الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زاد المسير - ابن الجوزي ج 7

زاد المسير

ابن الجوزي ج 7


[ 1 ]

زاد المسير في عليم التفسير للامام أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن أستاذ بكلية الدراسات الاسلامية بالازهر خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء السابع سورة الزمر - سورة الحشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

جميع حقوق اعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى جمادى الاولى 1407 ه‍ - كانون الثاني 1987 م

[ 3 ]

سورة الزمر وتسمى سورة الغرف في نزولها به روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وجابر بن زيد وروي عن ابن عباس أنه قال فيها آيتان نزلتا بالمدينة قوله نزل أحسن الحديث الزمر 23 وقوله عبادي الذين أسرفوا الزمر 53 وقال مقاتل فيها من المدني يا عبادي الذين أسرفوا الآية الزمر 53 وقوله أحسنوا في هذه الدنيا حسنة الزمر 10 وفي رواية أخرى عنه قال فيها آيتان مدنيتان عبادي الذين أسرفوا الزمر 53 وقوله عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم الزمر 10 وقال بعض السلف فيها ثلاث آيات مدنيات يا عبادي الذين أسرفوا إلى قوله تشعرون الزمر 55 - 53 هذا بسم الله الرحمن الرحيم الكتاب من الله العزيز الحكيم إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار

[ 4 ]

قوله تعالى الكتاب قال الزجاج الكتاب هاهنا القرآن ورفع تنزيل من وجهين أحدهما الابتداء ويكون الخبر الله فالمعنى نزل من عند الله والثاني على إضمار هذا تنزيل الكتاب ومنصوب على الحال فالمعنى فاعبد الله موحدا لا تشرك به شيئا قوله تعالى لله الدين الخالص ثم يعني الخالص من الشرك وما سواه ليس بدين الله الذي أمر به وقيل المعنى لا يستحق الدين الخالص إلا لله اتخذوا من دونه أولياء يعنى آلهة ويدخل في هؤلاء اليهود حين قالوا ابن الله والنصارى لقولهم ابن الله التوبة 30 وجميع عباد الأصنام ويدل عليه قوله بعد ذلك عنه أراد الله أن يتخذ ولدا الزمر 4 قوله تعالى نعبدهم رسول أي يقولون ما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى أي إلا ليشفعوا لنا إلى الله والزلفى القربى وهو اسم أقيم مقام المصدر فكأنه قال إلا ليقربونا إلى الله تقريبا الله يحكم بينهم أي بين أهل الأديان فيما كانوا يختلفون فيه من أمر الدين وذهب قوم إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا وجه لذلك قوله تعالى الله لا يهدي أي لا يرشد هو كاذب ولا في قوله إن الآلهه تشفع لم أي كافر باتخاذها آلهة وهذا إخبار عمن سبق عليه القضاء بحرمان الهداية عنه أراد الله أن يتخذ ولدا أي على ما يزعم من ينسب ذلك إلى الله حدثنا أي لاختار مما يخلق قال مقاتل أي من الملائكة السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار قوله تعالى السموات والأرض بالحق أي لم يخلقهما لغير شئ

[ 5 ]

(قوله تعالى): يكور الليل على النهار قال أبو عبيدة يدخل هذا على هذا قال ابن قتيبة وأصل التكوير اللف ومنه كور العمامة وقال غيره التكوير طرح الشئ بعضه على بعض ابن الشمس والقمر أي ذللهما للسير على ما أراد يجري لأجل مسمى أي إلى الأجل الذي وقت الله للدنيا وقد شرحنا معنى العزيز في البقرة 129 ومعنى الغفار في طه 82 من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون تعالى من نفس واحدة يعني آدم جعل منها زوجها أي قبل خلقكم جعل منها زوجها لأن حواء خلقت قبل الذرية ومثله في الكلام أن تقول قد أعطيتك اليوم شيئا ثم الذي أعطيتك أمس أكثر هذا اختيار الفراء وقال غيره ثم أخبركم أنه خلق منها زوجها لكم من الأنعام أي خلق أزواج وقد بيناها في سورة الأنعام 143 من بعد خلق أي نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظما ثم لحما ثم أنبت الشعر إلى غير ذلك من تقلب الأحوال إلى إخراج الأطفال هذا قول الجمهور وقال ابن زيد خلقا في البطون من بعد خلقكم في ظهر آدم قوله تعالى ظلمات ثلاث ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة قاله الجمهور وابن زيد معهم وقال أبو عبيدة إنها ظلمة صلب الأب وظلمة بطن المرأة وظلمة الرحم قوله تعالى تصرفون أي من أين تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان

[ 6 ]

إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعلمون إنه عليم بذات الصدور تكفروا فإن الله غني عنكم أي عن إيمانكم وعبادتكم يرضى لعباده الكفر فيه قولان أحدهما لا يرضاه للمؤمنين قاله ابن عباس والثاني لا يرضاه لأحد وإن وقع بإرادته وفرق بين الإرادة والرضى وقد أشرنا إلى هذا في البقرة 205 عند قوله لا يحب الفساد تشكروا يرضه لكم أي يرضى ذلك الشكر لكم عليم بذات الصدور أي بما في القلوب مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار قوله تعالى مس الإنسان ضر قوله اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما في عتبة بن ربيعة قاله عطاء والثاني في أبي حذيفة بن المغيرة قاله مقاتل والضر البلاء والشدة له إليه أي راجعا إليه من شركه إذا خولة ذلك أي أعطاه وملكه محمد منه بعد البلاء الذي أصابه كالصحة بعد المرض والغنى بعد الفقر إلى أي ترك ما كان يدعو إليه وفيه ثلاثة أقوال أحدها نسي الدعاء الذي كان يتضرع به إلى الله تعالى والثاني نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه والثالث نسي الله الذي كان يتضرع إليه قال الزجاج وقد تدل ما على الله عز وجل

[ 7 ]

كقوله أنت عابدون ما أعبد الكافرون 3 وقال الفراء ترك ما كان يدعو إليه وقد سبق معنى الأنداد البقرة 22 ومعنى عن سبيل الله الحج 9 قوله تعالى تمتع بكفرك كان لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد ومثله أبو فسوف تعلمون النحل 55 هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قوله تعالى هو قانت قرأ ابن كثير ونافع وحمزة وأبو جعفر والمفضل عن عاصم وزيد عن يعقوب أمن بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد فأما المشددة فمعناها أهذا الذي ذكرنا خير أمن هو قانت والأصل في أمن أم من فأدغمت الميم في الميم وأما المخففه ففي تقديرها ثلاثة أوجه أحدها أنها بمعنى النداء قا الفراء فسرها الذين قرؤوا بها فقالوا يامن هو قانت وهو وجه حسن والعرب تدعو بالألف كما تدعوا بياء فيقولون يا زيد أقبل وأزيد أقبل فيكون المعنى أنه ذكر الناسي الكافر ثم قص قصة الصالح بالنداء كما تقول فلان لا يصوم ولا يصلي فيامن يصوم أبشر والثاني أن تقديرها أمن هو قانت كمن ليس بقانت والثالث أمن هو قانت كمن جعل لله أندادا وقد ذكرنا معنى القنوت في البقرة 116 أو ومعنى الله الليل في آل عمران 113 قوله تعالى) وقائما عبد يعني في الصلاة وفيمن نزلت فيه هذه الآية خمسة أقوال أحدها أنه أبو بكر الصديق رواه عطاء عن ابن عباس والثاني عثمان بن عفان قاله ابن عمر

[ 8 ]

والثالث عمار بن ياسر قاله مقاتل والرابع ابن مسعود وعمار وصهيب وابو ذر قاله ابن السائب والخامس أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه يحيى بن سلام قوله تعالى الآخرة أي عذاب الآخرة وقد قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعروة وسعيد بن جبير وأبو رجاء وأبو عمران يحذر عذاب الآخرة بزيادة عذاب عليه رحمة ربه فيها قولان أحدهما أنها المغفرة قاله ابن السائب والثاني الجنة قاله مقاتل قوله تعالى هل يستوي الذي يعلمون أن ما وعد الله من الثواب والعقاب حق لا يعلمون وباقي الآية قد تقدم قي الرعد 19 وكذلك قوله أحسنوا في هذه الدنيا حسنة قد تقدم في النحل 30 وفي قوله أبي الله واسعة قولان أحدهما أنه حث لهم على الهجرة من مكة إلى حيث يأمنون والثاني أنها أرض الجنة رغبهم فيها يوفى الصابرون الذين صبروا لأجل الله تعالى على ما نالهم حساب أي يعطون عطاء كثيرا أوسع من أن يحسب وأعظم من أن يحاط به لا على قدر أعمالهم إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين

[ 9 ]

هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب قوله تعالى إني أمرت قال مقاتل وذلك أن كفار قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حملك على الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة آبائك فتأخذ بها فنزلت هذه الآية والمعنى إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين أي أمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص السالم من الشرك لأن أكون أول المسلمين من هذه الأمة إني أخاف إن عصيت ربي بالرجوع إلى دين آبائي يوم عظيم وقد اختلفوا في نسخ هذه الآية كما بينا في نظيرتها في الأنعام 15 الله أعبد مخلصا له ديني بالتوحيد (ما شئتم وهذا تهديد وبعضهم يقول هو منسوخ بآية السيف وهذا باطل لأنه لو كان أمرا كان منسوخا فأما أن يكون بمعنى الوعيد فلا وجه لنسخه إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار وخسروا أهليهم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنهم خسروا الحور العين اللواتي أعددن ما لهم في الجنة لو أطاعوا قاله الحسن وقتادة والثاني خسروا الأهل في النار إذ لا أهل لهم فيها قاله مجاهد وابن زيد والثالث خسروا أهليهم الذين كانوا في الدنيا إذ صاروا إلى النار بكفرهم وصار أهلوههم لا إلى الجنة بإيمانهم قاله الماوردي قوله تعالى من فوقهم ظلل من النار وهي الأطباق من النار وإنما قال تحتهم ظلل لأنها ظلل لمن تحتهم ذلك الذي وصف الله من العذاب الله به عباده المؤمنين قوله تعالى اجتنبوا الطاغوت روى ابن زيد عن أبيه أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يوحدون الله تعالى زيد ابن عمرو بن نفيل وأبي ذر

[ 10 ]

وسلمان الفارسي رضى الله عنهم قال الذين هداهم الله بغير كتاب ولا نبي وفي المراد بالطاغوت هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الشياطين قاله مجاهد والثاني الكهنة قاله ابن السائب والثالث الأوثان قاله مقاتل فعلى قول مقاتل هذا إنما قال يعبدوها لأنها مؤنثة وقال الأخفش إنما قال يعبدوها لأن الطاغوت في معنى جماعة وإن شئت جعلته واحدا مؤنثا قوله تعالى أن إلى الله أي رجعوا إليه بالطاعة البشرى بالجنة على عبادي بباء وحرك الياء أبو عمرو ثم نعتهم فقال يستمعون القول وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه القرآن قاله الجمهور فعلى هذا في معنى على أحسنه أقوال قد شرحناها في الأعراف 145 عند قوله قومك يأخذوا بأحسنها والثاني أنه جميع الكلام ثم في المعنى قولان أحدهما أنه الرجل يجلس مع القوم فيسمع كلامهم فيعمل بالمحاسن ويحدث بها ويكف عن المساوئ ولا يظهرها قاله ابن السائب والثاني أنه لما ادعى مسيلمة أنه قد أتى بقرآن وأتت الكهنة بالكلام المزخرف في الأباطيل فرق المؤمنون بين ذلك وبين كلام الله فاتبعوا كلام الله ورفضوا أباطيل أولئك قاله أبو سليمان الدمشقي حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله المعياد الله قوله تعالى حق عليه كلمة العذاب قال ابن عباس سبق في علم الله أنه في النار فان قيل كيف اجتمع في هذه الآية استفهامان بلا جواب قيل أما الفراء فانه يقول هذا مما يراد به استفهام واحد فسبق الاستفهام إلى غير

[ 11 ]

موضعه فرد إلى موضعه الذي هو له فيكون المعنى أفأنت تنقذ من في النار من حقت عليه كلمة العذاب ومثله أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون قال المؤمنون 35 فرد أنكم مرتين والمعنى أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم ومثله تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ثم قال تحسبنهم عن آل عمران 188 فرد تحسبن مرتين والمعنى لا تحسبن الذين يفرحون بمفازة من العذاب وقال الزجاج يجوز أن يكون في الكلام محذوف تقديره أفمن حق عليه كلمة العذاب فيتخلص منه أو ينجو أفأنت تنقذه قال المفسرون أفأنت تخلصه مما قدر له فتجعله مؤمنا والمعنى ما تقدر على ذلك قال عطاء يريد بهذه الآية أبا لهب وولده ومن تخلف من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قوله تعالى الذين اتقوا وقرأ أبو المتوكل وأبو جعفر لكن بتشديد النون وفتحها قال الزجاج والغرف هي المنازل الرفيعة في الجنة فوقها غرف أي منازل أرفع منها قبل الله منصوب على المصدر فالمعنى وعدهم الله غرفا وعدا ومن قرأ وعد الله بالرفع المعنى ذلك وعد الله تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب قوله تعالى من السماء ماء قال الشعبي كل ما في الأرض فمن السماء ينزل ينابيع من قال ابن قتيبة أي أدخله فجعله ينابيع أي عيونا تنبع يهيج في أي ييبس قال الأصمعي يقال للثبت بن إذا تم جفافه قد هاج يهيج هيجا فأما الحطام فقال أبو عبيدة هو ما يبس فتحات من النبات ومثله الرفات قال مقاتل هذا مثل ضرب الدنيا بينا ترى النبت أخضر إذ تغير فيبس ثم هلك وكذلك الدنيا وزينتها وقال غيره هذا البيان للدلالة على قدرة الله عز وجل شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر

[ 12 ]

الله أولئك في ضلال مبين قوله تعالى شرح الله صدره قال الزجاج جوابه متروك لأن الكلام دال عليه تقديره أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد ويدل على هذا قوله ثم للقاسية قلوبهم وقد روى ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقلنا يا رسول الله وما هذا الشرح فذكر حديثا قد ذكرناه في قوله يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام الأنعام 125 قوله تعالى على نور فيه أربعة أقوال أحدها اليقين قاله ابن عباس والثاني كتاب الله يأخذ به وينتهي إليه قاله قتادة والثالث البيان قاله ابن السائب والرابع الهدى قاله مقاتل وفيمن نزلت هذه الآية فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في أبي بكر الصديق وأبي بن خلف رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني في علي وحمزة وأبي لهب وولده قاله عطاء والثالث في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل قاله مقاتل قوله تعالى ثم للقاسية قلوبهم من ذكر الله قد بينا معنى القساوة في البقرة 74 فان قيل كيف يقسو القلب من ذكر الله عز وجل فالجواب أنه كلما تلي عليهم ذكر الله الذي يكذبون به قست قلوبهم عن الإيمان به وذهب مقاتل في آخرين إلى أن من هاهنا بمعنى عن قال الفراء كما تقول أتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته وإنما قست قلوبهم من ذكر الله لأنهم جعلوه كذبا فأقسى هذه قلوبهم ومن قال قست قلوبهم عنه أراد أعرضت عنه وقد قرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة وأبو عمران قلوبهم عن ذكر الله مكان قوله من نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم

[ 13 ]

ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد قوله تعالى نزل أحسن الحديث يعني القرآن وقد ذكرنا سبب نزولها في أول يوسف قوله تعالى متشابها فيه قولان أحدهما أن بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف فالآية تشبه الآية والكلمة تشبه الكلمة والحرف يشبه الحرف والثاني أن بعضه يصدق بعضا فليس فيه اختلاف ولا تناقض وإنما قيل له سنة لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود والثواب والعقاب فان قيل ما الحكمة في تكرار القصص والواحدة قد كانت تكفي فالجواب أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا لهم وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة مكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم فأراد الله تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كل سمع فأما فائدة تكرار الكلام من جنس واحد كقوله آلاء ربكما تكذبان الرحمن وقوله أعبد ما تعبدون الكافرون وقوله لك فأولى القيامة 35 34 أدراك ما يوم الدين الانفطار 18 17 فسنذكرها في سورة الرحمن عز وجل قوله تعالى منه جلود الذين يخشون ربهم أي تأخذهم قشعريرة وهو تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل وروى العباس ابن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها وفي معنى الآية ثلاثة أقوال

[ 14 ]

أحدها تقشعر من وعيده وتلين عند وعده قاله السدي والثاني تقشعر من الخوف وتلين من الرجاء والثالث تقشعر الجلود لإعظامه وتلين عند تلاوته ذكرهما الماوردي وقال بعض أهل المعاني مفعول الذكر في قوله ذكر الله محذوف لأنه معلوم والمعنى تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله الجنة والثواب قال قتادة هذا نعت أولياء الله تقشعر جلودهم وتلين قلوبهم ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان وقد روى أبو حازم قال مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق فقال ما شأنه فقالوا إنه إذا قرئ عيه القرآن يصيبه هذا قال إنا لنخشى الله عز وجل وما نسقط وقال عامر بن عبد الله بن الزبير جئت أبي فقال لي أين كنت فقلت وجدت قوما ما رأيت خيرا منهم قط يذكرون الله عز وجل فيرعد واحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله عز وجل فقعدت معهم فقال لا تقعد معهم بعدها أبدا قال فرآني كأني لم يأخذ ذلك في فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله تعالى أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر قال فرأيت ذلك كذلك وقال عكرمة سئلت أسماء بنت أبي بكر هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف قالت لا ولكنهم كانوا يبكون وقال عبد الله بن عروة بن الزبير قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن قالت كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم فقلت لها إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيا عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وكان جواب يرعد عند الذكر فقال له إبراهيم النخعي إن كنت تملكه فما أبالي أن لا أعتد بك وإن كنت لا تملكه فقد خالفت من كان قبلك قوله تعالى هدى الله في المشار إليه قولان أحدهما أنه القرآن قاله مقاتل والثاني أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود عند الوعيد ولينها عند الوعد قاله ابن الأنباري يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون

[ 15 ]

كذب الذين من قبلهم فأتهام عمرو العذاب من حيث لا يشعرون فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون قوله تعالى يتقي بوجه سوء العذاب أي شدته قال الزجاج جوابه محذوف تقديره كمن يدخل الجنة وجاء في التفسير أن الكافر يلقى في النار مغلولا ولا يتهيأ له أن يتقيها إلا بوجه ثم أخبر عما يقول الخزنة للكفار بقوله له للظالمين يعني الكافرين ما كنتم تكسبون أي جزاء كسبكم قوله تعالى الذين من قبلهم أي من قبل كفار مكة العذاب من حيث لا يشعرون أي وهم آمنون غافلون عن العذاب قبل الله الخزي يحيى يعني الهوان والعذاب الرحمن الآخرة أكبر مما أصابهم في الدنيا عنه كانوا يعلمون ولكنهم لا يعلمون ذلك ضربنا للناس في هذا القرآن ي بعد أي وصفنا لهم كل مثل أي من كل شبه يشبه أحوالهم قوله تعالى عربيا قال الزجاج عربيا منصوب على الحال المعنى ضربنا للناس في هذا القرآن في حال عربيته وبيانه فذكر قرآنا توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا وجاءني عمرو إنسانا عاقلا فذكر رجلا وإنسانا توكيدا قوله تعالى ذي عوج روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال غير مخلوق وقال غيره مستقيم غير مختلف ابن الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قوله تعالى ابن الله مثلا ثم بينه فقال وكان فيه شركاء متشاكسون روى قال ابن قتيبة أي مختلفون يتنازعون ويتشاحون فيه يقال رجل شكس وقال اليزيدي الشكس من

[ 16 ]

الرجال الضيق الخلق قال المفسرون وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فان الكافر يعبد آلهة شتى فمثله بعبد يملكه جماعة يتافسون ولم في خدمته ولا يقدرون أن يلغ رضاهم أجمعين والمؤمن يعبد الله وحده فمثله بعبد لرجل واحد قد علم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة من تشاكس بين الخلطاء فيه فذلك قوله أهل لرجل قرأ ابن كثير وأبو عمرو إلا عبد الوارث في غير رواية القزاز وأبان عن عاصم ورجلا سلما بألف وكسر اللام وبالنصب والتنوين فيهما والمعنى ورجلا خالصا لرجل قد سلم له من غير منازع ورواه عبد الوارث إلا القزاز كذلك إلا أنه رفع الاسمين فقال ورجل سالم لرجل وقرأ ابن أبي عبلة سلم لرجل بكسر السين ورفع الميم وقرأ الباقون ورجلا سلما بفتح السين واللام وبالنصب فيهما والتنوين والسلم بفتح السين واللام معناه الصلح والسلم بكسر السين مثله قال الزجاج من قرأ سلما وسلما فهما مصدران وصف بهما فالمعنى ورجلا ذا سلم لرجل وذا سلم لرجل فالمعنى ذا سلم والسلم الصلح والسلم بكسر السين مثله وقال ابن قتيبة من قرأ سلما لرجل أراد سلم إليه فهو سلم له وقال أبو عبيدة السلم والسلم الصلح قوله تعالى يستويان مثلا هذا استفهام معناه الإنكار أي لا يستويان لأن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين وقيل لا يستويان في باب الراحة لأنه هذا قد عرف الطريق إلى رضى مالكه وذاك متحير بين الشركاء قال ثعلب وإنما قال هل يستويان مثلا ولم يقل مثلين لأنهما جميعا ضربا مثلا واحدا ومثله ابن مريم وأمه آية المؤمنون 50 ولم يقل آيتين لأن شأنهما واحد وتم الكلام هاهنا ثم قال لله أي له الحمد دون غيره من المعبودين أكثرهم لا يعلمون والمراد بالأكثر الكل ثم أخبر نبيه بما بعد هذا الكلام أنه يموت وأن الذين يكذبونه يموتون وأنهم يجتمعون للخصومة عند الله عز وجل المحق والمبطل والمظلوم والظالم وقال ابن عمر نزلت هذه الآية وما ندري ما تفسيرها وما نرى أنها نزلت إلا فينا وفي أهل الكتابين حتى قتل عثمان فعرفت أنها فينا نزلت وفي لفظ آخر حتى وقعت الفتنة بين علي ومعاوية أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى

[ 17 ]

للكافرين والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاؤا المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذين كانوا يعملون قوله تعالى أظلم ممن كذب على الله بأن دعا له ولدا وشريكا بالصدق إذ جاءه وهو التوحيد والقرآن في جهنم مثوى للكافرين أي مقام للجاحدين وهذا استفهام بمعنى التقرير يعني إنه كذلك قوله تعالى جاء بالصدق حديث فيه أربعة أقوال أحدها أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله علي بن أبي طالب وابن عباس وقتادة وابن زيد ثم في الصدق الذي جاء به قولان أحدهما أنه لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والثاني أنه القرآن قاله قتادة وفي الذي صدق به ثلاثة أقوال أحدها أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا هو جاء بالصدق وهو صدق به قاله ابن عباس والشعبي والثاني أنه أبو بكر قاله علي بن أبي طالب والثالث أنهم المؤمنون قاله قتادة والضحاك وابن زيد والقول الثاني أن الذي جاء بالصدق أهل القرآن وهو الصدق الذي يجيبون به يوم القيامة وقد أدوا حقه فهم الذين صدقوا به قاله مجاهد والثالث أن الذي جاء بالصدق الأنبياء قاله الربيع فعلى هذا يكون الذي صدق به المؤمنون والرابع أن الذي جاء بالصدق جبريل وصدق به محمد قاله السدي تعالى هم المتقون أي الذين اتقوا الشرك وإنما قيل هم لأن معنى الذي معنى الجمع كذلك قال اللغويون وأنشد أبو عبيدة والزجاج فان الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد قوله تعالى عند الله عنهم المعنى أعطاهم ما شاؤوا ليكفر عنهم لأنه الذي عملوا أي ليستر ذلك بالمغفرة أخبرنا أجرهم بمحاسن أعمالهم لا بمساوئها

[ 18 ]

أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون قوله تعالى الله بكاف عبده ذكر المفسرون أن مشركي مكة قالوا يا محمد ما تزال تذكر آلهتنا وتعيبها فاتق أن تصيبك بسوء فنزلت هذه الآية والمراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي عباده على الجمع وهم الأنبياء لأن الأمم قصدتهم بالسوء فالمعنى أنه كما كفى الأنبياء قبلك يكفيك وقرأ سعد بن أبي وقاص وأبو عمران الجوني بكافي مثبتة الياء عبده بكسر الدال والهاء من غير ألف وقرأ أبي بن كعب وأبو العالية وأبو الجوزاء والشعبي مثله إلا أنهم أثبتوا الألف في عباده وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر وشيبة والأعمش بكاف بالتنوين عبادة على الجمع وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء العطاردي يكافي بياء مرفوعة قبل الكاف وياء ساكنة بعد الفاء عباده على الجمع بالذين من دونه أي بالذين يعبدون من دونه وهم الأصنام ثم أعلم بما بعد هذا أن الإضلال والهداية إليه تعالى وأنه منتقم ممن عصاه ثم أخبر أنهم مع عبادتهم يقرون أنه الخالق ثم أمر أن يحتج عليهم بأن ما يعبدون لا يملك كشف ضر ولا جذب خير وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم كاشفات ضره وممسكات رحمته منونا والباقون كاشفات ضره وممسكات رحمته على الإضافة يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى

[ 19 ]

فلنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل قوله تعالى يا قوم اعملوا ذكر بعض المفسرين أنها والآية التي تليا نسخت بآية السيف قوله تعالى أنزلنا عليك الكتاب يعني القرآن للناس أي لجمع الخلق بالحق ليس فيه باطل وتمام الآية مفسر في آخر يونس 108 وذكروا أنه مسنوخ بآية السيف يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قوله تعالى يتوفى الأنفس حين موتها أي يقبض الأرواح حين موت أجسادها لم تمت لو أي ويتوفى التي لم تمت منامها يكون مع أي عن الجسد والنفس قضى عليها الموت وقرأ حمزة والكسائي قضي بضم القاف وفتح الياء الموت بالرفع الأخرى إلى الجسد أجل مسمى وهو انقضاء العمر في ذلك لآيات لقوم يتفكرون في أمر البعث وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تلتقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام فيتعارفون ويتساءلون ثم ترد ارواح الأحياء إلى أجسادها فلا يخطئ بشئ منها فذلك قوله في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ابن عباس في رواية أخرى في ابن آدم نفس وروح فبالنفس العقل والتمييز وبالروح النفس والتحريك فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه وقال ابن جريج في الغنسان سعيد روح ونفس بينهما حاجز فهو تعالى يقبض النفس عند النوم يردها إلى الجسد عند الانتباه فإذا أراد إماتة العبد في نومه لم يرد النفس وقبض الروح وقد اختلف العلماء هل بين النفس والروح فرق على قولين قد ذكرتهما في الوجوه والنظائر وزدت هذه الآية شرحا في باب التوفي في كتاب النظائر وذهب بعض العلماء إلى أن التوفي المذكور في حق النائم هو نومه وهذا اختيار الفراء وابن الأنباري فعلى هذا يكون معنى توفي النائم قبض نفسه عن التصرف وإرسالها إطلاقها باليقظة للتصرف

[ 20 ]

أم اتخذوا من دون الله قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون قوله تعالى اتخذوا يعني كفار مكة وفي المراد بالشفعاء قولان أحدهما أنها أصنام زعموا أنها تشفع لهم في حاجاتهم قاله الأكثرون والثاني الملائكة قاله مقاتل أولو كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة يعقلون أنكم تعبدونهم وجواب هذا الإستفهام محذوف تقديره أولو كانوا بهذه الصفة تتخذونهم لله الشفاعة جميعا أي لا يملكها أحد إلا بتمليكه ولا يشفع عنده أحد باذنه ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيأت ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن قوله تعالى ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فيه ثلاثة أقوال أحدها انقبضت عن التوحيد قاله ابن عباس ومجاهد والثاني استكبرت قاله قتادة والثالث نفرت قاله أبو عبيدة والزجاج قوله تعالى ذكر الذين من دونه يعني الأصنام هم يستبشرون يفرحون وما بعد هذا قد تقدم تفسيره الأنعام 73 14 البقرة 113 الرعد 18 بكر إلى قوله ما لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وفي قال السدي

[ 21 ]

ظنوا أن أعمالهم حسنات فبدت لهم سيئات وقال غيره عملوا أعمالا ظنوا أنها تنفعهم فلم تنفع مع شركهم قال مقاتل ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا أنه نازل بهم فهذا القول يحتمل وجهين أنهم كانوا يرجون القرب من الله بعبادة الأصنام فلما عوقبوا عليها بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون والثاني أن البعث والجزاء لم يكن في حسابهم وروي عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت وقال أخشى هذه الآية أن يبدو لي مالا أحتسب قوله تعالى كل بهم أي نزل بهم كانوا به يستهزؤن أي ما كانوا ينكرونه ويكذبون به مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيأت ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيأت ما كسبوا وما هم بمعجزين أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون قوله تعالى مس الإنسان ضر دعانا قال مقاتل هو أبو حذيفة ابن المغيرة وقد سبق في هذه السورة نظيرها الزمر 8 وإنما كنى عن النعمة بقوله لأن المراد بالنعمة الإنعام علم عندي أي على خير علمه الله عندي وقيل على علم من الله بأني له أهل قال الله تعالى هي يعني النعمة التي أنعم الله عليه بها فلا أي بلوى يبتلى بها العبد ليشكر أو يكفر اكثرهم لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم وامتحان وقيل بل هي أي المقالة التي قالها فتنة قالها منه يعني تلك الكلمة وهي قوله إنما أوتيتة على علم من

[ 22 ]

قبلهم وفيهم قولان أحدهما أنهم الأمم الماضية قاله السدي والثاني قارون قاله مقاتل قوله تعالى أغنى عنهم أي ما دفع عنهم العذاب كانوا يكسبون وفيه ثلاثة أقوال أحدها من الكفر والثاني من عبادة الأصنام والثالث من الأموال غير سيئات ما كسبوا أي جزاء سيئاتهم وهو العذاب ثم أوعد كفار مكة فقال ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين أي إنهم لا يعجزون الله ولا يفوتونه قال مقاتل ثم وعظهم ليعلموا وحدانيته حين مطروا بعد سبع سنين فقال يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك أي في بسط الرزق وتقتيره لقوم يؤمنون يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون قوله تعالى يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس

[ 23 ]

والثاني أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم عذبوا فافتتنوا فكان أصحاب رسول الله يقولون لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا قوم تركوا دينهم بعذاب عذبوه فنزلت هذه الآية فكتبها عمر إلى عياش والوليد وأولئك النفر فأسلموا وهاجروا وهذا قول ابن عمر والثالث أنها نزلت في وحشي وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر الفرقان 68 عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف نهاجر ونسلم وقد فعلنا ذلك فنزلت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ومعنى أسرفوا على أنفسهم ارتكبوا الكبائر والقنوط بمعنى اليأس أحمد بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب بعد له أي أخلصوا له التوحيد وتنصرون بمعنى تمنعون أحسن ما أنزل إليكم قد بيناه في قوله يقول بأحسنها الأعراف 145 تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين قوله تعالى تقول نفس قال المبرد المعنى بادروا قبل أن تقول نفس وحذرا من أن تقول نفس وقال الزجاج خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول ومعنى حسرتا الذي يا ندامتا لأن ويا حزنا والتحسر الاغتمام على ما فات والألف في يا حسرتا هي ياء المتكلم والمعنى يا حسرتي على الإضافة قال الفراء والعرب تحول الياء إلى الألف في كل كلام معناه

[ 24 ]

الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء وربما أدخلت العرب الهاء بعد هذه الألف فيخفضونها مرة ويرفعونها أخرى وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمران وأبو الجوزاء يا حسرتي بكسر التاء على الإضافة إلى النفس وقرأ معاذ القارئ وأبو جعفر يا حسرتاي بألف بعد التاء وياء مفتوحة قال الزجاج وزعم الفراء أنه يجوز يا حسرتاه على كذا بفتح الهاء ويا حسرتاه بالضم والكسر والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع الوصل قوله تعالى جنب الله فيه خمسة أقوال أحدها في طاعة الله تعالى قاله الحسن والثاني في حق الله قاله سعيد بن جبير والثالث في أمر الله قاله مجاهد والزجاج والرابع في ذكر الله قاله عكرمة والضحاك والخامس في قرب الله روي عن الفراء أنه قال الجنب القرب أي في قرب الله وجواره يقال فلان يعيش في جنب فلان أي في قربة وجواره فعلى هذا يكون المعنى على ما فرطت في طلب قرب الله تعالى وهو الجنة قوله تعالى كنت لمن الساخرين وقد أي وما كنت إلا من المستهزئين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا تقول لو أن الله هداني علي أي أرشدني إلى دينه من المتقين الشرك فيقال لهذا القائل قد جاءتك آياتي قال الزجاج وبلى جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي غير أن معنى لو أن الله هداني ما هديت فقيل بلى قد جاءتك آياتي وروى ابن أبي سريج عن الكسائي جاءتك فكذبت واستكبرت وكنت بكسر التاء فيهن مخاطبة للنفس ومعنى استكبرت تكبرت عن الإيمان بها القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يسمهم السوء ولاهم يحزنون له تعالى القايمة ترى الذين كذبوا على الله فزعموا أن له ولدا وشريكا حتى مسودة وقال الحسن هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل وباقي الآية قد ذكرناه آنفا الزمر 32 قوله تعالى الله الذين اتقوا بمفازتهم تعالى وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم قال الفراء وهو كما تقول قد تبين أمر القوم وأمورهم وارتفع الصوت والأصوات والمعنى واحد وفيها للمفسرين ثلاثة أقوال

[ 25 ]

أحدها بفضائلهم قاله السدي والثاني بأعمالهم قاله ابن السائب ومقاتل والثالث بفوزهم من النار قال المبرد المفازة مفعلة من الفوز وإن جمع فحسن كقولك السعادة والسعادات والمعنى ينجيهم الله بفوزهم أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون قوله تعالى مقاليد السموات والأرض قال ابن قتيبة أي مفاتيحها وخزائنها لأن مالك المفاتيح مالك الخزائن واحدها إقليد وجمع على غير واحد كما قالوا مذاكير جمع ذكر ويقال هو فارسي معرب وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي الإقليد المفتاح فارسي معرب قال الراجز لم يؤذها الديك بصوت تغريد ولم تعالج غلقا باقليد فإن والمقليد عمر لغة في الإقليد والجمع مقاليد وللمفسرين في المقاليد قولان أحدهما المفاتيح قاله ابن عباس والثاني الخزائن قاله الضحاك وقال الزجاج تفسيره أن كل شئ في السموات والأرض فهو خالقه وفاتح بابه قال المفسرون مفاتيح السموات المطر ومفاتيح الأرض النبات أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين قوله تعالى الله تأمروني أعبد قرأ نافع وابن عامر تأمروني أعبد مخففة غير أن نافعا فتح الياء ولم يفتحها ابن عامر وقرأ ابن كثير تأمروني بتشديد النون وفتح الياء وقرأ الباقون بسكون الياء وذلك حين دعوه إلى دين آبائه الجاهلون النبي أي فيما تأمرون قوله تعالى أوحى إليك وإلى الذين من قبلك فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وكذلك أوحي إلى الذين من قبلك قال أبو عبيدة ومجازها مجاز الامرين اللذين يخبر عن أحدهما ويكف عن الآخر قال ابن عباس هذا أدب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتهديد لغيره لأن الله عز وجل قد عصمه من الشرك وقال غيره إنما خاطبه بذلك

[ 26 ]

ليعرف من دونه أن الشرك يحبط الأعمال المتقدمة كلها ولو وقع من نبي وقرأ أبو عمران وابن السميفع ويعقوب لنحبطن وإن بالنون عملك بالنصب الله فاعبد كما أي وحد قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون قوله تعالى قدروا الله حق قدره سبب نزولها أن رجلا من أهل الكتاب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم بلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والثرى على إصبع فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله ابن مسعود وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين نحوه في ابن مسعود وقد فسرنا أول هذه الآية في الأنعام 91 قال ابن عباس هذه الآية في الكفار فأما من آمن بأنه على كل شئ قدير فقد قدر الله حق قدره ثم ذكر عظمته بقوله جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمنه هو وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض وأخرجا من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون قال ابن عباس الأرض والسموات كلها بيمينه وقال سعيد بن جبير السموات قبضة والأرضون قبضة في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه

[ 27 ]

أخرى فإذا هم قيام ينظرون وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون قوله تعالى في الصور فصعق وقرأ ابن السميفع وابن يعمر والجحدري فصعق بضم الصاد في السموات ومن في الأرض أي ماتوا من الفزع وشدة الصوت وقد بينا هذه الآية والخلاف في الذين استثنوا في سورة النمل نفخ فيه أخرى وهي نفخة البعث هم يعني الخلائق وسلم ينظرون قوله تعالى الأرض بنور ربها أي أضاءت والمراد بالأرض عرصات القيامة قوله تعالى الكتاب فيه قولان أحدهما كتاب الأعمال قاله قتادة ومقاتل والثاني الحساب قاله السدي وفي الشهداء قولان أحدهما أنهم الذين يشهدون على الناس بأعمالهم قاله الجمهور ثم فيهم أربعة أقوال أحدها أنهم المرسلون من الأنبياء والثاني أمة محمد يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم رويا عن ابن عباس رضي الله عنه والثالث الحفظة قاله عطاء والرابع النبيون والملائكة وأمة محمد صلى الله عليه وسلم والجوارح قاله ابن زيد والثاني أنهم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله قاله قتادة والأول أصح كل نفس ما علمت عنه أي جزاء عملها أعلم بما يفعلون أي لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤها وفتحت

[ 28 ]

أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبؤا إن من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين قوله تعالى الذين كفروا إلى جهنم زمرا قال أبو عبيدة الزمر جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض واحدها زمرة قوله تعالى منكم أي من أنفسكم و كلمة إلا العذاب هي قوله جهنم قوله تعالى فيه أبوابها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر فتحت وفتحت مشددتين وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف وفي هذه الواو ثلاثة أقوال احدها أنها زائدة روي عن جماعة من اللغويين منهم الفراء والثاني أنها واو الحال فالمعنى جاؤوها وقد فتحت أبوابها فدخلت الواو لبيان أن الأبواب كانت مفتحة قبل مجيئهم وحذفت من قصة أهل النار لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم ووجه الحكمة في ذلك من ثلاثة أوجه أحدها أن أهل الجنة جاؤوها وقد فتحت أبوابها ليستعجلوا صلى السرور والفرح إذا رأوا الأبواب مفتحة وأهل النار يأتونها وأبوابها مغلقة ليكون أشد لحرها ذكره أبو إسحاق ابن شاقلا من أصحابنا والثاني أن الوقوف على الباب المغلق نوع ذل فصين وقال أهل الجنة عنه وجعل في حق أهل النار ذكره لي بعض مشايخنا والثالث أنه لو وجد أهل الجنة بابها مغلقا لأثر انتظار فتحه في كمال الكرم ومن كمال الكرم غلق باب النار إلى حين مجئ أهلها لأن الكريم يعجل المثوبة ويؤخر العقوبة وقد قال عز وجل يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم النساء 147 قال المصنف هذا وجه خطر لي والقول الثالث أن الواو زيدت لأن أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة والعرب

[ 29 ]

تعطف في العدد بالواو على ما فوق السبعة على ما ذكرناه في قوله منه سبعة وثامنهم كلبهم الكهف 22 حكى هذا القول والذي قبله الثعلبي واختلف العلماء أين جواب هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها أن الجواب محذوف قاله أبو عبيدة والمبرد والزجاج في آخرين وفي تقدير هذا المحذوف قولان أحدهما أن تقديره إذا جاؤوها إلى آخر الآية سعدوا قاله المبرد والثاني إذا جاؤوها إلى قوله خالدين أنه دخلوها وإنما حذف لأن في الكلام دليلا عليه وهذا اختيار الزجاج والقول الثاني أن الجواب قال لهم خزنتها والواو زائدة ذكره الأخفش قال ومثله في الشعر فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيال وهو أي فإذا ذلك والثالث الجواب حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها والواو زائدة حكاه الزجاج عن قوم من أهل اللغة وفي قوله صلى الله عليه وسلم خمسة أقوال أحدها أنهم إذا انتهوا إلى باب الجنة وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيشربون من إحداهما فلا يبقى في بطونهم أذى ولا قذى إلا خرج ويغتسلون من الأخرى فلا تغبر جلودهم ولا تشعث أشعارهم أبدا حتى إذا انتهوا إلى باب الجنة قال لهم عند ذلك خزنتها سلام عليكم طبتم رواه عاصم بن ضمرة عن علي رضى الله عنه وقد ذكرنا في الأعراف 44 نحوه عن ابن عباس والثاني طاب لكم المقام قاله ابن عباس والثالث طبتم بطاعة الله قاله مجاهد والرابع أنهم طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة واقتص من بعضهم لبعض فلما هذبوا قالت لهم الخزنة طبتم قاله قتادة والخامس كنتم طيبين في الدنيا قاله الزجاج فلما دخلوها قالوا لله الذي صدقنا وعده بالجنة الأرض أي أرض الجنة إذا منها حيث نشاء أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء وحكى أبو سليمان الدمشقي أن

[ 30 ]

أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة قبل الأمم فينزلون منها حيث شاؤوا ثم تنزل الأمم بعدهم فيها فلذلك قالوا نتبوأ من الجنة حيث نشاء يقول الله عز وجل أجر العاملين أي نعم ثواب المطيعين في الدنيا الجنة قوله تعالى الملائكة حافين من حول العرش أي محدقين به يقال حف القوم بفلان إذا أحدقوا به ودخلت من للتوكيد كقولك ما جاءني من أحد بحمد ربهم قال السدي ومقاتل بأمر ربهم وقال بعضهم يسبحون بالحمد له حيث دخل الموحدون الجنة وقال ابن جرير التسبيح هاهنا بمعنى الصلاة قوله تعالى بينهم أي بين الخلائق أي بالعدل له الحمد لله رب العالمين هذا قول أهل الجنة شكرا لله تعالى على إنعامه قال المفسرون ابتدأ الله ذكر الخلق بالحمد فقال لله الذي خلق السموات والأرض الأنعام 1 وختم غاية الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم بالحمد لله بهذه الآية فنبه على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته

[ 31 ]

سورة المؤمن قال أبو سليمان الدمشقي ويقال لها سورة الطول وهي مكية قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة وحكي عن ابن عباس وقتادة أن فيها آيتين نزلتا بالمدينة قوله يجادلون في آيات الله والتي بعدها المؤمن 36 35 قال الزجاج وذكر أن الحواميم كلها نزلت بمكة قال ابن قتيبة يقال إن حم اسم من أسماء الله أضيفت هذه السورة إليه كأنه قيل سورة الله لشرفها وفضلها فقيل آل حاميم وإن كان القرأن كله سور الله وإن هذا كما يقال بيت الله وحرم الله وناقة الله قال الكميت وجدنا لكم في آل حاميم آية تأولها منا تقي ومعرب

[ 32 ]

وقد تجعل حمم اسما للسورة ويدخل الإعراب ولا يصرف ومن قال هذا في الجميع الحواميم كما يقال طس والطواسين وقال محمد بن القاسم الأنباري العرب تقول وقع في الحواميم وفي آل حميم أنشد أبو عبيدة حلفت بالسبع اللواتي طولت وبمئين أي بعدها قد أمئيت وبمثان ثنا ثنيت فكررت وبالطواسين به اللواتي ثلثت هذا وبالحواميم ثم اللواتي سبعت وبالمفصل رسول اللواتي فصلت ولا فمن قال وقع في آل حاميم جعل حاميم اسما لكلهن ومن قال وقع في الحواميم جعل حم كأنه حرف واحد بمنزلة قابيل وهابيل وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال من الخطأ أن تقول قرأت الحواميم وليس من كلام العرب والصواب أن تقول قرأت آل حاميم وفي حديث ابن مسعود إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات وقال الكميت وجدنا لكم في آل حاميم آية الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير وفي أربعة أقوال أحدها قسم أقسم الله به وهو من أسمائه عز وجل رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال أبو سليمان وقد قيل إن جواب القسم قوله الذين كفرو ينادون لم المؤمن 10 والثاني أنها حروف من أسماء الله عز وجل ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الر وحم ونون حروف الرحمن رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أن الحاء مفتاح اسمه حميد والميم مفتاح اسمه مجيد قاله أبو العالية والثالث أن الحاء مفتاح كل اسم لله ابتداؤه حاء مثل حكيم وحليم وحي والميم مفتاح كل اسم له ابتداؤه ميم مثل ملك ومتكبر ومجيد حكاه أبو سليمان الدمشقي وروي نحوه عن عطاء الخراساني والثالث أن معنى حم قضي ما هو كائن رواه أبو صالح عن ابن عباس وروي عن

[ 33 ]

الضحاك والكسائي مثل هذا كأنهما أرادا الإشارة إلى حم بضم الحاء وتشديد الميم قال الزجاج وقد قيل في حم حم الأمر والرابع أن حم اسم من أسم ء حدثنا القرآن قاله قتادة وقرأ ابن كثير حم بفتح الحاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسرها واختلف عن الباقين قال الزجاج أما الميم فساكنة في قراءة القراء ابن كلهم إلا عيسى ابن عمر فانه فتحها وفتحها على ضربين أحدهما أن يجعل حم اسما للسورة فينصبه ولا ينونه لأنه على لفظ الأسماء الأعجمية نحو هابيل وقابيل والثاني على معنى اتل حم والأجود أن يكون فتح لالتقاء الساكنين حيث جعله اسما للسورة ويكون حكاية حروف الهجاء قوله تعالى الكتاب أي هذا تنزيل الكتاب والتوب جمع توبة وجائز أن يكون مصدرا من تاب يتوب توبا والطول الفضل قال أبو عبيدة يقال فلان ذو طول على قومه أي ذو فضل وقال ابن قتيبة يقال طل علي يرحمك الله أي تفضل قال الخطابي ذو حرف النسبة والنسبة في كلامهم على ثلاثة أوجه بالياء كقولهم أسدي وبكري والثاني على الجمع كقولهم المهالبة والمسامعة والأزارقة والثالث ب ذي وذات كقولهم رجل مال أي ذو مال وكبش صاف أي ذو صوف وناقة ضامر أي ذات ضمر فقوله ذو الطول معناه أهل الطول والفضل يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار قوله تعالى يجادل في آيات الله أي ما يخاصم فيها بالتكذيب لها ودفعها بالباطل الذين كفروا وباقي الآية في آل عمران 196 والمعنى إن عاقبة أمرهم إلى العذاب كعاقبة من قبلهم قوله تعالى كل أمة برسولهم ليأخذوه قوله فيه قولان

[ 34 ]

أحدهما ليقتلوه قاله ابن عباس وقتادة والثاني ليحبسوه ويعذبوه ويقال للأسير أخيذ حكاه ابن قتيبة قال الأخفش وإنما قال ليأخذوه فجمع على الكل لأن الكل مذكر ومعناه معنى الجماعة وما بعد هذا مفسر في الكهف 56 إلى قوله له أي عاقبتهم وأهلكتهم كان عقاب استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم أي مثل الذي حق على الأمم المكذبة كلمة ربك بالعذاب وهي قوله جهنم الأعراف 18 على ذلك الذين كفروا من قومك وقرأ نافع وابن محمد حقت كلمات ربك قال الأخفش لأنهم أو بأنهم قال النار يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيآت ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم إلى ثم أخبر بفضل المؤمنين فقال يحملون العرش وهم أربعة أملاك فإذا كان يوم القيامة جعلوا ثمانية حوله قال وهب بن منبه حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة ليس فيهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبحه الآخر وقال غيره الذين حول العرش هم الكروبيون وهم سادة الملائكة وقد ذكرنا في السورة المتقدمة معنى قوله بحمد ربهم الزمر كان 75 قوله تعالى أي يقولون ربنا أبو كل شئ رحمة وعلما قال الزجاج هو منصوب على التمييز وقال غيره المعنى وسعت رحمتك وعلمك كل شئ للذين تابوا من الشرك سبيلك وهو دين الإسلام وما بعد هذا ظاهر إلى قوله السيئات قال قتادة يعني العذاب

[ 35 ]

الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير قوله تعالى الذين كفروا ينادون لمقت الله قال المفسرون لما رأوا أعمالهم وأدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء فعلهم فناداهم مناد لمقت الله إياكم في الدنيا تدعون إلى الإيمان فتكفرون أو أكبر من مقتكم أنفسكم ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وهذا مثل قوله أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم البقرة 28 وقد فسرناه هنالك قوله تعالى إلى خروج أي من النار إلى الدنيا لنعمل بالطاعة سبيل وفي الكلام اختصار تقديره فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك وقيل لهم يعني العذاب الذي نزل بهم) إذا دعي الله وحده كفرتم أي إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم وإن جعل له شريكا شريك آمنتم عبد لله فهو الذي حكم على المشركين بالنار وقد بينا في سورة البقرة 255 معنى العلي وفي الرعد 9 معنى الكبير الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب

[ 36 ]

الذي يريكم آياته أي مصنوعاته التي تدل على وحدانيته وقدرته والرزق هاهنا المطر سمي رزقا لأنه سبب الأرزاق ويتذكر بمعنى يتعظ وينيب بمعنى يرجع إلى الطاعة ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال الله مخلصين له الدين أي موحدين قوله تعالى الدرجات عليه قال ابن عباس يعني رافع السموات وحكى الماوردي عن بعض المفسرين قال معناه عظيم الصفات قوله تعالى العرش أي خالقه ومالكه قوله تعالى الروح فيه خمسة أقوال أحدها أنه القرآن والثاني النبوة والقولان مرويان عن ابن عباس وبالأول قال ابن زيد وبالثاني قال السدي والثالث الوحي قاله قتادة وإنما سمي القرآن والوحي روحا لأن قوام الدين به كما أن قوام البدن بالروح والرابع جبريل قاله الضحاك والخامس الرحمة حكاه إبراهيم الحربي قوله تعالى أمره فيه ثلاثة أقوال أحدها من قضائه قاله ابن عباس والثاني بأمره قاله مقاتل والثالث من قوله ذكره الثعلبي قوله تعالى من يشاء من عباده يعني الأنبياء في المشار إليه قولان أحدهما أنه الله عز وجل والثاني النبي الذي يوحى إليه والمراد ب التلاق أبي يوم القيامة وأثبت ياء (في الحالين ابن كثير ويعقوب وأبو جعفر وافقهما في الوصل والباقون بغير ياء في الحالين وفي سبب تسميته بذلك خمسة أقوال أحدها أنه يلتقي فيه أهل السماء والأرض رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس والثاني يلتقي فيه الأولون والآخرون روي عن ابن عباس أيضا والثالث يلتقي فيه الخلق والخالق قاله قتادو ما ومقاتل والرابع يلتقي المظلوم والظالم قاله ميمون بن مهران والخامس يلتقي المرء بعمله حكاه الثعلبي قوله تعالى هم بارزون لا أي ظاهرون من قبورهم يخفى على الله منهم شئ فان قيل فهل يخفى عليه منهم اليوم شئ

[ 37 ]

فالجواب أن لا غير أن معنى الكلام التهديد بالجزاء وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يخفى عليه مما عملوا شئ قاله ابن عباس والثاني لا يستترون منه بجبل ولا مدر قاله قتادة والثالث أن المعنى أبرزهم جميعا لأنه لا يخفى عليه منهم شئ حكاه الماوردي قوله تعالى الملك اليوم اتفقوا على أن هذا يقوله الله عز وجل بعد فناء الخلائق واختلفوا في وقت قوله له على قولين أحدهما أنه يقوله عند فناء الخلائق إذا لم يبق مجيب فيرد هو على نفسه فيقول الواحد القهار قاله الأكثرون والثاني أنه يقوله يوم القيامة وفيمن يجيبه حينئذ قولان أحدهما أنه يجيب نفسه وقد سكت الخلائق لقوله قاله عطاء والثاني أن الخلائق كلهم يجيبونه فيقولون لله الواحد القهار قاله ابن جريج يوم الآزفة إذا القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور قوله تعالى يوم الآزفة فيه قولان أحدهما أنه يوم القيامة قاله الجمهور قال ابن قتيبة وسميت القيامة بذلك لقربها يقال أزف شخوص فلان أي قرب والثاني أنه يوم حضور المنية قاله قطرب قوله تعالى القلوب لدى الحناجر وذلك أنها ترتقي إلى الحناجر فلا تخرج ولا تعود هذا على القول الأول وعلى الثاني القلوب هي النفوس تبلغ الحناجر عند حضور المنية قال الزجاج و كاظمين أن منصوب على الحال والحال محمولة على المعنى لأن القلوب لا يقال لها كاظمين وإنما الكاظمون أصحاب القلوب فالمعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم قال المفسرون كاظمين أي مغمومين ممتلئين خوفا وحزنا والكاظم الممسك للشئ على ما فيه وقد أشرنا إلى هذا عند قوله الغيظ

[ 38 ]

آل عمران 134 للظالمين يعني الكافرين حميم أي قريب ينفعهم شفيع يطاع على فيهم فتقبل شفاعته خائنة الأعين قال ابن قتيبة الخائنة والخيانة واحد وللمفسرين فيها أربعة أقوال أحدها أنه الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فيريهم أنه يغض بصره فإذا رأى منهم غفلة لحظ إليها فان خاف أن يفطنوا له غض بصره قاله ابن عباس والثاني أنه نظر العين إلى ما نهي عنه قاله مجاهد والثالث الغمز بالعين قاله الضحاك والسدي قال قتادة هو الغمز بالعين فيما لا يحبه الله ولا يرضاه والرابع النظرة بعد النظرة قاله ابن السائب قوله تعالى تخفي الصدور فيه ثلاثة أقوال أحدها ما تضمره من الفعل أن لو قدرت على ما نظرت إليه قاله ابن عباس والثاني الوسوسة قاله السدي والثالث ما يسره القلب من أمانة أو خيانة حكاه المارودي والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير أولم يسيرو في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال قوله تعالى والله يقضي بالحق أي يحكم به فيجزي بالحسنة والسيئة والذين يدعون من دونه من الآلهة وقرأ نافع وابن عامر تدعون بالتاء على معنى قل لهم لا يقضون بشئ أي لا يحكمون بشئ ولا يجازون به وقد نبه الله عز وجل بهذا

[ 39 ]

على أنه حي لأنه إنما يأمر ويقضي من كان حيا وأيد ذلك بذكر السمع والبصر لأنهما إنما يثبتان لحي قاله أبو سليمان الدمشقي وما بعد هذا قد تقدم بعضه يوسف 109 وبعضه ظاهر إلى قوله كانوا هم أشد منهم قوة وقرأ ابن عامر أشد منكم بالكاف وكذلك هو في مصاحفهم وهو على الانصراف من الغيبة إلى الخطاب كان لهم من الله أي من عذاب الله واق بقي العذاب عنهم أي ذلك العذاب الذي نزل بهم بين كانت تأتيهم رسلهم بالبينات إلى آخر الآية ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا وأراد بقوله أبناء الذين آمنوا معه أعيدوا القتل عليهم كما كان أولا قاله ابن عباس وقال قتادة كان فرعون قد كف عن قتل الولدان فلما بعث الله موسى أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متعابة موسى قوله تعالى كيد الكافرين إلا في ضلال أي إنه يذهب باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد وقال موسى أني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قولم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد

[ 40 ]

ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الله فرعون ذروني أقتل موسى وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة فرعون من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك قال ربه الذي يزعم أنه أرسله فليمنعه من القتل أخاف أن يبدل دينكم أي عبادتكم إياي يظهر في الأرض الفساد قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأن بغير ألف وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أو أن بألف قبل الواو على معنى إن لم يبدل دينكم أوقع الفساد إلا أن نافعا وأبا عمرو قرآ يظهر بضم الياء الفساد بالنصب وقرأ الباقون يظهر بفتح الياء الفساد بالرفع والمعنى يظهر الفساد بتغيير أحكامنا فجعل ذلك فسادا بزعمه وقيل يقتل أبناءكم كما تفعلون بهم فلما قال فرعون هذا استعاذ موسى بربه فقال عذت بربي وربكم قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر عذت مبينة الذال وأدغمها أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف كل متكبر عن أي متعظم عن الإيمان فقصد فرعون قتل موسى فقال حينئذ من مؤمن من آل فرعون وفي الآل هاهنا قولان أحدهما أنه بمعنى الأهل والنسب قال السدي ومقاتل كان ابن عم فرعون وهو المراد بقوله رجل من أقصى المدينة يسعى القصص 20 والثاني أنه بمعنى القبيلة والعشيرة قال قتادة ومقاتل كان قبطيا وقال قوم كان إسرائيليا وإنما المعنى قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وفي اسمه خمسة أقوال أحدها حزبيل قاله ابن عباس ومقاتل والثاني حبيب قاله كعب والثالث سمعون بالسين المهملة قاله شعيب الجبائي والرابع جبريل والخامس شمعان بالشين المعجمة رويا عن ابن إسحاق وكذلك حكى الزجاج شمعان بالشين وذكره ابن ماكولا بالشين المعجمة أيضا والأكثرون على أنه آمن بموسى لما جاء وقال الحسن كان مؤمنا قبل مجئ موسى وكذلك امرأة فرعون قال مقاتل كتم إيمانه

[ 41 ]

من فرعون مائة سنة قوله تعالى بين رجلا أن يقول أي لأن يقول الله وهذا استفهام إنكار جاؤكم بالبينات أي بما يدل على صدقه يك كاذبا فعليه كذبه في أي لا يضركم ذلك يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم بن من العذاب وفي بعض ثلاثة أقوال أحدها أنها بمعنى كل قاله أبو عبيدة وأنشد للبيد تراك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلق بعض النفوس حمامها أراد كل النفوس والثاني أنها صلة والمعنى يصبكم الذي يعدكم حكي عن الليث والثالث أنها على أصلها ثم في ذلك قولان أحدهما أنه وعدهم النجاة إن آمنوا والهلاك إن كفروا فدخل ذكر البعض لأنهم على أحد الحالين والثاني أنه وعدهم على كفرهم الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة فصار هلاكهم في الدنيا بعض الوعد ذكرهما الماوردي قال الزجاج هذا باب من النظر يذهب فيه المناظر إلى إلزام الحجة بأيسر ما في الأمر وليس في هذا نفي إصابة الكل ومثله قول الشاعر قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون من المستعجل الزلل هذه وإنما ذكر البعض ليوجب الكل لأن البعض من الكل ولكن القائل إذا قال أقل ما يكون للمتأني سنة إدراك بعض الحاجة وأقل ما يكون للمستعجل الزلل فقد أبان فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعه فكأن المؤمن قال لهم أقل ما يكون في صدقة أن يصبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم قال وأما بيت لبيد فإنه أراد ببعض النفوس نفسه وحدها قوله تعالى الله لا يهدي أي لا يوفق للصواب هو مسرف عمرو وفيه قولان أحدهما أنه المشرك قاله قتادة والثاني أنه السفاك قبل للدم قاله مجاهد قوله تعالى يحيى في الأرض أي عالين في أرض مصر ينصرنا الرحمن أي من يمنعنا بأس الله أي من عذابه والمعنى لا تتعرضوا للعذاب بالتكذيب وقتل النبي فقال فرعون عند ذلك أريكم وكان من الرأي والنصيحة ما أرى روى لنفسي أهديكم ولم أي

[ 42 ]

أدعوكم إلا إلى طريق الهدى في تكذيب موسى والإيمان بي وهذا يدل على أنه انقطع عن جواب المؤمن الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب قال الزجاج أي مثل يوم حزب حزب والمعنى أخاف أن تقيموا على كفركم فينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بالأمم المكذبة رسلهم قوله تعالى التناد قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي التناد بغير ياء وأثبت الياء في الوصل والوقف ابن كثير ويعقوب وافقهم أبو جعفر في الوصل وقرأ أبو بكر الصديق وابن عباس وسعيد بن المسيب وابن جبير وأبو العالية والضحاك التناد بتشديد الذال قال الزجاج أما إثبات الياء فهو الأصل وحذفها حسن جميل لأن الكسرة تدل على الياء وهو رأس آية وأواخر هذه الآيات على الدال ومن قرأ بالتشديد فهو من قولهم ند فلان وند البعير إذا هرب على وجهه ويدل على هذا قوله يوم تولون مدبرين وقوله يوم يفر المرء من أخيه [ عبس 34 ] قال أبو علي معنى الكلام إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد قال الضحاك إذا سمع الناس زفير جهنم وشقيقها ندوا فرارا منها في الأرض فلا يتوجهون قطرا من أقطار الأرض إلا رأوا ملائكة فيرجعون من حيث جاؤوا وقال غيره يؤمر بهم إلى النار فيفرون ولا عاصم لهم فأما قراءة التخفيف فهي من النداء وفيها للفسرين بين أربعة أقوال أحدها أنه عند نفخة الفزع ينادي الناس بعضهم بعضا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يأمر الله عز وجل إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول أنفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله فتسير الجبال وترج الأرض وتذهل المراضع وتضع الحوامل ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا [ وهو قوله يوم التناد ] والثاني أنه نداء أهل الجنة والنار بعضهم بعضا كما ذكر في الأعراف 44 وهذا قول قتادة والثالث أنه قولهم يا حسرتنا يا ويلتنا قاله ابن جريج والرابع أنه ينادى فيه كل أناس بامامهم بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء قوله تعالى يوم تولون مدبرين فيه قولان أحدهما هربا من النار

[ 43 ]

والثاني أنه انصرافهم إلى النار قوله تعالى مالكم من الله من عاصم أي من مانع قوله تعالى ولقد جاءكم يوسف وهو يوسف بن يعقوب ويقال إنه ليس به وليس بشئ قوله تعالى من قبل أي من قبل موسى بالبينات وهي الدلالات على التوحيد كقوله أرباب متفرقون خير الآية [ يوسف 39 ] وقال ابن السائب البينات تعبير الرؤيا وشق القميص وقيل بل بعثه الله تعالى بعد موت ملك مصر إلى القبط قوله تعالى فما زلتم في شك مما جاءكم به أي من عبادة الله وحده إذا هلك أي مات لن يبعث الله من بعده رسولا أي إنكم أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد الحجة عليكم كذلك أي مثل هذا الضلال يضل الله من هو مسرف أي مشرك أهل أي شاك في التوحيد وصدق الرسل يجادلون في آيات الله بغير سلطان آتهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال فرعون ياهامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب حديث قوله تعالى الذين يجادلون قال الزجاج هذا تفسير المسرف المرتاب والمعنى هم الذين يجادلون في آيات الله قال المفسرون يجادلون في إبطالها والتكذيب بها بغير سلطان أي بغير حجة أتتهم من الله كبر مقتا أي كبر جدالهم مقتا عند الله وعند الذين آمنوا والمعنى يمقتهم الله ويمقتهم المؤمنون بذلك الجدال كذلك أي كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا وجادلوا بالباطل يطبع على كل قلب متكبر عن عبادة الله وتوحيده وقد سبق بيان معنى الجبار في (هود 59) وقرأ أبو عمرو على كل

[ 44 ]

قلب بالتنوين وغيره من القراء السبعة يضيفه وقال أبو علي المعنى يطبع على جملة القلب من المتكبر واختار قراءة الإضافة الزجاج قال لأن المتكبر هو الإنسان لا القلب فان قيل لو كانت هذه القراءة أصوب لتقدم القلب على الكل فالجواب أن هذا جائز عند العرب قال الفراء تقدم هذا وتأخره واحد سمعت بعض العرب يقول هو يرجل شعره يوم كل جمعة يريد كل يوم جمعة والمعنى واحد وقد قرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني على قلب كل متكبر بتقديم القلب قال المفسرون فلما وعظ المؤمن فرعون وزجره عن قتل موسى قال فرعون لوزيره يا هامان ابن لي صرحا وقد ذكرناه في (القصص 38) قوله تعالى لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات قال ابن عباس وقتادة يعني أبوابها وقال أبو صالح طرقها وقال غيره المعنى لعلي أبلغ الطرق من سماء الى سماء وقال الزجاج لعلي ما يؤديني إلى السموات وما بعد هذا المفسر في القصص 38 إلى قوله أي ومثل ما وصفنا زين لفرعون سوء عمله وصد عن سبيل الهدى قرأ عاصم وحمزة والكسائي وصد بضم الصاد والباقون بفتحها وما كيد فرعون في إبطال آيات موسى (إلا في تباب أي في بطلان وخسران وقال الذين آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ثم عاد الكلام إلى نصيحة المؤمن لقومه وهو قوله اتبعون أهدكم سبيل الرشاد أي طريق الهدى يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع يعني الحياة في هذه الدار متاع يتمتع بها أياما ثم تنقطع وإن الآخرة هي دار القرار التي لا زوال لها من عمل سيئة فيها قولان أحدهما أنها الشرك ومثلها جهنم قاله الأكثرون والثاني المعاصي ومثلها العقوبة بمقدارها قاله أبو سليمان الدمشقي فعلى الأول العمل الصالح التوحيد وعلى الثاني هو [ على ] الإطلاق قوله تعالى فأولئك يدخلون الجنة قرأ ابن كثير وأبو عمرو يدخلون بضم الياء وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بالفتح وعن عاصم كالقراءتين

[ 45 ]

وفي قوله بغير حساب قولان أحدهما أنهم لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة قاله مقاتل والثاني أنه يصب عليهم الرزق صبا بغير تقتير قاله أبو سليمان الدمشقي ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لاجرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الأخرة وأن مردنا إلى الله وان المسرفين هم اصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري الى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيأت ما مكروا عند وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد العذاب قوله تعالى ويا قوم مالي أدعوكم أي مالكم كما تقول ما لي أراك حزينا معناه مالك ومعنى الآية أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان وتدعونني إلى النار أي إلى الشرك الذي يوجب النار ثم فسر الدعوتين بما بعد هذا ليس لي به علم أي لا أعلم هذا الذي ادعوه شريكا له وقد سبق بيان ما بعد هذا [ البقرة 129 طه 82 ] إلى قوله ليس له دعوة وفيه قولان أحدهما ليس له استجابة دعوة قاله السدي والثاني ليس له شفاعة قاله ابن السائب قوله تعالى وأن مردنا إلى الله أي مرجعنا والمعنى انه يجازينا بأعمالنا وفي المسرفين قولان قد ذكرناهما عند قوله مسرف كذاب [ غافر 28 ] قوله تعالى فستذكرون ما أقول لكم وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وأبو عمران الجوني وأبو رجاء فستذكرون بفتح الذال وتخفيفها وتشديد الكاف وفتحها وقرأ أبي بن كعب وأيوب السختياني بفتح الذال والكاف وتشديدهما جميعا أي إذا نزل العذاب بكم ما أقول لكم في الدنيا من النصيحة

[ 46 ]

وأفوض أمري إلى الله أي أرده وذلك أنهم تواعدوه لمخالفته دينهم إن الله بصير بالعباد اي بأوليائه وأعدائه ثم خرج المؤمن عنهم فطلبوه فلم يقدروا عليه ونجا مع موسى لما عبر البحر فذلك قوله فوقاه الله سيئات ما مكروا أي ما أرادوا به من الشر وحاق بآل فرعون لما لجوا في البحر سوء العذاب قال المفسرون هو الغرق قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا قال ابن مسعود وابن عباس إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال يا آل فرعون هذه داركم ورورى ابن جرير قال حدثنا عبد الكريم بن ابي عمير قال حدثنا حماد بن محمد البلخي قال سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال رأينا طيورا تخرج من البحر فتأخذ ناحية الغرب بيضا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله فإذا كان العشي رجع مثلها سودا قال وفطنتم إلى ذلك قال نعم إن تلك الطير في حواصلها ارواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سوداء فينبت عليها من الليل رياش بيض وتتناثر السود ثم تغدو ويعرضون على النار غدوا وعشيا [ ثم ترجع إلى وكورها ] لأنه فذلك دأبها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل ادخلوا آل فرعون أشد العذاب وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن [ أهل ] الجنة وإن كان من أهل النار فمن [ أهل ] النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة وهذه الآية تدل على عذاب القبر لانه بين ما لهم في الآخرة فقال ويوم تقوم الساعة ادخلوا قرأ ابن كثير وابن عامر [ وابو عمرو ] وأبو بكر وأبان عن عاصم الساعة ادخلوا بالضم وضم الخاء على معنى الأمر لهم بالدخول والابتداء على قراءة هؤلاء بضم الألف وقرأ الباقون بالقطع مع كسر الخاء على جهة الأمر للملائكة بادخالهم وهؤلاء يبتدئون بفتح الألف وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعوا ! أخبرنا الكافرين إلا في ضلال

[ 47 ]

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار قوله تعالى وإذ يتحاجون في النار المعنى واذكر لقومك يا محمد إذ يختصمون يعني أهل النار والآية مفسرة في سورة إبراهيم 21 والذين استكبروا هم القادة ومعنى كل فيها أي نحن وأنتم الله قد حكم بين العباد أي قضى هذا علينا وعليكم ومعنى قول الخزنة لهم يا أي نحن لا ندعو لكم دعاء الكافرين إلا في ضلال أي إن ذلك يبطل ولا ينفع لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ذلك باثبات حججهم والثاني باهلاك عدوهم والثالث بأن العاقبة تكون لهم وفصل الخطاب أن نصرهم حاصل لابد منه فتارة يكون باعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر وأظهر محمدا صلى الله عليه وسلم على مكذبيه وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بانجاء الرسل وإهلاك أعدائهم كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد فان الله منجيهم من العذاب وواحد الأشهاد شاهد كما أن واحد الأصحاب صاحب وفي الأشهاد ثلاثة أقوال أحدها الملائكة شهدوا للأنبياء بالإبلاغ وعلى الأمم بالتكذيب قاله مجاهد والسدي قال مقاتل وهم الحفظة من الملائكة والثاني الملائكة والأنبياء قاله قتادة والثالث أنهم أربعة الأنبياء والملائكة والمؤمنون والجوارح قاله ابن زيد قوله تعالى لا ينفع لو قرأ ابن كثير وأبو عمرو تنفع بالتاء والباقون بالياء لأن المعذرة والاعتذار بمعنى يكون معذرتهم مع أي لا يقبل منهم إن اعتذروا اللعنة سعيد أي البعد من الرحمة وقد بينا في الرعد 25 أن لهم بمعنى عليهم بكر الدار النار آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي

[ 48 ]

الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلك الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون هو الذي يحي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون آتينا موسى الهدى من الضلالة يعني التوراة بني إسرائيل الكتاب بعد موسى وهو التوراة أيضا في قول الأكثرين وقال ابن السائب التوراة والإنجيل والزبور والذكرى بمعنى التذكير

[ 49 ]

قد على أذاهم وعد الله حق في نصرك وهذه الآية في هذه السورة في موضعين غافر وقد ذكروا أنها منسوخة بآية السيف ومعنى صل وفي المراد بصلاة العشي والإبكار ثلاثة أقوال أحدها أنها الصلوات الخمس قاله ابن عباس والثاني صلاة الغداة وصلاة العصر قاله قتادة والثالث أنها صلاة كانت قبل أن تفرض الصلوات ركعتان غدوة وركعتان عشية قاله الحسن وما بعد هذا قد تقدم آنفا المؤمن 4 إلى قوله في صدورهم إلا كبر الآية نزلت في قريش والمعنى ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من التكبر عليك وما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم بالله من شرهم ثم نبه على قدرته بقوله السموات والأرض أكبر من خلق الناس أي من إعادتهم وذلك لكثرة أجزائها وعظم جرمها فنبههم على قدرته على إعادة الخلق أكثر الناس لا يعلمون يعني الكفار حين لا يستدلون بذلك على التوحيد وقال مقاتل عظمت اليهود الدجال وقالوا إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان وله سلطان فقال الله الذين يجادلون في آيات الله لأن الدجال من آياته سلطان أي بغير حجة فاستعذ بالله من فتنة الدجال قال والمراد ب خلق الناس الدجال وإلى نحو هذا ذهب أبو العالية والأول أصح وما بعد هذا ظاهر إلى قوله أستجب لكم فيه قولان أحدهما وحدوني واعبدوني أثبكم قاله ابن عباس والثاني سلوني أعطكم قاله السدي الذين يستكبرون عن عبادتي فيه قولان أحدهما عن توحيدي والثاني عن دعائي ومسألتي وفي جهنم قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وعباس بن الفضل عن أبي عمرو سيدخلون بضم الياء والباقون بفتحها والداخر الصاغر وما بعد هذا قد سبق في مواضع متقرفة كل يونس 67 القصص 73 الأنعام 95 النمل 61 الأعراف 29 54 الحج 5 إلى قوله أجلا مسمى وهو أجل الحياة إلى الموت تعقلون توحيد الله وقدرته

[ 50 ]

تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين فاصبر إن وعد الله حق فاما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا يرجعون ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله

[ 51 ]

قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وكانوا أشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون تر إلى الذين يجادلون في آيات الله يعني القرآن يقولون ليس من عند الله يصرفون أي كيف صرفوا عن الحق إلى الباطل وفيهم قولان أحدهما أنهم المشركون قاله ابن عباس والثاني أنهم القدرية ذكره جماعة من المفسرين وكان ابن سيرين يقول إن لم تكن نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو رزين وأبو مجلز والضحاك وابن يعمر وابن أبي عبلة والسلاسل يسحبون بفتح اللام والياء وقال ابن عباس إذا سحبوها كان أشد عليهم قوله تعالى فلا قال مجاهد توقد بهم النار فصاروا وقودها قوله تعالى ما كمتم تشركون مفسر في الأعراف 190 وفي قوله نكن ندعو من قبل شيئا قولان أحدهما أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئا لأنها لم تكن تضر ولا تنفع وهو قول الأكثرين والثاني أنهم قالوه على وجه الجحود قاله أبو سليمان الدمشقي أي كما أضل الله هؤلاء يضل الكافرين العذاب الذي نزل بكم كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق أي بالباطل كنتم تمرحون وقد شرحنا المرح في بني إسرائيل 37 وما بعد هذا قد تقدم بتمامه النحل 29 يونس 109 النساء 164 إلى قوله كان لرسول أن يأتي بآية إلا باذن الله وذلك لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات جاء أمر الله وهو قضاؤه بين الأنبياء وأممهم و المبطلون منه أصحاب الباطل قوله تعالى عليها حاجة في صدوركم أي حوائجكم في البلاد قوله تعالى آيات الله تنكرون استفهام توبيخ قوله تعالى أغنى عنهم في ما قولان أحدهما أنها للنفي والثاني أنها للاستفهام ذكرهما ابن جرير قوله تعالى: بما عندهم من العلم في المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الأمم المكذبة قاله الجمهور ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أنهم قالوا نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نحاسب قاله مجاهد والثاني فرحوا بما كان عندهم أنه علم قاله السدي

[ 52 ]

والقول الثاني أنهم الرسل والمعنى فرح الرسل لما هلك المكذبون ونجوا بما عندهم من العلم بالله إذ جاء تصديقه حكاه أبو سليمان وغيره قوله تعالى وحاق غير بهم يعني بالمكذبين العذاب الذي كانوا به يستهزؤون والبأس العذاب ومعنى الله أنه سن هذه السنة في الأمم أي أن إيمانهم لا ينفعهم إذا رأوا العذاب أحمد هنالك الكافرون فان قيل كأنهم لم يكونوا خاسرين قبل ذلك فعنه جوابان أحدهما أن خسر بمعنى هلك قاله ابن عباس والثاني أنه إنما بين لهم خسرانهم عند نزول العذاب قاله الزجاج

[ 53 ]

سورة السجدة مكية كلها باجماعهم ويقال لها سجدة المؤمن ويقال لها المصابيح بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون

[ 54 ]

قوله تعالى قال الفراء يجوز أن يرتفع تنزيل ب ويجوز أن يرتفع باضمار هذا وقال الزجاج تنزيل مبتدأ وخبره كتاب فصلت آياته هذا مذهب البصريين وبعد منصوب على الحال المعنى بينت آياته في حال جمعه يعلمون أي لمن يعلم قوله تعالى أكثرهم يعني أهل مكة لا يسمعون تكبرا عنه قلوبنا في أكنة أي في أغطية فلا نفقه قولك وقد سبق بيان الأكنة والوقر في الأنعام 25 ومعنى الكلام إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يسمع ولا يفهم بيننا وبينك حجاب أي حاجز في النحلة والدين قال الأخفش ومن هاهنا للتوكيد قوله تعالى يقول فيه قولان أحدهما اعمل في إبطال أمرنا إنا عاملون على إبطال أمرك والثاني اعمل على دينك إنا عاملون على ديننا غنما أنا يشر مثلكم أي لولا الوحي لما دعوتكم إليه أي توجهوا إليه بالطاعة واستغفروه من الشرك قوله تعالى لا يؤتون الزكاة فيه خمسة أقوال أحدها لا يشهدون أن لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عكرمة والمعنى لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد والثاني لا يؤمنون بالزكاة ولا يقرون بها قاله الحسن وقتادة والثالث لا يزكون أعمالهم قاله مجاهد والربيع والرابع لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعات قاله الضحاك ومقاتل والخامس لا يعطون زكاة أموالهم قال ابن السائب كانوا يحجون ويعتمرون ولا يزكون قوله تعالى ممنون أي غير مقطوع ولا منقوص

[ 55 ]

أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم قوله تعالى الأرض في يومين قال ابن عباس في يوم الأحد والاثنين وبه قال عبد الله بن سلام والسدي والأكثرون وقال مقاتل في يوم الثلاثاء والأربعاء وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وهذا الحديث يخالف ما تقدم وهو أصح قوله تعالى له أندادا قد شرحناه في البقرة 22 وذلك الذي فعل ما ذكر رب العالمين فيها رواسي أي جبالا ثوابت من فوق الأرض فيها بالأشجار والثمار والحبوب والأنهار وقيل البركة فيها أن ينمي فيها الزرع فتخرج الحبة حبات والنواة نخلة فيها أقواتها قال أبو عبيدة هي جمع قوت وهي الأرزاق وما يحتاج إليه وللمفسرين في هذا التقدير خمسة أقوال أحدها أنه شقق الأنهار وغرس الأشجار قاله ابن عباس والثاني أنه قسم أرزاق العباد والبهائم قاله الحسن والثالث أقواتها من المطر قاله مجاهد والرابع قدر لكل بلدة ما لم يجعله في الأخرى كما أن ثياب اليمن لا تصلح إلا ب اليمن والهروية ب هراة ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة قاله عكرمة والضحاك والخامس قدر البر لأهل قطر والتمر لأهل قطر والذرة لأهل قطر قاله ابن السائب قوله تعالى أربعة أيام أي في تتمة أربعة أيام قال الأخفش ومثله أن تقول

[ 56 ]

تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين وإحداهما التي تزوجتها أمس قال المفسرون يعني الثلاثاء وهما مع الأحد والإثنين أربعة أيام قوله تعالى الذي قرأ أبو جعفر سواء بالرفع وقرأ يعقوب وعبد الوارث سواء بالجر وقرأ الباقون من العشرة بالنصب قال الزجاج من قرأ بالخفض جعل سواء من صفة الأيام فالمعنى في أربعة أيام مستويات تامات ومن نصب فعلى المصدر فالمعنى استوت سواء واستواء ومن رفع فعلى معنى هي سواء وفي قوله لأن وجهان أحدهما للسائلين القوت لأن كلا يطلب القوت ويسأله والثاني لمن يسأل في كم خلقت الأرض فيقال خلقت في أربعة أيام سواء لا زيادة ولا نقصان قوله تعالى استوى إلى السماء قد شرحناه في البقرة 29 دخان وفيه قولان أحدهما أنه لما خلق الماء أرسل عليه الريح فثار منه دخان فارتفع وسما فسماه سماء والثاني أنه لما خلق الأرض أرسل عليها نارا فارتفع منها دخان فسما قوله تعالى لها وللأرض وقد قال ابن عباس قال للسماء أظهري شمسك وقمرك ونجومك وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك أو كرها قالتا أتينا طائعين قال الزجاج هو منصوب على الحال وإنما لم يقل طائعات لأنهن جرين مجرى ما يعقل ويميز كما قال في النجوم في فلك يسبحون يس 40 قال وقد قيل أتينا نحن ومن فينا طائعين علي أي خلقهن وصنعهن حتى قال أبو ذئيب الهذلي وعليهما تعالى مسرودتان قضاهما داود فإن أو صنع السوابغ تبع معناه عملهما وصنعهما قوله تعالى يومين قال ابن عباس وعبد الله بن سلام وهما يوم الخميس ويوم الجمعة وقال مقاتل الأحد والاثنين لأن مذهبه أنها خلقت قبل الأرض وقد بينا مقدار هذه الأيام في الأعراف 54 قد في كل سماء أمرها فيه قولان أحدهما أوحى ما أراد وأمر بما شاء قاله مجاهد ومقاتل والثاني خلق في كل سماء خلقها قاله السدي

[ 57 ]

قوله تعالى وزينا عمر السماء الدنيا أي القربى إلى الأرض النبي وهي النجوم والمصابيح السرج فسمي الكوكب مصباحا لإضاءته وإن قال الزجاج معناه وحفظناها من استماع الشياطين بالكواكب حفظا أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فانا بما أرسلتم به كافرون فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون قوله تعالى أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان أنذرتكم صاعقة الصاعقة المهلك من كل شئ والمعنى أنذرتكم عذابا مثل عذابهم وإنما خص القبيلتين لأن قريشا يمرون على قرى القوم في أسفارهم إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم أي أتت آباءهم ومن كان قبلهم خلفهم أي من خلف الآباء وهم الذين أرسلوا إلى هؤلاء المهلكين تعبدوا كما أي بأن لا تعبدوا الله قالوا لو شاء ربنا أي لو أراد دعوة الخلق هو ملائكة قوله تعالى وسلم أي تكبروا عن الإيمان وعملوا بغير الحق وكان هود قد تهددهم بالعذاب فقالوا نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا والآيات هاهنا الحجج وفي الريح الصرصر أربعة أقوال أحدها أنها الباردة قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وقال الفراء هي الريح الباردة تحرق كالنار وكذلك قال الزجاج هي الشديدة البرد جدا فالصرصر متكرر فيها البرد كما تقول

[ 58 ]

أقللت الشئ وقلقلته فأقللته عنه بمعنى رفعته وقلقلته كررت رفعه والثاني أنها الشديدة السموم قاله مجاهد والثالث الشديدة الصوت قاله السدي وأبو عبيدة وابن قتيبة والرابع الباردة الشديدة قاله مقاتل قوله تعالى أيام نحسات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو نحسات باسكان الحاء وقرأ الباقون بكسرها قال الزجاج من كسر الحاء فواحدهن نحس ومن أسكنها فواحدهن نحس والمعنى مشؤومات وفي أول هذه الأيام ثلاثة أقوال أحدها غداة يوم الأحد قاله السدي والثاني يوم الجمعة قاله الربيع بن أنس والثالث يوم الأربعاء قاله يحيى بن سلام والخزي الهوان قوله تعالى ثمود فهديناهم فيه ثلاثة أقوال أحدها بينا لهم قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقال قتادة بينا لهم سبيل الخير والشر والثاني دعوناهم قاله مجاهد والثالث دللناهم على مذهب الخير قاله الفراء قوله تعالى العمى أي اختاروا الكفر على الإيمان صاعقة العذاب الهون أي ذي الهوان وهو الذي يهينهم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين وقيضنا

[ 59 ]

لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين قوله تعالى يحشر أعداء الله وقرأ نافع نحشر بالنون أعداء بالنصب قوله تعالى يوزعون أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا إذا ما جاؤوها يعني النار التي حشروا إليها قد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم إن وفي المراد بالجلود ثلاثة أقوال أحدها الأيدي والأرجل والثاني الفروج رويا عن ابن عباس والثالث أنه الجلود نفسها حكاه الماوردي وقد أخرج مسلم في أفراده من حديث أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال هل تدرون مم أضحك قال قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى قال فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا مني قال فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال فيختم على فيه فيقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله قال ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل قوله تعالى أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ أي مما نطق وهاهنا تم الكلام وما بعده ليس من جواب الجلود قوله تعالى كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم إلا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان أو ثقفي وختناه قرشيان كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم أترون الله يسمع كلامنا هذا فقال الأخران إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإن لم نرفع لم يسمع وقال الآخر إن سمع منه شيئا سمعه كله فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم إلى قوله من الخاسرين ومعنى تستترون تستخفون أن يشهد أي من أن يشهد عليكم سمعكم لأنكم لا تقدرون

[ 60 ]

على الاستخفاء من جوارحكم ولا تظنون أنها تشهد ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون قال ابن عباس كان الكفار يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما يظهر فيه ظنكم أي أن الله لا يعلم ما تعملون صلى أهلككم يصبروا وقال أي على النار فهي مسكنهم يستعتبوا أي يسألوا أن يرجع لهم إلى ما يحبون لم يرجع لهم لأنهم لا يستحقون ذلك يقال أعتبني أنه فلان أي أرضاني بعد إسخاطه إياي واستعتبته أي طلبت منه أن يعتب أي يرضى قوله تعالى لهم قرناء أي سببنا لهم قرناء من الشياطين وهو لهم ما بين أيديهم وما خلفهم فيه ثلاثة أقوال أحدها ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وما خلفهم من أمر الدنيا فزينوا لهم اللذات وجمع الأموال وترك الإنفاق في الخير والثاني ما بين أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة على عكس الأول والثالث ما بين أيديهم ما فعلوه وما خلفهم ما عزموا على فعله وباقي الآية قد تقدم تفسيره الاسراء 16 الأعراف 38 الذين كفروالا صلى الله عليه وسلم تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعلمون ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بأياتنا يجحدون قوله تعالى الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ي بعد أي لا تسمعوه فيه أي عارضوه باللغو وهو الكلام الخالي عن فائدة وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه فارفعوا أصواتكم حتى تلبسوا عليهم قولهم وقال مجاهد والغوا فيه بالمكاء والصفير والتخليط من القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ تغلبون إذا فيسكتون قوله تعالى جزاء أعداء الله يعني العذاب المذكور وقوله فقال بدل من الجزاء فيها دار الخلد أي أي دار الإقامة قال الزجاج النار هي الدار ولكنه كما تقول لك في

[ 61 ]

هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها قال الشاعر أخور رغائب يعطيها ويسألها يأبى الظلامة منه النوفل الزفر ثنا الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم قوله تعالى الذين كفروا لما دخلوا النار أرنا اللذين أضلانا به وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم أرنا بسكون الراء قال المفسرون يعنون إبليس وقابيل لأنهما سنا المعصية هذا تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين أي في الدرك الأسفل وهو أشد عذابا من غيره ثم ذكر المؤمنين فقال الذين قالوا ربنا الله أي وحدوه استقاموا فيه ثلاثة أقوال أحدها استقاموا على التوحيد قاله أبو بكر الصديق ومجاهد والثاني على طاعة الله وأداء فرائضه قاله ابن عباس والحسن وقتادة والثالث على الإخلاص والعمل إلى الموت قاله أبو العالية والسدي وروى عطاء عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وذلك أن المشركين قالوا ربنا الله والملائكة بناته وهؤلاء شفعاؤنا عند الله فلم يستقيموا وقالت اليهود ربنا الله وعزيز ابنه ومحمد ليس بنبي فلم يستقيموا وقالت النصارى ربنا الله والمسيح ابنه ومحمد ليس بنبي فلم يستقيموا وقال أبو بكر ربنا الله وحده ومحمد عبده ورسوله فاستقام قوله تعالى عليهم الملائكة ألا تخافوا ثم أي بأن لا تخافوا وفي وقت نزولها عليهم قولان أحدهما عند الموت قاله ابن عباس ومجاهد فعلى هذا في معنى لا تخافوا قولان أحدهما لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم قاله مجاهد والثاني لا تخافوا ما أمامكم ولا تحزنوا على ما خلفكم قاله عكرمة والسدي

[ 62 ]

والقول الثاني تتنزل عليهم إذا قاموا من القبور قاله قتادة فيكون معنى لا تخافوا أنهم يبشرونهم بزوال الخوف والحزن يوم القيامة قوله تعالى أولياؤكم رسول قال المفسرون هذا قول الملائكة لهم والمعنى نحن الذين كنا نتولاكم في الدنيا لأن الملائكة تتولى المؤمنين وتحبهم لما ترى من أعمالهم المرفوعة إلى السماء الآخرة أي ونحن معكم في الآخرة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة وقال السدي هم الحفظة على ابن آدم فلذلك قالوا أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقيل هم الملائكة الذين يأتون لقبض الأرواح قوله تعالى فيها أي في الجنة قال الزجاج معناه أبشروا بالجنة تنزلونها ولا نزلا وقال الأخفش لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أنزلناه نزلا ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذين بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم قوله تعالى أحسن قولا ممن دعا إلى الله فيمن أريد بهذا ثلاثة أقوال أحدها أنهم المؤذنون روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال نزلت في المؤذنين وهذا قول عائشة ومجاهد وعكرمة والثاني أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله قاله ابن عباس والسدي وابن زيد والثالث أنه المؤمن أجاب الله إلى ما دعاه ودعا الناس إلى ذلك صالحا في إجابته قاله الحسن وفي قوله صالحا ثلاثة أقوال أحدها صلى ركعتين بعد الأذان وهو قول عائشة ومجاهد وروى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله قال الأذان وعمل صالحا قال الصلاة بين الأذان والإقامة والثاني أدى الفرائض وقام لله بالحقوق قاله عطاء

[ 63 ]

والثالث صام وصلى قاله عكرمة قوله تعالى تستوي الحسنة ولا السيئة قال الزجاج لا زائدة مؤكدة والمعنى ولا تستوي الحسنة والسيئة وللمفسرين فيهما ثلاثة أقوال أحدها أن الحسنة الإيمان والسيئة الشرك قاله ابن عباس والثاني الحلم والفحش قاله الضحاك والثالث النفور والصبر حكاه الماوردي قوله تعالى بالتي هي أحسن وذلك كدفع الغضب بالصبر والإساءة بالعفو فإذا فعلت ذلك صار الذي بينك وبينه عداوة كالصديق القريب وقال عطاء هو السلام على من تعاديه إذا لقيته قال المفسرون وهذه الآية منسوخة بآية السيف قوله تعالى يلقاها أي ما يعطاها قال الزجاج ما يلقى هذه الفعلة وهي دفع السيئة بالحسنة الذين صبروا على كظم الغيظ يلقاها إلا ذو حظ عظيم من الخير وقال السدي إلا ذو جد وقال قتادة الحظ العظيم الجنة فالمعنى ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة قوله تعالى ينزغنك من الشيطان نزغ قد فسرناه في الأعراف 200 آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فان استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شئ قدير قوله تعالى استكبروا أي تكبروا عن التوحيد والعبادة عند ربك يعني الملائكة أي يصلون ويسأمون لم بمعنى يملون وفي موضع السجدة قولان أحدهما أنه عند قوله يسأمون قاله ابن عباس ومسروق وقتادة واختاره القاضي أبو يعلى لأنه تمام الكلام والثاني أنه عند قوله كنتم إياه تعبدون روي عن أصحاب عبد الله والحسن وأبي عبد الرحمن

[ 64 ]

تعالى آياته أنك ترى الأرض خاشعة قال قتادة غبراء متهشمة قال الأزهري إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل خشعت قوله تعالى حدثنا أي تحركت بالنبات أي علت لأن النبت إذا أراد أن يظهر ارتفعت له الأرض وقد سبق بيان هذا الحج 5 الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قوله تعالى الذين يلحدون في آياتنا قال مقاتل نزلت في أبي جهل وقد شرحنا معنى الإلحاد في النحل 103 وفي المراد به هاهنا خمسة أقوال أحدها أنه وضع الكلام على غير موضعه رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه المكاء والصفير عند تلاوة القرآن قاله مجاهد والثالث أنه التكذيب بالآيات قاله قتادة والرابع أنه المعاندة قاله السدي والخامس أنه الميل عن الإيمان بالآيات قاله مقاتل قوله تعالى يخفون علينا هذا وعيد بالجزاء يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة وهذا عام غير أن المفسرين ذكروا فيمن أريد به سبعة أقوال أحدها أنه أبو جهل وأبو بكر الصديق رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أبو جهل وعمار بن ياسر قاله عكرمة والثالث أبو جهل ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن السائب ومقاتل والرابع أبو جهل وعثمان بن عفان حكاه الثعلبي والخامس أبو جهل وحمزة حكاه الواحدي والسادس أبو جهل وعمر بن الخطاب والسابع الكافر والمؤمن حكاهما الماوردي قوله تعالى ما شئتم قال الزجاج لفظه لفظ الأمر ومعناه الوعيد والتهديد

[ 65 ]

قوله تعالى الذين كفروا بالذكر ابن يعني القرآن ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب إن وفي جوابها هاهنا قولان أحدهما أنه أولئك ينادون من مكان بعيد ذكره الفراء والثاني أنه متروك وفي تقديره قولان أحدهما إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم كفروا به والثاني إن الذين كفروا يجازون بكفرهم قوله تعالى لكتاب عزيز فيه أربعة أقوال أحدها منيع من الشيطان لا يجد إليه سبيلا قاله السدي والثاني كريم على الله قاله ابن السائب والثالث منيع من الباطل قاله مقاتل والرابع يمتنع على الناس أن يقولوا مثله حكاه الماوردي قوله تعالى يأتيه الباطل فيه ثلاثة أقوال أحدها التكذيب قاله سعيد بن جبير والثاني الشيطان والثالث التبديل رويا عن مجاهد قال قتادة لا يستطيع إبليس أن ينقص منه حقا ولا يزيد فيه باطلا وقال مجاهد لا يدخل فيه ما ليس منه وفي قوله بين يديه ولا من خلفه ثلاثة اقوال أحدها بين يدي تنزيله وبعد نزوله والثاني أنه ليس قبله كتاب يبطله ولا يأتي بعده كتاب يبطله والثالث لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم ولا في إخباره عما تأخر يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد قوله تعالى يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك فيه قولان أحدهما أنه قد قيل فيمن أرسل قبلك ساحر وكاهن ومجنون وكذبوا كما كذبت هذا قول الحسن وقتادة والجمهور والثاني ما تخبر إلا بما أخبر الأنبياء قبلك من أن الله غفور وأنه ذو عقاب حكاه الماوردي قوله تعالى جعلناه يعني الكتاب الذي أنزل عليه أعجميا أي بغير لغة

[ 66 ]

العرب قوله لولا فصلت آياته أي هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمه له وعربي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم آعجمي بهمزة ممدودة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أأعجمي بهمزتين والمعنى أكتاب أعجمي ونبي عربي وهذا استفهام إنكار أي لو كان كذلك لكان أشد لتكذيبهم هو يعني القرآن آمنوا هدى من الضلالة ذلك للشكوك والأوجاع والوقر الصمم فهم في ترك القبول بمنزلة من في أذنه صمم عليهم عمى محمد أي ذو عمى قال قتادة صموا عن القرآن وعموا عنه ينادون من مكان بعيد أي إنهم لا يسمعون ولا يفهمون كالذي ينادي من بعيد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد قوله تعالى آتينا موسى الكتاب هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى كما آمن بكتابك قوم وكذب به قوم فكذلك كتاب موسى كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب إلى أجل مسمى وهو القيامة بينهم بالعذاب الواقع بالمكذبين لفي شك من صدقك وكتابك أي موقع لهم الريبة يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركاءي قالوا آذناك مامنا من شهيد وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص قوله تعالى يرد علم الساعة سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الساعة إن كنت رسولا كما تزعم قاله مقاتل ومعنى الآية لا يعلم قيامها إلا هو فإذا سئل عنها فعلمها مردود إليه تخرج من ثمرة قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم

[ 67 ]

من ثمرة وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم من ثمرات على الجمع أكمامها أي أوعيتها قال ابن قتيبة أي من المواضع التي كانت فيها مستترة وغلاف كل شئ كمه وإنما قيل كم القميص من هذا قال الزجاج الأكمام ما غطى وكل شجرة تخر ما هو مكمم فهي ذات أكمام وأكمام النخلة ما غطى جمارها من السعف والليف والجذع وكل ما أخرجته النخلة فهو ذو أكمام فالطلعة إلى كمها قشرها ومن هذا قيل للقلنسوة كمة لأنها تغطي الرأس ومن هذا كما القميص لأنهما يغطيان اليدين قوله تعالى يناديهم أي ينادي الله تعالى المشركين شركائي الذين كنتم تزعمون آذناك كان قال الفراء وابن قتيبة أعلمناك وقال مقاتل أسمعناك منا من شهيد فيه قولان أحدهما أنه من قول المشركين والمعنى ما منا من شهيد بأن لك شريكا فيتبرؤون يومئذ مما كانوا يقولون هذا قول مقاتل والثاني أنه من قول الآلهة التي كانت تعبد والمعنى ما منا من شهيد لهم بما قالوا قاله الفراء وابن قتيبة قوله تعالى عنهم أي بطل عنهم في الآخرة كانوا يدعون أي يعبدون في الدنيا أي أيقنوا لهم من محيص وقد شرحنا المحيص في سورة النساء 121 يسئم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولون هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد قوله تعالى يسأم الإنسان قال المفسرون المراد به الكافر فالمعنى لا يمل الكافر دعاء الخير أي من دعائه بالخير وهو المال والعافية مسه الشر وهو الفقر والشدة

[ 68 ]

والمعنى إذا اختبر بذلك يئس من روح الله وقنط من رحمته وقال أبو عبيدة اليؤوس أبو فعول من يأس والقنوط فعول من قنط قوله تعالى أذقناه رحمة منا أي خيرا وعافية وغنى هذا لي أي هذا واجب لي بعملي وأنا محقوق به ثم يشك في البعث فيقول أظن الساعة قائمة أي لست على يقين من البعث رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى أو يعني الجنة أي كما أعطاني في الدنيا يعطيني في الآخرة) الذين كفروا أي لنخبرنهم بمساوئ أعمالهم وما بعده قد سبق إبراهيم 17 الإسراء 83 إلى قوله تعالى عبد بجانبه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ونأى مثل نعى وقرأ ابن عامر وناء مفتوحة النون ممدودة والهمزة بعد الألف وقرأ حمزة نئى عليه مكسورة النون والهمزة أبي دعاء عريض قال الفراء وابن قتيبة معنى العريض الكثير وإن وصفته بالطول أو بالعرض جاز في الكلام قل يا محمد لأهل مكة إن كان القرآن عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق أي خلاف للحق بعيد عنه وهو اسم والمعنى فلا أحد أضل منكم وقال ابن جرير معنى الاية ثم كفرتم به ألستم في شقاق للحق وبعد عن الصواب فجعل مكان هذا باقي الاية آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا أنه بكل شئ محيط قوله تعالى آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم فيه خمسة أقوال أحدها في الآفاق وقائع الله في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر قاله قتادة ومقاتل والثالث أنها في الآفاق إمساك القطر عن الأرض كلها وفي أنفسهم البلايا التي تكون في أجسادهم قاله ابن جريج

[ 69 ]

والرابع أنها في الآفاق آيات السماء كالشمس والقمر والنجوم وفي أنفسهم حوادث الأرض قاله ابن زيد وحكي عن ابن زيد أن التي في أنفسهم سبيل الغائط والبول فان الإنسان يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين والخامس أنها في الأفاق آثار من مضى قبلهم من المكذبين وفي أنفسهم كونهم خلقوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما إلى ان نقلوا إلى العقل والتمييز قاله الزجاج قوله تعالى يتبين لهم أنه الحق في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والثاني إلى جميع ما دعاهم إليه الرسول وقال ابن جرير معنى الآية حتى يعلموا حقيقة ما أنزلنا على محمد وأوحينا إليه من الوعد له بأنا مظهرو دينه على الأديان كلها يكف بربك أنه على كل شئ شهيد أي أولم يكف به أنه شاهد على كل شئ قال الزجاج المعنى أو لم يكفهم شهادة ربك ومعنى الكفاية هاهنا أنه قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة على توحيده وتثبيت رسله

[ 70 ]

سورة حم عسق واسمها سورة الشورى وهي مكية رواه العوفي وغيره عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور وحكي عن ابن عباس وقتادة قالا إلا أربع آيات نزلن بالمدينة أولها لا أسألكم عليه أجرا الشورى 23 وقال مقاتل فيها من المدني قوله الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا الشورى 23 إلى قوله (الصدور الشورى 24 وقوله إذا أصابهم البغي ما الشورى 39 إلى قوله سبيل الشورى 41 الله الرحمن الرحيم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم

[ 71 ]

له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل قوله تعالى قد سبق تفسيره المؤمن قوله تعالى لا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنه حروف من أسماء ثم فيه خمسة أقوال أحدها أن العين علم الله والسين سناؤه والقاف قدرته رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الحسن والثاني أن العين فيها عذاب والسين فيها مسخ والقاف فيها قذف رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والثالث أن الحاء من حرب والميم من تحويل ملك والعين من عدو مقهور والسين استئصال بسنين كسني يوسف والقاف من قدرة الله في ملوك الأرض قاله عطاء والرابع أن العين من عالم والسين من قدوس والقاف من قاهر قاله سعيد بن جبير والخامس أن العين من العزيز والسين من السلام والقاف من القادر قاله السدي والثالث أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة قوله تعالى قبل يوحي إليك فيه أربعة أقوال أحدها أنه كما أوحيت حم عسق إلى كل نبي كذلك نوحيها إليك قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني كذلك نوحي إليك أخبار الغيب كما أوحينا إلى من قبلك رواه عطاء عن ابن عباس والثالث أن حم عسق نزلت في أمر العذاب فقيل كذلك نوحي إليك أن العذاب نازل بمن كذبك كما أوحينا ذلك إلى من كان قبلك قاله مقاتل والرابع أن المعنى هكذا نوحي إليك قاله ابن جرير وقرأ ابن كثير يوحى بضم الياء وفتح الحاء كأنه إذا قيل من يوحي قيل الله وروى أبان عن عاصم نوحي بالنون وكسر الحاء السموات يتفطرن أن قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة تكاد بالتاء يتفطرن بياء وتاء

[ 72 ]

مفتوحة وفتح الطاء وتشديدها وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء يتفطرن مثل قراءة ابن كثير وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم تكاد بالتاء ينفطرن بالنون وكسر الطاء وتخفيفها أي يتشققن فوقهن أي من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وقيل من قول المشركين اتخذ الله ولدا ونظيرها التي في مريم 90 يسبحون بحمد ربهم قال بعضهم يصلون بأمر ربهم وقال بعضهم ينزهونه عما لا يجوز في صفته لمن في الأرض فيه قولان أحدهما أنه أراد المؤمنين قاله قتادة والسدي والثاني أنهم كانوا يستغفرون للمؤمنين فلما ابتلى هاروت وماروت استغفروا لمن في الأرض ومعنى استغفارهم سؤالهم الرزق لهم قاله ابن السائب وقد زعم قوم منهم مقاتل أن هذه الآية منسوخة بقوله للذين آمنوا غافر 7 وليس بشئ لأنهم إنما يستغفرون للمؤمنين دون الكفار فلفظ هذه الآية عام ومعناها خاص ويدل على التخصيص قوله للذين آمنوا غافر 7 لأن الكافر لا يستحق أن يستغفر له قوله تعالى اتخذوا من ندونه على أولياء يعني كفار مكة اتخذوا آلهة فعبدوها من دونه حفيظ عليهم أي حافظ لأعمالهم ليجازيهم بها أنت عليهم بوكيل أي لم نوكلك بهم فتؤخذ بهم وهذه الآية عند جمهور المفسرين منسوخة بآية السيف ولا يصح أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شئ قدير قوله تعالى أي ومثل ما ذكرنا إليك قرآنا عربيا ليفهموا ما فيه أم القرى يعني مكة والمراد أهلها يوم الجمع أي وتنذرهم يوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين ريب فيه أي لا شك في هذا الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون وهو قوله في الجنة وفريق في السعير

[ 73 ]

ثم ذكر سبب افتراقهم فقال شاء الله لجعلهم أمة واحدة أي على دين واحد كقوله على الهدى الأنعام 35 يدخل من يشاء في رحمته أي في دينه الله وهم الكافرون قال من ولي يدفع عنهم العذاب نصير يمنعهم منه أم اتخذوا من دونه عن بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء يعني آلهة يتولونهم فالله هو الولي ولي أوليائه فليتخذوه وليا دون الآلهة وقال ابن عباس وليك يا محمد وولي من اتبعك اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعمام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير له مقاليد السموات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب قوله تعالى اختلفتم فيه من شئ أي من أمر الدين وقيل بل هو عام من إلى الله فيه قولان أحدهما علمه عند الله والثاني هو يحكم فيه قال مقاتل وذلك أن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن بعضهم فقال الله أنا الذي أحكم فيه الله الذي يحكم بين المختلفين هو عليه توكلت في مهماتي إلا أنيب أي أرجع في المعاد السموات قد سبق بيانه الأنعام 14 لكم من أنفسكم أي من مثل خلقكم

[ 74 ]

بن نساء الأنعام أزواجا أصنافا ذكورا وإناثا والمعنى أنه خلق لكم الذكر والأنثى من الحيوان كله هذه فيها ثلاثة أقوال أحدها يخلقكم قاله السدي والثاني يعيشكم قاله مقاتل والثالث يكثركم قاله الفراء وفي قوله فيه قولان أحدهما أنها على أصلها قاله الأكثرون فعلى هذا في هاء الكناية ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى بطون الإناث وقد تقدم ذكر الأزواج قاله زيد بن أسلم فعلى هذا يكون المعنى يخلقكم في بطون النساء وإلى نحو هذا ذهب ابن قتيبة فقال يخلقكم في الرحم أو في الزوج وقال ابن جرير يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام والثاني أنها ترجع إلى الأرض قاله ابن زيد فعلى هذا يكون المعنى يذرؤكم فيما خلق من السموات والأرض والثالث أنها ترجع إلى الجعل المذكور ثم في معنى الكلام قولان أحدهما يعيشكم فيما جعل من الأنعام قاله مقاتل والثاني يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعل الأزواج قاله الواحدي والقول الثاني أن فيه بمعنى به والمعنى يكثركم بما جعل لكم قاله الفراء والزجاج قوله تعالى كمثله شئ قال ابن قتيبة أي ليس كهو شئ والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول مثلي لا يقال له هذا أي أنا لا يقال لي هذا وقال الزجاج الكاف مؤكدة والمعنى ليس مثله شئ وما بعد هذا قد سبق بيانه الزمر 63 الرعد 26 إلى قوله لكم أي بين وأوضح الدين ما وصى به نوحا وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه تحليل الحلال وتحريم الحرام قاله قتادة والثاني تحريم الأخوات والأمهات قاله الحكم والثالث التوحيد وترك الشرك قوله تعالى أوحينا إليك أي من القرآن وشرائع الإسلام قال الزجاج المعنى وشرع الذي أوحينا إليك وشرع لكم ما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى وقوله أقيموا الدين

[ 75 ]

تفسير قوله وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى وجائز أن يكون تفسيرا لما وصى به نوحا ولقوله أوحينا إليك ولقوله وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى فيكون المعنى شرع لكم ولمن قبلكم إقامة الدين وترك الفرقة وشرع الاجتماع على اتباع الرسل وقال مقاتل أقيموا الدين يعني التوحيد تتفرقوا فيه أي لا تختلفوا على المشركين أي عظم على مشركي مكة تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد قوله تعالى يجتبي إليه أي يصطفي من عباده لدينه يشاء ويهدي سنة إلى دينه ينيب أي عمرو يرجع إلى طاعته ثم ذكر افتراقهم بعد أن أوصاه بترك الفرقة فقال تفرقوا يعني أهل الكتاب من بعد ما جاءهم العلم فيه ثلاثة أقوال أحدها من بعد كثرة علمهم للبغي والثاني من بعد أن علموا أن الفرقة ضلال والثالث من بعد ما جاءهم القرآن بغيا منهم على محمد صلى الله عليه وسلم كلمة سبقت من ربك في تأخير المكذبين من هذه الأمة إلى يوم القيامة بينهم بانزال العذاب على المكذبين الذين أورثوا الكتاب يعني اليهود والنصارى بعدهم أي من بعد أنبيائهم شك منه أي من محمد صلى الله عليه وسلم فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد قوله تعالى فادع قبل قال الفراء المعنى فالى ذلك تقول دعوت إلى فلان ودعوت لفلان وذلك بمعنى هذا وللمفسرين قولان أحدهما أنه القرآن قاله ابن السائب والثاني أنه التوحيد قاله مقاتل قوله تعالى تتبع أهواءهم يعني أهل الكتاب لأنهم دعوه إلى دينهم

[ 76 ]

قوله تعالى لأعدل بينكم قال بعض النحويين المعنى أمرت كي أعدل وقال غيره المعنى أمرت بالعدل وتقع أمرت على أن وعلى كي وعلى اللام يقال أمرت أن أعدل وكي أعدل ولأعدل يحيى ثم في ما أمر أن يعدل فيه قولان أحدهما في الأحكام إذا ترافعوا إليه والثاني في تبليغ الرسالة قوله تعالى ربنا وربكم أي هو آلهنا وإن اختلفنا فهو يجازينا بأعمالنا فذلك قوله أعمالنا الرحمن أي جزاؤها لا حجة بيننا وبينكم قال مجاهد لا خصومة بيننا وبينكم وفي هذه الآية قولان أحدهما أنها اقتضت الاقتصار على الإنذار وذلك قبل القتال ثم نزلت آية السيف فنسختها قاله الأكثرون والثاني أن معناها إن الكلام بعد ظهور الحجج والبراهين قد سقط بيننا فعلى هذا هي محكمة حكاه شيخنا علي بن عبيد الله عن طائفة من المفسرين قوله تعالى يحاجون في الله أي يخاصمون في دينه قال قتادة هم اليهود قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن خير منكم وعلى قول مجاهد هم المشركون طمعوا أن تعود الجاهلية قوله تعالى بعد ما استجيب له أي من بعد إجابة الناس إلى الإسلام وكان داحضة روى أي خصومتهم باطلة الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[ 77 ]

قوله تعالى الذي أنزل الكتاب يعني القرآن أي لم ينزله لغير شئ ولم فيه قولان أحدهما أنه العدل قاله ابن عباس وقتادة والجمهور والثاني أنه الذي يوزن به حكي عن مجاهد ومعنى إنزاله إلهام الخلق أن يعملوا به وأمر الله عز وجل إياهم بالإنصاف وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق وتمام الآية مشروح في الأحزاب 63 قوله تعالى بها الذين لا يؤمنون بها لأنهم لا يخافون ما فيها إذ لم يؤمنوا بكونها فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء آمنوا مشفقون أي خائفون لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون ولا يدرون ما يكون منهم بين أنها الحق أي أنها كائنة لا محالة إن الذين يمارون في الساعة أي يخاصمون في كونها ضلال بعيد حين لم يتفكروا فيعلموا قدرة الله على إقامتها لطيف بعباده أهل قد شرحنا معنى اسمه اللطيف في الأنعام 103 وفي عبادة هاهنا قولان أحدهما أنهم المؤمنون والثاني أنه عام في الكل ولطفه بالفاجر أنه لا يهلكه حديث من يشاء أي يوسع له الرزق قوله تعالى كان يريد حرث الآخرة قال ابن قتيبة أي عمل الآخرة يقال فلان يحرث الدنيا أي يعمل لها ويجمع المال فالمعنى من أراد بعمله الآخرة عند له في حرثه لأنه أي نضاعف له الحسنات قال المفسرون من أراد العمل لله بما يرضيه أعانه الله على عبادته ومن أراد الدنيا مؤثرا لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة يؤته منها وهو الذي قسم له له في الآخرة من نصيب لأنه كافر بها لم يعمل لها اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى حرثه محكم واختلفوا في باقيها على قولين أحدهما أنه مسنوخ بقوله له فيها ما نشاء لمن نريد الإسراء 18 وهذا قول جماعة منهم مقاتل والثاني أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى لأنه لم يقل في هذه الآية نؤته مراده

[ 78 ]

فعلم أنه إنما يؤتيه الله ما أراد وهذا موافق لقوله لمن نريد ويحقق هذا أن لفظ الآيتين لفظ الخبر ومعناهما معنى الخبر وذلك لا يدخله النسخ وهذا مذهب جماعة منهم قتادة لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور قوله تعالى لهم شركاء يعني كفار مكة والمعنى ألهم آلهة أخبرنا أي ابتدعوا دينا لم يأذن به الله كلمة الفصل وهي القضاء السابق بأن الجزاء يكون في القيامة بينهم في الدنيا بنزول العذاب على المكذبين والظالمون في هذه الآية والتي تليها يراد بهم المشركون والاشفاق الخوف والذي كسبوا هو الكفر والتكذيب واقع بهم يعني جزاؤه وما بعد هذا ظاهر إلى قوله يعني ما تقدم ذكره من الجنات يبشر الله عباده قال أبو سلمان الدمشقي ذلك بمعنى هذا الذي أخبرتكم به بشرى يبشر الله بها عباده وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي يبشر بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين قوله تعالى لا أسألكم عليه أجرا في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها أن المشركين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس

[ 79 ]

والثاني أنه لما قدم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس في يده سعة فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله به وليس في يده سعة فاجمعوا له من أموالكم مالا يضركم ففعلوا ثم أتوه به فنزفت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا والثالث أن المشركين اجتمعوا في مجمع لهم فقال بعضهم لبعض أترون محمد يسأل على ما يتعاطاه أجرا فنزلت هذه الآية قاله قتادة والهاء في عليه كناية عما جاء به من الهدى وفي الاستثناء هاهنا قولان أحدهما أنه من الجنس فعلى هذا يكون سائلا أجرا وقد أشار ابن عباس في رواية الضحاك إلى هذا المعنى ثم قال نسخت هذه بقوله ما سألتكم من أجر فهو لكم الآية سبأ 47 وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل والثاني أنه استثناء من غير الأول لأن الأنبياء لا يسألون على تبليغهم أجرا وإنما المعنى لكني أذكركم المودة في القربى وقد روى هذا المعنى جماعة عن ابن عباس منهم العوفي وهذا اختيار المحققين وهو الصحيح فلا يتوجه النسخ أصلا وفي المراد بالقربى خمسة أقوال أحدها أن معنى الكلام إلا أن تودوني لقرابتي منكم قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد في الأكثرين قال ابن عباس ولم يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة والثاني إلا أن تودوا قرابتي قاله علي بن الحسين وسعيد بن جبير والسدي ثم في المراد بقرابته قولان أحدهما علي وفاطمة وولدها وقد رووه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو المطلب والثالث أن المعنى إلا أن توددوا إلى الله تعالى فيما يقربكم إليه من العمل الصالح قاله الحسن وقتادة والرابع إلا أن تودوني كما تودون قرابتكم قاله ابن زيد والخامس إلا أن تودوا قرابتكم وتصلوا أرحامكم حكاه الماوردي والأول أصح قوله تعالى يقترف يا أي من يكتسب لو نزد له فيها حسنا أي نضاعفها بالواحدة عشرا فصاعدا وقرأ ابن السميفع وابن يعمر والجحدري يزد له بالياء الله غفور للذنوب يكون للقليل حتى يضاعفه

[ 80 ]

يقولون أي بل يقول كفار مكة على الله كذبا حين زعم أن القرآن من عند الله يشأ الله يختم على قلبك فيه قولان أحدهما يختم على قلبك فينسيك القرآن قاله قتادة والثاني يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يشق عليك قولهم إنك مفتر قاله مقاتل والزجاج قوله تعالى الله الباطل قال الفراء ليس بمردود على يختم فيكون جزما وإنما هو مستأنف ومثله مما حذفت منه الواو الإنسان بالشر الاسراء 11 وقال الكسائي فيه تقديم وتأخير تقديره والله يمحو الباطل وقال الزجاج الوقف عليها ويمحوا بواو وألف والمعنى والله يمحو الباطل على كل حال غير أنها كتبت في المصاحف بغير واو لأن الواو تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين فكتبت على الوصل ولفظ الواو ثابت والمعنى ويمحو الله الشرك ويحق الحق بما أنزله من كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفوا عن السيآت ويعلم ما تفعلون ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون لهم عذاب شديد ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير قوله تعالى الذي يقبل التوبة عن عباده قد ذكرناه في براءة 2 قوله تعالى ما تفعلون أي من خير وشر قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وقرأ الباقون بالياء على الإخبار عن المشركين والتهديد لهم ويستجيب بمعنى يجيب وفيه قولان أحدهما أن الفعل فيه لله والمعنى يجيبهم إذا سألوه وقد روى قتادة عن أبي إبراهيم اللخمي إلى الذين آمنوا قال يشفعون في إخوانهم من فضله قال يشفعون في إخوان إخوانهم والثاني أنه للمؤمنين فالمعنى يجيبونه والأول أصح قوله تعالى بسط الله الرزق لعباده قال خباب بن الأرت فينا نزلت هذه الآية وذلك

[ 81 ]

أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير فتمنيناها فنزلت هذه الآية ومعنى الآية لو أوسع الله الرزق لعباده لبطروا مع وعصوا وبغى بعضهم على بعض ينزل بقدر ما يشاء أي ينزل أمره بتقدير ما يشاء مما يصلح أمورهم ولا يطغيهم سعيد بعباده خبير بصير فمنهم من لا يصلحه إلا الغنى ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيدكم ويعفوا عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير الذي ينزل الغيث يعني المطر وقت الحاجة بعد ما قنطوا بكر أي يئسوا وذلك أدعى لهم إلى شكر منزله قد رحمته في الرحمة هاهنا قولان أحدهما المطر قاله مقاتل والثاني الشمس بعد المطر حكاه أبو سليمان الدمشقي وقد ذكرنا الولي في سورة النساء 45 والحميد في البقرة 3 قوله تعالى أصابكم من مصيبة وهو ما يلحق المؤمن من مكروه كسبت أيديكم من المعاصي وقرأ نافع وابن عامر بما كسبت أيديكم بغير فاء وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة والشام وفي عن كثير من السيئات فلا يعاقب بها وقيل لأبي سليمان الداراني ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم قال إنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم وقرأ هذه الآية

[ 82 ]

قوله تعالى أنتم بمعجزين في الأرض إن أراد الله عقوبتكم وهذا يدخل فيه الكفار والعصاة كلهم آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون قوله تعالى آياته الجواري في البحر والمراد بالجوار السفن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو الجواري بياء في الوصل إلا أن ابن كثير يقف أيضا بياء وأبو عمرو بغير ياء ويعقوب يوافق ابن كثير والباقون بغير ياء في الوصل والوقف قال أبو علي والقياس ما ذهب إليه ابن كثير ومن حذف فقد كثر حذف مثل هذا في كلامهم كل قال ابن قتيبة كالجبال واحدها علم وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال كل شئ مرتفع عند العرب فهو علم قوله تعالى يشأ يسكن الريح التي تجريها يعني الجواري على ظهره أي سواكن على ظهر البحر لا يجرين يوبقهن فلا أي يهلكهن ويغرقهن منه والمراد أهل السفن ولذلك قال كسبوا أي من الذنوب عن كثير من ذنوبهم فينجيهم من الهلاك الذين يجادلون: قرأ نافع وابن عامر ويعلم بالرفع على الاستئناف وقطعه من الأول وقرأ الباقون بالنصب قال الفراء هو مردود على الجزم إلا أنه صرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب وللمفسرين في معنى الآية قولان أحدهما ويعلم الذين يخاصمون في آيات الله حين يؤخذون بالغرق أنه لا ملجأ لهم والثاني أنهم يعلمون بعد البعث أنه لا مهرب لهم من العذاب قوله تعالى أوتيتم من شئ أي ما أعطيتم من الدنيا فهو متاع تتمتعون به ثم يزول سريعا عند الله خير وأبقى للذين آمنوا لا للكافرين لأنه إنما أعد لهم في الآخرة العذاب

[ 83 ]

والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور قوله تعالى يجتنبون كبائر الإثم وقرأ حمزة والكسائي كبير الإثم على التوحيد من غير ألف والباقون بألف وقد شرحنا الكبائر في سورة النساء 31 وفي المراد بالفواحش هاهنا قولان أحدهما الزنا والثاني موجبات الحدود قوله تعالى ما غضبوا هم يغفرون أي يعفون عمن ظلمهم طلبا لثواب الله تعالى استجابوا لربهم غير أي أجابوه فيما دعاهم إليه عنه شورى بينهم قال ابن قتيبة أي يتشاورون فيه بينهم وقال الزجاج المعنى أنهم لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه قوله تعالى إذا أصابهم البغي هم ينتصرون اختلفوا في هذا البغي على ثلاثة أقوال أحدها أنه بغي الكفار على المسلمين قال عطاء هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم ثم مكنهم الله منهم فانتصروا وقال زيد بن اسلم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين بمكة فرقة كانت تؤذى فتعفو عن المشركين وفرقة كانت تؤذى فتنتصر بعد فأثنى الله عز وجل عليهم جميعا فقال في الذين لم ينتصروا ما غضبوا هم يغفرون في المنتصرين وإذا أصابهم البغي هم ينتصرون أي من المشركين وقال ابن زيد ذكر المهاجرين وكانوا صنفين صنفا عفا وصنفا انتصر فقال ما غضبوا هم يغفرون فبدأ بهم وقال في المنتصرين إذا أصابهم هم ينتصرون أي من المشركين وقال والذين

[ 84 ]

استجابوا لربهم إلى قوله ينفقون وهم الانصار ثم ذكر الصنف الثالث فقال والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون من المشركين والثاني أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة والثالث أنه عام في جميع البغاة سواء كانوا مسلمين أو كافرين واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال دل على أنها منسوخة وللقائلين بأنها في المسليمن قولان أحدهما أنها منسوخة بقوله صبر وغفر يقول الشورى 43 فكأنها نبهت على مدح المنتصر ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح فبان وجه النسخ والثاني أنها محكمة لأن الصبر والغفران فضيلة والانتصار مباح فعلى هذا تكون محكمة وهو الأصح فان قيل كيف الجمع بين هذه الآية وظاهرها مدح المنتصر وبين آيات الحث على العفو فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه انتصار المسلمين من الكافرين وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن عطاء والثاني أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له وإن كان العفو أفضل ومن لم يخرج من الشرع بفعله حسن مدحه قال ابن زيد جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفو فبدأ بذكره وصنف ينتصر والثالث أنه إذا بغي على المؤمن فاسق فلأن له اجتراء الفساق عليه وليس للمؤمن أن يذل نفسه فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق فإذا قدروا عفوا وقال القاضي أبو يعلى هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر على ذلك وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما قوله تعالى سيئة سيئة مثلها قال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال له كلمة اجابة بمثلها من غير أن يعتدي وقال مقاتل هذا في القصاص في الجراحات والدماء

[ 85 ]

(فمن) عفا الذي فلم يقتص العمل على الله إنه لا يحب الظالمين يعني من بدأ بالظلم وإنما سمى المجازاة سيئة لما بينا عند قوله اعتدى عليكم فاعتدوا عليه البقرة 194 قال الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم من كان أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا انتصر بعد ظلمه أي بعد ظلم الظالم إياه والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ونظيره دعاء الخير فصلت 49 و وبسؤال لأن نعجتك وقد ص 24 يعني المنتصرين عليهم من سبيل أي من طريق إلى لوم ولا حد السبيل على الذين يظلمون الناس أي يبتدؤون بالظلم علي في الأرض بغير الحق أي يعملون فيها بالمعاصي قوله تعالى صبر حتى فلم ينتصر تعالى إن ذلك الصبر والتجاوز عزم الأمور وقد شرحناه في آل عمران يضلل الله فما له من ولي من بعده وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ان الظالمين في عذاب مقيم وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل قوله تعالى يضلل الله فما له من ولي أي من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه الظالمين يعني المشركين رأوا العذاب في الآخرة يسألون الرجعة إلى الدنيا هل إلى مرد من سبيل فإن يعرضون عليها أي على النار عمر أي خاضعين متواضعين الذل ينظرون من طرف خفي وفيه أربعة أقوال أحدها من طرف ذليل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقال الأخفش ينظرون من عين ضعيفة وقال غيره من بمعنى الباء

[ 86 ]

والثاني يسارقون النظر قاله قتادة والسدي والثالث ينظرون ببعض العين قاله أبو عبيدة والرابع أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم قد حشروا عميا فلم يروها بأعينهم حكاه الفراء والزجاج وما بعد هذا قد سبق بيانه الأنعام 12 هود 39 إلى قوله النبي من دون الله أي يمنعونهم من عذاب الله وإن لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير فان أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الإنسان كفور لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير قوله تعالى وقال لربكم كما أي أجيبوه فقد دعاكم برسوله قبل أن يأتي يوم وهو يوم القيامة مرد له من الله أي لا يقدر أحد على رده ودفعه من ملجأ تلجؤون هو إليه لكم من نكير قال مجاهد من ناصر ينصركم وقال غيره من قدرة على تغيير ما نزل بكم أعرضوا عن الإجابة أرسلناك عليهم حفيظا لحفظ أعمالهم عليك إلا البلاغ أي ما عليك إلا أن تبلغهم وهذا عند المفسرون منسوخ بآية السيف قوله تعالى إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها قال المفسرون المراد به الكافر والرحمة الغنى والصحة والمطر ونحو ذلك والسيئة المرض والفقر والقحط ونحو ذلك والإنسان هاهنا اسم جنس فلذلك قال تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم أي بما سلف من مخالفتهم الإنسان كفور بما سلف من النعم ملك السموات والأرض أي له التصرف فيها بما يريد لمن يشاء إناثا يعني البنات ليس فيهن ذكر كما وهب للوط صلى الله عليه وسلم فلم يولد له إلا البنات وسلم لمن يشاء الذكور يعني البنين ليس معهم أنثى كما وهب لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فلم يولد له إلى الذكور

[ 87 ]

(أو يزوجهم عنه يعني الإناث والذكور قال الزجاج ومعنى يزوجهم يقرنهم وكل شيئين يقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان و يقال لكل واحد منهما زوج تقول عندي زوجان من الخفاف يعني اثنين وفي معنى الكلام للمفسرين قولان أحدهما أنه وضع المرأة غلاما ثم جارية ثم غلاما ثم جارية قاله مجاهد والجمهور والثاني أنه وضع المرأة جارية وغلاما توأمين قاله ابن الحنفية قالوا وذلك كما جمع لمحمد صلى الله عليه وسلم فانه وهب له بنين وبنات من يشاء عقيما لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما السلام وهذه الأقسام موجودة في سائر الناس وإنما ذكروا الأنبياء تمثيلا كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي باذنه ما يشاء إنه علي حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور قوله تعالى كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا قال المفسرون سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا صادقا كما كلمه موسى ونظر إليه فقال لهم لم ينظر موسى إلى الله ونزلت هذه الآية والمراد بالوحي هاهنا الوحي في المنام من وراء حجاب كما كلم موسى يرسل قرأ نافع وابن عامر يرسل بالرفع إن بسكون الياء وقرأ الباقون يرسل بنصب اللام فيوحي بتحريك الياء والمعنى أو يرسل رسولا كجبرائيل إلا فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه فيه ما يشاء قال مكي بن أبي طالب من قرأ أو يرسل بالنصب عطفه على معنى قوله إلا وحيا لأنه بمعنى إلا أن يوحي ومن قرأ بالرفع فعلى الابتداء كأنه قال أو هو يرسل قال القاضي أبو يعلى وهذه الآية محمولة على أنه لا يكلم بشرا إلا من وراء حجاب في دار الدنيا قوله تعالى أي وكما أوحينا إلى الرسل إليك وقيل الواو عطف

[ 88 ]

على أول السورة فالمعنى كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا قال ابن عباس هو القرآن وقال مقاتل وحيا بأمرنا قوله تعالى كنت تدري ما الكتاب وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل الوحي الإيمان فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان قاله أبو العالية والثاني أن المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان وقد سمى الصلاة إيمانا بقوله كان الله ليضيع إيمانكم البقرة 143 هذا اختيار ابن قتيبة ومحمد بن إسحاق بن خزيمة والثالث أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا قبل البلوغ حكاه الواحدي والقول ما اختاره ابن قتيبة وابن خزيمة وقد اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله ويبغض اللات والعزى ويحج ويعتمر ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه فهو قول سوء أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب وقال ابن قتيبة قد جاء في الحديث أنه كان على دين قومه أربعين سنة ومعناه أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل من ذلك حج البيت والختان وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين ودية النفس مائة من الإبل والغسل من الجنابة وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج وكان لا يقرب الأوثان ويعيبها وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه فذلك قوله ما كنت تدري ما الكتاب يعني القرآن ولا الإيمان يعني شرائع الإيمان ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له البيت مع شركهم قوله تعالى جعلناه في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرآن والثاني إلى الإيمان صلى أي ضياء ودليلا على التوحيد وقال به من نشاء من عبادنا إلى دين الحق لتهدي أنه أي لتدعو إلى صراط مستقيم وهو الإسلام

[ 89 ]

سورة الزخرف أو هي مكية باجماعهم وقال مقاتل هي مكية إلا آية وهي قولمن أرسلنا الزخرف 45 بسم الله الرحمن الرحيم والكتاب المبين إنا جعلنا قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين وكم أرسلنا من نبي في الأولين وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزؤن فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم

[ 90 ]

تهتدون قوله تعالى قد تقدم بيانه المؤمن المبين قسم بالقرآن جعلناه قال سعيد بن جبير أنزلناه وما بعد هذا تقدم بيانه النساء 82 يوسف 2 إلى قوله وإنه يعني القرآن أم الكتاب قال الزجاج أي في أصل الكتاب وأصل كل شئ أمه والقرآن مثبت عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ قوله تعالى وهو أي عندنا أي رفيع وفي معنى الحكيم قولان أحدهما محكم أي ممنوع من الباطل قاله مقاتل والثاني حاكم لأهل الإيمان بالجنة ولأهل الكفر بالنار ذكره أبو سليمان الدمشقي والمعنى إن كذبتم به يا أهل مكة فانه عندنا شريف عظيم المحل قوله تعالى عنكم الذكر صفحا قال ابن قتيبة أي نمسك عنكم فلا نذكركم صفحا أي إعراضا يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عنه والأصل في ذلك أن توليه صفحة عنقلك قال كثير يصف امرأة صفوحا صلى الله عليه وسلم فما تلقاك إلا بخيلة فمن مل منها ذلك الوصل ملت إذا أي معرضة بوجهها يقال ضربت عن فلان كذا إذا أمسكته وأضربت عنه كنتم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر أن كنتم بالنصب أي لأن كنتم قوما مسرفين وقرأ نافع وحمزة والكسائي إن كنتم بكسر الهمزة قال الزجاج وهذا على معنى الاستقبال أي إن تكونوا مسرفين نضرب عنكم الذكر وفي المراد بالذكر قولان أحدهما أنه ذكر العذاب فالمعنى أفنمسك عن عذابكم ونترككم على كفركم وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد والسدي والثاني أنه القرآن فالمعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من أجل أنكم لا تؤمنون به وهو معنى قول قتادة وابن زيد وقال قتادة مسرفين بمعنى مشركين

[ 91 ]

ثم أعلم نبيه أني قد بعثت رسلا فكذبوا فأهلكت المكذبين بالآيات التي تلي هذه قوله تعالى فقال منهم أي من قريش أي أي قوة مثل الأولين أي سبق وصف عقابهم فيما أنزل عليك وقيل سبق تشبيه حال أولئك بهؤلاء في التكذيب فستقع المشابهة بينهم في الإهلاك ثم أخبر عن جهلهم حين أقروا بأنه خالق السموات والأرض ثم عبدوا غيره بالآية التي تلي هذه ثم التي تليها مفسرة في طه 53 إلى قوله تهتدون أي لكي تهتدوا في أسفاركم إلى مقاصدكم نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثنا قوله تعالى نزل من السماء ماء بقدر قال ابن عباس يريد انه ليس كما أنزل على قوم نوح بغير قدر فأغرقهم بل هو بقدر ليكون نافعا ومعنى أنشرنا أحيينا قوله تعالى قبل تخرجون قرأ حمزة والكسائي وابن عامر تخرجون بفتح التاء وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء وما بعد هذا قد سبق يس 42 36 إلى قوله تعالى على ظهوره قال أبو عبيدة هاء التذكير ل ما تذكروا نعمة ربكم إذ سخر لكم ذلك المركب في البر والبحر كنا له مقرنين قال ابن عباس ومجاهد أي مطيقين قال ابن قتيبة يقال أنا مقرن لك أي مطيق لك ويقال هو من قولهم أنا قرن لفلان إذا كنت مثله في الشدة فان قلت أنا قرن لفلان بفتح القاف فمعناه أن تكون مثله بالسن وقال أبو عبيدة مقرنين أي ضابطين يقال فلان مقرن لفلان أي ضابط له قوله تعالى إلى ربنا لمنقللبون به أي راجعون في الآخرة

[ 92 ]

له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين قوله تعالى له من عباده جزءا أما الجعل هاهنا فمعناه الحكم بالشئ وهم الذين زعموا أن الملائكة بنات الله والمعنى جعلوا له نصيبا من الولد قال الزجاج وأنشدني بعض أهل اللغة بيتا يدل على أن معنى جزء معنى الإناث ولا أدري البيت قديم أو مصنوع إن أجزأت حرة يوما فلا عجب قد تجزي الحرة المذكار أحيانا هذا أي آنثت ولدت أنثى قوله تعالى الإنسان يعني الكافر ثم أي جحود لنعم الله عز وجل أي ظاهر الكفر ثم أنكر عليهم فقال اتخذ مما يخلق بنات رسول وهذا استفهام توبيخ وإنكار ولا أي أخلصكم لم بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا أي بما جعل لله شبها وذلك أن ولد كل شئ شبهه وجنسه والآية مفسرة في النحل 58 قوله تعالى ينشأ حدثنا قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص ينشأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين وقرأ الباقون بفتح الياء وسكون النون قال المبرد تقديره أو يجعلون من ينشأ الحلية قال أبو عبيدة الحلية الحلى قال المفسرون والمراد بذلك البنات فانهن ربين في الحلي والخصام بمعنى المخاصمة مبين حجة قال قتادة قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها وقال بعضهم هي الأصنام الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم

[ 93 ]

ويسئلون وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون أن آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين قوله تعالى الملائكة قال الزجاج الجعل هاهنا بمعنى القول والحكم على الشئ نقول قد جعلت زيدا أعلم الناس أي قد وصفته بذلك وحكمت به قال المفسرون وجعلهم الملائكة إناثا قولهم هن بنات الله قوله تعالى هم عباد الرحمن قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب وأبان عن عاصم والشيزري عن الكسائي عند الرحمن بنون من غير ألف وقرأ الباقون عباد الرحمن ومعنى هذه القراءة جعلوا له من عباده بنات والقراءة الأولى موافقة لقوله الذين عند ربك الأعراف 206 وإذا كانوا في السماء كان أبعد للعلم بحالهم ابن خلقهم قرأ نافع والمفضل عن عاصم أأشهدوا بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة وروى المسيبي عن نافع أو شهدوا ممدودة من أشهدت والباقون لا يمدون أشهدوا من شهدت أي أحضروه فعرفوا أنهم إناث وهذا توبيخ لهم إذ قالوا فيما يعلم بالمشاهدة من غير مشاهدة شهادتهم على الملائكة أنها بنات الله وقال مقاتل لما قال الله عز وجل أشهدوا خلقهم سئلوا عن ذلك فقالوا لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما يدريكم أنها إناث فقالوا سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا فقال الله شهادتهم ويسألون عنها في الآخرة وقرأ أبو رزين ومجاهد سنكتب بنون مفتوحة شهادتهم بنصب التاء ووافقهم ابن أبي عبلة في سنكتب وقرأ شهاداتهم بألف قوله تعالى لو شاء الرحمن ما عبدناهم في المكني عنهم قولان أحدهما أنهم الملائكة قاله قتادة ومقاتل في آخرين

[ 94 ]

والثاني الأوثان قاله مجاهد وإنما عنوا بهذا أنه لو لم يرض عبادتنا لها لعجل عقوبتنا فرد عليهم قولهم بقوله لهم بذلك من علم وبعض المفسرين يقول إنما أشار بقوله مالهم بذلك من علم إلى ادعائهم أن الملائكة إناث قال ولم يتعرض لقولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم لأنه قول صحيح والذي اعتمدنا عليه أصح لأن هذه الآية كقوله عنه شاء الله ما أشركنا الانعام 148 وقوله من لو يشاء الله أطعمه يس 470 وقد كشفنا عن هذا المعنى هنالك ويخرصون بمعنى يكذبون وإنما كذبهم لأنهم اعتقدوا أنه رضي منهم الكفر دينا آتيناهم كتابا من قبله أي من قبل هذا القرآن أي بأن يعبدوا غير الله به مستمسكون قوله يأخذون بما فيه قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على سنة وملة ودين على آثارهم مهتدون فجعلوا أنفسهم مهتدين بمجرد تقليد الآباء من غير حجة ثم أخبر أن غيرهم قد قال هذا القول فقال أي وكما قالوا قال مترفو القرى من قبلهم على آثارهم مقتدون له بهم أولو جئتكم وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم قال أولو جئتكم بألف قال أبو علي فاعل قال النذير المعنى فقال لهم النذير وقرأ أبو جعفر أولو جئناكم بألف ونون بأهدى أي بأصوب وأرشد قال الزجاج ومعنى الكلام قل أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئنكم بأهدى منه وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد قال مقاتل فردوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بما أرسلتم به كافرون ثم رجع إلى الأمم الخالية فقال منهم الآية قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون قوله تعالى براء ذلك قال الزجاج البراء بمعنى البرئ والعرب تقول للواحد أنا البراء منك وكذلك للاثنين والجماعة وللذكر والأنثى يقولون نحن البراء منك والخلاء منك لا يقولون نحن البراءان منك ولا البراءون محمد منك وأنما المعنى أنا ذو البراء

[ 95 ]

منك ونحن ذو البراء منك كما يقال رجل عدل وامرأة عدل وقد بينا استثناء إبراهيم ربه عز وجل مما يعبدون عند قوله رب العالمين الشعراء 77 قوله تعالى إلى يعني كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله باقية في عقبه أي فيمن يأتي بعده من ولده فلا يزال فيهم موحد حتى يرجعون إلى التوحيد كلهم إذا سمعوا أن أباهم تبرأ من الأصنام ووحد الله عز وجل ثم ذكر نعمته على قريش فقال متعت هؤلاء وآباءهم كان والمعنى إني أجزلت لهم النعم ولم أعاجلهم بالعقوبة جاءهم الحق وهو القرآن أبو مبين وهو محمد صلى الله عليه وسلم فكان ينبغي لهم أن يقابلوا النعم بالطاعة للرسول فخالفوا جاءهم يعني قريشا في قول الأكثرين وقال قتادة هم اليهود والقرآن لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين قوله تعالى لولا أو أي هلا هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أما القريتان فمكة والطائف قاله ابن عباس والجماعة وأما عظيم مكة ففيه قولان أحدهما الوليد بن المغيرة القرشي رواه العوفي وغيره عن ابن عباس وبه قال قتادة والسدي والثاني عتبة بن ربيعة قاله مجاهد وفي عظيم الطائف خمسة أقوال أحدها حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي رواه العوفي عن ابن عباس

[ 96 ]

والثاني مسعود بن عمرو بن عبيد الله رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أنه أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي رواه ليث عن مجاهد وبه قال قتادة والرابع أنه ابن عبد ياليل رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والخامس كنانة بن عبد بن عمرو بن عمير الطائفي قاله السدي فقال الله عزوجل ردا عليهم وإنكارا يقسمون رحمة ربك يعني النبوة فيضعونها حيث شاؤوا لأنهم اعترضوا على الله بما قالوا قسمنا بينهم معيشتهم) المعنى أنه إذا كانت الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال وهو دون النبوة فكيف تكون النبوة قال قتادة إنك لتلقى ضعيف الحيلة عيي اللسان قد بسط له الرزق وتلقى شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتور عليه قوله تعالى بعضهم فوق بعض درجات فيه قولان أحدهما بالغنى والفقر والثاني بالحرية والرق عبد بعضهم بعضا سخريا وقرأ ابن السميفع وابن محيصن سخريا بكسر السين ثم فيه قولان أحدهما يستخدم الأغنياء بأموالهم فيلتئم قوام العالم وهذا على القول الأول والثاني ليملك بعضهم بعضا بالأموال فيتخذونهم عبيدا وهذا على الثاني قوله تعالى ذلك ربك فيها قولان أحدهما النبوة خير من أموالهم التي يجمعونها قاله ابن عباس والثاني الجنة خير مما يجمعون في الدنيا قاله السدي قوله تعالى أن يكون الناس أمة واحدة فيه قولان أحدهما لولا أن يجتمعوا على الكفر قاله ابن عباس والثاني على إيثار الدنيا على الدين قاله ابن زيد قوله تعالى لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة لهوان الدنيا عندنا قال الفراء إن شئت جعلت اللام في لبيوتهم مكررة كقوله عن الشهر الحرام قتال

[ 97 ]

فيه وإن شئت جعلتها بمعنى على كأنه قال جعلنا لهم على بيوتهم تقول للرجل جعلت لك لقومك الأعطية أي جعلتها من أجلك لهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سقفا على التوحيد وقرأ الباقون سقفا بضم السين والقاف جميعا قال الزجاج والسقف واحد يدل على الجمع فالمعنى جعلنا لبيت كل واحد منهم سقفا من فضة عليه وهي الدرج والمعنى وجعلنا معارج من فضة وكذلك ولبيوتهم أبوابا أي من فضة وسررا أي من فضة قوله تعالى يظهرون قال ابن قتيبة أي يعلون يقال ظهرت على البيت إذا علوت سطحه قوله تعالى أبي وهو الذهب والمعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهبا وغنى كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا المعنى لمتاع الحياة الدنيا وما زائدة وقرأ عاصم وحمزة لما بالتشديد فجعلاه بمعنى إلا والمعنى إن ذلك يتمتع به قليلا ثم يزول عند ربك للمتقين خاصة لهم يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين قوله تعالى يعش (فيه ثلاثة أقوال أحدها يعرض قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة والفراء والزجاج والثاني يعم روي عن ابن عباس أيضا وبه قال عطاء وابن زيد والثالث أنه البصر الضعيف حكاه الماوردي وقال أبو عبيدة تظلم عينه عنه وقال الفراء من قرأ يعش فمعناه يعرض ومن نصب الشين أراد يعم عنه قال ابن

[ 98 ]

قتيبة لا أرى القول إلا قول أبي عبيدة ولم نر أحدا يجيز عشوت عن الشئ أعرضت عنه إنما يقال تعاشيت عن كذا أي تغافلت عنه كأني لم أره ومثله تعاميت والعرب تقول عشوت إلى النار إذا استدللت إليها ببصر ضعيف قال الحطيئة متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد ما خير نار عندها خير موقد لا ومنه حديث ابن المسيب أن إحدى عينيه ذهبت وهو يعشو بالأخرى أي يبصر بها بصرا ضعيفا قال المفسرون ومن يعش عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه ولم يلتفت إلى كلامه نقيض له أي نسبب له شيطانا فنجعل ذلك جزاءه فهو له قرين لا يفارقه أن يعني الشياطين على يعني الكافرين أي يمنعونهم عن سبيل الهدى وإنما جمع لأن من في موضع جمع يعني كفار بني آدم أنهم على هدى إذا جاءنا الله وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم جاءنا واحد يعني الكافر وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جاءانا بألفين على التثنية يعنون الكافر وشيطانه وجاء في التفسير أنهما يجعلان يوم البعث في سلسلة فلا يفترقان حتى يصيرهما الله إلى النار الكافر للشيطان ليت بيني وبينك بعد المشرقين قال أي بعدما بين المشرقين وفيهما قولان أحدهما أنهما مشرق الشمس في أقصر يوم في السنة ومشرقها في أطول يوم قاله ابن السائب ومقاتل والثاني أنه أراد المشرق والمغرب فغلب ذكر المشرق كما قالوا سنة العمرين يريدون أبا بكر وعمر وأنشدوا من ذلك عن بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع يريد الشمس والقمر وأنشدوا فبصرة الأزد من منا والعراق لنا والموصلان في ومنا مصر والحرم بن يريد الجزيرة والموصل وهذا اختيار الفراء والزجاج قوله تعالى القرين هذه أي أنت أيها الشيطان ويقول الله عز وجل يومئذ للكفار ينفعكم اليوم إذ ظلمتم اي أشركتم في الدنيا في العذاب مشتركون أي لن ينفعكم الشركة في العذاب لأن لكل واحد منه الحظ الأوفر قال المبرد منعوا روح التأسي

[ 99 ]

لان التأسي يسهل المصيبة وأنشد للخنساء سنة أخت صخر بن مالك في هذا المعنى ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي عمرو النفس عنه بالتأسي وقرأ ابن عامر إنكم بكسر الألف ثم أخبر عنهم بما سبق لهم من الشقاوة بقوله تسمع الصم الآية غير نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون قبل قوله تعالى غير نذهبن بك قال أبو عبيدة معناها فإن نذهبن وقال الزجاج دخلت ما توكيدا للشرط ودخلت النون الثقيلة في نذهبن توكيدا أيضا والمعنى إنا ننتقم منهم إن توفيت أو نرينك ما وعدناهم ووعدناك فيهم من النصر قال ابن عباس ذلك يوم بدر وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله كما نذهبن بك منسوخ بآية السيف ولا وجه له قوله تعالى يحيى يعني القرآن الرحمن لك أي شرف لك بما أعطاك الله وكان في قومه ثلاثة أقوال أحدها العرب قاطبة والثاني قريش والثالث جميع من آمن به وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر من بعدك لم يخبر بشئ حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل قال لقريش وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية لشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم ومذهب مجاهد أن القوم هاهنا العرب والقرآن شرف لهم إذ أنزل بلغتهم قال ابن قتيبة إنما وضع الذكر موضع الشرف لأن الشريف يذكر وفي قوله تسألون قولان أحدهما عن شكر ما أعطيتم من ذلك والثاني عما لزمكم فيه من الحقوق من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

[ 100 ]

ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين قوله تعالى من أراسلنا روى من قبلك من رسلنا إن قيل كيف يسأل الرسل وقد ماتوا قبله فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه لما أسري به جمع له الأنبياء فصلى بهم ثم قال له جبريل سل من أرسلنا قبلك الآية فقال لا أسأل قد اكتفيت رواه عطاء عن ابن عباس وهذا قول سعيد بن جبير والزهري وابن زيد قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به فلقيهم وأمر أن يسألهم فما شك ولا سأل والثاني أن المراد اسأل مؤمني أهل الكتاب من الذين أرسلت إليهم الأنبياء روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي في آخرين قال ابن الأنباري والمعنى سل أتباع من أرسلنا قبلك كما تقول السخاء حاتم أي سخاء حاتم والشعر زهير أي شعر زهير وعند المفسرين أنه لم يسأل على القولين وقال الزجاج هذا سؤال تقرير فإذا سأل جميع الأمم لم يأتوا بان في كتبهم أن اعبدوا غيري والثالث أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب أمته فيكون المعنى سلوا قاله الزجاج وما بعد هذا ظاهر إلى قوله هم منها يضحكون استهزاء بها وتكذيبا نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها يعني ما ترادف عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدو الطمس فكانت كل آية أكبر من التي قبلها وهي العذاب المذكور في

[ 101 ]

قوله ولم بالعذاب فكانت عذابا لهم ومعجزات لموسى عليه السلام قوله تعالى يا أيها الساحر في خطابهم له بهذا ثلاثة أقوال أحدها أنهم أرادوا يا أيها العالم وكان الساحر فيهم عظيما رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنهم قالوه على جهة الاستهزاء قاله الحسن والثالث أنهم خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر قاله الزجاج قوله تعالى لمهتدون أي مؤمنون بك فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا وقد ذكرنا ما تركناه هاهنا في الأعراف 1 قوله تعالى من تحتي بين أي من تحت قصوري تبصرون عظمتي وشدة ملكي أنا خير قال أبو عبيدة أراد بل أنا خير وحكى الزجاج عن سيبويه والخليل أنهما قالا عطف أنا ب أم على أفلا تبصرون فكأنه قال أفلا تبصرون أم أنتم بصراء لانهم إذا قالوا أنت خير منه فقد صاروا عنده بصراء قال الزجاج والمهين القليل يقال شئ مهين أي قليل وقال مقاتل مهين بمعنى ذليل ضعيف قوله تعالى يكاد يبين أشار إلى عقدة لسانه التي كانت به ثم أذهبها الله عنه فكأنه عيره بشئ قد كان وزال ويدل على زواله قوله تعالى أوتيت سؤلك يا موسى طه 36 وكان في سؤاله عقدة من لساني أهل طه 27 وقال بعض العلماء ولا يكاد يبين الحجة ولا يأتي ببيان يفهم أي فهلا حديث عليه أساورة من ذهب وقرأ حفص عن عاصم أسورة بغير ألف قال الفراء واحد الأساورة إسوار وقد تكون الأساورة جمع أسورة كما يقال في جمع الأسقية الأساقي وفي جمع الأكرع الاكارع وقال الزجاج يصلح أن تكون الأساورة جمع الجمع تقول أسورة وأساورة كما تقول أقوال وأقاويل ويجوز أن تكون جمع إسوار وإنما صرفت أساورة لأنك ضممت الهاء إلى أساور فصار اسما واحدا وصار له مثال في الواحد نحو علانية قال المفسرون إنما قال فرعون هذا لأنهم كانوا إذا سودوا الرجل منهم سوروه بسوار

[ 102 ]

حاء معه الملائكة مقترنين فيه قولان أحدهما متتابعين قاله قتادة والثاني يمشون معه قال الزجاج قوله تعالى قومه قال الفراء استفزهم وقال غيره استخف أحلامهم وحملهم على خفة الحلم بكيده وغروره عند في تكذيب موسى آسفونا قال ابن عباس أغضبونا قال ابن قتيبة الأسف الغضب يقال آسفت لأنه آسف أسفا أي غضبت أخبرنا سلفا أي قوما تقدموا وقرأها أبو هريرة وسعيد بن جبير ومجاهد وحميد الأعرج سلفا بضم السين وفتح اللام كأن واحدته سلفة من الناس مثل القطعة يقال تقدمت سلفة من الناس أي قطعة منهم وقرأ حمزة والكسائي سلفا بضم السين واللام وهو جمع سلف كما قالوا خشب وخشب وثمر وثمر ويقال هو جمع سليف وكله من التقدم وقال الزجاج السليف يا جمع قد مضى والمعنى جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون قوله تعالى لو أي عبرة وعظة ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا ءآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ولو نشاء لجعلنا منكمن ملائكة في الأرض يخلفون وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون قوله تعالى ضرب ابن مريم مثلا أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل قوله مع وما تعبدون من دون الله الآية الأنبياء 98 وقد شرحنا

[ 103 ]

القصة في سورة الأنبياء 101 والمشركون هم الذين ضربوا عيسى مثلا لآلهتهم وشبههوه يكون بها لأن تلك الآية إنما تضمنت ذكر الأصنام لأنها عبدت من دون الله فألزموه عيسى وضربوه مثلا لأصنامهم لأنه معبود النصارى والمراد بقومه المشركون فأما مع فقرأ ابن عامر ونافع والكسائي بضم الصاد وكسرها الباقون قال الزجاج ومعناهما جميعا يضجون ويجوز أن يكون معنى المضمومة يعرضون وقال أبو عبيدة من كسر الصاد فمجازها يضجون ومن ضمها فمجازها يعدلون قوله تعالى أآلهتنا خير أم هو المعنى ليست خيرا منه قال كان في النار لأنه عبد من دون الله فقد رضينا أن تكون آلهتنا بمنزلته ضربوه لك إلا جدلا أ ] ما ذكروا عيسى إلا ليجادلوك به لأنهم قد علموا أن المراد ب حصب جهنم ما اتخذوه من الموات هم قوم خصمون أي أصحاب خصومات قوله تعالى مثلا أي آية وعبرة سعيد إسرائيل يعرفون به قدرة الله على ما يريد إذ خلقه من غير أب ثم خاطب كفار مكة فقال نشاء لجعلنا منكم فيه قولان أحدهما أن المعنى لجعلنا بدلا منكم بكر ثم في معنى يخلفون ثلاثة أقوال أحدها يخلف بعضهم بعضا قاله ابن عباس والثاني يخلفونكم ليكونوا بدلا منكم قاله مجاهد والثالث يخلفون الرسل فيكونون رسلا إليكم بدلا منهم حكاه الماوردي

[ 104 ]

والقول الثاني أن المعنى ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة أي قلبنا الخلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم ذكره الماوردي قوله تعالى لعلم للساعة في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى عيسى عليه السلام ثم في معنى الكلام قولان أحدهما نزول عيسى من اشراط الساعة يعلم به قربها وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثاني أن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى قاله ابن إسحاق والقول الثاني أنها ترجع إلى القرآن قاله الحسن وسعيد بن جبير وقرأ الجمهور لعلم بكسر العين وتسكين اللام وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن وقتادة وحميد وابن محيصن بفتحهما قال ابن قتيبة من قرأ بكسر العين فالمعنى أنه يعلم به قرب الساعة ومن فتح العين واللام فانه بمعنى العلامة والدليل قوله تعالى تمترن بها أي فلا تشكن فيها قد على التوحيد الذي أنا عليه مستقيم جاء عيسى بالبينات قد شرحنا هذا في البقرة 87 قد جئتكم بالحكمة وفيها قولان أحدهما النبوة قاله عطاء والسدي والثاني الإنجيل قاله مقاتل لكم بعض الذي تختلفون فيه أي من أمر دينكم وقال مجاهد بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوراة وقال ابن جرير من أحكام التوراة وقد ذهب قوم إلى أن البعض هاهنا بمعنى الكل وقد شرحنا ذلك في حم المؤمن 28 قال الزجاج والصحيح أن البعض لا يكون في معنى الكل وإنما بين لهم عيسى بعض الذي اختلفوا فيه مما احتاجوا إليه وقد قال ابن جرير كان بينهم اختلاف في أمر دينهم ودنياهم فبين لهم أمر دينهم فقط وما بعد هذا قد سبق بيانه النساء 175 مريم 37 إلى قوله ينظروه وفي يعني كفار مكة يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم

[ 105 ]

تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهية الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التي أورثتموها بما كمتم تعملون لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون تعالى كل أي في الدنيا أي في القيامة لبعض عدو لأن الخلة إذا كانت في الكفر والمعصية صارت عداوة يوم القيامة وقال مقاتل نزلت في امية بن خلف وعقبة بن أبي معيط المتقين يعني الموحدين فإذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد عابد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فيرفع الخلائق رؤوسهم فيقول آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين فينكس الكفار رؤوسهم قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يا عبادي باثبات الياء في الحالين وإسكانها وحذفها في الحالين ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم وخلف وفي أزواجهم قولان أحدهما زوجاتهم والثاني قرناؤهم وقد سبق معنى الروم 15 قوله تعالى عليهم بصحاف قال الزجاج واحدها صحفة وهي القصعة والأكواب واحدها كوب وهو إناء مستدير لا عروة له قال الفراء الكوب الكوز المستدير الرأس الذي لا أذن له وقال عدي متكئا تصفق أبوابه يسعى فلا عليه العبد بالكوب وقال ابن قتيبة الأكواب الأباريق التي لا عرى لها وقال شيخنا أبو منصور اللغوي وإنما كانت بغير عرى ليشرب الشارب من أين شاء لأن العروة ترد الشارب من بعض الجهات قوله تعالى ما تشتهي الأنفس منه وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم تشتهية بزيادة ها وحذف الهاء كاثباتها في المعنى قوله تعالى: الأعين يقال لذذت غير الشئ واستلذذته أحمد والمعنى ما من شئ اشتهته نفس أو استلذته بعد عين إلا وهو في الجنة وقد جمع الله تعالى جميع نعيم الجنة في هذين الوصفين فانه ما من نعمة إلا وهي نصيب النفس أو العين وتمام النعيم الخلود لأنه لو انقطع لم تطب

[ 106 ]

يقول الجنة يعني التي ذكرها في قوله ادخلوا الجنة أورثتموها قد شرحنا هذا في الأعراف 43 عند قوله الذي المجرمين في عذاب جهنم خالدين لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ما كثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ام أبرموا أمرا فانا مبرمون أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون قوله تعالى المجرمين يعني الكافرين يفتر لأن أي لا يخفف وقد وهم فيه يعني في العذاب علي قال ابن قتيبة آيسون من رحمة الله وقد شرحنا هذا في الأنعام 44 ظلمناهم أي ما عذبناهم على غير ذنب كانوا هم الظالمين لأنفسهم بما جنوا عليها قال الزجاج والبصريون يقولون هم هاهنا فصل كذلك يسمونها ويسميها الكوفيون العماد قوله تعالى يا مالك وقرأ علي بن أبي طالب رضى الله عنه وابن مسعود وابن يعمر يا مال بغير كاف مع كسر اللام قال الزجاج وهذا يسميه النحويون الترخيم ولكني أكرهها لمخالفة المصحف قال المفسرون يدعون مالكا خازن النار فيقولون علينا ربك أي ليمتنا والمعنى أهم توسلوا به ليسأل اله تعالى لهم الموت فيستريحوا من العذاب فيسكت عن جوابهم مدة فيها أربعة أقوال أحدها أربعون عاما قاله عبد الله بن عمرو ومقاتل والثاني ثلاثون سنة قاله أنس

[ 107 ]

والثالث ألف سنة قاهل حتى ابن عباس والرابع مائة سنة قاله كعب وفي سكوته عن جوابهم هذه المدة قولان أحدهما أنه سكت حتى أوحى الله إليه أن أجبهم قاله مقاتل والثاني لأن بعد ما بين النداء والجواب أخزى لهم وأذل قال الماوردي فرد عليهم مالك فقال مع ماكثون أي مقيمون في العذاب جئناكم بالحق أي أرسلنا رسلنا بالتوحيد أكثركم تعالى قال ابن عباس يريد كلكم فإن لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى ابرموا أمرا في أم قولان أحدهما أنها للاستفهام والثاني بمعنى بل والإبرام الإحكام وفي هذا الأمر ثلاثة أقوال أحدها المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه أو يخرجوه حين اجتمعوا في دار الندوة وقد سبق بيان القصة الأنفال 30 قاله الأكثرون والثاني أنه إحكام أمرهم في تكذيبهم قاله قتادة والثالث أنه إبرام أمرهم ينجيهم من العذاب قاله الفراء مبرمون أي محكمون أمرا في مجازاتهم يحسبون أنا لا نسمع سرهم وهو ما يسرونه من غيرهم ما يتناجون به بينهم والمعنى إنا نسمع ذلك عمر يعني من الحفظة النبي يكتبون إن كان للرحمن ولد في إن قولان أحدهما أنها بمعنى الشرط والمعنى إن كان له ولد في قولكم وعلى زعمكم فعلى هذا في قوله أول العابدين أربعة أقوال أحدها فأنا أول الجاحدين رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن أعرابيين اختصما إليه فقال أحدهما إن هذا كانت لي في يده أرض فعبدنيها وإن فقال ابن عباس الله أكبر فأنا أول العبادين الجاحدين أن لله ولدا والثاني فأنا أول من عبد الله مخالفا لقولكم هذا قول مجاهد وقال الزجاج معناه إن

[ 108 ]

كنتم تزعمون للرحمن ولدا فأنا أول الموحدين والثالث فأنا أول الآنفين لله مما قلتم قاله ابن السائب وأبو عبيدة قال ابن قتيبة يقال عبدت من كذا أعبد عبدا فأما عبد وعابد قال الفرزدق أولئك قوم إن هجوني هجوتهم وأعبد أن تهجى تميم بدارم كما أي آنف وأنشد أبو عبيدة وأعبد أن أسبهم بقومي وأوثر هو دارما وبني رزاح وسلم والرابع أن معنى الآية كما أني لست أول عابد لله فكذلك ليس له ولد وهذا كما تقول إن كنت كاتبا فأنا حاسب أي لست كاتبا ولا أنا حاسب حكى هذا القول الواحدي عن سفيان بن عيينة والقول الثاني أن إن بمعنى ما قاله الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد فيكون المعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله على يقين أنه لا ولد له وقال أبو عبيدة الفاء على هذا القول بمعنى الواو قوله تعالى عنه يعني كفار مكة إن في باطلهم إلا في دنياهم يلاقوا فيه وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن محيصن وأبو جعفر حتى يلقوا بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف والمراد يلاقوا يوم القيامة وهذه الآية عند الجمهور منسوخة بآية السيف الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون ولا يملك الذين يدعون 3 233 من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون قوله تعالى الذي في السماء إله وفي الأرض إله قال مجاهد وقتادة يعبد في

[ 109 ]

السماء ويعبد في الأرض وقال الزجاج هو الموحد في السماء وفي الأرض وقرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وابن السميفع وابن يعمر والجحدري في السماء الله وفي الأرض الله بألف ولام من غير تنوين ولا همز فيهما وما بعد هذا سبق بيانه الأعراف 54 لقمان 34 إلى قوله يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة سبب نزولها أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقا فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد فنزلت هذه الآية قاله مقاتل وفي معنى الآية قولان أحدهما أنه أراد بالذين يدعون من دونه آلهتهم ثم استثنى عيسى وعزير والملائكة فقال من شهد بالحق وهو أن يهشد صلى أن لا إله إلا الله يعلمون بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهذا مذهب الأكثرين منهم قتادة والثاني أن المراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة الذين عبدهم المشركون بالله لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد من شهد وقال أي إلا لمن شهد وهي كلمة الإخلاص يعلمون أن الله عز وجل خلق عيسى وعزير والملائكة وهذا مذهب قوم منهم مجاهد وفي الآية دليل على ان شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به قوله تعالى يا رب أنه قال قتادة هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه وقال ابن عباس شكا إلى الله تخلف قومه عن الإيمان قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو وقيله بنصب اللام وفيها ثلاثة أوجه أحدها أنه أضمر معها قولا كأنه قال وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه والثاني أنه عطف على قوله أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله فالمعنى ونسمع قيله ذكر القولين الفراء والأخفش والثالث أنه منصوب على معنى وعنده علم الساعة ويعلم قيله لأن معنى وعنده علم الساعة يعلم الساعة ويعلم قيله هذا اختيار الزجاج وقرأ عاصم وحمزة وقيله بكسر اللام والهاء حتى تبلغ إلى الياء والمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله وقرأ أبو هريرة وأبو رزين وسعيد بن جبير وأبو رجاء والجحدري وقتادة وحميد برفع اللام والمعنى ونداؤه هذه الكلمة يا رب ذكر علة الخفض والرفع الفراء والزجاج قوله تعالى عنهم أي فأعرض عنهم صلى سلام فيه ثلاثة أقوال أحدها قل خيرا بدلا من شرهم قاله السدي والثاني اردد عليهم معروفا قاله مقاتل

[ 110 ]

والثالث قل ما تسلم به من شرهم حكاه الماوردي يعلمون فيه ثلاثة أقوال أحدها يعلمون عاقبة كفرهم والثاني أنك صادق والثالث حلول العذاب بهم وهذا تهديد لهم فسوف يعلمون وقرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء ومن قرأ بالياء فعلى الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بهذا قاله مقاتل فنسخت آية السيف الإعراض والسلام

[ 111 ]

سورة الدخان وهي مكية كلها باجماعهم الله الرحمن الرحيم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك إنه هو السميع العليم رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين بل هم في شك يلعبون قوله عز وجل والكتاب المبين قد تقدم بيانه المؤمن والزخرف وجواب القسم أنزلناه والهاء كناية عن الكتاب وهو القرآن ليلة مباركة وفيها قولان أحدهما أنها ليلة القدر وهو قول الأكثرين وروى عكرمة عن ابن عباس قال أنزل القرآن

[ 112 ]

من عند الرحمن ليلة القدر جملة واحدة فوضع في السماء الدنيا ثم أنزل نجوما وقال مقاتل نزل القرآن كله في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا والثاني أنها ليلة النصف من شعبان قاله عكرمة قوله تعالى كنا منذرين أي مخوفين عقابنا أي في تلك الليلة وهو كل صلى الله عليه وسلم أي يفصل وقرأ أبو المتوكل وأبو نهيك ومعاذ القارئ يفرق بفتح الياء وكسر الراء كل بنصب اللام ثم حكيم أي محكم قال ابن عباس يكتب من ام الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحاج وإنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى وعلى ما روي عن عكرمة أن ذلك في ليلة النصف من شعبان والرواية عنه بذلك مضطربة قد خولف الراوي لها فروي عن عكرمة أنه قال في ليلة القدر وعلى هذا المفسرون قوله تعالى من عندنا قال الأخفش امرا ورحمة منصوبان على الحال المعنى إنا انزلناه آمرين أمرا وراحمين رحمة قال الزجاج ويجوز أن يكون منصوبا ب يفرق بمنزلة يفرق فرقا لأن أمرا بمعنى فرقا قال الفراء ويجوز أن تنصب الرحمة بوقوع مرسلين عليها فتكون الرحمة هي النبي صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل مرسلين بمعنى منزلين هذا القرآن أنزلناه رحمة لمن آمن به وقال غيره أمرا من عندنا أي إنا نأمر بنسخ ما ينسخ من اللوح كنا مرسلين الأنبياء إذا منا بخلقنا السموات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر رب بالرفع وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم رب بكسر الباء وما بعد هذا ظاهر إلى قوله هم يعني الكفار شك مما جئناهم به فقال يهزؤون به يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون فارتقب أي أي فانتظر تأتي السماء بدخان مبين اختلفوا في هذا الدخان ووقته

[ 113 ]

على ثلاثة أقوال أنه دخان يجئ قبل قيام الساعة فروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الدخان يجئ فيأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام وروى عبد الله بن أبي مليكة قال غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت لم قال طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يطرق الدخان وهذا المعنى مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة والحسن والثاني أن قريشا أصابهم جوع فكانوا يرون بينهم وبين السماء دخانا من الجوع فروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مسروق قال كنا عند عبد الله فدخل علينا رجل فقال جئتك من المسجد وتركت رجلا يقول في هذه الآية يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشاهم يوم القيامة دخان يأخذ بأنفاسهم حتى يصيبهم منه كهيئة الزكام فقال عبد الله من علم علما فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم إنما كان هذا لأن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام والميتة وجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فقالوا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون 1 241 فقال الله تعالى كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون فكشف عنهم ثم عادوا إلى الكفر فأخذوا يوم بدر فذلك قوله نبطش البطشة الكبرى وإلى نحو هذا ذهب مجاهد وأبو العالية والضحاك وابن السائب ومقاتل والثالث أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء بالغبرة حكاه الماوردي قوله تعالى عذاب أي يقولون هذا عذاب اكشف عنا العذاب فيه قولان أحدهما الجوع والثاني الدخان مؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لهم الذكرى أي من أين لهم التذكر والاتعاظ بعد نزول هذا البلاء حالهم أنه جاءهم رسول مبين أي ظاهر الصدق تولوا عنه أي أعرضوا ولم يقبلوا قوله معلم مجنون أي هو معلم يعلمه بشر

[ 114 ]

مجنون بادعائه النبوة قال الله تعالى كاشفوا العذاب قليلا أي زمانا يسيرا وفي العذاب قولان الضر الذي نزل بهم كشف بالخصب هذا على قول ابن مسعود قال مقاتل كشفه إلى يوم بدر والثاني أنه الدخان قاله قتادة قوله تعالى مع عائدون فيه قولان أحدهما إلى الشرك قاله ابن مسعود والثاني إلى عذاب الله قاله قتادة قوله تعالى نبطش البطشة الكبرى وقرأ الحسن وابن يعمر وأبو عمران يوم تبطش بتاء مرفوعة وفتح الطاء البطشة بالرفع قال الزجاج المعنى واذكر يوم نبطش ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله منتقمون لأن ما بعد إنا لا يجوز أن يعمل فيما قبلها وفي هذا اليوم قولان أحدهما يوم بدر قاله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو هريرة وأبو العالية ومجاهد والضحاك والثاني يوم القيامة قاله ابن عباس والحسن والبطش الأخذ بقوة فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فاسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين قوله تعالى فتنا أي ابتلينا أي قبل قومك فرعون بارسال

[ 115 ]

موسى إليهم رسول كريم وهو موسى بن عمران وفي معنى كريم ثلاثة أقوال أحدها حسن الخلق قاله مقاتل والثاني كريم على ربه قاله الفراء والثالث شريف وسيط النسب قاله أبو سليمان قوله تعالى أدوا ثنا أي بان أدوا عباد الله وفيه قولان أحدهما أدوا إلى ما أدعوكم إليه من الحق باتباعي روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس فعلى هذا ينتصب عباد الله بالنداء قال الزجاج ويكون المعنى أن أدوا إلي ما آمركم به يا عباد الله والثاني أرسلوا معي بني إسرائيل قاله مجاهد وقتادة والمعنى أطلقوهم من تسخيركم به وسلم وهم إلي لا تعلوا على الله فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تفتروا عليه قاله ابن عباس والثاني لا تعتوا عليه قاله قتادة والثالث لا تعظموا عليه قاله ابن جريج آتيكم بسلطان مبين أي بحجة تدل على صدقي فلما قال هذا تواعدوه بالقتل فقال ما عذت بربي وربكم أن ترجمون وفيه قولان أحدهما أنه رجم القول قاله ابن عباس فيكون المعنى أن يقولوا شاعر أو مجنون والثاني القتل قاله السدي لم تؤمنوا لي فاعتزلون أي فاتركوني لا معي ولا علي فكفروا ولم يؤمنوا ربه أن هؤلاء قال الزجاج من فتح أن فالمعنى بأن هؤلاء ومن كسر فالمعنى قال إن هؤلاء وإن بعد القول مكسورة وقال المفسرون المجرمون هاهنا المشركون فأجاب الله دعاءه وقال بعبادي ليلا يعني بالمؤمنين مع متبعون يتبعكم فرعون وقومه فأعلمهم أنهم يتبعونهم وأنه سيكون سببا لغرقهم هذا البحر رهوا أي ساكنا على حاله بعد أن انفرق لك ولا تأمره أن يرجع كما كان حتى يدخله فرعون وجنوده والرهو مشي في سكون

[ 116 ]

قال قتادة لما قطع موسى عليه السلام البحر عطف يضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده فقيل له واترك البحر رهوا أي كما هو طريقا يابسا قوله تعالى جند مغرقون أخبره الله عز وجل بغرقهم ثم ليطمئن قلبه في ترك البحر على حاله تركوا أي بعد غرقهم جنات وقد فسرنا الآية في الشعراء 1 فأما النعمة فهو العيش اللين الرغد وما بعد هذا قد سبق بيانه يس 55 إلى قوله قوما آخرين يعني بني إسرائيل بكت عليهم السماء أي على آل فرعون وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها أنه على الحقيقة روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من مسلم إلا وله في السماء بابان باب يصعد فيه عمله وباب ينزل منه رزقه فإذا مات بكيا عليه وتلا صلى الله عيه وسلم هذه الآية وقال علي رضي الله عنه إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء وإن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في السماء مصعد عمل فقال الله تعالى فما بكت عليهم السماء والأرض وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس والضحاك ومقاتل وقال ابن عباس الحمرة التي في السماء بكاؤها وقال مجاهد ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا فقيل له أو تبكي قال وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل والثاني أن المراد أهل السماء وأهل الأرض قاله الحسن ونظير هذا قوله تعالى تضع الحرب أوزارها محمد 4 أي أهل الحرب والثالث أن العرب تقول إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم أظلمت الشمس له وكسف القمر لفقده وبكته الريح والبرق والسماء والأرض يريدون المبالغة في وصف المصيبة وليس ذلك بكذب منهم لأنهم جميعا متواطئون عليه والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ونيتهم في قولهم أظلمت الشمس كادت تظلم وكسف القمر كاد يكسف ومعنى كاد هم أن يفعل ولم يفعل قال ابن مفرغ يرثي رجلا الريح تبكي شجوه والبرق رسول يلمع في غمامه

[ 117 ]

وقال الآخر الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا لم أراد الشمس طالعة تبكي عليه وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر لأنها مظلمة وإنما تكسف بضوئها فنجوم الليل بادية بالنهار فيكون معنى الكلام إن الله لما أهلك قوم فرعون لم يبك عليهم باك ولم يجزع جازع ولم يوجد لهم فقد هذا كله كلام ابن قتيبة نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين وما خلقنا السموا ت والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم قوله تعالى العذاب المهين يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والتعب في أعمال فرعون كان عاليا أي جبارا اخترناهم حدثنا يعني بني إسرائيل علم علمه الله فيهم على عالمي زمانهم من الآيات كانفراق ابن البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى إلى غير ذلك فيه بلاء مبين أي نعمة ظاهرة ثم رجع إلى ذكر كفار مكة فقال هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى يعنون التي تكون في الدنيا نحن بمنشرين أي بمبعوثين بآبائنا أي ابعثوهم لنا كنتم صادقين في البعث وهذا جهل منهم من وجهين أحدهما أنهم قد رأوا من الآيات ما يكفي في الدلالة فليس لهم أن يتنطعوا

[ 118 ]

والثاني أن الإعادة للجزاء وذلك في الآخرة لا في الدنيا ثم خوفهم عذاب الأمم قبلهم فقال خير أي أشد وأقوى قوم تبع أي ليسوا خيرا منهم روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أدري تبعا نبي أو غير نبي وقالت عائشة لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا ألا ترى أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه وقال وهب أسلم تبع ولم يسلم قومه فلذلك ذكر قومه ولم يذكر وذكر بعض المفسرين أنه كان يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه فأما تسميته ب تبع فقال أبو عبيدة كل ملك من ملوك اليمن كان يسمى تبعا لأنه يتبع صاحبه فموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وقال مقاتل إنما سمي تبعا لكثرة أتباعه واسمه ملكيكرب وإنما ذكر قوم تبع لأنهم كانوا أقرب في الهلاك إلى كفار مكة من غيرهم وما بعد هذا قد تقدم الأنبياء 16 الحجر 85 إلى قوله تعالى يوم الفصل وهو يوم يفصل الله عز وجل بين العباد قوله أي ميعادهم له يأتيه الأولون والآخرون لا يغني مولى عن مولى شيئا فيه قولان أحدهما لا ينفع قريب قريبا قاله مقاتل وقال ابن قتبة لا يغني ولي عن وليه بالقرابة أو غيرها والثاني لا ينفع ابن عم ابن عمه قاله أبو عبيدة هم ينصرون أي لا يمنعون من عذاب الله من رحم الله وهم المؤمنون فانه يشفع بعضهم في بعض إن شجرت الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق

[ 119 ]

متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم فانما يسرناه بلسانك لعلهم يتفكرون فارتقب إنهم مرتقبون شجرة الزقوم قد ذكرناها في الصافات 62 والأثيم الفاجر وقال مقاتل هو أبو جهل وقد ذكرنا معنى المهل في الكهف 29 قوله تعالى ذلك في البطون قرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم يغلي بالياء والباقون بالتاء فمن قرأ تغلي بالتاء فلتأنيث الشجرة ومن قرأ بالياء حمله على الطعام قال أبو علي الفارسي ولا يجوز ان يحمل الغلي على المهل لأن المهل ذكر للتشبيه في الذوب وإنما يغلي ما شبه به الحميم وهو الماء الحار إذا اشتد غليانه قوله تعالى محمد أي يقال للزبانية خذوه وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب بضم التاء وكسرها الباقون قال ابن قتيبة ومعناه قودوه بالعنف يقال جئ بفلان يعتل إلى السلطان وسواء الجحيم وسط النار قال مقاتل الآيات في أبي جهل يضربه الملك من خزان جهنم على رأسه بمقمعة من حديد فتنقب إلى عن دماغه فيجري دماغه على جسده ثم يصب الملك في النقب ماء حميما قد انتهى حره فيقع في بطنه ثم يقول له الملك ذق العذاب أنت العزيز الكريم هذا توبيخ له بذلك وكان أبو جهل يقول أنا أعز قريش وأكرمها وقرأ الكسائي ذق أنك بفتح الهمزة والباقون بكسرها قال أبو علي من كسرها فالمعنى أنت العزيز في زعمك ومن فتح فالمعنى بأنك فان قيل كيف سمي بالعزيز وليس به فالجواب من ثلاثة أوجه أحدها أنه قيل ذلك استهزاء به قاله سعيد بن جبير ومقاتل والثاني أنت العزيز الكريم عند نفسك قاله قتادة والثالث أنت العزيز في قومك الكريم على أهلك حكاه الماوردي ويقول الخزان لأهل النار هذا ما كنتم به تمترون أي تشكون في كونه ثم ذكر مستقر المتقين فقال المتقين في مقام أمين قرأ نافع وابن عامر في مقام بضم الميم والباقون بفتحها قال الفراء المقام بفتح الميم المكان وبضمها الإقامة

[ 120 ]

قوله تعالى كان أي أمنوا فيه الغير والحوادث وقد ذكرنا الجنات في البقرة 25 وذكرنا معنى العيون ومعنى متقابلين في الحجر 47 45 وذكرنا السندس والإستبرق في الكهف 3 قوله تعالى أي الأمر كما وصفنا بحور عين قال المفسرون المعنى قرناهم بهن وليس من عقد التزويج قال أبو عبيدة المعنى جعلنا ذكور أهل الجنة أزواجا أبو عين من النساء تقول للرجل زوج هذه النعل الفرد بالنعل الفرد أي اجعلهما زوجا والمعنى جعلناهم اثنين اثنين وقال يونس العرب لا تقول تزوج بها إنما يقولون تزوجها ومعنى وزوجناهم بحور عين قرناهم وقال ابن قتيبة يقال زوجته امرأة وزوجته بامرأة وقال أبو علي الفارسي والتنزيل على ما قال يونس وهو قوله تعالى الأحزاب وما قال زوجناك بها فأما الحور فقال مجاهد الحور النساء النقيات البياض وقال الفراء الحوراء البيضاء من الإبل قال وفي الحور العين لغتان حور عين وحير عين وأنشد أزمان أو عيناء سرور المسير وحوراء) عيناء من العين الحير عبد وقال أبو عبيدة الحوراء الشديدة بياض بياض العين الشديدة سواد سوادها وقد بينا معنى العين في الصافات 5 قوله تعالى بن فيها بكل فاكهة آمنين فيه قولان أحدهما آمنين من انقطاعها في بعض الأزمنة والثاني آمنين من التخم والأسقام والآفات قوله تعالى الموتة الأولى فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها بمعنى سوى فتقدير الكلام لا يذوقون في الجنة الموت سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا ومثله تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف النساء 22 وقوله فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك هود 107 أي سوى ما شاء لهم ربك من الزيادة على مقدار الدنيا هذا قول الفراء والزجاج

[ 121 ]

والثاني أن السعداء حين يموتون يصيرون إلى الروح والريحان وأسباب من الجنة يرون منازلهم منها وإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لا تصالهم عليه بأسبابها ومشاهدتهم إياها قاله ابن قتيبة والثالث أن إلا بمعنى بعد كما ذكرنا في أحد الوجوه في قوله ما قد سلف النساء 22 وهذا قول ابن جرير قوله تعالى من ربك أي فعل الله ذلك بهم فضلا منه يسرناه أبي أي سهلناه والكناية عن القرآن (أي بلغة العرب حتى يتذكرون أي لكي يتعظوا فيؤمنوا ما أي انتظر بهم العذاب مرتقبون هلاكك وهذه عند أكثر المفسرين منسوخة بآية السيف وليس بصحيح

[ 122 ]

سورة الجاثية وتسمى سورة الشريعة روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والجمهور وقال مقاتل هي مكية كلها وحكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا هي مكية إلا آية وهي قوله للذين أمنوا يغفروا الجاثية 14 الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا

[ 123 ]

كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قوله تعالى تنزيل الكتاب قد شرحناه في أول لا قوله تعالى خلقكم أن أي من تراب ثم من نطفة إلى أن يتكامل خلق الإنسان يبث من دابة أي وما يفرق في الأرض من جميع ما خلق على اختلاف ذلك في الخلق والصور على تدل على وحدانيته قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر آيات رفعا وتصريف الرياح آيات رفعا أيضا وقرأ حمزة والكسائي بالكسر فيهما والرزق هاهنا بمعنى المطر قوله تعالى آيات الله أي هذه حجج الله عليك بالحق فبأي حديث بعد الله أي بعد حديثه يؤمن هؤلاء المشركون قوله تعالى لكل أفاك أثيم روى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت في النضر بن الحارث وقد بينا معناها في الشعراء 222 والآية التي تليها مفسرة في لقمان 2 قوله تعالى علم من آياتنا شيئا قال مقاتل معناه إذا سمع وقرأ ابن مسعود وإذا علم برفع العين وكسر اللام وتشديدها قوله تعالى هزوا أي سخر منها وذلك كفعل أبي جهل حين نزلت شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان 44 43 فدعا بتمر وزبد وقال تزقموا فما يعدكم محمد إلا هذا وإنما قال لأنه رد الكلام إلى معنى كل ورائهم جهنم قد فسرناه في إبراهيم 16 يغني عنهم ما كسبوا شيئا من

[ 124 ]

الأموال ولا ما عبدوا من الآلهة قوله تعالى هدى يعني القرآن كفروا به عذاب من رجز أليم قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم أليم بالرفع على نعت العذاب وقرأ الباقون بالكسر على نعت الرجز والرجز بمعنى العذاب وقد شرحناه في الأعراف 134 قوله تعالى منه اي ذلك التسخير منه لا من غيره فهو من فضله وقرأ عبد الله بن عمرو وابن عباس وأبو مجلز وابن السميفع وابن محيصن والجحدري جميعا منه بفتح النون وتشديدها وتاء منصوبة منونة وقرأ سعيد بن جبير منه بفتح الميم ورفع النون والهاء مشددة النون للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون أم حسب الذي اجترحوا السيآت أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون قوله تعالى للذين آمنوا يغفروا الآية في سبب نزولها أربعة أقوال

[ 125 ]

أحدها أنهم نزلوا في غزاة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع فأرسل عبد الله بن أبي غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له ما حبسك قال غلام عمر ما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنها لما نزلت ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا البقرة 245 قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص احتاج رب محمد فلما سمع بذلك عمر اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلب عمر فلما جاء قال يا عمر ضع سيفك وتلا عليه الآية رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس والثالث أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية قاله القرظي والسدي والرابع أن رجلا من كفار قريش شتم عمر بن الخطاب فهم عمر أن يبطش به فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية قل للذين آمنوا اغفروا ولكن شبه بالشرط والجزاء كقوله لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة إبراهيم 31 وقد مضى بيان هذا وقوله لا يرجون أي لا يخافون وقائع الله في الأمم الخالية لأنهم لا يؤمنون به فلا يخافون عقابه وقيل لا يدرون أنعم الله عليهم أم لا وقد سبق بيان معنى أيام الله في سورة إبراهيم 5 وجمهور المفسرين على أن هذه الآية منسوخة لأنها تضمنت الأمر بالإعراض عن المشركين واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال أحدها أنه قوله المشركين التوبة 5 رواه معمر عن قتادة والثاني أنه قوله في الأنفال 57 تثقفنهم في الحرب وقوله في براءة 36 المشركين كافة رواه سعيد عن قتادة

[ 126 ]

والثالث أنه قوله للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الحج 39 قاله أبو صالح قوله تعالى وإن قوما وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي لنجزي بالنون قوما يعني الكفار فكأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن وما بعد هذا قد سبق الإسراء 7 إلى قوله آتينا بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة الله وهو الفهم في الكتاب من الطيبات يعني المن والسلوى على العالمين أي عالمي زمانهم بينات من الأمر فيه قولان أحدهما بيان الحلال والحرام قاله السدي والثاني العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته ذكره الماوردي وما بعد هذا قد تقدم بيانه آل عمران 19 إلى قوله جعلناك على شريعة من الأمر سبب نزولها أن رؤساء قريش دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس فأما قوله شريعة قال فقال ابن قتيبة أي على ملة ومذهب ومنه يقال شرع فلان في كذا إذا أخذ فيه ومنه مشارع الماء وهي الفرض التي شرع فيها الوارد قال المفسرين ثم جعلناك بعد موسى على طريقة من الأمر أي من الدين عن ولا يعلمون كفار قريش إنهم لن يغنوا عنك أي لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتبعتهم الظالمين يعني المشركين ولي المتقين الشرك والآية التي بعدها مفسرة في آخر الأعراف 4 حسب الذين اجترحوا السيئات سبب نزولها أن كفار مكة قالوا للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثلما تعطون من الأجر قاله مقاتل والاستفهام هاهنا استفهام إنكار واجترحوا بمعنى اكتسبوا محياهم ومماتهم قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وزيد عن يعقوب سواء نصبا وقرا الباقون بالرفع فمن رفع فعلى الابتداء ومن نصب جعله مفعولا ثانيا على تقدير أن نجعل محياهم ومماتهم سواء والمعنى إن هؤلاء يحيون مؤمنين ويموتون مؤمنين وهؤلاء يحيون كافرين ويموتون كافرين وشتان ماهم في الحال والمال ما

[ 127 ]

يحكمون أي بئس ما يقضون ثم ذكر بالآية التي تلي هذه أنه خلق السموات والأرض بالحق أي للحق والجزاء بالعدل لئلا يظن الكافر أنه لا يجزي بكفره من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين واما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين قوله تعالى من اتخذ إلهه هواه قد شرحناه في الفرقان 43 وقال مقاتل نزلت هذه الآية في الحارث بن قيس السهمي قوله تعالى الله على علم أي على علمه السابق فيه أنه لا يهتدي على سمعه أي طبع عليه فلم يسمع الهدى على من فلم يعقل الهدى وقد ذكرنا الغشاوة والختم في البقرة 7 في يهديه من بعد الله أي من بعد إضلاله إياه تذكرون فتعرفوا قدرته على ما يشاء وما بعد هذا مفسر في سورة المؤمنون 37 إلى قوله يهلكنا إلا الدهر أي

[ 128 ]

اختلاف الليل والنهار لهم بذلك من علم أي ما قالوه عن علم إنما قالوه شاكين فيه ومن أجل هذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر أي هو الذي يهلككم لا ما تتوهمونه بن من مرور الزمان وما بعد هذا ظاهر وقد تقدم بيانه البقرة 28 الشورى 7 إلى قوله هذه المبطلون يعني المكذبين الكافرين أصحاب الأباطيل والمعنى يظهر خسرانهم يومئذ كل أمة قال الفراء ترى أهل كل دين سنة قال الزجاج أي جالسة على الركب يقال قد جثا فلان جثوا إذا جلس على ركبتيه ومثله جذا يجذو والجذو أشد استيفازا من الجثو لأن الجذور أن يجلس صاحبه على أطراف أصابعه قال ابن قتيبة والمعنى أنها غير مطمئنة قوله تعالى أمة تدعى إلى كتابها فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كتابها الذي فيه حسناتها وسيئاتها قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه حسابها قاله الشعبي والفراء وابن قتيبة والثالث كتابها الذي أنزل على رسوله حكاه الماوردي ويقال لهم تجزون ما كنتم تعملون كتابنا عمرو وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كتاب الأعمال الذي تكتبه الحفظة قاله ابن السائب والثاني اللوح المحفوظ قاله مقاتل والثالث القرآن والمعنى أنهم يقرؤنه فيدلهم ويذكرهم فكأنه ينطق عليهم قاله ابن قتيبة تعالى كنا نستنسخ ما كنتم تعملون اي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ تستنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقا ما يعملونه قالوا والاستنساخ قبل لا يكون إلا من أصل قال الفراء يرفع الملكان العمل كله فيثبت الله منه ما فيه ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو وقال الزجاج نستنسخ ما تكتبه الحفظة ويثبت عند الله عز وجل قوله تعالى رحمته قال مقاتل في جنته قوله تعالى تكن آياتي فيه إضمار تقديره فيقال لهم ألم تكن آياتي يعني آيات القرآن عليكم فاستكبرتم يحيى عن الإيمان بها قوما مجرمين قال ابن عباس كافرين

[ 129 ]

قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبدا لهم سيأت ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم قوله تعالى قيل إن وعد الله بالبعث الرحمن أي كائن وكان قرأ حمزة والساعة بالنصب لا ريب فيها أي كائنة بلا شك ما ندري ما الساعة أي أنكرتموها نظن إلا ظنا أي ما نعلم ذلك إلا ظنا وحدسا روى ولا نستيقن كونها وما بعد هذا قد تقدم الزمر 48 إلى قوله له اليوم ننساكم ولم أي نترككم في النار نستم لقاء يومكم هذا أي كما تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم الذي فعلنا بكم بين اتخذتم آيات الله هزوا أي مهزوءا بها أهل الحياة الدنيا حتى قلتم إنه لا بعث ولا حساب لا يخرجون وقرأ حمزة والكسائي لا يخرجون بفتح الياء وضم الراء وقرأ الباقون يخرجون بضم الياء وفتح الراء أي من النار هم يستعتبون أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله عز وجل لأنه ليس بحين توبة ولا اعتذار قوله تعالى الكبرياء حديث فيه ثلاثة أقوال أحدها السلطان قاله مجاهد والثاني الشرف قاله ابن زيد والثالث العظمة قاله يحيى بن سلام والزجاج

[ 130 ]

سورة الأحقاف بسم الله الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين في نزولها روى العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والجمهور وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا فيها آية مدنية وهي قوله أرأيتم إن كان من عند الله الأحقاف 10 وقال مقاتل نزلت بمكة غير آيتين قوله أرأيتم إن كان من عند

[ 131 ]

الله الأحقاف 10 وقوله أهل كما صبر أولوا العزم من الرسل الأحقاف 35 نزلتا بالمدينة وقد تقدم تفسير فاتحتها المؤمن الحجر 85 إلى قوله مسمى وهو أجل فناء السموات والأرض وهو يوم القيامة قوله تعالى أرأيتم عند مفسر في فاطر 40 إلى قوله لأنه بكتاب وفي الآية اختصار تقديره فان ادعوا أن شيئا من المخلوقات صنعة آلهتهم فقل لهم إيتوني بكتاب قبل هذا أي من قبل القرآن فيه برهان ما تدعون من أن الأصنام شركاء الله أثارة من علم وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الشئ يثيره مستخرجه قاله الحسن والثاني بقية من علم تؤثر عن الأولين قاله ابن قتيبة وإلى نحوه ذهب الفراء وأبو عبيدة والثالث علامة من علم قاله الزجاج وقرأ ابن مسعود وأبو رزين وأيوب السختياني ويعقوب أثرة بفتح الثاء مثل شجرة ثم ذكروا في معناها ثلاثة أقوال أحدها أنه الخط قاله ابن عباس وقال هو خط كانت العرب تخطه في الأرض قال أبو بكر بن عياش الخط هو العيافة والثاني أو علم تأثرونه عن غيركم قاله مجاهد والثالث خاصة من علم قاله قتادة وقرأ أبي بن كعب وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والضحاك وابن يعمر أثرة بسكون الثاء من غير ألف بوزن نظرة وقال الفراء قرئت أثارة وأثره وهي لغات ومعنى الكل بقية من علم ويقال أو شئ مأثور من كتب الأولين فمن قرأ أثارة فهو المصدر مثل قولك السماحة والشجاعة ومن قرأ أثرة فإنه بناه على الأثر كما قيل قترة ومن قرأ أثرة فكأنه أراد مثل قوله الخطفة الصافات 10 والرجفة الأعراف 78 وقال اليزيدي الأثارة البقية والأثرة مصدر أثره يأثره أي يذكره ويرويه ومنه حديث مأثور

[ 132 ]

ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم قوله تعالى لا يستجيب له يعني الأصنام عن دعائهم غافلون لأنها جماد لا تسمع فإذا قامت القيامة صارت الآلهة أعداء لعابديها في الدنيا ثم ذكر بما بعد هذا أنهم يسمون القرآن سحرا وأن محمدا افتراه قوله تعالى تملكون لي من الله شيئا أي لا تقدرون على أن تردوا عني عذابه أي فكيف أفتري من أجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عذابه عني أعلم بما تفيضون فيه أي بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب والقول بأنه سحر به شهيدا بيني وبينكم أن القرآن جاء من عند الله الغفور الرحيم في تأخير العذاب عنكم وقال الزجاج إنما ذكر هاهنا الغفران والرحمة ليعلمهم أن من أتى ما أتيتم ثم تاب فان الله تعالى غفور له رحيم به ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى وما أنا إلا نذير مبين قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين قوله تعالى ما كنت بدعا من الرسل اي ما أنا بأول رسول والبدع والبديع من كل شئ المبتدأ أدري ما يفعل بي ولا بكم وقرأ ابن يعمر وابن أبي عبلة ما يفعل بفتح الياء ثم فيه قولان أحدهما أنه أراد بذلك ما يكون في الدنيا ثم فيه قولان أحدهما أنه لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه هاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك لما يلقون من أذى المشركين ثم

[ 133 ]

إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا يا رسول الله متى تهاجر إلى الأرض التي رأيت فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يعني لا أدري اخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا ثم قال إنما هو شئ رايته في منامي وما أخبرنا إلا ما يوحى إلي رواه أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال عطية ما أدري هل يتركني بمكة أو يخرجني منها والثاني ما أدري هل أخرج كما أخرج الأنبياء قبلي أو أقتل كما قتلوا ولا أدري ما يفعل بكم أتعذبون أم تؤخرون أتصدقون أم تكذبون قاله الحسن والقول الثاني أنه أراد ما يكون في الآخرة روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية نزل بعدها لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح 2 وقال المؤمنين والمؤمنات جنات الآية الفتح 5 فأعلم ما يفعل به وبالمؤمنين وقيل إن المشركين فرحوا عند نزول هذه الآية وقالوا ما أمرنا وأمر محمد إلا واحد ولولا أنه ابتدع ما يقوله لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فنزل قوله لك الله الآية الفتح 2 فقال الصحابة هنيئا لك يا رسول الله فماذا يفعل بنا فنزلت المؤمنين والمؤمنات جنات الآية الفتح 5 وممن ذهب إلى هذا القول أنس وعكرمة وقتادة وروي عن الحسن ذلك قوله تعالى أرايتم إن كان من عند الله يعني القرآن يا به وشهد شاهد من بني إسرائيل وفيه قولان أحدهما أنه عبد الله بن سلام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد

[ 134 ]

والثاني أنه موسى بن عمران عليه السلام قاله الشعبي ومسروق فعلى القول الأول يكون ذكر المثل صلة فيكون المعنى وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه أي على أنه من عند الله لو الشاهد وهو ابن سلام يكون يا معشر اليهود وعلى الثاني يكون المعنى وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن أنها من عند الله كما شهد محمد على القرآن أنه كلام الله فآمن من آمن بموسى والتوراة واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن فان قيل أين جواب إن قيل هو مضمر وفي تقديره ستة أقوال أحدها أن جوابه فمن أضل منكم قاله الحسن والثاني أن تقدير الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن أتؤمنون قاله الزجاج والثالث أن تقديره أتأمنون عقوبة الله قاله أبو علي الفارسي والرابع أن تقديره أفما تهلكون ذكره الماوردي والخامس من المحق منا ومنكم ومن المبطل ذكره الثعلبي والسادس أن تقديره أليس قد ظلمتم ويدل على هذا المحذوف قوله الله لا يهدي القوم الظالمين ذكره الواحدي الذي كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا

[ 135 ]

فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين أولئك الذي نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيأتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون قوله تعالى الذين كفروا للذين آمنوا الآية في سبب نزولها خمسة أقوال أحدها أن الكفار قالوا لو كان دين محمد خيرا ما سبقنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية قاله مسروق والثاني أن امرأة ضعيفة البصر أسلمت وكان الأشراف من قريش يهزؤون بها ويقولون والله لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا هذه إليه فنزلت هذه الآية قاله أبو الزناد والثالث أن أبا ذر الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام فقالت قريش لو كان خيرا ما سبقونا إليه فنزلت هذه الآية قاله أبو المتوكل والرابع أنه لما اهتدت مزينة وجهينة وأسلمت قالت اسد وغطفان لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشاء يعنون مزينة وجهينة فنزلت هذه الآية قاله ابن السائب والخامس أن اليهود قالوا لو كان دين محمد خيرا ما سبقتمونا إليه لأنه لا علم لكم بذلك ولو كان حقا لدخلنا فيه ذكره أبو سليمان الدمشقي وقال هو قول من يقول إن الآية نزلت بالمدينة ومن قال هي مكية قال هو قول المشركين فقد خرج في الذين كفروا قولان أحدهما أنهم المشركون والثاني اليهود وقوله عنه كان خيرا أي لو كان دين محمد خيرا سبقونا إليه فمن قال هم المشركون قال أرادوا إنا أعز وأفضل ومن قال هم اليهود قال أرادوا لأنا أعلم قوله تعالى لم يهتدوا به أي بالقرآن هذا إفك قديم أي كذب

[ 136 ]

متقدم يعنون أساطير الأولين قبله كتاب موسى أي من قبل القرآن التوراة وفي الكلام محذوف تقديره فلم يهتدوا لأن المشركين لم يهتدوا بالتوارة مع قال الزجاج هو منصوب على الحال عطف عليه كتاب مصدق المعنى مصدق للتوراة سعيد عربيا منصوب على الحال المعنى مصدق لما بين يديه عربيا وذكر لسانا توكيدا كما تقول جاءني زيد رجلا صالحا تريد جاءني زيد صالحا قوله تعالى الذين ظلموا قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي لينذر بالياء وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب لتنذر بالتاء وعن ابن كثير كالقراءتين والذين ظلموا المشركين بكر أي وهو بشرى قد وهم الموحدون يبشرهم بالجنة وما بعد هذا قد تقدم تفسيره فصلت 30 إلى قوله وفي حسنا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي إحسانا بألف أمه كرها قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو كرها بفتح الكاف وقرأ الباقون بضمها قال الفراء والنحويون يستحبون الضم هاهنا ويكرهون الفتح للعلة التي بيناها عند قوله كره لكم البقرة 216 قال الزجاج والمعنى حملته على مشقة كل على مشقة أي فطامه وقرأ يعقوب وفصله بفتح الفاء وسكون الصاد من غير ألف شهرا قال ابن عباس ووضعته كرها يريد به شدة الطلق واعلم أن هذه المدة قدرت لأقل الحمل وأكثر الرضاع فأما الأشد ففيه أقوال قد تقدمت واختار الزجاج أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة لأنه وقت كمال الإنسان في بدنه وقوته واستحكام شأنه وتمييزه وقال ابن قتيبة أشد الرجل غير أشد اليتيم لأن أشد الرجل الاكتهال والحنكة فلا وأن يشتد رأيه وعقله وذلك ثلاثون سنة ويقال ثمان وثلاثون سنة وأشد الغلام أن يشتد خلقه ويتناهى نباته وقد ذكرنا بيان الأشد في الانعام 3 وفي يوسف 22 وهذا تحقيقه واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة فنزلوا منزلا فيه سدرة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب هناك يسأله عن الدين فقال

[ 137 ]

له من الرجل الذي في ظل السدرة فقال ذاك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال هذا والله نبي وما استظل تحتها أحد بعد عيسى إلا محمد نبي الله فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق فكان لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسفاره وحضره فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة وأبو بكر ابن ثمان وثلاثين سنة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الأكثرون قالوا فلما بلغ أبو بكر أربعين سنة دعا الله عز وجل بما ذكره في هذه الأية فاجابه الله فأسلم والداه وأولاده ذكورهم وإناثهم ولم يجتمع ذلك لغيره من الصحابة والقول الثاني أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد شرحنا قصته في سورة العنكبوت 8 وهذا مذهب الضحاك والسدي والثالث أنها نزلت على العموم قاله الحسن وقد شرحنا في سورة النمل 19 معنى قوله قوله تعالى أعمل صالحا ترضاه منه قال ابن عباس أجابه الله يعني أبا بكر فأعتق تسعة من المؤمنين كانوا يعذبون في الله عز وجل ولم يرد شيئا من الخير إلا أعانه الله عليه واستجاب له في ذريته فآمنوا تبت إليك أي رجعت إلى كل ما تحب قوله تعالى الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يتقبل ويتجاوز بالياء المضمومة فيهما وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف نتقبل ونتجاوز بالنون فيهما وقرأ أبو المتوكل وأبو رجاء وأبو عمران الجوني يتقبل ويتجاوز بياء مفتوحة فيهما يعني أهل هذا القول والأحسن بمعنى الحسن أصحاب الجنة أي في جملة من يتجاوز عنهم وهم أصحاب الجنة وقيل في بمعنى مع قبل الصدق قال الزجاج هو منصوب لأنه مصدر مؤكد لما قبله لأن قوله أولئك الذين نتقبل عنهم بمعنى الوعد لأنه وعدهم القبول بقوله وعد الصدق يؤكد ذلك قوله كانوا يوعدون أي على ألسنة الرسل في الدنيا

[ 138 ]

قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون: قوله تعالى قال لوالديه أف لكما غير قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أف لكما بالخفض من غير تنوين وقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الفاء وقرأ نافع وحفص عن عاصم أف بالخفض والتنوين وقرأ ابن يعمر أف بتشديد الفاء مرفوعة منونة وقرأ حميد والجحدري أفا بتشديد الفاء وبالنصب والتنوين وقرأ عمرو بن دينار أف بتشديد الفاء وبالرفع من غير تنوين وقرأ أبو المتوكل وعكرمة وأبو رجاء أف لكما باسكان الفاء خفيفة وقرأ أبو العالية وأبو عمران أفي بتشديد الفاء والياء ساكنة ممالة وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى وعلى هذا جمهور المفسرين وقد روي عن عائشة أنها كانت تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن وتحلف على ذلك وتقول لو شئت لسميت الذي نزلت فيه قال الزجاج وقول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن باطل بقوله الذين حق عليهم القول فأعلم الله أن هؤلاء لا يؤمنون وعبد الرحمن مؤمن والتفسير الصحيح أنا نزلت في الكافر العاق وروي عن مجاهد أنها نزلت في عبد الله بن أبي بكر وعن الحسن أنها نزلت في جماعة من كفار قريش قالوا ذلك لآبائهم قوله تعالى خلت القرون من قبلي أحمد فيه قولان أحدهما مضت القرون فلم يرجع منهم أحد قاله مقاتل والثاني مضت القرون مكذبة بهذا قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى وهما يستغيثان الله أي يدعوات بعد الله له بالهدى ويقولان له ويلك آمن أي صدق بالبعث فيقول ما هذا الذي تقولان إلا أساطير الأولين وقد سبق شرحها

[ 139 ]

يقول القول أي وجب عليهم قضاء الله أنهم من أهل النار أمم أي مع أمم فذكر الله تعالى في الآيتين قبل هذه من بر والديه وعمل بوصية الله عز وجل ثم ذكر من لم يعمل بالوصية ولم يطع ربه ولا والديه كانوا خاسرين وقرأ ابن السميفع وأبو عمران أنهم بفتح الهمزة ثم قال درجات مما عملوا أي منازل ومراتب بحسب ما اكتسبوه من إيمان وكفر فيتفاضل أهل الجنة في الكرامة وأهل النار في العذاب الذي أعمالهم قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وليوفيهم بالياء وقرأ الباقون بالنون أي جزاء أعمالهم قوله تعالى يعرض لأن المعنى واذكر لهم يوم يعرض كفروا على النار أذهبتم وقد أي ويقال لهم أذهبتم قرأ ابن كثير آذهبتم بهمزة مطولة وقرأ ابن عامر أأذهبتم بهمزتين وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي أذهبتم على الخبر وهو توبيخ لهم قال الفراء والزجاج العرب توبخ بالألف وبغير الأف فتقول أذهبت وفعلت كذا وذهبت ففعلت قال المفسرون والمراد بطيباتهم علي ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها ولما وبخهم الله بذلك آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون بعدهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على خصفة وبعضه على التراب وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا فقال يا رسول الله أنت نبي الله وصفوته وكسرى وقيصر على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير فقال صلى الله عليه وسلم يا عمر إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع وإنا أخرت لنا طيباتنا وروى جابر بن عبد الله قال رأى عمر بن الخطاب لحما معلقا في يدي فقال ما هذا يا جابر فقلت اشتهيت لحما فاشتريته فقال أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر أما تخاف هذة الآية أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وروي عن عمر أنه قيل له لو أمرت أن نصنع لك طعاما ألين من هذا فقال إني سمعت الله عير أقواما فقال أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا قوله تعالى حتى في الأرض أي تتكبرون عن عبادة الله والإيمان به أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت

[ 140 ]

به ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين قوله تعالى أخا عاد يعني هودا أنذر قومه بالأحقاف قال الخليل الأحقاف الرمال العظام وقال ابن قتيبة واحد الأحقاف حقف وهو من الرمل ما أشرف من كثبانه تعالى واستطال وانحنى وقال ابن جرير هو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا واختلفوا في المكان الذي سمي بهذا الاسم على ثلاثة أقوال أحدها أنه جبل بالشام قاله ابن عباس والضحاك والثاني أنه واد ذكره عطية وقال مجاهد هي أرض وحكى ابن جرير أنه واد بين عمان ومهرة وقال ابن إسحاق كانوا ينزلون ما بين عمان وحضرموت واليمن كله والثالث أن الأحقاف رمال مشرفة على البحر بأرض يقال لها الشحر قاله قتادة قوله تعالى خلت النذر أي قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده بانذار أممها تعبدوا إلا الله والمعنى لم يبعث رسول قبل هود ولا بعد إلا بالأمر بعبادة الله وحده وهذا كلام اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه ثم عاد إلى كلام هود فقال أخاف عليكم قوله تعالى فإن أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا بالإفك قوله تعالى العلم عند الله أي هو يعلم متى يأتيكم العذاب رأوه عمر يعني ما يوعدون في قوله بما تعدنا النبي أي سحاب يعرض من ناحية السماء قال ابن قتيبة العارض السحاب قال المفسرون كان المطر قد حبس عن عاد فساق الله إليهم سحابة سوداء فلما رأوها فرحوا وهذا عارض ممطرنا فقال لهم هود هو ما استعجلتم به ثم بين ما هو فقال فيها عذاب أليم فنشأت الريح من تلك السحابة كل شئ أي تهلك كل شئ مرت به من الناس والدواب والأموال قال عمرو بن ميمون لقد كانت الريح تحتمل الظعينة فترفعها حتى ترى كأنها جرادة وإن يعني عادا يرى إلا مساكنهم قرأ عاصم وحمزة لا يرى برفع الياء إلا مساكنهم بدفع النون وقرأ علي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والجحدري لا ترى بتاء مضمومة وقرأ أبو عمران وابن السميفع لا ترى بتاء مفتوحة إلا مسكنهم على التوحيد وهذا لأن السكان هلكوا فقيل أصبحوا وقد غطتهم الريح بالرمل فلا يرون

[ 141 ]

مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن ولقد اهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون ثم خوف كفار مكة فقال عز وجل مكناهم فيما إن مكناكم فيه في إن قولان أحدهما أنها بمعنى لم فتقديره فيما لم نمكنكم فيه قاله ابن عباس وابن قتيبة وقال الفراء هي بمنزلة ما في الجحد فتقدير الكلام في الذي لم نمكنكم في والثاني أنها زائدة والمعنى فيما مكناكم فيه وحكاه ابن قتيبة أيضا ثم أخبر أنه جعل لهم آلات الفهم فلم يتدبروا بها ولم يتفكروا فيما يدلهم على التوحيد قال المفسرون والمراد بالأفئدة القلوب وهذه الآلات لم ترد عنهم عذاب الله ثم زاد كفار مكة في التخويف فقال أهلكنا ما حولكم من القرى كديار عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم من الأمم المهلكة كما الآيات أي بيناها هو يعني أهل القرى وسلم عن كفرهم وهاهنا محذوف تقديره فما رجعوا عن كفرهم أي فهلا عنه أي منعهم من عذاب الله اتخذوا من دون الله قربانا آلهة يعني الأصنام التي تقربوا بعبادتها إلى الله على زعمهم وهذا استفهام إنكار معناه لم ينصروهم ضلوا عنهم أي لم ينفعوهم عند نزول العذاب يعني دعاءهم الآلهة إن أي كذبهم وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن يعمر وأبو عمران وذلك أفكهم بفتح الهمزة وقصرها وفتح الفاء وتشديدها ونصب الكاف وقرأ أبي بن كعب وابن عباس وأبو رزين والشعبي وأبو العالية والجحدري أفكهم بفتح الهمزة وقصرها ونصب الكاف والفاء وتخفيفها قال ابن جرير أي أضلهم وقال الزجاج معناها صرفهم عن الحق فجعلهم ضلالا وقرأ ابن مسعود وأبو المتوكل آفكهم بفتح الهمزة ومدها وكسر الفاء وتخفيفها ورفع الكاف أي مضلهم

[ 142 ]

إلا صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين قوله تعالى صرفنا إليك نفرا من الجن وبخ الله عز وجل بهذه الآية كفار قريش بما آمنت به الجن وفي سبب صرفهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال أحدها أنهم صرفوا إليه بسبب ما حدث من رجمهم بالشهب روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا ما ذاك إلا من شئ حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر فمر النفر الذين توجهوا نحو تهامة بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ب نخلة وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد الجن 2 1 فأنزل الله على نبيه قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن الجن 1 فيه وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما أتوه وهو ب نخلة فسمعوا القرآن والثاني أنهم صرفوا إليه لينذرهم وأمر أن يقرأ عليهم القرآن هذا مذهب جماعة منهم قتادة وفي أفراد مسلم من حديث علقمة قال قلت لعبد الله من كان منكم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال ما كان منا معه أحد فقدناه ذات ليلة ونحن بمكة فقلنا اغتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو استطير فانطلقنا نطلبه في الشعاب فلقيناه مقبلا من نحو حراء فقلنا يا رسول الله أين كنت لقد أشفقنا عليك وقلنا له بتنا الليلة بشر ليلة بات بها قوم حين فقدناك فقال إنه أتاني داعي الجن فذهبت أقرئهم القرآن فذهب بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني أمرت أن أقرأ على الجن فأيكم يتبعني فاطرقوا صلى ثم استتبعهم فأطرقوا

[ 143 ]

ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا فأتبعه عبد الله بن مسعود فدخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون وخط على عبد الله خطا ليثبته به قال فسمعت لغطا شديدا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم فلما رجع قلت يا نبي الله ما اللغط الذي سمعت قال اجتمعوا إلى في قتيل كان بينهم فقضيت بينهم بالحق والثالث أنهم مروا به وهو يقرأ فسمعوا القرآن فذكر بعض المفسرين أنه لما يئس من أهل مكة أن يجيبوه خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام وقيل ليلتمس نصرهم وذلك بعد موت أبي طالب فلما كان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر فمر به نفر من أشراف جن نصيبين فاستمعوا القرآن فعلى هذا القول والقول الأول لم يعلم بحضورهم حتى أخبره الله تعالى وعلى القول الثاني علم بهم حين جاءوا وفي المكان الذي سمعوا فيه تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم قولان أحدهما الحجون وقد ذكرناه عن ابن مسعود وبه قال قتادة والثاني بطن نخلة وقد ذكرناه عن ابن عباس وبه قال مجاهد وأما النفر فقال ابن قتيبة يقال إن النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة وللمفسرين في عدد هؤلاء النفر ثلاثة أقوال أحدها أنهم كانوا سبعة قاله ابن مسعود وزر بن حبيش ومجاهد ورواه عكرمة عن ابن عباس والثاني تسعة رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث اثني عشر ألفا روي عن عكرمة ولا يصح لأن النفر لا يطلق على الكثير قوله تعالى حضروه وقال أي حضروا استماعه وأنه يعني فرغ من تلاوته إلى قومهم منذرين أي محذرين عذاب الله عز وجل إن لم يؤمنوا وهل أنذروا قومهم من قبل أنفسهم أم جعلهم رسول الله رسلا إلى قومهم فيه قولان قال عطاء كان دين أولئك الجن اليهودية فلذلك قالوا بعد موسى قوله تعالى داعي الله يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنه أرسل إلى الجن والإنس تعالى لكم من ذنوبكم من هاهنا صلة قوله تعالى بمعجز في الأرض أي لا يعجز الله تعالى له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله تعالى الذين لا يجيبون الرسل ضلال مبين

[ 144 ]

يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ثم احتج على إحياء الموتى بقوله يروا إلى آخر الآية والرؤية هاهنا بمعنى العلم يعي وهو أي لم يعجز عن ذلك يقال عي فلان بأمره إذا لم يهتد له ولم يقدر عليه قال الزجاج يقال عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه وأعييت إذا تعبت قوله تعالى صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيدة والأخفش الباء زائدة مؤكدة وقال الفراء العرب تدخل الباء مع الجحد مثل قولك ما أظنك بقائم وهذ قول الكسائي والزجاج وقرأ يعقوب يقدر بياء مفتوحة مكان الباء وسكون القاف ورفع الراء من غير ألف وما بعد هذا ظاهر إلى قوله صبر أولوا العزم إذا أي ذوو الحزم والصبر وفيهم عشرة أقوال أحدها أنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة وعطاء الخراساني وابن السائب والثاني نوح وهود وإبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم قاله أبو العالية الرياحي والثالث أنهم الذين لم تصبهم فتنة من الأنبياء قاله الحسن والرابع أنهم العرب من الأنبياء قاله مجاهد والشعبي والخامس أنهم إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي والسادس أن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم آدم ولا يونس ولا سليمان قاله ابن جريج والسابع أنهم الذين أمروا بالجهاد والقتال قاله ابن السائب وحكي عن السدي والثامن أنهم جميع الرسل فان الله لم يبعث رسولا إلا كان من أولي العزم قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال من دخلت للتجنيس لا للتبعيض كما تقول قد رأيت الثياب من الخز والجباب من القز

[ 145 ]

والتاسع أنهم الأنبياء الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام 86 قاله الحسين بن الفضل والعاشر أنهم جميع الأنبياء إلا يونس حكاه الثعلبي قوله تعالى تستعجل لهم يعني العذاب قال بعض المفسرين كان النبي صلى الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر وأحب أن ينزل العذاب بمن أبى من قومه فأمر بالصبر قوله تعالى أو يوم يرون ما يوعدون أي من العذاب يلبثوا فقال في الدنيا ساعة من نهار لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلا وقيل لأن مقدار مكثهم في الدنيا قليل في جنب مكثهم في عذاب الآخرة وهاهنا تم الكلام ثم قال أي أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ عن الله إليكم وفي معنى وصف القرآن بالبلاغ قولان أحدهما أن البلاغ بمعنى التبليغ والثاني أن معناه الكفاية فيكون المعنى ما أخبرناهم به لهم فيه كفاية وغنى وذكر ابن جرير وجها آخر وهو أن المعنى لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ذلك لبث بلاغ أي ذلك بلاغ لهم في الدنيا إلى آجالهم ثم حذفت ذلك لبث اكتفاء بدلالة ما ذكر في الكلام عليها وقرأ أبو العالية وأبو عمران بلغ بكسر اللام وتشديدها وسكون الغين من غير ألف قوله تعالى يهلك وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل وابن محيصن يهلك بفتح الياء وكسر اللام أي عند رؤية العذاب القوم الفاسقون الخارجون عن أمر الله عز وجل

[ 146 ]

سورة محمد صلى الله عليه وسلم وفيها قولان أحدهما أنها مدنية قاله الأكثرون منهم مجاهد ومقاتل وحكي عن ابن عباس وقتادة أنها مدنية إلا آية منها نزلت عليه بعد حجة حين خرج من مكة وجعل ينظر إلى البيت وهي قوله من قرية هي أشد قوة من قريتك ثنا محمد 13 والثاني أنها مكية قاله الضحاك والسدي بسم الله الرحمن الرحيم كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيأتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتمهوهم به فشدوا

[ 147 ]

الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منه ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم قوله تعالى كفروا أي بتوحيد الله هذا الناس عن الإيمان به وهم مشركو قريش ثم أعمالهم أي أبطلها ولم يجعل لها ثوابا فكأنها لم تكن وقد كانوا يطعمون الطعام ويصلون الأرحام ويتصدقون ويفعلون ما يعتقدونه قربة آمنوا وعملوا الصالحات يعني أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول بما نزل على محمد ولا وقرأ ابن مسعود نزل بفتح النون والزاي وتشديدها وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ أنزل بهمزة مضمومة مكسورة الزاي وقرأ أبو رزين وأبو الجوزاء وأبو عمران نزل بفتح النون والزاي وتخفيفها عنهم سيئاتهم أي غفرها لهم بالهم أي حالهم قاله قتادة والمبرد قوله تعالى قال الزجاج معناه الأمر ذلك وجائز أن يكون ذلك الإضلال لاتباعهم الباطل وتلك الهداية والكفارات باتباع المؤمنين الحق قبل يضرب الله للناس أمثالهم لم أي كذلك يبين أمثلا حسنات المؤمنين وسيئات الكافرين كهذا البيان قوله تعالى الرقاب إغراء والمعنى فاقتلوهم لان الأغلب في موضع القتل ضرب العنق إذا أثخنتموهم حدثنا أي أكثرتم فيهم القتل ابن الوثاق يعني في الأسر وإنما يكون الأسر بعد المبالغة في القتل والوثاق اسم من الإيثاق تقول أوثقته إيثاقا ووثاقا إذا شددت أسره لئلا يفلت غير منا بعد قال أبو عبيدة إما أن تمنوا وإما أن تفادوا ومثله سقيا ورعيا وإنما هو سقيت ورعيت وقال الزجاج إما مننتم عليهم بعد أن تأسروهم منا وإما أطلقتموهم قوله بفداء فصل وهذه الآية محكمة عند عامة العلماء وممن ذهب إلى أن حكم المن والفداء باق لم ينسخ ابن عمر ومجاهد والحسن وابن سيرين وأحمد والشافعي وذهب قوم إلى نسخ المن والفداء بقوله المشركين حيث وجدتموهم وممن ذهب إلى هذا ابن جريج والسدي وأبو حنيفة وقد أشرنا إلى القولين في براءة 5 قوله تعالى تضع الحرب أوزارها قال ابن عباس حتى لا يبقى أحد من المشركين

[ 148 ]

وقال مجاهد حتى لا يكون دين إلا دين الإسلام وقال سعيد بن جبير حتى يخرج المسيح وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم وفي معنى الكلام قولان أحدهما حتى يضع أهل الحرب سلاحهم قال الأعشى وأعددت له للحرب أوزارها رماحا ذلك طوالا وخيلا ذكورا محمد وأصل الوزر ما حملته فسمي السلاح أوزارا لأنه يحمل هذا قول ابن قتيبة والثاني حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ولا يعبدوا إلا الله ذكره الواحدي قوله تعالى أي الأمر ذلك الذي ذكرنا يشاء الله لانتصر منهم باهلاكهم أو تغذيتهم إلى بما شاء أمركم بالحرب كان بعضكم ببعض فيثيب المؤمن ويكرمه بالشهادة ويخزي الكافر بالقتل والعذاب قوله تعالى قتلوا قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم قتلوا بضم القاف وكسر التاء والباقون قاتلوا بألف قوله تعالى أبو فيه أربعة أقوال أحدها يهديهم إلى أرشد الأمور قاله ابن عباس والثاني يحقق لهم الهداية قاله الحسن والثالث إلى محاجة منكر ونكير والرابع إلى طريق الجنة حكاهما الماوردي وفي قوله أو لهم قولان أحدهما عرفهم منازلهم فيها فلا يستدلون عليها ولا يخطئونها هذا قول الجمهور منهم مجاهد وقتادة واختاره الفراء وأبو عبيدة والثاني طيبها لهم رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن قتيبة وهو قول أصحاب اللغة يقال طعام معرف أي مطيب وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن عرفها لهم بتخفيف الراء ايها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين

[ 149 ]

أمثالها ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم ) قوله تعالى تنصروا الله أي تنصروا دينه ورسوله عبد على عدوكم أقدامكم عليه عند القتال وروى المفضل عن عاصم ويثبت بالتخفيف كفروا فتعسا لهم قال الفراء المعنى فأتعسهم الله والدعاء قد يجري مجرى الأمر والنهي قال ابن قتيبة هو من قولك تعست أي عثرت وسقطت وقال الزجاج التعس في اللغة الانحطاط والعثور وما بعد هذا قد سبق بيانه الكهف 105 يوسف 109 إلى قوله أبي الله عليهم أي أهلكم الله أمثالها أي أمثال تلك العاقبة (الذي فعله بالمؤمنين من النصر وبالكافرين من الدمار الله مولى الذين آمنوا أي وليهم وما بعد هذا ظاهر إلى قوله ما كما تأكل الأنعام أي إن الأنعام تأكل وتشرب ولا تدري ما في غد فكذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة والمثوى المنزل لا مشروح في آل عمران 146 والمراد بقريته مكة وأضاف القوة والإخراج إليها والمراد أهلها ولذلك قال قوله تعالى كان على بينة من ربه فيه قولان أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله بو العالية والثاني أنه المؤمن قاله الحسن وفي البينة قولان أحدهما القرآن قاله ابن زيد والثاني الدين قاله ابن السائب زين له سوء عمله يعني عبادة الأوثان وهو الكافر أهواءهم بعبادتها

[ 150 ]

الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع امعاؤهم أن الجنة التي وعد المتقون أي صفتها وقد شرحناه في الرعد 35 والمتقون عند المفسرين الذين يتقون الشرك والآسن المتغير الريح قاله أبو عبيدة والزجاج وقال ابن قتيبة هو المتغير الريح والطعم والآجن على نحوه وقرأ ابن كثير غير أسن بغير مد وقد شرحنا قوله للشاربين في الصافات 2 قوله تعالى عسل مصفى أي من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا قوله تعالى كمن الله هو خالد في النار قال الفراء أراد من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار قوله تعالى حميما قال أي حارا شديد الحرارة والأمعاء جميع ما في البطن من الحوايا من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم والذين اهتدوا زادهم هدى وآتهم تقواهم فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم عن قوله تعالى من يستمع إليك يعني المنافقين وفيما يستمعون قولان أحدهما أنه سماع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة والثاني سماع قوله على عموم الأوقات فاما أوتوا العلم فالمراد بهم علماء الصحابة قوله تعالى قال آنفا قال الزجاج أي ماذا قال الساعة وهو من قولك استأنفت الشئ إذا ابتدأته وروضة أنف لمن ترع أي لها أول يرعى فالمعنى ماذا قال في أول وقت

[ 151 ]

يقرب منا وحدثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال معنى آنفا مذ ساعة وقرأ ابن كثير في بعض الروايات عنه أنفا بالقصر وهذه قراءة عكرمة وحميد وابن محيصن قال أبو علي يجوز أن يكون ابن كثير توهم مثل حاذر وحذر وفاكه وفكه وفي استفهامهم قولان أحدهما لأنهم لم يعقلوا ما يقول ويدل عليه باقي الآية والثاني أنهم قالوه استهزاء قوله تعالى اهتدوا فيهم قولان أحدهما أنهم المسلمون قاله الجمهور والثاني قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به قاله عكرمة وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال أحدها أنه الله عز وجل والثاني قول الرسول والثالث استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى ذكرهن الزجاج وفي معنى الهدى قولان أحدهما أنه العلم والثاني البصيرة وفي قوله تقواهم ثلاثة أقوال أحدها ثواب تقواهم في الآخرة قاله السدي والثاني اتقاء المنسوخ والعمل بالناسخ قاله عطية والثالث أعطاهم التقوى مع الهدى فاتقوا معصيته خوفا من عقوبته قاله أبو سليمان الدمشقي ومن بمعنى ينتظرون تأتيهم وقرأ أبي بن كعب وأبو الأشهب وحميد إن تأتهم بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء والأشراط العلامات قال أبو عبيدة الأشراط الأعلام وإنما سمي الشرط فيما ترى لأنهم أعلموا أنفسهم قال المفسرون ظهور النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة وانشقاق القمر والدخان وغير ذلك لهم أي فمن أين لهم جاءتهم في الساعة بن قال قتادة أنى لهم أن يذكروا ويتوبوا إذا جاءت بكر أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم

[ 152 ]

قوله تعالى بكر أنه لا إله إلا الله قال بعضهم اثبت على علمك وقال قوم المراد بهذا الخطاب غيره وقد شرحنا هذا في فاتحة الأحزاب وقيل إنه كان يضيق صدره بما يقولون فقيل له اعلم انه لا كاشف لما بك إلا الله فأما قوله قوله لذنبك فانه كان يستغفر في اليوم مائة مرة وأمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب يعلم متقلبكم ومثواكم هذه فيه ثلاثة أقوال أحدها متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة وهو معنى قول ابن عباس والثاني متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ومقامكم في القبور قاله عكرمة والثالث متقلبكم بالنهار ومثواكم أي مأواكم بالليل قاله مقاتل قوله تعالى الذين آمنوا لولا نزلت سورة قال المفسرون سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد فقالوا لولا أي هلا وكان أبو مالك الأشجعي يقول لا هاهنا صلة فالمعنى لو أنزلت سورة شوقا منهم إلى الزيادة في العلم ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض وفي معنى محكمة ثلاثة أقوال أحدها أنها التي يذكر فيها القتال قاله قتادة والثاني أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام والثالث التي لا منسوخ فيها حكاهما أبو سليمان الدمشقي ومعنى قوله فيها القتال أي فرض فيها الجهاد وفي المراد بالمرض قولان أحدهما النفاق قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والجمهور والثاني الشك قاله مقاتل قوله تعالى إليك اي يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت لأنهم يكرهون القتال ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم سنة لهم قال الأصمعي معنى قولهم في التهديد أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره وقال ابن قتيبة هذا وعيد وتهديد تقول للرجل إذا أردت به سوءا ففاتك أولى لك ثم ابتدأ فقال وقول معروف وقال سيبويه والخليل المعنى طاعة وقول معروف أمثل وقال الفراء الطاعة معروفة في كلام العرب إذا قيل لهم افعلوا كذلك قالوا سمع وطاعة فوصف الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون سمع وطاعة فإذا نزل الأمر كرهوا وأخبروني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال قال الله تعالى عمرو ثم قال أي للذين آمنوا منهم قبل فصارت أولى وعيدا لمن كرهها واستأنف الطاعة ب لهم

[ 153 ]

والأول عندنا كلام العرب وهذا غير مردود يعني حديث أبي صالح وذكر بعض المفسرين أن الكلام متصل بما قبله والمعنى فأولى لهم أن يطيعوا وأن يقولوا معروفا بالإجابة قوله تعالى عزم الأمر قال الحسن جد الأمر وقال غيره جد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد ولزم فرض القتال وصار الأمر معروفا عليه وجواب إذا محذوف تقديره فإذا عزم الأمر نكلوا يدل على المحذوف صدقوا الله أي في إيمانهم وجهادهم خيرا لهم من المعصية والكراهة عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها إن الذين ارتدوا على أدبراهم يحيى من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم قوله تعالى عسيتم إن توليتم في المخاطب بهذا أربعة أقوال أحدها المنافقون وهو الظاهر والثاني منافقو اليهود قاله مقاتل والثالث الخوارج قاله بكر بن عبد الله المزني والرابع قريش حكاه جماعة منهم الماوردي وفي قوله الرحمن قولان أحدهما أنه بمعنى الإعراض فالمعنى إن أعرضتم عن الإسلام تفسدوا في الأرض بأن تعودوا إلى الجاهلية يقتل بعضكم بعضا ويغير بعضكم على بعض ذكره جماعة من المفسرين والثاني أنه من الولاية لأمور الناس قاله القرظي فعلى هذا يكون معنى ان تفسدوا في الأرض بالجور والظلم وقرأ يعقوب وتقطعوا بفتح التاء والطاء وتخفيفها وسكون القاف ثم ذم من يريد ذلك بالآية التي بعد هذه

[ 154 ]

وما بعد هذا قد سبق النساء 82 إلى قوله على قلوب أقفالها أم بمعنى بل وذكر الأقفال استعارة والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى قال مجاهد الران أيسر من الطبع والطبع أيسر من الإقفال والاقفال وكان أشد ذلك كله وقال خالد بن معدان مامن آدمي إلا وله أربع أعين عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله من الغيب فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه وإذا أراد به غير ذلك طمس عليهما فذلك قوله على قلوب أقفالها قوله تعالى الذين ارتدوا على أدبارهم أي رجعوا كفارا وفيهم قولان أحدهما أنهم المنافقون قاله ابن عباس والسدي وابن زيد والثاني أنهم اليهود قاله قتادة ومقاتل بعد ما تبين لهم الهدى أي من بعد ما وضح لهم الحق ومن قال هم اليهود قال من بعد أن تبين لهم وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم وروى بمعنى زين ولم لهم قرأ أبو عمرو وزيد عن يعقوب وأملي لهم بضم الهمزة وكسر اللام وبعدها ياء مفتوحة وقرا يعقوب إلا زيدا وأبان عن عاصم كذلك إلا أنهما أسكنا الياء وقرأ الباقون بفتح الهمزة واللام وقد سبق معنى الإملاء آل عمران 178 الأعراف 183 قوله تعالى قال الزجاج المعنى الأمر ذلك أي ذلك الإضلال بقولهم كرهوا ما نزل الله وفي الكارهين قولان أحدهما أنهم المنافقون فعلى هذا في معنى قوله بين في بعض الأمر ثلاثة أقوال أحدها في القعود عن نصرة محمد صلى الله عليه وسلم قاله السدي والثاني في الميل إليكم والمظاهرة على محمد صلى الله عليه وسلم والثالث في الارتداد بعد الإيمان حكاهما الماوردي والثاني أنهم اليهود فعلى هذا في الذي أطاعوهم فيه قولان أحدهما في أن لا يصدقوا شيئا من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الضحاك والثاني في كتم ما علموه من نبوته قاله ابن جريج والله يعلم إسرارهم أهل قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم والوليد عن يعقوب بكسر الألف على أنه مصدر أسررت وقرأ الباقون بفتحها على أنه جمع سر والمعنى أنه يعلم ما بين اليهود والمنافقين من السر قوله تعالى إذا توفتهم الملائكة أي فكيف يكون حالهم حينئذ وقد بينا في الأنفال 50 معنى قوله وجوهم وأدبارهم

[ 155 ]

قوله تعالى حديث رضوانه عند أي كرهوا ما فيه الرضوان وهو الإيمان والطاعة حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم قوله تعالى حسب الذين في قلوبهم مرض أي نفاق لن يخرج الله أضغانهم قال الفراء أي لن يبدي الله عداوتهم وبغضهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج أي لن يبدي عداوتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم ويظهره على نفاقهم نشاء لأريناكهم لأنه أي لعرفنا كهم تقول قد أريتك هذا الأمر أي قد عرفتك إياه المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السماء بسيماهم أي بتلك العلامة أخبرنا في لحن القول أي في فحوى القول فدل بهذا على أن قول القائل وفعله يدل على نيته وقول الناس قد لحن فلان تأويله قد أخذ في ناحية عن الصواب وعدل عن بالصواب إليها وقول الشاعر منطق يا صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا لو تأويله خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد إنما يعرف قولها في أنحاء قولها قال المفسرون ولتعرفنهم في فحوى الكلام ومعناه ومقصده فإنهم يتعرضون بتهجين أمرك والاستهزاء بالمسلمين قال ابن جرير ثم عرفه الله إياهم قوله تعالى أي ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد نعلم يكون العلم الذي هو علم وجود وبه يقع الجزاء وقد شرحنا هذا في العنكبوت 3 قوله تعالى مع أخباركم أي نظهرها ونكشفها باباء من يأبى القتال ولا يصبر على

[ 156 ]

الجهاد وقرأ أبو بكر عن عاصم وليبلونكم بالياء حتى يعلم بالياء ويبلو بالياء فيهن وقرأ معاذ القارئ وأيوب السختياني أخياركم بالياء جمع خير قوله تعالى الذين كفروا الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال أحدها أنها في المطعمين يوم بدر قاله ابن عباس والثاني أنها نزلت في الحارث بن سويد ووحوح الأنصاري أسلما ثم ارتدا فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى صاحبه أن يرجع حتى مات قاله السدي والثالث أنها في اليهود قاله مقاتل والرابع أنها في قريظة والنضير ذكره الواحدي قوله تعالى تبطلوا أعمالكم اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال أحدها المعاصي والكبائر قاله الحسن والثاني الشك والنفاق قاله عطاء والثاث الرياء والسمعة قاله ابن السائب والرابع بالمن وذلك أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أتيناك طائعين فلنا عليك حق فنزلت هذه الآية ونزل قوله يمنون عليك أن أسلموا الحجرات 17 هذا قول مقاتل قال القاضي أبو يعلى وهذا يدل على أن كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها وهذا على ظاهره في الحج فأما في الصلاة والصيام فهو على سبيل الاستحباب تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم قوله تعالى تهنوا أي فلا تضعفوا إلى السلم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم إلى السلم بفتح السين وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر السين والمعنى لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداءا وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا لأنه نهاه عن الصلح

[ 157 ]

قوله تعالى الأعلون أي أنتم أعز منهم والحجة لكم وآخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات معكم بالعون والنصرة يتركم سعيد قال ابن قتيبة أي لن ينقصكم ولن يظلمكم يقال وترتني بكر حقي أي بخستنيه قد قال المفسرون المعنى لن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا قوله تعالى يسألكم أموالكم أي لن يسألكموها كلها قوله تعالى وفي قال الفراء يجهدكم وقال ابن قتيبة يلح عليكم بما يوجبه في أموالكم كل يقال أحفاني بالمسألة وألحف إذا ألح وقال السدي إن يسألكم جميع ما في أيديكم تبخلوا ويخرج أضغانكم وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن يعمر ويخرج بياء مرفوعه وفتح الراء أضغانكم بالرفع وقرأ أبي بن كعب وأبو رزين وعكرمة وابن السميفع وابن محيصن والجحدري وتخرج بتاء مفتوحة ورفع الراء أضغانكم بالرفع وقرأ ابن مسعود والوليد عن يعقوب ونخرج بنون مرفوعة وكسر الراء أضغانكم بنصب النون أي يظهر بغضكم وعداوتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكنه فرض عليكم يسيرا وفيمن يضاف إليه هذا الإخراج وجهان أحدهما إلى الله عز وجل والثاني البخل حكاهما الفراء وقد زعم قوم أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة وليس بصحيح لأنا قد بينا أن معنى الآية إن يسألكم جميع أموالكم والزكاة لا تنافي ذلك قوله تعالى أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله يعني ما فرض عليكم في أمولكم ثم من يبخل بما فرض عليه من الزكاة يبخل فانما يبخل عن نفسه أي على نفسه بما ينفعها في الآخرة الغني عنكم وعن أموالكم الفقراء فلا إليه إلى ما عنده من الخير والرحمة تتولوا عن طاعته منه قوما غيركم أطوع له منكم لا يكونوا أمثالكم بل خيرا منكم وفي هؤلاء القوم ثمانية أقوال احدها أنهم العجم قاله الحسن وفيه حديث يرويه أبو هريرة قال لما نزلت وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين إذا تولينا استبدلوا بنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على منكب سلمان فقال هذا وقومه والذي نفسي بيده لو أن الدين معلق بالثريا لتناوله رجال من فارس

[ 158 ]

والثاني فارس والروم قاله عكرمة والثالث من يشاء من جميع الناس قاله مجاهد والرابع يأتي بخلق جديد غيركم وهو معنى قول قتادة والخامس كندة والنخع قاله ابن السائب والسادس أهل اليمن قاله راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير وشريح ابن عبيد والسابع الأنصار قاله مقاتل والثامن أنهم الملائكة حكاه الزجاج وقال فيه بعد لأنه لا يقال للملائكة قوم إنما يقال ذلك للآدميين قال وقد قيل إن تولى أهل مكة استبدل الله بهم أهل المدينة وهذا معنى ما ذكرنا عن مقاتل

[ 159 ]

سورة الفتح وهي مدنية كلها باجماعهم بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا قوله تعالى فتحنا لك فتحا مبينا الآية سبب نزولها أنه لما نزل قوله أدري ما يفعل بي ولا بكم الأحقاف 9 قال اليهود كيف نتبع رجلا لا يدري ما يفعل به فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وفي المراد بالفتح أربعة أقوال أحدها أنه كان يوم الحديبية قاله الأكثرون قال البراء بن عازب نحن نعد الفتح بيعة الرضوان وقال الشعبي هو فتح الحديبية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأطعموا نخل خيبر وبلغ الهدي محله وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس قال الزهري لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الإسلام قال مجاهد يعني بالفتح ما قضى الله له من نحر الهدي بالحديبية وحلق رأسه وقال ابن قتيبة إنا فتحنا لك فتحا مبينا أي قضينا لك قضاء عظيما ويقال للقاضي الفتاح قال الفراء والفتح قد يكون صلحا ويكون أخذ الشئ عنوة ويكون بالقتال وقال غيره معنى الفتح في

[ 160 ]

اللغة فتح المنغلق والصلح الذي جعل مع المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتحه الله تعالى الإشارة إلى قصة الحديبية روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في النوم كأن قائلا يقول له لتدخلن المسجد الحرام أن شاء الله آمنين فأصبح فحدث الناس برؤياه وأمرهم بالخروج للعمرة فذكر أهل العلم بالسير أنه خرج واستنفر أصحابه للعمرة وذلك في سنة ست ولم يخرج بسلاح إلا السيوف في القرب وساق هو وأصحابه البدن فصلى الظهر ب ذي الحليفة ثم دعا بالبدن فجللت ثم أشعرها وقلدها فعل ذلك أصحابه وأحرم ولبى فبلغ المشركين خروجه فاجمع رأيهم على صده عن المسجد الحرام وخرجوا حتى عسكروا ب بلدح وقدموا مائتي فارس إلى كراع الغميم وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دنا من الحديبية قال الزجاج وهي بئر فسمي المكان باسم البئر قالوا وبينها وبين مكة تسعة أميال فوقفت يدا راحلته فقال المسلمون حل حل يزجرونها فأبت فقالوا خلأت القصواء والخلاء في الناقة مثل الحران في الفرس فقال ما خلأت ولكن حبسها حابس الفيل أما والله لا يسألوني خطة فيها تعظيم حرمة الله إلا أعطيتهم إياها ثم جرها فقامت فولى راجعا عوده على بدئه حتى نزل على ثمد من أثماد الحديبية قليل الماء فانتزع سهما من كنانته فغرزه فيها فجاشت لهم بالرواء وجاءه بديل بن ورقاء في ركب فسلموا وقالوا جئناك من عند قومك وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم يقسمون لا يخلون بنيك وبين البيت حتى تبيد خضراءهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نأت لقتال أحد إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه فرجع بديل فأخبر قريشا فبعثوا عروة بن مسعود فكلمه بنحو ذلك فأخبر قريشا فقالوا نرده من عامنا هذا ويرجع من قابل فيدخل مكة ويطوف بالبيت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان قال اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال أحد وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معنا الهدي ننحره وننصرف فأتاهم فاخبرهم فقالوا لا كان هذا أبدا ولا يدخلها العام وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل فقال لا نبرح حتى نناجزهم فذاك حين دعا المسلمين إلى بيعة الرضوان فبايعهم تحت الشجرة وفي عددهم يومئذ أربعة أقوال أحدها ألف وأربعمائة قاله البراء وسلمة بن الأكوع وجابر ومعقل بن يسار والثاني ألف وخمسمائة روي عن جابر أيضا وبه قال قتادة والثالث ألف وخمسمائة وخمس وعشرون رواه العوفي عن ابن عباس والرابع ألف وثلاثمائة قاله عبد الله بن أبي أوفى قال وضرب يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله على يمينه لعثمان وقال إنه ذهب في حاجة الله ورسوله وجعلت الرسل تختلف بينهم

[ 161 ]

فأجمعوا على الصلح فبعثوا سهيل بن عمرو في عدة رجال فصالحه كما ذكرنا في براءة 7 فأقام بالحديبية بضعة عشر يوما ويقال عشرين ليلة ثم انصرف فلما كان ب ضجنان نزل عليه إنا فتحنا لك فتحا مبينا فقال جبريل يهنيك يا رسول الله وهنأه المسلمون والقول الثاني أن هذا الفتح فتح مكة رواه مسروق عن عائشة وبه قال السدي وقال بعض من ذهب إلى هذا إنما وعد بفتح مكة بهذه الآية والثالث أنه فتح خيبر قاله مجاهد والعوفي وعن أنس بن مالك كالقولين والرابع أنه القضاء له بالإسلام قاله مقاتل وقال غيره حكمنا لك باظهار دينك والنصرة على عدوك قوله تعالى لك الله قال ثعلب اللام لام كي والمعنى لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شئ حادث حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة قوله تعالى تقدم من ذنبك وما تأخر قال ابن عباس والمعنى ما تقدم في الجاهلية وما تأخر ما لم تعلمه وهذا على سبيل التأكيد كما تقول فلان يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه قوله تعالى نعمته عليك فيه أربعة أقوال أحدها أن ذلك في الجنة والثاني أنه بالنبوة والمغفرة رويا عن ابن عباس والثالث بفتح مكة والطائف وخيبر حكاه الماوردي والرابع باظهار دينك على سائر الأديان قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى صراطا مستقيما أي ويثبتك عليه وقيل ويهدي بك الله على عدوك: عزيزا قال الزجاج أي نصرا ذا عز لا يقع معه ذل الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليما حكيما ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيأتهم وكان ذلك عند الله فوزا

[ 162 ]

عظيما ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما إنا أرسلناك غير شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه الله أجرا عظيما قوله تعالى هو أحمد الذي أنزل السكينة بعد أي السكون والطمأنينة قلوب المؤمنين لئلا تنزعج قلوبهم لما يرد عليهم فسلموا لقضاء الله وكانوا قد اشتد عليهم صد المشركين لهم عن البيت حتى قال عمر علام نعطي الدنية في ديننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني ثم أوقع الله الرضى بما جرى في قلوب المسلمين فسلموا وأطاعوا ليزدادوا إيمانا وذلك أنه كلما نزلت فريضة زاد إيمانهم ولله جنود السموات والأرض يريد أن جميع أهل السموات والأرض ملك له لو أراد نصرة نبيه بغيركم لفعل ولكنه اختاركم لذلك فاشكروه قوله تعالى المؤمنين الآية سبب نزولها أنه لما نزل قوله إنا فتحنا لك قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيئا لك يا رسول الله بما أعطاك الله فما لنا فنزلت هذه الآية قاله أنس بن مالك قال مقاتل فلما سمع عبد الله بن أبي بذلك انطلق في نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما لنا عند الله فنزلت المنافقين الآية قال ابن جرير كررت اللام في ليدخل على اللام في ليغفر فالمعنى إنا فتحنا لك ليغفر لك الله ليدخل المؤمنين ولذلك لم يدخل بينهما واو العطف والمعنى ليدخل وليعذب قوله تعالى دائرة السوء قرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون بفتحها قوله تعالى ذلك أي ذلك الوعد بادخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم الله أي في حكمه عظيماي وفي والمعنى أنه حكم لهم بالفوز فلذلك وعدهم إدخال الجنة قوله تعالى بالله ظن السوء فيه خمسة أقوال أحدها أنهم ظنوا أن لله شريكا والثاني أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه

[ 163 ]

والثالث أنهم ظنوا به حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو يهزم يقول ولا يعود ظافرا والرابع أنهم ظنوا أنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة واحدة عند الله والخامس ظنوا أن الله لا يبعث الموتى وقد بينا معنى دائرة السوء في براءة 1 وما بعد هذا قد سبق بيانه الفتح 4 الاحزاب 45 إلى قوله الذي بالله ورسوله قرأ ابن كثير وأبو عمرو ليؤمنوا بالياء ويعزروه ويوقروه ويسبحوه كلهن بالياء والباقون بالتاء على معنى قل لهم إنا أرسلناك لتؤمنوا وقرا علي بن أبي طالب وابن السميفع ويعززوه بزاءين وقد ذكرنا في الأعراف 157 معنى ويعزروه عند قوله لأن ونصرون وقد قوله تعالى ويوقروه علي أي يعظموه ويبجلوه واختار كثير من القراء الوقف هاهنا لاختلاف الكناية فيه وفيما بعده قوله تعالى حتى هذه الهاء ترجع إلى الله عز وجل والمراد بتسبيحه هاهنا الصلاة له قال المفسرون والمراد بصلاة البكرة الفجر وبصلاة الأصيل باقي الصلوات الخمس قوله تعالى الذين يبايعونك تعالى يعني بيعة الرضوان بالحديبية وعلى ماذا بايعوه فيه قولان أحدهما أنهم بايعوه على الموت قاله عبادة بن الصامت والثاني على أن لا يفروا قاله جابر بن عبد الله ومعناهما متقارب لانه أراد على أن لا تفروا ولو متم وسميت بيعة لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة وكان العقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنهم بايعوا الله عز وجل لأنه ضمن لهم الجنة بوفائهم الله فوق أيديهم فيه أربعة أقوال أحدها يد الله في الوفاء فوق أيديهم والثاني يد الله في الثواب فوق أيديهم والثالث يد الله عليهم في المنة بالهداية فوق أيديهم بالطاعة ذكر هذه الأقوال الزجاج والرابع قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم ذكره ابن جرير وابن كيسان قوله تعالى نكث فإن أي نقض ما عقده من هذه البيعة ينكث على نفسه أي يرجع ذلك النقض عليه أوفى بما عاهد عليه الله من البيعة عمر قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبان عن عاصم فسنؤتيه بالنون وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء أهل عظيماي وفي وهو الجنة قال ابن السائب فلم ينكث العهد منهم غير رجل واحد يقال له الجد بن قيس وكان منافقا

[ 164 ]

سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أوموالنا وإن وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما قوله تعالى لك المخلفون من الأعراب قال ابن إسحاق لما أراد العمرة استنفر من حول المدينة من أهل البوادي والأعراب ليخرجوا معه خوفا من قومه أن يعرضوا له بحرب أو بصد فتثاقل عنه كثير منهم فهم الذين عنى الله بقوله سيقول لك المخلفون من الأعراب قال أبو صالح عن ابن عباس وهم غفار ومزينة وجهينة وأشجع والديل وأسلم قال يونس النحوي الديل في عبد القيس ساكن الياء والدول من حنيفة ساكن الواو والدئل في كنانة رهط أبي الأسود الدؤلي فأما المخلفون فانهم تخلفوا مخافة القتل كما أموالنا وأهلونا هو أي خفنا عليهم الضيعة لنا أي ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عليهم الضيعة لنا أي ادع الله أن يغفر لنا تخلفنا عنك بألسنتهم ما ليس في قلوبهم أي ما يبالون استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم قوله تعالى يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا قرأ حمزة والكسائي وخلف ضرا بضم الضاد والباقون بالفتح قال أبو علي الضر بالفتح خلاف النفع وبالضم سوء الحال ويجوز أن يكونا لغتين كالفقر والفقر وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم يدفع عنهم الضر ويعجل لهم النفع بسلامة أنفسهم وأموالهم فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا لم يقدر أحد على دفعه عنهم كان الله بما تعملون خبيرا من تخلفهم وقولهم عن المسلمين أنهم سيهلكون وذلك قوله ظننتم وسلم أي توهمتم لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم عنه أي لا يرجعون إلى المدينة لاستئصال العدو إياهم إن ذلك في قلوبكم وذلك من تزيين الشيطان قوله تعالى قوما بورا قد ذكرناه في الفرقان 1

[ 165 ]

سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا وما بعد هذا ظاهر إلى قوله المخلفون إلا الذين تخلفوا عن الحديبية انطلقتم إلى مغانم فيه وذلك أنهم لما انصرفوا عن الحديبية بالصلح وعدهم الله فتح خيبر وخص بها من شهد الحديبية فانطلقوا إليها فقال هؤلاء المخلفون صلى نتبعكم وقال قال الله تعالى أنه أن يبدلوا كلام الله وقرأ حمزة والكسائي وخلف أن يبدلوا كلم الله بكسر اللام وفي المعنى قولان أحدهما أنه مواعيد الله بغنيمة خيبر لأهل الحديبية خاصة قاله ابن عباس والثاني أمر الله نبيه أن لا يسير معه منهم أحد وذلك أن الله وعده وهو بالحديبية أن يفتح عليه خيبر ونهاه أن يسير معه أحد من المتخلفين قاله مقاتل وعلى القولين قصدوا أن يجيز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف أمر الله فيكون تبديلا لأمره قوله تعالى قال الله من قبلي عمرو فيه قولان قال إن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية وهذا على القول الأول والثاني قال لن تتبعونا وهذا قول مقاتل فسيقولون بل تحسدوننا وهو أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما صلى الله عليه وسلم قوله تعالى إلى قوم المعنى إن كنتم تريدون الغزو والغنيمة فستدعون إذا إلى جهاد قوم بأس شديد

[ 166 ]

وفي هؤلاء القوم ستة أقوال أحدها أنهم فارس رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال عطاء ابن أبي رباح وعطاء الخراساني وابن أبي ليلى وابن جريج في آخرين والثاني فارس والروم قاله الحسن ورواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والثالث أنهم أهل الأوثان رواه ليث عن مجاهد والرابع أنهم الروم قاله كعب والخامس أنهم هوازن وغطفان وذلك يوم حنين قاله سعيد بن جبير وقتادة والسادس بنو حنيفة يوم اليمامة وهم أصحاب مسيلمة الكذاب قاله الزهري وابن السائب ومقاتل قال مقاتل خلافة أبي بكر في هذه بينة مؤكدة وقال رافع بن خديج كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعي أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم وقال بعض أهل العلم لا يجوز أن تكون هذه الآية إلا في العرب لقوله أو يسلمون وفارس والروم إنما يقاتلون حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وقد استدل جماعة من العلماء على صحة إمامة أبي بكر وعمر بهذه الآية لأنه إن أريد بها بنو حنيفة فأبو بكر دعا إلى قتالهم وإن أريد بها فارس والروم فعمر دعا إلى قتالهم والآية تلزمهم اتباع من يدعوهم وتتوعدهم فقال على التخلف بالعقاب قال القاضي أبو يعلى وهذا يدل على صحة إمامتها إذا كان المتولي عن طاعتهما مستحقا للعقاب قوله تعالى تطيعوا أي قال ابن جريج فان تطيعوا أبا بكرو عمر تتولوا عن طاعتهما توليتم عن طاعة محمد صلى الله عليه وسلم في المسير إلى الحديبية وقال الزجاج المعنى إن تبتم وتركتم نفاقكم وجاهدتم يؤتكم الله أجرا حسنا وإن توليتم فأقمتم على نفاقكم وأعرضتم عن الإيمان والجهاد كما توليتم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذابا أليما قوله تعالى على الأعمى حرج قال المفسرون عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية قوله تعالى جنات قرأ نافع وابن عامر ندخله ونعذبه بالنون فيهما والباقون بالياء رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما

[ 167 ]

وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبرا ثنا ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم وشهدوا بيعة الرضوان بقوله رضي الله عن المؤمنين وقد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا وإنما سميت بيعة الرضوان لقوله رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال بينما نحن قائلون زمن الحديبية نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس قال فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه وقال عبد الله بن مغفل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يبايع الناس وإني لأرفع أغصانها عن رأسه وقال بكير بن الأشج كانت الشجرة بفج نحو مكة قال نافع كان الناس يأتون تلك الشجرة فيصلون عندها فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت قوله تعالى ما في قلوبهم أي من الصدق والوفاء والمعنى علم أنهم مخلصون قال السكينة عليهم يعني الطمأنينة والرضى حتى بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا به أي عوضهم على الرضى بقضائه والصبر على أمره هذا قريبا وهو خيبر كثيرة يأخذونها ثم أي من خيبر لأنها كانت ذات عقار وأموال فأما قوله بعد هذا الله مغانم كثيرة تأخذونها فقال المفسرون هي الفتوح التي تفتح على المسلمين إلى يوم القيامة لكم هذه فيها قولان أحدهما أنها غنيمة خيبر قاله مجاهد وقتادة والجمهور والثاني أنه الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش رواه العوفي عن ابن عباس قوله تعالى أيدي الناس عنكم فيهم ثلاثة أقوال

[ 168 ]

أحدها أنهم اليهود هموا أن يغتالوا عيال المسلمين الذين خلفوهم في المدينة فكفهم الله عن ذلك قاله قتادة والثاني أنهم أسد وغطفان جاؤوا لينصروا أهل خيبر فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا عنهم قاله مقاتل وقال الفراء كانت أسد وغطفان مع أهل خيبر فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالحوه وخلوا بينه وبين خيبر وقال غيرهما بل همت أسد وغطفان باغتيال أهل المدينة فكفهم الله عن ذلك والثالث أنهم أهل مكة كفهم الله بالصلح حكاهما الثعلبي وغيره ففي قوله عنكم قولان أحدهما أنه على أصله قاله الأكثرون والثاني عن عيالكم قاله ابن قتيبة وهو مقتضى قول قتادة رسول آية للمؤمنين في المشار إليها قولان احدهما أنها الفعلة التي فعلها بكم من كف أيديهم عنكم كانت آية اللمؤمنين فعلموا أن الله تعالى متولي حراستهم في مشهدهم ومغيبهم والثاني أنها خيبر كان فتحها علامة للمؤمنين في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وعدهم به قوله تعالى صراطا مستقيما فيه قولان أحدهما طريق التوكل عليه والتفويض إليه وهذا على القول الأول والثاني يزيدكم هدى بالتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من وعد الله تعالى بالفتح والغنيمة قوله تعالى ولا المعنى وعدكم الله مغانم أخرى وفيها أربعة أقوال أنها ما فتح للمسلمين بعد ذلك روى سماك الحنفي عن ابن عباس وأخرى لم تقدروا عليها قال ما فتح لكم من هذه الفتوح وبه قال مجاهد والثاني أنها خيبر رواه عطية والضحاك عن ابن عباس وبه قال ابن زيد والثالث فارس والروم روي عن ابن عباس أيضا وبه قال الحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى والرابع مكة ذكره قتادة وابن قتيبة قوله تعالى أحاط الله بها فيه قولان أحدهما أحاط بها علما أنها ستكون من فتوحكم لم والثاني حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى فتحتموها قوله تعالى قاتلكم الذين كفروا هذا خطاب لأهل الحديبية قاله قتادة والذين كفروا مشركو قريش فعلى هذا يكون المعنى لو قاتلوكم يوم الحديبية الأدبار لما في قلوبهم من الرعب لا يجدون وليا لأن الله قد خذلهم قال الزجاج المعنى لو قاتلك من لم يقاتلك لنصرت

[ 169 ]

حدثنا عليه لأن سنة الله النصرة لأوليائه وسنة الله منصوبة على المصدر لأن قوله لولوا الأدبار معناه سن الله عز وجل خذلانهم سنة وقد مر مثل هذا في قوله الله عليكم النساء 24 وقوله ابن الله قوله تعالى الذي كف أيديهم عنكم روى أنس بن مالك أن ثمانين رجلا من أهله مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخذهم سلما فاستحياهم وأنزل الله هذه الآية وروى عبد الله بن مغفل قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبة في أصل الشجرة فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابا فثاروا في وجوهنا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل جئتم في عهد أو هل جعل لكم أحد أمانا قالوا اللهم لا فخلى سبيلهم ونزلت هذه الآية وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا فأتوه باثني عشر فارسا من الكفار فأرسلهم وقال مقاتل خرجوا يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة قال المفسرون ومعنى الآية أن الله تعالى ذكر منته إذ حجز بين الفريقين فلم يقتتلا حتى تم الصلح بينهم وفي بطن مكة ثلاثة أقوال أحدها أنه الحديبية قاله أنس والثاني وادي مكة قاله السدي والثالث التنعيم حكاه أبو سليمان الدمشقي فأما مكة فقال الزجاج مكة لا تنصرف لأنها مؤنث وهي معرفة ويصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة والميم تبدل من الباء يقال ضربة لازم ولازب ويصلح أن يكون اشتقاقها من قولهم امتك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى فيه شيئا فيكون سميت بذلك لشدة الازدحام فيها قال والقول الأول أحسن وقال قطرب مكة من تمككت المخ إذا أكلته وقال ابن فارس تمككت العظم إذا أخرجت مخه والتمكك الاستقصاء وفي الحديث لا تمككوا قوله على غرمائكم وفي تسمية مكة أربعة أقوال أحدها لأنها مثابة يؤمها الخلق من كل فج وكأنها هي التي تجذبهم له إليها وذلك من قول العرب امتك الفصيل ما في ضرع الناقة والثاني أنها سميت مكة من قولك بككت الرجل إذا وضعت منه ورددت نخوته فكأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه وتنقصه وأنشدوا

[ 170 ]

يا مكة الفاجر مكي مكا ولاتمكي مذحجا وعكا ذلك والثالث أنها سميت بذلك لجهد أهلها والرابع لقلة الماء بها وهل مكة وبكة واحد قد ذكرناه في آل عمران 96 قوله تعالى بعد أن أظفركم عليهم أي بهم يقال ظفرت بفلان وظفرت عليه قوله تعالى الله بما تعلمون بصيرا قرأ أبو عمرو يعملون بالياء والباقون بالتاء الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شئ عليما قوله تعالى هم محمد الذين كفروا يعني أهل مكة إلى عن المسجد الحرام أن تطوفوا به وتحلوا من عمرتكم كان قال الزجاج أي وصدوا الهدي أبو أي محبوسا يبلغ أو أي عن أن يبلغ) قال المفسرون محله منحره وهو حيث يحل نحره رجال مؤمنون ونساء مؤمنات وهم المستضعفون بمكة تعلموهم أي لم تعرفوهم تطؤوهم عبد بالقتل ومعنى الآية لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بالقتل وتوقعوا بهم ولا تعرفونهم عليه منهم معرة أبي وفيها أربعة أقوال أحدهما إثم قاله ابن زيد والثاني غرم الدية قاله ابن إسحاق والثالث كفارة قتل الخطأ قاله ابن السائب والرابع عيب بقتل من هو على دينكم حكاه جماعة من المفسرين وفي الآية محذوف

[ 171 ]

تقديره لادخلتكم (من عامكم هذا وإنما حلت بينكم وبينهم الله في رحمته أي في دينه يشاء من أهل مكة وهم الذين أسلموا بعد الصلح عنه تزيلوا قال ابن عباس لو تفرقوا وقال ابن قتيبة والزجاج لو تميزوا قال المفسرون لو انماز المؤمنون من المشركين ما الذين كفروا بالقتل والسبي بأيديكم وقال قوم لو تزيل المؤمنون من أصلاب الكفار لعذبنا الكفار وقال بعضهم قوله لعذبنا جواب لكلامين أحدهما لولا رجال والثاني لو تزيلوا وقوله جعل لا من صلة قوله أن والحمية الانفعة على والجبرية قال المفسرون وانما أخذتهم الحمية حين أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة فقالوا يدخلون علينا وقد قتلوا ابناءنا واخواننا فتتحدث العرب بذلك والله لا يكون ذلك قال الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين فلم يدخلهم ما دخل أولئك فيخالفوا الله في قتالهم وقيل الحمية ما تداخل سهيل بن عمرو من الانفة ان يكتب في كتاب الصلح ذكر الرحمن الرحيم وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى كلمة التقوى فيه خمسة أقوال أحدهما لا اله الا الله قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد في آخرين وقد روي مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون معنى الزمهم حكم لهم بها وهي التي تنفي الشرك والثاني لا إله إلا الله والله أكبر قاله ابن عمر وعن علي بن أبي طالب كالقولين والثالث لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير قاله عطاء بن أبي رباح والرابع لا إله إلا الله محمد رسول الله قاله عطاء الخرساني والخامس بسم الله الرحمن الرحيم قاله الزهري فعلى هذا يكون المعنى أنه لما أبى المشركون أن يكتبوا هذا في كتاب الصلح ألزمه الله المؤمنين أحق بها من المشركين كانوا أهلها في علم الله تعالى صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا هو

[ 172 ]

الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا قوله تعالى صدق الله رسوله الرؤيا بالحق قال المفسرون سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أري في المنام قبل خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له المسجد الحرام إلى قوله تخافون ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك فلما رجعوا ولم يدخلوا قال المنافقون أين رؤياه التي رأى فنزلت هذه الآية فدخلوا في العام المقبل وفي قوله شاء الله ستة أقوال أحدها أن إن بمعنى إذ قاله أبو عبيدة وابن قتيبة والثاني أنه استثناء من الله وقد علمه والخلق يستثنون فيما لا يعلمون قاله ثعلب فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء والثالث أن المعنى لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به قاله الزجاج والرابع أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم لأنه علم أن بعضهم يموت حكاه الماوردي والخامس أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن قائلا يقول لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين حكاه القاضي أبو يعلى والسادس أنه يعود إلى الأمن والخوف فأما الدخول فلا شك فيه حكاه الثعلبي قوله تعالى الله من العدو رؤوسكم ومقصرين من الشعر تخافون عدوا ما لم تعلموا فيه ثلاثة أقوال أحدها علم أن الصلاح في الصلح والثاني أن في تأخير الدخول صلاحا والثالث فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك قوله تعالى إلا من دون ذلك فتحا قريبا فيه قولان أحدهما فتح خيبر قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد ومقاتل والثاني صلح الحديبية قاله مجاهد والزهري وابن إسحاق وقد بينا كيف كان فتحا في أول السورة وما بعد هذا مفسر في براءة 33 بالله شهيدا وفيه قولان

[ 173 ]

أحدهما أنه شهد له على نفسه يظهره على الدين كله قاله الحسن والثاني كفى به شيهدا أن محمدا رسوله قاله مقاتل النبي رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما قوله تعالى النبي رسول الله وقرأ الشعبي وأبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري محمدا رسول الله بالنصب فيهما قال ابن عباس شهد له بالرسالة قوله تعالى معه يعني أصحابه والأشداء جمع شديد قال الزجاج والأصل أشد داء قال نحو نصيب وأنصباء ولكن الدالين تحركتا فأدغمت الأولى في الثانية ومثله يرتد منكم المائدة 54 قوله تعالى بينهم الرحماء جمع رحيم والمعنى أنهم يغلظون على الكفار ويتوادون عن بينهم ركعا سجدا يصف كثرة صلاتهم من فضلا من الله وهو الجنة في وهو رضى الله عنهم وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور وروى مبارك بن فضاله عن الحسن البصري أنه قال والذين معه أبو بكر أشداء على الكفار عمر رحماء بينهم عثمان تراهم ركعا سجدا علي بن أبي طالب يبتغون فضلا من الله ورضوانا طلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد وسعيد وأبو عبيدة قوله تعالى بن أي علامتهم وجوههم وهل هذه العلامة في الدنيا أم في الآخرة فيه قولان أحدهما في الدنيا ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها السمت الحسن قاله ابن عباس في رواية ابن أبي طلحة وقال في رواية مجاهد أما إنه ليس بالذي ترون ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه وكذلك قال مجاهد ليس بندب التراب في الوجه ولكنه الخشوع والوقار والتواضع

[ 174 ]

والثاني أنه ندى الطهور وثرى الأرض قاله سعيد بن جبير وقال أبو العالية لأنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب وقال الأوزاعي بلغني أنه ما حملت جباههم من الأرض والثالث أنه السهوم فإذا سهم وجه الرجل من الليل أصبح مصفارا قال الحسن البصري سيماهم في وجوههم الصفرة وقال سعيد بن جبير أثر السهر وقال شمر بن عطية هو تهيج في الوجه من سهر الليل والقول الثاني أنها في الآخرة ثم فيه قولان أحدهما أن مواضع السجود من وجوههم يكون أشد وجوههم بياضا يوم القيامة قاله عطية العوفي وإلى نحو هذا ذهب الحسن والزهري وروى العوفي عن ابن عباس قال صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة والثاني أنهم يبعثون غرا محجلين من أثر الطهور ذكره الزجاج قوله تعالى مثلهم أي صفتهم والمعنى أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه التوراة هذا فأما قوله هذه في الإنجيل سنة ففيه ثلاثة أقوال أحدها أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل قال مجاهد مثلهم في التوراة والإنجيل واحد والثاني أن المتقدم مثلهم في التوراة فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله وهذا قول الضحاك وابن زيد والثالث أن مثلهم في التوراة والإنجيل كزرع ذكر هذه الأقوال أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى شطأه وقرأ ابن كثير وابن عامر شطأه بفتح الطاء والهمزة وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي شطاة بسكون الطاء وكلهم يقرا بهمزة مفتوحة وقرأ أبي بن كعب أبو العالية وابن أبي عبلة شطاءه عمرو بفتح الطاء وبالمد والهمزة وبألف قال أبو عبيدة أي فراخه يقال أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا أفرخ فآزره أي ساواه وصار مثل الأم وقرأ ابن عامر فأزره مقصورة الهمزة مثل فعله وقال ابن قتيبة آزره أعانه وقواه قبل أي غلظ على سوقه وهي جمع ساق وهذا مثل ضربه الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده فأيده بأصحابه كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت منها حتى كبرت وغلظت واستحكمت وقرأ ابن كثير على سؤقه مهموزة والباقون بلا همزة وقال قتادة في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع وفيمن أريد بهذا المثل قولان أحدهما أن أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه أخرج محمدا صلى الله عليه وسلم فآزره بأبي

[ 175 ]

بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه علي بن أبي طالب رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس والثاني أن المراد بالزرع محمد صلى الله عليه وسلم أخر شطاه أبو بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي يحيى الزراع الرحمن يعني المؤمنين ليغيظ بهم الكفار وهو قول عمر لأهل مكة لا يعبد الله سرا بعد اليوم رواه الضحاك عن ابن عباس ومبارك عن الحسن قوله تعالى بهم الكفار أي إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار وقال مالك بن أنس من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية وقال ابن إدريس لا آمن ان يكونوا قد ضاعوا الكفار يعني الرافضة لأن الله تعالى يقول ليغيظ بهم الكفار قوله تعالى قبل الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيماي وفي قال الزجاج في من قولان أحدهما أن يكون تخليصا للجنس من غيره كقوله الرجس من الأوثان الحج 30 ومثله أن تقول أنفق من الدراهم أي اجعل نفقتك من هذا الجنس قال ابن الأنباري معنى الآية وعد الله الذين آمنوا من هذا الجنس أي من جنس الصحابة والثاني أن يكون هذا الوعد لمن أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح

[ 176 ]

سورة الحجرات وهي مدنية باجماعهم روى ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله أعطاني السبع الطول مكان التوراه وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني وفضلني ربي بالمفصل أما السبع الطول فقد ذكرناها عند قوله آتيناك سبعا من المثاني الحجر 87 وأما المئون فقال ابن قتيبة هي ما ولي الطول وإنما سميت بالمئين لأن كل سورة تزيد على مائة آية أو تقاربها والمثاني ما ولي المئين من السور التي دون المائة كأن المئين مباد وهذه مثان وأما المفصل فهو ما يلي المثاني من قصار السور وإنما سميت مفصلا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسطر بسم الله الرحمن الرحيم وقد ذكر الماوردي في أول تفسيره في المفصل ثلاثة أقوال أحدها أنه من أول سورة وكان إلى آخر القرآن قاله الأكثرون والثاني من سورة إلى آخره حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة والثالث من روى إلى آخره قاله ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول

[ 177 ]

الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم قوله تعالى أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله في سبب نزولها أربعة أقوال أحدها أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي وقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتها فنزل قوله ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله إلى قوله ولو أنهم صبروا فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه رواه عبد الله بن الزبير والثاني أن قوما ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الذبح فنزلت الآية قاله الحسن والثالث أنها نزلت في قوم كانوا يقولون لو أنزل الله في كذا وكذا فكره الله ذلك وقدم فيه قاله قتادة والرابع أنها نزلت في عمرو بن أمية الضمري وكان قد قتل رجلين من بني سليم قبل أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن السائب وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة وروى العوفي عنه قال نهو أن يتكلموا بين يدي كلامه وروي عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية قالت لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم ومعنى الآية على جميع الأقوال لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يفعل قال ابن قتيبة يقال فلان يقدم بين يدي الإمام وبين يدي أبيه أي يعجل بالأمر والنهي دونه فأما تقدموا فقرأ ابن مسعود وأبو هريرة وأبو رزين وعائشة وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والضحاك وابن سيرين وقتادة وابن يعمر ويعقوب بفتح التاء والدال وقرأ الباقون بضم التاء وكسر الدال قال الفراء كلاهما صواب يقال قدمت وتقدمت وقال الزجاج كلاهما واحد فأما بين يدي الله ورسوله فهو عبارة عن الأمام لأن ما بين يدي الإنسان أمامه فالمعنى لا تقدموا قدام الأمير قوله تعالى ترفعوا أصواتكم في سبب نزولها قولان أحدهما أن أبا بكر وعمر رفعا أصواتهما فيما ذكرناه آنفا في حديث ابن الزبير وهذا قول ابن أبي مليكة

[ 178 ]

والثاني أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان جهوري الصوت فربما كان إذا تكلم تأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوته قاله مقاتل قوله تعالى تجهر له بالقول فيه قولان أحدهما أن الجهر بالصوت في المخاطبة قاله الأكثرون والثاني لا تدعوه باسمه يا محمد كما يدعو بعضكم بعضا ولكن قولوا يا رسول الله ويا نبي الله وهو معنى قول سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل قوله تعالى تحبط قال ابن قتيبة لئلا تحبط وقال الأخفش مخافة أن تحبط قال أبو سليمان الدمشقي وقد قيل معنى الإحباط هاهنا نقص المنزلة لا إسقاط العمل من أصله كما يسقط بالكفر قوله تعالى الذين يغضون أصواتهم ولم قال ابن عباس لما نزل قوله لا ترفعوا أصواتكم تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار فأنزل الله في أبي بكر إن الذين يغضون أصواتهم والغض النقص كما بينا عند قوله للمؤمنين يغضوا بين النور 30 الذين امتحن الله قلوبهم قال ابن عباس أخلصها أهل من المعصية وقال الزجاج اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين كما تقول قد امتحنت هذا الذهب والفضة أي اختبرتهما بأن أذبتهما حديث حتى خلصا فعلمت حقيقة كل واحد منهما وقال ابن جرير اختبرها بامتحانه إياها فاصطفاها وأخلصها للتقوى الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم قوله تعالى الذين ينادونك من وراء الحجرات في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب يا محمد اخرج إلينا فان مدحنا زين وإن ذمنا شين فخرج وهو يقول إنما ذلكم الله فقالوا ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم قم فاذكر فضلك وفضل قومك فقام فذكر ذلك فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس فأجابه وقام شاعرهم فأجابه حسان فقال الأقرع بن حابس والله ما أدري ما هذا الأمر تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر ثم دنا فأسلم فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية هذا قول جابر بن عبد الله في آخرين وقال ابن اسحاق نزلت في جفاة بني تميم وكان

[ 179 ]

فيهم الأقرع ابن حابس وعيينة بن حصن والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم المنقري وخالد بن مالك وسويد بن هشام وهما نهشليان عند والقعقاع بن معبد وعطاء ابن حابس ووكيع بن وكيع والثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني العنبر وأمر عليهم عيينة بن حصن الفزاري فلما علموا بذلك هربوا وتركوا عليالهم لأنه فسباهم عيينة فجاء رجالهم يفدون الذاراري فقدموا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائل فجعلوا ينادون يا محمد اخرج إلينا حتى أيقظوه فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثالث أن ناسا من العرب قال بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فان يكن نبيا نكن أسعد الناس به وإن يكن ملكا نعش في جناجه أخبرنا فجاؤوا فجعلوا ينادون يا محمد يا محمد فنزلت هذه الآية قاله زيد بن أرقم فأما الحجرات فقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وأبو العالية وابن يعمر وأبو جعفر وشيبة بفتح الجيم وأسكنها أبو رزين وسعيد بن المسيب وابن أبي عبلة وضمها الباقون قال الفراء وجه الكلام أن تضم الحاء والجيم وبعض العرب يقول الحجرات والركبات يا وربما خففوا فقالوا الحجرات والتخفيف في تميم والتثقيل في أهل الحجاز وقال ابن قتيبة واحد الحجرات حجرة مثل ظلمة وظلمات قال المفسرون وإنما نادوا من وراء الحجرات لأنهم لم يعلموا في أي الحجر رسول الله قوله تعالى أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم قال الزجاج أي لكان الصبر خيرا لهم وفي وجه كونه خيرا لهم قولان أحدهما لكان خيرا لهم فيما قدموا له من فداء ذراريهم فلو صبروا خلى سبيلهم بغير فداء قاله مقاتل والثاني لكان أحسن لآدابهم لو في طاعة الله ورسوله ذكره الماوردي قوله تعالى غفور رحيم أي لمن تاب منهم أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم

[ 180 ]

ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلان من الله ونعمة والله عليم حكيم قول تعالى جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم وقد كانت بينه وبينهم عداوة في الجاهلية فسار بعض الطريق ثم خاف فرجع فقال إنهم قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي فصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إليهم فنزلت هذه الآية وقد ذكرت القصد في كتاب المغني وفي الحدائق مستوفاة وذكرت معنى فتبينوا في سورة النساء 94 والنبأ الخبر وأن بمعنى لئلا والجهالة هاهنا أن يجهل حال القوم يكون على ما فعلتم مع من إصابتهم بالخطأ سعيد ثم خوفهم فقال أن فيكم رسول الله أي إن كذبتموه أخبره الله فافتضحتم ثم قال عنه يطيعكم في كثير من الأمر أي مما تخبرونه فيه بالباطل قد أي لوقعتم في عنت قال ابن قتيبة وهو الضرر والفساد وقال غيره هو الإثم والهلاك وذلك أن المسلمين لم سمعوا أن أولئك القوم قد كفروا قالوا ابعث إليهم يا رسول الله واغزهم واقتلهم ثم خاطب المؤمنين فقال الله حبب إليكم الإيمان إلى قوله وفي ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال هم الراشدون أي المهتدون إلى محاسن الأمور من الله قال الزجاج المعنى ففعل بكم ذلك فضلا أي للفضل والنعمة وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فان بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون قوله تعالى طائفتان الآية في سبب نزولها قولان أحدهما ما روي البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال قيل

[ 181 ]

لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك فقال رجل من الأنصار والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنه أنزلت فيهم وإن طائفتان الآية وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي وعبد الله بن رواحة فخمر ابن أبي وجهه بردائه وقال لا تغبروا علينا فذكر الحديث وأن المسلمين والمشركين واليهود استبوا كل وقد ذكرت الحديث بطوله في المغني والحدائق وقال مقاتل وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له فبال الحمار فقال عبد الله بن أبي أف وأمسك على أنفه فقال عبد الله بن رواحة والله لهو أطيب ريحا منك فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة والله لهو أطيب ريحا منك فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف ونزلت هذه الآية والقول الثاني أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما فقال أحدهما لآخذن حقي عنوة وذلك لكثرة عشيرته ودعاه الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال قاله قتادة وقال مجاهد المراد بالطائفتين الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي بينهم وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وأبو عمران الجوني اقتتلا على فعل اثنين مذكرين وقرأ أبو المتوكل الناجي وأبو الجون وابن أبي عبلة اقتتلتا بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين وقال الحسن وقتادة والسدي بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها بغت إحداهما طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصلح التي تبغي حتى تفئ أي ترجع أمر الله أي إلى طاعته في الصلح الذي أمر به قوله تعالى أي اعدلوا في الإصلاح بينهما قوله تعالى المؤمنون إخوة قال الزجاج إذا كانوا متفقين في دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب لأنهم لآدم وحواء فإذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب قوله تعالى بين أخويكم قرأ الأكثرون أخويكم بياء على التثنية وقرأ أبي بن كعب ومعاوية وسعيد بن المسيب وابن جبير وقتادة وأبو العالية وابن يعمر وابن أبي عبلة ويعقوب بين إخوتكم بتاء مع كسر الهمزة على الجمع وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن والشعبي وابن سيرين بين إخوانكم بالنون وألف قبلها قال قتادة ويعني بذلك الأوس والخزرج

[ 182 ]

أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الأسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون قوله تعالى يسخر قوم من قوم هذه الآية نزلت على ثلاثة أسباب فأما أولها إلى قوله تعالى عمر منهم فنزلت على سبب وفيه قولان أحدهما أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوما يريد الدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان به صمم فقال لرجل بين يديه افسح فقال له الرجل قد أصبت مجلسا فجلس مغضبا ثم قال للرجل من أنت قال أنا فلان فقال ثابت أنت ابن فلانة فذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية فأغضي الرجل ونكس رأسه ونزل قوله تعالى يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن وفد تميم استهزؤوا بفقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأوا من رثاثة حالهم فنزلت هذه الآية قاله الضحاك ومقاتل وأما قوله تعالى نساء من نساء فنزلت على سبب وفيه ثلاثة أقوال أحدها أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر فنزلت هذه الآية قاله أنس بن مالك وزعم مقاتل أن عائشة استهزأت من قصر أم سلمة والثاني أن امرأتين من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم سخرتا من أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت أم سلمة قد خرجت ذات يوم وقد ربطت أحد طرفي جلبابها على حقوها وأرخت الطرف الآخر خلفها ولا تعلم فقالت إحداهما للأخرى انظري ما خلف أم سلمة كأنه لسان كلب قال أبو صالح عن ابن عباس والثالث أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلا قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وأما قوله تعالى تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب فنزلت على سبب وفيه ثلاثة أقوال أحدها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم ألقاب يدعون بها فجعل الرجل يدعو الرجل

[ 183 ]

بلقبه فقيل له يا رسول الله إنهم يكرهون هذا فنزل قوله تعالى تنابزوا بالألقاب قاله أبو جبيرة بن الضحاك والثاني أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة فقال له الرجل يا ابن اليهودية فنزلت ولا تنابزوا بالألقاب قاله الحسن والثالث أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام فقال له يا أعرابي فقال له عبد الله يا يهودي فنزلت فيهما ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب قاله مقاتل وأما التفسير فقوله تعالى يسخر قوم من قوم أي لا يستهزئ غني بفقير ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه ولا ذو حسب بلئيم الحسب وأشباه ذلك مما ينقصه به عسى أن يكون عند الله خيرا منه وقد بينا في البقرة 54 أن القوم اسم الرجال دون النساء ولذلك قال ولا نساء من نساء وتلمزوا بمعنى تعيبوا وقد سبق بيانه التوبة 58 والمراد بالأنفس هاهنا الإخوان والمعنى لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم والتنابز التفاعل من النبز وهو مصدر والنبز الاسم والألقاب جمع لقب وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الإسم الذي سمي به قال ابن قتيبة ولا تنابزوا بالألقاب أي لا تتداعوا فلا بها والألقاب والأنباز منه واحد ومنه الحديث نبزهم الرافضة أي لقبهم وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال أحدها تعيير التائب بسيئات قد كان عملها رواه عطية العوفي عن ابن عباس والثاني أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام كقوله لليهودي إذا أسلم يا يهودي وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني والقرظي والثالث أنه قول الرجل للرجل يا كافر يا منافق قاله عكرمة والرابع أنه تسميته بالأعمال السيئة كقوله يا زاني يا سارق يا فاسق قاله ابن زيد قال أهل العلم والمراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادى به أو يعد ذما له فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا فلا تكره كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر فاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب ولخالد سيف الله ونحو ذلك وقوله الاسم الفسوق أي تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن لم يتب من التنابز هم

[ 184 ]

الظالمون وفيه قولان أحدهما الضارون: لأنفسهم بمعصيتهم قاله ابن عباس والثاني هم أظلم من الذين قالوا لهم ذلك قاله ابن زيد أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهمتموه غير واتقوا الله إن الله تواب رحيم قوله تعالى كثيرا من الظن قال ابن عباس نهى الله تعالى المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا وقال سعيد بن جبير هو الرجل يسمع من أخيه كلاما لا يريد به سوءا أو يدخل مدخلا لا يريد به [ سوءا ] أحمد فيراه أخوه المسلم فيظن به سوءا وقال الزجاج هو أن يظن بأهل الخير سوءا فأما أهل السوء والفسق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم قال القاضي أبو يعلى هذه الآية تدل على أنه لم ينه عن جميع الظن والظن على أربعة أضرب محظور ومأمور به ومباح ومندوب إليه فأما المحظور فهو سوء الظن بالله تعالى والواجب حسن الظن بالله وكذلك سوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة محظور وأما الظن المأمور به فهو ما لم ينصب عليه دليل يوصل إلى العلم به وقد تعبدنا بتنفيذ الحكم فيه والاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب وذلك نحو ما تعبدنا به من قبول شهادة العدول وتحري القبلة وتقويم المستهلكات وأروش الجنايات التي لم يرد بمقاديرها توقيف فهذا وما كان من نظائره قد تعبدنا فيه بأحكام غالب الظنون فأما الظن المباح فكالشاك بعد في الصلاة إذا كان إماما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري والعمل على ما يغلب في ظنه وإن فعله كان مباحا وإن عدل عنه إلى البناء على اليقين كان جائزا وروى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ظننتم فلا تحققوا وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة فلا ينبغي له أن يحققه وأما الظن المندوب إليه فهو إحسان الظن بالأخ المسلم يندب إليه ويثاب عليه فأما ما روي في الحديث احترسوا من الناس بسوء الظن فالمراد الإحتراس بحفظ المال مثل أن يقول إن تركت بابي مفتوحا خشيت السراق قوله تعالى بعض الظن إثم قال المفسرون هو ما تكلم به مما ظنه من السوء بأخيه المسلم فإن لم يتكلم به فلا بأس وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس ذلك الظن وإن لم ينطق به قوله تعالى تجسسوا وقرأ أبو رزين والحسن والضحاك وابن سيرين وأبو رجاء وابن يعمر بالحاء قال أبو عبيدة التجسس والتحسس واحد وهو التبحث ومنه الجاسوس وروي

[ 185 ]

عن يحيى بن أبي كثير أنه قال التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس وبالحاء الاستماع لحديث القوم قال المفسرون التجسس البحث عن عيب المسليمن وعوراتهم فالمعنى لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذ ستره الله وقيل لابن مسعود هذا الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا فقال إنا نهينا عن التجسس فان يظهر لنا شئ نأخذه به قوله تعالى يغتب بعضكم بعضا أي لا يتناول بعضكم بعضا ليظهر الغيب بما يسوؤه وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره قال أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ثم ضرب الله للغيبة مثلا فقال أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا وقرأ نافع ميتا بالتشديد قال الزجاج وبيانه أن ذكرك بسوء من لم يحضر بمنزلة أكل لحمه وهو ميت لا يحس بذلك قال القاضي أبو يعلى وهذا تأكيد لتحريم الغيبة لأن أكل لحم المسلم محظور ولأن النفوس تعافه من طريق الطبع فينبغي أن تكون الغيبة بمنزلته في الكراهة قوله تعالى يقول وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري فكرهتموه برفع الكاف وتشديد الراء قال الفراء أي فقد بغض إليكم والمعنى واحد قال الزجاج والمعنى كما تكرهون أكل لحمه ميتا فكذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا قوله تعالى الله أي في الغيبة الله تواب الذي على من تاب لأن به أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير قوله تعالى أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وقد في سبب نزولها ثلاثة أقوال أحدها نزلت في ثابت بن قيس وقوله في الرجل الذي لم يفسح له أنت ابن فلانة وقد ذكرناه عن ابن عباس في قوله يسخر قوم من قوم الحجرات 11 والثاني أنه لما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فصعد على ظهر الكعبة فأذن وأراد أن يذل المشركين بذلك فلما أذن قال عتاب بن أسيد الحمد لله الذي قبض أسيدا قبل اليوم وقال الحارث بن هشام أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنا وقال سهيل بن عمرو إن يكره الله شيئا يغيره وقال أبو سفيان أما أنا فلا أقول شيئا فاني إن قلت شيئا لتشهدن علي السماء ولتخبرن عني الأرض فنزلت هذه الآية قاله مقاتل والثالث أن عبدا أسود مرض فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قبض فتولى غسله وتكفينه ودفنه فأثر ذلك عند الصحابة فنزلت هذه الآية قاله يزيد بن شجرة فأما المراد بالذكر والأنثى فآدم وحواء

[ 186 ]

والمعنى إنكم تتساوون علي في النسب وهذا زجر عن التفاخر بالأنساب فأما الشعوب فهي جمع شعب وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة والقبائل دونها كبكر من ربيعة وتميم من مضر هذا قول الجمهور من المفسرين وأهل اللغة وروى عطاء عن ابن عباس قال يريد بالشعوب الموالي وبالقبائل العرب وقال أبو رزين الشعوب أهل الجبال الذين لا يعتزون لأحد والقبائل قبائل العرب وقال أبو سليمان الدمشقي وقد قيل إن القبائل هي الأصول والشعوب هي البطون التي تتشعب منها وهذا ضد القول الأول قوله تعالى حتى أي ليعرف بعضكم بعضا في قرب النسب وبعده قال الزجاج المعنى جعلناكم كذلك لتعارفوا لا لتفاخروا ثم أعلمهم أن أرفعهم عنده منزلة أتقاهم وقرأ أبي بن كعب وابن عباس والضحاك وابن يعمر وأبان عن عاصم لتعرفوا باسكان العين وكسر الراء من غير ألف وقرأ مجاهد وأبو المتوكل وابن محيصن لتعارفوا بتاء واحدة مشددة وبألف مفتوحة الراء مخففة وقرأ أبو نهيك والأعمش لتتعرفوا تعالى بتاءين مفتوحة الراء وبتشديدها من غير ألف قوله تعالى أكرمكم فإن وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومجاهد وأبو الجوزاء أن بفتح الهمزة قال الفراء من فتح أن فكأنه قال لتعارفوا أن الكريم التقي ولو كان كذلك لكانت لتعرفوا غير أنه يجوز لتعارفوا على معنى ليعرف بعضكم بعضا أن أكرمكم عند الله أتقاكم الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شئ عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون

[ 187 ]

قوله تعالى الأعراب آمنا قال مجاهد نزلت في أعراب بني أسد ابن خزيمة ووصف غيره حالهم فقال قدموا المدينة في سنة مجدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارهم وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك فنزلت فيهم هذه الآية وقال السدي نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة الفتح وكانوا يقولون آمنا بالله ليأمنوا على أنفسهم فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا فنزل‍ ت فيهم هذه الآية وقال مقاتل كانت منازلهم بين مكة والمدينة فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا آمنا ليأمنوا على دمائهم وأموالهم فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه قوله تعالى لم تؤمنوا أي لم تصدقوا قولوا أسلمنا قال ابن قتيبة أي استسلمنا من خوف السيف وانقدنا قال الزجاج الإسلام إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلك يحقن الدم فان كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله يدخل الإيمان في قلوبكم أي لم تصدقوا إنما أسلمتم تعوذا من القتل وقال مقاتل ولما بمعنى ولم يدخل التصديق في قلوبكم قوله تعالى تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس إن تخلصوا الإيمان يألتكم قرأ أبو عمرو يألتكم بالف وهمز وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة وقرأ الباقون يلتكم بغير ألف ولا همز فقراءة أبي عمرو من ألت يألت وقراءة الباقين من لات يليت قال الفراء وهما لغتان قال الزجاج معناهما واحد والمعنى لا ينقصكم وقال أبو عبيدة فيها ثلاث لغات ألت يألت تقديرها أفك يأفك وألات يليت تقديرها أقال يقيل ولات يليت قال رؤبة وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت النبي قوله تعالى أعمالكم أي من ثوابها ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه ومعنى وإن يشكوا وإنما ذكر الجهاد لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك الوقت هم الصادقون في كما إيمانهم فلما نزلت هاتان الآيتان أتو رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون فنزلت هذه الآية قوله تعالى أتعلمون الله بدينكم هو وعلم بمعنى أعلم ولذلك دخلت الباء في قوله بدينكم والمعنى أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه أي هو عالم بذلك لا يحتاج إلى أخباركم وفيهم نزل قوله تعالى عليك أن أسلموا قالوا أسلمنا ولم نقاتلك والله أعلم

[ 188 ]

3 / ق ويقال لها سورة الباسقات وقال العوفي وغيره عن ابن عباس أنها مكية وكذلك قال الحسن ومجاهد وعكرمه وقتاة والجمهور وحكي عن ابن عباس وقتادة ان فيها آية مدنية وهي قوله تعالى خلقنا السموات والأرض الآية 2 بسم الله الرحمن الرحيم والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شئ

[ 189 ]

عجيب أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج تعالى قرأ الجمهور باسكان الفاء وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وأبو رجاء وأبو الجوزاء قاف بنصب الفاء وقرأ أبو رزين وقتادة قاف برفع الفاء وقرأ الحسن وأبو عمران قاف بكسر الفاء وفي ق خمسة أقوال أنه قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنه جبل من زبر جدة خضراء قاله أبو صالح عن ابن عباس وروى عكرمة عن ابن بعاس قال خلق الله جبلا يقال له ق محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله عز وجل أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية وقال مجاهد هو جبل محيط بالأرض وروي عن الضحاك أنه من زمردة خضراء وعليه كنفا السماء وخضرة السماء منه أنه جبل من نار في النار قاله الضحاك في رواية عنه عن ابن عباس أنه اسم من أسماء القرآن قاله قتادة أنه حرف من كلمة ثم فيه خمسة أقوال أحدها أنه افتتاح اسمه قدير قاله أبو العالية والثاني أنه افتتاح أسمائه القدير والقاهر والقريب ونحو ذلك قاله القرظي والثالث أنه افتتاح قضي الأمر وأنشدوا قلنا وسلم لها قفي فقالت قاف عنه معناه أقف فاكتفت بالقاف من أقف حكاه جماعة منهم الزجاج والرابع قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما قاله أبو بكر الوراق والخامس قل يا محمد حكاه الثعلبي

[ 190 ]

تعالى المجيد قال ابن عباس وابن جبير المجيد الكريم وفي جواب هذا القسم أربعة أقوال أنه مضمر تقديره ليبعثن بعد الموت قاله الفراء وابن قتيبة ويدل عليه قول الكفار هذا شئ عجيب أنه قوله علمنا ما تنقص الأرض منهم فيكون المعنى قاف والقرآن المجيد لقد علمنا فحذفت اللام لأن ما قبلها عوض منها كقوله وضحاها قد أفلح أي لقد أفلح أجاز هذا القول الزجاج والثالث أنه قوله يلفظ من قول إن حكي عن الأخفش أنه في سورة أخرى حكاه أبو سليمان الدمشقي ولم يبين في أي سورة تعالى عجبوا إلا مفسر في ص 4 إلى قوله فيه عجيب أي معجب صلى متنا قال الأخفش هذا الكلام على جواب كأنه قيل لهم إنكم ترجعون فقالوا أئذا متنا وكنا ترابا وقال غيره تقدير الكلام ق والقرآن ليبعثن فقال أئذا متنا وكنا ترابا والمعنى أنبعث إذا كنا كذلك وقال ابن جرير لما تعجبوا من وعيد الله على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فقالوا شئ عجيب كان كأنه قال لهم ستعلمون إذا بعثتم ما يكون حالكم في تكذيبكم محمدا فقالوا أئذا متنا وكنا ترابا تعالى رجع وقال أي رد إلى الحياة قال ابن قتيبة أي لا يكون علمنا ما تنقص الأرض منهم أي ما تأكل من لحومهم ودمائهم واشعارهم إذا ماتوا يعني أن ذلك لا يعزب عن علمه أنه مع علمنا بذلك حفيظ أي حافظ لعددهم وأسمائهم ولما تنقص الأرض منهم وهو اللوح المحفوظ قد أثبت فيه ما يكون كذبوا بالحق وهو القرآن والمريج المختلط قال ابن قتيبة يقال مرج أمر الناس ومرج الدين وأصل هذا أن يقلق الشئ ولا يستقر يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق للهزال قال المفسرون ومعنى اختلاط أمرهم أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم مرة ساحر ومرة شاعر ومرة معلم يوقولون للقرآن مرة سحر ومرة مفترى ومرة رجز فكان أمرهم ملتبسا مختلطا عليهم

[ 191 ]

ينظروا إلى المساء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ولما لها من فروج والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد دلهم على قدرته على البعث بقوله أفلم ينظروا إلى المساء فوقهم كيف بنيناها بغير عمد وزيناها بالكواكب وما لها من فروج أي من صدوع وشقوق والزوج الجنس والبهيج الحسن قاله أبو عبيدة وقال ابن قتيبة البهيج الذي يبتهج به تعالى وذكرى لكل عبد منيب قال الزجاج أي فعلنا ذلك لنبصر وندل على القدرة والمنيب الذي يرجع إلى الله ويفكر في قدرته تعالى من السماء ماء وهو المطر صلى الله عليه وسلم أي كثير الخير فيه حياة كل شئ فأنبتتا إذا به جنات وهي البساتين الحصيد أراد الحب الحصيد فأضافه إلى نفسه كقوله لهو حق اليقين الواقعة 95 وقوله حبل الوريد ق 16 فالحبل هو الوريد وكما يقال صلاة الأولى يراد الصلاة الأولى ويقال مسجد الجامع يراد المسجد الجامع وإنما تضاف هذه الأشياء إلى أنفسها لاختلاف لفظ اسمها وهذا قول الفراء وابن قتيبة وقال غيرهما أراد حب النبت الحصيد فقال أي وأنبتنا النخل باسقات وبسوقها أي طولها قال ابن قتيبة يقال بسق الشئ يبسق بسوقا إذا طال والنضيد المنضود بعضه فوق بعض وذلك قبل أن يتفتح فإذا انشق جف طلعه وتفرق لبس بنضيد تعالى للعباد أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق وأحيينا به أي بالمطر

[ 192 ]

ميتا كذلك الخروج من القبور ذكر الأمم المكذبة بما بعد هذا وقد سبق بيانه إلى قوله فحق وعيد وجب عليهم عذابي ثنا بالخلق الأول هذا جواب لقولهم ذلك رجع بعيد والمعنى أعجزنا عن ابتداء الخلق وهو الخلق الأول فنعيا بالبعث وهو الخلق الثاني وهذا تقرير لهم لأنهم اعرتفوا به أنه الخالق وأنكروا البعث بل هم في لبس أي في شك خلق جديد وهو البعث خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد خلقنا الإنسان يعني ابن آدم هذا ما توسوس به نفسه أي ما تحدثه به نفسه وقال الزجاج نعلم ما يكنه في نفسه تعالى أقرب إليه أي بالعلم حبل الوريد الحبل هو الوريد وإنما أضافه إلى نفسه لما شرحناه آنفا في قوله الحصيد ق 9 قال العراء والوريد عرق بين الحلقوم والعباوين ثم وعنه أيضا قال عرق بين اللبة والعلباوين وقال الزجاج الوريد عرق في باطن العنق وهما وريدان والعلباوان رسول العصبتان الصفراوان ولا في متن العنق واللبتان لم مجرى القرط في العنق وقال ابن الأنباري اللبة حيث يتذبذب القرط مما يقرب من شحمة الأذن وحكى بعض العلماء أن الوريد عرق متفرق في البدن مخالط لجميع الأعضاء فلما كانت أبعاض الإنسان يحجب بعضها بعضها أعلم أن علمه لا

[ 193 ]

يحجبه شئ والمعنى ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان علمه وقوله إذ يتلقى المتلقيان أي يأخذان ذلك ويثبتانه عن اليمين كاتب الحسنان وعن الشمال كاتب السيئات قال الزجاج والمعنى عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فدل أحدهما على ا لآخر فحذف المدلول عليه قال الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما عن دك حدثنا راض والرأي مختلف وقال آخر رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ابن ومن أجل الطوى رماني قوله المعنى كنت منه بريئا وقال ابن قتيبة القعيد بمعنى قاعد كما يقال قدير بمعنى قادر ويكون القعيد بمعنى مقاعد كالأكيل والشريب بمنزلة المؤاكل والمشارب تعالى ما يلفظ يعني الانسان أي ما يتلكم من كلام فيلفظه أي يرميه من فمه إلا لديه رقيب أي حافظ وهو الملك الموكل به إما صاحب اليمين وإما صاحب الشمال عتيد قال الزجاج العتيد الثابت اللازم وقال غيره العتيد الحاضر معه أينما كان وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة وأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك عنه سبع ساعات فإن استغفر منها لم يكتب عليه شئ وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة وقال ابن عباس جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار واختلوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين أنهما يكتبانا له عليه كل شئ حتى أنينه في مرضه قاله مجاهد أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يوزر قاله عكرمة فأما مجلسهما فقد نطق القرآن بأنهما اليمين وعن الشمال وكذلك ذكرنا في حديث أبي أمامة وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك وروي عنا لحسن والضحاك قالا مجلسهما تحت الشعر على الحنك تعالى سكرة الموت وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله وتدله على أنه ميت بالحق وفيه وجهان أن معناه جاءت بحقيقة الموت

[ 194 ]

بالحق من أمر الآخرة فأبانت للانسان ما لم يكن بينا له من أمر الآخرة ذكر الوجهين الفراء وابن جرير أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجاءت سكرة الحق بالموت قال ابن جرير ولهذه القراءة وجهان أن يكون الحق هو الله تعالى فيكون المعنى وجاءت سكرة الله بالموت أن تكون السكرة هي الموت أضيفت إلى نفسها كقوله هذا لهو حق اليقين الواقعة 95 فيكون المعنى وجاءت السكرة الحق بالموت بتقديم الحق وقرأ ابن مسعود وأبو عمران وجاءت سكرات على الجمع الحق بالموت بتقديم الحق وقرأ ابي ابن كعب وسعيد بن جبير وجاءت سكرات الموت على الجمع بالحق بتأخير الحق تعالى فيقال للإنسان حينئذ ذلك أي ذلك الموت ما كنت منه تحيد أي تهرب وتفر وقال ابن عباس تكره تعالى ونفخ في الصور يعني نفخة البعث ذلك اليوم يوم الوعيد أي يوم وقوع الوعيد تعالى ذلك سائق فيه قولان أن السائق ملك يسوقها إلى محشرها محمد قاله أبو هريرة والثاني أنه قرينها من الشياطين سمي سائقا لأنه يتبعها وإن لم يحثها الشهيد ثلاثة أقوال أنه ملك يشهد عليها بعملها قاله عثمان بن عفان والحسن وقال مجاهد الملكان سائق وشهيد وقال ابن السائب السائق الذي كان يكتب عليه السيئات والشهيد الذي كان يكتب الحسنات أنه العمل يشهد على الإنسان قاله أبو هريرة الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله قاله الضحاك هذه الآيات عامة أم خاصة فيها قولان أحدهما أنها عامة قاله الجمهور والثاني خاصة في ا لكافر قاله الضحاك ومقاتل

[ 195 ]

تعالى لقد كنت أي ويقال له لقد كنت في غفلة من هذا اليوم وفي المخاطب بهذه الآيات ثلاثة أقوال أنه الكافر قاله ابن عباس وصالح بن كيسان في آخرين أنه عام في البر والفجر قاله حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس واختاره ابن جرير أنه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن زيد فعلى القول الأول يكون المعنى لقد كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا بكفرك به وعلى الثاني كنت غافلا عن أهوال القيامة فكشفنا عنك غطاءك الذي كان في الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك وقيل معناه أريناك ما كان مستورا عنك وعلى الثالث لقد كنت قبل الوحي في غفلة عما أوحي إليك فكشفنا عنك غطاءك بالوحي فبصرك اليوم حديد وفي المراد بالبصر قولان البصر المعروف قاله الضحاك والثاني العلم قاله الزجاج قوله اليوم قولان أنه يوم القيامة قاله الأكثرون والثاني أنه في الدنيا وهذا على قول ابن زيد فأما قوله حديد فقال ابن قتيبة الحديد بمعنى الحاد أي فأنت ثاقب البصر ثم فيه ثلاثة أقوال فبصرك حديد إلى لسان الميزان حين توزن حسناتك وسيئاتك قاله مجاهد والثاني أنه شاخص لا يطرف لمعاينة الأخرة قاله مقاتل والثالث أنه العلم النافذ قاله الزجاج قرينه هذا ما لدي عتيد ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد

[ 196 ]

تعالى وقال قريبنه إلى قال مقاتل هو ملكه الذي كان يكتب عمله السئ في دار الدنيا يقول لربه قد كتبت ما وكلتني به فهذا عندي معد حاضر من عمله الخبيث فقد أتيتك به وبعمله وفي ما قولان أحدهما أنها بمعنى من قاله مجاهد أنها بمعنى الشئ فتقديره هذا شئ لدي عتيد قاله الزجاج وقد ذكرنا معنى العتيد في هذه السورة ق 18 فيقول الله تعالى ألقيا في جهنم وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين قال الفراء والعرب تأمر الواحد والقوم بأمر الاثنين فيقولون للرجل ويلك ارحلاها وازجراها سمعتها من العرب وأنشدني بعضهم فقلت لصاحبي لا تحبسانا بنزع كان أصوله واجتز شيحا أبو أو أبو ثروان فان تزجراني يابن عفان أنزجر وإن) تدعاني أحم عرضا ممنعا عبد ونرى أن كل منهم لأن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة فجرى الكلام على صاحبيه ألا ترى الشعر عليه أكثر شئ قيلا يا صاحبي ويا خليلي قال المرؤ القيس خليلي مرا بي على أم جندب نقضي أبي لبانات الفؤاد المعذب (ثم قال ألم تر أني كلما جئت طارقا وجدت ما بها طيبا وإن لم تطيب لا فرجع إلى الواحد وأول كلامه اثنان وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل وقال ألقيا خطاب للخازن يعني خازن النار فعل ثني توكيدا كأنه لما قال ألقيا ناب عن ألق ألق وكذلك قفا نبك معناه قف قف فلما ناب عن فعلين ثني قاله المبرد أنه أمر للملكين يعني السائق والشهيد وهذا اختيار الزجاج الكفار فهو أشد مبالغة من الكافر والعنيد قد فسرناه في هود 59 تعالى للخير أن في المراد بالخير ها هنا ثلاثة أقوال

[ 197 ]

الزكاة المفروضة قاله قتادة أنه الإسلام يمنع الناس من الدخول فيه قاله الضحاك ومقاتل وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة منع بني أخيه عن الإسلام أنه عام في كل خير من قول أو فعل حكاه الماوردي تعالى معتد أي ظالم لا يقر بالتوحيد مريب أي شاك في الحق من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب تعالى قرينه فيه قولان شيطانه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وفي الكلام اختصار تقديره إن الإنسان ادعى على قرينه من الشياطين أنه أضله فقال ما أطغيته على أي لم يكن لي قوة على إضلاله بالإكراه وإنما طغى هو بضلاله أنه الملك الذي كان يكتب السيئات فيما يدعيه الكافر على الملك قولان أنه يقول زاد علي فيما كتب فيقول الملك ما أطغيته أي ما زدت عليه قاله سعيد بن جبير أنه يقول كان يعجلني عن التوبة فيقول ربنا ما أطغيته هذا قول الفراء تعالى كان في ضلال بعيد أي بعيد من الهدى فيقول الله تعالى تختصموا لدي في هذا الخصام قولان أحدهما أنه اعتذارهم بغير عذر قاله ابن عباس أنه خصامهم مع قرنائهم الذين أ غووهم قاله أبو العالية فأما اختصامهم فيما كان بينهم من المظالم في الدنيا فلا يجوز أن يهمل لأنه يوم التناصف تعالى وقد قدمت إليكم بالوعيد أي قد أخبرتكم على ألسن الرسل بعذابي في الآخرة لمن كفر الله يبدل القول لدي فيه قولان ما يبدل القول فيما وعدته من ثواب وعقاب قاله الأكثرون ما يكذب عندي ولا يغير القول عن جهته لأني أعلم الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم قال هذا قول ابن السائب واختيار الفراء وابن قتيبة ويدل عليه أنه قال تعالى ما يبدل القول لدي ومل يقل ما يبدل قولي أنا بظلام للعبيد فأزيد على إساءة المسئ أو أنقص من إحسان المحسن

[ 198 ]

نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود نقول لجهنم قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي يوم نقول بالنون المفتوحة وضم القاف وقرأ نافع وابو بكر والمفضل عن عاصم يوم يقول بالياء المفتوحة وضم القاف وقرأ أبي بن كعب والحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو يوم يقال بياء مضمومة وفتح القاف وإثبات ألف قال الزجاج وانتصاب يوم على وجهين أحدهما على معنى ما يبدل القول لدي في ذلك اليوم والثاني على معنى وأنذرهم يوم نقول لجهنم فائدة سؤاله إياها وقد علم هل امتلأت أم لا فإنه توبيخ لمن أدخلها وزيادة في مكروهه ودليل على تصديق قوله لأملأن جهنم قولها هل من مزيد قولان عند أهل اللغة أنها تقول ذلك بعد امتلائها فالمعنى هل بقي في موضع لم يمتلئ أي قد امتلأت أنها تقول تغيظا على من عصى الله تعالى وجعل الله فيها أن تميز وتخاطب كما جعل في النملة أن قالت أدخلوا مساكنكم وفي المخلوقات أن تسبح بحمده تعالى وأزلفت الجنة للمتقين أي قربت للمتقين الشرك غير بعيد أي جعلت عن يمين العرش حيث يراها أهل الموقف ويقال لهم هذا ا لذي ترونه ما توعدون

[ 199 ]

وقرأ عثمان بن عفان وابن عمر ومجاهد وعكرمة وابن محيصن يوعدون بالياء لكل أواب وفيه أقوال قد ذكرناها في بني إسرائيل 25 وفي حفيظ قولان الحافظ لذنوبه حتى يرجع عنها قاله ابن عباس الحافظ لأمر الله تعالى قاله مقاتل تعالى خشي الرحمن بالغيب قد بيناه في الأنبياء 9 وجاء بقلب منيب أي راجع إلى طاعة الله عن معصيته عن أي يقال لهم أدخلوا الجنة بسلام وذلك أنهم سلموا من عذاب الله وسلموا فيها من الغموم والتغير والزوال وسلم الله وملائكته عليهم ذلك يوم الخلود في الجنة لأنه لا موت فيها ولا زوال ما يشاؤون فيها وذلك أنهم يسألون الله حتى تنتهي مسائلهم فيعطون ما شاؤوا ثم يزيدهم ما لم يسألوا فذلك قوله ولدينا مزيد وللمفسرين في المراد بهذا المزيد ثلاثة أقوال أنه النظر إلى الله عزل وجل روى علي رضي الله عنه عن النبي عليه السلام في قوله ولدينا مزيد قال يتجلى لهم وقال أنس بن مالك في قوله ولدينا مزيد يتجلى لهم الرب تعالى في كل جمعة أن السحاب يمر بأهل الجنة فيمطرهم الحور فتقول الحور نحن اللواتي قال الله عزل وجل ولدينا مزيد حكاه الزجاج والثالث أن الزيادة على ما تمنوه وسألوا مما لم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ذكره أبول سليمان الدمشقي خوف كفار مكة بما بعد هذا إلى قوله فنقبوا في البلاد قرأ الجمهور فنقبوا بفتح النون والقاف مع تشديدها وقرأ أبي بن كعب وابن عباس والحسن وابن السميفع ويحيى بن يعمر كذلك إلا أنهم كسروا القاف على جهة الأمر تهددا وقرأ عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وقتادة وابن أبي عبلة وعبيد عن أبي عمر فنقبوا بفتح القاف وتخفيفها قال الفراء ومعنى فنقبوا ساروا في البلاد فهل كان لهم من الموت من محيص فأضمرت كان ها هنا كقوله أهلكناهم فلا ناصر لهم أي فلم يكن لهم ناصر ومن قرأ فنقبوا بكسر القاف فإنه كالوعيد والمعنى اذهبوا في البلاد وجيئوا فهل من الموت من

[ 200 ]

محيص وقال الزجاج نقبوا طوقوا وفتشوا فلم تروا محيصا من الموت قال امرؤ القيس لقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة من المحيص فهو المعدل وقد استوفينا شرحه في سورة النساء 1 تعالى إن في ذلك يعني الذي ذكره من إهلاك القرى لذكرى أي تذكرة وعظة لمن كان له قلب قال ابن عباس أي عقل قال الفراء وهذا جائز في اللغة أن تقول ما لك قلب وما معك قلبك تريد العقل وقال ابن قتيبة لما كان القلب موضعا للعقل كنى به عنه وقال الزجاج المعنى لمن صرف قلبه إلى التفهم أو ألقى السمع أي استمع مني وهو شهيد أي وقلبه فيما يسمع وقال الفراء وهو شهيد أي شاهد ليس بغائب تعالى ولقد خلقنا السموات والأرض ذكر المفسرون أن اليهود قالت خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام آخرها يوم الجمعة واستراح يوم السبت فلذلك لا نعمل فيه شيئا فنزلت هذه الآيات فأكذبهم الله عز وجل بقوله مسنا من لغوب قال الزجاج واللغوب التعب والإعياء تعالى فاصبر على ما يقولون أي من بهتهم وكذبهم قال المفسرون ونسخ معنى قوله فاصبر بآية السيف وسبح بحمد ربك أي صل بالثناء على ربك والتنزيه له مما يقول المبطلون قبل طلوع الشمس وهي صلاة الفجر وقبل الغروب فيها قولان صلاة الظهر والعصر قاله ابن عباس صلاة العصر قالة قتادة وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا وقرأ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب تعالى ومن الليل فسبحه فيه ثلاثة أقوال أنها صلاة الليل كله أي وقت صلى منه قاله مجاهد صلاة العشاء قاله ابن زيد صلاة المغرب والعشاء قاله مقاتل

[ 201 ]

تعالى وأدبار السجود قرأ ابن كثير ونافع وحمزة وخلف بكسر الهمزة وقرأ الباقون بفتحها قال الزجاج من فتح ألف أدبار فهو جمع دبر ومن كسرها فهو مصدر أدبر يدبر إدبارا في هذا التسبيح ثلاثة أقوال أنه الركعتان بعد صلاة المغرب روي عن عمر وعلي والحسن بن علي رضي الله عنهم وأبي هريرة والحسن ومجاهد والشعبي والنخعي وقتاد في آخرين وهو رواية العوفي عن ابن عباس أنه النوافل بعد المفروضات قاله ابن زيد أنه التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات رواه مجاهد عن ابن عباس وروي عن أبي الأحوص أنه قال في جميع التسبيح المذكور في هاتين الآيتين كذلك يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ا لمصير يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد تعالى واستمع يوم ينادي المنادي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ينادي المنادي بياء في الوصل ووقف ابن كثير بياء ووقف نافع وأبو عمرو بغير ياء ووقف الباقون ووصلوا بياء قال أبو سليمان الدمشقي المعنى واستمع حديث يوم ينادي المنادي قال المفسرون والمنادي إسرافيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي يا أيها الناس هلموا إلى الحساب إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء وهذه هي النفخة الأخيرة والمكان القريب صخرة بيت المقدس قال كعب ومقاتل هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا وقال ابن السائب باثني عشر ميلا قال الزجاج ويقال إن تلك الصخرة في وسط الأرض تعالى يسمعون الصيحة وهي هذه النفخة الثانية بالحق أي بالبعث الذي لا شك فيه ذلك يوم الخروج من القبور نحن نحيي ونميت أي نميت في الدنيا ونحيي للبعث وإلينا المصير بعد البعث وهو قوله يوم تشقق الأرض عنهم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تشقق بتشديد

[ 202 ]

الشين وقرأ الباقون بتخفيفها سراعا أي فيخرجون منها سراعا ذلك حشر علينا يسير أي هين عزى نبيه فقال أعلم بما يقولون في تكذيبك يعني كفار مكة وما أنت عليهم بجبار قال ابن عباس لم تبعث لتجبرهم على الاسلام إنما بعثت مذكرا وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم وأنكر الفراء هذا القول فقال العرب لا تقول فعال من أفعلت لا يقولون خراج يريدون مخرج ولا دخال يريدون مدخل إنما يقولون فعال من فعلت وإنما الجبار هنا في موضع السلطان من الجبرية وقد قالت العرب في حرف واحد دراك من أدركت وهو شاذ فإن جعل هذا على هذه الكلمة فهو وجه وقال ابن قتيبة بجبار أي بمسلط والجبار الملك سمي بذلك لتجبره يقول لست عليهم بملك مسلط قال اليزيدي لست بمسلط فتقهرهم في على الإسلام وقال مقاتل لتقتلهم وذكر المفسرون أن قوله أنت عليهم بجبار منسوخ بآية السيف تعالى فذكر بالقرآن أي فعظ به من يخاف وعيد وقرأ يعقوب وعيدي بياء في الحالين أي ما أوعدت من عصاني من العذاب

[ 203 ]

الذاريات كلها بإجماعهم الله الرحمن الرحيم ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسئلون أيان يوم الدين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم وفي الأرض آيات

[ 204 ]

للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون تعالى ذروا يعني الرياح يقال ذرت الريح التراب تذروه ذروا إذا فرقته قال الزجاج يقال ذرت فهي ذارية بن وأذرت فهي مذرية بمعنى واحد هذه مجرورة على القسم المعنى أحلف بالذاريات وهذه الأشياء والجواب إنما توعدون لصادق قال قوم المعنى ورب الذاريات ورب الجاريات تعالى فالحاملات وقرا يعني السحاب التي تحمل وقرها من الماء سنة يسرا يعني السفن تجري ميسرة في الماء جريا سهلا عمرو أمرا يعني الملائكة تقسم الأمور على ما أمر الله به قال ابن السائب والمقسمات أربعة جبريل وهو صاحب الوحي والغلظة وميكائيل وهو صاحب الرزق والرحمة وإسرافيل وهو صاحب الصور واللوح وعزرائيل وهو قابض الأرواح وإنما أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته ذكر المقسم عليه فقال توعدون أي من الثواب والعقاب يوم القيامة لصادق أي لحق الدين فيه قولان الحساب

[ 205 ]

والثاني الجزاء لواقع أي لكائن ذكر قسما آخر فقال والسماء ذات الحبك وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رزين الحبك بكسر الحاء والباء جميعا وقرأ عثمان بن عفان والشعبي وأبو العالية وأبو حيوة الحبك بكسر الحاء وإسكان الباء وقرأ أبي ابن كعب وابن عباس وأبو رجاء وابن أبي عبلة ا لحبك برفع الحاء وإسكان الباء وقرأ ابن مسعود وعكرمة الحبك بفتح الحاء والباء جميعا وقرأ أبو الدرداء وأبو الجوزاء وأبو المتوكل وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري الحبك بفتح الحاء وكسر الباء في معنى الحبك أربعة أقوال أحدها ذات الخلق الحسن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة والثاني البنيان المتقن قاله مجاهد والثالث ذات الزينة قاله سعيد بن جبير وقال الحسن حبكها نجومها والرابع ذات الطرائق قاله الضحاك واللغويون وقال الفراء الحبك تكسر لكل شئ كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة والماء القائم إذا مرت به الريح والشعرة الجعدة تكسرها حبك وواحد الحبك حباك وحبيكة وقال الزجاج أهل اللغة يقولون الحبك الطرائق الحسنة والمحبوك في اللغة ما أجيد عمله وكل ما تراه من الطرائق في الماء وفي الرمل إذا اصابته الريح فهو حبك وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال هذه هي السماء السابعة ذكر جواب القسم الثاني قال إنكم يعني أهل مكة لفي قول مختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بعضكم يقول شاعر وبعضكم يقول مجنون وفي القرآن بعضكم يقول سحر وبعضكم يقول كهانة ورجز إلى غير ذلك قبل عنه من أفك أي يصرف عن الإيمان به من صرف فحرمه والهاء في عنه عائدة إلى القرآن وقيل يصرف عن هذا القول أي من أجله وسببه عن الإيمان من صرف وقرأ قتادة من أفك بفتح الألف والفاء وقرأ عمرو بن دينار من أفك بفتح الأف وكسر الفاء الخراصون قال الفراء يعني لعن الكذابون الذين قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر خرصوا ما لا علم لهم به وفي رواية العوفي عن ابن عباس أنهم الكهنة وقال ابن الأنباري والقتل إذ أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك تعالى الذين هم في غمرة أي في عمى وجهالة بأمر الآخرة ساهون أي غافلون والسهو الغفلة عن الشئ وذهاب القلب عنه يحيى أيان يوم الدين أي

[ 206 ]

يقولون يا محمد متى يوم الجزاء تكذيبا منهم واستهزاءا أخبر عن ذلك اليوم فقال هم على النار قال الزجاج اليوم منصوب على معنى يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون أي يحرقون ويعذبون ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار الفتين تعالى ذوقوا المعنى يقال لهم ذوقوا فتنتكم وفيها قولان تكذيبكم قاله ابن باس والثاني حريقكم قاله مجاهد قال أبو عبيدة ها هنا تم الكلام ثم ائتنف فقال هذا الذي كنتم به تستعجلون قال المفسرون يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاءا ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال إن المتقين في جنات وعيون وقد سبق شرح هذا البقرة 25 الحجر 45 تعالى آخذين قال الزجاج هو منصوب على الحال فالمعنى في جنات وعيون في حال أخذ ما آتاهم ربهم قال المفسرون أي ما أعطاهم الله من الكرامة كانوا قبل ذلك محسنين في أعمالهم وفي الآية وجه آخر آخذين ما آتاهم ربهم أي عاملين بما أمرهم به من الفرائض إنهم كانوا قبل أن تفرض الفرائض عليهم محسنين أي مطيعين وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين ذكر إحسانهم فقال قليلا من الليل ما يهجعون والهجوع النوم بالليل دون النهار ما قولان أحدهما النفي ثم في المعنى قولان أحدهما كانوا يسهرون قليلا من الليل قال أنس بن مالك وأبو العالية هو ما بين المغرب والعشاء كانوا ما ينامون قليلا من الليل واختار قوم الوقف على قوله قليلا على معنى كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ فقال من الليل ما يهجعون على معنى نفي النوم عنهم البتة وهذا مذهب الضحاك ومقاتل الثاني أن ما بمعنى الذي فاللمعنى الرحمن كانوا قليلا من الليل الذي يهجعونه وهذا مذهب الحسن والأحنف بن قيس والزهري وعلى هذا يحتمل أن تكون ما زائدة تعالى وبالأسحار هم يستغفرون وقد شرحناه 2

[ 207 ]

قوله تعالى وفي أموالهم حق أي نصيب وفيه قولان أنه ما يصلون به رحما أو يقرون به ضيفا أو يحملون به كلا أو يعينون به محروما وليس بالزكاة قاله ابن عباس أنه الزكاة قاله قتادة وابن سيرين تعالى للسائل وهو الطالب المحروم ثمانية أقوال أنه الذي ليس له سهم في فئ المسلمين وهو المحارف قاله ابن عباس وقال إبراهيم هو الذي لا سهم له في الغنيمة أنه الذي لا ينمى له شئ قاله مجاهد وكذلك قال عطاء هو المحروم في الرزق والتجارة أنه المسلم الفقير قاله محمد بن علي أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا قاله قتادة والزهري أنه الذي يجئ بعد الغنيمة وليس له فيها سهم قاله الحسن ابن محمد بن الحنفية أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته قاله ابن زيد أنه المملوك حكاه الماوردي أنه الكلب روي عن عمر بن عبد العزيز وكان الشعبي يقول أعياني أن أعلم ما المحروم وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري لأنه قرنه بالسائل والمتعفف لا يسأل ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل ثم يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه فيكون محروما من قبل نفسه حين لم يسأل ومن قبل الناس حي لا يعطونه وإنما يفطن له متيقظ وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ولا يصح تعالى وفي الأرض آيات كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك للموقنين بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه أنفسكم آيات إذ كنتم نطفا ثم عظاما ثم علقا ثم مضغا إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف ثم اختلاف الصور والألوان والطبائع وتقويم الأدوات والسمع والبصر والعقل وتسهيل سبيل الحدث إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم وتم الكلام عند قوله وفي أنفسكم ثم قال أفلا تبصرون قال مقاتل أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث

[ 208 ]

تعالى السماء رزقكم وقرأ أبي بن كعب وحميد وأبو حصين الأسدي أرزاقكم براء ساكنة وبألف بين الزاي والقاف وقرأ ابن معسود والضحاك وأبو نهيك رازقكم بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما وعن ابن محيصن كهاتين القراءتين وفيه قولان أنه المطر رواه أبو صالح عن ابن عباس وليث عن مجاهد وهو قول الجمهور الجنة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله ما توعدون قولان أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء قاله أبو صالح عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد الجنة رواه ليث عن مجاهد قال أبو عبيدة في هذه الآية مضمر مجازه عند من في السماء رزقكم وعنده ما توعدون والعرب تضمر قال نابغة ذبيان كأنك من جمال بني أقيش يقعقع وكان خلف رجليه بشن روى أراد كأنك جمل من جمال بني أقيش تعالى إنه لحق قال الزجاج يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكم تنطقون قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم مثل برفع اللام وقرأ البقاون بنصب اللام قال الزجاج فمن رفع مثل فهي من صفة الحق والمعنى إنه لحق مثل نطقكم ومن نصب فعلى ضربين أن يكون في موضع رفع إلا أنه لما أضيف إلى أن فتح أن يكون منصوبا على التأكيد على معنى إنه لحق حقا مثل نطقكم وهذا الكلام كما تقول إنه لحق كما أنك تتكلم أتك حديث ضيف إبرهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل

[ 209 ]

عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين هل بمعى قد في قول ابن عباس ومقاتل فيكون المعنى قد أتاك فاستمع نقصصه ولم عليك وضيفه هم الذين جاؤوا بالبشرى وقد ذكرنا عددهم في هود 70 وذكرنا هناك معنى الضيف معنى المكرمين أربعة أقوال لأنه أكرمهم بالعجل قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما قاله السدي والثالث أنهم مكرمون عند الله قاله عبد العزيز بن يحيى لأنهم أضياف والأضياف مكرمون قاله أبو بكر الوراق تعالى فقالوا سلاما قد ذكرناه في هود 1 تعالى قوم منكرون قال الزجاج ارتفع على معنى أنتم قوم منكرون في سبب إنكارهم أربعة أقوال لأنه لم يعرفهم قاله ابن عباس لأنهم سلموا عليه فأنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض قاله أبو العالية لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان لأنه رأى فيم صورة البشر وصورة الملائكة تعالى فراغ إلى أهله قال ابن قتيبة أي عدل إليهم في خفية ولا يكون الرواغ إلى أن تخفي ذهابك ومجيئك تعالى فجاء بعجل سمين وكان مشويا فقربه إليهم قال الزجاج والمعنى فقربه إليهم ليأكلوا منه فلم يأكلوا فقال ألا تأكلون على النكير أي أمركم في ترك الأكل مما أنكره تعالى فأوجس منهم خيفة قد شحرناه بين في هود 70 وذكرنا معنى غلام عليم في الحجر 3

[ 210 ]

أهل امرأته وهي سارة قال الفراء وابن قتيبة لم تقبل من موضع إلى موضع وإنما هو كقولك أقبل يشتمني وأقبل يصيح ويتكلم أي أخذ في ذلك والصرة الصيحة وقال أبو عبيدة الصرة شدة الصوت قالت في صيحتها حديث قولان أنها تأوهت قال قتادة أنها قالت يا ويلتا ذكره الفراء تعالى وجهها فيه قولان لطمت وجهها قاله ابن عباس ضربت جبينها تعجبا قاله مجاهد ومعن الصك ضرب الشئ بالشئ العريض عجوز قال الفراء هذا مرفوع بإضمار أتلد عجوز وقال الزجاج المعنى أنا عجوز عقيم فكيف ألد وقد ذكرنا معنى العقيم في هود 1 كذلك قال ربك أنك ستلدين غلاما والمعنى إنما نخبرك عن الله عز وجل وهو حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا فعلم حينئذ إبراهيم أنهم ملائكة فما خطبكم مفسر في الحجر 2 تعالى حجارة من طين قال ابن عباس هو الآجر تعالى مسومة عند ربك قد شرحناه في هود 3 قوله تعالى للمسرفين قال ابن عباس للمشركين تعالى من كان فيها أي من قرى لوط من المؤمنين وذلك قوله تعالى فأسر بأهلك الآية هود 4 وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وهو لوط وابنتاه وصفهم الله عز وجل بالإيمان والإسلام لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم عند فيها آية أي علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على أن الله أهلكهم وقد شرحنا هذا في العنكبوت 5 وبينا المكني عنها موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه وقال ساحر أو

[ 211 ]

مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوا فاسقين والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين تعالى وفي موسى أي وفيه أيضا آية إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي بحجة ظاهرة فتولى أي أعرض بركنه قال مجاهد بأصحابه وقال أبو عبيدة بركنه وبجانبه سواء إنما هي ناحيته وقال ساحر أي وقال لموسى هذا ساحر أو مجنون وكان أبو عبيدة يقول أو بمعنى الواو فأما اليم فقد ذكرناه في الأعراف 136 ومليم لأنه في الصافات 2 تعالى وفي عاد أي في إهلاكهم آية أيضا أرسلنا عليهم الريح العقيم وهي التي لا خير فيها ولا بركة لا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا وإنما هي للإهلاك وقال سعيد بن المسيب هي الجنوب تذر من شئ أتت عليه أي من أنفسهم وأوالهم أخبرنا إلا جعلته كالرميم أي كالشئ الهالك البالي قال الفراء الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس وقال الزجاج الرميم الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم ثمود آية أيضا إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فيه قولان أنه قيل لهم تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم تهددا لهم أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة تمتعوا ثلاثة أيام فكان الحين وقت فناء آجالهم

[ 212 ]

يا عن أمر ربهم قال مقاتل عصوا أمره فأخذتهم الصاعقة يعني العذاب وهو الموت من صيحة جبريل وقرأ الكسائي وحده الصعقة بسكون العين من غير ألف وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة تعالى وهم ينظرون فيه قولان يرون ذلك عيانا والثاني وهم ينتظرون العذاب فأتاهم صيحة يوم السبت تعالى فما استطاعوا من قيام فيه قولان ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله كانوا منتصرين أي ممتنعين من العذاب قوله تعالى وقوم نوح من قبل قرأ أبو عمرو إلا عبد الوارث وحمزة والكسائي بخفض الميم وروى عبد الوارث رفع الميم والباقون بنصبها قال الزجاج من خفض القوم فالمعنى وفي قوم نوح آية ومن نصب فهو عطف على معنى قوله فأخذتهم الصاعقة فإن معناه أهلكناهم فيكون المعنى وأهلكنا قوم نوح والأحسن والله أعلم أن يكون محمولا على قوله فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم لأن المعنى أغرقناه وأغرقنا قوم نوح لو بنيناها المعنى وبنينا السماء بنيناها بأيد أي بقوة وكذلك قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر المفسرين واللغويين بأيد أي بقوة قوله وإنا لموسعون خمسة أقوال لموسعون الرزق بالمطر قاله الحسن والثاني لموسعون السماء قاله ابن زيد والثالث لقادرون قاله ابن قتيبة والرابع لموسعون ما بين السماء والأرض قاله الزجاج والخامس لذو سعة لا يضيق عما يريد حكاه الماوردي تعالى فرشناها فنعم الماهدون قال الزجاج هذا عطف على ما قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله فرشناها فالمعنى فرشنا الأرض فرشناها فنعم الماهدون أي فنعم الماهدون نحن قال مقاتل فرشناها أي بسطناها مسيرة خمسمائة عام وهذا بعيد وقد قال قتادة الأرض عشرون ألف فرسخ والله تعالى أعلم تعالى ومن كل شئ خلقنا زوجين أي صنفين ونوعين كالذكر والأنثى والبر والبحر والليل والنهار والحلو والمر والنور والظلمة وأشباه ذلك لعلكم تذكرون فتعلموا أن خالق الأزواج واحد يكون إلى الله بالتوبة من ذنوبكم والمعنى اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر

[ 213 ]

والعصيان إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإيمان قبل ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما انت بملوم وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإن للذين ظلموا ذنبوا مع مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون تعالى كذلك أي كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كانوا من قبلك يقولون للأنبياء تعالى أتواصوا به أي أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وهذا استفهام توبيخ وقال أبو عبيدة أتواطؤوا سعيد عليه فأخذه بعضهم من بعض تعالى بل هم قوم طاغون أي يحملهم الطغيان فيا أعطوا من الدنيا على التكذيب والمشار إليهم أهل مكة عنهم فقد بلغتهم فما أنت عليهم بملوم لأنك قد أديت الرسالة ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة ولهم في ناسخها قولان أنه قوله وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثاني آية السيف وفي قوله وذكر قولان أحدهما عظقا له مقاتل والثاني ذكرهم بأيام الله وعذابه ورحمته قاله الزجاج تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أثبت الياء في يعبدون ويطعمون ولا يستعجلون في الحالين يعقوب واختلفوا في هذه الآية على أربعة أقوال إلا لآمرهم أن يعبدوني قاله علي بن أبي طالب واختاره الزجاج إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها قاله ابن عباس وبيان هذا قوله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله 1 أنه خاص في حق المؤمنين قال سعيد بن المسيب ما خلقت من يعبدني إلا

[ 214 ]

ليعبدني وقال الضحاك والفراء وابن قتيبة هذا خاص لأهل طاعته وهذا اختيار القاضي ابي يعلى فإنه قال معنى هذا الخصوص لا العموم لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس الأعراف 179 فمن خلق للشقاء ولجهنم لم يخلق للعبادة إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ومعنى العبادة في اللغة الذل والانقياد وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل لا يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل هذا مذهب جماعة من أهل المعاني تعالى ما أريد منهم من رزق أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم وما أريد أن يطعمون أي أن يطعموا أحدا من خلقي لأني أنا الرزاق وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه وقد جاء في اللحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله عز وجل يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني أي لم تطعم عبدي الرزاق فقرأ الضحاك وابن محيصن الرازق بوزن العالم قال الخطابي هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها والمتين الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ المتين بكسر النون وكذا قرأ أبو رزين وقتادة وأبو العالية والأعمش قال الزجاج ذو القوة المتين أي ذو الاقتدار الشديد ومن رفع المتين فهو صفة الله عز وجل ومن خفضه جعله صفة للقوة لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة فهو كقوله فمن جاءه موعظة من ربه البقرة 3 تعالى فإن للذين ظلموا يعني مشركي مكة ذنوبا أي نصيبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم الذين أهلكوا كقوم نوح وعاد وثمود قال الفراء الذنوب في كلام العرب الدلو العظيمة ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ قال الشاعر لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن بكر أبيتم فلما القليب قد يذكر ويؤنث وقال ابن قتيبة أصل الذنوب الدلو العظيمة وكانوا يستقون فيكون لكل واحد ذنوب فجعل الذنوب مكان الحظ والنصيب قوله تعالى فلا يستعجلون أي بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة وهو يومهم الذي يوعدون ويقال هو يوم بدر

[ 215 ]

الطور مكية كلها بإجماعهم الله الرحمن الرحيم وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون تعالى والطور هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى عليه السلام وهو بأرض مدين واسمه زبير مسطور أي مكتوب وفي أربعة أقوال

[ 216 ]

أنه اللوح المحفوظ قاله أبو صالح عن ابن عباس كتب أعمال بني آدم قاله مقاتل والزجاج التوراة القرآن حكاهما الماوردي تعالى في رق قال أبو عبيدة الرق الورق فأما المنشور فهو المبسوط تعالى والبيت المعمور فيه قولان أنه بيت في السماء وفي أي سماء هو فيه ثلاثة أقوال أنه في السماء السابعة رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في الصحيحين يدل عليه أنه في السماء السادس قاله علي رضي الله عنه أنه في السماء الدنيا روا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة يسمى الضراح وقال الربيع بن أنس كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم فلما كان زمن نوح أمر الناس بحجه فعصوه فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في السماء الدنيا أنه البيت الحرام قاله الحسن وقال أبو عبيدة ومعنى المعمور الكثير الغاشية تعالى والسقف المرفوع فيه قولان أنه السماء قاله علي رضي الله عنه والجمهور العرض قاله الربيع تعالى والبحر فيه قولان أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبوهم وفي قاله علي رضي الله عنه أنه بحر الأرض ذكره الماوردي المسجور أربعة أقوال المملوء قاله الحسن وأبو صالح وابن السائب وجميع اللغويين أنه الموقد قاله مجاهد وابن زيد وقال شمر بن عطية هو بمنزلة التنور المسجور أنه اليابس الذي قد ذهبل ماؤه ونضب قاله أبو العالية وروي عن الحسن قال تسجر يعني البحار حتى يذهب ماؤها فلا يبقى فيها قطرة وقول هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا فتزاد في نار جهنم

[ 217 ]

أن المسجور المختلط عذبه بملحه قاله الربيع بن أنس فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب المشركين حق فعال إن عذاب ربك لواقع أي لكائن في الآخرة ثم بين متى يقع فقال يوم تمور السماء مورا وفيه ثلاثة أقوال تدور دورا رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج تحرك تحركا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال أبو عبيدة تمور أي تكفأ وقال الأعشى كأن مشيتها من بيت جارتها مرو كل السحابة لا ريث ولا عجل يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى قاله الضحاك وما بعد هذا قد سبق بيانه النمل 88 إلى قوله الذين هم في خوض يلعبون أي يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء ويلهون بذكره فالويل لهم يدعون قال ابن قتيبة أي يدفعون يقال دععته أدعه أي دفعته ومنه قوله يدع اليتيم الماعون 2 قال ابن عباس يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار وقال مقاتل تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم على وجوههم حتى إذا دنوا منها قالت لهم خزنتها هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا فأسحر هذا العذاب الي ترون فإنكم زعمتم أن الرسل سحرة أم أنتم لا تبصرون النار فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها إصلوها وقال غيره لما نسبوا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أنه ساحر يغطي على الأبصار بالسحر وبخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ وقيل إصلوها أي قاسوا شدتها فاصبوا على العذاب أو لا تصبروا سواء عليكم الصبر والجزع إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين

[ 218 ]

وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا وقوله فاكهين قرئت بألف وبغير ألف وقد شرحناها في يس 55 ووقاهم أي صرف عنهم والجحيم مذكور في البقرة 2 أي يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا تأمنون حدوث المرض عنه قال الزجاج المعنى ليهنكم ما صرتم إليه وقد شرحنا هذا في سورة النساء 4 ثم ذكر حالهم عند أكلهم وشربهم فقال متكئين على سرر وقال ابن جرير فيه محذوف تقديره على نمارق على سرر وهي جمع سرير مصفوفة قد وضع بعضها إلى جنب بعض وباقي الآية مفسر في سورة الدخان 3 آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ كل امرئ بما كسب رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقنا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم تعالى وأتبعناهم ذرياتهم قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي واتبعتهم بالتاء ذريتهم واحدة بهم ذريتهم واحدة أيضا وقرأ نافع واتبعتهم ذريتهم واحد بهم ذرياتهم جمعا وقرأ ابن عامر وأتبعناهم ذرياتهم بهم ذرياتهم جمعا في الموضعين واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال أن معناها واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم من المؤمنين في الجنة وإن كانوا لم يبلغوا أعمال آبائهم تكرمة من الله تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم ر وى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس واتبعتهم ذريتهم بإيمان أي بلغت أن آمنت ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين

[ 219 ]

لم يبلغوا الإيمان وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومعنى هذا القول أن أولادهم الكبار تبعوهم بإيمان منهم وأولادهم الصغار تبعوهم بإيمان الآباء لأن الولد يحكم له بالإسلام تبعا لوالده وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء فأدخلناهم الجنة وهذا مروي عن ابن عباس أيضا تعالى وما ألتناهم قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وما ألتناهم بالهمزة وفتح اللام وقرا ابن كثير وما ألتناهم بكسر اللام وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه ومالتناهم فلا بإسقاط الهمزة مع كسر اللام وقرأ أبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القارئ باسقاط الهمزة مع فتح اللام وقرأ ابن السميفع وما آلتناهم بمد الهمزة وفتحها وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري وما ولتناهم بواو مفتوحة من غير همة وبنصب اللام وقرأ ابن مسعود وأبو المتوكل وما ألتهم منه مثل جعلتهم وقد ذكرنا هذه الكلمة في الحجرات 140 والمعنى ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية امرئ بما كسب رهين أي مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد بذنب أحد وقيل هذا الكلام يختص بصفة أهل النار وذلك الكلام قد تم تعالى وأمددناهم قال ابن عباس هي الزيادة على الذي كان لهم تعالى يتنازعون قال أبو عبيدة أي يتعاطون ويتداولون وأنشد الأخطل نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح: الدجاج وحانت وقعة الساري غير الزجاج يتناول هذا الكأس من يد هذا وهذا من يد هذا فأما الكأس فقد شرحناها في الصافات 2 تعالى لا لغو فيها ولا تأثيم قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا لغو فيها ولا تأثيم نصبا وقرأ الباقون لا لغو فيها ولا تأثيم رفعا منونا قال ابن قتيبة أي لا تذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا أحمد فيأثموا كما يكون ذلك في خمر الدنيا وقال غيره التأثيم تفعيل من الإثم يقال آثمه إذا جعله ذا إثم والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين بعد عليهم للخدمة غلمان لهم كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون أي مصون لم تمسه الأيدي وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم

[ 220 ]

فقال إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب تعالى وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال ابن عباس يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب وهو قوله قالوا إنا كنا قبل في أهلنا أي في دار الدنيا مشفقين أي خائفين من العذاب فمن الله علينا بالمغفرة ووقانا عذاب السموم أي عذاب النار وقال الحسن السموم من أسماء جهنم وقال غيره سموم جهنم وهو ما يوجد من نفحها وحرها إنا كنا من قبل ندعوه أي نوحده ونخلص له إنه هو البر وقرأ نافع والكسائي أنه بفتح الهمزة وفي معنى البر ثلاثة أقوال الصادق فيما وعد رواه أبو صالح عن ابن عباس اللطيف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عم ببره جميع خلقه قاله أبو سليمان الخطابي من فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين تعالى فذكر أي فعظ بالقرآن فما أنت بنعمة ربك أي بإنعامه عليك بالنبوة بكاهن وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر عما في غد من غير وحي والمعنى إنما تنطق بالوحي لا كما يقول فيك كفار مكة يقولون شاعر أي هو شاعر وقال أبو عبيدة أم بمعنى بل قال الأخطل كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس يقول الظلام من الرباب خيالا الذي يستفهم إنما أوجب أنه رأى تعالى نتربص به ريب المنون فيه قولان أنه الموت قاله ابن عباس

[ 221 ]

حوادث الدهر قاله مجاهد قال ابن قتيبة حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه والمنون الدهر قال أبو ذؤيب أمن المنون وريبه تتوجع والدهر لأن ليس بمعتب من يجزع وقد أنشدناه أصحاب الأصمعي عنه وكان يذهب إلى أن المنون الدهر قال وقوله والدهر ليس بمعتب يدل على ذلك كأنه قال أمن الدهر وريبه تتوجع قال الكسائي العرب تقول لا أكلمك آخر المنون أي آخر الدهر تعالى قل تربصوا أي انتظروا بي ذلك فإني معكم من المتربصين أي من المنتظرين عذابكم فعذبوا يوم بدر بالسيف وبعض المفسرين يقول هذا منسوخ بآية السيف ولا يصح إذ لا تضاد بين الآيتين تعالى أم تأمرهم أحلامهم بهذا قال المفسرون كانت عظماء قريش توصف بالأحلام وهي العقول فأزرى الله بحلومهم إذ لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل وقيل لعمرو بن العاص ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله تعالى بالعقول فقال تلك عقول كادها بارئها أي لم يصحبها التوفيق قوله أم تأمرهم وقوله أم هم قولان أنهما بمعنى بل قاله أبو عبيدة بمعنى ألف الاستفهام قاله الزجاج قال والمعنى أتأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق وقال ابن قتيبة المعنى أم تدلهم عقولهم على هذا لأن الحلم يكون بالعقل فكنى عنه به تعالى أم يقولون تقوله أي افتعل القرآن من تلقاء نفسه والتقول تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب بل أي ليس الأمر كما زعموا لا يؤمنون بالقرآن استكبارا علي بحديث مثله في نظمه وحسن بيانه وقرأ أبو رجاء وأبو نهيك ومورق العجلي وعاصم الجحدري بحديث مثله بغير تنوين إن كانوا صادقين أن محمدا تقوله خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسئلهم

[ 222 ]

أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم الميكدون حتى أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون تعالى أم خلقوا من غير شئ فيه أربعة أقوال أم خلقوا من غير رب خالق والثاني أم خلقوا من غير آباء ولا أمهات فهم كالجماد لا يعقلون والثالث أم خلقوا من غير شئ كالسماوات والأرض أي إنهم ليبسوا تعالى بأشد خلقا من السماوات والأرض لأنها خلقت من غير شئ وهم خلقوا من آدم وآدم من تراب والرابع أم خلقوا لغير شئ فتكون من بمعنى اللام والمعنى ما خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون تعالى أم هم الخالقون فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون لأن الخالق لا يؤمر ولا ينهى تعالى بل لا يوقنون بالحق وهو توحيد الله وقدرته على البعث قوله تعالى أم عندهم خزائن ربك فيه ثلاثة أقوال أحدها المطر والرزق قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله عكرمة والثالث علم ما يكون من الغيب ذكره العثلبي فإن وقال الزجاج المعنى أعندهم ما في خرائن ربك من العلم وقيل من الرزق فهم معرضون عن ربهم لاستغنائهم تعالى أم هم المصيطرون قرأ ابن كثير المسيطرون بالسين وقال ابن عباس المسلطون قال أبو عبيدة المصيطرون الأرباب يقال تسيطرت علي أي اتخذتني خولا قال ولم يأت في كلام العرب اسم على مفيعل إلا خمسة أسماء مهيمن ومجيمر ومسيطر ومبيطر ومبيقر فالمهيمن عمر الله الناظر المحصي الذي لا يفوته شئ ومجيمر جبل والمسيطر المسلط ومبيطر بيطار والمبيقر النبي الذي يخرج من أرض إلى أرض يقال بيقر إذا خرج من بلد إلى بلد قال امرؤ القيس ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن وإن امرأ القيس بن تملك بيقرا كما قال الزجاج المسيطرون الأرباب المسلطون يقال قد تسيطر علينا وتصيطر هو بالسين والصاد والأصل السين وكل سين بعدها طاء فيجوز أن تقلب صادا تقول سطر وصطر وسطا علينا وصطا وسلم قال المفسرون معنى الكلام أم هم الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى تعالى أم لهم سلم أي مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه أي عليه

[ 223 ]

الوحي كقوله في جذوع النخل طه 71 فالمعنى يستمعون الوحي فيعلمون أن ما هم عليه حق فليات مستمعهم إن ادعى ذلك بسلطان مبين أي بحجة واضحة كما أتى محمد بحجة على قوله له البنات ولكم البنون هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله البنات تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أي هل سألتهم أجرا على ما جئت به فأثقلهم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الاسلام والمغرم بمعنى الغرم وقد شرحناه في براءة 98 تعالى أم عندهم الغيب هذا جواب لقولهم نتربص به ريب المنون والمعنى أعندهم الغيب وفيه قولان أنه اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس قاله ابن عباس أعندهم علم الغيب فيعلمون أن محمدا يموت قبلم فهم يكتبون أي يحكمون فيقولون سنقهرك عنه والكتاب الحكم ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم سأقضي بينكما بكتاب الله أي بحكم الله عز وجل وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة تعالى أم يريدون كيدا وهو ما كانوا عزموا عليه في دار الندوة وقد شرحنا ذلك في قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا الأنفال 30 ومعنى هم المكيدون هم المجزيون بكيدهم لأن ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها لهم إله غير الله أي ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله والمعنى أن الأصنام ليست بآلهة لأنها لا تنفع ولا تدفع ثم نزه نفسه عن شركهم بباقي الآية

[ 224 ]

يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ذكر عنادهم فقال وإن يروا كسفا من السماء ساقطا والمعنى لو سقط بعض السماء عليهم لما انتهوا عن كفرهم ولقالوا هذه قطعة من السحاب قدركم بعضه على بعض إن أي خل عنهم حتى يلاقوا قرأ أبو جعفر يلقوا بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف يومهم وفيه ثلاثة أقوال أنه يوم موتهم والثاني يوم القيامة والثالث يوم النفخة الأولى تعالى يصعقون قرأ عاصم وابن عامر يصعقون برفع الياء من أصعقهم غيرهم والباقون بفتحها من صعقوهم إلا قوله يصعقون قولان يموتون والثاني يغشى عليهم كقوله وخر موسى صعقا الأعراض 143 وهذا يخرج على قول من قال هو يوم القيام فإنهم يغشى عليهم من الأهوال وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا يصح لأن معنى الآية الوعيد تعالى يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا هذا اليوم الأول والمعنى لا ينفعهم مركهم فيه ولا يدفع عنهم العذاب ولا هم ينصرون أي يمنعون من العذاب تعالى وإن للذين ظلموا أي أشركوا عذابا دون ذلك أي قبل ذلك اليوم وفيه أربعة أقوال أنه عذاب القبر قاله البراء وابن عباس والثاني عذاب القتل يوم بدر وروي عن ابن عباس أيضا وبه قال مقاتل

[ 225 ]

والثالث مصائبهم في الدنيا قاله الحسن وابن زيد والرابع عذاب الجوع قاله مجاهد تعالى ولكن أكثرهم لا يعلمون أي لا يعلمون ما هو نازل بهم صلى لحكم ربك أي لما يحكم به عليك فإنك بأعيننا قال الزجاج فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك فلا يصلون إلى مكروهك وذكر المفسرون أن معنى الصبر نسخ بآية السيف ولا يصح لأنه لا تضاد وقال بحمد ربك حين تقوم فيه ستة أقوال صل لله حين تقوم من منامك قاله ابن عباس قل سبحانك اللهم وبحمدك حين تقوم من مجلسك قاله عطاء وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين قل سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك حين تقوم في الصلاة قاله الضحاك سبح الله إذا قمت من نومك قاله حسان بن عطية صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة قاله زيد بن أسلم اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة قاله ابن السائب تعالى ومن الليل فسبحه قال مقاتل صل المغرب وصل العشاء وإدبار النجوم قرأ زيد عن يعقوب وهارون عن أبي عمرو والجعفي عن أبي بكر وأدبار النجوم بفتح الهمزة وقرأ الباقون بكسرها وقد شرحناها في ق 40 أنه والمعنى صل له في إدبار النجوم أي حين تدبر أي تغيب بضوء الصبح وفي هذه الصلاة قولان أنها الركعتان قبل صلاة الفجر رواه علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الجمهور أنها صلاة الغداة قاله الضحاك وابن زيد

[ 226 ]

النجم مكية بإجماعهم أنه قد حكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا إلا آية منها وهي الذين يجتنبون كبائر الإثم النجم 32 وكذلك قال مقاتل قال وهذه أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة الله الرحمن الرحيم إذى هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى تعالى والنجم إذا هوى هذا قسم وفي المراد بالنجم خمسة أقوال أنه الثريا رواه العوفي عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد قال ابن قتيبة والعرب تسمي الثريا وهي ستة أنجم نجما وقال غيره هي سبعة فستة ظاهرة وواحد خفي يمتحن به الناس أبصارهم الرجوم من النجوم يعني ما يرمى به الشياطين رواه عكرمة عن ابن عباس

[ 227 ]

أنه القرآن نزل نجوما متفرقة قاله عطاء عن ابن عباس والأعمش عن مجاهد وقال مجاهد كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ونحو ذلك نجوم السماء كلها وهو مروي عن مجاهد أيضا والخامس أنها الزهرة قاله السدي قول من قال النجم الثريا يكون هوى بمعنى غاب ومن قال هو الرجوم يكون هويها في رمي الشياطين ومن قال القرآن يكون معنى هوى نزل ومن قال نجوم السماء كلها ففيه قولان أن هويها أن تغيب والثاني أن تنتثر يوم القيامة ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها وقرأ أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر وقرا حمزة والكسائي ذلك كله بالإمالة تعالى ما ضل صاحبكم هذا جواب القسم والمعنى ما ضل عن طريق الهدى والمراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطق عن الهوى أي ما يتكلم بالباطل وقال أبو عبيدة عن بمعنى الباء وذلك أنهم قالوا إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه هو أي ما القرآن إلا وحي من الله يوحى وهذا مما يحتج به من لا يجيز للنبي أن يجتهد وليس كما ظنوا لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي جاز أن ينسب إلى الوحي شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى تعالى علمه شديد القوى وهو جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن قتيبة وأصل هذا من قوى الحبل وهي طاقاته الواحدة قوة ذو مرة أي ذو قوة وأصل المرة

[ 228 ]

الفتل قال المفسرون وكان من قوته أنه قلع قريات لوط وحملها على جناحه فقلبها وصاح بثمود فأصبحوا خامدين تعالى فاستوى وهو بالأفق الأعلى فيه قولان فاستوى جبريل وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم والمعنى أنهما استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الفراء والثاني فاستوى جبريل وهو يعني جبريل بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على حقيقته فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق فيكون المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى في صورته هذا قول الزجاج قال مجاهد والأفق الأعلى هو مطلع الشمس وقال غيره إنما قيل له الأعلى لأنه فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء تعال ثم دنا فتدلى قال الفراء المعنى ثم تدلى فدنا ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا فتقول قد دنا فقرب وقرب فدنا وشتم فأساء وأساء فشتم ومنه قوله اقتربت الساعة وانشق القمر المر 1 المعنى والله أعلم انشق القمر واقتربت الساعة قال ابن قتيبة المعنى تدلى فدنا لأنه تدلى للدنو ودنا بالتدلي وقال الزجاج دنا بمعنى قرب وتدلى زاد في القرب ومعنى اللفظتين واحد وقال غيرهم أصل التدلي النزول إلى الشئ حتى يقرب منه فوضع موضع القرب المشار إليه بقوله ثم دنا ثلاثة أقوال أنه الله عز وجل روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وروى أبو سلمة عن ابن عباس ثم دنا قال دنا ربه فتدلى وهذا اختيار مقاتل قال دنا الرب من محمد ليلة أسري به فكان منه قاب قوسين أو أدنى وقد كشفت هذا الوجه في كتاب المغني وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة لأن ذلك يختص بالأجسام والله منزه عن ذلك أنه محمد دنا من ربه قاله ابن عباس والقرظي

[ 229 ]

أنه جبريل ثم في الكلام قولان دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وقتادة والثاني دنا جبريل من ربه عزوجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى قاله مجاهد تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى وقرا ابن مسعود وأبو رزين فكان قاد قوسين بالدال قوال أبو عبيدة القاب والقاد القدر وقال ابن فارس القاب القدر ويقال بل القاب ما بين المقبض والسية ولكل قوس قابان وقال ابن قتيبة سية القوس ما عطف من طرفيها المراد بالقوسين قولان أنها القوس التي يرمى بها قاله ابن عباس واختاره ابن قتيبة فقال قدر قوسين وقال الكسائي اراد بالقوسين قوسا واحد أن القوس الذراع فالمعنى كان بينهما قدر ذراعين حكاه ابن قتيبة وهو قول ابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي قال ابن مسعود دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين تعالى أو أدنى في قولان أنها بمعنى بل قاله مقاتل والثاني أنهم خوطبوا على لغتهم والمعنى كان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل هذا اختيار الزجاج تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى فيه ثلاثة أقوال أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة وهذا على قول من يقول إنه كان في ليلة المعراج أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه رواه عطاء عن ابن عباس أوحى الله إلى جبريل ما يوحيه روي عن عائشة رضي الله عنها والحسن وقتادة تعالى ما كذب الفؤاد ما رأى قرأ أبو جعفر وهشام عن ابن عامر وأبان عن عاصم ما كذب بتشديد الذال وقرأ الباقون بالتخفيف فمن شدد أراد ما أنكر فؤاده ما رأته عينه ومن خفف أراد ما أوهمه فؤاده أنه رأى ولم ير بل صدق الفؤاد رؤيته الذي رأى قولان أنه رأى ربه عز وجل قاله ابن عباس وأنس والحسن وعكرمة أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها قاله ابن مسعود وعائشة

[ 230 ]

تعالى أفتمارونه وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وخلف ويعقوب أفتمرونه قال ابن قتيبة معنى أفتمارونه أفتجادلونه من المراء ومعنى أفتمرونه أفتجحدونه تعالى ولد رآه نزلة أخرى قال الزجاج أي رآه مرة أخرى قال ابن عباس رأى محمد ربه وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا فرأى ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى قال كعب إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين وقد روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا رآه على صورته التي خلق عليها سدرة المنتهى فالسدرة وهو شجرة النبق وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة وفي مكانها قولان أنها فوق السماء السابعة وهذا مذكور في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة قال مقاتل وهي عن يمين العرش أنها في السماء السادسة أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود وبه قال الضحاك قال المفسرون وإنما سميت سدرة المنتهى لأنه إليها منتهى ما يصعد به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وإليها ينتهي علم جميع الملائكة تعالى عندها وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر وأبو نهيك عنده بهاء مرفوعة على ضمير مذكر جنة المأوى قال ابن عباس هي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة وقال الحسن هي التي يصير إليها أهل الجنة وقال مقاتل هي جنة إليها تأوي أرواح الشهداء وقرأ سعيد بن المسيب والشعبي وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وأبو العالية جنة المأوى بهاء صحيحة مرفوعة قال ثعلب يريدون أجنه وهي شاذة وقيل معنى عندها أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى إن يغشى السدرة ما يغشى روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال غشيها فراش من ذهب وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها وقال الحسن ومقاتل تغشاها الملائكة أمثلا الغربان حين يقعن على الشجرة وقال الضحاك غشيها نور رب العالمين تعالى ما زاغ البصر أي ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى أي ما زاد ولا جاوز ما رأى وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام رأى من آيات ربه الكبرى فيه قولان أحدهما لقد رأى من آيات ربه العظام

[ 231 ]

والثاني لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى في المراد بما رأى من الآيات ثلاثة أقوال أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق قاله ابن مسعود أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات قاله ابن زيد أنه رأى من أعلام ربه وأدلته الأعلام والأدلة الكبرى قاله ابن جرير اللات والعزى ومنوة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى الزجاج فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال أفرأيتم اللات والعزى المعنى أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شئ اللات فقرأ الجمهور بتخفف التاء وهو اسم صنم كان لثقيف اتخذوه من دون الله وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى قال أبو سليمان الخطابي كان 72 المشركون يتعاطون الله اسما لبعض أصنامهم فصرفه الله إلى اللات صيانة لهذا الاسم وذبا عنه وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك وابن السميفع ومجاهد وابن يعمر والأعمش وورش عن يعقوب اللات بتشديد التاء ورد في تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد أن رجلا كان يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره فعبدون صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج زعموا أن رجلا كا يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم فسمي الصنم اللات وكان الكسائي يقف عليه بالهاء فيقول اللاه وهذا قياس والأجود الوقوف بالتاء لاتباع المصحف العزى ففيها قولان أنها شجرة لغطفان كانوا يعبدونها قاله مجاهد صنم لهم قاله الضحاك قال وأما مناة فهو صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة

[ 232 ]

وقال قتادة بل كانت للأنصار وقال أبو عبيدة كانت اللات والعزى ومناة أصناما من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها وقرأ ابن كثر ومناءة ممدودة مهموزة قوله الثالثة فإنه نعت ل مناة هي ثالثة الصنمين في الذكر والأخرى نعت لها قال الثعلبي العرب لا تقول للثالثة الأخرى وإنما الأخرى نعت للثانية فيكون في المعنى وجهان أن ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى طه 18 ولم يقل أخر قاله الخليل أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة قاله الحسين بن الفضل تعالى ألكم الذكر قال ابن السائب إن مشركي قريش قالوا للأصنام والملائكة بنات الله وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره فقال الله تعالى منكرا عليهم ألكم الذكر وله الأنثى يعني الأصنام وهي إناث في أسمائها إذا قسمة ضيزى قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ضيزى بكسر الضاد من غير همز وافقهم ابن كثير في كسر الضاد لكنه همز وقرأ أبي بن كعب ومعاذ القارئ ضيزى بفتح الضاد من غير همز قال الزجاج الضيزى في كلام العرب الناقصة الجائرة يقال ضازه يضيزه إذا نقصه حقه ويقال ضأزه يضأزه فقال بالهمز وأجمع النحويون أن أصل ضيزى ضوزى وحجتهم أنها نقلت من فعلى من ضوزى إلى ضيزى لتسلم الياء كما قالوا أبيض وبيض وأصله بوض فنقلت الضمة إلى الكسرة وقرأت على بعض العلماء باللغة في ضيزى لغات يقال ضيزى وضوزى وضؤزى وضأزى على فعلى مفتوحة ولا يجوز في القرآن إلا ضيزى بياء غير مهموزة وإنما لم يقل النحويون إنها على أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام فعلى صفة إنما يعرفون الصفات على فعلى بالفتح نحو سكرى وغضبى أو بالضم نحو حبلى وفضلي أي تعالى إن هي يعني الأوثان إلا أسماء والمعنى إن هذه الأوثان التي سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها لأنها لا تضر ولا تنفع فهي تسميات ألقيت على جمادات ما أنزل الله بها من سلطان أي لم ينزل كتابا فيه حجة بما يقولون إنها آلهة ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال إن يتبعون في أنها آلهة إلا الظن وما تهوى الأنفس وهو ما زين لهم

[ 233 ]

الشيطان ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو البيان بالكتاب والرسول وهذا تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال أم للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام فلله الآخرة والأولى أي لا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه ثم أكد هذا بقوله وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا فجمع في الكناية لأن معنى الكلام الجمع إلا من بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء ويرضى والمعنى أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنهم الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملئكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى تعالى إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وذلك ين زعموا أنها بنات الله وما لهم بذلك من علم أي ما يستيقنون أنها إناث إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي لا يقوم مقام العلم فالحق ها هنا بمعنى العلم عمن تولى عن ذكرنا يعني القرآن وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف تعالى ذلك مبلغهم من العلم قال الزجاج إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم وقد نبذوا أمر الآخرة تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله الآية والمعنى أنه عالم بالفريقين فيجازيهم ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يتجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع

[ 234 ]

المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى تعالى ولله ما في السموات وما في الأرض هذا إخبرا ثنا عن قدرته وسعة ملكه وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله ليجزي الذين أساؤوا لأن اللام في ليجزي متعلقة بمعنى الآية الأولى لأنه إذا كان أعلم بهما جازى كلا بما يستحقه وهذه لام العاقبة وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك فلذلك أخبر به في قوله ولله ما في السموات وما في الأرض قال المفسرون وأساؤوا بمعنى أشركوا وأحسنوا بمعنى وحدوا والحسنى الجنة والكبائر مذكورة في سورة النساء 31 وقيل كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد وقرأ حمزة والكسائي والمفضل وخلف يجتنبون كبير الإثم واللمم في كلام العرب المقاربة للشئ وفي المراد به ها هنا ستة أقوال ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية فإنه يغفر في الإسلام قاله زيد بن ثابت أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود قاله ابن عباس والحسن والسدي أنه صغار الذنوب كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا قاله ابن مسعود وأبو هريرة والشعبي ومسروع به ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تشتهي وتتمنى ويصدق ذلك ويكذبه الفرج فإن تقدم بفرجه كان الزنا وإلا فهو اللمم أنه ما يهم به الإنسان قاله محمد بن الحنفية أنه ألم بالقلب أي خطر قاله سعيد بن المسيب أنه النظر من غير تعمد قاله الحسين بن الفضل فعلى القولين الأولين يكون الاستثناء من الجنس وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس تعالى إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس لمن فعل ذلك ثم تاب وها هنا تم الكلام ثم قال هو أعلم بكم يعني قبل خلقكم إذ أنشأكم من الأرض يعني آدم عليه ا لسلام وإذ أنتم أجنة جمع جنين والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون فلا تزكوا

[ 235 ]

أنفسكم أي لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي وقيل لا تمدحوها بحسن أعمالها وفي سبب نزول هذه الآية قولان أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي قالوا صديق فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة رضي الله عنها أن ناسا من المسلمين قالوا قد صلينا وصمنا وفعلنا يزكون أنفسهم فنزلت هذه الآية قاله مقاتل تعالى وهو أعلم بمن اتقى فيه ثلاثة أقوال عمل حسنة وأرعوى عن معصية قاله علي رضي الله عنه والثاني أخلص العمل لله قاله الحسن والثالث اتقى الشرك فآمن قاله الثعلبي أفرأيت هذا الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبرهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى تعالى أفرأيت الذي تولى اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال أنه الوليد بن المغيرة وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال تركت دين الأشياخ وضللتهم قال إني خشيت عذاب الله فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل ففعل فأعطاه بعض الذي ضمن له ثم بخل ومنعه فنزلت هذه الآية قاله مجاهد وابن زيد أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص حتى ارتد عن إسلامه وضمن له أن يحمل عنه إثمه قاله الضحاك أنه أبو جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق قاله محمد بن كعب القرظي أنه العاص بن وائل السهمي وكان ربما وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور قاله السدي تولى أعرض عن الإيمان

[ 236 ]

وأعطى قليلا فيه أربعة أقوال أطاع قليلا ثم عصى قاله ابن عباس والثاني أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع قاله مجاهد والثالث أعطى قليلا من ماله ثم منع قاله الضحاك والرابع أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع قاله مقاتل قال ابن قتيبة ومعنى أكدى قطع وهو من كدية الركية وهي الصلابة فيها وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها فقطع الحفر فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره أو أعطى ولم يتم أكدى تعالى أعنده علم الغيب فهو يرى فيه قولان فهو يرى حاله في الآخرة قاله الفراء والثاني فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها قاله ابن قتيبة تعالى أم لم ينبأ بما في صحف موسى يعني التوراة وإبراهيم أي وصحف إبراهيم وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف تعالى الذي وفى قرأ سعيد بن جبير وأبو عمران الجوني وابن السميفع اليماني وفي بتخفيف الفاء قال الزجاج قوله وفى أبلغ من وفى لأن الذي امتحن به من أعظم المحن وللمفسرين في الذي وفي عشرة أقوال أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وفي في كلمات كان يقولها روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون الروم 17 وختم الآية أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال القرظي أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة روي عن ابن عباس أيضا أنه عمل بما أمر به قاله الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وقال مجاهد وفى ما فرض عليه

[ 237 ]

أنه وفى بتبليغ هذه الآيات وهي ألا تزر وازرة وزر أخرى وما بعدها وهذا مروى عن عكرمة ومجاهد والنخعي وفي شأن المناسك قاله الضحاك أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا فلما قذف في النار قال له جبريل ألك حاجة فقال أما إليك فلا فوفى بما عاهد ذكره عطاء بن السائب أنه أدى الأمانة قاله سفيان بن عيينة بين ما في صحفهما فقال ألا تزر وازرة وزر أخرى أي لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى والمعنى لا تؤخذ بإثم غيرها ليس للإنسان إلا ما سعى قال الزجاج هذا في صحفهما أيضا ومعناه ليس للإنسان إلا جزاء سعيه إن عمل خيرا جزي عليه خيرا وإن عمل شرا جزي شرا واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال أنها منسوخة بقوله وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الطور 21 فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء قاله ابن عباس ولا يصح لأن لفظ الآيتين لفظ خبر والأخبار لا تنسخ أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم قاله عكرمة واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته إن أبي مات ولم يحج فقال حجي عنه أن المراد بالإنسان ها هنا الكافر فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له قاله الربيع بن أنس أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل فأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله عز وجل ما يشاء قاله الحسين بن الفضل أن معنى ما سعى ما نوى قاله أبو بكر الوراق ليس للكافر من الخير إلى ما عمله في الدنيا فيثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير ذكره الثعلبي أن اللام بمعنى على فتقديره ليس على الإنسان إلا ما سعى أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق وتارة يسعى في خدمة الدين والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين

[ 238 ]

فيكون ذلك سببا حصل بسعيه حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني تعالى وأن سعيه سوف يرى فيه قولان سوف يعلم قاله ابن قتيبة سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة أي يرى عمله في ميزانه قاله الزجاج تعالى يجزاه الهاء عائدة على السعي الجزاء الأوفى أي الأكمل الأتم إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى ثم إلى ربك المنتهى أي منتهى العباد ومرجعهم قال الزجاج هذا كله في صحف إبراهيم وموسى تعالى وأنه هو أضحك وأبكى قالت عائشة مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون فقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية فرجع إليهم فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال إئت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول وأنه هو أضحك وأبكى وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى الضحك والبكاء وقال مجاهد أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار وقال الضحاك أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر تعالى وأنه هو أمات في الدنيا وأحيا للبعث خلق الزوجين أي الصنفين الذكر والأنثى من جميع الحيوانات من نطفة إذا تمنى فيه قولان إذا تراق في الرحم قاله ابن السائب

[ 239 ]

إذا تخلق وتقدر وأن عليه النشأة الأخرى وهي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة هو أغنى فيه أربعة أقوال أغنى بالكفاية قاله ابن عباس والثاني بالمعيشة قاله الضحاك والثالث بالأموال قاله أبو صالح والرابع بالقناعة قاله سفيان قوله أقنى ثلاثة أقوال أرضى بما أعطى قاله ابن عباس أخدم قاله الحسن وقتادة وعن مجاهد كالقولين جعل للإنسان قنية وهو أصل مال قاله أبو عبيدة تعالى وأنه هو رب الشعرى قال ابن قتيبة هو الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء وكان ناس من العرب يعبدونها تعالى وأنه أهلك عادا الأولى قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي عادا الأولى منونة وقرأ نافع وأبو عمرو عادا لولى موصولة مدغمة ثم فيهم قولان أنهم قوم هود وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى هذا قول الجمهور أن قوم هود هم عاد الأخرى وهم من أولاد عاد الأولى قاله كعب الأحبار وقال الزجاج وفي الأولى لغات أجودها سكون اللام وإثبات الهمزة والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة ومن العرب من يقول لولى يريد الأولى فتطرح الهمزة لتحرك اللام تعالى وقوم نوح من قبل أي من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم رسول قرى قوم لوط أهوى أي أسقط وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد أن رفعها وأتبعهم الله بالحجارة فذلك قوله فغشاها أي ألبسها ما غشى يعني الحجارة فبأي آلاء ربك تتمارى هذا خطاب للإنسان لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته قال فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك وقال ابن عباس فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد يعني الوليد بن المغيرة نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة

[ 240 ]

أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا ولا تعالى هذا نذير فيه قولان أنه القرآن نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة قاله قتادة أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم نذير بما أنذرت به الأنبياء قاله ابن جريج تعالى أزفت الآزفة أي دنت القيامة ليس لها من دون الله كاشفة فيه قولان إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها قاله عطاء وقتادة والضحاك ليس لعلمها كاشف دون الله أي لا يعلم علمها إلا الله قاله الفراء قال وتأنيث كاشفة كقوله هل ترى لهم من باقية الحاقة 8 يريد من بقاء والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر وقال غيره تأنيث كاشفة على تقدير نفس كاشفة تعالى أفمن هذا الحديث قال مقاتل يعني القرآن تعجبون تكذيبا به وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد ويعني بهذا كفار مكة وأنتم سامدون فيه خمسة أقوال لاهون رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الفراء والزجاج قال أبو عبيدة يقال دع عنك سمودك أي لهوك معرضون قاله مجاهد أنه الغناء وهي لغة يمانية يقولون اسمد لنا أي تغن لنا رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عكرمة هو الغناء بالحميرية والرابع غافلون قاله قتادة أشرون لم بطرون قاله الضحاك تعالى فاسجدوا لله فيه قولان أنه سجود التلاوة قاله ابن مسعود سجود الفرض في الصلاة مقاتل يعني بقوله فاسجدوا الصلوات الخمس قوله واعبدوا قولان أنه التوحيد والثاني العبادة

[ 241 ]

القمر الله الرحمن الرحيم حدثنا الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر مكية بإجماعهم وقال مقاتل مكية غير آية سيهزم الجمع وحكي عنه أنه

[ 242 ]

قال إلا ثلاث آيات أولها أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله وأمر القمر 46 44 قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كت صادقا فشق لنا القمر فرقتين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فعلت تؤمنون قالوا نعم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا فانشق القمر فرقتين ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا فلان يا فلان اشهدوا وذلك بمكة قبل الهجرة وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا وقد روى حديث الانشقاق جماعة منهم عبد الله بن عمر وحذيفة وجبير بن مطعم وابن عباس وأنس بن مالك وعلى هذا جميع المفسرين إلا أن قوما شذوا فقالوا سينشق يوم القيامة وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع ولأن قوله وانشق لفظ ماض وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل وليس ذلك موجودا وفي قوله وإن يروا آية يعرضوا دليل على أنه قد كان ذلك ومعنى اقتربت دنت والساعة القيامة وقال الفراء فيه تقديم وتأخير تقديره انشق القمر واقتربت الساعة وقال مجاهد انشق القمر فصار فرقتين فثبتت فرقة وذهبت فرقة وراء الجبل وقال ابن زيد لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان والنصف الآخر على أبي قبيس قال ابن مسعود لما انشق القمر قالت قريش سحركم ابن أبي كبشة فاسألوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله عز وجل اقتربت الساعة وانشق القمر تعالى وإن يروا آية أي آية تدلهم على صدق الرسول والمراد بها ها هنا انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق ويقولوا سحر مستمر فيه ثلاثة أقوال

[ 243 ]

ذاهب من قولهم مر الشئ واستمر إذا ذهب قاله مجاهد وقتادة والكسائي والفراء فعلى هذا يكون المعنى هذا سحر والسحر يذهب ولا يثبت شديد قوي قاله أبو العالية والضحاك وابن قتيبة قال وهو مأخوذ من المرة والمرة الفتل والثالث دائم حكاه الزجاج تعالى وكذبوا يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله تعالى واتبعوا أهواءهم ما زين لهم الشيطان وكل أمر مستقر فيه ثلاثة أقوال أن كل أمر مستقر بأهله فالخير يستقر بأهل الخير والشر يستقر بأهل الشر قاله قتادة لكل حديث منتهى وحقيقة قاله مقاتل أن قرار تكذيبهم مستقر وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا حقيقته بالثواب والعقاب قاله الفراء تعالى ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ما فيه مزدجر قال ابن قتيبة أي متعظ ومنتهى تعالى حكمة بالغة قال الزجاج هي مرفوعة لأنها بدل من ما فالمعنى ولقد جاءهم حكمة بالغة وإن شئت رفعتهما بإضمار هو حكمة بالغة وما في قوله فما تغن النذر جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ فيكون المعنى أي شئ تغني النذر وجائز أن يكون نفيا على معنى فليست تغني النذر قال المفسرون والمعنى جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية فما تغني النذر إذا لم يؤمنوا علي عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر عنهم قال الزجاج هذا وقف التمام ويوم منصوب بقوله يخرجون من الأجداث وقال مقاتل فتول عنهم إلى يوم يدع الداعي أثبت هذه الياء في الحالين يعقوب وافقه أبو جعفر وأبو عمرو في الوصل وحذفها الأكثرون في الحالين والداعي

[ 244 ]

إسرافيل ينفخ النفخة الثانية إلى شئ نكر وقرأ ابن كثير نكر خفيفة أي إلى أمر فظيع وقال مقاتل النكر بمعنى المنكر وهو القيامة وإنما ينكرونه إعظاما له والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين بآية السيف تعالى خشعا أبصارهم قرأ أهل الحجاز وابن عامر وعاصم خشعا بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي خاشعا بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين قال الزجاج المعنى يخرجون خشعا وخاشعا منصوب على الحال وقرأ ابن مسعود خاشعة ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتأنيث والجمع تقول مررت بشبان حسن أوجههم وحسان أوجههم وحسنة أوجههم قال الشاعر وشباب ابن حسن أوجههم من قوله إياد بن نزار بن معد له المفسرون والمعنى أن أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب والأجداث القبور وإنما شبههم بالجراد المنتشر لأن الجراد لا جهة له يقصدها فهو أبدا مختلف بعضه في بعض فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها والداعي إسرافيل وقد أثبت ياء الداعي في الحالين ابن كثير ويعقوب تابعهما في الوصل نافع وأبو عمرو والباقون بحذفها في الحالين وقد بينا معنى مهطعين في سورة إبراهيم 43 والعسر الصعب الشديد قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازد جر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

[ 245 ]

قوله تعالى كذبت قبلهم أي قبل أهل مكة قوم نوح فكذبوا عبدنا نوحا وقالوا مجنون وازدجر قال أبو عبيدة افتعل من زجر قال المفسرون زجروه عن مقالته فدعا عليهم نوح ربه ب أني مغلوب فانتصر أي فانتقم لي ممن كذبني قال الزجاج وقرأ عيسى بن عمر النحوي إني بكسر الألف وفسرها سيبويه فقال هذا على إرادة القول فالمعنى قال إني مغلوب ومن فتح وهو الوجه فالمعنى دعا ربه أني مغلوب تعالى ففتحنا أبواب المساء قرأ ابن عامر ففتحنا بالتشديد فأما المنهمر فقال ابن قتيبة هو الكثير السريع الانصباب ومنه يقال همر الرجل إذا أكثر من الكلام وأسرع وروى علي رضي الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة وهي شرج السماء وعلى ما ذكرنا من القصة في هود 44 أن المطر جاءهم يكون هو المراد بقوله ففتحنا أبواب السماء قال المفسرون جاءهم الماء من فوقهم أربعين يوما وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما ذلك الماء وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء وعاصم الجحدري المآءان محمد بهمزة وألف ونون مكسورة وقرأ ابن مسعود المايان إلى بياء وألف ونون مكسورة من غير همز وقرأ الحسن وأبو عمران الماوان بواو وألف وكسر النون قال الزجاج يعني بالماء ماء السماء وماء الأرض ويجوز الماءان لأن اسم الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء تعالى على أمر قد قدر فيه قولان كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض قاله مقاتل قد قدر في اللوح المحفوظ قاله الزجاج فيكون المعنى على أمر قد قضي عليهم وهو الغرق قوله تعالى وحملناه يعني نوحا على ذات ألواح ودسر قال الزجاج أي على سفينة ذات ألواح قال المفسرون ألواحها خشباتها كان العريضة التي منها جمعت وفي الدسر أربعة أقوال أنها المسامير رواه الوالبي عن ابن عباس وبه قال قتادة والقرظي وابن زيد وقال الزجاج الدسر المسامير والشرط التي تشد بها الألواح وكل شئ نحو السمر أو إدخال شئ في شئ بقوة وشدة قهر فهو دسر يقال دسرت المسمار أدسره أبو وأدسره أو والدسر واحدها دسار نحو حمار وحمر

[ 246 ]

أنه صدر السفينة سمي بذلك لأنه يدسر) الماء أي يدفعه رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومنه الحديث في العنبر أنه شئ دسره البحر أي دفعه أن الدسر أضلاع السفينة قاله مجاهد أن الدسر طرفاها وأصلها والألواح جانباها قاله الضحاك تعالى تجري بأعيننا أي بمنظر ومرأى منا جزاء قال الفراء فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به المراد ب من ثلاثة أقوال أنه الله عز وجل وهو مذهب مجاهد فيكون المعنى عوقبوا لله ولكفرهم به أنه نوح كفر به وجحد أمره قاله الفراء أن من بمعنى ما فالمعنى جزاء لما كان كفر من نعم الله عند الذين أغرقهم حكاه ابن جرير وقرأ قتادة لمن كان كفر بفتح الكاف والفاء تعالى ولقد تركناها في المشار إليها قولان أنها السفينة قال قتادة أبقاها الله على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة أنها الفعلة فالمعنى تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية أي علامة ليعتبر بها فهل من مدكر وأصله مدتكر عبد فأبدلت التاء دالا على ما بينا في قوله وادكر بعد أمة يوسف 45 قال ابن قتيبة أصله مذتكر فأدغمت التاء في الذال ثم قلبت دالا مشددة قال المفسرون والمعنى هل من متذكر يعتبر بذلك فكيف كان عذابي ونذر وفي هذه السورة ونذر ستة مواضع أثبت الياء فيهن في الحالين يعقوب تابعه في الوصل ورش والباقون بحذفها في الحالين وقوله فكيف كان عذابي استفهام عن تلك الحالة ومعناه التعظيم لذلك العذاب قال ابن قتيبة والنذر ها هنا جمع نذير وهو بمعنى الإنذار ومثله النكير بمعنى الإنكار قال المفسرون وهذا تخويف لمشركي مكة يسرنا القرآن أي سهلناه للذكر أي للحفظ والقراءة فهل من مدكر أي من ذاكر يذكره ويقرؤه والمعنى هو الحث على قراءته وتعلمه قال سعيد بن جبير ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن وأما الريح الصرصر فقد ذكرناها في حم السجدة 2 تعالى في يوم نحس مستمر قرأ الحسن في يوم بالتنوين على أن اليوم منعوت بالنحس والمستمر الدائم الشؤم استمر عليهم بنحوسه وقال ابن عباس كانوا يتشاءمون بذلك اليوم وقيل إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر

[ 247 ]

عليه الناس أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على رقابهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد ف كأنهم أعجاز نخل وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع أعجز نخل برفع الجيم من غير ألف بعد الجيم وقرأ ابن مسعود وأبو مجلز وأبو عمران كأنهم عجز نخل بضم العين والجيم ومعنى الكلام كأنهم أصول نخل منقعر أي منقلع وقال الفراء المنقعر المنصرع أبي من النخل قال ابن قتيبة يقال قعرته (فانقعر أي قلته فسقط قال أبو عبيدة والنخل يذكر ويؤنث فهذه الآية على لغة من ذكر وقوله أعجاز نخل خاوية الحاقة 8 على لغة من أنث وقال مقاتل شبههم حين وقعوا من شدة العذاب بالنخل الساقطة التي لا رؤوس لها وإنما شبههم بالنخل لطولهم وكان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعرء ألقي ما الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر تعالى كذبت ثمود بالنذر فيه قولان أنه جمع نذير وقد بينا أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل أن النذر بمعنى الإنذار كما بينا في قوله فكيف كان عذابي ونذر فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به صالح قالوا أبشرا منا قال الزجاج هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره المعنى أنتبع بشرا منا واحدا قال المفسرون قالوا هو آدمي مثلنا وهو واحد فلا نكون له تبعا إنا إذا إن فعلنا ذلك لفي ضلال أي خطأ وذهاب عن الصواب وسعر قال ابن عباس أي جنون قال ابن قتيبة هو من تسعرت لا النار إذا

[ 248 ]

التهبت يقال ناقة مسعورة أي كأنها مجنونة من النشاط وقال غيره لفي شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا أألقي الذكر أي أنزل الوحي عليه من بيننا أي كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي بل هو كذاب أشر وفيه قولان أنه المرح المتكبر قاله ابن قتيبة البطر قاله الزجاج تعالى سيعلمون غدا قرأ ابن عامر وحمزة ستعلمون بالتاء غدا فيه قولان يوم القيام قاله ابن السائب عند نزول العذاب بهم قاله مقاتل تعالى إنا مرسلو الناقة وذلك أنهم سألوا صالحا أن يظهر لهم ناقة من صخرة فقال الله تعالى إنا مرسلو الناقة أي مخرجوها كما أرادوا فتنة لهم أي محنة واختبارا فارتقبهم أي فانتظر ما هم صانعون واصطبر على ما يصيبك من الأذى ونبئهم أن الماء قسمة بينهم أي بين ثمود وبين الناقة يوم لها ويوم لهم فذلك قوله كل شرب محتضر يحضره صاحبه ويستحقه تعالى فنادوا صاحبهم واسمه قدار بن سالف فتعاطى قال ابن قتيبة تعاطى عقر الناقة فعقر أي قتل وقد بينا هذا في الأعراف 1 تعالى إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة وذلك أن جبريل عليه السلام صاح بهم وقد أشرنا إلى قصتهم في هود 61 فكانوا كهشيم المحتظر قال ابن عباس هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم وقد بينا معنى الهشيم في الكهف 45 وقال الزجاج الهشيم ما يبس من الورق وتكسر وتحطم والمعنى كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف فهو يجمع ليوقد وقرأ الحسن المحتظر بفتح الظاء وهو اسم الحظيرة والمعنى كهشيم المكان الذي يحتظر أن فيه الهشيم من الحطب وقال سعيد بن جبير هو التراب الي يتناثر من الحيطان وقال قتادة كالعظام النخرة المحترقة والمراد من جميع ذلك أنهم بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشئ المتحطم

[ 249 ]

قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر تعالى إنا أرسلنا عليهم حاصبا قال المفسرون هي الحجارة التي قذفوا بها إلا آل لوط يعني لوط وابنتيه نجيناهم من ذلك العذاب بسحر قال الفراء سحر ها هنا يجري لأنه نكرة كقوله نجيناهم بليل فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجر لأن لفظهم به بالألف واللام يقولون ما زال عندنا منذ السحر لا يكادون يقولون غيره فإذا حذفت منه الألف واللام لم يصرف وقال الزجاج إذا كان السحر نكرة يراد به سحر من الأسحار انصرف فإذا أردت سحر يومك لم ينصرف تعالى كذلك نجزي من شكر قال مقاتل من وحد الله تعالى لم يعذب مع المشركين تعالى ولقد راودوه عن ضيفه أي طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه وهم الملائكة فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبا وقد ذكرنا القصة في سورة هود 81 وتم الكلام ها هنا ثم قال فذوقوا أي فقلنا لقوط على لوط لما جاءهم العذاب ذوقوا عذابي ونذر أي ما أنذركم به لوط ولقد صبحهم بكرة أي أتاهم صباحا عذاب مستقر أي نازل بهم قال مقاتل استقر بهم العذاب بكرة قال الفراء والعرب تجري غدوة وبكرة ولا تجريهما وأكثر الكلام في غدوة ترك الإجراء وأكثر في بكرة أن تجري فمن لم يجرها جعلها معرفة لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة أمس وغد وأكثر ما تجري العرب غدوة إذا قرنت بعشية يقولون إني لآتيهم الله غدوة وعشية وبعضهم يقول غدوة فلا يجريها وعشية فيجريها ومنهم من لا يجري عشية لكثرة ما صحبت غدوة وقال الزجاج الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين نونتا قال وصرفتا عن فإذا أردت بهما بكرة يومك وغداة يومك لم تصرفهما والبكرة ها هنا نكرة فالصرف أجود لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في شهر كذا

[ 250 ]

ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر تعالى ولقد جاء آل فرعون يعني القبط النذر فيهم قولان أنه جمع نذير وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى أن النذر بمعنى الإنذار وقد بيناه آنفا فأخذناهم بالعذاب أخذ عزيز أي غالب في انتقامه مقتدر قادر على هلاكهم خوف أهل مكة فقال أكفاركم يا معشر العرب خير أي أشد وأقوى من أولئكم وهذا استفهام معناه الإنكار والمعنى ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود وقد أهلكناهم أم لكم براءة من العذاب أنه لا يصيبكم ما أصابهم في الزبر أي في الكتب المتقدمة أم يقولون نحن جميع منتصر المعنى أيقولون نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر من منهم وإنما وحد المنتصر للفظ الجميع فإنه على لفظ واحد وإن كان اسما للجماعة سيهزم الجمع وروى أبو حاتم بن يعقوب سنهزم بالنون الجمع بالنصب وتولون بالتاء ويعني بالجمع جمع كفار مكة ويولون الدبر ولم يقل الأدبار وكلاهما جائز قال الفراء مثله أن يقول إن فلانا لكثير الدينار والدرهم وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب فكانت الهزيمة يوم بدر تعالى والساعة أدهى قال مقاتل هي أفظع وأمر من القتل قال الزجاج ومعنى الداهية الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه ومعنى أمر أشد مرارة من القتل والأسر المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر وكل شئ فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر

[ 251 ]

تعالى إن المجرمين في ضلال وسعر في سبب نزولها قولان أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر فنزلت هذه الآية إلى قوله خلقناه بقدر انفرد بإخراجه مسلم من حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الآية نزلت في القدرية أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فقال يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر وليس كذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم خصماء الله فنزلت إن المجرمين إلى قوله بقدر قاله عطاء تعالى وسعر فيه ثلاثة أقوال الجنون والثاني العناء وقد ذكرناهما في صدر السورة أنه نار تستعر عليهم قاله الضحاك سقر فقال الزجاج هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها معرفة وهي مؤنثة وقرأت على شيخنا أبي منصور قال سقر اسم لنار الأخرة أعجمي ويقال بل هو عربي من قولهم سقرته الشمس إذا أذابته سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله فتقوم القدرية فيؤمر بهم إلى النار يقول الله تعالى ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر وإنما قيل لهم خصماء الله لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها وروى هشام بن حسان عن الحسن قال والله لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل ثم صلى حتى يصير كالوتر ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شئ بقدر حتى العجز والكيس وقال ابن عباس كل شئ بقدر حتى وضع يدك على خدك وقال الزجاج معنى بقدر أي كل شئ خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ونصب كل شئ بفعل مضمر المعنى إنا خلقنا كل شئ خلقناه بقدر تعالى وما أمرنا إلا واحدة قال الفراء أي إلا مرة واحدة وكذلك قال مقاتل مرة واحدة لا مثنوية لها وروى عطاء عن ابن عباس قال يريد إن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال ابن السائب المعنى وما أمرنا بمجئ الساعة في السرعة إلا كلمح البصر ومعنى اللمح بالبصر النظر بسرعة أهلكنا أشياعكم أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية فهل من

[ 252 ]

مدكر أي متعظ وكل شئ فعلوه يعني الأمم الزبر قولان أنه كتب الحفظة والثاني اللوح المحفوظ صغير وكبير أي من الأعمال المتقدمة مستطر أي مكتوب قال ابن قتيبة هو مفتعل من سطرت إذا كتبت وهو مثل مسطور تعالى في جنات ونهر قال الزجاج المعنى في جنات وأنهار والاسم الواحد يدل على الجميع فيجتزأ في به من الجميع أنشد سيبويه والخليل بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض بن وأما جلدها فصليب هذه يريد وأما جلودها ومثله في حلقكم عظم وقد شجينا ومثله كلوا في نصف بطنكم تعيشوا سنة ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس آية فقابل بالتوحيد رؤوس الآي قال ويقال النهر الضياء والسعة من قولك أنهرت الطعنة إذا وسعتها قال قيس بن الخطيم يصف طعنة ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى عمرو قائم من دونها ما وراءها قبل أوسعت فتقها قلت وهذا قول الضحاك وقرأ الأعمش ونهر تعالى في مقعد صدق أي مجلس حسن وقد نبهنا على هذا المعنى في قوله أن لهم قدم صدق يونس 2 فأما المليك فقال الخطابي المليك هو المالك وبناء فعيل للمبالغة في الوصف ويكون المليك بمعنى الملك ومنه هذه الآية والمقتدر مشروح في الكهف 2

[ 253 ]

الرحمن نزولها قولان أنها مكية رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء ومقاتل والجمهور إلا أن ابن عباس قال سوى آية وهي قوله يسأله من في السموات والأرض الرحمن 29 أنها مدنية رواه عطية عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود الله الرحمن الرحيم علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان

[ 254 ]

والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى الرحمن علم القرآن قال مقاتل لما نزل قوله اسجدوا للرحمن الفرقان 60 قال كفار مكة وما الرحمن فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فقال تعالى الرحمن الذي أنكروه هو الذي علم القرآن قوله علم القرآن قولان أحدهما علمه محمدا وعلم محمد أمته قاله ابن السائب والثاني يسر القرآن قاله الزجاج تعالى خلق الإنسان فيه ثلاثة أقوال أنه اسم جنس فالمعنى خلق الناس جميعا قاله الأكثرون فعلى هذا في البيان ستة أقوال أحدها النطق والتمييز قاله الحسن والثاني الحلال والحرام قاله قتادة والثالث ما يقول وما يقال له قاله محمد بن كعب والرابع الخير والشر قاله الضحاك والخامس طرق الهدى قاله ابن جريج والسادس الكتابة والخط قاله يمان أنه آدم قاله ابن عباس وقتادة فعلى هذا في البيان ثلاثة أقوال أحدها أسماء كل شئ والثاني بيان كل شئ والثالث اللغات الثالث أنه محمد صلى الله عليه وسلم علمه بيان ما كان وما يكون قاله ابن كيسان قوله تعالى الشمس والقمر بحسبان أي بحساب ومنازل لا يعدوانها وقد كشفنا هذا المعنى في الأنعام 96 قال الأخفش أضمر

[ 255 ]

الخبر وأظنه والله أعلم أراد يجريان بحسبان تعالى والنجم والشجر يسجدان في النجم قولان أحدهما أنه كل نبت ليس له ساق وهو مذهب ابن عباس والسدي ومقاتل واللغويين والثاني أنه نجم السماء والمراد به جميع النجوم قاله مجاهد فأما الشجر فكل ما له ساق قال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذ أشرقت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفئ وقد أشرت في النحل 49 إلى معنى سجود ما لا يعقل قال أبو عبيدة وإنما ثني فعلهما على لفظهما تعالى والسماء رفعها وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد الأنفاس وأجرى الريح بينها وبين الأرض كيما يتروح الخلق ولولا ذلك لماتت الخلائق كربا تعالى ووضع الميزان فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه العدل قاله الأكثرون منهم مجاهد والسدي واللغويون قال الزجاج وهذا لأن المعادلة موازنة الأشياء والثاني أنه الميزان المعروف ليتناصف يحيى الناس في الحقوق قاله الحسن وقتادة والضحاك والثالث أنه القرآن قاله الحسين بن الفضل تعالى ألا تطغوا ذكر الزجاج في أن وجهين أحدهما أنها بمعنى اللام والمعنى لئلا تطغوا والثاني أنها للتفسير فتكون لا للنهي والمعنى أي لا تطغوا أي لا تجاوزوا العدل

[ 256 ]

قوله تعالى ولا تخسروا الميزان قال ابن قتيبة أي لا تنقصوا الوزن الأنام ففيهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم الناس رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني كل ذي روح رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وقتادة والسدي والفراء والثالث الإنس والجن قاله الحسن والزجاج تعالى فيها فاكهة أي ما يتفكه به من ألوان الثمار والنخل ذات الأكمام والأكمام الأوعية والغلف وقد استوفينا شرح هذا في حم السجدة 47 تعالى والحب يريد جميع الحبوب كالبر والشعير وغير ذلك وقرأ ابن عامر والحب بنصب الباء ذا العصف بالألف والريحان بنصب النون وقرأ حمزة والكسائي إلا ابن أبي سريج وخلف والحب والعصف والريحان بخفض النون وقرأ الباقون بضم النون العصف قولان أحدهما أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح قاله ابن عباس وكذلك قال مجاهد هو ورق الزرع قال ابن قتيبة العصف ورق الزرع ثم يصير إذا جف ويبس وديس تبنا والثاني أن العصف المأكول من الحب حكاه الفراء الريحان أربعة أقوال أنه الرزق رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي قال الفراء الريحان في كلام العرب الرزق تقول خرجنا نطلب ريحان الله وأنشد الزجاج للنمر بن تولب سلام الإله وريحانه الرحمن ورحمته وسماء درر وكان أنه خضرة الزرع رواه الوالبي عن ابن عباس قال أبو سليمان الدمشقي فعلى هذا سمي ريحانا لاستراحة النفس بالنظر إليه

[ 257 ]

أنه ريحانكم هذا الذي يشم روى العوفي عن ابن عباس قال الريحان ما أنبتت الأرض من الريحان وهذا مذهب الحسن والضحاك وابن زيد أنه ما لم يؤكل من الحب والعصف المأكول منه حكاه الفراء تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن قيل كيف خاطب اثنين وإنما ذكر الإنسان وحده فعنه جوابان ذكرهما الفراء أحدهما أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بينا في قوله ألقيا في جهنم 3 روى والثاني أن الذكر أريد به الإنسان والجان فجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها قال الزجاج لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والسماء والأرض خاطب الجن والإنس قال فبأي ألاء ربكما تكذبان أي فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم وقال ابن قتيبة الآلاء النعم واحدها ألا مثل قفا وإلا مثل معى الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ولم آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى خلق الإنسان يعني آدم من صلصال قد ذكرنا في الحجر 7

[ 258 ]

الصلصال والجان فأما قوله كالفخار فقال أبو عبيدة خلق من طين يابس لم يطبخ فله صوت إذا نقر فهو من يبسه كالفخار والفخار ما طبخ بالنار المارج فقال ابن عباس هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت وقال مجاهد هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت وقال مقاتل هو لهب النار الصافي من غير دخان وقال أبو عبيدة المارج خلط من النار وقال ابن قتيبة المارج لهب النار من قولك قد مرج الشئ إذا اضطرب ولم يستقر وقال الزجاج هو اللهب المختلط بسواد النار قيل قد أخبر الله تعالى عن خلق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة فتارة يقول خلقه من تراب آل عمران 59 وتارة من صلصال وتارة من طين لازب الصافات 11 وتارة كالفخار الرحمن 14 وتارة من حمأ مسنون الحجر 29 فالجواب أن الأصل التراب فجعل طينا ثم صار كالحمإ المسنون ثم صار صلصالا كالفخار هذه أخبار عن حالات أصله فإن قيل ما الفائدة في تكرار قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان الجواب أن ذلك التكرير لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها قال ابن قتيبة من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد يقول القائل منهم والله لا أفعله ثم والله لا أفعله إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله كما يقول والله أفعله بإضمار لا إذا أراد الاختصار ويقول القائل المستعجل اعجل اعجل وللرامي بين ارم ارم قال الشاعر كم نعمة كانت له وكم وكم أهل وقال الآخر هلا سألت جموع كن دة حديث يوم ولوا أين أينا

[ 259 ]

وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحدة فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى كقولهم عطشان نطشان وشيطان ليطان وحسن بسن قال ابن دريد ومن الإتباع جائع نائع ومليح قريح وقبيح شقيح وشحيح نحيح وخبيث نبيث عند وكثير بثير وسيغ ليغ لأنه وسائغ لائغ أخبرنا وحقير نقير وضئيل يا بئيل لو وخضر مضر وعفريت نفريت وثقة نقة وكن إن وواحد فاحد وحائر بائر وسمح لمح قال ابن قتيبة فلما عدد الله تعالى في هذه السورة نعماءه وأذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين ليفهمهم النعم ويقررهم بها كقولك للرجل ألم أبوئك يكون منزلا وكنت طريدا أفتنكر هذا ألم أحج بك وأنت صرورة أفتنكر هذا وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله قال قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال مالي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة فباي آلاء ربكما تكذبان إلا قالوا ولا بشئ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد تعالى رب المشرقين قرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة رب المشرقين ورب المغربين بالخفض وهما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء للشمس والقمر جميعا تعالى مرج البحرين أي أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما يلتقيان بينهما برزخ أي حاجز من قدرة الله تعالى لا يبغيان أي لا يختلطان فيبغي أحدهما على الآخر وقال ابن عباس بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام قال الحسن مرج البحرين يعني بحر فارس والروم بينهما برزخ يعني الجزائر وقد سبق بيان هذا في الفرقان 53

[ 260 ]

تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان قال الزجاج إنما يخرج من البحر الملح وإنما جمعهما لأنه إذا خرج من أحدهما فقد أخرج منهما ومثله وجعل القمر فيهن نورا نوح 16 قال أبو علي الفارسي أراد يخرج من أحدهما فحذف المضاف وقال ابن جرير إنما قال منهما لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء اللؤلؤ والمرجان ففيهما قولان أن المرجان ما صغر من اللؤلؤ واللؤلؤ العظام قاله الأكثرون منهم ابن عباس وقتادة والضحاك والفراء وقال الزجاج اللؤلؤ اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر والمرجان صغاره أن اللؤلؤ الصغار والمرجان الكبار قاله مجاهد والسدي ومقاتل قال ابن عباس إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ قال ابن جرير حيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة وقرات على شيخنا أبي منصور اللغوي قال ذكر بعض أهل اللغة أن المرجان أعجمي معرب قال أبو بكر يعني ابن دريد ولم أسمع فيه بفعل منصرف وأحر به أن يكون كذلك قال ابن مسعود المرجان الخرز الأحمر وقال الزجاج المرجان أبيض شديد البياض وحكى القاضي أبو يعلى أن المرجان ضرب من اللؤلؤ كالقضبان تعالى وله الجوار يعني السفن المنشآت قال مجاهد هو ما قد رفع قلعه من السفن دون ما لم يرفع قلعه قال ابن قتيبة هن اللواتي أنشئن أي ابتدئ بهن في البحر وقرأ حمزة المنشئات فجعلهن اللواتي ابتدأن يقال أنشأت

[ 261 ]

السحابة تمطر إذا ابتدأت وأنشأ الشاعر يقول والأعلام الجبال وقد سبق هذا الشورى 32 من عليها فان ويبقى وجه ربك والجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان يسئله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى كل من عليها فان أي على الأرض وهي كناية عن غير المذكور فان أي هالك وجه ربك أي ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام قال أبو سليمان الخطابي الجلال مصدر الجليل يقال جليل بين الجلالة والجلال والإكرام مصدر أكرم يكرم إكراما والمعنى أن الله تعالى مستحق أن يجل ويكرم ولا يجحد ولا يكفر به وقد يحتمل أن يكون المعنى أنه يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله تعالى بمعنى الصفة له والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه كقوله تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة المدثر 56 فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة والآخر إلى العباد وهو التقوى تعالى يسأله من في السموات والأرض لا المعنى أن الكل يحتاجون إليه فيسألونه وهو غني عنهم كل يوم هو في شأن مثل أن يحيي ويميت ويعز ويذل ويشفي مريضا ويعطي سائلا إلى غير ذلك من أفعاله وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت قال مقاتل وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت إن الله لا يقضي في يوم السبت شيئا فنزلت كل يوم هو في شأن

[ 262 ]

مع لكم أيه الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى سنفرغ لكم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر سنفرغ بنون مفتوحة وقرأ ابن مسعود وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي وعبد الوارث سيفرغ بياء مفتوحة وقرأ ابن السميفع وابن يعمر وابن أبي عبلة وعاصم الجحدري عن عبد الوارث سيفرغ بضم الياء وفتح الراء قال الفراء هذا وعيد من الله تعالى لأنه لا يشغله شئ عن شئ تقول للرجل الذي لا شغل له قد فرغت لي قد فرغت تشتمني أي قد أخذت في هذا وأقبلت عليه قال الزجاج الفراغ في اللغة على ضربين أحدهما الفراغ من شغل والآخر القصد للشئ تقول قد فرغت مما كنت فيه أي قد زال شغلي به وتقول سأتفرغ سعيد لفلان أي سأجعله بكر قصدي ومعنى الآية سنقصد لحسابكم فأما الثقلان فهما الجن والإنس سميا بذلك لأنهما ثقل الأرض تعالى أن تنفذوا أي تخرجوا يقال نفذ الشئ من الشئ إذا خلص منه كالسهم ينفذ من الرمية والأقطار النواحي والجوانب وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا قاله ابن عباس إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض فاهربوا واخرجوا منها والمراد أنكم حيثما كنتم أدرككم الموت هذا قول الضحاك ومقاتل في آخرين

[ 263 ]

إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة ذكره ابن جرير تعالى لا تنفذون إلا بسلطان فيه ثلاثة أقوال أحدها لا تنفذون إلا في سلطان الله وملكه لأنه مالك كل شئ قاله ابن عباس والثاني لا تنفذون إلا بحجة قاله مجاهد والثالث لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك قاله قتادة تعالى يرسل عليكما فثنى على اللفظ وقد جمع في قوله إن استطعتم على المعنى الشواظ ففيه ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه لهب النار قاله ابن عباس وقال مجاهد هو اللهب الأخضر المنقطع من النار والثاني الدخان قاله سعيد بن جبير والثالث النار المحضة قاله الفراء وقال أبو عبيدة هي النار التي تأجج لا دخان فيها ويقال شواظ وشواظ وقرأ ابن كثير بكسر الشين وقرأ أيضا هو وأهل البصرة ونحاس بالخفض والباقون برفعهما النحاس قولان أنه دخان النار رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والفراء وابو عبيدة وابن قتيبة والزجاج ومنه قول الجعدي يذكر امرأة تضئ قد كضوء سراج السلي ط وفي لم يجعل الله فيه نحاسا

[ 264 ]

الفراء في السليط ثلاثة أقوال أحدها أنه دهن السنام وليس له دخان إذا استصبح به والثاني أنه دهن السمسم والثالث الزيت أنه الصفر المذاب يصب على رؤوسهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة قال مقاتل والمراد بالآية كفار الجن والإنس يرسل عليهما في الآخرة لهب النار والصفر الذائب وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار نهار الدنيا فلا تنتصران أي فلا تمتنعان من ذلك انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيؤمئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى فإذا انشقت السماء أي انفرجت من المجرة لنزول من فيها يوم القيامة فكانت وردة وفيها قولان كلون الفرس الوردة قاله أبو صالح والضحاك وقال الفراء الفرس

[ 265 ]

الوردة تكون في الربيع وردة إلى الصفرة فإذا اشتد الحر كانت وردة حمراء فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وكذلك قال الزجاج فكانت وردة أي كلون فرس وردة والكميت الورد يتلون فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في الصيف ولونه في الصيف خلاف لونه في الشتاء فالسماء تتلون من الفزع الأكبر وقال ابن قتيبة المعنى فكانت حمراء في لون الفرس الورد أنها وردة النبات وقد تختلف ألوانها إلا أن الأغلب عليها الحمرة ذكره الماوردي الدهان قولان أحدهما أنه واحد وهو الأديم الأحمر قاله ابن عباس والثاني أنه جمع دهن والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة وصفرة حكاه اليزيدي وإلى نحوه ذهب مجاهد وقال الفراء شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن تعالى فيؤمئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فيه ثلاثة أقوال لا يسألون ليعلم حالهم لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه روي القولان عن ابن عباس لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم فالكافر أسود الوجه والمؤمن أغر محجل من أثر وضوئه قاله الفراء قال الزجاج لا يسأل أحد عن ذنبه ليستفهم ولكنه يسأل سؤال توبيخ تعالى يعرف المجرمون بسيماهم قال الحسن بسواد الوجوه وزرق

[ 266 ]

الأعين فيؤخذ بالنواصي والأقدام فيه قولان أحدهما أن خزنة جهنم تجمع بين نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم ثم يدفعونهم على وجوههم في النار قاله مقاتل والثاني يؤخذ بالنواصي والأقدام فيسحبون إلى النار ذكره الثعلبي وروى مردويه الصائغ قال صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة الرحمن ومعنا علي بن الفضيل بن عياض فلما قرأ يعرف المجرمون بسيماهم خر علي مغشيا عليه حتى فرغنا من الصلاة فلما كان بعد ذلك قلنا له أما سمعت الإمام يقرأ حور مقصورات في الخيام قال شغلني عنها يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام قوله تعالى هذه جهنم أي يقال لهم هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يعني المشركين يطوفون بينها وقرأ أبو العالية وأبو عمران الجوني يطوفون بياء مضمومة مع تشديد الواو وقرأ الأعمش مثله إلا أنه بالتاء تعالى وبين حميم آن قال ابن قتيبة الحميم الماء الحار والآني الذي قد انتهت شدة حره قال المفسرون المعنى أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد الحرارة خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان فبأي آلاء ربكما تكذبان تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فيه قولان أحدهما قيامه بين يدي ربه عز وجل يوم الجزاء والثاني قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسب وجاء في التفسير أن العبد يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز وجل فله جنتان وهما بستانان كل أفنان فيه قولان

[ 267 ]

أنها الأغصان وهي جمع فنن وهو الغصن المستقيم طولا وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطية والفراء والزجاج أنها الألوان والضروب من كل شئ وهي جمع فنن وهذا قول سعيد بن جبير وقال الضحاك ذواتا ألوان من الفاكهة عطاء بين القولين فال في كل غصن فنون من الفاكهة تعالى فيهما عينان تجريان قال ابن عباس تجريان بالماء الزلال إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم وقال عطية إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر وقال أبو بكر الوراق فيهما عينان تجريان لمن كانت له في الدنيا عينان تجريان من البكاء تعالى فيهما من كل فاكهة زوجان أي صنفان ونوعان قال المفسرون فيهما من كل ما يتفكه به نوعان رطب ويابس لا يقصر أحدهما عن الآخر في فضله على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان فباي آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما تكذبان

[ 268 ]

هذا حال المذكورين على فرش جمع فراش بطائنها جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة وقال أبو هريرة هذه البطائن فما ظنكم بالظهائر وقال ابن عباس إنما ترك وصف الظواهر لأنه ليس أحد يعلم ما هي وقال قتادة البطائن هي الظواهر بلغة قوم وكان الفراء يقول قد تكون البطانة ظاهرة والظاهرة بطانة لأن كل واحد منهما قد يكون وجها والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها وهو الذي نراه وقال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية فقتلهم الله كل قتلة ونجا منهم من نجا تحت بطون الكواكب يعني هربوا ليلا فجعلوا ظهور الكواكب بطونا وذلك جائز في العربية وأنكر هذا القول ابن قتيبة جدا وقال إنما أراد الله أن يعرفنا من حيث نفهم فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض منها إستبرق وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف وهل يجوز لأحد أن يقول لوجه مصل هذا بطانته ولما ولي الأرض منه هذا ظهارته وإنما يجوز هذا في ذي الوجهين المتساوين تقول لما وليك من الحائط هذا ظهر الحائط ويقول جارك لما وليه هذا ظهر الحائط وكذلك السماء ما ولينا منها ظهر وهي لمن فوقها بطن وقد ذكرنا الإستبرق في سورة الكهف 31 تعالى وجنى الجنتين دان قال أبو عبيدة أي ما يجتنى قريب لا يعني الجاني تعالى فيهن قاصرات الطرف قد شرحناه في الصافات 48 قوله فيهن قولان أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه القصة قاله الزجاج

[ 269 ]

والثاني أنها تعود إلى الفرش ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله تعالى لم يطمثهن قرأ الكسائي بضم الميم والباقون بكسرها وهما لغتنان يطمث ويطمث فلا مثل يعكف ويعكف وفي معناه قولان لم يقتضضهن منه والطمث النكاح بالتدمية ومنه قيل للحائض طامث قاله الفراء لم يمسسهن يقال ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه قاله أبو عبيدة قال مقاتل وذلك لأنهن خلقن من الجنة فعلى قوله هذا صفة الحور وقال الشعبي هن من نساء الدنيا لم يمسسهن مذ أنشئن خلق وفي الآية دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي تعالى كأنهن الياقوت والمرجان قال قتادة هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان والمرجان صغار اللؤلؤ وهو أشد بياضا وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الياقوت فارسي معرب والجمع اليواقيت وقد تكلمت به العرب قال مالك بن نويرة اليربوعي لن يذهب اللؤم تاج قد حبيت به من الزبرجد والياقوت والذهب: تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال الزجاج أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا ان يحسن إليه في الآخرة وقال ابن عباس هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجنة وروى أنس بن مالك قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال هل تدرون ما قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن ربكم يقول هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة

[ 270 ]

دونهما جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام تعالى ومن دونهما جنتان قال الزجاج المعنى ولمن خاف مقام ربه جنتان وله من دونهما جنتان قوله ومن دونهما قولان دونهما في الدرج قاله ابن عباس دونهما في الفضل كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنتان من ذهب وجنتان من فضة وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد ومقاتل تعالى مدهامتان قال ابن عباس وابن الزبير خضراوان من الري وقال أبو عبيدة من خضرتهما قد اسودتا قال الزجاج يعني أنهما خضراوان تضرب خضرتهما إلى السواد وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد تعالى نضاختان قال أبو عبيدة فوارتان وقال ابن قتيبة تفوران

[ 271 ]

غير والنضخ أكثر من النضح وفيما يفوران به أربعة أقوال بالمسك والكافور قاله ابن مسعود والثاني بالماء قاله ابن عباس والثالث بالخير والبركة قاله الحسن والرابع بأنواع الفاكهة قاله سعيد بن جبير تعالى ونخل ورمان قال ابن عباس نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة أهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وقال سعيد بن جبير نخل الجنة جذوعها من ذهب وعروقها من ذهب وكرانيفها من زمرد ورطبها كالدلاء أشد بياضا من اللبن وألين من الزبد وأحلى من العسل ليس له عجم قال أبو عبيد الكرانيف أصول السعف الغلاظ الواحدة كرنافة وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وقد دخلا في الفاكهة لبيان فضلهما كما ذكرنا في قوله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة 98 هذا قول جمهور المفسرين واللغويين وحكى الفراء والزجاج أن قوما قالوا ليسا من الفاكهة قال الفراء وقد ذهبوا مذهبا ولكن العرب تجعلهما فاكهة قال الأزهري ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها إنها ليست من الفاكهة وإنما قال من قال لقلة علمه بكلام العرب فالعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه كقوله وجبريل وميكال البقرة 98 فمن قال ليسا من الملائكة كفر ومن قال ثمر النخل والرمان ليسا من الفاكهة جهل تعالى فيهن يعني في الجنان الأربع خيرات يعني الحور وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابو نهيك خيرات بتشديد الياء قال اللغويون أصله خيرات بالتشديد فخفف كما قيل هين لين وهين لين وروت أم سلمة عن النبي

[ 272 ]

صلى الله عليه وسلم أنه قال خيرات الأخلاق حسان الوجوه تعالى حور مقصورات قد بينا في سورة الدخان 54 معنى الحور المقصورات قولان المحبوسات في الحجال قاله ابن عباس وهو مذهب الحسن وأبي العالية والقرظي والضحاك وابي صالح المقصورات الطرف على أزواجهن فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم قاله الربيع وعن مجاهد كالقولين والأول أصح فإن العرب تقول امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة إذا كانت ملازمة خدرها قال كثير لعمري لقد حببت كل قصيرة إلي أحمد وما تدري بذاك القصائر عنيت بعد قصيرات الحجال ولم أرد قصار يقول الخطى شر النساء البحاتر الذي وبعضهم ينشده قصورة وقصورات لأن والبحاتر وقد القصار الخيام قولان أنها البيوت خيام تضاف إلى القصور وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا وقال عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس الخيام در مجوف وقال ابن عباس الخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب تعالى متكئين على رفرف وقرأ عثمان بن عفان وعاصم

[ 273 ]

الجحدري وابن محيصن على رفارف جمع غير مصروف وقرأ الضحاك وأبو العالية وأبو عمران الجوني مثلهم إلا أنهم صرفوا رفارف قال ثعلب إنما لم يقل أخضر لأن الرفرف جمع واحدته رفرفة كقوله الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا يس 80 ولم يقل الخضر لأن الشجر جمع تقول هذا حصى أبيض وحصى أسود قال الشاعر أحقا علي عباد الله أن لست ماشيا بهرجاب حتى ما دام الأراك به خضرا تعالى واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال أنها فضول المحابس والبسط رواه العوفي عن ابن عباس وقال أبو عبيدة هي الفرش والبسط وحكى الفراء وابن قتيبة أنها المحابس وقال النقاش الرفرف المحابس الخضر فوق الفرش أنها رياض الجنة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير أنها الوسائد قاله الحسن تعالى وعبقري حسان فيه قولان أنها الزرابي قاله ابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك وابن زيد وكذلك قال ابن قتيبة العبقري الطنافس الثخان قال أبو عبيدة يقال لكل شئ من البسط عبقري أنه الديباج الغليظ قاله مجاهد قال الزجاج أصل العبقري في اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه وأصله أن عبقر بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها فنسب كل شئ جيد إليه قال زهير

[ 274 ]

بخيل عليها جنة عبقرية فإن جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا عمر عثمان بن عفان وعاصم الجحدري وابن محيصن وعباقري بألف مكسورة القاف مفتوحة الياء من غير تنويه قال الزجاج ولا وجه لهذه القراءة في العربية لأن الجمع الذي بعد الفه حرفان نحو مساجد ومفاتح لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب فلو جمعت عبقري كان جمعه عباقرة كما أنك لو جمعت مهلبي كان جمعه مهالبة ولم تقل مهالبي قال فإن قيل عبقري واحد وحسان جمع فكيف جاز هذا فالأصل أن واحد هذا عبقرية والجمع عبقري كما تقول تمرة وتمر ولوزة ولوز ويكون أيضا عبقري اسما للجنس الضحاك وابو العالية وأبو عمران وعباقري بألف مع التنوين تعالى تبارك اسم ربك فيه قولان أن ذكر الاسم صلة والمعنى تبارك ربك أنه أصل قال ابن الأنباري المعنى تفاعل من البركة أي البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه وقد بينا معنى تبارك في الأعراف 54 وذكرنا في هذه السورة معنى ذي الجلال والإكرام الرحمن 27 وكان ابن عامر يقرأ ذو الجلال وكذلك هي في مصاحف أهل الشام والباقون ذي الجلال وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق وهم متفقون على الموضوع الأول أنه ذو

[ 275 ]

سورة الواقعة قولان أنها مكية قاله الأكثرون منهم ابن عباس والحسن وعطاء وعكرمة وقتادة وجابر ومقاتل وحكي عن ابن عباس أن فيها آية مدنية وهي قوله رزقكم أنكم تكذبون الواقعة 83 أنها مدنية رواه عطية عن ابن عباس الله الرحمن الرحيم وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم تعالى إذا وقعت الواقعة قال أبو سليمان الدمشقي لما قال المشركون متى هذا الوعد متى هذا الفتح نزل قوله إذا وقعت الواقعة فالمعنى

[ 276 ]

يكون إذا وقعت الواقعة قال المفسرون والواقعة القيامة وكل آت يتوقع يقال له إذا كان قد وقع والمراد بها ها هنا النفخة في الصور لقيام الساعة ليس لوقعتها أي لظهورها ومجيئها كاذبة أي كذب كقوله لا تسمع فيها لاغية الغاشية 11 أي لغوا قال الزجاج وكاذبة مصدر كقولك عافاه الله عافية وكذب كاذبة فهذه أسماء في موضع المصدر وفي معنى الكلام قولان لا رجعة لها ولا ارتداد قاله قتادة والثاني ليس الإخبار عن وقوعها كذبا حكاه المواردي النبي تعالى خافضة أي هي خافضة رافعة وقرأ أبو رزين وابو عبد الرحمن وأبو العالية والحسن وابن أبي عبلة وأبو حيوة واليزيدي في اختياره خافضة رافعة بالنصب فيهما وفي معنى الكلام قولان أنها خفضت فأسمعت القريب ورفعت فأسمعت البعيد رواه العوفي عن ابن عباس وهذا يدل على أن المراد بالواقعة صيحة القيامة أنها خفضت ناسا ورفعت آخرين رواه عكرمة عن ابن عباس قال المفسرون تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار وترفع أقواما إلى عليين في الجنة تعالى إذا رجت الأرض رجا أي حركة حركة شديدة وزلزلت وذلك أنها ترتج حتى ينهدم ما عليها من بناء ويتفتت ما عليها من جبل وفي ارتجاجها قولان أنه لإماتة من عليها من الأحياء والثاني لإخراج من في بطنها من الموتى تعالى وبست الجبال بسا فيه قولان فتتت فتا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد قال ابن قتيبة فتتت

[ 277 ]

حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس لتت قاله قتادة وقال الزجاج خلطت ولتت قال الشاعر لا تخبزوا وإن خبزا وبسا بسا كما الهباء أقوال قد ذكرناها في الفرقان 23 وذكر ابن قتيبة أن الهباء المنبث ما سطع من سنابك الخيل وهو من الهبوة والهبوة الغبار والمعنى كانت ترابا منتشرا تعالى وكنتم أزواجا أي أصنافا ثلاثة الميمنة فيهم ثمانية أقوال هو أنهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من صلبه قاله ابن عباس أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم قاله الضحاك والقرظي أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم أي مباركين قاله الحسن والربيع أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن قاله زيد بن أسلم أنهم الذين منزلتهم علن اليمين قاله ميمون بن مهران أنهم أهل الجنة قاله السدي أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة قاله الزجاج أنهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة ذكره علي بن أحمد النيسابوري تعالى ما أصحاب الميمنة قال الفراء عجب نبيه صلى الله عليه وسلم منهم والمعنى أي شئ هم قال الزجاج وهذا اللفظ في العربية مجراه مجرى التعجب ومجراه من الله عز وجل في مخاطبة العباد ما يعظم به الشأن عندهم ومثله ما الحاقة الحاقة 2 ما القارعة القارعة 2 قال ابن قتيبة ومثله أن يقول زيد ما زيد أي أي رجل هو واصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة أي أصحاب الشمال والعرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى والجانب الأيسر الأشأم ومنه قيل اليمن والشؤم فاليمن كأنه ما جاء عن اليمين والشؤم ما جاء عن الشمال ومنه سميت

[ 278 ]

اليمن والشأم لأنها عن يمين الكعبة وشمالها قال المفسرون أصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين ويعطون كتبهم بأيمانهم وتفسير أصحاب المشأمة على ضد تفسر أصحاب الميمنة سواء والمعنى أي قوم هم ماذا أعد لهم من العذاب تعالى والسابقون السابقون فيهم خمسة أقوال أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة قاله الحسن وقتادة والثاني أنهم الذين صلوا إلى القبلتين قاله ابن سيرين والثالث أهل القرآن قاله كعب والرابع الأنبياء قاله محمد بن كعب والخامس السابقون إلى المساجد وإلى الخروج في سبيل الله قاله عثمان بن أبي سودة إعادة ذكرهم قولان أن ذلك للتوكيد أن المعنى السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله ذكرهما الزجاج تعالى أولئك المقربون قال أبو سليمان الدمشقي يعني عند الله في ظل عرشه وجواره وسلم من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما

[ 279 ]

تعالى ثلة من الأولين الثلة الجماعة غير محصورة العدد الأولين والآخرين ها هنا ثلاثة أقوال أن الأولين الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والآخرون هذه الأمة أن الأولين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخرين التابعون أن الأولين والآخرين من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأول يكون المعنى إن الأولين السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا وقليل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا وصدق به وعلى الثاني أن السابقين جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأولون من المهاجرين والأنصار وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم باحسان الثالث أن السابقين الأولون من المهاجرين والأنصار وقليل ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين فقليل منهم من يقاربهم في السبق الموضونة فقال ابن قتيبة هي المنسوجة كأن بعضها أدخل في بعض أو نضد بعضها على بعض ومنه قيل للدرع موضونة ومنه قيل وضين الناقة وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول الآجر موضون بعضه على بعض أي مشرج في معنى موضونة قولان مرمولة بالذهب رواه مجاهد عن ابن عباس وقال عكرمة مشبكة بالدر والياقوت وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة وبه قال الأكثرون والثاني مصفوفة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس بعد هذا قد تقدم بيانه الكهف 30 إلى قوله ولدان مخلدون الولدان الغلمان وقال الحسن

[ 280 ]

البصري هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها ولا سيئات فيعاقبون عليها فوضعوا بهذا الموضع المخلدين قولان أنه من الخلد والمعنى أنهم مخلوقون للبقاء لا يتغيرون وهم على سن واحد قال الفراء والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط أو لم تذهب أسنانه عن الكبر إنه لمخلد هذا قول الجمهور أنهم المقرطون ويقال المسورون عنه ذكره الفراء وابن قتيبة وانشدوا في ذلك ومخلدات إن باللجين كأنما أعجازهن إلا أقاوز الكثبان فيه تعالى بأكواب وأباريق الكوب إناء لا عروة له ولا خرطوم وقد ذكرناه في الزخرف 72 والأباريق آنية لها عرى وخراطيم وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال الإبريق فارسي معرب وترجمته من الفارسية أحد شيئين إما أن يكون طريق الماء أو صب الماء على هينة وقد تكلمت به العرب قديما قال عدي بن زيد ودعا صلى بالصبوح ويوما فجاءت قينة وقال في يمينها إبريق أنه وباقي الآيات في الصافات 46 تعالى لا يصدعون عنها ولا ينزفون فيه قولان لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا وعنها كفاية عن الكأس المذكور والمراد بها الخمر وهذا قول الجمهور لا يتفرقون عنها من قولك صدعته فانصدع حكاه ابن قتيبة ولا ينزفون

[ 281 ]

مفسر في الصافات 1 تعالى مما يتخيرون أي يختارون تقول تخيرت الشئ إذا أخذت خيره تعالى ولحم طير قال ابن عباس يخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى وقال مغيث بن سمي تقع على أغصان شجرة طوبى طير كأمثال البخت فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه فيجئ حتى يقع على خوانه فيأكل من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء ثم يعود طيرا فيطير فيذهب تعالى وحور عين قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحور عين بالرفع فيهما وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم بالخفض فيهما وقرأ أبي بن كعب وعائشة وأبو العالية وعاصم الجحدري وحورا عينا بالنصب فيهما قال الزجاج والذين رفعوا كرهوا الخفض لأنه معطوف على قوله يطوف عليهم قالوا والحور ليس مما يطاف به ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء لأن المعنى يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها وكذلك ينعمون بلحم طير فكذلك ينعمون بحور عين والرفع أحسن والمعنى ولهم حور عين ومن قرأ وحورا عينا حمله على المعنى لأن المعنى يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا إلا أنها تخالف المصحف فتكره ومعنى كأمثال اللؤلؤ أي صفاؤهن وتلألؤهن وهو كصفاء اللؤلؤ وتلألئه والمكنون الذي لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه منصوب مفعول له والمعنى يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون يجازون جزاء بأعمالهم وأكثر النحويين على هذا الوجه تعالى لا يسمعون فيها لغوا قد فسرنا معنى اللغو والسلام في سورة

[ 282 ]

مريم 1 ومعنى التأثيم في الطور 2 ومعنى ما أصحاب اليمين في اول هذه السورة الواقعة 9 قيل التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر فيقولون أكلت خبزا ولبنا واللبن لا يؤكل إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل قال الفراء أنشدني بعض العرب إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن صلى الله عليه وسلم الحواجب والعيونا إذا قال والعين لا تزجج إنما تكحل فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف وأنشدني آخر ولقيت زوجك في الوغى متقلدا فقال سيفا ورمحا وأنشدني علفتها تبنا وماء باردا والماء لا يعلف وإنما يشرب فجعله تابعا للتبن قال الفراء وهذا هو وجه قراءة من قرأ وحور عين بالخفض لإتباع آخر الكلام أوله وهو وجه العربية اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين صلى شرحنا معنى قوله واصحاب اليمين في قوله فأصحاب الميمنة الواقعة 9 وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال أصحاب اليمين أطفال المؤمنين تعالى في سدر مخضود سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى وج وهو واد

[ 283 ]

بالطائف مخصب فأعجبهم سدره فقالوا يا ليت لنا مثل هذا فنزلت هذه الآية قاله أبو العالية والضحاك المخضود ثلاثة أقوال أنه الذي لا شوك فيه رواه أبو طلحة عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقسامة بن زهير قال ابن قتيبة كأنه خضد شوكه أي قلع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لا يخضد شوكها أنه الموقر حملا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك أنه الموقر الذي لاشوك فيه ذكره قتادة الطلح قولان أنه الموز قاله علي وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة أنه شجر عظام كبار الشوك قال أبو عبيدة هذا هو الطلح عند العرب قال الحادي بشرها أي دليلها وقالا غدا ترين الطلح والجبالا ثنا قيل ما الفائدة في الطلح أن له نورا وريحا طيبة فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون إليه وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا وقال مجاهد كانوا يعجبون ب وج وظلاله من طلحه وسدره فأما المنضود فقال ابن قتيبة هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره فليس له ساق بارزة وقال مسروق شجر الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها تعالى وظل ممدود أي دائم لا تنسخه الشمس

[ 284 ]

مسكوب أي جار غير منقطع تعالى لا مقطوعة ولا ممنوعة فيه ثلاثة أقوال لا مقطوعة في حين دون حين ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير إنما هي مطلقة لمن أرادها هذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ولخصه بعضهم فقال لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان لا تنقطع إذا جنيت ولا تمنع من أحد إذا أريدت روي عن ابن عباس لا مقطوعة بالفناء ولا ممنوعة بالفساد ذكره الماوردي تعالى وفرش مرفوعة فيها قولان أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم وفي رفعها قولان أحدهما أنها مرفوعة فوق السرر والثاني أن رفعها زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها أن المراد بالفراش النساء والعرب تسمي المرأة فراشا وإزارا ولباسا وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال أحدها أنهن رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا والثاني رفعن عن الأدناس والثالث في القلوب لشدة الميل إليهن تعالى إنا أنشأناهن إنشاء يعني النساء قال ابن قتيبة اكتفى بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن وفي المشار إليهن قولان أنهن نساء أهل الدنيا المؤمنات ثم في إنشائهن به قولان أحدهما أنه إنشاؤهن هذا من القبور قاله ابن عباس والثاني إعادتهن ثم بعد الشمط والكبر أبكارا صغارا قاله الضحاك أنهن الحور العين وإنشاؤهن رسول إيجادهن ولا عن غير ولادة قاله الزجاج والصواب أن يقال إن الإنشاء عمهن كلهن فالحور أنشئن ابتداء والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير

[ 285 ]

الصفات وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا تعالى جعلناهن أبكارا أي عذارى وقال ابن عباس لا يأتيها زوجها إلا وجدها بكرا تعالى عربا قرأ الجمهور بضم الراء وقرأ حمزة وخلف بإسكان الراء قال ابن جرير هي لغة تميم وبكر في معنى عربا خمسة أقوال أنهن المتحببات إلى أزواجهن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وابن قتيبة والزجاج أنهن العواشق رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة ومقاتل والمبرد وعن مجاهد كالقولين الحسنة التبعل رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة الغنجات قاله عكرمة الحسنة الكلام قاله ابن زيد الأتراب فقد ذكرناهن في ص 52 تعال ثلة من الأولين وثلة من الآخرين هذا من نعت أصحاب اليمين وفي الأولين والآخرين خلاف وقد سبق شرحه الواقعة 13 وقد زعم مقاتل أنه لما نزلت الآية الأولى وهي قوله وقليل من الآخرين وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت وثلة من الآخرين فنسختها وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى وادعاء النسخ ها هنا لا وجه له لثلاثة أوجه

[ 286 ]

أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا أن الكلام في الآيتين خبر والخبر لا يدخله النسخ فهو ها هنا لا وجه له أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة قال الزجاج اشتقاقهما من القطعة والثل الكسر والقطع فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما ءإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالؤن منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين تعالى ما أصحاب الشمال قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم والمعنى ما لهم وما أعد لهم من الشر ثم بين لهم سوء منقلبهم فقال في سموم قال ابن قتيبة هو حر النار تعالى وظل من يحموم قال ابن عباس ظل من دخان قال الفراء اليحموم الدخان الأسود لا بارد ولا كريم فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله ومثله زيتونة لا شرقية ولا غربية النور 35 وكذلك قوله وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ولو رفعت ما بعد

[ 287 ]

لا كان صوابا والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شئ نفت عنه فعلا ينوي به الذم فتقول ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة وما هذا بسمين ولا كريم قال ابن عباس لا بارد المدخل ولا كريم المنظر تعالى إنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا مترفين أي متنعمين في ترك أمر الله فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد يصرون أي يقيمون على الحنث وفيه أربعة أقوال أنه الشرك قاله ابن عباس والحسن والضحاك وابن زيد الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه قاله مجاهد وعن قتادة كالقولين أنه اليمين الغموس قاله الشعبي الشرك والكفر بالبعث قاله الزجاج تعالى أو آباؤنا الأولون قال أبو عبيدة الواو متحركة لأنها ليست بواو أو إنما هي وآباؤنا فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة وقرأ أهل المدينة وابن عامر أو آباؤنا بإسكا الواو صلى سبق بيان ما لم يذكر ها هنا هود 1903 الصافات 62 الأنعام 70 إلى قوله فشاربون شرب الهيم قرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة شرب بضم الشين والباقون بفتحها قال الفراء والعرب تقوم شربته شربا وأكثر أهل نجد يقولون شربا بالفتح أنشدني عامتهم تكفيه لم حزة فلذ إن ألم بها من حدثنا الشواء ويكفي شربه الغمر ابن وزعم الكسائي أن قوما من بني سعسد قوله بن تميم يقولون شرب الهيم بالكسر وقال الزجاج الشرب المصدر والشرب بالضم الاسم قال وقد قيل إنه مصدر أيضا الهيم قولان الإبل العطاش رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة قال ابن قتيبة هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء يقال بعير أهيم وناقة هيماء

[ 288 ]

أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء وهو مروي عن ابن عباس أيضا قال أبو عبيدة الهيم ما لا يروى من رمل أو بعير تعالى هذا نزلهم أي رزقهم ورواه عباس عن أبي عمرو نزلهم بسكون الزاى أي رزقهم وطعامهم وفي الدين قولان قد ذكرناهما في الفاتحة خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون ءأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون تعالى نحن خلقناكم أي أوجدناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تقرون بهذا فلولا أي فهلا تصدقون بالبعث احتج على بعثهم بالقدرة على ابتدائهم فقال أفرأيتم ما تمنون قال الزجاج أي ما يكون منكم من المني يقال أمنى الرجل يمنى ومنى يمني فيجوز على هذا تمنون بفتح التاء إن ثبتت به رواية تعالى أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أي تخلقون ما تمنون بشرا وفيه تنبيه على شيئين الامتنان إذا خلق من الماء المهين بشرا سويا أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ما غاب عنكم من إعادتكم تعالى نحن قدرنا بينكم الموت وقرأ ابن كثير قدرنا بتخفيف الدال وفي

[ 289 ]

معنى الكلام قولان قضينا عليكم بالموت سوينا بينكم في الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم قال الزجاج المعنى إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا ذلك وقال ابن قتيبة لسنا مغلوبين على أن نستبدل بكم أمثالكم تعالى وننشئكم في ما لا تعلمون وفيه أربعة أقوال نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم قاله الحسن والثاني ننشئكم في حواصل طير سود تكون ب برهوت كأنها الخطاطيف قاله سعيد بن المسيب نخلقكم في أي خلق شئنا قاله مجاهد نخلقكم في سوى خلقكم قاله السدي قال قاتل نخلقكم سوى خلقكم في ما لا تعلمون من الصور تعالى ولد علمتم النشأة الأولى وهي ابتداء خلقكم من نطفة وعلقة فلولا تذكرون أي فهلا تعتبرون فتعلموا قدرة الله فتقروا بالبعث ما تحرثون ءأنتم تزرعونه أم نحن الزراعون لم نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون ءأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم له ما تحرثون أي ما تعملون في الأرض من إثارتها وإلقاء

[ 290 ]

البذور فيه أأنتم تزرعونه أي تنبتونه وقد نبه هذا الكلام على أشياء منها إحياء الموتى ومنها الامتنان بإخراج القوت ومنها القدرة العظيمة الدالة على التوحيد تعالى لجعلناه يعني الزرع حطاما قال عطاء تبنا لا قمح فيه وقال الزجاج أبطلناه حتى يكون محتطما ذلك لا حنطة فيه ولا شئ تعالى فظلتم وقرأ الشعبي وابو العالية وابن أبي عبلة فظلتم بكسر الظاء وقد بيناه في قوله ظلت عليه عاكفا طه 97 تعالى تفكهون وقرأ أبي بن كعب وابن السميفع والقاسم بن محمد وعروة تفكنون بالنون وفي المعنى أربعة أقوال تعحبون محمد قاله ابن عباس ومجاهد وعطاء ومقاتل قال الفراء تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم تندمون قاله الحسن والزجاج وعن قتادة كالقولين قال ابن قتيبة يقال تفكهون تندمون ومثلها تفكنون وهي لغة لعكل تتلاومون إلى قاله عكرمة تتفجعون قاله ابن زيد تعالى إنا لمغرمون قال الزجاج أي تقولون قد غرمنا وذهب زرعنا وقال ابن قتيبة لمغرمون أي لمعذبون تعالى بل نحن محرومون أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع وقد نبه بهذا على أمرين

[ 291 ]

إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما قدرته على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع فأما المزن فهي السحاب واحدته مزنة بعد هذا ظاهر إلى قوله تورون قال أبو عبيدة تستخرجون من أوريت وأكثر ما يقال وريت وقال ابن قتيبة التي تستخرجون من الزنود قال الزجاج تورون أي تقدحون تقول أوريت النار إذا قدحتها تعالى أأنتم أنشأتم شجرتها في المراد بشجرتها ثلاثة أقوال أنها الحديد رواه أبو صالح عن ابن عباس أنها الشجرة التي تتخذ منها الزنود وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار هذا قول ابن قتيبة والزجاج أن شجرتها أصلها ذكره الماوردي تعالى نحن جعلناها تذكرة قال المفسرون إذا رآها الرائي ذكر نار جهنم وما يخاف من عذابها فاستجار بالله منها ومتاعا أي منفعة للمقوين وفيهم أربعة أقوال أنهم المسافرون قاله ابن عباس وقتادة والضحاك قال ابن قتيبة سموا بذلك لنزلهم كان القوى وهو القفر وقال بعض العلماء المسافرون أكثر حاجة إليها من المقيمين لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى به الضال أنهم المسافرون والحاضرون قاله مجاهد أنهم الجائعون قال ابن زيد المقوي الجائع في كلام العرب أنهم الذين لا زاد معهم ولا مرد لهم قاله أبو عبيدة تعالى فسبح باسم ربك العظيم قال الزجاج لما ذكر ما يدل على توحيده

[ 292 ]

وقدرته وإنعامه قال فسبح أي برء الله ونزهه عما يقولون في وصفه وقال الضحاك معناه فصل باسم ربك أي استفتح الصلاة بالتكبير وقال ابن جرير سبح بذكر ربك وتسميته وقيل الباء زائدة والاسم يكون بمعنى الذات والمعنى فسبح ربك أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلى المطهرون تنزيل من رب العالمين أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قوله تعالى فلا أقسم في لا قولان أنها دخلت توكيدا والمعنى فأقسم ومثله لئلا يعلم أهل الكتاب الحشر 29 قال الزجاج وهو مذهب سعيد بن جبير أنها على أصلها ثم في معناها قولان أنها ترجع إلى ما تقدم ومعناها النهي تقدير الكلام فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج قاله الماوردي أن لا رد لما يقوله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم قاله علي بن أحمد النيسابوري وقرأ الحسن فلأقسم بغير ألف بين اللام والهمزة تعالى بمواقع وقرأ حمزة والكسائي بموقع على التوحيد قال أبو علي مواقعها مساقطها ومن أفرد فلأنه اسم جنس ومن جمع فلاختلاف ذلك وفي النجوم قولان نجوم السماء قاله الأكثرون فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال أحدها انكدارها وانتثارها يوم القيامة قاله الحسن والثاني منازلها قاله عطاء وقتادة والثالث

[ 293 ]

مغيبها في المغرب قاله أبو عبيدة أنها نجوم القرآن رواه ابن جبير عن ابن عباس فعلى هذا سميت نجوما لنزولها متفرقة ومواقعها نزولها وإن لقسم الهاء كناية عن القسم وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره وإنه لقسم عظيم لو تعلمون عظمه ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى إنه لقرآن كريم والكريم اسم جامع لما يحمد وذلك أن فيه البيان والهدى والحكمة وهو معظم عند الله عز وجل تعالى في كتاب فيه قولان أنه اللوح المحفوظ قاله ابن عباس والثاني أنه المصحف الذي بأيدينا قاله مجاهد وقتادة المكنون قولان مستور عن الخلق قاله مقاتل وهذا على القول الأول مصون قاله الزجاج تعالى لا يمسه إلا المطهرون من قال إنه اللوح المحفوظ فالمطهرون أبو عنده الملائكة وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير فعلى هذا يكون الكلام خبرا ومن قال هو المصحف ففي المطهرين أربعة أقوال أنهم المطهرون من الأحداث قاله الجمهور فيكون ظاهر الكلام النفي ومعناه النهي المطهرون من الشرك قاله ابن السائب المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس أن معنى الكلام لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به حكاه الفراء تعالى تنزيل أي هو تنزيل والمعنى هو منزل فسمي المنزل تنزيلا في

[ 294 ]

اتساع اللغة كما تقول للمقدور قدر وللمخلوق خلق تعالى أفبهذا الحديث يعني القرآن أنتم مدهنون فيه قولان مكذبون قاله ابن بعاس والضحاك والفراء ممالئون الكفار على الكفر به قاله مجاهد قال أبو عبيدة المدهن المداهن وكذلك قال ابن قتيبة مدهنون أي مداهنون يقال أدهن في دينه وداهن وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر قالوا هذه رحمة وضعها الله حيث شاء وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ أنكم تكذبون وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما المؤمن فقال مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال أن الرزق ها هنا بمعنى الشكر روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وتجعلون رزقكم قال شكركم وهذا قول علي بن أبي طالب وابن عباس وكان علي يقرأ وتجعلون شكركم

[ 295 ]

أن المعنى وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم قاله الأكثرون وذلك أنهم كانوا يمطرون فيقولون مطرنا بنوء كذا أن الرزق بمعنى الحظ فالمعنى وتعجعلون أحظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون ذكره الثعلبي وقرأ أبي بن كعب والمفضل عن عاصم تكذبون بفتح التاء وإسكان الكاف مخففة الذال إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم تعالى فلولا أي فهلا إذا بلغت الحلقوم يعني النفس فترك ذكرها لدلالة الكلام وأنشدوا من ذلك إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر تعالى وأنتم يعني أهل الميت تنظرون إلى سلطان الله وأمره والثاني تنظرون إلى الإنسان في تلك الحالة ولا

[ 296 ]

تملكون له شيئا ونحن أقرب إليه منكم فيه قولان ملك الموت أدنى إليه من أهله ولكن لا تبصرون الملائكة رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة والرؤية ولكن لا تبصرون أي لا تعلمون والخطاب للكفار ذكره الواحدي تعالى غير مدينين فيه خمسة أقوال محاسبين رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن وابن جبير وعطاء وعكرمة والثاني موقنين قاله مجاهد والثالث مبعوثين قاله قتادة والرابع مجزيين ومنه يقال دنته وكما تدين تدان قاله أبو عبيدة والخامس مملوكين أذلاء من قولك دنت له بالطاعة قاله ابن قتيبة تعالى ترجعونها أي تردون النفس والمعنى إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم فهلا تردون هذه النفس فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر لغيركم الفراء وقوله تعالى ترجعونا) هو جواب لقوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم ولقوله تعالى فلولا إن كنتم غير مدينين فإنهما أجيبتا عبد بجواب واحد ومثله قوله تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم البقرة 38 ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال تعالى فأما إن كان يعني الذي بلغت نفسه الحلقوم من المقربين عند الله قال أبو العالية هم السابقون فروح أي فله روح والجمهور يفتحون الراء وفي معناها ستة أقوال الفرح رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني الراحة رواه أبو طلحة عن ابن عباس والثالث المغفرة والرحمة رواه العوفي عن ابن عباس والرابع الجنة قاله مجاهد والخامس روح من الغم الذي كانوا فيه قاله محمد بن كعب والسادس روح في القبر أي طيب نسيم قاله ابن قتيبة وقرأ أبو بكر الصديق وابو رزين والحسن وعكرمة وابن

[ 297 ]

يعمر وقتادة ورويس عن يعقوب وابن أبي سريج عن الكسائي فروح برفع الراء وفي معنى هذه القراءة قولان أن معناها فرحمة قاله قتادة فحياة وبقاء قاله ابن قتيبة وقال الزجاج معناه فحياة دائمة لا موت معها وفي الريحان أربعة أقوال أنه الرزق رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه المستراح رواه ابن أبي طلحة عن ابن بعاس أنه الجنة قاله مجاهد وقتادة أنه الريحان المشموم وقال أبو العالية لا يخرج أحد من المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض فيه روحه وإلى نحو هذا ذهب الحسن وقال أبو عمران الجوني بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر الريحان من الجنة فتجعل روحه فيه تعالى فسلام لك من أصحاب اليمين فيه ثلاثة أقوال فسلامة لك من العذاب قاله أبو صالح عن ابن عباس تسلم عليه الملائكة وتخبره أنه من أصحاب اليمين قاله عطاء والثالث أن المعنى أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء قاله الزجاج تعالى وأما إن كان من المكذبين أي بالبعث الضالين عن الهدى فنزل وقد بيناه في هذه السورة

[ 298 ]

الواقعة 56 تعالى إن هذا يعني ما ذكر في هذه السورة لهو حق اليقين أي هو اليقين حقا فأضافه إلى نفسه كقولك صلاة الأولى وصلاة العصر ومثله ولدار الآخرة يوسف 109 وقد سبق هذا المعنى وقال قوم معناه وإنه للمتقين حقا وقيل للحق اليقين تعالى فسبح باسم ربك قد ذكرناه في هذه السورة 6 5

[ 299 ]

الحديد قولان أنها مدنية رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة ومقاتل أنها مكية قاله ابن السائب الله الرحمن الرحيم لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور

[ 300 ]

يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور تعالى سبح لله ما في السموات والأرض أما تسبيح ما يعقل فمعلوم وتسبيح ما لا يعقل قد ذكرنا معناه في قوله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده الإسراء 44 تعالى هو الأول قال أبو سليمان الخطابي هو السابق للأشياء والآخر الباقي بعد فناء الخلق والظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة وشواهده الدالة على صحة وحدانيته ويكون الظاهر فوق كل شئ بقدرته وقد يكون الظهور بمعنى العلو ويكون بمعنى الغلبة والباطن هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية وقد يكون معنى الظهور والبطون احتجابه عن أبصار الناظرين وتجليه لبصائر المتفكرين ويكون معناه العالم بما ظهر من الأمور والمطلع على ما بطن من الغيوب هو الذي خلق السموات والأرض مفسر في الأعراف 54 إلى قوله تعالى يعلم ما يلج في الأرض وهو مفسر في سبأ 2 إلى قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم أي بعلمه وقدرته وما بعده ظاهر إلى قوله تعالى آمنوا بالله ورسوله قال المفسرون هذا الخطاب لكفار قريش وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني المال الذي كان بأيدي غيرهم فأهلكهم الله وأعطى قريشا ذلك المال فكانوا فيه خلفاء من مضى علي بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور

[ 301 ]

وإن الله بكم لرؤف رحيم وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم تعالى وما لكم لا تؤمنون بالله هذا استفهام إنكار والمعنى أي شئ لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا بالله وقد أخذ ميثاقكم قرأ أبو عمرو أخذ بالرفع وقرأ الباقون أخذ بفتح الخاء ميثاقكم بالفتح والمراد به حين أخرجتم من ظهر آدم إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل تعالى هو الذي ينزل على عبده يعني محمدا صلى الله عليه وسلم آيات بينات يعني القرآن ليخرجكم من الظلمات يعني الشرك إلى نور الإيمان وإن الله بكم لرؤوف رحيم حين بعث الرسول ونصب الأدلة ثم حثهم على الإنفاق فقال وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض أي أي شئ لكم في ترك الإنفاق مما يقرب إلى الله عز وجل وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق فقال لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وفيه قولان أنه فتح مكة قاله ابن عباس والجمهور أنه فتح الحديبية قاله الشعبي والمعنى لا يستوي من أنفق قبل ذلك وقاتل ومن فعل ذلك بعد الفتح قال المفسرون نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق أولئك أعظم درجة قال ابن عباس أعظم منزلة عند الله قال عطاء درجات الجنة تتفاضل فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها قال الزجاج لأن المتقدمين كانت بصائرهم أنفذ ونالهم من المشقة أكثر وكلا وعد الله الحسنى أي وكلا الفرقين وعده الله الجنة وقرأ ابن عامر وكل بالرفع

[ 302 ]

تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له قرأ ابن كثير وابن عامر فيضعفه مشددة بغير ألف إلا أن ابن كثير يضم الفاء وابن عامر يفتحها وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي فيضاعفه بالألف وضم الفاء وافقهم عاصم إلا أنه فتح الفاء قال أبو علي يضاعف ويضعف بمعنى واحد إلا أن الرفع في يضاعف هو الوجه لأنه محمول على يقرض أو على الانقطاع من الأول كأنه قال فهو يضاعف ويحمل قول الذي نصب على المعنى لأنه إذا قال من ذا الذي يقرض الله معناه أيقرض الله أحد قرضا فيضاعفه والآية مفسرة في البقرة 245 والأجر الكريم الجنة ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأوكم عليه النار هي مولكم وبئس المصير تعالى يسعى نورهم قال المفسرون يضئ لهم نور عملهم على الصراط على قدر أعمالهم قال ابن مسعود منهم من نوره مثل الجبل وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفئ مرة ويتقد أخرى وفي قوله تعالى وبأيمانهم قولان

[ 303 ]

أنه كتبهم يعطونها بأيمانهم قاله الضحاك أنه نورهم يسعى أي يمضي بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم والباء بمعنى في وفي بمعنى عن هذا قول الفراء تعالى بشراكم اليوم هذا قول الملائكة لهم تعالى انظرونا نقتبس وقرأ حمزة أنظرونا بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء قال المفسرون يغشى الناس يوم القيامة ظلمة شديدة فيعطى المؤمنون النور فيمشي المنافقون في نور المؤمنين فإذا سبقهم المؤمنون قالوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم في القائل قولان أنهم المؤمنون قاله ابن عباس الملائكة قاله مقاتل وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال ارجعوا إلى المكان الذي قبستم أبي فيه النور فيرجعون فلا يرون شيئا ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله لكم نورا أن المعنى لا نور لكم عندنا فضرب بينهم بسور قال ابن عباس هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وهي الجنة وظاهره يعني الاعراف السور من قبله العذاب وهو جهنم وقد ذهب قوم إلى أن السور يكون ببيت المقدس في مكان السور الشرقي بين الوادي الذي يسمى وادي جهنم وبين الباب الذي يسمى باب الرحمة وإلى نحو هذا ذهب عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو وكعب تعالى ينادونهم أي ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور الم نكن معكم أي على دينكم نصلي بصلاتكم ونغزو معكم فيقول لهم المؤمنون بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم قال الزجاج استعملتموها في الفتنة وقال غيره آثمتموها بالنفاق وتربصتم فيه قولان

[ 304 ]

تربصتم بالتوبة تربصتم بمحمد الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح وارتبتم شككتم في الحق وغرتكم الأماني يعني ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين حتى جاء أمر الله وفيه قولان أنه الموت إلقاؤهم في النار وغركم بالله الغرور أي غركم الشطيان بحكم الله وإمهاله فاليوم لا يؤخذ منكم فدية وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب لا تؤخذ بالتاء أي بدل وعوض عن عذابكم وهذا خطاب للمنافقين ولهذا قال تعالى ولا من الذين كفروا تعالى هي مولاكم قال أبو عبيدة أي أولى بكم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلبوهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون إعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون تعالى ألم يأن للذين آمنوا اختلفوا فيمن نزلت على قولين أنها نزلت في المؤمنين قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا

[ 305 ]

أنها نزلت في المنافقين قاله أبو صالح عن ابن عباس قال مقاتل سأل المنافقون سلمان الفارسي فقالوا حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية وقال الزجاج نزلت هذه الآية في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع فأما من كان وصفه الله عز وجل بالخشوع والرقة فطبقة من المؤمنين فوق هؤلاء فعلى الأول يكون الإيمان حقيقة وعلى الثاني يكون المعنى ألم يأن للذين آمنوا بألسنتهم قال ابن قتيبة المعنى ألم يحن تقول أنى الشئ إذا حان تعالى أن تخشع قلوبهم أي ترق وتلين لذكر الله المعنى أنه يجب أن يورثهم الذكر خشوعا وما نزل من الحق قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وما نزل بفتح النون والزاي مع تشديد الزاي وقرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم نزل بفتح النون وتخفيف الزاي وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وابن يعمر ويونس بن حبيب عن أبي عمرو وأبان عن عاصم نزل برفع النون وكسر الزاي مع تشديدها وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء وما أنزل بهمزة مفتوحة وفتح الزاي وقرأ أبو مجلز وعمرو بن دينار مثله إلا أنه بضم الهمزة وكسر الزاي والحق القرآن ولا يكونوا قرأ رويس عن يعقوب لا تكونوا بالتاء كالذين أوتوا الكتاب يعني اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد وهو الزمان وقال ابن قتيبة الأمد الغاية والمعنى أنه بعد عهدهم بالأنبياء والصالحين فقست قلبوهم وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يؤمنوا بعيسى ومحمد عليهما السلام إعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها أي يخرج منها النبات بعد يبسها فكذلك يقدر على إحياء الأموات قد بينا لكم الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته لعلكم تعقلون أي لكي تتأملوا

[ 306 ]

(المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم تعالى إن المصدقين والمصدقات قرأ ابن كثير وعاصم إلا حفصا بتخفيف الصاد فيهما على معنى التصديق وقرأ الباقون بالتشديد على معنى الصدقة تعالى أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم اختلفوا في نظم الآية على قولين أن تمام الكلام عند قوله تعالى أولئك هم الصديقون ثم ابتدأ فقال تعالى والشهداء عند ربهم هذا قول ابن عباس ومسروق والفراء في آخرين أنها على نظمها والواو في والشهداء واو النسق ثم في معناها قولان أن كل مؤمن صديق شهيد قاله ابن مسعود ومجاهد أنها نزلت في قوم مخصوصين وهم ثمانية نفر سبقوا إلى الإسلام أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة بن عبد المطلب وطلحة والزبير وسعد وزيد قاله الضحاك وفي الشهداء قولان أنه جمع شاهد ثم فيهم قولان أحدهما أنهم الأنبياء خاصة قاله ابن

[ 307 ]

عباس والثاني أنهم الشاهدون عند ربهم على أنفسهم بالإيمان لله قاله مجاهد الثاني أنه جمع شهيد قاله الضحاك ومقاتل ما أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم تعالى إعلموا أنما الحياة الدنيا يعني الحياة في هذه الدار لعب ولهو أي غرور ينقضي عن قليل وذهب بعض المفسرين إلى أن المشار بهذا إلى حال الكافر في دنياه لأن حيات تنقضي على لهو ولعب وتزين الدنيا ويفاخر لا قرناءه وجيرانه ويكاثرهم أن بالأموال والأولاد فيجمع من غير حله ويتطاول على أولياء الله بماله وخدمه وولده فيفنى عمره في هذه الأشياء ولا يتلفت إلى العمل للآخرة ثم بين لهذه الحياة شبها فقال كمثل غيث يعني مطرا أعجب الكفار وهم الزراع وسموا كفارا لأن الزارع إذا ألقى البذر في الأرض كفره أي غطاه نباته أي ما نبت من ذلك الغيث ثم يهيج أي ييبس فتراه مصفرا بعد خضرته وريه ثم يكون حطاما أي ينحطم وينكسر بعد يبسه وشرح هذا المثل قد تقدم في يونس عند قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا آية 24 وفى الكهف

[ 308 ]

عند قوله تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا آية 45 تعالى وفي الآخرة عذاب شديد أي لأعداء الله ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته وما بعد هذا مذكور في آل عمران 185 إلى قوله ذلك فضل الله فبين أنه لا يدخل الجنة أحد إلا بفضل الله أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد تعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض يعني قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار ولا في أنفسكم من الأمراض وفقد الأولاد إلا في كتاب وهو اللوح المحفوظ من قبل أن نبراها أن نخلقها يعني الأنفس إن ذلك على الله يسير أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل لكيلا تأسوا أي تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم وقرأ أبو عمرو الا اختيار اليزيدي بالقصر على معنى جاءكم من الدنيا وقرأ الباقون بالمد على معنى أعطاكم الله منها وأعلم أنه من علم أن ما قضي لا بد أن يصيبه قل حزنه وفرحه وقد روى قتيبة بن سعيد قال دخلت بعض أحياء العرب فإذا بفضاء من الأرض فيه من الإبل ما لا يحصى عدده كلها قد مات فسألت عجوزا لمن كانت هذه الإبل فأشارت إلى شيخ على تل يغزل الوف فقلت له يا شيخ ألك كانت هذه الإبل قال كانت

[ 309 ]

باسمي قلت فما أصابها قال ارتجعها الذي أعطاها قلت فهل قلت في ذلك شيئا قال نعم قلت لا والذي أنا عبد في عبادته والمرء على في الدهر نصب الرزء والحزن ما سرني أن إبلي في مباركها وما الله جرى في قضا رب الورى يكن قال وما بعد هذا قد ذكرناه في سورة النساء 37 والذي قيل في البخل هناك هو الذي قيل ها هنا إلى قوله ومن يتول أي عن الإيمان فإن الله هو الغني عن عباده الحميد إلى أوليائه وقد سبق معنى الاسمين في البقرة 267 وقرأ نافع وابن عامر فإن الله الغني الحميد ليس فيها هو وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعمل الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات أي بالآيات والحجج وأنزلنا معهم الكتاب ببيان الشرائع والأحكام وفي الميزان قولان أنه العدل قاله ابن عباس وقتادة أنه الذي يوزن به قاله ابن زيد ومقاتل فعلى القول الأول يكون المعنى وأمرنا

[ 310 ]

بالعدل وعلى الثاني ووضعنا الميزان أي أمرنا به ليقوم الناس بالقسط أي لكي يقوموا بالعدل تعالى وأنزلنا الحديد فيه قولان أن الله تعالى أنزل مع آدم السندان والكلبتين عن والمطرقة قاله ابن عباس أن معنى أنزلنا أنشأنا وخلقنا كقوله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج الزمر 6 تعالى فيه بأس شديد قال الزجاج وذلك أنه يمتنع به ويحارب به ومنافع للناس في أدواتهم وما ينتفعون به من آنية وغيرها تعالى وليعلم الله هذا معطوف على قوله تعالى ليقوم الناس والمعنى ليتعامل الناس بالعدل وليعلم الله من ينصره بالقتال في سبيله ونصرة دينه وذلك أنه أمر في الكتاب الذي أنزل بذلك وقد سبق معنى قوله تعالى وليعلم الله في مواضع وقوله تعالى بالغيب أي ولم يرى الله ولا أحكام الآخرة وإنما يجهد ويثاب من أطاع بالغيب أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير

[ 311 ]

منهم فاسقون ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون تعالى وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب يعني الكتب فمنهم يعني من الذرية مهتد وكثير منهم فاسقون فيه قولان كافرون قاله ابن عباس والثاني عاصون قاله مقاتل تعالى ثم قفينا على آثارهم أي أتبعنا على آثار نوح وإبراهيم وذريتهما بعيسى وكان آخر أنبياء بني إسرائيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه يعني الحواريين وغيرهم من أتباعه على دينه رأفة وقد سبق بيانها النور 2 متوادين كما وصف الله تعالى أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام فقال تعالى رحماء بينهم الفتح 29 تعالى ورهبانية ابتدعوها ليس هذا معطوفا على ما قبله وإنما انتصب بفعل مضمر يدل عليه ما بعده تقديره وابتدعوا رهبانية ابتدعوها أي جاؤوا بها من قبل أنفسهم وهي غلوهم في العبادة وحمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال ما كتبناها عليهم أي ما فرضناها عليهم وفي قوله تعالى إلا ابتغاء رضوان الله قولان أنه يرجع إلى قوله تعالى ابتدعوها وتقديره ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ذكره علي بن عيسى والرماني عن قتادة وزيد بن أسلم أنه راجع إلى قوله تعالى ما كتبناها ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ما كتبناها عليهم بعد دخولهم فيها تطوعا إلا ابتغاء رضوان الله قال الحسن تطوعوا بابتداعها من ثم كتبها الله عليهم وقال الزجاج لما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع لزمهم إتمامه كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفترض عليه لزمه أن يتمه قال القاض أبو يعلى والابتداع

[ 312 ]

قد يكون بالقول وهو ما ينذره ويوجبه على نفسه وقد يكون بالفعل بالدخول فيه وعموم الآية تتضمن الأمرين فاقتضى ذلك أن كل من ابتدع قربة قولا أو فعلا فعليه رعايتها وإتمامها والثاني أن المعنى ما أمرناهم منها إلا بما يرضي الله عز وجل لا غير ذلك قاله ابن قتيبة تعالى فما رعوها حق رعايتها في المشار إليم قولان أنهم الذين ابتدعوا الرهبانية قاله الجمهور ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنهم ما رعوها لتبديل ديدنهم وتغييرهم له قاله عطية العوفي والثاني لتقصيرهم فيما ألزموه أنفسهم والثالث لكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث ذكر القولين الزجاج أنهم الذين ابتعوا مبتدعي الرهبانية في رهبانيتهم ما رعوها بسلوك طريق أوليهم روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس تعالى فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم فيهم ثلاثة أقوال الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون وهم الذين لم يؤمنوا به أن الذين آمنوا المؤمنون بعيسى والفاسقون المشركون أن الذين آمنوا مبتدعو في الرهبانية والفاسقون متبعوهم على غير القانون الصحيح أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله عامة المفسرين على أن هذا الخطاب لليهود والنصارى والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم كفلين أي نصيبين وحظين بن من رحمته قال الزجاج

[ 313 ]

الكفل كساء يمنع الراكب أن يسقط فالمعنى يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلكة المعاصي وقد بينا معنى الكفل في سورة النساء 85 وفي المراد بالكفلين هذه ها هنا قولان لإيمانهم بمن تقدم من الأنبياء والآخر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس أن أحدهما أجر الدنيا والثاني أجر الآخرة قاله ابن زيد تعالى ويجعل لكم نورا فيه أربعة أقوال القرآن رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني نورا تمشون به على الصراط رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث الهدى قاله مجاهد والرابع الإيمان قاله ابن السائب تعالى لئلا يعلم لا زائدة قاله الفراء والعرب تجعل لا صلة في كل كلام دخل في آخره أو أوله جحد فهذا مما جعل في آخره جحد والمعنى ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ألا يقدرون أي أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله والمعنى أنه جعل الأجرين لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ليعلم من لم يؤمن به أنه لا أجر لهم ولا نصيب في فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء فآتاه المؤمنين هذا تلخيص قول الجمهور في هاتين الآيتين وقد ذهب قوم إلى أنه لما نزل في مسلمة أهل الكتاب الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله تعالى أولئك يؤتون أجرهم مرتين القصص 54 52 افتخروا على المسلمين بزيادة الآجر فشق ذلك على المسلمين فنزلت هاتان الآيتان وهذا المعنى في رواية أبي صالح عن ابن عباس وبه قال قاتل فعلى هذا يكون الخطاب للمسلمين ويكون المعنى يؤتكم أجرين ليعلم مؤمنو أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله الذي خصكم فإنه فضلكم على جميع الخلائق وقال قتادة لما نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله سنة الآية حسد أهل الكتاب المسلمين علهيا فأنزل الله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب الآية

[ 314 ]

المجادلة مدنية في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والجمهور وروي عن عطاء أنه قال العشر الأول منها مدني والباقي مكي وعن ابن السائب أنها مدنية سوى آية وهي قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة الله الرحمن الرحيم سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها أما سبب نزولها فروي عن عائشة أنها قالت تبارك الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جانب البيت أسمع كلامها ويخفى علي بعضه وهي

[ 315 ]

تشتكي زوجها وتقول يا رسول الله أبلى شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك قالت فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات تفسيرها فقوله تعالى قد سمع الله قال الزجاج إدغام الدال في السين حسن لقرب المخرجين لأنهما من حروف طرف اللسان وإظهار الدال جائز لأنه وإن قرب من مخرج السين فله حيز على حدة ومن موضع الدال الطاء والتاء فهذه الأحرف الثلاثة موضعها واحد والسين والزاي والصاد من موضع واحد وهي تسمى حروف الصغير وفي اسم هذه المجادلة ونسبتها أربعة أقوال خولة بنت ثعلبة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة والقرظي خولة بنت خويلد رواه عكرمة عن ابن عباس خولة بنت الصامت رواه العوفي عن ابن عباس خولة بنت الدليج قاله أبو العالية واسم زوجها أوس بن الصامت وكانا من الأنصار ابن عباس كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية أنت علي كظهر أمي حرمت عليه فكان أول من ظاهر في الإسلام أوس ثم ندم وقال لامرأته انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسليه فأتته فنزلت هذه الآيات فأما مجادلتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان كلما قال لها قد حرمت عليه تقول والله ما ذكر طلاقا فقال ما أوحي إلي في هذا شئ

[ 316 ]

فجعلت تشتكي إلى الله وتشتكي بمعنى تشكو يقال اشتكيت ما بي وشكوته وقالت إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا فأما التحاور فهو مراجعة الكلام قال عنترة في فرسه لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان عمرو لو علم الكلام مكلمي قبل يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لم قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعا يحيى ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم تعالى الذين يظاهرون منكم من نسائهم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يظهرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء وفتحهما من غير ألف وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح الياء وتشديد الظاء وبألف وتخفيف الهاء وقرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وتخفيف الظاء والهاء وكسر الهاء في الموضعين مع إثبات الألف وقرأ ابن مسعود يتظاهرون بياء وتاء وألف وقرأ أبي بن كعب يتظهرون بياء وتاء وتخفيف الياء وتشديد الهاء من غير ألف وقرأ الحسن وقتادة والضحاك يظهرون بفتح الياء وفتح الظاء مخففة مكسورة الهاء مشددة والمعنى تقولون لهن أنتن كظهور أمهاتنا ما هن أمهاتهم قرأ الأكثرون بكسر التاء وروى المفضل عن عاصم رفعها والمعنى ما اللواتي تجعلن كالأمهات بأمهات له إن أمهاتهم أي ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم قال الفراء وانتصاب الأمهات ها هنا

[ 317 ]

بإلقاء الباء وهي قراءة عبد الله ما هن بأمهاتهم ومثله ما هذا بشرا يوسف 31 المعنى ما هذا ببشر فلما ألقيت الباء أبقي أثرها وهو النصب وعلى هذا كلام أهل الحجاز فأما أهل نجد فإنهم إذا ألقوا الباء رفعوا وقالوا ما هن أمهاتهم وما هذا بشر أنشدني بعض العرب ركاب الرحمن حسيل آخر الصيف بدن وناقة وكان عمرو ما يحل لها رحل ويزعم روى حسل أنه فرع قومه وما ولم أنت فرع يا حسيل ولا أصل بين تعالى وإنهم يعني المظاهرين ليقولون منكرا من القول لتشبيههم الزوجات بالأمهات والأمهات محرمات على التأبيد بخلاف الزوجات وزورا أي كذبا وإن الله لعفو غفور إذ شرع الكفارة لذلك تعالى ثم يعودون لما قالوا اللام في لما بمعنى إلى والمعنى ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا على أنفسهم من وطء الزوجة بالعزم على الوطء قال الفراء معنى الآية يرجعون عما قالوا وفي نقض ما قالوا وقال سعيد بن جبير المعنى يريدون أن يعودوا إلى الجماع الذي قد حرموه على أنفسهم وقال الحسن وطاووس والزهري العود هو الوطء وهذا يرجع إلى ما قلناه وقال الشافعي هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه طلاقها فيه فلا يطلقها فإذا وجد هذا استقرت عليه الكفارة لأنه قصد بالظهار تحريمها فإن وصل ذلك بالطلاق فقد جرى على ما ابتدأه وان سكت عن الطلاق فقد ندم على ما ابتدأ به فهو عود إلى ما كان عليه فحينئذ تجب الكفارة وقال داود هو إعادة اللفظ ثانيا لأن ظاهر قوله تعالى يعودون يدل على تكرير اللفظ قال الزجاج وهذا قول من لا يدري اللغة وقال أبو علي الفارسي ليس في هذا كما ادعوا لأن العود قد يكون إلى شئ لم يكن الإنسان عليه قبل وسميت الآخرة معادا ولم يكن فيها أحد ثم عاد إليه قال الهذلي وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى أهل الحق شيئا واستراح العواذل

[ 318 ]

حديث وقد شرحنا هذا في قوله تعالى وإلى الله ترجع الأمور البقرة 210 قال ابن قتيبة من توهم أن الظهار لا يقع حتى يلفظ به ثانية فليس بشئ لأن الناس قد أجمعوا ان الظهار يقع بلفظ واحد وإنما تأويل الآية أن أهل الجاهلية كانوا يطلقوا بالظهار فجعل الله حكم الظهار في الإسلام خلاف حكمه عندهم في الجاهلية وأنزل قوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم يريد في الجاهلية ثم يعودون لما قالوا في الإسلام أي يعودون لما كانوا يقولونه من هذا الكلام فتحرير رقبة قال المفسرون المعنى فعليهم أو فكفارتهم تحرر رقبة أي عتقها وهل يشترط أن تكون مؤمنة فيه عن أحمد روايتان تعالى من قبل أن يتماسا وهو كناية عن الجماع على أن العلماء قد اختلفوا هل يباح للمظاهر الاستمتاع باللمس والقبلة وعن أحمد روايتان وقال أبو الحسن الأخفش تقدير الآية والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم وطئ المظاهر قبل أن يكفر أثم واستقرت الكفارة وقال أبو حنيفة يسقط الظهار والكفارة واختلف العلماء فيما يجب عليه إذا فعل ذلك فقال الحسن وسعيد بن المسيب وطاووس ومجاهد وإبراهيم وابن سيرين عليه كفارة واحدة وقال الزهري وقتادة في آخرين عليه كفارتان فإن قال أنت علي كظهر أمي اليوم بطل الظهار بمضي اليوم هذا قول أصحابنا وابي حنيفة والثوري والشافعي وقال ابن أبي ليلى ومالك والحسن بن صالح هو مظاهر أبدا في الظهار من الأمة فقال ابن عباس ليس من أمة ظهار وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وابو حنيفة والشافعي وقال سعيد بن جبير وطاووس وعطاء والأوزاعي والثوري ومالك هو ظهار ونقل أبو طالب عن أحمد أنه قال لا يكون مظاهرا من أمته ولكن تلزمه كفارة الظهار كما قال في المرأة إذا ظاهرت من زوجها لم تكن مظاهرة وتلزمها كفارة الظهار

[ 319 ]

فيمن ظاهر مرارا فقال أبو حنيفة والشافعي إن كان في مجالس فكفارات وإن كان في مجلس واحد فكفارة قال القاضي أبو يعلى وعلى قول أصحابنا يلزمه كفارة واحدة سواء كان في مجلس أو في مجالس ما لم يكفر وهذا قول مالك تعالى ذلكم توعظون به قال الزجاج ذلكم التغليظ توعظون به والمعنى أن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار قوله تعالى فمن لم يجد يعني الرقبة فصيام شهرين أي فعليه صيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع الصيام ف كفارته إطعام ستين مسكينا ذلك أي الفرض ذلك الذي وصفنا لتؤمنوا بالله ورسوله أي تصدقوا بأن الله أمر بذلك وتصدقوا بما أتى به الرسول وتلك حدود الله يعني ما وصفه الله من الكفارات في الظهار وللكافرين عذاب أليم قال ابن عباس لمن جحد هذا وكذب به الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلى هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله قد ذكرنا معنى المحادة في التوبة 6 ومعنى كبتوا في آل عمران عند قوله تعالى أو يكبتهم آية 127 وقال ابن عباس

[ 320 ]

أخزوا يوم الخندق بالهزيمة كما أخزي الذين من قبلهم ممن قاتل الرسل تعالى يوم يبعثهم الله جميعا أي من قبورهم فينبئهم بما عملوا من معاصيه وتضييع فرائضه أحصاه الله أي حفظه الله عليهم ونسوه والله على كل شئ من أعمالهم في السر والعلانية شهيد ألم تر أي ألم تعلم تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة وقرأ أبو جعفر ما تكون بالتاء قال ابن قتيبة النجوى السرار وقال الزجاج ما يكون من خلوة ثلاثة يسرون شيئا ويتناجون به إلا هو رابعهم أي عالم به ونجوى مشتق من النجوة وهو ما ارتفع وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع وقال الضحاك إلا هو معهم أي علمه معهم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون تعالى ألم ترى إلى الذين نهوا عن النجوى في سبب نزولها قولان نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا ما نراهم إلا قد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة فيقع ذلك في

[ 321 ]

قلبوهم ويحزنهم عند فلا يزالون كذلك حتى تقدم أصحابهم فلما طال ذلك وكثر شكا المؤمنون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس نزلت في اليهود قاله مجاهد قال مقاتل وكان بين اليهود وبين رسول الله موادعة فإذا رأوا رجلا من المسلمين وحده تناجوا بينهم فيظن المسلم أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره فيترك الطريق من المخافة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إليها فنزلت هذه الآية وقال ابن السائب نزلت في المنافقين والنجوى بمعنى المناجاة ثم يعودون إلى المناجاة التي نهوا عنها ويتناجون قرأ حمزة ويعقوب إلا زيدا وروحا ويتنجون لأنه وقرأ الباقون ويتناجون بألف وفي معنى تناجيهم بالإثم والعدوان وجهان يتناجون بما يسوء المسلمين فذلك الإثم والعدوان ويوصي بعضهم بعضا بمعصية الرسول يتناجون بعد نهي الرسول ذلك هو الاثم والعدوان ومعصية الرسول تعالى وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين نزلت في اليهود قالت عائشة رضي الله عنها جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقلت السام عليكم وفعل الله بكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه يا عائشة فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش فقلت يا رسول الله ترى ما يقولون فقا ألست تريني أرد عليهم ما يقولون وأقول وعليكم قالت فنزلت هذه الآية في ذلك قال الزجاج والسام الموت أنها نزلت في المنافقين رواه عطية عن ابن عباس المفسرون ومعنى حيوك سلموا عليك بغير سلام الله عليك وكانوا يقولون

[ 322 ]

سام عليك فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم أو يقول بعضهم لبعض لو كان نبيا عذبنا بقولنا له ما نقول تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فيها قولان نزلت في المنافقين فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بزعمهم وهذا قول عطاء ومقاتل أنها في المؤمنين والمعنى أنه نهاهم عن فعل المنافقين واليهود وهذا مذهب جماعة منهم الزجاج تعالى تتناجوا هكذا قرأ الجماعة بألف وقرأ يعقوب وحده فلا تتنجوا أخبرنا فأما البر فقال مقاتل هو الطاعة والتقوى ترك المعصية وقال أبو سليمان الدمشقي البر الصدق والتقوى ترك الكذب ثم ذكر أن ما يفعله اليهود والمنافقون من الشطيان فقال تعالى إنما النجوى من الشيطان أي من تزيينه والمعنى إنما يزين لهم ذلك ليحزن الذين آمنوا وقد بينا اتقاء ما كان يحزن المؤمنين من هذه النجوى وليس بضارهم شيئا أي وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئا إلا بإذن الله أي بإرادته وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي فليكلوا أمورهم إليه أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير تعالى إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس وقرأ عاصم في المجالس على الجمع وذلك لأن كل جالس له مجلس فالمعنى ليفسح كل رجل منكم في مجلسه قال المفسرون نزلت في نفر من المؤمنين كانوا يسابقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أقبل المهاجرون وأهل السابقة لم يجدوا موضعا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يليه أولو الفضل

[ 323 ]

ليحفظوا عنه فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في صفة ضيقة في المسجد جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس ابن شماس فسلموا وانتظروا أن يوسعوا لهم فأوسعوا لبعضهم وبقي بعضهم فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قم يا فلان قم يا فلان حتى أقام من المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه من أقامهم الكراهة وتكلم المناقون في ذلك وقالوا والله ما عدل فنزلت هذه الآية وقال قتادة كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض قال المفسرون ومعنى تفسحوا توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متضايقين يا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوي لو الناس في الحظ منه ويظهر فضلة المقربين إليه من أهل بدر وغيرهم المراد بالمجلس ها هنا ثلاثة أقوال أنه مجلس الحرب ومقاعد القتال كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول لهم توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال وهذا قول ابن عباس والحسن وأبي العالية والقرظي أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد وقال قتادة كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة مجالس الذكر كلها روي عن قتادة أيضا وقرأ علي ابن أبي طالب وأبو رزين وأبو عبد الرحمن ومجاهد والحسن وعكرمة وقتادة وابن أبي عبلة والأعمش تفسحوا في المجالس بألف على الجمع تعالى يفسح الله لكم أي يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيا وإذا قيل انشزوا قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم انشزوا فانشزوا برفع الشين وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الشين فيهما ومعنى انشزوا قوموا قال الفراء وهما لغتنان وفي المراد بهذا القيام خمسة أقوال أنه القيام إلى الصلاة وكان رجال يتثاقلون عنها فقيل لهم إذا نودي للصلاة

[ 324 ]

فانهضوا هذا قول عكرمة والضحاك أنه القيام إلى قتال العدو قاله الحسن أنه القيام إلى كل خير من قتال أو أمر بمعروف ونحو ذلك قاله مجاهد أنه الخروج من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم كانوا إذا جلسوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطالوا ليكون كل واحد منهم آخرهم عهدا به فأمروا أن ينشزوا إذا قيل لهم انشزوا قاله ابن زيد أن المعنى قوموا وتحركوا يكون وتوسعوا لإخوانكم قاله الثعلبي تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم أي يرفعهم بإيمانهم على من ليس بمنزلتهم من الإيمان ويرفع الذين أوتوا العلم على من ليس بعالم وهل هذا الرفع في الدنيا ام في الآخرة فيه وجهان أنه إخبار عن ارتفاع درجاتهم في الجنة والثاني أنه ارتفاع مجالسهم في الدنيا فيكون ترتيبهم فيها بحسب فضائلهم في الدين والعلم وكان ابن مسعود يقول أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق من لا يعلم درجات أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأظهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجوكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون

[ 325 ]

تعالى إذا ناجيتم الرسول في سبب نزولها قولان أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف عن نبيه فأنزل هذه الآية قاله ابن عباس أنها نزلت في الأغنياء وذلك أنهم كانوا يكثرون مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبون الفقراء على المجالس حتى كره رسول الله ص = ذلك فنزلت هذه الآية فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئا وأما أهل الميسرة فبخلوا واشتد ذلك على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة قاله مقاتل بن حيان وإلى نحوه ذهب مقاتل بن سليمان إلا أنه قال فقدر الفقراء حينئذ على مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقدم أحد من أهل الميسرة صدقة غير علي بن أبي طالب مجاهد عن علي رضي الله عنه قال آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولن يعمل بها أحد بعدي آية النجوى كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت درهما فنسختها الآية الأخرى أأشفقتم أن تقدموا الآية تعالى ذلك خير لكم وأظهر أي تقديم الصدقة على المناجاة خير لكم لما فيه من طاعة الله وأطهر لذنوبكم فإن لم تجدوا يعني الفقراء فإن الله غفور رحيم إذ عفا عمن لا يجد تعالى أأشفقتم أي خفتم بالصدقة الفاقة وتاب الله عليكم أي فتجاوز عنكم وخفف بنسخ إيجاب الصدقة قال مقاتل بن حيان إنما كان ذلك عشر ليال قال قتادة ما كان إلا ساعة من نهار تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب

[ 326 ]

وهم يعلمون أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون إستحوذ عليهم الشيطان فأنسهم ذكر الله أولئك حزب الشطيان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون تعالى ألم ترى إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم نزلت في المنافين الذين تولوا اليهود ونقولوا إليهم أسرار المؤمنين وقال السدي ومقاتل نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق وذلك أنه كان يجالس رسول الله ص = ويرفع حديثه إلى اليهود فدخل عليه يوما وكان أزرق فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم علام تشتمني أنت وأصحابك فحلف بالله ما فعل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فعلت فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله هذه الآيات وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علام تشتمني أنت وفلان وفلان فانطلق الرجل فدعاهم فحلفوا بالله واعتذروا إليه فأنزل الله تعالى يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون الآية

[ 327 ]

التفسير الذين تولوا هم المنافقون والمغضوب عليهم هم اليهود ما هم منكم يعني المنافين ليسوا من المسلمين ولا من اليهود ويحلفون على الكذب وهو ما ذكرنا في سبب نزولها وقال بعضهم حلفوا أنهم ما سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تولوا اليهود وهم يعلمون انهم كذبة اتخذوا أيمانهم جنة أي سترة يتقون بها القتل قال ابن قتيبة المعنى استتروا بالحلف فكلما ظهر لهم شئ يوجب معاقبتهم حلفوا كاذبين فصدوا عن سبيل الله فيه قولان صدوا الناس عن دين الإسلام قاله السدي صدوا عن جهادهم بالقتل وأخذ مالهم تعالى فيحلفون له قال مقاتل وقتادة يحلفون لله في الآخرة أنهم كانوا مؤمنين كما حلفوا لأوليائه في الدنيا ويحسبون أنهم على شئ من أيمانهم الكاذبة ألا إنهم هم الكاذبون في قولهم وأيمانهم تعالى استحوذ عليهم الشيطان قال أبو عبيدة غلب عليهم وحاذهم مع وقد بينا هذا في سورة النساء عند قوله تعالى نستحوذ عليكم آية 141 وما بعد هذا ظاهرا إلى قوله تعالى أولئك في الأذلين أي في المغلوبين فلهم في الدنيا ذل وفي الآخرة خزي الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ألولئك سعيد كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون

[ 328 ]

تعالى كتب الله أي قضى الله لأغلبن أنا ورسلي وفتح الياء نافع وابن عامر المفسرون من بعث من الرسل بالحرب فعاقبة الأمر له ومن لم يبعث بالحرب فهو غالب بالحجة إن الله قوي عزيز أي مانع حزبه من أن يذل تعالى لا تجد قوما الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال نزلت في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز فقال يا رسول الله دعني أكون في الرعلة الأولى فقال متعنا بنفسك يا أبا بكر وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن حمنة يوم أحد وفي عمرو قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر وفي علي وحمزة قتلا عتبة وشيبة يوم بدر قاله ابن مسعود أنها نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصكه أبو بكر الصديق صكة شديدة سقط منها ثم ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعلته قال نعم قال فلا تعد إليه فقال أبو بكر والله لو كان السيف قريبا مني لقتلته فنزلت هذه الآية قاله ابن جريج نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي وذلك أنه كان جالسا إلى جنب رسول الله فشرب رسول الله ماء فقال عبد الله يا رسول الله أبق فضلة من شرابك قال وما تصنع بها قال أسقيها أبي لعل الله سبحانه يطهر قلبه ففعل فأتى بها أباه فقال ما هذا قال فضلة من شراب رسول الله جئتك بها لتشربها بكر لعل الله يطهر قلبك فقا لهلا قد جئتني ببول أمك فرجع لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ائذن لي في قتل أبي قال فال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفق به وأحسن إليه فنزلت هذه الآية قاله السدي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله

[ 329 ]

صلى الله عليه وسلم قد عزم على قصدهم قاله مقاتل واختاره الفراء والزجاج الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان وأن من كان مؤمنا لم يوال كافرا وإن كان أباه أو ابنه أو أحدا من عشيرته تعالى أولئك الذين يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله كتب في قلوبهم الإيمان وقرأ المفضل عن عاصم كتب برفع الكاف والنون من الإيمان وفي معنى كتب خمسة أقوال أثبت في قلوبهم الإيمان قاله الربيع بن أنس جعل قاله مقاتل كتب في اللوح المحفوظ أن في قلوبهم الإيمان حكاه الماوردي والرابع حكم لهم بالإيمان وإنما ذكر القلوب لأنها موضع الإيمان ذكره الثعلبي جمع في قلوبهم الإيمان حى استكملوه وفي قاله الواحدي تعالى وأيدهم أي قواهم بروح منه وفي المراد بالروح ها ها خمسة أقوال أنه النصر قاله ابن عباس والحسن فعلى هذا سمي النصر روحا لأن أمرهم يحيا به والثاني الإيمان قاله السدي والثالث القرآن قاله الربيع والرابع الرحمة قاله مقاتل والخامس جبريل عليه السلام أيدهم به يوم بدر ذكره الماوردي فأما حزب الله فقال الزجاج هم الداخلون في الجمع الذين اصطفاهم وارتضاهم كل وألا كلمة تنبيه وتوكيد للقصة

[ 330 ]

الحشر مدنية كلها بإجماعهم المفسرون أن جميعها أنزلت في بني النضير وكان ابن عباس يسمي هذه السورة سورة بني النضير وهذه الإشارة إلى قصتهم أهل العلم بالتفسير والسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه فصلى فيه ثم أتى بني النضير فكلمهم أن يعينوه في دية رجلين كان قد آمنهما فقتلهما عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم فقالوا نفعل وهموا بالغدر به وقال عمرو بن جحاش أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة فقال سلام بن مشكم لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتهم به وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فنهض سريعا فتوجه إلى المدينة فلحقه أصحابه فقالوا قمت ولم نشعر فقال همت يهود بالغدر فأخبرني الله بذلك فقمت وبعث إليهم رسول الله محمد بن مسلمة أن اخرجوا من بلدتي فلا تساكنوني وقد هممتم بما هممتم به وقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه فمكثوا أياما يتجهزون فأرسل إليهم ابن أبي لا تخرجوا فإن معي ألفين من قومي وغيرهم وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان وطمع حيي فيما قال ابن أبي فأرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا

[ 331 ]

نخرج فاصنع ما بدا لك فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون لتكبيره وقال حاربت يهود ثم سار إليهم في أصحاب فلما رأوه قاموا على حصونهم معهم النبل والحجارة فاعتزلتهم قريظة وخذلهم ابن أبي وحلفاؤهم من غطفان وكان رئيسهم كعب بن الأشرف قد خرج إلى مكة فعاقد المشركين على التظاهر على رسول الله فأخبر الله رسوله بذلك فبعث محمد بن مسلمة فاغتره فقتله وحاصرهم رسول الله وقطع نخلهم فقالوا نحن نخرج عن بلادك فأجلاهم عن المدينة فمضى بعضهم إلى الشام وبعضهم إلى خيبر وقبض سلاحهم وأموالهم فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا التفسير فقد ذكرنا فاتحة هذه السورة في الحديد 1 الله الرحمن الرحيم لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فأتهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب يعني يهود بني النضير من ديارهم أي من منازلهم لأول الحشر فيه أربعة أقوال أنهم أول من حشر وأخرج من داره قاله ابن عباس وقال ابن السائب هم أول من نفي من أهل الكتاب أن هذا كان أول حشرهم والحشر الثاني إلى أرض المحشر يوم القيامة قاله

[ 332 ]

الحسن قال عكرمة من شك أن المحشر إلى الشام فليقرأ هذه الآية وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ اخرجوا فقالوا إلى أين قال إلى أرض المحشر أن هذا كان أول حشرهم والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب قاله قتادة أن هذا كان أول حشرهم من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام في أيام عمر بن الخطاب قاله مرة الهمداني تعالى ما ظننتم يخاطب المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم لعزهم ومنعتهم وحصونهم وظنوا يعني بني النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وذلك أنه أمر نبيه بقتالهم وإجلائهم ولم يكونوا يظنون أن ذلك يكون ولا يحسبونه وقذف في قلوبهم الرعب لخوفهم من رسول الله وقيل لقتل سيدهم كعب بن الأشرف يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين قرأ أبو عمرو يخربون بالتشديد وقرأ البقاون يخربون وهل بينهما فرق أم لا فيه قولان أن المشددة معناها النقض والهدم والمخففة معناها يخرجون منها ويتركونها خرابا معطلة حكاه ابن جرير روي عن أبي عمرو أنه قال إنما اخترت التشديد لأن بني النضير نقضوا منازلهم ولم يرتحلوا عنها وهي معمورة أن القراءتين بمعنى واحد والتخريب والإخراب لغتنان بمعنى حكاه ابن جرير عن أهل اللغة وللمفسرين فيما فعلوا بمنازلهم أربعة أقوال أنه كان المسلمون كلما ظهروا على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم مكان القتال وكانوا هم ينقبون دورهم فيخرجون إلى ما يليها قاله ابن عباس أنه كان المسلمون كلما هدموا شيئا من حصونهم نقضوا ما يبنون به الذي خربه

[ 333 ]

المسلمون قاله الضحاك أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم أو العمود أو الباب فيستحسنونه فيهدمون البيوت وينزعون ذلك منها ويحملونه معهم ويخرب المؤمنون باقيها قاله الزهري أنهم كانوا يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغيا قاله ابن زيد تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار الاعتبار النظر في الأمور ليعرف بها شئ آخر من جنسها والأبصار العقول والمعنى تدبروا ما نزل بهم ولولا أن كتب الله أي قضى عليهم الجلاء وهو خروجهم من أوطانهم وذكر الماوردي بين الإخراج والجلاء فرقين أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة والإخراج قد يكون لواحد ولجماعة والمعنى لولا أن الله قضى عليهم بالخروج لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي كما فعل بقريظة ولهم في الآخرة مع ما حل بهم في الدنيا عذاب النار ذلك الذي أصابهم بأنهم شاقوا الله وقد سبق بيان الآية الأنفال 13 ومحمد 32 قال القاضي أبو يعلى فقد دلت هذه الآية على جواز مصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي ولا استرقاق ولا جزية ولا دخول في ذمة وهذا حكم منسوخ إذا كان في المسلمين قوة على قتالهم لأن الله تعالى أمر بقتال الكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية وإنما يجوز هذا الحكم إذا عجز المسلمون عن مقاومتهم فلم يقدروا على إدخالهم في الإسلام أو الذمة فيجوز له حينئذ مصالحتهم على الجلاء من بلادهم وفي هذه القصة دلالة على جواز مصالحتهم على مجهول من المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على أرضهم وعلى الحلقة وترك لهم ما أقلت الإبل وذلك مجهول

[ 334 ]

تعالى ما قطعتم من لينة سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع فنزلت هذه الآية أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر وذكر المفسرون أنه لما نزلت ببني النضير تحصنوا في حصونهم فأمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا وقالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخل وهل وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض فشق ذلك على رسول الله ص = ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم واختلف المسلمون فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعها فنزلت هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله تعالى المراد باللينة ستة أقوال أنه النخل كله ما خلا العجوة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة والفراء أنه النخل والشجر رواه عطاء عن ابن عباس أنه ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية قاله الزهري وأبو عبيدة وابن قتيبة وقال الزجاج أهل المدينة يسمون جميع النخيل الألوان ما خلا البرني والعجوة وأصل لينة لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها أنها النخل كله قاله مجاهد وعطية وابن زيد قال ابن جرير معنى الآية ما قطعتم من ألوان النخيل

[ 335 ]

أنها كرام النخل قاله سفيان والسادس أنها ضرب من النخل يقال لتمرها فلا اللون وهي شديد الصفرة ترى نواه من خارخ وكان أعجب ثمرهم إليهم قاله مقاتل وفي عدد ما قطع المسلمون ثلاثة أقوال أنهم قطعوا وأحرقوا ست نخلات قاله الضحاك والثاني أحرقوا نخلة وقطعوا نخلة قاله ابن إسحاق والثالث قطعوا أربع نخلات قاله مقاتل تعالى فبإذن الله قال يزيد بن رومان ومقاتل بأمر الله تعالى وليخزي الفاسقين يعني اليهود وخزيهم أن يريهم أموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا والمعنى وليخزي الفاسقين أذن في ذلك ودل على المحذوف قوله فبإذن الله أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شئ قدير ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتكم الرسول فخذوه وما نهكم منه عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون والذين

[ 336 ]

جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم تعالى وما أفاء الله على رسوله أي ما رد عليهم منهم يعني من بني النضير فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب قال أبو عبيدة الإيجاف الإيضاع والركاب الإبل قال ابن قتيبة يقال وجف الفرس والبعير وأوجفته ومثله الإيضاع وهو الإسراع في السير وقال الزجاج معنى الآية أنه لا شئ لكم في هذا إنما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة المفسرون طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخمس أموال بني النضير لما أجلوا فنزلت هذه الآية تبين أنها فيئ لم تحصل لهم بمحاربتهم وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو له خاصة يفعل فيه ما يشاء فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة ثم ذكر حكم الفئ فقال تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى أي من أموال كفار أهل القرى فلله أي يأمركم فيه بما أحب ولرسوله بتحليل الله إياه وقد ذكرنا ذوي القرى واليتامى في الأنفال 41 وذكرنا هناك الفرق بين الفئ والغنيمة العلماء في حكم هذه الآية فذهب قوم أن المراد بالفئ ها هنا الغنيمة التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة وكانت في بدو الإسلام للذين سماهم الله ها هنا دون

[ 337 ]

الغالبين الموجفين عليها ثم نسخ ذلك بقوله تعالى في الأنفال 41 واعلموا أنما غنمتم من شئ الآية هذا قول قتادة ويزيد بن رومان وذهب قوم إلى أن هذا الفيئ ما أخذ من أموال المشركين ما لم يوجف بخيل ولا ركاب كالصلح والجزية والعشور ومال من مات منهم في دار الإسلام ولا وارث له فهذا كان يقسم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة أخماس فأربعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء والخمس الباقي للمذكورين في هذه الآية العلماء فيما يصنع بسهم رسول الله ص = بعد موته على ما بينا في الأنفال 41 فعلى هذا تكون هذه الآية مثبتة لحكم الفئ والتي في الأنفال 41 مثبتة لحكم الغنيمة فلا يتوجه النسخ تعالى كي لا يكون يعني الفئ دولة وهو اسم للشئ يتداوله القوم والمعنى لئلا يتداوله الأغنياء بينهم فيغلبوا الفقراء عليه قال الزجاج الدولة اسم الشئ يتداول والدولة بالفتح الفعل والانتقال من حال إلى حال وما آتاكم الرسول من الفيئ فخذوه وما نهاكم عن أخذه فانتهوا وهذا نزل في أمر الفيئ وهو عام في كل ما أمر به ونهى عنه قال الزجاج ثم بين من المساكين الذين لهم الحق فقال تعالى للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم قال المفسرون يعني بهم المهاجرين يبتغون فضلا من الله أي رزقا يأتيهم ورضوانا رضي ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة أولئك هم الصادقون في إيمانهم ثم مدح الأنصار حين طابت أنفسهم عن الفئ فقال تعالى والذين تبوؤا الدار يعني دار الهجرة وهي المدينة والإيمان من قبلهم فيها تقديم وتأخير تقديره والذين تبوؤوا الدار من قبلهم أي من قبل المهاجرين والإيمان عطف على الدار في الظاهر لا في المعنى لأن الإيمان ليس بمكان يتبوأ وإنما

[ 338 ]

تقديره وآثروا الإيمان وإسلام المهاجرين قبل الأنصار وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين وقيل الكلام على ظاهره والمعنى تبوؤوا الدار والإيمان قبل الهجرة يحبون من هاجر إليهم وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم وأموالهم ولا يجدون في صدورهم حاجة أي حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون أوتوه قولان مال الفئ قاله الحسن وقد ذكرنا آنفا أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر الفضل والتقدم ذكره الماوردي تعالى ويؤثرون على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ولو كان بهم خصاصة أي فقر وحاجة فبين الله عز وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى وفي سبب نزول هذا الكلام قولان أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصابه الجهد فقال يا رسول الله إني جائع فأطعمني فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه هل عندكن شئ فكلهن قلن والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء فقال ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يطعمك هذه الليلة ثم قال من يضيف هذا هذه الليلة يرحمه الله فقام رجل فقال أنا يا رسول الله فأتى به منزله فقال لأهله هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا فقالت ما عندنا إلا قوت الصبية فقال قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا ثم أصبحي سراجك فإذا أخذ الضيف ليأكل فقومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ففعلت ذلك وظن الضيف أنهما يأكلان معه فشبع هو وباتا طاويين فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليهما تبسم ثم قال ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الآية أخرجه البخاري ومسلم

[ 339 ]

في الصحيحين من حديث أبي هريرة وفي بعض الألفاظ عن أبي هريرة أن الضيف كان من أهل الصفة والمضيف كان من الأنصار وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقد عجب من فعالكما أهل السماء أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له رأس شاة فقال إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعث به إليه فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد حتى تداولها سبعة أهل أبيات حتى رجعت إلى أولئك فنزلت هذه الآية قاله ابن عمر وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهودا فوجه به إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأول فنزلت هذه الآية قوله تعالى ومن يوق شح نفسه وقرأ ابن السميفع وأبو رجاء ومن يوق بتشديد القاف قال المفسرون هو أن لا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه والمعنى أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم بترك الفيئ للمهاجرين صلى اختلف العلماء في الشح والبخل هل بينهما فرق أم لا فقال ابن جرير الشح في كلام العرب هو منع الفضل من المال وقال أبو سليمان الخطابي الشح أبلغ في المنع من البخل وإنما الشح بمنزلة الجنس: والبخل بمنزلة النوع وأكثر ما يقال في البخل إنما هو في أفراد الأمور وخواص الأشياء والشح عام فهو كالوصف اللازم للإنسان من قبل الطبع والجبلة وحكى الخطابي عن بعضهم أنه قال البخل أن يضن بماله والشح أن يبخل بماله ومعروفه وقد روى أبو الشعثاء أن رجلا أتى ابن مسعود فقال إني أخاف أن أكون قد هلكت قال وما ذاك قال أسمع الله يقول ومن يوق شح نفسه وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يدي شئ فقال ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله في القرآن الشح أن تأكل مال أخيك ظلما إنما ذلك البخل وبئس الشئ البخل وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

[ 340 ]

برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة تعالى والذين جاؤوا من بعدهم يعني التابعين إلى يوم القيامة قال الزجاج والمعنى ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذين يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودليل هذا قوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم أي الذين جاؤوا في حال قولهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا فمن ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيئ المسلمين ومن شتمهم ولم يترحم عليهم وكان في قلبه غل لهم فما جعل الله له حقا في شئ من فيئ المسلمين بنص الكتاب وكذلك روي عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه قال من تنقص اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيئ المسلمين ثم تلا هذه الآيات تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليؤولن غير الأدبار ثم لا ينصرون لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاؤا الظالمين

[ 341 ]

تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يعني عبد الله بن أبي وأصحابه يقولون لإخوانهم في الدين لأنهم كفار مثلهم وهم اليهود لئن أخرجتم من المدينة لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أي في خذلانكم أحدا أبدا فكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله والله يشهد إنهم لكاذبون ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر بالآية التي تلي هذه فكان الأمر على ما ذكره الله تعالى لأنهم أخرجوا فلم يخرج معهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصورهم أحمد ومعنى ولئن نصروهم لئن قدر وجود نصرهم لأن الله نفى نصرهم فلا يجوز وجوده وقوله تعالى ثم لا ينصرون يعني بني النضير تعالى لأنتم أشد يعني المؤمنين أشد رهبة في صدورهم وفيهم قولان أنهم المنافقون قاله مقاتل والثاني بنو النضير قاله الفراء تعالى لا يقاتلونكم جميعا فيهم قولان أنهم اليهود قاله الأكثرون اليهود والمنافقون قاله أبو سليمان الدمشقي والمعنى أنهم لا يبرزون لحربكم إنما يقاتلون متحصنين في قرى محصنة أو من وراء جدر وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبان جدار بألف وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي جدر بضم الجيم والدال وقرأ أبو بكر الصديق وابن أبي عبلة جدر بفتح الجيم والدال جميعا وقرأ عمر بن الخطاب ومعاوية وعاصم الجحدري جدر بفتح الجيم وسكون الدال وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن السلمي وعكرمة والحسن وابن سيرين وابن يعمر جدر بضم الجيم وإسكان الدال بأسهم بينهم شديد فيما وراء الحصون شديد وإذا

[ 342 ]

خرجوا إليكم فهم أجبن خلق الله تعالى تحسبهم جميعا فيهم قولان أنهم اليهود والمنافقون قاله مقاتل بنو النضير قاله الفراء تعالى وقلوبهم شتى قال الزجاج أي هم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة لأن الله تعالى ناصر حزبه وخاذل أعدائه تعالى ذلك يعني ذلك الاختلاف بأنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم ثم ضرب لليهود مثلا فقال تعالى كمثل الذين من قبلهم قريبا وفيه ثلاثة أقوال بنو قينقاع وكانوا وادعوا رسول الله ثم غدروا فحصروهم ثم نزلوا على حكمه أن له أموالهم ولهم النساء والذرية فالمعنى مثل بني النضير فيما فعل بهم كبني قينقاع فيما فعل بهم أنهم كفار قريش يوم بدر قاله مجاهد والمعنى مثل هؤلاء اليهود كمثل المشركين الذين كانوا من قبلهم قريبا وذلك لقرب غزاة بني النضير من غزاة بدر والثالث أنهم بنو قريظة فالمعنى مثل بني النضير كبني قريظة ذاقوا وبال أمرهم بأن قتلت مقاتلتهم وسبيت ذراريهم وهؤلاء أجلوا عن ديارهم فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم في الآخرة ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا فقال تعالى كمثل الشيطان والمعنى مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وقولهم لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولئن قوتلتم لننصرنكم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر وفيه قولان أنه مثل ضربه الله تعالى للكافر في طاعة الشيطان وهو عام في جميع الناس

[ 343 ]

قاله مجاهد أنه مثل ضربه الله لشخص معين وعلى هذا جمهور المفسرين وهذا شرح قصته أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له برصيصا تعبد في صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان فجمع إبليس يوما مردة الشياطين فقال ألا أحد منكم يكفيني برصيصا فقال الأبيض وهو صاحب الأنبياء أنا أكفيكه فانطلق على صفة الرهبان وأتى صومعته فناداه فلم يجبه وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته فلما انفتل برصيصا اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة فناداه ما حاجتك فقال إني أحببت أن أكون معك أقتبس من عملك وأتأدب بأدبك ونجتمع على العبادة فقال برصيصا إني لفي شغل عنك ثم أقبل على صلاته وأقبل الأبيض يصلي فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما ثم انفتل فرآه يصلي فلما رأى شدة اجتهاده قال ما حاجتك فأعاد عليه القول فأذن له فصعد إليه فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما وربما زاد على ذلك فلما رأى برصيصا اجتهاده أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا إني منطلق عنك فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى فاشتد ذلك على برصيصا وكره مفارقته فلما ودعه قال له الأبيض إن عندي دعوات أعلمكها يشفي الله بها السقيم ويعافي بها المبتلي فقال برصيصا إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا فأخاف أن يعلم الناس بهذا فيشغلوني بعد عن العبادة فلم يزل به حتى علمه إياها ثم انطلق إلى إبليس فقال قد والله أهلكت الرجل فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبب

[ 344 ]

فقال لأهله إن بصاحبكم جنونا فأعالجه يقول قالوا نعم فقال لهم إني لا أقوى على جنيه ولكن سأرشدكم إلى من يدعو له فيعافى فقالوا له دلنا قال انطلقوا إلى برصيصا العابد فإن عنده اسم الله الأعظم فانطلقوا إليه فدعا بتلك الكلمات فذهب عنهم الشيطان وكان الأبيض يفعل بالناس ذلك ثم يرشدهم إلى برصيصا فيعافون فلما طال ذلك انطلق إلى جارية من بنات ملوك بني إسرائيل لها ثلاثة إخوة فخنقها ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال أعالجها قالوا نعم فقال إن الذي عرض لها مارد لا يطاق ولكن سأرشدكم إلى رجل تدعونها عنده فإذا جاء شيطانها دعا لها قالوا ومن هو قال بريصصا الذي قالوا فكيف لنا أن يقبلها منا وهو أعظم شأنا من ذلك قال إن قبلها والا فضعوها في صومعته وقولوا له هي أمانة عندك فانطلقوا إليه فأبى عليهم فوضعوها عنده وفي بعض الروايات أنه قال ضعوها في ذلك الغار وهو غار إلى جنب صومعته فوضعوها فجاء الشيطان فقال له انزل إليها فامسحها لأن بيدك تعافى وتنصرف إلى أهلها فنزل فلما دنا إلى باب الغار دخل الشيطان فيها فإذا هي تركض فسقطت عنها ثيابها فنظر العابد إلى شئ لم ير مثله حسنا وجمالا فلم يتمالك أن وقع عليها وضرب على أذنه فجعل يختلف إليها إلى أن حملت فقال له الشيطان ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتل حتى قتلها ودفنها ثم رجع إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يسألون عنها فقالوا يا برصيصا ما فعلت أختنا قال جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه فصدقوه وانصرفوا وفي بعض الروايات أنه قال دعوت لها فعافاها وقد الله ورجعت إليكم فتفرقوا ينظرون لها أثرا فلما أمسوا جاء الشيطان إلى كبيرهم في منامه فقال ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه دفنها في موضع كذا من جبل كذا فقال هذا حلم وبرصيصا علي خير من ذلك فتتابع عليه ثلاث ليال ولا يكترث فانطلق إلى الأوسط كذلك ثم

[ 345 ]

إلى الأصغر مثل ذلك فقال الأصغر لإخوته لقد رأيت كذا وكذا فقال الأوسط وأنا والله فقال الأكبر وأنا والله فأتوا برصيصا فسألوه عنها فقال قد أعلمتكم بحالها فكأنكم اتهمتموني قالوا لا والله واستحيوا وانصرفوا فجاءهم الشيطان فقال ويحكم إنها لمدفونة حتى في موضع كذا وكذا وإن إزارها لخارج من التراب فانطلقوا فحفروا عنها فرأوها فقالوا يا عدو الله لم قتلتها اهبط فهدموا صومعته ثم أوثقوه وجعلوا في عنقه حبلا ثم قادوه إلى الملك فأقر على نفسه وذلك أن الشطيان عرض له فقال تقتلها ثم تكابر فاعترف فأمر الملك بقتله وصلبه فعرض له الأبيض فقال أتعرفني قال لا قال أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات ويحك ما اتقيت الله في أمانة خنت أهلها أما استحييت من الله ألم يكفك ذلك حتى أقررت ففضحت نفسك وأشباهك بين الناس فإن مت على هذه الحالة لم تفلح ولا أحد من نظرائك قال فكيف أصع قال تطيعني في خصلة حتى أنجيك وآخذ بأعينهم وأخرجك من مكانك قال ما هي قال تسجد لي فسجد له فقال هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك أن كفرت إني برئ منك ثم قتل فضرب الله هذا المثل لليهود حين غرهم المنافقون ثم أسلموهم تعالى إني أخاف الله ونصب ابن كثير ونافع وأبو عمرو ياء إني وأسكنها الباقون وقد بينا المعنى في الأنفال 48 فكان عاقبتهما يعني الشيطان وذلك الكافر أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون تعالى ولتنظر نفس ما قدمت لغد أي لينظر أحدكم أي شئ قدم أعملا

[ 346 ]

صالحا ينجيه أم سيئا يوبقه ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي تركوا أمره فأنساهم أنفسه أي أنساهم حظوظ أنفسهم فلم يعملوا بالطاعة ولم يقدموا خيرا قال ابن عباس يريد قريظة والنضير وبني قينقاع سنة أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم تعالى لو أنزلنا هذا القرآن على جبل أخبر الله بهذا عن تعظيم شأن القرآن وأنه لو جعل في جبل على قساوته وصلابته تمييزا كما جعل في بني آدم ثم أنزل عليه القرآن لتشقق فإن من خشية الله وخوفا أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن والخاشع المتطاطئ عمر الخاضع والمتصدع المتشقق وهذا توبيخ لمن لا يحترم القرآن ولا يؤثر في قلبه مع الفهم والعقل ويدلك على هذا المثل قوله تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس ثم أخبر بعظمته وربوبيته فقال تعالى هو الله الذي لا إله إلا هو قال الزجاج قوله تعالى هو الله رد على قوله تعالى في أول السورة سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هذه الأسماء فقد سبق ذكر الله والرحمن والرحيم في الفاتحة وذكرنا معنى عالم الغيب والشهادة في الأنعام 73 والملك في سورة المؤمنين 6

[ 347 ]

القدوس فقرأ أبو الأشهب وأبو نهيك ومعاذ القارئ بفتح القاف قال أبو سليمان الخطابي القدوس الطاهر من العيوب المنزه عن الأنداد والأولاد والقدس الطهارة ومنه سمي بيت المقدس ومعناه المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب وقيل للجنة حظيرة القدس لطهارتها من آفات الدنيا والقدس السطل الذي يتطهر فيه ولم يأت من الأسماء على فعول بضم الفاء إلا قدوس وسبوح وقد يقال أيضا قدوس وسبوح بالفتح فيهما وهو القياس في الأسماء كقولهم سفود وكلوب السلام فقال ابن قتيبة سمى نفسه سلاما لسلامته مما يلحق الخلق من العيب والنقص والفناء وقال الخطابي معناه ذو السلام والسلام في صفة الله سبحانه هو الذي سلم من كل عيب وبرئ من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين قال وقد قيل هو الذي سلم الخلق من ظلمه المؤمن ففيه ستة أقوال أنه الذي أمن الناس ظلمه وأمن من آمن به عذابه قاله ابن عباس ومقاتل أنه المجير قاله القرظي الذي يصدق المؤمنين إذا وحدوه قاله ابن زيد أنه الذي وحد نفسه لقوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو آل عمران 18 ذكره الزجاج أنه الذي يصدق عباد وعده قاله ابن قتيبة أنه يصدق ظنون عباده المؤمنين ولا يخيب آمالهم كقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه عز وجل أنا عند ظن عبدي بي حكاه الخطابي المهيمن ففيه أربعة أقوال أنه الشهيد قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائي قال الخطابي ومنه قوله تعالى ومهيمنا عليه المائدة 48 فالله الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل

[ 348 ]

أنه الأمين قاله الضحاك قال الخطابي وأصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء لأن الهاء أخف عليهم من الهمزة ولم يأت مفيعل في غير التصغير إلا في ثلاثة أحرف مسيطر ومبيطر ومهيمن وقد ذكرنا في سورة الطور 37 عن أبي عبيدة أنها خمسة أحرف والثالث المصدق فيما أخبر قاله ابن زيد أنه الرقيب على الشئ والحافظ له قاله الخليل قال الخطابي وقال بعض أهل اللغة الهيمنة القيام على الشئ والرعاية له وأنشد ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه النبي التاليه في العرف والنكر وإن القائم على الناس بعده بالرعاية لهم وقد زدنا هذا شرحا في المائدة 48 وبينا معنى العزيز في البقرة 129 الجبار ففيه أربعة أقوال أنه العظيم قاله ابن عباس أنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يريد قاله القرظي والسدي وقال قتادة جبر خلقه على ما شاء وحكى الخطابي أنه الذي جبر الخلق على ما أراد من أمره ونهيه يقال جبره السلطان وأجبره أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق أنه العالي فوق خلقه من قولهم تجبر النبات إذا طال وعلا ذكر القولين الخطابي المتكبر ففيه خمسة أقوال أنه الذي تكبر عن كل سوء قاله قتادة

[ 349 ]

أنه الذي تكبر عن ظلم عباده قاله الزجاج أنه ذو الكبرياء وهو الملك قاله ابن الأنباري أنه المتعالي عن صفات الخلق أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فقصمهم ذكرهما الخطباي كما قال والتاء في المتكبر تاء التفرد والتخصص لأن التعاطي والتكلف والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين وإنما سمة العبد الخضوع والتذلل وقيل إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله لا من الكبر الذي هو مذموم في الخلق الخالق فقال الخطابي هو المتبدئ للخلق المخترع لهم على غير مثال سبق فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق كقول زهير ولأنت تفري ما خلقت وبع ض هو القوم يخلق ثم لا يفري إذا قدرت شيئا قطعته وغيرك يقدر ما لا يقطعه أي يتمنى ما لا يبلغه والبارئ الخالق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم والمصور الذي أنشأ خلته على صور مختلفة ليتعارفوا بها ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل وقرأ الحسن وأبو الجوزاء وأبو عمران أنه الذي جبر مفاقر الخلق وكفاهم أسباب المعاش والرزق أنه العالي فوق خلقه من قولهم تجبر النبات إذا طال وعلا ذكر القولين الخطابي المتكبر ففيه خمسة أقوال أنه الذي تكبر عن كل سوء قاله قتادة

[ 349 ]

أنه الذي تكبر عن ظلم عباده قاله الزجاج أنه ذو الكبرياء وهو الملك قاله ابن الأنباري أنه المتعالي عن صفات الخلق أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فقصمهم ذكرهما الخطباي كما قال والتاء في المتكبر تاء التفرد والتخصص لأن التعاطي والتكلف والكبر لا يليق بأحد من المخلوقين وإنما سمة العبد الخضوع والتذلل وقيل إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله لا من الكبر الذي هو مذموم في الخلق الخالق فقال الخطابي هو المتبدئ للخلق المخترع لهم على غير مثال سبق فأما في نعوت الآدميين فمعنى الخلق كقول زهير ولأنت تفري ما خلقت وبع ض هو القوم يخلق ثم لا يفري إذا قدرت شيئا قطعته وغيرك يقدر ما لا يقطعه أي يتمنى ما لا يبلغه والبارئ الخالق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم والمصور الذي أنشأ خلته على صور مختلفة ليتعارفوا بها ومعنى التصوير التخطيط والتشكيل وقرأ الحسن وأبو الجوزاء وأبو عمران وابن السميفع البارئ المصور بفتح الواو والراء جميعا يعني آدم عليه السلام وما بعد هذا قد تقدم بيانه

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية