الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عدة الأصول (ط.ق) - الشيخ الطوسي ج 3

عدة الأصول (ط.ق)

الشيخ الطوسي ج 3


[ 1 ]

هذا هو الجزء الثاني من كتاب عدة الاصول في اصول الفقه للامام الهمام شيخ الطايفة الناجية ووجه الشيعة الامام الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسى تغمده الله برحمته وهذا الشيخ جليل القدر حاله اشهر من أن يذكر ولد في شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثلثمائة وتوفى ليلة الاثنين في الثاني والعشرين من المحرم سنة ستين واربع مائة بالمشهد الغروى على ساكنه السلام ودفن بداره وقد امر بطبعه وانتشار نسخته جناب العالم الفاضل قدوة ارباب الادب الشيخ على الخراساني اصلا والحايرى مسكنا ومدفنا انشاء الله المعروف بالشيخ الرئيس دام عمره وزيد فضله في شهر محرم 1318 هذا هو الجزء الثاني من كتاب عدة الاصول للشيخ (لشيخ) الطايفة الناجية أبي جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسي رضوان الله عليه بسم الله الرحمن الرحيم فصل في ذكر الوجوه التي تحتاج الاشياء فيها إلى بيان وما يقع به البيان إذا كان البيان عبارة عن الدلالة على ما قدمنا القول فيه فكل وجه لا يعلم كون الشئ عليه ضرورة فانه يحتاج إلى بيان كما ان ذلك يحتاج إلى دلالة وسواء كان عقليا أو شرعيا فاما ما علم كون الشئ عليه ضرورة فانه يستغنى بحصول العلم فيه عن بيان ذلك وكذلك ما يعلم بالدلالة إذا حصل العلم بالمعلوم فانه يستغنى بحصول العلم به عن بيان ثان إذا ثبت هذه الجملة فالعقليات كلما لا يعلم منها ضرورة أو ما يجرى مجرى الضرورة فلابد فيه من بيان كما لابد فيه من دلالة والشرعيات تحتاج إلى بيان كما تحتاج باجمعها إلى دلالة هذا إذا اردنا بالبيان الدلالة ومتى اردنا ما يرجع إلى الخطاب والفرق بين ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج فقد قدمنا القول في ذلك وقلنا ان ما يحتاج من ذلك إلى بيان على وجوه منها ما يحتاج في تخصيصه إذا كان عاما وعلم في الجملة انه مخصوص فانه يحتاج في تعيين ما خص به إلى بيان ومنها ما يحتاج إلى بيان النسخ إذا كان مما ينسخ لانه إذا قيل افعلوا كذا إلى وقت ما ينسخ عنكم فان وقت النسخ يحتاج إلى بيان ومنها ما يحتاج إلى بيان اوصافه وشروطه إذا كانت له اوصاف (صفات خ ل) وشروط كما قلناه في الاسماء الشرعية من الصلوة والزكوة وغيرها وقد يحتاج الفعل ايضا إلى بيان كما يحتاج القول إليه إذا لم ينبئ بنفسه عن المراد على ما سنبينه انشاء الله فاما ما به يتبين الشئ فاشياء منها الكتابة و ذلك نحو ما كتب النبي صلى الله عليه وآله واله إلى عماله بالاحكام التي بينها لهم ولمن بعدهم من كتب الصدقات والديات و غيرها من الاحكام ومنها القول والكلام وقد بين النبي (ع) (نبي خ ل) الشريعة اكثرها بذلك ومنها الافعال وذلك نحو ما ورى عن النبي صلى الله عليه وآله انه صلى وحج وتوضأ وقال صلوا كما رأيتموني اصلي وقال خذوا عنى مناسك

[ 2 ]

دينكم وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلوة الا به فاحال جميع ذلك على افعاله عليه السلام ومنها الاشارة وذلك نحو ما بين النبي صلى الله عليه وآله اشهر باصابعه فقال الشهر هكذا وهكذا وهكذا باصابعه العشرة كلها واراد بها ان الشهر يكون ثلثيه يوما ثم قال الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض ابهامه في الثالث فبين أنه قد يكون تسعة وعشرين يوما والحق بذلك من خالفنا في القياس والاجتهاد انه قد بين احكاما كثيرة بالتنبيه على طريقة القياس على ما يذهبون إليه وذلك عندنا باطل واما بيان الله تعالى فقد يكون بالكتابة وبالقول لانه تعالى كتب في اللوح المحفوظ وبين ذلك للملائكة وبين بخطابه وما انزل على النبي صلى الله عليه وآله من القرآن لنا المراد وبين ايضا بان دلنا على التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله بفعله واما الاشارة فلا تجوز عليه تعالى لانها لا تكون الا بالات والله تعالى ليس بذى آلة الا أنه من حيث أوجب علينا الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وقد بين (ع) بالاشارة جاز أن يضاف ذلك إلى الله تعالى كما ان افعال الجوارح لا تجوز ايضا عليه وقد اضفنا إليه تعالى ما بينه النبي صلى الله عليه وآله بافعاله من حيث أوجب علينا الاتقداء به فكذلك القول في الاشارة وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر جملة ما يحتاج إلى بيان وما لا يحتاج من الافعال الفعل على ضربين ضرب منه يقع على وجه من وجوب أو ندب أو اباحة ويعلم وقوعه على ذلك الوجه فما يكون كذلك لا يحتاج إلى بيان ليعلم به الوجه الذي وقع عليه لان ذلك قد حصل العلم به والضرب الاخر أن يعلم مجرد الفعل ولا يعلم الوجه الذي وقع عليه ويجوز فيه وقوعه واجبا وندبا ومباحا على حد واحد فما يكون كذلك يحتاج إلى بيان يعلم به الوجه الذي وقع عليه وجرى الفعل في هذا الباب مجرى القول لان القول لما انقسم إلى قسمين قسم انبأ عن المراد بظاهره وصريحه استغنى بذلك عن بيان المراد والقسم الاخر لم ينبئ عن المراد على التعيين احتاج في العلم بتعيينه إلى بيان فساوى القول الفعل من هذا الوجه على ما بيناه ونحن وان ذهبنا إلى ان الافعال كلها لابد من أنى عرف المراد بها ويعرف على أي وجه وقعت عليه بدليل فذلك لا يمنع من أن يكون حالها ما وصفناه كما ان الاقوال كلها قد علم انه يحتاج في معرفة ما وضعت له وان الحكيم مريد بها ذلك إلى الدليل ومع ذلك انقسمت إلى القسمين اللذين ذكرناهما فكذلك الفعل على ما بيناه وإذا ثبت ذلك وكان في افعال النبي صلى الله عليه وآله ما ينبئ بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه فينبغي ان يستغنى ذلك عن البيان وما كان فيه من افعاله لا ينبئ بظاهره عن الوجه الذي وقع عليه احتاج إلى بيان ونظير القسم الاول انه إذا روى انه صلى الله عليه وآله صلى صلوة باذان واقامة جماعة علم بذلك انها واجبة

[ 3 ]

لان ذلك من شعار كون الصلوة واجبة دون كونها نفلا فما يجرى هذا المجرى مما وضع في الشرع لشئ مخصوص فلا يقع على غير ذلك الوجه فانه يحتاج إلى بيان ومثل ذلك ايضا إذا شوهد النبي صلى الله عليه وآله فعل فعلا في الصلوة على طريق العمد علم بذلك ان ذلك الفعل من الصلوة ولذلك قلنا انه لما شوهد ركع ركوعين واكثر من ذلك في ركعة واحدة في صلوة الكسوف علم ان ذلك من حكم هذه الصلوة ونظائر ذلك كثيرة واما ما يقع من افعاله (ع) على وجه الاجمال ولا يعلم الوجه الذي وقع عليه فنحو أن يرى صلى الله عليه وآله يصلى منفردا بنفسه فانه يجوز أن تون تلك الصلوة واجبة ويجوز أن تكون ندبا فيقف العلم بوجهها على البيان و كذلك إذا قيل انه توضأ ومسح على رأسه احتمل انه فعل ذلك ببقية النداوة واحتمل أن يكون بماء جديد فإذا قيل انه فعل ذلك ببقية النداوة على ما نذهب إليه أو بماء جديد على ما يذهب إليه المخالف كان ذلك بيانا له فينبغي أن يجرى ما يرد من الافعال على القسمين اللذين ذكرناهما فليس يخرج عنهما شئ من الافعال فصل في ان تخصيص العموم لا يمنع من التعلق بظاهره اختلف العلماء في العموم إذا خص فذهب عيسى بن ابان البصري إلى أنه متى دخله التخصيص صار مجملا فاحتاج إلى بيان ولا يصح التعلق بظاهره وذهب الشافعي واصحابه وبعض اصحاب أبي حنيفة إلى انه يصح التعلق به وان خص على كل حال وذهب أبو الحسن الكرخي إلى أنه إذا خص بالاستثناء أو بكلام متصل صح التعلق به وإذا خص بدليل لم يصح وحكى عبد الجبار بن أحمد عن أبي عبدالله البصري انه قال يحتاج أن ينظر في ذلك فان كان الحكم الذي تناوله العموم يحتاج إلى شروط واوصاف لا ينبئ اللفظ عنها جرى في الحاجة إلى بيان مجرى قول الله تعالى اقيموا الصلوة لانه يساويه في ان المراد لا يمكن معرفته بظاهره ويقول ان اية السرقة وان كانت جارية على موضع اللغة فقد شاركت قوله تعالى اقيموا الصلوة لانه يساويه في ان المراد بها لا يصح أن يعرف بالظاهر قال ولا فصل بين الا يعلم ما لا يتم قطع السارق الا به من الاوصاف بالظاهر وبين الا يعلم الصلوة بالظاهر لان الجهل بما لا يتم الحكم الا به كالجهل بنفس الحكم فالحاجة إلى العلم باحدهما كالحاجة إلى العلم بالاخر ويقول كل عام خص وامكن تنفيذ الحكم من غير شرط ووصف فيما عدا ما خص منه جرى في صحة التعلق به مجرى العموم إذا اتصل به الاستثناء قال والظاهر من كتب أي على وأبي هاشم جميعا صحة التعليق بعموم قوله والسارق والسارقة وما شاكله وقد صرحا بان التخصيص وان احوج إلى شروط لا ينبئ الظاهر عنها أنه لا يمتنع من التعلق بالظاهر وعلى ذلك بينا الكلام في الوعيد لانهما استدلا به وان كان المعاصي

[ 4 ]

الذي تعلق الوعيد به يحتاج إلى شروط عندهما هذه الالفاظ بعينها حكيناها عنه على ما ذكره في كتابه العمد والذي اذهب إليه ان العموم إذا خص صح التعلق بظاهره سواء خص بالاستثناء أو بكلام متصل أو منفصل أو دليل وعلى كل حال الا أنه يحتاج أن ينظر في الفاظ العموم الذي يتعلق الحكم بها فان كانت متى استعملناها على ظاهرها وعمومها نفذنا الحكم فيما اريد منا وفيما لم يرد يحتاج إلى أن يبين لنا ما لم يرد منا لنخصه من جملة ما تناوله اللفظ فاما ما اريد منا فقد علمنا بالظاهر وذلك نحو قوله والسارق والسارقة واقتلوا المشركين وما يجرى مجرى ذلك لانا لو خلينا وظاهر ذلك لقطعنا من يستحق القطع ومن لا يستحق القطع إذا كان سارقا لكن لما كان في جملة السراق من لا يجب قطعه وهو من لا يكون عاقلا أو يسرق من غير حرز أو سرق ما دون النصاب أو كانت هناك شبهة وغير ذلك من الصفات والشروط المراعاة في ذلك احتاج أن يبين لنا من لا يجب قطعه فإذا بين ذلك بقى الباقي على عمومه وشموله وعلمنا ح انه يستحق القطع وكذلك قوله واقتلوا المشركين وما جرى مجراه وان كانت الفاظ العموم متى خلينا وظاهرها لم يمكننا ان نستعملها فيها اريد منا على وجه كان ذلك مجملا واحتاج إلى بيان ما اريد منا وذلك نحو قوله اقيموا الصلوة لانا لو خلينا وظاهر الاية لم يمكننا ان نستعملها فيما اريد منا على وجه فوقفت ذلك على البيان والذي يدل على صحة ما اخترناه ان الخطاب إذا ورد وكان الحكم متعلقا باسم معقول في اللغة وجب حمله عليه ولا ينتظر به امر اخر الا أن يدل دليل على أنه لم يرد ما وضع له في اللغة ولولا ذلك لما صح التعلق بشئ من الخطاب لانه يجوز أن يراد بكل خطاب غير ما وضع له ولا مخص من ذلك الا بأن يقال لو اريد به غير ما وضع له ليبين وذلك بعينه موجود في الفاظ العموم ولا يلزمنا مثل ذلك في قوله اقيموا الصلوة لانا قد علمنا انه لم يرد بذلك ما وضع له في اللغة فلذلك وقف على البيان والذي يبين ايضا ما ذكرناه ان ما خص بالاستثناء انما يصح التعلق به لما قدمناه من ان ما عدا الاستثناء يمكن أن يعلم به وان كان الاستثناء قد صيره مجازا على ما دللنا عليه فيما مضى فيجب مثل ذلك في كل عموم خص بدليل وان كان منفصلا ويدل على ذلك ايضا انه لو كان من شرط صحته التعلق بالفاظ العموم أن لا يكون قد خصت أو ان لا يحتاج إلى معرفة أوصاف لا ينبئ الظاهر عنها ادى إلى الا يصح التعلق بشئ من الفاظ العموم لانه ليس هيهنا شئ من الفاظ العموم وهو اما مخصوص واما ان يحتاج إلى اوصاف لا ينبئ الظاهر عنها وذلك يؤدى إلى بطلان ما تعلقت الصحابة ومن بعدهم به الا ترى ان امير المؤمنين (ع)

[ 5 ]

تعلق بقوله وان تجمعوا بين الاختين في تحريم الجمع بين المملوكتين وكذلك تعلق بقوله أو ما ملكت ايمانكم ومن ثم قال احلتهما اية وحرمتهما اخرى وكذلك حكى عن عثمان وتعلق ابن عباس بقوله وأمهاتكم اللاتى ارضعتكم واخواتكم من الرضاعة حتى رد خبر ابن الزبير لاجله وقال ان قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير وغير ذلك مما لا يحصى كثرة وان كان جميع ذلك يحتاج إلى بيان اوصاف لا ينبئ الظاهر عنها وقد جعل مجازا بدخول التخصيص فيه فعلم بذلك ان صحة التعلق بالفاظ لعموم صحيح و ان كان مخصوصا واما من نصر خلاف ما ذهبنا إليه فقد حكى عبد الجبار عن أبي عبدالله البصري انه ربما جمع بين قوله والسارق والسارقة وبين قوله واقتلوا المشركين وقول النبي صلى الله عليه وآله الجار احق بصقبه وفيما سقت السماء العشر في امتناع التعلق بظاهرها مرة وربما فرق بينهما اخرى ويقول عند الفصل بينهما ان العشر متعلق بما سقته السماء والذي يحتاج إلى بيانه صفة الارض لا صفته فهو كالحاجة إلى بيان صفتة المخاطب في انه لا يمنع من التعلق بالظاهر واما السارق والسارقة فالحاجة انما هي إلى بيان صفته فهو كالحاجة التي يتعلق القطع بها من اعتبار القدر وغير ذلك فلذلك امتنع التعلق بالظاهر و يقول الصفة المتعلق بها في الشرك هي في اسقاط قتله لا في اثبات قتله والصفة المتعلق بها في السارق هي في اثبات قتله فلذلك افترقا وربما يقول في الجميع ان التعلق بظاهره لا يمكن وان الواجب الا يعترض على الاصول بالفروع بل يجب بناؤها عليه وهذه الفاظه بعينها ذكرناها وقد قلنا في هذه الامثلة ما عندنا وقلنا في ان قوله والسارق والسارقة وقوله اقتلوا المشركين ان القطع يتعلق بنفس السرقة وانما يحتاج إلى بيان مراعات الصفات والشروط فيمن لا يجب ذلك وجرى ذلك مجرى قوله اقتلوا المشركين وان القتل يتعلق بالشرك وانما يحتاج ان يبين صفة من لا يجب قتله من اهل الكتاب وغيرهم من النساء والصبيان فاما قوله الجار احق بصقبه فالاولى فيه ايضا أن يحمل على عمومه في كل شئ الا ما يخرجه الدليل وذلك يجرى مجرى الفاظ العموم وكذلك قوله فيما سقت السماء العشر عام في جميع ذلك فان دل الدليل على وجوب اعتبار صفات في الارض قلنا به وخصصناه منه وبقينا الباقي على عمومه وكلما لم يرد من هذه الامثلة يجرى هذا المجرى والطريقة واحدة في الكلام عليه فصل في ذكر وقوع البيان بالافعال ذهب الفقهاء باسرهم والمتكلمون إلى ان البيان يقع بالفعل كما يقع بالقول وقال بعض المتأخرين ان البيان لا يقع بالفعل والذي يدل على صحة مذهب الاول اشياء منها انه

[ 6 ]

إذا كان الفعل مما يقع به التبين كما يقع بالقول فينبغي أن يجوز وقوعه الا ترى انه لا فرق بين أن يقول صلوا صلوة أوجبها الله عليكم ثم يبين صفتها وكيفيتها بالقول وبين أن يقوم فيصلى في انه يقع في الحالين التبين على حد واحد ولو قيل ان التبيين يقع بالفعل اكد مما يقع بالقول لكان ذلك سائغا ولاجل ذلك رجعت الصحابة في بيان صفة الوضوء إلى كيفية فعل النبي صلى الله عليه وآله فمن دفع وقوع البيان بالافعال كان مبعدا فلا فرق بين قوله في ذلك وبين من دفع ثبوت الاحكام بالافعال وفي ذلك خروج عن الاجماع فان قال اليس من حق بيان الكلام أن يكون متصلا به أو في حكم المتصل به ولا يصح في الفعل مع القول فكيف يصح أن يكون بيانا له قيل له لا نسلم أن من حق البيان أن يكون متصلا بالكلام على كل حال بل يجوز عندنا ان يتأخر البيان عن حال الخطاب إذا لم يكن الوقت وقت الحاجة على ما نبينه فعلى هذا يصح ان يتأخر البيان ويقع بالفعل ومتى فرضنا ان الوقت وقت الحاجة فذلك ايضا لا يمنع من وقوع البيان بالفعل الا ترى انه لا فرق بين أن يقول صلوا إذا زالت الشمس صلوة اوجبها الله عليكم فإذا زالت الشمس بينها وبين كيفيتها وصفاتها وبين أن يقوم عند الزوال فيصلى صلوة فانا نعلم به بيان تلك الصلوة بفعله كما نعلم بقوله لو بينها به وليس يلزم من حيث كان الفعل لا يقع الا في زمان ممتد ان يمنع ذلك من وقوع البيان به كما يمنع ذلك في القول لان البيان بالقول ايضا يمتد الزمان فيه كما يقع بالقول الذي لا يمتد الزمان فيه من وجيز الكلام فليس امتداد احدهما الا كامتداد الاخر وان كان احدهما اكثر والاخر اقل فان قيل كيف يعلم تعلق الفعل بالمبين حتى يعلم انه بيان له مع تجويز أن يكون ذلك الفعل وقع ابتداء لا بيانا لما تقدم في هذا ارتفاع التبيين به قيل له إذا خاطب بالمجمل ولم يكن الوقت وقت الحاجة جاز أن يقول اني أبين صفة ما اوجبت عليكم بالفعل فإذا جاء وقت الحاجة فعل فعلا يمكن أن يكون بيانا له فانا نعلم بذلك بيان ما خاطبنا به اولا وان كان الوقت وقت الحاجة ففعل عقيب الخطاب فعلا يمكن أن يكون بيانا له فانا نعلم به المراد ونعلم انه متعلق به لانه لو لم يكن متعلقا به لكان قد اخلي خطابه من بيان مع الحاجة إليه وذلك لا يصح ولهذا قلنا انه لا فرق بين أن يقول صلوا صلوة الساعة ثم يتبعها بالقول وبين أن يقوم فيصلى عقيب هذا القول صلوة فانا نعلم تلك الصلوة بيانا لما قدم القول فيه ولا فرق بين الموضعين فان قيل إذا قلتم انه لا يمتنع ان يقول لنا إذا خاطبتكم بالمجمل وفعلت بعده فعلا فاعلموا انه بيان له فقد عدتم إلى ان البيان حصل بالقول ودون الفعل قيل له ليس الامر على ذلك بل البيان لا يقع الا بالفعل

[ 7 ]

في الموضع الذي ذكروه وانما يعلم بقوله تعلق فعله بالقول المجمل واما بيان صفته فانه يحصل بالفعل دون القول على ما بيناه ويدل على ذلك ايضا رجوع المسلمين باجمعهم في عهد الصحابة من بعدهم في بيان صفة الصلوة والحج والطهارة إلى افعال النبي صلى الله عليه وآله ويبينوا بذلك قوله تعالى اقيموا الصلوة ولله على الناس حج البيت فلولا انهم علموا ان ذلك يقع به البيان والا لم يجز الرجوع إليه ويدل ايضا على ذلك ما روى عن النبي (ع) (صلى الله عليه وآله) انه قال لاصحابه صلوا كما رأيتموني اصلى وخذوا عنى مناسككم فما حالهم في بيان ذلك على افعاله فلولا ان البيان واقع بها والا لم يجز منه ان يحيلهم عليها وقد يبين الفعل بالفعل كما بين به القول نحو ان يقنت النبي صلى الله عليه وآله في الفجر وغيره من الصلوات ثم نراه يتركه في تلك الصلوة فيعلم بذلك انه لم يكن واجبا لانه لو كان واجبا لما تركه على حال ونحو جلسته إلى الركعة الثانية تارة وتركها لها اخرى فان ذلك يدل على انها لم تكن واجبة وقد يدل تركه للشئ على حاله له اخرى نحو أن يترك الصلوة في وقت مخصوص فان ذلك يدل على انها ليست واجبة فان كان قد تقدم دليل يدل على وجوبها في ذلك الوقت فان تركه لها في ذلك الوقت يدل على انها قد نسخت أو خصت ومتى حدثت حادثة ولم يبين الحكم فيها فان ذلك يدل على انها باقية على حكم العقل لانه لو كان لها حكم شرعى لبينه أو نبه عليه وإذا ترك النكير على من اقدم بحضرته على فعل ولم يتقدم منه بيان لقبحه دل على انه ليس بقبيح فعلى هذه الوجوه تعتبر افعاله (ع) لا باعيان المسائل ومتى حصل قول وفعل يمكن أن يكون كل واحدا منهما بيانا للمجمل وجب العمل بالقول لانه انما تلتجئ إلى الفعل ونجعله بيانا للمجمل عند الضرورة فاما مع وجود البيان بالقول فلا حاجة بنا إلى ذلك والبيان من حقه أن يكون في حكم المبين فان كان المبين واجبا كان بيانه واجبا وان كان ندبا كان بيانه ندبا وان كان مباحا كان بيانه مباحا ولاجل ذلك نقول ان افعاله (ع) إذا كانت بيانا لجملة واجبة كانت واجبة وإذا كانت بيانا لجملة مندوب إليها كانت كك والمجمل على ضروب منها ما يكون لازما لجميع المكلفين فما هذا حكمه يجب أن يكون بيانه في حكمه في الظهور وذلك مثل الصلوة والطهارة وما اشبههما ومنها ما يختص بفرضه الائمة فينبغي أن يكون للائمة طريق إلى العلم بها ولا يجب ذلك في غيرهم ومنها ما تختص بالعلماء فينبغي أن يكون لهم طريق إلى معرفته وقد اجاز من خالفنا وقوع البيان بخبر الواحد والقياس كما اجازوا العمل بهما وعندنا ان ذلك غير جايز على ما بينا القول فيه فاما على المذهب الذي اخترناه من العمل بالاخبار التي ينقلها الطايقة المحقة فانه لا يمتنع العمل بها في بيان المجمل ولذلك رجعت الطايفة في كثير من احكام الصلوة والوضوء و احكام الزكوة والصوم والحج إلى الاخيار التي رووها ودونوها في كتبهم واصولهم ومن قال من اصحابنا انه لا يجوز العمل بها الا إذا كانت معلومة ينبغي أن يقول لا يقع بها البيان اصلا وهذا خلاف ما عليه عمل الطايفة على ما بيناه وهذه جملة كافية في هذا الباب انشاء الله تعالى فصل فيما الحق بالمجمل وليس

[ 8 ]

منه وما اخرج منه وهو داخل فيه ذهب ابو عبد الله البصري وحكاه أبو الحسن الكرخي إلى ان قوله حرمت عليكم الميتة وما اشبههما من الايات التي علق التحريم فيها بالاعيان مجمل وذهب أبو علي وأبو هاشم إلى ان ذلك مفهوم من ظاهره وليس بمجمل وان كان أبو هاشم ربما ذكر ان ذلك مجاز والصحيح هو القول الاخير وشبهة من ذهب إلى القول الاول هي ان قال ان ما (انما خ ل) يعلق التحريم من الافعال في الاعيان إذا لم يكن مذكورا في الظاهر لم يجز التعلق بظاهره فان ذلك يكون مجازا وجرى مجرى قوله واسئل القرية واراد اهلها وهذا الذي ذكروه غير صحيح ولا شبهة فيه وذلك ان التحليل والتحريم وان استحال تعلقهما بالاعيان من حيث كانت موجودة كافية لا يصح وقوعها ولا هي في مقدورنا فيصح ان نتعبد بها وانما ينصرف إلى الفعل الذي يصح ان يقع منا فقد صار بعرف الشرح يستعمل في الاعيان ويراد به الافعال فيها وقد بينا فيما مضى ان الاسم إذا انتقل عن اصل الوضع إلى عرف الشرع وجب حمله على ما يقتضيه عرف الشرع لان ذلك صار حقيقة فيه الا ترى انه إذا قال حرمت عليكم امهاتكم لا يسبق إلى فهم احد تحريم الذوات وانما يفهم من ذلك تحريم الوطى والعقد لا غير ولا فرق بين من دفع وبين من دفع أن يكن لفظة الغايط منتقلا عما وضع له في اللغة ويتوصل بذلك إلى ان قول القايل اتيت الغايط لا ينبئ عن الحدث المخصوص والمعلوم خلاف ذلك وإذا ثبت ذلك صار لفظ التحريم إذا علق بالعين فهم منه تحريم الفعل فيها فصار كفحوى الخطاب الذي يدل على الشئ وان لم يتناوله لفظا ولا فرق بين من دفع الاستدلال بظاهر قوله حرمت عليكم الميتة على تحريم الفعل فيها وبين من دفع الاستدلال بقوله ولا تقل لهما اف ولا تنهرهما على تحريم ضربهما وشتمهما وليس لهم ان يقولوا لو كان امره على ما ذهبتم إليه لما اختلفت فايدة مفهوم ذلك الا ترى ان قوله حرمت عليكم امهاتكم التحريم يتناول هيهنا العقد والوطى وليس كك في قوله حرمت عليكم الميتة بل المراد هنا غير المراد هناك وذلك انه لا يمتنع ان يتعارف استعمال التحريم المعلق بالعين في اعيان مختلفة بحسب ما جرت العادة بفعلها في الاعيان ويتعارف عن تحريم الامهات الاستمتاع ومن تحريم الميتة الاكل لان اللفظة الواحدة لا يمتنع ان يختلف المعقول بها بحسب اختلاف ما تعلق به الا ترى ان النظر بالعين لا يعقل منه ما يعقل من النظر بالقلب فلما جاز أن يختلف المعقول من النظر بحسب اختلاف ما تعلق به من العين والقلب فكك القول في التحريم وليس لاحد أن يقول إذا كان المحرم من الامهات غير المحرم من الميتة علم ان اللفظ لا يفيد إذ لو افاده لاتفق ما يفيده في الموضعين أو يكون ذلك مجازا على ما مر (يمر خ ل) في كلام أبي هاشم وذلك ان الذي يقال في ذلك انه مجاز في اللغة وان كان حقيقة في العرف كما تقول في الغايط والدابة وما اشبههما وذهب قوم ممن تكلم في اصول الفقه إلى ان قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون الاية وقوله والذين يكنزون الذهب والفضة

[ 9 ]

ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم يوم يحمى في نار جهنم فتكوى به جباههم وجنوبهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون وغير ذلك من الايات التي ذكر فيها المدح أو الذم مجمل وقالوا ان القصد بها تعليق الذم بالفعل المذكور فيها أو المدح لا بيان الحكم بها وتفصيله فالتعلق به (بها خ ل) في الحكم وفي شروطه لا يصح وذهب اكثر من تكلم في اصول الفقه إلى خلاف ذلك وقالوا ان ذلك عموم وهو الصحيح والذي يدل على ذلك ان القصد إلى الوعيد والذم لا يمنع من القصد إلى الحكم وبيانه فكيف يصح أن يتعلق في بطلان التعلق به (بما ظ) ما ذكروه من ان القصد به الوعيد ولا فرق بين من قال ذلك وبين من قال ان الاية إذا قصد بها الزجر لا يصح أن يبين الحكم بها فيتوصل بذلك إلى ابطال التعلق باية السرقة والزنا وغير ذلك وهذا بعيد من الصواب وايضا فان ذكر الذم على الحكم المذكور يؤكد وجوبه ويقوى ثبوت ما ذكر من اوصافه فكيف يقال ان يخرج الاية من صحة التعلق بها وذهب قوم إلى ان قوله وامسحوا برؤسكم مجمل وجعلوا بيانه فعل النبي صلى الله عليه وآله وامتنع اخرون من ذلك وقالوا ان الباء تفيد الصاق المسح بالرأس من غير أن يقتضى مقدارا من المسح فمن مسح بشئ من رأسه فقد ادى ما يوجبه الظاهر ولا حاجة به إلى البيان والذي نقوله في هذه الاية ان الباء تفيد عند التبعيض على ما بيناه فيما مضى من انها انما تدخل للالصاق إذا كان الفعل لا يتعدى إلى المفعول به بنفسه فيحتاج إلى ادخال الباء ليلصق الفعل به فاما إذا كان الفعل مما يتعدى بنفسه فلا يجوز أن يكون دخولها لذلك فإذا ثبت ذلك فقوله فامسحوا برؤسكم يتعدى بنفسه لانه يحسن أن يقول امسحوا رؤسكم فيجب أن يكون دخولها لفايدة اخرى وهى التبعيض الا أن ذلك البعض لما لم يكن معينا كان مخيرا بين أي بعض شاء فان علم بدليل انه اريد منه موضع معين لا يجوز غيره وقف ذلك على البيان وصارت الاية مجملة من هذا الوجه ومن الناس من قال ان قوله فاقطعوا ايديهما يقتضى قطع اليد إلى المنكب لان ذلك يسمى يدا وقال اخرون انه مجمل لاحتماله له ولغيره وقال اخرون انه ليس بمجمل لان اليد في الحقيقة تتناول جملة العضو فيجب حمله عليها ولو كانت تقع على العضو إلى المنكب والزند جميعا لوجب حمله على اقل ما يتناوله الا أن يدل الدلالة على خلافه فادعاء الاجمال فيه لا يصح والوجه الاخر اقرب إلى الصواب وذهب قوم إلى ان قول القائل اعط فلانا دراهم مجمل لانه يمكن أن يراد به اكثر من ثلثة وقال اخرون ان هذا غلط لان تجويز ذلك لا يمنع من أن يكون ظاهره يقتضى ما قلناه فسبيل هذا القايل كسبيل من قال ان لفظ الخاص مجمل لجواز أن يراد به العام وهذا الوجه اقرب إلى الصواب وذهب قوم إلى ان قوله (ع) في الرقة ربع العشر انما يدل على وجوب ربع العشر في هذا الجنس ويحتاج إلى بيان القدر الذي يؤخذ منه ذلك وقال اخرون ان ذلك ليس بمجمل لان ظاهره يقتضى ربع العشر في الجنس كله فلا معنى للتوقف في ذلك فلولا قوله (ع) ليس فيما دون خمسة اواق صدقة فخصصنا به ذلك العموم لكان يجب حمله على ظاهره وهذا

[ 10 ]

هو الصحيح دون الاول وذهب قوم إلى ان ما روى عنه (ع) من قوله لا صلوة الا بفاتحة الكتاب ولا صلوة الا بطهور ولا نكاح الا بولي مجمل وقالوا ان حرف النفى لا يصح أن يكون داخلا على الفعل مع صحة وقوعه عاريا من هذه الشروط فيجب أن يكون داخلا على الحكم والحكم قد يكون الاجزاء وقد يكون التمام والفضل لانه قد يقال يراد لا صلوة كاملة الا بفاتحة الكتاب كما يقال لا صلوة لجار المسجد الا في مسجده واراد بذلك ما قلنا من نفى الفضل ولم يرد نفى الاجزاء بالاتفاق ويمكن أن يريد لا صلوة مجزية الا بفاتحة الكتاب وإذا لم يكن في اللفظ تصريح بأحديهما وجب أن تكون الاية مجملة قالوا ولا يصح حمله على المعنيين معا لان نفى التمام والفضل يقتضى حصول الاجزاء أو نفى الاجزاء يقتضى انه لم يحصل ذلك وذلك ينافى ان يراد بعبارة واحدة وذهب عبد الجبار بن احمد إلى ان ذلك ليس بمجمل وقال لان حرف النفي يدخل في الفعل الشرعي وما يقع منه مع عدم الشرط المذكور لا يكون شرعيا فكأنه (ع) قال لا صلوة شرعية الا بطهور فإذا وقعت من غير طهور لم تكن شرعية فحرف النفى قد استعمل في الحقيقة فيما دخل فيه لكن ما ذكرناه انما يصح إذا دخل حرف النفى في الفعل الشرعي فاما إذا حصل فيما عداه فيجب أن ينظر فيه فان دخل على الحكم في الحقيقة قضى بنفيه إذا لم يحصل الشرط المذكور وان دخل على الفعل والمعلوم من حاله انه يقع فعلا صحيحا مع عدم الشرط فيجب أن يكون مجاز مجملا على ما ذكروه وكذلك لا يصح التعلق بظاهر قوله (ع) انما الاعمال بالنيات لانه إذا دخل حرف الشرط على الفعل الذي يصح وقوعه وان خلا منه فيجب أن يسند إلى غيره إذا احتج به هذه الفاظه بعينها ذكرها في كتابه العمد وهي قريبة إلى الصواب فاما ما الحق بالعموم وهو من المجمل فنحو ما يتعلق به اصحاب الشافعي بقوله تعالى اقيموا الصلوة في وجوب الصلوة على النبي (ع) في التشهد الاخير ويقول ان ذلك دعاء وان هذه اللفظة حقيقة فيه وهذا بعيد من الصواب لان لفظة الصلوة وان كانت موضوعة للدعاء في اصل اللغة فقد صارت يعرف الشرع موضوعة لافعال مخصوصة فالتعلق بذلك فيما وضعت في اصل اللغة لا يصح لما قدمناه ومن ذلك ايضا حملهم قوله (ع) من رعف في صلوته فليتوضاء على غسل اليد وهذا ايضا لا يصح لان الوضوء صار بعرف الشرع عبارة عن غسل اعضاء مخصوصة ومسحها وانما يمكن حمل اللفظ على غسل العضو إذا علم بدليل ان الرعاف لا ينقص الوضوء فح يصرف عن ظاهره ويحمل على موجب اللغة كما يصرف الفاظ كثيرة عن حقيقتها إلى ضرب من المجاز لقيام دليل على ذلك ومن ذلك تعلقهم بقوله تعالى ولا يتمموا (ولا تيمموا) الخبيث منه تنفقون في ان الرقبة الكافرة لا تجرى في الظهار وينبغي أن تكون مؤمنة لان الكافرة خبيثة وهذا ايضا لا يصح لان المعنى بقوله ولا تيمموا أي الخبيث لا تقصدوا إلى الانفاق من الخبيث فالقصد متعلق بالانفاق والعتق ليس من الانفاق في شئ يبين ذلك ان قوله بعد ذلك منه تنفقون كون (يدل على كون النهي عن الانفاق خ ل) المنفق منه من بعض ما وصفه بانه خبيث وذلك لا يتأتى (ينافي خ ل) في العتق وكك قوله ولستم باخذيه الا

[ 11 ]

ان تغمضوا فيه اشارة إلى ما تقدم ذكره وكل ذلك لا يصح في العتق فالتعلق به لا يصح ومن ذلك تعلقهم بقول لا يستوى اصحاب النار واصحاب الجنة في ان المؤمن لا يقتل بكافر لان نفى الاستواء إذا اطلق فيما قد ثبت بالدليل انه متماثل في الذات انما يعنى به في بعض اوصافه فهو إذا مجمل ومتى عقب الكلام بشئ فرق بينهما فيه وجب حمل اوله عليه وقد ذكروا في اخر الاية قوله اصحاب الجنة هم الفائزون فينبغي أن يكون المراد بنفى الاستواء في الفوز بالجنة ومن ذلك اعتراض من اعترض على قوله (ع) لا يقتل مؤمن بكافر وحمل ذلك على الكافر الحربى لما عطف عليه من قوله ولا ذو عهد في عهده فجعل هذا المعطوف عليه مؤثرا في التعلق بما تقدم وهذا لا يصح لان الجملة الاولى لا يمتنع حملها على ظاهرها وان خص بعضها في الذكر الثاني واكثر ما في ذلك ان يكون (ع) قال ولا ذو عهد في عهده يقتل بكافر ولو قال ذلك لم يمتنع دخول جميع الكفار تحت قوله لا يقتل مؤمن بكافر ولو قال قايل لا يقتل عربي بعجمي ولا البالغ من العجم بالاطفال لم يجب بوجب (بوجوب) تخصيص الكلام الاول فاما التعلق بقوله (ع) رفع عن امتى الخطاء والنسيان فلا يصح لان المرفوع غير مذكور ولا جرت العادة باستعمال (في استعمال خ ل) هذه اللفظة في حكم خطاء مخصوص وانما يمكن التعلق به بان يقال لا يخلو أن يكون نفس الخطا والنسيان مرفوعا وذلك محال مع وقوعه أو يكون المرفوع العقاب والثواب وذلك معلوم عقلا فالواجب حمل الكلام على رفع احكام الدنيا لان قول النبي (ع) إذا امكن حمله على ما يستفاد من جهته كان اولى من حمله على ما قد علم بالعقل وهذه الجملة تنبه على ما عداها فينبغي أن بتامل ليقاس عليها غيرها وجملة القول في ذلك ان ما يتعلق به من الخطاب انما يصح التعلق به أن يكون (كان ظ) اللفظ في اصل الوضع يفيد ما يتعلق به فيه ان (أو) فحواه أو دليله أو يعلم من حال المخاطب انه يخاطب بمثله الا ويريد ذلك به والاخر ح خطابه من أن يكون مفيدا أو يفيد بالعرف ما استعمل فيه أو بالشرع فمتى خرج من هذه الوجوه لم يصح التعلق به وربما (انما ظ) يختلف في حال الخطاب ومواقعه فربما لطف الوجه الذي لاجله لا يصح التعلق به ربما ظهر فالواجب للسامع أن يجتهد في البحث عنه فانه ان تقدم لن يعدم الوقوف على ذلك إذا كان قد ضبط الاصول في هذا الباب فصل في ذكر جواز تأخير التبليغ والمنع من جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ذهب كثير من الناس إلى أن تأخير التبليغ لا يجوز ثم افترقوا فمنهم من حمله على تأخير البيان ومنهم من تعلق في ذلك بقوله تعالى يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وقالوا امره (ع) على الفور وذهب اكثر المحصلين إلى ان ذلك يجوز وهو الصحيح والذي يدل على ذلك انه صلى الله عليه وآله انما يجب أن يؤدى بحسب ما يتعبد به من تقديم أو تأخير فان تعبد بالتبليغ (بالتتابع خ ل) عاجلا وجب عليه ذلك وان تعبد آجلا كان مثل ذلك فاما تعلقهم في المنع من ذلك بحمله على قبح تأخير البيان فعندنا ان تأخير البيان يجوز عن وقت الخطاب وانما لا يجوز عن وقت الحاجة وكك نقول في التبليغ فسقط بذلك ما قالوه ومن منع من ذلك في تأخير البيان فرق بينهما بان قال انما قبح تأخير البيان لشئ يرجع إلى حال الخطاب والى ان لا يستفاد به شئ

[ 12 ]

وذلك وجه قبح فاما تأخير التبليغ فليس كك لان إذا لم يبلغ لم يخاطب اصلا فكيف يكون ذلك قبيحا وايضا فإذا جاز أن يؤخر الله تعالى خطاب المكلف إلى الوقت الذي يعلم مصلحته فيه فكك الرسول (ع) فاما تعلقهم بقوله بلغ ما انزل اليك انما يقتضى وجوب التبليغ على الوجه الذي امر به وليس في ذلك منع من جواز التأخير واما تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا خلاف انه لا يجوز والوجه في ذلك ان تأخيره عن وقت الحاجة يجرى مجرى تكليف ما لا يطاق لانه يتعذر عليه فعل ما كلف وذلك يمنع من صحة الاداء لان الاداء لا يصح الا بعد ان يعرف المكلف ما كلف أو يتمكن من معرفته أو معرفة ما يجب عليه من سببه ويصح اداؤه معه واما تأخير التبين عن وقت الحاجة فجايز لان المكلف يجوز أن يخطى فلا يتبين ولا يجب ذلك قبح الخطاب لانه لم يؤت في ذلك من قبل المكلف وانما أتى من قبل نفسه وذلك لا يقبح التكليف فصل في ذكر جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب وذكر الخلاف فيه ذهب أبو علي وأبو هاشم ومن تبعهما من المتكلمين واهل الظاهر إلى ان تأخير البيان عن حال الخطاب لا يجوز لا في العموم ولا في المجمل وقال جماعة من أصحاب الشافعي وابي حنيفة انه يجوز تأخير البيان في الامرين و قال كثير من اصحاب الشافعي ان تأخير بيان المجمل يجوز وامتنع من تأخير البيان في العموم وسائر ما ينبئ ظاهره عن المراد به وهو قول أبي الحسن وكان أبو عبد الله حكى عنه جواز تأخير البيان في المجمل وخرج على قوله الامتناع من تأخير بيان العموم والذي اذهب إليه انه لا يجوز تأخير بيان العموم ويجوز تأخير بيان المجمل وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى واليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمه الله والذي يدل على ذلك ان العقلاء يستحسنون خطاب بعضهم لبعض بالمجمل وان لم يبينوا المراد به في الحال الا ترى ان القايل يقول لغلامه إذا كان يوم الجمعة ادخل السوق واشترى الثياب والفاكهة وغير ذلك من الحوايج ما اثبته لك في رقعة وان لم يكتب الرقعة في الحال وكك يقول بعض الرؤسا لوكيل له اخرج إلى القرية الفلانية أو البلد الفلاني وتول العمل بها واعمل في جباية الاموال واستخراج الحقوق ما كتب لك به تذكرة واثبتها لك ويكون ذلك حسنا وان لم يكتب التذكرة في الحال ويكون الفرض بجميع ذلك ان يعزم المخاطب وينطوى على امتثال جميع ما يأمره به ويبينه فيما بعد وإذا كان ذلك حسنا في الشاهد وجب أن يكون حسنا في كل خطاب فان قيل لو جاز أن يخاطب بالمجمل ولا يبين المراد في الحال لجاز من العربي أن يخاطب غيره بالزنجية وان لم يفهم منه شيئا اصلا فان قلتم ان المخاطب بالزنجية لا يفهم منه شيئا اصلا والمجمل يستفاد من امر ما وهو انه مأمورا الا ترى انه إذا قال تعالى خذ من اموالهم صدقة واقيموا الصلوة وغير ذلك فالمخاطب يستفيد انه مأمور باخذ صدقة من ماله وان جهل مبلغها ووقف ذلك على البيان وهو مكلف بالعزيمة على ذلك والانطواء عليه متى يبين له وكك في الصلوة يعلم انه مكلف بفعل هو صلوة وعبادة إلا أنه لا يعرف كيفية

[ 13 ]

هذه العبادة فهو منتظر بيانها والخطاب بالزنجية بخلاف هذا كله قيل لكم يمكن جميع ما اخرجتموه في المجمل ان في الزنجية لان الحكيم إذا خاطب بالزنجية للعربي فلابد أن يقطع المخاطب على أنه قصد بخطابه و ان كان بالزنجية إلى امره أو نهيه أو اخباره ويجب عليه أن يعزم على فعل ما يبين له انه امره به والكف عما لعله يبين له انه نهاه عنه ويوطن نفسه على ذلك ويتعلق مصلحته به فاى فرق بين الامرين فان فرقتم بين الامرين بان الفايدة بالزنجية اقل أو اشد اجمالا جاز أن يقال لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفايدة لانه يحسن من الخطاب ما يخرجه من كونه عبثا وقليل الفايدة كثيرها والجواب عن ذلك ان من المعلوم قبح خطاب العربي بالزنجية صلى الله عليه وآله كما ذكرتم كما ان من المعلوم الذي لا يختلف العقلاء فيه حسن الخطاب بالمجمل في الموضع الذي ذكرناه وإذا ثبت ما ذكرناه وقبح ما ذكروه احتجنا ان ننظر في ذلك ونعلم لم حسن ما ذكرناه ولم قبح ما قالوه فلا نعلك قبح ما قالوه لعلة توجد في حسن ما ذكرناه لان ذلك يؤدى إلى اجتماع وجه والقبح في شئ واحد وذلك لا يجوز ولا نعلك ايضا حسن ما ذكرناه بعلة توجد فيما استقبحوه لمثل ذلك وانما قلنا ذلك لانا متى عللنا قبح الخطاب بالزنجية بانا لا نفهم بها مراد المخاطب وجدنا ذلك فيما علمنا حسنه ضرورة من خطاب الملك الخليفة والواحدة منا لغلامه لان خليفة الملك ووكيل احدنا لا يعرف من خطابه المجمل الذي حكيناه مراده الذي احاله في تفصيله على البيان وان عللنا قبحه بانه مما لا فايدة فيه فقد بينا انه يمكن أن يدعى فيه فايدة وانه لا يعدو احد اقسام الكلام المعهود ولابد أن يكون مريدا إذا كان حكيما لبعضها فان عللنا حسن الامثلة التي علمنا حسنها انه يفيد فايدة ما أو مما يتعلق بالمخاطب به مصلحة بأن يعتقد ويعزم على الامتثال عند البيان ويوطن نفسه على ذلك فهذا كله قائم في الخطاب بالزنجية فلابد من التعليل بما لا يقتضى قبح ما علمنا حسنه ولا حسن ما علمنا قبحه ويمكن تعليل قبح الخطاب بالزنجية بانه غير مفهوم منه نوع الخطاب ولا أي ضرب هو من ضروبه الا ترى انه لا يفصل المخاطب بين كونه امرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو عرضا أو يمينا وفي المجمل يفصل بين هذه الانواع والضروب وانما يلتبس عليه تفصيل ما تعلق الامر به مما هو واقف به عن البيان فهذه علة صحيحة في قبح الخطاب بالزنجية لا نجدها فيما علمنا حسنه من الامثلة ولا في المجمل الذي يجرى في الحسن مجراه وان شئت ان تقول العلة في قبح الخطاب بالزنجية ان المخاطب لا يستفيد منه فايدة معينة ولابد في كل خطاب من أن يستفاد منه فايدة مفصلة وان جاز أن يقترن بذلك فائدة اخرى مجملة والخطاب المجمل مستفاد منه فائدة معينة مفصله وان استفاد اخرى مجملة لانه إذا قال اقيموا الصلوة وخذ من أموالهم صدقة فقد استفاد المخاطب انه مأمور وقطع على ذلك وانه مأمور بعبادة هي صلوة أو صدقة وان شك في كيفيتها ثم يقال لهم كيف توجبون ان يعلم المخاطب فايدة جميع ما يخاطب به قبل زمان الحاجة ومراد المخاطب على جهة التفصيل وانكم تجوزون تأخير بيان

[ 14 ]

مدة الفعل المأمور به عن وقت الخطاب ولا توجبون ذلك وهو من فوايد الخطاب ومراد المخاطب لانه إذا قال صلوا فظاهر هذا القول عندكم يتناول كل صلوة وكل زمان بلا حصر فإذا أراد بذلك مدة معينة والى غاية منقطعة واخر بيانه في حال الخطاب فقد اراد في حال الخطاب (الحال بالخطاب خ ل) ما لم يبينه ويفصله وهذا من هذا الوجه نظير المجمل ومثل الخطاب بالزنجية فان قلتم ليس يجب أن يبين في حالة الخطاب كل مراد له بالخطاب قلنا اصبتم فاقبلوا في الخطاب بالمجمل مثل ذلك لان الخطاب بالمجمل يستفاد منه فايدة معينة مفصلة وان لم يستفد على سبيل التفصيل جميع فوايده وان قالوا لا حاجة به إلى بيان مدة النسخ وغاية العبادة التي تخرج بالبلوغ إليها من تكون مصلحة لان ذلك بيان لما لا يجب ان يفعله وهو غير محتاج إلى بيان ما لا يجب عليه ان يفعله وانما يحتاج في هذه الحال إلى بيان صفة ما يفعله وكلف الاتيان به قلنا هذا خروج منكم عن السنن الذي كنا فيه لانكم اوجبتم البيان للمراد كله في حال الخطاب لامر يتعلق بحسن الخطاب فاوجبتم قبحه متى لم يعلم المخاطب فوايده كلها على التفصيل فلما الزمناكم بيان عدة النسخ عدلتم إلى شئ آخر وهو ان كان صحيحا نقض لعلتكم وهده لاعتمادكم لانكم توجبون بيان فوايد الخطاب ومراد المخاطب لانه يتعلق بحسن الخطاب وإذا اجزتم تأخير بيان بعض فوايده نقصتم اعتلالكم على كل حال وعدنا إلى انكم قد اجزتم حسن ما هو نظير للمجمل الذي اجزنا حسنه لانا لم نجز الا تأخير بيان بعض فوايد الخطاب ونراكم ابدا تذكرون في كتبكم ان قبح تأخير البيان لم يكن لشئ يتعلق بازاحة علة المكلف في الفعل وانما هو راجع إلى وقوع الخطاب على وجه يقتضى القبح وهذا ينقض قولكم الان انه لا يحتاج في فعل ما كلف إلى معرفة غاية المصلحة ويحتاج في الفعل إلى العلم بصفته لان هذه منكم مراعاة لما به يتمكن من ايقاع الفعل ويجب أن يعلم ان فقد القدرة أو الالة التي لا يقع الفعل الا بها اقوى واشد تأثيرا في تعذر الفعل من فقد العلم بصفته وانتم تجيزون خطاب من لا يقدر على الفعل ولا يتمكن منه في حال الخطاب إذا كان من يقدر في حال الحاجة فاجيزوا تأخير بيان صفة الفعل في حال الخطاب ولا حاجة به في هذه الحال إلى العلم بصفته كما لا حاجة به إلى القدرة عليه والتمكن بالات وغيرها منه ثم انكم ليس تخلون من ان توجبوا بيان صفة الفعل المأمور به في حال الخطاب الامر يتعلق بازاحة العلة في الفعل أو لامر يرجع إلى حسن الخطاب وان فوايده ومراد المخاطب به إذا لم يعلم تفصيلا في وقت الخطاب قبح فان كان الاول لزم عليه ان يكون في حال الخطاب قادرا متمكنا وليس توجبون ذلك وان كان الثاني فغاية الفعل من مراد المخاطب ومقصوده من الخطاب ومع ذلك فلم يبينها في حال الخطاب وإذا جاز أن لا يبين بعض المقصود ولا يكون الخطاب قبيحا جاز في المجمل مثل ذلك بعينه ومما يمكن أن يستدل به على جواز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب ويورد على المخالف على سبيل المعارضة والالزام انه لا خلاف بيننا وبينهم في انه قد يجوز أن يخاطب في المخاطب في المجمل وان لم يقرهو بالبيان بل يحيله

[ 15 ]

في معرفة البيان على الرسول صلى الله عليه وآله والرجوع في تفصيل ذلك إليه وإذا جاز أن يخاطب بما لا يفهمه تعويلا على انا نعرف المراد من جهة غيره والا جاز أن يخاطبنا بذلك ويعول بنا على الرجوع إليه في معرفة البيان وان فرقوا بين الامرين بأن يقولوا إذا كان البيان عند الرسول وخاطبنا بالمجمل فنحن متمكنون من العلم بالمراد قلنا وإذا خاطبنا بالمجمل وعول بنا على مسألة عن بيانه والرجوع إليه في تفصيله فنحن ايضا متمكنون من العلم بالمراد ولا فرق بين الامرين وقد استويا في ان البيان لم يقترن بالخطاب وانما التعويل فيه على الرجوع إلى مترجم ومبين فاى فرق بين أن يكون هذا المبين هو الله تعالى أو رسوله فان قال ما ذكرتموه يقتضى أن يكون ذلك عبثا لانه طول زمان المعرفة بغير فايدة وقد كان قادرا بدلا من أن يخاطبه بالمجمل ثم يلزمه سؤاله عن معناه فيبين له أن يبتدى ببيان ذلك له قلنا فالا كان ما ذكرتموه واجزتموه ايضا عبثا لانه كان قادرا على أن يخاطبه مقترنا بالبيان ولا تكلفه الرجوع إلى الرسول ومعرفة المراد لانه تطويل البيان وطريق المعرفة فان قلتم هذا التطويل يمكن أن يتعلق به مصلحة قيل لكم فيما انكرتموه مثل مثل ذلك ومما يضيق عليهم الكلام انهم تخيرون أن يخاطب بالمجمل ويمكن بيانه في الاصول ويكلف المخاطب الرجوع إلى الاصول فيعرف المراد فإذا قيل لهم ما الذي يجب أن يعتقد هذا المخاطب إلى أن يرجع إلى الاصول فيعرف المراد قالوا يجب أن يتوقف عن اعتقاد التفصيل ويعتقد على الجملة انه يمتثل ما يبين له وهذا يطرق عليهم ما قاله مجوز تأخير بيان المجمل من وجوب اعتقاد الجملة دون التفصيل وانتظار البيان واى فرق بين أن يكلف زمانا قصيرا من غير فهم المراد على سبيل التفصيل الاعتقاد الذي ذكروه ويحسن ذلك وبين أن يكلف زمانا طويلا مثل ذلك فإذا قال إذا كان البيان في الاصول فهو يتمكن من معرفة قلنا أو ليس هذا المخاطب إلى أن يتأمل الاصول ويقع يقف ظ) على البيان يكلف الاعتقاد المجمل الذي ذكرتموه على وجه حسن ولابد من زمان مقصود لا يمكنه معرفة المراد فيه لان تأمل الاصول والرجوع إليها حتى يعلم حصول البيان فيها أو خلوها منه لابد فيه من زمان قصر أو طال وإذا جاز أن يخاطب بما لا يتمكن من معرفة المراد به بالرجوع إلى الرسول أو بتأمل الاصول أن يجوزوا أن يكون متمكنا من ذلك بالرجوع إليه تعالى ولا فرق بين الامرين وبعد فإذا كان الخطاب يحسن بالمجمل وفي الاصول بيانه متى تأمل وكك إذا عول به على بيان الرسول يحسن ايضا فأى فرق بين ذلك وبين خطاب العربي بالزنجية أو ليس الموضعان متساويين في أن المراد في حال الخطاب غير مفهوم فان قلتم الفرق بينهما ان الخطاب بالزنجية لا طريق إلى العلم بالمراد به وهيهنا إلى العلم بالمراد طريق اما بالنظر في الاصول ومعرفة البيان منها أو بالرجوع إلى بيان الرسول قلنا لكم فاجيروا أن يخاطبه بالزنجية ويقول به على سؤال من يعرف في الزنجية تفسير ذلك وبيان الغرض فيه أو يعول به على أن يتعلم لغة الزنج فذلك ممكن له وسهل عليه كما

[ 16 ]

كما يخاطبه من المجمل بما لا يفهم المراد به وعول على تصفح الاصول والنظر فيها حتى يعثر على البيان فان كان ما قلتموه تمكينا من العلم فالذي الزمناكم ايضا تمكين ولا شبهة على عاقل في قبح الخطاب بالزنجية لمن ذكرنا حاله وهو نظير ما ذهبوا إلى جوازه ومما يدل ايضا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة قوله تعالى ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا اتتخذنا هزوا قال اعذو بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال انه يقول انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك (يبين لنا) ما هي ان البقر تشابه علينا وانا ان شاء الله لمهتدون قال انه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقى الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ووجه الدلالة من الاية انه تعالى امرهم بذبح بقرة هذه الصفات كلها لها ولم يبين ذلك في اول الخطاب حتى سئلوا عنه وراجعوا فيه واستفهموه فبين لهم المراد شيئا بعد شئ وهذا يدل على جواز تأخير البيان فان قالوا لم زعمتم ان الصفات المذكورة كلها في البقرة الاولى التي امروا في الخطاب الاول بذبحها وما انكرتم أن يكونوا امروا ان الخطاب الاول بذبح بقرة من عوض البقرة من غير اشتراط هذه الصفات فلو ذبحوا بقرة من غير أن تكون بهذه الصفات المذكورة فيما بعد لكانوا قد فعلوا الواجب فلما راجعوا تغيرت المصلحة في تكلفهم فأمروا بذبح بقرة غير فارض ولا بكر من غير مراعات الصفات الباقية فملا توقفوا ايضا تغيرت المصلحة فامروا بذبح بقرة صفراء فاقع لونها فلما توقفوا تغيرت المصلحة فامروا بذبح بقرة لها الصفات الاخيرة المذكورة وانما يكون ذلك حجة ذلك حجة في تأخير البيان لو صح لكم ان الصفات الواردات كلها للبقرة الاولى وما انكرتم أن يكون الامر بخلاف ذلك قلنا هذا تأويل من لا يعرف حكم اللغة العربية وما جرت به عادة اهلها في خطابهم وكناياتهم لان الكناية في قوله تعالى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي لا يجوز عند محصل أن يكون كناية الا عن البقرة التي تقدم ذكرها وامروا بذبحها ولم يجز في الكلام ما يجوز أن يكون هذه الكناية كناية عنه الا البقرة ويجرى ذلك مجرى قول احدنا لغلامه اعطني تفاحة فيقول غلامه ما هي بينها لى ولا يصرف احد من العقلاء هذه الكناية الا إلى التفاحة المأمور باعطائها اياه ثم قال تعالى بعد ذلك انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك وقد علمنا ان الهاء في قوله انه يقول هي كناية عنه تعالى لانه لم يتقدم ما يجوز رد هذه الكناية إليه الا اسمه تعالى فكك يجب أن يكون قوله انها كناية عن البقرة المقدم ذكرها والا فما الفرق بين الامرين وكك الكلام في الكناية بقوله ما لونها وقوله انها بقرة صفراء فاقع لونها والكناية في قوله ما هي ان البقرة تشابه علينا ثم الكناية في قوله انه

[ 17 ]

يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا يجوز أن تكون الكناية في قوله تعالى انها في المواضع كلها عن القصة والحال لان الكناية في انها لابد من أن يتعلق بما تعلقت به الكناية في قوله هي ولا شبهة في ان المراد بلفظ هي البقرة التي امروا بذبحها فيجب أن تكون كناية الجواب يعود إلى ما كنى عنه بالهاء في السؤال ولو جاز تعلق الهاء بالقصة والشأن جاز تعليق ما هي بذلك وجاز ايضا أن تكون الكناية في قوله انه يقول عن غير الله تعالى ويكون عن الحال والقصة كما قالوا في انه زيد منطلق كناية عن الشأن والقصة وكيف قوله انها كذا وكذا كناية عن غير ما كنى عنه بما هي وبما لونها أو ليس ذلك يوجب أن يكون جوابا عن غير ما سئل عنه لانهم سئلوا عن صفات البقرة التي تقدم ذكرها وامرهم بذبحها واجيبوا عن غير ذلك وسواء جعلوا الهاء في انها عن الشأن والقصة أو عن البقرة التي امروا ثانيا وثالثا بذبحها فكيف يجوز أن يسألوا عن صفة ما تقدم امره لهم بذبحه فيترك ذلك جانبا ويذكر صفة ما لم يتقدم الامر بذبحه وانما امروا امر مستأنفا به ولو كان الامر على ما قالوه من انه تكليف بعد تكليف لكان الواجب لما قالوا له ما هي وانما عنوا البقرة التي امروا ابتداء بذبحها ان يقولوا لهم اي بقرة شئتم وعلى أي صفة كانت وما امرتكم بذبح بقرة لها صفة معينة والان تغيرت مصلحتكم فاذبحوا الان بقرة من صفتها كذا وكذا فإذا قالوا له ما لونها يقول أي لون شئتم وما اردت لونا بعينه والان قد تغيرت المصلحة والذي تؤمرن به الان بقرة صفراء ولما قالوا في الثالث ما هي ان البقرة تشابه علينا ان يقول لهم المأمور به بقرة صفراء على أي صفة كانت وبعد ذلك وقد تغيرت المصلحة فاذبحو بقرة لا ذلول تثير الارض إلى آخر الصفات فلما عدل عن ذلك إلى نعت بعد اخر دل على انها كلها نعوت البقرة الاولى على انه لو جاز صرف الهاء في قوله انها إلى الشأن والقصة وان كان المفسرين كلهم قد اجمعوا على خلاف ذلك فانهم كلهم قالوا هي كناية عن البقرة المتقدم ذكرها وقالت المعتزلة بالامس كذا انها كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل (المستقل خ ل) بذبحها ولم يقل احد انها للقصة والحال لكان ذلك يفسد من وجه اخر وهو انه إذا تقدم ما يجوز أن يكون هذه الكناية راجعة إليه متعلقة به لم يجز للقصة والحال ذكر فالاولى أن تكون متعلقة بما ذكر وتقدم الاخبار عنه دون ما لا ذكر له في الكلام وانما استحسن الكناية عن الحال والقصة في بعض المواضع بحيث تدعوا لضرورة إليه ولا يقع اشتباه ولا يحصل التباس وبعد فانما يجوز اضمار القصة والشأن بحيث يكون الكلام تعلق الكناية بما تعلقت به مفيدا مفهوما لان القائل إذا قال انه زيد منطلق وانها قايمة هذه فتعلقت الكناية بالحال والقصة افاد ما ورد من كلام وصار كانه قال زيد منطلق وقايمة هند والايات بخلاف هذا الموضع لانا متى جعلنا الكناية في قوله انها بقرة لا فارش وانها بقرة صفراء وانها بقرة لا ذلول تثير الارض

[ 18 ]

متعلقة بالحال والقصة بقى معنا في الكلام ما لا فائدة فيه ولا يستقل بنفسه لانه لا فايدة في قوله بقرة صفراء وبقرة لا فارض ولا بكر ولابد من ضم كلام إليه حتى يستقل ويفيده فان ضممنا إلى بقرة لا فارض أو بقرة صفراء التي امرهم بذبحها افاد لعمري فبطل صرف الكناية إلى غير البقرة ووجب أن تصرف الكناية إلى البقرة حتى لا يحتاج أن يحذف خبر المبتداء أو الاكتفاء بما في الكلام أولى من تأويل يقتضى العدول إلى غيره وحذف شئ ليس موجودا في الكلام ومما يدل على صحة (وجه خ ل) ما اخترناه ان جميع المفسرين للقرآن اطبقوا على ان الصفات المذكورات كلها للبقرة اعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى اتباع بقرة لها هذه الصفات كلها بملاء جلدها ذهبا ولو كان الامر على ما قال المخالفون لوجب أن لا يعتبروا فيما يتباعونه الا الصفات الاخيرة دون ما تقدمها ويلغى ذكر الصفات التي ليست بفارض ولا بكر واجمعوا على ان الصفات كلها معتبرة وعلم ان البيان تأخروا ان الصفات كلها للاولى المأمور بذبحها فان قيل فلم عنفوا على تأخيرهم امتثال الامر الاول و عندكم ان بيان المراد بالامر الاول تأخر فلم قال فذبحوها وما كادوا يفعلون قلنا ما عنفوا بتأخير امتثال الامر الاول وليس في القران ما يشهد بذلك أو يدل عليه بل كان البيان يأتي شيئا بعد شئ كلما طلبوه واستخرجوه من غير تعنيف ولا قول يدل على انهم بذلك عصوه واما قوله في آخر القصة وما كادوا يفعلون فانما يدل على انهم كادوا يفرطون في اخر القصة وعند تكامل البيان ولا يدل على انهم فرطوا في اول القصة ويجوز أن يكون ذبحوا بعد تثاقل ثم فعلوا ما امروا به وهذا كله واضح هذان الدليلان ذكرهما السيد المرتضى اوردتهما بألفاظه لانه لا مزيد عليهما وفيهما كفاية انشاء الله وقد استدل قوم على صحة هذا المذهب بان قالوا ليس في العقل ما يمنع من صحة ذلك ولا في الشرع فينبغي أن يكون ذلك جايزا فمتى توزعوا في ذلك و اشاروا إلى شئ فيما يدعونه انه وجه قبيح كلموهم بما مضى في تضاعيف الكلام مما يمكن أن يكون جوابا عنه واستدلوا ايضا بما روى ان سائلا سئل النبي صلى الله عليه وآله عن مواقيت الصلوة فاخر بيانها واعترض المخالف ذلك بان قال انما احاله على بيان متقدم فمتى قيل لم لم ينقل ذلك قالوا يكفى أن يكون ذلك جايزا وهذا الدليل لا يمكن الاعتماد عليه لان الخبر خبر واحد وهذه مسألة طريقها العلم فكيف يمكن الاستدلال على صحتها بخبر واحد واستدلوا ايضا بما رووا من ان اهل اليمين سألوا معاذا عن وقص البقر فلم يعرفه وقال المخالف ان ذلك مما قد بين لانه بقى على ما كان عليه من قبل في اسقاط الزكوة عنه وهذا ايضا نظير الاول في انه خبر واحد لا يمكن الاعتماد إليه و نظاير ذلك لا يمكن الاعتماد على شئ منها فالمعتمد في هذا الباب الدليلان الاولان واما الذي يدل على ان تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب فهو انا قد دللنا على العموم له صيغة تختص به

[ 19 ]

وله ظاهر فمتى خاطب الحكيم به ينبغي أن يحمل على ظاهره لانه لو أراد غير ظاهره أو اراد بعضه لبينه والا كان قد دل على الشئ بخلاف ما هو به وذلك لا يجوز تصديق الكذاب واظهار المعجز على يده ولو جاز ذلك لجاز أن يخاطب بالفاظ الخاص ولا يريد حقيقتها ولا ظاهرها ويريد بها ضربا من المجاز ولا يبين وذلك يؤدى إلى أن لا نستفيد بالخطاب شيئا اصلا فاما من قال ان لفظ العموم مشترك فهو يجوز به تأخير بيان المراد به لانه يكون مجملا عنده وقد بينا نحن خلاف ذلك وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان المخاطب بالعام هل يجوز أن يسمعه وان لم يسمع الخاص أو لا يجوز اعلم انه يجوز أن يسمع المخاطب العام دون الخاص ويلزمه طلب الخاص والبحث عنه في الاصول فان وجده حمل العالم عليه والا اعتقد ظاهره وهو مذهب النظام واحد قولي ابي هاشم وهو الذي يدل عليه قول الشافعي وغيره من الفقهاء وكان ابو على يقول ان تخصيص الخطاب إذا لم يكن بدليل ولا كان المخاطب به قد عرفه فانه لا يجوز أن يسمع العام ولا يسمع الخاص بل يصرف عن سماع العام بضرب من الصرف وإذا اسمعه اسمع الخاص وكان يعتد لذلك بأن يقول ان خطابه اياه بالعام يبيح له اعتقاد ما لا يقتضيه ظاهره وذلك جهل ولا يجوز من الحكيم ان يبيح الجهل فيجب أن لا يحسن دون أن لا يسمعه الخاص وكان يقول ان ذلك بمنزلة خطاب العربي بالزنجية لان المراد به لا يصح أن يعلم في الحال وقد قال بهذا أبو هاشم ايضا وكان يقول باسماع المنسوخ دون الناسخ مثل ما ذكرناه ايضا والذي يدل على صحة المذهب الاول انا قد اتفقنا على انه يجوز أن يخاطب بالعام وان كان مخصوصا بدليل القعل (العقل) وان لم يستدل المخاطب على خصوصه بل يلزمه البحث عنه وانما حسن ذلك لانه متمكن من معرفة ذلك فيجب أن يحسن ايضا ان يخاطب به إذا كان له تخصيص في الاصول لم يسمع لما كان متمكنا من معرفته بالنظر في الاصول وما ذكرناه قد اسقط ساير ما قدمناه لانه إذا جاز عند من خالف أن يخاطب بالعموم وان لم يستدل على خصوصه بالعقل ولم يوجب ذلك اباحة الجهل والاجراء مجرى خطاب العربي بالزنجية فكك لا يلزمنا ان جوزنا ما قدمناه فصل في القول في دليل الخطاب واختلاف الناس فيه اختلف اهل العالم في ان الحكم إذا علق بصفة الشئ هل يدل على ان حاله مع انتفاء ذلك الوصف بخلاف حاله مع وجوده ام لا يدل بل يحتاج إلى بيان و دليل سواه فذهب الشافعي واكثر اصحابه إلى ان الحكم إذا علق في الموصوف بصفة دل على انتفاء ذلك الحكم إذا زالت تلك الصفة قاله في مسايل كثيرة ويجاوز بعضهم إلى أن قال ان الحكم إذا علق بعين دل على ان غيره بخلافه ومنهم من قال انه لا يدل على ان ما عداه بخلافه وهو الذي نصره أبو عبد الله البصري وحكاه عن أبي الحسن وهو قول أبي العباس ابن

[ 20 ]

شريح ومن تبعه من اصحاب الشافعي كأبي بكر الفارسي وأبي بكر القفال وغيرهما وذكر أبو العباس ان الحكم إذا علق بصفة انما يدل على ما يتناوله لفظه إذا تجرد وقد يحصل فيه قراين واسباب يدل معها على ان ما عداه بخلافه نحو قوله ان جائكم فاسق بنباء فتبينوا وقوله واشهدوا ذوى عدل منكم وقوله فلم يجدوا ماء فتيمموا وقوله وان كن اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وقوله (ع) في سايمة الغنم زكوة قال وقد يقتضى ذلك ان حكم ما عداه مثل حكمه نحو قوله ومن منكم متعمدا وقوله ولا تقل لهما اف وقوله فلا تظلموا فيهن انفسكم وهذا تصريح منه بان القول إذا تجرد لم يقتضى نفيا ولا اثباتا فيما عدا المذكور وان بالقراين يعلم تارة النفى ويعلم تارة الايجاب وقد اضاف ابن شريح هذا القول إلى الشافعي وتاول كلامه المقتضى بخلافه ويناه عليه واكثر اصحاب الشافعي وجلهم وجمهورهم على المذهب الاول وهذا المذهب اعني الاخير هو الذي اختاره سيد المرتضى واليه ذهب ابو على وابو هاشم واكثر المتكلمين وكان شيخنا رحمه الله يذهب إلى المذهب الاول واقوى ما نصر به مذهب من منع من ذلك ما ذكره سيدنا المرتضى في مسألة له انا احكيها على ما وجهها قال قد ثبت ان تعليق الحكم بالاسم اللقب لا يدل على ان ما عداه بخلافه وثبت ان الصفة كالاسم في الابانة والتميز وإذا ثبت هذان الامران صح ما نذهب إليه والذي يدل على الامر الاول ان تعليق الحكم بالاسم لو دل على ان ما عداه بخلافه لوجب أن يكون قول القايل زيد قايم وعمرو طويل والسكر حلو مجازا معدولا به عن الحقيقة لانه قد يشارك زيدا وعمروا في القيام والطول غيرهما ويشارك السكر في الحلاوة غيره ويجب ايضا ان لا يتمكن ان يتكلم بهذه الالفاظ على سبيل الحقيقة ومعلوم ضرورة من مذهب اهل اللغة ان هذه الالفاظ حقيقة وانها مما لا يجب ان يكون مجازا ويلزم على هذا المذهب أن يكون اكثر الكلام مجازا لان الانسان إذا اضاف إلى نفسه فعلا من قيام أو قعود أو أكل أو تصرف وما جرى مجراه ليس يضيف إليها الا ماله فيه مشارك والاضافة إليه تقتضي بظاهرها على مذهب من قال بدليل الخطاب نفى ذلك الامر عما عداه ولا يكون هذا الا ما قال (هذا خ ل) قط في موضع من المواضع الا مجازا وهذا يقتضى ان الكلام كله مجاز ويدل ايضا على ذلك ان من المعلوم انه لا يحسن ان يخبر بانه زيد طويل الا وهو عالم بطوله لان كلامه يقتضى تعليق الطول عليه فلابد من أن يكون عالما به والا لم يأمن أن يكون كاذبا فلو كان قوله زيد طويل كما يقتضى الاخبار عن طول زيد يقتضى نفى الطول عن كل من عداه لوجب أن لا يحسن منه أن يخبر بان زيدا طويل على الحقيقة الا بعد أن يكون عالما بان غيره لا يشاركه في الطول ويجب أن يكون علمه بحال الغير شرطا في حسن الخبر كما ان علمه بحال المذكور شرط في حسن الخبر ومعلوم خلاف ذلك عند كل عاقل وايضا فان الفاظ النفي مفارقة لالفاظ الاثبات

[ 21 ]

في لغة العرب ولا يجوز أن يفهم من لفظ الاثبات النفى كما لا يفهم من لفظ النفى الاثبات وقولنا زيد طويل لفظه لفظ اثبات فكيف يعقل منه نفي الحكم عن غير المذكور وليس هيهنا لفظ نفى و يمكن ان يستدل بهذه الطريقة خاصة على ان تعليق الحكم بصفة لا يدل على نفيه عما ليست له من غير حمل الصفة على الاسم ومما يقوى ايضا ما ذكرناه ان احدا من العلماء لم يقل في ذكر الاجناس الستة في خبر الربا ان تعليق الحكم بها يدل على نفى الربا عن غيرها لان العلماء بين رجلين احدهما يقول يبقى غير هذه الاجناس على الاباحة والاخر يقيس غيرهما عليها وان تعلق من سوى بين الاسم بان جماعة من اهل العلم استدلوا على ان غير الماء لا يطهر بقوله تعالى وانزلنا من السماء ماء طهورا فنفوا الحكم عن غير الماء وهو معلق بالاسم لا بالصفة والجواب ان من فعل ذلك فقد اخطاء في اللغة فقد حكينا ان في الناس من سوى مخطيا بين الاسم والصفة في تعليق الحكم بكل واحد منهما ويمكن من استدل بهذه الاية أن يكون انما عول على ان الاسم فيها يجرى مجرى الصفة لان مطلق الماء يخالف مضافه فأجراه مجرى كون الغنم سايمة وعامله واما الدلالة على ان الصفة كالاسم في الحكم الذي ذكرناه فهى ان الغرض في وضع الاسماء في اصل اللغة هو التمييز والتعريف وليمكنهم ان يخبروا عمن غاب عنهم بالعبارة كما اخبروا عن الحاضر بالاشارة فوضعوا الاسماء لهذا الغرض ولما وقع الاشتراك بالاتفاق في الاسماء بطل الغرض الذي هو التمييز فاحتاجوا إلى ادخال الصفة والحاقها بالاسم ليكون الاسم مع الصفة بمنزلة الاسم ولم يقع اشتراك فيه ولولا الاشتراك الواقع في الاسماء لما احتيج إلى الصفات الا ترى انه لو لم يكن مسمى بزيد الا شخصا واحدا لكفى في الاخبار عنه ان يقال قام زيد ولم احتيج (يحتج خ ل) إلى ادخال الصفة فبان بهذه الجملة ان الصفة كالاسم في الغرض وان الصفات كبعض الاسماء إذا ثبت ما ذكرناه في الاسم ثبت وما يجرى مجراه ويقوم مقامه ومما يبين ان الاسم كالصفة ان المخبر قد يحتاج إلى ان يخبر عن شخص بعينه فيذكره بلقبه وقد يجوز أن يحتاج ان يخبر عنه في حال دون اخرى فيذكره بصفته فصارت الصفة مميزه للاحوال كما ان الاسماء مميزة للاعيان فحلى محلا واحدا في الحكم الذي ذكرناه ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب ان اللفظ انما يدل على ما يتناوله أو على ما يكون بأن يتناوله اولى فاما ان يدل على من لم يتناوله ولا هو بالتناول اولى فمحال وإذا كان الحكم المعلق بصفة لم يتناول غير المذكور ولا هو بأن يتناوله اولى لم يدل الا على ما اقتضاه لفظه فان قيل اشرحوا هذه الجملة قلنا بقوله (ع) في سايمة الغنم الزكوة معلوم حسا وادراكا انه لم يتناول المعلوفة ولا يمكن الخلاف فيما لا يدخل تحت الجنس ولا هو يتناولها اولى بدلالة انه لو قال في سايمة الغنم الزكوة وفي معلوفتها لما كان مناقضا ومن شان اللفظ إذا دل على ما لم يتناوله بلفظه لكنه بأن يتناوله أولى أن يمنع من التصريح بخلافه الا ترى ان قوله تعالى ولا تقل لهما اف لما تناول

[ 22 ]

النهى عن التافف بلفظ وكان بأن يتناول ساير المكروه اولى لم يجز أن يتبعه ويلحقه بأن يقول لا تقل لهما اف واضربهما واشتمهما لانه نقض فبان ان قوله في سايمة الغنم الزكوة ليس يتناول المعلوفة اولى والذي يدل على ان اللفظ لا يدل على ما لا يتناوله ولا يكون بالتناول اولى لانه لو دل على ذلك لم ينحصر مدلوله لان ما لا يتناوله اللفظ لا يتناهى وليس بعض ان يدل عليه اللفظ مع عدم التناول باولى من بعض ومما يدل ايضا على ما ذكرناه حسن استفهام القايل ضربت طوال غلماني ولقيت اشراف جيراني فيقال له اضربت القصار من غلمانك ام لم تضربهم ولقيت العامة من جيرانك ام لم تلقهم فلو كان تعليق الحكم بالصفة يقتضى وضعه نفى الحكم عما ليس له تلك الصفة كاقتضائه ثبوته لماله تلك الصفة لكان هذا الاستفهام قبيحا كما يقبح ان يستفهم عن حكم ما تعلق لفظه به فلو كان الامر ان مفهومين من اللفظ لاشتركا في حسن الاستفهام وقبحه فان قيل انما يحسن الاستفهام عن ذلك لمن لم يقل بدليل الخطاب فاما من تكلم بما ذكرتموة من الذاهبين إلى دليل الخطاب فانه لا يستفهم عن مراده الا على وجه واحد وهو أن يكون اراد على سبيل المجاز والاستعارة خلاف ما يقتضيه دليل الخلاف فيحسن استفهامه لذلك قلنا حسن استفهام كل قايل اطلق مثل هذا الخطاب معلوم ضرورة علمنا مذهبه في دليل الخطاب ام لم تعلمه فاما تجويزنا أن يكون المخاطب عدل ان الحقيقة إلى المجاز في الكلام الذي حكيناه وان هذا هو علة حسن الاستفهام فباطل لانه يقتضى حسن دخول الاستفهام في كل كلام لانه لا كلام نسمعه ونحن نجوز من طريق التقدير أن يكون المخاطب به اراد المجاز ولم يرد الحقيقة وفي علمنا بقبح الاستفهام في كثير من المواضع دلالة على فساد هذه العلة على ان المخاطب لنا إذا كان حكيما واراد المجاز بخطابه قرن كلامه بما يدل على انه متجوز به ولم يحسن منه اطلاقه وحكى في هذه المسألة ما استدل به من خالفهم فقال واستدل المخالف باشياء منها ان تعليق الحكم بالسوم لو لم يدل على انتفائه إذا انتفت الصفة لم يكن لتعليقه بالسوم معنى وكان عبثا ومنها ان تعليق الحكم بالسوم يجرى مجرى الاستثناء من الغنم ويقوم مقام قوله ليس في الغنم الا السائمة الزكوة فكما انه لو قال ذلك لوجب أن تكون الجملة المستثنى منها بخلاف حكم الاستثناء فكك تعليق الحكم بالصفة ومنها ان تعليق الحكم بالشرط إذا دل على انتفائه بانتفاء الشرط فكك الصفة والجامع بينهما ان كل واحد منهما كالاخر في التمييز والتخصيص انه لا فرق بين أن يقول في سايمة الغنم الزكوة وبين أن يقول فيها إذا كانت سايمة ومنها ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله عند نزول قوله تعالى استغفر لهم اولا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة لن يعفر (يغفر) الله لهم انه قال (ع) لازيدن عن السبعين فلو لم يعلم من جهة دليل الخطاب ان ما فوق السبعين بخلافها لم يقل ذلك ومنها تعلقهم بما روى عن عمر بن الخطاب ان يعلى بن امية سأله فقال له ما بالنا نقصر وقد امنا فقال له عمر عجبت

[ 23 ]

مما عجبت منه فسئلت رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فتعجبهما من ذلك يدل على انهما فيهما من تعلق القصر بالخوف ان حال الا من بخلافه ومنها ما روى عن الصحابة كلهم انهم قالوا الماء من الماء منسوخ ولا يكون ذلك منسوخا الا من جهة دليل الخطاب و ان لفظة الخبر يقتضى نفى وجوب الاغتسال من غير انزال الماء ومنها ان الامة انما رجعت في ان التيمم لا يجب الا عند عدم الماء إلى ظاهر قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وكك الصيام في الكفارة وانه لا يجرى الا عند عدم الرقبة انما رجع فيه إلى الظاهر قال والجواب عن الاول ان في تعليق الحكم بالسوم فايدة لانا نعلم وجوب الزكوة في السايمة وما كنا نعلم ذلك قبله ويجوز أن تكون حكم المعلوفة في الزكوة حكم السايمة وان علمناه بدليل اخر وليس يمتنع في الحكمين بمتماثلين ان يعلما بدليلين مختلفين بحسب المصلحة الا ترى ان حكم ما يقع النص عليه من الاجناس في الربا حكم المنصوص عليه ومع ذلك دلنا على ثبوت الربا في الاجناس المذكورة بالنص ووكلنا في اثباته في غيرها إلى القياس أو غير ذلك من الادلة والجواب عن الثاني ان الاستثناء من العموم لم يدل بلفظه ونفسه على ان ما لم يتناوله بخلاف حكمه وانما دل العموم على دخول الكل فيه فلما اخراج الاستثناء بعض ما يتناوله العموم علمنا حكم المستثنى بلفظ الاستثناء وتناوله لما يتناوله وعلمنا ان حكم ما لم يتناوله بخلافه بلفظ العموم مثال ذلك ان القايل إذا قال ضربت القوم الا زيدا فانما يعلم بالاستثناء ان زيدا ليس بمضروب ويعلم ان من عداه من القوم مضروب بظاهر العموم لا من اجل دليل الخطاب في الاستثناء وليس هذا موجودا في قوله (ع) في سايمة الغنم الزكوة لانه (ع) ما استثنى من جملة مذكورة ولو كان لسايمة الغنم اسم يختص بها من غير اضافة إلى الغنم تعلق الزكوة به وليس كل شئ معناه معنى الاستثناء له حكم الاستثناء لان للاستثناء الفاظا موضوعة له فلما لم يدخل فيه لم يكن مستثنى منه ولا يكون واردا الا على جملة مستقلة بنفسها وكل هذا إذا وجبت مراعاته لم يجز أن يجرى قوله (ع) في سايمة الغنم الزكوة مجرى الجمل المستثنى فيها والجواب عن الثالث ان الشرط عندنا كالصفة في انه لا يدل على ان ما عداه بخلافه وبمجرد الشرط لا يعلم ذلك وانما نعلمه في بعض المواضع بدليل لان تأثير الشرط ان يتعلق الحكم به وليس يمتنع ان يخالفه و ينوب عنه شرط اخر يجرى مجراه ولا يخرج من أن يكون شرطا الا ترى ان قوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم انما يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينظم إليه الاخر فانضمام الثاني إلى الاول شرط في القبول ثم يعلم بدليل ان ضم امر به إلى الشاهد الاول يقوم مقامه ثم يعلم بدليل ان ضم اليمين إلى الشاهد الواحد يقوم مقام الثاني فنيابة بعض الشروط عن بعض اكثر من ان تحصى و الصحيح ان الحكم إذا علق بغاية أو عدد فانه لا يدل بنفسه على ان ما عداه بخلافه لانا انما نعلم ان ما زاد على الثمانين في حد القاذف لا يجوز لان ما زاد على ذلك مخطور بالعقل فإذا وردت العبادة

[ 24 ]

بعدد مخصوص خرجنا عن الخطر بدلالة يقينا فيما زاد على ذلك العدد على حكم الاصل وهو الخطر وكك إذا قال الرجل لغلامه اعط زيدا مائة درهم فانه يعلم خطر الزايد على المذكور بالاصل ولو قال اعطيت فلان مائة لم يدل لفظا ولا عقلا على انه لم يعط اكثر من ذلك فاما تعليق الحكم بغاية فانما يدل على ثبوته إلى تلك الغاية وما بعدها يعلم انتفاؤه أو اثباته بدليل وانما علمنا في قوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر وقوله تعالى ثم اتموا الصيام إلى الليل وقوله تعالى حتى يطهرن ان ما بعد الغاية بخلافها بدليل وما يعلم بدليل غير ما يدل اللفظة عليه كما يعلم ان ما عدا السايمة بخلافها في الزكوة بدليل ومن فرق بين تعليق الحكم بصفة وبين تعليقه بغاية ليس معه الا الدعوى وهو كالمناقض لفرقه بين امرين لا فرق بينهما فإذا قال فاى معنى لقوله تعالى ثم اتموا الصيام إلى الليل إذا كان ما بعد الليل يجوز أن يكون فيه صوم قلنا واى معنى لقوله (ع) في سايمة الغنم الزكوة والمعلوفة مثلها فإذا قيل لا يمتنع أن تكون المصلحة في أن يعلم ثبوت الزكوة في السايمة بهذا النص ويعلم ثبوتها في المعلوفة بدليل اخر قلنا كك لا يمتنع فيما علق بغاية حرفا بحرف وتعليق الحكم بالصفة لا يدل على ان ما عداه بخلافه بخلاف قول من يقول انه يدل على ذلك إذا كان بيانا وانما قلنا ذلك لان ما وضع له القول لا يختلف أن يكون مبتداء وبيانا وإذا لم يدل تعليق الحكم بصفة على نفى ما عداه فانما لم يدل على ذلك لشئ يرجع إلى اللفظ فهو في كل موضع كك والجواب عن الرابع ان ما طريقة العلم لا يرجع فيه إلى اخبار الاحاد لا سيما إذا كانت ضعيفة وهذا الخبر يتضمن ا نه (ع) يستغفر للكفار وذلك لا يجوز واكثر ما فيه انه (ع) عقل ان ما فوق السبعين (بخلاف السبعين) فمن اين انه فهم ذلك من ظاهر الاية من غير دليل يدله ولقايل ان يقول ان الاستغفار لهم كان مباحا فلما ورد النص بخطر السبعين بقى ما زاد عليه على الاصل وقد روى في هذا الخبر انه (ع) قال لو علمت انى ان زدت على السبعين يغفر الله لهم لفعلت وعلى هذه الرواية لا شبهة في الخبر والجواب عن الخامس انه ايضا خبر واحد لا يحتج به في هذا الموضع ومع ذلك لا يدل على موضع الخلاف لانا لا نعلم ان تعجبهما من القصر مع زوال الخوف هو لاجل تعليق القصر بالخوف ويجوز أن يكون تعجبهما لانهما عقلا من الايات الواردات في ايجاب الصلوة وجوب الاتمام في كل حال واعتقدوا ان المستثنى من ذلك هو حال الخوف تعجبا لهذا الوجه والجواب عن السادس انه إذا صح قولهم ان الماء منسوخ من اين لهم انهم عقلوا من ظاهره نفى وجوب الغسل من غير الماء ولعلهم علموه بدليل سوى اللفظ لانهم إذا حكموا بانه منسوخ فلابد من أن يكونوا قد فهموا ان ما عداه بخلافه فمن اين لهم فهموا ذلك بان اللفظ دون دليل اخر وقد روى هذا الخبر بلفظة اخر انه (ع) قال انما الماء من الماء وبدخول لفظ انما يعلم ان ما عداه

[ 25 ]

بخلافه لان القايل انما لك عندي درهم يفهم من قوله وليس لك سواه وعلى الوجه تعلق ابن عباس في نفى الربا من غير النسية بقوله (ع) انما الربا في النسية وقد روى ايضا هذا الخبر بلفظ اخر وهو انه (ع) قال لا ماء الا من الماء وعلى هذا اللفظ لا شبهة في الخبر على ان الصحابة لم يبين جهة قولها في هذا الخبر انه منسوخ وهذا (وهل خ ل) النسخ يتناوله أو دليله أو ما علم منه بقرينة وقد علمنا ان المذكور من الحكم في اللفظ وهو وجوب الغسل بالماء من انزال الماء ليس بمنسوخ فمن اين ان النسخ تناول دليل هذا اللفظ أو ما علم منه بقرينة والجواب عن السابع ان اية التيمم واية الكفارات بين فيها حكم الاصل وحكم البدل لانه تعالى اوجب الطهارة عند وجوب الماء واوجب التيمم عند عدمه وكك في الكفارة لانه اوجب الرقبة في الاصل وعند عدمها اوجب الصيام فعلمنا حكم البدل والمبدل جميعا وليس لدليل الخطاب في هذا مدخل هذه المسألة اوردناها على وجهها لانها مستوفاة وفيها بيان نصرة كل واحد من المذهبين وما يمكن الاعتماد عليه لكل فريق ولى في هذه المسألة نظر فصل في ذكر حقيقة النسخ وبيان شرايطه والفصل بينه وبين البداء النسخ في اللغة يستعمل على وجهين احدهما بمعنى الازالة كما يقال نسخت الشمس الظل ونسخت الريح اثارهم والاخر بمعنى النقل كما يق نسخت الكتاب وذهب أبو هاشم إلى انه حقيقة في الازالة مجازا في النقل قال لان من نسخ الكتاب لم ينقل ما فيه وانما اثبت مثله فلما كان كك فيجب أن يكون مجازا والاولى ان يقال انه حقيقة فيهما لانا وجدنا اهل اللغة يستعملون ذلك لانهم يعتقدون ان ذلك نقل على الحقيقة وان كان اعتقادهم فاسدا ويجرى ذلك مجرى تسميتهم الاصنام بانها الهة لما اعتقدوا انها تستحق العبادة فاسدا فلو لزم هذا للزم اباها شم ان لا يكون ايضا حقيقة في الازالة لان الريح في الحقيقة لا تزيل شيئا وانما الله تعالى يزيل بها وكك القول في الشمس فان اعتذر من ذلك بان قال لما اعتقدوا ان الريح هي التي تزيل في الحقيقة اضافوه إليها قيل له مثل ذلك في النقل سواء فاما استعمال هذه اللفظة في الشريعة فعلى خلاف موضوع اللغة وان كان بينهما تشبيها ووجه التشبيه ان النص إذا دل على ان مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زايل على وجه لولاه لكان ثابتا صار بمنزل المزيل لذلك الحكم لانه لولاه لكان ثابتا فاجرى استعمال لفظ النسخ فيه مجرى الريح المزيلة للاثار هذا قول أبي هاشم وقال أبو عبد الله البصري ان هذه التسمية مستعملة على غير طريقة اللغة في الشريعة فهي لفظة شرعية منقولة عما وضعت له لان استعمالها في ذلك غير معقول في اللغة فهي كسائر الاسماء الشرعية فاما حد الدليل الموصوف بانه ناسخ فهو ما دل على ان مثل الحكم الثابت بالمنسوخ الذي هو النص المتقدم غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه والموصوف بانه هو منسوخ هو النص

[ 26 ]

الاول وقد يستعمل هذه اللفظة في اشياء فيقال في الله تعالى انه ينسخ الحكم فهو ناسخ إذا نصب الدلالة على ذلك ويق ان النص الثاني ناسخ للاول إذا دل من حاله على ما ذكرناه وقد يقال ان الحكم الثاني ينسخ حكم الاول وهو ناسخ له من حيث علم سقوط الاول به كقولهم نسخ التوجه إلى الكعبة الاستقبال إلى بيت المقدس ومثل ما روى ان الزكوة نسخت كل واجب في المال ونسخ شهر رمضان صوم عاشور وقد يتسع ايضا فيقال ان فلانا ينسخ كذا كذا إذا اعتقد ذلك وذهب إليه كما يق الشافعي لا ينسخ القرآن بالسنة والحنفى بنسخ ذلك واما لفظ المنسوخ فانه يستعمل في الدليل والحكم دون ما عداهما والاغلب في استعمال هذه اللفظة الدلالة والحكم دون ما عداهما وان كان لا يستعمل في الحكم الا إذا كان ثبوته يقتضى نفى الحكم الاول أو علم بالدليل ذلك من حاله فهذه الوجوه هي جملة ما يستعمل هذه العبارة فيها وحقيقتها ما ذكرناه فاما شرايط النسخ فاشياء منها ان الدليل الموصوف بانه ناسخ وبانه منسوخ جميعا يكونان شرعيين وانما قلنا ذلك لانه إذا كانت الاباحة معلومة بالعقل ثم ورد الشرع بخطره لا يسمى ذلك نسخا الا ترى انه لا يقل خطر الخمر نسخ اباحته لما كانت اباحته معلومة عقلا فكك لا يق ان الجنون والموت والعجز نسخ واحد منها ما كان واجبا عليه لما كان زوال ذلك عن المكلف معلوم عقلا وهذا الذي ذكرناه انه يمنع من اطلاق عبارة النسخ عليه فاما معنى النسخ فحاصل فيه على كل حال الا ترى انه لا فرق في سقوط التكليف بين زوال العقل أو حصول الموت والعجز وبين ورود النهى عنه في ان في الحالين جميعا يسقط التكليف وانما يمنع ذلك من اجرى العبارة عليه على ما قلناه ومن شرط الناسخ أن يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ لانه لو كان مرادا به لدل على البداء ولاقتضى ذلك كون الامر أو النهى قبيحا فعلى هذا يجب أن يكون الناسخ دالا على ان ما تناوله لم يرد قط بالمنسوخ وبذلك يبطل قول من حد النسخ بانه زوال الحكم بعد استقراره لان الحكم إذا استقر وثبت انه مراد لم يصح ان يرفع لما يؤدى إليه من الفساد الذي قلناه وبمثل ما قلناه يبطل قوله من حد ذلك بانه رفع المأمور به بالنهي عنه لانه لو كان كك لوجب كونه مرادا بالامر ومكروها بالنهي وذلك يؤدي إلى ما قدمناه من الفساد ومن شرط الناسخ ايضا أن يكون منفصلا عن المنسوخ لانه إذا كان متصلا به لم يوصف بانه ناسخ الا ترى انه لا يقال ان قوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث امركم الله نسخ للخطر المتقدم لما كان متصلا به ومن شرط المنسوخ ان لا يكون موقتا بوقت يقتضى ارتفاع ذلك الحكم لان ما يكون كك لا يوصف بانه ناسخ ولذلك لا يق الافطار بالليل ناسخ الصوم بالنهار لكن الواجب أن ينظر في الغاية فان كانت غاية معلومة كالليل لم يوصف الحكم المتعلق بها بانه ناسخ و ان كانت مما لا يعلم الا بنص بان يرد فتبين حاله فلولاه لوجب ادامة حكم النص الاول فانه يوصف

[ 27 ]

بانه ناسخ لانه جار مجرى قوله تعالى افعلوا كذا وكذا ابدا إلى أن انسخه عنكم وقد علم ان ما يرد من الدلالة بعد ذلك يوصف بانه ناسخ وان كان قد قيد به الكلام الاول وكك ما جرى مجراه من الغايات ولذلك لم يصح ما قاله بعض اصحاب الشافعي من ان قوله تعالى فامسكوهن في البيوت حتى يتوفيهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا لا يجوز أن يكون منسوخا بقوله وقد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد ماية الحديث لان الاية وان كانت مشروطة بالسبيل فهى غاية غير معلومة الا بدليل لولاه لكان الحكم ثابتا فيه ويفارق ذلك تعليق الحكم بغاية يجب انقطاعه عندها كتعليقه بالموت لان ذلك انما يزول بحكم ذلك لا بدليل اخر شرعى وهذا ظاهر ومن حق الناسخ أن يكون في حكم المنسوخ في وقوع العلم به أو العمل على ما سنذكره من ان خبر الواحد لا ينسخ به الكتاب ومن شرطه ايضا الا يكون قياسا ولا ما يجرى مجراه من الادلة المستنبطة عند المخالف ونحن ندل على ذلك فيما بعد انشاء الله تعالى وليس من شرط النسخ أن يكون لفظ المنسوخ متناولا له لانه لا يمتنع ان تدل الدلالة على ان المراد بالامر المطلق تكرار الفعل فيكون سبيله سبيل الامر المقيد بما يقتضى التكرار في ان النسخ يصح فيه وعلى هذا اكثر النسخ في الشريعة لانه ليس شئ من الفاظ المنسوخ ظاهره يقتضى التكرار وانما علم ذلك من حاله بدليل وهذا بين لانه كما لا يمتنع نسخ الفعل وما شاكله من الشرعيات وان لم يكن ذلك كلاما لم يمتنع ان يعلم بدليل ان المراد بالامر التكرار فيعترضه النسخ ويفارق التخصيص الذي قد بينا انه لا يصح دخوله الا فيما يتناوله اللفظ العام من هذا الوجه وليس من شرط الناسخ الا يتأخر عن المنسوخ كما قلنا في تخصيص العام وبيان المجمل عن وقت الحاجة بل هو بالعكس من ذلك في وجوب تأخره عن المنسوخ على ما بيناه وليس من شرطه أن يكون متناولا لجملة بل لا لم يمتنع أن يكون متناولا يصح نسخ الدليل الشرعي فيه وان كان متناولا لحكم في عين واحدة ويفارق التخصيص في ذلك وفي الناس من شرط في ذلك الا يكون لفظه مقيدا مقتضيا للتأبيد فقال لو قال الله تعالى افعلوا الصلوة ابدا لما ساغ نسخه وانما يجوز إذا اطلق ذلك وهذا بعيد لان لفظ التأييد عندنا في الامر لا يقتضى الدوام على ما عورف ؟ استعماله لان قول القايل لغيره لازم غير مك ابدا ولانبه تعلم العلم ابدا لا يقتضى عندهم الدوام ويفارق ذلك حال الخبر الذي يتناول ما يصح الادامة فيه على ان الصحيح في الخبر ايضا انه لا يفيد الادامة ولاجل ذلك يمنع اصحاب الوعيد من التعلق بايات الوعيد المتضمنة للفظ التأبيد وإذا لم يقتض ذلك فكيف المنع من نسخه في ذلك ولو انه تناول ما قال لم يمنع ذلك من نسخه لانه كان يدل على انه لم يرد باللفظ ما وضع له فيجرى النسخ في ذلك مجرى التخصيص ومن شرط النسخ الا يقع الا في الاحكام الشرعية دون اجناس الافعال وضروبها لانه انما ينسخ عنا الفعل الذي وجب بأن يبين ان امثاله ليست بواجبة والفعل المحظور يبين ان امثاله غير محظورة وليس من شرطه ان يكون للحكم المنسوخ بدل في الاحكام الشرعية على ما زعم

[ 28 ]

بعضهم وذلك ان ما دل على ان مثل الحكم الثابت بالنص الاول ساقط في المستقبل يكون ناسخا له وان سقط لا إلى حكم اخر بل عاد حاله إلى ما كانت عليه في العقل وعلى هذا الوجه نسخ الله تعالى الصدقة بين يدى مناجاة الرسول (ع) بقوله اشفقتم ان تقدموا بين يدى نجويكم صدقات فاسقط لا إلى بدل فكك اسقط ما زاد على الاعتداد على اربعة اشهر وعشرا عن المتوفى عنها زوجها لا إلى بدل ولان زوال الحكم إلى بدل لم يكن نسخا لاجل البدل وانما كان منسوخا لزواله فلا فضل بين زواله إلى بدل والى غير بدل وكك وصف صوم عاشورا بانه منسوخ وان كان صوم رمضان لا يجوز أن يكون بدلا منه لجواز وجوبه مع وجوبه وارتفاع التنافى بينهما فاما نسخ الحكم ببدل فقد يقع على وجوه منها ان يسقط وجوبه إلى الندب نحو نسخه ثبات الواحد للعشرة إلى اثباته للاثنين لان ثباته للعشرة مندوب إليه وكك نسخ وجوب قيام الليل فجعله ندبا وقد يسقط وجوبه إلى وجوب غيره وذلك على ضربين احدهما ان يسقط الواجب المخير فيه إلى واجب مضيق وذلك نحو نسخ التخيير بين الصوم والفدية بحتم الصوم بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وقد يسقط الواجب إلى الاباحة نحو سقوط وما وجب الله تعالى من ترك الاكل والمباشرة في ليال الصوم إلى اباحة ذلك وقد يسقط المحظور إلى المباح نحو ما روى عنه عليه السلام انه قال نهيتكم عن زيارة القبور فزروها وادخار لحوم الاضاحي الا فادخروها فعلى هذا يجب أن يجرى الباب وليس من شرط نسخ الحكم الا يقع الا بما هو اخف منه أو مثله على ما يذهب عليه بعض اهل الظاهر وذلك ان الله تعالى انما ينسخ الحكم بغيره إذا علم ان صلاح المكلف في الثاني وقد يجوز أن يكون صلاحه فيما اشق من الاول كما يجوز أن يكون صلاحه فيما هو اخف فإذا صح ذلك ولم يكن الامر في التكليف موقوفا على اختيار المكلف لكنه بحسب المعلوم فكيف يمنع من جواز نسخ الشئ مما اشق منه وهل يذهب ذلك الا على من لا يعرف اصل هذا الباب ولا فرق بين من قال هذا وبين من قال لا يجوز أن يكلف الله ابتدا ما يشق على ما يذهب إليه قوم من التناسخيه والقرامطة وقد ورد النسخ بذلك الا ترى ان قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين اقتضى كون المكلف مخير في الصوم حتم ذلك والزمه مع ما فيه من زيادة المشقة على التخيير ونسخ عن الزانى المحصن الحد المذكور في القران بالرجم مع ما فيه من زيادة الالم عند من لم يقل بالجمع بينهما على ان ما قالوه يقتضى ضد قولهم في الحقيقة لانه نسخ الحكم بما هو اشق منه كان مؤديا إلى ثواب زايد على ما يؤدى إليه الاخف صار في الحقيقة اخف عليه وانفع له لعظم النفع الذي فيه ومن منع من ذلك فكأنه منع من ان يعرض الله تعالى المكلف لتكليف زايد يؤديه إلى زيادة ثواب وهذا جهل فاما تعلقهم بقوله تعالى الان خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا وانه نبه على ان من حق النسخ أن يكون تحقيقا وبأن النسخ مأخوذ من الازالة فكلما كان اذهب في الازالة كان من شرطه فيجب الانسخ بما هو اشق منه فما

[ 29 ]

بيناه من ان النسخ تابع للمصلى يسقط جميع ذلك ويعارض قوله تعالى ما ننسخ من اية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها لان هذه الاية تدل على ما يأتي به اشق من الاول أو في حكم الاشق حتى يصح أن يكون خيرا منها ولم يمنع ذلك من جواز نسخ الشئ بأخف منه فكك القول فيما تعلقوا به من الاية واما البداء فحقيقته في اللغة هو الظهور ولذلك يقال بدا لنا سور المدينة وبدا لنا وجه الرأى وقال الله تعالى وبدا لهم سيئات ما عملوا وبدا لهم سيئات ما كسبوا ويراد بذلك كل ظهر وقد يستعمل ذلك في العلم بالشئ بعد ان لم يكن حاصلا وكك في الظن فاما إذا اضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز اطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز فاما ما من ذلك فهو ما افاد النسخ بعينه ويكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين عليهما السلام (وهما امام محمد باقر وامام جعفر الصادق (ع)) من الاخبار المتضمنة لاضافة البداء إلى الله تعالى دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن يكن ويكون وجه اطلاق ذلك فيه تعالى والتشبيه هو انه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا لهم ويحصل لهم العلم به بعد ان لم يكن حاصلا لهم اطلق على ذلك لفظ البداء وذكر سيدنا الاجل المرتضى قدس الله روحه وجها اخر في ذلك وهو ان قال يمكن حمل ذلك على حقيقته بأن يقال بداله تعالى بمعنى انه ظهر له من الامر ما لم يكن ظاهرا له وبدا من النهى ما لم يكن ظاهرا له لان قبل وجود الامر والنهى لا يكونان ظاهرين مدركين وانما يعلم انه يأمر أو ينهى في المستقبل فاما كونه آمرا أو ناهيا فلا يصح ان يعلمه الا إذا وجد الامر والنهى وجرى ذلك مجرى احد الوجهين المذكورين في قوله تعالى ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم بان نحمله على ان المراد به حتى نعلم جهادكم موجودا موجودا لان قبل وجود الجهاد موجودا وانما نعلم كك بعد حصوله فكك القول في البداء وهذا وجه حسن جدا واما ما لا يجوز اطلاقه عليه تعالى هو أن يأمر تعالى المكلف بنفس ما نهاه عنه على الوجه الذي نهى عنه في الوقت الذي نهاه عنه وانما شرطنا هذه الوجوه كلها لان المنهى عنه لو كان غير المأمور به لم يمتنع ان تقتضي المصلحة الامر به والنهى عن مثله فكان لا مدخل له في البداء ولان النهى لم تعلق به على غير الوجه الذي تناوله الامر كان حسنا نحو ان يأمر الله بالصلوة على وجه العبادة له تعالى وينهى عنها على وجه العبادة للشيطان وانما شرطنا الوقت الواحد لان المأمور به في وقت لو نفى عنه في وقت اخر وصح وقوعه لكان ذلك حسنا في الحكمة كما يصح ان يحسن من الله فعل الجسم في بعض الاوقات وان كان لو فعله بعينه في وقت اخر وقد افناه لم يمتنع أن يكون قبيحا وانما يقبح ذلك لا لانه يدل على البداء لكن لانه تكليف ما لا يطاق لان ما يصح ان نفعله في وقت لا يصح ان نفعله في وقت اخر لاختصاص مقدور القدر بالاوقات على ما دل عليه الدليل وانما جعلنا المأمور به هو المنهى لانه لو صح كون المقدور الواحد لقادرين لم يمتنع امر احدهما به ونهى الاخر عنه على بعد ذلك و انما قلنا ان ما اجتمع فيه هذه الشرايط لا يجوز على القديم تعالى لانا قد بينا ان الله تعالى انما يأمر العبد

[ 30 ]

بالشئ لتعلق المصلحة به وينهاه لتعلق المفسدة به ومحال في الشئ الواحد في الوقت الواحد أن يكون مصلحة ومفسدة واما نسخ الشريعة فمخالف لما قدمناه لانا قد بينا في حده انه اسقاط الحكم الذي تناوله النص المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه وذلك يقتضى ان المأمور به غير المنهى عنه وان وقت المنهى غير وقت المأمور به وهذا بين وقد بينا ايضا الفرق بين النسخ والتخصيص و ذكرنا ان تخصيص العموم هو ما دل على انه لم يرد به الا بعض ما تناوله اللفظ وانه لا يصح دخوله مما لم يتناوله لفظ الخصوص والنسخ بخلافه وبينا ايضا ان شروطهما واحكامهما تختلف لان النسخ يصح فيما يصح التخصيص فيه ويصح التخصيص فيما لا يصح النسخ به وذلك واضح والذي يعتمد في هذا الباب ان النسخ والتخصيص جميعا يتناولان الافعال دون الاعيان والاوقات والاحوال على خلاف ما يدعيه بعض من يتكلم في هذا الباب لان التخصيص يدل على انه لم يرد بالعموم ما لولاه لكان يدل على انه مراد وكك النسخ والذي يريده المخاطب الحكيم هو الافعال دون الاعيان والاوقات لان الاعيان لا يصح ان يراد والاوقات لا يحتاج إلى ارادتها لانها ليست متعلقة بالتكليف وكك الاحوال فإذا صح هذا صح ما قلناه وانما يقال ان التخصيص يخص الاعيان ويراد به انه اريد بالعموم الفعل من بعض الاعيان دون بعض أو في بعض الاوقات دون بعض فيرجع التخصيص في التحقيق إلى الافعال لكنها لما كانت تقع من الاعيان في الاوقات وجب ان تذكر فان لم تكن هي المراد بالكلام وهذا هو الذي يجب الاعتماد عليه دون غره لان الكلام على المعاني دون العبارات فصل في ذكر ما يصح معنى النسخ فيه من افعال المكلف وما لا يصح وبيان شرايطه افعال المتكلف على ضربين احدهما لا يصح معنى النسخ والاخر يصح ذلك فيه فالذي لا يصح معنى النسخ على ضربين احدهما لا يصح ذلك فيه لان الصفة التي يقع عليها الفعل لا يجوز خروجه عنها ولا حصول ضدها فيه وذلك مثل وجوب الانصاف وشكر المنعم وقبح الكذب والجهل وغير ذلك من الواجبات العقلية التي لا يجوز خروجها عن كونها على تلك الصفة فما يكون كك لا يصح معنى النسخ فيه لان من المحال ان يكون الانصاف مع كونه انصافا وشكر النعمة مع كونها شكرا للنعمة يخرجان من كونهما واجبين وكك لا يصح ان يخرج الجهل والكذب عن القبح إلى الحسن فعلم بذلك ان معنى النسخ لا يصح في جميع ذلك وذهب المعتزلة إلى ان معنى النسخ يصح في شكر النعمة لانه يجوز ان يفعل المنعم من الاساته (الاسائة) ما يوفى على النعمة فيبطل الشكر عليها وذلك يصح على مذهبهم في الاحباط لا على ما نذهب إليه من فساد القول بالاحتياط لان بالاسائة عندنا لا يبطل شكر النعمة وانما يستحق بها الذم والعقاب فيمن يصح ذلك فيه لا غير والقسم الاخر لا يصح معنى النسخ فيه لانه لا يصح خروجه عن كونه لطفا وذلك نحو وجوب المعرفة بالله تعالى وصفاته ونحو وجوب الرياسة التي توجبها عقلا فانه

[ 31 ]

لا يصح خروج ذلك اجمع عن كونها لطفا فإذا لا يصح معنى النسخ فيها اصلا فاما ما يصح معنى النسخ فيه فهو كل فعل يجوز أن يتغير من حسن إلى قبح فيقع على وجه فيكون حسنا وعلى اخر فيكون قبيحا ويقع في وقت فيكون حسنا وفي اخر فيكون قبيحا ويقع من شخص فيكون حسنا ومن اخر فيكون قبيحا وذلك نحو المنافع والمضار واعتبار في ذلك بجنس الفعل بل الاعتبار في ذلك بالوجوه التي يقع عليها الفعل وعلى ذلك جميع الشرعيات لانها قد تكون واجبة في وقت دون اخر وعلى شخص دون غيره وعلى وجه دون اخر الا ترى ان القعود في موضع مباح قد يكون حسنا ثم يعرض فيه وجه قبح بأن يخاف سبعا أو لصا أو وقوع حايط عليه وما شاكله فيصير العقود (القعود) نفسه قبيحا ولما ذكرناه اختلفت الشرايع ودخل النسخ فيها واختص بعض المكلفين بما لم يشركه فيه غيره وذلك ان الامساك في السبت كان واجبا في شرع موسى (ع) ثم صار قبيحا في شرع نبينا (ع) وغير ذلك وغير ذلك من الشرايع ويجب على الحايض ترك الصلوة والصوم ولا يجب ذلك على غيرها بل يكون ذلك قبيحا منه فعلى هذا ينبغي أن يجرى هذا الباب فاما النسخ في الاخبار فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب اكثر من تكلم في اصول الفقه من المعتزلة وغيرهم وهو مذهب ابي على وابي هاشم إلى النسخ في الاخبار لا يجوز وعللوا ذلك بأن قالوا تجويز ذلك في اخبار الله تعالى يوجب أن يكون احد الخبرين كذبا وفصلوا بينه و بين الامر والنهى وذهب أبو عبد الله البصري وصاحب العمد وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى إلى ان ذلك يجوز ولا فرق بين الخبر والامر والنهي في هذا الباب والذي ينبغي أن يحصل في هذا الباب ان الاخبار على ضربين احدهما يتضمن معنى الامر والنهى والاخر يتضمن ذلك بل يكون خبرا محضا عن صفة الشئ في نفسه فما يكون معناه معنى الامر أو النهي فانه يجوز دخول النسخ فيه لانه لا فرق بين ان يقول صلوا الجمعة والجمعة وبين أن يقول صلوة الجمعة يوم الجمعة واجبة في انه يجب في الحالين الصلوة ومع ذلك يجوز معنى النسخ فيه بأن تخرج الصلوة من كونها واجبة وقد ورد القران بمثل ذلك قال الله تعالى والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء وقال الطلاق مرتان وقال من دخله كان امنا وقال ولله على الناس حج البيت وكل ذلك خبر الا انه لما كان معناه معنى الامر جاز دخول النسخ فيه لجواز تغيره من حسن إلى قبح اما ما لا يكون معناه معنى الامر أو النهي وهو الذي يتضمن خبرا محضا عن صفة الشئ في نفسه فهو على ضربين احدهما ان لا يجوز تغير موصوف تلك الصفة عما هي عليه فما يكون كك يجوز معنى النسخ في الاخبار عنه فاما الانتقال إلى ضده فلا يجوز لان ذلك جهل وذلك نحو الاخبار عن صفات الله تعالى ووحدانيته فانه يجوز أن يتعبد تارة بالاخبار عن ذلك وتارة ينسخ عنا الاخبار عنها ولا يجوز أن يتعبد بالاخبار عن ضدها لان ذلك جهل على ما قدمناه والضرب الاخر هو ما يجوز انتقاله عن تلك الصفة

[ 32 ]

فانه لا يمتنع ان يتعبد بالاخبار عن تلك الصفة مادام الموصوف عليها فإذا انتقل إلى غيرها يتعبد بالنهي عن أن يخبر عمالنا ان تخبر به لتغير المخبر في نفسه وهذه جملة كافية في هذا الباب وشرحها يطول وفيما ذكرناه ومقنع ان شاء الله فاما شرايط ان يأمر المكلف بنفس ما نهى عنه فهى انه يأمره به على غير الوجه الذي نهاه عنه وذلك نحو نهيه تعالى المكلف أن يصلى الصلوة عبادة للشيطان و امره اياه بان يفعلها عباده له تعالى ونحو امره تعالى بالاخبار عن نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ونهيه عن نبوة غيره وانما قلنا ان الامر بالشئ والنهى عنه على هذا الوجه يكون قبيحا لان ذلك يدل على البداء على ما قدمنا القول فيه ويؤدى إلى أن يكون الامر به قبيحا ان كان المأمور به قبيحا إلى وأن يكون النهى عنه قبيحا ان كان الفعل حسنا فكك لا يجوز ايضا ان يأمر بالشئ وينها عنه بعينه في وقتين لان ذلك تكليف ما يطاق لان مقدور المكلف في احد الوقتين لا يصح ان يفعله في الوقت الاخر فمتى نهاه عن الوقت الاخر فقد نهاه عما لا يقدر عليه وذلك قبيح وكك لا يجوز أن يأمر زيد بشئ الذي نهى عنه عمرو لان كونه مقدورا لاحدهما يمنع من كونه مقدورا للاخر وكك لا يحسن ان يؤمر بالشئ على وجه يحسن عليه وينهى عنه على وجه اخر يحسن ايضا عليه لان ذلك يقتضى قبح النهى عن الحسن قبيح فاما النهى من غير المأمور به فلقد يحسن ايضا على وجوه منها ان يأمر زيد بمثل ما نهى عنه عمروا لان ما يقع حسنا من زيد لا يمتنع ان يقع من عمرو قبيحا وذلك نحو امر الله تعالى الطاهر بالصلوة ونهيه الحايض عنها وهذا على ضربين احدهما ان يقع منهما على وجه واحد والاخر ان يقع منهما على وجهين والحال فيهما سواء ومنها ان يأمر عزوجل زيدا في الثاني بمثل ما نهاه عنه في الاول فيحسن لان كونه قبيحا في الاول لا يمنع من وقوعه حسنا في الثاني ونسخ الشريعة على هذا الوجه ولا فصل في ذلك بين أن يقع في الوقت الثاني على الوجه الذي وقع في الاول وبين أن يقع على غير ذلك الوجه فاما نهى زيد عن مثل ما امر به في وقت واحد فانما لا يحسن لانه يبعد ان يكون الفعلان المثلان الواقعان منه على وجه واحد يختلف معهما في الصلاح فيكون احدهما مصلحة والاخر مفسدة وقد يصح الامر بالشئ والنهى عن غيره على وجوه اخر وكك الامر بغير ما وقع الامر والنهى عن مثل ما وقع النهى عنه ولم يذكر ذلك لان الغرض بيان ما يحسن من ذلك ليبين بذلك ان نسخ الشريعة منها وهذه جملة في هذا الباب فصل في ذكر جواز نسخ الشرعيات الخلاف المعروف في هذه المسألة مع اليهود وقد حكى حكاية عمن لا يعتد بقوله من اهل الصلوة الامتناع من نسخ الشرايع وقوله مطرح لا يلتفت إليه واليهود على ثلث فرق احدها يمنع من نسخ الشرايع عقلا والفرقة الثانية يجوز النسخ عقلا وتمنع منه سمعا والفرقة الثالثة يجوز النسخ عقلا وسمعا وانما تنكر نبوة نبينا لان ما يدعى له من المعجزات عندهم ليست بدلالة وإذا بين الدلالة على نبوة نبينا (ع) بالمعجزات الظاهرة على يده من القران وغيره

[ 33 ]

من الاياب (الايات) التى ظهرت على يده ودل على وجه الاعجاز منها ثبت نبوته (ع) وإذا ثبت نبوته بطل قول من منع من النسخ سمعا وقول من انكر نبوته (ع) وإذا جاز ذلك عقلا وسمعا وكك يبطل بصحة نبوته (ع) قول من منع من النسخ عقلا غير انا نبين انما يدعونه من الشبهة العقلية باطل ليعلم بذلك ان الذي تعلقوا به غير صحيح وانه لو لم يثبت نبوة نبينا (ع) ولا نبوة احد من الانبياء عليهم السلام لكان ما ذكرناه جايزا سايغا وليس هذا موضع الكلام في النبوة وكنا ندل عليه وهو مذكور في كتب الاصول مستقصا والذي يدل على جواز النسخ من جهة العقل هو انه ثبت ان العبادات الشرعيات تابعة للمصالح و لكونها الطافا في الواجبات العقلية ولولا ذلك لما وجبت على حال وانما قلنا ذلك لان الشئ لا يجب بايجاب موجب وانما يجب لصفة هو عليها يقتضى وجوب الشئ وانما يدل ايجاب الحكيم له على ان له صفة الوجوب لا بل يصير واجبا بايجابه لان ايجاب ما ليس له صفة الوجوب يجرى في القبح مجرى ايجاب الظلم والقبيح أو اباحتهما وقد علم قبح ذلك وإذا ثبت هذه الجملة فلا يخلو وجوب هذه العبادات ان يكون عقليا أو ما يدعيه من كونها مصالح والطافا فلو كان وجه وجوبها عقليا لوجب أن يعلم بالعقل وجوب هذه العبادات كما علم وجوب جميع الواجبات العقلية من وجوب شكر المنعم ورد الوديعة وقضاء الدين والانصاف وغير ذلك لما كان وجه وجوب هذه الاشياء بيانا في العقل وقد علمنا انا لا نعلم بالعقل وجوب الصلوة ولا الزكوه ولا الصوم ولا غير ذلك من العبادات التي جائت الشرايع بها بل لا يحسن فعلها بالعقل وإذا بطل أن يكون وجه وجوبها عقلا ثبت انها انما تجب لكونها الطافا ومصالح وإذا ثبت ذلك فلا يمتنع ان تتغير المصالح فيصير ما كان داعيا إلى فعل الواجب صارفا عن فعله أو يصير داعيا إلى فعل القبيح وما يكون مصلحة لزيد لا تكون مصلحة لعمرو وما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة في وقت اخر وذلك يوجب النسخ والاقبح التكليف فان قيل ولم لا يجوز أن يكون وجه وجوب هذه العبادات هو ان لنا فيها ثوابا دون كونها الطافا قيل له الشئ لا يجب من حيث كان فيه ثواب لانه لو كان كك لكانت النوافل كلها واجبة ولم يكن فرق بينها وبين الواجبات فلابد من القول بما قلناه من انها انما وجب لكونها الطافا وانما قلنا بذلك لان ما يقع عنده الواجب ولولاه لم يقع يجب كوجوبه لا محالة وقد ورد القران ايضا منبها على ما قلناه قال الله تعالى ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر فبين انها انما وجبت من حيث كانت صارفة عن فعل القبيح وقال في تحريم الخمر انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة فبين ان وجه قبحها كونها صادة عن ذكر الله وموقعة للعداوة والبغضاء وذلك يبين صحة ما قلناه فإذا صح ما قلناه حسن من الله تعالى ان يأمر بالحسن امرا مطلقا فإذا تغير وجه الحسن فيه إلى وجه القبح نهى عنه وذلك هو النسخ الذي قلناه

[ 34 ]

وقد تعلق من خالف في ذلك باشياء منها ان قالوا ان ذلك يؤدى إلى البداء ومنها ان يؤدى إلى كون الحسن قبيحا ومنها انه يقتضى استحقاق الثواب على ما يستحق به العقاب والوعيد على ما يستحق به الوعد ومنها انه إذا اطلق الامر دل على حسن المأمور به ابدا فلو نهى عنه لا انتقضت دلالته على ذلك ومنها انه إذا اطلق الامر اقتضى حسن المأمور به ابدا لانه لو كان حسنا إلى وقت ليبين ذلك الوقت كما يجب ان يبين خصوص العام وتفسير المجمل والا كان الخطاب قبيحا فإذا لم يبين دل على ان الفعل حسن ابدا وإذا كان حسنا ابدا فالنهى عنه قبيح ومنها إذا اطلق الامر بفعل وجب اعتقاد لزوم المأمور به ابدا والعزم على فعله دائما والنهى عنه يقتضى كون العزم والاعتقاد قبيحين ومنها انها إذا اطلق الامر وغرضه في الخطاب افاده المخاطب فلولا ان المأمور به يلزم ابدا ليبين له ولما ابهم له ما امره به لان ذلك تلبيس ومنها إذا امر بالشئ مطلقا دائما فلو جوزنا النهى عنه لادى إلى ان لا يوصف بالقدرة على ان لا يخاطبنا بخطاب يقتضى الدوام ويقطع عليه فهذه الوجوه اقوى ما يتعلقون به ونحن نجيب عن واحد واحد منها على وجه يزول معه الشك انشاء الله تعالى والجواب عن الشبهة الاولى والثانية والثالثة شئ واحد وهو انا قد بينا فيما مضى ان النسخ الذي نجيزه هو أن يكون النهى متناولا لمثل ما تناوله الامر لا لعين ما تناوله وذلك يبطل قولهم انه يؤدى إلى البداء ويبطل قولهم انه يؤدى إلى كون الحسن قبيحا لان الحسن غير القبيح على قررناه ويبطل ايضا قولهم انه يستحق العقاب بما يستحق به الثواب لان على التقرير الذي قررناه ما استحق به الثواب غير الذي يستحق به العقاب والجواب عن الشبهة الرابعة وهي قولهم ان الامر باطلاقه يدل على حسن المأمور به ابدا فلو نهى عنه لا انتقضت دلالته على ذلك فهو ان الامر عندنا لا يقتضى التكرار بمجرده وانما يقتضى الفعل مرة واحدة فعلى هذا اسقطت الشبهة فان اقترن باللفظ قول الامر افعل ابدا فلفظ التائيد (التأبيد) لا يفيد الدوام على كل حال لان هذه اللفظة تستعمل في ما لا يرد الدوام الا ترى ان القايل يقول الزم فلانا ابدا أو امض في طلب العلم ابدا أو اتجر ابدا وغير ذلك ونحن نعلم انه لا يراد بجميع ذلك الدوام لانه لا بد من انقطاع المأمور به وان اقرن باللفظ دليل يدل على ان المراد التكرار فذالك ايضا لا يدل على الدوام لانه انما يقتضى تكرار الفعل ما دام مصلحة فاما إذا تغيرت فلا يقتضيه لان دلالة السمع تترتب على دلالة الفعل ومعلوم بالعقل ان الله تعالى انما يأمرنا بالفعل مادام مصلحة لنا فإذا صار مثله مفسدة وجب أن ينهى عنه ويجرى ذلك مجرى ما علم بالعقل انه يأمر بالفعل ما دمنا قادرين فإذا عجزنا عنه سقط التكليف عنا فإذا ثبت ذلك كان امره تعالى مرتبا على دليل العقل ويصير ذلك في حكم المنطوق به وإذا ثبت ما قلناه فقولهم ان النهى ينقض دلالة الامر كقول القايل ان العجز المزيل للزوم المأمور به ينقض دلالة الامر وذلك بين الفساد والجواب عن الشبهة الخامسة

[ 35 ]

وهى انه إذا اطلق الامر فلو كان المراد به إلى وقت لبينه كما يجب بين الخصوص والمجمل فهو ان الامر انما يجب أن يبين ما قصد بالامر إليه وما لا يصح مع عدم بيانه إذ المأمور به من المكلف فاما ما عداه فلا يجب بيانه في الحال وقد علمنا ان المكلف متى بين صفة ما امر وامكنه اداؤه على الوجه الذي كلفه و ان لم يبين له الوقت الذي يزول وجوب ذلك فيه ولا يصح منه اداء المأمور به بالخطاب المجمل الا بعد البيان وكك القول في تخصيص العموم فلذلك ساغ تأخير بيان النسخ عن احال الخطاب وامتنع ذلك في تخصيص العام وبيان المجمل والشاهد يشهد بصحة ما قلناه ولان السيد لو امر غلامه يأخذ وظيفة له في كل يوم وفي نيته إلى غاية لم يجب ان يبينها له وان كان لابد من أن يبين له صفة الوظيفة التي امره فاخذها وهذا بين والجواب عن الشبهة السادسة وهي قولهم إذا اطلق الامر فقد اوجب اعتقاد لزوم المأمور به ابدا والعزم على فعله ابدا والنهى يقتضى كونهما قبيحين فهو ان الامر إذا اورد فانما يجب أن يعتقد المأمور فعله ما دام مصلحة والعزم على فعله على هذا الشرط وورود النهى عن امثاله لا يؤثر في ذلك هذا إذا كان الخطاب في حال يجوز فيها النسخ فاما بعد انقطاع الوحى فيجب أن يعتقد فعل ذلك ويعزم عليه ما دام على صفة يلزمه ففي الحالين لابد من دخول الشرط في العزم والاعتقاد وان كان في احد الحالين مشترطا شيئين وفي الحال الاخرى بوجه واحد والجواب عن الشبهة السابعة وهي قولهم إذا اطلق الامر وغرضه افادة المخاطب فلو لم يلزم المأمور به ابدا لبين لانه لا يجوز أن يقصد التلبيس فإذا لم يبين علم دوامه فهو أن يقال لهم اليس الامر لم يبين الوقت الذي يزول فيه التكليف فلابد من يعم (يعمه خ ل) فيقال له افتنسبه إلى انه ليس فان قال نعم التزم ما اراد الزامنا وان قال لا لانه قد دل من جهة العقل عليه في الجملة قيل له وكك قد دل على جواز النسخ من جهة الفعل في الجملة على انه انما يقال ليس إذا لم يبين ما يجب بيانه ويحتاج المكلف إليه فيما كلف واما إذا لم يبين ما ليس هذه حاله والمعلوم انه سيبينه في حال الحاجة فالتلبيس زائل والجواب عن الشبهة الثامنة وهي قولهم ان امره بالشئ مطلقا لو لم يمنع من النسخ لما كان موصوفا بالقدرة على ان يدلنا على تأبيد العبادة إلى وقت زوال التكليف فهو انه يصح ان يعرف ذلك بأن يضطر إلى قصد الرسول (ع) فيه كما اضطررنا إلى قصده في ان شرعه دائم وفي انه لا نبى بعده ويجوز أن يعرف ذلك بانقطاع الوحي ايضا ويعرف الرسول (ع) بأن يعرف صلاح امته في هذا الشرع ماداموا مكلفين على انه لو لم يصح ان يعرف ذلك على التفصيل وقد عرفنا على حمله لعلمنا انه مادام صلاحا لنا فلابد من أن يلزمنا لما اثر فيما نقوله على انا نعلم ان المأمور به لا يجوز دوام لزومه لان ماله يحسن من الله تعالى الزامه انما يقتضى انقطاعه وهو استحقاق الثواب عليه ولذلك يعلم انه انما يلزم ما دام صلاحا ولا حاجة بنا إلى علم اخر لا يفتقر التكليف إليه وهذا واضح وقد استدل الخلف على جواز النسخ بما يفعله

[ 36 ]

القدير تعالى من الامراض بعد الصحة والفقر بعد الغنى وانه إذا جاز أن يختلف بحسب مصالح العباد فكذلك ما يكلفونه (ما ينفونه خ ل) وهذا قريب وان كان الاول هو الاصل فاما من أبى النسخ من اهل الصلوة فما قدمناه يبطل قوله ويبطله ايضا وقوع النسخ في شريعتنا بلا ارتياب لانه لا خلاف بين الامة ان القبلة كانت إلى بيت المقدس وانه نسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وكك نسخ الحول في عدة المتوفى عنها زوجها باربعة اشهر وعشرا ونسخ ايضا تقديم الصدقة بين يدى نجوى الرسول وكك نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة (بثبات) الواحد للاثنين ونظائر ذلك كثير فلا معنى للاكثار فيه وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة ونسخ التلاوة دون الحكم جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه لان التلاوة إذا كانت عبادة والحكم عبادة اخرى جاز وقوع النسخ في احديهما مع بقاء الاخر كما يصح ذلك في كل عبادتين وإذا ثبت ذلك جاز نسخ التلاوة دون الحكم والحكم دون التلاوة فان قيل كيف يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة وهل ذلك الا نقض لكون التلاوة دلالة على الحكم لانها إذا كانت دلالة على الحكم فينبغي أن يكون دلالة ما دامت ثابتة والا كان نقضا على ما بيناه قيل له ليس ذلك نقضا لكونها دلالة لانها انما تدل على الحكم ما دام الحكم مصلحة واما إذا تغير حال الحكم وخرج من كونه مصلحة إلى غيره لم يكن التلاوة دلالة عليه وليس لهم أن يقولوا لا فايدة في بقاء التلاوة إذا ارتفع الحكم وذلك انه لا يمتنع ان يتعلق المصلحة بنفس التلاوة وان لم يقتض الحكم وإذا لم يمتنع ذلك جاز بقائها مع ارتفاع الحكم وليس لهم ان يقولوا ان هذا المذهب يؤدى إلى انه يجوز أن يفعل جنس الكلام بمجرد المصلحة دون الافادة وذلك مما تابونه لانا انما نمنع في الموضع الذي اشاروا إليه إذا اخلا الكلام من فايدة اصلا وليس كك بقاء التلاوة مع ارتفاع الكلام لانها افادة في الابتداء تعلق الحكم بها و قصد بها ذلك وانما تغيرت المصلحة في المستقبل في الحكم فنسخ وبقى التلاوة لما فيها من المصلحة وذلك يخالف ما سأل السائل عنه واما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فلا شبهة فيه لما قلناه من جواز تعلق المصلحة بالحكم دون التلاوة وليس لهم أن يقولوا ان الحكم قد ثبت بها فلا يجوز مع زوال التلاوة بقائه وذلك ان التلاوة دلالة على الحكم فليس في عدم الدلالة عدم المدلول عليه الا ترى ان انشقاق القمر ومجرى الشجرة دال على نبوة نبينا ولا يوجب عدمهما خروجه (ع) من كونه نبيا صلى الله عليه وآله كك القول في التلاوة والحكم ويفارق ذلك الحكم العلم الذي يوجب عدمه خروج العلم من كونه عالما لان العلم موجب لا انه دال واما جواز النسخ فيهما فلا شبهة ايضا فيه لجواز تغير المصلحة فيما وقد ورد النسخ بجميع ما قلناه لان الله تعالى نسخ اعتداد الحول بتربص اربعة اشهر وعشر أو نسخ التصدق قبل المناجات ونسخ ثبات الواحد للعشرة وان كانت التلاوة باقية في جميع ذلك وقد نسخ ابقاء التلاوة وبقى الحكم على ما روى من اية الرجم من قوله الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله

[ 37 ]

وان كان ذلك مما انزله الله والحكم باق بلا خلاف وكك روى تتابع صيام كفارة اليمين في قرائة عبدالله بن مسعود لانه قد نسخ التلاوة والحكم باق عند من يقول بذلك واما نسخهما معا فمثل ما روى عن عايشة انها قالت كان فيما انزله تعالى عشرة رصعات يحرمن ثم نسخت بخمس فجرت بنسخة تلاوة وحكما وانما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال ولو لم يقع شئ منها لما اخل بجواز ما ذكرناه وصحته لان الذي اجاز ذلك ما قدمناه من الدليل وذلك كاف في هذا الباب فصل في نسخ الشئ قبل وقت فعله ما حكمه اختلف العلماء في ذلك فذهب طايفة من اصحاب الشافعي وغيرهم إلى جواز نسخ الشئ قبل وقت فعله والى ذلك كان يذهب شيخنا أبو عبد الله وذهب المتكلمون من المعتزلة واكثر اصحاب أبي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي إلى ان ذلك لا يجوز وهو الذي يختاره سيدنا المرتضى قدس الله روحه وهو الذي يقوى في نفسي والذي يدل على ذلك ان القول بجواز ذلك يؤذن إلى أن ينهى الله تعالى عن نفس ما امر به لانه إذا امر بشئ بعينه في وقت بعينه ثم نهاه عنه قبل مجيئ الوقت عن ذلك الفعل بعينه فقد نهاه عن نفس ما امره به وذلك قبيح من وجهين احدهما ان ذلك الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو حسنا فالامر به قبيح وان كان حسنا فالنهى عنه قبيح وذلك (هذا خ ل) وجب كونه فاعلا للقبح تعالى الله عن ذلك والوجه الاخر انه يؤدى إلى البداء لانه لو كان حال ما امر به على ما كان عليه قبل الاخر لما نهى عنه فدل نهيه على انه قد ظهر له من حاله ما لم يكن ظاهرا أو استتر عنه ما كان عالما به وكل ذلك لا يجوز عليه تعالى لان البداء إذا لم يجز عليه لم يجز ان يفعل ما يدل على البداء فان قيل انا انما نجيز ان ينهى قبل الوقت عن مثل ما أمر به لا عنه بعينه فلا يلزم ما ذكرتموه قيل له ان الامر الاول اقتضى فعلا واحدا في هذا الوقت فإذا نهى عن مثله لم يوصف ذلك بانه نسخ اصلا فان قالوا لو اقتضى الفعلين جميعا فكيف كان جوابكم قيل له ان كان ارادهما جميعا بالامر فإذا نهى عن أحدهما فقد نهى عما امر به وهذا هو الذي افسدناه آنفا وان كان اراد احدهما فهو المأمور به دون الاخر والنهى انبياء عن انه لم يرد (اراد خ ل) غير هذا الفعل فقط وهذا جايز عندنا هذا إذا صح الجمع بين الفعلين فاما ان تعذر ذلك فالامر بهما مستحيل الا على وجه التخيير وامر بهما على وجه التخيير فقد اريدا جميعا والنهى عن احدهما كالنهي عنهما جميعا في انه نهى عما امر به فان قال أفيجوز عندكم ان يأمر بالشئ في وقت وينهى عنه قبل وقته عن مثله وان لم يكن ذلك نسخا قيل له إذا كانا مثلين وواقعين على وجه واحد فبعيد أن يكون احدهما مصلحة والاخر مفسدة فلذلك لم يحسن النهى عن مثل ما امر به في وقته فان قالوا انا انما نجوز النسخ قبل وقت الفعل بأن يأمر الله تعالى بالفعل ويريد منا اعتقاده أو العزم عليه ثم ينهى عن الفعل بعينه فيكون المنهى عنه غير المأمور به قيل لهم ان الاعتقاد يتبع المعتقد لانه انما

[ 38 ]

يتناول الشئ على ما هو به حتى يحسن ان يؤمر به لانه لو كان على خلاف ما هو به لكان جهلا وذلك قبيح لا يحسن الامر فإذا لابد من أن يكون اعتقاد للشئ على ما هو به وليس يخلو أن يكون متناولا يكون (لكون خ ل) المعتقد واجبا أو لكونه مرادا أو مأمورا أو يكون اعتقادا لان يفعله وانما قلنا ذلك لانه لابد من أن يكون لهذا الاعتقاد معتقد على صفة فان كان اعتقادا لوجوبه فلابد أن يكون المعتقد واجبا والا كان الاعتقاد جهلا وإذا وجب أن يكون واجبا فالنهى عنه قبيح وكك ان كان اعتقادا لكونه مرادا ومأمورا به وان كان اعتقادا لان يفعله فيجب أن يقطع على أن يفعله لا محالة وذلك لا يصح من المكلف لانه يجوز الاحترام دونه فان قال انه امرا بأن يعتقد كونه واجبا بشرط أن لا ينهى عنه لو أن يعتقد انه يفعل ذلك على هذا الشرط قيل له ان تعلقت بذلك فقل مثل ذلك في نفس الفعل بأن تقول امر به في الحقيقة بشرط أن لا ينهى عنه فإذا صح أن يتعلق بمثل ذلك في نفس المأمور به فأي حاجة بك إلى ذكر الاعتقاد وهذا قول يدل على ان قائله لا يعرف ماله يتناول (يتاول خ ل) الامر على المراد به الاعتقاد وقد بينا من قبل ان الاعتقاد يتبعان المعتقد في الوجوب فلا يصح وجوبهما دونه وفي ذلك اسقاط سؤاله فان قيل انما نجوز ذلك إذا امر بالشئ واراد الاختيار ثم نهى عنه في الحقيقة قيل له القديم تعالى عالم بالعواقب فلا يجوز منه تعالى الاختبار لان ذلك انما يجوز على من لم يعرف حال الشئ فيختبر هل يطيع المأمور أم لا والقديم تعالى انما يأمر العباد بمصالحهم فكيف يأمرهم بها ولا يريدها منهم ولو جاز ذلك لجاز في النهى مثله فمن اين لهذا القائل ان النهى هو نهى عن الفعل مع قوله في الامر انه اختبار فان قال اجوز النسخ قبل الفعل إذا امر تعالى بالفعل في وقت بشرط تبقية الامر أو بشرط انتفاء النهى فإذا نهى عنه فقد زال الشرط فإذا قد نهى عن الفعل على غير الوجه الذي قد امر به وهذا كقولهم انه امر بالصلوة عبادة لله ونهى عنه عبادة للشيطان في الجواز قيل له ان تبقية الامر لا تجوز أن تكون وجها يحسن المأمور به ولا انتفاء النهى فلا يدلان ايضا على كون الفعل وجه يحسن عليه حتى يقتضى بان في زوالهما خروج الفعل من أن يكون واقعا على ذلك الوجه فإذا صح ذلك بطل ما سأل عنه وفارق حاله حال الصلوة التي مثل بها ومن حق الامر ان يدل على كون المأمور به على وجه يحسن امره به فبقاء الامر وانتفاء النهى أو وجوده لا يخل بكونه على هذه الصفة فإذا صح ذلك فالنهى عنه لا يحسن فان قالوا كما يحسن أن يأمر بالفعل بشرط أن لا يمنع منه ولا يخترم دونه فكك يحسن أن يأمر بشرط أن لا ينهى عنه قيل له ان الذي جعله اصلا في الفساد مثل ما يثبت عليه لان الامر بما يمنع منه قبيح كما يقبح الامر بما لا يطاق لان مراد الامر عزوجل أن يفعل المأمور ما امره به من الصلاح فلو لم يكن هذا مراده لقبح ولا يصح أن يكون ذلك مقصده ومع ذلك يأمره بما يعلم انه يمنعه منه وقد تعلق من خالف في ذلك بأشياء منها قوله يمحو الله

[ 39 ]

ما يشاء ويثبت فاخبر انه يمحو ما يشاء فيجب أن يكون امره بالشئ ثم ازالته عنه بنهي أو غيره جايزا ومنها ان الله تعالى امر ابراهيم بذبح ولده ثم نسخ عنه قبل الذبح لانه قال يا بني اني أرى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى ثم قال بعد ذلك وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا فمنعه من الذبح وفداه بذبح عظيم وهذا هو نسخ الشئ قبل وقت الفعل ومنها ما روى ان الله تعالى اوجب على نبينا (ع) ليلة المعراج خمسين صلوة ثم ازالها إلى خمس قبل وقت الفعل قالوا وقد صالح النبي (ع) قريشا على رد النساء ثم نسخه قبل وقت الفعل والجواب عن الاولى انه ليس في الاية انه يثبت ما محى ويمحو ما اثبت ولا يمتنع عندنا ان يمحو غير ما اثبت ويثبت غير ما محا فاى تعلق لهم بالظاهر وليس المراد بذلك النسخ لان ظاهره لا يقتضى ذلك وقد قيل انه يمحو ما يشاء مما يثبته الملك الموكل بالعبد في الصحيفة (في المباحات) ويثبت ما يشاء مما يستحق عليه ثواب أو عقاب وقد قيل في تأويله غير ذلك مما قد بين في التفاسير والجواب عما تعلقوا به ثانيا من امر الله تعالى ابراهيم (ع) بذبح ابنه فهو انه انما امر بمقدمات الذبح من الاضجاع واخذ الحديد وشد اليد والرجل وغير ذلك وقد يسمى مقدمة الشئ باسمه كما يسمى المريض المدنف بأنه ميت فجاز أن يقول انى أرى في المنام اني اذبحك ومراده ما قلناه ويدل على صحة ذلك ما قدمناه من دليل العقل في انه لا يجوز أن يأمر بالشئ ثم ينسخه قبل وقت فعله ويدل عليه ايضا قوله قد صدقت الرؤيا فلو كان المراد به الذبح على الحقيقة لكان لا يكون مصدقا ولما ذبح فدل على أن المأمور ما قدمناه وليس لاحد أن يقول إذا كان الذبح غير مأمور به فكيف يقول للذبيح فانظر ماذا ترى وهذا كلام جزع وكيف قال ان هذا لهو البلاء المبين ومقدمة الذبح ليس فيها كل ذلك وكيف فدى بذبح عظيم وليس المأمور به الذبح و ذلك ان ابراهيم (ع) لما امر بمقدمات الذبح وكان في العادة ان مثل ذلك يراد للذبح ظن انه سيؤمر بالذبح فلذلك قال ما قال واما الفداء فلا يمتنع أن يكون ذبحا ويكون فداء عن الذي ظن انه يؤمر به من الذبح أو عن مقدمة الذبح لان الفداء لا يجب أن يكون من جنس ما فدى به الا ترى ان الهدى يفدى به حلق الرأس وان لم يكن من جنسه وقال قوم انه امر بالذبح على الحقيقة وانه كان يذبح ثم كان يلتحم ما ذبح إذا تجاوز موضع الذبح فإذا قد فعل ما امر به ولم يسقط عنه وهذا قريب والاول اقوى فاما من قال انه جعل صفحة عنقه نحاسا فامتنع الذبح عليه فلا يصح لانه يقتضى الامر بما يمنع منه وذلك قبيح لا يجوز على الله تعالى على ما قدمنا القول فيه والجواب عما تعلقوا به ثالثا من الخبر فاول ما فيه انه خبر واحد ولا يجوز أن يتعلق بمثله فيما طريقه العلم به على انه فاسد من وجوه منها أن يوجب نسخ الشئ قبل أن يعلم المكلف انه مأمور به لانه في الحديث انه نسخ عنهم ذلك تلك الليلة ومنها انه يوجب نسخ الشئ وعنهم من حيث اشار به

[ 40 ]

موسى (ع) وسأل به محمدا صلى الله عليه وآله أن يخفف عن امته والتكليف لا يتعلق باختيار الانبياء (ع) ولا يؤثر فيه مسئلتهم التخفيف فيه ومنها ان في الخبر من التشبيه ما يقتضى انه موضوع لا اصل له وان كان فيه مالا يمتنع أن يكون صدقا والجواب عما تعلقوا به رابعا من أنه نسخ وجوب رد النساء على المشركين قبل فعله فهو انه (ع) لم يكن شرط لهم أن يرد عليهم النساء ابدا ولا إلى وقت بعينه فنسخ قبل ذلك بل اطلق ذلك اطلاقا ولا يمتنع أن يكون المصلحة اقتضت امضاء ذلك إلى الوقت الذي نسخه ولو كان قبل ذلك لم ينسخ ولو هاجرت امرأة قبل ذلك لكان يردها عليهم وهذا لا ينافى ما قدمناه فاما من تعلق في هذا الباب بنسخ تقديم الصدقة قبل المناجات فغلط لانه انما نسخ عزوجل قبل الفعل لا قبل وقته لانهم عصوا الا عليا (ع) فلم يفعلوا ما امر الله تعالى به في وقته فنسخ عنهم وهذا جائز عندنا وقد يتعلق في هذا الباب باخبار احاد لا يصح التعويل عليها في مثل هذه المسائل أو بشئ ليس بنسخ قبل وقت الفعل وانما هو نسخ قبل الفعل فينبغي أن يعرف في هذا الباب ويتأمل هو ما يرد منه انشاء الله تعالى فانه لا يختل على ضبط اصل هذا الباب فاما الذي يدل على ان النسخ قبل الفعل يجوز على ما قدمنا القول فيه هو انه متى امر بالفعل في وقت وتقضى وقته فغير ممتنع أن ينهى عن امثاله كما كان لا يمتنع أن ينهى عن ذلك لو فعل لان ما ينهى عنه انما ينهى عنه لانه مفسدة له في التكليف فتقدم فعله لما امره به أو تركه له لا يؤثر في ذلك ولذلك نسخ تقديم الصدقة قبل مناجات الرسول (ع) عمن اوجب عليه وان لم يفعلوه وعصوا فيه وما روى من ان امير المؤمنين (ع) فعله لا يخرج غيره من أن يكون حاله ما وصفناه فالتعلق بذلك غير صحيح وانما ذكرنا هذا الفصل عقيب المسألة الاولى لان في المتفقهه من يقول ان النسخ قبل الفعل لا يجوز ويظن ان ذلك يجرى مجرى النسخ قبل وقت الفعل وبينهما من الفرق ما قدمناه فصل في ان الزيادة في النص هل يكون نسخا أو لا ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى ان الزيادة في النص ليست بنسخ على كل حال وهو مذهب كثير من اصحاب الشافعي ومنهم من قال انه نسخ إذا كان المزيد عليه قد دل على ان ما عداه بخلافه مثل أن يكون النص ثمانين في حد القاذف يدل عنده على ان ما فوقه ليس بحد فإذا زيد عليه كان نسخا من هذا الوجه وذهب أبو عبد الله البصري إلى ان الزيادة على النص إذا اقتضت تغير حكم المزيد عليه في المستقبل كان قبيحا وان لم تقض ذلك لم يكن نسخا وحكى ذلك عن أبي الحسن والذي اختاره سيدنا المرتضى ره واليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله ره من قبل وهو الذي ذكره عبد الجبار بن أحمد في العمد أن الزيادة على ضربين احدهما يغير حكم المزيد عليه حتى لو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان يفعل قبل الزيادة لما كان مجريا ووجب اعادته فذلك يوجب نسخ المزيد عليه والاخر هو الذي لا يغير حكم المزيد عليه ولو فعل بعد الزيادة على الحد الذي كان يفعل قبلها لكان مجزيا وانما يجب أن يضاف إليه الزيادة فيما هذا (فما خ ل)

[ 41 ]

سبيله لا يوجب نسخ المزيد عليه وهذا هو الصحيح فمثال القسم الاول ان يوجب الله تعالى صلوة ركعتين ثم يضيفه اليهما ركعتين اخرتين حتى يصير الفرض اربعا فان ذلك يوجب نسخ الركعتين لان بعد هذه الزيادة معلوم من حال الركعتين انهما لا يجزيان فمتى لم يضف اليهما الركعتين وجب اعادة الصلوة من اولها فكك روى عن عايشة انها قالت كانت الصلوة ركعتين فزيد في صلوة الحضر وانما قلنا ان هذا نسخ لان الفعل الاول إذا وقع على الحد الذي كان واجبا قبل الزيادة صار كأنه لم يكن ومتى فعل مع الزيادة صح وصار هو مع الزيادة بمنزلة حكم فساد الاول في انه يجب أن يكون ناسخا له واما مثال القسم الثاني فهو زيادة النفى على حد الزانى للبكر وزيادة الرجم على حد المحصن وانما قلنا ان هذا ليس بنسخ لان الحد المفعول في الحالين لا يختلف وانما قلنا يجب ضم الزيادة ولم يجب استينافه لان هذه الزيادة الواردة في حكم عبادة ثانية في انها لم تؤثر في حال المزيد عليه الا ترى انه لو فعل الاول بعد الزيادة على الحد الذي كان يفعله قبلها لكان ذلك مجزيا وانما يجب ان يضم إليه الزيادة فحسب ففارق حكم هذا القسم الاول وكك لو زيد في حد القاذف عشرون لما اوجب ذلك نسخا لان الثمانين إذا فعلت بعد ما زيد عليه من غير ان يضم الزيادة إليها اجزاء كما كان يجزى لو فعلت و لما زيد عليها شئ وانما يجب ضم الزيادة عليها فقط فان قيل فهذا اوجب ذلك كونه نسخا لان حد الثمانين كان يتعلق به رد الشهادة فإذا زيد عليه العشرون لم يتعلق به ذلك فقد تغير حكمه الشرعي فوجب أن يكون نسخا قيل له ان رد الشهادة لا يتعلق عندنا باقامة الحد وانما يتعلق بالقذف الذي يوجب التفسيق دون اقامة الحد كما ان رد الشهادة يتعلق بسائر (على سائر خ ل) افعال الفسق دون اقامة الحد الجواب فيه مثل شرب الخمر واللواط والسرقة وغير ذلك فسقط السؤال ولو سلم ان رد الشهادة يتعلق باقامة الحد لما اوجب ذلك نسخا لان رد الشهادة عبادة اخرى منفصل عن اقامة الحد الا ترى ان الحد فيه يصح وان لم يرد الشهادة فإذا صح ذلك لم يوجب نسخ المزيد عليه وصار ذلك بمنزلة اباحة تزويج المعتدة إذا انقضت عدتها في ان عدتها ان زيد فيها أو نقص منها لا يوجب نسخا لذلك لانه حكم اخر يتعلق به انقضاء العدة طالت العدة ام قصرت فتغير العبادة لم يوجب نسخه وكك لو تغير حكم ستر العورة والوضوء والقبلة في الصلوة ما اوجب ذلك نسخ الصلوة فكك القول في رد الشهادة فان قيل اليس حد القذف إذا كان ثمانين فمتى فعل ذلك يكون قد استوفى الحد فإذا زيد عليه عشرون لم يكن بفعل الثمانين استوفى الحد فوجب لذلك أن يكون نسخا قيل له هذا كلام في عبارة لان تحصيله انه يجب على الامام أن يضم إلى الثمانين عشرين حتى يكون قد استوفى الحد الواجب وقد بينا ان ذلك لا يوجب نسخا فان قيل فيجب على هذا ان تقولوا ان النقصان من العبادة إذا اقتضى الا يصح العبادة إذا اتى بها على حد ما كان يؤتى بها من قبل أن يكون نسخا قيل له كك نقول وسنبينه

[ 42 ]

بعد هذا الفصل انشاء الله تعالى فاما زيادة الشرط في بعض العبادات فانه لا يوجب النسخ إذا كان منفصلا من العبادة ويصح من دونه لانه إذا كان كك صار في حكم عبادة اخرى ويفارق ذلك ما قلناه من الصلوة من ان زيادة ركعة فيها تقتضي النسخ لان الصلوة بعد الزيادة تصير مع المزيد في حكم الشئ الواحد فلم يكن ذلك موجبا للنسخ فإذا ثبب ما قدمناه فكك زيادة تصح دون المزيد عليه أو يصح المزيد عليه دونها فاحدهما لا يوجب نسخ الاخر كما ان زيادة صلوة على ما اوجب الله تعالى من الصلوات لا يقتضى نسخا لها فاما الكفارات الثلاث المخير فيها فمتى فرضنا ان الله تعالى زاد فيها رابعا فان ذلك يوجب نسخ الحريم ترك الثلاثة لانه كان من قبل يحرم تركها اجمع والان لا يحرم ولكن لا يقتضى ذلك نسخ الكفارات الثلاث لما قدمناه من انها لو فعلت على الحد الذي فعلت قبل العبادة بالرابعة لكانت واقعة موقعها فلم توجب ذلك نسخا فان قيل فما قولكم في الذي يذهبون إليه من وجوب الحكم بالشاهد واليمين يقتضى ذلك نسخ ما اوجب الله تعالى من الحكم بالشاهدين أو بشاهد وامراتين فان قلتم ذلك قلتم بجواز نسخ القران بخبر الواحد وذلك خلاف مذهبكم بل هو خلاف الاجماع وان قلتم ان ذلك ليس بنسخ بينوا القول فيه قيل له ان ذلك ليس بنسخ لان القران إذا دل على ان الحكم بالشاهد الواحد لا يتم الا بأن يضاف إليه الثاني أو يضاف إليه امرأتان لا يمنع من قيام الدلالة على كون غيره شرطا فيه وقد اجتمعت الطائفة المحقة على جواز ذلك فكان ذلك موجبا للعلم وخرج من باب خبر الواحد الذي ذكره السائل واما تقييد الرقبة الواجبة في الظهار بالايمان فقد تقدم القول فيه واما من قال ان زيادة العشرين في حد القاذف نسخ له وان تقييد الرقبة بالايمان نسخ فهو موافق لمن انكر أن يكون ذلك نسخا في المعنى لانهما معا يقولان ان الدليل الاول يقتضى جواز الكافرة واقتضى كون الحد ثمانين وان الدليل الثاني دل على ان الحد مائة وان الرقبة الكافرة لا تجزى وانما يختلفان في العبارة واحدهما يعبر عن ذلك بانه نسخ والاخر يعبر عنه بانه تخصيص فلا طائل في ذلك فان قيل من جعله نسخا لا يقبل فيه خبر الواحد و القياس ومن جعله تخصيصا يقبل خبر الواحد فيه والقياس قيل له اما على مذهبنا فلا يقبل في الموضعين خبر الواحد ولا القياس على ما مضى القول فيه ومن اجاز خبر الواحد في التخصيص وابى قبوله في النسخ فلخصمه ان يقول له إذا قلت لا اقبل خبر الواحد فيه لانه نسخ ولم يرجع في ان ذلك نسخ الا إلى ما وافقتك عليه في المعنى الذي ليس بنسخ عندي فعليك ان تدل على ذلك وانه لا يجوز قبول خبر الواحد فيه فان عنيت بقولك انه نسخ من حيث لا يقبل فيه خبر الواحد والقياس كنت ثابتا (بانيا خ ر) للشئ على نفسه وذلك غير صحيح فاما من يقول ان الزيادة نسخ على كل حال فيقول فيما ثبت من الزيادة التي علم انها ليست نسخا ان ذلك اقترن بحال الخطاب فلم يوجب ذلك نسخا وذلك نحو وجوب النية في الصلوة ونحو كون الرقبة سليمة من العيوب التي تمنع من اجزائها وغير ذلك من المسائل ويقول ان الزيادة انما توجب النسخ إذا دل

[ 43 ]

عليها ما يصح النسخ به ويقول إذا دل خبر الواحد أو القياس على نسخ شئ من القران وجب رده لان نسخ القران بذلك لا يجوز وعلى هذا يبنى المسائل في الفروع كل احد على ما يذهب إليه وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان النقصان من النص هل هو نسخ ام لا والخلاف فيه حكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي انه كان يقول ان العبادة إذا نسخ بعضها لا يكون ذلك نسخا لجميعها ويجرى ذلك مجرى العموم إذا خص أو استثنى منه فان ذلك لا يكون تخصيصا للكل فكان يعتل لذلك بان القبلة نسخت ولم يوجب ذلك نسخا للصلوة وكان يلحق بذلك صيام عاشوراء ونسخه بشهر رمضان ويقول ان النسخ تناول الوقت لا العبادة وان الواجب من الصوم في رمضان هو الذي كان واجبا في عاشورا كان يجعل ذلك اصلا في ان الشرط الحاصل للعبادة الاوله يجب أن يكون حاصلا للثانية ايضا ويقول إذا كان المتفرد في صوم عاشورا انه يجوز بنية غير مبنية فكك يجب في رمضان لان صوم رمضان هو صوم عاشوراء وانما نسخ وقته وذهب بعضهم إلى ان النقصان في العبادة يقتضى النسخ وفي كلام الشافعي ما يدل على ذلك ولا خلاف ان النقصان يقتضى نسخ ما اسقط لانه كان واجبا في جملة العبادة ثم ازيل وجوبه وانما الخلاف في انه يقتضى نسخ ما بقى من العبادة ام لا والذي ينبغي أن يعتمد في هذا الباب أن يقال العبادات الشرعية قد تكون جملة ذات شروط كالصلوة ويكون فعلا واحدا وله شروط وقد يكون فعلا مجردا عن الشرط فإذا كانت العبادة فعلا واحدا فالنسخ انما يصح فيها بأن يسقط وجوبها ولا يصح ان ينسخ بعضها لانه لا بعض لها فاما نسخ شروطها فانه لا توجب نسخها وكك نسخ شروط الجملة التي هي ذات شروط ولا يوجب (يجب خ ر) نسخها لان من حق الشروط أن يكون في حكم التابع للمشروط لانه يجب لاجله وليس في نسخه تغيير حال المشروط وهذا مثل أن ينسخ الطهارة فان ذلك لا يوجب نسخ الصلوة بل يجب بقاء حكم الصلوة على ما كان عليه من قبل فاما إذا نسخ بعض تلك الجملة كنسخ القبلة أو كنسخ ركوع أو سجود فان ذلك يوجب نسخ الجملة لان تلك الجملة في المستقبل لو اوقعت على الحد الذي كانت واجبة أولا لم يجز ووجب اعادتها فصار نقصان القبلة بمنزلة اخراج الصلوة من كونها واجبة وجائزة فلذلك وجب أن يكون نسخا وهو بمنزلة الزيادة أيضا في هذا الوجه فيجب أن يكون مثلها في انه نسخ فان قيل ان القبلة إذا نسخت فما بقي من الصلوة هي عبارة مبتداة لم يكن مثله من قبل واجبا فكيف يصح أن يقولوا انه نسخ قيل له انه وان لم تجب الصلوة من قبل على هذا الوجه فما كان واجبا من قبل من الصلوة لو فعل الان لم يجز فوجب أن يكون اسقاط القبلة نسخا له من هذا الوجه فاما صوم عاشوراء فانما يقال انه نسخ برمضان بمعنى انه (ان خ ر) عند سقوط وجوبه امر بصيام رمضان مما نسخ له لان الحكم انما ينسخ حكما اخر إذا لم يصح ان يجتمعا على وجه فاما إذا صح وجوب الثاني مع الاول ويمكن فعلهما جميعا فاحدهما لا يكون ناسخا للاخر ولذلك قلنا ان قول الله تعالى ولابويه

[ 44 ]

لكل واحد منهما السدس لا يعلم وجوب نسخ الوصية للوالدين والاقربين لان اجتماع الوصية والميراث لهما غير منكر بل هو الصحيح الذي نذهب إليه ومن خالفنا في ذلك يرجع إلى ما روى من فعل النبي صلى الله عليه وآله لا وصيه لوارث ويدعى ان ذلك مجمع عليه وعندنا ان هذا خبر واحد لا ينسخ به ظاهر القران ولو سلم ان صوم عاشوراء نسخ في الحقيقة برمضان لما صح ان يصرف النسخ إلى الوقت لان من حق النسخ ان يتناول الافعال الواقعة في الاوقات لا الاوقات نفسها لانها ليست من فعل المكلف فصل في نسخ الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة ونسخ الاجماع والقياس وتجويز القول في النسخ بهما لا خلاف بين اهل العلم ان نسخ الكتاب بالكتاب يجوز والعلة في ذلك بينة وذلك لانهما في وجوب العلم والعمل سواء فكما يجوز تخصيص احدهما بصاحبه فكك يجوز نسخ احدهما بالاخر ولا يلزم على ذلك دليل العقل الذي لا ينسخ الكتاب به لانا قد بينا ان من شرط النسخ أن يكون واقعا بدليل شرعى فاما معنى النسخ فقد يقع بدليل العقل وقد وقع ما قلنا انه جائز لان الله تعالى نسخ الاعتداد حولا بالاعتداد اربعة اشهر وعشرا ونسخ الصدقة قبل المناجات و نسخ ثبات الواحد للعشرة كل ذلك بالكتاب وان كان المنسوخ به ثابتا واما السنة فانما تنسخ بالسنة ايضا إذا تساويا في الدلالة فان كانت الاولى من اخبار الاحاد فعلى مذهبنا ذلك ساقط لانا لا نعمل بها وعلى مذهب الفقهاء يجوز نسخها بمثلها لانهما إذا كان طريقهما العلم فحكمهما حكم الكتاب وانكانا مما طريقهما العمل فحالهما ايضا متساوية فيجب صحة نسخ احدهما بالاخرى وقد وقع ذلك ايضا على ما روى لان النبي نهى عن ادخار لحوم الاضاحي وزيارة القبور نسخ ذلك فاباح الزيارة والادخار للحوم الاضاحي ولا فصل بين نسخ قوله بفعله أو قوله بقوله وقد وقع ذلك عند الفقهاء لانه كان امر (ع) على ما روى بقتل شارب الخمر في المرة الرابعة ثم اخذه وقد شرب رابعة فحده ونسخ به قوله وعندنا ان هذا الحكم غير منسوخ بل هو ثابت واما نسخ الكتاب بالسنة ونسخ السنة بالكتاب فسنبين القول فيه انشاء الله تعالى واما الاجماع فعندنا لا يجوز نسخه لانه دليل لا يتغير بل هو ثابت في جميع الاوقات لان العقل عندنا يدل على صحة الاجماع وما هذا حكمه لا يجوز تغييره فيطرق عليه النسخ وكك لا يصح النسخ به لان من شأن الناسخ أن يكون دليلا شرعيا متأخرا عن المنسوخ وذلك لا يتأتى في الاجماع على مذهبنا فجرى ذلك مجرى ادلة العقل التي لا يجوز النسخ بها على ما مضى القول فيه واما على مذهب الفقهاء فلا يجوز ايضا نسخه لانه دليل قد استقر بعد ارتفاع الوحى و معلوم ان بعده لا يصح النسخ فيجب امتناع النسخ فيه وكك لا يصح النسخ به لمثل ما قلناه نحن من ان من شأن الناسخ أن يكون متأخرا عن المنسوخ والحكم إذا كان ثابتا فلا يجوز أن يجمع الامة بعد ذلك على خلافه لان ذلك يؤدى إلى بطلان الاجماع فاما إذا اجمعوا على شئ ثم ورد الخبر بخلافه نحو اجماعهم على الاغسل (الغسل خ ر) على من غسل ميتا على مذهبهم ولا وضوء على حامله وقد وردت

[ 45 ]

السنة به فانما يستدل بالاجماع على ان الخبر غير صحيح ولا يجب قبوله فاما أن يكون منسوخا به فلا و انما قالوا ذلك لانه لو كان صحيحا لما اجتمعت الامة على خلافه لانهم يتبعون الادلة ولا يخالفونها أو يستدل بالاجماع على انه نسخ بغيره لا به نفسه فان قيل فهل يجوز أن ينسخ اجماعهم على قولين باجماعهم على احدهما لان بهذا الاجماع قد دل على ان القول الاخر الذي سوغوه من قبل القول به قد حرم القول به وهذا نسخ للاجماع قيل له هذا يسقط على مذهبنا لانهم إذا اجمعوا على ان كل واحد من القولين جائز لا يجوز أن يجمعوا بعد ذلك على احد القولين لان ذلك ينقض الاجماع الاول و انما يصح ذلك على مذهب من قال بالاجتهاد بأن يقول قالوا بقولين من طريق الاجتهاد ثم اداهم الاجتهاد إلى قول واحد وعلى هذا ايضا لا يكون ذلك نسخا لانهم انما سوغوا القول بالاول بشرط أن لا يكون هناك ما يمنع من الاجتهاد كما ان من غاب عن الرسول صلى الله عليه وآله فانما يجتهد في المسألة بشرط أن لا يكون من النبي صلى الله عليه وآله نص فإذا وجد الاجماع على احدهما عدم الشرط الذي له جوزوا القول بالاخر فحرم القول به لهذه العلة لا لانه منسوخ فاما القياس فعندنا انه غير معمول به في الشرع على ما ندل عليه في المستقبل فلا يصح نسخه ولا النسخ به واما على مذهب من قال بالعمل به فلا يصح ايضا نسخه لانه يتبع (يمنع خ ر) الاصول فما دامت الاصول ثابتة نسخه لا يصح والنسخ به لا يصح ايضا لان من شرط صحته أن لا يكون في الاصول ما يمنع منه فلو جوزوا نسخ الاصول بقياس لم يوجد على الشرط الذي يصح عليه فاما الاجتهاديات على مذهب الفقهاء فلا يصح النسخ فيها لانه يجوز أن يرجع من اجتهاد ويجوز أن لا يرجع وليس يجوز أن يقال ان احد القولين ينسخ الاخر ولذلك قال معاذ اجتهد رائى إذا لم اجد في الكتاب في السنة وكك غيره من الصحابة كانوا يتركون اجتهادهم للنصوص واما فحوى القول فلا يمتنع نسخه لان اللفظ يدل عليه كما يدل على ما يتناوله صريحة فان قيل هل يجوز أن ينسخ ما يقتضيه فحوى الخطاب مع ثبوت صريحه كان ينسخ ضرب الوالدين ويبقى التحريم قوله لهما اف قيل لا يمتنع لانهما في الحكم بمنزلة ما يتناوله العموم من المسميات فنسخ بعض ذلك مع بقاء البعض لا يمتنع ويفارق القياس لان نسخه مع ثبات اصله لا يصح لان بصحة الاصل يصح الفرع فما دام ثابتا فيجب صحته وكك لا يجوز بقاء القياس مع نسخ اصله لما ذكرناه من العلة ومن الناس من منع من ذلك وقال لا يجوز ان يثبت صريحه ويرتفع فحواه لان ذلك مناقضة ويستحيل في العرف لانه لا يجوز أن يقال فلان لا يظلم مثقال ذرة وهو يظلم القناطير أو فلان لا يأكل رغيفا ثم يقول هو يأكل مائة رطل فإذا كان كك فدخول النسخ في ذلك لا يصح واما النسخ باقرار النبي صلى الله عليه وآله على الفعل فسنبين في باب الافعال انشاء الله تعالى فصل في ذكر نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقران ذهب المتكلمون باجمعهم من المعتزلة وغيرهم وجميع اصحاب أبي حنيفة ومالك إلى أن نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها جائز واليه ذهب سيدنا المرتضى رحمه الله وذهب الشافعي وطائفة

[ 46 ]

من الفقهاء إلى ان ذلك لا يجوز وهو الذي اختاره شيخنا أبو عبد الله ره ولا خلاف بين اهل العلم ان القرآن لا ينسخ باخبار الاحاد الا أن من اجاز نسخ القرآن بالسنة المقطوع بها يقول كان يجوز نسخه ايضا باخبار الاحاد ولكن المشروع منع منه وهو الاجماع على ان خبر الواحد لا ينسخ به القران و الا كان ذلك جائزا كما ثبت عندهم تخصيص عموم القران وبيان مجمله باخبار الاحاد ولى في هذه المسألة نظر الا انى اذكر ما تعلق به كل واحد من الفريقين على ضرب من الايجاز فاستدل من قال بجواز ذلك انه إذا اوجبت السنة المقطوع بها العلم والعمل ساوت الكتاب في ذلك فيجب جواز حصول نسخه بها كما يجوز أن يبين بها ويخص بها وانما لا يجوز نسخه بخبر الواحد للاجماع الذي ذكرناه والا كان ذلك جائزا وقالوا ايضا النسخ إذا كان واقعا في الاحكام التي هي تابعة للمصالح وكانت السنة في الدلالة على الاحكام كالقران لا يختلفان فيجب جواز نسخه بها قالوا ومزية القران في باب الاعجاز على السنة لا يخرجها من التساوى فيما ذكرناه يبين ذلك ان نسخ الشريعة انما يصح من حيث كان دلالة على ان الحكم المراد بالاول اريد به إلى غاية وقد علم ان قوله تعالى كذا وإذا كان وحيا ولم يكن قرانا في باب الدلالة على ذلك (كا) بالقران فكك حال السنة في ذلك يجب أن يكون حال القران في جواز نسخ القران به لان الذي يختص القران به من الاعجاز لا تأثير له فيما به يصح النسخ من الدلالة على الحكم لان النفى كونه معجزا مع كونه قولا له تعالى لا يخرجه من ان يدل على الحكم كهو إذا لم تكن معجزا الا ترى ان قوله (ع) دلالة على الحكم وان لم يكن معجزا فإذا صح ذلك لم يكن لكون القران معجزا اعتبار فوجب صحة نسخه بالسنة على ما قدمناه واستدل من امتنع من جواز نسخه بالسنة باشياء منها قوله تعالى وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم قالوا فجعله الله تعالى مبينا للقران فلو نسخه لكان قد ازاله والازالة ضد البيان واعترض من خالف في ذلك بأن قال انه إذا نسخه بالسنة فقد بين الوقت الذي يزول فيه العبادة وهذا في أنه بيان جار مجرى التخصيص ولو لم يكن ذلك بيانا لم يكن في وصف الله تعالى له بانه مبين دليل على انه لا يفعل ما ليس ببيان كما لا يدل على انه لا يبتدى باحكام شرعها وقال أبو هاشم ان معنى قوله لتبين للناس ما نزل إليهم أي لتبلغ وتؤدى لان الاداء بيان ومتى حملنا الاية على هذا وفينا حقها في العموم لانه مؤد لكل ما انزل الله ومتى حملت على البيان الذي هو التفسير حملت على التخصيص وإذا امكن حمل الاية على العموم كان اولى من حملها على الخصوص واستدلوا ايضا بقوله وإذا بدلنا اية مكان اية قالوا فتبين انه يبدل الاية بالاية وذلك يمنع من أن ينسخ بالسنة واعترض على ذلك من خالف (فبين ظ) بان قال ليس فيه انه لا يجوز أن يبدل الاية الا بالاية فالتعلق به لا يصح ولانه لا يدل على موضع الخلاف من نسخ حكم الاية بالسنة لانه انما ذكر ان الاية تبدل بالاية ولم يذكر الحكم واستدلوا بقوله تعالى وقال الذين لا يرجون لقائنا ائت بقران غير هذا أو بدله قل ما يكون لى ان ابدله من تلقاء

[ 47 ]

نفسي فبين ان تبديله لا يقع الا بالكتاب وقال من خالف في ذلك ان قوله تعالى قل ما يكون لى ان ابدله من تلقاء نفسي يدل على انه لا ينسخ الاية الا بوحى من الله تعالى قرانا كان أو غير قران وكك نقول لان النبي صلى الله عليه وآله لا ينسخ القران من قبل نفسه على حال واقوى ما استدلوا به في هذا الباب قوله تعالى ما ننسخ من اية أو ننسها نات بخبر (بخير) منها أو مثلها فاستدلوا بهذه الاية من وجوه منها ما ذكره أبو العباس بن شريح انه قال لما قال الله تعالى نات بخير منها أو مثلها احتمل أن يراد به الكتاب واحتمل غيره فلما قال بعده الم تعلم ان الله على كل شئ قدير علم انه اراد بما تقدم ما يختص هو بالقدرة عليه وهو القرآن المعجز فكأنه قال فات بخير منها أو مثلها مما يختص بالقدرة عليه ومنها انه تعالى قال نات بخير منها أو مثلها فاضاف ما نسخ به الاية إلى نفسه والسنة لا تضاف إليه تعالى في الحقيقة ومنها ان الظاهر في الاستعمال انه إذا قيل لاحد لا اخذ منك ثوبا الا اعطيك خيرا منه انه يراد به من جنس الاول وكك قوله ما ننسخ من آية أو ننسها لما ذكر في الاول اية فيجب أن تكون هي المراد بقوله نات بخير منها أو مثلها فكأنه قال نات بخير (ناته خير خ ر) منها أو مثلها ومنها ان الاية انما تكون خيرا من الاية بأن تكون انفع منها والمنفعة بالاية نفع (يصح خ ر) بتلاوتها وبامتثال حكمها فيجب أن يكون ما يأت به يزيد في النفع بالاية على ما ينسخه ولا يكون زايدا عليه الا ويحصل به النفع من كلا الوجهين والسنة لا يصح ذلك فيها وذكر من خالف هذا المذهب في تأويل هذه الاية وجها قويا وهو المحكى عن أبي هاشم وهو انه قال ليس في قوله نات بخير منها دلالة على ان ما يأتي به هو الناسخ لانه لم يقل نات بخير منها ناسخا فيجوز أن ينسخ الاية بشئ اخر ثم يأت بخير منها واجاب من نصر المذهب الاول عن هذا بان قال إذا ثبت انه لابد أن يأتي باية اخرى وكل من قال بذلك قال لانها تكون ناسخه وليس في الامة من قال لابد من أن يأتي باية اخرى وان لم يكن ناسخه لان من جوز نسخ القران بالسنة قال يجوز ان ينسخه بالسنة وان لم يات باية اخرى وكل قول خالف الاجماع وجب اطراحه واعترضوا على الاستدلال بالاية ايضا بان قالوا قوله ما ننسخ من اية أو ننسها نات بخير منها يقتضى ثبوت النسخ فيها (منها خ ر) قبل الاتيان بخير منها فلو كان النسخ بما يأتي به نفع لما صح اصلا حصول نسخ الاية قبل أن يأتي بخير منها ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال لا يمتنع أن يقال نات بخير منها ناسخا وأن يقوم (تقدم ظ) قوله ما ننسخ من اية أو ننسها كما ان القائل إذا قال انا لا ابطل الحركة الا وافعل السكون ولا يعدم السواد عن المحل الا ويطرؤ عليه البياض وان كان المبطل السواد هو البياض الطاوى وكك المبطل للحركة السكون الذي يطرؤ عليه فكك القول في الاية واعترض ايضا على الاستدلال بالاية بأن قالوا ليس في ظاهر الاية نسخ حكم الاية وهو موضع الخلاف وهذا ايضا يسقط بالاجماع لان احدا لا يفصل بين نسخ الاية وبين نسخ حكمها فمن فصل بينهما كان مخالفا للاجماع وقالوا ايضا ان نسخ الاية انسائها إذا حمل على ان المراد به انه ينسيه عن صدور الرجال فالله تعالى هو الفاعل لذلك فلا يصح وقوع ذلك بالسنة ومتى حمل على ان المراد به أن يبين ان تلاوتها ليس بطاعة فذلك يصح بالسنة

[ 48 ]

والقران جميعا ولمن نصر الاول أن يقول انا احمل الاية على الامرين جميعا على انه لا ينسها عن صدور الرجال الا الله ولا يبين ان تلاوتها ليس بطاعة الا بقران آخر خير منه أو مثله فان ذلك لا يقع بالسنة اصلا لهذا الظاهر واعترضوا ايضا الاستدلال بها بان قالوا قولنا كذا خير من كذا يستعمل بمعنى انه انفع لنا منه انه وقد زاد في باب النفع على غيره وإذا ثبت ذلك جاز أن يقال انه نات بخير منها أي بانفع لكم منها والمنفعة في هذا الموضع هي ما استحق بالفعل من الثواب وليس ممتنع أن يكون الثواب مما يدل السنة عليه من الفعل اكثر مما يستحقه على الفعل الذي دلت الاية عليه وعلى تلاوتها فيجب من هذا الوجه صحة نسخ الاية بالسنة وان يستدل بنفس الاية على ما نقوله واجاب من نصر المذهب الاول عن ذلك بان قال وكان يجب على هذا التقدير ان يقال بالاطلاق ان السنة خير من القران ويراد بذلك انه اكثر ثوابا وفي اطلاق ذلك خروج من الاجماع واعترضوا على الوجه الاول من الاستدلال بالاية بان قالوا قوله نات بخير منها مضيفا ذلك إلى نفسه لا يدل على ما قالوه لان عندنا النسخ انما يقع بالوحى الذي إلى الله تعالى به وان كان بالسنة فنستدل عليه ونعمله وقد اعطينا الاضافة حقها وقالوا ايضا في الوجه الثاني انه لا يمتنع أن يقول القائل اخذ منك كذا واعطيك ما هو انفع منه وان لم يكن من جنسه لانه قد يقول الرجل لصاحبه مصرحا لا اخذ منك ثوبا الا واعطيك ما هو خير منه من الدنانير ولا اخذ منك دينارا الا واعطيك ما هو انفع لك منه من البستان وغير ذلك وقالوا في الوجه الثالث من قوله تعالى الم تعلم ان الله على كل شئ قدير انما نريد به انه قادر على أن ينسخ الاية بما يعلم انه اصله للعباد من المنسوخ والذي يختص بذلك هو الله تعالى واستدل بعض اصحاب الشافعي على صحة ما ذهبوا إليه بان قالوا لا يجوز ذلك من جهة العقل لان في ذلك ارتيابا بالنبي صلى الله عليه وآله واستدل على ذلك بقوله واذ بدلنا اية مكان اية والله اعلم بما ينزل قالوا انما انت مفتر بل اكثرهم لا يعلمون ثم بين انه ليس برفع هذا بقوله وان المبدل هو الله تعالى بما انزله وهذا غلط لان الله تعالى ذكر انهم نسبوه إلى الافتراء عند تبديله الاية بالاية فان كان ما يلحقهم من الارتياب قد يمنع من نسخ الاية بالسنة فيجب أن يمنع من نسخ الاية بالاية ايضا وكيف يمنع العقل من ذلك ومن علم كون القران معجزا يعلم صدقه وعلمه بصدقه ينفى الارتياب بقوله إذا نسخ الاية بالسنة وليس نسخه بالسنة نسخا من تلقاء نفسه بل هو نسخ له بالوحى النازل عليه فهو في الحكم كانه نسخ اية باية وفي الناس من قال ان العقل يجيز ذلك لكن لم يرد ذلك في السنة ولم يثبت فهذا وجه الا انه ليس بكلام في هذه المسألة لان صاحبها مقر بجواز ذلك وانما انكر وجوده فالواجب أن يبين له الوجود ومن يذهب إلى ذلك فله اشياء يذكرها فيتعلق بها وبما ذكرنا ان عرض ما يحتاج إليه ولا يجوز له أن يبين ذلك وان تناوله لانه ليس بمستند إلى دليل يصح له التأويل واما من قال انى لا اقول ان نسخ القرآن بالسنة جايز في العقل ولا يجوز لان الجواز

[ 49 ]

شك وقد علمت بالشرع المنع منه بذهاب غير معنى هذه اللفظة لان المراد بها ان نسخ لقران بالسنة من القبيل الذي شك في حاله هل يتعبد الله تعالى به ام لا وانه من قبيل ما لا يجوز ذلك فيه وهذا لا يصح الامتناع منه كما لا يصح للانسان أن يقول كان يجوز أن يتعبد الله تعالى بصلوة سادسة أولا وان علمنا بالسمع انه لم يتعبد الله تعالى بها وهذه جملة كافية في هذا الباب واما نسخ السنة بالكتاب فالظاهر من مذهب الشافعي المنع منه وهو الذي صرح به في رسالتيه جميعا وفي اصحابه من يضيف إليه جواز ذلك والاظهر من قوله الاول لكنه لما رأى هذه المسألة يضعف على النظر جعل قولا اخر على حسب ما يفعله كثير منهم واما الباقون من الفقهاء والمتكلمين فعلى ذلك وتعلق من منع من ذلك بانه إذا لم يجز نسخ القرآن الا بقران لمساواته في الرتبة فكك لا ينسخ السنة بالكتاب لمثل ذلك ولانه جعل (ع) مبنيا (مبينا) فلا يجوز أن ينسخ سنة القرآن لان في ذلك اخراجا له من أن يكون مبنيا (مبينا) بل يجب كون سنته مبينة للقران والذي يدل على ذلك انه قد ثبت ان القران اقرى (اقوى) في باب الدلالة من السنة على الاحكام فإذا كان اقوى منها جاز نسخها به كما جاز نسخها بالسنة التي هي دونها في القول ومن ذهب إلى المنع من جواز نسخ القران بالسنة واجاز نسخ السنة بالقران يقول لم امنع من ذلك من حيث التساوى في باب الدلالة بل امتنعت من ذلك من الايات التي دلت على المنع من ذلك والا كان ذلك جايزا وان كان بعضه ادون من بعض كما إذا كانا متساويين في باب الدلالة ومن ذهب إلى الجواز في موضعين كانت هذه الشبهة عنه ساقطة فان قالوا ان الله تعالى لو نسخ سنة نبيه (ع) باية ينزلها لامر نبيه أن يبين سنة ثانية فينسخ بها السنة الاولى لئلا يلتبس النسخ بالبيان قيل له ان الاية لا تخلو من أن تدل بظاهرها على نسخ السنة أو لا تدل بظاهرها على ذلك فان دل على ذلك فالنسخ بها يقع والسنة تكون مؤكدة وان لم تدل الا ببيان السنة جاز القول فان السنة ينسخ من حيث كانت بها يعلم نسخ السنة الاولى وإذا صح ذلك فما الذي يجوج (يحوج) إلى بيان ثانية والاية دالة بظاهرها على نسخ السنة الاولى وكيف يلتبس ذلك بالبيان ومن حق البيان أن يكون بيانا لما لا يعرف المراد به بظاهره والنسخ بالضد منه ومن حق الدليل أن لا يتأخر عن المبين والنسخ مخالف له واما قوله لتبين الناس ما نزل إليهم لا يمنع من أن ينسخ سنته بالقران قالوا ولانه ليس في نسخها به اخراج لها من أن يكون قد بين ما اريد بها وانما يبنى على ان نظاير ما اريد بها قد زال حكمه في المستقبل ومما يبين جواز فسخ السنة بالقران وقوع ذلك وهو ان تأخير الصلوة عن اوقاتها في الخوف كان هو الواجب اولا ثم نسخ ذلك بالمنع من تأخيرها بقوله فإذا خفتم فرجالا أو ركابنا واما نسخ الكتاب بالكتاب قد وقع ايضا وقد قدمنا الامثلة في ذلك ومن ذلك انه كان حد الزانية الامساك في البيوت حتى تموت بقوله واللاتي تأتين (يأتين) الفاحشة من نسائكم الاية وحد الرجال الايذاء ثم نسخ ذلك بقوله الزانى والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وذهب من خالفنا في ذلك إلى ان ذلك

[ 50 ]

نسخ عن المحصن بالرجم فاما على ما يذهب إليه اصحابنا فانه تجتمع له الجلد والرجم جميعا ولا يسلمون احدهما منسوخ وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر الطريق الذي يعرف به الناسخ والمنسوخ ومعرفة تاريخها يعلم الناسخ ناسخا والمنسوخ منسوخا بشيئين احدهما أن يكون الثاني منبئا عن نسخ الاول لفظا أو يقتضى ذلك من جهة المعنى ولهذين الوجهين تفصيل واما يقتضيه ذلك لفظا فعلى وجوه احدهما أن يرد الخطاب بأن الثاني قد نسخ الاول نحو ما روى ان رمضان نسخ عاشورا وان الزكوة نسخت الحقوق الواجبة في الاموال وثانيها أن يرد بلفظ التخفيف نحو قوله الان خفف الله عنكم في نسخ ثبات الواحد للعشرة بالواحد للاثنين ونحو قوله تعالى اشفقتم ان تقدموا بين يدى نحويكم (نجويكم) صدقات فان لم تفعلوا وتاب الله عليكم فنبه بذلك على وجوب اسقاط ذلك وثالثها نحو ما روى عنه (ع) كنت نهتيكم (نهيتكم) عن زيارة القبور الا فزوروها وعن ادخار لحوم الاضاحي الا فادخروها وكل ذلك ادلة تقتضي زوال الحكم الثابت بنص متقدم عن نظاير ذلك على وجه لولاه لكان ثابتا بالاول فيجب أن يكون ناسخا له والاول منسوخا به وان اختلف عبارته واما ما يعلم ذلك من جهة المعنى نحو أن يوجب (الشئ ثم يوجب) ما يضاده على وجه لا يمكن الجمع بينهما بأي وجه علم ان ذلك من الالفاظ فيعلم بذلك انه ناسخ للاول فعلى هذا يجرى هذا الباب وقد يعلم ايضا ان الناسخ ناسخا ببيان إذا كان اللفظ والمعنى لا ينبئان عن ذلك وذلك نحو ما تقوله الفقهاء من نسخ الوصية للوالدين والاقربين باية المواريث لان بظاهر الاية لا يعلم نسخ ذلك وانما يعلم ذلك على تسليم بقوله (ع) ان الله تعالى قد اعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث فهذا وان كان عندنا غير صحيح لان عندنا تصح الوصية للوارث وانما ذكرناه لان ذلك وجه كان يمكن أن يقع به النسخ واما طاووس ره فذهب إلى أن الوالدين تثبت لهما الوصية إذا كانا كافرين فلم ينسخ الاية وانما خصصها بالخبر واما تاريخ الناسخ والمنسوخ فيعرف من وجوه احدها أن يكون في لفظ الناسخ ما يدل على ان بعده مثل ما قدمنا ذكره ومنها أن يكون الناسخ مضافا إلى وقت أو غزاة يعلم انه بعد وقت المنسوخ ومنها أن يكون المعلوم من حال الراوى لاحدهما انه صحب الرسول (ع) بعد ما صحب الاخر أو عند صحبته انقطعت صحبة الاول والمعلوم من حال الحكم الاول انه كان في وقت قبل وقت صحبته الثاني وذلك نحو ما روى قيس بن طلق انه جاء إلى النبي (ع) وهو يؤسس المسجد فسأله عن مس الذكر ومعلوم من حال أبي هريرة انه صحب النبي (ع) بعده وقد يعلم التاريخ بقول الصحابي بأن يقول أو يحكم ان احد الحديثين كان بعد الاخر وليس يجب من حيث لم يجز أن ينسخ بقول الصحابي الكتاب الا نعرف بقوله التاريخ لان التاريخ شرطه في صحة النسخ فطرق العلم به الحكاية فصح الرجوع إلى قوله لانه لا يقع فيه ليس كما صح اثبات الاحصان بالشاهدين وان لم يصح بهما الحكم بحد الزنا وليس يجب إذا علمنا التاريخ بقول الصحابي ان نقلده إذا اخبرنا ان كذا نسخ كذا بل يجب أن ينظر فيما وصفه انه منسوخ فان علمنا انه كما قال اخذنا به والا وقفنا فيه لان ذلك يجوز دخوله الشبهة فيه ولذلك لم يقبل كثير من الفقهاء قول من قال

[ 51 ]

من الصحابة ان المسح على الخفين نسخ الكتاب لما علمنا انه ليس طريقه النسخ وكك لم يقبل قول من قال ان الماء من الماء منسوخ واما إذا قال الصحابي ان كذا وكذا كان حكما ثابتا من قبل وانه قد نسخ ولم يذكر ما به نسخ فان ابا عبدالله البصري حكى عن أبي الحسن انه كان يرجع إلى قوله وذلك نحو قول ابن مسعود حين ذكر له التشهد التحيات الزكيات فقال كان هذا مرة ثم نسخ بتشهده ونحو ما روى عن ابن عمر وابن عباس في الرضاع انهما قالا كان الواجب التوقيت واما الان فلا وذهب غيره إلى انه لا يرجع إلى قول الصحابي في ذلك لانه إذا جاز فيما صرح بانه ناسخ الا يكون ناسخا في الحقيقة فان اعتقد هو فيه ذلك فغير ممتنع ان يطلق ذلك اطلاقا ولا يذكر ما لاجله قال لانه (انه ظ) منسوخ لو ذكره كان مما لا يقع النسخ به ولو علم من حاله انه انما ذكر انه منسوخ لامر لا يلتبس لوجوب (لوجب ظ) الرجوع إلى قوله وقد يعلم التاريخ بأن يكون احد الخبرين يقتضى حكما معلوما بغير شرع والاخر يقتضى حكما شرعيا فيكون ذلك هو الطارى على الاول نحو ما ذكر من حديث الذكر لان وجوب الوضوء من مسه هو الطارى فيصح أن ينسخ به حديث قيس وقد يعلم ذلك بأن يكون احد الحديثين يقتضى حكما شرعيا معلوم من حاله انه المبتدء به في الشرع والاخر يقتضى حكما ثابتا فيعلم انه بعده فالتاريخ لا يعلم الا بهذه الوجوه التي حصرناها واما ما كان بها فاما إذا عدم التاريخ فقد بينا القول في ذلك في باب الاخبار المتعارضة وهذه الجملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر جملة من احكام الافعال ومن يضاف إليه واختلاف احوالهم إذا اردنا أن نبين احكام الافعال فلابد من أن نبين أولا معنى الفعل وحده ليعلم ذلك ثم يبين حكمه فحد الفعل ما حدث وقد كان مقدورا قبله وهو على ضربين منه ما لا صفة له زايدة على حدوثه مثل كلام الساهي والنايم وحركاته التي لا تتعداه والضرب الاخر له صفة زايدة على حدوثه وهو على ضربين احدهما قبيح والاخر حسن فحد القبيح هو كل فعل وقع من عالم بقبحه أو متمكن من العلم بذلك على وجه كان يمكنه ان لا يفعله فيستحق به الذم من العقلاء ولا ينقسم ذلك في كونه قبيحا وربما (ان ظ) انقسمت اسمائه إلى كفر وفسق بكبيرة وصغيرة عند من قال بذلك واما الحسن فينقسم ستة اقسام احدها ما ليس له صفة زايدة على حسنه وحده ما يتساوى فعله وتركه فلا يستحق بفعله مدحا ولا بتركه ذما وهو المسمى مباحا وطلقا وغير ذلك الا انه لا يسمى بذلك الا إذا اعلم فاعله ذلك أو دل عليه ولذلك لا يوصف الفعل القديم العقاب بالعصاة بانه مباح وان كان بصفته لما ذكرناه من انه (فانه خ ر) لم يعلم ولم يدل عليه بل هو من عالم به لنفسه والثاني ما له صفة زايدة على حسنه وحده ما يستحق بفعله المدح وهو على ضربين احدهما لا يستحق بتركه الذم والاخر يستحق بفعله الذم فما لا يستحق بتركه الذم هو المسمى ندبا ومستحبا ومرغبا فيه الا أنه لا يسمى بذلك الا إذا علم فاعله ذلك بنحو ما قلناه في المباح وينقسم هذا القسم قسمين احدهما أن يكون نفعا اصلا لغير فاعله فيسمى بانه تفضل واحسان ويتساوى فيه فعل القديم والمحدث في التسمية بذلك والقسم الاخر لا يتعدى إلى الغير وهو المسمى بانه

[ 52 ]

ندب ومستحب على ما قدمناه واما الذي يستحق بتركه الذم فعلى ثلثة اضرب احدها انه متى لم يفعله الفاعل ولا ما يقوم مقامه استحق الذم وهو المسمى بانه واجب مخير فيه وذلك نحو الكفارة الثلثة وما اشبه ذلك وقضاء الدين وغير ذلك والثاني ما إذا لم يفعله بعينه استحق الذم وهو الموصوف بانه واجب مضيق وذلك نحو رد الوديعة ووجوب رد ما تناوله الغصب بعينه وغير ذلك والثالث انه إذا لم يفعله من وجب عليه ولا من يقوم مقامه فعله استحق الذم وذلك المسمى من فروض الكفايات نحو الصلوة على الاموات وتغسيلهم ودفنهم ونحو الجهاد وغير ذلك واما قولنا في الفعل انه مفروض وواجب فعبارتان عن معنى واحد الا انه لا يسمى فرضا الا إذا اعلم فاعله وجوبه أو دل عليه كما قلناه في المباح والندب وقد يعبر بالفرض عما وقع في الشرع مقدرا وذلك نحو ما قيل ان ذلك من فرايض الصدقة والمراد به مقاديرها ونحو ما روى عنه (ع) ان فرض صدقه لفطر صاعا من تمر والمعنى بذلك انه قدرها ويحتمل أن يكون المراد به انه لوجبها واما قولنا في الشئ انه سنة فهو ان النبي (ع) قد امر بادائه إذا كان يديم فعله ليقتدى به وهو مأخوذ من سننت الماء إذا واليت بين صبه ولا فعل بين أن يكون واجبا أو ندبا أو مباحا وربما استعملت الفقهاء هذه اللفظة فيما يكون مندوبا إليه من الشرعيات ليفصلوا بينه وبين الواجب فيقولون ركعتي (ركعتا خ ر) الفجر سنة وصلوة الليل سنة وصلوة الغداة فريضة والاصل ما قدمناه فاما الفعل الحسن فعلى جميع مراتبه يقع من كل فاعل قديما كان أو محدثا الا أنه يمنع من التسمية في بعض الاقسام في افعال القديم لما قدمناه من الشرط المفقود منه واما القبيح فانه مختلف احوال الفاعلين فيه فالقديم تعالى لا يجوز أن يقع منه شئ من القبيح لعلمه بقبحه وانه غنى عنه واما الانبياء عليهم السلام فكك لا يقع منهم شئ من القبيح اصلا وكك (كذا خ ر) الرسل سواء كانوا من البشر أو من الملئكة وكك حكم الائمة الحافظين للشرع فاما من ليس بنبى أو رسول أو امام فانه يجوز أن يقع منه الفعل القبيح أو من اخبر الله عنه أنه لا يختار القبيح فيعلم ذلك من حاله وسواء كانوا من البشر أو من الملئكة لا يختلف حالهم في ذلك وقد لا يقع من الانبياء والمرسلين (والرسل خ ر) والائمة عليهم السلام ما ينفر من (عن خ ر) قبول اقوالهم وان لم يكن ذلك قبيحا وامثلته كثيرة لا يحتاج إلى ذكرها ههينا وقد يجوز أن تختص الانبياء بافعال شرعية دون غيرهم وكك يجوز في احاد الائمة أن يختص واحد منهم بشئ من الشرع دون غيره فهذه جملة كافية في هذا الباب انشاء الله تعالى فصل في ذكر معنى التأسي بالنبي (ع) وهل يجب اتباعه في افعاله عقلا أو سمعا وكيف القول فيه التأسي لا يكون الا باعتبار شيئين احدهما صورة الفعل والثاني الوجه الذي وقع عليه الفعل والذي يدل على ذلك انه (ع) لو صلى لم يكن لنا اتباعه والتأسى به بأن نصوم أو نحج أو نعتكف وانما كان ذلك لمخالفة أفعالنا لفعله (ع) وكك لو صلى (ع) على جهة الندب لم يكن من صلى على جهة الوجوب متبعا له وكك إذا صلى على جهة الوجوب لم يكن من صلى على جهة الندب متبعا له ولا متاسيا به وانما كان كك لمخالفة فعلنا لفعله في الوجه

[ 53 ]

الذي وقع عليه الفعل وكك لو أخذ من انسان دراهم على جهة الزكوة لم يكن اخذ الدراهم منه مثلا غصبا أو عن ثمن مبيع متبعا له لمخالفة الوجهين على ما قلناه بل متى كان فعلنا مخالفا في الوجه كان ذلك مخالفة له كما لو خالف فعلنا لفعله في الصورة على ما بيناه وقد كان يصح من جهة العقل ان يلزمنا جميع افعاله التي يفعلها وان لم نراع وجوه ما يفعله وسواء فعله على جهة الوجوب أو الندب ويكون واجبا علينا ذلك على كل حال لكن ذلك يحتاج إلى دليل شرعى ولم يدل دليل على ذلك اصلا ولو دل الدليل عليه لما كان ذلك اتباعا له ولا تأسيا به بل يكون واجبا علينا القيام الدلالة على ذلك لانه إذا فعل الفعل على جهة الوجوب أو الندب أو الاباحة وفعلناه على غير ذلك الوجه لا نكون متبعين له لما قلناه فإذا ثبت ان معنى التأسي ما قلناه وجب أن يراعا فيه حصول العلم بصورة الفعل وبالوجه الذي حصل عليه الفعل ليصح لنا التأسي به والوجه الذي حصل عليه الفعل على ضربين أحدهما ان يقارن الفعل نحو نية الوجوب (أو الندب) أو الاباحة وهذا هو الذي ينبئ عنه هذا اللفظ على الحقيقة والثاني المعنى الذي له ان يقوله وان يصح أن يكون مقارنا وذلك نحو أن يزيل النجاسة عن ثوبه لاجل الصلوة وانما يكون الواحد منا متبعا له بان يزيله لما له ازاله فما من ازاله تنظيفا فلا يكون متبعا له وكك ان توضاء لازالة الحدث أو الصلوة فاتباعه له انما يكون بأن يفعله على ذلك (هذا خ ر) الوجه فاما موافقته له (ع) في الفعل يطلق على وجهين احدهما أن يراد به مساواته في صور الفعل والثاني مساواته في صورة الوجه الذي وقع عليه الفعل وهذا اظهر في الاستعمال واما مخالفته فقد يكون في القول والفعل معا فمخالفته في الفعل هو أن يعلم بالدليل وجود التأسي به فإذا لم يتأسا به كان مخالفا له فإذا لم يدل الدليل على ذلك فان هذه اللفظة لا تستعمل على ضرب من المجاز ولذلك لا يقال ان الحايض خالفت النبي (ع) في ذكر الصلوة واما مخالفته في القول هو أن يأمرنا بفعل فلا نفعله أو نفعل خلافه فنكون مخالفين له واما اتباع المأموم للامام في الصلوة فعند اكثر الفقهاء جاز على الوجه الذي قدمناه ومنهم اجاز ان يكون الامام مؤديا فرضا والمأموم أن يكون متنفلا ولمن قال ذلك ان يقول انما قلت ذلك لدليل دل عليه والا فالظاهر من اتباعه يقتضى خلاف ذلك وله ان يقول ان اتباعه لم يصح بأن يفعل الفعل متقربا به أو بأن يوافق في نية الصلوة فقط دون وجوبها أو ندبها فليس ذلك نقضا لما قدمناه وقد وصف من انكر جواز التأسي به (ع) في افعاله وانه مخالف لكن هذا الخلاف يرجع إلى القول لا إلى الفعل واما الذي يدل على انه لا يجب من جهة العقل التأسي به واتباعه في افعاله ان مصالح العباد يجوز أن تختلف في الشرعيات كما ثبت في كثير من ذلك الا ترى ان الحايض يفارق حكمها حكم الظاهر وحكم الغنى يخالف حكم الفقير في وجوب الحج والزكوة عليه وكك يخالف حكم الصحيح حكم العليل في كيفية اداء الصلوة وكك يخالف حكم المسافر حكم الحاضر وامثله ذلك اكثر من ان تحصى وإذا

[ 54 ]

ثبت ذلك فلا يمتنع ايضا ان تكون مصالح النبي عليه السلام تخصه ويكون حالنا بخلاف حاله بل ربما كانت مفسده لنا حتى متى فعلناها كنا مقبحين فإذا ثبت ذلك وجب الرجوع في مشاركتنا له في ذلك إلى السمع فان دل الدليل عليه حكم به والا بقى على الاصل على ما بيناه ويفارق افعاله (ع) في هذا الباب اقواله لانه بعث ليعرفنا مصالحنا وتعريفه لنا ذلك يكون بالقول فلو لم نرجع إلى قوله لادى إلى خروجه من أن يكون رسولا وليس كك فعله ولانه إذا امرنا بشئ فقد اراده منا فيجب أن نفعله ان كان واجبا وان يرغب فيه ان كان ندبا ولا يجب ان نفعل فعلا رأيناه يفعله لان ذلك لا يدل على انه اراده منا ويدل على ذلك ايضا ان افعاله تخصه ولا تتعدى إلى غيره الا بدليل واقواله تتناول غيره وانما يعلم انه داخل فيها بدليل فعلم بذلك الفرق بين القول والفعل فان قيل ان هذا المذهب يجوز عليكم القول بأن تجوزوا مخالفته في جميع افعاله الشرعية وتجويز ذلك يقتضى التنفير عن قبول قوله فيجب الحكم بفساده قيل لهم لا خلاف ان النبي (ع) لو نص لنا على ان لنا مخالفة (مخالفته) في افعاله الشرعية لجاز ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله فكك إذا دل العقل على ما ذكرناه يجب القول بجوازه ولم يوجب ذلك التنفير عن قبول قوله وكك لو خص بجميع افعاله لم يوجب التنفير عن قبول قوله وصحة ما قلناه لا يبين فساد قول من قال افعاله على الوجوب عقلا واما الذي يدل على وجوب التأسي به (ع) في جميع افعاله الا ما خص به من جهة السمع ما لا خلاف فيه بين الامة في الرجوع إلى افعاله (ع) في تعرف الاحكام في الحوادث كما انه يرجع إلى قوله (ع) في مثل ذلك فإذا صح ذلك فكما ان اقواله حجة تجب أن تكون افعاله ايضا حجة ولا خلاف في انه إذا فعل الفعل على وجه الاباحة وعلم من ذلك من حاله لا يجوز أن يفعله على وجه الوجوب ولا ان يحكم بوجوبه علينا وانما اختلفوا في افعاله التي لا يعلم على أي وجه وقعت منه هل يحكم بوجوب مثلها علينا أم لا ولم يختلفوا في افعاله التي هي عبارة مثل الصلوة والصيام يجب التأسي به فيها واختلفوا فيما عدا ذلك فمنهم من يقول لا يجب التأسي به (الا بدليل يخص ذلك ومنهم من يقول ان ما دل على وجوب التأسي به في بعضه يدل على التأسي به في سايره فجميع افعاله سواء في انه يتأسى به الا ما استثنى منها وما قدمناه يدل على صحة ذلك وقوله لقد كان في رسول الله اسوة حسنة وقوله تعالى فاتبعوه يدلان على ان التأسي به واتباعه فيما يصح اتباعه فيه من قول أو فعل وما ظهر من حال الصحابة من رجوعهم إلى افعاله صلى الله عليه وآله نحو ما روى عن عمر انه قبل الحجر وقال اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ورجوعهم إلى ازواجه في ثبوت ما كان يفعله فيفعلوه يدل على ذلك ايضا نحو ما روى عن ام سلمه انها سئلت عن القبلة للصايم فأجابت ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يفعل ذلك فرجع ذلك السايل إليها وقال ان الله غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر وليس سبيله سبيل غيره فاخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك فانكر ذلك وقال اني لارجو ا أن أكون اخنا ؟ كم لله

[ 55 ]

يدل على ذلك ايضا واعلم ان التأسي به انما يكون فيما يعلم حكمه بفعله فاما إذا كان قوله بيانا أو كان تنفيذا أو امتثالا لقول متقدم فانه يفعله ذلك لان القول قد دل على وجوبه لانه (ع) فعله ولا معنى لقول من قال لنا ان نتأسى به في ذلك كما انا لا نقول انا نتأسى به في العقليات لان ماله يفعل ذلك وبالطريق الذي عرف به (ع) وجوب الفعل به نعرف وجوبه فحاله كحالنا في ذلك فصل في الدلالة على ان افعاله (ع) كلها ليست على الوجوب ذهب مالك واصحابه وطايفة من اصحاب الشافعي إلى ان افعال النبي (ع) كلها على الوجوب وذهب الباقون إلى انها على الندب واختلفوا فقال بعضهم انها على الاباحة وقال بعضهم انها على الندب وقال بعضهم انها موقوفة على الدليل وذهب المتكلمون وأبو الحسن الكرخي على ان افعاله (ع) على اقسام فمنها ما يكون لمجمل فذلك في حكم المبين ان كان واجبا فعلى الوجوب وان كان ندبا فعلى الندب وان كان مباحا فعلى الاباحة ومنها ما يكون امتثالا للخطاب وذلك لا مدخل له في هذا الباب لان الخطاب إذا كان يتناوله ويتناولنا على العموم فعلينا امتثاله كما عليه ذلك ومنها ما يكون فاعلا له على ما يقتضيه العقل أو يفعله لمصالح الدنيا وذلك ايضا لا مدخل له في هذا الباب ومنها ما يفعله من الشرعيات فهذا يجب أن يعلم الوجه الذي وقع عليه فعله (ع) فيتبع فيه بأن يفعل ذلك على الوجه ولا يصح أن يقال في جملتها انه على الوجوب أو على الندب أو على الاباحة والذي يدل على ذلك انا قد بينا ان ذلك لا يجب من جهة العقل في الفصل الاول وادلة السمع خالية من ذلك فينبغي أن ينتفى كونها على الوجوب ويدل على ذلك ايضا ان فعله (ع) إذا كان يقع على وجوه كثيرة فليس يخلوا من أن يكون على الوجوب من غير اعتبار ذلك الوجه فالواجب أن يحكم بوجوب الفعل علينا وان علمنا ان (انه خ ر) فعله على طريق الندب أو الاباحة وهذا باطل بالاجماع وان كانت على الوجوب بأن يعتبر الوجوه التي عليها يقع فهذا تناقض لان اعتبار وجوهه ينفى وجوب جميعه يدل على ذلك ايضا انه بظاهر فعله لا يعلم وجوبه عليه فبان لا يعلم وجوبه علينا اولى ويخالف القول (في ذلك لان القول) منه (ع) يعلم وجوب ما تناوله علينا دونه من حيث كان امرا لنا ويختص لنا دونه وليس كك فعله لانا تبع له فيه فإذا لم يدل على وجوبه عليه فان لا يدل على وجوبه علينا اولى و يدل على ذلك ايضا ان فعله (ع) لا يدوم في جميع الاحوال بل قد يتركه احيانا فإذا صح ذلك فليس بان يحكم بوجوبه لانه فعله بأولى من أن يحكم بوجوب تركه لانه تركه إذ القول (الترك خ ر) فعل منه فهو بمنزلة الفعل في ذلك ويفارق ذلك الامر الذي ليس تركه بمنزلته فيما يختص به وهذا معتمد ما نستدل به في هذا الباب دون ما اكثر الناس فيه واما من خالف في هذا الباب فليس يخلو خلافه من ان يقول ان ذلك يجب من جهة العقل من حيث كان نبيا أو من حيث كان في مخالفته تنفير فان قال بذلك فقد بينا في الفعل انه لا يمتنع ان يخالف حالنا لحاله في المصالح وذلك يبطل ما قالوه أو يقول

[ 56 ]

ان ذلك واجب لدليل سمعي دل على ذلك فالواجب علينا أن نبين ان ما ادعوه دليلا أو تعلقوا به ليس فيه دلالة على حال لانا لا ننكر أن يقوم على وجوب ذلك دليل لكن لم يثبت ذلك وقد استدل القوم على ذلك باشياء منها قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره قالوا فحذرنا عن مخالفته و الامر يتناول الفعل كما يتناول القول لان الله تعالى قال يدبر الامر من السموات إلى الارض قال واليه يرجع الامر كله وقال وما امر فرعون برشيد وإذا ثبت ان الامر يتناول الفعل كما يتناول القول وجب أن تكون افعاله (ع) على الوجوب والا لم يجب التحذر عن مخالفتها والجواب عن ذلك ان الاية لا تدل على ما قالوه من وجوه احدها ان لفظ الامر موضوع في الحقيقة للقول بدلالة ما قلناه (قدمناه خ ر) في اول الكتاب في باب الاوامر وإذا صح ذلك لم تتناول الاية الفعل وذلك يبطل التعلق بها وما تقدم من قوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا يدل على ان المراد بالاية القول دون الفعل وانه اراد ما ندبهم إليه وامرهم به ومنها ما قيل ان الهاء في قوله عن امره يرجع إلى اقرب المذكورين وهو الله تعالى وإذا ثبت ذلك فحملها على الرسول ورجوعها إليه حتى يمكن الاستدلال بها لا يصح ولا يمكن ان يقال انها يرجع إليها لان الكناية عن واحد فكيف تحمل على الاثنين ومنها ان قوله فليحذر الذين يخالفون عن امره لا يمكن حمله على العموم ولابد من كون القول مرادا به وإذا وجب ذلك فلا يجوز أن يراد به الفعل فهذا انما يعتمده من ذهب إلى ان العبارة الواحدة لا يراد بها المعنيان المختلفان وقد بينا ان الصحيح خلاف ذلك فالمعتمد إذا ما قدمناه ويجرى مجرى ذلك ايضا ان يقال ان التحذير من مخالفة يقتضى وجوب الموافقة والموافقة له (ع) في الفعل تقتضي ان يفعل الفعل على الوجه الذي فعل ما قدمناه القول فيه وذلك يبطل كون افعاله كلها على الوجوب واستدلوا بقوله تعالى فاتبعوه فانه امرنا باتباعه وامره تعالى على الوجوب فيجب كون اتباعه في افعاله واجبا فهذا يبطل ما قدمناه من تفسير الاتباع لانا قد بينا ان المتبع له انما يكون متبعا إذا فعله على الوجه الذي فعله ومتى فعله على غير ذلك الوجه لا يكون متبعا بل يكون مخالفا ويجرى ذلك مجرى ان يفعل فعلا اخر لان اختلاف الوجهين في الفعل الواحد يجرى مجرى فعلين وقد قال قول في الجواب عن ذلك ان المتبع فيه محذوف ذكره لانه لا يصح اتباعه في اشياء مختلفة وهذا ليس بصحيح لان لقايل أن يقول ان الظاهر يقتضى وجوب اتباعه في كلما يصح ان يتبع فيه واستدلوا ايضا بقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة وانه إذا جعله اسوة لزمنا التأسي به سيما وقد قال في سياق الاية لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وهذا تهديد لمن ترك التأسي وهذا ايضا يسقط بما قدمناه من معنى التأسي وقوله لمن كان يرجو الله واليوم الاخر ليس بتهديد ولا وعيد لان الرجاء انما يكون في المنافع فكأنه قال تعالى لمن كان يرجو اثواب الله والثواب قد يستحق بالندب

[ 57 ]

كما يستحق بالواجب وقد قيل في الجواب عن ذلك ان الله تعالى لما قال لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة ولم يقل عليكم دل على انه رغبنا في ذلك وذلك لا يقتضى الوجوب والاول اقوى واستدلوا ايضا بقوله تعالى اطيعوا الله واطيعوا الرسول والاستدلال بذلك لا يصح لان طاعته لا تكون الا بفعل ما امر به وليس للفعل في ذلك مدخل الا أن يقترن به قول يقتضى التأسي به واستدلوا ايضا بقوله تعالى وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا والتعلق بذلك ايضا لا يصح لان معنى قوله وما اتاكم وما اعطاكم وادى اليكم وذلك لا يصح الا في القول الذي نسمعه منه ونمتثله لان سمعنا له وحفظنا اياه وامتثالنا له لم يجرى مجرى ما تناولنا منه واستدلوا باخبار رووها في هذا الباب كلها اخبار احاد لا يصح الاعتماد عليها في هذا الباب وما قلناه في تأويل الايات قد نبه على طريق القول فيما نحو ما روى عنه (ع) انه خلع نعله في الصلوة فخعلوا نعالهم وما شاكله لان ذلك انما يدل على انما فعلوه حسن يجوز فعله ولا يدل على انه واجب لا يجوز خلافه واستدل بعضهم على ذلك بأن قال ان الفعل اكد من القول لانه كان (ع) إذا اراد تحقيق امر فعل ذلك ليقتدى به كك فعل في غير شئ من المناسك والوضوء والصلوة وغيرها فبان يكون الفعل على الوجوب اولى وهذا يبطل بما قدمناه لان القول يقتضى انه قد اراد منا ما يقتضيه والفعل بخلافه وانما يكون فعلا تحقيقا للامر إذا وقع عقيبه فيقع موقع التأكيد واما إذا كان مبتداء فلا يصح ذلك فيه واستدل بعضهم بان قال ان الوجوب اعلى مراتب الفعل فإذا عدمنا الدليل على أي حال فعله وعلى أي وجه اوقعه لزمنا التأسي به فيه (ع) فيجب أن نتبعه على الوجه هو اعلا مراتبه وهذا كلام ليس تحته فايدة لان كون الوجوب اعلى على ما قاله لا يقتضى ان حالنا كحالنا ولا ان ما فعله واجب علينا فما في ذلك مما يتعلق به واما من قال ان فعله على الندب أو الاباحة فقوله يبطل بمثل ما ابطلنا به قول من قال انها على الوجوب سواء فلا فايدة ليزداد القول فيه وهذه جملة كافية في هذا الباب والله الموفق للصواب فصل في ذكر الوجوه التي يقع عليها افعاله (ع) وبيان الطريق إلى معرفة ذلك فعال النبي (ع) على ثلثة اقسام فعل وقول واقرار للفاعل على فعله وهى اجمع على ثلثة اقسام واجب ومندوب ومباح فما هو له فعل له ينقسم ثلاثة اقسام إلى بيان ما هو بيان له والى امتثال الخطاب والى ابتداء فما هو بيان المبين على ضروب منها بيان المجمل ومنها تخصيص العموم ومنها النسخ وينقسم قسمة اخرى منها ما هو قضاء على الغير ومنها ما هو متعلق بالغير ومنها ما لا تعلق له باحد و ليس يخرج عن هذه الاقسام شئ من افعاله الشرعية فاما ما لا تعلق له بالشرع فلا طائل في ذكره ونحن نبين الطريق إلى معرفة كل واحد من هذه الاقسام لان معرفة طرقها تختلف اما الذي به يعلم ان فعله بيان فهو ان يعلم ان فعله تقدمه ما يحتاج إلى بيان وتقدم هناك قول

[ 58 ]

يمكن أن يكون بيانا له فيعلم حينئذ ان الذي يمكن أن يبين ذلك به والا ادى إلى عدم البيان مع الحاجة إليه ومنها أن يعلم ثبوت ما يحتاج إلى بيان وبينه (ع) على ما ان ما فعله بيان له بقول أو غيره وقد يعلم بان فعله تخصيص العموم بأن يقتضى رفع ما يقتضيه العام وقد تقدم القول في ذلك وكك قد مضى القول فيما يكون من فعله نسخا في موضعه ويعلم ان فعله بيان على جهة الاباحة أو الندب أو الوجوب بحسب ما يحصل لنا من العلم بالمبين لانا بينا ان بيان الشئ في حكمه وقد مضى القول فيه فاما ما به يعلم ان فعله امتثال فهو أن يتقدم علمنا بخطاب يقتضى وجوب ذلك الفعل عليه على الحد الذي فعله فيعلم به انه امتثال للاية وكك القول إذا اقتضى الندب أو الاباحة وأما به يعلم ان فعله ابتداء شرع فهو أن يعلم عدم هذين الوجهين وانه ليس هناك قول يقتضى ما اقتضاه ذلك الفعل واما ما به يعلم من تركه والفضل بينهما وبين اقراره غيره على الفعل فالذي يجب أن يعلم في ذلك حكم تركه واقراره لان ما عداه لا اشكال فيه اما تركه لما يتركه فقد يكون تاركا لامر يخصه (ع) وليس لذلك مدخل في هذا الباب وقد يكون تركا لفعل يقتضى بعض الخطاب وجوبه له فذلك تخصيص له وإذا ترك النبي (ع) قطع يد سارق اقل من ربع دينار مع انه لا وجه يقتضى لاسقاط قطعه وعلم بذلك القدر الذي سرق لا يستحق به القطع فاما إذا جوزنا أن يكون ماله ترك قطعه امر اخر فلا يدل على ذلك ولو ترك (ع) الفعل في وقت اقتضى القرآن وجوبه فيه يعد ذلك نسخا أو تخصيصا وإذا ترك (ع) عنده قيامه إلى الثالثة الرجوع إلى القعود دل على انه ليس من اركان الصلوة واما ترك الصلوة في وقت لعذر فليس يدل على سقوطه بل يجوز أن يؤخر إلى وقت اخر واما اقراره الغير على فعل فانه ان كان لم يتقدم منه بيان قبحه فان اقراره يدل على حسنه بانه لو لم يكن حسنا لبينه قبل فعله فضلا على (عن ظ) ذلك في حال فعله وان كان قد تقدم بيان قبحه نظر فيه فان كان قد علم من حاله انه يظن انه إذا انكر ترك المنكر عليه فعله فلم ينكره دل على حسنه وان لم يعلم ذلك من حاله نظر فان كان قبح ذلك مستفادا بالشرع لا لعقل فإذا لم ينكره ولم يحصل ما يجرى مجرى الانكار دل على حسنه لانه إذا كان قبيحا ويعلم قبحه من جهته فاقر عليه أوهم انه منسوخ فادى تركه النكير لذلك إلى التنقير (التنفير) عن القبول منه فهذا يجب أن يجرى اقراره واما الطريق الذي يعلم به ان فعله مباح فوجوه منها انه لو كان قبيحا لما فعله فيعلم بذلك انه حسن فإذا عدمنا الدليل على وجوبه أو كونه ندبا علمنا انه مباح ومنها أن يعلم قبوله (بقوله ظ) انه مباح بأن ينص عليه ومنها أن يكون فعله بيان لجملة تقتضي فعلا مباحا واما الطريق الذي يعرف به كون فعله ندبا فبان يعلم ان ما فعله قربة شرعية ويعلم ذلك بوجوه منها أن يكون بيانا للندب ومنها أن يكون ما يفعله (ع) تارة في وقت مخصوص ويتركه اخرى بلا عذر ومنها أن يعلم انه قصد

[ 59 ]

إلى فعله في الصلوة مرة ولم يفعله اخرى مع جواز الصلوة ومنها أن يعلم انه قد مدح عليه ولم يذم على تركه ولم ينكر ذلك فاما ما يعلم انه فعله ووقع على جهة الوجوب فاشياء منها أن يكون بيانا لواجب ومنها أن يكون مما لو لم يكن واجبا لما جاز أن يفعله نحو أن يركع في الصلوة ركوعين على سبيل القصد ومنها ان يفعله على وجه قد صار امارة للوجوب وما شاكلها يعلم حال فعله (ع) نحو أن يؤذن للصلوة ويأكل (ويأخذ خ ر) من مال غيره بعد العد والاحصاء فبهذه الوجوه قضى (قضا خ ر) على الغير فالحال في انه قضاء على الغير ظاهر ويكون على وجوه لكن جميعها سواء في انه قضاه يلزم المقتضى عليه هذا إذا كان حكما واما إذا كان جوابا لسؤال فقد سومح ويجب أن يحكم فيه بوجوب أو غيره بحسب الدلالة واما ما يتعلق بالغير من فعله فنحو مدحه وذمه وعقابه اما المدح فانه يدل على ان الممدوح عليه ندب واما الذم فانه يدل على ان الفعل الذي ذمه عليه قبيح فان ذمه لانه لم يفعل الفعل أو تركه دل على وجوبه واما عقابه الغير على بعض الافعال فانه يدل على قبحه ويدل مع ذلك على انه كبيرة عند من قال بالصغاير فينبغي أن يجرى مجرى افعاله (ع) على هذه الوجوه ويتبع فيها على الوجه الذي عليه يقع وبالله التوفيق فصل في ذكر افعاله إذا اختلف هل يصح فيها التعارض ام لا لا يصح التعارض بافعاله (ع) لان التعارض انما يقع في فعلين ضدين أو فعل الشئ وتركه ونحن نعلم انه لا يقع منه (ع) الفعلان الضدان ولا الفعل وتركه في حال واحدة وانما يقع منه الفعل في حال وضده في حال اخر وما يقع منه في حالين وان تضادا فانه يمكن التأسي به فيهما كما يمكن امتثال الامر والنهي إذا تضمنا فعلين في حالين وما هذه حاله لا يصح التعارض فيه فصار فعله في هذا الباب مخالفا لقوله و لهذا لا يصح نسخ فعله في الحقيقة وذلك ان فعله الاول لا ينتظم الاوقات حتى يكون فعله الثاني رافعا ما لولا رفعه له لتناوله الاول على ما بيناه من نسخ القول لكن الامر وان كان كك فان الفعل الاول إذا علم انه قد اريد به ادامته في المستقبل صح كون ما بعده ناسخا وذلك ان الفعل إذا وقع بهذا الموقع جرى مجرى قول يتناول ايجاب الفعل في الاوقات المستقبلة فكما يصح النسخ لقول هذا حاله فكك يصح نسخ الفعل إذا كان هذه صفته وقد بينا ان النسخ قد يدخل في غير القول من ادلة الشرع كما يدخل في القول وانه يخالف التخصيص الذي من حقه ان يتناول الفعل إلى غاية فقط وليس لاحد أن يعترض ما قدمناه من نسخ الفعل بالفعل بان يقول كيف يصح نسخ الافعال لان ما بيناه قد اسقط ذلك فاما تخصيص الفعل بالفعل فلا يصح لان الافعال لا تتناول اشياء يخص منها بعضها فاما من جهة المعنى فان التخصيص في الفعل انما يكون بان يعلم ان المراد بالفعل الاول جميع المكلفين وذلك الفعل واجب فإذا رأيناه قد اقر بعضهم على تركه أو مدحه عليه علم انه مخصوص من جملتهم وسواء كان المدح

[ 60 ]

أو الاقر منه عقيب الفعل الاول أو بعده بزمان متراخ على ما جوزناه من تأخير البيان عن وقت الخطاب فاما من ابي ذلك فانه لا يجوز ذلك الا إذا كان عقيب الفعل الاول على (لا ظ و) بعد ذلك عنده واما تخصيصه (ع) نفسه فانه لا يصح لان التخصيص يدل على انه (ع) من الجملة لم يرد وفعله (ع) قد انبأ على انه مراد فيستحيل تخصيصه نفسه في الحال من هذه الوجوه فاما في المستقبل فانه لا يمتنع ذلك واما القول في فعله وامره إذا تضادا و تعارضا فانه يجب أن ينظر فيهما فان كان القول متقدما وقد مضى الوقت الذي يجب فعله فيه ثم فعل (ع) ما يعارض ذلك فهو نسخ وذلك نحو تركه قتل الشارب الخمر في المرة الرابعة بعد قوله فان شربها الرابعة فاقتلوه على ما يرويه مخالفونا وانما ذكرناه مثالا لو ثبت فان فعل ذلك قبل مجيئ الوقت الذي تعبدنا بالفعل فيه فلا يصح أن يكون نسخا بل يجب حمله على انه مخصوص لان النسخ قبل الوقت لا يجوز اما إذا تقدم الفعل ثم وجد القول يقتضى رفع ما اقتضاه الفعل فذلك نسخ لا محالة لانه متأخر عن حال استقرار الغرض فإذا لم نعلم المتقدم من المتأخر وكان قوله يقتضى وجوب الفعل أو خطره وكان فعله يقتضى خلاف ذلك فالاخذ بالقول اولى لان فعله لا يتعداه الا بدليل ومن حق قوله ان يتعداه ولا يصح أن يكون مقصورا عليه فإذا صح ذلك واجتمعا فالواجب أن يتمسك بقوله ويحمل فعله على انه مخصوص به لان قوله لا يصح قصره عليه ويصح قصر فعله عليه فإذا اجتمعا فبان يتمسك بالقول الذي من حقه ان يتناولنا اولى من الفعل سيما وقد اثبت ان اقواله على الوجوب وان افعاله موقوفة على الدلالة وكل ذلك يوجب ترجيح قوله (ع) على فعله فصل في انه (ع) هل كان متعبدا بشريعة من كان قبله من الانبياء ام لا عندنا ان النبي (ع) لم يكن متعبدا بشريعة من تقدمه من الانبياء لا قبل النبوة ولا بعدها وان جميع ما تعبد به كان شرعا له ويقول اصحابنا انه (ع) قبل البعثة كان يوحى إليه باشياء تخصه وكان يعمل بالوحى لا اتباعا لشريعة واما لفقهاء فقد اختلفوا في ذلك والمتكلمون فالذي ذهب إليه اكثر المتكلمين من اهل العدل وهو مذهب أبي هاشم وابي على انه لم يكن متعبدا بشريعة من تقدمه وان جميع ما تعبد به كان شرعا له دون من تقدمه وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن انه ربما نص هذا وربما نص خلافه وفي العلماء من قال انه كان متعبد بشريعة من تقدمه واختلفوا فمنهم من قال تعبد بشريعة ابراهيم ومنهم من قال تعبد بشريعة موسى واختلف المتكلون في انه (ع) قبل البعثة هل كان متعبدا بشئ من الشرايع ام لا فمنهم من قطع على انه كان متعبدا بشريعة بعض من تقدمه من الانبياء ومنهم من قطع على خلافه ومنهم من توقف في ذلك وجوز كلا الامرين والذي يدل على ما ذهبنا إليه اجماع الفرقة المحقة لانه لا اختلاف بينهم في ذلك واجماعها حجة على ما نستدل عليه انشاء الله ويدل على ذلك ايضا ما ثبت بالاجماع من انه (ع) افضل من جميع الانبياء ولا يجوز أن يؤمر الفاضل باتباع المفضول على ما دللنا عليه في غير موضع فان قيل فمن اين يعلم انه كان قبل

[ 61 ]

النبوة افضل من ساير الانبياء قيل لم يخص احد تفضيله على ساير الانبياء بوقت دون وقت فيجب أن يكون افضل في جميع الاوقات ويدل على ذلك ايضا انه لو كان متعبدا بشريعة من تقدمه فاما بان يكون شرعا لذلك المتقدم ويكون في حكم المؤدى عنه فكان يجب أن لا يضاف جميع الشرع إليه كما لا يضاف الشرع إلى من يؤدى عنه (ع) لما كان مؤديا عنه (ع) وفي علمنا باضافة جميع الشرع إليه دليل على انه لم يكن متعبدا بشرع من تقدمه ويدل على ذلك ايضا انه لو كان متعبدا بشرع من تقدم لم يخل من أن يكون متعبدا بشريعة موسى (ع) أو عيسى (ع) لان شريعة من قبلهما مندرسة وهي مع ذلك منسوخة بشريعتهما فان قالوا كان متعبدا بشريعة موسى (ع) فان ذلك فاسد من حيث كانت شريعته منسوخة بشريعة عيسى (ع) وان قالوا كان متعبدا بشريعة عيسى (ع) فسد ذلك من وجهين احدهما ان شريعته قد انقطعت واندرس نقلها ولم تتصل كاتصال نقل المعجزة الذي تقتضي ما هي عليه نقلها وإذا لم يتصل لم يصح ان يعلم وفي ذلك اخراج له من أين يكون متعبدا بها والثاني ان القول بذلك يبطل ما يعتمدون عليه من رجوعه (ع) إلى التورية في رجم اليهوديين به لانه كان يجب أن يرجع إلى الانجيل دونها ويدل على صحة ما قلناه ان الذي يخالف في ذلك لا يخلو قوله من ان تعبد بشريعة موسى (ع) بأن دعاه موسى إلى شريعته ما لم ينسخ والحجة قائمة عليه بذلك أو نقول انه تعبد بشريعة موسى بأن امر بالتمسك بها امرا مبتدأ وان كان يحتاج أن يرجع إليهم في تعرف ما يتمسك به من شريعته أو نقول انه تعبد بشريعته بان امر باشياء قد كانت شريعة له وان علمها هو من جهة الله تعالى فان ذهبوا إلى ما قلناه اولا فليس يخلو من ان نقول انه (ع) كان يمكنه أن يعرف شريعتهم من غير جهة الله تعالى بل بالرجوع إليهم في تعرف ذلك أو يقول ما كان يصلح له ذلك وانما كان يعرف ذلك من قبل الله تعالى فان قالوا بالاول فهو خلاف بالمعنى والذي يبطل قوله اشياء منها ما استدل به أبو علي وأبو هاشم من أنه (ع) لو كان متعبدا بشريعة من قبله لكان لا يتوقف في قصة الظهار وقصة الميراث وقصة الافك على نزول الوحى عليه لان هذه الحوادث معلوم ان لها احكاما في التورية ظاهرة كما فيما بينهم فلو كان متعبدا بذلك لرجع إلى التورية وبحث عن حكمها كما بحث بزعمهم عن الرجم ولو كان توقفه على الوحى يجرى توقفه في شئ قد بين له على الوحى وفي فساد ذلك دليل على انه لم يكن متعبدا الا بما ينزله الله عليه وكان يجب ايضا أن يرجع الصحابة في معرفة الاحكام إلى التورية واهلها كرجوعهم إلى القران وفي تركهم ذلك دليل على انهم لم يتعبدوا بذلك ولا النبي (ع) ومنها ان النبي (ع) صوب معاذا في قوله اجتهد رائى عند عدم الكتاب والسنة فلو كان متعبدا بشريعتهم لعده في جملة ذلك ولنبه معاذا على خطائه بترك ذلك وان اراد القسم الاخير فليس في ذلك خلاف ولا يوجب ذلك أن يكون متعبدا بشرع من تقدم لان الامر بمثل شريعتهم إذا ورد عن الله تعالى أو بين المأمور به

[ 62 ]

فذلك تعبد من الله تعالى ابتداء وليس يجب إذا امر بفعل تعبد به موسى ان يكون النبي (ع) متعبدا بشريعته لانه لا فضل بين أن يتعبده بذلك الفعل بأن يذكره وبين صفته وبين أن يلزمه ويضيقه إلى موسى (ع) لان في الحالين جميعا هو تعالى المتعبد به واما من قال انه (ع) كان متعبدا بشريعة موسى وقال انه لا يصح أن يعرف الشريعة من جهته فقد ناقض لان التعبد بشريعة يقتضى صحة العلم بها من جهته واما من قال انه تعبد باشياء من شريعته بامر مبتدء أو امر أن يرجع في معرفة ذلك إليهم فالذي يدل على بطلان قوله ما قدمناه من الادلة وان كان هذا الوجه لا يقتضى كونه متعبدا بشريعتهم إذا امر بذلك امرا مبتدء لو صح ما ادعوه فكيف وذلك لا يصح واعلم ثم انه لولا ما قدمناه من الدليل على كونه افضل الانبياء (ع) ما كا يمتنع غدا أن يتعبد بشريعة من تقدم من الانبياء لانه كما يجوز أن يتعبد بخلاف شريعتهم جاز ايضا أن يتعبد بمثل شريعتهم لان المصالح تختلف وتتفق وكلا الامرين يجوز فيها فلا يمتنع ان يعلم الله تعالى ان صلاح النبي الثاني وصلاح امته بخلاف شريعة الاول فيتعبده به وعلى هذه جرت سنة الله تعالى في اكثر الانبياء ولا يمتنع ايضا ان يعلم صلاح الثاني وامته في مثل شريعة الاول فيتعبدوا بها وليس لاحد أن يقول ذلك لا يجوز لانه لو كان كك لم يكن في بعثة النبي (ع) الثاني واظهار المعجز على يديه فايدة لان شريعته معلومة من جهة غيره وذلك انما يجوز بعثة النبي الثاني بشريعة النبي الاول إذا كانت تلك الشريعة قد اندرست وصارت بحيث لا يعلم الا من جهة النبي الثاني أو بأن يكون النبي الاول مبعوثا إلى قوم باعيانهم ويبعث الثاني إلى غيرهم أو أن يراد في شريعة الثاني زيادة لا يعلم الا من جهته فهذه الوجوه تخرج بعثته من أن تكون عبثا فان قيل كيف يجوز هذا التقدير على ان ما تعتقدون انتم من ان كل شرع لابد له من حافظ معصوم لا يجوز عليه الغلط وإذا كان لابد له من ذلك على مذهبكم فمتى اندرست الشريعة أمكن الرجوع إليه فيها فلا يحتاج إلى نبى اخر قيل له نحن انما نوجب حافظا للشرع معصوما إذا علمنا ارتفاع الوحى وانقطاع النبوة ويعلم ان التواتر لا يمكن حفظ الشرع به لانه يجوز أن يصير احادا فإذا لابد لها من حافظ معصوم وليس كك في الشرايع المتقدمة لانه لا يمتنع أن تكون تلك الشرايع محفوظة بالتواتر فمتى فرضنا انها صارت احادا بحيث لا ينقطع عذر المكلفين بنقلها بعث الله تعالى نبيا اخر بينها (بينها) ويستدركها هذا إذا فرضنا بقاء التكليف بالشريعة الاولة على من يجيئ فبما بعد فاما إذا فرضنا انه يجوز أن يكون التكليف للشريعة الاولى إذا صارت احادا قد ارتفع و وجب التمسك بما في العقل فإذا كان ذلك لا يجب أن يكون لها حافظ ولا بعثة نبى اخر وكان يجوز ايضا ان يتعبد باخبار الاحاد إذا صارت الشريعة إلى حد لا ينقل الا من جهة الخبر الواحد

[ 63 ]

وكل ذلك مفقود في شريعتنا لان الوحى قد ارتفع والرسالة قد انقطعت والتكليف باق إلى يوم القيمة والعمل بخبر الواحد غير صحيح على ما بيناه فيما مضى فلو لم يكن لها معصوم والتواتر يجوز أن يكون (يصير خ ر) احادا كان ذلك يؤدى إلى ان الشرع غير محفوظ اصلا وذلك لا يجوز واستدل من خالفنا على صحة قوله باشياء منها انه لو لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم لم يكن يذكى قبل بعثته ولم يأكل اللحم المذكى ولا كان يحج ويعتمر ولا كان يركب البهايم ويحمل عليها لان جميع ذلك يحسن سمعا وفي علمنا بأنه كان يفعل ذلك دليل على صحة ما قلناه وهذا لا يلزمنا على ما قررنا من مذهبنا في هذا الباب لانا قلنا انه قبل بعثته كان يوحى إليه بما يخصه فلاجل ذلك كان يفعل ما بفعله (يفعله) من الاشياء التي ذكروها ان صح منه فعلها واما من وافقنا في هذا المذهب وخالفنا في هذه الطريقة فانه يقول ان تزكية البهايم وفعله الحج والعمرة لو ثبت لدل لكن ذلك لم يثبت وما روى من ذلك فانما طريقة اخبار الاحاد لا يعول عليها في هذا الباب واما اكله اللحم المذكى فحسن في العقل وليس فيه دليل على ما قاله السائل لانه بمنزلة اكل ساير المباحات ولم يثبت عنه (ع) انه كان يأمر بالتذكية ليأكل اللحم فيسوغ التعلق به واما ركوب البهيمة والحمل عليها فذلك بحسن عند كثير منهم لما لها في ذلك من المنافع التي يوصل إليها من العلف وغير ذلك و يخالف الذبح لان الذبح يقطعها عن المنافع وتعلقوا ايضا برجوعه (ع) إلى التورية في رجم اليهوديين وذلك لا يصح لان ذلك من اخبار الاحاد التي لا يعتمد في هذا الباب فلو كان كك لرجع إلى التورية في ساير الاحكام ولما كان ينتظر الوحى ما بيناه وفي تركه الرجوع إليها دليل على انه لم يرجع إليها في الرجم ان صح مما قالوه فسقط بذلك ما تعلقوا به وقد قيل في الجواب عن ذلك انه انما رجع إليهم لانه كان قد اخبر ان في التورية رجم الزانى فاراد أن يحقق صدقه ليدلهم على نبوته بالرجوع إليهم ليعرف ثبوت الرجم من جهتهم قالوا ولو كان رجوعه إليهم لما قالوه لرجع في غيره ايضا ولوجب أن يتعرف هل الرجم في التورية على كل زان أو هو على محصن فقط ولوجب أن لا يقبل قول اليهود الذين رجع إليهم لان يقول مثلهم لا يقع العلم ولا هم على صفة تقبل قولهم في الديانات ولما مدحهم في ان ذلك في التورية لانه قد ظهر تحريفهم لكثير منها فدل جميع ذلك على بطلان تعلقهم به وتعلقوا ايضا بقوله تعالى واتبع ملة ابراهيم حنيفا وبقوله فبهداهم اقتده وبقوله انا انزلنا التورية فيها هدى ونور يحكم بها النبيون وهو (ع) من جملتهم وذلك يقتضى صحة ما قالوه قيل له اما الملة التي امرنا باتباعها فهو دين ابراهيم لان الملة هي الدين لان المراد بذلك التوحيد والعدل بين ذلك قوله ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه وقد علمنا ان الملة التي يستحق الراغب عنها هذا الوصف هي العقليات واما قوله فبهداهم اقتده فانه اراد بذلك ادلتهم

[ 64 ]

التي تدل على العقليات لان ذلك هو الذي يضاف إليهم فاما الشريعة فقوله هو الدليل فيها فالاضافة لا تصح فيها واما قوله تعالى فيها هدى ونور يحكم بها النبيون فالمراد به ما قدمناه يدل على ذلك قوله تعالى يحكم بها النبيون فظاهر ذلك يقتضى ان كل من كان قبل موسى قد حكم بذلك ولا يصح مع ذلك حمله على الشرعيات في هذا الباب الكلام في الاجماع فصل في ذكر اختلاف الناس في الاجماع هل هو دليل ام لا ذهب المتكلمون باجمعهم والفقهاء بأسرهم على اختلاف مذاهبهم إلى ان الاجماع حجة وحكى عن النظام وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر انهم قالوا الاجماع ليس بحجة واختلف من قال حجة فمنهم من قال انه حجة من جهة العقل وهم الشذاذ وذهب الجمهور الاعظم والسواد الاكثر صلى الله عليه وآله إلى ان طريق كونه حجة السمع دون العقل ثم اختلفوا فذهب داود وكثير من اصحاب الظاهر إلى ان اجماع الصحابة هو الحجة دون غيرهم من اهل الاعصار وذهب مالك ومن تابعه إلى ان الاجماع المراعى هو اجماع اهل المدينة دون غيرهم غير انه حجة في كل عصرهم وذهب الباقون إلى ان الاجماع حجة في كل عصر ولا يختص ذلك بعصر الصحابة ولا باجماع اهل المدينة والذي نذهب إليه ان الامة لا يجوز أن تجتمع على خطاء وان ما يجمع عليه لا يكون الا صوابا وحجة لان عندنا انه لا يخلو من الاعصار من امام معصوم حافظ للشرع يكون قوله حجة يجب الرجوع إليه كما يجب الرجوع إلى قول الرسول (ع) وقد دللنا على ذلك في كتابنا تلخيص الشافي واستوفينا كل ما يسئل على ذلك من الاسؤله وإذا ثبت ذلك فمتى اجمعت الامة على قول فلابد من كونها حجة لدخول الامام المعصوم في جملتها ومتى قيل جوزوا أن يكون قول الامام منفردا عن اجماعهم قلنا متى فرضنا انفراد الامام عن الاجماع فان ذلك لا يكون اجماعا بل لو انفرد واحد من العلماء عند من خالفنا من الاجماع اخل ذلك باجماعهم فان قيل إذا كان المدعى في باب الحجة قول الامام المعصوم فلا فايدة في ان تقولوا ان الاجماع حجة أو تعتبروا ذلك بل ينبغي أن تقولوا ان الحجة قول الامام ولا تذكرون الاجماع قيل له الامر وان كان على ما تضمنه السؤال فان لاعتبارنا الاجماع فايدة معلومة وهى انه قد لا يتعين لنا قول الامام في كثير من الاوقات فيحتاج حينئذ إلى اعتبار الاجماع ليعلم باجماعهم ان قول المعصوم داخل فيهم ولو تعين لنا قول المعصوم الذي هو الحجة لقطعنا على ان قوله هو الحجة ولم نعتبر سواه على حال من الاحوال و متى فرضنا ان الزمان يخلو من معصوم حافظ للشرع لم يكن الاجماع حجة على وجه من الوجوه والذي يدل على ذلك انه لا دليل على كونهم حجة لا من جهة العقل ولا من جهة الشرع فإذا لم يكن دليل وجب القطع على نفى كونه حجة لفقد ما يدل عليه ونحن نتبع ما يعتمده الخصوم في هذا الباب من جهة العقل والشرع معا ونبين انه لا دلالة في شئ من ذلك اعتمد من قال انهم حجة من جهة

[ 65 ]

العقل على انهم مع كثرتهم وانتشارهم في البلاد واختلاف آرائهم وبعد همتهم لا يجوز أن يجمعوا على خطاء ولو جاز ذلك لجاز أن يتفقوا على اكل طعام واحد ولبس لباس واحد وفعل واحد ويأتي الشعراء الكثيرون بقصيدة واحدة في معنى واحد وغرض واحد وكل ذلك يعلم بطلانه ضرورة وفي صحة ذلك دليل على انهم لا يجمعون على خطاء وهذا ليس بشئ لان جميع ما ذكروه لا يشبه مسألة الاجماع لان جميعه تابع للدعاوى والآراء واختلاف الهمم والعادة مانعة من اتفاقهم في الدعاوى والاراء في الامثلة التي ذكروها وليس مسألة الاجماع من هذا الباب لانه يجوز أن تدخل عليهم الشبهة فيعتقدوا انه ما ليس بدليل انه دليل فيجمعوا عليه وقد دخلت الشبهة في مثل امتنا واكثر منهم فيما تعلق بباب الديانات الا ترى ان اليهود والنصارى ومن خالف الاسلام قد اتفقوا على بطلان الاسلام وتكذيب نبينا (ع) وهم اكثر من المسلمين اضعافا مضاعفة وليس اجماعهم على ذلك دليل على بطلان الاسلام لانهم اجمعوا لدخول الشبهة عليهم وانهم لم يمعنوا النظر في الطرق الموجبة للقول بصحة الاسلام فكك القول في اجماع الامة على ان ذلك ان منع من اجماعهم على باطل فانما منع من اتفاقهم على ذلك ولا يمتنع ان يتفقوا على الخطاء مع العمد والتواطئ لان التواطؤ على امثالهم ومن اكثر منهم جايز وانما يؤمن من ذلك إذا دل الدليل على كونهم حجة وثبت ذلك فاما قبل ثبوته فنحن في سير ذلك فالمنع منه غير صحيح فان قالوا لو جاز عليهم الخطاء فيما يجمعون عليه لجاز على المتواترين الخطاء فيما يخبرون به لان الامة باجمعها اكثر من قوم متواترين ينقطع بنقلهم الحجة ولو اجاز ذلك في المتواترين ادى ذلك إلى الا نثق بشئ من الاخبار ولا نعلم شيئا نقلوه وذلك يؤدى إلى ما يعلم ضرورة خلافه فقيل التواتر لم يكن حجة من حيث انه لا يجوز عليهم الخطاء وانما كان حجة لانهم نقلوا نقلا يوجب العلم الضروري عند من قال بذلك أو علما لا ينخلج (يتخالج خ ل) فيه بالشكوك عند من قال الاكتساب فالحجة في نقلهم بحصول العلم بما نقلوه لا بمجرد النقل وكان يجوز أن لا ينقلوا ما نقلوه اما خطاء أو عمدا فيخرج خبرهم من أن يكون موجبا للعلم فيلحق حينئذ بباب الاجماع الذي نحن في اعتبار كونه حجة أم لا وهذا بين لا اشكال فيه ولم يعتمد هذه الطريقة الا شذاذ من القائلين بالاجماع والمحصلون منهم عولوا على ادلة السمع في هذا الباب ونحن نذكر ما اعتمدوه ونتكلم عليه وله انشاء الله تعالى احد ما اعتمدوا عليه قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسائت مصيرا قالوا فتوعد الله تعالى على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول فلولا انهم حجة يجب اتباعهم فيما اجمعوا عليه والا لم يجز ذلك والكلام على هذه الاية من وجوه اولها ان في اصحابنا من ذهب إلى ان الالف واللام لا يقتضيان الاستغراق والشمول بل هما مشتركان

[ 66 ]

لهما ولغيرهما فإذا كان كك كانت الاية كالمجملة تحتاج إلى بيان ويحتمل أن يكون اريد بها جميع المؤمنين ويحتمل أن يكون اراد بعضهم ولا يمكن حملها على الجميع لفقد دلالة الخصوص لان القايل ان يقول احملها على الاقل لفقد الدليل على ان المراد بها الكل وإذا جاز ان يكون المراد بعضهم فليس (ليسوا ظ) بان يحمل على بعض المؤمنين باولى منا إذا حملناها على الائمة عليهم السلام ويستدل بذلك غرضهم ونحن نكون احق من حيث الدليل على عصمتهم وطهارتهم وامنا وقوع الخطأ من جهتم وثانيها ان لفظة سبيل ايضا محتملة بل هي تقتضي الواحدة ولا يجب حملها على كل سبيل فكيف يمكن الاستدلال بها على ان كل سبيل المؤمنين صواب فيجب اتباعه و ليس لهم ان يقولوا إذا فقدنا دليل الاختصاص حملناها على العموم لان القايل أن يقول إذا فقدنا دلالة العموم حملناها على الخصوص كما قلناه في الوجه الاول وثالثها انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم وليس في ذلك دلالة على وجوب اتباع سبيلهم فيجب أن يكون اتباع سبيلهم موقوفا على الدلالة وليس لهم أن يقولوا ان الوعيد لما علقه تعالى باتباع غير سبيلهم حل محل ان تعلقه بالعدول عن سبيل المؤمنين وترك اتباعهم في انه لا يقتضى لا محالة ان اتباع سبيل المؤمنين صواب وان الوعيد واجب لتركه ومفارقته وذلك ان هذا دعوى مخصة لانه لا يمتنع أن يكون اتباع غير سبيلهم محرما واتباع سبيلهم محرما أو مباحا ايضا يبين ذلك انه لو صرح بما تأولناه حتى يقول اتباع غير سبيل المؤمنين محظور عليكم واتباع سبيلهم يجوز أن يكون قبيحا وغير قبيح فاعملوا فيه بحسب الدلالة أو يقول واتباع سبيلهم مباح لكم لساغ هذا الكلام ولم يتناقض وإذا كان سايغا بطل قول من قال ان النهى عن اتباع غير سبيلهم موجب لاتباع سبيلهم وانه يجرى مجرى التحريم لمفارقة سبيلهم والعدول عنها وليس لهم ان يقولوا ان من لم يتبع غير سبيل فلابد من أن يكون متبعا لسبيلهم فمن هيهنا حكمنا بان النهى عن احد الامرين ايجاب للاخر وذلك ان بين الامرين واسطة وقد يجوز أن يخرج المكلف من اتباع غير سبيلهم واتباع سبيلهم معا بأن لا يكون متبعا سبيل احد وليس لهم أن يقولوا ان غير هيهنا بمعنى الا وكانه تعالى قال لا تتبع الا سبيل المؤمنين لان احدنا لو قال لغيره من اكل غير طعامي فله العقوبة فالمتعارف من ذلك ان اكل طعامه مخالف لذلك وان العقوبة انما تتعلق بخروجه عن أن يكون آكلا لطعامه لان غير هيهنا ليس بواجب أن يكون بمعنى الا الموضوعة للاستثناء بل جايز أن يكون بمعنى خلاف فكأنه قال لا تتبع خلاف سبيل المؤمنين وما هو غير لسبيلهم ولم يرد لا تتبع الا سبيلهم وقول القايل من اكل غير طعامي عاقبته لا يفهم من ظاهر لفظه ومجرده ايجاب اكل طعامه بل المفهوم خطر اكل كلما هو غير

[ 67 ]

طعامه وحال طعامه في الخطر والاباحة موقوفة على الدليل واقل احوال هذا اللفظ عند من ذهب إلى ان لفظة غير مشتركة بين الاستثناء وغيره وان ظاهرها لا يفيد احد الامرين أن يكون محتملا لما ذكرناه من خطر اكل غير طعامه ومحتملا لايجاب اكل طعامه ووضع لفظة غير مكان لفظة الا وانما يكن في بعض المواضع يفهم عن مستعمل هذه اللفظة ايجاب اكل طعامه لا بمجرد اللفظ بل بان يعرف قصده إلى الايجاب أو بغير ذلك من دلايل الحال ولولا ذلك لما حسن أن يقول القايل من اكل غير طعامي عاقبته ومن اكل طعامي عاقبته وكان يجب أن يكون نقضا أو جاريا مجرى قوله من اكل الا طعامي عاقبته ومن اكل طعامي عاقبته فلما حسن ذلك مع استعمال لفظة غير ولم يحسن مع استعمال لفظة الا دل على صحة ما قلناه فان قيل لو لم يكن اتباع سبيل المؤمنين حجة وصوابا لكان حاله في انه قد يكون صوابا أو خطاء بحسب قيام الدلالة على ذلك حال اتباع غير سبيلهم في انه قد يكون صوابا أو خطاء ولو كان كك لم يصح ان يعلق الوعيد باتباع غير سبيلهم دون اتباع سبيلهم فكان يبطل معنى الكلام قيل له غير منكر ان يعلق الوعيد باتباع غير سبيلهم من حيث علم ان ذلك لا يكون الا خطاء ويكون اتباع سبيلهم مما يجوز أن يكون خطاء أو صوابا ولو لم يكن كك وكان الامر ان متساويين لجاز أن يعلق الوعيد باحدهما دون الاخر ويكون الصلاح للمكلفين ان يعلموا خطر ابتاع غير سبيلهم بهذا اللفظ ويعلموا مساوات اتباع سبيلهم له في الخطر بدليل اخر كما يقوله اكثر خصومنا ان قوله (ع) في سائمة الغنم زكوة لا يجب أن يفهم منه دفع الزكوة عما ليس بسايم ومفارقة حاله لحال السايمة بل يجوز أن يكون الحكم واحدا ويعلم بالسايمة بهذا القول وفي غيرها بدليل اخر فان قيل ان ذلك يجرى مجرى قول احدنا لغيره لا تتبع غير سبيل الصالحين في انه بعث على اتباع الصالحين والا يخرج عن ذلك قيل القول في هذا المثال كالقول فيما تقدم وظاهر اللفظ واطلاقه لا يدل على وجوب اتباع طريقة الصالحين وانما يعقل بالدلالة ولان المخاطب إذا كان حكيما علم من حاله انه لابد أن يوجب اتباع طريقة الصالحين ويحث عليها وما يعلم لا من حيث ظاهر اللفظ خارج عما نحن فيه ولو ان احدنا قال بدلا من ذكر الصالحين لا تتبع غير طريقة زيد لم يجب أن يفهم من اطلاقه ايجاب اتباع طريقته ولولا ان الامر فيما تقدم على ما قلناه دون ما اعاده السايل لوجب فيما قال لغيره لا تضرب غير زيد ولا زيدا أن يكون مناقضا في كلامه من حيث كان قوله لا تضرب غير زيد ايجابا لضربه وقوله ولا زيدا خطرا لذلك وفي العلم بصحة هذا القول من مستعمله وانه غير جار مجرى قوله اضرب زيدا ولا تضربه دلالة على استقامة تأويلنا للاية ورابعها انه تعالى حذر من مخالفة سبيل المؤمنين وعلق الكلام بصفة من كان مؤمنا فمن أين لخصومنا انهم لا يخرجون عن كونهم مؤمنين بهم (وهم ظ)

[ 68 ]

إذا خرجوا عن الايمان خرجوا عن الصفة التي تعلق الوعيد بخلاف من كان عليها وليس له أن يقول لا يصح أن يتوعد الله تعالى وعيدا مطلقا على العدول عن اتباع سبيل المؤمنين الا وذلك ممكن في كل حال ولا يصح دخوله في أن يكون ممكنا الا بأن يثبت في كل عصر جماعة من المؤمنين يبين ذلك انه كما توعد على العدول عن اتباع سبيلهم فكك توعد على مشاقة الرسول فإذا وجب في كل حال صحة المشاقة ليصح الوعيد المذكور فكك يجب أن يصح في كل حال اتباع سبيلهم والعدول عنها لانه ليس يجب من حيث توعد تعالى توعدا مطلقا على العدول عن اتباع غير سبيل المؤمنين ثبوت مؤمنين في كل عصر انما تقتضي الاية التحذير من العدول عن اتباعهم إذا وجدوا وتمكن من اتباعهم وتركه ولسنا نعلم من أي وجه ظن ان التوعد على الفعل يقتضى امكانه في كل حال و ليس هذا مما يدخل فيه عندنا الشبهة على متكلم ونحن نعلم ان البشارة بنبينا (ع) قد تقدم على لسان من سلفت نبوته كموسى (ع) وعيسى (ع) وغيرهما من الانبياء عليهم السلام وقد امر الله تعالى اممهم باتباعه وتصديقه واشار لهم إلى صفاته وعلاماته وتوعدهم على مخالفته وتكذيبه ولم يكن ما توعد عليه من مخالفته واوجبه من تصديقه واتباعه ممكنا في كل وقت ولا مانعا من اطلاق الوعيد وقد قال شيخهم أبو هاشم وتبعه على هذه المقالة جميع اصحابه ان قوله تعالى السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله الاية لا تقتضي ثبوت من يستحق القطع على سبيل النكال ولو لم يقع التمكن ابدا والوقوف على من هذه حاله لما اخل بفائدة الاية وعول في قطع من يقطع من السراق المشهود عليهم أو المقرين على الاجماع وإذا صح هذا فكيف يجب من حيث اطلق الوعيد على العدول عن اتباع سبيل المؤمنين وجود المؤمنين فيكل عصر وما المانع من أن يكون الوعيد يتعلق بحال مقدره كانه تعالى قال لا تتبعوا غير سبيل إذا حصلوا ووجدوا فعلم بذلك بطلان ما تعلق به السايل وخامسها انه تعالى توعد على اتباع غير سبيلهم على تسليم عموم المؤمنين والسبيل والاية لا تدل على وجوب اتباعهم في عصر بل هو كالمجمل المفتقر إلى بيان فلا يصح تعلق بظاهره وليس لاحد أن يقول انى احمله على كل اعصار من حيث لم يكون اللفظ مختصا بعصر دون عصر لان هذه الدعوى نظيره الدعوى المتقدمة التى بينا فسادها وليس لاحد أن يقول انى اعلم وجوب اتباعهم في الاعصار كلها بما علمت به وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وآله في كل عصر فما قدح في عموم احد الامرين قدح في عموم الاخر لانا لا نعلم عموم وجوب اتباع الرسول في كل عصر بظاهر الخطاب بل الاية لا يمكن دفعها فمن ادعى في عموم وجوب اتباع المؤمنين دلالة فليحضرها وليس له أن يقول إذا لم يكون فيها تخصيص وقت وجب حملها على جميع الاعصار لان لمخالفه أن يقول وإذا لم يكون فيها دليل

[ 69 ]

على عموم الاعصار وجب حملها على أهل عصر واحد وهو حال زمن الصحابة به على ما ذهب إليه داود والا فما الفصل وسادسها ان قوله تعالى المؤمنين لا يخلو ان يريد به المصدقين بالرسول والمستحقين للثواب على الله تعالى فان كان الاول بطل لان الاية تقتضي التعظيم والمدح لمن تعلقت به من حيث وجب اتباعه ولا يجوز أن يتوجه إلى من لا يستحق التعظيم والمدح وفي الامة من يقطع على كفره وانه لا يستحق شئ منها ولانه كان يجب لو كان المراد بالمؤمنين المصدقين دون المستحقين للثواب أن يعتبر في الاجماع دخول كل مصدق فيه في شرق وغرب فهذا يعلم تعذره وعموم القول يقتضيه وليس مذهب الكثير المخالفين إليه وان اراد بالمؤمنين مستحقي للثواب والمدح والتعظيم فمن أين ثبوت مؤمنين بهذه الصفة في كل عصر يجب اتباعهم ويجب ايضا الا يثبت الاجماع الا بعد القطع على ان كل مستحق للثواب في بر وبحر وسهل وجبل قد دخل فيه لان عموم القول يقتضيه وهذا يؤدى إلى أن لا يثبت الاجماع ابدا وان حمل على بعض المؤمنين وعلى من عرفناه دون من لم نعرفه جاز حمله على طائفته من المؤمنين وهم ائمتنا عليهم السلام وسابعها انا لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه لم يكن في الاية دلالة تتناول الخلاف في الحقيقة لانه جائز ان يكون تعالى انما امر باتباع المؤمنين من حيث ثبت بالعقول ان في جملة المؤمنين في كل عصر اماما معصوما لا يجوز عليه الخطاء إذا جاز ما ذكرناه سقط غرضهم في الاستدلال على صحة الاجماع لانهم انما اخذوا بذلك إلى أن يصح الاجماع وتنحفظ الشريعة به ويستغنى به عن الامام وإذا كان ما استدلوا به على صحة الاجماع يحتمل ما ذكرناه بطل التعلق به وثامنها ان الله تعالى توعد على مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين على وجه الجمع بينهما فمن اين انه لو انفرد اتباع غير سبيلهم عن المشاقة استحق به الوعيد وليس لهم ان يقولوا ان مشاقة الرسول مما كان بانفرادها يستحق بها الوعيد فكك اتباع غير سبيل المؤمنين ولو جاز أن لا يستحق عليه العقاب ويذكر مع مشاقة الرسول وتعلق الوعيد به لجاز أن يضاف إلى مشاقة الرسول شئ من المباحات مثل الاكل والشرب وغير ذلك وتعلق الوعيد به ولما لم يجز ذلك علم اتباع غير سبيلهم يجب أن يستحق الوعيد به على الانفراد وذلك انما لا نعلم بظاهر الاية ان مشاقة الرسول يستحق بها الوعيد إذا انفردت عن اتباع غير سبيل المؤمنين ولو خلينا وظاهر الاية لما علقنا الوعيد الا على من جميع بينها لكن علمنا بالدليل ان مشاقة الرسول بها على الانفراد الوعيد فلاجل ذلك قلنا به فاما ضم المباحات إلى مشاقة الرسول فانما لم يجز لانا قد علمنا ان حكم المباحات عند الانضمام حكمها عند الانفراد في أنه لا يستحق بها الوعيد وقد كان يجوز أن يستحق بها الوعيد إذا انضم

[ 70 ]

إلى المشاقة ولم يكن ذلك بابعد من شيئين مباحين على الانفراد فإذا جمع بينها صار محظورين الا ترى انه يجوز للخبر المسلم العقد على ثلث من النسوة على الانفراد وعلى امرائتين ايضا على الانفراد ولا يجوز له بجمع في عقد واحد ثلثا وثنتين لان ذلك مخطور ولذلك نظاير كثيرة في الشرع لكن هذا وان كان جايزا علمنا انه لم يثبت لان علمنا ان فعل شئ من المباحات ومن الاكل والشرب وان انضم إلى مشاقة الرسول فانه لا يستحق (به) الوعيد فلاجل ذلك لم يجز ضم ذلك إلى المشاقة واستدلوا (تعلقوا خ ر) ايضا بقوله تعالى وكك (كذلك) جعلناكم امة وسطا قالوا والوسط العدل ولا يكون هذه حالهم الا وهم خيار لان الوسط من كل شئ هي المعتدل منه وقوله تعالى قال اوسطهم الم اقل لكم المراد به خيرهم وعلى هذا الوجه يقال انه (ع) من اوسط العرب يعنى بذلك من خير لهم وايضا فانه جعلهم كك ليكونوا شهداء على الناس كما انه (ع) شهيد عليهم فكما انه لا يكون شهيدا الا وقوله حق فكك القول فيهم وهذه الاية لا تدل ايضا على ما يدعونه لا يخلو ان يكون المراد بها جميع الامة المصدقة بالرسول (ع) أو بعضها وقد علمنا انه لا يجوز أن يريد به جميعا لان كثيرا منها ليس بخيار ولا يجوز من الحكيم تعالى أن يصف جماعة بانهم خيار عدول وفيهم من ليس بعدل ولا خير وهذا مما يوافقنا عليه اكثر من خالفنا وان كان اراد بعضها لم يخل ولك البعض أن يكون جميع المؤمنين المحقين للثواب أو يكون بعضا منهم غير معين فان كان الاول فلا دلالة توجب عمومها في الكل دون حملها على بعض معين لانه لا لفظ هيهنا من الالفاظ التي تدعى للعموم كما هو في الايتين (الاية ظ) المتقدمتين وان كان المراد بعضا معينا (غير معين ظ) فخرجت الاية من أن يكون فيها دلالة لخصومنا على الخلاف بيننا وبينهم ولم يكون بعض المؤمنين بأن يقتضى تناولها اولى من بعض وساغ لنا ان نقصرها على الائمة من ال محمد (ع) ويكون قولنا اثبت في الاية من كل قول لقيام الدلالة على عصمة من عدلنا بها إليه وطهارته وتمييزه من كل الاية فان قيل اطلاق القول يقتضى دخول كل الامة فيه ولولا الدلالة التي دلت من حيث الوصف المخصوص على تخصيص من يستحق المدح منهم والثواب فإذا خرج من لا يستحقها بدليل وجب عمومها في كل المستحقين للثواب والمدح لانه ليس هي بأن تتناول بعضها اولا من بعض قيل له ان اطلاق القول لا يقتضى كل الامة على اصلنا حتى يلزم إذا اخرجنا من لا يستحق الثواب منه أن لا يخرج غيره واقتضى ذلك وموجب تعليق الاية بكل من عد الخارجين عن استحقاق الثواب الواجب القضا لعمومها في جميع من كل كان بهذا الصفة في ساير الاعصار لان ظاهر العموم يقتضيه على مذهب من قال (ع) فكان يسوغ عمل القول على الاجماع كل عصر وهذا يبطل الفروض في اجتماع الاية وليس لاحد أن يقول كيف يكون اجتماع جميع اهل الاعصار على الشهادة حجة ولا يكون اجماع كل اهل عصر حجة

[ 71 ]

وصوابا فانه يقال لهم كما تقولون ان اجماع اهل كل عصر حجة وليس اجماع كل فرضنا حجة فان قيل بأي شئ يشهد جميعهم وهم لا يصح ان يشاهدوا كلهم شيئا واحدا فيشهدوا به قيل لهم قد يصح الشهادة بما لا يشاهد من المعلومات كشهادتنا بتوحيد الله تعالى وعدله ونبوة انبيائه إلى غير ذلك مما يكثر تعداده ولو قيل ايضا فعلى من تكون الشهادة إذا كان جميع اهل الاعصار هم الشهداء قلنا تكون شهادتهم على من لا يستحق ثوابا ولا يدخل تحت القول من الامة ويصح ايضا أن يشهدوا على باقى الامم الخارجين عن المسألة وكل هذا غير مستبعد ويمكن ايضا ان يقال في اصل تأويل الاية ان قوله تعالى جعلناكم امة وسطا إذا سلموا ان المراد به جعلناكم عدولا خيارا لا يدل ايضا على ما يريد الخصم لانه لم يبين هل جعلهم عدولا في كل اقوالهم وافعالهم أو في بعضها فالقول مجمل و يمكن أن يكون تعالى اراد انهم عدول فيما يشهدون به في الاخرة أو في بعض الاحوال فان رجع راجع إلى أن يقول اطلاق القول ليقتضى العموم وليس هو بأن يحمل على بعض الاحوال أو الامور أولى من بعض فقد مضى الكلام على ما يشبه هذا مستقصى فاما حملهم الامة على النبي صلى الله عليه وآله حجة من حيث كان شهيدا بل من حيث كان نبيا ومعصوما فتشبيه احد الامرين بالاخر من البعيد ومما يسقط التعلق بالاية ايضا ان قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس يقتضى حصول واحد منهم بهذه الصفة لان ما جرى هذا المجرى من الاوصاف لابد أن يكون حال الواحد فيه كحال الجماعة الا ترى انه لا يسوغ ان يقال في جماعة انهم مؤمنون الا وكل واحد منهم مؤمن وكك لا يسوغ أن يقال في جماعة انهم شهداء الا وكل واحد منهم شهيد لان شهداء جمع شهيد كما ان مؤمنين جمع مؤمن هذا يوجب أن يكون كل واحد من الامة حجة مقطوعا على صواب فعله وقوله وإذا لم يكون هذا مذهب الاحد وكان استدلال الخصم بالاية موجبة فسد قولهم ووجب صرف الاية إلى جماعة يكون كل واحد منهم شهيدا وحجة وهم الائمة عليهم اللام الذين قد ثبتت عصمتهم وطهارتهم على ان الاية لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه فيها لا يقتضى كون جميع اقوال الامة وافعالها حجة انها غير مانعة من الصغاير وقوع التي لا تسقط العداله منهم فان امكن تمييز الصغاير من غيرها كانوا حجة فيما قطع عليه وان لم يكن وعلم في الجملة أن الخطاء الذي يكون كبيرا ويؤثر في العدالة مأمون منهم وغير واقع من جهتهم وان ما عداه مجوز عليهم فسقط بما ذكرناه تعلق المخالف بالاية في نصرة الاجماع وليس لاحد أن يقول ان كونهم عدولا كالعلة والسبب في كونهم شهداء وانه قد صح في (العقل ظ) التعبد انه لا يجوز أن ينصب للشهادة الا من يعلم عدالته أو تعرف الامارات التي تقتضي غالب الظن وصح أن من ينصبه الغالب الظن إذا تولى الله عصمته نصبه يجب أن يعلم من حاله ما يظنه وإذا ثبت ذلك لا يخلو من أن يكونوا حجة فيما يشهدون أولا يكونون فان لم يكونوا حجة بطلت شهادتهم

[ 72 ]

لان من حق الشاهد إذا اخبر عما يشهد به أن يكون خبره حقا وان لم يجرى مجرى الشهادة فلابد من أن يكون خبرهم (قولهم) صحيحا ولا يكون كك الا وهم حجة وليس بعض اقوالهم وافعالهم بذلك اولى من بعض وذلك انه لو سلم جميع ما ذكروه لم يلزم أن يكونوا حجة في جميع اقوالهم وافعالهم لان اكثر ما يدل عليه الاية فيهم أن يكونوا عدولا وشحوا للشهادة فالواجب أن ينفى عنهم ما جرح شهادتهم واثر في عدالتهم دون ما لم يكن بهذه المنزلة وإذا كانت الصغاير على مذهبهم غير مخرجة عن العدالة لم يجب بمقتضى الاية نفيها عنهم وبطل قوله انه ليس بعض اقوالهم وافعالهم بذلك اولى من بعض لانا قد بينا الفرق بين بعض الافعال المسقطة للعدالة والافعال التي لا تسقطها ثم يقال لهم اليس لرسول صلى الله عليه وآله مع كونه شهيدا لا يمنع من وقوع الصغاير منه فهلا جاز ذلك في الامة وليس لهم أن يقولوا ان حالهم مخالفة لحال الرسول لان ما نجوزه عليه من الصغاير ما يؤديه عن الله تعالى مما هو الحجة فيه من أن يكون متميزا فيصح كونه حجة وليس كك لو جوزنا على الامة الخطاء في بعض ما تقوله و تفعله لان ذلك يوجب خروج كل ما يجمع عليه من أن يكون حجة لان الطريقة في الجمع واحدة فيسقط بما ذكرناه لانه إذا كان تجويز الصغاير على الرسول لا يخرجه فيما يؤديه (مما) فيما يكون حجة ويتميز ذلك للمكلف فكك إذا كانت الاية انما يقتضى كون الامة عدولا فيجب نفى ما اثر في عدالتهم والقطع على انتفاء الكبير من المعاصي عنهم وتجويز ما عدا هذا عليهم ولا تخرج هذا التجويز من أن يكونوا حجة فيما لو كان خطاء لكان كبيرا وقد يصح تمييز ذلك على وجه فان في المعاصي ما يقطع على كونها كباير ولو لم يكن إلى تمييزه سبيل لصح الكلام ايضا من حيث كان الواجب علينا اعتقاد نفى الكباير عنهم وتجويز الصغاير وان شهادتهم بها (بما ظ) لو لم يكن حقا لكانت الشهادة به كبيرة لا تقع منهم وان جاز وقوع ما لم يبلغ هذه المنزلة ويكون هذا الاعتقاد مما يجب علينا على سبيل الجملة وان تعذر علينا تفصيل افعالهم التي يكونون فيها حجة من خالفها لا سيما وشهادة ليست عندنا فيجب علينا تمييز خطاءهم من صوابهم وانما هي عند الله تعالى إذا كانت عنده جاز أن يكون الواجب علينا هذا الاعتقاد الذي ذكرناه فان قيل ليس المراد بالاية الشهادة في الاخرة و انما هو القول بالحق والاخبار بالصدق كقوله تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة واولوا العلم وكل من قال حقا وهو شاذ به وليس هذا من باب الشهادة التي تؤدى أو يتحمل سبيل وان كانوا مع شهادتهم بالحق يشهدون في الاخرة بالاعمال العباد فيجب في كلما اجمعوا عليه قولا أن يكون حقا وفعلهم يقوم مقام قولهم فيجب أن يكون هذا حاله لانهم إذا جمعوا على الشئ خلاف اظهره اظهار ما يعتقد انه حق حل محل الخير وهذا يوجب انه لا فرق بين الصغير والكبير في هذا الباب قيل له هذا غير مؤثر فيما قدحنا به في الاستدلال بالاية لان التعلق من الاية انما

[ 73 ]

هو بكونهم عدولا لا بلفظ الشهادة لان التعيق لو كان بالشهادة لم يكن في الكلام شبهة من حيث كانت الشهادة لا تدل بنفسها على كونها حجة كما يدل العدالة ولو تعلق متعلق بكونهم شهودا ويذكر شهادتهم لم يجد بدا من اعتبار العدالة والرجوع إليها وإذا كانت الصغاير لا يؤثر في العدالة ولا يمتنع وقوعها على مذهب المعتزلة من العدل المقبول الشهادة فما الموجب من الاية نفيها عن الامة ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكونوا شهداء في الدنيا والاخرة معا وبين أن يكونوا شهداء في الاخرة دون الدنيا واستدلوا ايضا بقوله تعالى كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر فلا يجوز ان يقع منها خطأ لان ذلك يخرجها من كونها خيار ويخرجهما ايضا من كونها امرة بالمعروف وناهية عن المنكر الا أن يكون آمرة بالمنكر وناهية عن المعروف ولا ملجاء من ذلك الا بالامتناع من وقوع شئ من القبايح من جهتهم والكلام على هذا الدليل مثل الكلام على الاية التي ذكرناها قبل هذه الاية على حد واحد من المنازعة في أن تكون لفظة الامة يستحق الجمع والشمول ومع التسليم انها تشتمل جميع اهل الاعصار دون اهل كل عصر وفي انه لا يجوز ان يوصفوا بانهم خيارالا وكل واحد منهم بهذه الصفة وفي ان اكثر ما تقتضيه الاية ان لا يقع منهم ما يخرجهم من كونهم خيارا من الكباير ولا يجب من ذلك الا يقع منهم الصغير الذي ينحبط عقابه ولا يخرجهم من كونهم بهذه الصفة فالكلام في الاثنين على حد واحد ويمكن أن يقال في هذه الاية وفي التي تقدمت ان المراد بها قوم معنيين (معينون خ ر) لما يتضمنان من حرف الاشارة في المخاطبين وليس فيهما ما يقتضى لفظ العموم لان الفاظ العموم معلومة وليس فيهما شئ منها فان رجعوا إلى ان يقولوا لو كان المراد به ما دون الاستغراق لبين قيل لهم ولو كان المراد بها الاستغراق لبين وإذا تقابل القولان سقط الاحتجاج بالاية وكان ما يسئل على هذه الطعون فقد مضى الجواب عنه في الاية المتقدمة فلا وجه لتكراره واستدلوا ايضا بقوله تعالى فاتبع سبيل من اناب إلى قالوا فاوجب الله تعالى اتباع سبيل من اناب إليه وهم المؤمنون لهم المختصون بهذه الطريقة والكلام في هذه الاية كالكلام في الايات المتقدمة واكثر ما اعترضنا به عليها فهو اعتراض على هذه الاية ايضا ومما يختص بهذه الاية ان الانابة حقيقها في اللغة هي الرجوع وانما يستعمل في التايب حيث رجع عن المعصية إلى الطاعة وليس يصح اجزاؤها على المتمسك بطريقة واحدة لم يرجع إليها من غيرها على سبيل الحقيقة ولو استعمل فيما ذكرناه لكان مستعملها متجوزا عند جميع اهل اللغة وإذا كانت حقيقة الانابة في اللغة هي الرجوع لم يصح اجراء قوله تعالى واتبع سبيل من اناب على جميع المؤمنين حتى يعم بها من كان متمسكا بالايمان وغير خارج عن غيره إليه ومن رجع عن اعتقاده واناب إليه بعد ان كان على غيره لانا لو فعلنا ذلك لكنا عادلين باللفظة عن حقيقتها من غير ضروره فالواجب أن يكون ظاهرها متناولا للتأسي من المؤمنين الذين انابوا إلى الايمان وفارقوا غيره وإذا تناولت هذا لم يكن دلالة على مكان الخلاف بيننا وبين خصومنا

[ 74 ]

في الاجماع واستدلوا ايضا بقوله تعالى فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول قالوا فاوجب علينا الرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع فيجب إذا ارتفع التنازع الا يجب الرد ولا يسقط وجوب الرد اليهما الا لكونه حجة والكلام على هذه الاية من وجوه احدها ان هذا خطاب لجماعة مواجهين بالخطاب وليس فيها لفظ يقتضى الاستغراق لجميع الامة وإذا لم يكن فيها ذلك لم يكن لاحد أن يحملها على الاستغراق وليس لهم ان يقولوا نحملها على الجمع لفقد الدلالة على ان المراد بها الاستغراق وثانيها ان اكثر ما في الاية ان تفيد (ظ) انه عند وجود التنازع يجب الرد إلى الكتاب والسنة وليس فيها ذكر ما يرتفع التنازع فيه الا من حيث دليل الخطاب الذي اكثر من خالفنا مبطلة وفرق مبتداء من فرق بين تعليق الحكم بالصفة وبينه إذا علق بشرط فاسد لما بيناه فيما تقدم من هذا الكتاب وثالثها ان ما يرتفع التنازع فيه لابد من أن يكون مردود إلى الكتاب والسنة لانهم لا يجمعون الا عن دليل ولا يخلو ذلك الدليل من الكتاب والسنة فكأنهم في حال وجود التنازع يجب عليهم الرد وعند ارتفاعه يكون قد ردوا ولا فرق بين وجود التنازع وبين ارتفاعه وارابعها (ورابعها) ان المراد بالاية ان يجب الرد إلى الكتاب والسنة فيما طريقة العلم لانه لو كان فيما طريقة العمل وكان المنازعون مجتهدين فيما تنازعوا فيه لم يجب عليهم الرد وانما يجب عليهم الرد على كل حال إذا كان ما اختلفوا فيه لا يسوغ الخلاف فيه وهذه جملة كافية في ابطال التعلق بهذه الاية واستدل بعضهم على صحة الاجماع بقوله وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون قالوا فاخبر الله تعالى ان فيمن خلق امة تهدى بالحق وهذا يؤمننا من اجتماعهم على ضلال وكفر والكلام ايضا على هذه الاية من وجوه احدها انه اخبر عمن خلق فيما مضى لان قوله خلقنا يفيد المضى في الازمان فمن اين لهم ان هذا حكمهم في المستقبل من الزمان وليس لهم ان يقولوا ان قوله يهدون بالحق يفيد الاستقبال وذلك ان هذه اللفظة تصلح للحال والاستقبال وإذا اصلحت لذلك فلا يمتنع أن يكون اريد بها الحال فكأنه قال وممن خلقنا امة هادية للحق عادلة به وثانيها ان قوله تعالى امة يقع على الواحد وعلى الجماعة ويقع على جميع الامة على وجه الاستغراق الا ترى ان الله تعالى وصف ابرهيم بانه كان امة وهو واحد وقال ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة من الناس يريد به جماعة وإذا كان الامر على ذلك فمن اين للخصم ان المراد به جميع الامة وثالثها انه لا يمتنع أن يكون اراد تعالى بقوله امة النبي (ع) أو من يجرى قوله مجرى قول النبي في كونه حجة وموجبا للعلم فإذا احتمل ذلك (لم يكن خ ر) فمن اين للخصم الاحتجاج بالاية واستدلوا ايضا على صحة الاجماع بما روى عن النبي (ع) انه قال لا تجتمع امتى على خطاء ويلفظ آخر لم يكن الله ليجمع امتى على خطاء وبقوله كونوا مع الجماعة ويد الله على الجماعة وما اشبه ذلك من الالفاظ وهذه الاخبار لا يصح التعلق بها لانها كلها لا يصح التعلق لانها

[ 75 ]

اخبار احاد لا توجب علما وهذه مسألة طريقها العلم وليس لهم أن يقولوا قد تلقتها بالقبول وعلمت به لو سلمنا ذلك لم يكن فيها ايضا حجة لان كلامنا في صحة الاجماع الذي لا يثبت الا بعد ثبوت الخبر والخبر لا يصح حتى يثبت انهم لا يجمعون على خطاء وليس لهم أن يقولوا قد عملوا بهذه الاخبار وعولوا في صحة الاجماع عليها في كل زمان فقد جرت عادتهم لا يقبلوا ما جرى هذا المجرى ولا يعملوا به الا إذا كان قاطعا لعذرهم لانا اولا لا نسلم انهم استدلوا على صحة الاجماع بهذه الاخبار ولا يبعد ان يكون اعتمدوا في صحة الاجماع على الايات التي ذكرناها وان كانوا مخطئين في صحة الاستدلال بها فمن اين لهم انهم استدلوا بها على صحة الاجماع ولو سلم انهم استدلوا لجاز أن يكونوا مخطئين في الاستدلال بها ويكونوا اعتقدوا انها قاطعة للعذر وان لم يكن كك لضرب من الشبهة دخلت عليهم وقولهم اكثر ما جرت عادتهم فيما يجرى هذا المجرى ان يقبلو الا الصحيح فلو سلمنا غاية ما يقترحونه لم يكن فيه ان يستدلوا الا بما يعتقدون وان طريقه العلم فمن اين ان ما اعتقدوه صحيح وذلك لا يثبت الا بعد صحة الخبر أو غيره من الادلة ولو سلم من جميع ذلك لجاز أن يحمل الخبر على طائفة من الامة وهم الايمة من ال محمد عليهم السلام لان لفظة الامة لا تفيد الاستغراق على ما مضى القول فيه وذلك اولى حيث دلت الدلالة على عصمتهم من القبايح وان قالوا يجب حمله على جميع الامة لفقد الدلالة على ان المراد بعض الامة كان لغيرهم أن يقول انا احمل الخبر على جميع الامة من لدن النبي صلى الله عليه وآله إلى أن تقوم الساعة من حيث ان لفظ الامة يشملهم ويتناولهم فمن اين ان اجماع كل عصر حجة على انه قد قيل ان الخبر الاول لا يمتنع أن يكون رواية سمع من النبي (ع) مجزوما ويكون المراد النهى من أن يجمعوا على خطاء وليس من عادة اصحاب الحديث ضبط الاعراب فيما يجرى هذا المجرى وإذا كان ذلك محتملا سقط الاحتجاج به واما الخبر الثاني من قوله لم يكن الله ليجمع امتى على خطاء فصحيح ولا يجئى من ذلك انهم لا يجمعون على خطاء وليس لهم أن يقولوا ان هذا لاختصاص فيه لامتنا بذلك دون ساير الامم لان الله تعالى لا يجمع ساير الامم على خطاء وذلك انه وان كان الامر على ما قالوا فيمكن أن يخص هؤلاء بالذكر ومن عداهم يعلم ان حالهم كحالهم بدليل اخر ولذلك نظاير كثيرة في القران والاخبار على ان هذا هو القول بدليل الخطاب الذي لا يعتمده اكثر من خالفنا فهذه جملة كافية في الكلام على الايات والاخبار التي اعتمدوها في نصرة الاجماع على ما يذهبون إليه فصل في كيفية العلم بالاجماع ومن يعتبر قوله فيه إذا كان المعتبر في باب كونه حجة قول الامام المعصوم فالطريق إلى معرفة قوله شيئان احدهما السماع منه والمشاهدة لقوله والثاني النقل عنه بما يوجب العلم فيعلم بذلك ايضا قوله هذا إذا تعين لنا قول الامام فإذا لم يتعين لنا قول الامام ولا ينقل عنه نقلا يوجب العلم ويكون قوله في جملة الامة متميز منها فانه يحتاج أن ينظر في احوال المختلفين فكل من خالف فيمن يعرف نسبه ويعلم منشأه وعرف انه ليس بالامام الذي

[ 76 ]

دل الدليل على عصمته وكونه حجة وجب اطراح قوله ولا تعتد به ويعتبر اقوال الذين لا يعرف نسبهم لجواز أن يكون كل واحد منهم الامام الذي هو الحجة ويعتبر اقوالهم في باب كونهم حجة فان قيل فعلى هذا التقدير هل تراعون قول من خالفكم في الاصول ام تراعون قول وافقكم فيها قلنا لا نراعى قول من خالفنا في شئ من الاصول من التوحيد والعدل والامامة والارجاء وغير ذلك لان جميع ذلك معلوم بالادلة الصحيحة التي لا يجوز خلافها ولابد أن يكون الامام قائلا بها وإذا كان لابد أن يكون الامام قائلا بها فمن خالف الامامية في شئ من هذه الاصول فينبغي أن يكون قوله مطروحا ويكون ذلك ابلغ من اطراح قول من علمنا لان التعيين بخلاف الحق مثل التعيين بالنسب بل بذلك اكد لانه معلوم من طريق لا يحتمل خلافه فان قيل ولم لا يجوز أن يكون الامام المعصوم مظهرا لبعض هذه المذاهب المخالفة لمذاهب الامامية لضرب من التقية على ما تجوزون عليه وان كان قوله حقا فيما يرجع إلى الفروع فلا يجب أن يقطعوا على ان المعتبر قول الامامية قيل انما يجب اطراح قول من خالفنا في الاصول إذا علم أنه قد قائل به قد بينا ومعتقدا فاما إذا جوزنا انه قائل به لضرب من التقية فيجب أن يطرح قوله ويعتبر قوله وقول من جوزنا ذلك فيه مع اقوال المظهرين للحق ليصح لنا العلم بدخول قول الامام في جملة اقوالهم فان قيل فما قولكم إذا اختلفت الامامية في مسألة كيف يعلمون ان قول الامام داخل في جملة اقوال بعضها دون بعضها قلنا إذا اختلفت الامامية في مسألة كيف يعلمون قول الامام دخل في جملة اقوال بعضها دون بعضها قلنا إذا اختلفت الامامية في مسألة نظرنا في تلك المسألة فان كان عليها دلالة توجب العلم من كتاب أو سنة مقطوع بها يدل على صحة بعض اقوال المختلفين قطعنا على ان قول المعصوم موافق لذلك القول ومطابق له وان لم يكن على احد الاقوال دليل يوجب العلم نظرنا في احوال المختلفين فكل (وان كان خ ر) ممن عرفناه بعينه ونسبه وقائلا بقول والباقون قائلون بالقول الاخر لم نعتبر قول من عرفناه لانا نعلم ان ليس فيهم الامام المعصوم الذي قوله حجة فان كان في الفريقين اقوام لا يعرف اعيانهم ولا انسابهم وهم مع ذلك مختلفون كان المسألة من باب ما تكون فيها مخيرين بأي القولين شئنا اخذنا ويجرى ذلك مجرى الخبرين المتعارضين الذي لا ترجيح لاحدهما على الاخر على ما مضى القول فيما تقدم وانما قلنا ذلك لانه لو كان الحق في احدهما يوجب أن يكون مما يمكن الوصول إليه فلما لم يكن دل على انه من باب التخيير ومتى فرضنا أن يكون الحق في واحد من الاقوال ولم يكن هناك ما يميز ذلك القول من غيره فلا يجوز للامام المعصوم حينئذ الاستتار ووجب عليه ان يظهر ويبين الحق في تلك المسألة لو يعلم بعض ثقاته الذين يسكن إليهم الحق من تلك الافعال حتى يؤدى ذلك إلى الامة ويقترن بقوله علم معجز يدل على صدقه لانه متى لم يكن كذلك لم يحسن التكليف وفي علمنا ببقاء التكليف ولعدم ظهوره أو ظهور ما يجرى مجراه دليل على ان ذلك لم يتفق فان قيل بجواز ان يختلف الامامية

[ 77 ]

على قولين يكون احد القولين قول الامام والباقون قولهم على خلافه وما اجزتم ذلك كان في ذلك تعيين الامام وتمييزه وذلك لا تقولونه وان امتنعتم من ذلك قيل لكم وما المانع من ذلك قيل الذي نقول في ذلك انه لا يمتنع ما فرض في السؤال على وجه ويمتنع على وجه فالجايز من ذلك هو أن يجمع كل من عدا الامام على قول إذا لم نعرفهم كلهم باسمائهم ويجوز أن يكون الامام فيهم ومن جملتهم ونجوز ايضا مع ذلك أن يكون المنفرد الذي قال بالقول الاخر وهذا لا يؤدى إلى العلم بعين الامام وتمييزه والذي لا يجوز أن يكون الجماعة الذين خالفوا الواحد المعروفين باسمائهم وانسابهم لانه متى كان كك علم به ان الامام هو الاخر وذلك ينافى غيبته (ع) فان قيل فإذا اتفق ما اجزتموه من القسمين كيف قولكم فيه قيل متى اتفق ذلك وكان على القول الذي انفرد به الامام دليل من كتاب أو سنة مقطوع بهما لم يجب عليه ظهور ولا الدلالة على ذلك لان ما هو موجود من دليل الكتاب والسنة كان في باب ازاحة التكليف ومتى لم يكن القول على الذي انفرد به دليل على ما قلناه وجب عليه الظهور أو اظهار من يبين الحق على تلك المسألة على ما قد مضى القول فيه والا لم يحسن التكليف ولا ينقض هذا ما قدمناه من اختلاف الطائفة على قولين ولا يكن لاحد القولين ترجيح على الاخر ولا دليل على ان المعصوم مع احدهما بان قلنا تكون مخيرين في العمل بأي القولين شئنا لان هذه المسألة مفروضة إذا كان الحق فيما عند الامام دون غيره من الاقوال ويكون من الامور المضيقة وانما يجوز ما قدمناه اولا إذا كان من باب ما يجوز التخيير فيه ولا تنافى بين المسئلتين وذكر المرتضى علي بن الحسين الموسوي قدس الله روحه اخيرا انه يجوز أن يكون الحق فيما عند الامام والاقوال الاخر تكون كلها باطلة ولا يجب عليه الظهور لانه إذا كنا نحن السبب في استتاره فكلما يفوتنا من الانتفاع به وبتصرفه وبما معه من الاحكام يكون قد اتينا من قبل نفوسنا فيه ولو ازلنا سبب الاستتار لظهر وانتفعنا به وادى الينا الحق الذي عنده وهذا عندي غير صحيح لانه يؤدي إلى الا يصح الاحتجاج باجماع الطائفة اصلا لانا لا نعلم دخول الامام فيها الا بالاعتبار الذي بينا فمتى جوزنا انفراده (ع) بالقول ولا يجب ظهور منع ذلك بالاجماع فان قيل كيف تعلمون اجماع الامامية على مسألة وهم منتشرون في اطراف الارض وفي البلاد التي يكاد ينقطع خبر اهلها عن البلاد الاخر وهل هذا الا متعذر مستحيل قيل له السائل عن هذا السؤال لا يخلو من أن يريد به الطعن في الاجماع على كل حال فان ذلك مما لا يصح ادراك العلم به على حال أو يريد اختصاص الامامية بهذا السؤال دون غيرهم فان اراد الاول فقوله يسقط لان من هو في اطراف الارض وفي البلاد البعيدة اخبارهم متصلة وخاصة العلماء منهم لان الدين يراعى اقوالهم هم العلماء دون العامة الذين لا يعتبرون في هذا الباب ولهذا لا نشك ولا احد من العلماء ان في اطراف الارض من يعتقد

[ 78 ]

الفرض في غسل اعضاء الطهارة دفعتين دفعتين بل يعلم اجماع العلماء في جميع المواضع على ان الفرض واحد من الغسلات وكك نعلم انه ليس في الامة من يورث المال إذا اجتمع جد واخ للاخ دون الجد لان المتقرر بين العلماء والذين اجمعوا عليه القول بان المال اما للجد كله أو بينهما ولا يقول احد ان المال للاخ دون الجد ونظاير ذلك كثيرة جدا من المسائل التي يعلم اجماع العلماء عليها فمن اراد بهذا السؤال احالة ذلك فقد ابطل وان اراد اختصاص الامامية بالسؤال فذلك لا يخصهم لان على كل من اعتبر الاجماع مثل هذا السؤال بل ان كان ذلك محالا للامامية لانتشارهم في البلدان كان ذلك في المسلمين كلهم اشد استحالة لانهم اكثروا شد انتشارا فعلم بذلك ان السؤال ساقط على الوجهين معا فان قيل من الذي يجب أن يعتبر قوله إذا لم يتميز قول الامام المعصوم اقول جميع الامامية ام قول العلماء منهم قيل إذا لم يتميز قول المعصوم يجب ان يراعى قول العلماء الذين يعرفون الاصول والفروع دون العامة والمقلدين وانما قلنا ذلك لان الذي قوله حجة إذا كان هو الامام المعصوم وكان هو عالما بجميع الاحكام الشريعة ولابد أن يكون عالما بالاصول ويجب أن يكون المراعى من يشتبه حاله بحاله (ع) ومن لا يعرف الاصول ولا الفروع يعلم منه انه لس بامام وإذا علم انه بامام معصوم وجب اطراح قوله ولا يلتفت إليه وليس لاحد أن يقول ان هذا يؤدى إلى ان اصحاب الحديث والفقهاء الذين لا يعرفون الاصول لا يعتد باقوالهم وفي ذلك اسقاط قول اكثرهم قلنا لا يلزم ذلك لان الفقهاء واصحاب الحديث على ضربين ضرب منهم يعلم انه لا يعرف الاصول ولا كثيرا من الفروع فان ذلك لا محالة يجب اطراح قوله لانه قد علم انه ليس بامام والضرب الاخر منهم لا يعلم ذلك من حالهم بل يجوز أن يكونوا مع كونهم متظاهرين بالحديث والفقه قيمين بالاصول وعارفين بها فإذا شككنا في حالهم وجب اعتبار اقوالهم لجواز أن يكون الامام في جملتهم والذي يجب أن يراعى اقوالهم فيه هو كل شئ لا يصح أن يعلم الا من جهة السمع لان ما (لا ظ) يعلم وجود قبل حصول العلم به لا يصح أن يعلم بقول الامة التي قول المعصوم داخل فيها وذلك مثل التوحيد والعدل وجميع صفات القديم لان العلم بان هيهنا معصوم يفتقر إلى تقدم هذه العلوم ومتى لا يقدم لا يمكننا ان نعلم ان هيهنا معصوم لان ذلك فرع على حكمة الله تعالى وعدله وانه لابد ان يزيح علة المكلفين بنصب رئيس لهم معصوم وذلك لا يمكن أن يعلم بلاجماع على حال فاما النبوة فقد كان يصح أن يعلم باجماع الامة الذين قول المعصوم داخل في جملتها لان ذلك لا يفتقر إلى العلم بالنبوة لانا إذا علمنا ان الله تعالى حكيم وعدل لابد أن نعلم انه يزيح علة المكلفين في التكليف بنصب رئيس معصوم لهم ليكونوا متمكنين مزاحي العلة فيما كلفوه فإذا علمنا ذلك واجمعوا على نبوة شخص

[ 79 ]

يعلم باجماعهم نبوته فان قيل كيف يصح هذا القول والامام عينه الا بنص الرسول عليه السالم لان الله تعالى بعلمه ذلك بالوحى والامام لا يوحى إليه فيعلم انه امام فكيف يدعى انه امام وكيف يعلم صحة دعواه قيل له اما العلم بكونه اماما فقد يحصل لنا العلم المعجز الذي يظهره الله تعالى على يده يتضمن تصديقه فيما يدعيه ويدعى هو انه الامام المعصوم الذي لا يخلو الزمان منه واظهار المعجزات يجوز عندنا على الائمة والصالحين ايضا وقد دللنا على ذلك لا يوحى تلخيص الشافعي لاما الامام نفسه فانما يعلم كونه اماما إذا كان ممن في كتاب إليه على ما قرر في السؤال بقول نبى يتقدمه ثم ينص هو على من بعده وكك في المستقبل الاوقات فإذا اجمعوا على قول كان معصوم العصر فيه على نبوة نبى آخر علم صحة نبوته ولا يحتاج إلى علم معجز بل كان ذلك كافيا في العلم بصدقة وقد يجوز أن يكون الامام الاول نبيا لانه لا تنافى بين المنزلتين بل يصح اجتماعهما وإذا جاز ذلك فإذا فرضنا ان اول الائمة نبى جاز أن يعلم امامة من بعده وكذلك نبوة من يأتي في المستقبل بنص عليه أو باعتبار الاجماع الذي يدخل فيهم فان قيل هذا القول يؤدى إلى ان العقل لا ينفك من السمع لانه إذا كان لابد للمكلفين من امام معصوم في كل حال وفي اول حال التكليف ولابد لهم من امام ولا يعلم كونه اماما الا بنبوته (اما خ ل) أو بنبوة من بعده فينص عليه فقد صار التكليف لا ينفك من السمع وذلك يأباه كثير منكم قيل من اصحابنا من قال بذلك فعلى مذهبه سقط السؤال ومن قال انه يجوز أن يخلو العقل من السمع فانما يريد بذلك السمع الشرعي الذي يتضمن العبادات والاحكام فاما سمعا يتضمن الدلالة على عين الامام المعصوم فانه لا يجيز احد من الطايفة خلو التكليف منه وعلى هذا المذهب ايضا قد سقط السؤال واما كيفية اجماعهم فيكون على ضروب منها ان يجمعوا على مسألة قولا فيعلم بذلك صحة المسألة ومنها أن يجمعوا عليها قولا وفعلا بأن يقول بعضهم ويفعل بعضهم فيعلم بذلك صحتها ولابد في هذه الوجوه كلها أن يعلم انهم لم يجمعوا على ذلك بضروب من التقية لان ما يوجب التقية يحمل على اظهار القول بغير الحق وكذلك يحمل على كل فعل وان كان الحق في خلافه فلذلك شرطنا فيه ارتفاع التقية ومنها أن يعلم رضاهم بالمسألة واعتقادهم بصحتها فان ذلك ايضا يدل على صحتها وهذا الوجه لا يحتاج أن يعلم منه زوال التقية لان الرضا من افعال القلوب والتقية لا تحمل على ذلك وانما تحمل على افعال الجوارح ولا يجوز ومنها ان يجمعوا على الذهاب عما يجب ان يعلموا لان الامام يجب عندنا ان يكون عالما بجميع ما نصب فيه وجعل حاكما فيه فلا يجوز أن يكون امر يجب أن يعلم فلا يعلمونه كلهم لان ذلك يؤدى إلى نقص كون الامام عالما بجميع الاحكام ويؤدى ايضا إلى نقض كون المعصوم في جملتهم لان المعصوم لا يجوز أن يخل بما تجب معرفته فاما ما لا يجب العلم فلا يمتنع ان يذهب عن جميعهم لانه ليس هيهنا وجه يوجب علمهم

[ 80 ]

بذلك فان قلنا ان المراعى في اجماع الطايفة باجماع العلماء بالاصول والفروع فلا ينبغي أن يعتبر قول من ليس هو من جملة العلماء فان كان هناك من لا يعلم حاله وهل هو عالم بذلك أم لا و يكون قوله مخالفا لقول الباقين فينبغي أن يكون خلافه خلافا لانا لانا من أن يكون ممن يعلم جميع ذلك وإذا جوزنا أن يكون عالما بجميع ذلك جوزنا أن يكون اماما وإذا جوزناه اماما لم يكن اسقاط خلافه ومنها (واعلم خ ر) ان الطايفة إذا اختلتف على قولين وجوزنا كون المعصوم داخلا في كل واحد من الفريقين فان ذلك لا يكون اجماعا ولاصحابنا في ذلك مذهبان منهم من يقول إذا تكافى الفريقان ولم يكن من احدهما دليل نوجب العلم أو يدل على ان المعصوم داخل معهم فيه سقطا جميعا ووجب التمسك بمقتضى العقل من خطر (حظر) أو اباحة على اختلاف مذاهبهم وهذا المذهب ليس بقوى عندي لانهم إذا اختلفوا على قولين علم ان قول الامام موافق لاحدهما لا محالة لانه لا يجوز أن يكون قوله خارجا عن القولين لان ذلك ينقض كونهم مجمعين على قولين وإذا علمنا دخول قول الامام في جملة القولين كيف يجوز اطراحها والعمل بمقتضى العقل ولو جاز ذلك لجاز أن يتعين ايضا قول الامام ومع ذلك يجوز لنا تركه والعمل بما في العقل وذلك باطل وبالاتفاق ومنهم من أن يقول نحن مخيرون في الاخذ بأي القولين شئنا ويجرى ذلك مجرى خبرين تعارضا ولا يكون لاحدهما مزية على الاخر فانا نكون مخيرين في العمل بهما وهذا الذي يقوى في نفسي ومتى قيل بالمذهب الاول فرض اجماعهم بعد ذلك على احد القولين كان ذلك جايزا ويعلم باجماعهم صحة ذلك القول وان الاخر لم يكن صحيحا ووجب المصير إلى ما اجمعوا عليه ومتى قلنا بالمذهب الاخير لم يجز أن يجمعوا على احد القولين لانهم لو اجمعوا على احدهما لدل ذلك على ان القول الاخر باطل وقد قلنا انهم مخيرون في العمل بايهما شاءوا واجماعهم على احدهما ينقض ذلك ولسنا ممن يقول انهم يقولون بالقولين اجتهادا ثم يؤدى اجتهادهم إلى احد القولين فيجمعوا عليه لان ذلك انما يصح على مذهب من يقول بالاجماع ولم يراع قول المعصوم الذي نراعيه فاما إذا اجمعوا على قول فلا يجوز أن يراعى الخلاف الذي يحدث بعده لان بالاجماع الاول علم قول المعصوم في تلك المسألة وإذا علم انه هو الحجة فكل قول يخالف يجب أن يحكم بفساده وكك إذا اجمعوا على قولين فاحداث القول الثالث والرابع ينبغي أن يكون فاسدا لان قول المعصوم موافق للقولين والقول الثالث والرابع يخالفه فينبغي أن يحكم بفساده ولا يجوز أن تجمع الامة على مسئلتين مخطيئة فيهما لا على مذهبنا ولا على مذهب من خالفنا فاما على مذهبنا فلانه لابد أن يكون قول الامام مع احدهما ولا يجوز مع ذلك أن يكو خطاء واما على مذهب مخالفينا فلا يجوز ذلك قالوا لان النبي صلى الله عليه وآله نفى عنهم الخطاء خطاء عاما ولم يخص واحدا دون ما زاد

[ 81 ]

على موجب نفيهما (نفيها) معا ولان في ضمن ذلك الاجماع على ترك القول بما هو الحق مثال ذلك ان تفترق الامة فرفتين فرقة تقول المال للاخ دون الجد فذلك خطاء لا محالة والاخرى تقول ان تصرف للجد لا محالة على جميع الاحوال لان في القول بهذين المذهبين خروجا عن الاجماع الذي هو ان المال اما للجد كله أو هو لواحد منهم وذلك بالاتفاق فصل فيما يتفرع على الاجماع من حيث كان اجماعا عند من قال بذلك كيف القول فيه على ما نذهب إليه فمن ذلك انهم إذا اجمعوا على الاستدلال بدليل أو بدليلين هل يجوز أن يستدل بغير ما استدلوا به ام لا فالذي نذهب انه لا يمتنع أن يستدل بدليل آخر إذا كان مما يوجب العلم اما من حجة عقل أو قران أو سنة مقطوع بها وانما قلنا ذلك لان اجماعهم على الاستدلال بدليل انما يدل على صحة ذلك الدليل وكونه موجبا للعلم وذلك لا يمتنع من أن يكون هناك دليل اخر لم يجمعوا عليه اللهم الا أن نفرض المسألة فيقال فإذا اجمعوا على انه لا دليل سواه هل يجوز الاستدلال بدليل آخر فنقول حينئذ ان ذلك لا يجوز لان اجماعهم على انه لا دليل غير ما استدلوا به يوجب العلم بان ما عدا ذلك الدليل شبهة فلا يصح الاستدلال بها فان قيل لو كان هناك دليل اخر لما وسع المعصوم الا يبينه ويترك الاستدلال به حتى يستدركه انسان اخر قيل له انما يجب أن يبين المعصوم ما يقف ازاحة العلة عليه وقد بين ما هو دليل موجب للعلم وهو ما اجمعوا عليه فاما غيره من الادلة فقد سبق بيانه من الله تعالى ومن الرسول وجاز أن لا يجدد المعصوم بيانه وانما يجب عليه بيان ما لا يكون هناك ما يقوم مقامه فان قيل فعلى هذا كان يجوز أن لا يبين ايضا ما قد بيناه واجمعوا عليه لان هناك ما يقوم مقامه في ازاحة العلة في التكليف و هو الذي استدل به من بعد قيل كك تقول ولو لم يبين اصلا شيئا إذا هناك طريق للمكلف إلى علم ما كلفه لكان ذلك جائزا سائغا وانما يجب عليه بيان ما هو موقوف عليه ولا يكون هناك ما يقوم مقامه ومن ذلك انهم إذا اجمعوا على العمل بخبر هل يقطع على صحة ذلك الخبر ام لا وهل يعلم انهم قالوا ما قالوه لاجل الخبر ام لا فالذي نقوله في ذلك انهم إذا اجمعوا على العمل بمخبر خبر وكان الخبر من اخبار الاحاد لانه إذا كان من باب المتواتر فهو يوجب العلم فلا يحتاج إلى الاجماع فيكون قرينة في صحته فانه يحتاج أن ينظر في ذلك فان اجمعوا على انهم قالوا ما قالوه لاجل ذلك الخبر قطعنا بذلك على ان الخبر صحيح صدق وان لم يظهر لنا من اين (ان خ ر) قالوه ولا ينص على ذلك فانا نعلم باجماعهم ان ما تضمنه الخبر صحيح ولا يعلم بذلك صحة الخبر لانه لا يمتنع أن يكونوا قالوا بما وافق مخبر المخبر بدليل اخر أو خبر اخر اقوى منه في باب العلم أو سمعوه من الامام المعصوم فاجمعوا عليه ولم ينقلوا ما لاجله اجمعوا اتكالا على الاجماع وكل ذلك جايز ويجب بذلك التوقف في هذا الخبر لا يقطع على صحته ويجوز كونه صدقا وكذبا وان قطعنا على ان مخبره صحيح يجب

[ 82 ]

العمل به ومتى فرضنا على انهم اجمعوا على انه ليس هناك ما لاجله اجمعوا على ما اجمعوا عليه غير هذا الخبر فان هذا يوجب القطع على صحة ذلك الخبر لان ذلك يجرى مجرى ان يقولوا اجمعنا لاجل هذا الخبر لانه لا فرق بين ان يسندوا اجماعهم إلى الخبر بعينه فبعلم به صحته وبين أن ينفوا اسناده إلى سواه فان به يعلم ايضا صحته فان قيل كيف يجوز أن يجمعوا مخبر خبر ثم لا ينقلوه اصلا وهو اصل الصحة اجماعهم قلنا يجوز ذلك لان اجماعهم اقوى من ذلك لانه مقطوع به ولا يحتمل التأويل ولو نقلوا ذلك الخبر لكان يجوز أن يصير خبرا واحدا فيخرج بذلك من باب كونه دلالة إلى أن يوجب غلبة الظن فيعلم بذلك أن الاجماع اقوى ومن ذلك القول إذا ظهر بين الطايفة ولم يعرف له مخالف هل يدل ذلك على انه اجماع منهم على صحة أم لا فالذي نقوله ان القول إذا ظهر بين الطايفة ولم يعرف له مخالف احتاج ان ينظر فيه فان جوزنا أن يكون قول من نجوزه معصوما بخلافه لا ينبغي أن نقطع على صحته وان لم نجوز أن يكون قول المعصوم بخلافه قطعنا على صحة ذلك القول فان قيل واى طريق لنا إلى أن نعلم ان قول المعصوم يوافقه أو يخالفه قلنا قد يعلم ذلك بأن يكون هناك دليل يوجب العلم يدل على صحة ذلك فيعلم به ان القول موافق لقول المعصوم لمطابقته للدليل الموجب للعلم وإذا هناك دليل يدل على خلاف ذلك القول علمنا ان المعصوم قوله يخالفه وإذا خالفه وجب القطع على بطلان ذلك القول فان عدمنا الطريقين معا ولم نجد ما يدل على صحة ذلك القول ولا على فساده وجب القطع على صحة ذلك القول وانه موافق لقول المعصوم لانه لو كان قول المعصوم مخالفا له لوجب أن يظهره والا كان يقبح التكليف الذي ذلك القول لطف فيه وقد علمنا خلاف ذلك ومن قال من اصحابنا ما حكيناه عنهم فيما تقدم انه لا يجب على المعصوم اظهار ما عليه من حيث ان من سبب غيبته هو السبب لفوت ما يتعلق بمصلحته فيكون قد اتى من قبل نفسه كما ان ما يفوته من الانتفاع بتصرف الامام وامره ونهيه قد اتى فيه من قبل نفسه ينبغي أن يقول يجب أن يتوفق (يتوقف) في ذلك القول ويجوز كونه موافقا لقول الامام ومخالفا له ويرجع في العمل إلى ما يقتضيه العقل حتى يقوم دليل يدل على وجوب انتقاله عنه وقد قلت ان هذه الطريقة غير مرضية عندي لانها تؤدى إلى أن لا يستدل باجماع الطايفة اصلا لجواز أن يكون قول الامام مخالفا لها ومع ذلك لا يجب عليه اظهار ما عنده وقد علمنا خلاف ذلك الكلام في القياس فصل في ذكر حقيقة القياس واختلاف الناس في ورود العبادة به حد القياس هو اثبات مثل حكم المقيس عليه في المقيس ولا فرق في ذلك بين أن يكون القياس عقليا أو شرعيا وانما يختلفان من وجوه آخر سنذكرها لا تؤثر في ان الحقيقة ما قلناه والذي يدل على صحة ما قلناه من الحدان الانسان متى اثبت للفرغ مثل حكم الاصل كان قايسا ومتى لم يثبت له مثل حكمه

[ 83 ]

وان علم جميع صفاته لا يكون قايسا فعلم بذلك ان الحقيقة ما قلناه والاثبات الذي ذكرناه لامر يرجع إلى عرف الشرع عبارة عن العلم وما جرا مجراه من الاعتقاد ثم الخبر تابع لذلك وهو في اصل اللغة عبارة عن الايجاد كما يقال اثبت السهم في القرطاس أي أوجدته ثم يعبر عن الاعتقاد والظن والخبر لكن بعرف الشرع يجب أن تقصر على ما قلناه وفي الناس من قال حد القياس هو اثبات مثل حكم الاصل في الفرع بعلة جامعة بينهما وهذا ايضا نظير لما قلناه غير ان ما قلناه من العبارة اخصر لان قولنا المقيس والمقيس عليه يغنى عن ذكر علة جامعة بينهما لان لفظة المقيس يتضمن انه جمع بينهما بعلة فلا يحتاج ان يذكر في اللفظ لانه متى لم يكن جمع بينهما بعلة لا يكون ذلك قياسا وقد اكثر الفقهاء والاصوليون في حد القياس واحسن الالفاظ ما قلناه وللقياس شروط وهى انه لابد أن يكون الاصل الذي هو المقيس عليه وحكمه معلومين ويعلم ايضا الفرع الذي هو المقيس والشبه الذي الحق احدهما بالاخر وان كان القياس عقليا فلابد من كون العلة في الاصل معلومة كونها علة وان كان شرعيا اجازوا الفقهاء ومن اثبت القياس أن تكون مظنونة ويخالف القياس العقلي السمعى فيما يرجع إلى احكام العلة لان العلة العقلية موجبة ومؤثرة تأثير الايجاب والسمعية عند من قال بها ليست كك بل هي تابعة للدواعي والمصلح المتعلقة بالاختيار ولا دخول للايجاب فيما يجري هذا المجرى وهي في القياس العقلي لا تكون الا معلومة وفي السمع لا يجب أن تكون معلومة بل يجوز أن تكون مظنونة ومتى في العقلي علق الحكم بها ولم نحتج في تعليق الحكم عليها إلى دليل مستأنف وليس كك علة السمع فانها عند اكثرهم لا يكفى في تعليق الحكم بها في كل موضع ان يعلم بل يحتاج فيها إلى التعبد بالقياس وعلة السمع قد يكون ايضا مجموع اشياء وقد يحتاج إلى شروط في كونها علة وقد يكون علة في وقت دون وقت وفي عين دون اخرى والوقت واحد عند من اجاز تخصيص العلة وقد تكون العلة الواحدة علة للاحكام كثيرة وكل هذا واشباهه يفارق فيه علة العقل لعلة الشرع واختلف الناس في القياس في الشريعة فمنهم من نفاه ومنهم من اثبته واختلف من نفاه فمنهم من احال ورود العبادة به جملة وانكر أن يكون طريقا لمعرفة شئ من الاحكام وربما حال من حيث تعلق بالظن الذي يخطى ويصيب أو من حيث يؤدى إلى تضاد الاحكام وتناقضها ومنهم من ابطله من حيث لا سبيل إلى العلم بماله يثبت الحكم في الاصل ولا إلى غلبة الظن في ذلك لفقد دلالة وامارة تقتضيه وهذه الطريقة التي كان ينصرها شيخنا أبو عبد الله ومن الناس من اجاز التعبد به ونفاه من حيث وقعت الشريعة على وجه لا يسوغ معه القياس وهذه الطريقة محكية عن النظام وذهب بعض اصحاب الظاهر من داود وغيرهم إلى انه لا يجوز أن يقتصر الله تعالى بالمكلف

[ 84 ]

على ادون البيانين رتبة مع قدرته على اعلاهما ومنهم من نفاه مع اجازته ورود العبادة به من حيث لم يثبت التعبد به أو من حيث ورود السمع بخلافه فاما من اثبته فاختلفوا فمنهم من اثبته عقلا وهم شذاذ غير محصلين ومنهم من اثبته سمعا وزعم ان العقل لا يدل على ثبوته وهم المحصلون من مثبتى القياس ومنهم الكثيرة من الفقهاء والمتكلمين وكلامهم اقوى شبهة والذي نذهب إليه وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى رحمه الله في كتابه في ابطال القياس ان القياس محظور استعماله في الشريعة لان العبادة لم تأت به وهو مما لو كان جايزا في العقل مفتقرا في صحة استعماله في الشرع إلى السمع القاطع للعذر ويلحق بهذا في القوة الطريقة التى كان ينصرها شيخنا رحمه الله من منع حصول الظن وفقد الامارات التي يحصل عندها الظن وذكر المرتضى ره ان لهذه الطريقة بعض القوة ونحن نتكلم على هذه المذاهب كلها على وجه الاختصار ثم نبين نصرة ما اخترناه من بعد انشاء الله فصل في الكلام على من احال القياس عقلا على اختلاف عللهم اما من احاله عقلا من حيث لا يمكن في أن يكون طريقا لمعرفة الاحكام فنحن إذا بينا ان ذلك ممكن جرى مجرى سائر الادلة من النصوص وغيرها من الكتاب والسنة والذي يدل على صحته معرفة الاحكام به انه لا فرق في صحة معرفتنا بتحريم النبيذ المسكر بين أن ينص الله على تحريم المسكر من الانبذة وبين أن ينص على تحريم الخمر وينص على ان العلة في تحريمها شدتها أو يدلنا بدليل غير النص على انه لهذه العلة أو ينصب لنا امارة تغلب عند نظرنا فيها ظننا ان تحريمها لهذه العلة مع ايجاب القياس علينا في الوجوه كلها لان بكل طريق من هذه الطرق نصل إلى المعرفة بتحريم النبيذ فمن دفع جواز العبادة باحدها كمن دفع جواز ورودها بسايرها ولما ذكرناه امثال في العقليات لانه لا فرق في العلم بوجوب تجنب سلوك بعض الطرق بين أن نعلم فيه سبعا مشاهدة وبين أن نعلمه بخبر يوجب العلم أو خبر يقتضى الظن ولا فصل بين جميع ذلك في الحكم الذي ذكرناه وبين أن ينص لنا على صفة الطريق الذي فيه السبع أو ينصب لنا امارة على تلك الصفة فاما من احاله من حيث تعلق بالظن الذي يخطى ويصيب فينقض قوله بكثير من الاحكام في العقل والشرع يتعلق بالظن الا ترى انا نعلم بالعقل حسن التجارة عند ظن الربح ونعلم قبحها عند الظن بالحسن ان نعلم قبح سلوك الطريق عندنا غلبة الظن بان فيه سبعا أو لصا أو ما يجرى مجراهما ونعلم وجوب النظر في طريق معرفة الله عند دعا الداعي أو الخاطر الذي يحصل عنده الظن والخوف ووجوب معرفة الرسل والنظر في معجزاتهم على هذه الوجه فاما تعلق الاحكام الشرعية بالظن فاكثر من أن تحصى نحو وجوب التوجه إلى القبلة عند الظن بانها في جهة مخصوصة وتقدير النفقات وارش الجنايات وقيم المتلفات والعمل بقول الشاهدين

[ 85 ]

ويجب أن يعلم ان الظن وان كان طريقا إلى العلم بوجوب الاحكام على نحو ما ذكرنا وساوى هذا الوجه العلم لانه لا فصل بين أن نظن جهة القبلة وبين أن نعلمها في وجوب التوجه إليها وكك لا فصل بين أن نظن الخسران في التجارة أو نعلمه في قبحها فانه لا يساوى العلم من وجوه اخر ولا يقوم فيها مقامه لان الفعل الذي يلزم المكلف فعله لابد أن يكون معلوما له أو في حكمه المعلوم بأن يكون متمكنا من العلم به أو يكون سببه معلوما إذا تعذر العلم بعينه ولابد ايضا ان يعلم وجوبه ووجه وجوبه اما جملة أو على تفصيل والظن في كل هذه الوجوه لا يقوم مقامه لانه متى لم يكن عالما بما ذكرناه أولا أو متمكنا من العلم به لم يكن علته مزاحة فيما يعتدى به وجرى مجرى الا يكون قادرا لانه متى لم يعلم الفعل ويميزه لم يتمكن من القصد إليه بعينه وبالظن لا يتميز الاشياء وانما يتميز بالعلم ومتى لم يكن عالما بوجوب الفعل كان مجوزا كونه غير واجب فيكون متى اقدم عليه مقدما على ما لا يأمن كونه قبيحا والا قدم على ذلك في القبح يجرى مجرى الاقدام على ما يعلم قبحه ومتى علم كونه واجبا فلابد من أن يعلم وجه وجوبه على جملة أو تفصيل لانه لو كان ظانا لوجه وجوبه كان مجوزا انتفاء وجه الوجوب عنه ودعا الامر إلى تجويز كونه غير واجب وهذه الجملة إذا تأملت بطل بها قول من انكر تعلق الاحكام بالظنون ومن توهم على من سلك هذه الطريقة انه قد اثبت الاحكام بالظنون فقد ابعد نهاية البعد لان الاحكام لا تكون الا معلومة ولا تثبت الا من طريق العلم لان الطريق إليها قد يكون تارة العلم واخرى الظن لانا إذا ظننا في طريق سبعا وجب علينا أن تجنب (نتجنب) سلوكه فالحكم الذي هو قبيح سلوكه وجب تجنبه معلوم لا مظنون وان كان الطريق إليه هو الظن ومتعلق الظن غير متعلق العلم لان الظن يتعلق بكون السبع في الطريق والعلم يتعلق بقبح سلوك الطريق والقول في العلم بوجوب التوجه إلى جهة القبلة عند الظن بانها في بعض الجهات يجرى على ما ذكرناه ويكون الحكم فيه معلوما وان كان الطريق إليه مظنونا فاما من منع من القياس من حيث يؤدى إلى تضاد الاحكام فاعتماده على أن يقول إذا كان الفرع شبه باصل محرم واصل محلل فلابد على مذهب القائلين بالقياس من رده اليهما جميعا وهذا يؤدى في العين الواحدة إلى أن يكون محرمة محللة ومن اثبت القياس يقول في جواب ذلك ان كان الفرع مشتبها لاصل محرم واصل محلل عند اثنين لزم كل واحد منهما ما اداه اجتهاده إليه فيلزم التحريم من اشبه عنده الاصل المحرم والتحليل من اشبه عنده الاصل المحلل ولا تضاد في ذلك وان اشبه الاصلين المختلفين عند واحد فهو عند كثير منهم يكون مخيرا بين الامرين فايهما اختاروا لزمه كما يقال في الكفارات الثلث ولا تضاد في ذلك وعند قوم منهم انه لابد في هذه الموضع من ترجيح يقتضى حمل الفرع على احدهما دون صاحبه اما من ابطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظن في الشريعة

[ 86 ]

وهي الطريقة التى حكيناها عن شيخنا رحمه الله ووجه اعتماده عليها ان نقول قد علمنا القياس لابد فيه من حمل فرع على اصل بعلة أو شبه والعلة التي يتعلق الحكم بها في الاصل لا يخلو أن يكون (ع) طريق اثبات كونها علة العلم أو الظن والعلم لا مدخل له في هذا الباب وجميع من اثبت القياس في الشرع الا الشذاذ منهم يجعلون العلة المستخرجة المستدل عليها تابعة للظن وانما يجعلها معلومة من طريق الاستخراج من حيث اعتقد ان على العلل الشرعية ادلة توصل إلى العلم كالعقليات وقول هؤلاء واضح البطلان لا معنى للتشاغل به ولانا إذا بينا ان الظن لا يصح حصوله في علل الشرع فاولى ان لا يحصل العلم وان كانت العلة تثبت علة بالظن فنحن نعلم ان الظن لابد له من امارة وطريق اولا كان مبتدا لا حكم له وليس في الشرع امارة على ان التحريم في الاصل المحرم انما كان لبعض صفاته فكيف يصح ان يظن ذلك وليس هذا ما لا يزالون يمثلون به من ظن الربح والخسران أو التجارة أو الهلاك وان القبلة في جهة مخصوصة وغلبة الظن في قيم المتلفات وارش الجنايات التي يستند الظن فيها إلى عادات وتجارب وامارات معلومة متقرره ولهذا يجد من لم يتجر قط ولم يخبره مخبر عن احوال التجارة لا يصح ان نظر فيها ربحا ولا خسرانا وكك من لم يسافر ولم يخبر عن الطريق لا يظن نجاة ولا عطبا ولم يعرف امارة في القيم وغارسها لا يظن ايضا فيها شيئا وجميع ما نعلت فيه الظنون متى تأملته وجدته مستندا إلى ما ذكرناه مما لا يصح دخوله في الشرعيات على وجه ولا سبب ولقوة ما اوردناه ما قال قوم من اهل القياس ان العلل الشرعية لا تكون الا منصوصا عليها اما صريحا أو تنبيها ونزل الباقون رتبته فقالوا لا تثبت الا بادلة شرعية والذي يمكن أن يقرض به على هذه الطريقة ان يقال من اعتمد هذه الطريقة على هذا التلخيص لابد من أن يكون مجوزا للعبادة به ومعرفة الاحكام من جهته لو حصل الظن الذي منع من حصوله ولابد من ان يقول من ان الله تعالى لو نص على العلة أو امر الرسول بالنص عليها وتعبد بالقياس لوجب حمل الفروع على الاصول بل الذاهب إلى هذه الطريقة ربما يقول لو نص الله على هذه العلة في تحريمه مثلا للخمر وذكر انها الشدة لوجب حملها فيه هذه العلة عليها وان لم يتعبد بالقياس لانه يجرى مجرى ان ينص على تحريم كل شديد وان كان هذا غير صحيح لان العلل الشرعية انما تبنى (تنبئ) عن الدواعى إلى الفعل أو عن وجه المصلحة وقد يشترك الشيئان في صفة فيكون في احدهما داعية إلى فعله دون الاخر مع ثبوتها فيه وقد تكون مثل المصلحة مفسدة وقد يدعو الشئ إلى غيره في حال دون حال وعلى وجه دون وجه وقدر دون قدر وهذا مقرون في الدواعى ولهذا جاز أن نعطى لوجه الاحسان فقيرا دون فقير ودرهما دون درهم وفي حال دون حال وان كان فيما لم نفعله الوجه الذي لاجله فعلنا بعينه فإذا صحت هذه الجملة لم يكن في النص على العلة ما يوجب التخطي وجرى النص على مجرى النص على الحكم في قصره

[ 87 ]

على موضع إذ قد بينا ان ماله كان صلاحا وداعيا إلى الفعل لا يمتنع ان يشترك فيه المختلفان في هذا الحكم وليس لاحد ان يقول إذا لم يوجب النص على العلة التخطي كان عبثا وذلك انه يفيدنا ما لم نكن نعلمه لولاه وهو ماله كان الفعل المعين مصلحة وفي الناس من فضل بين داعى الفعل وداعي الترك فقال إذا كان النص على علة الفعل لم يجب القياس الا بدليل مستأنف وان كان واردا العلة الترك وجب التخطي من غير دليل مستأنف وفصل بين الامرين بان ماله يترك احدنا الفعل له يترك غيره إذا شاركه فيه لانه لا يجوز أن يترك اكل السكر لحلاوته ويأكل شيئا حلوا ولا يجب هذا في الفعل لانه يفعل الفعل لامر يثبت في غيره وان لم يكن فاعلا له وهذا صحيح لا شبهة فيه ومتى كان النص الوارد بالعلة كاشفا عن الداعي ووجه المصلحة أو عن الداعي فقط فاما ان كان مختصا بوجه المصلحة لم يجب ذلك لان الدواعى قد يتفق تارة وتختلف وجوه المصالح واقوى ما يدخل على هذه الطريقة ان يقال قد بينتم استناد الظنون إلى العادات والتجارب وان الشرع لا يتم ذلك فيه وهذا صحيح فلم انكرتم ان يحصل فيه طريقة يحصل عندها الظن وان لم تكن عادة ولا تجربة بل يجرى في حصول الظن عندها مجرى ما ذكرتم وهذا مثل ان نجد العين المسمات خمرا يحصل على صفات كثيرة فتكون مباحة غير محرمة فمتى وجدت فيها الشدة المخصوصة حرمت ومتى خرجت من الشدة بأن تصير خلا فيظن عند ذلك ان العلة هي الشدة لان الذي ذكرناه من حالها امارة قوية على كونها علة فمتى انضم إلى هذا الظن التعبد بالقياس وان يحمل ما حصل فيه علة التحريم من الفروع على الاصول ساغ القياس وصح ولم يمنع منه مانع وهكذا إذا رأينا بعض صفات الاصل هي المؤثرة في الحكم المعلل دون غيره كان بان تجعل علة أولى من غيرها وقوى الظن في انها العلة مثال ذلك انا إذا اردنا ان نعلل ولاية المرئة على نفسها وملكها لامرها وجدنا بلوغها هو المؤثر في هذا الحكم مع سلامة احوالها في الحرية والعقل دون كونها من وجه لان التزويج متى اعتبر لم يوجد له تأثير من باب الولاية وما يرجع إليها والبلوغ التأثير القوى فيها جعلناه العلة دون التزويج ويكفى ان يقال لمعتمدي هذه الطريقة لم زعمتم ان الظن إذا استند في بعض المواضع إلى عادة فانه لا يقع في كل موضع الا على هذا الوجه وان العادة لا يقوم مقامها غيرها بانهم لا يجدون معتصما ويمكن ايضا ان يقال لهم خبرونا عمن ابتداه الله تعالى كاملا في بعض الدور معه صاحب له جالس عنده وهو لا يعرف العادات ولا سمع الاخبار عنها الا انه وجد صاحبه الجالس معه حتى دخل إليه بعض الناس انصرف وخرج عن الدار وهو مع دخول غيره من الناس لا يفارق مكانه اليس هذا مع عقله وكماله يصح ان يقوى في ظنه ان علة خروج صاحبه انما هي دخول ذلك الرجل فان قالوا لا يصح ان يغلب ما ذكرتم في ظنه طولبوا بما يمنع منه ولن يجدوه وان اجازوه بطلت عليهم ذكر العادات والتجارب في باب الظنون وقيل لهم فيما تنكرون من أن يكون هذه حال الظنون في الشرع ويمكن أن يقولوا من بصره الطريقة التي قدمناها وان ما فرضتموه من جلوس بعض الناس عند من لم يعرف العادات وانصرافه إذا دخل عليه انسانا اخر وتكرر منه ذلك انما يغلب على ظنه كون دخول صاحبه علة الخروج الاخر لان ذلك يصير عادة وليس يلزم فيمن عرف عادة في شئ بعينه ان يعرف العادات كلها ألا ترى ان العادة تختص البلاد والازمان ولا تكاد تتفق على حد واحد فكك القول فيما فرضتموه في السؤال فاما طعن مثبتى القياس على الطريقة المتقدمة تصحيحهم غلبة الظنون في الشريعة بقولهم انا وجدنا اهل القياس

[ 88 ]

والاجتهاد مع كثرتهم وتدنيهم يخبرون عن انفسهم بالظنون ويعلمون عليها ومثل هؤلاء أو طايفة منهم لا يجوز أن يكذبوا على انفسهم فكيف مع الظنون وهذه حالها فليس بشئ لان لن نفى الظن أن يقول لست اكذب هؤلاء المجتهدين في انهم يجدون انفسهم على اعتقاد ما وانما اكذبهم في قولهم انه ظن وواقع عن القوم امارة والعلم بالفرق بين الاعتقاد المبتدى والظن ليس بضرورة فكان القوم سبقوا إلى اعتقادات ليس ظنونا ودخلت عليهم الشبهة فاعتقدوا ان لها احكام الظنون وليست كك على ان هذا يرجع عليهم فيمن يدعى من اهل القياس ان على الاحكام ادلة توجب العلم فيقال لهم كيف يصح على هؤلاء مع كثرتهم أن يدعوا انهم عالمون ويخبرون عن نفوسهم بما يجدونها عليه من السكون وهم مع ذلك كذبه وهكذا السؤال عليهم في المخالفين لهم في اصول الديانات إذا ادعوا العلم بمذاهبهم وسكونهم إلى اعتقاداتهم فلابد لهم في الجواب مما ذكرناه من ان القوم لم يكذبوا في انهم معتقدون وانما غلطوا في ان تلك الاعتقادات علوم فاما طريقة النظام ومن تابعه في ابطال القياس فاعتمادهم على ان الشرعيات وقعت على وجوه لا يمكن معها دخول القياس فالذي يعولون عليه أن يقولوا وجدنا الشرع واردا باختلاف المتفقين واتفاق المختلفين كايجاب القضاء على الحايض في الصوم واسقاطه عنها في الصلوة وهي أوكد من الصوم وايجابه على المسافر القضاء فيما قصر في الصوم واسقاطه عنه فيما قصر من الصلوة وكايجاب الغسل بخروج الولد والمنى وهما انضف من البول والغائط الذان يوجب ان الطهارة واباحة النظر إلى الامة الحسناء والى محسانها و خطر ذلك من الحرة وان كانت شوهاء قالوا كيف يسوغ القياس فيما هذه حاله ومن حقه ان يدخل فيما يتفق فيه احكام المتفقات وتختلف احكام المختلفات وهذا لا يصح اعتماده في نفى القياس وذلك ان لمشبه ان يقول اما اطلاق القول بان المتفقين لا يختلفان في الحكم والمختلفين لا يتفقان في الحكم فغلط والصحيح ان المتفقين لا يختلفان في الحكم يقتضيه اتفاقها وكك المختلفان في الحكم الذي يقتضيه اتصافها لان المراعى في هذا الباب هو الاسباب والعلل والاحكام التي يجب اتفاق المتفقات واختلاف المختلفات هي الراجعة إلى صفات الذات وانما وجب ذلك فيها لان المتفقين قد اشتركا في سبب الحكم وعلته والمختلفين قد افترقا في ذلك فلابد مما ذكرناه فاما الدلالة إذا لم يكن الحكم راجعا إلى الذوات فهو موقوف على الدلالة فان اتفق المختلفان في علته وسببه اتفقا فيه وان اختلف المتفقان فيهما اختلفا فيه وعلى هذا لا ينكر أن يكون الحيض وان كان سببا لسقوط الصوم والصلوة معا واتفقا في ذلك أن يختلفا في حكم اخر يوجب في احدهما الاعادة ولا يوجبها الاخر فيكون الاختلاف من وجه والاتفاق من اخر وقد زال التناقض لان القضاء إذا اختص بعلة غير علة السقوط لم يكن باتفاقهما في علة السقوط معتبر في العقل هذا توضيح للمنع السابق وتمهيد مقدمة للنقض الاجمالي الاول المذكور بقوله فان كان ما اورده الخ مثال ذلك لانا نعلم ان النفع المحض إذا حصل في الفعل اقتضى حسنه وقد يحصل في الكذب النفع فلا يكون الا قبيحا لان وجه قبحه هو كونه كذبا فصار اتفاق الكذب مع غيره من الافعال في النفع لا يمنع من اختلافهما في القبح لان ما اختلفا فيه غير ما اتفقا من اجله فان كان ما اورده النظام مانعا من القياس الشرعي فيجب أن يمنع من القياس العقلي ايضا على انه قد اعترف بورود النص باتفاق المختلفين واختلاف المتفقين ولم يلزمه أن يكون متناقضا فالاسوغ القياس واعتذر له بمثل (بما خ ل)

[ 89 ]

ما يعتذر به للنصوص فان قال انى لم اوجب التناقض في هذه الاحكام فيلزموني ذلك في ورود النص بها وانما منعت وحالها هذه من التطرق بالقياس إليها قيل ليس يمتنع ما ظننت امتناعه إذا نصب الله تعالى لقضاء الصوم امارة توجبه واخلي قضاء الصلوة من مثلها على ان للقوم أن يقولوا انا لا نثبت القياس في كل حكم وعلى كل اصل وانما نثبته بحيث يسوغ ويصح واكثر ما يقتضيه ما اوردته مما هو بخلاف القياس فلا يسوغ دخوله فيه أن يمتنع فيه من القياس وفيما جرى مجراه فلم إذا امتنع القياس في هذه الامور امتنع في غيرها فاما من نفى القياس واعتمد في نفيه على ان الحكيم لا يجوز أن يقتصر على ادون البيانين رتبة مع قدرته على اعلالهما وان النصوص ابلغ في البيان من القياس فيجب أن تكون العبادة في معرفة الاحكام مقصورة عليها فالكلام عليه أن يقال له اول ما في كلامك انه اعتراف بأن القياس يوصل به إلى الاحكام لانه لا يجوز أن تقول انه اخفض رتبة في باب البيان من غيره الا والتبيين ويقع به وإذا ثبت كونه بيانا فما الذي يمنع من العبادة به وان كان ادون رتبة لما يعلمه الله تعالى من صلاح المكلف فيه وانه إذا توصل إلى الحكم به ولحقته المشقة في طريق كان اقرب إلى فعله واستحق عليه من الثواب ما لا يستحقه لو وصل إلى معرفته بالنص على انه يلزم على هذه العلة أن يكون العلم في جميع التكليف ضروريا لانه اقوى في البيان من العلم المكتسب ومن يعتمد على هذه الطريقة لابد له من المناقضة لانه تعلق كثيرا من الاحكام في الشريعة بالظنون نحو الاجتهاد في جهة القبلة وتقدير النفقات وجزاء الصيد وما اشبه ذلك فإذا جازت العبادة بالظنون في هذه الاحكام مع امكان ورود البيان فيهما بالنص الموجب للعلم ولم يكن خارجا عن الحكمة جاز مثله في سائر الاحكام فاما من نفى القياس من حيث لم يأت العبادة به ولم يقطع السمع العذر في صحته فهو الصحيح الذي نختاره ونذهب إليه لان القياس متى جاز في العقل ورد العبادة إذا تعلقت به مصلحة في التكليف فلابد في جواز استعماله في الشرع من دليل سمعي لانه يجرى مجرى سائر الافعال الشرعية التي إذا جاز في العقل ان تدخل في العبادة لبعض الصالح (المصالح) فلابد في استعمالها من دليل سمعي والذي يلزمنا ان نورد ما يعتمده مثبته من الطرق التي ظنوا انها ادلة عليه سمعية ونبين انها مشتبهة وليست بادلة ولا موجبة للتعبد به فاما من يذهب إلى ان العادة وردت بما يمنع منه فهو ايضا مذهبنا ونحن نبين في الفصل الذي يلى هذا الفصل ما عندنا فيه انشاء الله تعالى فصل في ان القياس في الشرع لا يجوز استعماله لنا في المنع من استعمال القياس في الشريعة طريقتان احدهما انه إذا ثبت جواز العبادة به من جهة العقل فثبوت العبادة به تحتاج إلى دليل شرعى وقد علمنا انه ليس في الشرع دليل على ان القياس دين الله تعالى يجوز استعماله لا من جهة الكتاب ولا من جهة السنة المتواترة بها ولا من الاجماع وانما قلنا ذلك لانا قد استقرينا جميع ذلك فعلنا انه ليس فيه ما يدل على وجوب العمل بالقياس ونحن نذكر المواضع التي يستدل بها من ظاهر القران على وجوب العمل بالقياس

[ 90 ]

ونبين انه لا دلالة في شئ منها والسنة على ضربين متواتر واحاد فالتواتر يوجب العلم الضرورى على مذهب الخصم وعلى مذهبنا يوجب العلم الذي لا يتجالنا فيه الشك أو كان مما يستدل على صحته إذا كان شرط التواتر فيه والضرب الاخر اخبار احاد فالقسم الاول مفقود في الاخبار التي يستدل بها على صحة العمل بالقياس لانها ليست معلومة جملة لا ضروريا ولا استدلالا والقسم الاخر لا يجوز استعماله في هذه المسألة لانها من باب العلم دون العمل وخبر الواحد يوجب غلبة الظن فلا يجوز استعماله فيما طريقه العلم بلا خلاف واما الاجماع فليس فيه ايضا لان هذه مسألة خلاف ونحن نبين ما يدعونه من اجماع الصحابة ونتكلم عليه انشاء الله والطريقة الثانية ان نقول قد ورد من الشرع بما يمنع من العمل بالقياس واقوى ما اعتمد في ذلك اجماع الطائفة المحقة وقد ثبت ان اجماعهم حجة لانه يشتمل على قوم معصوم لا يجوز عليه الخطأ على ما بيناه فيما تقدم وقد علمنا انهم مجمعون على ابطال القياس والمنع من استعماله وليس لاحد ان يعارض هذه الاجماع لمن يذهب إلى مذهب الزيدية والمعتزلة من اهل البيت عليهم السلام وقال مع ذلك بالقياس لان هؤلاء لا اعتبار بمثلهم لان من خالف في اصول الخلاف الذي يوجب التكفير أو التفسيق لا يدخل قوله في جملة من يعتبر اجماعهم ويجعله حجة لانا قد بينا ان كل من علمنا انه ليس بامام فانا لا نعتد بخلافه ونرجع إلى الفرقة الاخرى التي نعلم كون الامام في جملتهم على انا كما نعلم من مذهب أبي حنيفة والشافعي القياس كك نعلم ان من مذهب أبي جعفر الباقر وأبي عبدالله الصادق عليهما السلام نفى القياس وتظاهر الاخبار عنهما بالمنع منه والمناظرة للمخالفين فيه كتظاهرها عمن ذهب إليه في خلاف ذلك وليس يدفع عنهما هذا الا من استحسن المكابرة وقد علما ان قولهما حجة وقول كل واحد منهما لانهما الامامان المعصومان ولا يجوز عليهما الخطاء في الفعل والاعتقاد وقد اعتمد من نظر هذه الطريقة التي ذكرناها على ايات ليس فيها ما يدل على ذلك مما يمكن الاعتماد عليه وعلى جميعها اعتراض فمن ذلك تعلقهم بقوله تعالى لا تقدموا بين يدى الله ورسوله وصار ذلك بمنزلة ما نص عليه وانما تكون تقدما بين ايديهما لو قيل به من غير دلالة ولا استناد إلى علم وتعلقوا ايضا بقوله ولا تقف ما ليس لك به علم وبقوله وان تقولوا على الله ما لا تعلمون وللمخالف ان يقول ما قلنا بالقياس الا بالعلم وعن العلم فلم يخالف ظاهر الكتاب وانما ظننتم علينا ان نعلق الاحكام بالظنون وليس نفعل ذلك بل الحكم عندنا معلوم وان كان الطريق إليه الظن على الوجه الذي مثلنا به من العقليات وتعقلوا بقوله ما فرطنا في الكتاب من شئ وقوله تبيانا لكل شئ وقوله اليوم اكملت لكم دينكم وللمخالف أن يقول ان القياس إذا دل الله عليه واوجب العمل به فقد دخل في جملة ما بين في الكتاب ولم يقع فيه تفريط لان الكتاب قد دل على صحة اجماع الامة ووجوب اتباع السنة فإذا علمناه بالاجماع والسنة صحة القياس جاز اضافة هذا العلم والبيان إلى الكتاب

[ 91 ]

وان كان على سبيل الجملة دون التفصيل لانه ليس يمكن أن يدعى ورود الكتاب بكل شئ مفصلا فصار العامل بالقياس عاملا بما امر الله تعالى به في كتابه وبينه واكمله وهذه الجملة تنبيه على طريقة الطعن فيما جرى هذا المجرى من الاستدلالات فانهم يتعلقون بشئ كثير من هذا الجنس لا فائدة في ذكر جميعه فصل في ان العبادة لم ترد بوجوب العمل بالقياس الذاهبون إلى القول بالقياس في الشرع فريقان احدهما يوجب العمل به عقلا وهم الشذاذ على ما ذكرناه والاخرون يوجبون العمل به سمعا وان لم يثبتوه عقلا ونحن نفسد كلا القولين ليتم لنا ما قصدناه فاما من اثبته عقلا فالاصل في الكلام عليه ان يقال ان الفعل الواجب لابد من أن يكون له وجه وجوب لولاه لم يجب لانه لو لم يكن كذلك لم يكن بالوجوب اولى من غيره وماله يجب الفعل ينقسم قسمين احدهما صفة تختصه ولا يتعداه إلى غيره وذلك جميع الواجبات العقليه نحو رد الوديعة والانصاف وشكر المنعم والاخر أن يكون وجوبه لتعلقه بغيره على سبيل اللطف نحو أن يختار المكلف عنده واجبا اخر أو يمتنع عن قبيح وليس يكون كك الا بعد أن يختص بنفسه بصفة تدعو إلى اختيار ما يختار عنده وهذا القسم على ضربين احدهما يعرف (يعلم خ ر) بالفعل كوجوب معرفة الله لان جهة وجوبها متقررة (متقدرة خ ر) في (با خ ر) العقل وهو انا نكون عندها اقرب إلى فعل الواجب والامتناع من القبيح وكعلمنا ايضا بان الرسول عليه الصلوة والسلام لا يجوز أن يكون على احوال تنفر عن القبول منه نحو الفسق والاحوال الدنية المستخفة ومثل ما يلحقه بالمعرفة من وجوب الرياسة لكونها لطفا لانه مستقر في عقل العقلاء ان الناس في الجملة لا يجوز أن يكونوا مع فقد الرؤساء في باب الصلاح والفساد على ما يكونون عليه مع وجودهم والضرب الثاني لا يعلم الا بالسمع لفقد الطرق إليه من جهة العقل وهو جميع الشرعيات والسمع الذي به يعلم وجوب ذلك قد يرد تارة بوجه الوجوب فيعلم عنده الوجوب وتارة يرد بالوجوب فيعلم عنده وجه الوجوب واحد الامرين يقوم مقام الاخر في العلم بالوجوب الا أنه إذا ورد بوجوبه (عما خ ر) لم يعلم وجه الوجوب الا على جهة الجملة وان ورد بوجه وجوبه مفصلا أو مجملا علمنا وجوبه مفصلا لان العلم بوجوبه لابد فيه من التفصيل لتنزاح علة المكلف من في (ظ) الاقدام على الفعل والعلم بوجه الوجوب قد يكون مجملا ومفصلا ويقوم احد الامرين مقام الاخر فلو قال تعالى ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولم يوجبها لعلمنا وجوبها ولو نص على وجوبها بلفظ الايجاب لعلمنا في الجملة انها تنهى عن قبيح أو تدعوا إلى واجب فاما ماله قلنا إذا علمنا وجوب الفعل علمنا وجه وجوبه وإذا علمنا وجه الوجوب علمناه واجبا فهو ان من علم بالعقل رد الوديعة مع المطالبة علم وجه ومتى لم يعلم ذلك لم يعلم وجوبه وكك من علم الفعل ظلما على قبحه فان شك في كونه ظلما لم يعلم القبح وكما وجب هذا فهكذا ايضا متى علم كون الفعل الذي هو رد الوديعة واجبا علمه رد الوديعة فتعلق كل واحد من الامرين بصاحبه كتعلق

[ 92 ]

صاحبه به فان قيل من اين قلتم ان الواجبات في الشرع لا تجب الا لكونها الطافا ثم من اين قلتم ان ذلك لا يعلم من حالها الا بالسمع ليتم ما ذكرتموه قلنا لان وجوبها إذا ثبت وكان لابد له من وجه لم يخل من القسمين الذين قدمناهما وهما اما صفة تختص الفعل ولا يتعداه أو لتعلقه بغيره على وجه اللطف وليس يجوز في الشرعيات الوجه الاول لانها لو وجبت لصفة يخصها لجرى (تجري ظ) مجرى رد الوديعة في انه وجه الوجوب أن يعلم على تلك الصفة ويعلم وجوبها متى علمناها لانه لا يصح ان يجب لصفة تختص بها ولا يصح أن يعلم عليها ولا يعلم وجوبها وقد علمنا ان الصلوة وسائر الشرعيات يعلم بالعقل صفاتها وان لم يعلم وجوبها فدل ذلك على بطلان القسم الاول ولم يبق الا الثاني وإذا ثبت انها تجب الالطاف ولم يكن في العقل دليل على ان وقوع بعض الافعال منا تختار عنده فعلا آخر لان العقل لا يدل على ما تختاره الانسان ولان دلالة العقل ايضا طريقتها واحدة ولم يصح ان يدل على الشئ ونفيه والحكم وضده كما تراه في الشرايع من اختلاف المكلفين والناسخ والمنسوخ فلم يبق الا ان الطريق إليها السمع ولولا ما ذكرناه لما احتج في معرفة المصالح الشرعية إلى بعثة الانبياء عليهم السلام فان قالوا العقل يقتضى في كل شبيهين ان حكمهما واحد من حيث اشتبها فوجب أن يحكم في الارز بحكم البر عقلا وان لم يأت السمع قيل لهم الاشتباه الذي يقتضى المشاركة في الحكم هو فيما يعلم ان الحكم فيه يجب عن ذلك الشبه أو يكون في حكم الموجب عنه نحو علمنا بان ما شارك العالم في وجوب العلم في قلبه يجب كونه عالما وما شارك رد الوديعة في هذه الصفة كان واجبا فاما العلل التي هي امارت افلا يجب بالمشاركة فيها المشاركة في الحكم لان العقل لا يعلم به كونه علة جملة ولو علم كونها علة لم يجب فيما شاركة فيها مثل حكمها لان المصالح الشرعية مختلفة من حيث تعلقت بالاختيار فلا مدخل للايجاب فيها ولهذا جاز أن يكون الشئ في الشرع مصلحة وما هو مثله مفسدة وجاز اختلاف الاعيان والاوقات في ذلك فان قال إذا حرم الله (تعالى) الخمر ورأيت التحريم تابعا للشدة يثبت بثبوتها ويزول بزوالها علمت ان علة الشدة ولا احتاج إلى السمع كما لا احتياج في العقليات إليه قيل له ليس يكون ما ذكرته من الاعتبار اقوى من أن ينص الرسول صلى الله عليه وآله في الخمر ان علة تحريمها هي الشدة وقد بينا ان ذلك لا يوجب التخطي ولا يقتضى اثبات التحريم في كل شديد الا بعد التعبد بالقياس لانه غير ممتنع ان مخالفا في المصلحة وان وافقه في الشدة وبينا ان النص على العلة الشرعية يجرى مجرى النص على الحكم في امتناع التخطي الا بدليل مستأنف فاما من زعم ان السمع قد ورد بالتعبد بالقياس فنحن نذكر قوى ما اعتمده و نتكلم على شئ منه احد ما اعتمدوه قوله تعالى فاعتبروا يا اولى الابصار قالوا والاعتبار هو المقايسة لان الميزان يسمى معيارا من حيث قيس به مساوات الشئ بغيره ولما روى عن ابن عباس من قوله في الاسنان اعتبروا حالها بالاصابع التي ديها متساوية وربما استدلوا بالاية على وجه اخر فقالوا

[ 93 ]

قد دل الله تعالى في (بهذه خ ر) هذه الاية على ان المشاركة في العلة تقتضي المشاركة في الحكم وذلك انه قال هو الذي اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب من ديارهم لاول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتاهم من حيث لا يحتسبون وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بايديهم وايدى المؤمنين فاعتبروا يا اولى الابصار فذكر ما خل بهم ونبه على علته وسببه ثم امر بالاعتبار وذلك تحذير من مشاركتهم في السبب فلو لم تكن المشاركة في السبب تقتضي المشاركة في الحكم ما كان لهذا القول معنى والكلام على ذلك ان يقال لهم ما تنكرون أن يكون لفظ الاعتبار لا يستفاد منه الحكم بالقياس وانما يستفاد به الاتعاض والتدبر والتفكر وذلك هو المفهوم من ظاهره واطلاقه لانه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي انه معتبر كما يقال فيمن يتفكر في معاده ويتدبر أمر منقلبه ويتعظ بذلك انه معتبر وكثير الاعتبار وقد يتقدم بعض الناس في العلوم واثبات الاحكام من طريق القياس وتأمل فكره في معاده وتدبره فيقال انه غير معتبرا وقليل الاعتبار وقد يستوى في المعرفة بحال الشئ واثبات حكم اثنان فيوصف احدهما بالاعتبار دون الاخر على المعنى الذي ذكرناه و لهذا يقولون عند الامر العظيم ان في هذا لعبرة وقال الله تعالى وان لكم في الانعام لعبرة وما روى عن ابن عباس خبر واحد لا يثبت بمثله اللغة ولو صح لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الذي ذكرناه على انا لو سلمنا جواز استعمال الاعتبار في المقايسة لم يكن في الاية دلالة الا على ما ذكر منها من امر الكفار وظنهم ان حصونهم ما نعتهم من الله تعالى ووقوع ما وقع مكانه قال الله تعالى فاعتبروا بذلك يا اولى الابصار وليس يليق هذا الموضع بالقياس في الاحكام الشرعية لانه تعالى لو صرح بعقب ما ذكر من حال الكفار بأن يقول فقيسوا في الاحكام الشرعية واجتهدوا لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه فلا يليق بعضه ببعض فثبت انه اراد الانعاض والتفكر على انه يمكن ان يقال لهم على تسليم تناول اللفظة للقياس باطلاقها ما تنكرون انا نستعمل موجب الاية بان نقيس الفروع على الاصول في انا لا نثبت لها الاحكام الا بالنصوص لان هذا ايضا قياس فقد ساويناكم في التعلق بالاية فمن اين لكم ان القياس الذي تناوله الاية هو ما تذكرونه دون ما ذكرناه وكلاهما قياس على الحقيقة وليس لهم أن يقولوا نحن نجمع بين الامرين لانهما يتنافيان والجمع بينهما لا يصح ولا لهم ايضا ان يقولوا قولنا لنا صح (رجح خ ر) من حيث كان فيه اثبات للاحكام وقولكم فيه نفى لها وذلك لان الترجيح بما ذكروه انما يصح متى ثبت كلا وجهى القياس فيصح الترجيح و التفرقة فاما الخلاف فيهما هل يثبتان أو يثبت احدهما فلا ترجيح يمكن في ذلك ويقال لهم في تعلقهم بالاية ثانيا إذا كان الله تعالى قد نبه على ما زعمتم بالاية على ان المشاركة في السبب و العلة تقتضي المشاركة في الحكم فيجب أن يكون كل من فعل مثل فعل الذين اخبر تعالى عنهم

[ 94 ]

في الاية يحل بهم مثل ما حل بهم فان قالوا هو كك اريناهم بطلان قولهم ضرورة ولوجودنا (وجود ما ظ) من يشارك المذكورين في المخالفة والمعصية وان لم يصبه ما اصابهم وهذا من ضعيف ما يتمسك به وتعلقوا ايضا بقوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم وقوله وعلى الموسر قدره وعلى المقتر قدره قالوا والمثلية والمقدار طريقه غالب الظن وبقوله فان خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم قالوا وذلك طريقه غالب الظن وهذه الايات لا يخلو أن يكون المستدل بها يعتمدها في جواز التعبد بالظنون أو في وجوب التعبد بها فان كان الاول كان ذلك صحيحا وذلك بما قدمنا جوازه وان اراد والثاني كان ذلك باطلا لانه ليس إذا ثبت التعبد في شئ بغالب الظن ينبغي أن يحمل غيره لان ذلك يصير قياسا وكلامنا في مسألة القياس فكيف بالشئ على نفسه على ان من اصحابنا من قال ان المثلية والقدر منصوص عليه فعلى هذا سقط السؤال وتعلقوا ايضا بأن قالوا قد ظهرت عن الصحابة القول بالقياس واتفق جميعهم عليه نحو اختلافهم في مسألة الحرام و الجد والشركة والايلاد وغير ذلك ورجوع كل منهم في قوله إلى طريقة القياس لانهم اختلفوا في الحرام فقالوا باربعة أقاويل احدها انه في حكم التطليقات الثلث وذلك مروى عن امير المؤمنين (ع) وزيد وابن عمر والقول الاخر قول من جعله يمينا يلزم فيهما الكفارة وهو المحكى عن أبي بكر وعمرو بن مسعود وعايشة والثالث قول من جعله ظهارا وهو المروى عن ابن عباس وغيره والرابع قول من جعله تطليقة واحدة وهو المروى عن ابن مسعود وابن عمرو غيرهما ثم اختلفوا فمنهم من قواه ومنهم من جعلها واحدة رجعية وبعضهم جعلها بائنة وكل ذلك تفريع للقول الرابع وحكى في المسألة قول خامس عن مسروق وهو انه ليس بشئ لانه تحريم لما احله الله تعالى ووجوده كعدمه واختلافهم في الجد ايضا ظاهر وكك ما عددناه من المسائل وانما شرحنا مسألة الحرام لان الخلاف فيها اكثر منه في غيرها قالوا وقد علمنا انه لا وجه لاقاويلهم الا طريقة القياس والاجتهاد لان من جعل الحرام طلاقا ثلثا معلوم انه لم يرد انه طلاق ثلث على الحقيقة بل اراد انه كالطلاق الثلث وجار مجراه وكذلك من جعله يمينا وظهار الحال ان يريد الا الشبه دون أن يكون عنده يمينا أو ظهارا في الحقيقة ولانه قد نقل عنهم النص الصريح في انهم قالوا بذلك قياسا لان من ذهب إلى ان الجد بمنزلة الاب نص على انه مع فقد الاب بمنزلة ابن الابن مع فقد الابن حتى صرح ابن عباس بأن قال الا لا يتقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل اب الاب وقد علمنا انه لم يرجع في ذلك إلى نص لان الجد لا نص عليه في الكتاب فلم يبق الا سلوكهم فيه طريق التمثيل والمقايسة وثبت ايضا عمن قال بالمقايسة بين الاخ والجد انه شبههما نعصنى (بغصنى) شجرة وبجدولى نهر ولهذا يبطل قول من يدعى انهم قالوا ذلك على طريق الصلح والبور أو لانه اقل ما قيل فيه أو حكموا بحكم العقل أو لنص خفى

[ 95 ]

ويبطل ذلك زايدا على ما تقدم انهم اختلفوا فيما لا يسوغ فيه الصلح لتعلقه بتحريم الفروج وتحليلها كمسألة الحرام والايلاء ولان ما يقال من طريق الصلح لا يفرع عليه ويبنى بحسبه المذاهب ولانهم اختلفوا في مواضع لا يصح أن يقال فيها باقل ما قيل ولانهم قد اختلفوا فيما زاد على اقل ما قيل وقالوا ايضا باقاويل كلها خارجة عما في اصل العقل ولو قالوا ايضا لنص لوجب أن يظهر لان الدواعى إلى اظهاره قوى وإذا ثبت ذلك من حالهم فهم (بين) قائل بالقياس ومصوب لقائله غير منكر عليه فصاروا مجمعين على القول به واجماعهم حجة ولا يجوز أن ينعقد على خطاء فيقال لهم لنا في الكلام عليهم وجهان احدهما أن نبين بطلان ما حكمتم به وقطعتم عليه من ان القول من المسائل التي ذكرتموها لم يكن الا بالقياس ونبين انه يحتمل أن يكون النص اما بظاهره أو دليله والاحتمال في هذا الموضع يكفى ويأتي على استدلالهم والوجه الاخر ان تنازع فيما ادعيتموه من ارتفاع النكير للقياس ونبين انه ورد عنهم من ذلك ما في بعضه كفاية وابطال لقول من يدعى خلافه ولنا ايضا إذا سلمنا انهم قالوا في تلك المسائل بالقياس وتجاوزنا عن الخلاف في ارتفاع النكير وفرضنا انه لم يكن ان نقول ارتفاع النكير لا يدل في كل موضع على الرضا والتسليم وانما يدل على ذلك إذا علمنا انه لا وجه لارتفاعه الا الرضا فاما مع تجويز كونه للرضا ولغيره فلا دلالة فيه غير ان هذه الطريقة يوحش من خالفنا في هذه المسألة لانها تطرق عليهم فساد اصول هي اهم إليهم من الكلام فيها وينبغي أن يتجاوز عن هذا الكلام في هذا المعنى ويقتصر على الوجهين الذين قدمناهما لان الكلام في هذا الوجه له موضع غير هذا هو اليق به وقد ذكرناه في كتاب الامامة مستوفا فيقال لهم لم زعمتم ان القول في المسائل التي عددتموها انما كان بالقياس فلم نجدكم اقتصرتم الا على الدعوى المجردة من برهان ولم إذا اختلفوا وتباينت اقوالهم وجب أن تستند تلك المذاهب إلى القياس وانتم تعلمون ان الاختلاف في المذاهب المستندة إلى النصوص ممكن كامكانه في المستندة إلى القياس ولم انكرتم أن يكون كل واحد منهم انما ذهب إلى ما حكى عنه لتمسكه بدليل نص اعتقد انه دال على ما ذهب إليه فان قالوا (فان كانو قالوا خ ر) بذلك للنصوص لوجب أن تنتقل تلك النصوص وتشتهر لان الدواعى تقوى إلى نقلها والاحتجاج بها قلنا اول ما نقوله انا لا نلزمكم أن يكونوا اعتمدوا في هذه المسائل نصوصا صريحة استدلوا بها على المذاهب التي اعتقدوها بل الزمناكم ان يكونوا اعتمدوا فيها ادلة النصوص التي يحتاج فيها إلى ضرب من الاستدلال والتأول وسواء كانت تلك النصوص على هذه نصوصا ظاهرة للكل معلومة للجميع أو كانت مختصة فلا يجب ان تفرضوا كلامنا في غير ما فرضناه فيه على انا نقول لهم ولو كانوا اعتمدوا في ذلك على علة قياسية لوجب نقلها وظهورها لان الدواعى إلى نقل مذاهب (مذاهبهم خ ر) تدعو إلى نقل طرقهم (طرقها خ ر) وما به احتجوا وعليه عولوا وما نجد في ذلك رواية فان كان فقد ما اعتمدواه من دليل النص وارتفاع روايته دليلا على انهم قالو بالقياس فكذلك يجب أن يكون فقدنا لرواية عنهم

[ 96 ]

تتضمن انهم قالوا بذلك قياسا دليلا على القول به من طريق النصوص فان قالوا الفرق بين الامرين ان القياس لا يجب اتباع العالم فيه والنصوص يجب اتباعه فوجب نقل النص ولا يجب مثله في القياس قلنا اطلاقكم ان القياس لا يجب فيه الاتباع لا يصح على مذاهبكم بل يجب فيه الاتباع إذا ظهر وجه القول به وامارات غلبة الظن فيه وانما لا يجب القول به بارتفاع هذا الشرط وعلى العالم أن يظهر وجه القول لمن خالفه ليظهر له منه ما يكون فرضه معه الانتقال عما كان عليه ولولا هذا ما حسنت مناظرة اصحاب القياس والاجتهاد بعضهم لبعض ولم ينقل عن الصحابة وجه قولهم في مسألة الحرام التي وقع النص من مخالفينا عليها لقوتها عندهم ولم يرد (يرو خ ر) عن احد منهم العلة التي من اجلها جعله طلاقا ثلثا أو ظهارا أو يمينا على انه انما يجب على المعتقد للمذهب أن يظهر وجه قوله عند المناظرة والحاجة الداعية فاما أن يكون ظهور وجه القول كظهور القول والمذهب فغير واجب وكيف يقال ذلك ونحن نعلم ان كثيرا من الصحابة والتابعين ومن كان بعدهم قد ظهرت عنهم مذاهب كثيرة فيما طريقه العلم والدليل القاطع من غير أن يظهر عنه أو ينقل ما كان دليله بعينه ولاى طريق قال بذلك المذاهب واعتقده فان قالوا فقد تناظروا ورد بعضهم على بعضهم ولم يذكر عنهم احتجاج بنص قلنا ليس يمكن أن يحكى عنهم في مسألة الحرام وغيرها من المسائل انهم اجتمعوا فيها لمناظرة والمنازعة وحاج بعضهم بعضا ورد بعضهم على بعض ولم يذكروا ادلة النص ولا وردت بشئ من ذلك رواية واكثر ما روى اضافة هذه المذاهب إلى القائلين بها على انهم ان كانوا تناظروا وتنازعوا فلابد من أن يظهر كل واحد منهم وجه قوله سواء كان نصا أو قياسا وفي مثل هذه الحال لا يسوغ الاعتراض عن ذكر وجه القول وان جاز في غيرها ولهذا لا نجد احدا من الفقهاء ينازع خصومه ويرد مذاهبهم عليهم على سبيل المناظرة ولا يظهر وجه قياسه والعلة التي من اجلها ذهب إلى ما ذهب إليه بل لابد له من تحرير علله وتهذيبها والاحتراز فيها من النقض وإذا كنا لم نجد رواية منهم بوجه قياسه وبالعلة التي من اجلها جمع بين الامرين الذي شبه احدهما بالاخر فيجب أن ينفى عنهم القول بالقياس ان كان ما فرضتموه صحيحا فان قالوا من شأن العلماء أن يذكروا النصوص الشاهدة لاقوالهم ومذاهبهم ليرتفع عنهم التهمة في الخطاء أو القول بغير دليل قلنا ومن شأنهم أن يذكروا الوجه القياس المصحح لمذاهبهم ليرتفع عنهم التهمة وبعد فلعل القوم كانوا آمنين من ان يتهموا بالسحت والاعتقادات المبتدأه فلم يحتاجوا إلى ذلك فان قالوا ليس نجد في نصوص الكتاب والسنة ظاهرا ولا دليلا يدل على هذه المذاهب التي حكينا اختلافهم فيها الا ان يدعوا نصوصا غير ظاهره بان اختص كل واحد منهم بها فيظهر بطلان قولكم لكل احد ويلزم حينئذ أن يكون تلك النصوص قد اشيعت واظهرت ليعلم ويعرف والا طرق ذلك ابطال الشريعة أو اكثرها

[ 97 ]

قلنا اما ما ضمنا لكم أن يكون كل واحد من القوم ذهب إلى مذهبه للدليل عليه من جهة النص وانما الزمناكم تجويز سبب كل قابل منهم بوجه اعتقده دليلا قد يجوز أن يكون فيه مخطئا ومصيبا ولو اخطأت الجماعة في استدلالها على اقوالها الا واحدا فيها لم يضرنا فيما قصدناه لان الذي امن من اجماعهم على الخطاء لا يؤمن من اجماع اكثرهم ففقدكم نصوص الكتاب والسنة ادلة لتلك المذاهب لا يدخل على ما قلناه اللهم الا أن يريدوانا فقدنا ما يمكن التعلق به أو الاعتقاد فيه انه دليل فهذا إذا ادعيتموه علمتم ما فيه وقيل لكم من اين قلتم ذلك و كيف يحاط بمثله ويقطع عليه وهل هذا الا الحجر في الشبه طريق (طريف خ ر) وليس يجب في الشبه ما يجب في الدلالة (الادلة خ ر) فان تلك تنحصر والشبه لا ينحصر على انا نقول وما نجد لقول كل واحد من الجماعة علة تقتضي القول بمذهبه فيجب أن ينفى اعتمادهم في هذه المذاهب على العلل القياسية فان قالوا انكم لم تجدوا علة يجب عندها الحكم بكل ما حكى من المذاهب والا فانتم تجدون ما يمكن ان يجعل علة ويعتقد عنده المذاهب قلنا وكك نقول لكم فيما تقدم على انا نقول لهم لم انكرتم ان يكون من ذهب في الحرام إلى الطلاق الثلث انما قال بذلك بحيث (من حيث خ ر) جعله ككنايات الطلاق التي هي طلاق على الحقيقة ولها احكام للطلاق عند كثير منهم من غير اختيار الشبه ورجع في ذلك إلى النص في الطلاق وادخله في جملة ما يتناوله الاسم ومن قال انه يمين يرجع ايضا إلى نص الكتاب الذي يرجع إليه انها يكون في زماننا بان الحرام يمين وهو قوله تعالى يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك تبتغى مرضات ازواجك ثم قوله بعد قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم وان النبي صلى الله عليه وآله حرم على نفسه مارية القبطية أو شرب العسل على اختلاف الرواية في ذلك فانزل الله ما تلوناه وسماه يمينا بقوله قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم فدخل فيما يتناوله اللفظ ومن عجيب الامر انهم يجدون كثيرا من الفقهاء في زماننا يعتمدون ذلك في هذه المسألة ويعولون على هذا الظاهر ويتعجبون أن يكون بعض الصحابة رجع في شئ من المذاهب التي حكوها إلى النص ويقطعون على انه لا مخرج لها في النصوص وهذا يدل على قلة التأمل ويمكن ايضا مثل ذلك فيمن ذهب إلى انه ظهار وأن يكون اجراه مجرى الظهار في تناول الاسم له وان كان لفظه مخالفا للفظ الظهار كما كانت كنايات الطلاق مخالفة للفظ الطلاق واجريت مجراه وكذلك لفظ الحرام مخالف لليمين واجري في تناول الاسم مجراه ومن ذهب إلى انه تطليقة واحدة كأنه ذهب إلى الطلاق والى اقل ما يقع به والذاهب إلى الثلث ذهب إلى الاكثر والاعم وكل هذا ممكن أن يتعلق فيه بالظواهر والنصوص ويكفى الاشارة إلى ما يمكن أن يكون متعلقا وليس يلزم أن يكون حجة قاطعة ودليلا صحيحا فاما قول مسروق فواضح انه لم يقله قياسا وانه لما لم يجعل لهذا القول تأثيرا تمسك في الاصل بالحكم أو ببعض الظواهر التي تخطر تحريم المحلل فان قالوا لو كانوا رجعوا في هذه الاقوال إلى ظواهر النصوص أو ادلتها على ما ذكرتم لوجب أن يخطئ بعضهم بعضا لان الحق لا يكون الا في احد الاقوال قلنا لا شئ ابلغ في التخطئة من المجاهرة بالخلاف والفتوى بخلاف المذهب وهذا

[ 98 ]

قد كان منهم وزاد بعضهم عليه حتى انتهى إلى ذكر المباهلة والتخويف من الله فاما السباب واللعن والشتم والرجوع عن الولاية فليس يجب عندنا بكل خطاء وسنبين القول في ذلك إذا تكلمنا على الطريقة التي نذكرها عنهم من الاستدلال فيما بعد انشاء الله تعالى فاما قولهم في الاستدلال انهم جعلوه طلاقا تمثيلا و تشبيها فقد بينا انه غير ممتنع أن يكونوا الحقوه بما يتناوله الاسم بناء على انهم لا يقدرون أن يحكوا عنهم انهم قالوا قلنا بكذا تشبيها بكذا وانما روى انهم جعلوا الحرام طلاقا وحكموا فيه بحكم الطلاق فاما من أي وجه فعلوا ذلك وهل الحقوه تمثيلا وتشبيها أو في تناول فليس بمنقول على انه لا يمتنع أن يشبه الشئ بالشئ ويذكر له نظير لا على سبيل المقايسة بل على سبيل التعريف والافهام فيقول من ينفى القياس مثلا المصاحفة والمعانقة مجرى المجامعة في نقض الطهر وان لم يكن حاملا لهما عليهما بالقياس بل يذهب إلى تناول ظاهر اللفظ للكل فلو نقل عنهم التصريح بالتمثيل والتشبيه لم يكن فيه دلالة على القياس لان القياس ليس هو ان يقول القائل الحكم في هذا الشئ التحريم كما كان في غيره مما وتناول النص تحريمه بل القياس هو أن يثبت للمسكوت عن حكمه مثل حكم المنطوق بحكمة لعلة جمعت بينهما ويكون العلة معلوقة متميزة مستدلا على كونها علة من دون ساير صفات الاصل بالدليل وهذا مما لا يروى عن احد من الصحابة انه استعمله على وجه من الوجوه فكيف يدعى مع ذلك التصريح منهم بالقياس فاما ادعائهم انهم صرحوا بالقياس وتعلقهم في ذلك بما روى عن ابن عباس من قوله الا يبقى الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل اب الاب ابا وما روى من التشبيه بغصنى شجرة وبجدولى نهر فلان تعلق بمثله لان اول ما فيه انه يجب أن يعتمد في ايجاب العمل بالقياس على خبر واحد غير مقطوع به لان هذه المسألة من المسائل المعلومة التي لا يعتمد فيها الا الادلة الموجبة للعلم وما رووه عن ابن عباس وغيره من اخبار الاحاد التي لا يقطع بها فكيف يستدل بها لو كان فيها دلالة وهي غير معلومة وليس لاحد يدعى الاجماع على صحة الاخبار من حيث تلقوا هذه الاخبار بالقبول أو يدعوا تواترها وانتشارها وذلك انها وان ظهرت بين الفقهاء وذكرت في كتب الفرايض فلا شبهة في انها اخبار آحاد ولا فرق بين من يدعى تواترها وبين من يدعى تواتر جميع اخيار الاحاد التي ظهرت بين الفقهاء وكثرت احتجاجهم بها في كتبهم ومناظراتهم وان كانت اصولها احادا فاما الاجماع والتلقى بالقبول فانه غير مسلم لانه لم يكن منهم في هذه الاخبار الا ما كان منهم في خبر مس الذكر وقوله انما الاعمال بالنيات وما شاء كل ذلك من اخبار الاحاد وقد علمنا ان هذه الاخبار التي ذكرناها وما جرى مجراها ليس مما يوجب الحجة ولا يثبت بمثله الاصول التي طريقها العلم فان قالوا خبر مس الذكر والاعمال بالنيات ما قبلوه من حيث قطعوا على صحته وانما عملوا به كما يعلمون على اخبار الاحاد قلنا وهكذا خبر غصنى الشجرة وما يجرى مجراه فليس يمكن بين الامرين

[ 99 ]

فرق وبعد فلو سلمنا قيام الحجة بما رووه وان لم يكن كذلك لم يكن فيه دليل على قولهم لان اكثر ما في الرواية عن ابن عباس انه انكر على زيد انه لم يحكم للجد بحكم الاب الادنى كما حكم في ابن الابن وليس في الرواية انه انكر ذلك عليه وجمع بين الامرين بعلة قياسية أوجبت الجمع بينهما وظاهر نكيره يحتمل أن يكون لان ظاهرا من القول اوجب عنده اجراء الاب مجرى الجد كما ان ظاهر اخر اوجب اجزاء مجرى الابن للصلب الا ترى انه يحسن من نافى القياس العامل في مذهبه كله على النصوص أن يقول لمن خالفه في حكم الملامسة اما تتقى الله توجب انتقاض الطهر بالتقاء الختانين ولا توجب انتقاضه بالقبلة وهو يذهب الا ان الذي يقتضى الجمع بينهما ظاهر قوله تعالى أو لامستم النساء فلا يمنع أن يكون ابن عباس انما ادعا زيدا إلى القول بالظاهر وقال له إذا اجرى ابن الابن مجرى ابن الصلب لوقع اسم الولد عليه وتناول قوله يوصيكم الله في اولادكم لهما فاجرى ايضا الحد مجرى الاب لوقوع اسم الاب عليهما وقد روى عن ابن عباس في ذلك التعلق بالقولان صريحا على ان ظاهر قول ابن عباس يشهد لمذهبنا لانه نسب زيدا إلى مفارقة التقوى وخوفه بالله تعالى فلولا ان زيدا عنده كان في حكم العادل عن النص لم يصح منه اطلاق ذلك القول لان من يعدل عن موجب القياس إلى اختلاف مذاهب مثبتيه لا ينسب إلى مفارقة التقوى لانهم اكثرهم يقول انه مصيب ومن خطاه يقول انه معذور ولا يبلغ به إلى هذه الحال فاما ذكرهم غصنى الشجرة وجد ولى النهر فلا يوجب القول بالقياس وانما سلكوا ذلك تقريبا للقول من الفهم وتنبيها عليه من غير أن يجعلوا ذلك علة موجبة للحكم كما يفعل المعلم مع المتعلم من ضرب الامثال وتقريب البعيد وازالة اللبس عن المشتبه وكيف يصح أن يدعى في ذلك انه على طريق المقايسة وقد علمنا ان القدر الذي اعتمدوه من ذكر الغصن والجدول لا يصح أن يكون عند احد اصولا في الشريعة يقاس عليها وتثبت الاحكام لها على ان الوجه في ذكرهم لما حكى ظاهر و ذلك انهم توصلوا بما ذكر عنهم إلى معرفة أقرب الرجلين من المتوفى والصقهما به نسبا ثم رجعوا في توريثه إلى الدليل الموجب للاقرب الميراث وهذا كما يتنازع رجلان في ميراث ميت ويدعى كل واحد منهما انه اقرب إليه من الاخر فيصح لمن اراد اعتبار أمرهما ان بعد الابائين الميت وبين كل واحد منهما ويحصيهم ليعلم ان الاقرب هو من قل عدد الاباء بينه وبين الميت دون من كثر عددهم بينه وبينه وله ايضا ان يوضح ذلك لمن التبس عليه بذكر الامتثال والنظائر وان كان (كل ذلك) مما لا يثبت به التوريث وانما يعرف به الاقرب والميراث يثبت بالنصوص فاما الوجه الثاني من الكلام على استدلالهم هذا ان نقول لهم لم زعمتم ان التكرير مرتفع وقد روى عن كل واحد من الصحابة الذين اضفتم إليهم القول بالقياس ذمة وتوبيخ فاعله والازراء عليه فروى عن امير المؤمنين (ع) انه قال لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف اولى بالمسح من ظاهره وهذا تصريح منه (ع) بانه لا قياس في ذلك وروى عنه (ع) انه قال من أراد

[ 100 ]

أن يتفحم جراثيم نار جهنم فينتقل في الجد برأيه وهذا اللفظ يروى عن عمر وما روى عنه (ع) في ذم القياس والذم لفاعله اكثر من أن يحصى وروى عن أبي بكر انه قال أي سماء تظلنى واى ارض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيى وعن عمر انه اياكم واصحاب الرأى فانهم اعداء السنن اعيتهم الاحاديث ان يخفضوها فقالوا بالرأى فضلوا واضلوا وروى عنه انه قال اياكم والمكايلة قيل وما هي قال المقايسة وروى عن شريح انه قال كتب إلى عمر بن الخطاب وهو يومئذ من قبله اقض بما في كتاب الله فان جائك ما ليس في كتاب الله فاقضى بما في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فان جائك ما ليس في سنة رسول الله فاقض بما اجمع عليه اهل العلم فان لم تجد فلا عليك الا تقضى وروى ان عمر ايضا قال اجراكم على الجد اجراكم على النار وعن عبدالله بن مسعود انه قال يذهب قراؤكم وصلحائكم ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الامور برأيهم وعنه انه قال إذا قلتم في دينكم بالقياس احللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما احلل الله وروى عن عبدالله بن عباس انه قال ان الله تعالى قال لنبيه احكم بينهم اراك الله ولم يقل بما رأيت وروى عنه ايضا انه قال لو جعل لاحد أن يحكم برأيه لجعل ذلك لرسوله صلى الله عليه وآله يقول تعالى وان احكم بينهم بما انزل الله تعالى وروى عنه ايضا انه قال اياكم والمقاييس فانما عبدت الشمس والقمر بالقياس (بالمقاييس خ ر) و روى عن عبدالله بن عمر انه قال السنة ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله لا تجعلوا الرأى سنة للمسلمين وقال مسروق لا اقيس شيئا بشئ اخاف أن يزل قدمى بعد ثبوتها وكان ابن سيرين يذم القياس ويقول اول من قاس ابليس (لعنه الله) وروى عنه انه كان لا يكاد يقول شيئا برأيه وقال الشعبى لرجل لعلك من القايسين وقال ان اخذتم بالقياس احللتم الحرام وحرمتم الحلال وكان ابو سلمة بن عبدالرحمن لا يفتى برأيه وإذا كان القوم قد صرحوا بذم القياس وانكاره هذا التصريح فكيف يدعى ارتفاع نكيرهم واى نكير يتجاوز ما ذكرناه ورويناه عنهم وليس لهم ان يتأولوا الالفاظ التي رويناها ويستكرهوا التأويل فيها ويتعسفوه مثل ان يحملوها على انكار بعض القياس دون بعض أو على وجه ليسلم لهم ما حكوه من قولهم بالرأى والقياس لان ذلك انما يسوغ لو كان ما استدلوا به على قولهم بالقياس غير محتمل للتأويل وكان صريحا في دلالته على ذلك فاما وقد بينا ان جميع ما تعلقوا به من اختلافهم في مسألة الحرام و غيرها من المسائل لا يدل على القياس ولا له ايضا ظاهر في الدلالة عليه وسنبين بمشية الله مثل ذلك في تعلقهم بالرأى واضافة الاحكام إليه وانه لا ظاهر له في الدلالة على القياس فضلا عن ان لا يحتمل التأويل فلا وجه لتأويلهم ما روينا من الاخبار لا سيما وجميعها له ظاهر في نفى القياس ولابد لهم من العدول عنه إذا صح تأويلهم فكيف يعدل عماله ظاهر في الدلالة على امر لاجل ما لا ظاهر له ولو تساوى الامران في الظاهر ايضا لم يكن لهم ان يحملوا اخبارنا على التأويلات التي ذكروها لتسلم دلالة ما تعلقوا به على القياس ولا كانوا بذلك اولى منا إذا تأولنا ما رووه وحملناه على ان القول

[ 101 ]

فيه انما كان بالنصوص وادلتها ليسلم دلالة ما رويناه على نفس القياس وما لا يزالون يتعلقون به في ذلك من قولهم ان المنكرين لذلك هم المستعملون له فلابد من حمل النكير على ما يوافق ما ظهر عنهم من استعمال القياس ضرورة أو من وجه لا يسوغ فيه التأويل ولا يدخله الاحتمال وانما ادعى ذلك عليهم وتعلق مدعيه بما لا ظاهر له ولا شهادة فيه بالقول بالقياس واحسن احواله أن يكون محتملا فكيف يصح ما ذكروه وهذه الجملة التي ذكرناها تسقط قولهم ان الرأى الذي أبوه هو الذي يصدر عن الهوى أو الذي يستعمل في غير موضعه وان امير المؤمنين (ع) انما نفى أن يكون جميع الدين يؤخذ قياسا وكذلك أبو بكر انما استكبر استعماله الرأى في كتاب الله على وجه لا يسوغ فيه إلى غير ذلك مما يقولونه ويفزعون إليه لان كل ذلك منهم عدول عن الظاهر وتخصيص لاطلاقه وتأول لا يجب المصير إليه الا بعد القطع على صحة القياس وقول القوم به بما لا يحتمل التأويل فاما قول بعضهم انهم فعلوا ذلك تشددا واحتياطا للدين حتى لا يعول الفقهاء على القياس ويعدلوا عن تتبع الكتاب والسنة فظاهر السقوط وذلك ان التشديد لا يجوز أن يبلغ إلى انكار ما اوجبه الله تعالى أو فسخ فيه ولا يقتضى أن يخرجوا انكارهم المخرج الموهم لانكار الحق ولو كان ذلك غرضهم لوجب أن يصرحوا بذم العدول عن الكتاب والسنه والاعراض عن تأملهما والتشاغل بغيرهما من غير ان يطلقوا انكار القياس والرأى الذين هما عندكم اصلان من اصول الدين تاليان للكتاب والسنة والاجماع على انه يمكن أن (يقال) لهم مع تسليم ارتفاع النكير لم انكرتم ان يكون بعض الصحابة الذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة الحرام وغيرها قد رجع في مذهبه إلى القياس وهو من كان قوله منهم ابعد من أن يتناوله شئ من ظواهر الكتاب والسنة وأن يكون الباقون رجعوا في مذاهبهم إلى النصوص وادلتها غير ان من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه قوله ولا علمت الجماعة انه قاله قياسا ولو علموا بذلك لانكروه غير انهم لا يعلمونه واحسنوا الظن بالقايل وظنوا انه لم يقل الا عن نص أو طريق يخالف القياس وليس يجب أن يكون وجه قول كل واحد منهم على التفصيل معلوما للجماعة ومتى اوجبوا ذلك ادعوه طالبناهم بالدليل على صحته ولن يجدوه و هذا ايضا مما لا انفكاك لهم منه واستدلوا ايضا بأن قالوا قد ظهر عن الصحابة القول بالرأى و اضافة المذاهب إليه ولفظة الرأى إذا اطلقت لم يفد القول بالحكم من طريق النص لان ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرأى جليا كان الدليل أو خفيا ولا يستفاد من ذلك الا القول من طريق القياس والاجتهاد والاخبار الواردة في ذلك كثيرة ونحو ما روى عن أبي بكر في الكلالة اقول فيها برائى وقول عمر اقض فيها برائى وقوله هذا ما رأى عمر ونحو قول امير المؤمنين عليه السلام في امهات الاولاد كان رأى ورأى عمر الا يبيعن ثم رأيت بيعهن في هذه الجملة لا تدل على القياس والاجتهاد من الوجه الذي ذكرناه في اطلاق لفظة الرأى واضافة المذهب إليه ولانه ايضا لو كان رجوعهم فيما ذكرناه من اختلافهم

[ 102 ]

إلى طرق العلم لما صح منهم الرجوع من رأى إلى رأى ولا التوقف فيه وتجويز كونه صوابا وخطاء ولا ان يمسكوا عن تخطية المخالف والنكير عليه ولان الادلة لا تناقض ولا تختلف فكيف يجوز أن يرجع كل واحد إلى دليل مع اختلاف اقوالهم فيقال لهم قد ادعيتم في معنى الرأى ما لا يصح لان الرأى إذا اطلق تناول كل ما كان متوصلا إليه بضرب من الاستدلال الذي يصح فيه اعتراض الشبهات واختلاف اهل الاسلام لا يختص ما قيل قياسا دون ما قيل من جهة اعتبار الظواهر والاستدلال بها الا ترى انهم يقولون فلان يرى العدل وفلان يرى القدر وفلان يرى الارجاء وفلان يرى القطع على عقاب الفساق وان كان ذلك متوصلا إليه بالادلة الموجبة للعلم وكك يقولون ان ابا حنيفة يرى الوضوء بنبيذ التمر وان ذلك رأيه كما يقال ان ذلك مذهبه وان كان لا يرجع في ذلك إلى قياس واجتهاد (ويقال) ايضا ان القضاء بالشاهد واليمين رأى الشافعي ومالكي وان كان مرجعهما فيه إلى الخبر وان الاقراء التي تعتبر في العدة على أبي حنيفة الحيض وعلى رأى الشافعي وغيره الاطهار وان كان رجوع كل واحد منهما في ذلك إلى ضرب من الاستدلال يخالف القياس وإذا كان معنى الرأى والمستفاد به المذهب والاعتقاد على ما ذكرناه لم يكن في اضافة الصحابة اقوالها إلى الرأى لادلة على ما توهمه خصوصا من القياس لانهم لم ينصوا على ان الرأى الذي راؤه هو الصادر عن القياس دون غيره وإذا لم ينصوا والقول محتمل لما يقولونه لم يكن للخصم فيه دلالة فان قالوا ان كان القول في الرأى على ما ذكرتم فلم لا يقال ان المسلمين يرون التمسك بالصلوة والصوم وما اشبه ذلك من الامور المعلومة قلنا انما لا يقال ذلك لما قدمناه من ان لفظ الرأى يفيد الامور المعلومة من الطرق التي يصح أن يعترضها الشبهات ويختلف فيها اهل القبلة ولهذا لا يضيفون الامور المعلومة ضرورة من واجبات العقول إلى الرأى كقبح الظلم ووجوب الانصاف ورد الوديعة ولا يضيفون ايضا إليه العلم بدعاء الرسول (ع) لامته إلى صلوات خمس وصوم شهر بعينه لانه معلوم ضرورة أو باستدلال لا يدخل فيه شبهة وكك ايضا لا يضيفون إليه ساير الامور المعلومة بالادلة التي لا يختلف المسلمون فيها كوجوب التمسك بالصلوة والصوم والعلم بنبوة الرسول صلى الله عليه وآله وصدق دعوته وقد بينا انهم يطلقون الرأى في القول بالعدول والقدر وغير ذلك فان قالوا انما صح ان يقول العدلى فلان يرى القدر ويقول القدري وفلان يرى العدل لان كل واحد منهما ينسب صاحبه إلى القول بغير علم وان اجتهد فشبه بالقول بالرأى الذي هو القياس قيل لهم هذا الاطلاق الذى حكيناه ليس يختص بواحد دون اخر بل العدلى يقول في نفسه وفيمن يقول بقوله انه يرى العدل وكك القدر والارجاء وسائر ما حكيناه من المذاهب على ان العدلى لا يرى ان القدري قايل بالقدر الا عن تقليد أو شبهة وليس يرى انه قايل عن اجتهاد يقتضى غلبة الظن حتى يطلق عليه لفظ الرأى المختص عندهم بالمذاهب الحاصلة من طريق القياس فان قالوا

[ 103 ]

كيف يصح ان ينازعوا في اختصاص الرأى بما ذكرناه ومعلوم ان القائل إذا قال هذا مذهب اهل الرأى لم يفهم عنه الا القياس دون غيره قيل هذا تعارف حادث في اهل القياس لانه حدث الاختلاف بين الامة في القياس فنفاه قوم واثبته اخرون غلب على مثبتيه الاضافة إلى الرأى ومعلوم ان هذا التعارف لم يكن في زمن الصحابة فكيف يحمل خطابهم عليه على انه ليس معنا عن احد من الصحابة انه قال انا من اهل الرأى واكثر ما رووه قولهم رأينا كذا وكان رائى ورأى فلان كذا وليس يمتنع أن يكون في بعض تصرف اللفظة من التعارف ما ليس هو في جميع تصرفها ويكون الاضافة إلى الرأى قد غلب فيها ما ذكروه وان لم يغلب في قولهم رأيت كذا وكان كذا من رأي هذا مما لا يمكن دفعه فانه لا شبهة على احد في ان قولهم فلان من اهل القياس مجرى قولهم رأى فلان كذا وكان رأى فلان أن يقول وكذا وان الثاني لا تعارف فيه يخصصه وان كان في الاول وإذا صح ما ذكرناه لم يمتنع أن يقول أمير المؤمنين (ع) كان رائى ورأى عمر الا يبعن أي مذهبي وما افتى به وكك قول ابي بكر اقول فيها برائى أي ما اعتقده وادانى الاستدلال إليه وكذلك قول عمر اقضي فيها برائى فان قالوا لو كان الامر على ما ذكرتم فلم قالوا ان كان صوابا فمن الله وان كان خطاء فمنى ومن الشيطان والادلة والنصوص لا يكون فيها خطاء قيل قد يخطى المحتج بالكتاب والسنة والمستدل بادلتها بان يضع الاستدلال في غير موضعه مثلا (مثلان خ ر) يقدم مؤخرا أو يؤخر مقدما أو يخص عاما أو يعم خاصا أو يتمسك بمنسوخ أو يعمل على ما هناك اولى منه فيكون الخطاء منه أو من الشيطان فالكتاب والسنة وان لم يكن فيهما خطاء فالمستدل بهما قد يخطى من حيث قلنا على انا إذا تأملنا المسائل التي قالوا فيها بما قالوا واضافوه إلى رأيهم وجدنا جميعها لها مخرجا من ادلة النصوص فالذاهب إليها متعلق بغير القياس اما بيع ام الولد فيمكن أن يعول من منع منه على ما روى عنه (ع) في مارية القبطية لما ولدت ابراهيم اعتقها ولدها ومن ذهب إلى جواز بيعها امكنه التعلق باشياء منها ان اصل الملك جواز التصرف والولادة غير مزيلة للملك بدلالة ان لسيدها وطؤها بعد الولادة من غير ملك ثان ولا عقد نكاح وذلك يقتضى بقاء السبب المبيح للوطى وهو الملك ومنها انه لا خلاف ان عتقها بعد الولادة جائز ولو كان الملك زائلا لما جاز العتق ومنها قوله تعالى واحل الله البيع ويتعلق بعمومه في كل موضع إلى ما اخرجه الدليل فلعل من اجاز البيع في الصدر الاول تعلق ببعض ما اشرنا إليه واعتمده ومن تأمل احتجاج أمير المؤمنين (ع) في بيع امهات الولد وجده مخالفا لطريقة القياس لان المروى عنه (ع) انه قال سبق كتاب الله بجواز بيعها فاضاف جواز البيع إلى الكتاب دون غيره واما قول ابى بكر وقد سئل عن الكلالة اقول فيها برأئى فان كان حقا فمن الله وان كان خطاء فمنى هو ما عدا الوالد والولد فليس يجوز أن يكون الرأى الذي ذكره هو القياس لان السؤال وقع عن معنى اسم والاسماء لا مدخل للقياس فيها وانما المرجع فيها إلى المواضعة

[ 104 ]

وتوقيف اهل اللسان وكتاب الله تعالى يدل على معنى الكلالة لانه تعالى قال يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وما تولى الله تفسيره والفتوى به لم يدخله الرأى والذي هو الاجتهاد والقياس ويبين ذلك ايضا قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر وقد كرر عليه السؤال عن الكلالة يكفيك اية الضيف وهذا يدل على ان الاية نفسها تفيد الحكم وكذلك ان تعلقوا بما روى عن ابن مسعود وانه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها فردد السايل شهرا ثم قال اقول فيها برأيى فان كان حقا فمن الله وان كان خطاء فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريان عليها العدة ولها الميراث ولها مهر نسائها لا وكس (الوكس كالوعد النقصان والنقيص لازم ومتعد) ولا شطط (ق شطط في سلعته شططا محركا حاور العدو بجد - ق) فقال معقل بن بشار اشهد ان رسول الله صلى الله عليه وآله قضى في بروع بنت واشق بما قضيت فسر عبدالله وذلك ان لقول عبدالله ظاهرا في كتاب الله يمكن أن يرجع إليه وهي عموم قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا يتربصن بانفسهن اربعة اشهر وعشرا لان عموم الاية تقتضي العدة على كل زوجة توفى عنها زوجها ولم يخص بالجملة من لم يسم لها صداقا ويمكن أن يكون اوجب الميراث لكل زوجة بقوله تعالى ولهن الرجع مما تركتم ولم يخص من لم يطأها زوجها ولم يسم لها صداقا واوجب المهر بقوله تعالى فانكحوهن باذن اهلهن واتوهن اجورهن بالمعروف وذلك موجب لمهر المثل لان المسمى لا يتجاوز ولا يعتبر فيه العرف وإذا كان لكل افتى به وجه في الظاهر فما السبب في القطع على قوله بالقياس فان قيل لم رددهم شهرا ولم قال فان كان خطاء فمنى وكيف يكون الحكم المأخر زمن ظاهر الكتاب خطأ قلنا يجوز أن يكون توقفه وتردده للسائل لطلبه ما عساه يقتضى تخصيص الايات التي ذكرناها والتماسا لما لعله أن يعثر عليه مما يجب له الترك الظاهر ويمكن ايضا انه لم يتعين عليه فرض الفتيا لوجود غيره من علماء الصحابة فاثر طلب السلامة بالاعراض من الجواب والفتيا ثم الحوا عليه وسألوه اجاب فاما قوله ان كان خطاء فمنى فيمكن لما أن يكون لانه جوز أن يكون هناك ما هو لوني من الظاهر من دليل يخص أو رواية تقتضيه من الرسول في مثل ما سئل منه يخالف قضيته أو غير ذلك مما يكون العدول إليه اولى على انهم يقولون كل مجتهد مصيب فلابد لهم من الرجوع إلى تجويزه على نفسه التقصير في طلب خبر لو استقصى الظفر به وما جرى مجرى ذلك ومتى تأملت جميع السائل التي حكى عنهم اضافة القول فيها إلى رأيهم وجرت لها مخرجا في الظواهر وطرقا تخالف القياس فاما قولهم ولو كان رجوعهم في ذلك إلى طرق العلم لما صح منهم الرجوع من رأى إلى اخر ولا التوقف فيه وتجويز كونه خطأ وصوابا فمن بعيد ما يقال وذلك ان الرجوع عن المذاهب وادلتها لا يدل على القول (به خ ر) فيها بالقياس والظن لان ذلك قد يصح فيما طريقة العلم والادلة الا ترى ان القائل بالخبر قد يعدل عنه إلى العدل وكك قد يعدل عن القطع على عقاب الفساق من اهل القبلة أو القول بالارجاء وسائر المسائل الاصول ذلك ممن فيها فليس

[ 105 ]

التنفل من رأى إلى اخر دلالة على ما ظنوه فاما التوقف فقد يجوز أن يكون طلبا للاستدلال والتأمل كما يتوقف الناظرون في كثير من المسائل الاصول يتوصل إليها بالادلة المقتضية إلى العلم ويتثبتون تحرزا من الغلط واحتياطا في اصابة الحق فاما تجويز كونه خطأ وصوابا فالوجه فيه ما ذكرناه في خبر ابن مسعود وان ذلك يحسن (يجب خ ر) أن يقال بحيث يكون التجويز لورود ما هو اولى من الظاهر ثانيا لان الناظر ربما كان متهما نفسه بالتقصير ومجوزا أن يكون في المسألة مخصص أو معنى يقتضى العدول إليه ثم لم ينعم النظر في طلبه والفحص عنه فاما قولهم ولا ان يمسكوا عن تخطئة المخالف والنكير عليه ولان الادلة لا تتناقض ولا يختلف فكيف يجوز أن يرجع كل واحد منهم في قوله إلى دليل فقد بينا انا لا نقول ان مع كل واحد دليلا على الحقيقة وانما قلنا يجوز أن يكون كل واحد تعلق بطريق من الظاهر وادلة النصوص اعتقدها دليلا لا شبهة في ان الادلة لا تتناقض الا أن ما يعتقد بالشبهة دليلا لا يجب ذلك فيه فاما الامساك عن النكير والتخطئة فلم يمسكوا عنها والعلم بان بعضهم خطأ بعضا يجرى مجرى العلم بانهم اختلفوا فدافع احد الامرين كدافع الاخر ويدل على ما ذكرناه ما روى عن امير المؤمنين (ع) وقد استفتاه عمر في امرأة وجه إليها فالقت ما في بطنها وقد افتاه كافة من حضره من الصحابة بأن لا شئ عليه فانه مؤدب فقال (ع) ان كان هذا جهد رأيهم فقد اخطأ وان كانوا قاربوك فقد غشوك وهذا تصريح بالتخطئة والخبر الذي رويناه متقدما عنه (ع) يشهد بذلك وهو قوله (ع) من أن يتفخم (يقتحم خ ر) جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه وروى عن ابن عباس انه قال من شاء باهلته ان الذي احصى رمل عالج ما جعل للمال نصفين وثلثا وروى عنه انه قال من شاء باهلته ان الجد اب وقد رويت المباهلة عن ابن مسعود ايضا في قصة اخرى وروى عن ابن عباس الخبر الذي تقدم من قوله الا يتقى الله زيد بن ثابت وهذا ايضا تصريح (صرح خ ر) بالتخطئة وتخويف بالله تعالى في المقام على المذهب والخبر الذي رويناه ايضا عن عمر انه قال اجراكم على الجد اجراكم على النار واضح في هذا الباب وروى عن عايشة انها بعثت إلى زيد بن ارقم وقد اشترى ما باعه قبل أن يقبض الثمن انك ان لم تثبت فقد بطل جهادك مع النبي صلى الله عليه وآله وقيل لابن المسيب ان شريحا قضى في مكاتب عليه دين ان الدين والكتابة بالحصص فقال اخطأ شريح وفي هذا من الاخبار ما لا يحصى كثرة وفيما اوردناه كفاية لما اردناه فاما ما لا يزالون يستكرهونه ويتعسفونه من تأويل هذه الاخبار التي ذكرناها مثل قولهم في قصة المجهضة (بولدها خ ر) ولدها ان الخطأ والغش انما اراد به ترك ما هو الاولى في النصح وان ابن عباس دعا إلى المباهلة لانه خطأ في اجتهاده فدعا من خطائه في ذلك لا في نفس المذهب إلى المباهلة وان ذكر جهنم والنار على سبيل التشدد والتحرز وان ذلك تخويف لمن اقدم عليه من غير فكر ولا تحفظ وفي حديث احباط الجهاد ان ذلك مشروط بأن يكون ذاكر للخبر المقتضى

[ 106 ]

بخلاف قوله إلى غير ذلك مما يتاؤلون به الاخبار الواردة في هذا المعنى فكله عدول عن ظواهر الاخبار وحملها على ما لا تحتمله وذلك انما يسوغ انساع من ثبت لنا تصويب القوم بعضهم لبعض في مذاهبهم من وجه لا يحتمل التأويل فاما ولا شئ نذكر في ذلك الا وهو محتمل للتصويب وغيره على ما ذكرناه و سنذكره فلا وجه للالتفات إلى تأويلاتهم البعيدة فان قالوا نحن وان صوبنا المجتهدين فليس نمنع أن يكون في جملة المسائل ما الحق فيه في واحد فلا يسوغ في مثله الاجتهاد واكثر ما يقتضيه الاخبار التي رويتموها أن يكون الاجتهاد غير سائغ في هذه المسائل بعينها وهذا لا يدل على ان سائر المسائل كذلك قلنا لا فرق بين هذه المسائل التي روينا فيها الاخبار وبين غيرها وليس لها صفة تباين بها ما عداها مسائل الاجتهاد الا ترى انه لا نص في شئ منها يقطع العذر كما ان ذلك ليس في غيرها من مسائل الاجتهاد وإذا لم يتميز من غيرها بصفة لم يسغ ما ادعيتموه واشترك الكل في جواز الاجتهاد فيه أو المنع منه واستدلوا ايضا بان قالوا ليس يخلوا أقوالهم في هذه المسائل التي اضافوها إلى آرائهم وامثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها من طرق الادلة الموجبة للعلم أو من جهة الاجتهاد والقياس ولو كان الاول لوجب أن يكون الحق في واحد من الاقوال دون جميعها ولوجب أن يكون ما عدا المذهب الواحد الذي هو الحق منها باطلا خطأ ولو كان كذلك لوجب أن يقطعوا ولاية قائله ويبرؤا منه ويلعنوه ولا يعظموه الا ترى انهم في امور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة ورجعوا عن التعظيم والولاية لما لم يكن من باب الاجتهاد (يات خ ر) فلو كان لكل واحدا لفعلوا في جميعه فعلا واحدا ولو كان الامر على خلاف قولنا لم يحسن ان يولى بعضهم بعضا مع علمه بخلافه عليه في مذهبه كما ولى امير المؤمنين (ع) شريحا مع علمه بخلافه له في كثير من الاحكام وكما ولى ابو بكر زيدا وهو يخالفه في الجد فلولا اعتقاد المولى أن المولى محق وان الذي يذهب إليه وان كان مخالفا لمذهبه صواب لم يجز ذلك ولا جاز ايضا ان يسوغ له الفتيا ويحيل عليه بها وقد كانوا يفعلون ذلك وكذلك كان يجب أن ينقض بعضهم على بعض الاحكام التي يخالفه فيها لما تمكن من ذلك وان ينقض الواحد على نفسه ما حكم لهم (به خ ر) في حال ثم رجع إلى ما يخالفه في اخرى لان كثيرا منهم قد قضى بقضاياء مختلفة ولم ينقض على نفسه ما تقدم فلولا ان الكل عندهم صوابا لم يسغ ذلك وايضا فقد اختلفوا فيما لو كان خطأ لكان كبيرا نحو اختلافهم في الفروج والدماء والاموال وقضى بعضهم بأراقة الدم واباحة المال والفرج فلو كان فهم من اخطأ لم يجر ان يكون خطاه الا كبيرا ويكون سبيله سبيل من ابتداء اراقة دم محرم بغير حق أو أخذ مالا عظيما بغير حق واعطاه من لا يستحقه وفي ذلك تفسيقه ووجوب البرائة منه وفي علمنا بفقد كل ذلك دليل على انهم قالوا بالاجتهاد وان الجماعة مصيبون وهذه الطريقة هي عندهم في ان كل مجتهد مصيب في احكام الشريعة قيل لهم ما تنكرون أن يكون الخطأ الواقع ينقسم إلى ما يوجب البرائة وحمل السلاح واللعن وقطع الولاية

[ 107 ]

والى ما يوجب شيئا من ذلك وان يكون اشتراك الفعلين في كونهما خطأ لا يقتضى اشتراكهما مما يستحق عليهما ويعامل به فاعلهما إلى يرون ان الصغيرة تشارك الكبيرة في القبح والخطأ ولا يدل ذلك على تساويهما فيما يعامل به فاعلهما والربا (والزنا خ ر) والكفر يشتركان في القبح والمعصية ولا يجب تساويهما في سائر الاحكام وإذا اجاز اشتراك الشيئين في القبح مع اختلافهما فيما يستحق عليهما يمتنع أن يكون الحق في احد ما قاله القوم وما عداه خطأ ولا يجب مساواه ذلك الخطأ لما يوجب من الخطاء والتبرى واللعن وحمل السلاح والحرب ثم يقال لهم اليس الصحابة قد اختلفت قيل العقد لابي بكر حتى قالت الانصار منا امير ومنكم امير فإذا اعترفوا به ولابد منه قيل لهم أو ليس الذي دعوا إلى ذلك مخطئين لمخالفتهم الخبر المأثور عن النبي (ع) من قول الائمة من قريش فلابد من الاقرار بخطائهم فيقال لهم افتقولون انهم كانوا فساقا ضلالا يستحقون اللعن والبرائة والحرب فان قالوا نعم لزمهم تفسيق الانصار أو لعنهم و البرائة منهم وهذا اقبح مما يعيبونه على من يرمونه بالرفض فان قالوا انهم لم يصروا على ذلك بل راجعوا الحق فلم يستحقوا تفسيقا ولا برائة قيل لهم كلامنا عليهم قبل التسليم وسماع الخبر وعلى ما قضيتم به يجب أن يكونوا في تلك الحال فساقا يستحقون البرائة واللعن والعدول عن الولاية والتعظيم وهذا مما لم يقله احد منهم على ان فيهم من لم يرجع بعد سماع الخبر واقام على امره فيجب أن يحكموا فيه بكل الذي ذكرناه فان قالوا ان الانصار لم تفسق بما دعت إليه وان كان الحق في خلاف قولها ولا (الا خ ر) استحقت اللعن والبرائة قيل لهم فما تنكرون أن يكون الحق في احد ما قالته الصحابة من المسائل التي ذكرتموها دون ما عداه وان يكون من خالفه لا يستحق شيئا مما ذكرتم ويسئلون ايضا على هذا الوجه في جميع ما اختلفت فيه الصحابة مما الحق فيه في واحد كاختلافهم فيما نعى الزكوة هل يستحقون القتال وغير ذلك من المسائل ويقال يجب إذا كان من فارق الحق في هذه المسائل من الصحابة قد اخطأ أن يكون في تلك الحال فاسقا منقطع الولاية ملعونا مستحقا للمحاربة ويسئلون ايضا عن قضاء عمر في الحامل المعترفة بالزنا بالرجم حتى قال له امير المؤمنين (ع) ان كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها فيقال لهم اتقولون ان قضاه بذلك حق فان قالوا نعم غلطوا وفارقوا ما عليه الامة لان الكل يقولون لا يجوز رجمها وهي حامل وفي رجوع عمر إلى قول أمير المؤمنين (ع) وقوله لولا على لهلك عمر دلالة على تنبيه الخطاء في قضيته فيتوهم اتقولون إذا كان قد اخطاء انه مستحق للعن والبرائة والتفسيق فلابد لهم من أن ينفوا ذلك ويجعلوا الخطأ الواقع منه مما لا يقتضى تفسيقا ولا برائة فيقال لهم في المجتهدين مثله فان قالوا ان الخطاء الذي لم يقم الدلالة على انه فسق يجوز أن يكون فسقا وأن يكون صاحبة (صاحبه) مستحقا لقطع الولاية واللعن والبرائة فيقولون في الصحابة مثل ذلك قلنا هكذا يجب أن يقال وانما منعنا من ايجابكم تفسيقهم والرجوع عن ولايتهم باختلافهم في مسائل الاجتهاد واعلمناكم ان ذلك لا يجب في كل خطأ ومعصيه وليس هذا

[ 108 ]

مما يوحش فان تجويز كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا من حيث لا يعلم كتجويز كل احد عليهم أن يكون مستسرا بكبيرة يجب لها قطع الولاية ويستحق بها البرائة واللعن غير أن يجوز ذلك عليهم في حوادث الشرع لا يوجب الاقدام على قطع ولايتهم أو سقاط تعظيمهم كما ان تجويز الكبائر عليهم لا يوجب ذلك وانما يوجبه تيقن وقوع الكبائر منهم وفيمن يوافقنا في كون الحق في هذه المسائل في واحد من يقول انى آمن من كون خطائهم في حوادث الشرع كبيرا من حيث الاجماع والاول امرا على النظر على ان مذهبنا فيمن جمع بين الايمان والمعصية معروف وعندنا ان معاصي المؤمنين من اهل الصلوة لا يسقط ولايته وتعظيمه والمعاصي عندنا وان كان جميعها كبيرا فانها تسمى صغائرا بالاضافة فليس يجوز أن نلعن فاعلها ونحاربه أو نحده أو تستعمل معه الاحكام التي تستعمل مع العصاة الا بتوقف على ذلك وانما يستعمل هذه الاحكام مع بعض عصاة اهل الغلاة بالتوقف وما لم يرد فيه سمع من معاصيهم لا يقدم على المساواة بينه وبين غيره فيما ذكرناه بل يقتصر على الذم المشروط ايضا ببقاء استحقاق العقاب لانا نجوز من اسقاط الله تعالى لعقابهم تفضلا ما يمنع من استحقاقهم الذم كما منع من استحقاق العقاب فالقول فيما ذكرناه واضح وما الزموناه باطل على كل مذهب واما تعلقهم بولاية (بتولية خ ر) بعضهم بعضا مع المخالفة في المذهب وان ذلك يدل على التصويب فليس على ما ظنوا وذلك انهم لم يؤل احد منهم واليا لا شريحا ولا زيدا ولا غيرهما الا على أن يحكم بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وما اجمع عليه المسلمون ولا يتجاوز الحق في الحوادث ولا يتعداه وإذا قلده بهذا الشرط لم يكن ان يقال ان يسوغ له الحكم بخلاف مذهبه لانهم لا يتمكنون من ان يقولوا انه نص له على شئ مما يخافه فيه واباحة الحكم فيه بخلاف رأيه وجملة ما تقول انه ليس لاحد أن يقلد حاكما على أن يحكم بمذهب كذا ويقضى برأى فلان بل يقلده على ان يحكم بالكتاب والسنة والاجماع وله يول القوم احدا الا على هذا الشرط فاما تعلقهم بتسويغ الفتيا واحالة بعضهم على بعض بها فغير صحيح وذلك انهم يدعون في تسويغ الفتيا ما لا نعلمه وكيف يسوغون الفتيا على جهة التصويب لها ونحن نعلم ان بعضهم قد رد على بعض وخطأه وخوفه بالله تعالى من المقام على الهوى وهذا غاية النكير وان ارادوا انهم سوغوها من حيث لم ينقضوها ويبطلوا الاحكام المخالفة لهم فذلك ليس بتسويغ وسنتكلم عليه وما نعرف ايضا احدا منهم ارشد في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه ولا يقدرون على أن يعينوا واحدا فعل ذلك وانما كان يحيلون بالفتيا في الجملة على اهل العلم والقائلين بالحق والتفصيل غير معلوم من الجملة فاما الزامهم لنا أن ينقض بعضهم على بعض حكمه والواحد على نفسه فيما حكم به فيرجع عنه فغير واجب لان اقرار الحكم وورود العبادة بالامساك عن نقضه لا يوجب كونه صوابا الا ترى انا قد نقر اهل الذمة على ابتياعاتهم الفاسدة ومناكهتهم الباطلة إذا ادوا الجزية ونقتصر على انكاره على اظهار الخلاف مع انا لا نرى شيئا من ذلك صوابا فليس مجيئ العبادة باقرار حكم من الاحكام مع

[ 109 ]

النهى عنه مما يفسده أو يستحيل وسبيل ذلك سبيل ابتداء العبادة به وكما يجوز ورودها بهذا الحكم ابتداء جاز ورودها باقراره بعد وقوعه وان كان خطاء على انه قد ورد ان شريحا قضى في ابن عم احدهما اخ لام (للميت خ ر) بمذهب ابن مسعود فنقض امير المؤمنين (ع) حكمه وقال في اي كتاب وجدت ذلك أفى اي سنة وهذا يبطل دعوى من ادعى ان احدا منهم لم ينقض حكم من خالفه على العموم والقول في نقض الواحد منهم على نفسه يجرى على الوجه الذي ذكرناه فاما تعلقهم بان الخطاء في الدماء والفروج والاموال لا يكون الا كبيرا ولم إذا كان كبيرا في بعض المواضع ومن بعض الفاعلين وجب أن يكون كذلك في كل حال ومن كل فاعل أو لا ترون انه قد اشترك (يشترك خ ر) فاعلان في اراقة دم غير مستحق ويكون فعل احدهما كفرا والاخر غير كفر وإذا جاز ذلك لم يمتنع ان يشترك فاعلان ايضا في اراقة دم ويكون من احدهما فسق وكبيرا ولا يكون من الاخر كذلك ثم يسئلون عما اختلفت فيه الصحابة وكان الحق فيه في احد الاقوال كاختلافهم في مانعي الزكوة وهل يستحقون القتال واختلافهم في الامامة يوم السقيفة ويقال لهم يجب أن يكون خطاؤهم كبيرا لانهم مخالفون للنصوص وما الحق فيه في واحد ويجب أن يكونوا بمنزلة من ابتداء خلاف النصوص في غير ذلك فكل شئ يعتذرون به ويفصلون قوبلوا بمثله على انهم يقولون ان قتلا وقع من موسى (ع) صغيرة ولا يلزمهم ان يكون كل قتل صغيرة ولا إذا حكموا بكبر القتل منا ان يحكموا بكبره من موسى (ع) فكيف سوغ (يسوغ خ ر) مع ذلك ان يلزمهم مخالفهم في نفى القياس ما اعتمدوه وتعلقوا ايضا بما روى عن النبي (ع) لما انفذ معاذا إلى اليمن قال له بماذا تقضى قال بكتاب الله قال فان لم تجد في كتاب الله قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله قال فان لم تجد قال اجتهد رأيى فقال (ع) الحمد لله الذي وفق رسول رسوالله صلى الله عليه وآله لما يرضاه رسول الله صلى الله عليه وآله وبما قد روى عن ابن مسعود مثل ذلك وهو انه قال له اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما فإذا لم تجد الحكم فيهما فاجتهد رأيك و بما روى عن عمر في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الاشعري انه قال قس الامور برأيك والكلام على ما ذكروه من وجوه احدها ان هذه اخبار احاد لا يقبل في مثل هذه المسألة التي طريق اثباتها العلم المقطوع على صحته على ان الاصول لو ثبتت باخبار الاحاد لم يجز ثبوتها بمثل خبر معاذ لان رواته مجهولون وقيل رواه جماعة من اصحاب معاذ ولم يذكروا على ان روايته قد وردت مختلفة فجاء في بعضها انه لما قال اجتهدوا رأيى قال له (ع) لا اكتب إلى اكتب اليك وهذا يوجب أن يكون الامر فيما لا يجده في الكتاب والسنة موقوفا على ما يكتب إليه لا على اجتهاده فان قالوا الدليل على صحة روايته تلقى الامة له عصرا بعد عصر بالقبول ولان الصحابة إذا ثبت انهم عملوا بالقياس والاجتهاد فلابد فيه من نص لان اصل القياس في الشرع لا يستدرك (يعلم خ ر) قياسا ولا نص يدل ظاهره على ذلك الا خبر معاذ وما خبر معاذ اقوى منه فيجب من ذلك صحة الخبر قلنا اما تلقى الامة له بالقبول فغير معلوم وقد بينا ان قبول الامة لامثال هذه الاخبار كقبولهم لخبر مس الذكر وما جرى مجراه مما لا يقطع به

[ 110 ]

ولا يعلم صحته فاما ادعاؤهم بثبوت عملهم بالقياس وانه يجب أن يكون لهذا الخبر لانه لا نص غيره فبناء على ما لم يثبت ولا يثبت وقد بينا بطلان ما ظنوه دليلا على اجماعهم على ذلك ولو سلم لهم على ما فيه لجاز أن يكونوا اجمعوا لبعض ما في الكتب أو لخبر اخر على انهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صح لم تحيج إلى الخبر ولم يكن دليلا على المسألة لانا إذا اعلمنا اجماعهم على القياس والاجتهاد فاى فقر بنا إلى تأمل خبر معاذ وكيف يستدل به على ما قد علمناه بغيره فان قالوا يعلم باجماعهم صحة الخبر ويصير الخبر دليلا كما ان اجماعهم دليل ويكون المستدل مخيرا في الاستدلال بايهما شاء قلنا لسنا نعلم باجماعهم صحة الخبر الا بعد أن نعلم انهم اجمعوا على القياس والاجتهاد وعلمنا بذلك يخرج الخبر من أن يكون دلالة وانما كان يمكن ما ذكروه لو جاز أن يعلم اجماعهم على صحة الخبر من غير أن يعلم اجماعهم على القول بالقياس وذلك لا يصح على انا إذا تجاوزنا ذلك ولم نعرض للكلام في اصل الخبر ووروده لم يكن فيه دلالة لانه قال اجتهد رأيى ولم يقل فيماذا ولا ينكر ان يكون معناه اجتهد رأيى حتى اجد حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب والسنة إذا كان في احكام الله فيهما ما لا يتوصل إليه الا بالاجتهاد ولا يوجد في ظواهر النصوص فادعاؤهم ان الحاق الفرع بالاصل في الحكم لعلة يستخرجها القياس هو الاجتهاد زيادة في الخبر بما لا دليل عليه ولا سبيل إلى تصحيحه فان قالوا ما يوجد في دليل النص من كتاب أو السنة فهو موجود فيهما وقوله فان لم تجد يجب أن يحمل على عمومه وعلى انه لم يجد على كل حال وإذا حمل على ذلك فليس وراه الا الرجوع إلى القياس الذي نقوله قلنا ليس يجب حمل الكلام على عمومه عند اكثر اصحابنا فعلى هذا المذهب سقط هذا الكلام على انهم لا يقولون بذلك لان القياس والاجتهاد عندهم من المفهوم بالكتاب والسنة وهما لا يدلان عليه فكيف يصح حمل قوله فان لم تجد على العموم وهذا يقتضى انهم قائلون في المنفى ايضا بالخصوص فكيف عابوه علينا وبعد فان جاز اثبات القياس بمثل خبر معاذ فان من نفاه يروى ما هو اقوى منه واوضح لفظا نحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله ستفترق امتى على بضع وسبعين فرقة اعظمها فتنة على امتى قوم يقيسون الامور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام والروايات في هذا كثيرة ومن تتبعها وجدها فاما خبر ابن مسعود الذي ذكروه فالكلام كالكلام على خبر معاذ بعينه فاما كتاب عمر إلى أبي موسى الاشعري وقوله اعرف الاشباه والنظاير وقس الامور برأيك فاضعف في باب الرواية من خبر معاذ وابعد من أن يتعلق به في مثل هذا الباب على انه إذا سلم لم يكن فيه دلالة وذلك ان القياس الذي دعاه إليه هو الحاق الشئ بشبهة و لهذا قال اعرف الاشباه والنظاير والمشابهة الموجبة للقياس وحمل الشئ على نظيره انما هي المشاركة في امر مخصوص به تعلق الحكم فمن عرف ذلك وحصله وجب عليه الجمع به بين الاصل والفرع وهذا المقدار لا ينازعون ولكن لا سبيل إلى معرفته ولو امكن فيه ما يدعونه من الظن لم يكن في الخبر ايضا دلالة لهم لانه ليس فيه الامر بقياس الفرع على الاصل إذا شاركة في معنى يغلب على الظن انه علة الحكم وللمخالف

[ 111 ]

أن يقول لهم ان الارز ليس بمشابه للبر ولا النبيذ التمرى يشابه الخمر ولا بينهما شبه يوجب التساوى في الحكم والخبر انما تناول المساواة بين المشتبهين ولا اشتباه هيهنا فان قالوا هيهنا اشتباه مظنون قلنا ليس في الخبر اعمل على ما تظنه مشتبها بل قال اعرف الاشباه والنظاير وذلك يقتضى حصول العلم بالاشباه على الامر الذي يقع به التشابه في الحكم غير مذكور في الخبر فان جاز لهم ان يدعوا انه عنى المشابهة في المعاني التي يدعيها القايسون كالكيل في البر والشدة في الخمر جاز لخصومهم أن يدعوا انه اراد المشابهة في اطلاق الاسم واشتمال اللفظ فيكون ذلك دعا منه إلى القول بحمل اللفظ على كل ما تحته من المسميات لتساويهما في تناول اللفظ فكأنه تعالى إذا قال والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما و علم ان كل سارق يقع عليه هذا الاسم وشارك سائر السراق في تناول اللفظ وجب التسوية بين الجميع في الحكم الا أن يقوم دلالة واستدلوا ايضا بأن قالوا إذا ثبت في انه لابد في الفرع الشرعية من حكم ولا نص ولا دليل على حكمها فيجب أن تكون متعبدين فيها بالقياس وربما استدلوا بهذه الطريقة من وجه فقالوا قد ثبت عن الصحابة انهم رجعوا في طلب احكام الحوادث إلى الشرع فإذا علم ذلك من حالهم في جميع الحوادث على كثرتها واختلافها وصح انه لا نص يدل على هذه الاحكام بظاهره ولا دليله فليس بعد ذلك الا القياس والاجتهاد لان التجنب والقول بما اتفق يمنع منه العقل وهذا الاستدلال يخالف الطريقة الاولى لانهم لم يرجعوا في هذا إلى اجماعهم على نفس القياس والاجتهاد بل رجعوا إلى اجماعهم في طلب الاحكام من جهة الشرع وفي الطريقة الاولى اعتبروا اجماعهم على نفس القول بالقياس فيقال لهم في الحوادث حكم ولم يكلف معرفته أو لا حكم فيها جملة وكل ذلك جايز لا مانع منه واما تعلقهم بهذه الطريقة على الوجه الثاني فمبنى على انه لا نص يدل بظاهره ولا دليله على احكام الحوادث فيجب لذلك الرجوع إلى القياس فيها و دون ما ظنوه خرط القتاد (كنايه است از صعوبت كندن پرگ درخت از جهة خار داشتن اندرخت وانكه اگر بر عكس كنند لمحرره عفى عنه ولوالديه) لانا قيد بينا ان جميع ما اختلف فيه الصحابة من الاحكام له وجه وان القطع على انتفاء مثل ذلك لا يمكن بما يستغنى عن اعادته على اكثر ما في هذا أن يكون جميع الحوادث التي علمنا طلبهم فيها للاحكام من جهة الشرع لا يدخل حكم العقل فيها وانه لابد فيها من حكم شرعي ثم نقول انهم ما رجعوا فيما طلبوه من جهة الشرع الا إلى النصوص وعلى من ادعى خلاف ذلك الحجة من أين لهم ان جميع ما يحدث إلى يوم القيمة هذا حكمه وانه لابد من أن يكون المرجع فيه إلى الشرع ولا يجوز أن يحكم فيه بحكم العقل ولم إذا كانت الحوادث التي بليت بها الصحابة لها مخرج في الشريعة وجب ذلك في كل حادثة وهل هذا الا تمن وتحكم على انه قد روى عن بعضهم ما يقتضى انه رجع إلى حكم العقل في مسألة الحرام وهو مسروق لانه جعل مسألة الحرام بمنزلة تحريم قصعة من تريد مما يعلم بالعقل اباحته استدل الشافعي وجماعة معه على ذلك بالقبلة قالوا لما وجب طلبها بما يمكن طلبه به يقال لهم ان ما ذكرتموه ان دل قائما يدل على جواز التعبد بالاجتهاد في الشرعيات فاما أن يعتمد في اثبات العبادة به في الشرع فباطل لان معتمد ذلك

[ 112 ]

لابد له من أن يقيس ساير حوادث الفروع في جواز استعمال الاجتهاد فيها على القبلة وذلك منه قياس والكلام انما هو في اثبات القياس وهل وردت به العبادة ام لا فكيف يستسلف صحته ولمن ينفى القياس ان يقول ان الذي يجب أن اثبت الحكم في القبلة بالاجتهاد لورود النص واقف عند ذلك ولا اتجاوزه وهذا بمنزلة أن ترد العبادة بايجاب صلوة فيقيس قايس عليها وجوب اخرى فكما انه ممنوع من ذلك الا أن يتعبد بالقياس فكذلك من قاس على القبلة غيرها ممنوع من قياسه ولما يثبت ورود العبادة بالقياس على ان الحكم عند الغيبة ثابت بالنص في الجملة لان المكلف قد الزم أن يصلى إلى جهتها وإذا كان الحكم الشرعي ثابتا في الجملة ولم يكتف المكلف في اثبات (امكان خ ر) الفعل في الجملة وجب أن يجتهد ليمكنه الفعل الواجب عليه في الجملة فالاجتهاد منه ليس يتوصل به إلى اثبات الحكم الشرعي وانما يصل به إلى اثبات الحكم المجمل الذي ورد النص به وتفصيله وعروض ذلك ان يرد النص في الارز ان فيه ضربا من ضروب الربا ويكون هناك طريق الاجتهاد في اثباته فيتوصل المكلف إلى تمييز ذلك الريا وتفصيله لاجل النص المجمل وهذا مما لم يثبت لهم على انه يقال للمتعلق بهذه الطريقة اليس انما اجتهدت عند الغيبة في القبلة لما ثبت بالنص حكم لا سبيل لك إلى معرفته الا بالاجتهاد فإذا اعترف بذلك قيل له فثبت في الفرع انه لابد فيه من حكم يمكن معرفته الا بالاجتهاد حتى يتساوى الامران ولا سبيل لك إلى ذلك وقد علمت ان في نفاة القياس من يقول ان حكم الفرع معلوم عقلا وفيهم من يقول انه معلوم بالنصوص اما بظواهرها أو بادلتها وبعد فليس مثبت القياس بأن يتعلق بالقبلة في اثبات الحكم للفرع قياسا على الاصل باولى من نافى القياس إذا تعلق بها في حمل الفرع على الاصل في انه لا يثبت له حكم الا بالنص ومتى قيل له فاجمع بين الامرين امتنع لتنافيهما ومتى قيل له الاثبات ارجح وادخل في الغاية قال هذا انما يصح فيما ثبت وصح لا فيما الكلام واقع فيه واستدلوا بما روى عنه (ع) من قوله للخثعمية أرأيت لو كان على ابيك دين اكنت تقضيه قال نعم قال فدين الله احق واولى أن يقضى وبقوله لعمر حين سئله عن القبلة للصايم ارأيت لو تمضمضت بماء اكنت شاربه وقوله في حديث ابي هريرة حين سئله السائل عن رجل ولد له غلام اسود فقال له الك ابل قال نعم قال ما الوانها قال حمر قال فيها اورق قال نعم قال وانى ذلك قال لعل عرقا نزعه وغير ذلك من الاحاديث لم نذكرها لضعفها وبيان وهيهنا يقال لهم اول ما في هذا الاخبار انها اخبار احاد لا توجب علما وما هذا حكمه لا يثبت به اصل معلوم عندهم مقطوع على صحته فلا يجوز اثباته بما يوجب غلبة الظن على ان تنبيهه (ع) على علة الحكم ليس باكثر من أن ينص صريحا عليها ولو نص على العلة لم يجب القياس بهذا القدر دون أن يدل على العبارة به بغيره على انه (ع) بتنبيهه قد اغنى عن القياس فكيف يجعل ذلك دليلا على القياس و لانه ايضا مع التنبيه على العلة قد اثبت الحكم في الفرع والاصل معا وما هذا حاله لا يدخل القياس فيه

[ 113 ]

على انه (ع) اخبر ان الحج يجرى مجرى الدين في وجوب القضاء وكك ما نبه عليه في باب القبلة والمولود الاسود ولم يذكر لاى سبب جرى مجراه وما العلة فيه وهل ظاهر نص اوجب ذلك أو طريقه من القياس وإذا كان الامر متحملا لم يجز القطع على احد الوجهين بغير دليل على ان اسم الدين يقع على الحج كوقوعه على المال وإذا كان كك دخل في قوله تعالى من بعد وصيته (وصية) يوصون بها أو دين وهذا القدر كاف من الكلام في هذه الاخبار وبطلان التعلق بها فان الاكثار في تأويلاتها لا فايدة فيه وقد اثبت في هذه المسألة اكثر الفاظ المسألة التي ذكرها سيدنا المرتضى رحمه الله في ابطال القياس لانها سديدة في هذا الباب واضفت إلى ذلك مواضع لم يذكرها وحذفت اشياء يستغنى عن ايرادها وفي القدر الذي اوردناه كفاية وتنبيه على كل ما يتعلق به في هذا الباب الكلام في الاجتهاد اعلم ان كل امر لا يجوز تغيره عما هو عليه من وجوب إلى حظر أو من حسن إلى قبح فلا خلاف بين اهل العلم المحصلين ان الاجتهاد في ذلك لا يختلف وان الحق في واحد وان من خالفه ضال فاسق وربما كان كافرا وذلك نحو القول بأن العالم قديم أو محدث وإذا كان محدثا هل له صانع ام لا والكلام في صفات الصانع وتوحيده وعدله والكلام في النبوة والامامة وغير ذلك وكذلك الامام في ان الظلم والعبث والكذب قبيح على كل حال وان شكر المنعم ورد الوديعة والانصاف حسن على كل حال وما يجرى مجرى ذلك وانما قالوا ذلك لان هذه الاشياء لا يصح تغيرها في نفسها ولا خروجها عن صفتها التي هي عليها الا ترى ان العالم إذا ثبت انه محدث فاعتقاد من اعتقد انه قديم لا يكون الا جهلا والجهل لا يكون الا قبيحا وكك إذا ثبت ان له صانعا فاعتقاد من اعتقد ان ليس له صانع لا يكون الا جهلا وكك القول في صفاته وتوحيده وعدله وكك إذا ثبت ان النبي صلى الله عليه وآله صادق فاعتقاد من اعتقد كذبه لا يكون الا جهلا وكك المسائل الباقية وحكى عن قوم شذاذ لا يعتد باقوالهم انهم قالوا ان كل مجتهد فيها مصيب وقولهم باطل بما قلناه واما ما يصح تغييره في نفسه وخروجه من الحسن إلى القبح ومن الخطر إلى الاباحة فلا خلاف بين اهل العلم انه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك فما يكون حسنا من زيد يكون قبيحا من عمرو وما يقبح من زيد في حال بعينها يحسن منه في حالة اخرى ويختلف ذلك بحسب اختلاف احوالهم وبحسب اجتهادهم وانما قالوا ذلك لان هذه الاشياء تابعة للمصالح والالطاف وما هذا حكمه فلا يمتنع ان يتغير الحال فيه ولهذه العلة جاز النسخ ونقل المكلفين عما كانوا عليه إلى خلافه بحسب ما تقتضيه مصالحهم الا أن مع تجويز ذلك في العقل هل ثبت ذلك في الشرع ام لا فقد اختلف العلماء في ذلك فذهب اكثر المتكلمين والفقهاء إلى ان كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم وهو مذهب أبي على (اي فيما عدا ما فيه ظاهر قران أو خبر متواتر كما سيصرح به بقوله واعلم الخ) وأبي هاشم وأبي الحسن و اكثر المتكلمين واليه ذهب أبو حنيفة واصحابه فيما حكاه ابو الحسن عنهم وقد حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة وذهب الاصم وبشر المرتسي إلى ان الحق في واحد من ذلك وهو ما يقولون به وان ما عداه خطأ حتى قال الاصم ان حكم الحاكم ينقض به ويقولون ان المخطئ غير معذور في ذلك الا أن يكون خطاؤه صغيرا وان سبيل ذلك سبيل الخطاء في اصول الديانات وذهب اهل الظاهر فيما عدا القياس من الاستدلال وغيره إلى ان الحق من ذلك

[ 114 ]

في واحد واما الشافعي فان كلامه مختلف في كتبه فربما قال ان الحق في واحد وعليه دليل وان ما عداه خطأ وربما مر في كلامه ان كل مجتهد قد ادى ما كلف وربما يقول انه قد اخطأ خطأ موضوعا عنه وقد اختلف اصحابه في حكاية مذهبه فمنهم من يقول ان الحق في واحد من ذلك وان عليه دليلا وان لم يقطع على الوصول إليه وان ما عداه خطأ لكن الدليل على الصواب من القولين لما غمض (اغمض خ ر) ولم يظهر كان المخطئ معذورا ومنهم من يحكى ان كل مجتهد مصيب في اجتهاده وفي الحكم وان كان احدهما يقال فيه قد اخطأ الاشبه عند الله والذي اذهب إليه وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين من المتقدمين والمتأخرين وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى ره واليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله ان الحق في واحد وان عليه دليلا من خالفه كان مخطئا فاسقا واعلم ان الاصل في هذه المسألة القول بالقياس والعمل باخبار الاحاد لان ما طريقه التواتر وظواهر القران فلا خلاف بين اهل العلم ان الحق فيما هو معلوم من ذلك وانما اختلفت القائلون بهذين الاصلين فيما ذكرناه وقد دللنا على بطلان العمل بالقياس وخبر الواحد الذي يختص المخالف بروايته وإذا ثبت ذلك دل على ان الحق في الجهة التي فيها الطايفة المحقة واما على ما اخترته من القول في الاخبار المختلفة المروية من جهة الخاصة فلا ينقض ذلك لان غرضنا في هذا لمكان ان نبين ان الحق في الجهة التي فيها الطائفة المحقة دون الجهة التي خالفها وان كان حكم ما يختص به الطائفة والاختلاف التي بينها الحكم الذي مضى الكلام عليه في باب الكلام في الاخبار فلا تنافى بين القولين وهذه الجملة كافية في هذا الباب وان (وانما خ ر) لم تتبع كلام المخالف وطرقهم التي يستدلون بها على صحة ذلك لان فيما مضى من الكلام في ابطال القياس كلاما عليه واكثر شبههم داخلة فيها فلا معنى للاعادة في هذا الباب فصل في ذكر صفات المفتى والمستفتي وبيان احكامهما لا يجوز لاحد أن يفتى بشئ من الاحكام الا بعد أن يكون عالما به لان المفتى يخبر عن حال ما يستفتى فيه فمتى لم يكن عالما به فلا يأمن أن يخبر بالشئ على غير ما هو به وذلك لا يجوز فإذا لابد من أن يكون عالما (ولا يكون عالما) الا بعد امور منها أن يعلم جميع ما لا يصح العلم بتلك الحادثة الا بعد تقدمه وذلك نحو العلم بالله تعالى وصفاته وتوحيده وعدله وانما قلنا ذلك لانه متى لم يكن عالما بالله لم يمكنه أن يعرف النبوة لانه لا يأمن أن يكون الذي ادعى النبوة كاذبا ومتى عرفه ولم يعرف صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز لم يأمن أن يكون قد صدق الكاذب فلا يصح أن يعلم ما جاء به الرسول فإذا لابد من أن يكون عالما بجميع ذلك ولابد أن يكون عالما بالنبي الذي جاء بتلك الشريعة لانه متى لم يعرفه لم يصح ان يعرف ما جاء به من الشرع ولابد من أن يعرف ايضا صفات النبي وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه لانه متى لم يعرف جميع ذلك لم يأمن أن يكون غير صادق فيما يؤديه أو يكون ما ادى جميع ما بعث به أو يكون اداه على وجه لا يصح له معرفته فإذا لابد من أن يعرف جميع ذلك و إذا عرف جميع ذلك فلابد ايضا أن يعرف الكتاب فانه يتضمن كثيرا من الاحكام التي هي المطلوبة ولابد من أن يعرف ما لا يتم العلم بالكتاب الا به وذلك يوجب أن يعرف جملة من الخطاب العربي وجملة من الاعراب والمعاني ويعرف

[ 115 ]

الحقيقة والمجاز والفرق بينهما لانه متى لم يعرف ذلك لم يمكنه معرفة ما تضمنه الكتاب ولابد ان يعرف الناسخ والمنسوخ لانه متى عرف المنسوخ ولم يعرف الناسخ اعتقد الشئ على خلاف ما هو به من وجوب ما لا يجب عليه وقد كان يجوز أن يعرف الناسخ وان لم يعرف المنسوخ لان المنسوخ لا يتعلق به فرضه وان كان له في تلاوته مصلحة إلى ان ذلك على الكفاية غير انه لو كان كذلك لم يمكنه ان يعرفه ناسخا الا بعد أن يعرف المنسوخ اما على الجملة أو التفصيل ولابد أن يعرف العموم والخصوص والمتعلق والمقيد لانه متى لم يعلم ذلك لا يأمن أن يكون المراد بالعموم الخصوص وبالمطلق المقيد ولابد أن يكون عالما بانه ليس هناك دليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز لانه متى يجوز (جوز خ ر) لم يكن عالما به ولابد ايضا أن يكون عالما بالسنة وناسخها ومنسوخها وعامها وخاصها ومطلقها ومقيدها وحقيقتها ومجازها وانه ليس هناك ما يمنع من الاستدلال بشئ من ظواهرها كما قلناه في الكتاب لانه متى جوز ذلك لم يكن عالما بها و لابد أن يكون عارفا بالاجماع واحكامه وما يصح الاحتجاج به وما لا يصح ولابد أن يكون عارفا بافعال النبي ومواقعها من الوجوب والندب والاباحة حتى يصح أن يكون عالما بما يفتى به فان اخل بذلك أو بشئ منه لم يأمن أن يكون ما افتى به بخلاف ما افتى به وذلك قبيح وقد عد من خالفنا في هذه الاقسام انه لابد أن يكون عالما بالقياس والاجتهاد واخبار الاحاد ووجوه العلل والمقاييس واثبات الامارات المقتضية لغلبة الظن واثبات الاحكام وقد بينا نحن فساد ذلك وانها ليست من ادلة الشرع واما المستفتى فعلى ضربين احدهما أن يكون متمكنا من الاستدلال والوصول إلى العلم بالحادثة مثل المفتى فمن هذه صورته لا يجوز له أن يقلد المفتى ويرجع إلى فتياه وانما قلنا ذلك لان قول المفتى غاية ما يوجبه غلبة الظن وإذا كان له طريق إلى حصول العلم فلا يجوز له أن يعمل على غلبة الظن على حال واما إذا لم يمكنه الاستدلال ويعجز عن البحث عن ذلك فقد اختلفت قول العلماء في ذلك فحكى عن قوم من البغداديين انهم قالوا لا يجوز له أن يقلد المفتى وانما ينبغي أن يرجع إليه لينبهه على طريقة العلم بالحادثة وان تقليده محرم على كل حال وسووا في ذلك بين احكام الفروع والاصول وذهب البصريون والفقهاء بأسرهم إلى ان العامي لا يجب عليه الاستدلال والاجتهاد وانه يجوز له أن يقبل قول المفتى فاما في اصوله وفي العقليات فحكمه حكم العالم في وجوب معرفة ذلك عليه ولا خلاف بين الناس انه يلزم العامي معرفة الصلوة اعدادها وإذا صح ذلك وكان علمه بذلك لا يتم الا بعد معرفة الله تعالى ومعرفة عدله ومعرفة النبوة وجب أن لا يصح له أن يقلد في ذلك ويجب أن يحكم بخلاف قول من قال يجوز تقليده في التوحيد مع ايجابه منه العلم بالصلوات والذي نذهب إليه انه يجوز للعامي الذي لا يقدر على البحث والتفتيش تقليد العالم يدل على ذلك انى وجدت عامة الطائفة من عهد امير المؤمنين (ع) والى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها ويستفتونهم في الاحكام وفي العبادات ويفتونهم العلماء فيها ويسوغون لهم العمل بما يفتونهم به وما سمعنا احدا منهم قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء ولا العمل به بل ينبغي أن تنظر كما نظرت (حتى خ ر) وتعلم كما علمت ولا انكر عليه العمل بما يفتونهم وقد كان منهم الخلق العظيم

[ 116 ]

اثروا الائمة (ع) ولم يحك عن واحد من الائمة (ع) النكير على احد من هؤلاء ولا ايجاب القول بخلافه بل كانوا يصوبونهم في ذلك فمن خالف في ذلك كان مخالفا لما المعلوم خلافه فان قيل كما وجدناهم يرجعون إلى العلماء فيما طريقة الاحكام الشرعية وجدناهم ايضا كانوا يرجون إليهم في اصول الديانات ولم نعرف احدا من الائمة ولا من العلماء انكر عليهم ولم يدل ذلك على انه يسوغ تقليد العالم في الاصول قيل له لو سلمنا انه لم ينكر احد منهم ذلك لم يطعن ذلك في هذا الاستدلال لان على بطلان التقليد في الاصول ادلة عقلية وشرعية من كتاب (كتابا) وسنة وغير ذلك وذلك كاف في النكير وايضا فان المقلد في الاصول يقدم على ما لا يأمن أن يكون جهلا لان طريق ذلك الاعتقاد والمعتقد لا يتغير في نفسه عن صفة إلى غيرها وليس كذلك الشرعيات لانها تابعة للمصالح ولا يمتنع أن يكون من مصلحتهم تقليد العلماء في جميع تلك الاحكام وذلك لا يتأتى في اصول الديانات و ان كان مخطئا في تقليده على ان الذي يقوى في نفسي ان المقلد للمحق في اصول الديانات وان كان مخطئا في تقليده غير مؤاخذ به وانه معفو عنه وانما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة التي قدمناها لاني لم أجد احدا من الطائفة ولا من الائمة (ع) قطع موالاة من سمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم وان لم يسند ذلك إلى حجة عقل أو شرع وليس لاحد أن يقول ان ذلك لا يجوز لانه يؤدى إلى الاغراء بما لا يأمن أن يكون جهلا وذلك انه لا تؤدى إلى شئ من ذلك لان هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم ابتداء ان ذلك سايغ له فهو خائف من الاقدام على ذلك ولا يمكنه ايضا ان يعلم سقوط العقاب عنه فيستديم الاعتقاد لانه انما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف الاصول وقد فرضنا انه مقلد في ذلك كله فكيف يعلم اسقاط العقاب فيكون مغرى باعتقاد ما لا يأمن كونه جهلا أو باستدامته وانما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالاصول و سبروا احواله وان العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا انكروا عليهم ولم يسغ ذلك لهم الا بعد العلم بسقوط العقاب عنه وذلك يخرجه عن باب الاغراء وهذا القدر كاف في هذا الباب ان شاء الله تعالى فصل في ان النبي (ع) هل كان مجتهدا في شئ من الاحكام وهل كان يسوغ ذلك له عقلا ام لا وان من غاب عن الرسول في حال حيوته هل كان يسوغ له الاجتهاد أو لا وكيف حال من بحضرته في جواز ذلك اعلم ان هذه المسألة تسقط على اصولنا لانا قد بينا ان القياس والاجتهاد لا يجوز استعمالها في الشرع وإذا ثبت ذلك فلا يجوز للنبي (ع) ذلك ولا لاحد من رعيته حاضرا كان أو غايبا لا حال حيوته ولا بعد وفاته استعمال ذلك على حال واما على مذهب المخالفين لنا في ذلك فقد اختلفوا فذهب أبو على وابو هاشم إلى انه لم يتعبد بذلك في الشرعيات ولا وقع منه الاجتهاد فيها واوجبا كونه متعبدا بالاجتهاد في الحروب وحكى عن أبي يوسف القول بأن النبي (ع) قد اجتهد في الاحكام وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل على انه يجوز أن يكون في احكامه ما قاله من جهة الاجتهاد وادعى أبو علي الاجماع على انه لم يجتهد النبي (ع) في شئ من الاحكام لم يجب ان تجعل اصلا ولا كفر من رده بل كان يجوز مخالفته كما يجوز مثل ذلك في اقاويل المجتهدين فلما ثبت كفر من رد بعض احكامه وخالفه

[ 117 ]

وساغ جعل جميعها اصولا دل على انه حكم به من جهة الوحى وهذا الدليل ليس بصحيح لانه لا يمتنع أن يقال ان في احكامه ما حكم به (من) جهة الاجتهاد ومع ذلك لا يسوغ مخالفته من حيث اوجب الله تعالى اتباعه وسوى في اتباعه ذلك بين ما قاله بوحى وبين ما قاله من جهة الاجتهاد كما يقول من قال ان الامة يجوز أن تجمع على حكم من طريق الاجتهاد وان كان لا يجوز خلافه وإذا ثبت ذلك لم يمكن التعلق بما حكيناه ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله تعالى وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى فحكم بان جميع ما يقوله وحى يوحى فينبغي أن لا يثبت ذلك من جهة الاجتهاد والمعتمد ما قلناه اولا من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس والاجتهاد في جميع المكلفين وعلى جميع الاحوال فاما من حضر النبي (ع) فذهب أبو علي إلى انه لا يجوز أن يجتهد ويجوز ذلك لمن غاب ومن الناس من يقول ان لمن حضر النبي (ع) ايضا ان يجتهد ويستدل على ذلك بخبر يروى ان النبي (ع) امر عمرو بن العاص وعقبة بن عامر ان يقضيا بحضرته بين خصمين وقال لهما ان اصبتما فلكما عشر حسنات وان اخطأتما فلكما حسنة وهذا خبر ضعيف من اخبار الاحاد التي لا يعتمد في مثل هذه المسألة لان طريقها العلم والمعتمد في هذه المسألة ايضا ما قدمناه من عدم الدليل على ورود العبادة بالقياس والاجتهاد وذلك عام في جميع الاحوال الكلام في الحظر والاباحة فصل في ذكر حقيقة الحظر والاباحة والمراد بذلك اعلم ان معنى قولنا في الشئ انه محظور انه قبيح لا يجوز له فعله الا انه لا يسمى بذلك الا بعد أن يكون فاعله اعلم حظره أو دل عليه ولاجل هذا لا يقال في افعال الله تعالى انها محظورة لما لم يكن اعلم قبحها ولا دل عليه وان كان في افعاله ما لو فعله لكان قبيحا فكذلك لا يقال في افعال البهايم والمجانين انها محظورة لما لم يكن هذه الاشياء اعلم قبحها ولا دل عليه ومعنى قولنا انه مباح ليس له صفة زايدة على حسنه ولا يوصف بذلك الا بالشرطين الذين ذكرناهما من اعلام حسن فاعله ذلك أو دلالته عليه وكذلك لا يقال ان فعل الله تعالى العقاب باهل النار مباح لما لم يكن اعلمه ولا دل عليه وان لم يكن لفعله العقاب صفة زايدة على حسنه وهو هي كونه مستحقا وكذلك لا يقال في افعال البهايم انها مباحة لعدم هذين الشرطين ولاجل ذلك نقول أن المباح يقتضى مبيحا والمحظور يقتضى حاضرا وقد قيل في حد المباح هو ان لفاعله أن ينتفع به ولا يخاف ضررا في ذلك لا عاجلا ولا اجلا وفي حد الحظر انه ليس له الانتفاع به وان عليه في ذلك ضررا اما عاجلا أو اجلا وهذا يرجع إلى المعنى الذي قلناه فصل في ذكر بيان الاشياء التي يقال انها على الحظر والاباحة والفصل بينهما وبين غيرها والدليل على الصحيح من ذلك افعال المكلف لا تخلو من أن تكون حسنة أو قبيحة والحسنة لا تخلو من أن تكون واجبة أو ندبا أو مباحا وكل فعل جهة قبحه بالعقل على التفصيل فلا خلاف بين اهل العلم المحصلين في انه على الخطر (الحظر) وذلك نحو الظلم والكذب والعبث والجهل وما شاكل ذلك وما يعلم جهة وجوبه على التفصيل فلا خلاف ايضا انه على الوجوب وذلك نحو وجوب رد الوديعة وشكر المنعم والانصاف وما شاكل ذلك وما يعلم جهة كونه ندبا فلا خلاف ايضا انه على الندب وذلك نحو

[ 118 ]

الاحسان والتفضل وانما كان الامر في هذه الاشياء على ما ذكرناه لانها لا يصح ان تتغير من حسن إلى قبح ومن قبح إلى حسن واختلفوا في الاشياء التي ينتفع بها هل هي على الحظر أو الاباحة أو على الوقف فذهب كثير من البغداديين وطايفة من اصحابنا الامامية إلى انها على الحظر ووافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء وذهب اكثر المتكلمين من البصريين وهو المحكى عن أبي الحسن وكثير من الفقهاء إلى انها على الاباحة وهو الذي يختاره سيدنا المرتضى وذهب كثير من الناس إلى انها على الوقف ويجوز كل واحد من الامرين فيه وينتظر ورود السمع بواحد منهما وهذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد الله ره وهو الذي يقوى في نفسي والذى يدل على ذلك انه قد ثبت في العقول ان الاقدام على ما يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما لم قبحه الا ترى ان من اقدم على الاخبار بما لم يعلم صحة مخبره جرى في القبح مجرى من اخبر من علمه بأن مخبره على خلاف ما اخبر به على حد واحد وإذا ثبت ذلك وفقدنا الادلة على حسن هذه الاشياء قطعا ينبغي أن يجوز كونها قبيحة وإذا جوزنا ذلك فيها قبح الاقدام عليها فان قيل نحن نأمن قبحها لانها لو كانت قبيحة لم تكن الا لكونها مفسدة لانه ليس لها جهة قبح يلزمها مثل الجهل والظلم والكذب والعبث وغير ذلك ولو كانت للمفسدة لوجب على القديم أن يعلمنا ذلك والا قبح التكليف فلما لم يعلمنا ذلك علمنا حسنها عند ذلك وذلك يفيدنا الاباحة قيل لا يمتنع ان يتعلق المفسدة باعلامنا جهة الفعل على التفصيل فيقبح الاعلام وتكون المصلحة لنا في التوقف في ذلك والشك وتجويز كل واحد من الامرين وإذا لم يمتنع ان يتعلق المصلحة بشكنا والمفسدة باعلامنا جهة الفعل لم يلزم اعلامنا على كل حال وصار ذلك موقوفا على تعلق المصلحة بالاعلام أو المفسدة بالشك فحينئذ يجب الاعلام وذلك موقوف على السمع وليس لاحد أن يقول ان هذا الذي فرضتموه يكاد يعلم ضرورة تعذره لان الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك فانكان قبيحا فلا يكون كذلك الا للمفسدة وان لم يكن قبيحا فذلك الحسن وهذه قسمة مترددة بين النفى والاثبات فكيف اخترتم انتم قسما ثالثا لا يكاد يعقل وذلك ان الفعل كما قالوا لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك ولكن لا يمتنع أن يكون للمكلف حالة اخرى يتعلق بها المفسدة والمصلحة وهي الحالة التي يقطع فيها على جهة الفعل على التفصيل وإذا كان ذلك جايزا لم ينفعنا تردد الفعل في نفسه بين القبح والحسن واحتجنا ان نراعى حال المكلف فمتى وجدنا المصلحة تعلقت المفسدة بذلك وجب أن لا يعلم ذلك وكان فرضه الوقف والشك وهو (هذا خ ر) الذي لخصناه ينبغي أن يتأمل جيدا فانه يسقط معتمد القوم في ادلتهم وربما لم يتصور كثيرا من الذين يتكلمون في هذا الباب ما بيناه ومتى تأمله من يضبط الاصول وقف على وجه الصواب في ذلك فان قيل كيف يمكنكم ان تدفعوا حسن هذه الاشياء ونحن نعلم ضرورة حسن التنفس في الهواء وتناول ما يقوم به الحيوة طول مدة النظر في حدوث العالم واثبات الصانع وبيان صفاته وعلى ما قلتموه ينبغي أن يمتنع في هذه الاوقات من الغذاء وغير ذلك يؤدى إلى تلفه وعطبه ومن ارتكب ذلك علم بطلان قوله ضرورة قلنا اما التنفس في الهواء فالانسان ملجاء إليه مضطر وما يكون

[ 119 ]

ذلك حكمه فهو خارج عن حد التكليف فان فرضوا فيما زاد على قدر الحاجة فلا نسلم بل ربما كان قبيحا على جهة القطع لانه عبث لا فائدة فيه ولا نفع في ذلك يعقل واما احوال النظر فمستثناه ايضا لانه في تلك الاحوال ليسن بمكلف أن يعلم حسن هذه الاشياء ولا قبحها لانه لا طريق له إلى ذلك وانما يمكنه ذلك إذا عرف الله (ع) بجميع صفاته وانه ينبغي أن يعلمنا مصالحنا ومفاسدنا وإذا علم جميع ذلك حينئذ تعلق فرضه بأن يعلم هذه الاشياء هل على الحظر أو على الاباحة وفي الاحوال لا يجوز له أن يقدم الا على قدر ما يمسك رمقه ويقوم به حيوته وفي اصحابنا من قال ان في هذه الاحوال لابد من أن يعلم الله تعالى ذلك ليسمع ببعثه إليه فيعلمه ان ذلك مفسدة يتجنبه أو مصلحة يجب عليه فعله أو مباح يجوز له تناوله وعلى ما قررته من الدليل لا يجب ذلك لانه إذا فرضنا تعلق المصلحة والمفسدة بحال المكلف لم يمتنع أن يدوم ذلك زمانا كثيرا ويكون فرضه فيه كله الوقف والشك والاقتصار على قدر ما يمسك رمقه وحيوته وهذا الدليل الذي ذكرناه هو المعتمد في هذا الباب والذي يلى ذلك في القوة أن يقال إذا فقدنا الدلاله على حظر (هذه) الاشياء وعلى اباحتها وجب التوقف فيها وتجويز كل واحد من الامرين وليس يلزمنا اكثر من أن نبين ان ما تعلق به كل واحد من الفريقين ليس بدليل في هذا الباب فما استدل به من قال ان الاشياء على الخطر (الحظر) قطعا ان قالوا قد علمنا ان هذه الاشياء لها مالك ولا يجوز لنا ان نتصرف في ملك الغير الا باذنه كما علمنا قبح التصرف فيما لا يملكه في الشاهد واعترف القائلون بالاباحة هذه الطريقة بان قالوا انما قبح في الشاهد التصرف في ملك الغير لانه يؤدى إلى ضرر مالكه بدلالة ان ما لا ضرر عليه في ذلك جاز لنا ان نتصرف فيه مثل الاستظلال بفئ داره والاستصباح بضوء ناره والاقتباس منها واخذ ما يتساقط من حبه عند الحصاد وغير ذلك من حيث لا ضرر عليه في ذلك فعلمنا ان الذي قبح من ذلك انما قبح لضرر مالكه لا لكونه مالكا والقديم تعالى لا يجوز عليه الضرر على حال فينبغي أن يسوغ لنا التصرف في ملكه ولمن نصر هذا الدليل أن يقول انما حسن الانتفاع في المواضع التي ذكرتموه لا لارتفاع الضرر بل لان هذه الاشياء لا يصح تملكها لان فيئ الحايط ليس بشئ يملك إذا كان في طريق غير مملوك ومتى كان الفئ في ملك صاحبه قبح الدخول إليه وكذلك القول في المصباح فاما اخذنا يتناثر من حبة فلا نسلم انه يحسن وكيف نسلم وله أن يمنعه من ذلك وان يجمعه لنفسه ولو كان مباحا لم يجز له منعه منه على ان على العلة التي ذكروها من اعتبار دخول الضرر على مالكه كان ينبغي أن لا يسوع له اخذ ما يتناثر من حبة لانا نعلم ان ذلك يدخل عليه فيه ضرر وان كان يسيرا فعلى المذهبين جميعا كان ينبغي أن يقبح ذلك على ان ذلك لو قبح لضرر لا لفقد الاذن من مالكه لكان ينبغي ان لو اذن فيه يحسن ذلك لان الضرر حاصل وليس لهم أن يقولوا انه يحصل له عوض اكثر منه من الثواب أو السرور عاجلا وذلك انا نفرض في من لا يعتقد العوض على ذلك من الملحدة وليس هو ايضا مما يسر بل بما شق عليه واغتم به ومع ذلك حسن التصرف منه إذا اذن فيه وليس لاحد أن يقول ان دليل العقل الدال على اباحة هذه الاشياء يجري

[ 120 ]

مجرى اذن سمعي فجاز لنا التصرف فيها وذلك ان لمن نصر هذا الدليل أن يقول لم يثبت ذلك ولو ثبت كان الامر على ما قالوه ونحن نتبع ما يستدل به اصحاب الاباحة ونتكلم عليه انشاء الله واستدل كثير من الفقهاء على ان الاشياء ليست على الحظر أو الوقف بقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وبقوله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فقالوا بين الله تعالى انه لا يستحق احد العقاب ولا يكون لله عليهم حجة الا بعد انفاذ الرسل وذلك يفيد ان من جهتهم يعلم حسن هذه الاشياء أو قبحها وهذا لا يصح الاستدلال به من وجوه احدها ان هيهنا امورا كثيرة معلومة من جهة العقل وجوبها وقبحها مثل رد الوديعة وشكر المنعم والانصاف وقضاء الدين وقبح الظلم والعبث والكذب والجهل وحسن الاحسان الخالص وغير ذلك فعلمنا انه ليس المراد بالاية ما ذكروه ومتى ارتكبوه رفع كون هذه الاشياء معلومة الا باالسمع علم بطلان قولهم وكانت المسألة خارجة عن هذا الباب ومنها ان لله حججا كثيرة غير الرسل من ادلة العقل الدال على توحيده وعدله وجميع صفاته التي من لا يعرفها لا يصح أن يعرف صحة السمع فكيف يقال لا يقوم الحجة الا بعد انفاذ الرسل والمعنى في الايتين ان يحملا على انه إذا كان المعلوم ان لهم الطافا ومصالح لا يعلمونها الا بالسمع وجب على القديم تعالى اعلامهم اياها ولم يحسن ان يعاقبهم على تركها الا بعد تعريفهم اياها ولم تقم الحجة عليهم الا بعد انفاذ الرسل ومتى كان الامر على ذلك وجبت بعثة الرسل لانه لا يمكن معرفة هذه الاشياء الا من جهتهم واستدل من قال ان هذه الاشياء على الاباحة بأن قالوا نحن نعلم ضرورة ان كل ما يصح الانتفاع به ولا ضرورة على احد فيه عاجلا ولا اجلا فانه حسن كما يعلم ان كل الم لا نفع فيه عاجلا ولا اجلا قبيح فدافع احد الامرين كدافع الاخر وإذا ثبت ذلك وكانت هذه الاشياء لا ضرر فيها عاجلا (ولا اجلا) فيجب أن تكون حسنة قالوا ولا يجوز أن يكون فيها ضرر اصلا (عاجلا خ ر) لانه لو كان كذلك لم يكن الا لكونها مفسدة في الدين ولو كان كذلك لوجب على القديم تعالى اعلامنا ذلك فلما لم يعلمنا ذلك علمنا انها حسنة وقد مضى في دليلنا ما يمكن أن يكون كلاما على هذه الشبهة وذلك انا قلنا ان هذه الاشياء لا نأمن أن يكون فيها ضرر اجل وإذا لم تأمن ذلك قبح الاقدام عليها كما لو قطعنا ان فيها ضررا واجبنا عن قولهم لو كان فيها ضررا لكان ذلك لاجل المفسدة وذلك يجب على القديم اعلامنا اياه بأن قلنا لا يمتنع ان تتعلق المفسدة باعلامنا جهة الفعل على وجه التفصيل ويكون مصلحتنا في الوقف والشك وتجويز كل واحد من الوجهين في الفعل واذ كان ذلك جائزا لم يجب عليه تعالى اعلامنا ذلك وجاز ان يقتصر بالمكلف على هذه المنزلة واستدلوا ايضا بأن قالوا إذا صح أن يخلق تعالى الاجسام خالية من الالوان والطعوم فخلقته تعالى للطعم واللون لابد أن يكون فيه وجه حسن فلا يخلو ذلك من أن يكون لنفع نفسه أو لنفع الغير أو خلقها ليضر بها ولا يجوز أن يخلقها لنفع نفسه لانه يتعالى عن ذلك علوا كبيرا ولا يحسن أن يخلقها ليضر بها لان ذلك قبيح الابتداء به فلم يتق الا أنه خلقها ليقع الغير وذلك يقتضى كونها مباحة والجواب عن ذلك من وجوه احدها انه انما خلق هذه الاشياء إذا كانت فيها

[ 121 ]

ومصالح وان لم يجز لنا ان ننتفع بها بالاكل بل نفعنا بالامتناع منها فيحصل لنا بها الثواب كما انه خلق اشياء كثيرة يصح الانتفاع بها ومع ذلك فقد حظرها بالسمع مثل شرب الخمر والميتة والزنا وغير ذلك و ليس لهم أن يقولوا ان هذه الاشياء انما حظرها لما كانت مفسدة في الدين واعلمنا ذلك وليس كذلك ما يصح الانتفاع به ولا يعلم ذلك فيه وذلك انا قد بينا انه لا فرق بين أن تتعلق المصلحة باعلامنا جهة الفعل من قبح أو حسن فيجب عليه أن يعلمنا ذلك وبين أن تتعلق المصلحة بحال لنا جوز معها كل واحد من الامرين فيجب أن يقتصر بنا على تلك الحال لان المراعى حصول المصلحة وإذا ثبت ذلك لحق ثبوت ما علمنا قبحه على طريق القطع والثبات في انه لا يحسن منا الاقدام عليه ومنها ان على مذهب كثير من اهل العدل انما خلق الطعوم والارابيح والاجسام لانها لا تصح أن يخلو منها فجرت في هذا الباب مجرى الاكوان التي لا يصح خلو الجسم منها وخلق الجسم إذا ثبت انه مصلحة وجب أن يخلق معه جميع ما يحتاج إليه في وجوده ومنها ان الانتفاع بهذه الاشياء قد يكون بالاستدلال بها على الله تعالى وعلى صفاته فليس الانتفاع مقصورا على التناول فحسب وليس لهم أن يقولوا انه كان يمكن الاستدلال بالاجسام على وحدانية الله تعالى وعلى صفاته فلا معنى لخلق الطعوم و ذلك انه لا يمتنع ان يخلقها لما ذكرناه وان كان الجسم يصح الاستدلال به ويكون ذلك زيادة في الادلة ولسنا ممن يقول لا يجوز أن ينصب على معرفته ادلة كثيرة لانا ان قلنا ذلك ادى إلى فساد اكثر الادلة التي يستدل بها على وحدانيته تعالى فإذا ينبغي أن يجوز أن يخلقها للاستدلال بها وذلك يخرجهما عن حكم العبث ويدخلهما في باب ما خلقت للانتفاع بها وليس لهم أن يقولوا إذا صح الانتفاع بها من الوجهين بالاستدلال والتناول فينبغي ان يقصد به الوجهين وذلك ان هذا محض الدعوى لا برهان عليها بل الذي يحتاج إليه ان يعلم انه لم يخلقها الا لوجه فاما أن يقصد بها جميع الوجوه التي يصح الانتفاع بهما فلا يجب ذلك على انا قد بينا انه لا يمتنع ان يفرض في احد الوجهين مفسدة في الدين فيحسن أن يخلقها للوجه الاخر ويعلمنا ان فيها فسادا للدين ومتى تناولناها فيجب علينا أن نمتنع منها فان قيل إذا امكن خلقها للوجهين ولم يقصدهما كان عبثا من الوجه الذي لم يقصد للانتفاع به وجرى ذلك مجرى فعلين يقصد باحدهما للانتفاع ولا يقصد بالاخر ذلك فيكون ذلك عبثا قيل له ليس الامر على ذلك لان الفعل الواحد إذا كان فيه وجه من وجوه الحكمة خرج من باب العبث وان كان له وجوه اخر كان يجوز ان تقصد وليس كك الفعلان لانه إذا قصد وجه الحكمة في احدهما بقى الاخر خاليا من ذلك وكان عبثا وليس كذلك الفعل الواحد على ما بيناه فان قيل الانتفاع بالاعتبار

[ 122 ]

بالطعوم لا يمكن الا بعد تناولها لان الطعم ليس مما يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة فإذا لابد من تناوله حتى يصح الاعتبار قيل الاعتبار يمكن بتناول القليل منه وهو قدر ما يمسك الرمق وتبقى معه الحيوة وقد بينا ان ذلك القدر في حكم المباح و ليس الاعتبار موقوفا على تناول شئ كثير من ذلك ويمكن أن يقال ايضا انه يصح أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلف من ساير اجناس الحيوان فانه إذا شاهد اجناس الحيوان الا يتناول تلك الاشياء ويصلح عليها اجسامها أو يفسد بحسب اختلافها واختلاف طبايعها جاز معه أن يعتبر بذلك وان لم يتناولها المكلف اصلا وبمثل هذا اجاب المخالف عمن قال بالفرق بين السموم والاغذية بان قال يرجع إلى حال الحيوان التي ليست مكلفة إذا شاهدها يتناول اشياء ينتفع بها جعلها ذلك طريقا إلى تجربته و ان ذلك ممن ينصلح عليه ايضا جسمه وذلك مثل ما اجبنا به عن السؤال الذي أوردوه في هذا الباب واستدلوا ايضا بقوله تعالى قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق وبقوله واحل لكم الطيبات وما شاكل ذلك من الايات وهذه الطريقة مبنية على السمع ونحن لا نمتنع ان يدل دليل السمع على ان الاشياء على الاباحة بعد ان كانت على الوقف بل عندنا الامر على ذلك واليه نذهب و على هذا سقط المعارضة بالايات واستدل كثير من الناس على ان هذه الاشياء على الحظر أو الوقف بأن قالوا قد علمنا ان التحرز من المضار واجب في العقول إذا كان ذلك واجبا لم يحسن منا ان نقدم على تناول ما لم نأمن أن يكون سما قاتلا فيؤدى ذلك إلى العطب لانا لا نفرق بين ما هو سم وبين ما هو غذا وانما ننتظر ذلك اعلام الله تعالى لنا ما هو غذانا والفرق بينه وبين السموم القاتلة واعترض من خالف في ذلك هذا الاستدلال بأن قال يمكننا ان نعلم ذلك بالتجربة فانا إذا شاهدنا الحيوان الذي ليس بمكلف يتناول بعض الاشياء فيصلح عليه جسمه علمنا انه غذاء وإذا تناول شيئا يفسد عليه علمنا انه مضار فحينئذ ما اعتبرنا باحوالهما وقال من نصر هذا الدليل ان الحيوان يختلف طباعه فليس ما يصلح الحيوان المستبهم يعلم انه يصلح الحيوان الناطق لان هيهنا اشياء كثيرة تغذى كثيرا من الحيوان ويصلح عليها اجسامها و ان كان متى تناولها ابن ادم هلك منها ان الظبا يأكل شحم الحنظل ويتغذى به ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في الحال وكك النعامة تأكل النار وتحصل في معدتها ولو اكل ذلك ابن ادم لهلك في الحال وكذلك (يق) ان الفارة تأكل البيش فتعيش به ورايحة ذلك تقتل

[ 123 ]

ابن ادم فليس طبايع الحيوان على حد واحد وإذا لم يكن على حد واحد لم يجز أن يعتبر باحوال غيرنا احوال نفوسنا ولمن خالفهم في ذلك أن يقول احسب انه لا يمكن أن يعتبر باحوال الحيوان المستبهم احوال الحيوان من البشر اليس لو اقدم واحد منهم على طريق الخطاء أو الجهل على ما يذهبون إليه على تناول هذه الاشياء يعرف بذلك الخطاء ما هو غذا وفرق بينه وبين السم فينبغي أن يجوز لغيره أن يعتبر به ويجوز له بعد ذلك التناول منها وان لم يرد سمع لانه قد امن العطب والهلاك والمعتمد في هذا الباب ما ذكرناه اولا في صدر هذا الباب فهذه جملة كافية في هذا المعنى ان شاء الله فصل في ذكر النافي هل عليه دليل ام لا والكلام في استصحاب الحال ذهب قوم إلى ان النافي ليس عليه دليل كما ان من قال لست عالما بالشئ لا دليل عليه وكما ان المنكر للدعوى ليس عليه بينة وكما لا دليل على من نفى نبوة المدعى للنبوة ومنهم من قال ان على النافي للاحكام العقلية دليلا وليس على النافي للاحكام الشرعية ذلك وذهب المحصلون من المتكلمين والفقهاء إلى ان كل من نفى حكما من الاحكام عقليا كان أو سمعيا كان عليه الدليل واليه اذهب لانه الصحيح والذي يدل على ذلك ان النافي للحكم مدع للعلم بان ما نفاه منفى لانه ان ادعى الشك في ذلك فلا يلزمه الدلالة لان قوله لا يعد مذهبا ولا يناظر عليه وإذا كان مدعيا للعلم وقد ثبت ان العلوم المكتسبة لابد لها من اوله وطرق موصلة إلى العلم فإذا ثبت ذلك فمتى طولب النافي بالدلالة فانما يطالب بما اداه النظر إليه إلى نفى ما نفاه فعليه بيان دلالته كما يجب على المثبت ذلك لكن طريق الاستدلال يختلف في ذلك لان النافي للحكم يستدل بأن يقول الحكم الشرعي إذا تعبد الله تعالى به فلابد من أن يدل عليه فإذا عدمت الدلالة على ذلك من الكتاب والسنة والاجماع وجميع طرق الادلة علمت ان الحكم منتف فليستدل بانتفاء التعبد به على نفى لزومه وكذلك بانتفاء ظهور العلم المعجز على يد المدعى للنبوة على نفى نبوته بأن يقال لو كان نبيا لوجب ظهور المعجز على يده فإذا لم يظهر علمت بانتفائه انتفاء كونه نبيا وكذلك يستدل بانتفاء احكام الصفات عن الموصوف على نفى الصفات كما يستدل على نفى المائية على القديم تعالى بانتفاء حكم لها ونقول لو كان له مائية لوجب أن يكون لها حكم فلما لم نجد لها حكما علمنا انتفائها وكذلك نستدل على انتفاء الصفات الزايدة على الصفات المعقولة في الجواهر والاعراض بان نقول لو كانت لها صفات اكثر من ذلك لكانت لها احكام معلومة اما ضرورة أو استدلالا فلما لم نجدها معلومة من هذين الطريقين علمنا

[ 124 ]

انتفائها وكل هذه ادلة على الحقيقة لانا عولنا في نفى ما نفيناه على القول بانا لا نحتاج إلى دليل فطرق الادلة تختلف وقد طول من تكلم في هذا الباب الكلام فيه وهذا القدر الذي لخصناه كاف فانه ياتي على المعتمد من ذلك فاما قول من قال ليس عليه دليل كما لا بينة على المنكر فبعيد لان طريق ذلك الشرع وليس هو مما عليه دليل عقلي أو سمعي وما هذا حكمه يحكم فيه بحسب ما ورد الشرع به ويفارق ذلك المذهب على ما ذكرناه على ان المنكر لو كان لا دليل عليه لما وجب عليه اليمين كما لا يحتاج النافي إلى دليل ولا غيره على انه قد قيل ان كون الشئ في يده في حكم الدلالة ولذلك لو لم يكن في يده لكان حاله حال المدعى الاخر فقد ثبت سقوط التعلق بذلك فاما من نفى نبوة المتنبي فقد بينا ان عليه دليلا وهو ان يقول لو كان نبيا لوجب ظهور العلم على يده فلما لم يظهر علمت انه ليس بنبي وانه كاذب في دعواه وهذه الجملة التي ذكرناها يبين لنا ان النافي عليه دليل فان ذلك لا يخص حكما عقليا من حكم شرعى فيجب القضا بتساويها في ذلك فاما استصحاب الحال فصورته ما يقوله اصحاب الشافعي من ان المتيمم إذا (شرع خ ر) دخل في الصلوة ثم رأى الماء فانه قد ثبت انه قيل (قبل) روئية (رؤيته) للماء يجب عليه المضى في الصلوة بالاتفاق فإذا حدث روية الماء فيجب أن يكون على ما كان عليه من حكم الحال الاولى وغير ذلك من المسايل وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب اكثر المتكلمين وكثير من الفقهاء من اصحاب ابي حنيفة وغيرهم إلى ان ذلك ليس بدليل وهو الذي ينصره المرتضى قدس الله روحه وذهب اكثر اصحاب الشافعي وغيرهم وهو الذي كان ينصره شيخنا أبو عبد الله إلى ان ذلك دليل ولى في ذلك نظر غير انه يمكن أن يقال في المثال الذي ذكروه أن يقال قد ثبت وجوب المضى في الصلوة قبل رؤية الماء ولم يدل دليل على ان رؤية الماء حدث ولو كان حدثا لكان عليه دليل شرعى فلما لم يكن عليه دليل دل على انه ليس بحدث ووجب حينئذ المضى في الصلوة غير ان هذا يخرج عن باب استصحاب الحال ويرجع إلى الطريقة الاولى من الاستدلال بطريقة النفى واعترض من نفى استصحاب الحال طريقة من قال به بأن قال الحالة الثانية غير الاولى بل الحالة الثانية مختلف فيها والحالة الاولى متفق عليها فكيف يحكم في احدهما بحكم الاخرى بلا دليل ولانه لا فرق بين من عول في ذلك على ما قالوه وبين من عول في حمل مسألة على اخرى على ان قال انها مثلها من غير أن يبين فيها علة توجب الجمع بينهما وذلك ظاهر البطلان قالوا والذي يكشف عن ذلك ان الذي لاجله قلناه في الحالة الاولى بما قلناه انما كان للاتفاق أو لدليل دل على ذلك وذلك مفقود في الحالة الثانية فيجب أن لا يكون حكمها حكم الاولى بل كان يجب

[ 125 ]

أن لا يعول في الحالة الثانية الا بما يقوم عليه دليل كما قلنا في الاول وذلك يبطل استصحاب الحال وقولهم انا على ما كنا عليه ليس بدليل على ان الحالة الثانية حال اجتهاد عند من قال بذلك والحالة الاولى متفق عليها لا يجوز فيها الاجتهاد فان قالوا ان حدوث الحوادث لا يغير الاحكام الثانية ولم يجعل في الاحكام الثانية الا حدوث حادث فيجب أن لا يزيل الحكم الاول الا بدليل قيل ان حدوث الحوادث انما لا يؤثر في ثبوت الحكم إذا كان الدليل قد اقتضى دوامه فاما إذا اقتضى اثباته في وقت مخصوص فطر والوقت الثاني يقتضى زوال حكمه لا محالة على ان كل الحوادث وان كانت لا تؤثر في الحكم الثابت فان الحوادث التي اختلفت الناس عباد حدوثها في بقاء الحكم الاول عندها مؤثر في ذلك لان الاتفاق قد زال عند حدوثه فعلى من استصحب الحكم الاول دليل مبتدا كما ان على المتنفل عنه دليل مبتدا واستدل من نصر استصحاب الحال بما روى عن النبي (ع) انه قال ان الشيطان يأتي احدكم فينفح (فينفخ) بين اليتيه فيقول احدثت احدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا فبقاه على الحالة الاولى وايضا فقد اتفقوا على ان من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ان عليه أن يستصحب الحال الاولى فينبغي أن يجعل ذلك عبرة في نظائره واعترض ذلك من نفى القول به بأن قال انما قلنا في هذين الموضعين لقيام دليل وهو قول النبي (ع) وتسويته بين الحالين وكذلك الاتفاق على ان حال الشك في الحدث مثل حال اليقين الطهارة فلا شك معها فنظير ذلك ان يقوم في كل موضع دليل على ان الحالة الثانية مثل الحالة الاولى حتى نصير إليه والذي يمكن أن ينصر به طريقة استصحاب الحال ما اومأنا إليه من أن يقال لو كانت الحالة الثانية مغيرة للحكم الاول لكان على ذلك دليل وإذا تتبعنا جميع الادلة فلم نجد فيها ما يدل على ان الحالة الثانية مخالفة للحالة الاولى دل على ان حكم حالة الاولى باق على ما كان فان قيل هذا رجوع إلى الاستدلال بطريقة النفى وذلك خارج عن استصحاب الحال قيل الذي نريد باستصحاب الحال هذا الذي ذكرناه فاما غير ذلك فليس يكاد يحصل غرض القائل به وهذه الجملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر ما يعلم على ضربين بالعقل والسمع المعلومات على ضربين ضرورية ومكتسبة والمكتسبة على ضربين عقلي وسمعي فالعقلي على ضربين ضرب منه لا يصح ان يعلم بالعقل والضرب الاخر يصح أن يعلم بالعقل والسمع معا فالضروريات نحو العلم بأن الواحد لا يطابق اثنين وان الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حال واحدة والعلم بوجوب رد الوديعة وشكر المنعم والانصاف وقبح الظلم والكذب والعبث وما يجرى مجراه مما هو لازم لكمال العقل واما المكتسب الذي لا يصح

[ 126 ]

أن يعلم الا بالعقل فهو كل علم لو لم يحصل للمكلف لم يمكنه معرفة السمع وما لا يتم هذا العلم الا به وذلك نحو العلم بان هيهنا حوادث لا يقدر عليها أحد من المحدثين وان لها محدثا قادرا عالما حيا قديما لا يشبه الاجسام ولا تشبيه ولا الاعراض وانه غنى لا يجوز عليه الحاجة وانه يستحق هذه الصفات لذاته لا لمعان قديمة أو محدثة سواه وانه لا يفعل الا الحسن ولا يجوز عليه شئ من القبايح ولا الاخلال بالواجب فمتى علم هذه الجملة صح ان يعلم صحة السمع متى لم يعلمها أو لم يعلم شيئا منها لا يصح أن يعلم صحة السمع وانما قلنا ذلك لانه متى لم يعلم ما قلناه لم نأمن أن يكون الذي فعل المعجزة غير الحكيم وانه ممن يجوز عليه تصديق الكذب فلا نثق بصحة السمع واما ما يصح أن يعلم بالسمع والعقل معا فنحو ان الله تعالى لا يجوز عليه الرؤية على الحد الذي يجوزها الاشعري واصحابه عليه لان نفى ذلك يصح أن يعلم بالسمع كما يصح أن يعلم بالعقل وغير ذلك مما يقدح فيما (قدمناه خ ر) قلناه واما ما لا يعلم الا بالسمع فعلى اضرب منها الاحكام عن (من) سبب أو علة عند من قال باثبات العلل ومنها ما هي ادلة على الاحكام ومنها ما يتعلق بذلك من شروطه وفروعه واوصافه وكل ذلك لا يصح ان يعلم الا بالسمع فاما الاحكام فنحو الاباحة الشرعية نحو ذبح البهايم وغير ذلك عند من قال ان الاشياء على الاباحة فاما على ما نذهب إليه من الوقف وعلى ما نذهب إليه من الوقف وعلى مذهب من قال انها على الحظر فجميع المباحات لان الطريق بالعلم بها السمع لا غير وكذلك القبايح الشرعية نحو شرب الخمر ونحو الاكل في ايام الصوم ونحو الربا وما شاكلها فان جميع ذلك لولا السمع لما علم قبحها على طريق القطع فاما القتل والظلم فمعلوم بالعقل قبحه واما ما يستفاد بالسمع نحو ما يحسن من الالام والقتل وهو ما كان فودا أو غيره ونحو جهاد الكفار وغير ذلك واما ما يقبح من البياعات وغيرها مما يقف التمليك على شروط لا تعرف الا بالشرع فشرعي واما ما رغب فيه الشرع فهو كل فعل لولا الشرع لكان قبيحا كالصوم والصلوة وما شاكلهما فاما الاحسان فانه يعلم بالعقل انه ندب الا ما ورد الشرع به على اوصاف يرجع إليه أو إلى المعطى واما الواجب الشرعي فهو كل ما لولا دليل السمع لم يعلم وجوبه على الوجه الذي وجب عليه أو كان قبيحا وذلك نحو الصوم والصلوة والزكوة وشروط جميع ذلك واوصافه وما يفسد منه وما يصح وما يفسده أو يصححه وما يجزى منه وما لا يجزى ويجب فيه القضاء وما يفسخ من العقود وما لا يفسخ من العقود ولا يقع به التمليك الا بشروط أو على اوصاف ما يجب من نوع الاملاك وغير ذلك فجميع ذلك يعلم شرعا وهذه الجملة تنبه على ما يعلم بالشرع من الاحكام اختلف الاحوال المحكوم لهم أو عليهم أو اتفق مختارا كان أو مكرها مكلفا أو غير مكلف واما سبب الاحكام لشهادات وساير الامارات

[ 127 ]

التي يتعلق الاحكام بها أو يسوغ للحاكم الحكم لاجلها وكذلك ساير اسباب المواريث وكثيرا من التمليكات من موت أو غنيمة وما شاكله وكثير من الولايات التي هي سبب لتصرف الوالي فيما يتصرف فيه من امارة وقضاء وولاية على عجوز وغير ذلك فجميع ذلك وجميع اوصافه وشروطه يعلم بالشرع ولولاه لم يعلم واما علل الاحكام فعباد من قال بالقياس لا يعلم الا بالشرع واما الادلة التي يعلم بالشرع فنحو القياس و الاجتهاد عند من اثبتها وجوز العمل بهما وما يتعلق بهما من العلل والامارات والاحكام واما على مذهبنا فنحو الافعال الصادرة من النبي (ع) لان بالشرع يعلم كونها ادلة على ما تقدم القول فيها فاما الادلة الموجبة للعلم فبالعقل يعلم كونها ادلة ولا مدخل للشرع في ذلك فان كان يتعلق الشرع في بعض الوجوه لانا نقول الرسول (ع) يعلم ان القرآن كلام الله وان كان علمنا بما يدل عليه أو بانه دلالة يرجع فيه (فيها خ ر) إلى العقل واما المباحات فقد بينا ان طريق العلم بها كلها الشرع على ما مضى القول فيها على مذهبنا في الوقف قد ذكرنا في هذا الكتاب جملة موجزة في كل باب خصر ما خصرنا ولو شرحنا في شروح (شرح) ذلك لطال الكتاب وفيما لخصناه كفاية لمن ضبط هذا الفن وتنببه (وتنبيه) بذلك على ما عداه ونسئل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه وينفعنا بذلك ومن نظر فيه انه ولى ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين. وقد فرغت من تسويد هذه النسخة الشريفة اعني عدة الاصول للعالم المحقق والفاضل المدقق اية الله في العالمين شيخ الطائفة المحقة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي اعلى الله مقامه ورفع في الخلد اعلامه امتثالا لامر الاديب الاريب قدوة المحققين جناب الشيخ الرئيس آقا شيخ على الخراساني الحايرى في يوم الاثنين الثاني من ربيع الثاني في سنة 1318 كتبه العبد محمد على مذهبنا فنحو الافعال الصادرة من النبي (ع) لان بالشرع يعلم كونها ادلة على ما تقدم القول فيها فاما الادلة الموجبة للعلم فبالعقل يعلم كونها ادلة ولا مدخل للشرع في ذلك فان كان يتعلق الشرع في بعض الوجوه لانا نقول الرسول (ع) يعلم ان القرآن كلام الله وان كان علمنا بما يدل عليه أو بانه دلالة يرجع فيه (فيها خ ر) إلى العقل واما المباحات فقد بينا ان طريق العلم بها كلها الشرع على ما مضى القول فيها على مذهبنا في الوقف قد ذكرنا في هذا الكتاب جملة موجزة في كل باب خصر ما خصرنا ولو شرحنا في شروح (شرح) ذلك لطال الكتاب وفيما لخصناه كفاية لمن ضبط هذا الفن وتنببه (وتنبيه) بذلك على ما عداه ونسئل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه وينفعنا بذلك ومن نظر فيه انه ولى ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين. وقد فرغت من تسويد هذه النسخة الشريفة اعني عدة الاصول للعالم المحقق والفاضل المدقق اية الله في العالمين شيخ الطائفة المحقة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي اعلى الله مقامه ورفع في الخلد اعلامه امتثالا لامر الاديب الاريب قدوة المحققين جناب الشيخ الرئيس آقا شيخ على الخراساني الحايرى في يوم الاثنين الثاني من ربيع الثاني في سنة 1318 كتبه العبد محمد الاردكانى مطبع دت پرساد بمبئى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية