الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




البرهان - الزركشي ج 1

البرهان

الزركشي ج 1


[ 1 ]

البرهان في علوم القرآن للامام بد ر الدين محمد بن عبد الله الزركشي تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم الجزء الاول الطبعة الاولى 1376 ه‍ - 1957 م دار أحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه

[ 2 ]

(جميع الحقوق محفوظة)

[ 3 ]

مقدمة 1 - بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي احد العلماء الاثبات الذين نجموا بمصر في القرن الثامن، وجهبذ من جهابذة أهل النظر وارباب الاجتهاد، وهو ايضا علم من اعلام الفقه والحديث والتفسير واصول الدين. ولد بالقاهرة سنة خمس واربعين وسبعمائة حينما كانت معمورة بالمدارس، غاصة بالفضلاء وحملة العلم، زاخرة بدور الكتب الخاصة والعامة، والمساجد الحافلة بطلاب المعرفة، والوافدين من شتى الجهات، ولم يكد يجاوز سن الحداثة حتى انتظم في حلقات الدروس، وتفقه بمذهب الشافعي، وحفظ كتاب المنهاج في الفروع للامام النووي، وصار يعرف بالمنهاجى نسبة الى هذا الكتاب. وكان الشيخ جمال الدين الاسنوى رئيس الشافعية بالديار المصرية بدر العلماء الزاهر، وكوكبهم المتألق، وامام اهل الحديث بالمدرسة الكاملية غير مدافع، فلزمه وتلمذ له،

[ 4 ]

ونهل من علمه ما شاء الله له ان ينهل، فكان من انجب تلاميذ ه واوعاهم، وافضلهم واذكاهم، كما تخرج على الشيخ سراج الدين البلقينى، والحافظ مغلطاى، وغيرهم من شيوخ مصر وعلمائها. ثم ترامت إليه شهرة الشيخ شهاب الدين الاذرعى بحلب، والحافظ بن كثير بدمشق فشد اليهما الرحال، قصد الى حلب اولا حيث اخذ عن الاذرعى الفقه والاصول، ثم عمد الى دمشق حيث تلقى على ابن كثير الحديث، ثم عاد الى القاهرة وقد جمع اشتات العلوم، واحاط بالاصول والفروع، وعرف الغامض والواضح، ووعى الغريب والنادر، واستقصى الشإذ والمقيس، الى ذكاء وفطنة، وثقافة والمعية، فاهله كل ذلك للفتيا والتدريس، والتوفر على الجمع والتصنيف، واجتمع له من المولفات في عمره القصير ما لم يجتمع لغيره من افذاذ الرجال، وان كان هذا الفضل لم يعرفه الناس الا بعد وفاته، وحين توارت شمس حياته. وكان رضى الخلق، محمود الخصال، عذب الشمائل، متواضعا رقيقا، يلبس الخلق من الثياب، ويرضى بالقليل من الزاد، لا يشغله عن العلم شى من مطالب الدنيا، اوشوون الحياة. قال ابن حجر: (وكان مقطعا في منزله لا يتردد الى احد الا الى سوق الكتب، وإذا حضر إليها لا يشترى شيئا، وانما يطالع في حانوت الكتبى طول نهاره ومعه ظهور اوراق يعلق فيها ما يعجبه، ثم يرجع فينقله الى تصانيفه) (1) وحكى تلميذه شمس الدين البرماوى انه كان منقطعا الى الاشتغال بالعلم لا يشتغل عنه بشى، وله اقارب يكفونه امر دنياه (2).

[ 5 ]

وكان يكتب مصنفاته بنفسه، وخطه ردئ جدا قل من يحسن استخراجه، كما اخبر بذلك ابن العماد (1)، ولهذا شاع في الكتب المنقولة عن خطه الغموض والابهام والتحريف والتصحيف، ولقى منها القراء والدارسون العناء الكثير. وتولى من المناصب خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى. وتوفى بمصر في رجب سنة اربع وتسعين وسبعمائة، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة بكتمر الساقى يرحمه الله. 2 - مؤلفاته * 1 - الاجابة على ايراد ما استدركته عائشة على الصحابة طبع بالمطبعة الهاشمية بدمشق سنة 1939، بتحقيق الاستاذ سعيد الافغاني. 2 - إعلام الساجد باحكام المساجد. منه نسخة خطية بمكتبة الجامع المقدس بصنعاء، كتبت سنة 791، وعنها نسخة مصورة على الميكرو فلم بدار الكتب المصرية. ومنه نسخة ايضا في مكتبة آصاف (2: 1148)، واخرى في مكتبة رامبور (1: 166). 3 - البحر المحيط في اصول الفقه. ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 483 - أصول.

[ 6 ]

4 - البرهان في علوم القران وياتى الكلام عليه. 5 - تخريج احاديث الشرح الكبير للرافعي (1)، المسمى بكتاب،، فتح العزيز على كتاب الوجيز،، ذكره السيوطي في حسن المحاضرة وصاحب كشف الظنون، وسماه الزركشي في كتاب الاجابة ص 87: (الذهب الابريز، في تخريج احاديث فتح العزيز). 6 - تشنيف المسامع بجمع الجوامع طبع في مجموع شروح جمع الجوامع بمصر سنة 1322 ه‍، ومنه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 489 - اصول 7 - تفسير القران ذكره السيوطي وقال: انه وصل فيه الى سورة مريم، وكذا اورده صاحب كشف الظنون 8 - تكملة شرح المنهاج للامام النووي. ذكره الاسدي في الطبقات، وابن العماد في الشذرات، وصاحب كشف الظنون وذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية بدار الكتب الظاهرية بدمشق (الجزء الثالث) برقم 345 - فقه الشافعي وكان الاستوى بدا في شرح المنهاج، وسماه (كافى المحتاج الى شرح المنهاج))

[ 7 ]

ووصل فيه الى باب المساقاة ولم يتمه، فاكمله الزركشي 9 - التنقيح لالفاظ الجامع الصحيح طبع بالمطبعة المصرية بمصر سنة 1933 م. ومنه نسخ خطية بدار الكتب المصرية بالارقام: 122، 123، 124، 125، 126، 1550، 35 م، 3 ش - حديث. 10 - خادم الرافعى والروضة في الفروع (1) ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة، ج والسيوطي في حسن المحاضزة، وابن العماد في الشذرات، وقال صاحب كشف الظنون: (ذكر في بغية المستفيد انه اربعة عشر مجلدا، كل منها خمس وعشرون كراسة، ثم انى رايت المجلد الاول منها افتتح بقوله: الحمد لله الذى امدنا بنعمائه...، وذكر انه شرح فيه مشكلات الروضة وفتح مغلقات فتح العزيز، وهو على اسلوب التوسط (2) للاذرعي، واخذه جلال الدين السيوطي، واختصره من الزكاة الى اخر الحج ولم يتمه، وسماه تحصين الخادم). وقال ابن حجر: (جمع الخادم على طريق المهمات (3)، فاستمد من التوسط

[ 8 ]

للاذرعي، لكن شحنه بالفوائد الزوائد، من المطلب (4) وغيره). ومنه نسخة خطية نفيسة بدار الكتب المصرية برق 21602 ب تقع في خمسة عشر مجلدا. 11 - خبايا الزوايا في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: (ذكر فيه ما ذكره الرافعى والنووي في غير مظنته من الابواب، فرد كل شكل الى شكله، وكل فرع الى اصله، واستدرك عليه عز الدين حمزة بن احمد الحسينى الدمشقي المتوفى سنة 874 وسماه بقايا الخبايا. ولبدر الدين ابن السعادات محمد بن محمد البلقينى المتوفى سنة 890 حاشية عليه). ومنه نسخة خطية بالمكتبة التيمورية برقم 307 - فقه، ونسخة بمكتبة جوته برقم 981، ونسخة بمكتبة البودليانا 1: 277. 12 - خلاصة الفنون الاربعة ومنه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5320 13 - الديباج في توضيح المنهاج ذكره السيوطي، وصاحب كشف الظنون، وهو غير تكملة شرج المنهاج. ونقل الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية في دار الكتب الظاهرية بدمشق

[ 9 ]

في مجلد - برقم 68 فقه الشافعي. ومنه ايضا نسختان بدار الكتب المصرية برقمى 102، 1137 - فقه الشافعي. - الذهب الابريز في تخريج احاذيث العزيز = تخريج احاديث الرافعى. 14 - ربيع الغزلان في الادب ذكره الاسدي في الطبقات، وصاحب كشف الظنون. 15 - رسالة في كلمات التوحيد. منها نسخة بمكتبة البلدية بالاسكندرية برقم 87 - فنون متنوعة 16 - زهر العريش في احكام الحشيش منه نسخة خطية في مكتبة بلدية الاسكندرية برقم 3812، ونسخة بدار الكتب المصرية برقم 150 مجاميع، ونسخة في مكتبة قوله برقم 25 مجاميع، ونسخة في مكتبة برلين برقم 5486، ونسخة في مكتبة جوته برقم 2096. 17 - سلاسل الذهب في الاصول منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 22095 ب، كتبت في عصر المؤلف. 18 - شرح الاربعين النووية (1). ذكره ابن حجر في الدرر الكامنة

[ 10 ]

19 - شرح البخاري ذكره السيوطي وكذا ابن حجر وقال: (شرع في شرح البخاري وترك مسودة وقفت على بعضها، ولخص منها كتاب التنقيح في مجلد) 20 - شرح التنبيه (1) للشيرازي ذكره السيوطي وصاحب كشف الظنون، ومنه نسخة خطية في مكتبة برلين برقم 4466، واخرى في باتانا 1: 91. - شرح الجامع الصحيح = شرح البخاري - شرح جمع الجوامع = تشنيف المسامع 21 - شرح الوجيز في الفروع للغزالي ذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم 2392. 22 - عقود الجمان وتذييل وفيات الاعيان لابن خلكان ذكر العلامة احمد تيمور في مقال له عن نوادر المخطوطات بمجلة الهلال سنة 28 أن منه نسخة في خزانة عارف حكمت بالمدينة. 23 - الغرر السوافر فيما يحتاج إليه المسافر. منه نسخة خطية بمكتبة توبنجن بالمانيا، وعنها نسخة مصورة بالميكروفلم

[ 11 ]

في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية. وذكر صاحب كشف الظنون انه مختصر على ثلاثة ابواب: الباب الاول في مدلول السفر، والثانى في ما يتعلق عند السفر، والثالث في الاداب المتعلقة بالسفر. - غنية المحتاج في شرح المنهاج = الديباج. 24 - فتاوى الزركشي ذكره صاحب كشف الظنون. 25 - في احكام التمنى منه نسخة خطية بمكتبة برلين برقم 5410 26 - القواعد في الفروع ذكره صاحب كشف الظنون وقال: (رتبها على حروف المعجم، وشرحها سراج الدين العبادي في مجلدين، واختصر الشيخ عبد الوهاب الاصل كما ذكر في متنه). وذكر الاستاذ الافغاني انه من (مخطوطات دمشق واسمه: القواعد والزوائد). ومنه نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية برقمى 853، 1103 - فقه شافعي، ونسخة بمكتبة الازهر برقم 151 - اصول، ونسخة بالخزانة التيمورية برقم 230 - اصول ونسخة بمكتبة برلين برقم 4605، ونسختان في احمد الثالث برقمى 1238، 1239 27 - الآلئ المنثورة في الاحاديث المشهورة. اورده بروكلمن في الذيل، وذكره صاحب كشف الظنون غفلا من اسم المؤلف.

[ 12 ]

28 - لقطة العجلان وبلة الظمآن في اصول الفقه والحكمة والمنطق. طبع بمصر سنة 1326 ه‍ مع تعليقات للشيخ جمال الدين القاسمي، وطبع مرة اخرى بدمشق. ومنه نسخة خطية محفوظة بدار الكتب المصرية برقم 573 - اصول 29 - مالا يسع المكلف جهله. منه نسخة خطية محفوظة بمكتبة الاوسكريال برقم 707. 30 - مجموعة الزركشي - في فقه الشافعي منه نسخة خطية بدار الكتب المصرية برقم 253 - فقه شافعي 31 - المعتبر في تخريج احاديث المنهاج والمختصر منه نسخة خطية في المكتبة التيمورية برقم 451 - حديث تيمور. وذكر الاستاذ سعيد الافغاني ان منه نسخة في دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 1115 - حديث - المنثور = القواعد - النكت على البخاري = التنقيح. 32 - النكت على عمدة الاحكام. ذكره ابن تغرى بردى في المنهل الصافى. 33 - النكت على ابن الصلاح (1) ذكره السيوطي.

[ 13 ]

3 - كتاب البرهان وكتاب البرهان في علوم القرآن من الكتب العتيدة التى جمدت عصارة اقوال المتقدمين، وصفوة آراء العلماء المحققين، حول القرآن الكريم، وكتاب الله الخالد، كسره على سبعة واربعين نوعا، كل نوع يدور حول موضوع خاص من علوم القرآن ومباحثه، يستاهل كل نوع ان يكون موضوعا خاص، حاول في كل موضوع ان يؤرخ له، ويحصى الكتب التى الفت فيه، ويشير الى العلماء والمحدثين، الى مباحث الفقهاء والاصوليين، الى قضايا المتكلمين واصحاب الجدل، الى مسائل العربية واراء ارباب الفصاحة والبيان، فجاء كما شاء الله كتابا فريدا في فنه، شريفا في اغراضه، مع سداد المنهج، وعذوبة المورد، وغزارة المادة، بعيدا عن التعمية واللبس، ناوئيا عن الحشو والفضول. ولكن هذا الكتاب لم يكن معروفا عند الباحثين، ولا متداولا بين الطلاب والدارسين، عدا قلة من المشغوفين بمعرفة النوادر ورواد المكتبات، شانه شان الكثير من كتب الزركشي على عظيم خطرها، وجلالة موضوعاتها، ومقدار غنائها ونفعها، حتى جاء جلال الدين السيوطي ووضع كتابه الاتقان، فدل الناس في مقدمته عليه، واشاد به، وعده اصلا من الاصول التى بنى عليها كتابه، وتأسي طريقته، وتقيل مذهبه، وسار في الدرب الذى رسمه، ونقل كثيرا من فصوله، مرة معزوة إليه، ومرة بدون عزو، وان كان فيما نقل عنه اقتضب الكلام اقتضبابا، واختصره اختصارا، وبهذا ظفر كتاب الاتقان بمنزلة مرموقة عند العلماء، وغدا مرجعا للباحثين حقبة من

[ 14 ]

الزمان، وظل كتاب البرهان متواريا عن العيان، مطمورا في زوايا النسيان. واعان على ذلك قلة نسخة المخطوطة، وتعذر الانتفاع بها. 4 - نسخ الكتاب وحينما تهيا لى العمل في هذا الكتاب وقفت على النسخ الاتية: 1 - نسخة مكتوبة بقلم نسخ واضح، قوبلت على اصلها، كما قوبلت على نسخة بخط المصنف، طالعها بعض العلماء واثبتوا بعض التعليقات على حواشيها، ومنهم العلامة محب الدين بن الشحنة المتوفى سنة 815 ه‍، مكتوبة بخط قديم ربما كان في عصر المصنف، كتبها احمد بن احمد المقدسي. والموجود من هذه النسخ الجزء الاول ينتهى بانتهاء الكلام في اقسام معنى الكلام ويقع في مائة وستين ورقة، وعدد اسطر صفحاتها سبعة وعشرون سطرا. وهى محفوظة بدار الكتب المصرية بمكتبة طلعت، برقم 456 - تفسير. وقد رمزت إليها بالحرف ط. 2 - نسخة وقعت في مجلدين: الاول كتب بخط نسخ واضح مضبوط بالحركات، ويبدو انه من خطوط القرن التاسع. ويقع في ست ومائتي ورقة، وعدد اسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا، وبه بياضات متفرقة في بعض المواضع. والثانى يكمل هذه النسخة بخطوط حديثة متعددة، آخره مؤرخ

[ 15 ]

في 11 ذى القعدة سنة 1335 بدون ذكر للاصل المنسوخ عنه، وبه ايضا بياضات متفرقة في بعض الاماكن ومواضع نقص. ويقع في ست وثلثمائة ورقة، وعدد اسطر كل صفحة خمسة وعشرون سطرا وهى محفوظة بالخزانة التيمورية برقم 256 - تفسير. وقد رمزت إليها بالحرف ت. 3 - نسخة مصورة عن نسخة مكتوبة بقلم معتاد بدون تاريخ، منقولة عن نسخة اخرى جاء في آخرها انها كتبت (في رابع عشر شهر شعبان الفرد من شهور سنة تسع وسبعين وثمانمائة). ويبدو من خطها انها مكتوبة في القرن العاشر وتقع في ثنتين وثلاثين وثلاثمائة ورقة، وعدد اسطر الصفحة واحد وثلاثون سطرا، وباولها فهرس لفصول الكتاب وابوابه واقسامه. واصل هذه النسخة محفوظ بمكتبة مدينة، الملحقة بمكتبة طوبقبوا سراى باستانبول برقم 170. وقد رمزت الى هذه النسخة بالحرف م. وقد اتخذت هذه النسخ اصلا للعمل في الكتاب، واثبت ما اخترت منها، واوضحت في الحاشية وجوه الاختلاف، كما انى رجعت الى ما تيسر لى الاطلاع عليه من الكتب التى رجع إليها المؤلف، في التفسير والحديث والفقه والنحو واللغة كالصرف والرسم والبلاغة والقراءات، فكان لها الفضل الكبير في جلاء الغامض، وتصحيح

[ 16 ]

المحرف، وتوضيح المشكل، واكمال الناقص، كما اعانتنى في الحواشى التى وشيت بها الكتاب. وما عدا العنوانات التى وضعها المؤلف جعلته بين علامتى الزيادة، والحقت بكل جزء فهارس موضاعته، اما الفهارس المفصلة العامة فسترد في آخر الكتاب ان شاء الله. وقد بذلت في تحقيقه ما استطعت من الجهد،. من الله استمد الرضا واستمنحه القبول. مصر الجديدة في 21 رمضان سنة 1276 21 أبريل سنة 1957 محمد أبو الفضل إبراهيم

[ 17 ]

نموذج لاول صفحة من نسخة تيمور (ت)

[ 19 ]

نموذج لآخر صفحة من نسخة طلعت (ط)

[ 1 ]

البرهان في علوم القران للامام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال الشيخ الامام العالم العلامة، وحيد الدهر، وفريد العصر، جامع أشتات الفضائل، وناصر الحق بالبرهان من الدلائل، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي، بلغه الله منه ما يرجوه. الحمد لله الذى نور بكتابه القلوب، وانزله في اوجز لفظ واعجز أسلوب، فاعيت بلاغته البلغاء، واعجزت حكمته الحكماء، وابكمت فصاحته الخطباء. احمده ان جعل الحمد فاتحة اسراره، وخاتمة تصاريفه واقداره، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبد ه ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، الظافر من المحامد بالخصل، (1)، الظاهر بفضله على ذوى الفضل. معلم الحكمة، وهادى الامة ارسله بالنور الساطع، والضياء اللامع، صلى الله عليه وعلى آله الابرار، وصحبه الاخيار. اما بعد، فان اولى ما اعملت فيه القرائح، وعلقت فيه القرائح، وعلقت به الافكار اللواقح، الفحص عن أسرار التنزيل، والكشف عن حقائق التأويل، الذى تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الامور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذى ليس بالهزل، سراج لايخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره.

[ 4 ]

بهرت بلاغته العقول وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر ايجازه واعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد احكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسم لفظه ومعناه، الى ماينشط السامع، ويقرط المسامع، من تجنيس انيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، وتقسيم وسيم، وتفصيل اصيل، وتبليغ بليغ، وتصدير بالحسن جدير، وترديد ماله مزيد، الى غير ذلك مما اجرى (1) من الصياغة البديغة، والصناعة الرفيعة، فلاذان باقراطه حالية، والاذهان من اسماطه غير خالية، فهو من تناسب الفاظه، وتناسق اغراضه، قلادة ذات اتساق، ومن تبسم رهره وتنسم نشره، حديقه مبهجة للنفوس والاسماع والاحداق، كل كلمة منه لها من نفسها طرب، ومن ذاتها عجب، ومن طلعتها غرة، ومن بهجتها درة، لاحت عليه بهجة القدرة، ونزل (2 ممن له الامر (2، فله على كل كلام سلطان وامره، بهر تمكن فواصله، وحسن ارتباط اواخره واوائله، وبديع اسارته، وعجيب انتقالته، من قصص باهرة، الى مواعظ زاجرة، وامثال سائرة، وادلة على التوحيد ظاهرة، وامثال بالتنزيه والتحميد سائرة، ومواقع تعجب واعتبار، ومواطن تنزيه واستغفار، أن كان سياق الكلام ترجية بسط، وان كان تخويفا قبض، وان كان وعدا ابهج، وان كان وعيدا ازعج، وان كان دعوة حدب، وان كان زجرة ارعب، وان كان موعظة اقلق، وان كان ترغيبا شوق، هذا، وكم فيه من زوايا وفى زواياه من خبايا ويطمع الحبر في التقاضى فيكشف الخبر عن قضايا فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بابدع معنى واغرب أسلوب.

[ 5 ]

لا يستقصى معانيه فهم، الخلق، ولا يحيط بوصفه على الاطلاق ذو اللسان الطلق، فالسعيد من صرف همته إليه، ووقف فكره وعزمه عليه، والموفق من وفقه الله لتدبره، واصطفاه للتذكير به وتذكره، فهو يرتع منه في رياض، ويكرع منه في حياض. اندى على الاكباد من قطر الندى والذ في الاجفان من سنة الكرى يملا القلوب بشرا (1)، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا، يحيى القلوب باوراده، ولهذا سماه الله روحا، فقال: (يلقى الروح من امره على من يشاء من عباده) (2)، فسماه روحا لانه يودى الى حياة الابد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح سببا للاقتدار، وعلما على الاعتبار. يزيد على طول التأمل بهجة كان العيون الناظرات صياقل وانما يفهم بعض معانية، ويطلع على اسراره ومبانيه، من قوى نظره، واتسع مجاله في الفكر وتدبره، وامتد باعه، ورقت طباعه، وامتد في فنون الادب، واحاط بلغة العرب. قال الحر الى (3) في جزء سماه: (مفتاح الباب المقفل، لفهم الكتاب المنزل): لله تعالى مواهب، جعلها اصولا للمكاسب، فمن وهبه عقلا يسر عليه السبيل، ومن ركب فيه خرقا نقص ضبطه من التحصيل، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في جميع

[ 6 ]

أموره علمه وفهمه، قال: واكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه، ووعيا عن كتابه، وتبصرة في الفرقان، واحاطة بما شاء من علوم القران، ففيه تمام شهود ماكتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم، بما يزيل بكريم عنايته من خطا اللاعبين، إذ فيه كل العلوم. وقال الشافعي رضى الله عنه: جميع ما تقوله الامة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقران. وجميع القرآن شرح اسماء الله الحسنى، وصفاته العليا - زاد غيره - وجميع الاسماء الحسنى شرج لاسمه الاعظم - وكما انه افضل من كل كلام سواه، فعلومه افضل من كل علم عداه، قال تعالى: (أفمن يعلم أنما أنزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى) (1). وقال تعالى: (يوتى الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا) (2). قال مجاهد (3): الفهم والاصابة في القران. وقال مقاتل (4): يعنى القران. وقال سفيان بن عيينه (5) في قوله تعالى: (سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) (6)، قال: احرمهم فهم القران. وقال سفيان الثوري (7): لا يجمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن ابدا.

[ 7 ]

وقال عبد العزيز بن يحيى الكنانى (1): مثل القران مثل الاسد لا يمكن من غيله سواه. وقال ذو النون المصرى (2): أبى الله عز وجل [ إلا ] (3) ان يحرم قلوب البطالين مكنون حكمة القران. قال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (4). وقال: (أفلا يتدبرون القران) (5). وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) (6) قال: القران، يقول: أرشدنا الى علمه. وقال الحسن البصري (7): علم (8) القران ذكر لا يعلمه إلا الذكور من الرجال. وقال الله جل ذكره: (فان تنازعتم في شئ فردوه الى الله والرسول) (9). وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الى الله) (10)، يقول: الى كتاب الله.

[ 8 ]

وكل علم من العلوم منزع من القرآن، وإلا فليس له برهان. قال ابن مسعود: من اراد العلم فليثور (1) القرآن، فان فيه علم الاولين والاخرين. (2 رواه البيهقى في المدخل وقال: اراد به اصول العلم (2. وقد كانت الصحابة رضى الله عنهم علماء،، كل منهم مخصوص بنوع من العلم كعلى رضى الله تعالى عنه بالقضاء، وزيد الفرائض، ومعاذ بالحلال والحرام، وابى بالقراءة، فلم يسم احد منهم بحرا (3) إلا عبد الله بن عباس لاختصاصه دونهم بالتفسير وعلم التأويل، وقال فيه على بن ابى طالب: كانما ينظر الى الغيب من ستر رقيق. وقال عبد الله بن مسعود: نعم ترجمان القران عبد الله بن عباس، وقد مات ابن مسعود في سنة ثنتين وثلاثين، وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود ! نعم، كان لعلى فيه اليد السابقة قبل ابن عباس، وهو القائل: لو اردت ان املى وقر بعير على الفاتحة لفعلت. وقال ابن عطية (4): فاما (5) صدر المفسرين والمؤيد فيهم على بن ابى طالب، ويتلوه ابن عباس رضى الله عنهما، وهو تجرد للامر [ وكمله ] (6)، وتتبعه العلماء عليه، كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما. وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب الشعبى وغيرهما يعظمون القران، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لانفسهم، مع ادراكهم وتقدمهم.

[ 9 ]

ثم جاء بعدهم طبقة فطبقة، فجدوا واجتهدوا، وكل ينفق مما رزق الله، ولهذا كان (1) سهل بن عبد الله يقول: لو اعطى العبد بكل حرف من القران الف فهم لم يبلغ نهاية ما اودعه في آية من كتابه، لانه كلام الله، وكلامه صفته. وكما انه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه. وانما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه. وكلام الله غير مخلوق، ولا تبلغ الى نهاية فهمه فهو محدثه مخلوقه. ولما كانت علوم القران لا تنحصر، ومعانيه لا تستقصى، وجبت العناية بالقدر (2) الممكن. ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على انواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة الى علم الحديث، فاستخرت الله تعالى - وله الحمد - في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه، وخاضوا في نكته وعيونه، وضمنته من المعاني الانيقة، والحكم الرشيقة، مايهز القلوب طربا، ويبهر العقول عجبا، ليكون مفتاحا لابوابه، عنوانا على كتابه، معينا للمفسر على حقائقه، ومطلعا على بعض اسراره ودقائقه، والله المخلص والمعين، وعليه اتوكل، وبه استعين، وسميته: (البرهان في علوم القران). وهذه فهرست أنواعه: الاول: معرفة سبب النزول. الثاني: معرفة المناسبات بين الايات. الثالث معرفة الفواصل. الرابع معرفة الوجوه والنظائر. الخامس علم المتشابه.

[ 10 ]

السادس علم المبهمات السابع في اسرار الفواتح. الثامن في خواتم السور. التاسع في معرفة المكى والمدنى. العاشر معرفة اول ما نزل. الحادى عشر: معرفة على كم لغة نزل. الثاني عشر: في كيفية انزاله. الثالث عشر في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة. الرابع عشر معرفة تقسيمه. الخامس عشر معرفة اسمائه. السادس عشر معرفة ما وقع فيه من غير لغة الحجاز. السابع عشر معرفة ما فيه من غير لغة العرب الثامن عشر معرفة غريبه. التاسع عشر معرفة التصريف. العشرون معرفة الاحكام. الحادى والعشرون معرفة كون اللفظ أو التركيب احسن وافصح. الثاني والعشرون معرفة اختلاف الالفاظ بزيادة أو نقص. الثالث والعشرون معرفة توجيه القراءات. الرابع والعشرون معرفة الوقف والابتداء. الخامس والعشرون علم مرسم الخط. السادس والعشرون معرفة فضائله.

[ 11 ]

السابع والعشرون معرفة خواصه. الثامن والعشرون هل في القران شئ افضل من شئ. التاسع والعشرون في آداب تلاوته. الثلاثون في انه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات القران. الحادى والثلاثون: معرفة الامثال الكائنة فيه. الثاني والثلاثون معرفة احكامه. الثالث والثلاثون في معرفة جدله. الرابع والثلاثون معرفة ناسخه ومنسوخه. الخامس والثلاثون معرفة توهم المختلف. السادس والثلاثون في معرفة المحكم من المتشابه. السابع والثلاثون في حكم الايات المتشابهات الواردة في الصفات. الثامن والثلاثون معرفة اعجازه التاسع والثلاثون معرفة وجوب تواتره. الاربعون في بيان حقيقته ومجازه. الرابع والاربعون في الكناية والتعريض. الخامس والاربعون في اقسام معنى الكلام

[ 12 ]

السادس والاربعون في ذكر ما يتيسر من اساليب القران. السابع والاربعون في معرفة الادوات. واعلم انه من نوع من هذه الانواع إلا ولو أراد الانسان استقصاءه، لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم امره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على اصوله، والرمز الى بعض فصوله، (1 فان الصناعة طويلة والعمر قصير 1)، وماذا عسى ان يبلغ لسان التقصير ! قالوا خذ العين من كل فقلت لهم * في العين فضل ولكن ناظر العين. كتاب البرهان في علوم القرآن

[ 13 ]

فصل في علم التفسير التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وقد أكثر الناس فيه من الموضوعات ما بين مختصر ومبسوط وكلهم يقتصر على الفن الذى يغلب عله فالزجاج والواحدي في البسيط يغلب عليهما الغريب والثعلبي يغلب عليه القصص والزمخشري علم البيان والإمام فخر الدين علم الكلام وما في معناه من العلوم العقلية

[ 14 ]

واعلم أن من المعلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وأنزل كتابه على لغتهم وإنما احتيج إلى التفسير لما سنذكر بعد تقرير قاعدة وهى أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة أحدها كمال فضيلة المصنف فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية ومن هنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له وثانيها قد يكون حذف بعض مقدمات الأفيسة بكر أو أغفل فيها شروطا اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج الشارح لبيان المحذوف ومراتبه وثالثها احتمال اللفظ لمعان ثلاثة كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام فيحتاج الشارح الى بيان غرض المصنف وترجيحه وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو منه بشر من السهو والغلط وتكرار الشئ وحذف المهم وغير ذلك فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك وإذا علم هذا فنقول إن القرآن إنما أنزل بلسان عربي مبين في زمن أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر من سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأكثر كسؤالهم لما نزل ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فقالوا أينا لم يظلم نفسه ففسره النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك واستدل

[ 15 ]

عليه بقوله تعالى إن الشرك يظلم عظيم وكسؤال عائشة رضى الله عنها عن الحساب اليسير فقال ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب وكقصة عدى ابن حاتم في الخيط الذى وضعه تحت رأسه وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه ولم ينقل إلينا عنهم تفسير القرآن وتأويله بجملته فنحن نحتاج إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ما لم يكونوا محتاجين إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير ومعلوم أن تفسيره يكون بعضه من قبيل بسط الألفاظ الوجيزة وكشف معانيها وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض لبلاغته ولطف معانيه ولهذا لا يستغنى عن قانون عام يعول في تفسيره عليه ويرجع في تفسيره إليه من معرفة مفردات ألفاظه ومركباتها وسياقه وظاهره وباطنه وغير ذلك مما لا يدخل تحت الوهم ويدق عنه الفهم بين أقداحهم قد حديث قصير * هو سحر وما سواه كلام وفى هذا تتفاوت الأذهان وتتسابق في النظر إليه مسابقة الرهان فمن سابق بفهمه وراشق وفي كبد الرمية بسهمه وآخر رمى فأشوى وخبط في النظر خبط عشوا كما قيل وأين الدقيق من الركيك وأين الزلال من الزعاق

[ 16 ]

وقال القاضى شمس الدين الخويى رحمه الله علم التفسير عسير يسير أما عسره فظاهر من وجوه أظهرها أنه كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه ولا إمكان للوصول إليه بخلاف الأمثال والأشعار فإن الإنسان يمكن علمه بمراد المتكلم بأن يسمع منه أو يسمع ممن سمع منه أما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول عليه السلام وذلك متعذر إلا في آيات قلائل فالعلم بالمراد يستنبط بأمارات ودلائل والحكمة فيه أن الله تعالى أراد أن يتفكر عباده في كتابه فلم يأمر نبيه بالتنصيص على المراد وإنما هو عليه السلام صوب رأى جماعة من المفسرين فصار ذلك دليلا قاطعا على جواز التفسير من غير سماع من الله ورسوله قال واعلم أن بعض الناس يفتخر ويقول كتبت هذا وما طالعت شيئا من الكتب ويظن أنه فخر ولا يعلم أن ذلك غاية النقص فإنه لا يعلم مزية ما قاله على ما قيل ولا مزية ما قيل على ما قاله فبماذا يفتخر ومع هذا ما كتبت شيئا إلا خائفا من الله مستعينا به معتمدا عليه فما كان حسنا فمن الله وفضله بوسيلة مطالعة كلام عباد الله الصالحين وما كان ضعيفا فمن النفس الأمارة بالسوء فصل في علوم القرآن ذكر القاضى أبو بكر بن العربي في كتاب قانون التأويل إن علوم القرآن

[ 17 ]

خمسون علما وأربعمائة وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة قال بعض السلف إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومقطع وهذا مطلق دون اعتبار تراكيبه وما بينها من روابط وهذا ما لا يحصى ولا يعلمه إلا الله عزوجل قال وأم علوم القرآن ثلاثة أقسام توحيد وتذكير وأحكام فالتوحيد تدخل فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله والتذكير ومنه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن والأحكام ومنها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والأمر والنهى والندب فالأول وإلهكم إله واحد فيه التوحيد كله في الذات والصفات والأفعال والثانى وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثالث وأن احكم بينهم ولذلك قيل في معنى كل قوله صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن يعنى في الأجر وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقيل ثلثه في المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام كما ذكرنا وهذه السورة اشتملت على التوحيد ولهذا المعنى صارت فاتحة الكتاب أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة فأما التوحيد فمن أولها إلى قوله يوم الدين وأما الأحكام ف إياك نعبد وإياك نستعين وأما التذكير فمن قوله اهدنا إلى آخرها فصارت بهذا أما لأنه يتفرع عنها كل نبت

[ 18 ]

وقيل صارت أما لأنها مقدمة على القرآن بالقبلية والأم قبل البنت وقيل سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه مذكورة في مواضعها وقال أبو الحكم بن برجان في كتاب الإرشاد وجملة القرآن تشتمل على ثلاثة علوم علم أسماء الله تعالى وصفاته ثم علم النبوة وبراهينها ثم علم التكليف والمحنة قال وهو أعسر لإغرابه وقلة انصراف الهمم إلى تطلبه مكانه وقال غيره القرآن يشتمل على أربعة أنواع من العلوم أمر ونهى وخبر واستخبار وقيل سنة وزاد الوعد والوعيد وقال محمد بن جرير الطبري يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والأخبار والديانات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وهذه السورة تشمل التوحيد كله وقال على بن عيسى القرآن يشتمل على ثلاثين شيئا الإعلام والتنبيه والأمر والنهى والوعد والوعيد ووصف الجنة والنار وتعليم الإقرار باسم الله وصفاته وأفعاله وتعليم الاعتراف بإنعامه والاحتجاج على المخالفين والرد على الملحدين والبيان عن الرغبة والرهبة الخير والشر والحسن والقبيح ونعت الحكمة وفضل المعرفة

[ 19 ]

ومدح الأبرار وذم الفجار والتسليم والتحسين والتوكيد والتفريع والبيان عن ذم الإخلاف وشرف الأداء قال القاضى أبو المعالى عزيزى وعلى التحقيق أن تلك الثلاثة التى قالها محمد بن جرير تشمل هذه كلها بل أضعافها فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى غرائبه وعجائبه قال تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو وقال غيره علوم ألفاظ القرآن أربعة الإعراب وهو في الخبر والنظم وهو القصد نحو واللائى لم يحضن معنى باطن نظم بمعنى ظاهر وقوله قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق كأنه قيل قالوا ومن يبدأ الخلق ثم يعيده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الله يبدأ الخلق لفظ ظاهر نظم بمعنى باطن والتصريف في الكلمة كأقسط فلا عدل وقسط جار وبعد ضد قرب وبعد هلك والاعتبار وهو معيار الأنحاء الثلاثة وبه يكون الاستنباط والاستدلال وهو كثير منه ما يعرف بفحوى الكلام ومعنى اعتبرت الشئ طلبت بيانه عبرت الرؤيا بينتها قال الله تعالى فاعتبروا بعد هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل

[ 20 ]

الكتاب من ديارهم دل على أن انتقامه بالخروج من الدار من أعظم الوجوه وأول الحشر دل على أن لها توابع لأن أول لا يكون إلا مع آخر وكان هذا في بنى النضير ثم أهل نجران ما ظننتم أن يخرجوا إلا بنبأ وأنهم يستقلون عدد من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء فيه دليل على أن الاخراج مثل العذاب في الشدة إذ جعل بدله وقد يتعدد الاعتبار نحو أتانى غير زيد أي أتياه أو أتاه غير زيد لا هو لو شئت أنت لم أفعل أمرتنى أو نهيتني قال الله تعالى لو شاء الله ما عبدنا رد عليهم بأن الله لا يأمر بالفحشاء بدليل قوله والله أمرنا بها وإذا حللتم فاصطادوا فالاعتبار إباحة ومن الاعتبار ما يظهر بآى أخر كقوله فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا فهذه تعتبر بآخر الواقعة من أن الناس على ثلاثة منازل أي أحل كل فريق في منزلة له والله بصير بمنازلهم

[ 21 ]

ومنه ما يظهر بالخبر كقوله تعالى قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله بمعنى الحديث إن اليهود قالوا لو جاء به ميكائيل لاتبعناك لأنه يأتي بالخير وجبريل لم يأت بالخير قط وأى خير أجل من القرآن ومن ضروب النظم قوله تعالى من كان يريد العزة فلله إن حمل على أن يعتبر أن العزة له لم ينتظم به ما بعده وإن حمل على معنى أن يعلم لمن العزة انتظم

[ 22 ]

النوع الأول معرفة أسباب النزول وقد اعتنى بذلك المفسرون في كتبهم وأفردوا فيه تصانيف منهم على بن المديني شيخ البخاري ومن أشهرها تصنيف الواحدى في ذلك وأخطأ من زعم أنه لا طائل تحته لجريانه مجرى التاريخ وليس كذلك بل له فوائد منها وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب ومنها الوقوف على المعنى قال الشيخ أبو الفتح القشيرى بيان سبب النزول طريق قوى في فهم معاني الكتاب العزيز وهو أمر تحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا ومنها أنه قد يكون اللفظ عاما ويقوم الدليل على التخصيص فإن محل السبب لا يجوز

[ 23 ]

إخراجه بالاجتهاد والإجماع كما حكاه القاضى أبو بكر في مختصر التقريب لأن دخول السبب قطعي ونقل بعضهم الاتفاق على أن لتقدم السبب على ورود العموم أثرا ولا التفات إلى ما نقل عن بعضهم من تجويز إخراج محل السبب بالتخصيص لأمرين أحدهما أنه يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز والثاني أن فيه عدولا عن محل السؤال وذلك لا يجوز في حق الشارع لئلا يلتبس على السائل واتفقوا على أنه تعتبر النصوصية في السبب من جهة استحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة وتؤثر أيضا فيما وراء محل السبب وهو إبطال الدلالة على قول والضعف على قول ومن الفوائد أيضا دفع توهم الحصر قال الشافعي ما معناه في معنى قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما الآية إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله وكانوا على المضادة والمحادة جاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا منزلة من يقول لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة والغرض المضادة لا النفى والإثبات على الحقيقة فكأنه قال لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والذم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذا القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل قال إمام الحرمين وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا

[ 24 ]

نستجير مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية وهذا قد يكون من الشافعي أجراه مجرى التأويل ومن قال بمراعاة اللفظ دون سببه لا يمنع من التأويل وقد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر وآية اللعان في شأن هلال بن أمية ونزول حد القذف في رماة عائشة رضى الله عنها ثم تعدى إلى غيرهم وإن كان قد قال سبحانه والذين يرمون المحصنات فجمعها مع غيرها إما تعظيما لها إذ أنها أم المؤمنين

[ 25 ]

ومن رمى أم قوم فقد رماهم وإما للإشارة إلى التعميم ولكن الرماة لها كانوا معلومين فتعدى الحكم إلى من سواهم فمن يقول بمراعاة حكم اللفظ كان الاتفاق هاهنا هو مقتضى الأصل ومن قال بالقصر على الأصل خرج عن الأصل في هذه الآية بدليل ونظير هذا تخصيص الاستعاذة بالإناث في قوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد لخروجه على السبب وهو أن بنات لبيد سحرن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا قال أبو عبيد وفيه نظر فإن الذى سحر النبي صلى الله عليه وسلم هو لبيد ابن الأعصم كما جاء في الصحيح وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصة وتوضع كل واحدة منها مع ما يناسبهاا منه من الآى رعاية لنظم القرآن وحسن السياق فذلك الذى وضعت معه الآية نازلة على سبب خاص للمناسبة إذ كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان من جملة الأفراد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام فدلالة اللفظ عليه هل هي كالسبب فلا يخرج ويكون مرادا من الآيات قطعا أولا ينتهى في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبهة به فيه احتمال

[ 26 ]

واختار بعضهم أنه رتبة متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد ومثاله قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فإن مناسبتها للآية التى قبلها وهى قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قدم إلى مكة وشاهد قتلى بدر وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغزو النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه من أهدى سبيلا النبي صلى الله عليه وسلم أو هم فقال أنتم كذبا منه وضلالة لعنه الله فتلك الآية في حقه وحق من شاركه في تلك المقالة وهم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وقد أخذت عليهم المواثيق ألا يكتموا ذلك وأن ينصروه وكان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها وذلك مناسب لقوله إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى إلى أهلها قال ابن العربي في تفسيره وجه النظم أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلى الله عليه وسلم وقولهم إن المشركين أهدى سبيلا فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات انتهى ولا يرد على هذا أن قصة كعب بن الأشرف كانت عقب بدر ونزول إن الله يأمركم في الفتح أو قريبا منها وبينهما ست سنين لأن الزمان إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضعها في المواضع التى علم من الله تعالى أنها مواضعها

[ 27 ]

ومن فوائد هذا العلم إزالة الإشكال ففى الصحيح عن مروان بن الحكم أنه بعث إلى ابن عباس يسأله لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعوفقال ابن عباس هذه الآية نزلت في أهل الكتاب ثم تلا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه إلى قوله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله وسلم عن شئ فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه انتهى قال بعضهم وما أجاب به ابن عباس عن سؤال مروان لا يكفى لأن اللفظ أعم من السبب ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي

[ 28 ]

زور وإنما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين وهما الفرح وحب الحمد لا عليهما أنفسهما إذ هما من الأمور الطبيعية التى لا يتعلق بها التكليف أمرا ولا نهيا قلت لا يخفى عن ابن عباس رضى الله عنه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك فيما سبق ومن ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية وخفى عليها سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى في بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ومن ذلك قوله تعالى واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم الآية قد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة وقد بينه سبب النزول روى

[ 29 ]

أن ناسا قالوا يا رسول الله قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللائى لم يحضن من الصغار والكبار فنزلت فهذا يبين معنى آرتبتم أي إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن ومن ذلك قوله تعالى المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنا لو تركنا مدلول اللفظ لاقتضى أن المصلى لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع فلا يفهم مراد الآية حتى يعلم سببها وذلك أنها نزلت لما صلى النبي صلى عليه وسلم على راحلته وهو مستقبل من مكة إلى المدينة حيث توجهت به فعلم أن هذا هو المراد ومن ذلك قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فإن سبب نزولها أن قوما أرادوا الخروج للجهاد فمنعهم أزواجهم وأولادهم فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم أنزل في بقيتها ما يدل على الرحمة وترك المؤاخذة فقال وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم فيما نزل مكررا وقد ينزل الشئ مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة وأخرى بالمدينة وكما ثبت في

[ 30 ]

الصحيحين عن أبى عثمان النهدي عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات فقال الرجل إلى هذا فقال بل لجميع أمتى فهذا كان في المدينة والرجل قد ذكر الترمذي أو غيره أنه أبو اليسر وسرة هود مكية بالاتفاق ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة ومثله ما في الصحيحين عن ابن مسعود في قوله تعالى ويسألونك عن الروح أنها نزلت لما سأله اليهود عن الروح وهو في المدينة ومعلوم أن هذه في سورة وهى مكية بالاتفاق فإن المشركين لما سألوه عن ذى القرنين وهن أهل الكهف قيل ذلك بمكة وأن اليهود أمروهم أن يسألوه عن ذلك فأنزل الله الجواب كما قد بسط في موضعه وكذلك ما ورد في هو الله أحد أنها جواب للمشركين بمكة وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة

[ 31 ]

وكذلك ما ورد في الصحيحين من حديث المسيب لما حضرت أبا طالب الوفاة وتلكأ عن الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه فأنزل الله كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى وأنزل الله في أبى طالب إنك لا تهدى من أحببت وهذه الآية نزلت في آخر الأمر بالاتفاق وموت أبى طالب كان بمكة فيمكن أنها نزلت مرة بعد أخرى وجعلت أخيرا في براءة والحكمة في هذا كله أنه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها فتؤدى تلك الآية بعينها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تذكيرا لهم بها وبأنها تتضمن هذه والعالم قد يحدث له حوادث فيتذكر أحاديث وآيات تتضمن الحكم في تلك الواقعة وإن لم تكن خطرت له تلك الحادثة قبل مع حفظه لذلك النص وما يذكره المفسرون من أسباب متعددة لنزول الآية قد يكون من هذا الباب لا سيما وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال نزلت هذه الآية

[ 32 ]

في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها وجماعة من المحدثين يجعلون هذا من المرفوع المسند كما في قول ابن عمر في قوله تعالى حرث لكم وأما الإمام أحمد فلم يدخله في المسند وكذلك مسلم وغيره وجعلوا هذا مما يقال بالاستدلال وبالتأويل فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية لا من جنس النقل لما وقع فصل خصوص السبب وعموم الصيغة وقد يكون السبب خاصا والصيغة عامة لينبه على أن العبرة بعموم اللفظ وقال الزمخشري في نفس سورة الهمزة يجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما ليتناول كل من باشر ذلك القبيح وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه فإن ذلك أزجر له وأنكى فيه تقدم نزول الآية على الحكم واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم وهذا كقوله تعالى قد أفلح من تزكى فإنه يستدل بها على زكاة الفطر روى البيهقى بسنده إلى ابن عمر

[ 33 ]

أنها نزلت في زكاة رمضان ثم أسند مرفوعا نحوه وقال بعضهم لا أدرى ما وجه هذا التأويل لأن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة وأجاب البغوي في تفسيره انه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد فالسورة مكية وظهور أثر الحل يوم فتح مكة حتى: قال عليه السلام أحلت لى ساعة من نهار وكذلك نزل بمكة الجمع ويولون الدبر قال عمر بن الخطاب كنت لا أدرى أي الجمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الجمع ويولون الدبر فائدة روى البخاري في كتاب الأدب المفرد في بر الوالدين عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال نزلت في أربع آيات من كتاب الله عز وجل كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا والثانية انى كنت أخذت سيفا فأعجبني فقلت يا رسول الله هب لى هذا

[ 34 ]

فنزلت عن الأنفال والثالثة أنى كنت مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى أريد أن أقسم مالى أفأوصى بالنصف فقال لا فقلت الثلث فسكت فكان الثلث بعد جائزا والرابعة أنى شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفى بلحى جمل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر واعلم أنه جرت عادة المفسرين أن يبدءوا بذكر سبب النزول ووقع البحث أيما أولى البداءة به بتقدم السبب على المسبب أو بالمناسبة لأنها المصححة لنظم الكلام وهى سابقة على النزول والتحقيق التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كالآية السابقة في الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فهذا ينبغى فيه تقديم ذكر السبب لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد وإن لم يتوقف على ذلك فالأولى تقديم وجه المناسبة

[ 35 ]

النوع الثاني معرفة المناسبات بين الآيات وقد أفرده بالتصنيف الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخ الشيخ أبى حيان وتفسير الإمام فخر الدين فيه شئ كثير من ذلك واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول والمناسبة في اللغة المقاربة وفلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله ومنه النسيب الذى هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما وهو القرابة ومنه المناسبة في العلة في باب القياس الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول وكذلك المناسبة في فواتح الآى وخواتمها ومرجعها والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلي أو حسى أو خيالي وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهنى كالسبب والمسبب والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ونحوه أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر

[ 36 ]

وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم غير الأجزاء وقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي وقال في تفسيره أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط وقال بعض الأئمة من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم وفوائده غزيرة قال القاضى أبو بكر بن العربي في سراج المريدين ارتباط آى القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله عز وجل لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه وقال الشيخ أبو الحسن الشهرابانى أحمد أول من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري وكان غزير العلم في الشريعة والأدب وكان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه الآية لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة وكان يزرى على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة انتهى

[ 37 ]

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام المناسبة علم حسن ولكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب بعد مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها انتهى قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف وحافظ القرآن العظيم لو استفتى في أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كرآية يقول كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير قال والذى ينبغى في كل آية أن يبحث أول كل شئ عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له

[ 38 ]

قلت وهو مبنى على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح كما سيأتي وإذا اعتبرت افتتاح كل سوره وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها الذي ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى كافتتاح سورة الأنعام بالحمد فإنه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال سبحانه وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين لأن وكافتتاح سورة فاطر ب الحمد أيضا فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل وكما قال تعالى فقطع دابر القوم وقد الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح فإنه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به وكافتتاح البقرة بقوله آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه إشارة إلى الصراط في قوله اهدنا الصراط المستقيم كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم ذلك الصراط الذى سألتم الهداية إليه هو الكتاب وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة وهو يرد سؤال الزمخشري في ذلك وتأمل ارتباط سورة لإيلاف قريش بسورة الفيل حتى قال الأخفش اتصالها بها من باب قوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا

[ 39 ]

ومن لطائف سورة الكوثر أنها كالمقابلة للتى قبلها لأن السابقة قد وصف الله فيها المنافق بأمور أربعة البخل وترك الصلاة والرياء فيها ومنع الزكاة فذكر هنا في مقابلة البخل إنا أعطيناك الكوثر أي الكثير وفى مقابلة ترك الصلاة فصل أي دم عليها وفى مقابلة الرياء لربك أي لرضاه لا للناس وفى مقابلة منع الماعون وانحر وأراد به التصدق بلحم الأضاحى فاعتبر هذه المناسبة العجيبة وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح وسورة الكهف بالتحميد لأن التسبيح حيث جاء مقدم على التحميد يقال سبحان الله والحمد الله وذكر الشيخ كمال الدين الزملكانى في بعض دروسه مناسبة استفتاحها بذلك ما ملخصه إن سورة بنى إسرائيل افتتحت بحديث الإسراء وهو من الخوارق الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول من عند الله والمشركون كذبوا ذلك وقالوا كيف يسير في ليلة من مكة إلى بيت المقدس وعادوا وتعنتوا وقالوا صف لنا بيت المقدس فرفع له حتى وصفه لهم والسبب في الإسراء أولا لبيت المقدس ليكون ذلك دليلا على صحة قوله بصعود السموات فافتتحت بالتسبيح تصديقا لنبيه فيما ادعاه لأن تكذيبهم له تكذيب عناد فنزه نفسه قبل الإخبار بهذا الذى كذبوه أما الكهف فإنه لما احتبس الوحى وأرجف الكفار بسبب ذلك أنزلها الله ردا عليهم وأنه لم يقطع نعمه عن نبيه صلى الله عليه وسلم بل أتم عليه بإنزال الكتاب فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة وإذا ثبت هذا بالنسبة إلى السور فما ظنك بالآيات وتعلق بعضها ببعض بل عند التأمل يظهر أن القرآن كله كالكلمة الواحدة

[ 40 ]

أنواع ارتباط الآى بعضها ببعض عدنا إلى ذكر ارتباط الآى بعضها ببعض فنقول ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يظهر الارتباط بينهما لتعلق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على جهة التأكيد والتفسير أو الاعتراض والتشديد وهذا القسم لا كلام فيه وإما ألا يظهر الارتباط بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خلاف النوع المبدوء به فإما أن تكون معطوفة على ما قبلها بحرف من حروف العطف المشترك في الحكم أولا القسم الأول أن تكون معطوفة ولا بد أن تكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه كقوله تعالى يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وقوله والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون وفائدة العطف جعلهما كالنظيرين والشريكين وقد تكون العلاقة بينهما المضادة وهذا كمناسبة ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب والرغبة بعد الرهبة وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سبق ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهي وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك وقد تأتى الجملة معطوفة على ما قبلها ويشكل وجه الارتباط فتحتاج إلى شرح ونذكر من ذلك صورا يلتحق بها ما هو في معناها فمنها قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها الآية فقد يقال أي رابط بين أحكام الأهلة وبين حكم إتيان البيوت والجواب من وجوه

[ 41 ]

أحدها كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الحكمة في تمام الأهلة ونقصانها معلوم أن كل ما يفعله الله فيه حكمة ظاهرة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شئ وأنتم تحسبونها برا الثاني أنه من باب الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج وكان هذا من أفعالهم في الحج ففى الحديث أن ناسا من الأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإن أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما يصعد به وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم ليس البر بتحرجكم علي من دخول الباب لكن البر بر من اتقى ما حرم الله وكان من حقهم السؤال عن هذا وتركهم السؤال عن الأهلة ونظيره في الزيادة على الجواب قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المتوضئ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه الحل ميتته الثالث أنه من قبيل التمثيل لما هم عليه من تعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم كمثل من يترك بابا ويدخل من ظهر البيت فقيل لهم ليس البر ما أنتم عليه من تعكيس الأسئلة ولكن البر من اتقى ذلك ثم قال الله سبحانه وأتوا البيوت من أبوابها أي باشروا الأمور من وجوهها التى يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا والمراد أن يصمم القلب على أن جميع أفعال الله حكمة منه وأنه لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون فإن في السؤال اتهاما ومنها قوله سبحانه وتعالى سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام

[ 42 ]

إلى المسجد الأقصى إلى أن قال واتينا موسى الكتاب فإنه قد يقال أي رابط بين الإسراء ووآتينا موسى الكتاب ووجه اتصالها بما قبلها أن التقدير أطلعناه على الغيب عيانا وأخبرناه بوقائع من سلف بيانا لتقوم أخباره على معجزته برهانا أي سبحان الذى أطلعك على بعض آياته لتقصها حتى ذكرا وأخبرك بما جرى لموسى وقومه في الكرتين لتكون قصتهما آية أخرى أو أنه أسرى بمحمد إلى ربه كما أسرى بموسى من مصر حين خرج منها خائفا يترقب ثم ذكر بعده ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ليتذكر بنو إسرائيل نعمة الله عليهم قديما حيث نجاهم من الغرق إذ لو لم ينج أباهم من أبناء نوح لما وجدوا وأخبرهم أن نوحا كان عبدا شكورا وهم ذريته والولد سر أبيه فيجب أن يكونوا شاكرين كأبيهم لأنه يجب أن يسيروا سيرته فيشكروا وتأمل كيف أثنى عليه وكيف تليق صفته بالفاصلة ويتم النظم بها مع خروجها مخرج المرور عن الكلام الأول إلى ذكره ومدحه بشكره وأن يعتقدوا تعظيم تخليصه إياهم من الطوفان بما حملهم عليه ونجاهم منه حين أهلك من عداهم وقد عرفهم أنه إنما يؤاخذهم بذنوبهم وفسادهم فيما سلط عليهم من قتلهم ثم عاد عليهم بالإحسان والإفضال كى يتذكروا ويعرفوا قدر نعمة الله عليهم وعلى نوح الذى ولدهم وهم ذريته فلما صارو إلى جهالتهم وتمردوا عاد عليهم التعذيب ثم ذكر تعالى في ثلاث آيات بعد ذلك معنى هذه القصة بكلمات قليلة العدد كثيرة الفوائد لا يمكن شرحها إلا بالتفصيل الكثير والكلام الطويل مع ما اشتمل عليه من التدريج العجيب والموعظة العظيمة بقوله إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم

[ 43 ]

فلها ولم ينقطع بذلك نظام الكلام إلى أن خرج إلى قوله عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا يعنى إن عدتم إلى الطاعة عدنا إلى العفو ثم خرج خروجا آخر إلى حكمة القرآن لأنه الآية الكبرى وعلى هذا فقس الانتقال من مقام إلى مقام حتى ينقطع الكلام وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن العظيم على النوع المسمى بالتخلص وقد أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمى تعالى وقال ليس في القرآن الكريم منه شئ لما فيه من التكلف وليس كما قال ومن أحسن أمثلته قوله تعالى الله نور السموات والأرض الآية فإن فيها خمس تخلصات فإن وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله ثم تخلص منه الى ذكر الزجاجة وصفتها ثم رجع الى ذكر النور والزيت يستمد منه ثم التخلص منه إلى ذكر الشجرة ثم تخلص من ذكرها إلى صفة الزيت ثم تخلص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه ثم تخلص منه إلى نعم الله بالهدى على من يشاء ومنه قوله تعالى سأل سائل بعذاب واقع الآية فإنه سبحانه ذكر أولا عذاب الكفار وأن لا دافع له من الله ثم تخلص إلى قوله تعرج الملائكة والروح إليه بوصف الله ذى المعارج ومنه قوله تعالى واتل عليهم نبأ إبرهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون

[ 44 ]

إلى قوله فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين فهذا تخلص من قصة إبراهيم وقومه إلى قوله هكذا وتمنى الكفار في الدار الآخرة الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل وهذا تخلص عجيب وقوله قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون انتم واباءكم عمر الاقدمون فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الذى خلقني فهو يهدين وذلك أنه لما أراد الانتقال من أحوال أصنامهم إلى ذكر صفات الله قال إن أولئك لى أعداء إلا الله فانتقل بطريق الاستثناء المنفصل وقوله تعالى إنى وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخب ء في السموات والأرض ويعلم ما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم وقوله تعالى في سورة الصافات أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم وهذا من بديع التخلص فإنه سبحانه خلص من وصف المخلصين وما أعد لهم إلى وصف الظالمين وما أعد لهم ومنه أنه تعالى في سورة الأعراف ذكر الأمم الخالية والأنبياء الماضين من آدم عليه السلام إلى أن انتهى إلى قصة موسى عليه السلام فقال في آخرها واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة إلى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وهو من بديع التخلص

[ 45 ]

واعلم أنه حيث قصد التخلص فلا بد من التوطئة له ومن بديعه قوله تعالى نقص عليك أحسن القصص يشير إلى قصة يوسف عليه السلام فوطأ بهذه الجملة إلى ذكر القصة يشير إليها بهذه النكتة من باب الوحى والرمز وكقوله سبحانه موطئا للتخلص إلى ذكر مبتدأ خلق المسيح عليه السلام إن الله اصطفى آدم ونوحا الآية ومنها قوله تعالى المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فإنه قد يقال ما وجه اتصاله بما قبله وهو قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها النبي الآية قال الشيخ أبو محمد الجوينى في تفسيره سمعت أبا الحسين الدهان يقول وجه اتصالها هو أن ذكر تخريب بيت المقدس قد سبق أي فلا يجرمنكم ذلك واستقبلوها فإن لله المشرق والمغرب ومنها قوله ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت الآية فإنه يقال ما وجه الجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في هذه الآية والجواب أنه جمع بينهما على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر وهو سبب تقلب وجوههم في السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم وحصن يتحصنون به ولا شئ في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا نظرى البدوى في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور

[ 46 ]

ومنها قوله تعالى هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء فيقال ارتباط بينهما وجوابه أن المبتدأ وهو خبره محذوف أي أفمن هو قائم على كل نفس تترك عبادته أو معادل الهمزة تقديره أفمن هو قائم على كل نفس كمن ليس بقائم ووجه العطف على التقديرين واضح اما الأول فالمعنى أتترك عبادة من هو قائم على كل نفس ولم يكف الترك حتى جعلوا له شركاء وأما على الثاني فالمعنى إذا انتفت المساواة بينهما فكيف تجعلون لغير المساوى حكم المساوى ومنها قوله تعالى تر إلى الذى حاج إبراهيم إلى قوله لا يهدى القوم الظالمين أو كالذي مر على قرية عطف قصة على قصة مع أن شرط العطف المشاكلة فلا يحسن في نظير الآية تر إلى ربك أو كالذى وإن ووجه ما بينهما من المشابهة أن تر بمنزلة هل رأيت كالذى حاج إبراهيم وإنما كانت بمنزلتها لأن تر مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفى ولذلك يجاب ببلى والاستفهام يعطى النفى إذ حقيقة المستفهم عنه غير ثابتة عند المستفهم ومن ثم جاء حرف الاستفهام مكان حرف النفى ونفى النفى إيجاب فصار بمثابة رأيت غير أنه مقصود به الاستفهام ولم يمكن أن يؤتى بحرفه لوجوده في اللفظ فلذلك أعطى معنى هل رأيت فإن قلت من أين جاءت إلى ورأيت يتعدى بنفسه أجيب لتضمنه معنى تنظر القسم الثاني ألا تكون معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام وهى قرائن معنوية مؤذنة بالربط والأول مزج لفظي وهذا مزج معنوى تنزل الثانية من الأولى منزلة جزئها الثاني وله أسباب اسباب

[ 47 ]

أحدها التنظير فإن إلحاق النظير بالنظير من دأب العقلاء ومن أمثلته قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق عقب قوله أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم فإن الله سبحانه أمر رسوله أن يمضى لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون وذلك أنهم اختلفوا في القتال يوم بدر في الأنفال وحاجوا النبي صلى الله عليه وسلم وجادلوه فكره كثيرا منهم ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفل فأنزل الله هذه الآية وأنفذ أمره بها وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه ولا يعترضوا عليه فيما يفعله من شئ ما بعد أن كانوا مؤمنين ووصف المؤمنين ثم قال كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يريد أن كراهيتهم لما فعلته من الغنائم ككراهتهم كما للخروج معك وقيل معناه أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق كقوله تعالى فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون وقيل الكاف صفة لفعل مضمر وتأويله افعل في الأنفال كما فعلت في الخروج إلى بدر وإن كره القوم ذلك ونظيره قوله تعالى كما أرسلنا فيكم رسولا منكم معناه كما أنعمنا عليكم بإرسال رسول من أنفسكم فكذلك أتم نعمتي عليكم فشبه كراهتهم ما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة في مخرجه من بيته وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو من نفس الكلام وأما قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين بعد قوله وقل إنى أنا

[ 48 ]

النذير المبين فإن فيه محذوفا كأنه قال أنا النذير المبين عقوبة أو عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين وأما قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به وقد اكتنفه من جانبيه قوله بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وقوله كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة فهذا من باب قولك للرجل وأنت تحدثه بحديث فينتقل عنك ويقبل على شئ آخر أقبل على واسمع ما أقول وافهم عنى ونحو هذا الكلام ثم تصل حديثك فلا يكون بذلك خارجا عن الكلام الأول قاطعا له وإنما يكون به مشوقا للكلام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يقرأ ولا يكتب وكان إذا نزل عليه الوحى وسمع القرآن حرك لسانه بذكر الله فقيل له تدبر ما يوحى إليك ولا تتلقفه بلسانك فإنما نجمعه لك ونحفظه عليك ونظيره قوله في سورة المائدة اليوم يئس الذين كفروا من دينكم إلى قوله الإسلام دينا فإن الكلام بعد ذلك متصل بقوله أولا ذلكم فسق ووسط هذه الجملة بين الكلامين ترغيبا في قبول هذه الأحكام والعمل بها والحث على مخالفة الكفار وموت كلمتهم وإكمال الدين ويدل على اتصال فمن اضطر بقوله ذلكم فسق آية الأنعام قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر

[ 49 ]

الثاني المضادة ومن أمثلته قوله تعالى في سورة البقرة إن الذين كفروا سواء عليهم الآية فإنه أول السورة كان حديثا عن القرآن الكريم وأن من شأنه كيت وكيت وأنه لا يهدى القوم الذين من صفاتهم كيت وكيت فرجع إلى الحديث عن المؤمنين فلما أكمله عقب بما هو حديث عن الكفار فبينهما جامع وهمى بالتضاد من هذا الوجه وحكمته التشويق والثبوت على الأول كما قيل وبضدها تتبين الأشياء هو فإن قيل هذا جامع بعيد لأن كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات والمقصود بالذات الذى هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن الكتاب لأنه مفتتح القول قلنا لا يشترط في الجامع ذلك بل يكفى التعلق على أي وجه كان ويكفى في وجه الربط ما ذكرنا لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به والحث على الإيمان به ولهذالما فرغ من ذلك قال وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا الآية فرجع إلى الأول الثالث الاستطراد كقوله تعالى يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوأتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون قال الومخشرى وسلم هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهارا للمنة فيما خلق الله من اللباس ولما في العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب النقوي عنه وجعل القاضى أبو بكر في كتاب إعجاز القرآن من الاستطراد قوله تعالى

[ 50 ]

يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون وقال كأن المراد أن يجرى بالقول الأول إلى الإخبار عن أن كل شئ يسجد لله عز وجل وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص انتهى وفيه نظر ومنه الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطا للسامع كقوله تعالى في سورة ص بعد ذكر الأنبياء هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب فإن هذا القرآن نوع من الذكر لما انتهى ذكر الانبياء وهو نوع من التنزيل اراد أن يذكر نوعا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها فقال هذا ذكر فأكد تلك الإخبارات باسم الإشارة تقول أشير عليك بكذا ثم تقول بعده هذا الذى عندي والأمر إليك وقال وإن للمتقين لحسن مآب كما يقول المصنف هذا باب يشرع في باب آخر ولذلك لما فرغ من ذكر أهل الجنة قال هذا وإن للطاغين لشر مآب فصل في اتصال اللفظ والمعنى على خلاف وقد يكون اللفظ متصلا بالآخر والمعنى على خلافه كقوله تعالى ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة فقوله كأن لم تكن بينكم وبينه مودة منظوم بقوله قال قد أنعم الله على لأنه موضع الشماتة وقوله كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون فإنه متصل بقوله وإن

[ 51 ]

فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إن وقوله ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم جواب الشرط قوله تعالى تولوا وأعينهم تفيض من الدمع وقوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه داخل في الشرط وقوله وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلى قوله إلا قليلا فقوله إلا قليلا متصل بقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم ومثل بقوله ولولا فضل الله عليكم ورحمته على تأويل ولولا فضل الله عليكم ورحمته إلا قليلا ممن لم يدخله في رحمته واتبعوا الشيطان لا تبعتم الشيطان ومما يحتمل الاتصال والانقطاع قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يحتمل أن يكون متصلا بقوله فيها مصباح أي المصباح في بيوت ويكون تمامه على قوله ويذكر فيها اسمه ويسبح له فيها رجال صفة للبيوت ويحتمل أن يكون منقطعا خبراا إلا لقوله ورجال لا تلهيهم ومما يتعين أن يكون منقطعا قوله ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين مستأنف لأنه لو جعل متصلا بيعزب لاختل المعنى إذ يصير عاى حد قولك ما يعزب عن ذهني إلا في كتاب أي استدراكه وقوله فيه هدى للمتقين منهم من قضى باستئنافه على أنه مبتدأ وخبر ومنهم من قضى بجعل فيه خبر وهدى نصب على الحال في تقدير هاديا

[ 52 ]

ولا يخفى انقطاع الذين يحملون العرش عن قوله أنهم أصحاب النار وكذا فلا يحزنك قولهم عن قوله سبحانه إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون وكذلك قوله فأصبح من النادمين عن قوله من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس

[ 53 ]

الثالث معرفة الفواصل ورؤوس الآى وهى كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع وقال الدانى كلمة آخر الجملة قال الجعبرى وهو خلاف المصطلح ولا دليل له في تمثيل سيبويه يوم يأت وما كنا نبغ وليسا رأس أي لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ويلزم أبا عمرو إمالة من أعطى لأبى عمرو وقال القاضى أبو بكر الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني انتهى وفرق الإمام أبو عمرو الدانى بين الفواصل ورؤوس الآى قال أما الفاصلة فهى الكلام المنفصل مما بعده والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك

[ 54 ]

الفواصل يكن رءوس أي وغيرها وكل رأس أية فاصلة وليس كل فاصلة رأس أية فالفاصلة فيه تعم النوعين وتجمع الضربين ولأجل كون معنى الفاصلة هذا ذكر سيبويه في تمثيل القوافى يوم يأت وما كنا نبغ وهما غيره رأس آيتين بإجماع مع إذا يسروهو رأس آية بإتفاق انتهى وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها وهى الطريقة التى يباين القرآن بها سائر الكلام وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان وذلك أن آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها ولم يسموها أسجاعا فأما مناسبة فواصل فلقوله تعالى كتاب فصلت آياته وأما تجنب أسجاع فلأن أصله من سجع الطير فشرف القرآن الكريم أن يستعار لشئ فيه لفظ هو أصل في صوت الطائر ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس ولأن القرآن من صفات الله عز وجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى ثم فرقوا بينهما فقالوا السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه والفواصل التى تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في نفسها قال الرماني في كتاب إعجاز القرآن وبنى عليه أن الفواصل بلاغة والسجع عيب وتبعه القاضى أبو بكر الباقلانى في كتاب إعجاز القرآن ونقل عن الأشعرية امتناع كون في القرآن سجعا قال ونص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه

[ 55 ]

قال وذهب كثير من مخالفيهم إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام وأنه من الأجناس التى يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها قال وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام ولما كان السجع قيل في موضع هارون وموسى ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل موسى وهارون قالوا وهذا يفارق أمر الشعر لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلا مقصودا إليه وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذى نسميه شعرا وذلك القدر يتفق وجوده من المفحم كما يتفق وجوده في الشعر وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصح أن يتفق كله غير مقصود إليه قال وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع قال أهل اللغة هو موالاة الكلام على وزن واحد قل ابن دريد سجعت الحمامة رددت صوتها قال القاضى وهذا الذى يزعمونه غير صحيح ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ولو جاز أن يقال هو سجع معجز لجاز لهم أن يقولوا شعر معجز وكيف والسجع مما كانت

[ 56 ]

كهان العرب تألفه ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشعر وما توهموا أنه سجع باطل لأن مجيئه على صورته لا يقتضى كونه هو لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع وليس كذلك ما أتفق مما هو في معنى السجع من القرآن لأن اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التى تؤدى المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى قال وأما ما ذكروه في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لأجل السجع ولتساوى مقاطع الكلام فمردود بل الفائدة فيه إعادة القصة الوحداة صلى بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحدا وذلك من الأمر الصعب الذى تظهر فيه الفصاحة وتقوى البلاغة ولهذا أعيدت كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا

[ 57 ]

ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصة وعبروا عنها بألفاظ لهم تؤدى إلى تلك المعاني ونحوها وجعلوها بإزاء ما جاء به وتوصلوا بذلك إلى تكذيبه وإلى مساواته فيما حكى وجاء به وكيف وقد قال لهم فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين فعلى هذا هذا يكون المقصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز على الطريقين جميعا دون السجع الذى توهموه إلى أن قال فبان بما قلنا أن الحروف الواقعة في الفواصل مناسبة موقع النظائر التى تقع في الأسجاع لا يخرجها عن حدها ولا يدخلها في باب السجع وقد بينا أنهم يذمون كل سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان بعض مصاريعه وقال كلمتين وبعضها يبلغ كلمات ولا يرون ذلك فصاحة بل يرونه عجزا فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع لقالوا نحن نعارضه بسجع معتدل فنزيد في الفصاحة على طريق القرآن ونتجاوز حده في البراعة والحسن انتهى ما ذكره القاضى والرمانى رد عليهما الخفاجى في كتاب سر الفصاحة فقال وأما قول الرماني إن السجع عيب والفواصل على الإطلاق بلاغة فغلط فإنه إن أراد بالسجع ما يتبع المعنى وكأنه غير مقصود فذلك بلاغة والفواصل مثله وإن أراد به ما تقع المعاني تابعة له وهو مقصود متكلف فذلك عيب والفواصل مثله

[ 58 ]

قال وأظن أن الذى دعاهم إلى تسمية كل ما في القرآن فواصل ولم يسموا ما تماثلت حروفه سجعا رغبتهم في تنزيه القرآن عن الوصف اللاحق بغيره من الكلام المروى عن الكهنة وغيرهم وهذا غرض في التسمية قريب والحقيقة ما قلناه ثم قال والتحرير أن الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل فإن قيل إذا كان عندكم أن السجع محمود فهلا ورد القرآن كله مسجوعا وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع قلنا إن القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كله مسجوعا لما فيه من أمارات التكلف والاستكراه والتصنع لا سيما فيما يطول من الكلام فلم يرد كله مسجوعا جريا منه على عرفهم في اللطيفة العالية من كلامهم ولم يخل من السجع لأنه يحسن في بعض الكلام على الصفة السابقة وعليها ورد في فصيح كلامهم فلم يجز أن يكون عاليا في الفصاحة وقد أدخل فيه بشرط من شروطها فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه وخصت فواصل الشعر باسم القوافى لأن الشاعر يقفوها أي يتبعها في شعره لا يخرج عنها وهى في الحقيقة فاصلة لأنها تفصل آخر الكلام فالقافية أخص في الاصطلاح إذ كل قافية فاصلة ولا عكس ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى لأن الشرع لما سلب عنه اسم الشعر وجب

[ 59 ]

سلب القافية أيضا عنه لأنها منه وخاصة به في الاصطلاح وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن لا تطلق الفاصالة أنه في الشعر لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه قيل وقد يقع في القرآن الإيطاء وهو ليس بقبيح فيه إنما يقبح في الشعر كقوله تعالى في سورة البقرة كأنهم لا يعلمون ثم قال في آخرين لو كانوا يعلمون ثلاث فواصل متوالية يعلمون , وهو يعلمون , يعلمون صلى الله عليه وسلم فهذا لا يقبح في القرآن قولا واحدا قيل ويقع فيه التضمين وليس بقبيح إنما يقبح في الشعر ومنه سورتا الفيل وقريش فإن اللام في لإيلاف قريش قيل إنها متعلقة إذا في آخر الفيل وحكى حازم في منهاج البلغاء خلافا غريبا فقال وللناس في الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب في الكمية وتتناسب مقاطعها على ضرب منها أو بالنقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر إلى ضرب آخر مزدوج في كل ضرب

[ 60 ]

ضرب منها أو يزيد على الازدواج ومن جهة ما يكون غير مقطع إلى مقادير بقصد تناسب أطرافها وتقارب ما بينها في كمية الألفاظ والحروف ثلاثة مذاهب منهم من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف غير متقاربة في الطول والقصر لما فيه من التكلف إلا ما يقع به الإلمام في النادر من الكلام والثانى أن التناسب الواقع بإفراغ الكلام في قوالب التقفيه وتحليتها بمناسبات المقاطع أكيد جدا والثالث وهو الوسط أن السجع لما كان زينة للكلام فقد يدعو إلى التكلف فرئى ألا يستعمل في الكلام وأن لا يخلى الكلام بالجملة منه أيضا ولكن يقبل من الخاطر فيه ما اجتلبه عفوا بخلاف التكلف وهذا رأى أبى الفرج قدامة قال حازم وكيف يعاب السجع على الإطلاق وإنما نزل القرآن على أساليب الفصيح من كلام العرب فوردت الفواصل فيه بإزاء ورود الأسجاع في كلام العرب وإنما لم يجئ على أسلوب واحد لأنه لا يحسن في الكلام جميعا أن يكون مستمرا على نمط واحد لما فيه من التكلف ولما في الطبع من الملل عليه ولأن الافتنان في ضروب الفصاحة أعلى من الاستمرار على ضرب واحد فلهذا وردت بعض أي القرآن متماثلة المقاطع وبعضها غير متماثل إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل واعلم أن إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل حيث تطرد متأكد جدا ومؤثر في اعتدال نسق الكلام وحسن موقعه من النفس تأثيرا عظيما ولذلك خرج عن نظم الكلام لأجلها في مواضع

[ 61 ]

أحدها زيادة حرف لأجلها ولهذا ألحقت الألف ب الظنون في قوله تعالى وتظنون بالله الظنونا لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين في الوقف فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع وتناسب نهايات الفواصل ومثله فأضلونا السبيلا وأطعنا الرسولا وأنكر بعض المغاربة ذلك وقال لم تزد الألف لتناسب رءوس الآى كما قال قوم لأن في سورة الأحزاب والله يقول الحق وهو يهدى السبيل وفيها فأضلونا السبيلا وكل واحد منها رأس آية وثبتت الألف بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك في الثاني دون الأول فلو كان لتناسب رءوس الآى لثبت من الجميع قال وإنما زيدت الألف في مثل ذلك لبيان القسمين واستواء الظاهر والباطن بالنسبة إلى حالة أخرى غير تلك وكذلك لحاق هاء السكت في قوله ماهيه فقال في سورة القارعة هذه الهاء عدلت مقاطع الفواصل في هذه السورة وكان للحاقها أي في هذا الموضع تأثير عظيم في الفصاحة وعلى هذا والله أعلم ينبغى أن يحمل لحاق النون في المواضع التى قد تكلم في لحاق النون إياها نحو قوله تعالى وكل في فلك يسبحون وقوله تعالى كونوا قردة خاسئين فإن من مآخذ الفصاحة ومذاهبها أن يكون ورود هذه النون في مقاطع هذه الأنحاء للآى راجح الأصالة في الفصاحة لتكون فواصل السور الوارد فيها ذلك قد استوثق فيما قبل حروفها المتطرفة وقوع حرفي المد واللين

[ 62 ]

وقوله تعالى وطور سينين وهو طور سيناء لقوله وشجرة تخرج من طور سيناء وقوله تعالى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون كرر لعل مراعاة لفواصل الآى إذ لو جاء على الأصل لقال لعلى أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون على الجواب الثاني حذف همزة أو حرف اطرادا كقوله تعالى والليل إذا يسر الثالث الجمع بين المجرورات وبذلك يجاب عن سؤال في قوله تعالى لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإنه قد توالت المجرورات بالأحرف الثلاثة وهى اللام في لكم والباء في به وعلى في وكان الأحسن الفصل وجوابه أن تأخر وترك الفصل أرجح من أن يفصل به بين بعض الروابط وكذلك الآيات التى تتصل بقوله ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا فإن فواصلها كلها منصوبة منونة فلم يكن بد من تأخير قوله لتكون نهاية هذه الآية مناسبة لنهايات ثنا ما قبلها حتى تتناسق على صورة واحدة الرابع تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى لأن أصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول لكن أخر الفاعل وهو موسى لأجل رعاية الفاصلة قلت للتأخير حكمة أخرى وهى أن النفس تتشوق لفاعل أوجس فإذا جاء بعد أن أخر وقع بموقع

[ 63 ]

وكقوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فإن قوله وأجل مسمى معطوف على به ولهذا رفع والمعنى ولولا كلمة سبقت من ربك في التأخير مسمى لكان العذاب لزاما لكنه قدم وأخر لتشتبك رءوس الآى قاله ابن عطية وجوز الزمخشري عطفه على الضمير في أي لكان الأجل العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود ولم ينفرد الأجل المسمى دون الأجل العاجل ومنه قوله تعالى جاء آل فرعون النذر فأخر الفاعل لأجل الفاصلة وقوله ومما رزقناهم ينفقون أخر الفعل عن المفعول فيها وقدمه فيما قبلها في قوله يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة لتوافق رءوس الآى قاله أبو البقاء وهو أجود من قول الزمخشري قدم المفعول للاختصاص ومنه تأخير الاستعانة عن العبادة في قوله تعالى نعبد وإياك نستعين وهى قبل العبادة وإنما أخرت لأجل فواصل السورة في أحد الأجوبة الخامس إفراد ما أصله أن يجمع كقوله تعالى إن المتقين في جنات ونهر هذا قال الفراء الأصل الأنهار وإنما وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رءوس

[ 64 ]

الآى ويقال النهر الضياء والسعة فيخرج من هذا البالب وقوله كنت متخذ المضلين عضدا قال ابن سيده في المحكم أي أعضادا ثم وإنما أفرد ليعدل رءوس الآى بالإفراد والعضد المعين السادس جمع ما أصله أن يفرد كقوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال فإن المراد ولا خلة بدليل الآية الأخرى لكن جمعه لأجل مناسبة رءوس الآى السابع تثنية ما أصله أن يفرد كقوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان قال الفراء هذا باب مذهب العرب في تثنية البقعة الواحدة وجمعها كقوله ديار لها بلرقمتين رسول وقوله بطن المكتين وأشير بذلك إلى نواحيها أو للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا أوصلتها ونظرت إليها يمينا وشمالا رأيت في كلتا الناحيتين ما يملأ عينك قرة وصدرك مسرة

[ 65 ]

قال وإنما ثناهما لأجل الفاصلة رعاية للتى قبلها والتى بعدها على هذا الوزن والقوافي تحتمل في الزيادة والنقصان مالا يحتمله سائر الكلام وأنكر ذلك ابن قتيبة عليه وأغلظ وقال إنما يجوز في رءوس الآى زيادة هاء السكت أو الألف أو حذف همزة أو حرف فأما أن يكون الله وعد جنتين فنجعلهما ولا جنة واحدة من أجل رءوس الآى فمعاذ الله وكيف هذا وهو يصفها بصفات الاثنين قال ذواتا أفنان ثم قال فيها لم ولو أن قائلا قال في خزنة النار إنهم عشرون وإنما جعلهم الله تسعة عشر لرأس الآية ما كان هذا القول إلا كقول الفراء قلت وكأن الملجئ للفراء إلى ذلك قوله تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وعكس ذلك قوله تعالى فلا يخر جنكما حدثنا من الجنة فتشقى على أن هذا قابل للتأويل فإن الألف واللام للعموم خصوصا أنه يرد على الفراء قوله أفنان الثامن تأنيث ما أصله أن يذكر كقوله تعالى كلا إنه تذكرة وإنما عدل إليها للفاصلة التاسع كقوله سبح اسم ربك الأعلى وقال في العلق اقرأ باسم

[ 66 ]

ربك الذى خلق فزاد في الأولى ابن وزاد في الثانية مراعاة للفواصل في السورتين وهى في سبح الذى خلق فسوى وفى العلق خلق الإنسان من علق العاشر صرف ما أصله ألا ينصرف كقوله تعالى قواريرا قواريرا قوله صرف الأول لأنه آخر الآية وآخر الثاني بالألف فحسن جعله منونا ليقلب تنوينه ألفا فيتناسب مع بقية الآى كقوله تعالى له وأغلالا فإن ذلك سلاسلا محمد لما نظم إلى أغلالا وسعيرا إلى صرف ونون للتناسب وبقى قوارير الثاني فإنه وإن لم يكن آخر الآية جاز صرفه لأنه لما نون قواريرا الثاني ليتناسبا كان ولاجل هذا لم ينون قواريرا الثاني إلا من ينون قواريرا الأول وزعم إمام الحرمين في البرهان أن من ذلك صرف ما كان جمعا في القرآن ليناسب رءوس الآى كقوله تعالى سلاسلا وأغلالا وهذا مردود لأن سلاسلا ليس رأس آية ولا قواريرا الثاني وإنما صرف للتناسب واجتماعه مع غيره من المنصرفات فيرد إلى الأصل ليتناسب معها ونظيره في مراعاة المناسبة أن الأفصح أن يقال بدأ ثلاثى قال الله تعالى كما بدأكم تعودون وقال تعالى كيف بدأ الخلق ثم قال أولم يروا كيفف أبو يبدئ الله الخلق ثم يعيده فجاء به رباعيا فصيحا لما حسنه من التناسب بغيره وهو قوله أو

[ 67 ]

الحادى عشر إمالة ما أصله ألا يمال كإمالة ألف والضحى والليل إذا سجى ليشاكل التلفظ بهما التلفظ بمابعدهما والإمالة أن تنجو بالألف نحو الياء والغرض الأصلى منها هو التناسب وعبر عنه بعضهم بقوله الإمالة للإمالة وقد يمال لكونها آخر مجاور ما أميل آخره كألف تلا في قوله تعالى والقمر إذا تلاها فأميلت) ألف تلاها ليشاكل اللفظ بها اللفظ الذى بعدها مما ألفه غير ياء نحو عبد عليه فإن قيل هلا جعلت إمالة أبي لمناسبة ما قبلها أعنى (قيل لأن ألف ضحاها عن واو وإنما أميل لمناسبة ما بعده الثاني عشر العدول عن صيغة المضى إلى الاستقبال كقوله تعالى ما كذبتم وفريقا تقتلون حيث لم يقل وفريقا قتلتم كما سوى بينهما في سورة الأحزاب فقال تقتلون وتأسرون فريقا وذلك لأجل أنها هنا رأس آية

[ 68 ]

تفريعات ختم مقاطع الفواصل بحروف المد واللين ثم هنا تفريعات الأول قد كثر في القرآن الكريم ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون وحكمته وجود التمكن من التطريب بذلك قال سيبويه رحمه الله أما إذا ترنموا لا فإنهم يلحقون الألف والواو والياء ما ينون وما لا ينون لأنهم أرادوا مد الصوت

[ 69 ]

وإذا أنشدوا ولم يترنموا فأهل الحجاز يدعون القوافى على حالها في الترنم وناس من بنى تميم يبدلون مكان المدة النون انتهى وجاء القرآن على أعذب مقطع وأسهل موقف مبنى الفواصل على الوقف الثاني إن مبنى الفواصل على الوقف ولهذا شاع مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ومنه قوله تعالى إنا خلقناهم من طين

[ 70 ]

لازب مع تقدم قوله عذاب واصب وشهاب ثاقب وكذا منهمر وقد قدر وكذا وما لهم من دونه من وال مع وينشئ السحاب الثقال وعبارة السكاكى قد تعطى اشتراط كون السجع يشترط فيه الموافقة في الإعراب لما قبله على تقدير عدم الوقوف عليه كما يشترط ذلك في الشعر وبه صرح ابن الخشاب معترضا على قول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين يا صارفا عنى المودة * والزمان له صروف ومعنفى أن في فضح من * جاوزت تعنيف العسوف * لا تلحني فيما أتيت * فإننى بهم عروف ولقد نزلت بهم فلم * أرهم يراعون الضيوف وبلوتهم فوجدتهم * لما سبكتهمو زيوف ألا ترى أنها إذا أطلقت ظهر الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين

[ 71 ]

والثانى مجرورا وكذا باقى القصيدة والصواب أن ذلك ليس بشرط لما سبق ولا شك أن كلمة الأسجاع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها لأن الغرض المجانسة بين القرائن والمزاوجة ولا يتم ذلك إلا بالوقف ولو وصلت لم يكن بد من إجراء كل القرائن على ما يقتضيه حكم الإعراب فعطلت عمل الساجع الله وفوت غرضهم وإذا رأيتهم يخرجون الكلم عن أوضاعها لغرض الازدواج فيقولون آتيك بالغدايا والعشايا مع أن فيه ارتكابا لما يخالف اللغة فما ظنك بهم في ذلك

[ 72 ]

المحافظة على الفواصل لحسن النظم والتئامه الثالث ذكر الزمخشري في كشافه القديم أنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سدادها على النهج الذى يقتضيه حسن النظم والتئامه كما لا يحسن تخير الألفاظ المونقة في السمع السلسلة على اللسان إلا مع مجيئها منقادة للمعانى الصحيحة المنتظمة فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤاده على بال فليس من البلاغة في فتيل أو نقير ومع ذلك يكون قوله وبالآخرة هم يوقنون وقوله ومما رزقناهم ينفقون لا يتأتى فيه ترك رعاية التناسب في العطف بين الجمل الفعلية إيثارا للفاصلة لأن ذلك أمر لفظي لا طائل تحته وإنما عدل إلى هذا لقصد الاختصاص تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف الرابع أن الفواصل تنقسم إلى ما تماثلت حروفه في المقاطع وهذا يكون في السجع وإلى ما تقاربت حروفه في المقاطع ولم تتماثل وهذا لا يكون سجعا ولا يخلو كل واحد من هذين القسمين أعنى المتماثل والمتقارب من أن يأتي طوعا سهلا تابعا للمعانى أو متكلفا يتبعه المعنى فالقسم الأول هو المحمود الدال على الثقافة وحسن البيان والثانى هو المذموم فأما القرآن فلم يرد فيه إلا القسم الأول لعلوه في الفصاحة وقد وردت فواصله متماثلة ومتقاربة

[ 73 ]

مثال المتماثلة قوله تعالى والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع وقوله تعالى طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى وقوله تعالى والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا قأثرن قال به نقعا فوسطن به جمعا وقوله تعالى والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر إلى آخره وحذفت الياء من يسر طلبا للموافقة في الفواصل وقوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وجميع هذه السورة على الازدواج وقوله تعالى فلا أقسم بالخنس الجوارى الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس

[ 74 ]

وقوله تعالى فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبق وقوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وقوله تعالى أمرنا مترفيها ففسقوا فيها وقوله تعالى ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وقوله تعالى فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون وقوله تعالى كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق الآية وقوله تعالى لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ومثال المتقارب في الحروف فوله تعالى الرحمن الرحيم مالك يوم الدين وقوله تعالى ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال

[ 75 ]

الكافرون هذا شئ عجيب وهذا لا يسمى سجعا قطعا عند القائلين بإطلاق السجع في القرآن لأن السجع ما تماثلت حروفه إذا علمت هذا فاعلم أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة وبهذا يترجح مذهب الشافعي على مذهب أبى حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة وذلك لأن الشافعي المثبت لها في القرآن قال صراط الذين الخ السورة آية واحدة وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من الفاتحة قال صراط الذين أنعمت عليهم آية وغير المغضوب عليهم آية ومذهب الشافعي أولى لأن فاصلة قوله صراط الذين أنعمت عليهم لا تشابه فاصلة الآيات المتقدمة ورعاية التشابه في الفواصل لازم وقوله أنعمت عليهم ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع وقد اتفق الجميع على أن الفاتحة سبع آيات لكن الخلاف في كيفية العدد تقسيم الفواصل باعتبار المتوازي والمتوازن والمطرف الخامس قسم البديعيون عن السجع والفواصل أيضا إلى متواز ومطرف ومتوازن من وأشرفها المتوازي وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع كقوله تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة في وقوله والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بنى إسرائيل

[ 76 ]

والمطرف أن يتفقا في حروف السجع لافى الوزن كقوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا والمتوازن أن يراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى ونمارق مصفوفة وزرابى بن مبثوثة وقوله تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم متوازنان وقوله فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن وقوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى وقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى إلى آخرها وقوله والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها وقد تكرر في سورة حمعسق في قوله تعالى والذين يجادلون في الله من بعد

[ 77 ]

ما استجيب له إلى آخر الآيات السبع فجمع في فواصلها بين شديد وقريب وبعيد وعزيز ونصيب وأليم وكبير على هذا الترتيب وهو في القرآن كثير وفى المفصل خاصة في قصاره ومنهم من يذكر بدله الترصيع وهو أن يكون المتقدم من الفقرتين مؤلفا من كلمات مختلفة والثانى مؤلفا من مثلها في ثلاثة أشياء وهى الوزن والتقفيه هذه وتقابل القرائن قيل ولم يجئ هذا القسم في القرآن العظيم لما فيه من التكلف وزعم بعضهم أن منه قوله تعالى إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم وليس كذلك لورود لفظة إن ولفى كل واحد من الشطرين وهو مخالف لشرط الترصيع إذ شرطه اختلاف الكلمات في الشطرين جميعا وقال بعض المغاربة سورة الواقعة من نوع الترصيع وتتبع آخر آيها يدل على أن فيها موازنة قالوا وأحسن السجع ما تساوت قرائنه ليكون شبيها بالشعر فإن أبياته متساوية كقوله تعالى في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وعلته أن السمع ألف الانتهاء إلى غاية في الخفة بالأولى فإذا زيد عليها ثقل عنه الزائد لأنه يكون عند وصولها إلى مقدار الأول كمن توقع الظفر بمقصوده ثم طالت قرينته الثانية كقوله والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى أو الثالثة كقوله تعالى خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة

[ 78 ]

ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه وهو إما قصير كقوله والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا أو طويل كقوله إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور أو متوسط كقوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ائتلاف الفواصل مع ما يدل عليه الكلام السادس اعلم أن من المواضع التى يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره وإيقاع الشئ فيها بما يشاكله فلا بد أن تكون مناسبة للمعنى المذكور أولا وإلا خرج بعض الكلام عن بعض وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك لكن منه ما يظهر ومنه ما يستخرج بالتأمل للبيب وهى منحصرة في أربعة أشياء التمكين والتوشيح والإيغال والتصدير والفرق بينها أنه أن كان تقدم لفظها بعينه في أول الآية سمى تصديرا وإن كان في

[ 79 ]

أثناء الصدر سمى توشحيا سنة وإن أفادت معنى زائدا بعد تمام معنى الكلام سمى إيغالا وربما اختلط التوشيح بالتصدير لكون كل منهما صدره يدل على عجزه والفرق بينهما أن دلالة التصدير لفظية ودلالة التوشيح معنوية الأول التمكين وهو أن تمهد قبلها تمهيدا تأتى به الفاصلة ممكنة في مكانها مستقرة في قرارها مطمئنة في موضعها غير نافذة ولا قلقة متعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم وهذا الباب يطلعك على سر عظيم من أسرار القرآن فاشدد يديك به ومن أمثلته قوله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله وكفى الله المؤمنين القتال لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التى حدثت كانت سبب رجوعهم ولم يبلغوا ما أرادوا وأن ذلك أمر اتفاقى فأخبر سبحانه في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليعلم المؤمنين ويزيدهم يقينا وإيمانا على أنه الغالب الممتنع وأن حزبه كذلك وأن تلك الريح التى هبت ليست اتفاقا بل هي من إرساله سبحانه على أعدائه كعادته وأنه ينوع النصر للمؤمنين ليزيدهم إيمانا وينصرهم مرة بالقتال كيوم بدر وتارة بالريح كيوم الأحزاب وتارة بالرعب كبنى النضير وطورا ينصر عليهم كيوم أحد تعريفا لهم أن الكثرة لا تغنى شيئا وأن النصر من عنده كيوم حنين ومنه قوله تعالى أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في

[ 80 ]

مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون فانظر إلى قوله في صدر الآية التى الموعظة فيها سمعية أولم يهد لهم ولم يقل أولم يروا وقال بعد ذكر الموعظة أفلا يسمعون لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع أو أخبار القرون وهو كما يسمع وكيف قال في صدر الآية التى موعظتها مرئية عمرو أولم يروا وقال بعدها أفلا يبصرون لأن سوق الماء إلى الأرض الجرز مرئى ومنه قوله تعالى قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد فإنه لما تقدم ذكر العبادة والتصرف في الأموال كان ذلك تمهيدا تاما لذكر الحلم والرشد لأن الحلم الذى يصح به التكليف والرشد حسن التصرف في الأموال فكان آخر الآية مناسبا لأولها مناسبة معنوية ويسميه بعضهم ملاءمة ومنه قوله تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فإنه سبحانه لما قدم نفى إدراك الأبصار له عطف على ذلك قوله وهو اللطيف خطابا للسامع بما يفهم إذ العادة أن كل لطيف لا تدركه الأبصار ألا ترى أن حاسة البصر إنما تدرك اللون من كل متلون والكون من كل متكون فإدراكها إنما هو للمركبات دون المفردات ولذلك لما قال وهو يدرك الأبصار عطف عليه قوله الخبير مخصصا لذاته سبحانه بصفة الكمال لأنه ليس كل من أدرك شيئا كان خبيرا بذلك الشئ لأن المدرك للشئ قد يدركه ليخبره ولما كان الأمر أخبر سبحانه وتعالى

[ 81 ]

أنه يدرك كل شئ مع الخبرة به وإنما خص الإبصار بإدراكه ليزيد في الكلام ضربا من المحاسن يسمى التعطف ولو كان الكلام لا تبصره الأبصار وهو يبصر الأبصار لم تكن لفظتا اللطيف الخبير مناسبتين قبل لما قبلهما ومنه قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد إلى قوله لرءوف رحيم إنما فصل الأولى ب لطبف يحيى خبير لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وإخراج النبات من الأرض ولأنه خبير بنفعهم وإنما فصل الثانية ب غنى حميد لأنه قال له ما في السموات وما في الأرض أي لا لحاجة بل هو غنى عنهما جواد بهما لأنه ليس غنى نافعا غناه إلا إذا جاد به وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه واستحق عليه الحمد فذكر الحمد على أنه الغنى النافع بغناه خلقه وإنما فصل الثالثة برؤوف الرحمن رحيم لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر لهم وتسييرهم وكان في ذلك الهول العظيم وجعله السماء فوقهم وإمساكه إياها عن الوقوع حسن ختامه بالرأفة والرحمة ونظير هذه الثلاث فواصل مع اختلافها قوله تعالى في سورة الأنعام وهو الذى جعل لكم النجوم الآيات وقوله تعالى له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد فقال الغنى الحميد لينبه على أن ما له ليس لحاجة بل هو غنى عنه جواد به وإذا جاد به حمده المنعم عليه إذ حميد كثير المحاميد روى الموجبة تنزيهه عن الحاجة والبخل وسائر النقائض فيكون غنيا مفسرا بالغنى المطلق لا يحتاج فيه لتقدير غنى عنه

[ 82 ]

ومنه قوله تعالى قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون لما كان سبحانه هو الجاعل الأشياء على الحقيقة وأضاف إلى نفسه جعل الليل سرسدا ولم إلى يوم القيامة صار الليل كأنه سرمد بهذا التقدير وظرف الليل ظرف مظلم لا ينفذ فيه البصر لا سيما وقد أضاف الإتيان بالضياء الذى تنفذ فيه الأبصار إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار النهار كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والليل كأنه لا موجود سواه إذ جعل سرمدا منسوبا إليه سبحانه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تسمعون لمناسبة ما بين السماع والظرف الليلى الذى يصلح للاستماع ولا يصلح للإبصار وكذلك قال في الآية التى تليها قل أريتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون لأنه لما أضاف جعل النهار سرمدا إليه صار النهار كأنه سرمد وهو ظرف مضئ تنور فيه الأبصار وأضاف الإتيان بالليل إلى غيره وغيره ليس بفاعل على الحقيقة فصار الليل كأنه معدوم إذ نسب وجوده إلى غير موجد والنهار كأنه لا موجود سواه إذ جعل وجوده سرمدا منسوبا إليه فاقتضت البلاغة أن يقول أفلا تبصرون إذ الظرف مضئ صالح للإبصار وهذا من دقيق المناسبة المعنوية ومنه قوله تعالى في أول سورة الجاثية إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفى خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون فإن البلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى للمؤمنين لأنه

[ 83 ]

سبحانه ذكر العلم بجملته حيث قال السموات والأرض ومعرفة الصانع من الآيات الدالة على أن المخترع له قادر عليم حكيم وإن دل على وجود صانع مختار لدلالتها على صفاته مرتبة على دلالتها على ذاته فلا بد أولا من التصديق بذاته حتى تكون هذه الآيات دالة على صفاته لتقدم الموصوف وجودا واعتقادا على الصفات وكذلك قوله في الآية الثانية لقوم يوقنون فإن سر الإنسان وتدبر خلقة الحيوان أقرب إليه من الأول وتفكره في ذلك مما يزيده يقينا في معتقده الأول وكذلك معرفة جزئيات العالم من اختلاف الليل والنهار وإنزال الرزق من السماء وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح يقتضى رجاحة العقل ورصانته لنعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذى صنع العالم الكلى التى هي أجرامه وعوارض عنه ولا يجوز أن يكون بعضها صنع بعضا فقد قام البرهان على أن للعالم الكلى صانعا مختارا فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة لقوم يعقلون وإن احتيج إلى العقل في الجميع إلا أن ذكره هاهنا أنسب بالمعنى الأول إذ بعض من يعتقد صانع العالم ربما قال إن بعض هذه الآثار يصنع بعضا فلا بد إذا من التدبر بدقيق الفكر وراجح العقل ومنه قوله تعالى حكاية عن لقمان يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ومنه قوله تعالى أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون والمناسبة فيه قوية لأن من دل عدوه على عورة نفسه وأعطاه سلاحه

[ 84 ]

ليقتله به فهو جدير بأن يكون مقلوب العقل فلهذا ختمها بقوله أفلا تعقلون وهذه الفاصلة لا تقع إلا في سياق إنكار فعل غير مناسب في العقل نحو قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون لأن فاعل غير المناسب ليس بعاقل وقوله تعالى قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ختم بصفة العلم إشارة إلى الإحاطة بأحوالنا وأحوالكم وما نحن عليه من الحق وما أنتم عليه من الباطل وإذا كان عالما بذلك فنسأله القضاء علينا وعليكم بما يعلم منا ومنكم فصل وقد تجتمع فواصل في موضع واحد ويخالف بينها وذلك في مواضع منها في أوائل النحل وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال خلق السموات والأرض بالحق ثم ذكر خلق الإنسان فقال من نطفة وأشار إلى عجائب الحيوان فقال والأنعام ثم عجائب النبات فقال هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون فجعل مقطع هذه الآية التفكر لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار

[ 85 ]

وفيه جواب عن سؤال مقدر وهو أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين أحدهما أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك فتلك الحركات حيث حصلت فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى وهذا هو المراد بقوله تعالى وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون فجعل مقطع هذه الآية العقل والتقدير كأنه قيل إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك وهو الإله القادر المختار والثانى أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة والآخر في غاية السواد فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار فعلمنا أن المؤثر قادر مختار وهذا هو المراد من قوله وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون كأنه قيل قد ذكرنا ما يرسخ في عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع بل الفاعل المختار فلهذا جعل مقطع الآية التذكر

[ 86 ]

تنبيه من بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة وذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار م قال في سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم قال القاضى ناصر الدين بن المنير في تفسيره الكبير كأنه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان كونك ظلوما وكونك كفارا ولى عند إعطائها وصفان وهما أنى غفور رحيم أقابل ظلمك بغفرانى بين وكفرك برحمتي فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء انتهى وهو حسن لكن بقى سؤال آخر وهو ما الحكمة في تخصيص آية النحل بوصف النعيم وآية إبراهيم بوصف المنعم عليه والجواب أن سياق الآية في سورة إبراهيم في وصف الإنسان وما جبل عليه فناسب ذكر ذلك عقيب أوصافه وأما آية النحل فسيقت في وصف الله تعالى وإثبات ألوهيته وتحقيق صفاته فناسب ذكر وصفه سبحانه فتأمل هذه التراكيب ما أرقاها أهل في درجة البلاغة ونظيره قوله تعالى في سورة الجاثية من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها

[ 87 ]

ثم إلى ربكم ترجعون وفى فصلت من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد وحكمة فاصلة الأولى أن قبلها قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون فناسب الختام بفاصلة البعث لأن قبله وصفهم بإنكاره وأما الأخرى فالختام حديث بها مناسب أي لأنه لا يضيع عملا صالحا ولا يزيد على من عمل شيئا ونظيره قوله في سورة النساء إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ختم الآية مرة بقوله فقد افترى إثما عظيما ومرة بقوله ضلالا بعيدا لأن الأول نزل في اليهود وهم الذين افتروا على الله ما ليس في كتابه والثانى نزل في الكفار ولم يكن لهم كتاب وكان ضلاهم عند أشد وقوله في المائدة ومن لم يحكم بما أنزل الله فذكرها ثلاث مرات وختم الأولى بالكافرين والثانية بالظالمين والثالثة بالفاسقين فقيل لأن الأولى نزلت في أحكام المسلمين والثانية نزلت في أحكام اليهود والثالثة نزلت في أحكام النصارى وقيل ومن لم يحكم بما أنزل الله إنكارا له فهو كافر ومن لم يحكم بالحق مع اعتقاد الحق وحكم بضده فهو ظالم ومن لم يحكم بالحق جهلا وحكم بضده فهو فاسق وقيل الكافر والظالم والفاسق كلها بمعنى واحد وهو الكفر عبر عنه بألفاظ مختلفة لزيادة الفائدة واجتناب صورة التكرار وقيل غير ذلك

[ 88 ]

تنبيه عكس هذا اتفاق الفاصلتين والمحدث عنه مختلف كقوله تعالى في سورة النور يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم إلى قوله كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ثم قال وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم قال ابن عبد السلام في تفسيره في الأولى عليم بمصالح عباده حكيم في بيان مراده وقال في الثانية عليم بمصالح الأنام حكيم ببيان الأحكام ولم يتعرض للجواب عن حكمة التكرار تنبيه حق الفاصلة في هذا القسم تمكين المعنى المسوق إليه كما بينا ومنه قوله تعالى ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة إنك أنت العزيز الحكيم ووجه مناسبته أن بعث الرسول تولية والتولية لا تكون إلا من عزيز غالب على ما يريد وتعليم الرسول الحكمة لقومه إنما يكون مستندا إلى حكمة مرسله لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه فلا بد وأن يكون حكيما فلا جرم كان اقترانهما مناسبا

[ 89 ]

وقوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم وجه المناسبة في الحكم محمول على قول مجاهد إن من حضر الموصى فرأى منه جنفا على الورثة في وصيته مع فقرهم فوعظه في ذلك وأصلح بينه وبينهم حتى رضوا فلا إثم عليه وهو غفور للموصى إذا ارتدع بقول من وعظه فرجع عما هم به وغفرانه لهذا برحمته لاخفاء به والإثم المرفوع عن القائل يحتمل أن يكون إثم التبديل السابق في الآية قبلها في قوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه يعنى من الموصى أي لا يكون هذا المبدل داخلا تحت وعيد من بدل على العموم لأن تبديل هذا تضمن مصلحة راجحة فلا يكون كغيره وقد أشكل على ذلك مواضع منها قوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فإن قوله وإن تغفر لهم يوهم أن الفاصلة الغفور الرحيم وكذا نقلت عن مصحف أبى رضى الله عنه وبها قرأ ابن شنبود ولكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة لأنه لا يغفر لمن يستحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه فهو العزيز لان العزير في صفات الله هو الغالب ممن قولهم عزه يعزه إذا غلبه ووجب أن يوصف بالحكيم أيضا لأن الحكيم من يضع الشئ في محله فالله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفى وجه الحكمة في بعض أفعاله فيتوهم الضعفاء أنه خارج عن الحكمة فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن أي وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك والحكمة فيما فعلته وقيل وقيل لا يجوز الغفور الرحيم لأن الله تعالى قطع لهم بالعذاب في قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به وقيل لأنه

[ 90 ]

مقام تبر فلم يذكر الضفة المقتضية استمطار العفو لهم وذكر صفة العدل في ذلك بأنه العزيز الغالب وقوله الحكيم الذى يضع الأشياء مواضعها فلا يعترض عليه إن عفا عمن يستحق العقوبة وقيل ليس هو على مسألة الغفران وإنما هو على معنى تسليم الأمر إلى من هو أملك لهم ولو قيل فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة ولا يسوغ الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه لا لنبى ولا لغيره وأما قوله فإنهم عبادك وهم عباده عذبهم أو لم يعذبهم فلأن المعنى إن تعذبهم تعذب من العادة أن تحكم عليه وذكر العبودية التى هي سبب القدرة كقول رؤبة: يا رب إن أخطأت أو نسيت * فأنت لا تنسى ولا تموت والله لا يضل ولا ينسى ولا يموت أخطأ رؤبة أو أصاب فكأنه قال إن أخطأت تجاوزت لضعفي لأنه وقوتك ونقصي أخبرنا وكمالك ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة براءة أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم والجواب ما ذكرناه ومثله قوله تعالى في سورة الممتحنة ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ومثله في سورة غافر في قول السادة الملائكة ومن صلح من آبائهم وأزواحهم يا وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ومنه قوله تعالى والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا

[ 91 ]

فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم فإن الذى يظهر في أول النظر أن الفاصلة تواب رحيم لأن الرحمة مناسبة للتوبة وخصوصا من هذا الذنب العظيم ولكن هاهنا معنى دقيق من أجله قال حكيم وهو أن ينبه على فائدة مشروعية اللعان وهى الستر عن هذه الفاحشة العظيمة وذلك من عظيم الحكم فلهذا كان حكيم بليغا في هذا المقام دون رحيم ومن خفى هذا الضرب قوله تعالى في سورة البقرة خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شئ عليم وقوله في آل عمران قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شئ قدير فإن المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة وفى آية آل عمران الختم بالعلم لكن إذا أنعم النظر علم أنه يجب أن يكون ما عليه التلاوة في الآيتين وكذلك قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة مع أن ظاهر الخطاب ذو عقوبة شديدة وإنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته وذلك أبلغ في التهديد ومعناه لا تغتروا بسعة رحمة الله تعالى في الاجتراء على معصيته فإنه مع ذلك لا يرد عذابه عنكم وقريب منه رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا

[ 92 ]

وأما قوله تعالى ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم فمناسبة الجزاء للشرط أنه لما أقدم المؤمنون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر على قتال المشركين وهم زهاء ألف متوكلين على الله تعالى وقال المنافقون غر هؤلاء دينهم حتى أقدموا على ثلاثة أمثالهم عددا أو أكثرهم قال الله تعالى ردا على المنافقين وتثبيتا للمؤمنين ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم في جميع أفعاله وأما قوله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا فإن قيل ما وجه الختام بالحلم والمغفرة عقيب تسابيح الأشياء وتنزيهها أجاب صاحب الفنون بثلاثة أوجه أحدها إن فسرنا التسبيح على ما درج في الأشياء من العبر وأنها مسبحات بمعنى مودعات من دلائل العبر ودقائق الإنعامات والحكم ما يوجب تسبيح المعتبر المتأمل فكأنه سبحانه يقول إنه كان من كبير إغفالكم لو النظر في دلائل العبر مع امتلاء الأشياء بذلك وموضع العتب قوله وكأين من دابة في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون كذلك موضع المعتبة قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقد كان ينبغى أن يعرفوا بالتأمل ما يوجب القربة لله مما أودع مخلوقاته بما يوجب تنزيهه فهذا موضع حلم وغفران عما جرى في ذلك من الإفراط والإهمال الثاني إن جعلنا التسبيح حقيقة في الحيوانات بلغاتها فمعناه الأشياء كلها تسبحه

[ 93 ]

وتحمده ولا عصيان في حقها وأنتم تعصون فالحلم والغفران للتقدير في الآية وهو العصيان يكون وفى الحديث لولا بهائم رتع وشيوخ ركع وأطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا الثالث أنه سبحانه قال في أولها يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده أي أنه كان لتسابيح مع المسبحين حليما عن تفريطهم غفورا لذنوبهم ألا تراه قال في موضع آخر والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم وكأنها اشتتملت سعيد على ثلاثة معان إما العفو عن ترك البحث المؤدى إلى الفهم لما في الأشياء من العبر وأنتم على العصيان أو يريد بها الأشياء كلها تسبحه ومنها ما يعصيه ويخالفه فيغفر عصيانهم بتسابيحهم بكر تنبيه قد تكون الفاصلة لا نظير لها في القرآن كقوله تعالى عقب الأمر بالغض في سورة النور إن الله خبير بما يصنعون وقوله عقب الأمر بطلب الدعاء والإجابة لعلهم يرشدون وقيل فيه تعريض بليلة القدر أي لعلهم يرشدون إلى معرفتها

[ 94 ]

وإنما يحتاجون للإرشاد إلى ما لا يعلمون فإن هذه الآية الكريمة ذكرت عقب الأمر بالصوم وتعظيم رمضان وتعليمهم الدعاء فيه وأن أرحى أوقات الإجابة فيه ليلة القدر الثاني التصدير كقوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى وقوله فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا وقوله خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتى فلا تستعجلون وقوله فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه وقوله كان الله ليظلهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون وقوله فما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون وقوله وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون فجعل لفاصلة قد يزرون لجناس وفي أوزارهم وإنما قال على ظهورهم ولم يقل على رؤوسهم لأن الظهر أقوى للحمل فأشار إلى ثقل الأوزار وقوله فقلت استغفروا ربكم إنه كان عفارا

[ 95 ]

وقوله وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه وقوله أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا وقوله رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين الثالث التوشيح ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره نزل المعنى منزلة الوشاح ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح ولهذا قيل فيه إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها وسماه ابن وكيع المطمع لأن صدره مطمع في عجزه كقوله تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين وقوله إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين فإن معنى اصطفاء المذكورين يعلم منه الفاصلة إذ المذكورون نوع من جنس العالمين وقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون فإنه من كان حافظا لهذه السورة متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المردفة وسمع في صدر هذه الآية وآية لهم الليل نسلخ منه النهار علم أن الفاصلة مظلمون فإن من انسلخ النهار عن ليلة أظلم ما دامت تلك الحال

[ 96 ]

وقوله يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فإن قوله ليروا أعمالهم يدل على التقسيم وقوله وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وقوله ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير الرابع الإيغال وسمى به لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذى هو آخذ فيه وبلغ إلى زيادة على الحد يقال أوغل في الأرض الفلانية إذا بلغ تمنهاها كل فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه فقد أوغل كقوله تعالى أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الكلام تم بقوله ومن أحسن من الله حكما ثم احتاج إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى فلما أتى بها أفاد معنى زائدا وكقوله تعالى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين فإن المعنى قد تم بقوله ولا تسمع الصم الدعاء ثم أراد أن يعلم تمام الكلام بالفاصلة فقال إذا ولوا مدبرين

[ 97 ]

فإن قيل ما معنى مدبرين وقد أغنى عنها ولوا قلت لا يغنى عنها ولوا فإن التولى قد يكون بجانب دون جانب بدليل قوله أعرض ونأى بجانبه وإن كان ذكر الجانب هنا مجازا ولا شك أنه سبحانه لما أخبر عنهم أنهم صم لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب لينفى عنهم الفهم الذى يحصل من الإشارة فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة ثم إن التولى قد يكون بجانب مع لحاظه بالجانب الآخر فيحصل له إدراك بعض الإشارة فجعل الفاصلة مدبرين ليعلم أن التولى كان بجميع الجوانب بحيث صار ما كان مستقبلا مستدبرا فاحتجب المخاطب عن المخاطب أو صار من وراثه فخفيت عن عينه الإشارة كما صم أذناه عن العبارة فحصلت المبالغة من عدم الإسماع بالكلية وهذا الكلام وإن بولغ فيه بنفى الإسماع البتة فهو من إيغال الاحتياط الذى أدمجت فيه المبالغة في نفى الاسماع وقد يأتي الاحتياط في غير المقاطع من مجموع جمل متفرقة في ضروب من الكلام شتى يحملها معنى واحد كقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله الآية وقوله فأتوا بسورة من مثله وقوله فأتوا بعشر سور مثله كما يقول الرجل لمن يجحد ما يستحق على درهما ولا دانقا ولا حبة ولا كثيرا ولا قليلا ولو قال ما يستحق على شيئا لأغنى في الظاهر لكن التفصيل أدل على الاحتياط وعلى شدة الاستتبعاد في الإنكار ومنه قوله تعالى اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون فإن المعنى تم

[ 98 ]

بقوله أجرا ثم زاد الفاصلة لمناسبة رءوس الآى فأوغل بها كما ترى حتى أتى بها تفيد معنى زائدا على معنى الكلام فصل في ضابط الفواصل ذكره الجعبرى ولمعرفتها طريقان توقيفي وقياسي الأول التوقيفى فلا روى أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يقطع قراءته آية آية وقرأت بسم الله الرحمن الرحيم إلى الذين تقف على كل آية فمعنى يقطع قراءته آية آية أي يقف على كل آية وإنما كانت قراءته صلى الله عليه وسلم كذلك ليعلم رءوس الآى قال ووهم فيه من سماه وقف السنة لأن فعله عليه السلام إن كان تعبدا فهو مشورع لنا وإن كان لغيره فلا فما وقف عليه السلام عليه دائما تحققنا أنه فاصلة وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريفهما منه أو لتعريف الوقف التام أو للاستراحة والوصل أن يكون غير فاصلة أو فاصلة وصلها لتقدم تعريفها الثاني القياسي وهو ما ألحق من المحتمل غير المنصوص بالمنصوص لمناسب ولا محذور في ذلك لأنه لا زيادة فيه ولا نقصان وإنما غايته أنه محل فصل أو وصل والوقف على كل كلمة جائز ووصل القرآن كله جائز فاحتاج القياسي إلى طريق تعرفه فأقول فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر وقافية البيت في النظم وما يذكر من عيوب القافية من

[ 99 ]

اختلاف الحذو والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة وجاز الانتقال في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيد ومن ثم ترى يرجعون مع: عليم والميعاد غير مع الثواب والطارق أحمد مع بعد والأصل في الفاصلة والقرينة المتجردة في الآية والسجعة يقول المساواة ومن ثم أجمع العادون على ترك عد ويأت بآخرين وولا الملائكة المقربون بالنساء وكذب بها الأولون بسبحان ولتبشر به المتقين بمريم ولعلهم يتقون

[ 100 ]

بطه من الظلمات إلى النور وأن الله على كل شئ قدير بالطلاق لم يشاكل طرفيه وعلى ترك عد أفغير دين الله يبغون بآل عمران أفحكم الجاهلية يبغون بالمائدة وعدوا نظائرها للمناسبة نحو الذي الألباب بآل عمران وعلى الله كذبا بالكهف ولأن بطه وقد يتوجه الأمران في كلمة فيختلف فيها فمنها البسملة وقد نزلت بعض آية في النمل وبعضها في أثناء الفاتحة في بعض الأحرف السبعة فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها آية ولم يحتج إلى إثباتها بالقياس للنص المتقدم خلافا للدانى ومن قرأ بحرف لم تنزل معه لم يعدها ولزمه من الإجماع على أنها سبع آيات أن يعد عوضها وهو بعد اهدنا وقد لقوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين

[ 101 ]

أي قراءة الصلاة تعد منها ولا للعبد إلا هاتان والمستقيم محقق فقسمتا علي بعدها قسمين فكانت حتى عليهم الأولى وهى مماثلة في الروى لما قبلها ومنها حروف الفواتح فوجه عدها استقلالها على الرفع والنصب ومناسبة الروى والردف ووجه عدمه الاختلاف في الكمية والتعلق على الجزء ومنها بالبقرة تعالى عذاب أليم وإنما نحن مصلحون فوجه عده مناسبة الروى ووجه عدمه تعلقه بتاليه فإن ومنها إلى بنى إسرائيل بآل عمران حملا على ما في الأعراف والشعراء والسجدة والزخرف ومنها عمر فبشر عباد النبي بالزمر لتقدير تاليه مفعولا ومبتدأ ومنها والرحمن وإن والحاقة كما والقارعة هو والعصر وسلم حملا على والفجر الضحى للمناسبة لكن تفاوتت في الكمية

[ 102 ]

النوع الرابع في جمع الوجوه والنظائر وقد صنف فيه قديما مقاتل بن سليمان وجمع فيه من المتأخرين ابن الزاغونى وأبو الفرج بن الجوزى والدامغاني الواعظ وأبو الحسين بن فارس وسمى كتابه الأفراد فالوجوه اللفظ المشترك الذى يستعمل في عدة معان كلفظ الأمة والنظائر كالألفاظ المتواطئة وقيل النظائر في اللفظ والوجوه في المعاني وضعف لأنه لو أريد هذا لكان الجمع في الألفاظ المشتركة وهم يذكرون في تلك الكتب اللفظ الذى معناه واحد في مواضع كثيرة فيجعلون الوجوه نوعا لأقسام والنظائر نوعا آخر كالأمثال وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجها أو أكثر أو أقل ولا يوجد ذلك في كلام البشر

[ 103 ]

وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثا مرفوعا لا يكون الرجل فقيها كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة فمنه الهدى سبعة عشر حرفا بمعنى البيان كقوله تعالى أولئك على هدى من ربهم وبمعنى الدين إن الهدى هدى الله وبمعنى الإيمان ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وبمعنى الداعي ولكل قوم هاد وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وبمعنى الرسل والكتب فإما يأتينكم منى هدى وبمعنى المعرفة وبالنجم هم يهتدون وبمعنى الرشاد اهدنا الصراط المستقيم وبمعنى محمد صلى الله عليه وسلم إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما تبين لهم الهدى وبمعنى القرآن ولقد جاءهم من ربهم الهدى

[ 104 ]

وبمعنى التوراة ولقد آتينا موسى الهدى وبمعنى الاسترجاع أولئك هم المهتدون ونظيرها في التغابن ومن يؤمن بالله أي في المصيبة أنها من عند الله يهد قلبه للاسترجاع وبمعنى الحجة والله لا يهدى القوم الظالمين بعد قوله ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أي لا يهديهم إلى الحجة وبمعنى التوحيد إن نتبع الهدى معك وبمعنى السنة وإنا على آثارهم مهتدون وبمعنى الإصلاح وأن الله لا يهدى كيد الخائنين وبمعنى الإلهام أعطى كل شئ خلقه ثم هدى هدى كلا في معيشته وبمعنى التوبة إنا هدنا إليك أي تبنا وهذا كثير الأنواع

[ 105 ]

وقال ابن فارس في كتاب الأفراد كل ما في كتاب الله من ذكر الأسف فمعناه الحزن كقوله تعالى في قصة يعقوب عليه السلام يا أسفا على يوسف إلا قوله تعالى فلما آسفونا فإن معناه أغضبونا وأما قوله في قصة موسى عليه السلام غضبان أسفا فقال ابن عباس مغتاظا وكل ما في القرآن من ذكر البروج فإنها الكواكب كقوله تعالى والسماء ذات البروج إلا التى في سورة النساء ولو كنتم في بروج مشيدة فإنها القصور الطوال المرتفعة في السماء الحصينة وما في القرآن من ذكر البر والبحر فإنه يراد بالبحر الماء وبالبر التراب اليابس غير واحد في سورة الروم ظهر الفساد في البر والبحر فإنه بمعنى البرية والعمران وقال بعض علمائنا في البر قتل ابن آدم أخاه وفى البحر أخذ الملك كل سفينة غصبا والبخس في القرآن النقص مثل قوله تعالى فلا تخاف بخسا ولا رهقا إلا حرفا واحدا في سورة يوسف وشروه بثمن بخس فإن أهل التفسير قالوا بخس حرام وما في القرآن من ذكر البعل فهو الزوج كقوله تعالى وبعولتهن أحق

[ 106 ]

بردهن إلا حرفا واحدا في الصافات أتدعون بعلا فإنه أراد صنما وما في القرآن من ذكر البكم فهو الخرس عن الكلام بالإيمان كقوله صم بكم إنما أراد بكم عن النطق والتوحيد مع صحة ألسنتهم إلا حرفين أحدهما في سورة بنى إسرائيل عميا وبكما وصما والثانى في سورة النحل قوله عز وجل أحدهما أبكم فإنهما في هذين الموضعين اللذان لا يقدران على الكلام وكل شئ في القرآن ي بعد جثيا فمعنا جميعا إلا التى في سورة الشريعة وترى كل أمة جاثية فإنه أراد تجثو على ركبتيها وكل حرف في القرآن حسبان فهو من العدد غير حرف في سورة الكهف حسبانا من السماء فإنه بمعنى العذاب وكل ما في القرآن حسرة فهو الندامة كقوله عز وجل يا حسرة على العباد إلا التى في سورة آل عمران ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم فإنه يعنى به حزنا وكل شئ في القرآن الدحض والداحض فمعناه الباطل كقوله حجتهم داحضة إلا التى في سورة الصافات فكان من المدحضين وكل حرف في القرآن من رجز فهو العذاب كقوله تعالى في قصة بنى إسرائيل

[ 107 ]

لئن كشفت عنا الرجز إلا في سورة المدثر والرجز فاهجر فإنه يعنى الصنم فاجتنبوا عبادته وكل شئ في القرآن من ريب فهو شك غير حرف واحد وهو قوله تعالى نتربص به ريب المنون فإنه يعنى حوادث الدهر وكل شئ في القرآن يرجمنكم ويرجموكم فهو القتل غير التى في سورة مريم عليها السلام لأرجمنك يعنى لأشتمنك قلت وقوله رجما بالغيب أي ظنا والرجم أيضا الطرد واللعن ومنه قيل للشيطان رجيم وكل شئ في القرآن من زور فهو الكذب ويراد به الشرك غير التى في المجادلة منكرا من القول وزورا فإنه كذب غير شرك وكل شئ في القرآن من زكاة فهو المال غير التى في سورة مريم وحنانا من لدنا وزكاة فإنه يعنى تعطفا وكل شئ في القرآن من زاغوا ولا تزغ فإنه من مالوا ولا تمل غير واحد في سورة الأحزاب وإذا زاغت الأبصار بمعنى شخصت وكل شئ في القرآن من يسخرون وسخرنا فإنه يراد به الاستهزاء غير التى في سورة الزخرف ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فإنه أراد أعوانا وخدما وكل سكينة في القرآن طمأنينة في القلب غير واحد في سورة البقرة فيه سكينة

[ 108 ]

من ربكم فإنه يعنى شيئا كرأس الهرة لها جناحان كانت في التابوت وكل شئ في القرآن من ذكر السعير فهو النار والوقود إلا قوله عز وجل إن المجرمين في ضلال وسعر فإنه العناد وكل شئ في القرآن من ذكر شيطان فإنه إبليس وجنوده وذريته إلا قوله تعالى في سورة البقرة خلوا إلى شياطينهم فإنه يريد كهنتهم مثل كعب بن الأشرف وحيى بن أخطب وأبى ياسر أخيه وكل شهيد في القرآن غير القتلى في الغزو فهم الذين يشهدون على أمور الناس إلا التى في سورة البقرة قوله عز وجل وادعوا شهداءكم فإنه يريد شركاءكم وكل ما في القرآن من أصحاب النار فهم اهل النار إلا قوله وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة فإنه يريد خزنتها وكل صلاة في القرآن فهى عبادة ورحمة إلا قوله تعالى وصلوات ومساجد فإنه يريد بيوت عبادتهم وكل صمم في القرآن فهو عن الاستماع للإيمان غير واحد في بنى اسرائيل قوله عز وجل عميا وبكما وصما معناه لا يسمعون شيئا وكل عذاب في القرآن فهو التعذيب إلا قوله عز وجل وليشهد عذابهما فإنه يريد الضرب والقانتون المطيعون لكن قوله عز وجل في البقرة كل له قانتون

[ 109 ]

معناه مقرون وكذلك في سورة الروم وله من في السموات والأرض كل له قانتون يعنى مقرون بالعبودية وكل كنز في القرآن فهو المال إلا الذى في سورة الكهف وكان تحته كنز لهما فإنه أراد صحفا وعلما وكل مصباح في القرآن فهو الكوكب إلا الذى في سورة النور المصباح في زجاجة فإنه السراج نفسه النكاح في القرآن التزوج إلا قوله جل ثناؤه حتى إذ بلغوا النكاح فإنه يعنى الحلم النبأ والأنباء في القرآن الأخبار إلا قوله تعالى فعميت عليهم الأنباء فإنه بمعنى الحجج الورود في القرآن الدخول إلا في القصص ولما ورد ماء مدين يعنى هجم عليه ولم يدخله وكل شئ في القرآن من لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعنى عن العمل إلا التى في سورة النساء إلا ما آتاها يعنى النفقة وكل شئ في القرآن من يأس فهو القنوط إلا التى في الرعد أفلم ييئس الذين آمنوا أي ألم يعلموا قال ابن فارس أنشدني أبى فارس بن زكريا

[ 110 ]

أقول لهم بالشعب إذ ييسروننى * ألم تيئسوا أنى ابن فارس زهدم قال الصاغانى البيت لسحيم بن وثيل اليربوعي وكل شئ في القرآن من ذكر الصبر محمود إلا قوله عز وجل لولا أن صبرنا عليها وواصبروا على آلهتكم انتهى ما ذكره ابن فارس وزاد غيره كل شئ في القرآن لعلكم فهو بمعنى لكى غير واحد في الشعراء لعلكم تخلدون فإنه للتشبيه أي كأنكم وكل شئ في القرآن أقسطوا فهو بمعنى العدل إلا واحد في الجن وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا يعنى العادلين الذين يعدلون به غيره هذا باعتبار صورة اللفظ وإلا فمادة الرباعي تخالف مادة الثلاثي وكل كسف في القرآن يعنى جانبا من السماء غير واحد في سورة الروم ويجعله كسفا يعنى السحاب قطعا وكل ماء معين فالمراد به الماء الجارى غير الذى في سورة تبارك فإن المراد به الماء الطاهر الذى تناله الدلاء وهى زمزم

[ 111 ]

وكل شئ في القرآن لئلا فهو بمعنى كيلا غير واحد في الحديد لئلا يعلم أهل الكتاب يعنى لكى يعلم وكل شئ في القرآن من الظلمات الى النور فهو بمعنى الكفر والإيمان غير واحد في أول الأنعام وجعل الظلمات والنور يعنى ظلمة الليل ونور النهار وكل صوم في القرآن فهو الصيام المعروف إلا الذى في سورة مريم إنى نذرت للرحمن صوم يعنى صمتا وذكر أبو عمرو الدانى في قوله تعالى واسألهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر أن المراد بالحضور هنا المشاهدة قال وهو بالظاء بمعنى المنع والتحويط قال ولم يأت بهذا المعنى إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى فكانوا كهشيم المحتظر قيل وكل شئ في القرآن وما أدراك فقد أخبرنا به وما فيه وما يدريك فلم يخبرنا به حكاه البخاري رحمه الله في تفسيره واستدرك بعضهم عليه موضعا وهو قوله وما يدريك لعل الساعة قريب وقيل الإنفاق حيث وقع القرآن فهو الصدقة إلا قوله تعالى فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا فإن المراد به المهر وهو صدقة في الأصل تصدق الله بها على النساء

[ 112 ]

النوع الخامس علم المتشابه وقد صنف فيه جماعة ونظمه السخاوى وصنف في توجيهه الكرماني كتاب البرهان والرازي درة التأويل وأبو جعفر بن الزبير وهو أبسطها في مجلدين وهو إيراد القصة الواحدة في صور شتى وفواصل مختلفة ويكثر في إيراد القصص والأنباء وحكمته التصرف في الكلام وإتيانه على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك مبتدأ به ومتكررا وأكثر أحكامه تثبت من وجهين فلهذا جاء باعتبارين وفيه فصول الفصل الأول المتشابه باعتبار الأفراد الأول باعتبار الأفراد وهو على أقسام

[ 113 ]

الأول أن يكون في موضع على نظم وفى آخر على عكسه وهو يشبه رد العجز على الصدر ووقع في القرآن منه كثير ففى البقرة وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفى الأعراف وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا وفى البقرة والنصارى والصابئين وفى الحج والصابئين والنصارى في البقرة والأنعام قل إن هدى الله هو الهدى وفى آل عمران قل إن الهدى هدى الله في البقرة ويكون الرسول عليكم شهيدا وفى الحج شهيدا عليكم في البقرة وما أهل به لغير االله وباقى القرآن لغير الله به

[ 114 ]

في البقرة لا يقدرون على شئ مما كسبوا وفى إبراهيم مما كسبوا على شئ في آل عمران ولتطمئن قلوبكم به وفى الأنفال ولتطمئن به قلوبكم في النساء كونوا قوامين بالقسط شهداء لله وفى المائدة كونوا قوامين لله شهداء بالقسط في الأنعام لا إله إلا هو خالق كل شئ وفى حم المؤمن خالق كل شئ لا إله إلا هو في الأنعام نحن نرزقكم وإياهم وفى بنى إسرائيل نرزقهم وإياكم في النحل وترى الفلك مواخر فيه وفى فاطر فيه مواخر في بنى إسرائيل صرفنا للناس في هذا القرآن وفى الكهف في هذا القرآن للناس في بنى إسرائيل قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم وفى العنكبوت بينى وبينكم شهيدا

[ 115 ]

في المؤمنين لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل وفى النمل لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل في القصص وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى وفى يس وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى في آل عمران قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر وفى كهيعص وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا الثاني ما يشتبه بالزيادة والنقصان ففى البقرة سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم وفى يس وسواء بزيادة واو لأن ما في البقرة جملة هي خبر عن اسم إن وما في يس جملة عطفت بالواو على جملة في البقرة فأتوا بسورة من مثله وفى غيرها بإسقاط إلا للتبعيض ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول من فيها ليعلم أن التحدي واقع على جميع القرآن من أوله إلى آخره بخلاف غيرها من السور فإنه لو دخلها من لكان التحدي واقعا على بعض السور دون بعض ولم يكن ذلك بالسهل في البقرة فمن تبع هداى وفى طه فمن اتبع هداى لأجل قوله هناك يتبعون الداعي فيه

[ 116 ]

في البقرة يذبحون بغير واو على أنه بدل من ومثله في الأعراف يقتلون وفى إبراهيم ويذبحون بالواو لأنه من كلام موسى عليه السلام يعدد المحن عليهم في البقرة ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وفى آل عمران ولكن أنفسهم يظلمون في البقرة فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا ثم قال فمن كان منكم مريضا في البقرة ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير وسائر ما في القرآن بإسقاط من ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم وفى آل عمران ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم قالوا وجميع ما في القرآن من السؤال لم يقع عنه الجواب بالفاء إلا قوله تعالى في طه ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا الآية لأن الأجوبة في الجميع كانت بعد السؤال وفى طه كانت قبل السؤال وكأنه قيل إن سئلت عن الجواب فقل في الأعراف لقد أرسلنا نوحا بغير واو وليس في القرآن غيره

[ 117 ]

في البقرة ويكون الدين لله وفى الأنفال كله لله في آل عمران اشهدوا بأنا مسلمون وفى المائدة بأننا مسلمون في آل عمران جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير بباء واحدة إلا في قراءة ابن عامر وفى فاطر بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير بثلاث باءات في آل عمران هأنتم تحبونهم ولا يحبونكم وسائر ما في القرآن هؤلاء بإثبات الهاء في النساء خالدين فيها وذلك الفوز العظيم بالواو وفى براءة ذلك بغير واو في النساء فامسحوا بوجوهكم وأيديكم وفى المائدة بزيادة منه في الأنعام قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك فكرر صلى لكم وقال في هود ولا أقول إنى ملك لأنه تكرر لكم في قصته أربع مرات فاكتفى بذلك في الأنعاام وقال إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين

[ 118 ]

وفى القلم بمن ضل عن سبيله بزيادة الباء ولفظ الماضي وفى النجم هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى في الأنعام إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين وفى سورة المؤمنين بزيادة نموت وفيها أيضا إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ليس فيها غيره وفيها جعلكم خلائف الأرض وفى فاطر في الأرض بإثبات في في الأعراف ما منعك ألا تسجد وفى ص أن تسجد وفى الحجر ألا تكون مع الساجدين فزاد في الأعراف ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم بالفاء وكذا حيث وقع إلا في يونس في الأعراف لقد أرسلنا نوحا إلى قومه بغير واو وفى المؤمنين وهود ولقد أرسلنا بالواو في الأعراف كذبوا من قبل وفى يونس بزيادة به في الأعراف يريد أن يخرجكم من أرضكم وفى الشعراء بزيادة بسحره

[ 119 ]

في هود وإننا لفى شك مما تدعونا وفى إبراهيم وإنا لفى شك مما تدعوننا في يوسف وما أرسلنا من قبلك وفى الأنبياء وما أرسلنا قبلك في النحل فأحيا به الأرض بعد موتها وفى العنكبوت من بعد موتها وكذلك حذف من من قوله لكيلا يعلم بعد علم شيئا وفى الحج من بعد علم شيئا في الحج كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وفى السجدة منها أعيدوا فيها في النمل وألق عصاك وفى القصص وأن ألق عصاك في العنكبوت ولما أن جاءت رسلنا لوطا وفى هود ولما جاءت بغير أن

[ 120 ]

في العنكبوت فأحيا به الأرض من بعد موتها بزيادة ليس غيره في سورة المؤمن الساعة لآتية وفى طه أنه في النحل يدعون من دون الله وفي الأعراف دونه في المؤمنين موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وفي المؤمن بإسقاط ذكر الأخ في البقرة يذبحون أبناءكم وفي سورة إبراهيم ويذبحون بالواو ووجهه أنه في سورة إبراهيم تقدم وذكرهم بأيام الله وهي أوقات عقوبات إلى أن قال في ذلك لآيات لكل صبار شكور واللائق أن يعدد امتحانهم تعديدا يؤذن بصدق الجمع عليه لتكثير المنة ولذلك أتى بالعاطف ليؤذن بأن إسامتهم وهو العذاب مغاير لتذبيح صلى الله عليه وسلم الأبناء وسبى النساء وهو ما كانوا عليه من التسخير بخلاف المذكور في البقرة فإن ما بعد تفسير له فلم يعطف عليه ولأجل مطابقة السابق جاء في الأعراف يقتلون أبناءكم ليطابق سنقتل أبناءهم ونستحى نساءهم الثالث التقديم والتأخير وهو قريب من الأول ومنه في البقرة يتلو عليهم

[ 121 ]

آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم مؤخر وما سواه يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ومنه تقديم اللعب على اللهو في موضعين من سورة الأنعام وكذلك في القتال والحديد وقدم اللهو على اللعب في الأعراف والعنكبوت وإنما قدم اللعب في الأكثر لأن اللعب زمان الصبا واللهو زمان الشباب وزمان الصبا متقدم على زمان اللهو تنبيه ما ذكره في الحديد اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب أي كلعب الصبيان ولهو أي كلهو الشباب فقال وزينة كزينة النساء وتفاخر أي كتفاخر الإخوان وتكاثر كتكاثر السلطان وقريب منه في تقديم اللعب على اللهو قوله وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا وقدم اللهو في الأعراف لأن ذلك يوم القيامة فذكر على ترتيب ما انقضى وبدأ بما به الإنسان انتهى من الحالين وأما العنكبوت فالمراد بذكرهما زمان الدنيا وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء وإن الدار الآخرة لهى الحيوان أي الحياة التى لا أبد لها ولا نهاية لأبدها فبدأ بذكر اللهو لأنه في زمان الشباب وهو أكثر من زمان اللعب وهو زمان الصبا

[ 122 ]

ومنه تقديم لفظ الضرر على النفع في الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خوفا من عقابه أولا ثم طمعا في ثوابه وحيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع وذلك في سبعة مواضع ثلاثة منها بلفظ الاسم وهى في الاعراف والرعد وسبأ وأربعة بلفظ الفعل وهى في الأنعام ما لا ينفعنا ولا يضرنا وفى آخر يونس ما لا ينفعك ولا يضرك وفى الأنبياء ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم وفى الفرقان ما لا ينفعهم ولا يضرهم أما في الأعراف فلتقدم قوله من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء فقدم الخير على السوء وكذا قدم النفع على الضر أما في الرعد فلتقدم الطوع في قوله أو كرها أما في سبأ فلتقدم البسط في قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفى يونس قدم الضر على الأصل ولموافقة ما قبلها فإن فيها ما لا يضرهم ولا

[ 123 ]

ينفعهم وفيها وإذا مس الإنسان الضر فتكون الآية ثلاث مرات وكذلك ما جاء بلفظ الفعل فلسابقة ثنا معنى يتضمن نفعا أما الأنعام ففيها ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ثم وصله بقوله قل أندعو من دون الله مالا ينفعنا ولا يضرنا وفى يونس تقدم قوله ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننجي لمؤمنين ثم قال ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك وفى الأنبياء تقدم قول الكفار لإبراهيم في المجادلة لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم وفى الفرقان تقدم ألم تر إلى ربك كيف مد الظل نعما جمة في الآيات ثم قال ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم فتأمل هذه المواضع المطردة التى هي أعظم اتساقا من العقود ومن أمثلته قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ثم قال سبحانه في السورة واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا الآية وفيها سؤالان

[ 124 ]

أحدهما أنه سبحانه في الأولى قدم نفى قبول الشفاعة على أخذ العدل وفى الثاني قدم نفى قبول العدل على الشفاعة السؤال الثاني أنه سبحانه وتعالى قال في الأولى لا يقبل منها شفاعة وفى الثانية ولا تنفعها شفاعة فغاير بين اللفظين فهل ذلك لمعنى يترتب عليه أو من باب التوسع في الكلام والتنقل من أسلوب إلى آخر كما جرت عادة العرب والجواب أن القرآن الحكيم وإن اشتمل على النقل من أسلوب إلى آخر لكنه يشتمل مع ذلك على فائدة وحكمة قال الله تعالى كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ولم يقل من رحمن ور رحيم للتنصيص على أنه لا بد من الحكمة وهاتان الآيتان كلاهما في حق بنى إسرائيل وكانوا يقولون إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله أنه لا تنفعهم الشفاعة ولا تجزى نفس عن نفس شيئا وتعلق بهذه الآية المعتزلة على نفى الشفاعة كما ذكره الزمخشري وأجاب عنها أهل السنة بأجوبة كثيرة ليس هذا محلها وذكر الله في الآيتين النفس متكررة ثم أتى بضمير يحتمل رجوعه إلى الأولى أو إلى الثانية وإن كانت القاعدة عود الضمير إلى الأقرب ولكن قد يعود إلى غيره كقوله تعالى وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فالضمير في التعزير والتوقير راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفى التسبيح عائد إلى الله تعالى وهو متقدم على ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فعاد الضمير على غير الأقرب إذا علمت ذلك فقوله في الأولى ولا يقبل منها شفاعة الضمير راجع إلى

[ 125 ]

النفس الأولى وهي الشفاعة لغيرها فلما كان المراد في هذه الآية ذكر الشفاعة للمشفوع له أخبر أن الشفاعة غير مقبولة للمشفوع احتقارا له وعدم الاحتفاء به وهذا الخبر يكون باعثا للسامع في ترك الشفاعة إذا علم أن المشفوع عنده لا يقبل شفاعتة به فيكون التقدير على هذا التفسير لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة لو شفعت يعنى وهم لا يشفعون فيكون ذلك مؤيسا لهم فيما زعموا أن آباءهم الأنبياء ينفعونهم من غير عمل منهم وقوله ولا يؤخذ منها عدل إن جعلنا الضمير في منها راجعا إلى الشافع أيضا فقد جرت العادة أن الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده شيئا ليكون مؤكدا لقبول شفاعته فمن هذا قدم ذكر الشفاعة على دفع العدل وإن جعلنا الضمير راجعا إلى المشفوع فيه فهو أحرى بالتأخير ليكون الشافع قد أخبره بأن شفاعته قد قبلت فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسسا لحصول مقصود الشفاعة وهو ثمرتها للمشفوع فيه وأما الآية الثانية فالضمير في قوله عدل راجع إلى النفس الثانية وهي النفس التي هي صاحبة الجريمة فلا يقبل منها عدل لأن العادة بذل العدل من صاحب الجريمة يكون مقدما على الشفاعة فيه ليكون ذلك أبلغ في تحصيل مقصوده فناسب ذلك تقديم العدل الذي هو الفدية من المشفوع له على الشفاعة ففي هذه الآية بيان أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها ولا تنفعها شفاعة شافع فيها وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند من طلب ذلك منه ولهذا قال في الأولى يقبل منها شفاعة وفي الثانية تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشفاع وتنفع المشفوع له

[ 126 ]

وقال الراغب إنما كرر فيها على سبيل الإنذار بالواعظ إذا وعظ لأمر فإنه يكرر اللفظ لأجله تعظيما للآمر قال وأما تغييره النظم فلما كان قبول وأخذه وقبول الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات واختلافها فرق في المعنى وقال الإمام فخر الدين لما كان الناس متفاوتين فمنهم من يختار أن يشفع فيه مقدما على العدل الذى يخرجه ومنهم من يختار على العدل مقدما على الشفاعة ذكر سبحانه وتعالى القسمين فقدم الشفاعة باعتبار طائفة وقدم العدل باعتبار أخرى قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى الظاهر أنه سبحانه وتعالى إنما نفى قبول الشفاعة لا نفعها ونفى أصل العدل الذى هو الفداء وبدأ بالشفاعة لتيسيرها هذا على الطالب أكثر من تحصيل العدل الذى هو الفداء على ما هو المعروف في دار الدنيا وفى الآية الثانية أنه لما تقرر زيادة تأكيدها بدأ فيها بالأعظم الذى هو الخلاص بالعدل وثنى بنفع الشفاعة فقال ولا تنفعها شفاعة ولم يقل لا تقبل منها شفاعة وإن كان نفى الشفاعة يستلزم نفى قبولها لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة وتنفع لأغراض من وعد بخير وإبدال المشفوع بغيره فنفى النفع أعم فلم يكن بين نفى القبول ونفى النفع بالشفاعة تلازم كما ادعاه الراغب وكان التقدير بالفداء الذى هو نفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة شيئين مؤكدين لاستقرار ذلك في الآية الثانية ومما يدل على أن نفى الشفاعة أمر زائد نفى قبولها أنه سبحانه لما أخبر عن المشركين أخبر بنفى النفع لا بنفى القبول فقال فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال ولا تنفع الشفاعة عنده الآية وفى الحديث الصحيح أنهم قالوا يا رسول الله هل نفعت عمك

[ 127 ]

أبا طالب فقال وجدته فنقلته إلى ضحضاح من النار مع علمهم أنه لا يشفع فيه فإن قيل فقد قال في آخر السورة من قبل أن يأتي لا يوم بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فنفى الشفاعة ولم ينف نفعها قيل من باب زيادة التأكيد أيضا فإنه سبحانه ذكر في هذه الآية الأسباب المنجية في الدنيا ونفاها هناك وهى إما البيع الذى يتوصل به الإنسان إلى المقاصد أو الخلة التى هي كمال المحبة وبدأ نفى المحبة لأنه أعم وقوعا من الصداقة والمخالة وثنى بنفى الخلة التى هي سبب لنيل الأغراض في الدنيا أيضا وذكر ثالثا نفى الشفاعة أصلا وهى أبلغ من نفى قبولها فعاد الأمر إلى تكرار الجمل في الآيات ليفيد قوة الدلالة الرابع بالتعريف والتنكير كقوله في البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق وفى آل عمران بغير حق وقوله في البقرة هذا بلدا آمنا وفى سورة إبراهيم هذا البلد آمنا لأنه للإشارة إلى قوله بواد غير ذى زرع ويكون ثم بلدا رسول هنا هو المفعول الثاني وصفته وفى إبراهيم ولا مفعول أول و آمنا الثاني وقوله في آل عمران وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وفى الأنفال إن الله عزيز حكيم وقوله في حم السجدة فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وفى الأعراف

[ 128 ]

إنه سميع عليم لأنها في حم مؤكدة بالتكرار بقوله وما يلقاها إلا الذين صبروا فبالغ بالتعريف وليس هذا في سورة الأعراف فجاء على الأصل المخبر عنه معرفة والخبر نكرة الخامس بالجمع والإفراد كقوله في سورة البقرة لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وفى آل عمران لأن الأصل في الجمع إذا كان واحد مذكر أن يقتصر في الوصف على التأنيث نحو سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة فجاء في البقرة على الأصل وفى آل عمران على الفرع السادس إبدال حرف بحرف غيره كقوله تعالى في البقرة اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا بالواو وفى الأعراف فكلا لم بالفاء وحكمته أن في البقرة من السكون الذى هو الإقامة فلم يصلح إلا بالواو ولو جاءت الفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة والذى في الأعراف من المسكن وهو اتخاذ الموضع سكنا فكانت الفاء أولى لأن اتخاذ المسكن لا يستدعى زمنا متجددا وزاد في البقرة حدثنا لقوله وقلنا بخلاف سورة الأعراف فإن فيها وذهب قوم إلى أن ما في الأعراف خطاب لهما قبل الدخول وما في البقرة بعد الدخول ومنه قوله تعالى في البقرة وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء وفى الأعراف بالواو

[ 129 ]

في البقرة ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم ثم قال بعد ذلك من بعد ما جاءك في البقرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وفى غيرها ولا هم ينظرون في البقرة وما أنزل إلينا وفى آل عمران علينا في الأنعام قل سيروا في الأرض ثم انظروا وفى غيرها قل سيروا في الأرض فانظروا في الأعراف وما كان جواب قومه بالواو وفى غيرها بالفاء في الأعراف آمنتم به وفى الباقي آمنتم له في سورة الرعد كل يجرى لأجل مسمى وفى لقمان إلى أجل مسمى لا ثانى له في الكهف ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها وفى السجدة ثم أعرض عنها في طه أفلم يهد لهم بالفاء وفى السجدة أولم يهد لهم

[ 130 ]

في القصص وما أوتيتم من شئ وفى الشورى فما أوتيتم بالفاء في الطور وأقبل بعضهم على بعض وواصبر لحكم ربك بالواو فيهما وفى الصافات فأقبل بعضهم على بعض وفى القلم فاصبر لحكم ربك بالفاء فيهما كما أن وبئس القرار وابن بالواو فيهما في ابراهيم في الأعراف قوله لبلد ميت وفي فاطر إلى بلد السابع إبدال كلمة بأخرى له في البقرة ألفينا عليه آباءنا وفي لقمان ذلك في البقرة وفي الأعراف في البقرة فأزلهما الشيطان وفي الأعراف فوسوس لهما الشيطان في آل عمران رب أني يكون لي ولد وفي مريم أني يكون لي غلام لأنه تقدم ذكره في لك غلاما زكيا

[ 131 ]

في النساء إن تبدوا خيرا أو تخفوه وفى الأحزاب شيئا أو تخفوه الأنعام يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى والثانى يخرج بالفعل في الكهف ولئن رددت إلى ربى وفى حم ولئن رجعت إلى في طه فلما أتاها وفى النمل فلما جاءها في طه وسلك لكم فيها سبلا وفى الزخرف وجعل لكم فيها سبلا في الأنبياء ما يأتيهم من ذكر من ربهم وفى الشعراء من الرحمن في النمل ويوم ينفخ في الصور ففزع وفى الزمر فصعق في الأحزاب في أولها بما تعملون خبيرا وفيها بما تعملون بصيرا بعد وجنودا لم تروها عذابا أليما بعدليسأل الصادقين وعذابا مهينا بعد يؤذون الله ورسوله

[ 132 ]

أجرا كريما بعد تحيتهم يوم يلقونه سلام ورزقا كريما بعد نؤتها أجرها مرتين سنة الله في الذين خلوا من قبل موضعان في الأحزاب وفى سورة غافر سنة الله التى قد خلت وفى البقرة وهدى وبشرى للمؤمنين وفى النحل للمسلمين في موضعين في المائدة قل هل أنبئكم وبالنون في الكهف الثامن الإدغام وتركه في النساء والأنفال ومن يشاقق الرسول وفى الحشر بالإدغام في الأنعام لعلهم يتضرعون وفى الأعراف يضرعون

[ 133 ]

الفصل الثاني ما جاء على حرفين كان لعلكم تتفكرون في القرآن اثنان في البقرة ولكن أكثرهم لا يشكرون اثنان في يونس والنمل أن الله غفور حليم في البقرة وفى آل عمران إن الله غفور حليم وأما والله غفور حليم فواحدة في البقرة وكذلك فيها غنى حليم وليس غيره الحكيم العليم حرفان في الزخرف وفى الذاريات فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم اثنان في قصة نوح في هود والمؤمنون في السورتين بالفاء وعذاب يوم أليم اثنان في هود والزخرف من عباده ويقدر له اثنان في العنكبوت وسبأ وأما الذى في القصص فهو من عباده ويقدر لولا أن وباقى القرآن ويقدر فقط

[ 134 ]

فلما أن حرفان في يوسف فلما أن جاء البشير وفى القصص فلما أن أراد أن يبطش ومن أظلم ممن افترى بالواو حرفان في الأنعام وفى يونس فمن أظلم بالفاء أعرض أبو حرفان في الكهف وفى السجدة إلا أن الأول فأعرض والثانى ثم أعرض أطيعوا الله والرسول من غير تكرار الطاعة حرفان وهما في آل عمران قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وجاءهم البينات بغير تاء التأنيث حرفان وهما في آل عمران وما تنفقوا من شئ حرفان في آل عمران وفى الأنفال فإن كذبوك بالفاء حرفان في آل عمران وفى الأنعام قل أرأيتكم إن أو وهما في الأنعام لا يهدى القوم الفاسقين حرفان في التوبة وفى المنافقين

[ 135 ]

إن الله لقوى عزيز بزيادة اللام حرفان في الحج حديث في ديارهم جاثمين حرفان في هود في قصة صالح وشعيب قال بعض المشايخ ما كان فيه الصيحة فهو ديارهم على الجمع وما كان فيه الرجفة فهو دارهم بالتوحيد وما كان لهم من دون الله من أولياء بتكرير من حرفان هما في هود أليس في جهنم مثوى للكافرين حرفان في العنكبوت والزمر إن في ذلك لآية للمؤمنين بلفظ التوحيد حرفان في الحجر والعنكبوت) تبع بإسقاط الألف حرفان في البقرة وآل عمران خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش حرفان في الفرقان وفى آلم السجدة إلى أجل مسمى حرفان في لقمان وحم عسق

[ 136 ]

اللهو قبل اللعب حرفان في الأعراف والعنكبوت أولم يهد بالواو حرفان في الأعراف وآلم السجدة ثم يوم القيامة حرفان في النحل والعنكبوت إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا بزيادة حرفان في آل عمران والنور إلا الذين تابوا وأصلحوا بغير من حرفان في البقرة والنساء ولله ميراث السموات والأرض حرفان في آل عمران وفى الحديد له مقاليد السموات والأرض في الزمر وحم عسق هل يجزون إلا ما كانوا يعملون إخبارا عن الجماعة الغيب حرفان في الأعراف وسبأ أموات بالرفع في البقرة أموات بل أحياء وفى النحل أموات غير أحياء

[ 137 ]

الفصل الثالث ما جاء على ثلاثة أحرف يسيروا في الأرض ثلاثة في القرآن في الروم وفاطر والمؤمن فنجيناه بالفاء في يونس والأنبياء والشعراء قليلا ما تذكرون ثلاثة في الأعراف والنمل والحاقة لعلهم يتذكرون اثنان في الأعراف والثالث في الأنفال تتذكرون بتائين متكررتين عبد ثلاثة في الأنعام وآلم السجدة والمؤمن وما يذكر إلا أولوا الألباب في البقرة وآل عمران وإبراهيم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم في النساء والتوبة والصف وباليوم الآخر بزيادة الباء في أول البقرة وفى النساء والتوبة ولكن هو فيهما بالنفى وإذ قال موسى لقومه يا قوم في البقرة وفى المائدة وفى الصف فلهم أجرهم في البقرة اثنان والثالث في التين والزيتون إلا أنه بإسقاط الهاء والميم

[ 138 ]

ولكن أكثر الناس لا يؤمنون في هود والرعد والمؤمن ولكن أكثر الناس لا يشكرون في البقرة ويوسف والمؤمن وهم بالآخرة هم كافرون في هود ويوسف والسجدة كم أهلكنا من قبلهم من قرن بزيادة من في الأنعام وص وآلم السجدة لكن بلفظ من القرون أجمعون بالواو في الحجر والشعراء وص إن الله خبير بما تعملون في المائدة والنور والحشر إن الله عليم بذات الصدور في آل عمران والمائدة ولقمان ولو شئنا في الأعراف والفرقان وآلم السجدة من ذنوبكم بزيادة من في إبراهيم والأحقاف ونوح مبينات في النور اثنان والثالث في الطلاق لولا أنزل عليه في الرعد اثنان والثالث في يونس جنات عدن يدخلونها في الرعد والنحل وفاطر فما كان الله ليظلمهم في الروم والتوبة والعنكبوت لكن بالواو

[ 139 ]

لعلى في الحج وسبأ ونون في السموات ولا في الأرض في سبأ اثنان وفى آخر فاطر وإذ قال ربك للملائكة بواو في البقرة والحجر وص ونزلنا ثلاثة أحرف في طه والنحل وق والباقى وأنزلنا عليه فإن توليتم في المائدة ويونس والتغابن ألم يروا بغير واو في النحل والنمل ويس أمواتا بالنصب في البقرة وكنتم أمواتا وآل عمران في سبيل الله أمواتا وفى المرسلات أحياء وأمواتا أجلا بالنصب في الأنعام وبنى إسرائيل والمؤمن أئذا كنا ترابا بغير ذكر العظام في الرعد والنمل وق ولقد أرسلنا رسلا من قبلك في الرعد والروم والمؤمن

[ 140 ]

الفصل الرابع جاء على أربعة حروف من في السموات ومن في الأرض بتكرير أبي من في يونس والحج والنمل والزمر ملك السموات والأرض وما بينهما في المائدة اثنان في ص وآخر الزخرف أرسلنا قبلك بإسقاط من في بنى إسرائيل والأنبياء والفرقان وسبأ أهؤلاء بألف قبل الهاء في المائدة والأنعام والأعراف وسبأ من تحتهم في الأنعام والأعراف ويونس والكهف وأما تجرى تحتها الأنهار فموضع واحد في براءة أو أن بهمزة قبل الواو في هود أو أن نفعل وفى بنى إسرائيل أو إن يشأ يعذبكم وفى طه أو أن يطغى وفى المؤمن أو أن يظهر في الأرض الفساد

[ 141 ]

إن الله كان عليما حكيما في النساء اثنان وفى الأحزاب والإنسان آباؤهم بالرفع في البقرة أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا وفى المائدة أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا وفى هود إلا كما يعبد آباؤهم وفى يس لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم قل يأيها الناس في الأعراف وفى يونس اثنان منها وفى الحج نصرف الآيات في الأنعام ثلاثة والرابع في الأعراف إن الله لا يهدى القوم الظالمين في المائدة والأنعام والقصص والأحقاف مباركا بالنصب في آل عمران ومريم والمؤمنين وق مبارك (, في الأنعام اثنان وفي الأنبياء وص ما كسبت بحذف الباء من أوله في البقرة وآل عمران اثنان وفى إبراهيم من ذكر أو أنثى بإثبات الهمزة قبل الواو في آل عمران والنساء والنحل وغافر ألم يروا بغير واو في الأنعام والأعراف والنمل ويس

[ 142 ]

ولبئس في البقرة اثنان ولبئس ما شروا به ولبئس المهاد وفى الحج ولبئس العشير وفى النور ولبئس المصير وأما فلبئس بالفاء فموضع واحد في النحل فلبئس مثوى المتكبرين الا قليل بالرفع في النساء والتوبة وهود والكهف أفلم يسيروا في يوسف وفى الحج وفى المؤمن وفى القتال قل سيروا في الأرض في الأنعام قل سيروا في الأرض ثم انظروا وليس في القرآن ثم غيره وفى النمل قل سيروا في الأرض فانظروا وكذا في العنكبوت والروم أفرأيت بالفاء بعد الهمزة في مريم والشعراء والجاثية والنجم اللعب قبل اللهو في الأنعام اثنان وفى القتال والحديد لآيات لقوم يعقلون بلفظ الجمع في القرة والرعد والروم والنحل

[ 143 ]

إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون على لفظ الجمع في يونس لآية لقوم يسمعون بالتوحيد في النحل كذلك وبالجمع في الروم وآلم السجدة قال الذين كفروا للذين آمنوا في مريم والعنكبوت ويس والأحقاف وما ظلمناهم في هود والنحل اثنان وفى الزخرف وإذ قلنا للملائكة في البقرة وبنى إسرائيل والكهف وطه والأنبياء والنبيين بغير حق في آل عمران النبيين بغير حق وفيها ويقتلون الأنبياء بغير حق وفيها أيضا وقتلهم الأنبياء بغير حق وفى النساء فأما الذى في البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق فليس له نظير

[ 144 ]

الفصل الخامس ماا جاء على خمسة حروف حكيم عليم في الأنعام ثلاثة والرابع في الحجر والخامس في النمل مغفرة ورزق كريم في الأنفال اثنان وفى الحج والنور وسبأ الأرض قبل السماء في آل عمران ويونس وإبراهيم وطه والعنكبوت لآيات لقوم يتفكرون بلفظ الجمع في الرعد والروم والزمر والجاثية وبلفظ التوحيد في النحل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول بتكرير الطاعة في النساء والمائدة والنور والقتال والتغابن

[ 145 ]

وذلك هو الفوز العظيم منها حرفان بالواو في التوبة وذلك هو الفوز العظيم وكذلك في المؤمن والباقى بلا واو في يونس والدخان والحديد الفصل السادس ما جاء على ستة أحرف إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون في الأنعام والنحل والنمل والعنكبوت والروم والزمر وذلك الفوز العظيم منها بواو واحد في النساء خالدين فيها وذلك الفوز العظيم وفى المائدة ذلك الفوز العظيم ومثله في التوبة موضعان والصف والتغابن فمن أظلم بالفاء في الأنعام موضعان والأعراف ويونس والكهف والزمر ويسألونك بالواو ثلاث في البقرة وبنى إسرائيل والكهف وطه فبئس بالفاء في ص اثنان وفى الزمر وفى غافر والزخرف والمجادلة

[ 146 ]

ما بغير واو في البقرة والنساء والأنعام موضعان والحجر والإنسان قل يا أهل الكتاب في آل عمران ثلاثة وفى المائدة ثلاثة الفصل السابع ما جاء على سبعة حروف لعلهم يتذكرون في البقرة وإبراهيم والقصص ثلاثة مواضع والزمر والدخان السموات والأرض وما بينهما في مريم والشعراء والصافات وص موضعان والزخرف والدخان المرأة مكتوبة بالتاء في سبعة مواضع في آل عمران وفى يوسف موضعان امرأت العزيز وفى القصص امرأت فرعون وفى التحريم ثلاثة مواضع

[ 147 ]

الفصل الثامن ما جاء على ثمانية حروف النفع قبل الضر في الأنعام والأعراف ويونس والرعد والأنبياء والفرقان والشعراء وسبأ يتذكر بتاء في الرعدوطه والملائكة وص والزمر والمؤمن والنازعات والفجر الفصل التاسع ما جاء على تسعة حروف من في السموات والأرض بغير تكرار من في آل عمران والرعد وفى بنى إسرائيل ومريم والأنبياء والنور والنمل والروم والرحمن

[ 148 ]

ولكن أكثرهم لا يعلمون بالهاء والميم في الأنعام والأعراف والأنفال ويونس والقصص موضعان والزمر والذى في الدخان والطور يك لا بالياء من غير نون بعد الكاف في الأنفال والتوبة والنحل ومريم والمؤمن موضعان وفى المدثر موضعان بالنون في اوله وفى القيامة ألم يك نطفة الفصل العاشر ما جاء على عشرة أحرف ولما بالواو في هود ويوسف وفى غيرهما بالفاء في هود أربعة أحرف وفى يوسف ستة أن لا تكتب في المصحف بالنون منفصلة عشرة في الأعراف موضعان والتوبة وفى هود موضعان والحج ويس والدخان والممتحنة والقلم

[ 149 ]

الفصل الحادى عشر ما جاء على أحد عشر حرفا أن أحد عشر جنات عدن في التوبة والرعد والنحل والكهف ومريم وطه والملائكة وص والمؤمن والصف ولم يكن ما في السموات والأرض في البقرة والنساء والأنعام ويونس والنحل والنور والعنكبوت ولقمان والحديد والحشر والتغابن خالدين فيها أبدا في النساء ثلاثة مواضع والمائدة والتوبة موضعان والأحزاب والتغابن والطلاق والجن والبرية وتلك بالواو في البقرة وآل عمران والأنعام وهود والكهف والشعراء والعنكبوت والزخرف والمجادلة والحشر والطلاق نعمت الله كتبت بالتاء في أحد عشر موضعا في البقرة اذكروا نعمت الله عليكم وفى آل عمران والمائدة وإبراهيم موضعان والنحل ثلاثة مواضع ولقمان وفاطر والطور

[ 150 ]

في ما كتبت منفصلة في أحد عشر موضعا في البقرة في ما فعلن في أنفسهن من معروف وفى المائدة ليبلوكم في ما آتاكم وفى الأنعام في ما أوحى إلى وفيها أيضا ليبلوكم في ما آتاكم وفى الأنبياء وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون وفى النور لمسكم في ما أفضتم وفى الشعراء أتتركون في ما هاهنا آمنين وفى الروم شركاء في ما رزقناكم وفى الزمر تحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون وفيها أيضا أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا وفى الواقعة وننشئكم في مالا تعملون

[ 151 ]

الفصل الثاني عشر ما جاء على خمسة عشر وجها جنات تجرى من تحتها الأنهار ليس فيها على في البقرة موضعان وآل عمران والمائدة والرعد والنحل والحج موضعان والفرقان والزمر والقتال والفتح والصف والتحريم والبروج والسماء والأرض بالتوحيد في البقرة والأعراف ويونس والأنبياء موضعان وفي الحج والنمل موضعان والروم وسبأ والملائكة وص والدخان والذاريات والحديد الفصل الثالث عشر ما جاء على ثمانية عشر وجها أك نك ويك وتك بحروف المضارعة في أولها وبغير نون في آخرها في النساء وإن تك حسنة

[ 152 ]

والأنفال لم يك مغيرا وفي التوبة فإن يتوبوا يك خيرا لهم وفي هود موضعان فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء فلا تك في مرية منه إنه الحق وفي النحل موضعان ولم يك من المشركين ولا تك في ضيق وفي مريم ثلاثة مواضع وفي لقمان وغافر أربع مواضع وفي المدثر موضعان وفي القيامة الفصل الرابع عشر فيما جاء على عشرين وجها ان في ذلك لآية على التوحيد في البقرة وآل عمران وهود والحجر وفي النحل خمسة أحرف بالتوحيد وفي الشعراء ثمانية في النمل والعنكبوت وسبأ

[ 153 ]

الفصل الخامس عشر ما جاء على ثلاثة وعشرين حرفا وذلك نزل والله في البقرة ذلك بأن الله نزل الكتاب وفي آل عمران نزل عليك الكتاب وفي النساء موضعان والكتاب الذي نزل على رسوله نزل عليكم في الكتاب وفي الأنعام وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه وفي الأعراف موضعان ما نزل الله بها من سلطان إن ولي الله الذي نزل الكتاب وفي الحجر يأيها الذي نزل عليه الذكر وفي النحل لتبين للناس ما نزل إليهم وفي بني إسرائيل وبالحق نزل وفي الفرقان ثلاثة مواضع أولها تبارك الذي نزل الفرقان ونزل الملائكة تنزيلا لولا نزل عليه القر آن

[ 154 ]

وفي الشعراء نزل به الروح الأمين وفي العنكبوت ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيى به الأرض من بعد موتها وليس في القرآن من بعد موتها بزياده من غيره وفي الصافات فإذا نزل بساحتهم وفي الزمر الله نزل أحسن الحديث وفي الزخرف موضعان لولا نزل هذا القرآن والذى نزل من السماء ماء بقدر وفى القتال موضعان وآمنوا بما نزل على محمد ما نزل الله سنطيعكم وفى الحديد ما نزل من الحق وفى تبارك ما نزل الله من شئ

[ 155 ]

النوع االسادس قال علم المبهمات عن وقد صنف فيه أبو القاسم السهيلي كتابه المسمى بالتعريف والإعلام وتلاه تلميذه ابن عساكر في كتابه المسمى بالتكميل والإتمام وهو المبهمات المصنفة في علوم الحديث وكان في السلف من يعنى به قال عكرمة طلبت الذى خرج في بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم أدركه الموت أربع عشرة سنة إلا أنه لا يبحث فيما أخبر الله باستئثاره من بعلمه كقوله وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم والعجب ممن تجرأ وقال قيل إنهم قريظة وقيل من الجن وله أسباب

[ 156 ]

الأول أن يكون أبهم في موضع استغناء ببيانه في آخر في سياق الآية كقوله تعالى مالك يوم الدين بينه بقوله وما أدراك ما يوم الدين الآية وقوله الذين أنعمت عليهم وبينه بقوله من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وقوله وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة والمراد آدم والسياق بينه وقوله يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين والمراد بهم المهاجرون لقوله في الحشر للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وقد احتج بها الصديق على الأنصار يوم السقيفة فقال نحن الصادقون وقد أمركم الله أن تكونوا معنا أي تبعا لنا وإنما استحقها دونهم لأنه الصديق الأكبر وقوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية يعنى مريم وعيسى وقال آية ولم يقل آيتين وهما آيتان لأنها قضية واحدة وهى ولادتها له من غير ذكر والثانى أن يتعين لاشتهاره كقوله اسكن أنت وزجك الجنة ولم يقل حواء لأنه ليس غيرها

[ 157 ]

وكقوله ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه والمراد النمروذ لأنه المرسل إليه وقوله وقال الذي اشتراه من مصر والمراد العزيز وقوله واتل عليهم نبأ أبني آدم بالحق والمراد قابيل وهابيل وقوله يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين قالوا وحيثما جاء في القرآن أساطير الأولين فقائلها النضر بن الحارث بن كلدة وإنما كان يقولها لأنه دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد وإنما يحدثكم أساطير الأولين وفيه نزل قال سأنزل مثل ما أنزل الله وقتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا يوم بدر وقوله أسس على التقوى فإنه ترجح كونه مسجد قباء بقوله من أول يوم لأنه أسس قبل مسجد المدينة وحدس هذا بأن اليوم قد يراد به المدة والوقت وكلاهما أسس على هذا من أول يوم أي من أول عام من الهجرة وجاء في الحديث تفسير بمسجد المدينة وجمع بينهما بأن كليهما مراد الآية الثالث قصد الستر عليه ليكون أبلغ في إستعطافه في ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا

[ 158 ]

بلغه عن قوم شئ خطب فقال ما بال رجال قالوا كذا وهو غالب ما في القرآن كقوله تعالى أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم قيل هو مالك بن الصيف وقوله أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى والمراد هو رافع بن حريملة ووهب بن زيد وقوله ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا وقوله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب [ وقوله ] وقالت طائفة من أهل الكتاب

[ 159 ]

الرابع ألا يكون في تقيينه بن كثير فائدة كقوله تعالى أو كالذي مر على قرية والمراد بها بيت المقدس واسألهم عن القرية والمراد أيله وقيل طبرية كانت قرية والمراد نينوى فلولا كانت قرية والمراد نينوى. أتيا أهل قرية قيل برقة فإن قيل ما الفائدة في قوله وإذ قال إبراهبم لأبيه آزر قيل آزر اسم صنم وفي الكلام حذف أي دع آزر وقيل كلمة زجر وقيل بل هو اسم أبيه وعلى هذا فالفائدة أن الأب يطلق على الجد فقال آزر لرفع المجاز الخامس التنبية على التعميم وهو غير خاص بخلاف مالو عين كقوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله قال عكرمة أقمت أربع عشرة سنة أسال عنه حتى عرفته هو ضمرة بن العيص وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا فلما نزلت آية الهجرة خرج منها فمات بالتنعيم وقوله الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانيه قيل نزلت في على كان معه أربع دوانق فتصدق بواحد بالنهار وآخر باليل وآخر سرا وآخر علانية

[ 160 ]

وقوله وما علمتم من الجوارح مكلبين قيل نزلت في عدى بن حاتم كان له كلاب [ خمسة هذه ] قد سماها [ بأسماء سنة ] أعلام السادس تعظيمه بالوصف الكامل دون الاسم كقوله ولا يأتل أولوا الفضل منكم والمراد الصديق وكذلك والذي جاء بالصدق يعني محمدا به يعنى أبا بكر ودخل في الآية كل مصدق ولذلك قال أولئك هم المتقون السابع تحقيره بالوصف الناقص كقوله إن الذين كفروا بآياتنا وقوله إن شانئك هو الأبتر والمراد فيها العاصى بن وائل وقوله إن جاءكم فاسق والمراد الوليد بن عقبة بن أبى معيط وأما قوله يدا أبى لهب فذكره هنالك للتنبيه على أن ما له للنار ذات اللهب تنبيهات الأول قد يكون للشخص اسمان فيقتصر على أحدهما دون الآخر لنكتة فمنه قوله تعالى في مخاطبة الكتابيين يا بنى إسرائيل ولم يذكروا في القرآن إلا

[ 161 ]

بهذا دون يا بنى يعقوب وسره أن القوم لما خوطبوا بعبادة الله وذكروا بدين أسلافهم موعظة لهم وتنبيها من غفلتهم سموا بالاسم الذى فيه تذكرة بالله فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله سبحانه في التأويل ولهذا لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قوما إلى الإسلام يقال لهم بنو عبد الله قال يا بنى عبد الله إن الله قد حسن اسم أبيكم يحرضهم بذلك على ما يقتضيه اسمه من العبودية ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره به قال يعقوب وكان أولى من إسرائيل لأنها موهبة تعقب أخرى وبشرى عقب بها بشرى فقال بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وإن كان اسم يعقوب عبرانيا لكن لفظه موافق للعربي من العقب والتعقيب فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين عمرو فإنه من العجائب وكذلك حيث ذكر الله نوحا سماه به واسمه عبد الغفار للتنبيه على كثرة نوحه على نفسه في طاعة ربه ومنه قوله تعالى حاكيا عن عيسى ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد ولم يقل محمد لأنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم على محمد فذكره عيسى به ومنه أن مدين هم أصحاب الأيكة إلا أنه سبحانه حيث اخبر عن مدين قال أخاهم شعيبا وحيث أخبر عن الأيكة لم يقل أخوهم والحكمة فيه

[ 162 ]

أنه لما عرفها بالنسب وهو أخوهم في ذلك النسب ذكره ولما عرفهم بالأيكة قبل التى أصابهم فيها العذاب لم يقل أخوهم وأخرجه عنهم ومنه وذا النون فأضافه إلى الحوت والمراد يونس وقال في سورة القلم ولا تكن كصاحب الحوت والإضافة بذى أشرف من الإضافة بصاحب ولفظ النون أشرف من الحوت ولذلك وجد في حروف التهجى كقوله ن والقلم وقد قيل إنه قسم وليس في الآخر ما يشرفه بذلك ومنه قوله تعالى تبت يدا أبى لهب فعدل عن الاسم إلى الكنية إما لاشتهاره بها أو لقبح الاسم فقد كان اسمه عبد العزى واعلم أنه لم يسم الله قبيلة من جميع قبائل العرب باسمها إلا قريشا سماهم بذلك في القرآن ليبقى على مر الدهور ذكرهم فقال تعالى لإيلاف قريش الثاني أنه قد بالغ في الصفات للتنبيه على أنه يريد إنسانا بعينه كقوله تعالى ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية قيل إنه الأخنس بن شريق وقوله ويل لكل همزة لمزة قيل إنه أمية بن خلف كان يهمز النبي صلى الله عليه وسلم

[ 163 ]

الثالث قيل لم يذكر الله تعالى امرأة في القرآن وسماها باسمها إلا مريم بنت عمران فإنه ذكر اسمها في نحو ثلاثين موضعا لحكمة ذكرها بعض الأشياخ قال إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم ولا يبتذلون أسماءهم يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحوه فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن ولم يصونوا أسماءهن عن الذكر والتصريح بها فلما قالت النصارى في مريم وفى أبنها ما قالت صرح الله تعالى باسمها ولم يكن عنهاا تأكيدا لأمر العبودية التى هي صفة لها وإجراء للكلام على عادة العرب في ذكر أبنائها ومع هذا فإن عيسى لا أب له واعتقاد هذا واجب فإذا تكرر ذكره منسوبا إلى الأم استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفى الأب عنه وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود لعنهم الله الرابع وأما الرجال فذكر منهم كثيرا وقد قيل في قوله تعالى ذرنى ومن خلقت وحيدا إنه الوليد بن المغيرة وقد سمى الله زيدا في سورة الأحزاب للتصريح بأنه ليس بابن النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف إلى ذلك السجل قيل إنه كان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم وأنه المراد بقوله تعالى كطى السجل للكتب

[ 164 ]

النوع السابع في أسرار الفواتح والسور اعلم أن سور القرآن العظيم مائة وأربع عشرة سورة وفيها يلغز فيقال أي شئ إذا عددته زاد على المائة وإذا عددت نصفه كان دون العشرين وقد افتح سبحانه وتعالى كتابه العزيز بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شئ من السور عنها الاستفتاح بالثناء يحيى الأول استفتاحه بالثناء عليه عز وجل والثناء قسمان إثبات لصفات المدحح الرحمن ونفى وتنزيه من صفات النقص والإثبات نحو الحمد لله في خمس سور وتبارك في سورتين الفرقان تبارك الذى نزل الفرقان والملك تبارك الذى بيده الملك

[ 165 ]

والتنزيه نحو سبحان الذى أسرى بعبده سبح اسم ربك الأعلى سبح لله ما في السموات يسبح لله كلاهما في سبع سور فهذه أربع عشرة سورة استفتحت بالثناء على الله لثبوت صفات الكمال ونصفها لسلب النقائص قلت وهو سر عظيم من أسرار الألوهية قال صاحب العجائب سبح لله هذه كلمة استأثر الله بها فبدأ بالمصدر منها في بنى إسرائيل لأنه الأصل ثم الماضي سبح لله في الحديد والحشر والصف لأنه أسبق الزمانين ثم المستقبل في الجمعة والتغابن ثم بالأمر في سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهى أربع المصدر والماضي والمستقبل والأمر المخاطب فهذه أعجوبة وبرهان الاستفتاح بحروف التهجى وكان الثاني استفتاح السور بحروف التهجى نحو آلم المص آلمر كهيعص طه طس طسم حم حمعسق ق ن وذلك في تسع وعشرين سورة قال الزمخشري وإذا تأملت الحروف التى افتتح الله بها السور وجدتها نصف

[ 166 ]

أسامي حروف المعجم أربعة عشر الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والخاء والقاف والنون في تسع وعشرين عدد حروف المعجم ثم تجدها مشتملة على أصناف أجناس الحروف المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة ثم إذا استقريت الكلام تجد هذه الحروف هي أكثر دورا مما بقى ودليله أن الألف واللام لما كانت أكثر تداورا روى جاءت في معظم هذه الفواتح فسبحان الذى دقت في كل شئ حكمته انتهى قيل وبقى عليه من الأصناف الشديدة والمنفتحة ولم وقد ذكر تعالى نصفها أما حروف الصفير فهى ثلاثة ليس لها نصف فجاء منها السين والصاد ولم يبق إلا الزاى وكذلك الحروف اللينة ثلاثة ذكر منها اثنين الألف والياء أما المكرر وهو الراء والهاوى بين وهو الألف والمنحرف وهو اللام فذكرها ولم يأت خارجا عن هذا النمط إلا ما بين الشديدة والرخوه أهل فإنه ذكر فيه أكثر من النصف وهذا التداخل موجود في كل قسم قبله ولولاه لما انقسمت هذه الأقسام كلها ووهم الزمخشري في عدد حروف القلقلة إنما ذكر نصفها فإنها خمسة ذكر منها حرفان القاف والطاء

[ 167 ]

وقال القاضى أبو بكر إنما جاءت على نصف حروف المعجم كأنه قيل من زعم أن القرآن ليس بآية فليأخذ الشطر الباقي ويركب عليه لفظا معارضة للقرآن وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق واعلم أن الأسماء المتهجاة حديث في أول السور ثمانية وسبعون حرفا فالكاف والنون كل واحد في مكان واحد والعين والياء والهاء والقاف كل واحد في مكانين والصاد في ثلاثة والطاء في أربعة والسين في خمسة والراء في ستة والحاء في سبعة والألف واللام في ثلاثة عشر والميم في سبعة عشر وقد جمع بعضهم ذلك في بيتين وهما: كن واحد عيهق عند اثنان ثلاثة صا * دالطاء لأنه أربعة والسين خمس علا والراء ست وسبع الحاء آل ودج * وميمها سبع عشر تم واكتملا وهى في القرآن في تسعة وعشرين سورة وجملتها من غير تكرار أربعة عشر حرفا يجمعها قولك نص حكيم قاطع له سر وجمعها السهيلي في قوله الم يسطع نور حق كره وهذا الضابط في لفظه ثقل وهو عذب في السمع ولا في اللفظ ولو قال لم يكرها نص حق سطح لكان أعذب ومنهم من ضبط بقوله طرق سمعك النصيحة وصن سرا يقطعك حمله وعلى صراط حق يمسكه وقيل من حرص على بطه كاسر وقيل سر حصين قطع كلامه ثم بنيتها ثلاثة حروف موحدة ص ق ن وعشرة مثنى طه طس يس حم واثنا عشر مثلثة الحروف آلم آلر طسم واثنان حروفها أربعة المص آلمر واثنان حروفها خمسة كهيعص حمعسق وأكثر هذه السور التى ابتدئت بذكر الحروف ذكر منها ما هو ثلاثة أحرف وما هو أربعة أحرف سورتان وما ابتدئ بخمسة أحرف سورتان

[ 168 ]

وأما ما بدئ بحرف واحد فاختلفوا فيه فمنهم من لم يجعل ذلك حرفا وإنما جعله اسما لشئ خاص ومنهم من جعله حرفا وقال أراد أن يتحقق الحروف مفردها ومنظومها فأما ما ابتدئ بثلاثة أحرف ففيه سر وذلك أن الألف إذا بدئ بها أولا كانت همزة وهى أول المخارج من أقصى الصدر واللام من وسط مخارج الحروف وهى أشد الحروف اعتمادا على اللسان والميم آخر الحروف ومخرجها من الفم وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف أعنى الحلق واللسان والشفتين وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط إلى النهاية فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة التى يتفرع منها ستة عشر مخرجا ليصير منها تسعة وعشرون حرفا عليها مدار كلام الخلق أجمعين مع تضمنها سرا عجيبا وهو أن الألف للبداية واللام للتوسط والميم للنهاية فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما وكل سورة استفتحت بهذه الأحرف فهى مشتملة على مبدأ الخلق ونهايته وتوسطه مشتملة على خلق العالم وغايته وعلى التوسط بين البداية من الشرائع والأوامر فتأمل ذلك في البقرة وآل عمران وتنزيل السجدة وسورة الروم وأيضا فلأن الألف واللام كثرت في الفواتح دون غيرها من الحروف لكثرتها في الكلام وأيضا من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة فهى أعمق الحروف واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم فصوتها أخبرنا يملأ ما وراءها من هواء الفم والميم مطبقة لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ويرمز بهن إلى باقى الحروف كما رمز

[ 169 ]

صلى الله عليه وسلم بقوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله إلى الإتيان بالشهادتين وغيرهما مما هو من لوازمهما وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهى الجهر والشدة والاستعلاء والإطباق والإصمات يا والسين مهموس رخو مستقل صفير منفتح فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها كالسين والهاء فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف وتأمل السورة التى اجتمعت على الحروف المفردة كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف فمن ذلك ق والقرآن المجيد فإن السورة مبنية على الكلمات القافية من ذكر القرآن ومن ذكر الخلق وتكرار القول ومراجعته مرارا والقرب من ابن آدم وتلقى الملكين وقول العتيد وذكر الرقيب وذكر السابق والقرين والإلقاء في جهنم والتقدم بالوعد وذكر المتقين وذكر القلب والقرن والتنقيب في البلاد وذكر القتل مرتين وتشقق الأرض وإلقاء الرواسى فيها وبسوق النخل والرزق وذكر القوم وخوف الوعيد وغير ذلك وسر آخر وهو أن كل معاني السورة مناسب لما في حرف القاف من الشدة والجهر والقلقلة والانفتاح وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما اشتملت عليه سورة ص من الخصومات المتعددة فاولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم أجعل الآلهة

[ 170 ]

إلها واحدا إلى آخر كلامهم ثم اختصام الخصمين عند داود ثم تخاصم أهل النار ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم وهو الدرجات والكفارات ثم تخاصم إبليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود ثم اختصامه لو ثانيا في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم وكذلك سورة ن والقلم فإن فواصلها كلها على هذا الوزن مع ما تضمنت من الألفاظ النونية وتأمل سورة الأعراف زاد فيها ص لأجل قوله فلا يكن في صدرك حرج وشرح فيها قصص آدم فمن بعده من الأنبياء ولهذا قال بعضهم معنى المص نشرح لك صدرك وقيل معناه المصور وقيل أشار بالميم لمحمد وبالصاد للصديق وفيه إشارة لمصاحبة الصاد الميم وأنها تابعة لها كمصاحبة يكون الصديق لمحمد ومتابعته له وجعل السهيلي هذا من أسرار الفواتح وزاد في الرعد راء لأجل قوله الله الذى رفع السموات ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن كقوله الم ذلك الكتاب وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم فيسأل عن حكمة ذلك تنبيهات ثم لا بد من التنبيه على أحكام تختص بهذه الفواتح الشريفة الأول أن البصريين لم يعدوا شيئا منها آية وأما الكوفيون فمنها ما عدوه آية ومنها

[ 171 ]

ما لم يعدوه آية وهو علم توقيفي لا مجال للقياس فيه كمعرفة السور أما آلم مع فآية حيث وقعت من السور المفتتحة بها وهى ست وكذلك سعيد آية وآلمر لم تعد آية وليست بآية من سورها الخمس وطسم آية في سورتيها وويس بكر آيتان وطس ليست بآية وى حم قد وفي في سورها كلها وعسق آيتان وكهيعص آية واحدة وو ولم تعد واحدة منها آية وإنما عد ما هو في حكم كلمة واحدة آية كما عد الرحمن وحده ومدهامتان وحدها آيتين على طريق التوقيف وقال الواحدى في البسيط في أول سورة يوسف لا يعد شئ منها آية إلا في طه وسره أن جميعها لا يشاكل ما بعده من رءوس الآى فلهذا لم يعد آية بخلاف طه فإنها تشاكل ما بعدها الثاني هذه الفواتح الشريفة على ضربين أحدهماا كل مالا يتأتى فيه إعراب نحو كهيص ووالثانى ما يتأتى فيه وهو إما أن يكون اسما مفردا كص وق ون أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد ك حم وطس ويس فإنها موازنة لقابيل وهابيل وكذلك طسم يتأتى فيها أن تفتح نونها فتصير ميم مضمومة إلى طس فيجعلا اسما واحدا كداار انجرد فالنوع الأول محكى ليس إلا وأما النوع الثاني فسائغ فيه الأمران الإعراب والحكاية

[ 172 ]

الثالث أنه يوقف على جميعها وقف التمام إن حملت على معنى مستقل غير محتاج إلى ما بعده وذلك إذا لم تجعل أسماء للسور وينعق بها كما ينعق بالأصوات أو جعلت وحدها أخبار ابتداء محذوف كقوله تعالى آلم الله أي هذه السورة آلم ثم ابتدأ فقال الله لا إله إلا هو الحى القيوم الرابع أنها كتبت في المصاحف الشريفة على صورة الحروف أنفسها لا على صورة أساميها وعلل ذلك بأن الكلمة لما كانت مركبة من ذوات الحروف واستمرت العادة متى تهجيت، ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء وتقع في الكتابة الحروف أنفسها فحمل على ذلك للمشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح وأيضا فإن شهرة أمرها وإقامة ألسنة الأحمر والأسود لها وأن اللافظ بها غير متهجاة فلا لا يجئ بطائل فيها وأن بعضها مفرد لا يخطر ببال غير ما هو عليه من مورده أمنت وقوع اللبس فيها وقد اتفقت في خط المصحف أشياء خارجة عن القياسات التى يبنى عليها علم الخط والهجاء ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف أشار إلى هذه الأحكام المذكورة صاحب الكشاف وقد اختلف الناس في الحروف المقطعة أوائل السور على قولين

[ 173 ]

أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به ولهذا قال الصديق رضى الله عنه في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور قال الشعبى إنها من المتشابه نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله عز وجل قال الإمام الرازي وقد أنكر المتكلمون هذا القول وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يفهمه الخلق لأن الله تعالى أمر بتدبره والاستنباط منه وذلك لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه ولأنه كما جاز التعبد بما لا يعقل معناه في الأفعال فلم لا يجوز في الأقوال بأن يأمرنا الله تارة بأن نتكلم بما نقف على معناه وتارة بما لا نقف على معناه ويكون القصد منه ظهور الانقياد والتسليم القول الثاني أن المراد منها معلوم وذكروا فيه ما يزيد على عشرين وجها فمنها البعيد ومنها القريب أحدها ويروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن كل حرف منها مأخوذ من اسم من أسمائه سبحانه فالألف من الله واللام من لطيف والميم من مجيد أوالألف من الائه واللام من لطفه والميم من مجده قال ابن فارس وهذا وجه جيد وله في كلام العرب شاهد: * قلنا لها قفى فقالت ق * منه فعبر عن قولها وقفت بق الثاني أن الله أقسم بهذه الحروف بأن هذا الكتاب الذى يقرؤه محمد هو الكتاب المنزل لا شك فيه وذلك يدل على جلالة قدر هذه الحروف إذ كانت مادة البيان وما في كتب الله المنزلة باللغات المختلفة وهى أصول كلام الأمم بها يتعارفون وقد أقسم الله تعالى ب فكذلك شأن هذه الحروف في القسم بها

[ 174 ]

الثالث أنها الدائرة من الحروف التسعة والعشرين فليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه عز وجل أو آلائه أو بلائه أو مدة أقوام أو آجالهم فالألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون روى عن الربيع بن أنس قال ابن فارس وهو قول حسن لطيف لأن الله تعالى أنزل على نبيه الفرقان فلم يدع نظما عجيبا ولا علما نافعا إلا أودعه إياه علم ذلك من علمه وجهله من جهله الرابع ويروى عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى أنا الله أعلم وفى أنا الله أفضل وأنا الله أرى ونحوه من دلالة الحرف الواحد على الاسم العام والصفة التامة الخامس أنها أسماء للسور ف اسم لهذه واسم لتلك وذلك أن الأسماء وضعت للتمييز فهكذا هذه الحروف وضعت لتمييز هذه السور من غيرها ونقله الزمخشري عن الأكثرين وأن سيبويه نص عليه في كتابه وقال الإمام فخر الدين هو قول أكثر المتكلمين فإن قيل فقد وجدنا افتتح بها عدة سور فأين التمييز قلنا قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين ثم يميز بعد ذلك بصفة وقعت كما يقال زيد وزيد ثم يميزان بأن يقال زيد الفقيه وزيد النحوي فكذلك إذا قرأ القارئ الم ذلك الكتاب فقد ميزها عن آلم الله لا إله إلا هو الحى القيوم السادس أن لكل كتاب سرا وسر القرآن فواتح السور قال ابن فارس وأظن قائل ذلك أراد أنه من السر الذى لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم واختاره جماعة منهم أبو حاتم بن حبان

[ 175 ]

قلت وقد استخرج بعض أئمة المغرب من قوله تعالى آلم غلبت الروم فتوح بيت المقدس واستنقاذه من العدو في سنة معينة وكان كما قال السابع أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه وقال بعضهم لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا: منه ويكون تعجبهم سببا لاستماعهم واستماعهم له سببا لاستماع ما بعده فترق القلوب وتلين الأفئدة الثامن أن هذه الحروف ذكرت لتدل على أن القرآن مؤلف من الحروف التى هي أ ب ت ث فجاء بعضها مقطعا وجاء تمامها مؤلفا ليدل القوم الذين نزل القرآن بلغتهم أنه بالحروف التى يعقلونها ويبنون كلامهم منها التاسع واختاره ابن فارس وغيره أن تجعل هذه التأويلات كلها تأويلا واحد فيقال إن الله جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة لا على معنى واحد فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء الله تعالى وأن يكون الله عز وجل قد وضعها هذا الوضع فسمى بها وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين وهى مع ذلك مأخوذة من صفات الله تعالى في إنعامه وإفضاله ومجده وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن سمع وأن فيها إعلاما للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الحروف وأن عجزهم عن الاتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة غير بينهم دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم لتلك السورة قال وهذا القول الجامع للتأويلات كلها والله أعلم بما أراد من ذلك

[ 176 ]

العاشر أنها كالمهيجة أحمد لمن سمعها من الفصحاء والموقظة بعد للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل يقول والأخذ في التفاصيل وهى بمنزلة زمجرة الرعد قبل الناظر في الأعلام لتعرف الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام وما هذا شأنه خليق بالنظر فيه والوقوف على معانيه بعد حفظ مبانيه الحادى عشر التنبيه على أن تعداد هذه الحروف ممن لم يمارس الخط ولم يعان الطريقة على ما قال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون الثاني عشر انحصارها في نصف اسماء حروف المعجم لأنها أربعة عشر حرفا على ما سبق تفصيله وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية وعشرين حرفا وقال لا مركبة من اللام والألف والصحيح أنها تسعة وعشرون حرفا والنطق بلا في الهجاء كالنطق في لا رجل في الدار وذلك لأن الواضع جعل كل حرف من حروف المعجم صدر اسمه إلا الألف فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به لكونه مطبوعا على السكون فلا يقبل الحركة أصلا توصل إليه باللام لأنها شابهته الذي في الاعتداد والانتصاب ولذلك يكتب على صورة الألف إلا إذا اتصل بما بعده فإن قلت فقد تقدم اسم الألف في أول حروف الهجاء قلت ذلك اسم الهمزة لوجهين أحدهما أنه صدره والثانى أنتها لأن صدر ما تصدر من حروف المعجم لتكون صورته ثلاثا وإنما كانت صدره لأن صورتها كالمتكررة أربع مرات لأنها تلبس صورة العين وصورة الألف والواو والياء لما يعرض من الحركة والسكون ولذلك أخروا ما بعد الطاء

[ 177 ]

والظاء والعين لأن صورتها ليست متكررة وجوابه على هذا المذهب أن الحرف لا يمكن تنصيفه فيتعين سقوط حرف لأنه الأليق بالإيجاز الثالث عشر مجيئها في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف فإن قلت هلا روعى صورتها كما روعى عددها قلت عرض لبعضها الثقل لفظا فأهمل فصل اعلم أنه لما كانت هذه الحروف ضرورية في النطق واجبة في الهجاء لازمة التقدم في الخط والنطق إذ المفرد مقدم على المركب فقدمت هذه المفردات على مركباتها في القرآن فليس في المفرد ما في المركب بل في المركب ما في المفرد وزيادة ولما كان نزول القرآن في أزمنة متطاولة تزيد على عشرين سنة وكان باقيا إلى آخر الزمان لأنه ناسخ لما قبله ولا كتاب بعده جعل الله تعالى حروفه كالعلائم وقد مبينة أن هذه السورة هي من قبيل تلك التى أنزلت من عشر سنين مثلا حتى كأنها تتمة لها وإن كان بينهما مدة وأما نزول ذلك في مدد وأزمنة أو نزول سور خالية عن الحروف فبحسب تلك الوقائع وأما ترتيب وضعها في المصحف أعنى السور فله أسباب مذكورة في النوع الثالث عشر وأما زيادة بعض الحروف في بعض السور وتغيير بعضها فليعلم أن المراد الإعلام بالحروف فقط وذلك أنه متى فرض الإنسان في بعضها شيئاا مثل السجدة لزمه في مثلها مثله كألف لام ميم البقرة فلما لم يجد دله ذلك الثاني على بطلان الأول وتحقق أن هذه الحروف هي علامات المكتوب والمنطوق وأما كونها اختصت بسورة البقرة فيحتمل أن

[ 178 ]

ذلك تنبيه على السور وأنها احتوت على جملة المنطوق به من جهة الدلالة ولهذا حصلت في تسعة وعشرين سورة بعدد جملة الحروف ولو كان القصد الاحتواء على نصف الكتاب لجاءت في أربع عشرة سورة وهذا الاحتواء ليس من كل وجه بل من وجه يرجع إلى إلى النطق والفصاحة وتركيب ألفاظ اللغة العربية وما يقتضى أن يقع فيه التعجيز ويحتمل لأن يكون لمعان أخر يجدها من يفتح الله عليه بالتأمل والنظر أو هبة من لدنه سبحانه ولا يمتنع أن يكون في بقية السور أيضا كما في ذوات الحروف بل هذه خصصت بعلامات لفضيلة وجب من أجلها أن تعلم عليها السور لينبه على فضلها وهذا من باب الاحتمال والأولى أن الأحرف إنما جاءت في تسعة وعشرين سورة لتكون عدة السور دالة لنا على عدة الحروف فتكون السور من جهة العدة مؤدية إلى الحروف من جهة العدة فيعلم أن الأربعة عشر عوض عن تسعة وعشرين 3 الاستفتاح بالنداء علي النوع الثالث من أنواع استفتاح السور النداء نحو يأيها الذين آمنوا يأيها النبي يأيها المدثر وذلك في عشر سور

[ 179 ]

4 الاستفتاح بالجمل الخبرية حتى الرابع الجمل الخبرية نحو يسألونك عن الأنفال براءة من الله أتى أمر الله إقترب للناس حسابهم قد أفلح المؤمنون سورة أنزلناها تنزيل الكتاب الذين كفروا إنا فتحنا إقتربت الساعة الرحمن علم القرآن قد سمع الله الحاقة سأل سائل إنا أرسلنا لا أقسم في موضعين عبس إنا أنزلناه لم يكن القارعة ألهاكم إنا أعطيناك فتلك ثلاث وعشرون سورة 5 الاستفتاح بالقسم الخامس القسم نحو والصافات والطور والمرسلات تعالى والنازعات والسماء ذات البروج والسماء والطارق والفجر والشمس والليل فإن والضحى والتين عمر والعاديات النبي والعصر وإن فتلك خمس عشرة سورة

[ 180 ]

الاستفتاح بالشرط السادس الشرط نحو وقعت الواقعة كما إذا جاءك المنافقون إذا الشمس كورت إذا السماء انفطرت السماء انشقت إذا زلزلت اذا جاء نصر الله فذلك سبع سور الاستفتاح بالأمر ا السابع هو الاستفتااح وسلم بالأمر في ست سور قل أوحى أقرأ باسم ربك قل يأيها الكافرون هو الله أحد قل أعوذ عنه في سورتين 8 - الاستفتاح بالاستفهام الثامن لفظ الاستفهام في أتى عم يتساءلون هل أتاك ألم نشرح إن ألم تر أرأيت فتلك ست سور 9 - الاستفتاح بالدعاء إلا التاسع الدعاء في ثلاث سور ويل للمطففين ويل لكل همزة تبت يدا أبى لهب 10 - الاستفتاح بالتعليل فيه العاشر التعليل في موضع واحد نحو قريش هكذا جمع الشيخ شهاب الدين أبو شامة المقدسي قال وما ذكرناه في قسم

[ 181 ]

الدعاء يجوز أن يذكر مع الخبر وكذا الثناء على الله سبحانه وتعالى كله خبر إلا سبح اسم ربك الأعلى فإنه يدخل أيضا في قسم الأمر وسبحان الذى أسرى بعبده يحتمل الأمر والخبر ونظم ذلك في بيتين فقال أثنى على نفسه سبحانه بثبو * ت المدح والسلب لما استفتح السورا والأمر شرط الندا التعليل والقسم الدعا حروف التهجى استفهم الخبرا

[ 182 ]

النوع الثامن في خواتم السور وهى مثل الفواتح في الحسن لأنها آخر ما يقرع الأسماع فلهذا جاءت متضمنة للمعانى البديعة مع إيذان السامع بانتهاء الكلام حتى يرتفع معه تشوف النفس إلى ما يذكر بعد ومن أوضحه خاتمة سورة إبراهيم هذا بلاغ للناس وخاتمة سورة الأحقاف بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ولأنها بين أدعية ووصايا وفرائض ومواعظ وتحميد وتهليل ووعد ووعيد إلى غير ذلك كتفصيل جملة المطلوب في خاتمة فاتحة الكتاب إذ المطلوب الأعلى الإيمان المحفوظ من المعاصي المسببة لغضب الله والضلال ففصل جملة ذلك بقوله الذين أنعمت عليهم والمراد المؤمنين ولذلك أطلق الإنعام ولم يقيده ليتناول كل إنعام لأن من أنعم عليه بنعمة الإيمان فقد أنعم عليه بكل نعمة لأن نعمة الإيمان مستتبعة لجميع النعم ثم وصفهم بقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين يعنى أنهم جمعوا بين النعم المطلقة وهى نعمة الإيمان وبين السلامة من غضب الله والضلال المسببين عن معاصيه وتعدى حدوده

[ 183 ]

وكالدعاء الذى اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة وكالوصايا التى ختمت بها سورة آل عمران بالصبر على تكاليف الدين والمصابرة لأعداء الله في الجهاد ومعاقبتهم والصبر على شدائد الحرب والمرابطة في الغزو المحضوض عليها بقوله ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم والتقوى الموعود عليها بالتوفيق في المضايق وسهولة الرزق في قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب وبالفلاح لأن أنه من الله واجبة وكالوصايا والفرائض التى ختمت بها سورة النساء وحسن الختم بها لأنها آخر ما نزل من الأحكام عام حجة الوداع وكالتبجيل وهو والتعظيم الذى ختمت به المائدة لله ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير ولإرادة المبالغة في التعظيم أختيرت ما على من لإفادة العموم فيتناول الأجناس كلها وكالوعد صلى الله عليه وسلم والوعيد الذى ختمت به سورة الأنعام بقوله إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم ولذلك أورد على وجه المبالغة في وصف العقاب بالسرعة وتوكيد الرحمة بالكلام المفيد لتحقيق الوقوع

[ 184 ]

وكالتحريض إذا على العبادة بوصف حال الملائكة الذى ختمت به سورة الأعراف والحض على الجهاد وصلة الأرحام الذى ختم به الأنفال ووصف الرسول ومدحه والاعتداد على الأمم به وتسليمه ووصيته والتهليل الذى ختمت به براءة وتسليته عليه الصلاة والسلام الذى ختم بها سورة يونس ومثلها خاتمة هود ووصف القرآن ومدحه الذى ختم به سورة يوسف والرد على من كذب الرسول الذى ختم به الرعد

[ 185 ]

ومدح القرآن وذكر فائدته والعلة في أنه إله واحد الذى ختمت به إبراهيم ووصيته الرسول التى ختم بها الحجر وتسلية الرسول بطمأنينته ووعد الله سبحانه الذى ختمت به النحل والتحميد الذى ختمت به سبحان وتحضيض الرسول على البلاغ والإقرار بالتنزيه والأمر بالتوحيد الذى ختمت به الكهف وقد أتينا على نصف القرآن ليكون مثالا لمن نظر في بقيته فصل في مناسبة فواتح السور وخواتمها ومن أسراره مناسبة فواتح السور وخواتمها وتأمل سورة القصص وبداءتها فقال بقصة مبدأ أمر موسى ونصرته وقوله فلن أكون ظهيرا للمجرمين وخروجه من وطنه ونصرته وإسعافه بالمكالمة وختمها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يكون ظهيرا

[ 186 ]

للكافرين وتسليته بخروجه من مكة والوعد بعوده إليها بقوله إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قال الزمخشري وقد جعل الله فاتحة سورة المؤمنين قد أفلح المؤمنون وأورد في خاتمتها إنه لا يفلح الكافرون فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة فصل في مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها ومن أسراره مناسبة فاتحة السورة بخاتمة التى قبلها حتى إن منها ما يظهر تعلقها به لفظا كما قيل في فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش وفى الكواشى لما ختم سورة النساء أمرا بالتوحيد والعدل بين العباد أكد ذلك بقوله في أول سورة المائدة يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود

[ 187 ]

النوع التاسع معرفة المكى والمدنى وما نزل بمكة والمدينة وترتيب ذلك ومن فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ والمكى أكثر من المدنى اعلم أن للناس في ذلك ثلاثة اصطلاحات أحدها أن المكى ما نزل بمكة والمدنى ما نزل بالمدينة والثانى وهو المشهور أن المكى ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة والمدنى ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة والثالث أن المكى ما وقع خطابا لأهل مكة والمدنى ما وقع خطابا لأهل المدينة وعليه يحمل قول ابن مسعود الآتى لأن الغالب على أهل مكة الكفر فخوطبوا يأيها الناس وإن كان غيرهم داخلا فيها وكان الغالب على أهل المدينة الإيمان فخوطبوا ب‍ (يأيها الذين آمنوا أي وإن كان غيرهم داخلا فيهم وذكر الماوردى أن البقرة مدنية في قول الجميع إلا آية وهى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فإنها نزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى انتهى

[ 188 ]

ونزولها هناك لا يخرجها عن المدنى بالاصطلاح الثاني أن ما نزل بعد الهجرة مدنى سواء كان بالمدينة أو بغيرها وقال الماوردى في سورة النساء هي مدنية إلا آية واحدة نزلت في مكة في عثمان ابن طلحة حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ياخذ منه مفاتيح الكعبة ويسلمها إلى العباس فنزلت إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها والكلام فيه كما تقدم ومن جملة علاماته أن كل سورة فيها يأيها الناس فيها يأيها الذين آمنوا فهى مكية وفى الحج اختلاف وكل سورة فيها كلا فهى مكية وكل سورة فيها حروف المعجم فهى مكية إلا البقرة وآل عمران وفى الرعد خلاف وكل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهى مكية سوى البقرة وكل سورة فيها ذكر المنافقين فمدنية سوى العنكبوت وقال هشام عن أبيه كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهى مدنية وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية فهى مكية وذكر أبو عمرو عثمان بن سعيد الدارمي بإسناده إلى يحيى بن سلام قال ما نزل بمكة وما نزل في طريق المدينة قبل أن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فهو من المكى

[ 189 ]

وما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره بعد ما قدم المدينة فهو من المدنى وما كان من القرآن يأيها الذين آمنوا فهو مدنى وما كان يأيها الناس فهو مكى وذكر أيضا بإسناده إلى عروة بن الزبير قال ما كان من حد أو فريضة فإنه أنزل بالمدينة وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه أنزل بمكة وقال الجعبرى لمعرفة المكى والمدنى طريقان سماعي وقياسي فالسماعي ما وصل إلينا نزوله بأحدهما والقياسي قال علقمة عن عبد الله كل سورة فيها يأيها الناس فقط أو كلا أو أولها حروف تهج سوى الزهراوين والرعد في وجه أو فيها قصة آدم وإبليس سوى الطولى فهى مكية وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية مكية وكل سورة فيها فريضة أو حد فهى مدنية انتهى وذكر ابن أبى شيبة في مصنفة في كتاب فضائل القرآن حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال كل شئ نزل فيه الناس فهو بمكة وكل شئ نزل فيه يأيها الذين آمنوا فهو بالمدينة وهذا مرسل قد أسند عن عبد الله بن مسعود

[ 190 ]

ورواه الحاكم في مستدركه في آخر كتاب الهجرة عن يحيى بن معين قال حدثنا وكيع عن أبيه عن الأعمش وعن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود به ورواه البيهقى في أواخر دلائل النبوة وكذا رواه البزار في مسنده ثم قال وهذا يرويه غير قيس عن علقمة مرسلا ولا نعلم أحدا أسنده إلا قيس انتهى ورواه ابن مردويه في تفسيره في سورة الحج عن علقمة عن أبيه وذكر في آخر الكتاب عن عروة بن الزبير نحوه وقد نص على هذا القول جماعة من الأئمة منهم أحمد بن حنبل وغيره وبه قال كثير من المفسرين ونقله عن ابن عباس وهذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها يأيها الناس اعبدوا ربكم وفيها يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا وسورة النساء مدنية وفيها يأيها الناس اتقوا ربكم وفيها إن يشأ يذهبكم أيها الناس وسورة الحج مكية وفيها يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا فإن أراد المفسرون أن الغالب ذلك فهو صحيح ولذا قال مكى هذا

[ 191 ]

إنما هو في الأكثر وليس بعام وفى كثير من السور المكية يأيها الذين آمنوا انتهى والأقرب تنزيل قول من قال مكى ومدنى على أنه خطاب المقصود به أو جل المقصود به أهل مكة يأيها الذين آمنوا كذلك بالنسبة إلى أهل المدينة وفى تفسير الرازي عن علقمة والحسن أن ما في القرآن يأيها الناس مكى وما كان يأيها الذين آمنوا فبالمدينة وأن القاضى قال إن كان الرجوع في هذا إلى النقل فمسلم وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم واسمهم وجنسهم ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها والازدياد منها انتهى فصل ويقع السؤال أنه هل نص النبي صلى الله عليه وسلم على بيان ذلك قال القاضى أبو بكر في الانتصار إنما هذا يرجع لحفظ الصحابة وتابعيهم كما أنه لا بد في العادة من معرفة معظمى ثنا العالم والخطيب وأهل الحرص على حفظ كلامه ومعرفة كتبه ومصنفاته من أن يعرفوا ما صنفه أولا وآخرا وحال القرآن في ذلك أمثل والحرص عليه أشد غير أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول ولا ورد عنه أنه قال اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا وفصله لهم ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر وإنما لم يفعله أنه لم يؤمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذى تضمنهما فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه وقوله

[ 192 ]

هذا هو الأول المكى وهذا هو الآخر المدنى وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكى والمدنى مما لا يسوغ الجهل به لم تتوفر الدواعى على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم بمعرفته وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكى أو مدنى وأن يعلموا في القول بذلك ضربا من الرأى والاجتهاد وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكى والمدنى ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس ولزوم العلم به لهم ووجوب ارتفاع الخلاف فيه فصل قال أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب التنبيه على فضل علوم القرآن من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك ثم ما نزل بمكة وحكمه مدنى وما نزل بالمدينة وحكمه مكى وما نزل بمكة في أهل المدينة وما نزل بالمدينة في أهل مكة ثم ما يشبه نزول المكى في المدنى وما يشبه نزل المدنى في المكى ثم ما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف وما نزل بالحديبية ثم ما نزل ليلا وما نزل نهارا وما نزل مشيعا وما نزل مفردا ثم الآيات المدنيات في السور المكية والآيات المكية في السور المدنية ثم ما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة ثم ما نزل مجملا وما نزل مفسرا وما نزل مرموزا ثم ما اختلفوا فيه فقال بعضهم مدنى هذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى

[ 193 ]

ذكر ما نزل من القرآن بمكة ثم ترتيبه أول ما نزل من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك ثم والقلم ثم يأيها المزمل ثم المدثر ثم تبت يدا أبى لهب ثم إذا الشمس كورت ثم سبح اسم ربك الأعلى ثم والليل إذا يغشى ثم والفجر ثم والضحى ثم ألم نشرح ثم والعشر ثم والعاديات ثم إنا أعطيناك الكوثر ثم ألهاكم التكاثر ثم أرأيت الذى ثم قل يأيها الكافرون ثم سورة الفيل ثم به ثم الناس ثم قل هو الله أحد ثم والنجم إذا هوى ثم عبس وتولى ثم إنا أنزلناه ثم والشمس وضحاها ثم والسماء ذات البروج ثم والتين والزيتون ثم لايلاف قريش ثم القارعة ثم لا أقسم بيوم القيامة ثم الهمزة ثم المرسلات ثم ق والقرآن ثم لا أقسم بهذا البلد ثم الطارق ثم اقتربت الساعة ثم ص والقرآن ثم الأعراف ثم الجن ثم ثم الفرقان ثم الملائكة ثم مريم ثم طه ثم الواقعة ثم الشعراء ثم النمل ثم القصص ثم بنى إسرائيل ثم يونس ثم هود ثم يوسف ثم الحجر ثم الأنعام ثم الصافات ثم لقمان ثم سبأ ثم الزمر ثم حم المؤمن ثم حم السجدة ثم حم عسق ثم حم الزخرف ثم حم الدخان ثم حم الجاثية ثم حم الأحقاف ثم والذاريات ثم الغاشية ثم الكهف ثم النحل ثم نوح ثم إبراهيم ثم الأنبياء ثم المؤمنون ثم تنزيل ثم ثم الملك ثم الحاقة ثم سأل سائل ثم عم يتساءلون ثم النازعات ثم إذا السماء انفطرت ثم إذا السماء انشقت ثم الروم واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس العنكبوت وقال الضحاك وعطاء

[ 194 ]

المؤمنون وقال مجاهد ويل للمطففين فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بمكة وعليه استقرت الرواية من الثقات وهى خمس وثمانون سورة ذكر ترتيب ما نزل بالمدينة ى هذا وهو تسع وعشرون سورة فأول ما نزل فيها سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم محمد ثم الرعد ثم الرحمن ثم أتى ثم الطلاق ثم لم يكن ثم الحشر ثم إذا جاء نصر الله ثم النور ثم الحج ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجرات ثم يأيها النبي لم تحرم ثم الصف ثم الجمعة ثم التغابن ثم الفتح ثم التوبة ثم المائدة ومنهم من يقدم المائدة على التوبة وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم المائدة في خطبة حجة الوداع وقال يأيها الناس إن آخر القرآن نزولا سورة المائدة فأحلوا حلالها وحرموا حرامها فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة وأما ما اختلفوا فيه ففاتحة الكتاب قال ابن عباس والضحاك ومقاتل وعطاء إنها مكية وقال مجاهد مدنية واختلفوا في ويل للمطففين فقال ابن عباس مدنية وقال عطاء هي آخر ما نزل بمكة فجميع ما نزل بمكة خمس وثمانون سورة وجميع ما نزل بالمدينة تسع وعشرون على اختلاف الروايات

[ 195 ]

ذكر ما نزل بمكة وحكمه مدنى منها قوله تعالى يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل الآية ولها قصة يطول بذكرها الكتاب ونزولها بمكة يوم فتحها وهى مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة ومنها قوله في المائدة اليوم أكملت لكم دينكم إلى قوله الخاسرين نزلت يوم الجمعة والناس وقوف بعرفات فبركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم من هيبة القرآن وهى مدنية لنزولها بعد الهجرة وهى عدة آيات يطول ذكرها ذكر ما نزل بالمدينة وحكمه مكى منه الممتحنة إلى آخرها وهى قصة حاطب بن أبى بلتعة وسارة والكتاب الذى دفعة إليها وقصتها مشهورة فخاطب بها أهل مكة ومنها قوله تعالى في سورة النحل والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا إلى آخر السورة مدنيات يخاطب بها أهل مكة ومنها سورة الرعد يخاطب أهل مكة وهى مدنية

[ 196 ]

ومن أول براءة إلى قوله إنما المشركون نجس خطاب لمشركي مكة وهى مدنية فهذا من جملة ما نزل بمكة في أهل المدينة وحكمه مدنى وما أنزل في أهل مكة وحكمه مكى ما يشبه تنزيل المدينة في السور المكية من ذلك قوله تعالى في النجم الذين يجتنبون كبائر الإثم يعنى كل ذنب عاقبته النار والفواحش يعنى كل ذنب فيه حد إلا اللمم وهو بين الحدين من الذنوب نزلت في نبهان والمرأة التى راودها عن نفسها فأبت والقصة مشهورة واستقرت الرواية بما قلنا والدليل على صحته أنه لم يكن بمكة حد ولا غزو ومنها قوله تعالى في هود وأقم الصلاة طرفي النهار الآية نزلت في أبى مقبل ا لحسين بن عمر بن قيس والمرأة التى اشترت منه التمر فراودها ما يشبه تنزيل مكة في السور المدنية من ذلك قوله تعالى في الأنبياء لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا نزلت في نصارى نجران ومنهم السيد والعاقب

[ 197 ]

ومنها سورة والعاديات ضبحا في رواية الحسين بن واقد وقصتها مشهورة ومنها قوله تعالى في الأنفال وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق الآية ما نزل بالجحفة قوله عز وجل في سورة القصص إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد نزلت بالجحفة والنبى صلى الله عليه وسلم مهاجر ما نزل ببيت المقدس قوله تعالى في الزخرف واسأل من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون نزلت عليه ليلة أسرى به ما نزل بالطائف قوله تعالى في الفرقان ألم تر إلى ربك كيف مد الظل الآية ولذلك قصة عجيبة وقوله في إذا السماء انشقت بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعدون فبشرهم بعذاب أليم يعنى كفار مكة ما نزل بالحديبية قوله تعالى في الرعد وهم يكفرون بالرحمن نزلت بالحديبية حين صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى اكتب

[ 198 ]

بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ما نعرف الرحمن الرحيم ولو نعلم أنك رسول الله لتابعناك فأنزل الله تعالى وهم يكفرون بالرحمن إلى قوله متاب ما نزل ليلا قوله تعالى في أول سورة الحج يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم نزلت ليلا في غزوة بن المصطلق وهم حى من خزاعة والناس يسيرون وقوله تعالى في المائدة والله يعصمك من الناس نزلت في بعض غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرس كل ليلة رسول قال عبد الله بن عامر بن ربيعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحرسنا الليلة فأتاه حذيفة وسعد في آخرين معهم الحجف والسيوف وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة من أدم فباتوا على باب الخيمة فلما أن كان بعد هزيع من الليل أنزل الله عليه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الخيمة فقال يأيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ومنها قوله إنك لا تهدى من أحببت الآية قالت عائشة رضى الله عنها نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه في اللحاف ونزل عليه أكثر القرآن نهارا

[ 199 ]

ما نزل مشيعا سورة الأنعام نزلت مرة واحدة شيعها سبعون ألف ملك طبقوا ما بين السموات والأرض لهم زجل بالتسبيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله وخر ساجدا قلت ذكر أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه أن الخبر المذكور جاء من حديث أبى ابن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وفى إسناده ضعف ولم نر له إسنادا صحيحا وقد روى ما يخالفه فروى أنها لم ينزل جملة واحدة بل نزل منها آيات بالمدينة اختلفوا في عددها فقيل ثلاث هي قوله تعالى قل تعالوا الخ الآيات وقيل ست وقيل غير ذلك وسائرها نزل بمكة وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك وآية الكرسي نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك ولا وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا نزلت ومعها عشرون ألف ملك وسائر القرآن نزل به جبريل بلا تشييع الآيات المدنيات في السور المكية منها سورة الأنعام وهى كلها مكية خلا ست آيات واستقرت بذلك الروايات وما قدروا الله حق قدره نزلت هذه في مالك بن الصيف إلى آخر الآية والثانية والثالثة

[ 200 ]

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا نزلت في عبد الله بن أبى سرح أخى عثمان من الرضاعة حين قال سأنزل مثل ما أنزل الله وذلك أنه كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله جل ذكره ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فأملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ قوله ثم أنشأناه خلقا آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب فتبارك الله الخ الآية فقال إن كنت نبيا فأنا نبى لأنه خطر ببالى ما أمليت على فلحق كافرا وأما قوله أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ فإنه نزل في مسيلمة الكذاب حين زعم أن الله سبحانه أوحى إليه وثلاث آيات من آخرها قل تعالوا إلى قوله تتقون سورة الأعراف مكية إلا ثلاث آيات واسألهم عن القرية التى كانت إلى قوله وإذ نتقنا الجبل سورة إبراهيم مكية غير آيتين نزلتا في قتلى بدر ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا الخ الآيتين سورة النحل مكية إلى قوله والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا والباقى مدنى

[ 201 ]

سورة بنى إسرائيل مكية غير قوله وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك يعنى ثقيفا وله قصة سورة الكهف مكية غير قوله واصبر نفسك نزلت في سلمان الفارسى وله قصة سورة القصص مكية غير آية الذين آتيناهم الكتاب يعنى الإنجيل من قبله هم به يؤمنون يعنى الفرقان نزلت في أربعين رجلا من مؤمنى أهل الكتاب

[ 202 ]

قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبى طالب فأسلموا ولهم قصة سورة الزمر مكية غير قوله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية الحواميم كلها مكيات غير آية في الأحقاف نزلت في عبد الله بن سلام قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به الآيات المكية في السور المدنية لم منها قوله تعالى في الأنفال وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية يعنى أهل مكة حتى يخرجك من بين أظهرهم استقرت به الرواية سورة التوبة مدنية غير آيتين لقد جاءكم الخ السورة سورة الرعد مدنية غير قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال إلى قوله جميعا سورة الحج مدنية وفيها أربع آيات مكيات قوله وما أرسلنا من قبلك من

[ 203 ]

رسول ولا نبى إلا إذا تمنى إلى قوله عقيم وله قصة سورة مكية إلا قوله فويل للمصلين إلى آخرها فإنها مدنية كذا قال مقاتل بن سليمان ما حمل من مكة إلى المدينة اول سورة حملت من مكة إلى المدينة سورة يوسف انطلق بها عوف بن عفراء في الثمانية الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وهم أول من أسلم من الأنصار قرأها على أهل المدينة في بنى زريق فأسلم يومئذ بيوت من الأنصار روى ذلك يزيد بن رومان عن عطاء عن ابن يسار عن ابن عباس ثم حمل بعدها قل هو الله أحد إلى آخرها ثم حمل بعدها الآية التى في الأعراف قل يأيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا إلى قوله حدثنا فأسلم عليها طوائف من أهل المدينة وله قصة ما حمل من المدينة إلى مكة من ذلك الأنفال التى في البقرة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية وذلك حين أورد عبد الله بن جحش كتاب مسلمى مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المشركين عيرونا ابن قتل ابن الحضرمي وأخذ الأموال والأسارى في الشهر

[ 204 ]

الحرام فكتب بذلك عبد الله بن جحش إلى مسلمى مكة إن عيروكم فعيروهم بما صنعوا بكم ثم حملت آية الربا من المدينة إلى مكة في حضور ثقيف وبنى المغيرة إلى عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فقرأ عتاب عليهم يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا فأقروا بتحريمه وتابوا وأخذوا رءوس الأموال ثم حملت مع الآيات من أول سورة براءة من المدينة إلى مكة قرأهن على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم النحر على الناس وفى ترتيبها قصة ثم حملت من الدينة إلى مكة الآية التى في النساء إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان إلى قوله عفوا غفورا فلا تعاقبهم على تخلفهم عن الهجرة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بها إلى مسلمى مكة قال جندع بن ضمرة الليثى ثم الجندعى لبنيه وكان شيخا كبيرا ألست من المستضعفين وأنى لا أهتدى إلى الطريق فحمله بنوه على سريره متوجها إلى المدينة فمات بالتنعيم فبلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موته فقالوا لو لحق بنا لكان أكمل لأجره فأنزل الله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله إلى قوله غفورا رحيما

[ 205 ]

ما حمل من المدينة إلى الحبشة هي ست آيات بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جعفر بن أبى طالب في خصومة الرهبان والقسيسين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم فقرأها جعفر بن أبى طالب عليهم عند النجاشي فلما بلغ قوله ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا قال النجاشي صدقوا ما كانت اليهودية والنصرانية إلا من بعده ثم قرأ جعفر إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية قال النجاشي اللهم إنى ولى لأولياء إبراهيم وقال صدقوا والمسيح ثم أسلم النجاشي وأسلموا

[ 206 ]

النوع العاشر معرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل فأما أوله ففى صحيح البخاري في حديث بدء الوحى ما يقتضى أن أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم اقرأ باسم ربك ثم المدثر وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث عائشة رضى الله عنها صريحا وقال صحيح الإسناد ولفظ مسلم أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك إلى قوله علم الإنسان ما لم يعلم ووقع في صحيح البخاري إلى قوله وربك الأكرم وهو مختصر وفى الأول زيادة وهى من الثقة مقبولة وقد جاء ما يعارض هذا ففى صحيح مسلم عن جابر أول ما نزل من القرآن سورة المدثر وجمع بعضهم بينهما بأن جابرا سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة بدء الوحى فسمع آخرها ولم يسمع أولها فتوهم أنها أول ما نزلت وليس كذلك نعم هي أول ما نزل بعد سورة وفترة الوحى لما ثبت في الصحيحين أيضا عن جابر

[ 207 ]

رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث عن فترة الوحى قال في حديثه بينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذى جاءني بحراء جالس على كرسى بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فرجعت فقلت زملوني زملوني فأنزل الله تبارك وتعالى يأيها المدثر قم فأنذر فقد أخبر في هذا الحديث عن الملك الذى جاءه بحراء قبل هذه المرة وأخبر في حديث عائشة أن نزول كان في غار حراء وهو أول وحى ثم فتر بعد ذلك وأخبر في حديث جابر أن الوحى تتابع بعد نزول يأيها المدثر فعلم بذلك أن أول ما نزل مطلقا وأن سورة المدثر بعده وكذلك قال ابن حيان في صحيحه لا تضاد بين الحديثين بل أول ما نزل اقرأ باسم ربك الذى خلق بغار حراء فلما رجع إلى خديجة رضى الله عنها وصبت عليه الماء البارد أنزل الله عليه في بيت خديجة يأيها المدثر فظهر أنه لما نزل عليه اقرأ قوله رجع فتدثر فأنزل عليه يأيها المدثر وقيل أول ما نزل سورة الفاتحة روى ذلك من طريق أبى إسحاق عن أبى ميسرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصوت انطلق هاربا وذكر نزول الملك عليه وقوله قل الحمد لله رب العالمين إلى آخرها وقال القاضى أبو بكر في الانتصار وهذا الخبر منقطع وأثبت الأقاويل باسم ربك ويليه في القوة يأيها المدثر وطريق الجمع بين الأقاويل أن أول ما نزل من الآيات اقرأ باسم ربك وأول ما نزل من أوامر التبليغ يأيها المدثر وأول ما نزل

[ 208 ]

من السور سورة الفاتحة له وهذا كما ورد في الحديث أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى فيه الدماء وجمع بينهما بأن أول ما يحكم فيه من المظالم التى بين العباد الدماء وأول ما يحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة وقيل أول ما نزل للرسالة يأيها المدثر وللنبوة اقرأ باسم ربك فإن العلماء قالوا قوله تعالى اقرأ باسم ربك دال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن النبوة عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص وقوله تعالى يأيها المدثر قم فأنذر دليل على رسالته صلى الله عليه وسلم لأنها عبارة عن الوحى إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام وذكر القاضى في الانتصار رواية ثم نزل بعد سورة ثلاث آيات من أول نوح وثلاث آيات من أول المدثر وعن مجاهد قال أول سورة أنزلت اقرأ ثم نوح وذكر الحاكم في الإكليل أن أول آية أنزلت في الإذن بالقتال قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وروى في المستدرك عن ابن عباس أول آية أنزلت فيه أذن للذين يقاتلون الآية

[ 209 ]

وأما آخره فاختلفوا فيه فعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا جاء نصر الله وعن عائشة سورة المائدة وقيل واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وقال السدى آخر ما نزل فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وفى صحيح البخاري في تفسير سورة براءة عن البراء بن عازب رضى الله عنهما آخر آية نزلت يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وآخر سورة نزلت براءة وفى رواية غيره آخر سورة أنزلت كاملة سورة براءة وآخر آية نزلت خاتمة النساء وذكر ابن الأنباري عن أبى إسحاق عن البراء قال آخر آية نزلت من القرآن يستفتونك قل الله يفتبكم ذلك في الكلالة ثم قال وأخطأ أبو إسحاق ثم ساق سنده من طرق إلى ابن عباس آخر آية أنزلت واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وكان بين نزولها ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما وقيل تسع ليال انتهى وفى مستدرك الحاكم عن شعبة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبى بن كعب رضى الله عنه أنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأها إلى آخر السورة ورواه أحمد في المسند عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن ابى بن كعب رضى الله عنه قال آخر آية نزلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ثم قرأ إلى وهو رب العرش العظيم قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالذى

[ 210 ]

لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وتعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا انا فاعبدون وقال بعضهم روى البخاري آخر ما نزل آية الربا وروى مسلم آخر سورة نزلت جميعا إذا جاء نصر الله قال القاضى أبو بكر في الانتصار وهذه الأقوال ليس في شئ منها ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وتغليب الظن وليس العلم بذلك من فرائض الدين حتى يلزم ما طعن به الطاعنون من عدم الضبط ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذى مات فيه أو قبل مرضه بقليل وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو لمفارقته له ونزول الوحى عليه بقرآن بعده ويحتمل أيضا أن تنزل الآية التى آخر آية تلاها الرسول صلى الله عليه وسلم مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم ما نزل وتلاوتها عليهم بعد رسم ما نزل آخرا وتلاوته فيظن سامع ذلك أنه آخر ما نزل في الترتيب

[ 211 ]

النوع الحادى عشر معرفة على كم لغة نزل ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقرأنى جبريل على حرف فراجعته ثم لم أزل أستزيده فيزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف زاد مسلم قال ابن شهاب بلغني أن تلك السبعة إنما هي في الأمر الذى يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا حرام واخرجا أيضا من حديث عمر بن الخطاب قال سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها وفى رواية على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله اقرأ فقرأ القراءة التى سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أنزلت ثم قال لى اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه وأخرج مسلم نحوه عن أبى بن كعب وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإنى أرسل إلى أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثانية

[ 212 ]

اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتى فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها فقلت اللهم اغفر لأمتى وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام وأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه من حديث المقبرى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ولا حرج ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب ولا ذكر عذاب برحمة وأما ما رواه الحاكم في المستدرك عن سمرة يرفعه أنزل القرآن على ثلاثة أحرف فقال أبو عبيد تواترت الأخبار بالسبعة إلا هذا الحديث قال أبو شامة يحتمل أن يكون معناه إن بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كحذره والرهب والصدق فيقرأ كل واحد على ثلاثة أوجه في هذه القراءة المشهورة أو أراد أنزل ابتداء على ثلاثة ثم زيد إلى سبعة ومعنى جميع ذلك أنه نزل منه ما يقرأ على حرفين وعلى ثلاثة وأكثر إلى سبعة أحرف توسعة على العباد باعتبار اختلاف اللغات والألفاظ المترادفة وما يقارب معناها وقال ابن العربي لم يأت في معنى هذا السبع نص ولا أثر واختلف الناس في تعيينها وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستى اختلف الناس فيها على خمسة وثلاثين قولا وقد وقفت منها على كثير فذهب بعضهم إلى أن المراد التوسعة على القارئ ولم يقصد به الحصر والأكثر على أنه محصور في سبعة ثم اختلفوا هل هي باقية إلى الآن نقرؤها

[ 213 ]

أم كان ذلك أولا ثم استقر الحال بعده على قولين وقال القرطبى إن القائلين بالثاني وهو أن الأمر كان كذلك ثم استقر على ما هو الآن هم أكثر العلماء منهم سفيان بن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوى ثم اختلفوا هل استقر في حياته صلى الله عليه وسلم أم بعد وفاته والأكثرون على الأول واختاره القاضى أبو بكر بن الطيب وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم ورأوا أن ضرورة اختلاف لغات العرب ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه أي على طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الآخرة واستقر على ما هو عليه الآن فنسخ الله سبحانه تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التى تلقاها الناس ويشهد لهذا الحديث الآتى من مراعاة التخفيف على العجوز والشيخ الكبير ومن التصريح في بعضها بأن ذلك مثل هلم وتعال القول في القراءات السبع والقائلون بأنها كانت سبعا اختلفوا على أقوال أحدها أنه من المشكل الذى لا يدرى معناه لأن العرب تسمى الكلمة المنظومة حرفا وتسمى القصيدة بأسرها كلمة والحرف يقع على المقطوع من الحروف المعجمة والحرف أيضا المعنى والجهة قاله أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي

[ 214 ]

والثانى وهو أضعفها أن المراد سبع قراءات وحكى عن الخليل بن أحمد والحرف هاهنا القراءة وقد بين الطبري في كتاب البيان وغيره أن أختلاف القراء إنما هو كله حرف واحد من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن وهو الحرف الذى كتب عثمان عليه المصحف وحكى ابن عبد البر عن بعض المتأخرين من أهل العلم بالقرآن أنه قال تدبرت وجوه الاختلاف في القرآن فوجدتها سبعة منها ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل هن أطهر لكم وأطهر لكم ويضيق صدري ويضيق صدري ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته كقوله ربنا باعد بين أسفارنا وربنا باعد بين أسفارنا ومنها ما يتغير معناه بالحروف واختلافها ولا تتغير صورته كقوله كيف ننشزها وننشرها

[ 215 ]

ومنها ما تتغير صورته ولا يتغير معناه كالعهن المنفوش والصوف المنقوش ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل طلح منضود وطلع ومنها بالتقديم والتأخير ك وجاءت سكرة الموت بالحق وسكرة الحق بالموت ومنها الزيادة والنقصان مثل حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقراءة محمد ابن مسعود تسع وتسعون نعجة أنثى وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين وكان كافر قال أبو عمرو وجه حسن من وجوه معنى الحديث إلى وقال بعض المتأخرين هذا هو المختار قال والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة والآخر مثل قراءة ابن مسعود وأبى الدرداء والذكر والأنثى كما ثبت في الصحيحين ومثل قراءة ابن مسعود إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم وقراءة عمر فامضوا إلى ذكر الله والكل حق والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ورسم الحروف واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف وهو بضعة عشر حرفا مثل الله الغفور وإن الله هو الغفور

[ 216 ]

والثالث سبعة أنواع كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن بخلاف غيره من أنحائه فبعضها أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال وغيره قال ابن عبد البر وفى ذلك حديث رواه ابن مسعود مرفوعا قال كان الكتاب الأول نزل من باب واحد على وجه واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه واعتبروا بأمثاله وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا قال وهو حديث عند أهل العلم لا يثبت وهو مجمع على ضعفه وذكره القاضى أبو بكر بن الطيب وقال هذا التفسير منه صلى الله عليه وسلم للأحرف السبعة ولكن ليست هذه التى أجاز لهم القراءة بها على اختلافها وإنما الحرف في هذه بمعنى الجهة والطريقة كقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف وقال ابن عبد البر قد رده من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران قال من أوله بهذا فهو فاسد لأنه محال أن يكون الحرف منها حراما لا ما سواه أو يكون حلالا لا ما سواه لأنه لا يجوز أن يكون القرآن يقرأ على أنه حلال كله أو حرام كله أو أمثال كله حكاه الطحاوي عنه أنه سمعه منه وقال هو كما قاله وقال ابن عطية هذا القول ضعيف لأن هذه لا تسمى أحرفا وأيضا فالإجماع على

[ 217 ]

أن التوسعة لم تقع في تحريم حلال ولا تحليل حرام ولا في تغيير شئ من المعاني المذكورة وقال الماوردى هذا القول خطأ لأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى جواز القراءة بكل واحد من الحروف وإبدال حرف بحرف وقد أجمع المسلمون على تحريم إبدال آية أمثال بآية أحكام وقال البيهقى في المدخل وقد روى هذا عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا مرسل جيد وأبو سلمة لم يدرك ابن مسعود ثم ساقه بإسقاط ابن مسعود ثم قال فإن صح هذا فمعنى قوله سبعة أحرف أي سبعة أوجه وليس المراد به ما ورد في الحديث الآخر من نزول القرآن على سبعة أحرف ولكن المراد به اللغات التى أبيحت القراءة عليها وهذا المراد به الأنواع التى نزل القرآن عليها والرابع أن المراد سبع لغات لسبع قبائل من العرب وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه هذا ما لم يسمع قط أي نزل على سبع لغات متفرقة في القرآن فبعضه نزل بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة تميم وبعضه بلغة أزد وربيعة وبعضه بلغة هوازن وسعد بن بكر وكذلك سائر اللغات ومعانيها في هذا كله واحدة وإلى هذا ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد بن يحيى ثعلب وحكاه ابن دريد عن أبى حاتم السجستاني وحكاه بعضهم عن القاضى أبى بكر

[ 218 ]

وقال الأزهري في التهذيب إنه المختار واحتج بقول عثمان حين أمرهم بكتب المصاحف وما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش فإنه أكثر ما نزل بلسانهم وقال البيهقى في شعب الإيمان إنه الصحيح أي أن المراد اللغات السبع التى هي شائعة في القرآن واحتج بقول ابن مسعود سمعت القراء فوجدتهم متقاربين اقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع فإنما هو كقول أحدهم هلم وتعال وأقبل قال وكذلك قال ابن سيرين قال لكن إنما تجوز قراءته على الحروف التى هي مثبتة في المصحف الذى هو الإمام بإجماع الصحابة وحملوها عنهم دون غيرها من الحروف وإن كانت جائزة في اللغة وكأنه يشير إلى أن ذلك كان عند إنزاله ثم استقر الأمر على ما أجمعوا عليه في الإمامة وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا القول وقالوا لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش لقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه قال ابن قتيبة ولا نعرف في القرآن حرفا واحدا يقرأ على سبعة أوجه وغلطه ابن الأنباري بحروف منها وعبد الطاغوت وقوله أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وقوله باعد بين أسفارنا وقوله بعذاب بئيس وغير ذلك

[ 219 ]

وقال ابن عبد البر قد أنكر أهل العلم أن يكون معنى سبعة أحرف سبع لغات لأنه لو كان كذلك لم ينكر القوم بعضهم على بعض في أول الأمر لأن ذلك من لغته التى طبع عليها وأيضا فإن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي وقد اختلفت قراءتهما ومحال أن ينكر عليه عمر لغته ثم اختلف القائلون بهذا في تعيين السبع فأكثروا وقال بعضهم أصل ذلك وقاعدته قريش ثم بنو سعد بن بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم استرضع فيهم ونشأ وترعرع وهو مخالط في اللسان كنانة وهذيلا وثقيفا وخزاعة وأسدا وضبة وألفافها لقربهم من مكة وتكرارهم عليها ثم من بعد هذه تميما وقيسا ومن أنضاف إليهم وسكن جزيرة العرب قال قاسم بن ثابت إن قلنا من الأحرف لقريش ومنها لكنانة ولأسد وهذيل وتميم وضبة وألفافها وقيس لكان قد أتى على قبائل مضر في قراءات سبع تستوعب اللغات التى نزل بها القرآن وهذه الجملة هي التى انتهت إليها الفصاحة وسلمت لغاتها من الدخل ويسرها الله لذلك ليظهر أنه نبيه بعجزها عن معارضة ما أنزل عليه ويثبت سلامتها أنها في وسط جزيرة العرب في الحجاز ونجد وتهامة فلم تفرقها الأمم وقيل هذه اللغات السبع كلها في مضر واحتجوا بقول عثمان نزل القرآن بلسان مضر قالوا وجائز أن يكون منها لقريش ومنها لكنانة ومنها لأسد ومنها لهذيل ومنها لضبة ولطابخة كان فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات وتزيد قال أبو عمر بن عبد البر وأنكر آخرون كون كل لغات مضر في القرآن لأن

[ 220 ]

فيها شواذ لا يقرأ بها مثل كشكشة قيس وعنعنة تميم فكشكشة أبو قيس يجعلون كاف المؤنث شينا فيقولون في جعل ربك تحتك سريا ربش تحتش وعنعنة تميم ويقولون في أن عن فيقرءون فعسى الله عن يأتي بالفتح وبعضهم يبدل السين تاء فيقول في الناس النات وهذه لغات يرغب بالقرآن عنها وما نقل عن عثمان معارض بما سبق أنه نزل بلغة قريش وهذا أثبت عنه لأنه من رواية ثقات أهل المدينة وقد يشكل هذا القول على بعض الناس فيقول هل كان جبريل عليه السلام يلفظ باللفظ الواحد سبع مرات فيقال له إنما يلزم هذا إن قلنا إن السبعة الأحرف تجتمع في حرف واحد ونحن قلنا كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمر سبعة وقال الكلبى خمسة منها لهوازن وثنتان لسائر الناس والخامس المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة نحو أقبل وهلم وتعال وعجل وأسرع وأنظر وأخر وأمهل ونحوه وكاللغات أو التى في أف ونحو ذلك قال ابن عبد البر وعلى هذا القول أكثر أهل العلم وأنكروا على من قال إنها لغات لأن العرب لا تركب لغة بعضها بعضا ومحال أن يقرئ النبي صلى الله عليه وسلم أحدا بغير لغته وأسند عن أبى بن كعب أنه كان يقرأ كلما أضاء لهم مشوا فيه سعوا فيه قال فهذا معنى السبعة الأحرف المذكورة في الأحاديث عند جمهور أهل الفقه والحديث منهم سفيان بن عيينة وابن وهب ومحمد بن جرير الطبري والطحاوى وغيرهم وفى مصحف عثمان الذى بأيدى الناس منها حرف واحد

[ 221 ]

وقال الزهري إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد وليست تختلف في حلال ولا حرام واحتج ابن عبد البر بحديث سلمان بن صرد عن أبى بن كعب قال قرأ أبى آية وقرأ ابن مسعود آية خلافها وقرأ رجل آخر خلافهما فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ألم تقرأ آية كذا وقال ابن مسعود ألم تقرأ آية كذا فقال كلكم محسن مجمل وقال يا أبى إنى أقرئت القرآن فقلت على حرف أو حرفين فقال لى الملك على حرفين فقلت على حرفين أو ثلاثة فقال على ثلاثة هكذا حتى بلغ سبعة أحرف ليس فيها إلا شاف قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا حكيما أو قلت عليما حكيما أو قلت عزيزا حكيما أي ذلك قلت فإنه كذلك قال أبو عمر إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التى نزل القرآن عليها أنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا يكون في شئ منها معنى وضده ولا وجه يخالف معنى وجه خلافا ينفيه ويضاده كالرحمة التى هي خلاف العذاب وضده وكذلك حديث ابى بكرة قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقرأ على حرف فقال ميكائيل استزده فقال على حرفين فقال ميكائيل استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف فقال اقرأه فكل شاف كاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب وآية عذاب بآية رحمة نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل وروى ذلك عن ابن مسعود وأبى بن كعب أنه كان يقرأ للذين آمنوا انظرونا أمهلونا أخرونا ارقبونا وكلما أضاء لهم مشوا فيه مروا فيه سعوا فيه قال أبو عمر إلا أن مصحف عثمان الذى بأيدى الناس اليوم هو فيها حرف واحد وعلى هذا أهل العلم

[ 222 ]

قال وذكر ابن وهب في كتاب الترغيب من جامعه قال قيل لمالك أترى أن تقرأ مثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله قال جائز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه ومثل يعلمون وتعلمون قال مالك لا أرى باختلافهم بأسا وقد كان الناس ولهم مصاحف قال ابن وهب سألت مالكا عن مصحف عثمان فقال لى ذهب وأخبرني مالك قال أقرأ عبد الله بن مسعود رجلا إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فجعل الرجل يقول طعام اليتيم فقال طعام الفاجر فقلت لمالك أترى أن يقرأ بذلك قال نعم أرى أن ذلك واسعا قال أبو عمر معناه عندي أن يقرأ به في غير الصلاة وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة لأن ما عداا) مصحف عثمان لا يقطع عليه وإنما يجرى مجرى خبر الآحاد لكنه لا يقدم أحد على القطع في رده وقال مالك رحمه الله فيمن قرأ في صلاة بقراءة ابن مسعود وغيره من الصحابة مما يخالف المصحف لم يصل وراءه قال وعلماء مكيون مجمعون على ذلك إلا شذوذا لا يعرج عليه منهم إلا عثمان وهذا كله يدل على أن السبعة الأحرف التى أشير إليها في الحديث ليس بأيدى الناس منها إلا حرف زيد بن ثابت الذى جمع عثمان عليه المصاحف

[ 223 ]

السادس أن ذلك راجع إلى بعض الآيات مثل قوله أف لكم فهذا على سبعة أوجه بالنصب والجر والرفع وكل وجه التنوين وغيره وسابعها الجزم ومثل قوله تساقط عليك ونحوه ويحتمل في القرآن تسعة أوجه ولا يوجد ذلك في عامة الآيات قال ابن عبد البر وأجمعوا على أن القرآن لا يجوز في حروفه وكلماته وآياته كلها أن تقرأ على سبعة أحرف ولا شئ منها ولا يمكن ذلك فيها بل لا يوجد في القرآن كلمة تحتمل أن تقرأ على سبعة أوجه إلا قليل مثل وعبد الطاغوت وتشابه علينا وعذاب بئيس ونحوه وذلك ليس هذا وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة وهذا المجموع في المصحف هل هو جميع الأحرف السبعة التى أقيمت القراءة عليها أو حرف واحد منها ميل القاضى أبى بكر إلى أنه جميعها وصرح أبو جعفر الطبري والأكثرون من بعده بأنه حرف منها ومال الشيخ الشاطبي إلى قول القاضى فيما جمعه أبو بكر وإلى قول الطبري فيما جمعه عثمان رضى الله عنه والسابع اختاره القاضى أبو بكر وقال الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطها عنه الأئمة وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف

[ 224 ]

وأخبروا بصحتها وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترا وأن هذه الأحرف تختلف معانيها تارة وألفاظها أخرى وليست متضادة ولا منافية والثامن قول الطحاوي أن ذلك كان في وقت خاص لضرورة دعت إليه لأن كل ذى لغة كان يشق عليه أن يتحول عن لغته ثم لما كثر الناس والكتاب ارتفعت تلك الضرورة فارتفع حكم الأحرف السبعة وعاد ما يقرأ به إلى حرف واحد والتاسع أن المراد علم القرآن يشتمل على سبعة أشياء علم الإثبات والإيجاد كقوله تعالى إن في خلق السموات والأرض وعلم التوحيد كقوله تعالى قل هو الله أحد وإلهكم إله واحد وعلم التنزيه كقوله أفمن يخلق كمن لا يخلق ليس كمثله شئ وعلم صفات الذات كقوله ولله العزة الملك القدوس وعلم صفات الفعل كقوله واعبدو الله واتقوا الله وأقيموا الصلاة لا تأكلوا الربا

[ 225 ]

وعلم العفو والعذاب كقوله ومن يغفر الذنوب إلا الله نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم وعلم الحشر والحساب كقوله إن الساعة لآتية اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وعلم النبوات كقوله رسلا مبشرين ومنذرين وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه والإمامات عبد كقوله يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعو الرسول وأولى الأمر منكم ومن يشاقق الرسول كنتم خير أمة والعاشر أن المراد سبعة أشياء المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وأقسامه حكاه أبو المعالى بسند له عن أئمة الفقهاء والحادي عشر حكاه عن أهل اللغة أن المراد الحذف والصلة والتقديم والتأخير والقلب والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب والثانى عشر وحكاه عن النحاة أنها التذكير والتأنيث والشرط والجزاء والتصريف

[ 226 ]

والإعراب والأقسام وجوابها والجمع والتفريق والتصغير والتعظيم واختلاف الأدوات مما يختلف فيها بمعنى وما لا يختلف في الأداء واللفظ جميعا والثالث عشر حكاه عن القراء أنها من طريق التلاوة وكيفية النطق بها من إظهار وإدغام وتفخيم وترقيق وإمالة وإشباع ومد وقصر وتخفيف وتليين وتشديد والرابع عشر وحكاه عن الصوفية أنه يشتمل على سبعة أنواع من المبادلات والمعاملات وهى الزهد والقناعة مع اليقين والحزم والخدمة مع الحياء والكرم والفتوة مع الفقر والمجاهدة والمراقبة مع الخوف والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضا والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة وقال ابن حبان قيل أقرب الأقوال إلى الصحة أن المراد به سبع لغات والسر في إنزاله على سبع لغات تسهيله على الناس لقوله ولقد يسرنا القرآن للذكر فلو كان تعالى أنزله على حرف واحد لانعكس المقصود قال وهذه السبعة التى نتداولها عليه اليوم غير تلك بل هذه حروف من تلك الأحرف السبعة كانت مشهورة وذكر حديث عمر مع هشام بن حكيم لكن لما خافت الصحابة من اختلاف القرآن رأوا جمعه على حرف واحد من تلك الحروف السبعة ولم يثبت من وجه صحيح تعين كل حرف من هذه الأحرف ولم يكلفنا الله ذلك غير أن هذه القراءة الآن غير خارجة عن الأحرف السبعة وقال بعض المتأخرين الأشبه بظواهر الأحاديث أن المراد بهذه الأحرف اللغات وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم وما جرت عليه عادتهم من الإظهار والإدغام

[ 227 ]

والإمالة والتفخيم والإشمام والهمز والتليين والمد وغير ذلك من وجوه اللغات إلى سبعة أوجه منها في الكلمة الواحدة فإن الحرف هو الطرف والوجه كما قال تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف أي على وجه واحد وهو أن يعبده في السراء دون الضراء وهذه الوجوه هي القراءات السبع التى قرأها القراء السبعة فإنها كلها صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى جمع عليه عثمان المصحف وهذه القراءات السبع اختيارات أولئك القراء فإن كل واحد اختار فيما روى وعلم وجهه من القراءة ما هو الأحسن عنده والأولى ولزم طريقة منها ورواها وقرأ بها واشتهرت عنه ونسبت إليه فقيل حرف نافع وحرف ابن كثير ولم يمنع واحد منهم حرف الآخر ولا أنكره بل سوغه وحسنه وكل واحد من هؤلاء السبعة روى عنه اختياران وأكثر وكل صحيح وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار على الاعتماد على ما صح عنهم وكان الإنزال على الأحرف السبعة توسعة من الله ورحمة على الأمة إذ لو كلف كل فريق منهم ترك لغته والعدول عن عادة نشئوا عليها من الإمالة والهمز والتليين والمد وغيره لشق عليهم ويشهد لذلك ما رواه الترمذي عن أبى بن كعب أنه لقى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال يا جبريل إنى بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذى لم يقرأ كتابا قط فقال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف وقال حسن صحيح

[ 228 ]

النوع الثاني عشر في كيفية أنزاله قال تعالى شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن وقال سبحانه إنا أنزلناه في ليلة القدر واختلف في كيفية الإنزال على ثلاثة أقوال أحدها أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين على حسب الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد النبوة والقول الثاني أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة وقيل في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة وقيل في خمس وعشرين ليلة قدر من خمس وعشرين سنة في كل ليلة ما يقدر سبحانه إنزاله في كل السنة ثم ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والقول الثالث أنه ابتدئ إنزاله في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات والقول الأول أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين

[ 229 ]

وأخرج النسائي في تفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنياا أبي فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح وحسان هو ابن أبى الأشرس وثقة النسائي وغيره وبالثانى قال مقاتل والإمام أبو عبد الله الحليمى في المنهاج والماوردي في تفسيره (وبالثالث قال الشعبى وغيره واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل واختلفوا في معنى الإنزال فقيل معناه إظهار القرآن وقيل إن الله أفهم كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان والتنزيل له طريقان أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة وأخذه من جبريل والثانى أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه والأول أصعب الحالين ونقل بعضهم عن السمرقندى حكاية ثلاثة أقوال في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أحدها أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به وذكر بعضهم أن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف وأن تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله عز وجل وهذا معنى قول الغزالي إن هذه الأحرف سترة لمعانيه

[ 230 ]

والثانى أنه إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب وإنما تمسكوا بقوله تعالى نزل به الروح الأمين على قلبك والثالث أن جبريل صلى الله عليه وسلم إنما ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم أنه أنزل به كذلك بعد ذلك فإن قيل ما السر في إنزاله جملة إلى السماء قيل فيه تفخيم لأمره وأمر من نزل عليه وذلك بإعلان سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجماا ما بسبب الوقائع لأهبطه لا إلى الأرض جملة فإن قيل في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا بعد ظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أم قبلها قلت قال الشيخ أبو شامة الظاهر أنه قبلهاا أن وكلاهما محتمل فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه وإن كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر فإن قلت فقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر من جملة القرآن الذى نزل جملة أم لا فإن لم يكن منه فما نزل جملة وإن كان منه فما وجه صحة هذه العبارة قلت ذكر فيه وجهين أحدهما أن يكون معنى الكلام ما حكمنا بإنزاله في القدر وقضائه وقدرناه في الأزل ونحو ذلك والثانى أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال أي ينزل جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر واختير لفظ الماضي إما لتحققه وكونه لا بد منه وإما لأنه حال اتصاله بالمنزل عليه يكون المضى في معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة

[ 231 ]

فإن قلت ما السر في نزوله إلى الأرض منجما وهلا نزل جملة كسائر الكتب قلت هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه فقال تعالى وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل فأجابهم الله بقوله كذلك أي أنزلناه كذلك مفرقا لنثبت به فؤادك أي لنقوى به قلبك فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل عليه السلام وقيل معنى لنثبت به فؤادك لنحفظه فإنه عليه السلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه لييسر على عليه حفظه بخلاف غيره من الأنبياء فإنه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع إذا نزل جملة فإن قلت كان في القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم دفعة قلت ليس كل ممكن لازم الوقوع وأيضا في القرآن أجوبة عن أسئلة فهو سبب من أسباب تفرق النزول ولأن بعضه منسوخ وبعضه ناسخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا وقال ابن فورك قيل أنزلت التوراة جملة لأنها نزلت على نبى يقرأ ويكتب وهو موسى وأنزل القرآن مفرقا لأنه أنزل غير مكتوب على نبى أمي وقيل مما لم ينزل لأجله جملة واحدة أن منه الناسخ والمنسوخ ومنه ما هو جواب لمن يسأل عن أمور ومنه ما هو إنكار لما كان انتهى

[ 232 ]

وكان بين أول نزول القرآن آخره عشرون أو ثلاث وعشرون أو خمس وعشرون سنة وهو مبنى على الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة فقيل عشر وقيل ثلاث عشرة وقيل خمس عشرة ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر وكان كلما أنزل عليه شئ من القرآن أمر بكتابته ويقول في مفترقات الآيات ضعوا هذه في سورة كذا وكان يعرضه جبريل في شهر رمضان كل عام مرة وعام مات مرتين وفى صحيح البخاري قال مسروق عن عائشة عن فاطمة رضى الله عنهما أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة وأنه عارضنى العام مرتين ولا أراه إلا حضور أجلى وأسنده البخاري في مواضع وقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم الاعتكاف فاعتكف عشرين بعد أن كان يعتكف عشرا

[ 233 ]

النوع الثالث عشر في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة رضى الله عنهم جمع القرآن على عهد أبى بكر روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتانى فقال إن القتل قد استحر بيوم اليمامة بقراء القرآن وإنى أخشى أن يستحر القتل بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر والله إن هذا خير فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك وقد رأيت في ذلك الذى رأى عمر قال زيد وقال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا أتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن واجمعه قال زيد فوالله لوكلفنى نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن قلت كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور

[ 234 ]

الرجال حتى وجدت آخر التوبة لقد جاءكم مع أبى خزيمة الأنصاري الذى جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين لم أجدها مع أحد غيره فألحقتها في سورتها فكانت الصحف عند أبى بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى قبض ثم عند حفصة بنت عمر وفى رواية ابن شهاب وأخبرني خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت يقول فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فألحقناها في سورتها وخزبمة الله الأنصاري شهادته بشهادتين وقول زيد لم أجدها إلا مع خزيمة ليس فيه إثبات القرآن بخبر الواحد لأن زيدا كان قد سمعها وعلم موضعها في سورة الأحزاب بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك غيره من الصحابة ثم نسيها فلما سمع ذكره وتتبعه للرجال كان للاستظهار لا لاستحداث العلم وسيأتى أن الذين كانوا يحفظون القرآن من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة والمراد أن هؤلاء كانوا اشتهروا به فقد ثبت أن غيرهم حفظه وثبت أن القرآن مجموعة محفوظ كله صدور الرجال أيام حياة النبي صلى الله عليه وسلم مؤلفا على هذا التأليف إلا سورة براءة قال ابن عباس قلت لعثمان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثانى وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم قال عثمان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وتنزل عليه السور وكان إذا نزل عليه شئ دعا بعض من كان يكتبه فقال ضعوا هذه الآيات في السورة

[ 235 ]

التى يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل من المدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ثم كتبت فثبت أن القرآن كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ترك جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يرد على بعض فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعض لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين نسخ القرآن في المصاحف واعلم أنه قد اشتهر أن عثمان هو أول من جمع المصاحف وليس كذلك لماا بينااه قال بل أول من جمعها في مصحف واحد الصديق ثم أأمر عثمان حين خاف الاختلاف في القراءة بتحويله منها إلى المصاحف هكذا نقله البيهقى قال وقد روينا عن زيد بن ثابت أن التأليف كان في زمن النبي عليه وسلم = وروينا عنه أن الجمع في المصحف كان في زمن أبى بكر والنسخ في المصاحف في زمن عثمان وكان ما يجمعون وينسخون معلوما لهم بما كان مثبتا في صدور الرجال وذلك كله بمشورة من حضره من الصحابة وارتضاه على بن أبى طالب وحمد أثره فيه وذكر غيره أن الذى استبد به عثمان جمع الناس على قراءة محصورة والمنع من غير ذلك قال القاضى أبو بكر في الانتصار لم يقصد عثمان قصد أبى بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ولا تأويل أثبت

[ 236 ]

مع تنزيل ومنسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد انتهى وقد روى البخاري في صحيحه عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراء وقال حذيفة لعثمان أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل في كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق وفى هذه إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير زيادة ولا نقص والذى حملهم على جمعه ما جاء في الحديث أنه كان مفرقا في العسب واللخاف وصدور الرجال فخافوا ذهاب بعضه بذهاب حفظته وكتبوه كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا شيئا أو أخروا وهذا الترتيب كان منه صلى الله عليه وسلم بتوقيف لهم على ذلك وأن هذه الآية عقب تلك الآية فثبت أن سعى الصحابة في جمعه في موضع واحد لا في ترتيب فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذى هو في مصاحفنا الآن أنزله الله جملة واحدة إلى سماء الدنيا

[ 237 ]

كما قال الله تعالى شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن وقال تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر ثم كان ينزل مفرقا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته عند الحاجة كما قال تعالى وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة وكان هذا الاتفاق من الصحابة سببا لبقاء القرآن في الأمة ورحمة من الله على عباده وتسهيلا وتحقيقا لوعده بحفظه كما قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وزال بذلك الاختلاف واتفقت الكلمة قال أبو عبد الرحمن السلمى كانت قراءة أبى بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة كانوا يقرءون القراءة العامة وهى القراءة التى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل مرتين في العام الذى قبض فيه وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة وكان يقرئ الناس بها حتى مات ولذلك اعتمده الصديق في جمعه وولاه عثمان كتبة المصحف وقال أبو الحسين بن فارس في المسائل الخمس جمع القرآن على ضربين أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الضرب هو الذى تولته الصحابة وأما الجمع الآخر وهو جمع الآيات في السور فهو توقيفي تولاه النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحاكم في المستدرك وقد روى حديث عبد الرحمن بن شماس عن زيد بن ثابت قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع الحديث قال وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة النبي

[ 238 ]

صلى الله عليه وسلم ثم جمع بحضرة الصديق والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان في خلافة عثمان وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى في كتاب فهم السنن كتابة القرآن ليست محدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ فإن قيل كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال قيل لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف وقد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة فكان تزويد ما ليس منه مأمونا وإنما كان الخوف من ذهاب شئ من صحيحه فإن قيل كيف لم يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قيل لأن الله تعالى كان قد أمنه من النسيان بقوله سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أن يرفع حكمه بالنسخ فحين وقع الخوف من نسيان الخلق حدث ما لم يكن فأحدث بضبطه ما لم يحتج إليه قبل ذلك وفى قول زيد بن ثابت فجمعته من الرقاع والأكتاف وصدور الرجال ما أوهم بعض الناس أن أحدا لم يجمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من قال إنه جمع القرآن أبى بن كعب وزيد ليس بمحفوظ وليس الأمر على ما أوهم وإنما طلب القرآن متفرقا ليعارض بالمجتمع عند من بقى ممن جمع القرآن ليشترك الجميع في علم ما جمع

[ 239 ]

فلا يغيب عن جمع القرآن عنده منه شئ ولا يرتاب أحد فيما يودع المصحف ولا يشكو في أنه جمع عن ملأ منهم فأما قوله وجدت آخر براءة مع خزيمة بن ثابت ولم أجدها مع غيره يعنى ممن كانوا في طبقة خزيمة لم يجمع القرآن وأما أبى بن كعب وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل فبغير شك جمعوا القرآن والدلائل عليه متظاهرة قال ولهذا المعنى لم يجمعوا السنن في كتاب إذ لم يمكن ضبطها كما ضبط القرآن قال ومن الدليل على ذلك أن تلك المصاحف التى كتب منها القرآن كانت عنده الصديق لتكون إماما ولم تفارق الصديق في حياته ولا عمر أيامه ثم كانت عند حفصة لا تمكن منها ولما احتيج إلى جمع الناس على قراءة واحدة وقع الاختيار عليها في أيام عثمان فأخذ ذلك الإمام ونسخ في المصاحف التى بعث بها إلى الكوفة وكان الناس متروكين على قراءة ما يحفظون من قراءتهم المختلفة حتى خيف الفساد فجمعوا على القراءة التى نحن عليها قال والمشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان رضى الله عنه وليس كذلك إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشى الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات والقرآن وأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التى أنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق روى عن على أنه قال رحم الله أبا بكر هو أول من جمع بين اللوحين ولم يحتج الصحابة في أيام أبى بكر وعمر إلى جمعه على وجه ما جمعه عثمان لأنه لم يحدث في أيامهما من الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان ولقد وفق لأمر عظيم ورفع الاختلاف وجمع الكلمة وأراح الأمة

[ 240 ]

وأما تعلق الروافض بأن عثمان أحرق المصاحف فإنه جهل منهم وعمى فإن هذا من فضائله وعلمه فإنه أصلح ولم الشعث وكان ذلك واجبا عليه ولو تركه لعصى لما فيه من التضييع وحاشاه من ذلك وقولهم إنه سبق إلى ذلك ممنوع لما بيناه أنه كتب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الرقاع والأكتاف وأنه في زمن الصديق جمعه في حرف واحد قال وأما قولهم إنه أحرق المصاحف فإنه غير ثابت ولو ثبت لوجب حمله على أنه أحرق مصاحف قد أودعت ما لا يحل قراءته وفى الجملة إنه إمام عدل غير معاند ولا طاعن في التنزيل ولم يحرق إلا ما يجب إحراقه ولهذا لم ينكر عليه أحد ذلك بل رضوه وعدوه من مناقبه حتى قال على لو وليت ما ولى عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل انتهى ملخصا فائدة في عدد مصاحف عثمان قال أبو عمرو والدانى في المقنع أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ وبعث إلى كل ناحية واحدا الكوفة والبصرة والشام وترك واحدا عنده وقد قيل إنه جعله سبع نسخ وزاد إلى مكة وإلى اليمن وإلى البحرين قال والأول أصح وعليه الأئمة

[ 241 ]

فصل في بيان من جمع القرآن حفظا عن من الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظه في حياته جماعة من الصحابة وكل قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة أقلهم بالغون حد التواتر وجاء في ذلك أخبار ثابتة في الترمذي والمستدرك وغيرهما من حديث ابن عباس من قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا قال الترمذي هذا حديث حسن وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وفى البخاري عن قتاده قال سألت أنس بن مالك من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أربعة كلهم من الانصار أبى بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد ابن ثابت وأبو زيد قال الحافظ البيهقي في كتاب المدخل الرواية الأولى أصح ثم أسند عن ابن سيرين قال جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة لا يختلف فيهم معاذ بن جبل وأبى بن كعب وزيد وأبو زيد واختلفوا في رجلين من ثلاثة أبو الدرداء وعثمان وقيل عثمان وتميم الدارى وعن الشعبى جمعه ستة أبى وزيد ومعاذ وأبو الدرداء وسعد بن عبيد وأبو زيد ومجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة قال ولم يجمعه أحد من الخلفاء من اصحاب محمد غير عثمان

[ 242 ]

قال الشيخ الشيخ شهاب الدين أبو شامة وقد أشبع القاضي أبو بكر محمد بن الطيب في كتاب الانتصار الكلام في حملة القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الأدلة على أنهم كانوا أضعاف هذه العدة المذكورة وأن العادة تحيل خلاف ذلك ويشهد لصحة ذلك كثرة القراء المقتولين يوم مسيلمة باليمامة وذلك في أول خلافة أبى بكر وما في الصحيحين قتل سبعون من الأنصار يوم بئر معونة كانوا يسمون القراء ثم أول القاضى الأحاديث السابقة بوجوه منها اضطرابها وبين وجه الاضطراب في العدد وإن خرجت في الصحيحين مع أنه ليس منه شئ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها بتقرير سلامتها فالمعنى لم يجمعه على جميع الأوجه والأحرف والقراءات التى نزل به إلا أولئك النفر ومنه أنه لم يجمع ما نسخ منه وأزيل رسمه بعد تلاوته مع ما ثبت رسمه وبقى فرض حفظه وتلاوته إلا تلك الجماعة ومنها أنه لم يجمع جميع القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه من فيه تلقيا غير تلك الجماعة وغير ذلك قال الماوردى وكيف يمكن الإحاطة بأنه لم يكمله سوى أربعة والصحابة متفرقون في البلاد وإن لم يكمله سوى اربعة فقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون قال الشيخ وقد سمى الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام القراء من الصحابة في أول كتاب القراءات له فسمى عددا كثيرا قلت وذكر الحافظ شمس الدين الذهبي في كتاب معرفة القراء ما يبين ذلك وأن هذا العدد هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا فكثير فقال ذكر الذين عرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وهم سبعة عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وقال الشعبى

[ 243 ]

لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء الأربعة إلا عثمان ثم رد على الشعبى قوله بأن عاصما قرأ على أبى عبد الرحمن السلمى عن على وأبى بن كعب وهو أقرأ من أبى بكر وقد قال يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله وهو مشكل وعبد الله بن مسعود وأبى وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء قال وقد جمع القرآن غيرهم من الصحابة كمعاذ بن جبل وأبى زيد وسالم مولى أبى حذيفة وعبد الله بن عمر وعقبة بن عامر ولكن لم تتصل بنا قراءتهم قال وقرأ على أبى جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وابن عباس وعبد الله بن السائب

[ 244 ]

النوع الرابع عشر تقسيمه بحسب سوره في وترتيب السور والآيات وعددها بن تقسيم القرآن بحسب سوره قال العلماء رضى الله عنهم القرآن العزيز أربعة أقسام الطول والمئون والمثاني والمفصل هذه وقد جاء ذلك في حديث مرفوع أخرجه أبو عبيد من جهة سعيد بن بشير عن قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت السبع الطول مكان التوراة وأعطيت المئين مكان الإنجيل وأعطيت المثانى مكان الزبور وفضلت بالمفصل وهو حديث غريب وسعيد بن بشير فيه لين وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن عمران عن قتادة به فالسبع الطول أولها البقرة وآخرها براءة لأنهم كانوا يعدون الأنفال وبراءة سورة واحدة ولذلك لم يفصلوا بينهما لأنهما نزلتا جميعا في مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسميت طولا لطولها وحكى عن سعيد بن جبير أنه عد السبع الطول البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس والطول بضم الطاء جمع طولى كالكبر جمع كبرى قال أبو حيان التوحيدي وكسر الطاء مرذول والمئون ما ولى السبع الطول سميت بذلك لأن كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها

[ 245 ]

والمثاني ما ولى المئين وقد تسمى سور القرآن كلها مثانى ومنه قوله تعالى كتابا متشابها مثانى ولقد آتيناك سبعا من المثانى وإنما سمى القرآن كله مثانى لأن الأنباء والقصص تثنى فيه ويقال إن المثانى في قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثانى هي آيات سورة الحمد سماها مثانى لأنها تثنى في كل ركعة والمفصل ما يلى المثانى من قصار السور سمى مفصلا لكثرة الفصول التى بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم وقيل لقلة المنسوخ فيه وآخره قل أعوذ برب الناس وفى أوله اثنا عشر قولا أحدها الجاثية ثانيها القتال وعزاه الماوردى للأكثرين ثالثها الحجرات رابعها ق قيل وهى أوله في مصحف عثمان رضى الله عنه وفيه حديث ذكره الخطابى في غريبه يرويه عيسى بن يونس قال حدثنا عبد الرحمن يعلى الطائفي قال حدثنى عمر بن عبد الله بن أوس بن حذيفة عن جده أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف فسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحزب القرآن قال وحزب المفصل من ق وقيل إن أحمد رواه في المسند وقال الماوردى في تفسيره حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة للحديث المذكور الخامس الصافات السادس الصف

[ 246 ]

السابع تبارك حكى هذه الثلاثة ابن أبى الصيف اليمنى في نكت التنبيه الثامن إنا فتحنا لك حكاه الدذمارى سنة في شرح التنبيه المسمى رفع التمويه التاسع الرحمن حكاه ابن السيد في أماليه على الموطأ وقال إنه كذلك في مصحف ابن مسعود قلت رواه أحمد في مسنده كذلك العاشر هل أتى على الإنسان حين من الدهر الحادى عشر سبح حكاه ابن الفركاح في تعليقه عن المرزوقى الثاني عشر والضحى وعزاه الماوردى لابن عباس حكاه الخطابى في غريبه ووجهه بأن القارئ يفصل بين هذه السور بالتكبير قال وهو مذهب ابن عباس وقراء مكة والصحيح عند أهل الأثر أن أوله ق قال أبو داود في سننه في باب تحزيب القرآن حدثنا مسدد حدثنا جرار بن تمام ح وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد سليمان بن حيان وهذا لفظه عن عبد الله بن عبد الرحمن يعلى عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس قال عبد الله بن سعيد في حديث أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف قال فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى مالك في قبة له قال مسدد وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 247 ]

من ثقيف قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ليلة بعد العشاء يحدثنا قال أبو سعيد قائما على راحلته ثم يقول لا سواء كنا مستضعفين مستذلين قال مسدد بمكة فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذى كان يأتينا فيه فقلت لقد أبطأت علينا الليلة قال إنه طرأ على حزبى من القرآن فكرهت أن أجى حتى أتمه قال أوس فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن فقالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده رواه ابن ماجه عن أبى بكر بن شيبة عن أبى خالد الأحمر به ورواه أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن مهدى وأبو يعلى الطائفي به وحينئذ فإذا عددت ثمانيا وأربعين سور كانت التى بعدهن سورة ق بيانه ثلاث البقرة وآل عمران والنساء وخمس المائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة وسبع يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل وتسع سبحان والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان وإحدى عشرة الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان وآلم السجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس وثلاث عشرة الصافات وص والزمر وغافر وحم السجدة وحم عسق والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف والقتال

[ 248 ]

والفتح والحجرات ثم بعد ذلك حزب المفصل وأوله سورة ق وأما آل حاميم فإنه يقال إن حم اسم من أسماء الله تعالى أضيفت هذه السورة إليه كما قيل سورالله لفضلها وشرفها وكما قيل بيت الله قال الكميت وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها منا تقى ومعرب وقد يجعل اسما للسورة ويدخل الإعراب عليها ويصرف ومن قال هذا قال في الجمع الحواميم كما يقال طس والطواسين وكره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس رضى الله عنهما إن لكل شئ لبابا ولباب القرآن حم أو قال الحواميم وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس ذكر ذلك كله أبو عبيد في فضائل القرآن وقال حميد بن زنجويه ثنا عبد الله إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن أبى عبد الله قال إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هؤلاء الروضات مثل حم في القرآن أورده البغوي

[ 249 ]

فصل في عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه قال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وقال بعث الحجاج بن يوسف إلى قراء البصرة فجمعهم واختار منهم الحسن البصري وأبا العالية ونصر بن عاصم وعاصما الجحدرى ومالك بن دينار رحمة الله عليهم وقال عدوا حروف القرآن فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير فأجمعوا على أن كلماته سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وأجمعوا على أن عدد حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا انتهى وقال غيره أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك على أقوال فمنهم من لم يزد على ذلك ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات وقيل وأربع عشرة آية وقيل مائتان وتسع عشرة آية وقيل مائتان وخمس وعشرون آية أو ست وعشرون آية وقيل مائتان وست وثلاثون حكى ذلك أبو عمرو الدانى في كتاب البيان وأما كلماته فقال الفضيل بن شاذان عن عطاء بن يسار سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وسبع وثلاثون كلمة وأما حروفه فقال عبد الله بن جبير عن مجاهد ثلاثمائة ألف حرف وأحد وعشرون ألف حرف وقال سلام أبو محمد الحمانى إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو قال فحسبناه فأجمعوا على أنه ثلاثمائة ألف وأربعون ألف وسبعمائة وأربعون حرفا قال فأخبروني عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله

[ 250 ]

في الكهف وليتلطف وثلثه الأول عند رأس مائة من براءة والثانى على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء والثالث إلى آخره وسبعه الأول إلى الدال في قوله فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه والسبع الثاني إلى التاء من قوله في الأعراف حبطت أعمالهم والثالث إلى الألف الثانية من قوله في الرعد أكلها والرابع إلى الألف في الحج من قوله جعلنا منسكا والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب وما كان لمؤمن ولا مؤمنة والسادس إلى الواو من قوله في الفتح الظانين بالله ظن السوء والسابيع عمرو إلى آخر القرآن قال سلام علمنا ذلك في أربعة أشهر قالوا وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن فالأول إلى آخر الأنعام والثانى إلى وليتلطف من سورة الكهف والثالث إلى آخر المؤمن والرابع إلى آخر القرآن وحكى الشيخ أبو عمرو الدانى في كتاب البيان خلافا في هذا كله وأما التحزيب والتجزئة فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الربعات بالمدارس وغيرها وقد أخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن ماجه عن أوس بن حذيفة أنه سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل من ق حتى يختم أسند الزبيدى في كتاب الطبقات عن المبرد أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلى وذكر أيضا أن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر وذكر أبو الفرج

[ 251 ]

أن زياد بن أبى سفيان أمر أبا الأسود أن ينقط المصاحف وذكر الجاحظ في كتاب الأمصار أن نصر بن عاصم أول من نقط المصاحف وكان يقال له نصر الحروف واما وضع الأعشار فقيل إن المأمون العباسي أمر بذلك وقيل إن الحجاج فعل ذلك واعلم أن عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهل الحل والعقد مائة وأربع عشرة سورة كما هي في المصحف العثماني أولها الفاتحة وآخرها الناس وقال مجاهد وثلاث عشرة بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة ويرده تسمية النبي صلى الله عليه وسلم كلا منهما وكان في مصحف ابن مسعود اثنا عشر لم يكن فيها المعوذتان لشبهة الرقية وجوابه رجوعه إليهم وما كتب الكل وفى مصحف أبى ست عشرة وكان دعاء الاستفتاح والقنوت في آخره كالسورتين قبل ولا دليل فيه لموافقتهم وهو دعاء كتب بعد الختمة وعدد آياته في قول على رضى الله عنه ستة آلاف ومائتان وثمان عشرة وعطاء ستة آلاف ومائة وسبع وسبعون وحميد ستة آلاف ومائتان واثنتا عشرة وراشد ستة آلاف ومائتان وأربع وقال حميد الأعرج نصفه يحيى معى صبرا في الكهف وقيل عين تستطيع وقيل ثانى لامى وليتلطف واعلم أن سبب اختلاف العلماء في عد الآى والكلم والحروف أن النبي صلى الله عليه

[ 252 ]

وسلم كان يقف على رءوس الآى للتوقيف فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع أنها ليست فاصلة وأيضا البسملة نزلت مع السورة في بعض الأحرف السبعة فمن قرأ بحرف نزلت فيه عدها ومن قرأ بغير ذلك لم يعدها وسبب الاختلاف في الكلمة أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ورسم واعتبار كل منها جائز وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز وأطول سورة في القرآن هي البقرة وأقصرها الكوثر وأطول آية فيه آية الدين مائة وثمانية وعشرون كلمة وخمسمائة وأربعون حرفا وأقصر آية فيه والضحى ثم والفجر كل كلمة خمسة أحرف تقديرا ثم لفظا ستة رسما لا مدهامتان لأنها سبعة أحرف لفظا ورسما وثمانية تقديرا ولا ثم نظر لأنهما كلمتان خمسة أحرف رسما وكتابة وستة أحرف تقديرا خلافا لبعضهم وأطول كلمة فيه لفظا وكتابة بلا زيادة فأسقينا كموه الرحمن أحد عشر لفظا ثم اقترفتموها وكان عشرة وكذا أنلزمكموها والمستضعفين ثم ليستخلفنهم تسعة لفظا وعشرة تقديرا وأقصرها نحو باء الجر حرف واحد لا أنها حرفان خلافا للدانى فيهما

[ 253 ]

فصل أنصاف القرآن ثمانية قال بعض القراء إن القرآن العظيم له ثمانية أنصاف باعتبار آية فنصفه بالحروف النون من قوله روى في سورة الكهف والكاف من نصفه الثاني ونصفه بالكلمات الدال من قوله والجلود ولم في سورة الحج وقوله تعالى ولهم مقامع من حديد من نصفه الثاني ونصفه بالآيات بين من سورة الشعراء وقوله تعالى فألقى السحرة من نصفه الثاني ونصفه على عدد السور فالأول الحديد والثانى من المجادلة فائدة سئل ابن مجاهد كم في القرآن من قوله إلا غرورا فأجاب في أربعة مواضع من النساء وسبحان والأحزاب وفاطر وسئل الكسائي كم في القرآن آية أولها شين فأجاب أربع آيات شهر رمضان شهد الله شاكرا لأنعمه شرع لكم من

[ 254 ]

الدين وسئل كم آية آخرها شين فأجاب اثنان كالعهن المنفوش لإيلاف قريش وسئل آخر كم حكيم عليم قال خمسة ثلاثة في الأنعام وفى الحجر واحد وفى النحل واحد أكثر ما اجتمع في كتاب الله من الحروف المتحركة ثمانية وذلك في موضعين من سورة يوسف أحدهما إنى رأيت أحد عشر كوكبا فبين واو كوكبا وياء رأيت ثمانية أحرف كلهن متحرك والثانى قوله حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى على قراءة من حرك الياء في قوله أهل وحديث ومثل هذين الموضعين سنشد عضدك بأخيك وفى القرآن سور متواليات كل سورة تجمع حروف المعجم وهو من أول ألم نشرح لك صدرك إلى آخر القرآن وآية واحدة تجمع حروف المعجم قوله تعالى محمد رسول الله الآية وسورة كل آية منها فيها اسمه تعالى وهى سورة المجادلة وفى الحج ستة آيات متواليات في آخر كل واحدة منهن اسمان من أسماء الله تعالى وهى قوله لندخلنهم مدخلا يرضونه

[ 255 ]

وفى القرآن آيات أولها قل يأيها ثلاث قل يأيها الناس إن كنتم في شك من دينى قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم قل يأيها الكافرون وفيه يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم يأيها الإنسان إنك كادح آية في القرآن فيها ستة عشر ميما وهى قيل يا نوح اهبط بسلام الآية وآية فيها ثلاث وثلاثون ميما يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم سورة تزيد على مائة آية ليس فيها ذكر جنة ولا نار سورة يوسف آية فيها الجنة مرتان لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة ثلاث آيات متواليات الأولى رد على المشبهة وعند والأخرى رد على المجبرة والأخرى رد على المرجئة قوله إذ نسويكم برب العالمين رد على المشبهة وما أضلنا إلا المجرمون رد على المجبرة فما لنا من شافعين رد على المرجئة ليس في القرآن حاء بعدها حاء لا حاجز بينهما إلا في موضعين في البقرة عقدة النكاح حتى وفى الكهف لا أبرح حتى

[ 256 ]

ليس فيه كافان في كلمة واحدة لا حرف بينهما إلا في موضعين في البقرة مناسككم وفى المدثر ما سلككم في سقر وأما ما يتعلق بترتيبه فأما الآيات في كل سورة وضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفي بلا شك ولا خلاف فيه ولهذا لا يجوز تعكيسها لأنه قال مكى وغيره ترتيب الآيات في السور هو من النبي صلى الله عليه وسلم ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بلا بسملة وقال القاضى أبو بكر ترتيب الأيات أمر واجب وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا وأسند البيهقى في كتاب المدخل والدلائل عن زيد بن ثابت قال كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن إذ قال طوبى للشام فقيل له ولم قال لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه زاد في الدلائل نؤلف القرآن في الرقاع قال وهذا يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقل فيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم جمع بحضرة أبى بكر الصديق والجمع الثالث وهو ترتيب السور كان بحضرة عثمان واختلف في الحرف الذى كتب عثمان عليه المصحف فقيل حرف زيد بن ثابت وقيل حرف أبى بن كعب لأنه العرضة الأخيرة التى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الأول أكثر الرواة ومعنى حرف زيد أي قراءته وطريقته

[ 257 ]

وفى كتاب فضائل القرآن لأبى عبيد عن أبى وائل قيل لابن مسعود إن فلانا يقرأ القرآن منكوسا فقال ذاك منكوس القلب رواه البيهقى وأما ترتيب السور على ما هو عليه الآن فاختلف هل هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أو من فعل الصحابة أو يفصل في ذلك ثلاثة أقوال مذهب جمهور العلماء منهم مالك والقاضى أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه رأيه من أحد قوليه إلى الثاني وأنه صلى الله عليه وسلم فوض ذلك إلى أمته بعده وذهبت طائفة إلى الأول والخلاف يرجع إلى اللفظ لأن القائل بالثاني يقول إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ولهذا قال الإمام مالك إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله بأن ترتيب السور اجتهاد منهم فآل الخلاف إلى أنه هل ذلك بتوقيف قولى أم بمجرد استناد فعلى وبحيث بقى لهم فيه مجال للنظر فإن قيل فإذا كانوا قد سمعوه منه كما استقر عليه ترتيبه ففى ماذا أعملوا الأفكار وأى مجال بقى لهم بعد هذا الاعتبار قيل قد روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح سورة البقرة فقلت يركع عند المائة ثم مضى فقلت يصلى بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران الحديث فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما فعل هذا إرادة للتوسعة على الأمة وتبيانا لجليل تلك النعمة كان محلا للتوقف حتى استقر النظر على رأى ما كان من فعله الأكثر فهذا محل اجتهادهم في المسألة والقول الثالث مال إليه القاضى أبو محمد بن عطية أن كثيرا من السور كان قد علم ترتيبها في حياته صلى الله عليه وسلم كالسبع الطوال والحواميم والمفصل وأشاروا إلى أن ما سوى ذلك يمكن أن يكون فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده

[ 258 ]

وقال أبو جعفر بن الزبير الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية ويبقى منها قليل يمكن أن يجرى فيه الخلاف أخبرنا كقوله اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران رواه مسلم ولحديث سعيد بن خالد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبع الطوال في ركعة رواه ابن أبى شيبة في مصنفه وفيه أنه عليه الصلاة والسلام كان يجمع المفصل في ركعة وروى البخاري عن ابن مسعود رضى الله عنه قال في بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن من العتاق الأول وهن من تلادى فذكرها نسقا كما استقر ترتيبها وفى صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين وقال أبو جعفر النحاس المختار أن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ذلك عن على بن أبى طالب ثم ساق بإسناده إلى أبى داود الطيالسي يا حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أبى المليح الهذلى عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت مكان التوراة السبع الطول وأعطيت مكان الزبور المئين وأعطيت مكان الإنجيل المثانى وفضلت بالمفصل قال أبو جعفر وهذا الحديث يدل على أن تأليف القرآن مأخوذ عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مؤلف من ذلك الوقت وإنما جمع في المصحف على شئ واحد لأنه قد جاء هذا الحديث بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأليف القرآن وفيه أيضا دليل على أن سورة الأنفال سورة على حدة وليست من براءة قال أبو الحسين أحمد بن فارس في كتاب المسائل الخمس جمع القرآن على ضربين أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين فهذا الضرب هو

[ 259 ]

الذى تولاه الصحابة رضوان الله عليهم وأما الجمع الآخر فضم الآى بعضها إلى بعض وتعقيب القصة بالقصة فذلك شئ تولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر به جبريل عن أمر ربه عز وجل وكذا قال الكرماني في البرهان ترتيب السور هكذا هو عند الله وفى اللوح المحفوظ وهو على هذا الترتيب كان يعرض عليه السلام على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه وعرض عليه في السنة التى توفى فيها مرتين وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله تعالى فأتوا بعشر سور معناه مثل البقرة إلى سور هود وهى العاشرة ومعلوم أن سورة هود مكية وأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعدها وفسر بعضهم قوله ورتل القرآن ترتيلا أي اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم ولا تأخير وجاء النكير على من قرأه معكوسا ولو حلف أن يقرأ القرآن على الترتيب لم يلزم إلا على هذا الترتيب ولو نزل القرآن جملة واحدة كما اقترحوا عليه لنزل على هذا الترتيب وإنما تفرقت سوره وآياته نزولا لحاجة الناس إليها حالة بعد حالة ولأن فيه الناسخ والمنسوخ ولم يكن ليجتمعا نزولا وأبلغ الحكم في تفرقه ما قال سبحانه وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وهذا أصل بنى عليه مسائل كثيرة وقال القاضى أبو بكر بن الطيب فإن قيل قد اختلف السلف في ترتيب القرآن فمنهم من كتب في المصحف السور على تاريخ نزولها وقدم المكى على المدنى ومنهم جعل من أوله اقرأ باسم ربك وهو أول مصحف على وأما مصحف ابن مسعود فأوله مالك يوم الدين ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف وفى مصحف أبى كان أوله الحمد

[ 260 ]

ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم الأعراف ثم المائدة على اختلاف شديد فالجواب أنه يحتمل أن يكون ترتيب السور على ما هي عليه اليوم على وجه الاجتهاد من الصحابة رضى الله عنهم وذكر ذلك مكى في سورة براءة وأن وضع البسملة في الأول هو من النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو بكر بن الأنباري أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرق في بضع وعشرين فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابا لمستخبر ويقف جبريل النبي صلى الله عليه وسلم على موضع السورة والآية فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم لآيات قال القاضى أبو بكر ومن نظم السور على المكى والمدنى لم يدر أين يضع الفاتحة لاختلافهم في موضع نزولها ويضطر إلى تأخير الآية في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به تنبيه ترتيب وضع السور في المصحف لترتيب وضع السور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفي صادر عن حكيم أحدها بحسب الحروف كما في الحواميم وثانيها لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة وثالثها للوزن في اللفظ كآخر تبت وأول الإخلاص ورابعها لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى مثل والضحى وألم نشرح قال بعض الأئمة وسورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية

[ 261 ]

وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين وآل عمران مكملة لمقصودها فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ولهذا قرن فيها ذكر المتشابه منها بظهور الحجة والبيان فإنه نزل أولها في آخر الأمر لما قدم وفد نجران النصارى وآخرها يتعلق بيوم أحد والنصارى تمسكوا بالمتشابه فأجيبوا عن شبههم بالبيان ويوم أحد تمسك الكفار بالقتال فقوبلوا بالبيان وبه يعلم الجواب لمن تتبع المتشابه من القول والفعل وأوجب الحج في آل عمران وأما في البقرة فذكر أنه مشروع وأمر بتمامه بعد الشروع فيه ولهذا ذكر البيت والصفا والمروة وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر لأن التوراة أصل والإنجيل فرع لها والنبى صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ولهذا كانت السور المكية فيها الدين الذى اتفق عليه الأنبياء فخوطب بها جميع الناس والسور المدنية فيها خطاب من أقر بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين فخوطبوا يا أهل الكتاب يا بنى إسرائيل وأما سورة النساء فتتضمن جميع أحكام الأسباب التى بين الناس وهي نوعان محلوقة لله تعالى ومقدورة لهم كالنسب والصهر ولهذا افتتحها الله بقوله ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ثم قال واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وبين الذين يتعاهدون ويتعاقدون فيما بينهم وما تعلق بذلك من أحكام الأموال والفروج والمواريث ومنها العهود التي حصلت بالرسالة والتي أخذها الله على الرسل وأما المائدة فسورة العقود وبهن تمام الشرائع قالوا وبها تم الدين فهي سورة

[ 262 ]

التكميل بها ذكر الوسائل كما في الأنعام والأعراف ذكر المقاصد كالتحليل والتحريم كتحريم الدماء والأموال وعقوبة المعتدين وتحريم الخمر من تمام حفظ العقل والدين وتحريم الميتة والدم والمنخنقة وتحريم الصيد على المحرم من تمام الإحرام وإحلال الطيبات من تمام عبادة الله ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كالوضوء والحكم بالقرآن فقال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وذكر أنه من ارتد عوض الله بخبر منه ولا يزال هذا الدين كاملا ولهذا قيل إنها آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات البقرة وآل عمران والنساء والمائدة من أحسن الترتيب وهو ترتيب المصحف العثماني وإن كان مصحف عبد الله بن مسعود قدمت فيه سورة النساء على آل عمران وترتيب بعضها بعد بعض ليس هو إمر أوجبه الله بل أمر راجع إلى اجتهادهم واختيارهم ولهذا كان لكل مصحف ترتيب ولكن ترتيب المصحف العثماني أكمل وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصحف لئلا يفضى إلى تغييره كل وقت فلهذا تأخرت كتابتة إلى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم فكتب أبو بكر والصحابة بعده ثم نسخ عثمان المصاحف التي بعث بها إلى الأمصار فائدة سبب سقوط البسملة أول براءة لو اختلف في السبب في سقوط البسملة أول براءة فقيل كان من شأن العرب في الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا ولم يكتبوا فيه

[ 263 ]

البسملة فلما نزلت براءة بنقص العهد الذي كان للكفار قرأها عليهم على ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم ولكن في صحيح الحاكم أن عثمان رضي الله عنه قال كانت الأنفال من أوائل ما نزل وبراءة من آخره وكانت قصتها شبيها بقصتها وقضى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها وظننا أنها منها ثم فرقت بينهما ولم أ كتب بينهما البسملة وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت البسملة وقد قيل إنها كانت تعدل البقرة لطولها وقيل لأنه لما كتبوا المصاحف في زمن عثمان اختلفوا هل هما سورتان أو الأنفال سورة وبراءة سورة تركت البسملة بينهما وفى مستدرك الحاكم أيضا عن ابن عباس سألت عليا عن ذلك فقال لأن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان قال القشيرى والصحيح أن البسملة لم تكن فيها لأن جبريل عليه السلام ما نزل بها فيها فائدة في بيان لفظ السورة لغة واصطلاحا قال القتيبى السورة تهمز ولا تهمز فمن همزها جعلها من أسأرت أي أفضلت من السور وهو ما بقى من الشراب في الإناء كأنها قطعة من القرآن ومن لم يهمزها جعلها من المعنى المتقدم وسهل همزتها ومنهم من شبهها بسور البناء أي القطعة منه أي منزلة بعد منزلة

[ 264 ]

وقيل من سور المدينة لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور ومنه السوار لإحاطته بالساعد وعلى هذا فالواو أصلية ويحتمل أن تكون من السورة بمعنى المرتبة لأن الآيات مرتبة في كل سورة ترتيبا مناسبا وفى ذلك حجة لمن تتبع الآيات بالمناسبات وقال ابن جنى في شرح منهوكة أبى نواس إنما سميت سورة لإرتفاع قدرها لأنها كلام الله تعالى وفيها معرفة الحلال والحرام ومنه رجل سوار أي معربد يكون لأنه يعلو بفعله ويشتط ويقال أصلها من السورة وهى الوثبة تقول سرت إليه وثرت إليه وجمع سورة القرآن سور بفتح الواو وجمع سورة البناء سور بسكونها وقيل هو بمعنى العلو ومنه قوله تعالى إذ تسوروا المحراب نزلوا عليه من علو فسميت القراءة به لتركب بعضها على بعض وقيل لعلو شأنه وشأن قارئه ثم كره بعضهم أن يقال سورة كذا والصحيح جوازه ومنه قول ابن مسعود هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة وأما في الاصطلاح فقال الجعبرى حد السورة قرآن يشتمل على آى ذوات فاتحة وخاتمة وأقلها ثلاث آيات فإن قيل فما الحكمة في تقطيع القرآن سورا قلت هي الحكمة في تقطيع السور آيات معدودات لكل آية حد ومطلع حتى تكون كل سورة بل كل آية فنا مستقلا وقرآنا معتبرا وفى تسوير السورة تحقيق لكون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله تعالى وسورت السور طوالا وقصارا وأوساطا تنبيها على أن الطول ليس من شرط الإعجاز فهذه سورة الكوثر ثلاث آيات وهى معجزة إعجاز سورة البقرة ثم ظهرت لذلك حكمة في التعليم وتدريج الأطفال من السور القصار إلى

[ 265 ]

ما فوقها يسيرا يسيرا تيسيرا من الله على عباده لحفظ كتابه فترى الطفل يفرح بإتمام السورة فرح من حصل على حد معتبر وكذلك المطيل مع في التلاوة يرتاح عند ختم كل سورة ارتياح المسافر إلى قطع المراحل المسماة مرحلة بعد مرحلة أخرى إلى أن كل سورة نمط مستقل فسورة يوسف تترجم عن قصته وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وكامن أسرارهم وغير ذلك فإن قلت فهلا كانت الكتب السالفة كذلك قلت لوجهين أحدهما أنها لم تكن معجزات من ناحية النظم والترتيب والآخر أنها لم تيسر للحفظ وقال الزمخشري الفوائد في تفصيل القرآن وتقطيعه سورا كثيرة وكذلك أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وما أوحاه إلى أنبيائه مسورة وبوب المصنفون في كتبهم أبوابا موشحة الصدور بالتراجم منها أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع وأصناف كان أحسن وأفخم من أن يكون بابا واحدا ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخره كان أنشط له وأبعث على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله ومثله المسافر إذا قطع ميلا أو فرسخا وانتهى إلى رأس برية نفس ذلك منه ونشطه للمسير ومن ثمة جزئ القرآن أجزاء وأخماسا ومنها أن الحافظ إذا حذق السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة فيعظم عنده ما حفظه ومنه حديث أنس كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل فينا ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة أفضل ومنها أن التفصيل يسبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض وبذلك تتلاحظ سعيد المعاني والنظم إلى غير ذلك من الفوائد

[ 266 ]

فائدة في بيان معنى الآية لغة واصطلاحا أما الآية فلها في اللغة ثلاثة معان أحدها جماعة الحروف قال أبو عمرو الشيباني تقول العرب خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم ثانيها الآية العجب تقول العرب فلان آية في العلم وفى الجمال قال الشاعر: آية في الجمال ليس له في ال‍ * حسن شبه وما له من نظير فكأن كل آية عجب في نظمها والمعاني المودعة فيها ثالثها العلامة تقول العرب خربت دار فلان وما بقى فيها آية أي علامة فكأن كل آية في القرآن علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم واختلف في وزنها فقال سيبويه فعلة بفتح العين وأصلها أيية تحركت الياء وانفتح ما قبلها فجاءت آية وقال الكسائي أصلها آيية على وزن فاعلة حذفت الياء الأولى مخافة أن يلتزم فيها من الإدغام ما لزم في دابة وأما في الاصطلاح فقال الجعبرى في كتاب المفرد في معرفة العدد حد الآية قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ذو مبدأ ومقطع مندرج في سورة وأصلها العلامة ومنه إن آية ملكه لأنها علامة للفضل والصدق أو الجماعة لأنها جماعة كلمة وقال غيره الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها

[ 267 ]

وقيل هي الواحدة من المعدودات في السور سميت به لأنها علامة على صدق من أتى بها وعلى عجز المتحدي بها وقيل لأنها علامة انقطاع ما قبلها من الكلام وانقطاعها عما بعدها قال الواحدى وبعض أصحابنا يجوز على هذا القول تسمية أقل من الآية آية لولا أن التوقيف ورد بما هي عليه الآن وقال ابن المنير في البحر ليس في القرآن كلمة واحدة آية إلا مدهامتان وقال بعضهم الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه كمعرفة السورة فالآية طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف انقطاعها معنى عن الكلام الذى بعدها في أول القرآن وعن الكلام الذى قبلها في آخر القرآن وعن الكلام الذى قبلها والذى بعدها في غيرهما غير مشتمل على مثل ذلك قال وبهذا القيد خرجت السورة وقال الزمخشري الآيات علم توقيف لا مجال للقياس فيه فعدوا آلم آية حيث وقعت من السورة المفتتح بها وهى ست وكذلك المص آية وآلمر لم تعد آية وآلر ليست بآية في سورها الخمس وطسم آية في سورتيها وطه وآيتان وليست بآية وآية في سورها كلها حم وعسق آيتان وآية واحدة وو ون بكر ثلاثتها لم تعد آية هذا مذهب الكوفيين ومن عداهم لم يعدوا شيئا منها آية

[ 268 ]

وقال بعضهم إنما عدوا آية ولم يعدوا لأن تشبه المفرد كقابيل في الزنة والحروف وتشبه الجملة من جهة أن أوله ياء وليس لنا مفرد أوله ياء وقال القاضى أبو بكر بن العربي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة سبع آيات وسورة الملك ثلاثون آية وصح أنه قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران قال وتعديد الآى من مفصلات القرآن ومن آياته طويل وقصير ومنه ما ينقطع ومنه ما ينتهى إلى تمام الكلام ومنه ما يكون في أثنائه كقوله أنعمت عليهم على مذهب أهل المدينة فإنهم يعدونها آية وينبغى أن يعول في ذلك على فعل السلف وأما الكلمة فهى اللفظة الواحدة وقد تكون على حرفين مثل ما ولى وله ولك وقد تكون أكثر وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل ليستخلفنهم وأنلزمكموها قد وفأسقيناكموه وفي وقد تكون الكلمة آية مثل والفجر والضحى والعصر كل وكذلك وطه و في قول الكوفيين وعسق عندهم كلمتان وغيرهم لا يسمى هذه آيات بل يقول هذه فواتح لسور وقال أبو عمرو الدانى لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله في سورة الرحمن

[ 269 ]

خاتمة في تعدد أسماء السور قد يكون للسورة اسم وهو كثير وقد يكون لها اسمان كسورة البقرة يقال لها فسطاط القرآن لعظمها وبهائها وآل عمران يقال اسمها في التوراة طيبة حكاه النقش والنحل تسمى سورة النعم لما عدد الله فيها من النعم على عباده وسورة عسق وتسمى الشورى وسورة الجاثية وتسمى الشريعة وسورة محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى القتال وقد يكون لها ثلاثة أسماء كسورة المائدة والعقود والمنقذة وروى ابن عطية فيه حديثا وكسورة غافر والطول والمؤمن لقوله وقال رجل مؤمن وقد يكون لها أكثر من ذلك كسورة براءة والتوبة والفاضحة والحافرة لأنها حفرت عن قلوب المنافقين قال ابن عباس ما زال ينزل حتى ظننا أنه لا يبقى أحد إلا ذكر فيها وقال حذيفة هي سورة العذاب وقال ابن عمر كنا ندعوها المشقشقة وقال الحارث بن يزيد كانت تدعى المبعثرة ويقال لها المسورة ويقال لها البحوث وكسورة الفاتحة ذكر بعضهم لها بضعة وعشرين اسما الفاتحة وثبت في الصحيحين وأم الكتاب وأم القرآن وثبتا في صحيح مسلم وحكى ابن عطية كراهية تسميتها عن قوم والسبع المثانى والصلاة ثبتا في صحيح مسلم والحمد رواه الدارقطني

[ 270 ]

وسميت مثانى لأنها تثنى في الصلاة أو أنزلت مرتين والوافية بالفاء لأن تبعيضها لا يجوز ولاشتمالها على المعاني التى في القرآن والكنز لما ذكرنا والشافية والشفاء والكافية والأساس وينبغى البحث عن تعداد الأسامى هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات فإن كان الثاني فلن يعدم الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضي اشتقاق أسمائها وهو بعيد خاتمة أخرى في اختصاص كل سورة بما سميت ينبغى النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميت به ولا شك أن العرب تراعى في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستعرب يكون في الشئ من خلق أو صفة تخصه أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائى للمسمى ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز كتسمية سورة البقرة بهذا الأسم لقرينه ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها وسميت سورة النساء بهذا الاسم لما تردد فيها من كثير من أحكام النساء وتسمية سورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل أحوالها وإن كان قد ورد لفظ الأنعام في غيرها إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى ومن الأنعام حمولة وفرشا إلى قوله أم كنتم شهداء لم يرد في غيرها

[ 271 ]

كما ورد ذكر النساء في سور إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرد في غير سورة النساء وكذا سورة المائدة لم يرد ذكر المائدة في غيرها فسميت بما يخصها فإن قيل قد ورد في سورة هود ذكر نوح وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام فلم تختص باسم هود وحده وما وجه تسميتها به وقصة نوح فيها أطول وأوعب قيل تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هود والشعراء بأوعب مما وردت في غيرها ولم يتكرر في واحدة من هذه السور الثلاث اسم هود عليه السلام كتكرره في هذه السورة فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته في أربعة مواضع والتكرار من أقوى الأسباب التى ذكرنا وإن قيل فقد تكرر اسم نوح في هذه السورة في ستة مواضع فيها وذلك أكثر من تكرار اسم هود قيل لما جردت لذكر نوح وقصته مع قومه سورة برأسها فلم يقع فيها غير ذلك كانت أولى بأن تسمى باسمه عليه السلام من سورة تضمنت قصته وقصة غيره وأن تكرر اسمه فيها أما هود فكانت أولى السور بأن تسمى باسمه عليه السلام واعلم أن تسمية سائر سور القرآن يجرى فيها من رعى التسمية ما ذكرنا وانظر سورة ق لما تكرر فيها من ذكر الكلمات بلفظ القاف ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدة بما وليته حتى لم تكن لترد في موضع ولا ولا في موضع لا سيما إذا قلنا إنها أعلام لها وأسماء عليها وكذا وقع في كل سورة منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها ويوضحه أنك إذا ناظرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدت الحروف المفتتح بها تلك السورة إفرادا وتركيبا أكثر عددا في كلماتها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها فإن لم تجد بسورة منها ما يماثلها في عدد كلمها ففى اطراد ذلك في المماثلات مما

[ 272 ]

يوجد له النظير ما يشعر بأن هذه لو وجد ما يماثلها لجرى على ما ذكرت لك وقد اطرد هذا في أكثرها فحق لكل سورة منها ألا يناسبها غير الوارد فيها فلو وضع موضع من سورة لم يمكن لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله تعالى وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها مائتا كلمة وعشرون أو نحوها فلهذا افتتحت ب وأقرب السور إليها مما يماثلها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة سورة النحل وهى أطول منها مما يركب على من كلمها مائتا كلمة مع زيادتها في الطول عليها فلذلك وردت الحروف المقطعة في أولها

[ 273 ]

الخامس عشر معرفة أسمائه واشتقاقاتها أسماء القرآن وقد صنف في ذلك الحر الى جزءا وأنهى أساميه إلى نيف وتسعين وقال القاضى أبو المعالى عزيزى بن عبد الملك رحمه الله اعلم أن الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسما سماه كتابا فقال حم والكتاب المبين وسماه قرآنا فقال إنه لقرآن كريم الآية وسماه كلاما فقال حتى يسمع كلام الله وسماه نورا فقال وأنزلنا إليكم نورا مبينا وسماه هدى فقال هدى ورحمة للمحسنين وسماه رحمة فقال قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وسماه فرقانا فقال تبارك الذى نزل الفرقان على عبده الآية وسماه شفاء فقال وننزل من القرآن ما هو شفاء وسماه موعظة فقال قد جاءتكم موعظة من ربكم

[ 274 ]

وسماه ذكرا فقال وهذا ذكر مبارك أنزلناه وسماه كريما فقال إنه لقرآن كريم وسماه عليا فقال وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم وسماه حكمة فقال حكمة بالغة وسماه حكيما فقال آلر تلك آيات الكتاب الحكيم وسماه مهيمنا فقال مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وسماه مباركا فقال كتاب أنزلناه إليك مبارك الآية وسماه حبلا فقال واعتصموا بحبل الله جميعا وسماه الصراط المستقيم فقال وأن هذا صراطي مستقيما وسماه القيم فقال ولم يجعل له عوجا قيما وسماه فصلا فقال إنه لقول فصل وسماه نبأ عظيما فقال عم يتساءلون عن النبأ العظيم وسماه أحسن الحديث فقال الله نزل أحسن الحديث الآية وسماه تنزيلا فقال وإنه لتنزيل رب العالمين وسماه روحا فقال وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا

[ 275 ]

وسماه وحيا فقال إنما أنذركم بالوحى وسماه المثانى فقال ولقد آتيناك سبعا من المثانى وسماه عربيا فقال قرآنا عربيا قال ابن عباس غير مخلوق وسماه قولا فقال ولقد وصلنا لهم القول وسماه بصائر فقال هذا بصائر للناس وسماه بيانا فقال هذا بيان للناس وسماه علما فقال ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم وسماه حقا فقال إن هذا لهو القصص الحق وسماه الهادى فقال إن هذا القرآن يهدى وسماه عجبا فقال قرآنا عجبا يهدى وسماه تذكرة فقال وإنه لتذكرة وسماه بالعروة الوثقى فقال فقد استمسك بالعروة الوثقى وسماه متشابها فقال كتابا متشابها وسماه صدقا فقال والذى جاء بالصدق أي بالقرآن وسماه عدلا فقال وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا

[ 276 ]

وسماه إيمانا فقال سمعنا مناديا ينادى للإيمان وسماه أمرا فقال ذلك أمر الله وسماه بشرى فقال هدى وبشرى وسماه مجيدا فقال بل هو قرآن مجيد وسماه زبورا فقال ولقد كتبنا في الزبور الآية وسماه مبينا فقال آلر تلك آيات الكتاب المبين وسماه بشيرا ونذيرا فقال بشيرا ونذيرا فأعرض وسماه عزيزا فقال وإنه لكتاب عزيز وسماه بلاغا فقال هذا بلاغ للناس وسماه قصصا فقال أحسن القصص وسماه أربعة أسامي في آية واحدة فقال في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة انتهى تفسير هذه الأسامى فأما الكتاب فهو مصدر كتب يكتب كتابة وأصلها الجمع وسميت الكتابة لجمعها الحروف فاشتق الكتاب لذلك لأنه يجمع أنواعا من القصص والآيات والأحكام والأخبار على أوجه مخصوصة ويسمى المكتوب كتابا مجازا قال الله تعالى في كتاب

[ 277 ]

مكنون أي اللوح المحفوظ والكتابة حركات تقوم بمحل قدرة الكاتب خطوط موضوعة مجتمعة تدل على المعنى المقصود وقد يغلط الكاتب فلا تدل على شئ وأما القرآن فقد اختلفوا فيه فقيل هو اسم غير مشتق من شئ بل هو اسم خاص بكلام الله وقيل مشتق من القرى وهو الجمع ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته قاله الجوهرى وغيره وقال الراغب لا يقال لكل جمع قرآن ولا لجمع كل كلام قرآن ولعل مراده بذلك في العرف والاستعمال لا أصل اللغة وقال الهروي كل شئ جمعته فقد قرأته وقال أبو عبيد سمى القرآن قرآنا لأنه جمع السور بعضها إلى بعض وقال الراغب سمى قرآنا لكونه جمع ثمرات الكتب المنزلة السابقة وقيل لأنه جمع أنواع العلوم كلها بمعان كما قال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شئ وقال بعض المتأخرين لا يكون القرآن وقرأ مادته بمعنى جمع لقوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فغاير بينهما وإنما مادته قرأ بمعنى أظهر وبين والقارئ يظهر القرآن ويخرجه والقرء الدم لظهوره وخروجه والقرء الوقت فإن التوقيت لا يكون إلا بما يظهر وقيل سمى قرآنا لأن القراءة عنه والتلاوة منه وقد قرئت بعضها عن بعض وفى تاريخ بغداد للخطيب في ترجمة الشافعي قال وقرأت القرآن على إسماعيل

[ 278 ]

ابن قسطنطين وكان يقول القران اسم وليس مهموزا ولم يؤخذ من قرأت ولو أخذ من قرأت لكان كل ما قرئ قرآنا ولكنه اسم للقرآن مثل التوراة والإنجيل يهمز قرأت ولا يهمز القران وقال الواحدى كان ابن كثير يقرأ بغير همز وهى قراءة الشافعي أيضا قال البيهقى كان الشافعي يهمز قرأت ولا يهمز القران ويقول هو اسم لكتاب الله غير مهموز قال الواحدى قول الشافعي هو اسم لكتاب الله يعنى أنه اسم علم غير مشتق كما قاله جماعة من الأئمة وقال وذهب آخرون إلى أنه مشتق من قرنت الشئ بالشئ إذا ضممته إليه فسمى بذلك لقرآن السور والآيات والحروف فيه ومنه قيل للجمع بين الحج والعمرة قران قال وإلى هذا المعنى ذهب الأشعري وقال القرطبى القران بغير همز مأخوذ من القرائن لأن الآيات منه يصدق بعضها بعضا ويشابه بعضها بعضا فهى حينئذ قرائن قال الزجاج وهذا القول سهو والصحيح أن ترك الهمز فيه من باب التخفيف ونقل حركة الهمزة إلأى الساكن قبلها وهذا ما أشار إليه الفارسى في الحلبيات وقوله إن علينا جمعه وقرآنه أي جمعه في قلبك حفظا وعلى لسانك تلاوة وفى سمعك فهما وعلما ولهذا قال بعض أصحابنا إن عند قراءة القارئ تسمع قراءته المخلوقة ويفهم منها كلام الله القديم وهذا معنى قوله لا تسمعوا لهذا القرآن أي

[ 279 ]

لا تفهموا ولا تعقلوا لأن السمع الطبيعي يحصل للسامع شاء أو أبى وأما الكلام فمشتق من التأثير يقال كلمة إذا أثر فيه بالجرح فسمى الكلام كلاما لأنه يؤثر في ذهن السامع فائدة لم تكن عنده وأما النور فلأنه يدرك به غوامض الحلال والحرام وأما تسميته هدى فلأن فيه دلالة بينة إلى الحق وتفريقا بينه وبين الباطل وأما تسميته ذكرا فلما فيه من المواعظ والتحذير وأخبار الأمم الماضية وهو مصدر ذكرت ذكرا والذكر الشرف قال تعالى لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أي شرفكم وأما تسميته تبيانا فلأنه بين فيه أنواع الحق وكشف أدلته أما تسميته بلاغا فلأنه لم يصل إليهم حال أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وإبلاغه إليهم إلا به وأما تسميته مبينا فلأنه أبان وفرق بين الحق والباطل وأما تسميته بشيرا ونذيرا فلأنه بشر بالجنة وأنذر من النار وأما تسميته عزيزا أي يعجز ويعز على من يروم أن يأتي بمثله فيتعذر ذلك عليه لقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن الآية والقديم لا يكون له مثل إنما المراد أن يأتوا بمثل هذا الإخبار والقراءة بالوضع البديع وقيل المراد بالعزيز نفى المهانة عن قارئه إذا عمل به

[ 280 ]

وأما تسميته فرقانا فلأنه فرق بين الحق والباطل والمسلم والكافر والمؤمن والمنافق وبه سمى عمر بن الخطاب الفارق وأما تسميته مثانى فلأن فيه بيان قصص الكتب الماضية فيكون البيان ثانيا للأول الذى تقدمه فيبين الأول الثاني وقيل سمى مثانى لتكرار الحكم والقصص والمواعظ فيه وقيل إنه اسم الفاتحة وحدها وأما تسميته وحيا ومعناه تعريف الشئ خفية سواء كان بالكلام كالأنبياء والملائكة أو بإلهام كالنحل وإشارة النمل فهو مشتق من الوحى والعجلة لأن فيه إلهاما بسرعة وخفية وأما تسميته حكيما فلأن آياته أحكمت بذكر الحلال والحرام فأحكمت عن الإتيان بمثلها ومن حكمته أن علامته من علمه وعمل به ارتدع عن الفواحش وأما تسميته مصدقا فإنه صدق الأنبياء الماضين أو كتبهم قبل أن تغير وتبدل وأما تسميته مهيمنا فلأنه الشاهد للكتب المتقدمة بأنها من عند الله وأما تسميته بلاغا فلأنه كان في الإعلام والإبلاغ وأداء الرسالة وأما تسميته شفاء فلأنه من آمن به كان له شفاء من سقم الكفر ومن علمه وعمل به كان له شفاء من سقم الجهل وأما تسميته رحمة فإن من فهمه وعقله كان رحمة له وأما تسميته قصصا فلأن فيه قصص الأمم الماضين وأخبارهم وأم تسميته مجيدا والمجيد الشريف فمن شرفه أنه حفظ عن التغيير والتبديل

[ 281 ]

والزيادة والنقصان وجعله معجزا في نفسه عن أن يؤتى بمثله وأما تسميته تنزيلا فلأنه مصدر نزلته لأنه منزل من عند الله على لسان جبريل لأن الله تعالى أسمع جبريل كلامه وفهمه إياه كما شاء من غير وصف ولا كيفية نزل به على نبيه فأداه هو كما فهمه وعلمه وأما تسميته بصائر فلأنه مشتق من البصر والبصيرة وهو جامع لمعاني أغراض المؤمنين كما قال تعالى ولا رطب ولا يابس وأما تسميته ذكرى فلأنه ذكر للمؤمنين ما فطرهم الله عليه من التوحيد وأما قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر فالمراد بالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء لا يختص بزبور داود والذكر أم الكتاب الذى من عند الله تعالى وذكر الشيخ شهيب الدين أبو شامة في المرشد الوجيز في قوله تعالى ورزق ربك خير وأبقى قال يعنى القرآن وقال السخاوى يعنى ما رزقك الله من القرآن خير مما رزقهم من الدنيا فائدة ذكر المظفرى في تاريخه لما جمع أبو بكر القرآن قال سموه فقال بعضهم

[ 282 ]

سموه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم سموه السفر فكرهوه من يهود فقال ابن مسعود رأيت للحبشة كتابا يدعونه المصحف فسموه به فائدة قال الحافظ أبو طاهر السلفي سمعت أبا الكرم النحوي ببغداد وسئل كل كتاب له ترجمة فما ترجمة كتاب الله فقال هذا بلاغ للناس ولينذروا به

[ 283 ]

النوع السادس معرفة ما وقع من غير لغة أهل الحجاز من قبائل العرب قد تقدم في النوع الحادى عشر الإشارة إلى الخلاف في ذلك والمعروف أنه بلغة قريش وحكى عن أبى الأسود الديلى أنه نزل بلسان الكعبين كعب بن لؤى جد قريش وكعب بن عمرو جد خزاعة فقال له خالد بن سلمة إنما نزل بلسان قريش ولسان خزاعة وذلك أن الدار كانت واحدة وقال أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن عن ابن عباس رضى الله عنهما نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة قيل وكيف ذاك قال لأن الدار واحدة قال أبو عبيد يعنى أن خزاعة جيران قريش فأخذوا بلغتهم وأما الكلبى فإنه روى عن أبى صالح عن ابن عباس قال نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن قال أبو عبيد العجز هم سعد بن بكر وجشم ابن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وهذه القبائل هي التى يقال لها عليا هوازن وهم الذين قال فيهم أبو عمرو بن العلاء أفصح العرب عليا و هوازن وسفلى تميم فهذه عليا هوازن وأما سفلى تميم فبنو دارم وقال أبو ميسرة بكل لسان وقيل إن فيه من كل لغات العرب ولهذا قال الشافعي

[ 284 ]

في الرسالة لا نعلمه يحيط باللغة إلا نبى قال الصيرفى يريد من بعث بلسان جماعة العرب حتى يخاطبها به قال وقد فضل الفراءلغة قريش على سائر اللغات وزعم أنهم يسمعون كلام العرب فيختارون من كل لغة أحسنها فصفا كلامهم وذكر قبح عنعنة تميم وكشكشة فلا ربيعة وعجرفة منه قيس وذكر أن عمر رضى الله عنه قال يا رسول الله إنك تأتينا بكلام من كلام العرب وما نعرفه ولنحن العرب حقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربى علمني فتعلمت وأدبني فتأدبت قال الصيرفى ولست أعرف إسناد هذا الحديث وإن صح فقد دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف ألسنة العرب وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد قول من قال نزل بلغة قريش معناه عندي في الأغلب لأن لغة غير قريش موجودة في جميع القرآن من تحقيق الهمزة ونحوها وقريش لا تهمز وقد روى الأعمش عن أبى صالح عن ابن عباس قال أنزل القرآن على سبعة أحرف صار في عجز هوازن منها خمسة وقال أبو حاتم خص هؤلاء دون ربيعة وسائر العرب لقرب جوارهم من مولد

[ 285 ]

النبي صلى الله عليه وسلم ومنزل الوحى وإنما ربيعة ومضر أخوان قال وأحب الألفاظ واللغات إلينا أن نقرأ بها لغات قريش ثم أدناهم من بطون مضر وقال الشيخ جمال الدين بن مالك أنزل الله القرآن بلغة الحجازيين إلا قليلا فإنه نزل بلغة التميميين فمن القليل إدغام ومن يشاق الله في الحشر ومن يرتد منكم عن دينه في قراءة غير نافع وابن عامر فإن الإدغام في المجزوم والاسم المضاعف لغة تميم ولهذا قل والفك لغة أهل الحجاز ولهذا كثر نحو ومن يرتدد منكم عن دينه وليملل وليه ويحببكم الله ويمددكم ومن يشاقق في النساء والأنفال ومن يحادد الله فليمدد: واحلل عقدة واشدد به أزرى ومن يحلل عليه غضبى قال وأجمع القراء على نصب إلا اتباع الظن لأن لغة الحجازيين

[ 286 ]

التزام النصب في المنقطع وإن كان بنو تميم يتبعون كما أجمعوا على نصب ما هذا بشرا لأن القرآن نزل بلغة الحجازيين وزعم الزمخشري أن قوله تعالى قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله أنه استثناء منقطع جاء على لغة تميم ثم نازعه في ذلك

[ 287 ]

النوع السابع عشر ما فيه من غير لغة العرب اعلم أن القرآن أنزله الله بلغة العرب فلا يجوز قراءته وتلاوته إلا بها لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا الآية يدل على أنه ليس فيه غير العربي لأن الله تعالى جعله معجزة شاهدة لنبيه عليه الصلاة والسلام ودلالة قاطعة لصدقه وليتحدى غير العرب العرباء به ويحاضر البلغاء والفصحاء والشعراء بآياته فلو اشتمل على غير لغة العرب لم تكن له فائدة هذا مذهب الشافعي وهو قول جمهور العلماء منهم أبو عبيدة ومحمد بن جرير الطبري والقاضى أبو بكر بن الطيب في كتاب التقريب وأبو الحسين بن فارس اللغوى وغيرهم وقال الشافعي في الرسالة في باب البيان الخامس ما نصه وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة له فقال قائل منهم إن في القرآن عربيا وأعجميا والقرآن يدل على أنه ليس في كتاب الله شئ إلا بلسان العرب ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدا له وتركا للمسألة له عن حجته ومسألة غيره ممن خالفه وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم هذا كلامه وقال أبو عبيدة فيما حكاه ابن فارس إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين فمن زعم أن فيه غير العربية فقد أعظم القول ومن زعم أكذا بالنبطية فقد أكبر القول قال

[ 288 ]

ومعناه أتى بأمر عظيم وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شئ لتوهم م توهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها وفى ذلك ما فيه وإن كان كذلك فلا وجه لقول من يجيز القراءة في الصلاة بالفارسية لأنها ترجمة غير معجزة وإذا جاز ذلك لجازت الصلاة بكتب التفسير وهذا لا يقول به أحد انتهى وممن نقل عنه جواز القراءة بالفارسية أبو حنيفة لكن صح رجوعه عن ذلك ومذهب ابن عباس وعكرمة وغيرهما أنه وقع في القرآن ما ليس من لغتهم فمن ذلك الطور جبل بالسريانية وطفقا أي قصدا بالرومية والقسط والقسطاس العدل بالرومية هدنا إليك تبنا بالعبرانية والسجل الكتاب بالفارسية والرقيم اللوح بالرومية والمهل عكر الزيت بلسان أهل المغرب والسندس الرقيق من الستر بالهندية والإستبرق الغليظ بالفارسية بحذف القاف السرى النهر الصغير باليونانية طه أي طأ يا رجل بالعبرانية يصهر أي ينضج بلسان أهل المغرب سينين الحسن بالنبطية المشكاة الكوة بالحبشية وقيل الزجاجة تسرج الدرى المضئ بالحبشية الأليم المؤلم بالعبرانية ناظرين إناه أي نضجه بلسان أهل المغرب الملة الآخرة أي الأولى بالقبطية والقبط يسمون الآخرة الأولى والأولى الآخرة وراءهم ملك أي أمامهم

[ 289 ]

بالقبطية اليم البحر بالقبطية بطائنها ظواهرها بالقبطية الأب الحشيش بلغة أهل المغرب إن ناشئة الليل قال ابن عباس نشأ بلغة الحبشة قام من الليل كفلين من رحمته قال أبو موسى الأشعري رضى الله عنه ضعفين بلغة الحبشة القسورة الأسد بلغة الحبشة واختار الزمخشري أن التوراة والإنجيل أعجميان ورجح ذلك بقراءة الأنجيل بالفتح ثم اختلفوا فقال الطبري هذه الأمثلة المنسوبة إلى سائر اللغات إنما اتفق فيها أن تتوارد اللغات فتكلمت بها العرب والفرس والحبشة بلفظ واحد وحكاه ابن فارس عن أبى عبيد وقال ابن عطية بل كان للعرب العاربة التى نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسن بتجارات وبرحلتى أحمد قريش وبسفر مسافرين كسفر أبى عمرو إلى الشام وسفر عمر بن الخطاب وكسفر عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وكسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها وجرت في تخفيف ثقل العجمة واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن فإن جهلها عربي فكجهله الصريح بما في لغة غيره وكما لم يعرف ابن عباس معنى فاطر إلى غير ذلك قال فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية لكن استعملتها العرب وعربتها فهى عربية بهذا الوجه

[ 290 ]

قال وما ذهب إليه الطبري من أن اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد بل إحداهما أصل والأخرى فرع في الأكثر لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاقات إلا قليلا شاذا وقال القاضى أبو المعالى عزيزى بن عبد الملك إنما وجدت هذه في كلام العرب لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا ويجوز أن يكون العرب قد سبقها غيرهم إلى هذه الألفاظ وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كافة الخلق قال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه وحكى ابن فارس عن أبى عبيد القاسم بن سلام أنه حكى الخلاف في ذلك ونسب القول بوقوعه إلى الفقهاء والمنع إلى أهل العربية ثم قال أبو عبيد والصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أنها سقطت إلى العرب فعربتها بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربية ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أعجمية فصادق قال وإنما فسر هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم إلى الجهل ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله بغير ما أراده الله جل وعز فهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن قال ابن فارس وليس كل من خالف قائلا في مقالته ينسبه إلى الجهل فقد اختلف الصدر الأول في تأويل آى من القرآن قال فالقول إذن ما قاله أبو عبيد وإن كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره

[ 291 ]

النوع الثامن عشر معرفة غريبة وهو معرفة المدلول وقد صنف فيه جماعة منهم أبو عبيدة كتاب المجاز وأبو عمرغلام ثعلب يا قوتة الصراط ومن أشهرها كتاب ابن عزيز والغريبين للهروى ومن أحسنها كتاب المفردات للراغب وهو يتصيد المعاني من السياق لأن مدلولات الألفاظ خاصة قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وحيث رأيت في كتب التفسير قال أهل المعاني فالمراد به مصنفو الكتب في معاني القرآن كالزجاج ومن قبله وفى بعض كلام الواحدى أكثر أهل المعاني الفراء والزجاج وابن الأنباري قالوا كذا انتهى ويحتاج الكاشف عن ذلك إلى معرفة علم اللغة اسما وفعلا وحرفا فالحروف لقلتها تكلم النحاة على معانيها فيؤخذ ذلك من كتبهم وأما الأسماء والأفعال فيؤخذ ذلك من كتب اللغة وأكثر الموضوعات في علم اللغة كتاب ابن سيد فإن الحافظ أبا محمد على بن أحمد الفارسى ذكر أنه في مائة سفر بدأ

[ 292 ]

بالفلك وختم بالذرة ومن الكتب المطولة كتاب الأزهري والموعب بعد لابن التيانى والمحكم لابن سيده وكتاب الجامع للقزاز والصحاح للجوهري والبارع لأبى على القالى ومجمع البحرين للصاغاني يقول ومن الموضوعات في الأفعال كتاب ابن القوطية وكتاب ابن طريف وكتاب السرقسطى المنبوز بالحمار ومن أجمعها كتاب ابن القطاع ومعرفة هذا الفن للمفسر ضروري وإلا فلا يحل له الإقدام على كتاب الله تعالى قال يحيى بن نضلة المدينى سمعت مالك بن أنس يقول لا أوتى برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا وقال مجاهد لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب

[ 293 ]

وروى عكرمة عن ابن عباس قال إذا سألتموني عن غريب اللغة فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب وعنه في قوله تعالى والليل وما وسق قال ما جمع وأنشد: إن لنا قلائصا حقائقا * مستوثقات لو يجدن سائقا وقال ما كنت أدرى ما قوله تعالى ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين حتى سمعت ابنة ذى يزن الحميرى وهى تقول أفاتحك يعنى أقاضيك وفى سورة السجدة متى هذا الفتح إن كنتم صادقين يعنى متى هذا القضاء وقوله وهو الفتاح العليم وقوله إنا فتحنا لك فتحا مبينا وقال أيضا ما كنت أدرى ما فاطر السموات والأرض حتى أتانى أعربيان يختصمان في بئر فقال أحدهما أنا فطرتها يعنى ابتدأتها وجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس ما فعل فلان قال مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء فقال ابن عباس فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قال ولد الولد ومسائل نافع له عن مواضع من القرآن واستشهاد ابن عباس في كل جواب

[ 294 ]

بيت ذكرها الأنباري في كتاب الوقف والابتداء بإسناده وقال فيه دلالة على بطلان قول من أنكر على النحويين احتجاجهم على القرآن بالشعر وأنهم جعلوا الشعر أصلا للقرآن وليس كذلك وإنما أراد النحويون أن يثبتوا الحرف الغريب من القرآن بالشعر لأن الله تعالى قال إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقال تعالى بلسان عربي مبين وقال ابن عباس الشعر ديوان العرب فإذا خفى عليهم الحرف من القرآن الذى أنزله الله بلغتهم رجعوا إلى ديوانهم فالتمسوا معرفة ذلك ثم إن كان ما تضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم كفى فيه الاستشهاد بالبيت والبيتين وإن كان ما يوجب العلم لم يكف ذلك بل لا بد من أن يستفيض ذلك اللفظ وتكثر شواهده من الشعر وينبغى العناية بتدبر الألفاظ كى لا يقع الخطأ كما وقع لجماعة من الكبار فروى الخطابى عن أبى العالية أنه سئل عن معنى قوله الذين هم عن صلاتهم ساهون فقال هو الذى ينصرف عن صلاته ولا يدرى عن شفع أو وتر قال الحسن مه يا أبا العالية ليس هكذا بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم ألا ترى قوله عن صلاتهم فلما لم يتدبر أبو العالية حرف في وعن تنبه له الحسن إذ لو كان المراد ما فهم أبو العالية لقال في صلاتهم فلما قال عن صلاتهم دل على أن المراد به الذهاب عن الوقت ولذلك قال ابن قتيبة في قوله تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن أنه من عشوت أعشو عشوا إذا نظرت وغلطوه في ذلك وإنما معناه يعرض وإنما غلط لأنه لم يفرق بين عشوت إلى الشئ وعشوت عنه

[ 295 ]

وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال فارغا من لحزن لعلمها أنه لم يغرق ومنه دم فراغ أي لا قود فيه ولا دية وقال بعض الأدباء أخطأ أبو عبيدة في المعنى لو كان قلبها فارغا من الحزن عليه لما قال لولا أن ربطنا على قلبها لأنها كادت تبدى به وهذا الباب عظيم الخطر ومن هنا تهيب كثير من السلف تفسير القرآن وتركوا القول فيه حذرا أن يزلوا فيذهبوا عن المراد وإن كانوا علماء باللسان فقهاء في الدين وكان الأصمعى وهو إمام اللغة لا يفسر شيئا من غريب القرآن وحكى عنه أنه سئل عن قوله تعالى شغفها حبا فسكت وقال هذا في القرآن ثم ذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها أتبيعونها الذي وهى لكم شغاف ولم يزد على هذا ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم إعراب القرآن وطلب معاني العربية واعلم أنه ليس لغير العالم بحقائق اللغة وموضوعاتها تفسير شئ من كلام الله ولا يكفى في حقه تتعلم اليسير منها فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين والمراد المعنى الآخر وهذا أبو بكر وعمر رضى الله عنهما من أفصح قريش سئل أبو بكر عن الأب فقال أبو بكر أي سماء تظلنى وأى أرض تقلني إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم وقرأ عمر سورة عبس فلما بلغ الأب قال الفاكهة قد عرفناها فما الأب ثم قال لعمرك يابن الخطاب إن هذا لهو التكلف وروى عنه أيضا أنه قال آمنا به كل من عند ربنا وفى رواية قال فما الأب ثم قال ما كلفنا أو ما أمرنا بهذا وما ذاك بجهل منهما لمعنى الأب وإنما يحتمل والله أعلم أن الأب من الألفاظ المشتركة في لغتهما أو في لغات فخشيا إن فسراه بمعنى من معانيه أن يكون المراد غيره ولهذا اختلف

[ 296 ]

المفسرون في معنى الأب على سبعة أقوال فقيل ما ترعاه البهائم وأما ما يأكله الآدمى فالحصيد لأن والثانى التبن خاصة والثالث كل ما نبت على وجه الأرض والرابع ما سوى الفاكهة والخامس الثمار الرطبة وفيه بعد لأن الفاكهة تدخل في الثمار الرطبة ولا يقال أفردت للتفصيل إذ لو أريد ذلك لتأخر ذكرها نحو فاكهة ونخل ورمان والسادس أن رطب الثمار هو الفاكهة ويابسها هو الأب والسابع أنه للأنعام كالفاكهة للناس ويحتمل قول عمر غير ما سبق وجهين أحدهما أن يكون خفى عليه معناه وإن شهر كما خفى على ابن عباس معنى فاطر السموات والثانى تخويف غيره من التعرض للتفسير بما لا يعلم كما كان يقول أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شريككم يريد الاحتراز فإن من احترز قلت روايته

[ 297 ]

النوع التاسع عشر معرفة التصريف وهو ما يلحق الكلمة ببنيتها وقد وينقسم قسمين أحدهما جعل الكلمة على صيغ مختلفة بضروب من المعاني وينحصر في التصغير والتكبير والمصدر واسمى الزمان والمكان واسم الفاعل واسم المفعول والمقصور والممدود والثانى تغيير الكلمة لمعنى طارئ عليها وينحصر في الزيادة والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشبعة عن معنى واحد فالعلم به أهم من معرفة النحو في تعرف اللغة لأن التصريف نظر في ذات الكلمة والنحو نظر في عوراضها علي وهو من العلوم التى يحتاج إليها المفسر قال ابن فارس من فاته علمه فاته المعظم لأنا نقول وجد كلمة مبهمة فإذا صرفناها اتضحت فقلنا في المال وجدا وفى الضالة وجدانا وفى الغضب موجدة وفى الحزن وجدا وقال تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم

[ 298 ]

حطبا وقال تعالى وأقسطوا إن الله يحب المقسطين فانظر كيف تحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل ويكون ذلك في الاسماء والأفعال فيقولون للطريق في الرمل خبة وللأرض المخصبة والمجدبة حتى خبة وغير ذلك وقد ذكر الأزهري أن مادة دكر بالدال المهملة مهملة غير مستعملة فكتب التاج الكندى على الطرة ما ذكر أنه مهمل مستعمل قال الله تعالى واد كر بعد أمة فهل من مدكر وهذا الذى قاله سهو أوجبه الغفلة عن قاعدة التصريف فإن الدال في الموضعين بدل من الذال لأن ادكر أصله اذتكر افتعل من الذكر وكذلك مدكر أصله مذتكر مفتعل من الذكر أيضا فأبدلت التاء ذالا والذال كذلك وأدغمت إحداهما في الأخرى فصار اللفظ بهما كما ترى وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى سول لهم سهل لهم ركوب المعاصي من السول وهو الاسترخاء وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعا يعرض بابن السكيت وقال أيضا من بدع التفاسير أن الإمام في قوله تعالى يوم ندعو كل أناس بإمامهم جمع أم وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون

[ 299 ]

آبائهم لئلا يفتضح أولاد الزنا قال وليت شعرى أيهما أبدع أصحة لفظة أمه أم بهاء حكمته يعنى أن أما لا يجمع على إمام هذا كلام من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب وقال الراغب في قوله تعالى فأدارأتم فيها هو تفاعلتم أصله تدارأتم فأريد منه الإدغام تخفيفا وأبدل من التاء دال فسكن للإدغام فاجتلبت لها ألف الوصل فحصل على افاعلتم تعالى وقال بعض الأدباء افتعلتم وغلط من أوجه أولا أن على ثمانية أحرف وافتعلتم فإن على سبعة أحرف والثانى أن الذى يلي ألف الوصل تاء فجعلها دالا والثالث أن الذى يلي الثاني دال فجعلها تاء والرابع أن الفعل الصحيح العين لا يكون ما بعد تاء الافتعال منه إلا متحركا وقد جعله هذا ساكنا والخامس أن هاهنا قد دخل بين التاء والدال زائد وفى افتعلت لا يدخل ذلك والسادس أنه أنزل الألف منزلة العين وليست بعين

[ 300 ]

والسابع أن تاء افتعل قبله حرفان وبعده حرفان وبعدها ثلاثة أحرف وقال ابن جنى من قال اتخذت افتعلت من الأخذ فهو مخطئ قال وقد ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج وأنكره عليه أبو على وأقام الدلالة على فساده وهو أن ذلك يؤدى إلى إبدال الهمزة تاء وذلك غير معروف

[ 301 ]

النوع العشرون معرفة الأحكام من جهة افرادها وتركيبها ويؤخذ ذلك من علم النحو وقد انتدب الناس لتأليف إعراب القرآن ومن أوضحها كتاب الحوفى ومن أحسنها كتاب المشكل وكتاب أبى البقاء العكبرى وكتاب المنتخب الهمداني وكتاب الزمخشري وابن عطية وتلاهم الشيخ أبو حيان قالوا والإعراب يبين المعنى وهو الذى يميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين بدليل قولك ما أحسن زيدا ولا تأكل السمك وتشرب اللبن وكذلك

[ 302 ]

فرقوا بالحركات وغيرها بين المعاني فقالوا مفتح للآلة التى يفتح بها ومفتح لموضع الفتح ومقص للآلة ومقص للموضع الذى يكون فيه القص ويقولون امرأة طاهر من الحيض لأن الرجل يشاركها في الطهارة وعلى الناظر في كتاب الله الكاشف عن أسراره النظر في هيئة الكلمة وصيغتها ومحلها ككونها مبتدأ أو خبرا أو فاعلة أو مفعولة أو في مبادئ الكلام أو في جواب إلى غير ذلك من تعريف أو تنكير أو جمع قلة أو كثرة إلى غير ذلك ويجب عليه مراعاة أمور أحدها وهو أول واجب عليه أن يفهم معنى ما يريد أن يعربه مفردا كان أو مركبا قبل الإعراب فإنه فرع المعنى ولهذا لا يجوز إعراب فواتح السور إذا قلنا بأنها من المتشابه الذى استأثره الله بعلمه ولهذا قالوا في توجيه النصب في كلالة في قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أنه يتوقف على المراد بالكلالة هل هو اسم للميت أو للورثة أو للمال فإن كان اسما للميت فهى منصوبة على الحال وإن كان تامة لا خبر لها بمعنى وجد ويجوز أن تكون ناقصة والكلالة خبرها وجاز أن يخبر عن النكرة لأنها قد وصفت بقوله يورث والأول أوجه وإن كانت اسما للورثة فهى منصوبة على الحال من ضمير يورث لكن على حذف مضاف أي ذا كلالة وعلى هذا فكان ناقصة ويورث خبر ويجوز أن تكون تامة فيورث صفة ويجوز أن يكون خبرا فتكون صفته وإن كانت اسما للمال فهى مفعول ثان ليورث كما تقول ورثت زيدا مالا وقيل تمييز وليس بشئ ومن جعل الكلالة الوارثة فهى نعت لمصدر

[ 303 ]

محذوف أي وارثه كلالة أي يورث بالوراثة التى يقال لها الكلالة هذا كله على قراءة عمر بفتح الراء فأما من قرأ يورث النبي بكسرها مخففة أو مشددة فالكلالة هي الورثة أو المال ومن ذلك تقاة في قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة في نصبها ثلاثة أوجه مبنية على تفسيرها فإن كانت بمعنى الاتقاء فهى مصدر كقوله تعالى أنبتكم من الأرض نباتا وإن كانت بمعنى المفعول أي أمرا يجب اتقاؤه فهى نصب على المفعول به وإن كانت جمعا كرام ورماة فهى نصب على الحال ومن ذلك إعراب أحوى من قوله وإن أحوى وفيه قولان متضادان أحدهما أنه الأسود من الجفاف واليبس والثانى أنه الأسود من شدة الخضرة كما فسر مدهامتان فعلى الأول هو صفة لغثاء كما وعلى الثاني هو حال من المرعى وأخر لتناسب الفواصل ومنه قوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا فإنه قيل الكفات الأوعية ومفردها كفت والأحياء والأموات كناية عما نبت وما لا ينبت وقيل الكفات مصدر كفته إذا ضمه وجمعه فعلى الأول أحياء وأمواتا صفة لكفاتا كأنه قيل أوعية حية وميتة أو حالان وعلى الثاني فهما مفعولان لمحذوف ودل عليه كفاتا أي يجمع أحياء وأمواتا ومنه قوله سبعا من المثانى فإنه إن كان المراد به القرآن فمن للتبعيض والقرآن حينئذ من عطف العام على الخاص وإن كانت الفاتحة فمن لبيان الجنس أي سبعا هي المثانى

[ 304 ]

تنبيه قد يقع في كلامهم هذا تفسير معنى وهذا تفسير إعراب والفرق بينها أن تفسير الإعراب لا بد فيه من ملاحظة الصناعة النحوية وتفسير المعنى لا يضر مخالفة ذلك وقد قال سيبويه في قوله تعالى مثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق تقديره مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به واختلف الشارحون في فهم كلام سيبويه فقيل هو تفسير معنى وقيل تفسير إعراب فيكون في الكلام حذفان حذف من الأول وهو حذف داعيهم وقد أثبت نظيره في الثاني وحذف من الثاني وهو حذف المنعوق وقد أثبت نظيره في الأول فعلى هذا يجوز مثل ذلك في الكلام والثانى تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش قال الزمخشري في كشافه القديم القرآن لا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب دون الشاذ النادر الذى لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين وبهذا يتبين غلط جماعة من الفقهاء والمعربين حين جعلوا من العطف على الجوار قوله تعالى وأرجلكم في قراءة الجر وإنما ذلك ضرورة فلا يحمل عليه الفصيح ولأنه إنما يصار إليه إذا أمن اللبس والآية محتملة ولأنه إنما يجئ مع عدم حرف العطف وهو هاهنا موجود وأيضا فنحن في غنية عن ذلك كما قاله سيبويه إن العرب يقرب عندها المسح مع الغسل لأنهما أساس الماء فلما تقاربا في المعنى حصل العطف كقوله * متقلدا سيفا ورمحا *

[ 305 ]

ومهما أمكن المشاركة في المعنى حسن العطف وإلا امتنع فظهر أنه ليس على المجاورة بل على الاستغناء بأحد الفعلين عن الآخر وهذا بخلاف صرف ما لا ينصرف في قوله تعالى سلاسلا وأغلالا فإنما أجيز في الكلام لأنه رد إلى الأصل والعطف على الجوار خروج عن الأصل فافترقا الثالث تجنب لفظ الزائد في كتاب الله تعالى أو التكرار ولا يجوز إطلاقه إلا بتأويل كقولهم الباء زائدة ونحوه مرادهم أن الكلام لا يختل معناه بحذفها لا أنه لا فائدة فيه أصلا فإن ذلك لا يحتمل من متكلم فضلا عن كلام الحكيم وقال ابن الخشاب في المعتمد اختلف في هذه المسألة فذهب الأكثرون إلى جواز إطلاق الزائد في القرآن نظرا إلى أنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم هو وهو كثيرلأن الزيادة بإزاء الحذف هذا للأختصار والتخفيف وهذا للتوكيد والتوطئة ومنهم من لا يرى الزيادة في شئ من الكلام ويقول هذه الألفاظ المحمولة على الزيادة جاءت لفوائد ومعان تخصها فلا أقضى عليها بالزيادة ونقله عن ابن درستويه قال والتحقيق أنه إن أريد بالزيادة إثبات معنى لا حاجة إليه فباطل لأنه عبث فتعين أن إلينا به حاجة لكن الحاجات إلى الأشياء قد تختلف بحسب المقاصد فليست الحاجة إلى اللفظ الذى زيد عندها ولا زيادة كالحاجة إلى الألفاظ التى رأوها مزيدة عليه وبه يرتفع الخلاف وكثير من القدماء يسمون الزائد صلة وبعضهم يسميه مقحما ويقع ذلك في عبارة مستوية

[ 306 ]

الرابع تجنب الأعاريب التى هي خلاف الظاهر والمنافية وسلم لنظم الكلام كتجويز الزمخشري في في سورة الحشر أن يكون بدلا من قوله ولذي القربى وهذا فصل كبير وإنما حمله عليه لأن أبا حنيفة يقول إنه لا يستحق القريب بقرابته بل لكونه فقيرا والشافعي يخالفه ونظيره إعراب بعضهم الذين ظلموا بدلا من المجرور في قوله تعالى اقترب للناس حسابهم الخامس تجنب التقادير البعيدة والمجازات المعقدة ولا يجوز فيه جميع ما يجوزه النحاة في شعر امرئ القيس وغيره وأن نقول في نحو عنه لنا واهدنا إن فعلى دعاء أو سؤال ولا نقول فعلى أمر تأدبا من جهة أن الأمر يستلزم العلو والاستعلاء على الخلاف فيه وقال أبو حيان التوحيدي في البصائر سألت السيرافى عن قوله تعالى قائما بالقسط بم انتصب قال بالحال قلت لمن الحال قال لله تعالى قلت فيقال لله حال قال إن الحال في اللفظ لا لمن يلفظ بالحال عنه ولكن الترجمة لا تستوفى حقيقة المعنى في النفس إلا بعد أن يصوغ الوهم هذه الأشياء صياغة تسكن إليها النفس وينتفع بها القلب ثم تكون حقائق الألفاظ في مفادها غير معلومة ولا منقوضة باعتقاد وكما أن المعنى على بعد من اللفظ كذلك الحقيقة على بعد من الوهم

[ 307 ]

السادس البحث عن الأصلى والزائد ومن هذا قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح فإنه قد نتوهم الواو في الأولى ضمير الجمع فيشكل ثبوت النون مع أن وليس كذلك بل الواو هنا لام الكلمة والنون ضمير جمع المؤنث فبنى الفعل معها على السكون فإذا وصل الناصب أو الجازم لا تحذف النون ومثله النساء يرجون بخلاف الرجال يرجون فإن الواو فيه ضمير الجمع والنون حرف علامة للرفع وأصله يرجوون إلا أعلت لام الكلمة بما يقتضيه التصريف فإذا دخل الجازم حذف النون وهذا مما اتفق فيه اللفظ واختلف في التقدير وكذلك يبحث عما تقتضيه الصناعة في التقدير ولا يؤخذ بالظاهر ففى نحو قوله تعالى لا مرحبا بهم يتبادر إلى الذهن أن فيه نصب اسم لا وهو فاسد لأن شرط عملها في الاسم ألا يكون معمولا لغيرها وإنما نصب بفعل مضمر يجب إضماره دعاء وصلى بيان للمدعو عليهم وأجاز أبو البقاء أن ينصب على المفعول به أي لا يسمعون مرحبا وأجاز في جملة مرحبا أن تكون مستأنفة وأن تكون حالا أي هذا فوج مقولا له مرحبا وفيه نظر لأنه قدر مقولا فمقولا وقال هو الحال ومرحبا محكية بالقول في موضع نصب ومنه قوله تعالى واعلموا أن فيكم رسول الله يتبادر إلى الذهن أن الظرف قبله خبر أن على التقديم وهو فاسد لأنه ليس المراد الإخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 308 ]

فيهم وإنما الغرض أنه لو أطاعكم في كثير من الأمر لعنتم وإنما أنه حال والمعنى واعلموا أن رسول الله في حال كونه فيكم لو أطاعكم لكان كذا ومنه قوله تعالى لا يقضى عليهم فيموتوا وقوله ولا يؤذن لهم فيعتذرون فإن الجواب وقع فيهما بعد النفى مقرونا بالفاء وفى الأولى حذفت النون وفى الثانية أثبتها فما الفرق بينهما وجوابه أن حذف النون جوابا للنفي هو على أحد معنى نصب ما تأتينا فتحدثنا أي ما يكون إتيان ولا حديث والمعنى الثاني إثبات الإتيان ونفى الحديث أي ما تأتينا محدثا أي تأتينا غير محدث وهذا لا يجوز في الآية وأما إثبات النون فعلى العطف وقريب من ذلك قوله تعالى أبشرا منا واحدا نتبعه وقوله أبشر يهدوننا حيث انتصب بشرا في الأول وارتفع في الثاني فيقال ما الفرق بينهما والجواب أن نصب بشرا على الاشتغال والشاغل للعامل منصوب فصح لعامله أن يفسر ناصبا وأما في الثانية فالشاغل وهو مرفوع مفسر رافعا وهذا كما تقول أزيد قام فزيد مرفوع على الفاعلية لطلب أداء الفعل فهذا في الاشتغال والشاغل مرفوع وتقول فيما الشاغل فيه منصوب أزيدا ضربته وقريب منه إجماع القراء على نصب قليل في فشربوا منه إلا قليلا اختلفوا في ما فعلوه إلا قليل وإنما كان كذلك لأن الأول استثناء من موجب والثانى استثناء من منفى

[ 309 ]

فإن قيل فلم أجمعوا على النصب في يؤمنون إلا قليلا مع أنه استثناء من غير موجب قيل لأن هذا استثناء مفرغ وهو نعت لمصدر محذوف فالتقدير فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ومثله وكلا وعد الله الحسنى في سورة الحديد قرأها ابن عامر برفع صلى الله عليه وسلم ووافق الجماعة على النصب في النساء والفرق أن الذي في سورة الحديد شغل الخبر بهاء مضمرة وليس قبل هذه الجملة جملة فعلية فيختار لأجلها النصب فرفع بالأبتداء وأما التي في سورة النساء فأنما اختير فيها النصب لأن قبله جملة فعلية وهى قوله وفضل الله المجاهدين تنبيه قد يتجاذب الإعراب والمعنى الشئ الواحد وكان أبو على الفارسى يلم به كثيرا وذلك أنه يوجد في الكلام أن المعنى يدعو إلى أمر والإعراب يمنع منه قالوا والتمسك بصحة المعنى يؤول لصحة الإعراب وذلك كقوله تعالى إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فالظرف الذى هو إذا يقتضى المعنى أن يتعلق بالمصدر الذى هو رجع أي أنه على رجعه في ذلك اليوم لقادر لكن الإعراب يمنع منه لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبى يجعل العامل فيه فعلا مقدرا دل عليه المصدر وكذا قوله سبحانه لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون فالمعنى يقتضى تعلق إذ بالمقت والإعراب يمنعه للفصل بين المصدر ومعموله بالخبر فيقدر له فعل يدل عليه المقت

[ 310 ]

وكذلك قوله تعالى أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير فالمعنى أن العامل في إذا خبير والإعراب يمنعه لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها فاقتضى أن يقدر له العامل تنبيه على النحوي بيان مراتب الكلام فإن مرتبة العمدة قبل مرتبة الفضلة ومرتبة المبتدأ قبل مرتبة الخبر ومرتبة ما يصل إليه بنفسه قبل مرتبة ما يصل إليه بحرف الجر وإن كانا فضلتين فقال ومرتبة المفعول الأول قبل مرتبة المفعول الثاني وإذا اتصل الضمير بما مرتبته التقديم وهو يعود على ما مرتبته التأخير فلا يجوز أن يتقدم لأنه يكون متقدما لفظا ومرتبة وإذا اتصل الضمير بما مرتبته التأخير وهو يعود على ما مرتبته التقديم فلا يجوز أن يتقدم لأنه يكون مقدما لفظا مؤخرا رتبة فعلى هذا يجوز في داره زيد لاتصال الضمير بالخبر ومرتبته التأخير ولا يجوز صاحبها في الدار لاتصال الضمير بالمبتدأ ومرتبته التقديم

[ 311 ]

النوع الحادى والعشرون كون اللفظ والتركيب أحسن وأفصح ويؤخذ ذلك من علم البيان والبديع وقد صنف الناس في ذلك تصانيف كثيرة وأجمعها ما جمعه الشيخ شمس الدين محمد بن النقيب مجلدين قدمهما أمام تفسيره وما وضعه حازم الأندلسي المسمى بمنهاج البلغاء وسراج الأدباء وهذا العلم أعظم أركان المفسر فإنه لابد من مراعاة ما يقتضية الإعجاز من الحقيقة والمجاز وتأليف النظم وأن يواخى أي بين الموارد ويعتمد ما سيق له الكلام حتى لا يتنافر وغير ذلك وأملأ الناس بهذا صاحب الكشاف قال السكاكي واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة ولا طريق إلى تحصيله لذوى الفطر السليمة إلا إتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما وقال الزمخشري من حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليما من القادح وإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل وادعى القاضى أبو الطيب في كتاب إعجاز القرآن أن كثيرا من محاسن هذا العلم لا يعد من البلاغة القرآنية بناء على اختياره في أن القرآن نزل على خلاف أساليبهم وسيأتى الكلام في ذلك فإن قلت كيف عددت هذا من أنواع علومه مع أن سلف المفسرين من الصحابة والتابعين لم يخوضوا فيه ولم ينقل عنهم شئ من ذلك وإنما هذا أحدثه المتأخرون

[ 312 ]

قلت إنما سكت الأولون عنه لأن القصد من إنزال القرآن تعليم الحلال والحرام وتعريف شرائع الإسلام وقواعد الإيمان ولم يقصد منه تعليم طرق الفصاحة وإنما جاءت لتكون معجزة وما قصد به الإعجاز لا سبيل إلى معرفة طريقه فلم يكن الخوض فيه مسوغا إذ البلاغة ليست مقصودة فيه أصلا لأنه موجود في الصحف الأولى لامع هذه البلاغة المعينة وإنما كان بليغا بحسب كمال المتكلم فلهذا لم يتكلم السلف في ذلك وكان معرفتهم بأساليب البلاغة مما لا يحتاج فيه إلى بيان بخلاف استنباط الأحكام فلهذا تكلموا في الثاني دون الأول واعلم أن معرفة هذه الصناعة بأوضاعها هي عمدة التفسير المطلع على عجائب كلام الله وهى قاعدة الفصاحة وواسطة عقد البلاغة ولو لم يحبب الفصاحة إلا قول الله تعالى الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان لكفى والمعلومات كثيرة ومنن الله تعالى جمة ولم يخصص الله من نعمه على العبد إلا تعليم البيان وقال تعالى هذا بيان للناس وقال تعالى تبيانا لكل شئ ولحذف الواو في قوله تعالى علمه البيان نكتة علمية فإنه جعل تعليم البيان في وزان خلقه وكالبدل ثنا من قوله خلق الإنسان لأنه حى ناطق وكأنه إلى نحوه أشار أهل المنطق بقولهم في حد الإنسان حيوان ناطق ولا شك أن هذه الصناعة تفيد قوة الإفهام على ما يريد الإنسان ويراد منه ليتمكن بها من اتباع التصديق به وإذعان النفس له وينبغى الاعتناء بما يمكن إحصاؤه من المعاني التى تكلم فيها البليغ مثبتا ونافيا

[ 313 ]

فمنها تحقيق العقائد الإلهية كقوله سبحانه أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى بعد ذكره النطفة ومتعلقها في مراتب الوجود وكقوله وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه فمن يقرع سمعه هذا الكلام المعجز استشعر من روعة النفس واقشعرار الجلد ما يمكن خشية الله وعظمته من قبله ومنها بيان الحق فيما يشكل من الأمور غير العقائد كقوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله وكقوله صلى الله عليه وسلم فمن أين يكون الشبه فانظر كيف أعطى في هذه الأحرف اليسيرة الحجة على من أنكر احتلام المرأة فلا أبين من هذا البيان ولا أشفى للمرتاب من هذا القول فإنه يرى إحدى المقدمتين عيانا وهو شبه الولد بأمه ويعلم قطعا أنه ليس هناك سبب يحال الشبه عليه غير الذى أنكر ومنها تمكين الانفعالات النفسانية من النفوس مثل الاستعطاف والإعراض والإرضاء والإغضاب به والتشجيع والتخويف ويكون في مدح وذم وشكاية واعتذار وإذن ومنع وينضم إلى قوة القول البلاغى معنى متصل إعانة لها مثل فضيلة القائل وحمية النازع وقوة البليغ على إطراء نفسه وتحسين رأيه ومن ذلك استدعاء المخاطب إلى فضل تأمل وزيادة تفهم قال تعالى قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا وكذلك قوله وما يعلقها إلا العالمون وسر هذا أن السامع يحرص على أن يكون من هؤلاء المثنى عليهم فيسارع إلى التصديق ويلقى في نفسه نور من التوفيق ويكون هذا القول البلاغى ما يسمى الضمير ويسمى التمثيل وأعنى بالضمير

[ 314 ]

أن يضمر بالقول المجادل به البيان أحد حرفيه كقول الفقيه النبيذ مسكر فهو حرام وكقوله تعالى إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا وقد يكون هذا الإضمار في القياس الاستثنائى هذا أيضا كقولك لو كان فلان عزيزا لمنع بأعنة ثم الخيل جاره أو جوادا لشب لسارى الليل ناره معولا على أنه قد علم أنه ما منع ولا شب فيثبت بذلك مقابله وهو البخل والذلة ومن هذا قوله تعالى ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقد شهد الحس والعيان انهم ما انفضوا من حوله وهى المضمرة فانتفى عنه صلوات الله عليه أنه فظ غليظ القلب ومن أحسن ما أبر فيه هذا المضمر قول الشاعر ولو كان عبد الله مولى هجوته * ولكن عبد الله مولى مواليا ومثال الاستمالة والاستعطاف قوله تعالى عن آدم ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وحسبك إمام المتقين حين سمع شعر القائلة ما كان ضرك لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق قال لو بلغني شعرها قبل أن أقتله لما قتلته وقال الآخر ونحن الكاتبون وقد أسأنا * فهبنا للكرام الكاتبينا

[ 315 ]

ومن الاستمالة والاسترضاء رسول ما لا يخرق السمع أنفذ منه إلى القلوب وأوقع على المطلوب قوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وقد وجدوا في نفوسهم قسمة الغنائم في غيرهم يا معشر الأنصار ألم أجدكم كذا ألم أجدكم كذا ثم قال أجيبوني ولا فما زادوا على قولهم الله ورسوله أمن فقال عليه الصلاة والسلام أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم جئتنا بحال كذا وكذا فانظر ما أعجب هذا استشعر منهم عليه السلام أن إمساكهم عن الجواب أدب معه لا عجز عنه فأعلمهم بأنهم لو قالوا صدقوا ولم يكن هو بالذى يغضب من سماعه ثم زادهم تكريما بقوله أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتنصرفوا لم برسول الله إلى رحالكم ثم زاد يمينه المباركة البرة على فضل ما ينصرفون به اللهم انفعنا بمحبته وتفضل علينا بشفاعته ومما تجد من هذا الطراز قول بعضهم أناس أعرضوا عنا * بلا جرم ولا معنى أساءوا ظنهم فينا * فهلا أحسنوا الظنا فإن عادوا لنا عدنا * وإن خانوا فما خنا وإن كانوا قد استغنوا * فإنا عنهم أغنى وإن قالوا ادن منا بعد * باعدنا من استدنى ومن الإغضاب العجيب قوله تعالى إنما ينهاكم الله عن الدين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم

[ 316 ]

فأولئك هم الظالمون وقوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء وقوله أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ولله در القائل إذا والى صديقك من تعادى * فقد عاداك وانقطع الكلام ومن قسم التشجيع قوله سبحانه إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وكفى بحب الله مشجعا على منازلة الأقران ومباشرة الطعان وقوله عز وجل إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وكيف لا يكون والقوم صبروا والملك الحق جل جلاله وعدهم بالمدد الكثير ثم قال وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وقوله وترجون من الله ما لا يرجون وفى مقابلة هذا القسم ما يراد به الأخذ بالحزم والثانى بالحرب والاستظهار عليها بالعدة والاستشهاد على ذلك بقوله تعالى ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومنه الإبانة بالمدح وربما مدح الكريم بالتغافل عن الزلة والتهاون بالذنب كما أشار إليه القرآن فيما أسر سيد البشر لبعض نسائه ممن أظهره على إفشائه فأخبر سبحانه أنه عرف بعضه وأعرض عن بعض ولذلك قيل ليس الغبى بسيد في قومه * لكن سيد قومه المتغابى ابن

[ 317 ]

ومنه التمثيل وإنما يكون بأمر ظاهر يسلمه السامع ويقويه ما في القرآن من قصص الأشقياء تحذيرا لما نزل بهم من العذاب وأخبار السعداء ترغيبا لما صاروا إليه من الثواب وفى الحديث أرأيت لو مضضت قوله أرأيت لو كان على أبيك دين كيف ظهر إمكان نقل الحكم من شبه إلى شبه ومنه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار قال الزمخشري وسره إرادة التسليط لاكتساب ما يزلف له والتثبيط عن اقتراف ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعذاب ثناه ببشارة عباده المؤمنين تنبيه ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذى سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوى لثبوت التجوز ولهذا ترى صاحب الكشاف يجعل الذى سيق له الكلام معتمدا حتى كأن غيره مطروح

[ 318 ]

النوع الثاني والعشرون اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص أو تغيير حركة أو إثبات لفظ بدل آخر وذلك متواتر وآحاد ويوجد هذا الوجه من علم القراءة وأحسن الموضوع للقراءات السبع كتاب التيسير لأبى عمرو الدانى وقد نظمه أبو محمد القاسم الشاطبي في لاميته التى عم النفع بها وكتاب الإقناع لأبى جعفر بن الباذش وفى القراءات العشر كتاب المصباح لأبى الكرم الشهرزورى واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان فالقرآن هو الوحى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحى المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما ثم هاهنا أمور أحدها أن القراءات السبع متواترة عند الجمهور وقيل بل مشهورة ولا عبرة بإنكار المبرد قراءة حمزة والأرحام ومصرخي ولا بإنكار مغاربة النحاة

[ 319 ]

كابن عصفور قراءة ابن عامر قتل أولادهم شركائهم والتحقيق أنها متواترة عن الأئمة السبعة أما تواترها عن النبي صلى الله عليه وسلم ففيه نظر فإن إسناد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات وهى نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة وهذا شئ موجود في كتبهم وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه المرشد الوجيز إلى شئ من ذلك الثاني استثنى الشيخ أبو عمرو بن الحاجب قولنا إن القراءات السبع متواترة ما ليس من قبيل الأداء ومثله بالمد والإمالة وتخفيف الهمزة يعنى فإنها ليست متواترة وهذا ضعيف والحق أن المد والإمالة لا شك في تواتر المشترك بينهما وهو المد من حيث هو مد والإمالة من حيث إنها إمالة ولكن اختلف القراء في تقدير المد فمنهم من رآه طويلا ومنهم من رآه قصيرا ومنهم من بالغ في القصر ومنهم من تزايد فحمزة وورش بمقدار ست لغات وقيل خمس وقيل أربع وعن عاصم ثلاث وعن الكسائي ألفان ونصف وقالون ألفان والسوسى ألف ونصف قال الدانى في التيسير أطوالهم ذلك مدا في الضربين جميعا يعنى المتصل والمنفصل ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونه ابن عامر والكسائي ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق وقالون من طريق أبى نشيط بخلاف عنه وهذا كله على التقريب من غير إفراط وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحذف انتهى كلامه فعلم بهذا أن أصل المد متواتر والاختلاف والطرق إنما هو في كيفية التلفظ به

[ 320 ]

وكان الإمام أبو القاسم الشاطبي يقرأ بمدتين طولى لورش وحمزة ووسطى لمن بقى وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه كره قرأة حمزة لما فيها من طول المد وغيره فقال لا تعجبني ولو كانت متواترة لما كرهها وكذلك ذكر القراء أن الإمالة قسمان إمالة محضة وهى أن ينحى بالألف إلى الياء وتكون الياء أقرب بالفتحة إلى الكسر وتكون الكسرة أقرب وإمالة تسمى بين بين وهى كذلك إلا أن الألف والفتحة أقرب وهذه أصعب الإمالتين محمد وهى المختارة عند الأئمة ولا شك في تواتر الإمالة أيضا وإنما اختلافهم في كيفيتها مبالغة وحضورا أما تخفيف الهمزة وهو الذى يطلق عليه تخفيف وتليين وتسهيل أسماء مترادفة فإنه يشمل أربعة أنواع من التخفيف وكل منها متواتر بلا شك أحدها النقل وهو نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها نحو قد أفلح بنقل حركة الهمزة وهى الفتحة إلى دال قد وتسقط الهمزة فيبقى اللفظ بدال مفتوحة بعدها فاء وهذا النقل قراءة نافع من طريق ورش في حال الوصل والوقف وقراءة حمزة في حال الوقف الثاني أن تبدل الهمزة حرف مد من جنس حركة ما قبلها إن كان قبلها فتحة أبدلت ألفها نحو باس وهذا البدل قراءة أبى عمرو بن العلاء ونافع من طريق ورش في فاء الفعل وحمزة إذا وقف على ذلك الثالث تخفيف الهمز بين بين ومعناه أن تسهل الهمزة بينها وبين الحرف الذى منه حركتها فإن كانت مضمومة سهلت بين الهمزة والواو أو مفتوحة فبين الهمزة والألف أو مكسورة فبين الهمزة والياء وهذا يسمى إشماما وقرأ به كثير من القراء وأجمعوا عليه في قوله تعالى قل آلذكرين ونحوه وذكره النحاة عن لغات العرب

[ 321 ]

قال ابن الحاجب في تصريفه واغتفر التقاء الساكنين في نحو الحسن عندك وآيمن الله يمينك وهو في كل كلمة أولها همزة وصل مفتوحة ودخلت همزة الاستفهام عليها وذلك ما فيه لام التعريف مطلقا وفى ايمن الله وايم الله خاصة إذ لا ألف وصل مفتوحة سواها وإنما فعلوا ذلك خوف لبس الخبر بالاستخبار ألا ترى أنهم لو قالوا الحسن عندك وحذفوا همزة الوصل على القياس في مثلها لم يعلم استخبار هو أم خبر فأتوا بهذه عوضا عن همزة الوصل قبل الساكن فصار قبل الساكن مدة فقالوا الحسن عندك وكذلك آيمن إلى الله يمينك فيما ذكره وبعض العرب يجعل همزة الوصل فيما ذكرنا بين بين ويقول الحسن عندك وآيمن الله يمينك فيما ذكرنا وقد جاء عن القراء بالوجهين في مثل ذلك والمشهور الأول وقد أشار الصحابة رضى الله عنهم إلى التسهيل بين بين في رسم المصاحف العثمانية فكتبوا صورة الهمزة الثانية في قوله تعالى في سورة آل عمران قل أؤنبئكم واوا على إرادة التسهيل بين بين قاله الدانى وغيره الرابع تخفيف الإسقاط وهو أن تسقط الهمزة رأسا وقد قرأ به أبو عمرو في الهمزتين من كلمتين إذا اتفقتا في الحركة فأسقط الأولى منهما على رأى الشاطبي وقيل الثانية في نحو جاء أجلهم ووافقه على ذلك في المفتوحتين نافع من طريق قالون وابن كثير من طريق البزى وجاء هذا الإسقاط في كلمة واحدة في قراءة قنبل عن ابن كثير في أين شركاى الذين كنتم تشاقون فيهم بإسقاط همزة شركائي الثالث أن القراءات توقيفية وليست اختيارية خلافا لجماعة منهم الزمخشري حيث ظنوا أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء ورد على حمزة قراءة

[ 322 ]

والأرحام بالخفض ومثل ما حكى عن أبى زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي أن خطئوا حمزة في قراءته وما أنتم بمصرخي بكسر الياء المشددة وكذا أنكروا على أبى عمرو إدغامه الراء عند اللام في يغفلكم كان وقال الزجاج إنه خطأ فاحش ولا تدغم الراء في اللام إذا قلت مرلى أبو بكذا لأن الراء حرف مكرر ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به فأما اللام فيجوز إدغامه في الراء ولو أدغمت اللام في الراء لزم التكرير من الراء وهذا إجماع النحويين انتهى وهذا تحامل وقد انعقد الإجماع على صحة قراءة هؤلاء الأئمة وأنها سنة متبعة ولا مجال للاجتهاد فيها ولهذا قال سيبويه في كتابه في قوله تعالى ما هذا بشرا وبنو تميم يرفعونه إلا من درى كيف هي في المصحف وإنما كان كذلك لأن القراءة سنة مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تكون القراءة بغير ما روى عنه انتهى

[ 323 ]

الرابع ما تضمنه التيسير والشاطبية قال الشيخ أثير الدين أبو حيان لم يحويا أو جميع القراءات السبع وإنما هي نزر يسير منها ومن عنى بفن القراءات وطالع ما صنفه علماء الإسلام في ذلك علم ذلك العلم اليقين وذلك أن بلادنا جزيرة الأندلس لم تكن من قديم بلاد إقراء السبع لبعدها عن بلاد الإسلام واجتازوا عند الحج بديار مصر وتحفظوا ممن كان بها من المصريين شيئا يسيرا من حروف السبع وكان المصريون بمصر إذ ذاك لم تكن لهم روايات متسعة ولا رحلة إلى غيرها من البلاد التى اتسعت فيها الروايات كأبى الطيب بن غلبون وابنه أبى الحسن طاهر وأبى الفتح فارس بن أحمد وابنه عبد الباقي وأبى العباس بن نفيس وكان بها أبو أحمد السامري وهو أعلاهم إسنادا

[ 324 ]

وسبب قلة العلم والروايات بديار مصر ما كان غلب على أهلها من تغلب الإسماعيلية عليها وقتل ملوكهم العلماء فكان من قدماء علمائنا ممن حج يأخذ بمصر شيئا يسيرا كأبى عمر الطلمنكى صاحب الروضة وأبى محمد مكى بن أبى طالب ثم رحل أبو عمرو الدانى لطول إقامته بدانية فأخذ عن أبى خافان وفارس وابن غلبون وصنف كتاب التيسير وقرأ على هؤلاء ورحل أيضا أبو القاسم يوسف بن جبارة الأندلسى فأبعد في الشقة وجمع بين طريق المشرق والمغرب وصنف كتاب الكامل يحتوى على القراءات السبع وغيرها ولم أر ولم أسمع أوسع رحلة منه ولا أكثر شيوخا وقد أقرأ القرآن بمكة أبو معشر الطبري وأبو عبد الله الكارزينى وكانا متسعى) الرواية

[ 325 ]

وكان بمصر أبو على المالكى مؤلف الروضة وكان قد قرأ بالعراق وأقرأ بمصر وبعدهم التاج الكندى فأقرأ الناس بروايات كثيرة لم تصل إلى بلادنا وكان أيضا ابن ماموية بدمشق يقرئ القرآن بالقراءات العشر وبمصر النظام الكوفى يقرئ بالعشر وبغيرها كقراءة ابن محيصن والحسن وكان بمكة أيضا زاهر بن رستم وأبو بكر الزنجانى وكانا قد أخذا عن أبى الكرم الشهرزورى كتاب المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر وأقرأه الزنجانى لبعض شيوخنا وكان عز الدين الفاروثى بدمشق يقرئ القرآن بروايات كثيرة حتى قيل إنه أقرأ بقراءة أبى حنيفة والحاصل اتساع روايات غير بلادنا وأن الذى تضمنه التيسير والتبصرة والكافي وغيرها من تآليفهم إنما هو قل من كثر ونزر من بحر وبيانه أن في هذه الكتب مثلا قراءة نافع من رواية ورش وقالون وقد روى الناس عن نافع غيرهما منهم إسماعيل بن أبى جعفر المدنى وأبو خلف وابن حبان والأصمعي

[ 326 ]

والسبتى عبد وغيرهم ومن هؤلاء من هو أعلم وأوثق من ورش وقالون وكذا العمل في كل راو وقارئ الخامس أن باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءات في ولامستم وكذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع وعدمه إلى الغسل على اختلافهم في حتى يطهرن وكذلك آية السجدة في سورة النمل مبنية على القراءتين قال الفراء من خفف عليه كان الأمر بالسجود ومن شدد لم يكن فيها أمر به وقد نوزع في ذلك إذا علمت ذلك فاختلفوا في الآية إذا قرئت بقراءتين على قولين أحدهما أن الله تعالى قال بهما جميعا والثانى أن الله تعالى قال بقراءة واحدة إلا أنه أذن أن يقرأ بقراءتين وهذا الخلاف غريب رأيته في كتاب البستان لأبى الليث السمرقندى ثم اختاروا في المسألة توسطا وهو أنه إن كان لكل قراءة تفسير يغاير الآخر فقد قال بهما جميعا

[ 327 ]

وتصير القراءات بمنزلة آيتين مثل قوله ولا تقربوهن حتى يطهرن وإن كان تفسيرهما واحدا كالبيوت والبيوت والمحصنات والمحصنات بالنصب والجر فإنما قال بأحدهما وأجاز القراءة بهما لكل قبيلة على ما تعود لسانهم فإن قيل إذا صح أنه قال بأحدهما فبأى القراءتين قال قيل بلغة قريش انتهى السادس أن القراءات لم تكن متميزة عن غيرها إلا في قرن الأربعمائة جمعها أبو بكر ابن مجاهد ولم يكن متسع الرواية والرحلة كغيره والمراد بالقراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة أحدهم عبد الله بن كثير المكى القرشى مولاهم أبو سعيد وقيل أبو محمد وقيل أبو بكر وقيل أبو الصلت ويقال له الدارى وهو من التابعين وسمع عبد الله بن الزبير وغيره توفى بمكة سنة عشرين ومائة وقيل اثنتين وعشرين الثاني نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثى هو مدنى أصله من أصبهان كنيته أبو رويم وقيل أبو الحسن وقيل أبو عبد الرحمن وقيل

[ 328 ]

أبو عبد الله توفى بالمدينة سنة تسع وستين ومائة الثالث عبد الله بن عامر بن يزيد بن ربيعة اليحصبي الدمشقي قاضى دمشق وهو من كبار التابعين ولد في أول سنة إحدى وعشرين من الهجرة وتوفى بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة ومائة وقيل ولد سنة ثمان من الهجرة ومات وهو ابن مائة وعشر سنين وفى كنيته سبعة أقوال أصحها أبو عمرو وقيل أبو محمد وأبو عبد الله وأبو موسى وأبو نعيم وأبو عثمان وأبو مغيث الرابع أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله البصري قيل اسمه زبان وقيل يحيى وقيل عثمان وقيل محبوب وقيل اسمه كنيته توفى بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة وقرأ على ابن كثير وغيره الخامس عاصم بن أبى النجود بفتح النون أبو بكر الأسدى الكوفى توفى بالكوفة سنة سبع وقيل ثمان وعشرين ومائة قال سفيان وأحمد بن حنبل وغيرهما بهدلة هو أبو النجود وقال عمرو بن على بهدلة أمه قال أبو بكر داود هذا خطأ وقال عبد الله بن أحمد قال أبى أنا أختار قراءة عاصم السادس حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات التيمى مولاهم الكوفى أبو عمارة توفى بحلوان سنة ثمان وقيل ست وخمسين ومائة

[ 329 ]

السابع الكسائي على بن حمزة الأسدى مولاهم الكوفى توفى سنة تسع وثمانين ومائة كان قرأ على حمزة قال مكى وإنما ألحق بالسبعة في أيام المأمون وإنما كان السابع يعقوب الحضرمي فأثبت ابن مجاهد في سنة ثلاثمائة أ ونحوها الكسائي في موضع يعقوب وليس في هؤلاء السبعة من العرب إلا ابن عامر وأبو عمرو قال مكى وإنما كانوا سبعة لوجهين أحدهما أن عثمان رضى الله عنه كتب سبعة مصاحف ووجه بها إلى الأمصار فجعل عدد القراء على عدد المصاحف الثاني أنه جعل عددهم على عدد الحروف التى نزل بها القرآن وهى سبعة على أنه لو جعل عددهم أكثر أو أقل لم يمتنع ذلك إذا عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى وقد ألف ابن جبير المقرئ وكان قبل ابن مجاهد كتابا في القراءات وسماه كتاب الخمسة ذكر فيه خمسة من القراء لا غير وألف غيره كتابا وسماه الثمانية وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي انتهى قلت ومنهم من زاد ثلاثة وسماه كتاب العشرة قال مكى والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضى الله عنه لما كتب المصاحف ووجهها إلى الأمصار وكان القراء في العصر الثاني والثالث كثيرى العدد فأراد الناس أن يقتصروا في العصر الرابع على ما وافق المصحف فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر أمره وأجمع أهل مصر على عدالته فأفردوا من كل مصر وجه إليه عثمان مصحفا إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر فكان أبو عمرو من أهل البصرة وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها والكسائي من العراق وابن كثير من أهل مكة

[ 330 ]

وابن عامر من أهل الشام ونافع من أهل المدينة كلهم ممن اشتهرت إمامتهم وطال عمرهم في الإقراء وارتحل الناس إليهم من البلدان وأول من اقتصر على هؤلاء السبعة أبو بكر بن مجاهد سنة ثلاثمائة وتابعه الناس وألحق المحققون منهم البغوي في تفسيره بهؤلاء السبعة قراءة ثلاثة وهم يعقوب الحضرمي وخلف وأبو جعفر بن قعقاع المدنى شيخ نافع لأنها لا تخالف رسم السبع وقال الإمام أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم الهروي في كتاب الكافي له فإن قال قائل فلم أدخلتم قراءة أبى حفص المدنى ويعقوب الحضرمي في جملتهم وهم خارجون عن السبعة المتفق عليهم قلنا إنما اتبعنا قراءتهما كما اتبعنا السبعة لأنا وجدنا قراءتهما على الشرط الذى وجدناه في قراءة غيرهما ممن بعدهما في العلم والثقة بهما واتصال إسنادهما وانتفاء الطعن عن روايتهما ثم ان التمسك بقراءة سبعة فقط ليس له أثر ولا سنة وإنما السنة أن تؤخذ القراءة إذا اتصلت رواتها نقلا وقراءة ولفظا ولم يوجد طعن على أحد من رواتها ولهذا المعنى قدمنا السبعة على غيرهم وكذلك نقدم أبا جعفر ويعقوب على غيرهما ولا يتوهم أن قوله صلى الله عليه وسلم أنزل القرآن على سبعة أحرف انصرافه إلى قراءة سبعة من القراء يولدون من بعد عصر الصحابة بسنين كثيرة لأنه يؤدى إلى أن يكون الخبر متعريا عن فائدة إلى أن يحدثوا ويؤدى إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرءوا إلا بما علموا أن السبعة من القراء يختارونه قال وإنما ذكرناه لأن قوما من العامة يتعلقون به

[ 331 ]

وقال الشيخ موفق الدين الكواشى كل ما صح سنده واستقام مع جهة العربية وافق لفظه خط المصحف الإمام فهو من السبع المنصوص عليها ولو رواه سبعون ألفا مجتمعين أو متفرقين فعلى هذا الأصل يبنى من يقول القراءات عن سبعة كان أو سبعة آلاف ومتى فقد واحد من هذه الثلاثة المذكورة في القراءة فاحكم بأنها شاذة ولا يقرأ بشئ من الشواذ وإنما يذكر ما يذكر من الشواذ ليكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا وقال مكى وقد اختار الناس بعد ذلك وأكثر اختياراتهم إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء قوة وجه العربية وموافقته للمصحف واجتماع العامة عليه والعامة عندهم هو ما اتفق عليه أهل المدينة وأهل الكوفة فذلك عندهم حجة قوية توجب الاختيار وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين وربما جعلوا الاعتبار بما اتفق عليه نافع وعاصم فقراءة هذين الإمامين أولى القراءات وأصحها سندا وأفصحها في العربية ويتلوها في الفصاحة خاصة قراءة أبى عمرو والكسائي وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة كل قراءة ساعدها خط المصحف مع صحة النقل فيها ومجيئها على الفصيح من لغة العرب فهى قراءة صحيحة معتبرة فإن اختل أحد هذه الأركان الثلاثة أطلق على تلك القراءة أنها شاذة وضعيفة أشار إلى جماعة من الأئمة المتقدمين ونص عليه الشيخ أبو محمد مكى بن أبى طالب القيرواني في كتاب مفرد صنفه في معاني القراءات السبع وأمر بإلحاقه بكتاب الكشف وذكره شيخنا أبو الحسن في كتابه جمال القراء

[ 332 ]

قال أبو شامة رحمة الله وقد ورد إلى دمشق استفتاء من بلاد العجم عن القراءة الشاذة هل تجوز القراءة بها وعن قراءة القارئ عشرا كل آية بقراءة قارئ فأجاب عن ذلك جماعة من مشايخ عصرنا منهم شيخنا الشافعية والمالكية حينئذ وكلاهما أبو عمر وعثمان يعنى ابن الصلاح وابن الحاجب قال شيخ الشافعية يشترط أن يكون المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا واستفاض نقله بذلك وتلقته الأمة بالقبول كهذه القراءات السبع لأن المعتبر في ذلك اليقين والقطع على ما تقرر وتمهد في الأصول فما لم يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة وممنوع منه ممن عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك وواجب على من قدر على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن يقوم بواجب ذلك وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بها هذا طريق من استقام سبيله ثم قال والقراءة الشاذة ما نقل قرآنا من غير تواتر واستفاضة متلقاة بالقبول من الأئمة كما يشتمل عليه المحتسب لابن جنى وغيره وأما القراءة بالمعنى على تجويزه من غير أن ينقل قرآنا فليس ذلك من القراءة الشاذة أصلا والمتجرئ على ذلك متجرئ أبي على عظيم وضال ضلالا بعيدا فيعزر ويمنع بالحبس ونحوه ويجب منع القارئ بالشواذ وتأثيمه بعد تعريفه وإن لم يمتنع فعليه التعزير يشرطه وأما إذا شرع القارئ في قراءة فينبغي ألا يزال يقرأ بها ما بقى للكلام متعلق بما ابتدأ به وما خالف هذا فمنه جائز وممتنع وعذره مانع من قيامه بحقه والعلم عند الله تعالى وقال شيخ المالكية رحمه الله لا يجوز أن يقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة ولا غيرها

[ 333 ]

عالما بالعربية كان أو جاهلا وإذا قرأها قارئ فإن كان جاهلا بالتحريم عرف به وأمر بتركها وإن كان عالما أدب بشرطه وإن أصر على ذلك أدب على إصراره وحبس إلى أن يرتدع عن ذلك وأما تبديل آتينا بأعطينا وسولت بزينت (ونحوه فليس هذا من الشواذ وهو أشد تحريما والتأديب عليه أبلغ والمنع منه اوجب وأما القراءة بالقراءات المختلفة في آى العشر الواحد فالأولى ألا يفعل نعم إن قرأ بقراءتين في موضع إحداهما مبنية على الأخرى مثل أن يقرأ نغفر لكم بالنون وخطيئاتكم بالجمع ومثل تضل إحداهما فتذكر بالنصب فهذا أيضا ممتنع وحكم المنع كما تقدم قال الشيخ شهاب الدين والمنع من هذا ظاهر وأما ما ليس كذلك فلا يمنع منه فإن الجمع جائز والتخيير فيه بأكثر من ذلك كان حاصلا بما ثبت من إنزال القرآن على سبعة حروف توسعة على القراء فلا ينبغى أن يضيق بالمنع من هذا ولا ضرر فيه نعم أكره ترداد الآية بقراءات مختلفة كما يفعله أهل زماننا في جمع القرآن لما فيه من الابتداع ولم يرد فيه شئ من المتقدمين وقد بلغني كراهته عن بعض متصدرى المغاربة المتأخرين قلت وما أفتى به الشيخان نقله النووي في شرح المهذب عن أصحاب الشافعي فقال قال أصحابنا وغيرهم لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة لأنها ليست قرآنا لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والقراءة الشاذة ليست متواترة ومن قال غيره فغالط أو جاهل فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قرءاتها ما في الصلاة وغيرها وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشواذ ولا يصلى خلف من يقرأ بها

[ 334 ]

الأمر السابع أن حاصل اختلاف القراء يرجع إلى سبعة أوجه الأول الاختلاف في إعراب الكلمة أو في حركات بقائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو البخل والبخل وميسرة وميسرة وما هن أمهاتهم وهن أطهر لكم وأطهر لكم وهل نجازى إلا الكفور وهل يجازى إلا الكفور الثاني الاختلاف في إعراب الكلمة في حركات بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الخط نحو رنا باعد بين أسفارنا وربنا باعد بين أسفارنا وإذ تلقونه وتلقونه وادكر بعد أمة وبعد أمة وهو كثير يقرأ به لما صحت روايته ووافق العربية الثالث الاختلاف في تبديل حروف الكلمة دون إعرابها بما يغير معناها ولا يغير

[ 335 ]

صورة الخط بها في رأى العين نحو كيف ننشزها ولا وفزع عن قلوبهم وفزع عن قلوبهم ويقص الحق ويقضى الحق وهو كثير يقرأ به إذا صح سنده ووجهه لموافقته لصورة الخط في رأى 2 العين الرابع الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتابة ولا يغير معناها نحو إن كانت إلا صيحة واحدة وإلا زقية واحدة وكالعهن المنفوش وكالصوف المنقوش فهذا يقبل إذا صحت روايته ولا يقرأ به اليوم لمخالفته لخط المصحف ولأنه إنما ثبت عن آحاد الخامس الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها في الخط ويزيل معناها نحو تنزيل الكتاب في موضع آلم ذلك الكتاب وطلح منضود وطلع منضود فهذا لا يقرأ به أيضا لمخالفته الخط ويقبل منه ما لم يكن فيه تضاد لما عليه المصحف السادس الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو ما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه أنه قرأ عند الموت وجاءت سكرة الحق بالموت وبهذا قرأ ابن

[ 336 ]

مسعود فهذا يقبل لصحة معناه إذا صحت روايته ولا يقرأ به لمخالفته المصحف ولأنه غير واحد السابع الاختلاف بالزيادة والنقص في الحروف والكلم نحو وما عملته أيديهم وما عملت ونعجة أنثى ونظائره فهذا يقبل منه ما لم يحدث حكما لم يقله أحد ويقرأ منه ما اتفقت عليه المصاحف في إثباته وحذفه نحو تجرى تحتها في براءة عند رأس المائة ومن تحتها أن وفإن الله هو الغنى الحميد في الحديد وفإن الله الغنى ونحو ذلك مما اختلف فيه المصاحف التى وجه بها عثمان إلى الأمصار فيقرأ به إذ لم يخرجه عن خط المصحف ولا يقرأ منه ما لم تختلف فيه المصاحف لا يزاد شئ لم يزد فيها ولا ينقص شئ لم ينقص منها الأمر الثامن قال أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن إن القصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها وذلك كقراءة عائشة وحفصة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وكقراءة ابن مسعود والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما

[ 337 ]

ومثل قراءة أبى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوافيهن وكقراءة سعد بن أبى وقاص وإن كان له أخ أو أخت من أم فلكل وكماقرأ ابن عباس لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج قلت وكذا قراءته وأيقن أنه الفراق وقال ذهب الظن قال أبو الفتح يريد أنه ذهب اللفظ الذى يصلح للشك وجاء اللفظ الذى هو مصرح باليقين انتهى وكقراءة جابر فإن الله من بعد إكراههن له غفور رحيم فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك فكيف إذا روى عن كبار الصحابة ثم صار في نفس القراءة فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل على أنها من العلم الذى لا يعرف العامة فضله إنما يعرف ذلك

[ 338 ]

العلماء ولذلك يعتبر بهما وجه القرآن كقراءة من قرأ يقض الحق فلما وجدتها في قراءة عبد الله يقضى الحق علمت أنها إنما هي يقض فقرأتها على ما في المصحف واعتبرت صحتها بتلك القراءة وكذلك قراءة من قرأ أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ثم لما وجدتها في قراءة أبى تنبئهم علمت أن وجه القراءة تكلمهم في أشباه من هذا كثيرة فائدة قيل قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو راجعة إلى أبى وقراءة ابن عامر إلى عثمان بن عفان وقراءة عاصم وحمزة والكسائي إلى عثمان وعلى وابن مسعود فائدة قال ابن مجاهد إذا شك القارئ في حرف هل هو ممدود أو مقصور فليقرأ بالقصر وإن شك في حرف هل هو مفتوح أو مكسور فليقرأ بالفتح لأن الأول غير لحن في بعض المواضع

[ 339 ]

النوع الثالث والعشرون معرفة توجيه القراءات وتبيين وجه ما ذهب إليه كل قارئ وهو فن جليل وبه تعرف جلالة المعاني وجزالتها وقد اعتنى الأئمة به وأفردوا فيه كتبا منها كتاب الحجة لأبى على الفارسى وكتاب الكشف لمكى وكتاب الهداية للمهدوي على وكل منها قد اشتمل على فوائد وقد صنفوا أيضا في توجيه القراءات الشواذ ومن أحسنها كتاب المحتسب لابن جنى وكتاب أبى البقاء وغيرهما وفائدته كما قال الكواشى أن يكون دليلا على حسب المدلول عليه أو مرجحا إلا أنه ينبغى التنبيه على شئ وهو أنه قد ترجح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحا يكاد يسقط القراءة الأخرى وهذا غير مرضى لأن كلتيهما متواترة وقد حكى أبو عمر الزاهد في كتاب اليواقيت عن ثعلب أنه قال إذا اختلف الإعراب في القرآن عن السبعة لم أفضل إعرابا على إعراب في القرآن فإذا خرجت إلى الكلام كلام الناس فضلت الأقوى وهو حسن وقال أبو جعفر النحاس وقد حكى اختلافهم في ترجيح فك رقبة بالمصدرية والفعلية فقال والديانة تحظر الطعن على القراءة التى قرأ بها الجماعة ولا يجوز أن تكون

[ 340 ]

مأخوذة إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال أنزل القرآن على سبعة أحرف فهما قراءتان حسنتان لا يجوز أن تقدم إحداهما على الأخرى وقال في سورة المزمل السلامة عند اهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال أحدهما أجود لأنهما جميعا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيأثم من قال ذلك وكان رؤساء الصحابة رضى الله عنهم ينكرون مثل هذا وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله قد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الترجيح بين قراءة ملك ومالك حتى إن بعضهم يبالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين واتصاف الرب تعالى بهما ثم قال حتى إنى أصلى بهذه في ركعة وبهذه في ركعة وقال صاحب التحرير وقد ذكر التوجيه في قراءة وعدنا وواعدنا لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع وبعض في مشهور كتب الأئمة من المفسرين والقراء والنحويين وليس ذلك راجعا إلى الطريق حتى يأتي هذا القول بل مرجعه بكثرة الاستعمال في اللغة والقرآن أو ظهور المعنى بالنسبة إلى ذلك المقام وحاصله أن القارئ يختار رواية هذه القراءة على رواية غيرها أو نحو ذلك وقد تجرأ بعضهم على قراءة الجمهور في فنادته الملائكة فقال أكره التأنيث لما فيه من موافقة دعوى الجاهلية في زعمها أن الملائكة إناث وكذلك كره بعضهم قراءة من قرأ بغير تاء لأن الملائكة جمع

[ 341 ]

وهذا كله ليس بجيد والقراءتان متواترتان فلا ينبغى أن ترد إحداهما البتة وفى قراءة عبد الله فناداه جبريل ما يؤيد أن الملائكة مراد به الواحد فصل في توجيه القراءة الشاذة وتوجيه القراءة الشاذة أقوى في الصناعة من توجيه المشهورة ومن أحسن ما وضع فيه كتاب المحتسب لأبى الفتح إلا أنه لم يستوف وأوسع منه كتاب أبو البقاء العكبرى وقد يستبشع ظاهر الشاذ بادى الرأى فيدفعه التأويل كقراءة قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموات والأرض وهو يطعم ولا يطعم على بناء الفعل الأول للمفعول دون الثاني وتأويل الضمير في وهو راجع إلى الولى وكذلك قوله هو الله الخالق البارئ المصور بفتح الواو والراء على أنه اسم مفعول وتأويله أنه مفعول لاسم الفاعل الذى هو البارئ فإنه يعمل عمل الفعل كأنه قال الذى برأ المصور وكقرءاة إنما يخشى الله من عباده العلماء وتأويله أن الخشية هنا بمعنى الإجلال والتعظيم لا الخوف وكقراءة فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء على التكلم لله تعالى وتأويله على معنى فإذا أرشدتك إليه وجعلتك تقصده وجاء قوله على الله على الالتفات وإلا لقال فتوكل على وقد نسب العزم إليه في قول أم سلمة ثم عزم الله لى وذلك على سبيل المجاز وقوله شهد الله إنه لا إله إلا هو

[ 342 ]

النوع الرابع والعشرون معرفة الوقف والابتداء وهو فن جليل وبه يعرف كيف أداء القرآن ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة وبه تتبين معاني الآيات ويؤمن الإحتراز عن الوقوع في المشكلات وقد صنف فيه الزجاج قديما كتاب القطع والاستئناف وابن الأنباري وابن عباد والدانى والعماني وغيرهم وقد جاء عن ابن عمر أنهم كانوا يعملون ما ينبغى أن يوقف عنده كما يتعلمون القرآن وروى عن ابن عباس ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان قال فانقطع الكلام

[ 343 ]

واستأنس له ابن النحاس بقول صلى الله عليه وسلم للخطيب بئس الخطيب أنت حين قال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها ووقف قال قد كان ينبغى أن يصل كلامه فيقول ومن يعصمها فقد غوى أو يقف على ورسوله فقد رشد فإذا كان مثل هذا مكروها في الخطب ففى كلام الله أشد وفيما ذكره نزاع ليس هذا موضعه وقد سبق حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف كل كاف شاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة أو آية رحمة بآية عذاب وهذا تعليم للتمام فإنه ينبغى أن يوقف على الآية التى فيها ذكر العذاب والنار وتفصل عما بعدها نحو أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ولا توصل بقوله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وكذا قوله حقت كلمة ربك على الذين كفرواأنهم أصحاب النار ولا توصل بقوله الذين يحملون العرش وكذا يدخل من يشاء في رحمته ولا يجوز أن يوصل بقوله والظالمون وقس على هذا نظائره حاجة هذا الفن إلى مختلف العلوم وهذا الفن معرفته تحتاج إلى علوم كثيرة قال أبو بكر بن مجاهد لا يقوم بالتمام في الوقف إلا نحوى عالم بالقراءات عالم بالتفسير والقصص وتلخيص بعضها من بعض عالم باللغة التى نزل بها القرآن وقال غيره وكذا علم الفقه ولهذا من لم يقبل شهادة القاذف وإن تاب وقف عند قوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا

[ 344 ]

فأما احتياجه إلى معرفة النحو وتقديراته الله فلأن من قال في قوله تعالى ملة قال أبيكم أبراهيم إنه منصوب بمعنى عن أوأعمل من فيها ما قبلها لم يقف على ما قبلها وكذا الوقف على قوله يجعل له عوجا ثم يبتدئ لئلا يتخيل كونه صفة له إذاالعوج لا يكون قيما وقد حكاه ابن النحاس عن قتادة وهكذا الوقف على ما في آخره هاء فإنك في غير القرآن تثبت الهاء إذا وقفت وتحذفها إذا وصلت فتقول قه وعه وتقول ق زيدا وع كلامي فأما في القرآن من قوله تعالى في وحسابيه بن وهذه وماهيه سنة ولم يتسنه واقتده عمرو وغير ذلك فالواجب أن يوقف عليه بالهاء لأنه مكتوب في المصحف بالهاء ولا يوصل لأنه يلزم في حكم العربية إسقاط الهاء في الوصل فإن أثبتها خالف العربية وإن حذفها خالف مراد المصحف ووافق كلام العرب وإذا هو وقف عليه خرج من الخلافين واتبع المصحف وكلام العرب فإن قيل فقد جوزوا الوصل في ذلك قلنا أتو به على نية الوقف غير أنهم قصروا زمن الفصل بين النطقين فظن من لا خيرة له أنهم وصلوا وصلا محضا وليس كذلك

[ 345 ]

ومثله قراءة ابن عامر لكنا هو الله ربى بإثبات الألف في حال الوصل اتبعوا في إثباتها خط المصحف لأنهم أثبتوها فيه على نية الوقف فلهذا أثبتوها في حال الوصل وهم على نية الوقف وأما احتياجه إلى معرفة التفسير فلأنه إذا وقف على فإنها محرمة عليهم أربعين سنة كان المعنى محرمة عليهم هذه المدة وإذا وقف على فإنها محرمة عليهم كان المعنى محرمة عليهم أبدا وأن التيه أربعين فرجع في هذا إلى التفسير فيكون بحسب ذلك وكذا يستحب الوقف على قوله من بعثنا من مرقدنا ثم يبتدئ فيقول هذا ما وعد الرحمن لأنه قيل إنه من كلام الملائكة وأما احتياجه إلى المعنى فكقوله قال الله على ما تقول وكيل فيقف على وقفة لطيفة لئلا يتوهم كون الاسم الكريم فاعل وإنما الفاعل يعقوب عليه السلام وكذا يجب الوقف على قوله ولا يحزنك قولهم ثم يبتدئ إن العزة لله جميعا وقوله فلا يصلون إليكما بآياتنا قال الشيخ عز الدين الأحسن

[ 346 ]

الوقف على إليكما لأن إضافة الغلبة إلى إلى الآيات أولى من إضافة عدم الوصول إليها لأن المراد بالآيات العصا وصفاتها وقد غلبوا بها السحرة ولم تمنع عنهم فرعون وكذا يستحب الوقف على قوله أولم يتفكروا والابتداء بقوله مابصاحبهم من جنة فإن ذلك يبين أنه رد لقول الكفار يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون وقال الدانى إنه وقف تام وكذا الوقف على قوله ولذلك خلقهم والابتداء بما بعده أي لأن يرحمهم فإن ابن عباس قال في تفسير الآية ولا يزالون مختلفين يعنى اليهود والنصارى إلا من رحم ربك يعنى أهل الإسلام ولذلك خلقهم أي لرحمته خلقهم وكذلك الوقف على قوله يوسف أعرض عن هذا والابتداء بقوله واستغفرى لذنبك فإن بذلك يتبين الفصل بين الأمرين لأن يوسف عليه السلام أمر بالأعراض وهو الصفح عن جهل من جهل قدره وأراد ضره والمرأة أمرت بالاستغفار لذنبها لأنها همت بما يجب الاستغفار منه ولذلك أمرت به ولم يهم بذلك يوسف عليه السلام ولذلك لم يؤمر بالاستغفار منه وإنما هم بدفعها عن نفسه لعصمته ولذلك أكد أيضا بعض العلماء الوقف على قوله تعالى ولقد همت به والابتداء بقوله وهم بها وذلك للفصل بين الخبرين وقد قال الدانى إنه كاف وقيل تام وذكر بعضهم أنه على

[ 347 ]

حذف مضاف أي هم بدفعها وعلى هذا فالوقف على همت به كالوقف على قوله تعالى لنبين لكم والابتداء بقوله وهم بها كالابتداء بقوله ونقر في الأرحام ومثله الوقف مراعاة للتنزيه على قوله وهو الله وقد ذكر صاحب الاكتفا أنه تام وذلك ظاهر على قول ابن عباس أنه على التقديم والتأخير والمعنى وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض وكذلك حكى الزمخشري في كشافه القديم عن أبى حاتم السجستاني في قوله مستهزئون الله يستهزئ بهم قال ليس مستهزئون بوقف صالح لا أحب استئناف الله يستهزئ بهم ولا استئناف ومكر الله والله خير الماكرين حتى أصله بما قبله قال وإنما لم يستحب ذلك لأنه إنما جاز إسناد الاستهزا والمكر إلى الله تعالى على معنى الجزاء عليهما وذلك على سبيل المزاوجة فإذا استأنفت وقطعت الثاني من الأول أوهم أنك تسنده إلى الله مطلقا والحكم في صفاته سبحانه أن تصان عن الوهم وكذلك قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله قال صاحب الاكتفا

[ 348 ]

إنه تام على قول من زعم أن الراسخين لم يعلموا تأويله وقول الأكثرين ويصدقه قراءة عبد الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك الوقف على وقالوا اتخذ الله ولدا والابتداء بقوله سبحانه وقد ذكر ابن نافع أنه تام في كتابه الذى تعقب فيه على صاحب الاكتفا واستدرك عليه فيه مواقف كثيرة وذلك أن الله أخبر عنهم بقولهم اتخذ الله ولدا ثم رد قولهم ونزه نفسه بقوله سبحانه فينبغي أن يفصل بين القولين ومثله الوقف على قوله تعالى الشيطان سول لهم والابتداء بقوله واملى لهم قال صاحب الكافي سول لهم كاف سواء قرئ وأملى لهم على ما يسم فاعله أو وأملى لهم على الإخبار لأن الإملاء في كلتا القراءتين مسند إلى الله تعالى لقوله فأمليت للكافرين فيحسن قطعه من التسويل الذى هو مسند إلى الشيطان وهو كما قال وإنما يحسن قطعه بالوقف ليفصل بين الحرفين ولقد نبه بعض من وصله على حسن هذا الوقف فاعتذر بأن الوصل هو الأصل ومثله الوقف على قوله رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها والابتداء بقوله ما كتبناها عليهم وذلك للإعلام بأن الله تعالى جعل الرهبانية في قلوبهم أي خلق كما جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم وإن كانوا قد ابتدعوها فالله تعالى خلقها بدليل قوله سبحانه والله خلقكم وما تعملون هذا مذهب أهل السنة

[ 349 ]

وقد نسب أبو على الفارسى إلى مذهب الاعتزال بقوله في الإيضاح حين تكلم على هذه الآية فقال ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على مع وصفها بقوله ابتدعوها قبل لأن ما يجعله الله لا يبتدعونه فكذلك ينبغى أن يفصل بالوقف بين المذهبين ومثله الوقف على قوله تعالى فإن الله هو مولاه والابتداء بقوله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير أي معينون له صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الجملة مستأنفة وأما احتياجه إلى المعرفة بالقراءات فلأنه إذا قرأ ويقولون حجرا محجورا بفتح الحاء كان هذا التمام وإن ضم الحاء وهى قراءة الحسن فالوقف عند حجرا يحيى لأن العرب كان إذا نزل بالواحد منهم شدة قال حجرا فقيل له محجورا أي لا تعاذون كما كنتم تعاذون في الدنيا حجر الله ذلك عليهم يوم القيامة وإذا قرأ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله فهو التام إذا نصب والعين بالعين ومن رفع فالوقف عند أن النفس بالنفس وتكون والعين بالعين ابتداء حكم في المسلمين وما قبله في التوراة

[ 350 ]

واعلم أن أكثر القراء يبتغون في الوقف المعنى وإن لم يكن رأس آية ونازعهم فيه بعض المتأخرين في ذلك وقال هذا خلاف السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقف عند كل آية فيقول الحمد لله رب العالمين ويقف ثم يقول الرحمن الرحيم وهكذا روت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته آية آية ومعنى هذا الوقف على رءوس الآي وأكثر اواخر الآى في القرآن تام أو كاف وأكثر ذلك في السور القصار الآى نحو الواقعة قال وهذا هو الأفضل أعنى الوقف على رءوس الآى وإن تعلقت بما بعدها وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقف عند رءوس انتهائها واتباع السنة أولى وممن ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقى في كتاب شعب الإيمان وغيره ورجح الوقف على رءوس الآى وإن تعلقت بما بعدها قلت وحكى النحاس عن الأخفش على بن سليمان أن يستحب الوقوف على قوله هدى للمتقين لأنه رأس آية وإن كان متعلقا بما بعده أقسام الوقف والوقف عند أكثر القراء ينقسم إلى أربعة أقسام تام مختار وكاف جائز وحسن مفهوم وقبيح متروك وقسمه بعضهم إلى ثلاثة وأسقط الحسن وقسمه آخرون إلى اثنين وأسقط الكافي والحسن فالتام هو الذى لا يتعلق بشئ مما بعده فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده

[ 351 ]

كقوله تعالى وأولئك هم المفلحون وأكثر ما يوجد عند رءوس الآى كقوله وأولئك هم المفلحون ثم يبتدئ بقوله إن الذين كفروا وكذا وأنهم إليه راجعون ثم يبتدئ بقوله يا بنى إسرائيل وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة كقوله وجعلوا أعزة أهلها أذلة هنا التمام لأنه انقضى كلام بلقيس ثم قال تعالى وكذلك يفعلون وهو رأس الآية كذلك عن الذكر بعد إذ جاءني هو التمام لأنه انقضاء كلام الظالم الذى هو أبى بن خلف ثم قال تعالى وكان الشيطان للإنسان خذولا وهو رأس آية وقد يوجد بعدها كقوله تعالى مصبحين وبالليل مصبحين رأس الآية وبالليل التمام لأنه معطوف على المعنى أي والصبح وبالليل وكذلك يتكئون وزخرفا رأس الآية يتكئون وزخرفا هو التمام لأنه معطوف على ما قبله من قوله سقفا الرحمن وآخر كل قصة وما قبل أولها وآخر كل سورة تام والأحزاب والأنصاف والأرباع والأثمان والأسباع والأتساع والأعشار والأخماس وقبل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول والله بعد رأس كل آية والشرط ما لم يتقدم جوابه وكان الله وذلك ولولا غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أو قول أو ما في معناه والكافي منقطع في اللفظ متعلق في المعنى فيحسن الوقف عليه والابتداء أيضا بما

[ 352 ]

بعده نحو حرمت عليكم أمهاتكم هنا الوقف ثم يبتدئ بما بعد ذلك وهكذا باقى المعطوفات وكل رأس آية بعدها لام كى وإلا بمعنى لكن وإن المكسورة المشددة والاستفهام وبل وألا المخففة والسين وسوف على التهدد ونعم وبئس وكيلا وغالبهن كاف ما لم يتقدمهن قول أو قسم وقيل أن المفتوحة المخففة خمسة لا غير البقرة وأن تصوموا وكان وأن تعفوا روى وأن تصدقوا ولم والنساء وأن تصبروا والنور وأن يستعففن بين والحسن هو الذى يحسن الوقوف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به في اللفظ والمعنى نحو الحمد لله رب العالمين والرحمن الرحيم والوقف عليه حسن لأن المراد مفهوم والابتداء بقوله رب العالمين والرحمن الرحيم ومالك يوم الدين لا يحسن لأن ذلك مجرور والابتداء بالمجرور قبيح لأنه تابع والقبيح هو الذى لا يفهم منه المراد نحو الحمد أهل فلا يوقف عليه ولا على الموصوف دون الصفة ولا على البدل دون المبدل منه ولا على المعطوف دون المعطوف عليه نحو كذبت ثمود وعاد حديث ولا على المجرور دون الجار

[ 353 ]

وأقبح من هذا الوقف على قوله لقد كفر الذين قالوا ومن يقل منهم والابتداء بقوله إن الله هو المسيح بن مريم إن الله ثالث ثلاثة إنى إله لأن المعنى يستحيل بهذا في الابتداء ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر ومثله في القبح الوقف على فبهت الذى كفر والله ومثل السوء ولله عند وشبهه ومثله وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه وإنما يستجيب الذين يسمعون والموتى وأقبح من هذا وأشنع الوقف على النفى دون حروف الإيجاب نحو لا إله إلا الله وماا أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وكذا وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا والذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا فإن اضطر لأجل التنفس جازذلك ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج وقال بعضهم إن تعلقت الآية بما قبلها تعلقا لفظيا كان الوقف كافيا نحو اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين وإن كان معنويا فالوقف على ما قبلها حسن كاف نحو الحمد لله رب العالمين وإن لم يكن لا لفظيا ولا معنويا فتام

[ 354 ]

كقوله ولا هم يحزنون بعده الذين يأكلون الربا وإن كانت الآية مضادة لما قبلها كقوله أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش فالوقف عليه قبيح واعلم أن وقف الواجب إذا وقفت قبل والله ثم ابتدأت بوالله وهو الوقف الواجب كقوله تعالى حذر الموت والله محيط بالكافرين وقال بعض النحويين الجملة التأليفية إذا عرفت أجزاؤها وتكررت أركانها كان ما أدركه الحس في حكم المذكور فله أن يقف كيف شاء وسواء التام وغيره إلا أن الأحسن أن يوقف على الأتم وما يقدر به وذهب الجمهور إلى أن الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب تام وشبيه به وناقص وحسن وشبيه به وقبيح وشبيه به وصنفوا فيه تصانيف فمنها ما أثروه عن النحاة ومنها ما أثروه عن القراء ومنها ما استنبطوه ومنها ما اقتدوا فيه بالسنة فقط كالوقف على أواخر الآى وهى مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وذهب أبو يوسف القاضى صاحب أبى حنيفة إلى أن تقدير الموقوف عليه من القرآن التام والناقص والحسن والقبيح وتسميته بذلك بدعة ومتعمد الوقف على نحوه مبتدع قال لأن القرآن معجز وهو كالقطعة الواحدة فكله قرآن وبعضه قرآن وكله تام حسن وبعضه تام حكى ذلك أبو القاسم بن برهان النحوي عنه

[ 355 ]

وقال ابن الانباري لا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه ولا على الرابع دون المرفوع ولا على المرفوع دون الرافع ولا على الناصب دون المنصوب ولا عكسه ولا على المؤكد دون التأكيد ولا على المعطوف دون المعطوف عليه ولا على إن وأخواتها دون اسمها ولا على اسمها دون خبرها وكذا ظننت ولا على المستثنى منه دون الاستثناء ولا على المفسر عنه دون التفسير ولا على المترجم عنه دون المترجم ولا على الموصول دون صلته ولا على حرف الاستفهام دون ما استفهم به عنه ولا على حرف الجزاء دون الفعل الذى بينهما ولا على الذى يليه دون الجواب وجوز أبو على الوقف على ما قبل إلا إذا كانت بمعنى لكن كقوله تعالى إلا ما اضطررتم إليه وكقوله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى وإلا اتباع الظن ونحوه وقال أبو عبيد يجوز الوقف دون إلا خطأ إلا اللمم لأنه إلا سلاما لأن المعنى لكن يقع خطأ ولكن قد يلم ولكن يسلمون سلاما وجميعه استثناء منقطع وقال غيره لا يجوز الوقف على المبدل دون البدل إذا كان منصوبا وإن كان مرفوعا جاز الوقف عليه والحاصل أن كل شئ كان تعلقه بما قبله كتعلق البدل بالمبدل منه أو أقوى لا يجوز الوقف عليه

[ 356 ]

مسألة فصل بعضهم في الصفة بين أن تكون للاختصاص فيمتنع الوقف على موصوفها دونها وبين أن تكون للمدح فيجوز وجرى عليه الرماني في الكلام على قوله تعالى وبشر الصابرين قال ويجوز الوقف عليه خلافا لبعضهم وعامل الصفة في المدح غير عامل الموصوف فلهذا جاز قطعها عما قبلها بخلاف الاختصاص فإن عاملها عامل الموصوف وسيأتى في كلام الزمخشري ما يؤيده مسألة لا خلاف في التسامح بالوقف على المستثنى منه دون المستثنى إذا كان متصلا واختلف في الاسثثناء أخبرنا المنقطع فمنهم من يجوزه مطلقا ومنهم من يمنعه مطلقا وفصل ابن الحاجب في أماليه فقال يجوز إن صرح بالخبر ولا يجوز إن لم يصرح به لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها قال ووجه من جوز مطلقا أنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه فكان مثل قولنا زيد لمن قال من أبوك ألا ترى أن تقدير المنقطع في قولك ما في الدار أحد إلا الحارث لكن الحارث في الدار ولو قلت لكن الحارث مبتدئا به بعد الوقوف على ما قبله لكان حسنا ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على مثل قوله إن الله

[ 357 ]

لا يظلم الناس شيئا والابتداء بقوله ولكن الناس أنفسهم يظلمون فكذلك هذا ووجه من قال بالمنع ما أرى من احتياج الاستثناء المنقطع إلى ما قبله لفظا ومعنى أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال إلا وما في معناها إلا متصلا بما قبلها لفظا ألا ترى أنك إذا قلت ما في الدار أحد غير حمار فوقفت على ما قبل غير وابتدأت به كان قبيحا فكذلك هذا وأما المعنى فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام في المعنى فإن ما في الدار أحد إلا الحمار هو الذى صحح قولك إلا الحمار ألا ترى أنك لو قلت إلا الحمار على انفراده كان خطأ مسألة اختلف في الوقف على الجملة الندائية والمحققون كما قاله ابن الحاجب على الجواز لأنها مستقلة وما بعدها جملة أخرى وإن كانت الأولى تتعلق بها من حيث كانت هي في المعنى قاعدة في الذى والذين في القرآن جمع ما في القرآن من الذين والذى يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا له والقطع على أنه خبر مبتدأ إلا في سبعة مواضع فإن الابتداء بها هو المعين

[ 358 ]

الأول قوله الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته الثاني قوله الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم في البقرة الثالث في الأنعام كذلك الرابع قوله الذين يأكلون الربا لا يقومون الخامس في سورة التوبة الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله السادس قوله في سورة الفرقان الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم السابع قوله في سورة حم المؤمن أنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش ومن حوله وقال الزمخشري في تفسير سورة الناس يجوز أن يقف القارئ على الموصوف ويبتدئ الذى يوسوس يا إن جعله على القطع بالرفع والنصب بخلاف ما إذا جعله صفة وهذا يرجع لما سبق عن الرماني من الفصل بالصفة بين التخصيصية لو والقطيعة وجميع ما في القرآن من القول لا يجوز الوقف عليه لأن ما بعده حكاية القول قاله الجوينى في تفسيره وهذا الإطلاق مردود بقوله تعالى ولا يحزنك قولهم فإنه يجب الوقف

[ 359 ]

هنا لأن قوله إن العزة لله جميعا ليس من مقولهم قال وسمعت أبا الحسين الدهان يقول حيث كان فيه إضمار من القرآن حسن الوقف مثاله قوله تعالى فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك الحجر فيحسن الوقف هاهنا لأن فيه إضمارا تقديره فضرب فانفلق فصل ملخص في تقسيمات الوقف فصل جامع لخصته من كلام صاحب المستوفى في العربية قال تقسيمهم الوقف إلى الجودة والحسن والقبح والكفاية وغير ذلك وإن كان يدل على ذلك فليست القسمة بها صحيحة مستوفاة على مستعملها وقد حصل لقائلها من التشويش ما إذا شئت وجدته في كتبهم المصنفة في الوقوف فالوجه أن يقال الوقف ضربان اضطرارى واختياري فالاضطرارى يكون ما يدعو إليه انقطاع النفس فقط وذلك لا يخص موضعا دون موضع حتى إن حمزة كان يقف في حرفه على كل كلمة تقع فيها الهمزة متوسطة أو متطرفة إذا أراد تسهيلها وحتى إنه روى عنه الوقف على المضاف دون المضاف إليه في نحو قوله ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات قالوا وقف هنا بالتاء على نحو جاءني طلحت إشعارا بأن الكلام لم يتم عند ذاك وكوقفه مع على سعيد

[ 360 ]

من قوله وإذا خلوا إلى بالفاء حركة الهمزة على الساكن قبلها كهذه الصورة خلولى بكر وعلى هذا يجوز أن يقف في المنظوم من القول حيث شئت وهذا هو أحسن الوقفين والاختياري قد وهو أفضلهما هو الذى لا يكون باعتبار انفصال ما بين جزأى القول وينقسم بانقسام الانفصال أقساما الأول التام وهو الذى يكون بحيث يستغنى كل واحد من جزأى القولين اللذين يكتفانه وفي عن الآخر كالوقف على نستعين من قوله إياك نعبد وإياك نستعين والآخر اهدنا الصراط المستقيم مستغن عن الآخر من حيث الإفادة النحويين والتعلق اللفظى الثاني الناقص وهو أن يكون ما قبله مستغنيا عما بعده ولا يكون ما بعده مستغنيا عما قبله كالوقف على المستقيم من قوله اهدنا الصراط المستقيم ولأن لك أن تسكت على اهدنا الصراط المستقيم وليس لك أن تقول مبتدئا صراط الذين أنعمت عليهم فإن قيل ولم لا يجوز أن يقدر هاهنا الفعل الذى ينتصب به صراط قلنا أول ما في ذلك أنك إذا قدرت الفعل قبل صراط لم تكن مبتدئا به من حيث المعنى ثم إن فعلت ذلك كان الوقف تاما لأن كل واحد من طرفيه يستغنى حينئذ عن الآخر والنحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص كقوله تعالى قل أوحى إلى قوله فلا تدعوا مع الله أحدا إن كسرت بعده إن فإن

[ 361 ]

فتحتها فإلى قوله كادوا يكونون عليه لبدا لأن الأوجه في أن في الآية أن تكون محمولة على أوحى وهذا أقرب من جعل الوقف التام حطبا وحمل وإن لو إستقاموا على القسم فاضطر في وأن المساجد لله إلى أن جعل التقدير فلا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله فإن قيل هذا هو الوجه في فتح أن في الجملة التى بعد قوله فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فلم لا يلزم من جعل الوقف التام حطبا ألا يقف قبله على هذه الجمل في كسر إن في أول كل واحدة منها قلنا لأن هذه الجمل داخلة في القول وما يكون داخلا في القول لا يتم الوقف دونه كما أن المعطوف إذا تبع المعطوف عليه في إعرابه الظاهر والمقدر لا يتقدمه الوقف تاما فإن قيل فهل يجوز الفصل بالمكسورات كل بين أنه استمع وبين وأنه لما قام عبد الله فيمن فتحهما وقد عطف بالثانية على الأولى قيل أما عندنا فليس ذلك بفصل لأن ما بعد إنا سمعنا من المكسورات معطوف عليها وهى داخلة في القول والقول أعنى فقالوا معطوف على استمع واستمع من صلة أن الأولى المفتوحة فالمكسورات، تكون في خبر المفتوحة الأولى فيعطف عليها الثانية بلا فصل بينها والثانية عندنا هي المخففة في قوله تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة ثم الثالثة هي التى في قوله وأن المساجد لله

[ 362 ]

ثم إن فتحت التى في قوله تعالى وأنه لما قام عبد الله رابعة تابعة فإن فتحت التى بعد سمعنا كانت هي واللواتي فلا بعدها إلى قوله حطبا داخله في القول حملا على المعنى وقد يجوز أن تكون هي الثانية ثم تعد بعدها على النسق ونحو قوله تعالى إذا الشمس كورت إلى قوله علمت نفس ما أحضرت وعلى هذا القياس الثالث الأنقص ومثل له بقراءة بعضهم وإن كلا لما ليوفينهم وقراءة بعضهم لكن هو الله والفرق بينهما أن التام قد يجوز أن يقع فيه بين القولين مهلة وتراخ في اللفظ والناقص لا يجوز أن يقع فيه بين جزأى القول إلا قليل لبث والذى دونهما لا لبث فيه ولا مهلة أصلا ثم إن كلا من التام والناقص ينقسم في ذاته أقساما فالتام أتمه مالا يتعلق اللاحق فيه من القولين بالسابق معنى كما لا يتعلق به لفظا وذلك نحو قوله تعالى وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور لله ملك السموات والأرض وشأن ما يتعلق فيه أحد القولين بالآخر معنى وإن كان لا يتعلق به لفظا وذلك كقوله يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون وتعلق الثاني فيه بالأول تعلق الحال بذى الحال معنى

[ 363 ]

ونحو قوله تعالى إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون إلى قوله فجعلهم جذاذا إلى قوله بل فعله كبيرهم هذافهذه الحال قد عطف بعضها في المعنى وظاهر كل واحد منها الاستئناف في اللفظ ونحو قوله تعالى فهم به مستمسكون بل قالوا وأنت تعلم أن بل لا يبتدأ بها ونحو وكنتم أزواجا ثلاثة فإن ما بعده منقطع عنه لفظا إذ لا تعلق له من جهة اللفظ لكنه متعلق به معنى وتعلقه قريب من تعلق الصفة بالموصوف إلى قوله وتصلية جحيم ونحو قوله يأيها الناس اتقوا ربكم فإن الوقف عليه تام ولكنه ليس بالأتم منه لأن ما بعده وهو قوله تعالى إن زلزلة الساعة شئ عظيم كالعلة لما قبلها فهو متعلق به معنى وإن كان لا تعلق له من جهة اللفظ فقس على هذا ما سواه فإنه أكثر أنواع الوقوف استعمالا وليس إذا حاولت بيان قصة وجب عليك ألا تقف إلا في آخرها ليكون الوقف القول على الأتم ومن ثم أتى به من جعل الوقف على عليكم من قوله والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم كتاب الله عليكم غير تام

[ 364 ]

فصل متى يحسن الوقف الناقص يحسن الوقف الناقص بأمور منها أن يكون لضرب من البيان كقوله تعالى ولم يجعل له عوجا قيما إذ به تبين أن قيما منفصل عن عوجا وإنه حال في نية التقدم وكما في قوله تعالى وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ليفصل به بين التحريم النسبى والسببى قلت ومنه قوله تعالى يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ليبين أن هذا ليس من مقولهم ومنها أن يكون على رءوس الآى كقوله تعالى ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ونحوه لعلكم ترحمون أن تقولوا وكان نافع يقف على رءوس الآى كثيرا ومنه قوله تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ومنها أن تكون صورته في اللفظ صورة الوصل بعينها نحو قوله تعالى كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى

[ 365 ]

ومنها أن يكون الكلام مبنيا على الوقف فلا يجوز فيه إلا الوقف صيغة كقوله يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه هذا في الناقص ومثاله في التام وما أدراك ماهيه نار حاميه فصل خواص الوقف التام من خواص التام المراقبة وهو أن يكون الكلام له مقطعان على البدل كل واحد منهما إذا فرض فيه وجب الوصل في الآخر وإذا فرض فيه الوصل وجب الوقف في الآخر كالحال بين حياة وبين أشركوا من قوله ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر فإنك إن جعلت القطع على حياة وجب أن تبتدئ فتقول ومن الذين أشركوا يود على الوصل لأن يود: صفة للفاعل في موضعه فلا يجوز الوقف دونه وكذلك إن جعل المقطع غير وجب أن يصل حياة على أن يكون التقدير وأحرص من الذين أشركوا والله أعلم بمراده ومنه أيضا ما تراه بين لا ريب وبين من قوله تعالى لا ريب فيه

[ 366 ]

فصل انقسام الناقص بانقسام خاص ينقسم الناقص بانقسام ما مر من التعلق اللفظى بين طرفيه فكلما كان التعلق أشد وأكثر كان الوقف أنقص وكلما كان أضعف واوهى كان الوقف أقرب إلى التمام والتوسط يوجب التوسط فمن وكيد التعلق ما يكون بين توابع الاسمية والفعلية وبين متبوعاتها أحمد إذا لم يمكن أن يتمحل لها في إعرابها وجه غير الإتباع ومن ثم ضعف الوقف على منتصرين من قوله تعالى وفى ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح فيمن جر غاية الضعف وضعف على من قوله ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم وضعف على من قوله تعالى سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا وضعف على بعد من قوله ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا على أن هذه الطبقة من التعلق قد تنقسم أقساما فإنه ليس بين البدل والمبدل منه من التعلق بين الصفة والموصوف على ما ذكرناه

[ 367 ]

وأوهى من هذا التعلق ما يكون بين الفعل وبين ما ينتصب عنه من الزوائد التى لا يخل حذفها بالكلام كبير إخلال كالظرف والتمييز والاستثناء المنقطع ولذلك كان الوقف على نحو يقول من قوله أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف أوهى من الوقوف المذكورة فإن وسطت بين التعلق بالمذكور من المتعلق الذى للمفعول أو الحال المخصصة أو الاستثناء الذى يتغير بسقوطه المعنى وانتصب كان لك في الوقف على نحو مسغبة الذي من قوله تعالى أو إطعام في يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة وعلى نحو لأن من قوله تعالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين وعلى نحو من قوله جزاؤهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين وعلى نحو وقد وعلي من قوله تعالى يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وعلى نحو حتى من قوله تعالى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعياإلى الله بإذنه وسراجا منيرا مرتبة بين المرتبتين المذكورتين فهذه ثلاث مراتب للوقف الناقص كما ترى بإزاء ثلاث طبقات من التعلق المذكور فإن قسمت طبقة من الطبقات انقسمت بإزائها مرتبة من المراتب فقد خرج لك بحسب هذه القسمة وهى القسمة الصناعية ستة أصناف من الوقف في الكلام خمسة منها بحسب الكلام نفسه وهى الأتم والتام والذى يشبه التام والناقص المطلق والأنقص وواحد من جهة المتكلم أو القارئ وهو الذى بحسب انقطاع النفس كما سبق عن حمزة

[ 368 ]

واعلم أن الوقف في الكلام قد يمكن أن يكون من غير انقطاع نفس وإن كان لا شئ من انقطاع النفس إلا ومعه الوقف والوقوف أمرها على سبيل الجواز إلا الذى بنى عليه الكلام وما سواه فعليك منه أن تختار الأفضل فالأفضل بشرط أن تطابق به انقطاع نفسك لينجذب تعالى عند السكت إلى باطنك من الهواء ما تستعين به ثانيا على الكلام الذى تنشئه بإخراجه على الوجه المذكور ومما يدعو إلى الوقف في موضع الوقف الترتيل فإنه أعون شئ عليه وقد أمر الله تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله ورتل القرآن ترتيلا ويدعو إليه اجتناب تكرير اللفظة الواحدة في القرآن تكريرا من غير فصل كما في قوله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق وقوله لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين فصل في الكلام على كلا في القرآن كلا في القرآن على ثلاثة أقسام إحداها ما يجوز الوقف عليه والابتداء به جميعا باعتبار معنيين والثانى ما لا يوقف عليه ولا يبتدأ به

[ 369 ]

والثالث ما يبتدأ به ولا يجوز الوقف عليه وجملته ثلاثة وثلاثون حرفا تضمنها خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن وليس في النصف الأول منها شئ وللشيخ عبد العزيز الديرينى رحمه الله وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن * ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى وحكمة ذلك أن النصف الآخر نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة فتكررت هذه الكلمة على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلهم وضعفهم والأول اثنا عشر حرفا منها في سورة مريم أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا ومنه فيها ليكونوا لهم عزا كلا وفى المؤمنين فيما تركت كلا وفى المعارج ينجيه كلا وفيها جنة نعيم كلا وفى المدثر أن أزيد كلا وفيها صحفا منشرة كلا وفى القيامة أين المفر كلا

[ 370 ]

وفى عبس تلهى كلا وفى التطفيف قال أساطير الأولين كلا وفى الفجر أهانن كلا وفى الهمزة أخلده كلا والثانى ثلاثة أحرف في الشعراء أن يقتلون قال كلا وفيها إنا لمدركون قال كلا وفى سبأ ألحقتم به شركاء كلا والثالث ثمانية عشر حرفا في المدثر كلا والقمر كلا إنه تذكرة وفى القيامة كلا بل تحبون العاجلة كلا إذا بلغت التراقي وفى النبأ كلا سيعلمون وفى عبس كلا لما يقض

[ 371 ]

وفى الانفطار كلا بل تكذبون وفى التطفيف كلا إن كتاب الفجار كلا أنهم وفى الفجر كلا إذا وفى العلق كلا إن كلا لئن لم ينته كلا لا تطعه وفى التكاثر كلا سوف تعلمون وقسمها مكى أربعة أقسام الأول ما يحسن الوقف فيه على كلا على معنى الرد لما قبلها والإنكار له فتكون بمعنى ليس الأمر كذلك والوقف عليها في هذه المواضع هو الاختيار ويجوز الابتداء بها على معنى حقا أو إلا وذلك أحد عشر موضعا منها الموضعان في مريم وفى المؤمنين وفى سبأ ألحقتم به شركاء كلا وموضعان في المعارج وموضعان في المدثر وموضع في المطففين والفجر والحطمة قال فهذه أحد عشر موضعا الاختيار عندنا وعند أكثر أهل اللغة أن تقف عليها على معنى النفى والإنكار لما تقدمها ويجوز أن تبتدئ بها على معنى حقا لجعلها تأكيدا للكلام الذى بعدها أو الاستفتاح الثاني مالا يحسن الوقف عليه فيها ولا يكون الابتداء بها على معنى حقا أو إلا

[ 372 ]

أو تعلقها بما قبلها وبما بعدها ولا يوقف عليها ولا يبتدأ بها والإبتداء بها في المواضع أحسن وذلك في ثمانية عشر موضعا موضعان في المدثر وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة وثلاثة في القيامة أين المفر كلا ثم إن علينا بيانه كلا أن يفعل بها فاقرة كلا إذا وموضع في عم كلا سيعلمون وموضعان في عبس إذا شاء أنشره كلا تلهى كلا وموضع في الانفطار ما شاء ركبك كلا وثلاثة مواضع في المطففين لرب العالمين كلا إن كتاب الفجار ما كانوا يكسبون كلا إنهم الذى كنتم به تكذبون كلا وموضع في الفجر حبا جما كلا وثلاثة مواضع في العلق علم الإنسان ما لم يعلم كلا ألم يعلم بأن الله يرى كلا سندع الزبانية كلا

[ 373 ]

وموضعان في التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون وقوله كلا لو تعلمون فهذه ثمانية عشر موضعا الاختيار عندنا وعند القراء وعند أهل اللغة أن يبتدأ بها وكلا على معنى حقا أو إلا وألا يوقف عليها الثالث ما لا يحسن الوقف فيه عليها ولا يحسن الابتداء بها ولا تكون موصولة بما قبلها من الكلام ولا بما بعدها وذلك موضعان في عم يتساءلون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون وكذا في التكاثر ثم كلا سوف تعلمون فلا يحسن الوقف عليها ولا الابتداء بها الرابع ما لا يحسن الابتداء بها ويحسن الوقوف عليها وهو موضعان في الشعراء أن يقتلون قال كلا إنا لمدركون قال كلا قال فهذا هو هو الاختيار ويجوز في جميعها أن تصلها بما قبلها وبما بعدها ولا تقف عليها ولا تبتدئ بها الكلام على بلى وأما فقد وردت في القرآن في اثنين وعشرين موضعا في ست عشرة سورة وهى على ثلاثة أقسام

[ 374 ]

أحدها ما يختار فيه كثير من القراء وأهل اللغة الوقف عليها لأنها جواب لما قبلها غير متعلق بما بعدها وذلك عشرة مواضع موضعان في البقرة ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة إن كنتم صادقين بلى وموضعان في آل عمران وهم يعلمون بلى من أوفى بلى إن تصبروا وموضع في الأعراف ألست بربكم قالوا بلى وفيه اختلاف وفى النحل ما كنا نعمل من سوء بلى وفى يس أن يخلق مثلهم بلى وفى غافر رسلكم بالبينات قالوا بلى وفى الأحقاف على أن يحيى الموتى بلى وفى الانشقاق أن لن يحور بلى فهذه عشرة مواضع يختار الوقف عليها لأنها جواب لما قبلها غير متعلقة بما بعدها وأجاز بعضهم الابتداء بها والثانى ما لا يجوز الوقف عليها لتعلق ما بعدها بها وبما قبلها وذلك في سبعة مواضع في الأنعام بلى وربنا وفى النحل لا يبعث الله من يموت بلى وفى سبأ قل بلى وربى وفى الزمر من المحسنين بلى قد جاءتك وفى الأحقاف بلى وربنا وفى التغابن قل بلى وربى لتبعثن

[ 375 ]

وفى القيامة أن لن نجمع عظامه بلى وهذه لا خلاف في امتناع الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بها لأنها وما بعدها جواب الثالث ما اختلفوا في جواز الوقف عليها والأحسن المنع لأن ما بعدها متصل بها وبما قبلها وهى خمسة مواضع في البقرة بلى ولكن ليطمئن قلبى وفى الزمر قالوا بلى ولكن حقت وفى الزخرف ونجواهم بلى ورسلنا وفى الحديد قالوا بلى وفى الملك قالوا بلى قد جاءنا نذير الكلام على نعم وأما فإن ففى القرآن في أربعة مواضع في الأعراف قالوا نعم فأذن مؤذن والمختار الوقف على نعم لأن ما بعدها ليس متعلقا بها ولا بما قبلها إذ ليس هو قول أهل النار وقالوا نعم من قولهم والثاني والثالث في الأعراف والشعراء قال نعم وإنكم الرابع في الصافات قل نعم وأنتم داخرون والمختار ألا يوقف على نعم في هذه المواضع لتعلقها بما قبلها لاتصاله بالقول وضابط ما يختار الوقف عليه أن يقال إن وقع بعدها ما اختير الوقف عليها وإلا فلا أو يقال إن وقع بعدها واو لم يجز الوقف عليها وإلا اختير وأنت مخير في أيهما شئت

[ 376 ]

النوع الخامس والعشرون مرسوم الخط ولما كان خط المصحف هو الإمام الذى يعتمده القارئ في الوقف والتمام ولا يعدو رسومه ولا يتجاوز مرسومه قد خالف خط الإمام في كثير من الحروف والأعلام ولم يكن ذلك منهم كيف اتفق بل على أمر عندهم قد تحقق وجب الاعتناء به والوقوف على سببه ولما كتب الصحابة المصحف زمن عثمان رضى الله عنه اختلفوا في كتابة التابوت فقال زيد التابوه وقال النفر القرشيون التابوت وترافعوا إلى عثمان فقال اكتبوا التابوت فإنما أنزل القرآن على لسان قريش قال ابن درستويه خطان لا يقاس عليهما خط المصحف وخط تقطيع العروض وقال أبو البقاء في كتاب اللباب ذهب جماعة من أهل اللغة إلى كتابة الكلمة على لفظها إلا في خط المصحف فإنهم اتبعوا في ذلك ما وجدوه في الإمام والعمل على الأول فحصل أن الخط ثلاثة أقسام خط يتبع به الاقتداء السلفي وهو رسم المصحف وخط جرى على ما أثبته اللفظ وإسقاط ما حذفه وهو خط العروض فيكتبون التنوين ويحذفون همزة الوصل وخط جرى على العادة المعروفة وهو الذى يتكلم عليه النحوي

[ 377 ]

واعلم أن للشئ في الوجود أربع مراتب الأولى حقيقته في نفسه والثانية مثاله في الذهن وهذان لا يختلفان باختلاف الأمم والثالثة اللفظ الدال على المثال الذهنى والخارجى والرابعة الكتابة الدالة على اللفظ وهذان قد يختلفان باختلاف الأمم كاختلاف اللغة العربية والفارسية والخط العربي والهندي ولهذا صنف الناس في الخط والهجاء إذ لا يجرى على حقيقة اللفظ من كل وجه وقال الفارسى لما عمل أبو بكر بن السراج كتاب الخط والهجاء قال لى اكتب كتابنا هذا قلت له نعم إلا أنى آخذ بآخر حرف منه قال وما هو قلت قوله ومن عرف صواب اللفظ عرف صواب الخط قال أبو الحسين بن فارس في كتاب فقه اللغة يروى أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني عمر والكتب كلها آدم عليه السلام قبل موته بثلاثمائة سنة كتبها في طين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب إسماعيل الكتاب العربي وكان ابن عباس يقول أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل عليه السلام قال والروايات في هذا الباب كثيرة ومختلفة والذى نقوله إن الخط توقيفي لقوله علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم وقال تعالى ن والقلم وما يسطرون وإذا كان كذا فليس ببعيد أن يوقف آدم وغيره من الأنبياء عليهم السلام على الكتاب

[ 378 ]

وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها وانهم لم يعرفوا نحوا ولا إعرابا ولا رفعا ولا نصبا ولا همزا ومذهبنا فيه التوقيف فنقول إن أسماء هذه الحروف داخلة في الأسماء التى علم الله تعالى آدم عليه السلام قال وما اشتهر أن أبا الأسود أول من وضع العربية وأن الخليل أول من وضع العروض فلا ننكره وإنما نقول إن هذين العلمين كانا قديما وأتت عليهما الأيام وقلا في أيدى الناس ثم جددهما هذان الإمامان ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم ذلك كتابتهم المصحف على الذى يعلله النحويون في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالواو ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنا نحو الخب ء والدف ء والمل ء فصار ذلك كله حجة وحتى كره بعض العلماء ترك اتباع المصحف

[ 379 ]

وأسند إلى الفراء قال اتباع المصحف إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة الفراء أحب إلى من خلافه وقال أشهب سئل مالك رحمه الله هل تكتب المصحف على ما أخذته الناس من الهجاء فقال لا إلا على الكتبة الأولى رواه أبو عمرو الدانى في المقنع ثم قال ولا مخالف له من علماء الأمة وقال في موضع آخر سئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف أترى أن تغير من المصحف إذا وجدا فيه كذلك فقال لا قال أبو عمرو يعنى الواو والألف المزيدتين في الرسم لمعنى المعدومتين النبي في اللفظ نحو الواو في أولوا الألباب وأولات والربوا ونحوه وقال الإمام أحمد رحمه الله تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في ياء أو واو أو ألف أو غير ذلك قلت وكان هذا في الصدر الأول والعلم حى غض وأما الأن فقد يخشى الإلباس ولهذا قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام لا تجوز كتابة المصحف الآن على الرسوم الأولى باصطلاح الأئمة لئلا يوقع في تغيير من الجهال ولكن لا ينبغى إجراء هذا على إطلاقه لئلا يؤدى إلى دروس العلم وشئ أحكمته القدماء لا يترك مراعاته لجهل الجاهلين ولن تخلو الأرض من قائم لله بالحجة وقد قال البيهقى في شعب الإيمان من كتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على حروف الهجاء التى كتبوا بها تلك المصاحف ولا يخالفهم فيها ولا يغير مما كتبوه شيئا فإنهم أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة منا فلا ينبغى أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم وروى بسنده عن زيد قال القراءة

[ 380 ]

سنة قال سليمان بن داود الهاشمي يعنى ألا تخالف الناس برأيك في الاتباع قال وبمعناه بلغني عن أبى عبيد في تفسير ذلك وترى القراء لم يلتفوا إلى مذهب العربية في القراءة إذا خالف ذلك خط المصحف واتباع حروف المصاحف عندنا كالسنن القائمة التى لا يجوز لأحد أن يتعداها مسألة في كتابة القرآن بغير الخط العربي هل يجوز كتابة القرآن بقلم غير العربي هذا مما لم أر للعلماء فيه كلاما ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرأه بالعربية والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ولقولهم القلم أحد اللسانين والعرب لا تعرف قلما غير العربي قال تعالى بلسان عربي مبين اختلاف رسم الكلمات في المصحف والحكمة فيه واعلم أن الخط جرى على وجوه فيها ما زيد عليه على اللفظ ومنها ما نقص ومنها ما كتب على لفظه وذلك لحكم خفية وأسرار بهية تصدى لها أبو العباس المراكشي الشهير بابن البناء في كتابه عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل وبين أن هذه الأحرف إنما اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معاني كلماتها

[ 381 ]

ومنها التنبيه على العوالم الغائب والشاهد ومراتب الوجود والمقامات والخط إنما يرتسم على الأمر الحقيقي لا الوهمي الزائد وأقسامه الأول ما زيد فيه والزائد أقسام القسم الأول زيادة الألف الأول الألف وهى إما أن تزاد من أول الكلمة أو من آخرها أو من وسطها فالأول تكون بمعنى زائد بالنسبة إلى ما قبله في الوجود مثل لا أذبحنه وولا أوضعوا خلالكم زيدت الألف تنبيها على أن المؤخر أشد في الوجود من المقدم عليه لفظا فالذبح أشد من العذاب والإيضاع أشد إفسادا من زيادة الخبال واختلفت المصاحف في حرفين لا إلى الجحيم ولا إلى الله تحشرون فمن رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكل الزقوم وشرب الحميم وأن حشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم في الدنيا أثبت الألف ومن

[ 382 ]

لم ير ذلك لأنه غيب عنا فلم يستو القسمان في العلم بهما لم يثبته وهو أولى وكذلك لا تيئسوا من روح الله إنه لا يايئس وإن أفلم يايئس لأن الصبر وانتظار الفرج أخف من الإياس والإياس لا يكون في الوجود إلا بعد الصبر والانتظار والثانى يكون باعتبار معنى خارج عن الكلمة يحصل في الوجود لزيادتها بعد الواو في الأفعال نحو يرجوا ويدعوا وذلك لأن الفعل أثقل من الاسم لأنه يستلزم فاعلا فهو جملة والاسم مفرد لا يستلزم غيره فالفعل أزيد من الاسم في الوجود والواو أثقل حروف المد واللين والضمة أثقل الحركات والمتحرك أثقل من الساكن فزيدت الألف تنبيها على ثقل الجملة وإذا زيدت مع الواو التى هي لام الفعل فمع الواو التى هي ضمير الفاعلين أولى لأن الكلمة جملة مثل قالوا وعصوا إلا أن يكون الفعل مضارعا وفيه النون علامة الرفع فتختص الواو بالنون التي هي من جهة تمام الفعل إذ هي إعرابه فيصير ككلمة واحدة وسطها واو كالعيون والسكون فإن دخل ناصب أو جازم مثل فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ثبتت الألف وقد تسقط مواضع للتنبيه على اضمحلال الفعل نحو سعو في آياتنا معاجزين فإنه سعى في الباطل لا يصح له ثبوت في الوجود وكذلك جاءو بسحر عظيم وجاءو ظلما وزورا وجاءوا أباهم وجاءوا على قميصه فإن هذا المجئ ليس على وجهه الصحيح وكذلك فإن فاءو كما وهو في بالقلب والاعتقاد

[ 383 ]

وكذا تبوءو الدار والإيمان اختاروها سكنا لكن لا على الجهة المحسوسة لأنه سوى بينهما وإنما اختاروها سكنا لمرضاة الله بدليل وصفهم بالإيثار مع الخصاصة فهذا دليل زهدهم في محسوسات الدنيا وكذلك هو لأنه رجوع معنوى وكذلك عسى الله أن يعفو عنهم حذفت ألفه لأن كيفية هذا الفعل لا تدرك إذ هو ترك المؤاخذة إنما هو أمر عقلي وكذلك وعتوا عتوا كبيرا هذا عتو على الله لذلك وصفه بالكبر فهو باطل في الوجود وكذلك سقطت من وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ولم تسقط من وإذا ما غصبوا هم يغفرون لأن غضبوا جملة بعدها أخرى والضمير مؤكد للفاعل في الجملة الأولى وكالوهم جملة واحدة الضمير جزء منها وكذلك زيدت الألف بعد الهمزة في حرفين إنى أريد أن تبوأ وما إن مفاتحة لتنوأ تنبيها على تفصيل المعنى فإنه يبوء بإثمين من فعل واحد وتنوء المفاتح بالعصبة فهو نوءان وسلم للمفاتح لأنها بثقلها أثقلتهم فمالت وأمالتهم عنه وفيه تذكير بالمناسبة يتوجه به من مفاتح كنوز مال الدنيا المحسوس إلى مفاتح كنوز العلم الذى ينوء بالعصبة أولى القوة في يقينهم إلى ما عند الله في الدار الآخرة وكذلك زيدت بعد الهمزة من قوله كأمثال اللؤلؤا إن تنبيها على معنى البياض والصفاء بالنسبة إلى ما ليس بمكنون وعلى تفصيل الإفراد يدل عليه قوله

[ 384 ]

كأمثال وهو على خلاف حال كأنهم لؤلؤ فلم تزد الألف للإجمال وخفاء التفصيل وقال أبو عمرو كتبوا اللؤلؤا إلا في الحج والملائكة بالألف واختلف في زيادتها فقال أبو عمرو كما زادوها في كانوا وقال الكسائي لمكان الهمزة وعن محمد بن عيسى الأصبهاني كل ما في القرآن من لؤلؤ فبغير الألف في مصاحف البصريين إلا في موضعين في الحج والإنسان وقال عاصم الجحدرى كلها في مصحف عثمان بالألف إلا التى في الملائكة والثالث تكون لمعنى في نفس الكلمة ظاهر مثل وجائ يومئذ بجهنم زيدت الألف دليلا على أن هذا المجئ هو بصفة من الظهور ينفصل بها عن معهود المجئ وقد عبر عنه بالماضي ولا يتصور إلا بعلامة من غيره ليس مثله فيستوى في علمنا ملكها وملكوتها في ذلك المجئ ويدل عليه قوله تعالى في موضع آخر وبرزت الجحيم وقوله إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا هذا بخلاف حال وجئ بالنبيين والشهداء حيث لم تكتب الألف لأنه على المعروف في الدنيا وفى تأوله بمعنى البروز في المحشر لتعظيم جناب الحق أثبتت الأف فيه أيضا

[ 385 ]

وكذلك ولا تقولن لشائ إنى فاعل ذلك غدا الشئ هنا معدوم وإنما علمناه من تصور مثله الذى قد وقع في الوجود فنقل له الاسم فيه من حيث إنه يقدر أنه يكون مثله في الوجود فزيدت الألف تنبيها على اعتبار المعدوم من جهة تقدير الوجود إذ هو موجود في الاذهان معدوم في الأعيان وهذا بخلاف قوله في النحل إنما قولنا لشئ إذا أردناه فإن الشئ هنا من جهة قول الله لا يعلم كيف ذلك بل نؤمن به تسليما لله سبحانه فيه فإنه سبحانه يعلم الأشياء بعلمه لا بها ونحن نعلمها بوجودها لا بعلمنا فلا تشبيه ولا تعطيل وكذلك إلى فرعون وملائه زيدت الألف بين اللام والهمزة تنبيها على تفصيل مهم ظاهر الوجود ومثله زيادتها في مائة لأنه اسم يشتمل على كثرة مفصلة بمرتبتين آحاد وعشرات قال أبو عمرو في المقنع لا خلاف في رسم ألف الوصل الناقصة من اللفظ في الدرج نحو عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم وهو نعت كما أثبتوها في الخبر نحو عزير ابن الله والمسيح ابن الله ولم تحذف إلا في خمسة مواضع قال ولا خلاف في زيادة الألف بعد الميم في مائة ومائتين حيث وقعا

[ 386 ]

ولم تزد في فئة ولا فئتين وزيدت في نحو تبوأ بإثمى ولتنوأ بالعصبة ولا أعلم همزة متطرفة قبلها ساكن رسمت خطا في المصحف إلا في هذين الموضعين ولا أعلم همزة متوسطة قبلها ساكن رسمت في المصحف إلا في قوله موئلا في الكهف لا غير القسم الثاني زيادة الواو الزائد الثاني الواو زيدت للدلالة على ظهور معنى الكلمة في الوجود في اعظم رتبة في العيان مثل سأوريكم دار الفاسقين سأوريكم آياتى ويدل على ذلك أن الآيتين جاءتا للتهديد والوعيد وكذلك أولى وأولوا وأولات زيدت الواو بعد الهمزة حيث وقعت لقوة المعنى على أصحاب فإن في أولى معنى الصحبة وزيادة التمليك والولاية عليه وكذلك زيدت في أولئك وأولائكم حيث وقعا بالواو لأنه جمع مبهم يظهر فيه معنى الكثرة الحاضرة في الوجود وليس للفرق بينه وبين أولئك كما قاله قوم لانتفاضة فيه بأولا القسم الثالث زيادة الياء الزائد الثالث الياء زيدت لاختصاص ملكوتي باطن وذلك في تسعة مواضع كما قاله في المقنع

[ 387 ]

أفائن مات أو قتل من نبإى المرسلين من تلقإى صلى نفسي وإيتائ ذى القربى ومن آناى وقال الليل أفإين مت من ورإى أنه حجاب والسماء بنيناها بأبيد وهو وبأييكم المفتون قال أبو العباس المراكشي إنما كتبت بأييد بياءين فرقا بين الأيد الذى هو القوة وبين الأيدى جمع يد ولا شك أن القوة التى بنى الله بها السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدى فزيدت الياء لإختصاص اللفظة بمعنى أظهر في أدراك الملكوتى في الوجود وكذلك زيدت بعد الهمزة في حرفين أفإين مات أفإين مت

[ 388 ]

وذلك لأن موته مقطوع والشرط لا يكون مقطوعا به ولا ما رتب على الشرط هو جواب له لأن موته لا يلزم منسه صلى الله عليه وسلم خلود غيره ولا رجوعه عن الحق فتقديره أهم الخالدون إن مت فاللفظ للإستفهام والربط والمعنى للإنكار والنفى فزيدت الياء لخصوص هذا المعنى الظاهر للفهم الباطن في اللفظ وكذلك زيدت بعد الهمزة في آخر الكلمة في حرف واحد في الأنعام من نبإى المرسلين تنبيها على أنها أنباء باعتبار أخبار وهى ملكوتية ظاهرة وكذلك بأييكم المفتون كتبت بياءين تخصيصا لهم بالصفة لحصول ذلك وتحققه في الوجود فإنهم هم المفتونون دونه فانفصل حرف أي بياءين لصحة هذا الفرق بينه وبينهم قطعا لكنه باطن فهو ملكوتي وإنما جاء اللفظ بالإبهام على أسلوب المجاملة في الكلام والإمهال لهم ليقع التدبر والتذكار كما جاء وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ومعلوم أنا على هدى وهم على ضلال الناقص وأقسامه الوجه الثاني ما نقص عن اللفظ ويأتى فيه أيضا الأقسام السابقة القسم الأول حذف الألف الأول الألف كل ألف تكون في كلمة لمعنى له تفصيل في الوجود له اعتباران اعتبار من جهة ملكوتية أو صفات حالية أو أمور علوية مما لا يدركه الحس

[ 389 ]

الألف تحذف في الخط علامة لذلك واعتبار من جهة ملكية حقيقية في العلم أو أمور سفلية فإن الألف تثبت واعتبر ذلك في لفظتي إذا القرآن والكتاب فإن القرآن هو تفصيل الآيات التى أحكمت في الكتاب فالقرآن أدنى إلينا في الفهم من الكتاب وأظهر في التنزيل قال الله تعالى في هود آلركتب فقال أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير وقال في فصلت كتب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون وقال إن علينا جمعه وقرءانه ولذلك ثبت في الخط ألف القرآن وحذفت ألف الكتاب وقد حذفت ألف القرآن في حرفين هو فيهما مرادف للكتاب في الاعتبار قال تعالى في سورة يوسف إنا أنزلناه قرءانا عربيا وفى الزخرف إنا جعلناه قرءانا عربيا والضمير في الموضعين ضمير الكتاب المذكور قبله وقال بعد ذلك في كل واحدة منهما لعلكم تعقلون فقرينته هي من جهة المعقولية وقال في الزخرف وإنه في أم الكتب لدينا لعلى حكيم وكذلك كل ما في القرآن من الكتاب وكتاب فبغير ألف إلا في أربعة مواضع هي الرعد بأوصاف خصصته من الكتاب الكلى في الرعد لكل أجل كتاب فإن هذا كتاب الآجال

[ 390 ]

فهو أخص من الكتاب المطلق أو المضاف إلى الله وفى الحجر وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم فإن هذا كتاب إهلاك القرى وهو أخص من كتاب الآجال وفى الكهف واتل ما اوحى إليك من كتاب فإن هذا أخص من الكتاب الذى في قوله اتل ما أوحى إليك من الكتب لأنه أطلق هذا وقيد ذلك بالإضافة إلى الاسم المضاف إلى معنى في الوجود والأخص أظهر تنزيلا وفى النمل تلك آيات القرءان وكتاب مبين هذا الكتاب جاء تابعا للقرآن والقرآن جاء تابعا للكتاب كما جاء في الحجر تلك آيات الكتاب وقرءان مبين فما في النمل له خصوص تنزيل مع الكتاب الكلى فهو تفصيل للكتاب الكلى بجوامع كليته ومن ذلك حذف الألف في بسم الله تنبيها على علوه في أول رتبة الأسماء وانفراده وأن عنه انقضت الأسماء فهو بكليها أي يدل عليه إضافته إلى اسم الله الذى هو جامع الأسماء كلها أولها ولهذا لم يتسم به غير الله بخلاف غيره من أسمائه فلهذا ظهرت الألف معها تنبيها على ظهور التسمية في الوجود وحذفت الألف التى قبلها الهاء من اسم الله وأظهرت التى مع اللام من أوله دلالة على أنه الظاهر من جهة التعريف والبيان الباطن من جهة الإدراك والعيان وكذلك حذفت الألف قبل النون من اسمه الرحمن حيث وقع بيانا لأنا نعلم حقائق تفصيل رحمته في الوجود فلا يفرق في علمنا بين الوصف والصفة وإنما الفرقان

[ 391 ]

في التسمية والاسم لا في معاني الأسماء المدلول عليها بالتسمية بل نؤمن بها إيمانا مفوضا في علم حقيقته إليه قلت وعلماء الظاهر يقولون للاختصار وكثرة الاستعمال وهو من خصائص الجلالة الشريفة فإن همزة الوصل الناقصة من اللفظ في الدرج تثبت خطا إلا في البسملة وفى قوله في هود بسم الله مجريها ولا تحذف إلا بشرطين أن تضاف إلى اسم الله ولهذا أثبتت في باسم ربك وأن تكون قبله الباء ولم يشترط الكسائي الثاني فجوز حذفها كما تحذف في بسم الملك والجمهور على الأول وكذلك حذف الألف في كثير من أسماء الفاعلين مثل قدر وعلم وذلك أن هذه الألف في وسط الكلمة وكذلك الألف الزائدة في الجموع السالمة والمكسرة مثل القنتين والأبرار والجلل والإكرم واختلف واستكبر فإنها كلها وردت لمعنى مفصل يشتمل عليه معنى تلك اللفظة فتحذف حيث يبطن التفصيل وتثبت حيث يظهر وكذلك ألف الأسماء الأعجمية كإبرهيم لأنها زائدة لمعنى غير ظاهر في لسان العربي لأن العجمي بالنسبة إلى العربي باطن خفى لا ظهور له فحذفت ألفه قال أبو عمرو اتفقوا على حذف الألف من الأعلام الأعجمية المستعملة كإبرهيم وأسمعيل واسحق وهرون ولقمن ثنا وشبهها وأما حذفها من سليمن وصلح وملك وليست بأعجمية فلكثرة الاستعمال فأما ما لم يكثر استعماله من الأعجمية

[ 392 ]

فبالألف كطالوت وجالوت ويأجوج ومأجوج وشبهها واختلفت المصاحف في أربعة هاروت وماروت وهامان وقارون فأما داود فلا خلاف في رسمه بالألف لأنهم قد حذفوا منه واوا فلم يجحفوا بحذف ألف أخرى ومثله إسرائيل ترسم بالألف في أكثر المصاحف لأنه حذف منه الياء وكذلك اتفقوا على حذف الألف في جمع السلامة مذكرا كان كالعلمين والصبرين والصدقين أو مؤنثا كالمسلمت به والمؤمنت والطيبت هذا والخبيثت ثم فإن جاء بعد الألف همزة أو حرف مضعف ثبتت الألف نحو السائلين والصائمين والظانين رسول والضالين وحافين ولا ونحوه قال أبو العباس وقد تكون الصفة ملكوتية روحانية وتعتبر من جهة مرتبة سفلى ملكية هي أظهر في الاسم فتثبت الألف كالأواب لم والخطاب والعذاب وأم كنت من العالين والوسواس الخناس وقد تكون ملكية وتعتبر من جهة عليا ملكوتية هي أظهر في الاسم فتحذف الألف كالمحرب حدثنا ولأجل هذا التداخل يغمض ذلك فيحتاج إلى تدبر وفهم ومنه ما يكون ظاهر الفرقان كالأخير والأشرار تحذف من الأول دون الثاني

[ 393 ]

ومنه ما يخفى كالفراش ويطعمون الطعام فالفراش محسوس والطعام ثابت ووزنهما واحد وهما جسمان لكن يعتبر في الأول مكان التشبيه فإن التشبيه محسوس وصفة التشبيه غير محسوس فالمشبه به غير محسوس في حالة الشبه إذ جعل جزءا من صفة المشبه به من حيث هو مستفرش مبثوث لا من حيث هو جسم وأما الطعام فهو المحسوس المعطى للمحتاجين وكذلك وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعمكم ابن حل لهم ثبتت الألف في الأول لأنه سفلى بالنسبة إلى طعامنا لمكان التشديد عليهم فيه وحذفت من الثاني لأنه علوى بالنسبة إلى طعامهم لعلو ملتنا على ملتهم وكذلك كانا يأكلان الطعم فحذفت لعلو هذا الطعام وكذلك غلقت الأبوب غلقت فيه التكثير في العمل فيدخل به أيضاما ليس بمحسوس من أبواب الاعتصام فحذفت الألف لذلك ويدل عليه واستبقا الباب وألفيا سيدها لدا الباب فأفرد الباب المحسوس من أبواب الاعتصام وكذلك وفتحت أبوبها محذوف لأنها من حيث فتحت ملكوتية علوية ومفتحة لهم الأبواب ملكية من حيث هي لهم فثبتت الألف وقيل ادخلوا أبواب جهنم ثابتة لأنها من جهة دخولهم محسوسة سفلية وكذلك سبعة أبواب من حيث حصرها العدد في الوجود ملكية فثبتت الألف

[ 394 ]

وكذلك الجراد والضفدع الأول ثابت فهو الذى في الواحدة المحسوسة والثانى محذوف لأنه ليس في الواحدة المحسوسة والجمع هنا ملكوتي من حيث هو آية وكذلك أن نبدل أمثلكم حذفت لأنها أمثال كلية لم يتعين فيها للفهم جهة التماثل وكأمثال اللؤلؤ ثابت الألف لأنه تعين للفهم جهة التماثل وهو البياض والصفاء كذلك يضرب الله للناس أمثلهم حذفت للعموم وانظر كيف ضربوا لك الأمثال ثابت في الفرقان لأنها المذكورة حسية مفصلة ومحذوفة في الإسراء لأنها غير مفصلة باطنة وكذلك فإذا نفخ في الصور نفخة وحدة ودكتا دكة واحدة الأولى محذوفة لأنها روحانية لا تعلم إلا إيمانا والثانية ثابتة جسمانية يتصور أمثالها من الهوى وكذلك ألف قوله محذوفة لأنه ملكوتي وألف له ثابتة لأنها ملكية وهما معا في موطن الآخرة وكذلك القضية ملكوتية وماليه ملكى محسوس فحذف الأول وثبت الثاني

[ 395 ]

وكذلك ولما برزوا لجلوت ذلك حذف لأنه الاسم وقتل داود جالوت ثبت لأنه مجسد محسوس فحذف الأول وثبت الثاني وكذلك سبحن حذفت لأنه ملكوتي إلا حرفا واحدا واختلف فيه قل سبحان ربى فمن أثبت الألف قال هذا تبرئة من مقام الإسلام وحصره الأجسام صدر به مجاوبة للكفار في مواطن الرد والإنكار ومن أسقط فلعلو حال المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يشغله عن الحضور تقلبه في الملكوت الخطاب في الملك وهو أولى الوجهين وكذلك لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلثة ثبتت ألف محمد لأنهم جعلوه أحد ثلاثة مفصلة فثبتت الألف علامة لإظهارهم التفصيل في الإله تعالى الله عن قولهم وحذفت ألف إلى لأنه أسم العدد الواحد من حيث هو كلمة واحدة وكذلك وما من إله إلا إله واحد حذفت من وثبتت في واحد ألفه لأنه إله في ملكوته تعالى عن أن تعرف صفته بإحاطة الإدراك واحد في ملكه تنزه بوحدة أسمائه عن الاعتضاد والاشتراك هذا من جهة إدراكنا وأما من جهة ما هي عليه الصفة في نفسها فلا يدرك ذلك بل يسلم علمه إلى الله تعالى فتحذف وكذلك سقطت الألف الزائدة لتطويل هاء التنبيه في النداء في ثلاثة أحرف

[ 396 ]

أية المؤمنون وأية الساحر وأية الثقلان والباقى بإثبات الألف والسر في سقوطها في هذه الثلاثة الإشارة إلى معنى الانتهاء إلى غاية ليس وراءها في الفهم رتبة يمتد النداء إليها وتنبيه على الاقتصار والاقتصاد من حالهم والرجوع إلى ما ينبغى وقوله وتوبوا إلى الله جميعا يدل على أنهم كل المؤمنين على العموم والاستغراق فيهم وقوله تعالى حكاية عن فرعون إن هذا لساحر عليم وقول فرعون إنه لكبيركم الذى علمكم السحر يدل على عظم علمه عندهم ليس فوقه أحد وقوله سنفرغ لكم أية الثقلان فإقامة الوصف مقام الموصوف يدل على عظم الصفة الملكية فإنها تقتضي جميع الصفات الملكوتية والجبروتية فليس بعدها رتبة أظهر في الفهم على ما ينبغى لهم من الرجوع إلى اعتبار آلاء الله في بيان النعم ليشكروا وبيان النقم ليحذروا وكذلك حذفت الألف الآتية لمد الصوت بالنداء مثل يقوم كان يعباد أبو لأنها زائدة للتوصل بين المرتبتين وذلك أمر باطن ليس بصفة محسوسة في الوجود قال أبو عمرو كل ما في القرآن من ذكر آيتنا فبغير الألف إلا في موضعين في بآياتنا وآياتنا بينات

[ 397 ]

وكل ما فيه من ذكر أيها فبالألف إلا في ثلاثة مواضع محذوفة الألف في النور أيه المؤمنون وفي الزخرف يأيه الساحر وفي الرحمن أيه الثقلان وكل ما فيه من ساحر فبغير الألف إلا في واحد في الذاريات وقال ساحر أو مجنون القسم الثاني حذف الواو الثاني حذف الواو اكتفاء بالضمة قصدا للتخفيف فإذا اجتمع واوان والضم فتحذف الواو التى ليست عمدة وتبقى العمدة سواء كانت الكلمة فعلا مثل ليسوءوا وجوهكم أو صفة مثل مثل الموءدة وليؤس أو والغاون أو اسما مثل داود إلا أن ينوى كل واحد منهما فتثبتان) جميعا مثل تبوءوا فإن الواو الأولى تنوب عن حرفين لأجل الإدغام فنوبت عبد في الكلمة والواو الثانية ضمير الفاعل فثبتا جميعا وقد سقطت من أربعة أفعال تنبيها على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود أولها سندع الزبانية فيه سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش

[ 398 ]

وهو وعيد عظيم ذكر مبدؤه وحذف آخره ويدل عليه قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وثانيها ويمح الله الباطل حذفت منه الواو علامة على سرعة الحق وقبول الباطل له بسرعة بدليل قوله إن الباطل كان زهوقا وليس يمح معطوفا على يختم الذى قبله لأنه ظهر مع يمح الفاعل وعطف على الفعل ما بعده وهو ويحق الحق قلت إن قيل لم رسم الواو في يمحو الله ما يشاء ويثبت وحذفت في ويمح الله الباطل قلت لإن الإثبات الأصل وإنما حذفت في الثانية لأن قبله مجزوم وإن لم يكن معطوفا عليه لأنه قد عطف عليه ويحق وليس مقيدا بشرط ولكن قد يجئ بصورة العطف على المجزوم وهذا أقرب من عطف الجوار في النحو والله أعلم وثالثها ويدع الإنسان بالشر حذف الواو يدل على أنه سهل عليه ويسارع فيه كما يعمل في الخير وإتيان الشر إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير ورابعها يوم يدع الداع حذف الواو لسرعة الدعاء وسرعة الإجابة القسم الثالث حذف الياء الثالث حذف الياء اكتفاء بالكسرة نحو فارهبون فاعبدون

[ 399 ]

قال أبو العباس الياء الناقصة في الخط ضربان ضرب محذوف في الخط ثابت في التلاوة وضرب محذوف فيهما فالأول هو باعتبار ملكوتي باطن وينقسم قسمين ما هو ضمير المتكلم وما هو لام الكلمة فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم مثل فكيف كان عذابي ونذر ثبتت الياء الأولى لأنه فعل ملكوتي وكذلك فما آتان الله خير مما آتاكم حذفت الياء لاعتبار ما آتاه الله من العلم والنبوة فهو المؤتى الملكوتى من قبل الآخرة وفى ضمنه الجسماني للدنيا لأنه فان والأول ثابت وكذلك فلا تسألن ما ليس لك به علم وعلم هذا المسئول غيب ملكوتي بدليل قوله ما ليس لك به علم فهو بخلاف قوله فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا لأن هذا سؤال عن حوادث الملك في مقام الشاهد كخرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار وكذلك أجيب دعوة الداع إذا دعان فحذف الضمير في الخط

[ 400 ]

دلالة على الدعاء الذى من جهة الملكوت بإخلاص الباطن وكذلك أسلمت وجهى لله ومن اتبعن هو الاتباع العلمي في دين الله بالجوارح المقصود بها وجه الله وطاعته وكذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ثبتت الياء في المقام لاعتبار المعنى من جهة الملك وحذفت من الوعيد لاعتباره ملكوتيا عليه فخاف المقام من جهة ما ظهر للأبصار وخاف الوعيد من جهة إيمانه بالأخبار وكذلك لئن أخرتن إلى يوم القيامة هو التأخير بالمؤاخذة لا التأخير الجسمى فهو بخلاف قوله لولا أخرتني إلى أجل قريب لأن هذا تأخير جسمي في الدنيا الظاهرة وكذلك عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا سياق الكلام في أمور محسوسة والهداية فيه ملكوتية وقد هداه الله في قصة الغار وهو في العدد ثانى اثنين حتى خرج بدينه عن قومه بأقرب من طريق أهل الكهف حين خرجوا بدينهم عن قومهم وعدوهم على ما قص الله علينا فيه وهذه الهداي أبي بخلاف ما قال موسى عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل فإنها هداية السبيل المحسوسة إلى مدين في عالم الملك بدليل قوله ولما توجه تلقاء مدين وكذلك على أن تعلمن مما علمت رشدا وكذلك ولا تتبعان هو في طريق الهداية لا في مسير موسى إلى ربه بدليل

[ 401 ]

أفعصيت أمرى ولم يأمره بالمسير الحسى إنما أمره أن يخلفه في قومه ويصلح وهذا بخلاف قول هارون فاتبعوني وأطيعوا أمرى فإنه اتباع محسوس في ترك ما سواه بدليل قوله وأطيعوا أمرى وهو لا أمر له إلاالحسى وكذلك فكيف كان نكير حيث وقع لأن النكير معتبر من جهة الملكوت لا من جهة أثره المحسوس فإن أثره قد انقضى وأخبر عنه بالفعل الماضي والنكير اسم ثابت في الأزمان كلها فيه التنبيه على أنه كما أخذ أولئك يأخذ غيرهم وكذلك إنى أخاف أن يكذبون خاف موسى عليه السلام أن يكذبوه فيما جاءهم به وأن يكون سببه من قبله من جهة إفهامه لهم بالوحى فإنه كان عالى البيان لأنه كليم الرحمن فبلاغته (لا تصل إليها أفهامهم فيصير إفصاحه العالي عند فهمهم النازل عقدة عليهم في اللسان يحتاج إلى ترجمان فإن يقع بعده تكذيب فيكون من قبل أنفسهم وبه تتم الحجة عليهم وكذلك إن كدت لتردين هو الإرادة الأخروى الملكوتى وكذلك أن ترجمون ليس هو الرجم بالحجارة إنما هو ما يرمونه من بهتانهم وكذلك فحق وعيد لمن خاف مقامي وخاف وعيد هو الأخروى الملكوتى

[ 402 ]

وكذلك فيقول ربى أكرمن ربى أهانن هذا الإنسان يعتبر منزلته عند الله في الملكوت بما يبتليه في الدنيا وهذا من الإنسان خطأ لأن الله تعالى يبتلى الصالح والطالح لقيام حجته على خلقه والقسم الثاني من الضرب الأول إذا كانت الياء لام الكلمة سواء كانت في الاسم أو الفعل نحو أجيب دعوة الداع حذفت تنبيها على المخلص لله الذى قلبه ونهايته في دعائه في الملكوت والآخرة لا في الدنيا وكذلك الداع إلى شئ نكر هو داع ملكوتي من عالم الآخرة وكذلك يوم يأت هو إتيان ملكوتي أخروى آخره متصل بما وراءه من الغيب وكذلك المهتد وكذلك والباد حذف لأنه على غير حال الحاضر الشاهد وقد جعل الله لها سرا وكذلك كالجواب من حيث التشبيه فإنه ملكوتي إذ هو صفة تشبيه لا ظهور لها في الإدراك الملكى وكذلك يوم التلاق والتناد كلاهما ملكوتي أخروى

[ 403 ]

وكذلك والليل إذا يسر وهو السرى الملكوتى الذى يستدل عليه بآخره من جهة الانقضاء أو بمسير النجوم وكذلك ومن آياته الجوار ما تعتبر من حيث هي آية يدل ملكها على ملكوتها فآخرها بالاعتبار يتصل بالملكوت بدليل قوله إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد لا وكذلك حذف ياء الفعل من يحيى إذا انفردت وثبتت مع الضمير مثل من يحى العظام قل يحييها لأن حياة الباطن أظهر في العلم من حياة الظاهر وأقوى في الإدراك الضرب الثاني الذى تسقط فيه الياء في الخط والتلاوة فهو اعتبار غيبة عن باب الإدراك جملة واتصاله بالإسلام لله في مقام الإحسان وهو قسمان منه ضمير المتكلم ومنه لام الفعل فالأول إذا كانت الياء ضمير المتكلم فإنها إ ن كانت للعبد فهو الغائب وإن كانت للرب فالغيبة للمذكور معها فإن العبد هو الغائب عن الإدراك في ذلك كله فهو في هذا المقام مسلم مؤمن بالغيب مكتف بالأدلة فيقتصر في الخط لذلك على نون الوقاية والكسرة ومنه من جهة الخطاب به الحوالة على الاستدلال بالآيات دون تعرض لصفة الذات ولما كان الغرض من القرآن جهة الاستدلال واعتبار الآيات وضرب المثال دون التعرض لصفة الذات كما قال ويحذركم الله نفسه وقال فلا تضربوا

[ 404 ]

لله الأمثال كان الحذف في خواتم الآى كثيرا مثل فاتقون فارهبون وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وما أريد أن يطعمون وهو كثيرا جدا وكذلك ضمير العبد مثل إن يردن الرحمن غائب عن علم إرادته الرحمن إنما علمه بها تسليما وإيمانا برهانيا وكذلك قوله في العقود فلا تخشوا الناس واخشون الناس كلى لا يدل على ناس بأعيانهم ولا موصوفين بصفة فهم كلى ولا يعلم الكلى من حيث هو كلى بل من حيث أثر البعض في الإدراك ولا يعلم الكلى إلا من حيث هو أثر الجزئي في الإدراك فالخشية هنا كلية لشئ غير معلوم الحقيقة فوجب أن يكون الله أحق بذلك فإنه حق وإن لم نحط به علما كما أمر الله سبحانه بذلك ولا يخشى غيره وهذا الحذف بخلاف ما جاء في البقرة فلا تخشوهم واخشوني ضمير الجمع يعود على الذين ظلموا من الناس فهم بعض لا كل ظهروا في الملك بالظلم فالخشية هنا جزئية فأمر سبحانه أن يخشى من جهة ما ظهر كما يجب ذلك من جهة ماستر وكذلك حذفت الياء من فبشر عباد وقل يا عباد فإنه خطاب لرسوله عليه السلام على الخصوص فقد توجه الخطاب إليه في فهمنا وغاب العباد كلهم عن علم ذلك فهم غائبون عن شهود هذا الخطاب لا يعلمونه إلا بوساطة الرسول

[ 405 ]

وهذا بخلاف قوله يا عبادي لاخوف عليكم فإنها ثبتت لأنه خطاب لهم في الاخرة غير محجوبين عنه جعلنا الله منهم إنه منعم كريم وثبت حرف النداء فإنه أفهمهم نداءه الأخروى في موطن الدنيا في يوم ظهورهم بعد موتهم وفي محل أعمالهم إلى حضورهم يوم ظهورهم الأخروى بعد موتهم وفى محل أن جزائهم وكذلك يا عبادي الذين أسرفوا على ثبت الضمير وحرف النداء في الخط فإنه دعاهم من مقام إسلامهم وحضرة امتثالهم إلى مقام إحسانهم ومثله يا عبادي الذين آمنوا في العنكبوت فإنه دعاهم من حضرتهم في مقام إيمانهم إلى حضرتهم ومقام إحسانهم إلى ما لا نعلمه من الزيادة بعد الحسنى وكذلك سقطتا في موطن الدعاء مثل رب اغفر لى على حذفت الياء لعدم الإحاطة به عند التوجه إلى الله تعالى لغيبتنا نحن عن الإدراك وحذف حرف النداء لأنه أقرب إلينا من أنفسنا وأما قوله وقيله يا رب فأثبت حرف النداء لأنه دعا ربه من مرتبة حضوره معهم في مقام الملك لقوله إن هؤلاء وأسقط حرف ضميره لمغيبه عن ذاته في توجهه في مقام الملكوت ورتبة إحسانه في إسلامه وكذلك في مثل يا قوم دلالة على أنه خارج عنهم في خطابه كما هو ظاهر في الإدراك وإن كان متصلا بهم في النسبة الرابطة بينهم في الوجود العلوية من الدلائل والقسم الثاني إذا كانت الياء لام الكلمة في الفعل أو الاسم فإنها تسقط

[ 406 ]

من حيث يكون معنى الكلمة يعتبر من مبدئه الظاهر شيئا بعد شئ إلى ملكوتية الباطن إلى ما لا يدرك منه إلا إيمانا وتسليما فيكون حذف الياء منبها على ذلك وإن لم يكمل اعتباره في الظاهر من ذلك الخطاب بحسب عرض الخطاب مثل وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما هو ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقد ابتدأ ذلك لهم في الدنيا متصلا بالآخرة وكذلك وإن الله لهاد الذين آمنوا حذفت لأنه يهديهم بما نصب لهم في الدنيا من الدلائل والعبر إلى الصراط المستقيم برفع درجاتهم في هدايتهم إلى حيث لا غاية قال الله تعالى ولدينا مزيد وكذلك وما أنت بهاد العمى في الروم هذه الهداية هي الكلية على التفصيل بالتوالى التى ترقى العبد في هدايته من الأرباب إلى ما يدركه العيان ليس ذلك للرسول عليه السلام بالنسبة إلى العيان ويدل على ذلك قوله قبلها فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها الآية فهذا النظر من عالم الملك ذاهبا في النظر إلى عالم الملكوت إلى ما لا يدرك إلا إيمانا وتسليما وهذا بخلاف الحرف الذى في النمل وما أنت بهادي العمى فثبتت الياء لأن هذه الهداية كلية كاملة بدليل قوله إنك على الحق المبين وكذلك بالواد المقدس والواد الأيمن هما مبدأ التقديس

[ 407 ]

الذى وصفا به فانتقل التقديس واليمن منهما إلى الجمال ذاهبا بهما إلى ما لا يحيط بعلمه إلا الله وكذلك واد النمل هو موضع لابتداء سماع الخطاب من أخفض الخلق وهى النملة إلى أعلاهم وهو الهدهد والطير ومن ظاهر الناس وباطن الجن إلى قول العفريت إلى قول الذى عنده علم من الكتاب إلى ما وراء ذلك من هداية الكتاب إلى مقام الإسلام لله رب العالمين وكذلك وله الجوار المنشآت في البحر سقطت الياء تنبيها على أنها لله من حق إنشائها بعد أن لم تكن إلى ما وراء ذلك مما لا نهاية له من صفاتها وكذلك الجوار الكنس حذفت الياء تنبيها على أنها تجرى من محل اتصافها بالخناس إلى محل اتصافها بالكناس وذلك يفهم لأنه اتصف بالخناس عن حركة تقدمت كالنجوم الجارية داخل تحت معنى الكلمة فصل حذف النون ويلحق بهذا القسم حذف النون الذى هو لام فعل فيحذف تنبيها على صغر مبدأ الشئ وحقارته وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه غير الله مثل ألم يك نطفة حذفت النون تنبيها على مهانة مبتدأ الإنسان وصغر قدره بحسب ما يدرك هو

[ 408 ]

من نفسه ثم يترقى في أطوار التكوين هو خصيم مبين فهو حين كان نطفة كان ناقص الكون كذلك كل مرتبة ينتهى إليها كونه هي ناقصة الكون بالنسبة لما بعدها فالوجود الدنيوي كله ناقص الكون عن كون الاخرة كما قال الله تعالى وإن الدار الآخرة لهى الحيوان كذلك وإن تك حسنة يضاعفها حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة في الاعتبار فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها ومثله إن تك مثقال حبة من خردل وكذلك أولم تك تأتيكم رسلكم جاءتهم الرسل من أقرب شئ في البيان الذى أقل من مبدأ فيه وهو الحس إلى العقل إلى الذكر ورقوهم الله من أخفض رتبة وهى الجهل إلى أرفع درجة في العلم وهي اليقين وهذا بخلاف قوله تعالى ألم تكن آياتى تتلى عليكم فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم وكذلك ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها هذا قد تم كونه وكذلك لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب هذا قد تم كونهم غير منفكين إلى تلك الغاية المجعولة لهم وهى مجئ البينة وكذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله فانتفى أصله

[ 409 ]

فصل فيما كتبت الأف فيه واوا على لفظ التفخيم وذلك في أربعة أصول مطردة وأربعة أحرف متفرعة فالأربعة الأصول هي الصلوة والزكوة والحيوة والربوا والأربعة الأحرف قوله في الأنعام والكهف بالغدوة والنور كمشكوة قال وفى المؤمن النجوة عن وفى النجم ومنوة من فأما قوله وما كان صلاتهم إن صلاتي حياتنا الدنيا وما آتيتم من ربا فالرسم بالألف في الكل والقصد بذلك تعظيم شأن هذه الأحرف فإن الصلاة والزكاة عمودا الإسلام والحياة قاعدة النفس ومفتاح البقاء وترك الربا قاعدة الأمان ومفتاح التقوى ولهذا قال اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا إلى قوله فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ويشتمل على أنواع الحرام وأنواع الخبائث وضروب المفاسد وهو نقيض الزكاة ولهذا قوبل بينهما في قوله يمحق الله الربوا ويربى الصدقات واجتنابه أصل في التصرفات المالية وإنما كتبت بالألف

[ 410 ]

في سورة الروم لأنه ليس العام الكلى لأن الكلى منفى في حكم الله عليه بالتحريم وفى نفى الكلى نفى جميع جزئياته فإن قلت فلم كتب الزكوة هنا بالواو وهلا جرت على نظم ما قبلها من قوله وما آتيتم من ربا قلت لأن المراد بها الكلية في حكم الله ولذلك قال فأولئك هم المضعفون وأما كتاب النجوة بالواو فلأنها قاعدة الطاعات ومفتاح السعادات قال الله تعالى ويا قوم مالى أدعوكم إلى النجوة وأما الغدوة فقاعدة الأزمان ومبدأ تصرف الإنسان مشتقة من الغدو وأما المشكوة فقاعدة الهداية ومفتاح الولاية قال الله تعالى يهدى الله لنوره من يشاء وأما منوة في فقاعدة الضلال ومفتاح الشرك والإضلال وقد وصفها الله بوصفين أحدهما يدل على تكثيرهم الإله من مثنى ومثلث والثانى يدل على الاختلاف والتغاير فمن معطل ومشبه تعالى الإله عما يقولون فصل مد الياء وقبضها وذلك أن هذه الأسماء لما لازمت الفعل صار لها اعتباران أحدهما من حيث هي

[ 411 ]

أسماء وصفات وهذا تقبض منه التاء والثانى من حيث أن يكون مقتضاها فعلا وأثرا ظاهرا في الوجود فهذا تمد فيه كما تمد في قالت وحقت وجهة الفعل والأمر ملكية ظاهرة وجهة الاسم والصفة ملكوتية باطنة فمن ذلك الرحمة مدت في سبعة مواضع للعلة المذكورة بدليل قوله في أحدها إن رحمت الله قريب من المحسنين فوضعهما على التذكير فهو الفعل وكذلك فانظر إلى آثار رحمت الله والأثر هو الفعل ضرورة والثالث أولئك يرجون رحمت الله والرابع في هود رحمت الله وبركاته والخامس ذكر رحمت ربك والسادس أهم يقسمون رحمت ربك والسابع ورحمت ربك خير مما يجمعون ومنه النعمة بالهاء إلا في أحد عشر موضعا مدت بها في البقرة وإذكروا نعمت الله عليكم في آل عمران

[ 412 ]

والمائدة وفى إبراهيم موضعان والنحل ثلاثة مواضع وفى لقمان وفاطر والطور والحكمة فيها ما ذكرنا أن الحاصلة بالفعل في الوجود تمد نحو قوله في إبراهيم وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها بدليل قوله إن الإنسان لظلوم كفار فهذه نعمة متصلة بالظلوم الكفار في تنزيلهما وهذا بخلاف التى في سورة النحل وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها كتبت مقبوضة لأنها بمعنى الاسم بدليل قوله إن الله لغفور رحيم فهذه نعمة وصلت من الرب فهى ملكوتية ختمها باسمه عز وجل وختم الأولى باسم الإنسان ومن ذلك الكلمة مقبوضة إلا في موضع في الأعراف وتمت كلمت ربك الحسنى هو ما تم لهم في الوجود الأخروي بالفعل الظاهر دليله في الملك وهو

[ 413 ]

الاختلاف وتمامها أن لها نهاية تظهر في الوجود بالفعل فمدت التاء ومنها السنة مقبوضة إلا في خمسة مواضع حيث تكون بمعنى الإهلاك والانتقام الذى في الوجود أحدها في الانفال فقد مضت سنت الأولين ويدل عليها أنها من الانتقام قوله قبلها إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وقوله بعدها وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وفى فاطر فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا ويدلك على أنها بمعنى الانتقام قوله تعالى قبلها ولا يحيق المسكر السئ إلا بأهله وسياق ما بعدها وفى المؤمن فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله أما إذا كانت السنة بمعنى الشريعة والطريقة فهى ملكوتية بمعنى الاسم تقبض تاؤها كما في الأحزاب سنة الله في الذين خلوا من قبل أي حكم الله وشرعه وفى الاسراء سنت من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ومنه بقيت الله فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى ما يبقى في أموالهم من الربح المحسوس لأن الخطاب إنما هو فيها من جهة الملك

[ 414 ]

ومنه فطرت الله فرد وصفها بأنها فطر الناس عليها فهى فصل خطاب في الوجود كما جاء كل مولود يولد على الفطرة الحديث ومنه قرت عين لى ولك فرد مدت تاؤه لأنه بمعنى الفعل إذ هو خبر عن موسى وهو موجود حاضر في الملك وهذا بخلاف قرة أعين فإنه هنا بمعنى الاسم وهو ملكوتي إذ هو غير حاضر ومنه ومعصيت الرسول مدت في موضعين في سورة المجادلة لأن معناها الفعل والتقدير ولا تتناجوا بأن تعصوا الرسول ونفس هذا النجو الواقع منهم في الوجود هو فعل معصية لوقوع النهى عنه ومنه اللعنة مدت في موضعين في آية المباهلة وفى آية اللعان وكونهما بمعنى الفعل ظاهر ومنه الشجرة في موضع إن شجرت الزقوم لأنها بمعنى الفعل اللازم وهو تزقمها بن بالأكل بدليل قوله تعالى في البطون فهذه صفة فعل كما في الواقعة لآكلون من شجر من زقوم وهذا بخلاف قوله أذلك خير نزلا

[ 415 ]

أم شجرة الزقوم فإن هذه وصفها بأنها فتنة للظالمين وأنها شجرة تخرج في أصل الجحيم فهو حلية للاسم فلذلك قبضت تاؤها ومنه الجنة مدت في موضع واحد في الواقعة وجنت نعيم لكونها بمعنى فعل التنعم بالنعيم بدليل اقترانها بالروح والريحان وتأخرها عنهما وهما من الجنة فهذه جنة خاصة بالمنعم بها وأما من ورثة جنة النعيم وإن يدخل جنة نعيم فإن هذا بمعنى الاسم الكلى ولم تمد تصلية جحيم لأنها اسم ما يفعل بالمكذب في الآخرة أخبرنا الله بذلك فالمؤمن يعلمه تصديقا ولا يحذف لفعل أبدا والضابط لذلك أن ما كان بمعنى الاسم لم تمد تاؤه مثل زهرة الحياة الدنيا وصبغة الله وزلزلة الساعة وتحلة أيمانكم ورحلة الشتاء والصيف وحمالة الحطب ومنه ومريم ابنت عمران مدت التاء تنبيها على معنى الولادة والحدوث من النطفة المهينة ولم يضف في القرآن ولد إلى الد ووصف به اسم الولد إلا عيسى وأمه عليهما السلام لما اعتقد النصارى فيهما أنهما إلهان فنبه سبحانه بإضافتهما الولادية على جهة حدوثهما بعد عدمهما حتى أخبر تعالى في موطن بصفة

[ 416 ]

الإضافة دون الموصوف وقال وجعلنا ابن مريم وأمه آية لما غلوا في إلاهيته أكثر من أمه كما نبه تعالى على حاجتهما وتغير أحوالهما في الوجود بلحقهما هذه ما يلحق البشر قال الله تعالى كانا يأكلان الطعام ومنه امرأة هي في سبعة مواضع وهى خمس من النساء امرأت عمران وامرأت فرعون وامرأت نوح وامرأت لوط وامرأت العزيز كلها ممدودة تنبيها على فعل التبعل الصحبة وشدة المواصلة والمخالطة والائتلاف في الموجود والمحسوس وأربع منهن منفصلات في بواطن أمرهن عن بعولتهن بأعمالهن وواحدة خاصة واصلت بعلها باطنا وظاهرا وهى امرأت عمران فجعل الله لها ذرية طيبة وأكرمها بذلك وفضلها على العالمين وواحدة من الأربع انفصلت بباطنها عن بعلها طاعة لله وتوكلا عليه وخوفا منه فنجاها وأكرمها وهى امرأت فرعون واثنتان منهن انفصلتا عن أزواجهما كفرا بالله فأهلكهما سنة الله ودمرهما عمرو ولم ينتفعا بالوصلة الظاهرة مع أنها أقرب وصلة بأفضل أحباب الله كما لم تضر امرأت فرعون وصلتها الظاهرة بأخبث عبيد الله وواحدة انفصلت عن بعلها بالباطن اتباعا للهوى وشهوة نفسها فلم تبلغ من ذلك مرادها مع تمكنها من الدنيا واستيلائها على ما مالت إليه بحبها وهو في بيتها وقبضتها فلم يغن ذلك عنها شيئا وقوتها وعزتها إنما كانا لها من بعلها العزيز ولم ينفعها ذلك في الوصول إلى إرادتها مع عظيم كيدها كما لم يضر يوسف ما امتحن به منها ونجاه الله من السجن ومكن له في الأرض وذلك بطاعته لربه ولا سعادة إلا بطاعة الله ولا شقاوة إلا بمعصيته فهذه كلها عبر وقعت بالفعل في الوجود في شأن كل امرأة منهن فلذلك مدت تاءاتهن قبل

[ 417 ]

فصل الفصل والوصل اعلم أن الموصول في الوجود توصل كلماته في الخط كما توصل حروف الكلمة الواحدة والمفصول معنى في الوجود يفصل في الخط كما تفصل كلمة عن كلمة فمنه إنما بالكسر كله موصول إلا واحدا إن ما توعدون لآت لأن حرف ما هنا وقع على مفصل فمنه خير موعود به لأهل الخير ومنه شر موعود به لأهل الشر فمعنى ما مفصول في الوجود والعلم ومنه أنما بالفتح كله موصول إلا حرفان وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن ما يدعون من دونه الباطل وقع الفصل عن حرف التوكيد إذ ليس لدعوى غير الله وصل في الوجود إنما وصلها في العدم والنفى بدليل قوله تعالى عن المؤمن أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة فوصل أنما في النفى وفصل في الإثبات لا لانفصاله عن دعوة الحق ومنه كلما موصول كله إلا ثلاثة

[ 418 ]

في النساء كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فما ردوا إليه ليس شيئا واحدا في الوجود بل أنواع مختلفة في الوجود وصفة مردهم ليست واحدة بل متنوعة فانفصل ما لأنه لعموم شئ مفصل في الوجود وفى سورة إبراهيم وآتاكم من كل ما سألتموه فحرف ما واقع على أنواع مفصلة في الوجود وفى قد أفلح كل ما جاء أمة رسولها كذبوه والأمم مختلفة في الوجود فحرف ما وقع على تفاصيل موجودة لتفصل وهذا بخلاف قوله كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون فإن هؤلاء هم بنو إسرائيل أمة واحدة بدليل قوله فلم تقتلون أنبياء الله والمخاطبون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتلوا الأنبياء إنما باشره آباؤهم لكن مذهبهم في ذلك واحد فحرف ما إنما يشمل تفاصيل الزمان وهو تفصيل لا مفصل له في الوجود إلا بالفرض والتوهم لا بالحس فوصلت كل لاتصال الأزمنة في الوجود وتلازم أفرادها المتوهمة وكذلك كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا هذه موصول لأن حرف ما جاء لتعميم الأزمنة فلا تفصيل فيها في الوجود وما رزقوا هو غير مختلف لقوله تعالى وأتوا به متشابها

[ 419 ]

ومنه أينما موصول إذا كانت ما غير مختلفة الأقسام في الفعل الذى بعدها مثل أينما يوجهه فأينما تولوا أينما ثقفوا أخذوا أينما تكونوا يدرككم الموت فهذه كلها لم تخرج عن الأين الملكى وهو متصل حسا ولم يختلف فيه الفعل الذى مع ما وتفصل أين حيث تكون ما مختلفة الأقسام في الوصف الذى بعدها مثل أين ما كنتم تعبدون وهو معكم أين ما كنتم أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ومنه بئسما موصول إلا ثلاثة أحرف اثنان في البقرة بئس ما اشتروا به أنفسهم بئس ما يأمركم به أيمانكم وفى الأعراف بئس ما خلفتموني فحرف ما ليس فيه تفصيل لأنه بمعنى واحد في الوجود من جهة كونه باطلا مذموما على خلاف حال ما في المائدة ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون فحرف ما يشتمل على الأقسام الثلاثة التى ذكرت قبل وكذلك لبئس ما قدمت لهم أنفسهم حرف ما مفصول لأنه يعمل ما بعده من الأقسام

[ 420 ]

ومنه يوم هم على النار يفتنون يوم هم بارزون حرفان فصل الضمير منهما لأنه مبتدأ وأضيف اليوم إلى الجملة المنفصلة عنه ويومهم الذى فيه يصعقون ويومهم الذى يوعدون وصل الضمير لأنه مفرد فهو جزء الكلمة المركبة من اليوم المضاف والضمير المضاف إليه ومنه في ما مفصول أحد عشر حرفا في البقرة في ما فعلن في أنفسهن من معروف وذلك لأن ما يقع على فرد واحد من أنواع ينفصل بها المعروف في الوجود [ و ] على يحيى البدلية أو الجمع يدل على ذلك تنكيره المعروف ودخول حرف التبعيض عليه فهو حسى يقسم وحرف ما وقع على كل واحد منهما على البدلية أو الجمع وأما قوله فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف فهذا موصول لأن ما واقعة على شئ واحد غير مفصل يدلك عليه وصفه بالمعروف وكذلك في ما اشتهت أنفسهم خالدون وهو مفصول لأن شهوات الأنفس مختلفة أو مفصلة في الوجود كذلك فتدبره في سائرها ومنه لكيلا الرحمن موصول في ثلاثة مواضع وباقيها منفصل وإنما يوصل حيث يكون حرف النفى دخل على معنى كلى فيوصل لأن نفى الكلى نفى لجميع جزئياته فعلة نفيه هي علة نفى أجزائه وليس للكلى المنفى أفراد في الوجود وإنما

[ 421 ]

ذلك فيه بالتوهم ويفصل حيث يكون حرف النفى دخل على جزئي فإن نفي الجزئي لا يلزم منه نفى الكلى فلا تكون علته علة نفى الجمع لكيلا يعلم من بعد علم شيئا في الحج وفى الأحزاب لكيلا يكون عليك حرج وفى الحديد لكيلا تأسوا على ما فاتكم فهذه هي الموصولة وهى بخلاف لكى لا يعلم بعد علم شيئا في النحل لأن الظرف في هذا خاص الاعتبار وهو في الأول عام الاعتبار لدخول من عليه وهذا كقوله تعالى عن أهل الجنة إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين اختص المظروف بقبل في الدنيا ففيها كانوا مشفقين خاصة وقال تعالى إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم فهذا الظرف عام لدعائهم بذلك في الدنيا والآخرة فلم يختص المظروف بقبل بالدنيا وكذلك لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا فهذا المنفى هو حرج مقيد بظرفين وكذلك كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم فهذا النفى هو كون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة بين الأغنياء من المؤمنين وهذه قيود كثيرة ومن ذلك هم ونحوه من الضمائر تدل على جملة المسمى من غير تفصيل والإضمار حال لا صفة وجود فلا يلزمها التقسيم الوجودى إلا الوهمي الشعرى والخطأ بما يرسم على العلم الحق ومن ذلك مال أربعة أحرف مفصولة وذلك أن اللام وصلة إضافية فقطعت حيث تقطع الإضافة في الوجود

[ 422 ]

فأولها في سورة النساء فمال هؤلاء القوم هذه الإشارة للفريق الذين نافقوا من القوم الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة فقطعوا وصل السيئة بالحسنة في الإضافة إلى الله ففرقوا بينهما كما أخبر سبحانه والله قد وصل ذلك وأمر به في قوله قل كل من عند الله فقطعوا في الوجود ما أمر الله به أن يوصل فقطع لام وصلهم في الخط علامة لذلك وفيه تنبيه على أن الله يقطع وصلهم بالمؤمنين وذلك في يوم الفصل يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم والثانى في سورة الكهف ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة وهؤلاء قطعوا بزعمهم وصل جعل الموعد لهم بوصل إحصاء الكتاب وعدم مغادرته وكان لشئ من أعمالهم في إضافتها إلى الله فلذلك ينكرون على الكتاب في الآخرة ودليل ذلك ظاهر من سياق خبرهم في تلك الآيات من الكهف والثالث في سورة الفرقان وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام فقطعوا وصل الرسالة لأكل الطعام فأنكروا فقطعوا قولهم هذا ليزول عن اعتقادهم أنه رسول فقطع اللام علامة لذلك والرابع في المعارج فمال الذين كفروا قبلك مهطعين هؤلاء الكفار تفرقوا جماعات مختلفات كما يدل عليه عن اليمين وعن الشمال عزين قطعوا وصلهم في قلوبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقطع الله طمعهم في دخول الجنة ولذلك قطعت اللام علامة عليه

[ 423 ]

ومن ذلك ابن آم في الأعراف مفصول على الأصل وفى طه روى موصول لسر لطيف وهو أنه لما أخذ موسى برأس أخيه اعتذر إليه فناداه من قرب على الأصل الظاهر في الوجود ولما تمادى ناداه بحرف النداء ينبهه لبعده عنه في الحال لا في المكان مؤكدا لوصلة الرحم بينهما بالربط فلذلك وصل في الخط ويدل عليه نصب الميم ليجمعهما الاسم بالتعميم ومن ذلك ستة أحرف لا توصل بما بعدها وهى الألف والواو والدال والذال والراء والزاى لأنها علامات لانفصالات ولم ونهايات وسائر الحروف توصل في الكلمة الواحدة فصل في بعض حروف الإدغام فمنه عن ما نهوا عنه فرد ظهر فيه النون وقطع عن الوصل لأن معنى ما عموم كلى تحته أنواع مفصلة في الوجود غير متساوية في حكم النهى عنها ومعنى عن المجاوزة للكلى مجاوزة لكل واحد من جزئياته ففصل علامة لذلك

[ 424 ]

وكذلك من ما ثلاثة أحرف مفصولة لا غير في النساء من ما ملكت أيمانكم وفى الروم هل لكم من ما ملكت أيمانكم وفى المنافقين وأنفقوا من ما رزقناكم وحرف ما في هذه كلها مقسم في الوجود بأقسام منفصلة غير متساوية في الأحكام وهى بخلاف قوله مما كتبت أيديهم فإنها وإن كان تحتها أقسام كثيرة فهى غير مختلفة في وصفها بكتب أيديهم فهو نوع واحد يقال على معنى واحد من تلك الجهة هو في إفراده بالسوية وكذلك أم من بالفصل أربعة أحرف لا غير في النساء أم من يكون عليهم وكيلا وفى التوبة أم من أسس بنيانه وفى الصافات أم من خلقنا وفى السجدة أم من يأتي فهذه الأربعة الأحرف من فيها تقسم في الوجود بأنواع مختلفة في الأحكام بخلاف غيرها مثل أفمن يمشى مكبا على وجهه أهدى أمن يمشى فهذا موصول لأنه من نوع واحد حيث يمشى على صراط مستقيم وكذا أمن جعل الأرض قرارا لا تفاصيل تحتها في الوجود

[ 425 ]

وكذلك عن من مفصول حرفان في النور عن من يشاء وفى النجم عن من تولى حرف من فيهما كلى وحرف عن للمجاوزة عن الكلى مجاوزة لجميع جزئياته دون العكس فلا وصلة بين الجزأين في الوجود فلا يوصلان في الخط وكذلك ممن موصول كله لأن من بفتح الميم جزئي بالنسبة إلى ما فمعناه أزيد من جهة المفهوم ومعنى ما أزيد من جهة العموم والزائد من جهة المفهوم منفصل وجودا بالحصص والحصة منه لا تنفصل والزائد من جهة المفهوم لا ينفصل وجودا وكذلك وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم في سورة الرعد فردة مفصولة ظهر فيها حرف الشرط في الخط لوجهين أحدهما أن الجواب المرتب عليه بالفاء ظاهر في موطن الدنيا وهو البلاغ بخلاف قوله فإما نرينك فإنه أخفى فيه حرف الشرط في الخط لأن الجواب المرتب عليه بالفاء خفى عنا وهو الرجوع إلى الله والثانى أن القصة الأولى منفصلة من الشرط وجوابه وانقسم الجواب إلى جزأين أحدهما الترتيب بالفاء وهو البلاغ والثانى المعطوف عليه وهو الحساب وأحدهما في الدنيا والآخر في الآخرة والأول ظاهر لنا والثانى خفى عنا وهذا الانقسام صحيح في الوجود فقد انقسمت هذه الشرطية إلى شرطين لانفصال

[ 426 ]

جوابها إلى قسمين متغايرين ففصل حرف الشرط علامة لذلك وإذا انفصلت لزم كتبه على الوقف والشرطية الأخرى لا تنفصل بل هي واحدة لإيجاد جوابها فانفصال بين حرف الشرط علامة لذلك وكذلك فإن لم يستجيبوا لك فرد في القصص ثابت النون وفى هود فإلم يستجيبوا لكم فرد بغير نون أظهر حرف الشرط في الأول لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو فاعلم متعلق بشئ ملكوتي ظاهر سفلى وهو اتباعهم أهواءهم وأخفى في الثاني لأن جوابه المترتب عليه بالفاء هو علم متعلق بشئ ملكوتي خفى علوى وهو إنزال القرآن بالعلم والتوحيد ومن ذلك أن لن كله مفصول إلا حرفان ألن يجعل لكم موعدا في الكهف ألن يجمع عظامه في القيامة سقطت النون منهما في الخط تنبيها على أن ما زعموا وحسبوا هو باطل في الوجود وحكم ما ليس بمعلوم نسبوه إلى الحى القيوم فأدغم حرف توكيدهم أهل الكاذب في حرف النفى السالب هو بخلاف قوله زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا فهؤلاء لم ينسبوا ذلك لفاعل إذ ركب الفعل لما لم يسم فاعله وأقيموا فيه مقام الفاعل فعدم بعثهم تصوروه من أنفسهم وحكموا به عليها توهما فهو كاذب من حيث حكموا به على مستقبل الآخرة ولكونه حقا بالنسبة إلى دار الدنيا الظاهرة ثبت التوكيد ظاهرا وأدغم في حرف النفى من حيث الفعل المستقبل الذى هو فيه كاذب

[ 427 ]

ومن ذلك كل ما في القرآن أن لا فهو موصول إلا عشرة مواضع فهى مفصولة تكتب النون فيها باتفاق وذلك حيث ظهر في الوجود صحة توكيد القضية ولزومها أولها في الأعراف أن لا أقول على الله إلا الحق ووأن لا يقولوا على الله إلا الحق وأن لا ملجأ من الله في التوبة أن لا إله إلا هو وأن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف في هود وأن لا تشرك بى شيئا في الحج وأن لا تعبدوا الشيطان في يس وأن لا تعلوا على الله في الدخان وأن لا يشركن بالله شيئا في الممتحنة وأن لا يدخلنها في القلم وواحد فيه خلاف أن لا إله إلا أنت في الأنبياء فتأمل كيف صح في الوجود هذا التوكيد الأخير فلم يدخلها عليهم مسكين على غير ما قصدوا وتخيلوا فيه

[ 428 ]

وكذلك لام التعريف المدغمة في اللفظ في مثلها أو غيرها لما كانت للتعريف وشأن المعرف أن يكون أبين وأظهر لا أخفى وأستر ظهرت في الخط ووصلت بالكلمة لأنها صارت جزءا منها حيث هي معرفة بها هذا هو الأصل وقد حذف حيث يخفى معنى الكلمة مثل اليل فإنه بمعنى مظلم لا يوضح الأشياء بل يسترها ويخفيها وكونه واحدا إما للجزئي أو للجنس فأخفى حرف تعريفه في مثله فإن تعين للجزئي بالتأنيث رجع إلى الأصل ومثل الذى والتى وتثنيتهما وجمعهما فإنه مبهم في المعنى والكم لأن أول حده للجزئي وللجنس للثلاث أو غيرها ففيه ظلمة الجهل كالليل ومثل الئى حديث في الإيجاب فإن لام التعريف دخلت على لا النافية وفيها ظلمة العدم كالليل ففى هذه الظلمات الثلاث يخفى حرف التعريف وكذلك الأيكة نقلت حركة همزتها على لام التعريف وسقطت همزة الوصل لتحريك اللام وحذفت ألف عضد الهمزة ووصل اللام فاجتمعت الكلمتان فصارت ليكه علامة على اختصار وتلخيص وجمع في المعنى وذلك في حرفين أحدهما في الشعراء جمع فيه قصتهم مختصرة وموجزة عند في غاية البيان وجعلها جملة فهى آخر قصة في السورة بدليل قوله إن في ذلك لآية فأفردها والثانى في ص جمع الأمم فيها بألقابهم وجعلهم جهة واحدة هم آخر امة فيها ووصف الجملة قال تعالى أولئك الأحزاب وليس الأحزاب وصفا لكل منهم بل هو وصف جميعهم

[ 429 ]

وجاء بالانفصال على الأصل حرفان نظير هذين الحرفين أحدهما في الحجر وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين أفردهم بالذكر والوصف والثانى في ق وأصحاب الأيكة جمعوا فيه مع غيرهم ثم حكم على كل منهم لا على الجملة قال تعالى كل كذب الرسل فحيث يعتبر فيهم التفضيل فصل لام التعريف وحيث يعتبر فيهم التوصيل وصل للتخفيف وكذلك لتخذت عليه أجرا حذفت الألف ووصلت لأن العمل في الجدار قد حصل في الوجود فلزم عليه الأجر واتصل به حكما بخلاف لاتخذوك خليلا ليس فيه وصلة اللزوم فصل حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف المعنى مثل وزاده بسطة في العلم والجسم وزادكم في الخلق بصطة يبسط الزق لمن يشاء والله يقبض ويبصط فبالسين السعة الجزئية كذلك علة التقييد وبالصاد السعة الكلية بدليل علو معنى

[ 430 ]

الإطلاق وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق وكذلك فأتوا بسورة في أي صورة فضرب بينهم بسور ونفخ في الصور فبالسين ما يحصر الشئ خارجا عنه وبالصاد ما تضمنه منه وكذلك يعلم ما يسرون وكانوا يصرون فبالسين من السر وبالصاد من التمادي وكذلك يسحبون في النار ومنا يصحبون فبالسين من الجر وبالصاد من الصحبة وكذلك نحن قسمنا بينهم وكم قصمنا بالسين تفريق الأرزاق والإنعام وبالصاد تفريق الإهلاك والإعدام وكذلك وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة بالضاد منعمة بما تشتهيه الأنفس وبالظاء منعمة بما تلذ الأعين وهذا الباب كثير يكفى فيه اليسير فصل كتابة فواتح السور كتبوا آلم وآلمر وآلر موصولا

[ 431 ]

إن قيل لم وصلوه والهجاء مقطع لا ينبغى وصله لأنه لو قيل لك ما هجاء زيد قلت زاى ياء دال وتكتبه مقطعا لتفرق بين هجاء الحروف وقراءته قيل إنما وصلوه لأنه ليس هجاء لاسم معروف وإنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف معنى فإن قيل لم قطعوا حم عسق ولم يقطعوا المص وكهيعص قيل حم قد جرت في أوائل سبع سور فصارت اسما للسور فقطعت مما قبلها وجوزوا في ق والقرآن وص والقرآن وجهين من جزمهما فهما حرفان ومن كسر آخرهما فعلى أنه أمر كتب على لفظهما

[ 432 ]

النوع السادس والعشرون فضائله وقد صنف فيه أبو بكر بن أبى شيبة وأبو عبيد القاسم بن سلام والنسائي وغيرهم وقد صح فيه أحاديث باعتبار الجملة وفى بعض السور بالتعيين وأما حديث أبى كعب رضى الله عنه في فضيلة سورة سورة فحديث موضوع قال ابن الصلاح ولقد أخطأ الواحدى المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم قلت وكذلك الثعلبي لكنهم ذكروه بإسناد فاللوم عليهم يقل بخلاف من ذكره بلا إسناد وجزم به كالزمخشري فإن خطأه أشد وعن نوح بن أبى مريم أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة فقال إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبى حنيفة ومغازى محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة ثم قد جرت عادة المفسرين ممن ذكر الفضائل أن يذكرها في أول كل سورة لما فيها من الترغيب والحث على حفظها إلا الزمخشري فإنه يذكرها في أواخرها قال مجد الأئمة عبد الرحيم بن عمر الكرماني سألت الزمخشري عن العلة في ذلك فقال لأنها صفات لها والصفة تستدعى تقديم الموصوف وقد روى البخاري رحمه الله حديث خيركم من تعلم القرآن وعلمه وروى أصحاب السنن في حديث إلهى من شغله القرآن عن ذكرى ومسألتي أعطيته أفضل

[ 433 ]

ما أعطى السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وقال عليه السلام ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه قال أبو النضر يعنى القرآن وروى أحمد من حديث أنس رضى الله عنه أهل القرآن هم أهل الله وخاصته وروى مسلم من حديث عمر رضى الله عنه إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين وقدم صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد في القبر أكثرهم قرآنا

[ 434 ]

النوع السابع والعشرون خواصه وقد صنف فيه جماعة منهم التميمي وأبو حامد الغزالي قال بعضهم وهذه الحروف التى في أوائل السور جعلها الله تعالى حفظا للقرآن من الزيادة والنقصان قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وذكر بعضهم أنه وقف على أن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه كان يكتبها على ما يريد حفظه من الأموال والمتاع فيحفظ وأخبر رجل من أهل الموصل قال كان الكيا الهراسى الإمام رحمه الله إذا ركب في رحلة يقول هذه الحروف التى في أوائل السور فسئل عن ذلك فقال ما جعل ذلك في موضع أو كتب في شئ إلا حفظ تاليها وماله وأمن في نفسه من التلف والغرق وحكى عن الشافعي رحمه الله أنه شكا إليه رجل رمدا فكتب إليه في رقعه بسم الله الرحمن الرحيم فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد للذين آمنوا هدى وشفاء فعلق الرجل ذلك عليه فبرأ وكان سفيان الثوري يكتب للمطلقة رقعة تعلق على قلبهاإذا السماء انشقت

[ 435 ]

وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت فاخر منها فخرج على قومه وروى ابن قتيبة قال كان رجل من الصالحين يحب الصلاة بالليل وتثقل عليه فشكا ذلك لبعض الصالحين فقال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى إلى قوله مددا ثم أضمر في أي وقت أضمرت فإنك تقوم فيه قال ففعلت فقمت في الوقت المعين قال الغزالي وكان بعض الصالحين في اصبهان أصابه عسر البول فكتب في صحيفة البسملة وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة دكادكا لأنه وألقى عليه الماء وشربه فيسر عليه البول وألقى الحصى وحكى الثعلبي في تفسيره أن قوله تعالى لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون يكتب على كاغد ويوضع على شق الضرس الوجع يبرأ بإذن الله تعالى ويحكى أن الشيخ أبا القاسم القشيرى رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مالى أراك محزونا فقال ولدى قد مرض واشتد عليه الحال فقال له أين أنت عن آيات الشفاء ويشف صدور قوم مؤمنين وشفاء لما في الصدور فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم

[ 436 ]

يتفكرون وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وإذا مرضت فهو يشفين قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء فقرأ هذه الآيات عليه ثلاث مرات فبرأ وحكى ابن الجوزى عن ابن ناصر عن شيوخه عن ميمونة بنت شاقولة البغدادية رضى الله عنها قالت آذانا جار لنا فصليت ركعتين وقرأت من فاتحة كل سورة آية حتى ختمت القرآن وقلت اللهم اكفنا أمره ثم نمت وفتحت عينى وإذابه وقت السحر. فزلت قدمه فسقط ومات وحكى عن ابنها أنه كان في دارها حائط له جوف فقالت هات رقعة ودواة فناولتها فكتبت في الرقعة شيئا وقالت دعه في ثقب منه ففعلت فبقى نحوا من عشرين سنة فلما ماتت ذكرت ذلك القرطاس فقمت فأخذته موقع الحائط فإذا في الرقعة إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا يا ممسك السموات والأرض أمسكه تنبيه هذا النوع والذى قبله لن ينتفع به إلا من أخلص لله قلبه ونيته وتدبر الكتاب في عقله وسمعه وعمر به قلبه واعمل به جوارحه وجعله سميره في ليله ونهاره وتمسك به وتدبره هنالك تأتيه الحقائق من كل جانب وإن لم يكن بهذه الصفة كان فعله

[ 437 ]

مكذبا لقوله كما روى أن عارفا وقعت له واقعة فقال له صديق له نستعين بفلان فقال أخشى أن تبطل صلاتي التى تقدمت هذا الأمر وقد صليتها قال صديقه وأين هذا من هذا قال لأنى قلت في الصلاة إياك نعبد وإياك نستعين فإن استعنت بغيره كذبت والكذب في الصلاة يبطلها وكذلك الاستعاذة من الشيطان الرجيم لا تكون إلا مع تحقق العداوة فإذا قبل إشارة الشيطان واستنصحه فقد كذب قوله فبطل ذكره

[ 438 ]

الثامن والعشرون هل في القرآن شئ أفضل من شئ وقد اختلف الناس في ذلك فذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري والقاضى أبو بكر وأبو حاتم بن حبان وغيرهم إلى أنه لا فضل لبعض على بعض لأن الكل كلام الله وكذلك أسماؤه تعالى لا تفاضل بينهما وروى معناه عن مالك قال يحيى بن يحيى تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ وكذلك كره مالك أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها احتجوا بأن الأفضل يشعر بنقص المفضول وكلام الله حقيقة واحدة لا نقص فيه قال ابن حبان في حديث أبى بن كعب رضى الله عنه ما أنزل الله في التوارة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن إن الله لا يعطى لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطى لقارئ أم القرآن إذ الله بفضله فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه اكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه قال وقوله أعظم سورة أراد به في الأجر لا أن بعض القرآن أفضل من بعض وقال قوم بالتفضيل لظواهر الأحاديث ثم اختلفوا فقال بعضهم الفضل راجع إلى عظم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انفعالات النفس وخشيتها وتدبرها وتفكرها يا عند ورود أوصاف العلا وقيل بل يرجع لذات اللفظ وأن ما تضمنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته وصفاته ليس موجودا مثلا في تبت يدا

[ 439 ]

أبى لهب وما كان مثلها فالتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها لا من حيث الصفة وهذا هو الحق وممن قال بالتفضيل إسحاق بن راهويه وغيره من العلماء وتوسط الشيخ عز الدين فقال كلام الله في الله أفضل من كلام الله في غيره ف قل هو الله أحد أفضل من تبت يدا أبى لهب وعلى ذلك بنى الغزالي كتابه المسمى بجواهر القرآن واختاره القاضى أبو بكر بن العربي لحديث أبى سعيد بن المعلى في صحيح البخاري إنى لأعلمك سورة هي أعظم السور في القرآن قال الحمد لله رب العالمين ولحديث أبى بن كعب في الصحيحين قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية في كتاب الله أعظم قلت الله ورسوله أعلم قال يا أبى اتدرى أي آية في كتاب الله أعظم قال قلت الله لا إله إلا هو الحى القيوم قال فضرب في صدري وقال ليهنك العلم أبا المنذر وأخرج الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن أبى هريرة سيدة آي القرآن آية الكرسي وفى الترمذي غريبا عنه مرفوعا لكل شئ سنام وإن سنام القرآن سورة البقرة فيها آية الكرسي وروى ابن عيينة في جامعه عن أبى صالح عنه فيها آية الكرسي وهى سنام آى القرآن ولا تقرأ في دار فيها شيطان إلا خرج منها وهذا لا يعارض ما قبله بأفضلية الفاتحة لأن تلك باعتبار السور وهذه باعتبار الآيات وقال القاضى شمس الدين الخويى كلام الله أبلغ من كلام المخلوقين وهل يجوز

[ 440 ]

أن يقال بعض كلامه أبلغ من بعض جوزه بعضهم لقصور نظرهم وينبغى أن يعلم أن معنى قول القائل هذا الكلام أبلغ من هذا الكلام أن هذا في موضعه له حسن ولطف وذاك في موضعه له حسن ولطف وهذا الحسن في موضعه أكمل من ذاك في موضعه فإن من قال إن قل هو الله أحد أبلغ من تبت يدا أبى لهب يجعل المقابلة بين ذكر الله وذكر أبى لهب وبين التوحيد والدعاء على الكافرين وذلك غير صحيح بل ينبغى أن يقال تبت يدا أبى لهب دعاء عليه بالخسران فهل توجد عبارة للدعاء بالخسران أحسن من هذه وكذلك في قل هو الله أحد لا توجد عبارة تدل على الوحدانية أبلغ منها فالعالم إذا نظر إلى تبت يدا أبى لهب وتب في باب الدعاء والخسران ونظر إلى قل هو الله أحد في باب التوحيد لا يمكنه أن يقول أحدهما أبلغ من الآخر وهذا القيد يغفل عنه بعض من لا يكون عنده علم البيان قلت ولعل الخلاف في هذه المسألة يلفت عن الخلاف المشهور إن كلام الله شئ واحد أولا عند الأشعري أنه لا يتنوع في ذاته إنما هو بحسب متعلقاته فإن قيل فقد قال تعالى فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فجعله شيئين وأنتم تقولون بعدمه وأنه صفة واحدة قلنا من حيث أنه كلام الله لا مزية لشئ منه على شئ ثم قولنا شئ منه يوهم التبعيض وليس لكلام الله الذى هو صفته بعض ولكن بالتأويل والتفسير وفهم السامعين اشتمل على جميع أنواع المخاطبات ولولا تنزله في هذه المواقع لما وصلنا إلى فهم شئ منه

[ 441 ]

وقال الحليمى قد ذكرنا أخبار تدل على جوار المفاضلة بين السور والآيات وقال الله تعالى نأت بخير منها أو مثلها ومعنى ذلك يرجع إلى أشياء أحدها أن تكون آيتا عمل ثابتتان في التلاوة إلا أن إحداهما منسوخة والأخرى ناسخة فنقول إن الناسخ خير أي أن العمل بها أولى بالناس وأعود عليهم وعلى هذا فيقال آيات الأمر والنهى والوعد والوعيد خير من آيات القصص لأن القصص إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهى والتبشير ولا غنى بالناس عن هذه الأمور وقد يستغنون عن القصص فكل ما هو أعود عليهم وانفع لهم مما يجرى مجرى الأصول خير لهم مما يحصل تبعا لما لا بد منه والثانى أن يقال إن الآيات التى تشتمل على تعديد أسماء الله تعالى وبيان صفاته والدلالة على عظمته وقدسيته لو أفضل أو خير بمعنى أن مخبراتها أسنى وأجل قدرا والثالث أن يقال سورة خير من سورة أو آية خير من آية بمعنى أن القارئ يتعجل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجل ويتأدي منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين فإن قارئها يتعجل بقراءتها الاحتراز مما يخشى والاعتصام بالله جل ثناؤه ويتأدي بتلاوتها منه لله تعالى عبادة لما فيها من ذكر اسم الله تعالى جده بالصفات العلا على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل الذكر وبركته فأما آيات الحكم فلا يقع بنفس تلاوتها إقامة حكم وإنما يقع بها علم قال ثم لو قيل في الجملة إن القرآن خير من التوراة والإنجيل والزبور بمعنى أن التعبد بالتلاوة والعمل واقع به دونها والثواب بحسب بقراءته لا بقراءتها أو أنه من

[ 442 ]

حيث الإعجاز حجة النبي المبعوث وتلك الكتب لم تكن معجزة ولا كانت حجج أولئك الأنبياء بل كانت دعوتهم والحجج غيرها وكان ذلك أيضا نظير ما مضى وقد يقال إن سورة أفضل من سورة لأن الله تعالى اعتد قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها وإن كان المعنى الذى لأجله بل بها هذا المقدار لا يظهر لنا كما يقال إن قوما أفضل من قوم وشهرا أفضل من شهر بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره والذنب يكون أعظم من الذنب منه في غيره وكما يقال إن الحرم أفضل من الحل لأنه يتأدى فيه من المناسك مالا يتأذفي غيره والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة مما تقام في غيره والله أعلم فصل أعظمية آية الكرسي قال ابن العربي إنما صارت آية الكرسي أعظم لعظم مقتضاها فإن الشئ إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته وهى في آى القرآن ك قل هو الله أحد في سوره إلا أن سورة الإخلاص تفضلها بوجهين أحدهما أنها سورة وهذه آية فالسورة أعظم من الآية لأنه وقع التحدي بها فهى أفضل من الآية التى لم يتحد بها والثانى أن سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفا فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبر عنه مكتوب مدده السبعة الأبحر لا ينفد عدد حروفه خمسون كلمة ثم يعبر عن معنى الخمسين كلمة خمسة عشر كلمة وذلك كله بيان لعظم القدرة والانفراد بالوحدانية وقال أبو العباس أحمد بن المنير المالكى كان جدى رحمه الله يقول اشتملت آية الكرسي على ما لم يشتمل عليه اسم من أسماء الله تعالى وذلك أنها مشتملة على سبعة عشر

[ 443 ]

موضعا فيها اسم الله ظاهرا في بعضها ومستكنا يكون في بعض ويظهر للكثير من العادين فيها ستة عشر إلا على حاد البصيرة لدقة استخراجه 1 الله 2 هو 3 الحى 4 القيوم 5 ضمير لا تأخذه ضمير له 7 ضمير عنده 8 ضمير إلا بأذنه 9 ضمير يعلم 10 ضمير علمه 11 ضمير شاء 12 ضمير كرسيه 13 ضمير يؤوده 14 وهو 15 العلى 16 العظيم فهذه عدة الأسماء وأما الخفى في الضمير الذى اشتمل عليه المصدر في قوله حفظهما فإنه مصدر مضاف إلى المفعول وهو الضمير البارز ولا بد له من فاعل وهو والله ويظهر عند فك المصدر فتقول ولا يؤوده أن يحفظهما هو قال وكان الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل المرسى قد رام الزيادة على هذا العدد لما أخبرته عن الجد فقال يمكن أن تعد ما في الآية من الأسماء المشتقة كل واحد منها باثنين لأن كل واحد منها يحمل ضميرا ضرورة كونه مشتقا وذلك الضمير إنما يعود إلى الله وهو باعتبار ظهورها اسم وقد اشتملت على آخر مضمر فتكون جملة العدد على هذا أحدا وعشرين اسما فأجريت معه وجها لطيفا وهو أن الاسم المشتق لا يحتمل الضمير بعد صيرورته بالتسمية علما على الأصح وهذه الصفات كلها أسماء الله تعالى ثم ولو فرضناها محتملة للضمائر بعد التسمية على سبيل التنزل فالمشتق إنما يقع على موصوفه باعتبار تحمله ضميره ألا تراك إذا قلت زيد كريم إذا وجدت كريما إنما يقع على زيدلأن مع فيه ضميره حتى لو جردت النظر إليه لم تجده مختصا بزيد بل لك أن توقعه على كل موصوف بالكرم من الناس ولا تجده مختصا بزيد إلا باعتبار اشتماله على ضميره فليس المشتق إذا مستقلا بوقوعه على موصوفه إلا بضميمة الضمير إليه فلا يمكن أن تجعله له حكم الانفراد عن الضمير مع الحكم برجوعه إلى معين البتة قال فرضى عن هذا البحث وصوبه

[ 444 ]

وقال الغزالي في قوله صلى الله عليه وسلم إن لكل شئ قلبا وقلب القرآن يس إن ذلك لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر والنشر وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه فجعلت قلب القرآن لذلك واستحسنه فخر الدين الرازي قال الجوينى سمعته يترحم عليه بسبب هذا الكلام وقال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس لكل شئ لباب ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس روى ذلك كله أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن وقال حميد بن زنجويه حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن عبد الله قال إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هذه الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن أورده البغوي وروى أبو عبيد عن بعض السلف منهم محمد بن سيرين كراهة أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم وفى الترمذي عن ابن عباس قال قال أبو بكر رضى الله عنه للنبى صلى الله عليه وسلم يا رسول الله قد شبت قال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت خص هذه السور بالشيب لأنهن أجمع لكيفية القيامة وأهوالها

[ 445 ]

من غيرهن ولهذا قال في حديث آخر من أحب أن يرى القيامة رأى العين فليقرأ إذا الشمس كورت وروى الترمذي من حديث ابن عباس ومن حديث أنس إذا زلزلت تعدل نصف القرآن وقل يأيها الكافرون تعدل ربعه وقال في كل منهما غريب وقد تكلم ابن عبد البر على حديث قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وحكى خلاف الناس فيه فقيل لأنه سمع شخصا يكررها تكرار من يقرأ ثلث القرآن فخرج الجواب على هذا وفيه بعد عن ظاهر الحديث قيل لأن القرآن يشتمل على قصص وشرائع وصفات وقل هو الله أحد كلها صفات فكانت ثلثا بهذا الاعتبار واعترض على ذلك باستلزام كون آية الكرسي وآخر الحشر ثلث القرآن ولم يرد فيه وقيل تعدل في الثواب وهو الذى يشهد لظاهر الحديث قلت ضعف ابن عقيل هذا وقال لا يجوز أن يكون المعنى فله أجر ثلث القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ثم قال ابن عبد البر على أنى أقول السكوت في هذه المسألة أفضل من الكلام فيها وأسلم ثم أسند إلى إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل قوله صلى الله عليه وسلم قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن ما وجهه فلم يقم لى فيها على امر وقال لى إسحاق بن راهويه معناه أن الله لما فضل كلامه على سائر الكلام جعل لبعضه أيضا فضلا

[ 446 ]

في الثواب لمن قرأه تحريضا على تعلمه لا أن من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات كان كمن قرأ القرآن جميعه هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة قال أبو عمرو وهذان إمامان بالسنة ما قاما ولا قعدا في هذه المسألة قلت وأحسن ما قيل فيه أن القرآن قسمان خبر وإنشاء والخبر قسمان خبر عن الخالق وخبر عن المخلوق فهذه ثلاثة وسورة الإخلاص أخلصت الخبر عن الخالق فهى بهذا الاعتبار ثلث القرآن فائدة في أي آية في القرآن أرجى اختلف في أرجى آية في القرآن على بضعة عشر قولا الأول آية الدين ومأخذه أن الله تعالى أرشد عباده إلى مصالحهم الدنيوية حتى انتهت العناية بمصالحهم إلى أن أمرهم بكتابة الدين الكبير والحقير فبمقتضى ذلك يرجى عفو الله تعالى عنهم لظهور أمر العناية العظيمة بهم حتى في مصلحتهم الحقيرة الثاني ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم وهذا رواه مسلم في الصحيح أثر حديث الإفك عن الإمام الجليل عبد الله بن المبارك الثالث قال الشبلى في قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد

[ 447 ]

سلف فالله تعالى لما أذن الكافرين بدخول الباكل إذا أتوا بالتوحيد والشهادة أتراه يخرج الداخل فيها والمقيم عليها الرابع قوله تعالى وهل نجازى إلا الكفور الخامس قوله إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى السادس قوله تعالى وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير السادس قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته الثامن قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى حكى هذه الأقوال الخمسة الأخيرة الشيخ محيى الدين في رءوس المسائل التاسع رأيت في مناقب الشافعي للإمام أبى محمد إسماعيل الهروي صاحب الحاكم بإسناده عن ابن عبد الحكم قال سألت الشافعي أي آية أرجى قال قوله تعالى يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة قال وسألته عن أرجى حديث للمؤمن قال حديث إذا كان يوم القيامة يدفع إلى كل مسلم رجل من الكفار فيذهب به إلى النار العاشر والحادي عشر روى الحاكم في مستدركه عن محمد بن المنكدر قال التقى ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص فقال ابن عباس أي آية في كتاب الله أرجى عندك فقال عبد الله بن عمرو يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم قال

[ 448 ]

لكن قول إبراهيم قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى هذا لما في الصدور من وسوسة الشيطان فرضى الله تعالى من إبراهيم بقوله أولم تؤمن قال بلى وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال النحاس في سورة الأحقاف فهل يهلك إلا القوم الفاسقون فقال إن هذه الآية من أرجى آية في القرآن إلا أن ابن عباس قال أرجى آية في القرآن وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وأما أخوف آية فعن الإمام أبى حنيفة أنه قال هي قوله تعالى واتقوا النار التى أعدت للكافرين ولو قيل إنها سنفرغ لكم أيه الثقلان لكان له وجه ولهذا قال بعضهم لو سمعت هذه الكلمة من خفير الحارة لم أنم

[ 449 ]

النوع التاسع والعشرن في آداب تلاوته وكيفيتها اعلم أنه ينبغى لمح موقع النعم على من علمه الله تعالى القرآن العظيم أو بعضه بكونه أعظم المعجزات لبقائه ببقاء دعوة الاسلام ولكونه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين فالحجة بالقرآن العظيم قائمة على كل عصر وزمان لأنه كلام رب العالمين وأشرف كتبه جل وعلا فلير من عنده القرآن أن الله أنعم عليه نعمة عظيمة وليستحضر من أفعاله أن يكون القرآن حجة له لا عليه لأن القرآن مشتمل على طلب أمور والكف عن أمور وذكر أخبار قوم قامت عليهم الحجة فصاروا عبرة للمعتبرين حين زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وأهلكوا لما عصوا وليحذر من علم حالهم أن يعصى فيصير مآله مآلهم فإذا استحضر صاحب القرآن علو شأنه بكونه طريقا لكتاب الله تعالى وصدره مصحفا له انكفتت سعيد نفسه عند التوفيق عن الرذائل وأقبلت على العمل الصالح الهائل وأكبر معين على ذلك حسن ترتيله وتلاوته وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ورتل القرآن ترتيلا فحق على كل امرئ مسلم قرأ القرآن أن يرتله وكمال ترتيله تفخيم ألفاظه والإبانة عن حروفه والإفصاح لجميعه بالتدبر حتى يصل بكل ما بعده

[ 450 ]

وأن يسكت بين النفس والنفس حتى يرجع إليه نفسه وألا يدغم حرفا في حرف لأن أقل ما في ذلك أن يسقط من حسناته بعضها وينبغى للناس أن يرغبوا في تكثير حسناتهم فهذا الذى وصفت أقل ما يجب من الترتيل وقيل أقل الترتيل أن يأتي بما يبين ما يقرأ به وإن كان مستعجلا في قراءته وأكمله أن يتوقف فيها ما لم يخرجه إلى التمديد والتمطيط فمن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأه على منازله فإن كان يقرأ تهديدا لفظ به لفظ المتهدد وإن كان يقرأ لفظ تعظيم لفظ به على التعظيم وينبغى أن يشتغل قلبه في التفكر في معنى ما يلفظ بلسانه فيعرف من كل آية معناها ولا يجاوزها إلى غيرها حتى يعرف معناها فإذا مر به آية رحمة وقف عندها وفرح بما وعده الله تعالى منها واستيشر بكر إلى ذلك وسأل الله برحمته الجنة وإن قرأ آية عذاب وقف عندها وتأمل معناها فإن كانت في الكافرين اعترف بالإيمان فقال آمنا بالله وحده وعرف موضع التخويف ثم سأل الله تعالى أن يعيذه من النار وإن هو مر بآية فيها نداء للذين آمنوا فقال يأيها الذين آمنوا وقف عندها وقد كان بعضهم يقول لبيك ربى وسعديك ويتأمل ما بعدها مما أمر به ونهى عنه فيعتقد قبول ذلك فإن كان من الأمر الذى قد قصر عنه فيما مضى اعتذر عن فعله في ذلك الوقت واستغفر ربه في تقصيره وذلك مثل قوله يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وعلى كل أحد أن ينظر في أمر أهله في صلاتهم وصيامهم وأداء ما يلزمهم في طهاراتهم قد

[ 451 ]

وجناياتهم وحيض النساء ونفاسهن وفي وعلى كل أحد أن يتفقد ذلك في أهله ويراعيهم بمسألتهم عن ذلك فمن كان منهم يحسن ذلك كانت مسألته تذكيرا له وتأكيدا لما في قلبه وإن كان لا يحسن كان ذلك تعليما له ثم هكذا يراعى صغار ولده ويعلمهم إذا بلغوا سبعا أو ثمانى سنين ويضربهم إذا بلغوا العشر على ترك ذلك فمن كان من الناس قد قصر فيما مضى اعتقد قبوله والأخذ به فيما يستقبل وإن كان يفعل ذلك وقد عرفه فإنه إذا مر به تأمله وتفهمه وكذلك قوله تعالى يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا فإذا قرأ هذه الآية تذكر أفعاله في نفسه وذنوبه فيما بينه وبين غيره من الظلامات والغيبة وغيرها ورد ظلامته واستغفر من كل ذنب قصر في عمله ونوى أن يقوم بذلك ويستحل كل من بينه وبينه شئ من هذه الظلامات من كان منهم حاضرا وأن يكتب إلى من كان غائبا وأن يرد ما كان يأخذه على من أخذه منه فيعتقد هذا في وقت قراءة القرآن حتى يعلم الله تعالى منه أنه قد سمع وأطاع فإذا فعل الإنسان هذا كان قد قام بكمال ترتيل القرآن فإذا وقف على آية لم يعرف معناها يحفظها حتى يسأل عنها من يعرف معناها ليكون متعلما لذلك طالبا للعمل به وإن كانت الآية قد اختلف فيها اعتقد من قولهم أقل ما يكون وإن احتاط على نفسه بأن يعتقد أوكد ما في ذلك كان أفضل له وأحوط لأمر دينه وإن كان ما يقرؤه من الآى فيما قصص الله على الناس من خبر من مضى من الأمم فلينظر في ذلك وإلى ما صرف الله عن هذه الأمة منه فيجدد لله على ذلك شكرا

[ 452 ]

وإن كان ما يقرؤه من الآى مما أمر الله به أو نهى عنه أضمر قبول الأمر والائتمار والانتهاء عن المنهى والاجتناب له فإن كان ما يقرؤه من ذلك وعيدا وعد الله به المؤمنين فلينظر إلى قلبه فإن جنح إلى الرجاء فزعه بالخوف وإن جنح إلى الخوف فسح له في الرجاء حتى يكون خوفه ورجاؤه معتدلين فإن ذلك كمال الإيمان وإن كان ما يقرؤه من الآى من المتشابه الذى تفرد الله بتأويله فليعتقد الإيمان به كما أمر الله تعالى فقال فأما الذين قى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله يعنى عاقبة الأمر منه ثم قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله وإن كان موعظة اتعظ بها فإنه إذا فعل هذا فقد نال كمال الترتيل وقال بعضهم الناس في تلاوة القرآن ثلاثة مقامات الأول من يشهد أوصاف المتكلم في كلامه ومعرفة معاني خطابه فينظر إليه من كلامه وتكلمه بخطابه وتمليه كل بمناجاته وتعرفه من صفاته فإن كل كلمة تنبئ عن معنى اسم أو وصف أو حكم أو إرادة أو فعل لأن الكلام ينبئ عن معاني الأوصاف ويدل على الموصوف وهذا مقام العارفين من المؤمنين لأنه لا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث أنه منعم عليه بل هو مقصور الفهم عن المتكلم موقوف الفكر عليه مستغرق بمشاهدة المتكلم ولهذا قال جعفر بن محمد الصادق لقد تجلى الله لخلقه بكلامه ولكن لا يبصرون ومن كلام الشيخ أبى عبد الله القرشى لو طهرت القلوب لم تشبع من التلاوة للقرآن الثاني من يشهد بقلبه كأنه تعالى يخاطبه ويناجيه بألطافه ويتملقه بإنعامه

[ 453 ]

وإحسانه فمقام هذا الحياء والتعظيم وحاله الإصغاء والفهم وهذا لعموم المقربين الثالث من يرى أنه يناجى ربه سبحانه فمقام هذا السؤال والتمكن وحاله الطلب وهذا المقام لخصوص أصحاب اليمين فإذا كان العبد يلقى السمع من بين يدى سميعه مصغيا إلى سر كلامه شهيد القلب لمعاني صفاته ناظرا إلى قدرته تاركا لمعقوله، ومعهود علمه متبرئا من حوله وقوته معظما للمتكلم متفرغا إلى الفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد غيب الجواب لأن الترتيل في القرآن والتدبر لمعاني الكلام وحسن الاقتصاد إلى المتكلم في الإفهام والإيقاف على المراد وصدق الرغبة في الطلب سبب للاطلاع على المطلع من المسر المكنون المستودع وكل كلمة من الخطاب تتوجه عشر جهات للعارف من كل جهة مقام ومشاهدات أولها الإيمان فلا بها والتسليم لها والتوبة إليها والصبر عليها والرضا به والخوف منها والرجا إليها والشكر عليها والمحبة لها والتوكل فيها فهذه المقامات العشر هي مقامات المتقين وهى منطوية في كل كلمة يشهدها أهل التمكين والمناجاة ويعرفها أهل العلم والحياة لأن كلام المحبوب حياة للقلوب لا ينذر به إلا حى ولا يحيا به إلا مستجيب كما قال تعالى لينذر من كان حيا وقال تعالى إذا دعاكم لما يحييكم ولا يشهد هذه العشر مشاهدات إلا من يتنقل في العشر المقامات المذكورة في سورة الأحزاب أولها مقام المسلمين وآخرها مقام الذاكرين وبعد مقام

[ 454 ]

الذكر هذه المشاهدات العشر فعندها لا تمل المناجاة لوجود المصافاة وعلم كيف تجلى له تلك الصفات الإلهية في طى هذه الأدوات ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ترى ولاتمكن منه لفهم عظيم الكلام إلا على حد فهم الخلق فكل أحد يفهم عنه بفهمه الذى قسم له حكمة منه قال بعض العلماء في القرآن ميادين وبساتين وعرائس وديابيج ورياض فالميمات: ميادين القرآن والراءات بساتين القرآن والحاءات غير مقاصير القرآن والمسبحات عرائس القرآن والحواميم ديابيج القرآن والمفصل رياضه وما سوى ذلك فإذا دخل المريد في الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج أحمد وتنزه في الرياض وسكن غرفات المقامات اقتطعه عما سواه وأوقفه ما يراه وشغله المشاهد له عما عداه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم اعرفوا القرآن والتمسوا غرائبه وغرائبه فروضه وحدوده فإن القرآن على خمسة حلال وحرام ومحكم وأمثال ومتشابه فخذوا الحلال ودعوا الحرام واعملوا بالمحكم وآمنوا بالتمشابه بعد واعتبروا بالأمثال وقال أبو الدرداء رضى الله عنه لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوها وقال ابن مسعود رضى الله عنه من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن قال ابن سبع في كتاب شفاء الصدر هذا الذى قال أبو الدرداء وابن مسعود لا يحصل بمجرد تفسيره الظاهر وقد قال بعض العلماء لكل آية ستون ألف فهم وما بقى من فهمه أكثر وقال آخرون القرآن يحتوى على سبعة وسبعين ألف علم إذ لكل كلمة علم ثم يتضاعف ذلك أربعا إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع وبالجملة فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله وصفاته وفى القرآن شرح ذاته وصفاته وأفعاله

[ 455 ]

فصل كراهة قراءة القرآن بلا تدبر تكره قراء القرآن بلا تدبر وعليه محل حديث عبد الله بن عمرو لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث وقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة أهذا كهذ الشعر وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الخوارج يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولا حناجرهم ذمهم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه فصل تعلم القرآن ثبت في صحيح البخاري من حديث عثمان خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفى رواية أفضلكم وعن عبد الله يرفعه إن القرآن مأدبة الله فتعلموا مأدبته ما استطعتم رواه البيهقى

[ 456 ]

وروى أيضا عن أبى العالية قال تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذه من جبريل عليه السلام خمسا خمسا وفى رواية من تعلمه خمسا خمسا لم ينسه قال أصحابنا تعليم القرآن فرض كفاية وكذلك حفظه واجب على الأمة صرح به الجرجاني في الشافي والعبادي وغيرهما والمعنى فيه كما قاله الجوينى ألا ينقطع عدد التواتر فيه ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين وإلا فالكل آثم فإذا لم يكن في البلد أو القرية من يتلو القرآن أثموا بأسرهم ولو كان هناك جماعة يصلحون للتعليم وطلب من بعضهم وامتنع لم يأثم في الأصح كما قاله النووي في التبيان وهو نظير ما صححه في كتاب السير أن المفتى والمدرس لا يأثمان بالامتناع إذا كان هناك من يصلح غيره وصورة المسألة فيما إذا كانت المصلحة لا تفوت بالتأخير فإن كانت تفوت لم يجز الامتناع كالمصلى يريد تعلم الفاتحة ولو رده لخرج الوقت بسبب ذهابه إلى الاخر ولضيق الوقت عن التعليم وينبغى تعليمه على التأليف المعهود فإنه توقيفي وقد ورد عن ابن مسعود سئل عن الذى يقرأ القرآن منكوسا قال ذاك منكوس القلب قال أبو عبيد وجهه عندي أن يبتدئ من آخر القرآن من آخر المعوذتين ثم يرتفع إلى البقرة كنحو ما تفعل الصبيان في الكتاب لأن السنة خلاف هذا وإنما وردت الرخصة في تعليم الصبى والعجمي من المفصل لصعوبة السور الطوال عليهما

[ 457 ]

مسألة جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن ويجوز أخذ الأجرة على التعليم ففى صحيح البخاري إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله وقيل إن تعين عليه لم يجز واختاره الحليمى وقال استنصر الناس المعلمين لقصرهم زمانهم على معاشرة الصبيان ثم النساء حتى أثر ذلك في عقولهم ثم لابتغائهم عليه الأجعال وطمعهم في أطعمة الصبيان فأما نفس التعليم فإنه يوجب التشريف والتفصيل وقال أبو الليث في كتاب البستان التعليم على ثلاثة أوجه أحدها للحسبة ولا يأخذ به عوضا والثانى أن يعلم بالأجرة والثالث أن يعلم بغير شرط فإذا أهدى إليه قبل فالأول مأجور عليه وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والثانى مختلف فيه قال أصحابنا المتقدمون لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم بلغوا عنى ولو آية وقال جماعة من المتأخرين يجوز مثل عصام بن يوسف ونصر بن يحيى وأبى نصر بن سلام وغيرهم قالوا والأفضل للمعلم أن يشارط الأجرة للحفظ

[ 458 ]

وتعليم الكتابة فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به لأن المسليمن قد توارثوا ذلك واحتاجوا إليه وأما الثالث فيجوز في قولهم جميعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معلما للخلق وكان يقبل الهدية ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة وجعلوا له جعلا وقال النبي صلى الله عليه وسلم واضربوا لى معكم فيها بسهم فصل دوام تلاوة القرآن بعد تعلمه وليد من على تلاوته بعد تعلمه قال الله تعالى مثنيا على من كان دأبه تلاوة آيات الله يتلون آيات الله آناء الليل وسماه ذكرا وتوعد المعرض عنه ومن تعلمه ثم نسيه وفى الصحيحين تعاهدوا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقالها وقال بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسى واستذكروا القرآن فلهو اشد تفصيا في صدور الرجال من النعم في عقالها

[ 459 ]

مسألة في استحباب الاستياك والتطهر للقراءة يستحب الاستياك وتطهير فمه والطهارة للقراءة باستياكه يقول وتطهير بدنه بالطيب المستحب تكريما لحال التلاوة لابسا من الثياب ما يتجمل به بين الناس لكونه بالتلاوة بين يدى المنعم المتفضل بهذا الإيناس فإن التالى للكلام بمنزلة المكالم الذي لذى الكلام وهذا غاية التشريف من فضل الكريم العلام ويستحب أن يكون جالسا مستقبل القبلة سئل سعيد بن المسيب عن حديث وهو متكئ فاستوى جالسا وقال أكره أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متكئ وكلام الله تعالى أولى ويستحب أن يكون متوضئا ويجوز للمحدث قال إمام الحرمين وغيره لا يقال إنها مكروهة فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث وعلى كل حال سوى الجنابة وفى معناها الحيض والنفاس وللشافعي قول قديم في الحائض تقرأ خوف النسيان وقال أبو الليث لا بأس أن يقرأ الجنب والحائض أقل من آية واحدة قال وإذا أرادت الحائض التعلم فينبغي لها أن تلقن نصف آية ثم تسكت ولا تقرأ آية واحدة بدفعة واحدة وتكره القراءة حال خروج الريح وأما غيره من النواقض كاللمس والمس ونحوه فيحتمل عدم الكراهة لأنه غير مستقذر عادة ولأنه في حال خروج الريح يبعد بخلاف هذه

[ 460 ]

مسألة التعوذ وقراءة البسملة عند التلاوة يستحب التعوذ قبل القراءة فإن قطعها قطع ترك وأراد العود جدد وإن قطعها لعذر عازما على العود كفاه التعوذ الأول ما لم يطل الفصل ولا بد من قراءة البسملة أول كل سورة تحرزا من مذهب الشافعي وإلا كان قارئا بعض السور لا جميعها فإن قرأ من أثنائها استحب له البسملة أيضا نص عليه الشافعي رحمه الله فيما نقله العبادي وقال الفاسى في شرح القصيدة كان بعض شيوخنا يأخذ علينا في الأجزاء القرآنية بترك البسملة و ] يامرنا لأن بها في حزب الله لا إله إلا هو وفى حزب إليه يرد علم الساعة لما فيهما بعد الاستعاذة من قبح اللفظ وينبغى لمن أراد ذلك أن يفعله إذا ابتدأ مثل ذلك نحو الله الذى خلقكم وهو الذى

[ 461 ]

أنشأ جنات لوجود العلة المذكورة وقد كان مكى يختار إعادة الآية قبل كل حزب من الحزبين المذكورين للعلة المذكورة مسألة ولتكن تلاوته بعد أخذه القرآن من اهل الإتقان لهذا الشأن الجامعين بين الدراية والرواية والصدق والأمانة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع به جبريل في رمضان فيدراسه وقد القرآن مسألة في قراءة القرآن في المصحف أفضل أم على ظهر قلب وهل القراءة في المصحف أفضل أم على ظهر القلب أم يختلف الحال ثلاثة أقوال أحدها أنها من المصحف أفضل لأن النظر فيه عبادة فتجتمع القراءة والنظر وهذا قاله القاضى الحسين والغزالي قال وعلة ذلك أنه لا يزيد على وتأمل المصحف وجملة ويزيد في الأجر بسبب ذلك وقد قيل الختمة في المصحف بسبع وذكر أن الأكثرين من الصحابة كانوا يقرءون في المصحف ويكرهون أن يخرج يوم ولم ينظروا في المصحف

[ 462 ]

ودخل بعض فقهاء مصر على الشافعي رحمه الله تعالى المسجد وبين يديه المصحف فقال شغلكم الفقه عن القرآن إنى لأصلى العتمة وأضع المصحف في يدى فما أطبقه حتى الصبح وقال عبد الله بن أحمد كان أبى يقرأ في كل يوم سبعا من القرآن لا يتركه نظرا وروى الطبراني من حديث أبى سعيد بن عون المكى عن عثمان بن عبيد الله بن أوس الثقفي عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفى درجة وأبو سعيد قال فيه ابن معين لا بأس به وروى البيهقى في شعب الإيمان من طريقين إلى عثمان بن عبد الله بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن في المصحف كانت له ألفا حسنة ومن قرأه في غير المصحف فأظنه قال كألف حسنة وفى الطريق الأخرى قال درجة وجزم بألف إذا لم يقرأ في المصحف وروى ابن ابى داود بسنده عن أبى الدرداء مرفوعا من قرأ مائتي آية كل يوم نظرا شفع في سبعة قبور حول قبره وخفف العذاب عن والديه وإن كانا مشركين وروى أبو عبيد في فضائل القرآن بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فضل القرآن نظرا على من قرأ ظاهرا كفضل الفريضة على النافلة وبسنده عن ابن عباس قال كان عمر إذا دخل البيت نشر المصحف يقرأ فيه

[ 463 ]

وروى أبو داود بسنده عن عائشة مرفوعا النظر إلى الكعبة عبادة والنظر في وجه الوالدين عبادة والنظر في المصحف عبادة وعن الأوزاعي كان يعجبهم النظر في المصحف بعد القراءة هنيهة قال بعضهم وينبغى لمن كان عنده مصحف أن يقرأ فيه كل يوم آيات يسيرة ولا يتركه مهجورا والقول الثاني أن القراءة على ظهر القلب أفضل واختاره أبو محمد بن عبد السلام فقال في أماليه قيل القراءة في المصحف أفضل لأنه يجمع فعل الجارحتين وهما اللسان والعين والأجر على قدر المشقة وهذا باطل لأن المقصود من القراءة التدبر لقوله تعالى ليتدبروا آياته والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود فكان مرجوحا والثالث واختاره النووي في الأذكار إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل وإن استويا فمن المصحف أفضل وهو مراد السلف مسألة في استحباب الجهر بالقراءة يستحب الجهر بالقراءة صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واستحب بعضهم

[ 464 ]

الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار إلا أن من قرأ بالليل جهر بالأكثر وإن قرأ بالنهار أسر بالأكثر إلا أن يكون بالنهار في موضع لا لغو فيه ولا صخب ولم يكن في صلاة فيرفع صوته بالقرآن ثم روى بسنده عن معاذ بن جبل يرفعه الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة نعم من قرأ والناس يصلون فليس له أن يجهر جهرا يشغلهم به فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون في المسجد فقال يأيها الناس كلكم يناجى ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة مسألة في كراهة قطع القرآن لمكالمة الناس ويكره قطع القرآن لمكالمة الناس وذلك أنه إذا انتهى في القراءة إلى آية وحضره كلام فقد استقبله التى بلغها والكلام فلا ينبغى أن يؤثر كلامه على قراءة القرآن قاله الحليمى وأيده البيهقى بما رواه البخاري كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه مسألة في حكم قراءة القرآن بالعجمية لا تجوز قراءته بالعجمية سواء أحسن العربية أم لا في الصلاة وخارجها لقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا وقوله ولو جعلناه قرآنا أعجميا

[ 465 ]

وقيل عن أبى حنيفة تجوز قراءته بالفارسية مطلقا وعن أبى يوسف إن لم يحسن العربية لكن صح عن أبى حنيفة الرجوع عن ذلك حكاه عبد العزيز في شرح البزرودى علي واستقر الإجماع على أنه تجب قراءته على هيئته التى يتعلق بها الإعجاز لنقص الترجمة عنه ولنقص غيره من الألسن عن البيان الذى اختص به دون سائر الألسنة وإذا لم تجز قراءته بالتفسير العربي لمكان التحدي بنظمه فأحرى أن لا تجوز الترجمة بلسان غيره ومن هاهنا قال القفال من أصحابنا عندي أنه لا يقدر أحد أن يأتي بالقرآن بالفارسية قيل له فإذن لا يقدر أحد أن يفسر القرآن قال ليس كذلك لأن هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن البعض أما إذا أراد أن يقرأه بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله أي فإن الترجمة إبدال لفظه بلفظة تقوم مقامها وذلك غير ممكن بخلاف التفسير وما أحاله القفال من ترجمة القرآن ذكره أبو الحسين بن فارس في فقه العربية أيضا فقال لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقل القرآن إلى شئ من الألسن كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتسع في الكلام اتساع العرب ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء لم تستطع أن

[ 466 ]

تأتى بهذة الألفاظ مؤدية عن المعنى الذى أودعته حتى تبسط مجموعها وتصل مقطوعها وتظهر مستورها فتقول إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطته لهم وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على سواء وكذلك قوله تعالى فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا انتهى فظهر من هذا أن الخلاف في جواز قراءته بالفارسية لا يتحقق لعدم إمكان تصوره ورأيت في كلام بعض الأئمة المتأخرين أن المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة فأما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة وينبغى أن يقتصر من ذلك على بيان المحكم منه والغريب المعنى بمقدار الضرورة من التوحيد وأركان العبادات ولا يتعرض لما سوى ذلك ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربي وهذا هو الذى يقتضيه الدليل ولذلك لم يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر إلا بآية واحدة محكمة لمعنى واحد وهو توحيد الله والتبرى من الإشراك لأن النقل من لسان إلى لسان قد تنقص الترجمة عنه كما سبق فإذا كان معنى المترجم عنده واحدا قل وقوع التقصير فيه بخلاف المعاني إذا كثرت وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لضرورة التبليغ أو لأن معنى تلك الآية كان عندهم مقررا في كتبهم وإن خالفوه وقال الكواشى في تفسير سورة الدخان أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية بشريطة وهى أن يؤدى القارئ المعاني كلها من غير أن ينقص منها شيئا أصلا قالوا وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كالإجازة لأن كلام العرب خصوصا القرآن الذى هو

[ 467 ]

معجز فيه من لطائف المعاني والإعراب ما لا يستقل به لسان من فارسية وغيرها وقال الزمخشري ما كان أبو حنيفة يحسن الفارسية فلم يكن ذلك منه عن تحقيق وتبصر وروى على بن الجعد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة مثل صاحبيه في القراءة بالفارسية مسألة في عدم جواز القراءة بالشواذ ولا تجوز قراءته بالشواذ وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على منعه فقد سبق في الحديث كان يمد مدا يعنى أنه يمكن الحروف ولا يحذفها وهو الذى يسميه القراء بالتجويد في القرآن والترتيل أفضل من الإسراع فقراءة حزب مرتل مثلا في مقدار من الزمان أفضل من قراءة حزبين في مثله بالإسراع مسألة استحباب قراءة القرآن بالتفخيم يستحب قراءته بالتفخيم والإعراب لما يروى نزل القرآن بالتفخيم قال الحليمى معناه أن يقرأ على قراءة الرجال ولا يخضع الصوت فيه ككلام النساء قال ولا يدخل في كراهة الإمالة التى هي اختيار بعض القراء وقد يجوز أن يكون القرآن نزل بالتفخيم فرخص مع ذلك في إمالة ما يحسن إمالته على لسان جبريل عليه السلام وروى البيهقى من حديث ابن عمر من قرأ القرآن فأعرب في قراءته كان له بكل حرف عشرون حسنة ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات

[ 468 ]

مسأل في فصل السور بعضها عن بعض وأن يفصل كل سورة عما قبلها إما بالوقف أو التسمية ولا يقرأ من أخرى قبل الفراغ من الأولى ومنه الوقف على رءوس الآى وإن لم يتم المعنى قال أبو موسى المدينى وفيه خلاف بينهم لوقفه صلى الله عليه وسلم في قراءة الفاتحة على كل آية وإن لم يتم الكلام قال أبو موسى ولأن الوقف على آخر السور لا شك في استحبابه وقد يتعلق بعضها ببعض كما في سورة الفيل مع قريش وقال البيهقى رحمه الله وقد ذكر حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته آية آية ومتابعة السنة أولى فيما ذهب إليه أهل العلم بالقراءات من تتبع الأغراض والمقاصد ومنها أن يعتقد جزيل ما أنعم الله عليه إذ أهله لحفظ كتابه ويستصغر عرض الدنيا أجمع في جنب ما ما خوله الله تعالى ويجتهد في شكره ومنها ترك المباهاة فلا يطلب به الدنيا بل ما عند الله وألا يقرأ في المواضع القذرة وأن يكون ذا سكينة ووقار مجانبا للذنب محاسبا نفسه يعرف القرآن في سمته وخلقه لأنه صاحب كتاب الملك والمطلع على وعده ووعيده وليتجنب القراءة في الأسواق قاله الحليمى وألحق به الحمام وقال النووي لا بأس به في الطريق سرا حيث لا لغو فيها مسالة في ترك خلط سورة بسورة عد الحليمى من الآداب ترك خلط سورة بسورة وذكر الحديث الآتى قال البيهقى وأحسن ما يحتج به أن يقال إن هذا التأليف لكتاب الله مأخوذ من جهة

[ 469 ]

النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه عن جبريل فالأولى بالقارئ أن يقرأه على التأليف المنقول المجتمع عليه وقد قال ابن سيرين تأليف الله خير من تاليفكم تعالى ونقل القاضى أبو بكر الإجماع على عدم جواز قراءة آية آية من كل سورة فإن وقد روى أبو داود في سننه من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأبى بكر وهو يقرأ يخفض صوته وبعمر يجهر بصوته وذكر الحديث وفيه فقال وقد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة فقال كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض فقال كلكم قد أصاب وفى رواية لأبى عبيد في فضائل القرآن قال بلال أخلط الطيب بالطيب فقال اقرأ السورة على وجهها أو قال على نحوها وهذه زيادة مليحة وفى رواية إذا قرأت السورة فأنفذها وروى عن خالد بن الوليد أنه أم الناس فقرأ من سور شتى ثم التفت إلى الناس حين انصرف فقال شغلنى الجهاد عن تعلم القرآن وروى المنع عن ابن سيرين ثم قال أبو عبيد الأمر عندنا على الكراهة في قراءة القراء هذه الآيات المختلفة كما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بلال وكما اعتذر خالد عن فعله ولكراهة ابن سيرين له ثم قال إن بعضهم روى حديث بلال وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك حسن وهو أثبت وأشبه بنقل العلماء انتهى ورواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وزاد مثل بلال كمثل نحلة غدت تأكل من الحلو والمر ثم يصير حلوا كله قال وإنما شبهه بالنحلة في ذلك لأنها تأكل من الثمرات حلوها وحامضها عمر ورطبها ويابسها وحارها وباردها فتخرج هذا الشفاء وليست كغيرها من الطير تقتصر على الحلو فقط لحظ شهوته فلا جرم أعاضها الله الشفاء فيما تلقيه كقوله عليكم

[ 470 ]

بألبان البقرة فإنها ترم من كل الشجر فتأكل فبلال رضى الله عنه كان يقصد آيات الرحمة وصفات الجنة فأمره أن يقرأ السورة على نحوها كما جاءت ممتزجة كما أنزل الله تعالى فإنه أعلم بدواء العباد وحاجتهم ولو شاء لصنفها أصنافا وكل صنف على حدة ولكنه مزجها لتصل القلوب بنظام لا يمل قال ولقد أذهلني النبي يوما قوله تعالى ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن فقلت يا لطيف عملت أن قلوب أوليائك الذين يعقلون هذه الأوصاف عنك وتتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك فلطفت بهم فنسبت الملك إلى أعم اسم في الرحمة فقلت الرحمن ليلاقى وإن هذا الاسم تلك القلوب التى يحل بها الهول فيمازج تلك الأهوال ولو كان بدله اسما آخر من عزيز وجبار لتفطرت القلوب فكان بلال يقصد لما تطيب به النفوس فأمره أن يقرأ على نظام رب العالمين فهو أعلم بالشفاء مسألة في استحباب استيفاء الحروف عند القراءة يستحب استيفاء كل حرف أثبته قارئ قال الحيمى كما هذا ليكون القارئ قد أتى على جميع ما هو قرآن فتكون ختمة أصح من ختمة إذا ترخص بحذف حرف أو كلمة قرئ بهما ألا ترى أن صلاة كل من استوفى كل فعل امتنع عنه كانت صلاته أجمع من صلاة من ترخص فحذف منها مالا يضر حذفه فصل ختم القرآن ويستحب ختم القرآن في كل أسبوع قال النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ القرآن

[ 471 ]

في كل سبع ولا تزد رواه أبو داود وروى الطبراني بسند جيد سئل أصحاب رسول الله صلى الله عليه كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزئ القرآن قال كان يجزئه ثلاثا وخمسا وكره قوم قراءته في أقل من ثلاث وحملوا عليه حديث لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث رواه الأربعة وصححه الترمذي والمختار وعليه أكثر المحققين أن ذلك يختلف بحال الشخص في النشاط والضعف والتدبر والغفلة لأنه روى عن عثمان رضى الله عنه كان يختمه في ليلة واحدة ويكره تأخير ختمه أكثر من أربعين يوما رواه أبو داود وقال أبو الليث في كتاب البستان ينبغى أن القرآن في السنة مرتين إن لم يقدر على الزيادة وقد روى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة أنه قال من قرأ القرآن في كل سنة مرتين فقد أدى للقرآن حقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه على جبريل في السنة التى قبض فيها مرتين وقال أبو الوليد الباجى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بن عمرو أن يختم في سبع أو ثلاث يحتمل أنه الأفضل في الجملة أو أنه الأفضل في حق عمرو لما علم من ترتيله في قراءته وعلم من ضعفه عن استدامته أكثر مما حد له وأما من استطاع أكثر من ذلك فلا تمنع الزيادة عليه وسئل مالك عن الرجل يختم القرآن في كل ليلة فقال ما أحسن ذلك إن القرآن إمام كل خير وقال بشر بن السرى إنما الآية مثل التمرة كلما مضغتها استخرجت حلاوتها فحدث به أبو سليمان فقال صدق إنما يؤتى أحدكم من أنه إذا ابتدأ السورة أراد آخرها

[ 472 ]

مسألة هو في ختم القرآن في الشتاء وفى الصيف وسلم يسن ختمه في الشتاء أول الليل وفى الصيف أول النهار قال ذلك ابن المبارك وذكره أبو داود لأحمد فكأنه أعجبه ويجمع أهله عند ختمه ويدعو وقال بعض السلف إذا ختم أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسى وإذا ختم في أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح رواه أبو داود مسألة ى هو في التكبير بين السور ابتداء من سورة الضحى يسحب التكبير من أول سورة الضحى إلى أن يختم وهى قراءة أهل مكة أخذها ابن كثير عن مجاهد عن ابن عباس وابن عباس عن أبى وأبى عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن خزيمة والبيهقي في شعب الإيمان وقواه ورواه من طريق موقوفا على أبى بسند معروف وهو حديث غريب وقد أنكره أبو حاتم الرازي على عادته في التشديد واستأنس له الحليمى بأن القراءة تنقسم إلى أبعاض

[ 473 ]

متفرقة فكأنه كصيام الشهر وقد أمر الناس أنه إذا أكملوا العدة أن يكبروا الله على ما هداهم فالقياس أن يكبر القارئ إذا أكمل عدة السور وذكر غيره أن التكبير كان لاستشعار انقطاع الوحى قال وصفته في آخر هذه السور أنه كلما ختم سورة وقف وقفة ثم قال الله أكبر ثم وقف وقفة ثم ابتدأ السورة التى تليها إلى آخر القرآن ثم كبر كما كبر من قبل ثم أتبع التكبير الحمد والتصديق والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء وقال سليم الرازي في تفسيره يكبر القارئ بقراءة ابن كثير إذا بلغ والضحى بين كل سورتين تكبيرة إلى أن يختم القرآن ولا يصل آخر السورة بالتكبير بل يفصل بينهما بسكتة وكأن المعنى في ذلك ما روى أن الوحى كان تأخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما فقال ناس إن محمدا قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال الله أكبر قال ولا يكبر في قراءة الباقين ومن حجتهم أن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن بأن زيد عليه فيتوهم أنه من القرآن فيثبتوه إن فيه مسألة ى ى هو في تكرير الإخلاص مما جرت به العادة من تكرير سورة الإخلاص عند الختم نص الإمام أحمد على

[ 474 ]

المنع ولكن عمل الناس على خلافه قال بعضهم والحكمة في التكرير ما ورد أنها تعدل ثلث القرآن فيحصل بذلك ختمة فإن قيل فعلى هذا كان ينبغى أن يقرأ ثلاثا بعد الواحدة التى تضمنتها الختمة فيحصل ختمتان إلا قلنا مقصود الناس ختمة واحدة فإن القارئ إذا قرأها ثم أعادها مرتين كان على يقين من حصول ختمة إما التى قرأها من الفاتحة إلى آخر القرآن وإما التى حصل ثوابها بقراءة سورة الإخلاص ثلاثا وليس المقصود ختمة أخرى مسألة فيما يفعله القارئ عند ختم القرآن ثم إذا ختم وقرأ المعوذتين قرأ الفاتحة وقرأ خمس آيات من البقرة إلى قوله هم المفلحون لأن آية عند الكوفيين وعند غيرهم بعض آية وقد روى الترمذي أي العمل أحب إلى الله قال الحال المرتحل قيل المراد به الحث على تكرار الختم وختمة بعد ختمة وليس فيه ما يدل على أن الدعاء لا يتعقب الختم

[ 475 ]

فائدة روى البيهقى في دلائل النبوة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند ختم القرآن اللهم ارحمنى بالقرآن واجعله لى أمانا ونورا وهدى ورحمة اللهم ذكرني منه ما نسيت وعملنى فيه منه ما جهلت وارزقني تلاوته آناء الليل واجعله لى حجة يا رب العالمين رواه في شعب الإيمان بأطول من ذلك فلينظر فيه مسألة في آداب الاستماع استماع القرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المحثوث عليها ويكره التحدث بحضور القراءة قال الشيخ أبو محمد بن محمد عبد السلام والاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع وهو يقتضى أنه لا بأس بالتحدث للمصلحة مسألة في حكم من يشرب شيئا كتب من القرآن وأفتى الشيخ أيضا بالمنع من أن يشرب شيئا كتب من القرآن لأنه تلاقيه النجاسة الباطنة وفيما قاله لأنها في معدنها لا حكم لها

[ 476 ]

وممن صرح بالجواز من أصحابنا العماد النيهى تلميذ البغوي فيما رأيته بخط ابن الصلاح قال لا يجوز ابتلاع رقعة فيها آية من القرآن فلو غسلها وشرب ماءها جاز وجزم القاضى الحسين والرافعي بجواز أكل الأطعمة التى كتب عليها شئ من القرآن وقال البيهقى أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمى في ذكر منصور بن عمار أنه أوتى الحكمة وقيل إن سبب ذلك أنه وجد رقعة في الطريق مكتوبا عليها بسم الله الرحمن الرحيم فأخذها فلم يجد لها موضعا فأكلها فأرى فيما يرى للنائم كأن قائلا قد قال له قد فتح الله عليك باحترامك لتلك الرقعة فكان بعد ذلك يتكلم بالحكمة مسألة هو القيام للمصاحف بدعة وقال الشيخ أيضا في القواعد القيام للمصاحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول

[ 477 ]

والصواب ما قالله النووي في التبيان من استحباب ذلك والأمر به لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به وسئل العماد بن يونس الموصلي عن ذلك هل يستحب للتعظيم أو يكره خوف الفتنة فأجاب لم يرد في ذلك نقل مسموع والكل جائز ولكل نيته وقصده مسألة هو في حكم الأوراق البالية من المصحف وإذا احتيج لتعطيل بعض أوراق المصحف لبلاء ونحوه فلا يجوز وضعه في شق أو غيره ليحفظ لأنه قد يسقط ويوطأ ولا يجوز تمزيقها لما فيه من تقطيع الحروف وتفرقه الكلم وفى ذلك إزراء بالمكتوب كذا قاله الحليمى قال وله غسلها بالماء وإن أحرقها بالنار فلا بأس أحرق عثمان مصاحف فيها آيات وقراءات منسوخة ولم ينكر عليه وذكر غيره أن الإحراق أولى من الغسل لأن الغسالة قد تقع على الأرض وجزم القاضى الحسين في تعليقه بامتناع الإحراق وأنه خلاف الاحترام والنووي بالكراهة فحصل ثلاثة أوجه وفى الواقعات من كتب الحنفية أن المصحف إذا بلى لا يحرق بل تحفر له في الأرض ويدفن ونقل عن الإمام أحمد أيضا وقد يتوقف فيه لتعرضه للوطء بالأقدام

[ 478 ]

مسألة في أحكام تتعلق باحترام المصحف وتبجيله ويستحب تطييب المصحف وجعله على كرسى ويجوز تحليته بالفضة إكراما له على الصحيح روى البيهقى بسنده إلى الوليد بن مسلم قال سألت مالكا عن تفضيض المصاحف فأخرج إلينا مصحفا فقال حدثنى أبى عن جدى أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضى الله عنه وأنهم فضضوا المصاحف على هذا ونحوه وأما بالذهب فالأصح يباح للمرأة دون الرجل وخص بعضهم الجواز بنفس المصحف دون علاقته المنفصلة عنه والأظهر التسوية ويحرم توسد المصحف وغيره من كتب العلم لأن فيه إذلالا وامتهانا وكذلك مد الرجلين إلى شئ من القرآن أو كتب العلم ويستحب تقبيل المصحف لأن عكرمة بن أبى جهل كان يقبله وبالقياس على تقبيل الحجر الأسود ولأنه هدية لعباده فشرع تقبيله كما يستحب تقبيل الولد الصغير وعن أحمد ثلاث روايات الجواز والاستحباب والتوقف وإن كان فيه رفعة وإكرام لأنه لا يدخله قياس ولهذا قال عمر في الحجر لولا أبى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ويحرم السفر بالقرآن إلى أرض العدو للحديث فيه خوف أن تناله أيديهم وقيل كثر الغزاة وأمن استيلاؤهم عليه لم يمنع لقوله مخافة أن تناله أيديهم

[ 479 ]

ويحرم كتابة القرآن بشئ نجس وكذلك ذكر الله تعالى وتكره كتابته في القطع الصغير رواه البيهقى عن على وغيره وعنه تنوق رجل في بسم الله الرحمن الرحيم فغفر له وقال الضحاك بن مزاحم ليتنى قد رأيت الأيدى تقطع فيمن كتب بسم الله الرحمن الرحيم يعنى لا يجعل له سنات قال وكان ابن سيرين يكره ذلك كراهة شديدة ويستحب تجريد المصحف عما سواه وكرهوا الأعشار والأخماس معه وأسماء السور وعدد الآيات وكانوا يقولون جردوا المصحف وقال الحليمى يجوز لأن النقط ليس له قرار فيتوهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنا وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها وروى ابن أبى شيبة في مصنفه في الصلاة وفى فضائل القرآن حدثنا وكيع عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم قال عبد الله بن مسعود جردوا القرآن وفى رواية لا تلحقوا به ما ليس منه ورواه عبد الرزاق في مصنفه في أواخر الصوم ومن طريقه رواه الطبراني في معجمه ومن طريق ابن أبى شيبة رواه إبراهيم الحربى في كتابه غريب الحديث وقال قوله جردوا يحتمل فيه أمران أحدهما أي جردوه في التلاوة ولا تخلطوا به غيره والثانى أي جردوه في الخط من النقط والتعشير قلت الثاني أولى لأن الطبراني أخرج في معجمه عن مسروق عن ابن مسعود أنه كان يكره التعشير في المصحف وأخرجه البيهقى في كتاب المدخل وقال قال أبو عبيد كان إبراهيم يذهب به إلى نقط المصاحف ويروى عن عبد الله أنه كره التعشير في المصحف قال البيهقى وفيه وجه آخر أبين منه وهو أنه أراد لا تخلطوا به غيره من الكتب لأن ما خلا القرآن من كتب الله تعالى إنما يؤخذ عن اليهود والنصارى

[ 480 ]

وليسوا بمأمونين عليها وقوى هذا الوجه بما أخرجه عن الشعبى عن قرظة بن كعب قال لما خرجنا إلى العراق خرج معنا عمر بن الخطاب يشيعنا فقال إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تشغلوهم بالأحاديث فتصدوهم جردوا القرآن قال فهذا معناه أي لا تخلطوا معه غيره خاتمة روى البخاري في تاريخه الكبير بسند صالح حديث من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لمن بكل حرف عشر لعنات

[ 481 ]

النوع الثلاثون في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب ى وقال استعمال بعض آيات القرآن أنه وهل يقتبس منه في شعر ويغير نظمه بتقديم وتأخير وهو وحركه إعراب جوز ذلك بعضهم للمتمكن من العربية وسئل الشيخ عز الدين فقال ورد عنه صلى الله عليه وسلم وجهت وجهى والتلاوة إنى وجهت وجهى وما روى البخاري في كتاب إلى هرقل سلام على من اتبع الهدى يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ومن دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفى حديث آخر لابن عمر قد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وقال عليه السلام اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا اقض عنى الدين وأغنني من الفقر

[ 482 ]

وفى سياق كلام لأبى بكر وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فقصد الكلام ولم يقصد التلاوة وقول على رضى الله عنه إنى مبايع صاحبكم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وقول الخطيب ابن نباتة هناك يرفع الحجاب ويوضع الكتاب ويجمع من له الثواب وحق عليه العذاب فضرب بينهم بسور له باب وقال النووي رحمه الله إذا قال خذ الكتاب بقوة وهو جنب وقصد غير القرآن جاز له وله أن يقول سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين قال إمام الحرمين إذا قصد القرآن بهذه الآيات عصى وإن قصد الذكر ولم يقصد شيئا لم يعص وللطرطوشي رحل الظاعنون عنك وأبقوا * في حواشى الأحشاء وجدا مقيما قد وجدنا السلام يردا سلاما * إذ وجدنا النوى عذابا أليما وثبت عن الشافعي

[ 483 ]

أنلني صلى الله عليه وسلم بالذى استقرضت خطا * وأشهد معشرا قد شاهدوه فإن الله خلاق البرايا * عنت لجلال هيبته الوجوه يقول إذا تداينتم بدين * إلى أجل مسمى فاكتبوه ذكر القاضى أبو بكر الباقلانى أن تضمين القرآن في الشعر مكروه وأئمة البيان جوزوه وجعلوه من أنواع البديع وسماه القدماء تضمينا والمتأخرون اقتباسا وسموا ما كان من شعر تضمينا مسألة هو يكره ضرب الأمثال بالقرآن يكره ضرب الأمثال بالقرآن نص عليه من أصحابنا العماد النيهى صاحب البغوي كما وجدته في رحلة ابن الصلاح بخطه وفى كتاب فضائل القرآن لأبى عبيد عن النخعي قال كانوا يكرهون أن يتلو الآية عند شئ يعرض من أمور الدنيا قال أبو عبيد وكذلك الرجل يريد لقاء صاحبه أو يهم بحاجته فيأتيه من غير طلب فيقول كالمازح جئت على قدر يا موسى فهذا من الاستخفاف بالقرآن ومنه قول ابن شهاب لا تناظر بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد يقول لا تجعل لهما نظيرا من القول ولا الفعل

[ 484 ]

تنبيه لا يجوز تعدى أمثلة القرآن لا يجوز تعدى أمثلة القرآن ولذلك أنكر على الحريري في قوله في مقامته الخامسة عشرة فأدخلني بيتا أحرج من التابوت وأوهى من بيت العنكبوت فأى معنى أبلغ من معنى أكده الله من ستة أوجه حيث قال وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت فأدخل إن وبنى أفعل التفضيل وبناه من الوهن وأضافه إلى الجمع وعرف الجمع باللام وأتى في خبر إن باللام وقد قال تعالى وإذا قلتم فاعدلوا وكان اللائق بالحريري فقال ألا يتجاوز هذه المبالغة وما بعد تمثيل الله تمثيل وقول الله أقوم قيل وأوضح سبيل ولكن قال الله تعالى إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا لما دون ذلك فقال لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة وكذلك قول بعضهم ولو أن ما بى من جوى وصبابة * على جمل لم يبق في النار خالد غفر الله له والله تعالى يقول ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في رسم الخياط فقد جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفى دخولهم الجنة وتلك غاية لا توجد فلا يزال دخولهم الجنة منفيا وهذا الشاعر وصف جسمه بالنحول بما يناقض الآية ومن هذا

[ 485 ]

جرت مناظرة بين أبى العباس أحمد بن سريج ومحمد بن داود الظاهرى قال أبو العباس له أنت تقول بالظاهر وتنكر القياس فما تقول في قول الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فمن يعمل مثقال نصف ذرة ما حكمه فسكت محمد طويلا وقال أبلعني أي ريقي قال له أبو العباس قد أبلعتك دجلة قال أنظرني ساعة قال أنظرتك إلى قيام الساعة وافترقا ولم يكن بينهما غير ذلك وقال بعضهم وهذا من مغالطات ابن سريج وعدم تصور ابن داود لأن الذرة ليس لها أبعاض فتمثل بالنصف والربع وغير ذلك من الأجزاء ولهذا قال سبحانه إن الله لا يظلم مثقال ذرة فذكر سبحانه مالا يتخيل في الوهم أجزاؤه ولا يدرك تفرقه

[ 486 ]

النوع الحادى والثلاثون معرفة الأمثال الكائنة فيه وقد روى البيهقى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن القرآن نزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال وقد عده الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المثبتة لاجتناب معصيته وترك الغفلة عن الحفظ والازدياد من نوافل الفضل وقد صنف فيه من المتقدمين الحسن بن الفضل وغيره وحقيقته إخراج الأغمض إلى الأظهر وهو قسمان ظاهر وهو المصرح به وكامن وهو الذى لا ذكر للمثل فيه وحكمه حكم الأمثال وقسمه أبو عبد الله البكر اباذى ثنا إلى أربعة أوجه أحدها إخراج ما لا يقع عليه الحس إلى ما يقع عليه وثانيها إخراج ما لا يعلم ببديهة العقل إلى ما يعلم بالبديهة وثالثها إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة ورابعها إخراج مالا قوة له من الصفة إلى ما له قوة وضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة التذكير والوعظ والحث

[ 487 ]

والزجر والاعتبار والتقرير وترتيب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للفعل كنسبة المحسوس إلى الحس وتأتى أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أ تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر قال تعالى وضربنا لكم الأمثال فامتن علينا بذلك لما تضمنت هذه الفوائد وقال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل وقال وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون والأمثال مقادير الأفعال والمتمثل به كالصانع الذى يقدر صناعته كالخياط يقدر الثوب على قامة المخيط ثم يفريه ثم يقطع وكل شئ به قالب ومقدار وقالب الكلام ومقداره الأمثال وقال الخفاجى سمى مثلا لأنه ماثل بخاطر الإنسان أبدا أي شاخص فيتأسى به ويتعظ ويخشى ويرجو والشاخص المنتصب وقد جاء بمعنى الصفة كقوله تعالى ولله المثل الأعلى أي الصفة العليا وهو قول لا إله إلا الله وقوله مثل الجنة التى وعد المتقون أي صفتها ومن حكمته تعليم البيان وهو من خصائص هذه الشريعة والمثل أعون شئ على البيان فإن قلت لماذا كان المثل عونا على البيان وحاصله قياس معنى بشئ من عرف ذلك المقيس فحقه الاستغناء عن شبيهه ومن لم يعرفه لم يحدث التشبيه عنده معرفة

[ 488 ]

والجواب أن الحكم والأمثال تصور المعاني تصور الأشخاص فإن الأشخاص والأعيان أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس بخلاف المعاني المعقولة فإنها مجردة عن الحس ولذلك دقت ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربا مسلما عند السامع وفى ضرب الأمثال من تقرير المقصود مالا يخفى إذ الغرض من المثل تشبيه الخفى بالجلى والشاهد بالغائب فالمرغب هذا في الإيمان مثلا إذا مثل له بالنور تأكد في قلبه المقصود والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه وفيه أيضا تبكيت الخصم وقد أكثر تعالى في القرآن وفى سائر كتبه من الأمثال وفى سور الإنجيل سورة الأمثال قال الزمخشري التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من المشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال الممثل له ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا في الوهن والضعف والمثل هو المستغرب قال الله تعالى ولله المثل الأعلى وقال تعالى مثل الجنة التى وعد المتقون ولما كان المثل السائر فيه غرابة استعير لفظ المثل للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة

[ 489 ]

أما استعارته للحال فكقوله مثلهم كمثل الذى استوقد نارا أي حالهم العجيب الشأن كحال الذى استوقد نارا وأما استعارته للوصف فكقوله تعالى ولله المثل الأعلى أي الوصف الذى له شأن وكقوله مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل وكقوله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا وقوله كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وقوله سبحانه كمثل الحمار يحمل أسفارا وأما استعارته لللقصة ثم فكقوله تعالى مثل الجنة التى وعد المتقون أي فيما قصصنا عليك من العجائب قصة الجنة العجيبة ثم أخذ في بيان عجائبها لا يقال إن في هذه الأقسام الثلاثة تداخلا فإن حال الشئ هي وصفة ووصفة هو حاله لأنا نقول الوصف يشعر ذكره بالأمور الثابتة الذاتية أو قاربها من جهة اللزوم للشئ وعدم الانفكاك عنه وأما الحال فيطلق على ما يتلبس به الشخص مما هو غير ذاتي له ولا لازم فتغايرا وإن اطلق أحدهما على الآخر فليس ذلك إطلاقا حقيقيا وقد يكون الشئ مثلا له في الجرم وقد يكون ما تعلقه النفس ويتوهم من الشئ مثلا كقوله تعالى مثلهم كمثل الذى استوقد نارا معناه أن الذى يتحصل في النفس الناظر في أمرهم كالذى يتحصل في نفس الناظر من أمر المستوقد قاله ابن عطية وبهذا يزول الإشكال الذى في تفسير قوله مثل الجنة وقوله ليس كمثله شئ لأن ما يحصل للعقل من وحدانيته وأزليته ونفى ما لا يجوز عليه ليس يماثله فيه شئ

[ 490 ]

وذلك المتحصل هو المثل الأعلى في قوله تعالى ولله المثل الأعلى وقد جاء أنه لا إله إلا الله ففسر بجهة الوحدانية وقال مجاهد في قوله تعالى وقد خلت من قبلهم المثلات هي الأمثال وقيل العقوبات وقال الزمخشري المثل في الأصل بمعنى المثل أي النظير يقال مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ثم قال ويستعار للحال أو الصفة أو القصة إذا كان لها شأن وفيها غرابة وظاهر كلام أهل اللغة أن المثل بفتحتين الصفة كقوله مثلهم كمثل الذى استوقد ناراوكذا مثل الجنة وما اقتضاه كلامه من اشتراط الغرابة مخالف أيضا لكلام اللغويين وما قاله من أن المثل والمثل بمعنى ينبغى أن يكون مراده باعتبار الأصل وهو الشبه وإلا فالمحققون كما قاله ابن العربي على أن المثل بالكسر عبارة عن شبه المحسوس وبفتحها عيارة عن شبه المعاني المعقولة فالإنسان مخالف للأسد في صورته مشبه له في جراءته وحدته فيقال للشجاع أسد أي يشبه الأسد في الجرأة ولذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته والكريم من الإنسان يشابهه في عموم منفعته وقال غيره لو كان المثل والمثل سيان للزم التنافى بين قوله ليس كمثله شئ وبين قوله ولله المثل الأعلى فإن الأولى نافية له والثانية مثبتة له

[ 491 ]

وفرق الإمام فخر الدين بينهما بأن المثل هو الذى يكون مساويا للشئ في تمام الماهية والمثل هو الذى يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وقال حازم في كتاب منهاج البلغاء وأما الحكم والأمثال فإما أن يكون الاختيار فيها بجرى الأمور على المعتاد فيها وإما بزوالها في وقت عن المعتاد عن جهة الغرابة أو الندور فقط لتوطن رسول النفس بذلك على ما لا يمكنها التحرز منه إذ لا يحسن منها التحرز من ذلك ولتحذر ولا ما يمكنها التحرز منه ويحسن بها ذلك ولترغب لم فيما يجب أن يرغب فيه وترهب فيما يجب أن أن ترهبه وليقرب عندها ما تستبعده ويبعد لديها ما تستقر به وليبين لها أسباب الأمور وجهات الاتفاقات البعيدة الاتفاق بها فهذه قوانين الأحكام والأمثال قلما يشذ عنها من جزئياتها شئ فمنه قوله مثلهم كمثل الذى استوقد نارا وقوله أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق وقوله إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها وقوله مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وقوله كمثل الحمار يحمل أسفارا وقوله ضرب الله مثلا للذين كفروا إلى قوله ومريم ابنة عمران الآيات

[ 492 ]

وقوله كمثل صفوان عليه تراب الآية وقوله الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ثم قال أو كظلمات في بحر لجى الآية وقوله تعالى ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا فهذه أمثال قصار وطوال مقتضية من كلام الكشاف فإن قلت في بعض هذه الأمثلة تشبيه أشياء بأشياء لم يذكر فيها المشبهات وهلا صرح بها كما في قوله تعالى وما يستوى الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تذكرون قلت كما جاء ذلك تصريحا فقد جاء مطويا ذكره على طريق الاستعارة كقوله تعالى وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج وكقوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان والصحيح الذى عليه علماء البيان أن التمثيلين من جملة التمثيلات المركبة المقربة لا يتكلف لكل واحد شئ بقدر شبهه به بناء على أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض تشبهها بنظائرها كما جاء في بعض الآيات من القرآن وقد تشبه أشياء قد تضامت وتلاحقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها وذلك كقوله

[ 493 ]

تعالى مثل الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا فإن الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار الذى يحمل أسفار الحكمة وليس له من حملها إلا الثقل والتعب من غير فائدة وكذلك قوله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء المراد قلة ثبات زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضرة وقد ضرب الله تعالى لما أنزله من الإيمان والقرآن مثلين مثله بالماء ومثله بالنار فمثله بالماء لما فيه من الحياة وبالنار لما فيه من النو والبيان ولهذا سماه الله روحا لما فيه من الحياة وسماه نورا لما فيه من الإنارة ففى سورة الرعد قد مثله بالماء فقال أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها الآية فضرب الله الماء الذى نزل من السماء فتسيل الأودية بقدرها كذلك ما ينزله من العلم والإيمان فتأخذه القلوب كل قلب بقدره والسيل يحتمل زبدا رابيا كذلك ما في القلوب يحتمل شبهات وشهوات ثم قال ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله وهذا المثل بالنار التى توقد على الذهب والفضة والرصاص والنحاس فيختلط بذلك زبد أيضا كالزبد الذى يعلو السيل قال الله تعالى فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك العلم النافع يمكث في القلوب بالتوحيد وعبادة الله وحده روى ابن أبى حاتم عن قتادة قال هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد

[ 494 ]

القلوب بالتوحيد وعبادة الله وحده روى ابن أبى حاتم عن قتادة قال هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد

[ 494 ]

يقول كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته وكذلك يضمحل الباطل عن أهله وفى الحديث الصحيح إن مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أمسكت الماء فشرب الناس واستقوا وزرعوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ وذلك مثل من فقه في دين الله فنفعه ما بعثنى الله به من الهدى والعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به وقد ضرب الله للمنافقين مثلين مثلا بالنار ومثلا بالمطر فقال مثلهم كمثل الذى استوقد نارا الآية يقال أضاء الشئ وأضاءه حدثنا غيره فيستعمل لازما متعديا فقوله أضاءت ما حوله هو متعد لأن المقصود أن تضئ النار ما حول من يريدها حتى يراها وفى قوله في البرق كلما أضاء لهم ذكر اللازم لأن البرق بنفسه يضئ بغير اختيار الإنسان فإذا أضاء البرق سار وقد لا يضئ ما حول الإنسان إذ يكون البرق وصل إلى مكان دون مكان فجعل سبحانه المنافقين كالذى أوقد نارا فأضاءت ثم ذهب ضوءها ولم يقل انطفأت بل قال ذهب الله بنورهم وقد يبقى مع ذهاب النور حرارتها فتضر وهذا المثل يقتضى أن المنافق حصل له نور ثم

[ 495 ]

ذهب كما قال الله تعالى ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية