البرهان في علوم القران للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الثالث الطبعة الاولى 1377 ه - 1958 م دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم القسم الحادي عشر المثنى وإرادة الواحد كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ثنا وإنما يخرج من أحدهما ونظيره قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها به وإنما تخرج العلية من الملح هذا وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذلي حيث قال يذكر الدرة فجاء بها ما شئت من لطمية يدوم الفرات فوقها ويموج ثم لا يدوم فوقها وانما يدوم الاجاج قال أبو علي في قوله تعالى رجل من القريتين عظيم إن ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون من مكة والطائف جميعا ولما لم يمكن أن يكون منهما دل المعنى على
تقدير رجل من إحدى القريتين قوله تعالى القمر فيهن نورا رسول أي في إحداهن
[ 4 ]
وقوله تعالى ولا حوتهما لم والناسى كان يوشع بدليل قوله لموسى حدثنا نسيت الحوت ابن ولكن أضيف النسيان لهما جميعا لسكوت موسى عنه وقوله تعالى تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه قوله والتعجيل يكون في اليوم الثاني وقوله تأخر فلا إثم عليه قيل إنه من هذا أيضا وإن موضع الاثم والتعجيل يجعل المتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل للمقصر ويحتمل أن يراد لا يقولن أحدهما لصاحبه أنت مقصر فيكون المعنى لا يؤثم أحدهما صاحبه وقوله تعالى له لكل واحد منهما السدس ذلك وقوله تعالى محمد له شركاء إلى أي أحدهما على أحد القولين وقوله: فان خفتم الا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به فالجناح على الزوج لأنه أخذ ما أعطى قال أبو بكر الصيرفي المعنى فإن خيف من ذلك جازت الفدية وليس الشرط أن يجتمعا على عدم الاقامة وقوله تعالى كان في جهنم قيل هو خطاب للملك وقال المبرد ثناه على ألق والمعنى ألق ألق أبو وكذلك القول في قفا أو وخالفه أبو إسحاق وقال بل هو مخاطبة للملكين
[ 5 ]
وقال الفراء في قوله تعالى آلاء ربكما تكذبان قال يخاطب الإنسان مخاطبه بالتثنية وجعل منه قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان عبد وقوله تعالى عليه
(جنتين) فقيل جنو أبي واحدة بدليل قوله تعالى آخر الأية ودخل جنته فأفرد بعد ما ثنى وقوله كلتا الجنتين آتت أكلها فإنه ما ثنى إلا للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا نظرت عن يمينك ويسارك رأيت في كلتا الناحيتين ما يملآ ما عينيك قرة وصدرك مسرة وقوله تعالى لا قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم فهو من باب والنجوم الطوالع أن قاله أبو الحسن وحكاه عنه ابن جنى في كتاب القد وعليه حمل ابن جنى وغيره قول امرئ القيس قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل على
[ 6 ]
ويؤيده قوله بعده أصاح ترى برقا أريك ومضيه وقول الفرزدق عشية سال المربدان كلاهما سحابة موت بالسيوف الصوارم الله وانما هو مربد البصرة فقط وقوله: ودار لها بالرقمتين وقوله: ببطن المكتين وقول جرير لما مررت بالديرين ارقني صوت الدجاج وقرع بالنواقيس قالوا عن أراد دير الوليد من فثناه باعتبار ما حوله القسم الثاني عشر في الجمع وإرادة الواحد
كقوله تعالى: يأيها الرسل كلوا من الطيبات بن إلى قوله فذرهم
[ 7 ]
في غمرتهم حتى حين سنة قال أبو بكر الصيرفي فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إذ لا نبي معه ولا بعده ومثله: نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا عمرو الآية وهذا مما لا شريك فيه والحكمة في التعبير بصيغة الجمع أنه لما كانت تصاريف أقضيته سبحانه وتعالى تجري على أيدي خلقه نزلت أفعالهم منزلة قبول القول بمورد الجمع وجعل منه ابن فارس قوله تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون قبل والرسول كان واحد بدليل قوله تعالى يحيى إليهم وفيه نظر من جهة أنه يحتمل مخاطبة رئيسهم فإن العادة جارية لا سيما من الملوك ألا يرسلوا واحدا ومنه: (ففررت منكم لما خفتكم وغير ذلك وقد تقدم في وجوه المخاطبات ومنه: ينزل الملائكة بالروح من أمره والمراد جبريل وقوله: ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ولم والمراد محمد صلى الله عليه وسلم وقوله: (الذين قال لهم الناس بين والمراد بهم ابن مسعود الثقفي أهل وإنما
[ 8 ]
جاز إطلاق لفظ الناس على الواحد لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله حسن إضافة ذلك الفعل الى الكل قال الله تعالى قتلتم نفسا فادارأتم فيها قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة حديث والقائل ذلك رؤوسهم وقيل المراد بالناس ركب من عبد القيس دسهم أبو سفيان الى المسلمين
وضمن لهم عليه جعلا قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما القسم الثالث عشر إطلاق لفظ التثنية والمراد الجمع تعالى ارجع البصر كرتين عند فإنه وإن كان لفظه لفظ التثنية فهو جمع والمعنى كرات لأن البصر لا يحسر إلا بالجمع وجعل منه بعضهم قوله تعال الطلاق مرتان لأنه القسم الرابع عشر التكرار على وجه التأكيد وهو مصدر كرر إذا ردد وأعاد هو تفعال بفتح التاء وليس بقياس بخلاف التفعيل
[ 9 ]
وقال الكوفيون هو مصدر فعل والألف عوض من الياء في التفعيل والأول مذهب سيبويه وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له وليس كذلك بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض وذلك أن عادة العرب في خطاباتها أخبرنا إذ أبهمت بشئ إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدا وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية الى الشهوات ولا يقمع ذلك الا تكرار المواعظ والقوارع قال تعالى يسرنا القرآن للذكر يا قال في الكشاف لو أي سهلناه للادكار يكون والاتعاظ بأن نسجناه مع بالمواعظ الشافية
وصرفنا فيه من الوعد والوعيد ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر وقوله: اولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى وقوله: لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين وقوله: كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون
[ 10 ]
وقوله تعالى منهم لفريقا يلوون السنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله بخلاقهم وقوله فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلافهم وفائدته العظمى منه التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر صلى وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الآقاصيص والأخبار في القرآن: فقال ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون وقوله: وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا بعد وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الاول لطول العهد به فان أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فأعبدوا ما شئتم من دونه فاعاد قوله: قل الذي قوله الله أعبد مخلصا له ديني لأن بعد قوله إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وقد لا لتقرير الأول بل لغرض آخر لأن معنى الأول
الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها ومعنى الثاني انه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والاخلاص ولذلك قدم علي المفعول على فعل العبادة في الثاني
[ 11 ]
وآخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل واعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الاصل أما إذا وافق الاصل فلا ولهذا لا يتجه سؤالهم لم كرر إياك في قوله حتى نعبد وإياك نستعين فقيل: إنما كررت للتأكيد كما تقول بين زبد وبين عمرو مال وقيل إنما كررت لارتفاع أن يتوهم إذا حذفت أن مفعول نستعين ضمير متصل واقع بعد الفعل فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود بتقديم المعمول على عامله والتحقيق أن السؤال غير متجه لأن هنا عاملين متغايرين كل منهما يقتضي معمولا فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله والحذف خلاف الأصل فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره ولا حاجة الى تكلف الجواب عنه وقس بذلك نظائره فوائد التكرير وله فوائد احدها: التأكيد واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون فإن إن الثانية تأسيس لا تأكيد لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء فقال وفي عمر ثم تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول
[ 12 ]
وكذا قوله أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين وقوله: فقيل كيف قدر ثم قتل كيف قدر وإن يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين والحاصل أنه هل هو إنذار تأكيد كما أو إنذاران هو فإن قلت ثم سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف لتجريه وسلم على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به واطلق بدر الدين بن مالك في شرح الخلاصة عنه أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص بثم وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص وليس كذلك فقد قال تعالى أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد وأتقوا الله فإن المأمور فيهما واحد كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشئ غير التقوى والثانية مع شأن إرادته وقولهم إنه تأكيد فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد لفظي ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف ولما فصل بينه وبين غيره إن نفس فان قلت اتقوا الثانية معطوفة على ولتنظر فيه
[ 13 ]
بأنهم قد اتفقوا على أن صلى للناس حسنا وقال معطوف على لا تعبدون إلا الله لا على قوله أنه إحسانا وهو وهو نظير ما نحن فيه وقوله تعالى مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين وقوله الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم صلى الله عليه وسلم
ويحتمل أن يكون اصطفاءين إذا وذكرين وهو الأقرب في الذكر لأنه محل طلب فيه تكرار الذكر وكقوله تعالى حكاية عن موسى كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا وقوله: (اولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار كرر أولئك وكذلك قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وكذلك: فلما قوله أن أراد أن يبطش بالذي فقال الى قوله المصلحين كررت أن في أربع مواضيع تأكيدا وقوله: قل اني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين الثاني: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ومنه قوله
[ 14 ]
تعالى الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع فإنه كرر فيه النداء لذلك الثالث إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده كقوله تعالى إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا الآية جاءهم كتاب من عند الله ثم قاله ولما جاءهم ما عرفوا فهذا تكرار للأول ألا ترى أن لما لا تجئ بالفاء ومثله: لا تحسبن الذين يفرحون ثنا ثم قال تحسبنهم وقوله: ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ثم قال شاء الله ما اقتتلوا
ومنه قوله رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين وقوله: (ايعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون فقوله رسول الثاني بناء على الأول إذ كارا به خشية تناسيه وقوله: (وهم عن الآخرة هم غافلون ولا
[ 15 ]
وكذلك قوله إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم إلى قوله نجزي المحسنين لم حدثنا ابن وفي غيره من مواضع ذكر إنا كذلك لأنه يبنى على ما سبقه في هذه القصة من قوله إنا كذلك فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا ولأن التأكيد بالنسبة فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده ويحتمل ان يكون من باب الاكتفاء وهذا أسلوب غريب وقل في القرآن وجوده وأكثر ما يكون عند تقدم مقتضيات الألفاظ كالمبتدأ وحروف الشرطين الواقعين في الماضي والمضارع ويستغنى عنه عند أمر محذور التناسي وقد يرد منه شئ يكون بناؤه بطريق الإجمال والتفصيل بأن تتقدم التفاصيل والجزئيات في القرآن فإذا خشى عليها التناسي لطول العهد بها بنى على ما سبق بها بالذكر الجملي كقوله تعالى نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم قوله إلى قوله له للكافرين منهم عذابا أليما فقوله فبظلم بيان لذكر الجملي على ما سبق في القول من التفصيل وذلك أن الظلم جملى على ما سبق من التفاصيل من النقض والكفر وقتل الانبياء ذلك قلوبنا غلف والقول على مريم بالبهتان ودعوى قتل المسيح عليه السلام الى ما تخلل ذلك من أسلوب الاعتراض بها موضعين وهما قوله بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وقوله قلتوه محمد وما صلبوه إلى الى قوله شهيدا كان وأنه لما ذكر بالبناء جملى الظلم من قوله فبظلم
لأنه يعم على كل ما تقدم وينطوى أبو عليه ذكر حينئد متعلق الجملى من قوله فبما نقضهم ميثاقهم عقب الباء لأن العامل في الأصل حقه أن بلى معموله فقال فبظلم من
[ 16 ]
الذين هادوا حرمنا هو متعلق بقوله وقد اشتمل الظلم على كل ما تقدم قبله كما أنه أيضا اشتمل على كل ما تأخر من المحرمات الآخر التي عددت بعد ما اشتملت على ذكر الشئ بالعموم والخصوص فذكرت الجزئيات الأولى بخصوص كل واحد ثم ذكر العام المنطوي عليها فهذا تعميم بعد تخصيص ثم ذكرت جزئيات آخر بخصوصها فتركيب الأساليب من وجوه كثيرة في الآية وهو التعميم بعد التخصيص ثم التخصيص بعد التعميم ثم البناء بعد الاعتراض ومنه قوله تعالى رجال مؤمنون ونساء مؤمنات أو الى قوله أليما فقوله رجال مؤمنون عبد إلى قوله بغير علم المقتضى الاول المتقدم وقوله لو تزيلوا المقتضى الثاني وهو البناء لأنه المذكر بالمقتضى الأول الذي هو لولا خشية تناسيه فهو مبنى على الأول ثم أورد مقتضاها من الجواب بقوله عليه الذين كفروا منهم أبي ورودا واحدا من حيث أخذا معا كأنهما مقتضى منفرد من حيث هما واحد بالنوع وهو الشرط الماضي فقوله لو تزيلوا بناء على قوله رجال ما نظر في المضارعة وأما قوله إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم فيجوز أن يكون تكريرا ويجوز أن يكون الكلام عند قوله واصلحوا ويكون الثاني بيانا لمجمل لا تكريرا صلى جعل ابن المنير من هذا القسم قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه أن ثم قال شرح بالكفر صدرا
[ 17 ]
وقوله (ولولا رجال مؤمنون ثم قال تزيلوا ونازعه العراق الله لأن المعاد فيهما أخص من الأول وهذا يجئ في كثير مما ذكرنا ولا بد أن يكون وراء التكرير شئ أخص منه كما بينا الرابع في مقام التعظيم والتهويل كقوله تعالى الحاقة ما الحاقة قال ما القارعة عن أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر وقوله: واصحاب اليمين ما اصحاب اليمين وقوله: فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة وقو ه: ليستيقن الذين أوتوا الكتاب الخامس: في مقام الوعيد والتهديد كقوله تعالى سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون وذكر ثم في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول وفيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير بل هو مستمر دائما
[ 18 ]
التعجب كقوله تعالى كيف قدر ثم قتل كيف قدر قبل فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض على حد قاتله الله ما أشجعه السابع لتعدد المتعلق كما في قوله تعالى آلاء ربكما تكذبان فإنها وأن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم يحيى الشكر عليه وهي أنواع مختلفة وصور شتى فان قيل فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها فما معنى
قوله الرحمن عليكما شواط من نار ونحاس فلا تنتصران وكان وأي نعمة هنا وإنما هو وعيد قيل: إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها روى فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده وبشر من ثوابه على طاعته ليرغبوا فيها ويحرصوا عليها وإنما تتحقق معرفة الشئ بأن تعتبره بضده والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيت على ملاك الأمر منها وعليه قول بعض حكماء الشعراء والحادثات ولم وإن أصابك بؤسها فهو الذي أنباك كيف نعيمها وانما ذكرنا هذا لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة ولو كان عائدا لشئ واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة فان قيل فإذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب بين بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر
[ 19 ]
إن قلنا العبرة بعموم اللفظ فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر صلى وقد تكلف لتوجيه العدة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة قال الكرماني جاءت آية واحدة في هذه السورة كررت نيفا وثلاثين مرة لأن ست عشرة راجعة الى الجنان لأن لها ثمانية أبواب وأربعة عشر منها راجعة الى النعم والنقم فأعظم النقم جهنم ولها سبعة أبواب وجاءت سبعة في مقابلة تلك الأبواب وسبعة عقب كل نعمة ذكرها للثقلين وقال: غيره نبه في سبع منها على ما خلقه الله للعباد من نعم الدنيا المختلفة على عدة أمهات النعم وأفرد سبعا منها للتخويف وإنذارا على عدة أبواب المخوف منه وفصل بين الأول والسبع الثواني بواحدة سوى فيها بين الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء
حيث اتصلت بقوله كل من عليها فان أهل فكانت خمس عشرة أتبعت بثمانية في وصف الجنان وأهلها على عدة أبوابها ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأوليين لذلك ايضا فاستكملت إحدى وثلاثين ومن هذا النوع قوله تعالى حديث يؤمئذ للمكذبين عند في سورة المراسلات عشر مرات لأنه سبحانه ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فصار كأنه قال عقب كل قصة ويل للمكذبين بهذه القصة وكل قصة مخالفة لصحابتها لأنه فأثبت الويل لمن كذب بها ويحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها وجعل للكفار في مقابلة كل مثل من الثواب ويل في سورة الشعراء قوله تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين
[ 20 ]
وان ربك لهو العزيز الرحيم في أخبرنا ثمانية مواضع لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة قوله في ذلك لآية يا فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها واما مناسبة قوله لو الرحيم فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر فدل بالمفهوم على إيمان الأقل فكانت العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن وهما مرتبتان كترتيب الفريقين ويحتمل أن يكون من هذا النوع قوله تعالى سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون يكون الآية لأن علمهم يقع أولا وثانيا على نوعين مختلفين بحسب المقام وهذا أقرب للحقيقة الوضعية وحال المعبر عنه فإن المعاملات الإلهية للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية البرزخية ثم الحشرية كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغايقة مع بل كل مقام من هذه أنواع مختلفة وفي ثم دلالة على الترقي إن
لم يجعل الزمان مرتبا في الإنذار على التكرار وفي المنذر به على التنويع ومنه تكرار عذابي ونذر سعيد قال الزمخشري كرر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا وتنبيها وأن كلا من تلك الانباء مستحق باعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة ومنه قوله تعالى يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون بكر إلى آخرها
[ 21 ]
يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن علي رضي الله عنه عن هذه الآية فقال إني أجد في القرآن تكرارا وذكر له ذلك فأجابه الحسن بما حاصله إن الكفار قالوا نعبد إلهك شهرا ونعبك قد آلهتنا شهرا فجاء النفي متوجها إلى ذلك والمقصود أن هذه ليست من التكرار في شئ بل هي بالحذف والاختصار أليق وذلك لأن قوله أعبد ما تعبدون أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل وقوله ولا أنا عابد ما عبدتم وفي أي ولا أنا عابد في الحال ما عبدتم في المستقبل أنتم عابدون في الحال ما أعبد في المستقبل والحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الآزمنة الثلاثة الحال والماضي والاستقبال والمذكور في الآية النفي في الحال والاستقبال وحذف الماضي من جهته ومن جهتهم ولا بد من نفيه لكنه حذف لدلالة الأولين عليه وفيه تقدير آخر وهو أن الجملة الأولى فعلية والثانية أسمية وقولك لا أفعله ولا أنا فاعله قولك أفعله أحسن من قولك لا أفعله ولا أفعله فالجملة الفعلية نفي لإمكانه والاسمية لانصافه كل كما في قوله تعالى أنت بهادي العمي عن ضلالتهم وما أنت بمسمع من في القبور والمعنى أنه تبرأ من فعله ومن الاتصاف به وهو أبلغ في النفي وأما المشركون فلم ينتف عنهم الا بصيغة واحدة وهي قوله أنتم عابدون ما أعبد في الموضعين
آخر وهو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية أنا عابد ما عبدتم وقال في النفي عنهم أنتم عابدون ما أعبد عائد في حقه بين الجملتين وقال لا أعبد ما تعبدون بالمضارع وفي الثاني أنا عابد ما عبدتم بالماضي فإن المضارع يدل على الدوام بخلاف الماضي فأفاد ذلك أن ما عبدتموه ولو مرة ما أنا عابد له البتة ففيه كمال
[ 22 ]
براءته ودوامها مما عبدوه ولو مرة بخلاف قوله أعبد ما تعبدون فإن النفي من جنس الاثبات وكلاهما مضارع يظهران جملة ومنفردا. منه تكرير الأمر بالتوجه الى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة فلا لن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل النفاق أشد إنكارا له لأنه كان أول نسخ نزل وكفارة قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع الى قبلتنا وكانوا منه قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود وقال الله تعالى حين أمره بالصلاة الى الكعبة يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم والاستثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال سبحانه من ربك فلا تكونن من الممترين: أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك وقال تعالى فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون غير أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ومنه قوله تعالى أحمد عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرن بعد وقال صاحب الينبوع يقول لم يبلغني عن المفسرين فيه شئ
[ 23 ]
قال المفسرون في غريب القرآن هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين فكرر للتأكيد
وتشديد الوعيد أن يكون الحين في الأوليين الذي يوم بدر والحين في هاتين لأن يوم فتح مكة ومن فوائد قوله تعال في الأوليين وقد وفي هاتين علي أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا فما تضمنت التشفي بهم قيل له ابصرهم وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم بل كان في استسلامهم وإسلامهم لعينه قرة ولقلبه مسرة فقيل له: ابصر ويحتمل على هذا إن شاء الله أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه فسوف يبصرون تعالى أي يبصرون منك عليهم بالأمان ومننا عليهم بالإيمان ومنه قوله تعالى هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وللتكرر هنا فائدتان احداهما أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجية قبل الدخول يحرم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما فذكر الله سبحانه الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما الثانية: أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت والثانية في المستقبل ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل
[ 24 ]
ومنه تكرار الإضراب واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب وهو أما أن يقع في كلام الخلق ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم
أو أن الثاني أولى واما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان احدهما: أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد كقوله تعالى قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر والثانى: أن يكون إبطالا ولكنه على أنه قد انقضى وقته وأن الذي بعده أولى بالذكر كقوله تعالى أدراك علمهم في الآخرة وإن بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب وزعم ابن مالك في شرح الكافية أن بل حيث وقعت في القرآن النرآن هو فإنها للاستئناف لغرض آخر لإبطال وهو مردود بما سبق وبقوله اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون وسلم فأضرب بها عن قولهم وأبطل كذبهم وقوله: بل أنتم قوم عادون إن أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور و ترك الازواج ومنه قوله تعالى إلا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله
[ 25 ]
فالأول للمطلقين والثاني للشهود نحو طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن صلى أولها للأزواج وآخرها للأولياء ومنه تكرار الأمثال كقوله تعالى يستوي الآعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة وهو ثناه الله تعالى قال الزمخشري والثاني أبلغ صلى الله عليه وسلم من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته قال ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون
الى الأغلظ ومنه تكرار القصص في القرآن كقصة إبليس في السجود لآدم وقصة موسى وغيره من الأنبياء قال بعضهم ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه قال ابن العربي إذا في القواصم ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية وقصة موسى في سبعين آية انتهى وانما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر وهي أمور
[ 26 ]
أحدها أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا ألا ترى أنه ذكر الحية فقال في عصا موسى عليه السلام وذكرها في موضع آخر ثعبانا ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا أي وهذه عادة البلغاء أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة الثانية أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكمون عنه ما نزل بعد صدور الاولين وكان أكثر من آمن به مهاجريا فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى آخرين وكذلك سائر القصص فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة لاخرين وهم الحاضرون وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره الثالثة تسليته لقلب النبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم ثنا قال تعالى به نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك الربعة أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة الخامسة: أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الاحكام فلهذا كررت القصص دون الأحكام
[ 27 ]
السادسة أن الله تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا بأي عبارة عبروا قال ابن فارس وهذا هو الصحيح السابعة أنه لما سخر العرب بالقرآن قال فأتوا ثم بسورة من مثله رسول وقال في موضع آخر ولا بعشر سور لم فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي بما قال الله تعالى فأتوا بسورة من مثله حدثنا إيتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه الثامنة أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ فأن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء ثم قسم تلك الاجزاء على تارات ابن التكرار لتوجد متفرقة فيها ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة من انفراد كل قصة منها بموضع كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصة فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة منها أن التكرار قوله فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة ولا أحدث مللا فباين بذلك كلام المخلوقين ومنها أنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا ليخرج بذلك الكلام أن
[ 28 ]
تكون ألفاظه واحدة بأعيانها فيكون شيئا معادا فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات ومنها أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة
في تارات التكرير فيجد البليغ لما فيها من التغيير ميلا إلى سماعها لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة ومنها ظهور الأمر العجيب في أخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد وقد كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم وبيان وجوه التأليف فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود الى قدرة من لا يلحقه نهاية ولا يقع على كلامه عدد لقوله تعالى لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا له وكقوله ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده الآية وقال القفال محمد في تفسيره ذكر الله في أقاصيص بني اسرئيل وجوها من المقاصد أحدها الدلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم وذلك لا يمكن إلا بالوحي الثاني تعديد النعم على بني إسرائيل وما من الله على أسلافهم من الكرامة والفضل كالنجاة إلى من آل فرعون وفرق البحر لهم وما أنزل عليه في التيه من المن والسلوى وتفجر الحجر وتظليل الغمام
[ 29 ]
الثالث إخبار الله نبيه بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاوتهم وتعنتهم على الأنبياء فكأنه تعالى يقول إذا كانت هذه معاملتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من العذاب بسببه فغير بدع ما يعامله أخلافهم محمد صلى الله عليه وسلم الرابع تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب بهم كما نزل بأسلافهم
وهنا سؤالان احدهما ما الحكمة في عدم تكرر قصة يوسف عليه السلام وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص والجواب من وجوه الاول ما فيها من تشبيب النسوة به وتضمن الإخبار عن حال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا وأرفعهم مثالا فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإعضاء والستر عن ذلك وقد صحح الحاكم في مستدركه حديثا مرفوعا النهي عن تعليم النساء سورة يوسف الثاني أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم فلما اختصت هذه القصة في سائر القصص بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص الثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم
[ 30 ]
أن كان من تلقاء نفسي تصديره على الفصاحة فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في قصص سائر الأنبياء السوال الثاني أنه سبحانه وتعالى ذكر قصة قوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى في سورة الأعراف وهود والشعراء ولم يذكر معهم قصة إبراهيم وإنما ذكرها في سورة الأنبياء ومريم والعنكبوت والصافات والسر في ذلك أن تلك السور الأول ذكر الله فيها نصر رسله بإهلاك قومهم ونجاء الرسل وأتباعهم وهذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم بل كان
المقصود ذكر الأنبياء وإن لم يذكر قومهم ولهذا سميت سورة الأنبياء فذكر فيها إكرامه للأنبياء وبدأ بقصة إبراهيم إذ كان المقصود ذكر كرامته الأنبياء قبل محمد وإبراهيم أكرمهم على الله وهو خير البرية وهو أب أكثرهم وليس هو أب نوح ولوط لكن لوط من أتباعه وأيوب من ذريته بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام يومن ذريته داود وسليمان وأيوب واما كان سورة العنكبوت فإنه سبحانه وتعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين نصره لهم وحاجتهم الى الجهاد وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر وعاقبة من كذب الرسل فذكر قصة إبراهيم لأنها من النمط الأول وكذلك في سورة الصافات قال فيها ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فأنظر كيف أبو كان عاقبة المنذرين وهذا يقتضي أنها عاقبة رديئة إما بكونهم غلبوا وذلوا وإما بكونهم أهلكوا ولهذا ذكر قصة إلياس دون غيرها ولم يذكر إهلاك قومه بل قال أو فإنهم لمحضرون وقد
[ 31 ]
روى أن الله رفع إلياس وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة فإن إلياس لم يقم بينهم وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال وبعد نوح لم يهلك جميع النوع وقد بعث الله في كل أمة نذيرا والله سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا كما ذكر ذلك عن غيرهم بل ذكر أنهم ألقوه في النار فجعلها بردا وسلاما وفي هذا ظهور برهانه وآياته حيث أذلهم ونصره عبد به كيدا فجعلناهم الأسفلين عليه وهذا من جنس المجاهد الذي يعرض عدوه والقصص الأول من جنس المجاهد الذي أبي قتل عدوه وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا ولم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك وهو إقامته فيهم وانتظار العذاب النازل وهكذا محمد صلى
الله عليه وسلم مع قومه لم يقم فيهم بل خرج عنهم حتى أظهره الله عليهم بعد ذلك ومحمد وإبراهيم أفصل الرسل فإنهم إذا علموا حصل المقصود وقد يتوب منهم من تاب كما جرى لقوم يونس فهذا والله أعلم هو السر في أنه سبحانه لم يذكر قصة إبراهيم مع هؤلاء لأنها ليست من جنس واقعتهم فان قيل فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك أما حالة إبراهيم فكانت الى الرحمة أميل فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم وقد قال الله تعالى الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا وقوم إبراهيم وإن أوصلوه الى العذاب لكن جعله الله عليه بردا وسلاما
[ 32 ]
ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب إذ الدنيا ليس دار الجزاء العام وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة كما في العقوبات الشرعية فمن أرادوا عداوة أحد من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه الله وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام إذ عصمه الله من كيدهم وأظهره حتى صارت الحرب بينهم وبينه سجالا ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فإن محمدا سيد الجميع وهو خليل الله كما أن إبراهيم عليه السلام خليله والخليلان هما أفضل الجميع وفي طريقهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريق غيرهما ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك وكذلك عن قوم نوح وأما عاد فذكر عنهم التجبر وعمارة الدنيا وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الأنبياء وأهل مدين الظلم في الاموال مع الشرك وقوم لوط استحلال الفاحشة ولم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد بخلاف سائر الامم وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين وإنما
كان دينهم استحلال الفاحشة وتوابع ذلك وكانت عقوبتهم أشد وهذه الأمور تدل على حكمة الرب وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم ولما لم يكن في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع والله المستعان فتأمل هذا الفصل وعظم فوائده وتدبر حكمته فإنه سر عظيم من أسرار القرآن العظيم كقوله تعال من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ما فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف وكان يكفي أن يقال فيها أنهار من ماء ومن لبن ومن خمر ومن
[ 33 ]
عسل لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا لا الماء مجازا للتشبيه فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز فان قلت فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة قيل لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة وهو قريب في المنع من الذي قبله فائدة في صنيعهم عند استثقال تكرار اللفظ قد يستثقلون تكرار اللفظ فيعدلون لمعناه كقوله تعالى أن الكافرين أمهلهم رويدا فإنه لما أعيد اللفظ غير فعل إلى أفعل فلما ثلث ترك اللفظ أصلا فقال رويدا وقوله تعالى جئت شيئا نكرا ثم قال على قا لالكسائي معناه شيئا منكرا كثير الدهاء من جهة الإنكار من قولهم أمر القوم إذا كثروا قال الفارسي وأنا أستحسن قوله هذا
وقوله تعالى وراءكم الله قال الفارسي قال في موضع فعل الأمر أي تأخروا والمعنى ارجعوا تأخروا فهو تأكيد وليست ظرفا لأن الظروف لا يؤكد بها وإذا تكرر اللفظ بمرادفة جازت الإضافة كقوله تعالى عن من رجز
[ 34 ]
أليم من والقصد المبالغة أي عذاب مضاعف وبالعطف كقوله تعالى أشكو بثي وحزني إلى الله وقوله في واصفحوا القسم الخامس عشر الزيادة في بنية الكلمة واعلم 0 أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل الى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الإلفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة ومنه قوله تعالى فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر هذه فهو أبلغ من قادر لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شئ عن اقتضاء قدرته ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى وكقوله تعالى سنة فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من أصبر وقوله: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت قبل لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها وقوله تعالى يصطرخون فيها يحيى فإنه أبلغ من يتصارخون وقوله تعالى الرحمن فيها وكان ولم يقل وكبوا قال الزمخشري روى والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى
[ 35 ]
في جهنم ينكب ولم كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها خير
مستجار وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب صر الجندب وصرصر البازي كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا صر صريرا فمدوا وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا صرصر ومنه الزيادة بالتشديد ايضا فإن ستارا بين وغفارا أبلغ من ساتر وغافر ولهذا قال تعالى أهل استغفروا ربكم إنه كان غفارا ومن هذا رجح بعضهم معنى الرحمن على معنى الرحيم لما فيه من زيادة البناء وهو الألف والنون وقد سبق في السادس ويقرب منه التضعيف ويقال التكثير وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف وإنما جعله متعديا تضعيفه ولهذا رد على الزمخشري حديث في قوله تعالى كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا عند حيث جعل لأنه هنا للتضعيف وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا نحو موت المال وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير كقوله تعالى أنزل عليه آية من ربه أخبرنا عليهم من السماء ملكا رسولا فان قلت يا قليلا لو مشكل على هذه القاعدة لأنه إذا كان فعل للتكثير فكيف جاء قليلا نعتا لمصدر متع وهذا وصف كثير بقليل وإنه ممنوع
[ 36 ]
قلت وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة فقوله تعالى يكون الله موسى تكليما لا يدل على كثرة صدور الكلام منه لأنه غير منقول عن ثلاث
وكذا قوله مع القرآن ترتيلا سعيد يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني والتدبر وكذا قوله تعالى علمناه الشعر بكر ليس النفي للمبالغة بل نفي أصل الفعل القسم السادس عشر التفسير قد العرب في مواضع التعظيم كقوله تعالى لا إله الا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم قال البيهقي في شرح الأسماء الحسنى قرأت في تفسير الجنيدي أن قوله تأخذه سنة وفي تفسير للقيوم وقوله تعالى الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا تعالى الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم كل فإن هذا تفسير للوعد
[ 37 ]
وقوله تعالى الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم تفسير للوعد وتبيين له لا مفعول ثان فلم يتعد الفعل منها إلا الى واحد وقوله تعالى مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب خلقه تفسير للمثل وقوله تعالى فلا سوء العذاب يذبحون ويذبحون وما بعده تفسير للسوم وهو في القرآن كثير قال أبو الفتح بن جنى ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها لأن تفسير الشئ لاحق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه كالصلة من الموصول والصفة من الموصوف وقد يجئ لبيان العلة والسبب كقوله تعالى يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون وليس هذا من قولهم وإلا لما حزن الرسول وإنما يجئ به
لبيان السبب في أنه لا يحزنه قولهم وكذلك قوله ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ولو جاءت الايتان على حد ما جاء قوله تعالى الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم لكانت أن مفتوحة لكنها جاءت على حد قوله
[ 38 ]
فائدة قيل الجملة التفسيرية لا موضع لها من الإعراب وقيل يكون لها موضع إذا كان للمفسر موضع ويقرب منها ذكره تفصيلا كما سبق في قوله موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ومثل: فاصيام ثلاثة أيام في الحج القسم السابع عشر خروج اللفظ مخرج الغالب كقوله تعالى غير اللاتي في حجوركم من نسائكم أحمد فإن الحجر ليس بقيد عند العلماء لكن فائدة التقييد تأكيد الحكم في هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها ولهذا قال بعده لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ولم يقل فإن لم تكونوا دخلتم بهن بعد ولم يكن في حجوركم فدل على أن الحجر خرج مخرج العادة واعترض بأن الحرمة إذا كانت بالمجموع فالحل يثبت بانتفاء المجموع والمجموع ينتفي بانتفاء جزئه كما ينتفي بانتفاء كل فرد من المجموع واجيب بأنه إذا نفي أحد شطري العلة كان جزء العلة ثابتا فيعمل عملها فان قيل لما قال نسائكم اللاتي دخلتم بهن يقول قال في الآية بعدها
[ 39 ]
واحل لكم ما وراء ذلكم علم من مجموع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذا لم يدخل بأمها فما فائدة قوله تعالى لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم قيل فائدته ألا يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط كما في الحجر المفهوم إذا خرج مخرج الغالب فلا تقييد فيه عند الجمهور خلافا لإمام الحرمين والشيخ عز الدين بن عبد السلام والعراقي حيث قالوا إنه ينبغي أن يكون حجة بلا خلاف إذا لم تغلب لأن الصفة إذا كانت غالبة دلت العادة عليها فاستغنى المتكلم بالعادة عن ذكرها فلما ذكرها مع استغنائه عنها دل ذلك على أنه لم يرد الإخبار بوقوعها للحقيقة بل ليترتب عليها نفي الحكم من المسكوت أما إذا لم تكن غالبة أمكن أن يقال إنما ذكرها ليعرف السامع أن هذه الصفة تعرض لهذه الحقيقة ومنه قوله تعالى تقتلوا أولادكم خشية إملاق وقوله تعالى كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة وجوزوا أن الرهن لا يختص بالسفر لكن ذكر لأن فقد الكاتب يكون فيه غالبا فلما كان السفر مظنة إعواز الكاتب والشاهد الموثوق بهما أمر على سبيل الإرشاد بحفظ مال المسافرين بأخذ الوثيقة الأخرى وهي الرهن وقوله تعالى وقد عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم علي والقصر جائز مع أمن السفر لأن ذلك خرج مخرج الغالب لا الشرط وغالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تخل من خوف العدو ومنهم من جعل الخوف هنا شرطا إن حمل القصر على ترك الركوع والسجود والنزول
[ 40 ]
عن الدابة والاستقبال ونحوه لا في عدد الركعات لكن ذلك شدة خوف لا خوف وسبب النزول لا يساعده
وكقوله تعالى حتى إن علمتم فيهم خيرا القسم الثامن عشر القسم وهو عند النحويين جملة يؤكد بها الخبر حتى إنهم جعلوا قوله تعالى يشهد إن المنافقين لكاذبون قسما وإن كان فيه إخبار إلا أنه لما جاء توكيدا للخبر سمى قسما ولايكون إلا باسم معظم كقوله السماء والأرض إنه لحق وقوله أي وربي إنه لحق قوله قل بلى وربي لتبعثن وقوله فوربك لنحشرنهم والشياطين وقوله فوربك لنسألنهم أجمعين وقوله فلا وربك لا يؤمنون وقوله فلا أقسم برب المشارق والمغارب فهذه سبعة مواضع أقسم الله فيها بنفسه والباقي كله أقسم بمخلوقاته
[ 41 ]
كقوله والزيتون فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس وانما يحسن في مقام الإنكار فان قيل ما معنى القسم منه سبحانه فإنه إن كان لأجل المؤمن فالمؤمن يصدق مجرد الاخبار وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده فالجواب قال الاستاذ أبو القاسم القشيري إن الله ذكر القسم لكمال الحجة
وتأكيدها وذلك أن الحكم يفصل باثنين إما بالشهادة وإما بالقسم فذكر تعالى النوعين حتى يبقى لهم حجة وقوله لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى إلا السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق فيه صاح وقال من الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين قالها ثلاثا ثم مات فإن قيل كيف أقسم بمخلوقاته وقد ورد النهي علينا ألا نقسم بمخلوق قيل فيه ثلاثة أجوبة احدها أنه حذف مضاف أي ورب الفجر ورب التين وكذلك الباقي والثانى أن العرب كانت تعظم هذه الاشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون
[ 42 ]
الثالث ان الاقسام إنما تجب بأن يقسم الرجل بما يعظمه أو بمن يجله وهو فوقه والله تعالى ليس شئ فوقه فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته لأنها تدل على بارئ وصانع واستحسنه ابن خالويه وقسمه بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله ليعرف الناس عظمته عند الله ومكانته لديه قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في كنز اليواقيت والقسم بالشئ لا يخرج عن وجهين إما لفضيلة أو لمنعفة وقال فالفضيلة كقوله تعالى أنه سنين وهذا البلد الأمين والمنفعة نحو والزيتون واقسم سبحانه بثلاثة أشياء احدها بذاته كقوله تعالى السماء والارض لنسألنهم أجمعين والثانى بفعله نحو وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما
سواها والثالث مفعولة نحو فقال إذا هوى أي وكتاب مسطور وهو ينقسم باعتبار آخر إلى مظهر ومضمر فامظفر كقوله تعالى السماء والأرض ونحوه
[ 43 ]
والمضمر على قسمين قسم دلت عليه لام القسم كقوله هذا في أموالكم وأنفسكم ثم وقسم دل عليه المعنى كقوله تعالى منكم إلا واردها رسول تقديره والله وقد أقسم تعالى بطوائف الملائكة في أول سورة الصافات ولا والمرسلات لم والنازعات فوائد الاولى أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن لا تكون إلا بالواو فإذا ذكرت الباء أتى بالفعل كقوله تعالى بالله جهد أيمانهم ابن قوله بالله له ولا تجئ الباء والفعل محذوف إلا قليلا وعليه حمل بعضهم قوله يا بني
[ 44 ]
لا تشرك بالله ذلك وقال الباء باء القسم وليست متعلقه تشرك وكأنه يقول يا بني لا تشرك محمد ثم ابتدأ فقال إلى لا تشرك وحذف لا تشرك لدلالة الكلام عليه وكذلك قوله كان لنا ربك بما عهد عندك أبو قيل إن قوله بما عهد قسم والاولى أن يقال إنه سؤال لا قسم وقوله ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته أو فتقف على لى وتبتدئ عبد فتجعله قسما
هذا مع قول النحويين إن الواو فرع الباء لكنه قد يكثر الفرع في الاستعمال ويقل الأصل الثانية قد علمت أن القسم إنما جئ به لتوكيد المقسم عليه فتارة يزيدون فيه للمبالغة في التوكيد وتارة يحذفون منه للاختصار وللعلم بالمحذوف فما زادوه لفظ إي بمعنى نعم كقوله تعالى إي وربي عليه وما يحذفونه فعل القسم وحرف الجر ويكون الجواب مذكورا كقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أي والله وقوله لا قطعن أيديكم ما بالناصية لا أن وليكونا من الصاغرين وقد يحذفون الجواب ويبقون القسم للعلم به كقوله تعالى والقرآن
[ 45 ]
ذي الذكر على أحد الأقوال أن الجواب حذف لطول الكلام وتقديره لأعذبنهم على كفرهم وقيل الجواب إن ذلك لحق ومما حذف فيه المقسم به قوله تعالى نشهد إنك لرسول الله أي نحلف إنك لرسول الله لأن الشهادة بمعنى اليمين بدليل قوله الله جنة واما قوله تعالى عن والحق أقول من فالأول قسم بمنزلة والحق وجوابه لأملأن وقوله في أقول بن توكيد للقسم واما قوله ذات البروج هذه ثم قال أصحاب الأخدود سنة قالوا وهو جواب القسم وأصله لقد قتل ثم حذف اللام وقد الثالثة قال الفارسي في الحجة الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان احدهما ما تكون جارية كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم فلا تجاب بجوابه كقوله
تعالى أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة عمرو قبل له كما يحلفون لكم فهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما وأن يكون حالا لخلوه من الجواب والثانى ما يتعلق بجواب القسم كقوله تعالى أخذ الله ميثاق الذين أوتوا
[ 46 ]
الكتاب لتبيننه بالله جهد أيمانهم الرابعة: القسم والشرط يدخل كل منهما على الآخر فإن تقدم القسم ودخل الشرط بينه وبين الجواب كان الجواب للقسم وأغنى عن جواب الشرط وإن عكس فبالعكس وأيهما تصدر كان الاعتماد عليه والجواب له ومن تقدم القسم قوله تعالى لم تنته لأرجمنك تقديره والله لئن لم تنته فاللام الداخلة على الشرط ليس بلام القسم ولكنها زائدة وتسمى الموطئة للقسم ويعنون بذلك أنها مؤذنة بأن جواب القسم منتظر أي الشرط لا يصلح أن يكون جوابا لأن الجواب لا يكون إلا خبرا وليس دخولها على الشرط بواجب بدليل حذفها في قوله تعالى لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم الذى يدل على الجواب للقسم لا للشرط دخول اللام فيه وأنه ليس بمجزوم بدليل قوله تعالى اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان جواب الشرط لكان مجزوم واما قوله تعالى متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون وكان فاللام في ولئن هي الموطئة للقسم واللام في روى الله هي لام القسم ولم تدخل نون التوكيد على الفعل للفصل بينه وبين اللام بالجار والمجرور والأصل لئن متم أو قتلتم لتحشرون ولم إلى الله فلما قدم معمول الفعل عليه حذف منه
[ 47 ]
القسم التاسع عشر إبراز الكلام في صورة المستحيل على طريق المبالغة ليدل على بقية جمله كقول العرب لا أكلمك حتى يبيض القار وحتى يشيب الغراب وكقوله تعالى ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط بين يعنى والجمل لا يلج في السم فهؤلاء لا يدخلون فهو في المعنى متعلق بالحال فالمعنى أنهم لا يدخلون الجنة أصلا وليس للغاية هنا مفهوم ووجه التأكيد فيه كدعوى الشئ ببينه لأنه جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفي دخولهم الجنة وتلك غاية لا توجد فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا وغالى بعض الشعراء في وصف جسمه بالنحول فجاء بما يزيد على الآية فقال ولو أن ما بي من جوى وصبابة على جمل لم يبق في النار خالد وهذا على طريقة الشعراء في اعتبار المبالغة وإلا فمعارضات حديث القرآن لا تجوز كما سبق التنبيه عليه ومنه قوله تعالى تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف فان المعنى إن كان ما سلف في الزمن السالف يمكن رجوعه فحله ثابت لكن لا يمكن رجوعه أبدا ولا يثبت حله ابدا وهو أبلغ في النهي المجرد ومنه قوله تعالى إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين عند أي ولكن ليس له ولد فلا أعبد سواه
[ 48 ]
وقوله تعالى يسمعون فيها لغوا إلا سلاما لأنه أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك فهو من باب قوله ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
ومنه قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى يا فإن الناس استشكلوا وجه الاستثناء مع أنهم لا يذوقون فيها الموت مطلقا ومقتضى استثنائها من النفي أنهم يذوقونها في الجنة وليس كذلك ووجهه الزمخشري بأنه من التوكيد في الدلالة والموتة الأولى لا يذوقونها أصلا إذ يستحيل عود ما وقع فلا يذوقون فيها الموت أصلا أي إن كانوا يذوقون فلا يكون ذلك إلا الموتة الأولى وإن كان إيقاع الموتة الأولى في الجنة مستحيلا فعرض بالاستثناء الى استحالة الموت فيها هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا فإن كان منقطعا فالمعنى لكن الموتة الأولى قد ذاقوها ويحتمل على الاتصال أن يكون المعنى فيها أي في مقدماتها لأن الذي يرى مقامه في الجنة عند الجنة عند موته ينزل منزلة من هو فيها بتأويل الذوق على معنى المستحيل فهذه ثلاثة أوجه القسم الموفى العشرين الاستثناء والاستدراك ووجه التأكيد فيه أنه ثنى ذكره مرتين مرة في الجملة ومرة في التفصيل
[ 49 ]
فإذا قلت قام القوم إلا زيدا فكأنه كان في جملتهم ثم خرج منهم كقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس مع فإن فيه معنى زائدا على الاستثناء هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم وهو بمثابة قولك أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا فإن الإخبار عن معصية الملك بهذا الصيغة أبلغ من قولك أمر الملك فعصاه فلان
وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه بالعدل فيما ضربه على أبليس من خزي الدنيا وختم عليه من عذاب الآخرة ومنه قوله تعالى سعيد فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما بكر فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة ليكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف واختصار اللفظ فإن لفظ القرآن أخصر من تسعمائة وخمسين عاما ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه ولا النقص ومنه قوله تعالى الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك فإنه سبحانه لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله ربك فعال لما يريد أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء حيث قال غير
[ 50 ]
مجذوذ أي غير منقطع ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع وهذه المعاني زائدة على الاستثناء اللغوي وقيل وجه الاستثناء فيه الخروج من الجنة إلى منزلة أعلى كالرضوان قد والرؤية ويؤيده قول بعض وفي الصحابة وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وصوبة النبي صلى الله عليه واله وسلم وجعل الزمخشري الاستثناء الأول لخروج أهل النار الى الزمهرير أو إلى نوع آخر من العذاب بناء على مذهبه من تخليد أهل الكبائر في النار وجعل الاستثناء الثاني دالا على نجاة أهل الكبائر من العذاب فكأنه تصور
أن الاستثناء الثاني لما لم يحمل على انقطاع النعيم لقوله تعالى غير مجذوذ فكذا الاستثناء الأول لا يحمل على انقطاع عذاب الجحيم لتناسب أطراف الكلام معنى قوله ربك فعال لما يريد عقب الاستثناء الأول في مقابلة قوله غير مجذوذ عقب الثاني أن الله تعالى يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطى لأهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له قيل وما أصدق في سياق الزمخشري في هذا الموضع قول القائل حفظت شيئا وغابت عنك أشياء وذلك لأن ظاهر الاستثناء هو الإخراج عن حكم ما قبله ولا موجب للعدول عن
[ 51 ]
الظاهر في الاستثناء الأول فحمل على النجاة ولما كان إنجاء المستحق العذاب محل تعجب وإنكار عقبه بقوله ربك فعال لما يريد أي من العذاب والإنجاء منه بفضله ولا يتوجه عليه اعتراض أحد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد واما الاستثناء الثاني فلم يكن على ظاهره كان إخراج أهل الجنة المستحقين للثواب وقطع النعيم لا يناسب إنحاء أهل النار المستحقين للعذاب فلذا عقب بقوله عطاء غير مجذوذ بيانا للمقصود ورعاية فلا هذا الباب أولى من رعاية الباب الذي توهم الزمخشري فإن حاصله يرجع إلى أن الاستثناء الثاني لما لم يكن على ما هو الظاهر في باب الاستثناء ينبغي إلا يكون الاستثناء الأول ايضا على ما هو الظاهر ولا يخفى على المنصف أنه تعسف واما قوله تعالى لهم طعام إلا من ضريع فالمعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس وذلك كقولك ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد ذلك نفي الظل عنه على التوكيد والضريع نبت ذو شوك يسمى الشبرق في حال خضرته وطراوته فإذا يبس سمى الضريع والإبل ترعاه طريا لا يابسا
وقريب منه تأكيد المدح بما يشبه الذم بأن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشئ صفة مدح بتقدير دخولها فيها كقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما التأكيد فيه من وجهين على الاتصال في الاستثناء والانقطاع القسم الحادي والعشرون المبالغة وهي أن يكون للشئ صفة ثابتة فتزيد في التعريف بمقدار شدته أو ضعفه فيدعى
[ 52 ]
له من الزيادة في تلك الصفة ما يستبعد عند السماع أو منه يحيل عقله ثبوته ومن أحسنها قوله تعالى كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض وهي ظلمة البحر وظلمة الموج فوقه عن ظلمة السحاب فوق الموج وقوله تعالى: القلوب الحناجر غير أي كادت تبلغ لأن القلب إذا زال عن موضعه مات صاحبه وقيل هو حقيقة وإن الخوف والروع يوجب للخائف أن تنتفخ رئته ولا يبعد أن ينهض بالقلب نحو الحنجرة ذكره الفراء وغيره اوأنها لما أتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر ورد ابن الانباري أحمد تقديرا كادت فإن كاد لا تضمر وقوله تعالى كان مكرهم لتزول منه الجبال وقوله تعالى تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ومنه المبالغة في الوصف بطريق التشبيه كقوله تعالى يقول ترمى بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر
[ 53 ]
وقد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الآعظم الأكبر للبمالغة لأن وهو مجاز كقوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا وقد فجعل مجئ جلائل آياته مجيئا له سبحانه على المبالغة وكقوله سبحانه علي الله عنده فوفاه حسابه حتى فجعل نقله بالهلكة من دار العمل الى دار الجزاء وجدانا للمجازي ومنه ما جرى مجرى الحقيقة كقوله تعالى يكاد تعالى سنا برقه يذهب بالأبصار فإن فإن اقتران هذه ب يكاد صرفها الى الحقيقة فانقلب من الامتناع إلى الإمكان وقد تجئ المبالغة مدمج كقوله تعالى عمر منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار النبي فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة في المقابلة وهي بالنسبة الى المخاطب لا إلى المخاطب معناه أن علم ذلك متعذر عندكم وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة واما قوله تعالى لو كان للبحر مدادا لكلمات ربي وإن الآية فقيل كما سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له كيف عنفنا بهذا القول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا هو ونحن قد أوتينا التوراة وفيها كلام الله وسلم وأحكامه ونور وهدى فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم التوراة قليل من كثير ونزلت هذه الآية
[ 54 ]
وقيل إنما نزلت أن ما في الأرض من شجرة أقلام عنه قال المفسرون والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة
وقال بعض المحققين إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور وكما قال الخضر عليه السلام ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب والصفح عن الذنوب والتغافل عن الزلات والستر على أهل المروءات كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إن العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين إلا وقيل في تفسيره أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك وقوله تعالى بالتي هي أحسن فيه الآية
[ 55 ]
تنبيه تحصل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز إما بالحذف وإما بحجل وقال الشئ نفس الشئ أو يتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام أوصاف كقوله تعالى أنه ما الحاقة وقد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام فائدة في اختلاف الأقوال في تقدير المبالغة في الكلام اختلف في المبالغة على أقوال احدها إنكار أن تكون من محاسن الكلام لاشتمالها على الاستحالة والثانى أنها الغاية في الحسن وأعذب الكلام ما بولغ فيه وقد قال النابغة لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما الثالث وهو الأصح أنها من محاسن الكلام ولا ينحصر الحسن فيها فإن
فضيلة الصدق لا تنكر ولو كانت معيبة لم ترد في كلام الله تعالى ولها طريقان احدهما أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة كما في الكناية والتشبيه والاستعارة وغيرها من أنواع المجاز والثانى أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يتقضى زيادة فتترادف صلى الله عليه وسلم الصفات
[ 56 ]
بقصد التهويل كما في قوله تعالى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض القسم الثاني والعشرون الاعتراض فقال قدامة أي التفاتا وهو أن يؤتى في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى بشئ يتم الغرض الأصلي بدونه ولا يفوت بفواته فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة وقيل هو إرادة وصف شيئين الأول منهما قصدا والثاني بطريق الانجرار وله تعليق بالأول بضرب من التأكيد وعند النحاة جملة صغرى تتخلل جملة كبرى على جهة التأكيد وقال الشيخ عز الدين في أماليه الجملة المعترضة تارة تكون مؤكدة وتارة تكون مشددة لأنها إما ألا تدل على معنى زائد على ما دل عليه الكلام بل دلت عليه فقط فهي مؤكدة وإما أن تدل عليه وعلى معنى زائد فهي مشددة انتهى وذكر النحاة مما تتميز به الجملة الاعتراضية عن الحالية كونها طلبية كقوله تعالى
[ 57 ]
ومن يغفر الذنوب إلا الله فإنه معترض بين ثنا لذنوبهم وبين به يصروا على ما فعلوا
وله أسباب منها تقرير الكلام كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صوابا ومنه قوله تعالى هذا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض ثم علمتم رسول اعتراض والمراد تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة وقوله وامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم لم وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون واعترض بقوله يفعلون بين كلامها وقوله وأتوا به متشابها ومنها قصد التنزيه كقوله تعالى لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون قوله فاعتراض له لغرض التنزيه والتعظيم وفيه الشناعة على من جعل البنات لله ومنها قصد التبرك وكقوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين
[ 58 ]
ومنها قصد التأكيد كقوله فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم وفيها اعتراضان فإنه اعترض بقوله وإنه لقسم محمد بين القسم وجوابه واعترض بقوله تعلمون بين الصفة والموصوف والمراد تعظيم شأن ما أقسم به من مواقع النجوم وتأكيد إجلاله في النفوس لا سيما بقوله تعلمون وقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا اولئك لهم جنات عدن إلى وأولئك الخبر وإنا لا نضيع كان
ومنها كون الثاني بيانا للأول كقوله تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين فإنه اعتراض وقع بين قوله أبو وبين قوله أو حرث لكم وهما متصلان معنى لأن الثاني بيان للأول كأنه قيل فأتوهن من حيث يحصل منه الحرث وفيه اعتراض بأكثر من جملة ومنها تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد على أمر علق بهما كقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولو الديك فاعترض بقوله عبد أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين عليه بين ووصينا وبين الموصي به وفائدة ذلك إذكار الولد بما كابدته أمه من المشقة في حمله وفصاله فذكر الحمل والفصال يفيد زيادة التوصية بالأم لتحملها من المشاق والمتاعب في حمل الولد ما لا يتكلفه الوالد ولهذا جاء في الحديث التوصية بالأم ثلاثا وبالأب مرة
[ 59 ]
ومنها زيادة الرد على الخصم كقوله تعالى قتلتم نفسا فادارأتم فيها الآية فقوله مخرج اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وفائدته أن يقرر في أنفس المخاطبين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك الأنفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه لأن الله تعالى مظهر لذلك أبي ومخرجه ولو جاء الكلام خاليا من هذا الاعتراض لكان قتلتم نفسا فادارأتم فيها فقلنا أضربوه ببعضها وقوله وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر لا فاعترض بين إذ وجوابها بقوله أعلم بما ينزل أن فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا وقوله وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة على إلى قوله هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون
وقوله قل اللهم فاطر السموات والأرض إلى قوله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون اعتراض في اثناء الكلام وهو قوله ذكر الله وحده اشمأزت الاية وذلك لأن قوله مس الإنسان ضر الله سبب عن قوله ذكر الله وحده اشمأزت على معنى أنه يشمئزون من توحيد الله تعالى ويستبشرون بالشرك الذي هو ذكر الآلهة فإذا مس أحدهم ضر أو أصابته شدة تناقض في دعواه فدعا من أشمأز قال من ذكره وانقبض من توحيده ولجأ إليه دون الآلهة فهو اعتراض بين السبب والمسبب فقيد القول بما فيه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأمره بذلك وبقوله انت تحكم بين عبادك من ثم عقبه من الوعيد العظيم أشد التأكيد وأعظمه وأبلغه
[ 60 ]
ولذلك كان اتصال قوله مس الإنسان ضر دعا ربه للسبب الواقع فيها وخلو الأول منه من الأمر اشتراك جملة مع جملة ومناسبة أوجبت العطف بالواو الموضوعة لمطلق في بالجمع كقولهم قام زيد وعمرو وتسبيب السبب مع ما في ظاهر الاية من اشمئزازهم بن ليس يقتضى التجاءهم إلى الله تعالى وإنما يقتضى إعراضهم عنه من جهة أن سياق الآية يقتضى إثبات التناقض وذلك أنك تقول زيد يؤمن بالله تعالى فإذا مسه الضر لجأ إليه فهذا سبب ظاهر مبنى على اطراد الأمر وتقول زيد كافر بالله فإذا مسه ضر لجأ إليه فتجئ بالفاء هنا كالأول لغرض التزام التناقض أو العكس حيث أنزل الكافر كفره منزلة الإيمان في فصل سبب الالتجاء فأنت تلزمه العكس بأنك إنما تقصد بهذا الكلام الإنكار والتعجب من فعله وقوله وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون بقوله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل له مقاليد السموات والأرض اعتراض واقع في اثناء كلام متصل وهو قوله عمرو الله الذين آتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون كفروا بآيات الله أولئك هم
الخاسرون قبل وهو على مهيع أسلوب القرآن من ذكر الضد عقب الضد كما قيل وبضدها تتبين الأشياء ومنها الإدلاء بالحجة كقوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاعترض بقوله يحيى بين قوله الرحمن إليهم وكان وبين قوله روى والزبر ولم
[ 61 ]
وبهذه الآية ابن مالك على أبي علي الفارسي قوله إنه لا يعترض بأكثر من جملة واحدة بأن جملة الأمر دليل للجواب عند الأكثرين ونفسه عند آخرين فهو مع جملة الشرط كالجملة الواحدة نعم جوزوا في قوله تعالى بين على فرش بطائنها من إستبرق أهل أن يكون حالا من قوله حديث خاف مقام ربه جنتان عند فلزم الاعتراض بسبع جمل مستقلات إن كان لأنه أفنان أخبرنا خبر مبتدأ محذوف وإلا فيكون بست جمل وقال الزمخشري في قوله تعالى أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى الآية إن في هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة جملة الشرط واتقوا يا وكذبوا لو وبما كانوا يكسبون وزعم أن يكون افامن معطوف على بغتة مع وكذا نقله ابن مالك عن الزمخشري وتبعه أبو حيان ولم يوجد ذلك في كلام الزمخشري قال ابن مالك ورد عليه من ظن أن الجملة والكلام مترادفان قال وإنما اعترض بأربع جمل وزعم أن من عند أن سعيد إلى بكر جملة لأن الفائدة إنما تتم بمجموعه انتهى وفي القولين نظر أما على قول ابن مالك فينبغي أن يكون بعدها ثمان جمل أحدها
[ 62 ]
وهم لا يشعرون قد وأربعة في حيز لو وهي وفي واتقوا كل وفتحنا والمركبة مع أن وصلتها مع ثبت مقدرا على الخلاف في أنها فعلية أو أسمية والسادسة ولكن كذبوا والسابعة والثامنة بما كانوا يكسبون واما قول المعترض فلانه كان من حقه أن يعدها ثلاث جمل أحدها لا يشعرون لأنها حال مرتبطة بعاملها وليست مستقلة برأسها والثانية لو وما في حيزها جملة واحدة فعلية إن قدر ولو ثبت أن أهل القرى آمنوا واتقوا أو أسمية وفعلية إن قدر إيمانهم واتقوا ثابتان والثالثة كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون كله جملة وينبغى على قواعد البيانيين أن يعدوا الكل جملة واحدة لارتباط بعضها ببعض وعلى رأي النحاة ينبغي أن يكون أن أهل القرى آمنوا واتقوا فلا جملة واحدة لارتباط الشرط بالجزاء لفظا كذبوا ثانية أو ثالثة منه أو رابعه وكانوا يكسبون متعلق أخذناهم فلا يعد اعتراضا وقوله وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى فهذه ثلاث جمل معترضة بين يا أرض ابلعي ماءك: وبين وقيل بعدا غير وفيه اعتراض في اعتراض فإن أحمد الأمر معترض بين غيض الماء وبين بعد ولا مانع من وقوع الاعتراض في الاعتراض كقوله يقول لقسم لو تعلمون عظيم
[ 63 ]
ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت ذاكرا عن إبراهيم قوله الله واتقوه الذي ثم اعترض تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تكذبوا
فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين وذكر آيات إلى أن قال كان جواب قومه يعنى قوم إبراهيم فرجع إلى الأول وجعل الزمخشري قوله تعالى لأن وفي آخر الصافات معطوفا على وقد فاستقم في أول السورة علي وقال في قول بعضهم في للبشر حتى إنه حال من فاعل تعالى في أول هذه السورة هذا من بدع التفاسير فإن وهذا الذي ذكره في الصافات منه ومن العجب دعوى بعضهم كسر همزة إن في قوله تعالى ذلك لحق تخاصم أهل النار عمر على جواب القسم في قوله تعالى والقرآن ذي الذكر حكاه الرماني فان قيل أين خبر إن في قوله تعالى الذين كفروا بالذكر لما جاءهم النبي قيل الخبر ينادون من مكان بعيد
[ 64 ]
فوائد قال ابن عمرون وإن لا يجوز وقوع الاعتراض بين واو العطف وما دخلت عليه وقد أجازه قوم في ثم وأو فتقول زيد قائم ثم والله عمرو وقوله تعالى يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما اعتراض بين الشرط وجوابه مع أن فيه فاء والجملة مسندة ليكن قال الطيبي سئل الزمخشري عن قوله تعالى شاء ذكره أهو اعتراض قال لا لأن من شرط الاعتراض أن يكون بالواو ونحوها وأما بالفاء فلا وفهم صاحب فرائد القلائد من هذا اشتراط الواو فقال وقد ذكر الزمخشري كما انه كان صديقا نبيا هو هذه الجملة اعتراض بين البدل وبين المبدل منه أعنى إبراهيم وإذ قال هذا معترض لأنه اعتراض بدون الواو بعيد عن الطبع وعن الاستعمال
وليس كما قال فقد يأتي بالواو كما سبق في الأمثلة وبدونها كقوله سبحانه وسلم ما يشتهون وقد اجتمعا في قوله أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم القسم الثاني والعشرون وهو أن يكون الكلام محتملا لشئ بعيد فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال كقوله
[ 65 ]
تعالى إلا يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فاحترس سبحانه بقوله من غير سوء عن فيه إمكان أن يدخل في ذلك البهق والبرص وقوله تعالى صلى على المؤمنين أعزة على الكافرين وقال فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة وهو السهولة لتوهم أن ذلك لضعفهم فلما قيل أنه على الكافرين علم أنها منهم تواضع ولهذا عدي الذل بعلى لتضمنه معنى العطف كذلك قوله تعالى وهو رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بنيهم وقوله تعالى يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فقوله وهم لا يشعرون احتراس بين أن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بالا يشعروا بها وقد قيل إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بالضحك لأنهم يقولون تبسم كتبسم صلى الله عليه وسلم الغضبان لينبه على أن تبسمه تبسم سرور ومثله قوله تعالى إذا منهم معرة بغير علم فقال التفات إلى أنهم لا يقصدون ضرر مسلم وقوله تعالى بعدا للقوم الظالمين أي فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من
هلك بالطوفان عقبهم بالدعاء عليهم ووصفهم بالظلم ليعلم أن جميعهم كان مستحقا للعذاب
[ 66 ]
احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم مع قوله أ ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون واعجب احتراس وقع في القرآن قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه السلام كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ثنا الآية وقال حكاية عن موسى به من جانب الطور الآيمن هذا فلما نفى سبحانه عن سوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرف المكان بالغربي ولم يقل في هذا الموضع الأيمن كما قال وناديناه من جانب الطور الأيمن أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن أو يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا لمادته ولما أخبر عن موسى عليه السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا لموسى فراعى في المقامين حسن الأدب معهما تعليما للأمة وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب وقوله جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فإنه لو اختصر لترك والله يعلم ثم لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعاوي الإخلاص في الشهادة لكن حسن ذكره رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر وقوله حاكيا عن يوسف عليه السلام أحسن بي إذ أخرجني من السجن ولم يذكر الجب مع أن النعمة فيه أعظم لوجهين
[ 67 ]
احدهما لئلا يستحيي إخوته والكريم يغضى ولا سيما في وقت الصفاء
والثانى لأن السجن كان باختياره فكان الخروج منه أعظم بخلاف الجب رسول وقوله تكلم الناس في المهد وكهلا ولا وإنما ذكر الكهولة مع أنه لا إعجاز فيه لأنه كان في العادة أن من يتكلم في المهد أنه لا يعيش ولا يتمادى به العمر فجعل الاحتراس بقوله وكهلا ومنه قوله تعالى فخر حدثنا عليهم السقف من فوقهم ابن والسقف لا يكون إلا من فوق لأنه سبحانه رفع الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون من تحت بالنسبة فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لآخرين فرفع تعالى هذا الاحتمال بشيئين وهما وقوله عليهم قوله ولفظة له لأنها لا تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى سفل وقيل إنما أكد ليعلم أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط فجاء بقوله فوقهم ليخرج هذا الشك الذي في كلامهم فقال من فوقهم ذلك أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفتلوا وقوله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم إلى لأنه لما كان يحتمل معنى كيف وأين احترس بقوله كان لأن الحرث لا يكون إلا حيث تنبت البذور وينبت الزرع وهو المحل المخصوص وقوله ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون وذلك لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها ويسلي أبو عنها فأعلم سبحانه أنه لا ينفعهم ذلك
[ 68 ]
فائدة عاب قدامة على ذي الرمة قوله ألا يا أسلمى يا دار مي على البلى ولا زال منهلا بجرعاتك القطر عبد
فانه لم يحترس وهلا قال كما قال طرفة فسقى ديارك غير مفسدها بأنه قدم الدعاء بالسلامة للدار وقيل لم يرد بقوله ولا زال منهلا اتصال الدوام بالسقيا من غير إقلاع وإنما ذلك بمثابة من يقول ما زال فلان يزورني إذا كان متعاهدا له بالزيارة القسم الرابع والعشرون التذييل مصدر ذيل للمبالغة وهي لغة جعل الشئ ذيلا للآخر واصطلاحا أن يؤتى بعد تمام الكلام بكلام مستقل في معنى الأول تحقيقا لدلالة منطوق الأول أو مفهومه ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لا يفهم ويكمل عند من فهمه كقوله تعالى جزيناهم بما كفروا ما ثم قال عز من قائل لا نجازي إلا الكفور أن أي هل
[ 69 ]
يجازى ذلك الجزاء الذي يستحقه الكفور إلا الكفور فإن جعلنا الجزاء عاما كان الثاني مفيدا فائدة زائدة وقوله على جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وقوله وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون وقوله والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير فقوله ينبئك مثل خبير قال تذييل لاشتماله على وقوله فاستكبر وكانوا قوما عالين وقوله فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين
وجعل القاضي أبو بكر في كتابه الإعجاز منه قوله تعالى فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين وقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ويحتمل عن أن يكون من التعليل وقوله انا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون فقوله
[ 70 ]
وكذلك تذييل أي فذلك شأن الأمم مع الرسل وقوله أرسلنا من قبلك في قرية من نذير من جعل التذييل هنا من التفسير القسم الخامس والعشرون التتميم وهو أن يتم الكلام فيلحق به ما يكمله إما مبالغة أو احترازا أو احتياطا وقيل هو أن يأخذ في معنى فيذكره غير مشروح وربما كان السامع لا يتأمله ليعود المتكلم إليه شارحا كقوله تعالى في الطعام على حبة مسكينا ويتيما وأسيرا بن فالتتميم هذه في قوله حبه سنة جعل الهاء كناية عن الطعام مع اشتهائه وكذلك قوله عمرو المال على حبه وكقوله تعالى يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة فقوله مؤمن قبل تتميم في غاية الحسن القسم السادس العشرون الزيادة والاكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب الله ويسمونه التأكيد ومنهم
من يسميه بالصلة ومنهم من يسميه المقحم
[ 71 ]
قال ابن جنى كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى وبابها الحروف والأفعال كقوله تعالى نقضهم ميثاقهم الرحمن رحمة من الله وقوله قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا وكان قيل روى هاهنا زائدة وإلا لم يكن فيه إعجاز لأن الرجال كلهم كانوا في المهد وانتصب ولم على الحال وقال ابن عصفور هي في كلامهم زيدت في وسط الكلام للتأكيد وهي مؤكدة للماضي في قالوا ومنه بين زيادة أصبح قال حازم إن كان الأمر الذي ذكر أنه فيه اصبح يكن أمسى فيه فليست زائدة وإلا فهي زائدة كقوله أصبح العسل حلوا واجاب الرماني عن قوله خاسرين أهل فإن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل يرجو الفرج عند الصباح فاستعمل أصبح لأن الخسران جعل لهم في الوقت الذي يرجون فيه الفرج فليست زائدة وهو معنى قول غيره إنها تأتي للدوام واستمرار الصفة كقوله تعالى لا يرى إلا مساكنهم حديث الذين تمنوا بالأمس عند واما قوله تعالى لأنه وجهه مسودا وهو كظيم أخبرنا فهو على الأصل لظهور الصفة نهارا والمراد الدوام أيضا أي استقرت له الصفة نهاره
[ 72 ]
واعلم ان الزيادة واللغو من عبارة البصريين والصلة والحشو من عبارة الكوفيين قال سيبويه عقب قوله تعالى نقضهم يكون إن ما لغو لأنها لم
تحدث شيئا الاولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى فإن قوله فبما رحمة من الله لنت لهم معناه ما لنت لهم إلا رحمة وهذا قد جمع نفيا وإثباتا ثم اختصر على هذه الإرادة وجمع فيه بين لفظي الإثبات وأداة النفي التي هي ما وكذا قوله تعالى إنما الله إله واحد فإنما ها هنا حرف تحقيق وتمحيق إن هنا للتحقيق وما للتمحيق مع فاختصر والأصل ما الله اثنان فصاعدا وأنه إله واحد وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن فمنهم من أنكره قال الطرطوسي في العمدة سعيد زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن وقد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره فذكر كثيرا وقال ابن الخباز بكر في التوجيه قد وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد لأنه تكلم بغير فائدة وما جاء منه حمله على التوكيد
[ 73 ]
ومنهم من جوز وجعل وجوده كالعدم وهو أفسد الطرق صلى رد وقد رد على فخر الدين الرازي قوله إن المحققين على أن المهمل لا يقع في كلام الله سبحانه فأما في قوله تعالى رحمة من الله فيمكن أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة فجعل الزائد مهملا وليس كذلك لأن الزائد ما أتى به لغرض التقوية والتوكيد والمهمل ما لم تضعه العرب وهو ضد المستعمل وليس المراد من الزيادة حيث ذكرها النحويون إهمال اللفظ ولا كونه لغوا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها فإنهم إنما سموا ما زائدة هنا لجواز تعدى العامل قبلها إلى
ما بعدها لا لأنها ليس لها معنى واما ما قاله في الآية إنها للاستفهام التعجبي فقد انتقد عليه بأن قيل تقديره فبأي رحمة دليل على أنه جعل ما مضافة للرحمة وأسماء الاستفهام التعجبي لا يضاف منها غير أي وإذا لم تصح الإضافة كان ما بعدها بدلا منها والمبدل من اسم الاستفهام يجب معه ذكر همزة الاستفهام وليست الهمزة مذكورة فدل على بطلان هذه الدعوى وسنبين في فصل زيادة الحروف الفائدة في ادخال ما ها هنا فانظر هناك تنبيهات الاول أهل الصناعة يطلقون الزائد على وجوه منها ما يتعلق به هنا وهو ما أقحم تأكيدا نحو رحمة من الله لنت لهم إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة كمثله شئ
[ 74 ]
ومعنى كونه زائدا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد فبوجوده حصل فائدة التأكيد والواضع الحكيم لا يضع الشئ إلا لفائدة وسئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف وما معناه إذ إسقاط كل الحرف لا يخل بالمعنى فقال هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف قال ومثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره وقال أجد نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقضانه الثاني حق الزيادة أن تكون في الحرف وفي الأفعال كما سبق وأما الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد ووقع في كلام كثير من المفسرين الحكم عليها في بعض المواضع بالزيادة كقول الزمخشري في قوله تعالى الله والذين آمنوا فلا
إن اسم الجلالة مقحم ولا يتصور مخادعتهم لله تعالى الثالث حقها أن تكون آخرا وحشوا وأما وقوعها أولا فلا لما فيه من التناقض إذ قضية الزيادة إمكان اطراحها وقضية التصدير الاهتمام ومن ثم ضعف قول بعضهم بزيادة لا في قوله تعالى أقسم بيوم القيامة وأبعد منه قول آخر إنها بمعنى إلا والظاهر أنها ردا لكلام تقدم في إنكار البعث أي ليس الأمر كما تقولون ثم قال بعده منه بيوم القيامة وعليه فيجوز الوقف على لا وفيه بعد
[ 75 ]
في حروف الزيادة الزيادة إما أن تكون لتأكيد النفي كالباء في خبر ليس وما أو للتأكيد الإيجاب كاللام الداخلة على المبتدأ وحروف الزيادة سبعة إن وأن ولا وما ومن والباء واللام بمعنى أنها تأتي في بعض الموارد زائدة لا أنها لازمة للزيادة ثم ليس المراد حصر الزوائد فيها فقد زادوا الكاف وغيرها بل المراد أن الأكثر في الزيادة أن تكون بها زيادة إن فاما إن الخفيفة فتطرد زيادتها مع ما النافية كقول امرئ القيس غير حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صال أي فما حديث فزاد إن للتوكيد قال الفراء إن الخفيفة زائدة فجمعوا بينها وبين ما النافية تأكيدا للنفي فهو بمنزلة تكرارها فهو عند الفراء من التأكيد اللفظي وعند سيبويه من التأكيد المعنوي وقيل قوله تعالى مكناهم فيما إن مكناكم فيه أحمد أنها زائدة وقيل نافية والأصل في الذي ما مكناكم فيه بدليل بعد في الأرض ما لم
نمكن لكم وكأنه إنما عدل عن ما لئلا تتكرر فيثقل اللفظ ووهم ابن الحاجب حيث زعم أنها تزاد بعد لما الإيجابية وإنما تلك في أن المفتوحة
[ 76 ]
زيادة أن واما أن المفتوحة فتزاد بعد لما الظرفية كقوله تعالى أن جاءت رسلنا لوط سئ بهم وإنما حكموا بزيادتها لأن لما ظرف زمان ومعناها وجود الشئ لوجود غيره وظروف الزمان غير المتمكنة لا تضاف إلى المفرد وأن المفتوحة تجعل الفعل بعدها في تأويل المفرد فلم تبق لما مضافة إلى الجمل فلذلك حكم بزيادتها وجعل الأخفش من زيادتها قوله تعالى لنا ألا نتوكل على الله وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقيل بل هي مصدرية والأصل وما لنا في ألا نفعل كذا فليست زائدة لأنها عملت النصب في المضارع زيادة ما واما ما فتزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر فتزاد بعد من وعن غير كافة لهما عن العمل وتزاد بعد الكاف ورب والباء كافة تارة وغير كافة أخرى يقول والكافة إما أن تكف عن عمل النصب والرفع وهي المتصلة بإن وأخواتها نحو إنما الله إله واحد الذي لأن يساقون إلى الموت وقد وجعلوا منها انما يخشى الله من عباده العلماء ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي والعلماء خبر والعائد مستتر في يخشى وأطلقت ما على جماعة العقلاء
[ 77 ]
كما في في قوله تعالى ما ملكت أيمانكم
واما أن تكف عن عمل الجر كقوله تعالى حتى لنا إلها كما لهم آلهة وقيل بل موصولة أي كالذي هو لهم آلهة وغير الكافة تقع بعد الجازم نحو تعالى ينزعنك فإن عمر ما تدعوا النبي اينما تكونوا وبعد الخافض حرفا كان رحمة من الله نقضهم ميثاقهم هو وسلم عما قليل عنه إن خطيئاتهم إلا أو اسما نحو أيما الأجلين قضيت فيه وتزاد بعد أداة الشرط جازمة كانت نحو صلى تكونوا يدرككم الموت وقال أو غير جازمة نحو إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم أنه وهو وبين المتبوع وتابعه نحو صلى الله عليه وسلم ما بعوضة إذا قال الزجاج ما حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريين انتهى ويؤيده سقوطها في قراءة ابن مسعود وبعوضة بدلا وقيل ما أسم نكرة صفة ل مثلا أو بدل وبعوضة عطف بيان وقيل في قوله فقال ما يؤمنون أي بأنها زائدة لمجرد تقوية الكلام نحو
[ 78 ]
فبما رحمة وقليلا في معنى النفي أو لإفادة التقليل كما في نحو أكلت أكلا ما وعلى هذا فيكون فقليلا بعد قليل زيادة لا واما لا فتزاد مع الواو بعد النفي كقوله تعالى تستوي الحسنة ولا السيئة به لأن استوى من الأفعال التي تطلب اسمين أي لا تليق بفاعل واحد نحو اختصم فعلم أن لا زائدة وقيل دخلت في السيئة لتحقق أنه لا تساوي الحسنة السيئة ولا السيئة الحسنة وتزاد بعد أن المصدرية كقوله يعلم أهل الكتاب هذا
أي ليعلم ولولا تقدير الزيادة لانعكس المعنى فزيدت لا لتوكيد النفي قاله ابن جنى واعتراضه ابن ملكون بأنه ليس هناك نفي حتى تكون هي مؤكدة له ورد عليه السكوني بأن هنا ما معناه النفي وهو ما وقع عليه العلم من قوله يقدرون على شئ ويكون هذا من وقوع النفي على العلم والمراد ما وقع عليه العلم كقوله ما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا فأبدلت من الضمير الذي في يقول ما بعد إلا وإن كان البدل لا يكون إلا في النفي فكما كان النفي هنا واقعا على العلم وحكم لما وقع عليه العلم بحكمه كذلك يكون تأكيدا النفي أيضا على ما وقع علي العلم ويحكم للعلم بحكم النفي فيدخل عل العلم توكيد النفي والمراد تأكيد نفي ما دخل عليه العلم
[ 79 ]
وإذا كانوا قد زادوا لا في الموجب المعنى لما توجه عليه فعل منفى في المعنى كقوله تعالى منعك ألا تسجد المعنى أن تسجد فزاد لا تأكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنه منعك فكذلك تزاد لا في العلم الموجب توكيدا للنفي الذي تضمنه الموجه عليه قال الشلوبين وأما زيادة لا في قوله يعلم أهل الكتاب فشئ متفق عليه وقد نص عليه سيبويه ولا يمكن أن تحمل الآية إلا على زيادة لا فيها لأن ما قبله من الكلام وما بعده يقتضيه ويدل عليه قراءة ابن عباس وعاصم والحميدي ليعلم أهل الكتاب وقرأ ابن مسعود وابن جبير لكي يعلم وهاتان القراءتان تفسير لزيادتها وسبب النزول يدل على ذلك ايضا وهو أن المشركين كانوا يقولون إن الأنبياء منا وكفروا مع ذلك بهم فأنزل الله تعالى يعلم أهل الكتاب رسول الآية ومنه ما منعك أن لا تسجد بدليل الاية الأخرى منعك أن
تسجد وليس المعنى ما منعك من ترك السجود فإنه ترك فلا يستقيم التوبيخ عليه وقيل ليست بزائدة من وجهين احدهما أن التقدير ما دعاك إلى ألا تسجد لأن الصارف عن الشئ داع إلى تركه فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل الثاني أن التقدير ما منعك من ألا تسجد
[ 80 ]
أقرب مما قبله لأن فيه إبقاء المنع على أصله وعدم زيادتها أولى لأن حذف حرف الجر مع أن كثير كثرة لا تصل إلى المجاز والزيادة في درجته قالوا وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات فإن وضع لا نفي ما دخلت عليه فهي معارضة للإثبات ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض أو أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط ومنه ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن ولا قيل وقد تزاد قبل القسم نحو أقسم برب المشارق والمغارب لم فلا أقسم بمواقع النجوم حدثنا أقسم بيوم القيامة ابن أي أقسم بثبوتها وضعف في الأخيرة بأنها وقعت صدرا بخلاف ما قبلها لوقوعها بين الفا ومعطوفها وقيل زيدت توطئة لنفي الجواب أي لا أقسم بيوم القيامة فلا يتركون سدى ورد بقوله تعالى لا اقسم بهذا البلد الآيات فإن جوابه مثبت وهو لقد خلقنا الإنسان في كبد وقيل غير زائدة
وقيل هي رد لكلام قد تقدم من الكفار فإن القرآن كله كالسورة الواحدة فيجوز أن يكون الأدعاء في سورة والرد عليهم في أخرى فيجوز الوقف على لا هذه
[ 81 ]
واختلف في قوله تعالى تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به فقيل زائدة ليصح المعنى لأن المحرم الشرك وقيل نافية أو ناهية وقيل الكلام تم عند قوله ذلك ربكم ثم ابتدأ محمد ألا تشركوا به وقوله تعالى يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون إلى فيمن فتح الهمزة كان فقيل لا زائدة وإلا لكان عذرا للكفار ورده الزجاج بأنها نافية في قراءة الكسر أبو فيجب ذلك في قراءة الفتح وقيل نافية وحذف المعطوف أي وأنهم يؤمنون وقوله تعالى أو على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون وقيل لا زائدة والمنع ممتنع عبد على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها وقوله تعالى كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم
[ 82 ]
يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعملون
الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا عليه على قراءة من نصب أبي عطفا على ف لا زائدة مؤكدة لمعنى النفي السابق وقيل عطف على ما والمعنى ما كان لبشر أن ينصبه الله للدعاء إلى عبادته وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويامركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا وقيل ليست زائدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة وأهل الكتاب عن عبادة عزيز وعيسى فلما قالوا له أنتخذك ربا قيل لهم ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء زيادة من واما من فإنها تزاد في الكلام الوارد بعد نفي أو شبهه نحو تسقط من ورقة إلا يعلمها لا ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور أن اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله
[ 83 ]
وجوز الأخفش زيادتها مطلقا محتجا بنحو قوله تعالى جاءك من نبأ المرسلين الله لكم من ذنوبكم قال عن فيها من اساور من ذهب من في عنكم من سيئاتكم واما ما في نحو قوله تعالى رحمت من الله لنت لهم هذه وقوله نقضهم ميثاقهم لعناهم سنة ف ما في هذين الموضعين زائدة إلا أن فيها فائدة جليلة وهي أنه لو قال فبرحمة من الله لنت لهم وبنقضهم عمرو لعناهم جوزنا أن اللين واللعن كانا للسببين المذكورين ولغير ذلك فلما أدخل ما في الموضوعين قطعنا بأن اللين لم يكن إلا للرحمة
وأن اللعن لم يكن إلا لأجل نقض الميثاق زيادة الباء واما الباء فتزاد في الفاعل نحو كفى بالله أي كفى الله ونحو أحسن نزيد إلا أنها في التعجب لازمة ويجوز حذفها في فاعل قبل بالله شهيدا يحيى الرحمن بنا حاسبين وكان وإنما هو كفى الله وكفانا وقال الزجاج دخلت لتضمن كفى معنى اكتفى وهو حسن وفى المفعول نحو تلقوا بأيديكم إلى التهلكة روى لأن الفعل يتعدى بنفسه بدليل قوله ولم فيها رواسي بين ونحو أهل إليك بجزع النخلة حديث يعلم بأن الله يرى عند لأنه بسبب إلى السماء
[ 84 ]
أخبرنا يرد فيه بإلحاد بظلم يا لو مسحا بالسوق والأعناق يكون أي يمسح السوق مسحا وقيل في الأول ضمن تلقوا معنى تفضوا وقيل المعنى لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم كما يقال لا تفسد أمرك برأيك وقيل في قوله تعالى مع بالدهن سعيد إن الباء زائدة والمراد تنبت الدهن وفى المبتدأ وهو قليل ومنه عند سيبويه بكر المفتون وقال أبو الحسن وفي متعلق باستقرار محذوف مخبر عنه بالمفتون كل ثم اختلف فقيل المفتون مصدر بمعنى الفتنة وقيل الباء ظرفية أي في أيكم الجنون وفى خبر المبتدأ نحو سيئة بمثلها وقال أبو الحسن الباء زائدة بدليل قوله في موضع آخر فلا سيئة سيئة مثلها منه
وفى خبر ليس كقوله تعالى أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى أليس الله بكاف عبده وقال ابن عصفور في المقرب: وتزاد في نادر كلام لا يقاس عليه كقوله تعالى غير على أن يحيى الموتى انتهى
[ 85 ]
ومراده الآية التي أولها لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر أحمد ولذا صرح به ابن أبي الربيع بعد في القراءتين ويدل على الزيادة الاية التي في الإسراء لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعلي لهم أجلا لا ريب فيه يقول الذي وزعم ابن النحاس أنه أراد الآية الآولى أعنى قوله لأن ذلك بقادر على أن يحيى الموتى وقد فاعتذر عنه بأنه إنما قال ذلك وإن كان في خبر ليس لأن ليس هنا بدخول الهمزة عليها لم يبق معناها من النفي فصار الكلام تقريرا ويعني بقوله في نادر في القياس لا في الاستعمال زيادة اللام واما اللام فتزاد معترضة بين الفعل ومفعوله كقوله وملكت علي ما بين العراق ويثرب ملكا أجار لمسلم ومعاهد وجعل منه المبرد قوله تعالى حتى لكم تعالى والأكثرون على أنه ضمن ردف معنى اقترب كقوله اقترب للناس حسابهم عمر في قوله تعالى الله ليبين لكم ويهديكم النبي فقيل زائدة وقيل للتعليل والمفعول محذوف أي يريد الله التبيين وليبين لكم ويهديكم أي فيجمع لكم بين الأمرين
[ 86 ]
وقال الزمخشري في قوله تعالى وإن لأن أكون أول المسلمين
أول المسلمين انتهى وزيادة في أردت لأن أفعل لم يذكره أكثر النحويين وإنما تعرضوا لها في إعراب الله ليبين لكم وتزاد لتقوية العامل الضعيف إما لتأخره نحو عنه هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون إن ونحو إن كنتم للرؤيا تعبرون إلا أو لكونه فرعا في العمل نحو فيه لما معهم لما يريد صلى نزاعة للشوى وقيل منه إن هذا عدو لك ولزوجك أنه وقيل بل يتعلق بمستقر محذوف صفة لعدو وهي للاختصاص وقد اجتمع وهو التأخر والفرعية في نحو صلى الله عليه وسلم لحكمهم شاهدين
[ 87 ]
واما قوله تعالى للبشر فقال فإن كان نذيرا أي بمعنى المنذر فهو مثل لما يريد وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد وقد تجئ اللام للتوكيد بعد النفي وتسمى لام الجحود وتقع بعد واما كان مثل كان الله ليعذبهم ثنا اللام لتأكيد النفي كالباء الداخلة في خبر ليس ومعنى قولهم إنها للتأكيد إنك إذا قلت ما كنت أضربك بغير لام جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه فإذا قلت ما كنت لأضربك به فاللام جعلته بمنزلة ما لا يكون أصلا وقد تأتي مؤكدة في موضع وتحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك ومن أمثلته قوله تعالى إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين وأكد
إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا وكان المتبادر العكس لأن التأكيد إنما يكون حيث الإنكار لكن في النظم وجوه احدها أن البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر للبدهيات هذا فلم يحتج إلى تأكيد وأما الموت فإنه وإن أقروا به لكن لما لم يعلموا ما بعده نزلوا منزلة من لم يقر به فاحتاج إلى تأكيد ذلك لأنه ثم قد ينزل المنكر كغير المنكر إذا كان معه مالو تأمله ارتدع من الإنكار رسول ولما ظهر على المخاطبين من التمادي في الغفلة والإعراض عن العمل
[ 88 ]
لما بعده والانهماك في الدنيا وهي من أمارات إنكار الموت فلهذا قال ميتون ولم يقل تموتون وإنما أكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا لظهور أدلته المزيلة للإنكار إذا تأملوا فيها ولهذا قيل تبعثون على الأصل وهو الاستقبال بخلاف تموتون الثاني أن دخول اللام على ميتون أحق لأنه تعالى يرد على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف وقد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن وأكده وكذب منكره كقوله ولا الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن لم قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح الثالث أنه لما كان العطف يقتضى الاشتراك في الحكم استغنى به عن إعادة لفظ اللام وكأنه قيل لتبعثون ابن واستغنى بها في الثاني لذكرها في الأول قال الرابع الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي كأنه مخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا ب إن لأنه أبرز بصورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا قلت وهذه الأجوبة من جهة المعنى وأما الصناعة فتوجب ما جاءت الاية
الشريفة عليه وهو حذف اللام في تبعثون لأن اللام تخلص المضارع للحال فلا يجاء به مع يوم القيامة لأنه مستقبل ولأن تبعثون عامل في الظرف المستقبل واما قوله ربك ليحكم بينهم قوله فيمكن تأويلها بتقدير عامل
[ 89 ]
ونظير هذا آية الواقعة وهي قوله سبحانه نشاء لجعلناها له حطاما فظلتم تفكهون ذلك وقال سبحانه في الماء نشاء جعلناه أجاجا محمد بغير لام والفرق بينهما من أربعة أوجه احدها أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا ونحوه لم يحتج إلى توكيد وإذا توعد بالقتل احتاج إلى تأكيد والثانى إن جعل الحرث حطاما قلب للمادة والصورة وجعل الماء أجاجا قلب للكيفية فقط وهو أسهل وأيسر الثالث أن لو إلى لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعليق الجزاء بالشرط كان أتى باللام علما على ذلك ثم حذف الثاني للعلم بها لأن الشئ إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا أبو به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السامع أو ويساوى لشهرته حذفه وإثباته مع ما في حذفه من خفة اللفظ ورشاقته عبد لأن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة يغنى عن ذكرها ثانيا الربع أن اللام أدخلت في آية المطعوم للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ذكرها والذي قبله الزمخشري ومن ذلك حذف اللام في قوله تعالى عليه عن الأنفال قل الأنفال لله
[ 90 ]
والرسول أبي وإثباتها بعد قوله فإن لله خمسه وللرسول ما الآية والجواب أنك إذا عطفت على مجرور القسم السابع والعشرون باب الاشتغال فان الشئ إذا أضمر ثم فسر كان أفخم مما إذا لم يتقدم إضمار ألا ترى أنك تجد اهتزازا في نحو قوله تعالى أحد من المشركين استجارك فأجره أن وفي قوله قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي وفى قوله من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما وفى قوله الله هدى وفريقا حق عليهم الضلالة قال لا تجد مثله إذا قلت وإن استجارك أحد من المشركين فأجره وقولك لو تملكون خزائن رحمة ربي وقولك يدخل من يشاء في رحمته وأعد للظالمين عذابا أليما عن وقولك هدى فريقا وأضل فريقا إذ الفعل المفسر في تقدير المذكور مرتين وكذا قوله تعالى السماء انشقت من إذا السماء انفطرت في ونظائره فهذه فائدة اشتغال الفعل عن المفعول بضميره
[ 91 ]
القسم الثامن والعشرون التعليل بان يذكر الشئ معللا فإنه أبلغ من ذكره بلا علة لوجهين احدهما أن العلة المنصوصة قاضية بعموم المعلول ولهذا اعترفت الظاهرية بالقياس في العلة المنصوصة الثاني أن النفوس تنبعث إلى نقل الأحكام المعللة بخلاف غيرها وغالب التعليل في
القرآن فهو على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى وهو سؤال عن العلة ومنه إن النفس لأمارة بالسوء هذه زلزلة الساعة شئ عظيم سنة إن صلاتك سكن لهم وتوضيح التعليل أن الفاء السببية لو وضعت مكان إن لحسن والطرق الدالة على العلة أنواع الاول التصريح بلفظ الحكم كقوله تعالى حكمة بالغة وقال وانزل الله عليك الكتاب والحكمة روى والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح
[ 92 ]
الثاني أنه فعل كذا لكذا أو أمر بكذا لكذا كقوله تعالى لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وقوله تعالى الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا وجعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس لئلا يعلم أهل الكتاب وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وهو كثير فان قيل اللام فيه للعاقبة كقوله تعالى آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا يا وقوله لو ما يلقى الشيطان فتنة يكون وإنما قلنا ذلك لأن أفعال الله تعالى لا تعلل فالجواب أن معنى قولنا إن أفعال الله تعالى لا تعلل أي لا تجب ولكنها لا تخلو عن
الحكمة وقد أجاب الملائكة عن قولهم مع فيها من يفسد فيها سعيد بقوله انى أعلم ما لا تعلمون ولو كان فعله قد سبحانه مجردا عن الحكم والغايات لم يسأل الملائكة عن حكمته ولم يصح الجواب بكونه يعلم ما لا يعلمون من الحكمة والمصالح وفرق بين العلم والحكمة
[ 93 ]
ولأن لام العاقبة إنما تكون في حق من يجهل العاقبة كقوله وفي آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا كل وأما من هو بكل شئ عليم فمستحيله في حقه وإنما اللام الواردة في أحكامه وأفعاله لام الحكمة والغاية المطلوبة من الحكمة ثم قوله ليكون لهم عدوا وحزنا فلا هو تعليل لقضاء الله بالتقاطه وتقديره لهم فإن التقاطهم لهم إنما كان بقضائه وقدره وذكر فعلهم دون قضائه لأنه أبلغ في كونه حزنا لهم وحسرة عليهم قاعدة تفسيرية حيث دخلت واو العاطف على لام التعليل فله وجهان احدهما أن يكون تعليلا معللة محذوف كقوله تعالى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك الثاني أن يكون معطوفا على علة أخرى مضمرة ليظهر صحة العطف كقوله تعالى وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى: التقدير ليستدل بها المكلف على قدرته تعالى ولتجزى وكقوله مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه التقدير ليتصرف فيها ولنعلمه والفرق بين الوجهين أنه في الأول عطف جملة على جملة وفي الثاني عطف مفرد على مفرد وقد يحتملهما الكلام كقوله تعالى غير آية للناس أحمد فالتقدير على
الأول ولنجعله آية فعلنا ذلك وعلى الثاني ولنبين للناس قدرتنا ولنجعله آية ويطرد الوجهان في نظائره ويرجح كل واحد بحسب المقام وحذف المعلل هاهنا أرجح إذ لو فرض علة أخرى لم يكن بد من معلل محذوف وليس قبلها ما يصلح له
[ 94 ]
فإن قلت لم قدر المعلل مؤخرا قلت فائدة هذا الاسلوب هو أن يجاء بالعلة بالواو للاهتمام بشأن العلة المذكورة لأنه إما أن يقدر علة أخرى ليعطف عليها فيكون اختصاص ذكرها لكونها أهم وإما أن يكون على تقدير معلل فيجب أن يكون مؤخرا ليشعر تقديمه بالاهتمام الثالث الإتيان بكى كقوله تعالى أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم بعد فعلل سبحانه الفئ بين هذه الأصناف كيلا يتداوله الأغنياء دون الفقراء وقوله وأصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأنها يقول إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم الذي وأخبر سبحانه أنه قدر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن تبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع ثم أخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه وأنه هين عليه وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم ولا يفرحوا بما آتاهم فإنهم إذا علموا أن المصيبة فيه مقدرة كائنة ولا بد قد كتبت قبل خلقهم هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه ولم يفرحوا الرابع ذكر المفعول له وهو علة للفعل المعلل به كقوله لأن عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة
[ 95 ]
ونصب ذلك على المفعول له أحسن من غيره كما صرح به في قوله وقد للناس ما نزل إليهم وقوله ولاتم نعمتي علكيم ولعلكم تهتدون وقوله ولقد يسرنا القرآن للذكر فإن أي لأجل الذكر كما قال تعالى عمر فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون وقوله فالمقيات وإن ذكرا عذرا أو نذرا كما أي للإعذار والإنذار وقد يكون معلولا بعلة أخرى كقوله تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ف من الصواعق يحتمل أن تكون فيه من لابتداء الغاية فتتعلق بمحذوف أي خوفا من الصواعق ويجوز أن تكون معللة بمعنى اللام كما في قوله تعالى هو أرادوا أن يخرجوا منها من غم وسلم أي لغم وعلى كلا التقديرين ف من الصواعق في محل نصب على أنه مفعول له والعامل فيه عنه يجعلون وحذر الموت إلا مفعول له أيضا فالعامل فيه الصواعق فيه ف من الصواعق علة ل يجعلون معلول لحذر الموت لأن المفعول الأول الذي هو من الصواعق يصلح جوابا لقولنا لم يجعلون أصابعهم في آذانهم والمفعول الثاني الذي هو حذر الموت يصلح جوابا لقولنا لم يخافون من الصواعق فقد ظهر ذلك الخامس اللام في المفعول له وتقوم مقامه الباء نحو من الذين هادوا
[ 96 ]
ومن نحو من أجل ذلك كتبنا والكاف نحو وهو ارسلنا فيكم رسولا منكم صلى الله عليه وسلم وقال إذا أذكركم فقال وقال الله كما علمكم أي أي لإرسالنا وتعليمنا السادس الإتيان بإن كقوله تعالى ثنا الله إن الله غفور رحيم
وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا وكقوله فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون حدثنا وليس هذا من قولهم لأنه لو كان قولهم لما حزن الرسول وإنما جئ بالجملة لبيان العلة والسبب في أنه لا يحزنه قولهم وكذلك قوله تعالى يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا ابن والوقف على القول في هاتين الآيتين والابتداء بإن لازم وقد يكون علة كقوله عذابها كان غراما إنها ساءت مستقرا ومقاما قوله وفيها وجهان لأهل المعاني
[ 97 ]
احدهما أن سؤالهم لصرف العذاب معلل بأنه غرام أي ملازم الغريم وبأنها ساءت مستقرا ومقاما الثاني أن ساءت تعليل لكونه غراما السابع أن والفعل المستقبل بعدها تعليلا لما قبله كقوله تعالى تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وقوله تعالى تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وقوله تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ذلك كأنه قيل لم فاضت أعينهم من الدمع قيل للحزن فقيل محمد لم حزنوا فقيل لئلا يجدوا وقوله ان تضل احداهما فتذكر إحداهما الأخرى ونظائره كثيرة وفي ذلك طريقان
احدهما للكوفيين أن المعنى لئلا يقولوا ولئلا تقول نفس الثاني للبصريين أن المفعول محذوف أي كراهة أن يقولوا أو حذار أن يقولوا فإن قيل كيف يستقيم الطريقان في قوله تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى فإنك إذا قدرت لئلا تضل إحداهما لم يستقم عطف فتذكر عليه وإن قدرت حذار أن تضل إحداهما لم يستقم العطف أيضا لأنه لا يصح أن تكون الضلالة علة لشهادتهما
[ 98 ]
قيل بظهور المعنى يزول الإشكال فإن المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة تقول أعددت هذه الخشبة ان تميل الحائط فأدعم بها فإنما أعددتها للدعم لا للميل إلى وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأدواى كان به ونحوه هذا قول سيبويه والبصريين وقال الكوفيون تقديره في تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن الثامن من أجل في قوله تعالى أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أبو فإنه لتعليل الكتب وعلى هذا فيجب الوقف على من النادمين وظن قوم أنه تعليل لقوله النادمين أي من أجل قتله قتل لأخيه وهو غلط لأنه يشوش صحة النظم ويخل بالفائدة فان قلت كيف يكون قتل أحد ابني آدم للآخر علة للحكم على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم قيل إن الله سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللآ أو لأسبابه الشرعية وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمة أمره الديني لأن القتل لما كان من أعلى
[ 99 ]
أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل أنمة أعظم من أثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها في أصل العذاب لا في وصفه التاسع التعليل بلعل كقوله تعالى ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون عبد قيل هو تعليل لقوله عليه وقيل لقوله خلقكم وقوله كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون حيث لمح فيها معنى الرجاء رجعت الى المخاطبين العاشر ذكر الحكم الكوني أو الشرعي عقب الوصف المناسب له فتارة يذكر بأن وتارة بالفاء وتارة يجرد فالاول كقوله تعالى إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين إلى قوله ما وقوله المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين والثانى كقوله أن والسارقة فاقطعوا أيديهما على والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة والثالث كقوله المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام قال الذين
[ 100 ]
آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون الحادى ذلك عشر تعليله سبحانه عدم الحكم بوجود المانع منه كقوله تعالى أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن الآية وقوله ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون من أي آيات
الاقتراح لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي تأتي منه سبحانه ابتداء وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجيما في لقالوا لولا فصلت آياته وقوله ولو أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر فأخبر سبحانه عما يمنع بن من إنزال الملك عيانا بحيث يشاهدونه وإن عنايته وحكمته بخلقه اقضت هذه منع ذلك بأنه لو أنزل عليه الملك ثم عاينوه ولم يؤمنوا به لعوجلوا بالعقوبة جعل الرسول بشرا ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه ولو جعله ملكا فإما أن يدعه على هيئته الملكية أو يجعله على هيئة البشر والأول يمنعهم من التلقي عنه والثاني لا يحصل مقصوده إذا كانوا يقولون هو بشر لا ملك الثاني عشر إخباره عن الحكم والغايات التني جعلها في خلقه وأمره كقوله
[ 101 ]
الذى جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء عمرو الآية وقوله الم تجعل الأرض مهادا الآيات وقوله والله جعل لكم من بيوتكم سكنا قبل الآية وكما يقصدون البسط والاستيفاء يقصدون الإجمال والإيجاز كما قيل يرمون بالخطب الطوال وتارة وحى الملاحظ خيفة الرقباء وقوله ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا
[ 102 ]
الاسلوب الثاني الحذف وهو لغة الإسقاط ومنه حذفت الشعر إذا أخذت منه واصطلاحا إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل وأما قول النحويين الحذف لغير دليل ويسمى اقتصارا فلا تحرير فيه لأنه لا حذف فيه بالكلية كما سنبينه فيما
يلتبس به الإضمار والإيجاز والفرق بينهما أن شرط الحذف والإيجاز أن يكون في الحذف ثم مقدر نحو واسال القرية بخلاف الإيجاز فإنه عبارة عن اللفظ القليل الجامع للمعاني الجمة بنفسه الفرق بينه وبين الإضمار أن شرط المضمر بقاء أثر المقدر في اللفظ نحو من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما المنافقين ولم بين انتهوا خيرا لكم أي ائتوا أمرا خيرا لكم وهذا لا يشترط في الحذف ويدل على أنه لا بد في الإضمار من ملاحظة المقدر باب الاشتقاق فإنه من أضمرت الشئ أخفيته قال سيبقى لها في مضمر القلب والحشا
[ 103 ]
واما الحذف فمن حذفت الشئ قطعته وهو يشعر بالطرح بخلاف الإضمار ولهذا قالوا أن تنصب ظاهرة ومضمرة ورد ابن ميمون قول النحاة إن الفاعل أهل يحذف في باب المصدر وقال الصواب أن يقال يضمر ولا يحذف لأنه عمدة في الكلام وقال ابن جنى في خاطرياته من اتصال الفاعل بالفعل أنك تضمره في لفظ إذا عرفته نحو قم ولا تحذفه حديث كحذف المبتدأ ولهذا لم يجز عندنا ما ذهب إليه الكسائي في ضربني وضربت قومك فصل في أن الحذف نوع من أنواع المجاز على المشهور المشهور أن الحذف مجاز وحكى إمام الحرمين في التلخيص عن بعضهم أن الحذف ليس بمجاز إذ هو استعمال اللفظ في غير موضعه والحذف ليس كذلك قا لابن عطية في تفسير سورة يوسف وحذف المضاف هو عين المجاز أو معظمه
وهذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر وليس كل حذف مجازا انتهى وقال الزبخاني عند في المعيار لأنه إنما يكون مجازا إذا تغير بسببه حكم
[ 104 ]
فأما إذا لم يتغير به حكم كقولك زيد منطلق وعمرو بحذف الخبر فلا يكون مجازا إذا لم يتغير حكم ما بقى من الكلام والتحقيق أنه إن أريد بالمجاز استعمال اللفظ في غير موضعه فالمحذوف ليس كذلك لعدم استعماله وإن أريد بالمجاز إسناد الفعل إلى غيره وهو المجاز العقلي فالحذف كذلك فصل في أن الحذف خلاف الأصل والحذف خلاف الأصل وعليه ينبني فرعان احدهما إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى لأن الأصل عدم التغيير والثانى إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى أوجه الكلام على الحذف ويقع الكلام في الحذف من خمسة أوجه في فائدته وفي أسبابه ثم في أدلته ثم في شروطه ثم في أقسامه فوائد الحذف اوجه لا لأول في فوائده فمنها التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام لذهاب الذهن في كل مذهب وتشوفه إلى ما هو المراد فيرجع لو قاصرا عن إدراكه فعند ذلك يعظم شأنه ويعلو في النفس مكانه ألا ترى أن المحذوف إذا ظهر في اللفظ زال ما كان يختلج في الوهم من المراد وخلص للمذكور
[ 105 ]
ومنها زيادة لذة بسبب استنباط الذهن للمحذوف وكلما كان الشعور بالمحذوف أعسر كان الالتذاذ به أشد وأحسن ومنها زيادة الأجر بسبب الاجتهاد في ذلك بخلاف غير المحذوف كما تقول في العلة المستنبطة والمنصوصة ومنها طلب الإيجاز والاختصار وتحصيل المعنى الكثير في اللفظ القليل. منها التشجيع على الكلام ومن ثم سماه ابن جنى شجاعة العربية ومنها موقعه في النفس في موقعه على الذكر ولهذا قال شيخ الصناعتين عبد القاهر الجرجاني ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره ولله در القائل إذا نطقت جاءت بكل مليحة وإن سكتت جاءت بكل مليح اسباب الحذف الثاني في أسبابه فمنها مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر نحو الهلال والله أي هذا فحذف المبتدأ استغناء عنه بقرينة شهادة الحال إذ لو ذكره مع ذلك لكان عبثا من القول ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضى إلى تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير نحو إياك والشر والطريق الطريق الله الله وباب الإغراء هو لزوم أمر يحمد به وقد اجتمعا في قوله تعالى يكون الله وسقياها على التحذير أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها وسقياها إغراء بتقدير الزموا ناقة الله ومنها التفخيم والإعظام قال حازم في منهاج البلغاء إنما يحسن الحذف ما لم
[ 106 ]
يشكل به المعنى لقوة الدلالة عليه أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفى بدلالة الحال عليه وتترك النفس تجول في الاشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال قال وبهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس مع ومنه قوله تعالى في وصف أهل الجنة إذا جاءوها وفتحت أبوابها سعيد فحذف الجواب إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه وتركت النفوس تقدر ما شأنه ولا يبلغ مع ذلك كنه ما هنالك لقوله عليه الصلاة والسلام لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قلت ومنه بكر من اليم ما غشيهم قد ما لا يعلم كنهه إلا الله قال الزمخشري وهذا من باب الاختصار ومن جوامع الكلم المتحملة مع قلتها للمعاني الكثيرة ومنها التخفيف لكثرة دورانه في كلامهم كما حذف حرف النداء في نحو وفي يوسف أعرض عن هذا وغيره قال سيبويه العرب تقول لا أدر فيحذفون الياء والوجه لا أدري لأنه رفع وتقول لم أبل فيحذفون الألف والوجه لم أبال ويقولون لم يك فيحذفون النون كل ذلك يفعلونه استخفافا لكثرته في كلامهم ومنها حذف نون التثنية والجمع وأثرها باق نحو الضاربا كل زيدا والضاربو زيدا وقراءة من قرأ الصلاة فلا كأن النون ثابتة فعلوا ذلك لاستطالة الموصول
[ 107 ]
في الصلة نحو إذا يسر منه حذفت الياء للتخفيف ويحكى عن الأخفش أن المؤرج السدوسي سأله عن ذلك فقال لا أجيبك حتى تنام على بابي ليلة ففعل فقال له إن عادة العرب إذا عدلت بالشئ عن معناه نقصت حروفه والليل لما كان لا يسري وإنما يسري فيه نقص منه حرف كما في قوله
وما كانت أمك بغيا الأصل بغية فلما حول ونقل عن فاعل نقص منه حرف انتهى ومنها رعاية الفاصلة نحو ودعك ربك وما قلى: إذا يسر غير ونحوه وقال الرماني إنما حذفت الياء في الفواصل لأنها على نية الوقف وهي في ذلك كالقوافي أحمد التي لا يوقف عليها بغير ياء ومنها أن يحذف صيانة له كقوله تعالى فرعون وما رب العالمين بعد إلى قوله كنتم تعقلون يقول حذف المبتدأ في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب أي هو رب السموات والله ربكم والله رب المشرق لأن موسى عليه السلام استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال تهيبا وتفخيما فاقتصر على ما يستدل به من أفعاله الخاصة به ليعرفه أنه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ومنها صيانة اللسان عنه كقوله تعالى الذي بكم عمي لأن أي هم
[ 108 ]
ومنها كونه لا يصلح إلا له كقوله تعالى الغيب والشهادة وقد لما يريد ومنها شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء قال الزمخشري وهو نوع من دلالة الحال حتى التي لسانها أنطق من لسان المقال كقول رؤبة خير جواب من قال كيف أصبحت فحذف الجار وعليه حمل قراءة حمزة تعالى به والأرحام فإن لأن هذا مكان شهر بتكرير الجار فقامت الشهرة مقام الذكر قال الفارسي متلخصا عمر من عدم إعادة حرف الجر في المعطوف على الضمير المجرور إنه مجرور بالجار المقدر أي وبالأرحام وإنما حذفت استغناء به في المضمر المجرور قبله فان قلت هذا المقدر يحيل المسألة لأنه يصير من عطف الجار والمجرور على مثله
قلت إعادة الجار شرط لصحة العطف لا أنه مقصود لذاته أدلة الحذف الوجه الثالث في أدلته ولما كان الحذف لا يجوز إلا لدليل احتيج إلى ذكر دليله تارة يدل على محذوف مطلق وتارة على محذوف معين فمنها أن يدل عليه العقل حيث تستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف كقوله تعالى القرية النبي فإنه يستحيل عقلا تكلم الأمكنة إلا معجزة ومنها أن تدل عليه العادة الشرعية كقوله تعالى حرم عليكم الميتة وإن
[ 109 ]
فإن الذات لا تتصف بالحل والحرمة شرعا إنما هما من صفات الأفعال الواقعة على الذوات فعلم أن المحذوف التناول ولكنه لما حذف وأقيمت الميتة مقامه أسند إليها الفعل وقطع النظر عنه فلذلك أنث الفعل في بعض الصور كقوله تعالى عليكم الميتة كما وقول صاحب التلخيص إن هذه الآية من باب دلالة العقل ممنوع لأن العقل لا يدرك محل الحل ولا الحرمة فلهذا جعلناه من دلالة العادة الشرعية ومنها أن يدل العقل عليهما أي على الحذف والتعيين كقوله تعالى ربك أي أمره أو عذابه أو ملائكته لأن العقل دل على أصل الحذف ولاستحالة مجئ البارئ عقلا لأن المجئ من سمات الحدوث ودل العقل ايضا على التعيين وهو الأمر ونحوه وكلام الزمخشري يقتضي أنه لا حذف البتة فإنه قال هذه الآية الكريمة تمثيل مثلت حاله سبحانه وتعالى في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه وكقوله تعالى كان فيهما آلهة إلا الله هو لأنه في معرض التوحيد فعدم الفساد دليل على عدم تعدد الآلهة وإنما حذف لأن انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم
ضرورة ولذلك لم يذكر المقدمة الثانية عند استعمال الشرط بلوغا لها أن يدل العقل على أصل الحذف وتدل عادة الناس على تعيين المحذوف كقوله تعالى وسلم الذي لمتنني فيه عنه فإن يوسف عليه السلام ليس ظرفا للومهن إن فتعين أن يكون غيره فقد دل العقل على أصل الحذف ثم يجوز أن يكون الظرف حبه بدليل إلا حبا فيه أو مراودته بدليل صلى فتاها وقال ولكن
[ 110 ]
العقل لا يعين واحدا منها بل العادة دلت على أن المحذوف هو الثاني فإن الحب لا يلام عليه صاحبه لأنه يقهره ويغلبه وإنما اللوم فيما للنفس فيه اختيار وهو المراودة لقدرته على دفعها ومنها أن تدل العادة على تعيين المحذوف كقوله تعالى نعلم قتالا أنه أي مكان قتال والمراد مكانا صالحا للقتال لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال والعادة تمنع أن يريدوا لو نعلم حقيقة القتال فلذلك قدره مجاهد مكان قتال وقيل إن تعيين المحذوف هنا من دلالة السياق لا العادة ومنها أن يدل اللفظ على الحذف والشروع في الفعل على تعيين المحذوف كقوله وهو الله بسم الله فإن اللفظ يدل على أن فيه حذفا لأن حرف الجر لا بد له من متعلق ودل الشروع على تعيينه وهو الفعل الذي جعلت التسمية في مبدئه من قراءة أو أكل أو شرب ونحوه ويقدر في كل موضع ما يليق ففي القراءة أقرأ وفي الأكل آكل ونحوه وقد اختلف هل يقدر الفعل أو الاسم وعلى الأول فهل يقدر عام كالابتداء أو خاص كما ذكرنا ومنها اللغة كضربت فإن اللغة قاضية أن الفعل المتعدي لا بد له من مفعول نعم هي تدل على أصل الحدث لا تعيينه وكذلك حذف المبتدأ والخبر
ومنها تقدم ما يدل على المحذوف وما في سياقه كقوله وأبصر فسوف يبصرون وفي موضع آخر نحو منعك أن تسجد وفي موضع
[ 111 ]
الا تسجد وكقوله يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فقال أي هذا بدليل ظهوره في سورة إبراهيم فقال تعالى أي بلاغ للناس ونظائره ومنها اعتضاده ثنا بسبب النزول كما في قوله تعالى قمتم إلى الصلاة به فإنه لا بد فيه من تقدير فقال زيد بن أسلم أي قمتم من المضاجع يعني النوم وقال غيره إنما يعني إذا قمتم محدثين واحتج لزيد بأن هذه الآية إنما نزلت بسبب فقدان عائشة رضي الله عنها عقدها فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح فطلبوا الماء عند قيامهم من نومهم فلم يجدوه فأنزل الله هذه الاية وربما رجح من طريق النظر بأن الأحداث المذكورة بعد قوله قمتم هذا الأولى أن يحمل قوله قمتم ثم معنى غير الحدث لما فيه من زيادة الفائدة فتكون الآية جامعة للحدث ولسبب الحدث فإن النوم ليس بحدث بل سبب للحدث شروط الحذف الوجه الرابع في شروطه فمنها أن تكون في المذكور دلالة على المحذوف إما من لفظه أو من سياقه وإلا لم يتمكن من معرفته فيصير اللفظ مخلا بالفهم ولئلا يصير الكلام لغزا فيهجن رسول في الفصاحة وهو معنى قولهم لا بد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألقى وتلك الدلالة مقالية وحالية فلمثالية قد تحصل من إعراب اللفظ وذلك كما إذا كان منصوبا فيعلم أنه لا بد له
[ 112 ]
من ناصب وإذا لم يكن ظاهرا لم يكن بد من أن يكون مقدرا نحو أهلا وسهلا ومرحبا أي وجدت أهلا وسلكت سهلا وصادفت رحبا ومنه قوله تعالى الحمدالله ابن على قراءة النصب وكذلك قوله الله الذي تساءلون به والأرحام والتقدير احمدوا الحمد واحفظوا الأرحام وكذلك قوله تعالى أحسن من الله صبغة قوله له أبيكم إبراهيم والحالية قد تحصل من النظر إلى المعنى والنظر والعلم فإنه لا يتم إلا بمحذوف وهذا يكون أحسن حالا من النظم الأول لزيادة عمومه كما في قوله فلان يحل ويربط أي يحل الأمور ويربطها أي ذو تصرف وقد تدل الصناعة النحوية على التقدير كقولهم في اقسم بيوم القيامة إلى إن التقدير لأنا أقسم لأن فعل الحال لا يقسم عليه وقوله تعالى كان تذكر يوسف أبو التقدير لا تفتأ لأنه لو كان الجواب مثبتا لدخلت اللام والنون كقوله أو بلى وربي لتبعثن وهذا كله عند قيام دليل واحد وقد يكون هنا أدلة يتعدد التقدير بحسبها كما في قوله تعالى زين له سوء عمله فرآه حسنا عبد فإنه يحتمل ثلاثة أمور احدها كمن لم يزين له سوء عمله والمعنى زين له سوء عمله فرآه
[ 113 ]
حسنا عليه من الفريقين اللذين تقدم ذكرهما كمن لم يزين له ثم كأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له ذلك قال لا فقيل الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ثانيها تقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات فحذف الخبر لدلالة تذهب نفسك عليهم حسرات ثالثها تقدير كمن هداه الله فحذف لدلالة الله يضل من يشاء
ويهدي من يشاء واعلم أن هذا الشرط إنما يحتاج إليه إذا كان المحذوف الجملة بأسرها نحو سلاما ما أي سلمنا سلاما أو أحد ركنيها نحو سلام قوم منكرون لا أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون فحذف خبر الأولى ومتبدأ الثانية. ما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه دليل ولكن يشترط ألا يكون في حذفه إخلال بالمعنى أو اللفظ كما في حذف العائد المنصوب ونحوه شرط ابن مالك في حذف الجار ايضا أمن اللبس ومنع الحذف في نحو رغبت أن تفعل أو عن أن تفعل لإشكال المراد يعد الحذف واورد عليه أن أن تنكحوهن فحذف الحرف وجوابه أن النساء يشتملن على على وصفين وصف الرغبة فيهن وعنهن فحذف للتعميم
[ 114 ]
وشرط بعضهم في الدليل اللفظي أن يكون على وفق المحذوف وأنكر قول الفراء في قوله تعالى الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه أن التقدير بلى حسبنا قادرين والحساب المذكور بمعنى الظن والمحذوف بمعنى العلم إذ التردد في الإعادة كفر فلا يكون مأمورا به ويجاب بأن الحساب المقدر بمعنى الجزم والاعتقاد لا بمعنى الظن وتقديره بذلك أولى لموافقته الملفوظ وقد يدل على المحذوف ذكره في مواضع أخر ومنها وهو أقواها كقوله ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أي أمره بدليل قوله يأتي أمر ربك وقوله في آل عمران قال عرضها السموات والأرض أي كعرض بدليل التصريح به في آية الحديد
وفيه إيجاز بليغ فإنه إذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول كقوله من من إستبرق وقيل إنما أراد التعظيم والسعة لأحقية العرض كقوله كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المظلوم كفة حابل بن ومنها ألا يكون الفعل طالبا له بنفسه هذه فإن كان امتنع حذفه كالفاعل ومفعول ما لم يسم فاعله واسم كان وأخواتها وإنما لم يحذف لما في ذلك من نقض الغرض
[ 115 ]
ومنها قال أبو الفتح بن جنى ومن حق الحذف أن يكون في الأطراف لا في الوسط لأن طرف الشئ أضعف من قلبه ووسطه قال تعالى لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها وقال الطائي الكبير كانت هي الوسط الممنوع فاستلبت عمرو ما حولها الخيل حتى أصبحت طرفا قبل فكان الطرفين سياج للوسط ومبذولان يحيى للعوراض الرحمن دونه ولذلك تجد الإعلال عند التصريفيين بالحذف منها وكان فحذفوا الفاء في المصادر من باب وعد نحو العدة والزنة والهبة واللام في نحو اليد روى والدم والفم والأب والأخ وقلما تجد الحذف في العين لما ذكرنا وبهذا يظهر لطف هذه اللغة العربية تنبيهات الاول قد توجب صناعة النحو التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه كما في قوله لا إله إلا الله فإن الخبر محذوف وقدره النحاة موجود أو لنا وانكره الإمام فخر الدين وقال هذا كلام لا يحتاج إلى تقدير وتقديرهم فاسد لأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر ولا معنى لهذا الإنكار فإن تقدير في الوجود يستلزم نفي كل إله غير الله قطعا
فإن العدم لا كلام فيه فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهرا أو مقدرا وإنما يقدر النحوي القواعد حقها وإن كان المعنى مفهوما وتقديرهم هنا أو غيره ليروا صورة التركيب من حيث
[ 116 ]
اللفظ مثالا لا من حيث المعنى ولهم تقديران إعرابي وهو الذي خفي على المعترض ومعنوي وهو الذي ألزمه وهو غير لازم ومن المنكر في هذا أيضا قول ابن الطراوة إن الخبر في هذا إلا الله وكيف يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة الثاني اعتبر أبو الحسن في الحذف التدريج حيث أمكن ولهذا قال في قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا إن أصل الكلام يوم لا تجزي فيه فحذف حرف الجر فصار تجزيه ثم حذف الضمير فصار تجزي وهذا ملاطفة في الصناعة ومذهب سيبويه أنه حذف فيه دفعة واحدة قال أبو الفتح ولم في المحتسب وقول أبي الحسن أوثق في النفس وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد الثالث المشهور في قوله تعالى منه بين أنه معطوف على جملة محذوفة التقدير فضرب فانفجرت ودل انفجرت على المحذوف لأنه يعلم من الانفجار أنه قد ضرب وكذا ان اضرب بعصاك البحر فانفلق أهل إذ لا جائز أن يحصل الانفجار والانفلاق دون ضرب وابن عصفور يقول في مثل هذا إن حرف العطف المذكور مع المعطوف هو الذي كان مع المعطوف عليه وإن المحذوف هو المعطوف عليه وحذف حرف العطف من المعطوف
[ 117 ]
فالفاء في انفلق هو فاء الفعل المحذوف وهو ضرب فذكرت فاؤه وحذف فعلها وذكر فعل انفلق وحذفت فاؤه ليدل المذكور على المحذوف وهو تحيل غريب أقسام الحذف الخامس في أقسامه الأول الاقتطاع وهو ذكر حرف من الكلمة وإسقاط الباقي كقوله درس المنا بمتالع فأبان أي المنازل وأنكر صاحب المثل السائر عند ورود هذا النوع في القرآن العظيم وليس كما قال وقد جعل منه بعضهم فواتح السور لأن كل حرف منها يدل على اسم من أسماء الله تعالى كما روى ابن عباس الم معناه أنا الله أعلم وأرى والمص أنا لله أعلم وأفصل وكذا الباقي وقيل في قوله لأنه برؤسكم أخبرنا إن الباء هنا أول كلمة بعض ثم حذف الباقي كقوله قلت لها قفي لنا قالت قاف أي وقفت وفي الحديث كفى بالسيف شا أي شاهدا
[ 118 ]
وقال الزمخشري في قوله من الله في القسم إنها ايمن التي تستعمل في القسم حذفت نونها ومن هذا الترخيم ومنه قراءة بعضهم مال يكون على لغة من ينتظر ولما سمعها بعض السلف قال ما أشغل أهل النار عن الترخيم وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن إتمام الكلمة الثاني الاكتفاء وهو أن يقتضى المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفى
بأحدهما عن الآخر ويخص بالارتباط العطفي غالبا فإن الارتباط خمسة أنواع وجودي ولزومي وخبري مع وجوابي وعطفي ثم ليس المراد الاكتفاء بأحدهما كيف اتفق بل لأن فيه نكتة تقتضي الاقتصار عليه والعلم المشهور في مثال هذا النوع قوله تعالى سعيد تقيكم الحر بكر أي والبرد هكذا قدروه وأوردوا عليه سؤال الحكمة من تخصيص الحر بالذكر وأجابوا بأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد من البرد عندهم والحق أن الآية ليست من هذا القسم فإن البرد ذكر الامتنان بوقايته قد قبل ذلك صريحا في قوله أصوافها وأوبارها وأشعارها وفي وقوله لكم من
[ 119 ]
الجبال أكنانا وقوله في صدر السورة كل خلقها لكم فيها دف ء قيل فان قيل فما الحكمة في ذكر الوقايتين بعد قوله جعل لكم مما خلق ظلالا فإن هذه وقاية الحر ثم قال لكم من الجبال أكنانا فهذه وقاية البرد على عادة العرب قيل لأن ما تقدم بالنسبة إلى المساكن وهذه إلى الملابس وقوله لكم من الجبال أكنانا لم يذكره السهيلي وفيه الجوابان السابقان فلا وامثله هذا القسم كثيرة كقوله تعالى منه ما سكن في الليل والنهار فإنه قيل المراد وما تحرك وإنما آثر ذكر السكون لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن الساكن أكثر عددا من المتحرك أو لأن كل متحرك يصير إلى السكون ولأن السكون هو الأصل والحركة طارئة وقوله: بيدم الخير تقدير والشر إذ مصادر الأمور كلها بيده جل جلاله
وإنما آثر ذكر الخير لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم أحمد إليه أو لأنه أكثر وجودا في العالم من الشر ولأنه يجب في باب الأدب إلا يضاف إلى الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم والشر ليس إليك وقيل إن الكلام إنما ورد ردا على المشركين فيما أنكروه مما وعده الله به على لسان جبريل من فتح بلاد الروم وفارس ووعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك فلما كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال
[ 120 ]
وقوله الذين يؤمنون بالغيب بعد أي والشهادة لأن الإيمان بكل منهما واجب وآثر الغيب لأنه أبدع يقول ولأنه يستلزم الذي الإيمان بالشهادة من غير عكس ومثله ام يجعل له ربى أمدا عالم الغيب لأن أي والشهادة بدليل التصريح به في موضع وقد آخر وقوله يكاد البرق يخطف أبصارهم حتى فإنه سبحانه ذكر أولا الظلمات والرعد والبرق وطوى الباقي ومنه قوله تعالى مسكم الضر في البحر تعالى أي والبر وإنما آثر ذكر البحر لأن ضرره أشد وقوله وما بينهما ورب المشارق فإن أي والمغارب وقوله لا يسألون الناس إلحافا عمر أي ولا غير إلحاف وقوله أهل الكتاب أمة قائمة النبي أي وأخرى غير قائمة وقوله ولتستبين سبيل المجرمين كما أي والمؤمنين وقوله هدى للمتقين هو أي والكافرين قاله ابن الأنباري ويؤيده قوله هدى للناس
[ 121 ]
وقوله ولا تكونوا أول كافر به عنه قيل المعنى وآخر كافر به فحذف المعطوف لدلالة قوة الكلام من جهة أن أول الكفر وآخره سواء وخصت الأولوية بالذكر لقبحها بالابتداء وقوله أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إن أي ويبسطن إلا قاله الفارسي وحكى في التذكرة فيه عن بعض أهل التأويل في قوله تعالى صلى أخفيها لتجزى وقال أن المعنى أكاد أظهرها أخفيها لتجزي فحذف أظهرها لدلالة أخفيها عليه قال وعندي أن المعنى أزيل خفاءها فلا حذف وقوله ولا نفرق بين أحد من رسله أنه أي بين أحد وأحد وهو وقوله لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل صلى الله عليه وسلم أي ومن أنفق بعده وقاتل لأن الاستواء يطلب اثنين وحذف المعطوف لدلالة الكلام عليه ألا تراه قال بعده أولئك إذا أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا فقال وقوله ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا أي أي ومن لا يستنكف ولا يستكبر بدليل التقسيم بعده بقوله الذين آمنوا واما الذين استنكفوا
[ 122 ]
ثنا لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم به فاكتفى هنا بذكر الجهات الأربع عن الجهتين هذا وقوله إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ثم الاكتفاء بجهتين عن سائرها وقوله وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ولا أي ولم تعبدني وقوله ان امرؤ هلك ليس له ولد لم أي ولا والد بدليل أنه أوجب
للأخت النصف وإنما يكون ذلك مع فقد الأب فإن الأب يسقطها وقوله فاما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين حدثنا ولم يذكر القسم الآخر الذي تقتضيه أما إذ وضعها لتفصيل كلام مجمل وأقل أقسامها قسمان ولا ينفك عنهما في جميع القرآن إلا في موضعين هذا أحدهما والتقدير وأما من لم يتب ولا يؤمن ولم يعمل صالحا فلا يكون من المفلحين والثاني في آل عمران فاما الذين في قلوبهم زيغ ابن إلى قوله قوله الله له هذا أحد القسمين والقسم الثاني ما بعده وتقديره وأما الراسخون في العلم فيقولون وقوله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم محمد أي وفعلا غير الذي أمروا به لأنهم أمروا بشيئين بأن يدخلوا الباب سجدا وبأن يقولوا القول في حنطة حطة فبدلوا القول في حنطة حطة وبدلوا الفعل بأن دخلوا يزحفون على أستاههم ولم يدخلوا ساجدين والمعنى إرادتنا حطة أي حط عنا ذنوبنا وقوله وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل
[ 123 ]
ولا الحرور إلى قال ابن عطية دخول لا على نية التكرار كأنه قال ولا الظلمات ولا النور ولا النور والظلمات واستغنى بذكر الأوائل عن الثواني ودل بمذكور الكلام على متروكه وقوله يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر كان فإن قيل ليس للفجر خيط أسود إنما الأسود من الليل فاجيب إن الفجر متصل بقوله أبو الأبيض والمعنى أو حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من لكم الخيط الأسود من الليل لكن حذف من الليل لدلالة الكلام ثم عليه ولوقوع الفجر في موضعه لأنه لا يصح أن يكون الفجر متعلقا بالخيط الأسود ولو وقع الفجر في موضعه متصلا بالخيط الأبيض لضعفت
الدلالة على المحذوف وهو من الليل فحذف من الليل للإختصار وآخر من الفجر للدلالة عليه الثالث من هذا قسم يسمى الضمير والتمثيل وأعني بالضمير أن يضمر من القول المجاور لبيان أحد جزأيه كقول الفقيه النبيذ مسكر فهو حرام فإنه أضمر وكل مسكر حرام ويكون في القياس الاستثنائي كقوله كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقوله ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك عبد وقد شهد الحسن والعيان أنهم ما انفضوا من حوله وهي المضمرة وانتفى عنه صلى الله عليه وسلم أنه فظ غليط القلب
[ 124 ]
وقوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون المعنى لو أفهمتهم عليه لما أجدى فيهم التفهيم فكيف وقد سلبوا القوة الفاهمة أبي فعلم بذلك أنهم مع انتفاء الفهم أحق بفقد القبول والهداية الرابع أن يستدل بالفعل لشيئين وهو في الحقيقة لأحدهما فيضمر للآخر فعل يناسبه كقوله تعالى تبوءوا الدار والإيمان أي واعتقدوا الإيمان وقوله تعالى ما لها تغيظا وزفيرا لا أي وشموا لها زفيرا وقوله تعالى أن صوامع وبيع وصلوات على والصلوات لا تهدم فالتقدير ولتركت صلوات وقوله يطوف عليهم ولدان مخلدون قال فالفاكهة ولحم الطير والحور العين لا تطوف وإنما يطاف بها واما قوله تعالى عن أمركم وشركاءكم من فنقل ابن فارس عن البصريين أن الواو بمعنى مع أي شركائكم كما يقال لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها
أي مع فصيلها وقال الآخرون أجمعوا أمركم وادعوا شهداءكم اعتبارا بقوله تعالى في من استطعتم واعلم ان تقدير فعل محذوف للثاني ليصح العطف هو قول الفارسي والفراء وجماعة من البصريين والكوفيين لتعذر العطف وذهب أبو عبيدة والأصمعي واليزيدي وغيرهم إلى أن ذلك من عطف المفردات وتضمين العامل معنى ينتظم المعطوف والمعطوف عليه جميعا فيقدر
[ 125 ]
آثروا الدار والإيمان هذه ويبقى النظر في أنه أيهما أولى ترجيح الإضمار أو التضمين واختار الشيخ أبو حيان سنة تفصيلا حسنا وهو إن كان العامل الأول تصح نسبته إلى الاسم الذي يليه حقيقة كان الثاني محمولا على الإضمار لأنه أكثر من التضمين نحو يجدع الله أنفه وعينيه أي ويفقأ عينيه فنسبة الجدع إلى الأنف حقيقة وإن كان لا يصح فيه ذلك كان العامل مضمنا معنى ما يصح نسبته إليه لأنه لا يمكن الإضمار كقولهم علفتها تبنا وماء باردا عمرو وجعل بن مالك من هذا القبيل قوله تعالى قبل انت وزوجك الجنة قال لأن فعل أمر المخاطب لا يعمل في الظاهر فهو على معنى اسكن أنت ولتسكن زوجك لأن شرط المعطوف أن يكون صالحا لأن يعمل فيه ما عمل في المعطوف عليه وهذا متعذر هنا لأنه لا يقال اسكن زوجك ومنه قوله تعالى تضار والدة بولدها ولا مولود ولا يصح أن يكون مولود معطوفا على والدة لأجل تاء المضارعة أو للأمر فالواجب في ذلك أن تقدر مرفوعا بمقدر من جنس المذكور أي ولا يضار مولود له وقوله تعالى يحيى قال الفراء التقدير وسخرنا له الطير عطفا على قوله الرحمن هو مفعول معه ومن رفعه فقيل على المضمر في آتى
[ 126 ]
وجاز ذلك لطول الكلام بقوله وكان وقيل بإضمار فعل أي ولتؤوب معه الطير الخامس أن يقتضى الكلام شيئين فيقتصر على أحدهما لأنه المقصود كقوله تعالى حكاية عن فرعون ربكما يا موسى روى ولم يقل وهارون لأن موسى المقصود المتحمل أعباء الرسالة كذا قاله ابن عطية وغاص الزمخشري فقال أراد أن يتم الكلام فيقول وهارون ولكنه نكل عن خطاب هارون توقيا لفصاحته وحدة جوابه ووقع خطابه إذ الفصاحة تنكل الخصم عن الخصم للجدل وتنكبه بين عن معارضته السادس أن يذكر شيئان ثم يعود الضمير إلى أحدهما دون الاخر كقوله تعالى رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها أهل قال الزمخشري تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه ويبقى عليه سؤال وهو أنه لم أوثر ذكر التجارة وهلا أوثر اللهو ا وجوابه ما قاله الراغب في تفسير سورة البقرة إن التجارة لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت فيهم هذه الآية أعيد الضمير إليها ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة ما لا يشغله اللهو واختلف في مواضع منها قوله تعالى يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فإنه سبحانه ذكر الذهب والفضة وأعاد الضمير
[ 127 ]
على الفضة وحدها لأنها أقرب المذكورين ولأن الفضة أكثر وجودا في أيديى الناس حديث والحاجة إليها أمس فيكون كنزها أكثر وقيل أعاد الضمير على المعنى لأن المكنوز دنانير ودراهم وأموال ونظيره وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا عند لأن الطائفة جماعة وقيل
من عادة العرب إذا ذكرت شيئين مشتركين في المعنى تكتفي بإعادة الضمير على أحدهما استغناء بذكره عن الاخر اتكالا على فهم السامع كقول حسان إن شرح الشباب والشعر الاسود ود وما لم يعاص كان جنونا لأنه ولم يقل يعاصا ومنها قوله تعالى يا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وقد جعل ابن لأنباري لو في كتاب الهاءات يكون ضمير لم تروها مع راجعا إلى الجنود ونقل عن قتادة قال هم الملائكة والأشبه أن يأتي هنا بما سبق قوله ومنها تعالى ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فقيل أحق خبر عنهما وسهل إفراد الضمير بعدم إفراد أحق وأن إرضاء الله سبحانه إرضاء لرسوله وقيل أحق خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وقيل العكس وإنما أفرد الضمير لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير واحد كما جاء في الحديث قل ومن يعص الله ورسوله قال الزمخشري قد يقصدون ذكر الشئ
[ 128 ]
فيذكرون قبله ما هو سبب منه ثم يعطفونه سعيد عليه مضافا إلى ضميره وليس لهم قصد إلى الأول كقوله سرني زيد وحسن حاله والمواد حسن ماله وفائدة هذا الدلالة على قوة الاختصاص بذكر المعنى ورسول الله أحق أن يرضوه ويدل عليه ما تقدمه من قوله والذين يؤذون رسول الله ولهذا وحد الضمير ولم يثن ومنها قوله تعالى الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه ومنها قوله بكر بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة فقيل الضمير للصلاة لأنها أقرب المذكورين وقيل أعاده على المعنى وهو الاستعانة المفهومة من استعينوا وقيل المعنى على التثنية وحذف قد من الأول لدلالة الثاني عليه
ومنه قوله تعالى يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا وهو نظير آية الجمعة كما سبق وفى هاتين الآيتين لطيفتان وهما أن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في آية الجمعة على التجارة وإن كانت أبعد ومؤنثة ايضا لأنها أجذب للقلوب عن طاعة الله من اللهو لأن المشتغلين بالتجارة أكثر من المشتغلين من اللهو أو لأنها أكثر نفعا من اللهو أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومه كما جاء في صحيح البخاري أقبلت عير يوم الجمعة وأعاده في قوله يكسب خطيئة أو إثما وفي على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكير فتدبر ذلك واما قوله تعالى كل فليفرحوا أي بذلك القول
[ 129 ]
السابع الحذف المقابلي وهو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحدف فلا من واحد منهما مقابلة لدلالة الاخر عليه كقوله تعالى يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون الأصل فإن افتريته فعلى إجرامي وأنتم براء منه وعليكم إجرامكم وأنا برئ مما تجرمون فنسبة قوله تعالى إجرامي وهو الأول إلى قوله وعليكم إجرامكم وهو الثالث كنسبة قوله وأنتم براء منه وهو الثاني إلى قوله وعليكم إجرامكم وهو الثالث كنسبة قوله وأنتم براء منه وهو الثاني إلى قوله تعالى منه برئ مما تجرمون وهو الرابع واكتفى من كل متناسبين بأحدهما ومنه قوله تعالى بآية كما أرسل الأولون: تقديره أن أرسل فليأتنا بآية كما ارسل الأولون فأتوا بآية وقوله تعالى المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم غير تقديره كما قال المفسرون ويعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم
عند ذلك يكون مطلق قوله فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم مقيدا بمدة الحياة الدنيا وقوله تعالى أحمد النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فآتوهن من حيث أمركم الله فتقديره لا تقربوهن حتى يطهرن ويطهرن بعد فإذا طهرن وتطهرن فآتوهن وهو قول مركب من أربعة اجزاء نسبة الأول إلى الثالث كنسبة الثاني إلى الرابع ويحذف من أحدهما لدلالة الآخر عليه واعلم أن دلالة السياق قاطعة بهذه المحذوفات وبهذا التقدير يعتضد القول بالمنع من وطء الحائض إلا بعد الطهر والتطهر جميعا وهو مذهب الشافعي
[ 130 ]
ومنه قوله تعالى يقول يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء تقديره أدخل يدك تدخل وأخرجها تخرج إلا أنه قد عرض في هذه المادة تناسب بالطباق فلذلك بقى القانون فيه الذي هو نسبة الأول إلى الثالث ونسبة الثاني إلى الرابع على حالة الأكثرية فلم يتغير عن موضعه ولم يجعل بالنسبة التي بين الأول والثاني وبين الثالث والرابع وهي نسبة النظير كقوله وإني لتعروني لذكراك هزة كما انتفض العصفور بللة الذي القطر لأن هزة بعد انتفاضة كما انتفض العصفور بلله القطر ثم اهتز كذا قاله جماعة وانكره ابن الصائغ وقال هذا التقدير لا يحتاج إليه ولو يكون لكان خلفا وإنما أحوجهم إليه أنهم رأوا أنه لا يلزم من إدخالها خروجها ويخرج مجزوم على الجواب فاحتاج أن تقدر جوابا لازما وشرطا ملزوما حذفا لأنهما نظير ما ثبت لكن وقع في تقدير ما لا يفيد لأنه معلوم أنه إن أدخلها تدخل لكنه قد يقدره تقديرا بعيدا وهو أدخلها تدخل كما هي وأخرجها تخرج بيضاء وهو بعد ذلك ضعيف فيقال له لا يلزم في الشرط وجوابه أن يكون اللزوم بينهما ضروريا بالفعل فإذا قيل إن جاءني زيدا أكرمته فهذا اللازم بالوضع وليس بالضرورة والإكرام لازم للمجئ بل لوضع
المتكلم فالموضوع هنا أن الإدخال سبب في خروجها بيضاء بقدرة الله تعالى ألا ترى أنه لا يلزم من إخراجها أن تخرج بيضاء لزوما ضروريا إلا بضرورة صدق الوعد فإن قال لم أرد هذا وإنما أردت أنها لا تخرج إلا حتى تخرج قيل هذا من المعلوم الذي لا معنى للتنصيص عليه ومنه قوله تعالى وقد اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا اصل الكلام خلطوا عملا صالحا بسئ وآخر سيئا بصالح لأن الخلط يستدعي مخلوط
[ 131 ]
ومخلوطا به أي تارة أطاعوا وخلطوا الطاعة بكبيرة وتارة عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وقوله يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي حتى الآية فإن مقتضى التقسيم اللفظي من اتبع الهدى فلا خوف ولا حزن يلحقه وهو صاحب الجنة ومن كذب يلحقه الخوف والحزن وهو صاحب النار فحذف من كل ما أثبت نظيره في الأخرى قيل ومنه قوله تعالى الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء قال سيبويه تعالى في باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لم يشبهوا بالناعق وإنما شبهوا بالمنعوق به وإنما المعنى ومثلكم فإن ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع إلا دعاء ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى انتهى والذى أحوجه إلى هذا التقدير أنه لما شبه الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا بناه على أن الناعق بمعنى الداعي وليس بمتعين لجواز ألا يراد به الداعي بل الناعق من الحيوان شبههم في تألهم عمر وتأتيهم بما ينعق من الغنم بصاحبه من أنهم يدعون مالا يسمع ولا يبصر ولا يفهم ما يريده فيكون ثم حذف وقيل ليس من هذا النوع إلا الاكتفاء من الأول بالثالث لنسبة بينهما وذلك
أنه اكتفى بالذي ينعق وهو الثالث المشبه به عن المشبه وهو الكناية المضاف إليها في قوله ومثلك وهو الأول وأقرب إلى هذا التشبيه المركب والمقابلة وهو الذي غلط من وضعه في هذا النوع وإنما هو من نوع الاكتفاء للارتباط العطفي على ما سلف وقد
[ 132 ]
قال الصفار هذا الذي صار إليه سيبويه من أنه حذف من الأول الثاني المعطوف عليه ومن الثاني المعطوف ضعيف لا ينبغي أن يصار إليه إلا عند الضرورة لأن فيه حدفا النبي كثيرا مع إبقاء حرف العطف وهو الواو ألا ترى أن ما قبلها مستأنف والأصل مثلك ومثلهم إلا أن يدعى أن الأصل ومثلك ومثلهم ثم حذف مثلك والواو التي عطفت ما بعدها وبقيت الواو الأولى ويزعم أن الكلام ربط مع ما قبله بالواو وليس بينهما ارتباط وفيه ما ترى وقال ابن الحجاج عندي أنه لا حذف في الآية والقصد تشبيه الكفار في عبادتهم لاصنام بالذي ينعق بما لا يسمع فهو تمثيل داع بداع محقق لا حذف فيه والكفار على هذا داعون وعلى التأويل الأول مدعوون ونظيرها قوله تعالى أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم كما فإن فيه جملتين حذف نصف كل واحدة منهما اكتفاء بنصف الآخرى وأصل الكلام أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى ممن يمشي سويا على صراط مستقيم أمن يمشي سويا على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي هو مكبا وانما قلنا إن أصله هكذا لأن أفعل التفضيل لا بد في معناه من المفضل عليه وهاهنا وقع السؤال عمن في نفس الأمر هل هذا أهدى من ذلك أم ذاك أهدى من هذا فلا بد من ملاحظة أربعة أمور وليس في الآية إلا نصف إحدى الجملتين ونصف الأخرى والذي حذف من هذه مذكور في تلك والذي حذف من تلك مذكور في هذه فحصل المقصود مع الإيجاز والفصاحة ثم ترك أمر آخر لم يتعرض له وهو الجواب الصحيح
لهذين الاستفهامين وأيهما هو الآهدى وسلم لم يذكره في الآية أصلا اعتمادا على أن العقل يقول الذي يمشي على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مكبا على وجهه
[ 133 ]
وهذا كقوله تعالى يخلق كمن لا يخلق عنه وقوله هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فائدة قد يحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وقد يعكس وقد يحتمل اللفظ الأمرين فالاول كقوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي إلا في قراءة من رفع ملائكته أي إن الله يصلي فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه وليس عطفا عليه والثانى كقوله الله ما يشاء ويثبت أي ما يشاء وقوله إن الله برئ من المشركين ورسوله أي برئ أيضا وقوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وقوله فيه من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهم ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن صلى أي كذلك وجعل منه أبو الفتح قوله تعالى أسمع بهم وأبصر وقال التقدير وأبصر بهم لكنه حذف لدلالة ما قبله عليه حيث كان بلفظ الفضلة وإن كان ممتنعا في الفاعل وهذا التوجيه إنما يتم إذا قلنا إن الجار والمجرور في أسمع بهم وأبصر في محل الرفع فإن قلنا في محل النصب فلا
[ 134 ]
وقوله تعالى سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله والتقدير خلقهن الله فحذف خلقهن لقرينة تقدمت في السؤال أنه وقوله سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين وهو ولم يقل
إنا كذلك اختيارا واستغناء عنه بقوله فيما سبق إنا كذلك والثالث كقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه صلى الله عليه وسلم فقد قيل إن أحق خبر عن اسم الله تعالى وقيل بالعكس واما قوله تعالى وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فالفائدة في إعادة الجار والمجرور أعنى بها لأنه لو حذف من الثاني لم يحصل الربط لوجوب الضمير فيما وقع مفعولا ثانيا أو كالمفعول الثاني ل سمعتم ولو حذف من الأول لم يكن نصا على أن الكفر يتعلق بالإثبات لجواز أن يكون متعلق الأول غير متعلق الثاني الثامن الاختزال وهو الافتعال من خزله إذا قطع وسطه ثم نقل في الإصطلاح إلى حذف كلمة أو أكثر وهي إما اسم أو فعل أو حرف
[ 135 ]
الأول الاسم حذف المبتدأ فمنه حذف المبتدأ كقوله تعالى فقال وخمسة أي وسبعة ثنا أي هم ثلاثة وهم خمسة وهم به سبعة وقوله قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة أي إحداهما بدليل قوله بعده هذا كافرة وقوله فهل يهلك ولا أي هذا بلاغ وقوله بل عباد مكرمون لم أي هم عباد وقال هذا قال أبو علي قوله تعالى حدثنا من ذلكم النار ابن أي هي النار وقوله قوله بآل فرعون سوء العذاب النار أي هو النار أن يكون النار في الآيتين مبتدأ والخبر الجملة التي بعدها
ويمكن في الثانية أن تكون النار بدلا من سوء العذاب
[ 136 ]
وقوله ساحر كذاب له أي ساحر إلا قالوا ساحر أو مجنون أساطير الأوليين ذلك محمد وقل الحق من ربكم إلى أي هذا الحق من ربكم وليس هذا كما يضلنه كان بعض الجهال أي قل القول الحق فإنه لو أريد هذا لنصب الحق والمراد إثبات أن القرآن حق ولهذا قال من ربكم وليس المراد هنا قول حق مطلق بل هذا المعنى مذكور في قوله وإذا قلتم فاعدلوا وقوله أيؤخذ يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق وقوله سورة أنزلناها أبو أي هذه سورة من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها أو أي فعمله لنفسه وإساءته عليها وقوله وإن مسه الشر فيئوس قنوط أي فهو يئوس ز لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل عبد أي تقلبهم متاع أو ذاك متاع وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة أي والحطمة نار الله إنها ترمي بشرر كالقصر عليه أي كل واحدة منها كالقصر فيكون من باب قوله فاجلدوهم ثمانين جلدة أي كل واحد أبي منهم والمحوج إلى ذلك أنه لا يجوز أن يكون الشرر كله كقصر واحد والقصر هو البيت من أدم كان يضرب
[ 137 ]
على المال ويؤيده قوله جمالة صفر ما أفلا تراه كيف شبهه بالجماعة أي كل واحدة من الشرر كالجمل لجماعاته لا فجماعاته أن إذن مثل الجمالات الصفر وكذلك الأول شررة منه كالقصر قاله أبو الفتح بن جنى
واما قوله ولا تقولوا ثلاثة على فقيل إن ثلاثة خير مبتدأ محذوف تقديره آلهتنا ثلاثة واعتض باستلزامه إثبات الإلهية لانصراف النفي الداخل على المبتدأ أو الخبر إلى المعنى المستفاد من الخبر لا إلى معنى المبتدأ وحينئذ يقتضى نفى عدة الآلهة لا نفى وجودهم قيل وهو مردود لأن نفي كون آلهتهم ثلاثة يصدق بالا يكون للآلهة الثلاثة وجود بالكلية لأنه من السالبة المحصلة الله فمعناه ليس آلهتكم ثلاثة وذلك يصدق بألا يكون لهم آلهة وإنما حذف إيذانا بالنهي عن مطلق العدد المفهم للمساواة بوجه ما فما ظنك بمن صرح بالشركة كما قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قال وقال سبحانه وما من إله إلا اله واحد عن فأفهم أنه لو وجد الإله يكون غيره معه خطأ لإفهامه مساواة ما كقوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون من ولزم من نفي الثلاثة لامتناع المساواة المعلومة عقلا والمدلول عليها بقوله إنما الله إله واحد نفي الشركة مطلقا فإن تخصيص النهي وقع في مقابلة الفعل ودليلا عليه فإنهم كانوا يقولون في الله وعيسى وأمه ثلاثة
[ 138 ]
ونحوه في الخروج على السبب لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة وقال صاحب إسفار الصباح في الوجه تقدير كون ثلاثة أو في الوجود ثم حذف الخبر الذي هو لنا أو في الوجود الحذف المطرد وما دل عليه توحيد لا إله إلا الله ثم حذف المبتدأ حذف الموصوف كالعدد إذا كان معلوما كقولك عندي ثلاثة أي دراهم وقد علم بقرينة قوله إنما الله إله واحد وقد عورض هذا بأن نفي وجود ثلاثة لا ينفى وجود إلهين وأجيب بأن تقديره
آلهتنا ثلاثة يوجب ثبوت الآلهة وتقدير لنا آلهة لا يوجب ثبوت إلهين فعورض بأنه كما لا يوجبه فلا ينفيه فاجيب بأنه إذا لم ينفه فقد نفاه ما بعده من قوله إنما الله إله واحد فعورض بأن ما بعده إن نفي ثبوت إلهين فكيف ثبوت آلهة فأجاب بأنه لا ينفيه ولكن يناقضه لأن تقدير آلهتنا ثلاثة يثبت وجود إلهين لانصراف النفي في الخبر عنه بخلاف تقدير لنا آلهة ثلاثة فإنه لا يثبت وجود إلهين لانصراف النفي إلى أصل الإثبات للآلهة وفى أجوبة هذه المقدمات نظر قلت وذكر ابن جني أن الآية من حذف المضاف أي ثالث ثلاثة لقوله في موضع آخر لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة
[ 139 ]
حذف الخبر نحو أكلها دائم وظلها هذه أي دائم وقوله في سورة ص بعد ذكر من اقتص ذكره من الأنبياء فقال هذا ذكر سنة ثم لما ذكر مصيرهم إلى الجنة وما أعد لهم فيها من النعيم قال هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا قد أشارت الآية إلى مآل أمر الطاغين ومنه يفهم الخبر وقوله أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه عمرو أي أهذا خير أمن جعل صدره ضيقا حرجا وقسا قلبه فحذف بدليل قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وقوله تعالى لا ضير ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت
وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا وكان قال سيبويه الخبر روى محذوف أي فيما أتلوه السارق والسارقة وجاء فاقطعوا ولم جملة أخرى وكذا قوله الزانية والزاني بين فيما نقص لكم وقال غيره السارق مبتدأ فاقطعوا خبره وجاز ذلك لأن الاسم عام فإنه لا يريد
[ 140 ]
به سارقا مخصوصا فصار كأسماء الشرط تدخل الفاء في خبرها لعمومها وإنما قدر سيبويه ذلك لجعل الخبر أمرا وإذا ثبت الإضمار فالفاء داخلة في موضعها تربط بين الجملتين ومما يدل على أنه على الإضمار إجماع القراء على الرفع مع أن الأمر الاختياري فيه النصب قال وقد قرأ ناس بالنصب أهل ارتكانا حديث للوجه القوي في العربية ولكن أبت العامة إلا الرفع وكذا قال في قوله تعالى عند الجنة التي وعد المتقون لأنه مثل هنا خبر مبتدأ محذوف أي فيما نقض عليكم مثل الجنة وكذا قال أيضا في قوله تعالى واللذان يأتيانها منكم فآذوهما أخبرنا إنه على الإضمار يا وقد رد بأنه أي ضرورة تدعو إليه هنا فإنه إنما صرنا إليه في السارق ونحوه لتقديره دخول الفاء في الخبر فاحتيج للإضمار حتى تكون الفاء على بابها في الربط وأما هذا فقد وصل بفعل هو بمنزلة الذي يأتيك فله درهم واجاب الصفار بأن الذي حمله على هذا أن الأمر دائر مع الضرورة كيف كان لأنه إذا أضمر فقد تكلف وإن لم يضمر كان الاسم مرفوعا وبعده الأمر فهو قليل بالنظر إلى للذين يأتيانها فكيفما عمل لم يخل من قبح وان قدر منصوبا وجاء القرآن بالألف على لغة من يقول الزيدان في جميع الأحوال وقع أيضا في محذور آخر فلهذا قدره هذا التقدير لأن الإضمار مع الرفع يتكافآن وقوله إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم الخبر محذوف أي
يعذبون ويجوز أن يكون الخبر اولئك ينادون من مكان بعيد
[ 141 ]
وقوله لولا أنتم لكنا مؤمنين لو فأنتم مبتدأ والخبر محذوف أي حاضرون وهو لازم الحذف هنا وقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم يكون أي حل لكم كذلك واما قوله تعالى وقالت اليهود عزيز ابن الله أما على قراءة التنوين فلا حذف لأنه يجعله مبتدأ وابن الله خبر حكاية عن مقالة اليهود وأما على قراءة من لم ينون فقيل إنه صفة والخبر محذوف أي عزيز ابن الله إلهنا وقيل بل المبتدأ محذوف أي إلهنا عزيز وابن صفة ورد بوجهين احدهما أنه لا يطابق النصارى المسيح ابن الله الثاني أنه يلزم عليه أن يكون التكذيب ليس عائدا إلى البنوة فكذب لأن صدق الخبر وكذبه راجع إلى نسبة الخبر لا إلى الصف فلو قيل زيد القائم فقيه فكذب انصرف التكذيب لإسناد فقهه لا لوصفه بالقائم وفيه نظر لأن الصفة ليست إنشاء فهي خبر إلا أنها غير تامة الإفادة فيصح تكذيبها والأولى تقويته وأن يقال الصفة والإضافة ونحوهما في المسند إليه لواحق بصورة الإفراد أي يريد أن يصوره بهيئة خاصة ويحكم عليه كذلك لكن لا سبيل إلى كذبها مع أنها تصورت فالوجه أن يقال إن كذب الصفة بإسناد مسندها إلى
[ 142 ]
مع الثبوت ونظير هذه المسألة في الفقه ما لو قال والله لا أشرب ماء هذا الكوز
ولا ماء فيه وقال بعضهم سعيد ابن الله خبر الجملة أي حكى فيه لفظهم أي قالوا هذه العبارة القبيحة وحينئذ فلا يقدر خبر ولا مبتدأ وقيل بن الله خبر وحذف التنوين من عزيز للعجمة والعلمية وقيل حذف تنوينه لالتقاء الساكنين لأن الصفة مع الموصوف كشئ واحد كقراءة هو الله احد الله الصمد بكر على إراد التنوين بل هنا أوضح لأنه في جملة واحدة وقيل ابن الله نعت ولا محذوف وكأن الله تعالى حكى أنهم ذكروا هذا اللفظ إنكارا عليهم إلا أن فيه نعتا لأن سيبويه قال إن قلت وضعته العرب لتحكى به ما كان كلاما لا قولا وأيضا إنه لا يطابق قوله النصارى المسيح ابن الله والظاهر أنه خبر والقولان منقولان والصحيح في هذه القراءة أنه ليس الغرض إلا أن اليهود قد بلغوا في رسوخ الاعتقاد في هذا الشئ إلى أن يذكرون هذا النكر كما تقول في قوم تغالوا في تعظيم صاحبهم أراهم اعتقدوا فيه أمرا عظيما ثابتا يقولون زيد الأمير ما يحتمل الأمرين قوله تعالى قد جميل وفي يحتمل حذف الخبر أي أجمل كل أو حذف المبتدأ أي فأمري صبر جميل وهذا أولى لوجود قرينة حالية هي قيام الصبر به دالة على
[ 143 ]
المحذوف وعدم قرينة حالية أو مقالية تدل على خصوص الخبر وأن الكلام مسوق للإخبار بحصول الصبر له واتصافه به وحذف المبتدأ يحصل ذلك دون حذف الخبر لأن معناه أن الصبر الجميل أجمل ممن لأن المتكلم متلبس به وكذلك يقوله من لم يكن وصفا له ولأن الصبر مصدر والمصادر معناها الإخبار
فإذا حمل على حذف المبتدأ فقد أجرى على أصل معناه من استعماله خبرا وإذا حمل على حذف الخبر فقد أخرج عن أصل معناه ومثاله قوله فلا معروفة أي أمثل أو أولى لكم من هذا أو أمركم الذي يطلب منكم ومثله قوله سورة أنزلناها منه إما أن يقدر فيما أوحينا إليك سورة أو هذه سورة وقد يحذفان جملة كقوله تعالى: يئسن من المحيض من نسائكم الاية حذف الفاعل المشهور امتناعه إلا في ثلاثة مواضع احدها إذا بنى الفعل للمفعول ثانيها في المصدر إذا لم يذكر معه الفاعل مظهرا يكون محذوفا ولا يكون مضمرا نحو أو إطعام
[ 144 ]
ثالثها غير إذا لاقى الفاعل ساكنا من كلمة أخرى كقولك للجماعة اضرب القوم وللمخاطبة أحمد اضرب القوم وجوز الكسائي حذفه مطلقا إذا ما وجد ما يدل عليه كقوله تعالى إذا بلغت التراقي أي بلغت الروح وقوله حتى توارت بالحجاب بعد أي الشمس فإذا نزل بساحتهم يقول يعنى العذاب لقوله قبله أفبعذا بنا يستعجلون الذي فلما جاء سليمان تقديره فلما جاء الرسول سليمان والحق أنه في المذكورات مضمر لا محذوف وقد سبق الفرق بينهما أما حذفه وإقامة المفعول مقامه مع بناء الفعل للمفعول فله أسباب
منه العلم به كقوله تعالى خلق الإنسان من عجل لأن الإنسان ضعيفا وقد ونحن نعلم أن الله خالقه قال ابن جنى وضابطه أن يكون الغرض إنما هو الإعلام بوقوع الفعل بالمفعول ولا غرض في إبانة الفاعل من هو ومنها تعظيمه كقوله علي الأمر الذي في تستفتيان حتى إذ كان الذي قضاه عظيم القدر وقوله وغيض الماء وقضي الأمر
[ 145 ]
وقوله يؤمنون بما أنزل إليك تعالى قال الزمخشري في كشافه القديم هذا أدل على كبرياء المنزل وجلالة شأنه من القراءة الشاذة أنزل فإن مبنيا للفاعل كما تقول الملك أمر بكذا ورسم بكذا وخاصة إذا كان الفعل فعلا لا يقدر عليه إلا الله كقوله عمر الأمر النبي قال كأن طى ذكر الفاعل كالواجب لأمرين أنه إن تعين الفاعل وعلم أن الفعل مما لا يتولاه إلا هو وحده كان ذكره فضلا ولغوا والثانى الإيذان بأنه منه غير مشارك ولا مدافع عن الاستئثار به والتفرد بإيجاده وايضا فما في ذلك من مصير أن أسمه جدير بأن يصان ويرتفع به عن الابتذال والامتهان وعن الحسن لولا أني مأذون لي في ذكر اسمه لربأت وإن به عن مسلك الطعام والشراب ومنها مناسبة الفواصل نحو لأحد عنده من نعمة تجزى كما ولم يقل يجزيها ومنها مناسبة ما تقدمه كقوله في سورة براءة هو بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون وسلم لأن قبلها أنزلت سورة عنه على بناء الفعل للمفعول فجاء قوله ليناسب بالختام المطلع بخلاف قوله فيما بعدها
وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون إن فإنه لم يقع قبلها ما يقتضى البناء فجاءت على الأصل
[ 146 ]
حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وهو كثير قال ابن جنى وفي القرآن منه زهاء ألف موضع وأما أبو الحسن فلا يقيس عليه ثم رده بكثرة المجاز في اللغة وحذف المضاف مجاز انتهى وشرط المبرد في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه لجوازه وجود دليل على المحذوف من عقل أو قرينة نحو القرية أي أهلها قال ولا يجوز على هذا أن نقول جاء زيد وأنت تريد غلام زيد لأن المجئ يكون له ولا دليل في مثل هذا إلا على المحذوف وقال الزمخشري في الكشاف القديم لا يستقيم تقدير حذف المضاف في كل موضع ولا يقدم عليه إلا بدليل واضح وفي غير ملبس كقوله القرية وضعف بذلك قول من قدر في قوله خادعهم فيه أنه على حذف مضاف فان قلت كما لا يجوز مجيئه صلى لا يجوز خداعه فحين جرك إلى تقدير المضاف امتناع مجيئه فهلا جرك إلى مثله امتناع خداعه قلت يجوز في اعتقاد المنافقين تصور خداعه فكان الموضع ملبسا فلا يقدر انتهى فمنه قوله تعالى كان يرجو والله واليوم الآخر أي رحمته ويخاف عذابه
[ 147 ]
حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وقال أي سد يأجوج ومأجوج واشتعل أنه الرأس شيبا أي شعر الرأس ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي بقراءة صلاتك ولا تخافت
بقراءتها ولكن البر من آمن بالله إذا أي بر من آمن بالله فلما أتاها نودي أي ناحيتها والجهة التي هو فيها وهل يسمعونكم إذ تدعون فقال أي هل يسمعون دعاءكم بدليل الآية الآخرى إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم أي على خوف من فرعون وملئهم أي من آل فرعون ثنا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات به أي ضعف عذابهما الذين كفروا كمثل الذي ينعق هذا أي ومثل واعظ الذين كفروا كناعق ثم الأنعام وازواجه أمهاتهم ولا أي مثل أمهاتهم وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون حدثنا أي شكر رزقكم وقيل تجعلون التكذيب شكر رزقكم وقوله واتنا ما وعدتنا على رسلك قوله أي على ألسنة رسلك وقوله أماناتكم له أي ذوي أماناتكم كالمودع والمعير والموكل
[ 148 ]
والشريك ومن يدك في ماله أمانة لا يد ضمان ويجوز أن لا حذف فيه لأن خنت من باب أعطيت فيتعدى إلى مفعولين ويقتصر على أحدهما وقوله وإلى مدين أخاهم شعيبا ذلك أي أهل مدين بدليل قوله كنت ثاويا في أهل مدين محمد وأسأل القرية التي كنا فيها أي أهل القرية وأهل العير وقيل فيه وجهان أحدهما أن القرية يراد بها نفس الجماعة والثاني أن المراد الأبنية نفسها لأن المخاطب نبي صاحب معجزة إلى
الحج أشهر معلومات كان ويجوز أن يقدر الحج حج أشهر معلومات أبو وجاء ربك والملك أي أمر ربك واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم أي حب العجل قال الراغب عبد إنه على بابه فإن في ذكر العجل تنبيها على أنه لفرط محبتهم صار صورة العجل في قلوبهم لا تمحى وقوله الم تر كيف فعل ربك بعاد إرم عليه فإرم اسم لموضع وهو في موضع جر إلا أنه منع الصرف للعملية والتأنيث أما للعلمية فواضح وأما التأنيث فلقوله ذات العماد وقوله قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين أي بسؤالها فحذف المضاف ولم يكفروا بالسؤال إنما كفروا بربهم المسئول عنه فلما كان السؤال سببا للكفر فيما سألوا عنه نسب الكفر إليه على الاتساع
[ 149 ]
وقيل الهاء الهاء عائدة على غير ما تقدم لقوة هذا الكلام بدليل أن الفعل تعدى بنفسه والأول بغيره وإنما هذه الآية كناية عما سأل قوم موسى وقوم عيسى من الآيات ثم كفروا فمعنى السؤال الأول والثاني ما الاستفهام ومعنى الثالث طلب الشئ وقوله حرمت عليكم الميتة أي تناولها لأن الاحكام لا تتعلق بالأجرام إلا بتأويل الأفعال وقيل إن الميتة يعبر بها عن تناولها فلا حذف ولو كان ثم حذف لم يؤنث الفعل ولأن المركب إنما يحذف إذا كان للكلام دلالة غير الدلالة الإفرادية والمفهوم من هذا التركيب التناول من غير تقدير فيكون اللفظ موضوعا له والمشهور في الأصول أنه من محال الحذف وقوله تعالى آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين فهاهنا إضمار لأن قائلا لو قال من عمل صالحا جعلته في جملة الصالحين لم يكن فائدة
وإنما المعنى لندخلنهم في زمرة الصالحين وقوله تجعلونه لا قراطيس أن أي ذا قراطيس أو مكتوبا في قراطيس تبدونها على أي تبدون مكتوبها وقوله وتخفون كثيرا الله ليس المعنى تخفونها قال إخفاء كثيرا ولكن التقدير تخفون كثيرا من إنكار ذي القراطيس أي يكتمونه فلا يظهرونه كما قال تعالى ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في
[ 150 ]
الكتاب عن ويدل له قوله جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب وقوله من أودية بقدرها في أي بقدر مياهها وقوله ولقد همت به وهم بها أي هم بدفعها أي عن نفسه في هذا التأويل بتنزيله يوسف صلى الله عليه وسلم عما لا يليق به لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الصغائر والكبائر وعليه فينبغي الوقف على قوله همت به تنبيه في جواز حذف المضاف مع الالتفات إليه اعلم أن المضاف إذا علم جاز حذفه مع الالتفات إليه فيعامل معاملة الملفوظ به من عود الضمير عليه ومع اطراحه يصير الحكم في عود الضمير للقائم مقامه فمثال استهلاكه حكمه وتناسي أمره قوله تعالى كظلمات في بحر لجى يغشاه موج بن فإن الضمير في هذه عائد على المضاف المحذوف بتقدير أو كذى ظلمات وقوله أو كصيب أي كمثل ذوي صيب ولهذا رجع الضمير إليه مجموعا
في قوله أصابعهم في أذانهم ولو لم يراع لأفرده سنة أيضا عمرو
[ 151 ]
وقوله كذبت قوم نوح قبل ولولا ذلك لحذفت التاء لأن القوم مذكر ومنه قول حسان يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل يحيى بالياء أي ماء بردى ولو راعى المذكور لأتى بالتاء وقالوا وقد جاء في آية واحدة مراعاة التأنيث والمحذوف وهي قوله تعالى الرحمن من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاص وكان أو هم قائلون أنث الضمير في روى وولم وفجاء لإعادتهما على القرية المؤنثة وهي الثابتة ثم قال أو هم قائلون بين فأتى بضمير من يعقل حملا على أهلها المحذوف وفى تأويل إعادة الضمير على التأنيث وجهان أحدهما أنه لما قام مقام المحذوف صارت المعاملة معه والثاني أن يقدر في الثاني حذف المضاف كما قدر في الأول فإذا قلت سألت القرية وضربتها فمعناه وضربت أهلها فحذف المضاف كما حذف من الأول إذ وجه الجواز قائم وقيل هنا مضاف محذوف والمعنى أهلكنا أهلها وبياتا حال منهم أي مبيتين أو وهم قائلون جملة معطوفة عليها ومحلها النصب وانكر الشلوبين مراعاة المحذوف وأول ما سبق على أنه من باب الحمل على المعنى ونقله عن المحققين لأن القوم جماعة ولهذا يؤنث تأنيث الجمع نحو هي الرجال وجمع التكسير عندهم مؤنث وأسماء الجموع تجري مجراها وعلى هذا جاء التأنيث لا على الحذف وكذا القول في البيت
[ 152 ]
وفى قراءة بعضهم أهل يريد الآخرة حديث قدروه عرض الآخرة
والأحسن أن يقدر ثواب الآخرة لأن العرض لا يبقى بخلاف الثواب حذف عند المضاف إليه وهو أقل استعمالا كقوله لأنه في فلك يسبحون أخبرنا يا وقوله تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض لو وكذا كل ما قطع عن الإضافة مما وجبت إضافته معنى لا لفظا كقوله تعالى يكون لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل ذلك ومن بعده حذف المضاف والمضاف إليه قديضاف المضاف إلى مضاف فيحذف الأول والثاني ويبقى الثالث كقوله تعالى مع وتجعلون رزقكم أي بدل شكر رزقكم سعيد وقوله تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت وقيل الرزق في الآية الأولى الحظ والنصيب فلا حاجة إلى تقدير وكذلك إذا قدرت الثانية كالذي حالا من الهاء والميم في أعينهم لأن المضاف بعض فلا تقدير
[ 153 ]
وقوله أصبرهم على النار وقدره أبو الفتح في المحتسب على أفعال أهل النار واما قوله الموت بكر فالتقدير من مداناة الموت أو مقاربته ولا ينكر عسره على الإنسان ولكن إذا دفع إلى أمر هابه ومثله الآية الاخرى قد إليك نظر المغشى عليه من الموت وفي كل وقوله فقبضت قبضة من أثر الرسول أي من أثر حافر فرس الرسول وقوله أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي من أموال كفار
أهل القرى وقوله فانها من تقوى القلوب منه أي من أفعال ذوي تقوى القلوب وقوله أو كصيب من السماء الآية فإن التقدير كمثل ذوي صيب فحذف المضاف والمضاف إليه أما حذف المضاف فلقرينة عطفه على: الذي استوقد نارا غير وأما المضاف إليه فلدلالة أصابعهم في آذانهم أحمد عليه فأعاد الضمير عليه مجموعا وإنما صير إلى هذا التقدير لأن التشبيه بين صفة المنافقين وصفة ذوي الصيب لا بين صف المنافقين وذوي الصيب حذف الجار والمجرور كقوله خلصوا عملا صالحا أي بسئ يقول سيئا أي بصالح
[ 154 ]
وكذا بعد أفعل التفضيل كقوله تعالى الذي الله أكبر لأن أي من كل شئ فإنه يعلم السر وأخفى وقد أي من السر وكلام الزمخشري في المفصل يقتضي أنه مما قطع علي فيه عن متعلقة قصدا لنفي الزيادة نحو فلان يعطى ليكون كالفعل المتعدي إذا جعل قاصر للمبالغة فعلى هذا لا يكون من الحذف فإنه قال أفعل التفضيل له معنيان أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليه في الجملة التي هو وهم فيها شركاء والثاني أن يوجد مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا ثم يضاف للتفضيل على المضاف إليه لكن بمجرد التخصيص كما يضاف ما لا تفضيل فيه نحو قولك الناقص والأشج أعدلا بني مروان كأنك قلت عادلا انتهى حذف الموصوف بشرط فيه أمران احدهما كون الصفة خاصة بالموصوف حتى يحصل العلم بالموصوف فمتى كانت
الصفة عامة امتنع حذف الموصوف نص عليه سيبويه في آخر باب ترجمة هذا باب مجارى أواخر الكلم العربية وكذلك نص عليه أرسطاطا ليس في كتابه الخطابة أن الثاني يعتمد على مجرد الصفة من حيث هي لتعلق غرض السياق كقوله تعالى والله حتى عليم بالمتقين تعالى عليم بالظالمين فإن فإن الاعتماد في سياق القول على مجرد الصفة لتعلق غرض القول من المدح أو الذم بها
[ 155 ]
كقوله تعالى وعندهم قاصرات الطرف أي حور قاصرات وقوله ودانية عمر عليهم ظلالها النبي أي وجنة دانية وقوله وقليل من عبادي الشكور كما أي العبد الشكور وقوله هدى للمتقين هو أي القوم المتقين وقوله حملناه على ذات ألواح ودسر عنه أي سفينة ذات ألواح وقوله ذلك دين القيمة إن أي الأمة القيمة وقوله ان أعمل سابغات إلا أي دروعا سابغات وقوله يا ايه الساحر فيه أي يا ايها الرجل الساحر وقوله أيه المؤمنون أي القوم المؤمنون وقوله وعمل صالحا أي عملا صالحا حذف الصفة واكثر ما يرد للتفخيم والتعظيم في النكرات وكأن التنكير حينئذ علم عليه كقوله تعالى فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا صلى أي وزنا نافعا وقوله الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف وقال أي من جوع شديد وخوف عظيم وقوله يأهل الكتاب لستم على شئ أنه أي شئ نافع
[ 156 ]
وقوله تذر من شئ أي سلطت عليه وقوله وارسلناك وهو للناس رسولا صلى الله عليه وسلم أي جامعا لأكمل كل صفات الرسل وقوله يأخذ كل سفينة غصبا إذا أي صالحة وقيل إنها قراءة ابن عباس وفيه بحث وهو أنا لا نسلم الإضمار بل هو عام مخصوص فقال وقوله بفاكهة كثيرة وشراب أي أي كثير بدليل ما قبله ويحيى في العرف كقوله تعالى الان جئت بالحق أي المبين وقوله الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم أي الناس الذين يعادونكم وقوله وقوله ليس من أهلك ثنا أي الناجين وقوله وكذب به قومك به أي قوم المعاندون ومنه فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ثم أي من أولى الضرر وفضل الله المجاهدين على القاعدين أي من غير أولي الضرر فانه ابن مالك وغيره وبهذا التقدير يزل إشكال التكرار من الآية وقوله تعالى لقد لبثت فيكم عمرا من قبله أي لم أتل عليكم فيه شيئا فحذفت الصفة أو الحال قيل والعمر هنا أربعون سنة حذف المعطوف قوله تعالى أو لم ينظروا رسول أفلم يسيروا ولا أتم إذا ما وقع التقدير أعموا أمكثوا أكفرتم
[ 157 ]
وقوله ما شهدنا مهلك أهله لم أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه بدليل قوله لنبيتنه وأهله أي ما شهدنا مهلك أهله ومهلكه بدليل قوله وأهله وما روى أنهم كانوا عزموا على قتله وقتل أهله وعلى هذا فقولهم وإنا لصادقون حدثنا كذب في الإخبار وأوهموا قومهم أنهم قتلوه وأهله
سرا ولم يشعر بهم أحد وقالوا تلك المقالة يوهمون أنهم صادقون وهم كاذبون ويحتمل أن يكون من حذف المعطوف عليه أي ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله وقال بعض المتأخرين أصله ما شهدنا مهلك أهلك بالخطاب ثم عدل عنه إلى الغيبة فلا حذف وقد يحذف المعطوف مع حرف العطف مثل ابن منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل وقوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أي أمرنا مترفيها فخالفوا الأمر ففسقوا وبهذا التقدير يزول الإشكال من الاية وأنه ليس الفسق مأمورا به ويحتمل أن يكون أمرنا مترفيها له صفة للقرية لا جوابا لقوله وإذا أردنا ذلك التقدير وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ويكون إذا على هذا لم يأت لها جوابا ظاهر استغناء بالسياق كما في قوله حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها حذف المعطوف عليه فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا ولو افتدى به إلى أي لو ملكا ولو افتدى به
[ 158 ]
حذفه مع حرف العطف كقوله كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر كان أي فأفطر فعدة وقوله أن اضرب بعصاك البحر فانفلق التقدير فضرب فانفلق فحذف المعطوف عليه وهو ضرب وحرف العطف وهو الفاء المتصلة انفلق فصار أبو فالفاء الداخلة على فصار انفلق هي الفاء التي كانت متصلة أو وأما المتصلة انفلق فمحذوفة
كذا زعم ابن عصفور والأبذي قالوا والذي دل على ذلك أن حرف العطف إنما نوى به مشاركة الأول للثاني فإذا حذف أحد اللفظين أعنى لفظ المعطوف أو المعطوف عليه ينبغي ألا يؤتى به ليزول ما أتى به من أجله وقال ابن الضائع ليس هذا من الحذف بل من إقامة المعطوف مقام المعطوف عليه لأنه سببه ويقام السبب كثيرا مقام مسببه وليس ما بعدها معطوفا على هو الجواب بل صار هو الجواب بدليل هو جواب الأمر حذف المبدل منه اختلفوا فيه وخرج عليه قوله تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام حذف الموصول قوله أبي بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم أي والذي أنزل إليكم لأن الذي أنزل إلينا ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا ولذلك أعيدت ما بعد ما
[ 159 ]
في قوله آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ما وهو نظير قوله لا امنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل أن وقوله ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار وقوله وما منا إلا له مقام معلوم أي من له وشرط ابن مالك في بعض كتبه لجواب الحذف كونه معطوفا على موصول آخر ويؤيده هذه الآية قال ولا يحذف موصول حرفي إلا أن كقوله تعالى آياته يريكم البرق حذف المخصوص في باب نعم إذا علم من سياق الكلام
كقوله تعالى قال العبد إنه أواب عن التقدير نعم العبد أيوب أو نعم العبد هو لأن القصة في ذكر أيوب فإن قدرت نعم العبد هو لم يكن هو عائدا على العبد بل على أيوب وكذلك قوله تعالى من لداود وسليمان نعم العبد في فسليمان هو المخصوص الممدوح وإنما لم يكرر لأنه تقدم منصوبا وكذلك قوله تعالى بن فنعم القادرون هذه أي نحن وقوله تعالى سنة دار المتقين عمرو أي الجنة أو دارهم فنعم عقبى الدار يحيى أي عقباهم
[ 160 ]
ونعم اجر العاملين أي أجرهم وقال لبئس المولى ولبئس العشير أي وكان من ضره أقرب من نفعه وقال تعالى بئسما يأمركم به إيمانكم روى أي إيمانكم بما أنزل عليكم وكفركم بما وراءه وقد يحذف الفاعل والمخصوص كقوله تعاى ل ولم بين للظالمين بدلا أهل أي بئس البدل إبليس وذريته ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فبها ونعمت أي نعمت الرخصة حذف الضمير المنصوب المتصل يقع في أربعة أبواب احدها الصلة كقوله تعالى حديث الذي بعث الله رسولا الثاني الصفة كقوله تعالى يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي فيه بدليل قوله يوما ترجعون فيه إلى الله ولذلك يقدر في الجمل المعطوف على الأولى لأن حكمهن حكمها فالتقدير يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ
منها عدل ولا هم ينصرون عند فيه ثم اختلفوا فقال الأخفش حذفت على التدريج أي حذف العطف فاتصل الضمير فحذف وقال سيبويه حذفا معا لأول وهلة
[ 161 ]
عدى الفعل إلى الضمير أولا اتساعا وهو قول الفارسي وجعل الواحدي من هذا قوله تعالى لا يغني مولى عن مولى شيئا أي منه وقوله للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع أي ما للظالمين منه وفيه نظر أما الأولى فلأن لأنه جملة قد أضيف إليها أسم الزمان وليست صفة وقد نصوا على أن عود ضمير إلى المضاف من الجملة التي أضيف إليها الظرف غير جائز حتى قال ابن السراج فإن قلت أعجبني يوم قمت فيه امتنعت الإضافة لأن الجملة حينئذ صفة ولا يضاف موصوف إلى صفته قال ابن مالك وهذا مما خفي على أكثر النحويين وأما الثانية فكأنه يريد أن للظالمين من حميم أخبرنا صفة ليوم المضاف إليها الأزمنة وذلك متعذر لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة والظاهر أن الجملة حال منه ثم حذف العائد المجرور في كما يحذف من الصفة تنبيه عن ابن الشجري في تفاوت أنواع الحذف قال ابن الشجري أقوى هذه الأمور في الحذف الصلة لطول الكلام فيها لأنه اربع كلمات نحو جاء الذي ضربت وهو الموصول والفعل والفاعل والمفعول ثم الصفة لأن الموصوف قائم بنفسه وإنما أتى بالصفة للتوضيح ثم الخبر لانفصاله عن المبتدأ باعتبار أنه محكوم عليه
[ 162 ]
ووجه التفاوت أن الصفة رتبة متوسطة بين الصلة والخبر لأن الموصول وصلته
كالكلمة الواحدة ولهذا لا يفصل بينهما والصفة دونها في ذلك ولهذا يكثر حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه يا والخبر دون ذلك فكان الحذف آكد في الصلة من الصفة لأن هناك شيئين يدلان على الحذف الصفة تستدعي موصوفا والعامل يستدعيه ايضا ويسحسن ابن مالك هذا الكلام ولم يتكلم على الحال لرجوعه إلى الصفة حذف المفعول وهو ضربان احدهما أن يكون مقصودا مع الحذف فينوي لدليل ويقدر في كل موضع ما يليق به كقوله تعالى لما يريد يكون أي يريده فغشاها ما غشى سعيد أي غشاها إياه الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر قد وفي لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وسلام على عباده الذين اصطفى أين شركائي الذين كنتم تزعمون وكل هذا على حذف ضمير المفعول وهو مراد حذف تخفيفا لطول الكلام بالصفة ولولا إرادة المفعول وهو الضمير لخلت الصلة من ضمير يعود على الموصول وذلك لا يجوز
[ 163 ]
وكان في حكم المنطوق به فالدلالة عليه من وجهين اقتضاء الفعل له واقتضاء الصلة إذا كان العائد ومنه قوله تعالى عملت أيديهم فلا في قراءة حمزة والكسائي بغير هاء أي ما عملته بدليل قراءة الباقين ف ما في موضع خفض للعطف على منه ويجوز أن تكون ما نافية والمعنى ليأكلوا من ثمره ولم تعمله أيديهم فيكون أبلغ
في الامتنان ويقوى ذلك قوله تعالى ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون وعلى هذا فلا تكون الهاء مراده لأنها غير موصولة وجعل بعضهم منه قوله تعالى: مما تشربون غير وهو فاسد لأن شرب يتعدى بنفسه والغرض حينئذ بالحذف أمور منها قصد الاختصار عند قيام القرائن والقرائن إما حالية كما في قوله تعالى أحمد أرني أنظر إليك بعد لظهور أن المراد أرني ذاتك ويحتمل أن يكون هاب المواجهة بذلك ثم براه الشوق ويجوز أن يكون أخر ليأتي به مع الأصرح يقول لئلا يتكرر هذا المطلوب العظيم على المواجهة إجلالا ومنه قوله تعالى أن تأجرني الذي الظاهر أنه متعد حذف مفعوله أي تأجرني نفسك وجعل منه السكاكي قوله تعالى ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر
[ 164 ]
الرعاء لأن فمن قرأ بكسر الدال من وقد فإنه حذف المفعول في خمسة مواضع والأقرب أنه من الضرب الثاني كما سنبينه فيه إن شاء الله تعالى وقوله فإذا أفضتم من عرفات علي أي وقوله فذوقوا أنفسكم بما نسيتم لقاء يومكم هذا أي فذوقوا العذاب وقوله انى أسكنت من ذريتي أي ناسا أو فريقا وقوله فادع لنا ربك يخرج لنا تعالى أي شيئا وقوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فإن أي غير السموات وقوله ادعوا الله أو ادعوا الرحمن عمر على أن الدعاء بمعنى التسمية
التي تتعدى إلى مفعولين أي سموه الله أو سموه الرحمن ايا ما تسموه فله الاسماء الحسنى إذ لو كان المراد بمعنى الدعاء المتعدى لواحد لزم الشرك إن كان مسمى الله غير مسمى الرحمن وعطف الشئ على نفسه إن كان عينه ومنها قصد الاحتقار كقوله الله لأغلبن أنا ورسلي النبي أي الكفار ومنها قصد التعميم ولا سيما إذا كان في حيز النفي كقوله تعالى نغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون وإن وكذا كانوا مؤمنين كما وكثيرا ما يعترى الحذف في رءوس الآى نحو كانوا يعلمون ولقوم يشكرون
[ 165 ]
افلا تسمعون افلا تبصرون أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون أنه إنما نحن مستهزئون فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وكذا كل موضع كان الغرض إثبات المعنى الذي دل عليه الفعل لفاعل غير متعلق بغيره ومنه قوله تعالى يدعو إلى دار السلام صلى الله عليه وسلم أي كل أحد لأن الدعوة عامة والهداية خاصة وأما قوله تعالى كالوهم أو وزنوهم يخسرون إذا فكال ووزن يتعديان إلى مفعولين أحدهما باللام والتقدير كالوا ووزنوا لهم وحذف المفعول الثاني لقصد التعميم وما ذكرناه من كون هم منصوبا في الموضع بعد اللام هو الظاهر وقرره
ابن الشجري في أماليه قال وأخطأ بعض المتأولين حيث زعم أن هم ضمير مرفوع أكدت به الواو كالضمير في قولك خرجوا هم ف هم على هذا التأويل عائد على المطففين ويدل على بطلان هذا القول أمران
[ 166 ]
احدهما عدم ثبوت الألف في كالوهم ووزنوهم ولو كان كما قال لأثبتوها فقال في خط المصحف كما أثبتوها في قوله تعالى أي من ديارهم لنبي لهم ونحوه والثانى أن تقدم ذكر الناس يدل على أن الضمير راجع إليهم فالمعنى أكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوا للناس أو وزنوا للناس يخسرون وجعل الزمخشري من حذف المفعول قوله تعالى شهد منكم الشهر فليصمه أي في المصر وعند أبي على أن الشهر ظرف والتقدير فمن شهد منكم المصر في الشهر ومنها تقدم مثله في اللفظ كقوله تعالى الله ما يشاء ويثبت أي ويثبت ما يشاء فلما كان المفعول الثاني بلفظ الأول في عمومه واحتياجه إلى الصلة جاز حذفه لدلالة ما ذكر عليه كقوله بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم ثنا وقوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات به أي غير السموات وقوله لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن أنفق من بعده وقاتل بدليل ما بعده وقوله وابصر فسوف يبصرون أي أبصرهم بدليل قوله ثم وسبق عن ابن ظفر السر في ذكر المفعول في الأول وحذفه في الثاني في هذه الآية الشريفة
[ 167 ]
أن الأولى اقتضت نزول العذاب بهم يوم بدر فلما تضمنت التشفي قيل وأما الثاني فالمراد بها يوم الفتح واقترن بها مع الظهور عليهم تأمينهم والدعاء إلى إيمانهم فلم يكن وقتا للتشفي بل للبروز فقيل له رسول والمعنى فسيبصرون ولا منك عليهم لم وقوله فهل وجدتم ما وعد ربكم حدثنا أي وعدكم ربكم فحذف لدلالة قوله قبله وعدنا ربنا ابن قال الزمخشري وقد يقال أطلق ذلك ليتناول كل ما وعد الله من الحساب والبعث والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة لأنهم كانوا يكذبون بذلك أجمع ولأن الموعود كله مما ساءهم وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم فأطلق لذلك ليكون من الضرب الآتي وقوله افمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية ومنها رعاية الفاصلة نحو له والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى أي ما قلاك فحذف المفعول لأن فواصل الآي على الألف ويحتمل أنه للاختصار لظهور المحذوف قبله أي أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه فحذف لدلالة ذلك للقاسية ومنها البيان بعد الإبهام كما في مفعول المشيئة والإرادة فإنهم لا يكادون يذكرونه كقوله تعالى شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم
[ 168 ]
ولو شاء الله لهداكم أجمعين فان يشأ الله يختم على قلبك من يشإ الله يضلله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها
التقدير لو شاء الله أن يفعل ذلك لفعل وشرط ابن النحوية أو في حذفه دخول أداة الشرط عليه كما سبق من قوله يشأ الله يختم على قلبك ولو نشاء لقلنا مثل هذا من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم أبي والحكمه في كثرة حذف مفعول المشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مثيلة الجواب ولذلك كانت الإرادة كالمشيئة في جواز اطراد حذف مفعولها صرح به الزمخشري في تفسير سورة البقرة وابن الزملكاني في البرهان والتنوخي في الاقصى ما كقوله لا ليطفئوا نور الله بأفواههم وإنما حذفه لأن في الآية قبلها ما يدل على أنهم أمروا لكذب وهو بزعمهم إطفاء نور الله فلو ذكر أيضا لكان
[ 169 ]
كالمتكرر فحذف وفسر بقوله أن نور الله بأفواههم على وكان في الحذف تنبيه على هذا المعنى الغريب وينبغى أن يتمهل في تقدير مفعول المشيئة فإنه يختلف المعنى بحسب التقدير ألا ترى إلى قوله تعالى شئنا لآتينا كل نفس هداها فإن التقدير كما قاله عبد القاهر الجرجاني ولو شئنا أن نؤتي كل نفس هداها لآتيناها لا يصح إلا على ذلك لأنه إن لم يقدر هذا المفعول أدى والعياذ بالله إلى أمر عظيم وهو نفي أن يكون لله مشيئة على الإطلاق لأن من شأن لو أن يكون الإثبات بعدها نفيا ألا ترى أنك إذا قلت لو جئتني أعطيتك كان المعنى على أنه لم يكن مجئ ولا إعطاء وأما قوله تعالى شئنا لرفعناه بها فقدره النحويون فلم نشأ فلم نرفعه وقال ابن الخباز الصواب أن يكون التقدير فلم نرفعه فلم نشأ لأن يوجب نفي اللازم يوجب نفي الملزوم فوجود الملزوم يوجب وجود اللازم فيلزم من وجود المشيئة وجود الرفع
ومن نفي الرفع نفي المشيئة وأما نفي الملزوم فلا يوجب نفي اللازم ولا وجود اللازم وجود الملزوم انتهى ويؤيده قوله تعالى كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فإن المقصود انتفاء وجود الآلهة لانتفاء لازمها وهو الفساد ويمكن توجيه كلام النحويين بأنهم جعلوا الأول شرطا للثاني لأنهم عدوا لو من حروف الشرط وانتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط وقد يكون الشرط مساويا للمشروط بحيث يلزم من وجوده وجود المشروط ومن عدمه عدمه والمقصود في الآية تعليل عدم الرفع بعدم المشيئة لا العكس
[ 170 ]
واوضح منه قوله تعالى أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون جعل انتفاء الملزوم سببا لانتفاء اللازم لأن كذبوا ملزوم عدم الإيمان والتقوى فأخذهم بذلك ملزوم عدم فتح بركات السماء والأرض عليهم والفاء في قوله الله للسببية وجعل التكذيب سببا لأخذهم بكفرهم ولعل ذلك يختلف باختلاف المواد ووقوع الأفراد مع أن القول ما قاله ابن الخباز وأما ما جاء على خلافه فذلك من خصوص المادة وذلك لا يقدح في القضية الكلية ألا ترى أنا نقول الموجبة الكلية لا تنعكس كلية مع أنها تنعكس كلية في بعض المواضع كقولنا كل إنسان ناطق ولا يعد ذلك مبطلا للقاعدة تنبيهان التنبيه الأول متى يذكر مفعول المشيئة والإرادة يستثنى من هذه القاعدة ثلاثة أمور أحدها ما إذا كان مفعول المشيئة عظيما أو غريبا
فإنه لا يحذف كقوله تعالى أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه الآية أراد رد قول الكفار اتخذ الله ولدا بما يطابقه في اللفظ ليكون أبلغ في الرد لأنه لو حذفه فقال لو أراد الله لأصطفى قال لم يظهر المعنى المراد لأن الأصطفاء قد لا يكون بمعنى التبني ولو قال لو أراد الله لاتخذ ولدا لم يكن فيه ما في إظهاره من تعظيم جرم قائله ومثله صاحب كتاب القول الوجيز في استنباط علم البيان من الكتاب
[ 171 ]
العزيز بقوله تعالى نشاء لقلنا مثل هذا عن وقوله يشأ الله يختم على قلبك من ومن في يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم وفيما ذكرناه نظر قلت يجئ الذكر في مفعول الإرادة أيضا إذ كان كقوله تعالى أردنا أن نتخذ لهوا الثاني إذا احتيج لعود الضمير عليه فإنه يذكر كقوله أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه فإنه لو حذف لم يبق للضمير ما يرجع عليه وقد يقال الضمير لم يرجع عليه وإنما عاد على معمول معموله الثالث أن يكون السامع منكرا لذلك أو كالمنكر فيقصد إلى أثباته عنده فإن لم يكن منكرا فالحذف الحاصل أن حذف مفعول اراد وشاء لا يذكر إلا لإحد هذه الثلاثة التنبيه الثاني في إنكار أبي حيان للقاعدة السابقة انكر الشيخ أبو حيان في باب عوامل الجزم من شرح التسهيل هذه القاعدة وقال غلط البيانيون في دعواهم لزوم حذف مفعول المشيئة إلا فيما إذا كان مستغربا
وفي القرآن شاء منكم أن يستقيم سنة لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر عمرو ولهم أن يقولوا إن المفعول هاهنا عظيم فلهذا صرح به فلا غلط
[ 172 ]
على القوم وأما قوله تعالى قبل ماذا أراد الله بهذا مثلا يحيى فإذا جعلت ماذا بمعنى الذي فمفعول أراد متقدم عليه وإن جعلت ذا وحده بمعنى الذي فيكون مفعول أراد محذوفا وهو ضمير ذا ولا يجوز أن يكون مثلا مفعول اراد لأنه أحد معموليه الرحمن ولكنه حال فصل وقد كثر حذف مفعول أشياء غير ما سبق منها الصبر نحو وكان أو لا تصبروا روى ولم اصبروا وصابروا وقد يذكر نحو أهل نفسك مع الذين يدعون ربهم حديث قال الزمخشري عند في تفسير سورة الحجرات قولهم صبر عن كذا لأنه محذوف منه المفعول وهو النفس ومنها مفعول رأى كقوله أخبرنا علم الغيب فهو يرى يا قال الفارسي الوجه أن يرى هنا للتعدية لمفعولين لأن رؤية الغائب لا تكون إلا علما والمعنى عيه قوله الغيب لو وذكره العلم قال والمفعولان محذوفان فكأنه قال فهو يرى الغائب حاضرا أو حذف كما حذف في قوله يكون شركاؤكم الذين كنتم تزعمون مع أي تزعمونهم إياهم
[ 173 ]
وقال ابن خروف هو من باب الحذف لدليل لأن المعنى دال على المفعولين أي فهو يعلم ما يفعله ويعتقده حقا وصوابا ولا فائدة في الآية مع الاقتصار لأنه لا يعلم منه المراد وقد ذهب إليه بعض المحققين وعدل عن الصواب وومنها وعد يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما كأعطيت قال تعالى
وواعدناكم جانب الطور الأيمن بكر ف جانب مفعول ثان ولا يكون ظرفا لاختصاصه والتقدير واعدناكم إتيانه أو مكثا فيه وعد الله الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وفي وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم فإحدى الطائفتين في موضع نصب بأنه المفعول الثاني وأنها لكم بدل منه والتقدير وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطائفتين أو ملكها وقال تعالى الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كل فلم يعد الفعل فيها إلا إلى واحد تفسير للوعد ومبين له كقوله تعالى الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فلا فالجملة الثانية تبيين للوصية لا مفعول ثان واما قوله يعدكم ربكم وعدا حسنا منه الله وعدكم وعد الحق فإن هذا ونحوه يحتمل أمرين انتصاب الوعد بالمصدر وبأنه المفعول الثاني على تسمية الموعود به وعدا واما قوله تعالى وإذ: واعدنا موسى أربعين ليلة فمما تعدى فيه وعد
[ 174 ]
إلى اثنين لأن الأربعين لو كان ظرفا لكان الوعد في جميعه يعني من حيث إنه معدود فيلزم وقوع المظروف في كل فرد من أفراده وليس الوعد واقعا في الأربعين بل ولا في بعضها ثم قدر الواحدي وغيره محذوفا مضافا إلى الأربعين وجعلوه المفعول الثاني فقالوا التقدير وإذ واعدنا موسى انقضاء اربعين أو تمام أربعين ثم حذف وأقيم المضاف إليه مقامه قال بعضهم ولم يظهر لي وجه عدولهم عن كون أربعين هو نفس المفعول إلى
تقدير هذا المحذوف إلا أن يقال نفس الأربعين ليلة لا توعد لأنها واجبة الوقوع وإنما المعنى على تعليق الوعد بابتدائها وتمامها ليترتب على الانتهاء شئ قلت وقال أبو البقاء غير ليس أربعين ظرفا إذ ليس المعنى وعده في أربعين وقال غيره لا يجوز أن يكون ظرفا لأنه لم يقع الوعد في كل من أجزائه ولا في بعضه ومنها اتخذ تتعدى لواحد أو لاثنين فمن الأول قوله تعالى أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا أحمد بعد من دونه آلهة اتخذ مما يخلق بنات يقول ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا الذي ومن الثاني لأن أيمانهم جنة تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقد علي سخريا حتى والثاني من المفعولين هو الأول في المعنى
[ 175 ]
قال الواحدي فأما قوله تعالى اتخذتم العجل من بعده وقوله تعالى العجل فإن عمر وكانوا ظالمين النبي الذين اتخذوا العجل فالتقدير في هذا كله اتخذوه إلها فحذف المفعول الثاني والدليل على ذلك أنه لو كان على ظاهره لكان من صاغ عجلا أو نحوه أو عمله بضرب من الأعمال استحق الغضب من الله لقوله وإن غضب من ربهم وفيما قاله نظر لأن الواقع أن اولئك عبدوه فالتقدير على هذا في المتعدي لواحد أن الذين اتخذوا العجل وعبدوه ولهذا جوز الشيخ أثير الدين في هذه الآيات كلها أن تكون اتخذ فيها متعدية إلى واحد قال ويكون ثم جملة محذوفة تدل على المعنى وتقديره وعبدتموه إلها ورجحه على القول الآخر بأنها لو كانت متعدية في هذه القصة لاثنين لصرح بالثاني ولو في موضع واحد كما الثاني
الا يكون المفعول مقصودا أصلا وينزل الفعل المتعدي منزلة القاصر وذلك عند إرادة وقوع نفس الفعل فقط وجعل المحذوف نسيا منسيا كما ينسى الفاعل عند بناء لفعل فلا يذكر المفعول ولا يقدر غير أنه لازم الثبوت عقلا لموضوع كل فعل متعد لأن الفعل لا يدري تعيينه وبهذا يعلم أنه ليس كل ما هو لازم من موضوع الكلام مقدرا فيه كقوله تعالى فان لم تفعلوا ولن تفعلوا
[ 176 ]
وقوله كلوا واشربوا عنه لأنه لم يرد الأكل من معين وإنما أراد وقوع هذين الفعلين وقوله هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إن ويسمى المفعول حينئذ مماتا ولما كان التحقيق أنه لا يعد هذا من المحذوف فإنه لا حذف فيه بالكلية ولكن تبعناهم في العبارة نحو فلان يعطى قاصدا أنه يفعل الإعطاء وتوجد هذه الحقيقة إيهاما للمبالغة بخلاف ما يقصد فيه تعميم الفعل نحو هو يعطى ويمنع فإنه أعم تناولا من قولك يعطى الدرهم ويمنعه والغالب أن هذا يستعمل في النفي كقوله إلا في ظلمات لا يبصرون والآخر في الإثبات كقوله في ذلك لآيات لقوم يعقلون ومن أمثلة هذا الضرب قوله تعالى صلى ويميت وقوله لم نعبد ما لا يسمع ولا يبصر وقوله ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس وهو الخ الآية حذف منها المفعول خمس مرات لأنه غير مراد وهو قوله صلى الله عليه وسلم وقوله إذا وقوله لا نسقي حتى يصدر الرعاء فقال مواشيهم أي لهما غنمهما ثنا
وقوله لنخر جنك يا شعيب قيل لو ذكر المفعول فيها نقص المعنى والمراد
[ 177 ]
أن الله تعالى له الإحياء والإماتة وأن إلههم ليس له سمع ولا بصر وأن موسى عليه السلام وجد قوما يعانون السقي وامرأتين تعانيان به الذود وأخبرتاه هذا أنا لا نستطيع السقي فوجدا من موسى عليه السلام لهما السقي ووجد من أبيهما مكافأة على السقي وهذا مما حذف لظهور المراد وأن القصد ثم الإعلام بأنه كان من الناس في تلك الحالة سقى ومن المرأتين ذود وأنهما قالتا لا يكون منا سقى حتى يصدر الرعاء وأن موسى سقى بعد ذلك فأما أن المسقى غنم أو إبل أو غيره فخارج عن المقصود لأنه لو قيل يذودان رسول غنمهما لجاز أن يكون الإنكار لم يتوجه من موسى على الذود من حيث هو ذود بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان ذود إبل لم ينكره واعلم أنا جعلنا هذا من الضرب الثاني موافقة للزمخشري فإنه قال ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ألا ترى أنه إنما رحمهما ولا لأنهما كانتا على الذياد وهم على السقي ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيم لم إبل وكذلك قولهما نسقي حتى يصدر الرعاء المقصود منه حدثنا السقي لا المسقى وجعله السكاكي من الضرب الأول أعني مما حذف فيه للاختصار مع الإرادة ابن والاقرب قول الزمخشري ورجح الجزري قول السكاكي أنه للاختصار فإن الغنم ليست ساقطة عن الاعتبار بالأصالة فإن فيها ضعفا عن المزاحمة والمرأتان فيهما ضعف فإذا انضم إلى ضعف المسقى ضعف الساقي كان ذلك أدعى للرحمة والإعانة وكقوله تعالى من أعطى وأتقى قوله وانه هو أغنى وأقنى
[ 178 ]
وقوله انه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيى
وانما ذكر المفعول في قوله خلق الزوجين له لأن المراد جنس الزوجين فكأنه قال يخلق كل ذكر وكل أنثى وكان ذكره هنا أبلغ ليدل على عموم ثبوت الخلق له بالتصريح وليس منه قوله تعالى ذلك لي في ذريتي لوجود العوض من المفعول به لفظا أو هو المفعول به وهو قوله ذريتي ومعنى الدعاء به قصر الإصلاح له على الذرية إشعارا بعنايته بهم وقوله كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون أي عاقبة أمركم لأن سياق القول في التهديد والوعيد واعلم أن الغرض حينئذ بالحذف في هذا الضرب أشياء منها البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة على ما سبق نحو أمرته فقام أي بالقيام وعليه قوله تعالى محمد مترفيها ففسقوا فيها إلى أي أمرناهم بالفسق وهو مجاز عن تمكينهم وإقدارهم ومنها المبالغة بترك التقييد نحو كان يحيى ويميت وقوله أبو لا يبصرون ونفى الفعل غير متعلق أبلغ من نفيه متعلقا به لأن المنفي في الأول نفس الفعل وفي الثاني متعلقة
[ 179 ]
تنبيه قد يلحظ الأمران فيجوز الاعتبار ان كقوله تعالى الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله أو أجاز الزمخشري في حذف المفعول منه الوجهين وكذلك في قوله في آخر سورة الحج في الله حذف الحال
كقوله تعالى عبد يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم عليه أي قائلين سلام عليكم قال ابن أبي الربيع أعلم أن العرب قد تحذف الحال إذا كانت بالفعل لدلالة مصدر الفعل عليه فتقول قتلته صبرا وأتيته ركضا قال أبي سبع سنين دأبا فدأبا ما يقدر بالفعل تقديره تدأبون في موضع الحال قال أبو علي لا خلاف بين سيبويه وأبي العباس في الحال المحذوف الذي المصدر منصوب به وإنما الخلاف بينهما في القياس فسيبويه يذهب إلى السماع ولا يقيس والأخفش والمبرد يقيسان
[ 180 ]
حذف المنادى قوله تعالى ياسجدوا أن على قراءة الكسائي بتخفيف ألا على أنها تنبيه ويا نداء والتقدير ألا يا هؤلاء اسجدوا لله ويجوز أن يكون يا تنبيها ولا منادى هناك وجمع بينهن واما تأكيدا لأن الأمر قد يحتاج إلى استعطاف المأمور واستدعاء إقباله على الامر واما الآمر على قراءة الأكثر بالتشديد فعلى أن أن الناصبة للفعل دخلت عليها لا النافية والفعل المضارع بعدها منصوب وحذفت النون علامة النصب فالفعل هنامعرب على وفي تلك القراءة مبني فاعرفه فائدة في حذف الياء من المنادى المضاف إلى ياء المتكلم كثر في القرآن حذف الياء من المنادى المضاف إلى ياء المتكلم نحو يا رب يا قوم وعلل ذلك بأن النداء باب حذف ألا ترى أنه يحذف منه التنوين وبعض الاسم للترخيم وجاء فيه إثباتها ساكنة كقراءة من قرأ عبادي فاتقون ومحركة بالفتح كقراءة
من قرأ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ومنقلبة عن الياء في قوله تعالى أن تقول نفس يا حسرتي حذف الشرط قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة أي إن قلت لهم أقيموا يقيموا
[ 181 ]
وجعل منه الزمخشري أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده الله وجعل أبو حيان منه قوله تعالى فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون وجواب إن كنتم محذوف دل عليه ما تقدم أي فلم فعلتم وكرر الشرط وجوابه مرتين للتأكيد إلا أنه حذف الشرط من الأول وبقى جوابه وحذف الجواب من الثاني وبقى شرطه انتهى وهو حسن إلا أنه قد كان خالف الزمخشري وأنكر قوله بحذف الشرط في قال عليكم وفي عن وقال إن الشرط لا يحذف في غير الأجوبة والآن قد رجع إلى موافقته وقوله وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون تقديره إن كنتم منكرين فهذا يوم البعث أي فقد تبين بطلان إنكاركم وقوله فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم في بمعنى إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم فعدل عن الافتخار بقتلهم فحذف لدلالة الفاعلية وقوله فالله هو الولي هذه تقديره إن أرادوا أولياء فالله هو الولي بالحق لأولى سواه حذف جواب الشرط قوله إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني اسرائيل
[ 182 ]
على مثله فآمن واستكبرتم سنة أي أفلستم ظالمين بدليل قوله عقبه الله لا يهدي القوم الظالمين عمرو وقدره البغوي من المحق منا ومن المبطل ونقله عن أكثر المفسرين ومن حذف جواب الفعل قبل إلى القوم الذين كذبوا بآيآتنا فدمرناهم يحيى تقديره فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم والفاء العاطفة على الجواب المحذوف هي المسماة عندهم بالفاء الفصيحة وقال صاحب المفتاح وانظر إلى الفاء الفصيحة في قوله تعالى الرحمن إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم كيف أفادت ففعلتم فتاب عليكم وقوله وكان ببعضها روى تقديره فضربوه فحيى يحيى الله الموتى وقال صاحب الكشاف بين في قوله تعالى آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير تقديره فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة أهل الحمد لله وقال السكاكي هو إخبار عما صنع بهما وعما قالاه حتى كأنه قيل نحن فعلنا إيتاء العلم وهما فعلا الحمد تعريضا لاستثارة الحمد على إيتاء العلم إلى فهم السامع مثله قم يدعوك بدل قم فإنه يدعوك
[ 183 ]
حذف الأجوبة ويكثر ذلك في جواب لو ولولا كقوله تعالى ترى إذ وقفوا على النار وقوله ولو ترى إذ وقفوا على ربهم
وقوله لو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم وقوله ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وقوله ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم وقوله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت تقديره في هذه المواضع لرايت عجبا أو أمرا عظيما ولرايت سوء منقلبهم أو لرايت سوء حالهم والسر في حذفه في هذه المواضع أنها لما ربطت إحدى الجملتين بالأخرى حتى صارا جملة واحدة أوجب ذلك لها فضلا وطولا فخفف بالحذف خصوصا مع الدلالة على ذلك قالوا وحذف الجواب يقع في مواقع التفخيم والتعظيم ويجوز حذفه لعلم المخاطب وإنما يحذف لقصد المبالغة لأن السامع مع أقصى تخيله يذهب منه الذهن كل مذهب ولو صرح بالجواب لوقف الذهن عند المصرح به فلا يكون له ذلك الوقع ومن ثم لا يحسن تقدير الجواب مخصوصا إلا بعد العلم بالسياق كما قدر بعض النحويين في قوله تعالى ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أخبرنا الآية فقال تقديره لكان هذا القرآن
[ 184 ]
وحكاه أبو عمرو الزاهد في الياقوتة عن ثعلب والمبرد وهو مردود لأن الآية ما سيقت لتفضيل القرآن بل سيقت في معرض ذم الكفار بدليل قوله قبلها يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب وبعدها افلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا فلو قدر الخبر لما آمنوا به لكان أشد ونقل الشيخ محيي الدين النووي في كتاب رءوس المسائل كون الجواب كان هذا القرآن عن الأكثرين وفيه ما ذكرت وقيل تقديره لو قضيت أنه لا يقرأ القرآن على الجبال إلا سارت ورأوا
ذلك لما آمنوا وقيل جواب لو مقدم معناه يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال وهذا قول الفراء وقوله تعالى أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله محذوف والتقدير لنفدت هذه الاشياء وما نفدت كلمات الله ويحتمل أن يكون ما نفدت هو الجواب مبالغة في نفي النفاد لأنه إذا كان نفي النقاد لازما على تقدير كون ما في الأرض من شجرة أقلاما والبحر مدادا لكان لزومها على تقدير عدمها أولى وقوله تعالى فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك مع
[ 185 ]
فإنه قد قيل ظاهره نفى وجود الهم منهم بإضلاله وهو خلاف الواقع فإنهم هموا وردوا القول وقيل قوله سعيد ليس جواب لو بل هو كلام تقدم على لو وجوابها مقول على طريق القسم وجواب لو محذوف تقديره بكر طائفة منهم أن يضلوك لولا فضل الله عليك لأضلوك وقوله ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه قد أي همت بمخالطته وجواب لولا محذوف أي لولا أن رأى برهان ربه لخالطها وفي وقيل لولا أن رأى برهان ربه لهم بها والوقف على هذا همت به والمعنى أنه لم يهم بها ذكر أبو البقاء والأول للزمخشري ولا يجوز تقديم جواب لو عليها لأنه في حكم الشرط وللشرط صدر الكلام وقوله انا إن شاء الله لمهتدون جواب الشرط محذوف يدل عليه
قوله لمهتدون فلا أي إن شاء الله اهتدينا وقد توسط الشرط هنا بين جزأي الجملة بالجزاء لأن التقديم على الشرط فيكون دليل الجواب متقدما على الشرط والذي حسن تقديم الشرط عليه الاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله تعالى وقوله تعالى يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار تقديره لما استعجلوا فقالوا متى هذا الوعد
[ 186 ]
وقال الزجاج تقديره لعلموا صدق الوعد لأنهم قالوا متى هذا الوعد وجعل الله الساعة موعدهم فقال تعالى تأتيهم بغتة وقيل تقديره لما أقاموا على كفرهم ولندموا منه أو تابوا وقوله في سورة التكاثر تعلمون علم اليقين: تقديره لما غير التكاثر وقيل تقديره لشغلكم ذلك عما أنتم فيه وقيل لرجعتم أحمد عن كفركم أو لتحققتم بعد مصداق ما تحذرونه وقوله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا أي لا يتبعونهم وقوله قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون تقديره لامنتم يقول أو لما كفرتم أو لزهدتم الذي في الدنيا أو لتأهبتم لأن للقائنا ونحوه وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون وقد أي يهتدون في الدنيا لما رأوا العذاب في الاخرة أو لما اتبعوهم وقوله لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد علي قال محمد بن إسحاق معناه لو أن لي قوة لحلت بينكم وبين المعصية
وقوله تعالى ترى إذ فزعوا فلا فوت حتى أي رأيت ما يعتبر به عبرة عظيمة
[ 187 ]
وقوله عقب آية اللعان فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم قال الواحدي قال الفراء جواب لو محذوف لأنه معلوم المعنى وكل ما علم فإن العرب تكتفي بترك جوابه ألا ترى أن الرجل يشتم الرجل فيقول المشتوم أما والله لولا أبوك فيعلم أنك تريد لشتمتك تعالى وقال المبرد تأويله والله أعلم لهلكتم أو لم يبق لكم باقية أو لم يصلح أمركم ونحوه من الوعيد الموجع فحذف لأنه لا يشكل وقال الزجاج المعنى لنال الكاذب منكم أمر عظيم وهذا أجود مما قدره المبرد وكذلك لولا التي بعدها في قوله تعالى فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم فإن جوابها محذوف وقدره بعضهم في الأولى لافتضح فاعل ذلك وفي الثانية لعجل عذاب فاعل ذلك وسوغ الحذف طول الكلام بالمعطوف والطول داع للحذف وقوله ولولا أن تصبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك عمر جوابها محذوف أي لولا احتجاجهم بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة وقال مقاتل تقديره لأصابتهم مصيبة وقال الزجاج لولا ذلك لم يحتج إلى إرسال الرسول ومواترة النبي الاحتجاج وقوله واصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها وإن أي لأبدت
[ 188 ]
وقوله تعالى لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي كما تقديره
لو تملكون تملكون هو فأضمر تملك الأولى على شريطة التفسير وابدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو أنتم لسقوط ما يتصل به من الكلام ف أنتم فاعل الفعل المضمر وتملكون تفسيره قال الزمخشري هذا ما يقتضيه وسلم الإعراب فأما ما يقتضيه علم البيان فهو أن أنتم عنه تملكون فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتتابع وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر ومن حذف الجواب قوله تعالى قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون إن أي أعرضوا بدليل قوله بعده إلا كانوا عنها معرضين وقوله في قصة إبراهيم في الحجر سلاما قال إنا منكم وجلون إلا وفي غيرها من السور سلاما فيه سلام صلى قال الكرماني لأن هذه السورة متأخرة عن الأولى فاكتفى بما في هذه ولو ثبت تعدد الوقائع لنزلت على واقعتين
[ 189 ]
وكقوله تعالى السماء انشقت قال الزمخشري حذف الجواب وتقديره مصرح به في سورتي التكوير والانفطار وهو قوله وقال نفس أنه في ذات البروج وهو الجواب محذوف أي أنهم ملعونون يدل عليه قوله أصحاب الأخدود وكقوله تعالى إذا جاءوها وفتحت أبوابها إذا أي حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها والواو واو وحال وفي هذا ما حكى أنه اجتمع أبو علي الفارسي مع ابي عبد الله الحسين بن خالويه في مجلس سيف الدولة فسئل ابن خالويه عن قوله تعالى حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها فقال في النار بغير واو وفي الجنة بالواو فقال
ابن خالويه هذه الواو تسمى واو الثمانية لأن العرب لا تعطف الثمانية إلا بالواو قال فنظر سيف الدولة إلى أبي علي وقال أحق هذا فقال أبو علي لا أقول كما قال إنما تركت الواو في النار لأنها مغلقة وكان مجيئهم شرطا في فتحها فقوله أي فيه معنى الشرط وأما قوله في الجنة فهذه واو الحال كأنه قال جاءوها وهي مفتحة الأبواب أو هذه حالها وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب ويشهد له أمران احدهما أن العادة مطردة شاهدة في إهانة المعذبين بالسجون من إغلاقها حتى يردوا عليها وإكرام المنعمين بإعداد فتح الأبواب لهم مبادرة واهتماما
[ 190 ]
والثانى النظير في قوله عدن مفتحة لهم الأبواب وللنحويين في الآية ثلاثة أقوال احدهما أن الواو زائدة والجواب قوله فتحت وهؤلاء قسمان منهم من جعل هذه الواو مع أنها زائدة واو الثمانية ومنهم من لم يثبتها والثانى أن الجواب محذوف عطف عليه قوله كأنه قال حتى إذا جاءوها جاءوها ثنا وفتحت قال الزجاج وغيره وفي هذا حذف المعطوف وإبقاء المعطوف عليه الثالث أن الجواب محذوف آخر الكلام كأنه قال بعد الفراغ استقروا أوخلدوا أواستووا به مما يقتضه المقام وليس فيه حذف معطوف ويحتمل أن يكون التقدير إذا جاءوها إذن لهم في دخولها وفتحت أبوابها المجئ ليس سببا مباشرا للفتح بل الإذن في الدخول هو السبب في ذلك وكذلك قوله تعالى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا هذا أي رحمهم ثم تاب عليهم وهذا التأويل أحسن من القول بزيادة ثم
وحذف المعطوف عليه وإبقاء المعطوف سائغ كقوله تعالى ثم اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآيآتنا فدمرناهم تدميرا رسول التقدير والله أعلم فذهبا فبلغا فكذبا فدمرناهم لأن المعنى يرشد إلى ذلك وكذا قوله تعالى خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم أي فامتثلتم ولا أو فعلتم فتاب عليكم
[ 191 ]
وقوله أسلما وتله للجبين لم أي رحما وسعدا وتله وابن عطية يجعل التقدير فلما أسلما اسلما وهو مشكل وقوله واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا ابن المعنى حتى إذا كان ذلك ندم الذين كفروا ولم ينفعهم إيمانهم لأنه من الآيات والاشراط وقد يجئ في الكلام شرطان ويحذف جواب أحدهما اكتفاء بالآخر كقوله تعالى واما إن كان من أصحاب اليمين في الاعتراض به مجرى الظرف لأن الشرط وإن كان جملة فإنه لما لم يقم بنفسه جرى مجرى الجزء الواحد ولو كان عنده جملة لما جاز الفصل به بين أما وجوابها لأنه لا يجوز أما زيد فمنطلق وذهب الأخفش إلى أن الفاء جواب لهما ونظيره رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم قوله فقوله له جواب للولا ولو جميعا واختار ابن مالك قول سيبويه أن الجواب لأما واستغنى به عن جواب إن لأن الجواب الأول الشرطين المتواليين في قوله أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ذلك ونظائره فإذا كان أول الشرطين أما كانت أحق بذلك لوجهين احدهما أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا وجواب غيرها إذا انفرد يحذف كثيرا
لدليل وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد
[ 192 ]
والثانى أن أما قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامة فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا وإن ليس كذلك انتهى والظاهر أنه لا حذف في الآية الكريمة وإما الشرط الثاني وجوابه جواب الأول والمحذوف إنما هو أحد الفاءين وقال الفارسي في قوله تعالى اللهم مالك الملك محمد الآية إنه حذف منه أعزنا ولا تذلنا وقال في قوله تعالى إلى إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم كان تقديره فكيف تجدونهم مسرورين أو محزونين ف كيف في موضع نصب بهذا الفعل المضمر وهذا الفعل المضمر قد سد مسد جواب إذا حذف جواب القسم لعلم السامع المراد منه كقوله تعالى أو غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تقديره لتبعثن ولتحاسبن بدليل إنكارهم للبعث في قولهم لمردودون في الحافرة وقيل القسم وقع على قوله في ذلك لعبرة لمن يخشى عليه وكقوله تعالى أبي نؤثرك وحذف لدلالة الكلام السابق عليه
[ 193 ]
واختلف في جواب القسم في والقرآن ذي الذكر فقال الزجاج ان ذلك لحق تخاصم أهل النار ما واستبعده الكسائي وقال الفراء قد تأخر كثيرا وجرت بينهما قصص مختلفة فلا يستقيم ذلك
في العربية وقيل لا أهلكنا أن ومعناه لكم أهلكنا وما بينهما اعتراض وحذفت اللام لطول الكلام وقال الأخفش كل إلا كذب الرسل على والمعترض بينهما قصة واحدة وعن قتادة الذين كفروا في عزة وشقاق مثل والقرآن المجيد بل عجبوا وقال صاحب النظم في هذا القول معنى بل توكيد الأمر بعده فصار مثل أن الشديدة تثبت ما بعدها وإن كان لها معنى آخر في نفي خبر متقدم كأنه قال إن الذين كفروا في عزة وشقاق وقال أبو القاسم الزجاجي إن النحويين قالوا إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وذلك في والقرآن القرآن الآية الله وفي والقرآن قال الآية وهذا من طريق الاعتبار ويصلح أن يكون بمعنى إن لأنه سائغ في كلامهم أو يكون بل جوابا للقسم لكن لما كانت متضمنة رفع خبر وإتيان خبر بعده كانت أوكد من سائر التوكيدات عن فحسن وضعها موضع إن
[ 194 ]
وقيل لجواب محذوف أي والقرآن المجيد ما الأمر كما يقول هؤلاء أو الحق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقال الفراء في قوله تعالى السماء انشقت جوابه محذوف أي فيومئذ يلاقي حسابه وعن قتاده أن جوابه من لربها وحقت في يعني أن الواو فيها بمعنى السقوط كقوله تعالى أسلما وتله للجبين وناديناه بن أي ناديناه حذف الجملة
هي أقسام قسم هي مسببة عن المذكور وقسم هي سبب له وقسم خارج عنها فالأول كقوله تعالى هذه الحق ويبطل الباطل سنة فإن اللام الداخلة على الفعل لا بد لها من متعلق يكون سببا عن مدخول اللام فلما لم يوجد لها متعلق في الظاهر وجب تقديره ضرورة فيقدر فعل ما فعل ليحق الحق والثانى كقوله تعالى منه اثنتا عشرة عينا عمرو فإن الفاء إنما تدخل على شئ مسبب عن شئ ولا مسبب إلا له سبب فإذا وجد المسبب ولا سبب له ظاهرا أوجب أن يقدر ضرورة فيقدر فضربه فانفجر الثالث كقوله تعالى قبل الماهدون يحيى أي نحن هم أو هم نحن وقد يكون المحذوف أكثر من جملة كقوله الرحمن تعالى وكان يوسف روى الآية فإن التقدير فأرسلون إلى يوسف لأستعبره ولم الرؤيا فأرسلوه إليه لذلك فجاء فقال له
[ 195 ]
يا يوسف وإنما قلنا إن هذا الكل محذوف لأن قوله أرسلون بين يدل لا محالة على المرسل إليه فثبت أن إلى يوسف محذوف ثم إنه لما طلب الإرسال إلى يوسف عند العجز الحاصل للمعبرين أهل عن تعبير رؤيا الملك دل ذلك على أن المقصود من طلب الإرسال إليه استعباره حديث الرؤيا التي عجزوا عن تعبيرها ومنه قوله تعالى اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم الآية فأعقب بقوله حكاية عنها عند يأيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم لأنه تقديره فأخذ الكتاب فألقاه إليهم فرأته بلقيس وقرأته يأيها الملأ وقوله أخبرنا يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا يا حذف يطول تقديره فلما ولد يحيى ونشأ وترعرع قلنا يا يحيى خذ الكتاب بقوة لو ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم موسى نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري يكون
وقوله فلما رآه مستقرا عنده إلى قوله لها عرشها وقوله افمن شرح الله صدره للإسلام سعيد أي كمن قسا قلبه ترك على ظلمه وكفره ودل على المحذوف قوله ثم للقاسية قلوبهم من ذكر الله ومن حذف الجملة قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها قيل المعنى جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا وإلا فمن أين علم الملائكة أنهم يفسدون وباقي الكلام يدل على المحذوف وقوله ايحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه قال
[ 196 ]
الفارسي المعنى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة الله عطف على قوله فابكرهوا إن لم يذكر لدلالة الكلام عليه كقوله تعالى قد أي فضرب فانفجرت فقوله وفي كلام مستأنف وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب لأن قوله أحدكم كأنهم قالوا في جوابه لا فقال فكرهتموه أي فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة قال ابن الشجري وهذا التقدير بعيد لأنه قدر المحذوف موصولا وهو ما المصدرية وحذف الموصول وإبقاء صلته ضعيف وإنما التقدير فهذا كرهتموه والجملة المقدرة المحذوفة ابتدائية لا أمرية والمعنى فهذا كرهتموه والغيبة مثله وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها الجملة الأمرية في قوله الله حذف القول قد كثر في القرآن العظيم حتى إنه في الإضمار بمنزلة الإظهار كقوله تعالى اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى كل أي يقولون ما نعبدهم إلا للقربة
ومنه ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا أي وقلنا كلوا أو قائلين وقوله وقد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا أي قلنا واذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا أي وقلنا خذوا
[ 197 ]
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى أي وقلنا اتخذوا وقوله واذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا أي يقولان ربنا وعليه قراءة عبد الله فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم أي فيقال لهم لأن أما لا بد لها في الخبر من فاء فلما أضمر القول أضمر الفاء وقوله وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون منه يقال لهم هذا وقوله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم أي يقولون سلام وقوله وتتلقائهم الملائكة: أي يقولون لهم ذلك وقوله ذلك اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم وقوله فضلتم غير أي يقولون ما نعبدهم أحمد تفكهون إنا لمغرمون بعد أي يقولون إنا لمغرمون أي معذبون وتفكهون تندمون وقولهولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا يقول أي يقولون ربنا
[ 198 ]
وقوله ماذا قال ربكم قالوا الحق أي قالوا قال الحق
حذف الفعل وينقسم إلى عام وخاص الخاص فاخاص نحو أعنى مضمرا وينتصب المفعول به في المدح نحو في البأساء والضراء لأن وقوله الصلاة والمؤتون الزكاة أي أمدح واعلم أنه إذا كان المنعوت متعينا لم يجز تقديره ناصب نعته بأعنى نحو الحمد لله الحميد بل المقدر فيه وفي نحوه أذكر أو أمدح فاعرف ذلك والذم نحو قوله تعالى حمالة الحطب في قراءة النصب والأخفش ينصب في المدح بأمدح وفي الذم بأذم واعلم أن مراد المادح إبانة الممدوح من غيره فلا بد من إبانة إعرابه عن غيره ليدل اللفظ على المعنى المقصود ويجوز فيه النصب بتقدير أمدح والرفع على معنى هو ولا يظهران لئلا يصيرا بمنزلة الخبر والذى لا مدح فيه فاختزال وقد العامل فيه واجب كاختزاله علي في والله لأفعلن إذ لو قيل أحلف بالله لكان عدة لا قسما
[ 199 ]
العام حتى كل منصوب دل عليه الفعل لفظا أو معنى أو تقديرا ويحذف لأسباب احدها أن يكون مفسرا كقوله تعالى السماء انشقت فارهبون ومنه ابشرا منا واحدا نتبعه عمر والسماء رفعها النبي الشمس كورت وإن أحد من المشركين استجارك كما طائفتان فإنه ارتفع ب اقتتل مقدرا
قالوا ولا يجوز حذف الفعل مع شئ من حروف الشرط العاملة سوى إن لأنها الأصل وجعل ابن الزملكاني هذا مما هو دائر بين الحذف والذكر فإن الفعل المفسر كالمتسلط هو على المذكور ولكن لا يتعين إلا بعد تقدم إبهام ولقد يزيده الإضمار إبهاما إذا لم يكن المضمر من جنس الملفوظ به نحو وسلم أعد لهم عذابا أليما عنه الثاني أن يكون هناك حرف جر نحو الله الرحمن الرحيم إن فإنه يفيد
[ 200 ]
أن المراد بسم الله أقرأ أو أقوم أو أقعد عند القراءة وعند الشروع في القيام أو القعود أي فعل كان واعلم ان النحاة اتفقوا على أن بسم الله بعض جملة واختلفوا فقال البصريون الجملة اسمية أي ابتدائي بسم الله وقال الكوفيون الجملة فعلية وتابعهم الزمخشري في تقدير الجملة فعلية ولكن خالفهم في موضعين أحدهما أنهم يقدرون الفعل مقدما وهو يقدره مؤخرا والثاني أنهم يقدرونه فعل البداية وهو يقدره في كل موضع بحسبه فإذا قال الذابح بسم الله كان التقدير بسم الله أذبح وإذا قال القارئ بسم الله فالتقدير بسم الله أقرأ وما قال أجود مما قالوا إلا لأن مراعاة المناسبة أولى من إهمالها ولأن اسم الله أهم من الفعل فكان أولى بالتقديم ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم باسمك ربي وضعت جنبي فقدم اسم الله على الفعل المتعلق ثم الجار وهو وضعت الثالث أن يكون جوابا لسؤال وقع كقوله تعالى سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقوله ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها
ليقولن الله وقوله كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم فيه أي بل نتبع
[ 201 ]
أو جوابا لسؤال مقدر كقراءة له فيها بالغدو والآصال رجال صلى ببناء الفعل للمفعول فإن التقدير يسبحه رجال وفيه فوائد منها الإخبار بالفعل مرتين ومنها جعل الفضلة عمدة منها أن الفاعل فسر بعد اليأس منه كضالة وجدها بعد اليأس ويصح أن يكون يسبح بدل من يذكر وقال على طريقة اسم ربك الأعلى وله فيها خبر مبتدأ هو رجال مثله قراءة من قرأ لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم قال أبو العباس المعنى زينه شركاؤهم فيرفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه زين ومثله قوله تعالى لله شركاء إن جعلنا قوله لله شركاء مفعولي جعلوا لأن لله في موضع الخبر المنسوخ وشركاء نصب في موضع المبتدأ وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولا بفعل محذوف دل عليه سؤال مقدر كأنه قيل أجعلوا لله شركاء قيل جعلوا الجن فيفيد الكلام إنكار الشريك مطلقا فدخل اعتقاد الشريك من غير الجن في إنكار دخول اتخاذه من الجن والثانى ذكره الزمخشري أن الجن بدل من شركاء فيفيد إنكار الشريك مطلقا كما سبق وإن جعل لله صلة كان شركاء الجن مفعولين قدم ثانيهما على أولهما وعلى هذا فلا حذف فاما على الوجه الأول فقيل لله شركاء الجن ولم يقل وجعلوا
[ 202 ]
الجن شركاء لله تعظيما لاسم الله تعالى لأن شأن الله أعظم في النفوس فإذا قدم لله والكلام فيه يستدعي طلب المجعول له ما هو فقيل شركاء وقع في غاية التشنيع لأن النفس منتظرة لهذا المهم المعلق بهذا المعظم نهاية التعظيم فإذا علم أنه علق به هذا المستبشع في النهاية كان أعظم موقعا من العكس لأنه إذا قيل وجعلوا شركاء لم يعطه تشوف النفوس لجواز أن يكون جعلوا شركاء في أموالهم وصدقاتهم أو غير ذلك الثالث أن الجعل غالبا لا يتعلق بالله ويخبر به إلا وهو جعل مستقبح كاذب إذ لا يستعمل جعل الله رحمة ومشيئة وعلما ونحوه لا سيما بالاستقراء القرآني ك لله البنات وهو لله ما يكرهون صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك الرابع أن أصل الجعل وإن جاز وإسناده إلى الله فيما إذا كان الأمر لائقا فإن بابه مهول لأن الله تعالى قد علمنا عظيم خطره وألا نقول فيه إلا بالعلم كقوله تقولوا على الله ما لا تعلمون الظن لا يغنى من الحق شيئا إذا إلى غير ذلك مع ما دل عليه الأدب عقلا وكان نفس الجعل مستنكرا إن لم يتبع بمجعول لائق فإذا أتبع بمجعول غير لائق منهم ثم فسر بخاص مستنكر صار قوله فقال لله شركاء الجن في قوة إنكار ذلك ثلاث مرات الأول جسارتهم في أصل الجعل الثاني في كون المجعول شركاء الثالث في أنهم شركاء جن الخامس أن في تقديم لله إفادة تخصيصهم إياه بالشركة على الوجه الثالث دون جميع ما يعبدون لأنه الإله الحق السادس انه جئ بكلمة جعلوا لا اعتقدوا ولا قالوا لأنه أدل على إثبات المعتقد لأنه يستعمل في الخلق والإبداع
[ 203 ]
السابع كلمة شركاء ولم يقل شريكا وفاقا لمزيد ما فتحوا من اعتقادهم الثامن لم يقل جنا وإنما قال الجن دلالة على أنهم اتخذوا الجن كلها
جعلوه من حيث هو صالح لذلك وهو أقبح من التنكير الذي وضعه للمفردات المعدولة الرابع أن يدل عليه معنى الفعل الظاهر كقوله تعالى خيرا لكم أي وائتوا أمرا خيرا لكم فعند سيبويه أن خيرا أي انتصب بإضمار ائت لأنه لما نهاء علم أنه يأمره بما هو خير فكأنه قال وائتوا خيرا لأن النهي عن الشئ أمر بضده ولأن النهي تكليف وتكليف العدم محال لأنه ليس مقدورا فثبت أن متعلق التكليف أمر وجودي ينافي المنهى عنه وهو الضد وحمله الكسائي على إضمار كان أي يكن الانتهاء خيرا لكم ويمنعه إضمار كان ولا تضمر في كل موضع ومن جهة المعنى إذ من ترك ما نهى عنه فقد سقط عنه اللوم وعلم أن ترك المنهي عنه خير من فعله فلا فائدة في قوله خيرا حمله الفراء على أنه صفة لمصدر محذوف أي انتهوا انتهاء خيرا لكم وقال إن هذا الحذف لم يأت إلا فيما كان أفعل نحو خير لك وأفعل ورد مذهبه ومذهب الكسائي بقوله تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم لو حمل على ما قالا لا يكون خيرا لأن من انتهى عن التثليث وكان معطلا لا يكون خيرا له وقول سيبويه وائت خيرا يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير فلله در الخليل وسيبويه ما أطلعهما على المعاني
[ 204 ]
أمركم وشركاءكم ثنا إن لم يجعل مفعولا معه أي وادعوا شركاءكم وبإظهار ادعوا قرأ وكذلك هو مثبت في مصحف ابن مسعود وقوله تعالى عليهم ضربا باليمين به قال ابن الشجري معناه مال عليهم بضربهم ضربا ويجوز نصبه على الحال نحو أتيته مشيا أي ماشيا ثم ادعهن يأتينك سعيا هذا أي ساعيات وقوله باليمين إما اليد أو القوة وجوز ابن الشجري إرادة القسم والباء للتعليل أي لليمين التي حلفها وهي قوله تعالى
لا كيدن أصنامكم وزعم النووي في قوله تعالى لا تقسموا طاعة معروفة ولا أن التقدير ليكن منكم طاعة معروفة الخامس أن يدل عليه العقل كقوله تعالى اضرب بعصاك الحجر فانفجرت لم أي فضرب فانفجرت وقوله فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا حدثنا قال النحاس التقدير فنصرناه ابن ففتحنا أبواب السماء لأن ما ظهر من الكلام يدل على ما حذف قوله من بعده سبعة أبحر له أي يكتب بذلك كلمات الله ما نفدت قاله أبو الفتح وقوله فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم فقوله ذلك ثم أحياهم معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم ولا يصح
[ 205 ]
عطف قوله ثم أحياهم على قوله لأنه أمر وفعل الأمر لا يعطف على الماضي وقوله كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين محمد أي فاختلفوا فبعث وحذف لدلالة قوله بين الناس فيما اختلفوا فيه وهي في قراءة عبد الله كذلك وقيل تقديره كان الناس أمة واحدة كفارا فبعث الله النبيين فاختلفوا والأول أوجه وقوله أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم فالهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف تقديره أكذبتم وعجبتم أن جاءكم وقوله قال نعم وإنكم لمن المقربين إلى هو معطوف على محذوف
سد مسده حرف الإيجاب كأنه قال إيجابا لقولهم لنا لأجرا كان نعم إن لكم أجرا وإنكم لمن المقربين وقوله تعالى كان منكم مريضا أو على سفر أبو أي فأفطر فعدة خلافا للظاهرية حيث أوجبوا الفطر على المسافر أخذا من الظاهر وقوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية أي فحلق ففدية وقوله اضربوه ببعضها أو قال الزمخشري التقدير فضربوه فحيى
[ 206 ]
فحذف ذلك لدلالة قوله قبل يحيى الله الموتى وزعم ابن جنى أن التقدير في قوله تعالى إذا جئنا من كل أمة بشهيد عبد أن التقدير فكيف يكون إذا جئنا السادس أن يدل عليه ذكره في موضع آخر كقوله وإذ قتلتم نفسا عليه قال الواحدي هو بإضمار اذكر ولهذا لم يأت لإذ بجواب ومثله قوله تعالى والى ثمود أخاهم صالحا أبي وليس شئ قبله تراه ناصبا ل صالحا بل علم بذكر النبي والمرسل إليه أن فيه إضمار أرسلنا وقو ولسليمان الريح أي وسخرنا ومثله ونوحا إذ نادى من قبل النون هو وكذا وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ما أي واذكر قال ويدل على اذكر في هذه الآيات قوله تعالى إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض كروا إذ كنتم قليلا اكثركم لا وما قاله ظاهر إلا أن مفعول اذكر يكون محذوفا أيضا تقديره أخالكم ونحوه إذا كان كذا وذلك ليكون إذ في موضع نصب على الظرف ولو لم
يفد ذلك المحذوف لزم وقوع إذ مفعولا به والأصح أنها لا تفارق الظرفية
[ 207 ]
السابع المشاكلة كحذف الفاعل في بسم الله لأنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكر الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود وكان في حذفة مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله كما تقول في الصلاة الله أكبر ومعناه من كل شئ ولكن لا تقول هذا المقدر ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود الجنان وهو أن يكون في القلب ذكر الله وحده وأيضا فلأن الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه لأن التسمية تشرع عند كل فعل الثامن أن يكون بدلا من مصدره كقوله تعالى الرقاب أن وقوله غير منا بعد وإما فداء على أي فإما أن تمنوا وإما أن تفادوا وقد اختلف في نصب السلام في قوله تعالى في سورة هود جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما وفي الذاريات أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما الله وفي نصبها وجهان احدهما أن يكون منصوبا بالقول أي يذكرون قولا سلاما فيكون من قلت حقا وصدقا الثاني أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره فقالوا سلمنا سلاما أي سلمنا تسليما فيكون قد حكى الجملة بعد القول ثم حذفها واكتفى ببعضها الحاصل أنه هل هو منصوب بالقول أو بكونه مصدر لفعل محذوف ومثله قوله تعالى وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا
[ 208 ]
قال منصوب بقالوا كقولك فقلت حقا أو منصوب بفعل مضمر أي قالوا أنزل خيرا
من باب حذف الجملة المحكية وتبقية بعضها واما قوله تعالى قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين عن فمرفوع لأنه لا يمكن نصبه على تقدير قالوا أساطير الأولين لأنهم لم يكونوا يرونه من عند الله حتى يقولوا ذلك ولا هو أيضا من باب قلت حقا وصدقا فلم يبق إلا رفعه تنبيه يشتبه الحال في أمر المحذوف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل كما قالوا في قوله تعالى ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى من فإنه قد يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء فلا يقدر في الكلام حذف وليس كذلك وإلا لزم الاشتراك إن كانا متفاوتين أو عطف الشئ على نفسه وإنما الدعاء هنا بمعنى التسمية التي تتعدى لمفعولين أي سموه الله أو الرحمن قديشتبه في تعيين المحذوف لقيام قرينتين كقوله تعالى قادرين في قدره سيبويه ب بلى نجمعها قادرين فقادرين حال وحذف الفعل لدلالة لن نجمع بن عليه وقدره الفراء نحسب لدلالة الإنسان سنة أي بلى نحسبنا عمرو قادرين
[ 209 ]
وتقدير سيبويه أولى لأن بلى ليس جوابا ل يحسب إنما هو جواب ل أن لن نجمع وقدره بعضهم بلى نقدر قادرين وقيل منصوب لوقوعه موقع الفعل وهو باطل لأنه ليس من نواصب الاسم وقوعه موقع الفعل تنبيه آخر ان الحذف على ضربين أحدهما ألا يقام شئ مقام المحذوف كما سبق والثاني أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به
إليكم يحيى ليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على قولهم فالتقدير فإن تولوا فلا ملام على لأني قد أبلغتكم وقوله وان يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك الرحمن فلا تحزن واصبر وقوله وان يعودوا فقد مضت سنة الأولين وكان أي يصيبهم ما أصاب الأولين حذف الحرف قال أبو الفتح في المحتسب أخبرنا أبو علي قال قال أبو بكر بن السراج حذف الحرف ليس يقاس وذلك لأن الحرف نائب عن الفعل بفاعله ألاتراك روى إذا قلت ما قام زيد فقد نابت ما عن أنفي كما نابت إلا عن أستثنى وكما نابت الهمزة وهل عن أستفهم وكما نابت حروف العطف عن أعطف ونحو ذلك فلو ذهبت
[ 210 ]
تحذف الحرف لكان ذلك اختصارا واختصار المختصر إجحاف به إلا إذا صح التوجه إليه وقد جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه انتهى فمنه الواو تحذف لقصد البلاغة فإن في إثباتها ما يقتضى تغاير المتعاطفين فإذا حذفت أشعر بأن الكل كالواحد كقوله تعالى الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ولم تقديره ولا يألونكم خبالا وقوله تعالى يومئد ناعمة أي ووجوه وخرج عليه الفارسي قوله تعالى على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا الآية وقال تقديره وقلت لا أجد فهو معطوف على قوله أتوك لأن جواب إذا قوله ومنعه ابن الشجري في أماليه وعلى هذا فلا موضع له من الإعراب لأنه معطوف على الصلة والصلة لا موضع لها من الإعراب فكذلك ما عطف عليها
وقال الزمخشري هي حال من الكاف في أتوك وقد قبله مضمرة كما في قوله أو جاءوكم حصرت صدورهم بين أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد تولوا أهل وعلى هذا فله موضع من الإعراب لأنه حال قال السهيلي في أماليه ليس معنى الآية كما قالوا لأن رفع الحرج عن القوم ليس مشروطا بالبكاء عند التولي وإنما شرطه عدم الجدة ونزلت في السبعة الذين سمى أبو إسحاق ولو كان جواب إذا أتوك في قوله وأعينهم تفيض لكان من لم تفض عيناه من الدمع هو الذي حرج وأثم وما رفع الله الحرج عنهم إلا لأن الرسول
[ 211 ]
لم يجد ما يحملهم عليه وإذا عطفت قلت لا أجد على أتوك كان الحرج غير مرفوع عنهم حتى يقال حديث تفيض عند فجواب إذا في قوله لا أجد وما بعد ذلك خبر ونبأ على هؤلاء السبعة الذين كانوا سبب نزول هذه الآية ففضيلة البكاء مخصوصة بهم ورفع الحرج بشرط عدم الجدة عام فيهم وفي غيرهم وقال الواحدي في قوله تعالى اتخذ الله ولدا لأنه آية البقرة في مصاحف الشام بغير واو يعني قراءة ابن عامر لأن هذه الآية ملابسة لما قبلها من قوله أظلم ممن منع مساجد الله لأن القائلين اتخذ الله ولدا من جملة المتقدم ذكرهم فيستغنى عن ذكر الواو لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنى عنها في نحو قوله كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ولو كان وهم كان حسنا إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنى عن الواو ومثله سيقولون ثلاثة رابعهم أخبرنا ولم يقل ورابعهم كما قال وثامنها يا ولو حذف الواو منها كما حذف من التي قبلها واستغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما كان حسنا ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف الجملة ولا يعطف على ما تقدم انتهى
وحصل من كلامه أنه عند حذف الواو يجوز أن يلاحظ معنى العطف ويكتفى للربط بينها وبين ما قبلها بالملابسة كما ذكر ويجوز ألا يلاحظ ذلك فتكون الجملة مستأنفة قال ابن عمرون وحذف الواو في الجمل أسهل منه في المفرد وقد كثر حذفها في الجمل
[ 212 ]
في الكلام المحمول بعضه على بعض نحو قوله تعالى قال لو فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب يكون كله محمول بعضه على بعض والواو مزيدة حذفت لاستقلال الجمل بأنفسها بخلاف المفرد ولأنه في المفرد ربما أوقع لبسا في نحو رايت زيدا ورجلا عاقلا ولو مع جاز حذف الواو احتمل أن يكون رجلا بدلا بخلاف الجملة وقريب منه قوله تعالى على قومه في زينته قال الذين يريدون سعيد أي وقال ومنه الفاء في جواب الشرط على رأى وخرج عليه قوله تعالى ترك خيرا الوصية بكر أي فالوصية والفاء في العطف كقوله الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين تقديره فقال أعوذ بالله ذكره ابن الشجري في أماليه وقوله تعالى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله حذف حرف العطف من قوله ولم يقل فقال كما في قصة وفي نوح لأنه على تقدير سؤال سائل قال ما قال لهم هود فقيل قال يا قوم اعبدوا الله واتقوه
[ 213 ]
حذف همزة الاستفهام كقوله تعالى جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي أي أهذا ربي وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك أي أفمن نفسك كل عن نعمة تمنها علي أي أو وقوله وتلك نعمة وقوله انك لأنت يوسف على قراءة ابن كثير بكسر الهمزة على خلاف في ذلك جميعه ومنه حذف ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر للفرق بين الاستفهامية والخبرية كقوله تعالى تقتلون أنبياء الله أنت من ذكراها فلا يتساءلون ومم خلق: ومنه حذف الياء في إذا يسر غير للتخفيف ورعاية الفاصلة ومنه حذف حرف النداء كقوله أنتم هؤلاء أحمد أي يا هؤلاء وقوله يا يوسف وقوله رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس يقول أي يا رب ويكثر في المضاف نحو السموات الذي أنزل علينا مائدة لأن وكثر ذلك في نداء الرب سبحانه وحكمة ذلك دلالته على التعظيم والتنزيه لأن النداء يتشرب معنى الأمر لأن إذا قلت يا زيد فمعناه أدعوك يا زيد فحذفت يا من نداء الرب ليزول معنى الأمر ويتمحص وقد التعظيم والإجلال
[ 214 ]
وقال الصفار يجوز حذف حرف النداء من المنادى إلا إذا كان المنادى نكرة مقبلا عليها إذ لا دليل عليه وإلا إذا كان اسم إشارة ومنه حذف لو في قوله تعالى اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا
لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض علي تقديره لو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق وقوله كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب المبطلون معناه لو كان كذلك لارتاب المبطلون ومنه حذف قد في قوله تعالى لك واتبعك الأرذلون حتى أي وقد اتبعك لأن الماضي لا يقع موقع الحال إلا وقد معه ظاهرة أو مقدرة تعالى ومثلها كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فإن أي وقد كنتم وقوله جاءوكم حصرت صدورهم عمر قيل معناه قد حصرت بدلالة قراءة يعقوب حصرة صدورهم وقال الأخفش الحال محذوفة وحصرت صدورهم صفتها أي جاءوكم يوما حصرت دعاء عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم طريقته قاتلهم الله ورده أبو علي بقوله أي قاتلوا قومهم فلا يجوز أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم لكن بقول اللهم ألق بأسهم بينهم ومنه حذف أن في قوله تعالى آياته يريكم البرق خوفا وطمعا النبي المعنى أن يريكم
[ 215 ]
وحذف لا في قوله تالله تفتأ تذكر وإن أي لا تفتأ لأنها ملازمة للنفي ومعناها لا تبرح وقوله والقى في الأرض رواسي أن تميد بكم كما أي لا تميد وقوله انى أريد أن تبوء بإثمي وإثمك أي لا تبوء وبهذا يزول الإشكال من الآية الذين يطيقونه فدية هو أي لا يطيقونه على قول فائدة
في حذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور كثر في القرآن حذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور به كقوله تعالى موسى قومه أي من قومه ورفع بعضهم درجات ولا تعزموا عقدة النكاح إن أي على عقدة انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه إلا أي يخوفكم بأوليائه ولذلك قال فلا تخافوهم ويبغونها عوجا صلى أي يبغون لها
[ 216 ]
والقمر قدرناه أنه أي قدرنا له سنعيدها سيرتها أي على سيرتها فصل فيما حذف في آية وأثبت في أخرى من الأنواع ما حذف في آية وأثبت في أخرى وهو قسمان احدهما أن يكون ما حذف منه محمولا على المذكور كالمطلق في الرقبة إذا في كفارة لظهار مقيدا بالمؤمنة في كفارة القتل وكقوله وجنة عرضها السموات والأرض أي قيدت بالتشبيه في موضع آخر ومنه قوله تعالى في سورة البقرة ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقوله في سورة النحل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك فإن هذه تقتضي أن الأولى على حذف مضاف
[ 217 ]
والقسم الثاني لا يكون مرادا فمنه قوله تعالى في سورة المؤمنين فيها
فواكه كثيرة ومنها تأكلون وفي الزخرف فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون وقوله في البقرة على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون وفي سورة الأعراف كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ثنا وحكمته أنه قد اختلف الخبران في سورة البقرة فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين في الأعراف فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم واحد فكانت الجملة الثالثة مقررة ما في الأولى فهي من العطف بمعزل ومنه قوله تعالى في البقرة الذين كفروا سواء عليهم وقال في يس عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم به مع العاطف وحكمته أن ما في يس وما بعده جملة معطوفة على جملة أخرى فاحتاجت إلى العاطف والجملة هنا ليست معطوفة فهي من العطف بمعزل ومنه قوله تعالى تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم هذا فأثبت الواو في الأعراف وحذفها في الكهف فقال تدعهم إلى الهدى ثم والفرق بينهما أن الذي في الأعراف خطاب لجمع وأصله تدعونهم حذفت للجزم والتي في الكهف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد وعلامة الجزم فيه سقوط الواو ومنه في آل عمران جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير رسول وفي فاطر
[ 218 ]
ولا رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير لم والفرق أن الأولى حذفت الباء ففيها للاختصار استغناء بالتي قبلها وخرجت عن الأصل للتوكيد وتقدير المعنى كما تقول مررت بك وبأخيك حدثنا وبأبيك إذا اختصرت ومنه قوله في قصة ثمود أنت إلا بشر مثلنا ابن وفي قصة شعيب وما أنت قوله بالواو والفرق أن الأولى جرى على انقطاع الكلام عند النحويين
واستئناف أنت فاستغنى عن الواو لما تقرر من الابتداء وفي الثانية جرى في العطف وأن يكون قوله أنت معطوفا على أنت له ومنه قوله تعالى في سورة النحل تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ذلك وفي سورة النمل تكن في ضيق محمد بإثبات النون وحكمته أن القصة لما طالت في سورة النحل ناسب التخفيف بحذف النون بخلافه في سورة النمل فإن الواو استئنافية ولا تعلق لها بما قبلها وقوله في البقرة تكونن من الممترين إلى وفي آل عمران تكن من الممترين كان وحكمته أن الخطاب في البقرة لليهود وهم أشد جدالا ومنه قوله في الأعراف بربكم قالوا بلى شهدنا أبو وفي الأنعام يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا
[ 219 ]
ومنه قوله تعالى في سورة البقرة النبيين بغير الحق وفي سورة آل عمران حق والحكمة فيه أن الجملة في آل عمران خرجت مخرج الشرط وهو عام فناسب أن يكون النفي بصيغة التنكير حتى يكون عاما وفي سورة البقرة جاء عن أناس معهودين وهو قوله تعالى بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق فناسب أن يؤتى بالتعريف لأن الحق الذي كان يستباح به قتل الأنفس عندهم كان معروفا كقوله تعالى عليهم فيها أن النفس بالنفس فالحق هنا الذي تقتل به الأنفس معهود معروف بخلاف ما في سورة آل عمران ومنه قوله تعالى في هود حاكيا عن شعيب قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون عبد وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش
ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ويمكن أن يقال لما كررت مراجعته لقوم ناسب اختصاص قصته بالاستئناف الذي هو أبلغ في الإنذار والوعيد وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكانت مدة إنذاره لقومه قصيرة فعقب عملهم على مكافأتهم بوعيدهم بالفاء إشارة إلى قرب نزول الوعيد لهم بخلاف شعيب فإنه طالت مدته في قومه فاستأنف لهم ذكر الوعيد ولعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم فأجابهم بهذا الجواب والفاء لا تحسن فيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جوابا للسؤال ولا يحسن معه الحذف ومنه أنه تعالى قال في خطاب المؤمنين أدلكم على تجارة تنجيكم من
[ 220 ]
عذاب أليم أبي إلى أن قال لكم ذنوبكم وقال في خطاب الكافرين ليغفر لكم من ذنوبكم قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم قال الزمخشري في تفسير سورة إبراهيم ما علمته جاء الا في الخطاب هكذا في القرآن إلا في خطاب الكافرين وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد واعترض الإمام فخر الدين بأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسيره لا ويقال ما فائدة الفرق في الخطاب والمعنى مشترك إذ الكافر إذا آمن والمؤمن إذا تاب مشتركان في الغفران وما تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب من أن الكافر إذا هو آمن على موجود في المؤمن إذا تاب وسيأتي بسط الكلام على ذلك في آخر الكتاب
الايجاز وهو قسم من الحذف ويسمى إيجاز القصر فإن الإيجاز عندهم قسمان وجيز بلفظ ووجيز بحذف
[ 221 ]
فالوجيز باللفظ أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم واللفظ لا يخلو إما أن يكون مساويا لمعناه وهو المقدر أو أقل منه وهو المقصور اما المقدر فكقوله تعالى الله يأمر بالعدل والإحسان قال الاية وقوله يحيى الإنسان ما أكفره عن وهو كثير واما المقصور فإما أن يكون نقصان لفظه عن معناه لاحتمال لفظه لمعان كثيرة أولا كاللفظ المشترك الذي له مجازان أو حقيقة ومجاز إذا أريد معانيه كما في قوله تعالى الله وملائكته يصلون على النبي فإن الصلاة من الله مغايرة للصلاة من الملائكة والحق أنه من القدر المشترك وهو الاعتناء والتعظيم وكذلك قوله تعالى تر أن الله يسجد له من في السموات من الآية فإن السجود في الكل يجمعه معنى واحد وهو الانقياد والثانى كقوله العفو أمر بالعرف واعرض عن الجاهلين وقوله اولئك لهم الآمن وهم مهتدون
[ 222 ]
وكذلك قوله تعالى في القصاص حياة إذ معناه كبير ولفظه يسير وقد نظر لقول العرب القتل أنفى للقتل وهو بنون ثم فاء ويروي بتاء ثم قاف
ويروي أوقى والمعنى أنه إذا أقيم وتحقق حكمة خاف من يريد قتل أحد أن يقتص منه وقد حكاه الحوفي في تفسيره عن علي بن أبي طالب وقال قول علي في غاية البلاغة وقد أجمع الناس على بلاغته وفصاحته وأبلغ منه قوله تعالى في القصاص حياة وقد تكلموا في وجه الأبلغية انتهى وقد أشار صاحب المثل السائر إلى إنكار ذلك وقال لا نسبة بين كلام الخالق عز وجل وكلام المخلوق وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك وهو كما قال وكيف يقابل المعجز بغيره مفاضلة وهو منه في مرتبة العجز عن إدراكه وماذا يقول القائلون إذا بدا جمال خطاب فات فهم الخلائق وجملة ما ذكروا في ذلك وجوه احدها أن قوله بن حياة أوجز فإن حروفه عشرة وحروف القتل أنفى للقتل أربعة عشر حرفا والتاء وألف الوصل ساقطان لفظا وكذا التنوين لتمام الكلام المقتضى للوقف الثاني أن قولهم فيه كلفة بتكرير القتل ولا تكرير في الآية الثالث أن لفظ القصاص فيه حروف متلائمة هذه لما فيه من الخروج من القاف إلى الصاد إذ القاف من حروف الاستعلاء والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق
[ 223 ]
بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق الرابع في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت ولا كذلك تكرير القاف والفاء الخامس تكرير ذلك في كلمتين متماثلتين بعد فصل طويل وهو ثقل في الحروف
أو الكلمات السادس الإثبات أول والنفي ثان عنه والإثبات أشرف السابع أن القصاص المبني على المساواة أوزن في المعادلة من مطلق القتل ولذلك يلزم التخصيص بخلاف الآية الثامن الطباع أقبل للفظ الحياة من كلمة القتل لما فيه من الاختصار وعدم تكرار الكلمة وعدم تنافر الحروف وعدم تكرار الحرفين وقبول الطبع للفظ الحياة وصحة الإطلاق التاسع أن نفي القتل لا يستلزم الحياة والآية ناصة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه العاشر أن قولهم لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة وقوله القصاص حياة مفهوم لأول وهلة الحادى عشر أن قولهم خطأ فإن القتل كله ليس نافيا للقتل فإن القتل العدواني لا ينفى القتل وكذا القتل في الردة والزنا لا ينفيه وإنما ينفيه قتل خاص
[ 224 ]
وهو قتل القصاص الذي في الآية تنصيص على المقصود والذي في المثل لا يمكن حمله على ظاهره الثاني عشر فيه دلالة على ربط المقادير بالأسباب وإن كانت الأسباب أيضا بالمقادير وكلام العرب يتضمنه إلا أن فيه زيادة وهي الدلالة على ربط الأجل في الحياة بالسبب لا من مجرد نفي القتل الثالث عشر في تنكير حياة نوع تعظيم يدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله أحرص الناس على حياة ولا كذلك المثل فإن اللام فيه للجنس ولهذا فسروا الحياة فيها بالبقاء
الرابع عشر فيه بناء أفعل التفضيل من متعد والآية سالمة منه الخامس عشر أن أفعل في الغالب تقتضي الاشتراك فيكون ترك القصاص نافيا القتل ولكن القصاص أكثر نفيا وليس الأمر كذلك والآية سالمة من هذا السادس عشر أن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق وظهرت فصاحته بخلافه إذا تعقب كل حركة سكون والحركات تنقطع بالسكنات سنة نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فخنست ثم تحركت فخنست لا يتبين انطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره وهي كالمقيدة عمرو وقولهم القتل أنفي للقتل حركاته متعاقبة بالسكون بخلاف الآية السابع عشر الآية اشتملت على فن بديع وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضده الذي هو الحياة واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة ذكره في الكشاف
[ 225 ]
الثامن عشر أن في الآية طباقا لأن القصاص مشعر بضد الحياة بخلاف المثل التاسع عشر القصاص في الأعضاء والنفوس وقد جعل في الكل حياة فيكون جمعا بين حياة النفس قبل والأطراف وإن فرض قصاص بما لا حياة فيه كالسن فإن مصلحة الحياة تنقص بذهابه ويصير كنوع آخر وهذه اللطيفة لا يتضمنها المثل العشرون أنها أكثر يحيى فائدة لتضمنه القصاص في الأعضاء وأنه نبه على حياة النفس من وجهين من وجه به القصاص صريحا ومن وجه القصاص في الطرف لأن أحد أحوالها أن يسري إلى النفس فيزيلها ولا كذلك المثل وقد قيل غير ذلك واما زيادة ففيها لطيفة وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص
وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم والحاصل أن هذا من البيان الموجز الذي لا يقترن به شئ ومن بديع الإيجاز قوله تعالى قل هو الله أحد الله الصمد الرحمن الآية فإنها نهاية التنزيه وقوله كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم وهذا بينا عجيب يوجب التحذير من الاغترار بالإمهال وقوله ان يوم الفصل ميقاتهم أجمعين وكان وقوله ان لمتقين في مقام أمين روى وهذا من أحسن الوعد والوعيد
[ 226 ]
وقوله بما تؤمر فهذه ثلاث كلمات اشتملت على جميع ما في الرسالة وقوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ولم فهذه جمعت مكارم الأخلاق كلها لأن في خذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الأرحام وصرف اللسان عن الكذب وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه بين وقوله مدهاتان معناه مسودتاه أهل من شدة الخضرة وقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت حديث عند وقوله اخرج منها ماءها ومرعاها لأنه فدل بأمرين على ججميع أخبرنا ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء وقوله ويسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل فدل على نفسه ولطفه ووحدانيته وقدرته وهدى للحجة عل من ضل عنه لأنه لو كان ظهور
الثمرة بالماء والتربة لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم والروائح ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد إذا نبت في مغرس واحد ولكنه صنع اللطيف الخبير وقوله لا يصدعون عنها ولا ينزفون كيف نفى بهذين جميع عيوب الخمر وجمع بقوله ينزفون عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب
[ 227 ]
وقوله ومنهم من يستعمون إليك أفأنت تسمع اصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون فدل على فضل السمع والبصر حيث جعل مع الصم فقدان العقل ولم يجعل مع العمي إلا فقدان البصر وحده وقوله وقيل يا ارض أبعلي يا ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين لو كيف أمر ونهى وأخبر ونادى ونعت وسمى وأهلك وأبقى وأسعد وأشقى قص من الأنباء مالو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت يكون الأقلام وانحسرت الأيدي وقوله تعالى عن النملة النمل ادخلوا مساكنكم مع فجمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام نادت وكنت ونبهت وسمعت وأمرت وقضت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وغدرت فالنداء يا والكناية أي والتنبيه ها والتسمية النمل والأمر ادخلوا والقصص مساكنكم والتحذير لا يحطمنكم والتخصيص سليمان والتعميم جنوده والإشارة وهم والغدر لا يشعرون فأدت خمس حقوق حق الله وحق رسوله وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان فحق الله أنها استرعيت على النمل فقامت بحقهم وحق سليمان أنها نبهته على النمل وحقها إسقاطها حق الله عن الجنود في نصحهم سعيد وحق الجنود
بنصحها بكر لهم ليدخلوا مساكنهم وحق الجنود إعلامها إياهم وجميع الخلق أن من
[ 228 ]
استرعاه رعية فوجب قد عليه حفظها والذب عنها وهو داخل في الخبر المشهور كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ويقال إن سليمان عليه السلام لم يضحك في عمره إلا مرة واحدة وأخرى حين أشرف على وادي النمل فرآها على كبر الثعالب لها خراطيم وأنياب فقال رئيسهم ادخلوا مساكنكم فخرج كبير وفي النمل في عظم الجواميس فلما نظر إليه سليمان هاله فأراه الخاتم فخضع له ثم قال أهذه كلها نمل فقال إن النمل لكبيرة إنها ثلاثة اصناف صنف في الجبال وصنف في القرى وصنف في المدن فقال سلميان عليه السلام اعرضها علي فقال له قف فبقى سليمان عليه السلام تسعين يوما واقفا يمر عليه النمل فقال هل انقطعت عساكركم فقال ملك النمل لو وقفت إلى يوم القيامة ما انقطعت فذكر الجنيد أن سليمان عليه السلام قال لعظيم النمل لم قلت للنمل ادخلوا مساكنكم أخفت عليهم من ظلمنا قال لا ولكن خفت أن يفتتنوا بما رأوا من ملكك فيشغلهم ذلك عن طاعة الله وقوله وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة كل وهذا أشد ما يكون من الحجاج وقوله ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون وهذا أعظم ما يكون من التحسير وقوله الأخلاء يؤمئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وهذا أشد ما يكون من التنفير عن الخلة إلا على التقوى
[ 229 ]
وقوله أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وهذا أشد
ما يكون من التحذير من التفريط وقوله افمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة فلا وهذا أشد ما يكون من التبعيد وقوله واعلموا ما شئتم منه فهذا أعظم ما يكون من التخيير وقوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد: وهذا أبلغ ما يكون من التذكير وقوله كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحرا أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون غير وهذا أشد ما يكون في التقريع على التمادي في الباطل وقوله هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن وهذا أشد ما يكون من التقريع وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور أحمد وهذا غاية الترهيب وقوله ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون بعد وهذه غاية الترغيب
[ 230 ]
أتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذن لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض وقوله لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وهذا أبلغ ما يكون من الحجاج وهو الأصل الذي عليه أثبتت دلالة التمانع في علم الكلام وقوله فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بكل ما تميل إليه النفس من الشهوات وتلذ الأعين من
المرئيات ليعلم أن هذا اللفظ القليل جدا حوى معاني كثيرة لا تنحصر عددا وقوله يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو يقول وهذا أشد ما يكون من الخوف وقوله لا يحيق المكر السئ إلا بأهله وقوله انما بغيكم وقوله وترى إذ فزعوا فلافوت لأن وأخذوا من مكان قريب وقد به وقوله وهدى للمتقين وقوله ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وقوله فانبذ إليهم على سواء تعالى معناه قابلهم بما يفعلونه معك وعاملهم مثل معاملتهم لك سواء مع ما يدل عليه سواء من الأمر بالعدل وقوله وغيض الماء وقضى الأمر فإنه أشار به إلى انقطاع مدة الماء النازل
[ 231 ]
من السماء والنابع من الأرض وقوله عنه الأمر أي هلك من قضى هلاكه ونجا من قدرت نجاته وإنما عدل عن لفظه إلى لفظ التمثيل لأمرين اختصار اللفظ وكون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع إذ الأمر يستدعى آمرا ومطاعا وقضاؤه يدل على قدرته ومن أقسام الأيجاز الاقتصار على السبب الظاهر للشئ اكتفاء بذلك عن جميع الأسباب كما يقال فلان لا يخاف الشجعان والمراد لا يخاف أحدا ومنه قوله تعالى يتربصن بأنفسهن عمر ولا شك أن من فسخت النكاح ايضا تتربص لأن السبب الغالب للفراق الطلاق جاء وقوله أو جاء أحد منكم من الغائط ولم يذكر النوم وغيره لأن السبب الضروري النقاض خروج الخارج فإن النوم الناقض ليس بضروري فذكر السبب الظاهر وعلم منه الحكم في الباقي
ومنه قوله السر وأخفى أي وهو ما لم يقع في وهم الضمير من الهواجس ولم يخطر على القلوب من مخيلات الوساوس ومنه إن الله وملائكته يصلون على النبي النبي وكذلك زيد وعمرو قائم على القول بأن قائم خبر عن أحدهما واستغنى به عن خبر الاخر ومنها الاقتصار على المبتدأ وإقامة الشئ مقام الخبر نحو أقائم الزيدان فإن قائم مبتدأ لا خبر له ومنها باب علمت أنك قائم إذا جعلنا الجملة سادة مسد المفعولين فإن الجملة
[ 232 ]
محلة لاسم واحد سد مسد اسمين مفعولين من غير حذف ومنه باب النائب عن الفاعل في ضرب زيد ف زيد دل على الفاعل بإعطائه حكمه وعلى المفعول بوضعه ومنه جميع أدوات الاستفهام والشرط فإن كم مالك يغنى عن عشرين أو ثلاثين ومن يقم أكرمه وإن يغنى عن زيد وعمرو قال ابن الأثير في الجامع ومنه الألفاظ اللازمة للعموم مثل أحد وديار قاله ابن الأثير ايضا ومنه لفظ الجمع فإن الزيدين يغنى عن زيد وزيد وزيد وكذا التثنية أصلها رجل ورجل فحذفوا العطف والمعطوف وأقاموا حرف الجمع والتثنية مقامهما اختصارا وصح ذلك لاتفاق الذاتين في التسمية بلفظ واحد فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرار بالعطف نحو مررت بزيد وبكر ومنه باب الضمائر على ما سيأتي بيانه في قاعدة الضمير ومنه لفظ فعل فإنه يجئ كثيرا كناية عن أفعال متعددة قال تعالى
ما كانوا يفعلون أنهم فعلوا ما يوعظون به كما لم تفعلوا ولن تفعلوا أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله
[ 233 ]
القول في التقديم والتأخير هو أحد أساليب البلاغة فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق وقد اختلف في عدة من المجاز فمنهم من عده منه لأنه تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه والصحيح أنه ليس منه فإن المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع ويقع الكلام فيه في فصول الفصل الأول في أسباب التقديم والتأخير الاول في أسبابه وهي كثيرة احدها أن يكون أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه كتقديم الفاعل على المفعول والمبتدأ على الخبر وصاحب الحال عليها نحو جاء زيد راكبا والثانى أن يكون في التأخير إخلال ببيان المعنى كقوله تعالى رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فإنه لو أخر قوله آل فرعون فلا يفهم أنه منهم وجعل السكاكي هو من الأسباب كون التأخير مانعا مثل الإخلال بالمقصود
[ 234 ]
كقوله تعالى الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في
الحياة الدنيا بتقديم الحال أعنى قومه على الوصف أعنى كفروا ولو تأخر وسلم لتوهم أنه من صفة الدنيا لأنها هاهنا اسم تفضيل من الدنو وليست أسما والدنو يتعدى ب من وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم من قومه أم لا فقدم لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود وهو كون القائلين من قومه وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم عنه بتأخير المجرور عن صفة المرفوع الثالث أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب فيقدم إن لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة كقوله لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون إلا بتقديم إياه على تعبدون لمشاكلة رءوس الآي وكقوله في نفسه خيفة موسى فإنه لو أخر نفسه عن فات تناسب الفواصل لأن قبله إليه من سحرهم أنها تسعى وبعده أنت الأعلى وكقوله وتغشى وجوههم النار فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما بعده وكقوله ان الله سريع الحساب وقال وهو أشكل بما قبله لأن قبله مقرنين في الإصفاد
[ 235 ]
وجعل منه السكاكي وهو أبو برب هارون وموسى صلى الله عليه وسلم بتقديم إذا مع أن أحق بالتقديم الرابع لعظمة والاهتمام به وذلك أن من عادة العرب الفصحاء إذا أخبرت عن مخبر ما وأناطت فقال به حكما وقد يشركه غيره في ذلك الحكم أو فيما أخبر به عنه
وقد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب فإنهم مع ذلك إنما يبدءون بالأهم والأولى قال سيبويه كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم انتهى قال تعالى الصلاة وآتوا الزكاة فبدأ بالصلاة لأنها أهم وقال سبحانه الله وأطيعوا الرسول وقال تعالى اياك نعبد وإياك نستعين فقدم العبادة للاهتمام بها ومنه تقدير المحذوف في بسم الله مؤخرا واوردوا اقرا باسم ربك هذا وأجيب بوجهين احدهما أن تقديم الفعل هناك أهم لأنها أول سورة نزلت والثانى ان باسم ربك متعلق ب رسول الثاني ومعنى الأول أوجد القراءة والقصد التعميم الخامس أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به وذلك كقوله تعالى
[ 236 ]
وجعلوا لله شركاء لم بتقديم المجرور على المفعول الأول لأن الإنكار متوجه إلى الجعل لله لا إلى مطلق الجعل السادس أن يكون التقديم لإرادة التبكيت والتعجيب من حال المذكور كتقديم المفعول الثاني على الأول في قوله تعالى لله شركاء الجن حدثنا والأصل الجن شركاء وقدم لأن المقصود التوبيخ وتقديم الشركاء أبلغ في حصوله ومنه قوله تعالى في سورة يس من أقصى المدينة رجل يسعى ابن وسنذكره السابع الاختصاص وذلك بتقديم المفعول والخبر والظرف والجار والمجرور ونحوها على الفعل كقوله تعالى نعبد قوله أي نخصك بالعبادة فلا نعبد غيرك
وقوله ان كنتم إياه تعبدون له أي إن كنتم تخصونه بالعبادة الخبر كقوله أراغب أنت عن آلهتي وقوله أنهم ما نعتهم حصونهم من الله واما تقديم الظرف ففيه تفصيل فإن كان في الإثبات دل على الاختصاص كقوله تعالى إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم ذلك وكذلك الملك وله الحمد محمد فإن ذلك يفيد اختصاص ذلك بالله تعالى وقوله الله تحشرون
[ 237 ]
إلى أي لا إلى غيره وقوله شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا كان أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم وقوله ارسلناك للناس رسولا أي لجميع الناس من العجم والعرب على أن التعريف للاستغراق وان كان في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفى عنه كما في قوله تعالى فيها غول ولا هم عنها ينزفون أبو أي ليس في خمر الجنة ما في خمرة غيرها من الغول واما تأخيره فإنها تفيد النفي فقط كما في قوله ريب فيه أو فكذلك إذا قلنا لاعيب في الدار كان معناه نفي العيب في الدار وإذا قلنا لا في الدار عيب كان معناه أنها تفضل على غيرها بعدم العيب تنبيه ما ذكرناه من أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص فهمه الشيخ أبو حيان في كلام الزمخشري وغيره والذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم بدليل قوله تعالى كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل وقوله الله شك عبد إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ
وقد رد صاحب الفلك عليه الدائر القاعدة بالآية الأولى وكذلك ابن الحاجب والشيخ أبو حيان وخالفوا البيانيين في ذلك وأنت إذا علمت أنهم
[ 238 ]
ذكروا في ذلك قيد الغلبة سهل الأمر نعم له شرطان احدهما ألا يكون المعمول مقدما بالوضع فإن ذلك لا يسمى تقديما حقيقة كأسم الاستفهام وكالمبتدأ أبي عند من يجعله معمولا لخبره والثانى ألا يكون التقديم لمصلحة التركيب مثل ثمود فهديناهم على قراءة النصب وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة وهي قوله الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف التقديم في الأول قطعا ليس للاختصاص بخلاف الثاني الفصل الثاني في انواعه وهى إما أن يقدم والمعنى عليه أو يقدم وهو في المعنى مؤخر أو بالعكس النوع الأول ما قدم والمعنى عليه ومقتضياه ما كثيرة قد يسر الله منها خمسا وعشرين ولله در ابن عبدون في قوله سقاك الحيا من معان سفاح فكم لي بها من معان فصاح
[ 239 ]
أحدها السبق وهو أقسام منها السبق بالزمان والإيجاد كقوله تعالى أولى الناس بإبراهيم
للذين اتبعوه وهذا النبي لا قال ابن عطية المراد بالذين اتبعوه في زمن الفترة وقوله الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أن فإن مذهب أهل السنة تفضيل البشر وإنما قدم الملك لسبقه في الوجود وقوله يا ايها لنبي قل لأزواجك وبناتك على فإن الأزواج أسبق بالزمان لأن البنات أفضل منهن لكونهن بضعة منه صلى الله عليه وسلم وقوله هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واعلم أنه ينضم إليه مع ذلك التشريف كقوله الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وقوله ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صحف إبراهيم وموسى واما قوله لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى من فإنما قدم ذكر موسى لوجهين أحدهما أنه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك وكانت صحف موسى منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم وثانيهما مراعاة رءوس الآى
[ 240 ]
وقد ينضم إليه التحقير كما في قوله المغضوب عليهم ولا الضالين تقدم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى ولأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين بالمجاورة وقد لا يلحظ هذا كقوله تعالى في وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وقوله وانه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى ومن التقديم بالإيجاد تقديم السنة على النوم في قوله تأخذه سنة ولا نوم لأن العادة في البشر أن تأخذ العبد السنة قبل النوم فجاءت العبارة على حسب هذه العادة ذكره السهيلي وذكر معه وجها آخر وهو أنها وردت في معرض التمدح والثناء
وافتقاد السنة أبلغ في التنزيه فبدئ بالأفضل لأنه إذا استحالت عليه السنة فأحرى أن يستحيل عليه النوم ومنه تقديم الظلمة على النور في قوله تعالى الظلمات والنور سنة فإن الظلمات سابقة على النور في الإحساس وكذلك الظلمة المعنوية سابقة على النور المعنوي قال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة فانتفاء العلم ظلمة وهو متقدم بالزمان على نور الإدراكات ومنه تقديم الليل على النهار وجعلنا الليل والنهار آيتين عمرو قبل فيها ليالي وأياما آمنين يحيى مكر الليل والنهار الرحمن حين تمسون وحين
[ 241 ]
تصبحون وكان ولذلك اختارت العرب التاريخ بالليالي دون الأيام وإن كانت الليالي مؤنثة والأيام مذكرة وقاعدتهم تغليب المذكر إلا في التاريخ فان قلت فما تصنع بقوله تعالى الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار قلت استشكل الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في قواعده ولم بالإجماع على سبق الليلة على اليوم وأجاب بأن المعنى تدرك القمر في سلطانه وهو الليل أي لا تجئ الشمس في أثناء الليل فقوله بعده الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون أي لا يأتي في بعض سلطان الشمس وهو النهار وبين الجملتين مقابلة فان قيل قوله تعالى بين الليل في النهار ويولج النهار في الليل أهل مشكل على هذا لأن الإيلاج إدخال الشئ في وهذا البحث ينافيه قلت المشهور في معنى الآية أن الله يزيد في زمن الشتاء مقدارا من النهار ومن حديث النهار في الصيف مقدارا من الليل وتقدير الكلام يولج
بعض مقدار الليل في النهار وبعض مقدار النهار في الليل وعلى غير المشهور يجعل الليل في المكان الذي كان فيه النهار ويجعل النهار في المكان الذي كان فيه الليل والتقدير يولج الليل في مكان النهار ويولج النهار في مكان الليل ومنه تقديم المكان على الزمان في قوله السموات والأرض وجعل الظلمات
[ 242 ]
والنور عند أي الليل والنهار وقوله السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون لأنه وهذه مسألة مهمة قل من تعرض لها أعنى سبق المكان على الزمان وقد صرح بها الإمام أبو جعفر الطبري في أول تاريخه واحتج أخبرنا على ذلك بحديث ابن عباس إن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الشمس والقمر وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار إذ كانا إنما هما أسماء لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر درج الفلك يا وإذا كان ذلك صحيحا وأنه لا شمس ولا قمر كان معلوما أنه لا ليل ولا نهار قال وحديث أبي هريرة يعني يعنى في صحيح مسلم صريح فيه فإن فيه وخلق الله لو النور يوم الأربعاء قال ويعني به يكون الشمس إن شاء الله والحاصل أن تأخر خلق الأيام عن بعض الأشياء المذكورة في الخبر لازم فان قلت الحديث كالمصرح بخلافه فإنه قال حين خلق الله التربة يوم السبت حين خلق البرية وهي أول المخلوقات المذكورة فلا يمكن أن يكون خلق الأيام كلها متأخرا عن ذلك قلت قد نبه الطبري على جواب ذلك بما حاصله أن الله تعالى سمى أسماء الأيام قبل خلق التربة وخلق الأيام كلها ثم قدر كل يوم مقدارا فخلق التربة في مقدار يوم السبت قبل خلقه يوم السبت وكذا الباقي وهذا وإن كان خلاف الظاهر لكن أوجبه ما قاله الطبري من أنه يتعين تأخير
الأيام لما ذكرناه من الدليل المستفاد من الخبرين والحاصل أن الزمان قسمان تحقيقي وتقديري والمذكور في الحديث التقديري
[ 243 ]
ومنه قوله تعالى المشرقين ورب المغربين مع الأرض ومغاربها سعيد ولذلك لما استغنى عن أحدهما ذكر المشرق فقد فقال المشارق بكر زينا السماء الدنيا ومنه قوله تعالى خلق الموت والحياة وفي وقوله هو أمات وأحيا وكنتم أمواتا فأحياكم ويمكن فيه وجوه آخر منها أن فيه قهرا للخلق والمقام يقتضيه ومنها أن حياة الإنسان كلاحياة ومآله إلى الموت ولا حياة إلا بعد الموت ومنها أن الموت تقدم في الوجود إذ الإنسان قبل نفخ الروح فيه كان ميتا لعدم الروح وهذا إن أريد بالموت عدم الوجود بدليل أمواتا فأحياكم وإن أريد به بعد الوجود فالناس منتازعون فلا في الموت هل هو أمر وجودي كالحياة أولا وقيل بالوقف فقالت الفلاسفة الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا منه والجمهور على أنه أمر وجودي يضاد الحياة محتجين بقوله الذي خلق الموت والحياة: والحديث في الإتيان بالموت في صورة كبش وذبحه واجيب عن الآية بان الخلق بمعنى التقدير ولا يجب في المقدر أن يكون وجوديا وعن الثاني بأن ذلك على طريق التمثيل لبيان انقطاع الموت وثبوت الخلود فان قلنا عدمي فالتقابل بينه وبين الحياة تقابل العدم والملكة وعلى الصحيح تقابل التضاد وعلى القول بأنه وجودي يجب أن يقال تقديم الموت الذي هو عدم الوجود
[ 244 ]
لكونه سابقا أو معدوم الحياة الذي هو مفارقة الروح البدني يجوز أن يكون لكونه الغاية التي يساق إليها في دار الدنيا فهي العلة الغائبة بعدم تحقيقها لتحققه غير فخص العلة العامة كما وقع تأكيده في قوله إنكم بعد ذلك لميتون أحمد أو تزهيدا في الدار الفانية وترغيبا فيما بعد الموت فان قيل فما وجه تقدم الحياة في قوله فيها تحيون وفيها تموتون بعد وقوله ومماتي لله رب العالمين قلنا إن كان الخطاب لآدم وحواء فلأن حياتهما في الدنيا سبقت الموت وإن كان للخلق بالخطاب لمن هو حي يعقبه الموت فما التقديم بالترتيب وكذا الآية بعده فان قيل فما وجه تقديم الموت على الحياة في الحكاية عن منكر البعث هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا قلت يقول لأجل مناسبة رءوس الآي فان قلت فما وجه تقدم التوفي على الرفع في قوله متوفيك ورافعك إلي الذي مع أن الرفع سابق قيل فيه جوابان احدهما المراد بالتوفي النوم كقوله تعالى لأن بالليل وقد وثانيهما أن التاء في متوفيك زائدة أي موفيك عملك ومنها سبق إنزال كقوله التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان وقوله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل
[ 245 ]
واما قوله من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم علي فإنما قدم القرآن منبها له على فضيلة المنزل إليهم ومنها سبق وجوب كقوله تعالى واسجدوا حتى وقوله
ركعا سجدا فان قيل فقد قال واركعي مع الراكعين قيل يحتمل أنه كان في شريعتهم السجود قبل الركوع ويحتمل أن يراد بالركوع ركوع الركعة الثانية وقيل المراد ب اركعي اشكري وقيل أراد ب اسجدي صلي وحدك وب اركعي صلي في جماعة ولذلك قال مع الراكعين ومنها سبق تنزيه كقوله تعالى الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه فبدأ بالرسول قبل المؤمنين ثم قال آمن بالله وملائكته فبدأ بالإيمان بالله لأنه قد يحصل بدليل العقل والعقل سابق في الوجود على الشرع ثم قال وملائكته مراعاة لإيمان الرسول فإنه يتعلق بالملك الذي هو جبريل أولا ثم بالكتاب الذي نزل به جبريل ثم بمعرفة نفسه أنه رسول وإنما عرف نبوة نفسه بعد معرفته بجبريل عليه السلام وإيمانه فترتب الذكر المنزل عليه بحسب ذلك فظهرت الحكمة والإعجاز فقال آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لأن الملك هو النازل بالكتاب وإن كان الكتاب أقدم من الملك ولكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للملك كانت قبل سماعه الكتاب وأما إيماننا نحن بالعقل آمنا بالله أي
[ 246 ]
بوجوده ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عرفنا اسمه وجوب النظر المؤدي إلى معرفته فآمنا بالرسول ثم بالكتاب المنزل عليه وبالملك النازل به فلو ترتب اللفظ على حسب إيماننا لبدأ بالرسول قبل الكتاب ولكن إنما ترتب على حسب إيمان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذي هو إمام المؤمنين ذكره السهيلي في آماليه فإن وقال غيره في هذا الترتيب سر لطيف وذلك لأن النور والكمال والرحمة والخير كله
مضاف إلى الله تعالى والوسائط في ذلك الملائكة والمقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء والرسل فلا بد أولا من أصل وثانيا من وسائط وثالثا من حصول تلك الرحمة ورابعا من وصولها إلى المقابل لها والأصل المقتضى للخيرات والرحمة هو الله ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم والموصل لها هم الملائكة والمقابل لها المنزلة عليهم هم الأنبياء فجاء الترتيب على ذلك بحسب الوقائع الثاني بالذات كقوله تعالى وثلاث ورباع النبي ونحوه يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم وإن وقوله ثلاثة رابعهم كلبهم وكذلك جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات واما قوله تعالى أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم هو فوجه تقديم المثنى أن المعنى حثهم على القيام بالنصيحة لله وترك الهوى مجتمعين متساويين أو منفردين متفكرين ولا شك أن الأهم حالة الاجتماع فبدأ بها
[ 247 ]
الثالث بالعلة والسببية كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عز فحكم وتقديم العليم على الحكيم لأن الإتقان ناشئ عن العلم وكذا أكثر ما في القرآن من تقديم وصف العلم على الحكمة سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ويجوز أن يكون قدم وصف العلم هنا ليتصل بما يناسبه وهو علم لنا وفي غيره
من نظائره لأنه صفات ذات فيكون من القسم قبله ومنه قوله اياك نعبد وإياك نستعين عنه قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة وقوله ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين إن فإن التوبة سبب الطهارة وكذا ويل لكل أفاك أثيم إلا لأن الإفك سبب الإثم وكذا وما يكذب به إلا كل معتد أثيم وقوله وانزلنا من السماء ماء طهورا لنحييى صلى به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا وقال قدم إحياء الأرض لأن سبب إحياء الأنعام والأناسي وقدم إحياء الأنعام لأنه مما يحيا به الناس بأكل لحومها وشرب ألبانها
[ 248 ]
وكذا كل علة مع معلولها كقوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة أنه قيل قدم الأموال من باب تقديم السبب فإنه إنما شرع النكاح عند قدرته على مؤونته فهو سبب والتزويج سبب للتناسل ولأن المال سبب للتنعيم بالولد وفقده سبب لشقائه وكذا تقديم البنات على البنين في قوله تعالى للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة صلى الله عليه وسلم وأخر ذكر الذهب والفضة عن النساء والبنين لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال فإن الطبع يحث على بذل المال فيحصل النكاح والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبلية والبنون أقعد من الأموال والذهب أقعد من الفضة والفضة أقعد من الأنعام إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم فلما صدرت الآية بذكر الحب وكان المحبوب مختلف المراتب اقتضت حكمة الترتيب أن يقدم ما هو الأهم فالأهم في رتبة المحبوبات
وقال الزمخشري في قوله تعالى يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إذا قدم فقال قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى أي ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضة للمنافع فيشكر شكرا مبهما فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا متصلا ثنا فكان الشكر متقدما على الإيمان وكأنه أصل التكليف ومداره انتهى وجعله غيره من عطف الخاص على العام لأن الإيمان من الشكر وخص بالذكر لشرفه
[ 249 ]
الرابع بالرتبة كتقديم سميع على عليم فإنه يقتضى التخويف والتهديد فبدأ بالسميع لتعلقه بالأصوات وإن من سمع حسك فقد يكون أقرب إليك في العادة ممن يعلم وإن كان علم الله تعلق بما ظهر وما بطن وكقوله عفور رحيم به فإن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله هذا الغفور ثم لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم وهو قوله يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور رسول فالرحمة شملتهم جميعا والمغفرة تخص بعضا والعموم قبل الخصوص بالرتبة وقوله تعالى ولا مشاء بنميم لم فإن الهماز هو المغتاب وذلك لا يفتقر إلى شئ بخلاف النميمة وقوله ياتوك رجالا وعلى كل ضامر حدثنا فإن الغالب أن الذين يأتون رجالا من مكان قريب والذين يأتون على الضامر من البعيد ويحتمل أن يكون من
التقديم بالشرف لأن الأجر في المشي مضاعف واما قوله تعالى خفتم فرجالا أو ركبانا ابن مع أن الراكب متمكن من الصلاة أكثر من الماشي فجبرا قوله له في باب الرخصة
[ 250 ]
ومنه قوله تعالى إن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود فقدم الطائفين لقربهم من البيت ثم ثنى بالقائمين وهم العاكفون لأنهم يخصون موضعا بالعكوف والطواف بخلافه فكان أعم منه والأعم قبل الأخص ثم ثلث بالركوع لأن الركوع لا يلزم أن يكون في البيت له ولا عنده ثم في هذه الآية ثلاثة أسئلة الاول كيف جمع الطائفين والقائمين جمع سلامة والركع جمع تكسير والجواب أن جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل فطائفون ذلك بمنزلة يطوفون ففي لفظة إشعار بصلة التطهير وهو حدوث الطواف وتجدده ولو قال بالطواف لم يفد ذلك لأن لفظ المصدر يخفي ذلك وكذا القول في القائمين وأما الراكعون فلما سبق أنه لا يلزم كونه في البيت ولا عنده فلهذا لم يجمع جمع سلامة إذ لا يحتاج فيه إلى بيان الفعل الباعث على التطهير كما احتيج فيما قبله الثاني كيف وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو والجواب لأن الركع هم السجود والشئ لا يعطف على نفسه لأن السجود يكون عبارة عن المصدر وهو هنا عبارة عن الجمع فلو عطف بالواو لأوهم إرادة المصدر دون اسم الفاعل لأن الراكع إن لم يسجد فليس براكع شرعا ولو عطف بالواو لأوهم أنه مستقل كالذي قبله الثالث هلا قيل السجد كما قيل الركع وكما جاء في آية أخرى تراهم محمد ركعا سجدا والركوع قبل السجود والجواب أن السجود يطلق على وضع الجبهة
بالأرض وعلى الخشوع فلو قال المسجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر ومنه
[ 251 ]
ركعا سجدا وهو من رؤية العين ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر فقصد بذلك الرمز إلى السجود المعنوي والصوري بخلاف الركوع فإنه ظاهر في أعمال الظاهر التي يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدم دون أعمال القلب فجعل السجود وصفا للركوع وتتميما له لأن الخشوع روح الصلاة وسرها الذي شرعت له الخامس بالداعية كتقدم إلى الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج في قوله تعالى للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم لأن البصر داعية إلى الفرج لقوله صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه السادس التعظيم كقوله ومن يطع الله والرسول وقوله ان الله وملائكته يصلون على النبي شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
[ 252 ]
السابع الشرف وهو أنواع منها شرف الرسالة كقوله تعالى أرسلنا من رسول ولا نبي أو فإن الرسول أفضل من النبي خلافا لابن عبد السلام
وقوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي رسولا نبيا ومنها شرف الذكورة كقوله تعالى المسلمين والمسلمات وقوله الكم الذكر وله الأنثى وقوله رجالا كثيرا ونساء واما تقديم الإناث في قول تعالى لمن يشاء إناثا فلجبرهن ما إذ هن موضع الانكسار ولهذا جبر الذكور بالتعريف للإشارة إلى ما فاتهم من فضيلة ويحتمل التقديم أن تقديم الإناث لأن المقصود بيان أن الخلق كله بمشيئة الله تعالى لا على وفق غرض العباد ومنها شرف الحرية كقوله تعالى عليه بالحر والعبد بالعبد لا ومن الغريب حكاية بعضهم قولين في أن الحر أشرف من العبد أم لا حكاه القرطبي في تفسير سورة النساء فلينظر فيه
[ 253 ]
ومنها شرف العقل كقوله تعالى له من في السموات والأرض والطير صافات وقوله متاعا لكم ولأنعامكم واما تقديم الأنعام عليهم في قوله منه أنعامهم وأنفسهم فمن باب تقديم السبب وقد سبق ومنها شرف الإيمان كقوله تعالى كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا الله وكذلك تقديم المسلمين على الكافرين في كل موضع والطائع على العاصي وأصحاب اليمين عن أصحاب الشمال ومنها شرف العلم كقوله تعالى هل يستوي الذين يعلمون والذين
لا يعلمون ومنها شرف الحياة كقوله تعالى الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وقوله وما يستوي الأحياء ولا الأموات وأما تقديم الموت في قوله تعالى الذى خلق الموت والحياة قال فمن تقدم السبق بالوجود وقد سبق شرف ومنها شرف المعلوم نحو الغيب والشهادة عن فإن علم الغيبيات أشرف من المشاهدات ومنه سركم وجهركم ويعمل من ما تسرون وما تعلنون
[ 254 ]
وأما قوله يعلم السر وأخفى بن أي من السر فعن ابن عباس وغيره السر ما أسررت في نفسك وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما يكون في عد علم الله فيهما سواء ولا شك أن الآتي أبلغ وفيه وجهان احدهما أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه علم حتى يتحقق في نفسه فيكون حينئذ تقديم السر من النوع الأول وثانيهما مراعاة رءوس الآي ومنها شرف الإدراك كتقديم السمع على البصر والسميع على البصير لأن السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة وقدم القلب عليهما في قوله تعالى الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة هذه لأن الحواس خدمة القلب وموصلة إليه وهو المقصود وأما قوله على سمعه وقلبه فأخر القلب فيها لأن العناية هناك بذم المتصامين سنة عن السماع ومنهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا ولهذا صدرت السورة بذكرهم في قوله لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها عمرو
ومنها شرف العجازاة قبل كقوله جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ومنها شرف العموم فإن العام أشرف من الخاص كتقديم العفو على الغفور أي عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا غفور لما واخذنا به في الدنيا قبلنا ورجعنا إليه فتقدم العفو على الغفور لأنه أعم وأخرت المغفرة لأنها أخص
[ 255 ]
ومنها شرف الإباحة للإذن بها كقوله تعالى تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ب هذا حلال وهذا حرام وإنما تقديم الحرام في قوله منه حراما وحلالا فللزيادة في التشنيع عليهم أو لأجل السياق لأن قبله مما رزقكم الله حلالا طيبا يحيى ثم حرم عليكم الميتة الرحمن ومنها الشرف بالفضيلة كقوله تعالى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقوله ومنك ومن نوح وقوله محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم روى الآية وقوله ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون ولم وقوله رب موسى وهارون بين في الأعراف والشعراء فإن موسى استأثر باصطفائه تعالى له بتكليمه وكونه من أولى العزم فان قلت فقد جاء هارون وموسى في سورة طه بتقديم هارون قلنا لتناسب رءوس الآي ومنه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته
ورسله وجبريل وميكال أهل لأن جبريل صاحب الوحي والعلم وميكائيل