الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الأصول الأصيلة- الفيض القاساني

الأصول الأصيلة

الفيض القاساني


[ 1 ]

كتاب الاصول الاصيلة للعالم الرباني المولى محمد محسن الفيض القاساني قدس سره عنى بطبعه ونشره وتصحيحه والتعليق عليه مير جلال الدين الحسيني الارموى المحدث ويلي الكتاب رسالة " الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين " للمصنف (ره) 25 من المحرم الحرام 1390 = 13 فروردين 1349 سازمان چاپ دانشگاه

[ 2 ]

فهرس اجمالي لكتاب الاصول الاصيلة: الاصل الاول - أنه ما قبض الله نبيه حتى أكمل دينه وأتم نعمته. الاصل الثاني - أنه لا يعلم علم الكتاب والسنة كله - الا من يعلم الناسخ من المنسوخ. الاصل الثالث - أن من تمسك في دينه بكتاب الله عز وجل وأهل بيت نبيه لن يضل قط. الاصل الرابع - أن اخبار الائمة المعصومين المضبوطة في كتب أئمة الحديث من أصحابنا ورواتها الناظرين فيها قائمة مقامهم - عليهم السلام - في زمان الغيبة الكبرى. الاصل الخامس - أنهم عليهم السلام أعطونا اصولا مطابقة للعقل الصحيح وأذنوا لنا ان نفرع عليها الصور الجزئية. الاصل السادس - أنهم عليهم السلام أعطونا اصولا عقلية برهانية في باب تعارض الاخبار. الاصل السابع - أن لله سبحانه في كل مسألة حكما معينا من أصابه فقد أصاب الحق، ومن أخطأه فقد أخطأ الحق. الاصل الثامن - أنه لا يجوز التعويل على الظن في الاعتقادات ولا الافتاء عليه في العمليات. الاصل التاسع - أنه يجب على كل مكلف ان يتفقه في الدين ويتعلم ما أنزل الله تعالى على نبيه سيد المرسلين (ص). الاصل العاشر - أنه يجب على كل مكلف طالب للحق والنجاة ان يتحرى الاهم في الدين فالاهم ويأخذ بالاقرب من اليقين فالاقرب، ولا يترك ما يعنيه الى ما لا يعنيه.

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد فلما كان كتاب الاصول الاصيلة الذي الفه العالم الرباني المولى محمد محسن الفيض القاساني - قدس الله روحه ونور ضريحه - كتابا مفيدا وأثرا نافعا وكان السيد السند البارع الحاج السيد نصر الله التقوى - أحسن الله قراه وأكرم في الجنة مثواه - ممن يحب آثار ذلك العالم ويستفيد منها ويلتذ منها بمطالعتها ويجتهد في تحصيل المخطوط النادر منها، وكان قد عزم في أواخر عمره على ان يطبع وينشر بعضها لكن الاجل لم يمهله حتى يعمل بهذه النية فلذلك أقدم نجله الفاضل الجليل الخير الحاج السيد جمال الدين الاخوى - لا زال موفقا لطبع الكتب النافعة البهية ونشر الصحف المفيدة المطوية - على هذا الامر جريا على ما هو المعهود من سيرته الجارية وعادته المستمرة في تعظيم شعائر الدين وتشييد قواعد الشرع المبين بنشر نسخ من الكتب القيمة الزاهية واحياء آثار من الاسفار الدينية الباقية، فبذل نفقة طبع الكتاب حتى ينتفع به اولو الالباب ويكون ذخيرة لهما يوم يقوم الحساب. فليعلم ان هذا الكتاب من نفائس كتب ذلك العالم فلنشر الى ما يدل على ذلك. قال المصنف - أعلى الله درجته - في فهرس مصنفاته ما نصه: " ومنها - كتاب الاصول الاصيلة يشتمل على عشرة أصول مستفادة من الكتاب والسنة وأخبار أهل البيت عليهم السلام مبينة بالبيانات الصريحة ومؤيدة بشواهد العقول الصحيحة يتعرف منها كيفية استنباط المسائل الدينية والاحكام الشرعية أصولا وفروعا

[ 4 ]

من مآخذها، ومنزلته من الكتب المصنفة في أصول الفقه منزلة علم اليقين من الكتب الكلامية، لا شبيه له في مصنفات القوم فيما أحسب، يقرب من ألفين وثمانمائة بيت، وقد صنف في سنة أربع وأربعين بعد الالف ". وقال في آخر المقدمة الاولى من مقدمات كتاب الوافي: " وقد أشبعنا الكلام في تحقيق هذه الكلمات وتشييدها بالايات والروايات في كتابنا الموسوم بسفينة النجاة وفي الاصول الاصيلة وغيرهما من المصنفات ". وقال أيضا في الوافي لكن في اواخر باب اختلاف الحديث والحكم (ص 54 - 53 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية): " والاخبار في هذا المعنى كثيرة وقد أوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى بسفينة النجاة وفي كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة ". أقول: هذا الكتاب أكبر من سفينة النجاة وأكثر نفعا منه وأجمع للفوائد ويدل عليه ما ذكره في وصفه في فهرسه وهو قوله: " ومنها - كتاب سفينة النجاة في تحقيق أن مآخذ الاحكام الشرعية ليست الا محكمات الكتاب والسنة وأحاديث أهل العصمة سلام الله عليهم وأن الاجتهاد فيها والاخذ باتفاق الاراء ابتداع في الدين واختراع من المخالفين، وهو كتاب جيد العبارات حسن الاشارات يقرب من ألف وخمسمائة بيت، وقد صنف في سنة ثمان وخمسين بعد الالف ". وانت إذا تدبرت في هذه العبارة وفيما ذكره في تعريف الاصول الاصيلة ظهر لك صدق ما ادعيناه. ويشير إليه أيضا قوله (ره) في آخر الفصل التاسع من كتاب سفينة النجاة (ص 101 من النسخة المطبوعة): " الى غير ذلك من الاصول الكلية التي يتفرع عليها الجزئيات وقد ذكرنا طرفا منها في كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة فليطلبها من أرادها من هنالك مع تتمة للكلام وبسطة في ذلك ". ثم ليعلم ان هذا الكتاب كالخلاصة من فوائد المدنية للعالم الشهير المولى محمد امين

[ 5 ]

الاسترابادي - قدس الله تربته - وأراد المصنف - أعلى الله درجته - في اول هذا الكتاب الحاضر بقوله (ص 1): " ثم ألفيت بعض فضلائهم مصرحا بأكثرها في جملة خيالات مخترعة وآراء مبتدعة عاليا صوته فيه بالنداء بل غاليا بكلامه في الاداء حتى كاد ان يخطئ الحق بالاعتداء ويفرط عن وسط الحق الى جانب الردى " اياه، وكذا أراده بقوله في آخر الفصل العاشر من كتاب سفينة النجاة (ص 111 من النسخة المطبوعة): " ومنهم من سبقنا الى ذلك مع دعاء ونداء الا أنى لم أجده بهذه الطريقة عاملا ولا أراه فيه كاملا كأنه لم يصر بعد من الاحرار ام يظن ان مخالفة الجمهور ومتاركة المشهور من العار ". أقول: حيث ان نسخة الفوائد المدنية مطبوعة منتشرة وهذا الكتاب الحاضر اعني الاصول الاصيلة ايضا طبع ونشر وجعل بين يدى الطالبين فلا حاجة الى الخوض في تحقيق ما ذكره المصنف (ره) في حق المولى محمد امين - اعلى الله درجته - فعلى من اراد المقايسة بين الكتابين فليراجعهما ويقض بنظره في ذلك الا ان المصنف (ره) لم ينصف لانه ان أراد بما ذكره في حق المولى محمد أمين (ره) انه قد خرج في بعض الموارد عن حد حسن التعبير في حق بعض العلماء - قدس أسرارهم جميعا - فهو حق وما كان ينبغي للمولى المذكور ان يرتكبه الا ان المصنف نفسه أيضا ارتكب مثله بل اشد مما ارتكبه الامين في كتابه في كتاب سفينة النجاة، (ولولا ذلك العيب فيه لجددت طبعه الواقع في سنة 1379 وجعلته ضميمة لهذا الكتاب الحاضر) وان اراد غير ذلك كما يظهر من كلامه المنقول عن سفينة النجاة من تحميله نظره اياه بأنه لم لم يعمل بمثل ما عمل هو به من مخالفة المشهور و متاركة الجمهور فهو ليس بشئ لانه أمر نظرى فماادى إليه نظره أخذ به وما لم يؤد إليه نظره مما لم يأخذ به فهو وظيفته الشرعية كما هو ظاهر لمن عمل بالانصاف وتجنب الاعتساف، وكيف كان، لا ينبغي لمثلى ان اخوض في مثل هذه المقامات فمن كان صالحا لمثل هذه الامور من أهل الحل والعقد والرد والقبول فعليه الخوض في ذلك، رحم الله معاشر علمائنا الماضين

[ 6 ]

الغابرين، وأعلى درجاتهم عنده بحق محمد وآله الطاهرين. فائدة وممن نقل عن هذا الكتاب الحاج محمد كريم خان الكرماني فانه نقل في كتابه فصل الخطاب أحاديث كثيرة من هذا الكتاب (انظر ص 60 - 63) الا انه قد عبر عن اسم الكتاب بلفظ " الاصول الاصلية " كما ان الشيخ آقا بزرگ (ره) ايضا قد عبر عن هذا الكتاب بهذا الاسم في الذريعة الا أنه اشتباه والصحيح ما ذكرناه ويعلم ذلك من تعبير المصنف (ره) عن اسمه في اول كتابه فراجع هناك، وذلك انه (ره) قال " فهذه اصول اصيلة تبتنى عليها فروع جليلة " وأنت خبير بأن كلمة " جليلة " لا تكون سجعا الا لموازنها وهي " أصيلة " مضافا الى ما هو المصطلح المتعارف بين أهل العلم والادب من قولهم " أصل أصيل وركن ركين " ونظائرهما فالاصيلة على زنة فعيلة (بفتح الهمزة وكسر الصاد وفتح اللام والتاء في الاخر) لا على الاصلية (بياء النسبة وتاء التأنيث في آخر كلمة الاصل) كما توهمه الفاضلان المشار اليهما. بقى علينا شئ وهو أن المصنف - أعلى الله مقامه - قد صرح ضمن تعريفه لكتابه " الاصول الاصيلة " كما مر نقله انه (ره) فرغ من تصنيفه في السنة الرابعة والاربعين بعد الالف وهذا التأريخ لا يلائم ما ذكره في آخر الاصول الاصيلة وهو قوله: " تمت الاصول الاصيلة الكاملة واتفق لضعف تأريخ تصنيفه هذا الكلام " وذلك لان حاصل جمع أعداد حروف هذه الكلمات اثنان وثمانون والفان فيكون نصفه احدا واربعين والفا فبين الكلامين تخالف ومن ثم قال العالم الجليل الشيخ آقا بزرگ الطهراني - طاب ثراه - ضمن الكلام حول كتاب الاصول الاصيلة ما نصه (انظر من الذريعة ج 3، ص 178): " وقال في آخره: ان قولنا تمت الاصول الاصيلة الكاملة، موافق لضعف تأريخ التصنيف، يظهر منه ان فراغه كان سنة 1041 لكنه ذكر في فهرس تصانيفه ان فراغه كان سنة 1044 ".

[ 7 ]

وهو كلام صحيح واعتراض متين. اقول: من أراد ترجمة المصنف (ره) أو أراد ان يلاحظ كلمات المفهرسين في حق هذا الكتاب أعنى " الاصول الاصيلة " فليراجع كتب التراجم والفهارس فان هذا المختصر لا يسع أكثر مما ذكرنا الا أنه ينبغي أن يشار هنا الى مطلب وهو أنى ترجمت هذا الكتاب ونقلته الى اللغة الفارسية وأضفت إليه فوائد جمة ومطالب مهمة حسبما اقتضاه المقام وانجر إليه الكلام، وكان ذلك قبل هذا الزمان بثلاثين سنة تقريبا، والرجاء أن يوفقنا الله لطبعه ونشره أيضا كما وفقنا لطبع أصله ونشره، والسلام على من اتبع الهدى. وكان تحرير ذلك لخمس ليال بقين من المحرم الحرام سنة تسعين وثلاثمائة بعد الالف من الهجرة النبوية موافقا لهذا التاريخ الهجري الشمسي 13 / 1 / 1349 مير جلال الدين الحسيني الارموي المحدث

[ 8 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم والصلوات الزاكيات على ذلك الرسول التالى للايات المزكى للنفوس المستعدات وعلى آله الايات البينات والحجج النيرات والاعلام الواضحات اما بعد فيقول خادم علوم الدين والمجاهد في معرفة اسرار الشرع المبين محمد بن مرتضى المدعو بمجن جعله الله من الموقنين ان هذه اصول اصيلة يبتنى عليها فروع جليلة استفدت من القرآن المجيد واخبار اهل البيت عليهم السلام وشواهد العقل ولم يعمل على اكثرها كما ينبغى اكثر فقهائنا المتأخرين كأنهم كانوا عنها غافلين مع ان العمل بها يستهل ام التفقه في الدين ويوضح طريق معرفة احكام الشرع المتين ويرفع كثيرا من الشبهات صورة الصفحة الاولى من النسخة التي كان علهيا اساس طبع الكتاب

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم، والصلوات الزاكيات على ذلك الرسول التالي للايات، المزكى للنفوس المستعدات، وعلى آله الايات البينات، والحجج النيرات، والاعلام الواضحات. اما بعد فيقول خادم علوم الدين والمجاهد في معرفة أسرار الشرع المبين محمد بن مرتضى المدعو بمحسن جعله الله من الموقنين: ان هذه أصول أصيلة يبتنى عليها فروع جليلة، استفدت (1) من القرآن المجيد وأخبار أهل البيت عليهم السلام وشواهد العقل ولم يعمل على على أكثرها كما ينبغي أكثر فقهائنا المتأخرين كأنهم كانوا عنها غافلين مع أن العمل بها مما يسهل امر التفقه في الدين ويوضح طريق معرفة أحكام الشرع المتين، ويرفع كثيرا من الشبهات، وينور غير يسير من الظلمات، وعليها كان عمل قدماء الطائفة كأئمة الحديث ومن يحذو حذوهم كما يظهر من التتبع بطريقتهم والنظر في آثارهم وانها كانت برهة من الدهر تطوف حوالى خاطري تطوافا وتجول في ميدان قلبى تجوالا، وانى كنت أصبر على ابرازها هونا لاني لم أجد عليها عونا، فلم أقدر لها الا حفظا وصونا حتى استشممت من كلام جماعة من متأخرى أصحابنا الايمان بها والاذعان لها ثم ألفيت بعض فضلائهم (2) مصرحا بأكثرها في جملة خيالات مخترعة وآراء مبتدعة، عاليا صوته فيه بالنداء بل غاليا بكلامه


1 - كذا في الاصل ولعلها " استفيدت " وذلك بقرينة ما يأتي فيما بعد من العبارة. 2 - يريد به المحقق المدقق الجليل المولى محمد امين الاسترابادي (ره) صاحب الفوائد المدنية.

[ 2 ]

في الاداء حتى كاد ان يخطئ الحق بالاعتداء ويفرط عن وسط الحق الى جانب الردى فتجاسرت لاظهار وتمييز القشر من اللباب، إذ حان لى ان انطق نطف الحر، وأفصح عن الحق المر، ولا أخاف في الله لومة لائم، ولا أبالي في رسوله وآل رسوله صلوات الله عليه وعليهم عذل عاذل، فأقول وبالله التوفيق، شعر (1): علم المحجة واضح لمريده * وارى القلوب عن المحجة في عمى ولقد عجبت لها لك ونجاته * موجودة ولقد عجبت لمن نجا وهي عشرة أصول تتبعها وصول وفصول. الاصل الاول أنه ما قبض الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل دينه واتم نعمته كما قال تعالى في اواخر عمر النبي صلى الله عليه وآله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا، ولم يدع شيئا مما يحتاج إليه الناس الا أنزله في كتابه وبينه نبيه (ص) في سنته فلم يبق شئ من العلوم الاعتقادية والعملية الا ورد في كتاب أو سنة حتى ارش الخدش والجلدة ونصف الجلدة، وما كان منها يحتاج الى بيان وحجة اتى معه بهما في اتم وجه وأبلغه من بينة وبرهان وخطابة وجدال بالتي هي أحسن، الى غير ذلك،


1 - قال المؤلف (ره) في آخر رسالته الصغيرة الموسومة بمقالة ضياء القلب وقد طبعت ضمن رسائله الست ما نصه (ص 185): " وروى عن الحسن البصري انه قال: ليس العجب ممن نجا كيف نجا، انما العجب ممن هلك كيف هلك مع كثرة الدلالات ووفور البينات، وفي امالي الصدوق رحمه الله باسناده قال: كان الصادق عليه السلام كثيرا ما يقول: علم المحجة (الى آخر البيتين) " وقال المجلسي (ره) بعد نقل البيتين عن امالي الصدوق مسندا في المجلد الاول من البحار ص 117): " بيان - العجب من الهلاك لكثرة بواعث الهداية ووضوح المحجة، والعجب من النجاة لندورها وكثرة الهالكين، وكل امر نادر مما يتعجب منه " واوردهما ايضا في المجلد الحادي عشر من البحار في ترجمة الصادق (ع) نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب (انظر 111 من طبعة امين الضرب) فليعلم ان في المتن بدل " وارى ": " واذ ". (*)

[ 3 ]

وبالجملة لكل طائفة ما يناسب أفهامهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة، ولئلا تحتاج أمته الى السالفين في شئ مما يهمهم من علم الدين، ومن لم يعتقد ذلك كذلك فهو الظان بالله وبرسوله ظن السوء، قال الله سبحانه: ما فرطنا في الكتاب من شئ (1) وقال: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ (2) وقال: ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين (3)، وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: أ انزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه ؟ ام كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه ان يرضى ؟ أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وادائه ؟ ! والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ، الحديث ويأتي تمامه (4)، وفي بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار والكافي لثقة الاسلام محمد بن يعقوب باسنادهما عن ابي جعفر عليه السلام قال: ان الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا يحتاج إليه الامة الا أنزله في كتابه وبينه لرسوله (ص)، وجعل لكل شئ حدا، وجعل عليه دليلا يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا (5) وباسنادهما عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما من شئ الا وفيه كتاب أو سنة (6) وباسنادهما عنه عليه السلام قال: ما من أمر يختلف فيه اثنان الا وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال (7). وباسنادهما عن سماعة عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه ؟ أو تقولون فيه ؟ قال: بلى، كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله (8). وفي بصائر الدرجات باسناده عنه عن ابي الحسن عليه السلام قال قلت له: اصلحك الله اتى رسول الله (ص) الناس بما يكتفون به ؟ - فقال: نعم، وما يحتاجون إليه الى يوم القيامة، فقلت: وضاع من ذلك شئ ؟ - فقال: لا، هو عند أهله (9).


1 - من آية 38 سورة الانعام. 2 - من آية 89 سورة النحل. 3 - ذيل آية 59 سورة الانعام. 4 - نذكر موضعه عند نقل تمامه. 5 - انظر بصائر الدرجات، الباب الثالث من الجزء الاول وروى فيه بسندين الا انه ليس فيه " وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا " وفي اصول الكافي مع هذه الزيادة في باب الرد الى الكتاب والسنة (انظر مرآة العقول ج 1، ص 42). 6 و 7 - هما في باب الرد الى الكتاب والسنة من اصول الكافي، انظر مرآة العقول (ج 1، ص 42) واما البصائر فلم اظفر بهما فيه بهذه العبارة. 8 - بصائر الدرجات، الجزء السادس، باب في ان الائمة عندهم جميع ما في الكتاب والسنة، وفي اصول الكافي، في باب الرد الى الكتاب والسنة (انظر مرآة العقول، ج 1، ص 43). 9 - بصائر الدرجات، الجزء السادس، في باب ان الائمة عندهم جميع ما في الكتاب والسنة. (*)

[ 4 ]

وفي الكافي باسناده عن أبي الجارود قال قال أبو جعفر عليه السلام: إذا حدثتكم بشئ فاسئلوني من كتاب الله ثم قال في بعض حديثه: ان رسول الله (ص) نهى عن القيل والقال وفساد - المال وكثرة السؤال فقيل له: يا بن رسول الله اين هذا من كتاب الله ؟ - قال: ان الله تعالى يقول: لا خير في كثير من نجواهم الا من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس، وقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم (1). وباسناده عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ان الله أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا نزل في القرآن، الا وقد انزل الله فيه (2). وباسناده الصحيح عنه عليه السلام قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه (3). وباسناده عنه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له طويل: فجاءهم بنسخة ما في الصحف الاولى، وتصديق الذي بين يديه، وتفصيل الحلال من ريب الحرام، ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق لكم، أخبركم عنه: ان فيه علم ما مضى وعلم ما يأتي الى يوم القيامة - الصدوق باسناده الى الرضا عليه السلام انه قال في كلام له: ان الله لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله حتى أكمل الدين وأنزل عليه القرآن، فيه تفصيل كل شئ وبين فيه الحلال والحرام والحدود والاحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا فقال عز وجل: ما فرطنا في الكتاب من شئ وأنزل في حجة الوداع وهو في آخر عمره صلى الله عليه وآله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا، وأمر الامامة من تمام - الدين، ولم يمض صلى الله عليه وآله حتى بين لامته معالم دينهم وأوضح لهم سبيله، و تركهم على قصد الحق، وأقام لهم عليا عليه السلام علما واماما، وما ترك شيئا يحتاج إليه الامة الا بينه، فمن زعم أن الله عز وجل لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله عز وجل فهو كافر، الحديث (5)، الى غير ذلك من الاخبار في هذا المعنى وهي كثيرة جدا تكاد تبلغ حد التواتر.


1 و 2 و 3 و 4 - هذه الاحاديث في باب الرد الى الكتاب والسنة من اصول الكافي (انظر مرآة العقول، ج 1: ص 43 - 42). 5 - انظر المجلس السابع والتسعين من مجالس الصدوق وهو المجلس الاخر، والكلام المذكور اول الحديث، فراجع ان شئت. (*)

[ 5 ]

وصل قال أبو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري الذي كان من قدماء أصحابنا الفقهاء وكان ممن روى عن أبي جعفر الثاني (ع) وقيل عن الرضا عليه السلام أيضا وكان ثقة جليلا فقيها متكلما له عظيم شأن في هذه الطائفة، قيل: انه صنف مائة وثمانين كتابا وترحم عليه أبو محمد عليه السلام مرتين، وروى ثلاثا ولاء، وروى الكشي عن الملقب بتوزا (1) من اهل البوزجان من نيسابور ان ابا محمد الفضل بن شاذان كان وجهه الى العراق فذكر انه دخل على أبي محمد عليه السلام فلما اراد ان يخرج سقط عنه كتاب وكان من تصنيف الفضل فتناوله أبو محمد (ع) ونظر فيه فترحم عليه وذكر أنه قال: أغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم. قال في كتابه المسمى بالايضاح في القوم المتسمين بالجماعة المنسوبين الى السنة انا وجدناهم يقولون: ان الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيه الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه من أمر دينهم وحلالهم وحرامهم ودمائهم ومواريثهم ورقهم وسائر احكامهم وان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن يعرف ذلك أو عرفه ولم يبينه لهم وان اصحابه من بعده وغيرهم من التابعين استنبطوا ذلك برأيهم وأقاموا أحكاما سموها سنة أمروا الناس عليها ومنعوهم ان يجاوزوها الى غيرها، وهم فيها مختلفون يحل فيها بعضهم ما يحرمه بعض، ويحرم بعضهم ما يحله بعض، وقال في حق الشيعة: انهم يقولون ان الله جل ثناؤه تعبد خلقه بالعمل بطاعته واجتناب معصيته على لسان نبيه (ص) فبين لهم جميع ما يحتاجون إليه من أمر دينهم صغيرا وكبيرا، فبلغهم اياه خاصا وعاما، ولم يكلهم فيه الى آرائهم ولم يتركهم في عمى ولا شبهة، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، فاما ما أبلغهم عاما فهو ما الامة عليه من الوضوء والصلوة والخمس والزكوة والصيام والحج والغسل من الجنابة واجتناب ما نهى الله عنه في كتابه من ترك الزنا والسرقة والاعتداء والظلم والرياء وأكل مال اليتيم وما اشبه ذلك مما يطول تفسيره وهو معروف عند الخاصة والعامة، واما ما أبلغه خاصا فهو ما وكلنا إليه من قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولى الامر منكم (2) وقوله: فاسئلوا أهل الذكر ان كنتم


1 - كذا: ويأتي تحقيقه في التعليقات. 2 - صدر آية 59 سورة النساء. (*)

[ 6 ]

لا تعلمون (1) فهذا خاص لا يجوز ان يكون من جعل الله له الطاعة على الناس ان يدخل في مثل ما هم فيه من المعاصي وذلك لقول الله جل ثناؤه: واذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: انى جاعلك للناس اماما، قال: ومن ذريتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين (2) ليسوا بائمة يعهد إليهم في العدل على الناس وقد أبى الله ان يجعلهم ائمة وعلمنا أن قوله تبارك وتعالى: ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل (3) عهد عهده إليهم لم يعهد هذا العهد الا الى ائمة يحسنون ان يحكموا بالعدل ولا يجوز ان يأمر ان يحكم بالعدل من لا يعرف العدل ولا يحسنه، وانماامر ان يحكم بالعدل من يحسن ان يحكم بالعدل. ثم قال بعد كلام طويل: ثم رجعنا الى مخاطبة الصنف الاول فقلنا لهم: ما دعاكم الى ان قلتم: ان الله لم يبعث الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام والفرائض والاحكام ؟ وان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يعلم ذلك اوعلمه ولم يبينه للناس ؟ وما الذي اضطركم الى ذلك ؟ - قالوا: لم نجد الفقهاء يروون جميع ما يحتاج الناس إليه من امر الدين والحلال والحرام عن النبي (ص) وان جميع ما أتانا عنه أربعة آلاف حديث في التفسير والحلال والحرام والفرض من الصلوة وغيرها فلابد من النظر فيما لم يأتنا من الرواية عنه فاستعمال الرأى فيه ويجوز ذلك لنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله لمعاذ بن جبل حين وجهه الى اليمن بم تقضى ؟ - قال: بالكتاب، قال: فما لم يكن في الكتاب ؟ - قال: فبالسنة، قال: فما لم يكن في السنة ؟ قال: اجتهد رأيي، قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله، فعلمنا أنه قد أوجب ان من الحكم ما لم يأت به في كتاب ولا سنة وانه لابد من استعمال الرأي، وقوله (ص): انما مثل أصحابي فيكم مثل النجوم بأيها اقتديتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة، فعلمنا انه لم يكلنا الى رأيهم الا فيما لم يأتنا به ولم - يبينه لنا وتقدم في ذلك الصحابة الاولون فيما قالوا فيه برأيهم من الاحكام والمواريث


1 - ذيل آية 49 سورة النحل. 2 - آية 124 سورة البقرة. 3 - صدر آية 58 سورة النساء. (*)

[ 7 ]

والحلال والحرام فعلمنا أنهم لم يخرجوا من الحق، ولم يكونوا ليجتمعوا على باطل فما لنا ان نضللهم فيما فعلوا فاقتدينا بهم فانهم الجماعة والكثرة، ويد الله على الجماعة، ولم يكن الله ليجمع الامة على ضلال. قيل لهم: إن أكذب الروايات وأبطلها ما نسب الله فيه الى الجور ونسب نبيه صلى الله عليه وآله الى الجهل، وفي قولكم: ان الله لم يبعث نبيه الى خلقه بجميع ما يحتاجون إليه تجوير له في حكمه، وتكذيب بكتابه لقوله: اليوم أكملت لكم دينكم، ولا يخلو الاحكام تكون من الدين اوليست من الدين، فان كانت من الدين فقد أكملها وبينها لنبيه (ص)، وان كانت عندكم ليست من الدين فلا حاجة بالناس إليها ولا بحث في قولكم عليهم بما ليس في الدين، وهذه شنعة لو دخلت على اليهود والنصارى في دينهم لتركوا ما يدخل عليهم به هذه الشنعة وهي متصلة بمثلها من تجهيلكم النبي (ص) وادعائكم استنباط ما لم يكن يعرفه من فروع الدين، وحق الشيعة الهرب مما اقررتم به من هاتين الشنعتين اللتين فيهما الكفر بالله وبرسوله. قال: وفيما ادعيتم من قول النبي صلى الله عليه وآله لمعاذ تكذيب بما أنزله الله وطعن على رسوله فاما ما كذبتم به من كتاب الله فما قدمناه في صدر كتابنا من قوله تعالى: وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك (1)، وقوله: انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله (2)، وقوله: وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله (3)، وقوله: لا يشرك في حكمه أحدا (4)، وقوله: الا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (5)، وقوله: له الحكم واليه ترجعون (6)، وقوله: واصبر لحكم ربك (7)، وما أشبهه مما في الكتاب يدل على ان الحكم لله وحده فزعمتم انه ليس في الكتاب ولا فيما أنزل الله على نبيه (ص) ما يحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه، وان معاذا يهتدى الى ما


1 - صدر آية 49 سورة المائدة. 2 - صدر آية 105 سورة النساء. 3 - صدر آية 10 سورة الشورى. 4 - ذيل آية 26 سورة الكهف. 5 - ذيل آية 62 سورة الانعام. 6 - ذيل آية 88 سورة القصص. 7 - صدر آية 48 سورة الطور. (*)

[ 8 ]

لم يوح الله الى نبيه (ص) وانه يهتدى بغير ما اهتدى به النبي (ص)، واوجبتم لمعاذ ان رأيه في الهدى كالذي أوحى الله الى نبيه (ص) فرفعتم مرتبته فوق مرتبة النبوة إذ كانت النبوة بوحى ينتظر ومعاذ لا يحتاج الى وحى بل يأتي برأيه من قبل نفسه، فمثلكم كما قال الله تعالى: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو قال: اوحى الى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله (1)، فصار معاذ عندكم يهتدى برأيه ولا يحتاج في الهدى الى وحي والنبي يحتاج إلى وحى، ولو جهد الملحدون على ابطال نبوته (ص) ما تجاوزوا ما وصفتموه به من الجهل. ثم أخبرنا الله تعالى ان أصل الاختلاف في الامم كان بعد أنبيائهم فقال: كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين - الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم (2) فحمدتم اهل البغي وقلتم: اختلافهم رحمة واقتديتم بالخلاف واهل الخلاف وصرفت قلوبكم عمن هداه الله لما اختلفوا فيه من الحق باذنه، ويحقق لنا عليكم قول الله: ولا يزالون مختلفين الا من رحم ربك ولذلك خلقهم (3) فاتبعتم اهل الاختلاف واتبعنا من استثناه الله بالرحمة، فلماضاق عليكم باطلكم ان يقوم لكم بالحجة أحلتم على الله بالتجوير في الحكم من تكليفه كما زعمتم اياكم ما لم يبينه لكم، وعلى نبينا (ص) بالتجهيل في قولكم انه لم يبين لكم الطاعة من المعصية، وعلى أهل الحق والمصدقين لله ولرسوله بالعداوة والبغضاء، وعلى الحق من احكام الكتاب بالعبث والالحاد، وفي كل باب من كتابنا هذا عليكم شنعة ولا مخرج لكم منها فتفهموها. من ذلكم: انكم نحلتم رسول الله صلى الله عليه وآله والرضا بان يحكم معاذ بغير ما أنزل الله وان معاذا إذا حكم حكما باليمن برأيه حقا، وكان على النبي (ص) في قولكم


1 - صدر آية: 93 سورة الانعام. 2 - آية 213 سورة البقرة. 3 - ذيل آية 118 وصدر آية 119 سورة هود. (*)

[ 9 ]

ان يتبع حكم معاذ لانه لا يجوز للنبي (ص) ان يحكم بخلاف الحق فصيرتم معاذا اماما للنبي (ص) لا يسعه في قولكم الا الاقتداء به، والله يقول: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (1) فصيرتم حكم معاذ حكما لا يحتاج معه الى حكم الله ولا الى ما أنزل فكنتم في ذلك كما قال الله: ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وان يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (2) فأبيتم على الله ان تجعلوا الحكم له كما قال وجعلتموه لمعاذ ولكل الصحابة والتابعين، وان حرم بعضهم ما أحله بعض ثم لمن بعد التابعين الى يوم القيامة رضى منكم ان يكون الحكم لغير الله وكفى بقول الله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (3) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون (4) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون (5) فلئن رضيتم بكتاب الله اوسخطتوه لقد (6) لزم الكفر والظلم والفسق لمن لم يحكم بما أنزل الله، ولقد زعمتم أن معاذا والصحابة والتابعين حكموا بغير ما أنزل الله فبلغتم غاية الوقيعة فيه والتنقص له، ثم تجاوزتموه الى أن نحلتم النبي (ص) انه امر به ورضيه وما يبلغ الملحدون الى ما أنتم عليه من نقيصة النبي (ص) مع وقيعتكم في الصحابة، أو ما يبطل ما نحلتموه النبي (ص) من الرضا بالحكم بغير ما أنزل الله قوله تعالى: قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ؟ ! (7) وقال جل ثناؤه: ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (8) وقال: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله اذن لكم ام على الله تفترون (9) فزعمتم ان النبي (ص) جوز لمعاذ الحكم برأيه فيما حظره الله على خلقه ولم يجعل الحكم فيه الا ما أراه نبيه وأنزله عليه وقبل ذلك بما حظره على نبيه داود فقال: وداود وسليمان


1 - ذيل آية 50 سورة المائدة. 2 - آية 12 سورة المؤمن. 3 - ذيل آية 44 سورة المائدة. 4 - ذيل آية 45 سورة المائدة. 5 - ذيل آية 47 سورة المائدة. 6 - خ ل: " ولقد " فعلم: " فلقد ". 7 - آية 32 سورة الاعراف. 8 - آية 116 سورة النحل. 9 - آية 59 سورة يونس. (*)

[ 10 ]

إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتيناه حكما وعلما (1) وقال: يا داود انا جعلنا خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (2) فحظر عليه القول الا بالحق وقال: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وان يأتهم عرض مثله يأخذوه الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه ولدار الاخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب واقاموا الصلوة انا لا نضيع أجر - المصلحين (3) فانظروا كيف أخذ الله عليهم ميثاق الكتاب ان لا يقولوا على الله الا الحق، وكيف زعمتم ان النبي (ص) جوز لمعاذ القول على الله برأيه ولجميع الصحابة، ثم انظروا من الذين يمسكون بالكتاب ؟ الذين يقولون: ان الحكم فيه وبه أو الذين لا يزعمون ان الحكم فيه ولا به ؟ ! وقد قال الله لنبيه (ص): قل - ان اتبع الاما يوحى الى (4) وقال: ان ضللت فانما اضل على نفسي وان اهتديت فبما يوحى الى ربى انه سميع قريب (5) فزعمتم ان الصحابة ومن بعدهم استغنوا (6) برأيهم فهداهم بغير ما هدى الله به نبيه (ص)، وان المؤمنين قد هدوا لما لم يهد الله له النبي (ص)، والله يقول: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم (7) فزعمتم ان النبي (ص) لم يهتد لما اختلف فيه من الحق وقد هدى الله له المؤمنين فقد صيرتموهم في حد الربوبية وذلك ان الله انما تعبد خلقه بان أمرهم ونهاهم وأحل لهم وحرم عليهم وأجرى عليهم


1 - آية 78 وصدر آية 79 سورة الانبياء. 2 - آية 26 سورة ص. 3 - آية 169 و 170 سورة الاعراف. 4 - من آية 8 سورة الاحقاف وتمام الاية هكذا: " قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادري ما يفعل بي وبكم ان اتبع الا ما يوحى الى وما انا الا نذير مبين ". 5 - آية 50 سورة سبأ. 6 - في بعض نسخ الايضاح: " استعنوا " (بالعين المهملة). 7 - ذيل آية 213 سورة البقرة. (*)

[ 11 ]

الاحكام بذلك فوعد الثواب من أطاعه وأوعد العقاب من عصاه، وكذلك جعلتم لهم الاحكام على الناس، فمن عصاهم بها عاقبتموه واوجبتم عليه معصية الله وعقوبة الدنيا والاخرة، ومن اطاعهم نسبتموه الى السنة والجماعة وصار عندكم من أهل الثواب في الدنيا والاخرة، فهل زاد الله فيما تعبدهم به وأمرهم ونهاهم على ما صنعتم بهم ؟ ! ولقد نسبتموهم الى انهم يعرفون الطاعة والمعصية والحكم فيهما برأيهم، ودفعتم النبي (ص) عن ذلك والوحي يأتيه لئن كانوا كما زعمتم يحسنون الحكم فيما ورد عليهم وان ذلك ليس فيما أنزل الله من كتاب ولا سنة من رسول الله (ص) فلقد حكمتم بالاستغناء عن بعثة النبي (ص) وعن تنزيل الكتاب إذا كانوا يعرفون كما زعمتم الحكم بما ليس فيهما وان ذلك في معنى قولكم ان الله بعث النبي (ص) ولا حاجة بهم إليه، وأنزل الكتاب وهم مستغنون عنه، وذلك ان الكتاب والسنة دليلان على ما يحتاج الناس إليه من امر دينهم فإذا كان هؤلاء يحسنون ما ليس في الكتاب ولا في السنة مما بالناس إليه الحاجة فما حاجتهم الى حجج الكتاب والسنة فلئن كانت الاحكام من الدين فقد اكملها في قوله: اليوم أكملت لكم دينكم (1) ولئن لم تكن من الدين فما بالعباد إليه حاجة، ولقد الزمتكم ان كانت عندكم من الدين ان تقولوا ان الله تعبد خلقه من الدين بما ليس في الكتاب ولا السنة وكفى بها شنعة. ولقد أوجبتم في قولكم على الله انه كان يأمر بالصغير من الامر ويتوكد فيه ويقول بالقول فيه تأكيدا وتشديدا ويهمل الكبير العظيم الخطير في الدين وذلك انه يقول جل ثناؤه: يا ايها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى اجل مسمى فاكتبوه (2) وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب ان يكتب كما علمه الله وليكتب وليملل الذي عليه الحق


1 - من آية 3 سورة المائدة. 2 - ما احسن ما قيل: انلني بالذي استقرضت خطا * واشهد معشرا قد شاهدوه فان الله خلاق البرايا * عنت لجلال هيبته الوجوه يقول: إذا تداينتم بدين * الى اجل مسمى فاكتبوه (*)

[ 12 ]

وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فان كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل، واستشهدوا شهيدين من رجالكم فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احديهما فتذكر إحديهما الاخرى ولا - يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا ان تكبتوه صغيرا أو كبيرا الى اجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وادنى الا ترتابوا الا ان تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها، واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وان تفعلوا فانه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم * وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فان امن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن امانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه والله بما تعملون عليم (1) افيأمر جل ثناؤه بالكتابة للمال صغيرا وكبيرا الى أجله ويكل الحكم في رقبة المال الى غيره ؟ ! ويأمر بقبض الرهان ويكل الحكم في رقبة المال الى اراء الرجال ؟ ! ويقول تبارك وتعالى: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم والله خبير بما يصنعون (2) أفيأمر بغض الابصار ويكل الحكم في الفروج الى آراء الرجال ؟ ! ويقول: قل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو ابنائهن أو ابناء بعولتهن أو اخوانهن أو بنى اخوانهن أو بنى اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ايمانهن أو التابعين غير اولى الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا الى الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون (3) وقال: يا ايها الذين آمنوا ليستاذنكم الذين ملكت ايمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلوة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلوة العشاء ثلاث


1 - آية 282 و 283 سورة البقرة. 2 - آية 30 سورة النور. 3 - آية 31 سورة النور. (*)

[ 13 ]

عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الايات والله عليم حكيم (1) أفيبين لهم هذا الصغير ليفعلوه ويغار عليهن ان يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن فيعرف عليهن (2) خلاخل أو جلاجل وان يرى احد حليهن ونحورهن أو شعورهن ومحاسنهن ويكل الحكم في فروجهن الى المأمورين بغض الابصار والمنهيين عن النظر من ذلك الى ما نهى عنه ؟ ! والله لو اردتم ان تعيبوا رجلا فتبلغوا الغاية في تجهيله وقلة معرفته فيما يأتي ويذر فقلتم: انه يأمر بالصغير ويهمل الكبير ويتولى الامر في صغار الامور ويكل كبيرها الى عبيده، لكنتم قد بلغتم الغاية في تجهيله ولقد نحلتم الله جل ثناؤه ذلك فكيف تأنفون من هذه الخصلة وتنفونها عن انفسكم (3) وقد نحلتموها ربكم ثم كذلك ما أمر الله به جل ثناؤه من المواريث في كتابه وأموال اليتامى والفروج ورق الرقاب والدماء والطلاق وكل الحكم فانظروا الى طعنكم على الله وعلى رسوله والى انتسابكم الى الجماعة والسنة والله ما قال المشركون: ليس في السماء إله، ولقد اقروا بربويته الا انهم قالوا لالهتهم: ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى (4) وكذلك قلتم ما أطعنا هؤلاء الا ليقربنا طاعتهم الى الله فيما أمرونا به ونهونا عنه فيما لم يأمر الله به ولا نهى عنه هو ولا رسوله، فزعمتم ان طاعتكم تقربكم الى الله زلفى وانتم تقرؤن كتاب الله وهو يقول: فاصبر لحكم ربك فلا تكن كصاحب الحوت (5) واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا (6) فوالله ما صبرتم لحكم الله ولقد صيرتم الحكم لغيره والله يقول: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (7) والله يقول: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى


1 - آية 59 سورة النور. 2 - في الاصل: " عليهم ". 3 - في الاصل: " لتنفوا هذه الخصلة عن انفسكم وتأنفوا منها " والتصحيح من نسخ الايضاح لكن في نسخة منها: " اتنفونها عن انفسكم وتأنفون منها ". 4 - من آية 3 سورة الزمر. 5 - صدر آية 48 سورة القلم. 6 - صدر آية 48 سورة الطور. 7 - ذيل آية 50 سورة المائدة. (*)

[ 14 ]

فريق منهم بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين (1) انما كان قول المؤمنين إذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا واطعنا واولئك هم المفلحون (2) ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فاولئك هم الفائزون (3) فكيف يدعى الناس الى الله الا ان يدعوا الى كتابه، وكيف يدعون الى رسوله الا ان يدعوا الى سنته، فإذا زعمتم ان من الحكم ما ليس في الكتاب ولا في السنة اليس قد أبطلتم دعاء الناس الى الله والى رسوله، ولو اقتصصنا كل ما فيه الاحتجاج عليكم من الكتاب لكتبنا أضعاف ما كتبنا، وفيما اقتصصنا ما يكتفى به من يعقل. انتهى كلام الفضل. اقول: لما كان اهل الخلاف المتسمين بالسنة جاهلين بالكتاب والسنة منكرين لفضل ائمة الحق عليهم السلام اضطروا الى القول بالرأي والاجتهاد وانكار كون أحكام الشرع كلها مبينة في الكتاب والسنة فانهم انفوا ان لا يعلموها، وأيضا فان ائمتهم كانوا مجتهدين في الاحكام لانهم كانوا اصحاب اغراض واهواء فكانوا يتبعونهم في ذلك واما الشيعة فلعلم ائمتهم عليهم السلام بجميع احكام الشرع وتبليغهم اكثر الاحكام إليهم لم يحتاجوا الى ذلك ولم يأنفوا من رد بعض الاحكام الى ائمتهم عليهم السلام. ومما يدل على ان ائمة اهل الخلاف سنوا لهم الاجتهاد والقول بالرأى ما قاله ابن ابى الحديد من علمائهم في شرحه لنهج البلاغة فانه قال عند رده على من زعم ان عمر كان احسن سياسة واصح تدبيرا في الحروب وغيرها من امير المؤمنين عليه السلام ما محصله: ان امير المؤمنين (ع) كان مقيدا بقيود الشريعة ملتزما لاتباعها وان عمر كان مجتهدا يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ويرى تخصيص عمومات النصوص بالاراء والاستنباط من اصول تقتضي خلاف ما يقتضيه عموم النصوص، ويكيد خصمه ويأمر امراءه بالكيد والحيلة، ويؤدب بالدرة والسوط من يغلب على ظنه أنه يستوجب


1 - آية 47 سورة النور. 2 و 3 - آية 51 و 52 سورة النور. (*)

[ 15 ]

ذلك ويصفح عن آخرين قد اجترموا ما يستوجبون به التأديب، كل ذلك بقوة اجتهاده وما يؤديه إليه نظره ولم يكن امير المؤمنين (ع) يرى ذلك، وكان يقف مع النصوص والظواهر ولا يتعداها الى الاجتهاد والاقيسة، ويطبق امور الدنيا على امور الدين، ويسوق الكل مسوقا واحدا، ولا يضع ولا يرفع الا بالكتاب والنص فاختلف طريقاهما في الخلافة والسياسة، الى آخر ما قاله في ذلك أخذنا منه موضع الحاجة. فصل قال الواقدي: ما فرطنا في الكتاب من شئ أي ما تركنا شيئا لم نبينه لان معنى التفريط يعود الى التقصير عن التقويم فيما يحتاج الى التقويم فيه وما خفى على الناس فلم يعرفوا فيه دلالة فذلك لقصور علمهم. قال: وقد استنبط ابن مسعود بدرجتين في قوله لامرأة: مالي لا العن من لعنه الله في كتابه ؟ ! فقالت: يا بن ام عبد تلوت البارحة ما بين الدفتين فلم أجد فيه لعن الواشمة فقال: لو تلوتيه وجدتيه قال الله تعالى: ما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فان رسول الله صلى الله عليه وآله لعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة. اقول: كون وجوب الاخذ بأوامر النبي (ص) ونواهيه في القرآن لا يستلزم ان يكون جميع اوامره ونواهيه فيه وليس هذا من معنى " ما فرطنا في الكتاب من شئ " في شئ بل لابد ولا اقل من ان يكون في القرآن احكام كلية يترتب عليها فروع جزئية من غير واسطة محتاجة الى الثبوت بل مطلقا حتى يصح ان يقال: ان تلك الفروع في القرآن كما مر في حديث القيل والقال وكثرة السؤال وفساد المال (1)، وكما يؤثر ان مولانا الحسن عليه السلام تلا قوله عز وجل: ولا رطب ولا يابس ألا في كتاب مبين، فقال له معاوية: اين قصة لحيتك ولحيتي في الكتاب ؟ - وقد كان الحسن (ع) حسن اللحية وكان معاوية قبيحها، فقال (ع): قوله عز وجل: والبلد الطيب يخرج نباته بأذن ربه والذي خبث لا يخرج الا نكدا (2)، ولو استنبط لعن الواشمة واخواتها من قوله عز وجل حكاية عن ابليس اللعين:


1 - انظر ص 3، س 19. 2 - صدر آية 58 سورة الاعراف. (*)

[ 16 ]

ولامرنهم فليغيرن خلق الله، لكان اقرب. قال بعض المحققين ما ملخصه (1): ان العلم بالشئ اما يستفاد من الحس برؤية أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد أو نحو ذلك ومثل هذا العلم لا يكون الا متغيرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط لانه انما يتعلق بالشئ في زمان وجوده علم، وقبل وجوده علم آخر، وبعد وجوده علم ثالث وهكذا كعلوم اكثر الناس، واما ما يستفاد من مباديه واسبابه وغاياته علما واحدا كليا بسيطا محيطا على وجه عقلي غير متغير فانه ما من شئ الا وله سبب ولسببه سبب وهكذا الى ان ينتهي الى مسبب الاسباب وكل ما عرف سببه من حيث يقتضيه ويوجبه فلابد وان يعرف ذلك الشئ علما ضروريا دائما فمن عرف الله تعالى بأوصافه الكمالية ونعوته الجلالية وعرف أنه مبدء كل وجود وفاعل كل فيض وجود وعرف ملائكته المقربين ثم ملائكته المدبرين المسخرين للاغراض الكلية العقلية بالعبادات الدائمة والنسك المستمرة من غير فتور ولغوب الموجبة لان يترشح عنها صور الكائنات كل ذلك على الترتيب السببي والمسببي فيحيط علمه بكل الامور واحوالها ولو احقها علما بريئا من التغيير والشك


1 - قال المصنف (ره) في المقدمة السابعة من مقدمات تفسيره المسمى بالصافي ما نصه: " قال بعض اهل المعرفة ما ملخصه: ان العلم بالشئ (وساق الكلام الى آخره وقال) انتهى كلامه اعلى الله مقامه " وقال في الجزء الاول من الوافي في باب " انه ليس شئ مما يحتاج إليه الناس الا وقد جاء فيه كتاب أو سنة " في بيان له يتعلق بمعنى الحديث الاول ما نصه: " قال استادنا قدس سره ما ملخصه: ان العلم بالشئ (فساق الكلام الى آخره قائلا بعده: انتهى كلامه اعلى الله تعالى مقامه، ص 49 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية) فعلم ان المراد به صدر المتألهين ومأخذ المصنف (ره) كلام استاده في شرح اصول الكافي في شرح الحديث العاشر من باب الرد الى الكتاب والسنة وكذا كلامه في شرح الحديث السادس من ذلك الباب فهو ملفق من تلخيص كلامين لاستاده فمن اراد المراجعة فليراجع ص 202 وص 206. (*)

[ 17 ]

والغلط، فيعلم من الاوائل الثواني ومن الكليات الجزئيات المترتبة عليها، ومن البسائط - المركبات، ويعلم حقيقة الانسان وأحواله وما يكملها ويزكيها ويسعدها ويصعدها الى عالم - القدس، وما يدنسها ويرديها ويشقيها ويهويها الى اسفل السافلين علما ثابتا غير قابل للتغير ولا محتملا لتطرق الريب فيعلم الامور الجزئية من حيث هي دائمة كلية ومن حيث لا كثرة فيه ولا تغير وان كانت هي كثيرة متغيرة في أنفسنا وبقياس بعضها الى بعض وهكذا كعلم الله سبحانه بالاشياء وعلم ملائكته المقربين وعلوم الانبياء عليهم السلام بأحوال الموجودات الماضية والمستقبلية، وعلم ما كان وعلم ما سيكون الى يوم القيامة من هذا القبيل، فانه علم كلي ثابت غير متجدد بتجدد المعلومات ولا متكثر بتكثرها، ومن عرف كيفية هذا العلم عرف معنى قوله عز وجل: وفيه تبيان كل شئ، ويصدق بأن جميع العلوم والمعاني في القرآن الكريم عرفانا حقيقيا وتصديقا يقينيا على بصيرة لا على وجه التقليد والسماع ونحوهما إذ ما من امر من الامور الا وهو مذكور في القرآن اما بنفسه أو بمقوماته واسبابه ومباديه وغاياته ولا يتمكن من فهم آيات القرآن وعجائب اسراره وما يلزمها من الاحكام والعلوم التي لا تناهي الا من كان علمه بالاشياء من هذا القبيل. فصل قال بعض الفضلاء (1): من المعلوم عند اولي الالباب ان الاحاديث الشريفة ناطقة بأن كل واقعة تحتاج إليها الامة الى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي عن الله تعالى فلم يبق شئ على مجرد اباحته الاصلية فالتمسك بالبراءة الاصلية لا يجوز في نفس (2) أحكامه تعالى. اقول: هذا انما يصح بالنسبة الى من خصه الله بفهم جميع الاحكام من القرآن


1 - المراد من هذا البعض هو العالم الجليل المولى محمد امين الاسترابادي قدس الله تربته الزكية، والكلام مذكور في فوائده المدنية (106 من النسخة المطبوعة). 2 - في الفوائد المدنية: " نفى ". (*)

[ 18 ]

كالائمة المعصومين عليهم السلام ومن تمكن من الاخذ عنهم مشافهة دون جمهور الناس ولهذا قال امير المؤمنين عليه السلام في الحديث السابق: " فاستنطقوه " مشيرا الى انه لا يفهم لسانه الا اهل الله خاصة ثم قال: ولن ينطق لكم، لعدم السمع الباطني والاذن القلبية (1) فيكم، ثم بين انه (ع) لسان الله الناطق عن كتبه للخلق، المخبر عن اسرار القرآن ومكنوناته فقال: اخبركم عنه، وقال: لو سألتموني لعلمتكم، الى غير ذلك مما يدل على هذا المعنى كما يأتي في الاصل الثاني فلا سبيل الى فهم معاني القرآن والقطع باحكامه لجمهور الناس الا من جهتهم عليه السلام، اما في مثل هذا الزمان فلا خطاب قطعي في حكم من الاحكام المختلف فيها الا بالنسبة الى من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب والاذن القلبية (2) والسمع الباطني لسماع القرآن وفهمه دون غيره من الناس لان اخبار الاحاد لا تفيد الا ظنا مع أنها لا تفي بجميع الاحكام كما هو ظاهر. وايضا: فان اكثرها كالقرآن في الدلالة الاجمالية وعدم التنصيص وقبولها لتخالف الافهام فيها، واما التمسك بالبراءة الاصلية ففيه تحقيق ذكره المحقق الحلي رحمه الله في اوائل كتاب المعتبر فانه قال (3): ويقال: عدم الدليل على كذا فيجب انتفاؤه وهذا يصح فيما يعلم انه لو كان هناك دليل لظفر به اما لا مع ذلك فانه يجب التوقف ولا يكون ذلك الاستدلال حجة ومنه القول بالاباحة لعدم الوجوب والحظر، انتهى كلامه رحمه الله.


1 و 2 - في الاصل: " القلبي " في كلا الموردين. 3 - هو مذكور في اوائل المعتبر في اواخر الفصل الثالث من المقدمة ضمن ما ذكر تحت عنوان " واما الاستصحاب فاقسامه ثلاثة (الى ان قال): الثاني ان يقال: عدم الدليل على كذا (الى آخر الكلام) " انظر ص 8 من النسخة المطبوعة بايران سنة 1315، ونقله الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية (انظر 140 من النسخة المطبوعة). (*)

[ 19 ]

وقال في كتابه في الاصول (1): اعلم ان الاصل خلو الذمة عن الشواغل الشرعية فإذا ادعى مدع حكما شرعيا جاز لخصمه ان يتمسك في انتفائه بالبراءة الاصلية فيقول: لو كان ذلك الحكم ثابتا لكان عليه دلالة شرعية لكن ليست كذلك فيجب نفيه، ولا يتم هذا الدليل الا ببيان مقدمتين: احداهما انه لا دليل عليه شرعا بان يضبط طرق الاستدلالات الشرعية ويبين عدم دلالتها عليه، والثانية ان يبين انه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه احدى تلك الدلائل لانه لو لم يكن عليه دلالة لزم التكليف بما لا طريق للمكلف الى العلم به وهو تكليف بما لا يطاق، ولو كان عليه دلالة غير تلك الادلة لما كانت ادلة الشرع منحصرة فيها لكن بينا انحصار الاحكام في تلك الطرق، وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم، انتهى كلامه (2). واقول: هذا انما يصح إذا اريد بنفي الحكم نفيه بالنسبة الينا اي عدم كوننا مكلفين به مع عدم العلم لامتناع تكليف ما لا يطاق، واما إذا اريد به نفيه في الواقع فهو غير صحيح لجواز ان يكون الحكم ثابتا في الواقع وان لم يصل الينا ولا نكون مكلفين به حتى يصل الينا كما ورد في الاخبار: ان الناس في سعة مما لا يعلمون حتى يعلموا، فالتحقيق ان التمسك باصالة البراءة انما يصح في العمليات المحضة دون العلميات اعني لا يجوز لنا الافتاء


1 - يريد به كتابه المعروف بمعارج الاصول والكلام مذكور فيه (ص 151 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1310) وهو مذكور في الفوائد المدنية نقلا عن الكتاب المذكور (انظر ص 140). 2 - اورد الامين الاسترابادي الكلامين كليهما في الفوائد المدنية وقال بعدهما: " وانا اقول: لقد احسن واجاد المحقق الحلي فيما نقلناه عنه، وما رأيت فقيها يكون حكيما بعد السيد المرتضى ورئيس الطائفة قدس الله سرهما الا اياه، يشهد بذلك من تتبع كلامه في الاصول وفي كتاب المعتبر وكلام غيره من المتأخرين وتحقيق كلامه (الى آخر ما قال) ومن اراده فليراجع الفوائد المدينة (ص 140). (*)

[ 20 ]

والحكم بالبراءة وان جاز ان يقال: انه لا يجب علينا الاخذ به لانه غير ثابت لنا، أو نحن في سعة منه حتى يتبين، أو نحو ذلك، وكأنه الى هذا اشار الفاضل المذكور بقوله: ولا - يجوز التمسك بها في نفس أحكامه تعالى، يعني يجوز في متعلقات أحكامه تعالى كما صرح به في موضع آخر، ويؤيد هذا اختلاف مراتب الناس في مقدار تتبع الادلة في الوصول إليها وعدمه مع ان ما ورد عن اهل البيت عليهم السلام من ان حكم الله سبحانه واحد في كل قضية وان من اصابه فقد اصاب الحق ومن أخطأه فقد أخطأ الحق وعليه الوزر في فتياه لا ينفى الحكم في الواقع بمجرد أصالة البراءة، كما يأتي في الاصل السابع تحقيقه، وعلى هذا المعنى يحمل ما رواه الصدوق رحمه الله في الفقيه عن الصادق عليه السلام: ان كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى، أي مطلق لكم وموسع عليكم حتى يصل اليكم نهى لا ان الاطلاق حكم الله في الواقع، وبهذا التحقيق يتحقق الجمع بين كثير من الايات والاخبار المختلفة بحسب الظاهر في الاصول الاتية كما ستطلع عليه ان شاء الله بل يتحقق محاكمة دقيقة بين المخطئة والمصوبة كما يظهر عند التأمل الصادق، ويمكن استنباط هذا الحكم اي جواز التمسك باصالة البراءة في العمليات من القرآن من قوله عز وجل: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون (1) ونحوها من الايات مما يؤدى مؤداها. الاصل الثاني في انه لا يعلم علم الكتاب والسنة كله الا من يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه، والتأويل من الظاهر، والمقيد من المطلق، والعام من الخاص، الى غير ذلك من الاحكام كلها ولا يعلم ذلك كله الا النبي (ص) ومن أخذ علمه من الله تعالى بواسطته من عترته


1 - صدر آية 115 سورة التوبة. (*)

[ 21 ]

المعصومين واوصيائه المطهرين خلفا بعد سلف، واما من يحذو حذوهم من شيعتهم الكاملين فانما يعلمون من ذلك بقدر قربهم منهم ومتابعتهم لهم على اختلاف مراتبهم في ذلك، وتفاوت درجاتهم في العلم والحكمة، وقرب علمهم من الكلية والوحدة والبساطة والجمعية، وزيادة رسوخهم في العلم، قال الله عز وجل: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات (الى قوله (1)) وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم وقال تعالى: ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (2) وقال عز وجل: فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون (3) وقال: بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم (4) وقال: ومن عنده علم الكتاب (5)، الى غير ذلك. وفي آخر روضة الكافي انه خطب امير المؤمنين عليه السلام بذي قار وذكر خطبة طويلة (الى ان قال (6)): ان علم القرآن ليس يعلم ما هو الا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله، وبصر به عماه، وسمع به صممه، وأدرك به علم ما فات، وحيى به بعد إذ مات، واثبت عند الله الحسنات، ومحابه السيئات، وادرك به رضوانا من الله تعالى فاطلبوا ذلك من عند اهله خاصة فانهم خاصة نور يستضاء بهم، وائمة يقتدى بهم، وهم عيش العلم وموت الجهل، هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم، وصمتهم عن منطقهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الدين، ولا - يختلفون فيه، الحديث (6). وقال لقاض: هل تعرف الناسخ من المنسوخ ؟ - قال: لا، قال:


1 - اشارة الى وسط الاية وهو: " فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " (آية 7 سورة آل عمران). 2 - من آية 83 سورة النساء. 3 - ذيل آية 43 سورة النحل. 4 - صدر آية 49 سورة العنكبوت 5 - ذيل آية 43 سورة الرعد. 6 - هذه الخطبة في اواخر روضة الكافي (انظر مرآة العقول، ج 4 ص 435 - 434). (*)

[ 22 ]

فهل اشرفت على مراد الله في امثال القرآن ؟ - قال: لا، قال: إذا هلكت واهلكت (1). وباسنادهما عن ابي جعفر (ع) قال: ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله اعلم، ان الرجل لينتزع آية من القرآن يخر فيها (2) ابعد ما بين السماء والارض (3). وباسنادهما عن ابي - عبد الله (ع) قال: سمعت ابي يقول: ما ضرب الرجل القرآن بعضه ببعض الا كفر (4). وفي الكافي باسناده عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على ابي جعفر (ع) فقال: يا قتادة انك فقيه أهل البصرة ؟ - فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفر (ع): بلغني انك


1 - هو مذكور في مصباح الشريعة في الباب الثالث والستين وهو باب الفتيا ونص العبارة فيه " قال امير المؤمنين علي (ع) لقاض " الحديث (انظر 42 من طبعة المصطفوي). 2 - (بالخاء المعجمة وتشديد الراء على انه مضارع من خر، وعلى ان " فيها " مركب من في حرف الجر ومن ها وهي ضمير يرجع الى الاية) و " يحرفها " تصحيف كما نبه عليه في الوافي (ج 1 ص 38). 3 - هو في اصول الكافي في باب النهي عن القول بغير علم، (انظر مرآة العقول، ج 1، ص 29) وفي محاسن البرقي، كتاب مصابيح الظلم في باب النهي عن القول بغير علم، (انظر ص 206 من الطبعة الاولى منه) ونقله المجلسي (ره) ايضا في المجلد الاول من البحار في باب النهي عن القول بغير علم واورد له بيانا (ص 111 من طبعة امين الضرب) فالضمير في " باسنادهما " في المتن يرجع الى البرقي والكليني وان لم يسبق لهما ذكر. 4 - قال المصنف (ره) في المقدمة الخامسة من تفسيره الصافي " وفيه (أي في تفسير العياشي) وفي الكافي عن الصادق عن ابيه (ع) قال: ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض الا كفر اقول: لعل المراد بضرب بعضه ببعض تأويل بعض متشابهاته الى بعض بمقتضى الهوى من دون سماع من اهله أو نور وهدى من الله، ولا يخفى ان هذه الاخبار تناقض بظواهرها ما مضى في المقدمة الاولى من الامر بالاعتصام بحبل القرآن والتماس غرائبه وطلب عجائبه والتعمق في بطونه والتفكر في تخومه وجولان البصر فيه وتبليغ النظر الى معانيه فلابد من التوفيق والجمع فنقول وبالله التوفيق " فخاض في ايراد كلام مفصل في وجه الجمع فمن اراده فليراجع الصافي فان المقام لا يسعه فعلم ان المراد بالضمير في قوله (ره) " باسنادهما " العياشي والكليني رضوان الله عليهما وهو مذكور في محاسن البرقي ايضا (ص 312 من النسخة المطبوعة) والحديث مذكور في باب النوادر من كتاب فضل القرآن من اصول الكافي (ج 2 مرآة العقول ص 535). (*)

[ 23 ]

تفسير القرآن ؟ - قال له قتادة: نعم، فقال أبو جعفر (ع): فان كنت تفسره بعلم فأنت أنت، وان كنت فسرت من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، ويحك يا قتادة انما يعرف القرآن من خوطب به (1) الحديث، وروى في المجالس بسند حسن عن الرضا عليه السلام عن ابيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني (2) وفي كتاب المحاسن لاحمد بن محمد البرقي باسناده عن عبد الله بن شبرمة (3) ورواه في الكافي أيضا عنه قال: ما أذكر حديثا سمعت من جعفر بن محمد الا كاد ان يتصدع قلبي، قال أبي عن جدى عن رسول الله (ص) قال ابن شبرمة: واقسم بالله ما كذب أبوه على جده، ولا كذب جده على رسول الله (ص)، فقال: قال رسول - الله (2): من عمل بالقياس فقد هلك وأهلك، ومن أفتى الناس وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ، والمحكم من المتشابه، فقد هلك واهلك (4). وفي المحاسن في أوائل العلل عن


1 - قال المصنف (ره) في اواخر المقدمة الثانية من مقدمات تفسيره المسمى بالصافي " وفي الكافي باسناده عن زيد الشحام قال: دخل قتادة بن دعامة على ابي جعفر (ع) فقال: يا قتادة انت فقيه اهل البصرة ؟ " " فذكر الحديث بطوله واورد كلاما مفصلا في بيانه فمن اراده فليراجع هناك وهو مذكور في روضة الكافي (وهو الحديث الخامس والثمانون بعد الاربعمائة ج 4 - مراة العقول، ص 397). 2 - انظر امالي الصدوق: المجلس الثاني وسنده هكذا: " حدثنا محمد بن موسى المتوكل رحمه الله قال: حدثنا علي بن ابراهيم بن هاشم قال: حدثنا ابي عن الريان بن الصلت عن علي بن موسى الرضا عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (ع) قال رسول الله (ص): قال الله عز وجل (الحديث) " اقول نقله الشيخ الحر (ره) في الوسائل في كتاب القضاء في باب عدم جواز القضاء والحكم بالرأى في نفس الاحكام الشرعية عن كتابي التوحيد وعيون الاخبار للصدوق ايضا وهو الحديث الرابع والعشرون من الباب المذكور (انظر ج 2 من طبعة امير بهادر ص 372). 3 - هو في كتاب مصابيح الظلم من المحاسن (انظر ص 206، حديث 61). 4 - هو الحديث التاسع من باب النهي عن القول بغير علم من اصول الكافي (انظرمرآة العقول ج 1: ص 29). (*)

[ 24 ]

جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شئ من التفسير فأجابني ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت له: جعلت فداك كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم ؟ - فقال: يا جابر ان للقرآن بطنا، وللبطن بطنا، وله ظهر وللظهر ظهر يا جابر ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، ان الاية يكون أولها في شئ وآخرها في شئ وهو كلام مفصل منصرف على وجوه (1) وفي الكافي في الصحيح عنه عليه السلام قال: تعلموا العلم وعلموه اخوانكم كما علمكموه العلماء (2)، وعن ابي عبد الله (ع): انظروا علمكم هذا عمن تأخذونه ؟ ! فان فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف - الغالين وابطال المبطلين وتأويل الجاهلين (3). وفي روضة الكافي بأسناد متعددة عن ابي - عبد الله عليه السلام في رسالة طويلة له (4) قال (ع): ايتها العصابة المرحومة المفلحة ان الله أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا انه ليس من علم الله ولا من امره ان ياخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا برأى ولا مقائيس وقد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل للقرآن وتعلم القرآن اهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه ان يأخذوا فيه بهوى ولا رأى ولا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله اكرمهم بها وهم اهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم


1 - هو الحديث الخامس من كتاب العلل من المحاسن (انظر ص). 300). 2 - في باب ثواب العالم والمتعلم من اصول الكافي (ص 25 ج 1 مرآة العقول) بعد ذكر السند " عن ابي جعفر (ع) قال: ان الذي يعلم العلم منكم له اجر مثل اجر المتعلم وله الفضل عليه فتعلموا، (الحديث) ". 3 - هو ذيل حديث في باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء من اصول الكافي (ص 23 ج 1 مرآة العقول). 4 - هذه الرسالة اول حديث من كتاب الروضة والعبارة في أوائل الثلث الاول منه (راجع ص 249 من المجلد الرابع من مرآة العقول). (*)

[ 25 ]

وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله ان يصدقهم ويتبع اثرهم ارشدوه واعطوه من علم - القرآن ما يهتدى به الى الله باذنه والى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة، فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله القرآن ووضعه عندهم وأمرهم بسؤالهم، واولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا اهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا اهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، وجعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما، وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة اهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله (ص) قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عز وجل رسوله يسعنا ان نأخذ بما اجتمع عليه رأى الناس بعد قبض الله رسوله (ص) وبعد عهد الله الذي عهده الينا وأمرنا به مخالفة لله ولرسوله فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم ان ذلك يسعه، والله ان لله على خلقه ان يطيعوه ويتبعوا امره في حيوة محمد صلى الله عليه وآله وبعد موته، الحديث بطوله. وفى هذا الحديث (1): واتبعوا آثار رسول الله وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا اهواءكم وآراءكم فتضلوا فان أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله. وفيه ايضا: ايتها العصابة الحافظ الله لهم امرهم عليكم بآثار رسول الله (ص) وسنته وآثار الائمة الهداة من اهل بيت رسول الله عليهم السلام من بعده وسنتهم، فانه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل لانهم هم الذين امر الله بطاعتهم وولايتهم. وفي المحاسن باسناده عن ابي عبد الله (ع) انه قال في رسالة (2) وأما ما سألت من


1 - ص 250 ج 4 مرآة العقول، سطر 7 من الحاشية. 2 - هو الحديث السادس والخمسون من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن (انظر باب انه انزل الله القرآن تبيانا لكل شئ، ص 268 من النسخة المطبوعة بطهران بتصحيح المحدث). (*)

[ 26 ]

القرآن فذلك أيضا من خطراتك المتفاوته المختلفة لان القرآن ليس على ما ذكرت و كلما سمعت فمعناه غير ما ذهبت إليه، وانما القرآن امثال لقوم يعلمون دون غيرهم ولقوم يتلونه حق تلاوته، وهم الذين يؤمنون به ويعرفونه، واما غيرهم فما أشد استشكاله عليهم وابعده عن مذاهب قلوبهم وكذلك قال رسول الله (ص): انه ليس شئ بأبعد في قلوب الرجال من تفسير القرآن، وفي ذلك تحير الخلائق أجمعون الا من شاء الله وانما أراد الله بتبعيته في ذلك ان ينتهوا الى بابه وصراطه، وان يعبدوه وينتهوا في قوله الى طاعة القوام بكتابه والناطقين عن أمره، وان يستنبطوا ما احتاجوا إليه من ذلك عنهم لا عن انفسهم، ثم قال: ولو ردوه الى الرسول والى اولى الامر منهم لعلمه الذين يستبطونه منهم، فأما عن غيرهم فليس يعلم ذلك ابدا ولا يوجد وقد علمت أنه لا يستقيم ان يكون الخلق كلهم ولاة الامر إذا لا يجدون من يأتمرون عليه ولا من يبلغونه أمر الله ونهيه فجعل الله الولاة خواص ليقتدى بهم من لم يخصصهم بذلك فافهم ذلك ان شاء الله، واياك وتلاوة القرآن برأيك فان الناس غير مشتركين في علمه كاشتراكهم فيما سواه من الامور، ولا قادرين عليه ولا على تأويله الا من حده وبابه الذي جعل الله له فافهم ان شاء الله، واطلب الامر من مكانه تجده ان شاء الله، واطلب الامر من مكانه تجده ان شاء الله. اقول: تكريره (ع) قوله " فافهم " اشارة الى ان العالم بذلك كله كما ينبغي هم عليهم السلام خاصة ويدل عليه من الاخبار غير ما ذكر ما لا يحصى ولنشر الى قليل منها، ففي الاحتجاج للشيخ ابي منصور الطبرسي رحمه الله في احتجاج النبي (ص) يوم الغدير على تفسير كتاب الله والداعي إليه (1): الا ان الحلال والحرام اكثر من ان احصيهما واعرفهما وآمر بالحلال وأنهى عن الحرام في مقام واحد فأمرت ان آخذ البيعة عليكم والصفقة منكم


1 - انظر اوائل كتاب الاحتجاج ص 36 - 29 من النسخة المطبوعة سنة 1286 بتبريز لكن لا يخفى عليك ان العبارة ملفقة من فقرتين من هذه الخطبة (انظر ص 32 سطر 25 - 24 وص 35، س 6 - 5). (*)

[ 27 ]

بقبول ما جئت به عن الله عز وجل في علي أمير المؤمنين والائمة من بعده: يا معاشر الناس تدبروا القرآن وافهموا آياته، وانظروا في محكماته، ولا تنظروا في متشابهاته، فوالله لن يبين لكم زواجره ولا يوضح لكم تفسيره الا الذي أنا آخذ بيده، وفيه في احتجاج أمير المؤمنين (ع) على المهاجرين والانصار حكاية عن النبي (ص): ايها الناس علي بن ابي طالب فيكم بمنزلتي فقلدوه دينكم، وأطيعوه في جميع اموركم فان عنده جميع ما علمني الله عز وجل من علمه وحكمه، فاسألوه وتعلموا منه ومن أوصيائه بعده (1). وفي البصائر باسناده عن امير المؤمنين عليه السلام (2) قال: كنت إذا سألت رسول الله (ص) أجابني وان ذهبت مسائلي ابتدأني، فما انزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا ارض ولا دنيا ولا آخرة الا أقرأنيها وأملاها على وكتبها بيدي، وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها وكيف نزلت وأين نزلت وفيمن نزلت الى يوم القيامة، ودعا الله ان يعطيني فهما وحفظا فما نسيت آية من كتاب الله، ولا على من، نزلت. وفى الكافي في باب اختلاف الحديث عن سليم بن قيس الهلالي عنه عليه السلام ما يقرب منه، مع بيانات واضحة في سبب الاختلاف فليطلب منه (3). وفي البصائر باسناده عن أبي جعفر (ع) قال: تفسير


1 - في الاحتجاج الذي طبع بتبريز سنة 1286 ضمن احتجاج امير المؤمنين علي (ع) على جماعة كثيرة من المهاجرين والانصار (انظر ص 73 س 21 - 20) " ايها الناس قد بينت مفزعكم بعدي وامامكم ودليلكم وهاديكم وهو اخي علي بن ابي طالب وهو فيكم بمنزلتي فيكم فقلدوه دينكم، الحديث ". 2 - في بصائر الدرجات المطبوع سنة 1285 في الباب الثامن من الجزء الرابع المعنون بانه " باب في ان عليا علم كلما انزل على رسول الله (ص) في ليل أو نهار أو حضر أو سفر " المنطبق على صفحة 63 منه: " حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن اسلم عن ابن اذينة عن ابان عن سليم بن قيس عن امير المؤمنين (ع) قال: كنت إذا سألت (الحديث) ". 3 - انظر آخر الحديث الاول من احاديث باب اختلاف الحديث من كتاب اصول الكافي (مرآة العقول ج 1 ص 43 - 42). (*)

[ 28 ]

القرآن على سبعة أوجه: منه ما كان ومنه ما لم يكن بعد، ذلك تعرفه الائمة عليهم السلام (1) وباسناده قال (ع): ان هذا العلم انتهى الى في القرآن ثم جمع أصابعه ثم قال: بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم (2). وفي الكافي باسناده عنه (ع) قيل له: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال: ايانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا (3) وفيه باسناده عنه (ع): نحن المخصوصون في كتاب الله ونحن الذين اصطفانا الله وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ (4) وعن أحدهما (ع) قال: رسول الله (ص) أفضل الراسخين في العلم فقد علمه الله عز وجل ما أنزل من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، واوصياؤه من بعده يعلمون كله، والقرآن خاص وعام ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ فالراسخون في العلم يعلمونه (5). وعن ابي عبد الله (ع): الراسخون في العلم أمير المؤمنين والائمة من بعده (6) وباسناده عن ابي الصباح قال: والله لقد قال لي جعفر بن


1 - في الباب السابع من الجزء الرابع من بصائر الدرجات " حدثنا الفضل عن موسى بن القاسم عن ابان عن ابن أبي عمير أو غيره عن جميل بن دراج عن زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: تفسير القرآن، (الحديث) ". 2 - في الباب الحادي عشر من الجزء الرابع من بصائر الدرجات (س 28 - 26): " حدثنا احمد ابن محمد عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد الجوهري عن محمد بن يحيى عن عبد الرحمن عن ابي جعفر (ع) قال: ان هذا العلم (الحديث) ". 3 - انظر اصول الكافي، باب انه لم يجمع علم القرآن كله الا الائمة وهو الحديث السادس (ج 1 مرآة العقول، ص 172) وله ذيل وهو " وخيرنا بعد النبي (ص) ". 4 - لم اجده في الكافي بهذه العبارة، نعم فيه في باب ان الائمة ورثوا علم النبي وجميع الانبياء والاوصياء في آخر الحديث السابع " فنحن الذين اصطفانا الله عز وجل واورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ " وفي الحديث الاول من الباب " ونحن المخصوصون في كتاب الله عز وجل (ج 1 مرآة العقول ص 168 و 169) الا انه (ره) اخذه بهذه العبارة عن الفوائد المدينة (ص 109). 5 و 6 - هما في اصول الكافي، في باب ان الراسخين في العلم هم الائمة عليهم السلام (ج 1 مرآة العقول، ص 164) وفي البصائر ايضا (في الباب العاشر من الجزء الرابع). (*)

[ 29 ]

محمد (ع): ان الله علم نبيه التنزيل والتأويل فعلمه رسول الله (ص) عليا ولي الله قال وعلمنا والله ثم قال: ما صنعتم من شئ أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم فيه في سعة (1) في البصائر باسناده عنه (ع) قال: ما يستطيع أحد ان يدعى ان عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الاوصياء (2). وفي رواية اخرى: ما ادعى أحد من الناس انه جمع القرآن كله كما أنزل الله الا كذب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل الله الا علي بن ابي طالب والائمة من بعده (3). وفي رواية عنهم عليه السلام: لو وجدنا وعاء أو مستراحا لقلنا والله المستعان (4). وباسناده عنه (ع) قال: بحسبكم ان تقولوا نعلم علم الحلال والحرام وعلم القرآن وفصل ما بين الناس (5). وفي رواية: واي شئ الحلال الحرام في جنب علم الله انما الحلال والحرام في آى يسيرة من القرآن (6) وباسناده عنه (ع) قال: قد ولدنى رسول الله (ص) وانا أعلم كتاب الله، وفيه بدأ الخلق وما هو كائن الى يوم القيامة، وفيه خبر السماء وخبر الارض، وخبر


1 - هو الحديث الخامس عشر من احاديث وجوه الايمان من فروع الكافي (ج 4 مرآة العقول ص 240). 2 و 3 - هما في بصائر الدرجات في الجزء الرابع في الباب السادس (انظر الحديث الاول والثاني) وفي اصول الكافي في باب انه لم يجمع القرآن كله الا الائمة (ج 1 مرآة العقول ص 171). 4 - هو ذيل الحديث الاول من باب ان الائمة اعطوا تفسير القرآن وهو الباب السابع من الجزء الرابع من كتاب بصائر الدرجات وكذا ذيل الحديث الثالث من باب انه لم يجمع القرآن كله الا الائمة وصدره: " ان من علم ما اوتينا تفسير القرآن واحكامه وعلم تغيير الزمان وحدثانه، إذا اراد الله بقوم خيرا اسمعهم ولو اسمع من لم يسمع لولى معرضا كأن لم يسمع ثم امسك هنيئة ثم قال ولو وجدنا (الحديث) ". 5 و 6 - هما في البصائر في باب ان الائمة اعطوا تفسير القرآن (جزء 4 باب 7) والثانية غيرت عن الاصل ونقلت بالمعنى ونص الرواية هكذا " واي شئ الحلال والحرام في جنب العلم انما الحلال والحرام في شئ يسير من القرآن. (*)

[ 30 ]

الجنة وخبر النار، وخبر ما كان وما هو كائن، أعلم ذلك كما أنظر الى كفي، ان الله يقول: فيه تبيان كل شئ (1). وباسناده الصحيح عن منصور بن حازم قال (2): قلت لا بي عبد الله عليه السلام: قلت للناس أليس تزعمون ان رسول الله (ص) كان هو الحجة من الله على خلقه ؟ - قالوا بلى، قلت: فحين مضى رسول الله (ص) من كان الحجة في خلقه ؟ - فقالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة الا بقيم فما قال فيه من شئ كان حقا فقلت لهم من قيم القرآن ؟ - فقالوا: ابن مسعود قد كان يعلم، وعمر يعلم، وحذيفة يعلم، قلت: كله ؟ - قالوا: لا، فلم أجد احدا يقال: انه يعرف ذلك كله الا عليا عليه السلام، وإذا كان الشئ بين القوم فقال هذا: لا ادرى، وقال هذا: لا ادرى، وقال هذا: انا ادري، فاشهد ان عليا (ع) كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله (ص)، وان ما قال في القرآن فهو حق ؟ - فقال: رحمك الله. وفيه (3) في باب نص الله ورسوله على الائمة واحدا فواحدا اخبار منبهة على هذا، وكذا في باب معرفة الامام والرد إليه، وفي باب ان الائمة هم الهداة، وفي تفسير قوله تعالى: فاسألوا اهل اذكر، وقوله: وانه لذكر لك ولقومك، وقوله تعالى: بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم، وغيرها، وفي اول كتاب آداب المعيشة في باب دخول الصوفية على ابي عبد الله (ع) الى غير ذلك مما لا يحصى. وصل وليعلم ان علوم الائمة عليهم السلام ليست اجتهادية ولا سمعية اخذوها من جهة


1 - نقله في الوافي (ج 1، ص 50 من الطبعة الثانية) عن الكافي مع بيان للولادة. 2 - في اصول الكافي، في باب الاضطرار الى الحجة، الحديث الثاني، (ج 1 مرآة العقول، ص 129) وله صدر، من ارادة فليراجع هناك. 3 - كأنه يريد به الكافي. (*)

[ 31 ]

الحواس بل هو لدنية أخذوها من الله سبحانه ببركة متابعة النبي (ص). قال الفاضل البحراني (1) في شرح قول امير المؤمنين (ع) انما هو تعلم من ذي علم: ان ذلك اشارة الى واسطة (2) تعليم الرسول له وهو اعداد نفسه على طول الصحبة بتعليمة وارشاده الى كيفية السلوك وأسباب التطويع والرياضة حتى استعد للانتقاش بالامور الغيبية والاخبار عنها، وليس التعليم هو ايجاد العلم وان كان امرا قد يلزمه ايجاد العلم فتبين إذا ان تعليم رسول الله (ص) له لم يكن مجرد توقيفه على الصور الجزئية بل اعداد نفسه بالقوانين الكلية ولو كانت الامور التي تلقاها عن الرسول صورا جزئية لم يحتج الى مثل دعائه في فهمه لها فان فهم الصور الجزئية امر ممكن سهل في حق من له أدنى فهم وانما يحتاج الى الدعاء واعداد الاذهان له بأنواع الاعدادات هو الامور الكلية العامة للجزئيات وكيفية انشعابها عنها وتفريعها وتفصيلها واسباب تلك الامور المعدة لادراكها، ومما يؤيد ذلك قوله (ع): علمني رسول الله (ص) الف باب من العلم فانفتح لي من كل باب الف باب، وقول الرسول (ص): أعطيت جوامع الكلم وأعطى علي جوامع العلم، والمراد بالانفتاح ليس الا التفريع واشنعاب القوانين الكلية عما هو اعم منها، وبجوامع العلم ليس الا ضوابطه وقوانينه، وفي قوله " واعطى " بالبناء للمفعول دليل ظاهر على ان المعطى لعلي جوامع العلم ليس هو النبي (ص) بل الذي اعطاه ذلك هو الذي اعطى النبي (ص) جوامع الكلم وهو الحق سبحانه وتعالى، انتهى كلامه. وسيأتي في فصول الاصل التاسع ما يؤكد هذا ويؤيده.


1 - المراد به ابن ميثم رحمه الله تعالى فانه ذكر الكلام بعينه في اواخر القاعدة الثالثة من مقدمة شرحه على نهج البلاغة (انظر ص 34 من الطبعة الاولى المطبوعة في سنة 1276). وذكره ايضا بطريق ابسط من ذلك في موضعه من شرح نهج البلاغة (ص 291 من الطبعة الاولى). 2 - كذا وفي شرح نهج البلاغة: " وساطة ". (*)

[ 32 ]

فصل قال العلامة الطبرسي في اوائل مجمع البيان (1) " روى عن ابن عباس رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار، وصح عنه (ص) من رواية العامة والخاصة انه قال: اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي اهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، وانما أحذف اسانيد هذه الاحاديث ايثارا للتخفيف ولاشتهارها عند اصحاب الاحاديث ". ثم قال (2): " واعلم ان الخبر قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الائمة القائمين مقامه عليهم السلام ان تفسير القرآن لا يجوز الا بالاثر الصحيح والنص الصريح، وروت العامة أيضا عن النبي (ع) انه قال: من فسر القرآن برأيه فاصاب الحق فقد أخطأ، قالوا: وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب وعبيدة السلماني ونافع وسالم بن عبد الله وغيرهم، والقول في ذلك ان الله سبحانه ندب الى الاستنباط واوضح السبيل إليه ومدح اقواما عليه فقال: لعلمه الذين يستبطونه منهم (3) وذم آخرين على ترك تدبره والاضراب عن التفكر فيه فقال: افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها (4) وذكر ان القرآن نزل بلسان (5) العرب فقال: انا جعلناه قرآنا عربيا (6) وقال النبي (ص): إذا جاءكم عنى حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط، فبين ان الكتاب حجة ومعروض عليه وكيف يمكن العرض


1 - المراد من الاوئل ما بعد خطبة الكتاب وقبل الخوض في مقدماته. 2 - انظر " الفن الثالث " من مقدمات الكتاب. 3 - من آية 83 سورة النساء. 4 - آية 24 سورة القتال (وتسمى ايضا سورة محمد). 5 - في مجمع البيان: " على لسان ". 6 - صدر آية 3 سورة الزخرف. (*)

[ 33 ]

عليه وهو غير مفهوم المعنى ؟ ! فهذا (1) وامثاله يدل على ان الخبر متروك الظاهر فيكون معناه ان صح أن من حمل القرآن على رأيه ولم يعمل بشواهد ألفاظه فأصاب الحق فقد أخطأ الدليل، وقد روى عن النبي (ص) انه قال: ان القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه، وروى عن عبد الله بن عباس انه قال: قسم وجوه التفسير على اربعة اقسام، تفسير لا يعذر احد بجهالته، وتفسير تعرفه العرب بكلامها، وتفسير يعلمه العلماء، تفسير لا يعلمه الا الله عز وجل، فاما الذي لا يعذر احد بجهالته فهو ما يلزم المكلف (2) من الشرائع التي في القرآن وجل دلائل التوحيد، واما الذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة وموضع (3) كلامهم، واما الذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الاحكام، واما الذي لا يعلمه الا الله فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة " (انتهى كلامه). فقال الفقيه الفاضل الاردبيلي رحمه الله (4): تحرير الكلام ان الخبر محمول على ظاهره غير متروك الظاهر وانه صحيح مضمونه على ما اعترف به في اول كلامه حيث قال: صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم * (هامش) 1 - في بعض نسخ المجمع: " بهذا ". 2 - في المجمع: " يلزمه الكافة ". 3 - في المجمع: " وموضوع ". 4 - انظر زبدة البيان في آيات احكام القرآن، والكلام في اوائل الكتاب (ص 3 طبعة 1305) وقال الامين الاسترابادي رحمه الله تعالى في الفوائد المدنية في الفصل الثامن الذي في جواب الاسئلة المتجهة على ما استفاده وقرره من كلام الائمة المعصومين عليهم السلام ومن كلام قدماء الشيعة رضوان الله عليهم ما نصه (ص 172): " السؤال الثامن عشر - ذكر الفاضل المدقق مولانا احمد الاردبيلي قدس سره في اول تفسيره لايات الاحكام: اعلم ان هنا فائدة لابد قبل الشروع في المقصود من الاشارة إليها وهي ان المشهور بين الطلبة انه لا يجوز تفسير القرآن بغير نص واثر حتى قال الشيخ أبو علي الطبرسي قدس الله سره في تفسيره الكبير: واعلم انه قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الائمة عليهم السلام ان تفسير القرآن لا يجوز (فساق الكلام الى آخره) ". (*)

[ 34 ]

وبيانه ان الشيخ ابا علي رحمه الله قال في أول تفسيره: التفسير معناه كشف المراد عن اللفظ المشكل، والتأويل رد أحد المحتملين الى ما يطابق الاخر، وقيل: التفسير كشف المغطى، والتأويل انتهاء الشئ ومصيره وما يؤل إليه أمره، وهما قريبان من الاولين فالمعنى من فسر وبين وجزم وقطع بأن المراد من اللفظ المشكل مثل المجمل والمتشابه كذا بان يحمل المشترك اللفظي مثلا على احد المعاني من غير مرجح وهو اما دليل نقلي - كالخبر المنصوص أو آية اخرى كذلك أو ظاهر أو اجماع، أو عقلي، أو المعنى المراد به أحد معانيه بخصوصه بدليل غير الدليل المذكور على فرد معين فقد أخطأ، وبالجملة المراد من التفسير الممنوع برأية بغير نص هو القطع بالمراد من اللفظ الذي غير ظاهر فيه من غير دليل بل بمجرد رأيه وميله واستحسان عقله من غير شاهد معتبر شرعا كما يوجد في كلام المبتدعين وهو ظاهر لمن تتبع كلامهم والمنع منه ظاهر عقلا والنقل كاشف عنه، وهذا المعنى غير بعيد عن الاخبار المذكورة بل ظاهرها ذلك " انتهى كلامه. وقال بعض الفضلاء (1) ان كلام هذا الفاضل الصالح نور الله مرقده ناطق بغفلته عن الاحاديث الواردة عن أهل الذكر عليهم السلام المتعلقة باصول الفقه والمتعلقة بما يجب على الناس بعد موته صلى الله عليه وآله والمتعلقة بكتاب الله والمتعلقة بكلام رسول - الله (ص) أو عدم امعان النظر فيها أو دخول شبهة عليه أوجبت طرح تلك الاحاديث أو تأويلها بزعمه وينبغي ان يحمل فعله على أحسن الوجوه التي ذكرناها لانه كان من عظماء المحققين (2) قدس الله ارواحم وتلك الاحاديث الواردة (3) مع تواترها معنى صريحة في ان استنباط الاحكام النظرية من كتاب الله ومن السنة النبوية شغلهم صلوات الله وسلامه * (هامش) 1 - يريد به المحقق الجليل المولى محمد امين الاسترابادي قدس الله تربته الزكية والكلام بعينه مذكور في فوائده المدنية (ص 175 - 173) وقال في صدر كلامه: " وانا اقول اولا: كلام الفاضل الصالح نور الله مرقده ناطق بغفلته (الى آخر الكلام) ". 2 - في الفوائد: " المقدسين ". 3 - في الفوائد: " الشريفة ". (*)

[ 35 ]

عليهم لا شغل الرعية معللا (1) بأنه (ص) بأمر الله خص امير المؤمنين (ع) وأولاده الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين بتعليم ناسخ القرآن ومنسوخه، وبتعليم ما هو المراد منه، وبتعليم ان اية آية من آيات القرآن باقية على ظاهرها واية آية منه لم تبق على ظاهرها، وبأن كثيرا من ذلك مخفى عندهم عليهم السلام، وبأن ما اشتهر بين العامة من أن كلما جاء به النبي (ص) من حكم وتفسير ونسخ وتقييد وغيرها أظهره بين يدي أصحابه وتوفرت الدواعي على أخذه ونشره ولم يقع بعده (ص) فتنة اقتضت اخفاء بعضها غير صحيح. وثانيا ان احاديثهم عليهم السلام صريحة في ان مراده تعالى من قوله: لعلمه الذين يستبطونه منهم، ومن نظائره أهل الذكر عليهم السلام خاصة لا صاحب الملكة من الرعية، واما كلام ابن عباس فمعناه واضح لا غبار عليه وهو ان معاني القرآن بعضها من ضروريات الدين يعرفه المسلمون كوجوب الصلوة والزكوة والحج اما من القرآن أو من غيره، وبعضها من ضروريات اللغة يعرفها كل عارف بها، وبعضها من النظريات التي لا يعلمها الا العلماء. (2) وفي التهذيب في باب الزيادات في القضاء والاحكام: سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن حماد، عن عاصم، قال: حدثني مولى سلمان عن عبيدة السلماني قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: يا ايها الناس اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون فان رسول الله (ص) قد قال قولا آل منه الى غيره، وقد قال قولا من وضعه غير موضعه كذب عليه، فقام عبيدة وعلقمة والاسود واناس معهم فقالوا: يا أمير المؤمنين (ع) فما نصنع بما قد خبرنا به في المصحف ؟ - فقال: يسأل عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام. وذكر عن بصائر الدرجات ايضا ما يقرب * (هامش) 1 - في الاصل: " معلنا ". 2 - في الفوائد بزيادة وهي: " واقول: الظاهر ان مراده علماء آل محمد (ع) لانه من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام والظاهر انه تكلم موافقا لما سمعه منه عليه السلام ". (*)

[ 36 ]

منه (1). وأقول: لا ينبغي ان يرتاب أحد في جواز تفسير القرآن لغير المعصومين عليهم السلام في الجملة والا لما صح قولهم في أخبار كثيرة: إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب الله، كما يأتي ذكرها، بل ما جاز لنا الانتفاع بالقرآن أصلا مع انه الثقل الاكبر الواجب الاتباع المقتدى به كما يأتي بيانه، ولما صح قوله (ص): اني تارك فيكم الثقلين، إذ على هذا التقدير انما ترك الثقل الواحد الذي هو أهل بيته خاصة بل ما ترك شيئا اصلا في مثل هذه الاعصار المتطاولة التي غاب فيها الامام غيبة منقطعة إذ احاديثهم عليهم السلام مثل القرآن منها عام وخاص، نجمل ومبين، محكم ومتشابه، تقية وحق، الى غير ذلك، فإذا لم يجز تفسير القرآن بالرأي لاشتماله على أمثال ذلك فلا يجوز تفسير كلامهم عليهم السلام أيضا لاشتراك العلة بعينها، ولما صح قوله (ص): فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن (2) وقوله (ص): القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى، واستقالة من العثرة، ونور من الظلمة، وضياء من الاجداث، وعصمة من الهلكة، ورشد من الغواية، وبيان من الفتن، وبلاغ من الدنيا الى الاخرة، وفيه كمال دينكم، و ما عدل أحد من القرآن الا الى النار، الى غير ذلك من الاخبار في هذا المعنى وهي كثيرة * (هامش) 1 - ونص عبارة الفوائد هكذا: " وفي كتاب بصائر الدرجات في باب ان الائمة عليهم - السلام اعطوا تفسير القرآن: محمد بن الحسن عن جعفر بن بشير عن عاصم قال: حدثني مولى لسلمان عن عبيدة السلماني قال: سمعته يقول: ايها الناس اتقوا الله ولا تفتوا الناس بما لا تعلمون فان رسول الله (صلعم) قد قال قولا آل منه الى غيره ومن قال قولا وضع على غير وضعه كذب عليه فقال عبيدة وعلقمة والاسود واناس معهم: يا أمير المؤمنين فما نصنع بما خبرنا في في المصحف ؟ - فقال: سلوا عن ذلك علماء آل محمد عليهم السلام ". اقول: ولكلامه ذيل فمن اراده فليراجع الكتاب (ص 175 - 174). 2 و 3 - هذان الحديثان مذكوران في المقدمة الاولى من تفسير الصافي، فراجعها. (*)

[ 37 ]

ولما جاز للفاظل المذكور الاستدلال بالايات على النهي عن اتباع الظن وامثالها كما فعله، الى غير ذلك من المفاسد، وإذا ثبت هذا فنقول: اما اخبار المنع من تفسير القرآن بغير نص واثر فيجب حملها على المتشابهات منه دون المحكمات، وكذا الاخبار الدالة على تخصيص اهل الذكر عليهم السلام بعلمه دون غيرهم، فانها ايضا محمولة على المتشابهات منه، أو على علم الكتاب (1) وذلك لوجوه من العقل والنقل، منها ان الحكم اما نص وهو لا يحتمل الخلاف، واما ظاهر والحكيم في مقام البيان والتفهيم لا يتكلم بما يريد خلاف ظاهره، والا يلزم الاغراء بالجهل. ومنها قوله عز وجل: منه آيات محكمات هن أم الكتاب واخر متشابهات (الى قوله) وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم (2) ففي تفسير علي بن ابراهيم باسناده عن الصادق عليه السلام (3) ان القرآن زاجر وآمر يأمر بالجنة ويزجر عن النار، وفيه محكم ومتشابه فأما المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به، واما المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به وهو قول الله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله (4) وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، آل محمد عليهم السلام. ومنها قوله (ص): في حديث غدير خم (5). معاشر الناس تدبروا القرآن، وافهموا آياته، وانظروا في محكماته، ولا تنظروا في متشابهاته. ومنها قول أمير المؤمنين (ع) في العهد الذي كتبه للاشتر النخعي الى مصر (6): واردد الى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب و


1 - أي كله. 2 - من آية 7 سورة آل عمران. 3 - نقله في المقدمة الرابعة من تفسيره الصافي عن تفسير العياشي. 4 - من آية 7 سورة آل عمران. 5 - قد ذكرنا فيما مر موضعه (راجع ص 27). 6 - انظر شرح ابن ابي الحديد ج 4 ص 128 من طبعة مصر، والفوائد المدنية ص 107. فليعلم ان المصنف (ره) قد اخذ غالب ما نقل في هذا الكتاب من الاحاديث من كتاب الفوائد المدنية كما يعلم بالتأمل في الكتابين لانه اكتفى بعين ما في الروايات من التلخيص وحذف الاول أو الاخر والاكتفاء من موضع الحاجة بما اكتفى به الامين الاسترابادي في الفوائد. (*)

[ 38 ]

يشتبه عليك من الامور فقد قال الله سبحانه وتعالى لقوم أحب ارشادهم: يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعو الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول فالرد الى الله الاخذ بمحكم كتابه، والرد الى الرسول الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة، الى غير ذلك من الشواهد، بل نقول: ان من المتشابهات ايضا ما يجوز ان يعلم تأويل غير المعصومين عليهم السلام أيضا من شيعتهم الكاملين ببركة متابعتهم لهم وسلوك طريقتهم والاستفادة منهم ومن روحانيتهم ومجاهدتهم في الله حق جهاده قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (1) وانما خصوا عليهم السلام بعلم جميع المتشابهات وجميع الناسخ والمنسوخ وجميع الاحكام وبالجملة بعلم الكتاب كله كما يدل عليه قول الصادق عليه السلام: ما يستطيع أحد ان يدعى ان عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الاوصياء (2). وفي حديث منصور بن حازم (3): فلم أجد أحدا يقال: انه يعرف ذلك كله الا عليا عليه السلام كما مر، الى غير ذلك مما يؤدي هذا المعنى، واما علم بعض المشتابهات فيمكن ان يوجد عند غيرهم عليهم السلام أيضا ويدل على ذلك شواهد من العقل والنقل وسنذكر بعضها في فصل [ من ] الاصل التاسع ان شاء الله كيف لا ويبعد غاية البعد حصر أكثر فوائد القرآن على عدد قليل محصورين مع ان في الايات والاخبار الكثيرة ما يدل على عموم فائدته بالنسبة الى الكاملين في الايمان، وأن بالتفكر فيه والتدبر فيه والتدبر لمعانيه يهتدى الى علوم كثيرة وروى في الكافي عن الصادق (ع) عن آبائه عليهم السلام عن النبي (ص) انه قال (4): فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فانه


1 - صدر آخر آية من سورة العنكبوت. 2 - ذكرنا موضعه فيما مر (انظر ص 29). 3 - قد اشرنا فيما سبق الى موضع نقله (انظر ص 30). 4 - هو الحديث الثاني من كتاب فضل القرآن (ج 2 مرآة العقول، ص 529) الا ان المصنف (ره) لم يذكر اوله وسنده وهما هكذا " علي بن ابراهيم عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله عن آبائه قال: وقال رسول الله: ايها الناس انكم في دار هدنة وانتم = (*)

[ 39 ]

شافع مشفع وماحل مصدق ومن جعله امامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه الى النار، وهو دليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب ويخلص من نشب، فان التفكر حيوة قلب البصير كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعلكيم بحسن التخلص وقلة التربص (1). وفي نهج البلاغة عن امير المؤمنين عليه - السلام انه قال في خطبة له (2). ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه، وسراجا لا يخبو


= على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود فأعدوا الجهاز لبعد المجاز قال: فقام المقداد بن الاسود فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة ؟ - فقال: دار بلاغ وانقطاع فإذا التبست عليكم الفتن (الحديث) ". 1 - نقل المصنف (ره) الحديث في المقدمة الاولى من مقدمات تفسيره المسمى بالصافي وقال بعده: " اقول: ما حل أي يمحل بصاحبه إذا لم يتبع ما فيه اعني يسعى به الى الله تعالى، وقيل: معناه خصم مجادل، والانيق الحسن المعجب، والتخوم بالمثناة الفوقية والمعجمة جمع تخم بالفتح وهو منتهى الشئ، لمن عرف الصفة أي صفة التعرف وكيفية الاستنباط، والعطب الهلاك، والنشب الوقوع فيما لا مخلص منه ". 2 - ما ذكره المصنف (ره) هنا آخر خطبة مذكورة في اواخر باب المختار من خطب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج البلاغة واولها: " يعلم عجيج الوحوش في الفلوات ومعاصي العباد في الخلوات " (انظر ص 184 - 181 من طبعة تبريز) وان شئت فانظر ص 374 - 373 من شرح نهج البلاغة لابن ميثم أو راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 2 من طبعة مصر ص 568 - 566). (*)

[ 40 ]

توقدة، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه، وشعاعا لا يظلم ضوؤه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وبنيانا لا تهدم اركانه، وشفاء لا تخشى اسقامه، وعزا لا تهزم أنصاره، وحقا لا تخذل أعوانه، فهو معدن الايمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الاسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجور (1) عنها القاصدون، جعله الله تعالى ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونورا ليس معه ظلمة، وحبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وحاملا لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، الى غير ذلك من الاخبار وهي كثيرة ولعلنا نأتي ببعضها في مستأنف الكلام وعلى هذا فالمتشابه الممنوع من تأويله ما قطع وجزم بالمراد منه من غير دليل ولا شاهد بل بمجرد رأى واستحسان عقل كما قاله الفاضل الاردبيلي رحمه الله، أو يكون الممنوع منه جميع المتشابهات ولكن المنع انما هو لجمهور المتوسمين بالعلم دون الشواذ النوادر من الاحاد ممن ينطبق عليه اسم الراسخين في العلم في الجملة. قال بعض علماء العامة (2) في تحقيق هذا المقام ما ملخصه: ان قلت: كيف يجوز ان يتجاوز الانسان في تفسير القرآن المسموع وقد قال (ص):


1 - في بعض النسخ: " لا يجوز ". 2 - المراد بهذا البعض هو حجة الاسلام محمد الغزالي ومأخذ التلخيص كلامه المفصل في احياء العلوم في كتاب آداب تلاوة القرآن في الباب الرابع المعنون بعنوان " الباب الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل " (انظر ص 250 - 246 من المجلدة = (*)

[ 41 ]

من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار، وفي النهي عن ذلك آثار كثيرة. قلت: الجواب عنه من وجوه الاول - انه معارض بقوله (ص): ان للقرآن ظهرا وبطنا وحدا ومطلعا، وبقول علي (ع): الا ان يؤتى الله عبدا فهما في القرآن، ولو لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما فائدة ذلك الفهم ؟ !. الثاني - لو لم يكن غير المنقول لا اشترط ان يكون مسموعا من رسول الله (ص) وذلك مما لا يصادف الا في بعض القرآن واما ما يقوله ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من انفسهم فينبغي ان لا يقبل ويقال: هو التفسير بالرأي. الثالث - ان الصحابة والمفسرين اختلفوا في تفسير بعض الايات فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها وسماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محال فكيف يكون الكل مسموعا. الرابع - انه عليه السلام دعا لابن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه


= الاولى من طبعة المطبعة الوهبية سنة 1282). فليعلم ايضا ان المصنف (ره) قد استفاد واخذ مطالب كثيرة من هذا المبحث للغزالي واودعها المقدمة الخامسة من مقدمات تفسيره الصافي حتى انه اخذ المطلب في غالب الموارد بعين تعبير الغزالي فان شئت فراجع. وحيث نقلنا عن المصنف (ره) صدر كلامه فيما سبق (ص 22) ينبغي ان ننقل شيئا من بقيته هنا وهو قوله في المقدمة الخامسة من الصافي: " فنقول وبالله التوفيق: ان من زعم ان لا معنى للقرآن الا ما يترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة الى درجته التي هي حده ومقامه بل القرآن والاخبار والاثار تدل على ان في معاني القرآن لارباب الفهم متسعا = (*)

[ 42 ]

التأويل، فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل ومحفوظا مثله فما معنى تخصيص ابن عباس بذلك ؟ !. الخامس - قوله تعالى: لعلمه الذين يستنبطونه منهم فأثبت للعلماء استنباطا ومعلوم انه وراء المسموع. اقول: لا يخفى ان هذه المعارضات الخمس لا تتأتى على طريقتنا مع ما في رابعتها من الخلل، فان التأويل غير التفسير، وانما الممنوع منه الثاني دون الاول، إذ ليس في التأويل قطع بالمراد وفصل له في شئ فالصحيح على طريقتنا ان تعارض بما ذكرناه من الوجوه العقلية والنقلية. قال: فإذا الواجب ان يحمل النهي عن التفسير بالرأي على احد معنيين: احدهما - ان يكون للانسان في الشئ رأي واليه ميل بطبعه، فيتأول القرآن على وفق رأيه حتى لو لم يكن له ذلك الميل لما خطر ذلك التأويل له، وسواء كان ذلك الرأي مقصدا صحيحا أو غير صحيح وذلك كمن يدعو الى مجاهدة القلب القاسي فيستدل على تصحيح غرضه من القرآن بقوله تعالى: اذهب الى فرعون انه طغى، ويشير الى ان قلبه هو المراد بفرعون كما يستعمله بعض الوعاظ تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع. الثاني - ان يتسرع الى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع


= بالغا ومجالا رحبا قال الله عز وجل: افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها (الى ان قال) فالصواب ان يقال: من أخلص الانقياد لله ولرسوله واهل البيت واخذ علمه منهم وتتبع آثارهم واطلع على جملة من اسرارهم بحيث حصل له الرسوخ في العلم والطمأنينة في المعرفة وانفتح عينا قلبه وهجم به العلم على حقائق الامور وباشر روح اليقين واستلان ما استوعره المترفون وانس بما استوحش منه الجاهلون وصحب الدنيا ببدن روحه معلقة بالمحل الاعلى فله ان يستفيد من القرآن بعض غرائبه ويستفيد منه نبذا من عجائبه وليس ذلك من كرم الله بغريب ولا من جوده بعجيب فليست السعادة وقفا من = (*)

[ 43 ]

والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيها من الالفاظ المبهمة وما يتعلق به من الاختصار، والحذف والاضمار، والتقديم والتأخير، والمجاز والحقيقة، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر الى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسر بالرأي، مثاله قوله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، فالناظر الى ظاهر العربية ربما يظن ان المراد ان الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء والمعنى آية مبصرة، ثم لا يدري انهم إذا ظلموا أنفسهم أو غيرهم، ومن ذلك المنقول المنقلب كقوله تعالى: وطور سينين اي وطور سيناء، وكذلك باقي أجزاء البلاغة فكل مكتف في التفسير بظاهر العربية من غير استظهار بالنقل فهو مفسر برأية، فهذا هو المنهى عنه دون التفهم لاسرار المعاني، وظاهر ان العقل لا يكفى فيه وانما ينكشف للراسخين في العلم بقدر صفاء عقولهم وشدة استعدادهم له، وللطلب والفحص والتفهم وملاحظة الاسرار والعبر، ويكون لكل واحد منهم حد في الترقي الى درجة منه بعد الاشتراك في الظاهر، ومثاله ما فهم بعض العارفين من قوله (ص) في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصى ثناء عليك انت كما أثنيت على نفسك، أذ قيل له: اسجد واقترب، فوجد القرب في السجود فنظر الى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض فان الرضا والسخط وصفان متضادان ثم زاد قربه فاندرج القرب الاول فيه فرقى الى الذات فقال: اعوذ بك منك، ثم زاد قربه


= قوم دون أخرين وقد عدوا عليهم السلام جماعة من اصحابهم المتصفين بهذه الصفات من انفسهم كما قالوا: سلمان منا اهل البيت، فمن هذه صفته لا يبعد دخوله في الراسخين في العلم العالمين بالتأويل بل في قولهم: نحن الراسخون في العلم، كما دريت في المقدمة السابقة فلابد من تنزيل التفسير المنهى عنه على احد وجهين (فأخذ في بيان الوجهين فمن ارادهما فليطلبهما من هناك). وليعلم ايضا ان المصنف (ره) بحث عن هذا المطلب بحثا مبسوطا في المحجة البيضاء في أحياء الاحياء (انظر ج 2 من طبعة مكتبة الصدوق، ص 260 - 250). (*)

[ 44 ]

بما استحيى به على سائر القرب فالتجأ الى الثناء فأثنى بقوله: لا احصى ثناء عليك ثم علم ان ذلك قصور فقال: انت كما أثنيت على نفسك، فهذه خواطر تسنح للعارفين لاتفهم من تفسير الظاهر وليس متناقضا له، وانما هو استكمال لما تحته من الاسرار. انتهى كلامه ملخصا وهو كلام متين يتلائم به الاخبار والاثار في هذا المقام، ويصح كلام العالمين الطبرسي والاردبيلي، ويندفع عنهما اعتراض الفاضل المتأخر والحمد لله. الاصل الثالث ان من تمسك في دينه بكتاب الله عز وجل وأهل بيت نبيه صلوات الله عليهم لن يضل قط ولن يزل ومن أخذ طريقا آخر زل وضل وذلك لما دريت ان علمهما من الله سبحانه فلا يتطرق إليه ريب ولا خطأ ولا غلط ولا سهو ولا تغير، واما علم غيرهما فلا يعلم جزما كونه كذلك، قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم (1) والمراد بهم الائمة المعصومون عليهم السلام كما في الاخبار المستفيضة (2). ولان غيرهم هم غير مأمون عليه ان يأمر بخلاف أمر الله فيلزم أن يأمرنا الله بالنقيضين، تعالى عن ذلك، وعن النبي (ص) في أخبار كثيرة: اني تارك فيكم الثقلين، ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (3) وفي بعض الاخبار: من جعلهما امامه قاداه الى الجنة، ومن جعلهما خلفه ساقاه الى النار، وفي بعضها: وهما الخليفتان من بعدي، وفي رواية:


1 - صدر آية 59 سورة النساء. 2 - انظر غاية المرام، الباب الثامن والخمسين والتاسع والخمسين (ص 265 - 263). 3 - انظر غاية المرام، الباب الثامن والعشرين والتاسع والعشرين (ص 217 - 211). (*)

[ 45 ]

انه (ص) قال في حجة الوداع في مسجد الخيف: اني فرطكم وانكم واردون على الحوض حوض عرضه ما بين بصرى وصنعاء، قدحان من فضة عدد النجوم، الا واني سائلكم عن الثقلين، قالوا: يا رسول الله وما الثقلان ؟ - قال: كتاب الله الثقل الاكبر طرف بيد الله، وطرف بأيديكم فتمسكوا به لن تضلوا ولن تزلوا، وعترتي أهل بيتي فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض كإصبعي هاتين وجمع بين سبابتيه ولا أقول كهاتين وجمع بين سبابته والوسطى، فتنفصل هذه. وسئل أمير المؤمنين (ع) عن معنى الحديث من العترة فقال: انا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردا على رسول الله (ص) حوضه. رواه الصدوق في إكمال الدين (1). وعن النبي (ص): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، في أخبار كثيرة مشهورة (2). وعن أمير المؤمنين (ع) في خطبة له: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (ص) انه قال: اني وأهل بيتي مطهرون فلا تسبقوهم فتضلوا، ولا تخلفوا عنهم فتزلوا، ولا تخالفوهم فتجهلوا، ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم كبارا وأحلم الناس صغارا، فاتبعوا الحق وأهله حيث كان. وقال (ع): الا ان العلم الذي هبط به آدم من السماء الى الارض وجميع ما فضل به النبيون الى خاتم النبيين عندي وعند عترتي، فأين يتاه بكم ؟ ! بل اين تذهبون ؟ ! رواهما علي بن ابراهيم في تفسيره (3) وفي


1 - انظر غاية المرام للسيد هاشم البحراني، الباب التاسع والعشرين الذي هو في نص رسول الله على وجوب التمسك بالثقلين من طريق الخاصة، وهذا الحديث هو الحديث الثامن والخمسون (ص 232). 2 - انظر غاية المرام للسيد البحراني، الباب الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين فانهما بابا الحديث من طرق الخاصة والعامة (ص 239 - 237). 3 - انظر اوائل التفسير (ص 4 من النسخة المطبوعة سنة 1315). (*)

[ 46 ]

نهج البلاغة في الخطبة الاولى في وصف النبي (ص) (1): فقبضه إليه كريما وخلف فيكم ما خلفت الانبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم، كتاب ربكم، مبينا حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسرا مجمله، ومبينا غوامضه، بين مأخوذ ميثاق علمه وموسع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه ومعلوم في السنة نسخه، وواجب في السنة أخذه ومرخص في الكتاب تركه، وبين واجب لوقته وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه: من كبير أو عد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه وموسع في أقصاه. وفي التهذيب باسناده الصحيح عن الصادق عليه السلام قال (2): انا إذا وقفنا بين يدي الله تعالى قلنا: يا ربنا أخذنا بكتابك وقال الناس: رأينا رأيا، ويفعل بنا وبهم ما أراد، وفي رواية اخرى: عملنا بكتابك وسنة رسولك. وروى في الكافي عنهم عليهم السلام (3): من أخذ علمه من كتاب الله وسنة نبيه (ص) زالت الجبال قبل ان يزول، ومن أخذ دينه من افواه الرجال ردته الرجال. ورواه الصدوق عن أمير المؤمنين (ع) ايضا. وباسناده عن ابي عبد الله (ع) انه قال لسلمة بن كهيل والحكم بن عتبة (4): شرقا وغربا فلا تجدان علما صحيحا الا ما خرج من عندنا أهل البيت، ما قال الله للحكم: انه لذكر لك ولقومك، فليذهب الحكم يمينا وشمالا، فوالله لا يؤخذ العلم الا من


1 - قال الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية (ص 108): ومن كلامه في بعض خطبه المنقولة في نهج البلاغة " ثم اختار الله سبحانه وتعالى لمحمد (ص) لقاءه ورضى له ما عنده فأكرمه عن دار الدنيا ورغب به عن مقام البلوى فقبضه (الحديث الى قوله: في اقصاه) ". 2 - من اراد موضعه فليطبه من التهذيب. 3 - هو مأخوذ من الفوائد المدنية (انظر ص 281). 4 - اخذه من الفوائد المدينة الا انه (ره) نقله عن ابي جعفر (ع) فان شئت فراجع (ص 126). (*)

[ 47 ]

أهل البيت، نزل عليهم جبرئيل (ع). وباسناده عن ابي عبد الله (ع) في حديث له (1): فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله لا يوجد العلم الا ههنا. وعنه (ع) (2): كل علم لا يخرج من هذا البيت فهو باطل، واشار بيده الى بيته، وعنه عليه السلام: إذا اردت العلم الصحيح فخذ عن أهل البيت فانا روينا واوتينا شرح الحكمة وفصل الخطاب، ان الله اصطفانا وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين. وفي الكافي عن ابي اسحاق النحوي قال: دخلت على أبي - عبد الله (ع) فسمعته يقول (3): ان الله عز وجل أدب نبيه على محبته، فقال: وانك لعلى خلق عظيم ثم فوض إليه فقال عز وجل: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وقال تعالى: ومن يطع الرسول فقد اطاع الله قال: ثم قال: وان نبي الله فوض الى على وائتمنه، فسلمتم انتم وجحد الناس، فوالله لنحبكم ان تقولوا إذا قلنا، وان تصمتوا إذا صمتنا، ونحن


1 - نقله المصنف (ره) في الوافي في باب انه لا علم الا ما يؤخذ من اهله (ج 1 ص 43) هكذا " الاثنان عن الوشاء عن ابان عن عبد الله بن سليمان قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول وعنده رجل من اهل البصرة يقال له عثمان الاعمى ويقول: ان الحسن البصري يزعم ان الذين يكتمون العلم تؤذى ريح بطونهم اهل النار فقال أبو جعفر (ع): فهلك إذا مؤمن آل - فرعون ما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا، فليذهب (الحديث) " قائلا بعده: " بيان - لما لم يكن عند الحسن من العلوم الحقيقية شئ لم يدر ان من العلم ما يجب كتمانه كما ان منه ما يحرم كتمانه بل زبدة العلم في الحقيقة ليس الا ما يكتم كما قال سيد العابدين (ع): اني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا واليه الاشارة بقوله (ع): " فوالله ما يوجد العلم الا ههنا " يعنى ان ما هو الحقيق بان يسمى علما ليس الا ما هو المخزون عندنا ". 2 - نقله صاحب الوسائل عن البصائر عن ابي جعفر (ع)، راجع ج 3: ص 377 طبعة - امير بهادر. 3 - هو في الوسائل عن كفاية الاثر عن ابي عبد الله (ع) الا ان فيه بدل " روينا ": " ورثنا " (انظر ج 3 من طبعة امير بهادر، ص 376). (*)

[ 48 ]

فيما بينكم وبين الله تعالى، ما جعل الله لاحد خيرا في خلاف أمرنا (1). وفي المجالس باسناده عن ابي بصير عن الصادق عليه السلام قال (2): يا ابا بصير نحن شجرة العلم، ونحن اهل - بيت النبي (ص)، وفي دارنا هبط جبرئيل (ص)، ونحن خزان علم الله، ونحن معادن وحي - الله، من تبعنا نجا، ومن تخلف عنا هلك، حتما (3) على الله عز وجل، والاخبار من هذا القبيل يخرج عن الحصر والعد، ولعل هذا الاصل لا يحتاج الى مزيد بيان لظهوره في الغاية والنهاية، وليت شعري ما حمل الناس على ان تركوا سبيل الله الذي هداهم إليه ائمة الهدى ؟ ! واخذوا سبلا شتى واتبعوا الاراء والاهواء ؟ ! كل يدعو الى طريقة، ويذود عن الاخرى، ثم ما الذي حمل مقلديهم على تقليدهم في الاراء دون تقليد ائمة الهدى ؟ ! ان هي الا طريقة ضيزى (4)، ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون (5).


1 - نقله المصنف (ره) في الوافي في باب التفويض إليهم في امر الدين (ج 1، ص 206) قائلا بعده: " بيان - ادب نبيه على محبته يعني علمه وفهمه ما يوجب تأدبه بآداب الله وتخلقه باخلاق الله لحبه اياه أو حال كونه محبا له، وهذا مثل قوله سبحانه: ويطعمون الطعام على حبه، أو علمه ما يوجب محبة الله له أو محبته لله التي هي سبب لسعة الخلق وعظم الحلم وفي قوله: ان تقولوا إذا قلنا وان تصمتوا إذا صمتنا، دلالة واضحة على نفي الاجتهاد والقول بالرأي " ونقله المجلسي (ره) في اول البحار عن محاسن البرقي واورد له بيانا (ص 94 من طبعة امين الضرب) اقول: يحتمل ان يكون " لنحبكم " تصحيف " بحسبكم ". 2 - اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدينة وقد نقله الامين الاسترابادي (ره) هناك عن مجالس الصدوق (انظر ص 125). 3 - في الفوائد: " حقا ". 4 - مأخوذ من قوله تعالى: " تلك إذا قسمة ضيزى ". 5 - آية 29 سورة الزمر. (*)

[ 49 ]

فصل قال بعض الفضلاء بعد نقل حديث الثقلين: (1) ومعنى الحديث الشريف كما يستفاد من الاخبار المتواترة انه يجب التمسك بكلامهم عليهم السلام إذ حينئذ يتحقق التمسك بمجموع الامرين، والسرفيه انه لا سبيل الى فهم - مراد الله الا من جهتهم (ع) لانهم عارفون بناسخه ومنسوخه، والباقي منه على الاطلاق والمؤول وغير ذلك دون غيرهم خصهم الله تعالى والنبي (ص) بذلك. اقول: قد عرفت ان ذلك مخصوص بالمتشابهات دون المحكمات، والا لم يصح لنا الانتفاع بالقرآن اصلا بل ولا كل المتشابهات بل بعضها وعلى بعض الوجوه، أو بالنسبة الى جمهور الرعية دون الكاملين مهم والا لفات اكثر فوائد القرآن، ولتناقضت اكثر - الاخبار الواردة في ذلك. وايضا انما يصح ما قاله بالنسبة الى زمان حضورهم عليهم - السلام خاصة واما مع غيبتهم عليهم السلام كهذا الزمان فلا سبيل لنا الى فهم القرآن الا من جهتهم (ع) الا على الظن والتخمين فان كلامهم ايضا كالقرآن منه عام وخاص ومجمل ومبين ومطلق ومقيد الى غير ذلك مع انه لا يفي بالكل، وثبوته عنهم (ع) ايضا ظني فالانتفاع بكل من الثقلين حينئذ في درجة واحدة ليس بالعترة اكثر منه من القرآن بل كاد يكون الامر بالعكس.


1 - المراد من هذا البعض هو الامين الاسترابادي (ره) فانه قال في الفوائد المدنية عند استلاله على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين اصليا كان أو فرعيا في السماع عن الصادقين عليهم السلام: " الدليل الثاني: الحديث المتواتر بين الفريقين - اني تارك فيكم الثقلين ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله عز وجل وعترتي اهل بيتي لن يفترقا حتى يردا على الحوض، ومعنى الحديث " (انظر ص 128). (*)

[ 50 ]

الاصل الرابع (1) ان اخبار الائمة المعصومين عليهم السلام المضبوطة في كتب ائمة الحديث من اصحابنا ورواتها الناظرين فيها قائمة مقامهم عليهم السلام في زمان الغيبة الكبرى وان نسبتها إليهم قريبة من نسبة تصانيف العلماء الى مصنفيهم يعرف بها مذهبهم وعلمهم وحكمهم وهي الحجة علينا اليوم بعد كتاب الله والسنة الثابتة، ويدل على ذلك ما استفاض عنهم (ع) في هذا المعنى وهو ما رواه الصدوق في (اكمال الدين عن محمد بن عصام قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني عن اسحاق بن يعقوب، ورواه الطبرسي ايضا في الاحتجاج والكشي في الرجال والشيخ الطوسي في اختياره عن اسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري، ان يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت على فورد في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه الصلوة والسلام: اما ما سألت عنه أرشدك الله ووفقك (الى ان قال): واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله عليهم (3). وفي رجال الكشي والاختيار بالاسناد عن


1 - فليعلم ان اساس هذا الاصل مبني على ما ذكره الامين الاسترابادي قدس الله تربته في الفوائد المدنية ونص عبارته فيه " الفصل السابع في بيان من يجب رجوع الناس إليه في القضاء والافتاء " (انظر ص 150) حتى ان المصنف (ره) اخذ غالب الروايات عن هذا الفصل من هذا الكتاب من دون مراجعة الى مآخذها الاصلية ونحن لا نشير الى موارد النقل في كل رواية بل نكتفي بهذا الكلي الذي صرحنا به هنا فمن اراد تحقيق المطلب وتطبيقهما فليراجع الكتابين. 2 - نقله صاحب الوسائل في الباب الحادي عشر من ابواب كتاب القضاء (انظر ج 3 ص 385 من طبعة امير بهادر) ونقله الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد كما اشرنا إليه بطريق كلي. 3 - لفظة " عليهم " ليست في كثير من موارد نقل الرواية، نعم هي موجودة في بعضها (*)

[ 51 ]

أحمد بن حاتم بن ماهويه قال (1): كتبت إليه يعني ابا الحسن الثالث (ع) أسأله: عمن آخذ معالم ديني ؟ - وكتب اخوه ايضا فكتب اليهما: فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا وكل كثير القدم في امرنا فانهم كافوكما ان شاء الله. وروى ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعا عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: اجتمعت انا والشيخ أبو عمرو عند احمد بن اسحاق (الى ان قال): اخبرني أبو علي احمد بن اسحاق عن عن ابي الحسن (ع) قال: سألته وقلت: ومن أعامل ؟ أو عمن آخذ ؟ أو: قول من اقبل ؟ - فقال له: العمري ثقتي فما ادى اليك عني، فمعنى يؤدى، وما قال لك عني، فعني يقول، فاسمع له وأطع فانه الثقة المأمون (2). اخبرني أبو علي انه سأل ابا محمد عن مثل ذلك فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أديا اليك عني فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فانهما الثقتان المأمونان، الحديث (3) وفي الاحتجاج عن ابي محمد العسكري (ع) وفي تفسيره (ع) ايضا قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام (4): من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى ارشده وهداه قال الله عز وجل: يايها العبد الكريم المواسي انا اولى


1 - مأخوذ من الفوائد المدنية (ص 150) وهو في مسائل الشيعة في كتاب القضاء في باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة (انظر الحديث الرابع والاربعين من الباب، ج 3 من طبعة امير بهادر ص 387). 2 و 3 - نقلهما صاحب الوسائل في كتاب القضاء في باب 11 (ج 3، ص 385 طبعة امير بهادر). 4 - نقله المجلسي (ره) عن الكتابين المشار اليهما في هذا الكتاب في المجلد الاول من البحار في باب ثواب الهداية والتعليم (ص 72 من طبعة امين الضرب) قائلا بعده " بيان - قطعته عنا محبتنا باستتارنا اي كان سبب قطعه عنا انا احببنا الاستتار عنه لحكمة، وفي بعض النسخ محنتنا بالنون وهو اظهر ". (*)

[ 52 ]

بالكرم منك فاجعلوا يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه الف الف قصر، وضموا إليها ما يليق بهامن سائر النعم. وفي الكافي عن معاوية بن عمار (1) قال: قلت لابي عبد الله (ع): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم، ورجل عابد من شيعتكم ليست له هذه الرواية ايهما افضل ؟ - قال: الراوية لحديثنا يشدده في قلوب شيعتنا افضل من الف عابد، وعن ابي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله (ع) (2) الى اصحابنا فقال: قل لهم: اياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارؤ بينكم في شئ من الاخذ والاعطاء ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق، اجعلوا رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا واياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر. وفي مقبولة عمر بن حنظلة (3) المروية فيه وفي غيره قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا، تكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان أو الى القضاة ايحل ذلك ؟ - فقال: من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا وان كان حقه ثابتا لانه اخذ بحكم -


1 و 2 - انظر الحديث الثاني والسابع من احاديث باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة من كتاب الوسائل الا انه نقل الحديث الثاني عن تهذيب الشيخ، (ج 3، ص 385 من طبعة امير بهادر) وهما مع الحديث السابق ايضا في الفوائد المدنية (ص 151). 3 - في الفوائد المدنية ص 151، وفي الوسائل في كتاب القضاء، في الباب الحادي عشر (ج 3 ص 385) الا انه ملخص والحديث مفصل. فليعلم ان المصنف (ره) نقل الرواية في الوافي في " باب انه ليس شئ مما يحتاج إليه الناس الا وقد جاء فيه كتاب أو سنة " واورد له بيانا مفصلا ومبسوطا قائلا في اواسطه: " وهذه الرواية رواها محمد بن علي بن ابراهيم بن ابي جمهور اللحسائي في كتاب عوالي اللئالي عن العلامة الحلي مرفوعا الى زرارة، والاخبار في هذا المعنى كثيرة وقد اوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى بسفينة - النجاة وفي كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة (الى آخر ما قال) فمن اراد مراجعة - الكتاب فليراجع الطبعة الثانية من الوافي (ج 1: ص 54 - 53). ثم ليعلم ان الامين = (*)

[ 53 ]

الطاغوت وقد امر الله عز وجل ان يكفر بها، قلت: كيف يصنعان ؟ - قال: فانظروا الى من كان منكم روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. وباسناده الحسن عن محمد بن حكيم قال قلت لابي الحسن موسى (ع) (1): جعلت فداك فقهنا في الدين واغنانا الله بكم عن الناس حتى ان الجماعة منا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحبه الا تحضره المسألة ويحضره جوابها فيما من الله علينا بكم الحديث. وباسناده عن سماعة عن ابي الحسن موسى (ع) قال (2) قلت: اصلحك الله انا نجتمع فنذاكر ما عندنا فما يرد علينا شئ الا وعندنا فيه مستطر وذلك مما انعم الله به علينا بكم. وباسناده عن أبي بصير قال: سمعت أبا - عبد الله (ع) يقول: اكتبوا فانكم لا تحفظون حتى تكتبوا (3). وفيه: باسناده الموثق عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله (ع): احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون إليها (4). وفيه عن الاحمسي عن ابي عبد الله (ع) قال: القلب يتكل على الكتابة (5). وفيه عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (ع): اكتب وبث علمك في اخوانك فان مت فأورثت كتبك بنيك فانه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه الا بكتبهم (6). وفيه باسناده الصحيح عنه (ع)


= الاسترابادي (ره) قال في الفوائد المدنية ضمن ما ذكره في اثبات صحة الاحاديث المودعة في الكتب المعتبرة بعد الاشارة الى هذا الحديث ما نصه (ص 192): " الفائدة الخامسة - ان هذه الرواية الشريفة مشهورة بين متأخري اصحابنا بمقبولة عمر بن حنظلة بناء على ان علماء الرجال لم يوثقوه لكن الشهيد الثاني (ره) وثقه في شرح - رسالته في فن دراية الحديث واعترض عليه ولده الشيخ حسن قدس سرهما في كتاب المنتقى حيث قال: من عجيب ما اتفق لوالده (ره) انه قال في شرح بادية الدراية (الى آخر ما قال) ". اقول: من اراد تحقيقه النفيس المفيد جدا فليراجع الفوائد فانه طويل لا يسع المقام ذكره. وقال ايضا في ص 151: " وفي مقبولة عمر بن حنظلة ومن وافقه والا فهي صحيحة لما حققناه سابقا. 2 - اخذه المصنف (ره) عن الفوائد المدنية (انظر ص 151 من النسخة المطبوعة). 3 - الفوائد المدنية ص 152. 3 و 4 و 5 و 6 - كلها في الوافي في باب فضل الكتابة = (*)

[ 54 ]

قال: أعربوا حديثنا فانا قوم فصحاء (1)، اي لا تلحنوا فيه. وباسناده عنه (ع) قال: تزاوروا فان في زيارتكم احياء لقلوبكم، وذكرا لاحاديثنا، واحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فان اخذتم بها رشدتم ونجوتم، وان تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بهاوانا بنجاتكم زعيم (2) وعن محمد بن ابي خالد شنبولة قال: قلت لابي جعفر الثاني (ع): جعلت فداك ان مشايخنا رووا عن ابي جعفر وابي عبد الله - عليهما السلام - وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم يرووا عنهم فلما ماتوا صارت الكتب الينا ؟ - فقال: حدثوا بها فانها حق (3) وفيه دلالة واضحة على صحة الاعتماد على الكتب والعمل بما فيها من الاحكام إذا كانت صحيحة. وقال أبو جعفر (ع) لابان بن تغلب (4): اجلس في مسجد النبي (ص) وأفت الناس فانى احب ان


= والتمسك بالكتب (انظر ج 1 من الطبعة الثانية ص 44) قائلا بعد حديث المفضل: " بيان - البث النشر اي انشر علمك فيهم بواسطة الكتاب، ويحتمل ان يكون مطلوبا برأسه، والهرج الفتنة والاختلاط، والمراد به ههنا فقد اهل العلم ومن يؤنس به منهم، أو فقد تمييزهم عن غيرهم لتسلط امراء الجور، وتشبه الجهلة والارذال بصورة العلماء والاكياس في الزي والمنطق واللباس " واورد لحديث الاحمسي ايضا بيانا فمن اراده فليطلبه من هناك. 1 - قال المصنف (ره) بعد نقله في الوافي في آخر باب رواية الحديث (ج 1 ص 44): " بيان - أي لا تلحنوا في اعراب الكلمات بل اعطوا حقها من الاعراب والتبيين حين التكلم به فان كلامنا فصيح فإذا لحنتم فيه اختلت فصاحته، ويحتمل ان يراد اعرابه حين الكتابة بان يكتب الحروف بحيث لا يشتبه بعضها ببعض، أو يجعل عليها ما يسمى اليوم اعرابا عند الناس الا ان الاول اظهر واقرب الى طريقة السلف " وقال المجلسي (ره) بعد نقله في البحار (ج 1 ص 109): " اي أظهروه وبينوه، أو لا تتركوا فيه قوانين الاعراب، أو أعربوا لفظه عند الكتابة ". 2 - هو الحديث السابع والثلاثون من الباب الثامن من ابواب كتاب القضاء في الوسائل (ج 3، ص 378 من طبعة امير بهادر). 3 - قال المصنف (ره) بعد نقله في الوافي (ج 1 ص 44 من الطبعة الثانية): " بيان - في بعض النسخ بدل " لم يرووا ": " على صيغة المجهول والتأنيث " فذكر مثل ما ذكر هنا. 4 - اعلم ان المصنف (ره) اخذ هذا الحديث وما يتبعه من الاحاديث الى " وصل " = (*)

[ 55 ]

يرى في شيعتي مثلك: وقال الصادق (ع) للفيض بن المختار: إذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس، وأومأ بيده الى رجل من اصحابه، فسألت عنه فقالوا: زرارة بن اعين. وقال (ع): رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث ابي. وقال (ع): ما أجد أحدا احيا ذكرنا وأحاديث أبي الا زرارة وابو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي هؤلاء حفاظ دين الله، وأمناء أبي على حلال الله وحرامه. وقال (ع): اقوام كان أبي يأتمنهم على حلال الله وحرامه وكانوا عيبة علمه، وكذلك اليوم هم عندي، هم مستودع سري وأصحاب أبي حقا إذا اراد بأهل الارض سوء صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي احياء وامواتا يحيون ذكر أبي، بهم يكشف الله كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين ثم بكى قال الراوي: فقلت: من هم ؟ - فقال: من عليهم صلوات الله وعليهم رحمته أحياء وأمواتا، بريد العجلي، وزرارة، وابو - بصير، ومحمد بن مسلم. وقال (ع): بشر المخبتين بالجنة، بريد بن معاوية العجلي وابو -


= الاتي من الفوائد المدنية (انظر ص 150 من النسخة المطبوعة الى ص 152). وقال الامين الاسترابادي (ره) بعد نقلها: " واقول: الاحاديث الناطقة بأمرهم عليهم السلام بالرجوع في الفتوى والقضاء الى رواة احاديثهم واحكامهم متواترة معنى، وتلك الاحاديث صريحة في وجوب اتباع الرواة فيما يروونه عنهم عليهم السلام من الاحكام النظرية وليست فيها دلالة الا على جواز اتباع ظنونهم الحاصلة من ظواهر كتاب الله أو اصل أو استصحاب أو غيرها، ولا دلالة فيها على اشتراط ان يكون الرواة المتبعون اصحاب الملكة المعتبرة في المجتهدين، ومن المعلوم ان المقام مقام - البيان والتفصيل فيعلم بقرينة المقام علما عاديا قطعيا ان تلك الظنون وكذلك تلك الملكة غير معتبرين عندهم ". وان شئت المراجعة الى المآخذ والنظر في اسانيد الاحاديث فراجع " باب وجوب الرجوع في القضاء والفتوى الى رواة الحديث من الشيعة فيما رووه عن الائمة من احكام الشريعة " من كتاب وسائل الشيعة (انظر ج 3 من طبعة امير بهادر ص 385 - 387). (*)

[ 56 ]

بصير ليث بن البختري المرادي، ومحمد بن مسلم، وزرارة بن اعين، اربعة نجباء أمناء - الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست. وقال (ع) لعبد الله بن - أبي يعفور حيث قال له (ع): انه ليس كل ساعة القاك ولا يمكن القدوم، ويجيئ الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني عنه فقال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فانه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها. وقال (ع) لشعيب العقرقو في حيث قال له: ربما احتجنا ان نسأل عن الشئ فممن نسأل ؟ - قال: عليك بالاسدي يعني ابا بصير. وقال (ع): اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا. وقال (ع): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من رواياتهم عنا، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثا ؟ - قال: يكون مفهما والمفهم المحدث. وصل نقل عن الكشي انه قال: (1) اجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الاولين من أصحاب ابي جعفر واصحاب ابي عبد الله عليهما السلام وانقادوا لهم بالفقه وقالوا: أفقه الاولين


1 - قال الشيخ الحر العاملي (ره) في خاتمة الوسائل (ج 3 ص 528 من طبعة امير بهادر): " الفائدة السابعة في ذكر اصحاب الاجماع (الى ان قال) قال الشيخ الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال ماهذا لفظه: قال الكشي: اجمعت العصابة (الى آخر العبارة) ". اقول: هذه العبارة متلقاة بالقبول عند علمائنا (ره) ومذكورة في اغلب الكتب الرجالية والاصولية ونظمها العلامة الطباطبائي " السيد مهدي بحر العلوم " (ره) في قطعة وهي: " قد اجمع الكل على تصحيح ما * يصح عن جماعة فليعلما " " وهم اولوا نجابة ورفعة * اربعة وخمسة وتسعة " " فالستة الاولى من الامجاد * اربعة منهم من الاوتاد " " زرارة كذا بريد قد اتى * ثم محمد وليث يافتى " = (*)

[ 57 ]

ستة، زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد العجلي، وابو بصير الاسدي، والفضيل بن - يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة، وقال بعضهم: مكان أبو بصير الاسدي أبو بصير المرادي وهو ليث البختري. وروى باسناده عن الصادق (ع): اوتاد - الارض واعلام الدين اربعة، محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين. وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (ع): أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه من دون هؤلاء الستة الذين عددناهم وكتبناهم ستة نفر: جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وابان بن عثمان. قال: وزعم أبو - اسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون ان أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم احداث اصحاب أبي - عبد الله (ع) وقال في تسمية الفقهاء من اصحاب ابي ابراهيم وابي الحسن الرضا عليهما السلام: أجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم فأقروا لهم بالفقه والعلم وهي ستة نفر اخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في اصحاب أبي عبد الله (ع) منهم يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، واحمد بن محمد بن ابي نصر. وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب:


= " كذا الفضل بعده معروف * وهو الذي ما بيننا معروف " " والستة الوسطى اولوا الفضائل * رتبتهم ادنى من الاوائل " " جميل الجميل مع ابان * والعبد لان ثم حمادان " " والستة الاخرى هم صفوان * ويونس عليهما الرضوان " " ثم ابن محبوب كذا محمد * كذاك عبد الله ثم أحمد " " وما ذكرناه الاصح عندنا * وشذ قول من به خالفنا " وشرح هذه القطعة نظما العالم الجليل الحاج ميرزا أبو الفضل الكلانتري الطهراني (ره) في رسالة وسماها " نقاوة الاصابة فيمن اجمعت عليه العصابة " فان شئت التفصيل فراجعها وطبعت الرسالة بتصحيحي واهتمامي منذ سنين ولله الحمد على ذلك وله الشكر. (*)

[ 58 ]

الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن ايوب. وقال بعضهم مكان ابن فضال: عثمان بن عيسى، وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى. قيل (1): مستند الاجماع الروايات الناطقة بانهم معتمدون في كل ما يروون، وكذا ما ذكره الشيخ في العدة من انه: اجمعت العصابة على حجية مراسيل جمع من الرواة كما أجمعوا على حجية مسانيدهم مبنى على ورود الروايات الناطقة بانهم يعتمدون في كل ما يروون. فصل قال بعض الفضلاء ما حاصله (2): انا نقطع قطعا عاديا بان جمعا كثيرا من ثقات اصحاب ائمتنا ومنهم الجماعة الذين اجمعت العصابة على انهم لم ينقلوا الا الصحيح باصطلاح القدماء صرفوا اعمارهم في مدة تزيد على ثلاثمائة سنة في اخذ الاحكام عنهم عليهم السلام وتأليف ما يسمعونه منهم (ع) وعرض المؤلفات عليهم (ع)، ثم التابعون لهم تبعوهم في طريقتهم واستمر هذا المعنى الى زمن أئمة الحديث الثلاثة وكانوا يعتمدون عليها في عقائدهم واعمالهم، ونعلم علما عاديا انهم كانوا متمكنين من اخذ الاحكام عنهم مشافهة ومع ذلك يعتمدون على الاخبار المضبوطة من زمن امير المؤمنين (ع) كما ورد في الروايات الكثيرة وكان ائمتنا يأمرونهم بتأليفها ونشرها وضبطها ليعمل بها شيعتهم في زمن الغيبة


1 - قال الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد (ص 183): " مستند الاجماع ( 2 - يريد بقوله: " بعض الفضلاء " الامين الاسترابادي (ره) والمنقولات مذكورة في فوائده المدنية (انظر ص 181 من النسخة المطبوعة) ونص عبارته فيه: " الفصل التاسع في تصحيح احاديث كتبنا بوجوه تفطنت بها بتوفيق الله الملك العلام ودلالة اهل الذكر عليهم السلام (الى ان قال) الوجه الاول من الوجوه الدالة على صحة احاديث الكتب الاربعة مثلا باصطلاح قدمائنا انا نقطع قطعا عاديا بان جمعا كثيرا من ثقات اصحاب ائمتنا ومنهم الجماعة (الى آخر ما قال) فمن اراد ان يراجع الوجوه الاثني عشر فليراجع (ص 181). اقول: في موارد اخر من الكتاب المذكور ما يؤيد مطلوبه فمنها ص 153 و 89 و 53 وغيرها بل الكتاب باسره في اثبات هذا الموضوع فمن اراد البسط فليراجعه. (*)

[ 59 ]

واخبروا بوقوعها، وايضا الشفقة الربانية والمعصومية تقتضي ان لا يضيع من كان في اصلاب الرجال منهم فيجب ان تمهد لهم اصول معتمدة يعملون بها وايضا فان اكثر احاديثنا موجودة في اصول الجماعة التي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم لانا نقطع بالقرائن ان طرقها انما هي طرق الى الاصول المأخوذة هي منها كما يشعر به التهذيب والفقيه وايضا فان كثيرا ما يعتمد الشيخ الطوسي على طرق ضعيفة مع تمكنه من طرق اخرى صحيحة وكثيرا ما يطرح الاخبار الصحيحة باصطلاح المتأخرين ويعمل بالضعيفة بهذا الاصطلاح وهذا ايضا يقتضي ما ذكرناه اي النقل من الاصل، وايضا انه صرح في كتاب العدة وفي اول الاستبصار بان كل حديث عمل به في كتبه مأخوذ من الاصول المجمع على صحة نقلها ولم يعمل بغيره وانما طرح بعضها لان معارضه اقوى منه لاعتضاده باخبار اخر وباجماع الطائفة على العمل بمضمونه أو غير ذلك، والصدوق ذكر مثل ذلك بل اقوى منه في اول الفقيه، وكذا ثقة الاسلام في اول الكافي مع انهم كثيرا ما يذكرون في اول الاسانيد من ليس بثقة، وايضا فان بعض الروايات يتعاضد ببعض، وبعض اجزاء الحديث يناسب بعضا، وقرينة الجواب أو السؤال تدل على صدق المضمون، الى غير ذلك، وايضا فانا نقطع قطعا عاديا في حق اكثر رواة أحاديثنا بقرينة ما بلغنا من احوالهم انهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث والذي لم نقطع في حقه بذلك كثيرا ما نقطع بان للناقل (1) عنه طريقا الى اصل الثقة الذي اخذ الحديث منه. فان قلت: انهم إذا رووا عن الاصل فلم يذكرون الواسطة ؟ - قلنا: يحتمل ان يكون ذكر الواسطة للتبرك باتصال سلسلة السند ودفع طعن العامة بان احاديثكم ليست معنعنة بل مأخوذة من كتب قدمائكم. اقول: وايضا فان ما ذكره علماء الرجال في شئ بعضهم انه يعرف حديثه تارة وينكر اخرى، وفي شأن آخر: انه لا يجوز نقل روايته، أو: لا يعتمد عليه، أو غير ذلك


1 - في الفوائد " بانه طريق الى اصل الثقة الذي اخذ الحديث منه " (ص 184، س 2). (*)

[ 60 ]

يدل على ان الثقة إذا روى عن احد فلا يروى عنه الا إذا ظهر له دليل على صحته، أو رآه في اصله المروى عنه، أو سمعه عن ثقة يروى عن ذلك الاصل، وكذا حرصهم على ضبط الخصوصيات والجزئيات من الالفاظ وغيرها دليل على عدم اعتمادهم على غير المقطوع بصحته وهذه الوجوه، وان كان كل واحد منها مما يمكن الخدش فيه الا ان لاجتماعها قوة يحصل بها ظن قوى بصحة هذه الاخبار التي رواها الثقات وان ضعف الطريق في الوسط خصوصا ما في الكتب الاربعة وهي متواترة بالنسبة الى مؤلفيها وهذا يفيد القطع الاجمالي بمضمونها، والقطع التفصيلي بخصوصياتها يحصل بالقرائن الحالية وربما اعترفوا به انفسهم فان رئيس الطائفة صرح في العدة بان ما أورده في كتب الاخبار انما اخذه من الاصول المعتمد عليها كما قال الفاضل، وقال الصدوق في اول الفقيه (1): لم - اقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه بل قصدت الى ايراد ما افتى به وأحكم بصحته وأعتقد فيه انه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول واليها المرجع. وقال ثقة الاسلام في اول الكافي (2) في جواب من التمس عنه التصنيف: وقلت: انك تحب ان يكون عندك كتاب كاف يجمع من جميع فنون علم الدين ما يكتفى به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعلم به الاثار الصحيحة عن الصادقين والسنن القائمة التي عليها العمل وبها تؤدى فرائض الله عز وجل وسنة نبيه (الى ان قال): وقد يسر الله وله الحمد تأليف ما سألت وأرجو ان يكون بحيث توخيت (انتهى كلامه). ولهذا ذهب جماعة بالاكتفاء في تصحيح الاخبار والقدح فيها على ما ذكره أصحابنا ودونوها في كتبهم وسيما المتقدمين. قال بعض المحققين (3): فلم يبق لاحد ممن تأخر عنهم في البحث والتفتيش الا الاطلاع على ما قرروه


1 - راجع مقدمة من لا يحضره الفقيه. 2 - راجع مقدمة الكافي. 3 - كأن المراد به الشهيد الثاني (وكأن الكلام في شرح درايته انظر ص 79 من النسخة المطبوعة) أو المحقق الداماد رحمة الله عليهما. (*)

[ 61 ]

والفكر فيما ألقوه والفوه. قال الشهيد في الذكرى (1): الاجتهاد في هذا الوقت اسهل منه فيما قبله من الاوقات لان السلف قد كفونا مؤنته بكدهم وكدحهم وجمعهم السنة والاخبار وجرحهم وتعديلهم وغير ذلك من الالات. فصل قال بعض أصحابنا (2): ان السنة المتواترة دلت على قبول خبر الواحد فان رسول - الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) كانا يبعثان الرسل الى القبائل والبلاد والقرى لتعليم الاحكام مع ان كل واحد منهم لم يبلغ حد التواتر مع العلم بان المبعوث إليهم كانوا مكلفين بالعمل بمقتضاه والذي تتبعنا من آثار السلف ان تعليمهم الاحكام ما كان الا بالاخبار بما سمعوا عن النبي (ص) وائمة الهدى عليهم السلام، وما كان القول بالرأي والاجتهاد الا محدثا، وكان دأب قدمائنا تخطئة المخالفين به بل لو كان يحصل من الطائفة المحقة لشذوذ القول بالرأي والاجتهاد لخطؤوه وشدد ودا النكير عليه، والاخبار من ائمة الهدى متظافرة بالتخطئة والانكار وقال المحقق في المعتبر (3): افرط الحشوية في العمل بخبر الواحد حتى انقادوا لكل خبر ومافطنوا ما تحته من التناقض وان من جملة الاخبار قول النبي (ص) ستكثر بعدي القالة على. وقول الصادق (ع) ان لكل رجل منا رجل يكذب عليه، واقتصر


1 - لم اجد العبارة في مقدمة الذكرى فمن اراد موضعها فليراجع سائر مواضع الكتاب. 2 - كأن المراد به غير الامين الاسترابادي (ره) لان المصنف يعبر عنه ببعض الفضلاء. 3 - انظر ص 6 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1317 ونقله الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية قائلا قبل نقله (انظر ص 13): " وذكر الامام المحقق قدوة المقدسين المحقق الحلي قدس سره (الى ان قال): وذكر في اوائل كتاب المعتبر شرح المختصر: الفصل الثالث في مستند الاحكام وهي عندنا خمسة (الى ان قال) مسألة - افرط الحشوية (الى آخر ما نقل) " انظر ص 14. (*)

[ 62 ]

بعض عن هذا الافراط، فقال: كل سليم السند يعمل به، وغيره لا يعمل به، وما علم ان الكاذب قد يصدق، والفاسق قد يصدق، ولم يتنبه ان ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب إذ لا مصنف الا وهو قد يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر المعدل، وافراط آخرون في طرف رد الخبر حتى احال استعمال عقلا ونقلا، واقتصر آخرون فلم يروا العقل مانعا لكن الشرع لم يأذن في العمل به، وكل هذه الاقوال منحرفة عن السنن، والتوسط أصوب، فما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب اطراحه (1). وقال المحقق في بيان منع العمل بمطلق خبر الواحد: لا يقال: الامامية عاملة بالاخبار، وعملها حجة لانا نمنع ذلك فان اكثرهم يرد الخبر بأنه واحد، وبأنه شاذ، فلولا استنادهم مع الاخبار الى وجه يقتضي العمل بها لكان عملهم اقتراحا، وهذا لا يظن بالفرقة الناجية. وقال المحقق في كتابه في الاصول (2): ذهب شيخنا أبو جعفر الصدوق الى العمل


1 - وله ذيل يشتمل على تعليل الدليل وهو قوله: لوجوه احدها انه مع خلوه عن المزية (الى آخر ما قال) فمن اراده فليراجع الكتاب ص 6، أو الفوائد ص 15. واشار إليه ايضا الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد في كلام له (ص 50): " وكذلك المحقق الحلي قدس سره تكلم باصطلاح القدماء في العبارة التي تقدم نقلها عن كتاب المعتبر حيث اختار في العمل بخبر الواحد ما اختاره رئيس الطائفة بعينه حيث قال: والتوسط اصوب (الى آخر ما قال). 2 - انظر ص 88 من نسخة معراج الوصول الى علم الاصول المطبوعة بطهران سنة 1310 ونقله الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية قائلا ما نصه: " وذكر المحقق الحلي في الاصول وما رأيت في اصول اصحابنا كتابا قريبا الى الحق بعد كتاب العدة لرئيس الطائفة الا اياه وهو في الحقيقة اختصار كتاب العدة مع بعض زيادات وايرادات من قبله رجع عنها في اوائل كتاب المعتبر ووافق رئيس الطائفة بعد ان خالفه ونعم الوفاق: ذهب شيخنا أبو جعفر رحمه الله الى العمل، (الى آخر ما قال،) انظر ص 83 من الفوائد وايضا ص 62 منه. (*)

[ 63 ]

بخبر العدل من رواة أصحابنا لكن لفظه وان كان مطلقا فعند التحقيق يتبين انه لا يعمل بالخبر مطلقا بل بهذه الاخبار التي رويت عن الائمة عليهم السلام ودونها الاصحاب لا ان كل خبر يرويه امامي يجب العمل به ويدعى اجماع الاصحاب على العمل بهذه الاخبار حتى لو رواها غير الامامي وكان الخبر سليما من المعارض واشتهر نقله في نقله في هذه الكتب الدائرة بين الاصحاب عمل به. وقال الشهيد في الذكرى في خبر الواحد (1): وانكره جل الاصحاب كأنهم يرون ان ما بأيديهم متواتر، أو مجمع على مضمونه وان كان في حيز الاحاد. وتمام القول في هذا المقام يأتي في الاصل السادس ان شاء الله تعالى. فصل قال بعض الفضلاء (2): للصحيح عند القدماء ثلاثة معان، احدها ما قطع بوروده عن المعصوم. والثاني ذلك مع قيد زايد وهو ان لا يظهر له معارض اقوى منه في باب العمل. والثالث ما قطع بصحة مضمونه في الواقع وانه حكم الله في الواقع ولو لم يقطع بوروده عن المعصوم، وكذا للضعيف عندهم ثلاثة معان في مقابلها. اقول: وأما المتأخرون فالصحيح عندهم: ان يكون رواته كلهم اماميين موثقين، فان كانوا اماميين ولكنهم ممدوحون بغير التوثيق كلا أو بعضا مع توثيق الباقي سمى حسنا، وان كانوا كلهم موثقين ولكنهم غير اماميين كلا أو بعضا يسمى موثقا، وغير الثلاثة يسمى ضعيفا، ومنهم من يسمى غير الاولين ضعيفا، وللضعيف اقسام كثيرة كالمرسل والمرفوع وغيرهما. * (هامش) 1 - انظر مبحث السنة وهو الفصل الثاني من اوائل الذكرى ص 4. 2 - يريد به الامين الاسترابادي (ره) والكلام مذكور في الفوائد المدنية (انظر ص 177). ونظيره قوله الاخر " ان اخبار كتب قدمائنا (الى ان قال) لا تخلو من اقسام ثلاثة (انظر ص 50) ونظيره في ص 67. (*)

[ 64 ]

وليعلم (1) ان من الرواة المخصوصين ببعض من الائمة المعصومين عليهم السلام من يعلم من ظاهر حاله انه لا يسأل شيئا من الاحكام بحيث يعتقده ويرويه الا عن ذلك الامام (ع) لثقته وجلالة قدره كزرارة ومحمد بن مسلم المخصوصين بأبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) وابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) وعلي بن مهزيار المخصوص بالرضا (ع) واضرابهم فمن هذا شأنه فمضمراته في قوة المصرحات لتعين المسؤول عنه فلا يخرج بذلك عن الصحاح، بل قيل: " يستفاد من كتب المتقدمين ان الاضمار في مثل هذه الاحاديث انما يحصل من قطع الاخبار بعضها من بعض فان الراوي كان يصرح باسم الامام الذي يروي عنه في اول الروايات ثم قال: وسألته عن كذا، الى ان يستوفي الروايات التي رواها عن ذلك الامام (ع)، فلما حصل القطع توهم الاضمار فيجب التنبه لذلك. ومنهم من يروي حديثا عن احد بغير واسطة تارة ويروي ذلك الحديث بعينه عن ذلك المروي عنه بواسطة اخرى وقد يظن ان ذلك يوجب الاضطراب فيه لانه غير جازم بانه ممن يروى ؟ فيجب ان يرد حديثه، وانت تعلم ان تعدد سماعه ممكن فلم لا يجوز ان يكون سماعه عنه تارة على سبيل المشافهة وتارة على سبيل النقل


1 - ذكر المصنف (ره) ما يقرب منه في المقدمة الثانية من الوافي بهذه العبارة: " توقيف - اعلم ان اضمار الحديث من الثقات المشهورين من اصحاب الائمة عليهم - السلام ليس طعنا في الحديث، إذ قد يكون ذلك اعتمادا على القرينة، وقد يكون للتقية، وقد يكون لقطع الاخبار بعضها عن بعض، فان الراوي كان يصرح باسم الامام الذي يروي عنه في اول الروايات ثم قال: وسألته عن كذا، وسألته عن كذا، الى ان يستوفي الروايات التي رواها عن ذلك الامام عليه السلام فلما حصل القطع توهم الاضمار، وكذلك الرواية عن احد تارة بواسطة واخرى بدونها لا توجب الاضطراب في الرواية لجواز تعدد سماعه، واما رواية الحديث تارة على وجه واخرى على وجه آخر مخالفا له فهي توجب الاضطراب وعدم الاعتماد (الى آخر ما قال) ". (*)

[ 65 ]

فهذا غير موجب للرد وقد يشتمل بعض طرق الحديث على من تغير حاله من الاستقامة، اما بانتحال المذاهب الفاسدة أو ظهور الكذب منه، أو طروء الاختلال عليه بعد ان كان ثقة مستقيما فهذا لا يقدح في صحة الحديث إذا علم انه رواه في حال استقامته. ثم ليعلم ان اعتبار الصحة والضعف انما يجري فيما يتعلق من الاخبار بنحو فرائض العبادات وأحكام الحلال والحرام دون ما يتعلق بأصول الدين فانها معلومة بأدلة العقل أو مقرونة بها الا نادرا، وما يتعلق منها بنحو القصص والمواعظ وفضائل الاعمال إذ ليس في المواعظ والقصص غير محض الخير، والعلماء المحققون يتساهلون كثيرا في ادلة السنن والاصل في ذلك ما رواه الخاصة والعامة عن النبي (ص) انه قال: من بلغه عن الله فضيلة فأخذها وعمل بما فيها ايمانا بالله ورجاء ثوابه أعطاه الله تعالى ذلك وان لم يكن كذلك، وروى هشام بن سالم بسند حسن عن ابي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع) انه قال (1): من سمع شيئا من الثواب على شئ فصنعه كان له أجره وان لم يكن على ما بلغه، وفي معناها روايات اخر، وهي متلقاة بالقبول عند الاصحاب وقد اشتهر العمل بمضمونها بينهم وعلى هذا فالعمل بالاخبار الضعيفة في أدلة فضائل الاعمال ليس العمل بها بمضمونها بينهم وعلى هذا فالعمل بالاخبار الضعيفة في أدلة فضائل الاعمال ليس العمل بها حقيقة بل بهذا الحديث الحسن المشتهر المعتضد بالروايات الاخر وبشواهد العقل كمالا يخفى. الاصل الخامس انهم عليهم السلام أعطونا أصولا مطابقة للعقل الصحيح وأذنوا لنا ان نفرع عليها الصور الجزئية وبذلك وسعوا علينا أبواب العلم، وسهلوا لنا طرق المعرفة بالاحكام وذلك من فضل الله علينا ببركتهم عليهم السلام.


1 - يشير به الى ما نقله في الوافي في باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب بهذه العبارة (ج 1 من الطبعة الثانية ص 55): " كا (أي في الكافي) الثلاثة عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) قال: من سمع (الحديث) ". (*)

[ 66 ]

روى البزنطي في جامعه على ما نقله عنه محمد بن ادريس، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال (1): انما علينا ان نلقى عليكم الاصول وعليكم ان تفرعوا. وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام بلا واسطة قال: علينا إلقاء الاصول وعليكم التفريع (2). وتلك الاصول كثيرة: منها ما رواه زرارة في الصحيح بالاصطلاحين عن الباقر (ع) قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء أتوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء ؟ - فقال: يا زرارة قد تنام العين


1 و 2 - اخذهما المصنف (ره) من الفوائد المدنية ونص عبارة الامين (ره) فيه (انظر ص 153 - 154) " الفصل الثامن في جواب الاسئلة المتجهة على ما استفدناه وقررناه من كلام ائمتنا عليهم السلام ومن كلام قدمائنا كأحمد بن ابي عبد الله البرقي في كتاب المحاسن ومحمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات وعلي بن ابراهيم بن هاشم في تفسيره ومحمد بن يعقوب الكليني في اول الكافي السؤال الاول ان الفاضل المدقق محمد بن ادريس الحلي (ره) اخذ احاديث من اصول قدمائنا التي كانت عنده وذكرها في باب هو آخر ابواب كتاب السرائر ومن جملة ما اخذه من جامع البزنطي صاحب الرضا (ع): هشام بن سالم عن أبي - عبد الله (ع) قال: انما، الحديث، احمد بن محمد بن ابي نصر عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: علينا، الحديث، والحديثان ناطقان بجواز الاجتهاد في نفس احكامه تعالى، وجوابه ان يقال: هذان الحديثان موافقان لما حققناه سابقا واستفدناه من كلامهم عليهم السلام لان المراد منهما ان استنباط الاحكام النظرية ليس شغل الرعية بل علينا ان نلقى إليهم نفس احكامه تعالى بقواعد كلية وعليهم استخراج الصور الجزئية عن تلك القواعد الكلية مثال ذلك قولهم عليهم السلام: إذا اختلط الحلال بالحرام غلب الحرام، وقولهم (ع): كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه، وقولهم (ع): كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه، وقولهم (ع): الشك بعد الانصراف لا يلتفت إليه، وقولهم (ع): ليس ينبغي لك ان تنقض يقينا بشك ابدا وانما تنقضه بيقين آخر. وهنا فائدة شريفة هي ان الانظار العقلية قسمان، قسم يكون تمهيد مادة الفكر فيه بل صورته ايضا من جانب اصحاب العصمة، وقسم لا يكون كذلك فالقسم الاول = (*)

[ 67 ]

ولا ينام القلب والاذن، فإذا نامت العين والاذن والقلب وجب الوضوء، قلت: فان حرك الى جنبه شئ ولم يعلم به ؟ - قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيئ من ذلك أمر بين والا فانه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين ابدا بالشك ولكن ينقضه بيقين آخر (1). وروى هو أيضا في الصحيح بالاصطلاحين عنه (ع) في نجاسة الثوب قلت: فاني قد علمت أنه قد أصابه فلم أدر اين فأغسله ؟ - قال: لا، تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك، قلت: فهل علي ان شككت في انه اصابه شئ ان انظر فيه ؟ - قال: لا، ولكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي يقع


= مقبول عند الله تعالى مرغوب إليه لانه معصوم عن الخطأ، والقسم الثاني غير مقبول لكثرة وقوع الخطأ فيه واثبات النبي (صلعم) رسالته على الامة اما من باب انه من باب بعد الاطلاع على معجزته يحصل القطع بدعواه بطريق الحدس كما يفهم من الاحاديث، أو من قسم المقبول من النظر والفكر واستخراج الرعية الفروع من القواعد الكلية الملقاة منهم عليهم السلام من هذا القسم المقبول، هكذا ينبغي ان تحقق هذه المباحث وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ". اقول: قال العلامة المجلسي (ره) بعد نقلهما عن السرائر في المجلد الاول من البحار (ص 145 - 144 من طبعة امين الضرب): " غو - (أي عوالي اللئالي) روى زرارة وابو بصير عن الباقر والصادق مثله بيان - يدل على جواز استنباط الاحكام من العمومات " وقال الشيخ الحر (ره) بعد نقلهما في آخر باب " عدم جواز القضاء والحكم بالرأي والاجتهاد والمقائيس ونحوها من الاستنباطات الظنية في نفس الاحكام الشرعية " من الوسائل (انظر ج 3 ص 375 من طبعة امير بهادر ما نصه: " أقول: هذان الخبران تضمنا جواز التفريع على الاصول المسموعة منهم والقواعد الكلية المأخوذة عنهم عليهم السلام لا على غيرها، وهذا موافق لما ذكرنا، مع انه يحتمل الحمل على التقية وغير ذلك ". 1 - قال المصنف (ره) بعد نقله في الوافي في باب الاحداث التي توجب الوضوء (ج 1 من الطبعة الثانية ص 469): " بيان - يستفاد من هذا الحديث اصل متين نافع في كثير من المواضع وهو ان اليقين = (*)

[ 68 ]

في نفسك، قلت: ان رأيته في ثوبي وأنا في الصلوة ؟ - قال: تنقض الصلوة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته، وان لم تشكك ثم رأيته رطبا قطعت وغسلته ثم بنيت على الصلوة لانك لا تدري لعله شئ اوقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين بالشكك (1). وفي صحيحة علي بن مهزيار بالاصطلاحين في ذلك (2): اما ما توهمت مما أصاب يدك فليس بشئ الا ما تحققت. وفي حسنة الحلبي (3): فان ظن انه اصابه ولم يستيقن ولم ير مكانه فلينضحه بالماء. وفي صحيحة عبد الله بن سنان (4) في الثوب الذي أعاره للذمي الذي يشرب


= بالشئ مستصحب لا يخرج من حكمه واثره الا بيقين آخر مثله وان حصل الشك فيه بعده فانه لا يلتفت إليه، فمن تيقن الطهارة اولا ثم شك في الحدث فهو على طهارته، وان حصل له الشك فيها فانه لا يلتفت إليه بعد ذلك اليقين، وكذا من تيقن الحديث اولا ثم شك في الطهارة فهو على حدثه، وان وقع الشك فيه فانه لا يلتفت إليه بعد ذلك. ولا يخفى ان هذا اليقين بجامع هذا الشك لتغاير متعلقيهما كمن تيقن وقوع المطر في الغداة وهو شاك في انقطاعه ". اقول: اعلم ان الامين الاسترابادي (ره) نقل هذا الحديث بتمامه في فوائده عند البحث عن الاستصحاب فيما نقل وتكلم في هذا المبحث بكلام طويل فمن اراده فليراجع هناك ص 144 ومما يوضح ان المصنف (ره) اخذ هذه المطالب من هذا الكتاب عدم تصرفه في ارجاء الضمائر فان الحديث الاول الذي مر ذكره هو في الوافي عن ابي عبد الله (ع) وهو في الفوائد عن الباقر (ع) والحديث الثاني في الفوائد عن الصادق (ع) وكيف كان، هذا الذي نقله المصنف (ره) هنا قسمة من الحديث فمن اراد تمامه فليراجع الفوائد (ص 144 - 145). 1 - هذا ايضا جزء من حديث اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية فانه مذكور بتمامه فيه (راجع ص 145 - 144 من النسخة المطبوعة). 2 - مأخوذ ملخصا من حديث تمامه في الفوائد المدنية (انظر ص 145). 3 - مأخوذ من الفوائد المدنية وعبارته هكذا (ص 145): " وقول الصادق (ع) في حسنة الحلبي بزعم العلامة ومن وافقه: إذا احتلم الرجل فأصاب ثوبه مني فليغسل الذي اصابه ". 4 - مأخوذ من الفوائد المدنية ونص العبارة فيه (ص 145): " وفي صحيحة عبد الله بن سنان قال: سأل رجل ابا عبد الله (ع) وانا حاضر: اني اعير الذمي = (*)

[ 69 ]

الخمر ويأكل لحم الخنزير قال: صل فيه ولا تغسله من اجل ذلك فانك أعرته اياه وهو طاهر ولم تستيقن نجاسته. وعن معاوية بن عمار ان الصادق (ع) لبس الثوب الذي عمله المجوسي الخبيث الشارب للخمر قبل الغسل (1). وفي صحيحة ابراهيم بن ابي محمود انه قال للرضا عليه السلام (2): الخياط والقصار يكون يهوديا أو نصرانيا وانت تعلم أنه يبول ولا يتوضأ، ما تقول في عمله ؟ - قال: لا بأس. وقد ورد مثل ذلك في أبواب الطهارات وأحكام المياه ونحوها. وفي الموثق (3): كل شئ نظيف حتى تعلم انه قذر فإذا علمت فقد قذر، وما لم تعلم فليس عليك. وفي الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السلام (4): ما ابالي أبول اصابني


= ثوبي وانا اعلم انه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده على فأغسله قبل ان اصلي فيه ؟ - فقال أبو عبد الله (ع): صل، (الى آخر ما ذكره وآخره) " هكذا: " فلا بأس ان تصلي فيه حتى تستيقن انه نجسه ". 1 - مأخوذ من حديث نصه هكذا (انظر الفوائد المدنية ص 146): " وصحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الثياب السابرية تعملها المجوس وهم اخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال ألبسها ولا أغسلها ؟ و أصلي فيها ؟ - قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصا وخيطته وفتلت له ازرارا ورداء من السابري ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع النهار فكأنه عرف ما اريد فخرج بها الى الجمعة ". 2 - مأخوذ من الفوائد (انظر ص 146): 3 - مأخوذ من الفوائد المدنية ونص العبارة فيه كذا (ص 144): " وموثقة عمار الساباطي بزعم العلامة ومن وافقه من اصحابنا واما على ما حققناه فهي كأخواتها كلها صحيحة بمعنى اقوى من المعنى الذي اصطلح عليه العلامة ومن وافقه على وفق اصطلاحات العلامة عن أبي عبد الله (ع) قال: كل شئ الحديث ". 4 - هو في الفوائد المدنية في ص 145 هكذا: " ومنها قول أمير المؤمنين (ع): ما ابالي، الحديث " وان شئت فراجع شرح الفقيه للمجلسي الاول (ص 166 لوامع صاحبقراني من الطبعة الاولى سنة 1331). (*)

[ 70 ]

ام ماء إذا لم أعلم. وليس من هذا القبيل ما إذا علمنا بنجاسة ثوب مثلا فانه يلزم ان لا يحكم بطهارته الا بالقطع واليقين بل يكفي شهادة عدلين أو اخبار القصار أو نحو ذلك كما يستفاد من الاصل الاتي وذلك لان بناء هذا الاصل على رفع الحرج. قال بعض الفضلاء (1): ان هذه القاعدة مخصوصة بمتعلقات أحكام الله تعالى من أفعال الانسان واحواله دون نفس أحكام الله تعالى كما زعم اكثر المتأخرين فإذا لم يعلم كون نطفة الغنم طاهرة أو نجسة مثلا لم يحكم بطهارتها بهذا الاصل إذا لمراد ان كل صنف فيه طاهر ونجس مما لم يميز الشارع بين افراده بعلامة فهو طاهر حتى تعلم انه نجس. اقول: ووجه ذلك يتبين مما حققناه في وصول الاصل الاول. ومنها - ان كل ذي عمل مؤتمن في عمله ما لم يظهر خلافه كما يستفاد من الاخبار


1 - يريد به الامين الاسترابادي (ره) فانه قال في الفوائد المدنية بعد نقل احاديث ما نصه (148): " واعلم ان الاحاديث التي نقلناها في هذا الموضع كلها متواترة المعنى ثم اقول: اعلم انه وقعت من جمع من المتأخرين من أصحابنا لقلة حذقهم في الاحاديث اغلاط في هذه المباحث من جملتها ان الفاضل المدقق الشيخ علي (ره) افتى في بعض كتبه بان ظن غلبة النوم على الحدقتين كاف في نقض الوضوء وقد علمت تواتر الاخبار بخلاف ما افتى به، ومن جملتها ان كثيرا منهم زعموا ان قولهم (ع): " لا تنقض يقينا بشك ابدا وانما تنقضه بيقين آخر " جار في نفس احكامه تعالى وقد فهمناك انه مخصوص بافعال الانسان واحواله و اشباههما من الوقائع المخصوصة. ومن جملتها ان بعضهم توهم ان قولهم عليهم السلام " كل شئ طاهر حتى تستيقن انه قذر " يعم صورة الجهل بحكم الله تعالى فإذا لم نعلم ان نطفة الغنم طاهرة أو نجسة نحكم بطهارتها، ومن المعلوم ان مرادهم عليهم السلام ان كل صنف فيه طاهر وفيه نجس كالدم والبول واللحم والماء واللبن والجبن مما لم يميز الشارع (ع) بين فرديه بعلامة فهو طاهر حتى تعلم انه نجس، وكذلك كل صنف فيه حلال وحرام مما لم يميز الشارع بين فرديه بعلامة فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه ". (*)

[ 71 ]

الواردة في القصارين، والجزارين، وحديث تطهير الجارية ثوب سيدها، وحديث ان الحجام مؤتمن في تطهير موضع الحجامة، وغير ذلك لرفع الحرج والتوسيع في التكليفات والتسهيل على العباد ففي صحيح الفضلاء (1) بالاصطلاحين انهم سألوا ابا جعفر (ع) عن شراء اللحم من الاسواق ولا يدرون ما صنع القصابون ؟ - قال: كل ذلك إذا كان في سوق المسلمين ولا تسأل عنه يعني إذا اشتريته من رجل ظاهره الاسلام لانه في سوق المسلمين. وفي رواية سماعة قال (2): سألته عن أكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت والغراء ؟ - فقال: لا بأس ما لم تعلم انه ميتة. وقد مر صحيحة ابراهيم بن ابي محمود في ذلك (3). ومنها - ان يبقى على الحكم السابق حتى يظهر خلافة فلا يخرج عن شعبان مثلا حتى يقطع بدخول شهر رمضان كما يظهر من كثير من الروايات وهو قريب من الاول وفيه تحقيق يأتي في فصل هذا الاصل ان شاء الله تعالى. ومنها - ما إذا خرج من فعل ثم شك فيه فلا يعتبر ذلك الشك لقولهم عليهم -


1 - اخذ الحديث من الفوائد المدنية وعبارته هكذا (ص 147): " وصحيحة فضيل وزرارة ومحمد بن مسلم انهم سألوا (الحديث) " فالتعبير بالفضلاء والاصطلاحين منه. 2 - مأخوذ من الفوائد المدنية (انظر ص 147 من النسخة المطبوعة) ونقله عن الفقيه في الوافي في باب الصلوة في جلد الميتة وما لا يعلم ذكاته (ج 2 من الطبعة الاولى ص 60) قائلا بعده: " بيان - الغراء بكسر الغين المعجمة والراء المهملة والمد ما يلصق به ويتخذ من الجلود والسمك والكميخت يأتي تفسيره " ويشير به الى ما رواه عن التهذيب بعد قوله: " يب (الى ان قال) وحدثني علي بن حمزة ان رجلا سأل أبا عبد الله (ع) وانا عنده عن الرجل يتقلد السيف ويصلي فيه ؟ - قال: نعم، فقال الرجل: ان فيه الكيمخت فقال: وما الكيمخت ؟ - فقال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة، فقال: ما علمت انه ميتة فلا تصل فيه " وشرحه المجلسي الاول (ره) في شرحه على من لا يحضره الفقيه المسمى بلوامع صاحبقراني (انظر شرح كتاب الصلوة ص 133 من الطبعة الاولى). 3 - انظر ص 69 من الكتاب الحاضر. (*)

[ 72 ]

السلام: إذا خرجت من شئ ثم شككت فيه فشكك ليس بشئ. ومنها - ما رواه في البصائر باسناده عن موسى بن ابي بكر (1) قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يغمي عليه اليوم واليومين أو ثلاثة ايام أو اكثر من ذلك كم يقضي من صلوته ؟ - فقال: الا اخبرك بما ينتظم به هذا واشباهه فقال: كلما غلب الله عليه من امر فالله أعذر لعبده، وزاد فيه غيره، قال: قال أبو عبد الله (ع): وهذا من الابواب التي ينفتح من كل باب منها الف باب. وفي معناه اخبار أخر صحيحة في الكافي والتهذيب وغيرها [ ويومي إليه ايضا ] (2) قوله تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج (3) وقوله عز وجل يريد الله بكم اليسر (4). رويا في الكافي والتهذيب في الحسن عن عبد الاعلى (5) قال: قلت لابي عبد الله (ع): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على اصبعي مرارة فكيف اصنع بالوضوء ؟ - قال: تعرف هذا واشباهه من كتاب الله عز وجل ما جعل الله عليكم في الدين من حرج امسح عليه. ومنها - ما رواه في الكافي عن أبي عبد الله (ع) عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين (ع): السنة سنتان في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة وتركها الى غيرها خطيئة (6) والظاهر ان القسمين


1 - هو الحديث السادس عشر من احاديث الباب السادس عشر من ابواب الجزء السادس من بصائر الدرجات (انظر ص 306 من طبعة مطبعة شركت چاپ بطهران سنة 1381). 2 - ما بين القلابين من اضافاتنا وكانت هناك عبارة قطعا تفيد هذا المعنى فسقطت والا فلا يتلائم الكلام ويمكن ان يكون الساقط واو العطف فقط. 3 - من آية 78 سورة الحج. 4 - من آية 185 سورة البقرة. 5 - هو مولى آل سام نقله المصنف (ره) في الوافي في باب وضوء من بأعضائه آفة، ونص عبارة الكتاب هكذا: " يب - احمد عن السراد عن ابن رباط عن عبد الاعلى مولى آل سام قال قلت لابي عبد الله (ع): عثرت (الحديث)، (انظر ص 484 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية). 6 - قال المصنف (ره) بعد نقله في باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب من الوافي (انظر ج 1 ص 56 من الطبعة الثانية): (*)

[ 73 ]

اشارة الى الواجب والمستحب إذ السنة في الاصل الطريقة ثم خصت بطريقة الحق التي وضعها الله تعالى للناس وجاء بها الرسول (ص) ثم قيلت لكل ما يتقرب به الى الله مما يسلك به هذه الطريقة من العلوم الحقة والاعمال الشرعية فرضا كانت أو نفلا، واما اطلاقها على النفل وفي مقابله الفرض كما يوجد في كلام الفقهاء وسيما المتأخرين فهو من باب تسمية الشئ باسم جنسه الاعم كقسميه مقابل التصديق باسم التصور. ومنها - ما رواه في الكافي باسناده عن علي بن الحسين عليهما السلام انه قال (1): ان افضل الاعمال عند الله ما عمل بالسنة وان قل. قيل: السبب فيه ان الاعمال البدنية


= " بيان - السنة في الاصل الطريقة ثم خصت بطريقة الحق التي وضعها الله للناس وجاء بها الرسول (صلعم) ليتقربوا بها الى الله تعالى، ويدخل فيها كل عمل شرعي واعتقاد حق ويقابلها البدعة، وينقسم السنة الى واجب وندب وبعبارة اخرى الى فرض ونفل وبثالثة الى فريضة وفضيلة ما يثاب بها فاعلها ويعاقب على تركها، والفضيلة ما يثاب باتيانها ولا يعاقب على تركها كما فسرهما عليه السلام. وقد يطلق السنة على قول النبي وفعله وهي في مقابلة الكتاب ويحتمل ان يكون المراد بها ههنا كما تشعر به لفظة في المنبئة عن الورود، واما تخصيص السنة بالنفل والفضيلة فعرف طار من الفقهاء نشأ وليس في كلام أهل البيت عليهم السلام منه اثر بل كانوا يقولون: غسل الجمعة سنة واجبة ونحو ذلك ". 1 - قال المصنف (ره) بعد نقله في " باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب " من الوافي (ج 1 من الطبعة الثانية ص 54 - 55): " بيان - الوجه فيه ان الاعمال الجسمانية لا قدر لها عند الله الا بالنيات القلبية كما ورد في الحديث المشهور: انما الاعمال بالنيات، ومن يعمل بالسنة فانما يعمل بها طاعة لله وانقيادا للرسول فيكون عمله مشتملا على نية التقرب وهيئة التسليم والخضوع الناشئتين من القلب فلا محالة ثوابه كثير وأجره عظيم وان قل عدده وصغر مقداره واليه اشير بقوله سبحانه: لن ينال الله لحومها ودماؤها ولكن يناله التقوى منكم ". (*)

[ 74 ]

ليس لها كثير فضل الا بالنيات القلبية والاعتقادات اليقينية، والعمل بالسنة منوط بقصد طاعة الشرع وامتثال الامر وانقياد الرسول فهو لاشتماله على معنى الطاعة وهيئة التسليم والخضوع يكون لا محالة ثوابه اكثر وان قل عدده، واجره اعظم وان صغر مقداره من العمل المجرد عن هذه النيات وان كثر وعظم، والى هذا المعنى اشار بقوله تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (1). ومنها قوله (ص): انما الاعمال بالنيات ولكل امرء ما نوى (2). وفي الكافي باسناده عن الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام (3) قال: قال رسول الله (ص): لا قول الا بعمل، ولا قول ولا عمل الا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية الا باصابة السنة. اي لا يتم قول الايمان الا بعمل الاركان، ولا يتم عمل الاركان الا بنية الجنان والاعتقاد الصحيح، ولا يصح نية ولا اعتقاد الا باصابة الطريقة الحقة التي أتى بها الرسول (ص) عن الله تعالى. وانت خبير بان هذه الاحاديث لا دلالة فيها على وجوب استشعار اجزاء كل عبادة عند فعلها بل على وجوب كون الباعث له على فعلها النية والاعتقاد الصحيحين. ومنها - ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح (4) عن ابي عبد الله (ع): قال: كل شئ يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه. وفي موثقة مسعدة بن صدقة (5) عنه (ع) مثله وزاد فتدعه من قبل يقينك مثل الثوب قد


1 - صدر آية 37 من سورة الحج. 2 - نقله الشيخ الحر (ره) في باب وجوب النية في العبادات الواجبة عن تهذيب الشيخ وعن اماليه (ج 1 من طبعة امير بهادر ص 8). 3 - قال في الوافي بعد نقله عن الكافي في باب الاخذ بالسنة (ج 1: ص 55): " يب - عن الرضا (ع) انه قال: لا قول الا بعمل، ولا عمل الا بنية، ولا نية الا باصابة السنة بيان - انما نفى النية الا بالسنة لان المخالف للسنة والمخطئ لا يمكنه نية التقرب إذ التقرب انما يحصل بالاطاعة والانقياد وبعد الاهتداء الى صحة الاعتقاد ". 4 و 5 - اخدهما المصنف (ره) من الفوائد المدينة للامين الاسترابادي (ره) ونص عبارته هناك هكذا (ص 146): (*)

[ 75 ]

اشتريته وهو سرقة أو المملوك عندك ولعله حر قد باع نفسه، أو خدع أو قهر، أو امرأة تحتك وهي اختك ورضيعتك والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. اراد (ع) بذلك الشئ المعين الذي قد يكون هو بعينه حراما لعارض كالطير المأكول اللحم فان مذبوحه حلال وميتته حرام لا كالطير المطلق فان منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام فلا يحل الحرام منه لعدم العلم بحرمته. وفي رواية السكوني (1) عنه (ع) عن أمير المؤمنين (ع) انه سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها وخبزها وجبنها وبيضها وفيها سكين قال: يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد وليس له بقاء فان جاء طالبها غرموا له الثمن، قيل: يا أمير المؤمنين لا ندري سفرة مسلم أو مجوسي فقال: هم في سعة حتى يعلموا. وفي صحيحة الحلبي (2) عنه (ع): الميتة والمزكى اختلطا كيف نصنع ؟ - قال: تبيعه من مستحل الميتة وتأكل ثمنه قال: ولا بأس به. وعنه (ع) ان رجلا أتى أمير المؤمنين (ع) فقال (3): يا أمير المؤمنين اني اصبت مالا لا أعرف حلاله عن حرامه فقال: أخرج الخمس من ذلك المال فان الله عز وجل قد رضى من المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبه يعلم.


= " وصحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (ع) قال قال أبو عبد الله (ع): (الحديث الى قوله فتدعه) وموثقة مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله (ع) بزعم العلامة والمتأخرين عنه والا فالحق انها صحيحة كأخوتها على ما حققناه سابقا قال: سمعته يقول: كل شئ هو لك حلال حتى تعلم انه احرام بعينه فتدعه من قبل يقينك (الحديث) ". 1 و 2 و 3 - هذه الاحاديث مأخوذة من الفوائد المدنية الا ان الحديث الثاني والثالث ملخصان ونص العبارة فيه بالنسبة اليهما كذا (ص 147): " وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (ع) انه سئل عن رجل كانت له غنم وبقر وكان يدرك الذكي منها فيعزله ويعزل الميتة ثم ان الميتة والذكي اختلطا كيف يصنع به ؟ - قال: يبيعه ممن يستحل الميتة ويأكل ثمنه ولا بأس به ورواية الحسن بن زياد عن أبي عبد الله (ع) قال: ان رجلا الحديث ".

[ 76 ]

ومنها - ما رواه معاوية بن وهب قال (1) قلت لابي عبد الله (ع): الرجل يكون في داره فيغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره ولا ندري ما حدث له من الولد الا انا لا نعلم انه احدث في داره شيئا ولا حدث له ولد ولا تقسم هذه الدار بين ورثته الذي ترك في الدار حتى يشهد شاهد عدل ان هذه الدار دار فلان بن فلان ومات وتركها ميراثا بين فلان وفلان فتشهد على هذا ؟ - قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد والامة فيقول: ابق غلامي، وابقت امتي، فيوجد في البلد فيكلفه القاضي البينة ان هذا الغلام لفلان لم يبعه ولم يهبه أفنشهد على هذا ان كلفنا به ونحن لم نعلم احدث شيئا ؟ - قال: فكلما غاب عن هذا المرء المسلم غلامه أو امته أو غاب عنك لم تشهد عليه. وفي رواية حفص بن غياث (2) عنه (ع) قال: قال له رجل: ارأيت إذا رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي ان اشهد انه له ؟ - قال: فقال الرجل: أشهد انه في يده ولا اشهد انه له فلعله لغيره ؟ - فقال أبو عبد الله عليه السلام: افيحل الشراء منه ؟ - قال: نعم، فقال أبو عبد الله (ع): لعله لغيره، فمن اين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ؟ ! ولا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله اليك ؟ ! ثم قال أبو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق. ومنها العمومات القطعية المقررة مثل قوله تعالى: أوفوا بالعقود، وحديث: لا ضرر ولا ضرار، والمؤمنون عند شروطهم الا ما أحل حراما وحرم حلالا، والبينة


1 و 2 - مأخوذ ان من الفوائد المدنية (انظر 146 و 147). وايضا في مرآة العقول في الباب التاسع من كتاب الشهادات (ج 4، ص 226) وسند الاول هكذا: " علي بن ابراهيم عن ابيه عن اسماعيل بن مرار عن يونس عن معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله (ع): الرجل، الحديث ". وسند الثاني هكذا: " علي بن ابراهيم عن ابيه وعن علي بن محمد القاساني جميعا عن القاسم بن محمد بن يحيى عن سليمان بن داود عن حفص بن غياث عن ابي عبد الله (ع) قال: قال له رجل: ارأيت (الحديث) ". فمن اراد شرحهما فليراجع الكتاب. (*)

[ 77 ]

على المدعى واليمين على من انكر، ونحوها وهي كثيرة ومنع بعض الفضلاء (1) من الاستدلال بأمثالها لظنية دلالتها والنهي عن اتباع الظن فكل ما ورد منها عن اهل البيت عليهم السلام بيانه والعمل به في محل بخصوصه فهو الحجة والا فلا. أقول: وهذا انما يستقيم فيما لم يكن دلالتها محكمة فيه، واما ما كانت دلالتها محكمة فيه فيجوز الاستدلال بها كما عرفت في محكمات الكتاب بعينه، والا انتفى الفائدة فيها اصلا. ومنها صحيحة زرارة (2) قال ما رأيت مثل أبي جعفر (ع) قط سألته قلت: سألته قلت: أصلحك الله ما يؤكل من الطير ؟ ! قال كل: ما دف ولا تأكل ما صف، قال: قلت فالبيض في الاجام ؟ - قال: ما استوى طرفاه فلا تأكل، وما اختلف طرفاه فكل، قلت: فطير الماء ؟ - قال: ما كانت له قانصة فكل، وما لم تكن له قانصة فلا تأكل. وفي رواية ابن ابي يعفور (3) عن


1 - كانه يشير به الى ما ذكره الامين الاسترابادي (ره) بعد ما نقل اخبارا (ص 120): " اقول: هذه الاحاديث صريحة في انحصار الناس في ثلاثة بعده (ص) اصحاب العصمة عليهم السلام، ومن التزم ان يأخذ كل مسألة يجوز الخطأ فيها عادة من العقائد والاعمال منهم عليهم السلام، ومن لا يكون لا هذا ولا ذاك وصريح في ان القسم الثالث مردود فانظر وتدبر في ان من يتمسك في الاعتقادات بالمقدمات العقلية القطعية بزعمه وفي الاعمال بالخيالات الظنية بزعمه كاصالة البراءة من الاحكام الشرعية وكاستصحاب الحكم السابق على الحالة الطارية وكالعمومات والاطلاقات مع احتمال ان تكون مخصصة أو مقيدة في الواقع أو بغير ذلك من الادلة المفيدة للظن بزعمه داخل في اي الاقسام الثلاثة ولا تكن من المعاندين و التكلان على التوفيق ". 2 و 3 - مأخوذان من الفوائد المدنية (انظر ص 148 من النسخة المطبوعة) والحديث الثاني ملخص واصل العبارة فيه هكذا: " وفي رواية ابن ابي يعفور قال قلت لابي عبد الله (ع): اني اكون في الاجام فيختلف الى الطير فما آكل منه ؟ - قال: كل ما دف ولا تأكل ما صف قلت: اني (الحديث) ". (*)

[ 78 ]

أبي عبد الله (ع): كل مادف ولا تأكل ما صف قلت اني اوتي به مذبوحا ؟ - قال: كل ما كان له قانصة، وسيأتي في الاصل الثامن حديث حريز مع ابي حنيفة يناسب هذا. ومنها - ما رواه في الكافي في الموثق عن زرارة (1) في اناس من اصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا الى الوقت وهي لا تصلي فجهلوا ان مثلها ينبغي ان يحرم فمضوا بهاكما هي حتى قدموا مكة وهي طامث حلال فسألوا الناس فقالوا: تخرج الى بعض المواقيت فتحرم منه وكانت إذا فعلت لم تدرك الحج فسألوا أبا جعفر (ع) فقال: تحرم من مكانها قد علم الله نيتها، وفي معناه الصحيح المروي فيه. ومنها - ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج (2) في الصحيح عن أبي ابراهيم (ع) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدتها بجهالة اهي ممن لا تحل له ابدا ؟ - فقال: لا أما إذا كان بجهالة


1 - نقله المصنف (ره) في الوافي في كتاب الحج في باب من جاوز الميقات بغير احرام بهذه العبارة (ج 2 من الطبعة الثانية ص 455) " كا - محمد عن احمد عن ابن فضال عن ابن بكير عن زرارة عن اناس من اصحابنا) الحديث) " قائلا بعده: " كا - القميان عن صفوان عن عبد الله ابن سنان مثله " ويشير بالسند الثاني الى الصحيح الذي اشار إليه في كتاب الحاضر وهو مذكور ايضا في الفوائد المدنية ص 163 مع كلام للامين الاسترابادي (ره) في صدره وذيله قال الشيخ الحر (ره) بعد نقله في كتاب القضاء في الوسائل في باب وجوب التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كل مسألة نظرية لم يعلم حكمها بنص منهم عليهم السلام (ج 3 من طبعة امير بهادر ص 387): " اقول: فهذه تركت واجبا في الواقع لجهلها بحكمه ولاحتمال التحريم فلم ينكر عليها الامام بل استحسن فعلها واستصوب احتياطها وقال: قد علم الله نيتها ". 2 - اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية (انظر ص 162 من النسخة المطبوعة) ونص عبارة الامين فيه: " الفائدة الثانية - انه في كلامهم عليهم السلام وقع اطلاق الجاهل على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكا أو ظانا والجاهل بهذا المعنى يجب عليه التوقف ووقع اطلاقه على الغافل الذاهل ذهنه عن تصور المسألة والجاهل بالمعنى الاخير = (*)

[ 79 ]

فليتزوجها بعد ما ينقضي عدتها وقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك فقلت: باي الجهالتين اعذر ؟ بجهالته ان يعلم ان ذلك محرم عليه ام بجهالته انها في عدة ؟ - فقال: احدى الجهالتين اهون من الاخرى لجهالته بان الله حرم عليه ذلك وذلك لانه لا يقدر على الاحتياط معها، فقلت: هو في الاخرى معذور ؟ - قال: نعم إذا انقضت عدتها فهو معذور في ان يتزوجها، فقلت: وان كان احدهما متعمدا والاخر بجهالة ؟ - فقال: الذى تعمد لا يحل له ان يرجع الى صاحبه ابدا. ومنها - ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابي عبد الله (ع) قال (1) قال رسول الله (صلعم): رفع عن امتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه، ومالا يطيقون، ومالا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة. وروى فيه باسناده عنه (ع) قال: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم (2). وفيه عنه (ع) انه سئل (3) عمن لم يعرف شيئا عليه شئ ؟ - قال: لا. وفيه عنه (ع): من علم بما علم كفى ما لم يعلم (4).


= لا يجب عليه الاحتياط والا لزم تكليف الغافل وقد ورد في هذا المعنى صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي ابراهيم عليه السلام قال: سألته (الحديث) وقال بعده: " وانما قلنا: ان المراد بالجاهل في هذه الصحيحة الغافل لا الظان والمتردد لانهما يقدران على الاحتياط دون الغافل ". 1 - اخذه من الفوائد المدنية وهو نقله عن توحيد الصدوق (انظر ص 160). 2 - انظر الفوائد المدنية (ص 161 و 163 و 219). 3 - مأخوذ من الفوائد المدنية وهو نقله عن توحيد الصدوق (ره) فقال بعد نقل احاديث منه مشيرا الى سنده: " أبي (ره) قال حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحجال عن ثعلبة بن ميمون عن عبد الاعلى بن اعين قال: سألت ابا عبد الله (ع) عمن لم يعرف " (الحديث، انظر ص 119). 4 - مأخوذ من الفوائد المدنية ص 161 وايضا ص 218 وفي الموردين نقله مؤلفه من كتاب التوحيد للصدوق (ره). (*)

[ 80 ]

ومنها - ما رواه في الفقيه قال (1) خطب امير المؤمنين (ع) الناس فقال: ان الله تبارك وتعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقضوها، وسكت عن اشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها، رحمة من الله لكم فاقبلوها. ثم قال (ع): حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك، والمعاصي حمى الله فمن يرتع حولها يوشك ان يدخلها. قوله (ع): " وسكت عن اشياء " الى قوله " فاقبلوها " معناه ان كل ما لم يصل اليكم من التكاليف ولم يثبت في الشرع فليس عليكم شئ فلا تتكلفوه على انفسكم فانه رحمة من الله لكم وفي هذا قيل: اسكتوا عما سكت الله عنه، مثاله قيود النيات التي أوجبها المتأخرون بلا دليل من الشرع، مثل قيد رفع الحدث في الطهارات، وقيد الوجوب والاستحباب في العبادات، والعلم بتعيين احدهما فيها، الى غير ذلك، وهذا الاصل يرجع الى اصالة البراءة. ومنها - (2) الحديث النبوي المتواتر بين العامة والخاصة: انما الامور ثلاثة، أمر


1 - قال المصنف (ره) في المجلد الاول من الوافي في آخر " باب النهي عن القول بغير علم " (ص 39 من الطبعة الثانية): " يه - خطب أمير المؤمنين، الحديث " قائلا بعده: " بيان - فلا تتكلفوها معناه ان ما لم يصل (وذكر مثل ما في المتن الى قوله) سكت الله عنه ". فليعلم ان السيد الرضي (ره) نقل صدر هذا الحديث في نهج البلاغة في باب الحكم بهذه العبارة: " ان الله تعالى افترض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد لكم حدودا فلا تعتدوها، ونهاكم عن اشياء فلا تنتهكوها، وسكت لكم عن اشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلفوها ". 2 - اعلم ان المصنف (ره) اخذ ما ذكره هنا مما ذكره الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية ونص عبارته هكذا (ص 163 من النسخة المطبوعة): " السؤال الثامن ان يقال: كيف عملكم في حديث صحيح يحتمل الوجوب والندب وجوابه ان يقال: نوجب التوقف عن تعيين احد الاحتمالين ثم نقول: ان كان ظاهره الوجوب يجب فعله بنية مطلقة احتياطا وكذلك مع تساوي الاحتمالين، وان كان ظاهره الندب وباطنه الوجوب فوجوبه موضوع عنا، وبعد ما أحطت خبرا بالاحاديث الناطقة بوجوب التوقف = (*)

[ 81 ]

بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وشبهات بين ذلك، والوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، ومن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قلت: ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه فقال (ع): إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا. وفي الخبر المشهور: دع ما يريبك الى ما لا يريبك، ومن اتقى الشبهات استبرأ دينه وعرضه. ومنها - ما رواه في الكافي عن ابي الصباح عن الصادق (ع) قال: ما صنعتم من شئ اوحلفتم عليه من يمين في ثقة فأنتم منه في سعة (1). وباسناده عن ابي عبيدة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا زياد ما تقول لو افتينا رجلا ممن يتولانا بشئ من التقيه ؟ - قلت له: أنت أعلم جعلت فداك، قال: ان أخذ به فهو خير له وأعظم اجرا. وفي رواية اخرى: ان اخذ به اوجر وان تركه والله أثم. وباسناده الموثق عن زرارة بن أعين عنه (ع)


= والتثبت في كل واقعة لم يكن حكمها بينا واضحا بقوله (ص) في الحديث المتواتر بين الفريقين: انما الامور (الحديث) وبقول الكاظم (ع) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج حيث قال: فقلت، ان بعض اصحابنا سألني عن ذلك (الحديث) وبما روى الفريقان عنه (ص): دع (الحديث) " وله ذيل تركه المصنف (ره): وهو " وبقول الكاظم (ع) في مكاتبة عبد الله بن صباح: ارى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ بالحائطة وبقولهم عليهم السلام: ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم سهل عليك الجواب عن هذه الاسئلة. وهنا فائدتان، الاولى - انه (ص) حصر الامور في ثلاثة، احديها بين رشدها، وثانيتها بين غيها، وثالثتها ما ليس هذا ولا ذاك وسماها شبهة فعلم من ذلك ان كل ما ليس بيقيني حتى الظني شبهة. الفائدة الثانية - انه وقع في كلامهم عليهم السلام اطلاق الجاهل على غير القاطع بالحكم سواء كان شاكا اوظانا (فخاض في بيانه فمن اراده فليطلبه من هناك) ". 1 - هو في باب ما لا يلزم من الايمان والنذور من الكافي هكذا: (ج 4 مرآة العقول ص 240): " محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة عن أبي - الصباح قال: والله لقد قال لي جعفر بن محمد: ان الله علم نبيه التنزيل والتأويل فعلمه رسول الله (ص) عليا (ع) قال: وعلمنا والله ثم قال: ما صنعتم من شئ (الحديث) ". (*)

[ 82 ]

ايضا قال: سألته عن مسألة فأجابني ثم جاء رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف مااجابني ثم جاء آخر فاجابه بخلاف ما اجابني واجاب صاحبي، فلما خرج الرجلان قلت: يا بن - رسول الله رجلان من اهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فاجبت كل واحد منهما بغير ما اجبت به صاحبه ؟ ! فقال: يا زرارة ان هذا خير لنا وابقى لنا ولكم ولو اجتمعتم على امر واحد لصدقكم الناس علينا ولكان اقل لبقائنا ولبقائكم. قال: ثم قلت لابي عبد الله (ع): شيعتكم لو حملتموهم على الاسنة أو على النار لمضوا، وهم يخرجون من عندكم مختلفين ؟ ! قال فأجابني بمثل جواب ابيه (1). قال بعض المحققين (2): ان تلك الاجوبة مع اختلافها وكونها في مسألة واحدة كلها حق وصواب لعصمهم عن الخطأ وذلك لان الامر الواحد قد يكون له جهات


1 - قال المصنف (ره) في الوافي بعد نقله في باب اختلاف الحديث والحكم (ج 1 من الطبعة الثانية ص 52): " بيان - لصدقكم الناس اي جعلوكم متحققين كقوله سبحانه: لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وقوله تعالى: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، علينا أي على اتباعنا، و الاسنة جمع سنان، لمضوا لاجابوا، وهم يخرجون يعني والحال انهم يخرجون مختلفين. ! فما السبب في ذلك ؟ ". 2 - يريد بقوله " بعض المحققين " استاذه المولى صدرا المعروف عند المتأخرين بصدر - المتألهين فأنه (ره) قال في شرحه على اصول الكافي في شرح الحديث المذكور اعني الحديث الذي نقله المصنف (ره) وهو الحديث الخامس من احاديث " باب اختلاف الحديث " من ابواب اصول الكافي وهو في الواقع الحديث الثالث والتسعون والمائة من أحاديث الكتاب المذكور كما عنونه به الشارح (ره) ما نصه (انظر ص 209 من النسخة المطبوعة): " الشرح - عللا عليهما السلام اختلاف الاجوبة عن مسالة واحدة لشيعتهم بانهم عليهم السلام كانوا مريدين للخمول معرضين عن الدنيا وشواغلها فلم يريدوا اتفاق الشيعة على امر واحد لئلا يصدقهم الناس ويذعنونهم على متابعة الائمة عليهم السلام خوفا من الشهرة الموجبة للفتنة والهلاك ولابد لك ان تعلم ان تلك الاجوبة (الكلام الى آخره) ". (*)

[ 83 ]

وحيثيات وله بكل جهة وحيثية حكم آخر مخالف للحكم الذي له بجهة وحيثية اخرى، مثال ذلك الانسان الواحد كزيد مثلا يصدق عليه المقولات العشر التي هي أجناس عالية متباينة اجتمعت كلها فيه وصدقت عليه باعتبارات وجهات مختلفة، فهو من حيث كونه حيوانا جوهر، ومن حيث كونه طويلا كم، ومن حيث كونه ذا لون كيف، ومن حيث كونه ابا مضاف، ومن حيث انه كاتب فاعل، ومن حيث كونه متحركا منفعل، وهكذا في سائر المقولات العرضية فهو من حيث كونه جوهرا ليس بكم ولا كيف ولا غيرهما، ومن حيث كونه كما ليس بجوهر ولا كيف ولا غيرهما، بل الانسان ليس من حيث هو انسان الا انسانا دون غيره من العوارض اللازمة أو المفارقة فإذا سئل: هل زيد كاتب أو ليس بكاتب أو واحد أو كثير يمكن الجواب بكلا طرفي النقيض، فعلى هذا السبيل يجب ان يعلم هذا المقام (انتهى كلامه). وفي الكافي ايضا باسناده الموثق عن أبي عبد الله (ع) قال (1): من عرف انا لا نقول الا حقا فليكتف بما يعلم منا فان سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم ان ذلك دفاع منا عنه. وباسناده عنه (ع) قال (2): أرأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بايهما كنت تأخذ ؟ - قال: قلت: كنت آخذ بالاخير، فقال لي: رحمك الله. وفيه عن المعلى بن خنيس (3) قال: قلت لابي عبد الله (ع): إذا جاء حديث عن اولكم وحديث


1 - قال المصنف (ره) بعد نقله في الباب الذي اشرنا إليه في الحديث السابق (ص 52): " بيان - وجه الاخذ بالاخير ان بعض الازمنة يقتضي الحكم بالتقية للخوف الذي فيه، وبعضها لا يقتضيه لعدمه، فالامام (ع) في كل زمان يحكم بما يراه المصلحة في ذلك الزمان فليس لاحد ان يأخذ في العام بما حكم به في عام اول، وهذا معنى قوله (ع) في الحديث الاتي: انا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم ". 2 و 3 - هما ايضا في الوافي الذي اشرنا إليه (ج 1 ص 53 - 52). وقال بعدهما: " بيان - قد مر معناه ". (*)

[ 84 ]

عن آخركم بايهما نأخذ ؟ - فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فخذوا بقوله. قال: ثم قال أبو عبد الله (ع): انا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم. [ وايضا في الكافي ] وفي حديث آخر: خذوا بالاحدث. والاخير هو مقتضي وقته فان لكل وقت مقتضى بالاضافة الى العمل، وليس ذلك بنسخ فان النسخ لا يكون بعد النبي (ع) والاخذ بقول الحي أيضا كذلك لانه اعلم بما يقتضي الوقت العمل به. واعلم ان امثال هذه الاصول والضوابط ليست بمنحصرة فيما ذكر بل هي كثيرة في الكتاب والسنة واخبار اهل البيت عليهم السلام مما يصدقها شواهد العقل الصحيح وانما ذكرنا نبذا منها للتنبيه والارشاد، فمن اراد زيادة عليها فيطلبها من مظانها. فصل اعلم ان حكم الاستصحاب لا يرجى فيما إذا دخل الصلوة بتيمم ثم وجد الماء في الاثناء حتى يلزم ان لا يقطع صلوته بفعل الوضوء ولان قبل وجدان الماء كان يمضي في صلوته بالاتفاق فكذلك بعده لوجوه: احدها - ان هذا نفس الحكم الشرعي وليس من متعلقاته فيتوقف على الاذن من الشرع كما قال الفاضل (1).


1 - يريد بقوله " الفاضل " الامين استرابادي (ره) ويشير به الى ما ذكره في الفوائد المدنية بقوله (ص 141 من النسخة المطبوعة): " واما التمسك باستصحاب حكم شرعي في موضع طرأت فيه حالة ثم علم شمول الحكم الاول لها مثاله من دخل في الصلوة بتيمم لفقد الماء ثم وجد الماء في اثنائها قبل الركوع أو بعده ومن عزم على اقامة عشرة ثم رجع قبل ان يصلي صلوة واحدة تامة أو بعدها فقد قال به الشافعية وبعض اهل الاستنباط من اصحابنا والحق عندي قول الاكثر وذلك لوجوه، الاول عدم ظهور دلالة على اعتباره شرعا وما ذكرته علماء الشافعية ومن وافقهم في هذه القاعدة من حصول ظن البقاء ومن جواز العمل بذلك الظن شرعا مردود من = (*)

[ 85 ]

والثاني ان الحال اختلف بوجدان الماء فيحتمل اختلاف الحكم ايضا فلا قطع باتحاده. والثالث ان ننقض التيمم بوجود الماء ايضا حكم شرعي فعلينا ان نبقى على هذا الحكم حتى يثبت لنا خلافه ولم يثبت في هذه الصور ففيها تعارض الاصل من الطرفين فلا يجوز العمل بأحدهما لعدم الترجيح. وفي هذا المقام تحقيق ذكره المحقق طاب ثراه في اصوله فانه قال: (1) والذي نختاره نحن ان ينظر في الدليل المقتضى لذلك الحكم فان كان يقتضيه مطلقا وجب القضاء باستمرار الحكم كعقد النكاح مثلا فانه يوجب حل الوطي مطلقا فإذا وقع الخلاف في الالفاظ التي يقع بها الطلاق كقوله: انت خلية وبرية فان المستدل على ان الطلاق لا يقع بهما لو قال: حل الوطى ثابت قبل النطق بها فيجب ان يكون ثابتا بعدها لكان استدلالا صحيحا لان المقتضى للتحليل وهوالقعد اقتضاه مطلقا ولا يعلم ان الالفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيكون الحكم باثباته (2) ثابتا عملا بالمقتضى. لا يقال: المقتضى هو العقد ولم يثبت انه باق فلم يثبت الحكم لانا نقول: وقوع العقد اقتضى حل الوطى لا مقيدا بوقت فلزم دوام الحل نظرا الى وقوع المقتضى لا الى دوامه فيجب ان يثبت الحل حتى يثبت الرافع فان كان الخصم يعني الاستصحاب ما اشرنا إليه فليس ذلك عملا بغير دليل


= وجهين، اولهما ان وجود الظن فيه ممنوع لان موضوع المسألة الثانية مقيد بالطارية وموضوع المسألة الاولى مقيد بنقيض تلك الحالة فكيف يظن بقاء الحكم الاول. وثانيهما ما حققناه ببراهين قاطعة من ان الظن المتعلق بنفس احكامه تعالى أو بنفيها غير معتبر شرعا. الوجه الثاني انه (الى آخر ما قال). 1 - انظر ص 148 - 147 من النسخة المطبوعة من معارج الاصول بطهران في سنة 1310. 2 - كلمة " اثباته " ليست في نسخ المعارج المطبوعة. (*)

[ 86 ]

وان كان يعني به امرا وراء ذلك فنحن مضربون عنه (1). الاصل السادس انهم عليهم السلام أعطونا أصولا عقلية برهانية في باب تعارض الاخبار واختلافها عنهم عليهم السلام وأمرونا بالاخذ بها والعمل عليها ليتخلص من الحيرة وذلك من فضل الله علينا: منها ما ذكره محمد بن علي بن ابراهيم بن ابي جمهور الاحسائي (2) (ره) على ما في كتاب عوالي اللالي (3) الذي الفه في سنة سبع وتسعين وثمانمائة قال: روى العلامة


1 - من قولهم: " أضرب عنه = أعوض ". 2 - في الوافي: " اللحسائي " (ص 55 ج 1). 3 - قال خاتم المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري (ره) في الفائدة الثانية من خاتمة - مستدرك الوسائل بعد الكلام في " كتاب العوالي الحديثية على مذهب الامامية " على سبيل الاستيفاء (ص 165 - 361 ج 3) في آخر مقاله (ص 365): " بقى التنبيه على شئ وهو ان المعروف الدائر في ألسنة اهل العلم والكتب العلمية " الغوالي " (بالغين المعجمة) ولكن حدثني بعض العلماء عن الفقيه النبيه المتبحر الماهر الشيخ محمد حسن خنفر طاب ثراه وكان من رجال علم الرجال انه [ العوالي ] (بالعين المهملة) فدعاني ذلك الى الفحص فما رأيت من نسخ الكتاب وشرحه فهو كما قال، وكذا في مواضع كثيرة من الاجازات التي كانت بخطوط العلماء الاعلام بحيث اطمئنت النفس بصحة ما قال ويؤيده ايضا ان المحدث الجزائري سمى شرحه بالجواهر الغوالي بالمعجمة فلاحظ والله العالم " ويشير بتسمية الجزائري (ره) كتابه الى ما ذكره قبيل ذلك من قول السيد الجزائري (ره) بهذه العبارة (ص 364، س 27): " وسميته الجواهر الغوالي في شرح عوالي - اللئالي " ويريد به انه حيث كان اسم الكتاب " عوالي اللئالي " (بالعين المهملة) سما السيد الجزائري (ره) شرحه " الجواهر الغوالي " (بالغين المعجمة) حتى تكون المقابلة صحيحة باهمال العين واعجامها والا لا تحصل المقابلة ويكون التكرار بلفظ واحد في اسم واحد موجبا لتنفر النفس. (*)

[ 87 ]

مرفوعا الى زرارة بن اعين قال: سألت الباقر (ع) فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران والحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ ؟ - فقال: يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر، فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم، فقال (ع): خذ بما يقول أعدلهما عندك وأوثقهما في نفسك، فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان، فقال: انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه، وخذ بما خالفهم فان الحق فيما خلافهم، قلت: ربما كانا معا موافقين لهما أو مخالفين فكيف اصنع ؟ - فقال: إذا فخذ فيه الحائطة لدينك واترك ما خالف الاحتياط، فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع ؟ - فقال: إذا فتخير احدهما فتأخذ به وتدع الاخر (1). وفي رواية انه (ع) قال: إذا فأرجه حتى تلقى امامك فتسأله انتهى. قوله (ع): " خذ بما اشتهر بين اصحابك " المراد به شهرة الحديث الكائنة بين قدماء


1 - قال المصنف (ره) في باب اختلاف الحديث والحكم من الوافي بعد نقل هذا الجزء من حديث عمر بن حنظلة عن الباقر (ع) بهذه العبارة (ج 1 من الطبعة الثانية ص 53): " في رواية زرارة عن ابي جعفر (ع) قال: سألته فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم (فساق الحديث الى قوله: وتدع الاخر وقال): " وهذه الرواية رواها محمد بن علي بن ابراهيم بن ابي جمهور اللحسائي في كتاب عوالي - اللئالي عن العلامة الحلي مرفوعا الى زرارة والاخبار في هذا المعنى كثيرة وقد اوردنا شطرا منها في كتابنا المسمى بسفينة النجاة وفي كتابنا الموسوم بالاصول الاصيلة وفي بعضها: وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه فنحن اولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا، ولا يخفى ان رد علمه إليهم لا ينافي التخيير في العمل من باب التسليم فلا يجوز الفتوى بانه حكم الله في الواقع وان جاز الفتوى بجواز العمل به وجاز العمل به، والمراد بالشهرة في الخبرين " فذكر قريبا مما ذكره هنا الى قوله: " حققه الشهيد الثاني في شرح درايته ". وقال قوله (ع): " الخبران عنكما " اي عن الاثنين منكم وفي نسخة " عنهما " وهو اوضح. اقول: لكلامه ذيل فمن اراده فليراجع هناك وسيجئ في هذا الكتاب بعضه. (*)

[ 88 ]

أصحابنا الاخباريين الذين لا يتعدون النص في شئ من الاحكام دون شهرة القول الحادثة بين المتأخرين من أهل الرأي والاستنباط فانها لا اعتماد عليها اصلا كما حققه الشهيد الثاني (ره) في شرح درايته وبين وجهه، ثم نقول: لا منافاة بين روايتي التخيير اما هو في العمل والتوقف في الحكم والفتوى بينه ووجه اذنه (ع) بالتخيير مع ان حكم الله سبحانه واحد في كل قضية ان مع الجهل بالحق يسقط الاخذ به للاضطرار دفعا لتكليف ما - لا يطاق ولهذا جاز العمل بالتقية ايضا فالحكم في مثله اضطراري قال الله تعالى (1): اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فان الله غفور رحيم ويحتمل ان يكون الحكم بالارجاء والتوقف مختصا بما إذا لم يكن العمل بأحدهما ضروريا في الحال بل كان مما يجوز تأخيره مدة، وحينئذ فالحكم مختص بحال ظهور الامام (ع)، واما مع الغيبة المنقطعة كهذا الزمان فلا وجه للارجاء فالتخيير متعين كما صرح به العلامة الطبرسي والشيخ الكليني وغيرهما، وسنذكر كلامهما ويؤيد ذلك ما في رواية سماعة بعد الامر بالارجاء الى لقاء الامام (ع) فانه قال: فهو في سعة حتى يلقاه، ويأتي تمام الخبر وعلي هذا لو قلنا بشمول الحكم لحالتي الظهور والغيبة على هذا الاحتمال ايضا لجاز، وربما يحتمل حديث التوقف على الاولوية والاحوطية أو على المبالغة والتأكيد في التثبت وكثرة التفحص عن المرجحات، أو على من ليس له درجة الاستدلال، أو على من يمكنه الترجيح ولم يبحث فيه أو نحو ذلك وما قلناه اولى. واما تخصيصه بالعبادات وتخصيص حديث التخيير بالمعاملات أو عكس ذلك كما وقع لبعض الفضلاء (2) فلا وجه


1 - ذيل آية 3 سورة المائدة. 2 - يريد به الامين الاسترابادي (ره) فانه قال في الفوائد المدنية بعد بحث مبسوط وتحقيق عميق في موضوع الجمع بين الروايات والخروج عن مقام التحير عند القضاء والفتوى والعمل مبتدئا للبحث بقوله (ره) " واما القاعدة الشريفة التي وضعوها عليهم السلام للخلاص عن الحيرة في باب الاحاديث المتعارضة فقد نطقت بها احاديث بالغة حد - التواتر المعنوي مع صحة كثير منها في ظاهر الامر وزعم المتأخرين ايضا وصحة كلها عند = (*)

[ 89 ]

له، ويدل على جواز العمل بالتخيير في زمان الغيبة مطلقا سيما فيما لا يجري فيه الاحتياط وجوه من العقل والنقل وسيأتي الاشارة الى بعضها، وذلك لان اكثر المرجحات المذكورة في هذا الحديث وما في معناه مخصوص بزمن الائمة عليهم السلام وما يقرب منها كما لا يخفى على المتأمل. فان قيل: يستفاد مما مر في آخر الاصل السابق وجوب الاخذ بما ورد عنهم عليهم - السلام على التقية ويظهر من هذا الحديث وأشباهه وجوب تركه فكيف التوفيق ؟ - قلنا: ان ذلك انما هو في العمل وهذا في العلم بانه حق وان كان قد يجب العمل بخلافه كما إذا كان محل الخوف وبهذا يظهر وجه أمرهم عليهم السلام بالاخذ بالاحدث والاخير اي العمل به حقا كان أو تقية فافهم (1). وفي الكافي في باب اختلاف الحديث


= التحقيق وعند قدمائنا ولا يمكنني استقصاؤها ولنذكر ما يحضرني الان منها، فمن تلك الجملة ما في كتاب الاحتجاج للطبرسي فخاض في البحث (انظر ص 185) الى ان قال (في ص 192): " وقد تحير الطبرسي في كتاب الاحتجاج وابن ابي جمهور اللحسائي في كتاب عوالي - اللئالي في الجمع بينهما، والذي فهمت انا من كلامهم عليهم السلام انه كان مورد الحديثين المختلفين العبادات المحضة كالصلوة فنحن مخيرون في العمل، وان كان غيرها من حقوق الادميين من دين أو ميراث أو وقف على جماعة مخصوصين أو فرج أو زكوة أو خمس فيجب التوقف على الافعال الوجودية المبنية على تعيين احد الطرفين بعينه والامام ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس الله سره ذكر في كتاب الكافي ما يدل على العمل بالحديث الدال على التخيير وقصده قدس سره ذلك عند عدم ظهور شئ من المرجحات المذكورة في تلك الاحاديث وينبغي ان يحمل كلامه على ما إذا كان مورد الروايتين العبادات المحضة بقرينة انه قدس سره ذكر بعد ذلك في باب اختلاف الاحاديث مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في المتخاصمين في دين أو ميراث الناطقة بانه مع عدم ظهور شئ من المرجحات المذكورة يجب الارجاء الى لقاء الامام عليه السلام ".

1 - فليعلم ان هذه العبارة المشتملة على السؤال والجواب المذكورة بعينها في الوافي في ذيل ما نقلناه (ص 87) عن الوافي فيما مر (انظر ج 1 من الطبعة الثانية ص 54). (*)

[ 90 ]

باسناد حسن عن منصور بن حازم (1) قال: قلت لابي عبد الله (ع): ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ثم يجيئك غيري فتجيبه بجواب آخر ؟ - فقال: انا نجيب الناس على الزيادة والنقصان، قال: قلت: فاخبرني عن أصحاب رسول الله (ص) صدقوا على محمد (ص) ام كذبوا ؟ - فقال: اما تعلم ان الرجل كان يأتي رسول الله (ص) فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثم يجيئه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الاحاديث بعضها بعضا. وفيه عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) قال (2) قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (ص) لا يتهمون بالكذب فيجئ منكم خلافه ؟ - قال: ان الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن. اقول: ان المراد ان حديث رسول الله (ص) ربما ينسخ ولا يعلم الراوي بنسخه فيرويه ظنا منه بقاء حكمه من غير كذب فيجيئ عن اهل البيت عليهم السلام خلافه لعلمهم بناسخه. وفي الكافي في هذا الباب ايضا محمد بن يحيى عن داود بن حصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك ؟ - قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فانما تحاكم الى الطاغوت، وما يحكم له فانما يأخذ سحتا وان كان حقا ثابتا له، لانه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله ان يكفر به قال الله


1 - نقله المصنف (ره) في باب اختلاف الحديث والحكم من الوافي (ج 1 من الطبعة الثانية ص 52): " كا - علي عن ابيه عن التميمي عن عاصم بن حميد عن منصور بن حازم (الحديث) (قائلا بعده) بيان - يعني الزيادة والنقصان في القول كما وكيفا على حسب تفاوت الناس في الفهم والاحتمال والمراد بنسخ الاحاديث بعضها بعضا ان حديث رسول الله (ص) ربما ينسخ ولا يعلم الراوي نسخه فيرويه ظنا منه بقاء حكمه من غير كذب فيجيئ غيره بالناسخ فيقع الاختلاف ". 2 - هو في باب اختلاف الحديث والحكم من الوافي (ج 1 ص 52) بهذا السند: " كا - العدة عن احمد عن عثمان عن الخزاز عن محمد عن ابي عبد الله (ع) ". (*)

[ 91 ]

عز وجل: يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به. قلت: فكيف يصنعان ؟ - قال: ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا فليرضوا به حكما فأني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت: فان كان كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا ان يكونا ناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم ؟ - قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت الى ما يحكم به الاخر. قال: قلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه (1) قال: فقال: ينظر الى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكم عليه المجمع عليه بين أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه وانما الامور ثلاثة، أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه الى الله ورسوله، قال رسول الله (ص): حلال بين وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ؟ - قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك أرأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا احد الخبرين موافقا للعامة والاخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ - قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا ؟ - قال: ينظر الى ما هم إليه اميل حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالاخر. قلت: فان وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ - قال: فإذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى امامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات (2).


1 - في الوافي " على الاخر ". 2 - قال في الوافي بعد نقله في باب اختلاف الحديث والحكم (ج 1 ص 53): = (*)

[ 92 ]

المراد بالمجمع عليه في هذا الحديث هو بعينه المعبر عنه بالمشهور في حديث زرارة المتقدم ذكره وغيره ولهذا قال: ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور، وقد عرفت معنى الشهرة هناك وليس المراد بالمجمع عليه الاجماع المصطلح عليه بين أصحابنا اليوم. وايضا فان الكلام في الحديث المجمع على نقله لا القول المجمع على الافتاء به وان كان مستنبطا


= " يه - داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن ابي عبد الله (ع) قال: قلت: في رجلين اختار كل واحد منهما رجلا (الحديث). بيان - دين بفتح الدال، والطاغوت الشيطان مبالغة من الطغيان والمراد هنا من يحكم بغير الحق لفرط طغيانه أو لتشبيهه بالشيطان أو لان التحاكم إليه تحاكم الى الشيطان من حيث انه الحامل له على الحكم كما نبه عليه تتمة الاية: ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالا بعيدا، وعن امير المؤمنين (ع) كل حكم حكم بغير قولنا اهل البيت عليهم السلام فهو طاغوت ثم قرأ هذه الاية، والسحت الحرام، والكفر بالطاغوت ان يعتقد انه ليس اهلا للتحاكم فمن اعتقد ذلك ثم اراد التحاكم إليه فهو خائن فان لم يرد لكن اضطر إليه كما إذا لم يوجد هناك عدل أو كان خصمه لا يرضى بالتحاكم الى العدل فحينئذ يحتمل حل ما اخذ إذا كان حقا له ثابتا لانه كافر به وقد اضطر الى التحاكم إليه من غير ارادة منه ولعل ذلك هو السر في قوله تعالى: " يريدون ان يتحاكموا " دون " يتحاكمون ". ثم ظاهر هذا الخبر عدم الفرق في حرمة ما اخذ بحكم الطاغوت بين ما لو تحاكما فيه الى العدل لم يحكم له بذلك وبين ما حكم له بذلك لان الاخذ في كليهما بحكم الطاغوت واما في صورة الاضطرار فالظاهر الفرق هذا كله إذا كان الحاكم هو الطاغوت فاما إذا كان الحاكم هو العدل وانما اخذ حقه منه بقوة سلطان الطاغوت لتوقف اخذ حقه على الاستعانة به فليس مما نحن فيه في شئ بل ذلك حديث آخر والظاهر انه لم يحرم الحق بذلك ثم ظاهر هذا الخبر وما في معناه مما يأتي في ابواب القضاء من كتاب الحسبة وروده في سلاطين المخالفين وقضاتهم وفي حكمهم فساق قضاة الشيعة وحكامهم الذين يأخذون الرشا على الاحكام وتوابعها ويحكمون بغير حكم اهل البيت عليهم السلام لدخولهم في الطاغوت سواء كانوا عارفين بأحكام اهل البيت عليهم السلام ام لا، اما إذا لم يحكموا بين الخصمين وانما = (*)

[ 93 ]

بالرأي وسيأتي الكلام في الاجماع وعدم الاعتداد به فيما بعد ان شاء الله. وفي احتجاج الطبرسي (1) بعد نقل هذا الحديث قال (ره): جاء هذا على سبيل التقدير لانه قلما يتفق في الاثار ان يرد خبران مختلفان في حكم من الاحكام موافقين للكتاب والسنة وذلك مثل الحكم في غسل الوجه واليدين في الوضوء فان الاخبار جاءت بغسلها مرة مرة وبغسلها مرتين فظاهر القرآن لا يقتضي ذلك بل يحتمل كلتا الروايتين، ومثل ذلك يوجد في احكام الشرع واما قوله (ع) للسائل: " ارجه وقف حتى تلقى امامك " أمره بذلك عند تمكنه من الوصول الى الامام فأما إذا كان غائبا ولا يتمكن من الوصول إليه والاصحاب كلهم مجمعون على الخبرين ولم يكن هناك رجحان لرواة احدهما على رواة الاخر بالكثرة والعدالة كان الحكم بهما من باب التخيير يدل على ما قلناه ما روى الحسن بن الجهم عن الرضا (ع) قال: قلت له: تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة ؟ - قال: فما جاءك عنا فاعرضه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فان كان يشبههما فهو منا، وان يكن يشبههما فليس منا، قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايهما الحق ؟ - فقال: إذا لم تعلم


= حملوها على الصلح واخذ البعض والابراء عن الباقي فذلك حديث آخر، من كان منكم اي من الشيعة الامامية. وعرف احكامنا اي من احاديثنا المحكمات لامن اجتهاد في المتشابهات واستنباطه الرأي منها بالظنون والخيالات باستعانة الاصول المخترعات. المجمع عليه اي المتفق على نقله المشهور بينهم وليس المراد به الاجماع المصطلح بين اصحابنا اليوم كيف والكلام في الحديث وروايته لا القول والافتاء به ولهذا قال: ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور فالمراد بالمجمع عليه بين اصحابك في هذا الحديث هو بعينه ما عبر عنه بالمشتهر بين اصحابك في رواية زرارة عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران (فذكر الخبر الذي مر نقله في اوائل هذا الاصل، (انظر ص 87 من الكتاب الحاضر).

1 - نقله في باب اختلاف الحديث والحكم من الوافي ضمن بيان له للجمع بين الاحاديث المختلفة (ج 1 ص 54 من الطبعة الثانية). (*)

[ 94 ]

فموسع عليك بايهما أخذت. وما رواه الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (ع) قال: قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم عليه السلام وترد إليه. وروى سماعة بن مهران (1) قال: سألت أبا عبد الله (ع) قال: قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالاخذ به والاخر ينهانا عنه ؟ - قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تأتي صاحبك فتسأله عنه، قال: قلت: لابد ان يعمل باحدهما ؟ - قال: خذ بما فيه خلاف العامة. وفي الاحتجاج أيضا في جواب مكاتبة محمد عبد الله الحميري الى صاحب الزمان عليه السلام (2): يسألني بعض الفقهاء عن المصلى إذا قام من التشهد الاول الى الركعة الثانية هل يجب عليه ان يكبر فان بعض اصحابنا قال: لا يجب عليه تكبيرة ويجزيه ان يقول: بحول الله وقوته أقوم وأقعد ؟ - في الجواب عن ذلك حديثان، اما أحدهما فانه إذا انتقل من حالة الى اخرى فعليه التكبير واما الحديث الاخر فانه روى: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية وكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير وكذلك التشهد الاول يجري هذا المجرى وبأيهما أخذ من باب التسليم كان حقا صوابا. وفي صحيحة علي بن مهزيار (3) قال: قرأت في كتاب لعبد الله بن محمد الى أبي الحسن (ع): اختلف اصحابنا في رواياتهم عن ابي عبد الله (ع) في ركعتي الفجر في السفر فروى بعضهم ان: صلهما في المحمل، وروى بعضهم ان: لا تصلهما الا على الارض فأعلمني كيف تصنع انت لاقتدى بك في ذلك ؟ - فوقع (ع): موسع عليك بايه عملت. وفي الكافي علي بن ابراهيم عن ابيه عن عثمان بن عيسى والحسن بن محبوب جميعا عن سماعة عن ابي عبد الله عليه السلام (4) قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من اهل دينه في امر كلاهما يرويه احدهما يأمر بأخذه والاخر ينهاه عنه كيف يصنع ؟ - قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى


1 و 2 - أخذهما وغيرهما من الاحاديث التي نقلها هنا عن احتجاج الطبرسي من كتاب الفوائد المدنية للامين الاسترابادي (انظر ص 185 و 186 من النسخة المطبوعة). 3 و 4 - مأخوذان من الفوائد المدنية ونص عبارته (ص 186): " ومن تلك الجملة صحيحة علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب (الحديثين الى قوله: وسعك) ". (*)

[ 95 ]

يلقاه. وفي رواية اخرى: بايهما أخذت من باب التسليم وسعك (1) وذكر الشيخ السعيد قطب الدين شيخ الاسلام أبو الحسن سعيد بن هبة الله الراوندي قدس سره في الرسالة التي صنفها في بيان احوال احاديث اصحابنا واثبات صحتها (2): أخبرنا الشيخان محمد وعلي ابنا - علي بن عبد الصمد عن أبيهما عن ابي البركات علي بن الحسين عن ابي جعفر بن بابويه اخبرنا أبي أخبرنا سعد بن عبد الله عن ايوب بن نوح عن محمد بن أبي عمير عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله قال: قال الصادق عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله عز وجل، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فذروه، فان لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على اخبار العامة فما وافق اخبارهم فذروه، وما خالف اخبارهم فخذوه. وعن ابن بابويه باسناده (3) عن الحسين بن السري قال: قال أبو عبد الله (ع): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم. وعنه باسناده (4) عن الحسن


1 - قال المصنف (ره) بعد نقلهما في الوافي عن الكافي (ج 1 من الطبعة الثانية ص 52): " بيان - يرجئه اي يؤخره والجمع بين الروايتين بان يخص التأخير بمن يمكنه الارجاء ويرجو اللقاء، والتخيير بغيره، ثم التخيير انما يكون فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد فان قلت: كيف اذن (ع) بالتخيير مع ان حكم الله سبحانه واحد في كل قضية ؟ - قلنا: ان مع الجهل بالحكم يسقط الاخذ به للاضطرار دفعا لتكليف مالا يطاق ولهذا جاز العمل بالتقية فالحكم في مثله اضطراري قال الله تعالى: اليوم اكملت لكم دينكم (الاية) على انا لا نمنع ان يكون الحكم في بعض المسائل التخيير وكانوا قد اتوا في كل خبر باحد فردي المخير فيه كما يستفاد من رواية علي بن مهزيار قال: قرأت (فذكر الرواية كما مر في المتن). 2 - مأخوذ من الفوائد المدنية بعين العبارة (انظر ص 186 و 187). 3 - اشارة الى سنده الذي ذكره في الفوائد وهو " وعن ابن بابويه اخبرنا محمد بن الحسن اخبرنا محمد بن الحسن الصفار اخبرنا احمد بن محمد بن عيسى عن رجل عن يونس ابن عبد الرحمن عن الحسين بن السرى ". 4 - اشارة الى سنده الذي ذكره في الفوائد (ص 187) وهو " وعن ابن بابويه: = (*)

[ 96 ]

بن الجهم قال قلت للعبد الصالح (ع): هل يسعنا فيما يرد منكم الا التسليم لكم ؟ - قال: والله لا يسعكم الا التسليم لنا، قلت: فيروى عن ابي عبد الله (ع) شئ ويروى عنه خلافه فبأيهما نأخذ ؟ - قال: خذ بما خالف القوم، وما وافق القوم فاجتنبه. وباسناده الصحيح (1) عن أبي عبد الله (ع) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه. وفي الكافي عنه (ع) عن النبي (ص) ما يقرب منه (2). وفيه عنه (ع): انه سئل عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به ؟ - قال (3): إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (ص) والا فالذي جاءكم به اولى به. وفيه في الصحيح عنه (ع): كل شئ مردود الى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله


= اخبرنا محمد بن موسى بن المتوكل اخبرنا علي بن الحسين السعد ابادي حدثنا احمد بن ابي - عبد الله البرقي عن ابن الفضال عن الحسن بن الجهم (الحديث) ". 1 - مأخوذ من الفوائد المدنية (انظر ص 187) وقوله: " باسناده الصحيح " اشارة الى سنده وهو: " عن ابن بابويه اخبرنا اخبرنا سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن ابي عمير عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (ع) قال: (الحديث) فليعلم أن هذا آخر حديث نقله في الفوائد عن رسالة القطب الراوندي التي صرح بالنقل عنها المصنف فيما سبق ومن ثم قال صاحب الفوائد بعد نقله " انتهى ما اردنا نقله عن رسالة القطب الراوندي " وليعلم ايضا ان قبله ثلاثة احاديث هي مذكورة في الفوائد منقولة عن الرسالة وتركها المصنف (ره) ولم يذكرها (انظر ص 187 من النسخة المطبوعة). 2 - قال بعد نقله عن الكافي في باب الاخذ بالسنة وشواهد الكتاب من الوافي (ص 54 ج 1): " بيان - حقيقة اي اصلا ثابتا ومستندا ميتا يمكن ان يفهم منه حقيقته نورا اي برهانا واضحا يتبين به ويظهر منه انه صواب، والقرآن اصل كل حديث حق، وبرهان كل قول صواب ومستند كل امر، وعلم لمن يمكن ان يستفهم عنه بقدر فهمه وعلمه ". 3 - قال بعد نقله في الباب المذكور من الوافي (ص 54 ج 1): " بيان - اولى به اي ردوه عليه ولا تقبلوه منه ". (*)

[ 97 ]

فهو مزخرف (1). وفي الصحيح عنه (ع) قال: خطب النبي (ص) بمنى فقال: يا ايها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فانا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله (2). وفي عيون - الاخبار باسناده عن علي بن أسباط، قال: قلت للرضا عليه السلام (3): يحدث الامر لا أجد بدا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك ؟ - قال: فقال: ايت فقيه البلد فاستفته في أمرك فإذا أفتاك بشئ فخذ بخلافه فان الحق فيه. وفي التهذيب في كتاب القضاء مثله. وفي آخر كتاب السرائر من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم الى مولانا أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام قال محمد بن علي بن عيسى: سألته (ع) عن العلم المنقول الينا عن آبائك وأجدادك صلوات الله عليهم قد اختلف علينا فكيف نعمل به على اختلافه أو نرد اليك (4) فيما اختلف فيه (5) ؟ - قال: ما علمتم انه قولنا فالزموه وما لم تعلموه فردوه الينا. وفي مجالس ابي علي ابن الشيخ الطوسي باسناده عن جابر عن ابي جعفر (ع) قال (6): انظروا أمرنا وماجاءكم عنا، فان وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به،


1 - قال بعد نقله في الوافي (ج 1 ص 54 من الطبعة الثانية): " بيان - الزخرف = المموه المزور والكذب المحسن ". 2 - نقله في الوافي في الباب المشار إليه في الاحاديث المتقدمة (ج 1 ص 54). 3 - هو الحديث السادس والعشرون من باب وجوه الجمع بين الاحاديث المختلفة من كتاب القضاء من وسائل الشيعة (ج 3، ص 382 من طبعة أمير بهادر). 4 - في الفوائد المبطوعة: " عليك ". 5 - اخذه من الفوائد المدنية (انظر ص 187) وهو مذكور في اواخر السرائر. 6 - اخذه من الفوائد ونص عبارته (ص 187 - 188): " وفي كتاب المجالس للشيخ الاجل ابي علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي (ره) بسنده عن عمرو بن شمر عن جابر قال: دخلنا على ابي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: اوصنا يا بن رسول الله فقال: ليعن قويكم على ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل اخاه كنصحه لنفسه، واكتموا اسرارنا، ولا تحملوا الناس على اعناقنا، وانظروا (الحديث، = (*)

[ 98 ]

وان لم تجدوه موافقا فردوه، وان اشتبه الامر عليكم فقوا عنده وردوه الينا نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا. وفي عيون الاخبار عن أبيه ومحمد بن الحسن بن احمد بن الوليد جميعا عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله المسمعي عن احمد بن الحسن الميثمي (1) انه سأله الرضا عليه السلام يوما وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (ص) في الشئ الواحد فقال (ع): ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما فاتبعوا ما وافق الكتاب، وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول الله (ص) فاتبعوا ما وافق نهى النبي (ص) وأمره، وما كان في السنة نهى اعافة أو كراهة ثم كان الخبر الاخر خلافه فذلك رخصة فيما عافه رسول الله (ص) وكرهه ولم يحرمه فذلك الذي يسع الاخذ بهما جميعا وبايهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم والاتباع والرد الى رسول الله (ص) وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا الينا علمه، فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وانتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا. قال مصنف هذا الكتاب (ره): كان شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد (رض) سيئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي راوي هذا الحديث وانما أخرجت


= قائلا بعده:) " اقول: في هذا الحديث الشريف واشباهه اشارة الى ان مرادهم عليهم السلام من العرض على كتاب الله عرض الحديث الذي جاء به غير الثقة على واضحات كتاب الله اي التي تكون من ضروريات الدين أو من ضروريات المذهب بقرينة قوله (ع): " وان اشتبه الامر عليكم " وبقرينة ما تقدم من الاحاديث الدالة على وجوب التوقف عند كل مسألة لم يكن حلها بينا واضحا ". 1 - هو في الفوائد هكذا (ص 118): " وفي كتاب عيون اخبار الرضا لشيخنا الصدوق محمد بن علي بن بابويه: حدثنا ابي ومحمد بن الحسن بن احمد بن الوليد رضى الله عنهما قالا: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثني محمد بن عبد الله المسمعي قال: حدثني احمد بن الحسن الميثمي انه سأل الرضا (ع)، الحديث ". (*)

[ 99 ]

هذا الخبر في هذا الكتاب لانه كتاب الرحمة وقد قرأته عليه ولم ينكره ورواه لي انتهى (1). وصل قال ثقة الاسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله في اوائل الكافي (2): فاعلم يا أخي أرشدك الله انه لا يسع أحدا تمييز شئ مما اختلفت الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه الا على ما أطلعه العالم (ع) بقوله: اعرضوها على كتاب الله، فما وافق كتاب الله عز وجل فخذوه، وما خالفت كتاب الله فردوه. وقوله (ع): دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم. وقوله (ع): خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه. ونحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله، ولانجد شيئا احوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله الى العالم (ع) وقبول ما وسع من الامر فيه بقوله (ع): بأيهما أخذتم من باب التسليم وسعكم، انهى كلامه. قوله طاب ثراه: ونحن لا نعرف من جيمع ذلك الا أقله، يعني به أنا لا نعرف من الضوابط الثلاث الا حكم أقل ما اختلفت فيه الرواية دون الاكثر لان الاكثر لا يعرف من موافقة الكتاب ولا من مخالفة العامة ولا من المجمع عليه فلا نجد شيئا اقرب الى الاحتياط من رد علمه الى الامام (ع) ولا أوسع من العمل بالتخيير من باب التسليم [ دون الهوى يعني لا يجوز لنا الافتاء والحكم باحد الطرفين بتة وان جاز لنا العمل من باب التسليم (3) ] بالاذن


1 - في الفوائد بعده: " والحديث الشريف بطوله مذكور في كتاب عيون الاخبار نحن ذكرنا موضع الحاجة منه ". 2 - ج 1 مرآة العقول، اواخر هامش ص 5. 3 - ما بين القلابين مأخوذ من سفينة النجاة للمصنف (ره) فان الكلام بعينه مذكور هناك وهو سقط من كتابنا قطعا ومع ذلك اشرنا الى ما يدل عليه. (*)

[ 100 ]

عنهم عليهم السلام قيل (1): وانما لم يذكر الترجيح باعتبار الافقهية والاعدلية وباعتبار كثرة العدد لانه رحمه الله أخذ احاديث كتابه من الاصول المقطوع بها المجمع عليها. فصل قال شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله في اوائل الاستبصار (2) وفي كتابه الاصول المسمى بالعدة (3) ما ملخصه: ان الاخبار على ضربين، متواتر وغير متواتر، فالمتواتر يوجب العلم والعمل مطلقا، وغير المتواتر ان كان مطابقا للكتاب أو السنة المقطوع بها، نصهما أو عمومهما أو دليل خطابهما أو فحواهما، أو مطابقا لما أجمعت الطائفة المحقة أو الدليل العقل ومقتضاه عمل به، وان كان مخالفا لاحد الاربعة ترك، وان لم يكن مطابقا لشئ من ذلك ولا مخالفا، فان لم يعارضه خبر آخر عمل به (4) لان ذلك دليل اجماع منهم على نقله، وكذلك ان وجد هناك فتاوى مختلفة من الطائفة وليس المخالف له مستندا الى خبر آخر ولا الى دليل يوجب عليه العلم


1 - اشارة الى ما ذكره الامين استرابادي (ره) وفي الفوائد المدنية بعد نقل الكلام الذي نقله المصنف (ره) عن الكافي بقوله (ص 272 - 273 من الفوائد) " وانا اقول: هنا فوائد لابد من التنبيه عليها (الى ان قال) الثانية - ان الترجيح باعتبار افقهية الراوي وباعتبار اعدليته وباعتبار كثرة عدده مذكور في بعض الاحاديث الواردة في باب اختلاف الاحاديث وهو هنا لم يتعرض لذلك لانه اخذ احاديث كتابه كلها من الاصول المقطوع بها المجمع عليها وحينئذ يضعف الترجيح باعتبار حال الراوي ". 2 - انظر مقدمة الاستبصار (ص 4 - 3 من طبعة الهند). 3 - انظر ص 59 - 58 من العدة المطبوعة بطهران وانظر ايضا الفوائد المدنية (ص 83 - 70) فان الامين الاسترابادي (ره) قد نقل عبارة الشيخ بعينها في كتابه المشار إليه. 4 - اخذ المصنف (ره) من هذا الموضع بنقل عين عبارة العدة ونص كلامه هكذا (ص 59): (*)

[ 101 ]

فحينئذ يجب اطراح القول الاخر والعمل بالقول الموافق لهذا الخبر، لان ذلك القول لابد ان يكون عليه دليل، فإذا لم يكن هناك دليل على صحته ولسنا نقول بالاجتهاد والقياس فيسند ذلك القول إليه ولا هناك خبر آخر مضاف إليه وجب ان يكون ذلك القول مطرحا ووجب العمل بهذا الخبر والاخذ بالقول الذى يوافقه. اقول: مثال ذلك القول بوجوب صلوة الجمعة عينا في حال الغيبة فانه دل عليه الاخبار الصحيحة المستفيضة بل المتواترة فضلا عن الخبر الواحد وليس بخلافه دليل اصلا فضلا عما يوجب العلم، والفتاوى فيه مختلفة كما هو ظاهر، ودعوى الاجماع في المختلف فيه واضح البطلان كما اعترف به مدعوه فأى هذه المسألة بعينها فان العلامة شنع علي بن ادريس بذلك مع انه فعل هو بعينه مثله كما يظهر من التتبع. قال الشيخ رحمه الله: وان عارضه خبر آخر عمل على خبر اعدل الرواة، فان تساووا في العدالة فليعمل على اكثرها عددا، فان تساووا في العدد ايضا نظر، فان امكن العمل على احد الخبرين على الاطلاق وعلى الاخر من وجه دون وجه فليعمل عليه ولا يطرح احدهما، فان كان العمل ممكنا بهما ولاحدهما تأويل على بعض الوجوه ويعضده خبر فليعمل عليه دون ما لا يشهد له خبر، وإذا تحاذيا (1) ولا شاهد لاحدهما كان العامل ايضا مخيرا في العمل بايهما شاء من جهة التسليم، ولا يكون العاملان بهما على هذا الوجه إذا اختلفا وعمل كل واحد منهما على خلاف ما عمل عليه الاخر مخطئا ولا متجاوزا حد الصواب، إذ روى عنهم عليهم السلام انهم قالوا: إذا ورد عليكم حديثان ولا تجدون ما ترجحون به أحدهما على


= " وان لم يكن هناك خبر آخر يخالفه وجب العمل به لان ذلك اجماع منهم على نقله فإذا اجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه فينبغي ان يكون العمل به مقطوعا عليه وكذلك ان وجد (والعبارة من هنا عين عبارة العدة الى قوله " بالقول الذي يوافقه "). 1 - اخذ المصنف (ره) الكلام من هنا الى قوله " من قسم من هذه الاقسام "). ونص العبارة فيه " وإذا لم يشهد لاحد التأويلين خبر آخر وكان متحاذيا كان العامل مخيرا (فساق عين عبارة الشيخ الى قوله " من قسم من هذه الاقسام "). (*)

[ 102 ]

الاخر مما ذكرنا كنتم مخيرين في العمل بهما، ولانه إذا ورد الخبران المتعارضان وليس بين الطائفة اجماع على حقية احد الخبرين ولا على ابطال الخبر الاخر فكأنه اجماع على صحة الخبرين، وإذا كان اجماعا على صحتهما كان العمل بهما جائزا سائغا. وانت إذا فكرت في هذه الجملة وجدت الاخبار كلها لا تخلو من قسم من هذه الاقسام. وقال في العدة في قرائن القول (1): انها تدل على صحة متضمن اخبار ولا يدل على صحتها أنفسها لما بيناه من جواز ان تكون مصنوعة وان وافقت هذه الادلة. وقال في قرائن الرد (2): انها لا تدل على بطلانها في أنفسها لانه لا يمتنع ان يكون الخبر في نفسه صحيحا وله وجه من التأويل لا نقف عليه أو خرج على سبب خفي علينا الحال فيه، أو تناول شخصا بعينه، أو خرج مخرج التقية وغير ذلك من الوجوه فلا يمكننا ان نقطع على كذبه وانما يجب الامتناع من العمل به. ومما استدل به في العدة (3) على جواز العمل بالخبرين المختلفين انه: روى عن الصادق (ع) انه سئل عن اختلاف اصحابه في المواقيت وغير ذلك فقال (ع): انا خالفت بينهم، فترك الانكار لاختلافهم ثم اضاف الاختلاف الى انه امرهم به فلولا ان ذلك كان جائزا لما جاز ذلك منه عليه السلام.


1 - قال الشيخ (ره) في العدة في الفصل الحادي عشر ضمن البحث عن قرائن الصحة بعد كلام مبسوط في المسألة (انظر ص 59 من طبعة ايران وص 54 من طبعة الهند) مانصه: " فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن اخبار الاحاد ولا يدل على صحتها (الى آخر العبارة) ". 2 - نص عبارة الشيخ هكذا (ص 60 من طبعة ايران وص 55 من طبعة الهند): " ولا يجب على هذا ان نقطع على بطلانه في نفسه لانه لا يمتنع (العبارة الى آخرها) ". 3 - انظر ص 53 من طبعة طهران سنة 1317 وص 49 من طبعة بمبئى سنة 1318. اقول: تكلم الشيخ (ره) في هذا الكتاب عن الاختلاف في الشيعة وكيفيته وكثرته ووجهه بوجه مبسوط مفيد جدا فمن اراده فليراجع الكتاب (ص 56). (*)

[ 103 ]

فصل قال طاب ثراه (1): واما العدالة المراعاة في ترجيح احد الخبرين على الاخر فهو ان يكون الراوي معتقدا للحق مستبصرا ثقة في دينه متحرجا عن الكذب غير متهم فيما يرويه، فاما إذا كان مخالفا في الاعتقاد لاصل المذهب وروى مع ذلك عن الائمة عليهم السلام نظر فيما يرويه، فان كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره، وان لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون ما يوافقه وجب العمل به، وان لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه وجب ايضا العمل به لما روى عن الصادق عليه السلام انه قال: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روى عنا فانظروا الى ما رووه عن علي عليه السلام فاعملوا به، ولاجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن دراج والسكوني وغيرهم من العامة عن ائمتنا عليهم السلام فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه، واما إذا كان الراوي من فرق الشيعة مثل الفطحية والواقفية والناووسية وغيرهم نظر فيما يرويه، فان كان هناك قرينة تعضده أو خبر آخر من جهة الموثوق بهم وجب العمل به، وان كان هناك خبر آخر يخالفه من طرق الموثوق بهم وجب اطراح ما اختصوا بروايته والعمل بما رواه الثقة، وان كان ما رووه ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه وجب ايضا العمل به إذا كان متحرجا في روايته موثوقا به في امانته وان كان مخطئا في اصل - الاعتقاد، فلاجل ما قلنا عملت الطائفة باخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير وغيره، وأخبار - الواقفية مثل سماعة بن مهران وعلي بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى ومن بعد هؤلاء بما رواه


1 - فليعلم ان المجلسي (ره) نقل في آخر باب علل اختلاف الاخبار وكيفية الجمع بينها والعمل بها من المجلد من البحار (ص 149 - 148) هذا الكلام الشريف وقال في آخره: " انتهى كلامه قدس سره ولما كان في غاية المتانة ومشتملا على الفوائد الكثيرة اوردناه وسنفصل القول في ذلك في المجلد الاخر من الكتاب ان شاء الله تعالى " والعبارة في طبعتي العدة (ص 56 وص 60). (*)

[ 104 ]

بنو فضال وبنو سماعة والطاطريون وغيرهم فيما لم يكن عندهم فيه خلافه، وأما ما ترويه الغلاة والمتهمون والمضعفون وغير هؤلاء فما يختص الغلاة بروايته فان كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو عمل بما رووه حال الاستقامة وترك ما رووه في حال تخليطهم، ولاجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب في حال استقامته وتركوا ما رواه في حال تخليطه، وكذلك القول في احمد بن هلال العبرتائي وابن ابي العزاقر وغير هؤلاء، واما ما يروونه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كل حال، وكذلك القول فيما يرويه المتهمون والمضعفون ان كان هناك ما يعضد روايتهم ويدل على صحتها وجب العمل به، وان لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في اخبارهم، فلاجل ذلك توقف المشايخ عن اخبار كثيرة هذه صورتها ولم يرووها واستثنوها في فهارسهم من جملة ما يروونه من التصنيفات، فاما من كان مخطئا في بعض الافعال أو فاسقا بافعال - الجوارح وكان ثقة في روايته متحرزا فيها فان ذلك لا يوجب رد خبره ويجوز العمل به لان العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه وانما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس بمانع من قبول خبره، ولاجل ذلك قبلت الطائفة اخبار جماعة هذه صفتهم، فاما ترجيح احد الخبرين على الاخر من حيث ان احدهما يقتضي الحظر والاخر الاباحة والاخذ بما يقتضيه الحظر اولى أو الاباحة فلا يمكن الاعتماد عليه على ما نذهب إليه في الوقف لان الحظر والاباحة جميعا عندنا مستفادان بالشرع فلا ترجيح بذلك، وينبغي لنا التوقف فيهما جميعا أو يكون الانسان فيهما مخيرا في العمل بايهما شاء، وإذا كان احد الراويين يروى الخبر بلفظه والاخر بمعناه ينظر في حال الذي يرويه بالمعنى، فان كان ضابطا عارفا بذلك فلا ترجيح لاحدهما على الاخر لانه قد أبيح له الرواية بالمعنى واللفظ معا فايهما كان اسهل عليه رواه، وان كان الذي يروى الخبر بالمعنى لا يكون ضابطا للمعنى أو يجوز ان يكون غالطا فيه ينبغي ان يؤخذ بخبر من رواه على اللفظ، وإذا كان احد الراويين اعلم وافقه واضبط من الاخر فينبغي ان يقدم خبره على خبر الاخر ويرجح عليه، ولاجل ذلك قدمت الطائفة ما يرويه زرارة ومحمد بن مسلم وبريد وابو بصير والفضيل بن يسار ونظراؤهم من

[ 105 ]

الحفاظ الضابطين على رواية من ليس له تلك الحال، ومتى كان احد الراويين متيقظا في روايته والاخر ممن يلحقه غفلة ونيسان في بعض الاوقات فينبغي ان يرجح خبر الضابط المتقيظ على خبر صاحبه لانه لا يؤمن ان يكون قد سها أو دخل عليه شبهة أو غلط في روايته وان كان عدلا لم يتعمد ذلك وذلك لا ينافي العدالة على حال، وإذا كان احد الراويين يروى سماعا وقراءة والاخر يرويه اجازة فينبغي ان يقدم رواية السامع على رواية المستجيز اللهم الا ان يروى المستجيز باجازته اصلا معروفا أو مصنفا مشهورا فيسقط حينئذ الترجيح، وإذا كان احد الراويين يذكر جميع ما يرويه ويقول: انه سمعه فهو ذاكر لسماعه والاخر يرويه من كتابه نظر في حال الراوي من كتابه فان ذكر ان جميع ما في كتابه سماعه فلا ترجيح لرواية غيره على روايته لانه ذكر على الجملة انه سمع جميع ما في دفتره وان لم يذكر تفاصيله، وان لم يذكر انه سمع جميع ما في دفتره وان وجده بخطه أو وجد سماعه عليه في حواشيه بغير خطه فلا يجوز له اولا ان يرويه ويرجح خبر غيره عليه، وإذا كان احد الراويين معروفا والاخر مجهولا قدم خبر المعروف على خبر المجهول لانه لا يؤمن ان يكون خبر المجهول على صفة لا يجوز معها قبول خبره، وإذا كان احد الراويين مصرحا والاخر مدلسا فليس ذلك مما يرجع به خبره لان التدليس هوان يذكره باسم أو صفة غريبة أو ينسبه الى قبيله أو صناعة وهو بغير ذلك معروف فكل ذلك لا يوجب ترك خبره، وإذا كان احد الراويين مسندا والاخر مرسلا نظر في حال المرسل، فان كان ممن يعلم انه لا يرسل الا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره، ولاجل ذلك ميزت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروون ولا يرسلون الا عمن يوثق به وبين ما ارسله غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم، فاما إذا لم يكن كذلك ويكون ممن يرسل عن ثقة وعن غير ثقة فانه يقدم خبر غيره عليه، وإذا انفرد وجب التوقف في خبره الى ان يدل دليل على وجوب العمل به، واما إذا انفردت المراسيل فيجوز العمل بها على الشرط الذي ذكرناه، ودليلنا على ذلك الادلة التي قدمناها على جواز العمل باخبار الاحاد، فان

[ 106 ]

الطائفة كما عملت بالمسانيد عملت بالمراسيل فبما يطعن في واحد منهما يطعن في الاخر، وما اجاز احدهما اجاز الاخر فلا فرق بينهما على حال، وإذا كان احدى الروايتين ازيد من الرواية الاخرى كان العمل بالرواية الزائدة اولى لان تلك الزيادة في حكم خبر آخر ينضاف الى المزيد عليه، فإذا كان مع احدى الروايتين عمل الطائفة باجمعها فذلك خارج عن الترجيح بل هو دليل قاطع على صحته وابطال الاخر، فان كان مع احد الخبرين عمل اكثر الطائفة ينبغي ان يرجح على الخبر الاخر الذي عمل به قليل منهم، وإذا كان خبر احد المرسلين متناولا للحظر والاخر متناولا للاباحة فعلى مذهبنا الذي اخترناه في الوقف يقتضي التوقف فيهما لان الحكمين جميعا مستفادان شرعا وليس احدهما اولى بالعمل من الاخر، وان قلنا انه إذا لم يكن هناك ما يترجح به احدهما على الاخر كنا مخيرين كان ذلك ايضا جائزا كما قلناه في الخبرين المسندين سواء وهذه جملة كافية في هذا الباب (انتهى كلامه اعلى الله مقامه). فصل قال الشهيد في الذكرى في بيان سبب اختلاف أصحابنا في الفتوى واختلاف الاخبار عن الائمة عليهم السلام (1): لا يقال: من اين وقع الاختلاف العظيم بين فقهاء الامامية إذا كان نقلهم عن المعصومين عليهم السلام وفتواهم عن المطهرين ؟ - لانا نقول: محل الخلاف اما من المسائل المنصوصة أو مما فرعه العلماء، والسبب في الثاني اختلاف الانظار ومباديها كما هو بين سائر علماء الامامية، واما الاول فسببه اختلاف الروايات ظاهرا وقلما يوجد فيه التناقض بجميع شروطه وقد كانت الائمة عليهم السلام في زمن تقية واستتار من مخالفيهم وكثيرا ما يجيبون السائل على وفق معتقده أو معتقد بعض الحاضرين أو بعض من عساه يصل إليه من المناوين أو يكون عاما مقصورا على سببه، أو قضية في واقعة مختصه بها،


1 - هو في آخر المقدمة من كتاب الذكرى اعني آخر الوجه التاسع من الاشارة السابعة من اشارات المقدمة (ص 6 من النسخة المطبوعة سنة 1271). (*)

[ 107 ]

أو اشتباها على بعض النقلة عنهم، أو عن الوسائط بيننا وبينهم كما وقع في الاخبار عن النبي (ص) مع ان زمان معظم الائمة عليهم السلام كان اطول من الزمان الذي انتشر فيه الاسلام ووقع فيه النقل عن النبي (ص) وكانت الرواة عنهم أكثر عددا فهم بالخلاف (1) اولى. وقال بعض الفضلاء (2): ان القاعدة الاصولية المذكورة في كتب العامة القائلة بأن الجمع بين الدليلين مهما أمكن ولو بتأويل بعيد اولى من طرح أحدهما ليست جارية في احاديث ائمتنا عليهم السلام كما زعمه بعض المتأخرين لورود كثير منها من باب - التقية عنهم (ع) قال: ولا تظنن برئيس الطائفة قدس الله روحه ان التوجيهات التي ذكرها بقصد الجمع بين الاحاديث في كتابي الاخبار مبنية على رعاية القاعدة بل قصده رفع


1 - في الذكرى: " بالاختلاف ". 2 - يريد بقوله " بعض الفضلاء " الامين الاسترابادي (ره) فانه قال في الفوائد المدنية (ص 137 - 136): " وأما التمسك بالترجيحات الاستحسانية الظنية المسطورة في كتب العامة وكتب جمع من متأخري الخاصة عند تعارض الادلة الظنية فقد قال به جمع من متأخري اصحابنا وهو ايضا باطل لادلة (فساق الادلة الى ان قال:) الرابع - انه قد تقرر في علم الاداب ان كل متكلم أعلم بمراده ويجب الرجوع إليه في تعيين قصده، فإذا كان التعارض في كلام الشارع يجب بمقتضى الاداب ايضا الرجوع الى صاحب الشريعة ومن العجائب ما وقع من بعض المتأخرين من أصحابنا حيث زعم ان القاعدة الاصولية المذكورة في كتب العامة القائلة بأن الجمع بين الدليلين مهما امكن ولو بتأويل بعيد اولى من طرح احدهما جارية في احاديث ائمتنا عليهم السلام وغفل عن ان تلك القاعدة انما تجرى على مذهب العامة لعدم حديث وارد من باب التقية عندهم وعن انها لا تتجه عندنا لورود كثير من احاديث ائمتنا عليهم السلام من باب التقية (الى ان قال) ولا تظن برئيس الطائفة قدس الله روحه ان التوجيهات التي ذكرها بقصد الجمع بين - الاحاديث في كتابي الاخبار مبنية على رعاية تلك القاعدة بل قصده قدس سره رفع التناقض عن كلام الائمة الاطهار صلوات الله عليهم بطريق العامة مهما امكن والسبب في ذلك ما نقله قدس سره (الى قوله) اقرب منها " فعلم ان المصنف (ره) نقل قوله (ره) ملخصا. (*)

[ 108 ]

التناقض عن كلامهم عليهم السلام بطريق العامة مهما أمكن، والسبب فيه ما نقله في اول - التهذيب من انه رجع بعض الناس الى مذهب العامة لما وجد الاختلاف بين احاديث - العترة الطاهرة، وبهذا اندفع اعتراض المتأخرين عليه بان كثيرا من توجيهاته بعيدة والحمل على التقية اقرب منها. اقول: ولي في هذا نظر وقال بعض المحققين (1): ان الاختلافات الواقعة في الاحاديث المروية عن أصحاب - العصمة عليهم السلام اكثرها في الامور العملية الفرعية لا في الاصول الاعتقادية وما يجري مجراها من الامور العظيمة المهمة، والاختلاف في القسم الاول ليس اختلافا لا يسع الناس ان يأخذوا (2) بأيهما كان بعد ان يكون كلاهما ثابتا عن أهل بيت النبوة عليهم السلام أو مستندا إليهم والناس لجمود قرائحهم وعدم تفقههم في المسائل العلمية الاصولية والعملية الفروعية صعب عليهم الامر في مثلها (3) واستشكلوه حتى جزموا بالقدح في احدى الروايتين اما من جهة الراوي وجرحه واما من جهة المتن وحمله على التقية (انتهى كلامه). وقد مر في اواخر الاصل الخامس ان اجوبتهم عليهم السلام مع اختلافها وكونها في مسألة واحدة كلها حق وصواب (4).


1 - يريد بقوله " بعض المحققين " استاذه المولى صدرا (ره) فانه قال في شرح اصول الكافي في شرح الحديث التاسع من احاديث باب اختلاف الحديث وهو الحديث السابع والتسعون والمائة من الكتاب ما نصه (انظر ص 210 من النسخة المطبوعة): " الشرح - دل قوله (ع) " انا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم، بقرينة قوله في الحديث السابق: بأيهما اخذت من باب التسليم وسعك، انه جاز الاخذ والعمل بكل واحد من حديثي السابق منهم واللاحق فعلى هذا يكون قولهم: " خذوا بالاحدث " امر استحباب لا امر ايجاب ثم لابد ان يعلم ان هذه الاختلافات (فذكر الكلام الى آخره) ". 2 - في شرح المولى صدرا: " الانسان ان يأخذ ". 3 - في شرح المولى صدرا: " في مثل هذا الحديث ". 4 - انظر ص 83 - 82. (*)

[ 109 ]

الاصل السابع (1) ان لله سبحانه في كل مسألة حكما معينا، من أصابه فقد أصاب الحق، ومن أخطأه فقد أخطأ كما اتفق عليه اصحابنا، وان من أفتى على الظن والاجتهاد من غير سماع عنهم عليهم السلام ولو بوسائط فان أصاب لم يوجر، وان أخطأ فعليه وزره ووزر من عمل بفتياه الى يوم القيامة. ولعلك لا تحتاج الى مزيد بيان لهذا الاصل بعد اطلاعك على الايات والاخبار السالفة الا انا نذكر نبذا من الاخبار غيرها تأكيدا وتشييدا، ففي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (ع) انه قال في ذم اختلاف الفتيا (2): ترد على أحدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند امامهم الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا والههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد فأمرهم الله سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ ام نهاهم عنه فعصوه ؟ ام أنزل الله سبحانه دينا ناقصا فاستعان بهم على اتمامه ؟ ! ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا وعليه ان يرضى ؟ ! ام انزل الله دينا تاما فقصر الرسول (ص) عن تبليغه وادائه ؟ ! والله سبحانه يقول: ما فرطنا في الكتاب من شئ، وفيه تبيان لكل شئ، وذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا وانه لا اختلاف فيه فقال سبحانه: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا، وان القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف


1 - عنوان هذا الاصل ملخص مما ذكره الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية (انظر ص 94 من النسخة المطبوعة). 2 - مأخوذ من الفوائد المدنية (انظر ص 94) ومذكور في باب الخطب من نهج البلاغة (ص 120 من الطبعة الاولى من شرح ابن ميثم). (*)

[ 110 ]

الظلمات الا به (1). وفيه عنه (ع): اعلموا (2) عباد الله ان المؤمن يستحل العام ما استحل عاما اول ويحرم العام ما حرم عاما أول، وان ما أحدث الناس لا يحل لكم شيئا مما حرم عليكم ولكن الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله. وفيه عنه (ع) في صفة من يتصدى للحكم بين الامة وليس لذلك باهل (3): ان ابغض الناس الى الله رجلان رجل وكله الله الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة فهو فتنة لمن افتتن به ضال عن هدى من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته، حمال خطايا غيره، رهن بخطيئته، ورجل قمش جهلا موضع في جهال الامة غان (4) في أغباش الفتنة عم بما في عقد الهدنة قد سماه أشباه الناس عالما وليس به، بكر فاستكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من ماء آجن فاستكثر من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فان نزلت به احدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به، فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدرى أصاب ام أخطأ، ان اصاب خاف


1 - قال الامين الاسترابادي (ره) بعد نقله (ص 94 من الفوائد المدنية): " واقول: المقدمتان القائلتان بان كل ما تحتاج إليه الامة الى يوم القيامة نزل في القرآن وبأنه لا اختلاف فيما نزل فيه تستلزمان ان يكون كل من افتى بحكمين مختلفين من غير ابتناء احدهما على التقية مصداقا لقوله تعالى: ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون ثم اقول: الكافر جاء بخمسة معان في كتاب الله تعالى وتلك المعاني وما هو المراد منها تستفاد ان من احاديث كثيرة منها ما (فخاض في ذكر الاحاديث الدالة على الاقسام الخمسة). 2 - هو من خطبة له (ع) مذكورة في النهج (ص 514 ج 2 شرح ابن ابي الحديد من طبعة مصر). 3 - مأخوذ من الفوائد المدنية (انظر ص 97) ومنقول في نهج البلاغة (شرح ابن ابي - الحديد ص 94 ج 1 من طبعة مصر). 4 - قال في الوافي: " غان بالغين المعجمة والنون من غنى بالكسر اقام، وغاش اي مقيم في ظلماتها (الى آخر ما قال). (*)

[ 111 ]

ان يكون قد أخطأ وان أخطأ رجا ان يكون قد أصاب، جاهل خباط جهالات، عاش ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذرى الروايات اذراء الريح الهشيم، لا ملئ والله باصدار ما ورد عليه، ولا هو اهل لما فوض إليه، لا يحسب العلم في شئ مما انكره، ولا يرى ان وراء ما بلغ منه مذهبا لغيره، وان أظلم عليه أمر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث، الحديث (1)، ورواه في الكافي أيضا بادنى اختلاف في اللفظ (2) وفي آخره: يستحل بقضائه الفرج الحرام ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لا ملئ (3) باصدار ما عليه ورد، ولا هو اهل لما منه فرط من ادعائه علم الحق. وفي الكافي باسناده عن ابي بصير (4) قال: قلت لابي عبد الله (ع): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة نبيه فننظر فيها ؟ - فقال: لا، أما انك ان أصبت لم توجر، وان أخطأت كذبت على الله عز وجل. وفي التهذيب (5) بسنده عن أبي جعفر (ع) قال: قال علي (ع): لو قضيت بين رجلين بقضية ثم عادا الى من قابل لم أزدهما على القول الاول، لان الحق لا يتغير. وفيه (6) عن زرارة


1 - يشير به الى ذيل الحديث وهو " الى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا، ليس فيهم سلعة أبور من الكتاب إذا تلى حق تلاوته، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه، ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر ". 2 - نقله في الوافي في باب البدع والرأي والمقائيس عن الكافي وأورد له بيانا مبسوطا فمن اراده فليطلبه من هناك (ج 1 ص 46 من الطبعة الثانية). 3 - قال في الوافي في بيانه: " الملئ بالهمزة الثقة الغني أي ليس له من العلم والثقة قدر ما يمكنه ان يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الاشكالات والشبهات ". 4 - أخذه من الفوائد المدنية (عن ص 101) ونقله عن الكافي في الوافي (ج 1، ص 46). 5 - قال بعد نقله في الوافي (ج 1 ص 48): " بيان هذا الخبر ايضا صريح في بطلان الاجتهاد والقول بالرأي ". 6 - اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية فهو فيه كما نقل هنا (انظر ص 103) لكن صرح الامين (ره) بانه نقله عن باب البدع والرأي والمقائيس من الكافي وللحديث هناك ذيل = (*)

[ 112 ]

قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الحلال والحرام فقال: حلال محمد (ص) حلال ابدا الى يوم القيامة، وحرامه حرام ابدا الى يوم القيامة، ولا يكون غيره ولا يجئ غيره. وفي الفقيه (1) قال الصادق (ع): الحكم حكمان حكم الله عز وجل وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية، ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله فقد كفر بالله تعالى. وفي الكافي عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول (2): من حكم بدرهمين بغير ما أنزل الله فهو كافر بالله العظيم. وفيه عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول (3): أي قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء. وفيه أنه (ع) قال لابن ابي ليلى (4): أنت ابن أبي ليلى قاضي المسلمين ؟ - قال: نعم، قال: فبأي شئ تقضي ؟ - قال: بما بلغني عن رسول الله (ص) وعن علي وعن أبي بكر وعمر، قال: فبلغك عن رسول الله (ص) انه قال: ان عليا أقضاكم ؟ - قال: نعم، قال: كيف تقضى بغير قضاء علي وقد بلغك هذا ؟ ! فما تقول إذا جئ بأرض من فضة وسماء من فضة ثم أخذ رسول الله (ص) بيدك واوقفك بين يدى ربك فقال: يا رب ان هذا قضى بغير ما قضيت ؟ - قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى حتى عاد مثل الزعفران ثم قال: التمس لنفسك زميلا والله لا أكلمك من نفسي كلمة أبدا. وباسناده الحسن عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: كان أبو عبد الله (ع)


= وهو: " وقال قال علي (ع): ما ابتدع احد بدعة الا ترك بها سنة " قال المصنف (ره) بعد نقله في الوافي (ج 1 ص 48 من الطبعة الثانية): " بيان - يعني ان الاحكام التي بقيت عنه (صلعم) بعد ما نسخ منها مستمرة الى يوم - القيامة لا يعارضها نسخ ولا اجتهاد ولا يبطله رأي ولا قياس، رد بذلك على اصحاب الرأي والاجتهاد، فان آراءهم تتغير وكأنه (ع) اشار بنقل كلام امير المؤمنين (ع) ههنا الى ان الحكم بالرأي والعمل به بدعة وانه مستلزم لترك السنة، وانما كان كل بدعة مستلزمة لترك سنة لقيامها مقامها، ولان من طلب ما لا يعنيه فاته ما يعنيه ". 1 و 2 - مأخوذان من الفوائد المدنية الا انه لم يذكر السند في الثاني (انظر ص 99). 3 - اخذه عن الفوائد المدنية بحذف السند (انظر ص 99). 4 - اخذه عن الفوائد وصدره فيه (ص 99) هكذا نقلا عن باب من حكم بغير ما = (*)

[ 113 ]

قاعدا في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه فلما سكت قال له الاعرابي: هو في عنقك ؟ - فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله (ع): هو في عنقه قال اولم يقل، وكل مفت ضامن. وفي الصحيح عن أبي عبيدة (1) قال: قال أبو جعفر (ع): من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه. وعن مفضل بن يزيد قال (2): قال أبو عبد الله (ع): أنهاك عن خصلتين فيهما هلك الرجال، أنهاك ان تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم. وفى الموثق عن أبي بصير عن أبي - عبد الله (ع) قال (3): قلت له: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ؟ - فقال: أما والله


= انزل الله عز وجل من كتاب الكافي: " عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن ايوب عن داود بن فرقد قال حدثني رجل عن سعيد بن ابي - الخضيب البجلي قال: كنت مع ابن ابي ليلى مزاملة حتى جئنا الى المدينة فبينا نحن في مسجد الرسول (ص) إذ دخل جعفر بن محمد (ع) فقلت لابن أبي ليلى: تقدم [ تقوم خ ل ] بنا إليه ؟ - فقال: وما نصنع عنده ؟ - فقلت: نسائله ونحدثه، فقال: قم فقمنا إليه فسألني عن نفسي واهلي ثم قال: من هذا معك ؟ - فقلت: ابن ابي ليلى قاضي المسلمين ؟ - قال: نعم قال: تأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتقتل هذا، وتفرق بين المرء وزوجه لا تخاف في ذلك احدا ؟ - قال: نعم قال: فبأي شئ تقضي (خ ل: " تفتي ") ؟ - " فذكر الحديث الى آخره كما في المتن. 1 و 2 - اخذهما من الفوائد المدنية (انظر ص 100). 3 - قال بعد نقله مسندا في الوافي في باب التقليد (انظر ج 1 من الطبعة الثانية ص 44): " بيان - هذا الخبر اورده مرة اخرى في باب الشرك عن العدة عن البرقي عن ابيه عن عبد الله بن يحيى، والظاهر ان ابن يحيى هذا هو الكاهلي، والاحبار العلماء والرهبان العباد، ومعنى الحديث ان من اطاع احدا فيمايأمره به خلاف ما امر الله تعالى به فقد اتخذه ربا وعبده من حيث لا يشعر، ومما يدل على ذلك من القرآن المجيد قوله سبحانه: افرأيت من اتخذ الهه هواه وقوله عز وجل: الم اعهد اليكم يا بني آدم ان لا تعبدوا الشيطان، وذلك لان العبادة عبارة عن الطاعة والانقياد وفي هذا الحديث دلالة واضحة على عدم جواز تقليد المجتهدين في الاحكام بآرائهم كما هو الشائع الذائع الى اليوم حتى بين اصحابنا فضلا = (*)

[ 114 ]

ما دعوهم الى عبادة انفسهم، ولو دعوهم ما أجابوهم ولكن احلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون. وفي الحسن عن بريد بن معاوية قال () تلا أبو جعفر (ع) أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان خفتم تنازعا في أمر فارجعوه الى الله والى الرسول (ص) والى اولي الامر منكم ثم قال: كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم ؟ ! انما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.


= عن العامة وليت شعري كيف يجيبون عن ذلك الا من افتى بمحكمات القرآن والحديث فان اتباع قوله حينئذ ليس بتقليد له بل تقليد لمن فرض الله طاعته وحكم بحكم الله عز وجل " ونقله في باب وجوه الشرك (ج 1 ص 298) وقال بعده: " بيان - هذا الخبر قد مضى مرة اخرى في باب التقليد (الى آخر ما قال) ". 1 - قال المصنف (ره) في الوافي في باب انهم عليهم السلام اهل الامانات التي ذكرها الله تعالى (ج 1 من الطبعة الثانية ص 193): " كا - الاثنان عن الوشاء عن احمد بن عائذ عن ابن اذينة عن العجلي قال: سألت ابا جعفر (ع) عن قول الله تعالى: ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل ؟ - فقال (ع): ايانا عنى، ان يؤدى الاول الى الامام الذي بعده الكتب والعلم والسلام وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل الذي في ايديكم ثم قال للناس: يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم، ايانا عنى خاصة، امر جميع المؤمنين الى يوم القيامة بطاعتنا فان خفتم تنازعا في امر فردوه الى الله تعالى والى الرسول والى اولي الامر منكم، كذا نزلت وكيف يأمرهم الله تعالى بطاعة ولاة الامر ويرخص في منازعتهم ؟ ! انما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم بيان - رد (ع) بكلامه في آخر الحديث على المخالفين حيث قالوا: معنى قوله سبحانه وتعالى فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول فان اختلفتم انتم واولوا الامر منكم في شئ من امور الدين فارجعوا فيه الى الكتاب والسنة وجه الرد انه كيف يجوز الامر باطاعة قوم مع الرخصة في منازعتهم ؟ - فقال (ع): ان المخاطبين بالتنازع ليسوا الا المأمورين بالاطاعة خاصة وان اولى الامر داخلون في المردود إليهم ". (*)

[ 115 ]

فصل اقول: فالحديث الذي رواه العامة: ان من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله اجر واحد، ان صح فهو محمول على الاجتهاد في العمليات اي متعلقات أحكام - الله تعالى ورد الفروع الى الاصول المأخوذة عن أهل البيت عليهم السلام لاجل العمل كما ذكرناها في الاصل الخامس والسادس دون نفس أحكام الله تعالى في الواقع مطلقا، فان كان مراد المتأخرين من أصحابنا بالاجتهاد ما قلنا فحكمهم بعدم إثم المجتهد في خطائه حق والا فهذه الاخبار حجة عليهم. واستدل المحقق (ره) على وضع الاثم عن المجتهد في خطائه بوجوه (1): أحدها - انه مع استفراغ الوسع يتحقق العذر. الثاني - ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح فجاز ان تختلف بالنسبة الى المجتهدين كاستقبال القبلة فانه يلزم كل من غلب على ظنه ان القبلة في جهة ان يستقبل تلك الجهة إذا لم يكن له طريق الى العلم، ويمكن ان يكون فرض المكلف مع الظفر بالحق أمر، ومع عدمه أمر آخر. والثالث - انا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الاحكام الشرعية اختلافا شديدا حتى يفتي الواحد منهم بالشئ ويرجع منه الى غيره فلو لم يرتفع الاثم لعمهم الفسق وشملهم الاثم.


1 - أخذه ملخصا من عبارة المحقق (ره) وهى مذكورة في معارج الاصول في الباب الثالث الذي في الاجتهاد تحت عنوان " المسألة الثالثة " (انظر ص 120 - 119 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1310). ونقل العبارة بنص عبارة المحقق (ره) في المعارج الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية في الفصل الثامن تحت عنوان " اما السؤال الثالث " وهو من الاسئلة التي تتجه على ما استفاده وقرره من كلام الائمة عليهم السلام واجاب عما استدل به المحقق ره) على مدعاه فمن اراده فليراجع الفوائد المدنية (انظر ص 159 - 156).

[ 116 ]

هذا حاصل ما قاله، والجواب عن الاولين أنهما مختصان بالعمليات ولا كلام فيها، وعن الثالث ان الاختلاف ان كان بسبب اختلاف الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام أو اختلاف طرق رد الفروع الى اصولهم فذلك موضوع عنهم ومخصوص بالاعمال كما بيناه، وان كان لغير ذلك من الاصول والاعتبارات الظنية التي وضعوها أو أخذوها من غيرهم فذلك لا نظنه لقدماء الاصحاب لانهم كانوا اصحاب النص وأما المتأخرون فلعل الله يعذرهم في ذلك (1) ان كانوا غير مقصرين في تتبع مثل هذه الاخبار فكل ما غلب الله على العبد فالله أولى بالعذر وقد روى عن الصادق عليه السلام انه قال (2): لا تحل الفتيا لمن


1 - أخذه المصنف (ره) من الامين الاسترابادي (ره) فان له كلاما نافعا ذكره في ضمن الجواب عن الوجه الاول عن وجوه استدلال المحقق (ره) وهو " والوجه الاول ايضا مردود لان خلاصته جارية فيمن كان في زمن الفترة واستفرغ وسعه وعمل بخلاف الشريعة فانه معذور كما تواترت به الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام مع انه عمل بخلاف الشريعة والحل ان يقال: كونهم معذورين اعم من كون فعلهم مشروعا لجواز ان يكون سبب كونهم معذورين غفلتهم عن بعض القواعد الشرعية وحاصل النقض والحل ان المعذورية قسمان (الى ان قال) وأقول: يمكن ان يقال: الجماعة التي وقع منهم القسم الثاني من الاختلاف وهم جماعة قليلة نشأوا في زمن الغيبة الكبرى اولهم الاقدمان ابن الجنيد وابن ابي عقيل فيما اظن، ثم بعدهما نسج على منوالهما الشيخ المفيد ثم ابن ادريس الحلي ثم العلامة الحلي، ثم من وافقه من المتأخرين معذورون من جهة غفلتهم عن ان سلوك طريقة الاستنباطات الظنية مناقض لما هو من ضروريات مذهبنا (الى آخر كلامه) ". ولهذا الكلام ايضا نظير في كتابه ذكره في مورد آخر لا حاجة الى ذكره هنا. 2 - قوله (ره) " وقد روى عن الصادق عليه السلام " اشارة الى مأخذ الحديث وهو كتاب مصباح الشريعة المنسوب الى الصادق (ع) والعبارة عبارة الباب الثالث والتسعين من الكتاب المذكور المعنون بباب في الفتيا وصرح المصنف (ره) بالمأخذ في كتابه الموسوم بالمحجة البيضاء في احياء الاحياء فانه قال في كتاب العلم (انظر المجلد الاول من طبعة مكتبة الصدوق، ص 147 - = (*)

[ 117 ]

لا يستفتى من الله بصفاء سره وإخلاص عمله وعلانيته وبرهان من ربه في كل حال لان من أفتى فقد حكم، والحكم لا يصح الا باذن من الله وبرهانه، ومن حكم بالخبر بلا معاينة (1) فهو جاهل مأخوذ بجهله ومأثوم بحكمه، قال النبي (ص): أجرأكم بالفتيا أجرأكم على الله عز وجل، أو لا يعلم المفتي انه هو الذي يدخل بين الله وبين عباده وهو الحائل بين الجنة والنار، قال سفيان بن عيينة: كيف ينتفع بعلمي غيري وانا قد حرمت نفسي نفعها ؟ ! ولا تحل الفتيا في الحلال والحرام بين الخلق الا لمن كان أتبع الخلق من اهل زمانه وناحيته وبلده بالنبي. قال (ص): وذلك لربما ولعل ولعسى لان الفتيا عظيمة. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) لقاض: هل تعرف الناسخ من المنسوخ ؟ - قال: لا، قال: فهل أشرفت على مراد الله عز وجل في أمثال القرآن ؟ - قال: لا، قال: إذا هلكت واهلكت. والمفتى يحتاج الى معرفة معاني القرآن وحقائق السنن وبواطن الاشارات والاداب والاجماع والاختلاف والاطلاع على اصول ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، ثم الى حسن الاختيار ثم العمل الصالح ثم الحكمة ثم التقوى ثم حينئذ ان قدر. (انتهى كلامه عليه السلام). والظاهر ان هذه الشرائط انما تعتبر في المفتى المحقق دون المقلد، ويأتي تحقيق القسمين في الاصل العاشر ان شاء الله.


= 148) ونص عبارته (ره) فيه " وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام انه قال: لا تحل الفتيا لمن لا يستفتى (الى قوله: ان قدر " ونقله المجلسي (ره) في باب النهي عن القول بغير علم من المجلد الاول من البحار (ص 101 من طبعة امين الضرب) والمحدث النوري (ره) في مستدرك الوسائل في باب نوادر ما يتعلق بأبواب صفات القاضي (ج 3 ص 194) وهو مذكور في النسخ المطبوعة من مصباح الشريعة في الباب الثالث والستين فراجع ان شئت وان شئت، فراجع شرح عبد الرزاق الجيلاني لمصباح الشريعة (ص 67 - 72 من طبعة دانشگاه تهران في سنة 1344). 1 - قال المجلسي (ره) في البحار: " بيان - قوله: " ومن حكم بالخبر بلا معاينة " اي بلا علم بمعنى الخبر ووجه صدوره وكيفية الجمع بينه وبين غيره ". (*)

[ 118 ]

الاصل الثامن انه لا يجوز التعويل على الظن في الاعتقادات، ولا الافتاء عليه في العمليات كما عرفت سواء حصل ذلك الظن بمجرد اتباع الهوى واستحسان العقل والقياس الفقهي أو اجتهاد الرأي أو الشهرة أو اتفاق الجماعة أو البراءة الاصلية أو استصحاب الحال أو غير ذلك من وجوه الاستنباطات الا ما صح عن اهل البيت عليهم السلام باحد الاصطلاحين وكانت دلالته صريحة أو ظاهرة مع اعتضاده بالعقل الصحيح الذي يكون لصاحب القوة القدسية فان الشرع (1) لن يتبين الا بالعقل، والعقل لن يهتدى الا بالشرع، والعقل كالاس


1 - فليعلم ان المصنف (ره) أخذ هذا الكلام الى قوله: عند فقد النور " عن غيره وصرح بذلك في سائر كتبه كما قال في علم اليقين في اصول الدين (ص 171 من النسخة المطبوعة بطهران 1312): " فصل - قال بعض الفضلاء: اعلم ان العقل لن يهتدى الا بالشرع، والشرع لن يتبين الا بالعقل (وساق الكلام الى قوله) عند فقد النور " وقال في مقدمة كتاب عين اليقين المطبوع منضما بنسخة علم اليقين المطبوع المشار إليه آنفا (ص 242): " في تظاهر العقل والشرع ولنقتصر فيه على كلام بعض الفضلاء فانه كاف في هذا المقام قال: اعلم ان العقل لن يهتدى (وساق الكلام الى آخره) " وقال في المحجة البيضاء في احياء الاحياء في كتاب قواعد العقائد وهو الكتاب الثاني من ربع العبادات (ص 188 - 187 ج 1 من طبعة مكتبة الصدوق) مانصه " الباب الاول في طريق التخلص عن مضائق بدع اهل الاهواء بمتابعة الكتاب والسنة واقتفاء ائمة الهدى صلوات الله عليهم قال بعض الفضلاء: اعلم ان العقل لن يهتدى (الى آخر ما قال). وللكلام ذيل نقله في الكتب الثلاثة في الموارد المشار إليها متصلا بما مر وهو: " واعلم ان العقل بنفسه قليل الغناء لا يكاد يتوصل به الا الى معرفة كليات الشئ دون جزئياته نحو ان يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق وتعاطى الجميل وحسن = (*)

[ 119 ]

والشرع كالبناء ولم يثبت بناء ما لم يكن أس، ولم يغن أس ما لم يكن بناء، وايضا العقل كالبصر والشرع كالشعاع ولن ينفع البصر ما لم يكن شعاع من خارج ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر، فلهذا قال تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه (1) وايضا فالعقل كالسراج والشرع كالزيت الذي يمده فما لم يكن زيت لم يشعل السراج، وما لم يكن سراج لم تضئ


= استعمال المعدلة وملازمة العفة ونحو ذلك من غير ان يعرف ذلك في شئ شئ والشرع يعرف كليات الشئ (في تفصيل النشأتين: الاشياء) وجزئياته ويبين ما الذي يجب ان يعتقد في شئ شئ، وما الذي هو معدلة في شئ شئ، ولا يعرف العقل مثلا ان لحم الخنزير والخمر محرمة، وانه يجب ان يتحاشى من تناول الطعام في وقت معلوم، وان لا تنكح ذوات المحارم، وان لا تجامع المرأة في حال الحيض، فان اشباه ذلك لا سبيل إليها الا بالشرع فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والافعال المستقيمة والدال على مصالح الدنيا والاخرة، من عدل عنه فقد ضل سواء السبيل، ولاجل ان لا سبيل للعقل الى معرفة ذلك قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، وقال: ولو انا اهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل ونخزى، والى العقل والشرع اشار بالفضل والرحمة بقوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا، وعنى بالقليل المصطفين الاخيار (انتهى كلامه) ". اقول: بعد ان كتبت هذه الحاشية ويئست عن الظفر باسم صاحب الكلام بعد الفحص عنه امتن الله تعالى علي بالفوز بهذا المطلوب وذلك اني كنت اطالع تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين للراغب الاصبهاني فإذا هذا الكلام فيه وعبارته (ره) فيه هكذا: " الباب الثامن عشر في تظاهر العقل والشرع وافتقار احدهما الى الاخر، اعلم ان العقل لن يهتدى الا بالشرع (فذكر الكلام من دون تغيير فيه الى آخره وهو قوله) وعنى بالقليل المصطفين الاخيار " انظر ص 51 - 50 من النسخة المطبوعة بمطبعة العرفان سنة 1376). 1 - ذيل آية 15 وصدر آية 16 سورة المائدة. (*)

[ 120 ]

الزيت، وعلى هذا نبه بقوله تعالى (1): الله نور السماوات والارض مثل نوره (الى قوله) نور على نور، وايضا فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما يتعاضدان بل يتحدان، ولكون الشرع عقلا من خارج سلب الله اسم العقل من الكافر في غير موضع من القرآن نحو: صم بكم عمي فهم لا يعقلون (2)، ولكون العقل شرعا من داخل قال تعالى في صفة العقل: فطرة الله التي فطر الناس عليهالا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم (3) فسمى العقل دينا، ولكونهما متحدين قال: نور على نور وقال (4): يهدي الله لنوره من يشاء، فجعلهما نورا واحدا، فالعقل إذا فقد الشرع عجز من أكثر الامور كما تعجز العين عند فقد النور. وعن أمير المؤمنين (ع) انه قال (5): العقل عقلان مطبوع ومسموع ولا ينفع المسموع ما لم يكن مطبوع كما لا ينفع نور الشمس ونور العين ممنوع فقد ظهر من هذا انه لا طريق الى العلم بالاحكام الشرعية المختلف فيها في زمان - الغيبة الا لذي العقل الصحيح الكامل صاحب القوة القدسية بعد أخذها من اصولها المحكمة من الكتاب والسنة الثابتة وأخبار اهل البيت المسموعة عنهم عليهم السلام بواسطة


1 - صدر آية 25 سورة النور. 2 - آية 18 سورة البقرة. 3 - من آية 30 سورة الروم. 4 - ذيل آية 25 سورة النور. 5 - قال في الكتب الثلاثة بعد الكلام المشار إليه ما نصه: " ويصدقه ما روى عن أمير المؤمنين (ع): العقل (الى آخره) وليعلم ان اصحاب العقل قليل جدا كما قال الله تعالى ولكن اكثرهم لا يعلمون ولكن اكثرهم لا يفقهون، ام تحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون، ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا، وان من لم يهتد لنور - الشرع ولم يطابقه عقله فليس من ذوي العقول في شئ، وان العقل فضل من الله نور كما ان الشرع رحمة منه وهدى، وان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويهدي الله لنوره من يشاء، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ". (*)

[ 121 ]

أو بدونها والناس انما هلكوا فيما هلكوا لتركهم ذلك واتباع آرائهم قال الله عز وجل: اتقولون على الله ما لا تعلمون (1). وقال (2): ولا تقف ما ليس لك به علم. وقال (3): قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم ام على الله تفترون ؟ وقال (4): ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب. وقال (5): ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله الا الحق. وقال (6): ان الظن لا يغني من الحق شيئا. وقال (7): ان هم الا يظنون. وقال (8): ولو تقول علينا بعض الاقاويل * لاخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين، الى غير ذلك من الايات. واما الاخبار في ذلك فهي أكثر من ان تحصى وقد تجاوزت حد التواتر، ولنشر الى جملة منها للتنبيه، فمنها ما ذكرناه في الاصول السالفة مما دل على ذلك وسيما الاصل الثاني من حديث ابن شبرمة (9) والرسالة الصادقية (10) وغيرهما، وفي الاصل السابع من حديث ذم اختلاف الفتيا (11) وحديث من تصدى للحكم وليس له بأهل (12) خصوصا قوله (ع): لا يدري اصاب ام أخطأ (الى قوله) ولم يعض على العلم بضرس قاطع، الى غير ذلك. ومنه ما قاله أمير المؤمنين (ع) ايضا في اثناء كلام له (13): وآخر قد تسمى عالما وليس به فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضلال ونصب للناس اشراكا من حبال - غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أهوائه، يؤمن من العظائم ويهون كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات وفيها وقع، ويقول: أعتزل البدع وبينهما اضطجع، فالصورة صورة إنسان والقلب حيوان، لايعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب -


1 - ذيل آية 28 سورة الاعراف و 68 سورة يونس. 2 - صدر آية 36 سورة الاسراء. 3 - آية 59 سورة يونس. 4 - صدر آية 116 سورة النحل. 5 - من آية 169 سورة الاعراف. 6 - من آية 36 سورة يونس. 7 - ذيل آية 24 سورة الجاثية. 8 - آية 44 و 45 و 46 سورة الحاقة. 9 - انظر ص 23. 10 - انظر ص 24. 11 - انظر ص 109. 12 - انظر ص 110. 13 - نقله الرضي (ره) في نهج البلاغة في باب الخطب، انظر ص 60 من طبعة طهران. (*)

[ 122 ]

العمى فيصد عنه، فذلك ميت الاحياء، فأين تذهبون ؟ وأنى تؤنكون ؟ والاعلام قائمة، والايات واضحة، والمنار منصوبة، فأين تياه بكم ؟ بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ؟ وهم أزمة الحق وألسنة الصدق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورد الهيم العطاش، ايها الناس خذوها عن خاتم النبيين (ص) انه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلى منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فان أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه وانا هو، الم أعمل فيكم بالثقل الاكبر وأترك فيكم الثقل الاصغر، قد ركزت فيكم راية الايمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلي، وفرشت لكم المعروف من قولي وفعلي، وأريتكم كرائم الاخلاق من نفسي، فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ولا يتغلغل إليه الفكر. ومنه كلامه عليه السلام في خطبة له (1): ما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي ناظر ببصير، فيا عجبا ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتفون اثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي، ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، يعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات، المعروف عندهم ما عرفوا، والمنكر عندهم ما أنكروا، مفزعهم في المعضلات الى أنفسهم وتعويلهم في المبهمات على آرائهم، كأن كل أمرئ منهم امام نفسه، فقد أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات واسباب محكمات. ومنه كلامه (ع) في وصيته لابنه الحسن (ع): دع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لم تكلف (2)، الحديث. وفي تفسير أبي محمد العسكري (ع) عن أمير المؤمنين (ع): انه قال (3):


1 - انظر نهج البلاغة من طبعة تبريز ص 62 - 61. 2 - انظر اوائل تلك الوصية المشهورة (نهج البلاغة طبعة تبريز ص 223). 3 - نقله العلامة المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في باب من يجوز اخذ العلم منه ومن لا يجوز " (ص 90 - 91 من طبعة امين الضرب) بهذه العبارة: " قال أبو محمد العسكري (ع) الى ان قال: وقال أمير المؤمنين (ع): يا معشر شيعتنا والمنتحلين (الحديث) " قائلا بعده: " بيان - قوله (ع): المنتحلين مودتنا فيه تعريض بهم إذ الانتحال ادعاء امر من غير الاتصاف به حقيقة ويحتمل ان يكون المراد الذين اتخذوا مودتنا نحلتهم ودينهم. قوله (ع): تفلتت = (*)

[ 123 ]

يا معشر شيعتنا والمنتحلين ولاياتنا (1) اياكم وأصحاب الرأي فانهم أعداء السنن تفلتت منهم الاحاديث ان يحفظوها، وأعيتهم السنة ان يعوها، فاتخذوا عباد الله خولا وماله دولا، فذلت لهم الرقاب، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب، ونازعوا الحق وأهله، وتمثلوا بالائمة الصادقين وهم من الجهال الكفار الملاعين، فسئلوا عما لا يعلمون فأنفوا ان يعترفوا بأنهم لا يعلمون، فعارضوا الدين بآرائهم وضلوا فأضلوا، اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما. وفي كتاب المحاسن في باب - المقائيس والرأى عنه عن أبيه عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) في رسالته الى أصحاب الرأى والمقائيس (2) اما بعد فانه من دعا غيره الى دينه بالارتياء والمقائيس لم ينصف ولم يصب حظه لان المدعو الى ذلك لا يخلو أيضا من الارتياء والمقائيس، ومتى ما لم يكن بالداعي


= منهم الاحاديث اي فات وذهب منهم حفظ الاحاديث واعجزهم ضبط السنة فلم يقدروا عليه. قوله (ع): فاتخذوا عباد الله خولا قال الجرزي: في حديث ابي هريرة إذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين كان عباد الله خولا اي خدما وعبيدا يعني انهم يستخدمونهم ويستعبدونهم. قوله (ع): وماله دولا اي يتداولونه بينهم. وقوله (ع): اشباه الكلاب نعت للخلق. قوله (ع): وتمثلوا اي تشبهوا بهم وادعوا منزلتهم. قوله (ع): فأنفوا اي تكبروا واستنكفوا ". 1 - في البحار: " مودتنا " في موضع: " ولاياتنا ". 2 - انظر باب المقائيس والرأي وهو الباب السابع من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن ونص العبارة فيه (ص 210 - 209 من طبعة طهران): " عنه (اي احمد بن ابي عبد الله البرقي المكنى بابي جعفر) عن أبيه عمن ذكره عن أبي عبد الله (ع) في رسالته الى اصحاب الرأي والقياس اما بعد (الحديث) ". ونقله المجلسي (ره) في البحار في باب البدع والرأى والمقائيس (ج 1 طبعة امين الضرب ص 166): وقال: " بيان - جاش اي غلا، ويقال: انتجعت فلانا إذا اتيته تطلب معروفه، ولا يخفى عليك بعد التدبر في هذا الخبر واضرابه انهم سدوا باب العقل بعد معرفة الامام، وأمروا بأخذ جميع الامور منهم، ونهوا عن الاتكال على الامور الناقصة في كل باب ". (*)

[ 124 ]

قوة في دعائه على المدعو لم يؤمن على الداعي ان يحتاج الى المدعو بعد قليل، لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فائقا لمعلمه ولو بعد حين، ورأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الى رأي من يدعو، وفي ذلك تحير الجاهلون وشك المرتابون وظن الظانون، ولو كان ذلك عند الله جائزا لم يبعث الرسل بما فيه الفصل، ولم ينه عن الهزل، ولم يعب الجهل، ولكن الناس لما سفهوا الحق وغمطوا النعمة واستغنوا بجهلهم وتدابيرهم عن علم الله واكتفوا بذلك دون رسله والقوام بأمره وقالوا: لا شئ الا ما أدركته عقولنا وعرفته ألبابنا، فولاهم الله ما تولوا وأهملهم الله وخذلهم حتى صاروا عبدة أنفسهم من حيث لا يعلمون، ولو كان الله رضى منهم اجتهادهم وارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم يبعث الله إليهم فاصلا لما - بينهم ولا زاجرا عن وصفهم، وانما استدللنا ان رضى الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة والتحذير عن الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم أبوابه وصراطه والادلاء عليه بامور محجوبة عن (1) الرأي والقياس فمن طلب ما عند الله بقياس ورأي لم يزدد من الله الا بعدا، ولم يبعث رسولا قط وان طال عمره قابلا من الناس خلاف ما جاء به حتى يكون متبوعا مرة وتابعا أخرى، ولم ير أيضا فيما جاء به استعمل رأيا ولا مقياسا حتى يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله، وفي ذلك دليل لكل ذي لب وحجى ان أصحاب الرأي والقياس مخطؤن مدخصون وانما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل فاياك أيها المستمع ان تجمع عليك خصلتين، احداهما القذف بما جاش به صدرك واتباعك لنفسك الى غير قصد ولا معرفة حد، والاخرى استغناؤك عما فيه حاجتك، وتكذيبك لمن إليه مردك، واياك وترك الحق سأمة وملالة وانتجاعك الباطل جهلا وضلالة، لانا لم نجد تابعا لهواه جائرا عما ذكرناه قط رشيدا فانظر في ذلك. وفي الكافي باسناده عن امير المؤمنين (ع) في حديث طويل (2) ومن عمى نسى الذكر واتبع الظن وبارز خالقه قيل: المراد بالذكر


1 - في هذا الكتاب: " محجوجة على " وانما صححناه عن المحاسن والبحار. 2 - أخذه من الفوائد المدنية ونص عبارته (ص 101): " وفي باب دعائم الكفر وشعبه علي بن ابراهيم عن ابيه عن حماد بن عيسى عن ابراهيم بن عمر اليماني عن عمر بن اذينة عن (*)

[ 125 ]

القرآن يعني قوله تعالى ان يتبعون الا الظن ان الظن لا يغني من الحق شيئا. وفيه في الموثق عن أبي جعفر (ع) قال: خطب أمير المؤمنين (ع) فقال (1) ايها الناس انما بدؤ وقوع الفتن اهواء تتبع واحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيهارجال رجالا، فلو ان الباطل خلص لم يخف على ذي حجى، ولو ان الحق خلص لم يكن اختلاف، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان ويجيئان معا، فهنالك استحوذ الشيطان على اوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى. وباسناده عن مسعدة بن صدقه قال حدثني جعفر بن محمد عن ابيه ان عليا (ع) قال: من نصب نفسه للقياس لم يزل دهره في التباس، ومن دان الله بالرأي لم يزل دهره في ارتماس (2) قال: وقال أبو جعفر (ع): من أفتى الناس برأيه


= ابان بن ابي عياش عن سليم بن قيس الهلالي عن امير المؤمنين (ع) في حديث طويل: ومن عمى نسى الذكر واتبع الظن وبارز خالقه أقول: الذكر هو القرآن والمراد نسيان قوله تعالى ان الظن لا يغني من الحق شيئا، وقوله تعالى: فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون، ونظائر ذلك من الايات الشريفة ثم أقول: من المعلوم عند اولى الالباب ان مقتضى تلك الاحاديث ان كل فتوى لم تكن جامعة للصفتين، الورود من صاحب الشريعة في الواقع والجزم بها فهي غير مرضية، ومن المعلوم ان الفتوى المخالفة لما انزل الله إذا وردت من باب التقية لا تجري فيها خلاصة ما يستفاد من تلك الاحاديث " فعلم ان مراد المصنف (ره) بقوله " قيل " اشارة الى ما نقل. 1 - نقله المصنف (ره) عن الكافي في الوافي في باب البدع والرأى والمقائيس (ج 1 من الطبعة الثانية ص 45) وقال بعده: " بيان - التولي الاتباع، والحجى بكسر المهملة ثم الجيم المفتوحة العقل، والضغث القبضة من الحشيش المختلط رطبه باليابس أو الحزمة منه ومما اشبهه وهو هنا استعارة، والاستحواذ الغلبة، والمعنى ظاهر ". اقول: هذا الحديث مروى في نهج البلاغة ايضا باختلاف يسير في اللفظ (انظر اوائل باب الخطب، ص 39 طبعة تبريز). 2 - اورده في الوافي في باب البدع والرأى والمقائيس (ج 1 ص 47 من الطبعة الثانية) لكن بهذا السند: " كا - على عن الاثنين قال حدثني جعفر عن ابيه ان عليا عليه السلام قال: = (*)

[ 126 ]

فقد دان الله بما لا يعلم، ومن دان الله بمالا يعلم فقد ضاد الله حيث أحل وحرم فيما لا يعلم. وفي البصائر باسناده الصحيح (1) عن أبي جعفر (ع) قال: لو حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا ولكنا حدثنا ببينة من ربنا، بينها لنبيه (ص) فبينها لنا، وفي الكافي ما يقرب منه. وإذا كان الاعتماد على الرأي من أهل العصمة يؤدى الى الضلال فكيف من غيرهم (2). وفي الكافي باسناده عنه (ع) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه (3). وباسناده عن زرارة بن اعين قال سألت ابا -


= من نصب، وساق الحديث الى آخر الحديث الثاني قائلا بعده: " بيان - كأنه عنى بالارتماس الانغماس في بحر الهوى وظلمات الباطل وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على ان الرأي غير القياس خلاف ما فهمه جمهور متأخري فقهائنا من الاتحاد، وليس الا اجتهاداتهم في استنباط الاحكام من المتشابهات التي يسمونها انفسهم رأيا ". 1 - اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية ونص عبارته في ص 124 هكذا: " وفي كتاب بصائر الدرجات لعمدة المحدثين محمد بن الحسن الصفار قدس سره روايات ناطقة بما نحن بصدده في باب ان الائمة عليهم السلام عندهم اصول العلم ورثوه عن رسول الله (صلعم) ولا يقولون برأيهم، من تلك الجملة يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن اذينة عن الفضيل بن يسار عن ابي جعفر (ع) انه قال: لو حدثنا، (الحديث) ". 2 - هذا الكلام ايضا مأخوذ مما ذكره الامين (ره) في الفوائد المدنية بعد نقل الحديث بهذه العبارة: " اقول: إذا كان الاعتماد على الرأي اي الظن مفضيا الى الخطأ من اصحاب - العصمة فيكون في غيرهم بطريق اولى مفضيا الى الخطأ والضلالة ". 3 - قال المصنف (ره) بعد نقله عن الكافي في الوافي في باب النهي عن القول بغير علم (ج 1، ص 38): " بيان - الاقتحام في الشئ رمى النفس فيه من غير روية، والاحصاء العد، والحفظ الاحاطة بالشئ والمعنى ان ترك رواية حديث قد احصيته فلم تروه خير من روايتك حديثا لم تحط به، وإذا تردد الامر بين ان تترك حديثا قد رويته ولم تحط به ولم تحفظه على وجهه ولم تكن على يقين ومعرفة بانه كما هو عندك وبين ان ترويه فالاولى ان لا ترويه لان = (*)

[ 127 ]

جعفر (ع): ما حق الله على العباد ؟ - قال: ان يقولوا ما يعلمون ويقفوا عند مالا يعلمون (1) وباسناده الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، وفي آخره: فان فعلوا ذلك فقد ادوا الى الله حقه (2) وباسناده الحسن عن محمد بن مسلم (3) قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان قوما من اصحابنا تفقهوا وأصابوا علما ورووا احاديث فيرد عليهم الشئ فيقولون فيه برأيهم ؟ - فقال: لا، وهل هلك من مضى الا بهذا واشباهه. وباسناده عنه (ع) قال (4) انهاك عن


= في رواية الحديث منفعة وفي رواية ما ليس بحديث على انه حديث مفسدة، ودفع المفسدة اهم واولى من جلب المنفعة وفي نهج البلاغة من وصايا امير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام: ودع القول فيما لا تعرف والخطاب فيما لا تكلف، وامسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فان الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الاهوال ". 1 و 2 - هما في الوافي في باب النهي عن القول بغير علم (ص 38 ج 1) قائلا بعد الحديث الاول: " بيان - ما حق الله على العباد اي فيما آتاهم من العلم واخذ عليهم من الميثاق والا فحقوقه جل وعز عليهم كثيرة ". 3 - كذا في المتن وهو اشتباه لان العبارة ناطقة بان الحديث مأخوذ عن الكافي والحال انه ليس فيه بل هو في المحاسن في باب المقائيس والرأى من كتاب مصابيح الظلم (انظر ص 212) وسنده فيه هكذا: " عنه عن ابيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن حكيم قال: قلت لابي عبد الله (ع): ان قوما من اصحابنا (الحديث) " وانما نسبه المصنف (ره) الى محمد بن مسلم لانه اخذه عن الفوائد المدنية للامين الاسترابادي (ره) وهو في نسخة الفوائد هكذا (انظر ص 103 من النسخة المطبوعة): " وفي كتاب المحاسن في باب المقائيس والرأى عنه عن ابيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم قال قلت لابي عبد الله (ع): ان قوما من اصحابنا (الحديث) " فعلم ان كلمة " حكيم " قد صحف وحرف وبدل بكلمة " مسلم ". وانما اطلت القول هنا لاني راجعت لوجدان الحديث الى مظانه في الوافي كرارا فلم اجده فراجعت الى الفوائد والمحاسن فانكشف جلية الحال بفضل الله الكريم فله الحمد على ذلك. 4 - قال المصنف (ره) بعد نقله عن الكافي في الوافي في باب النهي عن القول بغير علم (ص 38 - 37) " بيان - تدين الله بالباطل اي تتخذ الباطل دينا بينك وبين الله تعبد به = (*)

[ 128 ]

خصلتين ففيهما هلك الرجال، انهاك ان تدين الله بالباطل، وتفتي الناس بما لا تعلم. وفيه عن يونس بن عبد الرحمن قال: قلت لابي الحسن الاول (ع): بما اوحد الله ؟ - فقال: يا يونس لا تكونن مبتدعا، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر (1) وفي البصائر باسناده الصحيح (2) عن ابي الحسن (ع)، قال: انما هلك من كان قبلكم بالقياس، وان الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه حتى اكمل له جميع دينه في حلاله وحرامه فجاءكم بما تحتاجون إليه في حيوته وتستغنون به وبأهل بيته بعد موته وانه مخفي عند أهل بيته حتى ان فيه لارش الكف وانه ليس شئ من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج إليه الناس الا وجاء فيه كتاب أو سنة. وفي المحاسن عن محمد بن حكيم (3) قال


= الله جل وعز، والباطل وما لا تعلم يشملان كل ما لا يؤخذ من الله سبحانه أو اولى العلم من الانبياء والاوصياء عليهم السلام سواء حصل بالدلائل الكلامية أو القياس أو الاجتهاد أو غير ذلك من الاستدلال بالمتشابهات والظنيات إذ لا علم الا ما يؤخذ عن اهله كما يأتي فمن العلوم ما لا يؤخذ الا من الله تعالى ببركة متابعة النبي (ص) وهي الاسرار الالهية ومنها ما لا يؤخذ الا من النبي (ص) واوصيائه عليهم السلام وهي العلوم الشرعية ". 1 - قال المصنف (ره) بعد ايراده في باب البدع والرأى والمقائيس من الوافي (ج 1، ص 46): " بيان - بما اوحد الله يعني بما استدل على التوحيد ؟ - كأنه يريد الدلائل الكلامية فنهاه عن غير السمع وهذا صريح فيما قدمناه من انه لا علم الا ما يؤخذ عن اهله ". 2 - اخذه من الفوائد المدنية ويشير باسناده الصحيح الى هذا السند المذكور في ذلك الكتاب (ص 103 بهذه العبارة: " وفي كتاب بصائر الدرجات تأليف محمد بن الحسن الصفار في فصل فيه امر الكتب: احمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن ابي عمير عن محمد بن حكيم عن أبي الحسن (ع) قال: انما هلك، الحديث " الا ان فيه بعد قوله: لارش الكف " وفي الكافي في باب الرد الى الكتاب والسنة ". 3 - اخذه من الفوائد المدنية وعبارته هكذا في ص 104 " وفي كتاب المحاسن في باب المقائيس والرأى عنه عن ابيه عن درست بن منصور عن محمد بن حكيم قال قال أبو الحسن (ع): إذا جاءكم (الحديث) " فان شئت ان تراجع المحاسن فراجع كتاب مصابيح الظلم منه (ص 313). (*)

[ 129 ]

قال أبو الحسن (ع): إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها، ووضع يده على فيه، فقلت: ولم ذاك، - قال: لان رسول الله (ص) أتى الناس بما اكتفوا به على عهده وما يحتاجون إليه من بعده الى يوم القيامة، وفي الكافي عنه (ع) مثله (1). وفي الموثق عن حمزة الطيار (2) انه عرض على أبي عبد الله (ع) بعض خطب أبيه حتى إذا بلغ موضعا منها قال له: كف واسكت، ثم قال أبو عبد الله (ع): لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون الا الكف عنه والتثبت والرد الى ائمة الهدى حتى يحكموكم فيه على القصد ويجلوا عنكم فيه العمى ويعرفوكم فيه الحق قال الله تعالى: فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون. وفي الكافي في باب الضلال باسناده عنه (ع): اما انه شر عليكم ان تقولوا بشئ ما لم تسمعوه منا (3) وباسناده عن الفضل بن


1 - يريد بقوله: " مثله " في المعنى فان في الفاظ الحديثين اختلافا الا انه لا يغير المعنى وقال بعد نقله عن الكافي في الوافي في باب البدع والرأى والمقائيس (ج 1، ص 47 من الطبعة الثانية): " بيان - ها حرف تنبيه، واهوى بيده الى فيه يعني اشار بوضع اليد على الفم الى السكوت مطابقا لما مر من قوله (ع): ان يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما لا يعلمون، ولم يعن به اسألوا عني كما توهم ". 2 - قال بعد نقله عن الكافي في الوافي في باب النهي عن القول بغير علم (ص 38 من المجلد الاول): " بيان - يحكموكم يقال: حكمت (بتشديد الكاف) واحكمت بمعنى رددت قاله الازهري، وفي بعض النسخ يحملوكم، وكما ان في القرآن محكما ومتشابها ولا يعلم تأويل متشابهه الا الله والراسخون في العلم كذلك في احاديث اهل البيت عليهم السلام محكم ومتشابه ولا يعلم تأويل متشابهها الا اهله، وليس لسائر الناس ان يتكلموا فيه بآرائهم ولهذا منع عليه السلام عن ذلك وامر بالكف والتثبت اي التوقف والرد الى اهله، والقصد من الامور المعتدل الذي لا يميل الى احد طرفي الافراط والتفريط، والجلاء الكشف، واهل الذكر هم عليهم السلام، والذكر هو القرآن كما يأتي في احاديثهم عليهم السلام ". 3 - هذه العبارة قطعة من حديث طويل ذكره المصنف (ره) في الوافي في باب وجوه الضلال (ص 300 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية) وانشئت فراجع باب الضلال من الكافي (انظر مرآة العقول، المجلد الثاني، ص 390) والحديث نفيس جدا فلولا خوف الاطالة لذكرته هنا فمن اراده فليراجع هناك. (*)

[ 130 ]

عمر قال: قال أبو عبد الله (ع): (1) من دان الله بغير سماع عن صادق ألزمه الله التيه الى العناء، ومن ادعى سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك، وذلك الباب المأمون على سر الله المكنون. وباسناده عمن يوثق به (2) قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: ان الناس


1 - هو آخر حديث من باب من مات وليس له امام من ائمة الهدى (انظر ج 1 مرآة العقول، ص 282) قال المجلسي (ره) في شرحه: " من دان الله اي عبد الله أو اعتقد امور الدين، بغير سماع عن صادق اي معصوم اشارة الى قوله تعالى: يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، والسماع اعم من ان يكون بواسطة أو غيرهما، الزمه الله البتة في بعض النسخ بالباء الموحدة ثم التاء المثناة الفوقانية المشددة اي قطعا قال الجوهري: يقال: ما افعله بتة والبتة لكل امر لا رجعة فيه، ونصبه على المصدر، وفي بعض النسخ التيه بالتاء المثناة الفوقانية ثم الياء المثناة التحتانية، والتيه بالكسر والفتح الصلف والكبر والضلال والحيرة فهو مفعول ثان لالزمه، الى العناء الى بمعنى مع أو ضمن الفعل معنى الوصول ونحوه وكذا على النسخة الاولى، والمراد بالعناء اما العذاب الاخروي أو المعنى انه لا يترتب على عمله الا المشقة والعناء في الدنيا بلا اجر وثواب في الاخرة ولعل في الخبر هنا تصحيفا إذ روى الصفار في البصائر باسناده عن جابر عن ابي جعفر (ع) انه قال: من دان الله بغير سماع الزمه الله التيه الى يوم القيامة فلعله كان هنا ايضا كذلك فصحف (الى آخر ما ذكره في شرح الحديث) " وقال الامين استرابادي (ره) بعد ايراده في الفوائد المدنية (ص 120 - 119): " قد تواترت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام بان المشرك قسمان احدهما من قال بشريك له تعالى في العبادة، والاخر من قال بشريك له في الطاعة بان يقلده فيما يحل وفيما يحرم، والظاهر ان المراد في هذا المقام وفي نظائره الثاني " وصرح مثله المجلسي (ره) ايضا في شرحه فان شئت فراجع. 2 - اورده المصنف (ره) في الوافي في باب اصناف الناس (ج 1 ص 32): " علي بن محمد عن سهل ومحمد عن ابن عيسى جميعا عن السراد عن الشحام عن هشام بن سالم عن ابي حمزة عن ابي اسحاق السبيعي عمن حدثه ممن يوثق به قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: ان الناس آلوا (الحديث) قائلا بعده: = (*)

[ 131 ]

آلوا بعد رسول الله (ص) الى ثلاثة، آلوا الى عالم على سبيل هدى من الله قد أغناه الله بما علم عن غيره، وجاهل مدع للعلم لا علم عنده معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيره، ومتعلم من عالم على سبيل هدى من الله ونجاة، ثم هلك من ادعى وخاب من افترى. وباسناده عنه (ع) قال (1) الناس ثلاثة، عالم ومتعلم وغثاء. وفي رواية اخرى (2): يغدو


= " بيان - آلوا رجعوا وصاروا، على هدى تمثيل لتمكنه من الهدى واستقراره عليه بحال من اعتلى الشئ وركبه، من الله اي اخذ هداه وعلمه من لدنه على وجه الالهام والالقاء في الروع كالائمة عليهم السلام ومن يحذو حذوهم، معجب بما عنده من ظواهر الاقوال وصور الاحاديث والمجادلات الكلامية والمغالطات الفلسفية أو الخيالات التصوفية أو الخطابات الشعرية التي تجلب بها نفوس العوام كأعداء الائمة وحسدتهم ومن يسير بسيرة اولئك من اي مذهب كان، قد فتنته اضلته واوقعته في فتنة الجاه والمال وحب الرياسة، وفتن غيره اضل غيره و اوقعه فيما وقع فيه من المهالك لاستحسانه ما رأى منه بسبب اشتهاره بالعلم في الظاهر وان كان باطنه مفلسا عن حقيقة العلم والحال، على سبيل هدى على طريقة سالك إليه وان لم يكن بالفعل عليه كشيعة الائمة المقتبسين من انوارهم. فان قيل: فاين الجاهل الغافل الذي ليس بمتعلم ولا ضال ؟ - قلنا: المقسم من له قوة الارتقاء الى ملكوت السماء والذين ادركوا الخدمة والصحبة وشاهدوا الوحي والايات دون اهل الضرر والزمانات فانهم بمعزل عن ذلك، هلك من ادعى اي القسم الثاني لان الحيوة الاخروية انما تكون للعالم بالفعل، وللمتعلم بالقوة، واما الجاهل المدعى فقد ابطل استعداده لها فهو هالك خائب ". 1 - قال المصنف (ره) بعد ايراده في الوافي في باب اصناف الناس عن الكافي (ج 1، ص 32): " بيان - الغثاء بضم المعجمة والمثلثة والمد ما يحمله السيل من الزبد والوسخ، اريد به اراذل الناس وسقطهم، والمراد بالعالم العالم بالعلم اللدني، وبالمتعلم من أخذ عنه كما مر مرارا ". 2 - هو ايضا مأخوذ عن الكافي في الوافي في باب اصناف الناس (ج 1، ص 32). = (*)

[ 132 ]

الناس على ثلاثة اصناف، عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر - الناس غثاء. وباسناده عنه (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) قال (ص): لا خير في العيش الا لرجلين عالم مطاع ومستمع واع (1). وفيه وفي المحاسن باسناده (2) عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله (ع): ما أحد احب الى منكم، ان الناس سلكوا سبلا شتى، منهم من أخذ بهواه، ومنهم من أخذ برأيه، وانكم أخذتم بأمر له أصل. وفي حديث آخر لحبيب عن أبي عبد الله (ع) قال: ان الناس أخذوا هكذا وهكذا، فطائفة


= فليعلم ان المولى محمد امين الاسترابادي (ره) قال في الفوائد المدنية بعد ايراد هذه الاحاديث الثلاث (ص 120): " اقول: هذه الاحاديث صريحة في انحصار الناس في ثلاثة بعده (ص)، اصحاب العصمة عليهم السلام، ومن التزم ان يأخذ كل مسألة يجوز فيها الخطأ عادة من العقائد والاعمال منهم (ع)، ومن لا يكون لا هذا ولا ذاك، وصريح في ان القسم الثالث مردود فانظر وتدبر في ان من يتمسك في الاعتقادات بالمقدمات العقلية القطعية بزعمه، وفي الاعمال بالخيالات الظنية بزعمه كاصالة البراءة من الاحكام الشرعية وكاستصحاب الحكم السابق على الحالة الطارية وكالعمومات والاطلاقات مع احتمال ان تكون مخصصة أو مقيدة في الواقع أو بغير ذلك من الادلة المفيدة بالظن بزعمه داخل في اي الاقسام الثلاثة ولا تكن من المعاندين، والتكلان على التوفيق ". اقول: هذا من الموارد التي افرط (ره) فيها من الملامة على العلماء رضوان الله عليهم. 1 - اخذه من الفوائد المدنية بعد حذف السند (ص 121). 2 - أخذه من الفوائد المدنية (ص 120) ونص عبارته: " في كتاب المحاسن للبرقي (ره) في باب الاهواء عنه عن ابيه عن القاسم بن محمد الجوهري عن حبيب الخثعمي والنضر بن سويد عن يحيى الحلبي عن ابن مسكان عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله (ع): ما احد (الحديث) " وقال بعده: " اقول: المراد من الهوى ان يفتي بشئ من غير ان يتمسك بدليل ظني عليه، والمراد من الرأى ان يفتى بشئ متمسكا بدليل ظني ". وان شئت ان تراجع المحاسن فراجع باب 23 من كتاب الصفوة (ص 156). (*)

[ 133 ]

أخذوا بأهوائهم، وطائفة قالوا بآرائهم، وطائفة قالوا بالرواية وان الله هداكم لحبه وحب من ينفعكم حبه عنده. وفي الكافي عن أبي عبد الله (ع) قال (1): لا يسع الناس حتى يسألوا ويتفقهوا ويعرفوا امامهم، ويسعهم أن ياخذوا بما يقول وان كانت تقية. وباسناده الصحيح (2) عن زرارة ومحمد بن مسلم وبريد العجلي قالوا: قال أبو عبد الله (ع) لحمران بن أعين في شئ سأله: انما يهلك الناس لانهم لا يسألون. وروى الكشي باسناده عن حريز قال (3): دخلت على أبي حنيفة وعنده كتب كادت تحول بيننا وبينه فقال: هذه الكتب كلها في الطلاق قال: قلت: نحن نجمع هذا كله في حرف، قال: ما هو ؟ - قلت: قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة، فقال لي: وأنت لا تعلم شيئا الا برواية ؟ - قلت: اجل، قال لي: ما تقول في مكاتب كانت مكاتبته الف درهم فأدى تسعمائة وتسعة وتسعين درهما ثم أحدث يعني الزنا فكيف تحده ؟ - فقلت عندي بعينها حديث حدثني محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) ان عليا (ع) كان يضرب بالسوط وبثلثه وبنصفه وببعضه بقدر ادائه، فقال لي: أسألك عن مسألة لا يكون فيها شئ فما تقول في جمل أخرج من البحر ؟ - فقلت: ان شاء فليكن جملا وان شاء فليكن بقرة فان كانت عليه فلوس


1 - أخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية بعد حذف السند (انظر ص 123). 2 - في الفوائد المدنية (ص 122): " وفي الكافي في باب سؤال العالم وتذاكره: علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى بن عبيد عن يونس بن عبد الرحمن عن ابي جعفر الاحول عن أبي - عبد الله (ع) قال: لا يسع (الحديث) وقال بعده: اقول هذا الحديث الشريف ونظائره صريحان في انه يجوز للرعية ان يعتمدوا على قول امامهم في العقائد ايضا كمسألة القضاء والقدر ". 3 - اخذه من الفوائد المدنية ونص عبارته (ص 122 - 121): " وفي كتاب الشيخ العالم الورع الصدوق أبي عمرو محمد بن عبد العزيز الكشي رحمه الله: محمد بن مسعود قال: حدثني جعفر بن احمد بن ايوب قال: حدثني العمركي قال: حدثني احمد بن شيبة عن يحيى بن المثنى عن علي بن الحسن وزياد عن حريز قال: دخلت (الى آخره) ". (*)

[ 134 ]

أكلناه والا فلا. وفي الكافي (1) عن أبي عبد الله (ع) قال: أبي عبد الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب، فجعل لكل شئ سببا، وجعل لكل سبب شرحا، وجعل لكل شرح علما، وجعل لكل علم بابا ناطقا، عرفه من عرفه وجهله من جهله، ذلك رسول الله (ص) ونحن. وفي نهج البلاغة (2): نحن الشعار والاصحاب والخزنة والابواب ولا تؤتي البيوت الا من أبوابها، فمن اتاها من غير بابها سمى سارقا. فصل قال بعض الفضلاء (3) بعد نقل الحديث الاخير: من المعلوم انه لم يرد منهم عليهم السلام اذن في التمسك في نفس أحكامه تعالى أو نفيها بالاستصحاب أو بالبراءة الاصلية أو بظاهر كتاب الله أو بظاهر سنة نبيه (ص) من غير ان يعرف (4) ناسخهما ومنسوخهما وعامهما وخاصهما ومقيدهما من مطلقهما ومؤولهما من غير مؤولهما من جهتهم عليهم السلام، فمن تمسك


1 - في الفوائد المدنية (ص 123): " وفي الكافي في باب معرفة الامام والرد إليه من ربعي بن عبد الله عن ابي عبد الله (ع) قال: أبي عبد الله (الحديث) ". 2 - أخذه من الفوائد المدنية الا انه لخصه وهناك كذا (ص 125): " ومن خطب امير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: وناظر قلب اللبيب به يبصر امده ويعرف غوره ونجده، داع دعا وراع رعى، فاستجيبوا الداعي واتبعوا الراعي، قد خاضوا بحار - الفتن واخذوا بالبدع دون السنن، وارز المؤمنون ونطق الضالون المكذبون، نحن الشعار (الحديث) قائلا بعده: اقول: المراد من الداعي سيد المرسلين ومن الراعي امير المؤمنين صلى الله عليهما وعلى اولادهما الطاهرين ". 3 - المراد من " بعض الفضلاء " الامين الاسترابادي (ره) فانه قال في الفوائد المدنية بعد ما ذكر الحديث وبعد ما نقلنا عبارته قبيل ذلك ما نصه (انظر ص 125): " وأقول: ومن المعلوم (الى قوله) ومنعوا عن ذلك ". 4 - في الفوائد: " من غير معرفة ". (*)

[ 135 ]

بتلك الامور كان سارقا، وهذا بعد النزل عن الاحاديث الناطقة بأنهم منعوا عن ذلك. أقول: قد عرفت التحقيق في ذلك وأنه يجوز العمل بظواهر الكتاب والسنة والا لم يجز بظواهر أخبار اهل البيت عليهم السلام أيضا لاشتراك العلة بعينها بينهما. قال (1): وانما يحصل الظن في كثير من المواضع على مذهب العامة دون الخاصة وذلك لان العامة يدعون ان كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله أظهره عند أصحابه وما خص احدا بتعليمه وتوفرت الدواعي على اخذه ونشره ولم يقع بعده (ص) فتنة انتهت الى اخفاء بعضه فعدم اطلاع صاحب الملكة المعتبرة في الاجتهاد بعد التتبع على دليل مخرج عن البراءة الاصلية وعلى نسخ وتخصيص وتقييد وتأويل لاية وسنة يوجب ظنه بعدم وجودها في الواقع ولذلك انعقد اجماعهم على ان عدم ظهور المدرك لحكم شرعي مدرك شرعي لعدمه، وهذه المقدمات باطلة على مذهبنا. ثم استدل على عدم جواز التعويل على الظن في مثله بوجوه (2): أولها - عدم ظهور دلالة قطعية على جواز الاعتماد على الظن المتعلق بنفس أحكامه تعالى، والتمسك فيه بالظن يشتمل على دور ظاهر، مع انه معارض باقوى منه من الايات الصريحة في النهي عن العمل بالظن والروايات الصريحة، وقياسه على الظن في الامور العادية والوجدانية وما ليس من أحكامه تعالى كقيم المتلفات، واروش الجنايات، وإضرار الصوم بالمريض، وعدد الركعات، وتعيين جهة القبلة غير معقول، مع ظهور الفارق،


1 - هو مذكور في الفوائد في ص 132 ونص عبارته فيه: " الفصل الخامس - في بيان ان في كثير من المواضع يحصل الظن على مذهب العامة دون الخاصة اقول: الوجه في ذلك انهم يدعون أن كل ما (الى آخر العبارة) ". وليعلم ان المصنف (ره) لخص العبارة في بعض الموارد من العبارة. 2 - هذا الاستدلال مذكور في ص 90 من الفوائد المدنية ونص عبارته فيه: " الفصل الاول - في ابطال التمسك بالاستنباطات الظنية في نفس احكامه تعالى وفيه وجوه اولها - عدم ظهور (الى آخر ما قال) " الا انه (ره) لخص كلامه في بعض الموارد. (*)

[ 136 ]

فانه يلزم الحرج البين لو لا اعتباره فيها ولو اعتبرنا في احكامه تعالى لادى الى الحروب والفتن كما وقع بين الصحابة العدول. قال وتوضيح المقام ان يقال: كل من قال بجواز الاستنباطات الظنية في نفس أحكامه تعالى من محققي العامة وجمع من متأخري الخاصة اعترف بانحصار دليل جوازه في الاجماع واعترف بانه لولاه لما جاز للايات والروايات (1). ومن المعلوم (2) ان ثبوت الاجماع هنا غير مفيد للقطع وقد ورد في كلام الصادقين عليهم السلام ان حجية الاجماع من مخترعات العامة وتواترت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلام بانه لا يجوز تحصيل الحكم الشرعي بالكسب والنظر لانه يؤدى الى اختلاف الاراء في الاصول والفروع فينتفي فائدة بعث الرسل وانزل الكتب. وايضا: كل ما يؤدى الى الاختلاف يؤدى الى الخطأ، قال في المعتبر (3): انك مخبر في حال فتواك عن ربك وناطق بلسان شرعه، فما أسعدك ان أخذت بالحزم، وما أخيبك ان بنيت على الوهم، فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى: ولا تقولوا على الله ما لا تعلمون، وانظرالى قوله: ارأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حلالا وحراما قل الله أذن


1 - اسقط المصنف (ره) ذيل العبارة وهو هذا: " المانعة عن ذلك ففي شرح العضدي للمختصر الحاجبي في مبحث الاجماع: المتمسك بالظن انما يثبته بالاجماع ولولاه لوجب العمل بالدلائل المانعة من اتباع الظن انتهى كلامه ومثل هذه العبارة مذكور في التلويح للعلامة التفتازاني وقد نقلنا عن صاحب المعالم من اصحابنا ان التعويل في الاعتماد على ظن المجتهد المطلق انما هو على دليل قطعي وهو اجماع الامة عليه ". 2 - الكلام من هذا الموضع ملخص بتلخيص كثير فمن اراد الاصل فليراجع ص 91 من الفوائد المدنية. 3 - أخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية كما صرح به في اول كلامه عند نقله اياه وان شئت ان تراجع المعتبر فارجع الى مقدمة الكتاب فانه قال في الفصل الاول في خاتمة وصاياه (ص 4 من النسخة المطبوعة سنة 1318) مانصه: " تتمة - انك مخبر (الى قوله) مفتر ". (*)

[ 137 ]

لكم ام على الله تفترون ؟ ! وتفطن كيف قسم مستند الحكم الى القسمين فما لم يتحقق الاذن فأنت مفتر. أقول: وقد مر كلام الصادق عليه السلام أيضا في هذا الباب في أواخر الاصل السابق. الوجه الثاني (1) - قوله تعالى: ألم يؤخذ عليكم ميثاق الكتاب ان لا تقولوا على الله إلى الحق. وقوله عز وجل: ان الظن لا يغني من الحق شيئا. وقوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم. وقوله تعالى: ان هم الا يظنون (2). وتخصيص تلك الايات بأصول الدين كما وقع من الاصوليين بناء على ان الضرورة ألجأت الى التمسك في الفروع بالظن اما مطلقا أو بعد النبي صلى الله عليه وآله (3) ولمن بعد عنه في زمانه كما زعمه آخرون خيال ضعيف جدا. الوجه الثالث (4) - ان خلاصة ما استدلت به الامامية على عصمة الامام انه لولا


1 - انظر ص 92 من الفوائد المدنية. 2 - في الفوائد بعده: " وان هم الا يخرصون وقوله تعالى: ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون وغيرها من الايات الشريفة ". 3 - نص عبارة الفوائد بعده هذا: " كما هو زعم العامة أو في زمن الغيبة الكبرى كما هو زعم جمع من متأخري اصحابنا ولمن بعد عن الامام في زمن حضوره كما هو زعم الفاضل المدقق الشيخ علي ومن وافقه من تبعته خيال ضعيف سيجئ جوابه في كلامنا ان شاء الله تعالى ". 4 - نص عبارة الامين (ره) في الفوائد هذا: " الوجه الثالث - ان خلاصة ما استدلت به الامامية على وجوب عصمة الامام (ع) وهو انه لولا ذلك لزم امره تعالى عباده باتباع الخطأ وذلك قبيح عقلا جارية في وجوب اتباع ظن المجتهد فعلم انه ليس بواجب الاتباع واذ لم يكن واجبا لم يكن جائزا إذ لا قائل بالفصل وبعبارة اخرى إذ الجواز هنا تستلزم الوجوب باجماعهم بل في كتاب المحاسن رسالة منقولة عن الصادق (ع) فيها استدل بهذا الدليل على امتناع العمل بظن المجتهدين والخبر الخالي = (*)

[ 138 ]

ذلك لزم امره تعالى عباده باتباع الخطأ وذلك قبيح عقلا وهي جارية في وجوب اتباع ظن المجتهد أو جوازه بل في كتاب المحاسن رسالة منقولة عن الصادق (ع) فيها استدل بهذا الدليل على امتناع العمل بظن المجتهد وبخبر الواحد الخالي عن القرائن المفيدة للقطع وباشباههما، وهذا نقض أورده الفخر الرازي على الامامية وجوابه ان هذا النقض لا يرد على الاخباريين وانما يرد على المتأخرين. الوجه الرابع - ان المسلك الذي مداركه غير منضبطة وكثيرا ما يقع فيه التعارضات واضطراب النفس (1) ورجوع كثير من فحول العلماء عما به أفتى لا يصلح ان يجعل مناط احكامه تعالى (2). الوجه الخامس - ان الملكة التي تختلف (3) باختلاف الاذهان والاحوال بل بأحوال ذهن واحد لا يصلح لان يجعل مناط احكام مشتركة بين الامة الى يوم القيامة. السادس - ان الشريعة السمحة السهلة كيف تكون مبنية على استنباطات صعبة مضطربة. السابع - ان مفاسد ابتناء أحكامه تعالى على الاستنباطات الظنية اكثر من ان تعد (4)، من جملتها انه يفضي الى جواز الفتن والحروب بين المسلمين، وسد هذا الباب


= عن القرائن المفيدة للقطع واشباههما وهذانقض اورده الفخر الرازي على الامامية وجوابه ان هذا النقض لا يرد على الاخباريين لانهم لا يعتمدون في احكامه تعالى على الظن، ويرد على المتأخرين وليس بحمد الله عن ذلك مفر ". - في الفوائد: " الانفس ". - في الفوائد: " لا يصلح لان يجعله تعالى مناط احكامه " وله ذيل مبسوط فمن اراده فليراجع الفوائد (ص 92 - 93). 3 - في الفوائد: " ان المسلك الذي يختلف " وفي باقي العبارة ايضا فرق ما. 4 - هذا الوجه الى هنا مأخوذ بنص عبارة الامين (ره) ومن هنا مأخوذ بالتلخيص فمن اراد نص عبارة الفوائد فليراجع ص 93 منه. (*)

[ 139 ]

يؤدي الى دفعها والتوقف والتثبت في الامور الشرعية الى ظهور الحق واليقين. ومنها انه إذا وقعت خصومة دنيوية مبنية على اختلاف اجتهاد المتخاصمين في مال أو فرج أو دم لزم ان لا يجوز لاحدهما ان يأخذ قهرا عن الاخر ما يستحقه في حكم الله تعالى (1). ومنها (2) عدم انضباط الملكة المخصوصة التي سموها اجتهادا. الثامن (3) - ان الظن من باب الشبهات التي يجب التوقف عندها بالروايات الكثيرة الصريحة كما في نهج البلاغة: انما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم الضلال ودليلهم العمى،


1 - في الفوائد بعده " وما قاله علماء العامة من انه إذا كانت خصومة المتخاصمين في قضية شخصية مبنية على اختلاف اجتهادهما يجب عليهما الرجوع الى قاض منصوب من جهة - السلطان فإذا قال القاضي: حكمت بكذا يجب اتباعه عليهما، مما لا يرضى به الذهن المستقيم والطبع السليم فكيف يرضى به الحكيم العليم. ومن جملتها انه يفضي الى تجهيل المفتى نفسه وابطال القاضي حكمه إذا ظهر له ظن أو قطع مخالف لظنه السابق ". 2 - هذا محصل دليل مستقل ذكره الامين (ره) بهذه العبارة: " الوجه الثامن - ان الظن المعتبر عندهم ظن صاحب الملكة المخصوصة التي اعتبروها في الفقيه والمجتهد وايضا المعتبر عندهم من بذل الوسع في تحصيل الظن المعتبر عندهم قدر مخصوص منه ولا يخفى على اللبيب ان الملكة المذكورة والقدر المشار إليه من بذل الوسع امران مخفيان غير منضبطين وقد مر انهم اعترفوا بان مثل ذلك لا يصلح ان يكون مناط - احكامه تعالى " وحيث ان المصنف (ره) ادرج هذا الوجه الثامن في الوجه السابع صار الاختلاف في عدد الوجوه بان صارت العشرة تسعة. 3 - نص عبارة الامين (ره) في بيان هذا الدليل هذا (ص 93 من الفوائد): " الوجه التاسع - ان الظن من باب الشبهات ووجوب التوقف عند الشبهات المتعلقة بنفس احكامه تعالى ثبت بالروايات اما الاولى فلما نهج البلاغة " ومن خطبة له (ع): وانما سميت الشبهة (الحديث) " ولغيره من الروايات الاتية واما الثانية فلما سيأتي من الروايات الصريحة في وجوب التوقف عند الشبهات المتعلقة بنفس احكامه تعالى ". (*)

[ 140 ]

فما ينجوا من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه، ولغيره من الروايات. التاسع (1) الخطب والوصايا المنقولة عن المعصومين عليهم السلام الصريحة في ان كل طريق يؤدى الى اختلاف الفتاوى من غير ضرورة التقية مردود غير مقبول عند الله، وانه لا يجوز الافتاء والقضاء الا لرجل يعض على العلم بضرس قاطع، وان حكم الله في كل واقعة واحد، وان من حكم بغيره حكم بحكم الجاهلية واثم، وان المفتي ضامن ولحقه وزر من عمل بفتياه. اقول: هذا حاصل ما ذكره، وهذه الوجوه وان امكن الخدش في أكثرها الا انها شواهد ومؤيدات. فصل قال الفاضل المذكور (2): كان الشائع بين علماء العامة التمسك بآيات وروايات ظنية من جهة الدلالة


1 - نص عبارة الامين (ره) عند ذكر هذا الوجه هذا (ص 94): " الوجه العاشر - الخطيب والوصايا المنقولة عن أمير المؤمنين (ع) واولاده الطاهرين عليهم السلام الصريحة في ان كل طريق يؤدى الى اختلاف الفتاوى من غير ضرورة التقية مردود غير مقبول عند الله من حيث انه يؤدى الى الاختلاف ومن المعلوم ان هذا المعنى كما يشمل القياس والاستحسان والاستصحاب واشباهها يشمل الاستنباطات الظنية من كلام الله وكلام رسوله على ان الظن غير حاصل على مذهب الخاصة في كثير من تلك المواضع كما سنحققه وانما يحصل على مذهب العامة والصريحة في انه يجب التوقف عند الشبهات المتعلقة بنفس احكامه تعالى، والصريحة في ان ما عدا القطع شبهة والصريحة في انه لا يجوز الافتاء والقضاء الا لرجل يعض على العلم بضرس قاطع والروايات الصريحة في ان كل واقعة حكم الله فيها واحد وان من اخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية وآثم وفي ان المفتى المخطئ ضامن ولحقه وزر من عمل بفتياه (الى آخر كلامه الطويل الذيل الذي كاد ان يكون رسالة مستقلة فمن اراده فليراجع هناك) ". 2 - يريد به المولى محمد امين الاسترابادي (ره) والكلام مذكور في الفوائد المدنية ص 12 ونص عبارته: " اقول: توضيح المقام انه: كان الشائع (الى آخر ما ذكر) ". (*)

[ 141 ]

أو من جهة المتن في جواز العمل بظن المجتهد المتعلق بنفس أحكامه تعالى، ولما وصلت النوبة الى ابن الحاجب وتفطن بان هذا التمسك يشتمل على دور بين واضح اخذ دليلا واضحا قطعيا بزعمه وهو انا نعلم بالتواتر ان الصحابة الكبار عدلوا عن الظواهر القرآنية المانعة عن العمل بظن المجتهد المتعلق بنفس أحكامه تعالى ولنا مقدمة عادية قطعية هي ان مثل هذا العدول لم يقع عن مثل هؤلاء الاجلاء الا بسبب نص صريح قطعي الدلالة سمعوه عن النبي (ص). قال وأقول: فيه بحث لان العادة قاضية بانه لو صدر مثل هذا النص لظهر واشتهر وصار من ضروريات الدين لتوفر الدواعي على أخذه وضبطه ونشره وعدم وقوع فتنة توجب اخفاءه كما اعترفوا به. ثم قال: وحاصل المقدمة الثانية عند المصوبة من الاصوليين ان: كل ما تعلق به ظن المجتهد فهو حكم الله الواقعي في حقه وحق مقلديه، وحاصلها عند المخطئة منهم ان: كل ما تعلق به ظن المجتهد فهو حكم الله الظاهري في حقه وحق مقلديه، وقد يكون حكم الله الواقعي وقد لا يكون (1). قال: وانما وقع المتأخرون فيما وقعوا من الاستنباطات الظنية لانهم (2) قصدوا الاطلاع على ما هو حكم الله في الواقع ولم يكتفوا بما يكفيهم في صحة العمل، ولعدم رعايتهم القوانين الاصولية المذكورة في كلامهم عليهم السلام، والفة اذهانهم باعتبارات عقلية اصولية ظنية حسبوها ادلة عقلية قطعية فيتحيرون في الجمع بينها وبين الاخبار الصحيحة


1 - تم ما أخذه المصنف (ره) من المورد الذي أشرنا إليه من الفوائد بعين العبارة. 2 - اخذه من كلام له (ره) ذكره تحت عنوان " السؤال التاسع عشر " من الاسئلة المذكورة في الفصل الثامن الذي عقده لجواب الاسئلة المتجهة على ما استفاده وقرره من كلام الائمة عليهم السلام (انظر ص 176 من الفوائد المدنية) وصدر العبارة هكذا: " وجل هذه الاشكالات انما نشأ من عدم رعايتها كما ينبغي، وسبب عدم الرعاية احد الامور، منها ان اهل الاستنباطات الظنية (الى آخر ما قال) الا انه اسقط لفظ " منها " من العبارة في ثلاثة مواضع. (*)

[ 142 ]

الصريحة وقله تفكرهم في اطراف المباحث وعدم ظفرهم بالقرائن التي تحصل من تتبع الروايات (1) التي اجتماعها في الذهن يوجب القطع العادي بصحتها. وسبب ذلك (2) ألفتهم في صغر سنهم بكتب العامة إذ كان المتعارف في المدارس والمساجد وغيرهما تعليم كتبهم لان الملوك وارباب الدول كانوا منهم. وقال (3): اعلم ان انحصار طريق العلم بنظريات الدين في الرواية عنهم عليهم السلام وعدم جواز التمسك في العقائد التي يجوز الخطأ فيها عادة بالمقدمات العقلية وفي الاعمال بالاستنباطات الظنية من كتاب الله أو من سنة رسول الله (ص) أو من الاستصحاب أو من البراءة الاصلية أو من القياس أو من اجماع المجتهدين واشباهها كان شعار متقدمي أصحابنا اصحاب الائمة عليهم السلام حتى صنفوا في ذلك كتبا، ومن الكتب المصنفة في ذلك


1 - كان الاخذ بنص العبارة الى هنا ومن هنا عبارة الامين هكذا: " ومن اجتماعها في الذهن وهي توجب القطع العادي في كثير من المواضع ومنها جمود ذهن بعضهم ومنها قلة بضاعة بعضهم ومنها عدم استقامة طبع بعضهم والله المستعان ". 2 - هذا القول ايضا مأخوذ من مورد آخر من الفوائد الا انه ملخص ونص عبارة الامين هكذا (ص 137). " وكم من غفلة وقعت عن متأخري اصحابنا الاصوليين والسبب فيها الفة اذهانهم من صغر سنهم بكتب العامة، وسبب الالفة انه كان المتعارف في المدارس والمساجد وغيرهما تعليم كتبهم لان الملوك وارباب الدول كانوا معهم والناس مع الملوك وارباب الدول ". ونظيره قوله الاخر في مقام آخر من الكتاب (88): " والسبب في احداث ذلك غفلة من أحدثه عن كلام قدمائنا، والسبب في غفلته الفة ذهنه بما في كتاب العامة، والسبب في الالفة انه لما كانت ارباب الدول من اهل الضلالة انحصرت طرق الافادة والاستفادة في كتب العامة، فإذا اراد احد تحصيل الفضيلة لم يكن له بد من قراءة كتب العامة على مدرسيها ". 3 - مأخوذ من الفوائد المدنية بنص العبارة (انظر ص 122). (*)

[ 143 ]

كتاب النقض على عيسى بن ابان في الاجتهاد، ذكره النجاشي في ترجمة اسماعيل بن علي بن اسحاق. اقول: ومنها كتاب الايضاح لفضيل بن شاذان النيسابوري وقد ذكرنا فصلا منه في الاصل الاول من هذا الكتاب. قال (1): ومن الموضحات لما ذكرناه ما رواه رئيس الطائفة بسنده عن خراش عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (ع) قال: قلت: جعلت فداك ان هؤلاء المخالفين علينا يقولون: إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء كنا وانتم سواء في الاجتهاد فقال: ليس كما يقولون إذا كان ذلك فليصل الى اربع وجوه. قلت: جماعة من متأخري اصحابنا قالوا: هذه الرواية متروكة الظاهر من حيث تضمنها سقوط الاجتهاد بالكلية. وانا اقول: هي محمولة على ظاهرها، ومعناها سقوط الاجتهاد في نفس أحكام الله تعالى بالكلية فكأنه (ع) قال: ان الجاهل بحكم الله في مسألة - الاطباق لا يحتاج الى ان يجهد فيها بل له مندوحة عن ذلك وهي سلوك طريق التوقف والاحتياط كما تواترت به الاخبار عنهم عليهم السلام في كل مسألة لم يكن حكم الله فيها واضحا، انتهى كلام الفاضل. اقول: قد مر تحقيق الحق في ذلك وقد عرفت جواز العمل بضرب من أصالة - البراءة وأنه مأذون من قبلهم عليهم السلام ومن شواهد العقل، وكذا جواز التمسك بضرب من الاستصحاب ايضا والاذن فيه عنهم عليهم السلام واما الملازمات الظنية مثل ان الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده الخاص، وما يجري والترجيحات الاستحسانية وغيرها فيدل على عدم حجيتها عدم ورود دلالة قطعية عقلية ولا اذن شرعي معتبر على جواز العمل بها، وكذا الاجماع بمعنى اتفاق اهل العصمة على امر (2)


1 - مأخوذ من الفوائد المدنية بنص عبارة الكتاب (انظر ص 122). 2 - أخذ المصنف (ره) هذه البيانات من الفوائد المدنية فلا بأس بنقل كلام الامين الاسترابادي (ره) عند البحث عن الاجماع ليكون في مرأى الناظرين حتى يستفيدوا به ونص = (*)

[ 144 ]

مع انه أمر خفي غير منضبط يتعسر العلم به بل يتعذر، ومثله لا يصح لان يكون مناطا لاحكام الله تعالى وقد اعترف جمع من العامة بمثل ذلك في علة القياس، على انك قد سمعت نفي حجية الاجماع صريحا في رسالة الصادق (ع) كما مر في الاصل الثاني، وادعى الفاضل المذكور تواتر اخبارهم عليهم السلام بذلك، واما الاجماع بمعنى اتفاق الاثنين فصاعدا على حكم بشرط يعلم دخول المعصوم في جملتهم علما اجماليا فهو من اصطلاح جمع من متأخري أصحابنا وقد اعترف المحقق الحلي وغيره من المحققين بانه من الفروض الغير الثابتة. قال المحقق الحلي (1): واما الاجماع فعندنا هو حجة بانضمام قول المعصوم فلو خلا المائة من فقهائنا عن قوله (ع) لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولها حجة، لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله (ع) فلا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعى الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالته بالباقين الا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة انتهى كلامه.


= عبارته هكذا (انظر ص 134): " الوجه الثالث - انه امر مخفي غير منضبط ومثله لا يصلح ان يكون مناط احكامه تعالى كما اعترفت به العامة في علة القياس، واما الاجماع بمعنى اتفاق اثنين فصاعدا على حكم بشرط ان يعلم دخول المعصوم في جملتهم علما اجماليا فهو من اصطلاح جمع من متأخري اصحابنا وقد اعترف المحقق الحلي وغيره من المحققين بانه من الفروض الغير الثابتة. وانا اقول: على تقدير تسليم ثبوته يرجع الى خبر ينسب الى المعصوم اجمالا فترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا كما جرت به عادة المتأخرين من اصحابنا غير معقول وكأنهم زعموا ان انتساب الخبر إليهم في ضمن الاجماع قطعي ولا في ضمنه ظني فلذلك رجحوه، وزعمهم هذا غير مسلم ".

1 - انظر مقدمة كتاب المعتبر (ص 6 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1318) ونقله الامين الاسترابادي (ره) فيما نقل عن المعتبر للمحقق (ره) في الفوائد المدنية (انظر ص 16). (*)

[ 145 ]

وايضا فانه على تقدير ثبوته يرجع الى خبر ينسب الى المعصوم اجمالا فترجيحه على الاخبار المنسوبة إليه تفصيلا كما جرت به عادة المتأخرين من الاصحاب لا وجه له. واما ما ظن ان انتساب الخبر إليه في ضمن الاجماع قطعي ولا في ضمنه ظني فهو من بعض الظنون كيف وانما ينقل الاجماع واحد أو اثنان ولا يسند الى زمان ظهور المعصومين ولو أسند فليس له طريق الى القطع به لان خبر الواحد لا يفيد القطع، والمتواتر لابد ان ينتهي الى الحس، وتحقيق الاجماع بحيث يعلم قطعا دخول المعصوم في الجملة من غير علم به بخصوصه أمر عقلي غير مخصوص كما هو ظاهر، ويستحيل عادة وقوعه في زمان الناقل بحيث يحصل له العلم به. وايضا انه لا يبين مراده منه مع ان لفظ الاجماع يطلق على معان متعددة كما ذكره الشهيد في الذكرى، مع انه لا حجية في شئ منها. وايضا فان الناقلين لمثل هذا الاجماع كثيرا ما يخطؤون في هذا النقل ويختلفون فيه اكثر من اختلاف الرواة في أخبار الاحاد كما يظهر لمن تتبع مواضع نقلهم اياه وقد أفرد الشهيد الثاني رحمه الله قريبا من اربعين مسألة نقل الشيخ الطوسي فيها الاجماع مع انه بنفسه خالف في الحكم فيها بعينه اما في كتابه ذلك بعينه أو في كتابه الاخر وذكر ان الشيخ قال في النهاية في كتاب الحدود: ان من استحل اكل الجري والمارماهي وجب قتله، وهذا دعوى الزيادة على الاجماع على تحريم أكلها مع انه في كتاب الاطعمة من النهاية بعينه جعلهما مكروهين. قال: وقد افردنا هذه المسائل للتنبيه على ان لا يغتر الفقيه بدعوى الاجماع فقد وقع فيه الخطأ والمجازفة كثيرا من كل واحد من الفقهاء سيما من الشيخ والمرتضى انتهى كلامه. وكثيرا ما يقع منهم نقل الاجماع في مسألة على حكم مع نقل الاجماع على خلاف ذلك الحكم بعينه في تلك المسألة بعينها اما في ذلك الكتاب بعينه أو في غيره فضلا عن نقل الخلاف فيها مثل ما وقع من الشيخ الطوسي من نقله الاجماع على وجوب سجود التلاوة على السامع ونقله اياه على عدم وجوبه عليه ايضا ولهذا نزل الشهيد لفظ الاجماع الواقع في كلامهم على معنى الشهرة في ذلك الوقت أو عدم اطلاعهم حينئذ على المخالف أو ما يقرب من ذلك صونا لكلامهم عن التهافت فمثل هذا الاجماع ينبغي ان لا يعتمد عليه اصلا.

[ 146 ]

قال الفاضل المذكور (1) وقد يطلق الاجماع على معنين آخرين يصح الاعتماد عليهما: الاول - اتفاق جماعة من قدماء الاخبار كصاحب الكافي والصدوقين على الافتاء برواية وترك اخرى فانه قرينة على ان ما عملوا به ورد من باب بيان الحق دون التقية وقد وقع التصريح به في مقبولة عمر بن حنظلة كما مر لكن الاعتماد حينئذ على الخبر المحفوف بقرينة قبولهم لا على اتفاق ظنونهم كما في اصطلاح العامة. والثاني - اتفاق القدماء ايضا على حكم لم يظهر فيه نص عندنا ولا خلاف يعادله فانه نعلم منه علما عاديا بوصول نص إليهم والا لما اتفقوا على مثله. اقول: وفي الاعتماد على هذا الاخير نظر، والعلم عند الله.


1 - يريد به الامين الاسترابادي (ره) والكلام في الفوائد (ص 134 - 135) كذا: " واعلم ان جمعا من اصحابنا اطلقوا لفظ الاجماع على معنيين آخرين: الاول - اتفاق جمع من قدمائنا الاخباريين على الافتاء برواية وترك الافتاء برواية واردة بخلافها، والاجماع بهذا المعنى معتبر عندي لانه قرينة على ورود ما عملوا به من باب بيان الحق لا من باب التقية، وقد وقع التصريح بهذا المعنى وبكونه معتبرا في مقبولة عمر بن حنظلة الاتية المشتملة على فوائد كثيرة لكن الاعتماد حينئذ على الخبر المحفوف بقبولهم لا على اتفاق ظنونهم كما في اصطلاح العلامة. الثاني - افتاء جمع من الاخباريين كالصدوقين ومحمد بن يعقوب الكليني بل الشيخ الطوسي ايضا فانه منهم عند التحقيق وان زعم العلامة انه ليس منهم بحكم لم يظهر فيه نص عندنا ولا خلاف يعادلة وهذا ايضا معتبر عندي لان فيه دلالة قطعية عادية على وصول نص إليهم يقطع بذلك اللبيب المطلع على احوالهم ". (*)

[ 147 ]

الاصل التاسع انه يجب على كل مكلف ان يتفقه في الدين ويتعلم ما أنزل الله جل جلاله على نبيه سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله أجمعين من معرفة الله سبحانه ومقربيه واليوم الاخر، ومعرفة مكارم الاخلاق لتكتسب ومساويها لتجتنب، ومعرفة شرائع الاحكام ومعالم الحلال والحرام لان العبيد انما خلقوا للعبادة كما قال الله عز وجل: وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون (1) والعبادة لا تأتي الا بالعلم بالمعبود ومقربيه وثمرة العبادة وكيفيتها، قال النبي (ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم (2). وقال: اطلبوا العلم ولو بالصين (3). وروى في الكافي عن أبي عبد الله (ع) انه قال (4): تفقهوا في الدين فانه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي ان الله يقول في كتابه (5): ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا


1 - آية 58 سورة الذاريات. 2 - نقله المصنف (ره) في الوافي في باب فرض طلب العلم واورد له بيانا فمن اراده فليطلبه من هناك (ج 1 ص 27 من الطبعة الثانية). 3 - نقل المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في باب فرض العلم ووجوب طلبه (ص 58 من طبعة امين الضرب) عن روضة الواعظين للقتال (ره) انه قال: " قال النبي (ص): اطلبوا العلم ولو بالصين فان طلب العلم فريضة على كل مسلم ". 4 - ذكره في الوافي وأورد له بيانا (ج 1 ص 27 من الطبعة الاولى). 5 - من آية 122 سورة التوبة. (*)

[ 148 ]

إليهم لعلهم يحذرون. وباسناده عنه (ع) قال (1): عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا فانه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا. وباسناده الصحيح عنه (ع) قال (2): لوددت ان أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا. وفي رواية أخرى: ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام (3). وفي حديث آخر (4) عنه (ع): لو اتيت بشاب من شباب الشيعة لا يتفقه لادبته. وباسناده الصحيح عنه (ع) قال (5) ان آية الكذاب بان يخبرك خبر السماء والارض والمشرق والمغرب فإذا سألته


1 - قال المصنف (ره) بعد ايراده في الوافي (ج 1، ص 28 من الطبعة الثانية): " بيان - لم ينظر الله إليه يعني بعين اللطف والعناية لان قلبه مظلم فلا يصلح لان يقع موقع نظر الله سبحانه، والنظر يكنى به عن الرأفة والعطوفة والاختيار كما يكنى بتركه عن الغضب والمقت والكراهة، ولم يزك له عملا لان العامل من غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزداده كثرة السير الا بعدا ". 2 - قال بعد نقله في الوافي (ج 1 ص 28): " بيان - السياط جمع سوط وهو ما يجلد به ". 3 و 4 - رواهما البرقي في المحاسن (انظر الحديث الحادي والستين بعد المائة وكذا الحديث الخامس والستين بعد المائة من كتاب مصابيح الظلم، ص 229 - 228) ونقلهما المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في باب العلوم التي امر الناس بتحصيلها (ص 66 من طبعة امين الضرب). 5 - هو الحديث الثامن من احاديث باب الكذب من الكافي (انظر ج 2 مرآة العقول ص 325) قال المجلسي (ره) في شرحه: " السند صحيح قوله (ع): بان يخبرك كأن الباء زائدة، أو التقدير تعلم بان يخبرك، وانما كان هذا آية الكذاب لانه لو كان علمه بالوحي والالهام لكان احرى بان يعلم الحلال والحرام لان الحكيم العلام يفيض على الانام ما هم احوج إليه من الحقائق والاحكام، وكذا لو كان بالوراثة عن الانبياء والاوصياء عليهم السلام ولو كان بالكشف فعلي تقدير امكان حصوله لغير الحجج عليهم السلام فالعلم بحقائق الاشياء على ماهي عليه لا يحصل لاحد الا بالتقوى وتهذيب السر عن رذائل الاخلاق قال الله تعالى: واتقوا = (*)

[ 149 ]

عن حرام تعالى وحلاله لم يكن عنده شئ. وباسناده عن النبي (ص): انما العلم ثلاثة، آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة: وما خلاهن فهو فضل (1). قيل: ان الاول اشارة الى العلوم الاعتقادية من معرفة الله وصفاته ومقربيه واليوم الاخر، والثاني اشارة الى علم آفات النفس وتعديل قواها وتهذيب الاخلاق، والثالث اشارة الى علم الشرائع ومسائل الحلال والحرام. اقول: العلوم الدينية منحصرة في هذه الثلاثة وبها جاءت الشرائع والرسائل وهي المسماة بالعلم والحكمة والفقه والذكر والهدى والنور وما يؤدى مؤداها، واما غير هذه الثلاثة فليس من العلم والحكمة في شئ وليس في تحصيله كمال أخروي أصلا وجميع -


= الله ويعلمكم الله ولا يحصل التقوى بالاقتصار على الحلال والاجتناب عن الحرام ولا يتيسر ذلك الا بالعلم بالحلال والحرام فمن اخبر عن شئ من خالق الاشياء ولم يكن عنده علم بالحلال والحرام فهو لا محالة كذاب يدعى ما ليس له ". 1 - قال المصنف (ره) في باب صفة العلم من الوافي (ج 1، ص 28) ما نصه: " كا - (بعد ذكر السند) دخل رسول الله (ص) المسجد فإذا جماعة قد اطافوا برجل فقال: ما هذا ؟ - فقيل: علامة فقال: وما العلامة ؟ - فقالوا له: اعلم الناس بانساب العرب و وقائعها وايام الجاهلية والاشعار العربية، قال: فقال النبي (ص): ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ثم قال النبي (ص): انما العلم (الحديث) ". وقال بعده: " بيان - علامة اي كثير العلم والتاء فيه للمبالغة لا يضر من جهله نبههم على انه ليس بعلم في الحقيقة إذا لعلم في الحقيقة هو الذي يضر جهله في المعاد وينفع اقتناؤه يوم التناد، لا الذي يستحسنه العوام ويكون مصيدة للحطام، ثم بين لهم العلم النافع المحثوث عليه في الشرع وحصره في ثلاثة وكأن الاية المحكمة اشارة الى اصول العقائد فان براهينها الايات المحكمات من العالم أو من القرآن، وفي القرآن في غير موضع ان في ذلك لايات أو لاية حيث يذكر دلائل المبدء والمعاد، والفريضة العادلة اشارة الى علوم الاخلاق التي محاسنها من جنود العقل ومساويها من جنود الجهل، فان التحلي بالاول = (*)

[ 150 ]

مقاصد الكتاب والسنة وأخبار أهل البيت عليهم السلام يرجع الى هذه الثلاثة بل جميع - وعظ الواعظين وتذكير المنبهين وكلمات الاوائل والاواخر من الانبياء والاولياء والحكماء والعلماء صلوات الله عليهم اجمعين ينتهي إليها وكلها فريضة على كل مكلف بقدر وسعه وطاقته، لا يكلف الله نفسا الا وسعها، وكل من حصل مرتبة منها واستعد لاخرى فوقها فقد وجبت عليه تلك الاخرى، وهكذا، ولا ينتهي الا بانتهاء طاقته، الا انه يجب تقديم الاهم فالاهم ووجوب الاولين وما يخص الطالب من الاخير عيني والباقي كفائي والثلاثة غير مترتبة في الفضل والشرف ترتبها في الذكر. وطريق تحصيلها اما تحقيق أو تقليد، والتحقيق ما يكون للانبياء والاولياء عليهم السلام الاخذين علومهم من لدنه سبحانه البالغين فيها الى حد اليقين كما قال سيد - الاولياء (ع): لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، والتقليد اما عن بصيرة وهو الاخذ بمحكمات الكتاب والسنة وأخبار اهل البيت عليهم السلام وترك المتشابهات على تشابهها كما كان قدماء اصحابنا الاخباريين يفعلونه، وتبعهم عليه جماعة من اهل عصرنا وقبيل ذلك وهم الذين قال مولانا الصادق (ع) فيهم: انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فاجعلوه بينكم حاكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، الحديث، واما عن غير بصيرة فمنه ما يسوغ وهو تقليد اولئك الاخباريين في فتاويهم أحياء كانوا ام أمواتا، إذ لا تأثير للموت في ذلك فان حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، وأهل هذا التقليد هم المخاطبون في الحديث


= والتخلي عن الثاني فريضة، وعدالتها كناية عن توسطها بين طرفي الافراط والتفريط، والسنة القائمة اشارة الى شرائع الاحكام ومسائل الحلال والحرام، وانحصار العلوم الدينية في هذه الثلاثة معلوم وهي التي جمعها هذا الكتاب وهي مطابقة على النشآت الثلاث الانسانية فالاول على عقله والثاني على نفسه والثالث على بدنه بل على العوالم الثلاثة الوجودية التي هي عالم العقل والخيال والحس، فهو فضل زائد لا حاجة إليه، أو فضيلة ولكنه ليس بذاك ". (*)

[ 151 ]

المذكور بقوله (ع): انظروا، وعليكم، ونحوهما، ومنه ما لا يسوغ وهو قسمان قسم يسمى في عرف المتشرعة بالاجتهاد وهو الاخذ بالمتشابهات الظنية بمعاونة الاصول الفقهية المأخوذة من جمهور العامة بالرأي والتظني كما فعله أكثر متأخري أصحابنا موافقا للعامة وأدى ذلك بهم الى اختلافات شديدة، وهذا منهى عنه في أخبار كثيرة وآيات غير يسيرة كما عرفت في الاصول السالفة، وقسم يسمى في عرفهم بالتقليد لهؤلاء المجتهدين إذا كانوا احياء واما تقليدهم بعد موتهم فلا يجوز باعترافهم ايضا بمقتضى اجتهادهم قولا واحدا فان كانت آراؤهم معتبرة فلا عبرة بآرائهم بعد موتهم، ورد قولهم هذا دون سائر اقوالهم تحكم، والفرق بان هذه مسألة اصولية وتلك مسائل فروعية غير مجد لان كلتيهما اجتهادية وانما حمل هؤلاء على الاجتهاد طلبهم الشئ (1) في احكام وجعل المتشابه بمنزلة المحكم والاقتدار على الفتوى بكل مسألة مع ان الاحكام ثلاثة كما ورد في الاخبار المستفيضة: انما الامور ثلاثة، بين رشده فيتبع، وبين غيه فيجتنب، وشبهات بين ذلك، الحديث. والمتشابه ليس بمنزلة المحكم كيف ومتابعة المحكم مأمور بها ومتابعة المتشابه منهى عنها قال الله تعالى (2): هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم، والراسخون في العلم هم الائمة المعصومون عليهم السلام كما ورد عنهم، والاقتدار على الفتوى في كل مسألة مخصوص بهم (ع) وليس لغيرهم ذلك بل الواجب على غيرهم في بعض المسائل رد الحكم إليهم والتوقف في الفتوى والاحتياط في العمل والتخيير كما مر بيانه مفصلا، روى البرقي في محاسنه (3) باسناده الموثق عن محمد بن الطيار قال: قال أبو جعفر (ع): يتخاصم الناس ؟ - قلت: نعم، قال: ولا يسألونك عن شئ الا قلت فيه


1 - كذا. 2 - صدر آية 7 سورة آل عمران. 3 - هو الحديث الثاني والتسعون من كتاب مصابيح الظلم من المحاسن (انظر ص 213 من النسخة المطبوعة بطهران باهتمامي سنة 1370). (*)

[ 152 ]

شيئا ؟ - قلت: نعم، قال: فاين باب الرد إذا ؟ ! فما يهمنا وهو معرفة ما نعمل به معلوم لنا، وما لا نعلمه وهو معرفة الحكم في الواقع فلا يهمنا. ان قلت فما الحكمة في اخفاء بعض المسائل وابهامه مع ان حاجة المكلفين إليها جميعا سواء ؟ - قلنا: الحكمة في أكثر الامور الشرعية غير معلومة لنا ولكن يمكننا ان نشير ههنا الى ما يكسر سورة استبعادك فنقول: يحتمل ان يكون الحكمة فيه ان يتميز المتقي المتدين باحتياطه في الدين وعدم حومه حول الحمى خوفا عن الوقوع فيه ممن لا تقوى له ويجترئ في الحوم حوله، ولا يبالي بالوقوع فيه، فيتفاضل بذلك درجات الناس ومراتبهم في الدين، أو يتوسع التكليف لجمهور الناس باثبات التخيير في كثير من الاحكام، وهذه رحمة من الله تعالى وبه يختلف مراتب التكليف باختلاف مراتب الناس في العقل والمعرفة، وما لا نعلم من الحكم اكثر مما نعلم. فصل ان الضرورة لا تدعو الى الاجتهاد بالمعنى المذكور في أحكام الله تعالى قط فضلا عن تقليد المجتهد حيا كان أو ميتا لان محكمات كتاب الله والسنة وأخبار ائمتنا عليهم السلام مضبوطة والضوابط الكلية عنهم عليهم السلام منقولة مقررة، ثم ليس معرفة الاجتهاد للمجتهد ومعرفة المجتهد للمقلد بل فهم فتاوى المجتهدين من عباراتهم بأسهل من فهم - محكمات الكتاب والسنة وأخبار اهل البيت عليهم السلام بل الامر بالعكس فان ألفاظ - الكتاب والسنة والاخبار المصححة مضبوطة وأكثر الاحاديث أجوبة لاسئلة والسؤال قرينة قوية على فهم المراد فسهل بذلك فهم مدلولاتها. واما تحصيل ما يتوقف عليه الاجتهاد من الاصول الموضوعة والصناعات المقررة ثم معرفة كيفية صناعتهم ثم الخوض في الاجتهاد لمن أراده أو معرفة المجتهد والتمييز بينه وبين المتشبه لمن أراد التقليد أو فهم - فتاويهم من عباراتهم المتناقضة ففي غاية الصعوبة لعدم انضباطها وشدة الاختلاف فيها،

[ 153 ]

ولو لم يكن على المقلد الا هذا التمييز لكان حرجا بينا وتكليفا شططا. واما التعارض والاختلافات فمشتركة بل هي في أقوال المجتهدين أكثر منها في أخبار اهل العصمة عليهم السلام مع ان لاختلاف الاخبار ضوابط وقواعد مقررة وقد تكلم فيها ائمة الحديث وغيرهم ففسروها وبينوها ووفقوا بين مختلفاتها وكفونا مؤنة ذلك شكر الله مساعيهم بخلاف عبارات المجتهدين واختلافات فتاويهم المجردة عن الدليل والنص عن المعصومين، فانها لاضابطة لها، والشهرة ليست بحجة وسيما الشهرة التي هي في البين اليوم فانها شهرة من المتأخرين المجتهدين دون القدماء الاخباريين ومأخذها غير معلوم، ورب مشهور لا اصل له، ورب أصيل لم يشتهر كما يعرفه من جربه. وأيضا قد ورد عنهم عليهم السلام في حديث التعارض الاخذ بالاحتياط والتخيير أو غيرهما وهو اذن للمكلفين عامة بالعمل بالاخبار المختلفة الواردة عنهم عليهم السلام على النهج المقرر، ولا اذن عنهم في الاجتهاد بل ورد المنع منه فضلا من الاخذ بقول المجتهد المجرد عن نسبة الى المعصوم خصوصا مع اضطراب فتاويهم بل فتوى الواحد منهم بحسب كتبه واوقاته. فان قيل: لم يصل الينا من الكتاب والسنة وأخبار اهل البيت عليهم السلام حكم جميع المسائل، ولا كل احد يقدر على ان يستنبط منها ما يرد عليه من القضايا، والمجتهدون استنبطوها ودونوها وبذلوا فيها غاية المجهود مع افهامهم الثاقبة وقرائحهم الناقدة التي يعلم أنها أقوى من أفهامنا وقرائحنا ؟ - قلنا: قد عرفت ان ما لم يصل الينا علمه من الكتاب والسنة وأخبار اهل البيت عليهم السلام يجب رد علمه الى الله ورسوله والائمة عليهم السلام ثم التوقف فيه والاحتياط ان امكن والا فالتخيير لا رده الى ظنون المجتهدين، وان من قدر ان يستنبط الحكم من كلام المجتهدين قدر ان يستنبطه من متون الاحاديث. فان قلت: من لم يقدر على استنباط الاحكام من الحديث ولا الخروج من اختلافات أئمة الحديث عدم علمه بالعام والخاص والمقيد والمطلق ونحو ذلك ولم يعرف الحديث المعمول به من الشاذ، ولا الموافق للعامة من المخالف لهم، ولا الموافق للكتاب من المخالف

[ 154 ]

له، الى غير ذلك مما لابد منه ولم يكن عنده قول من يجوز تقليده حتى يرجع إليه فكيف يصنع ؟ - قلنا: وجود من يجوز تقليده من ضروريات الدين ومن تمام شرائط التكليف فلا يجوز خلو الزمان عنه فلو خلا بلد منه وجب على أهله النفور الى بلد يمكنهم فيها تحصيل ذلك على الكفاية، قال الله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (1) وإذا كان ذلك والعياذ بالله فلا يجوز لاحد الاشتغال عن التحصيل بشئ من العبادات ولا غيرها الا بقدر تحصيل المعاش الضروري لا غير، ولو لم يفعلوا ذلك كان الكل مأثومين إذ لا يجوز لهم صرف شئ من الزمان في غير ذلك. واما خلو جميع البلاد فغير جائز لاستلزام رفع التكاليف وفسق جميع الامة وخروجهم عن العدالة وهو يستلزم رفع الثقة بشئ من أحكام الدين. فان قلت: من كان قادرا على استنباط الاحكام من كتب الحديث وكان في البلد من هو أعلم منه بطريق الاستنباط واكثر تتبعا واوفر تفقها فهل يجب عليه الرجوع الى قول الاعلم الافقه أو يعتمد على فقاهة نفسه ؟ - قلنا: إذا كان وثوقه على تتبع الاعلم وتفقهه أكثر من وثوقه على فقاهة نفسه وان كان في الواقعة المخصوصة فحسب يجب عليه الرجوع إليه. فان قلت: فهل لدرجة الفتوى وأهليتها حد لا يصلح لمن هو دونها ؟ - قلنا: اما الفتوى على سبيل البت والقطع وفي جميع الاحكام فلا يجوز الا للمحقق الاخذ من الله سبحانه بلا تقليد وقد مضى ذكر شرائطه في كلام الصادق (ع) وقد يجوز لغيره إذا سمع منه مشافهة من غير اشتباه ومن هذا القبيل ما ورد عن الصادق (ع) انه قال لبعض اصحابه: اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس اني احب ان يرى في شيعتي مثلك (2). واما غير ذلك فيجوز لمن عرف من الكتاب والسنة المجمع عليه بين المسلمين اي ما هو من ضروريات الدين أو المجمع عليه بين الفرقة المحقة اي ما هو من ضروريات المذهب


1 - ذيل آية 122 سورة التوبة وصدرها: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة ". 2 - قد مر سنده في الاصل الرابع (ص 54). (*)

[ 155 ]

ان يفتي فيهما خاصة على سبيل البت بعد معرفته بالله ورسوله وبما جاء به رسول الله (ص) ولو اجمالا، لان الكتاب والسنة من عندهما وبعد معرفته بالعلوم العربية بقدر ما يتوقف فهم الكتاب والسنة عليه لانهما عربيان. واما المسائل المختلف فيها فان كان أحد الاقوال موافقا لظاهر الكتاب والسنة وأخبار أهل البيت عليهم السلام جميعا ولا معارض له من الثلاثة اصلا كوجوب الجمعة حال غيبة الامام (ع) فيجوز الافتاء فيه بهذا القول على سبيل البت لمن ظهر له حقيقة ذلك ولم يؤثر فيه شبهات الناس بعد كلام الله وكلام رسوله وكلام اهل البيت عليهم السلام وتأكيداتهم في ذلك والا فلا يجوز لغير المحقق والسامع منه من غير اشتباه ان يفتي باأحد الاقوال على سبيل البت كما عرفت سابقا فهو انمايفتي على الاضطرار لانه في مخمصة غير متجانف لاثم فيقول للمستفتي: فيه روايتان وانت مخير في العمل بايهما شئت، أو: لك ان تفعل كذا، مقتصرا على احدى الروايتين، أو: الاولى ان تعمل بكذا، والاحتياط يقتضي ذلك، أو كذا فهمت من الجمع بين الادلة، الى غير ذلك مما يفعله أكثر أصحابنا في أكثر فتاويهم فيقولون: على الاظهر أو الاقوى أو الاحوط أو الاشهر أو نحو ذلك وبالجملة يفتي على سبيل الاحتمال بما هو الارجح بزعمه بناء على أصوله المأخوذة من المحقق المعصوم عليه السلام بشرط ان يكون ذلك بعد تحصيله للمعارف المشار إليها وزيادة هي ان يكون عارفا بكل ما يتعلق به التراجيح عند التعارض كالعلم بالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمقيد والمطلق، والمبين والمجمل، والافقه والاعدل من الراويين (1)، الى غير ذلك، وان يكون ذا فهم مستقيم ليس فيه اعوجاج، وصاحب طبع سليم لا يصدر منه لجاج، وهو المعبر عنه عند أصحابنا بالقوة القدسية (2)


1 - في الكتاب: " الروايتين ". 2 - نقل الامين الاسترابادي (ره) عن العالم الرباني الشهيد الثاني (ره) كلاما طويلا في اوائل الفوائد المدنية (6 - 5) منها قوله: " نعم يشترط مع ذلك كله ان تكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع الى اصولها واستنباطها منها وهذه هي المدة في هذا الباب والا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت في زماننا سهلة لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان استعمالها وانما تلك القوة بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده (فساق الكلام مطابقا لما في المتن الى قوله: ان الله لمع المحسنين) ". (*)

[ 156 ]

وهي العمدة في هذا الباب وبها يتمكن من رد الفروع الى أصولها واستنباطها منها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (1) من عباده على وفق حكمته ومراده، ولكثرة المجاهدة والممارسة لاهلها مدخل عظيم في تحصيلها، قال الله تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين (2) وفي نهج البلاغة في العهد الذي كتبه (ع) للاشتر النخعي رحمه الله حين أرسله الى مصر (3): ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفئ (4) الى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه، اوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الامور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه اطراء، ولا يستميله اغراء، واولئك قليل ثم اكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل مايزيح (5) علته وتقل معه حاجته الى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا فانه هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى ويطلب به الدنيا، الحديث، أخذنا منع موضع الحاجة. واما الاصطلاحات المنطقية فليس الى تعلمها مزيد حاجة (6) ولذلك لم يذكره القدماء وذلك لان الفكر والاستدلال غريزتان للانسان إذ لا شك ان كل مكلف عاقل له قوة فكرية يرتب بها المعلومات وينتقل بها الى المجهولات وان لم يعلم كيفية الترتيب والانتقالات كما يشاهد في بدو الحال من الاطفال فكما ان صاحب الباصرة يدرك المحسومات وان لم يعلم كيفية الاحساس هل هو خروج الشعاع أو انطباع الصورة في الجليدية أو غير ذلك كذلك صاحب القوة


1 - مأخوذ من آية 4 سورة الجمعة. 2 - 69 سورة العنكبوت. 3 - راجع ج 4 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد من طبعة مصر، ص 130. 4 - في الاصل: " الغي " (بالغين المعجمة وتشديد الياء). 5 - في نهج البلاغة: " يزيل ". 6 - للاسترابادي (ره) تحقيق في هذا الباب مفيد جدا فان شئت ان تلاحظه فراجع ص 242 من النسخة المطبوعة من الفوائد المدنية. (*)

[ 157 ]

الفكرية يتفكر ويستدل وان لم يعلم كيفية الفكر والاستدلال وبالجملة نسبة علم المنطق الى الفكر كنسبة العروض الى الشعر بعينه، فكما ان الانسان إذا كان له قوة شعرية وطبيعة موزونة ينشد الشعر ويميز بين صحيحه وفاسده وان لم يتعلم العروض فكذلك من كان له قوة فكرية يتفكر ويستدل ويميز بين صحيح الامر وفاسده وان لم يتعلم المنطق، واحتمال الخطأ مشترك بين العالم والجاهل وكذا سببه الذي هو الغفلة وعدم بذل الطاقة، وكما يحصل التمييز من المنطق كذلك قد يحصل من المعلم المنبه فان كثيرا ما يغلط الانسان في فكره فإذا عرضه على غيره ينبهه ويشير إليه بوضع خطائه ولو نفع المنطق في العصمة عن الخطأ لكان اهله أعلم الناس وأصوبهم في المذهب ولم يقع الخطأ منهم اصلا وليس كذلك كما هو معلوم، فإذا (1) تحقق المفتي بهذا الوصف وجب على الناس الترافع إليه وقبول قوله والتزام حكمه لانه منصوب من الامام (ع) على العموم بقوله: انظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا، الحديث، وقد مضى ذكره ويجوز ان يحصل هذه المرتبة لشخص في علم دون آخر بل في مسألة دون اخرى كما يستفاد من رواية أبي خديجة: انظروا الى من كان منكم قد عرف شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، والمجتهد المطلق الذي اخترعته المتأخرون لا وجود له في الاعيان عرفت ان في كل (2) واقعة خطابا صريحا قطعيا وان كثيرا منها مخفي عند اهل -


1 - من هنا مأخوذ من كلام الشهيد الثاني (ره) بعين عبارته الى آخر الحديث المشار إليه (انظر الفوائد المدنية، ص 6، س 4 - 8). 2 - من هنا الى قوله " فكيف لا يكون متعذرا عندنا مع قلة الطرق " مأخوذ من الفوائد المدنية ونص عبارة الامين (ره) فيه (ص 47، س 6) هكذا: " اقول: من ضروريات مذهب الامامية ان كل ما تحتاج إليه الامة الى يوم القيامة وكلما يختلف فيه اثنان ورد فيه خطاب وحكم من الله تعالى حتى ارش الخدش فخلو واقعة عن حكم الهي غير متضور عند اصحابنا. فائدة - اعلم ان علماء العامة مع كثرة المدارك الشرعية عندهم اختلفوا في تحقيق مجتهد الكل مذهب جماعة من محققيهم كالامدي وصدر الشريعة الى عدم تحققه والعجب = (*)

[ 158 ]

البيت عليهم السلام وانه يجب التوقف في كل واقعة لم يعلم حكمها، وما من مجتهد الا وقد توقف في كثير من المسائل وقد عرفت عدم جواز التمسك بالبراءة الاصلية ولا الاستصحاب في الحكم، وعمومات الكتاب والسنة لا تفي بجميع الاحكام، وقد قال بتعذر المجتهد المطلق جمع من العامة كالامدي من الشافعية وصدر الشريعة من الحنفية وغيرهما مع كثرة طرق الاستنباطات عندهم فكيف لا يكون متعذرا عندنا مع قلة الطرق. نعم لابد في المفتي ان يكون قد حصل من المسائل ما يعرف به قدرته على الاستنباطات ورده الفروع الى الاصول فانه ما لم يبلغ هذه الرتبة لا يعتمد على شئ من احكامه وفتاويه. فصل المحقق في العلوم الثلاثة الدينية ليس منحصرا في الائمة المعصومين عليهم السلام كما يظنه جماعة من أصحابنا وان كان العالم بجميع المسائل في الجميع منحصرا فيهم فانه يوجد في هذه الامة المرحومة أفراد كثير رزقهم الله العلم اللدني والتحقيق الكشفي في كثير من المسائل الدينية خصوصا العلمين الاولين ولا سيما علم التوحيد وتنزيه الحق ومعرفة اليوم الاخر حتى جاوز بعضهم في بعضها علم اليقين ووصل الى عين اليقين كما اشير إليه فيما رواه في الكافي باسناده الموثق (1) عن اسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: ان


= كل العجب من جمع من متأخري أصحابنا حيث زعموا تحققه مع عدم اعتبار تلك المدارك عند اصحابنا ". وتكلم بمثل ذلك ايضا في موضع آخر من الفوائد (انظر ص 132) وعنون المسألة هناك بقوله: " الفصل الثالث - في اثبات تعذر المجتهد المطلق " فبسط الكلام بنحو ابسط مما مر فمن اراده فليطلبه من هناك فان المقام لا يسع ذكره. 1 - يشير به الى السند الذي نقل الحديث به في الوافي في باب حقيقة الايمان (انظر ص 291 من المجلدة الاولى من الطبعة الثانية) قائلا بعده: " بيان - الخفقة بالخاء المعجمة والفاء والقاف تحريك الرأس بسبب النعاس، والهاجرة اشتداد الحر نصف النهار، والعزوف عن الشئ الزهد فيه، والاصطراخ الاستغاثة، وهذا التنوير = (*)

[ 159 ]

رسول الله (ص) صلى بالناس الصبح فنظر الى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوى برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله (ص): كيف أصبحت يا فلان ؟ - قال: أصبحت يا رسول الله (ص) موقنا، فعجب رسول الله (ص) من قوله وقال: ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ - فقال: ان يقيني يا رسول الله (ص) هو الذي أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر الى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر الى أهل - الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الارائك متكؤون، وكأني أنظر الى اهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الان أسمع زفير النار يدور في مسامعي، فقال


= الذي اشير به في الحديث انما يحصل بزيادة الايمان وشدة اليقين فانهما تنتهيان بصاحبهما الى ان يطلع على حقائق الاشياء محسوساتها ومعقولاتها فينكشف لحجبها واستارها فيعرفها بعين اليقين على ما هي عليه من غير وصمة ريب وشائبة شك فيطمئن لها قلبه ويستريح بها روحه هذ هي الحكمة الحقيقية التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا واليه اشار أمير المؤمنين (ع) بقوله: هجم بهم العلم على حقائق الامور، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بابدان ارواحها معلقة بالمحل الاعلى، اراد (ع) بما استوعره المترفون يعني المتنعمون رفض الشهوات البدنية وقطع التعلقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز عما لا يعني ونحو ذلك وانما يتيسر ذلك بالتجافي عن دار الغرور والترقي الى عالم النور والانس بالله والوحشة مما سواه وصيرورة الهموم جميعا هما واحدا وذلك لان القلب مستعد لان يتجلى فيه حقيقة الحق في الاشياء كلها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله به الى يوم القيامة وانما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهره أو كدورات تراكمت عليه من كثرة الشهوات أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد والقبول بحسن الظن أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب، والى بعض هذه الحجب اشير في الحديث النبوي: لولا ان الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا الى ملكوت السماء ". (*)

[ 160 ]

رسول الله لاصحابه: هذا عبد نور الله قلبه بالايمان ثم قال له: الزم ما انت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يا رسول الله (ص) اني ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله (ص) فلم يلبث ان خرج في بعض غزوات النبي (ص) فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر. وفي رواية أخرى (1) ما يقرب منه وفيها مكان الشاب حارثة بن مالك بن النعمان الانصاري وانه (ص) قال له: أبصرت فاثبت. وفي نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه (2): عباد الله ان من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه وأعد القرى ليومه النازل به، فقرب على نفسه البعيد، وهون الشديد، نظر فأبصر وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت موارده فشرب نهلا وسلك سبيلا جددا، قد خلع سرابيل الشهوات وتخلى من الهموم الا هما واحدا انفرد به، فخرج عن صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره، وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الجبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس،


1 - هو ايضا في الوافي نقلا عن الكافي في باب حقيقة الايمان واليقين (انظر ج 1 من الطبعة الثانية ص 291) وقال المصنف (ره) بعد نقله بسنده " كا - وفي رواية القاسم بن بريد عن ابي بصير قال: استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر وكان هو العاشر " ثم اورد بيانا للحديث المشار إليه المطوى ذكره فلذا لم نورده. قال العلامة المجلسي (ره) في مرآة العقول ضمن شرحه للحديث الاول: " قال بعض المحققين: هذا التنوير الذي اشير به في الحديث انما يحصل (فذكر كلام المصنف (ره) الذي مر نقله الى آخره وهو: لنظروا الى ملكوت السماء) ". فان شئت ان تراجعه فراجع ج 2 مرآة العقول ص 77. 2 - انظر ج 2 من شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد من طبعة مصر ص 126. ونقله الامين الاسترابادي (ره) في الفوائد المدنية (ص 96). (*)

[ 161 ]

قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الامور، من اصدار كل وارد عليه وتصيير كل فرع الى أصله، مصباح ظلمات، كشاف عشوات (1)، مفتاح مبهمات، دفاع معضلات، دليل - فلوات، يقول ويفهم، ويسكت فيعلم، قد أخلص لله فاستخلصه، فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمها، ولا مظنة الا قصدها، قد مكن الكتاب من زمامه فهو قائده وامامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله. وقال (ع) أيضا (2): وآخر قد تسمى عالما وليس به، الحديث، وقد مضى تمامه في الاصل الثامن (3) ويستفاد من آخره مذمة علم الكتاب (4) وأهله وأنهم ليسوا بعلماء ويأتي في الاصل الاتي ما يؤكده وذلك لان العلم ما يوجب الخشية من الله والطمأنينة في السر كما دل عليه هذان الحديثان، وينبه عليه قوله تعالى: انما يخشى الله من عباده العلماء (5)، وليس ذلك الا اليقين والتحقيق المأخوذ من الله سبحانه كما قال الله عز وجل في حق من قال (6): وعلمناه من لدنا علما. وقال بعضهم (7): أخذتم علمكم ميتا عن ميت وأخذنا


1 - في شرح النهج لابن أبي الحديد: " عشاوات ". 2 - انظر ج 2 من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، من طبعة مصر (ص 129 - 130). ونقله الامين الاسترابادي في الفوائد المدنية (ص 96). 3 - انظر ص 122 - 121. 4 - في نسخة أخرى: " الكلام ". 5 - من آية 28 سورة الفاطر. 6 - ذيل آية 65 سورة الكهف. 7 - المراد من هذا البعض أبو يزيد وذلك لانه قال المصنف (ره) في مقدمة كتابه الموسوم بعين اليقين المنضم في الطبع بكتابه الاخر المسمى بعلم اليقين ضمن كلام له يشبه كلامه هذا، ولا بأس بنقل شئ منها، فقال تحت عنوان " المقدمة في الاشارة الى فضيلة علم - التوحيد وشرف اهله وكيفية تحصيله " (ص 240): " ان شرف العلم يكون بقدر شرف المعلوم (فساق الكلام الى ان قال) وكلهم انما يأخذون علمهم عن الله سبحانه بلا واسطة، وعلمك ما لم تكن تعلم، وعلمناه من لدنا علما، قال =

[ 162 ]

(*) علمنا عن الحي الذي لا يموت، ولهذا قال النبي (ص): علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل (1) فان الانبياء عليهم السلام انما يأخذون علمهم من الله سبحانه من غير تقليد وهو العلم في


= أبو يزيد: اخذتم علمكم ميتا عن ميت واخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، وانما يحصل هذا العلم بعد فراغ القلب وصفاء الباطن وتخليته عن الرذائل وتحليته بالفضائل والزهد في الدنيا ومتابعة الشرع وملازمة التقوى، واتقوا الله ويعلمكم الله، ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وفي الحديث ليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه، العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب اوليائه وانطق به على لسانهم، العلم علم الله لا يعطيه الا لاوليائه، الجوع سحاب الحكمة فإذا جاع العبد مطر بالحكمة، من أخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، من علم وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، ما من عبد الا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب فإذا اراد الله بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غائب عن بصره، وفي كلام امير المؤمنين وسيد الموحدين (ع): ان من احب عباد الله إليه (فساق الحديث الى آخره وكذا حديثه الاخر الذي اوله: قد احيا قلبه وامات نفسه) ". وذكر ايضا في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء تحت عنوان " بيان شواهد الشرع على صحة طريق اهل المجاهدة في اكتساب المعرفة لا من التعلم ولا من الطرق المعتادة " كلاما مبسوطا في اثبات ما يفصح عنه عنوان الباب فمن اراده فليراجع الكتاب المذكور (ج 5،، ص 47 - 43 من طبعة مكتبة الصدوق) ومما استشهد به قوله (ره) في ص 43 " وقال النبي (ع): من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " وقوله (ره) في اواخر العنوان (ص 45): " ومن الاخبار النبوية في هذا المقام: ليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه (فذكر ما بعده من الاحاديث النبوية الى قوله " فيرى ما هو غائب عن بصره " كما ذكره في عين اليقين كما نقلناه عنه).

1 - هذا الحديث مع شهرته في السنة الناس لم يوجد لها مأخذ يوثق به وتسكن النفس لاجله الى صدوره عن المعصوم قال المحدث النوري - قدس سره - في المجلد الاول من = (*)

[ 163 ]

الحقيقة كما قال الصادق (ع): اعرفوا منازل شيعتنا بقدر ما يحسنون من روايتهم عنا، فانا لا نعد الفقيه منهم فقيها حتى يكون محدثا، فقيل له: أو يكون المؤمن محدثا ؟ - قال: يكون


= كتاب دار السلام بعد نقل رؤيا يتضمن هذا الخبر ما لفظه (176 من الطبعة الاولى): " قلت: قد صرح المحدث الخبير السيد نعمة الله الجزائري في زهر الربيع بعدم عثوره على هذا الخبر في كتب الاخبار، وعده بعض المخالفين في الاخبار الموضوعة في كتاب صنفه لها ولكن العلامة (ره) ارسله عنه (ص) في اول كتاب التحرير وفي رجال الكشي عن ابي الجارود قال: قلت للاصبغ بن نباتة: ما كان منزلة هذا الرجل فيكم ؟ - قال ما أرى ما تقول الا ان سيوفنا كانت على عواتقنا فمن أومى الينا ضربناه بها، وكان يقول لنا: تشرطوا تشرطوا فوالله ما اشتراطكم لذهب ولا فضة، وما اشتراطكم الا للموت، ان قوما قبلكم تشارطوا نبيهم فما - مات أحد منهم حتى كان نبي قومه اونبي قريته أو نبي نفسه، وانكم بمنزلتهم غير انكم لستم بانبياء. وبهذا الخبر يمكن صرف الخبر المذكور عن ظاهره لما دل عليه الادلة العقلية والنقلية من عدم جواز بلوغ غير النبي الى رتبته بان يكون المراد والله العالم ان علماء هذه الامة مثل انبياء بني اسرائيل في اتباعهم لنبي واحد وهو موسى على نبينا وآله وعليه السلام وترويجهم جميعا لشريعته ونشرهم آثاره ووقفهم انفسهم على بيان ما جاء به من الاحكام والعلوم الربانية وعدم كونهم بأنفسهم ذوي سنن متبعة وشرائع منتهجة، أو المراد من العلماء هم الائمة عليهم السلام على ما يظهر من أخبار كثيرة من انحصار العلماء فيهم ففي الخبر المشهور: نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون وباقي الناس غثاء، وهذا أظهر والله العالم ". واختار الوجه الاول التوجيهين في كتابه الموسوم به " كلمهء طيبة " وقال في اوائل الباب الرابع الذي في بيان لزوم احترام العلماء وتعريف مقامهم ومنزلتهم ما نصه (39 من طبعة بمبئى سنة 1303): " وشيخ كشى در رجال خود از جناب صادق عليه السلام روايت نموده كه فرمودند: بشناسيد مقام ومنزلت شيعيان ما را بقدر آنچه مي دانند از روايات ما، وبروايت ديگر فرمودند: = (*)

[ 164 ]

مفهما والمحدث المفهم. وأما غير ذلك فهو تقليد أو جدل أو مزج بينهما أو غير ذلك وليس شئ منها من العلم في شئ، وانما يحصل هذا بعد تفريغ القلب وتصفية الباطن وتخليته


= بشناسيد منازل مردم را در نزد ما بقدر روايتشان از ما، وايضا از أبي الجارود نقل كرده كه گفت: گفتم به اصبغ بن نباته: بچه اندازه بود مقام اين مرد يعني حضرت امير عليه السلام در نزد شما ؟ - گفت: نميدانم چه ميگوئى جزاينكه شمشيرهاى ما برشانه هاي ما بود پس بهر كس اشاره ميكرد ميزديم اورا بآن شمشير، وميفرمود بما: تعهد كنيد تعهد كنيد قسم بخدا كه تعهد شما براى طلا ونقره نيست تعهد شما نيست مگر از براى مرگ، بدرستيكه قومي پيش از شما أز بنى اسرائيل معاهده كردند ميانهء خود يعنى از براى مرگ پس نمرد احدى از ايشان تا آنكه پيغمبر قوم خود شد يا پيغمبر قريهء خود يا پيغمبر نفس خود شد وبدرستيكه شما بمنزلهء ايشانيد جزاينكه پيغمبر نيستيد. وعلامهء حلي در اول كتاب تحرير روايت نموده از حضرت رسول صلى الله عليه وآله كه علماى امت من بمنزلهء انبياى بنى اسرائيل اند پس هرچه معلوم شود كه أز خصايص خاصهء انبياء است چون عصمت فطرى ونزول وحي ومثل آنها، علما را أز آن بهره نيست ودر باقى فضائل واحكام وآداب متعلق بايشان با ايشان شريك اند، وازاين قبيل است آنچه رسيده كه ايشان وارث انبياء ونواب ائمه اند وحجت اند بر خلايق ازجانب ايشان چنانچه در كافى از جناب ختمى مآب نقل كرده كه: علما هر آينه ورثهء انبيا اند وبدرستيكه انبيا ميراث نگذشته اند دينار ودر همى بلكه ميراث گذاشته اند علم را پس هر كه گرفت چيزى از آنها بتحقيق كه گرفته بهره تامى " أقول: قد تكلمنا في هذا الباب بما لا مزيد عليه في تعليقات كتاب ميزان الملل ونقلنا ما ذكره المحدث الجليل الشيخ الحر العاملي (ره) في توجيهه في كتاب الفوائد الطوسية، وكذا ما ذكره السيد عبد الله شبر في مصابيح الانوار، وما ذكره السيد الجزائري في زهر الربيع، ونقلنا ما قيل في انه موضوع من بعض كتب العامة، فانشئت فراجع (ص 103 و 104 وص 265 - 269 منه) وقد طبع سنة 1324. (*)

[ 165 ]

عن الرذائل وتحليته بالفضائل ومتابعة الشرع وملازمة التقوى كما قال تعالى: واتقوا الله ويعلمكم الله (1) وقال: ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا (2) وقال: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب (3) وقال: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (4) وفي الحديث النبوي: ليس العلم بكثرة التعلم، انما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد الله ان يهديه (5)، وفيه: العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه ونطق (6) به على لسانهم (7)، وفيه: علم عند (8) الله لا يعطيه الا لاوليائه (9) وفيه: الجوع سحاب الحكمة فإذا جاع العبد مطر بالحكمة (10)، وفيه: من أخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (11)،


1 - من اواخر آية 82 سورة البقرة (وهي اطول آية في القرآن). 2 - وسط آية 29 سورة الانفال وصدرها " يا ايها الذين آمنوا " وذيلها: " ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ". 3 - ذيل آية 3 من سورة الطلاق. 4 - صدر آية 69 سورة العنكبوت. 4 - هو قطعة من حديث نقله عنوان البصري عن الصادق عليه السلام وذكره الشيخ البهائي (ره) في الكشكول نقلا عن الشهيد الاول وهو عن خط الشيخ احمد الفراهاني (ره) في المجلد الاول من البحار في باب آداب طلب العلم واحكامه (انظر ص 70 - 69 من طبعة امين الضرب) الا ان هناك مكان " يقذفه الله ": " يقع ". 6 - في المحجة البيضاء وفي عين اليقين وفي هذا الكتاب بهمزة في أول الكلمة. 7 - لم اعثر على سند له بل على وجوده بهذا اللفظ في كتاب يعتنى به. 8 - في المحجة البيضاء وفي عين اليقين موضع: " علم عند ": " العلم علم ". 9 - لم اجده في كتاب حتى ابحث عن مأخذه. 10 - هذا الحديث يحتمل قويا ان يوجد في ارشاد القلوب للديلمي أو جامع الاخبار وما يضاهيهما من الكتب والمضمون يشبه مضامين اخبار أخر صدرت عن المعصومين عليهم السلام. 11 - قال المجلسي (ره) في المجلد الخامس عشر من البحار في الجزء الثاني في باب = (*)

[ 166 ]

وفيه: من علم وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم (1)، وفيه: ما من عبد الا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عيني قلبه فيرى ما هو غائب عن بصره (2)، الى غير ذلك مما يؤدى هذا المعنى وهو كثير.


= الاخلاص ومعنى قربه تعالى (ص 85 من طبعة امين الضرب): " ن (اي عيون اخبار الرضا) " بالاسناد الى دارم عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله (ص): ما اخلص عبد لله عز وجل اربعين صباحا الا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وقال ايضا في ذلك الباب (ص 87): " عدة الداعي عن النبي (ص) قال: من اخلص لله اربعين يوما فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه " وقال السيوطي في الجامع الصغير: " من اخلص لله اربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (حل عن أبي ايوب ض) " يريد انه في حلية الاولياء بسند ضعيف. 1 - قال المجلسي (ره) نقلا عن المفيد (ره) في تاسع البحار في باب علمه (ص 956 من طبعة امين الضرب): " ومثل هذا قول النبي (ص): من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم " وقال ايضا في المجلد السابع عشر ص 168 من طبعة امين الضرب نقلا عن اعلام الدين: من عمل بما يعلم علمه الله ما لم يعلم " وقال في المجلد الاول من البحار في باب استعمال العلم (ص 77 من طبعة امين الضرب): " ثو (اي ثواب الاعمال) عن سعد عن الاصبهاني عن المنقري عن حفص عن أبي عبد الله (ع): من عمل بما علم كفى علم ما لم يعلم، بيان - كفى ما لم يعلم اي علمه الله بلا تعب ". قال صديقنا الاعز علي اكبر الغفاري في ذيل ص 24 من المجلد الخامس من المحجة البيضاء " ان ابا نعيم اخرج في الحلية من حديث انس ان النبي (ص) قال: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " وذلك بناء على ما في المغني كما تقدم ". 2 - لم اجده في كتاب، اما ما يشبهه من وجه فأخبار نقلت في كتب الحديث مثل قول الصادق (ع): ما من مؤمن الا ولقلبه أذنان في جوفه أذن ينفث فيها الوسواس الخناس واذن ينفث فيها الملك، وقوله (ع) في حديث آخر: ما من قلب الا وله أذنان على أحديهما ملك مرشد وعلى الاخرى شيطان مفتن، الى غيرهما مما يضاهيهما من الاحاديث، ومن اراد شرحهما فليراجع " باب ان للقلب اذنين " من شروح اصول الكافي، ومن أجلها مرآة العقول للعلامة المجلسي (ره) (انظر ج 2 ص 237 - 242). (*)

[ 167 ]

وروى في الكافي عن ضريس الكناسي قال: كنت عند أبي عبد الله (ع) وعنده أبو بصير (1) فقال أبو عبد الله (ع): ان داود ورث علم الانبياء، وان سليمان ورث داود، وان محمدا (ص) ورث سليمان وانا ورثنا محمدا، وان عندنا صحف ابراهيم وألواح - موسى، فقال أبو بصير: ان هذا لهو العلم، فقال: يا ابا محمد ليس هذا هو العلم انما العلم ما يحدث بالليل والنهار يوما بيوم وساعة بساعة. اقول: اراد (ع) والعلم عند الله ان العلم ليس ما يحصل من السماع وقراءة الكتب وحفظها فان ذلك تقليد وانما العلم ما يفيض من الله سبحانه على قلب المؤمن يوما فيوما وساعة فساعة فينكشف به من الحقائق ما تطمئن به النفس وينشرح له الصدر، ويتحقق به العالم كأنه ينظر إليه ويشاهده، وكما ان الائمة المعصومين عليهم السلام كانوا يكتمون جواهر علومهم من غير أهلها ويستعلمون التقية فيها كما قال مولانا زين العابدين عليه السلام (2): اني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في هذا أبو حسن * الى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي: انت ممن يعبد الوثنا ولا ستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا وقال (ع) (3): التقية ديني ودين آبائي (4). وقال أبو جعفر (ع) حين سمع ان * (هامش) 1 - نقله المصنف (ره) عن الكافي في الوافي في " باب انهم يرث العلم بعضهم من بعض، وانهم ورثوا علم جميع الانبياء " (ج 1 من الطبعة الثانية ص 197) وقال بعده: " بيان - لعل المراد والعلم عند الله ان العلم ليس (فساق ما في المتن الى قوله) فيشاهده ". 2 - نسبة الاشعار الى السجاد (ع) مشهورة وفي غالب كتب المصنف (ره) عنه (ع) مأثورة حتى ان الغزالي ايضا نقلها عنه (ع) ونسبها إليه (ع) في كتبه. 3 - قال المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في " باب النهي عن كتمان العلم " (ص 87 من طبعة امين الضرب): " ير - (اي بصائر الدرجات) سلمة بن الخطاب عن القاسم بن يحيى عن جده عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: خالطوا (الحديث ". = (*)

[ 168 ]

الحسن البصري يزعم (1) ان الذين يكتمون العلم تؤذى ريح بطونهم أهل النار، فقال (ع): فهلك إذا مؤمن آل فرعون، وما زال العلم مكتوما منذ بعث الله نوحا (ع). الى غير ذلك من كلماتهم عليهم السلام كذلك كل محقق في مسألة يجب عليه ان يكتم علمه فيها عمن لا يفهمه فان كل احد لا يفهم كل علم والا لفهم كل حائك وحجام ما يفهمه العلماء من دقائق العلوم، ولهذا ورد في الحديث (2) لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، وفي رواية


= 4 - قال العلامة المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في باب النهي عن كتمان العلم والخيانة وجواز الكتمان عن غير أهله نقلا عن محاسن البرقي في حديث قاله الصادق (ع) خطابا لمعلى بن خنيس (ص 88 من طبعة امين الضرب): " يا معلى ان التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له " وفي كتاب العشرة وهو المجلد السادس عشر من البحار في باب التقية والمداراة (ص 234 من طبعة امين الضرب): " كا - محمد بن يحيى عن احمد بن محمد عن معمر بن خلاد قال: سألت ابا الحسن (ع) عن القيام للولاة فقال: قال أبو جعفر (ع): التقية من ديني ودين آبائي ولا ايمان لمن لا تقية له " اقول: من اراد ان يلاحظ اخبار التقية فليراجع الباب المذكور (ص 224 - 238 من كتاب العشرة من طبعة امين الضرب). 1 - هو في المجلد الاول من الوافي في " باب انه لا علم الا ما يؤخذ من اهله " (ص 42) هكذا: " كا - الاثنان عن الوشاء عن ابان عن عبد الله بن سليمان قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول وعنده رجل من اهل البصرة يقال له عثمان الاعمى ويقول: ان الحسن البصري يزعم، الحديث الى قوله نوحا (وبعده) فليذهب الحسن يمينا وشمالا فوالله ما يوجد العلم الا ههنا. بيان - لما لم يكن عند الحسن من العلوم الحقيقة شئ لم يدر ان من العلم ما يجب كتمانه كما ان منه ما يحرم كتمانه بل زبدة العلم في الحقيقة ليس الا ما يكتم كما قال سيد العابدين عليه السلام: اني لاكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا واليه الاشارة بقوله (ع): فوا الله ما يوجد العلم الا ههنا يعني ان ما هو الحقيق بان يسمى علما ليس الا ما هو المخزون عندنا ". 2 - حديث معروف مذكور في غالب الكتب المعتبرة من الاخبار وشرحه جماعة = (*)

[ 169 ]

لكفر. وعن الصادق (ع): خالطوا الناس (1) بما يعرفون، ودعوهم مما ينكرون، ولا تحملوا على أنفسكم وعلينا، ان أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله الا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان. وذلك لان أسرار العلوم على ما عليها لا يطابق ما يفهمه الجمهور من ظواهر الشرع فلابد ان يكون الانسان احد رجلين، اما محققا صاحب كشف ويقين أو مقلدا صاحب تصديق وتسليم، واما الثالث فهالك وهو الذي يمزج الحق بالباطل ويحمل الكتاب والسنة على رأيه ويخلطهما بعقله الناقص كما ورد في الاخبار الكثيرة التي قد مضى ذكر بعضها في الاصل السابع ولهذا ورد في الحديث (2): اغد عالما أو متعلما أو احب اهل - العلم ولا تكن رابعا فتهلك ببغضهم، وفي غير واحد من الاخبار (3): الناس ثلاثة، اما عالم،


= من علمائنا رضوان الله عليهم واحسن شروحه واجمعها للاقوال فيه ما في كتاب نفس الرحمن في احوال سلمان (انظر اواسط الباب الخامس) ولطوله طوينا الكشح عن نقله فراجعه ان شئت. 1 - قال العلامة المجلسي (ره) في المجلد الاول من البحار في باب النهي عن كتمان العلم (ص 87 من طبعة امين الضرب): " ير (اي بصائر الدرجات للصفار) سلمة بن الخطاب عن القاسم بن يحيى عن جده عن ابي بصير ومحمد بن مسلم عن ابي عبد الله عليه السلام قال: خالطوا الناس (الحديث) ". 2 - اورده نقلا عن الكافي في الوافي في باب اصناف الناس (ج 1 من الطبعة الثانية، ص 32) وقال بعده: " بيان - اغد صر وأصبح واصله من الغدو بالضم بمعنى سير اول النهار نقيض الرواح، وفيه دلالة على ان غير الائمة عليهم السلام يجوز ان يصير عالما علما لدنيا فانه المراد بالعلم دون حفظ الاقوال وحمل الاسفار، ببغضهم بعدواتهم حسدا لهم، واهمال العين كما ظن تصحيف ". 3 - منها ما ذكره نقلا عن الكافي في الوافي في باب اصناف الناس (ج 1 ص 32): " كا - الاثنان عن الوشاء عن احمد بن عائذ عن ابي خديجة سالم بن مكرم عن أبي - عبد الله (ع) قال: الناس ثلاثة، عالم ومتعلم وغثاء. بيان - الغثاء بضم المعجمة والثاء المثلثة والمد ما يحمله السيل من الزبد والوسخ، اريد به اراذل الناس وسقطهم، والمراد بالعالم العالم بالعلم اللدني، وبالمتعلم من أخذ عنه كما مر مرارا ". (*)

[ 170 ]

أو متعلم، أو غثاء. وفي رواية (1): نحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء، الى غير ذلك مما يؤدى هذا المعنى في تقسيم الناس. الاصل العاشر انه يجب على كل مكلف طالب للحق والنجاة ان يتحرى الاهم في الدين فالاهم، ويأخذ بالاقرب من اليقين فالاقرب، ولا يترك ما يعنيه الى ما لا يعنيه، ولا ما يهم نفسه الى ما يهم غيره، ولا يدخل في اختلافات الناس ومخاصماتهم والتعصبات الباردة فانها مذمومة جدا وممرضة للقلب بل يأخذ أولا بما اتفق عليه العقلاء قاطبة من وجود - صانع حكيم عالم قادر غني سميع بصير ليس كمثله شئ على الاجمال من غير تفتيش لحقيقته وماهيته وكيفية صفاته وغير ذلك فانه مشوش لقلوب اكثر الخلق، ثم يأخذ بما اتفقوا عليه أيضا من صدق الانبياء عليهم السلام في دعواهم النبوة، وفيما جاؤا به من الاحكام جملة، وبما اتفق عليه الكل أيضا من وجود نشأة اخرى هي دار المجازاة وهو مما أخبر به الانبياء عليهم السلام قاطبة، ثم يأخذ بمقتضى ما اتفقوا عليه جميعا من ان مدار النجاة في تلك النشأة هو التقوى والاعمال الصالحة والاخلاق الحسنة، ومدار الهلاك في أضدادها، فان ذلك مما لا يختلف فيه من له أدنى بصيرة، والتقوى هو الاخذ باليقين وترك الشبهات كما في الحديث المشهور المتفق عليه: حلال بين، وحرام بين، وما بينهما شبهات فمن حام حول الحمى يوشك ان يقع فيه. ثم إذا اهتدى الى الاسلام وآمن بخاتم النبيين وسيد المرسلين عليه وعليهم أفضل الصلوات والتسليمات أجمعين ويكون طالبا للحق فلا محالة يهتدى الى محبة أهل بيته عليهم السلام والاقرار بفضلهم وطهارتهم


1 - نقله في الوافي في باب اصناف الناس (ج 1، ص 32) بهذه العبارة " كا - علي بن العبيدي عن يونس عن جميل عن أبي عبد الله (ع): قال: سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة اصناف، عالم ومتعلم وغثاء، فنحن العلماء، (الحديث) ". (*)

[ 171 ]

إذا لم يكن مريض النفس عنيد القلب وان لم يقر بعد بابمامة من ثبت له الامامة منهم لان الكتاب والسنة مشحونان بذلك ولم يختلف فيه ذو بصيرة ما من الاسلام، وكذلك أصول العبادات من الصلوة والزكوة والصيام والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فانها مما لا خلاف في أصلها وان اختلف في شرائطها وآدابها، وكذلك متابعة - النبي (ص) واهل بيته عليهم السلام في أخلاقهم وآدابهم وعاداتهم فإذا أخذ بذلك كله على التسليم والانقياد طلبا للحق ومرضاة الله هداه الله البتة الى الايمان وجعله من الفرقة الحقة الناجية ان شاء الله كما أشير إليه في الاصل السابق. ثم إذا اهتدى الى معرفة الائمة الاثني عشر عليهم السلام وعرف امام زمانه وخرج من الجاهلية فعليه ان يتبعهم ويقتفي أثرهم فإذا لم يكن له طريق الى حضرتهم عليهم السلام فيأخذ بأخبارهم وآثارهم فان الكلام قائم مقام المتكلم فيتبع الاقرب الى اليقين واتفاق أصحابهم فالاقرب والابعد من اختلافهم فالابعد، وهكذا، ولا يوسع دائرة الخلاف ما وجد إليه سبيلا بل يسكت عما سكت الله عنه. ومما يدل على هذه المذكورات من الايات قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله (1) وقوله عز وجل: ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله (2) وقوله تعالى: قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله (3) وقوله عز وجل (4): وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عه فانتهوا. وقوله تعالى (5): ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. وقوله عز اسمه (6): يا ايها الذين


1 - صدر آية 18 سورة الحشر. 2 - وسط آية 131 سورة النساء. 3 - صدر آية 31 سورة آل عمران. 4 - وسط آية 7 سورة الحشر. 5 - صدر آيتين، احداهما آية 30 سورة فصلت وذيلها: " تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون " وثانيتها آية 13 سورة الاحقاف وذيلها " فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون ". أقول: هاتان الايتان مما ينبغي للمسلمين ان يتفكروا فيهما حق التفكر ويعملوا بمدلولهما بتوفيق الله تعالى. 6 - صدر آية 105 سورة المائدة. (*)

[ 172 ]

آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وقوله جل ذكره (1): وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره. وقال عز من قائل (2): ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن. وقوله سبحانه (3): وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. وقوله جل شأنه: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين * انك لا تهدى من احببت ولكن الله يهدي من يشاء (4) الى غير ذلك من أمثال هذه الايات وهي كثيرة. وروى الصدوق في كتاب التوحيد باسناده علي بن عقبة عن أبيه (5) ورواه في الكافي (6) ايضا قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: اجعلوا أمركم لله ولا تجعلوه للناس فان ماكان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد الى الله، ولا تخاصموا الناس لدينكم فان المخاصمة ممرضة للقلب ان الله عز وجل قال لنبيه (ص): انك لا تهدي من أحببت ولكن الله


1 - صدر آية 68 سورة الانعام وذيلها: " واما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ". 2 - صدر آية 46 سورة العنكبوت. 3 - ذيل آية 63 سورة الفرقان. 4 - آية 55 وصدر آية 56 سورة القصص. 5 - هو الحديث الثالث عشر من باب التعريف والبيان والحجة والهداية من كتاب التوحيد (انظر ص 415 من طبعة مكتبة الصدوق). 6 - نقله الكليني (ره) في اصول الكافي في باب الهداية انها من الله (انظر مرآة العقول، ج 1 ص 126) وقال المصنف (ره) بعد نقله عن الكافي في الوافي في باب ان الهداية من الله (ج 1، ص 104 من الطبعة الثانية): " بيان - اجعلوا امركم لله اي أخلصوا دينكم وانقيادكم لمن امركم الله بانقياده لله تعالى ولا تجعلوه للناس أي لا تراؤا به فان الرياء شرك خفي مردود الى صاحبه. ممرضة للقلب اما بضم الميم اسم فاعل أو بكسرها اسم آلة. والوكر عش الطائر وان لم يكن فيه ". (*)

[ 173 ]

يهدي من يشاء (1) وقال: أفأنت تكره الناس حتى تكونوا مؤمنين (2) ذروا الناس فان الناس أخذوا عن الناس وانكم أخذتم عن رسول الله (ص) اني سمعت أبي يقول: ان الله عز وجل إذا كتب على عبد ان يدخل في هذا الامر كان أسرع إليه من الطير الى وكره. وباسنادهما عنه (ع) قال (3) ان لله تعالى إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور وفتح مسامع قلبه ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه ووكل به شيطانا يضله ثم تلا هذه الاية: فمن يرد الله ان يهديه يشرح


1 - صدر آية 56 سورة القصص. 2 - ذيل آية 99 سورة يونس. 3 - نقله الصدوق (ره) في التوحيد في باب التعريف والبيان والحجة والهداية (415 طبعة مكتبة الصدوق) والكليني (ره) في اصول الكافي في باب الهداية انها من الله (انظر مرآة العقول، ج 1 ص 125) وقال المصنف (ره) بعد نقله في الوافي في باب ان الهداية من الله (ج 1 ص 103 من الطبعة الثانية): " بيان - ان الله إذا اراد بعبد خيرا اي قدره في عالم التقدير من اهل السعادة الاخروية وجعل روحه من جنس ارواح الملائكة الاخيار نكت في قلبه نكتة من نور القى في قلبه نية صالحة أو خاطر خير يؤثر فيه من فعل فعل أو قول سمع والنكت ان يضرب في الارض بقضيب ونحوه فيؤثر فيها وفتح مسامع قلبه بتكرير الادراكات النورية الناشئة من تكثير الاعمال الصالحة وسماع الاقوال الفاتحة من جنس ما يتأثر منه قلبه أو لا فيقوى بها استعداده لان يصير بها ملكة نفسانية ويخرج بها نور قلبه من الضعف الى الكمال ومن القوة الى الفعل فيستعد ان يصير ذاتا جوهرية نورانية قائمة بذاتها فاعلة للخير والهداية واليها اشار بقوله ووكل به ملكا يسدده فهذا الملك خلقه الله من مادة تلك النية الصالحة والحالة النفسانية واشتدادها بتكرر النيات والادراكات التي تناسبها ويولد هذا الملك في عالم المعنى من تلك النية وما يتقوى به في رحم النفس كتولد الحيوان في عالم الصورة من ماء مهين يتغذى ويتقوى مدة بدم الحيض في رحم الام حتى يصير شخصا حيوانيا مستقلا بذاته وقس عليه معنى ارادة السوء والنكتة السوداء وسد المسامع وتوكيل الشيطان واضلاله اياه ". (*)

[ 174 ]

صدره للاسلام، ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كانما يصعد في السماء (1). وفي كتاب التوحيد باسناده عنه (ع): انه سئل عن المعرفة (2) أمكتسبة هي ؟ - فقال: لا، فقيل له: فمن صنع الله عز وجل وعطائه هي ؟ - قال: نعم، وليس للعباد فيها صنع ولهم اكتساب الاعمال. وباسناده عن محمد بن عيسى قال (3): قرأت في كتاب علي بن هلال انه سئل الرجل يعني أبا الحسن (ع) انهم نهوا عن الكلام في الدين فتأول مواليك المتكلمون بأنه انما نهى من لا يحسن ان يتكلم فيه فأما من يحسن ان يتكلم فلم ينه، فهل ذلك كما تأولوا اولا ؟ - فكتب (ع): المحسن وغير المحسن لا يتكلم فيه، فان اثمه اكبر من نفعه. وباسناده عن الصادق (ع): قال (4) كف الاذى والصمت يزيدان في الرزق. وباسناده عن علي بن يقطين رضى الله عنه قال (5) قال أبو الحسن (ع): مر اصحابك ان يكفوا من السنتهم ويدعوا الخصومة في الدين ويجتهدوا في عبادة الله عز وجل. وباسناده عن الصادق (ع) قال (6): لا يخاصم الا شاك أو من لا ورع له، وفي رواية اخرى (7) الا من ضاق بما في صدره. وعن ابيه (8) الخصومة تمحق الدين وتحبط العمل وتورث الشك. وروى (9) ان رجلا قال للحسين بن علي (ع): اجلس حتى نتناظر في الدين، فقال: يا هذا


1 - صدر آية 125 سورة الانعام. 2 - انظر اواخر باب التعريف والبيان (ص 414 طبعة مكتبة الصدوق). 3 - هو في باب النهى عن الكلام (ص 45 9 من طبعة مكتبة الصدوق). 4 - هو في باب النهي عن الكلام (ص 460 من طبعة مكتبة الصدوق) الا ان فيه في موضع " الصمت ": " وقلة الصخب ". 5 و 6 و 7 و 8 - كلها في باب النهي عن الكلام (ص 458 - 461 من طبعة مكتبة الصدوق). 9 - هذه الرواية مأخوذة من مصباح الشريعة (انظر باب المراء وهو الباب الثامن والاربعون من الكتاب، ص 269 شرح مصباح الشريعة من طبعة دانشگاه طهران) ونقله المجلسي (ره) في البحار في المجلد الاول في باب تجويز المجادلة في الدين والنهي عن المراء (ص 105 من طبعة امين الضرب) والمحدث النوري (ره) في مستدرك الوسائل في كتاب الحج في باب كراهة المراء والخصومة (انظر ج 2 ص 98). (*)

[ 175 ]

أنا بصير بديني مكشوف على هداي، فان كنت جاهلا بدينك فاذهب فاطلبه، مالي وللمماراة. وفي اعتقادات الصدوق (ره) قال امير المؤمنين (ع) (1): من طلب الدين للجدل تزندق. وقال الصادق (ع) (2): يهلك أصحاب الكلام وينجو المسلمون، ان المسلمين هم النجباء. وقال ابن طاوس (ره): وجدت في كتاب عبد الله بن حماد ما هذا لفظه (3): عن


1 و 2 هما في اوائل كتاب اعتقادات الصدوق في باب الاعتقاد في التناهي عن الجدل والمراء (انظر ص 73 من النسخة المنضمة بشرح الباب الحادي عشر في الطبع) وايضا الثاني هو الحديث الثاني والعشرون في باب النهي عن الكلام والجدال والمراء من كتاب التوحيد للصدوق (458 طبعة مكتبة الصدوق). 3 - ذكره ابن طاوس (ره) في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة ضمن تنبيه مفصل يشتمل على التحذير من الاهتمام بعلم الكلام والخوض فيه (انظر ص 26 - 28 من النسخة المطبوعة بطهران سنة 1306) ونقل المصنف أعني الفيض (ره) غالب ما ذكره ابن طاوس (ره) في هذا الموضوع بعين عبارته أو بتغيير يسير في تلخيص ذلك الكتاب وذلك انه لخص كشف المحجة وسمى خلاصته " تسهيل السبيل بالحجة في انتخاب كشف المحجة لثمرة المهجة " فلا بأس بنقل ما ذكره هناك هنا فأنه مفيد جدا وهو في الكتاب المذكور اعني تسهيل السبيل بالحجة وقد طبع منضما بنسخة تحف العقول ومنهاج النجاة هكذا (انظر ص 312 من النسخة المشار إليها وقد طبعت سنة 1303): " ووجدت في كتاب هذا عبد الله بن حماد الانصاري في النسخة المقروءة على هارون بن موسى التلعكبري رحمه الله ماهذا لفظه: عن جميل بن دراج قال: سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: متكلموا هذه العصابة من شرار من هم. ويحتمل ان يكون المراد بهذا الحديث يا ولدي المتكلمين الذين يطلبون بكلامهم وعلمهم ما لا يرضاه الله جل جلاله أو يكون ممن يشغلهم الاشتغال بعلم الكلام عما هو اوجب عليهم من فرائض الله جل جلاله، ولقد رأيت في عمري ممن ينسب الى علم الكلام وقد أعقبهم ذلك العلم شكوكا في مهمات من الاسلام. ومما يؤكد تصديق الروايات بالتحذير من علم الكلام وما فيه من الشبهات انني وجدت الشيخ العالم في علوم كثيرة القطب الراوندي واسمه سعيد بن هبة الله رحمه الله = (*)

[ 176 ]

جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: متكلموا هذه العصابة من شرار من هم (1) وفي الاحتجاج للطبرسي (ره) عن الحسن بن علي (ع) انه قال (2) في كلام له: فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلفوا فيه الى الله سلم ونجا به من النار ودخل الجنة، ومن وفقه الله ومن عليه واحتج عليه بان نور قلبه بمعرفة


= قد صنف كراسا وهي عندي الان في الخلاف الذي تجدد بين الشيخ المفيد والمرتضى رحمهما الله وكانا من اعظم اهل زمانها وخاصة شيخنا المفيد فذكر في الكراس نحو خمس وتسعين مسألة قد وقع الخلاف بينهما فيها في علم الاصول وقال في آخرها: لو استوفيت ما اختلفا فيه لطال الكتاب، وهذا يدلك على انه طريق بعيد في معرفة رب الارباب. اقول: (العبارة من هذا الموضع للفيض - قدس سره) ومما يزيد ذلك تأكيدا التعليقات التي كتبها الشيخ المفيد (ره) على اعتقادات الصدوق أبي جعفر بن بابويه طاب ثراه فانه خالفه فيها في كثير من العقائد الدينية وطعن فيه لاجلها وبالغ في ذلك ومما يدل على مذمة الكلام (الى آخر ما قال) ". أقول: من أراد تمام كلمات ابن طاوس (ره) في هذا الموضع فليراجع كشف المحجة ونقل العلامة المجلسي (ره) في المجلدة الاولى من البحار في باب ما جاء في تجويز المجادلة في الدين والنهي عن المراء (ص 106 من طبعة امين الضرب) هذا الحديث مع ما ذكره السيد بنص عبارته ولولا ان المقام لا يسع اكثر من ذلك نقلت تمام ما ذكره السيد هنا فمن اراده فليطلبه من هناك فانه نفيس جدا.

1 - في نسخة البحار: " من شرار من هم منهم ". 2 - هو مذكور في الاحتجاج في اواخر احتجاجاته نقلا عن سليم بن قيس (انظر ص 156 طبعة المطبعة المرتضوية في النجف سنة 1350) ونقله المصنف (ره) ايضا في خاتمة قرة العيون (انظر ص 249) من النسخة المنضمة بكتاب الحقائق في الطبع). ونقله العلامة المجلسي (ره) في المجلد العاشر من البحار في باب ما جرى بينه (اي بين الحسن المجتبى) وبين معاوية (انظر ص 124 من طبعة امين الضرب من المجلد المذكور). (*)

[ 177 ]

ولاة الامر من أئمتهم ومعدن العلم أين هو ؟ فهو عند الله سعيد ولله ولي. ثم قال بعد كلام: انما الناس ثلاثة، مؤمن يعرف حقنا، ويسلم لنا ويأتم بنا، فذلك ناج محب لله ولي، وناصب لنا العداوة يتبرأ منا، ويلعننا، ويستحل دمائنا، ويجحد حقنا ويدين الله بالبراءة منا، فهذا كافر مشرك (1) وانما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما سبوا الله عدوا بغير علم [ كذلك يشرك بالله بغير علم (2) ] ورجل أخذ بما لا يختلف فيه ورد علم ما أشكل عليه الى الله تعالى مع ولايتنا ولا يأتم بنا ولا يعادينا ولا يعرف حقنا، فنحن نرجوا ان يغفر الله له ويدخله الجنة فهذا مسلم ضعيف. وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام (3): اتق الله وكن حيث شئت ومن أي قوم شئت فانه لا خلاف لاحد في التقوى، والتقى محبوب عند كل فريق، وفيه جماع كل خير ورشد، وهو ميزان كل علم وحكمة، وأساس كل طاعة مقبولة، والتقوى ماء ينفجر من عين المعرفة بالله، يحتاج إليه كل فن من العلم وهو لا يحتاج الى تصحيح المعرفة بالخمود تحت هيبة الله وسلطانه، ومزيد - التقوى يكون من اصل اطلاع الله عز وجل على سر العبد بلطفه فهذا أصل كل حق. وأما الباطل فهو ما يقطعك عن الله متفق عليه ايضا عند كل فريق فاجتنب عنه وأفرد سرك لله تعالى بلا علاقة، قال رسول الله (ص): أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد حيث يقول:


1 - في هذا الكتاب وفي البحار هنا لفظة " فاسق " بعد كلمة " كافر " وذكرت اللفظة في الاحتجاج في هامش النسخة بعنوان البدل من كلمة " الكافر " وسياق الحديث يقتضي عدمها في الاصل. 2 - ما بين القلابين ليس في البحار. 3 - هذا الباب هو الباب السابع والستون وهو المعنون بأنه في بيان الحق والباطل (انظر شرح مصباح الشريعة ص 376 - 381 من طبعة دانشگاه تهران سنة 1344) ونقله العلامة المجلسي (ره) في المجلد الخامس عشر، في اواخر باب الطاعة والتقوى والورع، (انظر ص 97 من الجزء الثاني من المجلد الثاني من المجلد المذكور من طبعة امين الضرب). (*)

[ 178 ]

الا كل شئ ما سوى الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل فالزم ما اجمع عليه الصفاء والتقى من أصول الدين وحقائق اليقين والرضا والتسليم، ولا تدخل في اختلاف الخلق ومقالاتهم فيصعب عليك وقد اجتمعت الامة المختارة بان الله واحد ليس كمثله شئ وانه عدل في حكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يقال له من شئ في صنعته: لم ؟ - ولا كان ولا يكون شئ الا بمشيته وانه قادر على ما يشاء وصادق في وعده ووعيده، وان القرآن كلامه وانه مخلوق وانه كان قبل الكون والمكان والزمان، وان إحداث الكون وافنائه عنده سواء، ما أزداد باحداثه علما ولا ينقص بفنائه ملكه، عز سلطانه وجل سبحانه، فمن أورد عليك ما ينقض هذا الاصل فلا تقبله، وجود باطنك لذلك ترى بركاته عن قريب وتفوز مع الفائزين. وعنه عليه السلام قال (1): روى ان أبا ثعلبة الخشنى سأل رسول الله (ص) عن هذه الاية (2): يا ايها الذين آمنوا عليكم انفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال: وامر (3) بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا واعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع أمر العامة. وقد مضى عن أمير المؤمنين (ع) ان الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تنقضوها، وسكت عن اشياء ولم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها، رحمة من الله لكم فاقبلوها، ثم قال (ع): حلال بين، وحرام بين وشبهات بين ذلك، الحديث مع بيانه


1 - هو في مصباح الشريعة هكذا " الباب الرابع والستون في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر " الا ان ما اورده المصنف (ره) هنا قطعة من ذلك الباب (انظر ص 360 - 359 من شرح مصباح الشريعة طبعة انتشارات دانشگاه تهران سنة 1344) وذكره المصنف (ره) في المحجة البيضاء في احياء الاحياء، ج 4 ص 109 - 110، والمجلسي (ره) في البحار في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص 114 من المجلد الحادي والعشرين من طبعة امين الضرب، والمحدث النوري (ره) في مستدرك الوسائل في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (ج 2، ص 360). 2 - صدر آية 105 سورة المائدة. 3 - من آية 17 سورة لقمان. = (*)

[ 179 ]

الذي تقدم ذكره (1). فصل قال الشيخ العارف المكاشف سعد الدين الحموئي (2) في وصيته التي وصى بها المريدين (3): اعلموا إخواني - أيدكم الله - اني جربت الامور، واختبرت الظلمة والنور، فشرعت في سماع الحديث على مشايخ جمة من اهل خراسان والعراق وأهل فارس ورؤس (4) في ديار الشام كلها وحصلت منها جملة، فما رأيت في نفسي الا زيادة احتشاش بحطام الدنيا وزخرفها، فمنعني الله عن ذلك وشرعت في علم الفقه واللغة والنحو وحصلت منها مقدار حوصلة أهل الزمان، فما رأيت في نفسي الا الاشتراك مع العامي واللغوي فسلب الله


= فليعلم ان كلمة " الخشنى " حرفت في نسخ المصباح ونسخة كتابنا هذا " الاصول الاصيلة " وغيرهما ايضا الى كلمة " الاسدي " فالتصحيح قياسي والتفصيل محول الى شرح مصباح الشريعة فانا تكلمنا في ذلك هناك بحيث لا يبقى ارتياب في ان " الاسدي " تصحيف الصحيح: " الخشنى " فراجع ص 359 من ذلك الكتاب. 1 - راجع ص 80 من الكتاب الحاضر. 2 - قال صاحب روضات الجنات في باب الهمزة ما نصه (ص 49): " الامام الهمام وشيخ المسلمين والاسلام ابراهيم بن الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد ابي بكر بن الشيخ العارف جمال السنة ابي عبد الله محمد بن حموية بن محمد الجويني المعروف بالحموئي وابن حموية جميعا كان من عظماء العلماء العامة ومحدثيهم الحفاظ وكذا ابوه وجده بل وكثير من سلسلة نسبة الحموئين وفي القاموس ان حموية بفتح الحاء وتشديد الميم المضمومة كشبوية حد عبد الله بن احمد بن حموية راوي الصحيح وان بني حموية الجويني مشيخة سموا حماؤ بالضم انتهى وعليه فهذه النسبة منهم ليست الى بلدة الحمى من بلاد شام المحمية كما توهم بل هم جميعا حسبما قد عرفت من اهل جوين مصغرا وهي ناحية بين خراسان وقهستان (الى آخر الترجمة). 3 - مأخذ هذه الوصية فلم أظفر به. 4 - في الكلمات المكنونة طبعة بمبئي سنة 1296: " ودرت ". (*)

[ 180 ]

ذلك منى بفضله، فعزمت على تركه، والحاصل أني ما وجدت شيئا أقرب الى الله من محبة الرسول وآله صلوات الله عليهم والتسليم والرضا بموارد القضاء، والخمول وترك الفضول، وترك التدبيرات الناشئة من العقول، والحمد لله رب العالمين، والصلوة على - النبي صلى الله عليه وآله أجمعين. فصل قال العلامة المحقق حجة الفرقة الناجية نصير الملة والدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في رسالة كتبها لبعض اخوانه (1): اعلم أيدك الله ايها الاخ الصالح العزيز ان أقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما ترجمه قول لا اله الا الله محمد رسول الله، ثم إذا صدق الرسول فينبغي ان يصدقه


1 قال المصنف (ره) في كتابه الاخر الموسوم بعلم اليقين في اصول الدين بعد ان قال (ويكفي للعامي ان يحصل العقائد الحقة اجمالا ولو بتقليد عالم بحسن اعتقاده فيه ولا يجب عليه معرفة التفاصيل ولا النظر فيها من جهة البرهان والدليل زيادة على ما ورد في الشرع " وبعد ان خاض في ذلك ببيانات طويلة ما نصه (ص 170): " فصل - ومما يؤيد ما ذكرناه من انه يكفي للعامي الاعتقاد المجمل والتقليد للشرائع ما حققه أفضل المحققين وحجة الفرقة الناجية نصير الملة والدين محمد بن الحسن الطوسي طاب ثراه في رسالة كتبها لبعض اخوانه حيث قال: اعلم ايدك الله (وذكر الرسالة الى آخرها) ". وقال في منهاج النجاة (ص 297 من النسخة المنضمة بتحف العقول في الطبع وص 34 من النسخة المطبوعة بخمس رسائل اخر منه): " هداية - واما العقائد فأقل ما يجب اعتقاده على المكلف هو ما ترجمة قول لا اله الا الله محمد رسول الله، ثم إذا صدق الرسول فعليه ان يصدقه في صفات الله من العلم والقدرة والارادة والكلام وغيرها واليوم الاخر من الجنة والنار والصراط والميزان والحساب وغير ذلك وتعيين الامام المعصوم بنصه عليه كل ذلك بما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد برهان ولا يجب عليه ان يبحث عن حقيقة الصفات وان الكلام والعلم وغيرهما حادث أو قديم بل لو لم = (*)

[ 181 ]

في صفات الله واليوم الاخر وتعيين الامام المعصوم فكل ذلك مما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد وبرهان، اما في الاخرة فبالايمان بالجنة والنار والحساب والشفاعة وغيرها، واما في صفات الله فبأنه حي قادر عالم مريد كاره متكلم ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، ولا يجب عليه ان يبحث عن هذه الصفات وان الكلام والعلم وغيرهما حادث أو قديم، بل لو لم يخطر بباله حقيقة هذه المسألة حتى مات مات مؤمنا، ولا يجب عليه تعلم الادلة التي حررها المتكلمون بل مهما خطر في قلبه تصديق الحق بمجرد الايمان من غير دليل وبرهان فهو مؤمن، ولم يكلف رسول الله صلى الله عليه وآله العرب بأكثر من ذلك، وعلى هذا الاعتقاد المجمل استمرار العرب وأكثر عوام الخلق الا من وقع في بلدة يقرع سمعه فيها هذه المسائل كقدم الكلام وحدوثه، ومعنى الاستقرار والنزول، وغيره، فان لم يأخذ ذلك بقلبه وبقي مشغولا بعبادته وعمله فلا حرج عليه، وان أخذ ذلك بقلبه فانما الواجب عليه ما اعتقده السلف، يعتقد في القرآن انه كلام الله مخلوق، ويعتقد ان الاسراء حق، والايمان به واجب، والسؤال عنه مع الاستغناء عنه بدعة، والكيفية فيه


= يخطر امثال هذا بباله ومات مات مؤمنا ولم يكلف رسول الله صلى الله عليه وآله العرب بأكثر من ذلك. كذا قاله العلامة الطوسي (ره) في رسالة له، وتبعه الفاضل الاردبيلي في ذلك في شرحه للارشاد واقول: ان افهام الناس وعقولهم (الى آخر كلامه الطويل الذيل) ". اقول: وصرح بنظير ذلك في خاتمة كتابه قرة العيون فانشئت فراجع (ص 249). وصرح به ايضا في كتاب المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء فانه قال في كتاب قواعد العقائد في الباب السابع ج 1 من طبعة مكتبة الصدوق (ص 257 - 259): " فصل - اقول: وممن ذهب من علمائنا رحمهم الله الى ما ذكره أبو حامد الغزالي من اكتفاء العوام بمجملات العقائد وتقليدهم للشرائع افضل المحققين حجة الفرقة الناجية نصير الملة والدين محمد بن الحسن الطوسي - طاب ثراه - فانه قال في بعض رسائله " أعلم ايدك الله - ايها الاخ العزيز ان اقل ما يجب اعتقاده على المكلف (فساق الكلام الى آخره وهو قوله: واستيفاء ذلك شرحناه في كتاب قواعد العقائد فاطلبه منه) انتهى كلامه - طاب ثراه ". (*)

[ 182 ]

مجهولة، ويؤمن بجميع ما جاء به الشرع ايمانا مجملا من غير بحث عن الحقيقة والكيفية، وان لم يعتقد ذلك وغلب على قلبه الاشكال والشك، فان أمكن ازالة الشك والاشكال بكلام قريب من الافهام ازيل، وان لم يكن قويا عند المتكلمين ولا مرضيا فذلك كاف ولا حاجة الى تحقيق الدليل فان الدليل لا يتم الا بذكر الشبهة والجواب، ومهما ذكرت الشبهة لا يؤمن ان تتشبث بالخاطر والقلب فيضل فهمه عن ذكر جواب الشبهة فيظنها حقه لقصوره عن ادراك جوابها، إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب عنها دقيقا لا يحمله عقله، ولهذا زجر السلف عن البحث والتفتيش عن الكلام فيه، وانما زجروا عنه ضعفاء العوام، واما أئمة - الدين فلهم الخوض في غمرة الاشكالات، ومنع العوام عن الكلام يجري منع الصبيان عن شاطئ الدجلة خوفا من الغرق، ورخصة الاقوياء فيه يضاهي رخصة الماهر في صنعة السباحة الا ان ههنا موضع غرور ومزلة قدم، وهو ان كل ضعيف في عقله يظن أنه يقدر على ادراك الحقائق كلها وانه من جملة الاقوياء فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات من حيث لا يشعرون، والصواب منع الخلق كلهم الا النادر الذي لا تسمح الاعصار الا بواحد منهم أو اثنين من تجاوز سلوك مسلك السلف في الايمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزل الله تعالى وأخبر به رسوله (ص)، فمن اشتغل في الخوض فيه فقد أوقع نفسه في شغل شاغل إذ قال رسول الله (ص) حيث رأى أصحابه يخوضون بعد ان غضب حتى احمرت وجنتاه: أبهذا أمرتم ؟ ! تضربون كتاب الله بعضه ببعض، انظروا الى ما أمركم الله به فافعلوا، وما نهاكم عنه فانتهوا، فهذا تنبيه على نهج الحق، واستيفاء ذلك شرحناه في كتاب قواعد العقائد فاطلبه منه. انتهى كلامه اعلى الله مقامه. فصل قد ذكر أبو حامد الغزالي في مبدء نشوء علمي الكلام والاحكام وسبب تدوينهما واختلاف الاراء فيهما بالاستنباطات الجدلية كلاما ملخصه (1): انه لما انتهت الخلافة الى أقوام تولوا بغير استحقاق واستيهال بعلم الفتاوى


1 - قال المصنف (ره) في المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء في كتاب العلم ما نصه = (*)

[ 183 ]

والاحكام اضطروا الى الاستعانة بالفقهاء والى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في جميع مجاري أحكامهم، وكان العلماء قد تفرغوا لعلم الاخرة وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق به أحكام الخلق، فأقبلوا على الله بكنه اجتهادهم فكانوا إذا طلبوهم هربوا وأعرضوا، واضطر الخلفاء الى الالحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الاعصار عز العلماء واقبال عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا الى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى فعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح، ومن أنجح لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء بعد ان كانوا مطلوبين طالبين، وبعد ان كانوا أعزة بالاعراض عن السلاطين أذلة بالاقبال


= (انظر ص 98 من المجلد الاول من طبعة مكتبة الصدوق): " الباب الرابع - في بيان سبب اقبال الخلق على المناظرة وذكر شروطها وآدابها وآفاتها وقد تصرفت في عنوان هذا الباب وفي تقرير كلام أبي حامد تصرفا ما، بيان سبب اقبال الخلق على المناظرة - اعلم انه لما افضت الخلافة بعدهم الى اقوام (فذكر الكلام الى آخره اعني قوله: سوى التقرب الى رب العالمين) وقال استاذه الحكيم المحقق المولى صدر الشيرازي (ره) في شرح اصول الكافي في شرح الحديث الثامن من احاديث باب الاخذ بالسنة وشواهد - الكتاب وهو الحديث السادس والمائتان من كتاب اصول الكافي ضمن ما قال ما نصه (ص 422 من النسخة المطبوعة): " واعلم انه ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء في مبدء نشوء الفتاوى والاحكام وسبب تدوينه وتدوين علم الكلام ان الخلافة بعد رسول الله (ص) تولاها الخلفاء (فساق الكلام الى آخره وهو قوله رب العالمين) ". فعلم من تعبير المصنف (ره) في الكتاب الحاضر بقوله " ما ملخصه " ومن قوله في المحجة البيضاء " وقد تصرفت في تقرير كلام ابي حامد تصرفا ما " ان ما نقله قد تصرف فيه ولخصه فان شئت ان تلاحظ اصل كلام الغزالي فراجع كتاب العلم من احياء القلوب (ص 31 من المجلدة الاولى من طبعة المطبعة الميمنية بمصر في سنة 1312 من الهجرة النبوية). (*)

[ 184 ]

عليهم الا من وفقه الله في كل عصر من علماء دينه، ثم ظهر بعدهم من الصدور والامراء من سمع مقالات الناس وقواعد العقائد ومالت نفسه الى سماع الحجج فيها، فعلمت رغبته الى المناظرة والمجادلة في الكلام فانكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيها التصانيف، ورتبوا فيها طرق المجادلات، واستخرجوا فنون المناقضات والمقالات، وزعموا ان غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع البدعة، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب (1) الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما تولد من فتح بابه التبغضات والخصومات الناشئة من اللداد المفضية الى تخريب البلاد ومالت نفسه الى المناظرة في الفقه وبيان الاولى من مذهب المجتهدين، فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على المسائل الخلافية وزعموا ان غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذاهب وتمهيد أصول - الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات، وهم مستمرون عليه الى الان وليس ندري ما الذي قدر الله فيما بعدنا من الاعصار، فهذا هو الباعث على الاكباب على هذا العلم والمناظرة، ولو مالت نفوس أرباب الدنيا الى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا إليها ولم يسكتوا عن التعلل والاعتذار بان ما اشتغلوا به علم الدين، وان لا مطلب لهم سوى التقرب الى رب العالمين. فصل قال صاحب كتاب اخوان الصفاء وهو من حكماء الشيعة في رسالة بيان اللغات من كتابه: اختلفت المذاهب والاراء والديانات والاعتقادات فيما بين اهل دين واحد ورسول واحد لافتراقهم في موضوعاتهم واختلاف لغاتهم وأهوية بلادهم وتباين مواليدهم وآراء (2) * (هامش) 1 - في شرح الكافي للملا صدرا: " لم يستغرب ". 2 - في اخوان الصفاء " وتصور ". (*)

[ 185 ]

رؤسائهم وعلمائهم الذين يحزبونهم ويخالفون بينهم طلبا لرياسة الدنيا (1)، وقد قيل في المثل: خالف تذكر، لانه لو لم يطرح رؤساء علمائهم الاختلاف بينهم لم يكن لهم رياسة وكانوا يكونون شرعا واحدا الا ان أكثرهم متفقون في الاصول مختلفون في الفروع، مثال ذلك: انهم مقرون بالتوحيد وصفات الله سبحانه مما يليق به، مقرون بالنبي (ص) المبعوث إليهم، متمسكون بالكتاب المرسل إليهم، مقرون بإيجاب الشريعة، مختلفون في الروايات عنه والمعاني التي وسائطها رجال أخذوها منه، فرواها كل من أخذ بلسانه لان النبي (ص) كان معجزته وفضيلته (2) انه كان يخاطب كل قوم بما يفهمون عنه بحسب ما هم عليه من حيث هم وبحسب ما يتصورونه في نفوسهم وتدركه عقولهم، فذلك اختلفت الروايات وكثرت مذاهب الديانات واختلفوا في خليفة الرسول (ص) وكان ذلك من أكبر أسباب الخلاف في الامة الى حيث انتهينا.


1 - اخذه المصنف (ره) من الفوائد المدنية فان الامين الاسترابادي قدس سره قال في اواخر كتابه المذكور اسمه " فائدتين ثانيتهما راجعة الى البحث عن مؤلفي كتاب اخوان الصفاء فبعد ان تكلم في ذلك واشار الى من سبقه الى ذلك قال ما نص عبارته (انظر ص 279 - 282): " ونحن ننقل طرفا من كتابه من باب " خذ ما صفا ودع ما كدر " والحق ان له تنقيحات كثيرة في كل الفنون الرياضية واشباه ذلك وذكر في رسالة بيان اللغات من كتاب اخوان الصفاء طريقة قدمائنا بوجه اجمالي لطيف واختارها كما اخترنا حيث قال: اختلفت المذاهب والاراء (فذكر العبارة كما في المتن الى قوله: استعينوا على كل صناعة باهلها) ثم ذكر ايضا قطعة صغيرة من الرسالة الخامسة من الرياضيات ولسنا بصدد الاشارة إليها فمن ارادها فليراجع الفوائد المدنية (ص 282). ثم ليعلم ان العبارة في الرسالة السابعة عشر من رسائل اخوان الصفاء (انظر ص 160 - 163 من الجزء الثالث من النسخة المطبوعة بتصحيح خير الدين الزركلي بمصر سنة 1347 بالمطبعة العربية). وليعلم ايضا ان بين عبارات اخوان الصفاء وبين ما نقله المصنف (ره) اخذا من صاحب الفوائد المدنية اختلافات في العبارة لكن لا تضر بالمعنى فلم نشر إليها الا قليلا لانه امر قليل الجدوى. 3 - في اخوان الصفاء: " وفضله ". (*)

[ 186 ]

وأيضا فان اصحاب الجدل والمناظرات ومن يطلب المنافسة في الرياسة اخترعوا من انفهسم في الديانات والشرائع أشياء كثيرة لم يأت بها الرسول (ص) ولا أمر بها، وابتدعوها وقالوا لعوام الناس: هذه سنة الرسول (ص) وسيرته وحسنوا ذلك لانفسهم حتى ظنوا بهم ان الذي (1) قد ابتدعوه حقيقة قد أمر به الرسول (ص) وأحدثوا في الاحكام والقضايا اشياء كثيرة بآرائهم وعقولهم (2) وضلوا (3) بذلك عن كتاب ربهم وسنة نبيهم واستكبروا عن أهل الذكر الذين بينهم وقد أمروا ان يسألوهم عما أشكل عليهم، فظنوا لسخافة عقولهم ان الله سبحانه قد ترك أمر الشريعة وفرائض الديانة ناقصة حتى يحتاجوا الى ان يتموها بآرائهم الفاسدة وقياساتهم الكاذبة واجتهادهم الباطل وما يخرصوه وما يخترعوه من انفسهم، وكيف يكون ذلك ؟ ! وهو يقول سبحانه: ما فرطنا في الكتاب من شئ وقال سبحانه: تبيانا لكل شئ، وانما فعلوا ذلك طلبا للرياسة كما قلنا آنفا وأوقعوا الخلاف والمنازعة بين الامة فهم يهدمون الشريعة ويوهمون من لا يعلم انهم ينصرونها، وبهذا الاسباب تفرقت الامة وتحزبت ووقعت بينها العداوة والبغضاء، وتأدت الى الفتن والحروب واستحل بعضهم دماء بعض، فان امتنع بعض من يعرف الحق من العلماء وخاطب رؤساءهم في ذلك وخوفهم بالله وأرهبهم من عذابه عدلوا الى العوام وقالوا لهم: هذا فلان ويغرون به العوام وينسبون إليه من القول ما لم تأت به شريعة ولا قاله عاقل، ولا يتمكن ذلك العالم ان يبين للعوام كيف جرى الامر في الشريعة وينبههم على فساد ما هم عليه ويوقظهم عما هم فيه لمكان ما قد علمه من عصيانهم ولا لفهم بما قد نشأوا عليه خلفا عن سلف، وإذا رأى رؤساؤهم ذلك وان قلوب العلماء مشمئزة من العوام جعلوا ذلك شرفا (4) لهم عندهم وأوهموهم ان ذلك انقطاع منهم عن القيام بالحجة وان سكوتهم وتخفيهم انما هو لبطلان ما معهم وان الحق هو ما أجمعنا عليه نحن الان فلا يزال ذلك دأبهم والرؤساء الجهال فيهم يتزايدون في كل يوم واختلافاتهم تزيد واحتجاجاتهم ومناظراتهم تكثر


1 - في اخوان الصفاء: " ان ما ". 2 - في اخوان الصفاء: " وقياسهم ". 3 - في اخوان الصفاء " وعدلوا ". 4 - في اخوان الصفاء: " سوقا ". (*)

[ 187 ]

وجدالهم ينتشر حتى هجروا احكام الشريعة وغيروا كتاب الله بتفسيراتهم له بخلاف ما هو به كما قال سبحانه: يحرفون الكلم عن مواضعه، وفي اصل أمرهم قد حزبوا الامة وحولوا الشريعة من حيث لا يشعرون وأولوا اخبار الرسول (ص) بتأويلات اخترعوها من تلقاء أنفسهم، ما أنزل الله بها من سلطان، وقلبوا المعاني وحملوها على ما يريدون مما يقوي رياستهم ويقبح اهل العلم عند العوام ذلك دأبهم يتوارثه ابن عن أب وخلف عن سلف وكابر عن كابر الى ان يشاء الله اهلاكهم ويقضى بانقراضهم وفنائهم، ولم يزل هؤلاء الذين هم رؤساء العوام اعداء الحق في كل امة وقرن، فكم من نبي قتلوه، ووصي جحدوه، وعالم شردوه، فهم بأفعالهم هذه كانوا السبب في نسخ الشرائع وتجديدها في سالف الدهور الى ان يتم ما وعد الله تعالى بقوله: ان يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (1) وما ذلك على الله بعزيز (2) والعاقبة للمتقين (3) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض لله يرثها عبادي الصالحون (4) ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين (5) فهذه العلة هي السبب في اختلاف الاراء والمذاهب، وإذا كان ذلك كذلك فيجب على طالب الحق والراغب في الجنة (6) ان يطلب ما يقربه الى ربه ويخلصه من بحر الاختلاف والخروج عن سجون اهله (7) وان غفلت النفس عن مصالحها ومقاصدها، وترك طريق الجنة والحق واهله والدين الذي لا اختلاف


1 - صدر آية 19 سورة ابراهيم. 2 - آية 20 سورة ابراهيم. 3 - ذيل آية 128 سورة الاعراف وصدرها: قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده ". 4 و 5 - آيتا 105 و 106 سورة الانبياء. 6 - في اخوان الصفاء " النجاة ". 7 - في اخوان الصفاء قطعة هنا حذفها الامين (ره) وهي: " والخروج من سجون اهل - الخلاف وما الذي ينبغي له ان يعمل حتى يتخلص من هذه الورطة وينتبه من هذه الرقدة ويستيقظ من هذه الغفلة وينظر في ايام حياته قبل دنو وفاته فان الامد مدة ممدودة وللاعمال ايام معدودة وآجال محدودة وانما خلق الانسان في الدنيا ليكون متوجها الى ربه تعالى مستعدا لمقابلته بعمله لانه ينفذ من غير ان يستأذن فان كان معه زاد وجده كما قال تعالى: " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله " فانه الزاد وان لم يكن معه زاد كان ممن يقول = (*)

[ 188 ]

فيه، وانضم الى اهل الخلاف والى رؤساء الاصنام المنصوبة (1) كان ذلك سبب بوارها وهلاكها وبعدها عن جوار الله سبحانه وقرنت بعفريت قال الله سبحانه (2): ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فهكذا يكون حاله مع عالمه الذي اقتدى به وغره بربه وجماعة العوام حوله وينمق كلامه فيعبدونه من حيث لا يشعرون لانه إذا حلل بقوله وحرم بقوله ورأيه فقد عبدوه قال الله تعالى: انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون (1) فعليك أيها الاخ البار الرحيم


= " يا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل " والله تعالى يقول " قد خسروا انفسهم " ووبخ قوما فقال لهم " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة " اي صفرا من الزاد، وقال: " افحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون " وقال تعالى: " ووفيت كل نفس ما عملت وهو اعلم بما يفعلون " وآيات كثيرة في القرآن تدل على ان الديانات والشرائع ووظائف العبادات انما جعلها الله طرقات ومسالك يسلكها العبد الى رحمة خالقه ويمشي القاصد بها طالبا لجنته والقرار بجواره وان غفل عن مصالحه ". 1 - في اخوان الصفاء هكذا: " وانضم الى اهل الخلاف والشقاق والى طالبي الرياسة من العوام واستحسن نسق الكلام وزخرف القول ممن يريد العلو والرياسة في دين الله تعالى تشبها برسوله الذي ارسله ونبيه الذي بعثه وهو يوهم الناس انه ركن من اركان الدين والشريعة وانه برأيه وقياسه واجتهاده قد اقام معوجها وابان معجمها، نعوذ بالله من الميل والانضمام الى هؤلاء كان ذلك سبب بواره وهلاكه وبعده عن جوار الله وقربه وقرن بالشياطين اعداء الله كما قال تعالى: ومن يعش (الى آخره) ". فعلم من مقابلة هاتين الفقرتين مع ما في المتن ان الامين (ره) لخص عبارة كتاب اخوان الصفاء وغير الفاظه فمن اراد المقابلة بين الاصل المأخوذ منه وبين المأخوذ فليفعل 2 - ثلاث آيات متواليات من سورة الزخرف (36 و 37 و 38). 3 - آية 98 سورة الانبياء. (*)

[ 189 ]

ايدك الله بأهل العلم الذين هم اهل الذكر من أهل بيت النبوة المنصوبين لنجاة الخلق، وقد قيل: استعينوا على كل صناعة بأهلها. (انتهى كلامه بألفاظه وهو كلام متين). ولنختم كتابنا ببعض النصائح المذكورة في اوائل كتاب المعتبر للمحقق نجم الدين الحلي طاب ثراه، قال (1): ان في الناس المستعبد نفسه لشهوته، المستغرق وقته في أهويته، مع ايثاره الاشتهار بآثار الابرار واختياره الاتسام بسمة الاخيار، اما لان ذلك في جبلته أو لانه وسيلة الى حطام عاجلته، فيثمر هذان الخلقان نفاقا غريزيا وحرصا على الرياسة الدينية طبيعيا، فإذا ظهرت لغيره فضيلة عليه خشى غلبة المزاحم ومنافسة المقاوم ثم يمنعه نفاقه عن المكافحة فيرسل القدح في زي المناصحة، ويقول: لو قال كذا لكان اقوم، أو لم يقل كذا لكان اسلم، موهما انه أوضح كلاما وأرجح مقاما، فإذا ظفرت بمثله فليشغلك الاستعاذة بالله من بليته عن الاشتغال باجابته فانه شر الرجال واضر على الامة من الدجال، فكأني بكثير ممن ينتحل هذا الفن يقف على شئ من مقاصد هذا الكتاب فيستشكله فيجيل فكره فيه فلا يحصله فينزله بذهنه الجامد على التأويل الفاسد ويدعو الناس الى متابعته لظنه الاصابة


1 - سلك المصنف (ره) في هذا المورد ايضا مسلكا سلكه الامين الاسترابادي قدس الله سره فانه قال في الفوائد المدنية في الفصل التاسع ضمن كلام له تحت عنوان " الفائدة الخامسة " ما نصه (انظر ص 193 من النسخة المطبوعة): " واما النصحية اللطيفة فأقول: كأني انظر الى جماعة من الجهلة المنتسبين الى العلم من عربي وعجمي ينكرون ما استفدناه من اصحاب العصمة صلوات الله وسلامه عليهم اما من اعوجاج الذهن وجمود البلادة أو من الحسد والشقاوة فلنتبرك ببعض النصائح المذكورة في اوائل كتاب المعتبر حيث قال: ان في الناس، (فذكر الكلام الى آخره). (*)

[ 190 ]

فهو كما قيل: ساء سمعا فأساء جابة (1) فعليك بإمعان النظر فيما يقال مستفرغا وسعك في رد الاحتمال، فإذا تعين لك الوجه فهناك فقل، والا فاعتصم بالتوقف فانه ساحل الهلكة، وانك مخبر في حال فتواك عن ربك وناطق بلسان شرعه، ان بنيت على الوهم فاجعل فهمك تلقاء قوله تعالى (2) وان تقولوا على الله ما لا تعلمون، وانظر الى قوله (3) قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آ لله أذن لكم ام على الله تفترون، وتفطن كيف قسم مستند الحكم الى القسمين، فما لم يتحقق الاذن فانه مفتر، هذا كلامه اعلى الله مقامه. والحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على الانبياء والمرسلين، والاوصياء المعصومين وعلى من اتبع الهدى. تمت الاصول الاصيلة الكاملة، واتفق لضعف تاريخ تصنيفه هذا الكلام. والحمد لله اولا وآخرا. وفرغ من كتابته كربلائي محمد علي في كربلاء المعلى سنة 1265.


1 - مثل معروف من امثال العرب، قال الميداني في مجمع الامثال: " ساء سمعا فأساء جابة ويروى ساء سمعا فأساء اجابة، وساء في هذا الموضع تعمل عمل بئس نحو قوله تعالى: ساء مثلا القوم، ونصب سمعا على التمييز، واساء سمعا نصب على المفعول به يقول: أسأت القول وأسأت العمل فأساء جابة هي بمعنى اجابة يقال: اجاب اجابة وجوابا وجيبة، ومثل الجابة في موضع الاجابة الطاعة والطاقة والغارة والعارة (فخاض في شرح المثل، فمن اراده فليطلبه من هناك). 2 - ذيل آية 169 سورة البقرة وصدرها: " انما يأمركم بالسوء والفحشاء ". وايضا ذيل آية 32 سورة الاعراف وصدرها: " قل انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ". اقول: يستشم من الايتين ان القول على الله بما لا يعلم اكبر من سائر المعاصي المذكورة قبله ولا سيما الاية الاولى لان ابليس انما يغويه مترقيا من الادنى الى الاعلى. 3 - آية 59 سورة يونس. (*)

[ 191 ]

تعليقات الكتاب 1 - قد مر في ص 5: " وروى الكشي عن الملقب بتوزا " وقلنا في ذيل الصفحة: " كذا ويأتي تحقيقه في التعليقات ". فنقول: وصلت الى بعد طبع هذا الكلام نسخة اخرى وفيها مكان " بتوزا ": " بحوراء " (بالراء المهملة والالف الممدودة) قال المامغاني (ره) في تنقيح المقال في ترجمة الفضل بن شاذان عند نقل الرواية عن الكشي ما نصه (انظر حرف الفاء، ص 9 من المجلد الثاني). " ومنها ما رواه عن محمد بن الحسن بن محمد الهروي عن حامد بن محمد الازدي البوشنجي عن الملقب بخوراء من اهل البورجان من نيسابور ان ابا محمد الفضل بن شاذان رحمه الله كان وجهه الى العراق حيث به أبو محمد الحسن بن علي (ع) فذكر انه دخل على أبي محمد (ع) فلما أراد ان يخرج سقط منه كتاب في حضنه ملفوف في رداء فتناوله أبو محمد (ع) ونظر فيه وكان الكتاب من تصنيف الفضل فترحم عليه وذكر انه كان يغبط أهل خراسان بمكان الفضل بن شاذان وكونه بين أظهرهم ". وقال (ره) أيضا في تنقيح المقال في باب الغير المنسوبة (ص 53 من اواخر المجلد الثالث): " خوراء (بالخاء المعجمة والالف الممدودة في الاخر) هو لقب محمد بن موسى أبي جعفر على ما نص عليه الشيخ والنجاشي وغيرهما ". فعلم أن في ضبط الكلمة تشويشا واضطرابا أفضى الى الاختلاف بين العلماء فمن أراد الخوض في تحقيقه فليراجع المفصلات والماخذ القديمة ومظان البحث عنه فان هذا المختصر لا يناسب اكثر من ذلك. 2 - قال المصنف (ره) في اواخر الفصل السابع ص 116:

[ 192 ]

" وقد روى عن الصادق عليه السلام انه قال: لا تحل الفتيا، الحديث ". وقلنا في ذيل الصفحة أنه اشارة الى مأخذ الحديث وهو كتاب مصباح الشريعة فنقول: يستشم من هذا التعبير انه كان يعتمد على مصباح الشريعة ويعده في عداد الكتب المعتبرة، وهذا الاستشمام لعدم تصريحه باسم المأخذ هنا كما صرح به في الاصل العاشر اعني اواخر الكتاب (ص 178 - 179) فهو ممن كان يعد مصباح الشريعة من كلمات مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام كما صرح به الميرزا القمي - قدس الله تربته - في أواخر جامع الشتات عند رده على الصوفية وبيان ان خطبة البيان وخطبة الطنجية ليستا من كلام امير المؤمنين عليه السلام ما نصه (انظر ص 786 من النسخة المطبوعة سنة 1311): " وهمچنين آخوند ملا محسن (ره) در كتاب صافى كه تفسير قرآن است وهمت آن مصروف اين است كه در هرجا حديثى باشد از احاديث ائمه كه مناسب تأويل آيات قرآني باشد ذكر مى كند بأدنى مناسبت حتى مكرر از كتاب مصباح الشريعة كه معتمد علماى ما نيست وآخوند ملا محمد باقر (ره) در بعضى جواب مسائل فرموده است كه راوي آن كتاب شقيق بلخى است كه از صوفيهء اهل سنت است ودر آن حكايات چند نقل شده كه معلوم است كه از معصومين عليهم السلام نيست هرچه مناسب تفسير آيات باشد نقل مى كند واز خطبة البيان ونظاير آن مطلقا اشارهء نيست با وجود آنكه اكثر عبارات آنها تأويل آيات قرآن است بلى در كتاب قرة العيون نسبت اين خطبه وخطبهء طنجيه را بآن جناب داده وظاهر اين است كه تكيهء أو بكتاب حافظ رجب وامثال أو باشد ". نگارنده گويد: چون نسخهء اسئله واجوبهء علامهء مجلسي (ره) كه خطى وبسيار قليل الوجود است ودر موقع چاپ شرح مصباح الشريعهء ملا عبد الرزاق گيلاني كه بوسيلهء اينجانب انجام گرفته ودر مقدمهء آن راجع برد وقبول وصحت وسقم نسبت مصباح الشريعة بحضرت صادق عليه السلام بحث مفصلى كه تا حدى جامع اقوال علماى شيعه است بقلم نگارنده بعمل آمده است نسخهء آن را در دسترس نداشت تا عبارت مجلسي (ره) را بعين عبارت سؤال وجواب در آنجا درج كند ليكن از حسن اتفاق مدتي بعد از آن بنسخهء

[ 193 ]

سؤال وجواب مذكور دسترسى پيدا كرده وعين عبارت را در خاتمهء فهرست موضوعي " شرح غرر ودرر آمدى " نقل كرده ام وچون آن نسخهء چاپى نيز كمتر در دسترس فضلاء قرار مى گيرد لازم دانستم كه عين آنچه را در آنجا كرده ام در اينجا ذكر نمايم وآن اينست ص 436 - 437): " محمد بن احمد حسيني لاريجاني كه از تلامذه وشاگردان علامهء مجلسي - طاب ثراه - است در كتاب نظم اللئالى كه مجموعهء فتاواى علامهء مجلسي است كه در جواب استفتاءات نوشته است نظير جامع الشتات ميرزاى قمى، ولاريجانى نا مبرده آنرا جمع وتدوين كرده وبنام " نظم اللئالى " موسوم ساخته است ضمن مسائل مربوط بتوحيد سؤال وجواب مورد نظر را چنين نقل كرده است: " سؤال - معروض مى داردكه: چه معنى دارد اين فقره كه در كتاب مصباح الشريعة از حضرت امام جعفر صادق عليه السلام روايت شده است كه: العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد من العبودية وجد في الربوبية وما خفى من الربوبية أصيب في العبودية ؟ جواب - بسم الله الرحمن الرحيم - اين فقره از مصباح الشريعة مأخوذ است ومصباح الشريعة بروايت شقيق بلخى كه از جملههء صوفيهء عامه است رسيده است ومشتمل بر نقلى چند هست كه معلوم است كه أز معصومين عليهم السلام نيست وبر تقدير ورود شايد مراد آن باشد كه عبوديت وربوبيت مقابل يكديگرند وحقيقت هريك بديگرى معلوم مى شود كما قيل: انما تعرف الاشياء بأضدادها، وحديث شريف: من عرف نفسه فقد عرف ربه، را بعضى چنين تفسير كرده اند وحاصلش آنست كه: هر كس خود را بفقر و احتياج شناخت ومراتب افتقار خود را چنانچه بايد دانست پروردگار خود را باستغنا مى شناسد ومى داندكه از مشابهت منزه است، وهر كه خود را بدناءت وپستى شناخت پروردگار خود را بعلو ورفعت شناخت، وهر كه نفس خود را بجهل وناداني شناخت پرورگار خود را بعلم كامل شناخته، وهكذا في جميع الصفات، پس حاصل كلام آن مى شود والله أعلم كه: عبوديت جوهريست كه كنه حقيقت آن از فهميدن معنى ربوبيت معلوم مى شود پس آنچه در عبوديت يافت نمى شود از صفات تقدس وكمال مانند وجوب وجود وتجرد

[ 194 ]

واستغناء مطلق وعلم ذاتي وساير كمالاتي كه ممكنات از آنها عارى اند يافت مى شود در ربوبيت يعنى بايد دانست كه در جناب رب الارباب حاصل است وآنچه مخفى است از خلق از جملهء صفات ربوبيت يافت مى شود در عبوديت يعني پى بآنها مى توان برد از صفات عبوديت بآنكه جناب حق را از آنها منزه دانى چنانچه در احاديث وارد شده كه حق تعالى را بيرون كن از دو حد، از حد تعطيل كه هيچ صفت براى أو اثبات نكنى، واز حد تشبيه كه صفات مخلوقين را براى أو اثبات كنى چنانكه مى گوئى: خدا عالم است، اصل علم را براى أو اثبات كن ودر علم خود نظر كن هرچه متضمن نقص است از أو سلب كن چنانچه علم ما مسبوق بجهل است، واز غير است، ودر معرض زوال است، وناقص است، واينها همه صفات نقص است از خدا سلب كن پس بگو: داناست نه مانند دانايان ديگر، وهمچنين ساير صفات، پس معلوم شد كه از تفكر در صفات عبوديت پى بصفات ربوبيت مى توان برد مؤيد اين معنى است بعد از اين فرموده اند: قال الله تعالى: سنريهم آياتنا في الاقاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد، فتدبر. واين فقره را معاني ديگر هست كه ذكر آنها مورث تطويل واز أكثر عقول دور است لذا بهمين وجه اكتفا كرديم والله تعالى يعلم حقائق الامور ". (از سه نسخهء خطى كه يكى مورخ بزمان تأليف كتاب ومتعلق بنگارنده است نقل شد).

[ 195 ]

فهرس كتاب الاصول الاصيلة الذي تشتمل على عشرة اصول تتبعها وصول وفصول خطبة الكاتب ومقدمته ديباجته ص 2 - 1. الاصل الاول - في ان الله تعالى انزل جميع ما يحتاج إليه عباده من أحكام الشرائع من الاصول والفروع في كتابه وبينه نبيه (ص) لامته في سنته فلم يبق شئ من الاعتقاديات والعمليات الا ورد في كتاب أو سنة، ص 4 - 3. وفي هذا الاصل وصل وثلاثة فصول: الوصل - في نقل احتجاج الفضل بن شاذان النيسابوري - رضوان الله عليه - على المخالفين القائلين بالرأي والقياس وابطال زعمهم ان الله تعالى لم ينزل جميع الاحكام في كتابه ولم يبينها النبي (ص) في سنته بل رخص الاصحاب في استنباط أكثر الاحكام برأيهم. ص 14 - 5. بيان المصنف (ره) في تشييد مبنى كلام الفضل بن شاذان بنقل كلام عن ابي الحديد ص 15 - 14. الفصل الاول - في تحقيق المراد من قول الله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شئ، وتزييف المعنى الذي ذكره الواقدي. ص 15. الفصل الثاني - (سقطت كلمة " فصل " عن نسختنا المطبوعة) في ذكر تحقيق في عن بعض الفضلاء يتضح به المعنى قوله تعالى: وفيه تبيان كل شئ ويبين منه ان فهم آيات القرآن وعجائب أسراره لا يتيسر الا للنبي (ص) والائمة عليهم السلام من بعده. ص 16. الفصل الثالث - في ذكر كلام بعض الفضلاء في نفي جواز التمسك بالبراءة الاصلية

[ 196 ]

وتحقيق ما هو الحق من جواز التمسك بها في العمليات المحضة دون العلميات. ص 20 - 17. الاصل الثاني - في انه لا يعلم الكتاب والسنة كله الا النبي (ص) والائمة (عليهم - السلام) واما الكاملون من العلماء فيعلمون من ذلك بقدر قربهم ومنزلتهم منهم على اختلاف مراتبهم في ذلك ص 30 - 20. ويتبعه وصل وفصل اما الوصل ففي بيان ان علوم الائمة ليست اجتهادية ولا سمعية أخذوها من جهة السماع بل هي لدنية أخذوها من الله تعالى ببركة النبي صلى الله عليه وآله ص 31 - 30. واما الفصل ففي بيان المراد من قوله (ص): من فسر القرآن برأيه فلتبوء مقعده من النار وتبيين المطلوب مما صح عن النبي (ص) والائمة (عليهم السلام) ان تفسير القرآن لا يجوز الا بالاثر الصحيح والنص الصريح وتحقيق ما هو الحق من جواز تفسير المحكمات للرعية بل بعض المتشابهات ايضا للكاملين العارفين منهم ودفع شبهات المانعين من التفسير بدون الاثر مطلقا وتصحيح كلام الطبرسي والفاضل الاردبيلي ودفع اعتراض الفاضل المتأخر عنهما ص 40 - 32. ويتبع الفصل نقل تحقيق عن بعض علماء العامة ص 44 - 40. الاصل الثالث - في ان من تمسك بكتاب الله واهل بيت نبيه فقد نجا ومن تخلف عنهما فقد هلك ص 48 - 44. وفيه فصل واحد - وهو في رد استدلال بعض الفضلاء بحديث الثقلين على انه لا سبيل الى فهم مراد الله تعالى الا من جهة الائمة عليهم السلام ولا يجوز القرآن الا بالاثر ص 49. الاصل الرابع - في ان أخبار الائمة (ع) المصبوطة في كتب ائمة الحديث قائمة مقامهم (عليهم السلام) في ذلك الزمان وهي الحجة علينا اليوم بعد كتاب الله تعالى والسنة الثابتة عن النبي (ص) ص 56 - 50. ويتبع الاصل وصل وثلاثة فصول. اما الوصل - ففي ذكر من أجمعت العصابة على تصديقهم وتصحيح ما يصح عنهم

[ 197 ]

والاقرار لهم بالفقه والعلم والفهم ص 58 - 56. واما الفصل الاول - ففي ذكر وجوه عديدة دالة على صحة الاخبار التى رواها الثقات وان ضعف الطريق في الوسط لا سيما الاخبار التي في الكتب الاربعة ص 61 - 58. واما الفصل الثاني - ففي نقل كلام لبعض الاصحاب في جواز العمل بأخبار الاحاد وتقل كلام المحقق في ذلك (وخلاصة تحقيقه ان ما قبله الاصحاب أو دلت القرائن على صحته عمل به، وما أعرض الاصحاب عنه أو شذ يجب اطراصه) ص 63 - 61. وأما الفصل الثالث - ففي بيان معنى الصحيح والضعيف عند القدماء وبيان معنييهما عند المتأخرين ص 63. وفي هذا الفصل ايضا - ان بعض الاضمارات لا يقدح في الصحة وان بعض ما يظن اضطرابا ليس كذلك فلا يكون موجبا للرد، وان فساد مذهب الراوي بعد نقل الحديث لا يقدح في الصحة، وان اعتبار الصحة والضعف انما يجري فيما يتعلق بنحو الفرائض والحلال والحرام دون ما يتعلق بأصول الدين ولا ما يتعلق بنحو القصص والمواعظ وفضائل الاعمال وان تساهل الاصحاب في ادلة السنن بالعمل بالاخبار الضعيفة ليس في الحقيقة باعتبار العمل بالاخبار الضعيفة بل بالحديث الحسن المشتهر المعتضد بالروايات وشواهد العقل وهو: من سمع شيئا من الثواب الى آخره ص 65 - 64. الاصل الخامس - في ان الائمة عليهم السلام اعطونا أصولا وقواعد وأذنوا لنا ان نفرع عليها الصور الجزئية توسعة علينا تسهيلا لنا طرق المعرفة بالاحكام وذكر المصنف (ره) منها في الكتاب تسعة عشر اصلا ص 84 - 66. وفيه فصل واحد وهو في بيان نبذ مما يتعلق بالاستصحاب وذكر تحقيق من المحقق في ذلك ص 86 - 74. الاصل السادس - في أن الائمة عليهم السلام أعطونا أصولا وضوابط في باب تعارض الاخبار واختلافها وفيه وصل وثلاثة فصول: اما الوصل ففي ذكر كلام من ثقة الاسلام يدل على ان الاحتياط في باب ما اختلف

[ 198 ]

من الاخبار رد علمه الى المعصوم والعمل بالتخيير من باب التسليم ص 99. أما الفصل الاول - ففي نقل كلام عن الشيخ (ره) ذكره في الاستبصار والعدة وهو دال على تقسيم الاخبار وكيفية العمل بكل قسم من الاخبار المتخالفة ص 102 - 100. وأما الفصل الثاني - ففي ذكر كلام للشيخ (ره) يتضمن بيان معنى العدالة المعتبرة في الراوي وما يتعلق بذلك من جواز العمل بخبر غير العدل وعدم جوازه وكيفية ترجيح بعض الاخبار على بعض باعتبار حال الرواة وغيره ص 106 - 103. وأما الفصل الثالث - ففي نقل كلام عن ذكرى الشهيد في بيان سبب اختلاف اصحابنا في الفتوى ووجه اختلاف الاخبار عن الائمة عليهم السلام ونقل كلام عن بعض الفضلاء في وجه الجمع بين الدليلين ونقل قول عن بعض المحققين في ذلك ص 108 - 106. الاصل السابع - في ان لله تعالى في كل أمر حكما معينا، من أصابه فقد أصاب الحق ومن أخطأه فقد أخطأ الحق وأن من أفتى على الظن والاجتهاد من غير سماع عنهم (ع) ولو بوسائط فان اصاب لم يوجر وان أخطأ آثم ص 114 - 109. وفي الاصل فصل يشتمل على الجواب عن حديث رواه العامة أن من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر والجواب عن استدلال المحقق على وضع الاثم عن المجتهد المخطئ ص 117 - 115. الاصل الثامن - في انه لا يجوز التعويل على الظن في الاعتقادات والافتاء عليه في العمليات سواء حصل ذلك الظن بمجرد الهوى واستحسان العقل القياس أو اجتهاد الرأي أو الشهرة أو اتفاق الجماعة أو البراءة الاصلية أو الاستصحاب أو غير ذلك من وجوه استنباطات الا ما صح عن اهل البيت عليهم السلام بأحد الاصطلاحين ص 134 - 118. وفيه فصلان، الاول - في ذكر كلام لبعض الفضلاء في عدم جواز التمسك في نفس أحكامه تعالى أو نفيها بالاستصحاب أو البراءة أو بظواهر الكتاب والسنة من غير جهتهم عليهم السلام والاشعار بما هو الحق عنده من جواز العمل بظواهر الكتاب والسنة وذكر وجوه من استدلال لذلك الفاضل على عدم جواز التعويل على الظن ص 140 - 134.

[ 199 ]

والثاني - في ذكر كلام لبعض الفضلاء يشتمل على جواب ما استدل به ابن الحاجب على جواز العمل بظن المجتهد المتعلق بنفس احكام تعالى وعلى تحقيق المقدمة الثابتة عند الاصوليين ان كل ما تعلق به ظن المجتهد فهو حكم الله الواقعي وعلى بيان انحصار طريق العلم في الرواية وعدم جواز التمسك في العقائد بالمقدمات العقلية وفي الاعمال بالاستنباطات الظنية من الكتاب أو السنة أو الاستصحاب أو البراءة أو القياس أو الاجماع واشبهها والاشعار بما هو الحق عنده من جواز العمل والتمسك بضرب من الاصالة وضرب من الاستصحاب للاذن فيه عنهم عليهم السلام وتحقيق في الاجماع ومعانيه ص 146 - 141. الاصل التاسع - في انه يجب على كل مكلف ان يتفقه في الدين ويتعلم ما انزل الله على نبيه سيد المرسلين (ص) من معرفة الله ومقربيه واليوم الاخر ومعرفة مكارم الاخلاق لتكتسب ومساويها لتجتنب ومعرفة شرائع الاحكام ومعالم الحلال والحرام وتحقيق ان العلوم الدينية ثلاثة وهي المقصودة من حديث: انما العلم ثلاثة، آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنة قائمة، وبيان ان الاول اشارة الى العلوم الاعتقادية والثاني الى علم آفات النفس وتهذيب الاخلاق والثالث الى علم الشرائع ومشاغل الحلال والحرام وبيان طريق تحصيلها اما تحقيق أو تقليد ص 152 - 147. وفيه فصلان، الاول - في ان الضرورة لا تدعو الى الاجتهاد المذكور في أحكام الله تعالى قط فضلا عن تقليد المجتهد حيا كان أو ميتا بل إذا تحقق المفتى بالوصف المذكور فيما ورد في الاحاديث وأوردها فيما سبق وجب الترافع إليه وقبول قوله بقول المعصوم ص 158 - 152. والثاني - في ان المحقق في العلوم الدينية الثلاثة المذكورة آنفا ليس منحصرا في الائمة المعصومين عليهم السلام وان كان العالم بجميع المسائل في الجميع منحصرا فيهم فانه يوجد في الامة من رزق العلم اللدني والتحقيق الكشفي في كثير من المسائل وان ليس كل ما يعلم يقال بل يلزم المحقق في بعض الموارد ان يكتم علمه عن غير أهله كما كان فعله الائمة عليهم السلام ص 170 - 158.

[ 200 ]

الاصل العاشر - في انه يجب على كل مكلف طالب للحق ان يتحرى الاهم في الدين والثاني - في ان المحقق في العلوم الدينية الثلاثة المذكورة آنفا ليس منحصرا في الائمة المعصومين عليهم السلام وان كان العالم بجميع المسائل في الجميع منحصرا فيهم فانه يوجد في الامة من رزق العلم اللدني والتحقيق الكشفي في كثير من المسائل وان ليس كل ما يعلم يقال بل يلزم المحقق في بعض الموارد ان يكتم علمه عن غير أهله كما كان فعله الائمة عليهم السلام ص 170 - 158.

[ 200 ]

الاصل العاشر - في انه يجب على كل مكلف طالب للحق ان يتحرى الاهم في الدين فالاهم وبأخذ بالاقرب من اليقين فالاقرب، ولا يدخل في اختلافات الناس بل يأخذ اولا بما اتفق عليه العلماء قاطبة ثم بما اتفق عليه اهل الاسلام قاطبة ثم بما اتفقت عليه الفرقة الناجية اعني الشيعة كل ذلك على سبيل الاجمال من غير تفتيش فانه مشوش للقلب ويتبع في كل ذلك الائمة الاثني عشر عليهم السلام فان لم يكن طريق الى حضرتهم فيأخذ بأخبارهم وآثارهم ولا يوسع دائرة الخلاف بل يسكت الله ص 179 - 170. وفيه ثلاثة فصول وخاتمة - اما الفصل الاول ففي ذكر وصية للشيخ العارف سعد الدين الحموي ص 179. وأما الفصل الثاني - ففي نقل رسالة عن العلامة المحقق حجة الفرقة الناجية محمد ابن الحسن الطوسي - رحمه الله تعالى - ص 182 - 180. وأما الفصل الثالث - ففي نقل ملخص كلام عن الغزالي بالنسبة الى مبدء نشوء علمي الكلام والاحكام ص 184 - 182. وأما الفصل الرابع - ففي نقل كلام عن رسائل اخوان الصفاء يشتمل على ان مذهب الشيعة هو المذهب الحق ص 189 - 184. أما الخاتمة - ففي نقل نصائح عن اوائل كتاب المعتبر للمحقق الحلي (ره) ص 190 - 189. * (تم الفهرس) *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية