الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مبادئ الوصول- العلامة الحلي

مبادئ الوصول

العلامة الحلي


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مبادئ الوصول إلى علم الاصول

[ 2 ]

مركز النشر - مكتب الاعلام الاسلامي اسم الكتاب: مبادئ الوصول إلى علم الاصول الكاتب: العلامة الحلى اخراج وتعليق وتحقيق: عبد الحسين محمد علي البقال الناشر: مركز النشر - مكتب الاعلام الاسلامي طباعة وتصحيف: مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي تاريخ النشر: رمضان 1404 طبع منه: 3000 نسخة حقوق الطبع محفوظة للناشر مراكز التوزيع: قم شارع ارم - مكتبة مكتب الاعلام الاسلامي - هاتف: 23426 طهران - شارع ناصر خسرو - زقاق حاج نايب - سوق خاتمي هاتف: 539175

[ 3 ]

مبادئ الوصول 1 - في: أولياته 2 - في: علم الأصول 3 - في: فهارسه العامة اخراج وتعليق وتحقيق عبد الحسين محمد على البقال بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الاسلامية

[ 5 ]

القسم الاول أوليات الكتاب كلمة حول الكتاب بين يدى الكتاب الإهداء رجال على الطريق المترجم له في سطور المبادئ لدى الظهور

[ 6 ]

كلمة حول الكتاب بقلم الحجة الشيخ مرتضى آل ياسين

[ 7 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله كثيرا والصلوة على احق عباده بالصلوة محمد وآله السادة الهداة. وبعد فهذه جهود تتابعت وتلاحقت واستمرت ليالي وأيامأ طوالا حتى انبثقت عن ابراز هذا الجهود المحمود المتمثل بما علقه على هذا الكتاب قلم الكاتب الألعي الأستاذ البقال حفظه الله الذى أصاب بعمله هذا حظا من التوفيق الإلهي حين شاء له السبق في هذا المضمار في وسط يزخر بالعلماء والادباء. وليست الغبطة في اخراجه هذا الكتاب إلى النور فقد سبقه إلى ذلك آخرون وانما الغبطة في إخراجه له بهذه الحلة الفشيبه التى لم يسبق له ان اكتسى بمثلها قبل اليوم ولاشك في ان قراءه سوف لا يبخسون حقه من الشكر والتقدير ولعل فيهم من سيقول وما الفائدة من نشر هذا الكتاب في عصر تطور فيه علم الاصول تطورا قفزبه عن مستوى الكتاب إلى أبعد الحدود حتى لقد اصبح في شاكلة تكاد لا يشدها بشاكلته الأولى الا الإسم والإسم فقط. وانها لقولة لا تعدو منطق الصواب لو كان الهدف عن نشر

[ 8 ]

الكتاب توفير مناهج الدراسة على المشتغلين بدراسة هذا العلم في الوقت الذى يتوفر لديهم من مناهجه ما يبلغ بهم حد التخمه غير ان هذا ليس من اهداف ناشده في شئ وانما هدفه الاول والأخير هو الكشف لمعاصريه من ابناء هذا العلم عن ركيزة موجزة من ركائزه الأولى التى قامت على أسسها صروحه الشامخة فيما تلتها من عصور لكى يعرف الألبتاء من القراء كيف البذرة تكون شجره وكيف الشجرة توتى الثمرة إذا ما تعاهدتها العقول النيرة والادمغة المفكرة فتكرا والف شكر منى ومن كل من استساغ جرعة من معين العلم لذلك العلم العيلم علامة الزمن الذى مهد ووطد واسس وبنى وعانى في سبيل العلم ما عانى ثم ترك من ورائه تراثا علميا من اضخم التراث ما تزال الأجيال تستضيئ بنوره والاجواء تتعطر بعبيره ولسوف يبقى هكذا منارا قائما مشعا ما بقى للاسلام اسمه وللدين رسمه ان شاء الله تعالى والله خير حافظا وهو ارحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. 7 / 6 / 1390 ه‍ مرتضى آل ياسين.

[ 9 ]

بين يدى الكتاب الانسانية بحاجة إلى خبز ! ! سمعتهم يهتفون: فهتفت: بل هي بحاجة ألى حب. قالوا: هي بحاجة إلى تشريع ! ! قلت: بل إلى الجميع وغيره إلى العقيدة والتربية والعلوم والاداب. قالوا هيا إلى النضال إذن ! ! قلت، أتريت قال احدهم: إنما تتعب نفسك ! ! قلت: ألا تسائلني السبب ؟ ! ! قالوا: لم ؟ وعلام ؟ قلت: درنكم الحياة أناشدكم أحداثها ؟ قالوا: هي في تجدد وتنوع وتكثر ! ! قلت ما السبيل إلى حلها ؟ ؟ قالوا: إليك السؤال نحيله قلت لابد من رصيد. تتمثل فيه الكليات المستنطقة، من خطوط النظام العريضة. كى تكون،، العدة،، لمستقبلنا، و " المعارج " " لمعالم " مصيرنا... قالوا: نراك تسير بنا إلى معرفة " أصول الاستنباط " قلت: بدراسة علم الاصول. قالوا: نمضى معك ! ! قلت: إنى معكم... قالوا: بم نبدأ قلت: لدي،، مبادئ الوصول،،... المخرج

[ 10 ]

الاهداء إلى الذين يشمرون عن سواعد الجد لخدمة أمتهم وجيلهم واجيالهم القادمة. إلى الذين عقدوا العزم لرفع كاهل البؤس الروحي والشقاء الفكري عن واقع انسانيتنا المعذبة. إليهم في كل زمان ومكان، نقدم هذه الدراسة الموجزة عن شخصية فذة، لعبت دورا مهما في تأريخ المعرفة يومها ولا تزال. ونيسر هذا النتاج الفكري لعقل مبدع لا زالت بحوثه تحتل الصدارة، في ميادين العلم وسماء العلماء سائلا من القدير، أن يوفقنا لان تسهم الذكرى، لهذه الشخصية ونتاجها، في توضيح بعض معالم الطريق، كي يكون لنا فيها عظة وعبرة. وكى نتأكد: بأن عاقبة المخلصين، ليست في حياتهمم الاولى وإنما كما قالوا قديما: الذكرى للانسان حياة ثانية. المعلق

[ 11 ]

رجال على الطريق لا يسعنى لا يسعنى ! ! وانا اقدم هذا التراث إلى القراء الكرام، الا وان انوه بمساعي السادة الافاضل التالية جهودهم: 1 - مولانا الحجة، الشيخ مرتضى آل ياسين، لملاحظته الكتاب، وتفضله بقول كلمته فيه. 2 - مولانا الفاضل الشيخ كاظم شمشاد، استاذ اصول الفقه في كلية الفقه، لمراجعته الكتاب. 3 - الاخ الفاضل الشيخ عبد الهادي الفضلي، استاذ اللغة العربية في كلية الفقه، لمراجعته الكتاب ونقده. 4 - الاخ الفاضل السيد احمد محمد علي الموسوي، لمراجعته الكتاب ونقده، في التحقيق والتعليق والاخراج. 5 - أسرة: مكتبة السيد الحكيم العامة، ومكتبة أمير المؤمنين - ع - العامة، ومكتبة الحسينية الشوشترية، لتيسيرهم الاستفادة من النسخ الخطية والمصورة، الواردة في متن وهوامش الكتاب. 6 - وأخيرا إلى ذلك الذي كان الكتاب كتابه، والمجهود مجهوده، في تبنيه ورعايته ونشره، أخي الشيخ عباس محمد علي البقال. فإليهم جميعا شكرى وتقديري

[ 12 ]

المترجم له في سطور يحق لمثل هؤلاء الابطال: الذين نذروا أنفسهم لخدمة اخطر جانب حياتي، هو ميدانها الثقافى، والتشريعي منه على وجه الخصوص يحق لمثل هؤلاء ! ! ومنهم عيلمنا هذا، أن تدون حياتهم وتترجم شخصيتهم، ترجمة تليق بمكانتهم متسعة جميع ابعادها. شاملة مختلف مجالاتها. ونحن أزاء هذا الحق و. إنطلاقا من تلك المكانة، نجد لزاما علينا، أن نسطر خطوطها على الوجه التالى: المحقق

[ 13 ]

موجز حياته تسميته ونسبته هو: " جمال الدين، أبو منصور، الحسن بن سديد الدين يوسف، ابن زين الدين علي، بن المطهر الحلي... " (1) ولادته قال سديد الدين: " ولد ولدي المبارك، أبو منصور، الحسن بن يوسف بن المطهر، ليلة الجمعة، في الثلث الاخير من الليل، 27 رمضان من سنة 648 ه‍ " (2). عصره المناسب ! ! أن يكنى العصر الذي ولد فيه المترجم له، بعصر ما بعد الزحف المغولي، الذي أخذت فيه الحياة الطبيعة، تعود إلى مجاريها من حياة الامة من جديد، بعد الشقاء الذي عانت منه الامرين. نعم، عقب إنحسار المد التتري، الذي اجتاح العالم الانساني القائم آنذاك، والعالم الاسلامي منه على وجه الخصوص.


(1) مستدرك الوسائل: 3 / 459 - 460. (2) رياض العلماء: ق 2 ص 90 " بتصرف ".

[ 14 ]

ذلك المد ! ! الذي كان لوالده سديد الدين ورفاقه في المسؤولية، الدور الكبير في إيقافه عند حده، بفضل الحنكة الرعائية والزعامة الاجتماعية والمكانة الاسرية التي كان يتمتع بها. الامر الذي كانت نتيجة حفظ القطر العراقي عامة، والعاصمة بغداد بصورة خاصة، وعلى الاخص مدينته الحلة الفيحاء، من الهتك والسلب والنهب، والدماء والدمار (1). من كبار مشايخه وفق الحسن بن المطهر، لان يحضى بشرف الدراسة، على عهدة ثلة من الاساتذة المعروفين بتقاهم، المبرزين في علومهم، المرموقين بأدبهم الذين هم على سبيل المثال: 1 - والده الشيخ سديد الدين يوسف، الذى كانت عليه عماد تربيته، وأساسيات دراساته في العلوم العربية والشرعية. 2 - خاله المحقق الحلي، الذي طال اختلافه عليه في تحصيل المعارف والمعالى، وتردده لديه في تعلم أفانين الشرع والادب. وكان تلمذه عليه في الظاهر، اكثر منه على غيره من الاساتيد الكبراء الماجدين. 3 - الشيخ نجيب الدين يحيى، ابن عم والدته، صاحب الجامع. 4 - السيدان الجليلان، جمال الدين احمد ورضي الدين علي، ابنا طاووس.


(1) لزيادة الاطلاع: يراجع المستدرك: 3 / 439 - 461، وكشف اليقين: ص 18، وعمدة الطالب: ص 190، وغيرها من المصادر، التي تصدت للحديث عن تلك الفترة، ودونت مختلف أحداثها.

[ 15 ]

5 - الشيخ ميثم بن علي بن ميثم البحراني. 6 - الشيخ الخواجه نصير الملة والدين الطوسي. 7 - الشيخ النبيل المولى نجم الدين، علي بن عمر الكاتبي القزويني، الشافعي. 8 - الشيخ برهان الدين النسفي، المصنف في الجدل. 9 - الشيخ جمال الدين الحسين بن أبان النحوي، المصنف في الادب. 10 - الشيخ المفسر عز الدين احمد بن عبد الله الفاروقي الواسطي. 11 - الشيخ تقي الدين عبد الله بن جعفر بن علي الصباغ الحنفي. 12 - الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن احمد الكشي، المتكلم الفقيه (1). من افاضل تلامذته فاز العلامة مما فاز به، بنخبة من المشتغلين على يديه، كانوا في قابل سنيهم وعلى مر الزمن، الذخيرة الحية التي خلفها لخدمة امته وشعبه، والذين منهم على سبيل الاختصار: 1 - ولده فخر المحققين، الذي ألف لاجله الكثير من الكتب، كما وله من والده وصية خاصة، ختم بها كتاب قواعده، تشتمل على محاسن الاخلاق ومعالى الامور. يروي عن أبيه ويروي عنه جمع، أظهرهم الشيخ الشهيد الاول، والشيخ ابن المتوج البحراني، والشيخ ظهير الدين النيلي والشيخ نظام الدين النيلي، والسيد بهاء الدين النيلي، ومجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس، وغيرهم...


(1) ذكرت هذه الاسماء، كمشايخ للعلامة، بعضا أو كلا، في مجموعة من المصادر، منها: أمل الآمل 2 / 350، وروضات الجنات 2 / 175 والبحار 1 / 211 و 25 / 22. (*)

[ 16 ]

2 - الشيخ تقي الدين، ابراهيم بن محمد بن محمد البصري، وهو الذي التمس استاذه العلامة، فكتب له مبادئ الوصول إلى علم الاصول. 3 - الشيخ علي بن الحسن الامامي، الذي شرح من مصنفات استاذه، مبادئ الوصول إلى علم الاصول، وسماه خلاصة الاصول، وفرغ من الشرح في سنة 706 ه‍، وتوجد منه نسخة بخط الشيخ حيدر ابن ابراهيم الطبري، تاريخ نسخها سنة 732 ه‍ في الخزانة الرضوية. 4 - الشيخ محمد بن علي بن محمد الجرجاني الغروي، الذي شرح من مصنفات استاذه، مبادئ الوصول إلى علم الاصول، وسماه غاية البادي في شرح المبادي (1). اقوال الرعيل في حقه قالوا: " شيخ الطائفة، وعلامة وقته، صاحب التحقيق والتدقيق كثير التصانيف، إنتهت رياسة الامامية إليه في المعقول والمنقول " (2). " وكفاه فخرا على من سبقه ولحقه، مقامه المحمود في اليوم المشهود الذي ناظر فيه علماء المخالفين فأفحمهم، وصار سببا لتشيع السلطان محمد، الملقب شاه خدابنده " (3).


(1) ذكر هذه الاسماء مستفاد باختصار، من موضوع " مدرسته العلمية وثمارها الجنية "، الوارد في مقدمة كتاب " الالفين " ص 24 - 34 طبع ونشر المطعبة الحيدرية، بقلم العلامة السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان. (2) رجال ابن داود: عمود 119 - 120. (3) الكنى والالقاب: 2 / 422، والمناظرة مذكورة كاملة في مستدرك الوسائل: 3 / 440 - 462. (*)

[ 17 ]

وقال الافندي: " له حقوق عظيمة على زمرة الامامية، لسانا وبيانا، وتدريسا وتأليفا، وقد كان جامعا لانواع العلوم، مصنفا في أقسامها، حكيما متكلما ففقيها محدثا أصوليا، أديبا شاعرا ماهرا، وأفاد وأجاد، على كثير من فضلاء دهره، من الخاصة بل من العامة أيضا، كما يظهر من إجازات علماء الفريقين. كان من أزهد الناس وأتقاهم، ومن زهده ما حكاه السيد حسين المجتهد، في رسالة النفحات القدسية عنه، أنه قدس سره أوصى بجميع صلاته وصيامه مدة عمره، وبالحج عنه مع أنه كان قد حج " (1). كما وروي: " أنه لما حج، اجتمع بابن تيمية في المسجد الحرام فتذاكرا، فاعجب ابن تيمية بكلامه، فقال له: من تكون يا هذا ؟ قال الذي تسميه ابن المنجس، يريد بذلك التعريض بابن تيمية، حيث سماه في منهاج السنة بابن المنجس، فحصل بينهما انس ومباسطة " (2). وقال الصفدي: " كان ريض الاخلاق حليما، قايما بالعلوم حكيما طار ذكره في الاقطار، واقتحم الناس إليه المخاوف والاخطار، وتخرج به أقوام، وتقدم في آخر أيام خدابندا تقدما زاد حده، وفاض على الفرات مده " (3). كما وقال أبو محمد الحسن الصدر: " لم يتفق في الدنيا مثله، لافي المتقدمين ولا في المتأخرين، وخرج من عالي مجلس تدريسه خمسماية مجتهد " (4).


(1) رياض العلماء: م 2 ص 90 " باختصار ". (2) الدرر الكامنة: 2 / 72، وورود في الهامش: هكذا وجد بخط السخاوي عن شيخه. (3) أعيان العصر: الفيلم 1809. (4) تأسيس الشيعة: ص 270. (*)

[ 18 ]

نهاية المطاف نعم، كانت نهاية مطاف حياته رحمه الله، أن انتقل إلى جوار ربه ليلة السبت، حادى عشر المحرم، سنة ست وعشرين وسبعمائة هجرية. ودفن: بالمشهد المقدس الغروي، على ساكنه من الصلوات أفضلها ومن التحيات أكملها " (1).


(1) نقد الرجال: ص 99 - 100. (*)

[ 19 ]

العلامة المرجع كلام في الشخصية الشخصية: درجة من النضوج، تكسب صاحبها بفعل الخبرة الطويلة صلاحية النطق بإسمها أو اكثر الجهات من جوانبها، حين تغدو خاصة لازمة له تشده إلى مقوماتها وشرائطها. من مصاديق الشخصية ثم هي بعد ذلك: مفهوم سلوكي له ميادينه المتشعبة الاطراف، كما وهي تتسع لمصاديق تتكثر تكثر المذاهب والمعارف والفنون، التي تتوزع دنيا الناس. فمثلا: هذه شخصية سياسية، وتلك عسكرية، وثالثة ثقافية، ورابعة تربوية، وخامسة اقتصادية، وهكذا... الشخصية المرجعية ومقوماتها إلا أن من مصاديقها أيضا نوعا آخر، قد عرفته الحياة الاسلامية تلك هي " المرجعية ". وهي فيما يبدو محصلة نشاطات ثلاثة. الاولى: المقومات التقوية في مقامي الرعاية والسلوك. الثانية: المقومات الاجتهادية في مقامي الاصول والفقه. الثالثة: المقومات القيادية في مقامي الادارة والتوجية.

[ 20 ]

المرجعية حاجة مصيرية هذا اللون من الشخصية، هو الذي يعد بحق أهم مكسب مصيري ينشده المتدينون في حياتهم المستقبلية، من بين جوانب شخصيتهم. هذا ! ! إذا لم نقل إنها تمثل الركيزة الام، التي تندك عندها جميع الجوانب، وتنتظم في خدمتها مختلف الطاقات والقابليات، وتتضاءل عند وجودها جميع المكاسب والامتيازات. وهو الوحيد الذي يصلح لان يكون المقياس الصحيح، الذي تقوم على أساس منه شخصية العاملين في الحقل الاسلامي، وبالخصوص مراجعهم ومنهم العلامة، على طول المسيرة الحياتية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وما ذاك ! ! إلا لان المرجعية هي البديل الافضل، بل الوحيد لحفظ مفهوم " النيابة العامة عن الامام ". لذا ! ! فليس من الغريب، إذا وجدنا فقهاءنا يؤكدون بما لديهم من أدلة، على وجوب وجودها، في شخصية المجتهد العادل، سواء أكان ذلك الوجوب يتحقق كفائيا أم عينيا. المرجعية هدف اساسي نعم، هي هدف أساسي. ذلك لان ! ! الاماميين بواقعهم، يعون المشكلة الاساسية التي تلازم الانسانية في مسيرتها، منذ مولدها وحتى آخر لحظة من عمرها، تلك المشكلة التي تتجسد في حاجة البشرية إلى النظام الاصلح، وإلى من يصلح لقيادتها. صحيح أن الاداب، من قصص وخطب ومقالات وقصائد وملاحم هي أوليات لا يمكن التفريط بها.

[ 21 ]

ولا شك أن العلوم الطبيعة، من كيمياء وفيزياء وهندسة ونبات وحيوان، هي ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها. كما لا نقاش في أن العلوم الانسانية، من نفس وتربية وصحة، هي لابديات لا يحق لنا التقليل من شأنها. لكن الذي نتوخى التنبيه عليه هنا، هو تحديد العنصر الاهم من بين مهم عناصر حياتها، عل أن تؤخذ تلك جميعا بنظر إعتبارها. وما العنصر الاهم من بين تلك جميعا، إلا النظام الاصلح من جهة (1) والا العلوم الشرعية ذات الصلة، لغة وفقها واصولا وتفسيرا وغيرها من جهة اخرى. فإذا النظام في دنيا البشرية هو هدفها، والحاجة الاساسية لها، كان ولا يزال. وإن المسلمين كانوا ولا زالوا يرون في الشرعية الاسلامية، النموذج الواقعي الفريد، الذي يتوافر على ذلك النوع الاصلح منه. إذا كان الامر كذلك، ففي هذا الحالة تكمن الاهمية، في دراسة مقومات النخبة المؤمنة المحنكة، التي تتولى مهمة الاشراف على ذلك النظام من فهم ووعي وتنفيذ. وبالتعبير الحوزوي الدقيق: الركائز الاساسية للشخصية المرجعية، المفتية والمنفذة، من ورع واجتهاد وحنكة وأعلمية...


(1) للتوسع ! ! يراجع " الانسان المعاصر والمشكلة الاجتماعية " للحجة السيد محمد باقر الصدر. (*)

[ 22 ]

المرجعية في مهامها هي تلك التي تعيش هموم الامة كل الامة، متجاوية مع مشكالها، متبنية لقضاياها، منافحة عن حقوقها، عاملة على تحقيق عزتها وكرامتها، جاهدة في توحيد صفوفها. هي: التي تستلهم الحنكة والوعي وبعد النظر ومراعاة العواطف، مستفيدة من التأريخ الحضاري المدروس، والانفتاح الحذر الموجه، عدة لمواقفها، وقاعدة لكل ما يمر بها من أحداث، محلية ودولية وعالمية، إسلامية ولا إسلامية، ثقافية وتربوية، اقتصادية وسياسية وغيرها، على المدى القريب أو البعيد، فتتخذ المواقف المناسبة لها، بعد التأكيد من شرعيتها وصلاحيتها، وبعد الاحاطة التامة بمتطلبات تلك المواقف من حيث تهيئة مقدماتها، وبالتالي كيفية تسيير دفتها، إلى شاطئ أمنها وأمانها. هذا هو الخط العريض لتقويم الشخصية وبيان مرتكزاتها، ولكن... ! ! ولكن ! ! وبالنسبة للحلي، ترى ما المناسبة التي كانت سببا في وضعه على خط هذه المرجعية، فسهلت له اسباب تسلم زعامتها. المرجعية في بزوعها تلك نقطة مهمة في البحث: أن يبرز الرجالي مفتاح المرجعية وسر بزوغها، لدى المرجع الذي يقوم على دراسة حياته، إن في مجاله الخاص أو العام. ومعنى ذلك: التعرف على الحادثة أو المناسبة، التي جعلت من أبي منصور، شخصية مرجعية، تظهر وتفرض وجودها في عالم المرجعيات.

[ 23 ]

وبالنسبة لابن المطهر: إنما يتحقق ذلك، إذا وقفنا على سر تسميته بالعلامة، حتى عاد هذا اللقب اسما له، يعززه من بين الاعلام التأريخية المعاصرة أو اللاحقة له، الامر الذي إذا ذكر، تبادر الذهن إليه دون سواه. نعم، تلك نقطة مهمة... ولكن للاسف ! ! وبحدود اطلاعي، لم أعثر على مصدر يقودني، للوقوف على وجه هذه التسمية. إنما كل الذي وجدته، هو أنه اشتهر بهذا اللقب، كما نص على ذلك الافندي في رياضه (1). هذا ! ! ويبدو لي، أنه حصل عليه، عقب مناظرته - وما اكثر مناظراته ! ! - الفريدة في مجلس خدابنده، التي كشفت عن سعة ودقة علمه، والذي منح له على سبيل الارتجال في بداية الامر، ثم لازمه بدافع الشهرة في نهاية المطاف. خلاصة القول هذه هي المرجعية في خلاصتها، وما علينا إلى المباشرة في تفاصيلها. هذه هي الصورة الاكمل من الشخصية، التي يجدر بنا دراسة علامتنا على ضوئها. ولكن ! ! وحيث إن دراسة المترجم له هنا، تعتبر شيئا ثانويا، إذا ما قيست بالنسبة لكتابه المحقق. فعلى هذا ! ! سنقتصر الحديث في هذه الحالة - مرجئين الجوانب الاخرى ومتعلقاتها - على الجانب الاجتهادي من الوجهة العلمية لابن المطهر كمؤلف، والجهة الفكرية له كأصولي،... وهي كما يلي:


(1) رياض العلماء: ق 2 ص 90. (*)

[ 24 ]

العلامة المؤلف فكرة عن مؤلفاته لان كان النقل يكشف عن بعض الصورة... وأن المباشرة بالسؤال تتعرض لجوانب مهمة فيها... فان النتاج الثقافي بالاخير، هو خير ما يتعرف به، على الصورة الكاملة لعلمية المرجع وحدود أعلمية. على هذا ! ! فإن المتتبع لكتب العلامة، يجدها من الكثرة درجة، الامر الاذي جعله حيالها في مصاف القلة من المؤلفين، الذين جادت بهم إنسانيتنا في تأريخها الطويل. بل ! ! ومن ناحية ثانية: فإنها تتصف بالتنوع، بإعتبار تعدد العلوم التي تطرقت إلى بيان مضامينها. هذا ! ! إذا لم نقل من ناحية ثالثة: إنها على كثرتها وتنوعها، تمتاز بالدقة العلمية الرصينة، وتختص بالمنهجة الهيكلية المنظمة، كما تتسم بالرشاقة الاسلوبية الممتازة، وتنفرد بتعدد المستويات التدريجية المتعددة. لذا ! ! فمن الطبيعي إذا وجدنا صاحب الكني يصرح: " درجاته في العلوم، ومؤلفاته فيها، قد ملات الصحف، وضاق عنها الدفتر، وكلما أتعب نفسي. فحالي كناقل التمر إلى هجر... " (1)


(1) الكني والالقاب: 2 / 242. (*)

[ 25 ]

وجودها الفعلي بعد مراجعة معظم المصادر التي تصدت لعرض مختلف مؤلفاته من جهة، وملاحظة ما هو موجود منها فعلا من جهة ثانية، نراها تنقسم إلى: أولا: كتب لا زالت مخطوطة، كرسالته في " آداب البحث "، وموسوعته " استقصاء الاعتبار " وغيرهما. ثانيا: كتب خرجت إلى حيز الطبع، وهي كثيرة، ومنها كتابنا هذا. ثالثا: كتب مفقودة، لم يحفظ منها سوى الاسم، من قبيل كتابه " نهج العرفان في علم الميزان ". رابعا: كتب مشكوكة النسبة، له ولغيره، ككتاب " الكشكول فيما جرى على آل الرسول " (1). مجمل تقويمها إن المقومين لمؤلفات من نترجم له، بعض قوم الكم والكيف مرة واحدة، وبعض ثان تطرق إلى الكيف دون الكم، وبعض ثالث اتجه في تثمينه إلى الكم دون الكيف. علما ! ! بأن المقومين لها كيفا، سلكوا سبلا ثلاثة: فمنهم من تناول المجموع، ومنهم من تعرض لكل جانب من مؤلفاته على حدة، وآخرون - وهو منهم - اختص تقويمه بكل كتاب بمفرده. في حين أن المقومين لها كما، نهجوا طريقين اثنين: ففريق كان


(1) أعيان الشيعة: 24 / 327. (*)

[ 26 ]

تثمينه على أساس من مجموعها في مقام الكثرة، والفريق الاخر كان تثمينه على أساس من مجموعها في مقام الشمول، أي استيعابها لاكبر عدد ممكن من العلوم والمعارف التي ألفت فيها. التقويم الكمكيفى ففي هذا المقام قال التفريشي: " ويخطر ببالي أن لا أصفه، إذ لا يسع كتابي هذا، ذكر علومه وتصانيفه وفضائله ومحامده، وإن كل ما يوصف به الناس من جميل وفضل فهو فوقه، له أزيد من سبعين كتابا في الاصول والفروع والطبيعي والالاهي وغيرها " (1). تقويم الكيفي وفي مقام التقويم الكيفي، فقد تكلم المعنيون فيه إلى: أولا: في صدد المجموع وهنا قال البحراني: " نقل بعض متأخري أصحابنا: أنه ذكر ذلك عند شيخنا المجلسي رحمه الله، فقال، ونحن بحمد الله لو عدت تصانيفنا على أيامنا لكانت كذلك، فقال بعض الحاضرين: إن تصانيف مولانا الاخوند مقصورة على النقل، وتصانيف العلامة مشتملة على التحقيق والبحث


(1) نقد الرجال: ص 99. (*)

[ 27 ]

بالعقل، فسلم رحمه الله ذلك، حيث كان الامر كذلك " (1). ثانيا: في صدد النوع فقد ذكر السيد بحر العلوم: " صنف في كل علم كتبا، وأتاه الله من كل شئ سببا. أما الفقه: فهو أبو عذره، وخواض بحره، وله فيه اثنا عشر كتابا، هي مرجع العلماء وملجأ الفقهاء. وأما الاصول والرجال: فإليه فيهما تشد الرحال، وبه تبلغ الآمال وهو ابن بجدتها ومالك أزمتها. وله قدس سره في التفسير والحديث وفنون العربية كتب كثيرة، ذكرها في " الكتابين "، ولكن لم يكتحل بشئ منهما ناظر العين... " (2). ثالثا: في صدد الفرد حيث قوم العلامة نفسه كتبه واحدا واحدا بقوله: " كتاب منتهى المطلب في تحقيق المذهب ": لم يعمل مثله، ذكرنا فيه جميع مذاهب المسلمين في الفقه. ورجحنا ما نعتقده، بعد ابطال حجج من خالفنا فيه. " كتاب مختلف الشيعة في أحكام الشريعة ": ذكرنا فيه خلاف علمائنا خاصة، وحجة كل شخص، والترجيح لما نصير إليه.


لؤلؤة البحرين: ص 226. (2) رجال بحر العلوم: 2 / 257 - 286 " باختصار ". (*)

[ 28 ]

ككتاب " إستقصاء الاعتبار في تحقيق معاني الاخبار ": ذكرنا فيه كل حديث وصل إلينا، وبحثنا في كل حديث منه على صحة السند وإبطاله، وكون متنه محكما أو متشابها، وما اشتمل عليه المتن من المباحث الاصولية والادبية، وما يستنبط من المتن من الاحكام الشرعية وغيرها. كتاب " نهج الايمان في تفسير القرآن ": ذكرنا فيه ملخص الكشاف والتبيان وغيرهما... " (1). التقويم الكمى وفي مقام التقويم الكمي: فقد تكلم عنها اصحاب التراجم في ناحيتين: أولا: في مقام الكثرة فقد أورد الطريحي: " له كثير من التصانيف. وعن بعض الافاضل: وجد بخطه خمسمائة مجلد من مصنفاته، غير خط غيره من تصانيفه. قال الشيخ البهائي: من جملة كتبه قدس سره، كتاب شرح الاشارات " ولم يذكره في عداد الكتب المذكورة هنا، يعني في الخلاصة، قال: هو موجود عندي بخطه " (2).


(1) رجال العلامة: ص 43 - 44 " باختصار ". (2) مجمع البحرين: 6 / 123. (*)

[ 29 ]

ثانيا: في مقام الشمول - 1 - قال المحسن الامين العاملي: " سبق في فقه الشريعة، وألف فيه المؤلفات المتنوعة، من مطولات ومتوسطات ومختصرات، فكانت محط أنظار العلماء، من عصره إلى اليوم، تدريسا وشرحا وتعليقا. فألف من المطولات ثلاثة كتب، لا يشبه واحد منها الاخر، وهي المختلف: ذكر فيه أقوال علماء الشيعة وخلافاتهم وحججهم، والتذكرة: ذكر فيها خلاف علماء غير الشيعة وأقوالهم واحتجاجهم، ومنتهى المطلب: ذكر فيه جميع مذاهب المسلمين. وألف من المتوسطات كتابين، لا يشبه أحدهما الاخر، وهما: القواعد: فكانت شغل العلماء في تدريسها وشرحها، من عصره إلى اليوم وشرحت عدة شروح، والتحرير: جمع أربعين ألف مسألة. وألف من المختصرات ثلاثة كتب، لا يشبه أحدها الاخر، وهي: إرشاد الاذهان، تداولته الشروح والحواشي أخصر. وإيضاح الاحكام، أخصر منه، والتبصرة لتعلم المبتدئين، أخصر منهما. - 2 - وفاق في علم اصول الفقه، وألف فيه أيضا المؤلفات المتنوعة، من مطولات ومتوسطات ومختصرات، كانت كلها ككتبه الفقهية، محط أنظار العلماء في التدريس وغيره. فألف من المطولات: النهاية، في مجلدين كبرين. ومن المتوسطات: التهذيب، وشرح مختصر ابن الحاجب.

[ 30 ]

ومن المختصرات: مبادئ الوصول إلى علم الاصول. - 3 - وبرع في الحكمة العقلية، حتى أنه باحث الحكماء السابقين في مؤلفاته وأورده عليهم، وحاكم بين شراح الاشارات لابن سينا، وناقش النصير الطوسي، وباحث الرئيس ابن سينا وخطأه. - 4 - وألف في: علم اصول الدين، وفن المناظرة، والجدل. وعلم الكلام: من الطبيعيات، والالاهيات، والحكمة العقلية خاصة ومباحثة ابن سينا، والمنطق. وغير ذلك من المؤلفات النافعة، المشتهرة في الاقطار. وألف في الرد على الخصوم والاحتجاج المؤلفات الكثيرة " (1). المنهجية في مؤلفاته المنهجية لدي العلامة عنصر ضروري، قد توفرت عليه جميع مؤلفاته وهذا ما نلمسه جليا عند مطالعة مختلف كتبه، ومراجعة جميع فهارس بحوثه، الامر الذي جعله أزاءها من الرواد الاوائل، الذين أسهموا في إعطاء هذا الفن حقه من الاهمية. وهي تتضح في كتابه هذا بالخصوص على الشكل التالي: أولا: في هيكله العام وذلك يعني رسم صورة كاملة عن الكتاب في خطوطه العريضة،


(1) أعيان الشيعة: 24 / 279 - 280 " باختصار ". (*)

[ 31 ]

والتي انتظمت كما يلي: أولا: تقسيم الكتاب برمته إلى إثني عشر فصلا، كل فصل منه خاص بمالجة جانب معين من عديد جوانبه. ثانيا: ثم تقسيم الفصل الواحد بدوره إلى مجموعة من البحوث، تقل وتكثر حسب أهميتها، كل بحث فيه مختص بدراسة موضوع واحد من مختلف مواضيعه. ثالثا: وبالتالي تقسيم البحث الواحد هو الآخر، إلى مجموعة من الفقرات تتسع كثر مسائله، التي تقصر وتكبر وتتعدد، بحسب مكانة الفكرة التي يتعرض لشرحها، ثم مدى المعلومات المتوفرة لديه عنها. ثانيا في هيكله الخاص وهذا مختص ببيان القاعدة التي سار عليها المؤلف في بحوثه وهي: أولا: تحديد الفكرة المبحوث عنها. ثانيا: عرض أهم الآراء المنقولة فيها مع سرد أهم أدلتها. ثالثا: مناقشة تلك الادلة، مع عليها من ردود مختلفة، نقضا وإبراما. رابعا: الكشف عن رأيه إن كان له رأي، سواء أكان مقابلا أو مطابقا أو منفردا، عن آراء الآخرين اللذين تعرض لاقوالهم، وسواء أكانوا من رواد مدرسته، أو من أقطاب المدارس الاخرى. هذه ! ! هي القاعدة العامة لديه، وقد يتصرف فيها أحيانا، تقديما أو تأخيرا لبنودها، بأن يعرض رأيه أولا، ثم آراء الآخرين، أو بالعكس أو أن يكون رأيه واضحا جليا، أو أن يكتفي بغيره بالسكوت عنه.

[ 32 ]

العلامة الاصولي من تاريخه الاصولي بعد أن كانت دراسة الاصول الفقهية - لوجود الامام (ع) - شيئا مسكوتا عنه، إذا ما قيس بالنسبة لمشاغلهم الاخرى، من فقه وحديث وتفسير وغيرها. لكنهم بعد ذلك ! ! أخذوا يعطون هذا الجانب من مهم حياتهم كل ما يليق به، من حدب وجهد وشوق، متخذين من الاحتياطي التشريعي قرآنا وسنة، لاستنباطهم ذريعة، ومن التلاقح الفكري بين روادهم واولئك الفطاحل من غيرهم، لقواعدهم عدة،... فكان أن بات الاصول من الفقه، يتخذ لنفسه طابعا جديا من التخصص في مواضيعه من جهة، والتوسع في فصوله من جهة ثانية، والتعمق في بحوثه من جهة ثالثة. إلا أن هذا التقدم توقف برهة، وهو لما يزل في بداية اشواطه، بعد ما خيم على ربوعه الدمار التتري، فكاد العلم منه أن يلفظ أنفاسه، حين مني بخسارة فادحة، بحرق وضياع تراثه. هنا ! ! وعلى أعقاب ذلك الزحف المغولي، برز علامتنا الحلي والنخبة المؤمنة من رفقته، جنود العلم ورواده، فواصلوا المسيرة لمرحلة ما بعد الزحف، حيث عملوا جاهدين، على إعادة بناء ذلك الوليد الاصولي، فالصعود به شابا على أسس متينة من البحث والتتبع والاستقصاء. فكانوا بذلك: الامتداد الطبيعي للخط الامامي في عرض هذا العلم

[ 33 ]

بعد ما فتح أبوابه أبو عبد الله والمرتضى والطوسي وأقرانهم... (1) عدته الاصولية أما الذي مكنه من البروز في هذا الميدان تدريسا وتأليفا فجهات هي: أولا: تربيته الاسرية، فقد عرف عنه، أنه عاش في بيت اجتهادي فأبوه سديد الدين، وخاله المحقق، وابن عم والدته الشيخ نجيب الدين، وغيرهم من فطاحل العلم والمعرفة. ثانيا: أخذه المعارف الاصولية، إمامية وغيرها، من مصادرها الاساسية، وذلك بقراءته وسماعه، فترة لا يستهان بها، على خيرة أساتذتها. ثالثا: ثقافته الموسوعية في بقية نواحي العلوم الحياتية الاخرى، حتى أنه ألف كتبا عدة في الكثير من فنونها، فمكنه من استيعاب كل ما له صلة بموضوعه من بحوثها. رابعا: احتكاكه المباشر بوسط، يضم مختلف المدارس الفكرية، وما لها من أنصار ونفوذ، إمامية وغيرها، خاصة في مدينته الحلة، وفي يومه ذاك. خامسا: سفراته المتعددة: وبالاخص تلك التي أملت عليه، أن يكون على علم تام، بمعارف المذاهب المناظرة له، خاصة وأنه موفد في مهمة خطيرة، ذات أهمية مصيرية، قد يتوقف عليها مستقبله ومستقبل من ينتسب إليهم، ألا وهي المناظرة والمحاججة في مجلس رئيس دولة، نقل عنه أنه سئم المذاهب، وأمام مجموعة لها مكانتها بين فطاحل العلم، المختلفين في مذاهبهم، المتفقين على غير ما يدعو إليه.


(1) وللتوسع ! ! يراجع " المعالم الجديدة " للحجة الصدر: ص 51 - 76 بحث: " الحاجة إلى علم الاصول تأريخية ". (*)

[ 34 ]

سادسا: وأخيرا إقبال الدنيا عليه، حيث منحته مكانة تليق بشأنه، ومدرسة سيارة ماثلة في خدمته، وأمهات المصادر لكل ماله صلة بموضوعه تحت متناول يده، وجمع عظيم من كبار العلماء والكتاب للدرس والتشاور حاضرون بمعيته. خدماته الاصولية وتتمثل هذه في: أولا: العمل على تهيئة مستويات دراسية متعددة، يراعى فيها العمر الزمني والعقلي للدارسين، كما في كتبه - على سبيل المثال - بالتناوب، مبادئ الوصول فالتهذيب فالنهاية. ثانيا: العمل على تطبيق فكرة المقارنة بين مختلف الآراء الاصولية في بحوثه، سواء للمدرسة الواحدة، أو لمختلف المدارس المتعددة الاخرى، كما في البحث الثالث والربع من الفصل الثالث، في الاوامر والنواهي على سبيل المثال. ثالثا: المثابرة على سبر الآراء على إختلاف مشاربها، ثم الاجتهاد في تبني ما يعضده الدليل لديه، إن كما هو، أو بعد اجراء بعض التعديلات من إنقاص أو إضافة بعض القيود، كما في تعريف الحقيقة والمجاز مثلا، أو موافقته لما ذهب إليه أبو حنيفة في البحث الخامس من الفصل الرابع، في العموم والخصوص، من أن الاستثناء على خلاف الاصل، وغير هذا وذاك كثير، تجده مفصلا بين ثنايا الكتاب.

[ 35 ]

* * نحن ومبادئ العلامة وقفة مع المبادئ والحديث عنها يتحدد بالبيانات التالية: أولا: مبادئ الوصول وهو كما سبق ذكره: كتاب مختصر، على غرار " منهاج الوصول في معرفة علم الاصول "، لقاضي القضاة، ناصر الدين البيضاوي، المتوفى عام 685 ه‍، والمطبوع أخيرا في القاهرة، عام 1389 ه‍ - 1969 م. على أن مبادئ وصول العلامة: " مشتمل على ما لابد منه، من مسائل اصول الفقه، ومرتب على فصول، وكل فصل على مباحث، ألفه بإلتماس تقي الدين، إبراهيم بن محمد البصري " (1)، أحد تلامذة المصنف المرموقين. ثانيا: طبعات الكتاب صدرت له طبعة حجرية واحدة، في طهران عام 1310 ه‍، منظما إلى كتاب آخر: هو " المعارج "، للمحقق الحلي، في قطع صغير، خال من الاخراج والتعليق، وفيه شئ من السقط بين جمله وكلماته، بقياس: 17 سم * 11 سم


(1) الذريعة: 19 / 44. (*)

[ 36 ]

ومعدل 18 سطرا، عدا الرقم للصفحة الواحدة، ومجموع 57 صفحة خاصة بالمبادئ، مصححة من قبل حبيب الله الجيلاني الاشكوري. ثالثا: نسخة الخطية توجد له نسخ خطية عديدة، لعل أقدمها واكثرها أهمية، هذه النسخة التي اعتمدنا صورتها في مقابلة النص، المسجلة حاليا في مكتبة أمير المؤمنين (ع) في النجف الاشرف، برقم 2431 / 9، والمأخوذة عن النسخة الام، الموجودة فعلا في مكتبة السيد أبو المعالي شهاب الدين المرعشي، ب‍ " قم " من مدن " ايران " وهذه النسخة مكتوبة بخط تلميذ العلامة احمد الآوي، عام 703 ه‍، ومقروءة على العلامة نفسه عام 705 ه‍، وعلى ولده فخر المحققين من نفس العام. رابعا: شروحه المتوفرة طبعا ! ! المتوفرة في عالم المخطوطات، حيث أن أيا منها لم يوفق بعد للظهور إلى دنيا الطبع. وهي مذكورة مع وصف موجز لكل واحد منها، في موسوعة الذريعة ج‍ 14، ص 52 - 54. أما الذي اعتمدنا عليه منها هنا، لدى التعليق على هذا الكتاب، فهو: أولا: غاية البادي إن هذا الكتاب المسمى ب‍ " غاية البادي في شرح المبادئ "، من

[ 37 ]

أهم الشروح المعروفة لمبادئ العلامة، والذي ألفه تلميذه ركن الدين الجرجاني، خدمة لمعاصرة الجليل السيد عميد الدين ابن اخت العلامة. وهو الشرح الذي اعتمد عليه، ورجع إليه في المهم من بحوثه " الشيخ الانصاري في رسائله. توجد له نسخ خطية متعددة، منها تلك التي اعتمدنا عليها، والتي هي موجودة فعلا في مكتبة السيد الحكيم العامة. وهي منسوخة بقلم زين العابدين القشقائي، عام 834 ه‍، في 179 ورقة، حسب ترقيم المكتبة لها، بقياس 10 سم * 17 سم تقريبا، ومعدل 17 سطرا للصفحة الواحدة، والمسجلة لديها برقم 1094. على أن هذا المصنف، كثيرا ما أشتبه بمصنف آخر، أطلق عليه " نهاية البادي في شرح المبادي "، وعرف بأنه من مصنفات السيد عميد الدين ابن اخت العلامة لا أما الاشتباه في بدايته، فقد وقع فيما يبدو، للحجة الراحل المغفور له، الشيخ " أغا بزرك الطهراني " في ذريعته، كما في ج‍ 14 ص 52. ثم استمر بعد ذلك، لمن نقل عنه، كما في سجلي - قبل التصحيح - مكتبة الحكيم العامة ومكتبة الحسينية الشوشترية. ولكن لدى التحقيق: بمقابلة ما يسمى بنهاية البادي، الموصوفة " بقال دام ظله وأقول "، لما يسمى بغاية البادى، خاصة تلك المحفوظة في مكتبة السيد الحكيم ومكتبة الحسينية الشوشترية، ثبت أن مدونات التسميتين كلمات متفقة واحدة. كما وأن مراجعة المصادر، التي ترجمت للسيد عميد الدين، لم نجد فيها أي ذكر لمثل هذا المصنف - سواء في إسمه الصحيح أو المشتبه به - يحمل مثل هذا الاسم من بين مصنفاته.

[ 38 ]

كذلك ! ! فإن مراجعة أمهات الفهارس، للكتب الخطية والمطبوعة تؤكد عدم وجود مثل هذا الكتاب، بمثل هذا الاسم، كشرح للمبادئ سواء للجرجاني أو عميد الدين، عدا ما ذكر في الذريعة، وما نقل عنه. وأخيرا ! ! فالذي يبدو، أن الشرح واحد، وأن التعدد في عنوانه إشتباه، وأن منشأه في القراءة، بفعل عدم وضوح الخط أولا، فعدم التثبت منه ثانيا. ذلك لان النسخة الموجودة في مكتبة الحسينة الشوشترية، المكتبة التي اطلع عليها الحجة الطهراني في حياته ونقل عنها كثيرا، نسخة سقيمة الخط. الامر الذي جعله - والجواد يكبو - يشتبه في قراءة الجملة " وسميته بغاية البادي "، الواردة في مقدمة الكتاب، فيقرأها " وسميته بنهاية البادي "، حيث أن حرف الغين حسب ما رأيته، يوحي بقراءته هاء وسطية. ثانيا: هوامش المسلماوي كما وقد اعتمدنا في التعليق أيضا، هوامش نسخة خطية اخرى، محفوظة في مكتبة الحسينة الشوشترية، الكائنة في قضاء النجف الاشرف من محافظة كربلاء. وهي موقوفة من قبل نعمة الله الطبيب، ومكتوبة عام 1026 ه‍، بقلم " ابراهيم بن عبد الله المسلماوي الخنجراوي في البلدة المعمورة، المسماة بالحلة ". كذلك ! ! فهي بقياس 21 سم * 15 سم، ومجموع 82 صفحة، ومعدل - 10 إلى 15 سطرا، لكل صفحة واحدة من صفحاته، حسب عدنا لها، حيث أن النسخة أصلا غير مرقمة.

[ 39 ]

هذا مع العلم بأنا رمزنا لها عند الاخذ منها ب‍ " هوامش المسلماوي " وأنها مسجلة لدى المكتبة برقم 610 / 115. الخطة في العمل إن القاعدة التي التزمنا بها، في جهدنا المبذول على هذا الكتاب بالذات، بعد الفراغ من كتابه ترجمة ملخصة عن مؤلفه،... قد تمثلت ملخصا: بإجراء مسح عام له، وذلك في متابعة نصوصه حتى نهايتها، إن تعليقا أو إخراجا، فهرسة أو تحقيقا، كل منها في مجال إختصاصه، وبالحدود المناسبة له، كما هو موضح في الخطوات التالية: الخطوة الاولى: في التحقيق التحقيق فيما نفهم: السير بالنص من أوله وحتى آخره، وذلك بمقابلته على النسخ أو النسخة الخطية المعتبرة، للتأكد من سلامة بنائه، مع بيان أوجه الاختلاف بينها إن وجدت، والاشارة إلى ذلك كله في الهامش، سواء أكان تحريفا أو سقطا، زيادة أو نقصا. وحيث أن نسخة السيد المرعشي المشار إليها فيما سبق، تملك من المرجحات الشئ الكثير، التي لم نعثر عليها - وبحدود اطلاعنا - في سواها. من جهة: قدمها أولا، ووضوح كتابتها ثانيا، وتعدد بلاغتها ثالثا، ووجود خطي المؤلف وولده في أولها وآخرها رابعا، وقراءتها عليهما من قبل التلميذ الآوي العارف باصولها خامسا. لكل هذه الاهمية فيها، فقد اعتمدنا مقابلة كتابنا هذه عليها، والحديث عنها بالتفصيل كما يلي:

[ 40 ]

الاول: مصدر الاقتناء أما مصدر اقتناء النسخة الاصل: فهي مكتبة السيد أبو المعالي شهاب الدين المرعشي العامة في " قم "، من مدن " إيران ". وأما مصدر اقتناء النسخة المصورة: فهي مكتبة أميرا المؤمنين العامة في " قضاء النجف الاشرف "، من " محافظة كربلاء المقدسة "، في القطر العراقي. وأما تأريخ الاقتناء ورقمه: فهو 2832، في 20 شوال، عام 1386 ه‍ كما مدون على ختم المكتبة، الموجود على أول صفحة من المصورة، وفي أماكن اخرى منها. وأما رقم المصورة لدى المكتبة: فهو 2431 / 9، كما ذكرناه عند الحديث عن مبادته. الثاني: قياسات الكتاب أما في مساحته الكلية: فطوله 21 سم، وعرضه 16 سم. وأما في مساحته المكتوبة: فطوله 18 سم، وعرضه 10 سم، كما في صفحة 15 منه، على أن الصفحات الباقية، تقاربها في الطولين. وأما عدد صفحاته: فهي تسع وخمسون صفحة، وأن عدد الاسطر هي 17 سطرا مع الرقم، كما في صفحة 10، وأن عدد الكلمات في السطر 12، التي هي 9 كلمات، وهي " الاشتراك، على، خلاف، الاصل، فوجب، جعله، حقيقة، في، القدر ". هذا مع العلم: أن الرقمين 9 و 10 متتاليا في ترتيبهما، لكنهما مكرران في نصهما، كلمات وجملا وغيرهما.

[ 41 ]

وأن الصفحة رقم 46 من المصورة، متروكة فراغا لم يدون فيها أي شئ، ويظهر أنها سقطت عند التصوير. الثالث: نسخها وقراءتها أما الفراغ من تأريخ النسخ: فقد وقع " ظهيرة يوم الحادي والعشرين من شهر الله المبارك رمضان "، كما هو مذكور في الصفحة الاخيرة من الكتاب. وأما الناسخ له: فهو " أحمد بن أبي عبد الله بلكو بن أبي طالب الآوي "، كما جاء ذلك في آخر صفحة من الكتاب. وأما قراءتها: فقد قرأت على مؤلفها، العلامة الحلي نفسه، من قبل ناسخها الآوي، في " شهر رجب من سنة خمس وسبعمائة "، كما وقرأت أيضا، من قبل ناسخها ابن بلكو، على والد الحسن فخر المحققين " في مجالس آخرها الحادي والعشرون من رجب سنة خمس وسبعمائة "، وهذا ما جاء ذكره بخط العلامة ذاته، على الصفحة الاولى من الكتاب، وبخط فخر المحققين عينه، على الصفحة الاخيرة من الكتاب نفسه. الرابع: بلاغاتها وتعليقاتها تحتوي هذه النسخة على مجموعة من البلاغات، كما هي مدونة في صفحة 3 و 4 و 12 و 26، وغيرها من بقية الصفحات. كذلك تضم مجموعة من التعليقات تتفاوت في وجودها، فهي كثيرة كما في صفحة 6 و 27، وقليلة كما في 16 و 30. الخامس: تجليدها وأخيرا ! ! تمتاز هذه المصورة، بأنها مجلدة تجليدا عصريا مذهبا،

[ 42 ]

بكعب جلده اسود، وغلاف كتابه أسود، مزخرف بمكعبات من نفس اللون، موزعة على مساحة متموجة في أسطحها بضلالها، علما بأن التجليد حديث عهد، وهو من أعمال نفس المكتبة المقتنية. السادس: نموذج من صفحاتها هذا ! ! وأخيرا: فأدناه صورتان من هذه الكتاب المحقق، المصور عن النسخة الاصل، بقياسه الطبيعي، تجد الاولى منهما مأخوذة من أوله مدون عليها اسم الكتاب، وشئ من خط العلامة، وتأريخ القراءة عليه وبعض التملكات، بالاضافة إلى اسم المصدر المقتني، ورقم وتاريخ الاقتناء. والثانية منهما: مأخوذة عن آخره، مكتوب عليها اسم الناسخ، وتاريخ النسخ، وشئ من خط ولد المؤلف، وتاريخ القراءة عليه، بالاضافة إلى المصدر المقتني، ورقم وتأريخ الاقتناء.

[ 45 ]

الخطوة الثانية: في التعليق التعليق لدينا يعني: مواكبة متن الكتاب لدراسته، على ضوء المصادر المعتمدة قدر الامكان، من بدايته وحتى آخر كلمة فيه، سواء أكان ذلك إرجاعا لقائلي آرائه، أم تعريفا للمصطلح من مفرداته، أم... وهذا ماتم في هامش المتن - بعد وضع خط فاصل بينهما - على النحو التالي: أولا: نسبة الاراء فقد عملنا جاهدين على نسبة كل رأي ورد في الكتاب، أصوليا كان أو غير اصولي، إلى صاحبه الشرعي، كي يسهل علينا بعد ذلك، التعرف على تلك الآراء في تأريخها، فعلى طبيعة الوضع الاجتماعي - إن أمكن - لها في حينها، وأخيرا الملابسات الخفية التي كانت وراء تعددها في نشوءها. كما وقد عمدنا حسب المستطاع، إلى إرجاع بعض النصوص لقائليها، كما في بعض التعاريف المنقولة عن أبي الحسين البصري، في العام والتخصيص وغيرهما، وذلك وفاء منا لاصحابها بذكرهم، وتأكيدا لاجيالنا المتعاقبة على أن المعرفة حلقات متواصلة، يسعف حديثها قديمها بفضلهم. ثانيا: تعريف بالمفردات كثيرا ما ترد في متن الكتاب مفردات متعددة المشارب، فنعمد إلى بيانها باختصار كما يلي: أولا: اللغوية، كما في لفظة العين، وغيرها.

[ 46 ]

ثانيا: القرآنية، كما في لفظة اللسان واللغات. ثالثا: الاصطلاحية، كما في لفظة التوقيفية والمحكم والمتشابه وغيرها. رابعا: العقائدية، كما في لفظة الاعتزال والحنفية والاشاعرة. خامسا: المكانية، كما في لفظة الصفا والمروة. ثالثا: شرح العبارات فنعمل على توضيح العبارات المغلقة في المتون، مع مراعاة الدقة والوضوح والاستيعاب والاختصار عند التعليقة الواحدة، وأن تكون أية واحدة منها مأخوذة من مصادرها المعنية الموثوقة المعترف بها. فمثلا ! ! التعليقة النحوية نرجع بها إلى كتب النحو، والبلاغية إلى كتب البلاغة، والاصولية إلى كتب الاصول، وهكذا... رابعا: تخريج الآيات والاحاديث وذلك بالعمل على تخريج ما موجود: من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية أو صحابية، ونصوص توراتية، من مظانها من المصادر المعتمدة في هذا المجال، مع ذكر اسمائها وأجزائها وأرقام صفحاتها، بالاضافة إلى ما موجود من إختلافات في ألفاظها وجملها. خامسا: ضرب الامثلة بأن تكون مطابقة وواضحة، وأحيانا متعددة، لمعظم ما يرد في الكتاب من قواعد أصولية. كي تكون الفائدة أتم، وسهلة التناول لدى الغالبية من المعنيين بالدراسات الاصولية، وكل في حدود استعداداته الذهنية.

[ 47 ]

سادسا: ترجمة الاعلام وذلك باعطاء صورة مختصرة عن حياة كل منهم، من حيث أزمانهم ونوع المدارس الفقهية أو الكلامية التي ينتسبون إليها، مع ذكر أهم أعمالهم والنتاج الثقافي لديهم، خاصة ما يتعلق منه بعلم الاصول، الذي نحن بصدد التعليق عليه. سابعا: توضيح الوقائع التأريخية وذلك بالعودة إلى تلك التي حدثت في صدر الاسلام منها خاصة، والتي استدل المؤلف وغيره، عن طريقها، على نوعية الاحكام الفقهية. ثم كيفية الاستفادة منها بعد ذلك، في إنتزاع الافكار الاصولية، أو التأكيد على آرائه، ومدى شرعيتها في بحوث وفصول مبادئه الوصولية. الخطوة الثالثة: في الاخراج وهي تتلخص في نقاط ثلاث: أولا: في توزيع النص - 1 - وهو يعني: ملازمة النص الكتابي، لتوزيعه بحسب عناوينه ومعنوناته أولا، ثم إلى فقراته وجمله ثانيا، مع مراعاة فنية الترقيم والتنقيط خلاله ثالثا. علما بأن ما يصحب مثل هذا السير من تصرفات، كالزيادة المحصورة بين قوسين مركنين، هي تصرفات مشروعة تقتضيها فنية التوزيع، لكن لمن هو مختص بمثل إجراء هذا النوع من التحقيقات.

[ 48 ]

- 2 - أما العناوين: فقد وزعت إلى: أولا: الرئيسة منها، وهي الفصول بالنسبة إلى هذا الكتاب ثانيا: الثانوية، وهي البحوث المتفرعة عن فصولها. ثالثا: الثالثية، وهي المدلولات للبحوث وخلاصاتها، مع مراعاة انتزاع ما لم يوجد منها في بحوثها، وحصر الواحد منها بين نجمتين، للاشارة إلى كون ما في الاصل عدم وجودها. - 3 - وأما موضوعاتها: فقد وزع كل واحد منها، إلى مجموعة الفقرات التي يتركب عندها، على إعتبار أن كل واحدة منها تحمل فكرة معينة خاصة بها، تتحدد هي الاخرى بالجملة أو مجموعة المجل، التي تنتظم في عقدها. - 4 - وأما التنقيط: فهو يعني بإختصار، استعمال الادوات الخاصة به، على حسب ما يناسبه من مواضع، من فوارز ونقط وعلامات استفهام وتعجب وأقواس وأرقام وغيرها. ثانيا: في استعمال الفراغات إن توفير الفراغات في الكتاب - أي كتاب -، ضرورة يمليها نفس تبويب موضوعاته، باعتبار عناوينها من جهة، وتوزيع الفقرات بحسب مضامينها من جهة ثانية، ومبررات الشد الفكري المرجو نتيجة ذلك من جهة ثالثة.

[ 49 ]

لكنها في الوقت نفسه، لابد أن تكون في حدود المألوف الذي يلم الكتاب، لا الكثيرة التي تبعث على تفككه، ولا الهزيلة التي توجب تشوشه. الامر الذي يتسني معه، أن يحضى القارئ بفرص من الراحة، ولحظات من التأمل، وتطلعات من الشوق، تمكنه من المتابعة، فنتمكن بالتالي من إطلاعه على المطلوب من المهام، على أحسن صورة وعلى خير ما يرام. وعلى ما مر ! ! إلتزمنا في فراغاتنا أزاء أقسام الكتاب الثلاثة بما يلي: الاول: الخاص بأوليات الكتاب ! ! فقد أقمنا الصفحة الاولى على مجرد ذكر اسم الكتاب الاصل، متبوعة بثانية تحمل رقم الطبعة واسم المطبعة ومكانها وزمانها، فثالثة مختصة بفهرست اجمالي عن الكتاب ككل، مشفوعة بصفحة فراغ تام، فخامسة متصدية لفهرسة أوليات الكتاب اجمالا، تعقبها صفحة تحمل اسم قائل الكلمة حول الكتاب، فسابعة وما بعدها، هي كلمة المرتضى عنها، فتاسعة لتعريف مقدم بين يدي الكتاب، فاهداء مباشر لها، فحادية عشرة موقوفة لشكر الرجال الذين كانوا معنا على الطريق، فتالية تأتي بعدها معنية ببيان خلاصة عن الابطال الذين واحدهم المترجم له، ثم أخيرا تتوالى فقرات الترجمة على وجه التفصيل، يشد بعضها البعض، مع تمييز لاحداها عن الاخرى، بالفراغات الجانبية والبينية، فالبيضات الاولية والنهائية، التي يستلزمها توزيع تلك الفقرات. الثاني: الخاص بأصل الكتاب ! ! حيث أفردنا صفحة مستقلة تحمل اسم الكتاب ومؤلفه، متبوعة كذلك بفراغ تام، ثم ثالثة حاوية للبسملة فرابعة قائمة بالحمدلة، ثم بعد ذلك إيقاف صفحة واحدة لكل فصل من فصول الكتاب، مركنة برقمه وموضوعه، وأخيرا تتوالى بحوث الفصول وفقراتها، مميزة إحداها عن الاخرى، بالفراغات الجانبية والبينية

[ 50 ]

فالبياضات الاولية والنهاية، التي يستلزمها توزيع تلك الفقرات ضمن بحوثها. الثالث: الخاص بمجموعة الفهارس ! ! كذلك أوقفنا صفحة على ذكر الفهرست الاجمالي لها، تليها صفحة بفراغ تام، ثم تتتابع فهارس الكتاب على وجه التفصيل، سالكين معها نفس الخط الذي سلكناه في توزيع فراغات الاوليات من جهة، والفصول من جهة ثانية. ثالثا: في طباعة الكتاب وطريقتنا هنا تتلخص بالنقاط التالية: أولا: أن تكون العناوين الاساسية والثانوية، مخطوطة بخط جميل يتناسب في تنويعه ويتعدد، تعدد تشكيلاتها الحروفية، وقد راعينا في كتابات أهمها، أن تكون لمعلم الجيل، الاستاذ الخطاط الشهير هاشم محمد البغدادي. ثانيا: أن تكون الحروف الطباعية، من النوع المسبوك سبكا جيدا وبأحجام عديدة، تتنوع بحسب موقعها من الكتاب، فالمتن الاصل بحرف ذي حجم 20 عادي، والهامش بحرف ذي حجم 18 عادي، ومدلولات البحوث بحرف ذي حجم 12 أسود. ثالثا: أن يكون الورق المستعمل في طباعة الكتاب، من النوع الجيد، كالمعروف بزنة 80 أو 70 غراما، ومن القطع المصطلح عليه طباعيا ب‍ " الوزيري " بقياس 17 سم * 23 سم تقريبا. رابعا: أن يجلد الكتاب، بعد انهائه طباعيا، تجليدا نظيفا، يمتاز غلافه بالمتانة والتذهيب واللون المناسب.

[ 51 ]

الخطوة الرابعة: في الفهرسة لم يعد هناك أدنى شك، خصوصا يومنا هذا، أن الفهرسة تعتبر في حياة الباحثين، شيئا ضروريا، ذلك لانها تمثل الدليل الذي يستر شدون به إلى ضالتهم المنشودة، في استكناه ما موجود من أرصدة علمية لموضوعهم المبحوث عنه، من مصادره الموسوعية، وعلى الاخص القديم منها، وبحسب مواضعها من أرقام صفحاتها. فيمكنهم بالتالي الاحاطة بما يرومون دراسته، بأدق المعلومات، وأجمع مواردها، وأخصر طريق، وأدنى جهد. هذا فضلا عن أنها كشاف حي، للتعرف على تأريخ الافكار، وحدود المنجز وما لم ينجز منها. ونحن بموجب تلك الضرورة، إلتزمنا بوضع مجموعة من الفهارس في نهاية الكتاب، تمثل عرضا موجزا بمعظم الجوانب المهمة من جوانب صفحاته، على أننا لاحظنا في ترتيب معظمها أن تكون على الطريقة الابتثية. هذا هو ! ! قارئي العزيز، جهدنا الذي حق لنا أن نقضي فراغنا فيه. وها هو إليك - تنقل فيه - كما يلي:

[ 53 ]

القسم الثاني مبادئ الوصول إلى علم الاصول العلامة الحلي ابو منصور جمال الدين الحسن بن يوسف 648 ه‍ - 726 ه‍

[ 55 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 56 ]

الحمد لله المتفرد بالازلية والدوام، المتوحد بالجلال والاكرام، المتفضل بسوابغ الانعام، المتقدس عن مشابهة الاعراض والاجسام. وصلى الله على سيد الانام، محمد المصطفى وعترته الاماجد الكرام. أما بعد. فهذا: كتاب مبادئ الوصول إلى علم الاصول، قد اشتمل من علم اصول الفقه على ما لابد منه، واحتوى على ما لا نستغني عنه. نرجو بوضعه: التقرب إلى الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ورتبته على فصول:

[ 57 ]

الفصل الاول في: اللغات وفيه: مباحث

[ 58 ]

الاول في: أحكام كلية ذهب جماعة (1): إلى أن اللغات توقيفية (2): لقوله تعالى: " وعلم آدم الاسماء كلها " [ 2 / 32 ]، وقوله تعالى: " واختلاف ألسنتكم " [ 30 / 23 ]، والمراد به اللغات (3). وقال أبو هاشم (4): إنها إصطلاحية (5)، لقوله تعالى:


(1) منهم: أبو الحسن الاشعري، وابن فورك. " المزهر: 1 / 16 بتصرف ". (2) بمعنى أن الله عزوجل: وقف آدم (ع) على ما شاء أن يعلمه إياه، مما إحتاج إلى علمه في زمانه، وانتشر من ذلك ما شاء الله، ثم علم بعد آدم من الانبياء - صلوات الله عليهم - نبيا نبيا، ما شاء أن يعلمه، حتى انتهى الامر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله، فآتاه الله من ذلك، ما لم يؤته أحدا قبله، تماما على ما أحسنه من اللغة المتقدمة، ثم قر الامر قراره فلا نعلم لغة من بعده حدثت. " المزهر: 1 / 9 " (3) كما في: المزهر 1 / 16، وتفسير الطبري: 21 / 32، وتفسير التبيان: 8 / 239. (4) هو: عبد السلام بن عبد الوهاب الجبائي (247 - 321 ه‍) أحد أعلام معتزلة البصرة، تبعته فرقة سميت فرقة البهشمية، نسبة إلى كنيته أبي هاشم. أعلام الزركلي: 4 / 130 - 131، والملل والنحل: 1 / 103 - 112، والمعتزلة: 1 / 153 - 156. (5) وذلك: بأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا = (*)

[ 59 ]

" وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " [ 14 / 5 ]. ولا يجب أن يكون لكل معنى لفظ (1)، وإلا لزم عدم تناهي الالفاظ، بل الواجب وضع اللفظ لما تكثر الحاجة إلى التعبير عنه. والعلم باللغة: واجب، لوجوب معرفة الشرع المتوقف عليها. والكلام عند المعتزلة (2): هو المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة، المتواضع عليها. إذا صدرت عن قادر واحد.


= إلى الابانة عن الاشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا، إذا ذكر عرف به ما مسماه. ليمتاز عن غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف واسهل، من تكلف احضاره لبلوغ الغرض في إبانة حاله. " المزهر: 1 / 12 " (1) لعدم تناهي المعاني. " غاية البادي في شرح المبادي: ص 8 " (2) الاعتزال: مذهب كلامي في اصول الدين، مؤسسه واصل ابن عطاء، في مطلع القرن الثاني الهجري، ومن جملة مبادئه: أن الله تعالى قديم، وأن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، وأن العبد قادر، خالق لافعاله. وهو ذو مدارس متعددة، لكل منها عناصر خاصة بها، وإن كانت جميعها تلتقي في عناصر مشتركة بينها. هذا ! ! ومن جملة مدارسه: الهذيلية أصحاب أبي الهذيل محمد بن الهذيل، والجبائية جماعة أبي علي محمد بن عبد الوهاب وابنه أبي هاشم عبد السلام. الملل والنحل: 1 / 57 - 112، والمعتزلة: 1 / 1 - 267، وأمالي المرتضى: 1 / 163 - 169. (*)

[ 60 ]

ويطلق على الجملة المفيدة (1). البحث الثاني في: تقسيم الالفاظ وهو من وجوه: أحدها: أن اللفظ إن دل على الزمان المعين بصيغته (2) فهو الفعل، وإلا فهو الاسم إن استقل بالدلالة، وإلا فهو الحرف، الثاني: اللفظ إما مفرد وإما مركب، فالاول ما لا يدل جزوه على جزو معناه حين هو جزؤه كزيد (3)


(1) اعلم: أن الكلام عند الاصوليين، أعم من الكلام عند النحويين فإنهم أخذوه بحيث يشمل الكلمة والجملة المفيدة، فمفهوم الكلام عندهم هو القدر المشترك بينهما، أي بين تعريف المعتزلة وتعريف النحويين. " غاية البادي: ص 9، جمعا بين المتن والهامش " (2) إنما قال بصيغته: لان الكلمة إذا دلت على زمان معين لا بصيغتها لا تكون فعلا بل إسما، كالمتقدم والمتأخر والماضي والمستقبل، ما أشبه ذلك من الاسماء التي تدل بموادها على أزمنة بأعيانها. " غاية البادي: ص 11 ". (3) وعبد الله وعبد الحسين، وهذان الاخيران، إذا كانا اسمين لشخصين، فأنت لا تقصد بجزء اللفظ " عبد " و " الله " و " الحسين " معنى أصلا، حينما تجعل مجموع الجزئين دالا على ذات الشخص. وما مثل هذا الجزء إلا كحرف " م‍ " من محمد وحرف " ق‍ " من قرأ، وحرف " ي‍ " من زيد. = (*)

[ 61 ]

والثاني ما يدل (1). الثالث: اللفظ والمعنى إن اتحدا (2) ! ! فان منع تصور المعنى من الشركة فهو العلم والمضمر، وإلا فهو المتواطئ إن تساوت أفراده (3) والمشكك إن اختلفت (4).


= نعم، في موضع آخر، قد تقول " عبد الله "، وتعني بعبد معناه المضاف إلى الله تعالى، كما تقول " محمد عبد الله ورسوله "، وحينئذ يكون نعتا لا اسما، ومركبا لا مفردا. أما لو قلت " محمد بن عبد الله " فعبد الله مفرد، هو اسم أب محمد " منطق المظفر: 1 / 43 ". (1) ويسمى القول أيضا: مثل " الخمر مضر "، فالجزءان " الخمر " و " مضر "، يدل كل منهما على جزء معنى المركب. " منطق المظفر: 1 / 44 بتصرف ". (2) كلفظة الله، فإنها واحدة، ومدلولها واحد، يسمى هذا بالمفرد، لانفراد لفظه بمعناه " المزهر: 1 / 368 ". (3) مثل الانسان ! ! فإنك لا تجد تفاوتا بين الافراد في نفس صدق المفهوم عليه، فزيد وعمر وخالد، إلى آخر أفراد الانسان، من ناحية الانسانية سواء، من دون أن تكون إنسانية أحدهم، أولى من إنسانية الآخر، ولا أشد ولا أكثر، ولا أي تفاوت آخر في هذه الناحية. وإذا كانوا متفاوتين، ففي نواح اخرى غير الانسانية، كالتفاوت بالطول واللون والقوة والصحة والاخلاق وحسن التفكير، وما إلى ذلك. " منطق المظفر: 1 / 53 " (4) مثل مفهوم البياض والعدد والوجود، فإنك إذا طبقت كل واحد منها على أفراده، تجد - على العكس من النوع السابق - تفاوتا بين = (*)

[ 62 ]

وإن تكثرا ! ! فهي الالفاظ المتباينة (1). وإن تكثر اللفظ خاصة ! ! فهو المترادفة (2). وإن تكثر المعنى خاصة ! ! فإن كان قد وضع أولا لمعنى، ثم استعمل في الثاني، فهو المرتجل إن نقل لا لمناسبة (3). وإن نقل لمناسبة ! ! فهو المنقول اللغوي (4)، أو العرفي (5)،


= الافراد، في صدق المفهوم عليها، بالاشتداد أو الكثرة أو الاولوية أو التقدم. فنرى بياض الثلج أشد بياضا من بياض القرطاس، وكل منهما بياض، وعدد الالف اكثر من عدد المائة، وكل منهما عدد، ووجود الخالق أولى من وجود المخلوق، ووجود العلة متقدم على وجود المعلول، بنفس وجوده لا بشئ آخر، وكل منهما وجود " منطق المظقر: 1 / 53 ". (1) مثل: كتاب، قلم، سماء، أرض، حيوان، جماد، سيف صارم. والتباين هنا بين الالفاظ، باعتبار تعدد معناها، وإن كانت المعاني تلتقي في بعض أفرادها أو جميعها، فإن السيف يباين الصارم، لان المراد من الصارم خصوص القاطع من السيوف، فهما متباينان معنى وإن كانا يلتقيان في الافراد، إذ أن كل صارم سيف " المنطق: 1 / 36 ". (2) حيث يكون أحد الالفاظ، رديفا للآخر على معنى واحد مثل: أسد وسبع وليث، هرة وقطة، إنسان وبشر. " منطق المظفر: 1 / 36 بتصرف " (3) ومنه اكثر الاعلام الشخصية. " منطق المظفر: 1 / 34 " (4) ومنه معظم المفردات التي نصت عليها كتب اللغة. (5) كلفظ السيارة والطائرة. " منطق المظفر: 1 / 33 " (*)

[ 63 ]

أو الشرعي إن غلب المنقول إليه (1). وإلا ! ! فهو حقيقة بالنسبة إلى الاول (2)، ومجاز بالنسبة إلى الثاني. وإن وضع لهما معا (3)، فهو المشترك بالنسبة إليهما معا، والمجمل بالنسبة إلى كل واحد منهما (4). الرابع: اللفظ المفيد (5).


(1) مثل: لفظ " الصلاة "، الموضوع أولا للدعاء ثم نقل في الشرع الاسلامي، لهذه الافعال المخصوصة، من قيام وركوع وسجود ونحوها، لمناسبتها للمعنى الاول. ومثل: لفظ " الحج "، الموضوع أولا للقصد مطلقا، ثم نقل لقصد مكة المكرمة، بالافعال المخصوصة والوقت المعين. " منطق المظفر: 1 / 33 " (2) أي: وإلا يغلب المنقول إليه المنقول منه، ومن دون أن يبلغ حد الوضع في المعنى الثاني، فذلك هو الحقيقة بالنسبة للاول، والمجاز بالنسبة للثاني، من قبيل لفظ الاسد، الذي هو حقيقة في الحيوان المفترس، ومجاز في الانسان الشجاع. (3) من دون أن يسبق وضعه لاحدهما، على وضعه للآخر، مثل: " الجون " الموضوع للاسود والابيض. " منطق المظفر: 1 / 33 بتصرف " (4) المجمل: ما ازدحمت فيه المعاني، وأشتبه المراد اشتباها لا يدرك بنفس العبارة، بل بالرجوع إلى الاستفسار، ثم الطلب والتأمل. فالصلاة: كان الامر فيها مجملا، وبينته السنة بالقول والعمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: " صلوا كما رأيتموني اصلي ". " أصول الفقه الاسلامي: ص 131 " (5) ينقسم اللفظ باعتبار ظهور دلالته على معناه وخفائها إلى نوعين: = (*)

[ 64 ]

إن لم يحتمل غير ما فهم عنه، فهو النص (1).


= واضح وخفي. والواضح الدلالة: ليس على درجة واحدة في الوضوح، بل بعضه أوضح دلالة من بعض، كما أن الخفي: ليس على درجة واحدة في الخفاء بل بعضه أخفى دلالة من بعض. وعلى هذا الاساس: قسم علماء الاصول من الحنفية، اللفظ من حيث ظهوره المعنى منه، إلى ظاهر ونص ومفسر ومحكم. وقسموه من حيث الخفاء، إلى خفي ومشكل ومجمل ومتشابه " أصول الفقه الاسلامي: ص 292 باختصار " (1) مثاله من القرآن: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ". ففي هذه الآية الكريمة يستفاد من كلمة " أبدا "، حرمة قبول شهادة الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء حرمة مؤبدة، وذلك لانحصار كلمة " أبدا " في الدلالة على التأبيد والاستمرار، لانها نص في معنى التأبيد. ومثاله من الحديث: " المحرم إذا تزوج وهو يعلم أنه حرام عليه لم تحل له أبدا ". ففي هذه الرواية الشريفة أيضا، ينتهي إلى استمرار عدم حلية المرأة على المحرم الذي تزوجها في حالة إحرامه، وهو يعلم أن الزواج حالة الاحرام حرام عليه، وذلك لان كلمة " أبدا " نص في الاستمرار والتأبيد كما تقدم. " جمعا بين مبادئ اصول الفقه: ص 38 - 39، ومستمسك العروة الوثقى: 12 / 136 بتصرف " (*)

[ 65 ]

وإن احتمل: فإن تساويا فالمجمل، وإلا فالراجح ظاهر (1) والمرجوح مأول (2). والمشترك بين النص والظاهر هو المحكم (3)، وبين المجمل


(1) الظاهر: هو ما دل على معناه دلالة واضحة، بحيث لا يتوقف فهم معناه على قرينة خارجية، ولم يكن معناه هو المقصود الاصلي من سياق الكلام، كقوله تعالى " وأحل الله البيع وحرم الربا "، فإنه ظاهر في إحلال البيع وتحريم الربا. لان هذا المعنى، يتبادر فهمه، من كلمتي " أحل وحرم "، من غير حاجة إلى قرينة خارجية. وهو غير مقصود بطريق الاصالة من سياق الآية، بل المقصود الاصلي منهما، الدلالة على التفرقة بين البيع والربا، ردا على الذين سووا بينهما، وقالوا " انما البيع مثل الربا ". " أصول الفقه الاسلامي: ص 292 - 293 " (2) التأويل: هو إخراج اللفظ عن ظاهر معناه، إلى معنى آخر يحتمله، وليس هو الظاهر فيه. كتأويل اليد بمعنى السلطان، في قوله تعالى " يد الله فوق أيديهم "، وبمعنى السخاء والجود، في قوله تعالى " بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ". ومثل تفسير الاستواء بالاستيلاء، في قوله تعالى " الرحمان على العرش استوى ". " أصول الفقه الاسلامي: ص 135 - 136 باختصار ". (3) المحكم: هو اللفظ، الذي ظهرت دلالته على معناه، ولم يحتمل تأويلا ولا تخصيصا، ولا نسخا في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ولا بعد وفاته. = (*)

[ 66 ]

والمأول هو المتشابه (1). الخامس: الاسم إن دل على الذات، فهو اسم العين (2). وإلا ! ! فهو المشتق (3).


= وذلك كالنصوص الدلالة على حكم أساسي من قواعد الدين، كالايمان بالله تعالى وحده، والايمان بملائكته ورسله واليوم الآخر. أو على حكم جزئي قام الدليل على تأبيده ودوامه: كما في قوله تعالى " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله، ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا "، وقول الرسول صلى الله عليه وآله " الجهاد ماض منذ بعثني الله، إلى أن يقاتل آخر امتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ". " أصول الفقه الاسلامي: ص 295 - 296 " (1) المتشابه: هو اللفظ الذي يخفى معناه، ولا سبيل لان تدركه عقول العلماء، كما أنه لم يوجد ما يفسره تفسيرا قاطعا أو ضنيا، من الكتاب أو السنة. ومنه: الحروف المقطعة في أوايل السور، والآية الكريمة " والسماوات مطويات بيمينه ". " جمعا بين هامش المصورة: ص 4، واصول الفقه الاسلامي: ص 135 - 136 بتصرف " (2) من قبيل: الرجل والسقف والخشب والبيت، وهو الذي يدرك مدلوله بذكره مجردا، غير مستعين بكلمة اخرى. فلو قيل لك: بيت، ليتبادر إلى ذهنك، هذا الشكل المجسم، الذي اصطلح الناس على تسمية بهذا الاسم، واستخدموه للسكنى. " قواعد اللغة العربية: 3 / 4 بتصرف " (3) من قبيل: العادل والواجب والصادق، المشتقة من العدل والوجوب والصدق. (*)

[ 67 ]

ولابد في الاشتقاق: من اتحاد بين اللفظين (1)، وتناسب في المعنى والتركيب (2). ولا يشترط بقاء المعنى في صدقه (3).


= هذا ! ! ويعد المصدر، المعبر عنه باسم المعنى قبال اسم الذات - على رأي - أصل المشتقات. والتي هي: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، واسم المكان والزمان، واسم الآلة. هذا ! ! ولمن أراد التوسع: فعليه بمراجعة كتاب " الاشتقاق "، لعبد الله أمين، الطبعة الاولى، سنة 1376 ه‍ - 1956 م، 464 ص، وكتاب " قواعد اللغة العربية "، تأليف عبد القادر حسن أمين ويحيى كاظم الثعالبي، ج‍ 3، الطبعة الاولى، سنة 1385 ه‍ - 1965 م، 184 ص. (1) أي ولابد في الاشتقاق، من اتحاد بين المشتق والمشتق منه، في مادة اللفظ لا في صيغته " غاية البادي: ص 22 بتصرف ". (2) قال ابن دحية في شرح التسهيل: الاشتقاق، أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ومادة أصلية وهيأة تركيب لهما، ليدل بالثانية على معنى الاصل، بزيادة مفيدة، لاجلها اختلفا حروفا أو هيئة، كضارب من ضرب... " المزهر: 1 / 346 " (3) اختلف الاصوليون: في أنه هل يشترط بقاء المعنى المشتق منه للذات في إطلاق الاسم المشتق عليها أم لا ؟ فقال قوم: نعم، وقال قوم: لا، وقال آخرون: إن أمكن بقاؤه فنعم وإلا فلا. فلنوضح ذلك بالمثال ونقول: إن ريدا إذا صدر عنه الضرب وانقضى هل يصح إطلاق اسم الضارب عليه حقيقة أم لا ؟ بعد وقوع الاتفاق على الجواز مجازا. فقال المشترطون لبقاء المعنى: لم يصح، وقال النافون = (*)

[ 68 ]

البحث الثالث في: المشترك (1) ذهب قوم (2): إلى امتناعه، وهو خطأ (3)، لا مكانه في الحكمة (4).


= يصح، واختار المصنف هاهنا المذهب الثاني. والدليل عليه: صدق العالم والمؤمن على النائم، وإن لم يكن العلم والايمان حاصلين له حالة النوم، واجماع أهل العربية على صدق قولنا: زيد ضارب أمس " غاية البادي: 23 - 24 " (1) وقد حده أهل الاصول: بأنه اللفظ الواحد، الدال على معنين مختلفين فأكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. " المزهر: 1 / 369 ". (2) كما نسب إلى تغلب الابهري والبلخي ونظرائهم. " الاصول الحديثة في مباحث الالفاظ: ص 36 " (3) احتج القائلون بالامتناع: بأن وضع المشترك ينافي غرض الواضع فكان ممتنعا لكونه حكيما. بيانه: أن الغرض من الواضع استفادة المعنى من اللفظ، واللفظ المشترك لا يستفاد منه شئ. والجواب أنه يستفاد بالقرائن. " غاية البادي: ص 27 " (4) وذلك ! ! أولا: أن الغرض من إطلاق اللفظ، قد يكون فائدة إجمالية، وقد يكون فائدة تفصيلية، والالفاظ المشتركة واسماء الاجناس وإن لم تفد الفوائد التفصيلية، لكنها تفيد الفوائد الاجمالية = (*)

[ 69 ]

ووجوده في اللغة (1). نعم، هو على خلاف الاصل (2)، والا لما حصل التفاهم حالة التخاطب من دون القرينة، ولما استفيد من السمعيات شئ أصلا (3). ويعلم الاشتراك: بنص أهل اللغة (4)، وبعلامات الحقيقة


= فلذلك وقعت. وثانيا: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن بطريق الحقيقة. إذ لو كان مجازا فيهما أو في أحدهما، لصح نفيه عنهما. لانه من خواص المجاز، ووجود كل شئ عين ماهيته، كما ثبت في علم الكلام. وإذا كان كذلك، فيكون وجود كل شئ مخالفا لوجود الآخر كالماهيات، فيكون الوجود مقولا عليها باشتراك لفظي " شرح المنهاج: ص 74 بتصرف " (1) ومن امثلة ذلك: لفظة العين، حيث يضرب لعين الماء، وعين الركبة، وعين الشمس، والدينار، والمال الناض... الخ. " الصحاح: 6 / 2170 بتصرف " (2) كما في المزهر: 1 / 370. (3) لان الاشتراك لو كان أصلا، لوجب على المخاطب أن يحمل اللفظ الوارد عليه على الاشتراك، وحينئذ يتردد ذهنه في معانيه، ولا يتعين أحدهما إلا بالقرينة. وحينئذ لا يستفاد من السمعيات شئ أصلا، ومعلوم أنه ليس كذلك. " غاية البادي: ص 28 " (4) كما في: الصحاح للجوهري: 6 / 2170 " لفظة العين "، والقاموس للفيروز آبادي: 2 / 335 " لفظة أرض "، وأساس البلاغة = (*)

[ 70 ]

في كلا المعنيين (1). والاقرب: أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك، في كلا معنييه، إلا على سبيل المجاز، لانه غير موضوع للمجموع، من حيث هو مجموع (2). البحث الرابع في: الحقيقة والمجاز الحقيقة: استعمال اللفظ فيما وضع له، في الاصطلاح الذي وقع به التخاطب (3).


= للزمخشري: ص 377 - 378 " لفظة رؤبة " والاجناس للهروي البغدادي: ص 4 " لفظة الصدى "، ومفردات الراغب: ص 544 " لفظة الهلال ". (1) وهي: سبق الفهم، والعري عن القرينة. " منهاج الوصول: ص 21 بتصرف " (2) مثاله: " إن الله وملائكته يصلون على النبي "، والضمير لله تعالى وللملائكة، فالصلاة بالنسبة إلى الملائكة الدعاء، وبالنسبة إلى الله تعالى الثناء، فالصلاة الله غير صلاة الملائكة، فثبت المشترك " هامش المصورة: ص 4 " (3) هذا التعريف ! ! أجود التعريفات المنقولة عن القوم، لشموله أنواع الحقيقة، وهو منقول عن أبي الحسين البصري. = (*)

[ 71 ]

والمجاز: استعماله في غير ما وضع له، في أصل تلك المواضعة، للعلاقة. والحقيقة: لغوية، وعرفية، وشرعية (1). والحق ! ! أن الشرعية مجاز لغوي، وإلا لخرج القرآن عن كونه عربيا (2).


= وكذا أبو الحسين: حد المجاز، لكنه لم يذكره القيد الاخير، وهو قيد العلاقة، ولابد منه، لانه لولا العلاقة، لكان وضعا جديدا. " غاية البادي: ص 30 بتصرف " (1) فاللغوية: كالاسد والانسان في ظاهرهما. والعرفية: كالدابة لذوات الاربع خاصة، بعد كونها لما دب. والشرعية: كالصلاة والزكاة والحج، لهذه العبادات، بعد كونها للدعاء والنماء والقصد. " منتهى الوصول: ص 14 بتصرف " (2) اختلف الاصوليون في الحقيقة الشرعية: فنفاها القاضي أبو بكر مطلقا، وأثبتها المعتزلة مطلقا. فما كان اسما للفعل كالصلاة والزكاة سموه شرعية، وما كان اسما للذات كالمؤمن والفاسق والكافر سموه دينية. واستدل القاضي: بأنها لو كانت واقعة، لما كان القرآن كله عربيا والتالي باطل فالمقدم مثله. بيان الشرطية: أن القرآن يشتمل على الاسماء المتنازع فيها، والفرض أنها غير عربية. وبيان بطلان التالي: قوله تعالى " انا انزلناه قرآنا عربيا " والضمير للقرآن كله. = (*)

[ 72 ]

واعلم: أن النقل على خلاف الاصل، وإلا لما حصل التفاهم حالة التخاطب، قبل البحث عن التعيين. ولتوقفه: على الوضع الاول ونسخه والوضع الثاني، فيكون مرجوحا بالنسبة إلى ما يتوقف على الاول خاصة (1).


= احتجت المعتزلة: بأن الشارع استعمل الفاظا لمعان لم يخطر ببال أهل اللغة، ووجدت علامات الحقيقة فيها، كمبادرة الذهن وكذب النفي، فتكون حقائق. لانا لا نريد بالحقيقة إلا ذلك، كالصلاة فإنها في اللغة للدعاء، واستعملها الشارع في الاركان المخصوصة... واعلم ! ! أنه يمكن الجمع بين الدليلين، إذ لا منافاة بين كون هذه الاسماء حقائق عند أهل الشرع ومجازات لغوية. وحينئذ لا يلزم، من كون القرآن كله عربيا، انتفاء الحقايق الشرعية لانها مجازات لغوية. ولذلك قال المصنف: والحق ! ! أن الشرعية مجاز لغوى. " غاية البادي: 31 - 32 " (1) يعنى إذا صدر لفظ من أهل اللغة أو أهل الشرع لمعنى، يجب أن يحمل على أنه موضوع لذلك المعنى، من غير نقل من معنى آخر إليه. لانه لو لم يكن كذلك، لم يحصل التفاهم حالة التخاطب، إلا بعد البحث في أنه منقول أو غير منقول. وليس كذلك، لانا نفهم المعاني حالة التخاطب، وإن لم يبحث في النقل. وأيضا النقل يتوقف على ثلاثة اشياء: الوضع الاول، ونسخه، والوضع للثاني. وغير المنقول يتوقف على شئ واحد، وهو الوضع. = (*)

[ 73 ]

وكذلك المجاز: على خلاف الاصل، فيجب الحمل على الحقيقة، ما لم يدل دليل على عدم إرادتها (1). لان الواضع إنما وضع اللفظ، ليكتفي به في الدلالة على ما وضعه له. وإنما يتم ذلك: بارادة المعنى الموضوع له اللفظ، عند التجرد عن المعارض. ولان المجاز لو ساوى الحقيقة، لما حصل التفاهم عند المخاطبة، كما قلناه أولا. واعلم: أن المجاز واقع، في القرآن (2) والسنة (3).


= فيكون النقل مرجوحا، فلا يصار إليه إلا لاجل دليل. " غاية البادي: ص 34 بتصرف " (1) وعليه فالمجاز دائما يحتاج إلى قرينة، تصرف اللفظ عن المعنى الحقيقي، وتعين المعنى المجازي، من بين المعاني المجازية. " منطق المظفر: 1 / 33 بتصرف " (2) خلافا لابن داود وابن اسحاق. كما في قوله تعالى: " وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله "، أي في الجنة التي تحل فيها الرحمة، من باب تسمية الشئ باسم حاله، أي ما يحل في ذلك الشئ. " جمعا بين هامش المصورة ص 5، ومختصر المعاني: ص 157 بتصرف " (3) كما في قوله (ع): " إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم... ". فشبه النبي صلى الله عليه وآله، ما يكتسبه الانسان من خير القرآن ونفعه وعائدته عليه إذا قرأه وحفظه، بما يناله المدعو من طعام الداعي وانتفاعه به. " أمالي المرتضى: 1 / 354 بتصرف واختصار " (*)

[ 74 ]

وقد يكون: بالزيادة والنقصان، وبالنقل (1). ويعلم كون اللفظ حقيقة ومجازا (2): بالنص من أهل اللغة (3) ومبادرة المعنى إلى الذهن في الحقيقة (4)، واستغنائه عن القرينة وبضد ذلك في المجاز، وبتعلقه بما يستحيل تعلقه عليه (5). وقد يكثر استعمال المجاز وتقل الحقيقة، فتصير الحقيقة، مجازا عرفيا، والمجاز حقيقة عرفية، فيحمل على أحدهما بالقرينة.


(1) المجاز الذي دخلته الزيادة: نحو قوله تعالى: " ليس كمثله شئ "، لان معناه: ليس مثله شئ، فالكاف زايدة. والمجاز بالنقصان: نحو قوله " واسأل القرية "، " واسأل العير "، لان معناه: واسأل أهل القرية وأهل العير، فحذف اختصارا ومجازا... والمجاز الثالث: نحو قوله تعالى " فاضلهم السامري "، فنسبه إليه من حيث دعاهم، وإن كانوا هم ضلوا في الحقيقة، لا أنه فعل فيهم الضلال " العدة: 1 / 12 ". (2) هذا ! ! ومن أراد التوسيع: فعليه بمراجعة كتاب " اصول المظفر: 1 / 23 - 27 "، والقوانين المحكمة: 1 / 13 - 29، و " المزهر: 1 / 363 "، و " معارج المحقق: 1 / 6 "، و " عدة الطوسي: 1 / 15 "، و " منهاج الوصول للبيضاوي: ص 21 " (3) وهو المعبر عنه لدى الاصوليين المتأخرين ب‍ " التنصيص ". (4) وهو المعبر عنه لدى المتأخرين ب‍ " التبادر ". (5) كقوله تعالى: " واسأل القرية... "، فإن القرية مما يستحيل أن تسأل " غاية البادي: ص 40 " (*)

[ 75 ]

البحث الخامس في: تعارض أحوال الالفاظ (1) النقل: أولى من الاشتراك (2)، لاتحاد المعنى في النقل دائما، فيحصل الفهم بخلاف المشترك (3). والمجاز: أولى من الاشتراك، لان اللفظ إن تجرد عن القرينة، حمل على الحقيقة، وإلا فعلى المجاز (4). والاضمار: أولى من الاشتراك، لان صحته مشروطة بالعلم بتعيينه (5)، بخلاف المشترك.


(1) ذكر هذا البحث في " منهاج الوصول في معرفة علم الاصول: ص 21 - 22 "، ولكن بأدلة مختلفة غالبا عما هنا، عند الترجيح. (2) أي: إذا دار اللفظ بين النقل والاشتراك، فالنقل أولى منه. " منهاج الوصول: ص 21 بتصرف " (3) لان معناه متعدد دائما، وتعدد المعنى يستلزم اختلال الفهم. " غاية البادي: ص 41 " (4) إذا وقع التعارض بين المجاز والاشتراك، فالمجاز أولى، لان اللفظ المجاز إذا لم يتجرد عن القرينة حمل على المجاز وإلا فعلى الحقيقة، فلا يحصل الاختلال في الحالين. بخلاف المشترك لانه لا يستلزم اختلال الفهم عند فقد القرينة. " غاية البادي ص 41 - 42 " (5) أي: بتعين المضمر المدلول عليه بالاضمار، كقوله تعالى: = (*)

[ 76 ]

والتخصيص: أولى من الاشتراك، لانه خير من المجاز (1). والمجاز: أولى من النقل، لافتقار النقل إلى الاتفاق عليه بين أهل اللغة (2). والاضمار: أولى منه، لما تقدم (3). والتخصيص: أولى من النقل، لانه (4) خير من المجاز (5). والمجاز: أولى من الاضمار لكثرته (6).


= " واسأل القرية... "، فإنه لو لا أن يعلم كل واحد، أن المضمر هو " أهل القرية "، لم يجز الاضمار. كما لم يجز في قولك: " ضربت زيدا " وأنت تريد " غلام زيد ". " غاية البادي: ص 42 بتصرف " (1) لان التخصيص خير من المجاز كما سيأتي، والمجاز خير من الاشتراك كما تقدم. فالخير، من الخير من الشئ، خير من ذلك الشئ لا محالة. " غاية البادي: ص 42 " (2) وذلك متعذر أو متعسر، والمجاز يحتاج إلى قرينة وذلك متيسر. " غاية البادي: ص 42 " (3) إذا وقع التعارض بين النقل والاضمار، فالاضمار أولى لعين ما تقدم، من أن المجاز خير من النقل. " غاية البادي: ص 42 - 43 " (4) مرجع الضمير: التخصيص " كما في هامش المصورة: ص 6 " (5) على ما يأتي، والمجاز خير من النقل على ما تقدم. " غاية البادي: ص 42 - 43 " (6) والكثرة امارة الرجحان " المصدر السابق نفسه " (*)

[ 77 ]

والتخصيص: أولى من المجاز لاستعمال اللفظ مع التخصيص في بعض موارده (1)، ومن الاضمار لانه أدون من المجاز (2). البحث السادس في: تفسير حروف يحتاج إليها (3) الواو: للجمع مطلقا (4).


(1) لان اللفظ العام إذا تجرد عن قرينة التخصيص، يحمل على ما وضع له، فيحصل مراد المتكلم وزيادة، بخلاف المجاز فإنه إذا تجرد عن القرينة، يحمل على الحقيقة، فيحصل غير مراده. " غاية البادي: ص 43 " (2) لان التخصيص خير من المجاز، والمجاز إما خير من الاضمار أو مساويه، وعلى التقديرين يلزم أن يكون التخصيص خيرا من الاضمار. " غاية البادي: ص 43 - 44 " (3) لانها حين تدخل على الجمل، تغير معانيها، وتحدث فيها فوائد لم تكن فيها قبل ذلك. " عدة الأصول: 1 / 13 بتصرف " (4) أي: أن الواو العاطفة معناها مطلق الجمع. فتعطف الشئ على مصاحبه، نحو " فأنجيناه وأصحاب السفينة " وعلى سابقه نحو " ولقد أرسلنا نوحا وابراهيم "، وعلى لاحقه نحو " كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك ". فعلى هذا ! ! إذا قيل: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة معان. وقول بعضهم: إن معناها الجمع المطلق غير سديد، لتقييد الجمع = (*)

[ 78 ]

لعدم التناقض (1) ! ! في مثل: رأيت زيدا وعمرا قبله، وللتكرار (2) لو قيل: بعده. ولسؤال الصحابة (3) ؟ ! عن البداءة بالصفا والمروة (4).


= بقيد الاطلاق، وإنما هي للجمع لا بقيد. " مغني اللبيب: 2 / 354 بتصرف واختصار " (1) اعلم ! ! أن الواو العاطفة للجمع المطلق ولم تفد الترتيب. قال أبو علي الفارسي: أجمع نحاة الكوفة والبصرة عليه، وكفى إجماعهم دليلا على المدعى. ولكن ! ! لو أردنا الاستظهار بالدليل نقول: إنها لو كانت للترتيب للزم التكرار في قول القايل: رأيت زيدا وعمرا بعده، والتناقض في قوله قبله، في حين أن صدق الملازمة وبطلان التالي معلومان. " غاية البادي: ص 44 بتصرف " (2) أي: لعدم التكرار. " هامش المصورة: ص 6 " (3) لما أرادوا السعي بين الصفا والمروة، قالوا: بم نبدأ يا رسول الله ؟ ! قال: " إبدأوا بما بدأ الله به ". فلو كانت الواو مفيدة للترتيب، لما اشتبه على أهل اللسان، ولما احتاجوا إلى السؤال، لانه حينئذ معلوم من قوله تعالى: " إن الصفا والمروة من شعاير الله ". " غاية البادي: ص 44 بتصرف " (4) وهما جبلان، بين بطحاء مكة والمسجد. أما الصفا: فمكان مرتفع من جبل أبى قبيس، ومن وقف على = (*)

[ 79 ]

ولان أهل اللغة قالوا: إنها كواو الجمع (1). وقيل: للترتيب (2)، للحاجة إلى التعبير عنه (3)، وهو معارض بمطلق الجمع (4)، مع أولوية ما قلناه.


= الصفا، كان بحذاء الحجر الاسود. " معجم البلدان للحموي: 3 / 411 باختصار " (1) إن أهل اللغة أجمعوا على: أن الواو العاطفة في المختلفات، بمنزلة واو الجمع في المتفقات. ومعنى ذلك: أن العرب، إذا أرادوا جمع الاسماء في حكم، فإن كانت متفقة، كمسلم ومسلم ومسلم مثلا، أتوا بواو الجمع، فقالوا: جاء المسلمون. وإن كانت مختلفة: كزيد وعمرو وبكر، أتوا بالواو العاطقة، فقالوا: جاء زيد وعمرو وبكر. فكما أن واو الجمع لم تفد الترتيب، فكذا واو العطف. " غاية البادي: ص 45 " (2) والقائل به: قطرب، والربعي، والفراء، وثعلب، وأبو عمرو الزاهد، وهشام، والشافعي. " مغني اللبيب: 2 / 354 بتصرف " (3) مرجع الضمير: الترتيب الذي تفيده واو العطف. (4) أي: أن الجمع المطلق أيضا معنى معقول، فيحتاج إلى التعبير عنه، وليس شئ يصلح لذلك إلا الواو. " غاية البادي ص 46 " (*)

[ 80 ]

والفاء: للتعقيب، على حسب ما يمكن (1). وفي: للظرفية (2)، تحقيقا أو تقديرا (3). ومن: لابتداء الغاية (4)، وللتبعيض (5)، والتبين (6)،


(1) ترد الفاء على ثلاثة أوجه: العاطفة منها تفيد ثلاثة أمور، أحدها التعقيب. وهو في كل شئ بحسبه، ومنه - على قول قوي - قوله تعالى " ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضعة عظاما، فكسونا العظام لحما ". " مغني اللبيب: 1 / 161 - 162 بتصرف " (2) وهي: إما مكانية أو زمانية، وقد اجتمعتا في قوله تعالى " ألم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين ". " مغني البيب: 1 / 168 " (3) التحقيق: كما مر أعلاه. والتقدير: أي المجاز، نحو قوله تعالى: " ولكم في القصاص حياة ". " مغني اللبيب: 1 / 168 بتصرف " (4) تقع لهذا المعنى في غير الزمان، نحو " من المسجد الحرام "، " إنه من سليمان "، وفي الزمان أيضا، بدليل " من أول يوم ". وفي الحديث " فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ". " مغني البيب: 1 / 318 - 319 " (5) نحو: " منهم من كلم الله "، وعلامتها إمكان سد " بعض " مسدها. " مغني اللبيب: 1 / 319 " (6) أي: بيان الجنس، نحو قوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الاوثان " = (*)

[ 81 ]

وصلة (1). والباء: قيل للتبعيض (2)، فيما يتعدى بنفسه (3).


معناه: اجتنبوا الرجس هو الاوثان. " جمعا بين المغني: 1 / 319، والعدة: 1 / 14 بتصرف واختصار " (1) أي: الزيادة، كقولك: ما جاءني من أحد. وشرط زيادتها: تنكير مجرورها، وكونه فاعلا أو مفعولا به أو مبتدأ، وتقدم نفي أو نهي أو استفهام بهل. نحو: " وما تسقط من ورقة إلا يعلمها "، " ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت "، " فارجع البصر هل ترى من فطور ؟ ". " جمعا بين غاية البادي: ص 47 - 48، والمغني: 1 / 323 " (2) أثبت ذلك: الاصمعي والفارسي والقتبي وابن مالك، قيل: والكوفيين... " المغني: 1 / 105 " (3) أي: مع الفعل الذي يتعدى بنفسه، كما في قوله تعالى " وامسحوا برؤسكم "، أي بعض رؤسكم، كما في المغني: 1 / 105. والذي يؤكد كون الفعل " مسح " مما يتعدى بنفسه، هو ما نص عليه الراغب الاصفهاني - بالمثال - في مفرداته: ص 467. كما والذي يؤيد كون الباء تبعيضية، الرواية المنقولة عن زرارة عن الصادق " ع ": " لما قال له: من أين علمت أن المسح ببعض الرأس ؟ قال " ع ": لمكان الباء "، وهي مذكورة بالتفصيل في الوسائل: 1 / 291. (*)

[ 82 ]

وإنما: للحصر بالنقل (1).


(1) نقل عن أهل اللغة أن إنما موضوعة للحصر، أي لاثبات المذكور ونفي ما عداه، وهذا مما يؤكده قول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وذلك ! ! أولا: إذ لو لم تكن للحصر، لوجب إجراء الكلام على ظاهره، وهو غلط، إذ لا يقال: يدافع أنا، بل يقال: أدافع. وأما إذا كان للحصر، فيستقيم الكلام، لان التقدير حينئذ، ما يدافع إلا أنا، وبطلان اللازم ظاهر لكونه من فحول الفصحاء. ثانيا: إن مقصود الشاعر من هذا البيت الافتخار والافتخار لا يحصل إلا على تقدير، أن تحصل المدافعة منه ومن مثله لا من غيرهما، وهو معنى الحصر " غاية البادي: ص 48 - 49 بتصرف واختصار " (*)

[ 83 ]

الفصل الثاني في: الاحكام وفيه: مباحث

[ 84 ]

الاول في: الفعل الفعل: إما أن يكون على صفة، لاجلها يستحق فاعله الذم، وهو القبيح.. أو ! ! لا: وهو الحسن. والقبيح: حرام، ويقال: محضور (1). والحسن: إما أن يذم تاركه شرعا، وهو الواجب، ويسمى أيضا الفرض.. أو لا يذم. فإن كان فعله راجحا في الشرع: فهو المستحب، والمندوب والنفل، والتطوع، والسنة. وإن كان مرجوحا: فهو مكروه. وإن تساويا: فمباح، وحلال، وطلق. فالاحكام: هذه الخمسة لا غير (2).


(1) هكذا في المصورة: ص 7، والظاهر أنه اشتباه، والصحيح: محظور، بالظاء اخت الطاء. (2) أقول: هذه هي الاحكام الشرعية، وهي خمسة، بدليل الحصر العقلي، الذي ذكره المصنف. " غاية البادي: ص 49 " (*)

[ 85 ]

الثاني في: الحكم الحكم: قد يكون صحيحا، وهو في العبادات: ما وافق الشريعة وفي المعاملات: ما يترتب عليه أثره. وقد يكون فاسدا: وهو ما يقابلها. ويطلق عليه الباطل (1).


(1) أقول: أما في العبادات، فأريد بالصحيح ما وافق الشرع، وبالفاسد خلافه، هذا عند المتكلمين. وأما الفقهاء: فإنهم يريدون بالصحيح ما أسقط القضاء وبالفاسد ما لم يسقطه. وفائدة الخلاف: تظهر في صورة صلاة ضان الطهارة، فإنها صحيحة عند المتكلمين، وفاسدة عند الفقهاء، لانها لم تسقط القضاء. وفي المعاملات: أريد بالصحيح ما يترتب عليه أثره، وبالفاسد خلافه. ولا فرق بين الفاسد والباطل، خلافا للحنفية، فإنهم جعلوا الفاسد واسطة بين الصحيح والباطل، وقالوا: إنه الذي يكون منعقدا بأصله لكن لا يكون مشروعا بسبب وصفه، كعقد الربا مثلا، فإنه مشروع من حيث أنه بيع، وممنوع من حيث أنه مشتمل على الزيادة. " غاية البادي. ص 51 - 52 " (*)

[ 86 ]

الثالث في: العبادات الاجزاء في العبادات: ما أسقط الامر. والاداء: ما فعل في وقته (1). والاعادة: ما فعل ثانيا، لوقوع خلل في الاول. والقضاء: هو فعل الفائت في غير وقته المحدود. الرابع في: الحسن والقبح الحكم بالحسن والقبح: قد يكون ضروريا، كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار. ونظريا: كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع، وسمعيا،: كحسن صوم رمضان، وقبح صوم العيد. لانا نعلم بالضرورة: حسن الصدق وقبح الكذب، مع تساويهما في المنافع. وللفرق بين الصادق والكاذب في مدعي النبوه. وللوثوق بوعده تعالى ووعيده.


(1) سواء كان مضيقا أو موسعا. " غاية البادي: ص 52 " (*)

[ 87 ]

ومن جعل ذلك شرعيا، أبطل هذه الاحكام، ولزم بطلان الشريعة. الخامس في: شكر المنعم شكر المنعم واجب عقلا (1)، والضرورة قاضية به. السادس في: الاشياء الاشياء قبل ورود الشرع على الاباحة، لانها نافعة خالية عن أمارة المفسدة، ولا ضرر على المالك في تناولها (2) فكانت مباحة.


(1) لامن العقاب، أو زوال النعمة بتركه وهو الفائدة، أو استحقاق المدح، أو الزيادة، أو هو لنفسه. " زبدة الاصول: ص 42 - 43 " (2) فلان المالك هو الله تعالى، وهو لا يتضرر بشئ. " غاية البادي: ص 58 " (*)

[ 89 ]

الفصل الثالث في: الاوامر والنواهي وفيه: مباحث

[ 90 ]

الاول في: الامر الامر: هو اللفظ الدال على طلب الفعل، على جهة الاستعلاء (1). وهو: حقيقة في القول، مجاز في الفعل، وإلا لزم الاشتراك، والطلب: هو إرادة المأمور به. والامر: إسم للصيغة الدالة على الترجيح، لا لنفس الترجيح لانهم قالوا: الامر من الضرب إضرب. ودلالة الصيغة على الطلب، لا يتوقف على الارادة، لانها


(1) قوله: " اللفظ "، بمنزلة الجنس البعيد للامر، لكونه شاملا لجميع الالفاظ حتى المهملات. وقوله: " الدال على طلب الفعل "، كالفصل، لانه يخرج عن التعريف جميع المهملات، وجميع ما دل على غير الطلب من الاخبارات والانشاءات والكلمات. وقوله: " على جهة الاستعلاء "، كفصل ثان. لانه يخرج اللفظ الدال على الطلب، على سبيل التضرع، كقولنا: " اللهم إغفر لنا " أو لا على سبيل التضرع، كقول القائل لنظيره: إعطني الشئ الفلاني، فان الاول دعاء والثاني إلتماس. " غاية البادي: ص 59 بتصرف " (*)

[ 91 ]

موضوعة له، كغيرها من الالفاظ، خلافا للجبائيين (1). البحث الثاني في: أن صيغة إفعل للوجوب ذهب الاكثر: إلى أن صيغة إفعل للوجوب (2). لقوله تعالى: " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك... ". [ 7 / 13 ] (3)، ولولا أنه للوجوب لما ذمه.


(1) وهما البصريان: أبو علي محمد، وابنه أبو هاشم عبد السلام. وقد ذهبا: إلى أن دلالة الصيغة على الطلب، تتوقف على الارادة " جمعا بين هوامش المسلماوي: ص 11 والملل والنحل: 1 / 103 بتصرف " (2) وهو مذهب: أكثر الفقهاء والمتكلمين وأبو الحسين والشافعية. ويتحقق الامر ! ! بكل تعبير يعطي معناه. أمثال: فعل الامر نحو اقرأ صل.. والفعل المضارع المقترن بلام الامر نحو لتقرأ لتصم.. واسم فعل الامر، نحو صه عليك مكانك.. والفعل المضارع المقصود به الانشاء، نحو يقرأ يعيد صلاته، إطلب منك أن تكتب.. والجملة الاسمية المقصود بها الانشاء، نحو الصلاة مطلوبة منك زكاة الفطرة عليك.. والمصدر النائب عن فعل الامر، نحو إعادة للفعل صياما. " جمعا بين غاية البادي: ص 66، ومبادئ أصول الفقه: ص 41 - 42 بتصرف " (3) هكذا في القرآن العزيز. وفي المصورة ص 10، " ما منعك أن تسجد " باحلال " أن " محل " ألا ". = (*)

[ 92 ]

وكذا قوله تعالى: " وإذا قيل لهم إركعوا لا يركعون " [ 77 / 49 ] (1). ولقوله عليه السلام: " لولا أن أشق على امتي لامرتهم بالسواك " (2)، مع ثبوت الندبية. ولان تارك المأمور به عاص (3) والعاصي يستحق العقاب لقوله تعالى: " ومن يعص الله ورسوله... ". [ 72 / 24 ]. وقال آخرون: إنه للقدر المشترك، بين الوجوب والندب (4)


= وهو اشتباه، الظاهر أن سببه إما النسخ وإما ملاحظة المعنى المطلوب حيث المعنى هو " ما منعك أن تسجد "، كما في مجمع البيان: 3 / 401. (1) فإنه سبحانه ذمهم على مخالفتهم الامر، ولو لا أنه للوجوب لم يتوجه الذم. " معالم الدين: ص 43 ". (2) مسند أحمد بن حنبل: 1 / 80، ومصادر أخر مذكورة في مفتاح كنوز السنة: ص 247. (3) لقوله تعالى: " لا يعصون الله ما أمرهم ". " هامش المصورة: ص 10 " (4) احتج القائلون: بأن صيغة إفعل، في القدر المشترك، وهو رجحان الفعل على الترك، بأن الصيغة لما استعملت في الوجوب والندب لورودها في الندب تارة وفي الوجوب أخرى، نحو " أقيموا الصلاة " و " كاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ". فلو كانت حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، أو أحدهما فقط لزم المجاز وهما على خلاف الاصل، فلا يكون حقيقة في كل منهما ولا في أحدهما فيكون حقيقة في القدر المشترك، وهو المطلوب فبطل القول الاول الذاهب = (*)

[ 93 ]

لانه قد استعمل فيهما (1)، والمجاز والاشتراك على خلاف الاصل، وهو جيد. إذا عرفت هذا ! ! فالامر الوارد بعد الحظر، كالامر المبتدأ عند المحققين (2).


= إلى الوجوب " هوامش المسلماوي: ص 13. (1) فاما أن يكون حقيقة فيهما، أو في أحدهما، أو لا في هذا ولا في ذاك. والاول: يستلزم الاشتراك، والثاني: المجاز، وهما منفيان بالاصل. فبقي الثالث: وهو أن يكون حقيقة للقدر المشترك بينهما، وهو مطلق الترجيح. لان ذلك القدر معلوم، وأما قيد جواز الترك وعدم جوازه، فلا إشعار للصيغة بهما البتة. " غاية البادي: ص 69 - 70 " (2) والدليل عليه: أن المقتضي للوجوب، السالم عن المعارض باق وكلما كان كذلك يكون الوجوب باقيا. أما أن المقتضي باق فظاهر، لان المقتضي هو الامر، وهو باق. وأما أنه سالم عن المعارض، فلان المعارض ليس إلا كونه عقيب الحظر، وذلك لا يمنع من الوجوب. لانه كما جاز الانتقال من الحظر إلى الاباحة، كذلك جاز الانتقال من الحظر إلى الوجوب ضرورة. وذلك ! ! من قبيل القول للحائض والنفساء، بعد أن تطهر، صلي وصومي. وقول الرجل لابنه، بعد أن أوجب عليه الحبس، اخرج إلى المكتب. = (*)

[ 94 ]

البحث الثالث في: أن الامر لا يقتضي التكرار الحق ! ! أن الامر المطلق، لا يقتضي الوحدة ولا التكرار (1) خلافا لقوم فيهما (2). لان الصيغة وردت فيهما، والمجاز والاشتراك على خلاف


= فان هذه الاوامر واردة عقيب الحظر، مع أنها مفيدة للوجوب. " غاية البادي ص 70 - 71 بتصرف واختصار " (1) لان المتبادر من الامر، طلب إيجاد حقيقة الفعل، والمرة والتكرار خارجان عن حقيقته، كالزمان والمكان ونحوهما. فكما أن قول القائل: " اضرب "، غير متناول لمكان ولا زمان ولا آلة يقع بها الضرب، كذلك غير متناول في كثرة ولا قلة. " معالم الدين: ص 49 " (2) إختلف الاصوليون في الامر العري عن القراين، المفيدة للتكرار والوحدة. فذهب أبو إسحاق وجماعة من الفقهاء والمتكلمين، إلى أنه للتكرار مدة العمر مع الامكان. وقال آخرون: أنه للمرة الواحدة، ويحتمل التكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو إختيار أبي الحسين البصري وإمام الحرمين. ومنهم من توقف، إما لكونه مشتركا أو لعدم الحكم. " غاية البادي: ص 71 - 72 " (*)

[ 95 ]

الاصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك (1)، وهو مطلق طلب الماهية (2). ولقبوله التقييد بكل واحد منهما (3).


(1) احتج المصنف على ما اختاره بوجوه: أحدها: أن الامر استعمل في كل واحد من القسمين، الواحدة والتكرار شرعا وعرفا، ومتى كان كذلك، كان حقيقة في القدر المشترك بينهما... أما الشرع: فلان الحج والعمرة للوحدة، والامر بالصلاة والزكاة للتكرار. وأما عرفا: فلان السيد إذا أمر عبده بدخول السوق أو شري اللحم، فكرر ذلك مرارا عدة، لامه العقلاء وذمه على ذلك. ولو أمر السيد عبده بحفظ الدابة مثلا، فحفظها لحظة ثم ترك حفظها، ذمه العقلاء، لانه في الاول يفهم الوحدة، وفي الثاني يفهم التكرار. " هوامش المسلماوي: ص 13 " (2) الماهية: حقيقة الشئ، التي تقع جوابا، عن السؤال عنه، بما هو ؟ أو ما هي ؟ قيل: منسوب إلى ما، والاصل المائية، قلبت الهمزة هاء، لئلا يشتبه بالمصدر، المأخوذ من لفظ ماء، والاظهر أنه نسبه إلى ما هو ؟ جعلت الكلمتان ككلمة واحدة منحوتة، إذ تقع جوابا عن هذا السؤال. " جمعا بين: مجلة النجف، العدد 7، السنة 2، ص 12، محاظرات في الفلسفة للشيخ المظفر، والتعريفات للجرجاني: ص 171 " (3) إن الامر: يصح تقييده بالواحد تارة، لانه يصح أن يقول السيد لعبده، إفعل الفعل الفلاني مرة. (*)

[ 96 ]

ولانه لو دل على التكرار: فإما دائما فهو باطل بالاجماع، أو بحسب وقت معين (1)، وهو باطل لانتفاء دلالة اللفظ عليه أو غير معين وهو تكليف ما لا يطاق. البحث الرابع في: أن الامر لا يقتضي الفور ولا التراخي الحق ! ! أن الامر المطلق، لا يقتضي الفور ولا التراخي (2)


وبالتكرار اخرى، لانه يصح أن يقول له افعله دائما. وليس في أحد هذين النوعين تكرار ولا نقص. فلو كان موضوعا لاحدهما، لزم إما النقص أو التكرار. " هامش المسلماوي: ص 13 " (1) لان التكرار يقتضي استيعاب الاوقات، فانه لا أولوية لبعضها بالفعل دون باقيها، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فتخصيصه بوقت دون وقت، يكون ترجيحا من غير مرجح، وانه محال. " هوامش المسلماوي: ص 13 " (2) والدليل عليه: أن صيغة إفعل، إنما تدل على النسبة الطلبية كما أن المادة لم توضع إلا لنفس الحدث، غير الملحوظة معه شئ من خصوصياته الوجودية. وعليه ! ! فلا دلالة لها - لا بهيئتها ولا بمادتها - على الفور أو التراخي بل لابد من دال آخر على شئ منهما، فإن تجردت عن الدال الآخر، فان ذلك يقتضي جواز الاتيان بالمأمور به، على الفور أو التراخي. " أصول الفقه للمظفر: 1 / 78 " (*)

[ 97 ]

خلافا لقوم فيهما (1). لان الامر ورد بالمعنيين، فيكون حقيقة في القدر المشترك (2) دفعا للمجاز والاشتراك. ولانه قابل للتقييد بهما. إحتجوا بقوله تعالى: " وما منعك ألا (3) تسجد إذ أمرتك " (4). ولان التأخير: إن كان دائما، انتفى الوجوب. وإن كان إلى وقت معين وجب وجود ما يدل عليه في اللفظ.


(1) فقد ذهب كثير منهم: إلى أن الامر المطلق يقتضي الفور والتعجيل، فلو أخر المكلف عصى، وهو المحكي عن الشيخ وأبي الحسن الكرخي. وذهب آخرون: إلى أنه على التراخي، وهو المحكي عن أبي علي وأبي هاشم. وذهب قوم منهم السيد المرتضى: إلى أنه مشترك بين الفور والتراخي فيتوقف في تعيين المراد منه، على دلالة تدل على ذلك. " جمعا بين العدة: 1 / 85 - 86، ومعالم الدين: ص 52 - 53 " (2) بنفس التقرير الذي سبق ذكره، في بحث المرة والتكرار تعليقة " 1 " من صفحة " 95 ". (3) هكذا في القرآن الكريم، وفي المصورة: ص 11، " أن لا تسجد " بفك الادغام، وهو إشتباه، الظاهر سببه النسخ. (4) ولو لم يكن الامر للفور، لم يتوجه عليه الذم، ولكان له أن يقول: إنك لم تأمرني بالبدار، وسوف أسجد " معالم الدين ص 53 ". (*)

[ 98 ]

وإن كان إلى غير معين، لزم تكليف ما لا يطاق. والجواب عن الاول: أنه حكاية حال، فلعل أمره كان مقرونا بما يدل على الفور، ولان ابليس ترك السجود لا بعزم الفعل، فاستحق الذم، لا من حيث التأخير. وعن الثاني: أنه منقوض (1)، بقوله: أوجبت عليك الفعل، في أي وقت شئت. ثم التحقيق: أن التأخير، يجوز إلى وقت معين، وهو حصول ظن الموت بعد وقت الفعل بلا فصل. البحث الخامس في: أن الامر المشروط عدم عند عدم الشرط (2) لان قضية الشرط ذلك، ولعدم الاستلزام وجودا.


(1) مما لو صرح بجواز التأخير، إذ لا نزاع في إمكانه، مع أن الدليل على عدم شرع التأخير جار فيه بعينه، وهذا نقض إجمالي. " معالم الدين: ص 53 جمعا بين المتن والهامش " (2) أي: " أن يكون متوقفا وجوبه على ذلك الشئ. وهو - أي الشئ - مأخوذ في وجوب الواجب على نحو الشرطية، لوجوب الحج بالقياس إلى الاستطاعة. وهذا ! ! هو المسمى (بالواجب المشروط)، لاشتراط وجوبه بحصول ذلك الشئ الخارج. (*)

[ 99 ]

فلو لا التلازم عدما، لكان كل شئ شرطا لغيره (1)، ولانه مفهوم منه. ولهذا سأل يعلى بن أمية (2)، عن سبب القصر مع الامن (3) ولا يلزم تكرر الامر المعلق عليه، ولا على الصفة


= ولذا ! ! لا يجب الحج عند حصول الاستطاعة. " أصول الفقه للمظفر: 1 / 87 " (1) يعني: أنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط قطعا، فان لم يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، كان كل شئ شرطا لكل شئ، والتالي باطل فالمقدم مثله، والشرطية ظاهرة. " هوامش المسلماوي: ص 15 " (2) ابن همام التميمي الحنظلي: أول من أرخ الكتب، وهو صحابي كان حليفا لقريش، وأسلم بعد الفتح، وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع النبي " ص "، واستعمله أبو بكر على " حلوان " في الردة، ثم استعمله عمر على " نجران "، واستعمله عثمان على اليمن. ولما قتل عثمان، انضم يعلى إلى الزبير وعايشة. ثم صار من أصحاب علي، وقتل في " صفين ". " الاعلام: 9 / 269 باختصار " (3) روي أن يعلى ابن امية، سأل عمر بن الخطاب، قال: ما بالنا نقصر من الصلاة وقد أمنا ؟ فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله، فقال: تلك صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته. ولولا كون المشروط - وهو هنا قصر الصلاة - عدم عند عدم الشرط - وهو هنا الامن - لما أقره النبي " ع " على ذلك. " جمعا بين هوامش المسلماوي: ص 15، وغاية البادي: ص 79 " (*)

[ 100 ]

بتكريرهما (1). لعدم التكرر في قول السيد لعبده: إن دخلت السوق فاشتر اللحم (2)، ولان مطلق التعليق اعم منه مع قيد التكرار ولا دلالة للعام على الخاص. البحث السادس في: أن الامر المقيد بالصفة لا يعدم بعدمها (3) لانه: لو دل تقييد الحكم بالوصف على نفيه عما عداه،


(1) يريد أن الامر إذا كان معلقا على الشرط، كقوله " إذا زالت الشمس فصلوا "، " وإن كان زانيا فارجمه "، أو على صفة كقوله تعالى: " السارق والسارقه فاقطعوا أيديهما " لا يتكرر الشرط والصفة. هذا ! ! وقد اختلف الناس في الامر المعلق على شرط أو صفة هل يتكرر بتكررهما أم لا ؟ فمنع منه السيد المرتضى وجماعة من الفقهاء وقال آخرون: انه يتكرر بتكرر الشرط والصفة، والحق الاول. " جمعا بين هوامش المسلماوي: ص 15، وغاية البادي: ص 80 - 81 " (2) للزوم الذم " هوامش المسلماوي: ص 15 " (3) اختلف الاصوليون في أن تقييد الحكم بالصفة، كقوله " ص ": " في سائمة الغنم زكاة "، هل يدل على عدم الحكم عند عدم الصفة أم لا ؟ فقال الشافعي واحمد والاشعري وامام الحرمين: يدل. وقال أبو حنيفة والقاضي أبو بكر والمعتزلة والغزالي: لا يدل، وهو اختيار المصنف. " غاية البادي: ص 82 " (*)

[ 101 ]

لدل التخصيص بالاسم، على نفيه عما عداه، والتالي باطل إتفاقا فكذا المقدم. بيان الشرطية: أن المقتضي للنفي هناك (1) إنما هو ثبوت غرض في التخصيص (2)، وانتفاء الاغراض سوى النفي، وهذا ثابت في الاسم (3). ولان التقييد (4): قد وجد من دون التخصيص، كما في


(1) أي في صورة الصفة " هوامش المسلماوي: ص 16 " (2) بالذكر، ولا غرض سوى نفي الحكم عن غيره. " هوامش المسلماوي: ص 16 " (3) بيان الملازمة: إن وجه الدلالة عند الخصم، هو أن التخصيص يستدعي أن يكون لغرض، وليس ما يصلح أن يكون غرضا إلا نفي الحكم عما عدا الموصوف، وهذا المعنى بعينه حاصل في تقييد الحكم بالاسم، فوجب أيضا أن يدل على نفي الحكم عمن ليس له ذلك الاسم. " غاية البادي: ص 83 " (4) إن هذا التقييد تارة ورد مع عدم الحكم عن غير الموصوف وهو ظاهر، وتارة ورد مع ثبوت الحكم لغير الموصوف. كقوله تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق "، فإن الله تعالى خصص الحكم الذي هو تحريم قتل الاولاد لصفة خشية الاملاق، مع أن الحكم ثابت وإن لم تكن تلك الصفة. وكقوله تعالى في قتل الصيد: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " فان الجزاء خصصه تعالى بتعميد القتل مع ثبوته عند عدمه. " غاية البادي: ص 83 " (*)

[ 102 ]

قوله تعالى: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " [ 17 / 32 ]، " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم " [ 5 / 96 ] البحث السابع في: الواجب المخير (1) الامر بالاشياء على سبيل التخيير (2)، يقتضي وصف كل واحد منها بالوجوب. وعلى معنى: أن المكلف لا يحل له الاخلال بالجميع ولا يجب عليه الاتيان بالجميع. وأيها فعل كان واجبا بالاصالة، والتعيين موكول إلى اختياره. وإن فعل الجميع، استحق الثواب على فعل امور، كل واحد منها واجب مخير.


(1) الواجب التخييري: ما كان له عدل وبديل في عرضه، ولم يتعلق به الطلب بخصوصه، بل كان المطلوب هو أو غيره، يتخير بينهما المكلف. وهو: كالصوم الواجب في كفارة إفطار شهر رمضان عمدا، فانه واجب، ولكن يجوز تركه وتبديله، بعتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا " أصول المظفر: 1 / 91 " (2) وهو المحكي عن أبي علي وأبي هاشم، وإليه ذهب أصحابنا. " عمدة الاصول: 1 / 84 " (*)

[ 103 ]

وأما ما يقال (1): من أن الواجب منها واحد، غير معين عندنا، وهو معين عند الله، فهو باطل. لان التعيين: يقتضي إيجاب ذلك المعين، وعدم جواز تركه. وقد وقع الاتفاق على التخيير، ومعناه جواز ترك كل واحد بشرط الاتيان بالآخر. وذلك تناقض. البحث الثامن في: الواجب الموسع اعلم: أنه لا يجوز أن يكون وقت العبادة يقصر عن فعلها إلا أن يكون المقصود منه القضاء، ويجوز أن يساويه اجماعا (2). والحق ! ! أنه يجوز أن يكون الوقت يفضل منه، وهو الواجب الموسع (3)، وهو ثابت لقوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " [ 17 / 79 ].


(1) هذا المذهب ينقله كل واحد من الفريقين الاشاعرة والمعتزلة عن الآخر ويبطلونه والله أعلم بقائله " غاية البادي ص 86 بتصرف " (2) كالصوم، كما في هامش المصورة: ص 13. (3) لان فيه توسعة على المكلف، في أول الوقت وفي أثنائه وآخره، كالصلاة اليومية وصلاة الآيات. فانه لا يجوز تركه في جميع الوقت، ويكتفي بفعله مرة واحدة، في ضمن الوقت المحدد له. " اصول المظفر: 1 / 95 " (*)

[ 104 ]

وتخصيص آخر الوقت بالوجوب أو أوله - كما ذهب اليهما من لا تحقيق له (1) - ترجيح من غير مرجح. واعلم: أن هذا الواجب في الحقيقة، يرجع إلى الواجب المخير، فكأن الشارع قال له: افعل إما في أول الوقت أو وسطه أو آخره. وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر فعله، تعين عليه لا محالة، وحرم تركه. واعلم: أن السيد المرتضى (2) - ره -: أوجب العزم (3)


(1) بل: والكل وقت للاول، لا أوله وبعده قضاء، كبعض الشافعية. ولا آخره، وقبله نفل، كبعض الحنفية. ولا هو مراعى، كالكرخي. " زبدة الاصول ص: 46 - 47 بتصرف " (2) علي بن الحسين الموسوي: الملقب ذا المجدين علم الهدى، ينتهي نسبه من جهة أبيه بالامام موسى بن جعفر " ع "، ومن جهة امه بالامام زين العابدين. كان اوحد اهل زمانه فضلا وعلما وكلاما وحديثا وشعرا وخطابة وجاها وكرما. ولد في رجب سنة 355 ه‍. له مصنفات كثيرة منها الذريعة في الاصول. وكانت وفاته قدس الله روحه: لخمس بقين من شهر ربيع الاول، سنة 436 ه‍. " روضات الجنات 374 - 375 بتصرف واختصار " (3) بمعنى أنه: " يجب عليه الفعل في أول الوقت، فمتى لم يفعل وجب عليه العزم على فعله في آخره. والقول بالعزم: من رأي " الشيخ والمرتضى رضي الله عنهما، ووافقهما = (*)

[ 105 ]

لينفصل من المندوب (1). وعلى الوجه الذي لخصناه - من أنه راجع إلى الواجب المخير -، إنفصل عن المندوب، ولا حاجة إلى العزم. البحث التاسع في: الواجب على الكفاية إذا تعلق غرض الشارع: بتحصيل الفعل من الجماعة، لا على سبيل الجمع، كان واجبا على كل واحد، ويسقط عنه بفعل غيره (2).


= ابن زهرة وابن البراج "، وهو " مذهب القاضي الباقلاني من العامة "، خلافا " للمحقق والعلامة واتباعهما ". " جمعا بين عدة الاصول: 1 / 88، وزبدة الاصول - هامشا ومتنا -: ص 47 - 48 " (1) احتج المرتضى: بأنه لو لا العزم، لم يبق فرق بينه وبين المندوب لاشتراكهما في الترك. والجواب: كما ذكره المصنف نفسه. " هوامش المسلماوي: ص 9 بتصرف " (2) يقول المظفر: " إن الواجب العيني: ما يتعلق بكل مكلف ولا يسقط بفعل الغير ". ويقابله الواجب الكفائي، وهو: المطلوب فيه وجوب الفعل من أي مكلف كان، فهو يجب على جميع المكلفين، ولكن يكتفى بفعل بعضهم، فيسقط عن الآخرين، ولا يستحق العقاب بتركه. نعم. إذا تركوه جميعا، من دون أن يقوم به واحد، فالجميع = (*)

[ 106 ]

فإن ظن جماعة فعل غيرهم له، سقط عنهم، وإلا فلا. ولو ظن كل طائفة قيام غيرهم به، يسقط عن الجميع. البحث العاشر في: وجوب ما يتوقف عليه الواجب المطلق الواجب: قسمان (1)، مطلق: كالصلاة، ومقيد: كالزكاة. فالثاني: لا يستلزم وجوب ما يتوقف عليه من القيد. والاول: يستلزم وجوب ما لا يتم إلا به، إذا كان مقدورا


= منهم يستحقون العقاب. كما يستحق الثواب، كل من اشترك في فعله. وأمثلة الواجب الكفائي كثيرة في الشريعة: منها تجهيز الميت والصلاة عليه، ومنها إنقاذ الغريق ونحوه من التهلكة، ومنها ازالة النجاسة عن المسجد، ومنها الحرف والمهن والصناعات التي بها نظام معايش الناس. ومنها طلب الاجتهاد، ومنها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. " أصول المظفر: 1 / 93 " (1) أحدهما: ما يكون وجوبه مشروطا بأمر زائد على الامور المعتبرة في التكليف، كالزكاة المتوقف وجوبها على حصول المال، والحج المتوقف وجوبه على الاستطاعة. وثانيهما: ما لا يكون كذلك، وهو الواجب المطلق، كالصلاة الواجبة في حال الطهارة والحدث، إلا أن وقوعها مشروط بالطهارة. " هوامش المسلماوي: ص 20 " (*)

[ 107 ]

لان الامر ورد مطلقا، فلو لم تجب المقدمة، لكان الفعل واجبا، حال عدمها (1)، وهو تكليف ما لا يطاق. البحث الحادى عشر في: أن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده قد بينا: أن الامر يستلزم الوجوب، ولا بد في الوجوب من المنع من الترك. فالامر: يستلزم النهي عن الترك، وليس هو نفسه، كما ذهب إليه من لا تحصيل له (2).


(1) مرجع الضمير: المقدمة. (2) وهو القاضي أبو بكر في أحد قوليه. قال القاضي إبو بكر في قوله الآخر: إن الامر بالشئ عين النهي عن ضده، لان طلب السكون، عين طلب ترك الحركة. فهو طلب واحد، بالنسبة إلى السكون أمر، وبالنسبة إلى ترك الحركة نهي. وأجيب عنه: بالمنع من الاتحاد. لان الحركة والسكون شيئان وجوديان وعدم أحدهما ليس هو وجود الآخر. " هوامش المسلماوي: ص 20 " (*)

[ 108 ]

البحث الثاني عشر في: أنه إذا نسخ الوجوب بقي الجواز والدليل عليه: أن الوجوب ماهية مركبة، من الاذن في الفعل، والمنع من الترك. ورفع المركب، لا يستلزم رفع جزئيه معا، بل أحدهما لا بعينه. وإنما قلنا: ببقاء الجواز، لوجود اللفظ الدال عليه، وهو الامر. البحث الثالث عشر في: امتناع التكليف بالمحال تكليف ما لا يطاق: قبيح بالضرورة (2)، والله تعالى لا يفعل لحكمته، فاستحال منه وقوع التكليف بالمحال.


(1) لان العقل يحكم: بأن القبيح إنما يفعل لاحد الشيئين، إما للجهل إو لاجل الاحتياج إليه، والله تعالى منزه عنها. لكونه عالما بالذات غنيا بالاطلاق. " غاية البادي: ص 98 " (*)

[ 109 ]

ونزاع الاشعرية (1) في ذلك: باطل، وقد بيناه في كتبنا الكلامية. ومن هذا الباب: تكليف المكره، إن بلغ الاكراه إلى حد الالجاء (2) وإلا كان جائزا. البحث الرابع عشر في: أن التكليف بالفروع لا يتوقف على الايمان ذهبت الحنفية (3) إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع


(1) الاشاعرة والاشعرية: نسبة تمثل رواد مذهب كلامي، في أصول الدين مؤسسه: أبو الحسن علي بن اسماعيل الاشعري، في أواخر القرن الرابع الهجري. ومن جملة مبادئه: أن الباري عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر. ومن أبرز أقطابه: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، وأبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، وأبو إسحاق ابراهيم بن محمد الاسفراييني، وأبو الحسن مقاتل بن سليمان الخراساني. الملل والنحل: 1 / 127 - 145، والابانة عن اصول الدين: 1 / 1 - 17 ومقالات الاسلاميين: 1 / 1 - 688. (2) وهو الذي لا يبقى معه قدرة واختيار للشخص. " هوامش المسلماوي: ص 21 " (3) الحنفية: نسبة تمثل رواد مدرسة فقهية، في فروع الدين، تعتمد الراي في استنباط أحكامها مؤسسها أبو حنيفة في مطلع النصف الثاني = (*)

[ 110 ]

العبادات (1). وهو خطأ: لقيام المقتضي (2)، وهو الامر مع إنتفاء المانع، إذ المانع عندهم هو الكفر لا غير، وهو لا يصلح للمانعية. لان الكافر: يتمكن من الايمان (3)، حتى يتمكن من الاتيان بالفروع. ولانه تعالى يعاقبهم على ذلك لقوله تعالى: " ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين " [ 74 / 42 ]. احتجوا (4): بأنه حال الكفر لا يصح منه، وبعده يسقط


= من القرن الثاني الهجري. ومن جملة أعلامها: أبو يوسف، والشيباني كما وشاع مذهبهم خاصة: في الشرق الادنى، وفي آسيا الوسطي، والهند روضات الجنات: ص 732، المنجد: ص 168 وغيرهما من المصادر (1) كالصلاة والزكاة سواء كان مأمورا به، أو منهيا عنه. وانما قيده بفروع العبادات، لان الكفار مخاطبون باصول العبادات كالايمان بلا خلاف. وإنما قلنا: سواء كان مأمورا به أو منهيا عنه، لان بعضهم ذهب إلى أنهم مكلفون بالنواهي دون الاوامر، بخلاف الحنفية، فإنهم يقولون أنهم غير مكلفين مطلقا. " هوامش المسلماوي: ص 21 " (2) لوجوب هذه العبادات. " هوامش المسلماوي: ص 22 " (3) أي من إزالة المانع باختيار الايمان، كالمحدث: فإنه يتمكن من الصلاة بإزالة المانع، وهو الحدث. " هوامش المسلماوي: ص 22 " (4) أي الحنفية: على أن الكفار غير مخاطبين... " هوامش المسلماوي: ص 22 " (*)

[ 111 ]

عنه (1). والجواب: أن المراد بالوجوب هنا (2)، مؤاخذتهم على تركها في الآخرة، مع استمرار كفرهم (3). البحث الخامس عشر في: أن الامر يقتضي الاجزاء الحق ! ! ذلك. والمراد بالاجزاء: خروجه عن عهدة التكليف، بفعل المأمور به على وجهه. لانه لولا ذلك: لكان الامر إما أن يتناول عين ما فعل فيلزم تحصيل الحاصل، أو غيره، فلا يكون المأتي به تمام ما أمر به، والتقدير خلافه. وذهب أبو هاشم: إلى أنه لا يقتضيه (4)، لان الحج الفاسد


(1) أي عن الكافر: جميع التكاليف السابقة، بالاجماع. " هوامش المسلماوي: ص 22 " (2) أي في قولنا: أن الفروع واجبة على الكفار. " هوامش المسلماوي: ص 22 " (3) وعدم صحة الامتثال حال كفرهم، لا ينافي الوجوب بالمعنى المذكور. " هوامش المسلماوي: ص 22 بتصرف " (4) مرجع الضمير: الاجزاء. (*)

[ 112 ]

مأمور به، ولا يجزئ. والجواب عنه: أنه مجز بالنسبة إلى الامر الوارد به (1). وغير مجز بالنسبة إلى الامر الاول. البحث السادس عشر في: أن الاخلال هل يقتضي وجوب القضاء الحق ! ! إن الامر إن كان مقيدا بوقت ولم يفعل فيه، لا يقتضي وجوب القضاء، وإنما يجب القضاء بأمر جديد (2).


(1) مرجع الضمير: ثانيا، كما في هامش المصورة: ص 16. (2) والذي يدل على ذلك: هو أن الامر، إذا كان معلقا بوقت دل على أن ايقاعه في ذلك الوقت مصلحة. فمتى لم يفعل في ذلك الوقت، فمن أين يعلم أنه مصلحة في وقت آخر ؟ ويحتاج في العلم بذلك إلى دليل آخر ؟ وعلى هذا قلنا: أن القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل آخر، غير الدليل الذي دل على وجوب المقتضي. وليس لاحد أن يقول: أن الامر يدل على وجوب المأمور به، وأنه مصلحة، وليس للاوقات تأثير في ذلك، فينبغي أن يكون ايقاعه مصلحة أي وقت شاء. وذلك: أنه لا يمتنع أن يكون للاوقات تأثير في كون الفعل مصلحة فيه، حتى إذا فعل في غيره كان مفسدة. والذي يكشف عن ذلك: أن صلاة الجمعة لا خلاف أنها مصلحة، = (*)

[ 113 ]

لان الامر الاول: لا يتناول ما عدا وقته، فلا يدل عليه ولان أوامر الشرع: تارة يستعقب القضاء، وتارة لا يستعقبه (1). فدل على أن مجرد الامر الاول، غير كاف في القضاء. البحث السابع عشر الامر بالامر بالشئ ليس أمرا بذلك الشئ لان قوله " عليه السلام ": " مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع " (2) لا يقتضي الوجوب. والامر بالماهية الكلية، ليس أمرا بشئ من جزئياتها، لان الكلي مغاير للجزئي، وغير مستلزم له.


= وواجبة في وقت معين، ومن لم يفعلها فإنها تسقط عنه، لا يجوز له فعلها في وقت آخر. " عدة الاصول: 1 / 81 " (1) كصلاة الجنازة، كما في هامش المصورة: ص 17. (2) سنن ابن داود: ك 2 ب 26 ص 115، ومصادر أخر مذكورة في الوسائل: 1 / 171. (*)

[ 114 ]

البحث الثامن عشر في: أن المعدوم غير مأمور الاشاعرة: خالفت سائر العقلاء في ذلك. والدليل عليه: أن الامر من غير مأمور عبث. وهو قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح. والنبي " عليه السلام ": غير آمر لنا حقيقة، بل هو مخبر عن الله تعالى، بأنه يأمر كل واحد بما جاء به، حال وجوده. وكذلك الغافل غير مأمور: لان تكليف من لا يعلم الخطاب - حال التكليف -، تكليف بما لا يطاق. ولقوله عليه السلام: " رفع القلم عن ثلاث... " (1)، الحديث. البحث التاسع عشر في: ما يجب على المأمور يجب على المأمور قصد الطاعة: لقوله تعالى: " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين " [ 98 / 6 ].


(1) الجامع الصغير: 2 / 24، وكشف الخفاء: 1 / 434. (*)

[ 115 ]

ولقوله عليه السلام: " إنما الاعمال بالنيات... " (1). وهذا حكم واجب في كل عبادة، سوى شيئين: النظر المعرف للوجوب، وإرادة الطاعة (2). البحث العشرون في: وقت تعلق الامر المأمور: يصير مأمورا قبل الفعل، لان القدرة شرط الامر وهي إنما تتحقق قبل الفعل، لان الفعل حال وجوده واجب، فلا قدرة عليه، فلا يتعلق به أمر. وعند الاشاعرة: أنه مأمور حال الفعل، لانه (3) حال القدرة. وقد بينا فساده في علم الكلام.


(1) صحيح البخاري: ك 1 ب 1 ص 4، ومصادر أخر مذكورة في مفتاح كنوز السنة: ص 512. (2) فإن إيقاعه على وجه الطاعة غير ممكن، لان فاعله لا يعرف وجوبه عليه، ولا كونه مأمورا به، إلا بعد اتيانه به. وهذا يأتي على رأي الاشاعرة، القائلين بوجوبه شرعا. أما نحن والمعتزلة فلا، لان وجوب النظر عندنا عقلي، غير مستفاد من الامر. " هوامش المسلماوي: ص 25 " (3) مرجع الضمير: حال الفعل، كما في هامش المصورة: ص 18. (*)

[ 116 ]

البحث الحادى والعشرون في: النهي الخلاف في أن النهي يقتضي التحريم، كالخلاف في أن الامر يقتضي الوجوب. والحق ! ! أنه يقتضيه (1). لقوله تعالى: " وما نهاكم عنه فانتهوا "، [ 59 / 8 ] ووجوب الانتهاء يستدعي تحريم المنهي عنه، وفي اقتضائه التكرار كما قلنا في الامر. وهل يجوز أن يكون الشئ الواحد: مأمورا به منهيا عنه ؟ كالصلاة في الدار المغصوبة. الوجه: عدم الجواز، لان كونه مأمورا به يستلزم نفي الحرج، وكونه منهيا عنه يستلزم ثبوت الحرج. والجمع بينهما محال: فإن شغل الحيز، جزء من ماهية الصلاة، وهو منهي عنه. والامر بالصلاة أمر بأجزائها. فيلزم الامر بذلك: الشغل والنهي عنه، وهو محال.


(1) مرجع الضمير: التحريم. (*)

[ 117 ]

البحث الثاني والعشرون في: أن النهي هل يتقضي الفساد الحق ! ! أنه يقتضي الفساد، في العبادات لا في المعاملات أما الأول: فلانه لم يأت بالمأمور به، فيبقى في عهدة التكليف وأما الثاني: فلامكان النهي عن البيع (1)، مع وقوع الملك به، كما في وقت النداء (2). ولا ينتقض بالعبادات: لان الفساد هناك معناه عدم الاجزاء (3)،


(1) والدليل على أن النهي لا يدل على الفساد في المعاملات: إن الدلالة اما لفظية وإما معنوية، وكلتاهما منتفيتان، أما الاولى: فلان النهي لا يدل من حيث اللفظ، إلا على المنع من الفعل، منعا مانعا من النقيض، وهذا المفهوم غير مفهوم الفساد، وأما الثانية: فلان المراد من الدلالة أن يكون لمسمى اللفظ لازم، يلزم من فهمه فهم ذلك اللازم وليس مفهوم الفساد لازما لمسمى النهي. " غاية البادي: ص 120 - 121 " (2) أي وقت نداء الجمعة: فإن البيع هذا الوقت منهي عنه، لقوله تعالى: " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " " هوامش المسلماوي: ص 26 " (3) أي عدم موافقتها لامر الشارع. " المصدر السابق نفسه " (*)

[ 118 ]

وهنا ! ! معناه عدم ترتب حكمه (1) عليه (2)، ومع اختلاف التفسير لا يتم النقض: واعلم: أن النهي كما لا يدل على الفساد في التصرفات، كذا لا يدل على الصحة (3).


(1) مرجع الضمير: الفساد، كما في هامش المصورة ص 19. (2) ومن أحكام الفساد: انه لا يجوز التصرف في المبيع بالبيع الفاسد " هامش المصورة: ص 19 " (3) اعلم: أن النهي كما لا يدل على الفساد في المعاملات، كذلك لا يدل على الصحة، بعين المذكورة، وإن استفيد الصحة، استفيد من دليل خارجي. " غاية البادي: ص 121 " (*)

[ 119 ]

الفصل الرابع في: العموم والخصوص وفيه: مباحث

[ 120 ]

الاول في: العام والخاص العام: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له (1)، بحسب وضع واحد (2). والمطلق: هو اللفظ الدال على الحقيقة، من حيث هي هي من غير أن يكون فيه دلالة، على شئ من القيود (3). وصيغ العموم: كل (4).. وأي (5) ؟..


(1) كما قال أبو الحسين، نقلا عن منتهى الوصول: ص 74. (2) احترز عن المشتركة: فإنه بحسب الوضع الواحد، لا يكون مستغرقا لمفهوماته، فلا يكون عاما " هوامش المسلماوي: ص 27 " (3) من الوحدة والتكرار. " المصدر السابق نفسه " (4) لفظ كل: إذا دخلت في الكلام، فإنها تفيد الاستغراق، سواء دخلت للتأكيد أم لغير ذلك. أما ما يدخل للتأكيد، نحو قول القائل: رأيت الرجال كلهم، فإن ذلك يفيد الاستغراق. وما يدخل لغير التأكيد، نحو قول القائل: كل رجل جاءني اكرمته، وكل عبد لي فهو حر. وعلى هذا قوله تعالى: " كل ما القي فيها فوج سألهم خزنتها... " " العدة: 1 / 105 بتصرف " (5) فإنها تستغرق ما يعقل وما لا يعقل، وهي أعم من اللفظتين معا. = (*)

[ 121 ]

وما (1) ؟ ومن ؟ (2) ومتى (3) ؟ وأين ؟ (4) ؟ في المجازاة (5)


= ولاجل هذا ! ! إذا قال: أي شئ عندك ؟ يحسن أن يجاب بما يعقل وما لا يعقل. إلا أنها لا تفيد الاستغراق، كما تفيد من وما، إلا أن يدل دليل على ذلك، فيحكم له بحكم الاستغراق. " العدة: 1 / 104 " (1) فيما لا يعقل، إذا وقعت الموقع الذي ذكرناه، من المجازاة والاستفهام. ومتى كانت معرفة، لم تكن مستغرقة كما قلناه في سواء. ومن الناس من قال: إن " ما " يعم ما يعقل وما لا يعقل، وهي أعم من من، وذلك محكي عن قوم من النحويين. " العدة: 1 / 104 " (2) في جميع العقلاء، إذا كانت نكرة، في المجازاة والاستفهام. ومتى وقعت معرفة، لم تكن للعموم، وكانت بمعنى الذي، وهي خاصة بلا خلاف. " العدة: 1 / 103 " (3) في الاوقات: لانها تجري في تناول جميع الاوقات، مجرى من في تناولها لجميع العقلاء. وذلك ! ! نحو أن يقول القائل: متى جئتني جئتك ؟ فإن ذلك، لا يختص وقتا دون وقت، بل يتناول جميع الاوقات. " العدة: 1 / 104 " (4) في المكان، نحو قول القائل: أين زيد ؟ يحسن أن يجيبه بذكر كل مكان، فعلم أنه متناول له. " العدة: 1 / 104 " (5) المجازاة بضم الميم: مصدر يراد باصطلاحه أدوات الشرط الجازمه لفعلين - الشرط وجزاؤه - وهو كثيرا ما استعمل في لسان القدماء. (*)

[ 122 ]

والاستفهام.. والنكرة في سياق النفي (1)، والجمع المعرف باللام الجنسية (2) والمضاف (3). لان قولنا: جاءني كل رجل، يناقض قولنا ما جاءني كل رجل.


(1) نحو قول القائل: ما رأيت أحدا، وما جاءني من أحد، فإن ذلك يفيد الاستغراق. ومثله: وقوعها في سياق النهي، نحو لا تشتم أحدا. " جمعا بين العدة: 1 / 104 ومبادئ اصول الفقه: ص 60 " (2) ومنها: اسماء الاجناس، إذا دخلها الالف واللام، ولم يرد بهما التعريف. نحو قوله: " والعصر إن الانسان لفي خسر "، ونحو قولهم: " أهلك الناس الدينار والدرهم "، لان ذلك يفيد الجنس كله. ومتى كان للتعريف، كان مختصا بما عرف به، نحو قول القائل: رأيت الانسان، يشير به إلى إنسان معهود متقدم. فأما ما كان خاليا من الالف واللام، فإنه يفيد واحدا لا بعينه، نحو قول القائل: رأيت رجلا وإنسانا، وما يجري مجراه. وهذا يسميه أهل اللغة: النكرة لانه لا يخصص واحدا من غيره. " العدة: 1 / 104 " (3) الجمع المضاف كقولك: عبيدي، وعبيد زيد، للاستغراق. والحجة عليه: جواز الاستثناء، نحو قول القائل: عبيد زيد صلحاء إلا خالدا. " معارج الاصول: ص 35 بتصرف " (*)

[ 123 ]

والثاني: ما (1) يفيد العموم، فوجب كون الاول مفيدا للعموم. لان السلب الجزئي إنما يناقضه الايجاب الكلي. وكذا في ال‍ " جميع ". وأما ألفاظ المجازاة والاستفهام: فلانها لو لم تفد العموم ! !.. لكانت: إما مفيدة للخصوص، وهو باطل، لحسن الجواب بذكر كل العقلاء. وإما للعموم والخصوص معا: وهو باطل، وإلا لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الاحتمالات الممكنة. أو لا لواحد منهما: وهو باطل بالاجماع. وأيضا: فإنه يصح استثناء أي عدد كان منها. والاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل، وهو دليل عام في جميع ما ادعينا عمومه. وأما النكرة المنفية: فإنها نقيض المثبتة، وهي غير عامة في الاثبات، فتعم في النفي. وأما الجمع المعرف: فإنه يؤكد بما يفيد العموم، والتأكيد تقوية ما يفيده المؤكد (2).


(1) هنا ! ! ما: نافية بمعنى لا. (2) الجمع المعرف باللام: مشتقا كان أو غير مشتق. إن كان معهودا، انصرف إليه، وإلا ! ! فهو للاستغراق، خلافا لابي هاشم. لنا: أنه يؤكد بما يقتضي العموم في ذلك، نحو: قام القوم كلهم = (*)

[ 124 ]

وأما المضاف فللاستثناء (1). البحث الثاني في: ما ألحق بالعموم وليس منه وهو ستة: الاول: الواحد المعرف بلام الجنس لا يفيد العموم، لعموم إفادته في مثل: لبست الثوب وشربت الماء، ولامتناع تأكيده (2) ووصفه بما يفيده (3).


= ورأيت المشركين كلهم. فلو لم يكن الاول للاستغراق، لما كان الثاني تأكيدا. " معارج الاصول: ص 34 بتصرف " (1) راجع التعليقة 3 في صفحة 122. (2) بمؤكدات الاستغراق: نحو كل وجميع. لانك لا تقول: رأيت الانسان كلهم، ولا جاءني الكريم اجمعون. " المعارج: ص 35 " (3) أي: بما يفيد العموم، فإنك لا تقول: جاءني الرجل القضاة، ولا العالم الفقهاء. " المعارج: ص 36 بتصرف " (*)

[ 125 ]

الثاني: الجمع المنكر لا يفيد العموم، لانه يوصف بالاقل (1)، نحو جاءني رجال ثلاثة وأربعة وخمسة، والمفهوم قابل للتقسيم إلى هذه المراتب (2)، ومورد التقسيم مغاير لاقسامه وغير مستلزم لها (3). إذا عرفت هذا ! ! فنقول: أقل الجمع ثلاثة، وقيل (4): إثنان.


(1) لانه يفسر بالقلة والكثرة: فيجب أن لا يحمل على أحدهما إلا لدلالة. لكن أقل الجمع من ضروريات محتملاته، فيجب أن يقتصر عليه، إلا لدلالة زائدة. " المعارج: ص 36 " (2) أي مفهوم الجمع المنكر: قابل للتقسيم، إلى مراتب الاعداد، أقلها وأكثرها. " هوامش المسلماوي: ص 29 بتصرف " (3) يعني: أن مورد التقسيم مشترك بين أقسامه، ومغاير لكل واحد منها، وغير مستلزم لها، كاللفظ الدال على ذلك المورد، ولا إشعار له بشئ منها البتة. " المصدر السابق نفسه " (4) والقائل: القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، وأبو يوسف. واحتجوا بقوله تعالى: " وكنا لحكمهم شاهدين "، أراد داود وسليمان، ولقول النبي " عليه السلام ": الاثنان فما فوقهما جماعة. " هوامش المسلماوي: ص 29 بتصرف " (*)

[ 126 ]

لنا: أن أهل اللغة فرقوا بين الصيغتين وبين ضميريهما (1) ولعدم قبوله (2) الوصف بالاثنين (3). الثالث: قوله تعالى: " لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة " [ 59 / 21 ]، لا يقتضي نفي الاستواء في جميع الامور (4)، لان نفي الاستواء: أعم من نفيه من كل وجه، ومن نفيه من وجه دون وجه، ولا دلالة للعام على الخاص (5).


(1) إن أهل اللغة: فرقوا بين التثنية والجمع، وخصوا كل واحد منها بأمر لا يشركه فيه الآخر. فقالوا: التثنية تكون بالالف والنون والياء والنون، والجمع يكون: بالواو والنون والياء والنون، ويدل على ذلك أيضا: أنهم يقولون للاثنين افعلا - إذا أمروهما -، والجماعة افعلوا. " العدة: 1 / 116 - 117 بتصرف " (2) مرجع الضمير: الجمع، كما في هامش المصورة: ص 21. (3) فإن السامع: إذا سمع المتكلم يقول: رأيت رجالا، لا يفهم من ذلك ولا يسبق إلى قلبه إلا ثلاثة، ولا يسبق إلى قلبه اثنان أصلا. " العدة: 1 / 117 " (4) خلافا لبعض الشافعية، لان المساواة تفيد الاستواء في جميع الصفات، فنفي المساواة نفي لذلك المجموع، ونفي المجموع من حيث هو كذلك، يحصل بنفي بعضه، فلا يلزم نفي المساواة من كل وجه. " المعارج: ص 37 - 38 " (5) بإحدى الدلالات الثلاث. " غاية البادي: ص 136 " (*)

[ 127 ]

الرابع: خطاب الرسول " عليه السلام " (1): في مثل قوله تعالى: " يا أيها النبي... " (2)، لا يتناول الامة (3)، وقيل (4): يتناولهم وهؤلاء ! ! إن زعموا أنه مستفاد من هذا اللفظ فهو خطأ فاحش، وإن زعموا استفادته من دليل آخر فهو خروج عن هذه المسألة (5).


(1) أي: في الخطاب الوارد من الله، المتوجه إلى النيي - ع -. " هوامش المسلماوي: ص 29 " (2) هذه الجملة وردت مطلعا لآيات عدة: منها الانفال 8 / 65، والتوبة 9 / 74. (3) إلا بدليل منفصل، وهو مذهب الشافعية، وهو الحق. " هوامش المسلماوي: ص 29 " (4) والقائل: أبو حنيفة، واحمد بن حنبل، وأصحابهما. " المصدر السابق نفسه " (5) قال المصنف: إن أرادوا: دخول الامة في الخطاب مستفاد من اللفظ، فهو خطأ. لان دلالة اللفظ على المعنى: إما أن يكون ذلك اللفظ موضوعا لذلك المعنى، أو بأن يكون داخلا فيه، أو يكون خارجا عنه لازما له. وهذه الدلالات منفية. أما الاولى: فظاهر، لان الفرض أن اللفظ يختص به. = (*)

[ 128 ]

الخامس: الصيغة المتناولة للذكور والاناث عامة فيهما، إن لم يظهر فيه علامة، كمن وأي. للاجماع على عتق جميع الذكور والاناث من مماليكه، عند قوله: من دخل داري فهو حر. وأما إن ظهر فيه علامة - كقوله: قام، قاما، قاموا، قامت، قامتا، قمن - فالمؤنث لا يتناول المذكر إجماعا. وفي العكس خلاف (1)، الاقرب أنه كذلك (2)،


= وكذا الثاني والثالث: لان خطاب الامة ليس بداخل في مسمى اللفظ ولا بلازم له. فإن أرادوا: أن ذلك مستفاد من دليل آخر، كقوله تعالى: " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "، وأمثال ذلك. فهو خروج عن المسألة، لان الحكم حينئذ وجب بذلك الدليل المنفصل، لا بالخطاب الموجبة إلى النبي " ص ". " غاية البادي: ص 137 " (1) أي: وإن لم يظهر فيه علامة خلاف، فلا يدخل نحو النساء في نحو الرجال، ولا العكس إتفاقا، ويدخل الجميع في نحو الناس إتفاقا. واختلف في نحو المسلمين من جمع المذكر السالم، ونحو فعلوا، مما يغلب فيه المذكر. فالاكثر لا يدخل النساء ظاهرا. وقالت الحنابلة: شذوذا يدخل. " منتهى الوصول: ص 84 بتصرف " (2) فلا يتناول المؤنث. (*)

[ 129 ]

لان الجمع تضعيف الواحد، والواحد لا يتناول المؤنث، فكذا الجمع. السادس: حكاية الحال لا تعم. لان قولنا: فلان فعل، يكفي في صدقه صدور الفعل عن الفاعل، مرة. البحث الثالث في: التخصيص وهو: إخراج بعض ما تناوله الخطاب عنه (1). وهو: إما بمتصل، أو منفصل. فالاول: الاستثناء (2)، والشرط (3)، والصفة (4)،


(1) كما قال أبو الحسين، نقلا عن منتهى الوصول: ص 87. (2) مثل: جاء القوم إلا زيدا. (3) وهو ضربان: مؤكد، كقوله: قم إن استطعت، ومبين: كقوله اكرمه إن فعل. " المعارج: ص 40 " (4) كقولك: اكرم الرجال الطوال. " المعارج: ص 40 " (*)

[ 130 ]

والغاية (1). والثاني: عقلي (2) وسمعي (3). والفرق بينه وبين النسخ: أنه لا يصح إلا في اللفظ، والنسخ يصح فيما علم بالدليل إرادته.. ولان نسخ الشريعة بمثلها جائز، بخلاف التخصيص.. ولان النسخ يجب فيه التراخي دون التخصيص. والحق ! ! إن التخصيص جنس للنسخ، والاستثناء، وغيرهما. ويصح إطلاق العام وإرادة الخاص، في الخبر والامر، كقوله تعالى: " الله خالق كل شئ " [ 13 / 17 ]، وقوله: " فاقتلوا (4) المشركين " [ 9 / 6 ].


(1) كقوله تعالى: " ولا تقربوهن حتى يطهرن ". " المعارج: ص 40 " (2) لانا نخرج الصبي والمجنون، من قوله تعالى: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم ". هذا في حال كونهما كذلك، وإن كانا عند البلوغ والعقل مخاطبين بالعبادة بتلك العبارة. " المعارج: ص 44 " (3) سيأتي بيانه في البحث السابع من هذا الفصل. (4) هكذا في القرآن الكريم، وفي المصورة: ص 22، " اقتلوا " عارية عن الفاء، الظاهر سببه النسخ أو الاختصار. (*)

[ 131 ]

البحث الرابع في: التمسك بالعام المخصوص الحق ! ! أنه مجاز إن خص بمنفصل (1)، عقليا كان أو نقليا (2). وحقيقة: إن كان متصلا. ويجوز التمسك به: إن لم يكن التخصيص مجملا (3)،


(1) ذهب كثير من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة، إلى أن العموم مع الدليل الذي خص به، حقيقة فيما عدا ما خص منه، سواء كان ذلك الدليل، لفظا - متصلا أو منفصلا - أو غير اللفظ. وذهب أبو عبد الله البصري: إلى أنه إن كان ذلك الدليل لفظا متصلا، من إستثناء وغيره، كان حقيقة. فأما إذا لم يكن متصلا، فإنه يصير مجازا. وذهب أبو علي وأبو هاشم ومن تبعهما واكثر المتكلمين وباقي الفقهاء، إلى أنه يصير مجازا بأي دليل خاص، وهو الصحيح. " العدة: 1 / 120 " (2) العقلي: كالذي مر في هامش 2 من الصحفة السابقة. والنقلي: كتخصيص آية المواريث، بقوله " ع ": " القاتل لا يرث " " المعارج: ص 44 - 45 بتصرف " (3) المخصص: إما أن يكون مجملا وإما أن يكون مبينا. = (*)

[ 132 ]

وإلا فلا (1). لان كونه حجة في بعض موارده، لا يتوقف على كونه حجة في الاخرى، وإلا دار أو لزم الترجيح من غير مرجح فإذا خرج عن كونه حجة في بعض الموارد، لم يزل عنه كونه حجة في الاخرين. ولان أكثر العمومات مخصوصة، مع إحتجاج العلماء كافة بها. البحث الخامس في: الاستثناء وهو: إخراج بعض الجملة منها، بلفظ " إلا " أو ما يقوم مقامها (2)، ويجب اتصالها بالمستثنى منه عادة (3).


= فالاول: كقول القائل: أحسن إلى الناس، ويقول عقب ذلك: لا تحسن إلى بعضهم، أو يقول هذا العام مخصوص. والثاني: كقوله أحسن إلى الناس، ويقول: لا تحسن إلا لمن يحسن إليك. " أصول الخضري: ص 201 " (1) وهو من رأي المحقق أيضا، كما في المعارج ص 47، إلا أنه قيده بالاطلاق. (2) كما جاء في منتهى الوصول: ص 89. (3) ولا يجوز إنفصاله عنه، والذي يدل على صحة ما قلناه: أن = (*)

[ 133 ]

وهو قسمان: حقيقة، وهو الاستثناء من الجنس.. ومجاز: وهو الاستثناء من غيره (1). وشرطه: عدم الاستغراق، ويجوز أن يكون المستثنى اكثر من الباقي (2).


= أهل اللغة، لا يعدون ما انفصل عن الكلام استثناء. " عدة الاصول: 1 / 123 " (1) من قبيل قولهم: ما في الدار أحد إلا وتد. وقول الشاعر: وبلدة ليس بها انيس إلا اليعافير وإلا العيس. ووتد ليس من أحد، ولا اليعافير من جملة الانيس. والذي يدل على ما قلناه: أنا قد بينا أن من حق الاستثناء أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته، ونحن نعلم أن القائل لو قال ما في الدار أحد ولم يستثن، لم يفهم من ذلك إلا نفي العقلاء، ولا يفهم منه نفي الاوتاد. فإذا قال الا وتد، فينبغي أن لا يكون استثناء حقيقة، ويكون مجازا، لانه لم يدخل في الكلام الاول. فكذلك لو قال: بلدة ليس لها أنيس وسكت، لم يفهم من ذلك إلا أنه ليس بها إنسان، ولم يفهم من ذلك أنه ليس بها بهائم. فكذلك إذا قال إلا اليعافير وإلا العيس، يجب أن يكون مجازا. " العدة: 1 / 124 - 125 بتصرف " (2) الاستثناء المستغرق باطل بإتفاق. والاكثرون: على جواز المساوي والاكثر، وقالت الحنابلة والقاضي في أحد قوليه: بمنعهما. = (*)

[ 134 ]

وإذا ورد عقيب الاثبات، أفاد النفي إجماعا. وإذا ورد عقيب النفي، أفاد الاثبات، خلافا لابي حنيفة (1) لنا: لو لم يكن كذلك ! ! لم يكن قولنا: لا إله إلا الله، موجبا لثبوت الالهية (2) له تعالى، وبالاجماع دل على تمام الاسلام به (3). وإذا تعدد الاستثناء (4): فإن كان بحرف عطف، كان


= وقال ابن درستويه والقاضي أيضا: بمنعه في الاكثر خاصة. وقيل: إن كان العدد صريحا، اعتبر الاكثر، وإلا لم يعتبر. وقيل: يمتنع في العقد الصحيح، كمائة إلا عشرة. بخلاف خمسة. " منتهى الوصول: ص 91 " (1) الاستثناء من الاثبات نفي بالاجماع، كقوله تعالى: " فلبثت فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ". فيكون لبث خمسين عاما منتفيا. وكذلك الاستثناء من النفي إثبات، كقوله تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، الا من اتبعك من الغاوين "، فيكون سلطانه على الغاوين مثبتا، خلافا لابي حنيفة. " غاية البادي: ص 154 - 155 " (2) هكذا في المصورة: ص 23، ولا كن الصحيح اليوم إملائيا، أن تكتب بهاذا الشكل: " ألالاهية ". (3) أي: دل إجماع المسلمين على تمام إسلام من قال " لا إله الا الله "، بعد تمام هذي اللفظة. " هوامش المسلماوي: ص 32 " (4) أي: إذا تعدد المستثنى مع اتحاد الجملة. " غاية البادي: ص 56 بتصرف " (*)

[ 135 ]

الجميع راجعا إلى المستثنى منه (1). وإن كان بغيره: فكذلك (2)، إن كان الثاني أكثر من الاول (3) أو مساويا له (4). وإلا ! ! عاد إلى الاول (5)، لقربه (6).


(1) نحو قولك: لفلان علي عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة. " هوامش المسلماوي: ص 32 " (2) أي: يعود إلى المستثنى منه، لتعذر عوده إلى المستثنى. " هوامش المسلماوي: ص 32 " (3) أي: إن كان المستثنى الثاني أكثر من المستثنى الاول، نحو قولك: له علي عشرة إلا ثلاثة إلا أربعة. " هوامش المسلماوي: ص 32 بتصرف " (4) نحو قولك: له علي عشرة الا ثلاثة الا ثلاثة " هوامش المسلماوي: ص 32 " (5) أي: المستثنى الاول، كما في هامش المصورة: ص 24. (6) أي: وان لم تكن الاستثناءات متعاطفة، أو يكون الآخر أقل من الاستثناء الاول، فالعود إلى الاول، لانه استثناء أقرب من الاستثناء الآخر، وللقرب رجحان، علم ذلك من استقراء كلام العرب. اللهم الا إذا كان له قرينة، دالة على رجوعه إلى المستثنى منه. " هوامش المسلماوي: ص 32 " وللتوسع ! ! وتطبيق الحكم الفرعي على هذا المبحث، يراجع شرائع الاسلام، كتاب الاقرار، 3 / 149 - 152، " بتحقيقنا ". (*)

[ 136 ]

وإذا ورد عقيب الجمل (1): اختص بالاخيرة (2). وقال الشافعي (3): يعود إلى الجميع. وقال السيد المرتضى: بالاشتراك (4). لنا: أنه على خلاف الاصل، فترك العمل به في الاخير لدفع محذور الهذرية، وللقرب، فيبقى الباقي على الاصل (5).


(1) مثال قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، واولئك هم الفاسقون، الا الذين تابوا... ". (2) كما قالت الحنفية. " منتهى الوصول: ص 92 " (3) محمد بن ادريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله أحد الائمة الاربعة عند أهل السنة، وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة " بفلسطين "، سنة 150 ه‍، وتوفي في القاهرة سنة 204 ه‍. له تصانيف كثيرة: أشهرها كتاب " الام - ط " في الفقه و " الرسالة - ط " في أصول الفقه. " أعلام الزركلي: 6 / 249 - 250 بتصرف واختصار " (4) أي: لا يتعين وضعه للجملة الاخيرة أو للكل، بل هو لهما على سبيل الاشتراك، لانه ورد استعماله على الوجهين، والاستعمال يدل على الحقيقة. والجواب: أن الاصل عدم الاشتراك، وقد مر أن المجاز أولى منه. " جمعا بين غاية البادي: ص 57 وهوامش المسلماوي: ص 33 " (5) اختار المصنف مذهب أبي حنيفة، واستدل عليه بأدلة ثلاثة: = (*)

[ 137 ]

ولان الاستثناء عقيب مثله، يعود إليه دون المستثنى منه (1) ولان الظاهر عدم الانتقال من الجملة قبل استيفائها (2). البحث السادس في: الشرط والصفة والغاية الشرط: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر (3). وله صيغتان: إن، ويختص بالمحتمل (4).. وإذا، ويدخل


= وتقرير الاول: أن الاستثناء على خلاف الاصل، لان الاصل إجراء العام على عمومه، خالفنا هذا الاصل في الجملة الاخيرة، لئلا يكون الاستثناء هذرا، ويبقى الباقي على أصله، وخصصنا بالاخيرة، لما ثبت في علم العربية اعتبار القرب... " غاية البادي: ص 57 - 58 " (1) أي: أن الاستثناء عقيب الاستثناء يرجع إلى المستثنى دون المستثنى منه، إذا كان أقل منه، كما تقدم. فيجب أن يكون هاهنا أيضا كذلك، قياسا عليه ودفعا للاشتراك. " غاية البادي: ص 58 بتصرف " (2) يعنى أن الانتقال من الجملة إلى الاخرى من دون الاستثناء، يدل على تمام الجملة الاولى، كما أن السكوت بعد الجملة يدل على تمامها. " هوامش المسلماوي: ص 33 " (3) كما في منتهى الوصول: ص 93. (4) كقول القائل: اكرمه إن أكرمك. " منتهى الوصول: ص 94 بتصرف " (*)

[ 138 ]

عليه وعلى المتحقق (1). وإذا تعقب الجمل (2): رجع إلى الجميع (3). وقيل: يختص بالاخيرة (4). والاولى: تقديمه لفظا، وإن جاز تأخيره (5).


(1) نحو: " فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف "، فإن نفي الجناح عام، لانه نكرة في سياق النفي، ولكن هذا النفي مشروط بشرط، هو تسليم ما آتوهن بالمعروف. " أصول الفقه للخضري: ص 195 " (2) لا يمتنع أن يجعل الشرط الواحد شرطا في اشياء كثيرة، كما لا يمتنع أن يكون الشئ الواحد مشروطا بشروط كثيرة. وذلك مثل قول القائل: من دخل داري وأكل طعامي وشرب شرابي فله درهم، فإنه يستحق الدرهم إذا دخل الدار وأكل وشرب، فأما بواحد منها فلا يستحق ذلك. وكذلك يصح أن يقول: إن دخلت الدار فلك خلعة ودراهم وطعام فإنه متى دخل استحق لجميع ذلك. فتارة يكون الشرط واحدا والمشروط اشياء، وتارة يكون الشرط أشياء والمشروط واحدا، وكل ذلك جائز. " العدة: 1 / 128 " (3) كما نقل عن الشافعي وأبي حنيفة. " منتهى الوصول: ص 94 " (4) وقال بعض الادباء: انه يعود إلى ما يليه، حتى انه لو قدم يعود أيضا إلى ما يليه. " غاية البادي: ص 61 " (5) وذهب النحويون: إلى أنه متى تأخر، فالمراد به المتقدم، = (*)

[ 139 ]

وأما الصفة (1): فإن كانت عقيب جملة واحدة، عادت إليها (2). وإن كانت عقيب أكثر: فإن تعلقت إحديهما (3) بالاخرى عادت إليهما معا، وإلا فالاقرب عودها إلى الاخيرة وأما الغاية: فهي نهاية الشئ. وصيغتها: " حتى " (4) و " إلى " (5).


= لان له صدر الكلام. " العدة: 1 / 128 " (1) المقصود بالصفة هنا: ما يعم النعت وغيره، فيشمل الحال والتمييز ونحوهما، مما يصلح أن يكون قيدا لموضوع التكليف. كما أنه يختص بما إذا كان متعمدا على موصوف، فلا يشمل ما إذا كان الوصف نفسه موضوعا للحكم، نحو " والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما " فإن مثل هذا يدخل في باب مفهوم اللقب. والسر في ذلك: أن الدلالة على انتفاء الوصف، لابد فيها من فرض موضوع ثابت للحكم، يقيد بالوصف مرة، ويتجرد عنه اخرى حتى يمكن فرض نفي الحكم عنه. " أصول الفقه للمظفر: 1 / 120 " (2) نحو: " فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات "، فالصفة: جعلت حكم المنطوق، وهو اثبات الحل للفتيات المؤمنات. " أصول الفقه للخضري: ص 196 " (3) هكذا في المصورة: ص 24، وهو المألوف قديما في كتابة مثل هاذه الكلمات، ولكن الصحيح اليوم، كتابتها بهذا الشكل " إحداهما " (4) نحو: " كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه ". " أصول المظفر: 1 / 124 " (5) نحو: " واتموا الصيام إلى الليل ". " أصول المظفر: 1 / 124 " (*)

[ 140 ]

والحكم فيما بعدها: مخالف لحكم ما قبلها، إن كانت منفصلة بمنفصل محسوس، وإلا فلا (1). البحث السابع في التخصيص بالادلة المنفصلة أما التخصيص بالعقل: فكقوله تعالى: "... خالق كل شئ " [ 13 / 17 ]. وقوله: " وأوتيت من كل شئ " [ 27 / 24 ].


(1) قال المصنف: إن الغاية إن كانت منفصلة عن ذي الغاية بمنفصل محسوس، كقوله تعالى " ثم اتموا الصيام إلى الليل "، وجب أن لا يدخل. وإن لم تكن منفصلة كقوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق "، وجب أن يدخل. لانه لما لم يكن المرفق منفصلا عن اليد بمفصل حسي، لم يكن تعيين بعض المفاصل أولى من بعض، فوجب دخوله لرفع التحكم. " غاية البادي: ص 62 - 63 " هذا ! ! وقلنا أن المراد به أفعال نفسه، لما دل الدليل على أن الواحد منا فاعل ومحدث. فضلا عن أن العقل قاض ضرورة، باستحالة كون القديم الواجب بذاته، مخلوقا ومقدورا. " جمعا بين العدة: 1 / 133، ومنتهى الوصول: ص 94 بتصرف " (*)

[ 141 ]

وأما بالنقل: فله أقسام: أحدها: تخصيص الكتاب بالكتاب ! ! وهو جائز، خلافا للظاهرية (1) لقوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " [ 2 / 229 ] مع قوله: " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " [ 65 / 5 ]. الثاني: تخصيصه بالسنة المتواترة جائز ! ! خلافا لبعض الشافعية (2). لقوله " ع ": " القاتل لا يرث " (3)، في تخصيص قوله


(1) وهي: مدرسة فقهية، أسسها في العراق داود بن علي الاصفهاني (+ 270 ه‍)، وكانت تقوم على رفض الرأي والقياس، وقصر الاجماع على إجماع الصحابة، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة تمسكا شديدا، وهم بذلك يعاكسون كل حركة ترمي إلى تحكيم الرأي، وتلجأ إلى التأويل، كحركة الاعتزال. " المعتزلة: 253 - 254 بتصرف " (2) الشافعية: نسبة تمثل رواد مدرسة فقهية، في فروع الدين، تعتمد الحديث في إستناط الاحكام، مؤسسها محمد بن ادريس المعروف بالشافعي، في أواخر القرن الثاني الهجري، وبداية القرن الثالث منه. " المنجد: ص 283، وغيره من المصادر " (3) وسائل الحر العاملي: 17 / 388 - 390 " بالمضمون " ومسند = (*)

[ 142 ]

تعال: " يوصيكم الله في أولادكم " [ 4 / 12 ] (1) وكتخصيص آية الجلد (2)، برجم المحصن (3). الثالث: تخصيصه بالاجماع ! ! وهو جائز. للاجماع على تخصيص العبد، من آية الميراث ومن آية الجلد (4).


= احمد بن حنبل: ص 46 " بالنص "، ومصادر أخر مذكورة في مفتاح كنوز السنة: ص 521 (1) وهذه الآية تسمى بآية المواريث، كما في الناسخ والمنسوخ لابن العتائفي: ص 30 بتحقيق عبد الهادي الفضلي. (2) وهي قوله تعالى في سورة النور، الآية 3: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مأة جلدة... " (3) كما في قول الصادق " عليه السلام ": " الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مأة جلدة، فأما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم "، كما في التذهيب: 10 / 3. علما بأن هذا الحكم ورد في كثير من المصادر الاخرى، من قبيل: اللمعة الدمشقية 9 / 85، والكافي 7 / 177. والتبيان 7 / 405، ومجمع البيان 7 / 124، والصافي 2 / 152 والخلاف 2 / 438. (4) أما تخصيص الكتاب بالاجماع، فيصح أيضا بمثل ما قدمناه من الادلة. وقد وقع أيضا في مواضع كثيرة: نحو إتفاقهم على أن العبد لا يرث فخص بذلك آية المواريث، ونحو إجماعهم على أن العبد كالامة في = (*)

[ 143 ]

الرابع: تخصيصه بفعله " عليه السلام " (1) ! ! إن كان حكم العام متناولا له، وثبت أن حكم غيره مثل حكمه. وإن كان غير متناول له، كان مخصوصا في حق غيره إن ثبت أن حكم غيره حكمه وإلا فلا (2). الخامس: تخصيصه بخبر الواحد جائز (3) ! ! لانهما دليلان تعارضا،


= تنصيف الحد، فخص به قوله تعالى: " الزانية والزاني... " وغير ذلك. " العدة: 1 / 135 " (1) لان الدليل قد دل: على أن فعله كقوله، في وجوب الرجوع إليه في معرفة الاحكام. فإذا ورد الكتاب بتحريم اشياء، ثم وجدناه " ع " فاعلا لبعضها، علمنا بفعله خصوص الكتاب. ولذلك خص قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ماءة جلدة "، برجمه " ع " ماعزا. وتخصيص قوله " ع " بفعله، صحيح أيضا بمثل ما قلناه. " العدة: 1 / 135 " (2) أي: " وإن لم يثبت لم يكن ذلك الفعل مختصصا البتة. " غاية البادي: ص 66 " (3) والائمة الاربعة على الجواز كذلك. وقال ابن أبان: يجوز إن كان قد خص بدليل قطعي، وإلا فلا. = (*)

[ 144 ]

فقدم الاخص، جمعا بين الدليلين. وقد وقع كما في تخصيص: " فاقتلوا (1) المشركين " [ 9 / 6 ]، بقوله: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (2). والسيد المرتضى منع من ذلك، لان خبر الواحد ليس بحجة عنده. السادس: لا يجوز تخصيصه بالقياس (3). لان القياس عندنا باطل على ما يأتي، فيكف إذا عارض القرآن ؟ السابع: يجوز تخصيص السنة المتواترة بمثلها. لان العمل بهما وتركهما وترك الخاص، باطل بالاجماع، فتعين ما قلناه.


= وقال الكرخي: إن كان قد خص بدليل منفصل. وقال القاضي: بالوقف. " منتهى الوصول: ص 96 بتصرف " (1) هكذا في القرآن الكريم، وفي المصورة: ص 25، " اقتلوا " عارية عن الفاء، الظاهر منشأه الاختصار. (2) المنتفي لابن تيمية: 2 / 836، " الطبعة الاولى 1351 ه‍ ". (3) ومن أثبت القياس: فإن فيهم من أجاز تخصيص العموم به على كل حال، إذا صح القياس بشروطه، وهو مذهب اكثر الفقهاء، والشافعي، والمحكي عن أبي الحسن، وإليه ذهب أبو هاشم أخيرا. = (*)

[ 145 ]

فائدة إذا ورد خبران: عام وخاص واقترنا، كان الخاص مخصصا للعام. وكذا إن ورد الخاص متأخرا قبل حضور وقت العمل بالعام (1). وإن كان بعده كان نسخا. وإن تأخر العام: فعند أبي الحسين (2)، يبنى العام على الخاص، لان الخاص أقوى دلالة. وعند أبي حنيفة (3):


= ومنهم: من أبى تخصيص العموم به على كل وجه، وهو مذهب أبي علي، وبه قال أبو هاشم أولا، كما وقد قال به بعض الفقهاء. ومنهم من قال: يخص بالقياس الجلي ولا يخص بالخفي، وهو مذهب بعض أصحاب الشافعي. ومنهم من قال: أنه يخص بذلك، إذا دخله التخصيص، وسوغ فيه الاجتهاد، ولا يجوز تخصيصه إذا كان باقيا على عمومه. " العدة: 1 / 139 " (1) مثل قوله " عليه السلام ": " في الخيل زكاة "، " ليس في الذكور من الخيل زكاة ". " هامش المصورة: ص 26 " (2) محمد بن علي الطيب البصري، أحد أئمة المعتزلة. ولد في البصرة، وسكن بغداد، وتوفي بها سنة 436 ه‍. من كتبه " المعتمد " في اصول الفقه. " أعلام الزركلي: 7 / 161 بتصرف واختصار " (3) النعمان بن ثابت، التيمي بالولاء، الكوفي، إمام الحنفية، أحد الائمة الاربعة عند أهل السنة. قيل: أصله من أبناء فارس. ولد سنة 80 ه‍ ونشأ بالكوفة، وكان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، = (*)

[ 146 ]

العام ناسخ، لان مع التعارض يعمل بالاخير. وإن جهل التأريخ: توقف أبو حنيفة، لتردد الخاص بين كون منسوخا وتخصيصا وناسخا (1). البحث الثامن في: ما ظن أنه مخصص وليس كذلك وهو سبعة: الاول السبب ! ! ليس مخصصا خلافا للشافعي، لوجود المقتضي للعموم، وهو لفظه، وخصوص السبب لا يصلح للمنع لانه لو صرح وقال: عليك بالعام، كان جائزا (2).


= ثم انقطع للتدريس والافتاء، وتوفي في بغداد سنة 150 ه‍. " أعلام الزركلي: 9 / 4 - 5 بتصرف واختصار " (1) قال أبو حنيفة والقاضي وإمام الحرمين: وإن جهل التأريخ، تساقطا في موضع المقابلة. لاحتمال تأخر العام، فيكون ناسخا للخاص، ولاحتمال تأخر الخاص، فيكون مخصصا للعام، فيتوقف في محل الخاص، ويطلب من دليل آخر. " أصول الخضري: ص 206 بتصرف " (2) أما الاول: فلان المقتضي للعموم، إنما هو اللفظ العام، وهو قائم. أما الثاني: فلان المعارض ليس إلا خصوص السبب باتفاق الخصم، ولا منافاة بين خصوص السبب وعموم الحكم، وكذلك لو صرح الشارع = (*)

[ 147 ]

ولان الظهار واللعان وغيرهما، وردت على أسباب خاصة مع عمومها (1). الثاني: مذهب الراوي ! ! ليس بمخصص، خلافا لابن أبان (2) لاحتمال استناده إلى ما ليس بدليل، وقد أخطأ في ظنه (3). الثالث: لا يجوز تخصيص العموم بذكر بعضه، لعدم التنافي، والمفهوم ليس بحجة، خصوصا مع معارضة العموم (4)


= بعموم الحكم، لم يحكم بالمنافاة، وإذا لم يكن منافيا لم يكن معارضا. " غاية البادي: ص 73 " (1) وعلى ذلك حمل الفقهاء خطاب الله تعالى في آية اللعان، وإن خرجت على سب هلاك بن امية العجلاني، إلى كل رام زوجته. وآية القذف وردت في من تكلم في عائشة، وحملت على الجميع. وكذلك آية الظهار، وردت في مسلم بن صخر، وحملت على كل مظاهر. " العدة: 1 / 146 " (2) هو عيسى بن أبان بن صدقة، القاضي أبو موسى، تفقه على محمد بن الحسن. استخلفه القاضي يحيى بن اكثم على قضاء العسكر وقت خروجه مع المأمون إلى قم، ثم تولى القضاء بالبصرة، فلم يزل عليه حتى مات، في المحرم سنة 221 ه‍. " الفوائد البهية: ص 151 " (3) مثاله: رواية أبي هريرة " يغسل الاناء من الولوغ سبع مرات " ومذهبه مثلا وجوب الغسل بثلاثة. " هامش المصورة: ص 27 " (4) كقوله " عليه السلام - لما مر بشاة ميمونة -: " دباغها طهورها "، وسمع منه قبل ذلك: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ". فالبعض ! ! وهو قوله: " دباغها طهورها "، لا يخصص العام = (*)

[ 148 ]

الرابع: العادة (1) غير مخصصة، إلا أن يقع في زمانه " عليه السلام " ويقرهم عليها، لان فعل العبد ليس بحجة على الشرع (2).


= وقوله: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " على مذهب الشافعي. لنا: أن المقتضي للعموم باق وهو عموم اللفظ، والمعارض لا يصلح للمعارضة، إذ لا منافاة بين الكل والبعض. احتج الخصم بأن تخصيص البعض بالذكر، يدل على نفي ما عداه بدليل الخطاب. والجواب: المنع من صحة دليل الخطاب، ومع التسليم فالتمسك بالعموم أولى. " جمعا بين هامش المصورة: ص 27، وغاية البادي: ص 75 - 76 " (1) كبيع الموزون بالعدد. " هامش المصورة: ص 27 " (2) الجمهور ! ! على أن العادة في تناول بعض خاص، لا يكون مخصصا للعموم، خلافا لابي حنيفة، كما لو قال: حرمت الربا في الطعام، وكانت عادتهم تناول البر. لنا: أن اللفظ عام لغة وعرفا، فوجب التمسك به حتى يثبت تخصيصه. قالوا: كما تخصص الدابة بالعرف بذوات الاربع، والنقد بالغالب في البلد، وجب تخصيص ذلك. قلنا: ذاك لتخصيص الاسم بذلك المسمى عرفا، بخلاف هذا، فإن العادة تناولته، لا في غلبة الاسم عليه، حتى لو غلب الاسم هنا لكان كذلك، بل لو غلب الاسم على خلافه، لخرج المعتاد تناوله. = (*)

[ 149 ]

الخامس: المخاطب لا يخرج عن عموم الخطاب (1)، كقوله تعالى: "... وهو بكل شئ عليم " [ 29 / 63 ]. السادس: الخطاب المتناول للرسول " عليه السلام " والامة، لا يختص بالامة، لعموم اللفظ (2).


= قالوا: لو قال اشتر لي لحما، والعادة تناولت الضأن لم يفهم سواه. قلنا: تلك قرينة في المطلق والكلام في العموم. " منتهى الوصول: ص 97 " (1) لا يجوز تخصيص العام بالمخاطب، لان المقتضي لدخول المخاطب قائم، وهو اللفظ. وكونه مخاطبا لا يقتضي خروجه، كقوله تعالى " وهو بكل شئ عليم ". فيكون عالما بذاته، ولايكون خارجا من مفاد العموم. " غاية البادي: ص 77 بتصرف، جمعا بين المتن والهامش " (2) قد يرد في نصوص الكتاب خطابات عامة، مثل: " يا عبادي ! ! " " يا أيها الناس ! ! "، فهل هذه الخطابات تنتظم المأمور بالتبليغ " ص " ؟ والجواب: أن الانتظام لغة لا نزاع فيه، أما الانتظام إرادة فهو رأي الاكثرين. وقال بعضهم: إنه ليس مرادا بهذه الخطابات، لان كونه مبلغا للامة، مانع من ذلك، وإلا كان مبلغا ومبلغا بخطاب واحد. وهذا كلام غير وجيه، لان المبلغ في الحقيقة هو الروح الامين، بلغ الاحكام العامة، إلى واسطة بين الله وبين عباده ليسمعهم إياها، وهو منهم. = (*)

[ 150 ]

السابع: عطف الخاص على العام لا يقتضي التخصيص، خلافا للحنفية، لقوله " عليه السلام ": " لا يقتل المؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " (1). لان العطف لا يقتضي الاشتراك من كل الوجوه (2).


= فلا موجب لخروجه عنهم، مع إنتظام اللفظ له لغة. أما ما تحقق خروجه منه، فلدليل خاص، ولا فرق في هذه البلاغات بين ما صدر ب‍ " قل " وبين ما لم يصدر بها. " أصول الفقه للخضري: ص 185 " (1) المنتقى من أخبار المصطفى: 2 / 676. (2) قالت الحنفية: المراد ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر، والمراد بالكافر الثاني هو الحربي بالاتفاق، فوجب أن يكون الكافر الاول أيضا حربيا، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه، فلذلك قالوا: يقتل المسلم بالذمي. وقالت الشافعية: لا يقتل، فيكون ذلك تخصيص العام بعطف الخاص عليه. والجواب: إنا لا نسلم ذلك الاضمار، أي إضمار الكافر. إن قالوا: ليستقيم الكلام.. قلنا: الكلام مستقيم من دونه، لجواز أن يكون المراد لا يقتل ذو عهد إذا كان في عهده، ويقتل لو خرج عن عهده. لم قلتم إن ذلك غير مراد ؟ سلمنا إضماره، لكن لا نسلم أنه إذا كان المراد من الكافر الثاني الحربي، يجب أن يكون الاول كذلك. قوله: لتسوية المعطوف والمعطوف عليه، قلنا: العطف لا يقتضي = (*)

[ 151 ]

البحث التاسع في: حمل المطلق على المقيد إن كان حكم المطلق مخالفا لحكم المقيد، لم يحمل المطلق عليه (1). وإن ماثله: فإن اتحد السبب (2)، حمل المطلق عليه.


= التسوية من جميع الوجوه، بل يقتضي التسوية في الحكم فقط، وذلك حاصل بين هاهنا. " غاية البادي: ص 78 " (1) نحو قول الآمر لمن تجب طاعته: اشتر رقبة واعتق رقبة مؤمنة وفي هذا الوجه لا يحمل المطلق على المقيد إتفاقا. إلا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، كما لو قال: اعتق رقبة، ولا تتملك إلا رقبة مؤمنة، فإن النص الثاني ناه عن تملك غير المؤمنة، والاول موجب لعتق رقبة، فيتعين أن يراد بها المؤمنة، للتمكن من الامتثال. " أصول الفقه للخضري: ص 212 بتصرف " (2) كما لو قال مثلا: - في كفارة الظهار -: " اعتقوا رقبة "، ثم قال: " اعتقوا رقبة مسلمة "، وجب تقييد المطلق بالمسلمة، لان الآتي بالمطلق ليس بآت بالمقيد، والآتي بالمقيد آت بالمطلق، فيكون أولى، لانه جمع بين الدليلين، وانما قلنا إن الآتي بالمقيدات بالمطلق، لان المطلق جزء من المقيد، والآتي بالكل لا محالة يكون آتيا بالجزء. " غاية البادي: 79 - 80 " (*)

[ 152 ]

وإن اختلف، لم يجب الحمل إلا بدليل منفصل (1). وقال بعض الشافعية: تقييد أحدهما يقتضي تقييد الآخر لفظا وهو خطأ (2)، لانه لو قال الشارع: أو جبت أي رقبة كانت في الظهار، لم يناف التقييد بالايمان في القتل (3).


(1) كما لو قال مثلا في كفارة الظهار: " اعتق رقبة "، وفي كفارة القتل: " اعتق رقبة مؤمنة "، فلا يحمل المطلق على المقيد. (2) قالت الشافعية: كلام الله واحد، فإذا نص على الايمان في كفارة القتل لزم في الظهار، وليس بسديد، فإنه إن أريد المعنى القائم به، فهو وإن كان واحدا، إلا أن تعلقاته تختلف باختلاف المتعلقات فلا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين، بالاطلاق أو التقييد أو العموم أو الخصوص أو غير ذلك، تعلقه بالآخر بذلك، وإلا لزم أن يكون أمره ونهيه بأحد المختلفات أمرا ونهيا بالجميع، وهو محال.... " منتهى الوصول: ص 100 بتصرف " (3) فلان الشارع لو قال: في كفارة القتل أوجبت رقبة مؤمنة وفي كفارة الظهار أوجبت رقبة كيف كانت، لم يكن بينهما تناقض، وحينئذ تقييد احداهما لم يقتض تقييد الآخر. احتجوا: بأن القرآن كالكلمة الواحدة، ولذلك لما قيد الشهادة بالعدالة في موضع، لم يحتج تقييدها في سائر المواضع. والجواب: إن القرآن كالكلمة الواحدة في عدم التناقض فيه، لا في كل شئ. وإلا لوجب تقييد جميع العمومات والمطلقات بكل خاص ومقيد. وأما تقييد الشهادة في سائر الصور فبالاجماع. " غاية البادي: ص 81 " (*)

[ 153 ]

الفصل الخامس في: المجمل والمبين وفيه: مباحث

[ 154 ]

الاول " في: بعض التعاريف " البيان: هو الذي دل على المراد، بخطاب لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد (1). والمبين: يطلق على المستغني عن البيان (2)، وعلى ما ورد عليه بيانه (3). والمجمل: ما أفاد شيئا معينا في نفسه (4)، واللفظ


(1) انما قال: الذي دل عليه، ولم يقل: خطاب دل، ليشمل القول والفعل. وقوله: بخطاب لا يستقل، يتعلق الجار والمجرور بالمراد، لا ب‍ " دل " وإلا لزم أن يكون البيان غير مستقل في الدلالة، فيحتاج إلى بيان آخر. وإنما قيد عدم الاستقلال بقوله: بنفسه، لانه يعرض له الاستقلال بالبيان. وقيده: بالدلالة على المعنى، لانه لو كان عدم الاستقلال لا على هذه الجهة، لا يسمى بيانا. " غاية البادي: ص 82 " (2) وهو ما كان مستقلا في الدلالة على المراد في الاصل، نحو " قل هو الله أحد ". " غاية البادي: ص 82 " (3) وهو: ما لم يكن مستغنيا في الاصل، لكن طرأ عليه البيان نحو " أقيموا الصلاة ". " غاية البادي: ص 82 " (4) مثل القرء. " هامش المصورة: ص 28 " (*)

[ 155 ]

لا يعينه (1). والتأويل: إحتمال يعضده دليل (2)، يصير به أغلب على الظن، من الذى دل الظاهر عليه (3). ثم المجمل: قد يكون لفظا، باعتبار إرادة خلاف الظاهر منه، كالعام المخصوص (4).


(1) قوله: واللفظ لا يعينه، ليخرج ما كان متعينا عند المتكلم، واللفظ يدل على التعيين، فإنه ليس بمجمل. " غاية البادي: ص 83 " (2) قولنا: بدليل يعضده: احترازا عن التأويل من غير دليل، فإنه ليس تأويلا صحيحا. وقولنا: بدليل، يعم القاطع والظني، فعلى ذلك تبين أن التأويل لا يتطرق إلى النص، ولا إلى المجمل، وإنما يتطرق إلى الظاهر لا غير. " غاية البادي: 85 " (3) فإن قوله تعالى: " يد الله فوق أيديهم " يحتمل أن يكون المراد من اليد القدرة، ويحتمل أن يكون الجارحة، والاحتمال الاول مرجوح بالنسبة إلى اللفظ، وهو مقوي بالدليل العقلي، بحيث صار راجحا مع ذلك الدليل، فهذا الاحتمال المرجوح من حيث اللفظ، الراجح بدليل آخر عقلي أو سمعي، هو التأويل. " غاية البادي: 85 " (4) أي: كالعام المخصوص بمجمل، سواء كان متصلا أو منفصلا. مثال المتصل قوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم إن تبتغوا بأموالكم محصنين "، وقوله تعالى: " أحلت لكم بهميمة الانعام إلا ما يتلى عليكم "، فإن الله تعالى قد خص العام الاول بصفة الاحصان، والثاني بما استثني عنه، وهما مجملان يحتاجان إلى البيان. = (*)

[ 156 ]

أو لا (1)، كالمتواطئ والمشترك. وقد يكون فعلا، باعتبار عدم ما يدل على جهة وقوعه (2). البحث الثاني " في: ورود المجمل " يجوز ورود المجمل في كلام الله تعالى، وكلام الرسول " ص " لامكانه في الحكمة، ووقوعه فيهما.


= ومثال المنفصل قوله تعالى: " اقتلوا المشركين "، وقال الرسول: المراد بعضهم. وأعلم: أن المصنف أطلق القول في ذلك، وجعل كل العام المخصوص مجملا، سواء خص بمجمل أو لا، وفيه نظر. " غاية البادي: ص 86 " (1) وهو: الاسماء التي علم أن حقائقها غير مرادة، ويكون له مجازان، لم يكن أحدهما أولى من الثاني، وهذا القسم لم يذكره المصننف صريحا بل إيماء ". " غاية البادي: ص 86 " (2) الفعل من حيث هو فعل، لم يدل على جهة وقوعه، من الوجوب والندب والاباحة، ما لم يقترن به ما يدل عليها، فالفعل إذا تجرد عن القرينة، يكون مجملا محتاجا إلى أن يبين، أنه على أي وجه وقع من وجوهه. " غاية البادي: ص 86 - 87 " (*)

[ 157 ]

البحث الثالث " في: أشياء ليست مجملة وظن أنها كذلك " فمنها: التحليل والتحريم المضافان إلى الاعيان، خلافا للكرخي (1)، لافادتهما المعنى المطلوب من تلك الذات (2). ومنها: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " [ 5 / 7 ]، خلافا لبعض الحنفية. لان الباء: إما للتبعيض، وإما للقدر المشترك بين الجميع والبعض، ومعهما لا إجمال (3).


(1) عبيد الله بن الحسين الكرخي، أبو الحسن: فقيه، انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. مولده في الكرخ سنة 260 ه‍، ووفاته ببغداد سنة 340 ه‍. له " رسالة في الاصول التي عليها مدار فروع الحنفية - ط " و " شرح الجامع الصغير " و " شرح الجامع الكبير ". " أعلام الزركلي: 4 / 347 بتصرف " (2) ذهب أبو عبد الله البصري وحكاه أبو الحسن الكرخي ! ! إلى أن قوله: " حرمت عليكم الميتة "، وما أشبههما من الآيات التي علق التحريم فيها بالاعيان، مجمل. وذهب أبو على وأبو هاشم، إلى أن ذلك مفهوم من ظاهره، وليس بمجمل. " العدة: 2 / 8 " (3) والذي نقوله في هذه الآية: ان الباء تفيد التبعيض على ما بيناه = (*)

[ 158 ]

ومنها: الفعل المنفي: خلافا لابي عبد الله البصري، لان الاضمار لابد منه، وإضمار الصحة أولى، لانه أقرب مجاز إلى الحقيقة (1). ومنها: آية السرقة، ليست مجملة في اليد ولا القطع، لان اليد الموضوعة للعضو، من المنكب، واستعماله في البعض


= فيما مضى، من أنها إنما تدخل للالصاق إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول به بنفسه، فيحتاج إلى إدخال الباء ليلصق الفعل به. فأما إذا كان الفعل مما يتعدى بنفسه، فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك. فإذا ثبت ذلك، فقوله فامسحوا برؤوسكم، يتعدى بنفسه، لانه يحسن أن يقول: امسحوا رؤوسكم، فيجب أن يكون دخولها لفايدة اخرى وهي التبعيض. إلا أن ذلك البعض، لما لم يكن معينا، كان مخيرا بين أي بعض شاء، فإن علم بدليل أنه أريد منه موضع معين لا يجوز غيره وقف ذلك على البيان، وصارت الآية مجملة من هذا الوجه. " العدة: 2 / 9 " (1) أقول: اختلفوا في قوله " ع ": لا صلاة إلا بطهور، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام، ولا صلاة الا بفاتحة الكتاب، ونحو ذلك. فقال القاضي أبو بكر وأبو عبد الله البصري: أن ذلك مجمل، لان حرف النفي دخل على هذه الحقايق مع تحققها، فلابد من إضمار حكم من الاحكام، كالصحة والكمال، إذ في إضمار كل أحكامها مخالفة الدليل اكثر، فيجب الامتناع عنه، والبعض ليس اولى من البعض، فثبت الاجمال. = (*)

[ 159 ]

على سبيل المجاز، وأما القطع فهو الابانة (1).


= ومنع ذلك الباقون: وهو الحق ! ! وبيانه يتوقف على مقدمة: وهي أن اللفظ إذا ورد من الشارع، وجب حمله على الحقيقة الشرعية، فإن لم يكن فعلى حقيقته العرفية، فإن لم يكن فعلى حقيقته اللغوية. فإن كثرت الحقايق، يحمل على حقيقة ضمت إليها قرينة من القرائن، وإن لم يكن قرينة ثبت الاجمال. وكذلك: إذا تعذر حمله على الحقيقة، ويكون له مجازات، يحمل على أقرب مجاز إلى تلك الحقيقة. فإن تساوت المجازات، ثبت الاجمال. إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: وجب حمل هذه الالفاظ على حقايقها الشرعية. ولو سلم تعذر ذلك: يحمل على نفي الفائدة، إذ هو المعهود من عرف اللغة، كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد. ولو سلم أيضا نفي ذلك: يحمل على أقرب مجاز إلى الحقيقة، وهي نفي الصحة لان نفي الصحة أشبه شئ بنفي الحقيقة، وعلى هذه التقادير لا إجمال. " غاية البادي: ص 90 - 91 " (1) أقول: اختلفوا في قوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ". فقال بعضهم: إنها مجملة من جهة اليد والقطع. أما اليد: فلانها تطلق إلى المنكب وإلى المرفق وإلى الكوع، وليس أحد الاحتمالات أولى من الآخر، فتكون مجملة. وأما في القطع: فلان القطع يطلق على البينونة وعلى السف، = (*)

[ 160 ]

ومنها قوله " عليه السلام ": " رفع عن امتي الخطأ والنسيان " (1) لان المراد منه رفع المؤاخذة (2).


= كما يقال برئ القلم فقطع يده. وقال آخرون: إنها ليست مجملة. أما اليد: فإنها وإن اطلقت على ما ذكروه، لكنها حقيقة إلى المنكب، مجار فيما دونه، ولذلك يصح أن يقال لما دون المنكب بعض اليد، فيكون ظاهرا في جملة اليد، فلا يكون مجملا. وأما القطع: فهو حقيقة للابانة، والسف إبانة لكن إبانة ذلك الجزء المخصوص، وقولهم فلان قطع اليد في الشق، مجاز في اليد، إطلاق الكل على الجزء، والقطع مستعمل في حقيقته، هكذا قيل. " غاية البادي: ص 92 " (1) الجامع الصغير: 2 / 24، وكشف الخفاء: 1 / 433. (2) قال بعضهم: إن قوله " عليه السلام ": " رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، مجمل، لان الخطأ ليس بمرفوع عنهم قطعا، فوجب أن يكون المرفوع حكما من الاحكام. والجواب: أن المراد رفع المؤاخذة، لان السيد إذا قال لعبده، رفعت عنك الخطأ، ينصرف عرفا إلى رفع المؤاخذة. فكذلك إذا قال الرسول " ع " ينصرف إلى رفع المؤاخذة في الاحكام الشرعية، بحسب العرف. " غاية البادي: ص 93 " (*)

[ 161 ]

البحث الرابع في: تأخير البيان قد وقع الاجماع: على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق. وأما تأخيره عن وقت الخطاب: فقد منع أبو الحسين من تأخير البيان، فيما له ظاهر وقد استعمل في خلافه (1)، وزعم أن البيان الاجمالي كاف فيه، وجوز تأخير البيان، فيما ليس له ظاهر، إلى وقت الحاجة. والاشاعرة: جوزوا التأخير مطلقا (2). احتج أبو الحسين: بأن القصد من الخطاب الافهام، وإلا كان عبثا. فإن كان المراد إفهام ظاهره مع عدم إرادته، كان إغراء بالجهل. وإن كان غير ظاهره مع عدم بيانه، لزم تكليف ما لا يطاق. أحتجت الاشاعرة: بأن الله تعالى كلف بني إسرائيل


(1) كالعام في الخصوص، والنكرة إذا أريد بها معين، والاسماء الشرعية. " المعارج: ص 57 " (2) أي: فيما له ظاهر أم لا. " هامش المصورة: ص 29 " (*)

[ 162 ]

ذبح بقرة معينة. لقوله تعالى: " قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ " [ 2 / 69 ] (1)، ثم إنه تعالى ما بينها حتى سألوا. ولقوله تعالى: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه " [ 75 / 19 ]. وثم للتراخي (2). والجواب: أنهما دلتا على تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز إجماعا، فلابد من التأويل (3).


(1) هكذا في المطبوعة، وفي المصورة: ص 30 " لقوله: انها بقرة، ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ ". (2) هاتان حجتان للاشاعرة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب " غاية البادي: ص 95 " (3) الجواب: ان الآيتين كما دلتا بظاهرهما على تأخير البيان عن وقت الخطاب، كذلك دلتا على تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولما كان هذا باطلا بالاجماع، فكذلك ذاك. أما الاولى: فلان وقت خطابهم بذبح بقرة، كانوا محتاجين إلى الذبح ولذلك سألوا سؤالا بعد سؤال. وأما الثانية: فلان الضمير ان عاد إلى بعض القرآن، فلا دلالة فيها على محل النزاع، وان عاد إلى الجميع، دل على جواز التأخير عن وقت الحاجة أيضا، ودل أيضا على احتياج جميع القرآن إلى البيان، وذلك لم يقل به أحد. إذا ثبت ذلك: فلابد من تأويل الآيتين. أما الاولى فنقول: ان المأمور به في الحالة الاولى بقرة غير معينة، = (*)

[ 163 ]

البحث الخامس " في: جواز سماع المكلف العام من غير سماع ما يخصصه " يجوز أن يسمع المكلف العام من غير أن يسمع ما يخصصه خلافا لابي علي، ولابي الهذيل (1). لانه: يجوز في المخصوص بدليل العقل، وإن لم يعلم السامع في العقل ما يدل عليه عندهما. فكذا هنا، وقد سمعوا "... اقتلوا المشركين " [ 9 / 6 ]،


= ولذلك أتى بلفظة بقرة منونة، وما كانوا محتاجين إلى البيان، بل أي بقرة ذبحوها وقع الامتثال للامر. ثم لما سألوا، نسخ الله تعالى تلك، وأوجب بقرة معينة بالصفات المذكورة. وهكذا مروي عن ابن عباس، فإنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لاجزأت، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم. وأما الثانية فنقول: لا نسلم أن لفظة ثم للتراخي في الجمل، بل في المفردات سلمناه، لكن لا نسلم أن المراد تأخير مطلق البيان، سواء كان تفصيليا أو إجماليا، ولم لا يكون المراد من البيان، البيان التفصيلي، وذلك لا ننكره نحن. " غاية البادي: ص 96 - 97 " (1) محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبيدي مولى عبد القيس، من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة سنة 135، واشتهر بعلم الكلام، وكان حسن الجدل قوي الحجة، سريع الخاطر. كف بصره في آخر عمره = (*)

[ 164 ]

ولم يسمعوا " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " (1)، إلا بعد حين (2). * (هاش) * = وتوفي بسامرا، له كتب كثيرة، منها كتاب سماه " ميلاس " على اسم يهودي اسلم على يده، توفي عام 235 ه‍. " الاعلام: 7 / 355 باختصار " (1) المنتقى لابن تيمية: 2 / 836. (2) استدل المصنف على الجواز بوجهين: الاول: إن الخصم يسلم جواز ذلك، إذا كان المخصص هو العقل، مع أنه يجوز ألا يخطر ببال المكلف المخصص ذلك الوقت، فيجوز في المخصص بالنقل قياسا عليه، والجامع تمكن المكلف من معرفة المراد في الصورتين. والثاني: بالوقوع، فإن الله تعالى قال " اقتلوا المشركين "، ولم يسمع المخصص الا في زمان عمر وهو قوله " ص "، " سنوا بهم سنة الكتاب ". " غاية البادي: ص 97 - 98 " (*)

[ 165 ]

الفصل السادس في: الافعال وفيه: مباحث

[ 166 ]

الاول " في: عصمة الانبياء " مذهبنا: أن الانبياء معصومون: عن الكفر والبدعة خلافا للفضيلية (1)، وعن الكبائر خلافا للحشوية (2)، عن الصغائر عمدا خلافا لجماعة من المعتزلة، وخطأ في التأويل خلافا للجبائيين، وسهوا خلافا للباقين. وبالجملة: فالعصمة واجبة في كل زمان، وقد بينا ذلك


(1) من الخوارج، فانهم اعتقدوا أن كل ذنب فهو كفر، وجوزوا صدور الذنب عن الانبياء. " غاية البادي: ص 99 " (2) الحشوية: الحشو في اللغة ما يملا به الوسادة، وفي الاصطلاح: عبارة عن الزائد الذي لا طائل تحته، وسميت الحشوية حشوية، لانهم يحشون الاحاديث التي لا أصل لها، في الاحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أي يدخلونها فيها وليست منها، وجميع الحشوية يقولون: بالجبر والتشبيه، وأن الله تعالى موصوف عندهم بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: كل ثقة من العلماء، يأتي بخبر مسند عن النبي " ص "، فهو رحمة. راجع: التعريفات للجرجاني " الحشو "، الحور العين: ص 34، الملل والنحل: ص 11. (*)

[ 167 ]

في علم الكلام، فلا حاجة إليه هنا (1). البحث الثاني في: وجوب التأسي بالنبي " عليه السلام " (2) والحق ! ! ذلك، خلافا لقوم (3).


(1) وللمرتضى علم الهدى كتاب مختص بهذا الشأن، سماه تنزيه الانبياء، وهو في الشهرة كالشمس، وهو مطبوع. " غاية البادي: ص 100 بتصرف " (2) معناه: أنه إذا فعل فعلا ! ! هل يجب علينا مثل فعله أم لا ؟ وليس الخلاف في الامور الجبلية كالقيام والقعود، ولا فيما علم اختصاصه " ص " به، كوجوب صلاة الضحى، ووجوب الوتر، ووجوب التهجد، والمشاورة، والتخيير في نسائه، وصوم الوصال، والزيادة على أربع حراير. ولا فيما كان بيانا، كقوله " ص ": " صلوا كما رأيتموني أصلي "، و " خذوا عني مناسككم " فإنهما وقعا بيانا لقوله تعالى: " أقيموا الصلاة " و " لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ". بل فيما عدا ذلك: وهو إما أن يكون صفته معلومة من الوجوب والندب والاباحة، أو لا تكون معلومة. " غاية البادي: ص 101 " (3) خلافا لابي علي، تلميذ أبي هاشم بن خلاد من المعتزلة، فإنه قال بالوجوب في العبادات، دون غيرها من المناكحات والمعاملات. " غاية البادي: ص 101 " (*)

[ 168 ]

لنا: قوله تعالى: "... فاتبعوه... " [ 6 / 154 ]، و " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " [ 33 / 22 ]، وقوله: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " [ 3 / 32 ] إذا عرفت هذا ! ! فمعنى التأسي به: أنه " عليه السلام "، إذا فعل فعلا على وجه الوجوب، يجب علينا أن نفعله على وجه الوجوب، وإن تنفل به، كنا متعبدين بالتنفل، وإن فعله على وجه الاباحة، كنا متعبدين بإعتقاد إباحته، وجاز لنا فعله. هذا ! ! إذا علم وجه الفعل. أما إذا لم يعلم ! ! فقال ابن سريج (1): إنه للوجوب في حقنا، وقال الشافعي للندب، وقال مالك (2): للاباحة، واكثر المعتزلة: على الوقف، وهو الاقرب. لان عصمته تنفي القبح عنه، والوجوب والندب زائدان


(1) احمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس، فقيه الشافعية في عصره، مولده ووفاته في بغداد " 249 ه‍ - 306 ه‍ "، له نحو 400 مصنف، وكان يلقب بالباز الاشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان حاضر الجواب، له مناظرات ومساجلات مع محمد بن داود الظاهري، وله نظم حسن. " الاعلام: 1 / 178 - 179 باختصار " (2) ابن أنس بن مالك الاصبحي الحميري، أبو عبد الله، امام دار الهجرة، إليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة 93 - 179 ه‍ من كتبه " الموطأ - ط "... " الاعلام: 6 / 128 بتصرف واختصار " (*)

[ 169 ]

فالمشترك هو الجواز (1). البحث الثالث في: الترجيح بين القول والفعل (2) إذا ورد خطاب متناول للامة خاصة، ثم فعل " عليه السلام " فعلا ينافيه، وجب المصير إلى الفعل. وإن كان متناولا لنا وله، وتراخى فعله، صار منسوخا عنه وعنا، للتأسي. وإن تناوله دوننا، كان منسوخا عنه. وإن كان الفعل متقدما (3)، وجب التأسي. فإن كان القول متناولا له خاصة، كان مخصصا له عن ذلك العموم.


(1) وأما الوقف: فبالحقيقة عائد إلى القول بالاباحة، لان التوقف في الوجوب والندب، لا يستلزم التوقف في الجواز بعد ثبوت العصمة. " غاية البادي: ص 103 " (2) إذا تعارض قوله وفعله " ص " " غاية البادي: ص 103 " (3) أي: وإن كان فعل النبي متقدما على الخطاب. " هامش المصورة: ص 32 بتصرف " (*)

[ 170 ]

وإن تناول امته خاصة، كان حكم الفعل مختصا به. وإن كان عاما لنا وله، دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنا. وإن لم يعلم تقدم أحدهما، قدم القول، لانه أقوى دلالة من الفعل. البحث الرابع " في: تعبده بشرع من قبله " الحق ! ! أنه " عليه السلام "، لم يكن متعبدا بشرع من قبله، قبل النبوة ولا بعدها. وإلا ! ! لاشتهر، ولافتخر به أهل تلك الملة، ولوجب مراجعة من تقدم، لو كان متعبدا بعد النبوة، ولعلم معاذا (1)


(1) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الانصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمان، صحابي جليل. هو أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد النبي " ص "، أسلم وهو فتى، وآخى النبي " ص " بينه وبين جعفر بن أبي طالب، وشهد العقبة مع الانصار السبعين، وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله " ص "، وبعثه رسول الله بعد غزوة تبوك، قاضيا ومرشدا لاهل اليمن، ولد عام 20 ق. ه‍ وتوفي عام 18 ه‍. " الاعلام: 8 / 166 بتصرف واختصار " (*)

[ 171 ]

عند سؤاله (1).


(1) حين بعثه إلى اليمن قاضيا، فقال " عليه السلام ": بم تحكم ؟ فقال: بكتاب الله. فقال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد ؟ قال: اجتهد رأيي، فأقره " عليه السلام ". فلو كان متعبدا بشرع من قبله، لامره بالرجوع إليه. " هامش المصورة: ص 32 بتصرف " (*)

[ 173 ]

الفصل السابع في: النسخ وفيه: مباحث

[ 174 ]

الاول في: تعريفه النسخ في اللغة: النقل والتحويل (1)، وقيل: الابطال. وفي عرف الفقهاء: رفع الحكم الثابت، بالخطاب المتقدم (2) بخطاب متراخ عنه، على وجه لولاه لكان ثابتا. واختلفوا ! ! فقال القاضي أبو بكر (3): النسخ رفع،


(1) كما في تاج العروس: 2 / 283. " بتصرف " (2) قوله: الثابت بالخطاب، يخرج رفع الحكم الثابت بالعقل، كبراءة الذمة. وإنما قال: بخطاب متراخ عنه، لانه لو لم يكن متراخيا، لم يكن نسخا بل بيانا. وقال: على وجه لولاه لكان ثابتا، لانه لو لم يكن كذلك، لم يكن رفعا، بل بيانا لانتهاء الحكم السابق. " غاية البادي: ص 108 " (3) محمد بن عبد الله بن محمد المعافري، الاشبيلي المالكي، أبو بكر ابن العربي، قاض، من حفاظ الحديث، ولد في اشبيلية عام 468 ه‍، ورحل إلى المشرق، وبرع في الادب، وبلغ رتبة الاجتهاد في علوم الدين، وصنف كتبا في الحديث والفقه والاصول والتفسير والادب والتأريخ، وولي قضاء اشبيلية، ومات بقرب فارس عام 543 ه‍ ودفن بها، من كتبه " المحصول " في اصول الفقه. " الاعلام: 7 / 106 بتصرف واختصار " (*)

[ 175 ]

ومعناه أن خطابه تعالى تعلق بالفعل، بحيث لولا طريان النسخ، لبقي. وقال أبو إسحاق (1): إنه بيان انتهاء مدة الحكم، بمعنى أن الخطاب الاول، انتهى بذاته في ذلك الوقت، وحصل بعده حكم آخر. البحث الثاني في: جوازه اكثر المسلمين: على ذلك. وخالف فيه: أبو مسلم الاصفهاني، (2) وجماعة من


(1) ابراهيم بن أحمد المروزي، أبو إسحاق: فقيه انتهت إليه رياسة الشافعية بالعراق بعد ابن سريج. مولده بمرو الشاهجان " قصبة خراسان " وأقام ببغداد اكثر أيامه. وتوفي بمصر عام 340 ه‍. له تصانيف منها " شرح مختصر المزني ". " الاعلام: 1 / 22 - 23 بتصرف " (2) محمد بن بحر الاصفهاني، أبو مسلم: وال، من أهل أصفهان معتزلي، من كبار الكتاب، كان عالما بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، وله شعر، ولي أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسي، واستمر إلى أن دخل ابن بويه أصفهان، سنة 321 ه‍، فعزل. من كتبه " جامع التأويل " في التفسير، أربعة عشر مجلدا، و " مجموع رسائله "، ولد عام 254 ه‍، وتوفي عام 322 ه‍. " الاعلام: 6 / 273 بتصرف " (*)

[ 176 ]

اليهود (1)، لنا: أن الاحكام منوطة بالمصالح، ولا امتناع في كون الوجوب مثلا مصلحة في وقت، ومفسدة في آخر. فلو كلف به دائما، لزم التكليف بالمفسدة، فيجب رفعه في وقت كونه مفسدة، وهو المطلوب. ولقوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها... " [ 2 / 107 ]. ولان النسخ وقع في شرع اليهود، كتحريم كثير من الحيوان على لسان موسى " ع " (2)، مع إباحته الجميع عدا الدم


(1) اليهود: من هاد الرجل، أي رجع، وتاب، وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى " ع ": " إنا هدنا إليك "، أي رجعنا وتضرعنا، ويسمون ببني إسرائيل. واليهود: تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، ابتدأت بموسى وتمت، فلم يكن قبله شريعة إلا حدود تحولية وأحكام مصلحية، ولم يجيزوا النسخ أصلا. قالوا: فلا يكون بعده شريعة اخرى، لان النسخ في الاوامر بداء ولايجوز البداء على الله. " جمعا بين: الملل والنحل 2 / 9 - 22 وقاموس الالفاظ والاعلام القرآنية ص 429 - 430 بتصرف واختصار " (2) نبي اليهود: وهو اشهر من اشتهر في الكتب المقدسة، من صلاح العهد القديم، أنقذ من المياه وتربي في قصر فرعون بطلب من = (*)

[ 177 ]

على لسان نوح (1)، وغير ذلك من الاحكام (2).


= زوجته، ثم لجأ إلى برية سينا، وأرسله الرب منقذا شعبه العبرانيين من مظالم فرعون، فخلصهم وجاز معهم برية سينا مدة أربعين سنة، أعطاهم في خلالها لوحي الوصايا التي تلقاها من الرب في جبل حوريب، وسن لهم الشرايع، لقب ب‍ " كليم الله ". " المنجد في الادب والعلوم: ص 520 بتصرف " وللتوسع ! ! يراجع " قاموس الالفاظ والاعلام القرآنية: ص 366 - 367 ". (1) نبي مرسل: وهو أبو سام وحام ويافث، نجا مع القلة المؤمنين به، من الطوفان، على ما جاء في الكتاب المقدس والقرآن الكريم. " المنجد في الادب والعلوم: ص 542 بتصرف " وللتوسع ! ! يراجع " قاموس الالفاظ والاعلام القرآنية: ص 392 " (2) إن النسخ لو لم يجز لم يقع في شرعهم لكنه وقع، فإنه جاء في التوراة، إن الله تعالى قال لنوح عند خروجه من الفلك، إني جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت لكم كنبات العشب، ماخلا الدم فلا تأكلوه. ثم حرم الله على موسى وعلى بني اسرائيل كثيرا من الحيوان، وجاء فيه أن الله تعالى، أمر آدم أن يزوج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك في شريعة من بعده. وأيضا: أن العمل كان مباحا في يوم السبت، ثم حرم على موسى وقومه. وكان الختان في شرع ابراهيم جائزا بعد الكبر، وقد صار واجبا = (*)

[ 178 ]

واحتجاج اليهود بقول موسى: " تمسكوا بالسبت أبدا " (1) ضعيف. لان التأبيد يطلق على الزمان الطويل. كقوله في التوراة: " يستخدم العبد ست سنين، ثم يعرض عليه العتق، فإن أبى ثقبت أذنه، واستخدم أبدا "، وفي موضع آخر: " يستخدم العبد خمسين سنة، ثم يعتق في تلك السنة ". وأيضا تواتر اليهود انقطع، لان " بختنصر " (2) أفناهم إلا من شذ. إذا عرفت هذا ! ! فالنسخ قد وقع في القرآن كما في:


= يوم ولادة الطفل في شرع موسى. وكان الجمع بين اختين مباحا في شريعة يعقوب، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده. " غاية البادي: ص 110 - 111 " (1) فاحفظوا السبت فانه مقدس لكم، ومن خرقه يقتل قتلا، كل من يعمل فيه عملا، تنقطع تلك النفس من شعبها، فليحافظ بنو اسرائيل على السبت مواظبين عليه مدى أجيالهم عهدا أبديا " سفر الخروج: فصل 31، ص 144، طبع بيروت سنة 1937 م ". (2) ملك البابليين (604 ق م - 61 ق م)، أغار بحملاته على مصر، وفتح اورشليم وأحرقها، وأجلى أهل يهوذا إلى بابل بعد تقتيل الكثير منهم، وسجن من بقي منهم في سجون خاصة، لا زالت آثارها باقية في بابل حتى اليوم. " المنجد في الآداب والعلوم: ص 66 بتصرف " (*)

[ 179 ]

القبلة (1)، والاعتداد للوفاة (2)، وثبات الواحد للعشرة (3)، ووجوب تقديم الصدقة على المناجاة (4). وقوله تعالى: " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " [ 41 / 42 ]، يريد به لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يبطله،


(1) كما في قوله تعالى: " فأينما تولوا فثم وجه الله ". منسوخة بقوله: " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ". " الناسخ والمنسوخ: ص 29 " (2) كما في قوله تعالى: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا إلى الحول ". منسوخ بقوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ". " الناسخ والمنسوخ: ص 36 - 37 بتصرف " (3) كما في قوله تعالى: " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ". نسخ ذلك بقوله: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مأة صابرة تغلبوا مأتين ". " الناسخ والمنسوخ: ص 52 بتصرف " (4) كما في قوله تعالى: " إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر ". نسخت بقوله: " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم فاقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ". " الناسخ والمنسوخ: ص 77 بتصرف " (*)

[ 180 ]

ولا يأتيه من بعده ما يبطله، لا ما توهمه أبو مسلم، من نفي النسخ. البحث الثالث في: نسخ الشئ قبل مضي وقت فعله ذهب المعتزلة: إلى بطلانه. لاستحاله: كون الشئ حسنا وقبيحا في وقت واحد، والامر بالقبيح والنهي عن الحسن. فذلك الفعل في ذلك الوقت: إن كان حسنا استحال النهي عنه، وإن كان قبيحا استحال الامر به. والاشعرية ذهبوا: إلى جوازه. لانه تعالى أمر ابراهيم (1) بذبح ولده، لقوله تعالى:


(1) ولد إبراهيم " عليه السلام " بارض بابل منذ آلاف السنين، وهو من سلالة سام بن نوح، وكان أهل بابل يعبدون الكواكب والاصنام ويؤلهون ملكهم النمروذ بن كنعان، وكان آزر أبوه ينحت الاوثان لقومه ويتولى خدمتها ". ونشأ ابراهيم سليم العقيدة، وقد آتاه الله رشده، فمقت الاوثان وحارب عبادتها، ودعا إلى نبذها وعبادة الواحد الاحد، وبين لقومه أنها لا تضر ولا تنفع، ولكنهم أبوا... ويعرف ابراهيم عليه السلام بخليل الله وبأبي الانبياء، لانه ظهر من = (*)

[ 181 ]

" إني أرى في المنام أني أذبحك " [ 37 / 103 ]، ثم نسخ عنه بالفدية (1). وهذا ! ! أقوى عندي. والجواب عن حجة المعتزلة: أن الحسن والقبح، كما يوصف الفعل بهما، فكذا يلحقان الامر فجاز أن يكون الشئ حسنا. إلا أن الامر به يشتمل على نوع مفسدة، فيلحقه النسخ بإعتبار لحوق القبح للامر لا للمأمور. البحث الرابع " في: ما يجوز نسخه " يجوز: نسخ الشئ إلى غير بدل، كالصدقة أمام المناجاة وإلى ما هو أثقل (2).


= ذريته أنبياء كثيرون، وقد اتاه الله سبحانه وتعالى الكتاب الذي سمي في سورتي النجم والاعلى بصحف ابراهيم. " قاموس الالفاظ والاعلام القرآنية: ص 12 - 13 باختصار " (1) بقوله تعالى من نفس السورة - الصافات الآية 108 -: " وفديناه بذبح عظيم ". (2) ألا ترى أن قوله: " وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين " = (*)

[ 182 ]

ونسخ التلاوة دون الحكم (1)، وبالعكس (2). ونسخ الخبر مع تعدد مقتضاه، كقوله: " أعمرت نوحا


= اقتضى كون المكلف مخيرا في الصوم. ثم حتم ذلك وألزمه مع ما فيه من زيادة المشقة على التخيير، بقوله: " فمن شهد منكم الشهر فليصمه " تقديره: فمن شهد منكم الشهر حيا حاضرا صحيحا عاقلا بالغا فليصمه. " جمعا بين: العدة 2 / 28، والناسخ والمنسوخ ص 33 " (1) وقد مثلوا لذلك بآية الرجم التي رواها عمر بقوله: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ". " الناسخ والمنسوخ: ص 24 بتصرف " وللتوسع ! ! يراجع " البيان في تفسير القرآن " للامام الخوئي: ص 213 - 254. (2) وأما ما نسخ حكمه وبقي خطه: فهو في ثلاث وستين سورة مثل: الصلاة إلى بيت المقدس، والصوم الاول، والصفح عن المشركين، والاعراض عن الجاهلين. " الناسخ والمنسوخ: ص 24 " وللتوسع ! ! يراجع " البيان في تفسير القرآن " للامام الخوئي: ص 305 - 403. (*)

[ 183 ]

ألف سنة "، ثم يقول: " عمرته ألف سنة إلا خمسين عاما " (1). ونسخ الامر المقيد بالتأبيد، لانه شرطه (2). ونسخ المتواتر من السنة بمثله (3)، وبخبر الواحد عقلا غير


(1) يجوز نسخ الخبر مع تعدد مقتضاه، سواء كان ماضيا أو مستقبلا، وعدا أو وعيدا، وهو مذهب المرتضى، خلافا للجبائيين والقاضي أبي بكر. واستدل المصنف على الجواز: بأن مدلول الخبر إذا كان متعددا، كقوله " عمرت نوحا... " يجوز أن ينسخ بقوله " عمرته الف سنة إلا خمسين عاما ". ويكون الناسخ بيانا لاخراج بعض ما تناوله اللفظ، قياسا على الامر والنهي، فيجوز في الجميع إما بالقياس عليه أو لعدم القائل بالفرق. " غاية البادي: ص 118 - 119 " (2) كقوله مثلا: " افعلوا هذا الفعل أبدا "، خلافا لقوم... ودليلنا: أنه نسخ شئ مشروط، بكون ذلك الشئ واردا على وجه التأبيد. لانه لو لم يكن كذلك، لم يكن رفعا، وشرط الشئ لا ينافيه. " غاية البادي: ص 119 " (3) واستدلوا: بان التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتا بالتواتر، وأهل قبا لما سمعوا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ألا أن القبلة قد حولت "، استداروا بمجرد خبره، ولم ينكر النبي " ص " عليهم. " غاية البادي: ص 119 " (*)

[ 184 ]

واقع (1). ونسخ خبر الواحد بمثله (2) وبالمتواتر. ونسخ الكتاب بمثله، خلافا للشافعي، كالقبلة والعدة (3). ونسخ الكتاب بالسنة المتواترة، كالحبس في البيوت، خلافا له (4). أما الاجماع: فلا ينسخ، لان شرط إنعقاده وفاة الرسول " عليه السلام "، ولا ينسخ به، لان وقوعه على خلاف النص خطأ (5).


(1) عند الجمهور، خلافا لاهل الظاهر. " غاية البادي: ص 119 " (2) وقد وقع ذلك على ما روي: لان النبي نهى عن إدخار لحوم الاضاحي وزيارة القبور. نسخ ذلك فأباح الزيارة والادخار للحوم الاضاحي. " العدة: 2 / 44 " (3) ما ذكره شيخنا دام ظله: من مخالفة الشافعي فيه، كان من زلة قلمه، لاني ما وقفت على خلاف فيه، لا له ولا لغيره من مجوزي النسخ. " غاية البادي: ص 120 " (4) لنا: إن الفرض في الزانية كان إمساكهن في البيوت، لقوله تعالى: " فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت ". ثم إن الله تعالى نسخه بآية الجلد، ثم إن النبي نسخ الجلد بالرجم. " غاية البادي: ص 120 " (5) أما الاول: فلان شرط انعقاد الاجماع وفاة النبي " صلى الله = (*)

[ 185 ]

البحث الخامس " في: زيادة العبادة أو نقصانها " لا خلاف في أن زيادة عبادة على العبادات ليس بنسخ للعبادات، وزيادة غيرها نسخ عند أبي حنيفة، خلافا للشافعي. والحق ! ! ما قاله أبو الحسين: وهو أن الزيادة لا شك أنها تقتضي زوال أمر، وأقله عدمها. فإن كان الزايل حكما شرعيا، وكانت الزيادة متراخية


= عليه وآله "، لانه لو كان حيا وخالف لم يكن اجماعا، لانه سيد المؤمنين وإن وافق فالعبرة بقوله. وحينئذ نقول: إما أن ينسخ الاجماع بالقرآن أو بالسنة أو بالاجماع والكل باطل. أما الاولان: فلانهما إن كانا موجودين وقت انعقاد الاجماع، كان الاجماع على خطأ، وإن لم يكونا موجودين استحال حدوثهما، لاستحالة حدوث كتاب أو سنة بعد النبي " ص ". وأما الثالث: فنقول انعقاد الاجماع الثاني، إن لم يكن عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل عاد التقسيم الاول. وأما الثاني: فلان المنسوخ به أما أن يكون نصا أو اجماعا، والاول باطل لانه يقتضي وقوع الاجماع على خلاف النص فيكون خطأ، وكذا الثاني لما تقدم من أنه لا ينسخ. " غاية البادي: ص 121 - 122 " (*)

[ 186 ]

عنه، سميت تلك الازالة نسخا وإلا فلا زيادة. وزيادة التغريب يزيل عدمه، وهو حكم عقلي مستند إلى البراءة الاصلية، لان إيجاب الحد لا إشعار فيه، بنفي الزائد ولا إثباته. إما زيادة ركعة على الصبح فإنها ترفع وجوب التشهد عقيب الركعتين. فكان نسخا لهذا الحكم لا للركعتين - لان النسخ لا يرد على الافعال -، ولا لوجوبهما، ولا لاجزائهما، لانهما كانتا مجزئتين والآن ! ! إنما لم تجز بالوجوب الثالثة، ووجوب الثالثة إنما يرفع نفي وجوبها، ونفي وجوبها عقلي (1).


(1) قول أبي الحسين: هو أن تلك الزيادة، لابد أن تقتضي زوال أمر، ولو لم يكن إلا عدم ذلك الامر الكاين قبل الزيادة. ثم إن الزائل بتلك الزيادة: إن كان حكما شرعيا، وكانت الزيادة متراخية عنه، سميت تلك الازالة نسخا، ولا يقبل الزيادة بخبر الواحد. وإن كان حكما عقليا، وهو البراءة الاصلية، لم يسم نسخا، ويقبل الزيادة بخبر الواحد. فزيادة التغريب، أو زيادة عشرين على جلد ثمانين، انما يزيل عدم وجوب الزايد على الثمانين. وهذا العدم كان معلوما بالعقل لا بالشرع، لان إيجاب الثمانين، أعم من أن يكون مع الزائد أو مع عدم الزائد، والعام لا دلالة له على الخاص، ويجوز قبول خبر الواحد فيه. = (*)

[ 187 ]

وأما نقصان جزء العبادة: فالحق ! ! أنه ليس نسخا للعبادة، لان المقتضي للجزئين ثابت، وخروج احدهما لا يقتضي خروج الآخر، وكذا شرطها. نعم، إنه نسخ للجزء أو الشرط (1).


= وزيادة ركعة على الركعتين، كالصبح قبل التشهد نسخ، لانها مزيلة لوجوب التشهد عقب الركعتين، وذلك الوجوب حكم شرعي، ولايجوز قبول خبر الواحد فيه. وليس ذلك نسخا للركعتين، لان النسخ لا يتناول الافعال، ولا لوجوبهما، لان وجوبهما لم يزل، ولا لاجزائهما لانهما مجزيتان، وإنما كانتا مجزيتين من دون ركعة اخرى. والآن لا يجزيان الا مع ركعة، وذلك تابع لوجوب ضم ركعة اخرى، ووجوب ركعة اخرى، لم يرفع إلا نفي وجوبها، ونفي وجوبها إنما حصل بالعقل. " غاية البادي: ص 125 - 126 " (1) فنسخ الوضوء لا يكون نسخا للصلاة، بل يكون نسخا لبعض الاجزاء، لان الصلاة بغير الطهارة لم تكن مجزية، فبعد النسخ صارت مجزية. وكذلك يكون نسخ الشرط نسخا لجزئه، والا لم يكن نسخا للشرط بل لجزء الشرط، وقد فرضناه كذلك. وهكذا الحكم في سائر العبادات المركبة... " غاية البادي: ص 126 - 127 " (*)

[ 189 ]

الفصل الثامن في: الاجماع وفيه: مباحث

[ 190 ]

الاول " في: إجماع أمة محمد " إجماع امة محمد صلى الله عليه وآله حق. أما على قولنا فظاهر، لانا نوجب المعصوم في كل زمان، وهو سيد الامة، فالحجة في قوله. وأما المخالف ! ! فلقوله تعالى: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فوله ما تولى " [ 4 / 116 ] والتوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين يقتضي وجوب إتباع سبيلهم. ولقوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا... " [ 2 / 144 ]، والوسط العدل (1). ولقوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر... " [ 3 / 111 ] وهو يقتضي أمرهم بكل معروف، ونهيهم عن كل منكر. ولقوله " عليه السلام ": " لا تجتمع امتي على الضلالة " (2)


(1) كما في مجمع البيان: 1 / 224، وتفسير القمي: 1 / 63، والصافي: 1 / 147، والتبيان: 2 / 6. (2) رواه: أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، وابن أبي خيثمة في تأريخه " المقاصد الحسنة للسخاوي: 1 / 460 ". (*)

[ 191 ]

البحث الثاني " في: إحداث قول ثالث " لا يجوز إحداث قوله ثالث، إن لزم منه إبطال ما أجمعوا عليه. كالجد ! ! قيل: له المال، وقيل: يقاسمه الاخ، فحرمانه باطل. وإن لم يستلزم بطلان الاجماع، جاز لعدم المانع (1).


(1) إذا اختلف أهل العصر على قولين، ثم أحدث من بعدهم قول ثالث، منعه الاكثرون. كوطئ البكر، ثم يجد عيبا، قيل بمنع الرد، وقيل: ترد مع الارش، فالقول بالرد مجانا قول ثالث. وكالجد مع الاخ، قيل: يرث المال كله، وقيل: بالمقاسمة، فالقول بالحرمان قول ثالث. وكالام مع زوج وأب أو زوجة وأب، قيل: ثلث الاصل، وقيل: ثلث ما بقي، فالفرق قول ثالث. وكالنية في الطهارات، قيل: تعتبر في الجميع، وقيل: في البعض فالتعميم بالنفي قول ثالث. وكالفسخ بالعيوب الخمسة، قيل: يفسخ بها، وقيل: لا، فالفرق قول ثالث. ومنهم من فصل ! ! وهو الصحيح، فقال: إن كان الثالث يرفع = (*)

[ 192 ]

ولو لم تفصل الامة بين المسألتين (1). فإن نصوا على عدمه، امتنع الفصل، وكذا إن علم إتحاد طريقة الحكم في المسألتين، كالعمة والخالة، علة إرثهما كونهما من ذوي الارحام، فمن ورث إحداهما ورث الاخرى ومن منع إحداهما منع الاخرى (2). وإن لم يكن كذلك جاز (3).


= ما اتفقا فممنوع، كالبكر فإن الاتفاق على أنها لاترد مجانا، وكالجد فإن الاتفاق على أنه يرث، وكالنية في الطهارات. وإن كان لا يرفع، بل وافق كل واحد من وجه وخالف من وجه فجائز، إذ لا مخالفة لاجماع، كفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض، فإنه موافق في كل صورة مذهبا. " منتهى الوصول: ص 44 " (1) بل جمعوا بينهما في حكم من الاحكام الخمسة، فهل لمن بعدهم أن يفصلوا بينهما ؟ ويخصوا إحداهما بحكم والاخرى بحكم آخر أم لا ؟ والحق ! ! التفصيل. " غاية البادي: ص 145 " (2) إذا لم يفصلوا بين مسألتين، فهل لمن بعدهم الفصل ؟ والحق إن نصوا بعدم الفرق، أو اتحد الجامع، كتوريث العمة والخالة، لم يجز، لانه رفع مجمع عليه، وإلا جاز. " منهاج الوصول: ص 52 " (3) أي إن لم يعلم اتحاد طريقه. " هامش المصورة: ص 37 " (*)

[ 193 ]

البث الثالث " في: ما وما لا ينعقد الاجماع به " يجوز الاتفاق بعد الخلاف (1). وإذا أجمع أهل العصر الثاني، على أحد قولي العصر الاول (2)، إنعقد الاجماع. ولو أجمع أهل العصر على حكم، بعد إختلافهم على قولين، إنعقد أيضا. وإنقراض العصر غير معتبر، لتناول أدلة الاجماع، مع عدم الانقراض (3).


(1) خلافا للصيرفي، كما في منهاج الوصول: ص 52. (2) وقد وقع، كاختلاف الصحابة في بيع امهات الاولاد، ثم اتفق من بعدهم على المنع. " منتهى الوصول: ص 45 " (3) إعلم ! ! أنه لا يشترط إنقراض العصر في انعقاد الاجماع، أي إذا أتفق أهل العصر على حكم، كان حجة وإن لم ينقرضوا، خلافا لاحمد بن حنبل وابن فورك. لنا: إن ادلة الاجماع تتناولهم وإن لم ينقرضوا، لدخول المعصوم فيهم، ولانهم المؤمنين. وأيضا: لو اشترط انقراض العصر لم ينعقد اجماع أصلا، واللازم باطل فالملزوم مثله. " غاية البادي: ص 149 " (*)

[ 194 ]

ولو قال بعض أهل العصر قولا، وسكت الحاضرون، فالحق أنه ليس بإجماع، لاحتمال السكوت غير الرضا (1) ولو قال بعض الصحابة قولا، ولم يوجد له مخالف، لم يكن إجماعا (2). وإجماع أهل المدينة ليس بحجة، خلافا لمالك، لانهم بعض المؤمنين (3).


(1) احتج المصنف على أنه ليس بإجماع ولا حجة، بأن السكوت كما يحتمل الرضا والموافقة، يحتمل وجوها آخر، ومع الاحتمال لم يكن الجزم، بل ولا الظن. وتلك الوجوه: أن يكون الساكت قد وقر القايل أو هابه، كما روي أن ابن عباس وافق عمر في مسألة العول، وأظهر الخلاف بعده، وقال: هبته وكان مهيبا. أو أنه لم يجتهد فيه فلم يجز له الانكار، أو أنه اجتهد لكنه لم يصل إلى الحكم فتوقف، أو أنه اجتهد ووصل إلى حكم لكنه ينتظر الفرصة، أو أنه رأى أن كل مجتهد مصيب، أو أنه يعلم أن غيره أنكر عليه وكفاه المؤنة. " غاية البادي: 150 - 151 متنا وهامشا " (2) لان ذلك: إما أن يكون مما تعم به البلوى أو لا. فالاول: لابد أن يكون للباقين فيه قول، إما مخالف أو موافق، وإن لم يظهر فجرى ذلك مجرى السكوت، وقد تقدم ذلك. والثاني: يحتمل أن لا يكون للباقين فيه قول، وحينئذ لم يكن إجماعا. " غاية البادي: ص 151 " (3) قال مالك رضي الله عنه: إجتماع أهل المدينة حجة، لقوله = (*)

[ 195 ]

أما إجماع العترة فإنه حجة، لقوله تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " [ 33 / 34 ]. ولقوله " عليه السلام ": " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي " (1). البحث الرابع " في: شرط الاجماع " لا يجوز الاجماع إلا عن دليل (2)، وإلا لزم الخطأ على كل الامة. وهل يعتبر قول العوام في الاجماع ؟ الحق ! ! عدمه، لان قول العامي لا لدليل، فيكون خطأ.


= عليه الصلاة والسلام: " إن المدينة لتنفي خبثها "، وهو ضعيف. " منهاج الوصول: ص 51 " (1) حديث الثقلين: 1 / 5، وما بعدها. وللتوسع ! ! يراجع " الاصول العامة للفقه المقارن " للحجة محمد تقي الحكيم: ص 145 - 189، بحث: " سنة أهل البيت ". (2) وقال قوم: يجوز أن يكون بغير سند. لنا: أن القول في الدين، من غير دليل ولا إمارة، خطأ، ولا تجمع الامة على خطأ. وأيضا: فإنه يستحيل وقوع ذلك عادة. " منتهى الوصول: ص 43 " (*)

[ 196 ]

فلو كان قول العالم خطأ، لزم إجماع الامة على الخطأ. ولا عبرة: بقول الفقيه في مسائل الكلام، ولا بالمتكلم في مسائل الفقه، ولا بقول الحافظ للمسائل والاحكام إذا لم يكن متمكنا من الاجتهاد، لانهم كالعوام، فيما لا يتمكنون من الاجتهاد فيه. ويعتبر قول الاصولي في الاحكام، إذا كان متمكنا من الاجتهاد فيها، وإن لم يكن حافظا لها. وإجماع غير الصحابة حجة، لتناول الادلة له (1). ولا يجوز وقوع الخطأ من أحد شطري الامة في مسألة، ومن الشطر الآخر في اخرى، لاستلزامه بخطيئة كل الامة (2).


(1) خلافا لاهل الظاهر. لنا: ان أدلة الاجماع تتناولهم، إما عندنا فلوجود المعصوم فيهم، وأما عند الجمهور فلان سبيلهم سبيل المؤمنين فوجب اتباعه. " غاية البادي: ص 163 " (2) لا يجوز إنقسام المجمعين إلى فرقتين، تجمع كل واحدة منهما بين حق وباطل، لان الامام مع أحدهما، وهو يمنع من اتفاقهما على الخطأ. " المعارج: ص 73 " (*)

[ 197 ]

الفصل التاسع في: الاخبار وفيه: مباحث

[ 198 ]

الاول " في: تعريف الخبر وأقسامه " ماهية الخبر معلومة بالضرورة (1). وإن عرض اشتباه، ميز بما يحتمل الصدق والكذب، ولا يخلو عنهما. وهو: إما أن يكون مقطوعا بكونه صدقا، أو بكونه كذبا، أو يجوز فيه الامران. والاول سبعة: المتواتر (2)، وما علم وجود مخبره إما بالضرورة (3) أو بالاستدلال، وخبر الله، وخبر رسوله، وخبر الامام عندنا، وخبر كل الامة، والخبر المعتضد بالقرائن (4).


(1) الخبر: كلام يفيد بنفسه نسبة أمر إلى أمر، نفيا أو إثباتا. " المعارج: ص 76 " (2) من قبيل حديث: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "، كما في صحيح مسلم: 8 / 229، و " شرح البداية في علم الدراية: ص 15 "، ومصادر أخر مذكورة في هامش " علوم الحديث، لصبحي الصالح: ص 20 ". (3) مخبره بفتح الباء، كوجود مكة " شرح البداية: ص 11 ". (4) كمن يخبر عن مرضه عند الحكيم، ونبضه ولونه يدلان عليه. وكذا من يخبر عن موت أحد، والنياح والصياح في بيته، وكنا عالمين بمرضه. " شرح البداية: ص 11 " (*)

[ 199 ]

والثاني: الخبر الذي ينافي مخبره وجود ما علم بالضرورة أو بالاستدلال (1). البحث الثاني " في: إفادة التواتر العلم " الحق ! ! أن خبر المتواتر يفيد العلم الضروري، خلافا للسيد المرتضى حيث وقف (2)، ولابي الحسين حيث قال: انه نظري.


(1) وهو: خمسة أشياء. الاول: ما خالف ضرورة العقل.. الثاني: ما أحالته العوايد. الثالث: ما خالف دليل العقل.. الرابع: ما خالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة.. الخامس: ما خالف الاجماع. " المعارج: ص 77 " (2) ذهب المرتضى إلى أن أخبار البلدان والوقايع والملوك وهجرة النبي ومغازيه. وما يجري هذا المجرى. يجوز أن تكون ضرورة من فعل الله تعالى، ويجوز أن تكون مكتسبة من فعل العباد. وأما ما عدا أخبار البلدان، وما ذكرناه مثل العلم بمعجزات النبي. وكثير من أحكام الشريعة، والنص الحاصل على الائمة " عليهم السلام "، فيقطع على أنه مستدل عليه، وإذا كان كذلك وجب التوقف. " العدة: 1 / 29 باختصار " (*)

[ 200 ]

لان جزمنا بوقوع الحوادث العظام - كوجود محمد " عليه السلام "، وكحصول البلدان الكبار - لا يقصر عن العلم بأن الكل أعظم من الجزء، وغيره من الاوليات (1). وهو حاصل للعوام، ومن لم يمارس الاستدلال، ولا يقبل التشكيك. البحث الثالث " في: شرايط المتواتر " منها: أن لا يكون السامع عالما بما أخبر به، لاستحالة تحصيل الحاصل. وأن لا يكون قد سبق شبهة أو تقليد إلى إعتقاد نفي موجب الخبر (2). وأن يكون المخبرون مضطرين (3) إلى ما أخبروا عنه،


(1) وهي ستة: الاوليات، والمحسوسات، والمجربات، والحدسيات والمتواترات. والقضايا التي قياساتها معها. " هامش المصورة: ص 39 " (2) وهذا شرط اختص به السيد المرتضى، وتبعه عليه جماعة من المحققين. " شرح البداية: ص 13 " (3) أي: عالمين بالضروة.. " هامش المصورة: ص 39 " (*)

[ 201 ]

لاستنادهم إلى الحس (1). وشرط قوم العدد واختلفوا ! !. فقال قوم: اثنا عشر (2). وقال أبو الهذيل: عشرون (3). وقيل: أربعون (4).. وقيل: سبعون (5).. وقيل: ثلثمائة وبضعة عشر (6).


(1) بأن يكون المخبر عنه محسوسا بالبصر، أو غيره من الحواس الخمس. فلو كان مستنده العقل، كحدوث العالم وصدق الانبياء، لم يحصل لنا العلم. " شرح البداية: ص 14 " (2) عدد النقباء، كما في " شرح البداية ": ص 13، لقوله تعالى: في سورة المائدة، الآية 12، " وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ". (3) لقوله تعالى: في سورة الانفال، الآية 66، " إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين ". (4) لقوله تعالى: في سورة الانفال، الآية 66، " يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين "، وكان عددهم عند نزول الآية، قد بلغ أربعين رجلا بإسلام عمر، كما في " علوم الحديث ومصطلحه ": ص 147. (5) لاختيار موسى لهم، ليحصل العلم بخبرهم إذا رجعوا، كما في " شرح البداية ": ص 13، لقوله تعالى: في سورة الاعراف، الآية 156، " واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ". (6) عدد أهل بدر، كما في " شرح البداية ": ص 13. (*)

[ 202 ]

والكل ضعيف، بل المرجع فيه إلى حصول اليقين وعدمه، فإن حصل فهو متواتر، وإلا فلا. البحث الرابع " في: الاقسام الدالة على صدق الخبر " خبر الله تعالى صدق، وهو ظاهر على قولنا. لانه غني عن الكذب، حكيم في أفعاله، عالم بكل معلوم، فاستحال وقوع الكذب منه. ولان الرسول " عليه السلام " أخبر بصدقه، ولا دور هنا (1). وخبر النبي " عليه السلام " صدق، لدلالة المعجزة عليه. وخبر الامام صدق، لانه معصوم.


(1) هذا جواب عما يمكن أن يقال: إن ثبوت صدق خبر الله بإخبار النبي " ص "، مدعاة للزوم الدور، لان صدق خبر النبي " ص "، متوقف هو الآخر على إخبار الله، والمفروض أن صدق خبره متوقف على إخباره " ص ". نعم، هذا جواب ! ! ولتوضيحه نقول: سلمنا توقف صدق خبر الله على إخبار النبي " ص "، ولكن لا يتوقف صدق خبر النبي " ص " على إخباره سبحانه، بل هو متوقف على المعجزة. (*)

[ 203 ]

وخبر كل الامة صدق، لما بينا أن الاجماع حجة. البحث الخامس " في: خبر الواحد " خبر الواحد: هو ما يفيد الظن، وإن تعدد المخبر. وهو حجة في الشرع (1)، خلافا للسيد المرتضى ولجماعة (2)


(1) بالادلة الاربعة: الكتاب والسنة والعقل والاجماع. أما الكتاب ! ! فقد ذكره بقوله: " فلولا نفر... " وهكذا ما بعده. وقد أورد على دلالة هاتين الآيتين إيرادات، تجدها مفصلة في " فرائد الاصول: ص 66 "، للشيخ الانصاري. وأما العقل ! ! فقد ذكره بقوله: " فإنه يتضمن دفع ضرر... " وأما الاجماع ! ! فقد ذكره بقوله: " ولان جماعة من الصحابة... " وأما السنة ! ! فهو لم يذكرها، لكن الاصوليين قد ذكروا روايات واستدلوا بها على حجية خبر الواحد، لقول الحجة " ع " لاسحاق بن يعقوب: " وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم ". وللتوسع ! ! يراجع " فرائد الاصول: ص 66 - 90 ". (2) هم: القاضي، وابن زهرة، والطبرسي، وابن ادريس، وغيرهم. وقال ابن سريج والقفال والبصري: دل العقل أيضا. وأنكره قوم: لعدم الدليل، أو للدليل على عدمه، شرعا وعقلا. = (*)

[ 204 ]

لنا ! ! قوله تعالى: " فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " [ 9 / 123 ]، أوجب الحذر بإخبار عدد لا يفيد قولهم العلم. وأورد أبو الحسين اعتراضا لازما، وهو دلالته على قول الفتوى لا الخبر (1). وأيضا قوله تعالى: " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا.... " [ 49 / 7 ]، أوجب التثبت عند إخبار الفاسق، فإذا أخبر العدل لم يخل: إما أن يجب القبول وهو المطلوب، أو الرد فيكون أسوأ حالا من الفاسق وهو باطل، أو يتوقف فينتفي فائدة الوصف بالكلية. وأيضا: فإن خبر الواحد مقبول في الفتوى والشهادات، مع إنتفاء العلم (2).


= وأحاله آخرون، واتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة والامور الدنيوية. " جمعا بين فرائد الاصول: ص 67، ومنهاج الوصول: ص 46 بتصرف واختصار " (1) اعتراضه: ان الانذار عقب التفقه، إنما ينصرف إلى الفتوى لا إلى الخبر، ونحن لا نمنع من الفتوى. " هامش المصورة: ص 40 " وللتوسع ! ! يرجع إلى الاشكال الثالث على دلالة هذه الآية في " فرائد الاصول: 80 - 81 ". (2) مستند هذا الدليل الاجماع، وقد يسمى بسيرة المسلمين. = (*)

[ 205 ]

وأيضا: فإنه يتضمن دفع ضرر مظنون، فيكون واجبا (1). ولان جماعة من الصحابة عملوا بأخبار الآحاد، ولم ينكر عليهم أحد، فكان إجماعا (2).


= وللتوسع ! ! يرجع إلى الوجه الثالث من الاجماع في " فرائد الاصول: ص 99 - 100 ". (1) هذا دليل عقلي يتركب من: صغرى وهي: إن هذا يتضمن ضررا مظنونا. وكبرى وهي: أن كل مظنون الضرر يجب دفعه... نعم، فهذا الدليل - كما يرى - عام، يدل على حجية مطلق الظن سواء كان من الخبر أم لا... وللتوسع ! ! يرجع إلى " فرائد الاصول: 106 - 110 ". (2) اجمعت الصحابة على العمل بخبر الواحد، وإجماع الصحابة حجة. أما أنهم أجمعوا، فلانهم رجعوا إلى أزواج النبي " ص " في الغسل من التقاء الختانين. ورجع أبو بكر في توريث الجدة سدس الميراث إلى خبر المغيرة. ورجع عمر إلى رواية عبد الرحمان في سيرة المجوس، بقوله سيروا بهم سنة أهل الكتاب، ومنع من توريث المرأة من دية زوجها، ورجع عن ذلك بخبر الضحاك بن قيس. وعن علي: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثا، نفعني الله بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني به غيره استحلفته، فإذا حلف صدقته، وعمل علي بخبر المقداد في المذي. " المعارج: ص 84 - 85 بتصرف " (*)

[ 206 ]

البحث السادس " في: شرايطه " يشترط كون الراوي: بالغا، عاقلا، مسلما، عدلا، ضابطا. فلا تقبل رواية الصبي: لانه إن لم يكن مميزا، لم يحصل الظن بقوله، وإن كان مميزا علم نفي الحرج عنه مع الكذب فلا يمتنع منه (1). وتقبل روايته: لو كان صبيا وقت التحمل، بالغا وقت الاداء (2). والكافر: لا تقبل روايته، سواء كان مذهبه جواز الكذب أو لا، لانه فاسق والفاسق مردود الرواية، ولا تقبل رواية الفاسق للآية (3). ولا تقبل رواية المجهول حاله، خلافا لابي حنيفة، لان عدم الفسق شرط في الرواية، وهو مجهول، والجهل بالشرط


(1) أي: أن الصبي المميز، يعلم أنه لا يعاقب إذا كذب في الاخبار، فلا يكون متحرزا. (2) المراد من وقت التحمل: زمان سماعه الخبر. ومن وقت الاداء: زمان نقله الخبر إلى الغير. (3) وهي قوله تعالى: " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا... ". (*)

[ 207 ]

يستلزم الجهل بالمشروط (1). البحث السابع " في: ما ظن أنه شرط وليس كذلك " الصحيح: أن الواحد إذا كان عدلا قبلت روايته. سواء عضده ظاهر، أو عمل بعض الصحابة، أو إجتهاد، أو رواية عدل آخر، خلافا للجبائي. لان الصحابة رجعوا إلى أخبار العدل، وإن كان واحدا ولان الادلة تتناوله. ولا يشترط كون الراوي فقيها، خلافا لابي حنيفة (2)، فيما خالف القياس، لما تقدم من الادلة العامة. ولقوله " عليه السلام ": نضر الله إمرءا سمع مقالتي


(1) الاكثرون على أن مجهول الحال لا يقبل، ولابد من معرفة عدالته أو تزكيته. وقال أبو حنيفة تكفي سلامته من الفسق ظاهرا. لنا: أن الفسق مانع بإتفاق، فوجب تحقق عدمه، كالصبي والكفر، وأيضا فلا دليل عليه، فلا يثبت. " منتهى الوصول: ص 56 " (2) شرط أبو حنيفة " رضي الله عنه "، فقه الراوي ان خالف القياس. ورد: بأن العدالة تغلب ظن الصدق، فيكفي. " منهاج الوصول: ص 48 " (*)

[ 208 ]

فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه " (1) ولا يشترط عدم مخالفة الراوي له (2)، لاحتمال صيرورة الراوي إلى ما توهمه دليلا، وليس كذلك. والاقرب: عدم اشتراط نقل اللفظ، مع الاتيان بالمعنى كملا، لان الصحابة لم ينقلوا الالفاظ كما هي، لانهم لم يكتبوها، ولا كرروا عليها مع تطاول الازمنة (3).


(1) كشف الخفاء: 2 / 319. (2) مرجع الضمير: الخبر، كما في هامش المصورة: ص 41. (3) يجوز نقل الحديث بالمعنى، بشرط أن يكون الناقل عارفا بمواقع الالفاظ، وعدم قصور الترجمة عن الاصل، وافادة المعنى ومساواتهما في الجلد والخفاء. وعن ابن سيرين والرازي الحنفي وجماعة، وجوب نقل صورته. وحجتنا على الجواز وجوه منها: ما رواه الكليني في الصحيح، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله " ع ": أسمع الحديث منك، فأزيد وانقص، قال: ان كنت تريد معاينة فلا بأس. ومنها: ما روي عن ابن مسعود وغيره، قال رسول الله " ص ": كذا ونحوه. ومنها: ان الله سبحانه قص القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، ومن المعلوم أن تلك القصة وقعت اما بغير العربية أو بعبارة واحدة منها، وذلك دليل على جواز نسبة المعنى إلى القائل وان تغاير اللفظ. " جمعا بين منتهى الوصول: ص 60 - 71، ومعالم الدين: 213 - 214 " (*)

[ 209 ]

البحث الثامن " في: الاخبار المردودة " خبر الواحد إذا اقتضى علما، ولم يوجد في الادلة القاطعة ما يدل عليه، وجب رده، لانه اقتضى التكليف بالعلم ولا يفيده فيلزم تكليف ما لا يطاق. وإن اقتضى العمل، وجب قبوله وإن عمت به البلوى، خلافا للحنفية، لعموم الادلة، ولان الصحابة رجعوا في أحكام الرعاف والقي والقهقهة في الصلاة، إلى الآحاد مع عموم البلوى فيها (1). والمرسل لا يقبل (2)، خلافا لابي حنيفة ومالك وجمهور


(1) للتوسع ! ! يراجع " اصول الفقه " للخضري، ص: 259، ومنتهى الوصول "، لابن الحاجب، ص: 62. (2) المرسل: وهو ما لم يشتمل سنده على جميع اسماء رواته. ويقسم إلى ما يلي أ - مرسل الثقة: وهو ما ينسبه إلى المعصوم راو، يطمئن علماء الرجال، إلى أنه لا يروي إلا عن ثقة. وهو حجة في رأي كثير من علماء اصول الفقه. ب - مرسل غير الثقة: وهو ما ينسبه إلى المعصوم راو، مجهول الحال في كيفية روايته. وهو ليس بحجة في رأي علماء اصول الفقه، = (*)

[ 210 ]

المعتزلة (1)، لان عدالة الاصل مجهولة، والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط. وإذا جزم راوي الاصل: بكذب رواية الفرع عنه، لم تقبل رواية الفرع. وإن توقف: قبل قول الفرع، لعدم المنافي (2). البحث التاسع " في: الجرح والتعديل " العدد (3): شرط في الجرح والتعديل، في الشهادة دون


= إلا إذا عمل بمضمونه الفقهاء، فيعد حجة في رأي بعض علماء اصول الفقه. " مبادئ اصول الفقه: ص 29، 31 باختصار " (1) لنا: أن عدالة الاصل لم تعلم فلم تقبل. قيل: الرواية تعديل، قلنا: قد يروى عن غير العدل. قيل: إسناده إلى الرسول يقتضي الصدق، قلنا: بل السماع. قيل: الصحابة أرسلوا وقبلت، قلنا: الظن السماع. " منهاج الوصول: 48 - 49 " (2) إذا انكر الاصل رواية الفرع: فإن كان تكذيبا، فالاتفاق على أنه لا يعمل به، لان أحدهما كاذب فيه غير معين، ولا يقدح في عدالتهما. وإن لم تكن تكذيبا، فالاكثر على العمل به، خلافا للكرخي وبعض الحنفية، ولاحمد روايتان. " منتهى الوصول: ص 61 " (3) أي: شهادة عدلين. (*)

[ 211 ]

الرواية، لان الفرع لا يزيد على الاصل. ولابد من ذكر سبب الجرح دون التعديل (1). ومع التعارض يقدم الجارح (2)، إلا إذا نفى المعدل ما أثبته الجارح قطعا، فيتعارضان. وإذا حكم بشهادته، أو عمل بروايته، أو قال: هو عدل لاني عرفت منه كذا، أو أطلق مع عرفانه، فهو تزكية. ولو روى عنه، لم يكن تزكية، إلا أن تكون عادته عدم


(1) قال قوم: لابد من بيان سبب الجرح، وقيل: يقبل بدون بيان، واشتراط البيان هو المختار. لانا رأينا كثيرا من العلماء، قدحوا في رواة بأشياء ظنوها قوادح وليست قوادح. كما جرح شعبة راويا بأنه كان يركض بغلته، وجرح بعضهم سماك ابن حرب بأنه كان يبول قائما، وجرح بعضهم راويا بأنه كان يستكثر من مسائل الفقه. أما التعديل: فقال بعضهم أيضا: باشتراط البيان فيه كالجرح، وقال الاكثرون: لا يشترط. لان مفهوم العدالة معلوم اتفاقا، فسكوته عنها كبيان، بخلاف الجرح، فإن أسبابه كثيرة كما قلنا، بعضها يوجه، وبعضها لا. " اصول الفقه: ص 245 " (2) إذا جرح بعض وعدل آخرون، قدم العمل بالجرح، لانه شهادة بزيادة، لم يطلع عليها المعدل، ولان العدالة قد يشهد بها على الظاهر، وليس كذلك الجرح. " المعارج: ص 92 " (*)

[ 212 ]

الرواية عن غير العدل (1). وليس ترك الحكم بالشهادة جرحا.


(1) كما في " منهاج الوصول: ص 47 ". (*)

[ 213 ]

الفصل العاشر في: القياس وفيه: مباحث

[ 214 ]

الاول " في: تعريفه " القياس: عبارة عن حمل الشئ على غيره، في إثبات مثل حكمه له، لاشتراكهما في علة الحكم. وأركانه أربعة: الاصل، وهو المقيس عليه.. والفرع: هو المقيس.. والعلة: هي المعنى المشترك.. والحكم: وهو المطلوب اثباته في الفرع. البحث الثاني " في: أنه ليس بحجة " اختلف الناس في ذلك، والذي نذهب إليه أنه ليس بحجة، لوجوه: أحدها: قوله تعالى: " لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " [ 49 / 2 ].. " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " [ 7 / 34 ].. " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " [ 53 / 29 ].. " وأن الحكم بينهم بما أنزل الله " [ 5 / 50 ] الثاني: قوله عليه السلام: " وتعمل هذه الامة برهة بالكتاب، وبرهة بالسنة، وبرهة بالقياس. فإذا فعلوا ذلك فقد

[ 215 ]

ضلوا وأضلوا " (1).. وقوله عليه السلام: " ستفترق امتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمهم فتنة قوم يقيسون الامور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام " (2). الثالث: اجماع الصحابة عليه. روي عن علي عليه السلام أنه قال: " من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه " (3)، وقال: " لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره " (4). وقال أبو بكر: " أي سماء يظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي " (5).


(1) انظر ملخص ابطال القياس: ص 56. (2) انظر ملخص ابطال القياس: ص 69، وكنز الفوائد للكرجكي: ص 397. وجامع أحاديث الشيعة: 1 / 68. (3) انظر أعلام الموقعين: 1 / 380، وتأويل مختلف الحديث: ص 20، والسنن الكبرى للبيهقي: 6 / 245، والغدير: 6 / 107. (4) انظر ملخص ابطال القياس: ص 60 - 61 ومستدرك الوسائل: 3 / 177 - 178، وجامع أحاديث الشيعة: 1 / 69. (5) قال أبو بكر الصديق: " أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، ان قلت في آية برأيي، أو بما لا أعلم ". " ملخص ابطال القياس: ص 58 " (*)

[ 216 ]

وقال عمر: " إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الاحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (1). ولم يزل أهل البيت عليهم السلام، ينكرون العمل بالقياس، ويذمون العامل به (2)، وإجماع العترة حجة. الرابع: إن العمل بالقياس، يستلزم الاختلاف، لاستناده إلى الامارات المختلفة، والاختلاف منهي عنه (3). الخامس: مبنى شرعنا، على تساوي المختلفات في الاحكام، واختلاف المتماثلات فيها، وذلك يمنع من القياس قطعا (4)


(1) ملخص ابطال القياس: ص 58. (2) كما في حلية الاولياء: 3 / 197. (3) قالت الشيعة والتعليمية: ان الاختلاف ليس من دين الله، ودين الله واحد ليس بمختلف، وفي رد الخلق إلى الظنون ما يوجب الاختلاف ضرورة، والرأي منبع الخلاف، والظنيات لا دليل فيها، بل ترجع إلى ميل النفوس، والميل مختلف، والدليل على ذم الاختلاف قوله تعالى: " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا "، وقال: " أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه " " اصول الفقه للخضري: ص 383 " (4) طريقة النظام ومن تابعه في ابطال القياس: أن الشرعيات = (*)

[ 217 ]

البحث الثالث " في: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق " إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق، قد يكون جليا كتحريم الضرب المستفاد من تحريم التأفيف (1)، وذلك ليس من باب القياس.


= وقعت على وجوده لا يمكن معها دخول القياس. فالذي يعولون عليه أن يقولوا: وجدنا الشرع واردا بإختلاف المتفقين واتفاق المختلفين كإيجاب القضاء على الحائض في الصوم، واسقاطه عنها في الصلاة وهي أوكد من الصوم وايجابه على المسافر القضاء فيما قصر في الصوم، واسقاطه عنه فيما قصر من الصلاة. وكإيجاب الغسل بخروج الولد والمني، وهما أنظف من البول والغايط اللذين يوجبان الطهارة. وإباحة النظر إلى الامة الحسناء وإلى محاسنها، وحظر ذلك من الحرة وإن كانت شوهاء. قالوا: كيف يسوغ القياس فيما هذه حاله ؟ ومن حقه أن يدخل فيما يتفق فيه أحكام المتفقات وتختلف أحكام المختلفات ؟ ! " العدة 2 / 88 " (1) الواردة في الآية 24، من سورة الاسراء، من قوله تعالى: " فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما " (*)

[ 218 ]

لان شرط هذا، كون المعنى المسكوت عنه، أولى بالحكم من المنصوص عليه، بخلاف القياس، بل هو من باب المفهوم. البحث الرابع " في: الحكم المنصوص على علته " الاقرب عندي: أن الحكم المنصوص على علته، متعد إلى كل ما علم ثبوت تلك العلة فيه، بالنص لا بالقياس. لان قوله: حرمت الخمر لكونه مسكرا، ينزل منزلة قوله: حرمت كل مسكر. لان مجرد الاسكار: إن كان هو العلة، لزم وجود المعلول معه أينما تحقق، وإلا ! ! لم يكن علة. وإن كانت العلة، إنما هي الاسكار المقيد بالخمرية، لم يكن ما فرضنا علة بل جزء العلة، [ و ] هذا خلف. والنص على العلة: قد يكون صريحا، كقوله: لعلة كذا أو لاجل كذا (1)، أو لسبب كذا.. وقد يكون ظاهرا،


(1) كقوله عليه السلام: " إنما جعل الاستئذان لاجل البصر "، وقوله: " إنما نهيتكم عن لحوم الاضاحي لاجل الدافة ". " منهاج الوصول: ص 57 " (*)

[ 219 ]

كقوله: لكذا (1)، أو بكذا، أو يأتي بحرف أن، كقوله " إنها من الطوافين عليكم " (2)، أو بالباء كقوله تعالى: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " [ 4 / 161 ]. البحث الخامس " في: العلة المستنبطة " اعلم ! ! أنا لما جوزنا تعدية الحكم بالعلة المنصوصة، وجب علينا البحث عن العلة المستنبطة، وبيان امتناع تعدية الحكم بها كما يقوله أصحاب القياس. واعلم ! ! أن الطرق التي يثبت القائسون للتعليل بها ستة ونحن نبين في كل واحد منها، أنه لا يصلح الاستدلال به، على علية الوصف. الاول: المناسبة وعرفوا المناسبة: بأنه الملايم لافعال العقلاء في العادات. وهو غير دال على العلية:


(1) والظاهر اللام، كقوله تعالى: " لدلوك الشمس "، فإن أئمة اللغة قالوا: اللام للتعليل. " منهاج الوصول: ص 57 " (2) سنن أبي داود: ك 1 ب 38 ص 18. " مفتاح كنوز السنة: ص 515 " (*)

[ 220 ]

إما أولا: فلما بينا، أن شرعنا مبني على الجمع بين المختلفات، والتفرقة بين المتماثلات، فلا ضابط في الحكم سوى النص. وأما ثانيا: فلان الوصف المناسب، قد يقترن مع الحكم وضده (1). وأما ثالثا: فلان الحكم لا يجوز استناده إلى الحكمة لكونها مضطربة غير مضبوطة، ومثل ذلك لا يجوز من الحكيم رد الاحكام إليه ولا إلى الوصف، لانه إن لم يشتمل على الحكمة لم يصلح للتعليل، وإن اشتمل كانت الحكمة علة العلة وقد بينا بطلانه (2). الثاني: المؤثر وعرفوه: بأنه الوصف المؤثر في جنس الحكم في الاصول


(1) كالسفر الذي هو وصف مناسب لعلية حكم التقصير، وربما يقترن بعدم التقصير. " غاية البادي: 214 " (2) الحكم إن أسند إلى الحكمة، كالمشقة في السفر، فهي مضطربة، لان المشقة قد توجد في السفر وقد لا توجد، وربما توجد في الحظر اكثر مما توجد في السفر مع عدم الترخص. وإن اسند إلى الوصف: فإن لم يشتمل ذلك الوصف على الحكمة لم يصلح للعلية، وإن اشتمل فتكون الحكمة علة علية الوصف، كالمشقة التي هي علة لعلية السفر، وقد ثبت عدم صلاحية الحكمة للعلية لاضطرابها. " غاية البادي: 214 " (*)

[ 221 ]

دون وصف آخر، فيكون أولى بالتعليل من الوصف الآخر. مثال ذلك: البلوغ المؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفع الحجر عن النكاح دون الثيبوبة. لانها لا تؤثر في جنس هذا الحكم. وهو رفع الحجر. وكقولهم: الاخ من الابوين، مقدم على الاخ من الاب في الميراث، فيكون مقدما في ولاية النكاح (1).


(1) الوصف المناسب الذي يؤثر على أربعة أقسام: أولا: تأثير النوع في النوع، ومثاله تأثير سكر النبيذ في تحريمه، كتأثير سكر الخمر في تحريمها، لان حقيقة السكرين والتحريمين فيهما واحدة، وانما يختلفان بالمحل، واختلاف المحلين لا يقتضي اختلاف الحالين ظاهرا. ثانيا: تأثير النوع في الجنس، ومثاله تأثير البلوغ في رفع الحجر عن النكاح دون صفة اخرى، من الثيبوية وغيرها، لان البلوغ اثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحجر عن المال دون صفة اخرى. ثالثا: تأثير الجنس في النوع، ومثاله تعليل إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض بالمشقة، لان المشقة تؤثر في نوع هذه الصلاة، وهو الركعتان الساقطتان في السفر. رابعا: تأثير الجنس في الجنس، ومثاله إقامة الشرب مقام القذف في الحد، لقول علي عليه السلام: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى فحدوه حد المفتري "، إقامة لمظنة الشئ مقامه، قياسا على إقامة الخلوة في الميراث مقام الوطي. " غاية البادي: ص 215 - 216 بتصرف واختصار " (*)

[ 222 ]

ويعللون تقديمه في النكاح، بسبب تقديمه في الارث بالمناسبة. وهو راجع في الحقيقة إلى الوصف المناسب، وإبطاله يقتضي إبطال هذا (1). الثالث: الشبه وهو الوصف المستلزم للمناسب، وليس فيه مناسبة (2).


(1) هذا هو كلام العلامة، ساقه ردا للتعليل المذكور قبله. (2) أراد باستلزام المناسب، التفات الشارع إليه، فإن التفاته يوهم المناسبة، وذلك أن الوصف إما أن يظهر مناسبة أو لا، والاول الوصف المناسب وقد تقدم، والثاني إما ان يعلم التفات الشارع إليه في بعض الاحكام أو لا. والاول: الوصف الشبهي، كقول الشافعي في إزالة النجاسة، طهارة تراد للصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فإن الجامع هو الطهارة، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث غير ظاهرة، لكن اعتبار الشارع إياها في بعض الاحكام كمس المصحف والصلاة والطواف، يوهم اشتمالها على المناسبة. والثاني: الوصف الطردي، كالطول والقصر والسواد والبياض، فانه ألف من الشارع عدم الالتفات إليها، فالوصف الشبهي يشابه المناسبة من حيث أنه غير متطوع بنفي المناسبة عنه، وتشابه الطردي من حيث أنه غير مقطوع بظهور المناسبة فيه، فهو دون المناسب الطردي، فكان تسميته بالشبه نظرا إلى هذا المعنى. " غاية البادي: ص 217 - 218 " (*)

[ 223 ]

وهو غير دال على العلية أيضا، لان المناسبة أقوى منه (1) وقد أبطلناه، ولان الصحابة لم يعملوا بالوصف الشبهي، فيكون مردودا. الرابع: الدوران (2) [ وهو ] (*) غير دال على العلية، سواء كان ذلك في صورة واحدة أو صورتين، لتحققه فيما ليس بعلة. فإن المعلول دائر مع العلة وبالعكس، وليس المعلول علة وجزء العلة المساوي دائر مع المعلول وليس بعلة (3).


(1) وقد ثبت أنها لا تصلح للعلية. فالشبهي أولى أن لا يكون علة. " غاية البادي: ص 218 " (2) معنى الدوران: أن يثبت الحكم عند ثبوت وصفه، وينتفي عند انتفائه، سواء كان في صورة واحدة كالعصير، فإنه لما لم يكن في أول الامر مسكرا لم يكن حراما، ثم لما صار مسكرا صار حراما، ثم لما صار خلا صار حلالا. أو في الصورتين كالماء، فإنه لما لم يكن مسكرا لم يكن حراما، والخمر لما كان مسكرا كان حراما، واختلفوا فيه: فقال قوم من المعتزلة إنه يفيد العلية قطعا، وقيل: ظنا، وقيل: لا يفيد لا قطعا ولا ظنا. " غاية البادي: ص 218 - 219 " (*) وضعت هذه الزيادة لدواعي توزيع النص وبداية الرد. (3) مثاله: الحساس، فإنه جزء للحيوان، مساو له، فيدور مع معلول الحيوان، الذي هو التحرك، وليس بعلة له. " غاية البادي: ص 220 " (*)

[ 224 ]

وكذا الشرط المساوي واحد المعلولين (1)، دائر مع صاحبه، ولا علية بينهما (2). والجوهر والعرض متلازمان. وكذا المضافان (3) والحركة والزمان، مع انتفاء العلية في ذلك كله، إلى غير ذلك من الامثلة التي لا تحصى كثرة. الخامس: طريقة السبر والتقسيم بأن يقال: لابد للحكم من علة، والوصف الفلاني لا يصلح لذلك، وكذلك الوصف الفلاني، فبقي الثالث (4).


(1) مثاله: تأثير النار في الجسم القابل للاحتراق، مشروط بوضع خاص، فذلك الوضع الخاص دائر مع الاحتراق، وليس بعلة له. " غاية البادي: ص 220 " (2) كالاحراق والاشراق، يدور كل واحد منهما مع صاحبه، ولا علية بينهما. " غاية البادي: ص 220 " (3) كالابوة والبنوة " غاية البادي: ص 220 " (4) طريقة السبر والتقسيم تقع على وجهين: أ - أن يستدل على أن الحكم معلل، ثم يستدل على حصر الاوصاف ونفي ما عدا الوصف المفروض، كما يقال حرمة الربا في البر معللة بالاجماع فعلته إما المال أو القوت أو الكيل أو الطعم بالاجماع أيضا، وبطل التعليل بالثلاثة الاول فتعين الرابع. وكما يقال: ولاية الاجبار معللة إما بالصغر أو بالبكارة، والاول باطل والا لثبتت الولاية في الثيت الصغيرة، لكنها لا تثبت لقوله " ع " = (*)

[ 225 ]

وهو غير دال على العلية أيضا. أما أولا: فللمنع من تعليل كل حكم (1). وأما ثانيا: فللمنع من حصر الاوصاف، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وأما ثالثا: فللمنع من بطلان التعليل بأحد الاوصاف المذكورة. وأما رابعا: فلجواز التعليل، بمجموع وصفين من هذه أو ثلاثة. وأما خامسا: فلجواز إنقسام أحد هذه الاقسام إلى قسمين أحدهما صالح للعلية دون الثاني (2).


= " الثيب احق بنفسها من وليها "، فتعين التعليل بالبكارة، وهذا الوجه حينئذ لا كلام فيه. ب - أن نقول: علة الحكم إما وصف كذا، أو وصف كذا، من غير استدلال، على أن الحكم معلل وعلى حصر الاقسام، بل يكتفي بأني بحثت فلم أجد، ثم يبطل وصفا وصفا حتى يعين واحدا، وهذا الوجه غير مفيد للعلية. " غاية البادي: ص 221 - 222 " (1) فإن علية العلية غير معللة، وإلا تسلسل، وحينئذ يجوز أن يكون الحكم المفروض، من قبيل الاحكام الغير المعللة. " غاية البادي: ص 222 " (2) كالقوت مثلا، في تحريم الربا في البر إلى قسمين، أحدهما صالح للعلية دون الثاني. = (*)

[ 226 ]

السادس: الطرد (1) وهو: أن يكون الوصف الذي ليس بمناسب (2) ولا مستلزم له، لا يتخلف الحكم عنه في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع (3) ولا يدل على التعليل: لان الاطراد إنما يتم لو كان الوصف لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم (4)، وهذا يتوقف على


= لا يقال: القوت كونه في البر صالح للعلية، وفي الخضر غير صالح، فنقول كون القوت من الذرة، لا يكون من الثاني. " غاية البادي: ص 222 جمعا بين المتن والهامش " (1) وهو أن يثبت معه الحكم، فيما عدا المتنازع فيه. " هامش المصورة: ص 48 " (2) أي: للحكم. " هامش المصورة: ص 48 بتصرف " (3) وعلم من الشارع عدم الالتفات إليه، لان التفات الشارع يستلزم المناسبة، واستدل على دلالته على العلية، بأن إستقراء الشرع دل على الحاق النادر في كل آن بالغالب، فإذا رأينا وصفا يقارن الحكم في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، ثم رأينا ذلك الوصف حاصلا في محل النزاع، وجب الحكم بثبوت ذلك الحكم فيه، إلحاقا للنادر بالغالب. ولذلك ! ! إذا رأينا فرس القاضي واقفا على باب الامير، نحكم بكون القاضي عند الامير، وما ذلك الا لمقارنة كون الفرس عند الباب، وكون القاضي عند الامير، في الصور المغايرة لهذه الصورة. " غاية البادي: 223 " (4) أي: في الاصل. " هامش المصورة: ص 48 بتصرف " (*)

[ 227 ]

وجود الحكم في الفرع. فلو أثبت وجود الحكم في الفرع، يكون الوصف علة، وثبتت عليته بالاطراد لزم الدور. وأيضا: فإن الطرد يوجد من دون العلية، كالحد مع المحدود والجوهر مع العرض. ولان فتح هذا الباب يفضي إلى الهذيان، كما نقول - في إزالة النجاسة بالخل -: مايع، لا تبنى القطرة على جنسه فلا يجوز إزالة النجاسة به كالدهن.

[ 229 ]

الفصل الحادى عشر في: الترجيح بين الاخبار وفيه: مباحث

[ 230 ]

الاول " في: تعارض الدليلين " لا يتعارض دليلان قطعيان، وهل يتعارض الظنيان ؟ جوزه قوم: لامكان أن يخبرنا إثنان عدلان بحكمين متنافيين، ولا يترجح أحدهما على الآخر. ومنع منه آخرون: لانه لو تعارض دليلان، على كون هذا الفعل مباحا أو محظورا، فإن لم يعمل بهما أو عمل بهما لزم المحال، وإن عمل بأحدهما على التعيين لزم الترجيح من غير مرجح، أو لا على التعيين وهو باطل. لانا إذا خيرنا بين الفعل والترك، فقد سوغنا له الترك، فيكون ذلك ترجيحا لدليل الاباحة، وقد تقدم بطلانه. والاول: عندي أقوى. والجواب عن الثاني: أن التخيير ليس إباحة، لانه يجوز أن يقال له: إن أخذت بدليل الاباحة فقد أبحت لك، وإن أخذت بدليل الحظر فقد حرمته عليك. كمن عليه درهمان، فقال له صاحبهما: فقد تصدقت عليك بأحدهما إن قبلت، وإن لم تقبل وأتيت بالدرهمين قبلتهما عن الدين.

[ 231 ]

فإن من عليه الدين مخير، إن شاء أتى بدرهم، وإن شاء دفع درهمين عن الواجب. وكذا نقول في المسافر - إذا حضر في أحد الامكنة الاربعة (1)، التي يستحب فيها التمام - فإنه مكلف بركعتين إن شاء الترخص، وبأربع وجوبا إن لم يرده. إذا عرفت هذا ! ! فالتعادل إن وقع للمجتهد في عمل نفسه كان حكمه التخيير، وإن وقع للمفتي كان حكمه أن يخير المستفتي، وإن وقع للحاكم كان حكمه العمل بأحدهما ووجب عليه التعيين. البحث الثاني " في: العمل عند وقوع التعادل " إذا وقع التعادل وجب الترجيح (2)، وقيل: بالتخيير أو التوقف.


(1) المواطن الاربعة: مكة، والمدينة، والمسجد الجامع بالكوفة، وحائر الحسين " ع "، وهو ما حواه سور المشهد الحسيني على مشرفه السلام. " جمعا بين شرايع الاسلام: 1 / 135، ومجمع البحرين: 3 / 280 " (2) المراد بالتعادل هنا: توارد دليلين متنافيي الحكم على شئ واحد، والتعادل الذي تقدم ذكره: توارد دليلين متساويين في الدلالة، = (*)

[ 232 ]

لنا: أنه لو لم يعمل بالراجح لعمل بالمرجوح، وهو خلاف المعقول (1)، ولان الاجماع من الصحابة وقع على ترجيح بعض الاخبار على البعض (2). ومن المرجحات: كثرة الادلة، كترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة، لان الظن أقوى، لان تطرق تعمد الكذب إلى الجماعة أبعد من الواحد. وأيضا: فإن مخالفة الدليل على خلاف الاصل، فمخالفة الدليلين أشد محذورا من مخالفة دليل واحد. وإذا أمكن العمل بكل واحد من الدليلين المتعارضين، من وجه دون وجه، كان أولى من إبطال أحدهما بالكلية.


= متنافيي الحكم على شئ واحد. " غاية البادي: ص 226 - 227 " (1) وأيضا ! ! إذا وقع التعارض ثم ترجيح أحدهما، كان العمل به متعينا عرفا فيجب شرعا، لقوله " عليه السلام ": " ما رواه المسلمون حسنا فهو حسن عند الله تعالى ". " غاية البادي: ص 227 " (2) فانهم قدموا خبر عائشة في إلتقاء الختانين على قول الانصار " لا ماء إلا من الماء "، وقدموا خبر من روى من أزواجه أنه " ص " كان يصبح جنبا على ما رواه أبو هريرة، أنه قال " من أصبح جنبا فلا صوم له "،... " غاية البادي: ص 227 " (*)

[ 233 ]

البحث الثالث في: حكم الادلة المتعارضة إذا تعارض دليلان (1): فإن كانا عامين أو خاصين وكانا معلومين كان المتأخر ناسخا إن قبل المدلول النسخ، وإلا تساقطا ووجب الرجوع إلى غيرهما، وكذا لو لم يعلم التأريخ. ولو كانا مظنونين، كان المتأخر ناسخا. ولو تقارنا أو لم يعلم التأريخ وجب الترجيح، فإن تساويا ثبت التخيير. وإن كان أحدهما معلوما دون الآخر، فإن كان المعلوم


(1) إذا تعارض دليلان: إما أن يكون كل واحد منهما عاما أو خاصا، وعلى التقديرين إما أن يكون العموم والخصوص مطلقا أو من وجه دون آخر. وعلى التقادير إما أن يكون معلوما أو مظنونا، وهذه ستة في ستة تصير ستة وثلاثين. وعلى التقادير: إما أن يعلم تقدم أحدهما على الآخر أو يعلم مقارنتهما أو لا يعلم شئ منهما، وهذه ثلاثة إذا ضربت في ستة وثلاثين، تصير مائة وثمانية، هذا بحسب الحصر العقلي. وأما أحكامهما: فإن كانا معلومين متساويين في العموم والخصوص... " غاية البادي: ص 230 " (*)

[ 234 ]

متأخرا كان ناسخا، وإلا تعين العمل بالمعلوم. وإن كان أحدهما أعم من الآخر مطلقا وكانا معلومين أو مظنونين، كان الخاص المتأخر ناسخا للعام المتقدم، والعام المتأخر ناسخا للخاص المتقدم عند الحنفية، وعند الشافعية يبنى العام على الخاص (1). وإن وردا معا، خص العام بالخاص إجماعا، وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا، قدم المعلوم، إلا إذا اقترنا وكان المظنون هو الخاص، فإنه يخصص العام عند جماعة، وقد تقدم. البحث الرابع " في: ترجيح الاخبار " الخبر الذي رواته أكثر، أو أعلى إسنادا، أو كان رواته


(1) وإما أن يكون أحدهما أعم من الآخر من وجه دون وجه، كقوله " ص ": " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " مع نهيه عن الصلاة في غير الاوقات الخمسة. فإن الاول عام في الاوقات خاص في صلاة القضاء، والثاني عام في الصلاة خاص في الاوقات، ولم يذكره المصنف. " غاية البادي: ص 231 - 232 " (*)

[ 235 ]

أعلم أو أزكى أو أزهد أو أشهر، راجح (1). والفقيه أرجح من غيره، والافقه أرجح. والعالم بالعربية أرجح، والاعلم بها أرجح من العالم. وصاحب الواقعة أرجح (2). والاكثر مجالسة للعلماء أرجح، والمعلوم عدالته بالاختبار أرجح من المزكى، والمزكى بالاعلم أولى. والاشد ضبطا أرجح، والجازم أرجح من الظان. والمشهور بالرياسة أرجح من غيره (3). والمتحمل وقت البلوغ أرجح.


(1) رجح الشيخ " ره ": بالضابط والاضبط والعالم والاعلم، محتجا بأن الطائفة قدمت ما رواه محمد بن مسلم وبريد بن معاوية والفضيل ابن يسار ونظائرهم، على من ليس له حالهم. " المعارج: ص 90 " (2) ولذلك قدم الصحابة خبر عائشة في إيجاب الغسل بالتقاء الختانين على خبر غيرها " إنما الماء من الماء ". " غاية البادي: ص 234 " (3) سواء كانت شهرته بمنصبه أو بنسبه، لاحترازه عما يوجب نقص منزلته المشهورة، يكون أكثر. ولذلك ! ! كان علي " ع " يحلف الرواي، ويقبل رواية أبي بكر بلا يمين. وكذلك مشهور الاسم مقدم. وكذلك إذا كان في رواة أحد الخبرين، من يلتبس اسمه باسم بعض الضعفاء، بخلاف الآخر يكون مرجوحا. " غاية البادي: 233 " (*)

[ 236 ]

وذكر السبب أولى. وراوي اللفظ أرجح من راوي المعنى، والمعتضد بحديث غيره أرجح. والمدني أرجح من المكي، لقلة المكي بعد المدني. والوارد بعد ظهور النبي " عليه السلام " أرجح (1). وذو السبب أولى. والفصيح أولى من الركيك، ولا يترجح الافصح على الفصيح (2). والخاص متقدم. والدال بالوضع الشرعي أو العرفي أولى من اللغوي. والحقيقة أولى من المجاز، والدال بوجهين أولى من الدال بوجه واحد (3).


(1) الخبر الذي يرد بعد استظهار النبي وقوة شوكته، مقدم على غيرها، لان احتمال وقوع مقابله قبل قوة الشوكة اكثر من إحتمال وقوعه بعد وقوع الشوكة، فكان تأخيره أغلب. " غاية البادي: ص 235 " (2) راوي اللفظ الفصيح يقدم على راوي اللفظ الركيك، لان من الناس من رد الركيك، لكونه - صلى الله عليه وآله - أفصح العرب، فالاكثر أن يكون مرجوحا. ولا يقدم الافصح على الفصيح، لانه كما يوجد في كلامه الافصح، كذلك يوجد في كلامه الفصيح. " غاية البادي: ص 232 " (3) أو يكونان مجازين، لكن مصحح التجوز - أعني العلاقة - = (*)

[ 237 ]

والمعلل أولى، والمؤكد أولى، وما فيه تهديد أولى. والناقل عن حكم الاصل راجح على المقرر، وقيل: بالعكس (1). والمشتمل على الحظر راجح عند الكرخي على المشتمل على الاباحة، ومستويان عند أبي هاشم (2).


= في أحدهما أشهر وأقوى وأظهر منه في الآخر، فيجب ترجيح الاقوى والاشهر والاظهر. " معالم الدين: ص 245 بتصرف " (1) إذا كان أحد الخبرين مخالفا لحكم الاصل والآخر موافقا، كان المخالف راجحا، وهو قول جمهور الاصوليين، لان الشارع إنما يحتاج إليه، ليعرفنا ما لم تستقل عقولنا بإدراكه، لا ما كان لعقولنا دلالة عليه. وقيل: بل كان الموافق راجحا لكونه معتضدا بالاصل. " غاية البادي: ص 234 " (2) إذا كان حكم أحد الخبرين الحظر، وحكم الآخر الاباحة، فعند الكرخي واحمد بن حنبل والرازي من أصحاب أبي حنيفة يقدم دليل الحظر، وعند أبي هاشم وعيسى ابن أبان تساويا وتساقطا. لنا: إن الاخذ بدليل الاباحة، لا يؤمن معه الوقوع في المآثم، فيكون مرجوحا. ولذلك ! ! إذا تولد حيوان، بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، قدم التحريم. وكذا إذا طلق إنسان بعض نسائه بعينها ثم نسيها، حرم عليه وطئ الجميع. وإليه الاشارة بقوله " ص ": " ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال ". = (*)

[ 238 ]

والمثبت للطلاق والعتاق، مقدم على النافي عند الكرخي لموافقته الاصل ومستويان عند آخرين (4). والنافي للحد راجح على المثبت (5). والذي عمل به بعض العلماء، أرجح من الذي تركه، إذا كان بحيث لا يخفى عليه.


= وقال " ع ": " دع ما يريبك إلى ما لا يربيك ". " غاية البادي: ص 234 - 235 " (4) وقيل: هما متساويان متساقطان، لان المثبت وإن كان موافقا لذلك الاصل، لكن النافي أيضا موافق الدليل، المقتضي لصحة النكاح، وإثبات ملك اليمين، وهذا حسن. " غاية البادي: ص 235 " (5) لنا: أن النافي إن لم يفد الجزم، فلا أقل من إفادة الشبهة، ومع حصول الشبهة يسقط الحد، لقوله " ص ": " إدرؤا الحدود بالشبهات ". " غاية البادي: ص 236 " (*)

[ 239 ]

الفصل الثاني عشر في: الاجتهاد وتوابعه وفيه: مباحث

[ 240 ]

الاول " في: الاجتهاد " الاجتهاد: هو استفراغ الوسع في النظر، فيما هو من المسائل الظنية الشرعية، على وجه لا زيادة فيه: ولا يصح في حق النبي " عليه السلام " - وبه قال الجبائيان - لقوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى " [ 53 / 4 ]. ولان الاجتهاد أنما يفيد الظن، وهو " عليه السلام " قادر على تلقيه من الوحي. وأنه كان يتوقف في كثير من الاحكام حتى يرد الوحي (1) ولو ساغ له الاجتهاد لصار إليه، لانه أكثر ثوابا. ولانه لو جاز له، لجاز لجبريل (2) " عليه السلام " (3)،


(1) كما في مسألة الظهار واللعان. " غاية البادي: ص 238 " (2) جبريل أو جبرائيل: إسم ملك من ملائكة الله المقربين، وهو روح القدس الذي يرسله الله إلى رسله لتبليغ رسالاتهم. وقيل: جبر في اللغة السريانية هو العبد، وإيل هو الله، فمعنى جبريل عبد الله. " جمعا بين قاموس الالفاظ والاعلام القرآنية: ص 61، ومجمع البيان: 1 / 166 باختصار " (3) بجامع كونهما مبلغين، لكنه لم يجز، إذ لو جاز لم يحصل لنا العلم، بأن هذا الشرع من عند الله، لجواز أن يكون من إجتهاده. " غاية البادي: ص 238 " (*)

[ 241 ]

وذلك يسد باب الجزم، بأن الشرع الذي جاء به محمد " عليه السلام " من الله تعالى. ولان الاجتهاد قد يخطي وقد يصيب، فلا يجوز تعبده " عليه السلام " به، لانه يرفع الثقة بقوله. وكذلك لا يجوز لاحد من الائمة " عليهم السلام " الاجتهاد عندنا، لانهم معصومون، وإنما أخذوا الاحكام بتعليم الرسول " عليه السلام "، أو بإلهام من الله تعالى. وأما العلماء فيجوز لهم الاجتهاد، بإستنباط الاحكام من العمومات، في القرآن والسنة، وترجيح الادلة المتعارضة. أما بأخذ الحكم من القياس والاستحسان فلا. البحث الثاني " في: شرايط المجتهد " وينظمها شئ واحد، وهو أن يكون المكلف، بحيث يمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الاحكام. وهذه المكنة أنما تحصل بأن يكون: عارفا بمقتضى اللفظ ومعناه، وبحكمة الله تعالى وعصمة الرسول " عليه السلام "، ليحصل له الوثوق بإرادة ما يقتضيه ظاهر اللفظ إن تجرد، وغير ظاهره مع القرينة.

[ 242 ]

وعالما: بتجرد اللفظ أو عدم تجرده، ليأمن التخصيص والنسخ.. وبشرايط التواتر والآحاد.. وبجهات الترجيح عند تعارض الادلة. وهذه ! ! أنما يحصل بمعرفة الكتاب - لا بجميعه، بل بما يتعلق بالاحكام منه، وهو خمسمائة آية (1) - ومعرفة الاحاديث المتعلقة بالاحكام، لا بمعنى أن يكون حافظا لذلك، بل يكون عالما بمواقع الآيات، حتى يطلب منها الآية المحتاج إليها، وعنده أصل محقق، يشتمل على الاحاديث المتعلقة بالاحكام (2). وأن يكون عالما بالاجماع، لئلا يفتي بما يخالفه. وأن يكون عارفا بالبراءة الاصلية (3).


(1) يراجع ! ! المدخل إلى علم اصول الفقه: 1 / 20. (2) أي: أن يكون عارفا بأحوال الرجال، النقلة لاحاديث الاحكام حافظا للاحكام لا جميعها، لانه متعذر أو متعسر، لكونها لا تكاد تتناهي، بل بأكثرها. ولذلك ! ! سئل مالك عن أربعين مسألة ؟ فقال: ستة وثلاثين منها: لا أدري، مع كونه من كبار المجتهدين. " غاية البادي: ص 241 - 242 " (3) وتقسم إلى قسمين هما: أولا: البراءة الشرعية: وهي " الوظيفة الشرعية النافية للحكم الشرعي عند الشك فيه واليأس من تحصيله ". وهي حجة لقوله تعالى: " لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها "، بمعنى أن الله تعالى لا يكلف الناس = (*)

[ 243 ]

ولا بد أن يكون عالما بشرايط الحد والبرهان والنحو واللغة والتصريف، ويعلم الناسخ والمنسوخ وأحوال الرجال. إذا عرفت هذا ! ! فالحق أنه يجوز أن يحصل الاجتهاد لشخص، في علم دون آخر، بل في مسألة دون اخرى (1). وإنما يقع الاجتهاد في الاحكام الشرعية، إذا خلت عن


= إلا بالاحكام الواصلة إليهم، فيكون مفاد هذه الآية الكريمة، هو نفي التكليف بالحكم غير الواصل إلى المكلف، وهو معنى البراءة الشرعية ولقوله " ص ": " رفع عن امتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما اكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكير في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة "... ثانيا: البراءة العقلية: " الوظيفة المؤمنة من قيل العقل عند عجز المكلف عن بلوغ حكم الشارع أو وظيفته ". وهي حجة للقاعدة العقلية " قبح العقاب بلا بيان واصل من الشارع ". بمعنى " أن العقل يدرك قبح عقاب الشارع لعبيده إذا لم يؤذنهم بتكاليفه وخالفوها، أو آذنهم بها ولم تصل إليهم مع فحصهم عنها واختفائها عنهم، مهما كانت اسباب الاختفاء ويأسهم عن بلوغها ". " وهذه القاعدة مما تطابق عليها العقلاة، على اختلاف مللهم ومذاهبهم، وتباين أذواقهم ومستوياتهم، وتشعب أزمانهم وبيئاتهم ". " جمعا بين الاصول العامة: 484، 513 ومبادئ اصول الفقه: ص 120 - 123 بتصرف واختصار " (1) خلافا لبعضهم، كأن يكون واحد مجتهدا في العبادات دون العقود، أو في الفرائض دون باقي الابواب، أو في فقه المناسك دون غيره. " غاية البادي: ص 242 " (*)

[ 244 ]

دليل قطعي. البحث الثالث " في: تصويب المجتهد " الحق ! ! أن المصيب واحد، وأن لله تعالى في كل واقعة حكما معينا، وأن عليه دليلا ظاهرا لا قطعيا. والمخطئ بعد الاجتهاد غير مأثوم، لان كل واحد من المجتهدين، إذا اعتقد رجحان أمارته، كان أحد هذين الاعتقادين خطأ (1).


(1) اختلف في تصويب المجتهدين، بناء على الخلاف في أن لكل صورة حكما معينا، وعليه دليل قطعي أو ظني. والمختار ما صح عن الشافعي " ره ": أن في الحادثة حكما معينا عليه أمارة، من وجدها أصاب ومن فقدها أخطأ ولم يأثم، لان الاجتهاد مسبوق بالدلالة لانه طلبها، والدلالة متأخرة عن الحكم، فلو تحقق الاجتهادان لا جتمع النقيضان، ولانه قال " ص ": " من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر ". قيل: لو تعين الحكم، فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله، فيفسق ويكفر لقوله تعالى " ومن لم يحكم... "، قلنا لما أمر بالحكم بما ظنه - وإن أخطأ - حكم بما أنزل الله. قيل: لو لم يصوب الجميع، لما جاز نصب المخالف، وقد نصب = (*)

[ 245 ]

لان إحدى الامارتين، إما أن تكون راجحة أولا، وأيا ما كان يلزم الخطأ فيكون منهيا عنه. وأيضا: القول بغير طريق باطل بالاجماع، فذلك الطريق إن خلا عن المعارض تعين العمل به إجماعا، وإن كان له معارض، فإن كان أحدهما راجحا تعين العمل بالراجح إجماعا وإلا كان الحكم إما التخيير (1) أو التساقط. وعلى التقديرين ! ! فالحكم معين، وكان تاركه مخطيا.


= أبو بكر زيدا رضي الله عنهما، قلنا: لم يجز تولية المبطل، والمخطئ ليس بمبطل. " منهاج الوصول: ص 73 " (1) ومعناه: أن للمكلف أن يتخير إحدى الامارتين المتعارضتين، ويعمل على وفقها، وذلك عند توفر كل منهما على جميع شروط الحجية بشكل متكافئ، وعند عدم تمكنه من الجمع بينهما أو ترجيح أحدهما على الاخرى، وفقا لاصول الترجيح التي مرت الاشارة إليها، في البحث الرابع من الفصل الحادي عشر. علما ! ! بأن المراد بالامارة هنا: هي نصوص السنة غير المقطوعة الصدور، التي اعتبر الشارع مؤداها هو الواقع. نعم، في هذه الحالة، فإن وظيفة المكلف، التي جعلها الشارع له رفعا للحيرة، هي التخيير. " مبادئ اصول الفقه: ص 126 - 127 جمعا بين المتن والهامش وبتصرف " (*)

[ 246 ]

البحث الرابع " في: تفسير الاجتهاد " المجتهد: إذا أداه إجتهاده إلى حكم، ثم تغير إجتهاده، وجب الرجوع إلى الاجتهاد الثاني. ويجب على المستفتي العمل بما أداه إجتهاده ثانيا. وإذا أفتى غيره عن إجتهاد، ثم سئل ثانيا عن تلك الحادثة فله الفتوى بالاول، إن كان ذاكرا للاجتهاد الاول. وإن كان ناسيا، لزم الاجتهاد ثانيا على إشكال، منشأه غلبة الظن، بأن الطريق الذي أفتى به، صالح لذلك الحكم. البحث الخامس " في: جواز التقليد " المسألة: إما أن تكون من باب الاصول أو من باب الفروع فالاول: لا يجوز التقليد فيه إجماعا، إذ يلزم من تقليد من اتفق، اعتقاد النقيضين، أو الترجيح من غير مرجح، فلابد

[ 247 ]

من تقليد المصيب، وهو يستلزم النظر، فيدور (1). ولان النبي " صلى الله عليه وآله " كان مأمورا بالعلم فيه لقوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا الله " [ 47 / 20 ]، فيكون واجبا علينا، لقوله تعالى: " فاتبعوه " [ 6 / 156 ]. والثاني: يجوز التقليد فيه، خلافا لمعتزلة بغداد. وقال الجبائي: يجوز في الاجتهادية. لنا: عدم إنكار العلماء في جميع الاوقات على الاستفتاء. ولان ذلك حرج ومشقة، إذ تكليف العوام للاجتهاد في المسائل يقتضي إخلال نظام العالم، واشتغال كل واحد منهم بالنظر في المسائل عن أمور معاشه. ولقوله تعالى: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة " [ 9 / 123 ] أوجب النفور على بعض الفرقة، ولو كان الاجتهاد واجبا على الاعيان، لاوجب على كل فرقة النفور. البحث السادس في: شرائط الاستفتاء الاتفاق: على أنه لا يجوز أن يستفتي، إلا من غلب على


(1) وجه الدور: معرفة كون المجتهد مصيبا في رأيه، تتوقف على علمه بالاصول، والمفروض: أن علمه بالاصول، متوقف على تقليد المجتهد. (*)

[ 248 ]

ظنه، أنه من أهل الاجتهاد والورع، بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق. وعلى أنه ! ! لا يجوز أن يسأل من يظنه غير عالم ولا متدين. ويجب عليه: الاجتهاد في معرفة الاعلم والاورع، فإن استويا، تخير في استفتاء من شاء منهما، وإن ترجح أحدهما من كل وجه، تعين العمل بالراجح، وإن ترجح كل منهما على صاحبه بصفة (1)، فالاقوى الاخذ بقول أعلم (2). البحث السابع " في: افتاء غير المجتهد " إذا افتى غير المجتهد، بما يحكيه عن المجتهد، فإن كان يحكي عن ميت، لم يجز الاخذ بقوله، إذ لا قول للميت، فإن الاجماع (3)، لا ينعقد مع خلافه حيا، وينعقد بعد موته.


(1) كما إذا ترجح أحدهما بالورع، والآخر بالعلم. (2) هكذا في المصورة، وإن كان السياق أفضله - كما يبدو -، الاخذ بقول الاعلم. (3) دليل على أنه لا قول للميت. توضيح ذلك: يشترط في إنعقاد الاجماع، أن لا يكون أحد مخالفا له، وهذا يدل على اعتبار قوله، حيث يمنع من إنعقاد الاجماع = (*)

[ 249 ]

وإن كان يحكي عن حي مجتهد: فإن سمعه مشافهة، فالاقرب جواز العمل به، وإن وجده مكتوبا - وكان موثوقا به - فالاقرب جواز العمل به أيضا، وإلا فلا. البحث الثامن " في: من لم يبلغ الاجتهاد " العالم لم يبلغ رتبة الاجتهاد، إذا وقعت له واقعة، فالاقرب جواز الاستفتاء والمجتهد الذي لم يغلب على ظنه حكم ! ! فقال محمد بن الحسن (1): يجوز للعالم تقليد الاعلم. وقيل يجوز فيما يخصه، إذا كان بحيث لو اشتغل بالاجتهاد فاته الوقت، وهو جيد، لانه مأمور بالاجتهاد، ولم يأت،


= على خلافه. هذا ! ! بالنسبة للحي، وأما الميت فلا يضر قوله بالاجماع، لو كان قوله مخالفا للاجماع، وهذا يدل على عدم اعتبار قوله، إذ لو لم يكن كذلك، لكان خلافه مضرا بالاجماع. (1) محمد بن الحسن بن علي الطوسي، مفسر، نعته السبكي بفقيه الشيعة ومصنفهم انتقل من خراسان إلى بغداد سنة 408 ه‍، وأقام أربعين سنة، ورحل إلى الغري " بالنجف " فاستقر إلى أن توفي عام 460 ه‍. من تصانيفه العدة في الاصول. " الاعلام: 6 / 315 بتصرف واختصار " (*)

[ 250 ]

فكان مأثوما، وإنما سوغنا له التقليد مع ضيق الوقت للضرورة. البحث التاسع " في: الاستصحاب " (1) الاقرب ! ! أنه حجة (2).


(1) الاستصحاب: هو حكم الشارع ببقاء اليقين في ظرف الشك من حيث الجري العملي ". كما إذا كان المكلف على وضوء وكان متيقنا من ذلك، ثم شك في انتقاض وضوئه هذا بنوم أو غيره. فإنه هنا يبني على وضوئه السابق، ويرتب عليه آثاره الشرعية، من جواز الصلاة به وغيره، ويلغي الشك الطارئ عليه، بمعنى أنه لا يرتب عليه أي أثر. " مبادئ اصول الفقه: ص 116 باختصار " (2) استدل على حجية الاستصحاب بعدة أدلة أهمها ما يلي: أولا: سيرة العقلاء، والملخص هو " أن الاستصحاب من الظواهر الاجتماعية العامة، التي ولدت مع المجتمعات ودرجت معها، وستبقى - مادامت المجتمعات - ضمانة لحفظ نظامها وإستقامتها. ولو قدر للمجتمعات أن ترفع يدها عن الاستصحاب، لما استقام نظامها بحال. فالشخص الذي يسافر - مثلا - ويترك بلده وأهله وكل ما يتصل به، لو ترك للشكوك سبيلها إليه - وما اكثرها لدى المسافرين - ولم يدفعها بالاستصحاب، لما أمكن له أن يسافر عن بلده، بل أن يترك عتبات بيته أصلا، ولشلت حركتهم الاجتماعية وفسد نظام حياتهم فيها ". ثانيا: السنة، وقد استدل على حجية الاستصحاب بأحاديث منها، = (*)

[ 251 ]

لان الباقي حال بقائه مستغن عن المؤثر (1)، وإلا لزم تحصيل الحاصل، فيكون الوجود أولى به، وإلا إفتقر (2). ولاجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه هل طرأ ما يزيله أم لا ؟ وجب الحكم بالبقاء على ما كان أولا ولولا القول بالاستصحاب، لكان ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح. إذ عرفت هذا ! ! فنقول اختلف الناس في أن النافي هل عليه دليل أم لا ؟.


= موثقة عمار عن أبي الحسن عليه السلام قال " إذا شككت فابن على اليقين. قلت: هذا أصل ؟ قال عليه السلام: نعم ". " الاصول العامة للفقه المقارن: ص 454، 464 بتصرف " (1) يعني: أن حدوث الشئ يحتاج إلى المؤثر، بخلاف البقاء، فإنه لا إحتياج له إليه، بداهة أنه لو كان كذلك، للزم تحصيل الحاصل، وهو باطل. مثلا: أن حدوث الطهارة يحتاج إلى المؤثر - وهو الوضوء أو الغسل - ولكن بقاءها ليس كذلك، للمانع الذي ذكر آنفا. فحينئذ ! ! إذا شككنا بعد حدوث الطهارة في بقائها، نحكم بالبقاء، بمقتضى القاعدة المذكورة، وليس هذا في جريانه، إلا الاستصحاب في معناه. (1) يعني: أن حدوث الشئ يحتاج إلى المؤثر، بخلاف البقاء، فإنه لا إحتياج له إليه، بداهة أنه لو كان كذلك، للزم تحصيل الحاصل، وهو باطل. مثلا: أن حدوث الطهارة يحتاج إلى المؤثر - وهو الوضوء أو الغسل - ولكن بقاءها ليس كذلك، للمانع الذي ذكر آنفا. فحينئذ ! ! إذا شككنا بعد حدوث الطهارة في بقائها، نحكم بالبقاء، بمقتضى القاعدة المذكورة، وليس هذا في جريانه، إلا الاستصحاب في معناه. (2) أي: وإن لم نقل بأولوية الوجود، للزم القول بالافتقار إلى المؤثر، على أن القول كما تقدم، يلزم منه تحصيل الحاصل. (*)

[ 252 ]

فقال قوم: لا دليل عليه. فإن أرادوا به: ان العلم بذلك العدم الاصلي، يوجب ظن بقائه في المستقبل، فهو حق. وإن أرادوا غيره: فهو باطل، لان العلم أو الظن بالنفي لابد له من دليل (1). خاتمة وليكن هذا آخر ما نذكره في هذه المقدمة، والحمد لله على بلوغ ما قصدناه، وحصول ما أردناه. والصلاة والسلام ! ! على أشرف الانبياء وعترته الاتقياء محمد المصطفى.


(1) للتوسع ! ! يراجع: المعارج: ص 148 - 151. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية