الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عدة الأصول (ط.ق) - الشيخ الطوسي ج 2

عدة الأصول (ط.ق)

الشيخ الطوسي ج 2


[ 62 ]

فصل في ذكر حقيقة الامر وما به بصيرا امرا الامر عبارة عن قول القايل لمن هو دونه افعل والفعل لا يسمى امرا الا على وجه المجاز والاستعارة وهو مذهب اكثر المتكلمين والفقهاء وقال قوم هو مشترك بين القول وبين الفعل والذي يدل على

[ 63 ]

صحة ما ذهبنا إليه ان اهل اللغة قسموا اقسام الكلام قسموا من جملتها قول القايل لمن هو دونه افعل امرا فينبغي أن يكون ذلك عبارة عنه ولو جاز لمخالف أن يخالف في ذلك لجاز أن يخالف في ساير ما سموه من اقسام الكلام مثل النهى والتخصيص والتمنى والسؤال والخبر وغير ذلك فإذا كان جميع ذلك صحيحا مسلما فينبغي أن يكون ما ذكرناه مثله وايضا فانهم فرقوا في هذه الصيغة بين كونها امرا أو دعاء ومسألة باعتبار الرتبة بان قالوا إذا كان القايل فوق المقول له سمى امرا وان كان دونه سمى سوالا وطلبا ودعاء فلو جاز المخالفة في تسميته امرا جاز المخالفة في تسميته سوالا وطلبا وذلك لا يقوله احد وليس لاحد ان يقول ان تسميتهم لذلك بانه امر لا خلاف فيه بل هو مسلم وانما الخلاف في أن غيره هل يسمى بذلك ام لا لان من قال بان هذه الصيغة مشتركة بين القول والفعل يسلم صحة ذلك ويقول انها تستعمل في الفصل ايضا لانا ندل على فساد هذه الدعوى فيما بعد انشاء الله تعالى والذي يدل على ما قلناه من ان هذه الصيغة حقيقة في القول دون الفعل اطرادها في القول ووقوفها في الفعل لانه ليس كل فعل يسمى امرا قولا الا ترى انه لا يسمى الاكل والشرب والقيام والقعود بانه امر وانما يقال لجملة احوال الانسان انه امر فيقال امره مستقيم وامره مضطرب فاما تفاصيل الافعال فلا توصف بذلك وليس كك القول لان كل قول يحصل لمن هو دونه لهذه الصيغة يسمى امرا فعلمنا بذلك انه حقيقة فيما قلناه ومجاز فيما ذكروه وايضا فان هذه اللفظة لها اشتقاق لانها يشتق منها اسم الفاعل فيقال امر واسم المأمور وفعل الماضي والمستقبل وكل ذلك لا يتأتى في الفعل فعلم بذلك انها مجاز في الفعل وحقيقة في القول فاما من تعلق بالاستعمال في كون هذه الصيغة مشتركة وقال وجدت هذه اللفظة قد استعملت في الفعل كما استعملت في القول فينبغي أن تكون حقيقة فيهما وقد قال الله تعالى وما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقال وما امر فرعون برشيد وغير ذلك من المواضع فان الجواب عنه قد يق ان ذلك مجاز وليس نفس الاستعمال دلالة على الحقيقة لان المجاز ايضا مستعمل كالحقيقة ونحن نبين ذلك فيما بعد وإذا لم يكن ذلك والا على الحقيقة بطل التعلق به وقد ابطلنا أن يكون ذلك على وجه الحقيقة بما ذكرناه من الادلة واما قوله تعالى وامرنا الا واحدة كلمح بالبصر وقوله وما امر فرعون برشيد فقد قيل فيه وجهان احدهما انه لا نسلم ان ذلك عبارة عن الفعل بل لا يمتنع أن يكون اراد بذلك امره الذي هو قوله وامر فرعون الذي هو قوله ولا يطعن على هذا الوجه مساوات افعاله في هذا الوصف وفي كونها كلمح بالبصر في سرعة ياتيها

[ 64 ]

منه لان ذلك يعلم بدليل اخر بخبر اخر وكك يعلم بشئ اخر ان افعال فرعون مثل اقواله في كونها غير رشيده فلا يمكن التعلق بذلك والوجه الاخر ان ذلك مجاز لما دللنا عليه من قبل فاما من تعلق في ذلك بان اهل اللغة جمعوا الامر الذي هو من قبيل الاقوال اوامر وجمعوا الامر الذي هو من قبيل الافعال امورا فينبغي أن يكون ذلك دلالة على كونها مشتركة فيهما فقوله يبطل لانه يقال له الصحيح ان الامر لا يجمع اوامر اصلا وانما يجمع امور مثل فلس وفلوس وزرع وزروع وغير ذلك فاما اوامر فخارج عن القياس فان سمع ذلك فانه يكون على انه جمع الجمع وكانه جمع اولا امورا ثم جمع امور اوامر وعلى هذا لا يدل على مخالفتهم عن ذلك لاختلاف المعنيين وإذا ثبت ما قلناه لا يمكن التعلق بقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره في وجوب اتباع افعالة لان ذلك غير داخل فيه على وجه الحقيقة وكونها مرادة على وجه المجاز يحتاج إلى دليل غير الظاهر فبطل التعلق به على كل حال واعلم ان هذه الصيغة التي هي قول القايل افعل وضعها اهل اللغة استدعا الفعل وخالفوا بين معانيها باعتبار الرتبة فسموها إذا كان القايل فوق القول له امرا وإذا كان دونه سؤالا وطلبا ودعاء ومتى استعملوها في غير استدعاء الفعل في التهديد نحو قوله تعالى واستفزز من استطعت وقوله اعملوا ما شئتم وفي الاباحة نحو قوله وإذا حللتم فاصطادوا ونحو قوله فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وفي التحدي نحو قوله فأتوا بعشر سور مفتريات مثله وفي تكوين الشئ نحو قوله كونوا قردة خاسئين وما اشبه ذلك من الوجوه كانت مجازا خارجة عن باب ما وضعت له وهذا مذهب كثير من الفقهاء والمتكلمين وقال جماعة من الفريقين ان هذه الصيغة مشتركة بين جميع ذلك حقيقة فيه وانما يختص ببعضها بالقصد فإذا اراد المأمور (الفعل خ ل) به كان امرا وسؤالا بحسب الرتبة وان كره الفعل كان ذلك نهيا وتهديدا والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ان اهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة النهى وصيغة الخبر فقالوا صيغة الامر قول القائل لمن هو دونه افعل وصيغة النهى قول القائل لمن هو دونه لا تفعل والجملة (والخبر مركبة خ ل) مركبة من مبتدا وخبر ومن فعل وفاعل نحو قولهم زيد في الدار ونحو قام زيد ولو كان الامر على ما قالوه لما كان لفرقهم بين هذه الصيغ معنى وقد علمنا انهم فرقوا وانما قلنا ذلك لانه إذا كان الاعتبار بارادة المأمور على قولهم فلو صادف ذلك قول القايل لا تفعل لكان امرا وكك لو صادف كراهة ذلك لقوله افعل لكان نهيا وهذا يؤدى إلى انه لا فرق بين هذه الصيغ والمعلوم من حال اهل اللغة خلاف ذلك

[ 65 ]

ولا يلزمنا مثل ذلك بان يقال اليس قد استعمل صيغة الخبر في الامر نحو قوله تعالى من دخله كان امنا ونحو قوله والمطلقات يتربصن بانفسهن وما اشبه ذلك وكك قد استعمل صيغة الامر في النهى وغيره من الاقسام نحو الاباحة والتهديد والتكوين وغير ذلك لانا نقول انما استعملوا ذلك على وجه المجاز دون الحقيقة فان قبل ظاهر استعمالهم يدل على انه حقيقة في الموضعين قيل له لا (نم) ان نفس الاستعمال يدل على الحقيقة لان المجاز ايضا مستعمل وانما يعلم كون اللفظ حقيقة بان ينصوا لنا على انها حقيقة أو نجد اللفظة تطرد في كل موضع أو غير ذلك من الاقسام التي قدمنا ذكرها فيما مضى للفرق بين الحقيقة والمجاز وليس مجرد الاستعمال من ذلك وليس لهم أن يقولو ان المجاز طار والحقيقة هي الاصل بدلالة انه يجوز أن يكون حقيقة لا مجاز لها ولا يجوز أن يكون مجاز لا حقيقة له فعلم بذلك ان اصل الاستعمال الحقيقة وذلك ان الذي ذكروه غير مسلم لانه لا يمتنع أن يكون الواصفون للغة وضعوا اللفظة ونصوا على انها إذا استعملت في شئ بعينه كانت حقيقة ومتى استعملوها في غيره كانت مجازا وان لم يقع استعمال اللفظ في واحد من المعنيين ثم يطرء على الوضع الاستعمال فربما استعملوها أولا في الحقيقة وربما استعملوها اولا في المجاز وانما كان يتم ذلك ان لو جعلوا الاستعمال نفسه طريقا إلى معرفة الحقيقة فيجعل ما ابتدى استعمال حقيقة وقد بينا انا لا نقول ذلك فان قيل اليس القائل إذا قيل لغيره اريد منك أن تفعل كذا ناب ذلك مناب قوله افعل فينبغي أن يكون معناهما واحدا قيل له نحن لا نمنع أن يكون لاستدعاء الفعل لفظة اخرى لانا ادعينا انه لا لفظة يستدعى بها الفعل الا قول القايل افعل بل الذي ادعيناه ان هذه اللفظة يستدعى بها الفعل وان شاركها غيرها في فايدة هذه اللفظة الا أنه متى قال اريد ان يفعل كذا لا يسمى امرا بل يكون مخبرا والخبر غير الامر وليس لهم أن يقولوا ان السؤال ايضا لا يسمى امرا وهؤلاء استدعاء الفعل على ما قررتموه لانا قد بينا ان معناهما واحد وانما فرقوا بينهما في التسمية لشئ يرجع إلى اعتبار الرتبة وليس يمكن مثل فعل ذلك في صيغة الخبر لانهم فرقوا بينها وبين صيغة في اصل الوضع دون اعتبار امر اخر فان قيل اليس القائل إذا قال لغيره اريد ان تفعل كذا وكان دون المقول له يسمى سائلا فينبغي إذا قال ذلك وهو فوقه أن يسمى امرا قيل له هذا اثبات بالقياس وذلك لا يجوز لانه ليس إذا كان للسؤال لفظتان تطلق على مستعملهما لفظ السائل ينبغي أن يكون حكم الامر مثل ذلك ولو جاز ذلك لادى إلى بطلان ما بيناه من اعتبار اهل اللغة الفرق

[ 66 ]

بين هذه الصيغ ولو لزم ذلك للزم أن يسمى الاشارة امرا لان المشير قد يشير بما يفهم منه استدعاء الفعل ويسمى سائلا ولا يقول احد انه امر على حال فان قيل فلو لم يحتج في كونه امرا إلى ارادة المأمور به جاز ان يكون كارها له وقد علمنا استحالة ذلك قيل له ان اردت بانه إذا استدعى الفعل لا يجوز أن يكون كارها له بمعنى ان ذلك مستحيل فليس الامر كك بل ذلك يمكن وان اردت ان ذلك لا يحسن فهو مسلم لانه متى استدعى الفعل وكان كارها له كان مناقضا لغرضه وان فرضنا ان الامر حكيم يدل على حسن المأمور به فلو كرهه لكان مقبحا وذلك لا يجوز على الحكيم فلاجل ذلك لا يجوز ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان جميع ذلك جايز غير مستحيل واما حملهم ذلك على النهى بان قالوا لما كان من شرط النهى أن يكون كارها للمنتهى عنه وجب في الامر أن يكون مريدا للمأمور به فالجواب عنه ان الكلام في النهي كالكلام في الامر في ان ذلك ليس بمستحيل ولا يخل بكونه نهيا وانما يقبح لان من نهى عن فعل وكان حكيما دل نهيه على قبح المنهى فلاجل ذلك وجب أن يكون كارها له ولم يحسن منه ان يريده لان ارادة القبيح قبيحة ومتى فرض فيمن ليس بحكيم فان ذلك جايز فان قيل فبأى شئ يدخل في أن يكون مستعملا لما وضعه اهل اللغة حقيقة دون المجاز قلنا بأن يقصد إلى استعماله فيما وضعوه واطلق القول فانه إذا كان حكيما فانا نعلم انه نعلم امر لانه لو اراد غير ما وضع له على وجه التجوز لبينه فمتى لم يفرق به البيان دل على انه اراد ما وضع له حقيقة ومتى لم نعرف ان القائل حكيم لا نفهم مراده الا بقرينة أو يضطر إلى قصده لانه يجوز أن يكون اراد غير ما وضع له وان لم يبين ذلك في الحال لان القبيح غير مأمون منه فاما الكلام في القصد وهل هو من قبيل الاعتقادات أو هو جنس مفرد فليس هذا موضع ذكره وبيان الصحيح منه ولا يمكن أن يدعى ان الامر أمر بجنسه لانا نجد من جنسه ما ليس بامر ما هو في مثل صورته فان ادعى ان ذلك غير ما هو موضوع للامر كان ذلك فاسدا من وجهين احدهما انهما يشتبهان على الحاسة فلا يفصل على السامع بينهما من جهة الادراك الا ترى ان السامع لا يفصل بين قوله اقيموا الصلوة وبين قوله اعملوا ما شئتم من حيث الادراك وان كان احدهما امرا والاخر تهديدا والوجه الثاني ان ذلك يبطل التوسع والمجاز لان معنى المجاز أن يستعمل اللفظة الموضوعه لشئ في غير ما وضعت له فمتى قيل ان هذه اللفظة ليست تلك بطل هذا الاعتبار ولا يمكن ايضا ان يقال انه يكون امرا لانه خطاب ولا انه علم الامر ما امر به ولا انه بصورته لان جميع

[ 67 ]

ذلك (يكون خ ل) يثبت فيما ليس بامر فبطل اعتبار جميع ذلك فصل في ذكر مقتضى الامر هل هو الوجوب أو الندب أو الوقف والخلاف فيه ذهب اكثر المتكلمين من المعتزلة وغيرهم وقوم من الفقهاء ان الامر لا يقتضي الايجاب وانما يقتضى ان الآمر اراد المأمور به ثم ينظر فيه فان كان حكيما علم ان المأمور به حسن وليس بقبيح وان كان قديما علم ان له صفة زائدة على الحسن وهي صفة الندب لان المباح لا يجوز أن يريده الله تعالى وان كان الامر غير حكيم لا يعلم بامره حسن الفعل اصلا لانه يجوز أن يريد القبيح والحسن جميعا وذهب قوم من المتكلمين وجل الفقهاء إلى ان الامر يقتضى الايجاب وذهب كثير من المتكلمين إلى الوقف في ذلك وقالوا لا نعلم بظاهر اللفظ احد الامرين ويحتاج في العلم باحدهما إلى دليل وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى قدس الله روحه غير انه وان قال ذلك بمقتضى اللغة فانه يقول انه استقر في الشرع اوامر الله تعالى واوامر الرسول صلى الله عليه وآله واوامر الائمة عليهم السلام على الوجوب والذي يقوى في نفسي ان الامر يقتضى الايجاز لغة وشرعا ويحتاج أن ينظر في حكم الامر فان كان حكيما علم ان له صفة الوجوب وان لم يكن حكيما لم يعلم بامره صفة الفعل لانه يجوز أن يوجب ما هو قبيح وما هو واجب وما ليس بواجب والا قبيح فظاهر امره لا يدل على احدهما والذي يدل على ذلك انى وجدت العقلاء باسرهم يوجهون الذم إلى العبد إذا خالف امر سيده ويوبخونه على ذلك فلولا انهم علموا ان الامر يقتضى الايجاب فما جاز منهم ذمة (ذمه) على حال لانه ان كان مقتضيا للندب فلا يستحق تاركه الذم وان مشتركا احتاج إلى بيان المراد فلا يستحق الذم إذا تركه وخالفه وفي علمنا بذلك دليل على صحة ما اخترناه وليس لاحد ان يقول ان تعلق ذم العقلاء للعبد بقرينة تنضاف إلى الامر عقل منها الايجاب فلاجل ذلك ذموه لان ذلك يفسد من وجهين احدهما ان العقلاء إذا ذموه علقوا الذم بمخالفة الامر دون غيره حتى إذا استفسروا عن ذلك (عينوا خ ل) عللوا عليه وقالوا لانه خالف امر مولاه والثاني انه لو كان الامر على ذلك لوجب أن لا يذمه الا من عرف تلك القرينة وفي علمنا بذمهم له وان لم يعلموا امرا اخر اكثر من مخالفته للامر دليل على تعليق الذم بذلك حسب ما قلناه فاما قول من قال انه يقتضى ارادة المأمور به فحسب فقد بينا في الفصل الاول ان الامر لا يدل على ارادة المأمور به من حيث كان امرا وانما دل لامر اخر غير مطلق الامر فسقط الاعتراض بذلك ولا يمكن ان يدعى الاشتراك من حيث وجدت أوامر كثيرة مستعملة في الندب لان ذلك انما يكون كك على ضرب من المجاز وقد بينا ان الاستعمال ليس به لانه على الحقيقة

[ 68 ]

لانه حاصل في الحقيقة والمجاز فان قيل ما انكرتم على من قال انهم عقلوا هناك قرينة لاجلها ذموا العبد إذا خالف سيده وذلك انه إذا امره بمنافع نفسه فان فوتها يضربه فلابد أن يكون موجبا عليه وإذا امره بمنافع يعود إلى العبد ولا يستقر هو بفوتها لم يدل على ذلك ولا يذمونه متى خالف قيل له هذا يسقط بالوجهين الذين قدمناهما احدهما انهم علقوا الذم بمخالفة الاخر دون غيره وكان ينبغي على ما اقتضى هذا السؤال أن يعلقوا الذم بدخول الغرم على السيد وفوت المنفعة وقد علمنا خلاف ذلك والاخر انه يلزمه من لا يعلم ان السيد يستضر بمخالفته وانه ينتفع بامتثاله فلو كان الامر على ما قيل لما جاز ان يذمه الا من عرف ذلك وقد علمنا خلاف ذلك على انا لا نم ذلك لان السيد قد لا يستقر بمخالفة عبده ويستحق العبد مع ذلك الذم إذا خالفه الا ترى إلى من قال لغلامه اسقنى الماء فلم يسقه وكان هناك غلامه آخر فسقاه فان العقلاء يذمون العبد المخالف وان كان السيد لم يدخل عليه ضرر لانه قد بلغ غرضه ومراده فلو كان لما قالوه لما حسن ذلك على حال وكك يذمونه وان خالف منافع يرجع إلى العبد الا ترى انه لو قال اغسل ثيابك وادخل الحمام وكل الخبز وما اشبه ذلك فلم يفعل يحسن منه أن يؤدبه على ذلك ويذمه فلولا ان ذلك كان يجب عليه والا لم يحسن ذلك وليس لهم ان يقولوا انهم إذا خالفه فيما عددتموه عاد بالضرر عليه فلاجل ذلك حسن ذمه وذلك انه ان كان الامر على ما قالوه سقط فرقهم بذلك بين منافع يخصه وبين منافع يرجع إلى السيد لانهم راموا بذلك ان يفضلوا بين ان يستحق الذم بمخالفة امر سيده لمنافع تعود إليه وبين منافع ترجع إلى العبد وعلى هذا الفرض لا فصل بينهما لان في كلا الحالين يعود إلى الضرر بالمخالفة على السيد فبطل الفصل ومن سوى بينهما كان الجواب عنه ما تقدم ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى مخاطبا لابليس ما منعك الا تسجد إذ امرتك فقرعه على مخالفته الامر فلولا ان امره كان يقتضى الايجاب والا لم يستحق التوبيخ وليس لهم ان يقولوا انه انما ذمه لانه كان قد دله على ان ما امره به واجب بقرينة اقترنت إلى الخطاب لان الذي ذكروه مخالف للظاهر لان الله تعالى انما علق ذمه بمخالفة الامر دون القرينة فمن ادعى قرينة احتاج إلى دلالة وليس لهم أن يقولوا ان قوله ما منعك الا تسجد ليس بتوبيخ وانما هو تقرير على الذي حمله على مخالفه الامر وذلك ان هذا خلاف الاجماع لانه لا خلاف بين الامة في ان هذا القول ذم لابليس فمن قال ليس كك سقط قوله ويدل ايضا على ذلك قوله تعالى فليحذر

[ 69 ]

الذين يخالفون عن امره فحذرنا من مخالفة اوامر الرسول فلولا انها كانت مقتضية للايجاب والا لم يجب الحذر من مخالفته فان قالوا المخالفة ليس هو ان لا يفعل ما اقتضاه الامر بل المخالفة هو رد القول وان يق ليس كك لان الذي ذكروه ضرب من المخالفة وقد يكون المخالفة ترك المأمور به الا ترى ان القايل إذا قال لغيره قم واقعد فمضى وقام يق انه خالفه وان لم يرد قوله عليه كما انه إذا ارده عليه وقال ليس الامر على ذلك يق انه خالفه بكل واحد من الامرين مخالفة ونحن نحمل الاية عليهما جميعا وليس لهم ان يقولوا ان قوله فليحذر الذين قرينة تدل على ان امره على الوجوب دون أن يكون ذلك بمقتضى اللغة لانه متى لم يكن الامر مقتضيا للايجاب لم يحسن التحذير من مخالفته الا ترى انه لا يحسن ان يحذرنا من مخالفه ما ندبنا إليه لما لم يكن لها صفة الوجوب ويحسن ذلك فيما يوجبه علينا فعلم بذلك ان التحذير انما يحسن إذا كان الامر مقتضيا للايجاب ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه ما روى ان النبي قال لبريرة ارجعي إلى زوجك فانه ابو ولدك وله عليك حق فقالت يا رسول الله اتأمرنى (بذلك) قال لا وانما انا شافع فعدل عن الامر إلى الشفاعة فلولا انه كان يقتضي الايجاب والا لم يكن فرق بينه وبين الشفاعة لان شفاعة النبي مرغب في اجابتها فعلم بذلك ان امره كان يقتضى فلاجل ذلك لم يأمرها لانه اراد ترغيبها في ذلك ولم يرد الايجاب ويمكن أن يعتمد في ان الامر يقتضى الايجاب على ان يقال ان الاحتياط يقتضى ذلك لانه متى امتثل المأمور به فان كان مقتضاه الندب فقد فعله على كل حال وان كان مشتركا فقد امن الذم والعقاب من مخالفته لو كان واجبا وان كان واجبا فقد امتثل المأمور به فالاحتياط يوجب عليه ذلك على المذاهب كلها الا ان هذا وان امكن فانما يمكن أن يق يحجب عليه ان يفعل المأمور به ولا يعتقد فيه ان له صفة الوجوب لانه ان اعتقد ذلك وهو لا يامن أن لا يكون كك يكون اعتقاده جهلا وانما يسلم له ذلك إذا خلا من اعتقاد في المأمور به واقتصر على نفس الفعل فإذا فعل ذلك كان ذلك معتمدا ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع المسلمين باجمعهم من عهد النبي (ع) إلى زماننا هذا في وجوب الافعال واحتجاجهم في ذلك إلى اوامر الله تعالى واوامر رسوله صلى الله عليه وآله فلولا انهما يقتضيان الايجاب والا لم يجز ذلك وكان للمحتج عليه ان يقول واي شئ في ذلك فما يقتضى الايجاب في الامر لا يقتضى الايجاب في علمنا باجماعهم على ذلك دليل على صحة ما قلناه وليس لاحد ان يقول انهم عقلوا ذلك بقرينة دلتهم على ذلك لان هذا دعوى محضة ومن ادعى

[ 70 ]

القرينة فعليه ان يوردها ولم نر المحتجين باوامر الله تعالى واوامر رسوله صلى الله عليه وآله ذكروها على حال فهذا ايضا طريقة معتمدة ومن الفقهاء والمتكلمين من استدل على ان الامر يقتضى الايجاب بان قالوا ان الايجاب حكم معقول فلابد من أن يكون اهل اللغة وضعوا له عبارة لان الحاجة إليه ماسة وليس تجد عبارة يستعمل في ذلك الا هذه اللفظة فينبغي أن يكون مقيدة للايجاب واعترض على هذا الدليل من خالفهم بان قالوا هذه محض الاقتراح ولم يجب على اهل اللغة ان يضعوا لذلك عبارة الا انهم قد وضعوا لكل امر معقول عبارة فان ادعيتم ذلك كان الوجود بخلافه لانا نعلم ان اختلاف الاذابيح امور معقولة ولم يضعوا لكل واحد منها عباره تخصه كما فعلوا ذلك في الالوان وكك لم يضعوا لاختلاف الالوان اسما كما وضعوا لاختلاف الوان بأمور كثيره معقولة لم يضعوا لها عبارة فما المنكر من أن يكون حكم الايجاب ذلك الحكم ولو سلم ذلك وقد وضعوا لذلك وقولهم اوجبت عليك والزمتك اياه أو فرضت عليك أو متى لم يفعله استحقت الذم والعقاب وهذه عبارات تفيد ما اقترحتموه على ان الندب ايضا معنى معقول والاباحة معنى معقولة ولم يضعوا لهما عبارة فان قلتم قد وضعوا لهما عبارة وهي قولهم ندبتك إليه أو ابحتك اياه قيل لكم في الايجاب مثله فان قلتم قولهم اوجبت والزمت انما هو خير (خبر) وليس بامر قيل لكم وكك قولهم ندبت وابحت خبر محض وليس بامر فاستوى القولان فاما الاستدلال بقوله تعالى اطيعوا الله واطيعوا الرسول على ان امرهما يقتضيان الايجاب فلا يصح الاية تضمنت الامر بالطاعة لهما والكلام في الامر وقع هل مقتضاه الايجاب ام لا فالاستدلال بها لا يصح فاما قوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك إلى قوله مما قضيت ويسلموا تسليما لا يمكن الاعتماد عليه ايضا في ان الامر يقتضى الايجاب لان القضاء في الاية بمعنى الالزام وليس بمعنى الامر والالزام هو الايجاب وكك قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن يكون لهم الخيرة من امرهم لا يمكن الاعتماد عليه لان القضاء بمعنى الالزام على ما بيناه على ان من قال ان الامر يقتضى الندب لا يقول ان لهم الخيرة بل يقول ان الفعل بصفة الندب والاولى فعله والتخيير انما يثبت في المباح المحض وليس ذلك قولا لاحد وقوله ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا لا يمكن ايضا الاعتماد عليه والذي قلناه هو الاعتراض على قول من قال لو لم يقتضى الايجاب لما يسمى من خالفه غاصبا لانا قد بينا ان العصيان قد يطلق على مخالفة المندوب إليه فاما وصف الله

[ 71 ]

تعالى ابليس بالعصيان فانه علم انه فعل قبيحا بتركه السجود المأمور به وقد دللنا على ان الامر يقتضى الايجاب فلم يخرج من بابه ومن قال بالندب قال علم ذلك بدليل غير الامر فلا يمكن الاستدلال به فاما من اعتمد على ان الامر بالشئ نهى عن ضده لفظا أو معنى فلاجل ذلك اقتضى الايجاب فلا يمكن الاعتماد عليه لان عندنا ليس الامر بالشئ نهيا عن ضده وسنبين ذلك فيما بعده فلا يمكن الاعتماد على ذلك ولا يمكن ايضا ان يعتمد على ان يقال الامر يدل على ان الامر مريد للمأمور به وإذا كان كك فلابد أن يكون كارها لضده لان ذلك يفسد من وجهين احدهما انا قد بينا ان الامر لا يقتضى ارادة المأمور به اصلا فلا يصح ذلك ثم لو اقتضى ذلك لم يجب ان يكون كارها لضده والوجه الثاني ان ذلك يقتضى أن تكون النوافل واجبة لانها مرادة وقد علمنا انها ليست مكروهة الضد ولا يمكن ايضا ان يقال ان نفس الارادة للشئ كراهية لضده لان ذلك يفسد من وجهين ايضا احدهما ان الشئ الواحد لا يجوز أن يكون بصفتين ضدين فكيف يمكن أن يدعى ان لارادة بصفة الكراهة والثاني ان ذلك ينتقض بالنوافل لانها مرادة وليس مكروهة الضد ولم يمكن ايضا ان يعتمد بأن يقال ان الامر يقتضى الامور به وليس على جواز تركه دليل لان القايل ان يقول انه لعمري يقتضى المأمور به ولكن الكلام في انه كيف يقتضيه هل هو على جهة الوجوب أو جهة الندب ولا يمكن ايضا ان يقال ان الامر اراد المأمور به على جهة الايجاب لان ذلك متى لم يشر به إلى ما قلناه من ان الامر يقتضى الايجاب أو ان يقال انه إذا اراد المراد فلابد من أن يكون كارها لضده أو اراده الشئ كراهة لضده لا يعقل فان اريد بذلك الوجه الاول فذلك صحيح وينبغي أن يقتصر على ان يقال ان الامر يقتضى الايجاب ولا يتعرض في العادة وان اريد به ما عدا ذلك فقد ابطلنا صحة ذلك ولا يلزم القائلين بالندب ان يقال لهم ينبغي على قولكم الا يكون فرق بين الامر بالنوافل والفرائض لانهم يقولون ان بمجرد الامر لا فرق بينهما وانما علمنا حكم الفرايض وانه يستحق بتركها العقاب بدليل غير الامر ولا يلزمهم ايضا ان يقال لهم ينبغي أن يكون الامر لا يدل على اكثر من حسن المأمور به فقط إذا كان صادر من حكيم ويلزم على ذلك أن يكون الله تعالى مريدا للمباحات لانها حسنه لانهم يقولون المباحات وان كانت حسنة فلا يحس من القديم تعالى ان يريدها في دار التكليف لان ذلك عبث لا فائدة فيه فالاعتماد على ما قلناه واحكمناه فصل في حكم الامر الوارد عقيب الحظر ذهب اكثر الفقهاء (للمباحة خ ل) ومن صنف اصول الفقه إلى ان الامر إذا ورد عقيب الحظر يقتضى

[ 72 ]

الاباحة وقال قوم ان مقتضى الامر على ما كان عليه من ايجاب أو ندب أو وقف فلا اعتبار بما تقدم وهذا هو الاقوى عندي والذي يدل على ذلك ان الاعتبار في هذه الالفاظ بظواهرها وموضوعها في اللغة لانا متى لم نراع ذلك لم يمكننا الاستدلال بشئ من الكلام وإذا ثبت ذلك وكانت صيغة الامر وصورته بعد الخطر كما كانت قبل الخطر وجب أن يكون مقتضاهما على ما كان الا أن يدل دليل على خلاف ذلك فتحمل عليه كما إذا دل دليل ابتداء على خلاف مقتضاها في اصل الوضع حمل عليه والذي يدل ايضا على ذلك ان كون الامر واردا عقيب الحظر اللفظى ليس بأكثر من كونه واردا عقيب الحظر العقلي الا ترى ان الصلوة ورمى الجمار وغير ذلك من الشرعيات قبيح بالعقل فعلها ومع ذلك لما ورد الشرع بها وتناولها الامر حمل ذلك على الوجوب أو الندب على الخلاف فيه ولم يكن ما تقدمها من الحظر العقلي موجبا لا باجتهاد وكك حكم الامر إذا ورد عقيب الحظر اللفظى ينبغي أن يكون حكمه حكم ما ورد ابتداء ولا يؤثر في تغيير ذلك ما تقدم من الحظر الا بدليل فاما تعلقهم في ذلك بان قالوا الحظر لما كان من الفعل ينبغي أن يكون الامر رافعا لذلك وذلك يفيد الاباحة فان الذي يقتضيه هذا الاعتبار انه ينبغي أن يكون الامر مخالفا لحكم الحظر وكك تقول وقد يكون مخالفا بأن يقتضى الوجوب أو الندب أو الاباحة فمن اين ان المراد احدهما دون الاخر وكل ذلك يزيل حكم الحظر فسقط التعلق بذلك فاما تعلقهم في ذلك بان اوامر القران الواردة عقيب الحظر كلها كك نحو قوله تعالى فإذا قضيت الصلوة فانتشروا ونحو قوله وإذا حللتم فاصطادوا وما جرى مجرى ذلك فينبغي أن يكون حقيقتها ذلك ليس بصحيح لانا نقول انما علم ذلك بدليل غير الظاهر ولو خلينا والظاهر حكمنا في هذه الاوامر ما كنا نحكم فيها ابتداء من غير أن يتقدمها حظر فالتعلق بذلك لا يصح على انه قد ورد في القران عقيب الحظر الامر وان لم يوجب الاباحة نحو قوله ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدى محله وليس بمباح بل هو نسك وذلك يخالف ما اصلوا القول فيه فصل في ان الامر بالشئ هل هي امر بما لا يتم الا به ام لا اعلم ان الامر إذا ورد فلا يخلوا من أن يكون متناولا لمن كان على صفة مخصوصة أو يكون مطلقا فان كان متناولا لمن كان على صفة وجب أن يكون مقصورا على من كان عليها ومن ليس عليها لا يلزمه ان يجعل نفسه عليها ليتناوله الامر الا أن يدل دليل على وجوب تحصيل تلك الصفة له فحينئذ يلزمه لمكان الدليل وذلك نحو قوله تعالى ولله على

[ 73 ]

الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فاوجب الحج على من كان مستطيعا فمن ليس بمستطيع لا يلزمه تحصيل الاستطاعة ليدخل تحت الامر وكك لما اوجب الزكوة على من ملك مأتى درهم أو عشرين دينارا فمن ليس معه النصاب لا يلزمه تحصيل النصاب ليدخل تحت الامر وان كان الامر مطلقا نظر فيه فان كان لا يصح على وجه الا بفعل اخر وجب تحصيل ذلك الشئ ليتم معه المأمور به وذلك نحو الامر بالمسبب وهو لا يحصل الا عن سبب فلابد من أن يكون السبب واجبا عليه الا ترى ان من اوجب على غيره ايلام غيره وذلك لا يحصل الا عن (من خ ل) ضرب فلابد من أن يلزمه الضرب ليحصل عنده الالم ولهذه الجملة قلنا ان الكافر إذا كان مخاطبا بالشرايع على بنبيه (نبيه) يلزمه الاسلام لانه لا يصح منه ايقاع الفعل على وجه القرية (القربة) وكونها شرعية وكونه كافر يمنع من ذلك فان كان ذلك المأمور يصح على وجه ما حصوله الا انه قد علم بالشرع انه لا يكون شرعيا الا بفعل اخر جرى مجرى الاول في وجوب تحصيل ذلك الامر حتى يصح المأمور به وذلك نحو قوله اقيموا الصلوة وقد علمنا ان الصلوة لا تصح الا بالطهارة وستر العورة وغير ذلك من الشرائط ولا شرعية الا كك وجب عليه تحصيل كل ما لا يتم الصلوة الا بها من الطهارة وغيرها وان لم يدل دليل على وجوب فعل اخر غير انه قيل إذا كان امر من الامور وجب عليك كذا فانه لا يجب عليه تحصيل ذلك الامر ليلزم ما اوجب عليه عند حصوله ولذلك قلنا ان قوله تعالى واتوا الزكوة لا يقتضى وجوب تحصيل النصاب لما لم يدل دليل شرعى على ذلك وفرقنا بينه وبين اقيموا الصلوة على ما بيناه واما استدلال اهل العراق على ان ستر الركبة واجب لان ستر العورة لا يتم به فبعيد لان ذلك ليس بمستحيل بل يمكن ستر العورة وان لم يستر الركبة إذا سلم لهم ان الفخذ عورة وان كان عندنا الامر بخلافه اللهم ان يدل دليل اخر على ان ستر العورة لا يتم الا بستر الركبة فحينئذ يجب عليه للامر يستر العورة واما ما قاله الشافعي في قوله أو عدل ذلك صياما في انه إذا كان يدل كل يوم مدا من طعام فنفض (عن خ ل) من المد يجب صوم يوم تام لان صوم بعضه لا يتم الا بصوم جميعه فصحيح لانا قد علمنا بالشريعة ان بعض اليوم لا يكون صوما فاوجبنا تمام اليوم لذلك وجرى ذلك مجرى الامر بالصلوة وانها لا تكون كك الا بالطهارة فاوجبنا الطهارة ولو لم يدل دليل على ذلك لما كنا نوجب عليه لان ذلك القدر الذي نفسه فاما دخول المرفقين في باب وجوب غسلهما اليدين فخارج عن هذا

[ 74 ]

الباب لان اسم اليدين واقع على عضوين المرفقان داخلان فيهما ليس ذلك من باب ما لا يتم الشئ الا به فمن ظن ذلك فقد ابعد واما ما يحكى عن ابن عباس في قوله واتموا الحج والعمرة لله انه لما كان الاتمام يقتضى الدخول وجب الدخول الذى لا يصح الاتمام الا به فالذي يقوى عندي خلاف ذلك لانه لا يمتنع ان يكون الامر متناولا لمن كان فدخل في الحج فحينئذ يلزمه اتمامه واما من لم يدخل فيه فليس يجب عليه الدخول اللهم الا ان يدل دليل على وجوب الدخول غير الامر بالاتمام فح يجب المصير إليه ولاجل ما قلنا وجب على من دخل في الحج تطوعا اتمامه وان كان الدخول لم يكن واجبا عليه وحجة الاسلام تجب الدخول فيها واتمامها لما دل الدليل على ذلك وهذه الجملة كافية ينبغى ان تجرى الباب على هذا المنهاج انشاء الله تعالى فصل في ان الامر يتناول الكافر والعبد كما يتناول المسلم والحر ذهب اكثر المتكلمين والفقهاء إلى ان الكافر مخاطب بالشرايع وكك العبد وقال قوم شذاذ ليسوا بمخاطبين بها والذى اذهب إليه هو الاول والذى يدل على ذلك ان المراعى في كون المكلف مخاطبا بالشريعة ان يرد الخطاب على وجه يتناوله ظاهره ويكون متمكنا من ذلك فإذا ثبت هذا فمتى ورد الخطاب يحتاج ان ينظر فيه فان كان خطابا للمؤمنين نحو قوله تعه يا ايها الذين امنوا فينبغي ان يكون الخطاب يخقهم (يخصهم) ولا يتناول الكافر الا ان يدل دليل على انهم مخاطبون به مثل المؤمنين فيحكم بذلك لاجل الدليل ومتى كان الخطاب متعلقا باسم يتناول الكافر والمسلم مثل قوله يا ايها الناس ولله على الناس وخذ اموالهم وما جرى مجرى ذلك فينبغي ان يحمله على عمومه وشموله في دخول الكافر والمسلم تحته الا ان يدل دليل على خلافه فيحكم به ويخرج من جملة العموم وليس لاحد ان يقول ان الكافر لا يصح منه فعل الصلوة ولا فعل الحج مع كفره فلا يجوز ان يكون مرادا بالخطاب وذلك ان الذى يجب ان يكون عليه حتى يصح تناول الخطاب له ان يكون على صفة يصح معها إذا ما تناوله الامر أو يكون متمكنا من تحصيلها ويحسن تكيلفه في الحالين على حد واحد وإذا ثبت ذلك فالكافر وان لم يكن بصفة الايمان فيصح منه العبادة فهو متمكن من فعل الايمان ويجب عليه تحصيله لتصح منه العبادة لان ايجاب الشئ ايجاب ما لا يتم الشئ الا به على ما بيناه في الفصل الاول في السبب والمسبب والطهارة والصلوة وانه لا فرق بين ان يكون متطهرا في انه يلزمه فعل الصلوة وبين ان يكون متمكنا منها في كك وكك القول في الكافر وليس

[ 75 ]

يجرى ما ذكرناه مجرى من قطع رجل نفسه في سقوط فرض الصلوة عنه قائما لان مع قطع رجله يستحيل منه فعل الصلوة قائما فلاجل ذلك سقط عنه وليس كك الكافر لان الايمان ممكن فيه ويجرى في هذا الباب مجرى من شد رجل نفسه في انه يلزمه فعل الصلوة قائما لانه متمكن من حلها فيتمكن من فعل الصلوة قائما ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعه فويل للمشركين الذين لا يئتون (يؤتون) الزكوة قدم الله تعه المشركين يمنعهم (بمنعهم) الزكوة فلولا انهم يخاطبون بها والا ما كانوا يستحقون الذم إذا يفعلوها ويدل على ذلك الظه قوله تعه حاكيا عن الكفار قالوا لم نك من المصلين فولا انهم مخاطبون بها والا لم يعدوه من جملة ما عوقبوا عليه وليس ان يقولوا انهم عدوا من جملة ذلك قوله ولم نك نطعم المسكين وان كان ذلك غير واجب عليهم وذلك انه لا يمتنع ان يكونوا ارادوا بذلك منع الزكوة عن المساكين أو منع ما وجب عليهم من الكفارات من اطعام المساكين على ما تضمنته الاية الاولى فلاجل ذلك عوده في جملة ما عوقبوا عليه ويدل ايض‍ على ذلك ما لا خلاف فيه بين المسلمين من وجوب حد الزانى عليهم إذا زنوا ووجوب القطع إذا سرقوا فلولا انهم مخاطبون بترك الزنى وترك السرقة والا لم يجب عليهم الحد كما لا يجب على المجانين والاطفال لما لم يكن ذلك واجب عليهم وتعلق من خالف في ذلك بان قال الصلوة لا تصح منه فينبغي ان لا يكون مخاطبا بها كما ان المقطوع الرجل لم تصح منه فعل الصلوة قائما لم يكن مخاطبا بها وقد قلنا ما عندنا في ذلك فاغنى عن الاعاد وتعلقوا ايضه بان قالوا لو كان الكافر مخاطبا بالصلوة لوجب عليه قضاؤها إذا اسلم مثل المسلم إذا لم يصل وجب عليه قضاؤها وهذا ايضه غير صحيح لان القضاء قرض بأن يحتاج إلى دليل مستأنف وليس ما دل على وجوب الفعل دل على قضائه الا ترى من فاتته الجمعة وصلوة العيدين لا يلزمه قضاؤها وان كان مخاطبا بها في حال الاداء وكك ما دل على وجوب القضاء لا يدل على وجوب المقضى لان الحايض يلزمها قضاء الصوم وان لم يكن ذلك واجبا عليها في حال الحيض فان قال الصوم وان لم يجب عليها في حال الحيض فهو واجب عليها على وجه قلنا ذلك ينتقض بالصلوة فانها تجب عليها على وجه مع ذلك لا يلزمها اداؤها في حال الظهر والكلام في العبد كالكلام في الكافر سواء لا فرق بينهما إذا كان داخلا تحت الاسم وليس لهم ان يقولوا ان العبد لا يملك تصرفه فكيف تجب عليه فعل ذلك لانا لا نسلم انه لا يملك تصرفه على كل حال

[ 76 ]

لان الاوقات التى هي اوقات العبادات مستثنات من جملة ما يملك منه من الاوقات فسقط الاعتراض واما الصبى الذى ليس بكامل العقل ولا مميز لما يجب عليه وان كان الاسم يتناوله غير مراد لانا نخصه من ذلك من حيث لا يحسن تكليف من ليس بكامل العقل ومن لا يمكن عن فعل ما كلفه على الوجه الذى كلف فاما ما يتعلق بالاموال فهم داخلون تحت الاسم الذى يوجب ذلك من الزكوة وقيم المتلقات واروش الجنايات وغير ذلك لان قوله خذ من اموالهم صدقة يدخل تحته البالغ والطفل فينبغي ان يجب ذلك وعلى هذا يجرى الباب واما المرئة فان كان الخطاب يختص النساء فلا خلاف انها داخلة تحت الخطاب وان كان الخطاب يتناول اسم الجنس مثل قوله ولله على الناس فكمثله وان كان الخطاب يختص الذكور فمن الناس من قال ان النساء لا يدخلن فيه الا بدليل وهو الظه من مذهب الشافعي وعليه كثير من الفقهاء وذهب الباقون إلى انها يدخل مع الرجال لان الرجال والنساء إذا جمعوا في الخطاب غلب حكم التذكير وهو الظه على مذهب اهل اللغة فينبغي ان يعتمد عليه وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان الامر بالشئ هل هو نهى عن ضده ام لا ذهب اهل العدل من المتكلمين وكثير من الفقهاء إلى ان الامر بالشئ ليس ينهى عن ضده وذهب المجبرة وباقى الفقهاء إلى ان الامر بالشئ نهى عن ضده ثم اختلفوا فمنهم من قال انه نهى عن ضده لفظا ومنهم من قال انه نهى عن ضده معنى والذى اذهب إليه ان الامر بالشئ ليس بنهي عن ضده لفظا واما من جهة المعنى فعلى المذهب الذى اخترناه وهو ان الامر يقتضى الايجاب وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوب ذلك الشئ يقتضى ان يكون تركه قبيحا وسواء كان له ترك واحد ام تروك كثيرة في انه يجب كلها قبيحة إذا كان الامر مضيقا وان كان الامر مخيرا فيه بينه وبين ضد له اخر دل على ان ما عدا ذلك قبيح من تروكه وان لم يكن له الا ترك واحد فيجب القطع لعى انه قبيح إذا لم يدل على انه واجب مثله مخير فيهما الا ان مع هذا التفصيل ايض لا يجوز ان يسمى نهيا عن ضده لان النهى من صفات الاقوال دون المعاني وليس كل ما علم قبحه سمى منهيا عنه الا على ضرب من المجاز والذى على صحة ما اخترناه ان اهل اللغة فرقوا بين صيغة الامر وصيغة النهى فقالوا صيغة الامر لمن دونه افعل والنهى قوله لا تفعل وهما يدركان بحاسة السمع وليس يسمع من قوله افعل لا تفعل فينبغي ان لا يكون نهيا من حيث اللفظ لانه لو كان كك لوجب ان يسمعا معا كما يسمع لو جمع بين اللفظين وقد علمنا خلاف ذلك

[ 77 ]

فاما اقتضاء للنهى من جهة المعنى فقد بينا ما عندنا في ذلك وفيه كافية وذلك ينبئ على ان الامر يقتضى الايجاب وقد ذللنا عليه فيما مضى ونبين ايض صحة ما قلنا ان الامر بالشئ لو كان نهيا عن ضده لجاز لقايل ان يقول ان العلم بالشئ جهل بضده وذلك جهالة ولا يلزمنا مثل ذلك فيما اخترناه من دلالته على قبيح تركه لانه لا يمتنع ان يدل الشئ على حسن امر وقبح شئ اخر من وجهين وليس ذلك بمتضاد ويستحيل ان يكون العلم جهلا لان الصفتين متضادتان فبان الفرق فاما شبهة من خالف في ذلك فهو ان قال ان الامر يقتضى ارادة المأمور به وارادة الشئ كراهة ضده والحكمة تقتضي الا يريد الشئ الا ويكره ضده فان ذلك يسقط بما قلناه من ان الامر لا يدل على ارادة المأمور به ولو دل لم يكن ارادة الشئ كراهة ضده لان ارادة النوافل حاصلة وليست بكراهة لضدها ومتى بنى على ان الامر يقتضى الايجاب وإذا كان صادرا من حكيم دل على وجوبه وان ما عداه قبيح إذا لم يدل على انه واجب مخير فيه مثله فهو هو المعتمد عليه على ما بيناه فصل في ان الامر بالشئ يقتضى الفعل مرة أو يقتضى التكرار ذهب اكثر المتكلمين والفقهاء إلى ان الامر بالشئ لا يقتضى بظاهره اكثر من فعل مرة ويحتاج في زيادته إلى دليل اخر وهو المحكى عن ابى الحسن والظه من قول الشافعي وقال قوم شذاذ ان الامر بظاهره يقتضى التكرار وذهب قوم إلى الواقف في ذلك وقالوا نقطع على المرة الواحدة مراد وما زاد عليه فمشكوك فيه متوقف فيه فالذي اختاره المذهب الاول والذى يدل على ذلك ان الامر في الشاهد على وتيرة واحدة إذا سبرناه يقتضى الفعل مرة واحدة ولا يفهم من ظاهره الا ذلك الا ترى ان من قال لغلامه اسقنى ماء لا يعقل منه اكثر من مرة واحدة حتى انه لو كرر عليه الماء دفعه ثانية لعدوه سفيها وليس لاحد ان يقول ان ذلك عقل بشاهد الحال وبقرينة اقترنت إلى الامر دلت على المرة الواحدة وذلك ان ما ذكرناه يعقله من لا يعرف القرينة اصلا ولا يخطر بباله ثم القرينة تحتاج ان تكون معقولة وليس هناك قرينة تدل على ذلك فان قالوا القرينة انه يعلم استكفاؤه بشربة واحدة وما زاد عليها لا يحتاج إليه لان هذا لا طريق له إلى العلم به لانه قد لا يكتفى بشربة واحدة ويحتاج في زيادتها إلى تجديد الامر فلو كان ذلك معقولا بالامر الاول لما احتاج إليه وإذا ثبت ذلك في الاوامر في الشاهد وجب ان يكون حكم اوامر الله تعه ذلك الحكم ويدل على ذلك ايض ان الامر لو اقتضى استغراق الاوقات

[ 78 ]

لا اقتضى استغراق الاحوال والاماكن فلولا كان يجب عليه في سائر الاوقات لوجب فعله على ساير الاحوال وفى ساير الاماكن وذلك لا يقوله احد وانما قلنا ذلك لان الاوقات ظروف الزمان فكما ان الفعل لابد له من ذلك فكك لابد له من ظروف المكان والاحوال ويدل على ذلك ايضه ما لا خلاف فيه بين الفقهاء من ان الرجل إذا امر وكيله بطلاق زوجته لم يكن ان يطلقها اكثر من واحدة فلو كان الامر يقتضى التكرار لجاز له اكثر من مرة وذلك خلاف الاجماع ويدل على ذلك ايضا ان الامر بالشئ امر باحداثه فجرى في ذلك مجرى الخبر عن احداثه فكما ان الخبر عن احداثه لا يقتضى اكثر من مرة واحدة فكك الامر ويدل على ذلك ايضا ما روى عن النبي ص انه لما قال له سراقة بن مالك بن جعتم المدخجى في الحج العامنا هذا يا رسول الله ام للابد فقال (ع) بل لعامنا هذا ولو قلت نعم لوجب فبين (ع) ان ما يقتضى الامر لذلك العام وما زاد على ذلك انما يثبت بقوله نعم لو قاله ولو كان الامر يقتضى التكرار لما احتياج إلى ذلك فان قيل إذا كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة فلم استفهمه سراقة وهلا قطع بظاهره على انه لذلك العام ولا يحتاج إلى الاستفهام قيل له انما استفهم عن ذلك لانه جوز ان يكون ذلك للابد بدليل غير ظ الامر كما وجد مثل ذلك في اوامر كثيرة مثل الصلوة والزكوة وغيرهما من افعال الشرع فلاجل ذلك حسن استفهامه وتعلق من خالف في ذلك شيئا منها انهم حملوه على النهى وقالوا ان النهى لما اقتضى التكرار فكك يجب في الامر لانه ضده والجواب عن ذلك انا نقول في النهى مثل ما نقوله في الامر وان الذى تقتضيه ظ ان لا يفعل دفعة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل اخر ومن الناس من فرق بينهما في الاستعمال فرق بين الموضعين لان النهى يعقل منه في الشاهد التكرار الا ترى ان من قال لغلامه لا تفعل كذا وكذا يعقل منه الامتناع على كل حال وليس كك الامر على ما بيناه وقالوا ايضه ان النهى لما كان يقتضى الكف والكف عن المنهى عنه لا ضيق فيه ولا حرج فاقتضى لذلك الدوام وليس كك الامر لانه لو اقتضى الدوام للحق في ذلك المشقة والضيق وقالوا ايضه ان من انتهى عن الفعل في الازمان كلها يق فيه انه انتهى عما نهى عنه وإذا امر بالشئ فعله ثم فعل مرة اخرى لا يق انه فعل وما امر به والمعتمد به هو الاول وبعد الفرق الثاني وهو الرجوع إلى الشاهد وتعلقوا ايضه بان قالوا انه إذا اطلق الامر فليس يقتضى الفعل في وقت بادلى من ان يقتضى في وقت آخر فيجب ان يحمل على الاوقات كلها والجواب عن ذلك

[ 79 ]

انا نقول انه يجب عليه ان يفعله في الثاني على ما نذهب إليه في الفور فسقط السؤال ومن قال بالتراخى يقول هو مخير في الاوقات كلها ومن قال بالوقف قال ينتظر بيان وقت الفعل وليس لاستغراق الاوقات فيه ذكر فيدعى فيه العموم وتعلقوا ايضا بان قالوا لو لم يقتض التكرار لما اصح النسخ لان معنى النسخ هو ازالة مثل الحكم الثابت بالنص الاول في الثاني بنص اخر على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تأخره عنه ولو كان الامر يقتضى الفعل مرة واحدة لما صح ذلك على حال والجواب عن ذلك ان النسخ انما يصح إذا دل دليل غير الظاهر على انه اريد به التكرار فاما إذا تجرد عن ذلك فلا يصح فيه النسخ على حال وتعلقوا ايضا بان قالوا وجدنا اوامر القران كلها على التكرار فوجب أن يكون ذلك بمقتضى الامر والجواب عن ذلك انا لا نم ان اوامر القران كلها على التكرار لان فيها ما يقتضى الفعل مرة واحدة وهو الامر بالحج على ما بيناه فاما ما يقتضى منها التكرار فبدليل غير الظاهر وهو الاجماع فمن أين لهم ان ذلك بمقتضى الامر فهذه الجملة التي ذكرناها تأتى على جميع ما يتعلق بهذا الباب فصل في ان الامر المعلق بصفة أو شرط هل يتكرر بتكررهما أم لا ذهب اكثر الفقهاء والمتكلمين إلى انه لا يتكرر بتكرر الشرط والصفة وانه يقتضى الفعل مرة واحدة متعلقة عنه الشرط والصفة ومنهم من قال ان ذلك يوجب التكرار والذي اذهب إليه هو الاول الذي يدل على ذلك ان القايل إذا قال لغلامه إذا دخلت السوق اشتر الفاكهة لو يعقل شراء الفاكهة كلما دخل السوق وانما يعقل ذلك مرة واحدة حتى انه لو فعل دفعة اخرى لا استحق التوبيخ والذم ويدل ايضا على ذلك انه إذا ثبت ان الامر المطلق يقتضى الفعل مرة واحدة فتعليقه بشرط أو صفة انما يقتضى ايقاع ذلك الفعل عند حصول الشرط أو الصفة وتخصيصه بهما ولو اقتضى ذلك التكرار لاقتضى مطلق الامر وقد دللنا على خلاف ذلك ويدل ايضا على ذلك ان القايل إذا قال لوكيله طلقها إذا دخلت الدار فلا خلاف ان ذلك لا يقتضى جواز طلاقها كلما دخلت الدار وانما يقتضى جواز ايقاع الطلاق عند دخولها الدار اولا وإذا ثبت ذلك فاوامر الله تعالى ينبغي أن يكون هذا حكمها لان حقيقة الامر لا يتغير وقد تعلق من خالف في ذلك باشياء منها ان قالوا ان الحكم المعلق بالصفة أو الشرط يجرى مجرى تعليله بالعلة فكما ان الامر بالمعلق بالعلة يقتضى التكرار عند تكرير لعلة فكك القول في الشرط والصفة والجواب عن ذلك

[ 80 ]

ان هذا السؤال ساقط عنا لانا لا نقول بالقياس والعلل ومن قال بذلك يقول ان العلة دالة على الحكم فلذلك يتكرر الحكم بتكررها لانها لا يجوز حصول الدليل مع ارتفاع المدلول لان ذلك يكون نقصا لكونها دلاله والصفة والشرط شرط ولا يجب أن يكون مثل الشرط شرطا في كل موضع كما لا يجب أن يكون دخول الدار شرطا في جواز الطلاق كلما دخلت الدار وتعلقوا ايضا بان قالوا لو لم يتكرر بتكرر الشرط والصفة لكان إذا لم يفعل مع الشرط الاول وفعل مع الشرط الثاني عد قاضيا لا موذيا فلما كان ذلك باطلا علم انه مراد والجواب عن ذلك ان ذلك قضاء في الحقيقة فان منع من اطلاق هذه العبارة عليه في بعض المواضع فلا اعتبار بذلك لان المعول على المعاني دون العبارت وتعلقوا ايضا بان قالوا لما كان النهى المعلق بصفة يقتضى تكررة عند تكرر الصفة فكك القول في الامر والجواب عن ذلك ان قولنا في الامر في انه لا يقتضى ذلك بظاهره فسقط الاحتجاج بذلك وتعلقوا ايضا بأن قالوا وجدنا اوامر القران المتعلقة بالصفات والشروط يقتضى التكرار نحو قوله اقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل ونحو قوله وان كنتم جنبا فاطهروا وإذا اقمتم الصلوة فاغسلوا وقوله تعالى الزانية و الزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وغير ذلك والجواب عن ذلك ان جميع ذلك عقل بغير الظاهر وبدليل دل على ذلك من الاجماع وغيره ومن الناس من فرق بين بعض ذلك وبنى الامر المعلق بالشرط فقال في قوله وان كنتم جنبا فاطهروا وقوله الزانية والزانى ان ذلك تعليل لا تعليق بصفة وكانه قال وان كنتم جنبا فاطهروا لانكم جنب لما علم انه لا يمكن اداء الصلوة مع الجنابة وكك فاجلدوا الزانى والزانية لانهما زنيا فصار ذلك تعليلا لا شرطا وإذا كان كك جاز حمله على التكرار ولم يسع ذلك في الامر المعلق بالصفة والشرط على ما بيناه فصل في الامر المعلق بوقت متى لم يفعل المأمور به فيه هل يحتاج إلى دليل في ايقاعه في الثاني ام لا ذهب اكثر الفقهاء والمتكلمين إلى ان الامر المعلق بوقت إذا لم يفعل المأمور به فيه احتياج إلى دليل اخر في وجوب فعله في وقت اخر وكك قال في الامر المطلق من ذهب إلى انه على الفور قالوا متى لم يفعل في الثاني احتاج إلى دليل اخر في ايقاعه في الثالث والرابع وفي الناس من ذهب إلى انه متى لم يفعل في الثاني أو ذلك الوقت يجب عليه فعله في الثالث

[ 81 ]

أو الوقت الاخر فكأنهم قالوا يقتضى الفعل في الثاني فان لم يفعل اقتضاه في الثالث ثم كك في الرابع إلى ان يحصل المأمور به والذي اذهب إليه ما ذكرته اولا والذي يدل على ذلك هو ان الامر إذا كان معلقا بوقت دل على ان ايقاعه في ذلك الوقت مصلحة فمتى لم يفعل في ذلك الوقت فمن اين يعلم انه مصلحة في وقت اخر ويحتاج في العلم بذلك إلى دليل اخر وعلى هذا قلنا ان القضاء فرض ثان يحتاج إلى دليل اخر غير الذي دل على وجوب المقضى وليس لاحد ان يقول ان الامر يدل على وجوب المأمور به وانه مصلحة وليس للاوقات تأثير في ذلك فينبغي أن يكون ايقاعه مصلحة أي وقت شاء وذلك انه لا يمتنع أن يكون للاوقات تأثير في كون الفعل مصلحة فيه حتى إذا فعل في غيره كان مفسدة والذي يكشف عن ذلك ان صلوة الجمعة لا خلاف انها مصلحة وواجبة في وقت معينة ومن لم يفعلها فانها تسقط عنه لا يجوز له فعلها في وقت اخر وكك من قال لله علي صوم يوم بعينه فانه يلزمه صوم ذلك اليوم ولا يجوز له أن يصوم يوما اخر فعلم بذلك ان للاوقات تأثيرا في كون الفعل مصلحة وسقط السؤال فاما تسمية قضاء فكلام في عبارة فربما اطلق عليه ذلك وربما امتنع منه لضرب من الابهام وليس لهم أن يقولوا لو اقتضى ايقاع الفعل في ذلك الوقت ولم تقض ايقاعه في وقت اخر لبطل النسخ وذلك انا قد بينا انه لا يصح النسخ إذا كان الفعل مطقا أو مقيدا بوقت الا أن يدل دليل اخر على ان ما بعده من الاوقات حكمة حكم ذلك الوقت فبطل بذلك ايضا هذا السؤال فصل في ان الامر هل يقتضى كون المأمور به مجزيا ذهب الفقهاء باجمعهم وكثير من المتكلمين إلى ان الامر بالشئ يقتضى كونه مجزيا إذا فعل على الوجه الذي تناوله الامر وقال كثير من المتكلمين انه لا يدل على ذلك ولا يمتنع أن لا يكون مجزيا ويحتاج إلى القضاء والصحيح هو الاول والذي يدل على ذلك ان الامر بالشئ يدل على وجوب المأمور وكونه مصلحة إذا فعل على الوجه الذي تناوله الامر فإذا فعل كذلك فلابد من حصول المصلحة به واستحقاق الثواب عليه لانه لو لم تكن مصلحة لم يحسن من الحكيم ايجابه ويبطل كونه مصلحة على ما تناوله الامر وليس لهم ان يقولوا انه لا يمتنع أن يوقع الفعل على الوجه الذي تناوله الامر ويحصل مصلحة ويستحق الثواب عليه الا انه يحتاج إلى ان يقضيه دفعة اخرى كما ان المفسد للحج يلزمه المضى فيه ومع ذلك يلزمه قضائه وكذلك الظان لكونه متطهرا في اخر الوقت يلزمه الصلوة ثم إذا علم انه كان

[ 82 ]

غير متطهر يلزمه قضاؤه وذلك ان الذي ذكروه لا يدل على انه غير مجز وانما يدل على ان مثله مصلحة في الثاني ونحن لا نمتنع من ذلك وجرى ذلك مجرى ان يؤمر بالفعل في وقتين فانه متى فعل المأمور فيهما فلا يقول احد ان ما فعل في الثاني مجزوما فعل في الاول غير مخبر وكك ما يفعل بامر اخر فاما تسمية قضاء للاول فكلام في العباره وقد بينا انه لا اعتبار به فاما المعنى المضى في الحج الفاسد ووجوب الصلوة على الظ ان لكونه متطهرا في اخر الوقت فالذي يتناوله الامر في هذين اتمام الحج واداء تلك الصلوة من قضاء تلك الصلوة إذا تيقن انه كان محدثا واعادة الحج فانه علم ذلك بدليل اخر وقد بينا انه لا اعتبار بتسمية قضاء يتعلق بذلك في هذا الباب فان قيل انما اردنا بكونه غير مجز انه لا يعلم إذا فعل انه لا يلزمه مثله في المستقبل قيل له وانما اردنا بكونه مجزيا انه لا يعلم انه يجب عليه مثله في المستقبل ويسقط حينئذ الخلاف ويدل ايضا على ما ذهبنا إليه انه ثبت ان النهى يقتضى فساد المنتهى عنه على ما سندل عليه فنيبغي أن يكون الامر يقتضى كونه مجزيا لانه ضده فصل في حكم الامر إذا تكرر بغير واو العطف أو بواو العطف ما لقول فيه اعلم ان الصحيح ان الامر إذا تكرر بغير واو العطف تكرر المأمور به ووجب كوجوبه وهو مذهب اكثر المتكلمين والفقهاء وقال قوم انه ينبغي أن يحمل الثاني على الاول وعلى انه تأكيد له والذي تدل على صحة ما ذهبنا إليه ان كل واحد منهما لو انفرد لا اقتضى فعل المأمور به اما وجوبا أو ندبا على الخلاف فيه فينبغي أن يكون ذلك حكمه إذا تكرر وليس ذكره بعد ذكر الاول مقتضيا لحمله على التأكيد الا أن يدل دليل على انه تأكيد فيحمل عليه أو يكون الاول معرفا أو اشارة إلى معهود والثاني مثله فيحمل على ذلك نحو ان يقول الله تعالى صلوا صلوة صلوا صلوة فانه يجب أن يحمل اللفظة الثانية على صلوة غير الصلوة الاولى واما ما يكون فنحو ما روى عن ابن عباس في قوله فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا فقال لن يغلب عسر واحد يسرين فحمل العسر على انه واحد لما كانا معرفين واليسر على انه مختلفان لما كانا منكرين وقال قوم في تأويل هذه الاية ان التعريف في العسر ليس بتعريف العهد وانما هو تعريف الجنس فكأنه قال مع جنس العسر يسرا مع جنس العسر يسرا وعلى هذا يكون الثاني غير الاول والذي يدل ايضا على ما قلناه ان الخبرين إذا تكررا اقتضيا مخبر مخبرين فوجب أن يكون حكم الامرين مثل ذلك لانهما في المعنى واحد فاما

[ 83 ]

قول القائل لغيره اضرب اضرب فالظاهر من ذلك ان الثاني غير الاول الا أن يدل دليل على انه اراد تأكيد الاول من شاهد الحال وغير ذلك فيحمل عليه واما إذا عطف احدهما على الاخر نظر فيه فان كان الثاني يقتضى ما يقتضيه الاول من غير زيادة ولا نقصان فالكلام فيه كالكلام في الاول سواء لانه لما فرق بين أن يفترق ذلك أو يقترن ويصير ذلك بمنزلة أمر واحد بفعلين ولذلك قال الفقهاء في قول القائل لامرأته انت طالق وطالق على انه اوقع الثنتين الا أن يدل دليل على انه اراد تأكيد الاول فيحمل عليه وان كان الثاني يقتضى غير ما يقتضيه الاول حمل على ظاهره ولا تنافى بينه وبين الاول وان كان الثاني يقتضى بعض ما تناوله الاول فالظاهر من الاستعمال أن يحمل على انه اراد تأكيد الاول فيحمل عليه وان كان الثاني يقتضى غير ما يقتضيه الاول حمل على ظاهر ولا تنافى بينه وبين الاول وان كان الثاني يقتضى بعض ما تناوله الاول فالظاهر من الاستعمال أن يحمل على انه اريد بالثاني غير البعض الذي تناوله الاول لان من حق المعطوف أن يتناول غير ما يتناوله المعطوف عليه ثم ينظر في ذلك فان كان إذا جعل هذا البعض مرادا بالثاني كان هو بعينه يمتنع أن يكون مرادا بالاول ايضا فالواجب ان يحمل الاول على ما عداه وان كان لا يمتنع ان يراد بالاول ما يقتضيه ايضا حمل الاول على جميعه والثاني على البعض الذي تناوله ولذلك قلنا ان قوله حافظوا على الصلوة والصلوة الوسطى يقتضى ظاهره ان المراد بالصلوات غير الوسطى ليصح عطف ما عطف به عليه اللهم الا أن يدل دليل على ان الثاني ذكر تأكيدا أو تعظيما أو تفخيما فان كان ذلك حمل عليه كما قيل في قوله من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ان المراد بذكر جبريل وميكال تعظيم لهما وتفخيم وكك قال اكثر اهل العلم في قوله تعالى فيهما فاكهة ونخل ورمان وقال قوم انه لم يقصد بلفظ الملئكة جبريل وميكال ولا بلفظ الفاكهة النخل والرمان فلاجل ذلك حسن عطف ذلك عليه وذلك موقوف على الدليل فاما إذا كان الثاني اعم من الاول فالقول فيه كالقول إذا كان الاول اعم سواء الا فيما ذكرنا اخيرا من حمله على التعظيم والتفخيم لان ذلك لا يمكن فيه واما إذا ورد الامر باشياء ثم ورد الامر ببعضها فان ذلك قد يكون نسخا وقد لا يكون كذلك ونحن نبين ذلك في الناسخ والمنسوخ ان شاء الله فصل في ذكر الامر باشياء على جهة التخيير كيف القول فيه ذهب

[ 84 ]

كثير من المتكلمين إلى ان الكفارات الثلث كلها واجبة مخير فيها وهو المحكى عن ابي علي وأبي هاشم واليه ذهب اصحابها وقال اكثر الفقهاء ان الواجب منها واحد لا بعينه وذهب إليه جماعة من المتكلمين وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن القولين والذي اختاره شيخنا أبو عبد الله ان الواجب واحد لا بعينه على ما يذهب إليه الفقهاء وذهب سيدنا المرتضى إلى ان اته الثلث لها صفة الوجوب على وجه التخيير والذي اذهب إليه ان الثلثة لها صفة الوجوب الا أنه يجب على المكلف اختيار احدها وهذه المسألة إذا كشف عن معناها ربما زال الخلاف فيها واعلم ان المعنى بقولنا ان الثلثة لها صفة الوجوب ان الله تعالى قد علم ان كل واحد منها يقوم مقام صاحبه في كونه مصلحة ولطفا للمكلف فاعلمنا ذلك وخيرنا بين فعلها فالمخالف في ذلك لا يخلو اما ان يوافق على ذلك ويقول مع هذا ان الواجب واحد لا بعينه فذلك يكون خلافا في عبارة لا اعتبار به وان قال ان الذي هو لطف ومصلحة واحد من الثلثة والثنتان ليس لها صفة الوجوب فذلك يكون خلافا في المعنى والذي يدل على فساد هذا القول انه لو كان الواحد منها لها صفة الوجوب والباقي ليس له ذلك لوجب أن يدل الله على ذلك ويعينه لانه لا طريق للمكلف إلى معرفة ماله صفة الوجوب ويميزه مما ليس له ذلك ومتى لم يفعل ذلك والامر على ما قلناه يكون قد كلفه ما لا دليل عليه وذلك لا يجوز ولذلك قلنا انه لا يجوز أن يكلف الله تعالى اختيار الرسل والشرايع ولا ينصب على ذلك دليلا لان ذلك قبيح وليس لاحد أن يقول انه يتميز له باختياره لان بعد اختياره قد سقط عنه التكلف وينبغي أن يتميز له في حال ما وجب عليه حتى يصح منه الاقدام عليه ويميزه له من غيره وذلك يكون قبل اختياره ولا يلزم على ذلك تعين البيع عند اختيار العقد لان ذلك في الاصل تابع لاختياره دون كونه مصلحة فكان ما يتبع ذلك مثله ويدل على ذلك ايضا انه لو كان الواحد من ذلك له صفة الوجوب والباقي ليس له ذلك لكان ينبغي أن لو فرضنا ان المكلف اختار غيره انه لا يجزيه وفي ذلك خروج عن الاجماع لانه لا خلاف بين المسلمين انه لو اختار أي الثلثة كان اجزئه وفي ذلك بطلان هذا المذهب وايضا فلو كان الواجب واحدا لا بعينه لما جاز من الحكيم ان يخير المكلف بينه وبين ما ليس له صفة الوجوب كما لا يحسن ان يخيره بين الواجب والمباح وليس علمه بانه

[ 85 ]

لا يختار الا ما هو الواجب بمحسن لذلك لانه لو كان محسناته يحسنه إذا خيره بينه وبين المباح إذا علم انه لا يختار الا الواجب وقد اتفقنا على خلاف ذلك فاما من نصر ما قلناه وقال معنى ان الله تعالى اراد كل واحد منها وكره ترك كل واحد منها مع ترك الاخر ولم يكره تركه مع فعل الاخر فلا يمكننا الاعتماد عليه لانا قد بينا ان الامر لا يقتضى الايجاب لا انه اراد الامر المأمور به وكره تركه وبينا ما عندنا في ذلك مع ان هذا المذهب يكاد لا يتصور ولا يتحقق لانه لا يخلو الا يكره ترك واحد منها ولا يكره ترك الباقي فان ارادوا ذلك فذلك قول من قال ان الواجب واحد لا بعينه وان قالوا انه كره تركه وترك الاخر فقد جمعهما للكراهة فينبغي أن يكونا جميعا واجبين على الجمع وذلك لا يقوله احد وقولهم ولم يكره ترك واحد مع فعل الاخر يكاد يستحيل لانه إذا كرهه مع ترك الاخر فقد حصلت الكراهة له وتعلقت به لنفسها فكيف لا تكون حاصلة إذا قدرنا فعل الاخر وتعلق من خالف في ذلك بان قال لو فرضنا انه فعل الثلث لكان الواجب منها واحدا فكك قبل الفعل وقالوا ايضا لو لم يفعل الثلثة لا يستحق العقاب على واحدة منها فعلم بذلك ان الواجب هو الواحد والجواب عن ذلك ان هذا يسقط بما حررناه لانه إذا فعل الثلثة فالذي كان واجبا عليه واحد وان كان الباقي له صفة الوجوب لانه كان مخيرا فيها فلاجل ذلك استحق ثواب الواحد على جهة الوجوب والثنتان فعلهما تبرعا ولا يمتنع أن يكون الشئ له صفة الوجوب إذا فعل مفردا فإذا فعل مع غيره كان الواحد فيها لا يتغير وجه كونه واجبا والثاني يصير ندبا فلاجل ذلك يستحق عليه ثواب الندب وكك إذا لم يفعل الثلث فانما يستحق العقاب على واحد لان واحدا منها كان واجبا عليه دون الثلثة فان قيل فايها يستحق عليه الثواب إذا جمعت وايها يستحق عليه العقاب إذا لم يفعل شئ منها قيل له لا يلزمنا بيان ذلك بل ما يعلمه الله تعالى من انه لا يتغير كونه واجبا إذا فعله مع غيره يثبت عليه ثواب الواجب واستحق العقاب بترك ذلك بعينه في والناس من قال انه يستحق الثواب على الاشق ثواب الواجب والعقاب على الاخف والاول عندي هو المعتمد فصل في ان الامر هل يقتضى الفور أو التراخي ذهب كثير من المتكلمين والفقهاء إلى ان الامر يقتضى الفور وهو المحكى عن ابي الحسن الكرخي وذهب كثير منهم إلى انه على التراخي وهو المحكى عن أبي علي وأبي هاشم وذهب قوم إلى أنه على الوقف وقال يحتمل أن يكون مقتضاه الفور والتراخى ويحتاج

[ 86 ]

إلى دليل واختلفوا فمن اجاز منهم تأخير البيان عن حال الخطاب في المجمل قال متى لم يدل دليل في حال الخطاب على انه اراد الفعل في الثاني قطعت على انه غير مراد فيه وتوقف في الثالث والرابع وما زاد عليه وكك إذا جاء الوقت الثاني ولم يبين له ان مراده في الثالث قطعت على انه غير مراد فيه ثم على هذا التدريج هذا الذي اختاره سيدنا المرتضى ومن لم يجز تأخير بيان المجمل عن حال الخطاب لم يجوز ذلك والذي اذهب إليه هو الاول والذي يدل على ذلك انه قد ثبت بما دللنا عليه ان الامر يقتضى الايجاب فلو لم يقتضى الفعل في الثاني لم ينفصل مما ليس بواجب في هذه الحال لان ما ليس بواجب هذا حكمه من انه يجوز تركه وهذا لا حق به وهذا يؤدى إلى نقض كونه موجبا فان قالوا انه وان جاز تأخيره فلا يجوز ذلك الا إلى بدل وهو العزم وربما قالوا انه يجوز له أن يؤخر بشرط أن يفعل في الثالث وكك فيما بعد قيل له على الوجه الاول اثبات العزم يحتاج إلى دليل حتى يصح أن يكون مخيرا بينه وبين الفعل فلما إذا لم يثبت ذلك فكيف يجعل مخيرا بينه وبينه ولا فرق بين من اثبته من غير دليل وبين من اثبت فعلا اخر وجعله مخيرا بينه وبينه (يحصل ح ن) فلما كان هذا فاسدا بلا خلاف كان العزم مثله وليس لهم أن يقولوا نحن لا نثبت العزم الا بدليل وذلك انه لما ثبت ان الفعل واجب وكانت الاوقات في ادائها متساوية اثبتنا العزم والا انتقض كونه واجبا وذلك ان هذا انما يتم إذا ثبت لهم ان الاوقات متساوية في الاداء ودون ذلك خرط القتاد وايضا فلو كان مخيرا بينه وبين العزم لجاز له أن يقتصر عليه ولا يفعل الواجب لان هذا حكم سائر الابدال وفي ذلك اغراء له بترك الواجب والا يفعل شيئا منه اصلا ويقتصر على العزم ابدا وفي ذلك خروج عن الدين فاما من قال انه يجوز له تأخيره بشرط أن يفعل في الثالث فقوله يفسد من وجهين احدهما ان على هذا القول صار مخيرا في الوقت الثاني بين فعله وان لا يفعل وهذه صفة الندب والثاني انه لا يعلم انه يفعل في الثالث حتى يصح منه تأخيره عن الثاني إليه وفي بطلان الوجهين معا ثبوت ما قصدناه ومما يدل ايضا على ان الامر يقتضى الفوران الامر في الشاهد يعقل منها الفور الا ترى ان من امر غلامه بفعل فلم يفعل استحق الذم ولو كان يقتضى التأخير لجاز له أن لا يفعل ويعتل بذلك ويقول انا مخير بين الفعل وبين العزم عليه فلم اذم وفي علمنا يبطلان هذا لاعتلال دليل على انه اقتضى الفور وليس لهم أن يدعوا قرينة دلت

[ 87 ]

على انه يقتضى الفور لاجلها ذم وذلك ان القرينة المدعاة غيره معقولة فيحتاجون إلى ان يبينوها وايضا فانه يذمه من لا يعرف القرينة اصلا فعلم انه انما يذمه لانه عقل من مقتضى الامر الفور دون التراخي ومما يدل ايضه على ان الفور انه لا يخ من ان يكون المأمور يجوز له تأخير الفعل لا إلى غاية أو إلى غاية فان جاز له تأخيره ابدالا إلى غاية ففى ذلك اخراج له من كونه واجبا وان كان يجوز له تأخره إلى غاية كان ينبغى ان يكون تلك الغاية معلومة وكانت تكون مثل الاوامر الموقتة ومتى لم يفعل ذلك كان مكلفا لايقاع الفعل في وقت لا طريق له إلى معرفته وذلك تكليف مدد بما لا يطاق فان ذكروا انه يكون مخيرا بين الفعل والعزم لا إلى غاية كان الكلام عليهم ما تقدم من ان في ذلك افساد التكليف وان يقتصر المكلف من فعل الواجبات على العزم فحسب فلا يفعل شيئا منها و ذلك خلاف المعقول والدين جميعا فاما من قال هربا من ذلك انه يعتين الوقت عليه إذا غلب في ظنه انه متى لم يفعل اخترم أو عجز عنه فانه يقال له واى امارة توجب هذا الظن المدعى و ذلك لا سبيل له إليه على انه إذا كان مخيرا بين الفعل والعزم فلو غلب في ظنه فوت الفعل لم يغلب في ظنه فوت العزم فينبغي ان يجوز له الاقتصار عليه وفيمن وافقنا على هذا المذهب من استدل على ذلك بقوله تعه وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وبقوله فاستبقوا الخيرات وذلك يضعف الاحتجاج به لان الظاهر من الاية انه امر بالتوبة لانها هي التى يحصل عندها الغفران وذلك متفق عليه انه على الفور فاما الفعل الواجب الذى لم يتقدمه غيره من المعاصي حتى يغفر فكيف يحمل عليه فان حمل على ان المراد بذلك استحقاق الثواب يصير الاية مجملة لانه يستحق الثواب بالواجب والندب وليس الندب واجبا اصلا ومنهم من استدل على ذلك بان قال ان الامر يقتضى ايقاع الفعل في وقت من جهة الحكمة وان لم يكن مذكورا في اللفظ فاشبه ما يقتضيه العقود والايقاعات من الطلاق والعتاق فكما ان ذلك كله على الفور وجب مثله في الامر وهذا لا يصح الاستدلال به من وجهين احدهما ان هذا قياس ونحن لا نقول بالقياس اصلا فكيف يمكننا ان نعتمد على ذلك ومن قال بالقياس لا يمكنه ايضا ان يعتمد هذه الطريقة لان القياس يوجب غلبة الظن وهذه المسألة طريقها العلم فلا يمكن الاعتماد فيها على القياس ولو جاز استعمال القياس في ذلك لكان هذا الاستدلال قرينة اقترنت إلى ظاهر الامر والقوم لا يمتنعون من ذلك وانما الخلاف في الاوامر المطلقة الخالية

[ 88 ]

من القرآن فعلم ان المعتمد ما قدمناه وإذا ثبت ان الامر على الفور فمتى لم يفعله في الثاني احتاج إلى دليل اخر في وجوبه عليه في الثالث على ما بيناه فيما تقدم وفى ذلك بطلان مذهب من قال ان بالامر الاول يلزمه الفعل في الثالث والرابع إلى ان يحصل الفعل واستدل من قال ان الامر يقتضى التراخي بان قال ان الامر انما يقتضى كون الفعل واجبا وليس للاوقات ذكر في اللفظ وليس بعضها بان يوجب ايقاعه فيه باولى من بعض فينبغي ان يكون مخيرا فيه لانه لو اراد ايقاعه في بعضها لبينه فمتى لم يبينه دل على انه مخير في ذلك كله والجواب عن ذلك ان يقال ان الاوقات وان لم تكن مذكورة في اللفظ فوقت الفعل هو الثاني وهو معلوم بالادلة التى ذكرناها فيجب المصير إلى مقتضاها وقولهم انه لو اراد ايقاع الفعل في الثاني لبينه فعندنا انه بينه بالادلة التى قدمناها ثم لاصحاب الوقف ان يقولوا ولو اراد التراخي لبينه فيجب ان يتوقف في ذلك وينتظر البيان ومتى اعتمد ذلك اصحاب الوقف كان الكلام عليهم ما تقدم من ان الدليل قد دل على انه يقتضى الفعل في الثاني وان اعتمدوا على انهم وجدوا الامر مستعملة في الفور والتراخى فقد بينا ان نفس الاستعمال لا يدل على ان ما استعملوه حقيقة وذلك مجاز عندنا إذا استعمل على ما قالوه وهذا جملة كافية في هذا الباب فصل في الامر الوقت ما حكمه لا يجوز ان يرد الامر من الحكيم بعبارة معلقة بوقت يقصر الوقت عن أدائها فيه فان لم يقصر عن ذلك نظر فيه فان كان مما يستغرق اداء العبارة فيه وجب ادائه فيه بلا خلاف وذلك نحو الصوم المعلق بالنهار فانه يجب اداؤه في جميعه وان كانت العبادة يمكن ادائها في بعضه فاختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال الوجوب متعلق باول الوقت ومنهم من قال يجب اداؤه في اخره ومنهم من جعله مخيرا بين ادائه في اوله واخره وفيما بين ذلك فان اخره إلى آخره تضيق عليه الاداء فيه ثم اختلفوا فقال قوم منهم يجب عليه الفعل في اوله فمتى لم يفعل وجب عليه العزم على فعله في اخره ومنهم من قال هو مخير في الاوقات كلها ولا يجب عليه العزم ومن العلماء من وقف في ذلك وانتظر البيان وقال كل ذلك جايز والذى يقوى في نفسي انه إذا وردت العبادة معلقة بوقت له اول واخر من جهة اللفظ فانه يكون مخيرا بين ادائها في اوله واخره فان لم يفصل في اوله وجب عليه العزم على ادائه في اخره ثم يتضيق في اخر الوقت وذلك نحو ان يقول الله تعالى تصدق اليوم بدرهم أو صم في هذا الشهر يوما فانه يكون مخيرا بين ان يتصدق في اول النهار

[ 89 ]

أو وسطه أو اخره وكك يكون مخيرا بين ان يصوم في اول الشهر أو وسطه أو اخره الا ان يقوم دليل على انه واجب في اوله فيخرج عن هذا الباب والذى يدل على ذلك ان الوقت الثاني مثل الوقت الاول في تناول الامر له باداء العبارة فيه فليس لنا ان نجعل احدهما هو الواجب فيه دون الاخر فينبغي ان يكون مخيرا في الاوقات كلها وليس لهم ان يقولوا ان هذا يرجع عليكم في اخر الوقت فانكم جعلتموه مضيقا فان ذلك لابد فيه في اخر الوقت لانه ان لم نقبل ذلك ادى إلى فوات العبادة وليس كك الوقت الاول لانه إذا لم يفعل فيه فالوقت الثاني وقت له وليس لاحد ان يقول ان هذا ينتقض بما ذكرتموه في الباب الاول من ان الامر يقتضى الفور وانه يجب المأمور عقيبه وذلك انا انما قلنا ذلك في الاوامر المطلقة التى لها وقت واحد فحملناه على الفور وحمل مخالفونا على التراخي لما لم يكن في اللفظ تعيين الوقت وليس كك في الامر الموقت لانه قد عين فيه الوقت وذكر اوله واخره فقلنا انه مخير فيهما فان قيل فكيف اوجبتم العزم بدلا منه في الوقت الاول ولم يذكر العزم في اللفظ وهلا لزمكم ما التزمتموه من خالفكم في الامر المطلق وانه يقتضى التراخي واوجب العزم بدلا منه في كل الاوقات قيل له إذا ثبت ان الامر يتناول الوقت الثاني كتناوله الوقت الاول وهو يقتضى الوجوب فمتى لم يثبت العزم بدلا منه في الاول ادى ذلك إلى خروجه عن كونه واجبا فلاجل ذلك اوجباه وليس كك في الامر المطلق لانه لم يثبت للخصم انه يجب في الاوقات ولا ان الامر تناول الاوقات على جهة البدل فيثبت العزم بدلا منه في الاول بل كان الوقت الذى يلزمه اداء الفعل فيه هو الثاني لم يجز ان يثبت العزم بدلا منه واحتاج المخالف في اثبات ذلك إلى دليل فاما من قال انه يجب (يجوز خ ل) تأخيره فمتى فعل في الاول كان نفلا فذلك نقض لاقتضاء الامر الايجاب وانتقال إلى مذهب من يقول انه يقتضى الندب وذلك خلاف الصحيح على ما دللنا عليه قال لو كان واجبا في اوله لكان متى لم يفعله فيه استحق الذم لان بذلك تتميز الواجب من النفل فلما لم يستحق الذم بالا يفعل في الاول علمنا انه نفل فيه قيل له انما يجب ان نقول بسقوط الذم عمن لم يفعل فعلا بعينه على انه ندب إذا لم يكن هناك امر بسند ذلك إليه الا كونه نفلا فاما إذا كان هناك امر يسند إليه ذلك فلا يصح

[ 90 ]

الا ترى انه إذا فرضنا ان هناك ما يقوم مقام ويسد مسده من الواجب فمتى لم يفعله وفعل ذلك الامر لم يستحق الذم وانما يتم ذلك في الامر المضيق اما بفعل واحد أو وقت واحد فمتى لم يفعله بعينه أو في ذلك الوقت استحق الذم وقد بينا ان هذه المسألة بخلاف ذلك وان هناك عزما يقوم مقامه فان عادوا إلى ان يقولوا العزم ليس عليه دليل كرر عليهم الكلام الاول وهو انه إذا تناول الامر الوقت الثاني كتناوله للوقت الاول فلابد متى لم يفعل في الاول من عزم والا خرج من كونه واجبا إلى ان يكون نفلا وقد ثبت انه واجب فان قالوا إذا جاز لكم ان تعدلوا من ذلك إلى فعل العزم جاز لنا ان نعدل إلى انه نفل والا فما الفرق قيل له حمله على كونه نفلا نقض لكونه واجبا وليس ايجاب العزم نقض لكونه واجبا على ما بيناه فكان ذلك فرق بين الموضعين فان قيل فعلى هذا المذهب ما قولكم في صلوة الظهر التى لها وقتان اول واخر وكذا سائر الصلوات قيل له اختلف العلماء في ذلك واصحابنا ايض‍ فمن الفقهاء من جعل الفرض متعلقا باخره ومتى فعله في الاول كان نفلا وربما سماه موقوفا على ان ياتي عليه الوقت الاخر وهو على الصفة التى يحب عليه معها فعل الصلوة ويخرج الوقت فيحكم له بالوجوب ومع تسميته نفلا يكون قد اجزأت عن الواجب وهذا هو المحكى عن ابى الحسن الكرخي من اصحاب ابى حنيفة وذهب باقى الفقهاء إلى انه مخير في الاوقات كلها ثم اختلفوا فمنهم من رجح الوقت الاول بالفصل ومنهم من لم يرجح وسوى بين الاوقات واصحابنا اختلفوا فكان شيخنا ابو عبد الله يذهب إلى ان الوجوب يتعلق باوله وانه متى لم يفعل استحق الذم والعقاب الا انه متى تلافاه سقط عقابه وذهب سيدنا المرتضى إلى انه مخير في الاوقات كلها اولها واخرها غير ان ادائها في الاول افضل وإذا نصرنا المذهب الاول نقول انما قلنا ذلك لانه لم يخير على كل حال بين الصلوة في اول الوقت واخر الوقت وانما فرضه الوقت الاول فلا يصح ان يجعل مخيرا بينه وبين ما لم يجعل له ويجرى ذلك مجرى الامر المضيق المعين بوقت متضيق وليس لهم ان يقولوا ان ذلك ينقض ان يكون الصلوة لها وقتان وذلك انا نقول إذا نصرنا هذا المذهب ان لها وقتين في الجملة بالاضافة إلى مكلفين فاما إذا اضفناها إلى كل واحد من المكلفين فان لها وقتا واحدا فيكون الوقت الاول لمن لا عذر له ولا مانع يمنعه من فعل الصلوة فيه من

[ 91 ]

علة أو مرض أو شغل دينى أو دنياوى والوقت الثاني يكون وقت من (يكون خ ل) له بعض هذه الموانع فتكون للصلوة وقتان بالاضافة إلى من وصفناه فان قالوا هذا خلاف الاجماع لامة كلها تقول ان كل صلوة لها وقتان فلا يفصلون هذا التفصيل قيل له هذا اجماع مدعى لان من خالف في هذا يخالف فيه ويرجع في ذلك إلى الروايات الصادرة عن ائمة الهدى عليهم السلام ومتى نصرنا المذهب الاخر فالمعتمد فيه على ظاهر الامر وان النبي صلى الله عليه وآله بين لكل صلوة وقتين وقال ما بينهما وقت ولم يفصل فينبغي ان يكون مخيرا فيها ويقوى ذلك باخبار كثيرة وردت عن الائمة عليهم (ائمة الهدى خ ل) السلام متضمنة لذلك يعارض تلك الاخبار والكلام في تعيين هذه المسألة كلام في فرع والذى ذكرناه اولا كلام في الاصل فلا ينبغي ان يخلطهما جميعا ويمكن ان ينصر المذهب الاول في الصلوة بان يقال الاحتياط يقتضى ادائها في الاول لانه إذا تناول الامر ذلك والاخبار تقابلت في جواز تأخيرها عن اول الوقت والمنع من ذلك فينبغي ان يتعارض ويرجع إلى ظاهر الامر في وجوب الصلوة الاول في الوقت فان قيل لو كانت الصلوة واجبة في اول الوقت لكان متى لم يفعل فيها استحق العقاب واجمعت الامة على انه لا يستحق العقاب ان لم يفعلها في اول الوقت فان قلتم انه اسقط عقابه قيل لكم وهذا ايضه باطل لانه يكون اغراء له بالقبيح لانه إذا علم انه متى لم يفعل الواجب في الاول مع انه يستحق العقاب عليه اسقط عقابه كان ذلك اغراء قيل له ليس ذلك اغراء لانه انما علم اسقاط عقابه إذا بقى إلى الثاني واداها وهو لا يعلم انه يبقى إلى الثاني حتى يؤديها فلا يكون مغرى بتركها وليس لهم ان يقولوا فعلى هذا لو مات عقيب الوقت الاول ينبغى ان لا يقطع على انه غير مستحق العقاب وذلك خلاف الاجماع ان قلتموه وذلك ان هذا الاجماع غير مسلم بل الذى نذهب إليه ان من مات في الثاني مستحق العقاب وامره إلى الله تعه ان شاء عفى عنه وان شاء عاقبه فادعاء الاجماع في ذلك لا يصح فاما من خير بين الاوقات ولم يوجب العزم في الاول بدلا منه فان ذلك ينقض كونه واجبا لان هذا حكم الندب فما ادى إلى مساوات الواجب للندب ينبغى ان يحكم ببطلانه ومن قال انه نفل في الاول فقوله يبطل بما ثبت من اقتضاء الامر الايجاب فمن خالف في ذلك كان الكلام في مسألة اخرى وقد مضى الكلام

[ 92 ]

فيها ويدل ايضا على بطلان هذا القول ان الصلوة في اول الوقت لو كانت نفلا لكان متى نوى بها النفل لكانت تجزئ عن الفريضة لان النية المطابقة للصلوة اولى من ان يجزئ معها الصلوة من النية المخالفة لها وقد اجمعوا على انه متى نوى بها النفل لم يحسن فبطل بذلك كونها نفلا في الاول واما إذا قال انها موقوفة فكلامه غير محصل لان الوجوه التى يقع عليه الافعال فتكون واجبة أو ندبا لا يتاخر عن حال الحدوث ولا يكون امورا منتظرة فان وقعت الصلوة في الوقت الاول على وجه الندب فينبغي ان يكون ندبا وان خرج الوقت وقد اجمعوا على خلاف ذلك وان وقعت واجبة فان ذلك يبطل كونها ندبا فاما ما يتفرع على هذه المسألة من وجوب القضاء على الحايض إذا طهرت في اخر الوقت أو سقوطه عنها فكلام في الفرع وقد بينا الصحيح من ذلك في كتب المصنفة في الفقه فمن اراد ذلك وقف عليه من هناك وهذه جملة كافية وافية في هذا الباب فصل في ان الامر هل يدخل تحت امره ام لا اعلم ان الصحيح انه لا يجوز ان يدخل الامر تحت امره ويفارق ذلك الخبر والذى يدل على ذلك ان الامر لا يكون امرا الا باعتبار المرتبة فيه علما بيناه فيما تقدم وهى ان يكون الامر فوق المأمور وهذا لا يصح ان يدخل بين الانسان وبين نفسه والخبر ليس كك فانه يجوز ان يخبر الانسان عن نفسه ويجمع بينه وبين غيره في تناول الخبر لهما لان الرتبة غير مراعاة في الخبر وليس لهم ان يقولوا ليس هذا المثال مثالا للامر لانكم قلتم لا يحسن ان يامر الانسان نفسه ومثل هذا موجود في الخبر لانه لا يحسن ايضا ان يخبر نفسه فاما الاخبار عنها فليس بشبه لذلك وذلك انه انما لا يحسن ان يخبر الانسان نفسه لانه عبث لان الخبر انما وضع للافادة فإذا كان عالما بما يخبر به فاخباره نفسه بذلك لا فائدة فيه وكان عبثا وليس كك الامر لانه انما قبح لفقد الرتبة المراعاة في كونه امرا وكك القول إذا اخبر غيره بلفظ فلا يجوز ان يقصد باللفظ اخبار نفسه لما قلناه من انه عبث وانما قلنا انه يصح ان يخبر عن نفسه ليعلم بذلك ان الرتبة غير مراعاة في الخبر اصلا فإذا ثبت هذه الجملة فالنبى (ع) إذا امر غيره بفعل لا يدل ذلك على انه مامور به ايضا الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم به لاجل الدليل ويفارق ذلك

[ 93 ]

افعاله (ع) لانها بالعكس من اوامره لان افعاله تختصه ولا يعلم انها متعدية إلى غيره الا بدليل واوامره متعدية ولا يعلم تناولها له الا بدليل فاختلف الامران فصل في ذكر الشروط التى يحسن معها الامر اعلم انه لا يحسن الامر الا بعد ان يكون الامر على صفة والمامور على صفة والامر به على صفة فإذا اجتمع ذلك كله حسن الامر ومتى اختل شئ من ذلك لم يحسن ونحن نبين جميع ذلك اما ما يجب ان يكون عليه الامر فان كان ممن يعلم العواقب وهو الله تعالى فلابد من ان يكون عالما بان المأمور يتمكن من اداء ما امر به ويعلم ان المأمور به على وجه يحسن الامر به ويعلم انه مما يستحق بفعله الثواب ويكون غرضه وصوله إلى الثواب واما إذا كان الامر مما لا يعلم العواقب من الواحد منا فانه يحسن منه الامر إذا ظن في المأمور ما ذكرناه بان يشرط اداؤه ان قدر عليه لانه إذا لم يعلم العواقب فان الظن يقوم له مقام العلم ولو لم يحسن مع الظن لما حسن من الواحد منا ان يامر غيره البتة لانه لا طريق له إلى العلم بانه يقدر عليه أو لا يقدر عليه في المستقبل ولابد ان يعلم حسن المأمور به ويقصد بذلك وجها حسنا ولا يقوم الظن في ذلك مقام العلم والشرط لا يدخل في ذلك كما دخل في كونه قادرا ولاجل هذا لا يحسن منا ان نامر غيرنا بفعل في الغد الا بشرط ان يكون قادرا عليه في الغد ولا يجوز ان نامره بفعل لا نعلم حسنه في الحال فبان الفرق بين الامرين ولو ان قائلا سوى بين حسن الشرط في الامرين لم يكن ذلك بعيدا لان الواحد منا يامر غلامه بان يرد وديعة انسان عليه في الغد ولابد من اشتراط كونه قادرا عليه في حال الرد ولابد من شرط كونه حسنا في ذلك الوقت ايضا لانه لو عرض في حال الرد وجه من وجوه القبح من غصب ظالم لها أو غير ذلك من وجوه الفساد لم يحسن ردها في تلك الحال فاما القصد بذلك وجها من وجوه الحسن فلابد منه على كل حال ومن الناس من جوز في القديم تعالى ايضا ان يامر بشرط ان يبقى على كونه قادرا قبل حال الفعل بوقت والا يمنعه منه والصحيح الاول لان الشرط انما يصح فيمن لا يعلم العواقب فاما من يعلمها فلا محسن منه ذلك ومتى قيل انه يحسن ذلك الامر بذلك لطفا لغير ذلك المكلف كان ذلك ايضا فاسدا باطلا لانه لا يخ من ان يكون المأمور نفسه ذلك الفعل مصلحة

[ 94 ]

له اولا يكون كك فان كان مصلحة له فيجب اقداره عليه والا يمنع منه وان لم يكن مصلحة له فلا يحسن ان يوجب عليه ما هو لطف للغير فلاجل ذلك قلنا ان النبي صلى الله عليه وآله لابد ان يكون له في تحمله اعباء الرسالة لطف ولولا ذلك لما وجب عليه الاداء فكك القول ههنا ولابد ان يكون القديم تعالى عالما بان المكلف يفعل ما امر به ولا يعصيه فيه أو يكون في ذلك لطف للغير ان علم انه يعصى على ما نقول له في قبح تكليف من علم الله انه يكفر إذا لم يكن فيه لطف للغير ومن خالف في ذلك لم يشترط هذا الشرط وفى الناس من شرط في حسن امر الله تعالى ان لا ينهى عنه في المستقبل ومنهم من لا يشترط ذلك ونحن نبين الصحيح في ذلك في باب الناسخ والمنسوخ ان شاء الله تعالى واما الصفات التى يجب كون المأمور عليها نهى ان يكون متمكنا من ايقاع الفعل على الوجه الذى امر به فان كفى في ذلك مجرد القدرة اقتصر على فعله فيه قبل الفعل بحالة واحدة أو قبل ذلك باحوال وان كان الفعل يحتاج إلى العلم فلابد من حصوله في حال وقوع الفعل فان كان العلم من فعله ممن قبل ذلك من سببه باوقات يمكنه تحصيل العلم فيها في حال الفعل (العمل خ ل) وان كان يحتاج إلى نصب الادلة نصبت له لينظر فيها فيعلم ما كلف وان كان محتاجا إلى الة مكن منها فان كانت محلا للفعل مثل اللوح في الكتابة والسكين في القطع وغير ذلك أو ما يكون في حكم المحل مكن منها في حال الفعل وان كانت الالة مما يحتاج إلى تقدمها مكن منها قبل الفعل مثل القوس في الرمى وان كان الفعل يحتاج إلى الالة في حال الفعل وقبله مكن منها في الحالين على ما قلناه في السكين في القطع وغير ذلك وان كان الفعل يحتاج في ايقاعه على وجه إلى الارادة مكن فيها ولا يصح منعه منها عند من قال بالارادة وما يحتاج إلى النظر والسبب فلابد من تمكينه منهما ومن شرائطه ايضا اللازمة الا يكون ملجأ إلى ما امر به هذه صفته لا يحسن الا ترى انه لا يحسن ان يكلف الانسان ان لا يقتل نفسه لانه ملجأ إلى ذلك وكلف الواقف بين يدى السبع لا يحسن ان يكلف العدو فاما من قال لا يحسن ان يكلف الانسان قتل نفسه لانه ملجأ إلى ذلك فغلط لان الالجاء انما هو إلى ان يقتلها فاما إلى قتلها فليس بحاصل وعلى هذا يحسن ان يكلف قتل نفسه ولهذا اخبر الله تعالى عن قوم فيما مضى انه كلفهم قتل نفوسهم بقوله

[ 95 ]

تعالى اقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم وكك يحسن ان يكلف من شاهد السبع الوقوف لان الالجاء انما هو إلى الهرب لا إلى الوقوف واما الصفات التى يجب كون الامر عليها فان يكون متقدما للوقت الذى كلف المأمور ان يقتل فيه لانه متى لم يتقدم لم يفد الترغيب في الفعل ولا يصح فيه (منه خ ل) ان يستدل به على وجوبه عليه فيجب تقدمه عليه من هذه الوجه فاما قول من قال من المجبرة ان ما يتقدم يكون اعلاما ومن شرط الامران يقارن الفعل فغلط لانه ان ارادوا بقولهم انه اعلام انه مما يصح ان يعلم به لزوم المأمور به في وقته فهو خلاف في عبارة وان قالوا يعلم به ان الامر سجدت في وقته امرا اخر فليس في الامر المتقدم دلالة عليه ذلك على ان هذا القول من قائله دفع لما يعلم ضرورة خلافه لان الاوامر في الشاهد لا يكون قط الا متقدمة ومتى لم يكن كك لم يحسن فكك اوامر الله تعالى الا ترى انه انما يحسن من الواحد منا ان يامر غلامه ان يسقيه ماء قبل ان يسقيه ويصح منه ان يسقيه فاما في حال ما سقاه فلا يحسن ذلك فمن ارتكب حسن ذلك كان دافعا للضرورات واما تقدمه قبل وقت الفعل باوقات فليس بواجب لكنه يحسن إذا كان فيه معنى نحو ان يكون فيه صلاح لمن خوطب به بان يكلف اداؤه إلى من امر به ممن يوجد في المستقبل نحو اوامر الله تعالى لنا في وقت النبي صلى الله عليه وآله بقوله اقيموا الصلوة لانه لا خلاف بين الامة انه امر لسائر المكلفين وان اهل كل عصر قد كلفوا اداؤه إلى اهل العصر الثاني ويدل على حسن ذلك ايضا انه يحسن في الشاهد ان يامر الواحد منا غلامه بفعل بعد اوقات كثيرة ويحسن من الموصى ان يوصى لولده ولمن يجئ بعدهم من النسل ويامر ان يفعلوا في الوصية ما يريده وهذا لا يدفع حسنه منصف وعلى هذا لو قلنا انه يحسن امر المعدوم والعاجز بان يفعل الفعل في الوقت الذى قد علم انه علته ستراخ فيه وتمكن من فعله ونبين ذلك ان الفعل الذى امر به لا يحتاج إلى تقدم القدرة في حال الامر لانها لو وجدت في تلك الحال وعدمت في حال الحاجة إلى الفعل لم يحسن امره فدل على ان الحاجة إليها تقع قبل حال الفعل بحال ولو لم يحسن ذلك لم يحسن من الواحد منا ان يامر غيره بان يفعل في غد فعلا يحتاج إلى الة مع عدمها

[ 96 ]

وان علم انه يتمكن منها في غد حتى يجب الا يحسن منا ان نأمر النجار باصلاح الباب الا بالالة التى بها يصلحه في يده وهذا مما لا يحتاج إلى افساده لانه معلوم ضرورة خلافه وهذه جملة كافية شافية في هذا الباب الكلام في النهى فصل في ذكر حقيقة النهى وما يقتضيه وجملة من احكامه النهى هو قول القايل لمن دونه لا تفعل كما ان الامر قوله له افعل وما دل على احدهما دل على الاخر فالطريقة واحدة وانما يكون نهيا إذا كره الناهي المنهى عنه عند من قال بذلك والذى اقوله في ذلك ما قدمت ذكره في باب حقيقة الامر من ان هذه الصيغة وضعها اهل اللغة ليدلوا على ايجاب الامتناع من الفعل ثم ينظر في ذلك فان كان صادرا من حكيم دل على ان ذلك الشئ قبيح لانه لا يوجب الامتناع مما هو حسن فهو إذا دلالة على القبيح وقد يرد هذه الصورة لا تفيد النهى على الحقيقة على ضرب من المجاز مثل ما قلناه في صيغة الامر ولاجل هذا قلنا في قوله تعالى لا تقربا هذه الشجرة ان صورته صورة النهى وليس ما تناوله قبيحا بل الاولى تركه وعبر عن ذلك بانه نهى بقول تعالى ما نهكما ربكما عن هذه الشجرة مجازا من حيث كانت صورته صورة النهى على الحقيقة الا ان هذا مجاز لا يثبت الا بدليل والاول هو الحقيقة والدلالة على ذلك ما دللنا به على صورة الامر سواء وشرائط حسن النهى يقارب حسن الامر على السواء فاما شرائط اقتضائه التكرار أو الامتناع مرة واحدة فاكثر المتكلمين والفقهاء ممن قال ان الامر يقتضى مرة واحدة ومن قال انه يقتضى التكرار قالوا في النهى انه يقتضى التكرار ومنهم من سوى بينهما وقال الظ ؟ يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل ومنهم من وقف في ذلك كما وقف في الامر والذى يقوى في نفسي ان ظاهره يقتضى الامتناع مرة واحدة وما زاد على ذلك يحتاج إلى دليل وانما قلنا ذلك من حيث ان النهى إذا كان دلالة على قبح المنتهى عنه إذا صدر من حكيم انما يدل على انه قبيح في الثاني لان مقتضاه الفور وما بعد ذلك من الاوقات لا يعلم ان الفعل فيها قبيح بل يحتاج إلى دليل فمن ادعى تساوى الاوقات في ذلك كمن ادعى تساوى الاوقات في اقتضاء الامر الفعل فيها وذلك باطل على بيناه وشبه (وشبهه) من قال انه يقتضى التكرار الرجوع إلى الشاهد وان النهى يقتضى ذلك وذلك غير مسلم بالاطلاق فان

[ 97 ]

استعمل في ذلك بقرينة من شاهد الحال وغيرهما فلا يمكن ادعاء الحقيقة في ذلك فإذا ثبت ذلك فانما قلنا انه يقتضى الفور دون التراخي لمثل ما دللنا عليه من ان الامر يقتضى الفور فالادلة فيها سواء وايضا فلو لم يقتضى ذلك في الثاني لوجب ان يقترن به البيان فمتى لم يقترن به البيان دل على انه قبيح في الثاني فاما النواهي الواردة في القران والسنة وانها يقتضى التأبيد فانما علمنا ذلك بدليل من اجماع وغيره فلا يمكن الاعتماد على ذلك كما ان مثل ذلك علم ان الاوامر على التكرار عند الاكثر فاما النهى القيد بوقت فلا خلاف بين المحصلين انه لا يقتضى وجوب الانتهاء في غير ذلك الوقت وانما يعلم ذلك بدليل مثل ما قلنا في الامر المقيد فاما النهى عن الشئ فليس بامر ضده لا لفظا ولا معنى لمثل ما قلناه في الامر سواء وانما يدل على ان ما عدا المنهى عنه من اصداده مخالفا له إذا كان صادرا من حكيم لانه إذا كان دلالة على القبح فما عدا ذلك الشئ لو كان قبيحا مثله لوجب ان ينهى عنه ايضا كما نهى عن ذلك فلما لم ينه عن جميع اضداد ولا عن بعضها دل على انه مخالفا له وقد تكون مخالفة له بان تكون واجبة وندبا ومباحا فلا يمكننا ان نقول ان ذلك امر بضده لان الامر يقتضى الايجاب على ما بيناه اللهم الا نقول انه لو كان في اضداده ما هو واجب أو ندب لوجب بيانه فلما لم يبين دل على انها مباحة فان ذلك يمكن الاعتماد عليه هذا إذا كان له اضداد كثيرة ويمكن الانفكاك من جميعها فاما إذا لم يمكنه الانفكاك من جميعها ولابد من ان يكون فاعلا لواحد منها فانه لا يكون ايض‍ واجبا عليه لانه انما يجب الشئ إذا كان مما يصح ان يفعل والا يفعل فاما ما ينفك عنه فلا يصح وصفه بالوجوب ولاجل هذا قلنا ايضا إذا لم يكن للمنهى عنه الا ضد واحد ولا يمكنه الانفكاك منه (لا) لما يوصف بانه واجب عليه من حيث لا يصح الا يفعل وما هذا حكمه لا يصح ان يجب عليه فان كان له ضد واحد ويصح انفكاكه منهما جميعا فمتى لم يجب عليه ذلك الشئ أو يندب إليه يجب ان يكون مباحا كما قلناه في الاضداد الكثيرة سواء فاما النهى إذا تناول اشياء فلا يخلوا من ان يكون متضادة أو مختلفة فان كانت متضادة فلا يخلوا من ان يصح انفكاكه من جميعها إلى امر اخر ولا يصح ذلك فيها فان كان يصح انفكاكه

[ 98 ]

من جميعها جاز ان ينهى عنها اجمع على جهة التخير ولا يجوز ان ينهى عنها جميعا على وجه الجمع لان كونها متضادة يمنع من صحة الجمع بينها وقال يصح النهى عنه وان كان لا يصح انفكاكه من جميعها فلا يجوز ان ينهى عن جميعها على حال لان ذلك تكليف لما لا يطاق وكك إذا نهى عنه ضدين ولهما ثالث جاز ان ينتهى عنهما جميعا على وجه التخيير ولا يجوز ان ينتهى عنهما جميعا على الجمع لمثل ما قلناه وان لم يكن لهما ثالث لم يجز ان ينتهى عنهما جميعا على حال مثل ما قلناه وان كان ما تناوله النهى اشياء مختلفة أو شيئين مختلفين فانه يصح ذلك على وجه الجمع والتخيير معا وقول من قال لا يصح ذلك على وجه التخير غير صحيح لانه كما لا يمتنع ان يكون فعلهما مفسدة إذا جمع بينهما فينهى عنهما جميعا على وجه الجمع وكك لا يمتنع ان يكون فعل كل واحد منهما إذا انفرد كان مفسدة وإذا اجتمع مع غيره لا يكون كك فيصح ان ينهى عنه على وجه التخير مثل ما نقوله في الامر فالفرق بين النهى والامر في هذا الباب لا يمكن والقول في الامر إذا تناول ضدين مثل القول في النهى سواء لانه إذا كان لهما ثالث جاز ان يؤمر بهما على التخيير ولا يجوز ان يؤمر بالجمع بينهما لان ذلك مستحيل وكك ان لم يكن لهما ثالث ما جاز ان يؤمر بهما على وجه التخير فلا يجوز ان يؤمر بهما على وجه الجمع لما قلناه فاما إذا تناول الامر اشياء مختلفة فانه يجوز ذلك على وجه الجمع والتحيز بلا خلاف وانما الخلاف في انه يكون الجميع واجبة أو واحد لا بعينه وقد قلناه ما عندنا في ذلك فاغنى عن الاعادة وهذه جملة كافية في هذا الباب وما عدا ما ذكرناه احكام النهى فيه احكام الامر على السواء فلا معنى لتكرار القول فيه فصل في ان النهى يدل على فساد المنهى عنه ام لا ذهب اهل الظاهر وكثير من الفقهاء من اصحاب الشافعي وابى حنيفة وكثير من المتكلمين إلى ان النهى يدل على فساد المنهى عنه وذهب اكثر المتكلمين والباقون من الفقهاء إلى ان ذلك لا يدل على كونه غير مجز وهو الذى حكاه ابو عبد الله البصري عن ابى الحسن الكرخي وذهب إليه بعض اصحاب الشافعي والذى اذهب إليه هو الاول وينبغى ان نبين اولا تحقيق الخلاف في ذلك وما المراد به ثم نتكلم في صحة ذلك أو فساده فمعنى قولنا ان المنهى عنه غير مجز هو ان الذمة إذا تعلقت بها عبادة يجب ادائها على شروط فمتى اداها على وجه قبيح منهى عنه فان

[ 99 ]

ذمته لا تبرأ وتجب عليه قضاؤها ومن خالف في ذلك يقول لا يعلم بمخالفته الامر وارتكابه النهى ان ذمته غير برية بل لا يمتنع ان تبرأ ذمته بفعل القبيح كما تبرأ بفعل ما هو حسن والذى يدل على صحة ما ذهبنا إليه ان كون الشئ مامورا به يقتضى كونه حسنا ومصلحة للمكلف وكونه منهيا عنه يدل على انه مفسدة له ومحال ان يكون ما هو مفسدة يقوم مقام ما هو مصلحة لان ذلك متضاد فان قالوا لكان يمتنع ان يقول الله تعالى أو النبي صلى الله عليه وآله لا تفعل كيت وكيت ولكن ان فعلته قام لك ذلك مقام المصلحة قيل له الذى فرضته غير ممتنع لكن ثبوت ذلك يحتاج إلى دليل وانط (وانطلاقا) من النهى ان المأمور به لم يحصل متى ارتكبه وإذا لم يحصل فلم يحصل برائة الذمة فان قالوا وكك وجوب القضاء عليه يحتاج إلى دليل قيل له إذا فعل المأمور به على الوجه المنهى عنه يدل على ان ما امر به لم يفعله وإذا ثبت انه لم يفعل ما امر به فلا خلاف بين الامة انه يجب عليه قضاوه لانه لا فرق بين ان لا يصلى في انه يجب عليه القضاء وبين ان يصلى بغير طهارة في انه ايضا يجب عليه القضاء في الحالين معا فان قالوا الطهارة شرط في صحة الصلوة وكل موضع ثبت ان المنهى عنه شرط في صحة العبادة فانه يدل على انها غير مجزية وانما الخلاف فيما ليس بشرط في صحة العبادة هل يكونا مجزيا ام لا قيل له فعلى هذا ينبغى ان تسقط الخلاف فانه متى فرضنا ان النهى لا يتعلق بشئ يتعلق بالعبادة ولا بشئ من شرائطها فانا لا نحكم بفساد العبادة لان على هذا التقدير يكون قد ادى العبادة على الوجه الذى امر بها والنهى انما يتعلق بشئ اخر منفصل عنها فلا تعلق بينه وبينها على حال فان قيل لو كان الامر على ما ذكرتم لما قام دليل على ان كثير من الاشياء المنهى عنها قام مقام الواجب الحسن مثل الوضوء بالماء المغصوب والصلوة في الدار المغصوبة والطلاق البدعى و الوطى في الحيض والذبح في السكين المغصوبة وغير ذلك من الاشياء التى تقرر في الشرع كونها مجزية قيل له الذى يذهب إليه ان جميع ذلك غير مجز ولا محكوم بصحته فان دل دليل على ان بعضه مجز وقام مقام الصحيح صرفا إليه بدليل ونحن نبين جميع ذلك فضل بيان اما الوضوء بالماء المغصوب فلا يصح لان الوضوء لا يصح عندنا الا بنية القربة

[ 100 ]

وذلك يقتضى كون الفعل حسنا وزيادة وذلك لا يمكن في المغصوب لانه قبيح فلا يصح التقرب به وإذا ثبت ذلك فلا يصح وضوئه وإذا لم يصح وضوئه فكأنه صلى بغير طهارة وإذا صلى بغير طهارة فلا خلاف انه يلزمه قضاؤها وليس لهم ان يقولوا ما كان يمتنع ان يقال ان هذا الفعل وان كان قبيحا فقد قام مقام ما هو حسن قيل له ذلك يحتاج إلى دليل ولو ان قائلا قال ذلك في الصلوة بغير طهارة وانها ما كانت تمتنع ان تقوم مقام الصلوة بطهارة فما كان جوابكم يكون جوابنا وليس ذلك الا ما قلناه من ان ذلك يحتاج إلى دليل وكك الصلوة في الدار المغصوبة لا تصح لان نية القربة بها لا يصح وليس لهم ان يقولوا ليست الصلوة هي الغصب بل الصلوة تشتمل على افعال لا تعلق لها بالغصب وهى حسنة تصح القربة فيها وذلك ان الصلوة هي الاركان المخصوصة في الدار من القيام والقعود وتلك قبيحة بلا خلاف وليست الصلوة أمرا آخر منفصلا من ذلك وإذا كان كذلك ثبت ما قلناه واما الطلاق البدعى فعندنا انه غير واقع اصلا ومن قال بوقوعه في موضع وان وافقنا في هذا الاصل يقول ان ذلك القيام دليل ولو خليت وظاهر النهى يحكم انه غير مجز واما الوطى في الحيض فيما يتعلق به من لحوق الولد وتحليل المرئة للزوج الاول ووجوب المهر كاملا و وجوب العدة وغير ذلك من الاحكام فان جميع ذلك انما يثبت بدليل ولو خلينا وظاهر النهى لما اخبرنا شيئا منه على حال فاما الذبح بالسكين المغصوبة فيمكن ان يقال ان القبح هو التصرف في السكين فما يحصل في السكين من الافعال قبيحة وليس الذبح حالا في السكين ولا يمتنع أن يكون الذبح حسنا وان كان سببه الذي أوجبه قبيحا الا ترى ان من رمى مؤمنا فاصاب كافرا حربيا فان رميه يكون قبيحا وان كان ما حصل عنه من قتل الكافر حسنا فكك القول فيما قلناه ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه رجوع الامة من عهد الصحابة إلى يومنا هذا في فساد الامور وبطلانها إلى تناول النهى لها فلولا انهم عقلوا ذلك من النهى والا لم يرجعوا إليه على حال وليس لهم ان يقولوا انهم رجعوا إلى ذلك لدليل دلهم على ذلك وذلك ان هذا القول ينقض رجوعهم

[ 101 ]

إلى النهى لانهم إذا حكموا ببطلان الشئ وفساده لدليل دلهم على ذلك فلا تعلق للنهى بذلك ولا معنى لرجوعهم إليه فان نازعوا في رجوعهم إلى ذلك كان ذلك دفعا لما هو معلوم خلافه وقيل لهم بينوا في شئ من الاشياء انهم رجعوا إلى العمل به لا يمكننا ان نقول في النهى مثله ويدل على ذلك ايضا انا قد دللنا على ان الامر يقتضى اجزاء المأمور به فينبغي أن يكون النهى يقتضى كونه غير مجز لانه ضده فان خالفونا في الامر فقد دللنا على ذلك فيما مضى فاغنى عن الاعادة ويمكن الاستدلال بما روى عنه عليه السلام من ادخل في ديننا ما ليس فيه (منه خ ل) فهو رد على صحة ما ذهبنا إليه لان ارتكاب النهى خلاف الدين بلا خلاف غيره فان قالوا معنى الرد في الخبر انه غير مقبول ولا يستحق عليه الثواب وذلك لا تعلق له بالاجزاء لانا قد بينا انه مع كونه غير مقبول فلا يستحق عليه الثواب لا يمتنع ان يقع موقع الصحيح قيل لهم ذلك تخصيص للخبر وينبغى ان يحمل الخبر على عمومه وشموله فيحكم بان ذلك لا يقبل ولا يستحق عليه الثواب ولا يقع به الاجزاء فمن ادعى تخصيصه احتاج إلى دلالة وليس لهم ان يقولوا انما يمكن الاستدلال بالخبر إذا ثبت ان ارتكاب النهى ليس من الدين ومن خالف في أن ذلك مجز يقول انه من الدين وذلك انه لا خلاف في ان ذلك قبيح وما هو قبيح لا يكون من الدين لان كونه من الدين يقتضى كونه حسنا وزيادة وانما الخلاف في ان ذلك وان كان كذلك هل يجوز ان يقوم مقامه ما هو حسن ام لا وذلك يحتاج إلى دليل وقد استدل قوم على ذلك ايضا بان قالوا كونه مجزيا لا يخ ان يعلم ذلك بلفظ الامر أو الاباحة فان قلتم بذلك فكونه قبيحا من كونه مأمورا به ومن كونه مباحا واعترض من خالف في ذلك بان قال يعلم ذلك بغير الامر أو الاباحة وهو ان يقول النبي صلى الله عليه وآله لا تفعل كذا وكذا فان فعلت ذلك فقد اجزأ عنك وقام مقام الحسن الواجب والمباح أو استدلوا ايضا بان قالوا قد ثبت ان النهى عن الربا في القران دل على فساد المنهى عنه فينبغي ان يكون سائر النواهي كك (لمثل ذلك) واعترض من خالف في ذلك بان قال لم نعلم ذلك بظاهر النهى بل بقرينة وهو قوله لا تأكلوا الربا فلو كان ذلك مجزيا لما نهى عن اكله وقالوا النهى عن ذلك مثل النهى عن تلقى الركبان وعن البيع يوم الجمعة وغير ذلك وكل ذلك لا يدل على فساد

[ 102 ]

المنهى عنه ولمن نص الاستدلال بالاية ان يقول هذه المواضع لو خليت والظاهر لحكمت بفساد البيع فيها لكن دل الدليل على ان ذلك جائز فقلت به لمكان الدليل فاما من خالف في المذهب الذي ذكرناه من ان النهى يقتضى فساد المنهى عنه وجعل الطريق الذي به يعلم فساد المنهى عنه كونه مجزيا فحكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن الكرخي انه متى كان وقوع المنهى عنه على الوجه الذي نهى عنه يقتضى انه واقع على غير الشرط الذي اقتضاه الشرع وجب فساده لانه انما يصح إذا اتى به على شروطه والنهى عنه قد احل بذلك وما لم يمكن هذه حالة من الاشياء المنهى عنها فانه يكون مجزيا وذكر عن الشافعي انه ذكر في كتابه ان فيما نهى عنه فاسدا وفيه ما لا يفسد وان كان النهى يقتضى كونه جميعه معصية ما لم يكن المراد به التأديب فالذي يفسد فهو ان يوصل إليه من طريق محرم نحوه كذلك الغير أو الفروج لانه إذا كان مجزيا يتوصل إليه بما نهى عنه فيجب ان لا يستباح وحكى عنه قول اخر وهو انه إذا نهى عن الفعل بوجه مختصة فوجب ان يفسد وكلما ذكرناه انما هو على مذهب من قال ان النهى لا يدل على فساد المنهى عنه ويحتاج في الفرق بين ما هو فاسد وما ليس كك إلى امر اخر ومن قال بما قلناه لا يحتاج إلى شئ من ذلك فهذه الجملة كافية في هذا الباب فصل فيما يقتضيه الامر من جمع واحاد اعلم ان الواجب اعتبار ظاهر الامر فان اقتضى تناوله جميع المكلفين لزمتهم تلك العبادة وكان ذلك من فروض الاعيان وذلك مثل قوله تعالى اقيموا الصلوة واتوا الزكوة وما يجرى مجرى ذلك فان دل الدليل على ان المراد به بعضهم حمل عليه و لاجل هذا قلنا ان قوله فاقطعوا ايديهما يختص الائمة عليهم السلام ومن يقوم مقامهم في النيابة عنهم لما دل الدليل على ان ذلك من فروض الائمة وكك قوله خذ من اموالهم صدقة حملناه على ان المراد به الائمة والسعاة من قبلهم لما كان ذلك من فروضهم وان دل الدليل على ان المأمور به مشروط بشروط حمل وجوبه على من اجتمعت تلك الشروط فيه ولهذا قلنا ان الامر بصلوة الجمعة مخصوص (على من خ ل) بمن كان على صفات مخصوصة واجتمعت شرائط الجمعة كلها هناك ومن لم يكن كك لا يجب عليه وان دل الدليل على ان المراد بالامر حصول الامر وعلم حصول ذلك الامر ببعض من تناوله الخطاب قلنا ان ذلك من فروض

[ 103 ]

الكفايات وذلك نحو الجهاد لما كان البغية به حفظ بيضة الاسلام ودفع الاعداء عن المسلمين وكان ذلك يحصل ببعضهم كان ذلك من فروض الكفايات وكك القول في الصلوة على الاموات ودفنهم وحملهم إلى المقابر ومتى قام بذلك لم يحصل البغية به سقط عن الباقين واجري مجرى ذلك الفقهاء طلب الفقفه لان ذلك عندهم من فروض الكفايات لانهم جوزوا تقليد العلماء و الرجوع إليهم ومن لم يجز ذلك جعله من فروض الاعيان ولم يجعله من فروض الكفايات وكك اجرى هذا المجرى اختيار الائمة من اجاز اختيار الائمة فاما على مذهبنا فطريقة معرفة الائمة النص الثابت على اعيانهم على ما ذكرناه في كتب الامامة فهذه جملة كافية في هذا الباب لانها تنبيه على ما زاد عليها وما يتفرع انشاء الله تعالى الكلام في العموم والخصوص فصل في ذكر حقيقة العموم والخصوص وذكر الفاظه اعلم ان معنى قولنا في اللفظ انه عام يفيد انه يستغرق جميع ما يصلح له وبهذا الذي ذكرناه يتميز من غيره مما لا يشركه في هذا الحكم كما ان الامر والنهى وسائر اقسام الكلام يتميز بعضها من بعض بما يفيد كل واحد من الاقسام ولذلك يقال عم الله تعالى المكلفين بالخطاب لما كان متوجها إلى جميعهم فاما استعمال هذه اللفظة في المعاني نحو قولهم عمهم البلاء والقحط والمطر وغير ذلك فالاقرب في ذلك ان يكون مجازا لانه لا يطرد في سائر المعاني ولو ان قائلا قال ان ذلك مشترك لم يكن بعيدا وقد ذهب إليه قوم من الاصوليين ومعنى قولنا في اللفظ انه خاص يفيد انه يتناول شيئا مخصوصا دون غيره مما كان يصح ان يتناوله ولذلك يقال خص الله تعالى زيدا بالخطاب لما كان الخطاب متوجها إليه دون غيره من المكلفين الذين كان يصح ان يوجه إليهم الخطاب فاما الفاظ التثنية والفاظ الجموع والفاظ النكرات وغير ذلك فلا يوصف بالعموم لما لم تكن متناولة لها على وجه الاستغراق فاما الفاظ العموم فكثيرة نحن نذكر منها طرفا فمنها من في جميع العقلاء إذا كانت نكرة في المجازاة والاستفهام ومتى وقعت معرفة لم تكن للعموم وكانت بمعنى الذي وهى خاصة بلا خلاف ومنها ما فيما لا يعقل إذا وقعت الموقع الذي ذكرناه من المجازات والاستفهام ومتى كانت معرفة لم تكن مستغرقة كما قلناه

[ 104 ]

في سواء ومن الناس من قال ان ما يعم ما يعقل وما لا يعقل وهى اعم من من وذلك محكى عن قوم من النحويين ومنها أي فانها تستغرق ما يعقل وما لا يعقل وهى اعم من اللفظتين معا ولاجل هذا إذا قال أي شئ عندك يحسن ان يجاب بما يعقل وما لا يعقل الا انها لا تفيد الاستغراق كما يفيد من وما الا ان يدل دليل على ذلك فيحكم له بحكم الاستغراق ومنها متى في الاوقات لانها تجرى في تناول جميع الاوقات مجرى من في تناولها لجميع العقلاء وذلك نحو ان يقول القائل متى جئتني جئتك فان ذلك لا يختص وقتا دون وقت بل يتناول جميع الاوقات ومنها اين في المكان نحو قول القائل اين زيد يحسن ان يجيبه بذكر كل مكان فعلم انه متناول له ومنها لفظي النفى (النهي خ ل) إذا دخل على النكرات نحو قول القائل ما رايت احدا وما جائنى من احد فان ذلك يفيد الاستغراق ومنها اسماء الاجناس إذا دخلها الالف واللام ولم يرد بهما التعويف نحو قوله والعصر ان الانسان لفى خسر ونحو قولهم اهلك الناس الدينار والدرهم لان ذلك يفيد الجنس كله ومتى كان للتعريف كان مختصا بما عرف به نحو قول القائل رايت الانسان يشير به إلى انسان معهود متقدم فاما كان خاليا من الالف واللام فانه يفيد واحدا لا بعينه نحو قول القائل رايته رجلا وانسانا وما يجرى مجراه و هذا يسميه اهل اللغة النكرة لانه لا يخصص واحدا من غيره ومنها الاسماء المشتقة نحو قوله تعالى والسارق والسارقة وقوله تعالى الزانية والزانى وما يجرى مجرى ذلك فانه متى كان فيها الالف واللام ولم يكن المراد بهما المعهود والمعرف افاد الاستغراق ومتى كان العهد افاد التعريف نحو قول القائل رأيت القاتل والضارب إذا اشار به إلى قاتل بعينه أو ضارب بعينه ومتى لم يكن فيها الالف واللام افادت واحدا لا بعينه كما قلناه في الاسماء الاجناس إذا دخلت في الالف واللام وذلك نحو قول القائل رأيت ضاربا وقاتلا فانه يفيد واحدا لا بعينه ومنها الفاظ الجموع إذا دخلها الالف واللام فانها تفيد الاستغراق نحو قولهم رايت الرجال وما يجرى مجرى ذلك فان ذلك يفيد جميع الرجال الا ان يراد بذلك التعريف والعهد فيحمل على ذلك ومتى خلت الفاظ

[ 105 ]

الجموع من الالف واللام فانها تفيد ثلثة فصاعدا لا باعيانهم ويكون الثلاثة مقطوعا بهم وما زاد على ذلك مشكوكا فيه مجوزا وقد اختلف المتكلمون فيما ذكرناه من الفاظ الجموع والفاظ الاجناس فذهب ابو على واكثر المتكلمين إلى ان هذه الالفاظ إذا كان فيها الالف واللام وجب حملها على الاستغراق إذا لم يكونا للعهد الا أن يدل دليل على انه اريد بهما البعض فيحمل عليه وذهب أبو هاشم إلى ان ذلك لا يفيد الاستغراق وانما يفيد في اسماء الاجناس تعريف الجنس المخصوص وفي اسماء الجموع الثلثة فقط لان الحكيم لو اراد اكثر من ذلك لبينه و نحن نبين الصحيح من ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى واتفق هؤلاء وغير هؤلاء على تناول الجموع الثلثة فصاعدا حقيقة وان اقل الجمع ثلثة وذهب قوم إلى ان اقل الجمع اثنان والاول هو مذهب اكثر الفقهاء ومنها لفظ كل إذا دخلت في الكلام فانها تفيد الاستغراق سواء دخلت للتأكيد أو لغير ذلك واما ما يدخل للتأكيد نحو قول القائل رأيت الرجال كلهم فان ذلك يفيد الاستغراق وما يدخل لغير التأكيد نحو قول القائل كل رجل جائنى اكرمته وكل عبد لى فهو حر وعلى هذا قوله تعالى كما القى فيها فوج سالهم خزنتها فهذه جملة من الالفاظ المستعملة في العموم ونحن ندل على انها تفيد العموم على ما قلناه ونذكر اختلاف الناس في ذلك والكلام على شبههم في فصل يلى هذا الفصل انشاء الله تعالى فصل في ذكر العموم على ان العموم له صيغة في اللغة ذهب الفقهاء باسرهم واكثر المتكلمين إلى ان العموم له صيغة موضوعه في اللغة تختص به وقال قوم من المرجئة وغيرهم انه ليس للعموم صيغة اصلا بل كلما يدعى انه للعموم فهو للخصوص وانما يفيد اقل ما يمكن ان يكون مرادا وقال اكثر المرجئة ان هذه الالفاظ مشتركة بين العموم والخصوص حقيقة فيهما معا وفي الناس من قال انه يجب حمل اللفظ على الاستغراق فيما يتعلق بالامر والنهى ولا يجب ذلك في الاخبار والذي اذهب إليه هو الاول والذي يدل على ذلك ان من إذا استعملت في المجازات يحسن ان يستثنى منها كل واحد من العقلاء فلولا انها مستغرقة لهم والا لم يجز ذلك يبين ذلك انها لما لم تكن متناولة لغير العقلاء لم يحسن ان يستثنى منها من ليس بعاقل ومن دفع بان حسن الاستثناء في هذا الموضع لا يحسن مكالمته فان قيل انما حسن الاستثناء

[ 106 ]

في هذا الموضع لانه يصلح ان يكون متنا ولا لجميع العقلاء وان لم يكن واجبا وغير العقلاء انما لم يحسن استثناؤهم لان اللفظ لا يصلح ان يتناولهم اصلا قيل لهم لو كان الاستثناء انما حسن للصلاح دون الوجوب لحسن الاستثناء من النكرات وقد علمنا انه لا يحسن ان يقول القائل رأيت رجلا الا زيدا وان كان لفظ رجل يصلح ان يقع على زيد وعلى غيره من الرجال صلاحا لما لم يكن متناولا له على طريق الوجوب فان ارتكبوا حسن الاستثناء من لفظ رجل لم يحسن كلامهم لان ذلك معلوم من دين اهل اللغة خلافه وان قالوا انما لم يحسن الاستثناء من ذلك لان من شان الاستثناء ان لا يدخل الا على جملة ذات عدد وان لم تكن مستغرقة الا ترى انها تدخل على الفاظ الجموع التى ليست للاستغراق الا ترى انه إذا قال القائل رايت رجالا يحسن ان يستثنى منها زيدا وعمروا وخالدا وبكرا ولا يقول احد ان الفاظ الجمع الخالية من الالف واللام مستغرقة لجميع الرجال فبطل ان يكون الاستثناء دلالة على الاستغراق قيل لهم اما قولكم ان من شان الاستثناء ان لا يدخل الا على جملة باطل لانها تدخل على لفظ الواحد المنفى الا ترى انه يحسن ان يقول القائل ما جائنى من احد ثم يستثنى كل واحد من العقلاء وليس لفظ احد لفظ جمع واما الفاظ الجموع فمن الناس من يقول انها محمولة على الاستغراق لان المتكلم بها لو اراد اقل الجموع أو جمعا دون جمع لبينه فلما لم يبين ذلك دل على انه اراد الجميع ومن قال هذا سقط عنه السؤال ومن لم يقل ذلك ويقول انها تصلح للثلثة فصاعدا يقول لا يحسن الاستثناء من الفاظ الجموع لان من حق الاستثناء ان يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه ولما لم يكن ذلك في الفاظ الجموع لم يحسن وربما اكدوا ذلك بان قالوا لو حسن ذلك يحسن ان يقولوا رايت رجالا الا رجلا يستثنون واحدا منكرا من الفاظ الجمع ولما لم يحسن دل على ان حكم المعرف مثله وانما ذلك بين وليس لهم ان يقولوا انما لم يحسن الاستثناء المنكر لانه لا يفيد وذلك انه لو كان يحسن لما قالوه لما حسن استثناؤة من الفاظ الجموع إذا كان فيها الالف واللام وذلك نحو قول القائل لقيت الاشراف فانه يحسن منه ان يقول الا واحدا وان كان منكرا لما كان لفظ الاشراف مستغرقا من حيث كانت فيه الالف

[ 107 ]

واللام فعلم بذلك انه انما امتنع في الموضع الذي امتنع لمكان الصلاح لا لعلة اخرى فاما من قال انه انما لم يحسن الاستثناء من لفظ الواحد المنكر في الاثبات من حيث انه كان من حق الاستثناء ان يميز ذاتا من ذات وإذا قال رأيت رجلا ثم قال الا زيدا فلم يميز ذاتا من ذات لان الذات واحدة وانما ميزها بصفة كانه قال ليس صفتها ان يكون زيدا وذلك ضد حقيقة الاستثناء فان ذلك يبطل بما قلناه من لفظ النكرة في النفي وقولهم ما جائنى من احد فان اللفظ واحد والتميز يقع ههنا بالتسمية والصفة ومع ذلك فانه يحسن الاستثناء بلا خلاف على ان الذي ذكروه غير صحيح لان لفظ رجل يقع على كل رجل صلاحا فإذا استثنى بعض الرجال فقد ميز ذاتا من غيرها على ما يقتضيه حقيقتها فان قالوا كيف يكون الاستثناء دليلا في هذا الموضع ونحن نعلم ان القائل إذا قال من دخل دارى اكرمته لم يحسن ان يقول الا الشياطين وان كانوا من العقلاء وكك إذا قال من دخل دارى ضربته لم يحسن ان يقول الا الملئكة وان كانوا من جملة العقلاء فعلم بذلك ان الاستثناء ليس بدلالة على ان اللفظ متناول لجميع العقلاء قيل لهم ان الذي ذكرتموه لا ينقض استدلالنا لان هذا السؤال يتضمن ان اللفظ قد يشتمل على من لم يحسن استثناؤهم وذلك لا يضرنا وانما كان ينقض دليلنا لو تبينوا حسن الاستثناء من لفظ لا يتناول ما استثنى وذلك متعذر على ما بيناه على انه انما لم يحسن استثناء واحد من الفريقين المذكورين في السؤال من حيث علمنا بالعادة انه لم يقصدهما باللفظ فصار الفريقان في حكم من لم يتناوله اللفظ اصلا ومتى فرضنا ان الكلام صادر من الحكيم تعالى حسن ان يقول من عصاني عاقبته الا ابليس لما كان اللفظ متناولا جاز (ولجاز خ ل) أن يكون مقصودا به وانما امتنع في الواحد منا لما قلناه فان قالوا لو كان قول القائل من دخل دارى ضربته متناولا لجميع العقلاء لم يحسن ان يستفهم فيقال وان دخلها نبى أو وان دخلها أبوك فلما حسن هذا الاستفهام دل على ان اللفظ مشترك وانما يستفهم عن مراده بها قيل لهم لا نم انه يحسن الاستفهام في هذا الموضع على كل حال وعلى كل وجه وهو انه إذا كان المخاطب عالما باللغة وكان حكيما لا يجوز عليه التعمية ولم يقرن بخطابه ما يدل على انه اراد بعضه أو تخصيصه وكان المخاطب ايضا عالما باللغة و

[ 108 ]

بموضوعها لم يحسن ان يستفهم وانما يحسن الاستفهام إذا اختلت بعض الشرائط اما بان يكون احدهما غير عالم باللغة وموضوعها أو مع كونهما عاملين يجوز السامع أن يكون المتكلم أراد به المجاز ولم يبينه في الحال أو غير ذلك من الامور فان عند ذلك يحسن الاستفهام وإذا خلا من ذلك لم يحسن على ما بيناه على ان الاستفهام قد يحسن في المواضع التي ليست للاشتراك الا ترى ان القائل إذا قال لقيت الامير أو ضربت ابي يحسن ان يقال القيت الامير نفسه أو بعض اسبابه وكك يقال اضربت اباك نفسه وذلك لا يدل على ان اسم الامير مشترك بينه وبين صاحبه (غيره خ ل) ولا اسم الاب مشترك بينه وبين غيره فان امتنعوا من حسن الاستفهام ههنا منعنا هناك وان قالوا ذلك ليس باستفهام وانما هو استعظام واستكبار قيل لهم وكك قول السائل لمن قال من دخل دارى اهنته وان دخلها نبى أو أبوك انما هو استعظام واستكبار وليس باستفهام ولا فرق بينهما على حال والذي يدل ايضا على ان الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته لا ما يصلح حسن الاستثناء من الاعداد لان القائل إذا قال اعط فلانا عشرة دراهم يحسن ان يستثنى منه ان يقول الا واحدا ولا يمكن ان يقال ان لفظة عشرة مشتركة بين العشرة والتسعة فان ارتكبوا ذلك وقالوا اللفظ مشترك الزموا أن يكون مشتركا بين العشرة والثمانية والسبعة والستة والخمسة والى الواحد لانه يحسن استثناء جميع ذلك من لفظ العشرة لانه يحسن بلا خلاف ان يقول اعط عشرة الا خمسة وعلى الصحيح من المذهب وان كان فيه خلاف ان يقول اعط عشرة الا تسعة واى الامرين ارتكبوا كان ذلك خلافا لما هو معلوم ضرورة من دين اهل اللغة فان قالوا وما العلة الجامعة بين الاعداد وغيرها ولم إذا ثبت في الاعداد وما قلتم يجب أن يكون حكم غيرها هذا الحكم قيل لهم انما جمعنا بينهما من حيث ان حقيقة الاستثناء كان أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلما كان هذا حقيقة الاستثناء وجب (ثبت خ ل) ذلك في كل موضع فان قالوا الوجوب الذي يثبت في الاعداد امر زايد على الصلاح وإذا كان كك عاد الامر إلى انه انما يحسن الاستثناء فيها للصلاح دون الوجوب قيل لهم الصلاح وان كان حاصلا في الاعداد فانه لا ينفصل من الوجوب فينبغي أن يكون حقيقة الاستثناء

[ 109 ]

ان يدخل على الصلاح الذي هو الواجب وكك نقول في جميع المواضع التي تقول فيها بالعموم ولا يجب أن يحكم بان هذا الحكم بمجرد الصلاه لان ذلك ليس بحاصل في الاعداد وانما كان يجوز هنا لو ثبت الصلاح بمجرده وحسن مع ذلك الاستثناء لزمنا ان نحكم بحسن ذلك الصلاح فاما ولما يثبت ذلك فلا يجوز على حال ومما يدل ايضا على ما قلناه ان القائل إذا قال من عندك مستفهما بحسن ان يجاب بذكر كل عاقل فلولا ان اللفظة مستغرقة لجميع العقلاء والا لم يحسن ذلك وانما قلنا ذلك لان من شأن الجواب مطابقا للسؤال ولا يكون مطابقا الا بأن يجيب المجيب عما يسئل عنه السائل وفي ذلك ثبوت الاستفهام عن جميع العقلاء ولاجل حسن الجواب بذكر كل واحد منهم فان قالوا لا يحسن ان يجيب بذكر كل عاقل بل ينبغى أن يستفهم ويقول من الرجال أو من النساء أو من الاشراف أو من العامة فإذا بين مراده اجابه ح قيل له المعلوم من مذهب اهل اللغة خلاف هذا لانهم يستحسنون الجواب بذكر العقلاء في الموضع الذي ذكرناه وان لم يستفهموا اصلا فمن اوقف حسن ذلك على الاستفهام كان مكابرا مدافعا للضرورات على ان هذا يوجب ان يستفهموا ابدا حتى ينتهى إلى اقل من يمكن أن يكون مرادا لانه لو قال من الرجال كان ذلك غير مستغرق في الرجال على مذهب الخصم ويحسن أن يستفهم دفعة اخرى فيقال امن اهل الاشراف أو من غيرهم أمن شيوخهم أم شبانهم أمن صناعهم أو غيرهم وكك ابدا وهذا يؤدى إلى أن لا يحسن الجواب الا بعد ذكر جميع ذلك والمعلوم ضرورة خلاف ذلك وليس لهم ان يقولوا انما حسن الجواب بجواز أن يكون مستفهما عنه لا بوجوب ذلك وذلك ان بالصلاح لا يصير الكلام مطابقا للجواب وانما يصير كك بالوجوب الا ترى انه إذا سئل السائل المفتى فقال هل يجوز وطى المرئة في حال قرؤها لم يحسن من المفتى ان يجيب عن ذلك بنعم أو لا بل يحتاج ان يستفهمه فيقول ما الذي اردت بالقرء فان اردت الحيض فلا يجوز لك وطئها وان اردت الطهر كان ذلك جائزا والعلة في فتح الجواب بما ذكرناه هو ان السؤال يمكن أن يكون عن كل واحد من المعنيين ولم يجب أن يكون سؤالا عنهما فكك لو كانت الفاظ العموم من الاستفهام جارية ذلك المجرى لوجب أن لا يحسن الجواب

[ 110 ]

بذكر احاد العقلاء وقد علمنا خلاف ذلك فان قالوا إذا ثبت ذلك في الاستفهام لم زعمتم ان حكم غير الاستفهام حكمه في المجازات وغيرها قيل له غرضنا بهذا الدليل ان يثبت ان ههنا لفظا موضوعا للاستغراق في اللغة ليبطل به مذهب من قال انه ليس كك أو قال بالاشتراك فاما ثبوتها في كل حال فنعلمه بالاجماع وهو ان كل من قال ان هذه اللفظة مستغرقة في الاستفهام قال انها كك في المجازات فمن فرق بينهما كان مخالفا للاجماع والقول في لفظة ما ومتى واين واى إذا وقعت للمجازاة أو الاستفهام حكم ما ذكرناه في من على السواء فاما إذا وقعت من وما معرفة فلا يدل على الاستغراق بل تكون مصروفة إلى ذلك المعروف بعينه ولاجل هذا يحتاجون إلى صلة كصلة الذي لما كانت الذي معرفة وذلك نحو قول القائل ضربت من عندك أو اكلت ما أكلت وما يجرى مجرى ذلك ولا يتم فائدتهما الا بالصلة على ما بيناه ويدل ايضا على صحة ما ذهبنا إليه ان اهل اللغة عدوا العموم من اقسام الكلام وكك الخصوص وفرقوا بينهما وقالوا هذا الكلام خرج مخرج العموم وهذا الكلام خرج مخرج الخصوص فدل ذلك على ان فائدتهما تختلف وعلى مذهب الخصم كلاهما سواء فينبغي أن نحكم ببطلان ذلك وجرى مجرى فصلهم بين صيغة الامر والنهى والخبر وغير ذلك من اقسام الكلام فكما ان لكل شئ من ذلك صيغة موضوعة ينبغى أن يكون حكم العموم مثله سواء وان نازعوا في جميع ذلك فقد دللنا على ثبوته فيما تقدم فلا فائدة في اعادته واستدل كثير من الفقهاء والمتكلمين على ذلك بان قالوا قد ثبت ان العموم معقول والحاجة إلى استعماله ماسة فلابد أن يكونوا وضعوا لذلك عبارة يلتجئون إليها عند الحاجة إلى ذلك كما انهم وضعوا لسائر اقسام الكلام وقد قلنا ما عندنا في هذه الطريقة واستدلوا ايضا بان قالوا لا يخلو لقطة من أن يكون موضوعة لغير العقلاء أو لبعض العقلاء أو لكل واحد منهم على البدل أو لجميعهم على جهة الاستغراق قالوا ولا يجوز أن تكون موضوعة لغير العقلاء لان ذلك معلوم خلافه وهو متفق عليه ايضا ولا ان تكون موضوعة لبعضهم لانه ليس بعضهم بان يتناوله أولى من بعض ولا أن تكون موضوعة لواحد لا بعينه لمثل ما قلناه ولانه لو كان كك يجرى مجرى اسماء النكرات وقد علمنا خلاف ذلك

[ 111 ]

وايضا فلو كان لواحد لا بعينه لكان المسائل إذا استفهم فقال من عندك لم يحسن ان يجاب بذكر نفسين أو ما زاد عليهما لان السؤال وقع عن واحد وقد علمنا خلاف فلم يبق بعد ذلك الا انها مستغرقة لجميع العقلاء واستدلوا ايضا على ذلك بأن قالوا وجدنا العموم قد اكد بلفظ لا يؤكد به الخصوص الا ترى انهم يقولون رأيت القوم اجمعين ورأيت زيدا نفسه ولا يحسن ان يقول القائل رأيت القوم نفسه ولا رأيت زيدا اجمعين فلما ثبت هذا دل على معناهما يختلف ولا يختلفان الا بأن يكون احدهما عاما والاخر يكون خاصا ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بأن يقال انما لم يحسن ان يقال رأيت زيدا اجمعين لان زيدا يختص شخصا واحدا فلا يجوز ان يؤكد بما يختص الجماعة وان كانت غير مستغرقة وكك انما لم يحسن ان يقال رأيت القوم نفسه لان القوم يفيد جماعة وان لم يفيد جميعهم فلا يجوز أن يؤكد بما يؤكد به شخص واحد وربما رتبوا دليل الاستفهام على وجه اخر فقالوا قد علمنا انهم لما استطالوا ان يستفهموا عن العقلاء بذكر اسمائهم فيقولوا ازيد عندك اعمرو عندك اخالد عندك وضعوا لفظة من نائبة عن تعداد الاسماء لما شق عليهم ذلك فيجب ان تكون مستغرقة لجميعهم كما انهم لو عدوا ذكر جميعهم على التفصيل لو امكن لكان ذلك شاملا لهم ورتبوا مثل هذا في المجازاة وقالوا استطالوا ان يقولوا ان دخل زيد وعمرو وخالد وبكر دارى اكرمتهم وضعوا لفظ من عوضا عنه فقالوا من دخل دارى اكرمته فينبغي أن تكون مستغرقة وهذه طريقة قريبة غير انه يمكن أن يقال عليها لا نم انهم وضعوا بهذه اللفظة بدلا عن تعداد جميع الاسماء بل لا يمتنع أن يكونوا وضعوها لجماعة لا باعيانهم فان قلنا جوابا عن ذلك لو كان كك لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد من العقلاء كان ذلك رجوعا إلى الطريقة الاولى التى قدمناها وقالوا ايضا لما كان الاستفهام بلفظ الخاص يختص شخصا بعينه ولا يتعدى إلى غيره فينبغي أن يكون الاستفهام بلفظ العموم بالعكس من ذلك وهو ان يتعدى إلى غيره وليس بأن يتعدى إلى قوم اولى من أن يتعدى إلى اخرين فيجب أن يتعدى إلى جميعهم وهذا ايضا مثل الاول لانه يمكن اولا ان يقال ان هذا قياس والقياس في اللغة لا يجوز والثاني

[ 112 ]

ان يقال غاية ما في هذا ان يجب ان يتعدى إلى اكثر من لفظ الخاص ولا يجب من ذلك تعدية إلى جميعهم فان قلنا لو لم يجب لم يحسن ان يجاب بذكر كل واحد منهم كان رجوعا إلى الدليل الذي قدمناه وان قلنا ليس بعضهم بذلك اولى من بعض كان ذلك رجوعا إلى دليل التقسيم الذي قدمناه وقد استدل المخالف على صحة مذهبه بأن قال وجدت (وجرت خ ل) هذه الالفاظ تستعمل في الخصوص كما تستعمل في العموم بل استعمالها في الخصوص اكثر لانه ليس في جميع الفاظ القران لفظة تفيد الاستغراق الا قوله والله بكل شئ عليم فوجب أن تكون اللفظة مشتركة فيهما قيل له قد بينا ان مجرد الاستعمال لا يدل على الاشتراك لان المجاز مستعمل كما ان الحقيقة مستعملة فلا يمكن ان يستدل بالاستعمال على واحد من الامرين ويحتاج في اثبات احدهما إلى الرجوع إلى امر اخر واما قولهم انهم لا يجدوا في الفاظ القران لفظة تفيد الاستغراق الا لفظة واحدة فليس إذا قل استعمال الحقيقة فيما هو حقيقة فيه وكثر استعماله في المجاز دل على انه ليس بحقيقة فيه الا ترى انه لم تجد (تجر خ ل) عادتهم في استعمال لفظة الدابة في كل ما دب بل صار بالعرف لا يستعمل الا في دابة بعينها ولا يدل ذلك على انهم لم يضعوا هذه اللفظة في الاصل لكل ما يدب فعلم بذلك ان قلة الاستعمال لا يدل على ان اللفظة ليس بحقيقة وعندنا ان الحكيم تعالى إذا استعمل هذه اللفظة فيما دون الاستغراق فلابد من أن يدل عليه دالا لم يحسن منه ذلك واستدلوا ايضا بحسن الاستفهام عن هذه الالفاظ قالوا انها مشتركة والا لم يحسن وقد قلنا اما عندنا في ذلك فيما مضى فاغنى عن الاعادة واستدلوا ايضا بان قالوا لو كان ذلك مفيدا للاستغراق لما حسن أن يؤكد لان المؤكد قد انبأ عن المراد فتأكيده عبث والجواب عن ذلك انا قد بينا ان التأكيد دليل لمن قال بالاستغراق ولو لزم هذا (بهذا خ ل) الاعتبار أن لا يكون اللفظ موضوعا للاستغراق لوجب في الفاظ الخصوص والفاظ الاعداد مثله لانا كما (كذا خ ل) وجدناهم يؤكدون الفاظ الخصوص و الفاظ الاعداد كما يؤكدون الفاظ العموم فأي شئ اجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه واستدلوا ايضا بان قالوا لو كانت هذه الالفاظ تفيد الاستغراق لما حسن الاستثناء منها وكانت تكون نقصا لان هذه اللفظة تجرى عندكم مجرى تعداد الاسماء فكما لا يجوز

[ 113 ]

ان يعد الاسماء ثم يستثنى منها فكك لفظ العموم لو كان جاريا مجرى ذلك لما حسن الاستثناء منه والجواب عن ذلك ان يقال الاستثناء انما يحسن إذا قصد المتكلم بالخطاب بعض العموم فيحتاج ان يبين من لم يعنه بالخطاب وانما كان يكون نقضا لو قصد به الاستغراق ثم استثنى منها ونحن لا نقول ذلك وليس كك تعداد الاسماء لانه إذا عددها فقد قصدها كلها فلا يجوز بعد ذلك ان يستثنى منها لانه يؤدي إلى نفى ما اثبته بعينه وذلك لا يجوز على حال وليس كك لفظ العموم لانه يجوز ان يستعمل في بعض ما وضع له على ضرب من المجاز إذا بين معه المراد بذلك وفي ذلك سقوط هذا السؤال فاما من فرق بين الاوامر والاخبار فقوله يبطل بما دللنا عليها من ان هذه الالفاظ تفيد الاستغراق في الاخبار كافادتها في الاوامر وإذا ثبت ذلك فمتى ورد خطاب من الله تعالى وجب حمله على عمومه سواء كان امرا أو خبرا الا ان يدل دليل على ان المراد به التخصيص فتحمل عليه ولاجل هذا قلنا ان ما اخبر الله تعالى به من عقاب العصاة المراد به بعضهم لا جميعهم لما دل الدليل عندنا على ذلك فلا يبين ظان ان في القول بالعموم تركا لهذا المذهب وتصحيحا لمذهب الخصم لان الخصم يدفع ان يكون ههنا دليل يدل على تخصيص ايات الوعيد ونحن نثبته وإذا ثبت ما ندعيه بطل مذهب الخصم في ذلك فاما من فرق بين الامر والخبر بان قال ان الامر تكليف والخبر ليس كك فلا يمتنع أن لا يكون مفيدا للاستغراق وان لم يعلمه فقد اخطأ وذلك انه لا فرق بينهما في تعلق تعليق التكليف بهما لان الامر يوجب علينا فعل ما تناوله والخبر يوجب علينا اعتقاد ما تضمنه فلابد من أن يكون مفيدا للاستغراق ان كان مطلقا وان كان المراد به الخصوص فلابد من ان يقترن به البيان والا ادى ذلك إلى اباحة الجهل والاعتقاد الذي لا نامن (يؤمن خ ل) كونه جهلا وكل ذلك منفى عن القديم تعالى وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر الفاظ الجمع والجنس وغير ذلك ذهب اكثر من قال بالعموم إلى ان اسم الجنس إذا دخله الالف واللام اقتضى استغراق الجنس وذلك مثل قوله تعالى والعصر ان الانسان لفى خسر وكك قالوا في الفاظ الجموع والاسماء المشتقة نحو قولهم رأيت الرجال وقوله اقتلوا المشركين وان الفجار لفي جحيم

[ 114 ]

ويقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا هذا إذا لم يكن هناك ما يدل على انهما دخلا على العهد فان دل دليل على ذلك حمل اللفظ عليه قال ابو على مثل ذلك في اسم الجنس واسماء الجموع وامتنع من القول به في الاسماء المشتقة وقال ابو هاشم خاصة لا يدل في هذه المواضع كلها على الاستغراق بل يدل الالف واللام اما على العهد أو على تعريف الجنس فاما الاستغراق فلا يدل على ذلك الا ان يقترن به دليل يدل عليه نحو قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما وقوله ان الفجار لفي جحيم وقوله اقتلوا المشركين ان جميع هذه المواضع المراد به الاستغراق لان الكلام خرج مخرج الزجر والزجر حاصل في الجميع كما هو حاصل في كل واحد منهم فلاجل ذلك حملته على الجميع وفي الناس من قال ان الذي ادعاه أبو هاشم من تعريف الجنس غير معقول اصلا ولا يفهم من الالف واللام الا الاستغراق أو العهد فهذا جملة الخلاف بين من قال بالعموم في هذه الالفاظ فاما من قال بالخصوص أو بالوقف فقولهم في هذه الالفاظ مثل قولهم فيما مضى على السواء والذي اذهب إليه هو الاول والذي يدل على ذلك حسن الاستثناء في جميع هذه الالفاظ الا ترى انه يحسن ان يقال ان الانسان لفى خسرا الا زيدا وعمروا فيستثنى كل واحد من الناس من اللفظ الاول وكك إذا قال رأيت الرجال يحسن ان يستثنى كل واحد منهم وكك يحسن الاستثناء من قوله اقتلوا المشركين وقوله ان الفجار لفى جحيم ومن قوله ويقول الكافر وما جرى مجرى ذلك من الالفاظ وقد بينا في الباب الاول ان من حق الاستثناء ان يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته وفي ذلك اقتضاء هذه الالفاظ الاستغراق فان دفعوا حسن الاستثناء في هذه المواضع دفعهم اصحاب الخصوص والوقف عن دخوله فيما مضى من الالفاظ فان قالوا يحسن دخوله ولا يدل على الاستغراق قال لهم اصحاب الخصوص والوقف مثل ذلك في من وما وإذا كان الكلام مع اصحاب الخصوص والوقف يكون (فيكون خ ل) الكلام على ما رتبناه في من وما على حد سواء فاما الذي اختاره أبو هاشم من انهما يقتضيان تعريف الجنس فلسنا نمنع من ان ذلك قد يراد في بعض الاحوال كما لا يمنع من ان يراد بهما المعهود على بعض الاحوال ولا يدل ذلك على انه يجب حملهما عليه ابدا

[ 115 ]

كما لا يجب ذلك في حمله على العهد ابدا فاما من دفع ابا هاشم عن ذلك وقال ان ذلك غير معقول فباطل لانا نحن نعلم ان القائل إذا قال اكلت اللحم ولبست الجباب أو الثياب أو جاء وقت لبس الجباب لا يريد بذلك اكله لحما بعينه ولا انه اكل جميع اللحوم وانما اراد تعريف هذا الجنس بعينه وكك لا يريد بذلك اكله لحما بعينه وكك لا يريد لبس جميع الجبات ولا جبابا باعيانها وانما يريد تعريف هذا الجنس والكلام في ذلك بين فمن دفعه كان دافعا لما هو معلوم ويدل ايضا على ذلك ان اهل اللغة نصوا فقالوا الفاظ الاجناس تدل على القليل والكثير ولاجل ذلك قالوا ان لفظ الجنس لا يجوز ان يجمع لانه بنفسه يدل على القليل والكثير فجمعه عبث وانما يحسن جمعه إذا اختلفت الاجناس ولا يدل بعضها على بعض فح يستفاد بالجمع اجناس مختلفة فاما في الجنس الواحد فلا يحسن على حال ولا يجب من حيث ان الالف واللام يدخلان للعهد أو لتعريف الجنس على ما ذهب إليه أبو هاشم ان لا يفيد الاستغراق كما لا يجب ذلك في من وما لانهما قد يستعملان في المعهود ولا يدل ذلك على انهما لا يستعملان في الاستغراق على حال واستدل أبو علي على ان لفظ الجمع يقتضى الاستغراق إذا لم يدل دليل على انه اراد البعض بأن قال انه قد ثبت انه حقيقة في الاستغراق كما انه حقيقة في اقل الجمع وإذا كان كك ولا يكون هناك دلالة وجب حمله على الاستغراق وقال ايضا إذا كان الكلام صادرا من حكيم فلو اراد اقل الجمع لبينه فلما لم يبين دل على انه اراد الاستغراق واعترض على ذلك ابو هاشم واصحاب الخصوص والوقف بان قالوا إذا كان ذلك حقيقة في اقل الجمع كما هو حقيقة في الاستغراق وجب حمله على الاقل لانه مقطوع به و الاستغراق لابد من دلالة عليه فوجب أن لا يكون مرادا وقالوا إذا كان الكلام صادرا من الحكيم ولا يدل على انه اراد الاستغراق دل على انه اراد اقل الجمع وتعارض القولان ووقف الدليل والمعتمد عندي هو الاول واستدل أبو هاشم على ان لفظ الجمع لا يفيد الاستغراق بان قال لو اقتضى ذلك لا اقتضاه (اقتضى خ ل) اكثر الاعداد وذلك يوجب أن يكون مقتضيا لما لا يتناهى أو أن يكون حقيقة في كل عدد يوجد من الجموع (المجموع خ ل) وكل ذلك فاسد والكلام

[ 116 ]

على ذلك ان يقال اكثر ما في هذا ان يقتضى انه لا يجوز ان يفيد ما لا يتناهى لان ذلك محال ولا يدل على انه لا يفيد استغراق ما يمكن ولو لزم هذا ههنا للزمه في من وما بأن يقال لو افاد الاستغراق لتعلق بما لا يتناهى وذلك باطل ولا جواب عن ذلك الا ما قلناه من انه ينبغى أن يحمل على الاستغراق فيما يمكن فاما ما هو محال فكيف يحمل عليه واما استدلاله على انه حقيقة في الثلثة من حيث كان اقل الجمع فصحيح لا ينازع فيه وليس ذلك بمانع عند من خالفه من ان يفيد الاستغراق ايضا حقيقة وانما يحمل على احد الحقيقين لضرب من الاعتبار واعلم ان الذي اعتبرناه من دليل الاستثناء في الفاظ الجموع انما يدل على انها تفيد الاستغراق حقيقة ردا على اصحاب الخصوص ولا يمكننا ان نقول انها لا تتناول اقل الجمع ايضا حقيقة لان ذلك يكون مكابرة فإذا ثبت كونها حقيقة في الامرين و صدر الكلام من حكيم ولم يقرن به ما يدل على انه اراد به اقل الجمع وجب حمله على انه اراد الكل وليس لهم ان يقولوا اجعلوا فقد دلاله الاستغراق دلالة على انه اراد اقل الجمع كما جعلتم فقد دلالة الاقل دلالة على انه اراد الاستغراق ويتعارض القولان وذلك ان هذا انما يمكن ان يقال في الفاظ الجموع الخالية من الالف واللام فاما إذا كانت فيهما (فيها خ ل) الالف واللام فلا يفيدان الا استغراق لانه لو أراد اقل الجمع لم يكن لادخالهما في الكلام فائدة وكان اللفظ مع عدمهما يفيد اقل الجمع كما يفيد اكثر الجمع فإذا لابد من حمله على الاستغراق والا كان ذلك لغوا فان عادوا إلى ان يقولوا ان ذلك يفيد العهد أو تعريف الجنس قلنا نحن انما نتكلم في الموضع الذي لا نعلم انه اريد بهما العهد أو تعريف الجنس فاما إذا علمنا انه اراد العهد أو تعريف الجنس وجب حمله عليه وذلك لا ينافى ما قلناه وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان اقل الجمع ما هو ذهب المتكلمون واكثر الفقهاء إلى ان اقل الجمع ثلثة وقال من شذ منهم ان اقل الجمع اثنان والصحيح هو الاول والذي يدل على ذلك ان اهل اللغة فرقوا بين التثنية والجمع وخصوا كل واحد منهما بامر لا يشركه فيه الاخر فقالوا التثنية تكون بالالف والنون والياء والجمع يكون بالواو والالف والياء كما فرقوا بين الواحد والاثنين فان جاز أن يدعى في التثنية انهما جمع جاز ان يدعى

[ 117 ]

في الواحد انه تثنية أو جمع وقد علمنا خلاف ذلك ويدل على ذلك ايضا انهم يقولون للاثنين فعلا إذا امروهما وللجماعة افعلوا وثينون بالالف ويجمعون بالواو وعلى مذهب الخصم كان يجب أن لا يكون بينهما فرق ويدل ايضا على ذلك انهم يفسرون بلفظ الجمع عدد الثلثة فيقولون ثلثة رجال ولا يفسرون به الاثنين بل يقولون رجلان فعلم بجميع ذلك الفرق بينهما وايضا فان السامع إذا سمع المتكلم يقول رأيت رجالا لا يفهم من ذلك ولا يسبق إلى قلبه الا ثلثة ولا يسبق إلى قلبه اثنان اصلا فعلم ان الحقيقة ما قلناه فاما من خالف في ذلك فانه يستدل باشياء منها ان الجمع مأخوذ من ضم شئ إلى شئ وذلك موجود في الاثنين فينبغي أن يكون جمعا والجواب عن ذلك انا لا ننكر ان يكون اصل الاشتقاق ما ذكروه لكن صار بعرف اللغة ومواضعتهم مخصوصا ببعض ذلك وهو إذا كانوا ثلثة منضمين فهو جمع وجرى ذلك مجرى قولهم دابة في انه موضوع في اصل اللغة لكل ما يدب ثم صار بعرف اللغة مخصوصا لدابة بعينها فكك لفظ الجمع على انه انما (انا) نريد بقولنا اقل الجمع ثلثة ان احكام الثلثة لا تجرى على الاثنين واحكام الاثنين لا تجرى على الثلثة على ما بيناه فان سلموا ذلك وقالوا مع ذلك الاثنان من حيث الاشتقاق كان ذلك خلافا في عبارة لا يعتد بمثله واستدلوا ايضا بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال الاثنان فما فوقهما جماعة فسماهما جماعة والجواب عن ذلك ان قوله (ع) ينبغى ان يحمل على الاحكام لانها المستفادة من جهته (ع) ولا يحمل على الاسماء لانها مستفادة معلومة باللغة وقد قيل في معناه شيئان احدهما انه كان نهى عن خروج الرجل وحده في السفر ثم اباح ذلك في الاثنين فخرج عند ذلك ان حكم الاثنين في جواز السفر حكم الثلثة وما زاد على ذلك والوجه الاخر انه اراد بذلك فضيلة الجماعة في الصلوة لان حكم الاثنين في انعقاد الجماعة بهما وحصول الفضل لهما حكم الثلثة وما زاد على ذلك فينبغي أن يحمل الخبر عليهما و منها قوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين وعنى بذلك داود (ع) وسليمان وهما اثنان ومنها قوله تعالى إذ دخلوا على داود وانما اراد به الخصمين والجواب عن ذلك من وجهين احدهما ان ذلك مجاز وكلامنا في الحقيقة وجرى ذلك مجرى قولنا انا نحن نزلنا الذكر وانا

[ 118 ]

له لحافظون ونحو قوله وكنا لحكمهم شاهدين ولا خلاف ان لفظ الجماعة في الواحد مجاز فلو لزم ما قالوه للزم أن يكون ذلك حقيقة في الواحد وللزم في قوله وهل اتيك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب لان لفظ الخصم لفظ الواحد ومع ذلك قد اخبر عنه بلفظ الجمع وذلك مجاز بلا خلاف والوجه الثاني ان قوله وكنا لحكمهم شاهدين اراد به داود وسليمان والمحكوم عليه والخصم وهم جماعة فلاجل ذلك اخبر عنهم بلفظ الجمع وكك قالوا في قوله تعالى خصمان بغى بعضنا على بعض انه اراد به جنس الخصمين لان لفظة خصم لفظ المصدر ويقع (ويطلق) على الواحد والجماعة والذكر والانثى على حد واحد لانهم يقولون رجل خصم وامرأة خصم و نساء خصم كل ذلك بلفظ واحد وإذا ثبت ذلك كان قوله خصمان لا يختص بالاثنين دون (من) ما زاد عليهما فلاجل ذلك اخبر عنهما بلفظ الجماعة وقووا ذلك بان قالوا قال في اول الاية وهل اتيك نبؤ الخصم إذا تسوروا المحراب فاخبر عن الخصم بكناية الجماعة فعلم بذلك انه اراد الجنس دون الواحد وعلى الوجهين جميعا سقط التعلق بالايات فصل في معنى قولنا ان العموم مخصوص وان الله تعالى يجوز أن يريد بالعام الخاص معنى قولنا العموم مخصوص هو انه استعمل في بعض ما وضع له دون بعض وذلك مجاز لان حقيقة المجاز ثابتة فيه وشبه ذلك بالمخصوص الذي وضع في الاصل للمخصوص وإذا استعمل في بعض ما وضع له في الاصل لا يصير حقيقة فيه لانا قد دللنا على ان للعموم صيغة وان حقيقتها الاستغراق فمتى استعمل في غير ذلك ينبغى أن يكون مجازا لان حقيقة المجاز هو أن يستعمل اللفظة في غير ما وضعت له وهذا موجود في العموم إذا اريد به الخصوص فينبغي أن يكون مجازا ولهذا لا يقولون لمن خاطب واراد به بعض ما تناوله انه مخاطب بالخصوص ولا انه خص الخطاب كما يقولون ذلك في الالفاظ الخاصة فعلم ان ذلك مجاز فاما إذا قيل فلان خص العموم فالمراد بذلك انه علم من حالة المخصوص بدليل دله على ذلك ويقال فيمن اعتقد ذلك ايضا فيه وان لم يكن اعتقاده علما وقد استعمل كثير من الفقهاء لفظ التخصيص فيما ليس بعام إذا علم بالدليل انه عام مثل الافعال وغيرها ونحن نبين ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى ويفارق قولنا ان العام مخصوص (امر افعال النبي صلى الله عليه وآله) لقولنا ان الخطاب منسوخ في

[ 119 ]

الحكم والحد جميعا وقد ظن بعضهم انهما سواء وذلك خطأ من وجوه لان حد التخصيص ما دل ان المراد باللفظ بعض ما يتناوله دون بعض وحد النسخ ما دل على ان مثل الحكم الثابت بالخطاب زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالخطاب الاول مع تراخيه عنه فحدهما مختلف على ما ترى ولان التخصيص يؤذن بان المراد بالعموم عند الخطاب ما عداه والنسخ يحقق ان كل ما تناوله اللفظ كان مرادا في حال الخطاب وان كان غير مراد في ما عداه وايضا فان من حق التخصيص لا يصح الا فيما تناوله اللفظ والنسخ قد تصح فيما علم بالدليل انه مراد منه وان لم يتناوله اللفظ وايضا فان النسخ يدخل في النص على عين واحدة والتخصيص لا يدخل فيه وايضا فالنسخ في الشرع لا يقع باشياء يقع التخصيص بها نحو ادلة العقل والادلة المتصلة بالخطاب من الاستثناء وغيرها من اخبار الاحاد والقياس والادلة المستنبطة عند من اجاز التخصيص بها والتخصيص قد لا يقع ببعض ما يقع به النسخ فعلم بجميع ذلك ما مفارقة التخصيص النسخ ولا يجب من حيث شارك التخصيص النسخ في بعض الاحكام ان يكونا بمعنى واحد كما ان مشاركة بيان المجمل للتخصيص في بعض الاحكام لا يدل على ان معناهما واحد وكون النسخ في المعنى تخصيصا من حيث انه تخصيص للاوقات لا يوجب انه تخصيص لانه اخص منه والتخصيص اعم وكل ذلك يوجب افتراقهما في الحد والحكم فإذا ثبت ذلك فالقديم تعالى يجوز أن يريد بالعام الخاص لان اهل اللغة إذا كانوا استجازوا ذلك وتعارفوه وجرت عادتهم باستعماله وكان القديم تعالى متكلما بلغتهم وجب أن يجوز أن يتكلم بذلك ويريد به الخصوص كما انه يجوز أن يتكلم بالمجاز والحقيقة والاطالة تارة والايجاز اخرى ويؤكد كلامه تارة ولا يؤكد اخرى لما كان ذلك من عادة أهل اللغة وكان تعالى متكلما بلغتهم فينبغي أن يتكلم على طريقتهم الا انه متى تكلم بلفظ العام واراد به الخاص فلابد من أن يدل عليه ويقولون به ما يدل على تخصيصه والا كان موجبا لاعتقاد الجهل كما انه إذا اراد بالحقيقة المجاز فلابد من أن يدل عليه وايضا فإذا جاز أن يتكلم بالعام ويستثنى منه جاز أن يدل عليه دليلا غير الاستثناء يعلم به انه اراد الخصوص لان الاستثناء دليل التخصيص كما ان غيره من الادلة كك ويدل على جواز ذلك ايضا ان الله تعالى تكلم في مواضع بلفظ العام

[ 120 ]

وقد علمنا انه الخصوص فلولا ان ذلك كان حسنا والا لم يحسن منه ذلك وليس لاحد أن يقول كما لا يحسن منه الاخبار الا على القطع والامر الا على الشروط في بعض الوجوه وحسن ذلك فينا فكك لا يمتنع استعمال العام في الخاص فينا وان لم يحسن فيه تعالى وذلك ان هذا اولا باطل بما قلناه من وجودنا مواضع كثيرة من القران ظاهرها العموم وقد علمنا انه اراد بها الخصوص بل اكثر القران كك ثم انه انما حسن منا الاخبار والاوامر بالشروط لما لم يكن لنا طريق إلى العلم بما يمنع من الشروط ولم يحسن ذلك في القديم تعالى العالم بالعواقب ولذلك لا يحسن منا ان يخبر عما يعلمه بشرط لما كان العلم حاصلا لنا وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان العموم إذ خص كان مجازا وما به يعلم ذلك وحصر ادلته ذهب كثير من اصحاب الشافعي واصحاب ابي حنيفة إلى ان العموم مع الدليل الذي خص به حقيقة فيما عدا ما خص منه سواء كان ذلك الدليل لفظا متصلا أو منفصلا أو غير اللفظ وذهب أبو عبد الله البصري إلى أنه ان كان ذلك الدليل لفظا متصلا من استثناء وغيره كان حقيقة فاما إذا لم يكن متصلا فانه يصير مجازا وذهب أبو علي وأبو هاشم ومن تبعهما واكثر المتكلمين وباقى الفقهاء إلى أنه يصير مجازا بأى دليل خص وهو الصحيح والذي يدل على ذلك انا قد بينا في هذا الكتاب ان حقيقة المجاز ان يستعمل اللفظ في غير ما وضع له فإذا ثبت ذلك وقد دللنا على ان للعموم صفة مختصة تفيد الاستغراق فينبغي إذا استعملت فيما دون الاستغراق أن يكون مجازا لثبوت الحقيقة فيه وهذا يبين أنه يصير مجازا بأى دليل خص سواء كان لفظا متصلا أو منفصلا أو غير لفظ وليس لاحد أن يقول ان العموم إذا خص فلم يتناول غير ما كان يتناوله بل ما يتناوله في حال الاستغراق فكيف يكون مجازا وذلك انا لم نقل انه يصير مجازا لتناوله ما تناوله وانما صار مجازا لانه لم تتناول ما زاد عليه من الاستغراق فصار في ذلك كانه استعمل في غير ما وضع له فان قيل ليس الكلام إذا انهم بعضه إلى بعض تغير معناه ولا يكون ذلك مجازا وذلك بنحو الخبر إذا انضم إلى المبتداء والحروف الداخلة على الجمل من حرف شرط أو استفهام أو نفى أو تمنى وما اشبه ذلك فقولوا في العموم ايضا مثل ذلك إذا خص انه لا يصير مجازا بما قارنه من الدليل الذي اقتضى تخصيصه

[ 121 ]

قيل لهم اول ما في هذا ان الشبهة توجب أن لا يكون في الكلام مجاز اصلا لانه يق ان اللفظ وما دل على انه مجاز كلاهما حقيقة فيما اريد به وهذا إذا صح البطلان ثم ان هذه الامثلة انما يمكن أن تكون شبهة لمن قال إذا خص بدليل لفظي متصل لا يصير مجازا فاما إذا خص بدليل غير مقترن باللفظ أو بدليل منفصل وان كان لفظيا فلا يكون ذلك نظيرا لهذه الامثلة ونحن نجيب عن جميع ذلك ونفصل بينه وبين العموم واما ما ذكروه من الخبر إذا انضاف إلى المبتداء فانما كان كك لان المبتداء بانفراده لا يفيد شيئا بل احتاج في الفايدة إلى الخبر الذي تكمل الفائدة به وجرى ذلك مجرى بعض الاسم في انه لا يفيد حتى يتكامل جميع حروفه ولا يق ان انضمام بعض الحروف إلى بعض لتكامل الفائدة مجاز وقيل تكاملها يكون حقيقة لان ذلك كله فاسد لان الفائدة انما يتم عند اخر حرف منها فكذلك القول في المبتداء والخبر وليس كك القول في العموم لان لفظ العموم مستقل بنفسه ويفيد فائدته الذي وضع له ولا يحتاج إلى امر اخر وانما دخل عليه ما اقتضى استعماله في غير ما وضع له ينبغى ان يحكم بكونه مجازا فاما الحروف الداخلة على الجمل فانما تحدث فيها معنى من المعاني فتغير معناها ان كانت خبرية ودخل عليها حرف الاستفهام احدث فيها معنى الاستخبار وكك لفظ المتمنى وحروف الشرط وغيره لم يغير هذه الحروف احكام الجملة من الزيادة إلى نقصان أو نقل إلى غير ما وضع له فلا ينبغى أن يكون مجازا وليس كك الفاظ العموم لانها بعد التخصيص لا يفيد ما كانت تفيده قبل التخصيص فينبغي ان يكون مجازا على ان هذا يوجب الا يكون قول القائل رأيت سبعا ثم قال عقيب ذلك انى اردت رجلا شجاعا أو قال رأيت حمارا أو حائطا ثم قال اردت بليدا مجازا لانه قد وصل بالكلام لفظا دل به على مراده وجرى ذلك مجرى الحروف الداخلة على الجمل حسب ما سئلنا (ما استثنا خ ل) في العموم سواء وهذا لا تقوله احد وإذا لم يلزم ذلك فكك ما يلزم في العموم إذا خص بدليل متصل به أو منفصل إذا كان لفظيا فان تعاطوا الفرق بين ذلك فكل شئ أوردوه في ذلك امكننا ان نورد امثلة فيما سئلنا عنه فاما ما به يصير العام خاصا فهو قصد المخاطب لان اللفظ إذا كان موضوعا للاستغراق فإذا أراد استعماله فيها وضع له يحتاج أن يقصد إلى ذلك وكك إذا أراد أن يستعمله في بعض ما وضع له يحتاج أن يقصد إلى ذلك وجرى ذلك مجرى اللفظ

[ 122 ]

الموضوع للامر في انه يحتاج أن يقصد به ما وضع من استدعاء الفعل فإذا أراد استعماله في التهديد أو النهي يحتاج إلى القصد إلى ذلك فإذا ثبت هذا الجملة فالتخصيص في الحقيقة يقع بالقصد لا بالادلة الدالة على ذلك من الكتاب أو السنة أو الفعل لان هذه الادلة للكشف عن غرض المتكلم بالخطاب وهل قصد العموم أو الخصوص وليست موجبة لذلك وان قلنا ذلك لان التخصيص مضاف إلى المتكلم فيقال انه مخصص بخطابه فينبغي أن يكون وقع ذلك بشئ من فعله ولا يقع بالدليل الذي ربما كان من فعل غيره وجرى ذلك مجرى قصده إلى استعمال اللفظ فيما ان وضع له في ان القصد يفيد تعلقه فيما وضع له أو غير ما وضع له في المجاز دون الدليل الدال على ذلك وعلى هذا سقط قول من قال ان من شأن التخصيص الا يقع الا بامر متصل بالخطاب مجاز وله ولا يجوز أن يقع بالادلة المنفصلة لان على هذا التحرير الذي قلنا ان التخصيص يقع بالقصد قد اجبنا إلى ما قاله والقصد مقترن بالخطاب غير منفصل منه فاما الادلة الدلالة على ذلك فلا يجب ذلك فيها لانها قد يكون متصلة به وقد تكون متقدمة عليه الا ترى ان ادلة العقل يخص بها الخطاب العام على بعض الوجوه ومع هذا فهى متقدمة لحال الخطاب وليست الادلة الدالة على التخصيص تجرى مجرى نفس التخصيص وقد يقال في الادلة انها هي المخصصة وذلك تجوز والحقيقة ما قلناه وانما يسوغ لهم ذلك من حيث يوصل بها إلى العلم بالخصوص فاطلق عليها انها المخصصة وذلك مجاز على ما بينا فاما الادلة الدالة التي يعلم بها التخصيص فعلى ضربين أحدهما ما يتصل بالخطاب من الكلام والاخر ما ينفصل منه من الادلة وما يتصل بالخطاب ينقسم اقساما منها الاستثناء وله حكم نفرد له بابا ومنها الشرط وله ايضا احكام سنبينه ومنها تقييد الخطاب بالصفات ولذلك ايضا باب مفرد نذكره وما يتصل من الادلة فعلى ضربين احدهما دليل توجب العلم من دليل العقل أو الكتاب أو السنة أو الاجماع وهذه الادلة كلها لا خلاف بين اهل العلم في جواز تخصيص العموم بها وانما قالوا ذلك لانه لا يجوز القول بتكافى الادلة وإذا كان العام دليلا على الاستغراق وما دل على الخصوص دل على تخصيصه فلابد من تخصيص العام به والا ادى إلى اسقاط احد

[ 123 ]

الدليلين وابطاله أو ابطالهما معا والعدول إلى الاخر وكل ذلك فاسد والضرب الاخر وهو الذي لا يوجب العلم وهو على ضربين خبر واحد وقياس فاما الخبر الواحد فنذكر ما عندنا في ذلك في باب مفرد واما القياس فلا يجوز العمل به اصلا لا في تخصيص العام ولا غيره من الاحكام ونحن ندل على ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى ومن خالفنا من الفقهاء الذين اوجبوا العمل بالخبر الواحد و القياس اختلفوا في جواز تخصيص العموم به وسنذكر اختلافهم من ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى وهذه جملة كافية شافية في هذا الباب فصل في ذكر جملة من احكام الاستثناء ذهب المتكلمون باجمعهم والفقهاء المحصلون إلى ان من شرط الاستثناء أن يكون متصلا بالكلام ولا يجوز انفصاله عنه وحكى عن ابن عباس انه كان يذهب إلى انه كون ما خبره عن حال الخطاب وذلك مستبعد من قوله والذي يدل على صحة ما قلناه اولا ان اهل اللغة لا يعدون ما انفصل عن الكلام استثناء كما لا يعدون ما تقدم كك فلو جاز لاحد أن يخالف في المتأخر فيسميه استثناء جاز لغيره أن يخالف في المتقدم فيسميه استثناء ويدل ايضا على ذلك ان الاستثناء متى انفصل عن حال الخطاب لا يفيد اصلا فكيف يجوز أن يكون استثناء من الكلام المتقدم فان قالوا الاستثناء متأخر ولا يستقل بنفسه فلا يفيد فانه يجوز أن يقرن به من الكلام ما يدل على انه متعلق بالكلام الاول فيفيد ويتعلق به قيل له إذا كان لا يفيد بنفسه وانما يتعلق بالكلام الاول بلفظ يقترن به فقد صار المخصص للكلام الاول اللفظ الذي اقترن بالاستثناء وإذا كان كك فلا معنى للاستثناء وكان استعماله لغوا وليس لهم أن يقولوا ان القائل إذا قال رأيت القوم ثم قال بعد زمان الا زيدا وقال اردت بهذا استثناؤه من اللفظ الذي افاد انه غير داخل في الجملة الاول ولو لم يذكر الاستثناء اصلا و اقتصر على هذا القول المقترن به لما افاد ذلك فعلم بذلك ان التخصيص يقع بلفظ الاستثناء وانما يعلم بالكلام المقترن به تعلقه بالاول وذلك ان هذا متى كان على ما ذكر يفيد غير انه لا يحسن من وجهين احدهما ان بيان تخصيص العموم لا يجوز ان يتأخر عن حال الخطاب على ما سنبينه فيما بعد وإذا لم يجز ذلك لم يحسن (ذلك خ ل) هذا الوجه والثاني انه يؤدي إلى أنه لا يفهم بشئ من الكلام امر اصلا ولا باخبار النبي (ع) إذا اخبر عن نفسه أو اخبار الله تعالى إذا اخبر عما يفعله لانا لاناء من

[ 124 ]

أن يأتي بعد ذلك استثناء يدل على انه اراد بعض ما تناوله اللفظ الاول وكك لا يفهم بالكلام حقيقة ما وضع بأن يأتي في المستقبل دليل يدل على انه اراد المجاز وهذا يؤدى إلى ما قدمناه من ان لا يفهم بالكلام شئ اصلا وذلك فاسد على ان الذي ذكروه لو حسن تأخير الاستثناء لحسن تأخير المبتداء عن المبتداء مثلا أن يقول القائل اليوم زيد ويقول غدا قائم ويقرن به من الكلام ما يدل على انه متعلق بما تكلم به امس فان ارتكبوا ذلك كان قبحه معلوما وان راموا الفصل لم يجدوه وإذا ثبت ما قلناه عن وجوب اتصاله بالكلام فمن حقه أن يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته وقد دللنا على ذلك في باب ان العموم له صيغة بما بيناه من ان الاستثناء في الاعداد يفيد ذلك فينبغي ان يكون ذلك حقيقة واستوفيا الكلام فيه فاما استثناء الاكثر من اللفظ والاقل فذهب اكثر المحصلين من المتكلمين والفقهاء وأهل اللغة إلى ان استثناء الاكثر من اللفظ يجوز وقال بعضهم انه انما يحسن استثناء الاقل فاما استثناء الاكثر فلا يجوز لان ذلك لم يوجد مستعملا والذي يدل على صحة ذلك ان الاستثناء يخصص للكلام الاول كما يجوز أن يخص اللفظ ويخرج منه الاكثر فكك حكم الاستثناء لانه بعض ادلة التخصيص وايضا إذا كان من حقه ان يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فلا فرق بين أن يخرج الاكثر والاقل في أنه على حد واحد فاما قول من خالف في ذلك لم يستعمل فلا يبطل ما قلناه لانه كلما قل استعماله لم يحسن ولو لزم ذلك للزم أن لا يحسن استثناء النصف من الكلام وما يقارب النصف لان ذلك ايضا غير مستعمل وذلك لا خلاف في جوازه فاما الاستثناء من غير الجنس فلا يمكن دفع استعماله لانهم قالوا ما في الدار احد الا وتد وقالوا وبلدة ليس لها انيس الا اليعافير والا العيس ووتد ليس من احد ولا اليعافير من جملة الانيس وغير ذلك غير انه وان كان مستعملا فانه مجاز وذهب قوم إلى أنه حقيقة والذي يدل على ما قلناه انا قد بينا ان من حق الاستثناء أو يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته ونحن نعلم ان القائل لو قال ما في الدار احد ولم يستثن لم يفهم من ذلك الا نفي العقلاء ولا يفهم منه نفي الاوتاد فإذا قال الا وتد فينبغي ان لا يكون استثناء حقيقة ويكون مجازا لانه لم يدخل في الكلام الاول فكك لو قال بلدة

[ 125 ]

ليس لها انيس وسكت لم يفهم من ذلك الا أنه ليس بها انسان ولم يفهم من ذلك انه ليس بها بهائم فكك إذا قال الا اليعافير والا العيس يجب أن يكون مجازا وانما حسن عندهم هذا النوع من الاستثناء لانه فيه معنى من الكلام الاول لانه إذا قال ما في الدار احد افاد انه ليس فيها احد ثابت فلما كان الوتد ثابتا في الدار حسن أن يستثنى من الثبوت لا من لفظ احد وكك قالوا في قولهم وبلدة ليس لها انيس انه نفى كون الناس مقيمين فيها فلما كانت اليعافير والعيس مقيمة فيها حسن أن يستثنيها من الاقامة وقال قوم انه لم يرد بالانيس الناس وانما اراد ما يونس به ويسكن إليه ولما كانت اليعافير والعيس مما يسكن إليها على بعض الوجوه ويستأنس بها حسن أن يستثنى منها وعلى هذا الوجه فالاستثناء ما وقع الا من جنسه واما قوله تعالى فسجدوا الملائكة كلهم اجمعون الا ابليس فقد قيل فيه وجهان احدهما ان ابليس كان من جملة الملئكة الا انه عصى بترك السجود فحسن أن يستثنيه من جملة الملئكة هذا على مذهب من جوز على جنس الملئكة المعاصي ومن لم يجوز ذلك عليهم قال انما الاستثناء لانه كان ايضا مأمورا بالسجود كما انهم كانوا مأمورين كك واستثناه من جملة المأمورين جميعا لا من جملة الملائكة ويكون ذلك حملا على المعنى الوجهان قريبان فاما قوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ فقد قيل فيه ان المؤمن لا يقتله الا خطأ لانه لو قتله متعمدا لم يكن مؤمنا لان الفسق يخرج من اطلاق الايمان عليه ومن قال الفسق لا يخرج من الايمان قال قوله الا خطاء معناه بمعنى لكنه ان قتل خطأ كان حكمه كذا وكذا وكذلك قوله لا عاصم اليوم من امر الله الا من رحم منقطع عن الاول لان من رحم معصوم وهو ليس بمعصوم يدخل في الكلام الاول فاما من خالف في ذلك وحمل الاستثناء على الاقرار وقال كما يحسن أن يستثنى في الاقرار من غير جنس ما اقر به فكك في الاخبار وغيرها فقوله يبطل لان هذا طريقة القياس وليس يجوز أن يثبت اللغة واحكام الفاظها بالقياس ثم الصحيح في الاقرار ما نقوله في الاستثناء انه لا يحسن أن يستثنى فيه من غير جنس فان دل دليل من اجماع وغيره على خلافه حكمنا بجوازه وعلمنا انه استثناء منقطع كما قلناه فيما تقدم من الالفاظ فاما إذا تعقب جملا كثيرة فالى ايها ترجع فسنذكره في باب مفرد انشاء الله تعالى وحده فصل في ان الاستثناء إذا تعقب جملا كثيرة

[ 126 ]

هل يرجع إلى جميعها أو إلى ما يليه ذهب الشافعي واصحابه إلى الاستثناء إذا تعقب جملا كثيرة وكان يصح أن يرجع إلى كل واحد منها بانفرادها يجب أن يرجع إليها كلها وذهب أبو الحسن الكرخي واكثر اصحاب أبي حنيفة إلى أنه يرجع إلى ما يليه من المذكور وقال سيدنا المرتضى قدس الله روحه انه يرجع إلى ما يليه قطعا ويجوز مع ذلك رجوعه إلى ما تقدمها من الجمل ويقف ذلك على البيان ويقوى في نفسي المذهب الاول والذي يدل على ذلك ان الكلام الاول إذا عطف بعضه على بعض بالواو الموضوعة للجمع صار كانه مذكور بلفظ واحد الا ترى انه لا فرق بين أن يقول القائل رأيت زيدا وعمروا وخالدا وبين أن يقول رأيتهم بلفظ يشملهم فإذا صح ذلك والاستثناء لو ذكر عقيب الجملة المتناولة لجميعهم كان متعلقا بهم فكك إذا ذكر عقيب الجمل المعطوف بعضها على بعض لانها في حكم الجملة الواحدة ويدل ايضا على ذلك ان الشرط إذا تعقب جملا كثيرة ولا خلاف في أنه يرجع إلى جميعها والعلة الجامعة بينهما ان كل واحد منهما لا يستقل بنفسه ويحتاج إلى تعليقه بغيره ليفيد فلما اتفقا في هذا الحكم وجب اتفاقهما في وجوب رجوع كل واحد منهما إلى ما تقدم فان قيل انما وجب ذلك في الشرط لان له صدر الكلام فهو وان ذكر اخر الكلام فكأنه مذكورا في اوله في الجمل كلها معطوفة عليه وهو داخل عليها ووجب تعلقه بها كلها وكك حكمه إذا تأخر قيل لهم لا نم ان له صدر الكلام حتى لا يجوز أن يؤخر بل الوجود بخلافه وانما يستعمل تارة في صدر الكلام وتارة في اخره وليس مخالفته للاستثناء في جواز تقدمه بموجب مخالفته في كل وجه الا ترى انه قد خالف الاستثناء ايضا في أنه لا يدخل الا على افعال مستقبلة أو ما تقدر فيها الاستقبال وليس كك الاستثناء فانه يدخل على ما كان ماضيا أو مستقبلا أو يكون اسما وليس فيه معنى الفعل اصلا وكل ذلك لا تصلح (لا تصح خ ل) في الشرط ولم يجب بذلك أن يكون حكم الاستثناء حكمه فكك فيما قلناه ويدل ايضا على ما ذهبنا إليه ان الاستثناء بمشية الله إذا تعقب جملا كثيرة وجب رجوعه إلى جميعها فكك يجب أن يكون حكم الاستثناء الاخر مثله والعلة الجامعة بينهما قدمناها من افتقار كل واحد منهما إلى ما يتعلق به وكونه غير مستقل بنفسه واستدل من خالف على صحة ما ذهب إليه بان قال ان الاستثناء انما وجب تعليقه بما تقدم لانه لا يستقل

[ 127 ]

بنفسه لما وجب ذلك فيه فإذا علقناه بما يليه فقد افاد واستقل بنفسه فلا معنى لرده إلى جميع ما تقدم والجواب عن ذلك ان هذا ولا ينتقض بالشرط والاستثناء بمشية الله لانهما انما علقنا بما تقدم لانهما لا يستقلان بانفسهما ومع هذا لا يجب تعليقهما بما يليهما فحسب دون ما تقدم وكك القول في الاستثناء ثم إذا وجب تعليقه بما تقدم لكونه غير مستقل بنفسه فلم صار بان تعلق بما يليه من ان تعلق بما قبله وإذا لم يكن هناك ما يخصصه بما يليه وجب تعليقه بجميع ما تقدم لفقد الاختصاص واستدلوا ايضا بان قالوا قد ثبت ان الاستثناء من الاستثناء لا يرجع إلى الجملة الاولى فكك القول في الجمل الكثيرة يجب أن يكون جملة ذلك الحكم في رجوعه إلى ما يليه والجواب عن ذلك من وجوه احدها انا انما اوجبنا في الجمل الكثيرة أن يرجع إلى جميعها لما تقدم بعضها على بعض بواو العطف التي توجب الاشتراك وتصير الجمل الكثيرة في حكم الجملة الواحدة على ما بيناه وليس هذا موجودا في الاستثناء من الاستثناء لانه ليس هناك ما يوجب اشتراك الجملة الثانية للجملة الاولى فلا يجب أن يرجع إلى الجملة الاول والثاني انه لم يحسن ذلك لانه لا يفيد شيئا لان القائل إذا قال لزيد عندي عشرة الا ثلثة فقد اقوله بالسبعة فإذا قال بعد ذلك الا واحدا فان رددناه إلى الجملتين معا لكان يجب ان ينقص من الثلثة واحدا فيصير المستثنى منه ثمانية وكان يجب ان ينقص من الجملة الاولى ايضا واحدا فيرجع إلى السبعة فلا يفيد الا ما افاد الاستثناء الاول ولا يكون لدخول الاستثناء الثاني فائدة قولنا انه لابد أن يكون الاستثناء من الجملة التى يليها فيصير اقرارا بالثمانية ويكون ذلك مفيدا وليس لاحد ان يقول هل اردتموه إلى الجملة الاولى فحسب وجعلتم كأنه اقر بستة وذلك ان هذا لم يعتبره احد لان احدا لم يقل انه يرجع إلى ما تقدم ولا يرجع إلى ما يليه مع امكان أن يرجع إليه لان الناس بين قائلين قائل يقول انه يرجع إلى ما يليه وهو مقصور عليه وقائل يقول يرجع اليهما وليس ههنا من يقول انه يرجع إلى ما تقدم ولا يرجع إلى ما يليه وذلك باطل بالاتفاق ولان ذلك لو كان مردودا إليها لوجب دخول واو العطف فيه فيقول له عندي عشرة الا ثلثة والا واحدا حتى يكون اقرارا

[ 128 ]

بالستة وقد اجاب بعض من نصر المذهب الذي اخترناه عن شبهة الاستثناء من الاستثناء بأن قال الاستثناء من الايجاب نفى ومن النفى ايجاب ومحال أن يكون الشئ الواحد مثبتا منفيا وهذا ليس بصحيح وذلك ان الحال هو أن ينفى الشئ عن الحد الذي اثبت وذلك ليس بموجود ههنا لان الاستثناء من الجملة الاولى التي هي مثله نفى والاستثناء من الجملة المنفية اثبات وهما جملتان متباينتان فلا تنافى بين ذلك فيهما والمعتمد ما قلناه من الوجهين وقد استدل كل واحد من الفريقين باشياء وجدوها موافقة لما يذهبون إليه اما من رجوع الاستثناء إلى ما يليه أو رجوعه إلى جميع ما تقدم لا يمكن الاعتماد عليها لان لقائل أن يقول ان ذلك انما علم بدليل اخر غير الوجود فالمقول (فالقول خ ل) على الوجود لا يمكن لانه يعارض الوجود ومخالف له وهذه شبهة من خالف وقال بالوقف في ذلك على ما قلناه فعلم بذلك لان المعول على ما قلناه فصل في ذكر جملة من احكام الشرط وتخصيص العموم به اعلم ان من حكم الشرط الا يدخل الا على المنتظر اما لفظا أو تقديرا لان ما وجد مما مضى أو وجد الحال لا يصح دخول الشرط فيه ومن حقه أن يخص الشروط (المشروط) الا أن يقوم دليل على أنه دخل للتأكيد فيحمل عليه ويخرج المعنى من أن يكون شرطا فاما ما يخص للشروط فنحو قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ونحو قوله تعالى فمن لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ولا فرق بين أن يكون الشرط متقدما أو متأخرا في أنه يخصص المشروط وذهب النحويون إلى أنه متى تأخر فالمراد به المتقدم لان له صدر الكلام ويقوى في نفسي انه لا فرق بين تقدمه وتأخره ولا يمتنع أن يجعل الشرط الواحد شرطا في اشياء كثيرة كما لا يمتنع أن يكون الشرط الواحد مشروطا بشروط كثيرة وذلك مثل قول القائل من دخل دارى واكل طعامي وشرب شرابي فله درهم فانه يستحق الدرهم إذا دخل الدار واكل وشرب فاما بواحد منها فلا يستحق ذلك وكك يصح أن يقول ان دخلت الدار فلك خلعة ودراهم وطعام فانه متى دخل استحق لجميع ذلك فتارة يكون الشرط واحد والمشروط اشياء وتارة يكون الشرط اشياء والمشروط واحدا وكل ذلك جائز وقد الحق هذا الباب تعليق الحكم بغاية لانها تصير بمنزلة الشرط في ثبوت ذلك أو نفيه وذلك نحو قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن لانه جعل تعالى نفى التطهير شرطا في خطير قربهن

[ 129 ]

ووجوده مبيحا لذلك ونحو قوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فجعل اعطاء الجزية حدا يجب عنده الكف عن قتالهم وزواله شرطا في ثبوت القتل وكك قوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر فجعل طلوع الفجر حدا يجب عنه الكف عن الطعام والشراب لمن أراد الصوم وعدمه مبيحا لذلك ونظائر ذلك كثيرة وقد يجعل للحكم الواحد غايتان وأكثر وقد يجعل غاية واحدة لاحكام كثيرة كما قلناه في الشرط سواء والشرط والغاية جميعا يدخلان في جميع احكام الافعال من واجب وندب ومباح فينبغي أن يجرى الكلام على ما قلناه ان شاء الله تعالى فصل في ذكر الكلام المطلق والمقيد التقييد يخص العام ويخص المطلق الذي ليس بعام فمثاله تخصيصه للعام قول القائل من دخل دارى راكبا اكرمته ولقيت الرجل الاشراف فقوله راكبا خص لفظة من لانه لو لم يذكره لوجب عليه اكرام كل من دخل داره سواء كان راكبا أو ماشيا وكك لو لم يقيد لفظة الرجال بالاشراف لكان متناولا لجميع الرجال سواء كانوا اشرافا أو غير اشراف وأما تخصيصه المطلق وان لم يكن عاما مثل قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة فقوله مؤمنة قد خص رقبة لانه لو لم يكن يذكر ذلك لكان يجوز تحرير أي رقبة سواء كانت مؤمنة أو غير مؤمنة وكك قوله شهرين متتابعين لانه لو لم يذكر ذلك لكان يجوز متتابعين وغير متتابعين والتقييد لا يخلوا من أن يكون متصلا بالمطلق أو منفصلا منه فما كان متصلا فلا خلاف في أنه يخص المطلق وإذا كان منفصلا فلا يخلو من أن يكون ما اطلق في موضع اخر بعينه الذي قيد في موضع اخر أو غيره فان كان هو هو بعينه فلا خلاف ايضا في انه يجب تخصيصه به وان كان غيره فلا يخلو من أن يكون من جنسه أو من غير جنسه فلا خلاف ايضا في أنه لا يجب تخصيصه به وأنه ينبغي أن يحمل المطلق على اطلاقه ويحمل المقيد على تقييده وبيان ذلك انه (ان خ ل) يرد تحرير الرقبة مقيدا بالايمان في كفارة قتل الخطأ ويرد مطلقا في باب النذر أو العتق المتبرع به فان كل واحد منهما ينبغي أن يحمل على ظاهره على ما بيناه وان كان من جنسه فلا يخلو من أن يكون من جنسه في موضع اخر مقيدا فحسب أو يكون في موضع مقيدا وفي موضع اخر مطلقا فان وجد من جنسه مطلقا ومقيدا في موضعين فلا خلاف ايضا في أنه لا ينبغي حمله على احدهما لانه ليس بأن يقيد لاجل ما قيد من جنسه

[ 130 ]

باولى من أن يحمل ما على اطلاقه لاطلاق ما اطلق من جنسه ومثاله صوم كفارة اليمين قالوا ليس أن يحمل على ما شرط فيه التتابع من كفارة الطهار باولى من أن يحمل على ما شرط فيه التفريق من صوم المتمتع ويجب أن يترك على ظاهره وان كان من جنسه ما هو مقيدا فحسب نحو اطلاق الله تعالى الرقبة في الظهار وتقييده لها بالايمان في كفارة قتل الخطأ فاختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال ان المطلق على اطلاقه لا يؤثر تقييد المقيد فيه وهو مذهب اصحاب أبي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي ومنهم من قال ان المطلق يصير مقيدا لتقييد ما قيد من جنسه واختلفوا فمنهم من قال يجب حمل المطلق على المقيد لغة وعرفا ولا يحتاج إلى قياس ومنهم من قال ان اللغة لا يقتضى ذلك وانما تحمل عليه قياسا وهو قول جماعة من أصحاب الشافعي ومن ذهب إلى القول الاول اختلفوا فمنهم من قال المطلق لا يجوز أن يقيد بأن يقاس على المقيد قالوا لان ذلك يقتضى زيادة في النص وذلك نسخ ولا يصح النسخ بالقياس وهو المحكى عن المتقدمين من اصحاب أبي حنيفة وعن أبي الحسن ومنهم من قال انه لا يجوز أن يقيد ثم اختلفوا فمنهم من قال يقتضي تخصيص المطلق لا الزيادة فيه ومنهم من قال انه يقتضى الزيادة فيه وجوز الزيادة بالقياس ولم يعده نسخا لهذه حمله الخلاف فيه والوفاق والذي اذهب إليه انه ينبغي أن يحمل المطلق على اطلاقه والمقيد على تقييده ولا يخص احدهما بالاخر وانما قلت ذلك لان حمل احدهما على الاخر قياسا انما يسوغ ذلك لمن جوز العمل به واما على ما نذهب إليه في المنهى منه وخطر استعماله فلا يجوز لا في هذا الموضع ولا في غيره واما حمله المطلق على المقيد من غير قياس فبعيد والذي يدل على ذلك ان مؤخر الكلام ان يحمل على ظاهره الا أن يمتنع منه مانع وإذا كان المقيد غير المطلق وهما حكمان مختلفان فيؤثر احدهما في الاخر فان قالوا لان الله تعالى انما اطلق الشهادة في موضع وقيدها بالعدالة في موضع اخر عقل من ذلك تقييدها بالعدالة في الموضع الذي اطلقها فيه فيجب أن يجعل ذلك غيره في امثاله قيل لهم ان المطلق من الشهادة انما قيد بالعدالة لدليل دل على ذلك من اجماع أو غيره ولم يجعل بالعدالة شرطا في الشهادة لانها قيدت في موضع اخر بالعدالة فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة ونحن لو خلينا والظاهر لما قيدها بالشهادة المطلقة وتركناها على اطلاقها فان قالوا

[ 131 ]

القران كالكلمة الواحدة وقد روى ذلك عن أمير المؤمنين فيجب أن يكون المقيد وان انفصل من المطلق وكانه يتصل به ويصير ذلك بمنزلة قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات انه مقيد بما تقدم كانه قال والذاكرات الله كثيرا قيل لهم إذا سلمنا ما ذكرته لم يجب ما ذهبت إليه لان المطلق والمقيد لو افترقا (اقترنا ظ) لما وجب تقييد المطلق بالمقيد إذا كانا حكمين مختلفين يدل على ذلك انه لو قال من قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة لما وجب أن يكون الثانية مقيدة لاجل كون الاولى مقيدة فالتعليق بقولهم ان القران كالكلمة الواحدة لا معنى له فاما قوله تعالى والذاكرين الله كثيرا والذاكرات انما حملناه على الاولى لانه لا يستقل بنفسه ولا يفيد شيئا و انما حذف منه لفظ الله لدلالة الاول عليه اختصار وليس كك المطلق لانه مفيد ومستقل بنفسه فلا يحتاج إلى حمله على المقيد بل يترك على حاله على أن الذي يلزم من خالف فيما قلناه وجوز تخصيص المطلق لمكان المقيد ان يريد في كفارة القتل الاطعام لما كان ذلك ثابتا في كفارة الظهار وفي التيمم مسح الرأس والرجلين لما كان ذلك ثابتا في الوضوء وغير ذلك من المواضع وذلك لا يرتكبه احد واما من حمل احدهما على الاخر قياسا فعلى مذهب من اوجب القياس قوله اولى من قول من منع ذلك وانما قلنا ذلك لان الرقبة المطلقة وان كانت من جهة اللفظ ليست عامة فهي في المعنى عامة لانها تقتضي دخول جميع الرقاب فيه فإذا علم بالقياس ان من شرطها أن تكون مؤمنة عند من قال بالقياس صار المجزى منها اقل مما كان بنفسه اطلاقها فصار تخصيصا من هذا الوجه فينبغي أن يسوغ استعمال القياس فيه وليس لهم أن يقولوا ان ذلك زيادة لا تخصيص لان المعقول من الرقبة هو الشخص دون الايمان فإذا شرط فيه الايمان فقد شرط فيها ما لا يقتضيه لفظها ومن حق التخصيص أن يكون متناولا لما يتناوله لفظ المخصوص فيجب أن يكون زيادة وذلك ان الايمان وان لم يعقل من الرقبة فقد عقل منها المؤمنة والكافرة كما عقل منها الصحيحة والسقيمة فإذا ثبت ذلك تقييده بانها مؤمنة يقتضى اخراج الكافرة التي كانت معقولة من الكلام لولا هذا التقييد فصح ان ذلك تخصيص لا زيادة وقد يكون التخصيص على ضروب احدها أن يكون التخصيص بلفظ

[ 132 ]

المخصوص منه وما يتناوله داخل تحت المخصوص منه لفظا نحو قوله تعالى فلبث فيهم الف سنة إلا خمسين عاما وقد يكون التخصيص بأن يعلم ان اللفظ يتناول جنسا من غير اعتبار صفته (صفة خ ل) ويخص بعد ذلك بذكر صفة من صفاته نحو قول القائل تصدق بالورق إذا كان صحاحا واستثنى منه ما ليس بصحاح وان كان اللفظ الاول لم يتناول ذلك على التفصيل وقد علم ان الرقبة إذا ذكرت منكرة لم يختص عينا دون عين فصح تخصيص الكافرة منها وتخصيص ذلك قد يكون بان يقترن إلى الرقبة صفة يقتضى اخراج الكافرة وقد تكون ما استثنى الكافرة فلا فصل بين قوله عزوجل فتحرير رقبة مؤمنة وبين قوله الا أن يكون كافرة وهذا بين ولو سلم ان ذلك زيادة لكان لا يمتنع ان يقال به قياسا عند من قال به إذا لم يمكن نسخا وليس كل الزيادة في النص تكون نسخا على ما سبيننه (ما سنبينه) في باب الناسخ والمنسوخ وهذه الزيادة مما لا توجب نسخا على ما سبيننه وقد الزم القائلون بتقييد المطلق قياسا ما الزمنا من قال ذلك من غير قياس من ايجاب لمسح الرأس في التيمم والاطعام في كفارة قتل الخطأ واجابوا عن ذلك بجوابين احدهما ان ذلك كان جائزا لكنه منع الاجماع منه وهذا انما يصح على مذهب من اجاز تخصيص العلة فاما من لم يجز ذلك فلا يمكنه هذا الجواب والجواب الثاني قالوا القياس انما يصح أن يستعمل في اثبات صفة الحكم وتقييده لا في اثبات نفس الحكم لان اثبات عدد الشهود بالقياس لا يجوز ان اصابه اثبات عدالتهم قياسا واعترض هذا الجواب بان قالوا ان الامرين واحد في جواز القول هما قياسا وقد استعمل الشافعي القياس في اثبات عبادات نحو اثبات الصوم بدلا من الهدى المحصر وغير ذلك كما استعمله في التقييد وفي اثبات الصفات فلا يمكنه أن ينكر هذا على مذهبه فالتعليق بما قالوه بعيد والاولى ما قالوه اولا وهذه جملة كافية وافية في هذا الباب فصل في ذكر ما يدل على تخصيص العموم من الادلة المنفصلة إلى توجب العلم تخصيص العموم بأدلة العقل والكتاب والسنة والاجماع صحيح وافعال النبي صلى الله عليه وآله صحيح وذهب بعضهم إلى أن تخصيص العموم لا يقع بادلة العقل والذي يدل على صحة المذهب الاول ان هذه الادلة التي ذكرناها إذا كانت موجبة للعلم ومقتضية له وجب تخصيص العموم بها والا تناقصت الادلة وذلك لا يجوز ولهذه الجملة خصصنا قوله تعالى يا ايها الناس اتقوا ربكم وحملناه على العقلاء لما دل دليل

[ 133 ]

العقل على ان الاطفال والمجانين ومن لا عقل له لا يحسن تكليفه وكك خصصنا قوله تعالى الله خالق كل شئ وقلنا ان المراد به افعال نفسه لما دل الدليل على ان الواحد منا فاعل ومحدث على ذلك ايضا ان ظاهر الكتاب وحقيقة يترك إلى المجاز لدليل العقل كما تركنا ظاهر قوله وجاء ربك وقوله هل ينظرون الا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وقلنا ان المراد به امر ربك وامر الله لما دل الدليل العقل على ان المجيئ لا يجوز على الله وإذا ثبت ذلك وقد دللنا على ان العموم إذا خص كان مجازا فينبغي أن يجوز ذلك بادلة العقل لان غاية ما في ذلك أن يترك حقيقة إلى المجاز فان قالوا دليل العقل يجب تقدمه على الكتاب وما هذا حكمه لا يجوز أن يخص به العموم لان ما يقتضى الخصوص يجب أن يكون مقارنا له قيل لهم نحن قد بينا ان الذي يخص العموم هو قصد المخاطب إلى بعض ما تناوله اللفظ وذلك مقارن لحال الخطاب وادلة العقل انما يتوصل بها إلى معرفة القصد الذي وقع التخصيص به وعلى هذا يسقط هذا السؤال وليس لهم أن يقولوا ان دليل العقل وان دل على قصده فقد تقدم وذلك لا يجوز أن الذي انكروه جائز عندنا غير منكر لان الدليل كما يتأخر ويقارن تارة كك قد يتقدم على بعض الوجوه فاستبعاد ذلك لا معنى له ولاجل ما قلناه علمنا بالعقل ان الله تعالى يثيب المؤمن على طاعته ويعوضه على آلائه وان كان ذلك متقدما له ثم يقال لمن خاف في ذلك ليس يخلو من أن يحمل قوله تعالى يا ايها الناس على عمومه وشموله حق يحمله على العقلاء وغير العقلاء أو يحمله على العقلاء فان قال احمله على جميعهم ظهر بطلان قوله بما دل الدليل على خلافه وان قال احمله على العقلاء خاصة غير انى لا اسمى ذلك تخصيصا كان ذلك خلافا في عبارة لا معتبر بها ومن الناس من حال أن عموم الكتاب يترتب على ادلة العقل فلا يصح ان يقال انه يخص به وجوز تخصيصه بالكتاب وان تقدمه وهذا غير صحيح لان الغرض بقولنا انه مخصوص بالكتاب هو انه قد دل على ان المراد به الخصوص ولدليل العقل هذا الحظ فكيف لا يقال انه مخصوص به فان قالوا لو جاز تخصيص العموم بدليل العقل جاز نسخه بدليل العقل فلما اتفقنا على ان النسخ لا يجوز أن يقع به كان العموم مثله قيل لهم معنى النسخ يصح عندنا بادلة العقل لكنه لا يسمى نسخا يدل على ذلك ان الله تعالى إذا امر المكلف بفعل ثم عجز عنه المكلف علمنا انه قد سقط عنه فرضه كما انه لو نهاه عنه في انه يسقط فرضه عنه فمعنى النسخ حاصل لكنه منع من اطلاق

[ 134 ]

هذه التسمية لان حد النسخ ليس بحاصل فيه على ما سنبينه فيما بعد ويسمى تخصيصا لان فائدة التخصيص حاصلة ولا مانع يمنع من اطلاقه اما تخصيص الكتاب بالكتاب يدل على صحته ما دل على صحة تخصيصه بادلة العقل سواء فاما امثلته فاكثر من أن تحصى نحو قوله تعالى اقتلوا المشركين وقوله فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ثم قال في موضع اخر حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فخص بذلك من عدا اهل الكتاب ونحو قوله ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن نعم الخطر في نكاح جميع المشركات ثم قال والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم فخص من ذلك بعضهم في نكاح الدوام عند من خالفنا وعندنا في نكاح المتعة وملك اليمين ونحو قوله ايضا والذين يتوفون منهم و يذرون ازواجا يتربصن بانفسهم اربعة اشهر وعشرا ثم قال في مواضع اخر واولات الاحمال اجلهن ان يضعن حملهن فخص هذا الحكم المطلقات عندنا وعند بعض الفقهاء خص الاية الاول ممن عدا الحوامل من النساء وله نظائر كثيرة ولو لم يرد له نظير لكنا نعلم ان ذلك جائز لما قدمناه من الدليل وليس لاحد أن يقول ان الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وآله بأنه يبين للناس ما نزل إليهم فلا يجوز أن يثبت لغيره وذلك ان هذا يسقط من وجهين احدهما انه ليس في وصفه نبيه صلى الله عليه وآله بانه يبين للناس ما يمنع من أن يبين هو ايضا بعض كلامه ببعض والثاني انه كما وصف النبي صلى الله عليه وآله بذلك فقد وصف كتابه بأنه تبيان لكل شئ فإذا جاز تخصيص الكتاب بالسنة وجب أن يخص بالكتاب ايضا فلا وجه توجب كون السنة تبيانا للكتاب ومخصصا له الا وهو بعينه يوجب كون الكتاب تبيانا له ومخصصا فاما تخصيص الكتاب بالسنة فلا خلاف فيه بين اهل العلم وقد وقع منه ايضا في مواضع كثيرة لان الله تعالى قال يوصيكم الله في اولادكم وقال للرجال نصيب مما ترك الوالدان وغير ذلك من الايات المواريث وخصصنا من ذلك القاتل والكافر بقول النبي صلى الله عليه وآله لا يرث القاتل ولا يتوارث اهل ملتين وغير ذلك فاما تخصيص بعض السنة ببعض ايضا جائز لمثل ما قدمناه من الادلة وقد وجد ايضا في مواضع لا تحصى كثرة وفي الناس من انكر ذلك وقال ان الله تعالى جعله مبينا فلا يجوز أن يكون قوله يحتاج إلى بيان فاوجب فيه التعارض وابطله وهذا خطأ لان حال السنة مع السنة حال الكتاب مع الكتاب وكونه عليه السلام مبينا يقتضى

[ 135 ]

جواز تبيين سنة كما يقتضى جواز تبيين الكتاب وكما لا يمنع ذلك من أن يبين احكاما مبتداة فكك لا يمنع من أن يبين سنة يحتاج إلى تبيينها بسنة اخرى واما تخصيص الكتاب بالاجماع فيصحح ايضا بمثل ما قدمناه من الادلة وقد وقع ايضا في مواضع كثيرة نحو اتفاقهم على ان العبد لا يرث فخص بذلك اية المواريث ونحو اجماعهم على ان العبد كالامة في تنصيف الحد فخص به قوله تعالى الزانية والزانى وغير ذلك واما تخصيص الكتاب بأفعال النبي صلى الله عليه وآله فصحيح ايضا لان الدليل قد دل على ان فعله كقوله في وجوب الرجوع إليه في معرفة الاحكام فإذا ورد الكتاب بتحريم اشياء ثم وجدناه (ع) فاعلا لبعضها علمنا بفعله خصوص الكتاب ولذلك خص قوله تعالى الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة يرجمه أماعزا ؟ وتخصيص قوله صلى الله عليه وآله بفعله صحيح ايضا بمثل ما قلناه وسندل فيما بعد على ان فعله ليس بمقصور عليه وانه كقوله وصحة ذلك يقتضى جواز التخصيص به وهذه الجملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر تخصيص العموم باخبار الاحاد اعلم ان من قال ان خبر الواحد لا يجوز العمل به فقوله خارج عن هذا الباب وانما الخلاف في ذلك ممن اوجب العمل به اختلف القائلون باخبار الاحاد في اثبات الاحكام في هذه المسألة فمنهم من اجاز تخصيص العموم بها على كل حال ما لم يمنع من ذلك مانع وهو مذهب اكثر الفقهاء والمتكلمين وهو الظاهر عن الشافعي واصحابه وعن أبي الحسين وغيرهما ومنهم من قال يجوز تخصيصه بخبر الواحد إذا كان قد خص لانه قد صار مجملا ومجازا وإذا دخله التخصيص لا يجوز أن يخص بها وهو مذهب عيسى بن ابان ومنهم من قال إذا خص العموم بدليل متصل مثل الاستثناء وما جرى مجراه لم يجز تخصيص العموم به لان ذلك حقيقة على ما حكيناه فيما تقدم وإذا خص بدليل منفصل جاز تخصيصه باخبار الاحاد لانه قد صار مجازا والذي ذهب إليه لانه لا يجوز تخصيص العموم بها على كل حال سواء خص أو لم يخص بدليل متصل أو منفصل وكيف كان و الذي يدل على ذلك ان عموم القرآن يوجب العلم وخبر الواحد يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن يترك العلم للظن على حال فوجب لذلك أن لا يخص العموم به فان قيل إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد كان وجوب التخصيص معلوما وان كان نفس الخبر مظنونا ويجرى ذلك مجرى قيام الدلالة على وجوب التنفيذ الحكم عند الشهادة وان كانت الشهادة

[ 136 ]

غير معلوم وكك إذا ظن كون القبلة في جهة من الجهات وجب علينا التوجه إليها وان كان ذلك معلوما وان كان كون القبلة فيها مظنونا فما المنكر من أن يكون خبر الواحد مع العموم يجرى هذا المجرى والجواب عن ذلك السائل عن السؤال لا يخلو من أن يكون مخالفا لنا في الاصول أو موافقا فان كان مخالفا فلا يصح له هذا السؤال لانه يضمن قيام الدلالة على وجوب العمل بخبر الواحد ونحن قد افسدنا ساير ما يدعيه مخالفونا من الدلالة (الادلة خ ل) على وجوب العمل بخبر الواحد فإذا فسد العمل بها بتلك الادلة فلا يمكن أن يدعى جواز التخصيص وقد مضى الكلام على ادلتهم مستوفى على انه لو سلم لهم العمل بخبر الواحد على غاية اقتراحهم لم يجز التخصيص العموم به لانه ليس ما دل على وجوب العمل بها يدل على جواز التخصيص كما ان ما دل على وجوب العمل بها لا يدل على وجوب النسخ بها بل احتاج ذلك إلى دليل غير ذلك فكك التخصيص فلا فرق بينهما فان قالوا إذا دل الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد فينبغي أن يكون خبر الواحد دليلا في كل موضع الا من أن يمنع منه مانع والنسخ الذي ذكرتموه قد كان يجوز أن يقع بخبر الواحد الا أنه منع الاجماع منه فبقى كونه دليلا فيما عدا النسخ قيل لهم خبر الواحد دليل شرعى وليس بعموم يخص منه بعضه ويبقى ما عداه فإذا ثبت ذلك كان الذي يدل على وجوب العمل به من الاجماع انما هو حاصل فيما طريقة العمل فحسب مما لا نص فيه من (في خ ل) الكتاب فينبغي أن يحتاج في اثبات كونه دليلا في تخصيص العموم به إلى دليل فان قالوا الصحابة الذين عملوا بخبر الواحد عملوا بها وان خص العموم قيل لهم هذا محض الدعوى ما الذي يدل عليها فانا لا نم ذلك فان ذكروا انهم خصوا اية المواريث بالخبر الذي روى ان القاتل لا يرث وكان خبر واحد وكك علموا بخبر ابي هريرة في نكاح المرأة على عمتها وخالتها وخصوا بذلك قوله تعالى واحل لكم ما وراء ذلكم ونظائر ذلك كثيرة قيل لهم انما تركوا عموم اية الميراث بالخبر الذي تضمن ان القاتل لا يرث لانهم اجمعوا على صحته فلما اجمعوا على صحته وعلموه خصوا العموم به فليس ذلك موجودا في الاخبار التي لا يعلم صحتها واما نكاح المرأة على عمتها وخالتها فعندنا يجوز على وجه فلا نخصص العموم به ومن اجاز ذلك ايضا انما اجازه لان عنده انهم اجمعوا على صحة هذا المخبر (الخبر) فلما اجمعوا عليه دل ذلك على صحته وليس هذا موجودا في اخبار الاحاد التي لا يعلم صحتها على ان المعلوم من حال الصحابة انهم ردوا اخبارا كثيرة نافت عموم القرآن واقتضت تخصيصه نحو ما روى

[ 137 ]

وغيره انهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس في انه لا نفقة لها ولا سكنى وقالوا لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندرى صدقت ام كذبت وهذا تصريح بانه لا يجوز تخصيص العموم بخبر الواحد وليس لهم أن يقولوا انما ردوا الخبر إذا كان يخالف القرآن لا أنه يخصه وما يخص العموم به لا يقتضى ترك القرآن بل يقتضى القول به فدل ذلك على سقوط ما ذكرتموه وذلك ان سقوط نفقة المثبوتة كفاطمة خاصة يخصص القرآن لان عموم القرآن اقتضت النفقة لها ولغيرها ومع ذلك ردوا خبرها وسماه عمر مع ذلك انه مخالف للقرآن من حيث كان منافيا لعموم الكتاب فان قالوا انما فعلوا ذلك لانهم علموا ان حكم فاطمة وغيرها من النساء حكم واحد وكان ذلك عندهم معلومة ولو قبلوا خبرها لادى عندهم إلى دفع القران فلذلك ردوه قيل لهم هذا محض الدعوى ومن اين علموا أن حكم فاطمة وغيرها على حد واحد الا بعموم القران ولذلك صرح بهذا التعليل عمر ولو كان ذلك معلوما بغير عموم القران لكان يقول قد علمنا ان حكمك في هذا الباب حكم غيرك من النساء ولا يحتاج ان يقول لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندرى صدقت أم كذبت وذلك يسقط هذا السؤال ثم يقال لهم اليس قد قيل اهل قبا خبر الواحد فيما طريقة النسخ وانتقلوا بذلك عن القبلة التي كانوا عليها ولم يدل ذلك على جواز النسخ بخبر الواحد فان قالوا انما قبلوا ذلك بدليل دلهم على ذلك دون مجرد الخبر قيل لهم مثل ذلك في الاخبار التي تعلقوا بها فان قالوا اليس خبر الواحد قد قبل فيما يقتضى العقل خلافه فما المنكر من أن يجوز قبوله فيما يقتضى عموم القران خلافه قيل لهم هذا انما يمكن أن يستدل به على من لم يجوز تخصيص العموم به عقلا فيقال له إذا جاز الانتقال عما يقتضى العقل خلافه بخبر الواحد جاز أن ينتقل عما يقتضيه العموم بمثل ذلك فاما من اجاز ذلك عقلا و انما امتنع منه لفقد الدلالة عليه فهذا السؤال ساقط عنه وانما ينبغي أن يتشاغل بان ههنا دليلا يدل على جواز تخصيص العموم به وهو نفس المسألة التي اختلفنا فيها على ان مثل هذا يمكن أن يقال في جواز النسخ به لان الانتقال عن موجب العقل من خطر إلى اباحة أو اباحة إلى خطر في معنى النسخ وان لم يسم نسخا فينبغي أن يجوز على موجب ذلك النسخ بخبر الواحد وهذا لا يقوله احد ولا جواب عن ذلك الا ما ذكرناه من أن ذلك دليل على

[ 138 ]

جواز ذلك لا على وجوبه بل وجوبه يحتاج إلى دليل مفرد وفي الناس من قال ان العموم ثبت اجتهادا فجاز الانتقال عنه بخبر يوجب غلبة الظن وهذا القول باطل لان الدليل على القول بالعموم دليل يوجب العلم وليس من باب الاجتهاد في شئ وقد دللنا على ذلك فكيف يجوز أن يترك بما طريقة غلبة الظن ثم يقال لهم لا خلاف ان خبر الواحد لا يجوز قبوله فيما طريقة العلم والاعتقاد وإذا ثبت ذلك فخبر الواحد إذا خص العموم اقتضى شيئين احدهما العمل بمتضمنه وذلك من باب العمل والثاني وجوب الاعتقاد في ظاهر العموم انه مخصوص وذلك لا يجوز لانه اقدام على مالا نأمن كونه جهلا فان قالوا انا نأمن كونه جهلا بما قام من الدليل على جواز قبوله فيما خص العموم فقد مضى الكلام على ذلك وبينا ان ذلك محض الدعوى وصريح الاقتراح فاما من قال لا يجوز تخصيص العموم به الا إذا خص على حسب اختلافهم في ذلك من تخصيصه بدليل متصل أو منفصل أو استثناء وغير ذلك ومتى خص بشئ من ذلك جاز تخصيصه فيما دللنا به من المنع من جواز تخصيصه بخبر الواحد يبطل هذا الفصل على انهم انما اجازوا تخصيصه بخبر الواحد إذا خص لانه يصير مجملا ومجازا وأما كونه مجازا فنحن نقول به ولا نم انه يصير مجملا فيما عداه بل ما عداه ما خص منه معلوم كما انه لو لم يخص منه شئ كان الجميع معلوما وذلك يبطل ما قالوه فاما إذا كان السائل عن السؤال الذي قدمناه من موافقينا وسأل ذلك على طريقتنا التي اعتمدناها من جواز العمل بالاخبار التي تختص بنقلها الطائفة المحققة فالكلام عليهم ايضا مثل ذلك بأن يقال ما دل على عمل الطائفة المحقة بهذه الاخبار من اجماعهم على ذلك لم يدل على العمل بما يخص القران ويحتاج في ثبوت ذلك إلى دلالة بل قد ورد عنهم (ع) ما لا خلاف فيه من قولهم إذا جائكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافق كتاب الله فخذوه وان خالفه فردوه أو فاضربوا به عرض الحائط على حسب اختلاف الالفاظ فيه وذلك صريح بالمنع من العمل بما يخالف القران فان قالوا ليس قد عملت الطائفة باخبار كثيرة طريقها الاحاد وعموم الكتاب بخلافها فهلا دل ذلك على جواز تخصيص العموم بها على كل حال قيل لهم لا نم ان الطائفة عملت باخبار احاد يقتضى تخصيص القران وعلى من ادعى ذلك ان يبينه على انا قد بينا ان الاخبار الصادرة من جهتهم ضربين احدهما أن يكون خبر أو ليس هناك

[ 139 ]

ما يخالفه ويكون فتيا الطائفة به فما هذا حكمه يكون مجمعا على صحته ويجوز العمل به وتخصيص العموم به وان كان هناك ما يخالفه من الاخبار فالعمل بما يطابق العموم ايضا اولى لانه يصير معلوما صحته مثل العموم وبينا ان ذلك وجه يرجح به احد الخبرين على الاخر وان كان خبر لا نعلم فتيا الطائفة اصلا فيه وهناك عموم يقتضى خلافه فالعمل بما يقتضى العموم اولى بما قدمناه من الدلالة فصل في ذكر تخصيص العموم بالقياس اعلم ان الكلام في هذه المسألة قد سقط عنا لانا لا نجيز العمل بالقياس لا ابتداء ولا فيما يخص العموم وانما الخلاف في ذلك بين من اثبت القياس فان فيهم من اجاز تخصيص العموم به على كل حال إذا صح القياس بشروطه وهو مذهب اكثر الفقهاء وهو مذهب الشافعي والمحكى عن ابي الحسن واليه ذهب أبو هاشم اخيرا ومنهم من أبي تخصيص العموم به على كل وجه وهو مذهب ابي على وبه قال أبو هاشم اولا وقد قال به بعض الفقهاء ومنهم من قال يخص بالقياس الجلى ولا يخص بالخفي وهو مذهب بعض اصحاب الشافعي ومنهم من قال انه يخص بذلك إذا دخله التخصيص وسوغ فيه الاجتهاد ولا يجوز تخصيصه إذا كان باقيا على عمومه والاقوى من هذه الاقاويل إذا فرضنا العبادة بالقياس قول أبي علي وهو أنه لا يجوز تخصيص العموم به على كل حال والذي يدل على ذلك ان العموم دليل يوجب العلم والقياس عند من قال به يوجب غلبة الظن ولا يجوز أن ينتقل عما طريقة العلم إلى ما يقتضى غلبة الظن فليس لهم أن يقولوا إذا ثبت ان القياس دليل كان تخصيص العموم به معلوما وذلك انا قد بينا الجواب عن مثل هذا السؤال في الباب الاول بأن قلنا خبر الواحد دليل شرعى وكك نقول ان القياس دليل شرعى فينبغي أن يثبت في الموضع الذي استعملته الصحابة وقررته الشريعة وانما ثبت عنهم على زعمهم استعمل القياس فيما لا نص فيه من احكام الحوادث ولا يمكنهم أن يدعوا انهم استعملوه فيما يخص العموم لان هذه الدعوى لا برهان عليها ودون ذلك خرط القتاد ويدل ايضا على ذلك ان النسخ قد ثبت انه لا يجوز به فكك يجب أن يكون حكمه حكم التخصيص وليس لهم ان يقولوا انه كان يجوز النسخ بالقياس غير انه منع منه الاجماع وذلك انهم متى ارتكبوا ذلك قيل لهم لا يجوز من الحكيم تعالى أن ينزل نصا ويجعل القول به والعمل بمقتضاه موقوفا على اجتهاده وانما يسوغ الاجتهاد في صرفه إلى وجه دون وجه فان قالوا (وليس لهم ان يقولوا خ ل) هذا الذي ذكرتموه من الجواب عن

[ 140 ]

هذا السؤال يمكن أن يجعل فرقا بين النسخ وتخصيص العموم وسقط بذلك اصل الدليل وذلك انهم إذا جعلوا ذلك فرقا بين التخصيص والنسخ قيل لهم لا فرق بين النسخ والتخصيص في المعنى لان التخصيص هو اخراج بعض ما يتناوله لفظ العموم من الاعيان منه والنسخ اخراج بعض ما يتناوله دليل النص من الازمان منه فهما سواء في المعنى فما منع من احدهما منع من الاخر على انه لا يمكن أن يجوز النسخ بالقياس الا من يقول بتخصيص العلة ومن لم يجز تخصيص العلة لا يمكنه ارتكابه على حال وقد اجاب بعض اصحاب الشافعي عما الزمناهم بان النسخ انما لم يصح فيه لان كونه ناسخا للنص ينبئ عن ان النص بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه النص وخصه فكان النسخ به يوجب النسخ بقياس فاسد وهذا لا يجوز وهذا بعينه يمكن أن يقال في المنع من تخصيص العموم به لان العموم ايضا نص وما يؤدى إلى تخصيصه ينبئ عن ان ظاهره بخلافه والقياس لا يصح إذا دفعه النص وكان التخصيص به يوجب التخصيص بقياس فاسد وهذا ما لا فصل فيه ويدل ايضا على ذلك على ان القياس انما يسوغ مع عدم النص للاضطرار إليه وعموم الكتاب نص يعنى عنه ولا يسوغ استعماله وخلافه نص حتى يخص به وليس لهم ان يقولوا انه إذا خص العموم يكون مستعملا فيما لا نص عليه لانه قد يبين به انه لم يرد ذلك بالعموم إذا لم يكن مرادا به فقد استعمل القياس فيما لم يدخل تحت النص وذلك ان الذي قالوه غير صحيح لانه لو لم يستعمل ذلك القياس لكان ما يتناوله داخلا تحت النص فيجب بطلانه لانه قد استعمل فيما لولاه لدخل تحت النص فان قالوا النص انما يتناول ذلك لو لم يصح القياس فاما إذا صح ذلك القياس لم يدخل تحته فقد حصل ان القياس إذا استعمل فيما يخص به العموم لا يكون مستعملا فيما يتناوله قيل لهم ومن سلم ان القياس الذي يوجب تخصيص العموم قياس صحيح وليس يعلم ان من قال بالمنع من تخصيص العموم به يقول ان بظاهر العموم احكم بأن كل قياس يؤدى إلى تخصيصه قياس باطل ولو سلم ان ذلك قياس صحيح لكان قد سلمت المسألة فعلم بجميع ذلك صحة ما نصرناه ويدل ايضا على صحة ما قدمناه خبر معاذ وان النبي صلى الله عليه وآله لما بعثه إلى اليمن قال له بم تقضى قال بكتاب الله ثم سنة رسوله صلى الله عليه وآله فقال له (ع) فان لم تجد قال اجتهد برأيى فصوبه رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك وهذا يقتضى ان القياس انما يسوغ استعماله إذا لم يوجد في الكتاب ما يدل على الحكم الذي يستعمل فيه فمتى وجد فيه بطل استعماله وإذا بطل

[ 141 ]

استعماله لم يصح أن يخص به العموم لان القياس الفاسد لا خلاف انه لا يخص به العموم وليس لهم أن يقولوا ان المراد بذلك ان لم اجد في كتاب الله نصا على المسألة اجتهدت برأيى فاما إذا كان فيه عموم فانه لا يمتنع اجتهاد الرأى معه لانه إذا خص بالقياس كان ما استعمل فيه القياس غير موجود في الكتاب وذلك ان هذا الذي ذكروه تخصيص للخبر لانه انما صوبه في استعمال القياس إذا لم يكن الحكم موجودا في الكتاب والسنة وقد يكون الحكم ثابتا فيهما بنص معين ويكون ايضا موجودا بأن يكون داخلا في العموم فمن خص الخبر باحدهما احتاج إلى دلالة وفي الناس من استدل على صحة ما ذهبنا إليه بأن قال القياس فرع على النص من عموم وغيره فمتى اعترض به عليه كان قد اعترض على الاصل بفرعه وهذا لا يجوز وهذا غير صحيح لان لهم ان يقولوا ان اصل القياس هو الذي ثبت صحته به أو ما يحمل عليه الفرغ من الاصول وكلاهما لا يجب الاعتراض بالقياس عليه وانما يجوز أن يقاس ما دخل تحت اية محرمة على ما دخل تحت اية محللة فتحلله وتخرجه من جملة ما يقتضى التحريم نحو قياس العقد في الارف (الازر خ ل) في التحريم ويخص به قوله احل الله البيع وفي ذلك سقوط الاستدلال بهذه الطريقة وقد استدل من خالف ما اخترناه بان قال الذي دل على اثبات القياس دليل مقطوع عليه وهو اجماع الصحابة فصار العمل بما يقتضيه معلوما وجوبه كما ان العمل يما يقتضيه العموم معلوم وجوبه فإذا تساويا في هذا الوجه جاز تخصيص العموم به وهذا الذي ذكروه غير صحيح لانا إذا سلمنا اجماع الصحابة على العمل بالقياس انما نسلمه فيما لا نص فيه من الكتاب من عموم وغيره فاما إذا كان ما يدل عليه من الكتاب فلا نم انهم استعملوا فيه ولا يمكنهم ان يبينوا ان الصحابة استعملت القياس في تخصيص العموم وإذا لم يثبت ذلك لم يجب من حيث استعملوا القياس في موضع أن يجوز استعماله في كل موضع لانا قد بينا انه دليل شرعى ينبغي أن لا يتجاوز به الموضع الذي قررته الشريعة كما ان ثبوته في الموضع الذي ثبت لا يجوز أن يتجاوز به إلى أن ينسخ به لانه لم يثبت ذلك فيه وكك القول في التخصيص ولا فرق بينهما على حال واستدلوا ايضا بأن قالوا قد ثبت ان القياس يقبل فيما يقتضى العقل خلافه وان كان دليل العقل يوجب العلم والقياس غلبة الظن وكك العمل به فيما يخص الكتاب وان كان يوجب العلم يقال لهم هذا الدليل انما يمكن أن يستدل به على من

[ 142 ]

أبى تخصيص العموم بالقياس عقلا فيقال له إذا جاز العمل به فيما يقتضى العقل خلافه جاز العمل به فيما يقتضى العموم خلافه فاما من جوز ذلك وانما امتنع من القول به لانه لم يثبت ورود العبارة به فلا يمكن أن يعتمد ذلك في هذا الباب بل يحتاج إلى أن يستعمل (يشغل) بالدلالة على ثبوت ما كان جائزا لانه ليس كل ما كان جائزا في العقل ثبت العمل به على كل حال فعلم بذلك سقوط هذا الاستدلال وفي الناس من اعترض هذا الدليل فقال انا لا نعمل بالقياس إذا اقتضى العقل خلافه بل انما يعمل به فيما يجوزه العقل دون ما يقتضى قبحه أو حسنه وهذا ليس بشئ لان غرض القوم بذلك ان العقل إذا كان يقتضى تحليل شئ أو تحريمه ثم ثبت بالقياس في الشرع تحريم ما كان مباحا أو اباحة ما كان محظورا فقد عملوا بخلاف ما كان يقتضيه العقل ولا يمكن أن يقال ان دليل العقل يقتضى اباحة شئ أو خطره بشرط أن لا يرد الشرع بخلافه فالقياس إذا استعمل في خلافه تبين انه ان العقل لم يقتضى ما ادى القياس إلى خلافه وليس كك العموم لانه اقتضى تحريم الشئ مطلقا بلا شرط فيه فلو قيل القياس في خلافه لكان فيه اعتراض به عليه وهذا لا يجوز لان لهم ان يقولوا الحال فيهما واحد لان دليل العقل يقتضي تحليل الانبذة ما لم يقتضى دليل شرعى تحريمه والعموم ايضا يقتضى ذلك ما لم يحصل دليل سمعي على خلافه فهما في هذا الباب من جهة المعنى سواء وانما الخلاف بينهما ان العموم يدل على ما يدل عليه لفظا وليس كك دليل العقل وهذا لا يقتضى الفرق بينهما من جهة المعنى فصل في تخصيص العموم باقاويل الصحابة وبالعادات وبقول الراوى فالقول إذا ظهر بين الصحابة واتفقوا كلهم انه يخص العموم فلا خلاف بين أهل العلم انه يخص به العموم لان ذلك اجماع وقد بينا ان الاجماع يخص به العموم فاما إذا ظهر القول ولم يعرف له مخالف فمن جعله اجماعا أو في حكم الاجماع خص ايضا العموم ومن لم يجعله اجماعا من حيث جواز أن يكون الساكت لو استفتى لافتى بخلافه اجرى ذلك مجرى القول المختلف فيه والقول المختلف فيه بين الصحابة اختلفوا في جواز تخصيص العموم فذهب أبو على إلى أنه يجوز الاخذ بقول بعضهم وان خالفه غيره فيه قال لان بعضهم كان يرجع إلى قول بعض من غير حجة وهو المحكى عن محمد بن الحسن لانه حكى عنه انه قال ما اجمعوا عليه واختلفوا فيه جاز القياس

[ 143 ]

عليه ويتخذ اصلا وجعل اختلافهم كاجتماعهم في انه اصل وقد حكى عنه انه قال الشافعي قديما انه كان يقول ذلك ويرتب اقاويل الصحابة فيقدم اقاويل الخلفاء ثم قول اقدمهم في البلد فعلى هذه الوجوه يمنعون من تخصيص الكتاب به لانه حجة كالقياس وخبر الواحد عندهم واما من قال ان قولهم ليس بحجة فانه لا يخص العموم به وهو مذهب اكثر الفقهاء وقول الشافعي في الجديد لانه قدم القول بالعموم على القول بقول الصحابي إذا اختلف فيه والصحيح عندنا من هذه الاقاويل انه لا يخص العموم الا بما كان اجماعا موجبا للعلم أو يكون من دل الدليل على صحة عصمته فان ذلك يخص به العموم وما عدا ذلك لا يجوز تجويز تخصيصه به وسنبين فيما بعد ان ما ادعوه اجماعا أو في حكم الاجماع من القول الذي لا يعرف له مخالف ليس باجماع ان شاء الله تعالى واما العادات فعلى ضربين ضرب منها هي من جهة الافعال فما هذا حكمه لا يخص به العموم بل يجب على المخاطبين أن ينتقلوا عن تلك العادات لاجل العموم واستدلوا به على تركها فكيف يخص به العموم والضرب الاخر ان يكون العادة حابرة لاستعمال بعض العموم على بعض ما تناوله فما هذا حكمه ينبغي أن يخصص به العموم لا ما قد بينا فيما تقدم ان الخطاب ينبغي أن يحمل على ما تعورف ويترك ما كان موضوعا له لانه بالعادة قد صار حقيقة فيما اعتيد فيه وقد استوفينا ما يتعلق بذلك فيما مضى واما إذا روى الراوى الحديث العام ثم صرفه إلى بعض ما تناوله فمن الناس من قال يجب حمله على الخصوص لانه اعرف بمراد الرسول من غيره لمزية المشاهدة التي عندها يعرف المقاصد وهو المحكى عن بعض اصحاب أبي حنيفة لانه كان يحمل ما رواه ابي هريرة من خبر ولوغ الكلب على أن السبع ليس على الوجوب من حيث كان ويذهب إلى جواز الاقتصار على ثلثة وحكى أبو عبد الله عن أبي الحسن أن التعلق بظاهر الخبر أولى ومنهم من قال انه يجب أن ينظر فيه فان كان الراوى عدل عن ظاهر ما رواه وجب التمسك بما رواه من اللفظ وان كان قال باحد محتملاته حملت عليه وهذا الذي يدل عليه ظاهر قول الشافعي واليه يذهب كثير من اصحابه لانه حمل ما رواه ابن عمر في حديث الافتراق على الافتراق بالبدن لانه ابن عمر حمله على ذلك وحمل قوله في حديث النبي صلى الله عليه وآله يدا بيد على ان المراد به أن لا يفترق الا بعد التقابض من حيث حمله ابن عمرو على ذلك ولم يصرف قوله (ع) من بدل دينه فاقتلوه إلى الرجال وان كان ابن عباس صرفه

[ 144 ]

إليهم والذي يجب أن يعول عليه في ذلك ان الراوى إذا روى الخبر العام وحمله على بعض ما تناوله وقال انه علم ذلك من قصد النبي صلى الله عليه وآله ضرورة وجب حمله على ما ذهب إليه لان وجوب صلى الله عليه وآله الظاهر به في نفس الخبر يوجب حسن الظن به في قوله انه علم ذلك ضرورة من قصد الرسول وان كان ما ذهب إليه انما قاله لضرب من الاستدلال أو بخبر اخر أو قياس أو غير ذلك فينبغي أن يتمسك بظاهر الخبر ويترك ما ذهب إليه لانه يجوز أن يكون اخطأ في جميع ذلك بشبهة دخلت عليه ومتى لم يظهر لنا ما حمله عليه وهل فعل ذلك لانه علة ذلك لقصد الرسول أو بوجه اخر من الاستدلال وجب التمسك بظاهر الخبر فان جاز أن يكون في الاصول ما لاجله حمله عليه ومتى كان ما رواه مجملا وصرفه إلى احد الوجهين فمن الناس من قال انه يجب عليه بان حسن الظن به يوجب ذلك الا أن يكون قد حصل للرسول تخالف ذلك فيعتمد عليه ومنهم من قال ان الجميع بمنزلة سواء في انه يجب التمسك بقول الرسول دون قول الراوي بانه لو عرف قصد الرسول ضرورة لرواه ولا زال عن نفسه ايهام مخالفة النبي صلى الله عليه وآله وهذا هو الاقوى فصل في تخصيص الاجماع وتخصيص قول الرسول الاجماع لا يخ من أن يكون على فعل أو على قول أو على رضى بالشئ فان كان الاجماع فعلا فالتخصيص لا يسوغ فيه كما لا يسوغ في افعال النبي صلى الله عليه وآله وكك ان كان رضى بالشئ وان كان اجماعهم على القول فان كان عاما تصرفه فان اضطررنا إلى قصدهم بذلك امتنع ايضا التخصيص فيه وان لم نضطر إلى قصدهم جاز التخصيص كما يجوز في عموم الكتاب وان كان ذلك القول (ايضا) رضى فالتخصيص فيه لا يجوز وان كان في حكم العموم من حيث كان حال غير المنصوص عليه حاله واما قول الرسول إذا ورد عنه واقضتى تحريم اشياء على المكلفين ثم وجد فاعلا لبعضها فمن الناس من قال انه مخصوص بذلك الا أن يدل دليل على خلافه فيخص به العموم ومنهم من قال انه يخص به العموم لان الظاهر منه ان حاله كحال غيره الا أن يدل دليل على أنه مخصوص به وهذا هو مذهب الشافعي ولذلك خص به نهيه صلى الله عليه وآله عن استقبال القبلة بغائط أو بول بقعوده صلى الله عليه وآله على لنتبين مستقبل بيت المقدس ويقول ان فعله (ع) قد علم بدليل مساواة امته له فيصير كقول اخر عام في جواز التخصيص القول الاول به والقول الاول يحكى ان بعض اصحاب الشافعي وانه حمل ما روى من تزويج ميمونة وهو محرم على انه مخصوص به وانه لا يعترض على نهيه عن نكاح المحرم وهو الذي

[ 145 ]

حكاه ابو عبد الله عن أبي الحسن لانه حمل ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله من كشفه فخذه بحضرة بعض اصحابه وما روى انه استقبل بيت المقدس على انه مخصوص به فلم يخص قوله به ودل على ذلك بأن قال ان فعله لا يتعداه الا بدليل ولا يجوز أن يعترض به على القول الذي يقتضى تعدية الينا والصحيح هو الاول لان الدلالة قد دلت على ان حكمنا وحكمه في فعل واحد على ما نبينه لما بعد فإذا فعل شيئا صار كانه قال لنا هو مباح وقد علمنا انه لو قال ذلك لوجب تخصيص العموم به فكك يخص بفعله لانه وقع هذا الموقع فصل في ان العموم إذا خرج على سبب خاص لا يجب قصره عليه اختلف العلماء (الفقهاء خ ل) في ذلك فمنهم من قال انه يجب قصره عليه والى ذلك ذهب طائفة من اصحاب الشافعي وان كان كلام الشافعي محتملا له ولغيره وذهب الباقون إلى ان الواجب حملا الكلام على ظاهره دون السبب إذا امكن ذلك فيه وهو مذهب جماعة من اصحاب الشافعي ومذهب ابي الحسن وقال انه إذا لم يمكن حمله على ظاهره ولم يفد الا إذا علق به قصر عليه والذي نذهب إليه ان كلامه (ع) لا يخلو من أن يكون مطابقا للسبب من غير زيادة عليه أو يكون اعم منه وان كان مطابقا له من غير زيادة فلا خلاف انه يجب حمله عليه ومتى كان اعم منه وجب حمله على ظاهره ولا يقصر على سببه وهو على ضربين احدهما يكون اعم منه في الحكم الذي سئل عنه نحو ما روى عنه (ع) انه سئل عن من ابتاع عبدا فاستشغله ثم وجد فيه عيبا فقال (ع) الخراج بالضمان وذلك ليتناوله ما يتناول كل بيع وكل مضمون ومنه ما يكون عامة في ذلك الحكم وفي حكم اخر لم يسئل عنه نحو ما روى عنه (ع) انه سئل عن ماء البحر يتوضأ به فقال هو الطهور مائه والحل ميتته فأجاب بما يقتضى جواز التوضؤ به وبما يقتضى جواز سائر الاحكام من الشراب وازالة النجاسة وغير ذلك واما إذا كان كلامه متى لم يعلق بالسبب لم يعد وجب تعليقه به على كل حال وذلك نحو ما روى عنه (ع) انه سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال اينقص إذا يبس قيل له نعم فقال فلا إذا فاما إذا سئل عن اشياء فلا تخلو ان يكون الوقت وقت الحاجة أو لا يكون كك فانكان وقت الحاجة فلا يجوز الا أن يجيب عن جميعه في الحال وان كان قد تقدم منه بيان اخر يمكن الوصول إليه لانه وقت الحاجة فلا يجوز الا أن يجيب عن جميعه في الحال وان كان قد تقدم وقت الحاجة فلا يسوغ منه (ع)

[ 146 ]

الا بين له الوجوب عما سئل عنه الا ترى ان المستفتى إذا استفتى عن شئ مست الحاجة إليه لم يسغ له الا يفتى فيه فالنبي صلى الله عليه وآله بذلك اولى وإذا لم يكن الوقت وقت الحاجة فلا يخلو السائل من ان يكون من اهل الاجتهاد أولا يكون كك فان كان ممن يمكنه الوصول إلى ذلك وقد تقدم منه صلى الله عليه وآله بيان ذلك جاز أن لا يجيب عنه ويحيله على ما تقدم من البيان ولذلك قال (ع) لعمر لما سئل عن الكلالة فقال تكفيك اية السيف وقال له ايضا وقد سئله عن القبلة فقال ارأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته اكان يضرك قال لا نفيم إذا فنبه على الجواب وان كان السائل عاميا يجوز ايضا أن يحيله على بيان ظاهر ويكون في حكمه المجيب وذلك في نحو قوله صلى الله عليه وآله توضأ كما امرك الله تعالى فاحاله على الاية والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وجوه منها ما ذكره أبو عبد الله البصري وهو ان كلامه عليه السلام هو الدلالة على الحكم ويجب أن يعتبر صفته في الدلالة دون صفة غيره فإذا كان عاما دل على حسب دلالة العموم وكك ان كان خاصا كما انه يعتبر صفة في كونه امرا ونهيا واباحة ومنها ان العموم لو انفرد عن السبب لوجب حمله على عمومه فكك إذا خرج عند السبب لان ذلك ممكن فيه لان السبب لم يؤثر فيه لانه ليس ينافى السبب بيانه (ع) بحكم غيره كما لا ينافى بيانه لحكمه فيجب حمله على جميعه ومنها انه لو ابتدا (ع) لكم النهى والسبب حاصل فخاطب بالقول ولما سئل عنه لوجب حمله عليه وكك إذا سئل عنه لان قصده (ع) في الحالين لم يختلف وان كان مبتديا للحكم في احدهما ومجيبا للاخر وعلى ذلك حمل الفقهاء خطاب الله تعالى في اية اللعان وان خرجت على سب هلاك بن امية العجلاني على كل رام زوجته واية القذف وردت فيمن تكلم في عائشة وحملت على الجميع و كك اية الظهار وردت في مسلم بن صخر وحملت على كل مظاهر وهذا بين وانما حملناه على السبب إذا لم يفد بنفسه لان الظاهر اوجب ذلك فليس يجيب حمل ما استقل بنفسه من الجواب على ما لا يستقل بنفسه لمفارقته له في علته فاما تعلقهم بانه لو لم يرد السبب لم يكن يتأخر الخطاب إلى وقت حدوثه فلما اخره إلى ذلك الوقت علم انه المراد فبعيد لانه لا يمتنع أن يكون الصلاح في تأخره إلى ذلك الوقت ولا يمتنع ذلك من بيان حكم غير السبب معه ولو وجب حمل الكلام على عين السائل وعلى ذلك الوقت والمكان لهذه العلة وذلك ظاهر الفساد وقولهم

[ 147 ]

ان من حق الجواب ان يطابق السؤال وان ذلك يوجب حمل الكلام على السبب فغلط لان من حق الجواب أن ينتظم بيان ما سئل عنه وانه لا يقتضى غيره غلط لان فيه اخراجه من كونه جوابا فاما إذا اقتضى بيان حكمه وحكم غيره فقد حصل جوابا له وزاد عليه ولا يمتنع هذه الزيادة من كونه جوابا لما لو بين حكمه فقط لكان جوابا لانه في الحالين حصل به بيان السؤال وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ذكر ما الحق بالعموم وليس منه وما اخرج منه وهو منه الافعال لا يصح ادعاء العموم فيها لانها لا تقع الا على وجه واحد فينبغي أن يراعى الوجه الذي وقع عليه الفعل فان علم صح التعلق به وجرى ذلك مجرى النص على عين واحدة وان لم يعلم الوجه الحق بالمجمل وإذا ثبت ذلك فلا يصح ان يتعلق بما روى أن النبي صلى الله عليه وآله قضى بالشاهد واليمين وقضى ان الخراج بالضمان لان ذلك حكاية فعل ومن الناس من فرق فقال إذا روى انه قضى بكذا وكذا لا يصح التعلق به لانه ينبئ عن الفعل وإذا روى انه قضى ان كذا وكذا فيه كذا وكذا صح التعلق به لانه ينبئ عن انه قال ذلك ومن الناس من سوى بين اللفظين وقال لا فرق بينهما في انه لا يصح التعلق به وقال لا يمتنع ان يقال في القضاياء الذي هو الحكم في القضية المقتضى (المقضى خ ل) فيها هذا القول والاولى عندي أن يكون بينهما فرق لانه إذا قال قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشاهد واليمين فهم منه حكاية فعل لا غير وليس كك إذا روى انه قضى ان الخراج بالضمان وان الشبعة للجار لانه يسبق إلى الفهم انه قال ذلك قولا لا فعلا الا أنه وان كان كك لا يقتضى صحة التعلق به لانه لا يعلم انه قال ذلك بقول يقتضى العموم أو بقول يقتضى الخصوص ويفيد الحكم في تلك العين وإذا كان كك صار مثل الاول في أنه ينبغي أن يلحق بالمجمل وإذا ثبتت هذه الجمل فلا يصح التعلق بما روى انه قضى بالشاهد واليمين وان الخراج بالضمان لما قلناه الا أن يدل دليل على الحاق غيره به فيحكم به على هذا لا يصح لاصحاب مالك ان يحتجوا فيمن افطر في شهر رمضان بأي وجه كان فعليه الكفارة بما روى ان رجلا افطر فأمره صلى الله عليه وآله بالكفارة لان الرجل انما سئله عن حكاية فعل ولم يسئله عن حكم من افطر واطلق القول فقال (ع) فعليه الكفارة لانه لو كان كك لكان يصح التعلق به ولكان يجرى مجرى أن يقول من افطر فعليه الكفارة فإذا قال ذلك افاد العموم في كل ما يفطر به وكك لا يصح

[ 148 ]

التعلق بما روى عنه صلى الله عليه وآله انه جمع بين الصلوتين في السفر في جواز الجمع لان ذلك حكاية فعل ولمن خالف في ذلك أن يحمله على جمع مخصوص في بعض الاسفار أو إلى أنه جمع بينهما بعرفة فلا يصح ادعاء العموم فيه فاما إذا روى انه كان يجمع بين الصلوتين في السفر فيصح التعلق به لان ذلك يفيد تكرار ذلك في حال السفر وان ذلك عادته فاما من ضعف هذا الوجه بان قال انما يفيد لفظة كان انه فعل ذلك فيما مضى ولا يفيد التكرار فلا يصح التعلق به فغير صحيح لانه وان افاد الاخبار عما مضى (ع) فانه يفيد تكرار الفعل مع ذلك الا ترى ان القائل إذا قال كان فلان القاضى يحكم بالشاهد واليمين لا يفهم من ذلك الا أنه كان ذلك عادته في جميع الاحكام وكك إذا قال كان ابو حنيفة يقول بتحليل النبيذ وكان الشافعي يقول بتحريمه لم يفهم من ذلك الا أن ذلك كان عادتهما وقولهما في جميع الاحوال ولا يسبق إلى قلب احد انهما قالا ذلك دفعه واحدة وانها كانت فيما مضى فعلم بذلك ان الاولى ما ذكرناه فاما إذا سئل الرسول صلى الله عليه وآله عن امر واجاب عنه يحتاج أن ينظر فيه فان كان عاما حمل على عمومه على ما بيناه وان كان يفيد الحكم فيما سئل عنه نظر فيما سئل عنه فان كان واقعا على وجه واحد فالجواب بحسبه وان كان ذلك غير معلوم من حاله كان الجواب في حكم العموم وذلك نحو ان سئل (ع) عن رجل افطر في رمضان عليه الكفارة اولا ولا يعلم بماذا افطر فمتى اجاب بايجاب الكفارة صار كانه قال كل من افطر فعليه الكفارة واقتضى ذلك عموم وجوب الكفارة على كل مفطر ومتى كان المعلوم للرسول صلى الله عليه وآله انه افطر بوجه واحد وكان سؤاله بنى عن ذلك لفظا أو معنى فجوابه (ع) مصروف إليه ولا يتعدى به إلى غيره الا بدليل وعلى هذا إذا سئل (ع) عمن زنا فامر برجمه كان قوله وان لم يكن عاما في اللفظ فهو في حكم العموم في انه يقتضى رجم زان وقد الحق قوم بهذا الباب اثباته (ع) الحكم في عين وتعليله له العلة يقتضى التعدي إلى غيره نحو قوله (ع) في الهر انها (قوله من الطوافين عليكم والطوافات اي تطوف عليكم بالليل وتحفظكم من كثير من الافات في مجمع البحرين ومطلع النيرين) من الطوافين عليكم والطوافات وقالوا هذه وان لم يمكن أن يرعى فيه العموم فهو في حكمه في ذلك الحكم يتعلق بكل ما فيه تلك العلة حتى يصير بمنزلة تعليق الحكم باسم يشتمل جميعه وهذا انما يمكن ان يعتبره من قال القياس فاما على مذهبنا في نفى القياس فلا يمكن اعتبار ذلك اصلا على ان فيمن قال بالقياس من منع من ذلك وقال ان النبي (ع) لو نص على العلة في شئ بعينه لم

[ 149 ]

يجب الحاق غيره به الا بعد اثبات التعبد بالقياس فاما قبل ذلك العبادة فلا يصح ذلك فيه ولذلك لو قال حرمت المسكر لانه حلو لم يجب أن يحكم بتحريم كل حلو الا بعد العبادة بالقياس وكك ينبغي أن يكون قوله فيما ذكرناه فاما ما روى عنه (ع) من قوله (ع) ان الزعيم غارم فانه عام لان فيه الالف واللام المقتضيين للاستغراق على ما بيناه وليس الامر فيه على ما ظن بعضهم من انه يفيد العموم من جهة الدليل لانه دل على ان عزمه انما كان لاجل كونه زعيما فيكون عاما في الحكم وان لم يكن عاما في اللفظ لانا قد بينا ان ذلك يفيد الاستغراق وكك القول في الاسماء المشتقة التي دخل عليها الالف واللام نحو قوله السارق والسارقة والزانية والزاني في كل ذلك يفيد الاستغراق على ما بيناه لفظا ولم يفد ذلك تعليلا على ما ذهب إليه قوم وإذا روى عنه (ع) انه سهى فسجد بان علم ان سجوده كان لاجل السهو كان ذلك جاريا مجرى قوله (ع) من سهى فليسجد لما دل الدليل على ان حكم غيره حكمه في الشرعيات ويلحق بهذا الباب فحوى الخطاب ودليل الخطاب في انهما يفيدان العموم من جهة المعنى وان لم يفد ذلك لفظا الا ترى ان قوله تعالى ولا تقل لهما اف يجرى مجرى قوله ولا تؤذهما وكك قوله ولا يظلمون فتيلا يفهم منه انهم لا يظلمون القناطير فهو وان لم يفد ذلك لفظا فقد افاد ذلك معنى على ابلغ الوجوه وكك إذا قال في سايمة الغنم زكوة افاد ان العلوفة لا زكوة فيها على ما نبينه فيما بعد وجرى ذلك مجرى قوله لا زكوة في العاملة ومن قال ان تعليق الحكم من تحليل أو تحريم إذا علق بالاعيان اقتضيا العموم في المعنى وان لم يكن عاما من جهة اللفظ فسنبين ما عندنا في ذلك فيما بعد ان شاء الله وهذه الجملة كافية في هذا الباب انشاء الله فصل في ذكر غاية ما يخص العموم إليها يجوز تخصيص العموم إلى أن لا يبقى من اللفظ الا واحد ولا فرق في ذلك بين الفاظ الجموع وبين لفظة من وما وغير ذلك إذا دل الدليل عليه وفي الناس من قال يجوز أن يخص إلى أن يبقى ثلثة ثم لا يجوز دخول التخصيص فيه نحو قوله اقتلوا المشركين لا يجوز أن يزيد اقل من ثلثة وفصل بين ذلك وبين من فاجاز تخصيص لفظة من إلى أن يبقى منها واحد والذي يدل على ما اخترناه انا قد دللنا على ان لفظ العموم متى استعمل في غير الاستغراق كان مجازا وإذا كان مجازا فلا فرق بين استعماله في الواحد وبين استعماله فيما هو أكثر منه

[ 150 ]

يبين ذلك انه لما جاز ذلك في لفظه من كان تجويز ذلك في الفاظ الجمع مثله سواء وقد اجاز احدهما المخالف فينبغي أن يكون حكم الاخر مثله على ان استعمال ذلك لاهل اللغة ظاهر لانهم استعملوا لفظ العموم في الواحد كما استعملوه في الثلثة واكثر من ذلك قال الله تعالى انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون فاخبر عن نفسه بنون الجمع وبالواو والنون وهو واحد وقال الشاعر انا وما اعني سواى انى فعبر عن نفسه بلفظ الجمع وقد تجاوزوا ذلك إلى ان عبروا بلفظ الالف عن الواحد كما روى عن عمر انه لما كتب إلى سعد بن ابي وقاص وقد انفذ إليه القعقاع بن شور مع الف رجل وقد انفذت اليك الفى رجل فعبر عن القعقاع وحده بعبارة الالف لما اعتقده من انه يسد مسد الالف في الحرب وهذا واضح فصل في ذكر ما يخص في الحقيقة وما يخص في المعنى وما لا يجوز دخول التخصيص فيه الادلة على ثلثة اضرب منها ما هو عام من جهة اللفظ ومنها ما هو عام من جهة المعنى ومنها ما ليس بعام لا لفظا ولا معنى فاما ما هو عام لفظا فالتخصيص يجوز أن يدخله بجميع الادلة التي ذكرناها التي يخص بها العموم وذلك لا خلاف فيه واما ما هو عام من جهة المعنى فعلى ضربين احدهما قياس والاخر استدلال فاما القياس فعندنا انه ليس بدليل اصلا ومن قال انه دليل واجاز تخصيص العلة جوز تخصيصه ومن لم يجز تخصيص العلة لم يجز ذلك فاما الاستدلال فنحو دليل الخطاب وفحوى الخطاب ونحو ان ينص النبي عليه واله السلم على حكم في عين ثم علم بالدليل ان حكم غيره حكمه فان التخصيص في جميع ذلك يجوز في المعنى وان لم يسم ذلك تخصيصا ومثل ذلك استدلالنا بجواز وطى ام الولد على ان الملك باق وإذا كان الملك باقيا وجب أن يتبعه جميع احكامه الا ما يخصه الدليل وغير ذلك من المسائل واما ما لا يدخله التخصيص اصلا لانه ليس بعام لا لفظا ولا معنى فنحو أن ينص (ع) على عين واحدة أو يقدم على فعل واحد ويخص ذلك العين بذلك الحكم (فان خ ل) بان معنى التخصيص لا يسوغ فيه وذلك نحو تخصيصه (ع) ابا بردة بجواز اضحية (اضحيته خ ل) وما شاكله فإذا ثبتت هذه الجملة فمتى ورد عام لفظا جاز تخصيصه لفظا بالادلة التي قدمناها وما ليس بعام فان كان المحتج به يحتج باللفظ منع من التعلق به وان احتج به في المعنى جاز أن يعترض عليه بجميع ما يخص به العموم وان لم يسم ذلك مخصصا

[ 151 ]

وما كان خاصا بغير واحدة لا يتعداه التخصيص في المعنى واللفظ لا يصح فيه وهذه جملة كافية في هذا الباب فصل في ان الشرط والاستثناء إذا تعلقا ببعض ما دخل تحت العموم لا يجب أن يحكم ان ذلك هو المراد بالعموم لا غير إذا ورد اللفظ عام وتعقبه شرط علم انه راجع إلى بعضه لا يجب أن يحمل اللفظ العام على ما تعلق ذلك الشرط به بل لا يمتنع أن يكون العام على عمومه و ان ذكر بعده شرط يرجع إلى بعضه وذلك نحو قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن فان ذلك عام في الطلاق والمطلقات ثم قال بعد ذلك لعل الله يحدث بعد ذلك امرا وذلك تخصيص الرجعى ولا يجب من ذلك حمل اول الاية عليه ومثل قوله لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ثم قال بعد ذلك الا أن يعفون فكان اول الاية عاما في جميع النسوة وان كان جواز العفو مخصوصا بمن يملك امره منهن ويصح عفوهن دون من لا يصح ذلك منه ولا يجب تخصيص اول الاية بهن بل كان عاما في سائر النساء وكك إذا ذكرت جملة عامة و عطف عليها جملة خاصة لا يجب من ذلك حمل الادلة عليها بل يجب حمل الاولى على عمومها والثانية على خصوصها وذلك نحو قوله والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلثة قروء ثم قال بعد عاطفا على ذلك وبعولتهن احق بردهن وذلك يختص الرجعيات ولا يجب من ذلك حمل اول الاية عليه بل كان عاما فيهن وفي غيرهن ممن لا يملك مراجعتهن ومثل ذلك قوله تعالى واللائى يئسن من المحيض من نسائكم كان ذلك عاما في جميعهن ثم قال واولات الاحمال ان يضعن حملهن ولا يجب من ذلك حمل اول الاية عليهن ولذلك نظائر كثيرة والذي ينبغي ان يحصل في هذا الباب انه إذا ورد لفظ عام ثم وصف بصفة أو شرط بشرط علم انه لا يصح ذلك الشرط ولا تلك الصفة في جميع اللفظ العام وجب حمل اللفظ العام عليه إذا كان الشرط أو الصفة متعلقين ببعض ما تناوله لم يجب ذلك وكان حكمه ما قدمناه في اول الباب فاما إذا كان الكلام في جملتين قد عطفت احدهما على الاخرى فينبغي أن ينظر في الجملة الثانية فلا يخلو أن تكون متناولة لمثل ما تناوله الجملة الاولى أو لا تكون كك فان كانت متناولة لمثل ما تناولته الاولى فلا يخلو أن تكون موافقة أو مخالفة فان كانت موافقة له في الحكم فان ذلك يكون تأكيدا ويجب حملها على مثل ما حملت عليه الجملة الاولى وان كانت الجملة الثانية

[ 152 ]

متناولة لمثل ما تناولته الاولى وكانت مخالفة لها في الحكم فلا تعلق لها بالجملة الاولى وكانت كاية اخرى يجب حملهما على ظاهرهما وان كانت متناولة لمثل ما تناولته الاولى وكانت متضادة لها في الحكم فذلك لا يجوز وقوعه من الحكيم تعالى لانه يؤدي إلى التناقض والبدا وهما منفيان عنه تعالى فنظير الجملة المؤكدة ان نقول اقتلوا المشركين ثم بعطف على ذلك فيقول اقتلوا الكفار ونظير الجملة المخالفة ان نقول اقتلوا المشركين وخذوا غنائمهم واسبوا ذراريهم وما يجرى مجرى ذلك ونظير المتضادة نحو أن يقول اقتلوا المشركين ولا تقتلوا الكفار فان ذلك ينفى ما اثبتته الجملة الاولى وذلك لا يجوز على الحكيم تعالى وإذا كانت الجملة الثانية اخص من الجملة الاولى واعم منها وان كانت تقتضي مثل حكم الادلة كانت تأكيدا أو ذكرا لتفخيم ما ذكر في الاولى وعلى ذلك يحمل قوله من كان عدوا لله وملئكته ورسله و جبريل وكك قوله فيها فاكهة ونخل ورمان فان ذلك اما ان تحمله على التأكيد أو على تفخيم سائر ما افرد بالذكر وعند من قال بدليل الخطاب من اصحاب الشافعي و غيرهم ان افراد بعض ما تناوله لفظ العموم بالحكم يدل على انه اراد بالعموم الخصوص وعلى هذا حمل قوله لا جناح عليكم ان طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره على ان المتعة يجب لغير المدخول بها إذا لم يسم لها مهرا ومن خالفه قال تجب المتعة لكل مطلقة وسنذكر ما عندنا من دليل الخطاب فيما بعد ان شاء الله تعالى والاقرب على مذهب من يقول بدليل الخطاب ان يقال ان العموم في الاولى يمنع من دليل الخطاب في الثانية باولى من أن يقال ان دليل الخطاب في الثانية يمنع من حمل الاولى على العموم فإذا تساوى القولان وجب أن يوقف ذلك على البيان أو يكون مجملا على ما بيناه وان كانت الجملة الثانية مخالفة للاولى في الحكم كانت كاية اخرى لا تعلق لها بالجملة الاولى على ما بيناه في الجملتين المتماثلتين في العموم وان كانت ضدا للجملة الاولى فان كانت الجملة الاولى اعم والثانية اخص وذلك على انه اراد بالجملة الاولى وما عدا ما ذكر في الجملة الثانية وان كانت جملة الثانية اعم دل ذلك على انه اراد بالثانية ما عدا ما ذكر في الجملة الاولى ونظير الاول ان تقول اقتلوا المشركين وتقول بعده ولا

[ 153 ]

تقتلوا اليهود والنصارى والا كانت متناقضة أو بداء وذلك لا يجوز ونظير الثاني ان تقول اولا لا تقتلوا اليهود والنصارى ثم يقول بعده اقتلوا المشركين فان ذلك يدل على انه اراد بلفظ المشركين الثانية ما عدا ما ذكر في الجملة الاولى ولولا ذلك لادى إلى ما قدمناه وابطلناه وليس لاحد أن يقول هلا حملتم الثانية على انها ناسخة لان من شان النسخ أن يتأخر عن حال الخطاب على ما نبينه وانما ذلك من ادلة التخصيص الذي يجب مقارنتها للخطاب على ما تقدم القول فيه فعلى هذا ينبغي أن يجرى كل ما يرد من هذا الباب فصل في جواز تخصيص الاخبار وانها تجرى مجرى الاوامر في ذلك الصحيح انه يجوز تخصيص الاخبار سواء كان معناها معنى الامر أو لم يكن كك كما يجوز تخصيص الاوامر وفي الفقهاء من قال ان ذلك لا يجوز كما لا يجوز نسخ الاخبار واكثر الفقهاء والمتكلمين على المذهب الاول والذي يدل على ذلك ان التخصيص هو مادل على مراد المخاطب بالعموم وذلك لا يمتنع في الاخبار كما لا يمتنع في الاوامر فانه لا يمتنع ان يريد المخاطب باللفظ العام بعض ما وضع له كما لا يمتنع ان يأمر باللفظ العام ويريد بعض ما يتناوله فالامران سواء فاما ثبوت ذلك فاكثر من أن يحصى نحو الاخبار المتضمنة للوعيد فانها خاصة وكك ايات الوعد عند بعضهم وقوله تعالى والله على كل شئ قدير وقد علمنا انه لا يقدر على ذات نفسه ولا مقدورات غيره وكك قوله واوتيت من كل شئ وقد علمنا انها ما اوتيت اشياء كثيرة وذلك اكثر من أن يحصى على انا قد بنينا ان الامر والنهى في معنى الخبر فلا فرق بين أن يأمر بالشئ في انا نعلم وجوبه وبين أن يخبرنا بان له صفة الوجوب في انا نعلم مثل ما علمناه بلفظ الامر وقد روى عنه (ع) انه امتنع من دخول بيت فيه تصاوير وقال ان الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير ثم خص ذلك بان دخل بيتا فيه تصاوير تؤطأ واما حملهم ذلك على النسخ فالصحيح ان النسخ مجوز أن يدخل في الاخبار ونحن نبين ذلك في باب الناسخ و المنسوخ فبطل بذلك تعلقهم به فصل في ذكر بناء الخاص على العام وحكم العمومين إذا تعارضا اعلم انه إذا ورد عام يتناول اثبات حكم وورد خاص يتناول نفى حكم ؟ ؟ ؟ عن بعض ما تناوله العام نظر في تاريخهما فان كان احدهما سابقا للاخر كان

[ 154 ]

المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا وسواء كان المتقدم عاما في ان الخاص الذي يجئ بعده و يتأخر عنه يكون ناسخا له لان تأخير بيان العموم لا يجوز عن حال الخطاب على ما نبينه فيما بعد وكك لو كان المتقدم خاصا والمتأخر عاما فانه يكون ناسخا الا أن يدل دليل على انه اريد به ما عدا ما تقدمه من الخاص وهذا لا خلاف فيه بين اهل العلم ومتى لم يعلم تاريخهما فالصحيح انه يبنى العام على الخاص ويجمع بينهما وهو مذهب الشافعي واصحابه واهل الظاهر وبعض اصحاب أبي حنيفة وفي الناس من قال إذا عدم التاريخ فالواجب ان يرجع في الاخذ باحدهما إلى دليل ويجريهما مجرى عامين تعارضا وهو مذهب عيسى بن ابان وابي الحسن الكرخي والذي يدل على صحة المذهب الاول ان من حق من ثبتت حكمته أن لا يلغى كلامه إذا أمكن حمله على وجه بعيد وإذا صح ذلك فمتى أوجبنا استعمال العام لادى إلى الغاء الخاص ومتى استعملنا الخاص لم يوجب اطراح العام بل يوجب حمله على ما يصح ان يريده الحكيم فوجب بهذه الجملة بناء العام على الخاص ونظير ذلك ما روى عنه (ع) انه قال في السرقة ربع العشر فكان هذا عاما في قليلة وكثيرة ثم قال ليس فيما دون خمس اواق من الورقة صدقة فاوجب هذا ان ما نقص عن خمس أواق ليس فيه صدقة وهو اخص من الاول فلو عملنا بموجب الخبر الاول لاحتجنا إلى اسقاط الخبر الاخير ومتى استعملنا الاخير امكننا استعمال الاول على ما يطابقه فان قيل هلا حكمتم فيهما بالتعارض كالعمومين لان ما تناوله الخاص قد تناوله الخبر العام وانما زاد عليه العام بتناوله شيئا اخر لم يتناوله الخاص فكان الزايد على ذلك حكم خبر اخر وما تناوله العام مما عارضه الخبر الخاص في حكم خبر اخر فوجب ان يعارض ذلك لما تناوله الخاص ويقف العمل على احدهما على الدليل قيل هذا لا يجوز لانه يؤدى إلى ابطال احد المخبرين (الخبرين) مع صحة حمله على وجه ممكن وليس كك حكم العمومين إذا تعارضا لانه لا يمكن الجمع بينهما على وجه فاما قولهم ان ما تناوله العام في حكم الخبرين تناول احدهما مثل ما تناول الخبر الخاص والاخر يتناول ما زاد على ذلك وانه ينبغى أن يحكم بالتعارض فيهما ليس بصحيح لان العام إذا كان جملة واحدة صح فيه من صرفه إلى ان المراد به بعضه ما لا يصح فيه إذا

[ 155 ]

خبرين فمتى قيل ان المراد ما تناوله احدهما ادى ذلك إلى ابطال ما تناوله الخبر الاخر وذلك لا يصح فإذا ثبت ذلك صح ما قلناه في بناء العام على الخاص وفارق حاله حال الخبرين الذين يتناولان ما تناوله العام فان قيل هلا حملتم احدهما على انه ناسخ للاخر وتكونون قد استعملتم الخبرين على وجه الحقيقة ويكون ذلك اولى من بناء العام على الخاص لان استعمال العام في الخاس يكون مجازا يقال انما يمكن حمل ذلك على النسخ إذا علمنا تاريخهما وان احدهما متقدم والاخر متأخر فيحمل ذلك على النسخ فاما مع عدم التاريخ فلا يمكن حمل ذلك فيه ويدل على ذلك ايضا ان على مذهب الخصم لو ثبت بالقياس اخراج بعض ما يتناوله العام من عمومه وجب أن يخرج منه وخص به العموم فالخبر الخاص إذا أوجب اخراج بعض ما يتناوله العام بذلك اولى لان السنة اولى (اقوى خ ل) من القياس عنده ويدل على ذلك ايضا ان العام والخاص لو وردا معا لعلمنا ان المراد بالعام ما تناوله الخاص لان ذلك دليل التخصيص فإذا وردا مفترقين ولا دليل يدل على تقدم احدهما وتأخر الاخر كانا في حكم ما وردا في وقت واحد ويجرى مجرى الغرقى في انه وان جاز تقدم احدهم على الاخر فمتى عدم التاريخ في ذلك حكم بانهم كانوا ماتوا في حالة واحدة على مذهب الخصم واستدل بعض من نص على ما اخترناه بان قال ما تناوله الخاص مقطوع به وما تناوله العام مشكوك فيه فلا ينبغي أن يزال اليقين بالشك وهذا انما يمكن أن يعتمده من قال ان العموم ليس له صيغة تفيد الاستغراق فاما على ما ثبت عليه من ان له صيغة تفيد ذلك فلا يمكن لان ما تناوله العام عندنا مقطوع مثل ما تناوله الخاص فلا فرق بينهما على حال وقد استدل بوجوه اخر تضعف وما ذكرناه اقول ما يستدل به فاما المخالف لذلك فانما عول في ذلك على ان قال انما تضمنه العام في حكم ما تضمنه خبران احدهما ما تضمنه (تضمن) الخاص والاخر تضمن غيره فكان ما تضمنه الخاص معارضا له وقد اوردنا في دليلنا ما هو جواب عنه فاغنى عن الاعادة وقد تعلق كل واحد منهما بوجود مواضع من العام والخاص بنى احدهما على الاخر أو حكم فيهما بالتعارض لا يمكن أن يعول عليه لان لمن يخالفه أن يقول انما حكمت بذلك لدليل دل عليه لولا الدليل لما قلت به وينبغي أن يكون المعتمد

[ 156 ]

ما قدمناه من الادلة وفيه كفاية ان شاء الله تعالى فاما العمومان إذا تعارضا فلا يخلو من ان يكون طريق اثباتهما العلم أو لا يكون كك فان كان طريق اثباتهما العلم يصح وقوعهما من حكيم على وجه ولا يصح على اخر فما يصح وقوعه منه بوجوه احدها ان يقترن بهما التاريخ وان احدهما متقدم والاخر متأخر فيحكم بان المتأخر ناسخ والمتقدم منسوخ والثاني أن يمكن الجميع بينهما على وجه من التأويل والثالث أن يكونا وردا مورد التخيير فهذه الوجوه التي يصح أن يقع العمومان المعلومان عليه من الحكيم فمتى خلا من ذلك بان تقدم التاريخ ولا يصح الجمع بينهما لتضادهما علم انه لم يرد التخيير فانه لا يجوز وقوعهما من حكيم لانه يؤدى إلى أن يدل الدليل على خلاف ما هو دليل عليه وذلك لا يجوز على حال فاما إذا عارض كل واحد من العمومين صاحبه من وجه ولا يعارضه من وجه نحو قوله تعالى أو ما ملكت ايمانكم وقوله وان تجمعوا بين الاختين لان احدهما يقتضى تحليل الجمع بين الاختين المملوكتين والاخر يقتضى خطره ويصح أن يكون المراد باية الجمع ما عدا المماليك ويحتمل أن يراد باية المماليك ما عدا الاختين فقد استويا في التعارض وفي صحة الاستعمال على وجه واحد فما هذه حالة وجب الرجوع في العمل باحدهما إلى دليل ولذلك روى عن أمير المؤمنين (ع) انه قال احلتهما اية وحرمتهما اخرى وانا انهى عنهما نفسي وولدى فاخبر ان ظاهرهما يقتضى التعارض وانه عمل باحدهما لعلمه بذلك وان العمل به هو الواجب وروى عن عثمان انه وقف في ذلك وقال احلتهما اية وحرمتهما اخرى وحكى انه رجح تحريمها فاما إذا كان طريق اثباتهما الاحاد فانه رجع في العمل إلى احدهما بالترجيح وقد قدمنا ما يرجح به احد الخبرين على الاخر بما يرجع إلى اسناده أو متنه فاغنى عن الاعادة مثل ذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال من نام عن صلوة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ونهى عن الصلوة في الاوقات المخصوصة وكك روى عنه صلى الله عليه وآله انه قال من بدل دينه فاقتلوه فكان ذلك عاما في النساء والرجال والصبيان ثم نهى عن قتل النساء والولدان والطريقة في الكلام على ذلك ما قدمناه من الوقف والرجوع في العمل باحدهما إلى دليل ومن الناس من رجح العمل باحد هذين الخبرين دون الاخر بانه خرج على سبب فإذا عارضه الاخر وجب أن يقصر ذلك على

[ 157 ]

سببه ولا يعدى ذلك لان الاخر يمنع منه ولنا (لها خ ل) في عين هذه المسألة نظر وليس ذلك بمانع مما قلناه لان (أما خ ل) هذا مثال ولو لم يرد هذا المثال لكان ما فرضناه صحيحا الكلام في البيان المجمل فصل في ذكر حقيقة البيان والمجمل وما فيه (به خ ل) النص وغير ذلك البيان عبارة عن الادلة التي تبين بها الاحكام وعليه يدل كلام ابي علي وأبي هاشم واليه ذكب اكثر المتكلمين والفقهاء ويعبر عنه بانه هداية وبانه ضلالة وبأنه بيان كل ذلك يراد به معنى واحد وذهب أبو عبد الله البصري إلى أن البيان هو العلم الحادث الذي به يبين الشئ وفي الناس من جعل البيان هو الادلة من جهة القول والكلام دون ما عدا ذلك من الادلة وذهب الصيرفي إلى ان البيان هو ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى التجلى وقال الشافعي البيان اسم جامع لمعان متشعبة الاصول متشعبة الفروع واقل ما فيه انه بيان لمن نزل القران بلسانه وقال من فسر كلامه ان غرض الشافعي بهذا كان إلى ذكر ما هو بيان في اللغة التي نزل بها القران لا ان يعينه وذكر اقسام ذلك ولذلك قال انه متشعب ثم قال ان اقل ما فيه انه مما يتبين به من نزل القران بلسانه المراد ويبين بذلك ان فيه ما يكون في باب الدلالة على ان المراد اقوى واظهر من بعض وان كان جميعه قد اشترك فيما ذكرنا وقال هذا اقرب ما يحمل كلامه والذي يدل على ما ذهبنا إليه من انه عبادة عن الدلالة على اختلاف اقسامها ان بالادلة يتوصل إلى معرف المدلول والبيان هو الذي يصح ان يبين ما هو بيان له ولاجل ذلك يقال قد بين الله تعالى الاحكام والمراد بذلك انه دل عليها بان نصب عليها الادلة فكان بذلك في حكم مظهر لها فكما يقال لما قد ظهر بأن فكك يقال للمدلول عليه قد بان ويوصف الدال بأنه مبين يعلم بصحة تصرفها في جميع المواضع ان المراد به ما قلناه وتجاوزوا ذلك إلى ان قالوا في الامارات التي تقتضي عليه غلبة الظن انها بيان كما قالوا فيها انها ادلة على ضرب من المجاز فان قيل ما انكرتم أن يكون البيان عبارة عن العلم الحادث الذي يتبين به الحكم دون الادلة التي لا يتبين بها الحكم ولاجل ذلك لا يوصف الله تعالى بانه متبين لما لم يكن له علم حادث ولا يقال في الواحد منا فيما يعلمه ضرورة انه متبين له لما لم يكن علمه حادثا وانما يوصف بما يتجدد له من العلوم التي تحدث حالا بعد حال قيل لا يجوز أن يكون

[ 158 ]

البيان عبارة عن العلم لانه لو كان كك لكان من فعل هذه العلوم يكون هو المبين كما ان الدال يكون من فعل الدلالة ونحن نعلم انما نصف الله تعالى بانه قد بين لنا الاحكام فهو مبين كما يقول انه دلنا فهو دال ويسمى الرسول صلى الله عليه وآله ايضا بذلك قال الله تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم فجعله (ع) لنا الاحكام وعلى ما سأل السائل كان يجب أن يكون نحن المبينين لان العلوم الحادثة فينا هي من فعلنا وذلك لا يقوله احد فعلم بذلك ان الاولى ما قلناه واما التبيين (التبين خ ل) فلا يقع الا بالعلم على ما ذكره السائل ولاجل ذلك لم نصف الله تعالى بانه متبين وان كان في الناس من ارتكب ذلك ولم نسلم ان التبيين لا يقع الا بالعلم الحادث وحد العالم انه متبين للشئ على ما هو به واجري ذلك على الله تعالى والواحد منا والاولى ما قلناه ولا ينقص ذلك ما نصرناه من ان البيان عباره عن الادلة لانا جعلنا ذلك عبارة عما يمكن الاستدلال به لا ما يقع به التبيين وذلك حاصل في الادلة فينبغي أن يكون عبارة عنها وما اوردناه سؤالا هو شبهة أبي عبدالله من ان البيان عبارة عن العلم وقد تكلمنا عليه فاما من حد البيان بانه ما اخرج الشئ من حد الاشكال إلى حد التجلى فقد حد البيان بعبارة هي اشكل منها وينبغي أن يحد الشئ ما هو اظهر منه على ان ما ذكروه انما هو بعض البيان لان البيان قد يكون مبتدأ وان لم يكن هناك مشكل يخرج به إلى التجلى فعلم بذلك ان الاولى ما اخترناه وهذه المسألة التي هي الكلام فيها كلام في عبارة فلا معنى للاطالة فيه فاما المجمل فيستعمل على ضربين احدهما ما يتناول جملة من الاشياء وذلك مثل العموم والفاظ الجموع وما اشبههما ويسمى ذلك مجملا لانه يتناول جملة من المسميات والضرب الاخر هو ما انبأ عن الشئ على جهة المجملة دون التفصيل ولا يمكن ان يعلم المراد به على التفصيل نحو قوله تعالى خذ من اموالهم صدقة وقوله وفي اموالهم حق معلوم وقوله واتوا حقه يوم حصاده وما اشبه ذلك مما سنبينه فيما بعد واما النص فهو كل خطاب يمكن أن يعرف المراد به وحد الشافعي النص بانه هو كل خطاب علم ما اريد به من الحكم كان مستقلا بنفسه أو علم المراد به بغيره وكان يسمى المجمل نصا والى ذلك ذهب أبو عبد الله البصري والذي يدل على صحة ما اخترناه ان النص انما

[ 159 ]

سمى نصا لانه يظهر المراد ويكشف عن الغرض شبيها بالنص المأخوذ من الرفع نحو قولهم منصة العروس إذا اظهرت ونحو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه كان حين افاض من عرفات إلى جمع يسير على هيئة فإذا وجد فجوة نص يعنى انه إذا بلغ فيه الغاية فعلم بذلك صحة ما قلناه واما المفسر فهو ما يمكن معرفة المراد به وهو موضوع في الاصل لماله تفسير لكنه لما كان ماله تفسير يعلم بتفسيره مراده وكان ما يعلم المراد به بنفسه بمنزلته سمى مفسرا واما المحكم فهو ما لا يحتمل الا الوجه الواحد الذي اريد به ووصفه محكما لانه قد احكم في باب الابانة عن المراد واما المتشابه فهو ما احتمل من وجهين فصاعدا فاما وصف القران بانه متشابه كله في قوله تعالى الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها فالمراد به انه متماثل في باب الدلالة والهداية والرشاد والاعجاز وقد وصفه الله تعالى بانه محكم بقوله الر كتاب احكمت اياته والمعنى بذلك انه احكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت ويحصل به الغرض المقصود ولذلك وجب حمل المتشابه على المحكم ويجعل المحكم اصلا له وقد وصف الله تعالى القرآن بان بعضه محكم وبعضه متشابه بقوله هو الذي انزل عليكم الكتاب منه ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات والمعنى بذلك ما قدمناه و اما الظاهر فهو ما يظهر المراد به للسامع من حيث ظهر مراده وصف هو بانه ظاهر وقد بينا فيما تقدم معنى العام والخاص والامر والنهى فاغنى الاعادة ان شاء الله تعالى فصل في ذكر جملة ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج الخطاب على ضربين احدهما يستقل بنفسه ويمكن معرفة المراد به بظاهره وان لم يصف إليه امر اخر وثانيهما لا يستقل بنفسه ولا يفهم المراد به بعينه الا أن يقترن به بيان يدل عليه فاما ما يستقل بنفسه فعلى اربعة اقسام اولها ما وضع في اصل اللغة لما اريد به وكان صريحا فيه سواء كان عاما أو خاصا امرا كان أو نهيا فان جميع هذه الالفاظ يمكن معرفة المراد لظاهرها فمتى خاطب الحكيم بها واراد به ذلك امكن أن يعلم مراده بها ونظير ذلك قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق وقوله ولا يظلم ربك احدا وقوله والله بكل شئ عليم وغير ذلك وثانيها ما يفهم المراد به بفحواه لا بصريحه وذلك نحو قوله ولا تقل لهما اف ولا تنهرهما فان فحواه يدل على المنع من اذاهما على كل وجه وكك قوله ولا يظلمون

[ 160 ]

فتيلا لانه يقتضى فحواه نفى الظلم لهم بذلك وما زاد عليه وفي الفقهاء من الحق هذا الوجه بالقياس وزعم ان جميع ذلك يفهم بضرب من الاعتبار وذلك خطأ لان دلالة ما قدمناه من الالفاظ على ما قلناه اقوى من دلالة النص لان السامع لا يحتاج في معرفة المراد به إلى تأمل فهو إذا كالاول والذي يكشف عما قلناه انه لو قال ولا تقل لهما اف واضربهما أو اقتلهما واضعفهما يعد بذلك مناقضا وكذلك لو قال رجل لغيره انا لا اعطيك حبة ثم قال لكنى اعطيك الدراهم واخلع عليك لكان ذلك مناقضة ظاهرة ولو ان قائلا قال فلان يؤتمن على قنطار ثم قال ونجوز فيما قدره دانق كان ذلك مناقضة فعلم بجميع ذلك صحة ما قلناه الا انه بما كان بعضه اجلى من بعض وبعضه اظهر من بعض وبعضه ابهر من بعض حتى يظن فيما ليس منه انه منه وفيما هو منه انه ليس منه ولاجل ذلك اعتقد اكثر الفقهاء في قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ايام اخر فقال انه يعقل منه فافطر فعدة من ايام اخر وهذا ليس بصحيح لان عندنا ان وجوب القضاء في هذه الاية يتعلق بنفس السفر والمرض المخصوصين وان لم يفطر الانسان فتقدير الافطار لا يحتاج إليه ومن قال من الفقهاء ان وجوب القضاء في هذا الموضع متعلق بالافطار فالمحصلون منهم قالوا ان ذلك طريقة الدليل وليس هو من باب فحوى الخطاب في شئ وثالثها تعليق الحكم بصفة الشئ فانه يدل على ما عداه بخلافه على ما تدل عليه وان كان فيه خلاف ورابعها ما ذهب إليه كثير من الفقهاء وهو ما يدل فائدته عليه لا صريحه ولا فحواه ولا دليله وهو عندهم على ضروب منها ما يدل عليه تعليله نحو قوله في الهر انها من الطوافين عليكم والطوافات لان اللفظ لا يتناول ما عدا الهر ولا يعقل ذلك بفحواه ولا بدليله وانما يحكم ذلك بالتعليل ومنها قوله والسارق والسارقة والزانية والزانى انه لما افاد الزجر بالايتين افاد ان القطع تعلق بالسرقة والجلد بالزنا فعلم بذلك في جميع السراق والزناة هذا عند من قال ان الالف واللام لا يستغرقان فاما من قال بذلك فلا يحتاج إلى هذا التمحل بل يوجب ذلك بلفظ العموم ومنها ما قدمناه من ان الامر بالشئ يقتضى الامر بما لا يتم الا به وان فائدة قولنا تدل على ذلك وقد قلنا ما عندنا في جميع هذه الامثلة بما اغنى عن الاعادة فاما ما لا يستقل بنفسه في افادة المراد يحتاج إلى ما يقترن به

[ 161 ]

من البيان فعلى ضربين احدهما يحتاج إلى بيان ما لم يرد به مما يقتضى ظاهره كونه مرادا ولا يحتاج إلى بيان ما اريد به بل يعلم ذلك بظاهره وذلك نحو العام إذا علم انه دخله التخصيص فانه يحتاج في معرفة ما اخرج منه إلى دليل لا فيما اريد به علم ذلك باللفظ المتناول له ويحتاج إلى ان يعلم ما لم يرد منه وذلك نحو قوله والسارق والسارقة والزانى والزانية واقتلوا المشركين فانه لما علمنا ان في السراق من لا يجب قطعه مثل أن يكون سارقا من غير حرز أو سرق ما دون النصاب أو لم يكن عاقلا أو كان هناك شبهة وغير ذلك من الشرايط المراعاة في ذلك احتيج إلى بيان من لا يقطع لان عمومه يقتضى ان يقطع كل سارق من حصلت فيه الصفات التي ذكرناها ومن لم يحصل فإذا دل الدليل على ان من لم تكمل هذه الصفات فيه لا يجب قطعه اخرج من ذلك وقطع الباقون بظاهر الاية وكك القول في اية الزنا والشرك فالطريقة واحدة ومن الناس من الحق هذا الباب بالمجمل الذي يحتاج إلى بيان المراد منه وقال لا يصح التعلق بظاهره وسنبين ما عندنا في ذلك فيما بعد انشاء الله تعالى والضرب الثاني هو ما يحتاج إلى البيان في معرفة ما اريد به وهو على ضروب منها ما وضع في اصل اللغة ليدل على المراد على طريق الجملة دون التفصيل وذلك نحو قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقوله في اموالهم حق وقوله واتوا حقه يوم حصادة وقوله لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ونحو قول النبي صلى الله عليه وآله عصموا منى دمائهم واموالهم الا بحقها وغير ذلك من الامثلة ومنها ما وضع في اللغة محتملا لمعان نحو قوله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا لان ذلك يحتمل وكذلك قوله يتربصن بانفسهن ثلثة قروء فان ذلك يحتمل الحيض والطهر ومنها الاسماء الشرعية لانها اجمع تحتاج إلى بيان ما اريد به بعض ما وضع له في اللغة نحو الصيام والوضوء وغير ذلك ومنها ما وضع في اللغة لينبئ عن المراد به لكنه قد علم انه لم يرد به بعض ما تناوله من غير تعيين لذلك البعض فهذا لا يعلم المراد به لانه لا شئ يشار إليه مما يتناوله الا ويجوز أن يكون مخصوصا منه وذلك نحو قوله تعالى واوتيت من كل شئ فانه لما علمنا انها لم تؤت اشياء كثيرة على طريق الجمله احتجنا في معرفة ما اوتيت إلى دليل وقد الحق قوم بهذا الوجه قوله وافعلوا الخير وقالوا انه إذا لم يصح ان يريد بذلك جميع الخير لان فيه مما ليس بواجب فالواجب اما ان يحتاج إلى بيان أو يراد بالامر الندب وهذا ليس بصحيح لان الخير الذي قد علم نفى وجوبه معلوم وذلك هو الذي لم يرد فاما ما عداه فمعلوم وجوب فعله بظاهر اللفظ كما تقول في ساير الفاظ العموم الذي يخص بعضها ومنها ما وضع في اللغة ليدل على المراد بظاهرة الا انه إذا تعقبه شرط أو استثناء مجمل يرجع إليه صار ما تقدمه مجملا وذلك نحو قوله تعالى واحل

[ 162 ]

لكم ما وراء ذلكم فان ذلك يقتضى اباحة كل ما وراء المحرمات فلما قال بعد محصنين غير مسافحين وكان ذلك مجملا افتقرت الاية إلى بيان وصارت مجملة ومثل ذلك قوله احلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم لان ما يتلى لما كان مجملا فالاول بمنزلته ومنها لفظ العام إذا ورد واقتضى حكما والمعلوم من حال ذلك الحكم انه لا يتم فعله الا بشئ اخر وذلك الشئ لا يعلم بالظاهر اقتضى ذلك اجمال العام لانه لا يمكن الاقدام على ذلك مع الجهل بما لا يتم الا به فهذه جملة مقنعة في ذكر ما يحتاج إلى البيان وما لا يحتاج لان شرح ذلك طويل فاما الذي لاجله قلنا ان ما يمكن أن يعلم المراد بظاهره ولا يحتاج إلى بيان فهو انه لو احتاج إلى بيان لكان يحتاج إليه فيما يقوم ويسد مسده فإذا كان هو بنفسه مع انه قام (مقام) لا يتبين به المراد فكذلك بيانه وفي ذلك اخراج بيانه ايضا من أن يستقل بنفسه وايجاب إلى بيان اخر وذلك يوجب اثبات ما لا يتناهى من البيان وذلك مح وانما قلنا ان القسم الاخير يحتاج لانه لا يمكن معرفة المراد فكك ذلك في حكم كل من لم يعرف حاله من الحاجة إلى بيانه ليتبين له المراد وذلك ظاهر والله الموقف للصواب تم الجزء والاول من كتاب العدة للشيخ الطوسى طاب مرقده وقد رمسه ويلحقه انشاء الله تعالى الجزؤ الثاني منه بتوفيق الله وتأييده والصلوة على نبيه محمد وآله الطاهرين فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم يباع هذه النسخ في كربلا عند الشيخ شيخ محمد مهدى الرئيس - وفي النجف الاشرف عند الشيخ شيخ احمد الكتبي

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية