الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التذكرة بأصول الفقه- الشيخ المفيد

التذكرة بأصول الفقه

الشيخ المفيد


[ 1 ]

سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ج 9 التذكرة باصول الفقه الاشراف أحكام النساء ذباح أهل الكتاب المسح على الرجلين رسالة في المهر جوابات أهل الموصل تحقيق: الشيخ مهدي نجف الاعلام تحقيق: الشيخ محمد الحسون أبي عبد الله محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي الشيخ المفيد (336 - 413 ه‍) دار المفيد طباعة - نشر - توزيع

[ 2 ]

جمع الحقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية 1414 هجرية - 1993 ميلادية طبعت بموافقة اللجنة الخاصة المشرفة على المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت. لبنان. ص. ب 25 / 304

[ 3 ]

كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين - والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين واصحابه المنتجبين. كان لانعقاد المؤتمر الألفي للشيخ المفيد في مدينة قم سنة 1413 ومشاركة الوفود العالمية في ذلك المؤتمر، وما القي فيه من دراسات وبحوث - كان ذلك حافزا للكثيرين إلى التنبه لاحياء آثار هذا العالم العظيم الذي كان له في تاريخ الثقافة الاسلامية والفكر العربي ما كان، سواء في مدرسته الكبرى التي اقامها في بغداد، أو في مجالسه العلمية التي كانت تنعقد في داره، أو في مؤلفاته التي تطرقت إلى أنواع شتى من المعرفة، ما خلدها على مر العصور. وقد كان من أهم ما تنبه إليه المفكرون والمحققون هو وجوب جمع تلك المولفات في حلقات متتابعة يسهل على المتتبع الوصول إليها. وقد كان ذلك فجمعت تلك المؤلفات والمصنفات في سلسلة مترابطة في حلقاتها لتكون بين يدي القارئ سهلة المأخذ، يستفيد منها العالم والمتعلم، والاستاذ والتلميذ، وتصبح موردا لكل ظامئ إلى العلم، صاد إلى الثقافة. وقد رأت دارنا (دار المفيد) ان تقوم بطبع هذه المؤلفات في طبعة جديدة عارضة لها على شداة الحقيقة العلمية الفكرية اينما وجدوا، وهو ما يراه القارئ بين يديه فيما يلي، كتابا بعد كتاب. وإننا لنرجو أن نكون بذلك قد ارضينا الله اولا، ثم ارضينا قراءنا الذين عودناهم فيما مضى من أيامنا على ان نبذل لهم كل جديد. سائلين من الله التوفيق والتسديد واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين دار المفيد بسم الله الرحمن الرحيم

[ 2 ]

التذكرة بأصول الفقه تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي (336 - 413 ه‍) تحقيق الشيخ مهدي نجف

[ 4 ]

الرسالة التي بين يدي القارئ الكريم عنونها الشيخ محمد بن علي بن عثمان الكراجكي في كنزه ب‍ (مختصر التذكرة باصول الفقه) وقال استخرجته لبعض الاخوان من كتاب شيخنا المفيد أبى عبد الله محمد ابن محمد بن النعمان رضي الله عنه. وختمها رضوان الله تعالى عليه بقوله: (ولم أتعد فيه مضمون كتاب شيخنا المفيد رحمه الله حسب ما طلبت).

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (اصول الفقه) يعني: العلم الذي يحتوي على القواعد العامة التى يعتمدها الفقيه عند ما يريد معالجة أدلة الاحكام الفقهية ليستنبطها منها، وهي تتنوع إلى قواعد تحدد نوعية الأدلة القابلة للاستخدام في الفقه، والى قواعد تحدد مدى دليلية تلك الأدلة، وإلى قواعد تحدد شروط الاستدلال الصحيح و طرقه ومسالكه المعتبرة شرعا، والى قواعد تحدد الادوات اللازمة للمعالجات عند تعارض الأدلة وتنافيها. وبمعرفة هذه القواعد واستيعابها ثم تطبيقها يكون الفقيه على عدة وقوة لاستباط الحكم في علم الفقه معتمدا مبانيه الاصولية تلك. وقد كان الفقهاء الشيعة يستخدمون هذه الاصول، والقواعد بالسليقة التي تطبعوا عليها وتلقوها في معاملاتهم العرفية التى كانوا يتداولونها في مدارسهم وعلى أساليبهم اللغوية المرتكزة في فهم معاني الالفاظ و تحصيل التفهيم و التفاهم، اعتمادا على ما لهم من قوة في التقنين والقناعة بالاعراف المتفق عليها

[ 6 ]

بين العقلاء. ولما تكثرت المعارف وتداخلت كان من الضروري إبراز هذه القواعد في قالب معين، وجمعها في إطار محدد، سمى بعلم (أصول الفقه). ولقد اصطيدت وحدات هذه القواعد، ونماذج مطبقة منها في ما ورد عن الأئمة عليهم السلام من أحاديث تحتوى على اكثر من مجرد عرض الاحكام و سردها، بل تحتوى على الاستدلالات والمناقشات الفقهية، وخاصة عند ما كان الفقهاء من أصحابهم، يحاولون التفريع على ما كان الائمة عليهم السلام يطلقونه من نصوص وقواعد. وكما تألق فقهاء الشيعة منذ الصدر الاول في تقرير هذه القواعد واستخدام هذه الاصول، فإنهم كذلك سبقوا في تحريرها وضبطها وتقييدها في المؤلفات. فكانت هناك مؤلفات في بعض الجوانب الاصولية الهامة، كمباحث الألفاظ، والعموم والخصوص، والاجمال والبيان. أما قدماء الفقهاء فكانوا يحررون مبانيهم الاصولية ضمن الكتب الفقهية وفي خلال المسائل التي تناسب تلك البحوث، وخاصة عند التعرض للخلاف ونثار المناقشات بالنقض والابرام، فيعدون ما يصلح للاستدلال ويرفضون ما لا يصلح، كما هو الحال بالنسبة إلى أدلة القياس والرأي والاستحسان والمصالح المرسلة، الباطلة عند الشيعة. ومع أن المؤلفات الشيعية القديمة في هذا الفن عرضت للتلف والإبادة، فإن التاريخ احتفظ لنا بهذا المختصر من كتاب ألفه الشيخ المفيد، في مرحلة متقدمة مما يدل على نضج هذا الفن وتكامله في عصره. وبالرغم من التوسع والتقدم والازدهار الذي امتاز به هذا العلم في

[ 7 ]

العصور الأخيرة، وضخامة مباحثه ومؤلفاته إلى حد الاعجاب والفخر، إلا أن وجود مثل هذا الكتاب - على اختصاره وايجازه - في عهد المفيد يدل على اصالة قواعده، وأن ما تحتويه من آراء ونظريات متطورة لم تحصل فجأة، ولم تكن وليدة ساعتها، وإنما هي استمرار وامتداد لجهود اصولية متعاقبة، كما أنها تعتبر أساسا قويما للجهود المتتالية التي حمل رايتها تلامذة المفيد ومن بعدهم أعلام الشيعة الكرام. ومهما يكن، فإن مؤرخ علم الاصول يمكنه أن يحدد معالم هذا العلم في عصر المفيد وما حوله، من خلال هذه الرسالة على اختصارها. كما أنا نقف فيها على عناصر من فكر الشيخ المفيد الاصولي، نشير إلى أهمها: 1 - الأدلة: جعل الشيخ المفيد مصادر الحكم الشرعي: العقل ثم اللسان (أي اللغة) و هو مصدر معرفة المفردات والمعاني اللغوية، ثم النصوص الشرعية من الكتاب و السنة، والملاحظ أنه عطف على السنة أقوال المعصومين الائمة الاثني عشر عليهم السلام، مما يوحي أن مصطلح (السنة) عنده يختص بالمروي عن الرسول صلى الله عليه وآله. ويلاحظ - أيضا - أنه لم يذكر (الإجماع) في أدلة الاحكام الشرعية، و السبب أنه لا يقول بحجية الاجماع في نفسه، وإنما يلتزم بالاجماع الدخولي، الذي تكون العبرة فيه بقول المعصوم الداخل فيه، فلذالم يعد الاجماع وحده دليلا مستقلا. 2 - الخبر الواحد: حكم بحجية الخبر الواحد بشرط الاقتران بقرينة تؤيد صدقه، أو بدليل

[ 8 ]

عقلي، أو بشاهد من عرف أو بالإجماع غير المخالف، وإلا لم يكن حجة، بل صرح بأنه: (لا يوجب علما ولا عملا). 3 - المراسيل: وحكم بحجية الخبر المرسل - غير المعارض بأقوى منه - وقال: (يعمل به أهل الحق على الاتفاق). 4 - الظواهر: يقول بحجية ظواهر الكتاب، بعد إثبات أن للكتاب ظاهرا مرادا منه و استنكر القول بنفي الظاهر منه. كما اعتمد على أسباب نزول الآيات للتوصل إلى المراد القرآني. 5 - دلالة الأمر على النهي عن ضده: يقول بعدم دلالة الأمر بالشئ على النهي عن ضده بالدلالة اللفظية الوضعية، وانما يقول بدلالة العقل على ذلك وحكمه به، وعلى أساس استحالة اجتماع الفعل وتركه عقلا، فإذا كان الفعل مطلوبا فالضد غير مطلوب. وهذا يدل على استخدام الاصوليين لحجة العقل في فترة متقدمة من تاريخ علم الاصول. 6 - اشترط العلم بالحقيقة والمجاز، ولم يكتف فيهما بالظن، وجعل الطريق إلى ذلك أحد أمرين: 1 - الإجماع من أهل اللغة. 2 - الدليل المثمر للبيان. ولم يعتمد على كلام بعض أهل اللغة، أو بعض أهل الاسلام ممن ليس بحجة في المقال والفعال، فانه لا يعتمد في إثبات حقيقة الكلام.

[ 9 ]

وأوجب التوقف إذا لم يقم دليل علمي على تعيين المعنى الحقيقي أو المجازي. 7 - في التخصيص: ادعى أن السنة الفعلية لا تكون مخصصا لعام لفظي، إلا إذا كان أصل العام لا يصح إلا بفرد خاص، وقد مثل لذلك بقوله: إذا روى أن النبي صلى الله عليه وآله أحرم، لم يجب الحكم بذلك أنه أحرم بكل انواع الحج من إفراد وفران وتمتع، بل إنما يصح الإحرام بنوع واحد، فوجب القضاء بالتخصيص بواحد منها فقط. 8 - المجمل والمبين: عبر عنهما بالكنية والظاهر، وهي تسمية غير معروفة في المصادر الاصولية المعاصرة. 9 - يقول بنسخ الكتاب بالكتاب، لكن لا بالسنة، ويقول بمجئ النسخ في أخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند تعارضها، لكن لا يقول بالنسخ في أحاديث الأئمة عليهم السلام. إن احتواء هذه الرسالة على صغرها على هذه الآراء من الشيخ المفيد تزيد من أهميتها، مع أن الذي يبدو من النسخ أنها مختصرة من أصلها الكامل، المسمى في الفهارس ب‍ (التذكرة باصول الفقه). ولو قدر أن حصلت لنا النسخة الكاملة من كتاب الشيخ لافادتنا أكثر من ذلك، ولوقفنا على جوانب أهم من معالم الفكر الاصولي في مدرسة الشيخ المفيد رحمة الله عليه. وبالله التوفيق. وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

[ 11 ]

دايرة فلميتك آسان قدس النسخة (ب) وكتبت سنة 677 هجرية.

[ 25 ]

التذكرة بأصول الفقه تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي (336 - 413 ه‍)

[ 27 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد ومستحقه، وصلاته على خيرته المصطفين من خلقه، سيدنا محمد رسوله الدال بآياته على صدقه، وعلى أهل بيته الأئمة القائمين من بعده بحقه. سألت أدام الله عزك أن أثبت لك جملا من القول في أصول الفقه مختصرة، ليكون لك تذكرة بالمعتقد في ذلك [ 1 / ب ] ميسرة، وأنا أصير (1) إلى مجوبك (2)، وانتهى الى مرادك ومطلوبك بعون الله وحسن توفيقه.


(1) في (ب) أسير. (2) في (ب) محبوبك. (*)

[ 28 ]

إعلم أن أصول الاحكام الشرعية (1) ثلاثة أشياء: كتاب الله سبحانه، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، وأقوال الأئمة الطاهرين من بعده صلوات الله عليهم وسلامه. والطرق الموصلة الى علم المشروع. في هذه الاصول ثلاثة: أحدها: العقل، وهو السبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الاخبار. والثاني: اللسان، وهو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام. وثالثها: الأخبار، وهي السبيل الى اثبات أعيان الاصول من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة عليهم السلام. والأخبار الموصلة الى العلم بما ذكرناه ثلاثة أخبار: خبر متواتر، وخبر واحد معه قرينة تشهد بصدقه، وخبر مرسل في الاسناد يعمل به أهل الحق


(1) في (ب) الشريعة. (*)

[ 29 ]

على الاتفاق. ومعاني القرآن على ضربين: ظاهر، وباطن. فالظاهر: هو المطابق لخاص العبارة عنه تحقيقا على عادات أهل اللسان، كقوله سبحانه: (ان الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون) (1). فالعقلاء العارفون باللسان يفهمون من ظاهر هذا اللفظ المراد. والباطن: هو ما خرج عن خاص العبارة وحقيقتها الى وجوه الاتساع، فيحتاج العاقل في معرفة المراد من ذلك الى الأدلة الزائدة على ظاهر الألفاظ، كقوله سبحانه: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (2). فالصلاة في ظاهر اللفظ هي: الدعاء حسب المعهود بين أهل اللغة (3)، وهي في الحقيقة لا يصح منها القيام. والزكاة هي: النمو عندهم بلا خلاف (4)، ولا يصح أيضا فيها الاتيان، وليس المراد في الآية ظاهرها، وانما هو أمر مشروع. فالصلاة المأمور بها فيها هي: أفعال مخصوصة مشتملة على قيام، وركوع، وسجود، وجلوس. والزكاة المأمور بها فيها هي [ 2 / أ ] اخراج مقدار من المال على وجه أيضا مخصوص، وليس يفهم هذا من ظاهر القول، فهو الباطن المقصود. وأنواع أصول معاني القرآن أربعة: أحدها: الأمر وما استعير له لفظه.


(1) يونس: 44. (2) البقرة: 43. (3) انظر لسان العرب 14: 464 (مادة صلا). (4) المصدر السابق 14: 385 (مادة زكا). (*)

[ 30 ]

وثانيها: النهي وما استعمل فيه أيضا لفظه. وثالثها: الخبر مع ما يستوعبه لفظه. ورابعها: التقرير وما وقع عليه لفظه. وللأمر صور محققة في اللسان يتميز بها عن غيره في الكلام وهي قولك: (افعل) إذا ورد مرسلا على الاطلاق، وان كانت هذه اللفظة تستعمل في غير الامر على سبيل الاتساع والمجاز كالسؤال، والاباحة، والخلق والمسخ، والتهديد. والامر المطلق يقتضي الوجوب، ولا يعلم انه ندب الا بدليل. وإذا علق الامر بوقت وجب الفعل في أول الوقت، وكذلك اطلاقه يقتفي المبادرة بالفعل والتعجيل، ولا يجب ذلك أكثر من مرة واحدة ما لم يشهد بوجوب التكرار الدليل. فان تكرر الامر، وجب تكرار الفعل ما لم تثبت حجة بأن المراد بتكراره التأكيد. فأما الأمران إذا عطف أحدهما على الآخر، فالواجب أن يراعى فيهما الاتفاق في الصورة والاختلاف، فان اتفقا دل ذلك على التأكيد، وان اختلفا كان لهما حكمان. والقول في الخبرين إذا تساويا في الصورة كالقول في الامرين. وامتثال الامر مجز لصاحبه، ومسقط عنه فرض ما كان وجب من الفعل عليه. وإذا ورد لفظ الامر معاقبا لذكر الحظر أفاد الاباحة دون الايجاب، كقول الله سبحانه: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) (1) بعد


(1) الجمعة: 10. (*)

[ 31 ]

قوله: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله) (1). وإذا ورد الامر بفعل اشياء على طريق التخيير، كوروده في كفارة اليمين، فكل واحد من تلك الاشياء واجب بشرط اختيار المأمور، وليست واجبة على الاجتماع، ولا بالاطلاق. وما لا يتم الفعل إلا به [ 2 / ب ] فهو واجب كوجوب الفعل المأمور به، وكذلك الأمر بالمسبب دليل على وجوب فعل السبب. والأمر بالمراد دليل على وجوب فعل الارادة. وليس الأمر بالشئ هو بنفسه نهيا عن ضده، ولكنه يدل على النهي عنه بحسب دلالته على حظره. وباستحالة اجتماع الفعل وتركه يقتضي صحة النهي العقلي عن ضد ما أمر به. وإذا ورد الأمر بلفظ المذكر مثل قوله: (يا أيها الذين آمنوا) (2) و (يا أيها المؤمنون والمسلمون) وشبهه فهو متوجه بظاهره الى الرجال دون النساء، ولا يدخل تحته شئ من الاناث إلا بدليل سواه. وأما تغليب المذكر على المؤنث فانما يكون بعد جمعهما بلفظهما على التصريح، ثم يعبر عنهما من بعد (3) بلفظ المذكر. ومتى لم يجر للمؤنث ذكر بما يخصه من اللفظ، فليس يقع العلم عند ورود لفظ المذكور بأن فيه تغليبا، إلا أن يثبت أن المتكلم قصد الاناث والذكور معا بدليل. فأما الناس، فكلمة تعم الذكور والاناث. وأما القوم، فكلمة تعم الذكور دون الاناث.


(1) الجمعة: 9. (2) البقرة: 104. (3) في (ب) بعده. (*)

[ 32 ]

وإذا ورد الامر مقيدا بصفة يخص بها بعض المكلفين فهو مقصور على ذي الصفة، غير متعدية الى غيره إلا بدليل، كقوله تعالى: (يا أيها المدثر قم فأنذر) (1). وإذا ورد بصفة تتعدى المذكور إلى غيره من المكلفين كان متوجها الى سائرهم على العموم إلا ما خصصه (2) الدليل، كقوله عزوجل: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) (3). والامر بالشئ لا يكون إلا قبله لاستحالة تعلق الامر بالموجود. والامر متوجه الى الطفل بشرط البلوغ، وكذلك الأمر للمعدوم بشرط وجوده وعقله الخطاب، ويضح أيضا توجه الأمر الى من يعلم من حاله انه يعجز في المستقبل عما امر به، أو يحال بينه وبينه، أو يخترم دونه، لما يجوز في ذلك من مصلحة المأمور في اعتقاده فعل ما امر به، واللطف له في [ 3 / أ ] استحقاقه الثواب على نيته، وامكان استصلاح غيره من المكلفين بأمره. فأما خطاب المعدوم والجمادات والاموات فمحال. والأمر أمر [ لعينه وبنفسه ] (4)، فأما النهي فله صورة في اللسان محققة يتميز بها عن غيره، وهي قولك: (لا تفعل) إذا ورد مطلقا. والنهي في الحقيقة لا يكون منك إلا لمن دونك كالأمر. والنهي موجب للترك المستدام ما لم يكن شرط يخصصه (5) بحال أو زمان.


(1) المدثر: 1. (2) في (ب) خصه. (3) الطلاق: 1. (4) في (ب) بعينه ونفسه. (5) في (ب) يخصه. (*)

[ 33 ]

وأما الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق والكذب، وله صيغة مبينة ينفصل بها عما يخالفه في معناه. وقد تستعار صيغته فيما ليس بخبر كما يستعار غيرهما من صيغ الحقائق فيما سواه على وجه الاتساع والمجاز. قال الله عزوجل: (ومن دخله كان آمنا) (1) فهو لفظ بصيغة الخبر، والمراد به الأمر بأن يومن من دخله. والعام في معنى الكلام: ما أفاد لفظه اثنين فما زاد. والخاص: ما أفاد واحدا دون ما سواه، لان أصل الخصوص التوحيد، وأصل العموم الاجتماع. وقد يعبر عن كل واحد منهما بلفظ الآخر تشبها (2) وتجوزا قال الله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (3) فعبر عن نفسه سبحانه وهو واحد بلفظ الجمع. وقال سبحانه: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (4). وكان سبب نزول هذه الآية ان رجلا قال لأمير المؤمنين عليه السلام قبيل (5) وقعة أحد: إن أبا سفيان قد جمع لكم الجموع، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: حسبنا الله ونعم الوكيل. فأما اللفظ الخاص المعبر به عن العام فهو كقوله عزوجل: (والملك على أرجائها) (6) وانما أراد الملائكة. وقوله: (يا أيها الانسان ما غرك


(1) آل عمران: 97. (2) في (أ) تشبيها. (3) الحجر: 9. (4) آل عمران: 173. (5) في (ب) قبل. (6) الحاقة: 17. (*)

[ 34 ]

بربك الكريم) (1) يريد يا أيها الناس. وكل لفظ أفاد من الجمع ما دون استيعاب الجنس فهو عام في الحقيقة، خاص بالاضافة [ 3 / ب ] كقوله عزوجل: (فتحنا عليهم أبواب كل شئ) (2) ولم يفتح عليهم أبواب الجنان ولا أبواب النار. وقوله: (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) (3) وانما أراد بعض الجبال. وكقول القائل: جائنا فلان بكل عجيبة، والامثال في ذلك كثيرة، وهو كله عام في اللفظ، خاص بقصوره (4) عن الاستيعاب. فأما العموم المستوعب للجنس: فهو ما أفاد من القول نهاية ما دخل تحته، وصح للعبارة عنه في اللسان. قال الله عزوجل: (والله بكل شئ عليم) (5) وقال سبحانه: (كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) (6). فأما الالفاظ المنسوبه الى الاشتراك فهي على انحاء: فمنها ما هو مبني لمعنى سائغ في أنواع مختلفات، كاسم شئ على التنكير، فهو وان كان في اللغة موضوعا للموجود دون المعدوم، فهو يعم الجواهر والاجسام والاعراض، غير ان لكل ما شمله مما عددناه إسما على التفصيل، مبنيات يخص كل اسم منها نوعه دون ما سواه. ومنها: رجل، وانسان، وبهيمة ونحو ذلك، فانه يقع على كل اسم من


(1) الانفطار: 6. (2) الانعام: 44. (3) البقرة: 260. (4) في (ب) مقصورة. (5) البقرة: 282. (6) الرحمن: 27. (*)

[ 35 ]

هذه الاسماء على انواع في الصور والهيآت، وهو موضوع في الاصل لمعنى يعم ويشمل جميع ما في معناه. ومن الألفاظ المشتركة ضرب آخر، وهو قولهم: (عين) ووقوع هذه اللفظة عل جارحة البصر، وعين الماء، والذهب، وجيد الاشياء، وصاحب الخير، وميل الميزان وغير ذلك. فهذه اللفظة [ لمجردها غير مبنية ] (1) لشئ مما عددناه، وانما هي بعض المبني وتمامه وجود الاضافة أو ما يقوم مقامها من الصفة المخصوصة. وإذا ورد اللفظ وكان مخصوصأ بدليل فهو على العموم فيما بقي تحته مما عدا المخصوص، ويقال انه عام على المجاز لانه منقول عما بني له من الاستيعاب الى ما دونه من الخصوص (2). وحقيقة المجاز، هي وضع اللفظ على غير ما بني له في اللسان، فلذلك قلنا انه مجاز. وإذا ورد لفظان عامان كل واحد منهما يرفع حكم صاحبه [ 4 / أ ] ولم يعرف المتقدم منهما من المتأخر، فيقال: ان أحدهما منسوخ والآخر ناسخ، وجب فيهما الوقف، ولم يجز القضاء بأحدهما على الآخر إلا ان يحضر دليل. وذلك كقوله سبحانه: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لازواجهم متاعا الى الحول غير اخراج) (3) وهذا عموم في جميع الازواج المخلفات (4) بعد الوفاة. وقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا


(1) في (ب) بمجردها غير مبنية. (2) في (ب) المخصوص. (3) البقرة: 240. (4) في (ب) المختلفات. (*)

[ 36 ]

يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) (1) وهذا ايضا عام، وحكمهما متنافيان، فلولا ان العلم قد أحاط بتقديم احداهما فوجب القضاء بالمتأخرة الثانية منهما لكان الصواب هو الوقف عن (2) الحكم بشئ منهما. وكذلك إذا ورد حكمان في قضية واحدة، أحدهما خاص والآخر عام، ولم يعرف المتقدم من المتأخر منهما ولم يمكن الجمع بينهما وجب الوقف (3) فيهما. مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (لا نكاح إلا بولي) (4) والرواية عنه من قوله: (ليس للولي مع البنت أمر) (5) وهذا يخص الاول وفي الامكان أن يقضى عليه في الاول، وكل واحد منهما يجوز أن يكون الناسخ للآخر، فعدلنا عنهما جميعا لعدم الدلالة على القاضي منهما وصرنا الى ظاهر قوله عزوجل: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (6) وقوله: (وأنكحوا الايامى منكم) (7) في اباحة النكاح بغير اشتراط ولي على الاطلاق. وإذا ورد لفظ [ عام في حكمه ] (8)، وكان معه لفظ خاص في ذلك الحكم بعينه وجب القضاء بالخاص، وليس هذا مثل الأول. ومثاله قول


(1) البقرة: 234. (2) في (ب) دون. (3) في (ب) التوقف. (4) مسند أحمد بن حنبل 4: 394 و 413 و 418، وسنن الدار قطني 3: 221 / الحديث 11 و 21 - 25، صدر الحديث. (5) رواه النسائي في سننه 6: 85 وأبو داود في سننه أيضا 2: 233 الحديث 2100 عن ابن عباس ولفظه: (ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر، وصمتها إقرارها). (6) النساء: 3. (7) النور: 32. (8) في (ب) في حكم. (*)

[ 37 ]

الله عزوجل: (والذين هم لفروجهم حافظون الا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين) (1). وهذا عام في ارتفاع اللوم عن وطء الازواج على كل حال. والخصوص قوله سبحانه: (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) (2). فلو قضينا بعموم الآية الاولى ارتفع حكم آية [ 4 / ب ] المحيض بأسرة. وإذا قضينا بما في الثانية من الخصوص لم يرتفع حكم الاولى العام من كل الوجوه. فوجب القضاء بآية التخصيص. منهما ليصح العمل على ما بيناه بهما. وإذا سبق التخصيص اللفظ العام، أو ورد مقارنا له فلا يجوز القول بانه ناسخ لحكمه، لان العموم لم يثبت، فيستقر له حكم، وانما خرج الى الوجود مخصوصا فأوجب في الحكم الخصوص. والنسخ انما هو رفع موجود لو ترك لأوجب حكما في المستقبل. والذي يخص اللفظ العام لا يخرج منه شيئا دخل تحته وانما يدل [ على أن المتكلم به أراد به الخصوص ولم يقصد به الى ما بني في اللفظ له في العموم كما يدل ] (3) الدليل على أن المتجوز (4) لم يرد من المعنى ما بنى له الاسم، وانما أراد غيره، وقصد الى وضعه على غير ما بنى له في الاصل، (1) المؤمنون: 5 - 6. (2) البقرة: 222. (3) ما بين المعقوفتين ساقط من (ب). (4) في (ب) التجوز. (*)

[ 38 ]

وليس يخص العموم إلا دليل العقل والقرآن أو (1) السنة الثابتة. فأما القياس والرأي: فانهما عندنا في الشريعة ساقطان لا يثمران علما، ولا يخصان عاما، ولا يعممان خاصا، ولا يدلان على حقيقة. ولا يجوز تخصيص العام بخبر الواحد، لانه لا يوجب علما ولا عملا، وانما يخصه من الأخبار ما انقطع العذر بصحته عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أحد الائمة عليهم السلام، وليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل وانما يصح ذلك في الكلام المبني والصور منه المخصوصة، فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول، وذلك انه إذا روي أن النبي صلى الله عليه وآله أحرم، لم يجب الحكم بذلك على انه أحرم بكل نوع من أنواع الحج، من افراد، وقران، وتمتع، وانما يصح الاحرام بنوع منها واحد. وإذا ثبت الخبر عنه عليه وآله السلام انه قال: لا ينكح المحرم، وجب عموم حظر النكاح على جميع المحرمين مع اختلافهم فيما أحرموا به من افراد، وقران، وتمتع، أو عمرة مبتولة. وفحوى الخطاب: هو ما فهم منه [ 5 / أ ] المعنى وان لم يكن نصا صريحا فيه بمعقول عادة أهل اللسان في ذلك، كقول الله عزوجل: (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما) (2) فقد فهم من هذه الجملة ما تضمنه [ نصها بصريحه ] (3)، وما دل عليه يعرف أهل اللسان من الزجر عن الاستخفاف بالوالدين الزائد على قول القائل لهما (أف) وما تعاظم عن انتهارما من القول وما أشبه ذلك من الفعل وان لم يكن النص تضمن ذلك على


(1) في (ب) و. (2) الاسراء: 23. (3) في (ب) نصا صريحا. (*)

[ 39 ]

التفصيل والتصريح، وكقولهم: لا تبخس فلانا من حقه حبة واحدة، وما يدل ذلك عليه بحسب العرف بينهم والعادة من النهي عن جميع البخس الزائد على الحبة، والامثلة في ذلك كثيرة. فأما دليل، الخطاب، فهو أن الحكم إذا علق ببعض صفات المسمى في الذكر دل ذلك على أن ما خالفه في الصفة مما هو داخل تحت الاسم، بخلاف ذلك الحكم إلا أن يقوم دليل على وفاقه فيه، كقول النبي صلى الله عليه وآله: (في سائمة الابل الزكاة) (1)، فتخصيصه السائمة بالزكاة دليل على ان العاملة ليس فيها زكاة. ويجوز تأخير بيان المراد من القول المجمل إذا كان في ذلك لطف للعباد، وليس ذلك من المحال، وقد أمر الله تعالى قوم موسى أن يذبحوا بقرة، وكان مراده أن تكون على صفة مخصوصة، ولم يقع البيان مع قوله: (ان الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) (2) بل تأخر عن ذلك، وانكشف لهم عند السؤال بحسب ما اقتضاه لهم الصلاح. وليس ينافي تأخير البيان القول بأن الامر على الفور والبدار، وذاك ان تأخير البيان عن الامر الموقت بمستقبل من الزمان إما بمجرد لفظ يفيد ذلك، أو قرينة من برهان، هو غير الأمر المطلق العري من القرائن الذي قلنا (3) انه يقتضي الفور والبدار. ولا يجوز تأخير بيان العموم، لان العموم موجب بمجرده


(1) حكى ابن حزم في المحلى 6: 46 (كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة وغير السائمة من الماشية) قوله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: وقد جاء في بعض الآثار (في سائمة الابل). (2) البقرة: 67. (3) في (ب) ظنا. (*)

[ 40 ]

الاستيعاب، فمتى أطلقه الحكيم ومراده التخصيص ولم يبين ذلك، فقد أتى بألغاز، وليس هذا كتأخير بيان المجمل من الكلام وبينهما فرقان (1). والألفاظ [ 5 / ب ] المنكرة (2) موضوعة في أصل اللغة للجنس دون التعيين، فإذا ورد الامر بفعل يتعلق بنكرة، وجب ايقاعه على ما يستحق بمعناه سمة الجنس، سوى ما زاد عليه فمن ذلك ما يفيد أقل ما يدخل تحت الجنس، كقول القائل لغيره: تصدق بدرهم، فامتثال هذا الامر أن يتصدق بدرهم كاثنا ما كان من الدراهم. وليس النهي بالنكرة كالامر بها، لان الأمر هاهنا يقتضي التخصيص، والنهي يقتضي العموم. ولو قال النبي صلى الله عليه وآله لأحد أصحابه: (لا تدخرن درهما ولا دينارأ) لاقتضى ذلك ألا يدخر منهما شيئا. ولو قال له: (تصدق بدرهم ودينار) لأفاد ذلك أن يتصدق بهما، ولم يلزمه أن يتجاوزهما. وليس القول بأن الامر بالنكرة يقتضي أن يفعل أي واحد كان من الجنسين بمفسد ما تقدم من القول في تأخير البيان عن قوم موسى عليه السلام لما أمروا بذبح بقرة بلفظ التنكير، لأن حالهم تقتضي ان مع الامر لهم بذبحها قد كانت لهم قرينة اقتضت التوقف والسؤال، وسؤالهم دلك (3) على ذلك. ولو تعرى الأمر من القرينة لكان مجرد وروده بالتنكير يقتضي الامتثال في أي واحل كان من الجنسين. ومن هذا الباب أن يرد الأمر بلفظ التثنية والتنكير كقوله: (إعط


(1) في (ب) فرق. (2) في (ب) والاسماء النكرة. (3) في (ب) دال. (*)

[ 41 ]

فلانا درهمين) فالواجب الامتثال في أي درهمين كانا على معنى ما تقدم من القول. ومنه أن يرد الامر بلفظ الجمع المنكر كقوله: (تصدق بدراهم) فليس يفيد ذلك أكثر من أقل العموم وهو ثلاثة، ما لم يقع التبيين. واعلم أن العموم على ثلاثة أضرب: فضرب: هو أصل الجمع المفيد لاثنين فما زاد، وذلك لا يكون إلا فيما اختصت عبارة الاثنين به في العدد، فهو عموم من حيث الجمع. والضرب الثاني: ما عبر عنه بلفظ الجمع المنكر، كقولك: (دراهم ودنانير) فذلك لا يصح في أقل من ثلاثة. والضرب الثالث: ما حصل منه (1) علامة الاستيعاب من [ 6 / أ ] التعريف بالألف واللام، وبمن الموضوعة للشرط والجزاء، فمتى قال لعبده: عظم العلماء، فقد وجب عليه تعظيم جميعهم، وإذا قال: (من دخل داري أكرمه) - (2) وجب عليه اكرام جميع الداخلين داره. والاسماء الظاهرة: ما استغنت في حقائقها عن مقدمة لها. والمكنية: ما لم يصح الابتداء بها، وحكم الكناية في العموم والخصوص حكم ما تقدمها. والكناية، والعطف، والاستثناء إذا أعقب جملا فهو راجع الى جميعها، إلا أن يكون هناك دليل يقصرها على شئ منها. وما ورد عن الله سبحانه، وعن رسوله صلى الله عليه وآله، وعن الأئمة الراشدين عليهم السلام من بعده على سبب، أو كان جوابا عن


(1) في (ب) فيه. (2) في (ب) أكرمته. (*)

[ 42 ]

سؤال، فانه يكون محكوما له بصورة لفظه دون القصر له على السبب المخرج له عن حكم ظاهره. وليس وروده على الاسباب بمناف لحمله على حقيقته في الخطاب في عقل ولا عرف ولا لسان، وانما يجب صرفه عن ظاهره لقيام دلالة تمنع من ذلك مع (1) التضاد. والحقائق والمجازات انما هي في الالفاظ والعبارات دون المعاني المطلولات. والحقيقة من الكلام: ما يطابق المعنى الموضوع له في أصل اللسان. والمجاز منه: ما عبر عن غير معناه في الأصل تشبيها واستعارة لغرض من الاغراض، وعلى وجه الايجاز والاختصار. ووصف الكلام بالظاهر، وتعلق الحكم به، انما يقصد به الى الحقيقة منه، والحكم بالاستعارة فيه انما يراد به المجاز. وكذلك القول في التأويل والباطن انما يقصد به الى العبارة عن مجاز القول واستعارته حسب ما ذكرناه. والحكم على الكلام بأنه حقيقة أو مجاز، لا يجوز إلا بدليل يوجب اليقين، ولا يسلك فيه طريق الظنون. والعلم بذلك من وجهين: أحدهما: الاجماع من أهل اللسان. والآخر: الدليل [ 6 / ب ] المثمر للبيان. فأما إطلاق بعض أهل اللغة، أو بعض أهل الاسلام ممن ليس بحجة في المقال والفعال، فانه لا يعتمد في اثبات حقيقة الكلام.


(1) في (ب) من. (*)

[ 43 ]

ومتى (1) التبس اللفظ فلم يقم دليل على حقيقة فيه أو مجاز، وجب الوقف لعدم البرهان. وليس بمصيب من ادعى أن جميع القرآن على المجاز، وظاهر اللغة يكذبه. ودلائل العقول والعادات تشهد بأن جمهوره على حقيقة كلام أهل اللسان. ولا بمصيب أيضا من زعم انه لا يدخله المجاز، وقد خصمه في ذلك قوله سبحانه: (فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) (2) وغيره من الآيات. والواجب أن يقال: أن منه حقيقة، ومنه مجاز. فأما القول في الحظر والاباحة فهو أن العقول لا مجال لها في العلم باباحة ما يجوز ورود السمع فيها باباحته، ولا يحظر ما يجوز وروده فيها بحظره، ولكن العقل لم ينفك قط من السمع [ باباحة وحظر ] ولو أجبر الله تعالى العقلاء حالا واحدة من سمع، لكان قد اضطرهم الى مواقعة ما يقبح في عقولهم من استباحة، ما لا سبيل لهم الى العلم باباحته من حظره، وألجأهم الى الحيرة التي لا يليق بحكمته. وليس عندنا للقياس والرأي مجال في استخراج الأحكام الشرعية، ولا يعرف من جهتهما شئ من الصواب، ومن اعتمد هما في المشروعات فهو على ضلال. والعقول تجوز نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، والكتاب بالسنه، والسنة بالكتاب. غير أن السمع ورد بأن الله تعالى لا ينسخ كلامه بغير كلامه بقوله: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (4)


(1) في (ب) فمتى. (2) الكهف: 77. (3) في (ب) باباحته وحظره. (4) البقرة: 106. (*)

[ 44 ]

فعلمنا أنه لا ينسخ الكتاب بالسنة. وأجزنا ما سوى ذلك مما ذكرناه. والحجة في الاخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها ونفي الشك فيه والارتياب، وكل خبر لا يوصل بالاعتبار الى صحة مخبره، فليس [ 7 / أ ] بحجة في الدين، ولا يلزم به عمل على حال. والاخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين: أحدهما: التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك، أو ما يقوم مقامه في الاتفاق. والثاني: خبر واحد يقترن إليه ما يقوم مقام التواتر في البرهان على صحة مخبرة وارتفاع الباطل منه والفساد. والتواتر الذي وصفناه هو ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة والانتشار الى حد قد منعت العادة في اجتماعهم على الكذب بالاتفاق كما يتفق لاثنين أن يتواردا بالارجاف. وهذا حد يعرفه كل من. عرف العادات. وقد يجوز أن ترد جماعة دون من ذكرناه في العدد، بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم (1) ومخارج كلامهم، وما يبدوا في ظاهر وجوههم، ويبين من قصودهم إنهم لم يتواطئوا، لتعذر التعارف بينهم والتشاور، فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلا على صدقهم، ودافعا للاشكال في خبرهم، وان لم يكونوا من (2) الكثرة على ما قدمناه. فأما خبر الواحد القاطع للعذر، فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه الى العلم بصحة مخبره، وربما كان الدليل حجة من عقل، وربما كان شاهدا من عرف، وربما كان اجماعا بغير خلف فمتى خلا خبر الواحد من دلالة يقطع بها على صحة مخبره، فانه كما قدمناه ليس بحجة، ولا


(1) في الاصل: برؤيتهم. (2) في (ب) في. (*)

[ 45 ]

موجب علما ولا عملا على كل وجه. وليس في اجماع الامة حجة من حيث كان اجماعا، ولكن من حيث كان فيها الامام المعصوم، فإذا ثبت انها كلها على قول، فلا شبهة في أن ذلك القول هو قول المعصوم، إذ لو لم يكن كذلك، كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطل، فلا (1) تصح الحجة باجماعها لهذا الوجه. والحكم باستصحاب الحال واجب، لأن حكم الحال ثابت كان فيها الامام المعصوم، فإذا ثبت انها كلها على قول، فلا شبهة في أن ذلك القول هو قول المعصوم، إذ لو لم يكن كذلك، كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطل، فلا (1) تصح الحجة باجماعها لهذا الوجه. والحكم باستصحاب الحال واجب، لأن حكم الحال ثابت باليقين، وما ثبت فلن يجوز الانتقال عنه إلا بواضح الدليل. والأخبار [ 7 / ب ] إذا اختلفت في الالفاظ، فلن يصح حمل جميعها على الحقيقة من الكلام، إذا اريد الجمع بينهما على الوفاق. وانما يصح حمل بعضها على الحقيقة وبعضها على المجاز، حتى لا يقدح ذلك في اسقاط بعضها [ ومتى لم يمكن حمل بعضها ] (2) على الحقيقة وبعضها على المجاز، فلابد من صحة أحد البعضين وفساد الأخرى أو فساد الجميع. اللهم إلا أن يكون الاختلاف فيها يدل عليه (3) النسخ، فذلك لا يكون إلا في أخبار النبي صلى الله عليه وآله دون أخبار الائمة عليهم السلام، فانهم ليس إليهم (4) تبديل شئ من العبادات ولا نسخ (5).


(1) في (ب) فانما. (2) ما بين المعقوفين ساقط من (ب). (3) في (ب) على. (4) في (ب) لهم. (5) وقد ذيل هذه الرسالة الشيخ الكراجكي بقوله: (قد أثبت لك أيدك الله جمل ما سألت في اثباته واوردته مجردا من حججه ودلالاته، ليكون تذكرة لك بالمعتقد كما ذكرت، ولم أتعد فيه مضمون كتاب شيخنا المفيد رحمه الله حسب ما طلبت. والحمد لله أهل الجود والافضال، وصلاته على سيدنا محمد رسوله المنقذ بهدايته من الضلال وعلى آله الطاهرين أولي الرفعة والجلال). (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية