذات ولا تكون عنوانا لها، وان كانت تسند إليها. 2 - ألا تزول الذات بزوال تلبسها بالصفة - ونعني بالصفة المبدأ الذي منه يكون النزاع المشتق واشتقاقه ويصح صدقه على الذات - بمعنى ان تكون الذات باقية محفوظة لو زال تلبسها بالصفة، فهي تتلبس بها تارة ولا تتلبس بها أخرى، والذات تلك الذات في كلا الحالين. وانما نشترط ذلك فلاجل أن نتعقل انقضاء التلبس بالمبدأ مع بقاء الذات حتى يصح ان نتنازع في صدق المشتق حقيقة عليها مع انقضاء حال التلبس بعد الاتفاق على صدقه حقيقة عليها حال التلبس. والا لو كانت الذات تزول بزوال التلبس لا يبقى معنى لفرض صدق المشتق على الذات مع انقضاء حال التلبس لا حقيقة ولا مجازا. وعلى هذا، لو كان المشتق من الاوصاف التي تزول الذات بزوال التلبس بمبادئها، فلا يدخل في محل النزاع وان صدق عليها اسم المشتق، مثلها لو كان من الانواع أو الاجناس أو الفصول بالقياس إلى الذات، كالناطق والصاهل والحساس والمتحرك بالارداة.

[ 49 ]

واعتبر ذلك في مثال كراهة الجلوس للتغوط تحت الشجرة المثمرة، فان هذا المثال يدخل في محل النزاع لو زالت الثمرة عن الشجرة، فيقال: هل يبقى اسم المثمرة صادقا حقيقة عليها حينئذ فيكره الجلوس أو لا ؟ اما لو اجتثت الشجرة فصارت خشبة فانها لا تدخل في محل النزاع، لان الذات وهي (الشجرة) قد زالت بزوال الوصف الداخل في حقيقتها، فلا يتعقل معه بقاء وصف الشجرة المثمرة لها، لا حقيقة ولا مجازا. وأما الخشب فهو ذات أخرى لم يكن فيما مضى قد صدق عليه - بما أنه خشب - وصف الشجرة المثمرة حقيقة، إذ لم يكن متلبسا بما هو خشب بالشجرة ثم زال عنه التلبس. * * * وبناء على اعتبار هذين الشرطين يتضح ما ذكرناه في صدر البحث من أن موضع النزاع في المشتق يشمل كل ما كان جاريا على الذات باعتبار قيام صفة خارجة عن الذات وان كان معدودا من الجوامد اصطلاحا. ويتضح أيضا عدم شمول النزاع للافعال والمصادر. كما يتضح أن النزاع يشمل كل وصف جار على الذات، ولا يفرق فيه بين أن يكون مبدأه من الاعراض الخارجية المتأصلة كالبياض والسواد والقيام والقعود، أو من الامور الانتزاعية كالفوقية والتحتية والتقدم والتأخر أو من الامور الاعتبارية المحضة كالزوجية والملكية والوقف والحرية. 2 - جريان النزاع في اسم الزمان بناء على ما تقدم قد يظن عدم جريان النزاع في اسم الزمان، لانه قد تقدم أنه يعتبر في جريانه بقاء الذات مع زوال الوصف، مع ان زوال الوصف في اسم الزمان ملازم لزوال الذات، لان الزمان متصرم الوجود فكل جزء منه ينعدم بوجود الجزء اللاحق، فلا تبقى ذات مستمرة. فإذا كان يوم الجمعة مقتل زيد - مثلا - فيوم السبت الذي بعده ذات أخرى من الزمان لم يكن لها وصف القتل فيها، ويوم الجمعة تصرم وزال كما زال نفس الوصف. والجواب: ان هذا صحيح لو كان لاسم الزمان لفظ مستقل مخصوص،

[ 50 ]

ولكن الحق ان هيئة اسم الزمان موضوعة لما هو يعم اسم الزمان والمكان ويشملهما معا، فمعنى (المضرب) مثلا: الذات المتصفة بكونها ظرفا للضرب، والظرف أعم من أن يكون زمانا أو مكانا، ويتعين أحدهما بالقرينة. والهيئة إذا كانت موضوعة للجامع بين الظرفين، فهذا الجامع يكفي في صحة الوضع له وتعميمه لما تلبس بالمبدأ وما انقضى عنه أن يكون أحد فرديه يمكن ان يتصور فيه انقضاء المبدأ وبقاء الذات. والخلاصة: ان النزاع حينئذ يكون في وضع اصل الهيئة التي تصلح للزمان والمكان لا لخصوص اسم الزمان. ويكفي في صحة الوضع للاعم امكان الفرد المنقضي عنه المبدأ في أحد أقسامه، وان امتنع الفرد الآخر. 3 - اختلاف المشتقات من جهة المبادئ وقد يتوهم بعضهم ان النزاع هنا لا يجري في بعض المشتقات الجارية على الذات، مثل النجار والخياط والطبيب والقاضي، ونحو ذلك مما كان للحرف والمهن، بل في هذه من المتفق عليه أنه موضوع للاعم. ومنشأ الوهم أنا نجد صدق هذه المشتقات حقيقة على من انقضى عنه التلبس بالمبدأ - من غير شك -، وذلك نحو صدقها على من كان نائما - مثلا - مع ان النائم غير متلبس بالنجارة فعلا أو الخياطة أو الطبابة أو القضاء ولكنه كان متلبسا بها في زمان مضى. وكذلك الحال في اسماء الآلة كألمنشار والمقود والمكنسة فانها تصدق على ذواتها حقيقة مع عدم التلبس بمبادئها. والجواب عن ذلك: ان هذا التوهم منشأه الغفلة عن معنى المبدأ المصحح لصدق المشتق فانه يختلف باختلاف المشتقات، لانه تارة يكون من الفعليات، وأخرى من الملكات، وثالثة من الحرف والصناعات. (مثلا): اتصاف زيد بأنه قائم انما يتحقق إذا تلبس بالقيام فعلا، لان القيام يؤخذ على نحو الفعلية مبدأ لوصف (قائم) ويفرض الانقضاء بزوال فعلية القيام عنه. واما اتصافه بأنه عالم بالنحو أو انه قاضي البلد، فليس بمعنى انه يعلم ذلك فعلا أو انه مشغول بالقضاء بين الناس فعلا، بل بمعنى ان له ملكة العلم أو منصب القضاء، فما دامت الملكة أو الوظيفة موجودتين فهو متلبس بالمبدأ حالا وان كان نائما أو

[ 51 ]

غافلا. نعم يصح ان نتعقل الانقضاء إذا زالت الملكة أو سلبت عنه الوظيفة، وحينئذ يجري النزاع في ان وصف القاضي - مثلا - هل يصدق حقيقة على من زال عنه منصب القضاء وكذلك الحال في مثل النجار والخياط والمنشار فلا يتصور فيها الانقضاء الا بزوال حرفة النجارة ومهنة الخياطة وشأنية النشر في المنشار. والخلاصة: ان الزوال والانقضاء في كل شئ بحسبه، والنزاع في المشتق انما هو في وضع الهيئات مع قطع النظر عن خصوصيات المبادئ المدلول عليها بالمواد التي تختلف اختلافا كثيرا. 4 - استعمال المشتق بلحاظ حال التلبس حقيقة اعلم أن المشتقات التي هي محل النزاع بأجمعها هي من الاسماء. والاسماء مطلقا لا دلالة لها على الزمان حتى اسم الفاعل واسم المفعول فانه كما يصدق العالم حقيقة على من هو عالم فعلا كذلك يصدق حقيقة على من كان عالما فيما مضى أو يكون عالما فيما يأتي بلا تجوز إذا كان اطلاقه عليه بلحاظ حال التلبس بالمبدأ، كما إذا قلنا: كان عالما أو سيكون عالما، فان ذلك حقيقة بلا ريب، نظير الجوامد لو تقول فيها مثلا: الرماد كان خشبا أو الخشب سيكون رمادا. فاذن إذا كان الامر كذلك فما موقع النزاع في اطلاق المشتق على ما مضى عليه التلبس انه حقيقة أو مجاز ؟ نقول: ان الاشكال والنزاع هنا انما هو فيما إذا انقضى التلبس بالمبدأ وأريد اطلاق المشتق فعلا على الذات التي انقضى عنها التلبس، أي أن الاطلاق عليها بلحاظ حال النسبة والاسناد الذي هو حال النطق غالبا، كأن تقول مثلا: (زيد عالم فعلا) أي انه الآن موصوف بأنه عالم، لانه كان فيما مضى عالما، كمثال اثبات الكراهة للوضوء بالماء المسخن بالشمس سابقا بتعميم لفظ المسخن في الدليل لما كان مسخنا.

[ 52 ]

فتحصل مما ذكرناه ثلاثة أمور: 1 - ان اطلاق المشتق بلحاظ حال التلبس حقيقة مطلقا، سواء كان بالنظر إلى ما مضى أو الحال أو المستقبل. وذلك بالاتفاق. 2 - ان اطلاقه على الذات فعلا بلحاظ حال النسبة والاسناد قبل زمان التلبس لانه سيتلبس به فيما بعد، مجاز بلا اشكال، وذلك بعلاقة الاول أو المشارفة. وهذا متفق عليه ايضا. 3 - ان اطلاقه على الذات فعلا - أي بلحاظ حال النسبة والاسناد - لانه كان متصفا به سابقا، هو محل الخلاف والنزاع فقال قوم بانه حقيقة وقال آخرون بانه مجاز. المختار: إذا عرفت ما تقدم من الامور، فنقول: الحق ان المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ، ومجاز في غيره. و (دليلنا) التبادر وصحة السلب عمن زال عنه الوصف، فلا يقال لمن هو قاعد بالفعل: انه قائم. ولا لمن هو جاهل بالفعل: انه عالم. وذلك لمجرد انه كان قائما أو عالما فيما سبق. نعم يصح ذلك على نحو المجاز، أو يقال: انه كان قائما أو عالما، فيكون حقيقة حينئذ، إذ يكون الاطلاق بلحاظ حال التلبس. وعدم تفرقة بعضهم بين الاطلاق بلحاظ حال التلبس، وبين الاطلاق بلحاظ حال النسبة والاسناد هو الذي أوهم القول بوضع المشتق للاعم، إذ وجد ان الاستعمال يكون على نحو الحقيقة فعلا مع ان التلبس قد مضى، ولكنه غفل عن ان الاطلاق كان بلحاظ حال التلبس، فلم يستعمله - في الحقيقة - الا في خصوص المتلبس بالمبدأ، لا فيما مضى عنه التلبس حتى يكون شاهدا له. ثم إنك عرفت - فيما سبق - أن زوال الوصف يختلف باختلاف

[ 53 ]

المواد من جهة كون المبدأ أخذ على نحو الفعلية، أو على نحو الملكة أو الحرفة. فمثل صدق الطبيب حقيقة على من لا يشتغل بالطبابة فعلا لنوم أو راحة أو أكل لا يكشف عن كون المشتق حقيقة في الاعم - كما قيل - وذلك لان المبدأ فيه أخذ على نحو الحرفة أو الملكة، وهذا لم يزل تلبسه به حين النوم أو الراحة. نعم إذا زالت الملكة أو الحرفة عنه كان اطلاق الطبيب عليه مجازا، إذا لم يكن بلحاظ حال التلبس كما قيل: هذا طبيبنا بالامس، بأن يكون قيد (بالامس) لبيان حال التلبس. فان هذا الاستعمال لا شك في كونه على نحو الحقيقة. وقد سبق بيان ذلك.

[ 55 ]

الباب الثاني الاوامر وفيه بحثان: - في مادة الامر - وصيغة الامر - وخاتمة في تقسيمات الواجب

[ 57 ]

المبحث الاول مادة الامر وهي كلمة (الامر) المؤلفة من الحروف (أ. م. ر) وفيها ثلاث مسائل 1 - معنى كلمة الامر قيل: ان كلمة (الامر) لفظ مشترك بين الطلب وغيره مما تستعمل فيه هذه الكلمة، كالحادثة والشأن والفعل، كما تقول (جئت لامر كذا)، أو (شغلني أمر) أو (أتى فلان بأمر عجيب). ولا يبعد أن تكون المعاني التي تستعمل فيها كلمة الامر ما خلا الطلب ترجع إلى معنى واحد جامع بينها، وهو مفهوم (الشئ). فيكون لفظ الامر مشتركا بين معنيين فقط: (الطلب) و (الشئ). والمراد من الطلب: إظهار الارادة والرغبة بالقول أو الكتابة أو الاشارة أو نحو هذه الامور مما يصح اظهار الارادة والرغبة وابرازهما به (1) فمجرد الارادة والرغبة من دون اظهارها بمظهر لا تسمى طلبا. والظاهر انه ليس كل طلب يسمى أمرا، بل بشرط مخصوص سيأتي ذكره في المسألة الثانية فتفسير الامر بالطلب من باب تعريف الشئ بالاعم.


(1) والظاهر أن تفسير بعض الاصوليين للفظ الامر بأنه (الطلب بالقول) ليس القصد منه أن لهم اصطلاحا مخصوصا فيه، بل باعتبار أنه أحد مصاديق المعنى. فان الامر كما يصدق على الطلب بالقول يصدق على الطلب بالكتابة أو الاشارة أو نحوهما.

[ 58 ]

والمراد من الشئ من لفظ الامر أيضا ليس كل شئ على الاطلاق، فيكون تفسيره به من باب تعريف الشئ بالاعم ايضا، فان الشئ لا يقال له (أمر) الا إذا كان من الافعال والصفات، ولذا لا يقال: " رأيت أمرا " إذا رأيت انسانا أو شجرا أو حائطا. ولكن ليس المراد من الفعل والصفة المعنى الحدثي أي المعنى المصدري بل المراد منه نفس الفعل أو الصفة بما هو موجود في نفسه. يعني لم يلاحظ فيه جهة الصدور من الفاعل والايجاد وهو المعبر عنه عند بعضهم بالمعنى: الاسم المصدري، أي ما يدل عليه اسم المصدر. ولذا لا يشتق منه فلا يقال: (أمر. يأمر. آمر. مأمور) بالمعنى المأخوذ من الشئ، ولو كان معنى حدثيا لاشتق منه. بخلاف الامر بمعنى الطلب فان المقصود منه المعنى الحدثي وجهة الصدور والايجاد، ولذا يشتق منه فيقال: (أمر. يأمر. آمر. مأمور). والدليل على أن لفظ الامر مشترك بين معنيين الطلب والشئ، لا انه موضوع للجامع بينهما: 1 - ان (الامر) - كما تقدم - بمعنى الطلب يصح الاشتقاق منه، ولا يصح الاشتقاق منه بمعنى الشئ. والاختلاف بالاشتقاق وعدمه دليل على تعدد الوضع. 2 - ان (الامر) بمعنى الطلب يجمع على " أوامر " وبمعنى الشئ على (أمور) واختلاف الجمع في المعنيين دليل على تعدد الوضع. 12 - اعتبار العلو في معنى الامر قد سبق أن الامر يكون يمعنى الطلب، ولكن لا مطلقا بل بمعنى طلب مخصوص. والظاهر أن الطلب المخصوص هو الطلب من العالي إلى الداني، فيعتبر فيه العلو في الآمر. وعليه لا يسمى الطلب من الداني إلى العالي أمرا، بل يسمى (استدعاء). وكذا لا يسمى الطلب من المساوي إلى مساويه في العلو أو الحطة أمرا، بل يسمى (التماسا)، وان استعمل الداني أو المساوي وأظهر علوه

[ 59 ]

وترفعه وليس هو بعال حقيقة. أما العالي فطلبه يكون أمرا وان لم يكن متظاهرا بالعلو. كل هذا بحكم التبادر وصحة سلب الامر عن طلب غير العالي، ولا يصح اطلاق الامر على الطلب من غير العالي الا بنحو العناية والمجاز وإن استعلى. 3 دلالة لفظ الامر على الوجوب اختلفوا في دلالة لفظ الامر بمعنى (الطلب) على الوجوب، فقيل: انه موضوع لخصوص الطلب الوجوبي. وقيل: للاعم منه ومن الطلب الندبي. وقيل مشترك بينهما اشتراكا لفظيا. وقيل غير ذلك. والحق عندنا انه دال على الوجوب وظاهر فيه، فيما إذا كان مجردا وعاريا عن قرينة على الاستحباب. واحراز هذا الظهور بهذا المقدار كاف في صحة استنباط الوجوب من الدليل الذي يتضمن كلمة (الامر) ولا يحتاج إلى اثبات منشأ هذا الظهور هل هو الوضع أو شئ آخر. ولكن من ناحية علمية صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور، فقد قيل: ان معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الامر. وقيل: مأخوذ قيدا في المستعمل فيه ان لم يكن مأخوذا في الموضوع له. والحق انه ليس قيدا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه. بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر، فان العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره، قضاء لحق المولوية والعبودية، فبمجرد بعث المولى يجد العقل انه لا بد للعبد من الطاعة والانبعاث ما لم يرخص في تركه ويأذن في مخالفته. فليس المدلول للفظ الامر الا الطلب من العالي، ولكن العقل هو الذي يلزم العبد الانبعاث ويوجب عليه الطاعة لامر المولى ما لم يصرح المولى بالترخيص ويأذن بالترك.

[ 60 ]

وعليه فلا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ. فليس هو موضوعا للوجوب، بل ولا موضوعا للاعم من الوجوب والندب، لان الوجوب والندب ليسا من التقسيمات اللاحقة للمعنى المستعمل فيه اللفظ، بل من التقسيمات اللاحقة للامر بعد استعماله في معناه الموضوع له. * * *

[ 61 ]

المبحث الثاني صيغة الامر 1 - معنى صيغة الامر صيغة الامر، أي هيئته، كصيغة افعل ونحوها (1): تستعمل في موارد كثيرة: (منها) البعث، كقوله تعالى (فأقيموا الصلاة). (أوفوا بالعقود). و (منها) التهديد، كفوله تعالى: (اعملوا ما شئتم). و (منها) التعجيز، كقوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله). وغير ذلك، من التسخير، والانذار، والترجي، والتمني، ونحوها. ولكن الظاهر أن الهيئة في جميع هذه المعاني استعملت في معنى واحد، لكن ليس هو واحدا من هذه المعاني، لان الهيئة مثل (افعل) شأنها شأن الهيئات الاخرى وضعت لافادة نسبة خاصة كالحروف ولم توضع لافادة معان مستقلة، فلا يصح ان يراد منها مفاهيم هذه المعاني المذكورة التي هي معان اسمية. وعليه، فالحق انها موضوعة للنسبة الخاصة القائمة بين المتكلم والمخاطب والمادة، والمقصود من المادة الحدث الذي وقع عليه مفاد الهيئة، مثل الضرب والقيام والقعود في اضرب وقم واقعد، ونحو ذلك. وحينئذ ينتزع منها عنوان


(1) المقصود بنحو صيغة أفعل: أية صيغة وكلمة تؤدي مؤداها في الدلالة على الطلب والبعث، كالفعل المضارع المقرون بلام الامر أو المجرد منه إذا قصد به إنشاء الطلب نحو قولنا: (تصلي. تغتسل. أطلب منك كذا) أو جملة اسمية نحو (هذا مطلوب منك) أو اسم فعل نحو: صه ومه ومهلا، وغير ذلك.

[ 62 ]

طالب ومطلوب منه ومطلوب. فقولنا: (اضرب)، يدل على النسبة الطلبية بين الضرب والمتكلم والمخاطب، ومعنى ذلك جعل الضرب على عهدة المخاطب وبعثه نحوه وتحريكه إليه، وجعل الداعي في نفسه للفعل. وعلى هذا فمدلول هيئة الامر ومفادها هو النسبة الطلبية، وان شئت فسمها النسبة البعثية، لغرض ابراز جعل المأمور به - أي المطلوب - في عهدة المخاطب، وجعل الداعي في نفسه وتحريكه وبعثه نحوه. ما شئت فعبر. غير ان هذا الجعل أو الانشاء يختلف فيه الداعي له من قبل المتكلم، (فتارة) يكون الداعي له هو البعث الحقيقي وجعل الداعي في نفس المخاطب لفعل المأمور به، فيكون هذا الانشاء حينئذ مصداقا للبعث والتحريك وجعل الداعي، أو ان شئت فقل يكون مصداقا للطلب، فان المقصود واحد. و (أخرى) يكون الداعي له هو التهديد، فيكون مصداقا للتهديد، ويكون تهديدا بالحمل الشايع. و (ثالثة) يكون الداعي له هو التعجيز فيكون مصداقا للتعجيز وتعجيزا بالحمل الشايع.. وهكذا في باقي المعاني المذكورة وغيرها. والى هنا يتجلى ما نريد ان نوضحه، فانا نريد ان نقول بنص العبارة. ان البعث أو التهديد أو التعجيز أو نحوها ليست هي معاني لهيئة الامر قد استعملت في مفاهيمها - كما ظنه القوم - لا معاني حقيقة ولا مجازية. بل الحق ان المنشأ بها ليس الا النسبة الطلبية الخاصة، وهذا الانشاء يكون مصداقا لاحد هذه الامور باختلاف الدواعي فيكون تارة بعثا بالحمل الشايع وأخرى تهديدا بالحمل الشايع وهكذا. لا أن هذه المفاهيم مدلولة للهيئة ومنشأة بها حتى مفهوم البعث والطلب. والاختلاط في الوهم بين المفهوم والمصداق هو الذي جعل أولئك يظنون ان هذه الامور مفاهيم لهيئة الامر وقد استعملت فيها استعمال اللفظ في معناه، حتى اختلفوا في انه ايها المعنى الحقيقي الموضوع له الهيئة وأيها المعنى المجازي.

[ 63 ]

2 - ظهور الصيغة في الوجوب اختلف الاصوليون في ظهور صيغة الامر في الوجوب وفي كيفيته على أقوال. والخلاف يشمل صيغة افعل وما شابهها وما بمعناها من صيغ الامر. والاقوال في المسألة كثيرة، واهمها قولان: (احدهما) انها ظاهرة في الوجوب،، اما كونها موضوعة فيه، أو من جهة انصراف الطلب إلى أكمل الافراد. (ثانيهما) انها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو - أي القدر المشترك - مطلق الطلب الشامل لهما من دون أن تكون ظاهرة في احدهما. والحق انها ظاهرة في الوجوب، ولكن لا من جهة كونها موضوعة للوجوب ولا من جهة كونها موضوعة لمطلق الطلب وان الوجوب أظهر افراده. وشأنها في ظهورها في الوجوب شأن مادة الامر على ما تقدم هناك، من ان الوجوب يستفاد من حكم العقل بلزوم اطاعة أمر المولى ووجوب الانبعاث عن بعثه، قضاء لحق المولوية والعبودية، ما لم يرخص نفس المولى بالترك ويأذن به. وبدون الترخيص فالامر لو خلى وطبعه شأنه أن يكون من مصاديق حكم العقل بوجوب الطاعة. فيكون الظهور هذا ليس من نحو الظهورات اللفظية، ولا الدلالة هذه على الوجوب من نوع الدلالات الكلامية. إذ صيغة الامر - كمادة الامر - لا تستعمل في مفهوم الوجوب لا استعمالا حقيقيا ولا مجازيا، لان الوجوب كالندب أمر خارج عن حقيقة مدلولها ولا من كيفياته وأحواله. وتمتاز الصيغة عن مادة كلمة الامر أن الصيغة لاتدل إلا على النسبة الطلبية كما تقدم، فهي بطريق أولى لا تصلح للدلالة على الوجوب الذي هو مفهوم اسمي، وكذا الندب. وعلى هذا فالمستعمل فيه الصيغة على كلا الحالين (الوجوب والندب) واحد لا اختلاف فيه. واستفادة الوجوب - على تقدير تجردها عن القرينة على اذن الآمر بالترك - انما هو حكم كالعقل كما قلنا، إذ هو من لوازم صدور

[ 64 ]

الامر من المولى. ويشهد لما ذكرناه من كون المستعمل فيه واحدا في مورد الوجوب والندب ما جاء في كثير من الاحاديث من الجمع بين الواجبات والمندوبات بصيغة واحدة وأمر واحد أو أسلوب واحد مع تعدد الامر. ولو كان الوجوب والندب من قبيل المعنيين للصيغة لكان ذلك في الاغلب من باب استعمال اللفظ في أكثر من معنى وهو مستحيل، أو تأويله بارادة مطلق الطلب البعيد ارادته من مساق الاحاديث فانه تجوز - على تقديره - لا شاهد له ولا يساعد عليه أسلوب الاحاديث الواردة. تنبيهان (الاول) ظهور الجملة الخبرية الدالة على الطلب في الوجوب. اعلم ان الجملة الخبرية في مقام انشاء الطلب شأنها شأن صيغة إفعل في ظهورها في الوجوب، كما أشرنا إليه سابقا، بقولنا " صيغة افعل وما شابهها ". والجملة الخبرية مثل قول: " يغتسل. يتوضأ. يصلي " بعد السؤال عن شئ يقتضي مثل هذا الجواب ونحو ذلك. والسر في ذلك أن المناط في الجميع، واحد فانه إذا ثبت البعث من المولى بأي مظهر كان وبأي لفظ كان، فلا بد ان يتبعه حكم العقل بلزوم الانبعاث ما لم يأذن المولى بتركه. بل ربما يقال ان دلالة الجملة الخبرية على الوجوب آكد، لانها في الحقيقة اخبار عن تحقق الفعل بادعاء أن وقوع الامتثال من المكلف مفروغ عنه. (الثاني) ظهور الامر بعد الحظر أو توهمه. قد يقع انشاء الامر بعد تقدم الحظر - أي المنع - أو عند توهم الحظر، كما لو منع الطبيب المريض عن شرب الماء، ثم قال له: اشرب الماء. أو قال ذلك عندما يتوهم المريض انه ممنوع منه ومحظور عليه شربه. وقد اختلف الاصوليون في مثل هذا الامر انه هل هو ظاهر في الوجوب

[ 65 ]

أو ظاهر في الاباحة، أو الترخيص فقط أي رفع المنع فقط من دون التعرض لثبوت حكم آخر من اباحة أو غيرها، أو يرجع إلى ما كان عليه سابقا قبل المنع ؟ على أقوال كثيرة. وأصح الاقوال هو الثالث وهو دلالتها على الترخيص فقط. والوجه في ذلك: انك قد عرفت أن دلالة الامر على الوجوب انما تنشأ من حكم العقل بلزوم الانبعاث ما لم يثبت الاذن بالترك. ومنه تستطيع أن تتفطن انه لا دلالة للامر في المقام على الوجوب، لانه ليس فيه دلالة على البعث وانما هو ترخيص في العقل لا اكثر. وأوضح من هذا ان نقول: ان مثل هذا الامر هو انشاء بداعي الترخيص في الفعل والاذن به، فهو لا يكون الا ترخيصا واذنا بالحمل الشايع. ولا يكون بعثا الا إذا كان الانشاء بداعي البعث. ووقوعه بعد الحظر أو توهمه قرينة على كونه بداعي البعث، فلا يكون دالا على الوجوب. وعدم دلالته على الاباحة بطريق أولى. فيرجع فيه إلى دليل آخر من أصل أو امارة. مثاله قوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " فانه أمر بعد الحظر عن الصيد حال الاحرام فلا يدل على وجوب الصيد. نعم لو اقترن الكلام بقرينة خاصة على ان الامر صدر بداعي البعث أو لغرض بيان اباحة الفعل فانه حينئذ يدل على الوجوب أو الاباحة. ولكن هذا أمر آخر لا كلام فيه، فان الكلام في فرض صدور الامر بعد الحظر أو توهمه مجردا عن كل قرينة أخرى غير هذه القرينة. 3 - التعبدي والتوصلي تمهيد: كل متفقه يعرف ان في الشريعة المقدسة واجبات لا تصح ولا تسقط أوامرها الا باتيانها قربية إلى وجه الله تعالى. وكونها قربية انما هو بإتيانها بقصد امتثال أوامرها أو بغيره من وجوه قصد

[ 66 ]

القربة إلى الله تعالى، على ما ستأتي الاشارة إليها. وتسمى هذه الواجبات (العباديات) أو (التعبديات) كالصلاة والصوم ونحوها. وهناك واجبات أخرى تسمى (التوصليات) وهي التي تسقط أوامرها بمجرد وجودها وان لم يقصد بها القربة، كانقاذ الغريق وأداء الدين ودفن الميت وتطهير الثوب والبدن للصلاة، ونحو ذلك. وللتعبدي والتوصلي تعريف آخر كان مشهورا عند القدماء. وهو أن التوصلي: (ماكان الداعي للامر به معلوما) وفي قباله التعبدي وهو: (ما لم يعلم الغرض منه). وانما سمي تعبديا لان الغرض الداعي للمأمور ليس الا التعبد بأمر المولى فقط. ولكن التعريف غير صحيح الا إذا أريد به اصطلاح ثان للتعبدي والتوصلي، فيراد بالتعبد التسليم لله تعالى فيما أمر به وان كان المأمور به توصليا بالمعنى الاول، كما يقولون مثلا: (نعمل هذا تعبدا) ويقولون: (نعمل هذا من باب التعبد) أي نعمل هذا من باب التسليم لامر الله وان لم نعلم المصلحة فيه. وعلى ما تقدم من بيان معنى التوصلي والتعبدي - المصطلح الاول - فان علم حال واجب بأنه تعبدي أو توصلي فلا اشكال، وان شك في ذلك فهل الاصل كونه تعبديا أو توصليا ؟ فيه خلاف بين الاصوليين. وينبغي لتوضيح ذلك وبيان المختار تقديم أمور: (1) منشأ الخلاف وتحريره ان منشأ الخلاف هنا هو الخلاف في امكان اخذ قصد القربة في متعلق الامر - كالصلاة مثلا - قيدا له على نحو الجزء أو الشرط، على وجه يكون المأمور به المتعلق للآمر هو الصلاة المأتي بها بقصد القربة، بهذا القيد، كقيد الطهارة فيها إذ يكون المأمور به الصلاة عن طهارة المجردة عن هذا القيد من حيث هي هي. فمن قال بامكان أخذ هذا القيد - وهو قصد القربة - كان مقتضى الاصل عنده التوصلية، الا إذا دل دليل خاص على التعبدية، كسائر القيود الاخرى،

[ 67 ]

لما عرفت ان اطلاق كلام المولى حجة يجب الاخذ به ما لم يثبت التقييد، فعند الشك في اعتبار قيد يمكن أخذه في المأمور به فالمرجع (اصالة الاطلاق) لنفي اعتبار ذلك القيد. ومن قال باستحالة أخذ قيد قصد القربة فليس له التمسك بالاطلاق، لان الاطلاق ليس الا عبارة عن عدم التقييد فيما من شأنه التقييد، لان التقابل بينهما من باب تقابل العدم والملكة (الملكة هي التقييد، وعدمها الاطلاق). وإذا استحالت الملكة استحال عدمها بما هو عدم ملكة، لا بما هو عدم مطلق. وهذا واضح لانه إذا كان التقييد مستحيلا فعدم التقييد في لسان الدليل لا يستكشف منه ارادة الاطلاق، فان عدم التقييد يجوز أن يكون لاستحالة التقييد ويجوز أن يكون لعدم ارادة التقييد، ولا طريق لاثبات الثاني بمجرد عدم ذكر القيد وحده. وبعد هذا نقول: إذا شككنا في اعتبار شئ في مراد المولى وما تعلق به غرضه واقعا، ولم يمكن له بيانه. فلا محالة يرجع ذلك إلى الشك في سقوط الامر إذا خلا المأتي به من ذلك القيد الا شكوك. وعند الشك في سقوط الامر - أي في امتثاله - يحكم العقل بلزوم الاتيان به مع القيد المشكوك كيما يحصل له العلم بفراغ ذمته من التكليف، لانه إذا اشتغلت الذمة بواجب يقينا فلا بد من احراز الفراغ منه في حكم العقل. وهذا معنى ما اشتهر في لسان الاصوليين من قولهم: (الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني). وهذا ما يسمى عندهم باصل الاشتغال أو أصالة الاحتياط (ب) محل الخلاف من وجوب قصد القربة ان محل الخلاف في المقام هو امكان اخذ قصد امتثال الامر في المأمور به. وأما غير قصد الامتثال من وجوه قصد القربة، كقصد محبوبية الفعل المأمور به الذاتية باعتبار أن كل مأمور به لا بد أن يكون محبوبا للآمر ومرغوبا فيه عنده، وكقصد التقرب إلى الله تعالى محضا بالفعل لا من جهة قصد امتثال أمره بل رجاءا لرضاه، ونحو ذلك من وجوه قصد القربة فان كل

[ 68 ]

هذه الوجوه لا مانع قطعا من اخذها قيدا للمأمور به، ولا يلزم المحال الذي ذكروه في أخذ قصد الامتثال على ما سيأتي. ولكن الشأن في ان هذه الوجوه هل هي مأخوذة في المأمور به فعلا على نحو لا تكون العبادة عبادة الا بها ؟ الحق انه لم يؤخذ شئ منها في المأمور به. والدليل على ذلك ما نجده من الاتفاق على صحة العبادة - كالصلاة مثلا - إذا أتى بها بداعي أمرها مع عدم قصد الوجوه الاخرى. ولو كان غير قصد الامتثال من وجوه القربة مأخوذا في المأمور به لما صحت العبادة ولما سقط أمرها بمجرد الاتيان بداعي أمرها بدون قصد ذلك الوجه. فالخلاف - اذن - منحصر في امكان أخذ قصد الامتثال واستحالته. (ج‍) الاطلاق والتقييد في التقسيمات الاولية للواجب ان كل واجب في نفسه له تقسيمات باعتبار الخصوصيات التي يمكن أن تلحقه في الخارج، مثلا - الصلاة تنقسم في ذاتها مع قطع النظر عن تعلق الامر بها إلى: 1 - ذات سورة، وفاقدتها. 2 - ذات تسليم، وفاقدته. 3 - صلاة عن طهارة، وفاقدتها. 4 - صلاة مستقبل بها القبلة، وغير مستقبل بها. 5 - صلاة مع الساتر وبدونه. وهكذا يمكن تقسيمها إلى ما شاء الله من الاقسام بملاحظة اجزائها وشروطها وملاحظة كل ما يمكن فرض اعتباره فيها وعدمه. وتسمى مثل هذه التقسيمات: " التقسيمات الاولية "، لانها تقسيمات تلحقها في ذاتها مع قطع النظر عن فرض تعلق شئ بها، وتقابلها " التقسيمات الثانوية " التي تلحقها بعد فرض تعلق شئ بها كالامر مثلا وسيأتي ذكرها.

[ 69 ]

فإذا نظرنا إلى هذه التقسيمات الاولية للواجب فالحكم بالوجوب بالقياس إلى كل خصوصية منها لا يخلو في الواقع من أحد احتمالات ثلاثة: (1) أن يكون مقيدا بوجودها، ويسمى ب‍ (شرط شئ) مثل شرط الطهارة والساتر والاستقبال والسورة والركوع والسجود وغيرها من اجزاء وشرائط بالنسبة إلى الصلاة. (2) أن يكون مقيدا بعدمها، ويسمى ب‍ " شرط لا "، مثل شرط الصلاة بعدم الكلام والقهقهة والحديث، إلى غير ذلك من قواطع الصلاة. (3) أن يكون مطلقا بالنسبة اليهما أي غير مقيد بوجودها ولا بعدمها ويسمى (لا بشرط)، مثل عدم اشتراط الصلاة بالقنوت، فان وجوبها غير مقيد بوجوده ولا بعدمه. هذا في مرحلة الواقع والثبوت، وأما في مرحلة الاثبات والدلالة، فان الدليل الذي يدل على وجوب شئ ان دل على اعتبار قيد فيه أو على اعتبار عدمه فذاك، وان لم يكن الدليل متضمنا لبيان التقييد بما هو محتمل التقييد لا وجودا ولا عدما، فان المرجع في ذلك هو اصالة الاطلاق، إذا توفرت المقدمات المصححة للتمسك بأصالة الاطلاق على ما سيأتي في بابه - وهو باب المطلق والمقيد -، وباصالة الاطلاق بستكشف أن ارادة المتكلم الآمر متعلقة بالمطلق واقعا، أي أن الواجب لم يؤخذ بالنسبة إلى القيد الا على نحو اللابشرط. (د) عدم امكان الاطلاق والتقييد في التقسيمات الثانوية للواجب والخلاصة انه لا مانع من التمسك بالاطلاق لرفع احتمال التقييد في التقسيمات الاولية. ثم ان كل واجب - بعد ثبوت الوجوب وتعليق الامر به واقعا - ينقسم إلى ما يؤتى به في الخارج بداعي امره، وما يؤتى به لا بداعي أمره. ثم ينقسم أيضا إلى معلوم الواجب ومجهوله. وهذه التقسيمات تسمى " التقسيمات الثانوية " لانها من لواحق الحكم وبعد فرض

[ 70 ]

ثبوت الوجوب واقعا، إذ قبل تحقق الحكم لا معنى لفرض اتيان الصلاة - مثلا - بداعي أمرها، لان المفروض في هذه الحالة لا أمر بها حتى يمكن فرض قصده. وكذا الحال بالنسبة إلى العلم والجهل بالحكم. وفي مثل هذه التقسيمات يستحيل التقييد أي تقييد المأمور به، لان قصد امتثال الامر - مثلا - فرع وجود الامر، فكيف يعقل ان يكون الامر مقيدا به ولازمه ان يكون الامر فرع قصد الامر، وقد كان قصد الامر فرع وجود الامر، فيلزم ان يكون المتقدم متأخرا والمتأخر متقدما. وهذا خلف أو دور. وإذا استحال التقييد استحال الاطلاق أيضا، لما قلنا سابقا ان الاطلاق من قبيل عدم الملكة بالقياس إلى التقييد فلا يفرض الا في مورد قابل للتقييد ومع عدم امكان التقييد لا يستكشف من عدم التقييد ارادة الاطلاق. (النتيجة) وإذا عرفنا هذه المقدمات يحسن بنا ان نرجع إلى صلب الموضوع، فنقول: قد اختلف الاصوليون في ان الاصل في الواجب - إذا شك في كونه تعبديا أو توصليا - هل أنه تعبدي أو توصلي ؟ ذهب جماعة إلى ان الاصل في الواجبات أن تكون عبادية الا ان يقوم دليل خاص على عدم دخل قصد القربة في المأمور به، لانه لا بد من الاتيان به تحصيلا للفراغ اليقيني مع عدم الدليل على الاكتفاء بدونه ولا يمكن التمسك بالاطلاق لنفيه حسب الفرض. وقد تقدم ذلك في الامر الاول. فتكون اصالة الاحتياط في المرجع هنا وهي تقتضي العبادية. وذهب جماعة إلى أن الاصل في الواجبات أن تكون توصلية، لا لاجل التمسك بأصالة الاطلاق في نفس الامر، ولا لاجل أصالة البراءة من اعتبار قيد القربة، بل نتمسك لذلك باطلاق المقام. توضيح ذلك: انه لاريب في أن المأمور به اطلاقا وتقييدا يتبع الغرض سعة وضيقا، فان كان القيد دخيلا في الغرض فلا بد من بيانه وأخذه في المأمور به قيدا، والا فلا.

[ 71 ]

غير ان ذلك فيما يمكن أخذه من القيود في المأمور به - كما في التقسيمات الاولية. أما مالا يمكن أخذه في المأمور به قيد ا - كالذي نحن فيه وهو قيد قصد الامتثال - فلا يصح من الآمر ان يتغافل عنه حيث لا يمكن أخذه قيدا في الكلام الواحد المتضمن للآمر، بل لا مناص له من اتباع طريقة أخرى ممكنة لاستيفاء غرضه، ولو بانشاء أمرين أحدهما يتعلق بذات الفعل مجردا عن القيد، والثاني يتعلق بالقيد. مثلا - لو فرض ان غرض المولى قائم بالصلاة المأتى بها بداعي أمرها فانه إذا لم يمكن تقييد المأمور به بذلك في نفس الامر المتعلق بها لما عرفت من امتناع التقييد في التقسيمات الثانوية.. فلا بد له (أي الآمر) لتحصيل غرضه أن يسلك طريقة أخرى كأن يأمر أولا بالصلاة ثم يأمر ثانيا بإتيانها بداعي أمرها الاول، مبينا ذلك بصريح العبارة. وهذان الامران يكونان في حكم أمر واحد ثبوتا وسقوطا، لانهما ناشئان من غرض واحد، والثاني يكون بيانا للاول، فمع عدم امتثال الامر الثاني لا يسقط الامر الاول بامتثاله فقط وذلك بأن يأتي بالصلاة مجردة عن قصد أمرها، فيكون الامر الثاني بانضمامه إلى الاول مشتركا مع التقييد في النتيجة وان لم يسم تقييدا اصطلاحا. إذا عرفت ذلك، فإذا أمر المولى بشئ - وكان في مقام البيان - واكتفى بهذا الامر، ولم يلحقه بما يكون بيانا له فلم يأمر ثانيا بقصد الامتثال، فانه يستكشف منه عدم دخل قصد الامتثال في الغرض، والا لبينه بأمر ثان. وهذا ما سميناه باطلاق المقام. وعليه، فالاصل في الواجبات كونها توصلية حتى يثبت بالدليل انها تعبدية. 4 - الواجب العيني واطلاق الصيغة الواجب العيني: (ما يتعلق بكل مكلف ولا يسقط بفعل الغير) كالصلاة

[ 72 ]

اليومية والصوم. ويقابله الواجب الكفائي، وهو: (المطلوب فيه وجود الفعل من أي مكلف كان) فيسقط بفعل بعض المكلفين عن الباقي، كالصلاة عن الميت وتغسيله ودفنه. وسيأتي في تقسيمات الواجب ذكرهما. وفيما يتعلق في مسألة تشخيص الظهور نقول: ان دل الدليل على أن الواجب عيني أو كفائي فذاك، وان لم يدل فان اطلاق صيغة افعل تقتضي أن يكون عينيا سواء أتى بذلك العمل شخص آخر أم لم يأت به، فان العقل يحكم بلزوم امتثال الامر ما لم يعلم سقوطه بفعل الغير. فالمحتاج إلى مزيد البيان على أصل الصيغة هو الواجب الكفائي، فإذا لم ينصب المولى قرينة على ارادته - كما هو المفروض - يعلم أن مراده الوجوب العيني. 5 - الواجب التعييني واطلاق الصيغة الواجب التعييني: هو (الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له وبديلا عنه في عرضه) كالصلاة اليومية. ويقابله الواجب التخييري كخصال كفارة الافطار العمدي في صوم رمضان، المخيرة بين اطعام ستين مسكينا، وصوم شهرين متتابعين، وعتق رقبة. وسيأتي في الخاتمة توضيح الواجب التعييني والتخييري. فإذا علم واجب انه من أي القسمين فذاك، والا فمقتضى اطلاق صيغة الامر وجوب ذلك الفعل سواء أتى بفعل آخر أم لم يأت به، فالقاعدة تقتضي عدم سقوطه بفعل شئ آخر، لان التخيير محتاج إلى مزيد بيان مفقود. 6 - الواجب النفسي واطلاق الصيغة الواجب النفسي: هو (الواجب لنفسه لا لاجل واجب آخر) كالصلاة اليومية. ويقابله الواجب الغيري كالوضوء فانه انما يجب مقدمة للصلاة الواجبة، لا لنفسه إذ لو لم تجب الصلاة لما وجب الوضوء. فإذا شك في واجب انه نفسي أو غيري فمقتضى اطلاق تعلق الامر به

[ 73 ]

سواء وجب شئ آخر أم لا، انه واجب نفسي. فالاطلاق يقتضي النفسية ما لم تثبت الغيرية. 7 - الفور والتراخي اختلف الاصوليون في دلالة صيغة الامر على الفور والتراخي على أقوال. 1 - انها موضوعة للفور. 2 - انها موضوعة للتراخي. 3 - انها موضوعة لهما على نحو الاشتراك اللفظي. 4 - انها غير موضوعة لا للفور ولا للتراخي ولا للاعم منهما، بل لا دلالة لها على أحدهما بوجه من الوجوه. وانما يستفاد أحدهما من القرائن الخارجية التي تختلف باختلاف المقامات. والحق هو الاخير. والدليل عليه: ما عرفت من أن صيغة افعل انما تدل على النسبة الطلبية، كما ان المادة لم توضع الا لنفس الحدث غير الملحوظة معه شئ من خصوصياته الوجودية. وعليه، فلا دلالة لها - لا بهيئتها ولا بمادتها - على الفور أو التراخي. بل لا بد من دال آخر على شئ منهما، فان تجردت عن الدال الآخر فان ذلك يقتضي جواز الاتيان بالمأمور به على الفور أو التراخي. هذا بالنظر إلى نفس الصيغة، اما بالنظر إلى الدليل الخارجي المنفصل فقد قيل بوجود الدليل على الفور في جميع الواجبات على نحو العموم الا ما دل عليه دليل خاص ينص على جواز التراخي فيه بالخصوص. وقد ذكروا لذلك آيتين: (الاولى) - قوله تعالى في سورة آل عمران 127: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم). وتقريب الاستدلال بها أن المسارعة إلى المغفرة لا تكون الا بالمسارعة إلى سببها، وهو الاتيان بالمأمور به، لان المغفرة فعل الله تعالى فلا معنى لمسارعة العبد إليها. وعليه فيكون الاسراع إلى فعل المأمور به واجبا لما مر من ظهور صيغة افعل في الوجوب.

[ 74 ]

(الثانية) - قوله تعالى في سورة البقرة 143 والمائدة 53: (فاستبقوا الخيرات) فان الاستباق بالخيرات عبارة أخرى عن الاتيان بها فورا. و (الجواب) عن الاستدلال بكلتا الآيتين: ان الخيرات وسبب المغفرة كما تصدق على الواجبات تصدق على المستحبات أيضا، فتكون المسارعة والمسابقة شاملتين لما هما في المستحبات أيضا. ومن البديهي عدم وجوب المسارعة فيها، كيف وهي يجوز تركها رأسا. وإذا كانتا شاملتين للمستحبات بعمومهما كان ذلك قرينة على ان طلب المسارعة ليس على نحو الالزام. فلا تبقى لهما دلالة على الفورية في عموم الواجبات. بل لو سلمنا باختصاصهما في الواجبات لوجب صرف ظهور صيغة افعل فيها في الوجوب وحملها على الاستحباب، نظرا إلى انا نعلم عدم وجوب الفورية في اكثر الواجبات، فيلزم تخصيص الاكثر باخراج أكثر الواجبات عن عمومها. ولاشك أن الاتيان بالكلام عاما مع تخصيص الاكثر واخراجه من العموم بعد ذلك قبيح في المحاورات العرفية ويعد الكلام عند العرف مستهجنا. فهل ترى يصح لعارف بأساليب الكلام ان يقول مثلا: (بعت اموالي)، ثم يستثني واحدا فواحدا حتى لا يبقى تحت العام إلا القليل ؟ لا شك في أن هذا الكلام يعد مستهجنا لا يصدر عن حكيم عارف. اذن، لا يبقى مناص من حمل الآيتين على الاستحباب. 8 - المرة والتكرار * واختلفوا أيضا في دلالة صيغة افعل على المرة والتكرار على أقوال،


(*) المرة والتكرار لهما معنيان: (الاول): الدفعة والدفعات، (الثاني): الفرد والافراد. والظاهر أن المراد منهما في محل النزاع هو المعنى الاول. والفرق بينهما أن الدفعة قد تتحقق بفرد واحد من الطبيعة المطلوبة، وقد تتحقق بأفراد متعددة إذا جئ بها في زمان واحد. فلذلك تكون الدفعة أعم من الفرد مطلقا، كما أن الافراد أعم مطلقا من الدفعات، لان الافراد - كما قلنا - قد تحصل دفعة واحدة وقد تحصل بدفعات.

[ 75 ]

كاختلافهم في الفور والتراخي. والمختار هنا كالمختار هناك، والدليل نفس الدليل من عدم دلالة الصيغة لا بهيئتها ولا بمادتها على المرة ولا التكرار، لما عرفت من أنها لا تدل على أكثر من طلب نفس الطبيعة من حيث هي. فلا بد من دال آخر على كل منهما. أما الاطلاق فانه يقتضي الاكتفاء بالمرة. وتفصيل ذلك: ان مطلوب المولى لا يخلو من أحد وجوه ثلاثة (ويختلف الحكم فيها من ناحية جواز الاكتفاء وجواز التكرار): 1 - أن يكون المطلوب صرف وجود الشئ بلا قيد ولا شرط، بمعنى انه يريد ألا يبقى مطلوبه معدوما، بل يخرج من ظلمة العدم إلى نور الوجود لا أكثر، ولو بفرد واحد. ولا محالة - حينئذ - ينطبق المطلوب قهرا على أول وجوداته، فلو أتى المكلف بما أمر به أكثر من مرة فالامتثال يكون بالوجود الاول، ويكون الثاني لغوا محضا، كالصلاة اليومية. 2 - أن يكون المطلوب الوجود الواحد بقيد الوحدة، أي بشرط ألا يزيد على أول وجوداته فلو أتى المكلف حينئذ بالمأمور به مرتين لا يحصل الامتثال أصلا، كتكبيرة الاحرام للصلاة فان الاتيان بالثانية عقيب الاولى مبطل للاولى وهي تقع باطلة. 3 - أن يكون المطلوب الوجود المتكرر، اما بشرط تكرره فيكون المطلوب هو المجموع بما هو مجموع، فلا يحصل الامتثال بالمرة أصلا كركعات الصلا ة الواحدة، واما لا بشرط تكرره بمعنى انه يكون المطلوب كل واحد من الوجودات كصوم أيام شهر رمضان، فلكل مرة امتثالها الخاص. ولاشك أن الوجهين الاخيرين يحتاجان إلى بيان زائد على مفاد الصيغة. فلو اطلق المولى ولم يقيد بأحد الوجهين - وهو في مقام البيان - كان اطلاقه دليلا على ارادة الوجه الاول. وعليه يحصل الامتثال - كما قلنا - بالوجود الاول ولكن لا يضر الوجود الثاني، كما انه لا أثر له في الامتثال وغرض المولى. ومما ذكرنا يتضح أن مقتضى الاطلاق جواز الاتيان بأفراد كثيرة معا دفعة

[ 76 ]

واحدة ويحصل الامتثال بالجميع. فلو قال المولى: تصدق على مسكين، فمقتضى الاطلاق جواز الاكتفاء بالتصدق مرة واحدة على مسكين واحد، وحصول الامتثال بالتصدق على عدة مساكين دفعة واحدة، ويكون امتثالا واحدا بالجميع لصدق صرف الوجود على الجميع، إذ الامتثال كما يحصل بالفرد الواحد يحصل بالافراد المجتمعة بالوجود. 9 - هل يدل نسخ الوجوب على الجواز ؟ إذا وجب شئ في زمان بدلالة الامر، ثم نسخ ذلك الوجوب قطعا. فقد اختلفوا في بقاء الجواز الذي كان مدلولا للامر، لان الامر كان يدل على جواز الفعل مع المنع من تركه، فمنهم من قال ببقاء الجواز ومنهم من قال بعدمه. ويرجع النزاع - في الحقيقة - إلى النزاع في مقدار دلالة نسخ الوجوب، فان فيه احتمالين: 1 - انه يدل على رفع خصوص المنع من الترك فقط، وحينئذ تبقى دلالة الامر على الجواز على حالها لا يمسها النسخ وهو القول الاول. ومنشأ هذا أن الوجوب ينحل إلى الجواز والمنع من الترك ولا شأن في النسخ الا رفع المنع من الترك فقط ولا تعرض له لجنسه وهو الجواز أي الاذن في الفعل. 2 - انه يدل على رفع الوجوب من أصله، فلا يبقى لدليل الوجوب شئ يدل عليه. ومنشأ هذا هو أن الوجوب معنى بسيط لا ينحل إلى جزءين فلا يتصور في النسخ انه رفع للمنع من الترك فقط. والمختار هو القول الثاني، لان الحق ان الوجوب أمر بسيط، وهو الالزام بالفعل ولازمه المنع من الترك، كما ان الحرمة هي المنع من الفعل ولازمها الالزام بالترك، وليس الالزام بالترك الذي هو معناه وجوب الترك جزءا من معنى حرمة الفعل، وكذلك المنع من الترك الذي معناه حرمة الترك ليس جزءا من معنى وجوب الفعل، بل أحدهما لازم للآخر ينشأ منه تبعا له. فثبوت الجواز بعد النسخ للوجوب يجتاج إلى دليل خاص يدل عليه ولا يكفي دليل الوجوب، فلا دلالة لدليل الناسخ ولا لدليل المنسوخ على الجواز،

[ 77 ]

ويمكن أن يكون الفعل بعد نسخ وجوبه محكوما بكل واحد من الاحكام الاربعة الباقية. وهذا البحث لا يستحق اكثر من هذا الكلام لقلة البلوى به. وما ذكرناه فيه الكفاية. 10 - الامر بشئ مرتين إذا تعلق الامر بفعل مرتين فهو يمكن ان يقع على صورتين: - 1 - أن يكون الامر الثاني بعد امتثال الامر الاول. وحينئذ لا شبهة في لزوم امتثاله ثانيا. 2 - أن يكون الامر الثاني قبل امتثال الامر الاول. وحينئذ يقع الشك في وجوب امتثاله مرتين أو كفاية المرة الواحدة في الامتثال. فان كان الامر الثاني تأسيسا لوجوب آخر تعين الامتثال مرة أخرى، وان كان تأكيدا للامر الاول فليس لهما الا امتثال واحد. ولتوضيح الحال وبيان الحق في المسألة نقول: ان هذا الفرض له أربع حالات: (الاولى) - أن يكون الامران معا غير معلقين على شرط، كأن يقول مثلا: (صل) ثم يقول ثانيا (صل) - فان الظاهر حينئذ أن يحمل الامر الثاني على التأكيد، لان الطبيعة الواحدة يستحيل تعلق الامرين بها من دون امتياز في البين، فلو كان الثاني تأسيسا غير مؤكد للاول لكان على الآمر تقييد متعلقه ولو بنحو (مرة أخرى). فمن عدم التقييد وظهور وحدة المتعلق فيهما يكون اللفظ في الثاني ظاهرا في التأكيد، وان كان التأكيد في نفسه خلاف الاصل وخلاف ظاهر الكلام لو خلي ونفسه. (الثانية) - أن يكون الامران معا معلقين على شرط واحد، كأن يقول المولى مثلا: (ان كنت محدثا فتوضأ)، ثم يكرر نفس القول ثانيا. ففي هذه الحالة أيضا يحمل على التأكيد لعين ما قلناه في الحالة الاولى بلا تفاوت. (الثالثة) - أن يكون أحد الامرين معلقا والآخر غير معلق كأن يقول

[ 78 ]

مثلا: (اغتسل) ثم يقول: (ان كنت جنبا فاغتسل). ففي هذه الحالة أيضا يكون المطلوب واحدا ويحمل على التأكيد، لوحدة المأمور به ظاهرا المانعة من تعلق الامرين به، غير ان الامر المطلق - أعني غير المعلق - يحمل اطلاقه على المقيد - اعني المعلق -، فيكون الثاني مقيدا لاطلاق الاول وكاشفا عن المراد منه. (الرابعة) - أن يكون أحد الامرين معلقا على شئ والآخر معلقا على شئ آخر، كأن يقول مثلا: (ان كنت جنبا فاغتسل) ويقول: (ان مسست ميتا فاغتسل)، ففي هذه الحالة يحمل - ظاهرا - على التأسيس، لان الظاهر ان المطلوب في كل منهما غير المطلوب في الآخر، ويبعد جدا حمله على أن المطلوب واحد، اما التأكيد فلا معنى له هنا، واما القول بالتداخل بمعنى الاكتفاء بامتثال واحد عن المطلوبين فهو ممكن، ولكنه ليس من باب التأكيد، بل لا يفرض الا بعد فرض التأسيس وأن هناك أمرين يمتثلان معا بفعل واحد. ولكن التداخل - على كل حال - خلاف الاصل، ولا يصار إليه الا بدليل خاص، كما ثبت في غسل الجنابة انه يجزي عن كل غسل آخر، وسيأتي البحث عن التداخل مفصلا في مفهوم الشرط. 11 - دلالة الامر بالامر على الوجوب إذا أمر المولى أحد عبيده أن يأمر عبده الآخر بفعل - فهل هو أمر بذلك الفعل حتى يجب على الثاني فعله ؟ على قولين. وهكذا يمكن فرضه على نحوين: 1 - أن يكون المأمور الاول على نحو المبلغ لامر المولى إلى المأمور الثاني، مثل أن يأمر رئيس الدولة وزيره أن يأمر الرعية عنه بفعل. وهذا النحو - لا شك - خارج عن محل الخلاف، لانه لا يشك أحد في ظهوره في وجوب الفعل على المأمور الثاني. وكل أوامر الانبياء بالنسبة إلى المكلفين من هذا القبيل. 2 - ألا يكون المأمور الاول على المبلغ، بل هو مأمور أن يستقل في توجيه الامر إلى الثاني من قبل نفسه، وعلى نحو قول الامام عليه السلام (مرهم

[ 79 ]

بالصلاة وهم أبناء سبع) يعني الاطفال. وهذا النحو هو محل الخلاف والبحث. ويلحق به ما لم يعلم الحال فيه أنه على أي نحو من النحوين المذكورين. والمختار: ان مجرد الامر بالامر ظاهر عرفا في وجوبه على الثاني. وتوضيح ذلك: ان الامر بالامر لا على نحو التبليغ يقع على صورتين: (الاولى) - أن يكون غرض المولى يتعلق في فعل المأمور الثاني، ويكون أمره بالامر طريقا للتوصل إلى حصول غرضه. وإذا عرف غرضه انه على هذه الصورة يكون أمره بالامر - لا شك - أمرا بالفعل نفسه. (الثانية) - أن يكون غرضه في مجرد أمر المأمور الاول، من دون أن يتعلق له غرض بفعل المأمور الثاني، كما لو أمر المولى ابنه - مثلا - أن يأمر العبد بشئ، ولا يكون غرضه الا أن يعود ابنه على اصدار الاوامر أو نحو ذلك، فيكون غرضه - فقط - في اصدار الاول أمره، فلا يكون الفعل مطلوبا له أصلا في الواقع. وواضح لو علم الثاني المأمور بهذا الغرض لا يكون أمر المولى بالامر أمرا له، ولا يعد عاصيا لمولاه ولو تركه، لان الامر المتعلق لامر المولى يكون مأخوذا على نحو الموضوعية وهو متعلق الغرض، لا على نحو الطريقية لتحصيل الفعل من العبد المأمور الثاني. فان قامت قرينة على احدى الصورتين المذكورتين فذاك، وان لم تقم قرينة فان ظاهر الاوامر - عرفا - مع التجرد عن القرائن هو أنه على نحو الطريقية. فاذن، الامر بالامر مطلقا يدل على الوجوب الا إذا ثبت انه على نحو الموضوعية. وليس مثله يقع في الاوامر الشرعية.

[ 81 ]

الخاتمة في تقسيمات الواجب للواجب عدة تقسيمات لا بأس بالتعرض لها، الحاقا بمباحث الاوامر واتماما للفائدة. 1 - المطلق والمشروط ان الواجب إذا قيس وجوبه إلى شئ آخر خارج عن الواجب،، فهو لا يخرج عن احد نحوين: 1 - أن يكون متوقفا وجوبه على ذلك الشئ، وهو - أي الشئ - مأخوذا في وجوب الواجب على نحو الشرطية، كوجوب الحج بالقياس إلى الاستطاعة. وهذا هو المسمى (بالواجب المشروط)، لاشتراط وجوبه بحصول ذلك الشئ الخارج، ولذا لا يجب الحج الا عند حصول الاستطاعة. 2 - ان يكون وجوب الواجب غير متوقف على حصول ذلك الشئ الآخر، كالحج بالقياس إلى قطع المسافة، وإن توقف وجوده عليه. وهذا هو المسمى (بالواجب المطلق)، لان وجوبه مطلق غير مشروط بحصول ذلك الشئ الخارج. ومنه الصلاة بالقياس إلى الوضوء والغسل والساتر ونحوها. ومن مثال الحج يظهر أنه - وهو واجب واحد - يكون واجبا مشروطا بالقياس إلى شئ وواجبا مطلقا بالقياس إلى شئ آخر. فالمشروط والمطلق أمران اضافيان. ثم اعلم ان كل واجب هو واجب مشروط بالقياس إلى الشرائط العامة

[ 82 ]

وهي البلوغ والقدرة والعقل، فالصبي والعاجز والمجنون لا يكلفون بشئ في الواقع. واما (العلم) فقد قيل انه من الشروط العامة، والحق انه ليس شرطا في الوجوب ولا في غيره من الاحكام، بل التكاليف الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل على حد سواء. نعم العلم شرط في استحقاق العقاب على مخالفة التكليف على تفصيل يأتي في مباحث الحجة وغيرها ان شاء الله تعالى. وليس هذا موضعه. 2 - المعلق والمنجز لا شك أن الواجب المشروط بعد حصول شرطه يكون وجوبه فعليا شأن الواجب المطلق، فيتوجه التكليف فعلا إلى المكلف. ولكن فعلية التكليف تتصور على وجهين: 1 - ان تكون فعلية الوجوب مقارنة زمانا لفعلية الواجب، بمعنى أن يكون زمان الواجب نفس زمان الوجوب. ويسمى هذا القسم (الواجب المنجز)، كالصلاة بعد دخول وقتها، فان وجوبها فعلي، والواجب وهو الصلاة فعلي أيضا. 2 أن تكون فعلية الوجوب. سابقة زمانا على فعلية الواجب فيتأخر زمان الواجب عن زمان الوجوب. ويسمى هذا القسم (الواجب المعلق) لتعليق الفعل - لا وجوبه - على زمان غير حاصل بعد، كالحج - مثلا - فانه عند حصول الاستطاعة يكون وجوبه فعليا - كما قيل - ولكن الواجب معلق على حصول الموسم، فانه عند حصول الاستطاعة وجب الحج، ولذا يجب عليه ان يهيئ المقدمات والزاد والراحلة حتى يحصل وقته وموسمه ليفعله في وقته المحدد له. وقد وقع البحث والكلام هنا في مقامين: (الاول) - في امكان الواجب المعلق، والمعروف عن صاحب الفصول القول بامكانه ووقوعه، والاكثر على استحالته، وهو المختار، وسنتعرض له ان شاء الله تعالى في مقدمة الواجب مع بيان السر في الذهاب إلى امكانه ووقوعه،

[ 83 ]

وسنبين أن الواجب فعلا في مثال الحج هو السير والتهيئة للمقدمات وأما نفس أعمال الحج فوجوبها مشروط بحضور الموسم والقدرة عليها في زمانه. و (الثاني) - في أن ظاهر الجملة الشرطية في مثل قولهم: (إذا دخل الوقت فصل) هل ان الشرط شرط للوجوب فلا تجب الصلاة في المثال الا بعد دخول الوقت، أو أنه شرط للواجب فيكون الواجب نفسه معلقا على دخل الوقت في المثال، وأما الوجوب فهو فعلي مطلق ؟ وبعبارة أخرى هل أن القيد شرط لمدلول هيئة الامر في الجزاء، أو أنه شرط لمدلول مادة الامر في الجزاء ؟ وهذا البحث يجري حتى لو كان الشرط غير الزمان، كما إذا قال المولى: (إذا تطهرت فصل). فعلى القول بظهور الجملة في رجوع القيد إلى الهيئة - أي انه شرط للوجوب - يكون الواجب واجبا مشروطا، فلا يجب تحصيل شئ من المقدمات قبل حصول الشرط. وعلى القول بظهورها في رجوع القيد إلى المادة - أي انه شرط للواجب - يكون الواجب واجبا مطلقا، فيكون الواجب فعليا قبل حصول الشرط، فيجب عليه تحصيل مقدمات المأمور به إذا علم بحصول الشرط فيما بعد. وهذا النزاع هو النزاع المعروف بين المتأخرين في رجوع القيد في الجملة الشرطية إلى الهيئة أو المادة. وسيجئ تحقيق الحال في موضعه ان شاء الله تعالى. 3 - الاصلي والتبعي (الواجب الاصلي): ما قصدت افادة وجوبه مستقلا بالكلام، كوجوبي الصلاة والوضوء المستفادين من قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة)، وقوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم). و (الواجب التبعي): ما لم تقصد افادة وجوبه، بل كان من توابع ما قصدت افادته. وهذا كوجوب المشي إلى السوق المفهوم من أمر المولى

[ 84 ]

بوجوب شراء اللحم من السوق، فان المشي إليها حينئذ يكون واجبا لكنه لم يكن مقصودا بالافادة من الكلام. كما في كل دلالة التزامية فيما لم يكن اللزوم فيها من قبيل البين بالمعنى الاخص. 4 - التخييري والتعييني (الواجب التعييني): ما نعلق به الطلب بخصوصه، وليس له عدل في مقام الامتثال، كالصلاة والصوم في شهر رمضان، فان الصلاة واجبة لمصلحة في نفسها لا يقوم مقامها واجب آخر في عرضها. وقد عرفناه فيما سبق ص 72 بقولنا: (هو الواجب بلا واجب آخر يكون عدلا له وبديلا عنه في عرضه). وانما قيدنا البديل في عرضه، لان بعض الواجبات التعيينية قد يكون لها بديل في طولها ولا يخرجها عن كونها واجبات تعيينية كالوضوء مثلا الذي له بدليل في طوله وهو التيمم، لانه انما يجب إذا تعذر الوضوء، وكالغسل بالنسبة إلى التيمم أيضا كذلك. وكخصال الكفارة المرتبة نحو كفارة قتل الخطأ، وهي العتق أولا فان تعذر فصيام شهرين فان تعذر فاطعام ستين مسكينا. (الواجب التخييري) ماكان له عدل وبديل في عرضه، ولم يتعلق به الطلب بخصوصه، بل كان المطلوب هو أو غيره يتخير بينهما المكلف. وهو كالصوم الواجب في كفارة فطار شهر رمضان عمدا، فانه واجب ولكن يجوز تركه وتبديله بعتق رقبة أو اطعام ستين مسكينا. والاصل في هذا التقسيم أن غرض المولى ربما يتعلق بشئ معين، فانه لا مناص حينئذ من أن يكون هو المطلوب والمبعوث إليه وحده. فيكون (واجبا تعيينيا). وربما يتعلق غرضه بأحد شيئين أو أشياء لا على التعيين بمعنى أن كلا منها محصل لغرضه، فيكون البعث نحوها جميعا على نحو التخيير بينها. وكلا القسمين واقعان في اراداتنا نحن ايضا، فلا وجه للاشكال في امكان الواجب التخييري، ولا موجب لاطالة الكلام. ثم ان اطراف الواجب التخييري ان كان بينهما جامع يمكن التعبير عنه

[ 85 ]

بلفظ واحد، فانه يمكن أن يكون البعث في مقام الطلب نحو هذا الجامع فإذا وقع الطلب كذلك فان التخيير حينئذ بين الاطراف يسمى (عقليا)، وهو ليس من الواجب التخييري المبحوث عنه، فان هذا يعد من الواجب التعييني فان كل واجب تعييني كلي - يكون المكلف مخيرا عقلا بين افراده، والتخيير يسمى حينئذ عقليا. مثاله قول الاستاذ لتلميذه (اشتر قلما) الجامع بين أنواع الاقلام من قلم الحبر وقلم الرصاص وغيرهما، فان التخيير بين هذه الانواع يكون عقليا كما ان التخيير بين أفراد كل نوع يكون عقليا أيضا. وان لم يكن هناك جامع مثل ذلك - كما في مثال خصال الكفارة - فان البعث اما أن يكون نحو عنوان انتزاعي كعنوان (أحد هذه الامور)، أو نحو كل واحد منها مستقلا ولكن مع العطف ب‍ (أو) ونحوها مما يدل على التخيير. فيقال في النحو الاول مثلا: أوجد أحد هذه الامور. ويقال في النحو الثاني مثلا: صم أو اطعم أو اعتق. ويسمى حينئذ التخيير بين الاطراف (شرعيا) وهو المقصود من التخيير المقابل للتعيين هنا. ثم هذا التخييري الشرعي (تارة) يكون بين المتباينين كالمثال المتقدم، و (اخرى) بين الاقل والاكثر كالتخيير بين تسبيحة واحدة وثلاث تسبيحات في ثلاثية الصلاة اليومية ورباعيتها على قول. وكما لو أمر المولى برسم خط مستقيم - مثلا - مخيرا فيه بين القصير والطويل. وهذا الاخير - اعني التخيير بين الاقل والاكثر - انما يتصور فيما إذا كان الغرض مترتبا على الاقل بحده، ويترتب على الاكثر بحده ايضا، اما لو كان الغرض مترتبا على الاقل مطلقا وان وقع في ضمن الاكبر فالواجب حينئذ هو الاقل فقط، ولا تكون الزيادة واجبة فلا يكون من باب الواجب التخييري، بل الزيادة لا بد ان تحمل على الاستحباب. 5 - العيني والكفائي تقدم ص 71: ان الواجب العيني ما يتعلق بكل مكلف ولا يسقط بفعل الغير ويقابله الواجب الكفائي وهو المطلوب فيه وجوب الفعل من أي

[ 86 ]

مكلف كان. فهو يجب على جميع المكلفين ولكن يكتفي بفعل بعضهم فيسقط عن الآخرين ولا يستحق العقاب بتركه. نعم إذا تركوه جميعا من دون ان يقوم به واحد فالجميع منهم يستحقون العقاب، كما يستحق الثواب كل من اشترك في فعله. وأمثلة الواجب الكفائي كثيرة في الشريعة، منها تجهيز الميت والصلاة عليه، ومنها انقاذ الغريق ونحوه من التهلكة، ومنها ازالة النجاسة عن المسجد، ومنها الحرف والمهن والصناعات التي بها نظام معايش الناس، ومنها طلب الاجتهاد، ومنها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والاصل في هذا التقسيم ان المولى يتعلق غرضه بالشئ المطلوب له من الغير على نحوين: - 1 - ان يصدر من كل واحد من الناس، حينما تكون المصلحة المطلوبة تحصل من كل واحد مستقلا، فلا بد ان يوجه الخطاب إلى كل واحد منهم على ان يصدر من كل واحد عينا، كالصوم أو الصلاة وأكثر التكاليف الشرعية. وهذا هو (الواجب العيني). 2 - ان يصدر من أحد المكلفين لا بعينه، حينما تكون المصلحة في صدور الفعل ولو مرة واحدة من أي شخص كان، فلا بد ان يوجه الخطاب إلى جميع المكلفين لعدم خصوصية مكلف دون مكلف، ويكتفى بفعل بعضهم الذي يحصل به الغرض، فيجب على الجميع بفرض الكفاية الذي هو (الواجب الكفائي). وقد وقع الاقدمون من الاصوليين في حيرة من أمر (الوجوب الكفائي) وتطبيقه على القاعدة في الوجوب الذي قوامه بل لازمه المنع من الترك، إذ رأوا أن وجوبه على الجميع لا يتلاءم مع جواز تركه بفعل بعضهم، ولا وجوب بدون المنع من الترك. لذا ظن بعضهم انه ليس المكلف المخاطب فيه الجميع بل البعض غير المعين أي أحد المكلفين، وظن بعضهم انه معين عند الله غير معين عندنا ويتعين من يسبق إلى الفعل منهم فهو المكلف حقيقة.. إلى غير ذلك من الظنون.

[ 87 ]

ونحن لما صورناه بذلك التصوير المتقدم لا يبقى مجال لهذه الظنون، فلا نشغل انفسنا بذكرها وردها. وتدفع الحيرة بأدنى التفات، لانه إذا كان غرض المولى يحصل بفعل البعض فلا بد ان يسقط وجوبه عن الباقي، إذ لا يبقى ما يدعو إليه. فهو - اذن - واجب على الجميع من أول الامر، ولذا يمنعون جميعا من تركه، ويسقط بفعل بعضهم لحصول الغرض منه. 6 - الموسع والمضيق ينقسم الواجب باعتبار الوقت إلى قسمين: موقت وغير موقت ثم الموقت إلى: موسع ومضيق ثم غير الموقت إلى: فوري وغير فوري ولنبدأ بغير الموقت (مقدمة)، فنقول: (غير الموقت): ما لم يعتبر فيه شرعا وقت مخصوص وان كان كل فعل لا يخلو - عقلا - من زمن يكون ظرفا له، كقضاء الفائتة وازالة النجاسة عن المسجد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. وهو - كما قلنا - على قسمين: (فوري) وهو مالا يجوز تأخيره عن أول أزمنة امكانه كازالة النجاسة عن المسجد، ورد السلام، والامر بالمعروف. و (غير فوري) وهو ما يجوز تأخيره عن أول أزمنة امكانه، كالصلاة على الميت، وقضاء الصلاة الفائتة، والزكاة، والخمس. و (الموقت): ما اعتبر فيه شرعا وقت مخصوص، كالصلاة والحج، والصوم ونحوها. وهو لا يخلو - عقلا - من وجوه ثلاثة: اما أن يكون فعله زائدا على وقته المعين له أو مساويا له أو ناقصا عنه. و (الاول) ممتنع، لانه من التكليف بما لا يطاق. و (الثاني) لا ينبغي الاشكال في امكانه ووقوعه. وهو المسمى (المضيق) كالصوم إذ فعله ينطبق على وقته بلا زيادة ولا نقصان من طلوع الفجر إلى الغروب.

[ 88 ]

و (الثالث) هو المسمى (الموسع)، لان فيه توسعة على المكلف في أول الوقت وفي اثنائه وآخره، كالصلاة اليومية وصلاة الآيات، فانه لا يجوز تركه في جميع الوقت، ويكتفى بفعله مرة واحدة في ضمن الوقت المحدد له. ولا اشكال عند العلماء في ورود ما ظاهره التوسعة في الشريعة، وإنما اختلفوا في جوازه عقلا على قولين: امكانه وامتناعه، ومن قال بامتناعه أول ما ورد على الوجه الذي يدفع الاشكال عنده على ما سيأتي. والحق عندنا جواز الموسع عقلا ووقوعه شرعا. ومنشأ الاشكال عند القائل بامتناع الموسع، أن حقيقة الوجوب متقومة بالمنع من الترك - كما تقدم -، فينافيه الحكم بجواز تركه في أول الوقت أو وسطه. والجواب عنه واضح، فان الواجب الموسع فعل واحد، وهو طبيعة الفعل المقيد بطبيعة الوقت المحدود بحدين على ألا يخرج الفعل عن الوقت، فتكون الطبيعة بملاحظة ذاتها واجبة لا يجوز تركها. غير ان الوقت لما كان يسع لايقاعها فيه عدة مرات، كان لها أفراد طولية تدريجية مقدرة الوجود في أول الوقت وثانية وثالثة إلى آخره، فيقع التخيير العقلي بين الافراد الطولية كالتخيير العقلي بين الافراد العرضية للطبيعة المأمور بها، فيجوز الاتيان بفرد وترك الآخر من دون ان يكون جواز الترك له مساس في نفس المأمور به، وهو طبيعة الفعل في الوقت المحدود. فلا منافاة بين وجوب الطبيعة بملاحظة ذاتها وبين جواز ترك أفرادها عدا فرد واحد. والقائلون بالامتناع التجأوا إلى تأويل ما ظاهره التوسعة في الشريعة، فقال بعضهم: بوجوبه في أول الوقت، والاتيان به في الزمان الباقي يكون من باب القضاء والتدارك لما فات من الفعل في أول الوقت. وقال آخر بوجوبه في آخر الوقت، والاتيان به قبله من باب النقل يسقط به الغرض، نظير ايقاع غسل الجمعة في يوم الخميس وليلة الجمعة. وقيل غير ذلك.

[ 89 ]

وكلها أقوال متروكة عند علمائنا، واضحة البطلان. فلا حاجة إلى الاطالة في ردها. هل يتبع القضاء الاداء ؟ مما يتفرع عادة على البحث عن الموقت (مسألة تبعية القضاء للاداء) وهي من مباحث الالفاظ، وتدخل في باب الاوامر. ولكن أخر ذكرها الى الخاتمة مع ان من حقها ان تذكر قبلها، لانها - كما قلنا - من فروع بحث الموقت عادة. فنقول: ان الموقت قد يفوت في وقته اما لتركه عن عذر أو عن عمد واختيار، واما لفساده لعذر أو لغير عذر. فإذا فات على أي نحو من هذه الانحاء، فقد ثبت في الشريعة وجوب تدارك بعض الواجبات كالصلاة والصوم، بمعنى أن يأتي بها خارج الوقت. ويسمى هذا التدارك (قضاء). وهذا لا كلام فيه. الا ان الاصوليين اختلفوا في أن وجوب القضاء: هل هو على مقتضى القاعدة، بمعنى ان الامر بنفس الموقت يدل على وجوب قضائه إذا فات في وقته، فيكون وجوب القضاء بنفس دليل الاداء، أو ان القاعدة لا تقتضي ذلك، بل وجوب القضاء يحتاج إلى دليل خاص غير نفس دليل الاداء ؟ وفي المسألة أقوال ثلاثة: قول بالتبعية مطلقا. وقول بعدمها مطلقا. وقول بالتفصيل بين مااذا كان الدليل على التوقيت متصلا، فلا تبعية، وبين مااذا كان منفصلا، فالقضاء تابع للاداء. والظاهر أن منشأ النزاع في المسألة يرجع إلى المستفاد من التوقيت هو وحدة المطلوب أو تعدده ؟ أي ان في الموقت مطلوبا واحدا هو الفعل المقيد بالوقت بما هو مقيد، أو مطلوبين، وهما ذات الفعل وكونه واقعا في وقت معين ؟ فعلى الاول إذا فات الامتثال في الوقت لم يبق طلب بنفس الذات، فلا بد من

[ 90 ]

فرض أمر جديد للقضاء بالاتيان بالفعل خارج الوقت. وعلى الثاني إذا فات الامتثال في الوقت فانما فات امتثال أحد الطلبين وهو طلب كونه في الوقت المعين، وأما الطلب بذات الفعل فباق على حاله. ولذا ذهب بعضهم إلى التفصيل المذكور باعتبار ان المستفاد من دليل التوقيت في المتصل وحدة المطلوب فيحتاج القضاء إلى أمر جديد، والمستفاد في المنفصل تعدد المطلوب، فلا يحتاج القضاء إلى أمر جديد ويكون تابعا للاداء. والمختار هو القول الثاني، وهو عدم التبعية مطلقا. لان الظاهر من التقييد ان القيد ركن في المطلوب: فإذا قال مثلا: (صم يوم الجمعة) فلا يفهم منه الا مطلوب واحد لغرض واحد وهو خصوص صوم هذا اليوم، لا أن الصوم بذاته مطلوب، وكونه في يوم الجمعة مطلوب آخر. وأما في مورد دليل التوقيت المنفصل، كما إذا قال: (صم) ثم قال مثلا: (اجعل صومك يوم الجمعة)، فأيضا كذلك، نظرا إلى أن هذا من باب المطلق والمقيد، فيجب فيه حمل المطلق على المقيد، ومعنى حمل المطلق على المقيد هو: تقييد أصل المطلوب الاول بالقيد، فيكشف ذلك التقييد عن أن المراد بالمطلق واقعا من أول الامر خصوص المقيد، فيصبح الدليلان بمقتضى الجمع بينهما دليلا واحدا، لا أن المقيد مطلوب آخر غير المطلق، والا كان معنى ذلك بقاء المطلق على اطلاقه، فلم يكن حملا ولم يكن جمعا بين الدليلين، بل يكون أخذا بالدليلين. نعم يمكن أن يفرض - وان كان هذا فرضا بعيد الوقوع في الشريعة - أن يكون دليل التوقيت المنفصل مقيدا بالتمكن كأن يقول في المثال: (اجعل صومك يوم الجمعة ان تمكنت) أو كان دليل التوقيت ليس فيه اطلاق يعم صورتي التمكن وعدمه، وصورة التمكن هي القدر المتيقن منه. فان في هذا الفرض يمكن التمسك باطلاق دليل الواجب لاثبات وجوب الفعل خارج الوقت، لان دليل التوقيت غير صالح لتقييد اطلاق دليل الواجب الا في صورة التمكن، ومع الاضطرار إلى ترك الفعل في الوقت يبقى دليل الواجب على اطلاقه.

[ 91 ]

وهذا الفرض هو الذي يظهر من الكفاية لشيخ اساتذتنا الآخند قدس سره، ولكنه فرض بعيد جدا. على أنه مع هذا الفرض لا يصدق الفوت ولا القضاء، بل يكون وجوبه خارج الوقت من نوع الاداء.

[ 93 ]

الباب الثالث النواهي

[ 95 ]

وفيه خمس مسائل: 1 - مادة النهي والمقصود بها كلمة (النهي) كمادة الامر. وهي عبارة عن طلب العالي من الداني ترك الفعل. أو فقل - على الاصح - انها عبارة عن زجر العالي للداني عن الفعل وردعه عنه، ولازم ذلك طلب الترك، فيكون التفسير الاول تفسيرا باللازم على ما سيأتي توضيحه. وهي - كلمة النهي - ككلمة الامر في الدلالة على الالزام عقلا لا وضعا وانما الفرق بينهما ان المقصود في الامر الالزام بالفعل، والمقصود في النهي الالزام بالترك. وعليه تكون مادة النهي ظاهرة في الحرمة، كما ان مادة الامر ظاهرة في الوجوب. 2 - صيغة النهي المراد من صيغة النهي: كل صيغة تدل على طلب الترك. أو فقل - على الاصح -: كل صيغة تدل على الزجر عن الفعل وردعه عنه كصيغة (لا تفعل) أو (اياك ان تفعل) ونحو ذلك. والمقصود ب‍ (الفعل): الحدث الذي يدل عليه المصدر وان لم يكن أمرا وجوديا، فيدخل فيها - على هذا - نحو قولهم: (لا تترك الصلاة)، فانها من صيغ النهي لا من صيغ الامر. كما أن قولهم: (اترك شرب الخمر) تعد من صيغ الامر لا من صيغ النهي وان أدت مؤدى (لا تشرب الخمر). والسر في ذلك واضح، فان المدلول المطابقي لقولهم (لا تترك) هو الزجر

[ 96 ]

والنهي عن ترك الفعل، وان كان لازمه الامر بالفعل فيدل عليه بالدلالة الالتزامية. والمدلول المطابقي لقولهم (اترك) هو الامر بترك الفعل، وان كان لازمه النهي عن الفعل فيدل عليه بالدلالة والالتزامية. 3 - ظهور صيغة النهي في التحريم الحق ان صيغة النهي ظاهرة في التحريم، ولكن لا لانها موضوعة لمفهوم الحرمة وحقيقة فيه كما هو المعروف. بل حالها في ذلك حال ظهور صيغة افعل في الوجوب، فانه قد قلنا هناك ان هذا الظهور انما هو بحكم العقل، لا أن الصيغة موضوعة ومستعملة في مفهوم الوجوب. وكذلك صيغة لا تفعل، فانها أكثر ما تدل على النسبة الزجرية بين الناهي والمنهي عنه والمنهى. فإذا صدرت ممن تجب طاعته ونهيب ؟ ؟ الانزجار بزجره والانتهاء عما نهى عنه، ولم ينصب قرينة على جواز الفعل، كان مقتضى وجوب طاعة هذا المولى وحرمة عصيانه عقلا - قضاء لحق العبودية والمولوية - عدم جواز ترك الفعل الذي نهى عنه الا مع الترخيص من قبله. فيكون - على هذا - نفس صدور النهي من المولى بطبعه مصداقا لحكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية، فيكون النهي مصداقا للتحريم حسب ظهوره الاطلاقي، لا أن التحريم - الذي هو مفهوم اسمي - وضعت له الصيغة واستعملت فيه. والكلام هنا كالكلام في صيغة افعل بلا فرق من جهة الاقوال والاختلافات. 4 - ما المطلوب في النهي كل ما تقدم ليس فيه خلاف جديد غير الخلاف الموجود في صيغة افعل. وانما اختص النهي في خلاف واحد، وهو ان المطلوب في النهي هل هو مجرد الترك أو كف النفس عن الفعل. والفرق بينهما: ان المطلوب على القول الاول أمر عدمي محض، والمطلوب على القول الثاني أمر وجودي، لان الكف فعل من افعال النفس.

[ 97 ]

والحق هو القول الاول. ومنشأ القول الثاني توهم هذا القائل أن الترك - الذي معناه ابقاء عدم الفعل المنهي عنه على حاله - ليس بمقدور للمكلف، لانه أزلي خارج عن القدرة، فلا يمكن تعلق الطلب به. والمعقول من النهي ان يتعلق فيه الطلب بردع النفس وكفها عن الفعل، وهو فعل نفساني يقع تحت الاختيار. والجواب عن هذا التوهم: أن عدم المقدورية في الازل على العدم لا ينافي المقدورية بقاءا واستمرارا، إذ القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم، بل القدرة على العدم على طبع القدرة على الوجود، والا لو كان العدم غير مقدور بقاء لما كان الوجود مقدورا، فان المختار القادر هو الذي ان شاء الله فعل وان لم يشأ لم يفعل. والتحقيق ان هذا البحث ساقط من أصله، فانه - كما اشرنا إليه فيما سبق - ليس معنى النهي هو الطلب، حتي يقال إن المطلوب هو الترك أو الكف، وانما طلب الترك من لوازم النهي، ومعنى النهي المطابقي هو الزجر والردع. نعم الردع عن الفعل يلزمه عقلا طلب الترك، كما ان البعث نحو الفعل في الامر يلزمه عقلا الردع عن الترك. فالامر والنهي كلاهما يتعلقان بنفس الفعل رأسا، فلا موقع للحيرة والشك في ان الطلب في النهي يتعلق بالترك أو الكف. 5 - دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار اختلفوا في دلالة (صيغة النهي) على التكرار أو المرة كالاختلاف في صيغة افعل. والحق هنا ما قلناه هناك بلا فرق، فلا دلالة لصيغة (لا تفعل) لا بهيئتها ولا بمادتها على الدوام والتكرار ولا على المرة، وانما المنهي عنه صرف الطبيعة، كما ان المبعوث نحوه في صيغة افعل صرف الطبيعة. غير أن بينهما فرقا من ناحية عقلية في مقام الامتثال، فإن امتثال النهي بالانزجار عن فعل الطبيعة، ولا يكون ذلك الا بترك جميع أفرادها فانه لو فعلها مرة واحدة ماكان ممتثلا. وأما امتثال الامر فيتحقق بإيجاد أول وجود من

[ 98 ]

أفراد الطبيعة، ولا تتوقف طبيعة الامتثال على أكثر من فعل المأمور به مرة واحدة. وليس هذا الفرق من أجل وضع الصيغتين ودلالتهما، بل ذلك مقتضى طبع النهي والامر عقلا. (تنبيه) لم نذكر هنا ما اعتاد المؤلفون ذكره من بحثي اجتماع الامر والنهي، ودلالة النهي على الفساد، لانهما داخلان في (المباحث العقلية)، كما سيأتي، وليس هما من مباحث الالفاظ. وكذلك بحث مقدمة الواجب ومسألة الضد ومسألة الاجزاء ليست من مباحث الالفاظ أيضا. وسنذكر الجميع في المقصد الثاني (المباحث العقلية) ان شاء الله تعالى.

[ 99 ]

الباب الرابع المفاهيم

[ 101 ]

تمهيد: في معنى كلمة (المفهوم)، وفي النزاع في حجيته، وفي أقسامه. فهذه ثلاثة مباحث: 1 - معنى كلمة المفهوم تطلق كلمة المفهوم على ثلاثة معان: 1 - المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه، فيساوي كلمة المدلول، سواء كان مدلولا لمفرد أو جملة، وسواء كان مدلولا حقيقيا أو مجازيا. 2 - ما يقابل المصداق، فيراد منه كل معنى يفهم وان لم يكن مدلولا للفظ، فيعم المعنى الاول وغيره. 3 - ما يقابل المنطوق، وهو أخص من الاولين: وهذا هو المقصود بالبحث هنا. وهو اصطلاح أصولي يختص بالمدلولات الالتزامية للجمل التركيبية سواء كانت انشائية أو اخبارية، فلا يقال لمدلول المفرد مفهوم وان كان من المدلولات الالتزامية. اما المنطوق فمقصودهم منه ما يدل عليه اللفظ في حد ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملا لذلك المعنى وقالبا له، فيسمى المعنى (منطوقا) تسمية للمدلول باسم الدال. ولذلك يختص المنطوق بالمدلول المطابقي فقط، وان كان المعنى مجازا قد استعمل فيه اللفظ بقرينة. وعليه، فالمفهوم الذي يقابله ما لم يكن اللفظ حاملا له دالا عليه بالمطابقة

[ 102 ]

ولكن يدل عليه باعتباره لازما لمفاد الجملة بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص (1) ولاجل هذا يختص المفهوم بالمدلول الالتزامي. مثاله: قولهم (إذا بلغ الماء كرا لا ينجسه شئ). فالمنطوق فيه هو مضمون الجملة وهو عدم تنجس الماء البالغ كرا بشئ من النجاسات. والمفهوم - على تقدير أن يكون لمثل هذه الجملة مفهوم - انه إذا لم يبلغ كرا يتنجس. وعلى هذا يمكن تعريفهما بما يلي: المنطوق: (هو حكم دل عليه اللفظ في محل النطق). والمفهوم: (هو حكم دل عليه اللفظ لا في محل النطق). والمراد من الحكم: الحكم بالمعنى الاعم، لا خصوص أحد الاحكام الخمسة. وعرفوهما ايضا بانهما حكم مذكور وحكم غير مذكور، وانهما حكم لمذكور وحكم لغير مذكور، وكلها لا تخلو عن مناقشات طويلة الذيل. والذي يهون الخطب انها تعريفات لفظية لا يقصد منها الدقة في التعريف، والمقصود منها واضح كما شرحناه. 2 - النزاع في حجية المفهوم لاشك أن الكلام إذا كان له مفهوم يدل عليه فهو ظاهر فيه، فيكون حجة من المتكلم على السامع، ومن السامع على المتكلم، كسائر الظواهر الاخرى. إذن، ما معنى النزاع في حجية المفهوم حينما يقولون مثلا: هل مفهوم الشرط حجة أولا ؟ وعلى تقديره، فلا يدخل هذا النزاع في مباحث الالفاظ التي كان الغرض


(1) راجع كتاب المنطق للمؤلف، الجزء الاول ص 79 عن معنى البين وأقسامه.

[ 103 ]

منها تشخيص الظهور في الكلام وتنقيح صغريات حجية الظهور، بل ينبغي ان يدخل في مباحث الحجة كالبحث عن حجية الظهور وحجية الكتاب ونحو ذلك. والجواب: ان النزاع هنا في الحقيقة انما هو في وجود الدلالة على المفهوم، أي في أصل ظهور الجملة فيه وعدم ظهورها. وبعبارة أوضح، النزاع هنا في حصول المفهوم للجملة لا في حجيته بعد فرض حصوله. فمعنى النزاع في مفهوم الشرط - مثلا - ان الجملة الشرطية مع قطع النظر عن القرائن الخاصة هل تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ؟ وهل هي ظاهرة في ذلك ؟ لا انه بعد دلالتها على هذا المفهوم وظهورها فيه يتنازع في حجيته، فان هذا لا معنى له، وان أوهم ذلك ظاهر بعض تعبيراتهم، كما يقولون مثلا: مفهوم الشرط حجة أم لا. ولكن غرضهم ما ذكرنا. كما انه لا نزاع في دلالة بعض الجمل على مفهوم لها إذا كانت لها قرينة خاصة على ذلك المفهوم، فان هذا ليس موضع كلامهم. بل موضوع الكلام ومحل النزاع في دلالة نوع تلك الجملة كنوع الجملة الشرطية على المفهوم مع تجردها عن القرائن الخاصة. 3 - اقسام المفهوم ينقسم المفهوم إلى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة: 1 - (مفهوم الموافقة): ما كان الحكم في المفهوم موافقا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، فان كان الحكم في المنطوق الوجوب - مثلا - كان في المفهوم الوجوب أيضا، وهكذا. كدلالة الاولوية في مثل قوله تعالى: (ولا تقل لهما اف) على النهي عن الضرب والشتم للابوين ونحو ذلك مما هو أشد اهانة وايلاما من التأفيف المحرم بحكم الآية.

[ 104 ]

وقد يسمى هذا المفهوم (فحوى الخطاب). ولا نزاع في حجية مفهوم الموافقة، بمعنى دلالة الاولوية على تعدي الحكم إلى ما هو أولى في علة الحكم وله تفصيل كلام يأتي في موضعه. 2 - (مفهوم المخالفة): ماكان الحكم فيه مخالفا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، وله موارد كثيرة وقع الكلام فيها نذكرها بالتفصيل، وهي ستة: 1 - مفهوم الشرط. 2 - مفهوم الوصف 3 - مفهوم الغاية. 4 - مفهوم الحصر. 5 - مفهوم العدد. 6 - مفهوم اللقب. الاول - مفهوم الشرط تحرير محل النزاع: لاشك في أن الجملة الشرطية يدل منطوقها - بالوضع - على تعليق التالي فيها على المقدم الواقع موقع الفرض والتقدير. وهي على نحوين: 1 - أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، أي أن المقدم هو نفس موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط في المقدم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه، نحو قولهم: (ان رزقت ولدا فاختنه)، فانه في المثال لا يعقل فرض ختان الولد الابعد فرض وجوده. ومنه قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء أن أردن تحصنا) فانه لا يعقل فرض الاكراه

[ 105 ]

على البغاء الا بعد فرض إرادة التحصن من قبل الفتيات. وقد اتفق الاصوليون على أنه لا مفهوم لهذا النحو من الجملة الشرطية، لان انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدم إلا على نحو السالبة بانتفاء الموضوع. ولا حكم حينئذ بالانتفاء، بل هو انتفاء الحكم. فلا مفهوم للشرطية في المثالين، فلا يقال: (إن لم ترزق ولدا فلا تختنه)، ولايقال:) (ان لم يردن تحصنا فأكرهوهن على البغاء). 2 - ألا تكون مسوقة لبيان الموضوع، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه، نحو قولهم: (ان أحسن صديقك فأحسن إليه)، فان فرض الاحسان إلى الصديق لا يتوقف عقلا على فرض صدور الاحسان منه، فانه يمكن الاحسان إليه أحسن أو لم يحسن. وهذا النحو الثاني من الشرطية هو محل النزاع في مسألتنا، ومرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطية على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، بمعنى أنه هل يستكشف من طبع التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم المعلق - كالوجوب مثلا - على تقدير انتفاء الشرط. وانما قلنا (نوع الحكم)، لان شخص كل حكم في القضية الشرطية أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه أو أحد قيود الموضوع، سواء كان للقضية مفهوم أو لم يكن. وفي مفهوم الشرطية قولان أقواهما أنها تدل على الانتفاء عند الانتفاء. المناط في مفهوم الشرط: ان دلالة الجملة الشرطية على المفهوم تتوقف على دلالتها - بالوضع أو بالاطلاق - على أمور ثلاثة مترتبة: 1 - دلالتها على الارتباط والملازمة بين المقدم والتالي. 2 - دلالتها - زيادة على الارتباط والملازمة - على أن التالي معلق على المقدم

[ 106 ]

ومترتب عليه وتابع له، فيكون المقدم سببا للتالي. والمقصود من السبب هنا هو كل ما يترتب عليه الشئ وإن كان شرطا ونحوه، فيكون أعم من السبب المصطلح في فن المعقول. 3 - دلالتها - زيادة على ما تقدم - على انحصار السببية في المقدم، بمعنى أنه لاسبب بديل له يترتب عليه التالي. وتوقف المفهوم للجملة الشرطية على هذه الامور الثلاثة واضح، لانه لو كانت الجملة اتفاقية، أو كان التالي غير مترتب على المقدم، أو كان مترتبا ولكن لا على نحو الانحصار فيه - فانه في جميع ذلك لا يلزم من انتفاء المقدم انتفاء التالي. وإنما الذي ينبغي إثباته هنا، هو أن الجملة ظاهرة في هذه الامور الثلاثة وضعا أو اطلاقا لتكون حجة في المفهوم. والحق ظهور الجملة الشرطية في هذه الامور وضعا في بعضها واطلاقا في البعض الآخر. 1 - أما دلالتها على الارتباط ووجود العلقة اللزومية بين الطرفين، فالظاهر أنه بالوضع بحكم التبادر. ولكن لا بوضع خصوص ادوات الشرط حتى ينكر وضعها لذلك، بل بوضع الهيئة التركيبية للجملة الشرطية بمجموعها. وعليه فاستعمالها في الاتفاقية يكون بالعناية وادعاء التلازم والارتباط بين المقدم والتالي إذا اتفقت لهما المقارنة في الوجود. 3 - وأما دلالتها على أن التالي مترتب على المقدم بأي نحو من أنحاء الترتب فهو بالوضع أيضا، ولكن لا بمعنى أنها موضوعة بوضعين: وضع للتلازم ووضع آخر للترتب، بل بمعنى أنها موضوعة بوضع واحد للارتباط الخاص وهو ترتب التالي على المقدم. والدليل على ذلك هو تبادر ترتب التالي على المقدم عنها، فانها تدل على أن المقدم وضع فيها موضع الفرض والتقدير، وعلى تقدير حصوله فالتالي حاصل عنده تبعا أي يتلوه في الحصول. أو فقل أن المتبادر منها لابدية الجزاء

[ 107 ]

عند فرض حصول الشرط. وهذا لا يمكن أن ينكره الا مكابر أو غافل فان هذا هو معنى التعليق الذي هو مفاد الجملة الشرطية التي لامفاد لها غيره. ومن هنا سموا الجزء الاول منها شرطا ومقدما، وسموا الجزء الثاني جزاءا وتاليا. فإذا كانت جملة انشائية أي أن التالي متضمن لانشاء حكم تكليفي أو وضعي، فانها تدل على تعليق الحكم على الشرط، فتدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط المعلق عليه الحكم. وإذا كانت جملة خبرية أي أن التالي متضمن لحكاية خبر، فانها تدل على تعليق حكايته على المقدم، سواء كان المحكي عنه خارجا وفي الواقع مترتبا على المقدم فتتطابق الحكاية مع المحكي عنه كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، أو مترتب عليه بأن كان العكس كقولنا: ان كان النهار موجودا فالشمس طالعة، أو كان لا ترتب بينهما كالمتضاعفين في مثل قولنا: إن كان خالد ابنا لزيد فزيد أبوه. 3 - وأما دلالتها على أن الشرط منحصر، فبالاطلاق، لانه لو كان هناك شرط آخر للجزاء بديل لذلك الشرط، وكذا لو كان معه شئ آخر يكونان معا شرطا للحكم - لاحتاج ذلك إلى بيان زائد أما بالعطف بأو في الصورة الاولى، أو العطف بالواو في الصورة الثانية، لان الترتب على الشرط ظاهر في أنه بعنوانه الخاص مستقلا هو الشرط المعلق عليه الجزاء فإذا أطلق تعليق الجزاء على الشرط فانه يستكشف منه أن الشرط مستقل لاقيد آخر معه وأنه منحصر لا بديل ولاعدل له، والا لوجب على الحكيم بيانه وهو - حسب الفرض - في مقام البيان. وهذا نظير ظهور صيغة أفعل باطلاقها في الوجوب التعيني والتعييني. * * * وإلى هنا تم لنا ما أردنا أن نذهب إليه من ظهور الجملة الشرطية في الامور التي بها تكون ظاهرة في المفهوم.

[ 108 ]

وعلى كل حال، ان ظهور الجملة الشرطية في المفهوم ممالا ينبغي أن يتطرق إليه الشك الا مع قرينة صارفة أو تكون واردة لبيان الموضوع. ويشهد لذلك استدلال امامنا الصادق عليه السلام بالمفهوم في رواية أبي بصير قال: (سألت أبا عبدالله عن الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط، فقال: لا تأكل ! إن عليا كان يقول: إذا ركضت الرجل أو طرفت العين فكل)، فان استدلال الامام بقول علي عليه السلام لا يكون إلا إذا كان له مفهوم، وهو: إذا لم تركض الرجل أو لم تطرف العين فلا تأكل. إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء: ومن لواحق مبحث (مفهوم الشرط) مسألة ما إذا وردت جملتان شرطيتان أو أكثر، وقد تعدد الشرط فيهما وكان الجزاء واحدا. وهذا يقع على نحوين: 1 أن يكون الجزاء غير قابل للتكرار، نحو التقصير في السفر فيما ورد: (إذا خفي الاذان فقصر. وإذا خفيت الجدران فقصر). 2 - أن يكون الجزاء قابلا للتكرار كما في نحو (إذا أجنبت فاغتسل. إذا مسست ميتا فاغتسل). أما (النحو الاول)، فيقع فيه التعارض بين الدليلين بناء على مفهوم الشرط، ولكن التعارض انما هو بين مفهوم كل منهما مع منطوق الآخر، كما هو واضح. فلا بد من التصرف فيهما بأحد وجهين: (الوجه الاول) - أن نقيد كلا من الشرطين من ناحية ظهورهما في الاستقلال بالسببية، ذلك الظهور الناشئ من الاطلاق - كما سبق - الذي يقابله التقييد بالعطف بالواو، فيكون الشرط في الحقيقة هو المركب من الشرطين وكل منهما يكون جزء السبب، والجملتان تكونان حينئذ كجملة واحدة مقدمها المركب من الشرطين، بأن يكون مؤداهما هكذا: (إذا خفي الاذان والجدران معا فقصر). وربما يكون لهاتين الجملتين معا حينئذ مفهوم واحد، وهو انتفاء الجزاء

[ 109 ]

عند انتفاء الشرطين معا أو أحدهما، كما لو كانا جملة واحدة. (الوجه الثاني) - أن نقيدهما من ناحية ظهورهما في الانحصار، ذلك الظهور الناشئ من الاطلاق المقابل للتقييد بأو. وحينئذ يكون الشرط أحدهما على البدلية، أو الجامع بينهما على أن يكون منهما مصداقا له، وذلك حينما يمكن فرض الجامع بينهما ولو كان عرفيا. وإذ يدور الامر بين الوجهين في التصرف، فأيهما أولى ؟ هل الاولى تقييد ظهور الشرطيتين في الاستقلال أو تقييد ظهورهما في الانحصار ؟ قولان في المسألة. والاوجه - على الظاهر - هو التصرف الثاني، لان منشأ التعارض بينهما هو ظهورهما في الانحصار الذي يلزم منه الظهور في المفهوم، فيتعارض منطوق كل منهما مع مفهوم الآخر كما تقدم، فلا بد من رفع اليد عن ظهور كل منهما في الانحصار بالاضافة إلى المقدار الذي دل عليه منطوق الشرطية الاخرى، لان ظهور المنطوق أقوى، أما ظهور كل من الشرطيتين في الاستقلال فلا معارض له حتى ترفع اليد عنه. وإذا ترجح القول الثاني وهو التصرف في ظهور الشرطين في الانحصار. يكون كل من الشرطين مستقلا في التأثير، فإذا انفرد أحدهما كان له التأثير في ثبوت الحكم. وإن حصلا معا، فان كان حصولهما بالتعاقب كان التأثير للسابق. وإن تقارنا كان الاثر لهما معا ويكونان كالسبب الواحد، لامتناع تكرار الجزاء حسب الفرض. * * * واما (النحو الثاني) - وهو ما إذا كان الجزاء قابلا للتكرار - فهو على صورتين: 1 - أن يثبت بالدليل أن كلا من الشرطين جزء السبب. ولا كلام حينئذ في أن الجزاء واحد يحصل عند حصول الشرطين معا. 2 - أن يثبت من دليل مستقل أو من ظاهر دليل الشرط أن كلا من

[ 110 ]

الشرطين سبب مستقل، سواء كان للقضية الشرطية مفهوم أم لم يكن - فقد وقع الخلاف فيما إذا اتفق وقوع الشرطين معا في وقت واحد أو متعاقبين: أن القاعدة أي شئ تقتضي ؟ هل تقتضي تداخل الاسباب فيكون لها جزاء واحد كما في مثال تداخل موجبات الوضوء من خروج البول أو الغائط والنوم ونحوهما، أم تقتضي عدم التداخل فيتكرر الجزاء بتكرار الشروط، كما في مثال تعدد وجوب الصلاة بتعدد أسبابه من دخول وقت اليومية وحصول الآيات ؟ أقول: لاشبهة في أنه إذا ورد دليل خاص على التداخل أو عدمه وجب الاخذ بذلك الدليل. وأما مع عدم ورود الدليل الخاص فهو محل الخلاف. والحق أن القاعدة فيه عدم التداخل. بيان ذلك: أن لكل شرطية ظهورين: 1 ظهور الشرط فيها في الاستقلال بالسببية. وهذا الظهور يقتضي أن يتعدد الجزأ في الشرطيتين موضوعتي البحث، فلا تتداخل الاسباب. 2 - ظهور الجزاء فيها في أن متعلق الحكم فيه صرف الوجود. ولما كان صرف الشئ لا يمكن ان يكون محكوما بحكمين، فيقتضي ذلك أن يكون لجميع الاسباب جزاء واحد وحكم واحد عند فرض اجتماعها. فتتداخل الاسباب. وعلى هذا، فيقع التنافي بين هذين الظهورين، فإذا قدمنا الظهور الاول لا بد أن نقول بعدم التداخل. وإذا قدمنا الظهور الثاني لابد أن نقول بالتداخل، فأيهما أولى بالتقديم ؟ والارجح ان الاولى بالتقديم ظهور الشرط على ظهور الجزاء، لان الجزاء لما كان معلقا على الشرط فهو تابع له ثبوتا وإثباتا، فان كان واحدا كان الجزاء واحدا وإن كان متعددا كان متعددا. وإذا كان المقدم متعددا - حسب فرض ظهور الشرطيتين - كان الجزاء تبعا له. وعليه لا

[ 111 ]

يستقيم للجزاء ظهور في وحدة المطلوب. فيخرج المقام عن باب التعارض بين الظهورين، بل يكون الظهور في التعداد رافعا للظهور في الوحدة، لان الظهور في الوحدة لا يكون الا بعد فرض سقوط الظهور في التعداد أو بعد فرض عدمه، أما مع وجوده فلا ينعقد الظهور في الوحدة. فالقاعدة في المقام - إذن - (عدم التداخل). وهو مذهب أساطين العلماء الاعلام قدس الله أسرارهم. تنبيهان 1 - تداخل المسبيات: إن البحث في المسألة السابقة انما هو عما إذا تعددت الاسباب، فيتسأل فيها عما إذا كان تعددها يقتضي المغايرة في الجزاء وتعدد المسببات - بالفتح - أو لا يقتضي فتتداخل الاسباب، وينبغي أن تسمى (بمسألة تداخل الاسباب). وبعد الفراغ عن عدم تداخل الاسباب هناك، ينبغي أن يبحث أن تعدد المسببات إذا كانت تشترك في الاسم والحقيقة كالاغسال هل يصح أن يكتفى عنها بوجود واحد لها أو لا يكتفى ؟. وهذه مسألة أخرى غير ما تقدم تسمى (بمسألة تداخل المسببات)، وهي من ملحقات الاولى. والقاعدة فيها أيضا: عدم التداخل. والسر في ذلك: أن سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد وان أتي به بنية امتثال الجميع يحتاج إلى دليل خاص، كما ورد في الاغسال بالاكتفاء بغسل الجنابة عن باقي الاغسال وورد أيضا جواز الاكتفاء بغسل واحد عن أغسال متعددة. ومع عدم ورود الدليل الخاص فان كل وجوب يقتضي امتثالا خاصا به لا يغني عنه امتثال الآخر وإن اشتركت الواجبات في الاسم والحقيقة. نعم قد يستثنى من ذلك ما إذا كان بين الواجبين نسبة العموم والخصوص

[ 112 ]

من وجه، وكان دليل كل منهما مطلقا بالاضافة إلى مورد الاجتماع، كما إذا قال - مثلا - تصدق على مسكين، وقال - ثانيا - تصدق على ابن سبيل، فجمع العنوانين شخص واحد بأن كان فقيرا وابن سبيل فان التصدق عليه يكون مسقطا للتكليفين. 2 - الاصل العملي في المسألتين: إن مقتضى الاصل العملي عند الشك في تداخل الاسباب هو التداخل، لان تأثير السببين في تكليف واحد متيقن، وإنما الشك في تكليف ثان زائد. والاصل في مثله البراءة. وبعكسه في مسألة تداخل المسببات، فان الاصل يقتضي فيه عدم التداخل كما مرت الاشارة إليه، لانه بعد ثبوت التكاليف المتعددة بتعدد الاسباب يشك في سقوط التكاليف الثابتة لو فعل فعلا واحدا. ومقتضى القاعدة - في مثله - الاشتغال، بمعنى أن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، فلا يكتفى بفعل واحد في مقام الامتثال. الثاني - مفهوم الوصف موضوع البحث: المقصود بالوصف هنا: ما يعم النعت وغيره، فيشمل الحال والتمييز ونحوهما مما يصلح أن يكون قيدا لموضوع التكليف. كما أنه يختص بما إذا كان معتمدا على موصوف، فلا يشمل ما إذا كان الوصف نفسه موضوعا للحكم نحو (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فان مثل هذا يدخل في باب مفهوم اللقب. والسر في ذلك أن الدلالة على انتفاء الوصف لا بد فيها من فرض موضوع ثابت للحكم يقيد بالوصف مرة ويتجرد عنه أخرى، حتى يمكن فرض نفي الحكم عنه. ويعتبر - أيضا - في المبحوث عنه هنا أن يكون أخص من الموصوف مطلقا

[ 113 ]

أو من وجه، لانه لو كان مساويا أو أعم مطلقا لا يوجب تضييقا وتقييدا في الموصوف، حتى يصح فرض انتفاء الحكم عن الموصوف عند انتفاء الوصف. وأما دخول الاخص من وجه في محل البحث فانما هو بالقياس إلى مورد افتراق الموصوف عن الوصف، ففي مثال (في الغنم السائمة زكاة) يكون مفهومه - لو كان له مفهوم - عدم وجوب الزكاة في الغنم غير السائمة وهي المعلوفة. وأما بالقياس إلى مورد افتراق الوصف عن الموصوف فلا دلالة له على المفهوم قطعا، فلا يدل المثال على عدم الزكاة في غير الغنم السائمة أو غير السائمة كالابل - مثلا - لان الموضوع - وهو الموصوف الذي هو الغنم في المثال - يجب أن يكون محفوظا في المفهوم، ولا يكون متعرضا لموضوع آخر لا نفيا ولا إثباتا. فما عن بعض الشافعية من القول بدلالة القضية المذكورة على عدم الزكاة في الابل المعلوفة لا وجه له قطعا. الاقوال في المسألة والحق فيها: لاشك في دلالة التقييد بالوصف على المفهوم عند وجود القرينة الخاصة، ولاشك في عدم الدلالة عند وجود القرينة على ذلك، مثلما إذا ورد الوصف مورد الغالب الذي يفهم منه عدم إناطة الحكم به وجودا وعدما، نحو قوله تعالى: (وربائبكم اللائي في حجوركم) فانه لا مفهوم لمثل هذه القضية مطلقا، إذ يفهم منه أن وصف الربائب بأنها في حجوركم لانها غالبا تكون كذلك، والغرض منه الاشعار بعلة الحكم، إذ أن اللائي تربى في الحجور تكون كالبنات. وإنما الخلاف عند تجرد القضية عن القرائن الخاصة، فانهم اختلفوا في أن مجرد التقييد بالوصف هل يدل على المفهوم أي انتفاء حكم الموصوف عند انتفاء الوصف أو لا يدل ؟ نظير الاختلاف المتقدم في التقييد بالشرط وفي المسألة قولان، والمشهور القول الثاني وهو عدم المفهوم. والسر في الخلاف يرجع إلى أن التقييد المستفاد من الوصف هل هو تقييد

[ 114 ]

لنفس الحكم أي أن الحكم منوط به، أو أنه تقييد لنفس موضوع الحكم أو متعلق الموضوع باختلاف الموارد، فيكون الموضوع أو متعلق الموضوع هو المجموع المؤلف من الموصوف والوصف ؟. فان كان الاول فان التقييد بالوصف يكون ظاهرا في انتفاء الحكم عند انتفائه بمقتضى الاطلاق، لان الاطلاق يقتضي - بعد فرض اناطة الحكم بالوصف - انحصاره فيه كما قلنا في التقييد بالشرط. وإن كان الثاني، فان التقييد لا يكون ظاهرا في انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لانه حينئذ يكون من قبيل مفهوم اللقب، إذ أنه بكون التعبير بالوصف والموصوف لتحديد موضوع الحكم فقط، لا أن الموضوع ذات الموصوف والوصف قيد للحكم عليه، مثلما إذا قال القائل: (اصنع شكلا رباعيا قائم الزوايا متساوي الاضلاع) فان المفهوم منه ان المطلوب صنعه هو المربع فعبر عنه بهذه القيود الدالة عليه، حيث يكون الموضوع هو مجموع المعنى المدلول عليه بالعبارة المؤلفة من الموصوف والوصف، وهي في المثال (شكل رباعي قائم الزوايا متساوي الاضلاع) وهي بمنزلة كلمة مربع، فكما أن جملة (اصنع مربعا) لا تدل على الانتفاء عند الانتفاء كذلك ما هو بمنزلتها لا تدل عليه، لانه في الحقيقة يكون من قبيل الوصف غير المعتمد على الموصوف. إذا عرفت ذلك، فنقول: أن الظاهر في الوصف - لو خلي وطبعه من دون قرينة - أنه من قبيل الثاني أي أنه قيد للموضوع لا للحكم، فيكون الحكم من جهته مطلقا غير مقيد. فلا مفهوم للوصف. ومن هذا التقرير يظهر بطلان ما استدلوا به لمفهوم الوصف بالادلة الآتية: 1 - أنه لو لم يدل الوصف على الانتفاء عند الانتفاء لم تبق فائدة فيه. والجواب: أن الفائدة غير منحصرة برجوعه إلى الحكم. وكفى فائدة فيه تحديد موضوع الحكم وتقييده به. 2 - أن الاصل في القيود أن تكون احترازية.

[ 115 ]

والجواب: أن هذا مسلم، ولكن معنى الاحتراز هو تضييق دائرة الموضوع واخراج ما عدا القيد عن شمول شخص الحكم له. ونحن نقول به وليس هذا من المفهوم في شئ، لان إثبات الحكم لموضوع لا ينفي ثبوت سنخ الحكم لما عداه، كما في مفهوم اللقب. والحاصل أن كون القيد احترازيا لا يلزم ارجاعه قيدا للحكم. 3 - أن الوصف مشعر بالعلية، فيلزم إناطة الحكم به. والجواب: أن هذا الاشعار وإن كان مسلما، إلا أنه ما لم يصل إلى حد الظهور لا ينفع في الدلالة على المفهوم. 4 - الاستدلال بالجمل التي ثبتت دلالتها على المفهوم، مثل قوله صلى الله عليه وآله: (مطل الغني ظلم). والجواب: أن ذلك على تقديره لا ينفع، لانا لا نمنع، من دلالة التقييد بالوصف على المفهوم أحيانا لوجود قرينة، وإنما موضوع البحث في اقتضاء طبع الوصف لو خلي ونفسه للمفهوم. وخصوص المثال نجد القرينة على إناطة الحكم بالغني موجودة من جهة مناسبة الحكم والموضوع، فيفهم أن السبب في الحكم كون المدين غنيا، فيكون مطله ظلما، بخلاف المدين الفقير، لعجزه عن أداء الدين، فلا يكون مطله ظلما. * * * الثالث - مفهوم الغاية إذا ورد التقييد بالغاية نحو (وأتموا الصيام إلى الليل)، ونحو (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه) - فقد وقع خلاف الاصوليين فيه من جهتين: (الجهة الاولى) - في دخول الغاية في المنطوق أي في حكم المغيى، فقد اختلفوا في أن الغاية وهي الواقعة بعد أداة الغاية نحو (إلى) و (حتى) هل هي

[ 116 ]

داخلة في المغيى حكما، أو خارجة عنه، وإنما ينتهي إليها المغيى موضوعا وحكما ؟ على أقوال: (منها) التفصيل بين كونها من جنس المغيى فتدخل فيه نحو صمت النهار إلى الليل، وبين كونها من غير جنسه فلا تدخل كمثال كل شئ حلال. (ومنها) التفصيل بين كون الغاية واقعة بعد (إلى) فلا تدخل فيه. وبين كونها واقعة بعد (حتى) فتدخل نحو (كل السمكة حتى رأسها). والظاهر أنه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيى ولا في عدمه، بل يتبع ذلك الموارد والقرائن الخاصة الحافة بالكلام. نعم، لا ينبغي الخلاف في عدم دخول الغاية فيما إذا كانت غاية للحكم، كمثال كل شئ حلال، فانه لا معنى لدخول معرفة الحرام في حكم الحلال. ثم أن المقصود من كلمة (حتى) التي يقع الكلام عنها هي (حتى الجارة)، دون العاطفة وإن كانت تدخل على الغاية أيضا، لان العاطفة يجب دخول ما بعدها في حكم ما قبلها لان هذا هو معنى العطف، فإذا قلت: مات الناس حتى الانبياء فان معناه أن الانبياء ماتوا أيضا. بل (حتى العاطفة) تفيد أن الغاية هو الفرد الفائق على سائر أفراد المغيى في القوة أو الضعف، فكيف يتصور المعطوف بها داخلا في الحكم، بل قد يكون هو الاسبق في الحكم نحو: مات كل أب حتى آدم. (الجهة الثانية) في مفهوم الغاية. وهي موضوع البحث هنا فإنه قد اختلفوا في أن التقييد بالغاية - مع قطع النظر عن القرائن الخاصة - هل يدل على انتفاء سنخ الحكم عما وراء الغاية ومن الغاية نفسها أيضا إذا لم تكن داخلة في المغيى، أولا ؟ فنقول: أن المدرك في دلالة الغاية على المفهوم كالمدرك في الشرط والوصف، فإذا كانت قيدا للحكم كانت ظاهرة في انتفاء الحكم فيما وراءها، وأما إذا كانت قيدا للموضوع أو المحمول فقط فلا دلالة لها على الفهوم. وعليه فما علم في التقييد بالغاية أنه راجع إلى الحكم فلا إشكال في

[ 117 ]

ظهوره في المفهوم مثل قوله (ع) (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه نجس) وكذلك مثال كل شئ حلال. وإن لم يعلم ذلك من القرائن فلا يبعد القول بظهور الغاية في رجوعها إلى الحكم وأنها غاية للنسبة الواقعة قبلها، وكونها غاية لنفس الموضوع أو نفس المحمول هو الذي يحتاج إلى البيان والقرينة. فالقول بمفهوم الغاية هو المرجح عندنا. الرابع - مفهوم الحصر معنى الحصر: الحصر له معنيان: 1 - القصر بالاصطلاح المعروف عند علماء البلاغة، سواء كان من نوع قصر الصفة على الموصوف، نحو (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي)، أم من نوع قصر الموصوف على الصفة، نحو (وما محمد إلا رسول، إنما أنت منذر). 2 - ما يعم القصر والاستثناء الذي لا يسمى قصرا بالاصطلاح نحو (فشربوا الا قليلا). والمقصود به هنا هو هذا المعنى الثاني. اختلاف مفهوم الحصر باختلاف أدواته: أن مفهوم الحصر يختلف حاله باختلاف أدوات الحصر كما سترى، فلذلك كان علينا أن نبحث عنها واحدة واحدة، فنقول: 1 - (إلا). وهي تأتي لثلاثة وجوه: 1 - صفة بمعنى غير. 2 - استثنائية. 3 - أداة حصر بعد النفي.

[ 118 ]

أما (الا الوصفية) فهي تقع وصفا لما قبلها كسائر الاوصاف الاخرى. فهي تدخل من هذه الجهة في مفهوم الوصف، فان قلنا هناك أن للوصف مفهوما فهي كذلك، والا فلا. وقد رجحنا فيما سبق أن الوصف لا مفهوم له، فإذا قال المقر مثلا: (في ذمتي عشرة دراهم الا درهم) بجعل (الا درهم) وصفا، فإنه يثبت في ذمته تمام العشرة الموصوفة بأنها ليست بدرهم. ولا يصح أن تكون استثنائية لعدم نصب درهم. ولا مفهوم لها حينئذ فلا تدل على عدم ثبوت شئ آخر في ذمته لزيد. وأما (الا الاستثنائية) فلا ينبغي الشك في دلالتها على المفهوم، وهو انتفاء حكم المستثنى منه عن المستثنى، لان (الا) موضوعة للاخراج وهو الاستثناء، ولازم هذا الاخراج باللزوم البين بالمعنى الاخص أن يكون المستثنى محكوما بنقيض حكم المستثنى منه. ولما كان هذا اللزوم بينا ظن بعضهم أن هذا المفهوم من باب المنطوق. وأما (أداة الحصر بعد النفي) نحو (لا صلاة إلا بطهور)، فهي في الحقيقة من نوع الا ستثنائية. (فرع) - لو شككنا في مورد أن كلمة (إلا) (للاستثناء) أو وصفية، مثل ما لو قال المقر: (ليس في ذمتي لزيد عشرة دراهم الا درهم)، إذ يجوز في المثال أن تكون إلا وصفية، ويجوز أن تكون استثنائية - فان الاصل في كلمة (إلا) أن تكون للاستثناء فيثبت في ذمته في المثال درهم واحد. أما لو كانت وصفية فانه لا يثبت في ذمته شئ، لانه يكون قد نفي العشرة الدراهم كلها الموصوفة تلك الدراهم بأنها ليست بدرهم. 2 - (انما). وهي اداة حصر مثل كلمة (إلا)، فإذا استعملت في حصر الحكم في موضوع معين دلت بالملازمة البينة على انتفائه عن غير ذلك الموضوع وهذا واضح. 3 - (بل). وهي للاضراب، وتستعمل في وجوه ثلاثة: (الاول) - للدلالة على أن المضروب عنه وقع عن غفلة أو على نحو الغلط. ولا دلالة لها حينئذ على الحصر. وهو واضح.

[ 119 ]

(الثاني) - للدلالة على تأكيد المضروب عنه وتقريره، نحو: زيد عالم بل شاعر. ولا دلالة لها أيضا حينئذ على الحصر. (الثالث) - للدلالة على الردع وإيصال ما ثبت أولا، نحو (أم يقولون به جنة، بل جاءهم بالحق). فتدل على الحصر، فيكون لها مفهوم، وهذه الآية الكريمة تدل على انتفاء مجيئه بغير الحق. 4 - وهناك هيئات غير الادوات تدل على الحصر، مثل تقدم المفعول نحو (اياك نعبد. وإياك نستعين)، ومثل تعريف المسند إليه بلام الجنس مع تقديمه نحو (العالم محمد)، و (أن القول ما قالت حذام). ونحو ذلك مما هو مفصل في علم البلاغة. فان هذه الهيئات ظاهرة في الحصر، فإذا استفيد منها الحصر فلا ينغي الشك في ظهورها في المفهوم، لانه لازم للحصر لزوما بينا. وتفصيل الكلام فيها لا يسعه هذا المختصر. وعلى كل حال، فان كل ما يدل على الحصر فهو دال على المفهوم بالملازمة البينة. الخامس - مفهوم العدد لا شك في أن تحديد الموضوع بعدد خاص لا يدل على انتفاء الحكم فيما عداه، فإذا قيل: (صم ثلاثة أيام من كل شهر) فإنه لا يدل على عدم استحباب صوم غير الثلاثة الايام. فلا يعارض الدليل على استحباب صوم أيام أخر. نعم لو كان الحكم للوجوب - مثلا - وكان التحديد بالعدد من جهة الزيادة لبيان الحد الاعلى - فلا شبهة في دلالته على عدم وجوب الزيادة كدليل صوم ثلاثين يوما من شهر رمضان. ولكن هذه الدلالة من جهة خصوصية المورد لا من جهة أصل التحديد بالعدد، حتى يكون لنفس العدد مفهوم. فالحق أن التحديد بالعدد لا مفهوم له.

[ 120 ]

السادس - مفهوم اللقب المقصود باللقب: كل اسم - سواء كان مشتقا أم جامدا - وقع موضوعا للحكم كالفقير في قولهم: أطعم الفقير، وكالسارق والسارقة في قوله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). ومعنى مفهوم اللقب نفي الحكم عما لا يتناوله عموم الاسم. وبعد أن استشكلنا في دلالة الوصف على المفهوم فعدم دلالة اللقب أولى، فإن نفس موضوع الحكم بعنوانه لا يشعر بتعليق الحكم عليه فضلا عن أن يكون له ظهور في الانحصار. نعم غاية ما يفهم من اللقب عدم تناول شخص الحكم لغير ما يشمله عموم الاسم، وهذا لا كلام فيه، أما عدم ثبوت نوع الحكم لموضوع آخر فلا دلالة له عليه أصلا. وقد قيل: أن مفهوم اللقب أضعف المفهومات. خاتمة في دلالة الاقتضاء والتنبيه والاشارة تمهيد: يجري كثيرا على لسان الفقهاء والاصوليين ذكر دلالة الاقتضاء والتنبيه والاشارة، ولم تشرح هذه الدلالات في أكثر الكتب الاصولية المتعارفة. ولذلك رأينا أن نبحث عنها بشئ من التفصيل لفائدة المبتدئين. والبحث عنها يقع من جهتين: الاولى في مواقع هذه الدلالات الثلاث وأنها من أي أقسام الدلالات، والثانية في حجيتها. الجهة الاولى - مواقع الدلالات الثلاث قد تقدم أن (المفهوم) هو مدلول الجملة التركيبية اللازمة للمنطوق لزوما

[ 121 ]

بينا بالمعنى الاخص. ويقابله (المنطوق) الذي هو مدلول ذات اللفظ بالدلالة المطابقية. ولكن يبقى هناك من المدلولات ما لا يدخل في المفهوم ولا في المنطوق اصطلاحا، كما إذا دل الكلام بالدلالة الالتزامية (1) على لفظ مفرد أو معنى مفرد ليس مذكورا في المنطوق صريحا، أو إذا دل الكلام على مفاد جملة لازمة للمنطوق الا أن اللزوم ليس على نحو اللزوم البين بالمعنى الاخص. فان هذه كلها لا تسمى مفهوما ولا منطوقا، إذن ماذا تسمى هذه الدلالة في هذه المقامات ؟ نقول: الانسب أن نسمي مثل هذه الدلالة - على وجه العموم - (الدلالة السياقية)، كما ربما يجري هذا التعبير في لسان جملة من الاساطين لتكون في مقابل الدلالة المفهومية والمنطوقية. والمقصود بها - على هذا -: أن سياق الكلام يدل على المعنى المفرد أو المركب أو اللفظ المقدر. وقسموها إلى الدلالات الثلاث المذكورة: الاقتضاء والتنبيه والاشارة. فلنبحث عنها واحدة واحدة: 1 - دلالة الاقتضاء وهي أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلم بحسب العرف، ويتوقف صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا أو لغة أو عادة عليها. مثالها قوله صلى الله عليه وآله: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام)، فإن صدق الكلام يتوقف على تقدير الاحكام والآثار الشرعية لتكون هي المنفية حقيقة، لوجود الضرر والضرار قطعا عند المسلمين. فيكون النفي للضرر باعتبار نفي آثاره الشرعية وأحكامه. ومثله (رفع عن أمتي ما لا يعلمون وما


(1) المقصود من الدلالة الالتزامية ما يعم الدلالة التضمنية باصطلاح المناطقة باعتبار رجوع الدلالة التضمنية إلى الالتزامية لانها لا تتم الا حيث يكون معنى الجزء لازما للكل فتكون الدلالة من ناحية الملازمة بينهما.

[ 122 ]

اضطروا إليه..). مثال آخر، قوله عليه السلام: (لا صلاة لمن جاره المسجد إلا في المسجد) فإن صدق الكلام وصحته تتوقف على تقدير كلمة (كاملة) محذوفة ليكون النفي كمال الصلاة، لا أصل الصلاة. مثال ثالث، قوله تعالى: (وأسأل القرية)، فإن صحته عقلا تتوقف على تقدير لفظ (أهل)، فيكون من باب حذف المضاف، أو على تقدير معنى أهل، فيكون من باب المجاز في الاسناد. مثال رابع، قولهم: (أعتق عبدك عني على ألف) فإن صحة هذا الكلام شرعا تتوقف على طلب تمليكه أولا له بألف لانه لا عتق إلا في ملك فيكون التقدير ملكني العبد بألف ثم أعتقه عني. مثال خامس، قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف فإن صحته لغة تتوقف على تقدير (رضوان) خبرا للمبتدأ (نحن)، لان راض مفرد لا يصح أن يكون خبرا لنحن. وجميع الدلالات الالتزامية على المعاني المفردة، وجميع المجازات في الكلمة أو في الاسناد ترجع إلى (دلالة الاقتضاء). فإن قال قائل: إن دلالة اللفظ على معناه المجازي من الدلالة المطابقية فكيف جعلتم المجاز من نوع دلالة الاقتضاء - نقول له: هذا صحيح، ومقصودنا من كون الدلالة على المعنى المجازي من نوع دلالة الاقتضاء، هو دلالة نفس القرينة المحفوف بها الكلام على إرادة المعنى المجازي من اللفظ، لا دلالة نفس اللفظ عليه بتوسط القرينة. (والخلاصة): أن المناط في دلالة الاقتضاء شيئان: الاول أن تكون الدلالة مقصودة، والثاني أن يكون الكلام لا يصدق أو لا يصح بدونها. ولا يفرق فيها بين أن يكون لفظا مضمرا، أو معنى مرادا: حقيقيا أو مجازيا.

[ 123 ]

2 - دلالة التنبيه وتسمى (دلالة الايماء) أيضا، وهي كالاولى في اشتراط القصد عرفا ولكن من غير أن يتوقف صدق الكلام أو صحته عليها، وإنما سياق الكلام ما يقطع معه بإرادة ذلك اللازم أو يستبعد عدم إرادته. وبهذا تفترق عن دلالة الاقتضاء لانها كما تقدم يتوقف صدق الكلام أو صحته عليها. ولدلالة التنبيه موارد كثيرة نذكر أهمها: 1 - ما إذا أراد المتكلم بيان أمر فنبه عليه بذكر ما يلازمه عقلا أو عرفا، كما إذا قال القائل: (دقت الساعة العاشرة) مثلا، حيث تكون الساعة العاشرة موعدا له مع المخاطب لينبهه على حلول الموعد المتفق عليه. أو قال: (طلعت الشمس) مخاطبا من قد استيقظ من نومه حينئذ، لبيان فوات وقت أداء صلاة الغداة. أو قال: (إني عطشان) للدلالة على طلب الماء. ومن هذا الباب ذكر الخبر لبيان لازم الفائدة، مثل مالو أخبر المخاطب. بقوله: (إنك صائم) لبيان أنه عالم بصومه. ومن هذا الباب أيضا الكنايات إذا كان المراد الحقيقي مقصودا بالافادة من اللفظ، ثم كنى به عن شئ آخر. 2 - ما إذا إقترن الكلام بشئ يفيد كونه علة للحكم أو شرطا أو مانعا أو جزءا، أو عدم هذه الامور. فيكون ذكر الحكم تنبيها على كون ذلك الشئ علة أو شرطا أو مانعا أو جزءا أو عدم كونه كذلك. مثاله قول المفتي: (أعد الصلاة) لمن سأله عن الشك في أعداد الثنائية فإنه يستفاد منه أن الشك المذكور علة لبطلان الصلاة وللحكم بوجوب الاعادة. مثال آخر قوله عليه السلام: (كفر) لمن قال له: واقعت أهلي في نهار شهر رمضان، فإنه يفيد أن الوقاع في الصوم الواجب موجب للكفارة. ومثال ثالث، قوله: (بطل البيع) لمن قال له: (بعت السمك في النهر) فيفهم منه اشتراط القدرة على التسليم في البيع.

[ 124 ]

ومثال رابع قوله: (لا تعيد) لمن سأل عن الصلاة في الحمام، فيفهم منه عدم مانعية الكون في الحمام للصلاة.. وهكذا. 3 - ما إذا اقترن الكلام بشئ يفيد تعيين بعض متعلقات الفعل، كما إذا قال القائل: (وصلت إلى النهر وشربت)، فيفهم من هذه المقارنة أن المشروب هو الماء وأنه من النهر. ومثل ما إذا قال: (قمت وخطبت) أي وخطبت قائما.. وهكذا. 3 - دلالة الاشارة ويشترط فيها - على عكس الدلالتين السابقتين ألا تكون الدلالة مقصودة بالقصد الاستعمالي بحسب العرف، لكن مدلولها لازم لمدلول الكلام لزوما غير بين أو لزوما بينا بالمعنى الاعم، سواء استنبط المدلول من كلام واحدا أم من كلامين. مثال ذلك دلالة الآيتين على أقل الحمل، وهما آية (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) وآية (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)، فإنه بطرح الحولين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر فيعرف أنه أقل الحمل. ومن هذا الباب دلالة وجوب الشئ على وجوب مقدمته، لانه لازم لوجوب ذي المقدمة باللزوم البين بالمعنى الاعم. ولذلك جعلوا وجوب المقدمة وجوبا تبعيا لا أصليا، لانه ليس مدلولا للكلام بالقصد، وإنما يفهم بالتبع، أي بدلالة الاشارة. الجهة الثانية - حجية هذه الدلالات أما دلالة (الاقتضاء والتنبيه)، فلا شك في حجيتهما إذا كانت هناك دلالة وظهور، لانه من باب حجية الظواهر. ولا كلام في ذلك. وأما دلالة (الاشارة) فحجيتها من باب حجية الظواهر محل نظر وشك،

[ 125 ]

لان تسميتها بالدلالة من باب المسامحة، إذ المفروض أنها غير مقصودة والدلالة تابعة للارادة، وحقها أن تسمى إشارة وإشعارا فقط بغير لفظ الدلالة فليست هي من الظواهر في شئ حتى تكون حجة من هذه الجهة. نعم هي حجة من باب الملازمة العقلية حيث تكون ملازمة، فيستكشف منها لازمها سواء كان حكما أم غير حكم، كالاخذ بلوازم اقرار المقر وإن لم يكن قاصدا لها أو كان منكرا للملازمة. وسيأتي في محله في باب الملازمات العقلية إن شاء الله تعالى.

[ 127 ]

الباب الخامس العام والخاص

[ 129 ]

تمهيد: (العام والخاص): هما من المفاهيم الواضحة البديهية التي لا تحتاج إلى التعريف الا لشرح اللفظ وترقيب المعنى إلى الذهن، فلذلك لا محل لتعريفهما بالتعاريف الحقيقية. والقصد من (العام): اللفظ الشامل بمفهومه لجميع ما يصلح انطباق عنوانه عليه في ثبوت الحكم له. وقد يقال للحكم أنه عام أيضا باعتبار شموله لجميع أفراد الموضوع أو المتعلق أو المكلف. والقصد من (الخاص): الحكم الذي لا يشمل الا بعض أفراد موضوعه أو المتعلق أو المكلف، أو أنه اللفظ الدال على ذلك. (والتخصيص): هو إخراج بعض الافراد عن شمول الحكم العام، بعد أن كان اللفظ في نفسه شاملا له لولا التخصيص. (والتخصص): هو أن يكون اللفظ من أول الامر - بلا تخصيص - غير شامل لذلك الفرد غير المشمول للحكم. أقسام العام: ينقسم العام إلى ثلاثة أقسام باعتبار تعلق الحكم به: 1 - (العموم الاستغراقي)، وهو أن يكون الحكم شاملا لكل فرد فرد، فيكون كل فرد وحده موضوعا للحكم، ولكل حكم متعلق بفرد من الموضوع عصيان خاص نحو (أكرم كل عالم). 2 - (العموم المجموعي)، وهو أن يكون الحكم ثابتا للمجموع بما هو

[ 130 ]

مجموع فيكون المجموع موضوعا واحدا، كوجوب الايمان بالائمة، فلا يتحقق الامتثال الا بالايمان بالجميع. 3 - (العموم البدلي)، وهو أن يكون الحكم لواحد من الافراد على البدل، فيكون فرد واحد فقط - على البدل - موضوعا للحكم، فإذا امتثل في واحد سقط التكليف، نحو أعتق أية رقبة شئت. فإن قال قائل: إن عد هذا القسم الثالث من أقسام العموم فيه مسامحة ظاهرة لان البدلية تنافي العموم، إذ المفروض أن متعلق الحكم أو موضوعه ليس إلا فردا واحدا فقط. نقول في جوابه: العموم في هذا القسم معناه عموم البدلية، أي صلاح كل فرد لان يكون متعلقا أو موضوعا للحكم. نعم إذا كان استفادة العموم من هذا القسم بمقتضى الاطلاق، فهو يدخل في المطلق لا في العام. وعلى كل حال، أن عموم متعلق الحكم لاحواله وأفراده إذا كان متعلقا للامر الوجوبي أو الاستحبابي، فهو على الاكثر من نوع العموم البدلي. إذا عرفت هذا التمهيد، فينبغي أن نشرع في تفصيل مباحث العام والخاص في فصول: 1 - (ألفاظ العموم) لا شك أن للعموم ألفاظا تخصه دالة عليه أما بالوضع أو بالاطلاق بمقتضى مقدمات الحكمة. وهي إما أن تكون ألفاظا مفردة مثل (كل) وما في معناها مثل (جميع)، و (تمام) و (أي) و (دائما)، وأما أن تكون هيئات لفظية كوقوع النكرة في سياق النفي أو النهي، وكون اللفظ جنسا محلى باللام جمعا كان أو مفردا. فلنتكلم عنها بالتفصيل: 1 - لفظة (كل) وما في معناها، فإنه من المعلوم دلالتها بالوضع على عموم مدخولها سواء كان عموما استغراقيا أو مجموعيا، وإن العموم معناه الشمول لجميع أفرادها مهما كان لها من الخصوصيات اللاحقة لمدخولها.

[ 131 ]

2 - (وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي) فإنه لا شك في دلالتها على عموم السلب لجميع أفراد النكرة عقلا، لا وضعا، لان عدم الطبيعة إنما يكون بعدم جميع أفرادها. وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان. 3 - (الجمع المحلى باللام والمفرد المحلى بها) لا شك في استفادة العموم منهما عند عدم العهد، ولكن الظاهر أنه ليس ذلك بالوضع في المفرد المحلى باللام وإنما يستفاد بالاطلاق بمقتضى الحكمة، ولا فرق بينهما من جهة العموم في استغراق جميع الافراد فردا فردا. وقد توهم بعضهم: أن معنى استغراق الجمع المحلى وكل جمع مثل أكرم جميع العلماء هو استغراق بلحاظ مراتب الجمع، لا بلحاظ الافراد فردا فردا، فيشمل كل جماعة جماعة، ويكون بمنزلة قول القائل: (أكرم جماعة جماعة)، فيكون موضوع الحكم كل جماعة على حدة لا كل مفرد، فإكرام شخص واحد لا يكون امتثالا للامر. وذلك نظير عموم التثنية، فإن الاستغراق فيها بملاحظة مصاديق التثنية، فيشمل كل اثنين اثنين، فإذا قال: (أكرم كل عالمين) فموضوع الحكم كل اثنين من العلماء لا كل فرد. ومنشأ هذا التوهم أن معنى الجمع الجماعة، كما أن معنى التثنية الاثنين فإذا دخلت أداة العموم عليه دلت على العموم بلحاظ كل جماعة جماعة، كما إذا دخلت على المفرد دلت على العموم بلحاظ كل فرد فرد، وعلى التثنية دلت عليه لحاظ كل اثنين اثنين، لان أداة العموم تفيد عموم مدخولها. ولكن هذا توهم فاسد للفرق بين التثنية والجمع، لان التثنية تدل على الاثنين المحدودة من جانب القلة والكثرة. بخلاف الجمع، فإنه يدل على ما هو محدود من جانب القلة فقط، لان أقل الجمع ثلاثة، وأما من جانب الكثرة فغير محدود أبدا. فكل ما تفرض لذلك اللفظ المجموع من أفراد مهما كثرت فهي مرتبة من الجمع واحدة وجماعة واحدة، حتى لو أريد جميع الافراد بأسرها، فإنها كلها مرتبة واحدة من الجمع، لا مجموعة مراتب له. فيكون معنى استغراق الجمع عدم الوقوف على حد خاص من حدود

[ 132 ]

الجمع ومرتبة دانية منه، بل المقصود أعلى مراتبه. فيذهب استغراقه إلى آخر الآحاد لا إلى آخر المراتب، إذ ليس هناك بلحاظ جميع الافراد إلا مرتبة واحدة لا مراتب متعددة، وليس الا حد واحد هو الحد الاعلى، لا حدود متكثرة، فهو من هذه الجهة كاستغراق المفرد معناه عدم الوقوف على حد خاص، فيذهب إلى آخر الآحاد. نعم الفرق بينهما إنما هو في عدم الاستغراق، فإن عدم استغراق المفرد يوجب الاقتصار على واحد. وعدم استغراق الجمع يوجب الاقتصار على أقل الجمع، وهو ثلاثة. 2 - المخصص المتصل والمنفصل إن تخصيص العام على نحوين: 1 - أن يقترن به مخصصة في نفس الكلام الواحد الملقى من المتكلم كقولنا: (أشهد أن لا إله إلا الله). ويسمى المخصص (المتصل). فيكون قرينة على إرادة ما عدا الخاص من العموم. وتلحق به - بل هي منه - القرينة الحالية المكتنف بها الكلام الدالة على إرادة الخصوص، على وجه يصح تعويل المتكلم عليها في بيان مراده. 2 - ألا يقترن به مخصصه في نفس الكلام، بل يرد في كلام آخر مستقل قبله أو بعده. ويسمى المخصص (المنفصل)، فيكون أيضا قرينة على إرادة ما عدا الخاص من العموم، كالاول. فإذن لا فرق بين القسمين من ناحية القرينة على مراد المتكلم، وإنما الفرق بينهما من ناحية أخرى، وهي ناحية انعقاد الظهور في العموم: ففي المتصل لا ينعقد للكلام ظهور إلا في الخصوص، وفي المنفصل ينعقد ظهور العام في عمومه، غير أن الخاص ظهوره أقوى، فيقدم عليه من باب تقديم الاظهر على الظاهر أو النص على الظاهر. والسر في ذلك: أن الكلام مطلقا - العام وغيره - لا يستقر له الظهور ولا ينعقد الا بعد الانتهاء منه والانقطاع عرفا، على وجه لا يبقى بحسب

[ 133 ]

العرف مجال لالحاقه بضميمة تصلح لان تكون قرينة تصرفه عن ظهوره الابتدائي الاولي، وإلا فالكلام مادام متصلا عرفا فإن ظهوره مراعى، فإن إنقطع من دون ورود قرينة على خلافه استقر ظهوره الاول، وانعقد الكلام عليه، وإن لحقته القرينة الصارفة تبدل ظهوره الاول إلى ظهور آخر حسب دلالة القرينة، وانعقد حينئذ على الظهور الثاني. ولذا لو كانت القرينة مجملة أو إن وجد في الكلام ما يحتمل أن يكون قرينة أوجب ذلك عدم انعقاد الظهور الاول، وإلا ظهور آخر، فيعود الكلام برمته مجملا. هذا من ناحية كلية في كل كلام. ومقامنا من هذا الباب، لان المخصص - كما قلنا - من قبيل القرينة الصارفة، فالعام له ظهور ابتدائي - أو بدوي - في العموم، فيكون مراعى بانقطاع الكلام وانتهائه، فإن لم يلحقه ما يخصصه استقر ظهوره الابتدائي وانعقد على العموم، وإن لحقته قرينة التخصيص قبل الانقطاع تبدل ظهوره الاول، وانعقد له ظهوره آخر حسب دلالة المخصص المتصل. إذن فالعام المخصص بالمتصل لا يستقر ولا ينعقد له ظهوره في العموم، بخلاف المخصص بالمنفصل، لان الكلام بحسب الفرض قد انقطع بدون ورود ما يصلح للقرينة على التخصيص، فيستقر ظهوره الابتدائي في العموم. غير أنه إذا ورد المخصص المنفصل يزاحم ظهور العام، فيقدم عليه من باب أنه قرينة عليه كاشفة عن المراد الجدي. 3 - هل استعمال العام في المخصص مجاز ؟ قلنا: إن المخصص بقسميه قرينة على إرادة ما عدا الخاص من لفظ العموم، فيكون المراد من العام بعض ما يشمله ظاهره. فوقع الكلام في أن هذا الاستعمال هل هو على نحو المجاز أو الحقيقة. واختلف العلماء فيه على أقوال كثيرة: (منها) أنه مجاز مطلقا، و (منها) أنه حقيقة مطلقا. و (منها) التفصيل بين المخصص بالمتصل وبين المخصص بالمنفصل، فإن كان التخصيص بالاول فهو حقيقة دون ما كان بالثاني، وقيل: بالعكس.

[ 134 ]

والحق عندنا هو القول الثاني أي أنه حقيقة مطلقا. (الدليل) - أن منشأ توهم القول بالمجاز أن أداة العموم لما كانت موضوعة للدلالة على سعة مدخولها، وعمومه لجميع أفراده، فلو أريد منه بعضه فقد استعملت في غير ما وضعت له، فيكون الاستعمال مجازا. وهذا التوهم يدفع بأدنى تأمل، لانه في التخصيص بالمتصل كقولك - مثلا -: أكرم كل عالم إلا الفاسقين لم تستعمل أداة العموم إلا في معناها، وهي الشمول لجميع أفراد مدخولها، غاية الامر أن مدخولها تارة يدل عليه لفظ واحد مثل أكرم كل عادل، وأخرى يدل عليه أكثر من لفظ واحد في صورة التخصيص، فيكون التخصيص معناه أن مدخول (كل) ليس ما يصدق عليه لفظ عالم مثلا بل هو خصوص العالم العادل في المثال. وأما (كل) فهي باقية على مالها من الدلالة على العموم والشمول، لانها تدل حينئذ على الشمول لكل عادل من العلماء، ولذا لا يصح أن يوضع مكانها كلمة (بعض)، فلا يستقيم المعنى لو قلت: أكرم بعض العلماء إلا الفاسقين، وإلا لما صح الاستثناء كما لا يستقيم لو قلت: أكرم بعض العلماء العدول، فإنه لا يدل على تحديد الموضوع كما لو كانت (كل) والاستثناء موجودين. والحاصل أن لفظة (كل) وسائر أدوات العموم في مورد التخصيص لم تستعمل الا في معناها وهو الشمول. ولا معنى للقول بأن المجاز في نفس مدخولها، لان مدخولها مثل كلمة عالم موضوع لنفس الطبيعة من حيث هي، لا الطبيعة بجميع أفرادها أو بعضها. وإرادة الجميع أو البعض إنما يكون من دلالة لفظة إخرى ك‍ (كل) أو (بعض)، فإذا قيد مدخولها وأريد منه المقيد بالعدالة في المثال المتقدم لم يكن مستعملا إلا في معناه. وهو من له العلم، وتكون إرادة ما عدا الفاسق من العلماء من دلالة المجموع القيد والمقيد، من باب تعدد الدال والمدلول. وسيجئ إن شاء الله تعالى أن تقييد المطلق لا يوجب مجازا. هذا الكلام كله عن المخصوص بالمتصل. وكذلك الكلام عن المخصوص

[ 135 ]

بالمنفصل، لانا قلنا: إن التخصيص بالمنفصل معناه جعل الخاص قرينة منفصلة على تقييد مدخول (كل) بما عدا الخاص، فلا تصرف في أداة العموم، ولا في مدخولها، ويكون أيضا من باب تعدد الدال والمدلول. ولو فرض أن المخصص المنفصل ليس مقيدا لمدخول أداة العموم، بل هو تخصيص للعموم نفسه فإن هذا لا يلزم منه أن يكون المستعمل فيه في العام هو البعض، حتى يكون مجازا، بل إنما يكشف الخاص عن المراد الجدي من العام. 4 - حجية العام المخصص في الباقي إذا شككنا في شمول العام - المخصص - لبعض أفراد الباقي من العام بعد التخصيص، فهل العام حجة في هذا البعض، فيتمسك بظاهر العموم لادخاله في حكم العام ؟ على أقوال: مثلا، إذا قال المولى: (كل ماء طاهر)، ثم استثنى من العموم بدليل متصل أو منفصل الماء المتغير بالنجاسة، ونحن احتملنا استثناء الماء القليل الملاقي للنجاسة بدون تغيير، فإذا قلنا بأن العام المخصص حجة في الباقي نطرد هذا الاحتمال بظاهر عموم العام في جميع الباقي، فنحكم بطهارة الماء الملاقي غير المتغير. وإذا لم نقل بحجيته في الباقي يبقى هذا الاحتمال معلقا لا دليل عليه من العام، فنلتمس، له دليلا آخر يقول بطهارته أو نجاسته. والاقوال في المسألة كثيرة: منها التفصيل بين المخصص بالمتصل فيكون حجة في الباقي، وبين المخصص بالمنفصل فلا يكون حجة. وقيل بالعكس والحق في المسألة هو الحجية مطلقا، لان أساس النزاع ناشئ من النزاع في المسألة السابقة، وهي أن العام المخصص مجاز في الباقي أم لا ؟ ومن قال بالمجاز يستشكل في ظهور العام وحجيته في جميع الباقي من جهة أن المفروض أن استعمال العام في تمام الباقي مجاز واستعماله في بعض الباقي مجاز آخر أيضا، فيقع النزاع في أن المجاز الاول أقرب إلى الحقيقة، فيكون العام ظاهرا فيه أو أن المجازين متساويان، فلا ظهور في أحدهما. فإذا كان المجاز الاول هو الظاهر كان العام حجة في تمام الباقي، وإلا فلا يكون حجة.

[ 136 ]

أما نحن الذين نقول بأن العام المخصص حقيقة كما تقدم، ففي راحة من هذا النزاع، لانا قلنا: أن أداة العموم باقية على ما لها من معنى الشمول لجميع أفراد مدخولها، فإذا خرج من مدخولها بعض الافراد بالتخصيص بالمتصل أو المنفصل فلا تزال دلالتها على العموم باقية على حالها، وإنما مدخولها تتضيق دائرته بالتخصيص. فحكم العام المخصص حكم العام غير المخصص في ظهوره في الشمول لكل ما يمكن أن يدخل فيه. وعلى أي حال، بعد القول بأن العام المخصص حقيقة في الباقي على ما بيناه لا يبقى شك في حجيته في الباقي. وأيما يقع الشك على تقدير القول بالمجازية، فقد نقول أنه حجة في الباقي على هذا التقدير، وقد لا نقول. لا أنه كل من يقول بالمجازية يقول بعدم الحجية، كما توهم ذلك بعضهم. 5 - هل يسري إجمال المخصص إلى العام ؟ كان البحث السابق وهو (حجية العام في الباقي) في فرض أن الخاص مبين لا إجمال فيه، وإنما الشك في تخصيص غيره ما علم خروجه عن الخاص. وعلينا الآن أن نبحث عن حجية العام في فرض إجمال الخاص. والاجمال على نحوين. 1 - (الشبهة المفهومية) - وهي في فرض الشك في نفس مفهوم الخاص بأن كان مجملا، نحو قوله (ع): (كل ماء طاهر إلا ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه) الذي يشك فيه أن المراد من التغير خصوص التغير الحسي أو ما يشمل التغير التقديري. ونحو قولنا: (أحسن الظن إلا بخالد) الذي يشك فيه أن المراد من خالد هو خالد بن بكر أو خالد بن سعد، مثلا. 2 - (الشبهة المصداقية)، وهي في فرض الشك في دخول فرد من أفراد العام في الخاص مع وضوح مفهوم الخاص، بأن كان مبينا لا إجمال فيه، كما

[ 137 ]

إذا شك في مثال الماء السابق أن ماء معينا، أتغير بالنجاسة فدخل في حكم الخاص أم لم يتغير فهو لا يزال باقيا على طهارته. والكلام في الشبهتين يختلف اختلافا بينا. فلنفرد لكل منهما بحثا مستقلا. (أ - الشبهة المفهومية) الدوران في الشبهة المفهومية (تارة) يكون بين الاقل والاكثر، كالمثال الاول، فإن الامر دائر فيه بين تخصيص خصوص التغير الحسي أو يعم التقديري، (فالاقل) هو التغير الحسي، وهو المتيقن. (والاكثر) هو الاعم منه ومن التقديري. (وأخرى) يكون بين المتباينين كالمثال الثاني، فإن الامر دائر فيه بين تخصيص خالد بن بكر، وبين خالد بن سعد، ولا قدر متيقن في البين. ثم على كل من التقديرين، أما أن يكون المخصص متصلا أو منفصلا. والحكم في المقام يختلف باختلاف هذه الاقسام الاربعة في الجملة، فلنذكرها بالتفصيل: 1، 2 - فيما إذا كان المخصص (متصلا) سواء كان الدوران فيه بين الاقل والاكثر أوبين المتباينين، فإن الحق فيه أن إجمال المخصص يسري إلى العام أي أنه لا يمكن التمسك بأصالة العموم لادخال المشكوك في حكم العام. وهو واضح على ما ذكرناه سابقا من أن المخصص المتصل من نوع قرينة الكلام المتصلة، فلا ينعقد للعام ظهور إلا فيما عدا الخاص، فإذا كان الخاص مجملا سرى إجماله إلى العام، لان ما عدا الخاص غير معلوم، فلا ينعقد للعام ظهور فيما لم يعلم خروجه عن عنوان الخاص. 3 - في الدوران بين (الاقل والاكثر) إذا كان المخصص (منفصلا) فإن الحق فيه أن إجمال الخاص لا يسري إلى العام، أي أنه يصح التمسك بأصالة العموم لادخال ما عدا الاقل في حكم العام. والحجة فيه واضحة بناء على ما تقدم في الفصل الثاني من أن العام المخصص بالمنفصل ينعقد له ظهور في

[ 138 ]

العموم، وإذا كان يقدم عليه الخاص فمن باب تقديم أقوى الحجتين فإذا كان الخاص مجملا في الزائد على القدر المتيقن منه، فلا يكون حجة في الزائد، لانه - حسب الفرض - مجمل لا ظهور له فيه، وإنما تنحصر حجيته في القدر المتيقن وهو الاقل. فكيف يزاحم العام المنعقد ظهوره في الشمول لجميع أفراده التي منها القدر المتيقن من الخاص، ومنها القدر الزائد عليه المشكوك دخوله في الخاص. فإذا خرج القدر المتيقن بحجة أقوى من العام يبقى القدر الزائد لا مزاحم لحجية العام وظهوره فيه. 4 - في الدوران بين (المتبائنين) إذا كان المخصص (منفصلا)، فإن الحق فيه أن إجمال الخاص يسري إلى العام، كالمخصص المتصل، لان المفروض حصول العلم الاجمالي بالتخصيص واقعا، وإن تردد بين شيئين، فيسقط العموم عن الحجية في كل واحد منهما. والفرق بينه وبين المخصص المتصل المجمل أنه في المتصل يرتفع ظهور الكلام في العموم رأسا، وفي المنفصل المردد بين المتبائنين ترتفع حجية الظهور، وإن كان الظهور البدوي باقيا، فلا يمكن التمسك بأصالة العموم في أحد المرددين. بل لو فرض انها تجري بالقياس إلى أحدهما فهي تجري أيضا بالقياس إلى الآخر، ولا يمكن جريانهما معا لخروج أحدهما عن العموم قطعا، فيتعارضان ويتساقطان. وإن كان الحق أن نفس وجود العلم الاجمالي يمنع من جريان أصالة العموم في كل منهما رأسا لا أنها تجري فيهما فيحصل التعارض ثم التساقط. (ب - الشبهة المصداقية) قلنا: إن الشبهة المصداقية تكون في فرض الشك في دخول فرد من أفراد ما ينطبق عليه العام في المخصص، مع كون المخصص مبينا لا إجمال فيه، وإنما الاجمال في المصداق. فلا يدرى أن هذا الفرد متصف بعنوان الخاص فخرج عن حكم العام، أم لم يتصف فهو مشمول لحكم العام، كالمثال

[ 139 ]

المتقدم، وهو الماء المشكوك تغيره بالنجاسة، وكمثال الشك في اليد على مال أنها يد عادية أو يد أمانة، فيشك في شمول العام لها وهو قوله صلى الله عليه وآله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي)، لانها يد عادية، أو خروجها منه لانها يد أمانة، لما دل على عدم ضمان يد الامانة المخصص لذلك العموم. ربما ينسب إلى المشهور من العلماء الاقدمين القول بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ولذا أفتوا في مثال اليد المشكوكة بالضمان. وقد يستدل لهذا القول: بأن إنطباق عنوان العام على المصداق المردد معلوم فيكون العام حجة فيه ما لم يعارض بحجة أقوى، وأما انطباق عنوان الخاص عليه فغير معلوم، فلا يكون الخاص حجة فيه، فلا يزاحم العام، وهو نظير ما قلناه في المخصص المنفصل في الشبهة المفهومية عند الدوران بين الاقل والاكثر. والحق عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في المتصل والمنفصل معا. ودليلنا على ذلك: أن المخصص لما كان حجة أقوى من العام، فإنه موجب لقصر حكم العام على باقي أفراده، ورافع لحجية العام في بعض مدلوله. والفرد المشكوك مردد بين دخوله فيما كان العام حجة فيه وبين خروجه عنه مع عدم دلالة العام على دخوله فيما هو حجة فيه، فلا يكون العام حجة فيه بلا مزاحم كما قيل في دليلهم. ولئن كان انطباق عنوان العام عليه معلوما، فليس هو معلوم الانطباق عليه بما هو حجة. والحاصل، أن هناك عندنا حجتين معلومتين حسب الفرض (أحداهما) العام، هو حجة فيما عدا الخاص. (وثانيتهما) المخصص، وهو حجة في مدلوله، والمشتبه مردد بين دخوله في تلك الحجة أو هذه الحجة. وبهذا يظهر الفرق بين الشبهة المصداقية وبين الشبهة المفهومية في المنفصل عند الدوران بين الاقل والاكثر. فإن الخاص في الشبهة المفهومية ليس حجة إلا في الاقل، والزائد المشكوك ليس مشكوك الدخول فيما كان الخاص معلوم الحجية فيه بل الخاص مشكوك أنه جعل حجة فيه أم لا. ومشكوك الحجية في

[ 140 ]

شئ ليس بحجة - قطعا - في ذلك الشئ (1). وأما العام فهو حجة إلا فيما كان الخاص حجة فيه. وعليه لا يكون الاكثر مرددا بين دخوله في تلك الحجة أو هذه الحجة، كالمصداق المردد، بل هو معلوم أن الخاص ليس حجة فيه لمكان الشك، فلا يزاحم حجية العام فيه. وأما فتوى المشهور بالضمان في اليد المشكوكة أنها يد عادية أو يد أمانة فلا يعلم أنها لاجل القول بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ولعل لها وجها آخر ليس المقام محل ذكره. (تنبيه) - في جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا - المقصود من المخصص (اللبي): ما يقابل اللفظي، كالاجماع ودليل العقل اللذين هما دليلان وليسا من نوع الالفاظ فقد نسب إلى الشيخ المحقق الانصاري (قدس سره) جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مطلقا إذا كان المخصص لبيا. وتبعه جماعة من المتأخرين عنه. وذهب المحقق شيخ اساتذتنا (صاحب الكفاية) قدس سره إلى التفصيل بين ما إذا كان المخصص اللبي مما يصح أن يتكل عليه المتكلم في بيان مراده بأن كان عقليا ضروريا، فإنه يكون كالمتصل، فلا ينعقد للعام ظهور في العموم فلا مجال للتمسك بالعام في الشبهة المصداقية - وبين ما إذا لم يكن كذلك، كما إذا


(1) سيأتي في (مباحث الحجة): ان قوام حجية الشئ بالعلم، لانه انما يكون الشئ صالحا لان يحتج به المولى على العبد إذا كان واصلا إليه بالعلم، فالعلم مأخوذ في موضوع الحجة فعند الشك في حجية شئ يرتفع موضوعها، فيعلم بعدم حجيته. ومعنى الشك في حجيته احتمال أنه نصبه الشارع حجة واقعا على تقدير وصوله. وحيث لم يصل نقطع بعدم حجيته فعلا فيزول ذلك الاحتمال البدوي عند الالتفات إلى ذلك لا انه حين الشك في الحجية يقطع بعدم الحجية والا للزم اجتماع الشك والقطع بشئ واحد في آن واحد وهو محال.

[ 141 ]

لم يكن التخصيص ضروريا على وجه يصح أن يتكل عليه المتكلم، فإنه لا مانع من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لبقاء العام على ظهوره، وهو حجة بلا مزاحم. واستشهد على ذلك بما ذكره من الطريقة المعروفة والسيرة المستمرة المألوفة بين العقلاء، كما إذا أمر المولى منهم عبده بإكرام جيرانه، وحصل القطع للعبد بأن المولى لا يريد إكرام من كان عدوا له من الجيران، فإن العبد ليس له ألا يكرم من يشك في عداوته، وللمولى أن يؤاخذه على عدم إكرامه ولا يصح منه الاعتذار بمجرد احتمال العداوة، لان بناء العقلاء وسيرتهم هي ملاك حجية أصالة الظهور، فيكون ظهور العام - في هذا المقام - حجة بمقتضى بناء العقلاء. وزاد على ذلك بأنه يستكشف من عموم العام للفرد المشكوك أنه ليس فردا للخاص الذي علم خروجه من حكم العام. ومثل له بعموم قوله (لعن الله بني فلان قاطبة) المعلوم منه خروج من كان مؤمنا منهم فإن شك في إيمان شخص يحكم بجواز لعنه للعموم. وكل من جاز لعنه ليس مؤمنا. فينتج من الشكل الاول (هذا الشخص ليس مؤمنا). هذا خلاصة رأي صاحب الكفاية (قدس سره) ولكن شيخنا المحقق الكبير النائيني أعلى الله مقامه لم يرتض هذا التفصيل. ولا إطلاق رأي الشيخ قدس سره، بل ذهب إلى تفصيل آخر. (وخلاصته): إن المخصص اللبي سواء كان عقليا ضروريا يصح أن يتكل عليه المتكلم في مقام التخاطب، أو لم يكن كذلك، بأن كان عقليا نظريا أو إجماعا - فإنه كالمخصص اللفظي كاشف عن تقييد المراد الواقعي في العام: من عدم كون موضوع الحكم الواقعي باقيا على إطلاقه الذي يظهر فيه العام فلا مجال للتمسك بالعام في الفرد المشكوك بلا فرق بين اللبي واللفظي، لان المانع من التمسك بالعام مشترك بينهما وهو انكشاف تقييد موضوع الحكم واقعا. ولا يفرق في هذه الجهة بين أن يكون الكاشف لفظيا أو لبيا. واستثنى من ذلك ما إذا كان المخصص اللبي لم يستكشف منه تقييد

[ 142 ]

موضوع الحكم واقعا، بأن كان العقل إنما أدرك ما هو ملاك حكم الشارع واقعا، أو قام الاجماع على كونه ملاكا لحكم الشارع (كما إذا أدرك العقل أو قام الاجماع على أن ملاك لعن بني فلان هو كفرهم) فإن ذلك لا يوجب تقييد موضوع الحكم لان الملاك لا يصلح لتقييده، بل من العموم يستكشف وجود الملاك في جميعهم. فإذا شك في وجود الملاك في فرد يكون عموم الحكم كاشفا عن وجوده فيه. نعم لو علم بعدم وجود الملاك في فرد يكون الفرد نفسه خارجا كما لو أخرجه المولى بالنص عليه، لا أنه يكون كالمقيد لموضوع العام. وأما سكوت المولى عن بيانه، فهو أما لمصلحة أو لغفلة إذا كان من الموالي العاديين. نعم لو تردد الامر بين أن يكون المخصص كاشفا عن الملاك أو مقيدا لعنوان العام فإن التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية يكون وجيها. (والحاصل): أن المخصص أن أحرزنا أنه كاشف عن تقييد موضوع العام، فلا يجوز التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية أبدا، وإن أحرزنا أنه كاشف عن ملاك الحكم فقط من دون تقييد فلا مانع من التمسك بالعموم، بل يكون كاشفا عن وجود الملاك في المشكوك. وإن تردد أمره ولم يحرز كونه قيدا أو ملاكا، فإن كان حكم العقل ضروريا يمكن الاتكال عليه في التفهيم فيلحق بالقسم الاول، وإن كان نظريا أو إجماعا لا يصح الاتكال عليه فيلحق بالقسم الثاني، فيتمسك بالعموم، لجواز أن يكون الفرد المشكوك قد أحرز المولى وجود الملاك فيه، مع احتمال أن ما أدركه العقل أو قام عليه الاجماع من قبيل الملاكات. هذا كله حكاية أقوال علمائنا في المسألة. وإنما أطلت في نقلها لان هذه المسألة حادثة، أثارها شيخنا الانصاري (قدس سره) مؤسس الاصول الحديث. واختلف فيها أساطين مشايخنا ونكتفي بهذا المقدار دون بيان ما نعتمد عليه من الاقوال لئلا نخرج عن الغرض الذي وضعت له الرسالة. وبالاختصار أن ما ذهب إليه الشيخ هو الاولى بالاعتماد. ولكن مع تحرير

[ 143 ]

لقوله على غير ما هو المعروف عنه (1).


(1) وتوضيح ذلك: ان كل عام ظاهر في العموم لا بد أن يتضمن ظهورين. 1 - ظهوره في عدم منافاة أية صفة من الصفات أو أي عنوان من العناوين لحكمه. 2 - ظهوره في عدم وجود المنافي أيضا. أي أنه ظاهر في عدم المنافاة وعدم المنافي معه. فان معنى ظهور عموم (أكرم جيراني) - مثلا -: أنه ليس هناك صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب اكرام الجيران، نحو صفة العداوة أو الفسق أو نحو ذلك، كما أن معناه أيضا أنه ليس يوجد في الجيران من فيه صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب اكرامه. وهذا واضح لا غبار فيه. فإذا جاء بعد انعقاد هذا الظهور في العموم مخصص منفصل لفظي، كما لو قال في المثال المتقدم: (لا تكرم الاعداء من جيراني)، فان هذا المخصص لا شك في أنه لا يكون ظاهرا في أمرين: 1 - ان صفة العداوة منافية لوجوب الاكرام: 2 - ان في الجيران من هو على صفة العداوة فعلا أو يتوقع منه أن يكون عدوا، والا لو لم يوجد العدو ولا يتوقع فيهم لكان هذا التخصيص لغوا وعبثا لا يصدر من الحكيم. وعلى ذلك فيكون المخصص اللفظي مزاحما للعام في الظهورين معا، فيسقط عن الحجية فيهما معا. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنه عدو أم لا، فلا مجال فيه للتمسك بالعام في الحاقه بحكمه، لسقوط العام عن حجيته في شموله له، إذ يكون هذا الفرد مرددا بين دخوله فيما اصبح العام حجة فيه وبين دخوله فيما كان الخاص حجة فيه. أما لو كان هناك مخصص لبي، كما لو حكم العقل - مثلا - بأن العداوة تنافي وجوب الاكرام، فان هذا الحكم من العقل لا يتوقف على أن يكون هناك أعداء بالفعل أو متوقعون، بل العقل يحكم بهذا الحكم سواء كان هناك أعداء أم لم يكونوا أبدا، إذ لا مجال للقول بأنه لو لم يكن هناك أعداء لكان حكم العقل لغوا وعبثا، كما هو واضح بأدنى تأمل والتفات. وعليه، فالحكم العقلي هذا لا يزاحم الظهور الثاني العام، أعنى ظهوره في عدم المنافى، فظهوره الثاني هذا يبقى بلا مزاحم. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنه عدو أم لا فلا مانع من التمسك بالعام في ادخاله في حكمه، لانه لا يكون هذا الفرد مرددا بين دخوله في هذه الحجة أو هذه الحجة، إذ المخصص اللبي حسب الفرض لا يقتضي وجود المنافي وليس حجة فيه، أما العام فهو حجة فيه بلا مزاحم.

[ 144 ]

6 - لا يجوز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص لا شك في أن بعض عمومات القرآن الكريم والسنة الشريفة ورد لها مخصصات منفصلة شرحت المقصود من تلك العمومات. وهذا معلوم من طريقة صاحب الشريعة، والائمة الاطهار عليهم الصلاة والسلام حتى قيل: (ما من عام الا وقد خص). ولذا ورد عن أئمتنا ذم من استبدوا برأيهم في الاحكام، لان في الكتاب المجيد والسنة عاما وخاصا ومطلقا ومقيدا. وهذه الامور لا تعرف إلا من طريق آل البيت عليهم السلام. وهذا ما أوجب التوقف في التسرع بالاخذ بعموم العام قبل الفحص واليأس من وجود المخصص، لجواز أن يكون هذا العام من العمومات التي لها مخصص موجود في السنة أو في الكتاب لم يطلع عليه من وصل إليه العام. وقد نقل عدم الخلاف بل الاجماع على عدم جواز الاخذ بالعام قبل الفحص واليأس. وهو الحق. والسر في ذلك واضح لما قدمناه، لانه إذا كانت طريقة الشارع في بيان مقاصده تعتمد على القرائن المنفصلة لا يبقى اطمئنان بظهور العام في عمومه فإنه يكون ظهورا بدويا. وللشارع الحجة على المكلف إذا قصر في الفحص عن المخصص.


= فظهر من هذا البيان أن الفرق عظيم بين المخصص اللبي والمخصص اللفظي من هذه الناحية، لانه في المخصص اللبي يبقى العام حجة في ظهوره الثاني من دون أن يكون المختص متعرضا له، ولا يسقط العام عن الحجية في ظهوره إلا بمقدار المزاحمة لا أكثر. وهذا بخلاف المخصص اللفظي فانه ظاهر في الامرين معا كما قدمناه، فيكون مزاحما للعام فيهما معا. ولا فرق في المخصص اللبي بين أن يكون ضروريا أو يكون غير ضروري، ولا بين ان يكون كاشفا عن تقييد موضوع العام أو كاشفا عن ملاك الحكم، فانه في جميع هذه الصور لا يقتضي وجود المنافي. وبهذا التحرير للمسألة يتجلى مرام الشيخ الاعظم أنه الاولى بالاعتماد.

[ 145 ]

أما إذا بذل وسعه وفحص عن المخصص في مظانه، حتى حصل له الاطمئنان بعدم وجوده فله الاخذ بظهور العام. وليس للشارع حجة عليه فيما لو كان هناك مخصصا واقعا، لم يتمكن المكلف من الوصول إليه عادة بالفحص بل للمكلف أن يحتج فيقول: إني فحصت عن المخصص فلم أظفر به، ولو كان مخصص هناك كان ينبغي بيانه على وجه لو فحصنا عنه عادة لوجدناه في مظانه. وإلا فلا حجة فيه علينا. وهذا الكلام جار في كل ظهور، فإنه لا يجوز الاخذ به الا بعد الفحص عن القرائن المنفصلة. فإذا فحص المكلف ولم يظفر بها فله أن يأخذ بالظهور ويكون حجة عليه. ومن هنا نستنتج قاعدة عامة تأتي في محلها ونستوفي البحث عنها إن شاء الله تعالى، والمقام من صغرياتها، وهي: (إن أصالة الظهور لا تكون حجة إلا بعد الفحص واليأس عن القرينة). أما بيان مقدار الفحص الواجب أهو الذي يوجب اليأس على نحو القطع بعدم القرينة أو على نحو الظن الغالب والاطمئنان بعدمها ؟ ؟، فذلك موكول إلى محله. والمختار كفاية الاطمئنان. والذي يهون الخطب في هذه العصور المتأخرة أن علماءنا قدس الله تعالى أرواحهم قد بذلوا جهودهم على تعاقب العصور في جمع الاخبار وتبويبها والبحث عنها وتنقيحها في كتب الاخبار والفقه، حتى أن الفقيه أصبح الآن يسهل عليه الفحص عن القرائن بالرجوع إلى مظانها المهيئة، فإذا لم يجدها بعد الفحص يحصل له القطع غالبا بعدمها. 7 - تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده قد يرد عام ثم ترد بعده جملة فيها ضمير يرجع إلى بعض أفراد العام بقرينة خاصة. مثل قوله تعالى (2: 282) (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء..) إلى قوله: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) فإن المطلقات عامة للرجعيات وغيرها، ولكن الضمير في بعولتهن يراد به خصوص الرجعيات.

[ 146 ]

فمثل هذا الكلام يدور فيه الامر بين مخالفتين للظاهر، أما: 1 - مخالفة ظهور العام في العموم، بأن يجعل مخصوصا بالبعض الذي يرجع إليه الضمير. وأما: 2 - مخالفة ظهور الضمير في رجوعه إلى ما تقدم عليه من المعنى الذي دل عليه اللفظ بأن يكون مستعملا على سبيل الاستخدام، فيراد منه البعض، والعام يبقى على دلالته على العموم - فأي المخالفتين أولى ؟ وقع الخلاف على أقوال ثلاثة: (الاول) - أن أصالة العموم هي المقدمة، فيلتزم بالمخالفة الثانية. (الثاني) - أن أصالة عدم الاستخدام هي المقدمة، فيلتزم بالمخالفة الاولى. (الثالث) - عدم جريان الاصلين معا، والرجوع إلى الاصول العملية. أما عدم جريان أصالة العموم فلوجود ما يصلح أن يكون قرينة في الكلام وهو عود الضمير على البعض، فلا ينعقد ظهور العام في العموم. وأما أن أصالة عدم الاستخدام لا تجري فلان الاصول اللفظية يشترط في جريانها - كما سبق أول الكتاب - أن يكون الشك في مراد المتكلم، فلو كان المراد معلوما - كما في المقام - وكان الشك في كيفية الاستعمال، فلا تجري قطعا. والحق ان أصالة العموم جارية ولا مانع منها، لانا ننكر أن يكون عود الضمير إلى بعض أفراد العام موجبا لصرف ظهور العموم، إذ لا يلزم من تعين البعض من جهة مرجعية الضمير بقرينة أن يتعين إرادة البعض من جهة حكم العام الثابت له بنفسه لان الحكم في الجملة المشتملة على الضمير غير الحكم في الجملة المشتملة على العام، ولا علاقة بينهما، فلا يكون عود الضمير على بعض العام من القرائن التي تصرف ظهوره عن عمومه. واعتبر ذلك في المثال، فلو قال المولى: (العلماء يجب إكرامهم) ثم قال: (وهم يجوز تقليدهم) وأريد من ذلك (العدول) بقرينة، فإنه واضح في هذا المثال أن تقييد الحكم الثاني بالعدول لا يوجب تقييد الحكم الاول بذلك، بل ليس فيه إشعار به. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون التقييد بمتصل كما في مثالنا أو

[ 147 ]

بمنفصل كما في الآية. 8 - تعقيب الاستثناء لجمل متعددة قد ترد عمومات متعددة في كلام واحد ثم يتعقبها استثناء في آخرها فيشك حينئذ في رجوع الاستثناء لخصوص الجملة الاخيرة أو لجميع الجمل. مثاله قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فإنه يحتمل أن يكون هذا الاستثناء من الحكم الاخير فقط وهو فسق هؤلاء. ويحتمل أن يكون استثناء منه ومن الحكم بعدم قبول شهادتهم والحكم بجلدهم الثمانين. واختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: 1 - ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الاخيرة، وإن كان رجوعه إلى غير الاخيرة ممكنا، ولكنه يحتاج إلى قرينة عليه. 2 - ظهوره في رجوعه إلى جميع الجمل. وتخصيصه بالاخيرة فقط هو الذي يحتاج إلى الدليل. 3 - عدم ظهوره في واحد منها، وإن كان رجوعه إلى الاخيرة متيقنا على كل حال. أما ما عدا الاخيرة فتبقى مجملة لوجود ما يصلح للقرينة فلا ينعقد لها ظهور في العموم، فلا تجري أصالة العموم فيها. 4 - التفصيل بين ما إذا كان الموضوع واحدا للجمل المتعاقبة لم يتكرر ذكره، وقد ذكر في صدر الكلام مثل قولك: (أحسن إلى الناس واحترمهم واقض حوائجهم إلا الفاسقين) - وبين ما إذا كان الموضوع متكررا ذكره لكل جملة كالآية الكريمة المتقدمة، وإن كان الموضوع في المعنى واحدا في الجميع. فإن كان من قبيل الاول فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع لان الاستثناء إنما هو من الموضوع باعتبار الحكم، والموضوع لم يذكر إلا في صدر الكلام فقط، فلا بد من رجوع الاستثناء إليه، فيرجع إلى الجميع. وإن كان من قبيل

[ 148 ]

الثاني، فهو ظاهر في الرجوع إلى الاخيرة، لان الموضوع قد ذكر فيها مستقلا فقد أخذ الاستثناء محله، ويحتاج تخصيص الجمل السابقة إلى دليل آخر مفقود بالفرض، فيتمسك بأصالة عمومها. وأما ما قيل: إن المقام من باب اكتناف الكلام بما يصلح لان يكون قرينة، فلا ينعقد للجمل الاولى ظهور في العموم - فلا وجه له، لانه لما كان المتكلم حسب الفرض قد كرر الموضوع بالذكر، واكتفى باستثناء واحد، وهو يأخذ محله بالرجوع إلى الاخيرة، فلو أراد إرجاعه إلى الجميع لوجب أن ينصب قرينة على ذلك وإلا كان مخلا ببيانه. وهذا (القول الرابع) هو أرجح الاقوال، وبه يكون الجمع بين كلمات العلماء: فمن ذهب إلى القول برجوعه إلى خصوص الاخيرة، فلعله كان ناظرا إلى مثل الآية المباركة التي تكرر فيها الموضوع. ومن ذهب إلى القول برجوعه إلى الجميع فلعله كان ناظرا إلى الجمل التي لم يذكر فيها الموضوع إلا في صدر الكلام. فيكون النزاع على هذا لفظيا، ويقع التصالح بين المتنازعين. 9 - التخصيص العام بالمفهوم (المفهوم) ينقسم كما تقدم إلى الموافق والمخالف، فإذا ورد عام ومفهوم أخص مطلقا، فلا كلام في تخصيص العام بالمفهوم إذا كان (مفهوما موافقا)، مثاله قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) فإنه عام يشمل كل عقد يقع باللغة العربية وغيرها، فإذا ورد دليل على اعتبار أن يكون العقد بصيغة الماضي فقد قيل أنه يدل بالاولوية على اعتبار العربية في العقد، لانه لما دل على عدم صحة العقد بالمضارع من العربية، فلئن لم يصح من لغة أخرى فمن طريق أولى. ولا شك أن مثل هذا المفهوم إن ثبت فإنه يخصص العام المتقدم، لانه كالنص أو أظهر من عموم العام، فيقدم عليه. وأما التخصيص (بالمفهوم المخالف) فمثاله قوله تعالى: (إن الظن لا يغني عن الحق شيئا) الدال بعمومه على عدم اعتبار كل ظن حتى الظن الحاصل من خبر العادل. وقد وردت آية أخرى هي: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..) الدالة بمفهوم الشرط على جواز الاخذ بخبر غير الفاسق بغير تبين.

[ 149 ]

فهل يجوز تخصيص ذلك العام بهذا المفهوم المخالف ؟ قد اختلفوا على أقوال: فقد قيل بتقديم العام ولا يجوز تخصيصه بهذا المفهوم. وقيل بتقديم المفهوم. وقيل بعدم تقديم أحدهما على الآخر فيبقى الكلام مجملا. وفصل بعضهم تفصيلات كثيرة يطول الكلام عليها. (والسر في هذا الخلاف) أنه لما كان ظهور المفهوم المخالف ليس من القوة بحيث يبلغ درجة ظهور المنطوق أو المفهوم الموافق - وقع الكلام في أنه أقوى من ظهور العام فيقدم عليه، أو أن العام أقوى فهو المقدم، أو أنهما متساويان في درجة الظهور فلا يقدم أحدهما على الآخر، أو أن ذلك يختلف باختلاف المقامات. والحق أن المفهوم لما كان أخص من العام حسب الفرض فهو قرينة عرفا على المراد من العام، والقرينة تقدم على ذي القرينة وتكون مفسرة لما يراد من ذي القرينة، ولا يعتبر أن يكون ظهورها أقوى من ظهور ذي القرينة. نعم لو فرض أن العام كان نصا في العموم فإنه يكون هو قرينة على المراد من الجملة ذات المفهوم فلا يكون لها مفهوم حينئذ. وهذا أمر آخر. 10 - تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد يبدو من الصعب على المبتدئ أن يؤمن لاول وهلة بجواز تخصيص العام الوارد في القرآن الكريم بخبر الواحد، نظرا إلى أن الكتاب المقدس إنما هو وحي منزل من الله لا ريب فيه، والخبر ظني يحتمل فيه الخطأ والكذب، فكيف يقدم على الكتاب. ولكن سيرة العلماء من القديم على العمل بخبر الواحد إذا كان مخصصا للعام القرآني، بل لا تجد على الاغلب خبرا معمولا به من بين الاخبار التي بأيدينا في المجاميع إلا وهو مخالف لعام أو مطلق في القرآن، ولو مثل عمومات الحل ونحوها. بل على الظاهر أن مسألة تقديم الخبر الخاص على الآية القرآنية العامة من المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا، فما السر في ذلك مع قلناه ؟ نقول: لا ريب في أن القرآن الكريم - وإن كان قطعي السند - فيه

[ 150 ]

متشابه ومحكم (نص على ذلك القرآن نفسه)، والمحكم نص وظاهر، والظاهر منه عام ومطلق. كما لا ريب أيضا في أنه ورد في كلام النبي والائمة عليهم الصلاة والسلام ما يخصص كثيرا من عمومات القرآن وما يقيد كثيرا من مطلقاته، وما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره. وهذا قطعي لا يشك فيه أحد. فإن كان الخبر قطعي الصدور فلا كلام في ذلك، وإن كان غير قطعي الصدور، وقد قام الدليل القطعي على أنه حجة شرعا، لانه خبر عادل مثلا، وكان مضمون الخبر أخص من عموم الآية القرآنية - فيدور الامر بين أن نطرح الخبر بمعنى أن نكذب راوية وبين أن نتصرف بظاهر القرآن، لانه لا يمكن التصرف بمضمون الخبر، لانه نص أو أظهر، ولا بسند القرآن لانه قطعي. ومرجع ذلك إلى الدوران - في الحقيقة - بين مخالفة الظن بصدق الخبر وبين مخالفة الظن بعموم الآية. أو فقل يدور الامر بين طرح دليل حجية الخبر وبين طرح أصالة العموم، فأي الدليلين أولى بالطرح ؟ وأيهما أولى بالتقديم ؟ فنقول: لا شك أن الخبر صالح لان يكون قرينة على التصرف في ظاهر الكتاب، لانه بدلالته ناظر ومفسر لظاهر الكتاب بحسب الفرض. وعلى العكس من ظاهر الكتاب، فإنه غير صالح لرفع اليد عن دليل حجية الخبر لانه لا علاقة له فيه من هذه الجهة - حسب الفرض - حتى يكون ناظرا إليه ومفسرا له. فالخبر لسانه لسان المبين للكتاب، فيقدم عليه. وليس الكتاب بظاهره بصدد بيان دليل حجية الخبر حتى يقدم عليه. وإن شئت فقل: إن الخبر بحسب الفرض قرينة على الكتاب، والاصل الجاري في القرينة - وهو هنا أصالة عدم كذب الراوي - مقدم على الاصل الجاري في ذي القرينة، وهو هنا أصالة العموم. 11 - الدوران بين التخصيص والنسخ إعلم أن العام والخاص المنفصل يختلف حالهما من جهة العلم بتأريخهما معا أو بتأريخ أحدهما، أو الجهل بهما معا: فقد يقال في بعض الاحوال بتعيين

[ 151 ]

أن يكون الخاص ناسخا للعام أو منسوخا له، أو مخصصا إياه. وقد يقع الشك في بعض الصور ولتفصيل الحال نقول: إن الخاص والعام من ناحية تأريخ صدورهما لا يخلوان من خمس حالات، فأما أن يكونا معلومي التأريخ، أو مجهولي التأريخ، أو أحدهما مجهولا والآخر معلوما. هذه ثلاث صور. ثم المعلوم تاريخهما: أما أن يعلم تقارنهما عرفا أو يعلم تقدم العام أو يعلم تأخر العام. فتكون الصور خمسا: (الصورة الاولى) إذا كانا معلومي التأريخ مع العلم بتقارنهما عرفا، فإنه لا مجال لتوهم النسخ فيهما. (الصورة الثانية) إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدم العام، فهذه على صورتين: 1 - أن يكون ورود الخاص قبل العمل بالعام. والظاهر أنه لا إشكال حينئذ في حمله على التخصيص بغير كلام، أما لان النسخ لا يكون قبل وقت العمل بالمنسوخ كما قيل، وأما لان الاولى فيه التخصيص كما سيأتي في الصورة الآتية. 2 - أن يكون وروده بعد وقت العمل بالعام. وهذه الصورة هي أشكل الصور، وهي التي وقع فيها الكلام في أن الخاص يجب أن يكون ناسخا، أو يجوز أن يكون مخصصا ولو في بعض الحالات. ومع الجواز يتكلم حينئذ في أن الحمل على التخصيص هو الاولى، أو الحمل على النسخ. فالذي يذهب إلى وجوب أن يكون الخاص ناسخا فهو ناظر إلى أن العام لما ورد وحل وقت العمل به بحسب الفرض، فتأخير الخاص عن وقت العمل لو كان مخصصا ومبينا لعموم العام يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو

[ 152 ]

قبيح من الحكيم، لان فيه إضاعة للاحكام ولمصالح العباد بلا مبرر. فوجب ان يكون ناسخا للعام، والعام باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاص فيجب العمل ثانيا على طبق الخاص. واما من ذهب إلى جواز كونه مخصصا، فلعله ناظر إلى أن العام يجوز أن يكون واردا لبيان حكم ظاهري صوري لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعي، ولو مصلحة التقية، أو مصلحة التدرج في بيان الاحكام كما هو المعلوم من طريقة النبي صلى الله عليه وآله في بيان أحكام الشريعة، مع أن الحكم الواقعي التابع للمصالح الواقعية الثابتة للاشياء بعناوينها الاولية إنما هو على طبق الخاص. فإذا جاء الخاص يكون كاشفا عن الحكم الواقعي، فيكون مبينا للعام ومخصصا له، وأما الحكم العام الذي ثبت أولا ظاهرا وصورة إن كان قد ارتفع وانتهى أمده، فإنه إنما ارتفع لارتفاع موضوعه وليس هو من باب النسخ. وإذا جاز أن يكون العام واردا على هذا النحو من بيان الحكم ظاهرا وصورة، فإن ثبت ذلك كان الخاص مخصصا أي كان كاشفا عن الواقع قطعا. وإن ثبت أنه في صدد بيان الحكم الواقعي التابع للمصالح الواقعية الثابتة للاشياء بعناوينها الاولية، فلا شك في أنه يتعين كون الخاص ناسخا له. وأما لو دار الامر بينهما إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما، فأيهما أرجح في الحمل ؟ فنقول: الاقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص. و (الوجه فيه) أن أصالة العموم بما هي لا تثبت أكثر من أن ما يظهر من العام هو المراد الجدي للمتكلم، ولا شك أن الحكم الصوري الذي نسميه بالحكم الظاهري كالواقع مراد جدي للمتكلم لانه مقصود بالتفهيم، فالعام ليس ظاهرا إلا في أن المراد الجدي هو العموم سواء كان العموم حكما واقعيا أو صوريا. أما أن الحكم واقعي فلا يقتضيه الظهور أبدا حتى يثبت بأصالة العموم، لا سيما أن المعلوم من ؟ ؟ طريقة صاحب الشريعة هو بيان العمومات مجردة عن قرائن التخصيص، ويكشف المراد الواقعي منها بدليل منفصل، حتى اشتهر

[ 153 ]

القول بأنه (ما من عام إلا وقد خص) كما سبق. وعليه فلا دليل من أصالة العموم على أن الحكم واقعي حتى نلتجئ إلى الحمل على النسخ، بل إرادة الحكم الواقعي من العام على ذلك الوجه يحتاج إلى مؤنة بيان زائدة أكثر من ظهور العموم. ولاجل هذا قلنا: إن الحمل على التخصيص أقرب إلى الصواب من الحمل على النسخ، وإن كان كل منهما ممكنا. (الصورة الثالثة) إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدم الخاص، فهذه أيضا على صورتين: 1 - أن يرد العام قبل وقت العمل بالخاص، فلا ينبغي الاشكال في كون الخاص مخصصا. 2 - أن يرد بعد وقت العمل بالخاص، فلا مجال لتوهم وجوب الحمل على النسخ من جهة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، لانه من باب تقديم البيان قبل وقت الحاجة، ولا قبح فيه أصلا. ومع ذلك قيل بلزوم الحمل على النسخ، ولعل نظر هذا القائل إلى أن أصالة العموم جارية، ولا مانع منها الا احتمال أن يكون الخاص المتقدم مخصصا وقرينة على العام، ولكن أيضا يحتمل أن يكون منسوخا بالعام، فلا يحرز أنه من باب القرينة. ولا شك أن الخاص المنفصل إنما يقدم على العام لانه أقوى الحجتين وقرينة عليه. ومع هذا الاحتمال لا يكون الخاص المنفصل أقوى في الظهور من العام. (قلت): الاصوب أن يحمل على التخصيص كالصورة السابقة، لما تقدم من أن العام لا يدل على أكثر من أن المراد جدي، ولا يدل في نفسه على أن الحكم واقعي تابع للمصالح الواقعية الثابتة للاشياء بعناوينها الاولية. وإنما يكون العام ناسخا للخاص إذا كانت دلالته على هذا النحو، وإلا فالعمومات الواردة في الشريعة على الاغلب ليست كذلك. وأما احتمال النسخ، فلا يقلل من ظهور الخاص في نفسه قطعا، كما لا يرفع حجيته فيما هو ظاهر فيه، فلا يخرجه عن كونه صالحا لتخصيص العام، فيقدم عليه، لانه أقوى في نفسه ظهورا.

[ 154 ]

بل يمكن أن يقال: أن العام اللاحق للخاص لا ينعقد له ظهور في العموم إلا بوديا بالنسبة إلى من لا يعلم بسبق الخاص، لجواز أن يعتمد المتكلم في بيان مراده على سبقه، فيكون المخصص السابق كالمخصص المتضل أو كالقرينة الحالية، فلا يكون العام ظاهرا في العموم حتى يتوهم أنه ظاهر في ثبوت الحكم الواقعي. (الصورتان الرابعة والخامسة) إذا كانا مجهولي التاريخ أو أحدهما فقط كان مجهولا، فإنه يعلم الحال فيهما مما تقدم، فيحمل على التخصيص بلا كلام. ولا وجه لتوهم النسخ لا سيما بعد أن رجحنا التخصيص في جميع الصور، وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

[ 155 ]

الباب السادس المطلق والمقيد

[ 157 ]

وفيه ست مسائل: المسألة الاولى - معنى المطلق والمقيد عرفوا المطلق بأنه (ما دل على معنى شائع في جنسه) ويقابله المقيد. وهذا التعريف قديم بحثوا عنه كثيرا وأحصوا عليه عدة مؤاخذات يطول شرحها. ولا فائدة في ذكرها ما دام أن الغرض من مثل هذا التعريف هو تقريب المعنى الذي وضع له اللفظ، لانه من التعاريف اللفظية. والظاهر أنه ليس للاصوليين اصطلاح خاص في لفظي المطلق والمقيد، بل هما مستعملان بما لهما من المعنى في اللغة، فإن المطلق مأخوذ من الاطلاق وهو الارسال والشيوع، ويقابله التقييد تقابل الملكة وعدمها، والملكة التقييد والاطلاق عدمها، وقد تقدم ص 66. غاية الامر أن إرسال كل شئ بحسبه وما يليق به. فإذا نسب الاطلاق والتقييد إلى اللفظ - كما هو المقصود في المقام - فإنما يراد ذلك بحسب ماله من دلالة على المعنى. فيكونان وصفين للفظ باعتبار المعنى. ومن موارد استعمال لفظ المطلق نستطيع أن نأخذ صورة تقريبية لمعناه. فمثلا عندما نعرف العلم الشخصي والمعرف بلام العهد لا يسميان مطلقين باعتبار معناهما، لانه لا شيوع ولا إرسال في شخص معين - لا ينبغي أن نظن أنه لا يجوز أن يسمى العلم الشخصي مطلقا، فإنه إذا قال الآمر: (أكرم محمدا) وعرفنا أن لمحمد أحوالا مختلفة ولم يقيد الحكم بحال من الاحوال نستطيع أن نعرف أن لفظ محمد هنا أو هذا الكلام بمجموعه يصح أن نصفه بالاطلاق بلحاظ الاحوال، وإن لم يكن له شيوع باعتبار معناه الموضوع له.

[ 158 ]

إذن للاعلام الشخصية والمعرف بلام العهد اطلاق فلا يختص المطلق بماله معنى شايع في جنسه كاسم الجنس ونحوه. وكذلك عندما نعرف أن العام لا يسمى مطلقا، فلا ينبغي أن نظن أنه لا يجوز أن يسمى مطلقا أبدا، لانا نعرف أن ذلك إنما هو بالنسبة إلى أفراده أما بالنسبة إلى أحوال أفراده غير المفردة فإنه لا مضايقة في أن نسميه مطلقا. إذن لا مانع من شمول تعريف المطلق المتقدم (وهو ما دل على معنى شايع في جنسه) للعام باعتبار أحواله، لا باعتبار أفراده. وعلى هذا فمعنى المطلق هو شيوع اللفظ وسعته باعتبار ما له من المعنى وأحواله، ولكن لا على أن يكون ذلك الشيوع مستعملا فيه اللفظ كالشيوع المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي وإلا كان الكلام عاما لا مطلقا. المسألة الثانية - الاطلاق والتقييد متلازمان أشرنا إلى التقابل بين الاطلاق والتقييد من باب تقابل الملكة وعدمها، لان الاطلاق هو عدم التقييد فيما من شأنه أن يقيد. فيتبع الاطلاق التقييد في الامكان، أي أنه إذا أمكن التقييد في الكلام وفي لسان الدليل أمكن الاطلاق ولو امتنع استحال الاطلاق. بمعنى أنه لا يمكن فرض استكشاف الاطلاق وإرادته من كلام المتكلم في مورد لا يصح التقييد. بل يكون مثل هذا الكلام لا مطلقا ولا مقيدا، وإن كان في الواقع أن المتكلم لا بد أن يريد أحدهما. وقد تقدم مثاله في بحث التوصلي والتعبدي ص 69، إذ قلنا: أن امتناع تقييد الامر بقصد الامتثال يستلزم امتناع اطلاقه بالنسبة إلى هذا القيد. وذكرنا هناك كيف يمكن استكشاف إرادة الاطلاق بإطلاق المقام لا بإطلاق الكلام الواحد. المسألة الثالثة - الاطلاق في الجمل الاطلاق لا يختص بالمفردات - كما يظهر من كلمات الاصوليين - إذ مثلوا للمطلق باسم الجنس وعلم الجنس والنكرة، بل يكون في الجمل أيضا كإطلاق صيغة أفعل الذي يقتضي استفادة الوجوب العيني والتعييني والنفسي، فإن

[ 159 ]

الاطلاق فيها إنما هو من نوع إطلاق الجملة. ومثله إطلاق الجملة الشرطية في إستفادة الانحصار في الشرط. ولكن محل البحث في المسائل الآتية خصوص الالفاظ المفردة، ولعل عدم شمول البحث عندهم للجمل باعتبار أن ليس هناك ضابط كلي لمطلقاتها وإن كان الاصح أن بحث مقدمات الحكمة يشملها. وقد بحث عن إطلاق بعض الجمل في مناسباتها كإطلاق صيغة أفعل والجملة الشرطية ونحوها. المسألة الرابعة - هل الاطلاق بالوضع ؟ لا شك في أن الاطلاق في الاعلام بالنسبة إلى الاحوال كما تقدمت الاشارة إليه - ليس بالوضع، بل إنما يستفاد من مقدمات الحكمة. وكذلك إطلاق الجمل وما شابهها - أيضا - ليس بالوضع بل بمقدمات الحكمة. وهذا لا خلاف فيه. وإنما الذي وقع فيه البحث هو أن الاطلاق في أسماء الاجناس وما شابهها هل هو بالوضع أو بمقدمات الحكمة ؟ أي أن أسماء الاجناس هل هي موضوعة لمعانيها بما هي شايعة ومرسلة على وجه يكون الارسال أي الاطلاق مأخوذا في المعنى الموضوع له اللفظ - كما نسب إلى المشهور من القدماء قبل سلطان العلماء - أو أنها موضوعة لنفس المعاني بما هي والاطلاق يستفاد من دال آخر، وهو نفس تجرد اللفظ من القيد إذا كانت مقدمات الحكمة متوفرة فيه ؟ - وهذا القول الثاني أول من صرح به فيما نعلم سلطان العلماء في حاشيته على معالم الاصول، وتبعه جميع من تأخر عنه إلى يومنا هذا. وعلى القول الاول يكون استعمال اللفظ في المقيد مجازا، وعلى القول الثاني يكون حقيقة. والحق ما ذهب إليه سلطان العلماء، بل قيل أن نسبة القول الاول إلى المشهور مشكوك فيها. ولتوضيح هذا القول وتحقيقه ينبغي بيان أمور ثلاثة

[ 160 ]

تنفع في هذا الباب وفي غير هذا الباب (1). وبها تكشف للطالب ما وقع للعلماء الاعلام من اختلاف في التعبير في الرأي والنظر. وهذه الامور التي ينبغي بيانها هي كما يلي: 1 - اعتبار الماهية: المشهور أن للماهية ثلاثة اعتبارات، إذا قيست إلى ما هو خارج عن ذاتها، ما إذا قيست الرقبة إلى الايمان عند الحكم عليها بحكم ماكوجوب العتق. وهي: 1 - ان تعتبر الماهية مشروطة بذلك الامر الخارج. وتسمى حينئذ (الماهية بشرط شئ) كما إذا كان يجب عتق الرقبة المؤمنة، أي بشرط كونها مؤمنة. 2 - ان تعتبر مشروطة بعدمه. وتسمى (الماهية بشرط لا) (2)، كما إذا كان القصر واجبا في الصلاة على المسافر غير العاصي في سفره، أي بشرط عدم كونه عاصيا لله في سفره. فاخذ عدم العصيان قيدا في موضوع الحكم. 3 - إلا تعتبر مشروطة بوجوده ولا بعدمه. وتسمى (الماهية لا بشرط)، كوجوب الصلاة على الانسان باعتبار كونه حرا مثلا، فان الحرية غير معتبرة لا بوجودها ولا بعدمها في وجوب الصلاة، لان الانسان بالنظر إلى الحرية في وجوب الصلاة عليه غير مشروط بالحرية ولا بعدمها فهو لا بشرط القياس إليها. ويسمى هذا الاعتبار الثالث (اللا بشرط القسمي) في قبال (اللا بشرط


(1) وقد اضطررنا إلى الخروج عن الطريقة التي رسمناها لانفسنا في هذا الكتاب في الاختصار. ونعتقد أن الطالب المبتدئ الذي ينتهي إلى هنا يكون على استعداد كاف لفهم هذه الابحاث. واضطررنا لهذا البحث باعتبار ماله من حاجة ماسة في فهم الطالب لكثير من الابحاث التي قد ترد عليه فيما يأتي. (2) وقد تقال (الماهية بشرط لا شئ) ويقصدون بذلك الماهية المجردة على وجه يكون كل ما يقارنها يعتبر زائدا عليها.

[ 161 ]

المقسمي) الآتي ذكره. وانما سمى قسميا لانه قسم في مقابل القسمين الاوليين أي والبشرط لا. وهذا ظاهر لا بحث فيه. * * * ثم ان لهم اصطلاحين آخرين معروفين: 1 - قولهم: (الماهية المهملة). 2 - قولهم: (الماهية لا بشرط مقسمي). أفهذان اصطلاحان وتعبيران لمدلول واحد، أو هما اصطلاحان مختلفان في المعني ؟. والذي يلجئنا إلى هذا الاستفسار ما وقع من الارتباك في التعبير عند كثير من مشايخنا الاعلام، فقد يظهر من بعضهم انهما اصطلاحان لمعنى واحد، كما هو ظاهر (كفاية الاصول) تبعا لبعض الفلاسفة الاجلاء. ولكن التحقيق لا يساعد على ذلك، بل هما اصطلاحان مختلفان. وهذا جوابنا على الاستفسار. وتوضيح ذلك: انه من المتسالم عليه الذي لا اختلاف فيه ولا اشتباه أمران: (الاول) - ان المقصود من (الماهية المهملة): الماهية من حيث هي، أي نفس الماهية بما هي مع قطع النظر عن جميع ما عداها، فيقتصر النظر على ذاتها وذاتياتها. (الثاني) - ان المقصود من الماهية (لا بشرط مقسمي): الماهية المأخوذة لا بشرط التي تكون مقسما للاعتبارات الثلاثة المتقدمة، وهي - أي الاعتبارات الثلاثة - الماهية بشرط شئ، وبشرط لا، ولا بشرط قسمي. ومن هنا سمي (مقسما). وإذا ظهر ذلك فلا يصح أن يدعي أن الماهية بما هي تكون بنفسها مقسما للاعتبارات الثلاثة. وذلك لان الماهية لا تخلو من حالتين. وهذا ان ينظر إليها بما هي هي غير مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها، وأن ينظر إليها

[ 162 ]

مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها. ولا ثالث لهما وفي الحالة الاولى تسمى (الماهية المهملة) كما هو مسلم. وفي الثانية لا يخلو حالها من أحد الاعتبارات الثلاثة. وعلى هذا فالملاحظة الاولى مباينة لجميع الاعتبارات الثلاثة وتكون قسيمة لها، فكيف يصح أن تكون مقسما لها ولا يصح أن يكون الشئ مقسما لاعتبارات نقيضه، لان الماهية من حيث هي كما اتضح معناها ملاحظتها غير مقيسة إلى الغير والاعتبارات الثلاثة ملاحظتها مقيسة إلى الغير. على ان اعتبار الماهية غير مقيسة اعتبار ذهني له وجود مستقل في الذهن، فكيف يكون مقسما لوجودات ذهنية أخرى مستقلة، والمقسم يجب ان يكون موجودا بوجود أقسامه، ولا يعقل ان يكون له وجود في مقابل وجودات الاقسام، والا كان قسيما لها لا مقسما. وعليه، فنحن نسلم أن الماهية المهملة معناها اعتبارها (لا بشرط)، ولكن ليس هو المصطلح عليه باللابشرط المقسمي فإن لهم في (لا بشرط) - على هذا - ثلاثة اصطلاحات: 1 - لا بشرط أي شئ خارج عن الماهية وذاتياتها، وهي الماهية بما هي هي التي يقتصر فيها النظر على ذاتها وذاتياتها، وهي الماهية المهملة. 2 - لا بشرط مقسمي، وهو الماهية التي تكون مقسما للاعتبارات الثلاثة أي الماهية المقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها. والمقصود بلا بشرط هنا لا بشرط شئ من الاعتبارات الثلاثة، أي لا بشرط اعتبار البشرط شئ واعتبار البشرط لا واعتبار اللابشرط، لا أن المراد بلا بشرط هنا، لا بشرط مطلقا من كل قيد وحيثية. وليس هذا اعتبار ذهنيا في قبال هذه الاعتبارات، بل ليس له وجود في عالم الذهن الا بوجود واحد من هذه الاعتبارات ولا تعين له مستقبل غير تعيناتها، والا لما كان مقسما. 3 - لا بشرط قسمي، وهو الاعتبار الثالث من اعتبارات الماهية المقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها.

[ 163 ]

فاتضح ان (الماهية المهملة) شئ و (اللابشرط المقسمي) شئ آخر. كما اتضح ايضا أن الثاني لا معنى لان يجعل من اعتبارات الماهية على وجه يثبت حكم للماهية باعتباره، أو يوضع له لفظ بحسبه. 2 - اعتبار الماهية عند الحكم عليها: واعلم ان الماهية إذا حكم عليها فأما ان يحكم بذاتياتها، واما أن يحكم عليها بأمر خارج عنها. ولا ثالث لهما. وعلى (الاول) - فهو على صورتين - 1 - أن يكون الحكم بالحمل الاولى، وذلك في الحدود التامة خاصة - 2 - أن يكون بالحمل الشايع، وذلك عند الحكم عليها ببعض ذاتياتها كالجنس وحده أو الفصل وحده. وعلى كلا الصورتين فان النظر إلى الماهية مقصور على ذاتياتها غير متجاوز فيه إلى ما هو خارج عنها. وهذا لا كلام فيه. وعلى (الثاني)، فانه لا بد من ملاحظتها مقيسة إلى ما هو خارج عنها فتخرج بذلك عن مقام ذاتها وحدها من حيث هي، أي عن تقررها الذاتي الذي لا ينظر فيه الا إلى ذاتها وذاتياتها. وهذا واضح لان قطع النظر عن كل ما عداها لا يجتمع مع الحكم عليها بأمر خارج عن ذاتها، لانهما متناقضان. وعليه لو حكم عليها بأمر خارج عنها وقد لوحظت مقيسة إلى هذا الغير، فلا بد أن تكون معتبرة باحد الاعتبارات الثلاثة المتقدمة، إذ يستحيل أن يخلو الواقع من أحدها - كما تقدم -. ولا معنى لاعتبارها باللابشرط المقسمي، لما تقدم أنه ليس هو تعينا مستقلا في قبال تلك التعينات، بل هو مقسم لها. ثم ان هذا الغير - أي الامر الخارج عن ذاتها - الذي لوحظت الماهية مقيسة إليه لا يخلو اما ان يكون نفس المحمول أو شيئا آخر، فان كان هو المحمول فيتعين أن تؤخذ الماهية بالقياس إليه لا بشرط قسمي، لعدم صحة الاعتبارين الآخرين: اما اخذها بشرط شئ، أي بشرط المحمول، فلا يصح ذلك دائما لانه

[ 164 ]

يلزم أن تكون القضية ضرورية دائما لاستحالة انفكاك المحمول عن الموضوع بشرط المحمول. على ان اخذ المحمول في الموضوع يلزم منه حمل الشئ على نفسه وتقدمه على نفسه، وهو مستحيل الا إذا كان هناك تغاير بحسب الاعتبار كحمل الحيوان الناطق على الانسان فانهما متغايران باعتبار الاجمال والتفصيل. وأما أخذها بشرط لا، أي بشرط عدم المحمول، فلا يصح لانه يلزم التناقض، فان الانسان بشرط عدم الكتابة يستحيل حمل الكتابة عليه. وان كان هذا الغير الخارج هو غير المحمول، فيجوز ان تكون الماهية حينئذ مأخوذة بالقياس إليه بشرط شئ كجواز تقليد المجتهد بشرط العدالة، أو بشرط لا، كوجوب صلاة الظهر يوم الجمعة بشرط عدم وجود الامام، أو لا بشرط، كجواز السلام على المؤمن مطلقا بالقياس إلى العدالة مثلا، أي لا بشرط وجودها ولا بشرط عدمها. كما يجوز أن تكون مهملة غير مقيسة إلى شئ غير محمولها. * * * ولكن قد يستشكل في كل ذلك بان هذه الاعتبارات الثلاثة اعتبارات ذهنية، لا موطن لها الا الذهن، فلو تقيدت الماهية باحدها عندما تؤخذ موضوعا للحكم، للزم ان تكون جميع القضايا ذهنية عدا حمل الذاتيات التي قد اعتبرت فيها الماهية من حيث هي، ولبطلت القضايا الخارجية، والحقيقية، مع انها عمدة القضايا، بل لاستحال في التكاليف الامتثال، لان ما هو موطنه الذهن يمتنع ايجادة في الخارج. وهذا الاشكال وجيه لو كان الحكم على الموضوع بما هو معتبر باحد الاعتبارات الثلاثة على وجه يكون الاعتبار قيدا في الموضوع أو نفسه هو الموضوع. ولكن ليس الامر كذلك، فان الموضوع في كل تلك القضايا هو ذات الماهية المعتبرة ولكن لا بقيد الاعتبار، بمعنى أن الموضوع في بشرط شئ الماهية المقترية بذلك الشئ، لا المقترنة بلحاظه واعتباره، وفي بشرط لا الماهية المقترنة بعدمه لا بلحاظ عدمه، وفي لا بشرط الماهية غير الملاحظ معها الشئ

[ 165 ]

ولا عدمه، لا الملاحظة بعدم لحاظ الشئ وعدمه، والا لكانت الماهية معتبرة في الجميع بشرط شئ فقط أي بشرط اللحاظ والاعتبار. نعم هذه الاعتبارات هي المصححة لموضوعية الموضوع على الوجه اللازم الذي يقتضيه واقع الحكم، لا أنها مأخوذة قيدا فيه حتى تكون جميع القضايا ذهنية. ولو الامر كذلك لكان الحكم بالذاتيات أيضا قضية ذهنية لان اعتبار الماهية من حيث هي ايضا اعتبار ذهني. ومما يقرب ما قلناه من كون الاعتبار مصطلحا لموضوعية الموضوع لا مأخوذا فيه مع انه لا بد منه عند الحكم بشئ، ان كل موضوع ومحمول لا بد من تصوره في مقام الحمل والا لاستحال الحمل، ولكن هذه اللابدية لا تجعل التصور قيدا للموضوع أو المحمول، وانما التصور هو المصحح للحمل وبدونه لا يمكن الحمل. وكذلك عند استعمال اللفظ في معناه، لا بد من تصور اللفظ والمعنى ولكن التصور ليس قيدا للفظ، ولا للمعنى، فليس اللفظ دالا بما هو متصور في الذهن وان كانت دلالته في ظرف التصور، ولا المعنى مدلولا بما هو متصور، وان كانت مدلوليته في ظرف تصوره. ويستحيل أن يكون التصور قيدا للفظ أو المعنى، ومع ذلك لا يصح الاستعمال بدونه، فالتصور مقوم للاستعمال لا للمستعمل فيه ولا للفظ. وكذلك هو مقوم للحمل ومصحح له، لا للمحمول، ولا للمحمول عليه. وعلى هذا يتضح ما نحن بصدد بيانه، وهو انه إذا أردنا أن نضع اللفظ للمعنى لا يعقل ان نفصر اللحاظ على ذات المعنى بما هو هو مع قطع النظر عن كل ما عداه، لان الوضع من المحمولات الواردة عليه، فلا بد أن يلاحظ المعنى حينئذ مقيسا إلى ما هو خارج عن ذاته، فقد يؤخذ بشرط شيئ وقد يؤخذ بشرط لا وقد يؤخذ لا بشرط. ولا يلزم أن يكون الموضوع له هو المعنى بماله من الاعتبار الذهني، بل الموضوع له نفس المعتبر وذاته لا بما هو معتبر، والاعتبار مصحح للوضع.

[ 166 ]

3 - الاقوال في المسألة: قلنا فيما سبق: ان المعروف عن قدماء الاصحاب أنهم يقولون بأن اسماء الاجناس موضوعة للمعاني المطلقة، على وجه يكون الاطلاق قيدا للموضوع له، فلذلك ذهبوا إلى ان استعماله في المقيد مجاز، وقد صور هذا القول على نحوين: (الاول) - ان الموضوع له المعنى بشرط الاطلاق على وجه يكون اعتباره من باب اعتباره بشرط شئ. (الثاني) - ان الموضوع له المعنى المطلق أي المعتبر لا بشرط. وقد أورد على هذا القول بتصويريه - كما تقدم - بانه يلزم على كلا التصويرين ان يكون الموضوع له موجودا ذهنيا، فتكون جميع القضايا ذهنية، فلو جعل اللفظ بماله من معناه موضوعا في القضية الخارجية أو الحقيقية وجب تجريده عن هذا القيد الذهني، فيكون مجازا دائما في القضايا المتعارفة. وهذا يكذبه الواقع. ولكن نحن قلنا: ان هذا الايراد انما يتوجه إذا جعل الاعتبار قيدا في الموضوع له. اما لو جعل الاعتبار مصححا للوضع فلا يلزم هذا الايراد كما سبق. هذا قول القدماء، واما المتأخرون ابتداءا من سلطان العلماء (رحمه الله) فانهم جميعا اتفقوا على أن الموضوع له ذات المعنى لا المعنى المطلق حتى لا يكون استعمال اللفظ في المقيد مجازا. وهذا القول بهذا المقدار من البيان واضح. ولكن العلماء من اساتذتنا اختلفوا في تأدية هذا المعنى بالعبارات الفنية مما اوجب الارتباك على الباحث واغلاق طريق البحث في المسألة. لذلك التجأنا إلى تقديم المقدمتين السابقتين لتوضيح هذه الاصطلاحات والتعبيرات الفنية التي وقعت في عباراتهم. واختلفوا فيها على أقوال. 1 - منهم من قال: ان الموضوع له هو الماهية المهملة المبهمة أي الماهية من حيث هي.

[ 167 ]

2 - ومنهم من قال: ان الموضوع له الماهية المعتبرة باللابشرط المقسمي 3 - ومنهم من جعل التعبير الاول نفس التعبير الثاني. 4 - ومنهم من قال: ان الموضوع له ذات المعنى لا الماهية المهملة ولا الماهية المعتبرة باللابشرط المقسمي، ولكنه ملاحظ حين الوضع باعتبار (اللابشرط القسمي) على أن يكون هذا الاعتبار مصححا للموضوع لا قيدا للموضوع له. وعليه يكون هذا القول نفس قول القدماء على التصوير الثاني الا أنه لا يلزم منه أن يكون استعمال اللفظ في المقيد مجازا. ولكن المنسوب إلى القدماء انهم يقولون: بانه مجاز في المقيد فينحصر قولهم في التصوير الاول على تقدير صحة النسبة إليهم. ويتضح حال هذه التعبيرات أو الاقوال من المقدمتين السابقتين فانه يعرف منهما: (اولا) ان الماهية بما هي هي غير الماهية باعتبار اللابشرط المقسمي، لان النظر فيها على الاول مقصور على ذاتها وذاتياتها، بخلافه على الثاني إذ تلاحظ مقيسة إلى الغير. وبهذا يظهر بطلان القول الثالث. (ثانيا) ان الوضع حكم من الاحكام، وهو محمول على الماهية خارج عن ذاتها وذاتياتها، فلا يعقل ان يلاحظ الموضوع له بنحو الماهية بما هي هي، لانه لا تجتمع ملاحظتها مقيسة إلى الغير وملاحظتها مقصورة على ذاتها وذاتياتها. وبهذا يظهر بطلان القول الاول. (ثالثا) ان اللابشرط المقسمي ليس اعتبارا مستقلا في قبال الاعتبارات الثلاثة، لان المفروض أنه مقسم لها، ولا تحقق للمقسم الا بتحقق أحد انواعه كما تقدم، فكيف يتصور أن يحكم باعتبار اللابشرط المقسمي بل لا معنى لهذا على ما تقدم توضيحه. وبهذا يظهر بطلان القول الثاني. فتعين القول الرابع، وهو أن الموضوع له ذات المعنى ولكنه حين الوضع يلاحظ المعنى بنحو اللابشرط القسمي. وهو يطابق القول المنسوب إلى القدماء على التصوير الثاني كما اشرنا إليه، فلا اختلاف، ويقع التصالح بين القدماء

[ 168 ]

والمتأخرين إذا لم يثبت عن القدماء انهم يقولون انه مجاز في المقيد، وهو مشكوك فيه. بيان هذا القول الرابع: ان ذات المعنى لما أراد الواضع أن يحكم عليه بوضع لفظ له، فمعناه انه قد لاحظه مقيسا إلى الغير، فهو في هذا الحال لا يخرج عن كونه معتبرا بأحد الاعتبارات الثلاثة للماهية. واذ يراد تسرية الوضع لذات المعنى بجميع اطواره وحالاته وقيوده لا بد ان يعتبر على نحو اللابشرط القسمي. ولا منافاة بين كون الموضوع له ذات المعنى، وبين كون ذات المعنى ملحوظا في مرحلة الوضع بنحو اللابشرط القسمي لان هذا اللحاظ والاعتبار الذهني - كما تقدم - صرف طريق إلى الحكم على ذات المعنى وهو المصحح للموضوع له. وحين الاستعمال في ذات المعنى لا يجب أن يكون المعنى ملحوظا بنحو اللابشرط القسمي، بل يجوز أن يعتبر بأي اعتبار كان ما دام الموضوع له ذات المعنى فيجوز في مرحلة الاستعمال أن يقصر النظر على نفسه ويلحظه بما هو هو، ويجوز أن يلحظه مقيسا إلى الغير فيعتبر بأحد الاعتبارات الثلاثة. وملاحظة ذات المعنى بنحو اللابشرط القسمى حين الوضع تصحيحا له لا توجب ان تكون قيدا للموضوع له. وعليه فلا يكون الموضوع له موجودا ذهنيا، إذا كان له اعتبار اللابشرط القسمي حين الوضع، لانه ليس الموضوع له هو المعتبر بما هو معتبر، بل ذات المعتبر، كما أن استعماله في المقيد لا يكون مجازا لما تقدم انه يجوز ان يلحظ ذات المعنى حين الاستعمال مفيسا إلى الغير، فيعتبر باحد الاعتبارات الثلاثة التي منها اعتباره بشرط شئ وهو المقيد. المسألة الخامسة - مقدمات الحكمة لما ثبت ان الالفاظ موضوعة لذات المعاني، لا للمعاني بما هي مطلقة، فلا بد في اثبات ان المقصود من اللفظ المطلق لتسرية الحكم إلى تمام الافراد والمصاديق من قرينة خاصة، أو قرينة عامة تجعل الكلام في نفسه ظاهرا في اراد الاطلاق.

[ 169 ]

وهذه القرينة العامة انما تحصل إذا توفرت جملة مقدمات تسمى (مقدمات الحكمة). والمعروف انها ثلاث. (الاولى) - امكان الاطلاق والتقييد بان يكون متعلق الحكم أو موضوعه قبل فرض تعلق الحكم به قابلا للانقسام، فلو لم يكن قابلا للقسمة الا بعد فرض تعلق الحكم به كما في باب قصد القربة، فانه يستحيل فيه التقييد، فيستحيل فيه الاطلاق، كما تقدم في بحث التعبدي والتوصلي.. وهذا واضح. (الثانية) - عدم نصب قرينة على التقييد لا متصلة، ولا منفصلة، لانه مع القرينة المتصلة لا ينعقد ظهور للكلام الا في المقيد، ومع المنفصلة ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق، ولكنه يسقط عن الحجية لقيام القرينة المقدمة عليه والحاكمة، فيكون ظهوره ظهورا بدويا، كما قلنا في تخصيص العموم بالخاص المنفصل، ولا تكون للمطلق الدلالة التصديقية الكاشفة عن مراد المتكلم، بل الدلالة التصديقية انما هي على ارادة التقييد واقعا. (الثالثة) - ان يكون المتكلم في مقام البيان، فانه لو لم يكن في هذا المقام بأن كان في مقام التشريع فقط أو كان في مقام الاهمال اما راسا أو لانه في صدد بيان حكم آخر، فيكون في مقام الاهمال من جهة مورد الاطلاق - وسيأتي مثاله - فانه في كل ذلك لا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق: اما في مقام التشريع بان كان في مقام بيان الحكم لا للعمل به فعلا بل لمجرد تشريعه، فيجوز ألا يبين تمام مراده، مع أن الحكم في الواقع مقيد بقيد لم يذكره في بيانه انتظارا لمجئ وقت العمل فلا يحرز ان المتكلم في صدد بيان جميع مراده. وكذلك إذا كان المتكلم في مقام الاهمال رأسا، فأنه لا ينعقد معه ظهور في الاطلاق، كما لا ينعقد للكلام ظهور في أي مرام. ومثله ما إذا كان في صدد حكم آخر مثل قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن) الوارد في مقام بيان حل صيد الكلاب المعلمة من جهة كونه ميتة، وليس هو في مقام بيان مواضع الامساك انها تتنجس فيجب تطهيرها أم لا، فلم يكن هو في مقام بيان هذه الجهة، فلا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق من هذه الجهة.

[ 170 ]

ولو شك في أن المتكلم في مقام البيان أو الاهمال، فان الاصل العقلائي يقتضي بأن يكون في مقام البيان، فان العقلاء كما يحملون المتكلم على أنه ملتفت غير غافل وجاد غير هازل عند الشك في ذلك، كذلك يحملونه على انه في مقام البيان والتفهيم، لا في مقام الاهمال والايهام. * * * وإذا تمت هذه المقدمات الثلاث فان الكلام المجرد عن القيد يكون ظاهرا في الاطلاق، وكاشفا عن أن المتكلم لا يريد المقيد، والا لو كان قد أراده واقعا، لكان عليه البيان، والمفروض انه حكيم ملتفت جاد غير هازل، وهو في مقام البيان، ولا مانع من التقييد حسب الفرض. وإذا لم يبين ولم يقيد كلامه فيعلم أنه أراد الاطلاق والا لكان مخلا بغرضه. فاتضح من ذلك أن كل كلام صالح للتقييد ولم يقيده المتكلم مع كونه حكيما ملتفتا جادا وفي مقام البيان والتفهيم، فانه يكون ظاهرا في الاطلاق ويكون حجة على المتكلم والسامع. تنبيهان القدر المتيقن في مقام التخاطب: (الاول) ان الشيخ المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) أضاف إلى مقدمات الحكمة مقدمة اخرى غير ما تقدم، وهي ألا يكون هناك قدر متيقن في مقام التخاطب والمحاورة، وان كان لا يضر وجود القدر المتيقن خارجا في التمسك بالاطلاق. ومرجع ذلك إلى ان وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة يكون بمنزلة القرينة اللفظية على التقييد، فلا ينعقد للفظ ظهور في الاطلاق مع فرض وجوده. ولتوضيح البحث نقول: ان كون المتكلم في مقام البيان يتصور على نحوين: 1 - أن يكون المتكلم في صدد بيان تمام موضوع حكمه، بأن يكون غرض المتكلم

[ 171 ]

يوقف على أن يبين للمخاطب ويفهمه ما هو تمام الموضوع وان ما ذكره هو تمام موضوعه لا غيره. 2 - أن يكون المتكلم في صدد بيان تمام موضوع الحكم واقعا، ولو لم يفهم المخاطب أنه تمام الموضوع، فليس له غرض الا بيان ذات موضوع الحكم بتمامه حتى يحصل من المكلف الامتثال وان لم يفهم المكلف تفصيل الموضوع بحدوده. فان كان المتكلم في مقام البيان على (النحو الاول)، فلا شك في ان وجود القدر المتيقن في مقام المحاورة لا يضر في ظهور المطلق في اطلاقه فيجوز التمسك بالاطلاق، لانه لو كان القدر المتيقن المفروض هو تمام الموضوع لوجب بيانه، وترك البيان اتكالا على وجود القدر المتيقن اخلال بالغرض لانه لا يكون مجرد ذلك بيانا لكونه تمام الموضوع. وان كان المتكلم في مقام البيان على (النحو الثاني)، فانه يجوز أن يكتفي بوجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لبيان تمام موضوعه واقعا، مادام أنه ليس له غرض الا ان يفهم المخاطب ذات الموضوع بتمامه لا بوصف التمام أي أن يفهم ما هو تمام الموضوع بالحمل الشائع. وبذلك يحصل التبليغ للمكلف ويمتثل في الموضوع الواقعي، لانه هو المفهوم عنده في مقام المحاورة ولا يجب في مقام الامتثال أن يفهم ان الذي فعله هو تمام الموضوع أو الموضوع اعم منه ومن غيره. (مثلا): لو قال المولى (اشتر اللحم)، وكان القدر المتيقن في مقام المحاورة هو لحم الغنم، وكان هو تمام موضوعه واقعا، فان وجود هذا القدر المتيقن كاف لانبعاث المكلف وشرائه للحم الغنم، فيحصل موضوع حكم المولى، فلو ان المولى ليس له غرض اكثر من تحقيق موضوع حكمه، فيجوز له الاعتماد على القدر المتيقن لتحقيق غرضه ولبيانه، ولا يحتاج إلى أن يبين أنه تمام الموضوع اما لو كان غرضه اكثر من ذلك بان كان غرضه أن يفهم المكلف تحديد الموضوع بتمامه، فلا يجوز له الاعتماد على القدر المتيقن، والا لكان مخلا بغرضه، فإذا لم يبين واطلق الكلام، استكشف ان تمام موضوعه هو المطلق الشامل للقدر المتيقن وغيره.

[ 172 ]

إذا عرفت هذا التقدير فينبغي ان نبحث عما ينبغي للآمر أن يكون بصدد بيانه، هل انه على النحو الاول أو الثاني ؟ والذي يظهر من الشيخ صاحب الكفاية أنه لا ينبغي من الآمر أكثر من النحو الثاني، نظرا إلى أنه إذا كان بصدد بيان موضوع حكمه حقيقة كفاه ذلك لتحصيل مطلوبه وهو الامتثال. ولا يجب عليه مع ذلك بيان أنه تمام الموضوع. نعم إذا كان هناك قدر متيقن في مقام المحاورة وكان تمام الموضوع هو المطلق فقد يظن المكلف ان القدر المتيقن هو تمام الموضوع وان المولى أطلق كلامه اعتمادا على وجوده - فان المولى دفعا لهذا الوهم يجب عليه ان يبين ان المطلق هو تمام موضوعه، والا كان مخلا بغرضه. ومن هذا ينتج انه إذا كان هناك قدر متيقن في مقام المحاورة وأطلق المولى ولم يبين أنه تمام الموضوع، فانه يعرف منه أن موضوعه هو القدر المتيقن. هذا خلاصة ما ذهب إليه في الكفاية مع تحقيقة وتوضيحه. ولكن شيخنا النائيني رحمه الله على ما يظهر من التقريرات لم يرتضه، والاقرب إلى الصحة ما في الكفاية. ولا نطيل بذكر هذه المناقشة والجواب عنها. الانصراف: (التنبيه الثاني) - اشتهر أن انصراف الذهن من اللفظ إلى بعض مصاديق معناه أو بعض أصنافه يمنع من التمسك بالاطلاق، وان تمت مقدمات الحكمة، مثل انصراف المسح في آيتي التيمم والوضوء إلى المسح باليد وبباطنها خاصة. والحق أن يقال: ان انصراف الذهن ان كان ناشئا من ظهور اللفظ في المقيد بمعنى أن نفس اللفظ ينصرف منه المقيد لكثرة استعماله فيه وشيوع ارادته منه - فلا شك في انه حينئذ لا مجال للتمسك بالاطلاق، لان هذا الظهور يجعل اللفظ بمنزلة المقيد بالتقييد اللفظي، ومعه لا ينعقد للكلام ظهور في الاطلاق حتى يتمسك بأصالة الاطلاق التي هي مرجعها في الحقيقة إلى اصالة الظهور.

[ 173 ]

واما إذا كان الانصراف غير ناشئ من اللفظ، بل كان من سبب خارجي، كغلبة وجود الفرد المنصرف إليه أو تعارف الممارسة الخارجية له، فيكون مألوفا قريبا إلى الذهن من دون ان يكون للفظ تأثير في هذا الانصراف، كانصراف الذهن من لفظ الماء في العراق - مثلا - إلى ماء دجلة أو الفرات فالحق أنه لا أثر لهذا الانصراف في ظهور اللفظ في اطلاقه فلا يمنع من التمسك باصالة الاطلاق، لان هذا الانصراف قد يجتمع مع القطع بعدم ارادة المقيد بخصوصه من اللفظ. ولذا يسمى هذا الانصراف باسم (الانصراف البدوي) لزواله عند التأمل ومراجعة الذهن. وهذا كله واضح لا ريب فيه. وانما الشأن في تشخيص الانصراف أنه من أي النحوين، فقد يصعب التمييز احيانا بينهما للاختلاط على الانسان في منشأ هذا الانصراف. وما أسهل دعوى الانصراف على لسان غير المتثبت، وقد لا يسهل اقامة الدليل على أنه من أي نوع. فعلى الفقيه أن يتثبت في مواضع دعوى الانصراف، وهو يحتاج إلى ذوق عال وسليقة مستقيمة. وقلما تخلو آية كريمة أو حديث شريف في مسألة فقهية عن انصرافات تدعى. وهنا تظهر قيمة التضلع باللغة وفقهها وآدابها. وهو باب يكثر الابتلاء به وله الاثر الكبير في استنباط الاحكام من ادلتها. ألا ترى أن المسح في الآيتين ينصرف إلى المسح باليد، وكون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ لا شك فيه، وينصرف أيضا إلى المسح بخصوص باطن اليد. ولكن قد يشك في كون هذا الانصراف مستندا إلى اللفظ، فانه غير بعيد أنه ناشئ من تعارف المسح بباطن اليد لسهولته، ولانه مقتضى طبع الانسان في مسحه، وليس له علاقة باللفظ. ولذا أن جملة من الفقهاء أفتوا بجواز المسح بظهر اليد عند تعذر المسح بباطنها تمسكا باطلاق الآية، ولا معنى للتمسك بالاطلاق لو كان للفظ ظهور في المقيد. وأما عدم تجويزهم للمسح بظاهر اليد عند الاختيار فلعله للاحتياط، إذ ان المسح بالباطن هو القدر المتيقن، والمفروض حصول الشك في كون هذا الانصراف بدويا فلا يطمأن كل الاطمئنان بالتمسك بالاطلاق عند الاختيار، وطريق النجاة هو الاحتياط بالمسح بالباطن.

[ 174 ]

المسألة السادسة - المطلق والمقيد المتنافيان معنى التنافي بين المطلق والمقيد: أن التكليف في المطلق لا يجتمع والتكليف في المقيد مع فرض الحافظة على ظهورهما معا، أي انهما يتكاذبان في ظهورهما. مثل قول الطبيب مثلا: اشرب لبنا، ثم يقول: اشرب لبنا حلوا، وظاهر الثاني تعيين شرب الحلو منه. وظاهر الاول جواز شرب غير الحلو حسب اطلاقه. وانما يتحقق التنافي بين المطلق والمقيد إذا كان التكليف فيهما واحدا كالمثال المتقدم، فلا يتنافيان لو كان التكليف في أحدهما معلقا على شئ وفي الآخر معلقا على شئ آخر، كما إذا قال الطبيب في المثال: إذا أكلت فاشرب لبنا، وعند الاستيقاظ من النوم اشرب لبنا حلوا. وكذلك لا يتنافيان لو كان التكليف في المطلق الزاميا، وفي المقيد على نحو الاستحباب ففي المثال لو وجب اصل شرب اللبن، فانه لا ينافيه رجحان الحلو منه باعتباره احد افراد الواجب. وكذا لا يتنافيان لو فهم من التكليف في المقيد انه تكليف في وجود ثان غير المطلوب من التكليف الاول، كما إذا فهم في المقيد في المثال طلب شرب اللبن الحلو ثانيا بعد شرب لبن ما. إذا فهمت ما سقناه لك من معنى التنافي، فنقول: لو ورد في لسان الشارع مطلق ومقيد متنافيان سواء تقدم أو تأخر، وسواء كان مجئ المتأخر بعد وقت العمل بالمتقدم أو قبله، فانه لا بد من الجمع بينهما أما بالتصرف في ظهور المطلق فيحمل على المقيد، أو بالتصرف في المقيد على وجه لا ينافي الاطلاق، فيبقى ظهور المطلق على حاله. وينبغي البحث هنا في انه اي التصرفين أولى بالاخذ، فنقول: هذا يختلف باختلاف الصور فيهما، فان المطلق والمقيد اما أن يكونا مختلفين في الاثبات أو النفي، واما ان يكونا متفقين. (الاول) - ان يكونا مختلفين، فلا شك حينئذ في حمل المطلق على المقيد، لان المقيد يكون قرينة على المطلق، فإذا قال: اشرب اللبن، ثم قال: لا

[ 175 ]

تشرب اللبن الحامض، فانه يفهم منه ان المطلوب هو شرب اللبن الحلو. وهذا لا يفرق فيه بين ان يكون اطلاق المطلق بدليا، نحو قوله: اعتق رقبة، وبين ان يكون شموليا مثل قوله: في الغنم زكاة، المقيد بقوله: ليس في الغنم المعلوفة زكاة. (الثاني) - ان يكونا متفقين، وله مقامان: المقام الاول ان يكون الاطلاق بدليا، والمقام الثاني أن يكون شموليا. فان كان الاطلاق (بدليا) فان الامر فيه يدور بين التصرف في ظاهر المطلق بحمله على المقيد، وبين التصرف في ظاهر المقيد، والمعروف ان التصرف الاول هو الاولى، لانه لو كانا مثبتين مثل قوله: اعتق رقبة مؤمنة فان المقيد ظاهر في أن الامر فيه للوجوب التعييني، فالتصرف فيه اما بحمله على الاستحباب، اي ان الامر بعتق الرقبة المؤمنة بخصوصها باعتبار انها أفضل الافراد، أو بحمله على الوجوب التخييري أي ان الامر يعتق الرقبة المؤمنة باعتبار أنها أحد افراد الواجب، لا لخصوصية فيها حتى خصوصية الافضلية. وهذان التصرفان وان كانا ممكنين، لكن ظهور المقيد في الوجوب التعييني مقدم على ظهور المطلق في اطلاقه، لان المقيد صالح لان يكون قرينة للمطلق، ولعل المتكلم اعتمد عليه في بيان مرامه، ولو في وقت آخر لا سيما مع احتمال ان المطلق الوارد كان محفوفا بقرينة متصلة غابت عنا، فيكون المقيد كاشفا عنها. وان كان الاطلاق (شموليا) مثل قوله: في الغنم زكاة، وقوله: في الغنم السائمة زكاة، فلا تتحقق المنافاة بينهما حتى يجب التصرف في احدهما لان وجوب الزكاة في الغنم السائمة بمقتضى الجملة الثانية لا ينافي وجوب الزكاة في غير السائمة، الا على القول بدلالة التوصيف على المفهوم وقد عرفت أنه لا مفهوم للوصف. وعليه فلا منافاة بين الجملتين لنرفع بها عن اطلاق المطلق.

[ 177 ]

الباب السابع المجمل والمبين

[ 179 ]

وفيه مسائل: 1 - معنى المجمل والمبين عرفوا المجمل اصطلاحا: (بانه ما لم تتضح دلالته)، ويقابله المبين. وقد ناقشوا هذا التعريف بوجوده لا طائل في ذكرها والمقصود من المجمل - على كل حال - ما جهل فيه مراد المتكلم ومقصوده إذا كان لفظا وما جهل فيه مراد الفاعل ومقصوده إذا كان فعلا ومرجع ذلك إلى ان المجمل هو اللفظ أو الفعل الذي لا ظاهر له. وعليه يكون المبين ما كان له ظاهر يدل على مقصود قائله أو فاعله على وجه الظن أو اليقين، فالمبين يشمل الظاهر والنص معا. ومن هذا البيان نعرف ان المجمل يشمل اللفظ والفعل اصطلاحا، وان قيل ان المجمل مختص بالالفاظ، ومن باب التسامح يطلق على الفعل. ومعنى كون الفعل مجملا ان يجهل وجه وقوعه، كما لو توضأ الامام عليه السلام - مثلا - بحضور واحد منه أو يحتمل انه يتقيه، فيحتمل ان وضوءه وقع على وجه التقية، فلا يستكشف مشروعية الوضوء على الكيفية التي وقع عليها، ويحتمل انه وقع على وجه الامتثال للامر الواقعي فيستكشف منه مشروعيته. ومثل ما إذا فعل الامام شيئا في الصلاة كجلسة الاستراحة - مثلا - فلا يدري ان فعله كان على وجه الوجوب أو الاستحباب، فمن هذه الناحية يكون مجملا، وان كان من ناحية دلالته على جواز الفعل في مقابل الحرمة يكون مبينا. واما اللفظ فاجماله يكون لاسباب كثيرة قد يتعذر احصاؤها (1): فإذا كان


(1) راجع بحث المغالطات اللفظية من الجزء الثالث من كتاب المنطق للمؤلف 143 تجد ما يعينك على احصاء اسباب إجمال اللفظ. (*)

[ 180 ]

مفردا فقد يكون اجماله لكونه لفظا مشتركا ولا قرينة على أحد معانيه كلفظ (عين)، وكلمة (تضرب) المشتركة بين المخاطب والغائبة و (المختار) المشترك بين اسم الفاعل واسم المفعول. وقد يكون اجماله لكونه مجازا، أو لعدم معرفة عود الضمير فيه الذي هو من نوع (مغالطة المماراة)، مثل قول القائل لما سئل عن فضل اصحاب النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (من بنته في بيته) وكقول عقيل:: (أمرني معاوية أن أسب عليا. ألا فالعنوه !). وقد يكون الاجمال لاختلال التركيب كقوله: وما مثله في الناس الا مملكا * أبو أمه حي ابوه يقاربه وقد يكون الاجمال لوجود ما يصلح للقرينة، كقوله: تعالى: (محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار..) الآية، فان هذا الوصف في الآية يدل على عدالة جميع من كان مع النبي من اصحابه، الا أن ذيل الآية (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما) صالح لان يكون قرينة على أن المراد بجملة (والذين معه) بعضهم لا جميعهم فتصبح الآية مجملة من هذه الجهة. وقد يكون الاجمال لكون المتكلم في مقام الاهمال والاجمال. إلى غير ذلك من موارد الاجمال مما لا فائدة كبيرة في احصائه وتعداده هنا. ثم اللفظ قد يكون مجملا عند شخص، مبينا عند شخص آخر. ثم (المبين) قد يكون في نفسه مبينا، وقد يكون مبينا بكلام آخر يوضح المقصود منه. 2 - المواضع التي وقع الشك في اجمالها لكل من المجمل والمبين امثله من الآيات والروايات والكلام العربي لا حصر لها، ولا تخفى على العارف بالكلام. الا ان بعض المواضع قد وقع الشك في كونها مجملة أو مبينة، والمتعارف عند الاصوليين أن يذكروا بعض الامثلة من ذلك لشحذ الذهن والتمرين، ونحن نذكر بعضها اتباعا لهم ولا

[ 181 ]

تخلو من فائدة للطلاب المبتدئين. (فمنها) قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). فقد ذهب جماعة إلى ان هذه الآية من المجمل المتشابه، اما من جهه لفظ (القطع) باعتبار انه يطلق على الابانة ويطلق على الجرح كما يقال لمن جرح يده بالسكين قطعها، كما يقال لمن أبانها كذلك. واما من جهة لفظ (اليد) باعتبار ان (اليد) تطلق على العضو المعروف كله، وعلى المكلف إلى أصول الاصابع، وعلى العضو إلى الزند، والى المرفق، فيقال مثلا: تناولت بيدي، وانما تناول بالكف بل بالانامل فقط. والحق انها من ناحية لفظ (القطع) ليست مجملة، لان المتبادر من لفظ القطع هو الابانة والفصل، وإذا اطلق على الجرح فباعتبار أنه ابان قسما من اليد، فتكون المسامحة في لفظ اليد عند وجود القرينة، لا أن القطع استعمل في مفهوم الجرح. فيكون المراد في المثال من اليد بعضها، كما تقول تناولت بيدي وفي الحقيقة انما تناولت ببعضها. واما من ناحية (اليد)، فان الظاهر أن اللفظ لو خلي ونفسه يستفاد منه ارادة تمام العضو المخصوص، ولكنه غير مراد يقينا في الآية، فيتردد بين المراتب العديدة من الاصابع إلى المرفق، لانه بعد فرض عدم ارادة تمام العضو لم تكن ظاهرة في واحدة من هذه المراتب. فتكون الآية مجملة في نفسها من هذه الناحية، وان كانت مبينة بالاحاديث عن آل البيت عليهم السلام الكاشفة عن ارادة القطع من أصول الاصابع. * * * ومنها قوله صلى الله عليه وآله: (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب) وأمثاله من المركبات التي تشتمل على كلمة (لا) التي لنفي الجنس نحو (لا صلاة الا بطهور) و (لا بيع الا في ملك) و (لا صلاة لمن جاره المسجد الا في المسجد) و (لا غيبة لفاسق) و (لا جماعة في نافلة) ونحو ذلك. فان النفي في مثل هذه المركبات موجه ظاهرا لنفس الماهية والحقيقة وقالوا: ان ارادة نفي الماهية متعذر فيها، فلا بد أن يقدر - بطريق المجاز - وصف للماهية هو المنفي حقيقة، نحو: الصحة، والكمال، والفضيلة،

[ 182 ]

والفائدة، ونحو ذلك. ولما كان المجاز مرددا بين عدة معان كان الكلام مجملا، ولا قرينة في نفس اللفظ تعين واحدا منها، فان نفي الصحة ليس بأولى من نفي الكمال أو الفضيلة، ولا نفي الكمال بأولى نفي الفائدة.. وهكذا. وأجاب بعضهم: بان هذا انما يتم إذا كانت ألفاظ العبادات والمعاملات موضوعة للاعم فلا يمكن فيها نفي الحقيقة. وأما إذا قلنا بالوضع للصحيح فلا يتعذر نفي الحقيقة، بل هو المتعين على الاكثر، فلا اجمال. وأما في غير الالفاظ الشرعية مثل قولهم (لا علم الا بعمل) فمع عدم القرينة يكون اللفظ مجملا إذ يتعذر نفي الحقيقة. أقوال: والصحيح في توجيه البحث ان يقال: ان (لا) في هذه المركبات لنفي الجنس، فهي تحتاج إلى اسم وخبر على حسب ما تقتضيه القواعد النحوية. ولكن الخبر محذوف حتى في مثل (لا غيبة لفاسق) فان (لفاسق) ظرف مستقر متعلق بالخبر المحذوف. وهذا الخبر المحذوف لا بد له من قرينة، سواء كان كلمة موجود أو صحيح أو مفيد أو كامل أو نافع أو نحوها. وليس هو مجازا في واحد من هذه الامور التي يصح تقديرها. والقصد أنه سواء كان المراد نفي الحقيقة أو نفي الصحة ونحوها فانه لا بد من تقدير خبر محذوف بقرينة. وانما يكون مجملا إذا تجرد عن القرينة. ولكن الظاهر أن القرينة حاصلة على الاكثر وهي القرينة العامة في مثله، فان الظاهر من نفي الجنس ان المحذوف فيه هو لفظ موجود وما بمعناه من نحو لفظ ثابت ومتحقق. فإذا تعذر تقدير هذا اللفظ العام لاي سبب كان، فان هناك قرينة موجودة غالبا وهي مناسبة الحكم والموضوع، فإنها تقتضي غالبا لفظ خاص مناسب مثل (لا علم الا بعمل) فان المفهوم منه انه لا علم نافع. والمفهوم من نحو (لا غيبة لفاسق) لاغيبة محرمة. والمفهوم من نحو (لا رضاع بعد فطام) لا رضاع سائغ. ومن نحو (لا جماعة في نافلة) لا جماعة مشروعة: ومن نحو (لا اقرار لمن اقر على نفسه بالزنا)) لا اقرار نافذ أو معتبر. ومن نحو (لا صلاة الا بطهور) بناء على الوضع للاعم لاصلاة صحيحة. ومن نحو (لا صلاة لحاقن) لا صلاة كاملة بناء على قيام الدليل أن الحاقن لا تفسد صلاته.. وهكذا.

[ 183 ]

وهذه القرينة وهي قرينة مناسبة الحكم للموضوع لا تقع تحت ضابطة معينة، ولكنها موجودة على الاكثر، ويحتاج ادراكها إلى ذوق سليم. (تنبيه وتحقيق) ليس من البعيد ان يقال ان المحذوف في جميع مواقع (لا) التي هي لنفي الجنس هو كلمة موجود أو ما هو بمعناها، غاية الامر أنه في بعض الموارد تقوم القرينة على عدم ارادة نفي الوجود والتحقق حقيقة، فلا بد حينئذ من حملها على نفي التحقق ادعاء وتنزيلا بأن ننزل الموجود منزلة المعدوم باعتبار عدم حصول الاثر المرغوب فيه أو المتوقع منه. يعني يدعي ان الموجود الخارجي ليس من أفراد الجنس الذي تعلق به النفي تنزيلا، وذلك لعدم حصول الاثر المطلوب منه، فمثل (لا علم الا بعمل) معناه أن العلم بلا عمل كلا علم إذ لم تحصل الفائدة المترقبة منه، ومثل (لا اقرار لمن أقر بنفسه على الزنا) معناه أن اقراره كلا اقرار باعتبار عدم نفوذه عليه، ومثل (لا سهو لمن كثر عليه السهو) معناه أن سهوه كلا سهو باعتبار عدم ترتب آثار السهو عليه من سجود أو صلاة أو بطلان الصلاة. هذا إذا كان النفي من جهة تكوين الشئ، وأما إذا كان النفي راجعا إلى عالم التشريع، فان كان النفي متعلقا بالفعل دل نفيه على عدم ثبوت حكمه في الشريعة، مثل (لا رهبانية في الاسلام) فان معنى عدم ثبوتها عدم تشريع الرهبانية وأنه غير مرخص بها، ومثل (لا غيبة لفاسق) فإن معنى عدم ثبوتها عدم حرمة غيبة الفاسق وكذلك نحو: ولاغش في الاسلام ولا عمل في الصلاة، ولا رفث ولا فسوق، ولا جدال في الحج، ولا جماعة في نافلة، فان كل ذلك معناه عدم مشروعية هذه الافعال. وان كان النفي متعلقا بعنوان يصح انطباقه على الحكم، فيدل النفي على عدم تشريع حكم ينطبق عليه هذا العنوان، كما في قوله (لا حرج في الدين) و (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام). وعلى كل حال فان مثل هذه الجمل والمركبات ليست مجملة في حد أنفسها، وقد يتفق لها أن تكون مجملة إذا تجردت عن القرينة التى تعين انها لنفي تحقق الماهية حقيقة أو لنفيها ادعاء وتنزيلا.

[ 184 ]

و (منها) مثل قوله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) وقوله تعالى: (أحلت لكم بهيمة الانعام) مما أسند الحكم فيه كالتحريم والتحليل إلى العين. فقد قال بعضهم باجمالها، نظرا إلى أن اسناد التحريم والتحليل لا يصح الا إلى الافعال الاختيارية، أما الاعيان فلا معنى لتعلق الحكم بها، بل يستحيل. ولذا تسمى الاعيان موضوعات للاحكام كما أن الافعال تسمى متعلقات. وعليه فلا بد أن يقدر في مثل هذه المركبات فعل تصح اضافته إلى العين المذكورة في الجملة، ويصح ان يكون متعلقا للحكم: ففي مثل الآية الاولى يقدر كلمة (نكاح) مثلا، وفي الثانية (أكل)، وفي مثل (والانعام حرمت ظهورها) يقدر ركوبها، وفي مثل (النفس التي حرم الله) يقدر قتلها.. وهكذا. ولكن التركيب في نفسه ليس فيه قرينة على تعيين نوع المحذوف، فيكون في حد نفسه مجملا، فلا يدري فيه هل ان المقدر كل فعل تصح اضافته إلى العين المذكورة في الجملة ويصح تعلق الحكم به أو ان المقدر فعل مخصوص كما قدرناه في الامثلة المتقدمة ؟ والصحيح في هذا الباب ان يقال: ان نفس التركيب مع قطع النظر عن ملاحظة الموضوع والحكم، وعن أية قرينة خارجية، هو في نفسه يقتضي الاجمال لولا أن الاطلاق يقتضي تقدير كل فعل صالح للتقدير، الا إذا قامت قرينة خاصة على تعيين نوع الفعل المقدر. وغالبا لا يخلو مثل هذا التركيب من وجود القرينة الخاصة، ولو قرينة مناسبة الحكم والموضوع. ويشهد لذلك انا لا نتردد في تقدير الفعل المخصوص في الامثلة المذكورة في صدر البحث ومثيلاتها، وما ذلك الا لما قلناه من وجود القرينة الخاصة ولو مناسبة الحكم والموضوع. ويشبه أن يكون هذا الباب نظير باب (لا) المحذوف خبرها. الهمنا الله تعالى الصواب، ودفع عنا الشبهات، وهدانا الصراط المستقيم.

[ 185 ]

المقصد الثاني الملازمات العقلية

[ 187 ]

بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد: من الادلة على الحكم الشرعي عند الاصوليين الامامية: (العقل)، إذ يذكرون ان الادلة على الاحكام الشرعية الفرعية اربعة: الكتاب والسنة والاجماع والعقل. وسيأتي في (مباحث الحجة) وجه حجية العقل. اما هنا فانما يبحث عن تشخيص صغريات ما يحكم به العقل المفروض أنه حجة، أي يبحث هنا عن مصاديق احكام العقل الذي هو دليل على الحكم الشرعي. وهذا نظير البحث في المقصد الاول (مباحث الالفاظ) عن مصاديق أصالة الظهور التي هي حجة، وحجيتها إنما يبحث عنها في مباحث الحجة. وتوضيح ذلك: ان هنا مسألتين: 1 - انه إذا حكم العقل على شئ أنه حسن شرعا أو يلزم فيه شرعا، أو يحكم على شئ أنه قبيح شرعا أو يلزم تركه شرعا، بأي طريق من الطرق التي سيأتي بيانها، هل يثبت بهذا الحكم العقلي حكم الشرع ؟ أي أنه من حكم العقل هذا هل يستكشف منه ان الشارع واقعا قد حكم بذلك ؟ ومرجع ذلك إلى أن حكم العقل هذا هل هو حجة اولا ؟ وهذا البحث - كما قلنا - انما يذكر في مباحث الحجة، وليس هنا موقعه. وسيأتي بيان امكان حصول القطع بالحكم الشرعي من غير الكتاب والسنة، وإذا حصل كيف يكون حجة. 2 - انه هل لعقل ان يدرك بطريق أن هذا الشئ مثلا حسن شرعا أو قبيح أو يلزم فعله أو تركه عند الشارع ؟ يعني ان العقل بعد ادراكه

[ 188 ]

لحسن الافعال أو لزومها، ولقبح الاشياء أو لزوم تركها في انفسها بأي طريق من الطريق.. هل يدرك مع ذلك انها كذلك عند الشارع ؟ وهذا المقصد الثاني الذي سميناه (بحث الملازمات العقلية) عقدناه لاجل بيان ذلك في مسائل على النحو الذي سيأتي ان شاء الله تعالى، ويكون فيه تشخيص صغريات حجية العقل المبحوث عنها في المقصد الثالث (مباحث الحجة). ثم لا بد - قبل تشخيص هذه الصغريات في مسائل - من ذكر أمرين يتعلقان بالاحكام العقلية مقدمة للبحث نستعين بها على المقصود، وهما، 1 - اقسام الدليل العقلي (*) ان الدليل العقلي - أو فقل ما يحكم به العقل الذي يثبت به الحكم الشرعي - ينقسم إلى قسمين: ما يستقل به العقل ومالا يستقل به. وبتعبير آخر نقول: ان الاحكام العقلية على قسمين: مستقلات وغير مستقلات. وهذه التعبيرات كثيرا ما تجري على السنة الاصوليين ويقصدون بها المعنى الذي سنوضحه. وان كان قد يقولون: (ان هذا ما يستقل به العقل) ولا يقصدون هذا المعنى، بل يقصدون به معنى آخر، وهو ما يحكم به العقل بالبداهة وان كان ليس من المستقلات العقلية بالمعنى الآتي. وعلى كل حال فان هذا التقسيم يحتاج إلى شئ من التوضيح فنقول: ان العلم بالحكم الشرعي كسائر العلوم لا بد له من علة، لاستحالة وجود الممكن بلا علة. وعلة العلم التصديقي لا بد ان تكون من أحد انواع الحجة الثلاثة: القياس أو الاستقراء أو التمثيل. وليس الاستقراء مما يثبت به الحكم الشرعي وهو واضح. والتمثيل ليس بحجة عندنا، لانه هو القياس المصطلح عليه عند الاصوليين الذي هو ليس من مذهبنا.


(*) قد يستشكل في اطلاق اسم الدليل على حكم العقل كما يطلق على الكتاب والسنة والاجماع. وسيأتي ان شاء الله تعالى في مباحث الحجة معنى الدليل والحجة بصطلاح الاصوليين وكيف يطلق باصطلاحهم على حكم العقل، أي القطع.

[ 189 ]

فيتعين أن تكون العلة للعلم بالحكم الشرعي هي خصوص القياس باصطلاح المناطقة وإذا كان كذلك فان كل قياس لا بد أن يتألف من مقدمتين سواء كان استثنائيا أو اقترانيا. وهاتان المقدمتان قد تكونان معا غير عقليتين فالدليل الذي يتألف منهما يسمى (دليلا شرعيا) في قبال الدليل العقلي. ولا كلام في هذا القسم هنا. وقد تكون كل منهما أو أحداهما عقيلة، أي مما يحكم العقل به من غير اعتماد على حكم شرعي، فان الدليل الذي يتألف منهما يسمى عقليا وهو على قسمين: 1 - ان تكون المقدمتان معا عقليتين كحكم العقل بحسن شئ أو قبحه ثم حكمه بانه كل ما حكم به العقل حكم به الشرع على طبقه. وهو القسم الاول من الدليل العقلي، وهو قسم (المستقلات العقلية). 2 - أن تكون احدى المقدمتين غير عقلية والاخرى عقلية كحكم العقل بوجوب المقدمة عند وجوب ذيها فهذه مقدمة عقلية صرفة وينضم إليها حكم الشرع بوجوب ذي المقدمة. وانما يسمى الدليل الذي يتألف منهما عقليا فلاجل تغليب جانب المقدمة العقلية. وهذا هو القسم الثاني من الدليل العقلي، وهو قسم (غير المستقلات العقلية). وانما سمي بذلك لانه - من الواضح - أن العقل لم يستقل وحده في الوصول إلى النتيجة بل استعان بحكم الشرع في احدى مقدمتي القياس. 2 - لماذا سميت هذه المباحث بالملازمات العقلية ؟ المراد بالملازمة العقلية هنا هو حكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع وبين أمر آخر سواء كان حكما عقليا أو شرعيا أو غيرهما مثل الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري الذي يلزمه عقلا سقوط الامر الاختياري لو زال الاضطراري في الوقت أو خارجه على ما سيأتي ذلك في مبحث (الاجزاء). وقد يخفي على الطالب لاول وهلة الوجه في تسمية مباحث الاحكام العقلية بالملازمات العقلية لا سيما فيما يتعلق بالمستقلات العقلية ولذلك وجب علينا أن نوضح ذلك فنقول:

[ 190 ]

أ - أما في (المسقلات العقلية) فيظهر بعد بيان المقدمتين اللتين يتألف منهما الدليل العقلي. وهما - مثلا -: (الاولى) - (العدل يحسن فعله عقلا). وهذه قضية عقلية صرفة هي صغرى القياس. وهي من المشهورات التي تطابقت عليها آراء العقلاء التي تسمى الآراء المحمودة. وهذه قضية تدخل في مباحث علم الكلام عادة، وإذا بحث عنها هنا فمن باب المقدمة للبحث عن الكبرى الآتية. (الثانية) - (كل ما يحسن فعله عقلا يحسن فعله شرعا). وهذه قضية عقلية أيضا يستدل عليها بما سيأتي في محله، وهي كبرى للقياس، ومضمونها الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. وهذه الملازمة مأخوذة من دليل عقلي فهي ملازمة عقلية، وما يبحث عنه في علم الاصول فهو هذه الملازمة، ومن أجل هذه الملازمة تدخل المستقلات العقلية في الملازمات العقلية. ولا ينبغي أن يتوهم الطالب أن هذه الكبرى معناها حجية العقل، بل نتيجة هاتين المقدمتين هكذا (العدل يحسن فعله شرعا) وهذا الاستنتاج بدليل عقلي. وقد ينكر المنكر أنه يلزم شرعا ترتيب الاثر على هذا الاستنتاج والاستكشاف، وسنذكر ان شاء الله تعالى في حينه الوجه في هذا الانكار الذي مرجعه إلى انكار حجية العقل. والحاصل نحن نبحث في المستقلات العقلية عن مسألتين: (احداهما) الصغرى، وهي بيان المدركات العقلية في الافعال الاختيارية أنه أيها ينبغي فعله وايها لا ينبغي فعله. (ثانيهما) الكبرى، وهي بيان أن ما يدركه العقل هل لا بد أن يدركه الشرع أي يحكم على طبق ما يحكم به العقل. وهذه هي المسألة الاصولية التي هي من الملازمات العقلية. ومن هاتين المسألتين نهئ موضوع حجية العقل. 2 - واما في (غير المستقلات العقلية) فأيضا يظهر الحال فيها بعد بيان المقدمتين اللتين يتألف منهما الدليل العقلي وهما - مثلا - (الاولى) (هذا الفعل واجب) أو (هذا المأتي به مأمور به في حال الاضطرار). فمثل هذه القضايا تثبت في علم الفقه فهي شرعية. (الثانية) - (كل فعل واجب شرعا يلزمه عقلا وجوب مقدمته شرعا) أو (يلزمه عقلا حرمته ضده شرعا) أو (كل مأتي به وهو مأمور به حال الاضطرار

[ 191 ]

يلزمه عقلا الاجزاء عن المأمور به حال الاختيار).. وهكذا. فان أمثال هذه القضايا أحكام عقلية مضمونها الملازمة العقلية بين ما يثبت شرعا في القضية الاولى وبين حكم شرعي آخر. وهذه الاحكام العقلية هي التي يبحث عنها في علم الاصول. ومن أجل هذا تدخل في باب الملازمات العقلية. الخلاصة: ومن جميع ما ذكرنا يتضح أن المبحوث عنه في الملازمات العقلية هو اثبات الكبريات العقلية التي تقع في طريق اثبات الحكم الشرعي، سواء كانت الصغرى عقلية كما في المستقلات العقلية، أو شرعية كما في غير المستقلات العقلية. أما الصغرى فدائما يبحث عنها في علم آخر غير علم الاصول، كما ان الكبرى يبحث عنها في علم الاصول، وهي عبارة عن ملازمة حكم الشرع لشئ آخر بالملازمة العقلية، سواء كان ذلك الشئ الآخر حكما شرعيا أم حكما عقليا ام غيرهما. والنتيجة من الصغرى والكبرى هاتين تقع صغرى لقياس آخر كبراه حجية العقل، ويبحث عن هذه الكبرى في مباحث الحجة. وعلى هذا فينحصر بحثنا هنا في بابين باب المستقلات العقلية، وباب غير المستقلات العقلية، فنقول:

[ 193 ]

الباب الاول المستقلات العقلية

[ 195 ]

تمهيد: الظاهر انحصار المستقلات العقلية التي يستكشف منها الحكم الشرعي في مسألة واحدة، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليين. وعليه يجب علينا ان نبحث عن هذه المسألة من جميع اطرافها بالتفصيل لا سيما انه لم يبحث عنها في كتب الاصول الدارجة فنقول: وقع البحث هنا في أربعة أمور متلاحقة: 1 - انه هل تثبت للافعال مع قطع النظر عن حكم الشارع وتعلق خطابه بها احكام عقلية من حسن وقبح ؟ أو ان شئت فقل: هل للافعال حسن وقبح بسحب ذواتها ولها قيم ذاتية في نظر العقل قبل فرض حكم الشارع عليها، أو ليس لها ذلك، وانما الحسن ما حسنه الشارع والقبيح ما قبحه، والفعل مطلقا في حد نفسه من دون حكم الشارع ليس حسنا ولا قبيحا ؟ وهذا هو الخلاف الاصيل بين الاشاعرة والعدلية، وهو مسألة التحسين والتقبيح العقليين المعروفة في علم الكلام، وعليها تترتب مسألة الاعتقاد بعدالة الله وغيرها. وانما سميت (العدلية) عدلية لقولهم بانه تعالى عادل، بناء على مذهبهم في ثبوت الحسن والقبح العقليين. ونحن نبحث عن هذه المسألة هنا باعتبارها من المبادئ لمسألتنا الاصولية كا اشرنا إلى ذلك فيما سبق. 2 - انه بعد فرض القول بأن للافعال في حد انفسها حسنا وقبحا، هل يتمكن العقل من ادراك وجوه الحسن والقبح مستقلا عن تعليم الشارع وبيانه اولا ؟ وعلى تقدير تمكنه هل للمكلف ان يأخذ به بدون بيان الشارع وتعليمه أو ليس له ذلك اما مطلقا أو في بعض الموارد ؟ وهذه المسألة هي احدى نقط الخلاف المعروفة بين الاصوليين وجماعة من

[ 196 ]

الاخباريين، وفيها تفصيل من بعضهم على ما يأتي. وهي ايضا ليست من مباحث علم الاصول، ولكنها من المبادئ لمسألتنا الاصولية الآتية لانه بدون القول بان العقل يدرك وجوه الحسن والقبح لا تحقق عندنا صغرى القياس التي تكلمنا عنها سابقا. ولا ينبغي ان يخفى عليكم ان تحرير هذه المسألة سببه المغالطة التي وقعت لبعضهم، والا فبعد تحرير المسألة الاولى على وجهها الصحيح كما سيأتي لا يبقى مجال لهذا النزاع. فانتظر توضيح ذلك في محله القريب. 3 - انه بعد فرض ان للافعال حسنا وقبحا وان العقل يدرك الحسن والقبح، يصح ان ننتقل إلى التساؤل: عما إذا كان العقل يحكم أيضا بالملازمة بين حكمه وحكم الشرع، بمعنى ان العقل إذا حكم بحسن شئ أو قبحه هل يلزم عنده عقلا ان يحكم الشارع على طبق حكمه. وهذه هي المسألة الاصولية المعبر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع فانكر الملازمة جملة من الاخباريين وبعض الاصوليين كصاحب الفصول. 4 - انه بعد ثبوت الملازمة وحصول القطع بان الشارع لا بد ان يحكم على طبق ماحكم به العقل فهل هذا القطع حجة شرعا ؟ ومرجع هذا النزاع ثلاث نواح: (الاولى) - في امكان ان ينفي الشارع حجية هذا القطع وينهي عن الاخذ به. (الثانية) - بعد فرض امكان نفي الشارع حجية القطع هل نهى عن الاخذ بحكم العقل وان استلزم القطع كقول الامام عليه السلام: (أن دين الله لا يصاب بالعقول) على تقدير تفسيره بذلك ؟ والنزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الاخباريين جلهم أو كلهم. (الثالثة) بعد فرض عدم امكان نفي الشارع حجية القطع هل معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل هو أمره ونهيه، أو أن حكمه معناه ادراكه وعلمه بان هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه وهو شئ آخر غير أمره ونهيه فاثبات أمره ونهيه يحتاج إلى دليل آخر ولا يكفي القطع بأن الشارع حكم بما حكم به العقل ؟

[ 197 ]

وعلى كل حال فان الكلام في هذه النواحي سيأتي في مباحث الحجة (المقصد الثالث) وهو النزاع في حجية العقل. وعليه فنحن نتعرض هنا للمباحث الثلاثة الاولى، ونترك المبحث الرابع بنواحيه إلى المقصد الثالث: * * *

[ 199 ]

المبحث الاول التحسين والتقبيح العقليان اختلف الناس في حسن الافعال وقبحها هل انهما عقليان أو شرعيان، بمعنى ان الحاكم بهما العقل أو الشرع. فقالت (الاشاعرة): لا حكم للعقل في حسن الافعال وقبحها، وليس الحسن والقبح عائدا إلى أمر حقيقي حاصل فعلا قبل ورود بيان الشارع، بل ان ما حسنه الشارع فهو حسن وما قبحه الشارع فهو قبيح. فلو عكس الشارع القضية فحسن ما قبحه وقبح ما حسنه لو يكن ممتنعا وأنقلب الامر فصار القبيح حسنا والحسن قبيحا، ومثلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب ومن الوجوب إلى الحرمة (1). وقالت (العدلية): ان للافعال قيما ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع فمنها ما هو حسن في نفسه، ومنها ما هو قبيح في نفسه، ومنها ما ليس له هذان الوصفان. والشارع لا يأمر الا بما هو حسن ولا ينهى الا عما هو قبيح، فالصدق في نفسه حسن ولحسنه أمر الله تعالى به، لا أنه أمر الله تعالى به فصار حسنا، والكذب في نفسه قبيح ولذلك نهى الله تعالى عنه، لا انه نهى عنه فصار قبيحا.


(1) هذا التصوير لمذهب الاشاعرة منقول عن شرح القوشجي للتجريد.

[ 200 ]

هذه خلاصة الرأيين. واعتقد عدم اتضاح رأي الطرفين بهذا البيان، ولا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبينها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لاحد الطرفين. وهو أمر ضروري مقدمة للمسألة الاصولية، ولتوقف وجوب المعرفة عليه. فلا بد من بسط البحث بأوسع مما أخذنا على انفسنا من الاختصار في هذا الكتاب، لاهمية هذا الموضوع من جهة، ولعدم اعطائه حقه من التنقيح في أكثر الكتب الكلامية والاصولية من جهة أخرى. واكلفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حررته في الجزء الثالث من المنطق ص 17 - 23 عن القضايا المشهورات، لتستعينوا به على ماهنا. والآن اعقد البحث هنا في امور: 1 - معنى الحسن والقبح وتصوير النزاع فيهما ان الحسن والقبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاثة معان، فاي هذه المعاني هو موضوع النزاع ؟ فنقول: أولا - قد يطلق الحسن والقبح ويراد بهما الكمال والنقص. ويقعان وصفا بهذا المعنى للافعال الاختيارية ولمتعلقات الافعال. فيقال مثلا: العلم حسن، والتعلم حسن، ويضد ذلك يقال: الجهل قبيح واهمال والتعلم قبيح. ويراد بذلك ان العلم والتعلم كمال للنفس وتطور في وجودها، وان الجهل واهمال التعلم نقصان فيها وتأخر في وجودها. وكثير من الاخلاق الانسانية حسنها وقبحها باعتبار هذا المعنى، فالشجاعة والكرم والحلم والعدالة والانصاف ونحو ذلك انما حسنها باعتبار أنها كمال للنفس وقوة في وجودها. وكذلك اضدادها قبيحة لانها نقصان في وجود النفس وقوتها. ولا ينافي ذلك انه يقال للاولى حسنة وللثانية قبيحة باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.

[ 201 ]

وليس للاشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن والقبح بهذا المعنى، بل جملة منهم يعترفون بأنهما عقليان، لان من القضايا اليقينيات التي وراءها واقع خارجي تطابقه، على ما سيأتي. (ثانيا) - انهما قد يطلقان ويراد الملائمة للنفس والمنافرة لها، ويقعان وصفا بهذا المعنى ايضا للافعال ومتعالقاتها من اعيان وغيرها. فيقال في المتعلقات: هذا المنظر حسن جميل. هذا الصوت حسن مطرب، هذا المذوق حلو حسن.. وهكذا. ويقال في الافعال: نوم القيلولة حسن. الاكل عند الجوع حسن. والشرب بعد العطش حسن. وهكذا. وكل هذه الاحكام لان النفس تلتذ بهذه الاشياء وتتذوقها لملائمتها لها. وبضد ذلك يقال في المتعلقات والافعال: هذا المنظر قبيح. ولولة النائحة قبيحة. النوم على الشبع قبيح.. وهكذا. وكل ذلك لان النفس تتألم أو تشمئز من ذلك. فيرجع معنى الحسن والقبح - في الحقيقة - إلى معنى اللذة والالم، أو فقل إلى معنى الملائمة للنفس وعدمها، ما شئت فعبر فان المقصود واحد. ثم ان هذا المعنى من الحسن والقبح يتسع إلى أكثر من ذلك، فان الشئ قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذة أو ألما، ولكنه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذ به النفس أو تتألم منه يسمى أيضا حسنا أو قبيحا، بل قد يكون الشئ في نفسه قبيحا تشمئز منه النفس كشرب الدواء المر ولكنه باعتبار ما يعقبه من الصحة والراحة التي هي اعظم بنظر العقل من ذلك الالم الوقتي يدخل فيما يستحسن. كما قد يكون الشئ بعكس ذلك حسنا تلتذ به النفس كالاكل اللذيذ المضر بالصحة، ولكن ما يعقبه من مرض اعظم من اللذة الوقتية يدخل فيما يستقبح. والانسان بتجاربه الطويلة وبقوة تمييزه العقلي يستطيع ان يصنف الاشياء والافعال إلى ثلاثة أصناف: ما يستحسن، وما يستقبح، وما ليس له هاتان المزيتان. ويعتبر هذا التقسيم بحسب ماله من الملائمة والمنافرة ولو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو عند العقل على ماله من لذة وقتية أو ألم وقتي، كمن يتحمل المشاق الكثيرة ويقاسي الحرمان في سبيل طلب

[ 202 ]

العلم أو الجاه أو الصحة أو المال، وكمن يستنكر بعض اللذات الجسدية استكراها لشؤم عواقبها. وكل ذلك يدخل في الحسن والقبح بمعنى الملائم وغير الملائم، قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: (وقد يعبر عنهما - أي الحسن والقبح - بالمصلحة والمفسدة فيقال: الحسن ما فيه مصلحة والقبح ما فيه مفسدة. وما خلا منهما لا يكون شيئا منهما). وهذا راجع إلى ما ذكرنا، وليس المقصود ان للحسن والقبح معنى آخر بمعنى ماله المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة والمنافرة، فان استحسان المصلحة انما يكون للملائمة واستقباح المفسدة للمنافرة. وهذا المعنى من الحسن والقبح أيضا ليس للاشاعرة فيه نزاع، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليان، أي مما قد يدركه العقل من غير توقف على حكم الشرع. ومن توهم أن النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططا ولم يفهم كلامهم. (ثالثا) انهما يطلقان ويراد بهما المدح والذم، ويقعان وصفا بهذا المعنى للافعال الاختبارية فقط. ومعنى ذلك: ان الحسن ما أستحق فاعله عليه المدح والثواب عند العقلاء كافة، والقبيح ما استحق عليه فاعله الذم والعقاب عندهم كافة. وبعبارة أخرى ان الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء، أي ان العقل الكل يدرك انه ينبغي فعله، والقبيح ما ينبغي تركه عندهم، أي ان العقل عند الكل يدرك انه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه. وهذا الادراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن والقبح، وسيأتي توضيح هذه النقطة، فانها مهمة جدا في الباب. وهذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع، فالاشاعرة انكروا أن يكون للعقل ادراك وذلك من دون الشرع، وخالفتهم العدلية فأعطوا للعقل هذا الحق من الادراك. (تنبيه) - ومما يجب أن يعلم هنا ان الفعل الواحد قد يكون حسنا أو قبيحا بجميع المعاني الثلاثة، كالتعلم والحلم والاحسان، فانها كمال للنفس،

[ 203 ]

وملائمة لها باعتبار مالها من نفع ومصلحة، ومما ينبغي ان يفعلها الانسان عند العقلاء. وقد يكون الفعل حسنا بأحد المعاني، قبيحا أو ليس بحسن بالمعنى الآخر كالغناء - مثلا - فانه حسن بمعنى الملائمة للنفس ولذا يقولون عنه انه غذاء للروح (1)، وليس حسنا بالمعنى الاول أو الثالث فانه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل وليس كمالا للنفس وان كان هو كمالا للصوت بما هو صوت فيدخل في المعنى الاول للحسن من هذه الجهة، ومثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات والمخدرات فان هذه حسنة بمعنى الملائمة فقط، وليس كمالا للنفس ولا مما ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء. 2 - واقعية الحسن والقبح في معانيه ورأي الاشاعرة ان الحسن بالمعنى الاول أي الكمال وكذا مقابله أي القبح أمر واقعي خارجي لا يختلف باختلاف الانظار والاذواق، ولا يتوقف على وجود من يدركه ويعقله. بخلاف الحسن بالمعنيين الاخيرين. وهذا ما يحتاج إلى التوضيح والتفصيل، فنقول: 1 - اما (الحسن بمعنى الملائمة)، وكذا ما يقابله، فليس له في نفسه بإزاء في الخارج يحاذيه ويحكي عنه، وان كان منشأه قد يكون أمرا خارجيا، كاللون والرائحة والطعم وتناسق الاجزاء ونحو ذلك. بل حسن الشئ يتوقف على وجود الذوق العام أو الخاص، فان الانسان هو الذي يتذوق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشئ ملائما لنفسه، فيكون حسنا عنده أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا أختلفت الاذواق في الشئ كان حسنا عند قوم قبيحا عند آخرين. وإذا اتفقوا في ذوق عام كان ذلك الشئ حسنا عندهم جميعا، أو قبيحا كذلك.


(1) كان هذا التعبير يريد أن يحاول قائلوه به دعوى أن الغناء كمال للنفس في سماعه وهو مغالطة وايهام منهم.

[ 204 ]

والحاصل أن الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للاشياء كالكمال، وليس واقعية هذه الصفة الا إدراك الانسان وذوقه فلو لم يوجد انسان يتذوق ولا من يشبهه في ذوقه لم تكن الاشياء في حد أنفسها حسن بمعنى الملائمة. وهذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الالوان، إذ يقال انها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات اطياف الضوء على الاجسام، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل، بل الموجود حقيقة اجسام فيها صفات حقيقية هي منشأ لانعكاس الاطياف عند وقوع الضوء عليها، وليس كل واحد من الالوان الا طيفا أو اطيافا فأكثر تركبت. وهكذا نقول في حسن الاشياء وجمالها بمعنى الملاءمة، والشئ الواقعي فيها ما هو منشأ الملائمة في الاشياء كالطعم والرائحة ونحوهما، الذي هو كالصفة في الجسم إذ تكون منشأ لانعكاس اطياف الضوء. كما أن نفس اللذة والالم أيضا أمران واقعيان ولكن هما الحسن والقبح اللذان ليسا هما من صفات الاشياء، واللذة والالم من صفات النفس المدركة للحسن والقبح. 2 - وأما (الحسن بمعنى ما ينبغي ان يفعل عند العقل) فكذلك ليس له واقعية الا ادراك العقلاء، أو فقل تطابق اراء العقلاء. والكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملائمة. وسيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح والذم أو ادراك العقل للحسن والقبح. وعلى هذا فان كان غرض الاشاعرة من انكار الحسن والقبح انكار واقعيتهما بهذا المعنى من الواقعية فهو صحيح. ولكن هذا بعيد عن أقوالهم لانه لما كانوا يقولون بحسن الافعال وقبحها بعد حكم الشارع فانه يعلم منه انه ليس غرضهم ذلك لان حكم الشارع لا يجعل لهما واقعية وخارجية. كيف وقد رتبوا على ذلك بان وجوب المعرفة والطاعة ليس بعقلي بل شرعي. وان كان غرضهم انكار ادراك العقل كما هو الظاهر من أقوالهم فسيأتي تحقيق الحق فيه وانهم ليسوا على صواب في ذلك. 3 - العقل العملي والنظري ان المراد من العقل - إذ يقولون أن العقل يحكم بحسن الشئ أو قبحه

[ 205 ]

بالمعنى الثالث من الحسن والقبح - هو (العقل العملي) في مقابل (العقل النظري). وليس الاختلاف بين العقلين الا بالاختلاف بين المدركات، فان كان المدرك - بالفتح - مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل حسن العدل وقبح الظلم فيسمى ادراكه (عقلا عمليا) وان كان المدرك مما ينبغي ان يعلم مثل قولهم: (الكل اعظم من الجزء) الذي لا علاقة له بالعمل، فيسمى ادراكه (عقلا نظريا). ومعنى حكم العقل - على هذا - ليس الا ادراك أن الشئ مما ينبغي ان يفعل أو يترك. وليس للعقل انشاء بعث وزجر ولا أمر ونهي الا بمعنى ان هذا الادراك يدعو العقل إلى العمل، أي يكون سببا لحدوث الارادة في نفسه. للعمل وفعل ما ينبغي. اذن - المراد من الاحكام العقلية هي مدركات العقل العملي وآراؤه. ومن هنا تعرف ان المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الاول. أن المراد به هو العقل النظري، لان الكمال والنقص مما ينبغي أن يعلم، لا مما ينبغي أن يعمل. نعم إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه، فانه يدرك معه انه ينبغي فعله أو تركه فيستعين العقل العملي بالعقل النظري. أو فقل يحصل العقل العملي فعلا بعد حصول العقل النظري. وكذا المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الثاني هو العقل النظري، لان الملائمة وعدمها أو المصلحة والمفسدة مما ينبغي أن يعلم، ويستتبع ذلك ادراك انه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما علم. ومن العجيب ما جاء في جامع السعادات ج 1 ص 59 المطبوع بالنجف سنة 1368 إذ يقول ردا على الشيخ الرئيس خريت هذه الصناعة: (ان المطلق الادراك والارشاد انما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير الناصح والعقل العملي بمنزلة المنفذ لاشاراته). وهذا منه خروج عن الاصطلاح. وما ندري ما يقصد من العقل العملي إذا كان الارشاد والنصح للعقل النظري ؟. وليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدمنا، بل هو عقل واحد، ولكن الاختلاف في مدركاته ومتعلقاته، وللتمييز بين الموارد يسمى تارة عمليا وأخرى نظريا، وكأنه يريد من العقل العملي

[ 206 ]

نفس التصميم والارادة للعمل وتسمية الارادة عقلا وضع جديد في اللغة. 4 - أسباب حكم العقل العملي بالحسن والقبح ان الانسان إذ يدرك ان الشئ ينبغي فعله فيمدح فاعله، أو لا ينبغي فعله فيذم فاعله، لا يحصل له هذا الادراك جزافا واعتباطا، وهذا شأن كل ممكن حادث بل لا بد له من سبب. وسببه بالاستقراء أحد أمور خمسة نذكرها هنا لنذكر ما يدخل منها في محل النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، فنقول: (الاول) - ان يدرك أن هذا الشئ كمال للنفس أو نقص لها، فان ادراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن أو فعله أو قبحه كما تقدم قريبا، تحصيلا لذلك الكمال أو دفعا لذلك النقص. (الثاني) - ان يدرك ملائمة الشئ للنفس أو عدمها اما بنفسه أو لما فيه من نفع عام أو خاص، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلا للمصلحة أو دفعا للمفسدة. وكل من هذين الادراكين - اعني ادراك الكمال أو النقض، وأدراك الملائمة أو عدمها - يكون على نحوين: 1 - أن يكون الادراك لواقعة جزئية خاصة، فيكون حكم الانسان بالحسن والقبح بدافع المصلحة الشخصية. وهذا الادراك لا يكون بقوة العقل، لان العقل شأنه ادراك الامور الكلية لا الامور الجزئية، بل انما يكون ادراك الامور الجزئية بقوة الحس أو الوهم أو الخيال، وان كان هذا الادراك قد يستتبع مدحا أو ذما لفاعله ولكن هذا المدح أو الذم لا ينبغي أن يسمى عقليا بل قد يسمى - بالتعبير الحديث - (عاطفيا) لان سببه تحكيم العاطفة الشخصية ولا بأس بهذا التعبير. 2 - أن يكون الادراك لامر كلي، فيحكم الانسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس، كالعلم والشجاعة، أو لكونه فيه مصلحة نوعية كمصلحة العدل لحفظ النظام وبقاء النوع الانساني. فهذا الادراك انما يكون بقوة العقل بما هو عقل، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء. وكذا في ادراك قبح الشئ باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك ويستتبع ذما من

[ 207 ]

جميع العقلاء. فهذا المدح والذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء بإعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعين - فانه يعتبر من الاحكام العقلية التي هي موضوع النزاع. وهو معنى الحسن والقبح العقليين الذي هو محل النفي والاثبات. وتسمى هذه الاحكام العقلية العامة (الآراء المحمودة) و (التأديبات الصلاحية). وهي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات، كما توهمه بعض الناس ومنهم الاشاعرة كما سيأتي في دليلهم. وقد اوضحت ذلك في الجزء الثالث من (المنطق) في مبادئ القياسات، فراجع. ومن هنا يتضح لكم جيدا ان العدلية - إذ يقولون بالحسن والقبح العقليين - يريدون ان الحسن والقبح من الآراء المحمودة والقضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحية وهي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء. والقضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي أن واقعها ذلك. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم ان فاعله ممدوح لدى العقلاء ومعنى قبح الظلم والجهل ان فاعله مذموم لديهم (1). ويكفينا شاهدا على ما نقول - من دخول امثال هذه القضايا في المشهورات الصرفية التي لا واقع لها الا الشهرة وانها ليست من قسم الضروريات ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الاشارات: (ومنها الآراء المسماة بالمحمودة. وربما خصصناها باسم الشهرة إذ لا عمدة لها الا الشهرة، وهي آراء لو خلي الانسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبول قضاياها والاعتراف بها.. لم يقض بها الانسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه، مثل حكمنا بأن سلب مال الانسان قبيح، وان الكذب قبيح لا ينبغي ان يقدم عليه..). وهكذا وافقه شارحها العظيم الخواجا نصير الدين الطوسي.


(1) ولا ينافي هذا ان العلم حسن من جهة أخرى وهي جهة كونه كمالا للنفس والجهل قبيح لكونه نقصانا. (*)

[ 208 ]

(الثالث) ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح (الخلق الانساني) الموجود في كل انسان على اختلافهم في أنواعه، نحو خلق الكرم والشجاعة. فان وجود هذا الخلق يكون سببا لادراك ان افعال الكرم - مثلا - مما ينبغي فعلها فيمدح فاعلها وافعال البخل مما ينبغي تركها فيذم فاعلها. وهذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامة ولا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل بدافع الخلق الموجود. وإذا كان هذا الخلق عاما بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن والقبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم. ولكن انما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة اخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك إلى المدح والذم. ويجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن (الخلقيات) في المنطق (ج 3 ص 20) لتعرف توجيه قضاء الخلق الانساني بهذه المشهورات (الرابع) ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح (الانفعال النفساني)، نحو الرقة والرحمة والشفقة والحياء والانفة والحمية والغيرة.. إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها انسان غالبا. فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتباعا لما في الغريزة من الرقة والعطف، والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعني برعاية الايتام والمجانين بل الحيوانات لانه مقتضى الرحمة والشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة والكلام البذئ لانه مقتضى الحياء. ويمدح المدافع عن الاهل والعشيرة والوطن والامة لانه مقتضى الغيرة والحمية.. إلى غير ذلك من أمثال هذه الاحكام العامة بين الناس. ولكن هذا الحسن والقبح لا يعدان حسنا وقبحا عقليين، بل ينبغي ان يسميا عاطفيين أو انفعاليين. وتسمى القضايا هذه عند المنطقيين ب‍ (الانفعاليات). ولاجل هذا لا يدخل هذا الحسن والقبح في محل النزاع مع الاشاعرة، ولا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الاحكام، لانه ليس للشارع هذه الانفعالات. بل يستحيل وجودها فيه لانها من صفات الممكن. وانما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن والقبح في الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية - على ما سيأتي - فباعتبار ان الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء ولكن لا يجب ان يحكم بحكمهم بماهم عاطفيون. ولا نقول ان

[ 209 ]

الشارع يتابع الناس في احكامهم متابعة مطلقة. (الخامس) - ومن الاسباب (العادة عند الناس)، كاعتيادهم احترام القادم - مثلا - بالقيام له، واحترام الضيف بالطعام، فيحكمون لاجل ذلك بحسن القيام للقادم واطعام الضيف. والعادات العامة كثيرة ومتنوعة، فقد تكون العادة تختص بأهل بلد أو قطر أو أمة، وقد تعم جميع الناس في جميع العصور أو في عصر. فتختلف لاجل ذلك القضايا التي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم. وكما يمدح الناس المحافظين على العادات العامة يذمون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقلية أو عاطفية أو شرعية، أو سيئة قبيحة من احدى هذه النواحي: فتراهم يذمون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها ويذمون الحليق إذا اعتادوا ارسالها، وتراهم يذمون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه، بل ربما يسخرون به أو يعدونه مارقا. وهذا الحسن والقبح أيضا ليسا عقليين، بل ينبغي أن يسميا (عاديين) لان منشأهما العادة. وتسمى القضايا فيهما في عرف المناطقة (العاديات). ولذا لا يدخل أيضا هذا الحسن والقبح في محل النزاع. ولا نقول نحن - ايضا - بلزوم متابعة الشارع للناس في احكامهم هذه، لانهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة. نعم بعض العادات قد تكون موضوعا لحكم الشارع، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة، أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس. ولكن هذا الحكم لا لاجل المتابعة لحكم الناس، بل لان مخالفة الناس في زيهم على وجه يثير فيهم السخرية والاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا، وهذا شئ آخر غير ما نحن فيه. * * * فتحصل من جميع ما ذكرنا - وقد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تاما - أنه ليس كل حسن وقبح بالمعنى الثالث موضوعا للنزاع مع الاشاعرة، بل خصوص ما كان سببه ادراك كمال الشئ أو نقصه على نحو كلى، وما كان سببه ادراك ملائمته أو عدمها على نحو كلى أيضا من جهة

[ 210 ]

مصلحة نوعية أو مفسدة نوعية فان الاحكام العقلية الناشئة من هذه الاسباب هي احكام للعقلاء بما هم عقلاء وهي التي ندعي فيها ان الشارع لا بد أن يتابعهم في حكمهم. وبهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع. 5 - معنى الحسن والقبح الذاتيين ان الحسن والقبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام: 1 - ما هو (علة) للحسن والقبح، ويسمى الحسن والقبح فيه ب‍ (الذاتيين)، مثل العدل والظلم، والعلم والجهل. فان العدل بما هو عدل لا يكون الا حسنا أبدا أي انه متى ما صدق عنوان العدل فانه لا بد ان يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعد عندهم محسنا. وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون الا قبيحا، أي انه متى ما صدق عنوان الظلم فان فاعله مذموم عندهم ويعد مسيئا. 2 - ما هو (مقتض) لهما، ويسمى الحسن والقبح فيه ب‍ (العرضيين) مثل تعظيم الصديق وتحقيره، فان تعظيم الصديق لو خلي ونفسه فهو حسن ممدوح عليه، وتحقيره كذلك قبيح لو خلي ونفسه. ولكن تعظيم الصديق بعنوان انه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحا مذموما كما إذا كان سببا لظلم ثالث، بخلاف العدل فانه يستحيل ان يكون قبيحا مع بقاء صدق عنوان العدل. كذلك تحقير الصديق بعنوان انه تحقير له يجوز أن يكون حسنا ممدوحا عليه كما إذا كان سببا لنجاته، ولكن يستحيل ان يكون الظلم حسنا مع بقاء صدق عنوان الظلم. 3 - ما لا عليه له ولا اقتضاء فيه في نفسه للحسن والقبح أصلا، وانما قد يتصف بالحسن تارة إذا انطبق عليه عنوان حسن كالعدل، وقد يتصف بالقبح أخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح كالظلم. وقد لا ينطبق عليه عنوان احدهما فلا يكون حسنا ولا قبيحا، كالضرب مثلا فانه حسن للتأديب وقبيح للتشفي، ولا حسن ولا قبيح كضرب غير ذي الروح. ومعنى كون الحسن أو القبح ذاتيا: ان العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه وفي حد ذاته يكون محكوما به، لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر. فلا يحتاج إلى واسطة في اتصافهم باحدهما.

[ 211 ]

ومعنى كونه مقتضيا لاحدهما: أن العنوان ليس في حد ذاته متصفا به بل بتوسط عنوان آخر، ولكنه لو خلي وطبعه كان داخلا تحت العنوان الحسن أو القبيح ألا ترى أن تعظيم الصديق لو خلي ونفسه يدخل تحت عنوان العدل الذي هو حسن في ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون لهم مصلحة نوعية عامة. أما لو كان سببا لهلاك نفس محترمة كان قبيحا لانه يدخل حينئذ بما هو تعظيم الصديق تحت عنوان الظلم ولا يخرج عن عنوان كونه تعظيما للصديق. وكذلك يقال في تحقير الصديق، فانه لو خلى ونفسه يدخل تحت عنوان الظلم الذي هو قبيح بحسب ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مفسدة نوعية عامة. فلو كان سببا لنجاة نفس محترمة كان حسنا لانه يدخل حينئذ تحت عنوان العدل ولا يخرج عن عنوان كونه تحقيرا للصديق. واما العناوين من القسم الثالث فليست في حد ذاتها لو خليت وانفسها داخلة تحت عنوان حسن أو قبيح، فلذلك لا تكون لها علية ولا اقتضاء. وعلى هذا يتضح معنى العلية والاقتضاء هنا، فان المراد من العلية أن العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح. والمراد من الاقتضاء أن العنوان لو خلي وطبعه يكون داخلا فيما هو موضوعا لحكم العقلاء بالحسن أو القبح. وليس المراد من العلية والاقتضاء ما هو معروف من معناهما انه بمعنى التأثير والايجاد فانه من البديهي أنه لا علية ولا اقتضاء لعناوين الافعال في احكام العقلاء الا من باب علية الموضوع لمحموله. 6 - ادلة الطرفين بتقديم الامور السابقة نستطيع أن نواجه أدلة الطرفين بعين بصيرة، لنعطي الحكم العادل لاحدهما ونأخذ النتيجة المطلوبة. ونحن نبحث عن ذلك في عدة مواد، فنقول: 1 - انا ذكرنا أن قضية الحسن والقبح من القضايا المشهورات، وأشرنا إلى ما كنتم درستموه في الجزء الثالث من المنطق من أن المشهورات قسم يقابل الضروريات الست كلها. ومنه نعرف المغالطة في دليل الاشاعرة وهو أهم ادلتهم إذ يقولون: (لو كانت قضية الحسن والقبح مما يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه

[ 212 ]

في هذه القضية وبين حكمه بأن الكل أعظم من الجزء. ولكن الفرق موجود قطعا إذ الحكم الثاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الاول). وهذا الدليل من نوع القياس الاستثنائي قد استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم. والجواب عنه: أن المقدمة الاولى، وهي الجملة الشرطية ممنوعة، ومنعها يعلم مما تقدم آنفا، لان قضية الحسن والقبح - كما قلنا - من المشهورات وقضية أن الكل أعظم من الجزء من الاوليات اليقينيات، فلا ملازمة بينهما وليس هما من باب واحد حتى يلزم من كون القضية الاولى مما يحكم به العقل الا يكون فرق بينها وبين القضية الثانية. وينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه وبين الاوليات، ليكون أكثر وضوحا بطلان قياس احداهما على الاخرى. والفارق من وجوه ثلاثة: (الاول) - أن الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي، والحاكم في الاوليات العقل النظري. (الثاني) - ان القضية التأديبية لا واقع لها الا تطابق آراء العقلاء والاوليات لها واقع خارجي. (الثالث) - أن القضية التأديبية لا يجب ان يحكم بها كل عاقل لو خلي ونفسه ولم يتأدب بقبولها والاعتراف بها، كما قال الشيخ الرئيس على ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الامر الثاني. وليس كذلك القضية الاولية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم، فانه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها لاول وهلة. 2 - ومن ادلتهم على انكار الحسن والقبح العقليين أن قالوا: انه لو كان ذلك عقليا لما اختلف حسن الاشياء وقبحها باختلاف الوجوه والاعتبارات كالصدق إذ يكون مرة ممدوحا عليه وأخرى مذموما عليه، إذا كان فيه ضرر كبير. وكذلك الكذب بالعكس يكون مذموما عليه وممدوحا عليه، إذا كان فيه نفع كبير. كالضرب والقيام والقعود ونحوها مما يختلف حسنه وقبحه. والجواب عن هذا الدليل واشباهه يظهر مما ذكرناه من أحسن الاشياء وقبحها على انحاء ثلاثة، فما كان ذاتيا لا يقع فيه اختلاف، فان العدل بما هو

[ 213 ]

عدل لا يكون قبيحا أبدا، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا، أي انه مادام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح وما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم. واما ما كان عرضيا فانه يختلف بالوجوه والاعتبارات، فمثلا الصدق أن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا وان دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. وكذلك الكذب وما ذكر من الامثلة. والخلاصة ان العدلية لا يقولون بان جميع الاشياء لا بد ان تتصف بالحسن ابدا أو بالقبح ابدا، حتى يلزم ما ذكر من الاشكال. 3 - وقد استدل العدلية على مذهبهم بما خلاصته: (انه من المعلوم ضرورة حسن الاحسان وقبح الظلم عند كل عاقل من غير اعتبار شرع، فان ذلك يدركه حتى منكر الشرائع). واجيب عنه، بأن الحسن والقبح في ذلك بمعنى الملاءمة والمنافرة أو بمعنى صفة الكمال والنقص، وهو مسلم لا نزاع فيه. واما بالمعنى المتنازع فيه فانا لا نسلم جزم العقلاء به. ونحن نقول: ان من يدعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الاحسان وقبح الظلم يدعي ضرورة مدحهم لفاعل الاحسان وذمهم لفاعل الظلم. ولا شك في أن هذا المدح والذم من العقلاء ضروريان لتواتره عن جميع الناس ومنكره مكابر. والذي يدفع العقلاء لهذا - كما قدمنا - شعورهم بأن العدل كمال للعادل وملاءمته لمصلحة النوع الانساني وبقائه وشعورهم بنقص الظلم ومنافرته لمصلحة النوع الانساني وبقائه. 4 - واستدل العدلية أيضا بأن الحسن والقبح لو كانا لا يثبتان الا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان اصلا حتى من طريق الشرع. وقد صور بعضهم هذه الملازمة على النحو الآتي: ان الشارع إذا أمر بشئ فلا يكون حسنا الا إذا مدح مع ذلك الفاعل عليه وإذا نهى عن شئ فلا يكون قبيحا الا إذا ذم الفاعل عليه. ومن أين تعرف انه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به ويذم فاعل المنهي عنه، الا إذا كان ذلك واجبا عقلا، فتوقف حسن المأمور به وقبح المنهي عنه على حكم العقل وهو المطلوب.

[ 214 ]

ثم لو ثبت ان الشارع مدح فاعل المأمور به وذم فاعل المنهي عنه، والمفروض ان مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه، فمن اين نعرف انه صادق في مدحه وذمه الا إذا ثبت ان الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه، فيتوقف ثبوت الحسن والقبح شرعا على ثبوتهما عقلا، فلو لو يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا. وقد اجاب بعض الاشاعرة عن هذا التصوير بأنه يكفي في كون الشئ حسنا ان يتعلق به الامر وفي كونه قبيحا ان يتعلق به النهي، والامر والنهي - حسب الفرض - ثابتان وجدانا. ولا حاجة إلى فرض ثبوت مدح وذم من الشارع. وهذا الكلام - في الحقيقة - يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن والقبح، فيكون الدليل وجوابه صرف دعوى ومصادرة على المطلوب، لان المستدل يرجع قوله إلى انه يجب المدح والذم عقلا لانهما واجبان في اتصاف الشئ بالحسن والقبح والمجيب يرجع قوله إلى انهما لا يجبان عقلا لانهما غير واجبين في الحسن والقبح. والاحسن تصوير الدليل على وجه آخر، فنقول: انه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الاوامر والنواهي الشرعية وكذلك وجوب المعرفة. وهذا الوجوب عند الاشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب ؟ لا بد ان يثبت بامر من الشارع. فننقل الكلام إلى هذا الامر، فنقول لهم: من اين تجب طاعة هذا الامر، فان كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب، وان كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر ولا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه.. وهكذا نمضي إلى غير النهاية. ولا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع. وهو المطلوب. بل ثبوت الشرائع من اصلها يتوقف على التحسين والتقبيح العقليين، ولو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها، لانا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية. والنتيجة: ان ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا.

[ 215 ]

المبحث الثاني ادراك العقل للحسن والقبح بعد ما تقدم من ثبوت الحسن والقبح العقليين في الافعال، فقد نسب بعضهم إلى جماعة الاخباريين - على ما يظهر من كلمات بعضهم - انكار ان يكون للعقل حق ادراك ذلك الحسن والقبح. فلا يثبت شئ من الحسن والقبح الواقعيين بادراك العقل. والشئ الثابت قطعا عنهم على الاجمال القول بعدم جواز الاعتماد على شئ من الادراكات العقلية في اثبات الاحكام الشرعية. وقد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة (1) حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم: 1 - انكار ادراك العقل للحسن والقبح الواقعيين. وهذه هي مسألتنا التي عقدنا لهاهذا المبحث الثاني. 2 - بعد الاعتراف بثبوت ادراك العقل انكار الملازمة بينه وبين حكم الشرع وهذه هي المسألة الآتية في (المبحث الثالث). 3 - بعد الاعتراف بثبوت ادراك العقل وثبوت الملازمة انكار وجوب اطاعة الحكم الشرعي الثابت من طريق العقل ومرجع ذلك إلى أنكار حجية العقل. وسيأتي البحث عن ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب (مباحث الحجة).


(1) سيأتي أن هناك وجها رابعا لحمل كلامهم عليه بما أولنا به رأي صاحب الفصول الآتي، وهو انكار ادراك العقل لملاكات الاحكام الشرعية. وهو وجه وجيه سيأتي بيانه وتأييده وبه تحل عقدة النزاع ويقع التصالح بين الطرفين. (*)

[ 216 ]

وعليه، فان أرادوا التفسير الاول بعد الاعتراف بثبوت الحسن والقبح العقليين فهو كلام لا معنى له، لانه قد تقدم انه لا واقعية للحسن والقبح بالمعنى المتنازع فيه مع الاشاعرة وهو المعنى الثالث الا ادراك العقلاء لذلك وتطابق آرائهم على مدح فاعل الحسن وذم فاعل القبيح على ما اوضحناه فيما سبق. وإذا اعترفوا بثبوت الحسن والقبح بهذا المعنى فهو اعتراف بادراك العقل. ولا معنى للتفكيك بين ثبوت الحسن والقبح وبين ادراك العقل لهما الا إذا جاز تفكيك الشئ عن نفسه. نعم إذا فسروا الحسن والقبح بالمعنيين الاولين جاز هذا التفكيك ولكنهما ليسا موضع النزاع عندهم. وهذا الامر واضح لا يحتاج إلى اكثر من هذا البيان بعدما قدمناه في المبحث الاول.

[ 217 ]

المبحث الثالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل وحكم الشرع ومعنى الملازمة العقلية هنا - على ما تقدم - انه إذا حكم العقل بحسن شئ أو قبحه هل يلزم عقلا ان يحكم الشرع على طبقه ؟ وهذه هي المسألة الاصولية التي تخص علمنا، وكل ما تقدم من الكلام كان كالمقدمة لها. وقد قلنا سابقا: ان الاخباريين فسر كلامهم - في أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة الذي يظهر من كلام بعضهم - بانكار هذه الملازمة. واما الاصوليون فقد انكرها منهم صاحب الفصول ولم نعرف له موافقا وسيأتي توجيه كلامهم وكلام الاخباريين. والحق ان الملازمة ثابتة عقلا، فان العقل إذا حكم بحسن شئ أو قبحه - أي انه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شئ لما فيه من حفظ النظام وبقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك - فان الحكم هذا يكون بادى رأي الجميع فلا بد ان يحكم الشارع بحكمهم، لانه منهم بل رئيسهم. فهو بما هو عاقل - بل خالق العقل - كسائر العقلاء لابد أن يحكم بما يحكمون. ولو فرضنا أنه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع، وهذا خلاف الفرض. وبعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى، وهي أنه لو ورد من الشارع امر في مورد حكم العقل كقوله تعالى: (أطيعوا الله والرسول) فهذا الامر من الشارع هل هو امر مولوي أي انه أمر منه بما هو مولى، أو انه أمر ارشادي أي انه أمر لاجل الارشاد إلى ماحكم به العقل، أي أنه امر منه بما هو عاقل ؟ وبعبارة أخرى ان النزاع هنا في ان مثل هذا الامر من الشارع هل هو أمر تأسيسي، وهذا معنى انه مولوي أو انه أمر تأكيدي وهو

[ 218 ]

معنى انه ارشادي ؟ لقد وقع الخلاف في ذلك، والحق انه للارشاد حيث يفرض ان حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن واندفاع ارادته للقيام به، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانيا، بل يكون عبثا ولغوا، بل هو مستحيل لانه يكون من باب تحصيل الحاصل. وعليه، فكل ما يرد في لسان الشرع من الاوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا. نعم لو قلنا بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذم فقط، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى، أو انه يلزم منه ذلك بل هو عينه (1) ولكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن الا يكون نفس ادراك استحقاق المدح والذم كافيا لدعوة كل احد إلى الفعل الا للافذاذ من الناس، فلا يستغني اكثر الناس عن الامر من المولى المترتب على موافقته الثواب وعلى مخالفته العقاب في مقام الدعوة إلى الفعل وانقياده، فإذا ورد أمر من المولى في مورد حكم العقل المستقل فلا مانع من حمله على الامر المولوي، الا إذا استلزم منه محال التسلسل كالامر بالطاعة والامر بالمعرفة. بل مثل هذه الموارد لا معنى لان يكون الامر فيها مولويا، لانه لا يترتب على موافقته ومخالفته غير ما يترتب على متعلق المأمور به، نظير الامر بالاحتياط في أطراف العلم الاجمالي. توضيح وتعقيب: والحق ان الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليين هو نفس الالتزام بتحسين الشارع وتقبيحه، وفقا لحكم العقلاء لانه من جملتهم، لا أنهما شيئان احدهما يلزم الآخر، وان توهم ذلك بعضهم.


(1) الحق كما - صرح بذلك كثير من العلماء المحققين - أن معنى استحقاق المدح ليس إلا استحقاق الثواب ومعنى استحقاق الذم ليس الا استحقاق العقاب، بمعنى أن المراد من المدح ما يعم الثواب لان المراد بالمدح المجازاة بالخير، والمراد من الذم ما يعم العقاب لان المراد به المكافأة بالشر. ولذا قالوا: ان مدح الشارع ثوابه وذمه عقابه، وأرادوا به هذا المعنى. (*)

[ 219 ]

ولذا ترى اكثر الاصوليين والكلاميين لم يجعلوهما مسألتين بعنوانين، بل لم يعنونوا الا مسألة واحدة هي مسألة التحسين والتقبيح العقليين. وعليه، فلا وجه للبحث عن ثبوت الملازمة بعد فرض القول بالتحسين والتقبيح. وأما نحن فانما جعلنا الملازمة مسألة مستقلة فللخلاف الذي وقع فيها بتوهم التفكيك. ومن العجيب ما عن صاحب الفصول - رحمه الله - من انكاره للملازمة مع قوله بالتحسين والتقبيح العقليين، وكأنه ظن أن كل ما ادركه العقل من المصالح والمفاسد - ولو بطريق نظري أو من غير سبب عام من الاسباب المتقدم ذكرها - يدخل في مسألة التحسين والتقبيح، وان القائل بالملازمة يقول بالملازمة أيضا في مثل ذلك. ولكن نحن قلنا: ان قضايا التحسين والتقبيح هي القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء كافة بماهم عقلاء وهي بادي رأي الجميع، وفي مثلها نقول بالملازمة لا مطلقا. فليس كل ما أدركه العقل من أي سبب كان ولو لم نتطابق عليه الآراء أو تطابقت ولكن لا بما هم عقلاء يدخل في هذه المسألة. وقد ذكرنا نحن سابقا: أن ما يدركه العقل من الحسن والقبح بسبب العادة أو الانفعال ونحوهما، وما يدركه لا من سبب عام للجميع - لايدخل في موضوع مسألتنا. ونزيد هذا بيانا وتوضيحا هنا، فنقول: ان مصالح الاحكام الشرعية المولوية التي هي نفسها ملاكات احكام الشارع لا تندرج تحت ضابط نحن ندركه بعقولنا، إذ لا يجب فيها ان تكون هي بعينها المصالح العمومية المبني عليها حفظ النظام العام وابقاء النوع التي هي - أعني هذه المصالح العمومية - مناطات الاحكام العقلية في مسألة التحسين والتقبيح العقليين. وعلى هذا، فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى ادراك جميع ملاكات الاحكام الشرعية. فإذا ادرك العقل المصلحة في شئ أو المفسدة في آخر ولم يكن ادراكه مستندا إلى ادراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في ادراكهما جميع العقلاء، فانه - اعني العقل - لا سبيل له إلى الحكم بأن هذا المدرك يجب ان يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل ان هناك ما

[ 220 ]

هو مناط لحكم الشارع غير ما ادركه العقل، أو ان هناك مانعا يمنع من حكم الشارع على طبق ما ادركه العقل وان كان ما ادركه مقتضيا لحكم الشارع. ولاجل هذا نقول: انه ليس كل ماحكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل والى هذا يرمي قول امامنا الصادق عليه السلام: (ان دين الله لا يصاب بالعقل) ولاجل هذا ايضا نحن لانعتبر القياس والاستحسان من الادلة الشرعية على الاحكام. * * * وعلى هذا التقدير، فان كان ما أنكره صاحب الفصول والاخباريون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقلية التي هي ليست من المستقلات العقلية التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء - فإن انكارهم في محله وهم على حق فيه لا نزاع لنا معهم فيه. ولكن هذا أمر اجنبي عن الملازمة المبحوث عنها في المستقلات العقلية. وان كان ما أنكروه هي مطلق الملازمة حتى في المستقلات العقلية كما قد يظهر من بعض تعبيراتهم فهم ليسوا على حق فيما انكروا، ولا مستند لهم. وعلى هذا فيمكن التصالح بين الطرفين بتوجيه كلام الاخباريين وصاحب الفصول بما يتفق وما أوضحناه، ولعله لا يأباه بعضهم كلامهم.

[ 221 ]

الباب الثاني غير المستقلات العقلية

[ 223 ]

تمهيد: سبق أن قلنا: أن المراد من (غير المستقلات العقلية) هو ما لم يستقل العقل به وحده في الوصول إلى النتيجة، بل يستعين بحكم شرعي (1) في احدى مقدمتي القياس (وهي الصغرى)، والمقدمة الاخرى (وهي الكبرى) مثاله حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة شرعا وبين وجوب الحكم العقلي الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في المقدمة الاولى وبين حكم شرعي آخر. وهذه الملازمة العقلية لها عدة موارد وقع فيها البحث وصارت موضعا للنزاع ونحن ذاكرون هنا أهم هذه المواضع في مسائل: المسألة الاولى: الاجزاء (2) تصدير: لاشك في أن المكلف إذا فعل بما أمر به مولاه على الوجه المطلوب - أي اتى بالمطلوب على طبق ما أمر به جامعا لجميع ما هو معتبر فيه من الاجزاء أو


(1) قلنا (يستعين بحكم شرعي) ولم نقل (ان المقدمة شرعية) لتعميم بحث غير المستقلات العقلية لمسألة الاجزاء، فان صغرى مسألة الاجزاء هكذا: (هذا الفعل اتيان بالمأمور به شرعا) والحكم بأن الفعل اتيان بالمأمور به يستعان فيه بالحكم الشرعي وهو الامر المفروض ثبوته. (2) الاجزاء: مصدر (أجزأ) أي أغنى عنه وقام مقامه.

[ 224 ]

الشرائط شرعية أو عقلية - فان هذا الفعل منه يعتبر امتثالا لنفس ذلك الامر، سواء كان الامر اختياريا واقعيا، أو اضطراريا، أو ظاهريا. وليس في هذا خلاف أو يمكن ان يقع فيه الخلاف. وكذا لا شك ولا خلاف في هذا الامتثال على تلك الصفة يجزئ ويكتفي به عن امتثال آخر، لان المكلف - حسب الفرض - قد جاء بما عليه من التكليف على الوجه المطلوب. وكفى ! وحينئذ يسقط الامر الموجه إليه، لانه قد حصل بالفعل ما دعا إليه وانتهى أمده. ويستحيل أن يبقى بعد حصول غرضه وما كان قد دعا إليه، لانتهاء أمد دعوته بحصول غايته الداعية إليه، الا إذا جوزنا المحال وهو حصول المعلول بلا علة (1). وانما وقع الخلاف - أو يمكن ان يقع - في مسألة الاجزاء فيما إذا كان هناك


(1) وإذا صح أن يقال شئ في هذا الباب فليس في أجزاء المأتى به والاكتفاء بأمتثال الامر، فان هذا قطعي كما قلنا في المتن - وانما الذي يصح أن يقال ويبحث عنه ففي جواز الامتثال مرة أخرى بدلا عن الامتثال الاول على وجه يلغي الامتثال الاول ويكتفي بالثاني. وهو خارج عن مسألة الاجزاء، ويعبر عنه في لسان الاصوليين بقولهم: (تبديل الامتثال بالامتثال). وقد يتصور الطالب ان هذا لا مانع منه عقلا، بأن يتصور أن هناك حالة منتظرة بعد الامتثال الاول، بمعنى أن نتصور أن الغرض من الامر لم يحصل بمجرد الامتثال الاول فلا يسقط عنده الامر، بل يبقى مجال لامتثاله ثانيا، لا سيما إذا كان الامتثال الثاني أفضل. ويساعد على هذا التصوير انه قد ورد في الشريعة ما يؤيد ذلك بظاهره مثل ما ورد في باب اعادة من صلى فرادى عند حضور الجماعة: (ان الله تعالى يختار أحبهما إليه). والحق عدم جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر، لان الاتيان بالمأمور به بحدوده وقيوده علة تامة لحصول الغرض، فلا تبقى حالة منتظرة بعد الامتثال الاول فيسقط الامر لانتهاء أمده كما قلنا في المتن. أما ما ورد في جواز ذلك فيحمل على استحباب الاعادة بامر آخر ندبي، وينبغي أن يحمل قوله عليه السلام (يختار أحبهما إليه) على أن المراد يختار ذلك في مقام عطاء الثواب والاجر، لا في مقام امتثال الامر الوجوبي بالصلاة وان الامتثال يقع بالثاني. (*)

[ 225 ]

أمران: أمر أولي واقعي لم يمتثله المكلف أما لتعذره عليه أو لجهله به، وأمر ثانوى اما اضطراري في صورة تعذر الاول واما ظاهري في صورة الجهل بالاول. فانه إذا امتثل المكلف هذا الامر الثانوي الاضطراري أو الظاهري ثم زال العذر والاضطرار أو زال الجهل وانكشف الواقع - صح الخلاف في كفاية ما أتى به امتثالا للامر الثاني عن امتثال الامر الاول، وأجزائه عنه اعادة في الوقت وقضاء في خارجه. ولاجل هذا عقدت هذه المسألة (مسألة الاجزاء). وحقيقتها هو البحث عن ثبوت الملازمة - عقلا - بين الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري أو الظاهري، وبين الاجزاء والاكتفاء به عن امتثال الامر الاولى الاختياري الواقعي. وقد عبر بعض علماء الاصول المتأخرين عن هذه المسألة بقوله: (هل الاتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الاجزاء أو لا يقتضي). والمراد من (الاقتضاء) في كلامه: الاقتضاء بمعنى العلية والتأثير أي انه هل يلزم - عقلا - من الاتيان بالمأمور به سقوط التكليف شرعا أداء وقضاء. ومن هنا تدخل هذه المسألة في باب الملازمات العقلية، على ما حررنا البحث في صدر هذا المقصد عن المراد بالملازمة العقلية. ولا وجه لجعلها من باب مباحث الالفاظ لان ذلك ليس من شؤون الدلالة اللفظية. وعلينا أن نعقد البحث في مقامين: (الاول) في اجزاء المأمور به بالامر الاضطراري (الثاني) في اجزاء المأمور به بالامر الظاهري: المقام الاول - الامر الاضطراري وردت في الشريعة المطهرة أوامر لا تحصى تختص بحال الضروريات وتعذر أمتثال الاوامر الاولى أو بحال الحرج في امتثالها: مثل التيمم ووضوء الجبيرة وغسلها وصلاة العاجز عن القيام أو القعود، وصلاة الغريق. ولا شك في أن الاضطرار ترتفع به فعلية التكليف، لان الله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها. وقد ورد في الحديث النبوي المشهور الصحيح (رفع على أمتي ما أضطروا إليه)

[ 226 ]

غير ان الشارع المقدس - حرصا على بعض العبادات لا سيما الصلاة التي لا تترك بحال - أمر عباده بالاستعاضة عما اضطروا إلى تركه بالاتيان ببدل عنه: فأمر - مثلا - بالتيمم بدلا عن الوضوء أو الغسل، وقد جاء في الحديث (يكفيك عشر سنين). وأمر بالمسح على الجبيرة بدلا عن غسل بشرة العضو في الوضوء والغسل. وأمر بالصلاة من جلوس بدلا عن الصلاة من قيام.. وهكذا فيما لا يحصى من الاوامر الواردة في حال اضطرار المكلف وعجزه عن امتثال الامر الاولى الاختياري أو في حال الحرج في أمثاله. ولا شك في أن هذه الاوامر الاضطرارية هي أوامر واقعية حقيقية ذات مصالح ملزمة كالاوامر الاولية. وقد تسمى (الاوامر الثانوية) تنبيها على انها واردة الحالات طارئة ثانوية على المكلف وإذا أمتثلها المكلف أدى ما عليه في هذا الحال وسقط عنه التكليف بها. ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطرارية الثانوية ورجع المكلف إلى حالته الاولى من التمكن من اداء ما كان عليه واجبا في حالة الاعتبار فهل بجزئه ماكان قد أتى به في حال الاضطرار، أو لا يجزئه، بل لا بد له من اعادة الفعل في الوقت اداء إذا كان ارتفاع الاضطرار قبل انتهاء وقت الفعل وكنا قلنا بجواز البدار (1)، أو أعادته خارج الوقت قضاء إذا كان ارتفاع الاضطرار بعد الوقت. أن هذا أمر يصح فيه الشك والتساؤل، وان كان المعروف بين الفقهاء في فتاويهم القول بالاجزاء مطلقا أداء وقضاء. غير أن اطباقهم على القول بالاجزاء ليس مستندا إلى دعوى ان البديهية العقلية تقضي به، لانه هنا يمكن تصور عدم الاجزاء بلا محذور عقلي، أعني يمكننا أن نتصور عدم الملازمة بين الاتيان بالمأمور به بالامر الاضطراري وبين الاجزاء به عن الامر الواقعي الاختياري. توضيح ذلك: انه لا اشكال في أن المأتي به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به حال الاختيار، والقول بالاجزاء فيه معناه كفاية الناقص عن الكامل مع فرض حصول التمكن من اداء الكامل في الوقت أو خارجه. ولا شك في


(1) لانه إذا لم يجز البدار، فان ابتدر فعمله باطل فكيف يجزئ، وان لم يبتدر فلا يبقى مجال لزوال العذر في الوقت حتى يتصور الاداء.

[ 227 ]

أن العقل لا يرق بأسا بالامر بالفعل ثانيا بعد زوال الضرورة، تحصيلا للكامل الذي قد فات منه. بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها الناقص ولا يسد مسد الكامل في تحصيلها. والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة: (ان الاتيان بالناقص ليس بالنظرة الاولى مما يقتضي عقلا الاجزاء عن الكامل). فلا بد ان يكون ذهاب الفقهاء إلى الاجزاء لسر هناك: اما لوجود ملازمة بين الاتيان بالناقص وبين الاجزاء عن الكامل، وأما لغير ذلك من الاسباب. فيجب أن نتبين ذلك، فنقول: هناك وجوه أربعة تصلح أن تكون كلها أو بعضها مستندا للقول بالاجزاء نذكرها كلها. 1 - انه من المعلوم أن الاحكام الواردة في حال الاضطرار واردة للتخفيف على المكلفين والتوسعة عليهم في تحصيل مصالح التكاليف الاصلية الاولية (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). وليس من شأن التخفيف والتوسعة أن يكلفهم ثانيا بالقضاء أو الاداء، وان كان الناقص لا يسد مسد الكامل في تحصيل مصلحته الملزمة. 2 - ان أكثر الادلة الواردة في التكاليف الاضطرارية مطلقة مثل قوله تعالى (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)، أي ان ظاهرها بمقتضى الاطلاق الاكتفاء بالتكليف الثاني لحال الضرورة، وان التكليف منحصر فيه وليس وراءه تكليف آخر. فلو أن الاداء أو القضاء واجبان أيضا لوجب البيان والتنصيص على ذلك. واذ لم يبين ذلك علم ان الناقص يجزئ عن اداء الكامل أداة وقضاء، لا سيما مع ورود مثل قوله (ع): (ان التراب يكفيك عشر سنين). 3 - ان القضاء بالخصوص انما يجب فيما إذا صدق الفوت، ويمكن أن يقال انه لا يصدق الفوت في المقام، لان القضاء انما يفرض فيما إذا كانت الضرورة مستمرة في جميع وقت الاداء. وعلى هذا التقدير لا أمر بالكامل في الوقت، وإذا لم يكن أمر فقد يقال انه لا يصدق بالنسبة إليه فوت الفريضة، إذ لا فريضة. وأما الاداء فانما يفرض فيما يجوز البدار به، وقد ابتدر المكلف - حسب الفرض - إلى فعل الناقص في الازمنة الاولى من الوقت ثم زالت الضرورة قبل

[ 228 ]

انتهاء الوقت. ونفس الرخصة في البدار - لو ثبتت - تشير إلى مسامحة الشارع في تحصيل الكامل عند التمكن، والا لفرض عليه الانتظار تحصيلا للكامل. 4 - إذا كنا قد شككنا في وجوب الاداء والقضاء، والمفروض ان وجوبهما لم ننفه باطلاق ونحوه - فان هذا شك في اصل التكليف. وفي مثله تجري اصالة البراءة القاضية بعدم وجوبهما فهذه الوجوه الاربعة كلها أو بعضها أو نحوها هي سر حكم الفقهاء بالاجزاء قضاء واداء. والقول بالاجزاء - على هذا أمر لا مفر منه. ويتأكد ذلك في الصلاة التي هي العمدة في الباب. المقام الثاني - الامر الظاهري تمهيد: للحكم الظاهري اصطلاحان: (احدهما) ما تقدم في اول الجزء الاول ص 6، وهو المقابل للحكم الواقعي، وان كان الواقعي مستفادا من الادلة الاجتهادية الظنية فيختص الظاهري بما ثبت بالاصول العملية. و (ثانيهما) كل حكم ثبت ظاهرا عند الجهل بالحكم الواقعي الثابت في علم الله تعالى، فيشمل الحكم الثابت بالامارات والاصول معا. فيكون الحكم الظاهري بالمعنى الثاني اعم من الاول. وهذا المعنى الثاني العام هو المقصود هنا بالبحث، فالامر الظاهري: ما تضمنه الاصل أو الامارة. ثم انه لا شك في ان الامر الواقعي في موردي الاصل والامارة غير منجز على المكلف، بمعنى انه لا عقاب على مخالفته بسبب العمل بالامارة والاصل لو اتفق مخالفتهما له، لانه - من الواضح - ان كل تكليف غير واصل إلى المكلف بعد الفحص واليأس غير منجز عليه، ضرورة ان التكليف انما يتنجز بوصوله بأي نحو من انحاء الوصول، ولو بالعلم الاجمالي. هذا كله لا كلام فيه، وسيأتي في مباحث الحجة تفصيل الحديث عنه. وانما الذي يحسن ان نبحث عنه هنا في هذا الباب هو ان الامر الواقعي المجهول لو انكشف فيه بعد ذلك خطأ الامارة أو الاصل، وقد عمل المكلف

[ 229 ]

- حسب الفرض - على خلافه اتباعا للامارة الخاطئة أو الاصل المخالف للواقع، فهل يجب على المكلف امتثال الامر الواقعي في الوقت اداء وفي خارج الوقت قضاء، أو أنه لا يجب شئ عليه بل يجزي ما اتى به على طبق الامارة أو الاصل ويكتفي به ؟ ثم ان العمل على خلاف الواقع - كما سبق - تارة يكون بالامارة واخرى بالاصل. ثم الانكشاف على نحوين: انكشاف على نحو اليقين وانكشاف بمقتضى حجة معتبرة. فهذه اربع صور. ولاختلاف البحث في هذه الصور - مع اتفاق صورتين منها في الحكم وهما صورتا الانكشاف بحجة معتبرة مع العمل على طبق الامارة ومع العمل بمقتضى الاصل - نعقد البحث في ثلاث مسائل: 1 - الاجزاء في الامارة مع انكشاف الخطأ يقينا ان قيام الامارة تارة يكون في الاحكام، كقيام الامارة على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة حال الغيبة بدلا عن صلاة الجمعة، واخرى في الموضوعات، كقيام البينة على طهارة ثوب صلى به أو ماء توضأ منه، ثم بانت نجاسته. والمعروف عند الامامية عدم الاجزاء مطلقا: في الاحكام والموضوعات، أما في (الاحكام) فلاجل اتفاقهم على مذهب التخطئة، أي أن المجتهد يخطئ ويصيب، لان لله تعالى احكاما ثابتة في الواقع يشترك فيها العالم والجاهل، أي أن الجاهل مكلف بها كالعالم، غاية الامر انها غير منجزة بالفعل بالنسبة إلى الجاهل القاصر (1) حين جهله، وانما يكون معذورا في المخالفة لو اتفقت له باتباع الامارة، إذ لا تكون الامارة عندهم الا طريقا محضا لتحصيل الواقع.


(1) الجاهل القاصر من لم يتمكن من الفحص أو فحص فلم يعثر. ويقابله المقصر، وهو بعكسه. والاحكام منجزة بالنسبة إلى المقصر لحصول العلم الاجمالي بها عنده، والعلم منجز للاحكام وإن كان اجماليا فلا يكون معذورا. بل الاحتمال وحده بالنسبة إليه يكون منجزا وسيأتي البحث عن ذلك في (مباحث الحجة).

[ 230 ]

ومع انكشاف الخطأ لا يبقى مجال للعذر، بل يتنجز الواقع حينئذ في حقه من دون أن يكون قد جاء بشئ يسد مسده ويغني عنه. ولا يصح القول بالاجزاء الا إذا قلنا: انه بقيام الامارة على وجوب شئ تحدث فيه مصلحة ملزمة على أن تكون هذه المصلحة وافية بمصلحة الواقع يتدارك بها مصلحة الواجب الواقعي، فتكون الامارة مأخوذة على نحو الموضوعية للحكم. ضرورة انه مع هذا الفرض يكون ما أتى به على طبق الامارة مجزيا عن الواقع لانه قد أتى بما يسد مسده ويغني عنه في تحصيل مصلحة الواقع. ولكن هذا معناه التصويب المنسوب إلى المعتزلة، أي أن احكام الله تعالى لآراء المجتهدين وان كانت له احكام واقعية ثابتة في نفسها، فانه يكون - عليه - كل رأي ادى إليه نظر المجتهد قد انشأ الله تعالى طبقه حكما من الاحكام. والتصويب بهذا المعنى قد اجتمعت الامامية على بطلانه وسيأتي البحث عنه في (مباحث الحجة). واما القول بالمصلحة السلوكية - أي أن نفس متابعة الامارة فيه مصلحة ملزمة يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع، وان لم تحدث مصلحة في نفس الفعل الذي ادت الامارة إلى وجوبه - فهذا قول لبعض الامامية لتصحيح جعل الطرق والامارات في فرض التمكن من تحصيل العلم، على ما سيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى. ولكنه - على تقدير صحة هذا القول - لا يقتضي الاجزاء ايضا، لانه على فرضه تبقي مصلحة الواقع على ما هي عليه عند انكشاف خطأ الامارة في الوقت أو في خارجه. توضيح ذلك: ان المصلحة السلوكية المدعاة هي مصلحة تدارك الواقع باعتبار ان الشارع لما جعل الامارة في حال تمكن المكلف من تحصيل العلم بالواقع فانه قد فوت عليه الواقع فلا بد من فرض تداركه بمصلحة تكون في نفس اتباع الامارة، واللازم من المصلحة التي يتدارك بها الواقع أن تقدر بقدر ما فات من الواقع من مصلحة لا اكثر. وعند انكشاف الخطأ في الوقت لم يفت من مصلحة الواقع الا مصلحة فضيلة أول الوقت، وعند انكشاف الخطأ في خارج الوقت لم تفت الا مصلحة الوقت، اما مصلحة أصل الفعل فلم تفت من المكلف لا مكان تحصيلها بعد الانكشاف، فما هو الملزم للقول

[ 231 ]

بحصول مصلحة يتدارك بها أصل مصلحة الفعل حتى يلزم الاجزاء ؟ ! * * * واما في (الموضوعات) فالظاهر ان المعروف عندهم ان الامارة فيها قد اخذت على نحو (الطريقة)، كقاعدة اليد والصحة وسوق المسلمين ونحوها فان اصابت الواقع فذاك وان أخطأت فالواقع على حاله ولاتحدث بسببها مصلحة يتدارك بها مصلحة الواقع غاية الامر ان المكلف معها معذور عند الخطأ وشأنها في ذلك شأن الامارة في الاحكام. والسر في حملها على (الطريقية) هو ان الدليل الذي دل على حجية الامارة في الاحكام هو نفسه دل على حجيتها في الموضوعات بلسان واحد في الجميع، لا أن القول بالموضوعية هنا يقتضي محذور التصويب المجمع على بطلانه عند الامامية كالامارة في الاحكام. وعليه فالامارة في الموضوعات أيضا لا تقتضي الاجزاء بلا فرق بينها وبين الامارة في الاحكام. 2 - الاجزاء في الاصول مع انكشاف الخطأ يقينا: لا شك في أن العمل بالاصل انما يصح إذا فقد المكلف الدليل الاجتهادي على الحكم. فيرجع إليه باعتباره وظيفة للجاهل لا بد منها للخروج من الحيرة. فالاصل - في حقيقته - وظيفة للجاهل الشاك ينتهي إليه في مقام العلم إذ لا سبيل له غير ذلك لرفع الحيرة وعلاج حالة الشك. ثم أن الاصل على قسمين: 1 - أصل عقلي، والمراد منه ما يحكم به العقل ولا يتضمن جعل حكم ظاهري من الشارع، كالاحتياط، وقاعدة التخيير، والبراءة العقلية التي مرجعها إلى حكم العقل بنفي العقاب بلا بيان، فهي لا مضمون لها الا رفع العقاب، لا جعل حكم بالاباحة من الشارع. 2 - أصل شرعي، وهو المجعول من الشارع في مقام الشك والحيرة

[ 232 ]

فيتضمن جعل حكم ظاهري، كالاستصحاب والبراءة الشرعية التي مرجعها إلى حكم الشارع بالاباحة، ومثلها أصالة الطهارة والحلية. إذا عرفت ذلك فنقول: أولا - ان بحث الاجزاء لا يتصور في قاعدة الاحتياط مطلقا سواء كانت عقلية أو شرعية، لان المفروض في الاحتياط هو العمل بما يحقق أمتثال التكليف الواقعي فلا يتصور فيه تفويت المصلحة. وثانيا - كذلك لا يتصور بحث الاجزاء في الاصول العقلية الاخرى كالبراءة وقاعدة التخيير، لانها - حسب الفرض لا تتضمن حكما ظاهريا، حتى يتصور فيها الاجزاء والاكتفاء بالمأتي به عن الواقع، بل أن مضمونها هو سقوط العقاب والمعذورية المجردة. وعليه فينحصر البحث في خصوص الاصول الشرعية عدا الاحتياط، كالاستصحاب وأصالة البراءة والحلية واصالة الطهارة. وهي لاول وهلة لا مجال لتوهم الاجزاء فيها لا في الاحكام ولا في الموضوعات، فإنها أولى من الامارات في عدم الاجزاء، باعتبار انها - كما ذكرنا في صدر البحث - وظيفة عملية يرجع إليها الجاهل الشاك لرفع الحيرة في مقام العمل والعلاج الوقتي. أما الواقع فهو على واقعيته، فيتنجز حين العلم به وانكشافه، ولا مصلحة في العمل بالاصل غير رفع الحيرة عند الشك. فلا يتصور فيه مصلحة وافية يتدارك بها مصلحة الواقع حتى يقتضي الاجزاء والاكتفاء به عن الواقع. ولذا أفتى علماؤنا المتقدمون بعدم الاجزاء في الاصول العملية. ومع هذا، فقد قال قوم من المتأخرين بالاجزاء منهم شيخنا صاحب الكفاية وتبعه تلميذه أستاذنا الشيخ محمد حسين الاصفهاني. ولكن ذلك في خصوص الاصول الجارية لتنقيح موضوع التكليف وتحقيق متعلقه. كقاعدة الطهارة وأصالة الحلية واستصحابها دون الاصول الجارية في نفس الاحكام. ومنشأ هذا الرأي عنده اعتقاده بأن دليل الاصل في موضوعات الاحكام موسع لدائرة الشرط أو الجزء المعتبر في موضوع التكليف ومتعلقه بأن يكون مثل قوله عليه السلام: (كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر) يدل على أن كل شئ

[ 233 ]

قبل العلم بنجاسته محكوم بالطهارة. والحكم بالطهارة حكم بترتيب آثارها وانشاء لاحكامها التكليفية والوضعية التي منها الشرطية فتصح الصلاة بمشكوك الطهارة كما تصح بالطاهر الواقعي. ويلزم من ذلك أن يكون الشرط في الصلاة - حقيقة - أعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية. وإذا كان الامر كذلك فإذا انكشف الخلاف لا يكون ذلك موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه، بل يكون بالنسبة إليه من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل. فلا يتصور حينئذ معنى لعدم الاجزاء بالنسبة إلى ما أتى به حين الشك. والمفروض أن ما اتى به يكون واجدا لشرطه المعتبر فيه فيه تحقيقا، باعتبار أن الشرط هو الاعم من الطهارة الواقعية والظاهرية حين الجهل، فلا يكون فيه انكشاف للخلاف ولا فقدان للشرط. وقد ناقشه شيخنا الميرزا النائيني بعدة مناقشات يطول ذكرها ولا يسعها هذا المختصر والموضوع من المباحث الدقيقة التي هي فوق مستوى كتابنا. 3 - الاجزاء في الامارات والاصول مع انكشاف الخطأ بحجة معتبرة: وهذه أهم مسألة في الاجزاء من جهة عموم البلوى بها للمكلفين، فإن المجتهدين كثيرا ما يحصل لهم تبدل في الرأي بما يوجب فساد اعمالهم السابقة ظاهرا. ويتبعهم المقلدون لهم. والمقلدون أيضا قد ينتقلون من تقليد شخص إلى تقليد شخص آخر يخالف الاول في الرأي بما يوجب فساد الاعمال السابقة. فنقول في هذه الاحوال: انه بعد قيام الحجة المعتبرة اللاحقة بالنسبة إلى المجتهد أو المقلد، لا اشكال في وجوب الاخذ بها في الوقائع اللاحقة غير المرتبطة بالوقائع السابقة. ولا اشكال - أيضا - في مضي الوقائع السابقة التي لا يترتب عليها أثر أصلا في الزمن اللاحق. وانما الاشكال في الوقائع اللاحقة المرتبطة بالوقائع السابقة، مثل مالو انكشف الخطأ أجتهادا أو تقليدا في وقت العبادة وقد عمل بمتقضى الحجة

[ 234 ]

السابقة، أو انكشف الخطأ في خارج الوقت وكان عمله مما يقضي كالصلاة. ومثل مالو تزوج زوجة بعقد غير عربي اجتهادا أو تقليدا ثم قامت الحجة عنده على اعتبار اللفظ العربي والزوجة لا تزال موجودة. فان المعروف في الموضوعات الخارجية عدم الاجزاء. أما في الاحكام فقد قيل بقيام الاجماع على الاجزاء لا سيما في الامور العبادية كالمثال الاول المتقدم. ولكن العمدة في الباب أن نبحث عن القاعدة ماذا تقتضي هنا ؟ هل تقتضي الاجزاء أو لا تقتضيه ؟ والظاهر انها لا تقتضي الاجزاء. وخلاصة ما ينبغي أن يقال: ان من يدعي الاجزاء لا بد أن يدعي ان المكلف لا يلزمه في الزمان اللاحق الا العمل على طبق الحجة الاخيرة التي قامت عنده. وأما عمله السابق فقد كان على طبق حجة ماضية عليه في حينها. ولكن يقال له، أن التبدل الذي حصل له، أما ان يدعي انه تبدل في الحكم الواقعي أو تبدل في الحجة عليه. ولا ثالث لهما. أما دعوى التبدل في الحكم الواقعي فلا اشكال في بطلانها، لانها تستلزم القول بالتصويب. وهو ظاهر. وأما دعوى التبدل في الحجة، فان أراد ان الحجة الاولى هي حجة بالنسبة إلى الاعمال السابقة وبالنظر إلى وقتها فقط فهذا لا ينفع في الاجزاء بالنسبة إلى الاعمال اللاحقة وآثار الاعمال السابقة، وان أراد أن الحجة الاولى هي حجة مطلقا حتى بالنسبة إلى الاعمال اللاحقة وآثار الاعمال السابقة فالدعوى باطلة قطعا. لانه في تبدل الاجتهاد ينكشف بحجة معتبرة أن المدرك السابق لم يكن حجة مطلقا حتى بالنسبة إلى أعماله اللاحقة، أو انه تخيله حجة وهو ليس بحجة. لا أن المدرك الاول حجة مطلقا، وهذا الثاني حجة أخرى. وكذلك الكلام في تبدل التقليد، فان مقتضى التقليد الثاني هو انكشاف بطلان الاعمال الواقعة على طبق التقليد الاول، فلا بد من ترتيب الاثر على طبق الحجة الفعلية فان الحجة السابقة - أي التقليد الاول - كلا حجة بالنسبة إلى الآثار اللاحقة، وان كانت حجة عليه في وقته، والمفروض عدم التبدل في

[ 235 ]

الحكم الواقعي فهو باق على حاله. فيجب العمل على طبق الحجة الفعلية وما تقتضيه. فلا اجزاء الا إذا ثبت الاجماع عليه. وتفصيل الكلام في هذا الموضوع يحتاج إلى سعة من القول فوق مستوى هذا المختصر. تنبيه في تبدل القطع لو قطع المكلف بأمر خطأ فعمل على طبق قطعه ثم بان له يقينا خطأه، فانه لا ينبغي الشك في عدم الاجزاء. والسر واضح، لانه عند القطع الاول لم يفعل ما استوفي مصلحة الواقع بأي وجه من وجوه الاستيفاء، فكيف يسقط التكليف الواقعي، لانه في الحقيقة لا أمر موجه إليه انما كان يتخيل الامر. وعليه، فيجب امتثال الواقع في الوقت أداء وفي خارجه قضاء. نعم لو أن العمل الذي قطع بوجوبه كان من باب الاتفاق محققا لمصلحة الواقع فانه لا بد ان يكون مجزيا. ولكن هذا أمر آخر اتفاقي ليس من جهة كونه مقطوع الوجوب * * * المسألة الثانية: مقدمة الواجب تحرير النزاع: كل عاقل يجد من نفسه أنه إذا وجب عليه شئ وكان حصوله يتوقف على مقدمات، فانه لا بد له من تحصيل تلك المقدمات ليتوصل إلى فعل ذلك الشئ بها. وهذا الامر بهذا المقدار ليس موضعا للشك والنزاع، وانما الذي وقع موضعا للشك وجرى فيه النزاع عند الاصوليين هو أن هذه الابدية العقلية للمقدمة التي لا يتم الواجب الا بها هل يستكشف منها اللابدية شرعا أيضا ؟

[ 236 ]

يعني أن الواجب هل يلزم عقلا من وجوبه الشرعي وجوب مقدمته شرعا ؟ أو فقل على نحو العموم: كل فعل واجب عند مولى من الموالي هل يلزم منه عقلا وجوب مقدمته أيضا عند ذلك المولى. وبعبارة رابعة أكثر وضوحا: ان العقل - لا شك - يحكم بوجوب مقدمة الواجب (أي يدرك لزومها) ولكن هل يحكم أيضا بأنها واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقف عليها ؟ وعلى هذا البيان، فالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة. مقدمة الواجب من أي قسم من المباحث الاصولية ؟ وإذا اتضح ما تقدم في تحرير النزاع نستطيع أن نفهم انه في أي قسم من أقسام المباحث الاصولية ينبغي أن تدخل هذه المسألة. وتوضيح ذلك: ان هذه الملازمة - على تقدير القول بها - تكون على انحاء ثلاثة: اما ملازمة غير بينة. أو بينة بالمعنى الاعم، أو بينة بالمعنى الاخص (1). فان كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - غير بينة أو بينة بالمعنى الاعم، فاثبات اللازم وهو وجوب المقدمة شرعا لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا بل اثباته انما يتوقف على حجية هذا الحكم العقلي بالملازمة، وإذا تحققت هناك دلالة فهي من نوع دلالة الاشارة (2). وعلى هذا فيجب أن تدخل المسألة في بحث الملازمات العقلية غير المستقلة، ولا يصح ادراجها في مباحث الالفاظ.


(1) راجع عن معنى الملازمة وأقسامها الثلاثة الجزء الاول من المنطق للمؤلف ص 79 الطبعة الثانية. (2) راجع دلالة الاشارة الجزء الاول ص 135، فانه ذكرنا هناك أن دلالة الاشارة ليست من الظواهر فلا تدخل في حجية الظهور، وانما حجيتها - على تقديره - من باب الملازمة العقلية.

[ 237 ]

وان كانت هذه الملازمة - في نظر القائل بها - ملازمة بينة بالمعنى الاخص، فاثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظية وهي الدلالة الالتزامية خاصة. والدلالة الالتزامية من الظواهر التي هي حجة. ولعله لاجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الالفاظ وجعلوها من مباحث الاوامر بالخصوص. وهم على حق في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها الا لكونها ملازمة بينة بالمعنى الاخص، ولكن الامر ليس كذلك. اذن، يمكننا أن نقول: ان هذه المسألة ذات جهتين باختلاف الاقوال فيها: يمكن أن تدخل في مباحث الالفاظ على بعض الاقوال، ويمكن ان تدخل في الملازمات العقلية على البعض الآخر. ولكن لاجل الجمع بين الجهتين ناسب ادخالها في الملازمات العقلية - كما صنعنا - لان البحث فيها على كل حال في ثبوت الملازمة، غاية الامر انه على أحد الاقوال تدخل صغرى لحجية الظهور كما تدخل صغرى لحجية العقل. وعلى القول الآخر تتمحض في الدخول صغرى لحجية العقل. والجامع بينهما هو جعلها صغرى لحجية العقل. ثمرة النزاع: ان ثمرة النزاع المتصورة - أولا وبالذات - لهذه المسألة هي إستنتاج وجوب المقدمة شرعا بالاضافة إلى وجوبها العقلي الثابت. وهذا المقدار كاف في ثمرة المسألة الاصولية، لان المقصود من علم الاصول هو الاستعانة بمسائله على استنباط الاحكام من أدلتها. ولكن هذه ثمرة غير عملية، باعتبار أن المقدمة بعد فرض وجوبها العقلي ولا بدية الاتيان بها لا فائدة في القول بوجوبها شرعا أو بعدم وجوبها، إذ لا مجال للمكلف أن يتركها بحال ما دام هو بصدد امتثال ذي المقدمة. وعليه، فالبحث عن هذه المسألة لا يكون بحثا عمليا مفيدا، بل يبدو لاول وهلة أنه لغو من القول لا طائل تحته، مع أن هذه المسألة من أشهر مسائل هذا العلم وأدقها واكثرها بحثا.

[ 238 ]

ومن أجل هذا أخذ بعض الاصوليين المتأخرين يفتشون عن فوائد عملية لهذا البحث غير ثمرة أصل الوجوب. وفي الحقيقة ان كل ما ذكروه من ثمرات لا تسمن ولا تغني من جوع. (راجع عنها المطولات ان شئت). فيا ترى هل كان البحث عنها كله لغوا ؟ وهل من الاصح ان نترك البحث عنها ؟ - نقول: لا ! ان للمسألة فوائد علمية كثيرة ان لم تكن لها فوائد عملية، ولا يستهان بتلك الفوائد كما سترى، ثم هي ترتبط، بكثير من المسائل ذات الشأن العملي في الفقه، كالبحث عن الشرط المتأخر والمقدمات المفوته وعبادية بعض المقدمات كالطهارات الثلاث مما لا يسع الاصولي أن يتجاهلها ويغفلها. وهذا كله ليس بالشئ القليل وان لم تكن هي من المسائل الاصولية. ولذا تجد أن أهم مباحث مسألتنا هي هذه الامور المنوه عنها وأمثالها. أما نفس البحث عن أصل الملازمة فيكاد يكون بحثا على الهامش، بل آخر ما يشغل بال الاصوليين. هذا، ونحن اتباعا لطريقتهم نضع التمهيدات قبل البحث عن أصل المسألة في أمور تسعة: 1 - الواجب النفسي والغيري تقدم في المجلد الاول ص 72 معنى الواجب النفسي والغيري، ويجب توضيحهما الآن فانه هنا موضع الحاجة لبحثهما، لان الوجوب الغيري هو نفس وجوب المقدمة - على تقدير القول بوجوبها -. وعليه، فنقول في تعريفهما: (الواجب النفسي): ما وجب لنفسه، لا لواجب آخر. (الواجب الغيري): ما وجب.. لواجب آخر. وهذان التعريفان أسد التعريفات لهما وأحسنها، ولكن يحتاجان إلى بعض من التوضيح: فان قولنا: (ما وجب لنفسه) قد يتوهم منه المتوهم لاول نظرة ان العبارة

[ 239 ]

تعطي أن معناها ان يكون وجوب الشئ علة لنفسه في الواجب النفسي، وذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيري، إذ يستفاد منه أن وجوب الغير علة لوجوبه كما عليه المشهور. ولا شك في أن هذا محال في الواجب النفسي، إذ كيف يكون الشئ علة لنفسة ؟ ويندفع هذا التوهم بأدنى تأمل، فان ذلك التعبير عن الواجب النفسي صحيح لا غبار عليه، وهو نظير تعبيرهم عن الله تعالى بأنه (واجب الوجود لذاته)، فان غرضهم منه أن وجوده ليس مستفادا من الغير ولا لاجل الغير كالممكن، لا أن معناه أنه معلول لذاته. وكذلك هنا نقول في الواجب النفسي فان معنى (ما وجب لنفسه) أن وجوبه غير مستفاد من الغير ولا لاجل الغير في قبال الواجب الغيري الذي وجوبه لاجل الغير، لا أن وجوبه مستفاد من نفسه. وبهذا يتضح معنى تعريف الواجب الغيري (ما وجب لواجب آخر) فان معناه أن وجوبه لاجل الغير وتابع للغير، لكونه مقدمة لذلك الغير الواجب. وسيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعية هذه ليتجلى لنا المقصود من الوجوب الغيري في الباب. 2 - معنى التبعية في الوجوب الغيري قد شاع في تعبيراتهم كثيرا قولهم: (ان الواجب الغيري تابع في وجوبه لوجوب غيره)، ولكن هذا التعبير مجمل جدا، لان التبعية في الوجوب يمكن أن تتصور لها معاني أربعة، فلا بد من بيانها وبيان المعنى المقصود منها هنا، فنقول: 1 - أن يكون معنى الوجوب التبعي هو الوجوب بالعرض. ومعنى ذلك أنه ليس في الواقع الا وجوب واحد حقيقي - وهو الوجوب النفسي - ينسب إلى ذي المقدمة أولا وبالذات والى المقدمة ثانيا وبالعرض. وذلك نظير الوجود بالنسبة إلى اللفظ والمعنى حينما يقال: المعنى موجود باللفظ، فان المقصود بذلك أن هناك وجودا واحدا حقيقيا ينسب إلى اللفظ أولا وبالذات والى المعنى ثانيا وبالعرض. ولكن هذا الوجه من التبعية لا ينبغي أن يكون هو المقصود من التبعية هنا، لان المقصود من الوجوب الغيري وجوب حقيقي آخر يثبت للمقدمة غير

[ 240 ]

وجوب ذيها النفسي، بأن يكون لكل من المقدمة وذيها وجوب قائم به حقيقة. ومعنى التبعية في هذا الوجه أن الوجوب الحقيقي واحد ويكون الوجوب الثاني وجوبا مجازيا. على أن هذا الوجوب بالعرض ليس وجوبا يزيد على اللابدية العقلية للمقدمة حتى يمكن فرض النزاع فيه نزاعا عمليا. 2 - أن يكون معنى التبعية صرف التأخر في الوجود، فيكون ترتب الوجوب الغيري على الوجوب النفسي نظير ترتب أحد الوجودين المستقلين على الآخر، بأن يفرض البعث الموجه للمقدمة بعثا مستقلا ولكنه بعد البعث نحو ذيها مرتب عليه في الوجود، فيكون من قبيل الامر بالحج المرتب وجودا على حصول الاستطاعة ومن قبيل الامر بالصلاة بعد حصول البلوغ أو دخول الوقت. ولكن هذا الوجه من التبعية أيضا لا ينبغي أن يكون هو المقصود هنا، فانه لو كان ذلك هو المقصود لكان هذا الوجوب للمقدمة - في الحقيقة - وجوبا نفسيا آخر في مقابل وجوب ذي المقدمة وانما يكون وجوب ذي المقدمة له السبق في الوجود فقط. وهذا ينافي حقيقة المقدمية فانها لا تكون الا موصلة إلى ذي المقدمة في وجوبها معا. 3 - أن يكون معنى التبعية ترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي لذي المقدمة على وجه يكون معلولا له ومنبعثا منه انبعاث الاثر من مؤثره التكويني كانبعاث الحرارة من النار. وكأن هذا الوجه من التبعية هو المقصود للقوم، ولذا قالوا بأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها اطلاقا واشتراطا لمكان هذه المعلولية، لان المعلول لا يتحقق الا حيث تتحقق علته وإذا تحققت العلة لا بد من تحققه بصورة لا يتخلف عنها. وأيضا عللوا امتناع وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علته. ولكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعية الوجوب الغيري وان اشتهر على الالسنة، لان الوجوب النفسي لو كان علة للوجوب الغيري فلا يصح فرضه الا علة فاعلية تكوينية دون غيرها من العلل فانه لا معنى لفرضه علة صورية أو مادية أو غائية. ولكن فرضه علة فاعلية أيضا باطل جزما، لوضوح أن العلة الفاعلية الحقيقية للوجوب هو الامر، لان الامر فعل الآمر. والظاهر ان السبب في اشتهار معلولية الوجوب الغيري هو أن شوق الآمر

[ 241 ]

للمقدمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدمة، لان الانسان إذا اشتاق إلى فعل شئ اشتاق بالتبع إلى فعل كل ما يتوقف عليه. ولكن الشوق إلى فعل الشئ من الغير ليس هو الوجوب وانما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الامر به إذا لم يحصل ما يمنع من الامر به فإذا صدر منه الامر وهو أهل له انتزع منه الوجوب. والحاصل ليس الوجوب الغيري معلولا للوجوب النفسي في ذي المقدمة ولا ينتهي إليه في سلسلة العلل، وانما ينتهي الوجوب الغيري في سلسلة علله إلى الشوق إلى ذي المقدمة إذا لم يكن هناك مانع لدى الآمر من الامر بالمقدمة، لان الشوق - على كل حال - ليس علة تامة إلى فعل ما يشتاق إليه. فتذكر هذا فانه سينفعك في وجوب المقدمة المفوتة وفي أصل وجوب المقدمة، فانه بهذا البيان سيتضح كيف يمكن فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها، وبهذا البيان سيتضح أيضا كيف ان المقدمة مطلقا ليست واجبة بالوجوب المولوي. 4 - أن يكون معنى التبعية هو ترشح الوجوب الغيري من الوجوب النفسي ولكن لا بمعنى أنه معلول له، بل بمعنى أن الباعث للوجوب الغيري - على تقدير القول به - هو الواجب النفسي باعتبار أن الامر بالمقدمة والبعث نحوها انما هو لغاية التوصل إلى ذيها الواجب وتحصيله، فيكون وجوبها وصلة وطريقا إلى تحصيل ذيها ولولا أن ذيها كان مرادا للمولى لما أوجب المقدمة. ويشير إلى هذا المعنى من التبعية تعريفهم للواجب الغيري بأنه (ما وجب لواجب آخر)، أي لغاية واجب آخر ولغرض تحصيله والتوصل إليه، فيكون الغرض من وجوب المقدمة على تقدير القول به هو تحصيل ذيها الواجب. وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يكون معنى التبعية المقصودة في الوجوب الغيري. ويلزمها أن يكون الوجوب الغيري تابعا لوجوبها اطلاقا واشتراطا. وعليه، فالوجوب الغيري وجوب حقيقي ولكنه وجوب تبعي توصلي آلي، وشأن وجوب المقدمة شأن نفس المقدمة. فكما ان المقدمة بما هي مقدمة لا يقصد فاعلها الا التوصل إلى ذيها كذلك وجوبها انما هو للتوصل إلى تحصيل ذيها، كالآلة الموصلة التي لا تقصد بالاصالة والاستقلا ل. وسر هذا واضح، فان المولى - بناء على القول بوجوب المقدمة - إذا أمر بذي المقدمة فانه لابد له لغرض تحصيله من المكلف ان يدفعه ويبعثه نحو

[ 242 ]

مقدماته فيأمره بها توصلا إلى غرضه. فيكون البعث نحو المقدمة - على هذا - بعثا حقيقيا، لا أنه يتبع البعث إلى ذيها على وجه ينسب إليها بالعرض كما في (الوجه الاول)، ولا انه يبعثه مستقل لنفس المقدمة ولغرض فيها بعد البعث نحو ذيها كما في (الوجه الثاني)، ولا أن البعث نحو المقدمة من آثار البعث نحو ذيها على وجه يكون معلولا له كما في (الوجه الثالث). وسيأتي تتمة للبحث في المقدمات المفوتة. 3 - خصائص الوجوب الغيري بعد ما اتضح معنى التبعية في الوجوب الغيري تتضح لنا خصائصه التي بها يمتاز عن الوجوب النفسي، وهي أمور: 1 - ان الواجب الغيري كما لا بعث استقلالي له - كما تقدم - لا اطاعة استقلالية له، وانما اطاعته كوجوبه لغرض التوصل إلى ذي المقدمة، بخلاف الواجب النفسي فانه واجب لنفسه ويطاع لنفسه. 2 - انه بعد أن قلنا انه لا اطاعة استقلالية للوجوب الغيري وانما اطاعته كوجوبه لصرف التوصل إلى ذي المقدمة فلا بد ألا يكون له ثواب على اطاعته (1) غير الثواب الذي يحصل على اطاعة وجوب ذي المقدمة، كما لا عقاب على عصيانه غير العقاب على عصيان وجوب ذي المقدمة. ولذا نجد أن من ترك الواجب بترك مقدماته لا يستحق أكثر من عقاب واحد على نفس الواجب النفسي، لا أنه يستحق عقابات متعددة بعدد مقدماته المتروكة. وأما ما ورد في الشريعة من الثواب على بعض المقدمات مثل ما ورد من الثواب على المشي على القدم إلى الحج أو زيارة الحسين عليه السلام وأنه في كل خطوة كذا من الثواب فينبغي - على هذا - أن يحمل على توزيع ثواب


(1) يرى السيد الجليل المحقق الخوئي ان المقدمة أمر قابل لان يأتي به الفاعل مضافا به إلى المولى، فيترتب على فعلها الثواب إذا أتى بها كذلك. ولا ملازمة عنده بين ترتب الثواب على عمل وعدم استحقاق العقاب على تركه، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدمة وعدمه. وهو رأي وجيه باعتبار ان فعل المقدمة يعد مشروعا في امتثال ذيها. (*)

[ 243 ]

نفس العمل على مقدماته باعتبار ان أفضل الاعمال أحمزها وكلما كثرت مقدمات العمل وزادت صعوبتها كثرت حمازة العمل ومشقته، فينسب الثواب إلى المقدمة مجازا ثانيا وبالعرض، باعتبار انها السبب في زيادة مقدار الحمازة والمشقة في نفس العمل، فتكون السبب في زيادة الثواب، لا أن الثواب على نفس المقدمة. ومن أجل انه لا ثواب على المقدمة استشكلوا في استحقاق الثواب على فعل بعض المقدمات كالطهارات الثلاث الظاهر منه أن الثواب على نفس المقدمة بما هي. وسيأتي حله ان شاء الله تعالى. 3 - ان الوجوب الغيري لا يكون الا توصليا، أي لا يكون في حقيقته عباديا ولا يقتضي في نفسه عبادية المقدمة إذ لا يتحقق فيه قصد الامتثال على نحو الاستقلال كما قلنا في الخاصة الاولى انه لا اطاعة استقلالية له، بل انما انما يؤتى بالمقدمة بقصد التوصل إلى ذيها واطاعة أمر ذيها فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها. ومن هنا استشكلوا في عبادية بعض المقدمات كالطهارات الثلاث. وسيأتي حله ان شاء الله تعالى. 4 - ان الوجوب الغيري تابع لوجوب ذي المقدمة اطلاقا واشتراطا وفعلية وقوة، قضاء لحق التبعية، كما تقدم. ومعنى ذلك انه كل ما هو شرط في وجوب ذي المقدمة فهو شرط في وجوب المقدمة، وما ليس بشرط لا يكون شرطا لوجوبها، كما انه كلما تحقق وجوب ذي المقدمة تحقق معه وجوب المقدمة. وعلى هذا قيل يستحيل تحقق وجوب فعلي للمقدمة قبل تحقق وجوب ذيها لاستحالة حصول التابع قبل حصول متبوعه، أو لاستحالة حصول المعلول قبل حصول علته بناء على ان وجوب المقدمة معلول لوجوب ذيها. ومن هنا استشكلوا في وجوب المقدمة قبل زمان ذيها في المقدمات المفوتة كوجوب الغسل - مثلا - قبل الفجر لادراك الصوم على طهارة حين طلوع الفجر، فعدم تحصيل الغسل قبل الفجر يكون مفوتا للواجب في وقته، ولهذا سميت مقدمة مفوتة باعتبار أن تركها قبل الوقت يكون مفوتا للواجب في وقته فقالوا بوجوبها قبل الوقت مع أن الصوم لا يجب قبل وقته فكيف تفرض فعلية وجوب مقدمته ؟ وسيأتي ان شاء الله تعالى حل هذا الاشكال في بحث المقدمات المفوتة.

[ 244 ]

4 - مقدمة الوجوب قسموا المقدمة إلى قسمين مشهورين: 1 - (مقدمة الواجب)، وتسمى المقدمة الوجوبية. وهي ما يتوقف عليها نفس الوجوب، بأن تكون شرطا للوجوب على قول مشهور. وقيل انها تؤخذ في الواجب على وجه تكون مفروضة التحقق والوجود على قول آخر، ومع ذلك تسمى مقدمة الوجوب. ومثالها الاستطاعة بالنسبة إلى الحج، وكالبلوغ والعقل والقدرة بالنسبة إلى جميع الواجبات. ويسمى الواجب بالنسبة إليها (الواجب المشروط). 2 - (مقدمة الواجب)، وتسمى المقدمة الوجودية. وهى ما يتوقف عليها وجود الواجب بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها، بل يكون الوجوب بالنسبة إليها مطلقا ولا تؤخذ بالنسبة إليه مفروضة الوجود، بل لا بد من تحصيلها مقدمة لتحصيله كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة، والسفر بالنسبة إلى الحج ونحو ذلك. ويسمى الواجب بالنسبة إليها (الواجب المطلق). (راجع عن الواجب المشروط والمطلق المجلد الاول ص 81). والمقصود من ذكر هذا التقسيم بيان أن محل النزاع في مقدمة الواجب هو خصوص القسم الثاني أعني المقدمة الوجودية، دون المقدمة الوجوبية. والسر واضح لانه إذا كانت المقدمة الوجوية مأخوذة على انها مفروضة الحصول فلا معنى لوجوب تحصيلها، فانه خلف، فلا يجب تحصيل الاستطاعة لاجل الحج، بل أن انفق حصول الاستطاعة وجب الحج عندها. وذلك نظير الفوت في قوله عليه السلام: (اقض ما فات)، فانه لا يجب تحصيله لاجل امتثال الامر بالقضاء، بل ان اتفق الفوت وجب القضاء. 5 - المقدمة الداخلية تنقسم المقدمة الوجودية إلى قسمين: داخلية وخارجية. 1 - (المقدمة الداخلية): هي جزء الواجب المركب، كالصلاة. وانما أعتبروا الجزء مقدمة فباعتبار ان المركب متوقف في وجوده على أجزائه فكل جزء في نفسه هو مقدمة لوجود المركب، كتقدم الواحد على الاثنين. وانما

[ 245 ]

سميت (داخلية) فلاجل أن الجزء داخل في قوام المركب، وليس للمركب وجود مستقل غير نفس وجود الاجزاء. 2 - (المقدمة الخارجية): وهي كل ما يتوقف عليه الواجب وله وجود مستقل خارج عن وجود الواجب. والغرض من ذكر هذا التقسيم هو بيان أن النزاع في مقدمة الواجب هل يشمل المقدمة الداخلية أو أن ذلك يختص بالخارجية ؟ ولقد أنكر جماعة شمول النزاع للداخلية. وسندهم في هذا الانكار أحد أمرين: (الاول) انكار المقدمية للجزء رأسا، باعتبار أن المركب نفس الاجزاء بالاسر فكيف يفرض توقف الشئ على نفسه. (الثاني) بعد تسليم أن الجزء مقدمة، ولكن يستحيل اتصافه بالوجوب الغيري ما دام انه واجب بالوجوب النفسي، لان المفروض انه جزء الواجب بالوجوب النفسي، وليس المركب الا اجزاءه بالاسر، فينبسط الواجب على الاجزاء. وحينئذ لو وجب الجزء بالوجوب الغيري أيضا لاتصف الجزء بالوجوبين. وقد اختلفوا في بيان وجه استحالة اجتماع الوجوبين، ولا يهمنا بيان الوجه فيه بعد الاتفاق على الاستحالة. ولما كان هذا البحث لا نتوقع منه فائدة عملية حتى مع فرض الفائدة العملية في مسألة وجوب المقدمة، مع انه بحث دقيق يطول الكلام حوله فنحن نطوي عنه صفحا محيلين الطالب إلى المطولات ان شاء. 6 - الشرط الشرعي أن المقدمة الخارجية تنقسم إلى قسمين: عقلية وشرعية. 1 - (المقدمة العقلية): هي كل أمر يتوقف عليه وجود الواجب توقفا واقعيا يدركه العقل بنفسه من دون استعانة بالشرع، كتوقف الحج على قطع المسافة. 2 - (المقدمة الشرعية): هي كل أمر يتوقف عليه الواجب توقفا لا يدركه العقل بنفسه، بل يثبت ذلك من طريق الشرع، كتوقف الصلاة على الطهارة

[ 246 ]

واستقبال القبلة ونحوهما. ويسمى هذا الامر أيضا (الشرط الشرعي)، باعتبار أخذه شرطا وقيدا في المأمور به عند الشارع، مثل قوله عليه السلام: (لا صلاة الا بطهور) المستفاد منه شرطية الطهارة للصلاة. والغرض من ذكر هذا التقسيم بيان أن النزاع في مقدمة الواجب هل يشمل الشرط الشرعي ؟ ولقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا - على ما يظهر من بعض تقريرات درسه - إلى أن الشرط الشرعي كالجزء لا يكون واجبا بالوجوب الغيري، وسماه (مقدمة داخلية بالمعنى الاعم)، باعتبار أن التقييد لما كان داخلا في المأمور به وجزءا له (1) فهو واجب بالوجوب النفسي. ولما كان انتزاع التقييد انما يكون من القيد - أي منشأ انتزاعه هو القيد - والامر بالعنوان المنتزع أمر بمنشأ انتزاعه، إذ لا وجود للعنوان المنتزع الا بوجود منشأ انتزاعه - فيكون الامر النفسي المتعلق بالتقييد متعلقا بالقيد، وإذا كان القيد واجبا نفسيا فكيف يكون مرة أخرى واجبا بالوجوب الغيري ؟ ولكن هذا كلام لا يستقيم عند شيخنا المحقق الاصفهاني رحمه الله، وقد ناقشه في مجلس بحثه بمناقشات مفيدة. وهو على حق في مناقشاته: أما (اولا) فلان هذا القيد المفروض دخوله في المأمور به، لا يخلو أما أن يكون دخيلا في أصل الغرض من المأمور به، واما ان يكون دخيلا في فعلية الغرض منه، ولا ثالث لهما. فان كان من قبيل (الاول) فيجب ان يكون مأمورا به بالامر النفسي، ولكن بمعنى ان متعلق الامر لا بد ان يكون الخاص بما هو خاص وهو المركب من المقيد والقيد فيكون القيد والتقييد معا داخلين. والسر في ذلك واضح، لان الغرض يدعو بالاصالة إلى ارادة ما هو واف بالغرض وما يفي بالغرض - حسب الفرض - هو الخاص بما هو خاص أي المركب من المقيد والقيد، لا


(1) ان الفرق بين الجزء والشرط هو أنه في الجزء يكون التقييد والقيد معا داخلين في المأمور به، وأما في الشرط فالتقييد فقط يكون داخلا والقيد يكون خارجا، يعني أن التقييد يكون جزءا تحليليا للمأمور به إذ يكون المأمور به - في المثال - هو الصلاة بما هي مقيدة بالطهارة، أي ان المأمور به هو المركب من ذات الصلاة والتقييد بوصف الطهارة. فذات الصلاة جزء تحليلي والتقييد جزء تحليلي آخر. (*)

[ 247 ]

أن الخصوصية تكون خصوصية في المأمور به المفروغ عن كونه مأمورا به، لان المفروض ان ذات المأمور به ذي الخصوصية ليس وحده دخيلا في الغرض. وعلى هذا فيكون هذا القيد جزءا من المأمور به كسائر أجزائه الاخرى، ولا فرق بين جزء وجزء في كونه من جملة المقدمات الداخلية، فتسمية مثل هذا الجزء بالمقدمة الداخلية بالمعنى الاعم بلا وجه بل هو مقدمة داخلية بقول مطلق، كما لا وجه لتسميته بالشرط. وان كان من قبيل (الثاني) فهذا هو شأن الشرط سواء كان شرطا شرعيا أو عقليا ومثل هذا لا يعقل أن يدخل في حيز الامر النفسي، لان الغرض - كما قلنا - لا يدعو بالاصالة الا إلى ارادة ذات ما يفي بالغرض ويقوم به في الخارج، وأما ماله دخل في تأثير السبب أي في فعلية الغرض فلا يدعو إليه الغرض في عرضه ذات السبب، بل الذي يدعو إلى ايجاد شرط التأثير لا بد أن يكون غرضا تبعيا يتبع الغرض الاصلي وينتهي إليه. ولا فرق بين الشرط الشرعي وغيره في ذلك، وانما الفرق ان الشرط الشرعي لما كان لا يعلم دخله في فعلية الغرض الا من قبل المولى كالطهارة والاستقبال ونحوهما بالنسبة إلى الصلاة، فلا بد ان ينبه المولى على اعتباره ولو بأن يأمر به، اما بالامر المتعلق بالمأمور به أي يأخذه قيدا فيه كأن يقول مثلا صل عن طهارة، أو بأمر مستقل كأن يقول مثلا: تطهر للصلاة. وعلى جميع الاحوال لا تكون الارادة فيه تبعية وكذا الأمر به. يكون مأمورا به بالامر النفسي، بل الارادة فيه تبعية وكذا الامر به. فان قلتم - على هذا - يلزم سقوط الامر المتعلق بذات السبب الواجب إذا جاء به المكلف من دون الشرط، قلت من لوازم الاشتراط عدم سقوط الامر بالسبب بفعله من دون شرطه، والا كان الاشتراط لغوا وعبثا. واما (ثانيا) فلو سلمنا دخول التقييد في الواجب على وجه يكون جزءا منه فان هذا لا يوجب ان يكون نفس القيد والشرط الذي هو حسب الفرض منشأ لانتزاع التقييد مقدمة داخلية، بل هو مقدمة خارجية، فان وجود الطهارة - مثلا - يوجب حصول تقييد الصلاة بها، فتكون مقدمة خارجية للتقييد الذي هو جزء حسب الفرض. وهذا يشبه المقدمات الخارجية لنفس اجزاء المأمور بها الخارجية، فكما ان مقدمة الجزء ليست بجزء فكذلك مقدمة التقييد ليست جزءا.

[ 248 ]

والحاصل انه لما فرضتم في الشرط ان التقييد داخل وهو جزء تحليلي فقد فرضتم معه ان القيد خارج، فكيف تفرضونه مرة أخرى انه داخل في المأمور به المتعلق بالمقيد. 7 - الشرط المتأخر لا شك في ان من الشروط الشرعية ما هو متقدم في وجوده زمانا على المشروط كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة ونحوها، بناء على ان الشرط نفس الافعال لا أثرها الباقي إلى حين الصلاة. ومنها ما هو مقارن للمشروط في وجوده زمانا كالاستقبال وطهارة اللباس للصلاة. وانما وقع الشك في (الشرط المتأخر). أي انه هل يمكن ان يكون الشرط الشرعي متأخرا في وجوده زمانا عن المشروط أو لا يمكن ؟ ومن قال بعدم امكانه قاس الشرط الشرعي على الشرط العقلي، فان المقدمة العقلية يستحيل فيها ان تكون متأخرة عن ذي المقدمة، لانه لا يوجد الشئ الا بعد فرض وجود علته التامة المشتملة على كل ماله دخل في وجوده لاستحالة وجود المعلول بدون علته التامة. وإذا وجد الشئ فقد انتهى. فأية حاجة له تبقى إلى ما سيوجد بعد. ومنشأ هذا الشك والبحث ورود بعض الشروط الشرعية التي ظاهرها تأخرها في الوجود عن المشروط، وذلك مثل الغسل الليلي للمستحاضة الكبرى الذي هو شرط - عند بعضهم - لصوم النهار السابق على الليل. ومن هذا الباب اجازة بيع الفضولي بناء على انها كاشفة عن صحة البيع لا نافلة. ولاجل ما ذكرنا من استحالة الشرط المتأخر في العقليات اختلف العلماء في الشرط الشرعي اختلافا كثيرا جدا، فبعضهم ذهب إلى امكان الشرط المتأخر في الشرعيات وبعضهم ذهب إلى استحالته قياسا على الشرط العقلي كما ذكرنا آنفا، والذاهبون إلى الاستحالة اولوا ما ورد في الشريعة بتأويلات كثيرة يطول شرحها. وأحسن ما قيل في توجيه امكان الشرط المتأخر في الشرعيات ما عن بعض مشايخنا الاعاظم قدس سره في بعض تقريرات درسه. وخلاصته: ان الكلام

[ 249 ]

تارة يكون في شرط المأمور به، وأخرى في شرط الحكم سواء كان تكليفيا أم وضعيا. اما في (شرط المأمور به) فان مجرد كونه شرطا شرعيا للمأمور به لا مانع منه، لانه ليس معناه الا أخذه قيدا في المأمور به على ان تكون الحصة الخاصة من المأمور به هي المطلوبة. وكما يجوز ذلك في الامر السابق والمقارن فانه يجوز في اللاحق بلا فرق. نعم إذا رجع الشرط الشرعي إلى شرط واقعي كرجوع شرط الغسل الليلي للمستحاضة إلى انه رافع للحدث في النهار فانه يكون حينئذ واضح الاستحالة كالشرط الواقعي بلا فرق. وسر ذلك ان المطلوب لما كان هو الحصة الخاصة من طبيعي المأمور به فوجود القيد المتأخر لا شأن له الا الكشف عن وجود تلك الحصة في ظرف كونها مطلوبة. ولا محذور في ذلك انما المحذور في تأثير المتأخر في المتقدم. واما في (شرط الحكم) سواء كان الحكم تكليفيا ام وضعيا، فان الشرط فيه معناه أخذه مفروض الوجود والحصول في مقام جعل الحكم وانشائه، وكونه مفروض الوجود لا يفرق فيه بين أن يكون متقدما أو مقارنا أو متأخرا كأن يجعل الحكم في الشرط المتأخر على الموضوع المقيد بقيد أخذه مفروض الوجود بعد وجود الموضوع. ويتقرب ذلك إلى الذهن بقياسه على الواجب المركب التدريجي الحصول، فان لتكليف في فعليته في الجزء الاول وما بعده يبقى مراعى إلى ان يحصل الجزء الاخير من المركب، وقد بقيت - إلى حين حصول كمال الاحزاء - شرائط التكليف من الحياة والقدرة ونحوهما. وهكذا يفرض الحال فيما نحن فيه، فان الحكم في الشرط المتأخر يبقى في فعليته مراعى إلى ان يحصل الشرط الذي أخذ مفروض الحصول، فكما أن الجزء الاول من المركب التدريجي الواجب في فرض حصول جميع الاجزاء يكون واجبا وفعلي الوجوب من أول الامر لا أن فعليته تكون بعد حصول جميع الاجزاء، وكذا باقي الاجزاء لا تكون فعليتها بعد حصول الجزء الاخير بل حين حصولها ولكن في فرض حصول الجميع، فكذلك ما نحن فيه يكون الواجب المشروط بالشرط المتأخر فعلي الوجوب من أول الامر في فرض حصول الشرط في ظرفه لا ان فعليته تكون متأخرة حين الشرط.

[ 250 ]

هذه خلاصة رأي شيخنا المعظم، ولا يخلو عن مناقشة، والبحث عن الموضوع بأوسع مما ذكرنا لا يسعه هذا المختصر. 8 - المقدمات المفوتة ورد في الشريعة المطهرة وجوب بعض المقدمات قبل زمان ذيها في الموقتات كوجوب قطع المسافة للحج قبل حلول ايامه. ووجوب الغسل من الجنابة للصوم قبل الفجر، ووجوب الوضوء أو الغسل - على قول - قبل وقت الصلاة عند العلم بعدم التمكن منه بعد دخول وقتها.. وهكذا. وتسمى هذه المقدمات باصطلاحهم (المقدمات المفوتة) باعتبار ان تركها موجب لتفويت الواجب في وقته كما تقدم. ونحن نقول: لو لم يحكم الشارع المقدس بوجوب مثل هذه المقدمات فان العقل يحكم بلزوم الاتيان بها، لان تركها موجب لتفويت الواجب في ظرفه، ويحكم ايضا بأن التارك لها يستحق العقاب على الواجب في ظرفه بسبب تركها. ولاول وهلة يبدو أن هذين الحكمين العقليين الواضحين لا ينطبقان على القواعد العقلية البديهية في الباب من جهتين: اما (اولا) فلان وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، على أي نحو فرض من انحاء التبعية، لا سيما إذا كان من نحو تبعية المعلول لعلته على ما هو المشهور. فكيف يفرض الواجب التابع في زمان سابق على زمان فرض الوجوب المتبوع ؟ واما (ثانيا) فلانه كيف يستحق العقاب على ترك الواجب بترك مقدمته قبل حضور وقته مع انه حسب الفرض لا وجوب له فعلا. واما في ظرفه فينبغي ان يسقط وجوبه لعدم القدرة عليه بترك مقدمتهم والقدرة شرط عقلي في الوجوب. * * * ولاجل التوفيق بين هاتيك البديهيات العقلية التي يبدو كأنها متعارضة - وان كان يستحيل التعارض في الاحكام العقلية وبديهيات العقل - حاول جماعة من اعلام الاصوليين المتأخرين تصحيح ذلك بفرض انفكاك زمان الوجوب عن

[ 251 ]

زمان الواجب وتقدمه عليه، اما في خصوص الموقتات أو في مطلق الواجبات، على اختلاف المسالك. وبذلك يحصل لهم التوفيق بين تلكم الاحكام العقلية، لانه حينما يفرض تقدم وجوب ذي المقدمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل وقت الواجب، وكان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة لان وجوبه كان فعليا حين ترك المقدمة. اما كيف يفرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب وبأي مناط ؟ فهذا ما اختلفت فيه الانظار والمحاولات. فأول المحاولين لحل هذه الشبهة - فيما يبدو - صاحب الفصول الذي قال بجواز تقدم زمان الوجوب على طريقة (الواجب المعلق) الذي اخترعه كما اشرنا إليه في المجلد الاول ص 82. وذلك في خصوص الموقتات، بفرض ان الوقت في الموقتات وقت للواجب فقط لا للوجوب، أي ان الوقت ليس شرطا وقيدا للوجوب بل هو قيد للواجب. فالوجوب - على هذا الفرض - متقدم على الوقت ولكن الواجب معلق على حضور وقته. والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو ان التوقف في المشروط للوجوب وفي المعلق للفعل. وعليه لا مانع من فرض وجوب المقدمة قبل زمان ذيها. ولكن نقول: على تقدير امكان فرض تقدم زمان الوجوب على زمان الواجب فان فرض رجوع القيد إلى الواجب لا إلى الوجوب يحتاج ألى دليل ونفس ثبوت وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان وجوب ذيها لا يكون وحده دليلا على ثبوت الواجب المعلق لان الطريق في تصحيح وجوب المقدمة المفوتة لا ينحصر فيه كما سيأتي بيان الطريق الصحيح. والمحاولة الثانية - ما نسب إلى الشيخ الانصاري من رجوع القيد في جميع شرائط الوجوب إلى المادة وان اشتهر القول برجوعها إلى الهيئة. سواء كان الشرط هو الوقت أو غيره كالاستطاعة للحج والقدرة والبلوغ والعقل ونحوها من الشرائط العامة لجميع التكاليف. ومعنى ذلك ان الوجوب الذي هو مدلول الهيئة في جميع الواجبات مطلق دائما غير مقيد بشرط ابدا وكل ما يتوهم من رجوع القيد إلى الوجوب فهو راجع في الحقيقة إلى الواجب الذي هو مدلول المادة، غاية الامر ان بعض القيود مأخوذة في الواجب على وجه يكون مفروض الحصول والوقوع كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج، ومثل هذا لا يجب تحصيله ويكون حكمه حكم مالو كان شرطا للوجوب، وبعضها لا يكون

[ 252 ]

مأخوذا على وجه يكون مفروض الحصول، بل يجب تحصيله توصلا إلى الواجب لان الواجب يكون هو المقيد بما هو مقيد بذلك القيد. وعلى هذا التصوير فالوجوب يكون دائما فعليا قبل مجئ وقته، وشأنه في ذلك شأن الوجوب على القول بالواجب المعلق لا فرق بينهما في الموقتات بالنسبة إلى الوقت فإذا كان الواجب استقباليا فلا مانع من وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها. والمحاولة الثالثة - ما نسب إلى بعضهم من ان الوقت شرط للوجوب لا للواجب كما في المحاولتين الاوليتين، ولكنه مأخوذ فيه على نحو الشرط المتأخر. وعليه فالوجوب يكون سابقا على زمان الواجب نظير القول بالمعلق فيصح فرض وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها لفعلية الوجوب قبل زمانه فتجب مقدمته. وكل هذه المحاولات مذكورة في كتب الاصول المطولة وفيها مناقشات وابحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر، ومع الغض عن المناقشة في امكانها في انفسها لا دليل عليها الا ثبوت وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، إذ كل صاحب محاولة منها يعتقد ان التخلص من اشكال وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، ينحصر في المحاولة التي يتصورها فالدليل الذي يدل على وجوب المقدمة المفوتة قبل وقت الواجب لا محالة يدل عنده على محاولته. والذي اعتقده انه لا موجب لكل هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدمة قبل زمان ذيها، فان الصحيح - كما افاده شيخنا الاصفهاني رحمه الله - ان وجوب المقدمة ليس معلولا لوجوب ذيها ولا مترشحا منه، فليس هناك اشكال في وجوب المقدمة المفوتة قبل زمان ذيها حتى نلتجئ إلى احدى هذه المحاولات لفك الاشكال، وكل هذه الشبهة انما جاءت من هذا الفرض وهو فرض معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها، وهو فرض لا واقع له ابدا، وان كان هذا القول يبدو غريبا على الاذهان المشبعة بفرض أن وجوب ذي المقدمة علة لوجوب المقدمة، بل نقول اكثر من ذلك: انه يجب في المقدمة المفوتة ان يتقدم وجوبها على وجوب ذيها، إذا كنا نقول بان مقدمة الواجب واجبة، وان كان الحق - وسيأتي - عدم وجوبها مطلقا. ولبيان عدم معلولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها: نذكر ان الأمر - في الحقيقة - هو فعل الآمر، سواء كان الامر نفسيا أم غيريا، فالآمر هو العلة

[ 253 ]

الفاعلية له دون سواه، ولكن كل أمر انما يصدر عن ارادة الآمر لانه فعله الاختياري والارادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به، أي ان الآمر لا بد ان يشتاق اولا إلى فعل الغير على ان يصدر من الغير، فإذا اشتاقه لا بد ان يدعو الغير ويدفعه ويحثه على الفعل فيشتاق إلى الامر به. وإذا لم يحصل مانع من الامر فلا محالة يشتد الشوق إلى الامر حتى يبلغ الارادة الحتمية فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب وذلك بتوجيه الامر نحوه. هذا حال كل مأمور به، ومن جملته (مقدمة الواجب)، فانه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بد ان نفرض حصول الشوق اولا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلف، غاية الامر ان هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدمة ومنبثق منه، لان المختار إذا أشتاق إلى تحصيل شئ وأحبه اشتاق وأحب بالتبع كل ما يتوقف عليه ذلك الشئ على نحو الملازمة بين الشوقين. وإذا لم يكن هناك مانع من الامر بالمقدمات حصلت لدى الآمر - ثانيا - الارادة الحتمية التي تتعلق بالامر بها فيصدر حينئذ الامر. إذا عرفت ذلك، فانك تعرف انه إذا فرض أن المقدمة متقدمة بالوجود الزماني على ذيها على وجه لا يحصل ذوها في ظرفه وزمانه الا إذا حصلت هي قبل حلول زمانه، كما في امثلة المقدمات المفوتة، فانه لا شك في ان الآمر يشتاقها ان تحصل في ذلك الزمان المتقدم، وهذا الشوق بالنسبة إلى المقدمة يتحول إلى الارادة الحتمية بالامر، إذ لا مانع من البعث نحوها حينئذ، والمفروض ان وقتها قد حان فعلا فلا بد ان يأمر بها فعلا. اما ذو المقدمة فحسب الفرض لا يمكن البعث نحوه والامر به قبل وقته لعدم حصول ظرفه، فلا امر قبل الوقت، وان كان الشوق إلى الامر به حاصل حينئذ ولكن لا يبلغ مبلغ الفعلية لوجود المانع. والحاصل ان الشوق إلى ذي المقدمة والشوق إلى المقدمة حاصلان قبل وقت ذي المقدمة، والشوق الثاني منبعث ومنبثق من الشوق الاول ولكن الشوق إلى المقدمة يؤثر أثره ويصير ارادة حتمية لعدم وجود ما يمنع من الامر، دون الشوق إلى ذي المقدمة لوجود المانع من الامر. وعلى هذا، فتجب المقدمة المفوتة قبل وجوب ذيها ولا محذور فيه، بل هو أمر لا بد منه ولا يصح أن يقع غير ذلك. ولا تستغرب ذلك فان هذا امر مطرد حتى بالنسبة إلى افعال الانسان

[ 254 ]

نفسه، فان اشتاق إلى فعل شئ اشتاق إلى مقدماته تبعا، ولما كانت المقدمات متقدمة بالوجود زمانا على ذيها، فإن الشوق إلى المقدمات يشتد حتى يبلغ درجة الارادة الحتمية المحركة للعضلات فيفعلها، مع ان ذي المقدمة لم يحن وقته بعد، ولم تحصل له الارادة الحتمية المحركة للعضلات وانما يمكن أن تحصل له الارادة الحتمية إذا حان وقته بعد طي المقدمات. فارادة الفاعل التكوينية للمقدمة متقدمة زمانا على ارادة ذيها، وعلى قياسها الارادة التشريعية، فلا بد أن تحصل للمقدمة المتقدمة زمانا قبل ان تحصل لذيها المتأخر زمانا، فيتقدم الوجوب الفعلي للمقدمة على الوجوب الفعلي لذيها زمانا، على العكس مما اشتهر، ولا محذور فيه بل هو المتعين. وهذا حال كل متقدم بالنسبة إلى المتأخر فان الشوق يصير شيئا فشيئا قصدا وارادة، كما في الافعال التدريجية الوجود. وقد تقدم معنى تبعية وجوب المقدمة لوجوب ذيها فلا نعيد، وقلنا انه ليس معناه معلوليته لوجوب ذي المقدمة وتبعيته له وجودا كما اشتهر على لسان الاصوليين. (فان قلت): ان وجوب المقدمة - كما سبق - تابع لوجوب ذي المقدمة اطلاقا واشتراطا، ولا شك في أن الوقت - على الرأي المعروف - شرط لوجوب ذي المقدمة، فيجب ان يكون ايضا وجوب المقدمة مشروطا به، قضاء لحق التبعية. (قلت) ان الوقت على التحقيق ليس شرطا للوجوب بمعنى انه دخيل في مصلحة الامر كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحج، وان كان دخيلا في مصلحة المأمور به، ولكنه لا يتحقق البعث قبله، فلا بد ان يؤخذ مفروض الوجوب بمعنى عدم الدعوة إليه لانه غير اختياري للمكلف. اما عدم تحقق وجوب الموقت قبل الوقت فلامتناع البعث قبل الوقت. والسر واضح لان البعث حتى البعث الجعلي منه يلازم الانبعاث أمكانا ووجودا فإذا امكن الانبعاث أمكن البعث والا فلا، واذ يستحيل الانبعاث قبل الوقت استحال البعث نحوه حتى الجعلي. ومن اجل هذا نقول بامتناع الواجب المعلق لانه يلازم انفكاك الانبعاث عن البعث. وهذا بخلاف المقدمة قبل وقت الواجب فانه يمكن الانبعاث نحوها فلا

[ 255 ]

مانع من فعلية البعث بالنظر إليها لو ثبت، فعدم فعلية الوجوب قبل زمان الواجب انما هو لوجود المانع لا لفقدان الشرط، وهذا المانع موجود في ذي المقدمة قبل وقته مفقود في المقدمة. ويتفرع على هذا فرع فقهي وهو: انه حينئذ لا مانع في المقدمة المفوتة العبادية كالطهارات الثلاث من قصد الوجوب في النية قبل وقت الواجب لو قلنا بأن مقدمة الواجب واجبة. والحاصل: ان العقل يحكم بلزوم الاتيان بالمقدمة المفوتة قبل وقت ذيها ولا مانع عقلي من ذلك * * * هذا كله من جهة اشكال انفكاك وجوب المقدمة عن وجوب ذيها. واما من جهة اشكال استحقاق العقاب على ترك الواجب بترك مقدمته مع عدم فعلية وجوبه، فيعلم دفعه مما سبق فان التكليف بذي المقدمة الموقت يكون تام الاقتضاء وان لم يصر فعليا لوجود المانع وهو عدم حضور وقته. ولا ينبغي الشك في أن دفع التكليف مع تمامية اقتضائه تفويت لغرض المولى المعلوم الملزم. وهذا يعد ظلما في حقه وخروجا عن زي الرقية وتمردا عليه، فيستحق عليه العقاب واللوم من هذه الجهة، وان لم يكن فيه مخالفة للتكليف الفعلي المنجز. وهذا لا يشبه دفع مقتضى التكليف كعدم تحصيل الاستطاعة للحج، فان مثله لا يعد ظلما وخروجا عن زي الرقية وتمردا على المولى، لانه ليس فيه تفويت لغرض المولى التام الاقتضاء. والمدار في استحقاق العقاب هو تحقق عنوان الظلم للمولى القبيح عقلا. 9 - المقدمة العبادية ثبت بالدليل ان بعض المقدمات الشرعية لا تقع مقدمة الا إذا وقعت على وجه عبادي، وثبت أيضا ترتب الثواب عليها بخصوصها. ومثالها منحصر في الطهارات الثلاث: الوضوء والغسل والتيمم. وقد سبق في الامر الثاني الاشكال فيها من جهتين: من جهة ان الواجب الغيري لا يكون الا توصليا، فكيف يجوز ان تقع المقدمة بما هي مقدمة

[ 256 ]

عبادة، ومن جهة ثانية ان الواجب الغيري بما هو واجب غيري لا استحقاق للثواب عليه. وفي الحقيقة ان هذا الاشكال ليس الا اشكالا على اصولنا التي اصلناها للواجب الغيري، فنقع في حيرة في التوفيق بين ما فهمناه عن الواجب الغيري وبين عبادية هذه المقدمات الثابتة عباديتها، والا فكون هذه المقدمات عبادية يستحق الثواب عليها امر مفروغ عنه لا يمكن رفع اليد عنه. فاذن، لا بد لنا من توضيح ما اصلناه في الواجب الغيري بتوجيه عبادية المقدمة على وجه يلائم توصلية الامر الغيري، وقد ذهبت الآراء اشتاتا في توجيه ذلك. ونحن نقول على الاختصار: انه من المتيقن الذي لا ينبغي ان يتطرق إليه الشك من أحد، ان الصلاة - مثلا - ثبت من طريق الشرع توقف صحتها على احدى الطهارات الثلاث، ولكن لا تتوقف على مجرد افعالها كيفما اتفق وقوعها، بل انما تتوقف على فعل الطهارة إذا وقع على الوجه العبادي أي إذا وقع متقربا به إلى الله تعالى. فالوضوء العبادي - مثلا - هو الشرط وهو المقدمة التي تتوقف صحة الصلاة عليها. وعليه، لا بد ان يفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلق الامر الغيري به، لان الامر الغيري - حسبما فرضناه - انما يتعلق بالوضوء العبادي بما هو عبادة، لا بأصل الوضوء بما هو. فلم تنشأ عباديته من الامر الغيري حتى يقال ان عباديته لا تلائم توصلية الامر الغيري، بل عباديته لا بد ان تكون مفروضة التحقق قبل فرض تعلق الامر الغيري. ومن هنا يصح استحقاق الثواب عليه لانه عبادة في نفسه * * * ولكن ينشأ من هذا البيان اشكال آخر، وهو انه إذا كانت عبادية الطهارات غير ناشئة من الامر الغيري، فما هو الامر المصحح لعباديتها، والمعروف انه لا يصح فرض العبادة عبادة الا بتعلق امر بها ليمكن قصد امتثاله، لان قصد امتثال الامر هو المقوم لعبادة العبادة عندهم. وليس لها في الواقع الا الامر الغيري. فرجع الامر بالاخير إلى الغيري لتصحيح عباديتها.

[ 257 ]

على انه يستحيل ان يكون الامر الغيري هو المصحح لعباديتها، لتوقف عباديتها - حينئذ - على سبق الامر الغيري، والمفروض ان الامر الغيري متأخر عن فرض عباديتها لانه انما تعلق بها بما هي عبادة، فيلزم تقدم المتأخر وتأخر المتقدم، وهو خلف محال، أو دور على ما قيل. وقد اجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة. واحسنها - فيما أرى بناء على ثبوت الامر الغيري أي وجوب مقدمة الواجب وبناء على ان عبادية العبادة لا تكون الا بقصد الامر المتعلق بها - هو ان المصحح لعبادية الطهارات هو الامر النفسي الاستحبابي لها في حد ذاتها السابق على الامر الغيري بها. وهذا الاستحباب باق حتى بعد فرض الامر الغيري، ولكن لا بحد الاستحباب الذي هو جواز الترك إذ المفروض انه قد وجب فعلها فلا يجوز تركها، وليس الاستحباب الا مرتبة ضعيفة بالنسبة إلى الوجوب، فلو طرأ عليه الوجوب لا ينعدم، بل يشتد وجوده، فيكون الوجوب استمرار له كاشتداد السواد والبياض من مرتبة ضعيفة إلى مرتبة أقوى، وهو وجود واحد مستمر. وإذا كان الامر كذلك فالامر الغيري حينئذ يدعو إلى ما هو عبادة في نفسه فليست عباديتها متأتية من الامر الغيري حتى يلزم الاشكال. ولكن هذا الجواب - على حسنه - غير كاف بهذا المقدار من البيان لدفع الشبهة. وسر ذلك انه لو كان المصحح لعباديتها هو الامر الاستحبابي النفسي بالخصوص لكان يلزم الا تصح هذه المقدمات الا إذا جاء بها المكلف بقصد امتثال الامر الاستحبابي فقط، مع انه لا يفتي بذلك احد، ولا شك في انها تقع صحيحة لو أتى بها بقصد امتثال امرها الغيري، بل بعضهم اعتبر قصده في صحتها بعد دخول وقت الواجب المشروط بها. فنقول (اكمالا للجواب): انه ليس مقصود المجيب من كون استحبابها النفسي مصححا لعباديتها أن المأمور به بالامر الغيري هو الطهارة المأتي بها بداعي امتثال الامر الاستحبابي. كيف وهذا المجيب قد فرض عدم بقاء الاستحباب بحده بعد ورود الامر الغيري، فكيف يفرض أن المأمور به هو المأتي به بداعي امتثال الامر الاستحبابي. بل مقصود المجيب ان الامر الغيري لما كان متعلقه هو الطهارة بما هي عبادة، ولا يمكن ان تكون عباديتها ناشئة من نفس الامر الغيري بما هو أمر

[ 258 ]

غيري - فلا بد من فرض عباديتها لامن جهة الامر الغيري وبفرض سابق عليه، وليس هو الا الامر الاستحبابي النفسي المتعلق بها، وهذا يصحح عباديتها قبل فرض تعلق الامر الغيري بها، وان كان حين توجه الامر الغيري لا يبقى ذلك الاستحباب بحده وهو جواز الترك، ولكن لا تذهب بذلك ؟ ؟ عباديتها، لان المناط في عباديتها ليس جواز الترك كما هو واضح، بل المناط مطلوبيتها الذاتية ورجحانها النفسي، وهي باقية بعد تعلق الامر الغيري. وإذا صح تعلق الامر الغيري بها بما هي عبادة واندكاك الاستحباب فيه، بمعنى ان الامر الغيري يكون استمرار لتلك المطلوبية - فانه حينئذ لا يبقى الا الامر الغيري صالحا للدعوة إليها، ويكون هذا الامر الغيري نفسه أمرا عباديا غاية الامر ان عباديته لم تجئ من اجل نفس كونه امرا غيريا، بل من أجل كونه امتدادا لتلك المطلوبية النفسية وذلك الرجحان الذاتي الذي حصل من ناحية الامر الاستحبابي النفسي السابق. وعليه، فينقلب الامر الغيري عباديا، ولكنها عبادية بالغرض لا بالذات حتى يقال ان الامر الغيري توصلي لا يصلح للعبادية. من هنا لا يصح الاتيان بالطهارة بقصد الاستحباب بعد دخول الوقت للواجب المشروط بها، لان الاستحباب بحده قد اندك في الامر الغيري فلم يعد موجودا حتى يصح قصده. نعم يبقى ان يقال: ان الامر الغيري انما يدعو إلى الطهارة الواقعة على وجه العبادة، لانه حسب الفرض متعلقه هو الطهارة بصفة العبادة لا ذات الطهارة، والامر لا يدعو الا إلى ما تعلق به، فكيف صح ان يؤتى بذات العبادة بداعي امتثال امرها الغيري ولا أمر غيري بذات العبادة ؟ ولكن ندفع هذا الاشكال بأن نقول: إذا كان الوضوء - مثلا - مستحبا نفسيا فهو قابل لان يتقرب به من المولى، وفعلية التقرب تتحقق بقصد الامر الغيري المندك فيه الامر الاستحبابي. وبعبارة اخرى: قد فرضنا الطهارات عبادات نفسية في مرتبة سابقة على الامر الغيري المتعلق بها والامر الغيري انما يدعو إلى ذلك، فإذا جاء المكلف بها بداعي الامر الغيري المندك فيه الاستحباب والمفروض ليس هناك امر موجود غيره - صح التقرب به ووقعت عبادة لا محالة، ليتحقق ما هو شرط الواجب ومقدمته.

[ 259 ]

هذا كله بناء على ثبوت الامر الغيري بالمقدمة وبناءا على أن المناط عبادية العبادة هو قصد الامر المتعلق بها. وكلا المبنيين نحن لا نقول بهما. اما الاول فسيأتي في البحث الآتي الدليل على عدم وجوب مقدمة الواجب فلا أمر غيري أصلا. واما الثاني فلان الحق انه يكفي في عبادية الفعل ارتباطه بالمولى والاتيان به متقربا إليه تعالى. غاية الامر ان العبادات قد ثبت انها توقيفية فما لم يثبت رضا المولى بالفعل وحسن الانقياد وقصد وجه الله بالفعل لا يصح الاتيان بالفعل عبادة بل يكون تشريعا محرما. ولا يتوقف ذلك على تعلق أمر المولى بنفس الفعل على ان يكون امرا فعليا من المولى ولذا قيل: يكفي في عبادية العبادة حسنها الذاتي ومحبوبيتها الذاتية للمولى حتى لو كان هناك مانع من توجه الامر الفعلي بها. وإذا ثبت ذلك فنقول في تصحيح عبادية الطهارات: ان فعل المقدمة بنفسه يعد شروعا في امتثال ذي المقدمة الذي هو حسب الفرض في المقام عبادة في نفسه مأمور بها. فيكون الاتيان بالمقدمة بنفسه يعد امتثالا للامر النفسي بذي المقدمة العبادي. ويكفي في عبادة الفعل كما قلنا ارتباطه بالمولى والاتيان به متقربا إليه تعالى مع عدم ما يمنع من التعبد به. ولا شك في أن قصد الشروع بامتثال الامر النفسي بفعل مقدماته قاصدا بها التوصل إلى الواجب النفسي العبادي يعد طاعة وانقيادا للمولى. وبهذا تصحح عبادية المقدمة وان لم نقل بوجوبها الغيري ولا حاجة إلى فرض طاعة الامر الغيري. ومن هنا يصح ان تقع كل مقدمة عبادة ويستحق عليها الثواب بهذا الاعتبار وان لم تكن في نفسها معتبرا فيها ان تقع على وجه العبادة، كتطهير الثوب - مثلا - مقدمة للصلاة، أو كالمشي حافيا مقدمة للحج أو الزيارة غاية الامر ان الفرق بين المقدمات العبادية وغيرها ان غير العبادية لا يلزم فيها أن تقع على وجه قربي بخلاف المقدمات المشروط فيها ان تقع عبادة كالطهارات الثلاث.

[ 260 ]

ويؤيد ذلك ما ورد من الثواب على بعض المقدمات، ولا حاجة إلى التأويل الذي ذكرناه سابقا في الامر الثالث من ان الثواب على ذي المقدمة يوزع على المقدمات باعتبار دخالتها في زيادة حمازة الواجب، فان ذلك التأويل مبني على فرض ثبوت الامر الغيري وان عبادية المقدمة واستحقاق الثواب عليها لا ينشآن الامر الا من جهة الامر الغيري، اتباعا للمشهور المعروف بين القوم. فان قلت: ان الامر لا يدعو الا إلى ما تعلق به فعلا يعقل ان يكون الامر بذي المقدمة داعيا بنفسه إلى المقدمة الا إذا قلنا بترشح أمر آخر منه بالمقدمة، فيكون هو الداعي. وليس هذا الامر الآخر المترشح الا الامر الغيري. فرجع الاشكال جذعا. قلت: نعم الامر لا يدعو الا إلى ما تعلق به، ولكنا لا ندعي ان الامر بذي المقدمة هو الذي يدعو إلى المقدمة، بل نقول ان العقل هو الداعي إلى فعل المقدمة توصلا إلى فعل الواجب، وسيأتي ان هذا الحكم العقلي لا يستكشف منه ثبوت امر غيري من المولى. ولا يلزم ان يكون هناك أمر بنفس المقدمة لتصحيح عباديتها ويكون داعيا إليها. والحاصل ان الداعي إلى فعل المقدمة هو حكم العقل، والمصحح لعباديتها شئ آخر هو قصد التقرب بها، ويكفي في التقرب بها إلى الله ان يأتي بها بقصد التوصل إلى ما هو عبادة. لا ان الداعي إلى فعل المقدمة هو نفس المصحح لعباديتها، ولا ان المصحح لعبادية العبادة منحصر قصد الامر المتعلق بها، وقد سبق توضيح ذلك. وعليه، فان كانت المقدمة ذات الفعل كالتطهير من الخبث فالعقل لا يحكم الا باتيانها على أي وجه وقعت، ولكن لو أتى بها المكلف متقربا بها إلى الله توصلا إلى العبادة صح ووقعت على صفة العبادية واستحق عليها الثواب. وان كانت المقدمة عملا عباديا كالطهارة من الحدث فالعقل يلزم بالاتيان بها كذلك، والمفروض ان المكلف متمكن من ذلك، سواء كان هناك امر غيري أم لم يكن، وسواء كانت المقدمة في نفسها مستحبة أم لم تكن. فلا اشكال من جميع الوجوه في عبادية الطهارات.

[ 261 ]

النتيجة: مسألة مقدمة الواجب والاقوال فيها بعد تقديم تلك التمهيدات التسعة نرجع إلى أصل المسألة، وهو البحث عن وجوب مقدمة الواجب الذي قلنا انه آخر ما يشغل بال الاصوليين. وقد عرفت في مدخل المسألة موضع البحث فيها، ببيان تحرير النزاع. وهو - كما قلنا - الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، إذ قلنا ان العقل يحكم بوجوب مقدمة الواجب أي انه يدرك لزومها - ولكن وقع البحث في أنه هل يحكم ايضا بأن المقدمة واجبة ايضا عند من امر بما يتوقف عليها ؟ لقد تكثرت الاقوال جدا في هذه المسألة على مرور الزمن نذكر أهمها، ونذكر ما هو الحق منها، وهي: 1 - القول بوجوبها مطلقا. 2 - القول بعدم وجوبها مطلقا (وهو الحق وسيأتي دليله). 3 - التفصيل بين السبب فلا يجب، وبين غيره كالشرط وعدم المانع والمعد فيجب. 4 - التفصيل بين السبب وغيره أيضا، ولكن بالعكس أي يجب السبب دون غيره. 5 - التفصيل بين الشرط الشرعي فلا يجب بالوجوب الغيري، باعتبار انه واجب بالوجوب النفسي نظير جزء الواجب، وبين غيره فيجب بالوجوب الغيري. وهو القول المعروف عن شيخنا المحقق النائيني. 6 - التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره أيضا، ولكن بالعكس، أي يجب الشرط الشرعي بالوجوب المقدمي دون غيره. 7 - التفصيل بين المقدمة الموصلة، أي التي يترتب عليها الواجب النفسي فتجب، وبين المقدمة غير الموصلة فلا تجب. وهو المذهب المعروف لصاحب الفصول.

[ 262 ]

8 - التفصيل بين ما قصد به التوصل من المقدمات فيقع على صفة الوجوب وبين ما لم يقصد به ذلك فلا يقع واجبا. وهو القول المنسوب إلى الشيخ الانصاري. 9 - التفصيل المنسوب إلى صاحب المعالم الذي اشار إليه في مسألة الضد، وهو اشتراط وجوب المقدمة بارادة ذيها. فلا تكون المقدمة واجبة على تقدير عدم ارادته. 10 - التفصيل بين المقدمة الداخلية، أي الجزء، فلا تجب، وبين المقدمة الخارجية فتجب. وهناك تفصيلات اخرى عند المتقدمين لا حاجة إلى ذكرها. * * * وقد قلنا ان الحق في المسألة - كما عليه جماعة (1) من المحققين المتأخرين - القول الثاني وهو عدم وجوبها مطلقا. والدليل عليه واضح بعد ما قلناه ص 29 من أنه في موارد حكم العقل بلزوم شئ على وجه يكون حكما داعيا للمكلف إلى فعل الشئ لا يبقى مجال للامر المولوي فان هذه المسألة من ذلك الباب من جهة العلة. وذلك لانه إذا كان الامر بذي المقدمة داعيا للمكلف إلى الاتيان بالمأمور به فان دعوته هذه - لا محالة بحكم العقل - تحمله وتدعوه إلى الاتيان بكل ما يتوقف عليه المأمور به تحصيلا له. ومع فرض وجود هذا الداعي في نفس المكلف لا تبقى حاجة إلى داع آخر من قبل المولى، مع علم المولى - حسب الفرض - بوجود هذا الداعي، لان الامر المولوي - سواء كان نفسيا ام غيريا - انما يجعله المولى لغرض تحريك المكلف نحو فعل المأمور به، إذ يجعل الداعي في نفسه حيث لا داع.


(1) أول من تنبه إلى ذلك وأقام عليه البرهان بالاسلوب الذي ذكرناه - فيما أعلم - استاذنا المحقق الاصفهاني قدس الله نفسه الزكية، وقد عضد هذا القول السيد الجليل المحقق الخوئي دام ظله. وكذلك ذهب إلى هذا القول وأوضحه سيدنا المحقق الحكيم دام ظله في حاشيته على الكفاية.

[ 263 ]

بل يستحيل في هذا الفرض جعل الداعي الثاني من المولى، لانه يكون من باب تحصيل الحاصل. وبعبارة أخرى: ان الامر بذي المقدمة لو لم يكن كافيا في دعوة المكلف إلى الاتيان بالمقدمة فأي امر بالمقدمة لا ينفع ولا يكفي للدعوة إليها بما هي مقدمة. ومع كفاية الامر بذي المقدمة لتحريكه إلى المقدمة وللدعوة إليها فأية حاجة تبقى إلى الامر بها من قبل المولى، بل يكون عبثا ولغوا ؟ ؟ بل يمتنع لانه تحصيل للحاصل. وعليه، فالاوامر الواردة في بعض المقدمات يجب حملها على الارشاد وبيان شرطية متعلقها للواجب وتوقفه عليها كسائر الاوامر الارشادية في موارد حكم العقل وعلى هذا يحمل قوله عليه السلام: (إذا زالت الشمس فقد وجب الطهور والصلاة). ومن هذا البيان نستحصل على النتيجة الاتية: (انه لا وجوب غيري اصلا، وينحصر الوجوب المولوي بالواجب النفسي فقط. فلا موقع اذن لتقسيم الواجب إلى النفسي والغيري. فليحذف ذلك من سجل الابحاث الاصولية). المسألة الثالثة: مسألة الضد تحرير محل النزاع: اختلفوا في أن الامر بالشئ هل يقتضي النهي عن ضده أو لا يقتضي ؟ على اقوال. ولاجل توضيح محل النزاع وتحريره نشرح مرادهم من الالفاظ التي وردت على لسانهم في تحرير النزاع هذا، وهي ثلاثة: 1 - (الضد)، فان مرادهم من هذه الكلمة مطلق المعاند والمنافي، فيشمل نقيض الشئ، أي ان الضد - عندهم اعم من الامر الوجودي والعدمي. وهذا اصطلاح خاص للاصوليين في خصوص هذا الباب، والا فالضد

[ 264 ]

مصطلح فلسفي يراد به - في باب التقابل - خصوص الامر الوجودي الذي له مع وجودي آخر تمام المعاندة والمنافرة وله معه غاية التباعد. ولذا قسم الاصوليون الضد إلى (ضد عام) وهو الترك أي النقيض، و (ضد خاص) وهو مطلق المعاند الوجودي. وعلى هذا فالحق ان تنحل هذه المسألة إلى مسألتين موضوع احداهما الضد العام وموضوع الاخرى الضد الخاص، لاسيما مع اختلاف الاقوال في الموضوعين. 2 (الاقتضاء)، ويراد به لابدية ثبوت النهي عن الضد عند الامر بالشئ اما لكون الامر يدل عليه باحدى الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام، واما لكونه يلزمه عقلا النهي عن الضد من دون ان يكون لزومه بينا بالمعنى الاخص حتى يدل عليه بالالتزام. فالمراد من الاقتضاء عندهم اعم من كل ذلك. 3 - (النهي)، ويراد به النهي المولوي من الشارع وان كان تبعيا، كوجوب المقدمة الغيري التبعي. والنهي معناه المطابقي - كما سبق في مبحث النواهي م 1 ص 97 - هو الزجر والردع عما تعلق به. وفسره المتقدمون بطلب الترك، وهو تفسير بلازم معناه، ولكنهم فرضوه كأن ذلك هو معناه المطابقي، ولذا اعترض بعضهم على ذلك فقال: ان طلب الترك محال فلا بد ان يكون المطلوب الكف، وهكذا تنازعوا في ان المطلوب بالنهي الترك أو الكف، ولا معنى لنزاعهم هذا الا إذا كانوا قد فرضوا ان معنى النهي هو الطلب فوقعوا في حيرة في أن المطلوب به أي شئ هو الترك أو الكف. ولو كان المراد من النهي هو طلب الترك - كما ظنوا - لما كان معنى لنزاعهم في الضد العام، فان النهي عنه معناه - على حسب ظنهم - طلب ترك ترك المأمور به. ولما كان نفي النفي اثباتا فيرجع معنى النهي عن الضد العام إلى معنى طلب فعل المأمور به، فيكون قولهم (الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده العام) تبديلا للفظ بلفظ آخر بمعناه، ويكون عبارة اخرى عن القول (بأن الامر بالشئ يقتضي نفسه). وما اشد سخف مثل هذا البحث. ولعله لاجل هذا التوهم - أي توهم ان النهي معناه طلب الترك - ذهب بعضهم إلى عينية الامر بالشئ للنهي عن الضد العام.

[ 265 ]

وبعد بيان هذه الامور الثلاثة في تحرير محل النزاع يتضح موضع النزاع وكيفيته. ان النزاع معناه يكون: انه إذا تعلق امر بشئ هل انه لا بد ان يتعلق نهي المولى بضده العام أو الخاص ؟ فالنزاع يكون في ثبوت النهي المولوي عن الضد بعد فرض ثبوت الامر بالشئ. وبعد فرض ثبوت النهي فهناك نزاع آخر في كيفية اثبات ذلك. وعلى كل حال فان مسألتنا - كما قلنا - تنحل إلى مسألتين احداهما في الضد العام والثانية في الضد الخاص، فينبغي البحث عنهما في بابين: 1 - الضد العام لم يكن اختلافهم في الضد العام من جهة اصل الاقتضاء وعدمه، فان الظاهر انهم متفقون على الاقتضاء وانما اختلافهم في كيفيته: فقيل: انه على نحو العينية أي ان الامر بالشئ عين النهي عن ضده العام فيدل عليه حينئذ بالدلالة المطابقية. وقيل: انه على نحو الجزئية فيدل عليه بالدلالة التضمنية، باعتبار ان الوجوب ينحل إلى طلب الشئ مع المنع من الترك، فيكون المنع من الترك جزءا تحليليا في معنى الوجوب. وقيل: انه على نحو اللزوم البين بالمعنى الاخص، فيدل عليه بالدلالة الالتزامية. وقيل: انه على نحو اللزوم البين بالمعنى الاعم، أو غير البين، فيكون اقتضاؤه له عقليا صرفا. والحق انه لا يقتضيه بأي نحو من انحاء الاقتضاء، أي انه ليس هناك نهي مولوي عن الترك يقتضيه نفس الامر بالفعل على وجه يكون هناك نهي مولوي وراء. نفس الامر بالفعل. والدليل عليه: ان الوجوب - سواء كان مدلولا لصيغة الامر أو لازما عقليا لها كما هو الحق - ليس معنى مركبا بل هو معنى بسيط وجداني هو لزوم الفعل، ولازم كون الشئ واجبا المنع من تركه. ولكن هذا المنع اللازم للوجوب ليس منعا مولويا ونهيا شرعيا، بل هو منع عقلي تبعي من غير أن يكون هناك من الشارع منع ونهي وراء نفس

[ 266 ]

الوجوب. وسر ذلك واضح، فان نفس الامر بالشئ على وجه الوجوب كاف في الزجر عن تركه، فلا حاجة إلى جعل للنهي عن الترك من الشارع زيادة على الامر بذلك الشئ. فان كان مراد القائلين بالاقتضاء في المقام أن نفس الامر بالفعل يكون زاجرا عن تركه، فهو مسلم، بل لا بد منه لان هذا هو مقتضى الوجوب. ولكن ليس هذا هو موضع النزاع في المسألة، بل موضع النزاع هو النهي المولوي زائدا على الامر بالفعل. وان كان مرادهم أن هناك نهيا مولويا عن الترك يقتضيه الامر بالفعل كما هو موضع النزاع فهو غير مسلم ولا دليل عليه، بل هو ممتنع. وبعبارة أوضح واوسع: ان الامر والنهي متعاكسان، بمعنى انه إذا تعلق الامر بشئ فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع ممنوعا منه والا لخرج الواجب عن كونه واجبا. وإذا تعلق النهي بشئ فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع مدعوا إليه والا لخرج المحرم عن كونه محرما.. ولكن ليس معنى هذه التبعية في الامر ان يتحقق - فعلا - نهي مولوي عن ترك المأمور به بالاضافة إلى الامر المولوي بالفعل، كما انه ليس معنى هذه التبعية في النهي ان يتحقق - فعلا - أمر مولوي بترك المنهي عنه بالاضافة إلى النهي المولوي عن الفعل. والسر ما قلناه: ان نفس الامر بالشئء كاف في الزجر عن تركه، كما ان نفس النهي عن الفعل كاف للدعوة إلى تركه، بلا حاجة إلى جعل جديد من المولى في المقامين، بل لا يعقل الجعل الجديد كما قلنا في مقدمة الواجب حذو القذة بالقذة، فراجع. ولاجل هذه التبعية الواضحة اختلط الامر على كثير من المحررين لهذه المسألة فحسبوا ان هناك نهيا مولويا عن ترك المأمور به وراء الامر بالشئ اقتضاه الامر على نحو العينية أو التضمن أو الالتزام أو اللزوم العقلي. كما حسبوا - هناك في مبحث النهي - أن معنى النهي هو الطلب اما للترك أو الكف وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في تحرير النزاع. وهذان التوهمان في النهي والامر من واد واحد. وعليه فليس هناك طلب للترك وراء الردع عن الفعل في النهي، ولا نهي عن الترك وراء طلب الفعل في الامر.

[ 267 ]

نعم يجوز للآمر بدلا من الامر بالشئ ان يعبر عنه بالنهي عن الترك، كأن يقول - مثلا - بدلا عن قوله (صل): لا تترك الصلاة. ويجوز له بدلا من النهي عن الشئ ان يعبر عنه بالامر بالترك، كأن يقول - مثلا - بدلا عن قوله (لا تشرب الخمر): اترك شرب الخمر، فيؤدي التعبير الثاني في المقامين مؤدى التعبير الاول المبدل منه، أي ان التعبير الثاني يحقق الغرض من التعبير الاول. فإذا كان مقصود القائل بأن الامر بالشئ عين النهي عن ضده العام هذا المعنى، أي ان احدهما يصح ان يوضع موضع الآخر ويحل محله في أداء غرض الآمر. فلا بأس به وهو صحيح، ولكن هذا غير العينية المقصودة في المسألة على الظاهر. 2 - الضد الخاص ان القول باقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده الخاص يبتني ويتفرع على القول باقتضائه للنهي عن ضده العام. ولما ثبت - حسبما تقدم - انه لانهي مولوي عن الضد العام، فبالطريق الاولى نقول انه لانهي مولوي عن الضد الخاص، لما قلنا من ابتنائه وتفرعه عليه. وعلى هذا، فالحق ان الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده مطلقا سواء كان عاما أو خاصا. أما كيف يبتني القول بالنهي عن الضد الخاص على القول بالنهي عن الضد العام ويتفرع عليه، فهذا ما يحتاج إلى شئ من البيان، فنقول: ان القائلين بالنهي عن الضد الخاص لهم مسلكان لا ثالث لهما وكلاهما يبتنيان ويتفرعان على ذلك: (الاول) - مسلك التلازم: وخلاصته: ان حرمة أحد المتلازمين تستدعي وتستلزم حرمة ملازمة الآخر. والمفروض ان فعل الضد الخاص يلازم ترك المأمور به (أي الضد العام)، كالاكل مثلا الملازم فعله لترك الصلاة المأمور بها. وعندهم ان الضد العام محرم منهي - عنه وهو ترك الصلاة في المثال - فيلزم على هذا ان يحرم الضد

[ 268 ]

الخاص وهو الاكل في المثال. فابتنى النهي عن الضد الخاص بمقتضى هذا المسلك على ثبوت النهي عن الضد العام. اما نحن فلما ذهبنا إلى انه لا نهي مولوي عن الضد العام، فلا موجب لدينا من جهة الملازمة المدعاة للقول بكون الضد الخاص منهيا عنه بنهي مولوي. لان ملزومه ليس منهيا عنه حسب التحقيق الذي مر. على انا نقول - ثانيا - بعد التنازل عن ذلك والتسليم بأن الضد العام منهي عنه: ان هذا المسلك ليس صحيحا في نفسه، يعني ان كبراه غير مسلمة، وهي (ان حرمة احد المتلازمين تستلزم حرمة ملازمة الآخر) فانه لا يجب اتفاق المتلازمين في الحكم لا في الوجوب ولا الحرمة ولا غيرهما من الاحكام، ما دام ان مناط الحكم غير موجود في الملازم الآخر. نعم القدر المسلم في المتلازمين انه لا يمكن ان يختلفا في الوجوب والحرمة على وجه يكون احدهما واجبا والآخر محرما، لاستحالة امتثالهما حينئذ من المكلف فيستحيل التكليف من المولى بهما، فاما ان يحرم احدهما أو يجب الآخر. ويرجع ذلك إلى باب التزاحم الذي سيأتي التعرض له. وبهذا تبطل (شبهة الكعبي) المعروفة التي اخذت قسطا وافرا من ابحاث الاصوليين إذا كان مبناها هذه الملازمة المدعاة، فأنه نسب إليه القول بنفي المباح بدعوى ان كل ما يظن من الافعال انه مباح فهو واجب في الحقيقة، لان فعل كل مباح ملازم قهرا لواجب وهو ترك محرم واحد من المحرمات على الاقل. (الثاني) - مسلك المقدمية: وخلاصته: دعوى ان ترك الضد الخاص مقدمة لفعل المأمور به، ففي المثال المتقدم يكون ترك الاكل مقدمة لفعل الصلاة. ومقدمة الواجب واجبة. فيجب ترك الضد الخاص. وإذا وجب ترك الاكل حرم تركه، أي ترك ترك الاكل، لان الامر بالشئ يقتضي النهي عن الضد العام. وإذا حرم ترك ترك الاكل، فان معناه حرمة فعله، لان نفي النفي اثبات. فيكون الضد الخاص منهيا عنه. هذا خلاصة مسلك المقدمية. وقد رأيت كيف ابتنى النهي عن الضد الخاص على ثبوت النهي عن الضد العام.

[ 269 ]

ونحن إذ قلنا بانه لانهي مولوي عن الضد العام فلا يحرم ترك ترك الضد الخاص حرمة مولوية أي لا يحرم فعل الضد الخاص. فثبت المطلوب. على ان مسلك المقدمية غير صحيح من وجهين آخرين: (أحدهما) - انه بعد التنزل عما تقدم وتسليم حرمة الضد العام، فان هذا المسلك كما هو واضح يبتنى على وجوب مقدمة الواجب، وقد سبق أن اثبتنا انها ليست واجبة بوجوب مولوي، وعليه لا يكون ترك الضد الخاص واجبا بالوجوب الغيري المولوي حتى يحرم فعله. (ثانيهما) انا لا نسلم ان ترك الضد الخاص مقدمة لفعل المأمور به، وهذه المقدمية - أعني مقدمية الضد الخاص - لا تزال مثارا للبحث عند المتأخرين حتى اصبحت من المسائل الدقيقة المطولة، ونحن في غنى عن البحث عنها بعد ما تقدم. ولكن لحسم مادة الشبهة لا بأس بذكر خلاصة ما برفع المغالطة في دعوى مقدمية ترك الضد، فنقول: ان المدعي لمقدمية ترك الضد لضده تبتني دعواه على ان عدم الضد من باب عدم المانع بالنسبة إلى الضد الآخر للتمانع بين الضدين، أي لا يمكن اجتماعهما معا، ولا شك في ان عدم المانع من المقدمات، لانه من متممات العلة فان العلة التامة - كما هو معروف - تتألف من المقتضي وعدم المانع. فيتألف دليله من مقدمتين: 1 - (الصغرى): ان عدم الضد من باب (عدم المانع) لضده، لان الضدين متمانعان. 2 - (الكبرى): ان (عدم المانع) من المقدمات. فينتج من الشكل الاول ان عدم الضد من المقدمات لضده. وهذه الشبهة انما نشأت من أخذ كلمة (المانع) مطلقة. فتخيلوا ان لها معنى واحدا في الصغرى والكبرى فانتظم عندهم القياس الذي ظنوه منتجا، بينما ان الحق ان التمانع له معنيان ومعناه في الصغرى غير معناه في الكبرى، فلم يتكرر الحد الاوسط، فلم يتألف قياس صحيح. بيان ذلك: ان التمانع تارة يرد منه التمانع في الوجود، وهو امتناع

[ 270 ]

الاجتماع وعدم الملائمة بين الشيئين، وهو المقصود من التمانع بين الضدين إذ هما لا يجتمعان في الوجود ولا يتلاءمان وأخرى يراد منه التمانع في التأثير وان لم يكن بينهما تمانع وتناف في الوجود وهو الذي يكون بين المقتضيين لاثرين متمانعين في الوجود إذ يكون المحل غير قابل الا لتأثير أحد المقتضيين فان المقتضيين حينئذ يتمانعان في تأثيرهما فلا يؤثر احدهما الا بشرط عدم المقتضى الآخر. وهذا هو المقصود من المانع في الكبرى فان المانع الذي يكون عدمه شرطا لتأثير المقتضي هو المقتضي الآخر الذي يقتضي ضد أثر الاول. وعدم المانع اما لعدم وجوده اصلا أو لعدم بلوغه مرتبة الغلبة على الآخر في التأثير. وعليه فنحن نسلم ان عدم الضد من باب عدم المانع ولكنه عدم المانع في الوجود وما هو من المقدمات عدم المانع في التأثير، فلم يتكرر الحد الاوسط. فلا نستنتج من القياس ان عدم الضد من المقدمات. واعتقد ان هذا البيان لرفع المغالطة فيه الكفاية للمتنبه، واصطلاح هذا البيان بذكر بعض الشبهات فيه ودفعها يحتاج إلى سعة من القول لا تتحملها الرسالة. ولسنا بحاجة إلى نفي المقدمة لاثبات المختار بعد ما قدمناه. ثمرة المسألة ان ما ذكروه من الثمرات لهذه المسألة مختص بالضد الخاص فقط، واهمها والعمدة فيها هي صحة الضد إذا كان عبادة على القول بعدم الاقتضاء، وفساده على القول بالاقتضاء. بيان ذلك: انه قد يكون هناك واجب (أي واجب كان عبادة أو غير عبادة) وضده عبادة، وكان الواجب ارجح في نظر الشارع من ضده العبادي، فانه لمكان التزاحم بين الامرين للتضاد بين متعلقيهما والاول ارجح في نظر الشارع، لا محالة يكون الامر الفعلي المنجز هو الاول دون الثاني. وحينئذ، فان قلنا بأن الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده الخاص، فان الضد العبادي يكون منهيا عنه في الفرض، والنهي في العبادة يقتضي الفساد فإذا اتى به وقع فاسدا. وان قلنا بأن الأمر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، فان الضد العبادي لا يكون منهيا عنه، فلا مقتضى لفساده. وأرجحية الواجب على ضده الخاص العبادي يتصور في اربعة موارد: 1 - أن يكون الضد العبادي مندوبا، ولا شك في ان الواجب مقدم على

[ 271 ]

المندوب كاجتماع الفريضة مع النافلة، فانه بناء على اقتضاء الامر بالشئ للنهي عن ضده لا يصح الاشتغال بالنافلة مع حلول وقت الفريضة، ولا بد ان تقع النافلة فاسدة. نعم لا بد ان تستثنى من ذلك نوافل الوقت لورود الامر بها في خصوص وقت الفريضة كنافلتي الظهر والعصر. وعلى هذا فمن كان عليه قضاء الفوائت لا تصح منه النوافل مطلقا بناء على النهي عن الضد، بخلاف ما إذا لم نقل بالنهي عن الضد فان عدم جواز فعل النافلة حينئذ يحتاج إلى دليل خاص. 2 - أن يكون الضد العبادي واجبا ولكنه أقل أهمية عند الشارع من الاول كما في مورد اجتماع انقاذ نفس محترمة من الهلكة مع الصلاة الواجبة. 3 - أن يكون الضد العبادي واجبا ايضا ولكنه موسع الوقت، والاول مضيق، ولا شك في أن المضيق مقدم على الموسع وان كان الموسع اكثر اهمية منه. مثاله اجتماع قضاء الدين الفوري مع الصلاة في سعة وقتها. وازالة النجاسة عن المسجد مع الصلاة في سعة الوقت. 4 - ان يكون الضد العبادي واجبا أيضا ولكنه مخير، والاول واجب معين، ولا شك في ان المعين مقدم على المخير وان كان المخير أكثر اهمية منه لان المخير له بدل دون المعين. مثاله اجتماع سفر منذور في يوم معين مع خصال الكفارة، فلو ترك المكلف السفر واختار الصوم من خصال الكفارة فان كان الامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده كان الصوم منهيا عنه فاسدا. هذه خلاصة بيان ثمرة المسألة مع بيان موارد ظهورها، ولكن هذا المقدار من البيان لا يكفي في تحقيقها فان ترتبها وظهورها يتوقف على امرين. (الاول) - القول بأن النهي في العبادة يقتضي فسادها حتى النهي الغيري التبعي، لانه إذا قلنا بان النهي مطلقا لا يقتضي فساد العبادة أو خصوص النهي التبعي لا يقتضي الفساد فلا تظهر الثمرة ابدا. وهو واضح لان الضد العبادي حينئذ يكون صحيحا سواء قلنا بالنهي عن الضد ام لم نقل. والحق ان النهي في العبادة يقتضي فسادها حتى النهي الغيري على الظاهر. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعهم ان شاء الله تعالى. واستعجالا في بيان هذا الامر نشير إليه اجمالا فنقول: ان اقصى ما يقال في عدم اقتضاء النهي التبعي للفساد هو ان النهي لا يكشف عن وجود

[ 272 ]

مفسدة في المنهي عنه وإذا كان الامر كذلك فالمنهي عنه باق على ما هو عليه من مصلحة بلا مزاحم لمصلحته، فيمكن التقرب فيه إذا كان عبادة بقصد تلك المصلحة المفروضة فيه. وهذا ليس بشئ - وان صدر من بعض اعاظم مشايخنا - لان المدار في القرب والبعد في العبادة ليس على وجود المصلحة والمفسدة فقط، فانه من الواضح ان المقصود من القرب والبعد من المولى القرب والبعد المعنويان تشبيها بالقرب والبعد المكانيين، وما لم يكن الشئ مرغوبا فيه للمولى فعلا لا يصلح للتقرب به إليه، ومجرد وجود مصلحة فيه لا يوجب مرغوبيته له مع فرض نهيه وتبعيده. وبعبارة أخرى: لا وجه للتقرب إلى المولى بما ابعدنا عنه، والمفروض ان النهي التبعي نهي مولوي، وكونه تبعيا لا يخرجه عن كونه زجرا وتنفيرا وتبعيدا عن الفعل وان كان التبعيد لمفسدة في غيره أو لفوات مصلحة الغير. نعم لو قلنا بأن النهي عن الضد ليس نهيا مولويا بل هو نهي يقتضيه العقل الذي لا يستكشف منه حكم الشرع كما اخترناه في المسألة فان هذا النهي العقلي لا يقتضي تبعيدا عن المولى الا إذا كشف عن مفسدة مبغوضة للمولى. وهذا شئ آخر لا يقتضيه حكم العقل في نفسه. (الثاني) - ان صحة العبادة والتقرب لا يتوقف على وجود الامر الفعلي بها، بل يكفي في التقرب بها احراز محبوبيتها الذاتية للمولى، وان لم يكن هناك أمر فعلي بها لمانع. اما إذا قلنا بان عبادية العبادة لا تتحقق الا إذا كانت مأمورا بها بأمر فعلي، فلا تظهر هذه الثمرة ابدا، لانه قد تقدم ان الضد العبادي - سواء كان مندوبا أو واجبا اقل اهمية أو موسعا أو مخيرا - لا يكون مأمورا به فعلا لمكان المزاحمة بين الامرين ومع عدم الامر به لا يقع عبادة صحيحة وان قلنا بعدم النهي عن الضد. والحق هو الاول، أي ان عبادية العبادة لا تتوقف على تعلق الامر بها فعلا، بل إذا احرز انها محبوبة في نفسها للمولى مرغوبة لديه فانه يصح

[ 273 ]

التقرب بها إليه وان لم يأمر بها فعلا لمانع، لانه - كما اشرنا إلى ذلك في مقدمة الواجب ص 255 - يكفي في عبادية الفعل ارتباطه بالمولى والاتيان به متقربا به إليه مع ما يمنع من التعبد به من كون فعله تشريعا أو كونه منهيا عنه. ولا تتوقف عباديته على قصد امتثال الامر كما مال إليه صاحب الجواهر قدس سره. هذا، وقد يقال في المقام - نقلا عن المحقق الثاني تغمده الله برحمته -. ان هذه الثمرة تظهر حتى مع القول بتوقف العبادة على تعلق الامر بها، ولكن ذلك في خصوص التزاحم بين الواجبين الموسع والمضيق ونحوهما، دون التزاحم بين الاهم والمهم المضيقين. والسر في ذلك: ان الامر في الموسع انما يتعلق بصرف وجود الطبيعة على أن يأتي به المكلف في أي وقت وشاء من الوقت الوسيع المحدد له، اما الافراد بما لها من الخصوصيات الوقتية فليست مأمورا بها بخصوصها، والامر بالمضيق إذا لم يقتض النهي عن ضده فالفرد المزاحم له من افراد ضده الواجب الموسع لا يكون مأمورا به لا محالة من اجل المزاحمة ولكنه لا يخرج بذلك عن كونه فردا من الطبيعة المأمور بها. وهذا كاف في حصول امتثال الامر بالطبيعة لان انطباقها على هذا الفرد المزاحم قهري فيتحقق به الامتثال قهرا ويكون مجزيا عقلا عن امتثال الطبيعة في فرد آخر، لانه لا فرق من جهة انطباق الطبيعة المأمور بها بين فرد وفرد. وبعبارة أوضح: انه لو كان الوجوب في الواجب الموسع ينحل إلى وجوبات متعددة بتعدد أفراده الطولية الممكنة في مدة الوقت المحدد على وجه يكون التخيير بينها شرعيا - فلا محالة لا أمر بالفرد المزاحم للواجب المضيق ولا أمر آخر يصححه فلا تظهر الثمرة، ولكن الامر ليس كذلك، فانه ليس في الواجب الموسع الا وجوب واحد يتعلق بصرف وجود الطبيعة، غير أن الطبيعة لما كانت لها أفراد طولية متعددة يمكن انطباقها على كل واحد منها فلا محالة يكون المكلف مخيرا عقلا بين الافراد، أي يكون مخيرا بين أن يأتي بالفعل في أول الوقت أو ثانيه أو ثالثه وهكذا إلى آخر الوقت، وما يختاره من الفعل في أي وقت يكون هو الذي ينطبق عليه المأمور به وان امتنع

[ 274 ]

أن يتعلق الامر به بخصوصه لمانع، بشرط ان يكون المانع غير جهة نفس شمول الامر المتعلق بالطبيعة له، بل من جهة شئ خارج عنه وهو المزاحمة مع المضيق في المقام. هذا خلاصة توجيه ما نسب إلى المحقق الثاني في المقام، ولكن شيخنا المحقق النائيني لم يرتضه، لانه يرى ان المانع من تعلق الامر بالفرد المزاحم يرجع إلى نفس شمول الامر المتعلق بالطبيعة له، يعني انه يرى ان الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها لا تنطبق على الفرد المزاحم ولا تشمله، وانطباق الطبيعة بما هي مأمور بها على الفرد المزاحم لا ينفع ولا يكفي في امتثال الامر بالطبيعة. والسر في ذلك واضح، فانا إذ نسلم ان التخيير بين أفراد الطبيعة تخيير عقلي نقول ان التخيير انما هو بين افراد الطبيعة المأمور بها، بما هي مأمور بها فالفرد المزاحم خارج عن نطاق هذه الافراد التي بينها التخيير. اما ان الفرد المزاحم خارج عن نطاق افراد الطبيعة المأمور بها بما هي مأمور بها فلان الامر انما يتعلق بالطبيعة المقدورة للمكلف بما هي مقدورة، لان القدره شرط في المأمور به مأخوذة في الخطاب، لا أنها شرط عقلي محض والخطاب في نفسه عام شامل في اطلاقه للافراد المقدورة وغير المقدورة. بيان ذلك: ان الامر انما هو لجعل الداعي في نفس المكلف، وهذا المعنى بنفسه يقتضي كون متعلقه مقدورا لاستحالة جعل الداعي إلى ما هو ممتنع. فيعلم من هذا أن القدرة مأخوذة في متعلق الامر ويفهم ذلك من نفس الخطاب بمعنى ان الخطاب لما كان يقتضي القدرة على متعلقه، فتكون سعة دائرة المتعلق على قدر سعة دائرة القدرة عليه لا يزيد ولا تنقص، أي تدور سعته وضيقه مدار سعة القدرة وضيقها. وعلى هذا فلا يكون الامر شاملا لما هو ممتنع من الافراد إذ يكون المطلوب به الطبيعة بما هي مقدرة والفرد غير المقدور خارج عن افرادها بما هي مأمور بها. نعم لو كان اعتبار القدرة بملاك قبح تكليف العاجز فهي شرط عقلي لا يوجب تقييد متعلق. الخطاب لانه ليس من اقتضاء نفس الخطاب، فيكون

[ 275 ]

متعلق الامر هي الطبيعة بما هي لا بما هي مقدورة، وان كان بمقتضى الحكم العقل لا بد ان يقيد الوجوب بها، فالفرد المزاحم - على هذا - هو أحد أفراد الطبيعة بما هي التي تعلق بها كذلك. وتشييد ما أفاده استاذنا ومناقشته يحتاج إلى بحث اوسع لسنا بصدده الآن، راجع عنه تقريرات تلامذته. الترتب وإذا امتد البحث إلى هنا، فهناك مشكلة فقهية تنشأ من الخلاف المتقدم لا بد من التعرض لها بما يليق بهذه الرسالة. وهي ان كثيرا من الناس نجدهم يحرصون - بسبب تهاونهم - على فعل بعض العبادات المندوبة في ظرف وجوب شئ هو ضد للمندوب، فيتركون الواجب ويفعلون المندوب، كمن يذهب للزيارة أو يقيم مأتم الحسين (ع) وعليه دين واجب الاداء. كما نجدهم يفعلون بعض الواجبات العبادية في حين ان هناك عليهم واجبا أهم فيتركونه، أو واجبا مضيق الوقت مع ان الاول موسع فيقدمون الموسع على المضيق أو واجبا معينا مع أن الاول مخير فيقدمون المخير على المعين.. وهكذا. ويجمع الكل تقديم فعل المهم العبادي على الاهم، فان المضيق أهم من الموسع، والمعين أهم من المخير، كما ان الواجب أهم من المندوب (ومن الآن سنعبر بالاهم والمهم ونقصد ما هو أعم من ذلك كله). فإذا قلنا بأن صحة العبادة لا تتوقف على وجود أمر فعلى متعلق به وقلنا بانه لا نهي عن الضد أو النهي عنه لا يقتضي الفساد، فلا اشكال ولا مشكلة، لان فعل المهم العبادي يقع صحيحا حتى مع فعلية الامر بالاهم، غاية الامر يكون المكلف عاصيا بترك الاهم من دون ان يؤثر ذلك على صحة ما فعله من العبادة. وانما المشكلة فيما إذا قلنا بالنهي عن الضد وأن النهي يقتضي الفساد، أو قلنا بتوقف صحة العبادة على الامر بها كما هو المعروف عن الشيخ صاحب

[ 276 ]

الجواهر قدس سره، فان أعمالهم هذه كلها باطلة ولا يستحقون عليها ثوابا، لانه اما منهي عنها والنهي يقتضي الفساد، واما لا أمر بها وصحتها تتوقف على الامر. فهل هناك طريقة لتصحيح فعل المهم العبادي مع وجود الامر بالاهم ؟ ذهب جماعة إلى تصحيح العبادة في المهم بنحو (الترتب) بين الامرين: الامر بالاهم والامر بالمهم، مع فرض القول بعدم النهي عن الضد وان صحة العبادة تتوقف على وجود الامر (1). والظاهر ان اول من أسس هذه الفكرة وتنبه لها المحقق الثاني وشيد أركانها السيد الميرزا الشيرازي كما أحكمها ونقحها شيخنا المحقق النائيني طيب الله مثواهم. وهذه الفكرة وتحقيقها من اروع ما انتهى إليه البحث الاصولي تصويرا وعمقا. وخلاصة فكرة (الترتب): انه لا مانع عقلا من أن يكون الامر بالمهم فعليا عند عصيان الامر بالاهم، فإذا عصى المكلف وترك الاهم فلا محذور في أن يفرض الامر بالمهم حينئذ، إذ لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين، كما سيأتي توضيحه. وإذا لم يكن مانع عقلي من هذا الترتب فان الدليل يساعد على وقوعه والدليل هو نفس الدليلين المتضمنين للامر بالمهم والامر بالاهم، وهما كافيان لاثبات وقوع الترتب. وعليه، ففكرة الترتب وتصحيحها يتوقف على شيئين رئيسين في الباب، أحدهما امكان الترتب في نفسه، وثانيهما الدليل على وقوعه. اما (الاول) وهو امكانه في نفسه فبيانه: ان أقصى ما يقال في ابطال


(1) أما نحن الذين نقول بأن صحة العبادة لا تتوقف على وجود الامر فعلا وان الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده - ففي غنى عن القول بالترتب لتصحيح العبادة في مقام المزاحمة بين الضدين الاهم والمهم كما تقدم.

[ 277 ]

الترتب واستحالته: هو دعوى لزوم المحال منه، وهو فعلية الامر بالضدين في آن واحد، لان القائل بالترتب يقول باطلاق الامر بالآهم وشموله لصورتي (فعل الاهم وتركه)، ففي حال فعلية الامر بالمهم وهو حال ترك الاهم يكون الامر بالاهم فعليا على قوله، والامر بالضدين في آن واحد محال. ولكن هذه الدعوى - عند القائل بالترتب - باطلة، لان قوله (الامر بالضدين في آن واحد محال) فيه مغالطة ظاهرة، فان قيد (في آن واحد) يوهم انه راجع إلى الضدين فيكون محالا إذ يستحيل الجمع بين الضدين، بينما هو في الحقيقة راجع إلى الامر، ولا استحالة في أن يأمر المولى في آن واحد بالضدين إذا لم يكن المطلوب الجمع بينهما في آن واحد، لان المحال هو الجمع بين الضدين لا الامر بهما في آن واحد وان لم يستلزم الجمع بينهما. اما ان قيد في آن واحد راجع إلى الامر لا إلى الضدين فواضح، لان المفروض أن الامر بالمهم مشروط بترك الاهم فالخطاب الترتبي ليس فقط لا يقتضي الجمع بين الضدين بل يقتضي عكس ذلك، لانه في حال انشغال المكلف بامتثال الامر بالاهم واطاعته لا أمر في هذا الحال الا بالاهم ونسبة المهم إليه حينئذ كنسبة المباحات إليه، واما في حال ترك الاهم والانشغال بالمهم فان الامر بالاهم نسلم انه يكون فعليا وكذلك الامر بالمهم، ولكن خطاب المهم حسب الفرض مشروط بترك الاهم وخلو الزمان منه، ففي هذا الحال المفروض يكون الامر بالمهم داعيا للمكلف إلى فعل المهم في حال ترك الاهم فكيف يكون داعيا إلى الجمع بين الاهم والمهم في آن واحد. وبعبارة أوضح: ان يجاب الجمع لا يمكن أن يتصور الا إذا كان هناك مطلوبان في عرض واحد، على وجه لو فرض امكان الجمع بينهما لكان كل منهما مطلوبان، وفي الترتب لو فرض محالا امكان الجمع بين الضدين فانه لا يكون المطلوب الا الاهم ولا يقع المهم في هذا الحال على صفة المطلوبية ابدا، لان طلبه حسب الفرض مشروط بترك الاهم فمع فعله لا يكون مطلوبا. وأما (الثاني) وهو الدليل على وقوع الترتب وأن الدليل هو نفس دليلي

[ 278 ]

الامرين، فبيانه: ان المفروض أن لكل من الاهم والمهم - حسب دليل كل منهما - حكما مستقلا مع قطع النظر عن وقوع المزاحمة بينهما، كما ان المفروض أن دليل كل منهما مطلق بالقياس إلى صورتي فعل الآخر وعدمه. فإذا وقع التزاحم بينهما اتفاقا، فبحسب اطلاقهما يقتضيان ايجاب الجمع بينهما، ولكن ذلك محال، فلا بد أن ترفع اليد عن اطلاق احدهما، ولكن المفروض أن الاهم أولى وأرجح ولا يعقل تقديم المرجوح على الراجح والمهم على الاهم فيتعين رفع اليد عن اطلاق دليل الامر بالمهم فقط، ولا يقتضي ذلك رفع اليد عن أصل دليل المهم، لانه انما نرفع اليد عنه من جهة تقديم اطلاق الاهم لمكان المزاحمة بينهما وارجحية الاهم والضروريات انما تقدر بقدرها. وإذا رفعنا اليد عن اطلاق دليل المهم مع بقاء أصل الدليل فان معنى ذلك اشتراط خطاب المهم بترك الاهم. وهذا هو معنى الترتب المقصود. والحاصل: ان معنى الترتب المقصود هو اشتراط الامر بالمهم بترك ألاهم، وهذا الاشتراط حاصل فعلا بمقتضى الدليلين، مع ضم حكم العقل بعدم امكان الجمع بين امتثالهما معا، وبتقديم الراجح على المرجوح الذي لا يرفع الا اطلاق دليل المهم، فيبقى أصل دليل الامر بالاهم على حاله في صورة ترك الاهم فيكون الامر الذي يتضمنه الدليل مشروطا بترك الاهم. وبعبارة أوضح: ان دليل المهم في أصله مطلق يشمل صورتين: صورة فعل الاهم وصورة تركه. ولما رفعنا اليد عن شموله لصورة فعل الاهم لمكان المزاحمة وتقديم الراجح فيبقى شموله لصورة ترك الاهم بلا مزاحم، وهذا معنى اشتراطه بترك الاهم. فيكون هذا الاشتراط مدلولا لدليلي الامرين معا بضميمة حكم العقل، ولكن هذه الدلالة من نوع دلالة الاشارة (راجع عن معنى دلالة الاشارة المجلد الاول ص 124). هذه خلاصة ذكرة (الترتب) على علاتها، وهناك فيها جوانب تحتاج إلى مناقشة وايضاح تركناها إلى المطولات، وقد وضع لها شيخنا المحقق النائيني خمس مقدمات لسد ثغورها راجع عنها تقريرات تلامذته.

[ 279 ]

المسألة الرابعة: اجتماع الامر والنهي تحرير محل النزاع: واختلف الاصوليون من القديم في أنه هل يجوز اجتماع الامر والنهي في واحد أو لا يجوز ؟ ذهب إلى الجواز أغلب الاشاعرة وجملة من اصحابنا أولهم الفضل أبن شاذان على ما هو المعروف عنه، وعليه جماعة من محققي المتأخرين، وذهب إلى الامتناع أكثر المعتزلة وأكثر اصحابنا. وكأن المسألة - فيما يبدو من عنوانها - من الابحاث التافهة، إذ لا يمكن أن نتصور النزاع في امكان اجتماع الامر والنهي في واحد حتى لو قلنا بعدم امتناع التكليف بالمحال كما تقوله الاشاعرة، لان التكليف هنا نفسه محال، وهو الامر والنهي بشئ واحد. وامتناع ذلك من أوضح الواضحات، وهو محل وفاق بين الجميع. اذن، فكيف صح هذا النزاع من القوم ؟ وما معناه ؟ والجواب: ان التعبير باجتماع الامر والنهي من خداع العناوين، فلا بد من توضيح مقصودهم من البحث بتوضيح الكلمات الواردة في هذا العنوان، وهي كلمة: الاجتماع، الواحد، الجواز. ثم ينبغي أن نبحث أيضا عن قيد آخر لتصحيح النزاع، وهو قيد (المندوحة) الذي أضافه بعض المؤلفين، وهو على حق. وعليه نقول: 1 - (الاجتماع). والمقصود منه هو الالتقاء الاتفاقي بين المأمور به والمنهي عنه في شئ واحد. ولا يفرض ذلك الا حيث يفرض تعلق الامر بعنوان وتعلق النهي بعنوان آخر لاربط له بالعنوان الاول،، ولكن قد يتفق نادرا أن يلتقي العنوانان في شئ واحد ويجتمعا فيه، وحينئذ يجتمع - أي يلتقي - الامر والنهي.

[ 280 ]

ولكن هذا الاجتماع والالتقاء بين العنوانين على نحوين: 1 - ان يكون اجتماعا مورديا، يعني ان لا يكون هنا فعل واحد مطابقا لكل من العنوانين، بل يكون هنا فعلان تقارنا وتجاورا في وقت واحد، أحدهما يكون مطابقا لعنوان الواجب وثانيهما مطابقا لعنوان المحرم، مثل النظر إلى الاجنبية في أثناء الصلاة، فلا النظر هو مطابق عنوان الصلاة ولا الصلاة مطابق عنوان النظر إلى الاجنبية، ولا هما ينطبقان على فعل واحد. فان مثل هذا الاجتماع الموردي لم يقل أحد بامتناعه، وليس هو داخلا في مسألة الاجتماع هذه. فلو جمع المكلف بينهما بأن نظر إلى الاجنبية في أثناء الصلاة فقد عصى وأطاع في آن واحد ولا تفسد صلاته. 2 - ان يكون اجتماعا حقيقيا - وان كان ذلك في النظر العرفي وفي بادئ الرأي - يعني انه فعل واحد يكون مطابقا لكل من العنوانين كالمثال المعروف (الصلاة في المكان المغصوب). فان مثل هذا المثال هو محل النزاع في مسألتنا، المفروض فيه أنه لاربط لعنوان الصلاة المأمور به بعنوان الغصب المنهي عنه، ولكن قد يتفق للمكلف صدفة أن يجمع بينهما بأن يصلي في مكان مغصوب، فيلتقي العنوان المأمور به وهو الصلاة مع العنوان المنهي عنه وهو الغصب وذلك في الصلاة المأتي بها في مكان مغصوب فيكون هذا الفعل الواحد مطابقا لعنوان الصلاة ولعنوان الغصب معا. وحينئذ إذا اتفق ذلك للمكلف فانه يكون هذا الفعل الواحد داخلا فيما هو مأمور به من جهة فيقتضي أن يكون المكلف مطيعا للامر ممتثلا، وداخلا فيما هو منهي عنه من جهة أخرى فيقتضي أن يكون المكلف عاصيا به مخالفا. * * * 2 - (الواحد) - والمقصود منه الفعل الواحد باعتبار أن له وجودا واحدا يكون ملتقى ومجمعا للعنوانين، في مقابل المتعدد بحسب الوجود، كالنظر إلى الاجنبية والصلاة فان وجود احدهما غير وحود الآخر، فان الاجتماع في مثل هذا يسمى (الاجتماع الموردي) كما تقدم.

[ 281 ]

والفعل الواحد بما له من الوجود الواحد إذا كان ملتقى للعنوانين، فان التقاء العناوين فيه يخلو من حالتين: إحداهما أن يكون الالتقاء بسبب ماهيته الشخصية وثانيهما أن يكون الالتقاء بسبب ماهيته الكلية كأن يكون الكلي نفسه مجمعا للعنوانين كالكون الكلي الذي ينطبق عليه أنه صلاة وغصب. وعليه فالمقصود من الواحد في المقام: الواحد في الوجود، فلا معنى لتخصيص النزاع بالواحد الشخصي. وبما ذكرنا يظهر خروج الواحد بالجنس عن محل الكلام، والمراد به ما إذا كان المأمور به والمنهي عنه متغايرين وجودا ولكنهما يدخلان تحت ماهية واحدة، كالسجود لله والسجود للصنم، فإنهما واحد بالجنس باعتبار ان كلا منهما داخل تحت عنوان السجود ولا شك في خروج ذلك عن محل النزاع * * * 3 - (الجواز) - والمقصود منه الجواز العقلي، أي الامكان المقابل للامتناع وهو واضح، ويصح ان يراد منه الجواز العقلي المقابل للقبح العقلي، وهو قد يرجع إلى الاول باعتبار ان القبيح ممتنع على الله تعالى. والجواز له معان أخر كالجواز المقابل للوجوب والحرمة الشرعيين، والجواز بمعنى الاحتمال. وكلها غير مرادة قطعا. * * * إذا عرفت تفسير هذه الكلمات الثلاث الواردة في عنوان المسألة يتضح لك جيدا تحرير النزاع فيها، فان حاصل النزاع في المسألة يكون انه في مورد التقاء عنواني المأمور به والمنهي عنه في واحد وجودا هل يجوز اجتماع الامر والنهي ؟ ومعنى ذلك: انه هل يصح أن يبقى الامر متعلقا بذلك العنوان المنطبق على ذلك الواحد ويبقى النهي كذلك متعلقا بالعنوان المنطبق على ذلك الواحد، فيكون المكلف مطيعا وعاصيا معا في الفعل الواحد.

[ 282 ]

أو انه يمتنع ذلك ولا يجوز، فيكون ذلك المجتمع للعنوانين اما مأمورا به فقط ام منهيا عنه فقط، أي أنه اما أن يبقى الامر على فعليته فقط فيكون المكلف مطيعا لا غير، أو يبقى النهي على فعليته فقط فيكون المكلف عاصيا لا غير. والقائل بالجواز لا بد أن يستند في قوله إلى أحد رأيين: 1 - أن يرى ان العنوان بنفسه هو متعلق التكليف ولا يسري الحكم إلى المعنون فانطباق عنوانين على فعل واحد لا يلزم منه ان يكون ذلك الواحد متعلقا للحكمين، فلا يمتنع الاجتماع، أي اجتماع عنوان المأمور به مع عنوان المنهي عنه في واحد، لانه لا يلزم منه اجتماع نفس الامر والنهي في واحد. 2 - أن يرى ان المعنون على تقدير تسليم انه هو متعلق الحكم حقيقة لا العنوان، يكون متعددا واقعا إذا تعدد العنوان لا تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون بالنظر الدقيق الفسلفي، ففي الحقيقة - وان كان فعل واحد في ظاهر الحال صار مطابقا للعنوانين - هناك معنونان كل واحد منهما مطابق لاحد العنوانين، فيرجع اجتماع الوجوب والحرمة بالدقة العقلية إلى الاجتماع الموردي الذي قلنا: انه لا بأس فيه من الاجتماع. وعلى هذا فليس هناك واحد بحسب الوجود يكون مجمعا بين العنوانين في الحقيقة، بل ما هو مأمور به في وجوده غير ما هو منهي عنه في وجوده. ولا تلزم سراية الامر إلى ما تعلق به النهي ولا سراية النهي إلى ما تعلق به الامر، فيكون المكلف في جمعه بين العنوانين مطيعا وعاصيا في آن واحد كالناظر إلى الاجنبية في أثناء الصلاة. وبهذا يتضح معنى القول بجواز اجتماع الامر والنهي، وفي الحقيقة ليس هو قولا باجتماع الامر والنهي في واحد، بل اما أنه يرجع إلى القول باجتماع عنوان المأمور به والمنهي عنه في واحد دون أن يكون هناك اجتماع بين الامر والنهي، واما ان يرجع إلى القول بالاجتماع الموردي فقط، فلا يكون اجتماع بين الامر والنهي ولا بين المأمور به والمنهي عنه. وأما القائل بالامتناع فلا بد أن يذهب إلى أن الحكم يسري من العنوان إلى المعنون وان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون. فانه لا يمكن حينئذ بقاء

[ 283 ]

الامر والنهي معا وتوجههما متعلقين بذلك المعنون الواحد بحسب الوجود، لانه يلزم اجتماع نفس الامر والنهي في واحد، وهو مستحيل، فأما أن يبقى الامر ولا نهي أو يبقى النهي ولا أمر. ولقد أحسن صاحب المعالم في تحرير النزاع إذ عبر بكلمة (التوجه) بدلا عن كلمة (الاجتماع) فقال: (الحق امتناع توجه الامر والنهي إلى شئ واحد..) المسألة من الملازمات العقلية غير المستقلة: ومن التقرير المتقدم لبيان محل النزاع يظهر كيف أن المسألة هذه ينبغي أن تدخل في الملازمات العقلية غير المستقلة، فان معنى القول بالامتناع هو تنقيح صغرى الكبرى العقلية القائلة بامتناع الامر والنهي في شئ واحد حقيقي. توضيح ذلك: انه إذا قلنا بان الحكم يسري من العنوان إلى المعنون وأن تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون فانه يتنقح عندنا موضع اجتماع الامر والنهي في واحد الثابتين شرعا فيقال على نهج القياس الاستثنائي هكذا: إذا التقى عنوان المأمور به والمنهي عنه في واحد بسوء الاختيار فان بقي الامر والنهي فعليين معا فقد اجتمع الامر والنهي في واحد. (وهذه هي الصغرى) ومستند هذه الملازمة في الصغرى هو سراية الحكم من العنوان المعنون وان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون. وانما تفرض هذه الملازمة حيث يفرض ثبوت الامر والنهي شرعا بعنوانيهما. ثم نقول: ولكنه يستحيل اجتماع الامر والنهي في واحد. (وهذه هي الكبرى) وهذه الكبرى عقلية تثبت في غير هذه المسألة. وهذا القياس استثنائي قد استثني فيه نقيض التالي فيثبت به نقيض المقدم، وهو عدم بقاء الامر والنهي فعليين معا.

[ 284 ]

وأما بناء على الجواز فيحرج هذا المورد مورد الالتقاء عن أن يكون صغرى لتلك الكبرى العقلية. ولا يجب في كون المسألة اصولية من المستقلات العقلية وغيرها ان تقع صغرى للكبرى العقلية على تقدير جميع الاقوال، بل يكفي ان تقع صغرى على أحد الاقوال فقط. فان هذا شأن جميع المسائل الاصولية المتقدمة اللفظية والعقلية، الا ترى ان المباحث اللفظية كلها لتنقيح صغرى أصالة الظهور، مع أن المسألة لا تقع صغرى لاصالة الظهور على جميع الاقوال فيها كمسألة دلالة صيغة افعل على الوجوب، فانه على القول بالاشتراك اللفظي أو المعنوي لا يبقى لها ظهور في الوجوب أو غيره. ولا وجه لتوهم كون هذه المسألة فقهية أو كلامية أو أصولية لفظية. وهو واضح بعد ما قدمناه من شرح تحرير النزاع وبعد ما ذكرناه سابقا في أول هذا الجزء من مناط كون المسألة الاصولية من باب غير المستقلات العقلية. مناقشة الكفاية في تحرير النزاع: وبعد ما حررناه من بيان النزاع في المسألة يتضح ابتناء القول بالجواز فيها على أحد رأيين: أما القول بان متعلق الاحكام هي نفس العنوانات دون معنوناتها، واما القول بان تعدد العنوان يستدعي تعدد المعنون. فتكون مسألة تعدد المعنون بتعدد العنوان وعدم تعدده حيثية تعليلية في مسألتنا ومن المبادئ التصديقية لها على أحد احتمالين، لا أنها هي نفس محل النزاع في الباب، فان البحث هنا ليس الا عن نفس الجواز وعدمه كما عبر بذلك كل من بحث هذه المسألة من القديم. ومن هنا تتجلى المناقشة فيما أفاده في (كفاية الاصول) في رجوع محل البحث هنا إلى البحث عن استدعاء تعدد العنوان والمعنون وعدمه. فانه فرق عظيم بين ما هو محل النزاع وبين ما يبتني عليه النزاع في أحد احتمالين. فلا وجه للخلط بينهما وارجاع احدهما إلى الآخر، وان كان في هذه

[ 285 ]

المسألة لا بد للاصولي من البحث عن أن تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون، باعتبار أن هذا البحث ليس مما يذكر في موضع آخر. قيد المندوحة: ذكرنا فيما سبق أن بعضهم قيد النزاع هنا بأن تكون هناك مندوحة في مقام الامتثال. ومعنى المندوحة ان يكون المكلف متمكنا من امتثال الامر في مورد آخر غير مورد الاجتماع. ونظر إلى ذلك كل من قيد موضع النزاع بما إذا كان الجمع بين العنوانين بسوء اختيار المكلف. وانما قيد بها موضع النزاع للاتفاق بين الطرفين على عدم جواز الاجتماع في صورة عدم وجود المندوحة، وذلك فيما إذا انحصر امتثال الامر في مورد الاجتماع لا بسوء اختيار المكلف. والسر واضح فانه عند الانحصار تستحيل فعلية التكليفين لاستحالة امتثالهما معا لانه ان فعل ما هو مأمور به فقد عصى النهي وان تركه فقد عصى الامر، فيقع التزاحم حينئذ بين الامر والنهي. وظاهر ان اعتبار قيد المندوحة لازم لما ذكرناه، إذ ليس النزاع جهتيا - كما ذهب إليه صاحب الكفاية - أي من جهة كفاية تعدد العنوان في تعدد المعنون وعدمه وان لم يجز الاجتماع من جهة اخرى، حتى لا نحتاج إلى هذا القيد. بل النزاع - كما تقدم - هو في جواز الاجتماع وعدمه من أية جهة فرضت وليس جهتيا. وعليه فما دام النزاع غير واقع في الجواز في صورة عدم المندوحة فهذه الصورة لا تدخل في محل النزاع في مسألتنا. فوجب - اذن - تقييد عنوان المسألة بقيد المندوحة كما صنع بعضهم. الفرق بين بابي التعارض والتزاحم ومسألة الاجتماع: من المسائل العويصة مشكلة التفرقة بين باب التعارض وباب التزاحم،

[ 286 ]

ثم بينهما وبين مسألة الاجتماع. ولا بد من بيان الفرق بينها لتنكشف جيدا حقيقة النزاع في مسألتنا مسألة الاجتماع. وجه الاشكال في التفرقة: انه لا شبهة في أن من موارد التعارض بين الدليلين ما إذا كان بين دليلي الامر والنهي عموم وخصوص من وجه، وذلك من أجل العموم من وجه بين متعلقي الامر والنهي، أي العموم من وجه الذي يقع بين عنوان المأمور به وعنوان المنهي عنه، بينما ان التزاحم بين الوجوب والحرمة من موارده أيضا العموم من وجه بين الامر والنهي من هذه الجهة. وكذلك مسألة الاجتماع موردها منحصر فيما إذا كان بين عنواني المأمور به والمنهي عنه عموم من وجه. فيتضح انه مورد واحد - وهو مورد العموم من وجه بين متعلقي الامر والنهي - يصح ان يكون موردا للتعارض وباب التزاحم ومسألة الاجتماع، فما المائز والفارق ؟ فنقول: ان العموم من وجه انما يفرض بين متعلقي الامر والنهي فيما إذا كان العنوانان يلتقيان في فعل واحد سواء كان العنوان بالنسبة إلى الفعل من قبيل العنوان ومعنونه أو من قبيل الكلي وفرده (1). وهذا بديهي. ولكن العنوان المأخوذ في متعلق الخطاب من جهة عمومه على نحوين:


(1) انما يفرض العموم من وجه بين العنوانين إذا لم يكن الاجتماع بينهما اجتماعا مورديا بل كان اجتماعا حقيقيا: ونعني بالاجتماع الحقيقي أن يكون فعل واحد ينطبق عليه العنوانان على وجه يصح في كل منهما أن يكون حاكيا عنه ومرآة له وان كان منشأ كل من العنوانين مباينا في وجوده بالدقة العقلية لمنشأ العنوان الآخر. ولكن انطباق العناوين على فرد واحد لا يجب فيه أن يكون من قبيل انطباق الكلي على فرده، أي لا يجب أن يكون المعنون فردا للعنوان ومن حقيقته، لان المعنون كما يجوز أن يكون من حقيقة العنوان يجوز أن يكون من حقيقة أخرى وإنما الذهن يجعل من العنوان حاكيا ومرآة عن ذلك المعنون كمفهوم الوجود الذي هو عنوان لحقيقة الوجود مع أنه ليس من حقيقته، ومثله مفهوم الجزئي الذي هو عنوان للجزئي الحقيقي وليس هو بجزئي بل كلي، وكذا مفهوم الحرب والنسبة وهكذا. = (*)

[ 287 ]

1 - أن يكون ملحوظا في الخطاب فانيا في مصاديقه على وجه يسع جميع الافراد بما لها الكثرات والمميزات فيكون شاملا في سعته لموضع الالتقاء مع العنوان المحكوم بالحكم الآخر، فيعد في حكم المتعرض لحكم خصوص موضع الالتقاء. ولو من جهة كون موضع الالتقاء متوقع الحدوث - على وجه يكون من شأنه ان ينبه عليه المتكلم في خطابه، فيكون أخذ العنوان على وجه يسع جميع الافراد بما لها الكثرات والمميزات لهذا الغرض من التنبيه ونحوه. ولا تضايقك ان تسمي مثل هذا العموم: العموم الاستغراقي كما صنع بعضهم. والمقصود أن العنوان إذا أخذ في الخطاب على وجه يسع جميع الافراد بما لها من الكثرات والمميزات يكون في حكم المتعرض لحكم كل فرد من أفراده، فيكون نافيا بالدلالة الالتزامية لكل حكم مناف لحكمه. 2 - أن يكون العنوان ملحوظا في الخطاب فانيا في مطلق الوجود المضاف إلى طبيعة العنوان من دون ملاحظة كونه على وجه يسع جميع الافراد، أي لم تلحظ فيه الكثرات والمميزات في مقام الامر بوجود الطبيعة ولا في مقام النهي عن وجود الطبيعة الاخرى، فيكون المطلوب في الامر والمنهي عنه في النهي صرف وجود الطبيعة. ولتسم مثل هذا العموم: العموم البدلي كما صنع بعضهم. فان كان العنوان مأخوذا في الخطاب على (النحو الاول) فان موضع الالتقاء يكون العام حجة فيه كسائر الافراد الاخرى، بمعنى أن يكون متعرضا بالدلالة الالتزامية لنفي أي حكم آخر مناف لحكم العام بالنسبة إلى الافراد وخصوصيات المصاديق.


= ولاجل هذا عممنا العنوان إلى قسمين. وهذا التعميم سينفعك فيما يأتي في بيان المختار في المسألة فكن على ذكر منه. ولقد أحسن المولى صدر المحققين في تعبيره للتفرقة بين القسمين إذ قال في الجزء الاول من الاسفار (وفرق بين كون الذات مصدوقا عليه بصدق مفهوم وكونها مصداقا لصدقه). وقد أراد بالمصدوق النحو الثاني وهو المعنون الصرف بالنسبة إلى معنونه، وأراد بالمصداق فرد الكلي، ويا ليت ان يعمم هذا الاصطلاح المخترع منه للتفرقة بين القسمين.

[ 288 ]

وفي هذه الصورة لا بد أن يقع التعارض بين دليلي الامر والنهي في مقام الجعل والتشريع لانهما يتكاذبان بالنسبة إلى موضع الالتقاء من جهة الدلالة الالتزامية في كل منهما على نفي الحكم الآخر بالنسبة إلى موضع الالتقاء. والتحقيق ان التعارض بين العامين من وجه أنما يقع بسبب دلالة كل منهما بالدلالة الالتزامية على انتفاء حكم الآخر، وما أجلها يتكاذبان. وألا فالدلالتان المطابقيتان بانفسهما في العامين من وجه لا يتكاذبان، فلا يتعارضان ما لم يلزم من ثبوت مدلول احداهما نفي مدلول الاخرى، فليس التنافي بين المدلولين المطابقيين الا تنافيا بالعرض لا بالذات. ومن هنا يعلم أن هذا الفرض - وهو فرض كون العنوان مأخوذا في الخطاب على (النحو الاول) - ينحصر في كونه موردا للتعارض بين الدليلين، ولا تصل النوبة إلى فرض التزاحم بين الحكمين فيه، ولا إلى النزاع في جواز اجتماع الامر والنهي وعدمه، لان مقتضى القاعدة في باب التعارض هو تساقط الدليلين عن حجيتهما بالنسبة إلى مورد الالتقاء فلا يجوز فيه الوجوب ولا الحرمة. ولا يفرض التزاحم أو مسألة النزاع في جواز الاجتماع الا حيث يفرض شمول الدليلين لمورد الالتقاء وبقاء حجيتهما بالنسبة إليه. أي انه لم يكن تعارض بين الدليلين في الجعل والتشريع. وان كان العنوان مأخوذا على (النحو الثاني) فهو مورد التزاحم أو مسألة الاجتماع ولا يقع بين الدليلين تعارض حينئذ، وذلك مثل قوله: صل، وقوله: لا تغصب، باعتبار انه لم يلحظ في كل من خطاب الامر والنهي الكثرات والمميزات على وجه يسع العنوان جميع الافراد وأن كان نفس العنوان في حد ذاته واطلاقه شاملا لجميع الافراد، فانه في مثله يكون الامر متعلقا بصرف وجود الطبيعة للصلاة وامتثاله يكون بفعل أي فرد من الافراد، فلم يكن ظاهرا في وجوب الصلاة حتى في مورد الغصب على وجه يكون دالا بالدلالة الالتزامية على انتفاء حكم آخر في هذا المورد ليكون نافيا لحرمة الغصب في المورد. وكذلك النهي يكون متعلقا بصرف طبيعة الغصب فلم يكن ظاهرا في حرمة الغصب حتى في مورد الصلاة على وجه يكون دالا

[ 289 ]

بالدلالة الالتزامية على انتفاء حكم آخر في هذا المورد ليكون نافيا لوجوب الصلاة. وفي مثل هذين الدليلين إذا كانا على هذا النحو يكون كل منهما أجنبيا في عموم عنوان متعلق الحكم فيه عن عنوان متعلق الحكم الآخر، أي انه غير متعرض بدلالته الالتزامية لنفي الحكم الآخر، فلا يتكاذبان في مقام الجعل والتشريع. فلا يقع التعارض بينهما إذ لا دالة التزامية لكل منهما على نفي الحكم الآخر في مورد الالتقاء، ولا تعارض بين الدلالتين المطابقتين بما هما، لان المفروض ان المدلول المطابقي من كل منهما هو الحكم المتعلق بعنوان اجنبي في نفسه عن العنوان المتعلق للحكم الآخر. وحينئذ إذا صادف أن ابتلي المكلف بجمعهما على نحو الاتفاق فحاله لا يخلو عن أحد أمرين: اما أن تكون له مندوحة من الجمع بينهما، ولكنه هو الذي جمع بينهما بسوء اختياره وتصرفه، وأما أن لا تكون له مندوحة من الجمع بينهما. فان كان (الاول) - فان المكلف حينئذ يكون قادرا على امتثال كل من التكليفين فيصلي ويترك الغصب، وقد يصلي ويغصب في فعل آخر. فإذا جمع بينهما بسوء اختياره بأن صلى في مكان مغصوب، فهنا يقع النزاع في جواز الاجتماع بين الامر والنهي، فان قلنا بالجواز كان مطيعا وعاصيا في آن واحد، وان قلنا بعدم الجواز فانه اما ان يكون مطيعا لا غير إذا رجحنا جانب الامر أو عاصيا لا غير إذا رجحنا جانب النهي، لانه حينئذ يقع التزاحم بين التكليفين فيرجع فيه إلى أقوى الملاكين. وان كان (الثاني) - فانه لا محالة يقع التزاحم بين التكليفين الفعليين، لانه - حسب الفرض - لا معارضة بين الدليلين في مقام الجعل والانشاء، بل المنافاة وقعت من عدم قدرة المكلف على التفريق بين الامتثالين: فيدور الامر - حينئذ - بين امتثال الامر وبين امتثال النهي، إذ لا يمكنه من امتثالهما معا من جهة عدم المندوحة.

[ 290 ]

هذا هو الحق الذي ينبغي ان يعول عليه في سر التفريق بين بابي التعارض والتزاحم وبينهما وبين مسألة الاجتماع في مورد العموم من وجه بين متعلقي الخطابين خطاب الوجوب والحرمة، ولعله يمكن استفادته من مطاوي كلماتهم وان كانت عباراتهم تضيق عن التصريح بذلك بل اختلفت كلمات اعلام اساتذتنا رضوان الله عليهم في وجه التفريق. فقد ذهب صاحب الكفاية إلى (انه لا يكون المورد من باب الاجتماع الا إذا أحرز في كل واحد من متعلقي الايجاب والتحريم مناط حكمه مطلقا حتى في مورد التصادق والاجتماع، واما إذا لم يحرز مناط كل من الحكمين في مورد التصادق مع العلم بمناط احد الحكمين بلا تعيين، فالمورد يكون من باب التعارض للعلم الاجمالي حينئذ بكذب احد الدليلين الموجب للتنافي بينهما عرضا). هذا خلاصة رأيه رحمه الله، فجعل احراز مناط الحكمين في مورد الاجتماع وعدمه هو المناط في التفرقة بين مسألة الاجتماع وباب التعارض، بينما ان المناط عندنا في التفرقة بينهما هو دلالة الدليلين بالدلالة الالتزامية على نفي الحكم الآخر وعدمها، فمع هذه الدلالة يحصل التكاذب بين الدليلين فيتعارضان وبدونها لا تعارض فيدخل المورد في مسألة الاجتماع. ويمكن دعوى التلازم بين المسلكين في الجملة، لانه مع تكاذب الدليلين من ناحية دلالتهما الالتزامية لا يحرز وجود مناط الحكمين في مورد الاجتماع، كما انه مع عدم تكاذبهما يمكن احراز وجود المناط لكل من الحكمين في مورد الاجتماع، بل لا بد من احراز مناط الحكمين بمقتضى اطلاق الدليلين في مدلولهما المطابقي. واما شيخنا (النائيني) فقد ذهب إلى: (ان مناط دخول المورد في باب التعارض ان تكون الحيثيتان في العامين من وجه حيثيتين تعليليتين لانه حينئذ يتعلق الحكم في كل منهما بنفس ما يتعلق به فيتكاذبان) واما إذا كانتا تقييديتين فلا يقع التعارض بينهما ويدخلان حينئذ في مسألة الاجتماع مع المندوحة وفي باب التزاحم مع عدم المندوحة). ونحن نقول: في الحيثيتين التقييديتين إذا كان بين الدلالتين تكاذب من

[ 291 ]

أجل دلالتهما الالتزامية على نفي الحكم الآخر على نحو ما فصلناه فان التعارض بينهما لا محالة واقع ولا تصل النوبة في هذا المورد للدخول في مسألة الاجتماع. ولنا مناقشة معه في صورة الحيثية التعليلية يطول شرحها ولا يهم التعرض لها الآن وفيما ذكرناه الكفاية وفوق الكفاية للطالب المبتدئ. الحق في المسألة بعد ما قدمنا من توضيح تحرير النزاع وبيان موضع النزاع نقول: ان الحق في المسألة هو (الجواز). وقد ذهب إلى ذلك جمع من المحققين المتأخرين. و (سندنا) يبتني على توضيح واختيار ثلاثة أمور مترتبة: (أولا) - ان متعلق التكليف سواء كان امرا أو نهيا ليس هو المعنون، أي الفرد الخارجي للعنوان بماله من الوجود الخارجي، فانه يستحيل ذلك، بل متعلق التكليف دائما وابدا هو العنوان، على ما سيأتي توضيحه. واعتبر ذلك بالشوق فان الشوق يستحيل ان يتعلق بالمعنون، لانه اما ان يتعلق به حال عدمه أو حال وجوده، وكل منهما لا يكون، اما الاول فيلزم تقوم الموجود بالمعدوم وتحقق المعدوم بما هو معدوم لان المشتاق إليه له نوع من التحقق بالشوق إليه وهو محال واضح، واما الثاني فلانه يكون الاشتياق إليه تحصيلا للحاصل وهو محال. فاذن لا يتعلق الشوق بالمعنون لا حال وجوده ولا حال عدمه. مضافا إلى ان الشوق من الامور النفسية، ولا يعقل أن يتشخص ما في النفس بدون متعلق ما، كجميع الامور النفسية كالعلم والخيال والوهم والارادة ونحوها، ولا يعقل أن يتشخص بما هو خارج عن أفق النفس من الامور العينية. فلا بد أن يتشخص بالشئ المشتاق إليه بما له من الوجود العنواني الفرضي، وهو المشتاق إليه اولا وبالذات وهو الموجود بوجود الشوق

[ 292 ]

لا بوجود آخر وراء الشوق، ولكن لما كان يؤخذ العنان بما هو حاك ومرآة عما في الخارج - أي عن المعنون - فان المعنون يكون مشتاقا إليه ثانيا وبالعرض، نظير العلم فانه لا يعقل ان يتشخص بالامر الخارجي، والمعلوم بالذات دائما وأبدا هو العنوان الموجود بوجود العلم ولكن بما هو حاك ومرآة عن المعنون، واما المعنون لذلك العنوان فهو معلوم بالعرض باعتبار فناء العنوان فيه. وفي الحقيقة إنما يتعلق الشوق بشئ إذا كان له جهة وجدان وجهة فقدان فلا يتعلق بالمعدوم من جميع الجهات ولا بالموجود من جميع الجهات. وجهة الوجدان في المشتاق إليه هو العنوان الموجود بوجود الشوق في أفق النفس باعتبار ماله من وجود عنواني فرضي. وجهة الفقدان في المشتاق إليه هو عدمه الحقيقي في الخارج، ومعنى الشوق إليه هو الرغبة في اخراجه من حد الفرض والتقدير إلى حد الفعلية والتحقيق. وإذا كان الشوق على هذا النحو فكذلك حال الطلب والبعث بلا فرق فيكون حقيقة طلب الشئ هو تعلقه بالعنوان لاخراجه من حد الفرض والتقدير إلى حد الفعلية والتحقيق. (ثانيا) - انا لما قلنا بأن متعلق التكليف هو العنوان لا المعنون لا نعني أن العنوان بماله من الوجود الذهني يكون متعلقا للطلب، فان ذلك باطل بالضرورة، لان مثار الآثار ومتعلق الغرض والذي تترتب عليه المصلحة والمفسدة هو المعنون لا العنوان. بل نعني ان المتعلق هو العنوان حال وجوده الذهني لا انه بما له من الوجود الذهني أو هو مفهوم، ومعنى تعلقه بالعنوان حال وجوده الذهني انه يتعلق به نفسه باعتبار أنه مرآة عن المعنون وفان فيه، فتكون التخلية فيه عن الوجود الذهني عين التحلية به. (ثالثا) - انا إذ نقول: ان المتعلق للتكليف هو العنوان بما هو مرآة عن المعنون وفان فيه - لا نعني ان المتعلق الحقيقي للتكليف هو المعنون وأن التكليف يسري من العنوان إلى المعنون باعتبار فنائه فيه - كما قيل - فان ذلك باطل بالضرورة ايضا، لما تقدم أن المعنون يستحيل أن يكون متعلقا للتكليف

[ 293 ]

بأي حال من الاحوال، وهو محال حتى لو كان بتوسط العنوان، فان توسط العنوان لا يخرجه عن استحالة تعلق التكليف به بل نعني ونقول: ان الصحيح أن متعلق التكليف هو العنوان بما هو مرآة وفان في المعنون على أن يكون فناؤه في المعنون هو المصحح لتعلق التكليف به فقط، إذ أن الغرض انما يقوم بالمعنون المفنى فيه، لا أن الفناء يجعل التكليف ساريا إلى المعنون ومتعلقا به. وفرق كبير بين ما هو مصحح لتعلق التكليف بشئ وبين ما هو بنفسه متعلق التكليف. وعدم التفرقة بينهما هو الذي أوهم القائلين بأن التكليف يسري إلى المعنون باعتبار فناء العنوان فيه ولا يزال هذا الخلط بين ما هو بالذات وما هو بالعرض مثار كثير من الاشتباهات التي تقع في علمي الاصول والفلسفة. والفناء والآلية في الملاحظة هو الذي يوقع الاشتباه والخلط فيعطي ما للعنوان للمعنون بالعكس. وإذا عسر عليك تفهم ما نرمي إليه فاعتبر ذلك في مثال الحرف حينما نحكم عليه بأنه لا يخبر عنه، فان عنوان الحرف ومفهومه اسم يخبر عنه، كيف وقد أخبر بأنه لا يخبر عنه، ولكن انما صح الاخبار عنه بذلك فباعتبار فنائه في المعنون لانه هو الذي له هذه الخاصية ويقوم به الغرض من الحكم، ومع ذلك لا يجعل ذلك كون المعنون - وهو الحرف الحقيقي - موضوعا للحكم حقيقة أولا وبالذات، فان الحرف الحقيقي يستحيل ان يكون موضوعا للحكم وطرفا للنسبة بأي حال من الاحوال ولو بتوسط شئ، كيف وحقيقته النسبة والربط وخاصته أنه لا يخبر عنه. وعليه فالمخبر عنه أولا وبالذات هو عنوان الحرف، لكن لا بما هو مفهوم موجود في الذهن فانه بهذا الاعتبار يخبر عنه، بل بما هو فان في المعنون وحاك عنه، فالمصحح للاخبار عنه بأنه لا يخبر عنه هو فناؤه في معنونه فيكون الحرف الحقيقي المعنون مخبرا عنه ثانيا وبالعرض، وان كان الغرض من الحكم انما يقوم بالمفني فيه وهو الحرف الحقيقي. وعلى هذا يتضح جليا كيف أن دعوى سراية الحكم اولا وبالذات، من العنوان إلى المعنون منشأها الغفلة بين ما هو المصحح للحكم على موضوع باعتبار قيام الغرض بذلك المصحح فيجعل الموضوع عنوانا حاكيا عنه، وبين ما هو الموضوع للحكم القائم به الغرض فالمصحح للحكم شئ والمحكوم عليه

[ 294 ]

والمجعول موضوعا شئ آخر. ومن العجيب أن تصدر مثل هذه الغفلة من بعض أهل الفن في المعقول. نعم إذا كان القائل بالسراية يقصد ان العنوان يؤخذ فانيا في المعنون وحاكيا عنه وأن الغرض انما يقوم بالمعنون فذلك حق ونحن نقول له ولكن ذلك لا ينفعه في الغرض الذي يهدف إليه، لانا نقول بذلك من دون أن نجعل متعلق التكليف نفس المعنون وانما يكون متعلقا له ثانيا وبالعرض، كالمعلوم بالعرض كما أشرنا إليه فيما سبق. فان العلم انما يتعلق بالمعلوم بالذات ويتقوم به وليس هو الا العنوان الموجود بوجود علمي، ولكن باعتبار فنائه في معنونه، يقال للمعنون انه معلوم ولكنه في الحقيقة هو معلوم بالعرض لا بالذات، وهذا الفناء هو الذي يخيل للناظر ان المتعلق الحقيقي للعلم هو المعنون ولقد أحسنوا في تعريف العلم بأنه حصول صورة الشئ لدى العقل، لا حصول نفس الشئ، فالمعلوم بالذات هو الصورة والمعلوم بالعرض نفس الشئ الذي حصلت صورته لدى العقل. * * * وإذا ثبت ما تقدم واتضح ما رمينا إليه من أن متعلق التكليف أولا وبالذات هو العنوان وان المعنون متعلق له بالعرض - يتضح لك الحق جليا في مسألتنا (مسألة اجتماع الامر والنهي) وهو: ان الحق (جواز الاجتماع). ومعنى جواز الاجتماع انه لا مانع من أن يتعلق الايجاب بعنوان ويتعلق التحريم بعنوان آخر، وإذا جمع المكلف بينهما صدفة بسوء اختياره فان ذلك لا يجعل الفعل الواحد المعنون لكل من العنوانين متعلقا للايجاب والتحريم الا بالعرض، وليس ذلك بمحال فان المحال انما هو ان يكون الشئ الواحد بذاته متعلقا للايجاب والتحريم. وعليه، فيصح ان يقع الفعل الواحد امتثالا للامر من جهة باعتبار انطباق العنوان المأمور به عليه وعصيانا للنهي من جهة أخرى باعتبار انطباق عنوان المنهي عنه. ولا محذور في ذلك ما دام أن ذلك الفعل الواحد ليس بنفسه وبذاته يكون متعلقا للامر وللنهي ليكون ذلك محالا، بل العنوانان الفانيان هما

[ 295 ]

المتعلقان للامر والنهي. غاية الامر ان تطبيق العنوان المأمور به على هذا الفعل يكون هو الداعي إلى اتيان الفعل، ولا فرق بين فرد وفرد في انطباق العنوان عليه، فالفرد الذي ينطبق عليه العنوان المنهي عنه كالفرد الخالي من ذلك في كون كل منهما ينطبق عليه العنوان المأمور به بلا جهة خلل في الانطباق. ولا فرق في ذلك بين أن يكون تعدد العنوان موجبا لتعدد المعنون أو لم يكن ما دام أن المعنون ليس هو متعلق التكليف بالذات. نعم لو كان العنوان مأخوذا في المأمور به والمنهي عنه على وجه يسع جميع الافراد حتى موضع الاجتماع، وهو الفرد الذي ينطبق عليه العنوانان ولو كان ذلك من جهة اطلاق الدليل، فانه حينئذ تكون لكل من الدليلين الدلالة الالتزامية على نفي حكم الآخر في موضع الالتقاء فيتكاذبان، وعليه يقع التعارض بينهما ويخرج المورد عن مسألة الاجتماع كما سبق بيان ذلك مفصلا. كما انه لو كانت القدرة على الفعل مأخوذة في متعلق الامر على وجه يكون الواجب هو العنوان المقدور بما هو مقدور فان عنوان المأمور به حينئذ لا يسع ولا يعم الفرد غير المقدور، فلا ينطبق عنوان المأمور به بما هو مأمور به على موضع الاجتماع ولا يكون هذا الفرد غير المقدور شرعا من أفراد الطبيعة بما هي مأمور بها. بخلاف ما إذا كانت القدرة مصححة فقط لمتعلق التكليف بالعنوان فان عنوان المأمور به يكون مقدورا عليه ولو بالقدرة على فرد واحد من افراده. ولهذا قلنا انه لو انحصر تطبيق المأمور به في خصوص موضع الاجتماع كما في مورد عدم المندوحة يقع التزاحم بين الحكمين في موضع الاجتماع، لانه لا يصح تطبيق المأمور به على هذا الفرد وهو موضع الاجتماع الا إذا لم يكن النهي فعليا، كما لا يصح تطبيق عنوان المنهي عنه عليه الا إذا لم يكن الامر فعليا، فلا بد من رفع اليد عن فعلية أحد الحكمين وتقديم الاهم منهما. ولقد ذهب بعض اعلام اساتذتنا إلى أن القدرة مأخوذة في متعلق التكليف باعتبار أن الخطاب بالتكليف نفسه يقتضي ذلك، لان الامر انما هو لتحريك المكلف نحو الفعل على أن يصدر منه بالاختيار، وهذا نفسه يقتضي

[ 296 ]

كون متعلقه مقدورا لامتناع جعل الداعي نحو الممتنع وان كان الامتناع من ناحية شرعية. ولكننا لم نتحقق صحة هذه الدعوى لان صحة التكليف بطبيعة الفعل لا تتوقف على أكثر من القدرة على صرف وجود الطبيعة ولو بالقدرة على فرد من أفرادها، فالفعل هو الذي يحكم بلزوم القدرة في متعلق التكليف، وذلك لا يقتضي على كل فرد من أفراد الطبيعة الا إذا قلنا بان التكليف يتعلق بالافراد أولا بالذات. وقد تقدم توضيح فساد هذا الوهم. تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون: بعد ما تقدم من البيان من أن التكليف انما يتعلق بالعنوان بما هو مرآة عن أفراده لا بنفس الافراد، فان القول بالجواز لا يتوقف على القول بان تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون كما اشرنا إليه فيما سبق، لانه سواء كان المعنون متعددا بتعدد العنوان أو غير متعدد فان ذلك يرتبط بمسألتنا نفيا واثباتا ما دام أن المعنون ليس متعلقا للتكليف أبدا. وعلى كل حال فالحق هو الجواز تعدد المعنون أو لم يتعدد. ولو سلمنا جدلا بان التكليف يتعلق بالمعنون باعتبار سراية التكليف من العنوان إلى المعنون كما هو المعروف، فان الحق أنه لا يجب تعدد المعنون بتعدد العنوان فقد يتعدد وقد لا يتعدد، فليس هناك قاعدة عامة تقضي بأن نحكم بأن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون كما تكلف بتنقيحها بعض أعاظم مشايخنا، وكأن نظره الشريف يرمي إلى أن العامين من وجه يمتنع صدقهما على شئ واحد من جهة واحدة والا لما كانا عامين من وجه، فلا بد أن يفرض هناك جهتان موجودتان في المجمع احداهما هو الواجب وثانيهما هو المحرم، فيكون التركيب بين الحيثيتين تركيبا انضماميا لا اتحاديا الا إذا كانت الحيثيتان المفروضتان تعليليتين لا تقييديتين فان الواجب والمحرم على هذا الفرض يكونان شيئا واحدا وهو ذات المحيث بهاتين الحيثيتين. وحينئذ يقع التعارض بين دليلي العامين ويخرج المورد عن مسألتنا. وفي هذا التقرير ما لا يخفى على الفطن اما (أولا) فان العنوان بالنسبة إلى

[ 297 ]

معنونة تارة يكون منتزعا منه باعتبار ضم حيثية زائدة على الذات مباينة لها ماهية ووجودا كالابيض بالقياس إلى الجسم فان صدق الابيض عليه باعتبار عروض صفة البياض عليه الخارجة عن مقام ذاته، وأخرى يكون منتزعا منه باعتبار نفس ذاته بلا ضم حيثية زائدة على الذات كالابيض بالقياس إلى نفس البياض فان نفس البياض ذاته بذاته منشأ لانتزاع الابيض منه بلا حاجة إلى ضم بياض آخر إليه، لانه بنفس ذاته أبيض لا بياض آخر. ومثل ذلك صفات الكمال لذات واجب الوجود فانها منتزعة من مقام نفس الذات لا بضم حيثية أخرى زائدة على الذات. وعليه فلا يجب في كل عنوان منتزع أن يكون انتزاعه من الذات باعتبار ضم حيثية زائدة على الذات. وأما (ثانيا) فان العنوان لا يجب فيه أن يكون كاشفا عن حقيقة متأصلة على وجه يكون انطباق العنوان أو مبدأه عليه من باب انطباق الكلي على فرده، بل من العناوين ما هو مجعول ومعتبر لدى العقل لصرف الحكاية والكشف عن المعنون من دون أن يكون بازائه في الخارج حقيقة متأصلة، مثل عنوان العدم والممتنع، بل مثل عنوان الحرف والنسبة، فانه لا يجب في مثله فرض حيثية متأصلة ينتزع منها العنوان. ومثل هذا العنوان المعتبر قد يكون عاما يصح انطباقه على حقائق متعددة من دون أن يكون بازائه حيثية واقعية غير تلك الحقائق المتأصلة. ولعل عنوان الغصب من هذا الباب في انطباقه على الصلاة التي تتألف من حقائق متباينة وعلى غيرها من سائر التصرفات، فكل تصرف في مال الغير بدون رضاه غصب مهما كانت حقيقة ذلك التصرف ومن اية مقولة كانت. ثمرة المسألة: من الواضح ظهور ثمرة النزاع فيما إذا كان المأمور به عبادة، فانه بناء على القول بالامتناع وترجيح جانب النهي كما هو المعروف - تقع العبادة فاسدة مع العلم بالحرمة والعمد بالجمع بين المأمور به والمنهي عنه كما هو المفروض في المسألة، لانه لا أمر مع ترجيح جانب النهي، وليس هناك في ذات المأتي به ما

[ 298 ]

يصلح للتقرب به مع فرض النهي الفعلي لامتناع التقرب بالمبعد وان كان ذات المأتي به مشتملا على المصلحة الذاتية وقلنا بكفاية قصد المصلحة الذاتية في صحة العبادة. نعم إذا وقع الجمع بين المأمور به والمنهي عنه عن جهل بالحرمة قصورا لا تقصيرا أو عن نسيان وكان قد أتى بالفعل على وجه القربة - فالمشهور أن العبادة تقع صحيحة، ولعل الوجه فيه هو القول بكفاية رجحانها الذاتي واشتمالها على المصلحة الذاتية في التقرب بها مع قصد ذلك وان لم يكن الامر فعليا. وقيل: انه لا يبقى مصحح في هذه الصورة للعبادة فتقع فاسدة، نظرا إلى ان دليلي الوجوب والحرمة على القول بالامتناع يصبحان متعارضين وان لم يكونا في حد أنفسهما متعارضين. فإذا قدم جانب النهي، فكما لا يبقى أمر كذلك لا يحرز وجود المقتضى له وهو المصلحة الذاتية في المجمع إذ تخصيص دليل الامر بما عدا المجمع يجوز ان يكون لوجود المانع في المجمع عن شمول الامر له، ويجوز أن يكون لانتفاء المقتضي للامر فلا يحرز وجود المقتضى. هذا بناء على الامتناع وتقديم جانب النهي، واما بناء على الامتناع وتقديم جانب الامر فلا شبهة في وقوع العبادة صحيحة إذ لانهي حتى يمنع من صحتها، لاسيما إذا قلنا بتعارض الدليلين بناء على الامتناع فانه لا يحرز معه المفسدة الذاتية في المجمع. وكذلك الحق هو صحة العبادة إذا قلنا بالجواز، فانه كما جاز توجيه الامر والنهي إلى عنوانين مختلفين مع التقائهما في المجمع فقلنا بجواز الاجتماع في مقام التشريع، فكذلك نقول لا مانع من الاجتماع في مقام الامتثال أيضا كما أشرنا إليه في تحرير محل النزاع، حتى لو كان المعنون للعنوانين واحدا وجودا ولم يوجب تعدد العنوان تعدده، لما عرفت سابقا من أن المعنون لا يقع بنفسه متعلقا للتكليف لا قبل وجوده ولا بعد وجوده، وانما يكون الداعي إلى اتيان الفعل هو تطبيق العنوان المأمور به عليه الذي ليس بمنهي عنه، لا أن الداعي إلى اتيانه تعلق الامر به ذاته، فيكون المكلف في فعل واحد بالجمع بين عنواني الامر والنهي مطيعا للامر من جهة انطباق العنوان المأمور به وعاصيا من جهة انطباق العنوان المنهي عنه، نظير الاجتماع

[ 299 ]

الموردي، كما تقدم توضيحه في تحرير محل النزاع. وقيل:: ان ((الثمرة) في مسألتنا هو اجراء احكام المتعارضين على دليلي الامر والنهي بناء على الامتناع، واجراء أحكام التزاحم بينهما بناء على الجواز. ولكن اجراء أحكام التزاحم بينهما بناء على الجواز أنما يلزم إذا كان القائل بالجواز انما يقول بالجواز في مقام الجعل والانشاء دون مقام الامتثال، بل يمتنع الاجتماع في مقام الامتثال، وحينئذ لا محالة يقع التزاحم بين الامر والنهي، اما إذا قلنا بالجواز في مقام الامتثال أيضا كما اوضحناه فلا موجب للتزاحم بين الحكمين مع وجود المندوحة، بل يكون مطيعا عاصيا في فعل واحد كالاجتماع الموردي بلا فرق، إذ لا دوران حينئذ بين امتثال الامر وامتثال النهي. اجتماع الامر والنهي مع عدم المندوحة تقدم الكلام كله في اجتماع الامر والنهي فيما إذا كانت هناك مندوحة من الجمع بين المأمور به والمنهي عنه، وقد جمع المكلف بينهما في فعل واحد بسوء اختياره. ويلحق به ماكان الجمع بينهما عن غفلة أو جهل. وقد ذهبنا إلى جواز الاجتماع في مقامي الجعل والامتثال. وبقي الكلام في اجتماعهما مع عدم المندوحة، وذلك بأن يكون المكلف مضطرا إلى هذا الجمع بينهما. والاضطرار على نحوين: (الاول) - أن يكون بدون سبق اختيار للمكلف في الجمع كمن اضطر لانقاذ غريق إلى التصرف في ارض مغصوبة، فيكون تصرفه في الارض واجبا من جهة انقاذ الغريق وحراما من جهة التصرف في المغصوب. فانه في هذا الفرض لا بد أن يقع التزاحم بين الواجب والحرام في مقام الامتثال، إذ لا مندوحة للمكلف حسب الفرض، فلا بد في مقام اطاعة الامر بانقاذ الغريق من الجمع لانحصار امتثال الواجب في هذا الفرد المحرم،

[ 300 ]

فيدور الامر بين أن يعصي الامر أو يعصي النهي. وفي مثله يرجع إلى أقوى الملاكين، فان كان ملاك الامر اقوى - كما في المثال المذكور - قدم جانب الامر ويسقط النهي عن الفعلية، وان كان ملاك النهي أقوى قدم جانب النهي، كمن انحصر عنده انقاذ حيوان محترم من الهلكة بهلاك انسان. (تنبيه) - مما يلحق بهذا الباب ويتفرع مالو اضطر إلى ارتكاب فعل محرم لا بسوء اختياره، ثم اضطر إلى الاتيان بالعبادة على وجه يكون ذلك فعل المحرم مصداقا لتلك العبادة، بمعنى انه اضطر إلى الاتيان بالعبادة مجتمعة مع فعل الحرام الذي قد اضطر إليه. ومثاله: المحبوس في مكان مغصوب فيضيق عليه وقت الصلاة ولا يسعه الاتيان بها خارج المكان المغصوب. فهل في هذا الفرض يجب عليه الاتيان بالعبادة وتقع صحيحة، أو لا ؟ نقول: لا ينبغي الشك في أن عبادته على هذا التقدير تقع صحيحة، لانه مع الاضطرار إلى فعل الحرام لا تبقى فعلية للنهي لاشتراط القدرة في التكليف فالامر لا مزاحم لفعليته، فيجب عليه اداء الصلاة، ولا بد أن تقع حينئذ صحيحة. نعم يستثنى من ذلك مالو كان دليل الامر ودليل النهي متعارضين بأنفسهما من أول الامر، وقد رجحنا جانب النهي باحد مرجحات باب التعارض، فانه في هذه الصورة لا وجه لوقوع العبادة صحيحة، لان العبادة لا تقع صحيحة الا إذا قصد بها امتثال الامر الفعلي بها - ان كان - أو قصد بها الرجحان الذاتي قربة إلى الله تعالى. والمفروض انه هنا لا أمر فعلي لعدم شمول دليله بما هو حجة لمورد الاجتماع لان المفروض تقديم جانب النهي. وقيل: ان النهي إذا زالت فعليته من جهة الاضطرار لم يبق مانع من التمسك بعموم الامر. وهذه غفلة ظاهرة فان دليل الامر بما هو حجة لا يكون شاملا لمورد الاجتماع لمكان التعارض بين الدليلين وتقديم دليل النهي، فإذا اضطر المكلف إلى فعل المنهي عنه لا يلزم منه ان يعود دليل الامر حجة في مورد الاجتماع مرة ثانية. وانما يتصور أن يعود الامر فعليا إذا كان تقديم النهي من باب

[ 301 ]

التزاحم فإذا زال التزاحم عاد الامر فعليا. وأما الرجحان الذاتي، فانه بعد فرض التعارض بين الدليلين وتقديم جانب النهي لا يكون الرجحان محرزا في مورد الاجتماع، لان عدم شمول دليل الامر بما هو حجة لمورد الاجتماع يحتمل فيه وجهان: وجود المانع مع بقاء الملاك، وانتقاء المقتضى وهو الملاك، فلا يحرز وجود الملاك حتى يصح قصده متقربا به إلى الله تعالى. * * * (الثاني) - ان يكون الاضطرار بسوء الاختيار، كمن دخل منزلا مغصوبا متعمدا، فبادر إلى الخروج تخلصا من استمرار الغصب، فان هذا التصرف بالمنزل في الخروج لا شك في انه تصرف غصبي أيضا، وهو مضطر إلى ارتكابه للتخلص من استمرار فعل الحرام وكان اضطراره إليه بمحض اختياره إذ دخل المنزل غاصبا باختياره. وتعرف هذه المسألة في لسان المتأخرين بمسألة (التوسط في المغصوب) والكلام يقع فيها من ناحيتين: 1 - في حرمة هذا التصرف الخروجي أو وجوبه. 2 - في صحة الصلاة المأتي بها حال الخروج. حرمة الخروج من المغصوب أو وجوبه اما (الناحية الاولى) - فقد تعددت الاقوال فيها، فقيل: بحرمة التصرف الخروجي فقط، وقيل: بوجوبه فقط ولكن يعاقب فاعله، وقيل: بوجوبه فقط ولا يعاقب فاعله، وقيل: بحرمته ووجوبه معا، وقيل: لا هذا ولا ذاك ومع ذلك يعاقب عليه. فينبغي ان نبحث عن وجه القول بالحرمة، وعن وجه القول بالوجوب ليتضح الحق في المسألة وهو القول الاول.

[ 302 ]

اما (وجه الحرمة) - فمبني على ان التصرف بالغصب بأي نحو من أنحاء التصرف (دخولا وبقاء وخروجا) محرم من أول الامر قبل الابتلاء بالدخول، فهو قبل ان يدخل منهي عن كل تصرف في المغصوب حتى هذا التصرف الخروجي، لانه كان متمكنا من تركه بترك الدخول. ومن يقول بعدم حرمته فانه يقول به لانه يجد ان هذا المقدار من التصرف مضطر إليه سواء خرج الغاصب أو بقي فيمتنع عليه تركه. ومع فرض امتناع تركه كيف يبقى على صفة الحرمة. ولكنا نقول له: ان هذا الامتناع هو الذي اوقع نفسه فيه بسوء اختياره، وكان متمكنا من تركه الدخول، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فهو مخاطب من أول الامر بترك التصرف حتى يخرج، فالخروج في نفسه بما هو تصرف داخل من أول الامر في أفراد العنوان المنهي عنه، أي أن العنوان المنهي عنه وهو التصرف بمال الغير بدون رضاه يسع في عمومه كل تصرف متمكن من تركه حتى الخروج، وامتناع ترك هذا التصرف بسوء اختياره لا يخرجه عن عموم العنوان. ونحن لا نقول - كما سبق - ان المعنون بنفسه هو متعلق الخطاب حتى يقال لنا انه يمتنع تعلق الخطاب بالممتنع تركه وان كان الامتناع بسوء الاختيار. واما (وجه الوجوب) - فقد قيل: ان الخروج واجب نفسي باعتبار ان الخروج معنون بعنوان التخلص عن الحرام، والتخلص عن الحرام في نفسه عنوان حسن عقلا وواجب شرعا. وقد نسب هذا الوجه إلى الشيخ الاعظم الانصاري - أعلى الله تعالى مقامه - على ما يظهر من تقريرات درسه. وقيل: ان الخروج واجب غيري - كما يظهر من بعض التعبيرات في تقريرات الشيخ أيضا - باعتبار أنه مقدمة للتخلص من الحرام، وهو الغصب الزائد الذي كان يتحقق لو لم يخرج. والحق: انه ليس بواجب نفسي ولا غيري. أما أنه ليس (بواجب نفسي) فلانه:

[ 303 ]

(أولا) - ان التخلص عن الشئ بأي معنى فرض عنوان مقابل لعنوان الابتلاء به بديل له لا يجتمعان، وهما من قبيل الملكة وعدمها. وهذا واضح. وحينئذ نقول له: ما مرادك من التخلص الذي حكمت عليه بأنه عنوان حسن ؟ ان كان المراد به التخلص من أصل الغصب فهو بالخروج - أي الحركات الخروجية - مبتل بالغصب، لا أنه متخلص منه، لانه تصرف بالمغصوب. وإن المراد به التخلص من الغصب الزائد الذي يقع لو لم يخرج، فهو لا ينطبق على الحركات الخروجية، وذلك لان التخلص لما كان مقابلا للابتلاء بديلا له - كما قدمنا - فالزمان الذي يصلح أن يكون زمانا للابتلاء لا بد أن يكون هو الذي يصدق عليه عنوان التخلص، مع أن زمان الحركات الخروجية سابق على زمان الغصب الزائد عليها لو لم يخرج، فهو في حال الحركات الخروجية لا مبتل بالغصب الزائد ولا متخلص منه، بل الغاصب مبتل بالغصب من حين دخوله إلى حين خروجه، وبعد خروجه يصدق عليه أنه متخلص من الغصب. و (ثانيا) ان التخلص لو كان عنوانا يصدق على الخروج، فلا ينبغي أن يراد من الخروج نفس الحركات الخروجية، بل على تقديره ينبغي أن يراد منه ما تكون الحركات الخروجية مقدمة له أو بمنزلة المقدمة. فلا ينطبق اذن عنوان التخلص على التصرف بالمغصوب المحرم كما يريد أن يحققه هذا القائل. والسر واضح، فان الخروج يقابل الدخول ولما كان الدخول عنوانا للكون داخل الدار المسبوق بالعدم فلا بد أن يكون الخروج بمقتضى المقابلة عنوانا للكون خارج الدار المسبوق بالعدم. أما نفس التصرف بالمغصوب بالحركات الخروجية التي منها يكون الخروج فهو مقدمة أو شبه المقدمة للخروج لا نفسه. و (ثالثا) - لو سلمنا ان التخلص عنوان ينطبق على الحركات الخروجية فلا نسلم بوجوبه النفسي، لان التخلص عن الحرام ليس هو الا عبارة أخرى عن ترك الحرام، وترك الحرام ليس واجبا نفسيا على وجه يكون ذا مصلحة نفسية

[ 304 ]

في مقابل المفسدة النفسية في الفعل، نعم هو مطلوب بتبع النهي عن الفعل، وقد تقدم ذلك في مبحث النواهي في الجزء الأول وفي مسألة الضد في الجزء الثاني، فكما أن الامر بالشئ لا يقتضي النهي عن ضده العام أي نقيضه وهو الترك، كذلك ان النهي عن الشئ لا يقتضي الامر بضده العام أي نقيضه وهو الترك. ولذا قلنا في مبحث النواهي: ان تفسير النهي بطلب الترك كما وقع للقوم ليس في محلة وانما هو تفسير للشئ بلازم المعنى العقلي، فان مقتضى الزجر عن الفعل طلب تركه عقلا لا على أن يكون الترك ذا مصلحة نفسية في مقابل مفسدة الفعل. وكذلك في الامر فان مقتضى الدعوة إلى الفعل الزجر عن تركه عقلا لا على أن يكون الترك ذا مفسدة نفسية في مقابل الفعل مصلحة الفعل، بل ليس في النهي الا مفسدة الفعل وليس في الامر الا مصلحة الفعل. واما ان الخروج ليس (بواجب غيري)، فلانه: (أولا) قد تقدم ان مقدمة الواجب ليست بواجبة على تقدير القول بأن التخلص واجب نفسي. و (ثانيا) - ان الخروج الذي هو عبارة عن الحركات الخروجية في مقصود هذا القائل ليس مقدمة لنفس التخلص عن الحرام، بل على التحقيق انما هو مقدمة للكون في خارج الدار والكون في خارج الدار ملازم لعنوان التخلص عن الحرام لا نفسه، ولا يلزم من فرض وجوب التخلص فرض وجوب لازمه فان المتلازمين لا يجب أن يشتركا في الحكم كما تقدم في مسألة الضد. وإذا لم يجب الكون خارج الدار كيف تجب مقدمته. و (ثالثا) - لو سلمنا ان التخلص واجب نفسي وانه نفس الكون خارج الدار فتكون الحركات الخروجية مقدمة له وان مقدمة الواجب. واجبة - لو سلمنا كل ذلك فان مقدمة الواجب انما تكون واجبة حيث لا مانع من ذلك، كما لو كانت محرمة في نفسها كركوب المركب الحرام في طريق الحج فانه لا يقع على صفة الوجوب وان توصل به إلى الوجب. وهنا الحركات الخروجية تقع على صفة الحرمة كما قدمنا باعتبار انها من افراد الحرام وهو التصرف

[ 305 ]

بالمغصوب فلا تقع على صفة الوجوب من باب المقدمة. فان قلت: ان المقدمة المحرمة انما لا تقع على صفة الوجوب حيث لا تكون منحصرة، واما مع انحصار التوصل بها إلى الواجب فانه يقع التزاحم بين حرمتها ووجوب ذيها لان الامر يدور حينئذ بين امتثال الوجوب وبين امتثال الحرمة، فلو كان الوجوب أهم قدم على حرمة المقدمة فتسقط حرمتها. وهنا الامر كذلك فان المقدمة منحصرة، والواجب - وهو ترك الغصب الزائد - أهم. قلت: هذا صحيح لو كان الدوران لم يقع بسوء اختيار المكلف، فانه حينئذ يكون الدوران في مقام التشريع. واما لو كان الدوران واقعا بسوء اختيار المكلف كما هو مفروض في المقام، فان المولى في مقام التشريع قد استوفى غرضه من أول الامر بالنهي عن الغصب مطلقا ولا دوران فيه حتى يقال: يقبح من المولى تفويت غرضه الاهم. وانما الدوران وقع في مقام استيفاء الغرض استيفاء خارجيا بسبب سوء اختيار المكلف بعد فرض أن المولى من اول الامر - قبل ان يدخل المكلف في المحل المغصوب - قد استوفى كل غرضه في مقام التشريع إذ نهى عن كل تصرف بالمغصوب، فليس هناك تزاحم في مقام التشريع، فالمكلف يجب عليه أن يترك الغصب الزائد بالخروج عن المغصوب، ونفس الحركات الخروجية تكون أيضا محرمة يستحق عليها العقاب لانها من أفراد ما هو منهي عنه، وقد وقع في هذا المحذور والدوران بسوء اختياره. صحة الصلاة حال الخروج: واما (الناحية الثانية) وهي صحة الصلاة حال الخروج، فانها تبتني على اختيار أحد الاقوال في الناحية الاولى. فان قلنا: بان الخروج يقع على صفة الوجوب فقط، فانه لا مانع من الاتيان بالصلاة حالته، سواء ضاق وقتها أم لم يضق، ولكن بشرط الا يستلزم أداء الصلاة تصرفا زائدا على الحركات الخروجية فان هذا التصرف الزائد

[ 306 ]

حينئذ يقع محرما منهيا عنه. فإذا استلزم أداء الصلاة تصرفا زائدا فإن كان الوقت ضيقا، فلا بد أن يؤدي الصلاة حال الخروج ولا بد أن يقتصر منها على أقل الواجب فيصلي ايماء بدل الركوع والسجود. وان كان الوقت متسعا لادائها بعد الخروج وجب ان ينتظر بها إلى ما بعد الخروج. وان قلنا: بوقوع الخروج على صفة الحرمة فانه مع سعة الوقت لا بد أن يؤديها بعد الخروج سواء استلزمت تصرفا زائدا أم لم تسلتزم، ومع ضيق الوقت يقع التزاحم بين الحرام الغصبي والصلاة الواجبة، والصلاة لا تترك بحال فيجب أداؤها مع ترك ما يستلزم منها تصرفا زائدا فيصلي ايماء للركوع والسجود ويقرأ ماشيا فيترك الاطمئنان الواجب وهكذا. وان قلنا: بعدم وقوع الخروج على صفة الحرمة ولا صفة الوجوب فلا مانع من أداء الصلاة حال الخروج إذا لم تستلزم تصرفا زائدا حتى مع سعة الوقت على النحو الذي تقدم. المسألة الخامسة: دلالة النهي على الفساد تحرير محل النزاع: هذه المسألة من أمهات المسائل الاصولية التي بحثت من القديم. ولاجل تحرير محل النزاع فيها وتوضيحه علينا أن نشرح الالفاظ الواردة في عنوانها وهي كلمة: الدلالة، النهي، الفساد. ولا بد من ذكر المراد من الشئ المنهي عنه أيضا، لانه مدلول عليه بكلمة النهي إذ النهي لا بد له من متعلق.

[ 307 ]

اذن ينبغي البحث عن أربعة أمور: 1 - (الدلالة). فان ظاهر اللفظة يعطي أن المراد منها الدلالة اللفظية ولعله لاجل هذا الظهور البدوي أدرج بعضهم هذه المسألة في مباحث الالفاظ، ولكن المعروف أن مرادهم منهاما يؤدي إليه لفظ الاقتضاء، حسبما يفهم من بحثهم المسألة وجمة من الاقوال فيها، لا سيما المتأخرون من الاصوليين. وعليه، فيكون المراد من الدلالة خصوص الدلالة العقلية. وحينئذ يكون المقصود من النزاع: البحث عن اقتضاء طبيعة النهي عن الشئ فساد المنهي عنه عقلا، ومن هنا يعلم أنه لا يشترط في النهي أن يكون مستفادا من دليل لفظي. وفي الحقيقة يكون النزاع هنا عن ثبوت الملازمة العقلية بين النهي عن الشئ وفساده، أو عن الممانعة والمنافرة عقلا بين النهي الشئ وصحته لا فرق بين التعبيرين. ولاجل هذا أدرجنا نحن هذه المسألة في قسم الملازمات العقلية. نعم قد يدعي بعضهم أن هذه الملازمة - على تقدير ثبوتها - من نوع الملازمات البينة بالمعنى الاخص. وحينئذ يكون اللفظ الدال بالمطابقة على النهي دالا بالدلالة الالتزامية على فساد المنهي عنه، فيصح أن يراد من الدلالة ما هو أعم من الدلالة اللفظية والعقلية. ونحن نقول: هذا صحيح على هذا القول ولا بأس بتعميم الدلالة إلى اللفظية والعقلية في العنوان حينئذ، ولكن النزاع مع هذا القائل أيضا يقع في الملازمة العقلية قبل فرض الدلالة اللفظية الالتزامية، فالبحث معه أيضا يرجع إلى البحث عن الاقتضاء العقلي. فالاولى أن يراد من الدلالة في العنوان الاقتضاء العقلي، فانه يجمع جميع الاقوال الاحتمالات، لا سيما ان البحث يشمل كل نهي وان لم يكن مستفادا من دليل لفظي. والعبارة تكون اكثر استقامة لو عبر عن عنوان المسألة بما عبر به صاحب الكفاية (قده) بقوله (اقتضاء النهي الفساد) فأبدل كلمة الدلالة بكلمة

[ 308 ]

الاقتضاء، ولكن نحن عبرنا بما جرت عليه عادة القدماء في عنوان المسألة متابعة لهم. 2 - (النهي). ان كلمة النهي ظاهرة - كما تقدم في المجلد الاول ص 95 - في خصوص الحرمة، وقلنا هناك: ان الظهور ليس من جهة الوضع بل بمقتضى حكم العقل، أما نفس الكلمة من جهة الوضع فهي تشمل النهي التحريمي والنهي التنزيهي (أي الكراهة) ولعل كلمة النهي في مثل عنوان المسألة ليس فيها ما يقتضي عقلا ظهورها في الحرمة، فلا بأس من تعميم النهي في العنوان لكل من القسمين بعد ان كان النزاع قد وقع في كل منهما. وكذلك كلمة النهي - باطلاقها - ظاهرة في خصوص الحرمة النفسية دون الغيرية، ولكن النزاع أيضا وقع في كل منهما فاذن ينبغي تعميم كلمة النهي في العنوان للتحريمي والتنزيهي وللنفسي والغيري، كما صنع صاحب الكفاية (قده) وشيخنا النائيني (قده) جزم باختصاص النهي في عنوان المسألة بخصوص التحريمي النفسي، لانه يجزم بأن التنزيهي لا يقتضي الفساد وكذا الغيري. والذي ينبغي أن يقال له: ان الاختيار شئ وعموم النزاع في المسألة شئ آخر، فان اختياركم بأن النهي التنزيهي والغيري لا يقتضيان الفساد ليس معناه اتفاق الكل على ذلك حتى يكون النزاع في المسألة مختصا بما عداهما، والمفروض أن هناك من يقول بأن النهي التنزيهي والغيري يقتضيان الفساد. فتعميم كلمة النهي في العنوان هو الاولى. 3 - (الفساد). ان الفساد كملة ظاهرة المعنى، والمراد منها ما يقابل الصحة تقابل العدم والملكة على الاصح، لا تقابل النقيضين ولا تقابل الضدين. وعليه فما له قابلية أن يكون صحيحا يصح أن يتصف بالفساد، وما ليس له ذلك لا يصح وصفه بالفساد. وصحة كل شئ بحسبه، فمعنى صحة العبادة مطابقتها لما هو المأمور به

[ 309 ]

من جهة تمام أجزائها وجميع ما هو فيها (1)، ومعنى فسادها عدم مطابقتها له من جهة نقصان فيها. ولازم عدم مطابقتها لما هو مأمور به عدم سقوط الامر وعدم سقوط الاداء والقضاء. ومعنى صحة المعاملة مطابقتها لما هو المعتبر فيها من أجزاء وشرائط ونحوها، ومعنى فسادها عدم مطابقتها لما هو معتبر فيها. ولازم عدم مطابقتها عدم ترتب أثرها المرغوب فيه عليها من نحو النقل والانتقال في عقد البيع والاجارة، ومن نحو العلقة الزوجية في عقد النكاح.. وهكذا. 4 - (متعلق النهي). لا شك في أن متعلق النهي - هنا - يجب أن يكون مما يصح أن يتصف بالصحة والفساد ليصح النزاع فيه، والا فلا معنى لان يقال - مثلا - أن النهي عن شرب الخمر يقتضى الفساد لا يقتضي. وعليه، فليس كل ما هو متعلق للنهي يقع موضعا للنزاع في هذه المسألة، بل خصوص ما يقبل وصفي الصحة والفساد. وهذا واضح. ثم ان متعلق النهي يعم العبادة والمعاملة اللتين يصح وصفهما بالفساد، فلا اختصاص للمسألة بالعبادة كما ربما ينسب إلى بعضهم. * * * وإذا اتضح المقصود من الكلمات التي وردت في العنوان، يتضح المقصود من النزاع ومحله هنا، فانه يرجع إلى النزاع في الملازمة العقلية بين النهي عن الشئ وفساده، فمن يقول بالاقتضاء فانما يقول بان النهي يستلزم عقلا فساد متعلقه، وقد يقول مع ذلك بأن اللفظ الدال على النهي دال على فساد المنهي عنه بالدلالة الالتزامية. ومن يقول بعدمه انما يقول بأن النهي عن الشئ لا يستلزم عقلا فساده.


(1) هذا بناء على اعتبار الامر في عبادية العبادة، أما إذا قلنا بكفاية الرجحان الذاتي في عباديتها إذا قصدها متقربا بها إلى الله تعالى - كما هو الصحيح - فيكون معنى صحة العبادة ما هو أعم من مطابقتها لما هو مأمور به ومن مطابقتها لما هو راجح ذاتا وان لم يكن هناك أمر.

[ 310 ]

أو فقل: ان النزاع هنا يرجع إلى النزاع في وجود الممانعة والمنافرة عقلا بين كون الشئ صحيحا وبين كونه منهيا عنه، أي انه هل هناك مانعة جمع بين صحة الشئ والنهي عنه أولا ؟ ولاجل هذا تدخل هذه المسألة في بحث الملازمات العقلية كما صنعنا. ولما كان البحث يختلف اختلافا كثيرا في كل واحدة من العبادة والمعاملة عقدوا البحث في موضعين: العبادة والمعاملة، فينبغي البحث عن كل منهما مستقلا في مبحثين: المبحث الاول - النهي عن العبادة المقصود من العبادة التي هي محل النزاع في المقام: العبادة بالمعنى الاخص أي خصوص ما يشترط في صحتها قصد القربة، أو فقل هي خصوص الوظيفة التي شرعها الله تعالى لاجل التقرب بها إليه. ولا يشمل النزاع العبادة بالمعنى الاعم مثل غسل الثوب من النجاسة، لانه - وان صح ان يقع عبادة متقربا به إلى الله تعالى - لا يتوقف حصول أثره المرغوب فيه وهو زوال النجاسة على وقوعه قريبا، فلو فرض وقوعه منهيا عنه كالغسل بالماء المغصوب فانه يقع به الامتثال ويسقط الامر به فلا يتصور وقوعه فاسدا من أجل تعلق النهي به. نعم إذا وقع محرما منهيا عنه فانه لا يقع عبادة متقربا به إلى الله تعالى. فإذا قصد من الفساد هذا المعنى فلا بأس في أن يقال: ان النهي عن العبادة بالمعنى الاعم يقتضي الفساد، فان من يدعي الممانعة بين الصحة والنهي يمكن أن يدعي الممانعة بين وقوع غسل الثوب صحيحا - أي عبادة متقربا به إلى الله تعالى - وبين النهي عنه. وليس معنى العبادة هنا انها ما كانت متعلقة للامر فعلا، لانه مع فرض تعلق النهي بها فعلا لا يعقل فرض تعلق الامر بها أيضا، وليس ذلك. كباب اجتماع الامر والنهي الذي فرض فيه تعلق النهي بعنوان غير العنوان الذي

[ 311 ]

تعلق به الامر، فانه ان جاز هناك اجتماع الامر والنهي فلا يجوز هنا لعدم تعدد العنوان، وانما العنوان الذي تعلق به الامر هو نفسه صار متعلقا للنهي. وعلى هذا فلا بد أن يراد بالعبادة المنهي عنها ما كانت طبيعتها متعلقة للامر وان لم تكن شاملة - بما هي مأمور بها - لما هو متعلق النهي، أوما كانت من شأنها أن يتقرب بها لو تعلق بها أمر. وبعبارة أخرى جامعة أن يقال: ان المقصود بالعبادة هنا هي الوظيفة التي شرعها الشارع لشرعها لاجل التعبد بها وان لم يتعلق بها أمر فعلي لخصوصية المورد. ثم ان النهي عن العبادة يتصور على أنحاء: (أحدها) - أن يتعلق النهي بأصل العبادة كالنهي عن صوم العيدين وصوم الوصال وصلاة الحائض والنفساء، و (ثانيها) - أن يتعلق بجزئها كالنهي عن قراءة سورة من سور العزائم في الصلاة، و (ثالثها) - أن يتعلق بشرطها أو بشرط جزئها كالنهي عن الصلاة باللباس المغصوب أو المتنجس، و (رابعها) - أن يتعلق بوصف ملازم لها أو لجزئها كالنهي عن الجهر بالقراءة في موضع الاخفات والنهي عن الاخفات في موضع الجهر. والحق: ان النهي عن العبادة يقتضي الفساد سواء كان نهيا عن أصلها أو جزئها أو شرطها أو وصفها، للتمانع الظاهر بين العبادة التي يراد بها التقرب إلى الله تعالى ومرضاته وبين النهي عنها المبعد عصيانه عن الله والمثير لسخطه، فيستحيل التقرب بالمبعد والرضا بما يسخطه، ويستحيل أيضا التقرب بما يشتمل على المبعد المبغوض المسخط له أو بما هو متقيد بالمبعد أو بما هو موصوف بالمبعد. ونحن إذ نقول ذلك في النهي عن الجزء والشرط والوصف نقول به المعنويان، وهما يشبهان القرب والبعد المكانيين، فكما يستحيل التقرب المكاني بما هو مبعد مكانا كذلك يستحيل التقرب المعنوي بما هو مبعد معنى. ونحن إذ نقول ذلك في النهي عن الجزء والشرط والوصف نقول به لا لاجل أن النهي عن هذه الامور يسري إلى أصل العبادة وان ذلك واسطة في ثبوت أو واسطة في العروض كما قيل، ولا لاجل أن جزء العبادة وشرطها

[ 312 ]

عبادة فإذا فسد الجزء والشرط استلزم فسادهما فساد المركب والمشروط. بل نحن لا نستند في قولنا في الجزء والشرط والوصف إلى ذلك لانه لا حاجة إلى مثل هذه التعليلات ولا تصل النوبة إليها بعد ما قلناه من انه يستحيل التقرب بما يشتمل على المبعد أو بما هو مقيد أو موصوف بالمبعد، كما يستحيل التقرب بنفس المبعد بلا فرق. على ان في هذه التعليلات من المناقشة مالا يسعه هذا المختصر ولا حاجة إلى مناقشتها بعدما ذكرناه. هذا كله في النهي النفسي، اما (النهي الغيري) المقدمي فحكمه حكم النفسي بلا فرق، كما اشرنا إلى ذلك في ما تقدم ص 271. فانه اشرنا هناك إلى الوجه الذي ذكره بعض أعاظم مشايخنا (قدس سره) للفرق بينهما بأن النهي الغيري لا يكشف عن وجود مفسدة وحزازة في المنهي عنه، فيبقى المنهي عنه على ماكان عليه من المصلحة الذاتية بلا مزاحم لها من مفسدة للنهي، فيمكن التقرب به بقصد تلك المصلحة الذاتية المفروضة، بخلاف النهي النفسي الكاشف عن المفسدة والحزازة في المنهي عنه المانعة من التقرب به. وقد ناقشناه هناك بان التقرب والابتعاد ليسا يدوران مدار المصلحة والمفسدة الذاتيتين حتى يتم هذا الكلام، بل - كما ذكرناه هناك - ان الفعل المبعد عن المولى في حال كونه مبعدا لا يعقل ان يكون متقربا به إليه كالتقرب والابتعاد المكانيين، والنهي وان كان غيريا يوجب البعد ومبغوضية المنهي عنه وان لم يشتمل على مفسدة نفسية. ويبقى الكلام في النهي (التنزيهي) أي الكراهة، فالحق أيضا انه يقتضي الفساد كالنهي التحريمي، لنفس التعليل السابق من استحالة التقرب بما هو مبعد بلا فرق، غاية الامر ان مرتبة البعد في التحريمي أشد واكثر منها في التنزيهي كاختلاف مرتبة القرب في موافقة الامر الوجوبي والاستحبابي. وهذا الفرق لا يوجب تفاوتا في استحالة التقرب بالمبعد. ولاجل هذا حمل الاصحاب الكراهة في العبادة على أقلية الثواب مع ثبوت صحتها شرعا لو

[ 313 ]

أتي بها المكلف، لا الكراهة الحكمية الشرعية، ومعنى حمل الكراهة على أقلية الثواب أن النهي الوارد فيها يكون مسوقا لبيان هذا المعنى وبداعي الارشاد إلى أقلية لثواب، وليس مسوقا لبيان الحكم التكليفي المقابل للاحكام الاربعة الباقية بداعي الزجر عن الفعل والردع عنه. وعليه فلو أحرز - بدليل خاص ان النهي بداعي الزجر التنزيهي، أو لم يحرز من دليل خاص صحة العبادة المكروهة، فلا محالة لا نقول بصحة العبادة المنهي عنها بالنهي التنزيهي. هذا فيما إذا كان النهي التنزيهي عن نفس عنوان العبادة أو جزئها أو شرطها أو وصفها، اما لو كان النهي عن عنوان آخر غير عنوان المأمور به كما لو كان بين المنهي عنه والمأمور به عموم وخصوص من وجه فان هذا المورد يدخل في باب الاجتماع، وقد قلنا هناك بجواز الاجتماع في الامر والنهي التحريمي فضلا عن الامر والنهي التنزيهي، وليس هو من باب النهي عن العبادة الا إذا ذهبنا إلى امتناع الاجتماع فيدخل في مسألتنا. (تنبيه): ان النهي الذي هو موضع النزاع - والذي قلنا باقتضائه الفساد في العبادة - هو النهي بالمعنى الظاهر من مادته وصيغته أعنى ما يتضمن حكما تحريميا أو تنزيهيا بان يكون انشاؤه بداعي الردع والزجر. اما النهي بداع آخر كداعي بيان أقلية الثواب، أو داعي الارشاد إلى مانعية الشئ مثل النهي عن لبس جلد الميتة في الصلاة، أو نحو ذلك من الدواعي - فانه ليس موضع النزاع في مسألتنا، ولا يقتضي الفساد بما هو نهي، الا ان يتضمن اعتبار شئ في المأمور به، فمع فقد ذلك الشئ لا ينطبق المأتي به على المأمور به فيقع فاسدا كالنهي بداعي الارشاد إلى مانعية شئ فيستفاد منه ان عدم ذلك الشئ يكون شرطا في المأمور به. ولكن هذا شئ آخر لا يرتبط بمسألتنا فان هذا يجزي حتى في الواجبات التوصلية فان فقد أحد شروطها يوجب فسادها.

[ 314 ]

المبحث الثاني - النهي عن المعاملة ان النهي في المعاملة عن نحوين - كالنهي عن العبادة -، فانه تارة يكون النهي بداعي بيان مانعية الشئ المنهي عنه أو بداع آخر مشابه له، وأخرى يكون بداعي الردع والزجر من أجل مبغوضية ما تعلق به النهي ووجود الحزازة فيه. فان كان الاول فهو خارج عن مسألتنا كما تقدم في التنبيه السابق، إذ لا شك في انه لو كان النهي بداعي الارشاد إلى مانعية الشئ في المعاملة فانه يكون دالا على فسادها عند الاخلال، لدلالة النهي على اعتبار عدم المانع فيها فتخلفه تخلف للشرط المعتبر في صحتها. وهذا لا ينبغي ان يختلف فيه اثنان. وان كان الثاني، فان النهي اما ان يكون عن ذات السبب أي عن العقد الانشائي أو فقل عن التسبيب به لايجاد المعاملة كالنهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة في قوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.). وأما ان يكون عن ذات المسبب أي عن نفس وجود المعاملة كالنهي عن بيع الآبق وبيع المصحف. فإن كان النهي على (النحو الاول) أي عن ذات السبب فالمعروف أنه لا يدل على فساد المعاملة، إذ لم تثبت المنافاة لا عقلا ولا عرفا بين مبغوضية العقد والتسبيب به بين امضاء الشارع له بعد ان كان العقد مستوفيا لجميع الشروط المعتبرة فيه، بل ثبت خلافها كحرمة الظهار التي لم تناف ترتب الاثر عليه من الفراق. وان كان النهي على (النحو الثاني) أي عن المسبب فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النهي في هذا القسم يقتضي الفساد. وأقصى ما يمكن تعليل ذلك بما ذكره بعض أعاظم مشايخنا من أن صحة كل معاملة مشروطة بأن يكون العاقد مسلطا على المعاملة في حكم الشارع غير محجور عليه من قبله من التصرف في العين التي تجري عليها المعاملة. ونفس

[ 315 ]

النهي عن المسبب يكون معجزا مولويا للمكلف عن الفعل ورافعا لسلطته عليه، فيختل به ذلك الشرط المعتبر في صحة المعاملة، فلا محالة يترتب على ذلك فسادها. هذا غاية ما يمكن ان يقال في بيان اقتضاء النهي عن المسبب لفساد المعاملة، ولكن التحقيق أن يقال: ان استناد الفساد إلى النهي انما يصح ان يفرض ويتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه موجودا حتى بشرائط المتعاقدين وشرائط العوضين، وأنه ليس في البين الا المبغوضية الصرفة المستفادة من النهي. وحينئذ يقع البحث في أن هذه المبغوضية هل تنافي صحة المعاملة أو لا تنافيها ؟ اما إذا كان النهي دالا على اعتبار شئ في المتعاقدين والعوضين أو العقد، مثل النهي عن أن يبيع السفيه والمجنون والصغير الدال على اعتبار العقل والبلوغ في البايع، وكالنهي عن بيع الخمر والميتة والآبق ونحوها الدال على اعتبار اباحة المبيع والتمكن من التصرف منه، وكالنهي عن العقد بغير العربية - مثلا - الدال على اعتبارها في العقد - فان هذا النهي في كل ذلك لا شك في كونه دالا على فساد المعاملة لان هذا النهي في الحقيقة يرجع إلى القسم الاول الذي ذكرناه وهو ماكان النهي بداعي الارشاد إلى اعتبار شئ في المعاملة، وقد تقدم ان هذا ليس موضع الكلام من منافاة نفس النهي هذا غاية ما يمكن ان يقال في بيان اقتضاء النهي عن المسبب لفساد المعاملة، ولكن التحقيق أن يقال: ان استناد الفساد إلى النهي انما يصح ان يفرض ويتنازع فيه فيما إذا كان العقد بشرائطه موجودا حتى بشرائط المتعاقدين وشرائط العوضين، وأنه ليس في البين الا المبغوضية الصرفة المستفادة من النهي. وحينئذ يقع البحث في أن هذه المبغوضية هل تنافي صحة المعاملة أو لا تنافيها ؟ اما إذا كان النهي دالا على اعتبار شئ في المتعاقدين والعوضين أو العقد، مثل النهي عن أن يبيع السفيه والمجنون والصغير الدال على اعتبار العقل والبلوغ في البايع، وكالنهي عن بيع الخمر والميتة والآبق ونحوها الدال على اعتبار اباحة المبيع والتمكن من التصرف منه، وكالنهي عن العقد بغير العربية - مثلا - الدال على اعتبارها في العقد - فان هذا النهي في كل ذلك لا شك في كونه دالا على فساد المعاملة لان هذا النهي في الحقيقة يرجع إلى القسم الاول الذي ذكرناه وهو ماكان النهي بداعي الارشاد إلى اعتبار شئ في المعاملة، وقد تقدم ان هذا ليس موضع الكلام من منافاة نفس النهي بداعي الردع والزجر لصحة المعاملة. فالعمدة هو الكلام في هذه المنافاة وليس من دليل عليها حتى تثبت الملازمة بين النهي وفساد المعاملة، وكون النهي عن المسبب يكون معجزا مولويا للمكلف عن الفعل ورافعا لسلطنته عليه، فان معنى ذلك ان النهي في المعاملة شأنه أن يدل على اختلاف شرط في المعاملة بارتكاب المنهي عنه وهذا لا كلام لنا فيه. وفي هذا القدر من البحث في هذه المسألة الكفاية وفقنا الله تعالى لمراضيه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية