الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زاد المسير - ابن الجوزي ج 8

زاد المسير

ابن الجوزي ج 8


[ 1 ]

زاد المسير في علم التفسير للامام ابي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفي سنة 597 ه‍. حققه ومتب هوامشه محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن استاذ بكلية الدراسات الاسلامية بالازهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بيسون زغلول الجزء الثامن سورة الممتحنة - سورة الناس دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى جمادي الاولى 1407 ه‍ - كانون الثاني 1987 م سورة الممتحنة - سورة الناس دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الاولى جمادى الاولى 1407 ه‍ كانون الثاني 1987 (60) سورة الممتنحة مدينة (1) وآياتها ثلاث عشرة وهي مدنية كها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم (2) يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير قوله [ عزوجل ] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء عند أهل التفسير أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم أتت

[ 2 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة فقال لها أمسلمة جئت قالت لا قال فما جاء بك قالت أنتم الأهل والعشيرة والموالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت إليكم لتعطوني قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أنت من شباب أهل مكة ؟ وكانت مغنية فقالت ما طلب مني شئ بعد وقعة بدر فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة فكتب معها كتابا إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتا ب من حاطب إلى أهل مكة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم فخرجت به سارة ونزل جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعل حاطب فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن فيها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها فخرجوا حتى أدركوها فقالوا لها أين الكتاب ؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب ففتشوا متاعها فلم يجدوا شيئا فهموا بالرجوع فقال علي والله ما كذبنا ولا كذبنا وسل سيفه وقل أخرجي الكتاب وإلا ضربت عنقك فلما رأت الجد أخرجته من فؤابتها عنه فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى حاطب فأتاه فقال له هل تعرف الكتاب قال نعم قال فما حملك على ما صنعت ؟ فقال يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا فيهم وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وكتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره ونزلت هذه السورة تنهى حاطبا عما فعل وتنهى المؤمنين أن يفعلوا كفعله فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله

[ 3 ]

دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وقد أخرج هذا الحديث في الصحيحين مختصرا وفيه ذكر علي وابن الزبير وأبي مرثد فقط قوله عزوجل تلقون إليهم بالمودة وفيه قولان: أحدهما أن الباء زائدة والمعنى تلقون إليهم المودة ومثله ومن يرد فيه بإلحاد بظلم الحج 25 هذا قول الفراء وأبي عبيدة وابن قتيبة والجمهور والثاني تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينه قاله الزجاج قوله عزوجل وقد كفروا الواو للحال وحالهم أنهم كفروا بما جاءكم من الحق وهو القرآن يخرجون الرسول وإياكم من مكة أن تؤمنوا بالله إن كنتم خرجتم هذا شرط جوابه متقدم وفي الكلام تقديم وتأخير قال الزجاج معنى الآية إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء. قوله عزوجل تسرون إليهم بالمودة الباء في المودة حكمها حكم الأولى قال المفسرون والمعنى تسرون إليهم النصيحة وأنا أعلم بما أخفيتم من المودة للكفار وما أعلنتم أي أظهرتم بألسنتكم وقال ابن قتيبة المعنى كيف تستسرون إن بمودتكم إلا لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون ؟ ! قوله وما تظهرون تعالى ومن يفعله منكم يعني الإسرار والإلقاء إليهم فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ طريق الهدى ثم أخبر بعداوة الكفار فقال تعالى إن يثقفوكم أي يظفروا بكم يكونوا لكم أعداء لا موالين ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسوء وهو الشتم وودوا لو تكفرون فترجعون إلى دينهم والمعنى أنه لا ينفعكم التقرب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى لن تنفعكم أرحامكم أي قراباتكم والمعنى ذوو أرحامكم أراد

[ 4 ]

لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم يوم القيامة يفصل بينكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يفصل برفع الياء وتسكين الفاء ونصب الصاد وقرأ ابن عامر يفصل بينكم برفع الياء والتشديد وفتح الصاد وافقه حمزة والكسائي وخلف إلا أنهم كسروا الصاد وقرأ عاصم غير المفضل ويعقوب بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد وتخفيفها وقرأ أبي بن كعب وابن عباس وأبو العالية نفصل بنون مرفوعة وفتح الفاء مكسورة الصاد مشددة وقرأ أبو رزين وعكرمة والضحاك نفصل بنون مفتوحة ساكنة الفاء مكسورة الصاد خفيفة أي نفصل بين المؤمن والكافر وإن كان ولده قال القاضي أبو يعلى في هذه القصة دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر كما يبيح في الخوف على النفس ويبين ذلك أن الله تعالى فرض الهجرة ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأولادهم وإنما ظن حاطب أن ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التقية وإنما قال عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظن أنه فعل ذلك عن غير تأويل قد كانت لكم أسوة حنسة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤا صلى منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين

[ 5 ]

عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم لا ينهكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون قوله عزوجل قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم وقرأ عاصم أسوة بضم الألف وهما لغتان أي اقتداء حسن به وبمن معه وفيهم قولان أحدهما أنهم الأنبياء والثاني المؤمنون إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم قال الفراء يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم وقومه فتبرأت من أهلك كما تبرؤوا من قومهم قوله عزوجل إلا قول إبراهيم لأبيه قال المفسرون والمعنى تأسوا بإبراهيم الا في استغفار إبراهيم لأبيه فلا تأسوا به في ذلك فإنه كان عن موعدة وعدها إياه وما أملك لك من الله من شئ أي ما أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه ربنا عليك توكلنا إلى قوله عزوجل العزيز الحكيم قال الفراء قولوا أنتم ربنا عليك توكلنا وقد بينا معنى قوله عزوجل لا تجعلنا فتنة للذين كفروا في يونس آية ثم أعاد الكلام في ذكر الأسوة فقال تعالى لقد كان لكم فيهم أي في إبراهيم ومن معه وذلك أنهم كانوا يبغضون من خالف الله وقوله عزوجل لمن كان يرجو الله بدل من قوله عز وجل تعالى لكم وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخشى عقاب الآخرة قوله عزوجل ومن يتول أي يعرض عن الإيمان ويوال وقال الكفار فإن الله هو الغني عن خلقه الحميد إلى أوليائه فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادوا أقرباءهم فأنزل الله تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم أي من كفار مكة مودة

[ 6 ]

ففعل ذلك بأن أسلم كثير منهم يوم الفتح وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان فانكسر أبو سفيان عن كثير مما كان عليه حتى هداه الله للإسلام والله قدير على جعل المودة والله غفور لهم رحيم بهم بعدما أسلموا قوله عزوجل لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين اختلفوا فيمن نزلت على خمسة أقوال أحدها أنها في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا فلم تقبل هداياها ولم تدخلها منزلها فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية فأمرها سول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها قاله عبد الله بن الزبير والثاني أنها نزلت في خزاعة وبني مدلج وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا قاله ابن عباس وروي عن الحسن البصري أنها نزلت في خزاعة وبني الحارث بن عبد مناف وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فداموا على الوفاء به والثالث نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس قاله عطية العوفي ومرة الهمذاني والرابع أنها عامة في جميع الكفار وهي منسوخة بقوله عزوجل فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5 قاله قتادة والخامس نزلت في النساء والصبيان حكاه الزجاج

[ 7 ]

قال المفسرون وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين وجواز برهم وإن كانت الموالاة منقطعة قوله عزوجل ولم يخرجوكم من دياركم أي من مكة أن تبروهم وتقسطوا إليهم أي تعاملوهم بالعدل فيما بينكم وبينهم قوله عزوجل * وظاهروا على أخراجكم أي عاونوا على ذلك أن تولوهم والمعنى إنما ينهاكم عن أن تولوا هؤلاء لأن مكاتبتهم بإظهار ما اسره رسول الله صلى الله عليه وسلم موالاة وذكر بعض المفسرين أن معنى الآية والتي قبلها منسوخ بآية السيف قال ابن جرير لا وجه لادعاء النسخ لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح أو دلالة لهم على عورة أهل الإسلام ويدل على ذلك حديث أسماء وأمها الذي سبق يايها أنه الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مها جرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسئلوا ما أنفقتم وليسئلوا ما أنفقوا ذلكم حكم الليحكم بينكم والله عليم حكيم وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنو هن قال ابن

[ 8 ]

عباس إن مشركي مكة صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى أهل مكة من أصحابه فهو لهم وكتبوا بذلك الكتاب وختموه فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب والنبي بالحديبية فأقبل زوجها وكان كافرا فقال يا محمد اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد فنزلت هذه الآية وذكر جماعة من العلماء منهم محمد ابن سعد كاتب الواقدي أن هذه الآية نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أول من هاجر من النساء إلى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت المدينة في هدنة الحديبية فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة فقالا يا محمد أوف لنا بشرطنا وقالت أم كلثوم يا رسول الله أنا امرأة وحال النساء إلى الضعف ما قد علمت فتردني إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي فنقض الله عز وجل العهد في النساء وأنزل فيهن المحنة وحكم فيهن بحكم رضوه كلهم ونزل في أم كلثوم فامتحنوهن فامتحنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتحن النساء بعدها يقول والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله وما خرجتن لزوج ولا مال فإذا قلن ذلك تركن فلم يرددن إلى أهليهن وقد صلى اختلف العلماء في المرأة التي كانت سببا لنزول هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها أنها سبيعة وقد ذكرناه عن ابن عباس والثاني أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وقد ذكرناه عن جماعة من أهل العلم وهو المشهور والثالث أيمة بنت بشر من بني عمرو بن عوف ذكره أبو نعيم الاصبهاني قال الماوردي

[ 9 ]

وقد اختلف أهل العلم هل دخل رد النساء في عقد الهدنة لفظا أو عموما فقالت طائفة قد كان شرط ردهن في لفظ الهدنة لفظا صريحا فنسخ الله تعالى ردهن من العقد ومنع منه وأبقاها في الرجال على ماكان وقالت طائفة لم يشرط ردهن في العقد صريحا وإنما أطلق العقد وكان ظاهر العموم اشتماله مع الرجال فبين الله عز وجل خروجهن عن عمومه وفرق بينهن وبين الرجال لأمرين أحدهما أنهن ذوات فروج تحرمن عليهم والثاني أنهن أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم فأما المقيمة على شركها فمردودة عليهم وقال القاضي أبو يعلى وإنما لم يرد النساء عليهم لأن النسخ جائز بعد التمكين من الفعل قال وأن لم يقع الفعل المفسرون والمراد بقوله عزوجل يا أيها الذين آمنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو الذي تولى امتحانهن ويراد به سائر المؤمنين عند غيبته صلى الله عليه وسلم قال ابن زيد وإنما أمرنا بامتحانهن لأن المرأة كانت إذا غضبت على زوجها بمكة قال لألحقن بمحمد وفيما كان يمتحنهن به ثلاثة أقوال أحدها أنه كان يمتحنهن ب شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه كان يستحلف المرأة بالله ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا وما خرجت إلا حبا لله ولرسوله روي عن ابن عباس أيضا والثالث أنه كان يمتحنهن بقوله عزوجل إذا جاءك المؤمنات يبايعنك فمن أقرت بهذا الشرط قالت قد بايعتك هذا قول عائشة عليها السلام قوله عزوجل الله أعلم بإيمانهن أي إن هذا الامتحان لكم والله أعلم بهن فإن علمتموهن مؤمنات وذلك يعلم بإقرارهن فحينئذ لا يحل ردهن إلى الكفار لأن الله تعالى

[ 10 ]

لم يبح مؤمنة لمشرك وآتوهم يعني أزواجهن الكفار ما أنفقوا يعني المهر قال مقاتل هذا إذا تزوجها مسلم فإن لم يتزوجها أحد فليس لزوجها الكافر شئ ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن وهي المهور. فصل عندنا إذا هاجرت الحرة بعد دخول زوجها بها وقعت الفرقة على انقضاء عدتها فإن أسلم الزوج قبل انقضاء عدتها فهي امرأته وهذا قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي وقال أبو حنيفة تقع الفرقة باختلاف الدارين.. قوله عزوجل ولا تمسكوا بعصم الكوافر قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي تمسكوا بضم التاء والتخفيف وقرأ أبو عمرو ويعقوب يمسكوا بضم التاء وبالتشديد وقرأ ابن عباس وعكرمة والحسن وابن يعمر وابو حيوة تمسكوا بفتح التاء والميم والسين مشددة والكوافر جمع كافرة والمعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عن المقام على نكاح الكافر وأمرهم بفراقهن وقال الزجاج المعنى أنها كفرت فقد زالت العصمة بينها وبين المؤمن أي قد انبت عقد النكاح وأصل العصمة الحبل وكل ما أمسك شيئا فقد عصمه. قوله عزجل واسألوا ما أنفقتم أي إن لحقت امرأة منكم بأهل العهد من الكفار مرتدة فاسألوهم ما أنفقتم من المهر إذا لم يدفعوها إليكم وليسألوا ما أنفقوا يعني المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن منكم فليسأل أزواجهن الكفار من تزوجهن منكم ما أنفقوا وهو المهر والمعنى عليكم أن تغرموا لهم الصداق كما يغرمون لكم قال أهل السير وكانت أم كلثوم حين هاجرت عاتقا لم يكن لها زوج فيبعث إليه قدر مهرها فلما هاجرت تزوجت زيد بن حارثة قوله عزوجل ذلكم حكم الله يعني ما ذكر في هذه الآية

[ 11 ]

وذكر بعضهم في قوله عزوجل ولا تمسكوا بعصم الكوافر أنه نسخ ذلك في حرائر أهل الكتاب بقوله عزوجل والمحصنات من الذين اوتوا الكتاب المائدة 5 وهذا تخصيص لا نسخ. قوله تعالى وإن فاتكم شئ من أزواجدكم وهو إلى الكفار فعاقبتم قال الزجاج أي أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم وقرأ ابن مسعود والأزهري والنخعي فعقبتم بغير ألف وبفتح العين والقاف وبتخفيفها وقرأ ابن عباس وعائشة وحميد والأعمش فعقبتم مثل ذلك إلا أن القاف مشددة قال الزجاج المعنى في التشديد والتخفيف واحد فكانت العقبى لكم بأن غلبتم وقرأ أبي بن كعب وعكرمة ومجاهد فأعقبتم بهمزة ساكنة العين مفتوحة القاف خفيفة وقرأ معاذ القارئ وأبو عمران الجوني فعقبتم بفتح العين وكسر القاف وتخفيفها من غير ألف فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا أي أعطوا الأزواج من رأس الغنيمة ما أنفقوا من المهر وذكر بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في عياض بن غنم كانت زوجته مسلمة وهي أم الحكم بنت أبي سفيان فارتدت فلحقت بمكة فأمر الله المسلمين أن يعطوا زوجها من الغنيمة بقدر ما ساق إليها من المهر ثم نسخ ذلك بقوله عزوجل براءة من الله ورسوله إلى رأس الخمس.. فصل قال القاضي أبو يعلى وهذه الأحكام في أداء المهر وأخذه من الكفار وتعويض الزوج من الغنيمة أو من صداق قد وجب رده على أهل الحرب منسوخة عند جماعة من أهل العلم وقد نص أحمد على هذا قلت وكذا قال مقاتل كل هؤلاء الآيات نسختها آية السيف

[ 12 ]

يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم قوله عزوجل إذا جاءك المؤمنات يبايعنك قال المفسرون لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءته النساء يبايعنه فنزلت هذه الآية وشرط في مبايعتهن الشرائط المذكورة في الآية فبايعهن وهو على الصفا فلما قال ولا يزنين قالت هند أو تزني الحرة فقال ولا يقتلن أولادهن فقال ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصافح في البيعة امرأة وإنما بايعهن بالكلام وقد سمينا من أحصينا من المبايعات في كتاب التلقيح على حروف المعجم وهن أربعمائة وسبع وخمسون امرأة والله الموفق. قوله عزوجل ولا يقتلن أولادهن قال المفسرون هو الوأد الذي كانت الجاهلية تفعله. قوله عزوجل ولا يتأتين صلى الله عليه وسلم ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) * فيه ثلاثة أقوال: حدها: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم قاله ابن عباس والجمهور وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود فتقول لزوجها هذا ولدي منك فذلك البهتان المفترى وإنما قابين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها وقيل معنى فترينه بين أيديهن ما أخذنه لقيطا وارجلهن ما ولدنه من زنا. والثاني أنه السحر. والثالث المشي بالنميمة والسعي في الفساد وذكرهما الماوردي.

[ 13 ]

قوله عزوجل ولا يعصينك في معروف فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه النوح قاله ابن عباس وروي مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني أنه لا يدعين ويلا ولا يخدشن وجها ولا ينشرن شعرا ولا يشققن ثوبا قاله زيد بن أسلم. والثالث أنه جميع ما يأمرهن به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع الإسلام وآدابه قاله أبو سليمان الدمشقي وفي هذه الآية دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور قوله عزوجل فبايعهن المعنى إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن. يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور قوله عزوجل يأيها الذين آمنوا لا تتولوا قوا غضب الله عليهم اليهود وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم فنزلت هذه الآية عزوجل قد يئسوا من الآخرة وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا وهم يعرفون صدقه قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير والمعنى قد يئسوا من ثواب الآخرة هذا قول الجمهور وهو الصحيح وقال قتادة قد يئسوا أن يبعثوا كما يئس الكفار فيه قولان أحدهما كما يئس الكفار من بعث من في القبور قاله ابن عباس والثالث: كما يئس الكفار الذين ماتوا من ثواب الآخرة لأنهم أيقنوا بالعذاب قال مجاهد

[ 14 ]

(61) سورة الصف مدنية (1) واياتها انبع عشرة ويقال لها: سورة الحواريين وفيها قولان: أحدهما انها مدنية قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور والثاني: مكية قاله ابن يسار بسم لله الرحمن الرحيم سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص قوله عزوجل لم تقولون ما لا تفعلون في سبب نزولها خمسة أقوال أحدها ما روى أبو سلمة عن عبد الله بن سلام قال قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل عملناه فأنزل الله سبح لله ما في السموات إلى آخر السورة

[ 15 ]

والثاني أن الرجل كان يجئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول فعلت كذا وكذا وما فعل فنزلت لم تقولون ما لا تفعلون رواه عكرمة عن ابن عباس وكذلك قال الضحاك كان الرجل يقول قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وصبرت ولم يصبر فنزلت هذه الآية والثالث أن ناسا من المسلمين كانوا يقولون قبل أن يفرض الجهاد لوددنا أن الله تعالى دلنا على أحب الأعمال إليه فلما نزل الجهاد كرهه ناس من المؤمنين فنزلت هذه الآية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أن صهيبا قتل رجلا يوم بدر فجاء رجل فادعى أنه قتله وأخذ سلبه فقال صهيب أنا قتلته يا رسول الله فأمره أن يدفع سلبه إلى صهيب ونزلت هذه الآية رواه سعيد بن المسيب عن صهيب والخامس أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه لو قد خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه فنزلت هذه الآية قاله ابن زيد قوله عزوجل كبر مقتا عند الله قال الزجاج مقتا منصوب على التمييز والمعنى كبر قولكم ما لا تفعلون مقتا عند الله ثم أعلم عز وجل إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص أي بنيان لاصق بعضه ببعض فأعلم أنه يحب من يثبت في الجهاد ويلزم مكانه كثبوت البنيان المرصوص ويجوز

[ 16 ]

يكون عنى أن يكون عنى أن يستوي ثباتهم في حرب عدوهم حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص وللمفسرين في المراد ب المرصوص قولان أحدهما أنه الملتصق بعضه ببعض فلا يرى فيه خلل لإحكامه قاله الأكثرون الثاني أنه المبني بالرصاص وإلى نحو هذا ذهب الفراء وكان أبو بحرية يقول كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لهذه الآية اسم أبي بحرية عبد الله بن قيس الترغمي ثنا يروي عن معاذ وكأنه أشار بذلك إلى أن الفرسان لا يصطفون في الغالب إنما يصطف الرجالة وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون قوله عزوجل وإذ قال موسى المعنى اذكر لمن يؤذيك من المنافقين ما صنعته بالذين آذوا موسى وقد ذكرنا ما آذوا به موسى في الأحزاب. قوله عزوجل فلما زاغوا أي مالوا عن الحق أزاغ الله قلبوهم أي أمالها عن الحق جزاء لما ارتكبوه وما بعد هذا ظاهر إلى قول تعالى يأتي من بعدي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم من بعدي اسمه بفتح الياء وقرأ ابن عامر وحمزة

[ 17 ]

والكسائي وحفص عن عاصم من بعدي اسمه بإسكان الياء ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وفيهم قولان أحدهما أنهم اليهود قاله مقاتل والثاني النصارى حين قالوا عيسى ابن الله قاله أبو سليمان الدمشقي وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري وطلحة بن مصرف يدعي إلى الإسلام بفتح الياء والدال وتشديدها وبكسر العين وما بعد هذا في براءة إلى قوله عزوجل متم نوره قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف متم نوره مضاف وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم متم رفع منون يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين ءآمنوا على عدوهم فأصبحوا ظهرين قوله عزوجل هل أدلكم على تجارة قال المفسرون نزلت هذه الآية حين قالوا لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا به أبدا فدلهم الله على ذلك وجعله بمنزلة التجارة لمكان ربحهم فيه

[ 18 ]

قوله عزوجل تنجيكم قرأ ابن عامر تنجيكم بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف ثم بين التجارة فقال قوله عزوجل تؤمنون بالله إلى قوله عزوجل يغفر لكم فإن قيل كيف قال تؤمنون بالله وقد قال يا أيها الذين امنوا امنوا وقد سبق ذلك الجواب عنه بنحو الجواب عن قوله يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقد سبق ذلك قال الزجاج: وقوله: يغفر لكم جواب قوله وتجاهدون لأن معناه معنى الأمر والمعنى آمنوا بالله واهدوا يغفر لكم أي إن فعلتم ذلك يغفر لكم وقد غلط بعض النحويين فقال هذا جواب هل وهذا غلط بين لأنه ليس إذا دلهم على ما ينفعهم غفر لهم إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك ومن قرأ يغفر لهم بإدغام الراء في اللام فغير جائز عند سيبويه والخليل لأنه لا تدغم الراء في اللام في قولهم وقد رويت عن ابي عمرو بن العلاء وهو إمام عظيم ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب وقد زعم سيبويه والخليل وجميع أن الراء حرف مكرر قوي فإذا أدغمت في اللام ذهب التكرير منها وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزوجل وأخرى تحبونها قال الفراء والمعنى ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى تحبونها ثم فسرها فقال عزوجل نصر من الله وفتح قريب وفيه قولان أحدهما أنه فتح مكة قاله ابن عباس والثاني فتح فارس والروم قاله عطاء عزوجل وبشر المؤمنين أي بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة ثم حضهم على نصر دينه بقوله عزوجل كونوا كونوا أنصار الله قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو كونوا أنصارا لله منونة وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أنصار الله ومعنى الآية دوموا على ما أنتم عليه وانصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى من أنصاري إلى الله وحرك نافع ياء من أنصاري إلى الله وقد سبق تفسير هذا الكلام قوله فآمنت طائفة من بني إسرائيل بعيسى وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا بعيسى على عدوهم وهم مخالفو عيسى كذلك قال ابن عباس ومجاهد والجمهور وقال مقاتل تم الكلام عند قوله عزوجل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا بمحمد على عدوهم فأصبحوا ظاهرين بمحمد على الأديان وقال إبراهيم النخعي أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله وروحه بتعليم الحجة قال ابن قتيبة فأصبحوا ظاهرين أي غالبين عليهم بمحمد من قولك ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه

[ 19 ]

(62) سورة الجمعة مدنية (1) وآيايها اخدي عشرة وهي مدنية كلها بإجماعهم وقد سبق شرح فاتحتها وقرأ أبو الدرداء وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والنخعي والوليد عن يعقوب الملك القدوس العزيز الحكيم بالرفع فيهن فإن قيل فما الفائدة في إعادته ذكر التسبيح في هذه السورة ؟ فالجواب أن ذلك لاستفتاح السور بتعظيم الله عز وجل كما تستفتح ب بسم الله الرحمن الرحيم وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به بسم الله الرحمن الرحيم (2) يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قوله عزوجل هو الذي بعث في الأميين يعني العرب وكانوا لا يكتبون وقد شرحنا

[ 20 ]

هذا المعنى في البقرة رسولا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم منهم أي من جنسهم ونسبهم فإن قيل فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميا ثلاثة أجوبة أحدها لموافقة ما تقدمت البشارة به في كتب الأنبياء الثاني لمشاكلة حاله لأحوالهم فيكون أقرب موافقتهم والثالث لئلا يظن به أنه يعلم كتب من قبله وما بعد هذا في سورة البقرة 129 إلى قوله عز وجل وإن كانوا من قبل أي وما كانوا قبل بعثته إلا في ضلال مبين بين وهو الشرك قوله عزوجل وآخرين منهم فيه قولان أحدهما وبعث محمدا في آخرين منهم أي من الأميين والثاني ويعلم آخرين منهم ويزكيهم وفي المراد بالآخرين أربعة أقوال أحدها أنهم العجم قاله ابن عمر وسعيد بن جبير وهي رواية ليث عن مجاهد فعلى هذا إنما قال منهم لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم إذ المسلمون يد واحدة وملة واحدة أنهم التابعون قاله عكرمة ومقاتل والثالث جميع من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة قاله ابن زيد وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد والرابع أنهم الأطفال حكاه الماوردي قوله عزوجل لما يلحقوا بهم أي لم يلحقوا بهم قوله عزوجل ذلك فضل الله يعني الإسلام والهدى والله ذو الفضل العظيم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم

[ 21 ]

مثل الذين حملوا التورنة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيت الله والله لا يهدي القوم الظالمين قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملقيكم ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون ثم ضرب لليهود الذين تركوا العمل بالتوارة مثلا فقال عزوجل مثل الذين حملوا التوراة أي كلفوا العمل بما فيها ثم لم يحملوها أي لم يعملوا بموجبها ولم يؤدوا حقها كمثل الحمار يحمل أسفارا وهي جمع سفر والسفر الكتاب فشبههم بالحمار لا يعقل ما يحمل إذ لم ينتفعوا بما في التوارة وهي دالة على الإيمان بمحمد وهذا المثل يلحق من لم يعمل بالقرآن ولم يفهم معانيه بئس مثل القوم ذم مثلهم والمراد ذمهم واليهود كذبو ابالقرآن وبالتوارة هذا حين لم يؤمنوا بمحمد والله لا يهدي القوم الظالمين أنفسهم بتكذيب الأنبياء قوله عزوجل إن زعمتم أنكم أولياء لله وذلك أن اليهود قالوا نحن ولد إسرائيل الله ابن ذبيح الله ابن خليل الله ونحن أولى بالله عزوجل من سائر الناس وإنما تكون النبوة فينا فقال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام قل لهم إن كنتم أولياء لله فتمنوا الموت لأن الآخرة خير لأولياء الله من الدنيا وقد بينا هذا وما بعده في البقرة إلى قوله عزوجل قل إن الموت الذي تفرون منه وذلك أن اليهود علموا أنهم أفسدوا على أنفسهم أمو الآخرة بتكذيبهم محمدا وكانوا يكرهون الموت فقيل لهم لا بد من نزوله بكم بقوله عزوجل فإنه ملاقيكم قال الفراء العرب تدخل الفاء في كل خبر كان اسمه مما يوصل مثل من والذي فمن فمن أدخل الفاء ها هنا ذهب بالذي إلى تأويل الجزاء وفي قراءة عبد الله إن الموت الذي تفرون منه ملاقيكم وهذا على القياس لأنك تقول إن أخاك قائم ولا تقول فقائم ولو

[ 22 ]

قلت إن ضاربك فظالم لجاز لأن تأويله إن من يضربك فظالم وقال الزجاج إنما جاز دخول الفاء لأن في الكلام معنى الشرط والجزاء ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله عز وجل تفرون منه كأنه قيل إن فررتم من أي موت كان من قتل أو غيره فإنه ملاقيكم وتكون فإنه اسئنافا بعد الخبر الأول يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون قوله عزوجل إذا نودي للصلاة وهذا هو النداء الذي ينادى به إذا جلس الإمام على المنبر ولم يكن في عهد رسول الله نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد وكذلك كان على عهد أبي بكر وعمر فلما كثر الناس على عهد عثمان أمر بالتأذين على دار له بالسوق يقال لها الزوراء وكان إذا جلس أذن أيضا قواله عزوجل للصلاة أي لوقت الصلاة وفي الجمعة ثلاث لغات ضم الجيم والميم وهي قراءة الجمهور وضم الجيمع إسكان الميم وبها قرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رجاء وعكرمة والزهري وابن ابي ليلى وابن أبي عبلة والأعمش وبضم الجيم مع فتح الميم وبها قرأ أبو مجلز وأبو العالية والنخعي وعدي بن الفضل عن أبي عمرو قال الزجاج من قرأ بتسكين الميم فهو تخفيف الجمعة لثقل الضمتين وأما فتح الميم فمعناها الذي يجمع الناس كما تقول رجل لعنة يكثر لعنة الناس وضحكة يكثر الضحك تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة ثلاثة أقوال أحدها انه فيه جمع آدم روى سلمان قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدري ما الجمعة ؟ قلت لا قال فيه جمع أبوك يعني تمام خلقه في يوم الجمعة

[ 23 ]

والثاني لا جتماع الناس فيه للصلاة والثالث لا جتماع المخلوقات فيه لأنه اليوم الذي منه فرغ من خلق الأشياء أول من سماها بالجمعة قولان أحدهما أنه كعب بن لؤي سماها بذلك وكان يقال ليوم الجمعة العروبة قاله أبو سلمة وقيل إنما سماها بذلك لاجتماع قريش فيه والثاني أن أول من سماها بذلك الأنصار قاله ابن سيرين قوله عزوجل فاسعوا إلى ذكر الله وفي هذا السعي ثلاثة أقوال أحدها أنه المشي قاله ابن عباس وكان ابن سمعود يقرؤها فامضوا ويقو لو قرأتها فاسعوا لسعيت حتى يقسط ردائي وقال عطاء هو الذهاب والمشي إلى الصلاة والثاني أن المراد بالسعي العمل قاله عكرمة والقرظي والضحاك فيكون المعنى فا عملوا على المضي إلى ذكر الله بالتفرغ له والاشتغال بالطهارة ونحوها والثالث أنه النية بالقلب قاله الحسن وقال ابن قبيبة هو المبادرة بالنية والجد وفي المراد بذكر الله قولان أحدهما أنه الصلاة قاله الأكثرون والثاني موعظة الإمام قاله سعيد بن المسيب قوله عزوجل وذروا البيع أي دعوا التجارة في ذلك الوقت وعندنا أنه لا يجوز البيع في وقت النداء ويقع البيع باطلا في حق من يلزمه فرض الجمعة وبه قال مالك خلافا للاكثرين

[ 24 ]

فثل تجب الجمعة على من سمع النداء من المصر إذا كان المؤذن صيتا والريح سانكة رسول وقد حده مالك بفرسخ ولم يحده الشافعي وعن أحمد في التحديد نحوهما وتجب الجمعة على أهل القرى وقال أبو حنيفة لا تجب إلا على أهل الأمصار ويجوز لأهل المصر أن يقيموا الجمعة في الصحراء القريبة من المصر خلافا للشافعي ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين وعن أحمد أقله خمسون وعنه أقله ثلاثة وقال أبو حنيفة تنعقد بثلاثة والإمام والعدد شرط في في الجمعة وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين يصح أن يخطب منفردا وهل تجب الجمعة على العبيد فيه عن أحمد روايتان وعندنا تجب على الأعمى إذا وجد قائدا خلافا لأبي حنيفة ولا تنعقد الجمعة بالعبيد والمسافرين خلافا لأبي حنيفة وهل تجب الجمعة والعيدان من غير إذن سلطان فيه عن أحمد روايتان وتجوز الجمعة في موضعين في البلد مع الحاجة وقال مالك والشافعي وأبو يوسف لا تجوز إلا في موضع واحد وتجوز إقامة الجمعة قبل الزوال خلافا لأكثرهم وإذا وقع العيد يوم الجمعة أجزأ حضوره عن يوم الجمعة وبه قال الشعبي والنخعي خلافا للأكثرين والمستحب لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر في جماعة وقال أبو حنيفة يكره ولا يجوز السفر يوم الجمعة بعد الزوال وقال أبو حنيفة يجوز وهل يجوز السفر بعد طلوع الفجر فيه عن أحمد روايتان ونقل عن أحمد أنه لا يجوز الخروج في الجمعة إلا للجهاد وقال أبو حنيفة يجوز لكل سفر وقال الشافعي لا يجوز أصلا والخطبة شرط في الجمعة وقال داود هي مستحبة والطهارة لا تشترط في الخطبة خلافا للشافعي في أحد قوليه والقيام ليس بشرط في الخطبة خلافا للشافعي ولا تجب القعدة بين الخطبتين خلافا له أيضا ومن شرط الخطبة التحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة آية والموعظة وقال أبو حنيفة يجوز أن يخطب بتسبيحة والخطبتان واجبتان وأما القراءة في الخطبة الثانية فهي شرط خلافا للشافعي والسنة للإمام إذا صعد المنبر واستقبل الناس أن يسلم خلافا لأبي حنيفة ومالك وهل يحرم الكلام في حال سماع الخطبة فيه عن أحمد روايتان ويحرم على المستمع دون الخاطب خلافا خلافا للأكثرين ولا يكره الكلام قبل الابتداء بالخطبة وبعد الفراغ منها خلافا لأبي حنيفة ويستحب له أن يصلي تحية المسجد والإمام يخطب خلافا لأبي حنيفة ومالك

[ 25 ]

وهل يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر فيه عن أحمد روايتان قوله عزوجل ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون أي إن كان لكم علم بالأصلح فإذا قضيت الصلاة أي فرغتم منها فانتشروا في الأرض هذا أمر إباحة وابتغوا من فضل الله إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى وذروا البيع وقال الحسن وسعيد بن جبير هو طلب العلم رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين قوله عزوجل وإذا رأوا تجارة سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير قد قدمت فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا إثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله قاله الحسن وذلك أنهم أصابهم جوع وغلاء سعر فلما سمعوا بها خرجوا إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا قال المفسرون كان الذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي قال مقاتل وذلك قبل أن يسلم قالوا قدم بها من الشام وضرب لها طبل يؤذن الناس بقدومها وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير قال جابر بن عبد الله كانت التجارة طعاما وقال أبو مالك كانت زيتا والمراد باللهو ضرب الطبل وانفضوا بمعنى تفرقوا عنك فذهبوا إليها والضمير للتجارة وإنما خصت برد الضمير إليها لأنها كانت أهم إليهم هذا قول الفراء والمبرد وقال الزجاج المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف خبر أحدهما لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة انفضوا إليهما على التثنية وعن ابن مسعود وابن أبي عبلة انفضوا إليه على ضمير مذكر وتركوك قائما وهذا القيام كان في الخطبة قل ما عند الله من ثواب الصلاة والثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده ومن يكفر به ويجحده فهو يعطي من سأل ويبتدئ من لا يسأل وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته ويقبل على خدمته

[ 26 ]

(63) سورة المنافقون مدنية وآياتها اخدى عشرة (1) وهي مدنية بإجماعهم وذكر أهل التفسير أنها نزلت في عبد الله بن أبي ونظر ائه وكان السبب أن عبد الله خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في خلق كثير من المنافقين إلى المريسيع وهو ماء لبني المصطلق طلبا للغنيمة لا للرغبة في الجهاد لأن السفر قريب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوه أقبل رجل من جهينة يقال له سنان وهو حليف لعبد الله بن أبي ورجل من بني غفار يقال له جهجاه بن سعيد وهو أجير لعمر بن الخطاب لاستقاء الماء فدار بينهما كلام فرفع الغفاري يده فلطم الجهني فأدماه فنادى الجهني يا آل الخزرج فأقبلوا ونادى الغفاري يا آل قريش فأقبلوا فأصلح الأمر قوم من المهاجرين فبلغ الخبر عبد الله ابن أبي فقال وعنده جماعة من المنافقين والله ما مثلكم ومثل هؤلاء الرهط من قريش إلا مثل ما قال الأول سمن كلبك يأكلك ولكن هذا فعلكم بأنفسكم آويتموهم لم في منازلكم وأنفقتم عليهم أموالكم فقووا وضعفتم وايم الله لو أمسكتم أيديكم لتفرقت عن هذا جموعه ولئن ردجعنا حدثنا إلى المدينة ليخرجن الأعز

[ 27 ]

منها الأذل وكان في القوم زيد بن أرقم وهو غلام يومئذ لا يؤبه له فقال لعبد الله أنت والله الذليل القليل فقا إنما كنت ألعب فأقبل زيد بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعني أضرب عنقه فقال إذن ترعد له آنف كبيرة قال فإن كرهت أن يقتله رجل من المهاجرين فمر سعد بن عبادة أو محمد بن مسلمة أو عباد بن بشر فليقتله فقال إذن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي فأتاه فقال أنت صاحب هذا الكلام فقال والذي أنزل عليك ما قلت شيئا من هذا وإن زيدا لكذاب فقال من حضر لا يصدق عليه كلام غلام عسى أن يكون قد وهم فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفشت الملامة من الأنصار لزيد وكذبوه وقال له عمه ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ومقتوك فاستحيا زيد وجلس في بيته فبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل إليك راسه فإني أخشى أن يقتله غيري فلا تدعني نفسي حتى أقتل قاتله فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تحسن صحبته ما بقي معنا وأنزل الله سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه قال إن الله قد صدقك ولما أراد عبد الله بن أبي أن يدخل المدينة جاء ابنه فقال ما وراءك قال مالك ويلك قال والله لا تدخلها أبدا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم اليوم من الأعز ومن الأذل فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خل عنه حتى يدخل فلما نزلت السورة وبان كذبه قيل له يا أبا حباب إنه قد نزلت فيك آيات شداد فاذهب إلى رسول الله ليستغفر لك فلوى به راسه فلذلك قوله تعالى لووا رؤوسهم وقيل الذي قال له هذا عبادة بن الصامت بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكذابون قوله إتخذوا أيمانهم جنة فصدوساء ما عن سبيل كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

[ 28 ]

وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون قوله عزوجل إذا جاءك المنافقون يعني عبد الله بن أبي وأصحابه قالوا نشهد إنك لرسول الله وها هنا تم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال عزوجل والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون وإنما جعلهم كاذبين لأنهم أضمروا غير ما أظهروا قال الفراء إنما كذب ضميرهم اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله قد ذكرناه في المجادلة قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية تدل على أن قول القائل أشهد يمين لأنهم قالوا لو نشهد فجعله يمينا بقوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة وقد قال أحمد والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة أشهد وأقسم وأعزم وأحلف كلها أيمان وقال الشافعي أقسم ليس بيمين وإنما قوله أقسم بالله يمين إذا أراد اليمين قوله تعالى ذلك أي ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان ثم كفروا في السر فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون الإيمان والقرآن وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم يعني أن لهم أجساما ومناظر قال ابن عباس كان عبد الله بن أبي جسيما فصيحا ذلق اللسان فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله وقال غيره المعنى تصغي إلى قولهم فتحسب أنه حق كأنهم خشب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة خشب بضم الخاء والشين جميعا وهو جمع خشبة مثل ثمرة وثمر وقرأ الكسائي خشب بضم الخاء وتسكين الشين مثل بدنة وبدن وأكمة وأكم وعن ابن كثير وأبي عمرو مثله وقرأ أبو بكر الصديق وعروة وابن سيرين خشب بفتح

[ 29 ]

الخاء والشين جميعا وقرأ أبو نهيك وأبو المتوكل وأبو عمران بفتح الخاء وإسكان الشين فوصفهم الله بحسن الصورة وإبانة المنطق ثم أعلم أنهم في ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب والمسندة الممالة إلى الجدار والمراد أنها ليست بأشجار تثمر وتنمي بل هي خشب مسندة إلى حائط ثم عابهم بالجبن فقال تعالى يحسبون كل صيحة عليهم أي لا يسمعون صوتا إلا ظنوا أنهم قد أتوا لما في قلوبهم من الرعب أن يكشف الله أسرارهم وهذه مبالغة في الجبن وأنشدوا في هذا المعنى ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومة له تدعو عبيدا وأزنما أي لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك محمد خيلا تدعو هاتين القبلتين قوله عزوجل هم العدو فاحذرهم أي لا تأمنهم على سرك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار قاتلهم الله أنى يؤفكون مفسر في براءة وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفسقين هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون قوله عزوجل وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله قد بينا سببه في نزول

[ 30 ]

السورة لووا رؤوسهم وقرأ نافع والمفضل عن عاصم ويعقوب لووا بالتخفيف واختار أبو عبيدة التشديد وقال لأنهم فعلوا ذلك مرة بعد مرة قال مجاهد لما قيل لعبد الله ابن أبي تعال يستغفر لك رسول الله لوى رأسه قال ماذا قلت وقال مقاتل عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وقال الفراء حركوها استهزاء بالنبي وبدعائه قوله عزوجل ورأيتهم يصدون أي يعرضون عن الاستغفار وهم مستكبرون أي متكبرون عن ذلك ثم ذكر أن استغفاره لهم لا ينفعهم قوله عزوجل سواء عليهم أستغفرت لهم وقرأ أبو جعفر آستغفرت بالمد قوله عزوجل هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله قد بينا أنه قول ابن أبي وينفضوا كان بمعنى يتفرقوا ولله خزائن السموات والأرض قال المفسرون خزائن السموات المطر وخزائن الأرض النبات والمعنى أنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين لا أولئك ولكن المنافقين لا يفقهون أي لا يعلمون أن الله رازقهم في حال إنفاق هؤلاء عليهم يقولون لئن رجعنا من هذه الغزوة وقد تقدم ذكرها وهذا قول ابن أبي ليخرجن الأعز يعني نفسه وعنى ب الأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الحسن لنخرجن بالنون مضمومة وكسر الراء الأعز بنصب الزاي والأذل منصوب على الحال بناء على جواز حال ذل والحل نصبوا الأذل فرد الله أو بتقدير مثل المعنى لنخرجنه ذليلا على أي وهي المنعة والقوة (ولرسوله وللمؤمنين) بإعزاز الله عزوجل عليه فقال ولله المنافقين لا يعلمون ذلك يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقنكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون

[ 31 ]

قوله عزوجل لا تلهكم أي لا تشغلكم وفي المراد بذكر الله ها هنا أربعة أقوال أحدها طاعة الله في الجهاد قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الصلاة المكتوبة قاله عطاء ومقاتل الثالث الفرائض من الصلاة وغيرها قاله الضحاك والرابع أنه على إطلاقه قال الزجاج حضهم بهذا على إدامة الذكر قوله عز وجل وأنفقوا مما رزقناكم في هذه النفقة ثلاثة أقوال أحدها أنه زكاة الأموال قاله ابن عباس والثاني أنها النفقة في الحقوق الواجبة بالمال كالزكاة والحج ونحو ذلك وهذا المعنى مروي عن الضحاك والثالث أنه صدقة التطوع ذكره الماوردي فعلى هذا يكون الأمر ندبا وعلى ما قبله يكون أمر وجوب قوله عزوجل من قبل أن يأتي أحدكم الموت قال الزجاج أي من قبل أن يعاين ما يعلم منه أنه ميت قوله عزوجل لولا أخرتني أي هلا أخرتني إلى أجل قريب يعني بذلك الاستزادة في أجله ليتصدق ويزكي وهو قوله عزوجل فأصدق قال أبو عبيدة فأصدق نصب لأن كل جواب بالفاء للاستفهام منصوب تقول من عندك فأتيك هلا فعلت كذا فأفعل كذا ثم تبعتها وأكن من الصالحين بغير واو وقال أبو عمرو إنما هي وأكون فذهبت الواو من الخط كما يكتب أبو جاد أبجد هجاء وهكذا يقرؤها أبو عمرو وأكون بالواو ونصب النون والباقون يقرؤون وأكن بغير واو قال الزجاج من قرأ وأكون فهو على لفظ فأصدق ومن جزم أكن فهو على موضع فأصدق لأن المعنى إن أخرتني أصدق وأكن وروى أبو صالح عن ابن عباس فأصدق أي أزكي مالي وأكن من الصالحين أي أحج مع المؤمنين وقال في قوله تعالى والله خبير بما تعملون والمعنى بما تعملون من التكذيب بالصدقة قال مقاتل يعني المنافقين وروى الضحاك عن ابن عباس ما من أحد يموت وقد كان له مال لم يزكه وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الله الرجعة عند الموت فقالوا له إنما يسأل الرجعة الكفار فقال أنا أتلو عليكم به قرآنا ثم قرأ هذه الآية

[ 32 ]

(64) سورة التغابن مدنية وآياتها ثمانى عشرة وفيها قولان أحدهما أنها مدنية قاله الجمهور منهم ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والثاني أنها مكية قاله الضحاك وقال عطاء بن يسار هي مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدنية قوله عزوجل يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم واللتان بعدها بسم الله الرحمن الرحيم يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ذلك بأنه كانت

[ 33 ]

تأتيهم رسلهم بالبينت فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا واستغنى الله والله غني حميد وقد سبق تفسير فاتحتها إلى قوله تعالى فمنكم كافر ومنكم مؤمن وفيه قولان أحدهما أن الله خلق بني دم مؤمنا وكافرا رواه الوالبي عن ابن عباس والأحاديث تعضد هذا القول كقوله عليه الصلاة والسلام خلق فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وقوله فيؤمر الملك بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد والثاني أن تمام الكلام عند قوله عزوجل خلقكم ثم وصفهم فقال عز وجل فمنكم كافر ومنكم مؤمن واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال أحدها فمنكم كافر يؤمن ومنكم مؤمن يكفر قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس والثاني فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة قاله أبو سعيد الخدري والثالث فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب قاله عطاء بن أبي رباح وعنى بذلك شأن الأنواء والرابع فمنكم كافر بالله خلقه ومؤمن بالله خلقه حكاه الزجاج والكفر بالخلق مذهب الدهرية وأهل الطبائع وما بعد هذا قد سبق إلى قوله عزوجل وصوركم فأحسن صوركم قال الزجاج أي خلقكم أحسن الحيوان كله وقرأ الأعمش صوركم بكسر الصاد ويقال في جمع صورة صور وصور كما يقال في جمع لحية لحى

[ 34 ]

ولحى وذكر ابن السائب أن معنى فأحسن صوركم أحكمها وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى ويعلم ما تسرون وروى المفضل عن عاصم يسرون ويعلنون بالياء فيهما ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم فذلك قوله عزوجل فذاقوا وبال أمرهم أي جزاء أعمالهم وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة ذلك الذي اصباهم أبو بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فينكرون ذلك ويقولون أبشر أي ناس مثلنا يهدوننا والبشر اسم جنس معناه الجمع وإن كان لفظه واحد فكفروا وتولوا أي أعرضوا عن الإيمان واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما علمتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنت تجري من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار خلدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون يأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولدكم فتنة والله عنده أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

[ 35 ]

إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم علم الغيب والشهادة العزيز الحكيم قوله عزوجل زعم الذين كفروا كان ابن عمر يقول زعموا كناية الكذب وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل زعم فلان قوله عزوجل وذلك على الله يسير يعني البعث والنور هو القرآن وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء قوله عزوجل يوم يجمعكم هو منصوب بقوله تعالى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم يوم يجمعكم ليوم الجمع وهو يوم القيامة وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس وأهل السموات وأهل الأرض ذلك يوم التغابن تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال أحدها أنه ليس من كافر إلا وله منزل وأهل في الجنة فيرث ذلك المؤمن فيغبن حينئذ الكافر ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس والثاني غبن أهل الجنة أهل النار قاله مجاهد والقرظي والثالث أنه يوم غبن المظلوم الظالم لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا فصار في الآخرة غابنا ذكره الماوردي والرابع أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان ذكره الثعلبي قال الزجاج وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء كقوله عزوجل فما ربحت تجارتهم البقرة 4 وقوله تعالى هل أدلكم على تجارة الصف 5 وما بعد هذا ظاهر إلى قوله عزوجل يكفر عنه سيئاته قرأ نافع وابن عامر والمفضل عن عاصم نكفر وندخله بالنون فيهما والباقون بالياء ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله قال ابن عباس

[ 36 ]

بعلمه وقضائه ومن يؤمن بالله يهد قلبه فيه ستة أقوال أحدها يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من قبل الله تعالى فيسلم ويرضى والثاني يهد قلبه للاسترجاع وهو أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون قاله مقاتل أنه إذا ابتلي صبر وإذا أنعم عليه شكر وإذا ظلم غفر قاله ابن السائب وابن قتيبة والرابع يهد قلبه أي يجعله مهتديا قاله الزجاج والخامس يهد وليه بالصبر والرضى قاله أبو بكر الوراق والسادس يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه قاله أبو عثمان الحيري وقرأ أبو بكر الصديق وعاصم الجحدري وابو نهيك يهد بياء مفتوحة 5 ونصب الدال قلبه بالرفع قال الزجاج هذا من هدأ يهدأ إذا سكن فالمعنى إذا سلم لأمر الله سكن قلبه وقرأ عثمان بن عفان والضحاك وطلحة بن مصرف والأزرق عن حمزة نهد بالنون وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن يهد بضم الياء وفتح الدال قلبه بالرفع وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى إن من أزواجكم وأولدكم عدوا لكم سبب نزولها أن الرجل كان يسلم فإذا أراد الهجرة منعه أهله وولده وقالوا ننشدك الله أن تذهب وتدأهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال فمنهم من يرق لهم ويقيم فلا يهاجر فنزلت هذه الآية فلما هاجر أولئك ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهلهم الذين منعوهم فأنزل الله تعالى وإن تعفوا وتصفحوا إلى آخر الآية هذا قول ابن عباس وقال الزجاج لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم وأولادهم قد صبرنا

[ 37 ]

لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم ومفراقة أو الأموال والمساكن فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة فهو عدو وإن كان ولدا أو كانت زوجة وقال مجاهد كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه وقال قتادة كان من أزواجهم وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام ويثبطهم عنه فخرج في قوله تعالى عدوا لكم ثلاثة أقوال أحدها بمنعه من الهجرة وهذا على قول ابن عباس والثاني بكونهم سببا للمعاصي وعلى هذا قول مجاهد والثالث بنهيهم عن الإسلام وهذا على قول قتادة قوله عزوجل فاحذروهم قال الفراء لا تطيعوهم في التخلف قوله عزوجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة أي بلاء وشغل عن الآخرة فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله وقال ابن قتيبة أي إغرام يقال فتن فلان بالمرأة وشغف بها أي أغرم بها وقال الفراء قال أهل المعاني إنما دخل من في قوله عز وجل إن من أزواجكم لأنه ليس كل الأزواج والأولاد أعداء ولم يذكر من في قوله عزوجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنها لا تخلو من الفتنة واشتغال القلب بها وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب فجاء الحسن والحسين عليهما السلام عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال صدق الله عز وجل إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما قوله عزوجل والله عنده أجر عظيم أي ثواب جزيل وهو الجنة والمعنى لا تعصوه بسبب الأولاد ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فاتقوا الله ما استطعتم أي ما أطقتم واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا وأنفقوا خير الأنفسكم وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال أحدها الصدقة قاله ابن عباس والثاني نفقة المؤمن على نفسه قاله الحسن والثالث النفقة في الجهاد قاله الضحاك ومن يوق شح نفسه حتى يعطي حق الله في ماله وقد تقدم بيان هذا في الحشر 9 وما بعده قد سبق بيانه إلى آخر السورة

[ 38 ]

(65) سورة الطلاق مدنية وايايها اثنتا عشرة وتسمى سورة النساء القصرى، وهي مدنية (1) كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا قوله عزوجل يا أيها النبي إذا طلقتم النساء قال الزجاج هذا خطاب للنبي عليه السلام والمؤمنون داخلون معه فيه ومعناه إذا أردتم طلاق النساء كقوله عزوجل إذا قمتم إلى الصلاة المائدة 6 وفي سبب نزول هذه الآية قولان أحدهما أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة وهي من إحدى زوجاتك في الجنة قاله أنس بن مالك

[ 39 ]

والثاني أنها نزلت في عبد الله بن عمر وذلك أنه طلق امرأته حائضا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر قاله السدي قوله عزوجل لعدتهن أي لزمان عدتهن وهو الطهر وهذا للمدخول بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها والطلاق على ضربين سني وبدعي فالسني أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه وذلك هو الطلاق للعدة لأنها تعتد بذلك الطهر من عدة وتقع في العدة عقيب الطلاق فلا يطول عليها زمان العدة والطلاق البدعي أن يقع في حال الحيض أو في طهر قد جامعها فيه فهو واقع وصاحبه آثم وإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد فالمنصور من مذهبنا أنه بدعة قوله تعالى وأحصوا العدة أي زمان العدة وفي إحصائها فوائد منها مراعاة زمان الرجعة وأوان النفقة والسكنى وتوزيع الطلاق على الإقرار إذا أراد أن يطلق ثلاثا وليعلم أنها قد بانت فيتزوج بأختها وأربع سواها قوله عزوجل واتقوا الله ربكم أي فلا تعصوه فيما أمرمكم عليه به ولا تخرجوهن من بيوتهن فيه دليل على وجوب السكنى ونسب البيوت إليهن لسكناهن قبل الطلاق فيهن ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة فإن خرجت أثمت إلا أن يأتين بفاحشة وفيها أربعة أقوال أحدها أن المعنى إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة فخروجهن أبي هو الفاحشة المبينة وهذا قول عبد الله بن عمر والسدي وابن السائب والثاني أن الفاحشة الزنا رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وعكرمة والضحاك فعلى هذا يكون المعنى إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن والثالث أن الفاحشة أن تبذؤ (على أهلها فيحل لهم إخراجها رواه محمد ابن إبراهيم عن ابن عباس والرابع أنها إصابة حد فتخرج لإقامة الحد عليها قاله سعيد ابن المسيب

[ 40 ]

قوله عزوجل وتلك حدود الله يعني ما ذكر من الأحكام ومن يتعد حدود الله التي بينها وأمر بها فقد ظلم نفسه أي أثم فيما بينه وبين الله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أي يوقع في قلب الزوج المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين وهذا يدل على أن المستحب في الطلاق تفريقه وأن لا يجمع الثلاث فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهد واذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا قوله عزوجل فإذا بلغن أجلهن أي قاربن انقضاء العدة فأمسكوهن بمعروف وهذا مبين في البقرة 5 وأشهدوا ذوي عدل منكم قال المفسرون أشهدوا على الطلاق أو المراجعة واختلف العلماء هل الإشهاد على المراجعة واجب أم مستحب وفيه عن أحمد روايتان وعن الشافعي قولان ثم قال للشهداء وأقيموا الشهادة لله أي اشهدوا بالحق وأدوها على الصحة طلبا لمرضاة الله وقياما بوصيته وما بعده قد سبق بيانه البقرة 1 إلى قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا فذكر أكثر المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابنا له فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة فقال اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ففعل الرجل

[ 41 ]

ذلك فغفل العدو عن ابنه فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة فنزلت هذه الآية وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال أحدها ومن يتق الله ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة قاله ابن عباس والثاني أن مخرجه علمه بأن ما أصابه من عطاء أو منع من قبل الله وهو معنى قول ابن مسعود والثالث ومن يتق الله فيطلق للسنة ويراجع للسنة يجعل له مخرجا قاله السدي والرابع ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة قاله ابن السائب والخامس يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال قاله الزجاج والصحيح أن هذا عام فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه ومن لا يتقي يقع في كل شدة قال الربيع بن خثيم يجعل له مخرجا من كل ما يضيق على الناس ويرزقه من حيث لا يحتسب أي من حيث لا يأمل ولا يرجو قال الزجاج ويجوز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه وجرى في ذلك على السنة رزقه الله أهلا بدل أهله ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي من وثق به فيما نابه كفاه الله ما أهمه إن الله بالغ أمره وروى حفص والمفضل عن عاصم بالغ أمره مضاف والمعنى يقضي ما يريد قد جعل الله لكل شئ قدرا أي أجلا ومنتهى ينتهي إليه قدر الله ذلك كله فلا يقدم ولا يؤخر قال مقاتل قد جعل الله لكل شئ من الشدة والرخاء قدرا فقدر متى يكون هذا الغني فقيرا وهذا الفقير غنيا والئى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر واللائي لم يحضن

[ 42 ]

وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيأته ويعظم له أجرا قوله عزوجل واللائي يئسن من المحيض في سبب نزولها قولان أحدهما أنها لما نزلت عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها في البقرة 2 قال أبي بن كعب يا رسول الله إن نساء من أهل المدينة يقلن قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شئ قال وما هو قال الصغار والكبار وذوات الحمل فنزلت هذه الآية قاله عمرو بن سالم والثاني لما نزل قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن الآية البقرة 5 قال خلاد بن النعمان الأنصاري يا رسول الله فما عدة التي لا تحيض وعدة التي لم تحض وعدة الحبلى فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية إن ارتبتم أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن كذلك فصل قال القاضي أبو يعلى والمراد بالارتياب لا ها هنا ارتياب المخاطبين في مقدار عدة الآيسة والصغيرة كما هو وليس المراد به ارتياب المعتدات في اليأس من المحيض أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية ولأنه لو أريد بذلك النساء لتوجه الخطاب إليهن فقيل إن ارتبتن أو ارتبن لأن الحيض إنما يعلم من جهتهن وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس فمذهب أصحابنا أنها تجلس غالب مدة الحمل وهو تسعة أشهر ثم ثلاثة والعدة هي الثلاثة التي بعد التسعة فإن حاضت قبل السنة بيوم استأنفت ثلاث حيض وإن تمت السنة من غير حيض حلت وبه قال مالك

[ 43 ]

أبو حنيفة والشافعي في الجديد تمكث أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا وهي أن تصير في حد لا يحيض مثلها فتعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر قوله عزوجل واللائي لم يحضن يعني عدتهن ثلاثة أشهر أيضا لأنه كلام لا يستقل بنفسه فلابد له من ضمير وضميره تقدم ذكره مظهرا وهو العدة بالشهور وهذا قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض أنها تعتد ثلاثة أشهر فأما من أتى عليها زمان الحيض ولم تحض فإنها تعتد سنة قوله عزوجل وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهن وهذا قول عمر وابن عمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري وأبي هريرة وفقهاء الأمصار وقد روي عن ابن عباس أنه قال تعتد آخر الأجلين ويدل على قولنا عموم الآية وقول ابن مسعود من شاء لاعنته ما نزلت وأولات الأحمال إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها وقول أم سلمة إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجا بأيام فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج قوله عزوجل ومن يتق الله أي فيما أمر به يجعل له من أمره يسرا يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة وهذا قول الأكثرين وقال الضحاك ومن يتق الله في طلاق السنة يجعل له من أمره يسرا في الرجعة ومن يتق الله بطاعته يكفر عنه سيئاته أي يمح عنه خطاياه ويعظم له أجرا في الآخرة أسكنو هن من حيث سكنتم من وجد كم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر

[ 44 ]

عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتها سيجعل الله بعد عسر يسرا أسكنوهن على من حيث سكنتم ومن صلة قوله من وجدكم قرأ الجمهور بضم الواو وقرأ أبو هريرة وأبو عبد الرحمن وأبو رزين وقتادة وروح عن يعقوب بكسر الواو وقال ابن قتيبة أي بقدر يعمر وابن أبي عبلة وأبو حيوة بفتح الواو قال ابن والوجد المقدرة والغنى يقال افتقر فلان بعد وجد قال الفراء يقول على ما يجد فإن كان موسعا عليه وسع عليها في المسكن والنفقة وإن كان مقترا عليه فعلى قدر ذلك قوله عزوجل ولا تضاروهن بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة وأنتم تجدون سعة قال القاضي أبو يعلى المراد بهذا الملطقة الرجعية دون المبتوتة بدليل قوله عز وجل ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا الطلاق 1 وقوله فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف الطلاق 2 فدل ذلك على أنه أراد الرجعية وقد اختلف الفقهاء في المبتوتة هل لها سكنى ونفقة في مدة العدة أم لا فالمشهور عند أصحابنا أنه لا سكنى لها ولا نفقة وهو قول ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة لها السكنى والنفقة وقال مالك والشافعي لها السكنى دون النفقة وقد رواه الكوسج عن الإمام أحمد رضي الله عنه ويدل على الأول حديث فاطمة بنت قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة فإذا لم يكن له عليها فلا نفقة ولا سكنى ومن حيث المعنى إن النفقة إنما تجب لأجل التمكين من الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها واختلفوا في الحامل والمتوفى عنها زوجها فقال ابن مسعود وابن عمر وأبو العالية

[ 45 ]

والشعبي وشريح وإبراهيم نفقتها من جميع المال وبه قال مالك وابن ابي ليلى والثوري وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء نفقتها في مال نفسها قال أبو حنيفة وأصحابه وعن أحمد كالقولين قوله عزوجل فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن يعني أجرة الرضاع وفي هذا دلالة على أن الأم إذا رضيت أن ترضعه بأجرة مثله لم يكن للأب أن يسترضع غيرها وأتمروا بينكم بمعروف أي لا تشتط المرأة على الزوج فيما تطلبه من أجرة الرضاع ولا يقصر الزوج عن المقدار المستحق وإن تعاسرتم في الأجر ولم يتراض الوالدان على شئ فسترضع له أخرى لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي لينفق ذو سعة من سعته أمر أهل التوسعة أن يوسعوا على نسائهم المرضعات أولادهن على قدر سعتهم وقرأ ابن السميفع لينفق بفتح القاف ومن قدر عليه رزقه أي ضيق عليه من المطلقين وقرأ ابي بن كعب وحميد قدر بضم القاف وتشديد الدال وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة قدرة بفتح القاف وتشديد الدال رزقه بنصب القاف فلينفق مما آتاه الله على قدر ما أعطاه لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها أي على قدر ما أعطاها من المال سيجعل الله بعد عسر يسرا أي بعد ضيق وشدة غنى وسعة وكان الغالب عليهم حنيئذ الفقر فأعلمهم أنه سيفتح عليهم بعد ذلك وكاين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلوا عليكم ءايت الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن

[ 46 ]

يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنت تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبد اقد أحسن الله له رزقا قوله عزوجل وكأين أي وكم من قرية عتت عن أمر ربها ورسله أي عن أمر رسله والمعنى عتا أهلها قال ابن زيد عتت أي كفرت وتركت أمر بها فلم تقبله وفي باقي الآية قولان أحدهما أن فيها تقديما وتأخيرا والمعنى عذبناها قال عذاب نكرا في الدنيا بالجوع والسيف والبلايا وحسبناها عن حسابا شديدا في الآخرة قاله ابن عباس والفراء في آخرين والثانى أنها على نظمها والمعنى حاسبناها بعملها في الدنيا فجازيناها من بالعذاب على مقدار عملها فذلك قوله عزوجل وعذبناها فجعل المجازاة بالعذاب محاسبة والحساب الشديد الذي لا عفو فيه والنكر المنكر فذاقت وبال أمرها أي جزاء ذنبها وكان عاقبة أمرها خسرا في الدنيا والآخرة وقال ابن قتيبة الخسر الهلكة قوله عزوجل قد أنزل الله إليكم ذكرا أي قرآنا رسولا أي وبعثه رسولا قاله مقاتل وإلى نحوه ذهب السدي وقال ابن السائب الرسول ها هنا جبرائيل فعلى هذا يكون الذكر والرسول جميعا منزلين وقال ثعلب الرسول هو الذكر وقال غيره معنى الذكر ها هنا الشرف وما بعده قد تقدم البقرة والأحزاب والتغابن 9 إلى قوله تعالى قد أحسن الله له رزقا يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما

[ 47 ]

قوله ومن الأرض مثلهن أي وخلق الأرض بعددهن وجاء في الحديث أن كثافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام وما بينها وبين الأخرى كذلك وكثفاة هذه كل أرض خمسمائة عام وما بينها وبين الأض الأخرى كذلك وقد روى أبو الضحى عن ابن عباس قال في كل أرض آدم مثل آدمكم سنة ونوح مثل نوحكم وإبراهيم مثل إبراهيمكم قبل وعيسى كعيسى فهذا الحديث تارة يرفع إلى ابن عباس وتارة يوقف على أبي الضحى وليس له معنى إلا ما حكى أبو سليمان الدمشقي قال سمعت أن معناه إن في كل أرض خلقا من خلق الله لهم سادة يقوم كبيرهم ومتقد مهم في الخلق مقام آدم فينا وتقوم ذريته في السن والقدم كمقام نوح وعلى هذا المثال سائرهم وقال كعب ساكن الأرض الثانية البريح العقيم وفي الثالثة حجارة جهنم والرابعة كبريت جهنم والخامسة حيات جهنم والسادسة عقارب جهنم والسابعة فيها إبليس قوله عزوجل يتنزل الأمر بينهن في الأمر قولان أحدهما قضاء الله وقدره قاله الأكثرون قال قتادة في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه والثاني أنه الوحي قاله مقاتل قوله عزوجل لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما أعلمكم بهذا لتعلموا قدرته على كل شئ وعلمه بكل شئ

[ 48 ]

(66) سورة التحريم مدنية (1) وايايها اثنتا عشرة وهي مدنية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولكم وهو العليم الحكيم وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو موله وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنت قنتت تئت عبدت سائحات ثيبات وأبكارا قوله عزوجل لم تحرم ما أحل الله لك في سبب نزولها قولان

[ 49 ]

أحدهما أن حفصة ذهبت إلى أبيها تتحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة فرجعت حفصة فوجدتها في بيتها فجعلت تنتظر خروجها وغارت غيرة شديدة فلما دخلت حفصة قالت قد رأيت من كان عندك والله لقد سؤتني فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله لأرضينك وإني مسر إليك سرا فاحفظيه قالت وما هو قال إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضى لك وكانت عائشة وحفصة متظاهرتين على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت حفصة إلى عائشة فقالت لها أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وقد روي عن عمر نحو هذا المعنى وقال فيه فقالت حفصة كيف تحرمها عليك وهي جاريتك فحلف لها أن لا يقربها فقال لها لا تذكريه لأحد فذكرته لعائشة فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرا فنزلت هذه الآية وقال الضحاك قال لها لا تذكري لعائشة ما رأيت فذكرته فغضبت عائشة ولم تزل بنبي الله حتى حلف أن لا يقربها فنزلت هذه الآية وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومسروق ومقاتل والأكثرون والثاني ما روى عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل وكان إذا انصرف من صلاة العصر دخل على نسائه فدخل على حفصة بنت عمر واحتبس عندها فسألت عن ذلك فقيل أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أما والله لنحتالن له فقلت لسودة إنه سيدنوا يحيى منك إذا دخل عليك فقولي له يا رسول الله أكلت مغافير فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي جرست نحلة العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذلك فلما دار إلى حفصة قالت له يا رسول الله أسقيك على قلت له مثل ذلك فلما دار إلى منه قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة سبحان الله والله أسقيك منه قال لا حاجة لي قالت تقول لبخاري ومسلم في الصحيحين وفي رواية ابن ابي ملكية عن قلت لها اسكتي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين فقالت له عائشة إني لأجد منك ريحا ثم ابن عباس أن التي شرب عندها العسل سودة فقالت له عائشة إني لأجد منك ريحا ثم دخل على حفصة فقالت إني أجد

[ 50 ]

منك ريحا فقال إني أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه فنزلت هذه الآية وفي حديث عبيد بن عمير عن عائشة ان التي شرب عندها العسل زيتب الرحمن بنت جحش فتواطأت حفصة وعائشة أن تقولا له ذلك القول قال أبو عبيد المغافير شئ شبيه بالصمغ فيه حلاوة وخرج الناس يتمغفرون وكان إذا خرجوا يجتنونه روى ويقال المغاثير ولم بالثاء مثل جدث وجدف وقال الزجاج المغافير صمغ متغير الرائحة فخرج في المراد بالذي أحل الله له قولان أحدهما أنه جاريته والثاني العسل قوله عزوجل تبتغي مرضات أزواجك أي تطلب رضاهن بتحريم ذلك والله غفور رحيم غفر الله لك التحريم قد فرض الله لكم قال مقاتل قد بين الله لكم تحلة أيمانكم أي كفارة أيمانكم وذلك البيان في المائدة 3 قال المفسرون وأصل تحلة تحلله على وزن تفعلة فأدغمت والمعنى قد بين الله لكم تحليل أيمانكم بالكفارة فأمره الله أن يكفر يمينه فأعتق رقبة هل حرم مارية على نفسه بيمين أم لا على قولين أحدهما أنه حرمها من غير ذكر يمين فكان التحريم موجبا لكفارة اليمين قاله ابن عباس والثاني أنه حلف يمينا حرمها بها قاله الحسن والشعبي وقتادة والله مولاكم أي وليكم وناصركم قوله تعالى وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا يعني حفصة من غير خلاف علمناه هذا السر ثلاثة أقوال أحدها أنه قال لها إني مسر إليك سرا فاحفظيه سريتي هذه علي حرام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء والشعبي والضحاك وقتادة وزيد بن أسلم وابنه والسدي والثاني أنه قال لها أبوك وأبو عائشة واليا الناس من بعدي فإياك أن تخبري أحدا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس

[ 51 ]

والثالث أنه أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي قاله ميمون بن مهران وقوله عزوجل فلما نبأت به أي أخبرت به عائشة وأظهره الله عليه أي أطلع الله نبيه على قول حفصة لعائشة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا لأنه استكتم حفصة ذلك ثم دعاها فأخبرها ببعض ما قالت فذلك قوله تعالى عرف بعضه وأعرض عن بعض وفي الذي عرفها إياه قولان أحدهما أنه حدثها ما حدثتها عائشة من شأن أبي بكر وعمر وسكت عما أخبرت عائشة من تحريم مارية لأنه لم يبال ما أظهرت من ذلك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن الذي عرف تحريم مارية والذي أعرض عنه ذكر الخلافة لئلا ينتشر قاله الضحاك وهذا اختيار الزجاج قال ومعنى عرف بعضه عرف حفصة بعضه وقرأ الكسائي عرف بعضه بالتخفيف قال الزجاج على هذه القراءة قد عرف كل ما أسره غير أن المعنى جار على بعضه كقوله تعالى وما تفعلوا من خير يعلمه الله البقرة أي يعلمه ويجازي عليه وكذلك فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 أي ير جزاءه فقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة فكان ذلك جزاءها عنده فأمره الله أن يراجعها وقال مقاتل بن حيان لم يطلقها وإنما هم بطلاقها فقال له جبريل لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وقال الحسن ما استقصى كريم قط ثم قرأ عرف بعضه وأعرض عن بعض وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابن السميفع عراف برفع العين وتشديد الراء وبألف بعضه بالخفض قوله عزوجل فلما نبأها به أي أخبر حفصة بإفشائها بين السر قالت من أنبأك هذا

[ 52 ]

أي من أخبرك بأني أفشيت سرك قال نبأني العليم الخبير ثم خاطب عائشة وحفصة فقال إن تتوبا إلى الله أي من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء فقد صغت قلوبكما قال ابن عباس زاغت وأثمت قال الزجاج عدلت وزاغت عن الحق قال مجاهد كنا نرى قوله عزوجل فقد صغت قلوبكما شيئا هينا حتى وجدناه في قراءة ابن مسعود فقد زاغت قلوبكما وإنما جعل القلبين جماعة لأن كل اثنين فما فوقهما جماعة وقد أشرنا إلى هذا في قوله عزوجل فإن كان له إخوة النساء 11 وقوله تعالى إذ تسوروا المحراب ص 11 أهل قال المفسرون وذلك أنهما أحبا ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتاب جاريته وإن تظاهرا وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن ومجاهد والأعمش تظاهرا بتخفيف الظاء أي تعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء فإن الله هو مولاه أي وليه في العون والنصرة وجبريل وليه وصالح المؤمنين وفي المراد بصالح المؤمنين ستة اقوال أحدها أنهم أبو بكر وعمر قاله ابن مسعود وعكرمة والضحاك والثاني أبو بكر رواه مكحول عن أبي أمامة والثالث عمر بن الخطاب قاله ابن جبير ومجاهد والرابع خيار المؤمنين قاله الربيع بن أنس والخامس أنهم الأنبياء قاله قتادة والعلاء بن زياد العدوي وسفيان والسادس أنه علي رضي الله عنه حكاه الماوردي قاله الفراء وصالح المؤمنين موحد في مذهب جميع كما تقول لا يأتيني إلا سائس الحرب فمن كان ذا سياسة للحرب فقد أمر بالمجئ ومثله قوله تعالى والسارق السارقة المائدة 11 وقوله واللذان

[ 53 ]

يأتيانها منكم النساء 1 وقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا المعارج 19 في كثير من القرآن يؤدي معنى الواحد عن الجميع قوله عزوجل والملائكة بعد ذلك ظهير أي ظهرا وهذا مما لفظه لفظ الواحد ومعناه الجميع ومثله يخرجكم طفلا غافر 67 وقد شرحناه هناك ثم خوف نساءه فقال عز وجل عسى ربه إن طلقكن وسبب نزولها ما روى أنس عن عمر بن الخطاب قال بلغني بعض ما آذى به رسول الله نسؤاه حديث فدخلت عليهن فجعلت أستقرئهن واحدة واحدة فقلت والله لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن فنزلت هذه الآية والمعنى واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات أي خاضعات لله بالطاعة مؤمنات مصدقات بتوحيد الله قانتات أي طائعات سائحات فيه قولان أحدهما صائمات قاله ابن عباس والجمهور وقد شرحنا هذا المعنى عند قوله عز وجل السائحون والثاني مهاجرات قاله زيد بن أسلم وابنه والثيبات جمع ثيب وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ثابت إلى بيت أبويها فعادت كما كانت غير ذات زوج والأبكار العذارى يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما ومرون عند يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون يا ايها الذين آموا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيأتكم ويدخلكم جنت تجري من تحتها الأنهر يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمنهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير

[ 54 ]

قوله عزوجل قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقاية النفس بامتثال الأوامر واجتاب النواهي ووقاية الأهل بأن يؤمروا بالطاعة وينهوا عن المعصية وقال علي رضي الله عنه علموهم وأدبوهم وقودها الناس والحجارة وقد ذكرناه في البقرة عليها ملائكة غلاظ وهم خزنتها غلاظ على أهل النار شداد عليهم وقيل غلاظ القلوب شداد الأبدان وروى أبو صالح عن ابن عباس قال خزنة النار تسعة عشر ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة وقوته أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألفا فيهوون في قعر جهنم لا يعصون الله ما أمرهم أي لا يخافون فيما يأمر ويفعون أخبرنا ما يؤمرون فيه قولان أحدهما لا يتجاوزون ما يؤمرون والثاني يفعلونه في وقته لا يؤخرونه ولا يقدمونه ويقال لأهل النار يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قوله عزوجل توبوا إلى الله توبة نصوحا قرأ أبو بكر عن عاصم وخارجة عن نافع نصوحا بضم النون والبقاون بفتحها قال الزجاج فمن فتح فعلى صفة التوبة ومعناه توبة بالغة في النصح وفعول من أسماء الفاعلين التي تستعمل للمبالغة في الوصف بقول رجل صبور وشكور ومن قرأ بالضم فمعناه ينصحون فيها نصوحا يقال نصحت له نصحا ونصاحة ونصوحا وقال غيره من ضم أراد توبة نصح لأنفسكم وقال عمر بن الخطاب التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب وهو يحدث نفسه أنه لا يعود وسئل الحسن البصري عن التوبة النصوح فقال دم بالقلب واستغفار باللسان وترك بالجوارح وإضمار أن لا يعود وقال ابن مسعود التوبة النصوح تكفر كل سيئة ثم قرأ هذه الآية قوله عزوجل يوم لا يخزي الله النبي قد بينا معنى الخزي في آل عمران 9 وبينا

[ 55 ]

معنى قوله تعالى نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في الحديد 12 يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة قال ابن عباس ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورا يوم القيامة فأما المنافق فيطفأ نوره والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنا فق فهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأوئهم يا جنهم وبئس المصير ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظلمين ومريم ابنت عمرن التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القنتين قوله عزوجل جاهد الكفار والمنافين قد شرحناه في براءة قوله عزوجل ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح قال المفسرون منهم مقال هذا المثل يتضمن تخويف عائشة وحفصة أنهما إن عصيا ربهما لم يغن رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما شيئا قال مقاتل اسم امرأة نوح والهة وامرأة لوط والغة قوله عزوجل كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين يعني نوحا ولوطا عليهما السلام فخانتاهما قال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف فإذا نزل بلوط ضيف

[ 56 ]

بالليل أوقدت النار وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه قد نزل به ضيف وقال السدي كانت خيانتهما كفرهما وقال الضحاك نميمتهما لو وقال ابن السائب نفاقهما قوله عزوجل فلم يغنيا عنهما من الله شيئا أي فلم يدفعا عنهما من عذاب الله شيئا وهذه الآية تقطع طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره ثم أخبر أن معصية الغير لا تضر المطيع بقوله تعالى وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون وهي آسية بنت مزاحم رضي وقال يحيى بن سلام ضرب الله المثل الأول يحذر به عائشة وحفصة رضي الله عنهما ثم ضرب لهما هذا المثل يرغبهما في التمسك بالطاعة وكانت آسية قد آمنت بموسى قال أبو هريرة ضرب فرعون لامرأته أوتادا في يديها ورجليها وكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة فقالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته قبل موتها قوله ونجني من فرعون وعمله فيه قولان أحدهما أن عمله جماعه والثاني أنه دينه رويا عن ابن عباس ونجني من القوم الظالمين يعني أهل دينه المشركين قوله عزوجل والتي أحصنت فرجها قد ذكرنا فيه قولين في سورة الأنبياء فمن قال هو فرج ثوبها قال الهاء في قوله تعالى فنفخنا فيه يرجع إليه وذلك أن جبريل مد جيب درعها فدخل فيه ومن قال هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها قوله عزوجل وصدقت بكلمات ربها وفيه قولان أحدهما أنه قول جبريل إنما أنا رسول ربك والثاني الكلمات هي التي تضمنتها كتب الله المنزلة وقرأ أبي ابن كعب وأبو مجلز وعاصم الجحدري بكلمة ربها على التوحيد وكتبه قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم وكتابه على التوحيد وقرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم وخارجة عن نافع وكتبه جماعة وهي التي أنزلت على الأنبياء ومن قرأ وكتابه فهو اسم جنس على ما بينا في خاتمة البقرة 3 وقد بينا فيها القنوت مشروحا البقرة ومعنى الآية وكانت من القانتين ولذلك لم يقل من القانتات

[ 57 ]

(67) سورة الملك مكية (1) وايايها ثلاثون وهي مكية كلها بإجماعهم قال ابن مسعود هي المانعة من عذاب القبر بسم الله الرحمن الرحيم تبرك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلناها رجوما للشيطين وأعتدنا لهم عذاب السعير وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلل كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في

[ 58 ]

أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير قوله عزوجل تبارك قد شرحناه في الأعراف 2 قوله عزوجل الذي بيده الملك قال ابن عباس يعني السلطان يعز ويذل قوله عزوجل الذي خلق الموت والحياة قال الحسن خلق الموت المزيل للحياة والحياة التي هي ضد الموت ليبلوكم أيكم أحسن عملا قد شرحناه في هود قال الزجاج والمعلق 6 ب‍ أيكم مضمر تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملا وهذا علم وقوع وارتفعت أي بالابتداء ولا يعمل فيها ما قبلها لأنها على أصل الاستفهام ومثله أي الحزبين أحصى الكهف 7 والمعنى خلق الحياة ليختبركم فيها وخلق الموت ليبعثكم ويجازيكم وقال غيره اللام في ليبلوكم متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت لأن الابتلاء بالحياة قوله الذي خلق سبع سموات طباقا أي خلقهن مطابقات سعيد أي بعضها فوق بعض ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من تفاوت قرأ حمزة والكسائي من تفوت بتشديد الواو من غير ألف وقرأ الباقون بألف قال الفراء وهما بمنزلة واحدة كما تقول تعاهدت الشئ وتعهدته والتفاوت الاختلاف وقال ابن قتيبة التفاوت الاضطراب والاختلاف وأصله من الفوت وهو أن يفوت شئ شيئا فيقع الخلل ولكنه متصل بعضه ببعض قوله عزوجل فارجع البصر أي كرر البصر هل ترى من فطور وقرأ أبو عمرو

[ 59 ]

وحمزة والكسائي هل ترى بإدغام اللام في التاء أي هل ترى فيها فروجا وصدوعا قوله عزوجل ثم ارجع البصر كرتين أي مرة بعد مرة ينقلب إليك البصر خاسئا قال ابن قتيبة أي مبعدا من قولك خسأت الكلب إذا باعدته وهو حسير أي كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه وقال الزجاج قد أعيا من قبل أن يرى في المساء خللا قوله عزوجل ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وقد شرحناه في حم السجدة قوله وجعلناها رجوما للشياطين أي يرجم بها مسترقوا السمع وقد سبق بيان هذا المعنى وأعتدنا لهم في الآخرة عذاب السعير وهذا وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله سمعوا لها شهيقا أي صوتا مثل صوت الحمار وقد بينا معنى الشهيق في هود وهي تفور أي تغلي بهم كغلي المرجل تكاد تميز أي تتقطع من تغيظها عليهم كلما ألقي فيها فوج أي جماعة منهم سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير وهذا سؤال توبيخ قوله عزوجل إن أنتم أي قلنا للرسل إن أنتم إلا في ضلال أي في ذهاب عن الحق بعيد قال الزجاج ثم اعترفوا بأهلهم فقالوا لو كنا نسمع أي سماع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار فسحقا وهو منصوب على المصدر المعنى أسحقهم الله سحقا أي باعدهم الله من رحمته مباعدة والسحيق البعيد وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس فسحقا أي بعدا وقال سعيد بن جبير وأبو صالح السحق واد في جهنم يقال له سحق

[ 60 ]

إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير واسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور قوله عزوجل إن الذين يخشون ربهم بالغيب قد شرحناه في سورة الأنبياء لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير وهو الجنة ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال عزوجل وأسروا قولكم أو اجهروا به قال ابن عباس نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبرائيل بما قالوا فيقول بعضهم أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمد قوله عزوجل ألا يعلم من خلق أي ألا يعلم ما في الصدور خالقها ؟ ! و واللطيف مشروح في الأنعام والخبير في البقرة 7 قوله عزوجل هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا أي مذللة سهلة لم يجعلها ممتنعة بالحزونة والغلظ قوله عزوجل فامشوا في مناكبها فيه ثلاثة اقوال أحدها طرقاتها رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثاني جبالها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة واختاره الزجاج قال لأن المعنى سهل لكم السلوك فيها فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذليل والثالث في جوانبها قاله مقاتل والفراء وأبو عبيدة واختاره ابن قتيبة قال ومنكبا الرجل جانباه

[ 61 ]

قوله عزوجل وإليه النشور أي إليه تبعثون من قبوركم ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير ثم خوف الكفار فقال أأمتم كل قرأ ابن كثير وإليه النشور وأمنتم وقرأ نافع وأبو عمرو النشرو آمنتم بهمزة ممدودة وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أأمنتم بهمزتين من في السماء قال ابن عباس أمنتم عذاب من في السماء وهو الله عز وجل وتمور بمعنى تدور قال مقاتل والمعنى تدور بكم إلى الأرض السفلى قوله عزوجل أن يرسل عليكم حاصبا وهي الحجارة كما أرسل على قوم لوط فستعلمون كيف نذير أي كيف كانت عاقبة إنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم العذاب ولقد كذب الذين من قبلهم يعني كفار الأمم فكيف كان نكير أي إنكاري عليهم بالعذاب أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات أي تصف أجنحتها في الهواء وتقبض أجنحتها بعد البسط وهذا معنى الطيران وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط ما يمسكهن أن يقعن إلا الرحمن

[ 62 ]

أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأض وإليه تحشرون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون قوله عزوجل أمن هذا الذي هو جند لكم هذا استفهام إنكار ولفظ الجند موحد فلذلك قال تعالى هذا الذي هو والمعنى لا جند لكم ينصركم أي يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم إن الكافرون إلا في غرور وذلك أن الشيطان يغرهم فيقول إن العذاب لا ينزل بكم أمن هذا الذي يرزقكم المطر وغيره إن أمسك الله ذلك عنكم بل لجوا في عتوا أي تماد في كفر ونفور عن الإيمان ثم ضرب مثلا فقال تعالى أفمن يمشي مكبا على وجهه قال ابن قتيبة أي لا يبصر يمينا ولا شمالا ولا من بين يديه يقال أكب فلان على وجهه بالألف وكبه الله لوجهه وأراد الأعمى قال المفسرون هذا مثل للمؤمن والكافر والسوي المعتدل أي الذي يبصر الطريق وقال قتادة هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مكبا على وجهه والمؤمن يمشي سويا قوله عزوجل قليلا ما تشكرون فيه قولان

[ 63 ]

أحدهما أنهم لا يشكرون قاله مقاتل والثاني يشركون قليلا قاله أبو عبيد قوله عزوجل ذرأكم أي خلقكم ويقولون متى هذا الوعد يعنون الوعد العذاب فلما رأوه زلفة أي رأوا العذاب قريبا منهم سيئت وجوه الذين كفروا قال الزجاج أي تبين فيها السوء وقال غيره قبحت بالسواد وقيل هذا الذي كنتم به تدعون فيه قولان أحدهما أن تدعون بالتشديد بمعنى تدعون بالتخفيف وهو تفتعلون من الدعاء يقال دعوت وادعيت كما يقال خبرت واختبرت ومثله يدكرون ويدكرون هذا قول الفراء وابن قتيبة والثاني أن المعنى هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب تدعون أنكم إذا متم لا تبعثون وهذا اختيار الزجاج وقرأ أبو رزين والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وابن أبي عبلة ويعقوب تدعون بتخفيف الدال وسكونها بمعنى تفعلون من الدعاء وقال قتادة كانوا يدعون بالعذاب قل أرءيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكفرين من عذاب أليم قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلل مبين قل أرءيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين قوله عزوجل قل ارأيتم إن أهلكني الله بعذاب ومن معي من المؤمنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم معي بفتح الياء وقرأ أبو بكر عن عاصم والكسائي معي بالإسكان أو رحمنا فلم يعذبنا فمن يجير الكافرين أي يمنعهم ويؤمنهم من عذاب أليم ومعنى الآية إنا مع إيماننا بين الخوف الرجاء فمن يجيبركم مع كفركم من العذاب أي لأنه لا رجاء لكم كرجاء المؤمنين قل هو الرحمن الذي نعبد فستعلمون وقرأ الكسائي فسيعلمون بالياء عند معاينة العذاب من الضال نحن أم أنتم قوله عزوجل إن أصبح ماؤكم غورا قد بيناه في الكهف فمن يأتيكم بماء معين أي بماء ظاهر تراه العيون وتناله الأرشية

[ 64 ]

(68) سورة القلم مكية (1) وايايها ثتتان وخسون وهي مكية كلها بإجماعهم إلاما حكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها من المدني قوله تعالى إنا بلوناهم إلى قوله عزوجل لو كانوا يعلمون بسم الله الرحم الرحيم ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين قوله عزوجل ن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص ن والقلم النون في آخر الهجاء من نون ظاهرة عند الواو فلا وهذا اختيار الفراء وروى أبو بكر عن عاصم أنه كان لا يبين النون من نون وبها قرأ الكسائي وخلف ويعقوب وهو اختيار الزجاج وقرأ ابن عباس وأبو رزين وقتادة والأعمش نون والقلم بكسر النون وقرأ

[ 65 ]

الحسن وأبو عمران وأبو نهيك ن والقلم برفع النون معنى نون سبعة أقوال أحدها أنها الدواة روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة وهذا قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وبه قال الحسن وقتادة والثاني أنه آخر حروف الرحمن رواه عكرمة عن ابن عباس والثالث أنه الحوت الذي على ظهر الأرض وهذا المعنى في رواية أبي ظبيان عن ابن عباس وهو مذهب مجاهد والسدي وابن السائب والرابع أنه لوح من نور قاله معاوية بن قرة والخامس أنه افتتاح اسمه نصير وناصر قاله عطاء والسادس أنه قسم بنصرة الله للمؤمنين قاله القرظي والسابع أنه نهر في الجنة قاله جعفر الصادق وفي القلم قولان أحدهما أنه الذي كتب به في اللوح المحفوظ والثاني أنه الذي يكتب به الناس وإنما أقسم به الأن كتبه إنما تكتب ويسطرون بمعنى يكتبون وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الملائكة وفيما أرادوا بما يكتبونه قولان أحدهما أنه الذكر قاله مجاهد والسدي والثاني أعمال بني آدم قاله مقاتل والقول الثاني أنهم جميع الكتبة حكاه الثعلبي ما أنت بنعمة ربك بمجنون أي ما أنت بإنعام ربك عليكم بالإيمان والنبوة بمجنون قال الزجاج هذا جواب قولهم إنك لمجنون وتأويله فارقك الجنون بنعمة الله قوله عزوجل وإن لك بصبرك على افترائهم عليك ونسبتهم إياك إلى الجنون لأجرا غير ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص وإنك لعلى خلق عظيم فيه ثلاثة اقوال

[ 66 ]

أحدها دين الإسلام قاله ابن عباس والثاني أدب القرآن قاله الحسن والثالث الطبع الكريم وحقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب فسمي خلقا لأنه يصير كالخلقة في صاحبه فأما ما طبع عليه فيسمى الخيم فيكون الخيم الطبع الغريزي والخلق الطبع المتكلف هذا قول الماوردي وقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن تعني كان على ما أمره الله به في القرآن قوله عزوجل فستبصر ويبصرون يعني أهل مكة وهذا وعيد لهم بالعذاب والمعنى سترى ويرون إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون وفيه أربعة أقوال أحدها الضال قاله الحسن والثاني الشيطان قاله مجاهد والثالث المجنون قاله الضحاك والمعنى الذي قد فتن بالجنون والرابع المعذب حكاه الماوردي وفي الباء قولان أحدهما أنها زائدة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج والثاني أنها أصلية وهذا قول الفراء والزجاج قال الزجاج ليس كونها لغوا بجائز في العربية في قول أحد من اهلها الكلام قولان للنحويين أحدهما أن المفتون ها هنا الفتون والمصادر تجيئ على المفعول تقول العرب ليس هذا معقود رأي أي عقد رأي وتقول دعه إلى ميسوره أي يسره والمعنى بأيكم الجنون والثاني بأيكم المفتون بالفرقة التي أنت فيها أم بفرقة الكفار فيكون المعنى في أي

[ 67 ]

الفرقتين المجنون وقد ذكر الفراء نحو ما شرحه الزجاج وقد قرأ أبي بن كعب وأبو عمران وابن أبي عبلة في أي المفتون ثم أخبر أنه عالم بالفريقين بما بعد هذا فلا تطع المكذبين ودوا لو تدهن فيدهنون ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم قوله عزوجل: فلا تطع المكذبين وذلك أن رؤساء أهل مكة دعوه إلى دين آبائه فنهاه الله أن يطيعهم ودوا لو تدهن فيدهنون فيه سبعة أقوال أحدها لو ترخص فيرخصون قاله ابن عباس والثاني لو تصانعهم في دينك فيصانعون غير في دينهم قاله الحسن والثالث لو تكفر فيكفرون قاله عطية والضحاك ومقاتل والرابع لو تلين فيلينون لك قاله ابن السائب والخامس لو تنافق وترائي فينافقون ويراؤون قاله زيد بن أسلم والسادس ودوا لو تداهن في دينك فيداهنون في أديانهم وكانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة قاله ابن قتيبة وقال أبو عبيدة هو من المداهنة والسابع لو تقاربهم فيقا ربونك أحمد قاله ابن كيسان قوله تعالى ولا تطع كل كلاف وهو كثير الحلف بالباطل مهين وهو الحقير الدنئ وروى العوفي عن ابن عباس قال المهين الكذاب فيمن نزل هذا على ثلاثة أقوال أحدها أنه الوليد بن الغيرة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني الأخنس بن شريق قاله

[ 68 ]

عطاء واسلدي بعد والثالث الأسود بن عبد يغوث قاله مجاهد قوله عزوجل هماز قال ابن عباس هو المغتاب وقال ابن قتيبة هو العياب وقال قتيبة هو العياب. قوله عزوجل مشاء بنميم أي يمشي بين الناس بالنميمة وهو نقل الكلام السئ من بعضهم إلى بعض ليفسد بينهم مناع للخير فيه قولان أحدهما أنه منع ولده وعشيرته الإسلام قاله ابن عباس والثاني مناع للحقوق في ماله ذكره الماوردي قوله عزوجل معتد أي ظلوم أثيم فاجر عتل بعد ذلك أي مع ما وصفناه به وفي العتل سبعة أقوال أحدها أنه العاتي الشديد المنافق قاله ابن عباس والثاني أنه المتوفر الجسم قاله الحسن والثالث الشديد الأشر قاله مجاهد والرابع القوي في كفره قاله عكرمة والخامس الأكول الشروب القوي الشديد قاله عبيد بن عمير والسادس الشديد الخصومة بالباطل قاله الفراء والسابع أنه الغليظ الجافي قاله ابن قتيبة الزنيم أربعة أقوال أحدها أنه الدعي في قريش وليس منهم رواه عطاء عن ابن عباس وهذا معروف في اللغة أن الزنيم هو الملتصق يقول في القوم وليس منهم وبه قال الفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة قال حسان وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما الذي نيط خلف الراكب القدح الفرد والثاني أن أنه الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثالث أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة وقال ابن عباس نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم فعرف وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها ولا نعلم أن الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد

[ 69 ]

ما بلغه من ذكر عيوب الوليد لأنه وصفه بالحلف والمهانة والعيب للناس والمشي بالنمائم والبخل والظلم والإثم والجفاء والدعوة فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والجاخ والزنمتان وقد المعلقتان علي عند حلوق المعزى وقال ابن فارس يعني التي تتعلق من أذنها والرابع أنه الظلوم رواه الوالبي عن ابن عباس قوله عزوجل أن كان ذا مال وبنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وحفص عن عاصم أن كان على الخبر أي لأن كان والمعنى لا تطعه لماله وبنيه وقرأ ابن عباس بهمزتين الأولى مخففة والثانية ملينة وفصل بينهما بألف أبو جعفر وقرأ حمزة أأن كان بهمزتين مخففتين على الاستفهام وله وجهان أحدهما لأن كان ذا مال تطيعه ؟ ! والثاني ألأن كان ذا مال وبنين ؟ ! إذا تتلى عليه آياتنا يكفر بها فيقول أساطير الأولين ذكر القولين الفراء وقرأ ابن مسعود أن كان بهمزة واحدة مقصورة ثم أوعده فقال عز وجل سنسمه على الخرطوم حتى الخرطوم الأنف وفي هذه السمة ثلاثة أقوال أحدها سنسمه بالسيف فنجعل ذلك علامة على أنفه ما عاش فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف قاله ابن عباس والثاني سنلحق به شيئا لا يفارقه قاله قتادة واختاره ابن قتيبة والثالث أن المعنى سنسود وجهه قال الفراء والخرطوم وإن كان قد خص بالسمة فإنه في مذهب الوجه لأن بعض الوجه يؤدي عن البعض وقال الزجاج سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم وجائز والله أعلم أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتبين بها عن غيره إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمها فإن مصبحين ولا يستثنون

[ 70 ]

فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صرمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قدرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظالمين فاقبل بعضهم على بعض يتلومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون سلهم أيهم بذلك زعيم أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين قوله عزوجل إنا بلوناهم يعني أهل مكة أي ابتليناهم بالجوع والقحط كما بلونا أصحاب الجنة حين هلكت جنتهم وهذه الإشارة إلى قصتهم ذكر أهل التفسر أن رجلا كان بناحية اليمن له بستان وكان مؤمنا وذلك بعد عيسى بن مريم عليهما السلام وكان يأخذ منه قدر قوته وكان يتصدق بالباقي وقيل كان يترك للمساكين ما تعداه المنجل وما يسقط من رؤوس النخل وما ينتثر عند الدراس فكان يجتمع من هذا شئ كثير فمات الرجل عن ثلاثة بنين فقالوا والله إن المال لقليل وإن العيال لكثير وإنما كان أبونا يفعل هذا إذ كان المال كثيرا والعيال قليلا وأما الآن فلا نستطيع أن نفعل هذا فعزموا على حرمان

[ 71 ]

المساكين وتحالفوا بينهم ليغدن عمر قبل خروج الناس فليصرمن النبي نخلهم فذلك قوله تعالى إذ أقسموا أي حلفوا ليصرمنها أي ليقطعن نخلهم مصبحين أي في أول الصباح وقد بقيت من الليل ظلمة لئلا يبقى للمساكين شئ وفى قوله عزوجل ولا يستثنون قولان أحدهما لا يقولون إن شاء الله قاله الأكثرون والثاني لا يستثنون حق المساكين قاله عكرمة فطاف عليها طائف من ربك أي من أمر ربك قال الفراء الطائف لا يكون إلا بالليل قال المفسرون بعث الله عليها نارا بالليل فاحترقت فصارت سوداء فذلك قوله تعالى فأصبحت كالصريم وفيه ثلاثة أقوال أحدها كالرماد الأسود قاله ابن عباس والثاني كالليل المسود قاله الفراء وكذلك قال ابن قتيبة أصبحت سوداء كالليل محترقة والليل هو الصريم والصبح أيضا صريم لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه والثالث أصبحت قد ذهب ما فيها من الثمر فكأنه قد صرم أي قطع وجذ حكاه ابن قتيبة أيضا قوله عزوجل فتنادوا مصبحين أي نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا ان اغدوا على حرثكم يعني الثمار والزروع والأعناب إن كنتم صارمين أي قاطعين للنخل فانطلقوا أي ذهبوا إلى جنتهم وهم يتخافتون قال ابن قتيبة يتساررون ب‍ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين قوله وغدوا على حرد فيه ثمانية أقوال والثاني وعلى فاقة قاله الحسن في رواية والثالث على جد قاله الحسن في رواية وقتادة وأبو العالية والفراء ومقاتل

[ 72 ]

والرابع على أمر مجمع قد أسسوه بينهم قاله مجاهد وعكرمة والخامس أن الحرد اسم الجنة قاله السدي والسادس أنه الحنق والغضب على المساكين قاله الشعبي وسفيان وأنشد أبو عبيدة أسود وإن شرى لا قت أسود خفية تساقوا كما على حرد دماء الأساود والسابع أنه المنع مأخوذ من حاردت السنة فليس فيها مطر وحاردت الناقة فليس لها لبن قاله أبو عبيدة وابن قتيبة والثامن أنه القصد يقال حردت حردك أي قصدت قصدك حكاه الفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا قد جاء سيل كان من أمر الله يحرد هو حرد الجنة المغلة أي يقصد قصدها قال ابن قتيبة وفيها لغتان حرد وحرد كما يقال الدرك والدرك قوله قادرين فيه ثلاثة أقوال أحدها قادرين على جنتهم عند أنفسهم قاله قتادة والثاني قادرين على المساكين قاله الشعبي والثالث أن المعنى منعوا وهم قادرون أي واجدون قاله ابن قتيبة قوله فلما رأوها محترقة قالوا إنا لضالون أي قد ضللنا طريق جنتنا فليست هذه ثم علموا أنها عقوبة فقالوا بل نحن محرومون أي حرمنا ثمر جنتنا بمنعنا المساكين قال أوسطهم أي أعدلهم وأفضلهم لولا أي هلا تسبحون وفيه ثلاثة أقوال أحدها هلا تستثنون عند قولكم ليصرمنها مصبحين قاله ابن جريج والجمهور والمعنى هلا قلتم إن شاء الله قال الزجاج وإنما قيل للاستثناء تسبيح لأن التسبيح في اللغة تنزيه الله عز وجل عن السوء والاستثناء تعظيم لله وإقرار بأنه لا يقدر أحد أن يفعل فعلا إلا

[ 73 ]

بمشيئة الله والثاني أنه كان استثناؤهم قول سبحان الله قاله أبو صالح والثالث هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم حكاه الثعلبي وقوله تعالى قالوا سبحان ربنا فنزهوه أن يكون ظالما فيما صنع وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا إنا كنا ظالمين بمنعنا المساكين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون أي يلوم بعضهم بعضا في منع المساكين حقوقهم يقول هذا لهذا أنت أشرت علينا ويقول الآخر أنت فعلت ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين حين لم نصنع ما صنع آباؤنا ثم رجعوا إلى الله تعالى فسألوه أن يبدلهم خيرا منها فذلك قوله عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها وقرأ قوم يبدلنا بالتخفيف وهما لغتنان وفرق قوم بينهما فقالوا التبديل تغيير حال الشئ وصفته والعين باقية والإبدال إزالة الشئ ووضع غيره مكانه ونقل أن القوم أخلصوا فبدلهم الله جنة العنقود منها وقر بغل قوله عزوجل كذلك العذاب ما فعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا وهاهنا قصة أهل الجنة ثم قال تعالى ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون يعني المشركين ثم ذكر ما للمتقين عنده بما بعد هذا فقال المشركون إنا لنعطى في الآخرة أفضل مما تعطون فقال تعالى مكذبا لهم أنجعل المسلمين كالمجرمين قال الزجاج هذه ألف الاستفهام مجازها هاهنا مجاز التوبيخ والتقرير قوله عزوجل كيف تحكمون أي كيف تقضون بالجور أم لكم كتاب أنزل من عند الله فيه هذا تدرسون أي تقرؤون ما فيه إن لكم في ذلك الكتاب لما تخيرون أي ما تختارون وتشتهون وقرأ أبو الجوزاء وعاصم الجحدري وأبو عمران أن

[ 74 ]

لكم بفتح الهمزة وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ما يتمنون من الباطل سلهم أيهم بذلك زعيم أم لكم أيمان علينا بالغة أي ألكم عهود على الله تعالى حلف لك على ما تدعون بأيمان بالغة أي مؤكدة وكل شئ متناه في الجودة والصحة فهو بالغ ويجوز أن يكون المعنى بالغة إلى يوم القيامة أي تبلغ تلك الأيمان إلى يوم القيامة في لزومها وتوكيدها إن لكم لما تحكمون لأنفسكم به من الخير والكرامة عند الله تعالى قال الفراء والقراء على رفع بالغة إلا الحسن فإنه ينصبها على مذهب المصدر كقوله تعالى حقا الروم ومعنى الآية هل لكم أيمان علينا بالغة بأن لكم ما تحكمون فلما كانت اللام في جواب إن كسرتها قوله عزوجل سلهم أيهم بذلك زعيم فيه قولان أحدهما أنه الكفيل قاله ابن عباس وقتادة والمعنى أيهم كفل بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين من الخير والثاني أنه الرسول قاله الحسن قوله عزوجل أم لهم شركاء يعني الأصنام التي جعلوها شركاء لله تعالى والمعنى ألهم أرباب يفعلون بهم هذا الذي زعموا وقيل يشهدون لهم بصدق ما ادعوا فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين في أنها شركاء الله وإنما أضيف الشركاء إليهم لا دعائهم أنهم شركاء الله يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون يوم يكشف المعنى فليأتوا بها يوم يكشف عن ساق قرأ الجمهور يكشف بضم

[ 75 ]

الياء وفتح الشين وقرأ ابن أبي عبلة وعاصم الجحدري وأبو الجوزاء بفتح الياء وبكسر الشين وقرأ أبي بن كعب وابن عباس تكشف بتاء مفتوحة وكسر الشين وقرأ ابن مسعود وأبو مجلز وابن يعمر والضحاك نكشف بنون مفتوحة مع كسر الشين وهذا اليوم هو يوم القيامة وقد روى عكرمة عن ابن عباس يوم يكشف عن ساق قال يكشف عن شدة وانشدوا وقامت الحرب بنا على ساق وهذا قول مجاهد وقتادة قال ابن قتيبة وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه شمر عن ساقه فاستعيرت الساق في موضع الشدة هذا قول الفراء وأبي عبيدة واللغويين وقد أضيف هذا الأمر إلى الله تعالى فروي في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكشف عن ساقه وهذا إضافة إليه لأن الكل له وفعله وقال أبو عمر الزاهد الساق يراد بها النفس ومنه قول علي رضي الله عنه أقاتلهم ولو تلفت ساقي أي نفسي فعلى هذا يكون المعنى يتجلى لهم قوله تعالى ويدعون إلى السجود يعني المنافقين فلا يستطيعون كأن في ظهورهم سفافيد الحديد قال النقاش وليس ذلك بتكليف لهم أن يسجدوا وهم عجزة ولكنه توبيخ لهم بتركهم السجود خاشعة أبصارهم أي خاضعة ترهقهم ذلة أي تغشاهم وقد كانوا يدعون إلى السجود يعني بالأذان في دار الدنيا ويؤمرون بالصلاة المكتوبة وهم سالمون أي معافون ليس في أصلابهم مثل سفافيد الحديد وفي هذا وعيد لمن ترك صلاة الجماعة وكان كعب يقول والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات فذرني ومن يكذب بهذا الحديث يعني القرآن والمعنى خل بيني وبينه قال الزجاج أي لا تشغل قلبك به كله

[ 76 ]

إلي فأنا أكفيك أمره وذكر بعض المفسرين أن هذا القدر من الآية إلى قوله الحديث منسوخ بآية السيف وما بعد هذا مفسر في الأعراف إلى قوله تعالى أم تسألهم أجرا فإنها مفسرة والتي قبلها في الطور فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتبه ربه فجعله من الصلحين وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين قوله عزوجل فاصبر لحكم ربك أي اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت وقيل معنى الأمر بالصبر منسوخ بآية السيف قوله عزوجل ولا تكن كصاحب الحوت وهو يونس وفيماذا نهي أن يكون مثله فيه قولان أحدهما أنه العجلة والغضب قاله قتادة والثاني الضعف عن تبليغ الرسالة قاله ابن جرير قال ابن الأنباري وهذا لا يخرج يونس من أولي العزم لأنها خطيئة ولو قلنا إن كل مخطئ من الأنبياء ليس من أولي العزم خرجوا كلهم إلا يحيى ثم أخبر عن عقوبته إذ لم يصبر فقال عزوجل إذ نادى وهو مكظوم قال الزجاج مملوء غما وكربا قوله عزوجل لولا أن تداركه وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة لولا أن تداركته بتاء خفيفة وبتاء ساكنة بعد الكاف مع تخفيف الدال وقرأ أبو هريرة وأبو المتوكل تداركه بتاء واحدة خفيفة مع تشديد الدال وقرأ أبي بن كعب تتداركه بتاءين خفيفتين نعمة

[ 77 ]

من ربه فرحمه بها وتاب عليه من معاصيه لنبذ بالعراء وهو مذموم وقد بينا معنى العراء في الصافات ومعنى الآية أنه نبذ غير مذموم لنعمة الله عليه بالتوبة والرحمة وقال ابن جريج نبذ بالعراء وهو أرض المحشر فالمعنى أنه كان يبقى مكانه إلى يوم القيامة فاجتباه ربه أي استخلصه واصطفاه وخلصه مم الذم فجعله من الصالحين فرد عليه الوحي وشفعه في قومه ونفسه قوله وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم قرأ الأكثرون بضم الياء من أزلقته وقرأ أهل المدينة وأبان بفتحها من زلقته أزلقه وهما لغتنان مشهورتان في العرب قال الزجاج يقال زلق الرجل رأسه وأزلقه إذا حلقه وفي معنى الآية للمفسرين قولان أحدهما أن الكفار قصدواان يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا ثم يرفع جانب خبائه فتمر به النعم فيقول لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين فعصم الله نبيه وأنزل هذه الآية هذا قول الكلبي وتابعه قوم من المفسرين تلقفوا ذلك من تفسيره منهم الفراء والثاني أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقه من شدته أي يلقيه إلى الأرض وهذا مستعمل في كلام العرب يقول القائل نظر إلي فلان نظرا كاد يصرعني وأنشدوا يتقارضون وقال إذا التقوا في موطن * نظرا أنه يزيل مواطن الأقدام أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام وإلى هذا ذهب المحققون منهم ابن قتيبة والزجاج ويدل على صحته أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن وهو قوله تعالى لما سمعوا الذكر والقوم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة فيحدون النظر إليه بالبغضاء وإصابة العين إنما تكون مع الإعجاب والاستحسان لا مع البغض فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى الآية وما هو يعني القرآن إلا ذكر أي موعظة

[ 78 ]

سورة الحاقة مكية وايايها ثنتان وخسون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكت إذا بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية إنا لما طغا الماء حملنكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية الحاقة القيامة قال الفراء إنما قيل لها حاقة لأن فيها حواق الأمور وقال الزجاج إنما سميت الحاقة لأنها تحق كل إنسان بعمله من خير وشر قوله عزوجل ما الحاقة هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها كما تقول زيد ما

[ 79 ]

زيد ؟ على التعظيم لشأنه ثم زاد في التهويل بأمرها فقال تعالى وما أدراك ما الحاقة أي لأنك لم تعاينها ولم تدر ما فيها من الأهوال ثم أخبر عن المكذبين بها فقال عزوجل كذبت ثمود وعاد بالقارعة قال ابن عباس القارعة اسم من أسماء يوم القيامة قال مقاتل وإنما سميت بالقارعة لأن الله تعالى يقرع أعداءه بالعذاب وقال ابن قتيبة القارعة القيامة لأنها تقرع يقال أصابتهم قوارع الدهر وقال الزجاج لأنها تقرع بالأهوال وقال غيرهم لأنها تقرع القلوب بالفزع فأما الطاغية ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها طغيانهم وكفرهم قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبو عبيدة وابن قتيبة قال الزجاج ومعنى الطاغية عند أهل اللغة طغيانهم وفاعلة قد يأتي بمعنى المصادر نحو عاقبة وعافية والثاني بالصيحة الطاغية قاله قتادة وذلك أنها جاوزت مقدار الصياح فأهلكتهم والثالث أن الطاغية عاقر الناقة قاله ابن زيد والريح الصرصر قد فسرناها في حم السجد والعاتية التي جاوزت المقدار وجاء في التفسير أنها عتت على خزانها يومئذ فلم يكن لهم عليها سبيل قوله عزوجل سخرها عليهم أرسلها وسلطها والتسخير استعمال الشئ بالاقتدار وفي قوله تعالى حسوما ثلاثة أقوال أحدها تباعا قاله ابن عباس قال الفراء الحسوم التباع يقال في الشئ إذا تتابع فلم ينقطع أوله عن آخر حسوم وإنما أخذ والله أعلم من حسم الداء إذا كوي صاحبه لأنه يحمى ثم يكوى ثم يتابع الكي عليه

[ 80 ]

والثاني كاملة قاله الضحاك فيكون المعنى أنها حسمت الليالي والأيام فاستوفتها على الكمال لأنها ظهرت مع طلوع الشمس وذهبت مع غروبها قال مقاتل هاجت الريح غدوة وسكنت بالعشي في اليوم الثامن وقبضت أرواحهم في ذلك اليوم ثم بعث الله طيرا أسود فالتقطهم ألقاهم في البحر والثالث أنها حسمتهم فلم تبق منهم أحدا أي أذهبتهم به وأفنتهم هذا هذا قول ابن زيد قال الزجاج وهذا هو الذي توجبه اللغة قوله عزوجل فترى القوم فيها أي في تلك الليالي والأيام صرعى كأنهم أعجاز نخل أي أصول نخل خاوية أي بالية وقد بينا هذا في سورة القمر قوله عزوجل فهل ترى لهم من باقية فيه ثلاثة اقوال احدها من بقاء قاله الفراء والثاني من بقية قاله أبو عبيدة قال وهو مصدر كالطاغية والثالث هل ترى لهم من أثر قاله ابن قتيبة وجاء فرعون ومن قبله قرأ أبو عمرو ويعقوب والكسائي وابان بكسر القاف وفتح الباء والباقون بفتح القاف وإسكان الباء فمن كسر القاف أراد من يليه ويحف به من جنوده وأتباعه ومن فتحها أراد من كان قبله من الأمم الكافرة وفي المؤتفكات ثلاثة أقوال أحدها قرى قوم لوط والمعنى وأهل المؤتفكات قاله الأكثرون والثاني أنهم الذين ائتفكوا ثم بذنوبهم أي هلكوا بالذنوب التي معظمها الإفك وهو الكذب قاله الزجاج والثالث أنه قارون وقومه حكاه الماوردي قوله عزوجل بالخاطئة قال ابن قتيبة أي بالذنوب وقال الزجاج الخاطئة الخطأ

[ 81 ]

العظيم فعصوا رسول ربهم أي كذبوا رسلهم فأخذهم أخذة رابية أي زائدة على الأحداث قوله إنا لما طغى الماء أي تجاوز حده حتى علا على كل شئ في زمن نوح حملناكم يعني حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم في الجارية وهي السفينة التي تجري في الماء لنجعلها أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا من إغراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه تذكرة أي عبرة وموعظة وتعيها أذن واعية أي أذن تحفظ ما سمعت وتعمل به وقال الفراء لتحفظها كل أذن فتكون عظة لمن يأتي بعده فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فيئذ وقعت الواقعة وانشقت السماء فهي يؤمئذ واهية والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يؤمئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وأما من أوتي كتبه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتبيه ولم أدر ما حسابيه يليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطنيه خذوه فغلوه ثم الححيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فيلس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون قوله عزوجل فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وفيها قولان

[ 82 ]

أحدهما أنها النفخة الأولى قاله عطاء والثاني الأخيرة قاله ابن السائب ومقاتل وحملت الأرض والجبال أي حملت الأض والجبال وما فيها فدكتا دكة واحدة أي كسرتا ودقتا دقة واحدة لا يثنى عليها حتى تستوي بما عليها من شئ فتصير كالأديم الممدود وقد أشرنا إلى هذا المعنى في الأعراف عند قوله عزوجل جعله دكا قال الفراء وإنما قال فدكتا ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كالشئ الواحد كقوله تعالى أن السموات والأرض كانتا رتقا الأنبياء وانشدوا هما سيدانا يزعمان وإنما * يسوداننا ولا أن يسرت غنماهما والعرب تقول قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة قوله عزوجل فيومئذ وقعت الواقعة أي قامت القيامة وانشقت السماء لنزول من فيها من الملائكة فهي يومئذ واهية فيه قولان أحدهما أن وهيها ضعفها وتمزقها من الخوف قاله مقاتل والثاني أنه تشققها قاله الفراء والملك عني الملائكة فهو اسم جنس على أرجائها أي على جوانبها قال الزجاج ورجاء كل شئ ناحيته مقصور والتثنية رجوان والجمع أرجاء وأكثر المفسرين على أن المشار إليها السماء قال الضحاك إذ انشقت السماء كانت الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الله تعالى فينزلون إلى الأرض فيحيطون بها ومن عليها وروي عن سعيد بن جبير أنه قال على أرجاء الدنيا قوله عزوجل ويحمل عرش ربك فوقهم فيه ثلاثة أقوال أحدها فوق رؤوسهم أي العرش على رؤوس الحملة قاله مقاتل والثاني فوق الذين على أرجائها أي أن حملة العرش فوق الملائكة الذيي هم على أرجائها

[ 83 ]

والثالث أنهم فوق أهل القيامة حكاهما الماوردي يومئذ أي يوم القيامة ثمانية فيه ثلاثة أقوال أحدها ثمانية أملاك وجاء في الحديث أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة أملاك آخرين هذا قول الجمهور والثاني ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله عزل وجل قاله ابن عباس وابن جبير وعكرمة والثالث ثمانية أجزاء من الكروبيين لا يعلم عددهم إلا الله قاله مقاتل وقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام قوله عزوجل يومئذ تعرضون على الله لحسابكم لا تخفى عليه قرأ حمزة والكسائي لا يخفى بالياء وقرأ الباقون بالتاء والمعنى لا يخفى عليه منكم خافية أي نفس خافية أو فعلة خافية وفي حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله وكان عمر بن الخطاب يقول حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ لا تخفى منكم خافية قوله فيقول هاؤم قال الزجاج هاؤم أمر من الجماعة بمنزلة هاكم تقول للواحد ها يا رجل وثلاثين هاؤما يا رجلان وللثلاثة هاؤم يا رجال قال المفسرون إنما يقول هذا ثقة بسلامته وسرورا بنجاته وذكر مقاتل أنها نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد قوله عزوجل إني ظننت أي علمت وأيقنت في الدنيا أني ملاق حسابيه أي أبعث

[ 84 ]

وأحساب في الآخرة فهو في عيشة أي حالة من العيش راضية قال الفراء أي فيها الرضى وقال الزجاج أي ذات رضى يرضاها من يعيش فيها وقال أبو عبيدة مجازها مجاز مرضية في جنة عالية أي عالية المنازل قطوفها أي ثمارها جانية أي قريبة ممن يتناولها وهي جمع قطف والقطف ما يقطف من الثمار قال البراء بن عازب يتناول الرجل الثمرة وهو نائم قوله عزوجل كلوا أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم أي قدمتم من الأعمال الصالحة في الأيام الخالية الماضية وهي أيام الدنيا وأما من أوتي كتابه بشماله قال مقاتل نزلت في الأسود بن عبد الأسود قتله حمزة ببدر وهو أخو أبي سلمة وقيل نزلت في أبي جهل قوله عزوجل يا ليتني لم أوت كتابيه وذلك لما يرى فيه من القبائج ولم أدر ما حسابيه لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب إنما كله عليه وكان ابن مسعود وقتادة ويعقوب يحذفون الهاء من كتابيه وحاسبيه ابن في الوصل قال الزجاج والوجه أن يوقف على هذه الهاءات ولا توصل لأنها أدخلت للوقف وقد حذفها قوم في الأصل ولا أحب مخالفة المصحف وذلك قوله تعالى وما أدراك ما هيه قوله عزوجل يا ليتها يعني الموتة التي ماتها في الدنيا كانت القاضية أي القاطعة للحياة فكأنه تمنى دوام الموت وانه لم يبعث للحساب قوله هلك عني سلطانيه فيه قولان أحدهما ضلت عني حجتي قاله مجاهد وعكرمة والضحاك والسدي والثاني زال عني ملكي قاله ابن زيد

[ 85 ]

قوله عزوجل خذوه أي يقول الله تعالى خذوه فغلوه أي اجمعوا يده إلى عنقه ثم الجحيم صلوه أي أدخلوه النار وقال الزجاج اجعلوه يصلى النار قوله ثم في سلسلة وهي حلق منتظمة ذرعها سبعون ذراعا قال ابن عباس بذراع الملك وقال نوف الشامي كل ذراع سبعون باعا الباع أبعد مما بينك وبين مكة وكان في رحبة الكوفة وقال سفيان كل ذراع سبعون ذراعا وقال مقاتل ذرعها سبعون ذراعا بالذراع الأول ويقال إن جميع أهل النار في تلك السلسلة قوله عزوجل فاسلكوه أي أدخلوه قال الفراء وذكر أنها تدخل في دبر الكافر فتخرج من رأسه فذلك سلكه فيها والمعنى ثم اسكلوا قوله فيه السلسلة ولكن العرب تقول أدخلت رأسي في القلنسوة وأدخلتها في رأسي ويقال الخاتم لا يدخل في يدي وإنما اليد تدخل في الخاتم وإنما استجازوا ذلك لأن معناه معروف قوله عزوجل إنه كان لا يؤمن بالله العظيم أي لا يصدق بوحدانيته وعظمته ولا يحض على طعام المسكين أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه فليس له اليوم هاهنا حميم أي قريب ينفعه أي يشفع له ولا طعام إلا من غسلين في ثلاثة أقوال أحدها أنه صديد أهل النار قاله ابن عباس قال مقاتل إذا سال القيح والدم بادروا أكله قبل أن تأكله الناس والثاني شجر يأكله أهل النار قاله الضحاك والربيع والثالث أنه غسالة أجوافهم قاله يحيى بن سلام قال ابن قتيبة وهو فعلين من غسلت كأنه غسالة قوله عزوجل إلا الخاطئون وهم الكافرون

[ 86 ]

فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ماتذ كرون تنزيل من رب العلمين قوله عزوجل فلا أقسم لا رد لكلام المشركين كأنه قيل ليس الأمر كما يقول المشركون أقسم بما تبصرون ومالا تبصرون وقال قوم لا زائدة مؤكدة والمعنى أقسم بما ترون وما لا ترون فأراد جميع الموجودات وقيل الأجسام والأرواح إنه يعني القرآن لقول رسول كريم فيه قولان أحدهما محمد صلى الله عليه وسلم قاله الأكثرون والثاني جبريل قاله ابن السائب ومقاتل قال ابن قتيبة لم يرد أنه قول الرسول وإنما أراد أنه قول الرسول عن الله تعالى وفي الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به من أن يقول عن الله قوله وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون وقرأ ابن كثير يؤمنون ويذكرون بالياء فيهما قال الزجاج ما مؤكدة وهي لغو في باب الإعراب والمعنى قليلا تؤمنون وقال غيره أراد نفي إيمانهم أصلا وقد بينا معنى الكاهن في الطور قال الزجاج وقوله عزوجل تنزيل مرفوع ب‍ هو مضمرة يدل عليها قوله تعالى وما هو بقول شاعر هو تنزيل ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين وإنه لتذكرة للمتقين وإنا لنعلم أن منكم مكذبين وإنه لحسرة على الكافرين وإنه لحق اليقين فسبح باسم ربك العظيم قوله عزوجل ولو تقول علينا أي لو تكلف محمد أن يقول علينا ما لم نقله

[ 87 ]

لأخذنا منه باليمين أي لأخذناه بالقوة والقدرة قاله الفراء والمبرد والزجاج قال ابن قتيبة إنما أقام اليمين مقام القوة لأن قوة كل شئ في ميامنه قوله عزوجل ثم لقطعنا منه الوتين وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب فإذا انقطع بطلت القوى ومات صاحبه قال أبو عبيدة الوتين نياط القلب وأنشد الشماخ إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة ذلك فاشرقي بدم الوتين وقال الزجاج الوتين عرق أبيض غليظ كأنه قصبة قوله عزوجل فما منكم من أحد عنه حاجزين أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه وإنما قال تعالى حاجزين لأن أحدا يقع على الجمع كقوله تعالى لا نفرق بين أحد من رسله هذا قول الفراء وابي عبيدة والزجاج ومعنى الكلام أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه ثم لم يقدر على دفع عقوبتنا عنه وإنه يعني القرآن لحسرة على الكافرين في يوم القيامة يندمون إذ لم يؤمنوا به وإنه لحق اليقين إضافة إلى نفسه لا ختلاف اللفظين كقوله تعالى ولدار الأخرة يوسف وقال الزجاج المعنى وإنه لليقين حق اليقين وقد شرحنا هذا المعنى وما بعده في الواقعة

[ 88 ]

70 سورة المعان ح مكية وايايها ان بع وان بعون سورة سأل سائل ويقال لها سورة المعارج سأل سائل ويقال لها سورة الواقع وهي مكية كلها بإجما عهم بسم الله الرحمن الرحيم سال سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراته قريبا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسئل حميم حميما يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤيه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعوا من أدبر وتولى وجمع فأوعى

[ 89 ]

قوله عزوجل سأل سائل قال المفسرون نزلت في النضر بن الحارث حين قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وهذا مذهب الجمهور منهم ابن عباس ومجاهد وقال الربيع بن أنس هو أبو جهل قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر سال بغير همز والباقون بالهمز فمن قرأ سأل بالهمز ففيه ثلاثة أقوال دعا داع على نفسه بعذاب واقع والثاني سأل سائل عن عذاب واقع لمن هو وعلى من ينزل ومتي يكون وذلك على سبيل الاستهزاء فتكون الباء بمعنى عن وأنشدوا فإن تسألوني بالنساء فإنني * خبير بأدواء النساء طبيب والثالث سأل سائل عذابا واقعا والباء زائدة قرأ بلا همز ففيه قولان أحدهما أنه من السؤال أيضا وإنما لين الهمزة يقال سأل وسال وأنشد الفراء تعالوا فسألوا يعلم الناس أينا * لصاحبه أو في أول الدهر نافع والثاني المعنى سال واد في جهنم بالعذاب للكافرين وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن وكان ابن عباس في آخرين يقرؤون سال سيل بفتح السين وسكون الياء من غير ألف ولا همز وإذا قلنا إنه من السؤال فقوله تعالى للكافرين جواب للسؤال كأنه لما سأل لمن هذا العذاب قيل للكافرين والواقع الكائن والمعنى أن العذاب الذي سأله هذا الكافر كائن لا محالة في الآخرة للكافرين ليس له دافع من الله قال الزجاج المعنى ذلك العذاب واقع من الله للكافرين

[ 90 ]

قوله عزوجل ذي المعارج فيه قولان أحدهما أنها السموات قاله ابن عباس وقال مجاهد هي معارج الملائكة قال ابن قتيبة واصل المعارج الدرج وهي من عرج إذا صعد قال الفراء لما كانت الملائكة تعرج إليه وصف نفسه بذلك قال الخطابي المعارج الدرج واحدها معرج وهو المصعد فهو الذي يصعد إليه بأعمال العباد وبأرواح المؤمنين فالمعارج الطرائق التي يصعد فيها والثاني أن المعارج الفواضل والنعم قاله قتادة قوله عزوجل تعرج الملائكة قرأ الكسائي يعرج بالياء) في الروح قولان أحدهما أنه جبريل قاله الأكثرون والثاني أنه روح الميت حين تقبض قاله قبيصة بن ذؤيب قوله عزوجل إليه أي إلى الله عز وجل في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فيه قولان أحدهما أنه يوم القيامة قاله ابن عباس والحسن وقتادة والقرظي وهذا هو مقدار يوم القيامة من وقت البعث إلى أن يفصل بين الخلق وفي الحديث إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة وقيل بل لو ولي حساب الخلق سوى الله عز وجل لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة والحق يفرغ منه في ساعة من نهار وقال عطاء يفرغ الله من حساب الخلق في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا فعلى هذا يكون المعنى ليس دافع من الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة وقيل المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير والثاني أنه مقدار صعود الملائكة من أسفل الأرض إلى العرش لو صعده غيرهم قطعه في خسين ألف سنة وهذا معنى قول مجاهد قوله عزوجل فاصبر أي اصبر على تكذيبهم إياك صبرا جميلا لا جزع فيه

[ 91 ]

وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم ثم نسخ بآية السيف إنهم يرونه يعني العذاب بعيدا غير كائن ونراه قريبا كائنا لأن كل ما هو آت قريب ثم أخبر متى يكون فقال تعالى يوم تكون السماء كالمهل وقد شرحنا في الكهف وتكون الجبال كالعهن أي كالصوف فشبهها في ضعفها ولينها بالصوف وقيل شبهها به في خفتها وسيرها لأنه قد نقل أنها تسير على صورها وهي كالهباء قال الزجاج العهن الصوف واحدته عهنة ويقال عهنة وعهن عبد مثل صوفة وصوف وقال ابن قتيبة العهن الصوف المصبوغ قوله عروجل ولا يسأل حميم حميما قرأ الأكثرون سأل بفتح الياء والمعنى لا يسأل قريب عن قرابته لاشتغاله بنفسه وقال مقاتل لا يسأل الرجل قرابته ولا يكلمه من شدة الأهوال وقرأ معاوية وأبو رزين والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو جعفر بضم الياء والمعنى لا يقال للحميم أين حميمك قوله عزوجل يبصرونهم أي يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه ولا يكلمه اشتغالا بنفسه يقال بصرت زيدا كذا إذا عرفته إياه قال ابن قتيبة معنى الآية لا يسأل ذو قرابة عن قرابته ولكنهم يبصرونهم أي يعرفونهم وقرأ قتادة وأبو المتوكل وأبو عمران يبصرونهم بإسكان الباء وتخفيف الصاد وكسرها قوله عزوجل يود المجرم يعني يتمنى المشرك لو قبل منه الفداء يومئذ ببنيه وصاحبته وهي الزوجة وفصيلته قال ابن قتيبة أي عشيرته وقال الزجاج هي أدنى قبيلته منه ومعنى تؤويه تضمه فيود أن يفتدي بهذه المذكورات ثم ينجيه ذلك الفداء كلا لا ينجيه ذلك إنها لظى قال الفراء هو اسم من أسماء جهنم فلذلك لم يجر وقال غيره معناها في اللغة اللهب الخالص وقال ابن الانباري سميت لظى لشدة توقدها وتلهبها يقال هو يتلظى أي يتلهب ويتوقد عليه وكذلك النار تتلظى يراد به هذا المعنى وأنشدوا

[ 92 ]

جحيما أبي تلظى لا تفتر ساعة * ولا (الحر منها غابر الدهر يبرد نزاعة للشوى قرأ الجمهور نزاعة للشوى بالرفع على معنى هي نزاعة 2 وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة وابن أبي عبلة وحفص عن عاصم نزاعة بالنصب قال الزجاج وهذا على أنها حال مؤكدة كما قال تعالى هو الحق مصدقا ويجوز أن ينصب على معنى إنها تتلظى نزاعة المراد ب‍ الشوى أربعة أقوال أحدها جلدة الرأس قاله مجاهد والثاني محاسن الوجه قاله الحسن وابو العالية والثالث العصب والعقب قاله ابن جبير والرابع الأطراف اليدان والرجلان والرأس قاله الفراء والزجاج قوله عزوجل تدعو من أدبر عن الإيمان وتولى عن الحق قال المفسرون تقول إلي يا مشرك إلي يا منافق وجمع فأوعى قال الفراء أي جمع المال في وعاء فلم يؤد منه زكاة ولم يصل منه رحما إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون

[ 93 ]

والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم بسهد اتهم قائمون والذين هم على صلاتهم يحافظون أولئك في جنات مكرمون فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا إنا خلقناهم مما يعلمون فلا أقسم برب المشرق والمغارب إنا لقدرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون خشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون قوله عزوجل إن الإنسان خلق هلوعا قال مقاتل عنى به أمية بن خلف الجمحي وفي الهلوع سبعة أقوال أحدها أنه الموصوف بما يلي هذه الآية رواه عطية عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة والزجاج والثاني أنه الحريص على ما لا يحل له رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث البخيل قاله الحسن والضحاك والرابع الشحيح قاله ابن جبير والخامس الشره قاله مجاهد والسادس الضجور قاله عكرمه وقتادة ومقاتل والفراء والسابع الشديد الجزع قاله ابن قتيبة قوله عزوجل إذا مسه الشر أي اصابه الفقر جزوعا لا يصبر ولا يحتسب وإذا مسه الخير أصابه المال منوعا بمنعه من حق الله عز وجل إلا المصلين وهم أهل الإيمان بالله وإنما استثنى الجمع من الإنسان لأنه اسم جنس الذين هم على صلاتهم دائمون وفيهم

[ 94 ]

ثلاثة أقوال أحدها أنهم الذين يحافظون على المكتوبات وهو معنى قول ابن مسعود والثاني أنهم لا يلتفتون عن أيمانهم وشمائلهم في الصلاة قاله عقبة بن عامر واختاره الزجاج قال ويكون اشتقاقه من الدائم وهو الساكن كما جاء في الحديث أنه نهى عن البول في الماء الدائم والثالث أنهم الذين يكثرون فعل التطوع قاله ابن جير والذين في أموالهم حق معلوم قد سبق شرح هذه الآية والتي بعدها في الذاريات 2 وبينا معنى يوم الدين في الفاتحة وما بعد هذا قد شرحناه في المؤمنين 3 إلى قوله تعالى لأماناتهم قرأ ابن كثير وحده لأمانتهم والذين هم بشهاداتهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم بشهادتهم على التوحيد وقرأ حفص عن عاصم بشهاداتهم جمعا قاله والذين هم بسها دتها قائمو أي يقيمون فيها بالحق ولا يكتمونها فمال الذين كفروا قبلك مهطعين نزلت في جماعة من الكفار جلسوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يستهزئون بالقرآن ويكذبون به قال الزجاج والمهطع المقبل ببصره على الشئ لا يزايله وكانوا ينظرون إلى النبي نظرة عداوة وقد سبق الخلاف في قوله مهطعين قوله عن اليمين وعن الشمال عزين قال الفراء العزون الحلق الخلق الجماعات واحدتها عزة وكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم فلندخلنها قبلهم فنزل قوله تعالى أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم وقرأ ابن مسعود والحسن وطلحة بن مصرف والأعمش والمفضل عن عاصم أن يدخل بفتح

[ 95 ]

الياء وضم الخاء وقال أبو عبيدة عزين جمع عزة مثل ثبة وثبين فهي جماعات في تفرقة قوله عزوجل كلا أي لا يكون ذلك إنا خلقناهم مما يعلمون فيه قولان أحدهما من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة فالمعنى لا يستوجب الجنة أحد بما يدعيه من الشرف على غيره إذ الأصل واحد وإنما يستوجبها بالطاعة والثاني إنا خلقناهم من أقذار فبما يستحقون الجنة ولم يؤمنوا وقد روى بشر بن جحاش عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية إنا خلقناهم مما يعلمون ثم بزق قال يقول الله عز وجل أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة قوله عزوجل فلا أقسم قد تكلمنا عليه في الحاقة والمراد بالمشارق والمغارب شرق كل يوم ومغربه إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم أي نخلق أمثل منهم وأطوع لله حين عصوا وما نحن بمسبوقين مفسر في الواقعة فذرهم يخوضوا في باطلهم ويلعبوا أي يلهوا في دنياهم حتى يلاقوا وقرأ ابن محيصن يلقوا يومهم الذي يوعدون وهو يوم القيامة وهذا لفظ أمر معناه الوعيد وذكر المفسرون أنه منسوخ بآية السيف وإذا قلنا إنه وعيد بلقاء يوم القيامة فلا وجه للنسخ يوم يخرجون من الأجداث سراعا أي يخرجون بسرعة كأنهم يستبقون قوله عزوجل كأنهم إلى نصب قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بضم النون والصاد وقال ابن جرير وهو واحد الأنصاب وهي آلهتهم التي كانوا يعبدونها فعلى هذا يكون المعنى كأنهم إلى آلهتهم التي كانوا يعبدونها يسرعون وقرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح النون وسكون الصاد وهي في معنى القراءة الأولى إلا أنه مصدر كقول القائل نصبت الشئ أنصبه نصبا قال قتادة معناه كأنهم إلى شئ منصوب يسرعون وقال ابن جرير تأويله كأنه إلى لا صنم منصوب يسرعون وقرأ ابن عباس وأبو مجلز والنخعي نصب برفع النوه لا وإسكان الصاد وقرأ الحسن وأبو عثمان النهدي وعاصم الجحدري إلى نصب بفتح النون والصاد جميعا قال ابن قتيبة النصب حجر ينصب أو صنم يقال نصب ونصب ونصب وقال الفراء النصب والنصب واحد وهو مصدر والجمع الأنصاب وقال الزجاج النصب والنصب العلم المنصوب قال الفراء والإيفاض الإسراع قوله عزوجل ترهقهم ذلة قرا أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعمرو ابن دينار ذلة ذلك اليوم بغير تنوين وبخفض الميم وباقي السورة قد تقدم بيانه

[ 96 ]

(71) سورة نوح مكية وايايهان وعشرون وهي مكية (1) كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا يقوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون قوله تعالى أن أنذر قومك أي بأن أنذر قومك والعذاب الأليم الغرق قوله تعالى أن اعبدوا الله قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وعلي بن نصر عن أبي عمرو أن اعبدوا الله بضم النون وقرأ عاصم وحمزة وعبد الوارث عن ابي عمرو أن اعبدوا الله بكسر النون قال أبو علي من ضم كره الكسرة قبل الضمة قوله عزوجل وأطيعون أثبت الياء في الحالين يعقوب قوله عزوجل من ذنوبكم من ها هنا صلة والمعنى يغفر لكم ذنوبكم قاله

[ 97 ]

السدي ومقاتل وقال الزجاج إنما دخلت من ها هنا لتختص الذنوب من سائر الأشياء ولم تدخل لتبعيض الذنوب ومثله فاجتنبوا الرجس من الأوثان الحج وذهب بعض أهل المعاني إلى أنها للتبعيض والمعنى يغفر لكم من ذنوبكم إلى وقت الإيمان ويؤخركم أي عن العذاب إلى أجل مسمى وهو منتهى آجالهم والمعنى فتموتوا عند منتهى آجالكم غير ميتة المعذبين إن أجل الله فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه أجل الموت قاله مجاهد فيكون المعنى إن أجل الله الذي أجلكم إليه لا يؤخر إذا جاء فلا يمكنكم حينئذ الإيمان والثاني أنه أجل البعث قاله الحسن والثالث أجل العذاب قاله السدي ومقاتل قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهار ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا والله جعل لكم الأرض بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا

[ 98 ]

ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا أن قوله عزوجل فلم يزدهم دعائي إلا فرارا أي تباعدا من الإيمان وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان والطاعة جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا صوتي واستغشوا ثيابهم أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني وأصروا على كفرهم واستكبروا عن الإيمان بك واتباعي ثم إني دعوتم جهارا أي معلنا لهم بالدعاء قال ابن عباس بأعلى صوتي ثم إني أعلنت لهم أي كررت الدعاء معلنا وأسررت لهم إسرارا قال ابن عباس يريد أكلم الرجل بعد الرجل في السر وأدعوه إلى توحيدك وعبادتك فقلت استغفروا ربكم قال المفسرون منع الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة فقال لهم نوح استغفروا ربكم من الشرك أي استدعوا مغفرته بالتوحيد يرسل السماء عليكم مدرارا قد شرحناه في الأول الأنعام ومعنى الكلام أنه أخبرهم أن الإيمان يجمع لهم خير الدنيا والآخرة قوله عزوجل ما لكم لا ترجون لله وقارا فيه أربعة أقوال أحدها لا ترون لله عظمة قال الفراء قاله ابن عباس والثاني لا تخافون عظمة الله قاله الفراء وابن قتيبة والثالث لا ترون لله طاعة قاله ابن زيد والرابع لا ترجون عاقبة الإيمان والتوحيد قاله الزجاج قوله وقد خلقكم أطوارا أي وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده من خلقه إياكم من نطفة ثم من علقة شيئا بعد شئ إلى آخر الخلق قال ابن الأنباري الطور الحال وجمعه أطوار وقال ابن فارس الطور التارة طورا بعد طور أي تارة بعد تارة وقيل أراد بالأطوار على اختلاف المناظر والأخلاق من طويل وقصير وغير ذلك ثم قررهم فقال عز

[ 99 ]

وجل ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة طباق بتنوين القاف وكسرها من غير ألف وقد بينا هذا في سورة الملك 3 قوله عزوجل وجعل القمر فيهن نورا فيه قولان أحدهما أنه وجه القمر قبل السموات وظهره قبل الأرض يضئ لأهل السموات كما يضئ لأهل الأرض وكذلك الشمس هذا قول عبد الله بن عمر والثاني أن القمر في السماء الدنيا وإنما قال فيهن لأنهن كالشئ الواحد ذكره الأخفش والزجاج وغيرهما وهذا كما تقول أتيت بني تميم وإنما أتيت بعضهم وركبت في السفن قوله وجعل الشمس سراجا يستضئ بها العالم والله أنبتكم من الأرض يعني أن مبتدأ خلقكم من الأرض وهو آدم نباتا قال الخليل معناه فنبتم نباتا وقال الزجاج نباتا محمول في المصدر على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتا قال ابن قتيبة هذا مما جاء فيه المصدر على غير المصدر لأنه جاء في نبت ومثله وتبتل إليه تبتيلا 7 فجاء على بتل قال الشاعر وخير الأمر ما استقبلت منه ه وليس بأن تتبعه اتباعا فجاء على اتبعت وقال الآخر وإن شئتم تعاودنا عن عوادا فجاء على عاودنا في وإنما تجئ المصادر مخالفة الأفعال لأن الأفعال وإن اختلفت أبنيتها واحدة في المعنى قوله عزوجل سبلا فجاجا قال الفراء هي الطرق الواسعة قوله عزوجل واتبعوا من لم يزده ماله وولده قرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم وولده بفتح اللام والواو وقرأ الباقون ولده بضم الواو وسكون اللام قال الزجاج وهما

[ 100 ]

بمعنى واحد مثل العرب والعرب والعجم والعجم وقرأ الحسن وأبو العالية وابن يعمر والجحدري وولده بكسر الواو وإسكان اللام قال المفسرون المعنى ان الأتباع والفقراء اتبعوا رأي الرؤساء والكبراء قوله عزوجل ومكروا مكرا كبارا قرأ أبو رجاء وأبو عمران كبارا برفع الكاف وتخفيف الباء وقرأ ابن يعمر وأبو الجوزاء وابن محيصن كبارا بكسر الكاف مع تخفيف الباء والمعنى كبيرا يقال كبير وكبار وقد شرحنا هذا في أول ص ومعنى المكر السعي في الفساد وذلك أن الرؤساء منعوا أتباعهم من الإيمان بنوح وقالوا لا تذرن آلهتكم أي لا تدعن عبادتها ولا تذرن ودا قرأ أبو جعفر ونافع بضم الواو والباقون بفتحها وهذا الاسم وما بعده أسماء آلهتهم وجاء في التفسير أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح وفنشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق للعبادة ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم وكان ابتداء عبادة الأوثان من ذلك الوقت وسميت تلك الصورة بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء وقيل إنما هي أسماء لأولاد آدم مات منهم واحد فجاء الشيطان فقال هل لكم أن أصور لكم صورته فتذكرونه بها فصورها ثم مات آخر فصور لهم صورته إلى أن صور صورا خمسة ثم طال الزمان وتركوا عبادة الله فقال لهم الشيطان ما لكم لا تعبدون شيئا فقالوا لمن نعبد قال هذه آلهتكم وآلهة آبائكم ألا ترونها مصورة في مصلاكم فعبدوها وقال الزجاج هذه الأصنام كانت لقوم نوح ثم صارت إلى العرب فكان ود لكلب وسواع لهمدان ويغوث لبني غطيف وهم حي من مراد وقال مقاتل إنما كان سواع لهذيل جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام وطمها التراب فلما ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين قال ويعوق لهمدان ويغوث لبني غطيف وهم حي من بني مراد وقيل لها جاء الطوفان غطى على هذه الأصنام وطمها التراب فلما ظهرت بعد الطوفان صارت إلى هؤلاء المذكورين قال الواقدي كان

[ 101 ]

ود على صورة رجل وسواع على صورة امرأة ويغوث على صورة أسد ويعوق على صورة فرس ونسر على صورة النسر من الطير قوله عزوجل وقد أضلوا كثيرا فيه قولان أحدهما وقد أضلت الأصنام كثيرا من الناس أي ضلوا بسببها والثاني وقد أضل الكبراء كثيرا من الناس ولا تزد الظالمين يعني الكافرين إلا ضلالا وهذا دعاء من نوح عليهم لما أعلمه الله أنهم لا يؤمنون مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا قوله تعالى مما خطيئاتهم وقرأ أبو الجوزاء والجحدري خطيئتهم من غير ألف أغرقوا فأدخلوا نارا قال ابن السائب المعنى سيدخلون في الآخرة نارا فجاء لفظ الماضي بمعنى الاستقبال لأن الوعد حق هذا قول الأكثرين وقال الضحاك فأدخلوا نارا في الدنيا وذلك أنهم كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب قوله عزوجل فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب الله قوله عزوجل ديارا قال ابن قتيبة أي أحدا يقال ما بالمنازل ديار

[ 102 ]

أي ما بها أحد وهو من الدار أي ليس بها نازل دارا وقال الزجاج أصلها ديوار فيعال فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى وإنما دعا عليهم نوح لأن الله عزوجل أوحى إليه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قوله عزوجل يضلوا عبادك وذلك أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح فيحذره تصديقه قوله عزوجل ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا قال المفسرون إن الله تعالى أخبر نوحا أنهم لا يلدون مؤمنا فلذلك علم الفاجر الخارج عن الطاعة قوله عزوجل رب اغفر لي ولوالدي قال الحسن وذلك أنهما كانا مؤمنين وقرأ أبو بكر الصديق وسعيد بن المسيب وابن جبير والجحدري والجوني ولوالدي ساكنة الياء على التوحيد وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وابن يعمر والزهري والنخعي ولولدي من غير ألف على التثنية قوله ولمن دخل بيتي وقرا حفص عن عاصم بيتي بفتح الياء وفيه ثلاثة اقوال أحدها منزله قاله ابن عباس والثاني مسجده قاله الضحاك والثالث سفينته حكاه الثعلبي قوله عزوجل وللمؤمنين والمؤمنات هذا عام في كل من آمن ولا تزد الظالمين يعني الكافرين إلا تبارا أي هلاكا ومنه قوله عزوجل تبرنا تتبيرا

[ 103 ]

(72) سورة الجن مكية وآياتها ثمان وعشرون كلها مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فئآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداوأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا

[ 104 ]

وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا وألو استقاموا على الطريقة لأسقينهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا قوله عزوجل قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن قد ذكرنا سبب نزول هذه الآية في الأحقاف 2 وبينا هنالك سبب استماعهم ومعنى النفر وعددهم فأما قوله عز وجل قرآنا عجبا فمعناه بليغا يعجب منه لبلاغته يهدي إلى الرشد أي يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان ولن نشرك بربنا أي لن نعدل بربنا أحدا من خلقه وقيل عنوا إبليس أي لا نطيعه في الشرك بالله قوله عزوجل وأنه تعالى جد ربنا اختلف القراء في اثنتي عشرة همزة في هذه السورة وهي وأنه تعالى وأنه كان يقول وأنا ظننا وأنه كان رجال وأنهم ظنوا وأنا لمسنا وأنا كنا وأنا لا ندري وأنا منا وأنا ظننا أن لن نعجز الله وأنا لما سمعنا وأنا منا ففتح الهمزة في هذه المواضع ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم ووافقهم أبو جعفر في ثلاثة مواضع وأنه تعالى وأنه كان يقول وأنه كان رجال وكسر الباقيات وقرأ الباقون بكسرهن وقال الزجاج والذي يختاره النحويون في هذه السورة أن ما كان من الوحي قيل فيه أن بالفتح وما كان من قول الجن قيل إن بالكسر معطوف على قوله عزوجل إنا سمعنا قرآنا عجبا وعلى هذا يكون المعنى وقالوا إنه تعالى جد ربنا وقالوا إنه كان يقول سفيهنا فأما من فتح فذكر بعض النحويين يعني الفراء أنه معطوف على الهاء في قوله تعالى فآمنا به وبأنه تعالى جد ربنا وكذلك ما بعد هذا وهذا ردئ في القياس لا يعطف على الهاء المتمكنة المخفوضة إلا بإظهار الخافض ولكن وجهه أن يكون محمولا على معنى أمنا به فيكون المعنى وصدقنا أنه تعالى جد ربنا وللمفسرين

[ 105 ]

في معنى تعالى جد ربنا سبعة أقوال أحدها قدرة ربنا قاله ابن عباس والثاني غنى ربنا قاله الحسن والثالث جلال ربنا قاله مجاهد وعكرمة والرابع عظمة ربنا قاله قتادة والخامس أمر ربنا قاله السدي والسادس ان يقع ذكره وعظمته قاله مقاتل والسابع ملك ربنا وثناؤه وسلطانه قاله أبو عبيدة قوله وأنه كان يقول سفيهنا فيه قولان أحدهما أنه إبليس قاله مجاهد وقتادة والثاني أنه كفارهم قاله مقاتل والشطط الجور والكذب وهو وصفه بالشريك والولد ثم قالت الجن وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وقرأ يعقوب أن لن تقول بفتح القاف وتشديد الواو والمعنى ظنناهم صادقين في قولهم لله صاحبة وولد وما ظنناهم يكذبون حتى سمعنا القرآن يقول الله عز وجل وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن وذلك أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في جوار منهم حتى يصبح ومنه حديث كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي فنادى يا عامر الوادي جارك فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله فإذا الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلام وأنه كان رجال من الإنس.. الآية وفي قوله عزوجل فزادوهم رهقا قولان أحدهما أن الإنس زادوا الجن رهقا لتعوذهم قبل بهم قاله مقاتل والمعنى أنهم لما

[ 106 ]

استعاذوا بسادتهم قالت السادة قد سدنا الجن والإنس والثاني أن الجن زادوا الإنس رهقا ذكره الزجاج قال أبو عبيدة زادوهم سفها وطغيانا وقال ابن قتيبة زادوهم ضلالا واصل الرهق العيب ومنه يقال فلان يرهق في دينه قوله عزوجل وأنهم ظنوا يقول الله عز وجل ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس المشركون أنه لا بعث وقالت الجن وأنا لمسنا السماء أي أتيناها فوجناها ملئت حرسا شديدا وهم الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع وشهبا جمع شهاب وهو النجم المضئ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع أي كنا نستمع فالآن حين حاولنا الاستماع بعد بعث محمد صلى الله عليه وسلام رمينا بالشهب ومعنى رصدا قد أرصد له المرمى به وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم فيكذبونه فيهلكون أم أراد بهم ربهم رشدا وهو أن يؤمنوا فيهتدوا قاله مقاتل والثاني أنه قول كفرة الجن والمعنى لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بحدوث الرجم بالكواكب أم صلاح قاله الفراء ثم أخبروا عن حالهم فقالوا وأنا منا الصالحون وهم المؤمنون المخلصون ومنا دون ذلك فيه قولان أحدهما المشركون والثاني أنهم أهل الشر دون الشرك كنا طرائق قددا قال الفراء أي فرقا مختلفة أهواؤنا وقال أبو عبيدة واحد الطرائق طريقة وواحد القدد قدة أي ضروبا وأجناسا ومللا قال الحسن والسدي الجن مثلكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة قوله عزوجل وأنا ظننا أي أيقنا أن لن نعجز الله في الأرض أي لن نفوته إذا أراد بنا أمرا ولن نعجزه هربا أي أنه يدركنا حيث كنا وأنا لما سمعنا الهدى وهو

[ 107 ]

القرآن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلام آمنا به أي صدقنا أنه من عند الله عز وجل فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا أي نقصا من الثواب ولا رهقا أي ولا ظلما ومكروها يغشاه وأنا منا المسلمون قال مقاتل المخلصون لله ومنا القاسطون وهم المردة قال ابن قتيبة القاسطون الجائرون يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل قال المفسرون هم الكافرون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا أي توخوه الرحمن وأموه ثم انقطع كلام الجن قال مقاتل ثم رجع إلى كفار مكة فقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة يعني طريقة الهدى وهذا قول ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وقتادة والسدي واختاره الزجاج قال لأن الطريقة ها هنا بالألف واللام معرفة فالأوجب أن تكون طريقة الهدى وذهب قوم إلى أن المراد بها طريقة الكفر قاله محمد بن كعب والربيع والفراء وابن قتيبة وابن كيسان فعلى القول الأول يكون المعنى لو آمنوا لوسعنا عليهم لنفتنهم أي لنختبرهم فيه فننظر كيف شكرهم والماء الغدق الكثير وإنما ذكر الماء مثلا لأن الخير كله يكون بالمطر فأقيم مقامه إذ كان سببه وعلى الثاني يكون المعنى لو استقاموا على الكفر فكانوا كفارا كلهم لأكثرنا لهم المال لنفتنهم فيه عقوبة واستدارجا وكان ثم نعذبهم على ذلك وقيل لأكثرنا لهم الماء فأغرقناهم كقوم نوح قوله ومن يعرض عن ذكر ربه يعني القرآن يسلكه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر نسلكه بالنون وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالياء عذابا صعدا قال ابن قتيبة أي عذابا شاقا يقال تصعدني الأمر إذا شق علي ومنه قول عمر ما تصعدني شئ ما تصعدني خطبة النكاح ونرى أصل هذا كله من الصعود لأنه شاق فكني به عن المشقات وجاء في التفسير أنه جبل في النار يكلف صعوده وسنذكره عند قوله عزوجل سأرهقه صعودا إن شاء الله تعالى وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون

[ 108 ]

عليه لبدا قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلغا من الله ورسلته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خلدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا واقل عددا قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا قوله عزوجل وأن المساجد لله فيها أربعة أقوال أحدها أنها المساجد التي هي بيوت الصلوات قاله ابن عباس قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر الله عز وجل المسلمين أن يخلصوا له إذا دخلوا مساجد هم والثاني الأعضاء التي يسجد عليها العبد قاله سعيد بن جبير وابن الأنباري وذكره الفراء فيكون المعنى لا تسجدوا عليها لغيره والثالث أن المراد بالمساجد هاهنا البقاع كلها قاله الحسن فيكون المعنى أن الأرض كلها مواضع للسجود فلا تسجدو عليها لغير خالقها والرابع أن المساجد السجود فإنه جمع مسجد يقال سجدت سجودا ومسجدا كما يقال ضربت في الأرض ضربا ومضربا ثم يجمع فيقال المساجد والمضارب قال ابن قتيبة فعلى هذا يكون واحدها مسجدا بفتح الجيم والمعنى أخلصوا له ولا تسجدوا لغيره ثم رجع إلى ذكر الجن فقال تعالى وأنه لما قام عبد الله يعني محمدا يدعوه

[ 109 ]

أي يعبده وكان يصلي ببطن نخلة على ما سبق بيانه في الأحقاف 1 كادوا يكونون عليه لبدا قرأ الأكثرون لبدا بكسر اللام وفتح الباء وقرأ هشام عن ابن عامر وابن محيصن لبدا بضم اللام وفتح الباء مع تخفيفها قال الفراء ومعنى القراءتين واحد يقال لبدة ولبدة قال الزجاج والمعنى كاد يركب بعضهم بعضا ومنه اشتقاق اللبد الذي يفترش وكل شئ أضفته إلى شئ فقد لبدته وقرأ قوم منهم الحسن والجحدري لبدا بضم اللام مع تشديد الباء قال الفراء فعلى هذه القراءة يكون صفة للرجال كقولك ركعا وركوعا وسجدا وسجودا قال الزجاج هو جمع لابد مثل راكع وركع وفي معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها أنه إخبار الله تعالى عن الجن يحكي حالهم والمعنى أنه لما قام يصلي كاد الجن لازدحامهم عليه يركب بعضهم بعضا حرصا على سماع القرآن رواه عطية عن ابن عباس والثاني أنه من قول الجن لقومهم لما رجعوا إليهم فوصفوا لهم طاعة أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وائتمامهم به في الركوع والسجود فكأنهم قالوا لما قام يصلي كاد أصحابه يكونون عليه لبدا وهذا المعنى في رواية ابن جبير عن ابن عباس والثالث أن المعنى لما قام رسول الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاء به قاله الحسن وقتادة وابن زيد قوله عزوجل قل إنما أدعو ربي قرأ عاصم وحمزة قل إنما أدعو ربي بغير ألف وقرأ الباقون قال على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مقاتل إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنك جئت بأمر عظيم لم يسمع بمثله فارجع عنه فنزلت هذه الآية قوله عزوجل قل لا أملك لكم ضرا أي لا أدفعه عنكم ولا أسوق إليكم رشدا أي خيرا أي إن الله تعالى يملك ذلك لا أنا قل إني لن يجيرني من الله أحد أي إن عصيته لم يمنعني منه أحد وذلك أنهم قالوا اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ولن أجد من

[ 110 ]

دونه ملتحدا وقد بيناه في الكهف إلا بلاغا من الله فيه وجهان ذكرهما الفراء أحدهما أنه استثناء من قوله تعالى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا إلا أن أبلغكم والثاني لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالته وبالأول قال ابن السائب وبالثاني قال مقاتل وقال بعضهم المعنى لن يجيرني من عذاب الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به فذلك البلاغ هو الذي يجيرني ومن يعص الله ورسوله بترك الإيمان والتوحيد قوله عزوجل حتى إذا رأوا يعني الكفار ما يوعدون من العذاب في الدنيا وهو القتل وفي الآخرة فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أي جندا ونصرا أهم أم المؤمنون قل إن أدري أي ما أدري أقريب ما توعدون من العذاب أم يجعل له ربي أمدا أي غاية وبعدا وذلك لأن علم الغيب لله وحده فلا يظهر أي فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس إلا من ارتضى من رسول لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب والمعنى أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب فهو كافر ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول فقال عز وجل فإنه يسلك من بين يديه أي من بين يدي الرسول ومن خلفه رصدا أي يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة فيتكلون به قبل أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم الناس وقال الزجاج يسلك من بين يدي الوحي والرصد من الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ما نزل من الوحي قوله عزوجل ليعلم فيه خمسة أقوال أحدها ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن جبرائيل قد بلغ إليه قاله ابن جبير والثاني ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم وأن الله قد حفظها فدفع عنها قاله قتادة والثالث ليعلم مكذبو الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم قاله مجاهد والرابع ليعلم الله عزوجل ذلك موجودا ظاهرا يجب به الثواب فهو كقوله عزوجل ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم قاله ابن قتيبة والخامس ليعلم النبي أن الرسل قد أتته ولم تصل إلى غيره ذكره الزجاج وقرأ رويس عن يعقوب ليعلم بضم الياء على ما لم يسم فاعله وقال ابن قتيبة ويقرأ لتعلم بالتاء يريد لتعلم الجن أن الرسل قد بلغت عن آلههم حديث بما رجوا من استراق السمع وأحاط بما لديهم أي علم الله ما عند الرسل وأحصى كل شئ عددا فلم يفته شئ حتى الذر والخردل

[ 111 ]

(73) سورة المزمل مكية وايايها عشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إلا أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال سوى آيتين منها قوله تعالى واصبر على ما يقولون والتي بعدها المزمل وقال ابن يسار ومقاتل فيها آية مدنية وهي قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم يأيها المزمل قم اليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أوزد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة اليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا واصبر على ما

[ 112 ]

يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما يوم ترجف الأرض وكان الجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا إنا أرسلنا إليكم رسولا شهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا السماء منفطر به كان وعده مفعولا قوله عزوجل يا أيها المزمل وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وأبو مجلز وأبو عمران والأعمش المتزمل بإظهار التاء وقرأ عكرمة وابن يعمر المزمل بحذف التاء وتخفيف الزاي قال اللغويون المزمل المتلف في ثيابه واصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي فثقلت وكل من التف بثوبه فقد تزمل قال الزجاج وإنما أدغمت فيها لقربها منها قال المفسرون وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه في أول ما جاء جبريل فرقا منه حتى أنس به وقال السدي كان قد تزمل للنوم وقال مقاتل خرج من البيت وقد لبس ثياه فناداه جبريل يا أيها المزمل وقيل أريد به متزمل النبوة قال عكرمة في معنى هذه الآية زملت هذا الأمر فقم به وقيل إنما لم يخاطب بالنبي والرسول ها هنا لأنه لم يكن قد بلغ وإنما كان في بدء الوحي قوله عزوجل قم الليل أي للصلاة وكان قيام الليل فرضا عليه إلا قليلا نصفه هذا بدل من الليل كا تقول ضربت زيدا رأسه فإنا ذكرت زيدا لتوكيد الكلام لأنه أوكد من قولك ضربت رأس زيد والمعنى قم من الليل النصف إلا قليلا أو انقص منه

[ 113 ]

قليلا أي من النصف أو زد عليه أي على النصف قال المفسرون انقص من النصف إلى الثلث أو زد عليه إلى الثلثين فجعل له سعة في مدة قيامه إذ لم تكن محدودة فكان يقوم ومعه طائفة من المؤمنين فشق ذلك عليه وعليهم فكان الرجل لا يدري كم صلى وكم بقي من الليل فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب فنسخ ذلك عنه وعنهم بقوله عزوجل إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل الآية هذا مذهب جماعة من المفسرين وقالوا ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه السورة وذهب قوم إلى أنه نسخ قيام الليل في حقه بقوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك الإسراء ونسخ في حق المؤمنين بالصلوات الخمس وقيل نسخ عن الأمة وبقي عليه فرضه أبدا وقيل إنما كان مفروضا عليه دونهم وفي مدة فرضه قولان أحدهما سنة قال ابن عباس كان بين أول المزمل وآخرها سنة والثاني ستة عشر شهرا حكاه الماوردي قوله عزوجل ورتل القرآن قد ذكرنا الترتيل في بني إسرائيل قوله عزوجل إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا وهو القرآن وفي معنى ثقله ستة أقوال أحدها أنه كان يثقل عليه إذا أوحي إليه وهذا قول عائشة قالت ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا والثاني أن العمل به ثقيل في فروضه وأحكامه قاله الحسن وقتادة والثالث أنه يثقل في الميزان يوم القيامة قاله ابن زيد

[ 114 ]

والرابع أنه المهيب كما يقال للرجل العاقل هو رزين راجح قاله عبد العزيز بن يحيى والخامس أنه ليس بالخفيف ولا السفساف لأنه كلام الرب عز وجل قاله الفراء والسادس أنه قول له وزن في صحته وبيانه ونفعه كما تقول هذا كلام رصين وهذا قول له وزن إذا استجدته ذكره الزجاج قوله عزوجل إن ناشئة الليل قال ابن مسعود وابن عباس هي قيام الليل بلسان الحبشة وهل هي في وقت مخصوص من الليل أم في جميعه فيه قولان أحدهما أنه في جميع الليل وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال الليل كله ناشئة وإلى هذا ذهب اللغويون قال ابن قتيبة ناشئة الليل ساعاته الناشئة من نشأت إذا ابتدأت وقال الزجاج ناشئة الليل ساعات الليل كل ما نشأ منه أي كل ما حدث وقال أبو علي الفارسي كأن المعنى إن صلاة ناشئة أو عمل ناشئة الليل والثاني أنها في وقت مخصوص من الليل ثم فيه خمسة أقوال أحدها أنها ما بين المغرب والعشاء قاله أنس بن مالك والثاني أنها القيام بعد النوم وهذا قول عائشة وابن الأعرابي وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية المروذي والثالث أنها ما بعد العشاء قاله الحسن ومجاهد وقتادة وأبو مجلز والرابع أنها بدء الليل قاله عطاء وعكرمة والخامس أنها القيام من آخر الليل قاله يمان وابن كيسان قوله عزوجل هي أشد وطا قرأ ابن عامر وأبو عمرو وطاء بكسر الواو مع المد وهو مصدر واطأت فلانا على كذا مواطأة ووطاء واراد أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم للقرآن والإحكام لتأويله ومنه قوله تعالى ليواطئوا عدة ما

[ 115 ]

حرم الله التوبة وقرأ الباقون وطأ بفتح الواو مع القصر والمعنى إنه أثقل على المصلي من ساعات النهار من قول العرب اشتدت على القوم وطأة السلطان إذا ثقل عليهم ما يلزمهم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشدد وطأتك على مضر ذكر معنى القراءتين ابن قتيبة وقرأ ابن محيصن أشد وطاء بفتح الواو والطاء وبالمد قوله عزوجل وأقوم قيلا أي أخلص للقول وأسمع له لأن الليل تهدأ فيه الأصوات فتخلص القراءة ويفرغ القلب لفهم التلاوة فلا يكون دون سمعه وتفهمه حائل قوله عزوجل إن لك في النهار سبحا طويلا أي فراغا لنومك وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك قاله ابن عباس وعطاء وقرأ علي وابن مسعود وابو عمران وابن أبي عبلة سبخا بالخاء المعجمة قال الزجاج ومعناها في اللغة صحيح يقال قد سبخت القطن بمعنى نفشته ومعنى نفشته وسعته فيكون المعنى إن لك في النهار توسعا طويلا قوله عزوجل واذكر اسم ربك أي بالنهار أيضا وتبتل إليه تبتيلا قال مجاهد أخلص له إخلاصا وقال ابن قتيبة انقطع إليه من قولك بثلت الشئ إذا قطعته وقال الزجاج انقطع إليه في العباد ومنه قيل لمريم البتول لأنها انقطعت إلى الله عزوجل في العبادة وكذلك صدقبتلة منقطعة من مال المصدق والأصل في مصدر تبتل تبتلا وإنما قوله عزوجل تبتيلا محمول على معنى تبتل رب المشرق قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم رب بالرفع وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم بالكسر وما بعد هذا قد سبق الشعراء إلى قوله تعالى واصبر على ما يقولون من

[ 116 ]

التكذيب لك والأذى واهجرهم هجرا جميلا لا جزع فيه وهذه الآية عند المفسرين منسوخة بآية السيف وذرني والمكذبين أي لا تهتم بهم فأنا أكفيكهم أولي النعمة يعني التنعم وفيمن عني بهذا ثلاثة أقوال أحدها أنهم المطعمون ببدر قاله مقاتل بن حيان والثاني أنهم بنو المغيرة بن عبد الله قاله مقاتل بن سليمان والثالث أنه المستهزئون وهم صناديد قريش حكاه الثعلبي قوله عزوجل ومهلهم قليلا قالت عائشة فلم يكن إلا اليسير حتى كانت وقعة بدر وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف وليس بصحيح قوله عزوجل إن لدينا أنكالا وهي القيود واحدها نكل وقد شرحنا معنى الجحيم في البقرة وطعاما ذا غصة وهو الذي لا يسوغ في الحلق وفيه للمفسرين أربعة أقوال أحدها أنه شوك يأخذ الحلق فلا يدخل ولا يخرج قاله ابن عباس وعكرمة والثاني الزقوم قاله مقاتل والثالث الضريع قاله الزجاج والرابع الزقوم والغسلين والضريع حكاه الثعلبي قوله عزوجل يوم ترجف الأرض قال الزجاج هو منصوب بقوله عزوجل إن لدينا أنكالا والمعنى ينكل الكافرين ويعذبهم يوم ترجف الأرض أي تزلزل وتحرك أغلظ حركة قوله عزوجل وكانت الجبال قال مقاتل المعنى وصارت بعد الشدة والقوة كثيبا قال الفراء الكثيب الرمل والمهيل الذي ترحك عند أسفله فينهال عليك من أعلاه والعرب تقول مهيل ومهيول ومكيل ومكيول وقال الزجاج الكثيب جمعه كثبان وهي القطع العظام من الرمل والمهيل السائل

[ 117 ]

قوله عزوجل إنا أرسلنا إليكم يعني أهل مكة رسولا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم شاهدا عليكم بالتبليغ وإيمان من آمن وكفر من كفر كما أرسلنا إلى فرعون رسولا وهو موسى عليه السلام والوبيل الشديد قال ابن قتيبة هو من قولك استوبلت لأنه المكان ويقال استوبلت المكان ويقال كلأ مستوبل لا يستمرأ قال الزجاج الوبيل الثقيل الغليظ جدا ومنه قيل للمطر العظيم وابل قال مقاتل والمراد بهذا الأخذ الوبيل الغرق وهذا تخويف لكفار مكة أن ينزل بهم العذاب لتكذيبهم كما نزل بفرعون قوله عزوجل فكيف تتقون إن كفرتم يوما أي عذاب ويوم قال الزجاج المعنى بأي شئ تتحصنون من عذاب يوم من هوله يشيب الصغير من غير كبر وقرأ أبي بن كعب وأبو عمران نجعل الولدان بالنون قوله عزوجل السماء منفطر به قال الفراء السماء تذكر وتؤنث وهي ها هنا في وجه التذكير قال الشاعر فلو رفع السماء إليه قوما * لحقنا يا بالسماء مع السحاب قال الزجاج وتذكير السماء على ضربين أحدهما على أن معنى السماء معنى السقف والثاني على قولهم امرأة مرضع على جهة النسب فالمعنى السماء ذات انفطار كما أن المرضع ذات الرضاع وقال ابن قتيبة ومعنى الآية السماء منشق به أي فيه يعني في ذلك اليوم قوله عزوجل كان وعده مفعولا وذلك أنه وعد بالبعث فهو كائن لا محالة إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي اليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر اليل والنهار علم ألن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى

[ 118 ]

وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا فاقرء وأما تيسر منه وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم إن هذه يعني آيات القرآن تذكرة أي تذكير وموعظة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة قوله عزوجل إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى أي أقل من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة بفتح الفاء والثاء والباقون بكسرهما قوله عزوجل وطائفة من الذين معك يعني المؤمنين والله يقدر الليل والنهار يعلم مقاديرهما فيعلم القدر الذي تقومون به من الليل علم أن لن تحصوه وفيه قولان أحدهما لن تطيقوا قيام ثلثي الليل ولا ثلث الليل ولا نصف الليل قاله مقاتل والثاني لن تحفظوا مواقيت الليل قاله الفراء فتاب عليكم أي عاد عليكم بالمغفرة والتخفيف فاقرؤوا ما تيسر عليكم من القرآن يعني في الصلاة من غير أن توقت وقتا وقال الحسن هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء ثم ذكر أعذارهم فقال عزوجل علم أن سيكون منكم مرضى فلا يطيقون قيام الليل وآخرون يضربون في الأرض وهم المسافرون للتجارة يبتغون من فضل الله أي من رزقه فلا يطيقون قيام الليل وآخرون يقاتلون في سبيل الله وهم المجاهدون فلا يطيقون قيام الليل وفاقرؤوا يكون ما تيسر من القرآن وذكروا أن هذا نسخ عن المسلمين بالصلوات الخمس فذلك قوله تعالى وأقيموا الصلاة أي الصلوات الخمس في أوقاتها وأقرضوا الله قرضا حسنا وقد سبق بيانه الحديد قال ابن عباس يريد سوى الزكاة في صلة الرحم وقرى الضيف وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله أي تجدوا ثوابه في الآخرة هو خيرا قال أبو عبيدة المعنى تجدوه خيرا قال الزجاج ودخلت هو فصلا وقال المفسرون ومعنى خيرا أي مما أعطيتم وأعظم أجرا من الذي تؤخرونه إلى وقت الوصية عند الموت

[ 119 ]

74 سورة المدثر مكية 1 وهي مكية بإجماعهم قال مقاتل فيها من المدني آية وهي قوله تعالى وما جعلنا عدتهم إلا فتنة بسم الله الرحمن الرحيم يأيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكفرين غير يسير ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان

[ 120 ]

لآيتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدرك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر كلا والقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر فاما سبب نزولها فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو في الهواء يعني جبريل عليه السلام فأقبلت إلى خديجة فقلت دثروني دثروني فأنزل الله عز وجل يا أيها المدثر قم فأنذر قال المفسرون فلما رأى جبريل وقع مغشيا عليه فلما أفاق دخل إلى خديجة ودعا بماء فصبه عليه وقال دثروني فدثروه بقطيفة فأتاه جبريل فقال يا أيها المدثر وقرأ أبي بن كعب وابو عمران والأعمش المتدثر بإظهار التاء وقرأ أبو رجاء وعكرمة وابن يعمر المدثر بحذف التاء وتخفيف الدال قال اللغويون وأصل

[ 121 ]

المدثر المتدثر فأدغمت التاء كما ذكرنا في المتزمل وهذا في قول الجمهور من التدثير بالثياب وقيل المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها قال عكرمة دثرت هذا الأمر فقم به قوله عزوجل قم فأنذر كفار مكة العذاب إن لم يوحدوا وربك فكبر أي عظمه عما يقول عبدة الأوثان وثيابك فطهر فيه ثمانية أقوال أحدها لا تلبسها على معصية ولا على غدر قال غيلان بن سلمة الثقفي وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست سعيد ولا من غدرة أتقنع روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس والثاني لا تكن ثيابك من مكسب غير طاهر روي عن ابن عباس أيضا والثالث طهر نفسك من الذنب قاله مجاهد وقتادة ويشهد له قول عنترة فشككت بالرمح الأصم ثيابه * ليس بكر الكريم على القنا بمحرم أي نفسه وهذا مذهب ابن قتيبة قال المعنى طهر نفسك من الذنوب فكنى عن الجسم بالثياب لأنها تشتمل عليه قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا رموها قد بأثواب خفاف فلا ترى * لها وفي شبها إلا النعام المنفرا أي ركبوها فرموها بأنفسهم والعرب تقول للعفاف إزار لأن العفيف كأنه استتر لما عف والرابع وعملك فأصلح قاله الضحاك والخامس خلقك فحسن قاله الحسن والقرظي والسادس وثيابك فقصر وشمر قاله طاوس والسابع قلبك فطهر قاله سعيد بن جبير ويشهد له قول امرئ القيس فإن يك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل أي قلبي من قلبك والثامن اغسل ثيابك بالماء ونقها قاله ابن سيرين وابن زيد

[ 122 ]

قوله عزوجل والرجز فاهجر قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم إلا أبا بكر ويعقوب وابن محصين وابن السميفع والرجز بضم الراء والبقاون بكسرها ولم يختلفوا في غير هذا الموضع قال الزجاج ومعنى القراءتين واحد وقال أبو علي قراءة الحسن بالضم وقال هو اسم صنم وقال قتادة صنمان إساف ونائلة ومن كسر فالوجز فلا العذاب فالمعنى ذو العذاب فاهجر معنى الرجز للمفسرين ستة أقوال أحدها أنه الأصنام والأوثان قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والزهري والسدي وابن زيد والثاني أنه الإثم روي عن ابن عباس أيضا والثالث الشرك قاله ابن جبير والضحاك والرابع الذنب قاله الحسن والخامس العذاب قاله ابن السائب قال الزجاج الرجز في اللغة العذاب ومعنى الآية اهجر ما يؤدي إلى عذاب الله والسادس الشيطان قاله ابن كيسان ولا تمنن تستكثر فيه أربعة أقوال أحدها لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة قال المفسرون معناه أعط لربك وأرد به الله فأدبه بأشرف الآداب ومعنى لا تمنن لا تعط شيئا من ملك لتعطى أكثر منه وهذا الأدب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة وليس على أحد من أمته إثم أن يهدي هدية يرجو بها ثوابا أكثر منها والثاني لا تمنن بعملك تستكثره على ربك قاله الحسن والثالث لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه قاله مجاهد والرابع لا تمنن على الناس بالنبوة لتأخذ عليها منهم أجرا قاله ابن زيد قوله ولربك فيه أربعة أقوال

[ 123 ]

وحدها لأجل ربك والثاني لثواب ربك والثالث لأمر ربك والرابع لوعد ربك فاصبر فيه قولان أحدهما على طاعته وفرائضه والثاني على الأذى والتكذيب قوله عزوجل فإذا نقر في الناقور أي نفخ في الصور وهل هذه النفخة هي الأولى أو الثانية فيه قولان فذلك يومئذ يوم عسير أي يعسر الأمر فيه على الكافرين غير يسير غير هين قوله ذرني قد شرحناه في المزمل 1 ومن خلقت أي ومن خلقته وحيدا فيه قولان أحدهما خلقته وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد قاله مجاهد والثاني خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد قاله الزجاج قال ابن عباس جاء الوليد ابن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا فإنك أتيت محمدا تتعرض لما قبله فقال قد علمت قريش أني من أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني فوالله ما يشبهها الذي يقول والله إن لقوله حلاوة وإن عليه طلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلوا ولا يعلى قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال فدعني حتى أفكر فيه فقال هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ذرني ومن خلقت وحيدا الآيات كلها وقال مجاهد قال الوليد لقريش إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا في دار الندوة فقال إنكم ذوو أحساب وأحلام وإن العرب يأتونكم وينطلقون منه من عندكم على أمر مختلف فأجمعوا على شئ واحد ما تقولون في هذا الرجل قالوا نقول إنه شاعر فعبس عندها وقال قد سمعنا الشعر فما يشبه قوله الشعر فقالوا نقول إنه كاهن قال إذن يأتونه فلا تجدونه يحدث بما يحدث به الكهنة قالوا نقول إنه مجنون قال إذن يأتونه فلا

[ 124 ]

تجدونه مجنونا فقالوا نقول إنه ساحر قال وما الساحر قالوا بشر يحببون بين المتباغضين ويبغضون بين المتحابين قال فهو ساحر فخرجوا لا يلقى أحد منهم النبي إلا قال يا ساحر فاشتد ذلك عليه فأنزل الله عز وجل يا أيها المدثر إلى قوله عزوجل إن هذا إلا سحر يؤثر وذكر بعض المفسرين أن قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا منسوخ بآية السيف ولا يصح قوله عزوجل وجعلت له مالا ممدودا في معنى الممدود ثلاثة أقوال أحدها كثيرا قاله أبو عبيدة والثاني دائما قاله ابن قتيبة والثالث غير منقطع قاله الزجاج وللمفسرين في مقداره أربعة أقوال أحدها غلة شهر بشهر قاله عمر بن الخطاب والثاني ألف دينار قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير قال الفراء نرى أن الممدود جعل غاية للعدد لأن ألف غاية العدد ترجع في أول العدد من الألف والثالث أربعة آلاف قاله قتادة والرابع أنه بستان كان له بالطائف لا ينقطع خيره شتاء ولا صيفا قاله قاتل قوله تعالى وبنين شهودا أي حضروا معه لا يحتاجون إلى التصرف والنفر فيغيبوا عنه وفي عددهم أربعة أقوال أحدها عشرة قاله مجاهد وقتادة والثاني ثلاثة عشر قاله ابن جبير والثالث اثنا عشر قاله السدي والرابع سبعة قاله مقاتل ومهدت له تمهيدا أي بسطت له العيش وطول العمر ثم يطمع أن أزيد فيه قولان أحدهما يطمع أن أدخله الجنة قاله الحسن والثاني أن أزيده من المال والولد قاله مقاتل

[ 125 ]

إلى قوله كلا أي لا أفعل فمنعه الله المال والولد حتى مات فقيرا إنه كان لآياتنا عنيدا أي معاندا وفي المراد بالآيات هنا ثلاثة أقوال أحدها أنه القرآن قاله ابن جبير والثاني الحق قاله مجاهد والثالث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله السدي قوله عزوجل سأرهقه صعودا قال الزجاج سأحمله: على مشقة من العذاب لا راحة له منها وقال ابن قتيبة الصعود العقبة الشاقة وكذلك الكؤود وفي حديث أبي سعيد عن نبي الله صلى الله عليه وسلم في قوله عزوجل سأرهقه صعودا قال جبل من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع رجله عليها ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع ذابت وإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا وذكر ابن السائب أنه جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من سفله سلاسل الحديد ويضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين سنة قوله تعالى إنه فكر أي تفكر ماذا يقول في القرآن وقدر القول في نفسه فقتل أي لعن كيف قدر ثم قتل كيف قدر أي لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام وقيل كيف ها هنا بمعنى التعجب والإنكار والتوبيخ وإنما كرر تأكيدا ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن ويرده ثم عبس وبسر قال اللغويون أي كره وجهه وقطب يقال بسر الرجل وجهه إذا قبضه وأنشدوا لتوبة وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها غير عن حاجتي وبسورها قال المفسرون كره وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم بعد المتفكر في الشئ ثم أدبر عن الإيمان واستكبر أي تكبر حين دعي إليه فقال إن هذا أي ما هذا القرآن إلا سحر يؤثر أي يروى عن السحرة إن هذا إلا قول البشر أي من كلام الإنس وليس من كلام

[ 126 ]

الله تعالى فقال الله تعالى سأصليه سقر أي سأدخله النار وقد ذكر سقر في سورة القمر قوله وما أدراك ما سقر بعظم شأنها لا تبقي ولا تذر أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا لواحة أي مغيرة يقال لاحته الشمس أي غيرته وأنشدوا يا بنت عمي لاحني الهواجر قوأابن مسعود وابن السميفع وابن أبي عبلة لواحة بالنصب وفي البشر قولان أحدهما أنه جمع بشرة وهي جلدة الإنسان الظاهرة وهذا قول مجاهد والفراء والزجاج والثاني أنهم الإنس من أهل النار قاله الأخفش وابن قتيبة في آخرين قوله عزوجل عليها تسعة عشر وهم خزانها مالك ومعه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر قد نزعت منهم الرحمة فلما نزلت هذه الآية قال أبو جهل يخوفكم محمد بتسعة عشر ما له من الجنود إلا هؤلاء أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشو بواحد منهم ثم يخرجون من النار فقال أبو الأشدين قال مقاتل اسمه أسيد بن كلدة وقال غيره كلدة بن خلف الجمحي يا معشر قريش أنا أمشي بين أيديكم وادفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر فندخل الجنة فأنزل الله تعالى وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة لا أدميين فمن يطيقهم ومن يغلبهم وما جعلنا عدتهم في هذه القلة إلا فتنة أي ضلالة للذين كفروا حتى قالوا ما قالوا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أن ما جاء به

[ 127 ]

محمد حق لأن عدتهم في التوارة تسعة عشر ويزداد الذين آمنوا من أهل الكتاب إيمانا أي تصديقا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ وجدوا ما يخبرهم موافقا لما في كتابهم ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون أي ولا يشك هؤلاء في عدد الخزنة وليقول الذين في قلوبهم مرض وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه النفاق ذكره الأكثرون والثاني أنه الشك قاله مقاتل وزعم أنهم يهود أهل المدينة وعنده أن هذه الآية مدنية والثالث أنه الخلاف قاله الحسين بن الفضل وقال لم يكن بمكة نفاق وهذه مكية فأما الكافرون فهم مشركو العرب ماذا أراد الله أي أي شئ أراد الله بهذا الحديث والخبر مثلا والمثل يكون بمعنى الحديث نفسه ومعنى الكلام يقولون ما هذا من الحديث كذلك أي كما أضل من انكر عدد الخزنة وهدى من صدق يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وأنزل في قول ابي جهل أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر وما يعلم جنود ربك إلا هو يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار وذلك أن لكل واحد من هؤلاء التسعة عشر من الأعوان ما لا يعلمه إلا الله وذكر الماوردي في وجه الحكمة في كونهم تسعة عشر قولا محتملا فقال التسعة عشر عدد يجمع أكثر القليل وأقل الكثير لأن الآحاد أقل الأعداد وأكثرها تسعة وما سوى الآحاد كثير وأقل الكثير عشرة فوقع الاقتصار على عدد يجمع أقل الكثير وأكثر القليل ثم رجع إلى ذكر النار فقال عزوجل وما هي إلا ذكرى أي ما النار في الدنيا إلا مذكرة لنار الآخرة كلا أي حقا والقمر والليل إذ أدبر قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم إذا أدبر وقرأ نافع وحمزة وحفص والفضل عن عاصم ويعقوب إذ بسكون الذال من غير ألف بعدها أدبر بسكون الدال وبهمزة قبلها وهل عنى القراءتين واحد أم لا فيه قولان أحدهما أنهما لغتان بمعنى واحد يقال دبر الليل وأدبر ودبر الصيف وأدبر هذا قول الفراء والأخفش وثعلب

[ 128 ]

والثاني أن دبر بمعنى خلف وأدبر بمعنى ولى يقال دبرني فلان جاء خلفي وإلى هذا المعنى ذهب أبو عبيدة وابن قتيبة قوله عزوجل إذا أسفر أي أضاء وتبين إنها يعني سقر لإحدى الكبر قال ابن قتيبة الكبر جمع كبرى مثل الأول والأولى والصغر والصغرى وهذا كما يقال إنها لإحدى العظائم قال الحسن والله ما أنذر الله بشئ أوهى منها وقال ابن السائب ومقاتل أراد بالكبر دركات جهنم السبعة قوله عزوجل نذيرا للبشر قال الزجاج نصب نذيرا على الحال لمعنى إنها لكبيرة في حالة الإنذار وذكر النذير لأن معناه معنى العذاب ويجوز أن يكون نذيرا منصوبا متعلقا بأول السورة على معنى قم نذيرا للبشر قوله عزوجل لمن شاء منكم بدل من قوله تعالى للبشر أن يتقدم أو يتأخر فيه أربعة أقوال أحدها أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عن معصيته قاله ابن جريج والثاني أن يتقدم إلى النار أو يتأخر عن الجنة قاله السدي والثالث أن يتقدم في الخير أو يتأخر إلى الشر قاله يحيى بن سلام والرابع أن يتقدم في الإيمان أو يتأخر عنه والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل أحد ممن أقر أو كفر كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنت يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين

[ 129 ]

وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتنا اليقين فما تنفعهم شفعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة قوله عزوجل كل نفس بما كسبت رهينة فيه ثلاثة أقوال أحدها كل نفس بالغة مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين وهم أطفال المسلمين فإنه لا حساب عليهم لأنه لا ذنوب لهم قاله علي رضي الله عنه واختاره الفراء والثاني كل نفس من أهل النار مرتهنة في النار إلا أصحاب اليمين وهم المؤمنون فإنهم في الجنة قاله الضحاك والثالث كل نفس مرتهنة بعملها لتحاسب عليه إلا أصحاب اليمين فإنهم لا يحاسبون قاله ابن جريج قوله عزوجل يتساءلون عن المجرمين قال مقاتل إذا خرج أهل التوحيد من النار قال المؤمنون لمن بقي في النار ما سلككم في سقر قال المفسرون وهذه الآية تقوي أنهم الولدان لأنهم لم يعرفوا الدنوب فسألوا ما سلككم في سقر ؟ قال المفسرون سلككم بمعنى أدخلكم وقال مقاتل ما حبسكم فيها قالوا لم نك من المصلين لله في دار الدنيا ولم نك نطعم المسكين أي لم نتصدق لله وكنا نخوض مع الخائضين أهل الباطل والتكذيب وكنا نكذب بيوم الدين أي بيوم الجزاء والحساب حتى أتانا اليقين وهو الموت يقول الله تعالى فما

[ 130 ]

تننعهم شفاعة الشافعين وهذا إنما جرى بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والشهداء والمؤمنين وهذا يدل على نفع الشفاعة لمن آمن فما لهم عن التذكرة معرضين يعني كفار قريش حين نفروا من القرآن والتذكير بمواعظه والمعنى لا شئ لهم في الآخرة إذ أعرضوا عن القرآن ولم يؤمنوا به ثم شبههم في نفورهم عنه بالحمر فقال تعالى كأنهم حمر مستنفرة قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل عن عاصم بفتح الفاء والباقون بكسرها قال أبو عبيدة وابن قتيبة من قرأ بفتح الفاء أراد مذعورة استنفرت فنفرت ومن قرأ بكسر الفاء أراد نافرة قال الفراء أهل الحجاز يقولون حمر مستنفرة وناس من العرب يكسرون الفاء والفتح أكثر في كلام العرب وقراءتنا بالكسر أنشدني الكسائي إحبس علي حمارك إنه مستنفر * في حتى إثر أحمرة عمدن لغرب وغرب موضع وفي القسورة سبعة أقوال أحدها أنه الأسد رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس وبه قال أبو هريرة وزيد بن أسلم وابنه قال ابن عباس الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه فكذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم هربوا منه وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والزجاج قال ابن قتيبة كأنه من القسر والقهر الاسد يقهر السباع والثاني أن القسورة الرماة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال أبو موسى الأشعري ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل وابن كيسان

[ 131 ]

والثالث أن القسروة فإن حبال الصيادين رواه عكرمة عن ابن عباس والرابع أنهم عصب الرجال رواه أبو همزة عن ابن عباس واسم ابي حمزة نصربن عمران الضبعي والخامس أنه ركن الناس وهذا في رواية عطاء أيضا عن ابن عباس وركن الناس حسهم وأصواتهم والسادس أنه الظلمة والليل قاله عكرمة والسابع أنه النبل قاله قتادة قوله عزوجل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ثلاثة أقوال أحدها أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن سرك أن نتبعك فليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله تعالى إلى فلان بن فلان يؤمر فيه باتباعك قاله الجمهور والثاني أنهم أرادوا براءة من النار أن لا يعذبوا بها قاله أبو صالح والثالث أنهم قالوا كان الرجل إذا أذنب في بني إسرائيل وجده مكتوبا إذا أصبح في رقعة فما بالنا لا نرى ذلك فنزلت هذه الآية قاله الفراء فقال الله تعالى كلا أي لا يؤتون الصحف بل لا يخافون الآخرة أي لا يخشون عذابها وفالمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة كلا أي حقا وقيل معنى كلا ليس الأمر كما يريدون ويقولون إنه تذكرة أي تذكير وموعظة فمن شاء ذكره الهاء عائدة على القرآن فالمعنى فمن شاء أن يذكر القرآن ويتعظ به ويفهمه ذكره ثم رد المشيئة إلى نفسه فقال عز وجل وما يذكرون إلا أن يشاء الله أي إلا أن يريد لهم الهدى هو أهل التقوى أي أهل أن يتقى وأهل المغفرة أي أهل أن يغفر لمن تاب روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تلا هذه الآية فقال قال ربكم عز وجل أنا أهل أن أتقى فلا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي غيري أن أغفر له

[ 132 ]

سورة القيامة مكية وايايها اربعون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بيوم القيمة ولا أقسم بالنفس اللوامة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قدرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنساني يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ينبؤا الإنسن يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسن على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره قوله تعالى لا أقسم اتفقوا على أن المعنى قسم واختلفوا في لا فجعلها

[ 133 ]

بعضهم زائدة كقوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب الحديد وجعلها بعضهم توكيدا للقسم كقولك لا والله لا أفعل وجعلها بعضهم ردا على منكري البعث ويدل عليه أنه أقسم على كون البعث قال ابن قتيبة زيدت لا على نية الرد على المكذبين كما تقول لا والله ما ذاك ولو حذفت جاز ولكنه أبلغ في الرد وقرأ ابن كثير إلا ابن فليح لأقسم بغير ألف بعد اللام فجعلت لاما دخلت على أقسم وهي قراءة ابن عباس وأبي عبد الرحمن والحسن ومجاهد وعكرمة وابن محيصن قال الزجاج من قرأ لأقسم فاللام لام القسم والتوكيد وهذه القراءة بعيدة في العربية لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا مع النون تقول لأضربن زيدا ولا يجوز لأضرب زيدا قوله عزوجل ولا أقسم بالنفس اللوامة قال الحسن أقسم بالأولى ولم يقسم بالثانية وقال قتادة حكمها حكم الأولى وفي النفس اللوامة ثلاثة اقوال أحدها أنها المذمومة قاله ابن عباس فعلى هذا هي التي تلوم نفسها حين لا ينفعها اللوم والثاني أنها النفس المؤمنة قاله الحسن قال لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال والثالث أنها جميع النفوس قال الفراء ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قال هلا زدت وإن كانت عملت سوءا قال ليتني لم أفعل قوله عزوجل أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه المراد بالإنسان ها هنا الكافر

[ 134 ]

وقال ابن عباس يريد أبا جهل وقال مقاتل عدي بن ربيعة وذلك أنه قال أيجمع الله هذه العظام فقال النبي صلى الله عليه وسلم له نعم فاستهزأ منه فنزلت هذه الآية قال ابن الأنباري وجواب القسم محذوف كأنه لتبعثن لتحاسبن فدل قوله تعالى أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه على الجواب فحذف وقوله عزوجل بلى وقف حسن ثم يبتدأ قادرين على معنى بلى نجمعها قادرين ويصلح نصب قادرين على التكرير بل فليحسبنا قادرين على أن نسوي بنانه وفيه قولان أحدهما أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحد كخف البعير وحافر الحمار فيعدم الاتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة هذا قول الجمهور والثاني يقدر على نسوية بنانه كما كانت وإن صغرت عظامها ومن قدر على جمع صغار العظام كان على جمع كبارها أقدر هذا قول ابن قتيبة والزجاج وقد بينا معنى البنان في الأنفال قوله عزوجل بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فيه قولان أحدهما يكذب بما أمامه من البعث والحساب قاله ابن عباس والثاني يقدم الذنب ويؤخر التوبة ويقول سوف أتوب قاله سعيد بن جبير فعلى هذا يكون المراد بالإنسان المسلم وعلى الأول الكافر قوله عزوجل يسأل أيان يوم القيامة أي متى هو تكذيبا به وهذا هو الكافر فإذا برق البصر قرأ أهل المدينة وأبان عن عاصم برق بفتح الراء والباقون بكسرها قال الفراء العرب تقول برق البصر يبرق وبرق يبرق إذا رأى هولا يفزع منه وبرق أكثر

[ 135 ]

وأجود قال الشاعر فنفسك النبي فانع ولا تنعنى * وداو وإن الكلوم ولا تبرق بالفتح يقول لا تفزع من هول الجراح التي بك قال المفسرون يشخص بصر الكافر يوم القيامة فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا وقال مجاهد برق البصر عند الموت قوله عزوجل وخسف القمر قال أبو عبيدة كسف وخسف بمعنى واحد أي ذهب ضوؤه قوله عزوجل وجمع الشمس والقمر إنما قال جمع لتذكير القمر هذا قول أبي عبيدة وقال الفراء إنما لم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما وفي معنى الآية قولان أحدهما جمع بين ذاتيهما وقال ابن مسعود جمعا كالبعيرين القرينين وقال عطاء بن يسار يجمعان ثم يقذفان في البحر وقيل يقذفان في النار وقيل يجمعان فيطلعان من المغرب والثاني جمع بينهما في ذهاب نورهما قاله الفراء والزجاج قوله عزوجل يقول الإنسان يعني المكذب بيوم القيامة أين المفر قرأ الجمهور بفتح الميم والفاء وقرأ ابن عباس ومعاوية وأبو رزين وأبو عبد الرحمن والحسن وعكرمة والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة بكسر الفاء قال الزجاج فمن فتح فالمعنى أين الفرار ومن كسر فالمعنى أين مكان الفرار تقول جلست مجلسا بالفتح يعني جلوسا فإذا قلت مجلسا بالكسر فأنت تريد المكان قوله عزوجل كلا لا وزر قال ابن قتيبة لا ملجأ واصل الوزر الجبل الذي يمتنع فيه إلى ربك يومئذ المستقر أي المنتهى والمرجع هو الإنسان يومئذ بما قدم

[ 136 ]

وأخر فيه ستة أقوال أحدها بما قدم قبل موته وما سن من شئ فعمل به بعد موته قاله ابن مسعود وابن عباس والثاني ينبأ بأول عمله وآخره قاله مجاهد والثالث بما قدم من الشر وأخر من الخير قاله عكرمة والرابع بما قدم من فرض وأخر من فرض قاله الضحاك والخامس بما قدم من معصية وأخر من طاعة والسادس بما قدم من أمواله وما خلف للورثة قاله زيد بن أسلم قوله عزوجل بل الإنسان على نفسه بصيرة قال الفراء المعنى بل على الإنسان من نفسه بصيرة أي رقباء يشهدون عليه بعمله وهي الجوارح قال ابن قتيبة فلما كانت جوارحه منه أقامها مقامه وقال أبو عبيدة جاءت الهاء في بصيرة في صفة الذكر كما كانت في رجل راوية وطاغية وعلامة قوله عزوجل ولو ألقى معاذيره وفي المعاذير قولان أحدهما أنه جمع عذر فالمعنى لو اعتذر وجادل عن نفسه فعليه من يكذب عذره وهي الجوارح وهذا قول الأكثرين والثاني أن المعاذير جمع معذار وهو الستر والمعاذير الستور فالمعنى ولو أرخى ستوره هذا قول الضحاك والسدي والزجاج فيخرج في معنى ألقى قولان أحدهما قال ومنه فألقوا إليهم القول النحل وهذا على القول الأول والثاني أرخى وهذا على القول الثاني

[ 137 ]

لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة قوله عزوجل لا تحرك به لسانك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي يعالج من التنزيل شدة وكان يشتد عليه حفظه وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظه فأنزل الله تعالى هذه الآية ومعناها لا تحرك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه إن علينا جمعه وقرآنه قال ابن قتيبة أي ضمه وجمعه في صدرك فإذا قرأناه أي جمعناه فاتبع قرآنه أي جمعه قال المفسرون يعني اقرأ إذا فرغ جبريل من قراءته قال ابن عباس فاتبع قرآنه أي اعمل به وقال قتادة فاتبع حلاله وحرامه ثم إن علينا بيانه فيه أربعة أقوال أحدها نبينه بلسانك فتقرؤه وسلم كما أقرأك جبريل وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله قاله ابن عباس والثاني إن علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد قاله الحسن والثالث إن علينا بيان ما فيه من الأحكام والحلال والحرام قاله قتادة

[ 138 ]

والرابع علينا أن ننزله قرآنا عربيا فيه بيان للناس قاله الزجاج قوله عزوجل كلا قال عطاء أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه وقال ابن جرير المعنى ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون ولكن دعاكم إلى قيل ذلك محبتكم للعاجلة قوله عزوجل بل تحبون العاجلة قرأ ابن كثير وأبو عمرو بل يحبون العاجلة ويذرون بالياء فيهما وقرأ الباقون بالتاء فيهما والمراد كفار مكة يحبونها ويعملون لها ويذرون الآخرة أي يتركون العمل لها إيثارا للدنيا عليها قوله عزوجل ووجوه يومئذ ناضرة قال ابن قتيبة أي عابسة مقطبة قوله عزوجل تظن قال الفراء أي تعلم والفاقرة يقال انه الداهية قال ابن قتيبة إنه من فقارة الظهر كأنها تكسره يقال فقرت الرجل إذا كسرت فقاره كما يقال رأسته إذا ضربت رأسه وبطنته إذا ضربت بطنه قال ابن زيد والفاقرة دخول النار قال ابن السائب هي أن تحجب عن ربها فلا تنظر إليه كلا إذ بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق فلا صدق ولا صلى ولكن كذب

[ 139 ]

وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى الم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قوله عزوجل كلا قال الزجاج كلا ردع وتنبيه المعنى ارتدعوا عما يؤدي إلى العذاب وقال غيره معنى كلا لا يؤمن الكافر بهذا قوله عزوجل إذا بلغت يعني النفس وهذه كناية عن غير مذكور والتراقي العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال وواحدة التراقي ترقوة ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت وقيل من راق فيه قولان أحدهما أنه قول الملائكة بعضهم لبعض من يرقى روحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس وبه قال أبو العالية ومقاتل والثاني أنه قول أهله هل من راق يرقيه بالرقى وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال عكرمة والضحاك وابو قلابة وقتادة وابن زيد وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج قوله عزوجل وظن أي ايقن الذي بلغت روحه التراقي أنه الفراق للدنيا والتفت الساق بالساق فيه خمسة أقوال أحدها أمر الدنيا بأمر الآخرة رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثاني اجتمع فيه الحياة والموت قاله الحسن وعن مجاهد كالقولين والثالث التفت ساقاه في الكفن قاله سعيد بن المسيب

[ 140 ]

الرابع التفت ساقاه عند الموت قاله الشعبي والخامس الشدة بالشدة قاله قتادة قال الزجاج آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة قوله عزوجل إلى ربك يومئذ المساق أي إلى الله المنتهى فلا صدق ولا صلى قال أبو عبيدة لا ها هنا في موضع لم قال المفسرون هو أبو جهل ولكن كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان ثم ذهب إلى أهله يتمطى أي رجع إليهم يتبختر ويختال قال الفراء يتمطى أي يتبختر لأن الظهر هو المطا فيلوي ظهره متبخترا وقال ابن قتيبة أصله يتمطط فقلبت الطاء فيه ياء كما قيل يتظنى واصله يتظنن فيه ومنه المشية المطيطاء واصل الطاء في هذا كله دال إنما هو مد يده في المشي إذا تبختر يقال مططت صلى ومددت بمعنى قوله عزوجل أولى لك فأولى قال ابن قتيبة هو تهديد ووعيد وقال الزجاج العرب تقول أولى لفلان إذا دعت عليه بالمكروه ومعناه وليك المكروه يا أبا جهل قوله عزوجل أيحسب الإنسان يعني أبا جهل أن يترك سدى قال ابن قتيبة أي يهمل فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعاقب يقال أسديت الشئ أي أهملته ثم دل على البعث بقوله عزوجل ألم يك نطفة من مني يمنى قرأ أبن كثير ونافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم تمنى بالتاء وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب يمنى بالياء وعن أبي عمرو كالقراءتين وقد شرحنا هذا في النجم ثم كان علقة بعد النطفة فخلق فيه الروح وسوى خلقه فجعل منه أي خلق من مائه أولادا ذكورا وإناثا اليس ذلك الذي فعل هذا بقادر على أن يحيي وقرأ أبو بكر الصديق وأبو رجاء وعاصم الجحدري يقدر على أن يحيي الموتى وهذا تقرير لهم أي إن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة قال ابن عباس إذا قرأ أحدكم هذه الآية فليقل اللهم بلى

[ 141 ]

76 سورة الانسان مدنية وايايها احدى وثلاثون سورة هل أتى ويقال لها سورة الإنسان وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها مدنية كلها قاله الجمهور منهم مجاهد وقتادة والثاني مكية قاله ابن يسار ومقاتل وحكي عن ابن عباس والثالث أن فيها مكيا ومدنيا ثم في ذلك قولان أحدهما أن المكي منها آية وهو قوله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا وباقيها جميعه مدني قاله الحسن وعكرمة والثاني أن أولها مدني إلى قوله تعالى إنا نحن نزلنا عليك القرآن الإنسان 2 ومن هذه الآية إلى آخرها مكي حكاه الماوردي بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسن من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا

[ 142 ]

قوله تعالى هل أتى قال الفراء معناه قد أتى وهل تكون خبرا وتكون جحدا فهذا من الخبر لأنك تقول هل وعظتك هل أعطيتك فتقرره وقال بأنك قد فعلت ذلك والجحد أن تقول وهل يقدر أحد على مثل هذا وهذا قول المفسرين وأهل اللغة وفي هذا الإنسان قولان أحدهما أنه آدم عليه السلام والحين الذي أتى عليه أربعون سنة وكان مصورا من طين لم ينفخ فيه الروح هذا قول الجمهور والثاني أنه جميع الناس روي عن ابن عباس وابن جريج فعلى هذا يكون الإنسان اسم جنس ويكون الحين زمان كونه نطفة وعلقة ومضغة قوله عزوجل لم يكن شيئا مذكورا المعنى أنه كان شيئا غير أنه لم يكن مذكورا قوله عزوجل إنا خلقنا الإنسان يعني ولد آدم من نطفة أمشاج قال ابن قتيبة أي أخلاط يقال مشجته أنه فهو مشيج يريد اختلاط ماء المرأة بماء الرجل قوله تعالى نبتليه قال الفراء هذا مقدم ومعناه التأخير لأن المعنى خلقناه وجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه قال الزجاج المعنى جعلناه كذلك لنختبره وقوله عز وجل إنا هديناه السبيل أي بينا له سبيل الهدى بنصب الأدلة وبعث الرسول إما شاكرا أي خلقناه إما شاكرا وإما كفورا قال الفراء بينا له الطريق إن شكر أو كفر

[ 143 ]

إنا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالا وهو وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقهم الله شر ذلك اليوم ولقهم صلى الله عليه وسلم نضرة وسرورا وجزئهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الآرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم بئآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قوارير من فضة قدورها تقديرا ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ويطوف عليهم ولدن مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثلهم تبديلا إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما قوله عزوجل إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة

[ 144 ]

سلاسل بغير تنوين ووقفوا أبو عمرو بألف من غير تنوين والباقون يصلون بالتنوين ويقفون بألف قال مكي بن أبي طالب النحوي سلاسل وقوارير أصله ان لا ينصرف ومن صرفه من القراء فإنها لغة لبعض العرب وقيل إنما صرفه لأنه وقع في المصحف بالألف فصرفه لاتباع خط المصحف قال مقاتل السلاسل في أعناقهم والأغلال في أيديهم وقد شرحنا معنى السعير في سورة النساء 2 قوله عزوجل إن الأبرار واحدهم بر وبار وهم الصادقون وقيل المطيعون وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر يشربون من كأس أي من إناء فيه شراب كان مزاجها يعني مزاج الكأس كافورا وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الكافور المعروف قاله مجاهد ومقاتل فعلى هذا في المراد بالكافور ثلاثة أقوال أحدها برده قاله الحسن والثاني ريحه قاله قتادة والثالث طعمه قاله السدي والثاني أنه اسم عين في الجنة قاله عطاء وابن السائب والثالث أن المعنى مزاجها كالكافور لطيب ريحه أجازه الفراء والزجاج قوله عزوجل عينا قال الفراء هي كالمفسرة للكافور وقال الأخفش هي منصوبة على معنى أعني عينا وقال الزجاج الأجود أن يكون المعنى من عين يشرب بها فيه ثلاثة أقوال أحدها يشرب منها والثاني يشربها والباء صلة والثالث يشرب بها عباد الله الخمر يمزجونها إذا بها وفي هذه العين قولان أحدهما أنها الكافور الذي سبق ذكره والثاني التسنيم وعباد الله ها هنا أولياؤه يفجرونها تفجيرا قال مجاهد يقودونها إلى حيث شاؤوا من الجنة قال الفراء حيث ما أحب الرجل من أهل الجنة فجرها لنفسه

[ 145 ]

قوله عزوجل يوفون بالنذر قال الفراء فيه إضمار كانوا يوفون بالنذر وفيه قولان أحدهما يوفون بالنذر إذا نذروا في طاعة الله قاله مجاهد وعكرمة والثاني يوفون بما فرض الله عليهم قاله قتادة ومعنى النذر في اللغة الإيجاب فالمعنى يوفون بالواجب عليهم ويخافون يوما كان شره مستطيرا قال ابن عباس فاشيا وقال ابن قتيبة فاشيا منتشرا يقال استطار الحريق إذا انتشر واستطار الفجر إذا انتشر الضوء وانشدوا للأعشى فبانت فقال وقد أسأرت في الفؤا * د أي صدعا على نأيها مستطيرا وقال مقاتل كان شره فاشيا في السموات انشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة وكورت الشمس والقمر في الأرض ونسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شئ على وجه الأرض من جبل وبناء وفشا شر يوم القيامة فيها قوله عزوجل ويطعمون الطعام على حبه اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما نزلت في علي بن أبي طالب آجر نفسه ليسقي نخلا بشئ من شعير ليلة حتى الصبح فلما قبض الشعير طحن ثلثه واصلحوا منه شيئا يأكلونه فلما استوى أي مسكين فأخرجوه إليه ثم عمل الثلث الثاني فلما تم أتى يتيم فأطعموه ثم عمل الثلث الباقي فلما ثم جاء استوى أسير من المشركين فأطعموه وطووا يومهم ذلك فنزلت هذه الآيات رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري صام يوما فلما أراد أن يفطر جاء مسكين ويتيم وأسير فأطعمهم ثلاثة أرغفة وبقي له ولأهله رغيف واحد فنزلت فيهم هذه الآية قاله مقاتل وفي هاء الكناية في قوله تعالى على حبه قولان أحدهما ترجع إلى الطعام فكأنهم كانوا يؤثرون وهم محتاجون إليه وهذا قول ابن عباس ومجاهد والزجاج والجمهور والثاني انها ترجع إلى الله تعالى قاله الداراني وقد سبق معنى المسكين واليتيم وفي

[ 146 ]

الأسير أربعة أقوال أحدها أنه المسجون من أهل القبلة قاله عطاء ومجاهد وابن جبير والثاني أنه الأسير المشرك قاله الحسن وقتادة والثالث المرأة قاله أبو حمزة الثمالي والرابع العبد ذكره الماوردي فصل وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تضمنت مدحهم على إطعام الأسير المشرك قال وهذا منسوخ بآية السيف وليس هذا القول بشئ فإن في إطعام الأسير المشرك ثوابا وهذا محمول على صدقة التطوع فأما الفرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار ذكره القاضي أبو يعلى قوله عزوجل إنما نطعمكم لوجه الله أي لطلب ثواب الله قال مجاهد وابن جبير أما إنهم ما تكلموا بهذا ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى به عليهم ليرغب في ذلك راغب قوله عزوجل لا نريد منكم جزاء أي بالفعل ولا شكورا بالقول إنا نخاف من ربنا يوما أي ما في يوم عبوسا قال ابن قتيبة أي تعبس فيه الوجوه فجعله من صفة اليوم كقوله عزوجل في يوم عاصف ابراهيم أراد عاصف الريح فأما القمطرير فروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه الطويل وروى عنه العوفي أنه قال هو الذي يقبض فيه الرجل ما بين عينيه ووجهه فعلى هذا يكون اليوم موصوفا بما يجري فيه كما قلنا في العبوس لأن اليوم لا يوصف بتقبيض ما بين العينين وقال مجاهد وقتادة القمطرير الذي يقلص الوجوه ويقبض الحياة وما بين العين من شدته وقال الفراء هو الشديد يقال يوم قمطرير ويوم قماطر وأنشدني بعضهم

[ 147 ]

بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم به إذا ما كان يوم قماطر وقال أبو عبيدة العبوس والمقطرير ثم والقماطر والعصيب والعصبصب أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء قوله عزوجل فوقاهم الله شر ذلك اليوم بطاعتهم في الدنيا ولقاهم نضرة أي حسنا وبياضا في الوجوه والسرورا في القلوب وجزاهم بما صبروا عى طاعته وعن معصيته جنة وحريرا وهو لباس أهل الجنة متكئين فيها قال الزجاج هو منصوب على الحال أي جزاهم جنة في حال اتكائهم ولا فيها وقد شرحنا هذا في الكهف قوله عزوجل لا يرون فيها شمسا فيؤذيهم حرها ولا زمهريرا وهو البرد الشديد والمعنى لا يجدون فيها الحر والبرد وحكي عن ثعلب أنه قال الزمهرير القمر وأنشد وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها لم والزمهرير ما زهر أي لم يطلع القمر قوله عزوجل ودانية قال الفراء المعنى وجزاهم جنة ودانية عليهم ظلالها أي قريبة منهم ظلال أشجارها وذللت قطوفها تذليلا قال ابن عباس إذا هم أن يتناول من ثمارها تذلت إليه حتى يتناول ما يريد وقال غيره قربت إليهم مذللة كيف شاؤوا فهم يتناولونها قياما وقعودا ومضطجعين فهو كقوله تعالى قطوفها دانية الحاقة 10 فأما الأكواب فقد شرحناها

[ 148 ]

في الزخرف 1 قوله كانت قواريرا أي تلك الأكواب هي قوارير ولكنها من فضة قال ابن عباس لو ضربت فضة الدنيا حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها وقوارير الجنة من فضة في صفاء القارورة وقال الفراء وابن قتيبة هذا على التشبيه المعنى كأنها من فضة أي لها بياض كبياض الفضة وصفاء كصفاء القوارير وكان نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم يقرؤون قواريرا قواريرا فيصلونهما ابن جميعا بالتنوين ويقفون عليهما بالألف وكان ابن عامر وحمزة يصلانهما قوله جميعا بغير تنوين ويقفان عليهما بغير ألف وكان ابن كثير يصل الأول بالتنوين ويقف بغير ألف وروى حفص عن أنه كان يقرأ سلاسل وقوارير قوارير يصل الثلاثة بغير تنوين ويقف على الثلاثة بالألف وكان أبو عمرو يقرأ الأول قواريرا فيقف عليه بألف ويصل بغير تنوين وقال الزجاج الاختيار عند النحويين أن لا يصرف قوارير لأن كل جمع يأتي بعد ألفه حرفان لا ينصرف ومن قرأ قواريرا يصرف الأول علامة رأس آية وترك صرف الثاني لأنه ليس بآخر آية ومن صرف الثاني أتبع اللفظ اللفظ لأن العرب ربما قلبت إعراب الشئ لتتبع اللفظ اللفظ كما قالوا جحر ضب خرب وإنما الخرب من نعت الجحر قوله عزوجل قدروها تقديرا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو عمران والجحدري وابن يعمر قدروها برفع القاف وكسر الدال وتشديدها وقرأ حميد وعمرو بن دينار قدروها بفتح القاف والدال وتخفيفها ثم في معنى الآية قولان أحدهما قدروها في أنفسهم فجاءت على ما قدروا قاله الحسن وقال الزجاج جعل الإناء على قدر ما يحتاجون إليه ويريدونه على تقديرهم والثاني قدروها على مقدار لا يزيد ولا ينقص قاله مجاهد وقال غيره قدر الكأس على قدر ريهم لا يزيد عن ريهم فيثقل الكف ولا ينقص منه فيطلب الزيادة وهذا ألذ الشراب فعلى هذا القول يكون الضمير في قدروا للسقاة والخدم وعلى الأول للشاربين قوله عزوجل ويسقون فيها يعني في الجنة كأسا كان مزاجها زنجبيلا والعرب تضرب المثل بالزنجبيل والخمر ممزوجين له قال المسيب يصف فم امرأة

[ 149 ]

فكأن طعم الزنجبيل به * إذ ذلك ذقته وسلافة الخمر وقال آخر كأن القرنفل والزنجبي‍ * ل باتا بفيها وأريا مشارا الأري العسل والمشار المستخرج من بيوت النحل قال مجاهد والزنجبيل اسم العين التي منها شراب الأبرار وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الزنجبيل معرب قال وقال الدينوري ينبت في أرياف عمان وهي عروق تسري في الأرض وليس بشجرة تؤكل رطبا وأجود ما يحمل من بلاد الصين قال الزجاج وجائز أن يكون فيها طعم الزنجبيل والكلام فيه كالكلام السابق في الكافور وقيل شراب الجنة عل برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك قوله عزوجل عينا فيها قال الزجاج يسقون عينا وسلسبيل اسم العين إلا أنه صرف لأنه رأس آية وهو في اللغة صفة لما كان في غاية السلاسة فكأن العين وصفت وسميت بصفتها وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قوله تعالى تسمى سلسبيلا قيل هو اسم أعجمي نكرة فلذلك انصرف وقيل هو اسم معرفة إلا أنه أجري لأنه رأس آية وعن مجاهد قال حديدة الجرية وقيل سلس سلس ماؤها مستقيد لهم وقال ابن الأنباري السلسبيل صفة للماء لسلسه وسهولة مدخله في الحلق يقال شراب سلسل ووسلسال وسلسبيل وحكى الماوردي أن عليا قال المعنى سل سبيلا إليها ولا يصح قوله عزوجل ويطوف عليهم ولدان مخلدون قد سبق بيانه الواقعة 4 إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا أي في بياض اللؤلؤ وحسنه واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظرما وإنما شبهوا باللؤلؤ المنثور لانتشارهم في الخدمة ولو كانوا صفا لشبهوه بالمنظوم قوله وإذا رأيت ثم يعني الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا كبيرا أي عظيما واسعا لا يريدون شيئا إلا قدروا عليه ولا يدخل عليهم ملك إلا باستئذان قوله عزوجل عاليهم قرأ أهل المدينة وحمزة والمفضل عن عاصم بإسكان الياء وكسر الهاء وقرأ الباقون بفتح الياء إلا أن الجعفي عن أبي بكر قرأ عاليتهم بزيادة تاء

[ 150 ]

مضمومة وقرأ أنس بن مالك ومجاهد وقتادة عليهم بفتح اللام وإسكان الياء من غير تاء ولا ألف قال الزجاج فأما تفسير إعراب عاليهم بإسكان الياء فيكون رفعه بالابتداء ويكون الخبر ثياب سندس وأما عاليهم بفتح الياء فنصبه على الحال من شيئين أحدهما من الهاء والميم والمعنى يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليا للأبرار ثياب سندس لأنه وصف احوالهم في الجنة فيكون المعنى يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء ويجوز أن يكون حالا من الولدان المعنى إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا في حال علو الثياب وأما عاليتهم فقد قرئت بالرفع وبالنصب وهما وجهان جيدان في العربية إلا أنهما يخالفان المصحف فلا أرى القراءة بهما وتفسيرها كتفسير عاليهم قوله عزوجل ثياب سندس خضر قرأ ابن عامر وأبو عمرو خضر رفعا وإستبرق خفضا وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم خضر خفضا وإستبرق رفعا وقرأ نافع وحفص عن عاصم خضر وإستبرق كلاهما بالرفع وقرأ حمزة والكسائي خضر وإستبرق كلاهما بالخفض قال الزجاج من قرأ خضر بالرفع فهو نعت الثياب ولفظ الثياب لفظ الجمع من قرأ خضر فهو من نعت السندس والسندس في المعنى راجع إلى الثياب ومن قرأ واستبرق رفعا فهو نسق على ثياب المعنى وعليهم إستبرق ومن خفض عطفه على السندس فيكون المعنى عليهم ثياب من هذين النوعين وقد بينا في الكهف معنى السندس والإستبرق والأساور قوله عزوجل وسقاهم ربهم شرابا طهورا فيه قولان أحدهما لا يحدثون ولا يبولون عن شرب خمر الجنة والثاني لأن خمر الجنة طاهرة وليست بنجسة كخمر الدنيا قاله الفراء وقال أبو قلابة يؤتون بعد الطعام بالشراب الطهور فيشربون فتضمر بذلك بطونهم ويفيض من جلودهم عرق مثل ريح المسك قوله عزوجل إن هذا يعني ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم وكان سعيكم أي عملكم في الدنيا بطاعته مشكورا قال عطاء يريد شكرتكم أبو عليه

[ 151 ]

وأثبتكم أو أفضل الثواب إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا أي فصلناه في الإنزال فلم ننزله جملة واحدة فاصبر لحكم ربك وقد سبق بيانه في مواضع والمفسرون يقولون هو منسوخ بآية السيف ولا يصح ولا تطع منهم أي من مشركي أهل مكة آثما أو كفورا أو بمعنى الواو كقوله تعالى أو الحوايا وقد سبق بيان هذا وللمفسرين في المراد بالآثم وفي الكفور ثلاثة أقوال أحدها أنهما صفتان لأبي جهل والثاني أن الآثم عتبة بن ربيعة والكفور الوليد بن المغيرة والثالث الآثم الوليد والكفور عتبة وذلك أنهما قالا له ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج قوله واذكر اسم ربك أي اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة يعني الفجر وأصيلا يعني العصر وبعضهم يقول الظهر والعصر ومن الليل فاسجد له يعني المغرب والعشاء وسبحه ليلا طويلا وهي صلاة الليل كانت فريضة عليه وهي لأمته تطوع إن هؤلاء يعني كفار مكة يحبون العاجلة أي يعني الدار العاجلة وهي الدنيا ويذرون وراءهم أي أمامهم يوما ثقيلا أي عسيرا شديدا والمعنى أنهم يتركون الإيمان به والعمل له ثم ذكر قدرته فقال عز وجل نحن خلقناهم وشددنا أسرهم أي خلقهم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والفراء وابن قتيبة والزجاج قال ابن قتيبة يقال امرأة حسنة الأسر أي حسنة الخلق كأنها أسرت أي شدت واصل هذا من الإسار وهو القد يقال ما أحسن ما أسر قتبه أي ما أحسن ما شده وروي عن أبي هريرة قال مفاصلهم وعن الحسن قال أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب قوله وإذا شئنا بدلنا أمثالهم أي إن شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم إن هذه تذكرة قد شرحنا الآية في المزمل قوله عزوجل وما تشاؤون إيجاد السبيل إلا أن يشاء الله ذلك لكم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وما يشاؤون بالياء قوله عزوجل يدخل من يشاء في رحمته قال المفسرون الرحمة ها هنا الجنة والظالمين المشركون قال أبو عبيدة نصب الظالمين بالجوار المعنى ولا يدخل الظالمين في رحمته وقال الزجاج إنما نصب الظالمين لأن قبله منصوبا المعنى يدخل من يشاء في رحمته ويعذب الظالمين ويكون قوله تعالى أعد لهم تفسيرا لهذا المضمر وقرأ أبو العالية وابو الجوزاء وابن أبي عبلة والظالمون رفعا

[ 152 ]

77 سورة المن سلات مكية وايايها خسون وهي مكية كلها في قول الجمهور وحكي عن ابن عباس وقتادة ومقاتل أن فيها آية مدنية وهي قوله عزوجل وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلت عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفرقت فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا إنما توعدون لواقع فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدرك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين كذلك نفعل بالمجرمين ويل يومئذ للمكذبين ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار

[ 153 ]

مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات واسقيناكم ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالت صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين فإن كان لكم كيد فيكدون عبد ويل يومئذ للمكذبين إن المتقين في ظلال وعيون وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون إنا كذلك نجزي المحسنين ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون ويل يومئذ للمكذبين وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين فبأي حديث بعده يؤمنون قوله تعالى والمرسلات عرفا فيه أربعة أقوال أحدها أنها الرياح يتبع بعضها بعضا رواه أبو العبيدين عن ابن مسعود والعوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والثاني أنها الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه رواه مسروق عن ابن مسعود وبه قال أبو هريرة ومقاتل وقال الفراء هي الملائكة فأما قوله عزوجل عرفا فيقال أرسلت بالمعروف ويقال تتابعت كعرف الفرس والعرب تقول نزلت الناس إلى فلان عرفا واحدا إذا توجهوا إليه فأكثروا قال ابن قتيبة يريد أن

[ 154 ]

الملائكة متتابعة بما ترسل به وأصله من عرف الفرس لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض فما شعر القوم يتبع بعضهم بعضا والثالث أنهم الرسل بما يعرفون به من المعجزات وهذا معنى قول أبي صالح ذكره الزجاج والرابع أنها الملائكة والريح قاله أبو عبيدة قال ومعنى عرفا يتبع بعضها بعضا يقال جاؤوني عرفا وفي العاصفات قولان أحدهما أنها الرياح الشديدة الهبوب قاله الجمهور والثاني الملائكة قاله مسلم بن صبيح قال الزجاج تعصف بروح الكافر وفي الناشرات خمسة أقوال أحدها أنها الرياح تنشر السحاب قاله ابن مسعود والجمهور والثاني الملائكة تنشر الكتب قاله أبو صالح والثالث الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد قاله الضحاك والرابع البعث للقيامة تنشر فيه الأرواح قاله الربيع والخامس المطر ينشر النبات حكاه الماوردي وفي الفارقات أربعة أقوال أحدها أنها الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل قاله الأكثرون والثالث آي القرآن فرقت بين الحلال والحرام قاله الحسن وقتادة وابن كيسان والثالث الريح تفرق بين السحاب فتبدده قاله مجاهد والرابع الرسل حكاه الزجاج عليه ذكرا قولان أحدهما الملائكة تلقي ما حملت من الوحي إلى الأنبياء وهذا مذهب ابن عباس وقتادة والجمهور

[ 155 ]

والثاني الرسل يلقون ما أنزل عليهم إلى الأمم قاله قطرب قوله عزوجل عذرا أو نذرا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم عذرا خفيفا أو نذرا مثقلا وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص وخلف عذرا أو نذرا خفيفتان قال الفراء وهو مصدر مثقلا كان أو مخففا ونصبه على معنى أرسلت بما أرسلت به إعذارا من الله وإنذارا وقال الزجاج المعنى فالملقيات عذرا أو نذرا ويجوز أن يكون المعنى فالملقيات ذكرا للإعذار والإنذار وهذه المذكورات مجرورات (بالقسم وجواب القسم إنما توعدون لواقع قال المفسرون إن ما توعدون به من أمر الساعة والبعث والجزاء لواقع أي لكائن ثم ذكر متى يقع فقال تعالى فإذا النجوم طمست أي محي نورها وإذا السماء فرجت شقت وإذا الجبال نسفت قال الزجاج أي ذهب بها كلها بسرعة يقال انتسفت الشئ إذا أخذته بسرعة قوله عزوجل وإذا الرسل أقتت قرأ أبو عمر وقتت بواو مع تشديد القاف ووافقه أبو جعفر إلا أنه خفف القاف وقرأ الباقون أقتت بألف مكان الواو مع تشديد القاف قال الزجاج وقتت وأقتت بمعنى واحد فمن قرأ أقتت بالهمز فإنه أبدل الهمزة من الواو لانضمام الواو وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز أن تبدل منها همزة وقال الفراء الواو إذا كانت أول حرف وضمت همزت تقول صلى القوم أحدانا وهذه اجوه ما حسان ومعنى أقتت جمعت لوقتها يوم القيامة وقال ابن قتيبة جمعت لوقت وهو يوم القيامة وقال الزجاج جعل لها وقت واحد لفصل القضاء بين الأمة قوله عزوجل لأي يوم أجلت أي أخرت وضرب الأجل لجمعهم يعجب العباد من هول ذلك اليوم ثم بينه فقال تعالى ليوم الفصل وهو يوم يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق ثم عظم ذلك اليوم بقوله وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين بالبعث ثم أخبر الله تعالى عما فعل بالأمم المكذبة فقال ألم نهلك الأولين يعني بالعذاب في الدنيا حين

[ 156 ]

كذبوا رسلهم ثم نتبعهم الآخرين والقراء على رفع العين في نتبعهم وقد قرأ قوم منهم أبو حيوة بإسكان العين قال الفراء نتبعهم مرفوعة ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود وسنتبعهم الآخرين ولو جزمت على معنى ألم نقدر على إهلاك الأولين وإتباعهم الآخرين كان وجها جيدا وقال الزجاج الجزم عطف على نهلك ويكون المعنى لمن أهلك أولا وآخرا والرفع على معنى ثم نتبع الأول الآخر من كل مجرم وقال مقاتل ثم نتبعهم الآخرين يعني كفار مكة حين كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جرير الأولون قوم نوح وعاد وثمود والآخرون قوم إبراهيم ولوط ومدين قوله عزوجل كذلك أي مثل ذلك نفعل بالمجرمين يعني المكذبين قيل ما الفائدة في تكرار قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين أنه أراد بكل آية منها غير ما أراد بالأخرى لأنه كلما ذكر شيئا قال ويل يومئذ للمكذبين بهذا قوله عزوجل ألم نخلقكم قرأ قالون عن نافع بإظهار القاف وقرأ الباقون بإدغامها قوله عزوجل من ماء مهين أي ضعيف فجعلناه في قرار مكين يعني الرحم إلى قدر معلوم وهو مدة الحمل فقدرنا قرأ أهل المدينة والكسائي فقدرنا بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف وهل بينهما فرق قولان أحدهما أنهما لغتنان بمعنى واحد قال الفراء تقول العرب قدر عليه وقدر عليه وقد احتج من قرأ بالتخفيف فقال لو كانت مشددة لقال فنعم المقدرون فأجاب الفراء فقال قد تجمع العرب بين اللغتين كقوله تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا الطارق 7 قال الشاعر وأنكرتني أن وما كان الذي نكرت * من على الحوادث إلا الشيب والصلعا يقول ما أنكرت إلا ما يكون في الناس

[ 157 ]

والثاني أن المخففة من القدرة والملك والمشددة من التقدير والقضاء ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوجدوه فقال تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا قال اللغويون الكفت في اللغة الضم والمعنى أنها تضم أهلها أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها قال ابن قتيبة يقال اكفت هذا إليك أي ضمه وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة لأنه مقبرة يضم الموتى قوله تعالى أحياء وأمواتا قولان أحدهما أن المعنى تكفتهم أحياء وأمواتا قاله الجمهور قال الفراء وانتصب الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليهم كأنك قلت ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات فإذا نونت نصب تكما الله يقرأ أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما البلد وقال الأخفش انتصب على الحال والقول الثاني أن المعنى ألم نجعل الأرض أحياء بالنبات والعمارة وأمواتا بالخراب واليبس هذا قول مجاهد وأبي عبيدة قوله عزوجل وجعلنا فيها رواسي قد سبق بيان شامخات أي عاليات وأسقيناكم قد سبق معنى أسقينا الحجر 22 والجن 16 ومعنى الفرات والمعنى إن هذه الأشياء اعجب من البعث ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا وهو النار انطلقوا إلى ظل قرأ الجمهور هذه الثانية بكسر اللام على الأمر وقرأ أبي بن كعب وابو عمران ورويس عن يعقوب بفتح اللام على الخبر بالفعل الماضي قال ابن قتيبة والظل ها هنا ظل من دخان نار جهنم سطع ثم افترق ثلاث فرق وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب فيقال لهم كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب كما يكون أولياء الله في ظل

[ 158 ]

عرشه أو حيث شاء من الظل ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة والنار لا ظليل أي لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم قال من لعب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس قال مجاهد تكون شعبة فوق الإنسان وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فتحيط به وقال الضحاك الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين فعلى هذا القول يكون هذا بعد دخول النار قوله عزوجل ولا يغني من اللهب أي لا يدفع عنكم لهب جهنم ثم وصف النار فقال عزوجل إنها ترمي بشرر وهو جمع شررة وهو ما تطاير من النار متفرقا كالقصر قرأ الجمهور بإسكان الصاد على أنه واحد القصور المبنية وهذا المعنى في رواية ابن أبي طلحة عن ابن عباس وهو قول الجمهور وقرأ ابن عباس وأبو رزين ومجاهد وأبو الجوزاء كالقصر بفتح الصاد وفي أفراد البخاري من حديث ابن عباس قال كنا نرفع الخشب ثلاثة أذرع أو أقل فنرفعه للشتاء فنسميه القصر قال ابن قتيبة من فتح الصاد أراد أصول النخل المقطوعة المقلوعة قال الزجاج أراد أعناق الإبل وقرأ سعد ابن أبي وقاص وعائشة وعكرمة وأبو مجلز وأبو المتوكل وابن يعمر كالقصر بفتح القاف وكسر الصاد وقرأ ابن مسعود وأبو هريرة والنخعي كالقصر برفع القاف والصاد جميعا وقرأ أبو الدرداء وسعيد ابن جبير كالقصر بكسر القاف وفتح الصاد وقرأ أبو العالية وأبو عمران وأبو نهيك ومعاذ القارئ كالقصر بضم القاف وإسكان الصاد قوله عزوجل كأنه جمالات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جمالات بألف وكسر الجيم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم جمالة على التوحيد وقرأ رويس عن يعقوب جمالات بضم الجيم وقرأ أبو رزين وحميد وابو حيوة

[ 159 ]

جمالة برفع الجيم على التوحيد قال الزجاج من قرأ جمالات بالكسر فهو جمع جمال كما تقول بيوت وبيوتات وهو جمع الجمع فالمعنى كأن الشرارات عن كالجمالات ومن قرأ جمالات بالضم فهو جمع جمالة ومن قرأ جمالة سفن البحر ويجوز أن يكون جمع جمل وجمال وجمالات ومن وقرأ جمالة فهو جمع جمل وجمالة كما قيل حجر وحجارة وذكر وذكارة وقرئت جمالة على ما فسرناه في جمالات باضم والصفر هاهنا السود يقال للإبل التي هي سود تضرب إلى الصفرة إبل صفر وقال الفراء الصفر سود الإبل لا يرى الأسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة فلذلك سمت العرب سود الإبل صفرا كما سموا الظباء أدما لما يعلوها من الظلمة في بياضها قال الشاعر تلك خيلي منه وتلك ركابي * هن سودا ولادها كالزبيب قوله عزوجل هذا يوم لا ينطقون قال المفسرون هذا في بعض مواقف القيامة قال عكرمة تكلموا واختصموا ثم ختم على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم فحينئذ لا ينطقون ولا يؤذون لهم فيعتذرون وقال ابن الأنباري لا ينطقون بحجة تنفعهم تنفعهم وقرأ أبو رجاء والقاسم بن محمد والأعمش وابن أبي عبلة هذا يوم لا ينطقون بنصب الميم قوله عزوجل هذا يوم الفصل أي بين أهل الجنة وأهل النار جمعناكم يعني مكذبي هذه الأمة والأولين من المكذبين الذين كذبوا أنبياءهم فإن كان لكم كيد فكيدون أثبت فيها الياء في الحالين يعقوب أي إن قدرتم على حيلة فاحتالوا لأنفسكم ثم ذكر ما للمؤمنين فقال عزوجل إن المتقين في ظلال يعني ظلال الشجر وظلال أكنان القصور وعيون الماء وهذا قد تقدم بيانه إلى قوله تعالى كلوا أي ويقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون في الدنيا بطاعة الله ثم قال لكفار مكة كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا إلى منتهى آجالكم إنكم مجرمون أي مشركون بالله قوله عزوجل وإذا قيل لهم اركعوا فيه قولان أحدهما أنه حين يدعون إلى السجود يوم القيامة رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه في الدنيا كانوا إذا قيل لهم اركعوا أي صلوا لا يركعون أي لا يصلون وإلى نحو هذا ذهب مجاهد في آخرين وهو الأصح وقيل نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فقالوا لا نحني فإنها مسبة علينا فقال لا خير في دين ليس فيه ركوع قوله عزوجل فبأي حديث بعده يؤمنون أي إن لم يصدقوا بهذا القرآن فبأي كتاب بعده يصدقون ولا كتاب بعده

[ 160 ]

78 سورة النبامكية وايايها انعبون ويقال لها سورة النبا وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون ألم نجعل الأرض مهدا والجبال أوتادا وخلقنكم أزواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا اليل لباسا وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا إن يوم الفصل كان ميقتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مأبا لبثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون

[ 161 ]

حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شئ أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ الى ربه مأبا إنا أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تربا قوله تعالى عم يتساءلون أصله عن ما فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما كقولهم فيم وبم قال المفسرون لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل المشركون يتساءلون بينهم فيقولون ما الذي أتى به ويتجادلون ويختصمون فيما بعث به فنزلت هذه الآية واللفظ لفظ استفهام والمعنى تفخيم القصة كما يقولون أي شئ زيد إذا أردت تعظيم شأنه ثم بين ما الذي يتساءلون عنه فقال تعالى النبأ العظيم يعني عن الخبر العظيم الشأن وفيه ثلاثة أقوال أحدها القرآن قاله مجاهد ومقاتل والفراء قال الفراء فلما أجاب صارت عم كأنها في معنى لأي شئ يتساءلون عن القرآن والثاني البعث قاله قتادة والثالث أنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم حكاه الزجاج قوله عزوجل الذي هم فيه مختلفون من قال إنه القرآن فإن المشركين اختلفوا فيه فقال بعضهم هو سحر وقال بعضهم هو شعر وقال بعضهم أساطير الأولين الى غير ذلك وكذلك من قال هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم فأما من قال إنه البعث والقيامة ففي اختلافهم فيه قولان

[ 162 ]

أحدهما أنهم اختلفوا فيه لما سمعوا به فمنهم من صدق وآمن ومنهم من كذب وهذا معنى قول قتادة والثاني أن المسلمين والمشركين اختلفوا فيه فصدق به المسلمون وكذب به المشركون قاله يحيى بن سلام قوله عزوجل كلا قال بعضهم هي ردع وزجر وقال بعضهم هي نفي لاختلافهم والمعنى ليس الأمر على ما قالوا سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين ينكشف الأمر ثم كلا سيعلمون وعيد على إثر وعيد وقرأ ابن عامر ستعلمون في الحرفين بالتاء ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده فقال تعالى نجعل الأرض مهادا أي فراشا وبساطا والجبال أوتادا للأرض لئلا تميد أزواجا أي أصنافا واضدادا ذكورأ وإناثا سودا وبيضا وحمرا وجعلنا نومكم سباتا قال ابن قتيبة أي راحة لأبدانكم وقد شرحنا هذا في الفرقان وشرحنا هناك قوله تعالى الليل لباسا قوله عزوجل وجعلنا النهار معاشا أي سببا لمعاشكم والمعاش العيش كل شئ يعاش به فهو معاش والمعنى جعلنا النهار مطلبا للمعاش وقال ابن قتيبة معاشا أي عيشا وهو مصدر وبنينا فوقكم سبعا شدادا قال مقاتل هي السموات غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماءين مثل ذلك وهي فوقكم يا بني آدم فاحذروا أن تعصوا فتخر م عليكم قوله عزوجل وجعلنا سراجا يعني الشمس وهاجا قال ابن عباس هو المضئ وقال اللغويون الوهاج الوقاد وقيل الوهاج يجمع النور والحرارة قوله عزوجل وأنزلنا من المعصرات فيها ثلاث أقوال أحدها أنها السموات قاله أبي بن كعب والحسن وابن جبير

[ 163 ]

والثاني أنها الرياح رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة ومقاتل وقال زيد بن أسلم هي الجنوب فعلى هذا القول تكون من بمعنى الباء فتقديره بالمعصرات وإنما قيل للرياح معصرات لأنها تستدر المطر والثالث أنها السحاب رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال أبو العالية والضحاك والربيع قال الفراء السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر ولما يجتمع مثل الجارية المعصر قد كادت تحيض ولما تحض وكذلك قال ابن قتيبة شبهت السحاب بمعاصير الجواري والمعصر الجارية التي قد دنت من الحيض وقال الزجاج إنما قيل للسحاب معصرات كما قيل أجز الزرع فهو مجز أي صار الى أن يجز فكذلك السحاب إذا صار الى أن يمطر فقد أعصر قوله عزوجل ماء ثجاجا سنة قال مقاتل أي مطرا كثيرا منصبا يتبع بعضه بعضا و قال غيره يقال ثج الماء يثج إذا انصب لنخرج به أي بذلك الماء حبا ونباتا وفيه قولان أحدهما أن الحب ما يأكله الناس والنبات ما تنبته الأرض مما يأكل الناس والأنعام هذا قول الجمهور وقال الزجاج كل ما حصد حب وكل ما أكلته الماشية من الكلإ فهو نبات والثاني أن الحب اللؤلؤ والنبات العشب قال عكرمة ما أنزل الله من السماء قطرا إلا أنبت به في البحر لؤلؤا وفي الأرض عشبا قوله عزوجل وجنات يعني بساتين ألفافا قال أبو عبيدة أي ملتفة من الشجر ليس بينها خلال الواحدة لفاء وجنات لف وجمع الجمع ألفاف قال المفسرون فدل بذكر المخلوقات على البعث ثم أخبر عن يوم القيامة فقال تعالى إن يوم الفصل أي يوم القضاء بين الخلائق كان ميقاتا لما وعد الله من الثواب والعقاب يوم ينفخ في الصور فتأتون من قبوركم أفواجا أي زمرا زمرا من كل مكان وفتحت السماء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وفتحت بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف وإنما تفتح

[ 164 ]

لنزول الملائكة فكانت أبوابا أي ذات أبواب وسيرت الجبال عن أماكنها فكانت سرابا أي كالسراب لأنها تصير هباء منبثا فيراها الناظر كالسراب بعد شدتها وصلابتها إن جهنم كانت مرصادا عمرو قال المبرد مرصادا يرصدون به أي هو معد لهم يرصد بها خزنتها الكفار وقال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد فيه الراصد العدو ثم بين لمن هي مرصاد فقال عزوجل للطاغين قال ابن عباس للمشركين مآبا أي مرجعا قوله عزوجل لا بثين وقرأ حمزة لبثين والمعنى فيهما واحد يقال هو لابث بالمكان ولبث ومثله طامع وطمع وفاره وفره وأما الأحقاب فجمع حقب وقد ذكرنا الاختلاف فيه في الكهف فإن قيل ما معنى ذكر الأحقاب وخلودهم في النار لا نفاد له فعنه جوابان أحدهما أن هذا لا يدل على غاية لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب ولو أنه قال لا بثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة دل على غاية هذا قول ابن قتيبة والجمهور وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يتصور دخوله تحت العدد وان لم يكن له غاية كقوله بكرة وعشيا مثل هذا ان كلمات الله تعالى داخلة تحت العدد وإن لم تكن لها نهاية والثاني أن المعنى أنهم يلبثون فيها أحقابا لا يذوقون في الأحقاب بردا ولا شرابا فأما خلودهم في النار فدائم هذا قول الزجاج وبيانه أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب وفي المراد بالبرد ثلاثة أقوال أحدها أنه برد الشراب روى أبو صالح عن ابن عباس قال لا يذوقون فيها برد الشراب ولا الشراب والثاني أنه الروح والراحة قاله الحسن وعطاء

[ 165 ]

والثالث أنه النوم قاله مجاهد والسدي وأبو عبيدة وابن قتيبة وأنشدوا فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا قال ابن قتيبة النقاخ الماء والبرد النوم سمي بذلك لأنه تبرد فيه الحرارة العطش وقال مقاتل لا يذوقون فيها بردا ينفعهم من حرها ولا شرابا ينفعهم من عطش الا حميما وغساقا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر غساقا بالتخفيف وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وحفص عن عاصم بالتشديد وقد تقدم ذكر الحميم والغساق 4 جزاء وفاقا قال الفراء وفقا لأعمالهم وقال غيره جوزوا جزاء وفاقا لأعمالهم على مقدارها فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار كانوا لا يرجون حسابا فيه قولان أحدهما لا يخافون أن يحسابوا لأنهم لا يؤمنون بالبعث قاله الجمهور والثاني لا يرجون ثواب حساب لأنهم لا يؤمنون بالبعث قاله الزجاج قوله عزوجل وكذبوا بآياتنا كذابا قال الكذابا أي بما جاء به الانبياء قال الفراء الكذاب بالتشديد لغة يمانية فصيحة يقولون كذبت به كذابا وخرقت القميص خراقا وكل فعلت فمصدره في لغتهم مشدد قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني الحلق أحب اليك أم القصار وأنشدني بعض بني كلاب

[ 166 ]

لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي وعن حوج قضاؤها من شفائيا وأما أهل نجد فيقولون كذبت به تكذيبا وقال أبو عبيدة الكذاب أشد من الكذاب وهما مصدر المكاذبة قال الأعشى فصدقتها حديث وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه قوله عزوجل وكل شئ أحصيناه قال الزجاج كل منصوب بفعل مضمر تفسيره أحصيناه والمعنى أحصينا كل شئ وكتابا توكيد ل‍ أحصيناه لأن معنى أحصيناه و كتبناه فيما يحصل ويثبت واحد فالمعنى كتبناه كتابا قال المفسرون وكل شئ من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ فذوقوا أي فيقال لهم ذوقوا جزاء فعالكم فلن نزيدكم إلا عذابا إن للمتقين الذين لم يشركوا مفازا وفيه قولان أحدهما متنزها قاله ابن عباس والضحاك والثاني فازوا بأن نجوا من النار بالجنة ومن العذاب بالرحمة قاله قتادة قال ابن قتيبة مفازا في موضع فوز حدائق قال ابن قتيبة الحدائق بساتين نخل واحدها حديقة قوله عزوجل وكواعب قال ابن عباس الكواعب النواهد قال ابن فارس يقال كعبت المرأة كعابة فهي كاعب إذا نتأ ثديها وقد ذكرنا معنى الأتراب في (ص) قوله عزوجل وكأسا دهاقا فيه ثلاثة أقوال أحدها انها الملأى رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد والثاني أنها المتتابعة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال ابن جبير وعن مجاهد كالقولين والثالث انها الصافية قاله عكرمة قوله عزوجل لا يسمعون فيها أي في الجنة إذا شربوها لغوا وقد ذكرناه في الطور 5 وغيرها ولا كذابا أي لا يكذب بعضهم بعضا لأن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر

[ 167 ]

تكلموا بالباطل وأهل الجنة منزهون عن ذلك قال الفراء وقراءة علي رضي الله عنه كذابا بالتخفيف كأنه والله أعلم لا يتكاذبون لأنه فيها وكان الكسائي يخفف هذه ويشدد وكذبوا بآياتنا كذابا لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر وهذه ليست مقيدة بفعل يصيرها مصدرا وقد ذكرنا عن أبي عبيدة أن الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة وقال أبو علي الفارسي الكذاب بالتخفيف مصدر كذب مثل الكتاب مصدر كتب قوله عزوجل جزاء قال الزجاج المعنى جازاهم بذلك جزاء وكذلك عطاء لأن معنى أعطاهم وجازاهم واحد أخبرنا معناه ما يكفيهم أي فيه كل ما يشتهون يقال أحسبني كذا بمعنى كفاني السموات قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والمفضل رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن برفع الباء من رب والنون من الرحمن على معنى هو رب السموات وقرأ عاصم وابن عامر بخفض الباء والنون على الصفة من ربك وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء ورفع النون واختار هذه القراءة الفراء ووافقه على هذا جماعة وعللوا بأن الرب قريب من المخفوض والرحمن بعيد منه قوله عزوجل يملكون منه خطابا فيه قولان أحدهما لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه قاله ابن السائب والثاني لا يقدر الخلق أن يكلموا الرب إلا بإذنه قاله مقاتل قوله تعالى يوم يقوم الروح فيه سبعة أقوال أحدها أنه جند من جند الله تعالى وليسوا بملائكة رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مجاهد هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون والثاني أنه ملك أعظم من السموات والجبال والملائكة قاله ابن مسعود ومقاتل بن

[ 168 ]

سليمان وروى عطاء عن ابن عباس قال الروح ملك ما خلق الله أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم والثالث أنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الى الاجسام رواه عطية عن ابن عباس والرابع أنه جبريل عليه السلام قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك والخامس أنهم بنو آدم قاله الحسن وقتادة والسادس أنه القرآن قاله زيد بن أسلم والسابع أنهم أشرف الملائكة قاله مقاتل بن حيان قوله عزوجل والملائكة صفا قال الشعبي هما سماطان سماط من الروح وسماط من الملائكة فعلى هذا يكون المعنى يوم يقوم الروح صفا والملائكة صفا وقال ابن قتيبة معنى قوله عزوجل صفا صفوفا قوله عزوجل لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن في الكلام وقال صوابا أي قال في الدنيا صوابا وهو الشهادة بالتوحيد عند أكثر المفسرين وقال مجاهد قال حقا في الدنيا وعمل به ذلك اليوم الحق الكائن الواقع بلا شك فمن شاء اتخذ الى ربه مآبا أي مرجعا إليه بطاعته ثم خوف كفار مكة فقال عزوجل إنا أنذرناكم عذابا قريبا وهو عذاب الآخرة وكل آت قريب يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي يرى عمله مثبتا في صحيفته خيرا كان أو شرا ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا قال الحسن إذا سمع الله الخلائق يوم القيامة وقضى الثقلين الجن والانس وأروا منازلهم قال لسائر الخلق كونوا ترابا فحينئذ يقول الكافر ياليتني كنت ترابا وحكى الزجاج ان معنى ياليتني كنت ترابا ليتني لم أبعث وحكى الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم لأنه خلق من التراب فتمنى يوم القيامة أنه كان بمكان آدم فقال يا ليتني كنت ترابا

[ 169 ]

79 سورة النازعات مكية وآياتها ست واربعون مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والنزعت غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسبقت سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خشعة يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أءذا كنا عظما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة وحدة فإذاهم بالساهرة قوله عزوجل والنازعات فيه سبعة أقوال أحدها أنها الملائكة تنزع أرواح الكفار قاله علي وابن مسعود وروى عطية عن ابن عباس قال هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم وبه قال مسروق والثاني أنه الموت ينزع النفوس قاله مجاهد والثالث أنها النفس حين تنزع قاله السدي والرابع أنها النجوم تنزع من أفق الى أفق تطلع ثم تغيب قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والأخفش وابن كيسان

[ 170 ]

والخامس أنها القسي تنزع بالسهم قاله عطاء وعكرمة والسادس أنها الوحوش تنزع وتنفر حكاه الماوردي والسابع أنها الرماة حكاه الثعلبي قوله عزوجل غرقا اسم أقيم الإغراق قال ابن قتيبة والمعنى والنازعات إغراقا كما يغرق النازع في الفوس يعني أنه يبلغ به غاية المد قوله عزوجل والنانشطات نشطا فيه خمسة أقوال أحدها أنها الملائكة ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أنها حين تنشط أرواح الكفار حتى تخرجها بالكرب والغم قاله علي رضي الله عنه قال مقاتل ينزع ملك الموت روح الكافر فإذا بلغت ترقوته غرقها في حلقه فيعذ يا به في حياته ثم ينشطها من حلقه أي يجذبها - كما ينشط السفود من الصوف المبتل والثاني أنها تنشط أرواح المؤمنين بسرعة كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها قاله ابن عباس وقال الفراء الذي سمعته من العرب كانما أنشط من عقال بألف تقول إذا ربطت الحبل في يد البعير نشطته فإذا حللته قلت أنشطته والقول الثاني أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وبيانه أن المؤمن يرى منزله من الجنة قبل الموت فتنشط نفسه لذلك والثالث أن الناشطات الموت ينشط نفس الإنسان قاله مجاهد والرابع النجوم تنشط من أفق الى أفق أي تذهب قاله قتادة وأبو عبيدة والأخفش ويقال لبقر الوحش نواشط لو لأنها تذهب من موضع الى موضع قال أبو عبيدة والهموم تنشط بصاحبها قال هميان بن قحافة أمست همومي تنشط المناشطا * الشام يكون بي طورا وطورا واسطا

[ 171 ]

والخامس أنها النفس حين تنشط بالموت قاله السدي قوله عزوجل والسابحات سبحا سعيد فيه ستة أقوال أحدها أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين قاله علي رضي الله عنه قال ابن السائب يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح والثاني أنهم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه قاله مجاهد وأبو صالح والفراء والثالث أنه الموت يسبح في نفوس بني آدم روي عن مجاهد أيضا والرابع أنها السفن تسبح في الماء قاله عطاء والخامس أنها النجوم والشمس والقمر كل في فلك يسبحون قاله قتادة وأبو عبيدة والسادس أنها الخيل حكاه الماوردي قوله عزوجل فالسابقات سبقا فيه خمسة أقوال أحدها أنها الملائكة ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنها تسبق الشياطين بالوحي الى الأنبياء قاله علي ومسروق والثاني أنها تسبق بأرواح المؤمنين الى الجنة قاله مجاهد وأبو روق والثالث أنها سبقت بني آدم الى الإيمان قاله الحسن والقول الثاني أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا الى لقاء الله فيقبضونها وقد عاينت السرور قاله ابن مسعود والثالث أنه الموت يسبق الى النفوس روي عن مجاهد أيضا والرابع أنها الخيل قاله عطاء والخامس أنها النجوم والشمس والقمر كل في فلك يسبحون قاله قتادة وأبو عبيدة قال ابن والسادس أنها الخيل حكاه الماوردي قوله عزوجل فالساسقات سبقا فيه خمسة أقوال أحدها أنها الملائكة ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء قال علي عليه السلام ومسروق والثاني أنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة قاله مجاهد وأبو روق والثالث سبقت بني آدم إلى الإيمان قاله الحسن القول الثاني أنها أنفس المؤمنين تسبق الملائكة شوقا إلى لقاء الله فيقبضونها وقد عاينت السرور قاله ابن مسعود والثالث أنه الموت يسبق إلى النفوس روي عن مجاهد أيضا والرابع أنها الخيل قاله عطاء والخامس أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير قاله قتادة قوله عزوجل فالمدبرات أمرا قال ابن عباس هي الملائكة قال عطاء وكلت بأمور عرفهم الله العمل بها وقال عبد الرحمن بن سابط يدبر أمر الدنيا أربعة أملاك جبريل وهو موكل بالرياح والجنود وميكائيل وهو موكل بالقطر والبنات وملك الموت وهو موكل بقبض

[ 172 ]

الأنفس وإسرافيل وهو ينزل بالأمر عليهم وقيل بل جبريل للوحي وإسرافيل للصور وقال ابن قتيبة فالمدبرات أمرا تنزل بالحلال والحرام فإن قيل اين جواب هذه الأقسام فعنه جوابان أحدهما أن الجواب قوله تعالى في ذلك لعبرة لمن يخشى قاله مقاتل والثاني أن الجواب مضمر تقديره لتبعثن ولتحاسبن ويدل على هذا قوله عزوجل أئذا كنا عظاما نخرة قاله الفراء قوله عزوجل يوم ترجف الراجفة وهي النفخة الأولى التي تموت منها جميع الخلائق والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمحض وترجف بمعنى تتحرك حركة شديدة تتبعها الرادفة وهي النفخة الثانية ردفت الأولى أي جاءت بعدها وكل شئ جاء بعد شئ فهو يردفه يومئذ واجفة أي شديدة الإضطراب لما عاينت من أهوال القيامة أبصارها خاشعة أي ذليلة لمعاينة النار قال عطاء وهذه أبصار من لم يمت على الإسلام ويدل على هذا أنه ذكر منكري البعث فقال تعالى يقولون أئنا لمردودون في الحافرة قرأ ابن عامر وأهل الكوفة أئنا بهمزتين مخففتين على الاستفهام وقرأ الباقون بتخفيف الأولى وتليين الثانية وفصل بينهما بألف نافع وأبو عمرو وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أن الحافرة الحياة بعد الموت فالمعنى أنرجع أحياء بعد موتنا وهذا قول ابن عباس وعطية والسدي قال الفراء يعنون أنرد الى أمرنا الأول الى الحياة والعرب تقول أتيت فلانا ثم رجعت على حافرتي بكر أي رجعت من حيث جئت قال أبو عبيدة يقال رجع فلان في حافرته وعلى حافرته إذا رجع من حيث جاء وهذا قول الزجاج والثاني أنها الأرض التي تحفر فيها قبورهم فسميت حافرة والمعنى محفورة كما يقال ماء دافق [ الطارق 6 ] وعيشة راضية [ الحاقة 21 ] وهذا قول مجاهد والخليل فيكون المعنى أئنا لمردودون الى

[ 173 ]

الأرض خلقا جديدا قال ابن قتيبة في الحافرة أي الى أول أمرنا ومن فسرها بالأرض فإلى هذا يذهب لأنا منها بدئنا قال الشاعر أحافرة قد على صلع وشيب * وفي معاذ الله من سفه وعار كأنه قال أأرجع الى ما كنت عليه في شبابي من العز في الصبا والثالث أن الحافرة النار قاله ابن زيد قوله عزوجل أئذا كنا عظاما نخرة وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ناخرة قال الفراء وهما بمعنى واحد في اللغة مثل طمع وطامع وقال الأخفش هما لغتان وقال الزجاج يقال نخر العظم ينخر فهو نخر مثل عفن الشئ يعفن فهو عفن وناخرة على معنى عظاما فارغة يجيئ فيها من هبوب الريح كالنخير قال المفسرون والمراد أنهم أنكروا البعث وقالوا نرد أحياء إذا متنا وبليت عظامنا إذن كرة خاسرة فلا أي إن رددنا بعد الموت لنحسرن منه بما يصيبنا مما يعدنا به محمد فأعلمهم الله بسهولة البعث عليه فقال عزوجل فإنما هي يعني النفخة الأخيرة زجرة واحدة أي صيحة في الصور يسمعونها من إسرافيل وهم في الأرض فيخرجون هم بالساهرة وفيها أربعة أقوال احدها ان الساهرة وجه الأرض قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك واللغويون قال الفراء كأنها سميت بهذا الأسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم والثاني أنه جبل عند بيت المقدس قاله وهب بن منبه والثالث أنها جهنم قاله قتادة

[ 174 ]

والرابع أنها أرض الشام قاله سفيان هل أتك حديث موسى إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى إذهب الى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك الى ربك فتخشى فأرنه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنار بكم الأ على فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى أأنتم اشد خلقا أم السماء بنها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال ارسها متاعا لكم ولأنعامكم قوله عزوجل هل أتاك حديث موسى أي قد جاءك وقد بينا هذا في طه وما بعده الى قوله عزوجل طوى اذهب قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طوى اذهب غير مجراة وقرأ الباقون طوى منونة هل لك الى أن تزكى وقرأ ابن كثير ونافع تزكى بتشديد الزاي أي تطهر من الشرك وأهديك الى ربك أي أدعوك الى توحيده وعبادته فتخشى عذابه فأراه الآية الكبرى وفيها قولان أحدهما أنها اليد والعصا قاله جمهور المفسرين والثاني أنها اليد قاله الزجاج قوله عزوجل فكذب أي بأنها من الله وعصى نبيه ثم أدبر أي أعرض عن الإيمان يسعى أي يعمل بالفساد في الأرض فحشر أي فجمع قومه وجنوده فنادى لما اجتمعوا فقال أنا ربكم الأعلى أي لا رب فوقي وقيل أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم وقيل أراد أنا رب السادة والقادة

[ 175 ]

قوله عزوجل فاخذه الله نكال الآخرة والأولى فيه أربعة أقوال أحدها أن الاولى قوله ما علمت لكم من إله غيري [ القصص 38 ] والآخرة قوله أنا ربكم الأعلى قاله ابن عباس وعكرمة والشعبي ومقاتل والفراء ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال ابن عباس وكان بينهما أربعون سنة قال السدي فبقي بعد الآخرة ثلاثين سنة قال الفراء فالمعنى أخذه الله أخذانكالا للآخرة والاولى والثاني المعنى جعله الله نكال الدنيا والآخرة أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة قاله الحسن وقتادة وقال الربيع بن أنس عذبه الله في أول النهار بالغرق وفي آخرة بالنار والثالث أن الأولى تكذيبه وعصيانه والآخرة قوله ربكم الأعلى قاله أبو رزين والرابع أنها اول أعماله وآخرها رواه منصور عن مجاهد قال الزجاج النكال منصوب مصدر مؤكد لأن معنى أخذه الله نكل الله به نكال الآخرة والأولى فأغرقة: في الدنيا ويعذبه في الآخرة قوله عزوجل إن في ذلك الذي فعل بفرعون لعبرة أي لعظة لمن يخشى الله ثم خاطب منكري البعث فقال تعالى أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها قال الزجاج ذهب بعض النحويين الى أن قوله تعالى بناها من صفة السماء فيكون المعنى أم السماء التي بناها وقال قوم السماء ليس مما توصل ولكن المعنى أأنتم أشد خلقا أم السماء أشد خلقا ثم بين كيف خلقها فقال تعالى بناها قال المفسرون أخلقكم بعد الموت أشد عندكم أم السماء في تقديركم وهما في قدرة الله واحد ومعنى بناها رفعها وكل شئ ارتفع فوق شئ فهو بناء ومعنى رفع سمكها رفع ارتفاعها وعلوها في الهواء فسواها بلا شقوق ولا فطور ولا تفاوت يرتفع فيه بعضها على بعض وأغطش ليلها أي أظلمه فجعله مظلما قال الزجاج يقال غطش الليل وأغطش وغبش وأغبش وغسق وأغسق وغشي وأغشى كله بمعنى أظلم

[ 176 ]

قوله عزوجل وأخرج ضحاها أي أبرز نهارها والمعنى أظهر نورها بالشمس وإنما أضاف النور والظلمة الى السماء لأنهما عنها يصدران والأرض بعد ذلك أي بعد خلق السماء دحاها أي بسطها وبعض من يقول إن الأرض خلقت قبل السماء يزعم أن بعد هاهنا بمعنى قبل كقوله تعالى كتبنا في الزبور من بعد الذكر الأنبياء وبعضهم يقول هي بمعنى مع كقوله عزوجل بعد ذلك زنيم [ القلم 13 ] ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد كمال السماء وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص وقد أشرنا الى هذا الخلاف في البقرة 29 ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله تعالى دحاها أخرج منها ماءها غير أي فجر العيون منها ومرعاها وهو ما يأكله الناس والأنعام والجبال أرساها أحمد قال الزجاج أي أثبتها متاعا لكم أي للإمتاع لأن معنى أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك وقال ابن قتيبة متاعا لكم أي منفعة فإذا جاءت الطامة الكبرى يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وأثر الحيوة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى يسئلونك عن الساعة أيان مرسها يقول فيم أنت من ذكرها الى ربك منتهاها إنما أنت

[ 177 ]

منذر من يخشها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها قوله عزوجل فإذا جاءت الطامة الكبرى والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها أي تعلو فوقه وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال أحدها النفخة الثانية التي فيها البعث والثاني أنها حين يقال لأهل النار قوموا الى النار والثالث أنها حين يساق أهل الجنة الى الجنة وأهل النار الى النار قوله عزوجل يتذكر الإنسان ما سعى أي ما عمل من خير وشر وبرزت الجحيم لمن يرى أي لأبصار الناظرين قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق وقرأ أبو مجلز وابن السميفع لمن ترى بالتاء وقرأ ابن عباس ومعاذ القارئ لمن رأى بهمزة بين الراء والألف قوله تعالى فأما من طغى في كفره وآثر الحياة الدنيا على الآخرة فإن الجحيم هي المأوى قال الزجاج أي هي المأوى له وهذا جواب فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك قوله عزوجل أما من خاف مقام ربه قد ذكرناه في سورة الرحمن قوله عزوجل ونهى النفس عن الهوى أي عما تهوى من المحارم قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها قوله عزوجل يسالونك عن الساعة أيان مرساها قد سبق في الأعراف فيم أنت

[ 178 ]

من ذكراها أي لست في شئ من علمها وذكرها والمعنى إنك لا تعلمها الى ربك منتهاها أي منتهى علمها إنما أنت منذر من يخشاها وقرأ أبو جعفر منذر بالتنوين ومعنى الكلام إنما أنت مخوف من يخافها والمعنى إنما ينفع إنذارك م يخافها وهو المؤمن بها وأما من لا يخافها فكأنه لم ينذر كأنهم يعني كفار قريش يوم يرونها أي يعاينون القيامة لم يلبثوا في الدنيا وقيل في قبورهم إلا عشية أو ضحاها أي قدر آخر النهار من بعد العصر أو أوله الى أن ترتفع الشمس قال الزجاج والهاء والألف في ضحاها عائد الى العشية والمعنى إلا عشية أو ضحى العشية قال الفراء فإن قيل للعشية ضحى إنما الضحى لصدر النهار فالجواب أن هذا ظاهر في كلام العرب أن يقولوا آتيك العشية أو غداتها أو آتيك الغداة أو عشيتها فتكون العشية في معنى آخر والغداة في معنى أول أنشدني بعض بني عقيل نحن صبحنا عامرا في دارها * عشية الهلال أو سرارها أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية فهذا أشد من قولهم آتيك الغداة أو عشيتها

[ 179 ]

80 سورة عبس مكية وايايها ثنتان واربعون مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة قوله تعالى عبس وتولى قال المفسرون كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام وأمية وأبيا ابني خلف ويدعوهم الى الله تعالى ويرجو إسلامهم فجاء ابن أم مكتوم الأعمى فقال علمني يا رسول الله مما علمك الله وجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره حتى ظهرت الكراهية في وجهه صلى الله عليه وسلم

[ 180 ]

لقطعه كلامه فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على القوم يكلمهم فنزلت هذه الآيات فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعد ذلك ويقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي وذهب قوم منهم مقاتل الى أنه إنما جاء ليؤمن فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم اشتغالا بالرؤساء فنزلت فيه هذه الآيات ومعنى عبس قطب وكلح وتولى أعرض بوجهه أن جاءه أي لأن جاءه وقرأ أبي ابن كعب والحسن وأبو المتوكل وأبو عمران آن جاءه بهمزة واحدة مفتوحة ممدودة وقرأ ابن مسعود وابن السميفع أأن بهمزتين مقصورتين مفتوحتين والأعمى هو ابن أم مكتوم واسمه عمرو بن قيس وقيل اسمه عبد الله بن عمرو وما يدريك لعله يزكى أي يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك وقال مقاتل لعله يؤمن أو يذكر أي يتعظ بما يتعلمه من مواعظ القرآن فتنفعه الذكرى قرأ حفص عن عاصم فتنفعه بفتح العين والباقون بضمها قال الزجاج من نصب فعلى جواب لعل ومن رفع فعلى العطف على يزكى قوله عزوجل من استغنى قال ابن عباس استغنى عن الله وعن الإيمان بماله قال مجاهد أما من استغنى عتبة وشيبة له تصدى علي قرأ ابن كثير ونافع تصدى بتشديد الصاد وقرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي تصدى بفتح التاء

[ 181 ]

والصاد وتخفيفها وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وعمرو بن دينار تتصدى بتاءين مع تخفيف الصاد قال الزجاج الأصل تتصدى ولكن حذفت التاء الثانية لإجتماع تاءين ومن قرأ تصدى بإدغام التاء فالمعنى أيضا تتصدى إلا أن التاء أدغمت في الصاد لقرب مخرج التاء من الصاد قال ابن عباس تصدى تقبل عليه بوجهك وقال ابن قتيبة تتعرض وقرأ ابن مسعود وابن السميفع والجحدري تصدى بتاء واحدة مضمومة وتخفيف الصاد قوله عزوجل وما عليك أي أي شئ عليك في أن لا يسلم من تدعوه الى الإسلام يعني أنه ليس عليه إلا البلاغ قوله وأما من جاءك يسعى فيه قولان أحدهما يمشي والثاني يعمل في الخير وهو ابن أم مكتوم وهو يخشى الله فأنت عنه تلهى وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وأبو الجوزاء تتلهى بتاءين وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع والجحدري تلهى بتاء واحدة خفيفة مرفوعة قال الزجاج أي تتشاغل عنه يقال لهيت عن الشئ ألهى عنه إذا تشاغلت عنه قوله عزوجل كلا أي لا تفعل ذلك انها في المكني عنها قولان أحدهما آيات القرآن قاله مقاتل والثاني هذه السورة قاله الفراء والتذكرة بمعنى التذكير فمن شاء ذكره مفسر في آخر المدثر ثم أخبر بجلالة القرآن عنده فقال تعالى في صحف مكرمة

[ 182 ]

أي هو في صحف أي في كتب مكرمة وفيها قولان أحدهما انها اللوح المحفوظ قاله مقاتل والثاني كتب الأنبياء ذكره الثعلبي فعلى هذا يكون معنى مرفوعة عالية القدر وعلى الأول يكون رفعها كونها في السماء وفي معنى المطهرة أربعة أقوال أحدها مطهرة من أن تنز على المشركين قاله الحسن والثاني مطهرة من الشرك والكفر قاله مقاتل والثالث لأنه لا يمسها إلا المطهرون قاله الفراء والرابع مطهرة من الدنس قاله يحيى بن سلام قوله عزوجل بايدي سفرة فيهم قولان أحدهما أنهم الملائكة قاله الجمهور والثاني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قاله وهب بن منبه وفي معنى سفرة ثلاثة أقوال أحدها أنهم الكتبة قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج قال الزجاج واحدهم سافر وسفرة مثل كاتب وكتبة وكافر وكفرة وإنما قيل للكتاب سفر وللكاتب سافر لأن معناه أنه يبين الشئ ويوضحه يقال أسفر الصبح إذا أضاء وسفرت المرأة إذا كشفت النقاب عن وجهها ومنه سفرت بين القوم أي كشفت ما في قلب هذ وقلب هذا لأصلح بينهم والثاني أنهم القراء قاله قتادة والثالث أنهم السفراء وهم المصلحون قال الفراء تقول العرب سفرت بين القوم أي أصلحت بينهم فجعلت الملائكة إذا نزلت بوحي الله كالسفير الذي يصلح بين القوم قال الشاعر وما أدع السفارة بين قومي وما أمشي بغش إن مشيت قوله عزوجل كرام أي على ربهم برزة أي مطيعين قال الفراء واحد البررة في قياس العربية بار لأن العرب لا تقول فعلة ينوون به الجمع إلا والواحد منه فاعل مثل كافر وكفرة وفاجر وفجرة

[ 183 ]

قيل الإنسن ما أكفره من أي شئ خلقه من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره ثم أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره كلا لما يقض ما أمره فلينظر الإنسان الى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفكهة وأبا متعا لكم ولأنعمكم قوله عزوجل قتل الإنسان أي لعن والمراد بالإنسان هاهنا الكافر وفيمن عنى بهذا القول ثلاثة أقوال أحدها أنه أشار الى كل كافر قاله مجاهد والثاني أنه أمية بن خلف قاله الضحاك والثالث عتبة بن أبي لهب قاله مقاتل وفي قوله عزوجل ما أكفره ثلاثة أقوال أحدها ما أشد كفره قاله ابن جريج والثاني أي شئ أكفره قاله السدي فعلى هذا يكون استفهام توبيخ الثالث أنه على وجه التعجب وهذا التعجب يؤمر به الآدميون والمعنى اعجبوا أنتم من كفره قاله الزجاج قوله عزوجل من أي شئ خلقه ثم فسره فقال تعالى من نطفة خلقه وفي معنى فقدره ثلاثة أقوال أحدها قدر أعضاءه رأسه وعينيه ويديه ورجليه قاله ابن السائب والثاني قدره أطوارا نطفة ثم علقه الى آخر خلقه قاله مقاتل والثالث فقدره على الإستواء قاله الزجاج قوله ثم السبيل يسره فيه قولان أحدهما سهل له العلم بطريق الحق والباطل قاله الحسن ومجاهد قال الفراء والمعنى ثم يسره للسبيل

[ 184 ]

والثاني يسر له السبيل في خروجه من بطن أمه قاله السدي ومقاتل قوله عزوجل فأقبره قال الفراء أي جعله مقبورا ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير فكأن القبر مما أكرم به المسلم ولم يقل قبره لأن القابر هو الدافن بيده والمقبر الله لأنه صيره مقبورا فليس فعله كفعل الآدمي والعرب تقول بترت ذنب البعير والله أبتره وعضبت قرن الثور والله أعضبه وطردت فلانا عني والله أطرده أي صيره طريدا وقال أبو عبيدة أقبره أي أمر أن يقبر وجعل له قبرا قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن أقبرنا صالحا فقال دونكموه والذي يدفن بيده هو القابر قال الأعشى لو أسندت ميتأ الى نحرها * عاش ولم يسلم الى قابر قوله عزوجل ثم إذا شاء أنشره عمر أي بعثه يقال أنشر الله الموتى فنشروا ونشر الميت حيي [ هو ] بنفسه واحدهم ناشر قال الأعشى حتى يقول الناس مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر قوله عزوجل كلا قال الحسن حقا لما يقض ما أمره به ربه ولم يؤد ما فرض عليه ي وهل هذا عام أم خاص فيه قولان أحدهما أنه عام قال مجاهد لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض الله عليه والثاني أنه خاص للكافر لم يقض ما أمر به من الإيمان والطاعة قاله يحيى بن سلام ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر وليستدل بالنبات على البعث فقال عزوجل فلينظر الإنسان الى طعامه قال مقاتل يعني به عتبة بن أبي لهب ومعنى الكلام فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته ثم بين فقال تعالى أنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر إنا بالكسر وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أنا صببنا بفتح الهمزة في الوصل وفي الإبتداء ووافقهم رويس على فتحها في الوصل فإذا ابتدأ كسر قال الزجاج

[ 185 ]

من كسر إنا فعلى الإبتداء والإستئناف ومن فتح فعلى البدل من الطعام المعنى فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا قال المفسرون أراد بصب الماء المطر ثم شققنا الأرض بالنبات شقا فأنبتنا فيها حبا يعني به جميع الحبوب التي يتغذى بها وعنبا وقضبا قال الفراء هو الرطبة وأهل مكة يسمون القت القضب قال ابن قتيبة ويقال انه سمي بذلك لأنه يقضب مرة بعد مرة أي يقطع وكذلك القصيل لأنه يقصل أي يقطع قوله عزوجل وإن ونخلا وحدائق غلبا كما قال الفراء كل بستان كان عليه حائط فهو حديقة وما لم يكن عليه حائط لم يقل حديقة والغلب ما غلظ من النخل قال أبو عبيدة يقال شجرة غلباء إذا كانت غليظة وقال ابن قتيبة الغلب الغلاظ الأعناق وقال الزجاج هي المتكاثفة العظام قوله عزوجل وفاكهة يعني ألوان الفاكهة وأبا هو فيه قولان أحدهما أنه ما ترعاه البهائم قاله ابن عباس وعكرمة واللغويون وقال الزجاج هو جميع الكلأ التي تعتلفه الماشية والثاني أنه الثمار الرطبة رواه الوالبي عن ابن عباس قوله متاعا لكم ولأنعامكم قد بيناه في السورة التي قبلها

[ 186 ]

فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصحبته وبنيه لكل امرئ منهم يؤمنذ شأن يغنيه وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة قوله عزوجل فإذا جاءت الصاخة وهي الصياحة الثانية قال ابن قتيبة الصاخة تصخ صخا أي تصم يقال رجل أصخ وأصلخ عنه إذا كان لا يسمع والداهية صاخة ايضا وقال الزجاج هي الصيحة التي تكون عليها القيامة تصخ الأسماع أي تصمها فلا تسمع إلا ما تدعي به لإحيائها ثم فسر في أي وقت تجئ فقال تعالى يوم يفر المرء من أخيه قال المفسرون المعنى لا يلتفت الإنسان إلى أحد من أقاربه لعظم ما هو فيه قال الحسن أول من يفر من أخيه هابيل ومن أمه وأبيه إبراهيم ومن صاحبته نوح ولوط ومن ابنه نوح وقال قتادة يفر هابيل من قابيل والنبي صلى الله عليه وسلم من أمه وإبراهيم من أبيه ولوط من صاحبته ونوح من ابنه قوله عزوجل لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه إن قال الفراء أي يشغله عن قرابته وقال ابن قتيبة أي يصرفه ويصده عن قرابته يقال اغن عني وجهك أي اصرفه واغن عني السفيه وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والزهري وأبو العالية وابن السميفع وابن محيصن وابن أبي عبلة يعنيه بفتح الياء والعين غير معجمة قال الزجاج معنى الآية له شأن لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره وكذلك قراءة من قرأ يغنيه بالغين معناه له شأن لا يهمه معه غيره وقد روى أنس بن مالك قال قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم أنحشر إلا عراة قال نعم قالت واسوءتاه فأنزل الله تعالى لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه قوله عزوجل وجوه يومئذ مسفرة أي مضيئة قد علمت ما لها من الخير ضاحكة لسرورها مستبشرة أي فرحة بما نالها من كرامة الله عز وجل ووجوه يومئذ عليها غبرة أي غبار وقال مقاتل أي سواد وكآبة ترهقها أي تغشاها قترة أي ظلمة وقال الزجاج يعلوها سواد كالدخان ثم بين من أهل هذه الحال فقال تعالى هم الكفرة الفجرة وهوجمع كافر وفاجر

[ 187 ]

81 سورة التكوير مكية وايايها تنع وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا

[ 188 ]

العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت روى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن ينظر الى يوم القيامة فليقرأ قوله تعالى إذا الشمس كورت وفي قوله تعالى كورت أربعة أقوال أحدها أظلمت رواه الوالبي عن ابن عباس وكذلك قال الفراء ذهب ضوؤها وهذا قول قتادة ومقاتل والثاني ذهبت رواه عطية عن ابن عباس وكذلك قال مجاهد اضمحلت والثالث غورت روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وابن الأنباري وهذا من قول الناس بالفارسية كوربكرد فيه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال هو بالفار سية كوربور والرابع أنها تكور مثل تكوير العمامة فتلف وتمحى قاله أبو عبيدة قال الزجاج ومعنى كورت جمع ضوؤها ولفت كما تلف العمامة ويقال كورت العمامة على رأسي أكورها إذا لففتها قال المفسرون تجمع الشمس بعضها الى بعض ثم تلف ويرمى بها في البحر وقيل في النار وقيل تعاد الى ما خلقت منه قوله عزوجل النجوم انكدرت وقال أي تناثرت وتهافتت يقال انكدر الطائر في الهواء إذا انقض وإذا الجبال سيرت عن وجه الأرض فاستوت مع الأرض وإذا

[ 189 ]

العشار عطلت أنه قال المفسرون وأهل اللغة العشار النوق الحوامل وهي التي أتى عليها في الحمل عشرة أشهر فقيل لها العشار لذلك وذلك الوقت أحسن زمان حملها وهي تضع إذا وضعت لتمام في سنة فهي أنفس ما للعرب عندهم فلا يعطلونها إلا لإتيان ما يشغلهم عنها وإنما خوطبت العرب بأمر العشار لأن أكثر عيشهم ومالهم من الإبل ومعنى عطلت سيبت وأهملت لإشتغالهم عنها بأهوال القيامة قوله تعالى وإذا الوحوش يعني دواب البحر حشرت وفيه قولان أحدهما ماتت قاله ابن عباس والثاني جمعت الى القيامة قاله السدي وقد زدنا هذا شرحا في [ الأنعام قوله عزوجل وإذا البحار سجرت قرأ ابن كثير وأبو عمرو سجرت بتخفيف الجيم وقرأ الباقون بتشديدها وفي المعنى ثلاثة أقوال أحدها أوقدت فاشتعلت نارا قاله علي وابن عباس والثاني يبست قاله الحسن والثالث ملئت بأن صارت بحرا واحدا وكثر ماؤها قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة قوله عزوجل وإذا النفوس زوجت فيه ثلاثة أقوال أحدها قرنت بأشكالها قاله عمر رضي الله عنه الصالح مع الصالح في الجنة والفاجر مع الفاجر في النار وهذا قول الحسن وقتادة

[ 190 ]

والثاني ردت الأرواح الى الأجساد فزوجت بها قاله الشعبي وعن عكرمة كالقولين والثالث زوجت أنفس المؤمنين بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين قاله عطاء ومقاتل قوله عزوجل وإذا الموؤودة سئلت قال اللغويون الموؤودة البنت تدفن وهي حية وكان هذا من فعل الجاهلية ويقال وأد ولده أي دفنه حيا قال الفرزدق ومنا الذي منع الوائدا * وهو ت فأحيا الوئيد ولم يوأد يعني صعصعة بن صوحان وهو جد الفرزدق قال الزجاج ومعنى سؤالها تبكيت قاتليها في القيامة لأن جوابها قتلت بغير ذنب ومثل هذا التبكيت قيل سئلت طلبت كما تقول سألته حقي وإنما طلبت لتبكيت قاتلي قوله عزوجل أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن وابن يعمر وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو سألت بفتح السين وألف بعدها بأي ذنب قتلت بإسكان اللام وضم التاء الأخيرة وسؤالها هذا أيضا تبكيت لقاتليها أي قال ابن عباس كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكان أوان ولادها حفرت حفيرة فتمخضت على رأس الحفيرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفيرة وان ولدت غلاما حبسته قوله عزوجل وإذا الصحف نشرت قرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب نشرت بالتخفيف والباقون بالتشديد والمراد بالصحف صحائف أعمال بني آدم تنشر للحساب وإذا السماء كشطت قال الفراء نزعت فطويت وفي قراءة عبد الله قشطت بالقاف وهكذا تقوله قيس وتميم وأسد بالقاف وأما قريش فتقوله بالكاف والمعنى واحد والعرب تقول القافور والكافور والقسط والكسط وإذا تقارب الحرفان في

[ 191 ]

المخرج تعاقبا في اللغات كما يقال حدث وحدت قال ابن قتيبة كشطت كما يكشط الغطاء عن الشئ فطويت وقال الزجاج قلعت كما يقلع السقف وسعرت أوقدت وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم سعرت مشددة قال الزجاج المعنى واحد إلا أن معنى المشدد أوقدت مرة بعد مرة وأزلفت قربت من المتقين وجواب هذه الأشياء علمت نفس ما أحضرت أي إذا كانت هذا الأشياء علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرت من عمل فأثيبت على قدر عملها وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال في قوله عز وجل علمت نفس ما أحضرت لهذا جرى الحديث وقال ابن عباس من أول السورة الى هاهنا اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء رب العالمين قوله عزوجل فلا أقسم لا زائدة والمعنى أقسم بالخنس وفيها خمسة أقوال أحدها أنها خمسة أنجم تخنس بالنهار فلا ترى وهي زحل وعطارد والمشتري والمريخ والزهرة قاله علي وبه قال مقاتل وابن قتيبة وقيل اسم المشتري البرجس به واسم المريخ بهرام والثاني أنها النجوم قاله الحسن وقتادة على الإطلاق وبه قال أبو عبيدة

[ 192 ]

والثالث أنها بقر الوحش قاله ابن مسعود والرابع الظباء رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والخامس الملائكة حكاه الماوردي والأكثرون على أنها النجوم قال ابن قتيبة وإنما سماها خنسا لأنها تسير في البروج والمنازل كسير الشمس والقمر ثم تخنس أي ترجع بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعا الى أوله وسماها كنسا لأنها تكنس أي تسير كما تكنس الظباء وقال الزجاج تخنس أي تغيب وكذلك تكنس أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها وإذا كان المراد الظباء فهو يدخل الكناس وهو الغصن من أغصان الشجر ووقف يعقوب على الجواري بالياء قوله عزوجل والليل إذا عسعس فيه قولان أحدهما ولى قاله ابن عباس وابن زيد والفراء والثاني أقبل قاله ابن جبير وقتادة قال الزجاج يقال عسعس الليل إذا أقبل وعسعس إذا أدبر واستدل من قال إن المراد إدباره بقوله عزوجل الصبح إذا تنفس وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن قرط حتى إذا الصبح لها تنفسا * وإنجاب ثم عنها ليلها وعسعسا قوله عزوجل تنفس قولان أحدهما أنه طلوع الفجر قاله علي رضي الله عنه وقتادة والثاني طلوع الشمس قاله الضحاك قال الزجاج معناه إذا امتد حتى يصير نهارا بينا وجواب القسم في قوله أقسم بالخنس وما بعده قوله إنه لقول رسول كريم يعني ان القرآن نزل به جبريل وقد بينا هذا في الحاقة ثم وصف جبريل بقوله عزوجل ذي قوة وهو كقوله عزوجل ذو مرة وقد شرحناه في النجم آية ذي قوة 3 عند ذي العرش مكين يعني في المنزلة مطاع ثم أمين أي في السموات تطيعه الملائكة فمن طاعة الملائكة له أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج حتى فتحها لمحمد صلى الله عليه وسلم فدخلها ورأى ما فيها وأمر خازن جهنم ففتح له عنها حتى نظر إليها وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وأبو حيوة ثم بضم الثاء

[ 193 ]

ومعنى أمين على وحي الله ورسالاته قال أبو صالح أمين على أن يدخل سبعين سرادقا من نور بغير إذن قوله عزوجل وما صاحبكم بمجنون يعني محمدا ثلى الله عليه وسلم والخطاب لأهل مكة قال الزجاج وهذا أيضا من جواب القسم وذلك أنه أقسم أن القرآن نزل به جبريل وأن محمدا ليس بمجنون كما يقول أهل مكة قوله تعالى رآه بالأفق المبين قال المفسرون رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته بالأفق وقد ذكرنا هذا في سورة النجم قوله عزوجل وما هو يعني محمدا صلى الله عليه وسلم على الغيب أي على خبر السماء الغائب عن أهل الأرض بضنين قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس بظنين بالظاء وقرأ الباقون بالضاد وقال ابن قتيبة من قرأ بالظاء فالمعنى ما هو بمتهم على ما يخبر به عن الله ومن قرأ بالضاد فالمعنى ليس ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم وقال غيره ما يكتمه كما يكتم الكاهن ليأخذ الأجر عليه قوله عزوجل وما هو يعني القرآن بقول شيطان رجيم قال مقاتل وذلك أن كفار مكة قالوا إنما يجئ به الشيطان فيلقيه على لسان محمد قوله عزوجل فأين تذهبون قال الزجاج معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم إن هو أي ما هو يعني القرآن إلا ذكر للعالمين أي

[ 194 ]

موعظة للخلق أجمعين لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان والمعنى أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق وقد بينا سبيل الإستقامة فمن شاء أخذ في تلك السبيل ثم أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه بما بعد هذا وقد بينا هذا في سورة الإنسان 30 قال أبو هريرة لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فنزل قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقيل القائل لذلك أبو جهل وقرأ أبو بكر الصديق وأبو المتوكل وأبو عمران وما يشاؤون بالياء فصل وقد زعم بعض ناقلي التفسير أن قوله تعالى شاء منكم أن يستقيم ولا وقوله عز وجل في [ عبس 6 فمن شاء ذكره وقوله تعالى في سورة [ الانسان وفي سورة المزمل 8 فمن شاء اتخذ الى ربه سبيلا كله منسوخ بقوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ولا أرى هذا القول صحيحا لأنه لو جاز وقوع مشيئتهم مع عدم مشيئته توجه النسخ فأما إذ أخبر أن مشيئتهم لا تقع إلا بعد مشيئته فليس للنسخ وجه

[ 195 ]

سورة الإنفطار مكية وايايها تنع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت يا أيها الإنسان ما غرك بربك

[ 196 ]

الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وما أدرك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا يومئذ لله قوله عزوجل إذا السماء انفطرت انفطارها انشقاقها وانتثرت بمعنى تساقطت وفجرت بمعنى فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا وقال الحسن ذهب ماؤها وبعثرت بمعنى أثيرت قال ابن قتيبة قلبت فأخرج ما فيها يقال بعثرت المتاع وبحثرته إذا جعلت أسفله أعلاه قوله عزوجل علمت نفس ما قدمت وأخرت هذا جواب الكلام وقد شرحناه في قوله عزوجل ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر قوله عزوجل يا أيها الإنسان فيه أربعة أقوال أحدها أنه عني به أبو الأشدين وكان كافرا قاله ابن عباس ومقاتل وقد ذكرنا اسمه في المدثر حدثنا 6 والثاني أنه الوليد بن المغيرة قاله عطاء والثالث أنه أبي بن خلف قاله عكرمة والرابع أنه أشار الى كل كافر ذكره الماوردي

[ 197 ]

قوله عزوجل ما غرك قال الزجاج أي ما خدعك وسول لك حتى أضعت ما وجب عليك وقال غيره المعنى ما الذي أمنك من عقابه وهو كريم متجاوز إذ لم يعاقبك عاجلا وقيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله سبحانه يوم القيامة وقال ما غرك بربك الكريم ماذا كنت تقول قال أقول غرني ستورك المرخاة وقال يحيى بن معاذ لو قال لي ما غرك بي قلت برك سالفا وآنفا قيل لما ذكر الصفة التي هي الكرم هاهنا دون سائر صفاته كان كأنه لقن عبده الجواب ليقول غرني كرم الكريم قوله عزوجل الذي خلقك ولم تك شيئا فسواك إنسانا تسمع وتبصر فعدلك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فعدلك بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي فعدلك بالتخفيف قال الفراء من قرأ بالتخفيف فوجهه والله أعلم فصورك قوله الى أي صورة ما شاء إما حسن وإما قبيح وإما طويل وإما قصير وقيل في صورة أب في صورة عم في صورة بعض القرابات تشبيها ومن قرأ بالتشديد فإنه أراد والله أعلم جعلك معتدلا معدل الخلق وقال غيره عدل أعضاءك فلم تفضل يد على يد ولا رجل على رجل وعدل بك أن يجعلك حيوانا بهيما قوله عزوجل في أي صورة ما شاء ركبك قال الزجاج يجوز أن تكون ما زائدة ويجوز أن تكون بمعنى الشرط والجزاء فيكون المعنى في أي صورة ما شاء أن يركبك فيها ركبك وفي معنى الآية أربعة أقوال أحدها في أي صورة من صور القرابات ركبك وهو معنى قول مجاهد والثاني في أي صورة من حسن أو قبح أو طول أو قصر أو ذكر أو أنثى وهو معنى قول الفراء والثالث إن شاء أن يركبك في غير صورة الإنسان ركبك قاله مقاتل وقال عكرمة إن شاء في صورة قرد وإن شاء في صورة خنزير

[ 198 ]

والرابع إن شاء في صورة إنسان بأفعال الخير وإن شاء في صورة حمار بالبلادة والبلة وإن شاء في صورة كلب بالبخل أو خنزير بالشره ذكره الثعلبي قوله عزوجل بل تكذبون بالدين وقرأ أبو جعفر بالياء أي بالجزاء والحساب تزعمون أنه غير كائن ثم أعلمهم أن أعمالهم محفوظة فقال تعالى وإن عليكم لحافظين أي من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم كراما على ربهم كاتبين يكتبون أعمالكم يعلمون ما تفعلون من خير وشر فيكتبونه عليكم قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وذلك في الآخرة إذا دخلوا الجنة وإن الفجار وفيهم قولان أحدهما أنهم المشركون والثاني الظلمة ونقل عن سليمان بن عبد الملك أنه قال لأبي حازم يا ليت شعري ما لنا عند الله فقال له اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عنده فقال وأين أجده قال عند قوله عزوجل إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم قال سليمان فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين قوله عزوجل يصلونها يعني يدخلون الجحيم مقاسين حرها يوم الدين أي يوم الجزاء على الأعمال وما هم عنها أي عن الجحيم بغائبين وهذا يدل على تخليد الكفار وأجاز بعض العلماء أن تكون عنها كناية عن القيامة فتكون فائدة الكلام تحقيق البعث ويشتمل هذا على الأبرار والفجار ثم عظم ذلك اليوم بقوله عزوجل وما أدراك ما يوم الدين ثم كرر ذلك تفخيما لشأنه وكان ابن السائب يقول الخطاب بهذا للإنسان الكافر لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوله عزوجل يوم لا تملك نفس لنفس قرأ ابن كثير وأبو عمرو يوم بالرفع والباقون بالفتح قال الزجاج من رفع اليوم فعلى أنه صفة لقوله تعالى يوم الدين ويجوز أن يكون رفعه بإضمار هو ونصبه على معنى هذه الأشياء المذكورة تكون لا تملك نفس لنفس شيئا قال المفسرون ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدا من الخلق شيئا كما ملكهم في الدنيا وكان مقاتل يقول لا تملك نفس لنفس كافرة شيئا من المنفعة والقول على الإطلاق أصح لأن مقاتلا فيما أحسب خاف نفي شفاعة المؤمنين والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه

[ 199 ]

83 سورة المطففين مكية وآياتها ست وثلاثون وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها مكية قاله ابن مسعود والضحاك ويحيى بن سلام والثاني مدنية قاله ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومقاتل إلا أن ابن عباس وقتادة قالا فيها ثمان آيات مكية من قوله تعالى الذين أجرمواله المطففين الى آخرها وقال مقاتل فيها آية مكية وهي قوله تعالى تتلى عليه قال أساطير الأولين والثالث أنها نزلت بين مكة والمدينة قاله جابر بن زيد وابن السائب وذكر هبة الله بن سلامة المفسر انها نزلت في الهجرة بين مكة والمدينة نصفها يقارب المدينة بسم الله الرحمن الرحيم ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين قوله عزوجل ويل للمطففين قال ابن عباس لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا

[ 200 ]

من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى ويل للمطففين فأحسنوا الكيل بعد ذلك وقال السدي قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية وقد شرحنا معنى الويل في البقرة وقال ابن قتيبة المطفف الذي لا يوفي الكيل يقال إناء طفان ذلك إذا لم يكن مملوءا وقال الزجاج إنما قيل مطفف لأنه لا يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشئ الطفيف وإنما أخذ من طف الشئ وهو جانبه قوله عزوجل الذين إذا اكتالوا على الناس أي من الناس ف‍ على بمعنى من في قول المفسرين واللغويين قال الفراء على ومن يعتقبان في هذا الموضع لأنك إذا قلت اكتلت عليك فكأنك قلت أخذت ما عليك كيلا وإذا قلت اكتلت منك فهو كقولك استوفيت منك قال الزجاج المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل وكذلك إذا اتزنوا ولم يذكر إذا اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فيما يكال ويوزن فأحدهما يدل على الآخر وإذا كالوهم أي كالوا لهم أو وزنوهم أي وزنوا لهم يخسرون أي ينقصون في الكيل والوزن فعلى هذا لا يجوز أن يقف على كالوا ومن الناس من يجعل هم توكيدا لما كالوا ويجوز أن يقف على كالوا والاختيار الأول قال الفراء سمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكليلنا محمد المد والمدين الى الموسم المقبل قوله تعالى يظن أولئك أنهم مبعوثون إلى قال الزجاج المعنى لو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن ليوم عظيم يعني به يوم القيامة يوم يقوم الناس منصوب بقوله عزوجل مبعوثون قال المفسرون والظن هاهنا بمعنى العلم واليقين ومعنى يقوم الناس أي من قبورهم كان العالمين أي لأمره أو لجزائه وحسابه وقيل يقومون بين يديه

[ 201 ]

لفصل القضاء وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية يقوم أحدهم في رشحه الى أنصاف أذنيه وقال كعب يقفون ثلاثمائة عام قال مقاتل وذلك إذا خرجوا من قبورهم كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدرك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلابل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون كلا إن كتب الأبرار لفي عليين وما أدرئك أبو ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون قوله عزوجل كلا ردع وزجر أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا وهاهنا تم الكلام عند كثير من العلماء وكان أبو حاتم يقول كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقا إن كتاب الفجار قال مقاتل إن كتاب أعمالهم لفي سجين وفيها أربعة أقوال

[ 202 ]

أحدها أنها الأرض السابعة وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد ومقاتل وروي عن مجاهد قال سجين صخرة تحت الأرض السابعة يجعل كتاب الفجار تحتها وهذه علامة لخسارتهم أو ودلالة على خساسة منزلتهم والثاني أن المعنى إن كتابهم لفي سفال قاله الحسن والثالث لفي خسار قاله عكرمة والرابع لفي حبس فعيل من السجن قاله أبو عبيدة قوله عزوجل أدراك ما سجين هذا تعظيم لأمرها وقال الزجاج أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك قوله عزوجل كتاب مرقوم أي ذلك الكتاب الذي في سجين كتاب مرقوم أي مكتوب قال ابن قتيبة والرقم الكتاب قال أبو ذؤيب عرفت) الديار كرقم الدوا * ة يزبره الكاتب الحميري وأنشده الزجاج يذبرها عليه بالذال المعجمة وكسر الباء قال الأصمعي يقال زبر كتب وذبر أبي قرأ وروى أبو عمرو عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال الصواب زبرت بالزاي كتبت وذبرت (بالذال أتقنت ما حفظت قال والبيت يزبرها بالزاي والضم وقال ابن قتيبة يروى يزبرها ويذبرها ما وهو مثله يقال زبر الكتاب يزبره ويزبره وذبره يذبره ويذبره وقال قتادة رقم له بشر كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه الكافر وقيل المعنى إنه مثبت لهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به قوله عزوجل يومئذ للمكذبين هذا منتظم بقوله تعالى يقوم الناس وما

[ 203 ]

بينهما كلام معترض وما بعده قد سبق بيانه الى قوله تعالى ران على قلوبهم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بل ران بفتح الراء مدغمة وقرأ أبو بكر عن عاصم بل ران مدغمة بكسر الراء وقرأ حفص عن عاصم بل بإظهار اللام ران بفتح الراء قرا حمزة والكسائي بادغام اللام بكسر الراء قال اللغويون أي غلب على قلوبهم يقال الخمر ترين على عقل السكران قال الزجاج قرئت بإدغام اللام في الراء لقرب ما بين الحرفين وإظهار اللام جائز لأنه من كلمة والرأس من كلمة أخرى ويقال ران على قلبه الذنب يرين رينا إذا غشي على قلبه ويقال غان يغين غنيا والغين كالغيم الرقيق والرين كالصدأ يغشى على القلب وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول الغين يقال بالراء وبالغين ففي القرآن كلا بل ران وفي الحديث إنه ليغان على قلبي وكذلك الراية تقال بالراء وبالغين والرميصاء تكتب بالغين وبالراء لأن الرمص يكتب بهما قال المفسرون لما كثرت معاصيهم وذنوبهم أحاطت بقلوبهم قال الحسن هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب قوله عزوجل كلا أي لا يصدقون ثم استأنف عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال ابن عباس إنهم عن النظر الى ربهم يومئذ لمحجوبون والمؤمن لا يحجب عن رؤيته وقال مالك بن أنس لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه وقال الشافعي لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضى وقال الزجاج في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة ولا خست منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن ربهم ثم من بعد حجبهم عن الله يدخلون النار فذلك قوله عزوجل ثم إنهم لصالوا الجحيم

[ 204 ]

قوله عزوجل ثم يقال أي يقول لهم خزنة النار هذا العذاب الذي كنتم به تكذبون كلا أي لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار فقال عزوجل لفي عليين وفيها سبعة أقوال أحدها أنها الجنة رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنه لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش فيه أعمالهم مكتوبة روي عن ابن عباس أيضا والثالث أنها السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين قاله كعب وهو مذهب مجاهد وابن زيد والرابع أنها قائمة العرش اليمنى وقال مقاتل ساق العرش والخامس أنه سدرة المنتهى قاله الضحاك والسادس أنه في علو وصعود الى الله عز وجل قاله الحسن وقال الفراء في ارتفاع بعد ارتفاع والسابع أنه أعلى الأمكنة قاله الزجاج قوله عزوجل أدراك ما عليون هذا تعظيم لشأنها قوله عزوجل كتاب مرقوم الكلام فيه كالكلام في الآية التي قبلها قوله عزوجل يشهده المقربون أي يحضر المقربون من الملائكة ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به الى عليين وما بعد هذا قد سبق بيانه [ الإنفطار 13 ] الى قوله عزوجل ينظرون ففيه قولان أحدهما الى ما أعطاهم الله من الكرامة

[ 205 ]

والثاني الى أعدائهم حين يعذبون قوله عزوجل في وجوههم نضرة النعيم وقرأ أبو جعفر ويعقوب تعرف بضم التاء وفتح الراء نضرة بالرفع قال الفراء بريق النعيم ونداه قال المفسرون إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعيم لما ترى من الحسن والنور وفي الرحيق ثلاثة أقوال أحدها أنه الخمر قاله الجمهور ثم اختلفوا أي الخمر هي على أربعة أقوال أحدها أجود الخمر قاله الخليل بن أحمد والثانية الخالصة من الغش قاله الأخفش والثالث الخمر البيضاء قاله مقاتل والرابع الخمر العتيقة حكاه ابن قتيبة والقول الثاني أنه عين في الجنة مشوبة بالمسك قاله الحسن والثالث أنه الشراب الذي لا غش فيه قاله ابن قتيبة والزجاج وفي قوله عزوجل مختوم ثلاثة أقوال أحدها ممزوج قاله ابن مسعود والثاني مختوم على إنائه والى نحو هذا ذهب مجاهد والثالث له ختام أي عاقبة ريح وتلك العاقبة هي قوله تعالى ختامه مسك أي عاقبته هذا قول أبي عبيدة قوله ختامه مسك قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة ختامه بكسر الخاء وبفتح التاء وبألف بعدهما مرفوعه الميم وقرأ الكسائي خاتمه بخاء مفتوحة بعدها ألف وبعدها تاء مفتوحة وروى الشيزري خاتمه مثل ذلك إلا أنه يكسر التاء وقرأ أبي بن كعب وعروة وأبو العالية ختمه بفتح الخاء والتاء وبضم الميم من غير ألف وللمفسرين في قوله تعالى مسك أربعة أقوال أحدها خلطه مسك قاله ابن مسعود ومجاهد والثاني أن ختمه الذي يختم به الإناء مسك قاله ابن عباس والثالث أن طعمه وريحه مسك قاله علقمة

[ 206 ]

والرابع أن آخر طعمه مسك ] قاله سعيد بن جبير والفراء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج في آخرين قوله عزوجل وفي ذلك فليتنافس المتنافسون أي فليجدوا الله في طلبه وليحرصوا قال عليه بطاعة الله والتنافس كالتشاح عن على الشئ والتنازع فيه قوله عزوجل ومزاجه من تسنيم فيه قولان أحدهما أنه اسم عين في الجنة قال ابن مسعود وهي عين في الجنة يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين والثاني أن التسنيم الماء قاله الضحاك قال مقاتل وإنما سمي تسنيما لأنه يتسنم عليه والثاني أن التسنيم الماء 4 قاله الضحاك قال مقاتل وإنما سمي تسنيما لأنه يتسنم عليه من جنة عدن فينصب عليهم انصبابا فيشربون الخمر من ذلك الماء قال ابن قتيبة يقال ان التسنيم أرفع شراب في الجنة ويقال إنه يمتزج بماء ينزل من تسنيم أي من علو وأصل هذا من سنام البعير ومن تسنيم القبور وهذا أعجب الي لقول المسيب بن علس في وصف امرأة كأن بريقتها للمزا من * ج في من ثلج تسنيم شيبت عقارا أراد كأن بريقتها عقارا شيبت للمزاج من ثلج تسنيم يريد جبلا قال الزجاج المعنى ومزاجه من تسنيم عينا تأتيهم من تسنيم أي من علو يتسنم عليهم من الغرف ف عينا في هذا القول منصوبة كما قال تعالى إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ويجوز أن تكون عينا منصوبة بقوله يسقون عينا أي من عين وقد بينا معنى يشرب بها في هل أتى 7 إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا الى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون

[ 207 ]

وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون قوله عزوجل إن الذين أجرموا أي أشركوا كانوا من الذين آمنوا يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمار وبلال وخباب وغيرهم يضحكون على وجه الإستهزاء بهم وإذا مروا يعني المؤمنين بهم أي بالكفار يتغامزون أي يشيرون بالجفن والحاجب استهزاء بهم وإذا انقلبوا يعني الكفار الى أهلهم انقلبوا فكهين أي متعجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم وقرأ أبو جعفر وحفص عن عاصم وعبد الرزاق عن ابن عامر فكهين بغير ألف وقد شرحنا معنى القراءتين في يس 6 وإذا رأوهم أي رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إن هؤلاء لضالون يقول الله تعالى وما أرسلوا يعني الكفار عليهم أي على المؤمنين حافظين يحفظون أعمالهم عليهم أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم فاليوم يعني في الآخرة الذين آمنوا من الكفار يضحكون إذا رأوهم يعذبون في النار قال أبو صالح يقال لأهل النار وهم فيها اخرجوا وتفتح لهم أبوابها فإذا أقبلوا يريدون الخروج غلقت أبوابها دونهم والمؤمنون على الأرائك 11 ينظرون إليهم فذلك قوله فاليوم الذين آمنوا من الكفار ينظرون إلى أعداء الله كيف يعذبون فيحمدون الله على ما أكرمهم به فهم يكلمون أهل النار ويكلمو نهم الى أن تطبق النار على أهلها فتسد حينئذ الكوى قوله تعالى هل ثوب الكفار وقرأ حمزة والكسائي وهارون عن أبي عمرو هل ثوب بإدغام اللام أي هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا وهذا الاستفهام بإدغام اللام أي هل جوزوا وأثيبوا على استهزائهم بالمؤمنين في الدنيا ؟ وهذا الاستفهام بمعنى التقرير

[ 208 ]

84 سورة الانشقاق مكية وآياتها خسن وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت يا أيها الإنسن إنك كادح الى ربك كدحا

[ 209 ]

فملقيه فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب الى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا إنه ظن أن لن قوله عزوجل إذا السماء انشقت قال المفسرون انشقاقها من علامات الساعة وقد ذكر ذلك في مواضع من القرآن وأذنت لربها أي استمعا وأطاعت في الانشقاق من الأذن وهو الإستماع للشئ والإصغاء إليه وأنشدوا صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * فإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وحقت أي حق لها أن تطيع ربها الذي خلقها وإذا الأرض مدت قال ابن عباس تمد مد الأديم ويزاد في سعتها وقال مقاتل لا يبقى جبل ولا بناء إلا دخل فيها قوله عزوجل وألقت ما فيها من الموتى والكنوز وتخلت أي خلت من ذلك فلم يبق في باطنها شئ واختلفوا في جواب هذه الأشياء المذكورات على أربعة أقوال أحدها متروك لأن المعنى معروف قد تردد في القرآن والثاني أنه يا أيها الإنسان كقول القائل إذا كان كذا وكذا فيا أيها الناس ترون ما عملتم فيجعل يا أيها الإنسان جواب وتضمر فيه الفاء كأن المعنى ترى الثواب والعقاب إذا السماء انشقت وذكر القولين الفراء والثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره يا أيها الإنسان إنك كادح الى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت قاله المبرد والرابع أن الجواب مدلول عليه بقوله عزوجل فملاقيه فالمعنى إذا كان يوم القيامة

[ 210 ]

لقي الإنسان عمله قاله الزجاج قوله تعالى كادح الى ربك كدحا فيه قولان أحدهما إنك عامل لربك عملا قاله ابن عباس والثاني ساع الى ربك سعيا قاله مقاتل قال الزجاج والكدح في اللغة السعي والدأب في العمل في باب الدنيا والآخرة قال تميم بن مقبل وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت أخرى أبتغي العيش أكدح وفي قوله عزوجل إلى ربك قولان أحدهما عامل لربك وقد ذكرناه عن ابن عباس والثاني الى لقاء ربك قاله ابن قتيبة وفي قوله عزوجل فملاقيه قولان أحدهما فملاق عملك والثاني فملاق ربك كما ذكرهما الزجاج قوله عزوجل فسوف يحاسب حسابا يسيرا وهو أن تعرض عليه سيئاته ثم يغفرها الله له وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوقش الحساب هلك فقلت يا رسول الله فإن الله يقول فسوف يحاسب حسابا يسيرا قال ذلك العرض قوله عزوجل وينقلب الى أهله يعني في الجنة من الحور العين والآدميات مسرورا بما أوتي من الكرامة من أوتي كتابه وراء ظهره قال المفسرون تغل يده اليمنى الى عنقه وتجعل يده اليسرى وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا قال الزجاج يقول يا ويلاه يا ثبوراه وهذا يقوله كل من وقع في هلكة قوله عزوجل ويصلى سعيرا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي ويصلى بضم الياء وتشديد اللام وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة ويصلى بفتح الياء خفيفة إلا أن حمزة والكسائي يميلانها وقد شرحناه في [ سورة النساء قوله عزوجل إنه كان في أهله

[ 211 ]

يعني في الدنيا مسرورا بإتباع هواه وركوب شهواته إنه ظن أن لن يحور أي لن يرجع الى الآخرة ولن يبعث وهذه صفة الكافر قال اللغويون الحور في اللغة الرجوع وأنشدوا للبيد وما المرء إلا كالشهاب وضوئه * يحور رمادا بعد إذ هو ساطع بلى إن ربه كان به بصيرا فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا أتسق لتركبن طبقا عن طبق فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون بل الذين كفروا يكذبون والله أعلم بما يوعون فبشرهم بعذاب أليم إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون قوله عزوجل بلى قال الفراء المعنى بلى ليحورون قبل ثم استأنف فقال عز وجل إن ربه كان به بصيرا قال المفسرون بصيرا على جميع أحواله قوله عزوجل فلا أقسم قد سبق بيانه وأما الشفق فقال ابن قتيبة هما شفقان الأحمر والأبيض فالأحمر من لدن غروب الشمس الى وقت صلاة العشاء ثم يغيب ويبقى الشفق الأبيض الى نصف الليل وللمفسرين في المراد بالشفق هاهنا ستة أقوال أحدها الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس وقد روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الشفق الحمرة وهذا قول عمر وابنه وابن مسعود وعبادة وأبي قتادة وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي هريرة وأنس وابن المسيب وابن جبير وطاووس ومكحول ومالك والأوزاعي وأبي يوسف والشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق وابن قتيبة والزجاج قال الفراء سمعت بعض العرب يقول وعليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمر

[ 212 ]

والثاني أنه النهار والثالث الشمس روي القولان عن مجاهد والرابع ما بقي من النهار قاله عكرمة والخامس السواد الذي يكون بعد ذهاب البياض قاله أبو جعفر محمد بن علي والسادس أنه البياض قاله عمر بن عبد العزيز قوله عزوجل والليل وما وسق أي وما جمع وضم وأنشدوا إن لنا قلائصا حقائقا * مستوسقات لو يجدن سائقا قال أبو عبيدة وما وسق ما علا فلم يمنع منه شئ فإذا جلل الليل الجبال والأشجار والبحار والأرض فاجتمعت له فقد وسقها وقال بعضهم معنى ما وسق ما جمع مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه الى مأواه قوله عزوجل والقمر إذا اتسق قال الفراء اتساقه اجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة وأربع عشرة الى ست عشرة قوله عزوجل لتركبن طبقا عن طبق قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي لتركبن بفتح التاء والباء وفي معناه قولان أحدهما أنه خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في معناه قولان أحدهما لتركبن سماء بعد سماء قاله ابن مسعود والشعبي ومجاهد والثاني لتركبن حالا بعد حال قاله ابن عباس وقال هو نبيكم

[ 213 ]

والقول الثاني أن الإشارة الى السماء والمعنى أنها تتغير ضروبا من التغيير فتارة كالمهل وتارة كالدهان روي عن ابن مسعود أيضا وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر لتركبن بفتح التاء وضم الباء وهو خطاب لسائر الناس ومعناه لتركبن حالا بعد حال وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وأبو الأشهب ليركن بالياء ونصب الباء وقرأ أبو المتوكل وأبو عمران وابن يعمر ليركبن والباء وضم الباء وعن بمعنى بعد وهذا قول عامة المفسرين واللغوين الرحمن وأنشدوا للأقرع بن حابس إني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره * وساقني طبق منه الى طبق ثم في معنى الكلام خمسة أقوال أحدها أنه الشدائد والأهوال ثم الموت ثم البعث ثم العرض قاله ابن عباس والثاني أنه الرخاء بعد الشدة والشدة بعد الرخاء والغنى بعد الفقر والفقر بعد الغنى والصحة بعد السقم والسقم بعد الصحة قاله الحسن والثالث أنه كون الإنسان رضيعا ثم فطيما ثم غلاما شابا ثم شيخا قال عكرمة والرابع أنه تغير حال الإنسان في الآخرة بعد الدنيا فيرتفع من كان وضيعا ويتضع من كان مرتفعا وهذا مذهب سعيد بن جبير والخامس أنه ركوب سنن من كان قبلهم من الأولين قاله أبو عبيدة وكان بعض الحكماء يقول من كان اليوم على حالة وغدا على حالة أخرى فليعلم أن تدبيره الى سواه قوله عزوجل فما لهم يعني كفار مكة لا يؤمنون أي لا يؤمنون بمحمد والقرآن وهو استفهام إنكار وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فيه قولان أحدهما لا يصلون قاله عطاء وابن السائب والثاني لا يخضعون له ويستكينون قاله ابن جرير واختاره القاضي أبو يعلى قال وقد

[ 214 ]

احتج بها قوم على وجوب سجود التلاوة وليس فيها دلالة على ذلك وإنما المعنى لا يخشعون ألا ترى أنه أضاف السجود الى جميع القرآن والسجود يختص بمواضع منه قوله عزوجل الذين كفروا يكذبون بالقرآن والبعث والجزاء والله أعلم بما يوعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من التكذيب قال ابن قتيبة يوعون يجتمعون في قلوبهم وقال الزجاج يقال أوعيت المتاع في الوعاء ووعيت العلم قوله عزوجل فبشرهم بعذاب أليم أي أخبرهم بذلك وقال الزجاج اجعل للكفار بدل البشارة للمؤمنين بالجنة والرحمة العذاب الأليم والممنون عند أهل اللغة المقطوع

[ 215 ]

85 سورة البوج مكية وايايها ثنتان وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شئ شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق إن الذين آمنوا وعملوا الصلحت لهم جنت تجري من تحتها الأنهر ذلك الفوز الكبير إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد هل أتك حديث الجنود فرعون وثمود بل الذين كفروا في

[ 216 ]

تكذيب والله من ورائهم محيط بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ قوله عزوجل والسماء ذات البروج قد ذكرنا البروج في الحجر واليوم الموعود هو يوم القيامة بإجماعهم وشاهد ومشهود فيه أربعة وعشرون قولا أحدها أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي وابن عباس في رواية وابن زيد فعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهدا لأنه يشهد على كل عامل بما فيه وسمي يوم عرفة مشهودا لأن الناس يشهدون فيه موسم الحج وتشهده الملائكة والثاني أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر قاله ابن عمر والثالث أن الشاهد الله عز وجل والمشهود يوم القيامة رواه الوالبي عن ابن عباس والرابع أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم القيامة رواه مجاهد عن ابن عباس والخامس أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس وبه قال الحسن بن علي والسادس أن الشاهد يوم القيامة والمشهود الناس قاله جابر بن عبد الله والسابع أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم القيامة قاله الحسن والثامن أن الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة قاله سعيد بن المسيب والتاسع أن الشاهد هو الله والمشهود بنو آدم قاله سعيد بن جبير والعاشر أن الشاهد محمد والمشهود يوم عرفة قاله الضحاك والحادي عشر أن الشاهد محمد والمشهود يوم القيامة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والثاني عشر أن الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة رواه ليث عن مجاهد وبه قال عكرمة الثالث عشر أن الشاهد آدم وذريته والمشهود يوم القيامة قاله عطاء بن يسار والرابع عشر أن الشاهد الإنسان والمشهود الله عز وجل قاله محمد بن كعب والخامس عشر أن الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة قاله إبراهيم

[ 217 ]

والسادس عشر أن الشاهد عيسى عليه السلام والمشهود أمته قاله أبو مالك ودليله قوله تعالى قوله عليهم شهيدا والسابع عشر أن الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود أمته قاله عبد العزيز بن يحيى وبيانه وجئنا بك على هؤلاء شهيدا الثامن عشر أن الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الناس قاله الحسين بن الفضل ودليله لتكونوا شهداء على الناس والتاسع عشر أن الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم قاله محمد بن علي الترمذي وحكي عن عكرمة نحوه والعشرون أن الشاهد الحق والمشهود الكون قاله الجنيد والحادي والعشرون أن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحجاج والثاني والعشرون أن الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم وإذا أخذ الله ميثاق النبيين... الآية والثالث والعشرون أن الشاهد الله عز وجل والملائكة وأولو العلم والمشهود لا إله إلا الله وبيانه شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم 8 حكى هذه الأقوال الثلاثة الثعلبي والرابع والعشرون أن الشاهد الأنبياء والمشهود الأمم حكاه شيخنا علي بن عبيد الله وفي جواب القسم أقوال أحدها أنه قوله عزوجل إن بطش ربك لشديد قاله قتادة والزجاج والثاني أنه قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود كما أن القسم في قوله عزوجل

[ 218 ]

والشمس وضحاها قد أفلح حكاه الفراء الثالث أنه متروك وهذا اختيار ابن جرير قوله عزوجل قتل أصحاب الأخدود أي لعنوا والأخدود شق يشق في الأرض والجمع أخاديد وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها النار وألقوا فيها من لم يكفر واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال أحدها أنه ملك كان له ساحر فبعث إليه غلاما يعلمه السحر فكان الغلام يمر على راهب فأعجبه أمره فتبعه فعلم به الملك فأمره أن يرجع عن دينه فقال لا أفعل فاجتهد الملك في إهلاكه فلم يقدر فقال الغلام لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني ولم على جذع وارمني بين بسهم من كنانتي وقل بسم الله رب الغلام ففعل فمات الغلام فقال الناس آمنا برب الغلام فخد الأخاديد وأضرم فيها النار وقال من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها ففعلوا وهذا مختصر الحديث وفيه طول وقد ذكرته في المغنى والحدائق بطوله من حديث صهيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أن ملكا من الملوك سكر فوقع على أخته فلما أفاق قال لها ويحك كيف المخرج فقالت له اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب هذا في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته ففعل ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه فبسط فيهم السوط ثم جرد السيف فأبوا فخد لهم أخدودا وأوقد فيه النار وقذف من أبى قبول ذلك قاله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه 7 والثالث أنهم ناس اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر المؤمنون ثم تعاهدوا أن لا يغدر بعضهم ببعض فغدر كفارهم فأخذوهم فقال له رجل من المؤمنين أوقدوا نارا وأعرضوا عليها

[ 219 ]

فمن تابعكم على دينكم فذاك الذي تحبون ومن لم يتبعكم أقحم النار فاسترحتم منه ففعلوا فجعل المسلمون يقتحمونها ذكره قتادة والرابع أن قوما من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة فأرسل إليهم جبار من عبدة الأوثان فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا فخدلهم أهل أخدودا وألقاهم فيه قاله الربيع بن أنس والخامس أن جماعة آمنوا من قوم يوسف بن ذي نواس بعدما رفع عيسى فخد لهم أخد ودا وأوقد فيه النار فأحرقهم كلهم فأنزل الله تعالى يحيى أصحاب الأخدود وهم يوسف بن ذي نواس وأصحابه قاله مقاتل والسادس أنهم قوم كانوا يعبدون صنما ومعهم قوم يكتمون إيمانهم فعلموا بهم فخدوا لهم أخدودا وقذفوهم حديث فيه حكاه الزجاج واختلفوا في الذين أحرقوا على خمسة أقوال أحدها أنهم كانوا من الحبشة قاله علي عليه السلام والثاني من بني إسرائيل قاله ابن عباس والثالث من أهل اليمن قاله الحسن وقال الضحاك كانوا من نصارى اليمن وذلك قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة والرابع من أهل نجران قاله مجاهد والخامس من النبط قاله عكرمة وفي عددهم ثلاثة أقوال أحدها اثنا عشر ألفا قاله وهب والثاني سبعون ألفا قاله ابن السائب والثالث ثمانون رجلا وتسعة نسوة قاله مقاتل قوله عزوجل النار ذات الوقود هذا بدل من الأخدود كأنه قال قتل أصحاب النار

[ 220 ]

والوقود مفسر في البقرة 1 وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن ومجاهد وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة الوقود بضم الواو هم عليها قعود أي عند النار وكان الملك وأصحابه جلوسا على الكراسي عند الأخدود يعرضون المؤمنين على الكفر فمن أبى ألقوه على يفعلون بالمؤمنين شهود لأنه أي حضور فأخبر الله عز وجل في هذه الآيات بقصة قوم بلغ من إيمانهم ويقينهم أن صبروا على التحريق بالنار ولم يرجعوا عن دينهم قوله عزوجل وما نقموا منهم قرأ ابن أبي عبلة نقموا بكسر القاف قال الزجاج أي ما أنكروا عليهم إيمانهم وقد شرحنا معنى نقموا في المائدة 4 وبراءة 4 وشرحنا معنى العزيز الحميد في البقرة 6 قوله عزوجل والله على كل شئ شهيد أي لم يخف عليه ما صنعوا فهو شهيد عليهم بما فعلوا قوله عزوجل إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات أي أحرقوهم أخبرنا وعذبوهم كقوله عزوجل يوم هم على النار يفتنون الذاريات 7 ثم لم يتوبوا من شركهم وفعلهم ذلك فلهم عذاب جهنم بكفر هم ولهم عذاب الحريق بما أحرقوا المؤمنين وكلا العذابين في جهنم عند الأكثرين وقد ذهب الربيع بن أنس في جماعة الى ان النار ارتفعت الى الملك وأصحابه فأحرقتهم فذلك عذاب الحريق في الدنيا قال الربيع وقبض الله أرواح المؤمنين قبل أن تمسهم النار وحكى الفراء أن المؤمنين نجوا من النار وأنها ارتفعت فأحرقت الكفرة قوله عزوجل ذلك الفوز الكبير لأنهم فازوا بالجنة وقال بعض المفسرين فازوا

[ 221 ]

من عذاب الكفار وعذاب الآخرة قوله عزوجل إن بطش ربك قال ابن عباس إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة والجبابرة لشديد قوله عزوجل إنه هو يبدئ ويعيد فيه قولان أحدهما يبدئ الخلق ويعيدهم قاله الجمهور والثاني يبدئ العذاب في الدنيا على الكفار ثم يعيده عليهم في الآخرة رواه العوفي عن ابن عباس وقد شرحنا في هود معنى الودود والمجيد قوله عزوجل ذو العرش المجيد وقرأ حمزة والكسائي والمفضل عن عاصم المجيد بالخفض وقرأ غيرهم بالرفع فمن رفع المجيد جعله من صفات الله عز وجل ومن كسر جعله من صفة العرش قوله عزوجل هل أتاك حديث أي قد أتاك حديث الجنود وهم الذين تجندوا على أولياء الله ثم بين من هم فقال تعالى فرعون وثمود بل الذين كفروا يعني مشركي مكة في تكذيب لك والقرآن أي لم يعتبروا بمن كان قبلهم والله من ورائهم محيط أي لا يخفى عليه شئ من أعمالهم بل هو قرآن مجيد أي كريم لأنه كلام الله وليس كما يقولون شعر ولا كهانة وسحر وقرأ أبو العالية وأبو الجوزاء وأبو عمران وابن السميفع بل هو قرآن مجيد بغير تنوين وبخفض مجيد في لوح محفوظ وهو اللوح المحفوظ منه نسخ القرآن وسائر الكتب فهو محفوظ عند الله محروس به من الشياطين ومن الزيادة فيه والنقصان منه وقرأ نافع محفوظ رفعا على نعت القرآن فالمعنى إنه محفوظ من التحريف والتبديل

[ 222 ]

86 سورة الطارق مكية وايايها شنمع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والسماء والطارق وما أدرنك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسن مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر قوله عزوجل والسماء والطارق قال ابن قتيبة الطارق النجم سمي بذلك لأنه يطرق أي يطلع ليلا وكل من أتاك ليلا فقد طرقك ومنه قول هند ابنة عتبة نحن بنات طارق * نمشي على النمارق تريد إن أبانا نجم في شرفه وعلوه

[ 223 ]

قوله عزوجل وما أدراك ما الطارق قال المفسرون ذلك أن هذا الإسم يقع على كل ما طرق ليلا فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدري ما المراد به حتى تبينه بقوله عزمن فائل النجم الثاقب يعني المضئ كما بينا في الصافات وفي المراد بهذا النجم ثلاثة أقوال أحدها أنه زحل قاله علي رضي الله عنه وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال هو زحل ومسكنه في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم رجع الى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وطارق حين يصعد والثاني أنه الثريا قاله ابن زيد والثالث أنه اسم جنس ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله عزوجل إن كل نفس قرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل [ إن ] بالتشديد كل بالنصب لما عليها حافظ وقرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم الجحدري وحمزة وأبو حاتم عن يعقوب لمأ يكون بالتشديد وقرأ الباقون بالتخفيف قال الزجاج هذه الآية جواب القسم ومن خفف فالمعنى لعليها حافظ وما لغو ومن شدد فالمعنى إلا قال فاستعملت لما في موضع إلا في موضعين أحدهما هذا والآخر في باب القسم تقول سألتك لما فعلت بمعنى إلا فعلت قال المفسرون المعنى ما من نفس إلا عليها حافظ وفيه قولان أحدهما أنهم الحفظة من الملائكة قاله ابن عباس قال قتادة يحفظون على الإنسان عمله من خير أو شر والثاني حافظ يحفظ الإنسان حتى حين يسلمه الى المقادير قاله الفراء ثم نبه على

[ 224 ]

البعث بقوله تعالى الإنسان مم خلق أي من أي شئ خلقه الله والمعنى فلينظر نظر التفكر والإستدلال ليعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته قوله جل جلاله من ماء دافق قال الفراء معناه مدفوق كقول العرب سر كاتم وهم ناصب وليل نائم وعيشة راضية وأهل الحجاز يجعلون المفعول فاعلا قال الزجاج ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب الى الإندفاق والمعنى من ماء ذي اندفاق قوله عزوجل يخرج من بين الصلب وقرأ ابن مسعود وابن سيرين وابن السميفع وابن أبي عبلة الصلب بضم الصاد واللام جميعا يعني يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة قال الفراء يريد يخرج من الصلب والترائب يقول للشئ لتخرجن من بين هذين خير كثير ومن هذين خير كثير وفي الترائب ثلاثة أقوال أحدها أنه موضع القلادة قاله ابن عباس قال الزجاج قال أهل اللغة أجمعون الترائب موضع القلادة من الصدر وأنشدوا لامرئ القيس مهفهفة بيضاء غير مفاضة * سعيد ترائبها مصقولة كالسجنجل قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السجنجل المرآة بالرومية وقيل هي سبيكة الفضة وقيل السجنجل الزعفران وقيل ماء الذهب ويروى البيت بالسجنجل والثاني أن الترائب اليدان والرجلان والعينان رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثالث أنها أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر حكاه الزجاج قوله عزوجل إنه الهاء كناية عن الله عزوجل على رجعه الرجع رد الشئ الى

[ 225 ]

أول حاله وفي هذه الهاء قولان أحدهما أنها تعود على الإنسان ثم فيه قولان أحدهما أنه على إعادة الإنسان حيا بعد موته قادر قاله الحسن وقتادة قال الزجاج ويدل على هذا القول قوله عز وجل يوم تبلى السرائر والثاني أنه على رجعه من حال الكبر الى الشباب ومن الشباب الى الصبأ ومن الصبأ الى النطفة قادر قاله الضحاك والقول الثاني أنها تعود الى الماء ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها على رد الماء في الإحليل قاله مجاهد والثاني على رده في الصلب قاله عكرمة والضحاك والثالث على حبس الماء فلا يخرج قاله ابن زيد قوله عزوجل يوم تبلى السرائر التي بين العبد وبين ربه حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها فإن الإنسان مستور في الدنيا لا يدري أصلى أم لا أتوضأ أم لا فإذا كان يوم القيامة أبدى الله كل سر فكان زينا في الوجه أو شينا وقال ابن قتيبة تختبر سرائر القلوب قوله عزوجل فماله من قوة أي فما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا

[ 226 ]

قوله عزوجل ذات الرجع أي ذات المطر وسمي المطر رجعا لأنه يجئ ويرجع ويتكرر والأرض ذات الصدع أي ذات الشق وقيل لها هذا لأنها تتصدع وتتشقق بالنبات هذا قول المفسرين وأهل اللغة في الحرفين قوله عزوجل إنه لقول فصل يعني به القرآن وهذا جواب القسم والفصل الذي يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما وما هو بالهزل أي باللعب والمعنى إنه جد ولم ينزل باللعب وبعضهم يقول الهاء في إنه كناية عن الوعيد المتقدم ذكره قوله عزوجل إنهم يعني مشركي مكة يكيدون كيداوهذا الاحتيال المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأكيد كيدا أي أجازيهم على كيدهم بأن أستدرجهم من حيث لا يعلمون فأنتقم وفي منهم في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالنار فمهل الكافرين هذا وعيد من الله عزوجل لهم ومهل وأمهل لغتان جمعتا ها هنا ومعنى الآية مهلهم قليلا حتى أهلكهم ففعل الله ذلك ببدر ونسخ الإمهال بآية السيف قال ابن قتيبة ومعنى الآية رويدا مهلا ورويدك بمعنى أمهل قال تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أي قليلا فإذا لم يتقدمها أمهلهم كانت معنى مهلا ولا يتكلم بها إلا مصغرة ومأمورا بها وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر قال الشاعر كأنها مثل من يمشي على رود أي على مهل

[ 227 ]

87 سورة الا على مكية 1 وايايها تنع عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم 2 بسم الله الرحمن الرحيم سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى ونيسرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى وفي معنى سبح خمسة أقوال أحدها قل سبحان ربي الأعلى قاله الجمهور

[ 228 ]

والثاني عظم والثالث صل بأمر ربك روي القولان عن ابن عباس والرابع نزه ربك عن السوء قاله الزجاج والخامس نزه اسم ربك وذكرك إياه أن تذكره وأنت معظم له خاشع له ذكره الثعلبي وفي قوله عزوجل اسم ربك قولان أحدهما أن ذكر الأسم صلة كقول لبيد بن ربيعة الى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر والثاني على أصله وقال الفراء قوله سبح اسم ربك وسبح باسم ربك سواء في كلام العرب قوله عزوجل الذي خلق فسوى أي فعدل الخلق وقد أشرنا الى هذا المعنى في الانفطار والذي قدر قرأ الكسائي وحده قدر بالتخفيف فهدى فيه سبعة أقوال أحدها قدر الشقاوة والسعادة وهدى للرشد والضلالة قاله مجاهد والثاني جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه قاله عطاء والثالث قدر مدة الجنين في الرحم ثم هدى للخروج قاله السدي والرابع قدرهم ذكورا وإناثا وهدى الذكر لإتيان الأنثى قاله مقاتل والخامس أن المعنى قدر فهدى وأضل فحذف وأضل لأن في الكلام دليلا عليه حكاه الزجاج والسادس قدر الأرزاق وهدى الى طلبها والسابع قدر الذنوب وهدى الى التوبة حكاهما الثعلبي قوله عزوجل والذي أخرج المرعى أي أنبت العشب وما ترعاه البهائم فجعله

[ 229 ]

بعد الخضرة غثاء قال الزجاج أي جففه حتى جعله هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق ماء السيل وقد بينا هذا في سورة [ المؤمنين 41 ] فأما قوله تعالى أحوى فقال الفراء الأحوى الذي قد اسود عن القدم والعتق ويكون أيضا أخرج المرعى أحوى أسود من الخضرة فجعله غثاء كما قال عزوجل مدهامتان قوله عزوجل سنقرئك فلا تنسى قال مقاتل سنعلمك منه القرآن ونجمعه في قلبك فلا تنساه أبدا قوله عزوجل إلا ما شاء الله فيه ثلاثة أقوال أحدها إلا ما شاء الله أن ينسخه فتنساه قاله الحسن وقتادة والثاني إلا ما شاء الله أن تنسى شيئا ثم تذكره بعد حكاه الزجاج والثالث انه استشناء ألا يقع قال الفراء لم يشأ أن ينسى شيأ فإنما هو كقوله تعالى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك هود ولا يشاء قوله عزوجل إنه يعلم الجهر من القول والفعل وما يخفى منهما ونيسرك لليسرى أي نسهل عليك عمل الخير فذكر أي عظ أهل مكة إن نفعت الذكرى وفي إن ثلاثة أقوال أحدها أنها الشرطية وفي معنى الكلام قولان أحدهما إن قبلت الذكرى قاله يحيى ابن سلام والثاني إن نفعت وإن لم تنفع قاله علي بن أحمد النيسابوري والثاني أنها بمعنى قد فتقديره قد نفعت الذكرى قاله مقاتل والثالث أنها بمعنى ما فتقديره فذكر ما نفعت الذكرى حكاه الماوردي

[ 230 ]

قوله عزوجل سيذكر سيتعظ بالقرآن من يخشى ويتجنبها ويتجنب الذكرى الأشقى الذي يصلى النار الكبرى أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد من نار الدنيا ثم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه وقال ابن جرير تصير نفس أحدهم في حلقه فلا تفارقه أحمد فيموت ولا ترجع الى موضعها من الجسم فيحيا قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحيوة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى قوله عزوجل قد الزجاج أفلح قال الزجاج أي صادف البقاء الدائم والفوز من تزكى فيه خمسة أقوال أحدها من تطهر من الشرك بالإيمان قاله ابن عباس والثاني من أعطى صدقة الفطر قاله أبو سعيد الخدري وعطاء وقتادة والثالث من كان عمله زاكيا قاله الحسن والربيع والرابع أنها زكوات الأموال كلها قاله أبو الأحوص والخامس تكثر بتقوى الله ومعنى الزاكي النامي الكثير قاله الزجاج قوله عزوجل وذكر اسم ربه قد سبق بيانه وفي قوله عزوجل فصلى ثلاثة أقوال أحدها أنها الصلوات الخمس قاله ابن عباس ومقاتل والثاني صلاة العيدين قاله أبو سعيد الخدري والثالث صلاة التطوع قاله أبو الأحوص والقول قول ابن عباس في الآيتين فإن هذه السورة مكية بلا خلاف ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد

[ 231 ]

قوله عزوجل بل تؤثرون الحياة الدنيا قرأ أبو عمرو وابن قتيبة وزيد عن يعقوب بل يؤثرون بالياء والباقون بالتاء واختار الفراء والزجاج التاء لأنها رويت عن أبي بن كعب بل أنتم تؤثرون فإن أريد بذلك الكفار فالمعنى أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون بها وإن أريد به المسلمون فالمعنى يؤثرون الاستكثار من الثواب قال ابن مسعود إن الدنيا عجلت لنا وإن الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأخذنا بالعاجل [ وتركنا الآجل قوله عزوجل والآخرة خير يعني الجنة أفضل وأبقى أي أدوم من الدنيا إن هذا لفي الصحف الأولى 6 في المشار إليه أربعة أقوال أحدها انه قوله عزوجل والآخرة خير وأبقى قاله قتادة والثاني هذه السورة قاله عكرمة والسدي والثالث أنه لم يرد السورة ولا الفاظها بعينها وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى في الصحف الأولى كما هو في القرآن قاله ابن قتيبة والرابع أنه من قوله عزوجل قد أفلح من تزكى الى قوله وأبقى قاله ابن جرير ثم بين الصحف الأولى ما هي فقال إبراهيم وموسى وقد فسرناها في النجم 9 8

[ 232 ]

88 سورة الغاشية مكية وآياتها ست وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم هل أتك حديث الغاشية وجوه يومئذ خشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع قوله تعالى هل أتاك أي قد أتاك قاله قطرب وقال الزجاج والمعنى هذا لم يكن من علمك ولا من علم قومك وفي الغاشية قولان أحدهما أنها القيامة تغشى الناس بالأهوال قاله ابن عباس والضحاك وابن قتيبة والثاني أنها النار تغشى وجوه الكفار قاله سعيد بن جبير والقرظي ومقاتل

[ 233 ]

قوله عزوجل يومئذ خاشعة أي ذليلة وفيها قولان أحدهما أنها وجوه اليهود والنصارى قاله ابن عباس والثاني أنه جميع الكفار قاله يحيى بن سلام قوله عزوجل ناصبة لأن فيه أربعة أقوال أحدها أنهم الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام كعبدة الأوثان وكفار أهل الكتاب مثل الرهبان وغيرهم رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنهم الرهبان وأصحاب الصوامع رواه أبو الضحى عن ابن عباس وبه قال سعيد ابن جبير وزيد بن أسلم والثالث عاملة ناصبة في النار بمعالجة السلاسل والأغلال لأنها [ لم ] تعمل لله في الدنيا فأعملها وأنصبها في النار وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وقال قتادة تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار بالإنتقال من عذاب الى عذاب قال الضحاك يكلفون ارتقاء جبل في النار وقال ابن السائب يخرون على وجوههم وقال مقاتل عاملة في النار تأكل من النار ناصبة للعذاب والرابع عاملة في الدنيا بالمعاصي ناصبة في النار يوم القيامة قاله عكرمة والسدي والكلام هاهنا على الوجوه والمراد أصحابها وقد بينا معنى النصب في قوله عزوجل لا يمسهم فيها نصب قوله [ عزوجل ] 6 تصلى نارا حامية قرأ أهل البصرة وعاصم إلا حفصا تصلى بضم التاء والباقون بفتحها قال ابن عباس قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله تسقى من عين آنية أي متناهية في الحرارة قال الحسن وقد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت فدفعوا إليها عطاشا قوله عزوجل ليس لهم طعام من ضريع فيه ستة أقوال

[ 234 ]

أحدها أنه نبت ذو شوك لا طئ بالأرض وتسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموه ضريعا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والثاني أنه شجر من نار رواه الوالبي عن ابن عباس والثالث أنها الحجارة قاله ابن جبير والرابع أنه السلم قاله أبو الجوزاء والخامس أنه في الدنيا الشوك اليابس الذي ليس له ورق وهو في الآخرة شوك من نار قاله ابن زيد والسادس أنه طعام يضرعون الى الله تعالى منه قاله ابن كيسان قال المفسرون لما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع فأنزل الله تعالى يسمن ولا يغني من جوع وكذبوا فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا فحينئذ يسمى شبرقا وقد لا ضريعا فإذا يبس يسمى ضريعا لم يأكله شئ فإن قيل إنه قد أخبر في هذه الآية ليس لهم طعام إلا من ضريع وفي مكان آخر ولا طعام إلا من غسلين الحاقة 6 فكيف الجمع بينهما ؟ فالجواب أن النار دركات وعلى قدر الذنوب تقع العقوبات فمنهم من طعامه الزقوم ومنهم من طعامه غسلين ومنهم من شرابه الحميم ومنهم من شرابه الصديد قاله ابن قتيبة وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لغية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة أفلا ينظرون الى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت فذكر إنما أنت

[ 235 ]

مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم قوله عزوجل وجوه يومئذ ناعمة أي في نعمة وكرامة لسعيها في الدنيا راضية والمعنى رضيت بثواب عملها في جنة عالية قد فسرناه في الحاقة لا تسمع فيها لا غية قرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس لا يسمع بياء مضمومة لاغية بالرفع وقرأ نافع كذلك إلا أنه بتاء مضومة والباقون بتاء مفتوحة ونصب لا غية لا تسمع فيها كلمة لغو سرر مرفوعة قال ابن عباس ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم يجئ أهلها فإذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له حتى يجلس عليها ثم ترتفع الى موضعها وأكواب موضوعة عندهم وقد ذكرنا الأكواب في الزخرف ونمارق وهي الوسائد واحدها نمرقة بضم النون قال الفراء وسمعت بعض كلب تقول نمرقة بكسر النون والراء مصفوفة بعضها الى جنب بعض والزرابي الطنافس [ التي ] لها خمل رقيق مبثوثة كثيرة مفرقة قال المفسرون لما نعت الله سبحانه ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر فذكرهم صنعه فقال تعالى ينظرون الى الإبل علي وقال قتادة ذكر الله ارتفاع سرر الجنة وفرشها فقالوا كيف نصعدها فنزلت هذه الآية قال العلماء وإنما خص الإبل من غيرها لأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها ولم يشاهدوا الفيل إلا الشاذ منهم ولأنها كانت أنفس أموالهم وأكثرها لا تفارقهم ولا يفارقونها فيلاحظون حتى فيها العبر الدالة على قدرة الخالق من إخراج لبنها من بين فرث ودم وعجيب خلقها وهي على عظمها مذللة للحمل الثقيل وتنقاد للصبي الصغير وليس في ذوات الأربع ما يحمل عليه وقره وهو بارك فيطيق

[ 236 ]

النهوض به سواها وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني والأصمعي عن أبي عمرو الإبل بإسكان الباء وتخفيف اللام وقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو المتوكل والجحدري وابن السميفع ويونس بن حبيب وهارون كلاهما عن أبي عمرو الإبل بكسر الباء وتشديد اللام قال هارون قال أبو عمرو الإبل بتشديد اللام السحاب الذي يحمل الماء قوله عزوجل كيف خلقت وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو العالية وأبو عمران وابن أبي عبلة خلقت بفتح الخاء وضم التاء وكذلك قرؤوا رفعت ونصبت وسطحت قوله عزوجل وإلى السماء كيف رفعت تعالى من الأرض حتى لا ينالها شئ بغير عمد والى الجبال كيف نصبت على الأرض لا تزول ولا تتغير والى الأرض كيف سطحت أي بسطت والسطح بسط الشئ وكل ذلك يدل على [ قدرة ] خالقه فذكر أي عظ إنما أنت مذكر أي واعظ ولم يكن حينئذ أمر بغير التذكير ويدل عليه قوله تعالى لست عليهم بمسيطر أي بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان ثم نسختها آية السيف وقرأ أبو رزين وأبو عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد وقتادة والحلواني عن ابن عامر بمسيطر بالسين وقد سبق بيان المسيطر في قوله تعالى أم هم المسيطرون قوله عزوجل إلا من تولى وهذا استثناء منقطع معناه لكن من تولى وكفر بعد التذكر وقرأ ابن عباس وعمرو بن العاص وأنس بن مالك وأبو مجلز وقتادة وسعيد بن جبير ألا من تولى بفتح الهمزة وتخفيف اللام الله العذاب الأكبر وهو أن يدخله جهنم وذلك أنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقتل والأسر فكان عذاب جهنم هو الأكبر إلينا إيابهم فإن قرأ أبي بن كعب وعائشة وعبد الرحمن وأبو جعفر إيابهم بتشديد الياء أي رجوعهم ومصيرهم بعد الموت ثم إن علينا حسابهم قال مقاتل أي جزاءهم

[ 237 ]

89 سورة الفجر مكية 1 وآياتها ثلاثون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد قوله تعالى عمر قال ابن عباس الفجر الانفجار يقال انفجر النهر ينفجر انفجارا إذا انشق فيه موضع لخروج الماء ومن هذا سمي الفاجر فاجرا لأنه خرج عن طاعة الله

[ 238 ]

وللمفسرين في المراد بهذا الفجر ستة أقوال أحدها أنه الفجر المعروف الذي هو بدء النهار قاله علي رضي الله عنه وروى أبو صالح ابن عباس قال هو انفجار الصبح كل يوم وبهذا قال عكرمة وزيد بن أسلم والقرظي والثاني صلاة الفجر رواه عطية عن ابن عباس والثالث النهار كله فعبر عنه بالفجر لأنه أوله وروى هذا المعنى أبو نصر عن ابن عباس والرابع أنه فجر يوم النحر خاصة قاله مجاهد والخامس أنه فجر أول يوم من ذي الحجة قاله الضحاك والسادس أنه أول يوم من المحرم تنفجر منه السنة قاله قتادة قوله عزوجل وليال عشر فيها أربعة أقوال أحدها أنه عشر ذي الحجة واه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي ومقاتل والثاني أنها العشر الأواخر من رمضان رواه أبو ظبيان عن ابن عباس والثالث العشر الأول من رمضان قاله الضحاك والرابع العشر الأول من المحرم قاله يمان بن رئاب قوله عزوجل والشفع والوتر قرأ حمزة والكسائي وخلف والوتر بكسر الواو وفتحها الباقون هما لغتان قال الفراء الكسر لقريش وتميم وأسد والفتح لأهل الحجاز وللمفسرين في الشفع والوتر عشرون قولا أحدهما أن الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى والوتر ليلة النحر رواه أبو أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني يوم النحر والوتر يوم عرفة رواه عكرمة عن ابن علباس وبه قال

[ 239 ]

والثالث أن الشفع والوتر الصلاة منها الشفع ومنها الوتر رواه عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال قتادة والرابع أن الشفع الخلق كله والوتر الله تعالى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية مسروق وأبو صالح والخامس أن الوتر آدم شفع بزوجته رواه مجاهد عن ابن عباس والسادس أن الشفع يومان بعد يوم النحر وهو النفر الأول والوتر اليوم الثالث وهو النفر الأخير قاله عبد الله بن الزبير واستدل بقوله تعالى تعجل في يومين فلا إثم عليه والسابع أن الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب حكاه عطية والثامن أن الشفع الركعتان من صلاة المغرب والوتر الركعة الثالثة قاله أبو العالية والربيع بن أنس والتاسع أن الشفع والوتر الخلق كله منه شفع ومنه وتر قاله ابن زيد ومجاهد في رواية والعاشر أنه العدد منه شفع ومنه وتر وهذا والذي قبله مرويان عن الحسن والحادي عشر أن الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة قاله الضحاك والثاني عشر أن الشفع هو الله لقوله تعالى يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم المجادلة 8 والوتر هو الله لقوله عزوجل قل هو الله أحد قاله سفيان بن عيينة والثالث عشر أن الشفع هو آدم وحواء والوتر الله تعالى قاله مقاتل بن سليمان

[ 240 ]

والرابع عشر أن الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة قاله مقاتل بن حيان والخامس عشر الشفع درجات الجنان لأنها ثمان والوتر دركات النار لأنها سبع فكأن الله أقسم بالجنة والنار قاله الحسين بن الفضل والسادس عشر الشفع تضاد أوصاف المخلوقين بين عز وذل وقدرة وعجز وقوة وضعف وعلم وجهل وموت وحياة والوتر انفراد صفات الله عز وجل عز بلا ذل وقدرة بلا عجز وقوة بلا ضعف وعلم بلا جهل وحياة بلا موت قاله أبو بكر الوراق والسابع عشر أن الشفع الصفا والمروة والوتر البيت والثامن عشر أن الشفع مسجد مكة والمدينة والوتر بيت المقدس والتاسع عشر أن الشفع القرآن في الجح والتمتع والوتر الإفراد والعشرون الشفع العبادات المتكررة كالصلاة والصوم والزكاة والوتر العبادة التي لا تتكرر كالحج حكى هذه الأقوال الأربعة الثعلبي قوله عزوجل والليل إذا يسر وقرأ ابن كثير ويعقوب يسري بياء في الوصل والوقف وافقهما في الوصل نافع وأبو عمرو وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي يسر بغيرياء في الوصل والوقف قال الفراء والزجاج الاختيار حذفها لمشاكلتها لرؤوس الآيات ولإتباع المصحف وفي قوله عزوجل والليل إذا يسر قولان أحدهما أن الفعل له ثم فيه قولان أحدهما إذا يسري ذاهبا قاله الجمهور وهو اختيار الزجاج والثاني إذا يسري مقبلا قاله قتادة

[ 241 ]

والقول الثاني أن الفعل لغيره والمعنى إذا يسري فيه كمايقال ليل نائم أي ينام فيه قاله الأخفش وابن قتيبة وفي المراد بهذا الليل ثلاثة أقوال أحدها أنه عام في كل ليلة وهذا الظاهر والثاني أنه ليلة المزدلفة وهي ليلة جمع قاله مجاهد وعكرمة والثالث ليلة القدر حكاه الماوردي قوله عزوجل هل في ذلك أي فيما ذكره قسم لذي حجر أي لذي عقل وسمي العقل حجرا لأنه يحجر صاحبه عن القبيح وسمي عقلا لأنه يعقل عمالا يحسن وسمي العقل النهى لأنه ينهى عما لا يحل ومعنى الكلام أن من كان ذا لب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه دلائل على توحيد الله وقدرته فهو حقيق أن يقسم به لدلالته وجواب القسم قوله عزوجل إن ربك لبالمرصاد فأعترض بين القسم وجوابه قوله ألم تر كيف فعل ربك بعاد فخوف أهل مكة بإهلاك من كان أشد منهم وقرأ ابن مسعود وابن يعمر بعاد إرم بكسر الدال من غير تنوين على الإضافة وفي إرم أربعة أقوال أحدها أنه اسم بلدة قال الفراء ولم يجر إرم لأنها اسم بلدة ثم فيها ثلاثة أقوال أحدها أنها دمشق قاله سعيد بن المسيب وعكرمة وخالد الربعي الاسكندرية قاله محمد بن كعب أنها مدينة صنعها شداد بن عاد وهذا قول كعب وسيأتي ذكره إن شاء الله والقول الثاني أنه اسم أمة من الأمم ومعناه القديمة قاله مجاهد والثالث أنه قبيلة من قوم عاد قاله قتادة ومقاتل قال الزجاج وإنما لم تنصرف إرم لأنها جعلت اسما للقبيلة ففتحت وهي في موضع خفض والرابع أنه اسم لجد عاد لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح قاله ابن إسحاق

[ 242 ]

قال الفراء فإن كان اسما لرجل على هذا القول فإنما ترك إجراؤه لأنه كالعجمي قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى هي إرم وهي التي قال الله تعالى وأنه أهلك عادا الأولى وهل قوم هود عاد الأولى أم لا فيه قولان قد ذكرناهما في النجم وفي قوله عزوجل إرم ذات العماد أربعة أقوال أحدها لأنهم كانوا أهل عمد وخيام يطلبون الكلأ حيث كان ثم يرجعون الى منازلهم فلا يقيمون في موضع روى هذا المعنى عطاء عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والفراء والثاني أن معنى ذات العماد ذات الطول روي عن ابن عباس أيضا وبه قال مقاتل وأبو عبيدة قال الزجاج يقال رجل معمد إذا كان طويلا والثالث ذات القوة والشدة مأخوذ من قوة الأعمدة قاله الضحاك والرابع ذات البناء المحكم بالعماد قاله ابن زيد وقيل إنما سميت ذات العماد لبناء بناه بعضهم قوله عزوجل التي لم يخلق مثلها في البلاد وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو عمران لم تخلق بتاء مفتوحة ورفع اللام مثلها بنصب اللام وقرأ معاذ القارئ وعمرو بن دينار لم تخلق بنون مفتوحة ورفع اللام مثلها بنصب اللام وفي المشار إليها قولان أحدهما لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة وهذا معنى قول الحسن والثاني المدينة لم يخلق مثل مدينتهم ذات العماد قاله عكرمة وقد جاء في التفسير صفات تلك المدينة وهذه الإشارة الى ذلك روى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له شردت فبينما هو في صحارى عدن وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها

[ 243 ]

وسل سيفه ودخل من باب الحصن فلما دخل الحصن إذا هو ببابين عظيمين [ لم ير أعظم منهما ] والبابان مرصعان بالياقوت [ الأبيض و ] الأحمر فلما رأى ذلك دهش ففتح أحد البابين فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها وإذا قصور كل قصر فوقه غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت ومصاريع تلك الغرف مثل مصاريع المدينة يقابل بعضها بعضا مفروشة كلها باللؤلؤ وبنادق من مسك وزعفران فلما عاين ذلك ولم ير احدا هاله ذلك ثم نظر الى الأزقة فإذا هو في كل زقاق منها شجر قد أثمر وتحت الشجر أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة فقال الرجل إن هذه هي الجنة فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزعفران ورجع الى اليمن فأظهر ما كان معه وبلغ الأمر الى معاوية فأرسل إليه فقص عليه ما رأى فأرسل معاوية الى كعب الأحبار فلما أتاه قال له يا أبا إسحاق هل في الدنيا مدينة من ذهب وفضة قال نعم أخبرك بها وبمن بناها إنما بناها شداد بن عاد والمدينة إرم ذات العماد قال فحدثني حديثها فقال إن عادا المنسوب إليهم عاد الأولى كان له ولدان شديد وشداد فلما مات عاد ثم مات شديد وبقي شداد ملك الأرض ودانت له الملوك وكان مولعا بقراءة الكتب فكان إذا مر بذكر الجنة دعته نفسه الى بناء مثلها عتوا على الله تعالى فأمر بصنع إرم ذات العماد فأمر على عملها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان وكتب الى ملوك الأرض أن يمدوه بما في بلادهم من الجواهر فخرج القهارمة وتبدوا في الأرض ليجدوا ما يوفقه حى وقفوا على صحراء عظيمة نقية من التلال وإذا هم بعيون مطردة هذه صفة الأرض التي أمر الملك أن يبنى بها فوضعوا أساسها من الجزع اليماني وأقاموا في بنائها ثلاثمائة سنة وكان عمر شداد تسعمائة سنة فلما أتوه وقد فرغوا منها قال انطلقوا واجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر عند كل

[ 244 ]

قصر ألف علم ليكون في كل قصر من تلك القصور وزير من وزرائي ففعلوا ذلك فأمر الملك الوزراء وهم ألف وزير أن يتهيئوا للنقلة الى إرم ذات العماد وكان الملك وأهله في جهازهم عشر سنين ثم ساروا إليها فلما كانوا منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا ولم يبق منهم أحد وروى الشعبي عن دغفل الشياني عن علماء حمير قالوا لما هلك شداد ابن عاد ومن معه من الصيحة ملك بعده ابنه مرثد بن شداد وقد كان أبوه خلفه بحضرموت على ملكه وسلطانه فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة الى حضرموت وأمر [ بدفنه ] فحفرت له حفيرة في مفازة فاستودعه فيها على سرير من ذهب وألقى عليه سبعين حلة منسوجة بقضبان الذهب ووضع عند رأسه لوحا عظيما من ذهب وكتب عليه إعتبر يا أيها المغ * رور بالعمر المديد أنا شداد بن عاد * صاحب الحصن المشيد وأخو القوة والبأ * ساء والملك الحشيد دان أهل الأرض طرا لي من خوف وعيدي وملكت الشرق والغر * ب بسلطان شديد وبفضل الملك والعد * دة فيه والعديد فأتى هود وكنا * في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلنا * ه الى الأمر الرشيد فعصيناه ونادى * ما لكم هل من محيد فأتتنا صيحة ته وي من الأفق البعيد فتوافينا عنه كزرع * وسط بيداء حصيد قوله عزوجل الذين جابوا الصخر إن قطعوه ونقبوه قال إسحاق والوادي وادي القرى وقرأ الحسن بالوادي بإثبات الياء في الحالين ذي الأوتاد

[ 245 ]

مفسر في سورة ص 1 الذين طغوا في البلاد يعني عادا وثمود وفوعون عملوا بالمعاصي وتجبروا على أنبياء الله فأكثروا فيها الفساد القتل والمعاصي فصب عليهم ربك سوط عذاب قال ابن قتيبة وإنما قال سوط عذاب لأن التعذيب قد يكون بالسوط وقال الزجاج أحسن من هذا جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب إن ربك لبالمرصاد أي يرصد من كفر به بالعذاب والمرصد الطريق وقد شرحناه في قوله تعالى كانت مرصادا فأما الإنسن إذا ما ابتله ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتله فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما كلا إذا دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجائ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسن وأنى له الذكرى يقول يليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبدي وادخلي جنتي

[ 246 ]

قوله عزوجل فأما الإنسان فيمن عنى به أربعة أقوال أحدها عتبة بن ربيعة وأبو حذيفة بن المغيرة رواه عن ابن عباس والثاني أبي بن خلف قاله ابن السائب والثالث أمية بن خلف قاله مقاتل والرابع أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث قال الزجاج وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى واليسر فأكرمه بالمال ونعمه بما وسع عليه من الإفضال فيقول ربي أكرمني فتح ياء ربي أكرمني ربي أهانني أهل الحجاز وأبو عمرو أي فضلني بما أعطاني ويظن أنما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه إذا ما ابتلاه بالفقر فقدر عليه رزقه وقرأ أبو جعفر وابن عامر فقدر بتشديد الدال والمعنى ضيق عليه بأن جعله على مقدار البلغة فيقول ربي أهانني أي هذا الهوان منه لي حين أذلني بالفقر واعلم أن من لا يؤمن بالبعث فالكرامة عنده زيادة الدنيا والهوان قلتها قوله عزوجل كلا أي ليس الأمر كما ظن قال مقاتل ما أعطيت هذا الغني لكرامته علي ولا أفقرت [ من ] أفقرت لهوانه علي وقال الفراء المعنى لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين الفقر والغنى ثم أخبر عن الكفار فقال عزوجل بل لا تكرمون اليتيم قرأ أهل البصرة يكرمون ويحضون ويأكلون

[ 247 ]

ويحبون بالياء فيهن والباقون بالتاء ومعنى الآية إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم والآية تحتمل معنيين أحدهما أنهم كانوا لا يبرونه والثاني لا يعطونه حقه من الميراث وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ويدل على المعنى الأول قوله تعالى ولا تحاضون على طعام المسكين قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة تحاضون بألف مع فتح التاء وروى الشيرزي عن الكسائي كذلك إلا أنه ضم التاء والمعنى لا يأمرون بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة ويدل على المعنى الثاني قوله عزوجل وتأكلون التراث أكلا لما قال ابن قتيبة التراث الميراث والتاء فيه منقلبة عن واو كما قالوا تجاه والأصل وجاه وقالوا تخمة والأصل وخمة ولما أي شديدا وهو من قولك لممت بالشئ إذا جمعته وقال الزجاج هو ميراث اليتامى قوله عزوجل وتحبون المال أي تحبون جمعه حبا جما أي كثير فلا تنفقونه في خير أي ما هكذا ينبغي أن يكون [ الأمر ] ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم فقال تعالى إذا دكت الأرض دكا دكا أي مرة بعد مرة فتكسر كل شئ عليها وجاء ربك قد ذكرنا هذا المعنى في قوله تعالى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله [ [ قال المصنف في بعض كتبه في سورة البقرة عند هذه الآية المعنى جاء أمر ربك وقدرته قاله الحسن واحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ] قوله عزوجل والملك صفاصفا أي يأتي أهل كل سماء صفا على حدة قال الضحاك يكونون سبعة صفوف وجئ يومئذ بجهنم روى مسلم في أفراده من حديث ابن

[ 248 ]

مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها قال مقاتل يجاء بها فتقام عن يسار العرش قوله عزوجل يومئذ أي يوم يجاء بجهنم يتذكر الإنسان أي يتعظ الكافر ويتوب قال مقاتل هو أمية بن خلف وأنى له الذكرى أي كيف له بالتوبة وهي في القيامة لا تنفع يقول يا ليتني قدمت العمل الصالح في الدنيا لحياتي في الآخرة التي لا موت فيها فيومئذ لا يعذب عذابه أحد قرأ الكسائي ويعقوب والمفضل لا يعذب بفتح الذال والثاء والباقون بكسرها فمن فتح أراد لا يعذب عذاب الكافر أحد ومن كسر أراد لا يعذب عذاب الله أحد أي كعذابه إلا وهذه القراءة تختص بالدنيا والأولى تختص بالآخرة قوله عزوجل يا أيتها النفس المطمئنة فيمن نزلت على خمسة أقوال أحدها في حمزة بن عبد المطلب لما استشهد يوم أحد قاله أبو هريرة وبريدة الأسلمي والثاني في عثمان بن عفان حين أوقف بئر رومة قاله الضحاك والثالث في خبيب بن عدي لما صلبه أهل مكة قاله مقاتل والرابع في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حكاه الماوردي والخامس في جميع المؤمنين قاله عكرمة وفي معنى المطمئنة ثلاثة أقوال أحدها المؤمنة قاله ابن عباس وقال الزجاج المطمئنة بالإيمان والثاني الراضية بقضاء الله قاله مجاهد والثالث الموقنة بما وعد الله قاله قتادة واختلفوا في أي حين يقال لها ذلك على قولين أحدهما عند خروجها من الدنيا قاله الأكثرون

[ 249 ]

والثاني عند البعث يقال لها ارجعي الى صاحبك والى جسدك فيأمر الله الأرواح أن تعود الى الأجساد رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء وعكرمة والضحاك وفي قوله عزوجل ارجعي الى ربك راضية أربعة أقوال أحدها ارجعي الى صاحبك الذي كنت في جسده وهذا المعنى في رواية العوفي عن ابن عباس وبه قال عكرمة والضحاك والثاني ارجعي الى ربك بعد الموت في الدنيا قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث ارجعي الى ثواب ربك قاله الحسن والرابع يا أيتها النفس المطمئنة الى الدنيا ارجعي الى الله تعالى بتركها حكاه الماوردي قوله عزوجل فادخلي في عبادي أي في جملة عبادي المصطفين قال أبو صالح يقال لها عند الموت ارجعي الى ربك فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وقال الفراء ادخلي مع عبادي وقرأ سعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد والضحاك وأبو العالية وأبو عمران في عبادي على التوحيد قال الزجاج فعلى هذه القراءة والله أعلم يكون المعنى ارجعي الي ربك أي الى صاحبك الذي خرجت منه فادخلي فيه

[ 250 ]

90 سورة البلد مكية وآياتها عشرون مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسن في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين قوله عزوجل لا أقسم قال الزجاج المعنى أقسم ولا دخلت توكيدا لقوله عزوجل لئلا يعلم أهل الكتاب وقرأ وأبو عمران وأبو العالية لأقسم قال الزجاج وهذه القراءة بعيدة في العربية وقد شرحنا هذا في أول القيامة والبلد هاهنا مكة قوله عزوجل وأنت حل بهذا البلد فيه ثلاثة أقوال أحدها حل لك ما صنعته في هذا البلد من قتل وغيره قاله ابن عباس ومجاهد قال الزجاج يقال رجل حل وحلال ومحل قال المفسرون والمعنى إن الله تعالى وعد نبيه أن

[ 251 ]

يفتح مكة على يديه بأن يحلها له فيكون فيها حلا والثاني وأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله يعني عام الفتح حلالا قاله الحسن وعطاء والثالث أنت حل عند المشركين بهذا البلد يستحلون إخراجك وقتلك ويحرمون قتل الصيد حكاه الثعلبي قوله عزوجل ووالد وما ولد فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه آدم والثاني أن الوالد إبرهيم وما ولد محمد قاله الحسن أبو عمران الجوني والثالث أنه عام في كل والد وما ولد حكاه الزجاج قوله عزوجل لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم وفيمن عنى بالإنسان خمسة أقوال أحدهما أنه اسم جنس وهو معنى قول ابن عباس والثاني أنه أبو الأشدين الجمحي وقد سبق ذكره قاله الحسن والثالث أنه الحارث بن عامر بن نوفل وذلك أنه أذنب ذنبا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد قاله مقاتل والرابع آدم عليه السلام قاله ابن زيد والخامس الوليد بن المغيرة حكاه الثعلبي قوله عزوجل في كبد فيه ثلاثة أقوال أحدها في نصب رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو عبيدة فإنهم قالوا في شدة قال الحسن يكابد الشكر على السراء والصبر على

[ 252 ]

الضراء لأنه لا يخلو من أحدهما ويكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة قال ابن قتيبة في شدة علبة ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة فعلى هذا يكون من مكابدة الأمر وهي معاناته والثاني أن المعنى خلق منتصبا يمشي على رجلين وسائر الحيوان غير منتصب رواه مقسم عن ابن عباس وبه قال عكرمة والضحاك وعطية والفراء فعلى هذا يكون معنى الكبد الإستواء والإستقامة والثالث في وسط السماء قال ابن زيد لقد خلقنا الإنسان يعني آدم في كبد أي في وسط السماء قوله عزوجل أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يعني الله عز وجل أي ألن يقدر على بعثه ونشره يقول أهلكت مالا لبدا أي كثيرا قال أبو عبيدة هو فعل من التلبد وهو المال الكثير بعضه على بعض قال الزجاج وهو فعل للكثرة كما يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعائشة وأبو عبد الرحمن وقتادة وأبو العالية وأبو جعفر لبدا بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو المتوكل وأبو عمران لبدا برفع اللام وتسكين الباء خفيفة وقرا عثمان بن عفان والحسن ومجاهد لبدا برفع اللام الباء وتخفيفهما وقرأ علي وابن أبي الجوزاء لبدا بكسر اللام وفتح الباء مخففة وفيما قال لأجله ذلك قولان أحدهما أنه أراد أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد قاله ابن السائب فكأنه استطال بما أنفق والثاني أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا قاله مقاتل فكأنه ندم على ما أنفق قوله عزوجل أيحسب أن لم يره أحد يعني الله عز وجل والمعنى أيظن أن الله

[ 253 ]

لم ير نفقته ولم يحصها وكان قد ادعى ما لم ينفق قوله عزوجل ألم نجعل له عينين والمعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على بعثه قوله عزوجل وهديناه النجدين فيه ثلاثة أقوال أحدها سبيل الخير والشر قاله علي والحسن والفراء وقال ابن قتيبة يريد طريق الخير والشر وقال الزجاج النجدان الطريقان الواضحان فيه والنجد المرتفع من الأرض فالمعنى ألم نعرفه طريق الخير والشر كتبين الطريقين العاليين والثاني سبيل الهدى والضلال قاله ابن عباس وقال مجاهد هو سبيل الشقاوة والسعادة والثالث الثديان ليتغذى بلبنهما روي عن ابن عباس أيضا وبه قال ابن المسيب والضحاك وقتادة فلا أقتحم العقبة وما أدرسك صلى ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة قوله عزوجل فلا اقتحم العقبة قال أبو عبيدة فلم يقتحم العقبة [ في الدنيا ] وقال ابن قتيبة فلا هو اقتحم العقبة قال الفراء لم يضم الى قوله تعالى فلا اقتحم العقبة كلاما آخر فيه لا والعرب لا تكاد تفرد لا في كلام حتى يعيدوها عليه في كلام آخر كقوله تعالى فلا صدق ولا صلى ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومعنى لا مأخوذ من آخر هذا الكلام فاكتفى بواحدة من الأخرى ألا

[ 254 ]

ترى أنه فسر اقتحام العقبة فقال فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة وقال ثم كان من الذين آمنوا فسرها بثلاثة أشياء فكأنه كان في أول الكلام فلا فعل ذا ولا ذا وذهب ابن زيد في آخرين الى أن المعنى أفلا اقتحم العقبة على وجه الإستفهام والمعنى فهلا أنفق ماله في فك الرقاب والإطعام ليجاوز بذلك العقبة فأما الإقتحام فقد بيناه في ص 5 وفي العقبة سبعة أقوال أحدها أنه جبل في جهنم قاله ابن عمر والثاني عقبة دون الجسر قاله الحسن والثالث سبعون دركة في جهنم قاله كعب والرابع الصراط قاله مجاهد والضحاك والكلبي والخامس نار دون الجسر قاله قتادة والسادس طريق النجاة قاله ابن زيد والسابع أن ذكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام ذكره علي بن أحمد النيسابوري في آخرين

[ 255 ]

قوله عزوجل وما أدراك ما القعبة قال سفيان بن عينية كل ما فيه وما أدراك فقد أخبره وكل ما فيه وما يدريك فإنه لم يخبره به قال المفسرون المعنى وما أدراك ما اقتحام العقبة ثم بينه فقال تعالى فك رقبة قرأ ابن كثير وأبوه عمرو إلا عبد الوارث والكسائي والداجوني عن ابن ذكوان فك بفتح الكاف رقبة بالنصب أو أطعم أنه بفتح الهمزة والميم وسكون الطاء من غير ألف وقرأ عاصم وابن عامر ونافع وحمزة فك برفع الكاف رقبة خفض أو إطعام بالألف ومعنى فك الرقبة تخليصها من أسر الرق وكل شئ أطلقته فقد فككته ومن قرأ فك رقبة على الفعل فهو تفسير اقتحام العقبة بالفعل واختاره الفراء لقوله عزوجل ثم كان من الذين آمنوا قال ابن قتيبة والمسغبة المجاعة يقال سغب يسغب سغوبا إذا جاع يتيما ذا مقربة أي ذا قرابة أو مسكينا ذا متربة أي ذا فقر كأنه لصق بالتراب وقال ابن عباس هو المطروح في التراب لا يقيه شئ ثم بين أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان بقوله تعالى ثم كان من الذين آمنوا وثم هاهنا بمعنى الواو كقوله عز وجل ثم الله شهيد قوله [ عزوجل ] وتواصوا بالصبر على فرائض الله وأمره وتواصوا بالمرحمة أي بالتراحم بينهم وقد ذكرنا أصحاب الميمنة والمشأمة في الواقعة قال الفراء والمؤصدة المطبقة قال مقاتل يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد وقال ابن قتيبة يقال أوصدت الباب وآصدته إذا أطبقته وقال الزجاج المعنى أن العذاب مطبق عليهم وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم موصدة بغير همز هاهنا وفي الهمزة وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بالهمز في الموضعين

[ 256 ]

سورة الشمس مكية وايايها خمس عشرة مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشها والسماء وما بنها والأرض وما طحاها ونفس وما سوئها فألهمها فجورها وتقوئها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسها قوله عزوجل والشمس وضحاها في المراد بضحاها ثلاثة أقوال أحدها ضوؤها قاله مجاهد والزجاج والضحى حين يصفو ضوء الشمس بعد طلوعها والثاني النهار كله قاله قتادة وابن قتيبة والثالث حرها قاله السدي ومقاتل قوله والقمر إذا تلاها فيه قولان أحدهما إذا تبعها قاله ابن عباس في آخرين ثم في وقت اتباعه لها ثلاثة أقوال أحدهما أنه في أول ليلة من الشهر يرى القمر إذا سقطت الشمس قال قتادة والثاني أنه في الخامس

[ 257 ]

عشر يطلع القمر مع غروب الشمس حكاه الماوردي والثالث أنه في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور حكاه علي بن أحمد النيسابوري والقول الثاني إذا ساواها قاله مجاهد وقال غيره إذا استدار فتلا الشمس في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض قوله عزوجل والنهار إذا جلاها في المكني عنها قولان أحدهما أنها الشمس قاله مجاهد فيكون المعنى والنهار إذا بين الشمس لأنها تتبين إذا انبسط النهار والثاني أنها الظلمة فيكون كناية عن غير مذكور لأن المعنى معروف كما تقول أصبحت باردة وهبت شمالا وهذا قول الفراء واللغويين والليل إذا يغشاها أي يغشى بالشمس حين تغيب فتظلم الآفاق قوله تعالى والسماء وما بناها في ما قولان أحدهما بمعنى من تقديره ومن بناها قاله الحسن ومجاهد وأبو عبيدة وبعضهم يجعلها بمعنى الذي والثاني أنها بمعنى المصدر تقديره وبنائها وهذا مذهب قتادة والزجاج وكذلك القول في وما طحاها وما سواها وقد قرأ أبو عمران الجوني في آخرين ومن بناها ومن طحاها ومن سواها كله بالنون قال أبو عبيدة ومعنى طحاها بسطها يمينا وشمالا ومن كل جانب قال ابن قتيبة يقال خير طاح أي كثير متسع وفي المراد بالنفس ها هنا قولان أحدهما آدم قاله الحسن والثاني جميع النفوس قاله عطاء وقد ذكرنا معنى سواها في قوله عزوجل

[ 258 ]

فسواك فعدلك فألهمها فجورها وتقواها الإلهام إيقاع الشئ في النفس قال سعيد بن جبير ألزمها فجورها وتقواها وقال ابن زيد جعل ذلك فيها بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور قوله عزوجل قد أفلح من زكاها قال الزجاج هذا جواب القسم والمعنى لقد أفلح ولكن اللام حذفت لأن الكلام طال فصار طوله عوضا منها قال ابن الأنباري جوابه محذوف وفي معنى الكلام قولان أحدهما قد أفلحت نفس زكاها الله عز وجل قاله ابن عباس ومقاتل والفراء والزجاج والثاني قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله وصالح الأعمال قاله قتادة وابن قتيبة ومعنى زكاها أصلحها وطهرها من الذنوب خاب من دساها فيه قولان كالذي قبله فإن قلنا إن الفعل لله فمعنى دساها خذلها وأخملها وأخفى محلها واخملها واخفى محلها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح وإن قلنا الفعل للإنسان فمعنى دساها أخفاها بالفجور قال الفراء ويروى أن دساها دسسها لأن البخيل يخفي منزله وماله وقال ابن قتيبة المعنى دسى نفسه أي أخفاها بالفجور والمعصية والأصل من دسست فقلبت السين ياء كما قالوا قصيت أظفاري أي قصصتها فكأن النطف بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها ومصطنع فقال المعروف شهر نفسه ورفعها وكانت أجواد العرب تنزل الربا للشهرة واللئام تنزل الأطراف لتخفي أماكنها وقال الزجاج معنى دساها جعلها قليلة خسيسة

[ 259 ]

كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواه ولا يخاف عقبها قوله عزوجل كذبت ثمود بطغواها أي كذبت رسولها بطغيانها والمعنى أن الطغيان حملهم على التكذيب قال الفراء أراد بطغواها طغيانها وهما مصدران إلا أن الطغوى أشكل برؤوس الآيات فاختير لذلك وقيل كذبوا العذاب إذ انبعث أي انتدب أشقاها وهو عاقر الناقة لعقرها فقال لهم رسول الله وهو صالح ناقة الله قال الفراء نصب الناقة على التحذير وكل تحذير فهو نصب قال ابن قتيبة المعنى احذروا ناقة الله وشربها وقال الزجاج المعنى ذروا ناقة الله وذروا سقياها قال المفسرون سقياها شربها من الماء والمعنى لا تتعرضوا اليوم شربها تحذيره إياهم العذاب بعقرها أي وقد بينا معنى العقر في فعقروها وقد بينا معنى العقر في الأعراف فدمدم عليهم ربهم قال الزجاج أي أطبق عليهم العذاب يقال دمدمت على الشئ إذا أطبقت فكررت الإطباق وقال المؤرج الدمدمة إهلاك بإستئصال وفي قوله عزوجل فسواها قولان أحدهما سوى بينهم في الإهلاك قاله السدي ويحيى بن سلام وقيل سوى الدمدمة عليهم والمعنى أنه أهلك صغيرهم وكبيرهم والثاني سوى الأرض عليهم قال مقاتل سوى بيوتهم على قبورهم وكانوا قد حفروا قبورا

[ 260 ]

فاضطجعوا فيها فلما صيح بهم فهلكوا زلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم قوله عزوجل ولا يخاف عقباها قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر فلا يخاف بالفاء وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام وقرأ الباقون بالواو وكذلك هي في مصاحف مكة والكوفة والبصرة وفي المشار إليه ثلاثة أقوال أحدها أنه الله عز وجل فالمعنى لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم ولا يخشى عقبى ما صنع قاله ابن عباس والحسن والثاني أنه الذي عقرها فالمعنى أنه لم يخف عقبى ما صنع وهذا مذهب الضحاك والسدي وابن السائب فعلى هذا الكلام تقديم وتأخير تقديره إذ انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها والثالث أنه نبي الله صالح لم يخف عقباها حكاه الزجاج

[ 261 ]

92 سورة الليل مكية وايايها وعشرون وهي مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى قوله عزوجل والليل إذا يغشى قال ابن عباس يغشى بظلمته النهار وقال الزجاج يغشى الأفق ويغشى جميع ما بين السماء والأرض والنهار إذا تجلى أي بان وظهر من بين الظلمة وما خلق الذكر والأنثى في ما قولان وقد ذكرناهما عند قوله عزوجل وما

[ 262 ]

بناها وفي الذكر والأنثى قولان أحدهما آدم وحواء قاله ابن السائب ومقاتل والثاني أنه عام ذكره الماوردي قوله عزوجل إن سعيكم لشتى هذا جواب القسم قال ابن عباس إن أعمالكم لمختلفة عمل للجنة وعمل للنار وقال الزجاج سعي المؤمن والكافر مختلف بينهما بعد وفي سبب نزول هذه السورة قولان أحدهما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشرة أواق فأعتقه فأنزل الله عز وجل والليل الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى يعني سعي أبي بكر وأمية وأبي قاله عبد الله بن مسعود والثاني أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال وكان الرجل إذا صعد النخلة ليأخذ منها الثمر فربما سقطت الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ الثمرة من أيديهم فإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرجها فشكا ذلك الرجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فلقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة فقال تعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة فقال الرجل إن لي نخلا وما فيه نخلة أعجب إلي منها ثم ذهب الرجل فقال رجل ممن سمع ذلك الكلام يا رسول الله أتعطيني نخلة في الجنة إن أنا أخذتها قال نعم فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة فساومها منه فقال له أما شعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت ما لي نخلة أعجب إلي منها فقال له أتريد بيعها قال لا إلا أن أعطى بها مالا أظنني أعطى قال ما مناك قال أربعون نخلة فقال أنا أعطيك أربعين نخلة فأشهد له ناسا ثم ذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن النخلة قد صارت في ملكي وهي لك فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار 5 فقال النخلة لك ولعيالك فأنزل الله عز وجل والليل إذا يغشى الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عطاء الذي اشتراها من الرجل أبو الدحداح أخذها بحائط له فأنزل الله تعالى هذه

[ 263 ]

الآيات الى قوله تعالى إن سعيكم لشتى أبو الدحداح وصاحب النخلة قوله عزوجل فأما من أعطى وأتقى قال ابن مسعود يعني أبا بكر الصديق هذا قول الجمهور وقال عطاء هو أبو الدحداح وفي المراد بهذا العطاء ثلاثة أقوال أحدها أعطى من فضل ماله قاله ابن عباس والثاني أعطى الله الصدق من قبله قاله الحسن والثالث أعطى حق الله عليه قاله قتادة وفي قوله عزوجل واتقى ثلاثة أقوال أحدها اتقى الله قاله ابن عباس والثاني اتقى البخل قاله مجاهد والثالث اتقى محارم الله التي نهى عنها قاله قتادة وفي الحسنى ستة أقوال أحدها أنه لا إله إلا الله رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثاني الخلف رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن والثالث الجنة قاله مجاهد والرابع نعم الله عليه قاله عطاء والخامس بوعد الله أن يثيبه قاله قتادة ومقاتل والسادس الصلاة والزكاة والصوم قاله زيد بن أسلم قوله عزوجل فسنيسره لليسرى ضم أبو جعفر سين اليسرى وسين العسرى وفيه قولان أحدهما للخير قاله ابن عباس والمعنى نيسر ذلك عليه والثاني للجنة قاله زيد بن أسلم قوله وأما من بخل قال ابن مسعود يعني ذلك أمية وأبي ابني خلف وقال عطاء هو صاحب النخلة

[ 264 ]

قال المفسرون وأما من بخل بالنفقة في الخير والصدقة وقال قتادة بحق الله عز وجل قوله واستغنى عن ثواب الله فلم يرغب فيه وكذب بالحسنى وقد سبقت الأقوال فيها وفي العسرى قولان أحدهما النار قاله ابن مسعود والثاني الشر قاله ابن عباس والمعنى سنهيؤه ثنا للشر فيؤديه الى الأمر العسير وهو عذاب النار ثم ذكر أن ما أمسكه من ماله لا ينفعه فقال تعالى وما يغنى عنه ماله الذي يبخل به عن الخير إذا تردى وفيه قولان أحدهما إذا تردى في جهنم قاله ابن عباس وقتادة والمعنى إذا سقط فيها والثاني إذا مات فتردى في قبره قاله مجاهد إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى قوله عزوجل إن علينا للهدى قال الزجاج المعنى إن علينا ان نبين طريق الهدى من طريق الضلال وإن لنا للآخرة والأولى أي فليطلبا به منا فأنذرتكم نارا تلظى أي توقد وتتوهج لا يصلاها إلا الأشقى يعني المشرك الذي كذب الرسول وتولى عن الإيمان قال أبو عبيدة الأشقى بمعنى الشقي والعرب تضع أفعل في موضع فاعل قال طرفة

[ 265 ]

تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد قال الزجاج وهذه الآية التي من أجلها زعم أهل الإرجاء أنه لا يدخل النار إلا كافر وليس كما ظنوا هذه نار موصوفة بعينها ولأهل النار منازل فلو كان من لا يشرك لا يعذب لم يكن في قوله عزوجل ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فائدة قوله عزوجل وسيجنبها أي يبعد عنها فيجعل منها على جانب الأتقى يعني أبا بكر الصديق في قول جميع المفسرين الذي يؤتي ماله يتزكى أي يطلب أن يكون عنه الله زاكيا ولا يطلب الرياء ولا السمعة وما لأحد عنده من نعمة تجزى أي لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه وروى عطاء عن ابن عباس أن أبا بكر لما اشترى بلالا بعد أن كان يعذب قال المشركون ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده فأنزل الله تعالى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى أي إلا طلبا لثواب ربه قال الفراء وإلا بمعنى لكن ونصب ابتغاء على إضمار إنفاقه فالمعنى وما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه قوله تعالى ولسوف يرضى أي بما يعطى في الجنة من الثواب

[ 266 ]

93 سورة الضحى مكية وايايها احد عشرة وهي مكية كلها بإجماعهم اتفق المفسرون على أن هذه السورة هذا نزلت بعد انقطاع الوحي مدة ثم اختلفوا في سبب انقطاعه على ثلاثة أقوال أحدها أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وعن أصحاب الكهف وعن الروح فقال سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله فأحتبس عنه الوحي والثاني لقلة النظافة في بعض أصحابه وقد ذكرنا هذين القولين في سورة مريم والثالث لأجل جرو كان في بيته قاله زيد بن أسلم وفي مدة احتباسه عنه أقوال قد ذكرناها في مريم وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جندب قال قالت امرأة من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ما أرى شيطانك إلا قد ودعك فنزلت والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى جندب هو ابن سفيان والمرأة يقال لها أم جميل امرأة أبي لهب

[ 267 ]

بسم الله الرحمن الرحيم والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث وفي المراد بالضحى أربعة أقوال أحدها ضوء النهار قاله مجاهد والثاني صدر النهار قاله قتادة والثالث أول ساعة من النهار إذا ترحلت الشمس قاله السدي ومقاتل والرابع النهار كله قاله الفراء وفي معنى سجى خمسة أقوال أحدها أظلم والثاني ذهب رويا عن ابن عباس والثالث أقبل قاله سعيد بن جبير والرابع سكن قاله عطاء وعكرمة وابن زيد فعلى هذا في معنى سكن قولان

[ 268 ]

أحدهما استقر ظلامه قال الفراء سجى بمعنى أظلم وركد في طوله كما يقال بحر ساج وليل ساج إذا ركد وأظلم ومعنى ركد سكن قال أبو عبيدة يقال ليلة ساجية وساكنة وشاكرة قال الحادي يا حبذا القمراء والليل الساج * وطرق مثل ملاء النساج قال ابن قتيبة سجى بمعنى سكن وذلك عند تناهي ظلامه وركوده والثاني سكن الخلق فيه ذكره الماوردي والخامس امتد ظلامه قاله ابن الأعرابي قوله عزوجل ما ودعك ربك وقرأ عمر بن الخطاب وأنس وعروة وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة وأبو حاتم عن يعقوب ما ودعك بتخفيف الدال وهذا جواب القسم قال أبو عبيدة ما ودعك من التوديع كما يودع المفارق وما ودعك مخففة من ودعه يدعه وما قلى أي أبغض قوله عزوجل وللآخرة خير لك من الأولى قال عطاء خير لك من الدنيا وقال غيره الذي لك في الآخرة أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا قوله عزوجل ولسوف يعطيك ربك في الآخرة من الخير فترضى بما تعطى قال علي والحسن هو الشفاعة في أمته حتى يرضى قال ابن عباس عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفتح على أمته من بعده كفرا كفرا فسر بذلك فأنزل الله عز وجل وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى

[ 269 ]

قوله تعالى يجدك يتيما فآوى فيه قولان أحدهما جعل لك مأوى إذا ضمك الى عمك أبي طالب فكفاك المؤونة قاله مقاتل والثاني جعل لك مأوى لنفسك أغناك عن كفالة أبي طالب قاله ابن السائب قوله تعالى ووجدك ضالا فهدى فيه ستة أقوال أحدها ضالا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة فهداك إليها قاله الجمهور منهم الحسن والضحاك والثاني أنه ضل وهو صبي صغير في شعاب مكة فرده الله الى جده عبد المطلب رواه أبو الضحى عن ابن عباس والثالث أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته فعدل به عن الطريق فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة وقع منها الى الحبشة ورده إلى القافلة فمن الله عليه بذلك قاله سعيد بن المسيب والرابع أن المعنى ووجدك في قوم ضلال فهداك للتوحيد والنبوة قاله ابن السائب والخامس ووجدك نسيا فهداك إلى الذكر ومثله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما.. قاله ثعلب والسادس ووجدك خاملا لاتذكر ولا تعرف فهدى الناس إليك حتى عرفوك قاله عبد

[ 270 ]

العزيز بن يحيى ومحمد بن علي الترمذي قوله عزوجل ووجدك عائلا قال أبو عبيدة أي ذا فقر وأنشد وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أي يفتقر قال ابن قتيبة العائل الفقير كان له عيال أو لم يكن يقال عال الرجل إذا افتقر وأعال إذا كثر عياله وفي قوله فأغنى قولان أحدهما أرضاك بما أعطاك من الرزق قاله ابن السائب واختاره الفراء وقال لم يكن غناه عن كثرة المال ولكن الله رضاه بما آتاه والثاني فأغناك بمال خديجة عن أبي طالب قاله جماعة من المفسرين قوله عزوجل فأما اليتيم فلا تقهر فيه قولان أحدهما لا تحقر قاله مجاهد والثاني لا تقهره ثم على ماله قاله الزجاج وأما السائل فيه قولان أحدهما سائل البر قاله الجمهور والمعنى إذا جاءك السائل فإما أن تعطيه وإما أن ترده ردا لينا ومعنى فلا تنهر لا تنهره يقال نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره والثاني أنه طالب العلم قاله يحيى بن آدم في آخرين قوله عزوجل وأما بنعمة ربك فحدث في النعمة ثلاثة أقوال أحدهما النبوة والثاني القرآن رويا عن مجاهد والثالث أنها عامة في جميع الخيرات وهذا قول مقاتل وقد روي عن مجاهد قال قرأت على ابن عباس فلما بلغت والضحى قال كبر إذا ختمت كل سورة حتى تختم قرأت على أبي بن كعب فأمرني بذلك قال علي بن أحمد النيسابوري ويقال إن الأصل في ذلك أن الوحي لما فتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال المشركون قد هجره شيطانه وودعه اغتم لذلك فلما نزل والضحى كبر عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي فاتخذه الناس سنة

[ 271 ]

94 سورة الأنشراح مكية وايايها ثمان مكية كلها بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك الشرح الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك والله تعالى فتح صدر نبيه للهدى والمعرفة بإذهاب الشواغل التي تصدر عن إدراك الحق ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي قد فعلنا ذلك ووضعنا عنك وزرك أي حططنا عنك إثمك الذي سلف في الجاهلية قاله ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك والفراء وابن قتيبة في آخرين وقال الزجاج المعنى أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال ابن قتيبة وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره فشبه بالحمل فجعل مكانه ومعنى رسول ظهرك أثقله حتى سمع نقيضة أي صوته وهذا مثل يعني أنه لو كان حملا يحمل لسمع نقيض الظهر منه وذهب قوم الى أن المراد بهذا تخفيف أعباء النبوة

[ 272 ]

التي يثقل القيام بها الظهر فسهل الله له ذلك حتى تيسر عليه الأمر وممن ذهب الى هذا عبد العزيز بن يحيى قوله عزوجل ورفعنا لك ذكرك فيه خمسة أقوال أحدها ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول ص = أنه سأل جبريل عن هذه الآية فقال قال الله عزوجل إذا ذكرت ذكرت معي قال قتادة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهذا قول الجمهور والثاني رفعنا لك ذكرك بالنبوة قاله يحيى بن سلام والثالث رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا حكاه الماوردي والرابع رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء والخامس بأخذ الميثاق لك على الأنبياء وإلزامهم الإيمان بك والإقرار بفضلك حكاهما الثعلبي قوله عزوجل فإن مع العسر يسرا ضم سين العسر وسين اليسر أبو جعفر والعسر مذكور في الآيتين بلفظ التعريف واليسر مذكور بلفظ التنكير فدل على أن العسر واحد واليسر اثنان قال ابن مسعود وابن عباس في هذه الآية لن يغلب عسر يسرين قال الفراء العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة صارت اثنتين كقولك إذا كسبت درهما فأنفق درهما فالثاني غير الأول وإذا أعادتها معرفة فهي كقولك إذا كسبت درهما فأنفق الدرهم فالثاني هو الأول ونحو هذا قال الزجاج ذكر العسر بالألف واللام ثم ثنى ذكره فصار المعنى إن مع العسر يسرين وقال الحسين بن يحيى الجرجاني ويقال له صاحب النظم معنى الكلام لا يحزنك ما يعيرك به المشركون من الفقر فإن مع العسر يسرا عاجلا في الدنيا فأنجزه بما وعده بما فتح عليه ثم ابتدأ

[ 273 ]

فصلا آخر فقال إن مع العسر يسرا والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو وهو وعد لجميع المؤمنين أن مع عسر المؤمنين يسرا في الآخرة فمعنى قولهم لن يغلب عسر يسرين لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعده الله المؤمنين في الدنيا فاليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم لا ينقطع كقوله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان أي لا يجتمعان في النقص وحكي عن العتبي قال كنت ذات ليلة في البادية بحالة من الغم فألقي في روعي بيت من الشعر فقلت أرى الموت لمن أحب * ولا ح مغموما له أروح فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف ألا يا أيها المرء ال * لذي الهم به برح وقد أنشد بيتا لم * يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر * ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين * إذا أبصرته فافرح فحفظت الأبيات وفرج الله غمي قوله عزوجل فإذا فرغت فانصب أي فادأب لم في العمل وهو من النصب والنصب التعب الدؤوب في العمل وفي معنى الكلام خمس أقوال أحدها فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل قاله ابن مسعود والثاني فإذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل والثالث فإذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل ربك قاله الحسن وقتادة والرابع فإذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك قاله الشعبي والزهري والخامس إذا صح بدنك فاجعل صحتك نصبا في العبادة ذكره علي ابن أبي طلحة قوله والى ربك فارغب قال الزجاج اجعل رغبتك الى الله عز وجل وحده

[ 274 ]

94 سورة التين مكية وآياتها ثمان وفيها قولان أحدهما أنها مكية قاله الجمهور منهم الحسن وعطاء والثاني أنها مدنية حكاه الماوردي عن ابن عباس وقتادة بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسن في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحكمين قوله عزوجل والتين والزيتون فيهما سبعة أقوال أحدها أنه التين المعروف والزيتون المعروف قاله ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وإبراهيم وذكر بعض المفسرين أنه إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص وهو يدل على قدرة من هيأه على تلك الصفة وجعل الواحدة

[ 275 ]

منه على مقدار اللقمة وإنما أقسم بالزيتون لكثرة الأنتفاع به والثاني أن التين مسجد نوح عليه السلام الذي بنى على الجودي والزيتون بيت المقدس رواه عطية عن ابن عباس والثالث التين المسجد الحرام والزيتون المسجد الأقصى قاله الضحاك والرابع التين مسجد دمشق والزيتون بيت المقدس قاله كعب وقتادة وابن زيد والخامس أنهما جبلان قاله عكرمة في رواية وروي عن قتادة قال التين الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس والسادس أن التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيلياء قاله القرظي والسابع أن التين جبال ما بين حلوان الى همذان والزيتون جبال بالشام حكاه الفراء فأما طور سينين فالطور جبل وفيه قولان أحدهما أنه الجبل الذي كلم الله موسى عليه قاله كعب الأحبار في الأكثرين والثاني أنه جبل بالشام قاله قتادة فأما سينين فهو لغة في سيناء وقد قرأ علي وسعد بن أبي وقاص وأبو العالية وأبو مجلز وطور سيناء ممدودة مهموزة مفتوحة السين وقرأ ابن مسعود وأبو الدرداء وأبو حيوة وطور سيناء مثلهم إلا أنهم كسروا السين وقرأ أبو رجاء والجحدري سينين كما في المصحف لكنهما فتحا السين وقال ابن الأنباري سينين هو سيناء واختلفوا في معناه فقيل معناه الحسن وقيل المبارك وقيل إنه اسم للشجر الذي حوله وقد شرحنا هذا في سورة المؤمنين قال الزجاج وقد قرئ هاهنا وطور سيناء وهو أشبة لقوله عزوجل وشجرة تخرج من طور سيناء وقال مقاتل كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط

[ 276 ]

قوله عزوجل وهذا البلد الأمين يعني مكة يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام قال الفراء ومعنى الأمين الآمن والعرب تقول للأمين آمن قال الشاعر ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني * حلفت يمينا لا أخون أميني يريد آمني قوله عزوجل لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم وفي المراد بالإنسان هاهنا خمسة أقوال أحدها أنه كلدة بن أسيد قاله ابن عباس والثاني الوليد بن المغيرة قاله عطاء والثالث أبو جهل بن هشام والرابع عتبة وشيبة حكاهما الماوردي والخامس أنه اسم جنس وهذا مذهب كثير من المفسرين وهو معنى قول مقاتل قوله عزوجل في أحسن تقويم فيه أربعة أقوال أحدها في أعدل خلق والثاني منتصب القامة رويا عن ابن عباس والثالث في أحسن صورة قاله أبو العالية والرابع في شباب وقوة قاله عكرمة ثم رددناه أسفل سافلين فيه قولان أحدهما الى أرذل العمر رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عكرمة وإبراهيم وقتادة وقال الضحاك الى الهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة والسافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا قال الفراء وإنما قال سافلين على الجمع لأن الإنسان في معنى جمع تقول هذا أفضل قائم ولا تقول قائمين لأنك تريد واحدا فإذا لم

[ 277 ]

ترد واحدا ذكرته بالتوحيد وبالجمع والثاني الى النار قاله الحسن وأبو العالية ومجاهد والمعنى إنا نفعل هذا بكثير من الناس تقول العرب أنفق فلان ماله على فلان وإنما أنفق بعضه ومثله قوله تعالى الذي يؤتي ماله يتزكى لم يرد كل ماله ثم استثنى من الإنسان فقال تعالى إلا الذين آمنوا لأن معنى الإنسان الكثير وللمفسرين في معنى الإستثناء قولان أحدهما إلا الذين آمنوا فإنهم لا يردون الى الخرف وأرذل العمر وإن عمروا طويلا وهذا على القول الأول قال ابن عباس من قرأ القرآن لم يرد الى ارذل العمر وقال النخعي إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل وهو قوله عزوجل فلهم أجر غير ممنون وقال ابن قتيبة المعنى إلا الذين آمنوا في وقت القوة والقدرة فإنهم حال الكبر غير منقوصين وإن عجزوا عن الطاعات لأن الله تعالى علم أنهم لو لم يسلبهم القوة لم ينقطعوا عن أفعال الخير فهو يجري لهم أجر ذلك والثاني إلا الذين آمنوا فإنهم لا يردون الى النار وهذا على القول الثاني وقد شرحنا معنى الممنون في ن قوله عزوجل فما يكذبك بعد بالدين فيه قولان أحدهما فما يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الحجة بالدين أي ما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء وهذا توبيخ للكافر وهو معنى قول مقاتل وزعم أنها نزلت في عدي بن ربيعة والثاني فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعدما تبين له خلقنا الإنسان على ما وصفنا قاله الفراء فأما الدين فهو الجزاء والمشار بذكره الى البعث كأنه استدل بتقليب الأحوال على البعث قوله عزوجل أليس الله بأحكم الحاكمين أي بأقضى القاضين قال مقاتل يحكم بينك وبين مكذبيك وذكر بعض المفسرين أن معنى هذه الآية تسليته في تركهم والإعراض عنهم ثم نسخ هذا المعنى بآية السيف

[ 278 ]

96 سورة العلق مكية وآيايها تسع عشرة اقرأ باسم ربك وتسمى سورة القلم وسورة العلق وهي مكية بإجماعهم وهي أول ما نزل من القرآن وقيل إنما انزل عليه في أول الوحي خمس آيات منها ثم نزل باقيها في أبي جهل بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسن من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسن ما لم يعلم قوله تعالى قرأ أبو جعفر بتخفيف الهمزة في الحرفين قال أبو عبيدة المعنى إقرأ اسم ربك والباء زائدة وقال المفسرون المعنى اذكر اسمه مستفتحا به قراءتك وإنما قال عزوجل الذي خلق لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم والإنسان هاهنا ابن آدم والعلق جمع علقة وقد بيناها في سورة الحج قال الفراء لما كان الإنسان في معنى الجمع جمع العلق مع مشاكلة رؤوس الآيات

[ 279 ]

قوله تعالى اقرأ تقرير للتأكيد ثم استأنف فقال تعالى وربك الأكرم قال الخطابي الأكرم الذي لا يوازيه حدثنا كرم ولا يعادله في الكرم نظير وقد يكون الأكرم بمعنى الكريم كما جاء الأعز والأطول بمعنى العزيز والطويل وقد سبق تفسير الكريم قوله عزوجل الذي علم بالقلم أي علم الإنسان الكتابة بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم من الخط والصنائع وغير ذلك وقيل المراد بالإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم كلا إن الإنسن ليطغى ان رآه استغنى إن إلى ربك الرجعى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم بأن الله يرى كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية كلا لا تطعه واسجد واقترب قوله عزوجل كلا أي حقا وقال مقاتل كلا لا يعلم أن الله علمه ثم استأنف فقال عزوجل إن الإنسان ليطغى يعني أبا جهل وكان إذا أصاب مالا أشر وبطر في ثيابه ومراكبه وطعامه أن رآه استغنى قال ابن قتيبة أي أن رأى نفسه استغنى والرجعى المرجع قوله عزوجل أرأيت الذي ينهى معنى أرأيت تعجيبه المخاطب وإنما كررها للتأكيد والتعجيب والمراد بالناهي هاهنا أبو جهل قال أبو هريرة قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فبالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن على

[ 280 ]

رقبته فقيل له هاهو ذاك يصلي فانطلق ليطأ على رقبته فما فجأهم إلآ وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فأتوه فقالوا مالك يا أبا الحكم فقال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله تعالى الذي ينهى إلى آخر السورة وقال ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا فانصرف إليه النبي صلى الله عليه وسلم فزبره فقال أبو جهل والله إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني فأنزل الله تعالى فليدع ناديه سندع الزبانية قال ابن عباس والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله قال المفسرون والمراد بالعبد هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم وقيل كانت الصلاة صلاة الظهر قوله عزوجل أرأيت إن كان على الهدى يعني المنهي وهو النبي صلى الله عليه وسلم قوله عزوجل أرأيت إن كذب وتولى يعني الناهي وهو أبو جهل قال الفراء والمعنى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى وهو كاذب متول عن الذكر فأي شئ أعجب من هذا ؟ وقال ابن الأنباري تقديره أرأيته مصيبا قوله عزوجل ألم يعلم يعني أبا جهل بأن الله يرى ذلك فيجازيه كلا أي لا يعلم ذلك لئن لم ينته عن تكذيب محمد وشتمه وإيذائه لنسفعا بالناصية السفع الأخذ والناصية مقدم الرأس قال أبو عبيدة يقال سفعت بيده أي أخذت بها وقال الزجاج يقال شفعت الشئ إذا قبضت عليه وجذبته جذبا شديدا والمعنى لنجرن ناصيته الى النار قوله عزوجل ناصية قال أبو عبيدة هي بدل فلذلك جرها قال الزجاج والمعنى بناصية صاحبها كاذب خاطئ كما يقال نهاره صائم وليله قائم أي هو صائم في

[ 281 ]

نهاره قائم في ليله فليدع ناديه أي أهل ناديه وهم أهل مجلسه فليستنصرهم سندع الزبانية قال عطاء هم الملائكة الغلاظ الشداد وقال مقاتل هم خزنة جهنم وقال قتادة الزبانية في كلام العرب الشرط قال الفراء كان الكسائي يقول لم أسمع للزبانية بواحد ثم قال بأخرة واحد الزبانية زبني فلا أدري أقياسا قوله منه أو سماعا وقال أبو عبيدة واحد الزبانية زبنية وهو كل متمرد من إنس أو جان يقال فلان زبنية عفرية قال ابن قتيبة وهو مأخوذ من الزين وهو الدفع كأنهم يدفعون أهل النار إليها قال ابن دريد الزبن الدفع يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها ودفعته برجلها وتزابن له القوم تدارؤوا وإشتقاق الزبانية من الزبن والله أعلم قوله عزوجل كلا أي ليس الأمر على ما عليه أبو جهل لا تطعه في ترك الصلاة واسجد أي صل لله واقترب إليه بالطاعة وهذا قول الجمهور أن قوله عزوجل واقترب خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل إنه خطاب لأبي جهل ثم فيه قولان أحدهما أن المعنى اسجد انت يا محمد واقترب أنت يا أبا جهل من النار قاله زيد بن أسلم والثاني واقترب يا أبا جهل تهددا له رواه أبو سليمان الدمشقي عن بعض القدماء وهذا يشرحه حديث أبي هريرة الذي قدمناه وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء

[ 282 ]

97 سورة القدر مكية وآياتها خمس وفيها قولان أحدهما أنها مكية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني مدنية قاله الضحاك ومقاتل قال الماوردي والأول قول الأكثرين وقال الثعلبي الثاني قول الأكثرين بسم الله الرحمن الرحيم أنا أنزلنه في ليلة القدر وما آدراك ذلك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر قوله عزوجل إنا أنزلناه يعني القرآن في ليلة القدر وذلك أنه أنزل جملة في تلك الليلة الى بيت العزة وهو بيت في السماء الدنيا وقد ذكرنا هذا الحديث في أول كتابنا

[ 283 ]

والهاء في أنزلناه كناية عن غير مذكور وقال الزجاج قد جرى ذكره في قوله عزوجل إنا أنزلناه في ليلة مباركة فأما ليلة القدر ففي تسميتها بذلك خمسة أقوال أحدها أن القدر العظمة من قولك لفلان قدر قاله الزهري ويشهد له قوله عز وجل وما قدروا الله حق قدره والثاني أنه من الضيق أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون قاله الخليل بن أحمد ويشهد له قوله ومن قدر عليه رزقه والثالث أن القدر الحكم كأن الأشياء تقدر فيها قاله ابن قتيبة والرابع لأن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر قاله أبو بكر الوراق والخامس لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر وتنزل فيها رحمة ذات قدر وملائكة ذوو قدر حكاه شيخنا علي بن عبيد الله فصل واختلف العلماء هل ليلة القدر باقية أم كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة والصحيح بقاؤها وهل هي في جميع السنة أم في رمضان فيه قولان أحدهما في رمضان قاله الجمهور والثاني في جميع تدل عليه وقد روى البخاري في أفراده من حديث ابن عباس عن أنه قال التمسوها في العشر الأواخر من رمضان والثانز في تاسعة تبقى أو سابعة مسعود واختلف القائلون في خامسة تبقى وفي حديث دون بعض ؟ على قولين أحدهما أنها في أبي بكرة قال ما أنا بملتمسها لشئ سمعته قاله الجمهور وأ كثر الاحاديث الصحاح تدل عليه

[ 284 ]

وقد روى البخاري في أفراده حديث ابن عباس عن النبي ص انه قال التمسوها في العشر الاواخر من رمضان في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو في خامسة تبقى وفي حديث أبي بكرة قال ما أنا بملتمسها لشي سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر فإني سمعته يقول التمسوها في تسع يبقين أو سبع أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة والقول الثاني أنها في جميع رمضان قاله الحسن البصري وأختلف القائلون بأنها في العشر الأواخر هل تختص ليالي الوتر دون الشفع على قولين أحدهما أنها تختص الأفراد قاله الجمهور والأحاديث الصحاح كلها تدل عليه وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ابتغوها في العشر الأواخر في الوتر منها والثاني أنها تكون في الشفع كما تكون في الوتر قاله الحسن وروي عن الحسن ومالك ابن أنس قالا هي ليلة ثماني عشرة واختلف القائلون بأنها في الأفراد في أخص الليالي بها على خمسة أقوال أحدها أن الأخص بها ليلة إحدى وعشرين فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الوسط واعتكفنا معه فلما أصبحنا صبيحة عشرين رجع ورجعنا معه وأرى ليلة القدر ثم أنسيها فقال إني رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني أسجد في ماء وطين فمن اعتكف فليرجع الى معتكفه وهاجت علينا السماء آخر تلك العشية وكان سقف المسجد عريشا من جريد فوكف [ المسجد ] فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب لرأيته يصلي بدأ المغرب ليلة إحدى وعشرين وإن جبهته وأرنبة أنفه لفي الماء والطين وهذا مذهب الشافعي والثاني أن الأخص بها ليلة ثلاث وعشرين روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة ثلاث وعشرين اطلبوها الليلة وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين

[ 285 ]

وروى مسلم في أفراده من حديث عبد الله بن أنيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين قال فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه قال وكان عبد الله بن أنيس يقول ليلة ثلاث وعشرين والثالث ليلة خمس وعشرين روى هذا المعنى أبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والرابع ليلة سبع وعشرين روى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان متحريا فليتحرها ليلة سبع وعشرين يعني ليلة القدر وهذا مذهب علي وأبي بن كعب وكان أبي يحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين وبه قال ابن عباس وعائشة ومعاوية واختاره أحمد رضي الله عنه وروي ابن عباس أنه استدل على ذلك بشيئين أحدهما أنه قال إن الله تعالى خلق الإنسان على سبعة أصناف يشير الى قوله عز وجل ولقد خلقنا الإنسان من سلالة الآيات ثم جعل رزقه في سبعة أصناف يشير الى قوله عزوجل أنا صببنا الماء صبا ثم يصلى الجمعة على رأس سبعة أيام وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا والمثاني سبعا فلا أرى ليلة القدر إلا ليلة السابعة والثاني أنه قال قوله تعالى سلام هي الكلمة السابعة والعشرون فدل على أنها كذلك واحتج بعضهم فقال ليلة القدر كررت في هذه السورة ثلاث مرات وهي تسعة أحرف والتسعة إذا كررت ثلاثا فهي سبع وعشرون وهذا تنبيه على ذلك والقول الخامس أن الأولى طلبها في أول ليلة من رمضان قاله أبو رزين العقيلي

[ 286 ]

وروى أيوب عن أبي قلابة أنه قال ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر فأما الحكمة في إخفائها فليتحقق اجتهاد العباد في ليالي رمضان طمعا منهم في إدراكها كما أخفى ساعة الجمعة وساعة الليل واسمه الأعظم والصلاة الوسطى والولي في الناس قوله عزوجل وما أدراك ما ليلة القدر هذا على سبيل التعظيم والتشوق الى خيرها قوله تعالى ليلة خير من قيام ألف شهر قال مجاهد قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر وصيامها ليس فيها ليلة القدر وهذا قول قتادة واختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج وروى عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وتمنى أن يكون ذلك في أمته فأعطاه الله ليلة القدر وقال هي خير من ألف شهر التي حمل فيها الاسرائيلي السلاح في سبيل الله وذكر بعض المفسرين أنه كان الرجل فيما مضى لا يستحق أن يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر كانوا يعبدون فيها

[ 287 ]

قوله عزوجل تنزل الملائكة قال أبو هريرة الملائكة ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى وفي الروح ثلاثة أقوال أحدها أنه جبريل قاله الأكثرون وفي حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا كانت ليلة القدر نزل جبريل في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل والثاني أن الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس الى طلوع الفجر قاله كعب ومقاتل بن حيان والثالث انه ملك عظيم يفي بخلق من الملائكة قال الواقدي قوله عزوجل فيها أي في ليلة القدر بإذن ربهم أي بما أمر به وقضاه من كل أمر قال ابن قتيبة أي بكل أمر قال المفسرون يتنزلون بكل أمر قضاه الله في تلك السنة الى قابل وقرأ ابن عمر وابن عباس وأبو العالية وأبو عمران الجوني من كل امرئ بكسر الراء وبعدها همزة مكسورة منونة وبوصل اللام من غير همز ولهذه القراءة وجهان أحدهما من كل ملك سلام والثاني أن تكون من بمعنى على تقديره على كل أمر من المسلمين سلام من الملائكة كقوله تعالى ونصرناه من القوم الذين كذبوا والقراءة الموافقة لخط المصحف هي الصواب ويكون تمام الكلام عند قوله تعالى من كل أمر ثم ابتدأ فقال عزوجل سلام هي أي ليلة القدر سلام وفي معنى السلام قولان أحدهما أنه لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها شيطان قاله مجاهد والثاني أن معنى السلام الخير والبركة قاله قتادة وكان بعض العلماء يقول الوقف على سلام على معنى تنزل الملائكة بالسلام قوله عزوجل حتى مطلع الفجر قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة مطلع بفتح اللام وقرأ الكسائي بكسرها قال الفراء والفتح أقوى في قياس العربية لأن المطلع بالفتح الطلوع وبالكسر الموضع الذي يطلع منه إلا أن العرب تقول طلعت الشمس مطلعا بالكسر وهم يريدون المصدر كما تقول أكرمتك كرامة فتجتزئ محمد بالأسم من المصدر وقد شرحنا هذا المعنى في الكهف عند قوله تعالى مطلع الشمس شرحا

[ 288 ]

98 سورة البينة مكنية وايايها ثمان سورة لم يكن وفيها قولان احدهما انها مدنية قاله الجمهور والثاني مكية قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره يحيى بن سلام بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين آمنوا وعملوا الصلحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنت عدن تجري من تحتها الأنهر خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم

[ 289 ]

ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه قوله عزوجل لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى والمشركين أي ومن المشركين وهم عبدة الأوثان منفكين أي منفصلين وزائلين إلى يقال فككت الشئ فانفك أي انفصل والمعنى لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم حتى تأتيهم أي حتى أتتهم فلفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي والبينة الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنه بين لهم ضلالهم وجهلهم وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم وذهب بعض المفسرين الى أن معنى الآية لم يختلفوا أن الله يبعث إليهم نبيا حتى كان بعث فافترقوا وقال بعضهم لم يكونوا ليتركوا منفكين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البينة والوجه هو الأول والرسول هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى يتلو صحفا أي ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها وهو القرآن ويدل على ذلك أنه كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب ومعنى مطهرة أي من الشرك والباطل فيها أي في الصحف كتب قيمة أي عادلة مستقيمة تبين الحق من الباطل وهي الآيات قال مقاتل وإنما قيل لها كتب لما جمعت من أمور شتى قوله عزوجل وما تفرق الذين أوتوا الكتاب يعني من لم يؤمن منهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث قاله الأكثرون والثاني القرآن قاله أبو العالية والثالث ما في كتبهم من بيان نبوته ذكره الماوردي وقال الزجاج وما تفرقوا في كفرهم بالنبي إلا من بعد أن تبينوا أنه الذي وعدوا به في كتبهم

[ 290 ]

قوله عزوجل وما أمروا أي في كتبهم إلا ليعبدوا الله أي إلا أن يعبدوا الله قال الفراء والعرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرا كقوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويريدون ليطفئوا نور الله وقال في الأمر وأمرنا لنسلم قوله عزوجل مخلصين له الدين أي موحدين لا يعبدون سواه حنفاء على دين إبراهيم ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها ويؤتوا الزكاة عند وجوبها وذلك الذي أمروا به هو دين القيمة قال الزجاج أي دين الأمة القيمة بالحق ويكون المعنى ذلك الدين دين الملة المستقيمة قوله عزوجل أولئك هم خير البرية قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عارم بالهمز في الكلمتين وقرأ الباقون بغير همز فيهما قال ابن قتيبة البرية الخلق وأكثر العرب والقراء على ترك همزها لكثرة ما جرت على الألسنة وهي فعلية بمعنى مفعولة ومن الناس من يزعم أنها مأخوذة من بريت العود ومنهم من يزعم أنها من البرى وهو التراب أي أخلق من التراب وقالوا لذلك لا يهمز وقال الزجاج لو كان من البري وهو التراب لما قرنت بالهمز وإنما اشتقاقها من برأ الله الخلق وقال الخطابي أصل البرية الهمز إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمز فيها وما بعده ظاهر الى قوله تعالى رضي الله عنهم قال مقاتل رضي الله عنهم بطاعتهم ورضوا عنه بثوابه وكان بعض السلف يقول إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضى عنك قوله عزوجل ذلك لمن خشي ربه أي خافه في الدنيا وتناهى عن معاصيه

[ 291 ]

سورة الزلزلة مكية وايايها ثمان وفيها قولان أحدهما أنها مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل والجمهور والثاني مكية قاله ابن مسعود وجابر وعطاء بسم الله الرحمن الرحيم إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها وقال الإنسن ما لها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرايره قوله عزوجل زلزلت الأرض زلزالها أي حركت حركة شديدة وذلك عند قيام الساعة وقال مقاتل تتزلزل من شدة صوت إسرافيل حتى ينكسر كل ما عليها من شدة الزلزلة ولا تسكن حتى تلقي ما على ظهرها من جبل أو بناء أو شجر ثم تتحرك وتضطرب فتخرج ما في جوفها وفي وقت هذه الزلزلة قولان أحدهما تكون في الدنيا وهي من أشراط الساعة قاله الأكثرون

[ 292 ]

والثاني أنها زلزلة يوم القيامة قاله خارجة بن زيد في آخرين قال الفراء حدثني محمد بن مروان قال قلت للكلبي أرأيت قول الله تعالى إذا زلزلة الأرض زلزالها فقال هذه بمنزلة قوله تعالى ويخرجكم إخراجا فأضيف المصدر إلى صاحبه وأنت قائل في الكلام لأعطينك عطيتك تريد عطية والزلزال بالكسر المصدر وبالفتح الاسم وقد قرأ أبو العالية وأبو عمران وأبو حيوة الجحدري زلزالها بفتح الزاي قوله عزوجل الأرض أثقالها فيه قولان أحدهما ما فيها من الموتى قاله ابن عباس والثاني كنوزها قاله عطية وجمع الفراء بين القولين فقال لفظت ما فيها من ذهب أو فضة أو ميت قوله عزوجل وقال الإنسان ما لها فيه قولان أحدهما أنه اسم جنس يعم الكافر والمؤمن وهذا قول من جعلها من أشراط الساعة لأنها حين ابتدأت لم يعلم الكل أنها من أشراط الساعة فسأل بعضهم بعضا حتى أيقنوا والثاني أنه الكافر خاصة وهذا قول من جعلها زلزلة القيامة لأن المؤمن عارف بها فلا يسأل عنها والكافر جاحد لها لأنه لا يؤمن بالبعث فلذلك يسأل قوله عزوجل أنه تحدث أخبارها قال الزجاج يومئذ منصوب بقوله عزوجل إذا زلزلت وأخرجت ففي ذلك اليوم تحدث بأخبارها أي تخبر بما عمل عليها وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون ما أخبارها قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل كذاوكذا يوم كذا وكذا قوله عزوجل بأن ربك أوحى لها قال الفراء تحدث أخبارها بوحي الله وإذنه لها

[ 293 ]

قال ابن عباس أوحى لها أي أوحى إليها وأذن لها أن تخبر بما عمل عليها وقال أبو عبيدة لها بمعنى إليها قال العجاج وحى لها القرار فاستقرت قوله عزوجل أنه يصدر الناس يرجعون عن موقف الحساب أشتاتا أي فرقا فأهل الإيمان على حدة وأهل الكفر على حدة ليروا أعمالهم وقرأ أبو بكر الصديق وعائشة والجحدري ليروا بفتح الياء قال ابن عباس أي ليروا جزاء أعمالهم فالمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار وقيل في الكلام تقديم وتأخير تقديره تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها ليروا أعمالهم يومئذ يصدر الناس اشتاتا فعلى هذا يرون ما عملوا من خير أو شر في موقف العرض يعمل مثقال ذرة قال المفسرون من يعمل في الدنيا مثقال ذرة من الخير أو الشر يره وقرأ أبان عن عاصم يره بضم الياء في الحرفين وقد بينا معنى الذرة في سورة النساء وفي معنى هذه الرؤية قولان أحدهما أنه يراه في كتابة والثاني يرى جزاءه وذكر مقاتل أنها نزلت في رجلين كانا بالمدينة كان أحدهما يستقل أن يعطي السائل الكسرة أو التمرة وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير فأنزل الله عز وجل هذا يرغبهم في القليل من الخير ويحذرهم اليسير من الشر

[ 294 ]

100 سورة العاديات مكية وايايها احدى عشرة وفيها قولان أحدهما أنها مكية قاله ابن مسعود وعطاء وعكرمة وجابر والثاني مدنية قاله ابن عباس وقتادة ومقاتل بسم الله الرحمن الرحيم والعديت ضبحا فالموريت قدحا فالمغيرت صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا إن الإنسن لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن ربهم بهم يومئذ لخبير قوله عزوجل والعاديات فيه قولان أحدهما أنها الإبل في الحج قاله علي وابن مسعود وعبيد بن عمير والقرظي والسدي وروى عن علي أنه قال والعاديات ضبحا من عرفة الى الزدلفة ومن المزدلفة الى

[ 295 ]

منى وروي عن علي أنه قال هذا في صفة وقعة بدر قال وما كان معنا يومئذ إلا فرس وفي بعض الحديث أنه كان معهم فرسان والثاني أنها الخيل في سبيل الله قاله ابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وأبو العالية وعكرمة وقتادة وعطية والربيع واللغويون وكان ابن عباس يذهب الى أن هذا كان في سرية فروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا فلم يأته خبرها شهرا فنزلت والعاديات أبو ضبحا ضبحت بمناخرها فالموريات قدحا قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارا أو فالمغيرات صبحا صبحت القوم بغارة فأثرن به نقعا أثارت بحوافرها التراب فوسطن به جمعا قال صبحت الحي جميعا وقال مقاتل بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية الى حيين من كنانة واستعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري فأبطأ عنه خبرها فجعل اليهود والمنافقون إذا رأوا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تناجوا فيظن الرجل أنه قد قتل أخوه أو أبوه أو عمه فيجد من ذلك حزنا فنزلت والعاديات ضبحا فأخبر الله كيف فعل بهم قال الفراء الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدون وقال ابن قتيبة الضبح صوت حلوقها إذا عدت وقال الزجاج ضبحها صوت أجوافها إذا عدت

[ 296 ]

قوله عزوجل فالموريات قدحا فيه خمسة أقوال أحدها أنها الخيل تورى النار بحوافرها إذا جرت وهذا قول الجمهور قال الزجاج إذا عدت الخيل بالليل فأصابت بحوافرها الحجارة انقدحت منها النيران والثاني أنها نيران المجاهدين إذا أوقدت روي عن ابن عباس والثالث مكر الرجال في الحرب قاله مجاهد وزيد بن أسلم والرابع نيران الحجيج بالمزدلفة قاله القرظي والخامس أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل على الحق وفضح بها الباطل قاله عكرمة قوله عزوجل صلاة العدو عند الصباح هذا قول الاكثرين وقال ابن مسعود فالمغيرات صبحاحين يفيضون من جمع قوله عزوجل فأثرن به الإنسان لفي خسر قال الزجاج هو جواب القسم الوادي ولم يذكر قبل ذلك وهذا جائز لأن الغبار كما تقول كثر الدرهم في أيدي وقال الزجاج المعنى فاثرن بمكان عدوهن ولم والخسر والخسران في معنى واحد قال أهل قوله فوسطن به جمعا قال المفسرون المعنى توسطن فالإنسان إذا لم يستعمل نفسه فيما ابن مسعود فوسطن به جمعا يعني مزدلفة قوله عزوجل إن الإنسان لربه فهوفي خسران والإنسان هاهنا الكافر قال نزلت نفسه وهما أكبر رأس ماله إلا نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي وفي الكنود ثلاثة أقوال آحدها انه الذي ياكل منوا أي عبده رواه أبو امامة عن رسول الله

[ 297 ]

الثاني انه الكفور وعملوا بالطاعة ومخاهد بالحق وقتادة الضحاك الثالث الوام لربه يعد المصيبات وتواصوا بالصبر على طاعة الله قتيبة والأرض الكنود التي تنبت شيئا وقوله عزوجل وإنه ذلك لشهيد في هاء الكناية قولان أحدهما انها ترجع إلى الله عزوجل تقديره وان الله على كفره لشهيد القولان عن ابن عباس قوله عزوجل وانه يعني الانسان لحب الخير يعني المال لشديد وفي أحدهما وإنه من هيم في تفسير هذه السورة الحسن وابن قتيبة والزجاج قال أبو عبيدة ويقال للبخيل إن الإنسان قال طرفة أري الموت عمر في الدنيا لفي * عقيلة مال وضعف الباخل المتشدد والثاني وإنه يكتب لهم أجور أعمالهم التي كانوا يعملون في وهذا اختيار الفراء قال فكان الكلمة لما تقدم فيها الحب وكان موصعه ان يضاف إليه شديد حذف الحب من اخره لما جرى ذكره اوله ولرؤوس الأيات ومثله اشتدت به الريح في يوم عاصف فلما جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من اخره قوله عزوجل شبابهم وصحتهم سورة وهي مكية بإجماعهم قال هبة الله المفسر وقد قيل إنها مدنية واختلف المفسرون اي اثير وأخرج وحصل هل نزلت في حق شخص بعينه أم نزلت عامة على قولين أحدهما يحصل وقال ابن عباس ابرزما لت في حق شخص بعينه ثم فيه ستة أقوال أحدها وقال سليمان الدمشقي المعنى لو علم أخنس بن شريق رواه أبو صالح عن ابن الإسلام ثم ابتدأ فقال عزوجل إن وبه قال السدي وابن السائب بالكسر لاجل اللام ولولاها كانت بن وائل السهمي العلم عليها فإن أيس لاله عروة والثالث جميل بن خص ذلك اليوم فالجواب أن عامر قاله ابن أبي نجيح والرابع الوليد بن أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم مغناه قاله ابن جريج ومقاتل والخامس بارزون لا يخفى على الله منهم شئ

[ 298 ]

101 سورة القارعة مكية وايايها إحدى عشرة وهي مكية باجماعهم قد ذكر نا تفسير فاتحتها في اول الحاقة بسم الله الرحمن الرحيم القارعة ما القارعة وما ادرئك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فاما من ثقلت موزينه فهو في عيشة راضية واما من خفت موزينه فامه هاوية وما ادرئك ماهيه نار حامية قوله عزوجل يوم يكون الناس قال الزجاج اليوم منصوب على الظرف المعنى يكون يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وفيه ثلاثة أقوال أحدها انه غوغاء الجراد قاله الفراء قال ابن قتيبة غوغاء الجراد صغاره ومنه قيل لعامة الناس غوغاء

[ 299 ]

الثاني أمية بن خلف قاله ابن إسحاق أبو عبيدة والثالث أنه ما السادس أبي بن خلف حكاه الفراش ما تراه كصغار لوردي والقول الثاني أنها نزلت عامة لا في شخص بعينه قاله مجاهد بعثوا تهافت الفراش فاما ويل لكل همزة لمتفرق قوله عزوجل الذي جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده كلا لينبذن في الحطمة والمنفوش الذي قد شيئا وذلك من شدة الهول قوله عزوجل أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة بالحسنات وقد بينا هذه الآية في اول إنها عليهم مؤصدة في الحاقة قوله عزوجل عمد ممددة قرأ ابن تعالى ويل لكل همزة لمزة اختلفوا في الهمزة واللمزة هل احدهما والجحدري فإمه بكسر الهمزة بمعنى واحد ثلاثة أقوال أحدها أم مختلفان على قولين أحدهما أنهما مختلفان ثم فيهما سبعة أقوال أحدها قول عكرمة وأبي صالح والثاني أنها أن الهمزة المغتاب واللمزة العياب قاله ابن عباس قاله قتادة والثالث أن الهمزة الذي يهمز الإنسان في وجهه واللمزة يلمزه إذا أدبر عنه السكون إلى الأمهات فالنار الحسن وعطاء وأبو العالية أن الهمزة الطعان في الناس والفراء وابن قتيبة والزجاج الطعان على في أنساب الناس قاله عن رسول الله ص مجاهد مات العبد تلقى روحه ارواح المؤمنين فتقول له ما فعل فلان فإذا قال مات قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المزينة قوله عزوجل وما ادراك ماهيه يعني الهاوية قرأ حمزة ويعقوب ما هي بحذف الهاء الأخيرة في الوصل وإثباتها في الوقف وقرأ الباقون باثباتها في الحالين قال الزجاج الهاء في هيه دخلت في الوقف لتبيين فتحة الياء فالوقف هيه والوصل هي نار والذي يجب اتباع المصحف والهاء فيه ثابتة فيوقف عليها ولا توصل قوله نار حامية اي حارة قد انتهى حرها

[ 300 ]

102 سورة التكاثر مكية وايايها ثمان وهي مكية باجماعهم وفي سبب نزولها قولان أحدهما أن اليهود قالوا نحن اكثر من بني فلان وبنو فلان اكثر من بني فلان فالهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا فنزلت هذه فيهم قاله قتادة والثاني أن حيين من قريش بني عبد مناف 2 وبني سهم كان بينهما لحاء فقال هؤلاء نحن أكثر سيدا واعز نفرا وقال أولئك مثل هذا فتعادوا السادة والاشراف ايهم 4 أكثر فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا نعد موتانا فزاروا القبور فعدوا موتاهم فكثرهم بنوسهم لأنهم كانوا اكثر عددا في الجاهلية فنزلت هذه فيهم قاله ابن السائب 5 ومقاتل بسم الله الرحمن الرحيم الهكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف نعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسئلن يومذ عن النعيم 8

[ 301 ]

قوله تعالى الهاكم وقرا أبو بكر الصديق وابن عباس والشعبي وابو العالية وابن عمران وابن ابي علبة االهاكم بهمزتين على الاستفام وقرا معاوية وعائشة المراد بالتكاثر ثلاثة اقوال أحدها التكاثر بالاموال والاولاد قاله الحسن والثاني التفاخر بالقبائل والعشائر قاله قتادة والثالث التشاغل بالمعاش والتجارة قاله الضحاك وفي قوله عزوجل حتى زرتم المقابر قولان أحدهما حتى ادر ككم الموت على تلك الحال فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها إلى منازلكم من الجنة او النار كرجوع الزائر إلى منزله والثاني حتى زرتم المقابر فعددتم من فيها من موتاكم قوله عزوجل كلا قال الزجاج هي ردع وتنبية والمعنى ليس الامر الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر قوله عزوجل سوف تعلمون هذا وعيد والمعنى سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت وقيل العلم الاول يقع عند نزول الموت والثاني عند نزول القبر قوله عزوجل كلا لو تعلمون علم اليقين المعنى لو تعلمون الامر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر وجواب لو محذوف وهو ما ذكرنا ثم اوعدهم وعيدا اخر فقال عزوجل لترون الجحيم قرا ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وحمزة لترون ثم لترونها بفتح التاء فيها وقرا ابن عامر والكسائي لترون الجحيم بضم التاء ثم لترونها بفتح التاء وقرا مجاهد وعكرمة وحميد وابن ابي علبة لترون ثم لترونها بضم التاء فيهما من غير همز ثم لترونها عين اليقين اي مشاهذة فكان المراد ب‍ عين اليقين نفسه لان عين الشئ ذاته

[ 302 ]

قوله عزوجل ثم لتسالن يومئذ عن النعيم اختلفوا هل هذا السؤال عام ام لا ؟ على قولين أحدهما أنه خاص للكفار قاله الحسن والثاني عام قاله قتادة وللمفسرين في المراد بالنعيم عشرة اقوال أحدها أنه الامن والصحة رواه ابن مسعود عن النبي ص وتارة يأتي موقوفا عليه وبه قال مجاهد والشعبي والثالث أنه خبز البر والماء العذب قاله أبو امامة والرابع انه ملاذ المأكول والمشروب قاله جابر بن عبد الله والخامس انه صحة الابدان والاسماع والابصار قاله ابن عباس وقال قتادة هو العافية والسادس انه الغداء والعشاء قاله الحسن والسابع الصحة والفراغ قاله عكرمة والثامن كل شئ من لذة الدنيا قاله مجاهد والتاسع انه انعام الله على الخلق بارسال محمد ص قاله القرظي والعاشر انه صنوف النعم قاله مقاتل والصحيح انه عام في كل نعيم وعام في جميع الخلق فالكافر يسال توبيخا إذا لم يشكر المنعم ولم يوحده والمؤمن يسال عن شكرها وفي الحديث عن النبي ص قال يقول الله تعالى ثلاث لااسال عبدي عن شكرهن واساله عما سوى ذلك بيت يكنه وما يقيم به صلبه من الطلعام وما يواري به عورته من اللباس

[ 303 ]

103 سورة العصر مكية وايايها ثلاث وفيها قولان أحدهما انها مكية قاله ابن عباس وابن الزبير والجمهور والثاني مدنية قاله مجاهد وقتادة ومقاتل بسم الله الرحمن الرحيم والعصر إن الانسن لفى خسر الا الذين امنوا وعملوا الصلحت وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر قوله عزوجل والعصر فيه ثلاثة اقوال أحدها انه الدهر قاله ابن عباس وزيد بن اسلم والفراء وابن قتيبة وانما اقسم بالدهر لان فيه عبرة للناظر من مرور الليل والنهار على تقدير لا ينخرم والثاني انه العشي وهو ما بين زوال الشمس وغروبها قاله الحسن وقتادة والثالث صلاة العصر قاله مقاتل

[ 304 ]

قوله عزوجل ان الانسان لفي خسر قال الزجاج هو جواب القسم والانسان ها هنا بمعنى الناس كما يقول كثر الدرهم في ايدي الناس يريد الدراهم والخسر والخسران في معنى واحد قال اهل المعاني الخسر هلاك راس المال او نقصه والانسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح الدائم فهوفي خسران لانه عمل في اهلاك نفسه وعمره وهما اكبر راس ماله الا الذين امنوا اي صدقوا الله ورسوله وعملوا بالطاعة وتواصوا بالحق اي بالتوحيد والقران واتباع الرسول وتواصوا بالصبر على طاعة الله والقيام بشريعته وقال إبراهيم في تفسير هذه السورة إن الإنسان إذا عمر في الدنيا لفي نقص وضعف إلا المؤمنين فإنهم يكتب لهم اجون اعمالهم التي كانوا يعملون في شبابهم وصحتهم

[ 305 ]

وهي مكية باجماعهم قال هبة الله المفسر وقد قيل انها مدنية واختلف المفسرون هل نزلت في حق شخص بعينه ام نزلت عامة ؟ على قولين أحدهما نزلت في حق شخص بعينه ثم فيه ستة اقوال أحدها الاخنس بن شريق رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي وابن السائب والثاني العاص بن وائل السهمي قاله عروة والثالث جميل بن عامر قاله ابن ابي نجيح والرابع الوليد بن المغيرة قاله ابن جريج ومقاتل والخامس امية بن خلف قاله ابن إسحاق والسادس ابي بن خلف حكاه الماوردي والقول الثاني انها نزلت عامة لا في شخص بعينه قال مجاهد بسم الله الرحمن الرحيم ويل لكل همزة لمزة الذى جمع مالا وعدده يحسب ان ماله - اخلده كلا

[ 306 ]

لينبذن في الحطمة وما ادرئك ما الحطمة نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة قوله عزوجل ويل لكل همزة لمزة اختلفوا في الهمزة اللمزة هل هما بمعنى واحد ام مختلفان ؟ على قولين أحدهما انهما مختلفان ثم فيهما سبعة اقوال أحده ان الهمزة المغتاب واللمزة العياب قاله ابن عباس والثاني ان الهمزة الذي يهمز الانسان في وجهه واللمزة يلمزة إذا ادبر عنه قاله الحسن وعطاء وابو العالية والثالث ان الهمزة الطعان في الناس واللمزة الطعان في انساب الناس قاله مجاهد والرابع أن الهمزة بالعين واللمزة باللسان قاله قتادة والخامس أن الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم واللمزة الذي يلمزهم بلسانه قاله ابن زيد والسادس أن الهمزة الذي يهمز بلسانه واللمزة الذي يلمز بعينه قاله سفيان الثوري والسابع أن الهمزة المغتاب واللمزة الطاعن على الإنسان في وجهه قاله مقاتل والقول الثاني أن الهمزة العياب الطعان واللمزة مثله وأصل الهمز واللمز الدفع قاله ابن قتيبة وكذلك قال الزجاج الهمزة اللمزة الذي يغتاب الناس فارس والعضيهة الكذب والبهتان قال الشاعر إذا لقيتك عن كره تكاشرني * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه قوله عزوجل الذي جمع مالا قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وروح جمع بالتشديد والباقون بالتخفيف

[ 307 ]

قوله عز وجل وعدده قرأ الجمهور بتشديد الدال وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن يعمر بتخفيفها وللمفسرين في معنى الكلام قولان أحدهما أحصى عدده قاله السدي والثاني أعده لما يكفيه في السنين قاله عكرمة قال الزجاج من قرأ عدده بالتشديد فمعناه عدده للدهور) ومن قرأ عدده بالتخفيف فمعناه جمع مالا وعددا أي وقوما اتخذهم أنصارا قوله عز وجل يحسب أن ماله أخلده أخلده بمعنى يخلده والمعنى يظن ماله مانعا له من الموت فهو يعمل عمل من لا يظن أنه يموت كلا أي لا يخلده ماله ولا يبقى له لينبذن أي ليطرحن في الحطمة وهو اسم من أسماء جهنم سميت بذلك لأنها تحطم ما يلقى فيها أي تكسره فهي تكسر العظم بعد أكلها اللحم ويقال للرجل الأكول إنه لحطمة عبد وقرأ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي عبلة وابن محيصن لينبذان بألف ممدودة وبكسر النون وتشديدها أي هو وماله قوله عزوجل التي تطلع على الأفئدة أي تأكل اللحم والجلود حتى تقع على الأفئدة فتحرقها قال الفراء يبلغ ألمها الأفئدة والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى واحد والعرب تقول متى طلعت أرضنا أي بلغت وقال ابن قتيبة تطلع على الأفئدة أي تقوي عليها وتشرف وخص الأفئدة لأن الألم إذا صار الى الفؤاد مات صاحبه فأخبر أنهم في حال من يموت وهم لا يموتون وقد ذكرنا تفسير المؤصدة في سورة البلد 20 قوله تعالى في عمد قرأ حمزة وخلف والكسائي وعاصم إلا حفصا بضم العين وإسكان الميم قال المفسرون وهي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار وفي عمرو بضم الباء والمعنى مطبقة بعمد قال قتادة وكذلك هو في قراءة عبد الله وقال مقاتل أطبقت الأبواب عليهم في بمعى ثم شدت بأوتاد من حديد حتى يرجع عليهم غمها وحرها وعليه صفة العمد أي أنها ممدودة مطولة وهي أرسخ من مقاتل اطبقت القصيرة وقال قتادة هي عمد يعذبون بها في النار وقال أبو صالح في عمد ممددة صفة القيود الطوال سورة الفيل مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم تر كيف يعذبون بها في فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل الطوال

[ 308 ]

سورة الفيك مكية وآياتها خمسن مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم الم تركيف فعل ربك باصحب الفيل الم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول قوله تعالى تر فيه قولان أحدهما ألم تخبر قاله الفراء والثاني ألم تعلم قاله الزجاج ومعنى الكلام معنى التعجب وأصحاب الفيل هم الذين قصدوا تخريب الكعبة وفي سبب قصدهم لذلك قولان أحدهما أن أبرهة بني بيعة وقال لست منتهيا حتى أضيف إليها حج العرب فسمع بذلك رجل من بني كنانة فخرج فدخلها ليلا فأحدث فيها فبلغ ذلك أبرهة فحلف ليسيرن الى

[ 309 ]

الكعبة فيهدمها قاله ابن عباس والثاني أن قوما من قريش خرجوا في تجارة الى أرض النجاشي فنزلوا في جنب بيعة فأوقدوا نارا وشووا لحما فلما رحلوا هبت الريح فإضطرم أبي المكان نارا فغضب النجاشي لأجل البيعة فقال له كبراء أصحابه منهم حجر بن شراحيل وأبو يكسوم لا تحزن فنحن نهدم الكعبة قاله مقاتل وقال ابن اسحاق أبو يكسوم اسمه أبرهة بن الأشرم وقيل وزيره وحجر من قواده ذكر الإشارة الى القصة ذكر أهل التفسير أن أبرهة لما سار بجنوده اي الكعبة ليهدمها خرج معه بالفيل فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس فأصابوا إبلا لعبد المطلب وبعث بعض جنوده فقال سل عن شريف مكة وأخبره أني لم آت لقتال وإنما جئت لأهدم هذا البيت فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه إنما جاء لهدم هذا البيت ثم ينصرف عنكم فقال عبد المطلب ما له عندنا قتال وما لنا به يد إنا سنخلي (بينه وبين ما جاء له فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن يمنعه فهو بيته وحرمه وإن يخل بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة قال فانطلق معي الى الملك فلما دخل عبد المطلب على أبرهة أعظمه وكرمه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك الى الملك فقال له الترجمان فقال حاجتي أن يرد علي مائتي بعير

[ 310 ]

أصابها فقال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت الآن فيك حين جئت الى بيت هو دينك لأهدمه فلم تكلمني فيه وكلمتني لإبل أصبتها فقال عبد المطلب أنا رب هذه الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه فأمر بإبله فردت عليه فخرج وأخبر قريشا وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ورؤوس الجبال خوفا من معرة الجيش إذا دخل ففعلوا فأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقه الباب وجعل يقول يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا إن عدو البيت من عاداكا * إمنعهم ما أن يخربوا قراكا وقال أيضا لا هم إن المرء يم * نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك جروا جميع بلادهم * والفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم * جهلا وما رقبوا جلالك إن كنت تاركهم وكع * تنا فأمر ما بدالك ثم إن أبرهة أبح متهيئا للدخول فبرك الفيل فبعثوه فأبى فضربوه فأبى فوجهوه الى اليمن راجعا فقام يهرول فوجهوه الى الشام ففعل مثل ذلك والى المشرق ففعل مثل ذلك فوجهوه الى الحرم فأبى فأرسل الله طيرا من البحر واختلفوا في صفتها فقال ابن عباس كانت لهم خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وقال عكرمة كانت لها رؤوس كرؤوس السباع وقال ابن إسحاق كانت أمثال الخطاطيف

[ 311 ]

واختلفوا في ألوانها على ثلاثة أقوال أحدها أنها كانت خضراء قاله عكرمة وسعيد بن جبير الثاني سوداء قاله عبيد بن عمير والثالث بيضاء قاله قتادة قال وكان مع كل طير ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره واختلفوا في صفة الحجارة فقال بعضهم كانت كأمثال الحمص والعدس وقال عبيد بن عمير بل كان الحجر كرأس الرجل والجمل فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك وكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره وقيل كان على كل حجر اسم الذي وقع عليه فهلكوا ولم يدخلوا الحرم وبعث الله على أبرهة داء في جسده فتساقطت أنامله وانصدع صدره قطعتين عن قلبه فهلك ورأى أهل مكة الطير وقد أقبلت من ناحية البحر فقال عبد المطلب إن هذه الطير غريبة ثم إن عبد المطلب بعث ابنه عبد الله على فرس ينظر الى القوم فرجع يركض ويقول هلك القوم جميعا فخرج عبد المطلب وأصحابه فغنموا أموالهم وقيل لم ينج من القوم إلا أبو يكسوم فسار وطائر يطير على راسه من فوقه ولا يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصاب القوم فلما أتم كلامه رماه الطائر فمات فأرى الله تعالى النجاشي كيف كان هلاك أصحابه واختلفوا كم كان بين مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين هذه القصة على ثلاثة أقوال أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل وهو الأصح

[ 312 ]

والثاني كان بينهما ثلاث وعشرون سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث أربعون سنة حكاه مقاتل قوله تعالى يجعل كيدهم وهو ما أرادوا من تخريب الكعبة في تضليل أي في ذهاب والمعنى أن كيدهم ضل عما قصدوا له فلم يصلوا إلى مرادهم وأرسل عليهم طيرا أبابيل وفي الأبابيل خمسة أقوال أحدهما أنها المتفرقة من هاهنا وهاهنا قاله ابن مسعود والأخفش والثاني أنها المتتابعة التي يتبع بعضها بعضا قاله ابن عباس ومجاهد ومقاتل والثالث الكثيرة قاله الحسن وطاوس والرابع أنها الجمع بعد الجمع قاله عطاء وأبو صالح وكذلك قال أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج الأبابيل جماعات في تفرقة والخامس المختلفة الألوان قاله زيد بن أسلم قال الفراء وأبو عبيدة الأبابيل لا واحد لها قوله تعالى ترميهم قرأ أبو عبد الرحمن السلمي يرميهم بالياء وقد بينا معنى حنيفة وفي ومعنى العصف في أقوال أحدها أن عز وجل وفي معنى مأكول ثلاثة أقوال أحدهما أن يكون أراد أنه أخذ حب فيه الثاني أن من يكون أراد أن العصف مأكول البهائم كما يقال للحنطة هذا المأكول ولما يؤكل وللماء هذا المشروب ولما يشرب يريد أنهما مما يؤكل ويشرب ذكرهما ابن قتيبة والثالث أن المأكول هاهنا الذي وقع فيه الأكال فالمعنى جعلهم كورق الزرع الذي جف وأكل أي وقع فيه الأكال قاله الزجاج

[ 313 ]

سورة قريش ويقال لها سورة قريش مكية وايايها ان بغ ويقال لها سورة لايلاف وفيها قولان أحدهما مكية قاله الجمهور والثاني مدنية قاله الضحاك وابن السائب واختلف القراء في لإيلاف فقرأ ابن عامر لإلاف بغير ياء بعد الهمزة مثل لعلاف وقرأ أبو جعفر بياء ساكنة من غير همز وروى حماد بن أحمد عن الشموني بهمزتين مخففتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة على وزن لععلاف أن وقرأ الباقون بهمزة بعدها ياء ساكنة مثل لعيلاف على وفي لام لإيلاف ثلاثة أقوال أحدها موصولة بما قبلها المعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف [ هذا قول الفراء والجمهور

[ 314 ]

والثاني أنها لام التعجب كأن المعنى اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت قاله الأعمش والكسائي والثالث أن معناها متصل بما بعدها المعنى فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف لأنهم كانوا في الرحلتين آمنين فإذا عرض لهم عارض قالوا نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم قال الزجاج وهذا الوجه قول النحويين الذين ترتضي أقوالهم وقال ابن قتيبة بعض الناس يذهب الى أن هذه السورة وسورة الفيل واحدة وأكثر الناس على أنهما سورتان وان كانتا متصلتي الألفاظ والمعنى ان قريش كانت بالحرم آمنة من الأعداء والحرم واد جديب لا زرع فيه ولا شجر وإنما كانت قريش تعيش فيه بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف الى الشام ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام ولولا أنهم بمجاورة البيت لم يقدروا على التصرف فلما قصد أصحاب الفيل هدم الكعبة أهلكهم الله لتقيم قريش بالحرم فذكرهم الله نعمته بالسورتين والمعنى أنه اهلك اولك ليؤلف قريشا هاتين الرحلتين اللتي بهما معاشهم ومقامهم بمكة تقول ألفت موضع كذا إذا لزمته وألفنيه الله كما تقول لزمت موضع كذا وكذا وألزمنيه الله الله وكرر لايلاف للتوكيد كما تقول أعطيتك المال لصيانة وجهك صيانة عن كل الناس قال الزجاج يقال ألفت المكان الفا وآلفته إيلافا بمعنى واحد وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة وكل من لم يلده النضر فليس بقرشي وقيل هم من ولد فهر بن مالك بن النضر فمن لم يلده فهر فليس بقرشي وإنما سموا قريشا لتجارتهم وجمعهم المال والقرش الكسب يقال هو يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب وقد سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهم لم سميت قريش قريشا فقال ابن عباس بدابة تكون في البحر يقال لها القريش لا تمر بشئ من الغث والمسين قال إلا أكلته وأنشد

[ 315 ]

وقريش هي التي تسكن البح * ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تتر * ك فيه لذي الجناحين ريشا وقال ابن الأنباري قال قوم سموا قريشا بالأقتراش وهو وقوع الرماح بعضها على بعض قال الشاعر ولما دنا الرايات واقترش في القنا * وطار مع القوم القلوب الرواجف بسم الله الرحمن الرحيم لا يلف قريش إيلفهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف قوله عزوجل إيلافهم قرأ أبو جفعر وابن فليح عن ابن كثير والوليد ابن عتبة عن ابن عامر والتغلبي عن ابن ذكوان عنه إلافهم بهمزة مكسورة من غم ياء بعدها مثل علافهم هذه وروى الخزاعي عن ابن فليح وأبان ابن تغلب عن عاصم إلفهم بسكون اللام أيضا ورواه الشموني إلا حمادا بهمزتين مكسورتين بعدهما ياء ساكنة ورواه حماد كذلك إلا أنه حذف الياء وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة مثل عيلافهم سنة وجمهور العلماء على أن الرحلتين كانتا للتجارة وكانوا يخرجون الى الشام في الصيف والى اليمن في الشتاء لشدة برد الشام وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف قال الفراء والرحلة منصوبة بايقاع الفعل عليها قوله عزوجل فليعبدوا رب هذا البيت أي ليوحدوه الذي أطعمهم من جوع أي بعد الجوع كما تقول كسوتك من عري وذلك أن الله تعالى آمنهم بالحرم فلم يتعرض لهم في رحلتهم فكان ذلك سببا لإطعامهم عمرو بعد ما كانوا فيه من الجوع وروى عطاء عن ابن عباس قال كانوا في ضر ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين فكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى استغنوا قوله عزوجل وآمنهم من خوف وذلك أنهم كانوا آمنين بالحرم إن حضروا حماهم وإن سافروا قيل هؤلاء أهل الحرم فلا يعرض لهم أحد

[ 316 ]

سورة الماعون مكية وآياتها سبع ويقال لها سورة أرأيت وفيها قولان أحدهما مكية قاله الجمهور والثاني مدنية روى عن ابن عباس وقتادة وقال هبة الله المفسر نزل نصفها بمكة في العاص بن وائل ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق بسم الله الرحمن الحرحيم أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون قوله عزوجل أرأيت الذي يكذب بالدين اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ستة أقوال أحدها نزلت في رجل من المنافقين قاله ابن عباس

[ 317 ]

والثاني نزلت في عمرو بن عائذ قاله الضحاك والثالث في الوليد بن المغيرة قاله السدي والرابع في العاص بن وائل قاله ابن السائب والخامس في أبي سفيان بن حرب قاله ابن جريج والسادس في أبي جهل حكاه الماوردي وفي الدين أربعة أقوال أحدها أنه حكم الله عزوجل قاله ابن عباس والثاني الحساب قاله مجاهد وعكرمة والثالث الجزاء حكاه الماوردي والرابع القرآن حكاه بعض المفسرين ويدع بمعنى يدفع وقد ذكرناه في قوله عز وجل يوم يدعون الى نار جهنم والمعنى أنه يدفع اليتيم عن حقه دفعا عنيفا ليأخذ ماله وقد بينا فيما سبق أنهم كانوا لا يورثون الصغير وقيل يدفع اليتيم إبعادا له لأنه لا يرجو ثواب إطعامه ولا يحض على طعام المسكين أي لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه مكذب بالجزاء قوله عزوجل فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون نزل هذا في المنافقين الذين يرجون لصلاتهم ثوابا ولا يخافون على تركها عقابا فإن كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلوا رياء وإن لم يكونوا معه لم يصلوا فذلك قوله تعالى الذين هم يراؤون وقال ابن مسعود والله ما تركوها البتة ولو تركوها البتة كانوا كفارا ولكن تركوا المحافظة على أوقاتها وقال ابن عباس يؤخرونها عن وقتها ونقل عن أبي العالية أنه قال هو الذي لا يدري عن كم انصرف عن

[ 318 ]

شفع أو عن وتر ورد هذا بعض العلماء فقال هذا ليس بشئ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سها في صلاته ولأنه قال تعالى عن صلاتهم ولم يقل في صلاتهم ولأن ذاك لا يكاد يدخل تحت طوق ابن آدم قلت ولا أظن أبا العالية أراد السهو النادر وإنما أراد السهو الدائم وذلك ينبئنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة فيتوجه الذم الى ذلك لا الى السهو وفي الماعون ستة أقوال أحدها أنه الإبرة والماء والنار والفأس وما يكون في البيت من هذا النحو رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والى نحوه ذهب ابن مسعود وابن عباس في رواية وروى عنه أبو صالح أنه قال الماعون المعروف كله حتى ذكر القدر والقصعة والفأس وقال عكرمة ليس الويل لمن منع هذا إنما الويل لمن جمعهن فراءى يحيى في صلاته وسها عنها ومنع هذا قال الزجاج الإسلام أيضا والثاني أنه الزكاة قاله علي وابن يعمر والحسن وعكرمة وقتادة والثالث أنه الطاعة قاله ابن عباس في رواية والرابع المال قاله سعيد بن المسيب والزهري والخامس المعروف قاله محمد بن كعب والسادس الماء ذكره الفراء عن بعض العرب قال وأنشدني يمج الرحمن صبيرة الماعون صبا والصبير السحاب

[ 319 ]

108 سورة الكوثر مكية وآياتها ثلاث وفيها قولان أحدهما مكية قاله ابن عباس والجمهور والثاني مدنية قاله الحسن وعكرمة وقتادة بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر وفي الكوثر ستة أقوال أحدها أنه نهر في الجنة روى البخاري في أفراده من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بينا أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر وروى مسلم أيضا في أفراده من حديث أنس أيضا قال أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما إما قال لهم وإما قالوا له لم ضحكت فقال إنه أنزلت علي الآن آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها وقال هل تدرون ما الكوثر فقالوا الله

[ 320 ]

ورسوله أعلم قال هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد كواكب السماء يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك والثاني أن الكوثر الخير الكثير الذي أعطي نبينا صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس والثالث العلم والقرآن قاله الحسن والرابع النبوة قاله عكرمة والخامس أنه حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يكثر الناس عليه قاله عطاء والسادس أنه كثرة أتباعه وأمته قاله أبو بكر بن عياش قوله عزوجل فصل لربك في هذه الصلاة ثلاثة أقوال أحدها انها صلاة العيد وقال قتادة صلاة الأضحى والثاني انها صلاة الصبح بالمزدلفة قاله مجاهد والثالث الصلوات الخمس قاله مقاتل وفي قوله تعالى وانحر خمسة أقوال أحدها اذبح يوم النحر رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عطاء ومجاهد والجمهور والثاني وضع اليمين على اليسرى عند النحر في الصلاة والثالث أنه رفع اليدين بالتكبير الى النحر قاله أبو جعفر محمد بن علي والرابع أن المعنى صل لله وانحر لله فإن ناسا يصلون لغيره وينحرون لغيره قاله القرظي والخامس أنه استقبال القبلة بالنحر حكاه الفراء

[ 321 ]

قوله عزوجل إن شانئك اختلفوا فيمن عنى بذلك على خمسة أقوال أحدها أنه العاص بن وائل السهمي قاله ابن عباس نزلت في العاص ابن وائل لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد فوقف يحدثه حتى دخل العاص المسجد وفيه أناس من صناديد قريش فقالوا له من الذي كنت تحدث قال ذلك الأبتر يعني النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يسمون من ليس له ابن أبتر فأنزل الله عز وجل هذه السورة وممن ذهب الى أنها نزلت في العاص سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والثاني أنه أبو جهل روي عن ابن عباس أيضا والثالث أبو لهب قاله عطاء والرابع عقبة بن أبي معيط قاله شمر بن عطية والخامس أنه عنى به جماعة من قريش قاله عكرمة والشانئ وكان المبغض والأبتر المنقطع عن الخير

[ 322 ]

109 سورة الكافرون مكية وآياتها ست بسم الله الرحمن الرحيم قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما أعبد ولا أنا عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين وفيها قولان أحدهما مكية قاله ابن مسعود والحسن والجمهور والثاني مدنية روي عن قتادة ذكر سبب نزولها اختلفوا على ثلاثة أقوال أحدها أن رهطا من قريش منهم الوليد بن المغيرة والعاص وائل والأسود بن عبد يغوث لقوا العباس بن عبد المطلب فقالوا يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك أسلم بعض آلهتنا لصدقناه بما يقول ولآمنا ولم بالآلهه بين فأتاه العباس فأخبره فنزلت هذه السورة رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا محمد لا ندعك حتى تتبع ديننا ونتبع دينك فإن كان أمرنا رشدا كنت قد أخذت بحظك منه وإن كان أمرك رشدا كنا قد أخذنا بحظنا منه فنزلت هذه السورة قاله عبيد بن عمير

[ 323 ]

والثالث أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن سرك أن نتبع دينك عاما وترجع الى ديننا عاما فنزلت هذه السورة قاله وهب قال مقاتل في آخرين نزلت هذه السورة في أبي جهل وفي المستهزئين ولم يبق من الذين نزلت فيهم أحد وأما قوله تعالى لا أعبد فهو في موضع من ولكنه جعل مقابلا لقوله تعالى ما تعبدون وهي الأصنام وفي تكرار الكلام قولان أحدهما لتأكيد الأمر وحسم أطماعهم فيه قاله الفراء وقد أنعمنا شرح هذا في سورة الرحمن والثاني أن المعنى لا أعبد ما تعبدون في حالي هذه ولا أنتم في حالكم هذه عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم فيما أستقبل وكذلك أنتم فنفي عنه وعنهم ذلك في الحال والاستقبال وهذا في قوم بأعيانهم أعلمه الله عز وجل أنهم لا يؤمنون كما ذكرنا عن مقاتل فلا يكون حيئذ تكرارا هذا قول ثعلب والزجاج وقوله تعالى لكم دينكم ولي دين فتح ياء ولي نافع وحفص وأبان عن عاصم وأثبت ياء ديني في الحالين يعقوب وهذا منسوخ عند المفسرين أهل بآية السيف

[ 324 ]

110 سورة النصر مدنية مدنية وآياتها ثلاث وهي بإجماعهم وفي أفراد مسلم من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت جميعا بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه توابا قوله عزوجل إذا جاء نصر الله أي معونته على الأعداء والفتح فتح مكة قال الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فدخلوا في دين الله أفواجا قال أبو عبيدة والأفواج حديث جماعات في تفرقة قوله عزوجل فسبح بحمد ربك فيه قولان أحدهما أنه الصلاة قاله ابن عباس والثاني التسبيح المعروف قاله جماعمن المفسرين قال المفسرون نعيت إليه نفسه بنزول هذه السورة وأعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والإستغفار ليخم عند له عمره بالزيادة في العمل الصالح قال ابن عباس إذا جاء نصر الله والفتح داع من الله ووداع من الدنيا قال قتادة وعاش بعد نزول هذه السورة سنتين

[ 325 ]

111 سورة المسد مكية وآياتها خمس وهي مكية بإجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد وسبب نزولها ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزل وأنذر عشيرتك الأقربين [ الشعراء ] صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش فقالوا مالك فقال أرأيتكم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقوني قالوا بلى قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قال أبو لهب تبا لك ألهذا دعوتنا فأنزل الله تعالى تبت يدا أبي لهب ومعنى تبت خسرت يدا أبي لهب وتب أي وخسر هو قال الفراء الأول دعاء والثاني

[ 326 ]

خبر كما يقول الرجل أهلكك الله وقد أهلكك وجعلك الله صالحا وقد جعلك وقيل ذكر يديه والمراد نفسه ولكن هذا عادة العرب يعبرون ببعض الشئ عن جميعه كقوله عزوجل ذلك بما قدمت يداك [ الحج ] وقال مجاهد تبت يدا أبي لهب وتب ولد أبي لهب فأما أبو لهب فهو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إن اسمه عبد العزى وقرأ ابن كثير وحده أبي لهب بإسكان الهاء قال أبو علي يشبه أن يكون لغة كالشمع والشمع والنهر والنهر فإن قيل كيف كناه الله عز وجل وفي الكنية نوع تعظيم فعنه جوابان أحدهما أنه إن صح أن اسمه عبد العزى فكيف يذكره الله بهذا الأسم وفيه معنى الشرك والثاني أن كثيرا من الناس اشتهروا بكناهم ولم يعرف لهم أسماء قال ابن قتيبة خبرني غير واحد عن الأصمعي أن أبا عمرو بن العلاء وأبا سفيان بن العلاء أسا وهما لأنه كناهما أخبرنا فإن كان اسم أبي لهب كنيته فإنما ذكره بما لايعرف إلا به قوله عزوجل ما أغنى عنه ماله قال ابن مسعود لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقربيه إلى الله عز وجل قال أبو لهب إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي بمالي وولدي فقال الله عز وجل ما أغنى عنه ماله وكسب قال الزجاج وما في موضع رفع المعنى ما أغنى عنه ماله وكسبه أي ولده وكذلك قال المفسرون المراد بكسبه هاهنا ولده وأغنى بمعنى يغني سيصلى نارا ذات لهب أي تلتهب عليه من غير دخان وامرأته أي ستصلى امرأته وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان وفي هذا دلالة على صحة نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام لأنه أخبر بهذا المعنى

[ 327 ]

أنه وزوجته يموتان على الكفر فكان كذلك إذ لو قالا بألسنتهما يا قد أسلمنا لوجد الكفار متعلقا في الرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن الله علم أنهما لا يسلمان باطنا ولا ظاهرا فأخبره بذلك قوله عزوجل حمالة الحطب فيه أربعة أقوال أحدهما أنها كانت تمشي بالنميمة قاله ابن عباس ومجاهد والسدي والفراء وقال ابن قتيبة فشبهوا النميمة بالحطب والعداوة والشحناء بالنار لأنهما يقعان بالنميمة كما تلتهب النار بالحطب والثاني أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الضحاك وابن زيد والثالث أن المراد بالحطب الخطايا قاله سعيد بن جبير والرابع أنها كانت تعير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر وكانت تحتطب فعيرت بذلك قال قتادة وليس بالقوي لأن الله تعالى وصفه بالمال وقرأ عاصم وحده حمالة الحطب بالنصب قال الزجاج من نصب حمالة فعلى الذم والمعنى أعني حمالة الحطب والجيد العنق والمسد في لغة العرب الحبل إذا كان من ليف المقل وقد يقال لما كان من أوبار الإبل من الحبال المسد قال الشاعر ومسد أمر من أيانق وقال ابن قتيبة المسد عند كثير من الناس الليف دون غيره وليس كذلك إنما المسد كل ما

[ 328 ]

ضفر وقتل من الليف وغيره واختلف المفسرون في المراد بهذا الحبل على ثلاثة أقوال أحدها أنها حبال كانت تكون بمكة رواه العوفي عن ابن عباس وقال الضحاك حبل من شجر كانت تحتطب به والثاني أنه قلادة من ودع قاله قتادة والثالث أنه سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا قاله عروة بن الزبير وقال غيره المراد بهذا الحبل السلسلة التي لو ذكرها الله تعالى في النار طولها سبعون ذراعا والمعنى أن تلك السلسلة قد فتلت فتلا محكما فهي في عنقها تعذب بها في النار

[ 329 ]

112 سورة الإخلاص مكية وآياتها اربع بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وفيها قولان أحدهما أنها مكية قاله ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر والثاني مدنية روي عن ابن عباس وقتادة والضحاك وقد روى البخاري في أفراده من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن وروى مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنها تعدل ثلث القرآن وفي سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة قاله أبي بن كعب والثاني أن عامر بن الطفيل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلام تدعونا يا محمد قال الى الله عز وجل قال صفه لي أمن ذهب هو أو من فضة أو من حديد فنزلت هذه السورة قاله ابن عباس

[ 330 ]

والثالث أن الذين قالوا هذا قوم من أحبار اليهود قالوامن أي جنس هو وممن ورث الدنيا ولمن يورثها فنزلت هذه السورة قاله قتادة والضحاك قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي أحد الله وقرأ أبو عمرو أحد الله بضم الدال ووصلها باسم الله قال الزجاج هو كناية عن ذكر الله عز وجل والمعنى الذي سألتم تبيين نسبته هو الله وأحد مرفوع على معنى هو أحد فالمعنى هو الله وهو أحد وقرئت أحد الله الصمد بتنوين أحد وقرئت أحد الله بترك التنوين وقرئت بإسكان الدال أحد الله وأجودها الرفع بإثبات التنوين وكسر التنوين لسكونه وسكون اللام في الله ومن حذف التنوين فلالتقاء الساكنين أيضا ومن أسكن أراد الوقف ثم ابتدأ الله الصمد وهو أردؤها فأما الأحد فقال ابن عباس وأبو عبيدة هو الواحد وفرق قوم بينهما وقال أبو سليمان الخطابي الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهية أحد والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد وأصل الأحد عند النحويين الوحد ثم أبدلوا عن الواو الهمزة وفي الصمد أربعة أقوال أحدها أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده قال أبو عبيدة هو السيد الذي ليس فوقه أحد والعرب تسمي أشرافها الصمد قال الأسدي

[ 331 ]

لقد بكر الناعي بخيري بني أسد * بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقال الزجاج هو الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شئ قصد قصده وتأويل صمود كل شئ له أن في كل شئ أثر صنعه وقال ابن الأنباري لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد يصمد إليه الناس في أمورهم وحوائجهم والثاني أنه لا جوف له قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وابن جبير وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي وقال ابن قتيبة فكأن الدال من هذا التفسير مبدلة من تاء والمصمت من هذا والثالث أنه الدائم والرابع الباقي بعد فناء الخلق حكاهما الخطابي وقال أصح الوجوه الأول لأن الإشتقاق يشهد له فإن أصل الصمد القصد يقال اصمد صمد فلان أي اقصد قصده فالصمد السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج قوله تعالى لم يلد قال مقاتل لم يلد فيورث ولم يولد فيشارك وذلك أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الرحمن وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله فبرأ نفسه من ذلك قوله عزوجل ولم يكن له كفوا أحد قرأ الأكثرون بالتثقيل والهمز ورواه حفص بالتثقيل وقلب الهمز واوا وقرأ حمزة بسكون الفاء والكف ء المثل المكافئ وفيه تقديم وتأخير تقديره ولم يكن له أحد كفوا فقدم وأخر لتتفق رؤوس الآيات

[ 332 ]

113 سورة الفلق مكية وآياتها خمس بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفثت في العقد ومن شر حاسد إذا حسد وفيها قولان أحدهما مدنية رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة في آخرين والثاني مكية رواه كريب عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء وعكرمة وجابر والأول أصح ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو مع عائشة فنزلت عليه المعوذتان فذكر أهل التفسير في نزولهما أن غلاما من اليهود كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل به اليهود حتى أخذ مشاطة رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها وكان الذي تولى ذلك لبيد بن أعصم اليهودي ثم دسها في بئر لبني زريق يقال لها بئر ذوران ويقال ذي أروان فمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه وكان يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن ويخيل إليه أنه يفعل الشئ وما يفعله فبينا هو ذات يوم نائم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر ما بال الرجل قال طب قال وما طب قال سحر قال ومن سحره قال لبيد بن أعصم قال وبم طبه قال بمشط ومشاطه قال وأين هو قال في جف طلعة تحت راعوفة في بئر ذروان والجوف قشر الطلع والراعوفة صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقي عليها فانتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة أما شعرت أن الله أخبرني بدائي ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجوف وإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه وإذا وتر

[ 333 ]

معقود فيه إحدى عشرة عقدة [ مغروزة بالإبرة فأنزل الله تعالى المعوذتين فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حين إنحلت العقدة الأخيرة وجعل جبريل عليه السلام يقول بسم الله أرقيك من كل شئ يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك فقالوا يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقتله فقال أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عائشة حديث سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا معنى أعوذ في أول كتابنا وفي الفلق ستة أقوال أحدها أنه الصبح رواه العفي عن إبن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد واللغويون قالوا ويقال هذا أبين من فلق الصبح وفرق الصبح والثاني أنه الخلق كله والثالث سجن في جهنم روي عن ابن عباس ايضأ يكون وقال وهب والسدي جب في جهنم وقال ابن السائب واد في جهنم والرابع شجرة في النار قاله عبد الله بن عمر والخامس أنه كل من انفلق عن شئ كالصبح والحب والنوى وغير ذلك قاله الحسن قال الزجاج وإذا تأملت الخلق بأن لك أن اكثره عن انفلاق كالأرض بالنبات والسحاب بالمطر والسادس أنه اسم من أسماء جهنم قاله أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي قوله عزوجل من شر ما خلق وقرأ ابن السميفع وابن يعمر خلق بضم الخاء وكسر اللام وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه عام وهو الأظهر والثاني أن شر ما خلق إبليس وذريته قاله الحسن والثالث جهنم حكاه الماوردي وفي الغاسق أربعة أقوال

[ 334 ]

أحدها أنه القمر روت عائشة قالت نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى القمر فقال استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب رواه الترمذي والنسائي في كتابهما قال ابن قتيبة ويقال الغاسق القمر إذا كسف فاسود ومعنى وقب دخل في الكسوف والثاني أنه النجم رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث أنه الليل قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والقرظي والفراء وأبو عبيد وابن قتيبة والزجاج قال اللغويون ومعنى وقب دخل في كل شئ فأظلم والغسق الظلمة وقال الزجاج الغاسق البارد فقيل لليل غاسق لأنه أبرد من النهار والرابع أنه الثريا إذا سقطت وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها قاله ابن زيد فأما النفاثات فقال ابن قتيبة هن السواحر ينفثن أي يتفلن إذا سحرن ورقين قال الزجاج يتفلن بلا ريق كأنه نفح وقال ابن الأنباري قال اللغويون تفسير نفث نفخ نفخا ليس معه ريق ومعنى تفل نفخ نفخا معه ريق قال ذو الرمة ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه * متى يحس منه مائح القوم يتفل وقد روى ابن أبي سريج النافثات بألف قبل الفاء مع كسر الفاء وتخفيفها وقال بعض المفسرين المراد بالنفاثات مع هاهنا بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شر حاسد يعني اليهود حسدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا حد الحسد في البقرة والحسد أخس الطبائع وأول معصية عصي الله بها في السماء حسد إبليس لآدم وفي الأرض حسد قابيل هابيل

[ 335 ]

114 سورة الناس مكية وآياتها ست وفيها قولان أحدهما أنها مدنية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها مكية رواه أبو كريب عن ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس فإن قيل لم خص الناس هاهنا بأنه ربهم وهو رب كل شئ فعنه جوابان أحدهما لأنهم معظمون متميزون على غيرهم والثاني لأنه لما أمر بالاستعادة سعيد من شرهم أعلم أنه ربهم ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرهم ولما كان في الناس ملوك قال تعالى ملك الناس ولما كان فيهم من يعبد غيره قال عزوجل إله الناس

[ 336 ]

والوسواس الشيطان وهو الخناس يوسوس في الصدور فإذا ذكر الله خنس أي كف وأقصر قال الزجاج الوسواس هنا ذو الوسواس وقال ابن قتيبة الصدور هاهنا القلوب قال ابن عباس الشيطان جاثم على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس فإذا ذكر الله خنس قوله عزوجل من الجنة والناس الجن وفي معنى الآية قولان أحدهما يوسوس في صدور الناس جنتهم وناسهم بكر فسمى الجن هاهنا ناسا كما سماهم رجالا في قوله تعالى يعوذ ون برجال من الجن [ الجن 6 ] وسماهم نفرا بقوله تعالى استمع نفر من الجن الجن هذا قول الفراء وعلى هذا القول يكون الوسواس موسوسا للجن كما يوسوس للإنس والثاني أن الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس هو من الجنة وهم من الجن والمعنى من شر الوسواس الذي هو من الجن ثم عطف قوله تعالى والناس على الوسواس والمعنى من شر الوسواس ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس والثاني أن الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس هو من الجنة وهم من الجن والمعنى من شر الوسواس الذي هو من الجن ثم عطف قوله تعالى والناس على الوسواس والمعنى من شر الوسواس ومن شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من الجن والإنس هذا قول الزجاج

[ 337 ]

تم الكتاب بحمد الله ومنه. فهذا آخر " زاد المسير " والحمد لله على الانعام الغزير واذ قد بلغنا بحمد الله مرادنا فيما املنا، فلا يعتقدن من رأى اختصارنا انا اقللنا فقد اشرنا بما ذكرنا الى ما تركنا ودللنا فليكن الناظر في كتابنا متيقظا لما اغفلنا فانا ضمنا الاختصار مع نيل المراد وقد فعلنا ومن اراد زيادة بسط في التفسير فعليه بكتابنا المسمى (بالمعني) في التفسير فان اراد مختصرا فعليه بكتابنا المسمى ب‍ (تذكرة الاريب في تفسير الغريب) والحمد لله رب العالمين، اولا وآخرا وباطنا وظاهرا وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله اجمعين وعلى ابيه آدم وذريته الانبياء والمرسلين والاولياء والصالحين وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين. [ ووافق الفراغ من هذا المجلد وهو آخر الكتاب يوم الاثنين حادي والعشرين شهر ربيع الاخر من سنة ثمان وثمانين وثمان ماية على يد العبد الفقير الى الله تعالى احمد بن محمد بن ابي بكر بن خليفة غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والاموات انك قريب مجيب الدعوات ونقل هذا المجلد جميعه من اصل ثم من اصل المصنف وعليه سماع المصنف وهو الشيخ الامام العالم الاوحد جمال الدين ابي الفرج عبد الرحمن بن علي ين الجوزي مصنفه رضي الله عنه وارضاه والحمد لله رب العالمين. بلغ مقالته بحسب الطاقة والامكان ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان ].

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية