الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زاد المسير - ابن الجوزي ج 5

زاد المسير

ابن الجوزي ج 5


[ 1 ]

زاد المسير في علم التفسير أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه محمد بن عبد الرحمن عبد الله خرج أحاديثه أبو هاجر السعيد بن بسيوني زغلول الجزء الخامس سورة الاسراء - سورة النور دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

الطبعة الاولى جمادى الاولى 1407 ه‍ - كانون الثاني 1987 م

[ 3 ]

فصل في نزولها هي مكية في قول الجماعة الا ان بعضهم يقول فيها مدني فروي عن ابن عباس انه قال هي مكية الا ثمان آيات من قوله كادوا ليفتنونك الى قوله الاسراء 75 73 وهذا قول قتادة وقال مقاتل فيها من المدني صلى رب أدخلني مدخل صدق الاسراء 80 وقوله الذين أوتوا العلم من قبله الاسراء 107 وقوله ربك أحاط بالناس الاسرا 60 وقوله كادوا ليفتنونك الاسراء 73 وقوله كادوا ليستفزونك أبي الاسراء 76 وقوله ولو لا ان ثبتناك والتي تليها الاسراء 7475 (بسم الله الرحمن الرحيم سبحن الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا ما الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا انه هو السميع البصير

[ 4 ]

قوله تعالى سبحان روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن تفسير سبحان الله فقال تنزيه لله عن كل سوء وقد ذكرنا هذا المعنى في البقرة 4 32 قال الزجاج واسري بمعنى سير عبده يقال أسريت وسريت لا إذا سرت ليلا وقد جاءت اللغتان في القرآن قال الله تعالى إذا يسر الفجر 4 معنى التسبيح هاهنا قولان ان العرب تسبح عند الامر المعجب فكأن الله تعالى عجب العباد مما أسدى الى رسوله من النعمة ان يكون خرج مخرج الرد عليهم لأنه لما حدثهم بالاسراء كذبوه فيكون المعنى تنزه الله ان يتخذ رسولا كذابا ولا خلاف ان المراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم قوله من المسجد الحرام قولان انه اسري به من نفس المسجد قاله الحسن وقتاده ويسنده حديث مالك بن صعصعة وهو في الصحيحين بينا ان في الحطيم وربما قال بعض الرواة في الحجر انه اسري به من بيت ام هانئ وهو قول اكثر المفسرين فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام الحرم والحرم كله مسجد ذكره القاضي أبو يعلى وغيره المسجد الاقصى فهو بيت المقدس وقيل له الاقصى لبعد المسافة بين المسجدين ومعنى باركنا حوله ان الله اجرى حوله الانهار وانبت الثمار وقيل لأنه مقر الانبياء ومهبط الملائكة العلماء هل دخل بيت المقدس ام لا فروى أبو هريرة انه دخل بيت المقدس وصلى فيه بالانبياء ثم عرج به الى السماء وقال حذيفبن اليمان لم يدخل بيت المقدس ولم يصل فيه ولا نزل عن البراق حتى عرج به فان قيل ما معنى قوله الى المسجد الاقصى وانتم تقولون صعد الى السماء ان الاسراء كان الى هنالك والمعراج كان من هنالك ان الحكمة في ذكر ذلك انه لو اخبر بصعوده الى السماء في بدء الحديث لاشتد

[ 5 ]

انكارهم فلم اخبر ببيت المقدس وبان لهم صدقه فيما اخبرهم به من العلامات الصادقة اخبر بمعراجه تعالى من آياتنا يعني ما رأى أي تلك الليلة من العجائب التي اخبر بها الناس هو السميع لمقالة قريش أن بها وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب الحدائق احاديث المعراج وكرهنا الاطالة هاهنا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني اسرائيل الا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا قوله تعالى موسى الكتاب لما ذكر في الاية الاولى اكرام محمد صلى الله عليه وسلم ذكر في هذه كرامة موسى والكتاب التوراة هدى لبني اسرائيل أي دللناهم به على الهدى تتخذوا قرأ أبو عمرو يتخذوا بالياء والمعنى هديناهم لئلا يتخذوا وقرأ الباقون بالتاء قال أبو علي وهو على الانصراف الى الخطاب بعد الغيبة مثل الحمد لله ثم قال اياك نعبد تعالى على قال مجاهد شريكا وقال الزجاج ربا قال ابن الانباري وانما قيل للرب وكيل لكفايته وقيامه بشأن عباده من اجل ان الوكيل عند الناس قد علم انه يقوم بشؤون اصحابه وتفقد امورهم فكان الرب وكيلا من هذه الجهة لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط امر الوكيل قوله تعالى من حملنا قال مجاهد هو نداء يا ذرية من حملنا قال ابن الانباري من قرأ تتخذوا بالتاء فانه يقول بعد الذرية مضمر حذف اعتمادا على دلالة ما سبق تلخيصه يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلا ويجوز ان يستغني عن الاضمار بقوله كان عبدا شكورا لأنه بمعنى اشكروني كشكره الله ومن قرأ لا يتخذوا بالياء جعل النداء متصلا بالخطاب والذرية تنتصب بالنداء ويجوز نصبها بالاتخاذ على انها مفعول ثان تلخيص الكلام ان لا يتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا قال قتادة الناس كلهم ذرية من انجى الله في تلك السفينة

[ 6 ]

العلماء ووجه الانعام على الخلق بهذا القول أنهم كانوا في صلب من نجا تعالى كان عبدا شكورا قال سلمان الفارسي كان إذا اكل قال لله وإذا شرب قال لله وقال غيره كان إذا لبس ثوبا قال لله فسماه الله عبدا شكورا قال إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد اولهما بعثنا عليكم عباد لنا اولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم عن بأموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا تعالى الى بني اسرائيل فيه قولان اخبرناهم من رواه الضحاك عن ابن عباس قضينا عليهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة فعلى الأول تكون الى على اصلها ويكون الكتاب التوراة وعلى الثاني تكون إلى بمعنى على ويكون الكتاب الذكر الاول تعالى في في الارض يعني ارض مصر بن بالمعاصي ومخالفة التوراة من قتلوه من الانبياء في الفساد الاول قولان زكريا قاله السدي عن اشياخه

[ 7 ]

والثاني شعيا قاله ابن اسحاق فأما المقتول من الانبياء في الفساد الثاني فهو يحيى بن زكريا قال مقاتل كان بين الفسادين مائتا سنة وعشر سنين فأما السبب في قتلهم زكريا فانهم اتهموه بمريم وقالوا منه حملت فهرب منهم فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب فجاءهم الشيطان فدلهم عليه فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها وأما السبب في قتلهم شعيا فهو انه قافيهم برسالة من الله ينهاهم عن المعاصي وقيل هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار وان زكريا مات حتف انفه واما السبب في قتلهم يحيى بن زكريا ففيه قولان ان ملكهم اراد نكاح امرأة لا تحل له فنهاه عنها يحيى ثم فيها اربعة أقوال احدها انها ابنة اخيه قال ابن عباس والثاني ابنته قاله عبد الله بن الزبير والثالث انها امرأة أخيه وكان ذلك لا يصلح عندهم قاله الحسين بن علي عليهما السلام والرابع ابنة أمرأته قاله السدي عن اشياخه وذكر ان السبب في ذلك ان ملك بني اسرائيل هوي بنت امرأته فسأل يحيى عن نكاحها فنهاه فحنقت هذه امه على يحيى حين نهاه ان يتزوج ابنتها وعمدت الى ابنتها فزينتها وارسلتها سنة الملك حين جلس على شرابه وأمرتها ان تسقيه وان تعرض له فان ارادها على نفسها ابت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طست ففعلت ذلك فقال ويحك سليني غير هذا فقالت ما اريد الا هذا فأمر فأتي برأسه والراس يتكلم ويقول لا تحل لك لا تحلك الثاني ان امرأة الملك رأت يحيى عليه السلام وكان قد اعطي حسنا وجمالا فأرادته على نفسه فأبى فقالت لابنتها سلي اباك رأس يحيى فأعطاها ما سألت قاله الربيع بن انس قال العلماء بالسير ما زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني اسرائيل سبعون الفا فسكن وقيل لم يسكن حتى جاء قاتله فقال انا قتلته فقتل فسكن تعالى عمرو علوا كبيرا أي لتعظمن قبل عن الطاعة ولتبغن تعالى جاء وعدأولاهما يحيى أي عقوبة أولى المرتين بعثنا أي ارسلنا عليكم عبادا لنا وفيهم خمسة اقوال

[ 8 ]

انهم جالوت وجنوده قاله ابن عباس وقتادة والثاني بختنصر قاله سعيد بن المسيب واختاره الفراء والزجاج والثالث العمالقة وكانوا كفارا قاله الحسن والرابع سنحاريب قاله سعيد بن جبير والخامس قوم من اهل فارس قاله مجاهد وقال ابن زيد سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس قوله تعالى بأس شديد أي ذوي عدد وقوة في القتال وفي قوله خلال الديار ثلاثة اقوال مشوا بين منازلهم قاله ابن ابي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد يتجسسون اخبارهم ولم يكن قتال وقال الزجاج طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي احد لم يقتلوه والجوس طلب الشئ باستقصاء قتلوهم بين بيوتهم قاله الفراء وابو عبيدة الرحمن عاثوا وافسدوا يقال جاسوا وحاسوا وكان فهم يجوسون روى ويحوسون ولم إذا فعلوا ذلك قاله ابن قتيبة الخلال فهي جمع خلل وهو الانفراج بين الشيئين وقرأ أبو رزين والحسن وابن جبير وابو المتوكل خلل الديار بفتح الخاء واللام من غير الف وعدا مفعولا أي لا بدمن كونه تعالى رددنا لكم الكرة عليهم أي اظفرناكم بين بهم والكرة معناها الرجعة والدولة وذلك حين قتل داود جالوت وعاد ملكهم إليهم وحكى القراء ان رجلا دعى على بختنصر فقتله الله وعاد ملكهم إليهم وقيل غزوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى تعالى اكثر نفيرا أي اكثر عددا وأنصارا منهم قال ابن قتيبة النفير والنافر واحد كما يقال قدير وقادر واصله من ينفر مع الرجل من عشيرته واهل بيته

[ 9 ]

احسنتم احسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم ان يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا أهل تعالى احسنتم حديث أي وقلنا لكم ان فأطعتم الله احسنتم لأنفسكم أي عاقبة الطاعة لكم وان أسأتم بالفساد والمعاصي فلها وفيه قولان انه بمعنى فإليها والثاني فعليها جاء وعد الاخرة جواب فإذا محذوف تقديره فإذا جاء وعد عقوبة المرة الاخرة من افسادكم بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم وهذا الفساد الثاني هو قتلهم يحيى بن زكريا وقصدهم قتل عيسى فرفع وسلط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم فذلك قوله ليسوؤوا وجوهكم قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحفص عن عاصم ليسوؤوا بالياء على الجميع والهمز بين الواوين والإشارة الى المبعوثين وقرأ ابن عامر وحمزة وابو بكر عن عاصم ليسوء وجوهكم على التوحيد قال أبو علي فيه وجهان احدهما ليسوء الله عز وجل والثاني ليسوء البعث وقرأ الكسائي لنسوء بالنون وذلك راجع الى الله تعالى بعث عليهم في المرة الثانية قولان بختنصر قاله مجاهد وقتادة وكثير من الرواة يأبى هذا القول يقولون كان بين تخريب بختنصر بيت المقدس وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل انطياخوس عند الرومي قاله مقاتل ومعنى لأنه وجوهكم ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم وخصت المساءاة أخبرنا بالوجوه والمراد اصحاب الوجوه لما يبدو عليها من اثر الحزن والكآبة قوله تعالى وليدخلوا المسجد يعني بيت المقدس كما دخلوه في المرة الأولى وليتبروا أي ليدمروا ويخربوا قال الزجاج يقال لكل شئ ينكسر من الزجاج والحديد والذهب تبر ومعنى ما علوا أي ليدمروا في حال علوهم عليكم تعالى ربكم ان يرحمكم هذا مما وعدوا به في التوراة وعسى من الله واجبة فرحمهم اله بعد انتقامه منهم وعمر بلادهم واعاد نعمهم بعد سبعين سنة وان

[ 10 ]

عدتم الى معصيتنا عدنا الى عقوبتكم قال المفسرون ثم إنهم عادوا إلى المعصية نبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارسي والروم قال قتادة ثم كان اخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم في عذاب الى يوم القيامة فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون تعالى جهنم للكافرين حصيرا فيه قولان سجنا قاله ابن عباس والضحاك وقتادة وقال مجاهد يحصرون فيها وقال أبو عبيدة وابن قتيبة محبسا وقال الزجاج حصيرا حبسا أخذ من قولك حصرت الرجل إذا حبسته فهو محصور وهذا حصيره أي محبسه والحصير المنسوج سمي حصير لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض ويقال للجنب حصير لأن بعض الاضلاع محصور مع بعض وقال ابن الانباري حصيرا بمعنى حاصرة فصرف من حاصرة الى حصير كما صرف مؤلم الى أليم فراشا ومهادا قاله الحسن قال أبو عبيدة ويجوز أن تكون جهنم لهم مهاد بمنزلة الحصير والحصير البساط الصغير هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا كبيرا وان الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما تعالى هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم يا قال ابن الانباري التي وصف للجمع والمعنى يهدي الى الخصال التي هي اقوم الخصال قال المفسرون وهي توحيد الله والايمان به وبرسله والعمل بطاعته ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا وهو الجنة وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي ويبشرهم بالعذاب لأعدائهم وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين

[ 11 ]

والإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا تعالى يكون الإنسان بالشر وذلك ان الإنسان يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب ان يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير الانسان عجولا يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء بالخير المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة اقوال انه اسم جنس يراد به الناس قال الزجاج وغيره آدم فاكتفى بذكره من ذكر ولده ذكره ابن الأنباري والثالث انه النضر بن الحارث حين قال مع علينا حجارة من السماء الانفال 32 قاله مقاتل وقال سلمان الفارسي أول ما خلق الله من آدم رأسه فجعل ينظر الى جسده كيف يخلق قال فبقيت رجلاه فقال يا رب عجل فذلك قوله الانسان عجولا سعيد الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلناه تفصيلا قوله تعالى الليل والنهار آيتين بكر أي علامتين يدلان على قدرة خالقهما فمحونا آية الليل فيه قولان أن آية الليل القمر ومحوها ما في بعض القمر من الاسوداد والى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام وابن عباس في آخرين آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل فنسب المحوالى الظلمة إذ كانت تمحو الانوار وتبطلها ذكره ابن الانباري ويروى ان الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء تعالى آية النهار يعني الشمس مبصرة فيه ثلاثة أقوال منيرة قاله قتادة قال ابن الانباري وانما صلح وصف الاية بالابصار على جهة المجاز كما يقال لعب الدهر ببني فلان ان معنى مبصرة مبصرا بها قاله ابن قتيبة

[ 12 ]

والثالث ان معنى مبصرة مبصرة فجرى مفعل مجرى مفعل والمعنى انها تبصر الناس أي تريهم الأشياء قاله ابن الأنباري ومعاني الأقوال تتقارب تعالى فضلا من ربكم أي لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار قد عدد السنين والحساب بمحو آية الليل ولولا ذلك لم يعرف الليل من النهار ولم يتبين العدد وكل شئ أي ما يحتاج إليه وفي تفصيلا بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره انسان الزمنا طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقه منشورا إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا تعالى انسان وقرأ ابن ابي عبلة وكل برفع اللام وقرأ ابن مسعود وأبي والحسن ألزمناه طيره بياء ساكنة من غير الف الطائر أربعة أقوال شقاوته وسعادته قاله أبو صالح عن ابن عباس قال مجاهد ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد عمله قاله الفراء وعن الحسن كالقولين انه ميصيبه قاله خصيف وقال أبو عبيدة حظه ابن قتيبة والمعنى فيما أرى والله اعلم ان لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله عليه فهو لازم عنقه والعرب تقول لكل ما لزم الانسان قد لزم عنقه وهذا لك علي وفي عنقي حتى اخرج منه وانما قيل للحظمن الخير والشر طائر لقول العرب جرى له الطائر بكذا من الخير وجرى له الطائر بكذا من الشر على طريق الفأل والطيرة فخاطبهم الله بما يستعملون واعلمهم ان ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو الذي يلزمه أعناقهم الازهري الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم علم المطيع من ذريته والعاصي فكتب ما علمه منهم اجمعين وقضى سعادة من علمه مطيعا وشقاوة من علمه عاصيا فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وانشائه فذلك قوله الزمناه طائره في عنقه انه ما يتطير من مثله من شئ عمله وذكر العنق عبارة عن اللزوم كل كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس هذا قول الزجاج وقال ابن الانباري الاصل في تسميتهم العمل طائرا

[ 13 ]

انهم كانوا يتطيرون من بعض الاعمال تعالى ونخرج له قرأ أبو جعفر ويخرج بياء مضمومة وفتح الراء وقرأ يعقوب وعبد الوارث بالياء مفتوحة وضم الراء وقرأ قتادة وابو المتوكل ويخرج بياء مرفوعة وكسر الراء وقرأ أبو الجوزاء والأعرج وتخرج بتاء مفتوحة ورفع الراء يوم القيامة كتابا وقرأ ابن عباس وعكرمة والضحاك كتاب بالرفع يلقاه وقرأ ابن عامر وابو جعفر يلقاه بضم الياء وتشديد القاف وامال حمزة والكسائي القاف قال المفسرون هذا كتابه الذي فيه ما عمل وكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال نشرتان وطية اما ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة فأمل فيها ما شئت فإذا مت طويت ثم إذا بعثت نشرت تعالى كتابك وقرأ أبو جعفر اقرأ بتخفيف الهمزة وفيه اضمار تقديره فيقال له اقرأ كتابك قال الحسن يقرؤه أميا كان أو غير أمي ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك معنى حسيبا ثلاثة اقوال محاسبا والثاني شاهدا والثالث كافيا والمعنى ان الانسان يفوض إليه حسابه ليعلم عدل الله بين العباد ويرى وجوب حجة الله عليه واستحقاقه العقوبة ويعلم انه ان دخل الجنة فبفضل الله لا بعمله وان دخل النار فبذنبه قال ابن الانباري وانما قال حسيبا والنفس مؤنثة لأنه يعني بالنفس الشخص أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس فشبهت بالسماء والارض قال تعالى منفطر به المزمل 18 قال الشاعر فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض ابقل ابقالها فلا اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا تعالى اهتدى فانما يهتدي لنفسه أي له ثواب اهتدائه وعليه عقاب ضلاله تعالى تزر وازرة أي نفس وازرة وزر اخرى قال ابن عباس االوليد بن

[ 14 ]

المغير قال اتبعوني وانا احمل اوزاركم منه فقال الله تعالى تزر وازرة وزر اخرى قال أبو عبيدة والمعنى ولا تأثم آثمة إثم أخرى قال الزجاج يقال وزيزر فهو وازر وزرا ووزرا ووزرة ومعناه اثم إثما تأويل هذه الآية وجهان أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم لأن غيره عمله كما الكفار وجدنا آباءنا على امة: الزخرف 22 غير ومعنى حتى نبعث رسولا أي حتى نبين ما به نعذب وما من اجله ندخل الجنة القاضي أبو يعلى في هذا دليل على ان معرفة الله لا تجب عقلا وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل وانه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار قال وقيل معناه انه لا يعذب في ما طريقه السمع الا بقيام حجة السمع من جهة الرسول ولهذا قالوا لو أسلم بعض اهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها لم يلزمه قضاء شئ منها لأنها لم تلزمه إلابعد قيام حجة السمع والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا الى الكعبة ولم يستأنفوا ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة فالواجب عليه القضاء لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة وذلك دعاء إليها أحمد أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم اهكلنا بعد من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا قوله تعالى اردنا ان نهلك قرية في سبب ارادته لذلك قولان ما سبق لهم في قضائه من الشقاء والثاني عنادهم الانبياء وتكذيبهم اياهم تعالى امرنا مترفيها قرأ الاكثرون أمرنا مخففة على وزن فعلنا وفيها ثلاثة اقوال انه من الأمر وفي الكلا اضمار تقديره امرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا هذا

[ 15 ]

مذهب سعيد بن جبير قال الزجاج ومثله في الكلام امرتك فعصيتني فقد علم ان المعصية مخالفة الأمر كثرنا يقال أمرت الشئ وآمرته يقول أي كثرته ومنه قولهم مهرة مأمورة أي كثيرة النتاج يقا أمر بنو فلان يأمرون أمرا إذا كثروا هذا قول ابي عبيدة وابن قتيبة ان معنى امرن امرنا يقال امرت الرجل بمعنى امرته والمعنى سلطنا مترفيها بالإمارة ذكره ابن الانباري وروى خارجة عن نافع أمرنا ممدودة مثل آمنا وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير وهي قراءة ابن عباس وابي الدرداء وابي رزين والحسن والضحاك ويعقوب قال ابن قتيبة وهي اللغة العالية المشهورة ومعناه كثرنا ايضا وروى ابن مجاهد ان أبا عمرو قرأ امرنا مشددة الميم وهي رواية أبان عن عاصم وهي قراءة ابي العالية والنخعي والجحدري قال ابن قتيبة المعنى جعلناهم أمراء وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر أمرنا بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة فأما المترفون فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش والمفسرون يقولون هم الجبارون والمسلطون الذي والملوك وانما خص المترفين بالذكر لأنهم الرؤساء ومن عداهم تبع لهم تعالى ففسقوا فيها أي تمردوا في كفرهم لأن الفسق في الكفر الخروج الى افحشه لأن وقد شرحنا معنى الفسق في البقرة تعالى فحق عليها القول قال مقاتل وجب عليها العذاب وقد ذكرنا معنى التدمير في الاعراف 137 قوله تعالى وكم اهلكنا من القرون وهو جمع قرن وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في الانعام 6 وشرحنا معنى الخبير والبصير في البقرة قال مقاتل وهذه الاية تخويف لأهل مكة كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا

[ 16 ]

تعالى من كان يريد العاجلة يعني من كان يريد بعمله الدنيا فعبر بالنعت عن الاسم عجلنا له فيها منشاء من عرض الدنيا وقيل من البسط والتقتير لمن نريد فيه قولان لمن نريد هلكته قاله أبو اسحاق الفزاري لمن نريد ان نعجل له شيئا وفي هذا ذم لمن اراد بعمله الدنيا وبيان انه لا ينال مع ما يقصده منها الا ما قدر له ثم يدخل النار في الاخرة وقال ابن جرير هذه الاية لمن لا يوقن بالمعاد وقد ذكرنا معنى جنهم في البقرة 206 ومعنى يصلاها في سورة النساء 10 ومعنى مذموما مدحورا في الاعراف 18 تعالى ومن اراد الاخرة يعني الجنة وسعى لها سعيها أي عمل لها العمل الذي يصلح لها وانما قال وهو مؤمن لأن الايمان شرط في صحة الاعمال فأولئك كان سعيهم مشكورا أي مقبولا وشك الله عز وجل لهم ثوابه إياهم وثناؤه عليهم نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما اعطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة وقد درجات واكبر تفضيلا لا تجعل مع الله الها آخر فتقعد مذموما مخذولا تعالى كلا نمد هؤلاء قال الزجاج كلا منصوب ب نمد هؤلاء بدل من كل والمعنى نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك قال المفسرون كلا نعطي من الدنيا البر والفاجر والعطاء هاهنا الرزق والمحظور الممنوع والمعنى ان الرزق يعم المؤمن والكافر

[ 17 ]

والآخرة للمتقين خاصة علي يا محمد كيف فضلنا بعضهم على بعض وفيما وفضلوا فيه قولان الرزق منهم مقل ومنهم مكثر الرزق والعمل فمنهم موفق لعمل صالح ومنهم ممنوع من ذلك قوله تعالى لا تجعل مع الله الها اخر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى عام لجميع المكلفين والمخذول الذي لا ناصر له والخذلان ترك العون قال مقاتل نزلت حين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ملة آبائه حتى ربك الا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم اعلم بما في نفوسكم ان تكونوا صالحين فانه كان للأوابين غفورا تعالى وقضى ربك روى ابن ابي طلحة عن ابن عباس قال امر ربك ونقل عنه الضحاك انه قال انما هو وصى ربك فالتصقت احدى الواوين ب الصاد وكذلك قرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وسعيد ابن جبير ووصى وهذا على خلاف ما انعقد عليه الاجماع فلا يلتفت إليه وقرأ أبو عمران وعاصم الجحدري ومعاذ القارئ وقضاء ربك بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب قال ابن الانباري هذا القضاء من باب الحتم والوجوب لكنه من باب الامر والفرض وأصل القضاء في اللغة قطع الشئ باحكام واتقان قال الشاعر يرثي عمر قضيت تعالى أمورا ثم غادرت بعدها فإن بوائق في اكمامها لم تفتق عمر النبي قطعتها محكما لها

[ 18 ]

تعالى وبالوالدين احسانا أي وأمر بالوالدين إحسانا وهوالبر وإن والإكرام وقد ذكرنا هذا في البقرة 83 تعالى إما يبلغن قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يبلغن على التوحيد وقرأ حمزة والكسائي وخلف يبلغان على التثنية قال الفراء جعلت يبلغن فعلا لأحدهما وكرت عليهما كلاهما ومن قرا يبلغان فانه ثنى لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا فصار الفعل على عددهما ثم قال أحدهما أو كلاهما على الاستئناف كقوله فعموا وصموا المائدة 71 ثم استأنف فقال كثير منهم تعالى فلا تقل لهما اف قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم أف بالكسر من غير تنوين وقرا ابن كثير وابن عامر ويعقوب والمفضل اف بالفتح من غير تنوين وقرأ نافع وحفص عن عاصم أن بالكسر والتنوين وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر أف بالرفع والتنوين وتشديد الفاء وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وحميد بن قيس أفا مثل تعسا وقرأ أبو عمران الجوني وأبو السماك العدوي أف بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء وهي رواية الاصمعي عن ابي عمرو وقرأ عكرمة وابو المتوكل وابو رجاء وابو الجوزاء اف باسكان الفاء وتخفيفها قال الاخفش وهذا لأن بعض العرب يقول اف لك على الحكاية والرفع قبيح لأنه لم يجئ بعده لام وقرأ أبو العالية وابو حصين الاسدي افي بتشديد الفاء وياء وروى ابن الانباري ان بعضهم قرأها إف بكسر الهمزة وقال الزجاج فيها سبع لغات الكسر بلا تنوين وبتنوين والضم بلا تنوين وبتنوين والفتح بلا تنوين وبتنوين واللغة السابعة لا تجوز في القراءة أفي بالياء هكذا قال الزجاج وقال ابن الانباري في أف عشرة أوجه أف لك بفتح الفاء وأف بكسرها وأف وأفا لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول ويلا للكافرين وأف لك بالرفع والتنوين وهو رفع باللام كقوله تعالى ويل للمطففين المطففون 1 كما وأفه لك بالخفض والتنوين تشبيها بالأصوات كقولك صه ومه وأفهأ هو لك على مذهب الدعاء ايضا وأفي لك على الإضافة الى النفس وأف لك بسكون الفاء تشبيها بالأدوات مثل كم وهل وبل وإف لك بكسر الألف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال وتقول أف منه وأف وأفوأف وأفا وأف وأفي مضاف وأفها وسلم وأفا بالألف ولا تقل أفي بالياء فانه خط معنى أف ففيه خمسة اقوال

[ 19 ]

انه وسخ الظفر قاله الخليل والثاني وسخ الأذن قاله الاصمعي والثالث قلامة الظفر قاله ثعلب والرابع ان الأف الاحتقار والاستصغار عنه من الأفف والأفف إن عند العرب القلة ذكره ابن الأنباري والخامس ان الأف مرفعته من الأرض من عود أو قصبة حكاه ابن فارس اللغوي وقرأت على شيخنا أبي منصور قال معنى الأف النتن والتضجر وأصلها نفخك الشئ يسقط عليك من تراب ورماد وللمكان تريد اماطة الأذى عنه فقيلت لكل مستثقل قال المصنف واما قولهم فقد جعلها قوم بمعنى أف فروي عن أبي عبيد أنه قال اصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وحكى ابن الأنباري فرقا قال اللغويون أصل الأف في اللغة وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار فاستعملتهما إلا العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر فيهه وحكى الزجاج فرقا آخر فقال قد قيل إن أف وسخ الأظفار والتف الشئ الحقير نحو وسخ الأذن أو الشظية تؤخذ من الارض ومعنى أف النتن ومعنى الآية لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا فينبغي ان تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك ولا تنهرهما أي لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما وقال عطاء بن ابي رباح لا تنقضي يدك عليهما يقال نهرته فيه انهره صلى نهرا وانتهرته انتهارا بمعنى واحد وقال ابن فارس نهرت الرجل وانتهرته مثل زجرته قال المفسرون وانما نهى عن اذاهما في الكبر وإن كان منهيا عنه على كل حالة لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي وتكثر خدمتهما تعالى وقل لهما قولا كريما أي لينا لطيفا أحسن ما تجد وقال سعيد بن المسيب قول العبد المذنب للسى الفظ تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما وخفض الجناح قد شرحناه في الحجر 88 قال عطاء جناحك يداك فترفعهما على والديك والجمهور يضمون الذال من الذل وقرا أبو رزين والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وعاصم الجحدري وابن ابي عبلة بكسر الذال قال الفراء الذل ان تتذلل لهما من الذل والذل أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة والذل والذلة مصدر الذليل والذل بالكسر مصدر الذلول مثل الدابة والأرض قال ابن الانباري من قرأ الذل بكسر الذال جعله بمعنى

[ 20 ]

الذل بضم الذال والذي عليه كبراء اهل اللغة ان الذل من الرجل الذليل والذل من الدابة الذلول تعالى وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا أي مثل رحمتهما إياي في صغري حتى ربياني وقد ذهب قوم الى ان هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين التوبة 113 وهذا المعنى منقول عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومقاتل قال المصنف ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء لأنه عام دخله التخصيص وقد ذكر قريبا ممقلته ابن جرير تعالى ربكم اعلم بما في نفوسكم أي بما تضمرون من البر والعقوق فمبدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق غفر له ذلك وهو قوله ان تكونوا صالحين أي طائعين لله وقيل بارين وقيل توابين فانه كان للأوابين غفورا في الأواب عشرة أقوال أحدها انه المسلم رواه الضحاك عن ابن عباس انه التواب رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وابو عبيدة وقال ابن قتيبة هو التائب مرة بعد مرة وقال الزجاج هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه يقال قد آب يؤوب أوبا إذا رجع انه المسبح رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس انه المطيع لله تعالى رواه علي بن ابي طلحة عن ابن عباس انه الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله منه قاله عبيد بن عمير والسادس انه المقبل الى الله تعالى بقلبه وعمله قاله الحسن المصلي قاله قتادة هو الذي يصلي بين المغرب والعشاء قاله ابن المنكدر والتاسع الذي يصلي صلاة الضحى قاله عون العقيلي انه الذي يذنب سرا ويتوب سرا قاله السدي

[ 21 ]

وقال ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان ربه كفورا وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا تعالى وآت ذا القربى حقه فيه قولان انه قرابة الرجل من قبل ابيه وامه قاله ابن عباس والحسن فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال احدها ان المراد به برهم وصلتهم والثاني النفقة الواجبة لهم وقت الحاجة والثالث الوصية لهم عند الوفاة انهم قرابة الرسول قال علي بن الحسين عليهما السلام والسدي فعلى هذا يكون حقهم إعطاؤهم من الخمس ويكو الخطاب للولاة تعالى والمسكين وابن السبيل قال القاضي أبو يعلى يجوز ان يكون المراد الصدقات الواجبة يعني الزكاة ويجوز ان يكون الحق الذي يلزمه اعطاؤه عند الضرور إليه وقيل حق المسكين من الصدقة وابن السبيل من الضيافة تعالى ولا تبذر تبذيرا في التبذير قولان انه انفاق المال في غير حق قاله ابن مسعود وابن أنه وقال مجاهد لو انفق الرجل ماله كله في حق ما كان مبذرا ولو انفق مدا في غير حق كان مبذرا قال الزجاج التبذير النفقة في غير طاعة الله وكانت الجاهلية تنحر الابل وتبذر الاموال تطلب بذلك الفخر والسمعة فأمر الله عز وجل بالنفقة في وجهها فيما يقرب منه انه الإسراف المتلف للمال ذكره الماوردي وقال أبو عبيدة المبذر هو المسرف المفسد العائث وهو تعالى ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم إليه ويشا كلونهم صلى الله عليه وسلم في معصية الله وكان الشيطان لربه كفورا أي جاحدا لنعمه وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم تعالى واما تعرضن عنهم في المشار إليهم اربعة اقوال

[ 22 ]

انهم الذين تقدم ذكرهم من الاقار ب والمساكين وابناء السبيل قاله الاكثرون فعلى هذا في علة هذا الاعراض قولان احدهما الاعسار قاله الجمهور والثاني خوف انفاقهم ذلك في معصية الله قاله ابن زيد وعلى هذا في الرحمة قولان احدهما الرزق قاله الاكثرون والثاني انه الصلاح والتوبة هذا على قول ابن زيد انهم المشركون فالمعنى واما تعرضن عنهم لتكذيبهم قاله سعيد بن جبير فتحتمل إذا الرحمة وجهين احدهما انتظار النصر عليهم والثاني الهداة لهم انهم ناس من مزينة جاؤوا يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا اجد من أحملكم عليه فبكوا فنزلت هذه الاية قاله عطاء الخراساني إذا انها نزلت في خباب وبلال وعمار ومهجع ونحوهم من الفقراء كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد ما يعطيهم فيعرض عنهم ويسكت قاله مقاتل فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرزق تعالى فقل لهم قولا ميسورا قال أبو عبيدة لينا هينا وهو من اليسر وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال انه العدة الحسنة قاله ابن عباس والحسن ومجاهد انه القول الجميل مثل ان يقول رزقنا الله واياك قاله ابن زيد وهذا على ما تقدم من قوله والثالث انه المداراة لهم باللسان على قول من قال هم المشركون قاله أبو سليمان الدمشقي وعلى هذا القول تحتمل الآية النسخ تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ان

[ 23 ]

ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدرانه كان بعباده خبيرا بصيرا ولا تقتلو اولادكم خشية املاق نحن نرزقهم واياكم ان قتلهم كان خطأ كبيرا تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك سبب نزولها ان غلام جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان امي تسألك كذا وكذا قال ما عندنا اليوم شئ قال فتقول لك اكسني قميصك قال فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاسرا فنزلت هذه الاية قاله ابن مسعود وروى جابر فقال عبد الله نحو هذا فزاد فيه فأذن بلال للصلاة وانتظروه فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه بعضه فرأوه عريانا فنزلت هذه الاية والمعنى لا تمسك يدك عن البذل كل الامساك حتى كأنها مقبوضة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط في الاعطاء والنفقة فتقعد ملوما تلوم نفسك ويلومك الناس محسورا قال ابن قتيبة تحسرك أي العطية وتقطعك كما يحسر السفر البعير فيبقى منقطعا به قال الزجاج المحسور الذي قد بلغ الغاية في التعب والإعياء فالمعنى فتقعد وقد بلغت في الحمل على نفسك وحالك حتى صرت بمنزلة من قد حسر قال القاضي أبو يعلى وهذا الخطاب اريد به غير رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن يدخر شيئا لغد وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون فلم ينههم الله لصحة يقينهم وانما نهى من خيف عليه التحسر على ما خرج من يده فأما من وثق بوعد الله تعالى فهو غير مراد بالاية تعالى ان ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي يوسع على من يشاء ويضيق انه كان بعباده خبيرا بصيرا حيث أجرى أرزاقهم على ما علم فيه صلاحهم تعالى ولا تقتلوا اولادكم خشية املاق قد فسرناه في الانعام 151 تعالى كان خطءا كبيرا قرأ نافع وابو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خطءا مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة وقرأ ابن كثير وعطاء خطاء مكسورة الخاء ممدودة مهموزة وقرأ ابن عامر خطأ بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مد وقرأ أبو رزين كذلك إلا أنه مد وقرأ الحسن وقتادة خطءا بفتح الخاء وسكون الطاء مهموز مقصور وقرأ الزهري وحميد بن قيس خطا بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مد قال الفراء الخطء الإثم وقد يكون في معنى خطأ كما قالوا قتب وقتب وحذر وحذر ونجس ونجس والخط والخطاء والخطاء ممدود لغات وقال أبو عبيده خطئت وأخطأت لغتان وقال أبو علي قراءة ابن كثير خطاء يجوز أن تكون مصدر خاطأ وان لم يسمع خاطأ ولكن قد جاء ما يدل عليه انشد أبو عبيدة

[ 24 ]

والخطء والخطاء الاخفش خطئ يخطأ بمعنى أذنب وليس بمعنى أخطأ لأن اخطأ فيما لم يصنعه عمدا تقول فيما اتيته عمدا خطئت وفيما لم تتعمده أخطأت وقال ابن الانباري الخطء الإثم يقال قد خطئ يخطأ إذا أثم وأخطأ يخطئ إذا فارق الصواب وقد شرحنا هذا في يوسف 91 عند قوله وان كنا لخاطئين تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل انه كان منصورا تعالى ولا تقربو الزنا وقرأ أبو رزين وابو الجوزاء والحسن بالمد قال أبو عبيدة وقد يمد الزنا في كلام اهل نجد قال الفرزدق ابا ثنا حاضر من يزن يعرف زناؤه به ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا هذا ثم ايضا أخضبت رسول فعلك للزناء ولم تكن يوم اللقاء لتخضب الأبطالا ولا اخر كانت فريضة ما نقول كما كان الزناء فريضة الرجم تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قد ذكرناه في الانعام 151 تعالى فقد جعلنا قال الزجاج الأجود إدغام الدال مع الجيم والإظهار جيد بالغ إلا أن الجيم من وسط اللسان والدال من طرف اللسان والإدغام جائز لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان ووليه الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه فان لم يكن له ولي فالسلطان وليه في السلطان قولان انه الحجة قاله ابن عباس

[ 25 ]

والثاني انه الوالي والمعنى فقد جعلنا لوليه سلطانا ينصره وينصفه في حقه، قاله ابن زيد: قولى: فلا يسرف في القتل قرا ابن كثير وابو عمر وعاصم فلا يسرف بالياء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء وفي المشار إليه في الاية قولان احدهما انه ولي المقتول وفي المراد باسرافه لم خمسة اقوال احدها ان يقتل غير القاتل قاله بن عباس والحسن والثاني أن يقتل اثنين بواحد قاله سعيد بن بن جبير والثالث ان يقتل اشرف من الذي قتل قاله ابن زيد والرابع ان يمثل قاله قتادة والخامس ان يتولى هو قتل القاتل دون السلطان ذكره الزجاج ان الإشارة الى القاتل الأول والمعنى فلا يسرف القاتل بالقتل تعديا وظلما قاله مجاهد تعالى إن كان منصورا أي معانا عليه هاء الكناية اربعة اقوال انها ترجع إلى الولي فالمعنى انه كان منصورا بتمكينه من القود قال قتادة والجمهور انها ترجع الى المقتول فالمعنى انه كان منصورا بقتل قاتله قاله مجاهد انها ترجع الى الدم فالمعنى ان دم المقتول كان منصورا أي مطلوبا به انها ترجع الى القتل ذكر القولين الفراء تقربو مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن حدثنا ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

[ 26 ]

تعالى ولا تقربوا ما ل اليتيم قد شرحناه في الانعام 152 تعالى وأوفوا بالعهد وهو عام فيما بين العبد وبين ربه وفيما بينه وبين الناس قال الزجاج كل ما أمر اللبه ونهى عنه فهو من العهد تعالى كان مسؤولا قال ابن قتيبة أي مسؤولا عنه تعالى وأوفوا الكيل إذا كلتم أي أتموه ولا تبخسوا منه تعالى وزنوا بالقسطاس فيه خمس لغات أحدها قسطاس بضم القاف وسينين وهذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وأبن عامر وأبي بكر عن عاصم هاهنا وفي الشعراء 182 والثانية كذلك إلا أن القاف مكسورة وهذه قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال الفراء هما لغتان والثالثة قصطاص ابن بصادين والرابعة قصطاس قوله بصاد قبل الطاء وسين بعدها وهاتا مرويتان عن حمزة والخامسة قسطان بالنون قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال القسطاس الميزان رومي معرب ويقال قسطاس وقسطاس تعالى ذلك خير أي ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إليه وأحسن تأويلا أي عاقبة في الجزاء تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم قال الفراء أصل تقف من القيافة وهي تتبع الأثر وفيه لغتان قفا يقفو وقاف يقوف واكثر القراء يجعلونها من قفوت فيحرك الفاء الى الواو ويجزم القاف كما تقول لا تدع وقرأ معاذ القارئ لا تقف مثل تقل والعرب تقول قفت أثره وقفوت ومثله عاث وعثا وقاع الجمل الناقة وقعاها له إذا ركبها قال الزجاج من قرأ باسكان الفاء وضم القاف من قاف يقوف فكأنه مقلوب من قفا يقفو والمعنى واحد تقول قفوت الشئ أقفوه قفوا إذا تبعت أثره وقال ابن قتيبة لا تقف أي لا تتبعه الظنون والحدس وهو من القفاء مأخوذ كأنك تقفوا الأمور أي تكون في أقفائها وأواخرها تتعقبها والقائف الذي يعرف الآثار ويتبعها فكأنه مقلوب عن القافي في المراد به أربعة أقوال لا ترم أحدا بما ليس لك به علم رواه العوفي عن ابن عباس لا تقل رأيت ولم تر ولا سمعت ولم تسمع رواه عثمان بن عطا عن ابيه

[ 27 ]

ابن عباس وبه قال قتادة لا تشرك بالله شيئا رواه عطاء أيضا عن ابن عباس لا تشهد بالزور قاله محمد بن الحنفية تعالى ان السمع والبصر والفؤاد كأولئك قال الزجاج إنما قال كل ثم قال كان لأن كلا في لفظ الواحد وإنما قال أولئك لغير الناس لأن كل جمع أشرت إليه من الناس وغيرهم من الموات تشير إليه بلفظ أولئك قال جرير ذم المنازل بعد منزلة اللوى ذلك والعيش بعد أولئك الأيام المفسرون الإشارة الى الجوارح المذكورة يسأل العبد يوم القيامة فيما إذا محمد وفي هذا زجر عن النظر الى ما لا يحل والاستماع الى ما يحرم والعزم على مالا يجوز تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله الها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا قوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا وقرأ الضحاك وابن يعمر مرحا بكسر الراء قال الأخفش والكسر أجود لأن مرحا اسم الفاعل قال الزجاج وكلاهما في الجودة سواء غير أن المصدر أوكد في الاستعمال تقول جاء زيد ركضا وجاء زيد راكضا ف ركضا أوكد في الاستعمال لأنه يدل على توكيد الفعل وتأويل الاية لا تمش في الأرض مختالا فخورا والمرح الأشر والبطر وقال ابن فارس المرح شدة الفرح تعالى إنك لن تخرق الأرض فيه قولان لن تقطعها إلى آخرها والثاني لن تنفذها وتنقبها إلى قال ابن عباس لن تخرق الأرض بكبرك ولن تبلغ الجبال طولا بعظمتك قال ابن قتيبة والمعنى لا ينبغي للعاجز ان يبذخ ويستكبر تعالى كل ذلك كان سيئه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو سيئه منونا غير مضاف على معنى كان خطيئة فعلى هذا يكون قوله كل ذلك إشارة الى المنهي عنه من المذكور فقط وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي سيئه مضافا مذكرا فتكون

[ 28 ]

لفظة كل يشار بها الى سائر ما تقدم ذكره وكان أبو عمرو لا يرى هذه القراءة قال الزجاج وهذا غلط من أبي عمرو لأن في هذه الأقاصيص سيئا وحسنا وذلك أن فيها الامر ببر الوالدين وإيتاء ذي القربى والوفاء بالعهد ونحو ذلك فهذه القراءة أحسن من قراءة من نصب السيئة وكذلك قال أبو عبيدة تدبرت الآيات من قوله تعالى وقضى ربك فوجدت فيها أمورا حسنة وقال أبو علي من قرأ سيئة رأى أن الكلام انقطع عند قوله وأحسن تأويلا وأن قوله ولا تقف لا حسن فيه تعالى ذلك مما أوحى اليك ربك يشير الى ما تقدم من الفرائض والسنن من الحكمة أي من الأمور المحكمة والأدب الجامع لكل خير وقد سبق معنى المدحور الاعراف أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين قال مقاتل نزلت في مشركي العرب الذين قالوا الملائكة بنات الرحمن وقال أبو عبيدة ومعنى أفأصفاكم اختصكم وقال المفضل أخلصكم وقال الزجاج أختار لكم صفوة الشئ وهذا توبيخ للكفار والمعنى أختار لكم البنين دونه وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه فاختصكم كان بالأعلى وجعل لنفسه الأدون صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا تعالى ولقد صرفنا معنى التصريف هاهنا التبيين وذلك انه أبو يصرف القول ليبين وقال ابن قتيبة صرفنا بمعنى وجهنا وهو من قولك صرفت إليك كذا أي عدلت به اليك كذا وشدد للتكثير كما تقول فتحت الأبواب تعالى ليذكروا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ليذكروا مشدد وقرأ حمزة والكسائي وخلف ليذكروا مخفف وكذلك قرؤوا في الفرقان 50 والتذكر والتدبر وما يزيدهم تصريفنا وتذكيرنا أو إلا نفورا قال ابن عباس ينفرون من الحق ويتبعون الباطل

[ 29 ]

لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا تعالى قل لو كان معه آلهة كما يقولون قرأ نافع وأبو عمرو وأبن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم تقولون بالتاء وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم يقولون بالياء تعالى إذالابتغوا إلى ذي العرش سبيلا فيه قولان لابتغوا سبيلا الى ممانعته وإزالة ملكه قاله الحسن وسعيد بن جبير لابتغوا سبيلا الى رضاه لأنهم دونه قاله قتادة تعالى عما يقولون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر وحفص عن عاصم يقولون بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء قوله تعالى تسبح له السموات السبع قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم تسبح بالتاء وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم يسبح بالياء قال الفراء وإنما حسنت الياء هاهنا لأنه عدد قليل وإذا قل العدد من المؤنث والمذكر كانت الياء فيه أحسن من التاء قال عز وجل في المؤنث القليل وقال نسوة يوسف 30 وقال في المذكر فإذا انسلخ الاشهر الحرم التوبه 5 قال العلماء والمراد بهذا التسبيح الدلالة على أنه الخالق القادر تعالى وإن من شئ الا يسبح بحمده إن بمعنى ما وهل هذا على إطلاقه ام لا فيه قولان أنه على إطلاقه فكل شئ يسبحه حتى الثوب والطعام وصرير الباب قاله إبراهيم النخعي انه عام يراد به الخاص ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه كل شئ فيه الروح قاله الحسن وقتادة والضحاك والثاني أنه كل ذي روح وكل نام من شجر أو نبات قال عكرمة الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح وجلس الحسن على طعام فقدموا الخوان فقيل أيسبح هذا الخوان فقال قد كان يسبح مرة والثالث أنه كل شئ لم يغير عن حاله فإذا تغير انقطع تسبيحه روى خالد بن معدان عن

[ 30 ]

لمقدام بن معدي كرب قال إن التراب ليسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الورقة تسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح وان الثوب ليسبح ما دام جديدا فإذا توسخ ترك التسبيح تسبيح الحيوان الناطق فمعلوم وتسبيح الحيوان غير الناطق فجائز ان يكون بصوته وجائز ان يكون بدلالته على صانعه تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال انه تسبيح لا يعلمه الا الله والثاني أنه خضوعه وخشوعه لله والثالث أنه دلالته على صانعه فيوجب ذلك تسبيح مبصره عبد فان قلنا إنه تسبيح حقيقة كان قوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم لجميع الخلق وإن قلنا إنه دلالته على صانعه كان الخطاب للكفار لأنهم لا يستدلون ولا يعتبرون وقد شرحنا معنى الحليم والغفور في البقرة 225 قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين ل يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا وقالواء إذا كنا عظاما ورفاتاء إنا لمبعوثون خلقا جديدا قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم الا قليلا

[ 31 ]

تعالى حجابا مستورا فيه ثلاثة أقوال ان الحجاب هو الأكنة على قلوبهم قاله قتادة أنه حجاب يستره فلا ترونه وقيل إنها نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن قال الكلبي وهم أبو سفيان والنضر ابن الحارث وابو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب فحجب الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن فكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه انه منع الله عز وجل إياهم عن أذاه حكاه الزجاج معنى مستورا قولان أنه بمعنى ساتر قال الزجاج وهذا قول أهل اللغة قال الأخفش وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول كما تقول إنك مشؤوم علينا وميمون علينا وإنما هو شائم ويامن لأنه من شأمهم ويمنهم أن المعنى حجابا مستورا عنكم لا ترونه ذكره الماوردي وقال ابن الأنباري إذا قيل الحجاب هو الطبع على قلوبهم فهو مستور عن الأبصار فيكون مستورا باقيا على لفظه تعالى وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه قد شرحناه في الأنعام 25 تعالى وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني قلت لا إله إلا الله وأنت تتلو لقرآن ولوا على أدبارهم قال أبو عبيدة أي على أعقابهم نفورا وهو جمع نافر بمنزلة قاعد وقعود وجالس وجلوس وقال الزجاج تحتمل مذهبين أحدهما المصدر فيكون المعنى ولوا نافرين نفورا والثاني ان يكون نفورا جمع نافر المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني انهم المشركون وهذا مذهب ابن زيد تعالى نحن أعلم بما يستمعون به قال المفسرون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه عليه السلام ان يتخذ طعاما ويدعو إليه أشراف قريش من المشركين ففعل ذلك ودخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن ودعاهم الى التوحيد وكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم هو ساحر هو مسحور فنزلت هذه الآية نحن أعلم بما يستمعون به أي يستمعونه والباء زائدة إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى قال أبو عبيدة هي مصدر من

[ 32 ]

ناجيت واسم منها فوصف القوم بها والعرب تفعل ذلك كقولهم انما هو عذاب وانتم غم فجاءت في موضع متناجين وقال الزجاج والمعنى وإذ هم ذوو نجوى وكانوا يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون بينهم هو ساحر وهو مسحور وما أشبه ذلك من القول تعالى إذ يقول الظالمون يعني أولئك المشركون إن تتبعون أي ما تتبعون الا رجلا مسحورا وفيه ثلاثة أقوال أنه الذي سحر فذهب بعقله قاله أبو صالح نع ابن عباس مخدوعا مغرورا قاله مجاهد له سحر أي رئة وكل دابة أو طائر أو بشر يأكل فهو مسحور ومسحر لأن له سحرا قال لبيد فان تسألينا فيم نحن فاننا أبي عصافير (من هذا الأنام المسحر ما امرؤ القيس أرانا لا مرصدين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب أي نغذى لأن أهل السماء يأكلون فأراد أن يكون ملكا فعلى هذا يكون المعنى إن تتبعون إلا رجلا له سحر خلقه الله كخلقكم وليس بملك وهذا قول ابي عبيدة ابن قتيبة والقول قول مجاهد أي مخدوعا لأن السحر حيلة وخديعة ومعنى قول لبيد المسحر المعلل وقول امرئ القيس ونسحر أي نعلل وكأنا نخدع والناس يقولون سحرتني بكلامك أي خدعتني ويدل عليه قوله انظر كيف ضربوا لك الأمثال لانهم لو أرادوا رجلا ذا رئة لم يكن في ذلك مثل ضربوه فلما أرادوا مخدوعا كأنه بالخديعة سحر كان مثلا ضربوه وكأنهم ذهبوا الى اقوما يعلمونه ويخدعونه قال المفسرون ومعنى ضربوا لك الأمثال بينوا لك الأشباه حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون فضلوا عن الحق فلا يستطيعون سبيلا فيه ثلاثة اقوال لا يجدون سبيلا الى تصحيح ما يعيبونك أن به لا يستطيعون سبيلا الى الهدى لأنا طبعنا على قلوبهم لا يأتون سبيل الحق لثقله عليهم ومثله قولهم لا أستطيع أن انظر الى فلان يعنون أنا مبغض له فنظري على إليه يثقل ذكرهن ابن الأنباري تعالى أئذا كنا عظاما قرأ ابن كثير أيذا بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد أينا مثله وكذلك في كل القرآن وكذلك روى قالون عن نافع الا ان نافعا كان لا يستفهم في أينا كان يجعل الثاني الله في كل القرآن وكذلك مذهب الكسائي غير أنه يهمز الأولى

[ 33 ]

همزتين وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا وقرأ ابن عامر إذا كنا بغير استفهام بهمزة واحدة آئنا بهمزتين يمد بينهما مدة تعالى ورفاتا فيه قولان أنه التراب ولا واحد له فهو بمنزلة الدقاق والحطام قاله الفراء وهو مذهب مجاهد أنه العظام ما لم تتحطم والرفات الحطام قاله أبو عبيدة وقال الزجاج الرفات التراب والرفات كل شئ حطم وكسر وخلقا جديدا في معنى مجددا تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فيه ثلاثة أقوال أنه الموت قاله ابن عمر وابن عباس والحسن والاكثرون انه السماء والارض والجبال قاله مجاهد انه ما يكبر في طصدوركم من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى قاله قتادة قيل كيف قيل لهم كونوا حجارة أو حديداوهم لا يقدرون على ذلك فعنه جوابان إن قدرتم على تغير حالاتكم فكونوا حجارة أاشد منها فانا نميتكم وننفذ أحكامنا فيكم ومثل هذا قولك للرجل اصعد الى السماء فاني لاحقك تصوروا أنفسكم حجارة أو اصلب منها فانا سنبيدكم قال قال الاحوص إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا عن فتصور نفسك حجرا وهؤلاء قوم اعترفوا ان الله خالقهم وجحدوا البعث فأعلموا االذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم تعالى فسينغضون إليك رؤوسهم قال قتادة يحر كونها تكذيبا واستهزاء قال الفراء يقال أنغض رأسه إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل وقال ابن قتيبة المعنى يحر كونها كما يحرك الآيس من الشئ والمستبعد من له رأسه يقال نغضت سنه إذا تحركت تعالى ويقولون متى هو يعنون البعث قل عسى ان يكون قريبا أي هو قريب ثم بين متى يكون فقال يوم يدعوكم يعني من القبور بالنداء الذي يسمعكم وهو النفخة

[ 34 ]

الأخيرة فتستجيبون أي تجيبون قال مقاتل يقوم إسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن فيقول أيتها العظام البالية وأيتها اللحوم المتمزقة وأيتها الشعور المتفرقة وأيتها العروق المتقطعة اخرجوا الى فصل القضاء لتجزوا في بأعمالكم فيسمعون الصوت فيسعون إليه معنى بحمده اربعة أقوال بأمره قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد يخرجون من القبور وهم يقولون سبحانك وبحمدك قاله سعيد بن جبير بن ان معنى بحمده بمعرفته وطاعته قاله قتادة قال الزجاج تستجيبون مقرين انه خالقكم تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم ذكره الماوردي تعالى وتظنون إن لبثتم إلا قليلا في هذا الظن قولان انه بمعنى اليقين انه على اصله وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا فيه ثلاثة أقوال أحدها بين النفختين ومقداره أربعون سنة ينقطع في ذلك العذاب عنهم فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني في الدنيا لعلمهم بطول اللبث في الآخرة قاله الحسن والثالث في القبور قاله مقاتل فعلى هذا انما قصر اللبث في القبور عندهم لأنهم خرجوا الى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور وقد ذهب بعض المفسرين الى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين لأنهم يجيبون المنادي وهم يحمدون الله على إحسانه إليهم ويستقلون مدة اللبث في القبور لأنهم كانوا غير معذبين هذه لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا إ تعالى وقل عبادي يقولوا التي هي أحسن في سبب نزولها قولان أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بالقول والفعل فشكوا

[ 35 ]

ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية قاله أبو صالح عن ابن عباس أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب فهم به عمر رضي الله عنه فنزلت هذه الاية قاله مقاتل والمعنى وقل لعبادي المؤمنين يقولوا الكلمة التي هي احسن واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين أنهم المشركون قال الحسن تقول له يهديك الله وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول وذهب بعضهم الى انهم امروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم ثم نسخت هذه الآية بآية السيف أنهم المسلمون قاله ابن جرير والمعنى وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة وقد روى مبارك عن الحسن قال التي هي أحسن أن يقول له مثل قوله ولكن يقول له يرحمك الله ويغفر الله لك قال الأخفش وقوله يقولوا مثل قوله يقيموا الصلاة وقد شرحنا ذلك في سورة ابراهيم 31 تعالى إن الشيطان ينزع بينهم أي يفسد ما بينهم والعدو المبين الظاهر العداوة سنة أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا تعالى ربكم أعلم بكم فيمن خوطب بهذا قولان أنهم المؤمنون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عمرو عليكم رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني إن يشأ يرحمكم بالتوبة أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب قاله الحسن قبل انهم المشركون ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ان يشأ يرحكم فيهديكم يحيى للإيمان أو إن يشأ يعذبكم فيميتكم على الكفر قاله مقاتل والثاني انه لما نزل القحط بالمشركين فقالوا ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون الدخان 12 قال الله تعالى ربكم أعلم بكم من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن إن يشأ يرحمكم فيكشف القحط عنكم أو إن يشأ يعذبكم فيتركه عليكم ذكره أبو سليمان الدمشقي قال ابن الأنباري

[ 36 ]

وأو هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى وأنه لا يرد عنهما فكانت ملحقة ب أو المبيحة فقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين يعنون قد وسعنا لك الأمر تعالى وما أرسلناك عليهم وكيلا فيه ثلاثة أقوال كفيلا تؤخذ بهم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني حافظا وربا قاله الفراء والثالث كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم ذكره ابن الأنباري وذهب بعض المفسرين الى أن هذا منسوخ بآية السيف الرحمن أعلم بمن السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا تعالى وربك أعلم بمن في السموات والارض لأنه خالقهم فهدى من شاء وأضل من شاء وكذلك فضل بعض النبيين على بعض وذلك عن حكمة منه وعلم فخلق آدم بيده ورفع إدريس وجعل الذرية لنوح واتخذ ابراهيم خليلا وموسى كليما وجعل عيسى روحا وأعطى سليمان ملكا جسيما ورفع محمدا صلى الله عليه وسلم فوق السموات وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب لأنه ختم الكلام بقوله وآتينا داود زبورا وقد شرحنا معنى الزبور في سورة النساء 163 ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا وكان قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه في سبب نزولها قولان أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجن والنفر من العرب لا يشعرون فنزلت هذه الآية والتي بعدها روي عن ابن مسعود والثاني أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هي تشفع لنا عند الله فلما ابتلوا

[ 37 ]

بالقحط سبع سنين قيل لهم ادعوا الذين زعمتم قاله مقاتل والمعنى قل ادعوا الذين زعمتم انهم آلهة فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا له الى غيركم تعالى أولئك الذين يدعون في المشار إليهم ب أولئك ثلاثة أقوال أحدها أنهم الجن الذين أسلموا والثاني الملائكة وقد سبق بيان روى والثالث أنهم المسيح وعزير والملائكة والشمس والقمر قاله ابن عباس وفى معنى يدعون قولان يعبدون أي يدعونهم آلهة وهذا قول الأكثرين أنه بمعنى يتضرعون الى الله في طلب الوسيلة وعلى هذا يكون قوله يدعون راجعا الى أولئك ويكون قوله يبتغون تماما للكلام وعلى القول الأول يكون يدعون راجعا الى المشركين ويكون قوله يبتغون وصفا ل أولئك مستأنفا وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن تدعون بالتاء قال ابن الأبناري ولم فعلى هذا الفعل مردود إلى قوله فلا يملكون كشف الضرعنكم ومن قرأ يدعون بالياء قال العرب تنصرف من الخطاب الى الغيبة إذا أمن اللبس ومعنى يدعون يدعونهم ألهة وقد فسرنا معنى الوسيلة في المائدة 35 قوله أيهم أقرب قولان ذكرهما الزجاج أن يكون أيهم مرفوعا بالابتداء وخبره أقرب ويكون المعنى يطلبون إليه فيتوسلون الى الله به أن يكون أيهم أقرب بدلا من الواو فيبتغون فيكون المعنى يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله أي يتقرب إليه بالعمل الصالح من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديد اكان ذلك في الكتاب مسطورا تعالى وإن من قرية إلا نحن مهلكوها إن بمعنى ما والقرية الصالحة هلاكها بالموت والعاصية بالعذاب والكتاب اللوح المحفوظ والمسطور المكتوب

[ 38 ]

بين منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات سبب نزولها فيه قولان ان أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا فقيل له إن شئت أتستأني بهم لعلنا نجتبي منهم وإن شئت نؤتيهم الذي سألوا فان كفروا أهلكوا كما أهلك من كان قبلهم قال لا بل أستأني بهم فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قد ذكرناه عن الزبير في قوله ولو أن قرآنا سيرت به الجبال الرعد 31 ومعنى الآية وما منعنا إرسال الآيات التي سألوها الا تكذيب الأولين يعني أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولون العذاب فلم يرسلها لئلا يكذب بها هؤلاء فيهلكوا كما هلك اولئك وسنة الله في الأمم أنهم إذا سألوا الآيات ثكذبوا بها عذبهم تعالى وآتينا ثمود الناقة مبصرة قال ابن قتيبة أي بينة يريد مبصرا بها قال ابن الأنباري ويجوز أن تكون مبصرة ويصلح أن يكون المعنى مبصر مشاهدوها أهل فنسب إليها فعل غيرها تجوزا كما يقال لا أرينك هاهنا فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه إذ المعنى لا تحضر هاهنا حتى حديث جئت لم أرك فيه ومن قرأ مبصرة بفتح الميم والصاد فمعناه المبالغة في وصف الناقة بالتبيان كقولهم الولد مجبنة تعالى فظلموا بها قال ابن عباس فجحدوا بها وقال الأخفش بها كان ظلمهم تعالى وما نرسل بالآيات إلا تخويفا أي نخوف العباد ليتعظوا وللمفسرين في المراد بهذه الآيات أربعة أقوال أنها الموت الذريع قاله الحسن والثاني معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفا للمكذبين إ والثالث آيات الانتقام تخويفا من المعاصي والرابع تقلب أحوال الإنسان من صغر إلى شباب ثم إلى كهولة ثم إلى مشيب ليعتبر بتقلب أحواله فيخاف عاقبة أمره ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي ونسب القول الأخير منها إلى إمامنا أحمد رضي الله عنه

[ 39 ]

قلنا لك إن ربك أحاطب الناس وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا تعالى وإذ قلنا لك إن ربك أحاب الناس فيه ثلاثة أقوال أحاط علمه بالناس قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الربيع ابن انس وقال مقاتل أحاط علمه بالناس يعني أهل مكة أن يفتحها لرسوله صلى الله عليه وسلم والثاني أحاطت قدرته بالناس فهم في قبضته قاله مجاهد حال بينك وبين الناس أن يقتلوك لتبلغ رسالته قاله الحسن وقتادة تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس في هذه الرؤيا قولان أنها رؤيا عين وهي ما رأى ليلة أسري به من العجائب والآيات روى عكرمة عن ابن عباس قال هي رؤيا عين رآها ليلة أسري به وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة ومسروق والنخعي وقتادة وأبو مالك وأبو صالح وابن جريج وابن زيد في آخرين فعلى هذا يكون معنى الفتنة الاختبار فان قوما آمنوا بما قال وقوما كفروا قال ابن الأنباري المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة ولا فرق بين أن يقول القائل رأيت فلانا رؤية ورأيته رؤيا إلا أن الرؤية يقل استعمالها في المنام والرؤيا يكثر استعمالها في المنام ويجوز كل واحد منهما في المعنيين أنها رؤيا منام ثم فيها قولان أحدهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند قد أرى انه يدخل مكة هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجل قبل الأجل فرده المشركون فقال أناس قد رد وكاحدثنا أنه سيدخلها فكان رجوعهم فتنتهم رواه العوفي عن ابن عباس وهذا لا ينافي حديث المعراج لأن هذا كان بالمدينة والمعراج كان بمكة قال أبو سليمان الدمشقي وإنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في الإخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه والمنافقين بالمدينة افتتنوا برؤيا نومه والثاني أنه أري بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها فسري عنه فالفتنة هاهنا البلاء رواه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب وإن كان مثل هذا لا يصح ولكن قد ذكره عامة المفسرين

[ 40 ]

ابن الأنباري أن سعيد بن المسيب قال رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما على منابر فشق ذلك عليه وفيه نزل والشجرة الملعونة في القرآن قال ومعنى قوله إلا فتنة للناس إلا بلاء للناس قال ابن الأنباري فمن ذهب الى أن الشجرة رجال رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه يصعدون على المنابر احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة لتأنيثها وعن الجماعة لاجتماع أغصانها قالوا ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة قال المفسرون وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وما جعلنا الرؤيا والشجرة إلا فتنة للناس هذه الشجرة ثلاثة أقوال أنها شجرة الزقوم رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومسروق والنخعي والجمهور وقال مقاتل لما ذكر الله تعالى شجرة الزقوم قال أبو جهل يا معشر قريش ان محمدا يخوفكم بشجرة الزقوم ألستم تعلمون ان النار تحرق الشجر ومحمد يزعم ان النار تنبت الشجر فهل تدرون ما الزقوم فقال عبد الله بن الزبعرى إن الزقوم بلسان بربر التمر والزبد فقال أبو جهل يا جارية ابغينا لأنه تمرا وزبدا فجاءته به فقال لمن حوله تزقموا من هذا الذي يخوفكم به محمد فأنزل الله تعالى ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا قال ابن قتيبة كانت فتنتهم بالرؤيا قولهم كيف يذهب الى بيت المقدس ويرجع في ليلة وبالشجرة قولهم كيف يكون في النار شجرة أخبرنا في معنى الملعونة ثلاثة اقوال احدها المذمومة قاله ابن عباس والثاني الملعون آكلها ذكره الزجاج وقال ان لم يكن في القرآن ذكر لعنها ففيه لعن أكليها قال والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون فأما قوله في القرآن فالمعنى التي ذكرت في القرآن وهي مذكورة في قوله إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الدخان 4344 والثالث أن معنى الملعونة المبعدة عن منازل اهل الفضل ذكره ابن الانباري يا الثاني ان الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر يعني الكشوثى وهذا مروي عن ابن عباس ايضا ان الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب تعالى ونخوفهم قال ابن الأنباري مفعول نخوفهم محذوف تقديره

[ 41 ]

ونخوفهم العذاب فما يزيدهم أي فما يزيدهم التخويف إلا طغيانا وقد ذكرنا معنى الطغيان في البقرة 15 وذكرنا هناك تفسير قوله قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس البقرة 34 قلنا للملئكة اسجددوا لو لآدم فسجدوا إلا إبليس قال ءأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن اخرتن يكون الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فان جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا تعالى آسجد قرأه الكوفيون بهمزتين وقرأه الباقون بهمزة مطولة وهذا استفهام انكار يعني به لم أكن لأفعل تعالى لمن خلقت طينا قال الزجاج طينا منصوب على وجهين أحدهما التمييز المعنى لمن خلقته من طين والثاني على الحال المعنى أنشأته في حال كونه من طين ولفظ قال أرأيتك جاء هاهنا بغير حرف عطف لأن المعنى قال آسجد لمن خلقت طينا وأرأيتك وهي في معنى أخبرني والكاف ذكرت في المخاطبة توكيدا والجواب محذوف والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت علي لم كرمته علي وقد خلقتني من نار وخلقته من طين فحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه تعالى لئن أخرتن الى يوم القيامة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر أخرتني بياء في الوصل وقف أبن كثير بالياء وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في وصولا في وقف

[ 42 ]

تعالى لأحتنكن ذريته فيه ثلاثة أقوال لأستولين عليهم قاله ابن عباس والفراء والثاني لأضلنهم قاله ابن زيد والثالث لأستأصلنهم يقال احتنك الجراد ما على الأرض إذا أكله واحتنك فلان ما عند فلان من العلم إذا استقصاه فالمعنى لأقودنهم كيف شئت هذا قول ابن قتيبة قيل من أين علم الغيب فقد اجبنا عنه في سورة النساء 119 تعالى إلا قليلا قال ابن عباس هم أولياء الله الذين عصمهم تعالى قال اذهب هذا اللفظ يتضمن إنظاره فمن تبعك أي تبع أمرك منهم يعني ذرية آدو الموفور الموفر قال ابن قتيبة يقال وفرت ماله عليه ووفرته بالتخفيف والتشديد مع تعالى واستفزز من استطعت منهم قال ابن قتيبة استخف ومنه تقول استفزني فلان وفي المراد بصوته قولان أحدهما انه كل داع دعا الى معصية الله قاله ابن عباس والثاني انه الغناء والمزامير قاله مجاهد تعالى وأجلب عليهم أي صح بخيلك ورجلك واحثثهم عليهم بالإغراء يقال أجلب القوم وجلبوا إذا صاحوا وقال الزجاج المعنى اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك فعلى هذا تكون الباء زائدة قال ابن قتيبة والرجل الرجالة يقال راجل ورجل مثل تاجر وتجر وصاحب وصحب قال ابن عباس كل خيل تسير في معصية الله وكل رجل يسير في معصية الله وقال قتادة ان له خيلا ورجلا من الجن والانس وروى حفص عن عاصم بخيلك ورجلك بكسر الجيم وهي قراءة ابن عباس وابي رزين وأبي عبد الرحمن السلمي قال أبو زيد يقال رجل رجل للراجل ويقال جاءنا حافيا رجلا وقرأ ابن السميفع والجحدري بخيلك ورجالك برفع الراء وتشديد الجيم مفتوحة وبألف بعدها وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة ور جالك سعيد بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف قوله تعالى وشاركهم في الأموال فيه اربعة أقوال

[ 43 ]

انها ما كانوا يحرمونه من انعامهم رواه عطية عن ابن عباس والثاني الأموال التي اصيبت من حرام قاله مجاهد والثالث التي انفقوها في معاصي الله قال الحسن والرابع ما كانوا يذبحون لألهتهم قاله الضحاك مشاركته إياهم في الأولاد ففيها أربعة أقوال أنهم أولاد الزنا رواه عطية عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك الموؤودة من أولادهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس انه تسمية اولادهم عبيدا لأوثانهم كعبد شمس وعبد العزى وعبد مناف رواه أبو صالح عن ابن عباس ما مجسوا وهودوا ونصروا وصبغوا من أولادهم غير صبغة الإسلام قاله الحسن وقتادة تعالى وعدهم قد ذكرناه في قوله يعدهم ويمنيهم الى آخر الآية النساء 120 وهذه الآية لفظها لفظ الأمر ومعناها التهديد ومثلها في الكلام أن تقول للإنسان أجهد جهدك فسترى ما ينزل بك قال الزجاج إذا تقدم الأمر نه عما يؤمر به فمعناه التهديد والوعيد تقول للرجل لا تدخلن هذه الدار فإذا حاول ان يدخلها قلت ادخلها وانت رجل فلست تأمره بدخولها ولكنك توعده وتهدده ومثله اعملوا ما شئتم فصلت 40 وقد نهوا ان يعملوا بالمعاصي وقال ابن الانباري هذا أمر معناه التهديد تقديره إن فعلت هذا عاقبناك وعذبناك بكر فنقل الى لفظ الأمر عن الشرط كقوله فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر الكهف تعالى ان عبادي ليس لك عليم سلطان قد شرحناه في الحجر 42 قوله تعالى وكفى بربك وكيلا قال الزجاج كفى به وكيلا لأوليائه يعصمهم من القبول من إبليس ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما وإذا

[ 44 ]

مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجكم قد إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا أفامنتم وفي أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوالكم علينا به تبيعا ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا قوله تعالى ربكم الذي يزجي لكم الفلك أي يسيرها قال الزجاج يقال زجيت كل الشئ أي قدمته قوله تعالى من فضله في طلب التجارة وفي من ثلاثة أقوال أحدها أنها زائدة والثاني أنها للتبعيض والثالث أن المفعول محذوف والتقدير لتبتغوا من فضله الرزق والخير ذكرهن ابن الأنباري قوله تعالى إنه كان بكم رحيما هذا الخطاب خاص للمؤمنين ثم خاطب المشركين فقال وإذا مسكم الضر في البحر يعني خوف الغرق يضل من تدعون أي يضل من يدعون من الآلهة إلا الله تعالى ويقال ضل بمعنى غاب يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب والمعنى أنكم أخلصتم الدعاء لله ونسيتم الأنداد وقرأ مجاهد وأبو المتوكل ضل من يدعون بالياء فلما نجاكم إلى البر اعرضتم عن الإيمان والإخلاص وكان الإنسان يعني الكافر كفورا بنعمة ربه أفأمنتم إذا خرجتم من البحر أن يخسف بكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو نخسف بكم أو نرسل أن نعيدكم فنرسل فنغرقكم بالنون في الكل وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالياء في الكل ومعنى نخسف بكم جانب البر أي نغيبكم ونذهبكم في ناحية البر والمعنى إن حكمي نافذ في البنفوذه في البحر أو نرسل عليكم حاصبا فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الحاصب حجارة من السماء قاله قتادة

[ 45 ]

والثاني أنه الريح العاصف تحصب قاله أبو عبيدة وأنشد للفرزدق مستقبلين شمال الريح تضربهم فلا بحاصب منه كنديف القطن منثور وقال ابن قتيبة الحاصب الريح سميت بذلك لأنها تحصب أي ترمي بالحصباء وهي الحصى الصغار وقال ابن الأنباري قال اللغويون الحاصب الريح التي فيها الحصى وإنما قال في الريح حاصبا ولم يقل حاصبة لأنه وصف لزم الريح ولم يكن لها مذكر تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة قولهم حائض للمرأة حين لم يقل رجل حائض قال وفيه جواب آخر وهو أن نعت الريح عري من علامة التأنيث فأشبهت بذلك أسماء المذكر كما قالوا السماء أمطر والأرض أنبت أن الحاصب التراب الذي فيه حصباء قاله الزجاج قوله تعالى ثم لا تجدوا لكم وكيلا أي مانعا وناصرا قوله تعالى أم أمنتم أن يعيدكم فيه أي في البحر تارة أخرى أي مرة أخرى والجمع تارات فيرسل عليكم قاصفا من الريح قال أبو عبيدة هي التي تقصف كل شئ قال ابن قتيبة القاصف الريح التي تقصف الشجر أي تكسره قوله تعالى فيغرقكم وقرأ أبو المتوكل وأبو جعفر وشيبة ورويس فتغرقكم بالتاء وسكون الغين وتخفيف الراء وقرا أبو الجوزاء وأيوب فيغرقكم بالياء وفتح الغين وتشديدها وقرأ أبو رجاء مثله إلا انه بالتاء بما كفرت أي بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا قال ابن قتيبة أي من يتبع بدمائكم أي يطالبنا قال عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما العذاب أربع اثنتان في البر واثنتان ف البحر فاللتان في البر الصرصر والعقيم واللتان في البحر العاصف والقاصف قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم أي فضلناهم قال أبو عبيدة وكرمنا اشد مبالغة من أكرمنا وللمفسرين فيما فضلوا به أحد عشر قولا أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة جبريل وميكائيك: وإسرافيل وملك الموت وأشباههم قاله أبو صالح عن ابن عباس فعلى هذا يكون المراد المؤمنين منهم ويكون تفضيلهم بالإيمان والثاني أن سائر الحيوان يأكل بفيه إلا ابن آدم فانه يأكل بيده رواه ميمون بن مهران

[ 46 ]

عن ابن عباس وقال بعض المفسرين المراد بهذا التفضيل أكلهم بأيديهم ونظافة ما يقتاتونه إذ الجن يقتاتون العظام والروث والثالث فضلوا بالعقل روي عن ابن عباس والرابع بالنطق والتمييز قاله الضحاك والخامس بتعديل القامة وامتدادها قاله عطاء والسادس بأن جعل محمدا صلى الله عليه وسلم منهم قاله محمد بن كعب والسابع فضلوا بالمطاعم واللذات في الدنيا قاله زيد بن أسلم والثامن بحسن الصورة قاله يمان والتاسع بتسليطهم على غيرهم من الخلق وتسخير سائر الخلق لهم قاله محمد بن جرير والعاشر بالأمر والنهي ذكره الماوردي والحادي عشر بأن جعلت اللحى للرجال والذوائب للنساء ذكره الثعلب قيل كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل وفيهم الكافر المهان فالجواب من وجهين احدهما أنه عامل الكل معاملة المكرم بالنعم الوافرة والثاني غير انه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة أجرى الصفة على جماعتهم كقوله كنتم خيرة أمة أخرجت للناس آل عمران 110 تعالى وحملناهم في البر على أكباد رطبة وهي الإبل والخيل والبغال والحمير وفي البحر على أعواد يابسة وهي السفن ورزقناهم من الطيبات فيه قولان الحلال والثاني المستطاب في الذوق تعالى وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فيه قولان انه على لفظه وأنهم لم يفضلوا على سائر المخلوقات وقد ذكرنا أحمد ابن عباس انهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة وقال غيره بل الملائكة أفضل أن معناه وفضلناهم على جميع من خلقنا والعرب تضع الأكثر والكثير في موضع الجمع كقوله يلقون السمع وأكثرهم كاذبون الشعراء 223 وقد روى أبو هريرة عن رسول الله

[ 47 ]

صلى الله عليه وسلم انه قال المؤمن أكرم على الله عز وجل من الملائكة الذين عنده ندعوا كل اناس بامامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا قوله تعالى ندعو قال الزجاج هو منصوب على معنى اذكر يوم ندعو كل اناس بامامهم والمراد به يوم القيامة وقرا الحسن البصري يوم يدعو بالياء كل بالنصب وقرأ أبو عمران الجوني يوم يدعى بياء مرفوعة وفتح العين وبعدها ألف كل بالرفع وفي المراد بامامهم أربعة أقوال أنه رئيسهم قاله أبو صالح عن بن عباس وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال إمام هدى أو إمام ضلالة والثاني عملهم رواه عطية عن ابن عباس وبه قال الحسن وأبو العالية نبيهم قاله أنس بن مالك وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد في رواية والرابع كتابهم قاله عكرمة ومجاهد في رواية ثم فيه قولان أحدهما انه كتابهم الذي فيه أعمالهم قاله قتادة ومقاتل والثاني كتابهم الذي أنزل عليهم قاله الضحاك وابن زيد فعلى القول الأول يقال يا متبعي موسى يا متبعي عيسى يا متبعي محمد ويقال يا متبعي رؤساء الضلالة وعلى الثاني يا من عمل كذا وكذا وعلى الثالث يا أمة موسى يا امة عيسى يا أمة محمد وعلى الرابع يا أهل التوراة يا أهل الإنجيل يا أهل القرآن أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا تعالى فأولئك يقرؤون كتابهم معناها يقرؤون حسناتهم لأنهم أخذوا كتبهم بأيمانهم تعالى ولا يظلمون فتيلا أي لا ينقصون من ثوابهم بقدر الفتيل وقد بيناه في سورة النساء 49

[ 48 ]

تعالى ومن كان في هذه اعمى قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أعمى فهو في الآخرة أعمى مفتوحتي الميم وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين وقرأ أبو عمرو في هذه أعمى بكسر الميم فهو في الأخرة أعمى بفتحها المشار إليها ب هذه قولان أنها الدنيا قاله مجاهد ثم في معنى الكلام خمسة أقوال أحدها من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خلق الأشياء فهو عما وصف له في الآخرة أعمى رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني من كان في الدنيا أعمى بالكفر فهو في الآخرة أعمى لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل قاله الحسن والثالث من عمي عن آيات الله في الدنيا فهو عن الذي غيب عنه من أمور الآخرة أشد عمى والرابع من عمي عن نعم الله التي بينها في قوله ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر إلى قوله تفضيلا فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه ذكرهما ابن الأنباري والخامس من كان فيها أعمى عن الحجة فهو في الآخرة أعمى عن الجنة قاله أبو بكر الوراق أنها النعم ثم في الكلام قولان أحدهما من كان أعمى عن النعم التي ترى وتشاهد فهو في الآخرة التي لم تر أعمى رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النعم المذكورة في قوله ولقد كرمنا بني آدم ولم يؤد شكرها فهو فيما بينه وبين الله مما يتقرب به إليه أعمى وأضل سبيلا قاله السدي قال أبو علي الفارسي ومعنى قوله في الآخرة أعمى أي أشد عمى لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عماه بالاستدلال ولا سبيل له في الآخرة الى الخروج من عماه وقيل معنى العمى في الآخرة أنه لا يهتدي إلى طريق الثواب وهذا كله من عمى القلب قيل لم قال فهو في الآخرة أعمى ولم يقل أشد عمى لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة والزرقة والعرب تقول ما أشد سواد زيد وما أبين زرقة عمرو وقلما يقولون ما أسود زيدا وما أزرق عمرا

[ 49 ]

أن المراد بهذا العمى عمى القلب وذلك يتزايد ويحدث منه شئ بعد شئ فيخاف الخلق اللازمة التي لا تزيد نحو عمى العين والبياض والحمرة ذكره ابن الأنباري كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيوة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا تعالى وان كادوا ليفتنونك في سبب نزولها أربعة أقوال أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا متعنا باللات سنة وحرم وادينا كما حرمت مكة فأبى ذلك فأقبلوا يكثرون مسألتهم وقالوا إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم فان خشيت أن يقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وداخلهم الطمع فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا أجلنا سنة ثم نسلم ونكسر أصنامنا فهم أن يؤجلهم فنزلت هذه الآية أن المشركين قالوا للنبي صل الله عليه وسلم لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا ولو بأطراف أصابعك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير وهذا باطل لا يجوز ان يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه أن قريشا خلوا برسول الله ليلة الى الصباح يكلمونه ويفخمونه ويقولون أنت سيدنا وابن سيدنا وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ثم عصمه الله من ذلك ونزلت هذه الآية قاله قتادة أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم وهؤلاء الذين رائحتها رائحة الضأن وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف حتى نجالسك ونسمع منك فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم فنزلت هذه الآيات حكاه الزجاج قال

[ 50 ]

ومعنى الكلام كادوا يفتنونك ودخلت إن واللام للتوكيد قال المفسرون وإنما قال إ ليفتنونك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن قوله تعالى لتفتري أي لتختلق علينا غيره وهو قولهم قل الله أمرني بذلك وإذا لو فعلت ذلك لاتخذوك خليلا أي والوك وصافوك تعالى ولولا أن ثبتناك على الحق لعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم أي هممت وقاربت أن تميل الى مرادهم شيئا قليلا قال ابن عباس وذلك حين سكت عن جوابهم والله أعلم بنيته وقال ابن الأنباري الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم وفي الباطن للمشركين وتقديره لقد كادوا يركنونك بعد إليهم وينسبون إليك كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك اليوم يريد كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من اجله فهذا من المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله فلا تموتن إلا وانتم مسلمون البقرة 132 وقول القائل لا أرينك في هذا الموضع تعالى إذا لأذقناك المعنى لو فعلت ذلك الشئ القليل لأذقناك ضعف الحياة أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات ومثله قول الشاعر نبئت أن النار بعدك أوقدت يقول واستب الذي بعدك يا كليب المجلس أهل المجلس وقال ابن عباس ضعف عذاب الدنيا والآخرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما ولكنه تخويف لأمته لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركى في شئ من أحكام الله وشرائعه قوله تعالى وان كادوا ليستفزونك من الارض في سبب نزولها قولان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة حسدته اليهود على مقامه بالمدينة وكرهوا قربه فأتوه فقالوا يا محمد أنبي أنت قال نعم قالوا فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء وان أرض الأنبياء الشام فان كنت نبيا فائت الشام فنزلت هذه الآية قاله أبو

[ 51 ]

صالح عن ابن عباس وقال سعيد بن جبير هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة فنزلت هذه الآية لأن عبد الرحمن بن غنم لما قالت له اليهود هذا صدق ما قالوا وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك نزلت هذه الاية أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فأمره الله بالخروج وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به قاله الحسن ومجاهد وقال قتادة هم أهل مكة باخراجه من مكة ولو فعلوا ذلك ما نرظروا وقد ولكن الله كفهم عن اخراجه حتى أمره بالخروج وقيل ما لبثوا حتبعث الله عليهم القتل ببدر فعلى القول الأول المشار إليهم والأرض المدينة وعلى الثاني هم المشركون والأرض مكة وقد ذكرنا معنى الاستفزاز آنفا الاسراء 64 وقيل المراد به هاهنا القتل ليخرجوه من الأرض كلها روي عن الحسن تعالى وإذا لا يلبثون خلفك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم خلفك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم خلافك قال الأخفش خلافك في معنى خلفك والمعنى لا يلبثون بعد خروجك الا قليلا أي لو أخرجوك لاستأصلناهم علي بعد خروجك بقليل وقد جازاهم الله على ما هموا به فقتل صناديد المشركين ببدر وقتل من اليهود بني قريظة وأجلى النضير وقال ابن الأنباري معنى الكلام لا يلبثون على خلافك ومخالفتك حتى فسقط حرف الخفض وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل خلافك بضم الخاء وتشديد اللام ورفع الفاء تعالى سنة من قد أرسلنا قال الفراء نصب السنة على العذاب المضمر أي يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا وقال الأخفش المعنى سنها سنة وقال الزجاج النصب بمعنى لا يلبثون وتأويله إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا اخرجوا نبيهم أو قتلوه لم يلبث العذاب أن ينزل بهم الصلوة لدلوك الشمس الى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان

[ 52 ]

مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا تعالى أقم الصلاة أي أدها لدلوك الشمس أي عند دلوكها وذكر أبن الأنباري في اللام قولين أحدهما أنها بمعنى في والثاني أنها مؤكدة كقوله ردف لكم النمل 72 وقال أبو عبيدة دلوكها من عند زوالها الى أن تغيب وقال الزجاج ميلها وقت الظهيرة دلوك وميلها للغروب دلوك وقال الأزهري معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة وإذا أفلت دالكة لأنها في الحالين زائلة وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان أنه زوالها نصف النهار روى جابر بن عبد الله قال دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من اصحابه فطعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اخرج يا أبا بكر فهذا حيث دلكت الشمس وهذا قول ابن عمر وأبي برزة وأبي هريرة والحسن والشعبي وسعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعبيد بن عمير وقتادة والضحاك ومقاتل وهو اختيار الأزهري قال الأزهري لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس فيكون المعنى أقم الصلاة من وقت زوال الشمس الى غسق الليل فيدخل فيها الأولى والعصر وصلاتا غسق الليل وهما العشاءان ثم قال وقرآن الفجر فهذه خمس صلوات أنه غروبها قاله ابن مسعود والنخعي وابن زيد وعن ابن عباس كالقولين قال الفراء ورأيت العرب تذهب في الدلوك الى غيبوبة الشمس وهذا اختيار ابن قتيبة قال لأن العرب تقول دلك النجم إذا غاب قال ذو الرمة مصابيح تعالى ليست باللواتي تقودها فإن نجوم ولا بالآفلات الدوالك عمر وتقول في الشمس دلكت براح يريدون غربت والناظر قد وضع كفه على حاجبه ينظر

[ 53 ]

إليها قال الشاعر والشمس قد كادت تكون دنفا النبي أدفعها وإن بالراح كي تزحلفا كما هو بالمريض في الدنف لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت وانما ينظر إليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها الى ان تغيب ويتوقى الشعاع بكفه فعل هذا المراد بهذه الصلاة المغرب فأما غسق الليل فظلامه وسلم المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال العشاء قاله ابن مسعود والثاني المغرب قاله ابن عباس قال القاضي أبو يعلى فيحتمل ان يكون المراد بيان وقت المغرب انه من غروب الشمس الى غسق الليل والثالث المغرب والعشاء قاله الحسن تعالى وقرآن الفجر المعنى وأقم قراءة الفجر قال المفسرون المراد به صلاة الفجر قال الزجاج وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة حين سميت الصلاة قرآنا قوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودا روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار قوله تعالى ومن الليل فتهجد به قال ابن عباس فصل بالقرآن قال مجاهد وعلقمة والأسود التهجد بعد النوم قال ابن قتيبة تهجدت سهرت وهجدت عنه نمت وقال ابن الانباري التهجد هاهنا بمعنى التيقظ والسهر واللغويون يقولون هو من حروف الاضداد يقال للنائم هاجد ومتهجد إن وكذلك للساهر قال النابغة ولو انها عرضت لأشمط راهب عبد الآله صرورة متهجد إلا لرنا فيه لبهجتها وحسن حديثها صلى ولخاله رشدا وإن لم يرشد بالمجتهد الساهر وقال لبيد قال هجدنا فقد طال السرى وقدرنا إن خنا الدهر غفل وقال أي نومنا وقال الأزهري المتهجد القائم الى الصلاة من النوم وقيل له متهجد

[ 54 ]

لإلقائه الجود عن نفسه كما يقال تحرج وتأئم أنه تعالى نافلة نافلة لك النافلة في اللغة ما كان زائدا على الأصل معنى هذه الزيادة في حقه قولان أنها زائدة فيما فرض عليه فيكون المعنى فريضة عليك وكان قد فرض عليه قيام الليل هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير أنها زائدة على الفرض وليست فرضا فالمعنى تطوعا وفضيلة قال أبو أمامة والحسن ومجاهد انما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة قال مجاهد وذلك أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة وهو لغيره كفارة وذكر أهل العلم أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء ثم رخص له في تركها فصارت نافلة وذكر ابن الأنباري في هذا قولين يقارب ما قاله مجاهد فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تنفل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحيا للذنوب لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وغيره إذا تنفل كان راجيا ومقدرا محو السيئات عنه بالتنفل فالنافلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة على الحاجة وهي لغيره مفتقر إليها ومأمول بها دفع المكروه والثاني ان النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى ومن الليل فتهجدوا وهو به نافله لكم فخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطاب امته تعالى عسى أن يبعثك ربك عسى من الله واجبه ومعنى يبعثك يقيمك مقاما محمودا وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف وفيه قولان انه الشفاعة للناس يوم القيامة قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عمر وسلمان الفارسي وجابر بن عبد الله والحسن وهي رواية بن أبي نجيح عن مجاهد يجلسه على العرش يوم القيامة روى أبو وائل عن عبد الله انه قرأ هذه الآية وقال يقعده على العرش وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس وليث عن مجاهد تعالى وقل رب ادخلني مدخل صدق وقرأ الحسن وعكرمة والضحاك وحميد بن قيس وابن أبي عبلة بفتح الميم في مدخل ومخرج قال الزجاج المدخل بضم الميم مصدر أدخلته مدخلا ومن قال مدخل صدق فهو على أدخلته فدخل مدخل صدق وكذلك شرح مخرج مثله

[ 55 ]

في المراد بهذا المدخل والمخرج احد عشر قولا أدخلني المدينة مدخل صدق وأخرجني من مكة مخرج صدق روى أبو ظبيان عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزلت عليه هذه الآية وإلى هذا المعنى ذهب الحسن في رواية سعيد بن جبير وقتادة وابن زيد أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق رواه العوفي عن ابن عباس أدخلني المدينة واخرجني الى مكة يعني لفتحها رواه أبو صالح عن ابن عباس أدخلني مكة مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق فخرج منها آمنا من المشركين ودخلها ظاهرا عليها يوم الفتح قاله الضحاك أدخلني مدخل صدق الجنة وأخرجني مخرج صدق من مكة الى المدينة رواه قتادة عن الحسن أدخلني في النبوة والرسالة وأخرجني منها مخرج صدق قاله مجاهد يعني أخرجني مما يجب علي فيها أدخلني في الإسلام وأخرجني منه قاله أبو صالح يعني من أداء ما وجب علي فيه إذا جاء الموت والثامن أدخلني في طاعتك وأخرجني منها أي سالما غير مقصر في أدائها قاله عطاء أدخلني الغار وأخرجني منه قاله محمد بن المنكدر أدخلني في الدين وأخرجني من الدنيا وأنا على الحق ذكره الزجاج عشر أدخلني مكة وأخرجني إلى حنين ذكره أبو سليمان الدمشقي اضافة الصدق الى المدخل والمخرج فهو مدح لهما وقد شرحنا هذا المعنى في سورة يونس 2

[ 56 ]

قوله تعالى وأجعل لي من لدنك أي من عندك سلطانا وفيه ثلاثة أقوال انه التسلط على الكافرين بالسيف وعلى المنافقين بإقامة الحدود قاله الحسن والثاني انه الحجة البينة قاله مجاهد والثالث الملك العزيز الذي يقهر به العصاة قاله قتادة وقال ابن الأنباري وقوله نصيرا يجوز أن يكون بمعنى منصرا صلى الله عليه وسلم ويصلح أن يكون تأويله ناصرا تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل فيه اربعة أقوال ان الحق الإسلام والباطل الشرك قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ان الحق القرآن والباطل الشيطان قاله قتادة والثالث أن الحق الجهاد والباطل الشرك قاله بن جريج والرابع الحق عبادة الله والباطل عبادة الأصنام قاله مقاتل ومعنى زهق بطل واضمحل وكل شئ هلك وبطل فقد زهق وزهقت نفسه تلفت ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها ويقول جاء الحق وزهق الباطل أن الباطل كان زهوقا قيل كيف قلتم ان زهق بمعنى بطل والباطل موجود معمول عليه عند اهله أن المراد من بطلانه وهلكته إذا وضوح عيبه فيكون هالكا عند المتدبر الناظر فقال من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا تعالى وننزل من القرآن ما هو شفاء من هاهنا لبيان الجنس فجميع القرآن شفاء وفي هذا الشفاء ثلاثة أقوال شفاء من الضلال لما فيه من الهدى والثاني شفاء من السقم لما فيه من البركة والثالث شفاء من البيان للفرائض والأحكام وفي الرحمة قولان أحدهما النعمة

[ 57 ]

والثاني سبب الرحمة تعالى ولا يزيد الظالمين يعني المشركين إلا خسارا لأنهم يكفرون به ولا ينتفعون بمواعظه فيزيد خسرانهم أنعمنا على الإنسان أعرض ونآ بجانبه وإذ مسه الشر كان يؤسا قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا قوله تعالى وإذا انعمنا على الإنسان قال ابن عباس الانسان هاهنا الكافر والمراد به الوليد بن المغيرة قال المفسرون وهذا الإنعام سعة الرزق وكشف البلاء ونأى بجانبه قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ونأى على وزن نعى بفتح النون والهمزة وقرأ ابن عامر ناء مثل باع وقرأ الكسائي وخلف عن سليم عن حمزة وناء باماله النون والهمزة وروى خلاد عن سليم نئي بفتح النون وكسر الهمزة والمعنى تباعد عن القيام بحقوق النعم وقيل تعظم وتكبر وإذا مسه الشر أي نزل به البلاء والفقر كان يؤوسا أي قنوطا شديد اليأس لا يرجو فضل الله تعالى قل كل يعمل على شاكلته فيها ثلاثة أقوال على ناحيته قاله ابن عباس وسعيد بن جبير قال الفراء الشاكلة الناحية والجديلة أي والطريقة سمعت بعض العرب يقول وعبد الملك إذ ذاك على جديلته وابن الزبير على جديلته يريد على ناحيته وقال أبو عبيدة على ناحيته وخليقته وقال ابن قتيبة على خليقته وطبيعته وهو من الشكل يقال لست على شكلي ولا شاكلتي وقال الزجاج على طريقته وعلى مذهبه على نيته قاله الحسن ومعاوية بن قرة وقال الليث الشاكلة من الأمور ما وافق فاعله على دينه قاله ابن زيد وتحرير المعنى أن كل واحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعم واليأس عند الشدة والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والله يجازي الفريقين وذكر أبو صالح عن ابن عباس ان هذه الآية منسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتمهوهم التوبة 5 وليس بشئ

[ 58 ]

عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا تعالى ويسألونك عن الروح في سبب نزولها قولان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود فقالوا سلوه عن الروح فقال بعضهم لا تسألوه فيستقبلكم ثنا بما تكرهون فأتاه نفر منهم فقالوا يا أبا القاسم ما تقول في الروح فسكت ونزلت هذه الآية قاله ابن مسعود والثاني ان اليهود قالت لقريش سلوا محمدا عن ثلاث فان اخبركم عن اثنتين وامسك عن الثالثة فهو نبي سلوه عن فتية فقدوا وسلوه عن ذي القرنين وسلوه عن الروح فسألوه عنها ففسر لهم أمر الفتية في الكهف وفسر لهم قصة ذي القرنين وأمسك عن قصة الروح فنزلت هذه الآية رواه عطاء عن ابن عباس وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال انه الروح الذي يحيا به البدن روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس وقد اختلف الناس في ماهية الروح ثم اختلفوا هل الروح النفس ام هما شيئان فلا يحتاج الى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شئ من ذلك وإنما هو شئ أخذوه عن الطب والفلاسفة فأما السلف فانهم أمسكوا عن ذلك لقوله تعالى قل الروح من أمر ربي فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا ولوحي ينزل والرسول حي علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى أن المراد بهذا الروح ملك من الملائكة على خلقه هائلة روي عن علي عليه السلام وابن عباس ومقاتل ان الروح خلق من خلق الله عز وجل صورهم على صور بني آدم رواه مجاهد عن ابن عباس أنه جبريل عليه السلام قاله الحسن وقتادة أنه القرآن روي عن الحسن ايضا أنه عيسى بن مريم حكاه الماوردي قال أبو سليمان الدمشقي قد ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق ظنوه مثله وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم وقوله أمر ربي من عمله الذي منع إيعرفه أحد قوله تعالى أوتيتم من العلم إلا قليلا في المخاطبين بهذا قولان

[ 59 ]

أنها اليهود قاله الأكثرون والثاني أنهم جميع الخلق علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل ذكره الماوردي قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا البقرة 269 أن ما أوتيه الناس من العلوان كان كثيرا فهو بالإضافة الى علم الله قليل به شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك قال الزجاج المعنى لو شئنا لمحوناه من القلوب والكتب حتى لا يوجد له أثر ثم لا تجد لك به علينا وكيلا أي لا تجد من يتوكل علينا في رد شئ منه الا رحمة من ربك هذا استنثاء ليس من الأول والمعنى لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين وقال ابن الأنباري المعنى لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن وكان المشركون قد خاطبو نساءهم من المسلمين في الرجوع الى دين آبائهم فهددهم الله عز وجل بسلب النعمة فكان ظاهر الخطاب للرسول ومعنى التهدد للأمة وقال أبو سليمان ثم لا تجد لك به أي بما نفعله بك من إذهاب ما عندك وكيلا يدفعنا عما نريده بك وروي عن عبد الله ابن مسعود انه قال يسرى على القرآن في ليلة واحدة فيجئ جبريل من جوف الليل فيذهب به من صدورهم ومن بيوتهم فيصبحون لا يقرؤون آية ولا يحسونها ورد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام ان الله لا يقبض العلى انتزاعا وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن فان العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا

[ 60 ]

تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن قال المفسرو هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال لو شئنا لقلنا مثل هذا والمثل الذي طلب منهم كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة والظهير المعين صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن قد فسرناه في هذه السورة الاسراء 41 والمعنى من كل مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار فأبى أكثر الناس يعني أهل مكة الا كفورا أي جحودا للحق وانكارا تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا سبب نزول هذه الآية وما يتبعها أن رؤساء قريش كعتبة وشيبة وأبي جهل وعبد الله بن أبي أمية والنضر بن الحارث في آخرين اجتمعوا عند الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا الى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذورا هذا فيه فبعثوا إليه ان أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك فجاءهم سريعا وكان حريصا على رشدهم فقالوا محمد إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فان كنت انما جئت بهذا لتطلب مالا جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالا وان كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تقبلوا ثم ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ويجري لنا أنهارا ويبعث من مضى من آبائنا

[ 61 ]

وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلام فانه كان شيخا صدوقا فنسائله عما تقول أحق هو فان فعلت صدقناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت وقد أبلغتكم ما ارسلت به قالوا فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك وسله أن يجعل لك جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة تغنيك قال ما أنا بالذي يسأل ربه هذا قالوا فأسقط السماء علينا كما زعمت بأن ربك إن شاء فعل فقال ذلك إلى الله عز وجل فقال قائل منهم لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا وقال عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك حتى تتخذ الى السماء سلما وترقى فيه وأنا أنظر وتأتي بنسخة منشورة معك وتفر من الملائكة يشهدون لك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزينا لما رأى من مباعدتهم إياه فأنزل الله تعالى وقالوا لن نؤمن لك الآيات رواه عكرمة عن ابن عباس تعالى حتى تفجر قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر حتى تفجر بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مع الكسرة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي حتى تفجر بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف فمن ثقل أراد كثرة الانفجار من الينبوع ومن خفف فلأن لينبوع واحد فأما الينبوع فهو عين ينبع الماء منها قال أبو عبيدة هو يفعول من نبع الماء أي ظهر وفار تعالى أو تكون لك جنة أي بستان فتفجر الأنهار أي تفتحها وتجريها خلالها أي وسط تلك الجنة تعالى أو تسقط السماء وقرأ مجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وحميد والجحدري أو تسقط بفتح التاء ورفع القاف السماء بالرفع تعالى كسفا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي كسفا بتسكين السين في جميع القرآن إلا في الروم 48 فانهم حركوا السين وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم بتحريك السين في الموضعين وفي باقي القرآن بالتسكين وقرأ ابن عامر هاهنا بفتح السين وفي باقي القرآن بتسكينها قال الزجاج من قرأ كسفا بفتح السين جعلها جمع كسفة وهي القطعة ومن قرأ كسفا بتسكين السين فكأنهم قالوا أسقطها طبقا علينا واشتقاقه من كسفت الشئ إذا غطيته يعنون أسقطها علينا قطعة واحدة وقال ابن الأنباري من سكن قال تأويله سترا وتغطية من قولهم قد انكسفت الشمس إذا غطاهاما يحول بين الناظرين إليها وبين أنوارها قوله تعالى أو تأتي بالله والملائكة قبيلا فيه ثلاثة أقوال

[ 62 ]

عيانا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة وابن جريج ومقاتل وقال أبو عبيدة معناه مقابلة أي معاينة وأنشد للأعشى نصالحكم رسول حتى تبوؤوا بمثلها ولا كصرخة حبلى يسرتها قبيلها لم أي قابلتها ويروى وجهتها يعني بدل يسرتها كفيلا أنك رسول الله قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء قال القبيل والكفيل والزعيم سواء تقول قبلت وكفلت وزعمت والثالث قبيلة قبيلة كل قبيلة على حدتها قاله الحسن ومجاهد فأما الزخرف فالمراد بالذهب وقد شرحنا أصل هذه الكلمة في يونس 24 وترقى حدثنا بمعنى تصعد يقال رقيت أرقي رقيا تعالى حتى تنزل علينا كتابا قال ابن عباس كتابا من رب العالمين الى فلان بن فلان يصبح عند كل واحد منا يقرؤه تعالى قل سبحان ربي قرأ نافع وعاصم وأب عمرو وحمزة والكسائي قل وقرأ ابن كثير وابن عامر قال وكذلك هي في مصاحف اهل مكة والشام هل كنت الا بشرا رسولا أي أن هذه الأشياء ليست في قوى البشر قيل لم اقتصر على حكاية قالوا من غير إيضاح الرد فالجواب أنه لما خصهم بقوله تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلم يكن في وسعهم عجزهم فكأنه يقول قد أوضحت لكم بما سبق من الآيات ما يدل على بنوتي ابن ومن ذلك التحدي بمثل هذا القرآن فأما عنتكم فليس في وسعي ولأنهم الحوا عليه في هذه الأشياء ولم يسألوه أن يسأل ربه فرد قولهم بكونه بشرا فكفى ذلك في الرد منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ألله بشرا رسولا قل لو كافي الأرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا نصيرا

[ 63 ]

قوله تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال ابن عباس يريد أهل مكة قال المفسرون ومعنى الآية وما منعهم من الإيمان إذ جاءهم الهدى وهو البيان والإرشاد في القرآن إلا أن قالوا أي إلا قولهم في التعجب والإنكار أبعث الله بشرا رسولا وفي الآية اختصار تقديره هلا بعث الله ملكا رسولا فأجيبوا على ذلك بقوله تعالى قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين أي مستوطنين الأرض ومعنى الطمأنينة السكون والمراد من الكلام أن رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم تعالى قل كفى بالله شهيدا قد فسرناه في الرعد 43 إنه كان بعباده خبيرا بصيرا قال مقاتل حين اختص الله محمدا بالرسالة يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتاء إنا لمبعوثون خلقا جديدا أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا تعالى من يهدي الله فهو المهتدي قوله قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وحذفاها في الوقف وأثبتها يعقوب في الوقف وحذفها الأكثرون في له من يهد الله قال ابن عباس من يرد الله هداه فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه يهدونهم تعالى ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم فيه ثلاثة أقوال أنه يمشيهم على وجوههم وشاهده ما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال إن الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة

[ 64 ]

أن المعنى ونحشرهم مسحوبين على وجوههم قاله ابن عباس والثالث نحشرهم مسرعين مبادرين فعبر بقوله على وجوههم عن الإسراع كما تقول العرب قد مر القوم على وجوههم إذا أسرعوا قاله ابن الأنباري تعالى عميا وبكما وصما فيه قولان عميا لا يرون شيئا يسرهم وبكما لا ينطقون بحجة وصما لا يسمعون شيئا يسرهم قاله ابن عباس وقال في رواية عميا عن النظر الى ما جعل لأوليائه وبكما عن مخاطبة الله وصما عما مدح به اولياءه وهذا قول الأكثرين أن هذا الحشر في بعض أحوال القيامة بعد الحشر الأول قال مقاتل هذا يكون حين يقال لهم اخسؤوا فيها المؤمنون 108 فيصيرون عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك تعالى كلما خبت قال ابن عباس أي سكنت قال المفسرون وذلك أنها تأكلهم فإذا لم تبق منهم يئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله سكنت فيعادون ذلك خلقا جديدا فتعود لهم وقال ابن قتيبة يقال خبت النار إذا سكن لهبها فالهلب محمد يسكن والجمر يعمل فان سكن اللهب ولم يطفأ الجمر قيل خمدت تخمد خمودا فان طفئت ولم يبق منها شئ قيل همدت تهمد همودا ومعنى زدناهم سعيرا نارا تتسعر أي تتلهب وما بعد هذا قد سبق تفسيره الاسراء 49 الى قوله قادر على أن يخلق مثلهم أي على أن يخلقهم مرة ثانية وأراد مثلهم إياهم وذلك أن مثل الشئ مساو له فجاز أن يعبر به عن نفس الشئ يقال مثلك لا يفعل هذا أي أنت ومثله قوله فان آمنوا بمثل ما آمنتم به البقرة 137 وقدتم الكلام عند قوله مثلهم ثم قال وجعل لهم أجلا لا ريب فييعني أجل البعث فابى الظالمون إلا كفورا أي جحودا بذلك الأجل قوله تعالى قل لو انتم تملكون خزائن رحمة ربي قال الزجاج المعنى لو تملكون انتم قال الملمس ولغير أخوالي أرادوا نقيصتي إلى نصبت لهم فوق العرانين ميسما كان لو أراد غير أخوالي هذه الخزائن قولان

[ 65 ]

خزائن الأرزاق والثاني خزائن النعم فيخرج في الرحمة قولان أحدهما الرزق والثاني النعمة وتحرير الكلام لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة وكان الإنسان يعني الكافر قتورا أي بخيلا ممسكا يقال قتر يقتر وقتر يقتر إذا قصر في الإنفاق وقال الماوردي لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى لما جاد أبو الله تعالى لأمرين أحدهما أنها لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته والثاني أنه يخاف الفقر والله تعالى منزه في جوده عن الحالين إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى تشبيها بحال هؤلاء المشركين فقال ولقد آتينا موسى تسع آيات وفيها قولان أنها بمعنى المعجزات والدلالات ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها وهي يده والعصا والطوفان والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال أحدها أنهما لسانه والبحر الذي فلق له رواه العوفي عن ابن عباس يعني بلسانه أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له والثاني البحر والجبل الذي نتق فوقهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث السنون ونقص الثمرات رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والشعبي وعكرمة وقتادة وقال الحسن السنون ونقص الثمرات آية واحدة والرابع البحر والموت أرسل عليهم قاله الحسن ووهب والخامس الحجر والبحر قاله سعيد بن جبير والسادس لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون قاله الضحاك والسابع البحر والسنون قاله محمد بن كعب والثامن ذكره محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب ايضا فذكر السبع الآيات الأولى إلا أنه جعل مكان يده البحر وزاد الطمسة والحجر يعني قوله اطمس على أموالهم يونس 88 أنها آيات الكتاب روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان ابن عسال أن يهوديا قال لصاحبه تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر لا تقل انه نبي فانه لو سمع ذلك

[ 66 ]

صارت له أربعة أعين فأتياه فسالاه عن تسع آيات بينات فقال لا تشركوا بالله شيئا وتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا بالبرئ الى السلطان ليقتله ولا تسحروا ولا تقذفوا المحصنات ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت قال فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والار ض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معجميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الاخرة جئنا بكم لفيفا أو تعالى فاسال بني اسرائيل قرأ الجمهور فاسأل على معنى الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما اخبر به عنهم ليكون حجة) من لم يؤمن منهم وقرا ابن عباس فسأل بني أسرائيل على معنى الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن يرسل معه بني اسرائيل فقال له فرعون إني لأظنك أي لأحسبك يا موسى مسحورا وفيه ثلاثة أقوال مخدوعا قاله ابن عباس والثاني مسحورا قد سحرت قاله ابن السائب والثالث ساحرا فوضع مفعولا في موضع فاعل هذا مروي عن الفراء وأبي عبيدة فقال موسى لقد علمت قرأ الجمهور بفتح التاء وقرأ علي عليه السلام بضمها وقال والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم النمل 14 واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام وقد رويت عن ابن عباس وأبي رزين وسعيد بن جبير وأبن يعمر واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه مسحور أعلمه بصحة عقله بقوله لقد علمت والقراءة الأولى أصح لاختيار الجمهور ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه فلم يرد عليه الا

[ 67 ]

بالتعلل عبد والمدافعة فكأنه قال لقد علمت بالدليل والحجة ما أنزل هؤلاء يعني الآيات وقد شرحنا معنى البصائر في الأعراف 203 تعالى وإني لأظنك قال أكثر المفسرين الظن هاهنا بمعنى العلم على خلاف ظن فرعون في موسى وسوى بينهما بعضهم فجعل الأول بمعنى العلم أيضا المثبور ستة أقوال أنه الملعون روه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثاني المغلوب رواه العفوي عن ابن عباس والثالث الناقص العقل رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس والرابع المهلك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال أبو عبيدة وابن قتيبة قال الزجاج يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا أهلك والخامس الهالك قاله مجاهد والسادس الممنوع من الخير تقول العرب ما ثبرك عن هذا أي ما منعك قاله الفراء تعالى فأراد أن يستفزهم من الأرض يعني فرعون أراد أن يستفز بني أسرائيل من أرض مصر وفي معنى يستفزهم قولان يستأصلهم قاله ابن عباس يستخفهم حتى يخرجوا قاله ابن قتيبة وقال الزجاج جائز أن يكون استفزازهم اخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية قال العلماء وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لما خرج موسى فطلبه فرعون هلك فرعون وملك موسى كذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع إليها ظاهرا عليها تعالى وقلن من بعده أي من بعد هلاك فرعون لبني أسرائيل اسكنوا الأرض وفيها ثلاث أقوال فلسطين والأردن قاله ابن عباس والثاني أرض وراء الصين قال مقاتل والثالث أرض مصر والشام

[ 68 ]

تعالى فإذا جاء وعد الآخرة يعني القيامة جئنا بكم لفيفا أي جميعا قاله ابن عباس ومجاهد وابن قتيبة وقال الفراء لفيفا أي من هاهنا ومن هاهنا وقال الزجاج اللفيف الجماعات من قبائل شتى عليه أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا تعالى وبالحق أنزلناه الهاء كناية عن القرآن والمعنى أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم فهو حق ونزوله حق وما تضمنه حق وقال أبو سليمان الدمشقي وبالحق أنزلناه أي بالتوحيد وبالحق نزل يعني بالوعد والوعيد والأمر والنهي تعالى وقرآنا فرقناه قرأ علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وأبو رزين ومجاهد والشعبي وقتادة والأعرج وأبو رجاء وابن محيصن فرقناه بالتشديد وقرأ الجمهور بالتخفيف قراءة التخفيف ففي معتاها ثلاثة أقوال بينا حلاله وحرامه رواه الضحاك عن ابن عباس فرقنا فيه بين الحق والباطل قاله الحسن أحكمناه وفصلناه كقوله تعالى فيها يفرق كل أمر حكيم الدخان 4 قاله الفراء وأما المشددة فمعناها أنه أنزل متفرقا ولم ينزل جملة واحدة وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي نزل فيها قوله تعالى لتقرأه على الناس على مكث قرأ أنس والشعبي والضحاك وقتادة رجاء وأبان عن عاصم وابن محيصن بفتح الميم والمعنى على تؤدة وترسل ليتدبروا معناه تعالى قل آمنوا به أو لا تؤمنوا هذا تهديد لكفار أهل مكة والهاء كناية عن القرآن إن الذين أوتوا العلم وفيهم ثلاثة أقوال

[ 69 ]

أنهم ناس من أهل الكتاب قاله مجاهد أنهم الأنبياء عليهم السلام قاله ابن زيد طلاب الدين كأبي ذر وسلمان وورقة بن نوفل وزيد ابن عمرو قاله الواحدي هاء الكناية في قوله من قبله قولان أنها ترجع إلى القرآن والمعنى من قبل نزوله ترجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن زيد فعلى الأول إذا يتلى عليهم القرآن وعلى قول ابن زيد إذا يتلى عليهم ما انزل إليهم من عند الله تعالى يخرون للأذقان اللام هاهنا بمعنى على قال ابن عباس قوله للأذقان أي للوجوه قال الزجاج الذي خير وهو قائم إنما يخر لوجهه والذقن مجتمع اللحيين وهو عضو من أعضاء الوجه فإذا ابتدأ يخر فأقرب الأشياء من وجهه الى الأرض الذقن وقال ابن الأنباري أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل ان يصوب جبتهه أبي ذقنه فلذلك قال (ويجوز أن يكون المعنى يخرون للوجوه فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل وبالنوع من الجنس تعالى ويقولون سبحان ربنا نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن وقالوا ان كان وعد ربنا بانزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه وسلم لمفعولا واللام دخلت للتوكيد وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب ومنزل عليه كتابا فلما عاينوا ذلك حمدوا الله تعالى على انجاز الوعد ويخرون للأذقان كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم ويزيدهم خشوعا أي يزيدهم القرآن تواضعا وكان عبد الأعلى التيمي يقول من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء فقال ان الذين اوتوا العلم إلى قوله يبكون ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا ما تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية هذه الأية نزلت على سببين نزل أولها

[ 70 ]

إلى قوله الحسنى على سبب وفيه ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجد ذات ليلة بمكة فجعل يقول في سجوده يا رحمن يا رحيم فقال المشركون كان محمد يدعو إلها واحدا فهو الآن يدعو إلهين اثنين الله والرحمن ما نعرف الرحمن الا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأنزل الله هذه الآية قاله ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلكان يكتب في أول ما أوحي إليه باسمك اللهم حتى نزل إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم النمل 30 فكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال مشركو العرب هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن فنزلت هذه الاية قاله ميمون بن مهران أن اهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت هذه الآية قاله الضحاك قوله ولا تجهر بصلاتك فنزل على سبب وفيه ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به فخفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته بعد ذلك حتى لم يسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا يسمعون قاله ابن عباس أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته فنزلت هذه الآية هذا قول عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا فجهر بالقرآن في صلاة الغداة فقال أبو جهل لاتفتر على الله فخفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته فقال أبو جهل للمشركين الا ترون ما فعلت بابن ابي كبشة رددته عن قراءته فنزلت هذه الآية قاله مقاتل التفسير فقوله قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن المعنى إن شئتم فقولوا يا ألله وإن شئتم فقولوا يا رحمن فانهما يرجعان إلى واحد أيا ما تدعوا المعنى أي أسماء الله تدعوا قال الفراء وماقد تكون صلة كقوله عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون 40 وتكون في معنى أي معادة لما اختلف لفظهما تعالى ولا تجهر بصلاتك فيه قولان أنها الصلاة الشرعية ثم في المراد بالكلام ستة أقوال

[ 71 ]

لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة وشدة المخافتة قاله ابن عباس فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أن يكون المعنى فلا تجهر بقراءة صلاتك والثاني أن القراءة بعض الصلاة فنابت عنها كما قيل لعيسى كلمة الله لأنه بالكلمة كان لا تصل مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس قاله ابن عباس ايضا لا تجهر بالتشهد في صلاتك روي عن عائشة في رواية وبه قال ابن سيرين لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا ولا تخافت بها شديد الاستتار قاله عكرمة لا تحسن علانيتها وتسئ سريرتها قاله الحسن لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به ذكره القاضي أبو يعلى والقول الثاني أن المراد بالصلاة الدعاء وهو قول عائشة وأبي هريرة ومجاهد تعالى ولا تخافت بها المخافتة الإخفاء يقال صوت خفيت وابتغ بين ذلك سبيلا أي اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا وقد روي عن ابن عباس انه قال نسخت هذه الآية بقوله واذكر ربك في نفسك تضرعا وخفية ودون الجهر من القول الأعراف 205 وقال ابن السائب نسخت بقوله فاصدع بما تؤمر الحجر 94 وعلى التحقيق وجود النسخ هاهنا بعيد تعالى ولم يكن له شريك في الملك وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف في الملك بكسر الميم ولم يكن له ولي من الذل قال مجاهد لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد والمعنى أنه لا يحتاج الى موالاة أحد لذل يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما تاما

[ 72 ]

الكهف في نزولها وقال أبو صالح عن ابن عباس أن سورة الكهف مكية وكذلك قال الحسن ومجاهد وقتادة وهذا اجماع المفسرين من غير خلاف نعلمه إلا أنه قد روي عن ابن عباس وقتادة أن منها آية مدنية وهي قوله واصبر نفسك الكهف 28 وقال مقاتل من أولها الى قوله تعالى صعيدا جرزا الكهف 8 مدني وقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات الكهف 107108 الآيتان مدنية وباقيها مكي وروى أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من حفظ عشر آيات من أول الكهف ثم أدرك الدجال لم يضره ومن حفظ خواتيم سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة بسم الله الرحمن الرحيم لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا تعالى الحمد لله قد شرحناه في أول الفاتحة والمراد بعبده هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب القرآن تمدح بانزاله لأنه انعام على الرسول خاصة وعلى الناس عامة قال العلماء

[ 73 ]

باللغة والتفسير في هذه الآية تقديم وتأخير تقديرها أنزل على عبده الكتاب قيما أي مستقيما عدلا وقرأ أبو رجاء وابو المتوكل وأبو الجوزاء وابن يعمر والنخعي والأعمش قيما بكسر القاف وفتح الياء وقد فسرناه في الأنعام 161 تعالى ولم يجعل له عوجا أي لم يجعل فيه اختلافا وقد سبق بيان العوج في آل عمران 99 تعالى لينذر بأسا شديدا أي عذابا شديدا من لدنه أي من عنده ومن قبله والمعنى لينذر الكافرين ويبشر المؤمنين الذين يعلمون الصالحات أن لهم أي بأن لهم اجرا حسنا وهو الجنة ماكثين لا مقيمين وهو منصوب على الحال وينذر بعذاب الله الذين قالوا اتخذ الله ولدا وهم اليهود حين قالوا عزير ابن الله والنصارى حين قالوا المسيح ابن الله والمشركون حين قالوا الملائكة بنات الله ما لهم به أي بذلك القول من علم لأنهم قالوا أفترى على الله ولا لآبائهم الذين قالوا ذلك كبرت أي عظمت كلمة الجمهور على النصب وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وأبو رزين وأبو رجاء ويحيى بن يعمر وابن محيصن وابن أبي عبلة كلمة بالرفع قال الفراء من نصب أضمر كبرت تلك الكلمة كلمة ومن رفع لم يضمر شيئا كما تقول عظم قولك وقال الزجاج من نصب فالمعنى كبرت مقالتهم اتخذ الله ولدا كلمة وكلمة منصوب على التمييز ومن رفع فالمعنى عظمت كلمة هي قولهم اتخذ الله ولدا تعالى تخرج من أفواههم أي إنها قول بالفم لا صحة لها ولا دليل عليها ان يقولون أي ما يقولون إلا كذبا ثم عاتبه على حزنه لفوت ما كان يرجو من اسلامهم فقال فلعلك باخنفسك وقرأ سعيد ابن جبير وابو الجوزاء وقتادة باخع نفسك بكسر السين على الإضافة قال المفسرون واللغويون فلعلك مهلك نفسك وقاتل نفسك وانشد أبو عبيدة لذي الرمة ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه لشئ أن نحته عن يديه المقادر تحته فان قيل كيف قال فلعلك والغالب عليها الشك والله عالم بالأشياء قبل كونها أنها ليست بشك إنما هي مقدرة تقدير الاستفهام الذي يعني به التقرير فالمعنى

[ 74 ]

هل أنت قاتل نفسك لا ينبغي أن يطول أساك على على إعراضهم فان من حكمنا عليه بالشقوة لا تجدي عليه الحسرة ذكره ابن الأنباري تعالى على آثارهم أي من بعد توليهم عنك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث يعني القرآن أسفا وفيه اربعة أقوال حزن قاله ابن عباس وابن قتيبة والثاني جزعا قاله مجاهد والثالث غضبا قاله قتادة و الرابع ندما قاله السدي وقال أبو عبيدة ندما وتلهفا وأسى قال الزجاج الأسف المبالغة في الحزن أو الغضب يقال قد أسف الرجل فهو أسيف قال الشاعر أرى رجمنهم أسيفا كأنهما يضم الله إلى كشحيه كفا مخضبا قال الآية يشير بها الى نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحرص على إيمان قومه لئلا يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم احسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها فيه أربعة أقوال أنهم الرجال رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني العلماء عن مجاهد عن ابن عباس فعلى هذين القولين تكون ما في موضع من لأنها في موضع إبهام قاله ابن الانباري والثالث أنه ما عليها من شئ قاله مجاهد والرابع النبات والشجر قالاه مقاتل وقول مجاهد أعم يدخل فيه النبات والماء والمعادن وغير ذلك قيل قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة أنا إن قلنا إن المراد به شئ مخصوص فالمعنى إنا جعلنا بعض ما على

[ 75 ]

الأرض زينة لها فخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص وإن قلنا هم الرجال أو العلماء فلعبادتهم من أو لدلالتهم في على خالقهم وإن قلنا النبات والشجر فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية وإن قلنا إنه عام في كل ما عليها فلكونه دالا على خالقه فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة تعالى لنبلوهم أي لنختبر الخلق والمعنى لنعاملهم معاملة المبتلى قال ابن الأنباري من قال إن ما على الأرض يعني به النبات قال الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة ومن قال ما على الأرض الرجال رد الهاء والميم على ما لأنها بتأويل الجميع ومعنى الآية لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا هذا أم هذا قال الحسن أيهم أزهد في الدنيا وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة هود 7 ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك فقال تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا قال الزجاج الصعيد الطريق الذي لا نبات فيه وقال ابن الأنباري قال اللغويون الصعيد التراب ووجه الأرض فأما الجرز فقال الفراء أهل الحجاز يقولون أرض جرز وجرز وأسد تقول جرز وجرز وتميم تقول أرض جرز وجرز وبالتخفيف وقال أبو عبيدة الصعيد الجرز الغليظ الذي لا ينبت شيئا ويقال للسنة المجدبة جرز وسنون أجراز لجدوبتها بن وقلة مطرها وأنشد جرفتهن السنون الأجراز الزجاج الجرز الأرض التي لا ينبت فيها شئ كأنها تأكل النبت أكلا وقال ابن الأنباري قال اللغويون الجرز الأرض التي لا يبقى بها نبات تحرق كل نبات يكون بها وقال المفسرون وهذا يكون يوم القيامة يجعل الله الأرض مستوية لا نبات فيها ولا ماء حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا امدا هذه تعالى أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم نزلت على سبب قد ذكرناه عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 وقال ابن قتيبة ومعنى أم حسبت أحسبت فأما الكهف

[ 76 ]

فقال المفسرون هو المغارة في الجبل إلا أنه واسع فإذا صغر فهو غار قال ابن الأنباري قال اللغويون الكهف بمنزلة الغار في الجبل الرقيم ففيه ستة أقوال أنه لوح من رصاص كانت فيه أسماء الفتية مكتوبة ليعلم من اطلع عليهم يوما من الدهر ما قصتهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال سنة بن منبه وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية وقال السدي الرقيم صخرة كتب فيها اسماء الفتية وجعلت في سور المدينة وقال مقاتل الرقيم كتاب كتبه رجلان صالحان وكانا يكتمان إيمانهما من الملك الذي فر منه الفتية كتبا أمر الفتية في لوح من رصاص ثم جعلاه في تابوت من نحاس جعلاه في البناء الذي سدوا به باب الكهف فقالا لعل الله أن يطلع على هؤلاء الفتية احدا فيعلمون أمرهم إذا قرؤوا الكتاب وقال الفراء كتب في اللوح اسماؤهم وانسابهم ودينهم وممن كانوا قال أبو عبيدة وابن قتيبة الرقيم الكتاب وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه كتاب مرقوم أي مكتوب والثاني أنه اسم القرية ألتي خرجوا منها قاله كعب والثالث اسم الجبل قاله الحسن وعطية والرابع ان الرقيم الدواة بلسان الروم قاله عكرمة ومجاهد في رواية والخامس اسم الكلب قاله سعيد بن جبير والسادس اسم الوادي الذي فيه الكهف قاله قتادة والضحاك تعالى كانوا من آياتنا عجبا قال المفسرون معنى الكلام أحسبت أنهم كانوا أعجب آياتنا قد كان في آياتنا ما هو أعجب منهم فان خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم وقال ابن عباس الذي آتيتك من الكتاب والسنة والعلم أفضل من شأنهم قوله تعالى إذ أوى الفتية قال الزجاج معنى أووا إليه صاروا إليه وجعلوه مأواهم والفتية جمع فتى مثل غلام وغلمة وصبي وصبية وفعلة من أسماء الجمع وليس ببناء يقاس عليه لا يجوز غراب وغربة ولا غني وغنية وقال بعض المفسرين الفتية بمعنى الشبان وقد ذكرنا عن القتيبي أن الفتى بمعنى الكامل من الرجال وبيناه في قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات

[ 77 ]

النساء 25 تعالى فقالوا ربنا آتنا من لدنك أي من عندك رحمة أي رزقا وهيئ لنا أي أصلح لنا من أمرنا رشدا أي ارشدنا إلى ما يقربنا منك والمعنى هيلنا من أمرنا ما نصيب به الرشد والرشد والرشد والرشاد نقيض الضلال عمرو قصة أصحاب الكهف العلماء في بدو امرهم وسبب مصيرهم الى الكهف على ثلاثة أقوال أنهم هربوا ليلا من ملكهم حين دعاهم الى عبادة الأصنام الأصنام فمروا براع له فتبعهم على دينهم فأووا الى الكهف يتعبدون ورجل منهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة إلى أن جاءهم يوما فأخبرهم أنهم قد ذكروا فبكوا وتعوذوا بالله من الفتنة فضرب الله تعالى على آذانهم وأمر الملك فسد عليهم الكهف وهو يظنهم أيقاظا وقد توفى الله ارواحهم وفاة النوم وكلبهم قد غشيه ما غشيهم ثم إن الرجلين مؤمنين يكتمان إيمانهما كتبا أسماءهم وأنسابهم وخبرهم في لوح من رصاص وجعلاه في تابوت من نحاس في البنيان وقالا لعل الله يطلع عليهم قوما مؤمنين فيعلمون خبرهم هذا قول ابن عباس وقال عبيد بن عمير فقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم أمرهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكونن لهذا شأن والثاني أن أحد الحواريين جاء الى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له إن على بابها صنما لا يدخلها أحد الا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يعمل فيه بالأجر وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة فآمنوا به وصدقوه حتى جاء ابن الملك يوما بامرأة فدخل معها الحمام فأنكر عليه الحواري ذلك فسبه ودخل فمات وماتت المرأة في الحمام فأتى الملك فقيل له إن صاحب الحمام قتل ابنك فالتمس فهرب فقال من كان يصحبه فسمي له الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا على صاحب لهم في زرع وهو على مثل أمرهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل الى الكهف فدخلوه فقالوا نبيت هاهنا ثم نصبح ان شاء الله فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم فناموا وخرج الملك وأصحابه يتبعونهم فوجدوهم قد دخلوا الكهف فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف ارعب فقال قائل للملك أليس قلت إن قدرت عليهم قتلتهم قال بلى قال فابن عليهم باب الكهف حتى يموتوا جوعا وعطشا ففعل هذا قول وهب بن منبه أنهم كانوا ابناء عظماء المدينة وأشرافهم خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد فقال رجل منهم هو اسنهم اني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أحدا يجده فقالوا ما تجد

[ 78 ]

قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض فقاموا جميعا فقالوا ربنا رب السموات ولأرض فأجمعوا أن يدخلوا الكهف فدخلوا فلبثوا ما شاء الله هذا قول مجاهد وقال قتادة كانوا أبناء ملوك الروم فتفردوا بدينهم في الكهف فضرب الله على آذانهم فصل سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم فقال عكرمة جاءت أم مسلمة وكان ملكهم مسلما فاختلفوا في الروح والجسد فقال قائل يبعث الروح والجسد وقال قائل يبعث الروح وحده والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا فشق اختلافهم على الملك فانطلق فلبس المسوح وقعد على الرماد ودعا الله أن يبعث لهم آية تبين لهم فبعث الله اصحاب الكهف وقال وهب ابن منبه جاء راع قد أدركه المطر الى الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلته غنمي من المطر فلم يزل يعالجه حتى فتحه ورد الله إليهم ارواحهم حين اصبحوا من الغد وقال ابن السائب احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظسرة قبل لغنمه فهدم ذلك السد فبنى به فانفتح باب الكهف وقال ابن اسحاق ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم ذلك البنيان فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة فنزعاها وفتحا باب الكهف فجلسوا فرحين فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوهم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه إنما هم على هيئتين حيث رقدوا وهم يرون أن ملكهم أن ملكهم في طلبهم فصلوا وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم انطلق فاستمع ما نذكر به وابتغ لنا طعاما فوضع ثيابه واخذ الثياب التي كان يتنكر فيها وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف فعجب ثم مر مستخفيا متخوفا أن يراه احد فيذهب به الى الملك فلما رأى باب المدينة رآى عليه علامة تكون لأهل الإيمان وخيل إليه أنها ليست بالمدينة لتي يعرف ورأى ناسا لا يعرفهم فجعل يتعجب ويقول لعلي نائم فلما دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى فقام مسندا ظهره إلى جدار وقال في نفسه والله ما أدري ما هذا عشية أمس لم يكن وجه الأرض من يذكر عيسى إلا قتل واليوم أسمعهم يذكرونه لعل هذه ليست المدينة التي أعرف والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران وأخرج ورقا فأعطاه رجلا وقال بعني طعاما فنظر الرجل إلى نقشه فعجب ثم ألقاه إلى آخر فجعلوا يتطارحونه يحيى بينهم ويتعجبون ويتشاورون وقالوا إن هذا قد اصاب كنزا ففرق منهم وظنهم قد عرفوه فقال أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه فقالوا له من أنت يا فتى والله لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن تخفيه شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك فلم يدر ما يقول فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر المدينة فقالا أين الكنز الذي وجدت قال ما وجدت كنزا ولكن هذه ورق آبائي

[ 79 ]

ونقش هذه المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ما شأني ولا ما أقول لكم قال مجاهد وكان ورق أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل فقالوا من أنت وما اسم أبيك فأخبرهم فلم يجدوا من يعرفه فقال له أحدهما أتظن أنك تسخر منا وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار إني سامر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز فقال يمليخا أنبؤني عن شئ اسالكم عنه فان فعلتم صدقتكم قالوا سل قال ما فعل الملك دقيانوس قالوا لا نعرف اليوم على وجه الارض ملكا يسمى دقيانوس وإنما هذا ملك كان منذ زمان طويل وهلكت بعده قرون كثيرة فقال والله ما يصدقني أحد بما اقوله لقد كنا فتية وأكرهنا الملك على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت أشتري لأصحابي طعاما فإذا أنا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي فانطلقوا معه وسائر أهل المدينة وكان أصحابه قد ظنوا لإبطائه عليهم أنه قد أخذ فبينما هم يتخوفون ذلك إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل فظنوا أنهم رسل دقيانوس فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض فسبق يمليخا إليهم وهو يبكي فبكوا معه وسألوه عن شأنه فأخبرهم خبره وقص عليهم النبأ كله فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله تعالى وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث ونظر الناس في المسطور الذي فيه أسماؤهم وقصتهم فعجبوا وأرسلوا إلى ملكهم فجاء واعتنق القوم وبكى فقالوا له نستودعك الله ونقرأ عليك السلام حفظك وحفظ ملكك فبينا الملك قائم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله عز وجل أنفسهم فامر الملك أن يجعل لكل واحد منهم تابوت من ذهب فلما أمسوا رآهم في المنام فقالوا إنا لم نخلق من ذهب وقضة ولكن خلقنا من تراب فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله عز وجل من وحجبهم الله عز وجل حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد أن يدخل عليهم وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما يؤتى كل سنة وقيل إنه لما جاء يمليخا ومعه الناس قادعوني أدخل إلى أصحابي فأبشرهم فانهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم وقبض الله روحه وأرواحهم فدخل الناس فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لاأرواح فيها فقال الملك هذه آية بعثها الله لكم تعالى فضربنا على آذانهم قال الزجاج المعنى أنمناهم ومنعناهم السمع لأن النائم إذا سمع انتبه وعددا منصول الرحمن على ضربين على المصدر المعنى تعد عددا أن يكون نعتا للسنين المعنى سنين ذات عدد والفائدة في ذكر العدد في الشئ

[ 80 ]

المعدود توكيد كثرة الشئ لأنه إذا قفهم مقداره وإذا كثر احتيج الى أن يعد العدد الكثير ثم بعثناهم من نومهم يقال كل من خرج من الموت الى الحياة أو من النوم إلى الانتباه مبعوث لانه قد زال عنه ما كان يحبسه عن التصرف والانبعاث وقيل معنى سنين عددا أنه لم يكن فيها شهور ولا أيام إنما هي كاملة ذكره الماوردي تعالى لنعلم أي الحزبين قال المفسرون أي لذى وقال بعضهم المعنى لتعلموا أنتم وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والنخعي ليعلم بضم الياء على ما لم يسم فاعله أي الحزبين ويعني بالحزبين المؤمنين والكافرين من قول أصحاب الكهف أحصى لما لبثوا أي لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أو هؤلاء فكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف بعد خروجهم من بينهم فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر قال قتادة لم يكن للفريقين علم بلبثهم وكان لا لمؤمنيهم ولا لكافريهم روى قال مقاتل لما بعثوا زال الشك وعرفت حقيقة اللبث وقال القاضي أبو يعلى معنى الكلام بعثناهم ليظهر المعلوم في اختلاف الحزبين في مدة لبثهم لما في ذلك من العبرة ولم نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه الهة لو لا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا تعالى نحن نقص عليك نبأهم أي خبر الفتية بالحق أي بالصدق تعالى وزدناهم هدى أي ثبتناهم على الإيمان وربطنا على قلوبهم أي ألهمناها الصبر إذ قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس فقالوا ربنا رب السموات والأرض وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم وقال الحسن قاموا في قومهم فدعوهم الى التوحيد وقيل هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أول القصة فأما الشطط فهو الجور قال الزجاج يقال شط الرجل وأشط إذا جار ثم قال الفتية هؤلاء قومنا يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس اتخذوا من دونه آلهة أي عبدوا الأصنام لولا أي هلا يأتون عليهم أي على عبادة الأصنام بسلطان بين أي بحجة

[ 81 ]

وإنما قال عليهم والأصنام مؤنثة لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز فجرت مجرى المذكرين من الناس تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا فزعم أن له شريكا وإذ اعتزلوهم يعبدون إلا الله فأوا بين إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزوار عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا تعالى وإذ اعزلتموهم أهل قال ابن عباس هذا قول يمليخا وهو رئيس اصحاب الكهف قال لهم وإذ اعتزلتموهم أي فارقتموهم يريد عبدة الأصنام وما يعبدون إلا الله فيه قولان واعتزلتم ما يعبدون إلا الله فان القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة فاعتزل الفتية عبادة الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله هذا قول عطاء الخراساني والفراء وما يعبدون غير الله قال قتادة هي في مصحف عبد الله وما يعبدون من دون الله وهذا تفسيرها تعالى فأووا إلى الكهف أي اجعلوه مأواكم ينشر لكم ربكم من رحمته أي يبسط عليكم من رزقه ويهيئ لكم من أمركم مرفقا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء وقرأ نافع وابن عامر مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء حديث قال الفراء أهل الحجاز يقولون مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء في كل مرفق ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعا قال ابن الأنباري معنى الآية ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب مرفقا قال الشاعر فليت لنا من ماء زمزم شربة عند مبردة باتت على طهيان لأنه معناه فليت لنا بدلا من ماء زمزم قال ابن عباس ويهيئ لكم يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه ويأتكم باليسر والرفق واللطف

[ 82 ]

تعالى وترى الشمس إذا طلعت المعنى لو رأيتها لرايت ما وصفنا تزاور قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تزاور بتشديد الزاي وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور خفيفة وقرأ أبو عامر تزور مثل تحمر وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابو رجاء والجحدري تزوار باسكان الزاي وبألف ممدودة بعد الواو من غير همزة مشددة الراء وقرأ ابن مسعدو أخبرنا وأبو المتوكل وابن السميفع تزوئر بهمزة قبل الراء مثل تزوعر يا وقرأ أبو الجوزاء وأبو السماك تزور بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الراء مثل تكور أي تميل وتعدل قال الزجاج أصل تتزاور فأدغمت التاء في الزاي وتقرضهم أي تعدل عنهم وتتركهم وقال ذو الرمة إلى طغن لو يقرضن أجواز مشرف يكون شمالا وعن أيمانهن الفوراس مع سعيد يتركن واصل القرض القطع والتفرقة بين الأشياء ومنه قولك أقرضني درهما أي اقطع لي من مالك درهما قال المفسرون كان كهفهم بازاء بنات نعش في أرض الروم فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء فقال وهم في فجوة منه قال أبو عبيدة أي في متسع والجميع فجوات وفجاء بكسر الفاء وقال الزجاج إنما صرف الشمس عنهم آية من الآيات ولم يرض قول من قال كان كهفهم بازاء بنت نعش تعالى ذلك من آيات الله يشير الى ما صنعه بهم من اللطف في هدايتهم وصرف أذى الشمس عنهم والرعب الذي ألقى علهم حتى لم يقدر الملك الظالم ولا غيره على أذاهم من آيات الله أي من دلائله على قدرته ولطفه من يهد الله فهو المهتد هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية القوم ولولا ذلك لم يهتدوا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد لو اطعلت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا تعالى وتحسبهم أيقاظا أي لو رأيتهم لحسبتهم بكر أيقاظا قال الزجاج الأيقاظ المنتبهون واحدهم يقط ويقظان والجميع أيقاظ والرقود النيام قال الفراء واحد الأيقاظ يقظ ويقظ قال ابن السائب وإنما يحسبون أيقاظا لأن أعينهم مفتحة وهم نيام وقيل لتقلبهم قد يمينا وشمالا وذكر بعض أهل العلم أن وجه الحكمة في فتح أعينهم أنه لو دام طبقها لذابت

[ 83 ]

تعالى ونقلبهم وقرأ أبو رجاء وتقلبهم بتاء مفتوحة وسكون القاف وتخفيف اللام المكسورة وقرأ أبو الجوزاء وعكرمة ونقلبهم مثلها إلا أنه بالنون ذات اليمين أي على ايمانهم وعلى شمائلهم قال ابن عباس كانوا يقلبون في كل عام مرتين ستة أشهر على هذا الجنب وستة أشهر على هذا الجنب لئلا تأكل الأرض لحومهم وقال مجاهد كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد ثم قلبوا تسع سنين قوله تعالى وكلبهم باسط ذارعيه بالوصيد أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم في النوم وهو في راي العين منتبه وفي الوصيد أربعة أقوال أنه الفناء فناء الكهف رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وقتادة والفراء قال الفراء يقال الوصيد والأصيد وفي لغتان مثل الإكفاف كل والوكاف وأرخت الكتاب وورخت ووكدت الأمر وأكدت وأهل الحجاز يقولون الوصيد وأهل نجد يقولون الأصيد وهو الحظيرة والفناء أنه الباب رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي وقال ابن قتيبة فيكون المعنى وكلبهم باسط ذارعيه بالباب قال الشاعر بأرض فضاء لا يسد وصيدها على ومعروفي بها غير منكر فلا أنه الصعيد وهو التراب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد في رواية عنهما أنه عتبة الباب قاله عطاء قال ابن قتيبة وهذا أعجب إلي لأنهم يقولون أوصد بابك أي أغلقه ومنه قوله إنها عليهم مؤصدة الهمزة 8 أي مطبقة مغلقة وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء كان خارجا من الكهف وإن جعلته بعتبة الباب أمكن أن يكون داخل الكهف والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة فانما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت فاستعير تعالى لو اطلعت عليهم وقرأ الأعمش وأبو حصين لو أطلعت بضم الواو لوليت منهم فرارا رهبة لهم ولملئات منه قرأ عاصم وابن عامر وابو عمرو وحمزة والكسائي ولملئت خفيفة مهموزة وقرأ ابن كثير ونافع ولملئت مشددة مهموزة رعبا أي فزعا وخوفا وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يدخل إليهم

[ 84 ]

أحد وقيل انهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا حكاه الزجاج وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تلفحوا إذا أبدا تعالى وكذلك بعثناهم أي وكما فعلنا بهم ما ذكرناه بعثناهم من تلك النومة ليتساءلوا أي ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم قال قائل منهم كم لبثتم أي كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم وذلك أنهم دخلوا غدوة وبعثهم الله في آخر النهار فلذلك قالوا يوما فلما رأوا الشمس قالوا أبو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قال ابن عباس القائل لهذا يمليخا رئيسهم رد علم ذلك الى الله تعالى وقال في رواية أخرى انما قاله مكسلمينا وهو أكبرهم قال أبو سليمان وهذا يوجب ان تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا وقيل إنما قالوا ذلك لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا تعالى فابعثوا أحدكم قال ابن الأنباري إنما قال أحدكم ولم يقل واحد كم لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم فان العرب تقول رأيت أحد القوم ولا يقولون رأيت واحد القوم إلا إذا أرادوا المعظم فأراد بأحدهم بعضهم ولم يرد شريفهم تعالى بورقكم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم بورقكم الراء مكسورة خفيفة وقرا أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء وعن أبي عمرو بورقكم مدغمة يشمها شيئا من التثقيل قال الزجاج يقولون الورق وبعض العرب يكسرون الواو فيقولون الورق قال ابن قتيبة الورق الفضة دراهم كانت أو غير دراهم يدلك على ذلك حديث عرفجة انه اتخذ أنفا من ورق تعالى إلى المدينة يعنون التي خرجوا منها واسمها دقسوس ويقال هي اليوم طرسوس

[ 85 ]

تعالى فلينظر ايها قال الزجاج المعنى أي أهلها أزكى طعاما وللمفسرين في معناه ستة أقوال أحل ذبيحة قاله ابن عباس وعطاء وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا فكانوا يذبحون للطواغيت وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم والثاني أحل طعاما قاله سعيد بن جبير قال الضحاك وكانت أكثر أموالهم غصوبا وقال مجاهد قالوا لصاحبهم لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب والثالث أكثر قاله عكرمة والرابع خير أي أجود قاله قتادة والخامس أطيب قاله ابن السائب ومقاتل والسادس ارخص قاله سليمان بن رياب قال ابن قتيبة واصل الزكاء النماء والزيادة تعالى فلياتكم: برزق منه أي بما تأكلونه وليتلطف أي ليدقق غير النظر فيه وليحتل لئلا يطلع عليه ولا يشعرن بكم أي ولا يخبرن أحدا بمكانكم إنهم إن يظهروا أي يطلعوا ويشرفوا عليكم يرجموكم وفيه ثلاثة أقوال يقتلوكم قاله ابن عباس وقال الزجاج يقتلوكم بالرجم والثاني يرجموكم بأيديهم استنكارا لكم قاله الحسن والثالث بألسنتهم شتما لكم قاله مجاهد وابن جريج تعالى أو يعيدوكم في ملتهم أي يردوكم في دينهم ولن تفلحوان إذا ابدا أي إن رجعتم في دينهم لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة أحمد أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا تعالى وكذلك أعثرنا عليهم أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطعلنا بعد وأظهرنا عليهم قال ابن قتيبة وأصل هذا أن من عثر بشئ وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه فاستعير

[ 86 ]

لعثار مكان التبين والظهور ومنه قول الناس ما عثرت على فلان بسوء قط أي ما ظهرت على ذلك منه تعالى ليعلموا في المشار إليهم بهذا العلم قولان أنهم اهل بلدهم حين اختصموا في البعث فبعث الله أهل الكهف ليعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق وأن القيامة لا شك فيها هذا قول الاكثرين أنهم أهل الكهف بعثناهم ليروا بعد علمهم أن وعد الله حق ذكره الماوردي تعالى إذ يتنازعون يعني أهل ذلك الزمان قال ابن الأنباري المعنى إذ كانوا يتنازعون ويجوز ان يكون المعنى إذ تنازعوا ما تنازعوا فيه خمسة أقوال أنهم تنازعوا في البنيان والمسجد فقال المسلمون نبني عليهم مسجدا لأنهم على ديننا وقال المشركون نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل سنتنا قاله ابن عباس والثني أنهم تنازعوا في البعث فقال المسلمون تبعث الأجساد والأرواح وقال بعضهم تبث الأرواح دون الأجساد فأراهم الله تعالى بعث الأرواح والأجساد ببعثه أهل الكهف قاله عكرمة والثالث أنهم تنازعوا ما يصنعون بالفتية قاله مقاتل والرابع أنهم تنازعوا في قدر مكثهم والخامس تنازعوا في عددهم ذكرهما الثعلبي تعالى ابنوا عليهم بنيانا أي استروهم من الناس بأن تجعلوهم وراء ذلك البنيان وفي القائلين لهذا قولان أنهم مشركو ذلك الزمان وقد ذكرناه عن ابن عباس أنهم الذين أسلموا حين رأوا أهل الكهف قاله ابن السائب تعالى قال الذين غلبوا على أمرهم قال ابن قتيبة يعني المطاعين والرؤساء قال المفسرون وهم الملك وأصحابه المؤمنون أتخذوا عليهم مسجدا قال سعيد بن جبير بني عليهم الملك بيعه يقول ثلثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون

[ 87 ]

سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ولا تقولون لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا قوله تعالى سيقولون ثلاثة قال الزجاج ثلاثة مرفوع بخبر الابتداء المعنى سيقول الذين تنازعوا في أمرهم هم ثلاثة وفي هؤلاء القائلين قولان أنهم نصارى نجران ناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أهل الكهف فقالت الملكية هم ثلاثة رابعهم كلبهم وقالت اليعقوبية هم خمسة سادسهم كلبهم وقالت النسطورية هم سبعة وثامنهم كلهم فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس أنهم أهل مدينتهم قبل ظهورهم عليهم ذكره الماوردي تعالى رجما بالغيب أي ظنا غير يقين قال زهير وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم الذي وما هو عنها بالحديث المرجم لأن دخول الواو في قوله وثامنهم كلبهم ولم تدخل فيما قبل هذا ففيه أربعة أقوال أحدها أن دخولها وخروجها واحد قاله الزجاج أن ظهور الواو في الجملة الثامنة دلالة على على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين فأعلم بذكرها هاهنا أنها مرادة فيما قبل وإنما حذفت تخفيفا ذكره أبو نصر في شرح اللمع أن دخولها يدل على انقطاع القصة وان الكلام قد تم ذكره الزجاج أيضا وهو قول مقاتل بسليمان فان الواو تدل على تمام الكلام قبلها واستئناف ما بعدها قال الثعلبي فهذه واو الحكم والتحقيق كأن الله تعالى حكى اختلافهم فتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حكم أن ثامنهم كلبهم وجاء في بعض التفسير ان المسلمين قالوا عند اختلاف النصارى هم سبعة فحقق الله قول المسلمين أن العرب تعطف بالواو على السبعة فيقولون ستة سبعة وثمانية لأن العقد عندهم سبعة كقوله التائبون العابدون إلى أن قال في الصفة الثامنة والناهون عن

[ 88 ]

المنكر التوبة 112 وقوله في صفة الجنة وفتحت أبوابها وفي صفة النار فتحت أبوابها الزمر 73 71 لأن أبواب النار سبعة وابواب الجنة ثمانية ذكر هذا المعنى أبو اسحاق الثعلبي صلى اختلف العلماء في عددهم على قولين أنهم كانوا سبعة قاله ابن عباس ثمانية قاله ابن جريج وابن اسحاق وقال ابن الأنباري وقيل معنى قوله وثامنهم كلبهم صاحب كلبهم كما يقال السخاء حاتم والشعر زهير أي السخاء سخاء حاتم والشعر شعر زهير وأما أسماؤهم فقال هشيم مكسلمينا ويمليخا وطرينوس وقد وسدينوس علي وسرينوس حتى ونواسس تعالى ويرانوس فإن وفي التفسير خلاف في أسمائهم فلم أطل به في كلبهم لمن كان على ثلاثة أقوال أنه كان لراع مروا به فتبعهم الراعي والكلب قاله ابن عباس انه كان لهم يتصيدون عليه قاله عبيد بن عمير أنهم مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك به مرارا فقال لهم الكلب ما تريدون مني لا تخشوا جانبي انا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم قاله كعب الأحبار اسم كلبهم أربعة أقوال قطمير قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني اسمه الرقيم وقد ذكرناه عن سعيد بن جبير والثالث قطمور قاله عبد الله بن كثير والرابع حمران قاله شعيب الجبائي وفي صفته ثلاثة أقوال أحمر حكاه الثوري والثاني أصفر حكاه ابن اسحاق والثالث أحمر الرأس أسود الظهر أبيض البطن أبلق الذنب ذكره ابن السائب تعالى ربي أعلم بعدتهم حرك الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون

[ 89 ]

تعالى ما يعلمهم إلا قليل أي ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس قال عطاء يعني بالقليل أهل الكتاب قال ابن عباس أنا من ذلك القليل هم سعبة إن الله عدهم حتى أنتهى الى السبعة تعالى فلا تمار فيهم إلا مراء ظهرا قال ابن عباس وقتادة لا تمار أحدا حسبك ما قصصت عليك من أمرهم وقال ابن زيد لا تمار في عدتهم إلا مراء ظاهرا أن تقول لهم ليس كما تقولون ليس كما تعلمون وقيل إلا مراء ظاهرا بحجة واضحة حكاه الماوردي والمراء في اللغة الجدال يقال مارى يماري مماراة ومراء أي جادل قال ابن الأنباري معنى الآية لا تجادل إلا جدال متيقن عالم بحقيقة الخبر إذ الله تعالى ألقى إليك مالا يشوبه باطل وتفسير المراء في اللغة استخراج غضب المجادل من قولهم مريت الشاة إذا استخرجت لبنها تعالى ولا تستفت فيهم أي في أصحاب الكهف منهم قال ابن عباس يعني من أهل الكتاب قال الفراء أتاه فريقان من النصارى نسطوري ويعقوبي فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن عددهم فنهي عن ذلك تعالى ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا أن يشاء الله سبب نزولها أن قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وعن الروح وعن أصحاب الكهف فقال غدا أخبركم بذلك ولم يقل إن شاء الله فأبطأ عليه جبريل خسمة عشر يوما لتركه الاستثناء فشق ذلك عليه ثم نزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الكلام ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول إن شاء الله فحذف لقول تعالى واذكر ربك إذا نسيت قال ابن الأنباري معناه واذكر ربك بعد تفضي النسيان كما تقول أذكر لعبدالله إذا صلى حاجتك أي بعد انقضاء الصلاة في معنى الآية ثلاثة أقوال أحدها ان المعنى إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فقل إن شاء الله ولو كان بعد يوم أو شهر أو سنة قاله سعيد بن جبير والجمهور أن معنى إذا نسيت إذا غضبت قاله عكرمة قال ابن الأنباري وليس ببعيد لأن الغضب ينتج النسيان إذا نسيت الشئ فاذكر الله ليذكرك إياه حكاه الماوردي

[ 90 ]

الاستثناء أن يخرج الحالف من الكذب إذا لم يفعل حلف عليه كقوله في قصة موسى ستجدني إن شاء الله صابرا الكهف 70 ولم يصبر فسلم من الكذب لوجود الاستثناء في حقه ولا تختلف الرواية عن أحمد أنه لا يصح الاستثناء في الطلاق والعتاق وأنه إذا قال انت طالق ان شاء الله وانت حر إن شاء الله أن ذلك يقع وهو قول مالك وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقع شئ من ذلك وأما اليمين بالله تعالى فان الاستثناء فيها يصح بخلاف الطلاق وكذلك الاستثناء في كل ما يكفر كالظهار والنذر لأن الطلاق والعتاق لفظه لفظ إيقاع وإذا علق به المشيئة علمنا وجودها لوجود لفظ الإيقاع من جهته بخلاف سائر الايمان لأنها ليست بموجبات للحكم وإنما تتعلق بأفعال مستقبلة صلى اختلف في الوقت الذي يصح فيه الاستثناء على ثلاثة أقوال انه لا يصح الاستثناء الا موصولا بالكلام وقد روي عن أحمد نحو هذا وبه قال أكثر الفقهاء والثاني انه يصح ما دام في المجلس قاله الحسن وطاووس وعن أحمد نحوه انه لو أستثنى بعد سنة جاز قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير وأبو العالية وقال ابن جرير الطبري الصواب للإنسان أن يستثني ولو بعد حنثه في يمينه فيقول إن شاء الله ليخرج بذلك مما ألزمه الله في هذه الآية فيسقط عنه الحرج فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال الا ان يكون الاستثناء موصولا بيمينه ومن قال له ثنياه ولو بعد سنة أراد سقوط الحرج الذي يلزمه بترك الاسثتناء دون الكفارة تعالى وقل عسى أن يهديني ربي قرأ نافع وأبو عمرو يهديني ربي بياء في الوصل دون الوقف وقرأ ابن كثير بياء في الحالين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بغير ياء في الحالين معنى الكلام قولان عسى أن يعطيني ربي من الايات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف ففعل الله له ذلك وآتاه من علم غيوب

[ 91 ]

المرسلين ما هو أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف هذا قول الزجاج أن قريشا لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم خبر أصحال الكهف قال غدا أخبركم كما شرحنا في سبب نزول الآية فقال الله تعالى له وقل عسى أن يهديني ربي أي عسى أن يعرفني جواب مسائلكم قبل الوقت الذي حددته لكم ويعجل لي من جهته الرشاد هذا قول ابن الأنباري في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ثلاثمائة سنين منون وقرأ حمزة والكسائي ثلاثمائة سنين مضافا غير منون قال أبو علي العدد المضاف الى الآحاد قد جاء مضافا الى الجميع قال الشاعر وما زودوني عمر غير سحق عمامة النبي وخمسمئ وإن منها قسي وزائف كما هذا الكلام قولان أنه حكاية عما قال الناس في حقهم وليس بمقدار لبثهم قاله ابن عباس واستدل عليه فقال لو كانوا لبثوا ذلك لما قال الله أعلم بما لبثوا وكذلك قال قتادة وهذا قول أهل الكتاب أنه مقدار ما لبثوا قاله عبيد بن عمير ومجاهد والضحاك وابن زيد والمعنى لبثوا هذا القدر من يوم دخلوه إلى أن بعثهم الله وأطلع الخلق عليهم تعالى سنين قال الفراء وأبو عبيدة والكسائي والزجاج التقدير سنين

[ 92 ]

ثلاثمائة وقال ابن قتيبة المعنى أنها لم تكن شهورا ولا أياما وإنما كانت سنين وقال أبو علي الفارسي سنين بدل من قوله ثلاثمائة قال الضحاك نزلت ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة فقالوا أياما أو شهورا أو سنين فنزلت سنين فلذلك قال سنين ولم يقل سنة قوله تعالى وازدادوا تسعا يعني تسع سنين فاستغنى عن ذكر السنين بما تقدم من ذكرها ثم أعلم أنه أعلم بقدر مدة لبثهم من أهل الكتاب المختلفين فيها فقال قل الله أعلم بما لبثوا قال ابن السائب قالت نصارى نجران أما الثلاثمائة فقد عرفناها وأما التسع فلا علم لنا بها فنزل قوله تعالى قل الله أعلم بما لبثوا وقيل إن أهل الكتاب قالوا إن للفتية منذ دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فرد الله تعالى عليهم ذلك وقال قل الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم الى يومكم هذا لا يعلم ذلك غير الله وقيل إنما زاد التسع لأنه تفاوت ما بين السنين الشمسية والسنين القمرية حكاه الماوردي تعالى أبصر به واسمع فيه قولان أنه على مذهب التعجب فالمعنى ما أسمع الله به وأبصر أي هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم هذا قول الزجاج وذكر انه اجماع العلماء أنه في معنى الأمر فالمعنى أبصر بدين الله واسمع أي بصر بهدى الله وسمع فترجع الهاء اما على الهدى واما على الله عز وجل ذكره ابن الأنباري تعالى ما لهم من دونه أي ليس لأهل السموات والارض من دون الله من ناصر ولا يشرك في حكمه أحدا ولا يجوز أن يحكم حاكم بغير ما حكم به وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكا لله عز وجل في حكمه وقرأن ابن عامر ولا تشرك جزما بالتاء والمعنى لا تشرك أيها الإنسان هو ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هوايه وسلم وكان امره فرطا

[ 93 ]

تعالى واتل ما اوحي إليكم في هذه التلاوة قولان أنها بمعنى القراءة والثاني بمعنى الاتباع فيكون المعنى على الاول اقرأ القرآن وعلى الثاني اتبعه واعمل به وقد شرحنا في الانعام 115 معنى لا مبدل لكلماته تعالى ولن تجد من دونه ملتحدا قال مجاهد والفراء ملجأ وقال الزجاج معدلا عن أمره ونهيه وقال غيرهم موضعا تميل إليه في الالتجاء تعالى واصبر نفسك سبب نزولها أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله لو أنك جلست في صدر المجلس ونحيت هؤلاء عنا يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم جباب الصوف جلسا اليك واخذنا عنك فنزلت هذه الآية الى قوله إنا اعتدنا للظالمين نارا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مرجال من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات هذا قول سلمان الفارسي ومعنى قوله واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم أي احبسها معهم على أداء الصلوات بالغداة والعشي وقد فسرنا هذه الآية في الأنعام 52 إلى قوله تعالى ولا تعد عيناك عنهم أي لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا سبب نزولها أن أمية بن خلف الجمحي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة فنزلت هذه الآية رواه الضحاك عن ابن عباس وفي رواية أخرى عنه أنه قال هو عيينه وأشباهه ومعنى اغفلنا قلبه جعلناه غافلا وقرأ أبو مجلز من أغفلنا بفتح اللام ورفع باء القلب عن ذكرنا عن التوحيد والقرآن والإسلام واتبع هواه في الشرك وكان أمره فرطا فيه أربعة أقوال أنه أفرط في قوله لأنه قال إن رؤوس مضر وإن نسلم يسلم الناس بعدنا قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ضياعه قاله مجاهد وقال أبو عبيدة سرفا وتضييعا

[ 94 ]

والثالث ندما حكاه ابن قتيبة عن أبي عبيدة والرابع كان أمره التفريط والتفريط تقديم العجز قاله الزجاج وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إن أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا عنه تعالى وقل الحق من ربكم قال الزجاج المعنى وقل الذي أتيتكم به الحق من ربكم قوله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فيه ثلاثة أقوال فمن شاء الله فليؤمن روي عن ابن عباس أنه وعيد وإنذار وليس بأمر قاله الزجاج أن معناه لا تنفعون الله بايمانكم ولا تضرونه بكفركم قاله الماوردي وقال بعضهم هذا اظهار للغنى لا إطلاق في الكفر تعالى إنا أعتدنا أي هيأنا وأعددنا وقد شرحناه في قوله وأعتدت لهن متكأ يوسف 31 فأما الظالمون فقال المفسرون هم الكافرون وأما السرادق فقال الزجاج السرادق كل ما أحاط بشئ نحو الشقة في المضرب أو الحائط المشتمل على الشئ وقال ابن قتيبة السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السرادق فارسي معرب وأصله بالفارسية سرادار وهو الدهليز قال الفرزدق تمنيتهم إن حتى إذا ما لقيتهم إلا تركت لهم قبل الضراب السرادقا فيه وفي المراد بهذا السرادق قولان أنه سرادق من نار قاله ابن عباس روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لسرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس قال السرادق لسان من النار يخرج من النار فيحيط بهم حتى يفرغ من حسابهم

[ 95 ]

أنه دخان يحيط بالكفار يوم القيامة وهو الظل ذو ثلاث شعب الذي ذكره الله تعالى في المرسلات 30 قاله ابن قتيبة تعالى وإن يستغيثوا أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش يغاثوا بماء كالمهل وفيه سبعة أقوال أنه ماء غليظ كدردي الزيت رواالعوفي عن ابن عباس أنه كل شئ أذيب حتى أنماع قاله ابن مسعود وقال أبو عبيدة والزجاج 4 كل شئ أذبته من نحاس أو رصاص أو نحو ذلك فهول مهل قيح ودم أسود كعكر الزيت قاله مجاهد أنه الفضة والرصاص يذابان صلى روي عن مجاهد أيضا أنه الذي انتهى حره قاله سعيد بن جبير أنه الصديد ذكره ابن الأنباري قال مغيب بن سمي هذا الماء هو ما يسيل من عرق أهل الموقف في الآخرة وبكائهم وقال وما يجري منهم من دم وقيح يسيل ذلك لى واد في جهنم فتطبخه جهنم فيكون أول ما يغاث بأهل النار والسابع أنه الرماد الذي ينفض عن الخبزة إذا خرجت من التنور حكاه ابن الأنباري قوله تعالى يشوي الوجوه قال المفسرون إذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه ثم ذمه فقال بئس الشراب وساءت النار مرتفقا وفيه خمسة أقوال منزلا قاله ابن عباس والثاني مجتمعا قاله مجاهد والثالث متكأ قاله أبو عبيدة وأنشد لابي ذؤيب إني أرقت فبت الليل مرتفقا كأن عيني فيها الصاب مذبوح أنه وذبحه انفجاره قال الزجاج مرتفقا منصوب على التمييز ومعنى مرتفقا متكأ على المرفق والرابع ساءت مجلسا قاله ابن قتيبة والخامس ساءت مطلبا للرفق لأن من طلب رفقا من جهتها عدمه ذكره ابن الأنباري ومعاني هذه الأقوال تتقارب وأصل المرفق في اللغة ما يرتفق به

[ 96 ]

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاا أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال الزجاج خبر إن هاهنا على ثلاثة أوجه وهو أن يكون على إضمار إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم ولم يحتج إلى ذكر منهم لأن الله تعالى قد أعلمنا أنه محبط عمل غير المؤمنين أن يكون خبر إن أولئك لهم جنات عدن فيكون قوله إنا لا نضيع قد فصل به بين الأسم وخبره لأنه يحتوي على معنى الكلام الأول لأن من أحسن عملا بمنزلة الذين آمنوا أن يكون الخبر إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا بمعنى إنا لا نضيع أجرهم المفسرون ومعنى نضيع أجر من أحسن عملا أي لا نترك أعماله تذهب ضياعا بل نجازيه عليها بالثواب الأساور فقال الفراء في الواحد منها ثلاث لغات إسوار وسوار وسوار فمن قال إسوار جمعه أساور ومن قال سوار أو سوار جمعه أسورة وقد يجوز أن يكون واحد أساورة وأساور وقال الزجاج الأساور جمع أسورة وأسورة جمع سوار يقال سوار اليد بالكسر وقد حكي سوار قال المفسرون لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور في اليد والتيجان على الرؤوس جعل الله ذلك لأهل الجنة قال سعيد بن جبير يحلى كل واحد منهم بثلاثة من الأساور واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من لؤلؤ ويواقيت السندس والإستبرق فقال ابن قتيبة السندس رقيق الديباج والإستبرق ثخينه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال السندس رقيق الديباج لم يختلف أهل اللغة في أنه معرب قال الراجز وليلة من الليالي حندس صلى الله عليه وسلم لون حواشيها كلون السندس إذا والاستبرق غليظ الديباج فارسي معرب وأصله استفره وقال ابن دريد استروه

[ 97 ]

ونقل من العجمية الى العربية فلوا حقر استبرق أو كسر لكان في التحقير أبيرق وفي التكسير أبارق بحذف السين والتاء جميعا قوله تعالى متكئين فيها الاتكاء التحامل على الشئ قال أبو عبيدة والأرائك الفرش فالحجال ولا تكون الأريكة إلا بحجلة وسرير وقال ابن قتيبة الأرائك السرر في الحجال واحدها أريكة وقال ثعلب لا تكون الأريكة إلا سريرا في قبة عليه شوراه ومتاعه قال ابن قتيبة الشوار مفتوح الشين وهو متاع البيت وقال الزجاج الأرائك الفرش في الحجال قال وقيل إنها الفرش وقيل الأسرة وهي على الحقيقة الفرش كانت في حجال لهم لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا فقال تعالى واضرب لهم مثلا رجلين روى عطاء عن ابن عباس قال هما ابنا ملك كان في بني اسرائيل توفي وتركهما فاتخذ أحدهما الجنان والقصور وكان الآخر زاهدا في الدنيا فكان إذا عمل اخوه شيئا من زينة الدنيا اخذ مثل ذلك فقدمه لآخرته حتى نفد ماله فضربهما الله عز وجل مثلا للمؤمن والكافر الذي ابطرته أي النعمة وروى أبو صالح عن ابن عباس ان المسلم لما احتاج تعرض لأخيه الكافر فقال الكافر اين ما ورثت عن ابيك فقال انفقته في سبيل الله فقال الكافر لكني ابتعت به جنانا وغنما وبقرا والله لاأعطيتك شيئا أبدا حتى تتبع ديني ثم أخذ بيد المسلم فأدخله جنانه يطوف به فيها ويرغبه في دينه وقال مقاتل اسم المؤمن يمليخا واسم الكافر قرطس وقيل قطرس وقيل هذا المثل ضرب لعيينة بن حصن واصحابه ولسلمان واصحابه تعالى وحففناهما بنخل الحف الاحاطة بالشئ ومنه قول حافين

[ 98 ]

من حول العرش الزمر 75 والمعنى جعلنا النخل مطيفا بها وقوله وجعلنا بينهما زرعا إعلام أن عمارتهما كاملة تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها قال الفراء لم يقل آتتا لأن كلتا ثنتان لا تفرد واحدتهما وأصله كل كما تقول للثلاثة كل فكان القضاء أن يكون للثنتين ما كان للجمع وجاز توحيده على مذهب كل وتأنيثه جائز للتأنيث الذي ظهر في كلتا وكذلك فافعل ب كلا وكلتا وكل إذا اضفتهن ثنا الى معرفة وجاء الفعل بعدهن فوحد واجمع فمن التوحيد قوله تعالى وكلهم آتيه يوم القيامة فردا مريم 96 ومن الجمع وكل أتوه داخرين النمل 87 والعرب قد تفعل أيضا في أي فيؤنثون ويذكرون قال الله تعالى وما تدري نفس بأي أرض تموت لقمان 34 ويجوز في الكام بأيت أرض وكذلك في أي صورة ما شاء ركبك الانفطار 8 ويجوز في الكلام في أيت قال الشاعر باي به بلاء أم بأية نعمة هذا تقدم قبلي مسلم والمهلب ثم ابن الأنباري كلتا وإن كان واقعا في المعنى على اثنتين فان لفظه لفظ واحدة مؤنثة فغلب اللفظ ولم يستعمل المعنى ثقة بمعرفة المخاطب به ومن العرب من يؤثر المعنى على اللفظ فيقول كلتا الجنتين آتتا أكلها ويقول أخرون كلتا الجنتين آتى أكله لأن كلتا تفيد معنى كل قال الشاعر وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي رسول فلا الموت أهواه ولا العيش أروح ولا يعني وكلهما قد خط لي وقد قالت العرب كلكم ذاهب وكلكم ذاهبون فوحدوا للفظ كل وجمعوا لتأويلها وقال الزجاج لم يقل آتتا لأن لفظ كلتا لفظ واحدة والمعنى كل واحدة منهما آتت أكلها ولم تظلم أي لم تنقص منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا فأعلمنا أن شربهما كان من ماء نهر وهو من أغزر الشرب وقال الفراء إنما قال فجرنا بالتشديد وهو نهر واحد لأن النهر يمتد فكان التفجر فيه كله قرأ أبو رزين وأبو مجلز وأبو العالية وابن يعم وابن أبي عبلة وفجرنا بالتخفيف وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل خللهما وقرأ أبو العالية وأبو عمران نهرا بسكون الهاء تعالى وكان له يعني للأخ الكافر ثمر قر ابن كثير ونافع وابن عامر

[ 99 ]

وحمزة والكسائي وكان له ثمر وأحيط بثمره بضمتين وقرأ عاصم وكان لهم ثمر وأحيط بثمره بفتح التاء والميم فيهما لم أبو عمرو ثمر وثمره بضمة واحدة وسكون الميم قال الفراء الثمر بفتح التاء والميم المأكول وبضمها المال وقال ابن الانباري الثمر بالفتح الجمع الاول والثمر بالضم جمع الثمر يقال ثمر وثمر كما يقال أسد واسد ويصلح أن يكون الثمر جمع الثمار كما يقال حمار وحمر وكتاب وكتب فمن ضم قال الثمر أعم لأنها تحتمل الثمار المأكولة والأموال المجموعة قال أبو علي الفارسي وقراءة أبي عمرو ثمر يجوز أن تكون جمع ثمار ككتاب وكتب فتخفف فيقال كتب ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب ويجوز أن يكون ثمر واحدا كعنق وطنب صلى ذكر المفسرون في قراءة من ضم ثلاثة أقوال أنه المال الكثير من صنوف الأموال قاله ابن عباس أنه الذهب والفضة قاله مجاهد أنه جمع ثمرة قال الزجاج يقال ثمرة وثمار وثمر قيل ما الفائدة في ذكر الثمر بعد ذكر الجنتين وقد علم ان صاحب الجنة لا يخلو من ثمر فعنه ثلاثة اجوبة أنه لم يكن أصل الأرض ملكا له وإنما كانت له الثمار قاله ابن عباس أن ذكر الثمر دليل على كثرة ما يملك من الثمار في الجنتين وغيرهما ذكره ابب حدثنا الأنباري إنا قدذكرنا أن المراد بالمثر ابن الأموال من الأنواع وذكرنا قوله الذهب والفضة وذلك يخالف الثمر المأكول قال أبو علي الفارسي من قال هو الذهب والورق فانما قيل لذلك ثمر على التفاؤول له لأن الثمر نماء في ذي الثمر وكونه هاهنا بالجنى أشبه من الذهب والفضة ويقوي ذلك وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها والإنفاق من الورق لا من الشجر تعالى فقال يعني الكافر لصاحبه المؤمن وهو يحاوره أي يراجعه الكلام ويجاوبه تحوارا ذلك فيه قولان أنه الايمان والكفر طلب الدنيا وطلب الآخرة فأما النفر فهم الجماعة ومثلهم القوم والرهط ولا واحد لهذه الألفاظ من لفظها وقال ابن فارس اللغوي النفر عدة رجال من ثلاثة إلى العشرة

[ 100 ]

أراد بنفره محمد ثلاثة أقوال عبيده قاله ابن عباس والثاني ولده قاله مقاتل والثالث عشيرته ورهطه قاله أبو سليمان تعالى ودخل جنته يعني الكافر وهو ظالم لنفسه بالكفر وكان قد أخذ بيد أخيه فأدخله معه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا أنكر فناء الدنيا وفناء جنته وأنكر البعث والجزاء بقوله وما أظن الساعة قائمة وهذا شك منه في البعث ثم قال ولئن رددت الى ربي أي كما تزعم أنت قال ابن عباس يقول ان كان البعث حقا لأجدن خيرا منها قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي خير منها وكذلك هي في مصاحف أهل البصرة والكوفة وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر خيرا منهما بزيادة ميم على التثنية وكذلك هي في مصاحف أهل مكة والمدينة والشام قال أبو علي الإفراد أولى لأنه أقرب الى الجنة المفردة في قوله ودخل جنته والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين تعالى منقلبا أي كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفه ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة الا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا إلى تعالى قال له صاحبه يعني المؤمن وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب يعني خلق أباك آدم ثم من نطفة يعني ما أنشى هو منه فلما شك في البعث كان كافرا تعالى لكنا هو الله ربي قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وقالون عن نافع لكن هو الله ربي باسقاط الألف في الوصل واثباتها في الوقف وقرأ نافع في رواية المستيي كان باثبات الألف وصلاو وصفا وأثبت الألف ابن عامر في الحالين وقرأ أبو رجاء

[ 101 ]

لكن باسكان النون خفيف من غير ألف في الحالين وقرأ ابن يعمر لكن بتشديد النون من غير ألف في الحالين وقرأ الحسن لكن أنا هو الله ربي باسكان نون لكن واثبات أنا قال الفراء فيها ثلاث لغات لكنا ولكن ولكنه بالهاء أنشدني أبو ثروان وترمينني أبو بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي أو وقال أبو عبيدة مجازه لكن أنا هو الله ربي ثم حذفت الألف الأولى وأدغمت احدى النونين في الأخرى فشددت قال الزجاج وهذه الألف تحذف في الوصل وتثبت في الوقف فأما من أثبتها في الوصل كما تثبت في الوقف فهو على لغة من يقول أنا قمت فأثبت الألف قال الشاعر أنا سيف العشيرة فأعرفوني) حميدا قد تذريت السناما عبد القراءة جيدة لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضا من الهمزة تعالى ولولا إذ دخلت جنتك أي وهلا ومعنى الكلام التوبيج قال الفراء ما شاء الله في موضع رفع إن شئت رفعته باضمار هو يريد هو ما شاء الله وإن شئت أضمرت فيه ما شاء الله كان وجاز طرح جواب الجزاء كما جاز في قوله فان استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض الانعام 35 ليس له جواب لأنه معروف قال الزجاج وقوله لا قوة الا بالله الاختيار النصب بغير تنوين على النفي كقوله لا ريب فيها الكهف 21 ويجوز لا قوة إلا بالله على الرفع بالابتداء والخبر بالله المعنى لا يقوى أحد في بدنه ولا في ملك يده إلا بالله تعالى ولا يكون له إلا ما شاء الله عليه قوله تعالى إن ترن قرأ ابن كثير إن ترني أنا ويؤتيني خيرا بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء فيهما وصلا ووقفا أنا أقل وقرأ ابن أبي عبلة أنا أقل برفع اللام قال الفراء أنا هاهنا عماد إن نصبت أقل واسم إذا رفعت أقل والقراءة بهما جائز تعالى فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك أي في الآخرة ويرسل عليها حسبانا وفيه أربعة أقوال أنه العذاب رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك وقال أبو صالح عن ابن عباس نارا من السماء

[ 102 ]

قضاء من الله يقضيه قاله ابن زيد مرامي من السماء واحدها حسبانة قاله أبو عبيدة وابن قتيبة قال النضر بن شميل الحسبان سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة تنزع في القوس ثم يرحي أبي بعشرين منها دفعة فعلى هذا القول يكون المعنى ويرسل عليها مرامي من عذابه إما حجارة أو بردا أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب أن الحسبان الحساب كقوله الشمس والقمر بحسبان الرحمن 5 أي بحساب فيكون المعنى ويرسل عيها عذاب حساب ما كسبت يداه هذه قول الزجاج تعالى فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا قال ابن قتيبة الصعيد الأملس المستوى والزلق الذي تزل عنه الأقدام والغور الغائر فجعل المصدر صفة يقال ماء غور ومياه غور ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث كما يقال رجل نوم ورجل صوم ورجل فطر ورجال نوم ونساء نوم ونساء صوم ويقال للنساء إذا نحن نوح والمعنى يذهب ماؤها غائرا في الأرض أي ذاهبا فيها فلن تسطيع له طلبا فلا يبقى له أثر تطلبه به ولا تناله الأيدي ولا الأرشية وقال ابن الأنباري غورا إذا غور فسقط المضاف وخلفه المضاف إليه والمراد بالطلب هاهنا الوصول فقام الطلب مقامه لأنه سببه وقرأ أبو الجوزاء وأبو المتوكل غؤورا برفع الغين والواو الأولى جميعا وواو بعدها (بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحداولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا تعالى وأحيط بثمره أي أحاط الله العذاب بثمره وقد سبق معنى الثمر فأصبح يقلب كفيه أي يضرب يد على يد وهذا فعل النادم على ما أنففيها أي في جنته وفي هاهنا بمعنى على وهي خاوية أي خالية ساقطة على عروشها والعروش السقوف والمعنى أن حيطانها قائمة والسقوف قد تهدمت فصارت في قرارها فصارت الحيطان كأنها على السقوف ويقول ياليتني لم أشرك بربي أحدا فأخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما انعم به عليه وحقق ما أنذره به أخوه في الدنيا ندم على شركة حين لا تنفعه الندامة وقيل إنما يقول هذا في القيامة ولم تكن له فئة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم ولم تكن بالتاء

[ 103 ]

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ولم يكن بالياء والفئة الجماعة ينصرونه أي يمنعونه من عذاب الله تعالى هنالك الولاية قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم الولاية بفتح الواو ولله الحق خفضا وقرأ حمزة الولاية بكسر الواو ولله الحق بكسر القاف أيضا وقرأ أبو عمرو بفتح الواو ورفع الحق ووافقه الكسائي في رفع القاف لكنه كسر الولاية قال الزجاج معنى الولاية في مثل تلك الحال تبيين نصرة ولي الله وقال غيره هذا الكلام عائد الى ما قبل قصة الرجلين فأما من فتح واو الولاية فأنه أراد الموالاة والنصرة ومن كسر أراد السلطان والملك على ما شرحناه في آخر الأنفال 72 فعلى قراءة الفتح في معنى الكلام قولان أنهم يتولون الله تعالى في القيامة ويؤمنون به ويتبرؤون مما كانوا يعبدون قاله ابن قتيبة هنالك يتولى الله أمر الخلائق فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين وعلى قراءة الكسر يكون المعنى هنالك السلطان لله قال أبو علي من كسر قاف الحق جعله من وصف الله عز وجل ومن رفعه جعله صفة للولاية قيل لم نعتت الولاية وهي مؤنثة بالحق وهو مصدر فعنه جوابان ذكرهما ابن الانباري أن تأنيثها ليس حقيقيا فحملت على معنى النصر والتقدير هنالك النصر لله الحق كما حملت الصيحة على معنى الصياح في قوله وأخذ الذين ظلموا الصيحة هود 67 أن الحق مصدر يستوي في لفظه المذكر والمؤنث والاثنان ما فيقال قولك حق وكلمتك حق وأقوالكم حق ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية وعلى المدح لله تعالى باضمار هو تعالى هو خير ثوابا أي هو أفضل ثوابا ممن يرجى ثوابه وهذا على تقدير أنه لو كان غيره يثيب لكان ثوابه أفضل تعالى وخير عقبا قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابو عامر والكسائي عقبا مضمومة القاف وقرأ عاصم وحمزة عقبا ساكنة القاف قال أبو علي ما كان على فعل جاز تخفيفه كالعنق والطنب قال أبو عبيدة العقب والعقب والعقبى والعاقبة بمعنى وهي الآخرة والمعنى عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعه غيره

[ 104 ]

لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا لا تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا أي في سرعة نفادها وذهابها وقيل في تصرف احوالها إذ مع كل فرحة ترحة وهذا مفسر في سورة يونس 24 إلى قوله فأصبح هشيما قال الفراء الهشيم كل شئ كان رطبا فيبس وقال الزجاج الهشيم النبات الجاف وقال ابن قتيبة الهشيم من النبت المتفتت وأصله من هشمت الشئ إذا كسرته ومنه سمي الرجل هاشما وتذروه الرياح تنسفه وقرأ أبي وابن عباس وابن أبي عبلة تذريه برفع التاء وكسر الراء بعدها ياء ساكنة وهاء مكسورة وقرأ ابن مسعود كذلك إلا أنه فتح التاء والمقتدر مفتعل من قدرت قال المفسرون وكان الله على كل شئ من الإنشاء والإفناء مقتدرا والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا هذا رد على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد فأخبر الله تعالى أن ذلك مما يتزين به في الدنيا لا مما ينفع في الآخرة تعالى والباقيات الصالحات فيها خمسة اقوال أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه وعن العدو أن تجاهدوه فلا تعجزوا قول سبحان الله والحمد الله ولا إلا الله والله اكبر فقولوها فانهن الباقيات الصالحات وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء وبه قال مجاهد وعطاء وعكرمة والضحاك وسئل عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن الباقيات الصالحات فقال هذه الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب القزطي أن مثله سواء أنها لا إله إلا الله والله اكبر والحمد لله ولا قوة الا بالله رواه علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الصلوات الخمس رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود ومسروق وابراهيم والرابع الكلام الطيب رواه العوفي عن ابن عباس هي جميع أعمال الحسنات وراه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة

[ 105 ]

وابن زيد تعالى خير عند ربك ثوابا أي أفضل جزاء وخير أملا أي خير مما تؤملون لأن آمالكم كواذب وهذا أمل لا يكذب نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياوليتنا على ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا وإذا قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ما اشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا تعالى ويوم تسير الجبال قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويوم تسير بالتاء الجبال رفعا وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي نسير بالنون الجبال نصبا وقرأن ابن محيصن ويوم تسيبفتح التاء وكسر السين وتكسين الياء الجبال بالرفع قال الزجاج ويوم منصوب على معنى اذكر ويجوز أن يكون منصوبا على والباقيات الصالحات خير يوم تسى الجبال قال ابن عباس تسير الجبال عن وجه الارض كما يسير السحاب في الدنيا ثم تكسر فتكون في الأرض كما خرجت منها

[ 106 ]

تعالى وترى الأرض بارزة وقرأ عمرو بن العاص وابن السميفع وأبو العالية وترى الأرض بارزة برفع التاء والضاد وقرأ أبو رجاء العطاردي كذلك إلا أنه فتح ضاد الأرض معنى بارزة قولان أحدهما ظاهرة فليس عليها شئ من جبل أو شجر أو بناء قاله الأكثرون والثاني بارزا أهلها من بطنها قاله الفراء تعالى وحشرناهم يعني المؤمنين والكافرين فلم نغادر قال ابن قتيبة أي فلم نخلف يقال غادرت كذا إذا خلفته ومنه سمي الغدير لأنه ماء تخلفه السيول وروى أبان فلم نغادر بالتاء تعالى وعرضوا على ربك صفا إن قيل هذا أمر مستقبل فكيف عبر عنه بالماضي فالجواب أن ما قد علم الله وقوعه يجري مجرى المعاين كقوله ونادى اصحاب الجنة الاعرف 43 معنى قوله صفا أربعة أقوال أنه بمعنى جميعا كقوله ثم أئتوا صفا طه 64 قاله مقاتل أن المعنى وعرضوا على ربك مصفوفين هذا مذهب البصريين أن المعنى وعرضوا على ربك صفوفا فناب الواحد عن الجميع كقوله ثم نخرجكم طفلا الحج 5 أنه لم يغب عن الله منهم أحد فكانوا كالصف الذي تسهل الإحاطة بجملته ذكر هذه لاقوال ابن الانباري وقد قيل إن كل أمة وزمرة صف قوله تعالى لقد جئتمونا فيه اضمار فيقال لهم المخاطبين بهذا قولان احدهما أنهم الكل والثاني الكفار فيكون اللفظ عاما والمعنى خاصا وقوله كما خلقناكم أول مرة مفسر في الأنعام 94 وقوله بل زعمتم خطاب الكفار خاصة والمعنى زعمتم في الدنيا أن لن نجعل لكم موعدا للبعث والجزاء تعالى ووضع الكتاب فيه ثلاثة أقوال انه الكتاب الذي سطر فيه ما تعمل الخلائق قبل وجودهم قاله ابن عباس

[ 107 ]

والثاني انه الحساب قاله ابن السائب والثالث كتاب الأعمال قاله مقاتل وقال ابن جرير وضكتاب أعمال العباد في أيديهم فعلى هذا الكتاب اسم جنس تعالى فترى المجرمين قال مجاهد هم الكافرون وذكر بعض أهل العلم أن كل مجرم ذكر في القرآن فالمراد به الكافر تعالى مشفقين أي خائفين مما فيه من الأعمال السيئة ويقولون يا ويلتنا الله هذا قول كل واقع في هلكة وقد شرحنا هذا المعنى في قوله يا حسرتنا الانعام 31 تعالى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها هذا على ظاهره في صغير الأمور وكبيرها وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال الصغيرة التبسم والكبيرة القهقهة وقد يتوهم أن المراد بذلك صغائر الذنوب وكبائرها وليس كذلك إذ ليس الضحك والتبسم مجردهما قال من الذنوب وإنما المراد أن التبسم من صغار الأفعال والضحك فعل كبير وقد روى الضحاك عن ابن عباس قال الضغيرة عن التبسم والاستهزاء بالمؤمنين والكبيرة القهقهة بذلك فعلى هذا يكون ذنبا من الذنوب لمقصود فاعله لا لنفسه ومعنى أحصاها عدها وأثبتها والمعنى وجدت محصاة ووجدوا ما عملوا حاضرا أي مكتوبا مثبتا في الكتاب وقيل رأوا جزاءه حاضرا وقال أبو سليمان الصحيح عند المحققين ان صغائر المؤمنين الذين وعدوا العفو عنها إذا اجتنبوا الكبائر إنما يعفى عنها في الآخرة بعد أن يراها صاحبها تعالى ولا يظلم ربك أحدا قال أبو سليمان لا تنقص حسنات المؤمن ولا يزاد في سيئات الكافر وقيل إن كان للكافر فعل خير كعتق رقبة وصدقة خفف عنه به من عذابه وان ظلمة مسلم أخذ الله من المسلم فصار الحق لله إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما أورثه الكبر فقال وإذ قلنا أي اذكر ذلك قوله كان من الجن قولان انه من الجن حقيقة لهذا النص واحتج قائلوا هذا بأن له ذرية وليس للملائكة ذرية وانه كفر والملائكة رسل الله فهم معصومون من الكفر أنه كان من الملائكة وإنما قيل من الجن لأنه كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن قاله ابن عباس وقد شرحنا هذا في البقرة 34 تعالى ففسق عن أمر ربه فيه ثلاثة أقوال

[ 108 ]

خرج عن طاعة ربه تقول العرب فسقت الرطبة من قشرها إذا خرجت منه قاله الفراء وابن قتيبة والثاني أتاه الفسق لما أمر فعصى فكان سبب فسقه عن أمر ربه قال الزجاج وهذا مذهب الخليل وسيبويه وهو الحق عندنا ففسق عن رد أمر ربه حكاه الزجاج عن قطرب تعالى أفتخذونه من وذريته اولياء من دوني أي توالونهم بالاستجابة لهم قال الحسن وقتادة ذريته أولاده وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم قال مجاهد ذريته الشياطين ومن ذريته زلنبور صاحب راية ابليس بكل سوق وثبر وهو صاحب المصائب والأعور صاحب الرياء ومسوط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس فلا يوجد لها اصل وداسم صاحب الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله فهو يأكل معه إذا أكل قال بعض أهل العلم إذا كانت خطئية الانسان في كبر فلا ترجه وإن كانت في شهوة فارجه فان معصية إبليس كانت بالكبر ومعصية آدم بالشهوة تعالى بئس للظالمين بدلا فيه ثلاثة أقوال بئس الاتخاذ للظالمين بدلا والثاني بئس الشيطان والثالث بئس الشيطان والذرية ذكرهن ابن الانباري قوله تعالى ما اشهدتهم خلق السموات والأرض وقرأ أبو جعفر وشيبة ما أشهدناهم بالنون والالف المشار إليهم اربعة اقوال ابليس وذريته والثاني الملائكة والثالث جميع الكفار والرابع جميع الخلق والمعنى أني لم أشاورهم في خلقهن وفي هذا بيان للغناء عن الأعوان وإظهار كمال القدرة قوله تعالى ولا خلق أنفسهم أي ما أشهدت بعضهم خلق بعض ولا استعنت ببعضهم على إيجاد بعض تعالى وما كنت متخذ المضلين يعني الشياطين عضدا أي أنصارا وأعوانا والعضد يستعمل كثيرا في معنى العون لأنه قوام اليد قال الزجاج والاعتضاد التقوي وطلب

[ 109 ]

المعونة يقال اعتضدت بفلان أي استعنت به ما نفى اتخاذهم عضدا فيه قولان أنه الولايات والمعنى ما كنت لأولي المضلين قاله مجاهد والثاني أنه خلق السموات والأرض قاله مقاتل وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر وما كنت بفتح التاء يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا ورأ المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا في تعالى ويوم يقول وقرأ حمزة نقول بالنون يعني يوم القيامة نادوا شركائي أضاف الشركاء إليه على زعمهم والمراد نادوهم لدفع العذاب عنكم أو الشفاعة لكم الذين زعمتم أي زعمتموهم شركاء فدعوهم فلم يستجيبوا لهم أي لم يجيبوهم وجعلنا بينهم في المشار إليهم قولان انهم المشركون والشركاء والثاني أهل الهدى وأهل الضلالة معنى موبقا ستة أقوال مهلكا قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وقال ابن قتيبة مهلكا بينهم وبين آلهتهم في جهنم ومنه يقال أوبقته ذنوب أي أهلكته قال الزجاج المعنى جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم بن أي يهلكهم فالموبق المهلك يقال وبق ييبق هذه ويابق وبقا ووبق يبق وبوقا فهو وابق وقال الفراء جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا أي مهلكا لهم في الآخرة فالبين على هذا القول بمعنى التواصل كقوله تعالى لقد تقطع بينكم الأنعام 94 على قراءة من ضمن النون أن الموبق واد عميق يفرق به بين أهل الضلالة وأهل الهدى قاله عبد الله بن عمرو أنه واد في جهنم قاله انس بن مالك ومجاهد ان معنى الموبق العدواة قاله الحسن أنه المحبس قاله الربيع بن أنس أنه الموعد قاله أبو عبيدة

[ 110 ]

ابن الأنباري إن قيل لم قال موبقا ولم يقل موبقا بضم الميم إذ كان معناه عذابا موبقا أنه اسم موضوع لمحبس سنة في النار والأسماء لا تؤخذ بالقياس فيعلم أن موبقا مفعل من أوبقه الله إذا أهلكه فتفتح الميم كما تنفتح في موعد ومولد ومحتد إذا سميت الشخوص بهن تعالى ورأى المجرمون النار أي عاينوها وهي تتغيظ حنقا عليهم والمراد بالمجرمين الكفار فظنوا أي ايقنوا أنهم مواقعوها أي داخلوها ومعنى المواقعة ملابسة الشئ بشدة ولم يجدوا عنها مصرفا أي معدلا والمصرف الموضع الذيصرف إليه وذلك أنها احاطت بهم من كل جانب فلم يقدروا على الهرب صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شئ جدلا وما منع الناس أن يؤمنو إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا تعالى ولقد صرفنا في هذا القرآن قد فسرناه في بني اسرائيل 41 تعالى وكان الإنسان أكثر شئ جدلا فيمن نزلت قولان انه النضر بن الحارث وكان جداله في القرآن قاله ابن عباس أبي بن خلف وكان جداله في البعث حين أتى بعظم قد رم فقال أيقدر الله على إعادة هذا قاله ابن السائب قال الزجاج كل ما يعقل من الملائكة والجيجادل والإنسان أكثر هذه الأشياء جدلا تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا قال المفسرون يعني أهل مكة إذ جاءهم الهدى وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام إلا أن تأتيهم سنة الأولين وهو أنهم إذا لم يؤمنوا عذبوا معنى الكلام ثلاثة أقوال ما منعهم من الإيمان إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين قاله الزجاج

[ 111 ]

وما من الشيطان الناس أن يؤمنوا إلا لأن تأتيهم سنة الأولين أي منعهم رشدهم لكي يقع العذاب بهم ذكره ابن الأنباري عمرو والثالث ما منعهم إلا أني قد قدرت عليهم العذاب وهذه الآية فيمن قتل ببدر وأحد من المشركين قاله الواحدي تعالى أو يأتيهم العذاب ذكر ابن الأنباري في أو هاهنا ثلاثة أقوال انها بمعنى الواو أنها لوقوع احد الشيئين إذ لا فائدة في بيانه أنها دخلت للتبعيض أي أن بعضهم يقع به هذا وهذه الأقوال الثلاثة قد أسلفنا بيانها في قوله عز وجل أو كصيب من السماء البقرة 19 تعالى قبلا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر قبلا بكسر القاف وفتح الباء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي قبلا بضم القاف والباء وقد بينا علة القراءتين في الأنعام 111 وقرأ أبي ابن كعب قبلا بفتح القاف من غير ياء قال ابن قتيبة أراد استئنافا قيل إذا كان المراد بسنة الأولين العذاب فما فائدة التكرار بقوله أو يأتيهم العذاب أن سنة الأولين أفادت عذابا مبهما يمكن أن يتراخى وقته وتختلف أنواعه وإتيان العذاب قبلا أفاد القتل يوم بدر قال مقاتل سنة الأولين عذاب الأمم السالفة أو يأتيهم العذاب قبلا أي عيانا قتلا بالسيف يوم بدر نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرأ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا

[ 112 ]

لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا تعالى ويجادل الذين كفرا بالباطل قال ابن عباس يريد المستهزئين والمقتسمين وأتباعهم وجدالهم بالباطل أنهم الزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم ليدحضوا به الحق أي ليبطلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل جدالهم قولهم أإذا كنا عظاما ورفاتا الاسراء 49 أإذا ضللنا في الأرض السجدة 0 ونحو ذلك ليبطلوا به ما جاء في القرآن من ذكر البعث والجزاء قال أبو عبيدة ومعنى ليدحضوا ليزيلوا ويذهبوا يقال مكان دحض أي مزل لا يثبت فيه قدم ولا حافر تعالى واتخذوا آياتي يعني القرآن وما أنذروا أي خوفوا به من النار والقيامة هزوا أي مهزوءا به تعالى ومن أظلم قد شرحنا هذه الكلمة في البقرة 114 وذكر بمعنى وعظ وآيات ربه القرآن وأعراضه عنها تهاونه بها ونسي ما قدمت يداه أي ما سلف من ذنوبه وقد شرحنا ما بعد هذا في الأنعام 21 إلى قوله وإن تدعهم إلى الهدى وهو الإيمان والقرآن فلن يهتدوا هذا اخبار عن علمه فيهم تعالى وربك الغفور ذو الرحمة إذ لم يعاجلهم بالعقوبة بل لهم قبل للبعث والجزاء لن يجدوا من دونه موئلا قال الفراء الموئل المنجى وهو الملجأ في المعنى لأن المنجي ملجأ والعرب تقول إنه ليوائل يحيى إلى موضعه أي يذهب الى موضعه قال الشاعر لاواءلت الرحمن نفسك خليتها وكان للعامريين ولم تكلم أي ما ينجو وقال ابن قتيبة الموئل الملجأ يقال وآل فلان إلى كذا إذا لجأ قيل ظاهر هذه الاية يقتضي أن تأخير العذاب عن الكفار برحمة الله ومعلوم أنه لا نصيب لهم في رحمته جوابان أحدهما أن الرحمة هاهنا بمعنى النعمة ونعمة الله لا يخلو منها مؤمن ولا كافر

[ 113 ]

الرحمة التي هي الغفران والرضى فليس للكافر فيها نصيب والثاني أن رحمة اله محظورة على الكفار يوم القيامة فأما في الدنيا فانهم ينالون منها العافية والرزق تعالى وتلك القرى يريد التي قصصنا عليكم ذكرها والمراد أهلها ولذلك قال أهلكناهم والمراد قوم هود وصالح ولوط وشعيب قال الفراء قوله لما ظلموا معناه بعدما ظلموا قوله تعالى وجعلنا لمهلكهم قرأ الأكثرون بضم الميم وفتح اللام قال الزجاج وفيه وجهان أن يكون مصدرا فيكون المعنى وجعلنا لإهلاكهم أن يكون وقتا فالمعنى لوقت هلاكهم أبو بكر عن عاصم بفتح الميم واللام وهو مصدر مثل الهلاك وقرأ حفص عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام ومعناه لوقت اهلاكهم قال موسى لفته لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو امضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفته آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره واتخذ سبيكه في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما تعالى وإذ قال موسى لفتاه الآية سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر ما روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن موسى قام خطيبا في بني اسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عز وجل عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب فكيف لي به قال تأخذ

[ 114 ]

معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فانطلق روى فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة إلى قوله عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا فقال موسى ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا الى الصخرة فإذا هو مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بني اسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه فقال موسى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك امرا فقال له الخضر فان اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان عل الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها إلى قوله عسرا قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الأولى من موسى نسيانا وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علم وعلمك من علم الله تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله فقال له موسى أقتلت نفسا زاكية الى قوله يريد أن ينقض فقال الخضر بيده هكذا فاقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه اجرا قال هذا فراق بيني وبينك الآية هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وقد ذكرنا إسناده في كتاب الحدائق فأثرنا الاختصار هاهنا التفسير فقوله تعالى وإذ قال موسى المعنى واذكر ذلك وفي موسى قولان أنه موسى بن عمران قاله الأكثرون ويدل عليه ما روي في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني اسرائيل هو موسى صاحب الخضر قال ولم عدو الله أخبرني ابي بن كعب فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا

[ 115 ]

أنه موسى بن ميشا قاله ابن اسحاق وليس بشئ للحديث الصحيح الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف وإنما سمي فتاه لأنه كايلازمه وياخذ عنه العلم ويخدمه لا أبرح لا أزال وليس المراد به لا أزول لأنه إذا ليزل لم يقطع أرضا فهو مثل قولك ما برحت أناظر عبد الله أي ما زلت قال الشاعر إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة بين وتحمل أخرى أفرحتك الوادائع أهل أي أثقلتك والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين أي ملتقاهما وهو الموضع الذوعده الله بلقاء الخضر فيه قال قتادة بحر فارس وبحر الروم فبحر الروم نحو المغرب وبحر فارس نحو المشرق اسم البلد الذي بمجمع البحرين قولان إفريقية قاله أبي بن كعب وقرأ أبو رزين والحسن وابو مجلز وقتادة والجحدري وابن يعمر حقبا باسكان الكاف قال ابن قتيبة الحقب الدهر والحقب السنون واحدتها حقبة ويقال حقب وحقب كما يقال قفل وقفل وهزؤ وهزؤ وكفؤ وكفؤ وأكل وأكل وسحت وسحت ورعب ورعب ونكر ونكر وأذن وأذن وسحق وسحق وبعد وبعد وشغل وشغل وثلث وثلث وعذر وعذر ونذر ونذر وعمر وعمر في المراد بالحقب هاهنا ثمانية أقوال أنه الدهر قاله ابن عباس والثاني ثمانون سنة قاله عبد الله ابن عمرو وابو هريرة والثالث سبعون ألف سنة قاله الحسن والرابع سبعون سنة قاله مجاهد والخامس سبعة عشر ألف سنة قاله مقاتل بن حيان والسادس أنه ثمانون ألف سنة كل يوم ألف سنة من عدد الدنيا والسابع أنه سنة بلغة قيس ذكرهما الفراء والثامن الحقب عند العرب وقت غير محدود قاله أبو عبيدة ومعنى كلام لأ ازال

[ 116 ]

اسير ولو احتجت أن اسير حقبا تعالى فلما بلغا يعني موسى وفتاه مجمع بينهما يعني البحرين نسيا حوتهما وكانا قد تزودا حوتا مالحا في زبيل فكانا يصيبان منه عند الغداء والعشاء فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل فأصاب الحوت بلل البحر وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضنح حديث على الحوت الماء فعاش فتحرك في المكتل فانسرب عند في البحر وقد كان قيل لموسى تزود حوتا مالحا فإذا فقدته وجدت الرجل وكان موسى حين ذهب الحوت في البحر قد مضى لحاجة فعزم فتاه أن يخبره بما جرى فنسي وإنما قيل نسيا حوتهما توسعا في الكلام لأنهما جميعا تزوداه كما يقال نسي القوم زادهم وإنما نسيه أحدهم قال الفراء ومثله قوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن 22 وإنما يخرج ذلك من الملح لا من العذب وقيل نسي يوشع أن يحمل الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ فلذلك اضيف النسيان إليهما تعالى فاتخذ سبيله في البحر سربا أي مسلكا ومذهبا قال ابن عباس جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر الا يبس حتى يكون صخرة وقال قتادة جعل لا يسلك طريقا إلا صار الماء جامدا وقد ذكرنا في حديث أبي بن كعب أن الماء صار مثل الطاق على الحوت تعالى فلما جاوزا ذلك المكان الذي ذهب فيه الحوت أصابهما ما يصيب المسافر من النصب فدعا موسى بالطعام فقال آتنا غداءنا وهو الطعام الذي يؤكل بالغداة والنصب الإعياء وهذا يدل على إباحة إظهار مثل هذا القول عندما يلحق الإنسان من الأذى والتعب ولا يكون ذلك شكوى قال يوشع لموسى أرأيت إذ أوينا الى الصخرة أي حين نزلنا هناك فاني نسيت الحوت فيه قولان نسيت أن أخبرك خبر الحوت والثاني نسيت حمل الحوت تعالى وما أنسانيه قرأ الكسائي أنسانيه باماله السين مع كسر الهاء وقرأ ابن كثير أنسانيهي لأنه باثبات ياء في الوصل بعد الهاء وروى حفص عن عاصم أنسانيه إلا بضم الهاء في الوصل تعالى واتخذ سبيله في البحر عجبا الهاء في السبيل ترجع الى الحوت وفي المتخذ قولان أنه الحوت ثم في المخبر عنه قولان أنه الله عز وجل ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها فاتخذ سبيله في البحر يرى عجبا ويحدث عجبا

[ 117 ]

والثاني أنه لما قال الله تعالى واتخذ سبيله في البحر قا اعجبوا لذلك عجبا وتنبهوا لهذه الآية والثالث أن إخبار الله تعالى انقطع عند قوله في البحر فقال موسى عجبا لما شوهد من الحوت ذكر هذه الأقوال ابن الأنبار ان المخبر عن الحوت يوشع وصف لموسى ما فعل الحوت الثاني أن المتخذ موسى اتخذ سبيل الحوت في البحر عجبا فدخل في المكان الذي مر فيه الحوت فرأى الخضر وروى عطية عن ابن عباس قال رجع موسى الى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى حتى انتهى به الى جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر تعالى قال يعني موسى ذلك ما كنا نبغي أي ذلك الذي نطلب من العلامة الدالة على مطلوبنا قرأ ابن كثير نبغي بياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بحذف الياء في الحالين تعالى فارتدا على آثارهما قال الزجاج أي رجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان الأثر والقصص اتباع الأثر تعالى فوجدا عبدا من عبادنا يعني الخضر اسمه أربعة أقوال اليسع قاله وهب ومقاتل والثاني الخضر بن عاميا والثالث أرميا بن حلفيا ذكرهما ابن المنادي والرابع بليا بن ملكان ذكره علي بن احمد النيسابوري تسميته بالخضر ففيه قولان أحدهما أنه جلس في فروة بيضاء فاخضرت رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والفروة الأرض اليابسة أنه كان إذا جلس اخضر ما حوله قاله عكرمة وقال مجاهد كان إذا صلى أخضر ما حوله وهل كان الخضر نبيا أم لا فيه قولان ذكرهما أبو بكر بن الأنباري وقال كثير من

[ 118 ]

الناس يذهب الى أنه كان نبيا وبعضهم يقول كان عبدا صالحا واختلف العلماء هل هو باق الى يومنا هذا على قولين حكاهما الماوردي وكان الحسن يذهب الى أنه مات وكذلك كان ابن المنادي من أصحابنا يقول ويقبح قول من يرى بقاءه ويقول لا يثبت حديث في بقائه وروى أبو بكر النقاش أمحمد بن اسماعيل البخاري سئل عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء فقال كيف يكون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو اليوعلى ظهر الأرض أحد تعالى آتينا رحمة من عندنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال أنها النبوة قاله مقاتل والثاني الرقة والحنو على من يستحقه ذكره ابن الأنباري والثالث النعمة قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى وعلمناه من لدنا أي من عندنا علما قال ابن عباس أعطاه علما من علم الغيب له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرأ وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قوله تعالى أن تعلمني قرأ ابن كثير تعلمني مما باثبات الياء في الوصل والوقف وقرأ نافع وأبو عمرو بياء في الوصل وقرأ ابن عامر وعاصم بحذف الياء في الحالين تعالى مما علمت رشدا قرأ ابكثير ونافع وعاصم وحمزة والسكائي رشدا بضم الراء واسكان الشين خفيفة وقرأ أبو عمرو رشدا بفتح الراء والشين وعن ابن عامر بضمهما والرشد والرشد لغتان كالنخل والنخل والعجم والعجم والعرب والعرب والمعنى أن تعلمني علما ذا رشد وهذه القصة قد حرضت على الرحلة في طلب العلم واتباع المفضول للفاضل طلبا للفضل وحثت على الأدب والتواضع للمصحوب تعالى إنك لن تستطيع معي صبرا قال ابن عباس لن تصبر على صنعي لأني علمت من غيب علم ربي

[ 119 ]

هذا الصبر وجهان على الإنكار والثاني عن السؤال قوله تعالى وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا الخبر علمك بالشئ والمعنى كيف تصبر على أمر ظاهره منكر وأنت لا تعلم باطنه تعالى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال ابن الأنباري نفي العصيان منسوق على الصبر والمعنى ستجدني صابرا ولا أعصي إن شاء الله فان ابتعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفهوهما أخبرا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا تعالى فلا تسألني قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي فلا تسألني ساكنة اللام وقرأ نافع فلا تسألني مفتوحة اللام مشددة النون وقرأ ابن عامر في رواية الداجوني فلا تسألن عن شئ بتحريك اللام من غير ياء والنون مكسورة والمعنى لا تسألني عن شئ مما أفعله حتى أحدث لك منه ذكرا أي حتى أكون أنا الذي أبينه لك لأن علمه قد غاب عنك تعالى خرقها أي شقها قال المفسرون قلع منها لوحا وقيل لوحين مما يلي الما فحشاها موسى بثوبه وأنكر عليه ما فعل بقوله أخرقتها لتغرق أهلها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر لتغرق بالتاء أهلها بالنصب وقرأ حمزة والكسائي

[ 120 ]

ليغرق بالياء أهلها برفع اللام لقد جئت شيئا إمرا وفيه ثلاثة أقوال أحدها منكرا قاله مجاهد وقال الزجاج عظيما من المنكر والثاني عجبا قاله قتادة وابن قتيبة والثالث داهية قاله أبو عبيدة تعالى لا تؤاخذني بما نسيت في هذا النسيان ثلاثة أقوال أنه على حقيقته وأنه نسي روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأولى كانت نسيانا من موسى والثاني أنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام قاله ابي بن كعب وابن عباس والثالث أنه بمعنى الترك فالمعنى لا تؤاخذني بما تركته مما عاهدتك عليه ذكره ابن الأنباري تعالى ولا ترهقني قال الفراء لا تعجلني وقال أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج لا تغشني قال أبو زيد يقال أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك قال الزجاج والمعنى عاملني باليسر لا بالعسر يا تعالى فانطلقا يعني موسى والخضر قال الماوردي يحتمل أن يوشع تأخر عنهما لأن الإخبار عن اثنين ويحتمل أن يكون معهما ولم يذكر لأنه تبع لموسى فاقتصر على حكم المتبوع تعالى حتى إذا لقيا غلاما اختلفوا في هذا الغلام هل كان بالغا ام لا على قولين أنه لم يكن بالغا قاله ابن عباس ومجاهد والأكثرون أنه كان شابا قد قبض على لحيته حكاه الماوردي عن ابن عباس أيضا واحتج بأن غير البالغ لم يجر عليه قلم فلم يستحب القتل وقد يسمى الرجل غلاما قالت ليلى الأخيلية تمدح الحجاج لو من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز الفتاة سقاها يكون صفة قتله له ثلاثة أقوال أنه اقتلع رأسه وقد ذكرناه في حديث أبي والثاني كسر عنقه قاله ابن عباس

[ 121 ]

والثالث أضجعة مع وذبحه بالسكين قاله سعيد بن جبير تعالى أقتلت نفسا زاكية قرأ الكوفيون وابن عامر زكية بغير ألف والياء مشددة وقر الباقون بالألف من غير تشديد قال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد وهما بمنزلة القاسية والقسية فيها ستة اقوال أنها التائبة روي عن ابن عباس انه قال الزكية التائبة وبه قال الضحاك سعيد أنها المسلمة روي عن ابن عباس أيضا أنها الزكية التي لم تبلغ الخطايا قاله سعيد بن جبير أنها الزكية النامية قاله قتادة وقال ابن الأنباري القويمة في تركيبها أن الزكية المطهرة قاله أبو عبيدة ان الزكية البريئة التي لم يظهر ما يوجب قتلها قاله الزجاج صلى فرق بعضهم بين الزاكية والزكية فروي عن ابي عمرو بن العلاء أنه قال الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم تابت وروي عن أبي عبيدة أنه قال الزاكية في البدن والزكية في الدين تعالى بغير نفس أي بغير قتل نفس لقد جئت شيئا نكرا قرأ ابن كثير وابو عمرو وحمزة والكسائي نكرا خفيفة في كل القرآن إلا قوله الى شئ نكر القمر 6 وخفف ابن كثير أيضا الى شئ نكر وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم نكرا والى نكر مثقل والمخفف إنما هو من المثقل كالعنق والعنق النكر والنكر قال الزجاج والمعنى لقد أتيت شيئا نكرا ويجوز أن يكون معناه جئت بشئ نكر فلما حذف الباء أفضى الفعل فنصب نكرا ونكرا أقل منكرا من قوله إمرا لأن تغريق من في السفينة كان عنده أذكر من قتل نفس واحدة تعالى قال ألم أقل لك قيل لم ذكر لك هاهنا واختزله بكر من الموضع الذي قبله أن اثباته للتوكيد واختزاله قد لوضوح المعنى وكلاهما معروف عند الفصحاء تقول العرب قد قلت لك أتق الله وقد قلت لك يا فلان اتق الله وانشد ثعلب قد كنت حذرتك آل المصطلق وفي وقلت يا هذا أطعني وانطلق

[ 122 ]

كل فقوله يا هذا توكيد لا يختل الكلام بسقوطه وسمعت الشيخ أبا محمد الخشاب يقول وقره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بها تعالى إن سألتك عن شئ أي سؤال توبيخ وإنكار بعدها أي بعد هذه المسألة فلا تصاحبني وقرأ كذلك معاذ القارئ وأبو نهيك وأبو المتوكل والأعرج إلا أنهم شددوا النون قال الزجاج ومعناه إن طلبت صحبتك فلا تتابعني على ذلك وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة ويعقوب لا تصحبني بفتح التاء من غير ألف وقرأ ابن مسعود وأبو العالية والأعمش كذلك إلا أنهم شددوا النون وقرأ أبو رجاء وأبو عثمان النهدي والنخعي والجحدري تصحبني بضم التاء وكسر الحاء وسكون الصاد والباء قال الزجاج فيهما وجهان لا تتابعني في شئ ألتمسه منك يقال قد أصحب المهر إذا انقاد لا تصحبني علما من علمك بلغت من لدني قرا ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي من لدني مثقل وقرأ نافع من لدني بضم الدال مع تخفيف النون وروى أبو بكر عن عاصم من لدني بفتح اللام مع تسكين الدال وفي رواية أخرى عن عاصم لدني بضم اللام وتسكين الدال قال الزجاج وأجودها تشديد النون لأن أصل لدن الإسكان فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونا ليسلم سكون النون الأولى تقول من لدن زيد فتسكن النون ثم تضيف الى نفسك فتقول من لدني كما تقول عن زي وعني فأما إسكان دال لدني فانهم أسكنوها كما تقول في عضد عضد فيحذفون الضم قال ابن عباس يريد إنك قد أعذرت فيما بيني وبينك يعني أنك قد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فيها ثلاثة أقوال أنها أنطاكية قاله ابن عباس والثاني الأبلة قاله ابن سيرين والثالث باجروان قاله مقاتل تعالى استطعما أهلها أي سألاهم الضيافة فأبوا أن يضيفوهما رو المفضل عن عاصم يضيفوهما بضم الياء الأولى وكسر الضاد وتخفيف الياء الثانية وقرأ أبو الجوزاء كذلك إلا أنه فتح الياء الأولى وقرأ الباقون يضيفوها بفتح الضاد وتشديد الياء الثانية وكسرها قال أبو عبيدة ومعنى يضيفوهما ينزلوهما منزل الأضياف يقال ضفت أنا وأضافي فلا الذي

[ 123 ]

ينزلني وقال الزجاج يقال ضفت الرجل إذا نزلت عليه وأضفته إذا أنزلته وقريته وقال ابن قتيبة يقال ضيفت الرجل إذا أنزلته منزلة الأضياف ومنه هذه الآية وأضفته أنزلته وضفته نزلت عليه وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانوا أهل قرية لئاما تعالى فوجدا فيها جدارا أي حائطا قال ابن فارس وجمعه منه والجدر أصل الحائط ومنه حديث الزبير ثم دع الماء يرجع الى الجدر والجيدر القصير تعالى يريد أن ينقض وقرأ أبي بن كعب وأبو رجاء ينقاض بألف ممدودة وضاد معجمة وقرأ ابن مسعود وأبو العالية وأبو عثمان النهدي ينقاص بألف ومدة وصاد غير معجمة وكله بلا تشديد قال الزجاج فمعنى ينقض يسقط بسرعة وينقاص: غير معجمة ينشق طولا يقال انقاضت سنة إذا انشقت قال ابن مقسم انقاصت سنه وانقاضت غير بالصاد والضاد على معنى واحد قيل كيف نسبت الإرادة الى ما لا يعقل أن هذا على وجه المجاز تشبيها بمن يقعل ويريد لأن هيأته في التهيؤ للوقوع قد ظهرت كما يظهر من أفعال المريدين القاصدين فوصف بالإرادة إذ كانت الصورتان واحدة وقد أضافت العرب الأفعال الى مالا يعقل ت جوزا قال الله عز وجل ولما سكت عن موسى الغضب الأعراف 154 والغضب لا يسكت وإنما يسكت صاحبه وقال فإذا عزم الأمر محمد 21 وانشدوا من ذلك إن دهرا يلف شملي بجمل أحمد لزمان يهم بالإحسان عد أخر يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل يقول اخر ضحكوا الذي والدهر عنهم ساكت لأن ثم أبكاهم دما لما نطق وقد اخر يشكو إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى علي كثير في أشعارهم

[ 124 ]

تعالى فأقامه أي سواه لأنه وجده مائلا كيفية ما فعل قولان أحدهما انه دفعه بيده فقام والثاني هدمه ثم قعد يبنيه روي القولان عن ابن عباس تعالى لو شئت لتخذت عليه اجرا قرأ ابن كثير وابو عمرو لتخذت بكسر الخاء حتى غير أن ابا عمرو كان يدغم الذال ابن كثير يظهرها وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لاتخذت وكلهم أدغموا إلا حفصا عن عاصم فانه لم يدغم مثل ابن كثير قال الزجاج يقال تخذ يتخذ في معنى اتخذ يتخذ وإنما قال له هذا لأنهم لم يضيفوهما تعالى قال يعني الخضر هذا يعني الإنكار علي فراق بيني وبينك أي هو المفرق بيننا قال الزجاج المعنى هذا فراق بيننا تعالى فراق اتصالنا وكر بين توكيدا ومثله في الكلام أخزى الله الكاذب مني ومنك وقرأ أبو رزين وابن السميفع وأبو العالية وابن أبي عبلة هذا فراق بالتنوين بني وبينك بنصب النون قال ابن عباس كان قول موسى في السفينة والغلام لربه وكان قوله في الجدار لنفسه لطلب شئ من الدنيا فإن السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا تعالى فكانت لمساكين في المراد بمسكنتهم قولان أنهم كانوا ضعفاء في أكسابهم والثاني في أبدانهم وقال كعب كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى وخمسة يعلمون في البحر

[ 125 ]

تعالى فأردت أن اعيبها أي اجعلها ذات عيب يعني بخرقها وكان وراءهم فيه قولان أمامهم قاله ابن عباس وقتادة وابو عبيدة وابن قتيبة وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود وكان أمامهم ملك خلفهم قال الزجاج وهو أجود الوجهين فيجوز أن يكون رجوعهم في طريقهم كان عليه ولم يعلموا بخبره فأعلم الله تعالى الخضر خبره قوله تعالى يأخذ كل سفينة غصبا أي كل سفينة صالحة وفي قراءة أبي بن كعب كل سفينة صحيحة قال الخضر إنما خرقتها لأن الملك إذا رآها منخرقة تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها تعالى وأما الغلام روعي عن ابن عباس أنه كان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وروى أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا قال الربيع بن أنس كان الغلام على الطريق لا يمر به أحد إلا قتله أو غصبه فيدعو ذلك عليه وعلى أبويه وقال ابن السائب كان الغلام لصا فإذا جاء من يطلبه حلف أبواه أنه لم يفعل تعالى فخشينا في القائل لهذا قولان الله عزوجل ثم في معنى الخشية المضافة إليه قولان أحدهما أنها بمعنى العلم قال الفراء معناه فعلمنا وقال ابن عقيل المعنى فعلنا فعل الخاشي والثاني الكراهة قاله الأخفش والزجاج أنه الخضر فتكون الخشية بمعنى الخوف للأمر المتوهم قاله ابن الأنباري وقد استدل بعضهم على أنه من كلام الخضر بقوله فأردنا أن يبدلهما ربهما قال الزجاج المعنى فأراد الله لأن لفظ الخبر عن الله تعالى هكذا أكثر من أن يحصى ومعنى يرهقهما يحملهما على الرهق وهو الجهل قال أبو عبيدة يرهقهما يغشيهما قال سعيد بن جبير خشينا أن يمحلهما عمر حبه على أن يدخلا في دينه وقال الزجاج فرحا به حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فرضي امروء بقضاء الله فان قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب تعالى فأردنا أن يبدلهما ربهما قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم أن يبدلهما

[ 126 ]

بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو بالتشديد تعالى خيرا منه زكاة فيه ثلاثة أقوال دينا قاله ابن عباس والثاني عملا قاله مقاتل والثالث صلاحا قاله الفراء تعالى وأقرب رحما قرأ أبو كثير ونافع وعاصم وحمزة والكسائي رحما ساكنة الحاء وقرأ ابن عامر رحما مثقلة أبي عمرو كالقراءتين وقرأ ابن عباس وابن جبير وابو رجاء رحما بفتح الراء وكسر الحاء معنى الكلام قولان أوصل للرحم وأبر للوالدين قاله ابن عباس وقتادة وقال الزجاج أقرب عطفا وأمس بالقرابة ومعنى الرحم والرحم في اللغة العطف والرحما قال الشاعر وكيف بظلم جارية النبي ومنها اللين والرحم وإن أقرب أن يرحما به قاله الفراء وفيما بدلا به قولان حدهما جارية قاله الأكثرون وروى عطاء عن ابن عباس قال أبدلهما به جارية ولدت سبعين نبيا والثاني غلام مسلم قاله ابن جريج تعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة يعني القرية المذكورة في قوله أتيا أهل قرية قال مقاتل واسمهما أصرم وصريم تعالى وكان تحته كنز لهما فيه ثلاثة أقوال أنه كان ذهبا وفضة رواه أبو الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وعكرمة وقتادة كان مالا انه كان لوحا من ذهب فيه مكتوب عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب عجبا لمن ايقن بالنار كيف يضحك عجبا لمن يؤمن بالموت كيف يفرح عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف ى غفل عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها أنا الله الذي لاإله إلا أنا محمد عبدي ورسولي وفي الشق الآخر أنا الله لا إلا إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه

[ 127 ]

رواه عطاء عن ابن عباس قال ابن الأنباري فسمي كنزا من جهة الذهب وجعل اسمه هو المغلب كنز علم رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد صحف فيها علم وبه قال سعيد بن جبير والسدي قال ابن الأنباري فيكون المعنى على هذا القول كان تحته مثل الكنز لأنه يتعجل من نفعه أفضل مما ينال من الأموال قال الزجاج والمعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه المال المدفون المدخر فإذا لم يكن المال قيل عنده كنز علم وله كنز فهم والكنز هاهنا بالمال اشبه وجائز أن يكون الكنز كان مالا مكتوب فيه علم على ما روي فهو مال وعلم عظيم تعالى وكان أبوهما صالحا قال ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاحا وقال جعفر بن محمد عليه السلام كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء وقال مقاتل كان أبوهما ذا أمانة تعالى فأراد ربك قال ابن الأنباري لما كان قوله فأردت وأردنا كل واحد منهما يصلح أن يكون خبرا عن الله عز وجل وعن الخضر أتبعهما بما يحصر الإرادة عليه ويزيلها عن غيره ويكشف البغية من اللفظتين الأولين وإنما قال فأردت فأردنا فأراد ربك لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه مع تساوي المعاني لأنه أعذب على الألسن وأحسن موقعا في الأسماع فيقول الرجل قال لي فلان كذا وأنبأني بما كان وخبرني بما نال فأما الأشد فقد سبق ذكره في مواضع الأنعام 152 ويوسف 22 والاسراء 34 ولو أن الخضر لم يقل الحائط لنقض وأخذ ذلك الكنز قبل بلوغهما تعالى رحمة من ربك أي رحمهما الله بذلك وما فعلته عن أمري قال قتادة كان عبدا مأمورا قوله تسطع فان استطاع واسطاع بمعنى واحد عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال

[ 128 ]

أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا تعلى ويسألونك عن ذا القرنين قد ذكرنا سبب نزولها عند قوله تعالى ويسألونك عن الروح الاسراء 85 في اسم ذي القرنين على اربعة أقوال عبد الله قاله علي عليه السلام وروي عن ابن عباس أنه عبد الله ابن الضحاك والثاني الاسكندر قاله وهب والثالث عياش قاله محمد بن علي ابن الحسين والرابع الصعب بن جابر بن القلمس ذكره ابن أبي خيثمة علة تسميته بذي القرنين عشرة أقوال أنه دعا قومه الى الله تعالى فضربوه على قرنه فهلك فغبر زمانا ثم بعثه الله فدعاهم الى الله فضربوه على قرنه الآخر فهلك فذانك قرناه قاله علي عليه السلام والثاني أنه سمي بذي القرنين لأنه سار الى مغرب الشمس وإلى مطلعها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس والرابع لأنه رأى في المنام كأنه امتد من السماء الى الأرض وأخذ بقرني الشمس فقص ذلك على قومه فسمي بذي القرنين الخامس لأنه ملك الروم وفارس والسادس لأنه كان في رأسه شبه القرنين رويت هذه الأقوال الأربعة عن وهب بن منبه والسابع لأنه كانت له غديرتان من شعر قاله الحسن قال ابن الأنباري والعرب تسمي الضفيرتين من الشعر غديرتين وجميرتين هو وقرنين قال ومن قال سمي بذلك لأنه ملك فارس والروم قال لأنهما عاليان على جانبين من الأرض يقال لهما قرنان والثامن لأنه كان كريم الطرفين من اهل بيت ذوي شرف والتاسع لأنه انقرض في زمانه قرنان من الناس وهو حي والعاشر لأنه سلك الظلمة والنور ذكر هذه الأقوال الثلاثة أبو اسحاق الثعلبي

[ 129 ]

هل كان نبيا ام لا على قولين أنه كان نبيا قاله عبد الله بن عمرو والضحاك بن مزاحم أنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا ولا ملكا قاله علي عليه السلام وقال وهب كان ملكا ولم يوح إليه زمان كونه ثلاثة أقوال أنه من القرون الأول من ولد يافث بن نوح قاله علي عليه السلام أنه كان بعد ثمود قاله الحسن ويقال كان عمره ألفا وستمائة سنة أنه كان في الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم قاله وهب تعالى سأتلو عليكم منه ذكرا أي خبرا يتضمن ذكره إنا مكنا له في الارض أي سهلنا عليه السير فيها قال علي عليه السلام إنه أطاع الله فسخر له السحاب فحمله عليه ومد له في الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء وقال مجاهد ملك الأرض أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان بن دواد وذو القرنين والكافران النمرود وبختنصر تعالى وآتيناه من كل شئ سببا قال ابن عباس علما يتسبب به الى ما يريد وقيل هو العلم بالطرق والمسالك تعالى فأتبع سببا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو فاتبع سببا ثم اتبع سببا ثم اتبع سببا مشددات وسلم التاء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي فأتبع سببا ثم أتبع سببا ثم أتبع سببا مقطوعات قال ابن الأنباري من قرأ فاتبع سببا فمعناه قفا الأثر ومن قرأ فأتبع فمعناه لحق يقال اتبعني فلان أي تبعني كما يقال ألحقني فلان بمعنى لحقني وقال أبو علي أتبع تقديره أتبع سببا سببا فأتبع ما هو عليه سببا والسبب الطريق والسبب الطريق والمعنى تبع طريقا يؤديه الى مغرب الشمس وكان إذا ظهر على قوم أخذ منهم جيشا فسار بهم الى غيرهم تعالى وجدها تغرب في عين حمئة قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن وعاصم حمئة وهي قرأ ابن عباس وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حامية وهي قراءة عمرو وعلي وابن مسعود والزبير ومعاوية وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة والنخعي وقتادة وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن والأعمش كلهم لم يهمز قال الزجاج فمن قرأ حمئة أراد في عين ذات حمأة يقال حمأت البئر إذا أخرجت حمأتها وأحمأتها إذا ألقيت فيها الحمأة وحمئت فهي حمئة إذا

[ 130 ]

صارت فيها الحمأة ومن قرأ حامية بغير همز أراد حارة وقد تكون حارة ذات حمأة وروى قتادة عن الحسن قال وجدها تغرب في ماء يغلي كغليان القدور ووجد عندها قوما لباسهم جلود السباع وليس لهم طعام إلأ ما أحرقت الشمس من الدواب إذا غربت نحوها وما لفظت العين من الحيتان إذا وقعت فيها الشمس وقال ابن السائب وجد عندها قوما مؤمنين وكافرين يعني عند العين وربما توهم متوهم أن هذه الشمس على عظم قدرها تغوص بذاتها في عين ماء وليس كذلك فانها أكبر من الدنيا مرارا فكيف تسعها عين ماء وقيل إن الشمس بقدر الدنيا مائة وخمسين مرة وقيل بقدر الدنيا مائة وعشرين مرة والقمر بقدر الدنيا ثمانين مرة وإنما وجدها تغرب في العين كما يرى راكب البحر الذي لا يرى طرفه ان الشمس تغيب في الماء وذلك لأن ذا القرنين أنتهى الى آخر البنيان فوجد عينا حمئة ليس بعدها أحد تعالى قلنا يا ذا القرنين فمن قال إنه نبي قال هذا القول وحي ومن قال ليس بنبي قال هذا إلهام تعالى إما أن تعذب قال المفسرون إما أن تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه وإما أن تأسرهم فتبصرهم عنه الرشد قال أما من ظلم أشرك فسوف نعذبه بالقتل إذا لم يرجع عن الشرك وقال الحسن كان يطبخهم إن في القدور ثم يرد الى ربه بعد العذاب فيعذبه عذابا نكرا بالنار تعالى فله جزاء الحسنى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم جزاء الحسنى برفع مضاف قال الفراء الحسنى الجنة وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء كقوله إنه لحق اليقين الحاقة 51 ودين القيمة البينة 5 ولدار الآخرة النحل 30 قال أبو علي الفارسي المعنى فله جزاء الخلال الحسنى لأن الإيمان والعمل الصالح خلال وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ويعقوب جزاء بالنصب والتنوين قال الزجاج وهو مصدر منصوب على الحال المعنى فله الحسنى مجزيا بها جزاء وقال ابن الأنباري وقد يكون الجزاء غير الحسنى إذا تأول الجزاء بأنه الثواب والحسنى الحسنة المكتسبة في الدنيا فيكون المعنى فله ثواب ما قدم من الحسنات تعالى وسنقول له من أمرنا يسرا أي نقول له قولا جميلا ثم اتبع سببا إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم

[ 131 ]

من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا تعالى ثم اتبع سببا أي طريقا آخر يوصله الى المشرق قال قتادة مضى يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلا من آمن حتى أتى مطلع الشمس فاصاب قوما في أسراب عراة ليس لهم طعام إلا ما أحرقت الشمس إذا طلعت فإذا توسطت السماء خرجوا من أسرابهم إلا في طلب معايشهم مما أحرقته الشمس وبلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان فيقال أنهم الزنج قال الحسن كانوا إذا غربت الشمس خرجوا يتراعون كما يتراعى الوحش وقرأ الحسن ومجاهد وأبو مجلز وأبو رجاء وابن محيصن مطلع الشمس بفتح اللام قال ابن الانباري ولا خلاف بين اهل العربية في أن المطلع والمطلع كلاهما يعنى بهما المكان الذي تطلع منه الشمس ويقولون ما كان على فعل يفعل فالمصدر واسم الموضع يأتيان على المفعل كقولهم المدخل للدخول والموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها الموضع الذي يدخل منه إلا أحد عشر حرفا جاءت مكسورة إذا أريد بها المواضع وهي المطلع والمسكن والمنسك والمشرق والمغرب والمسجد والمنبت والمجزر والمفرق والمسقط فيه الموضع الذي تضع فيه الناقة وخمسة من هؤلاء الأحد عشر حرفا سمع فيهن الكسر والفتح المطلع والمطلوب المنسك والمنسك والمجزر والمجزر والمسكن والمسكن والمنبت والمنبت فقرا الحسن على الأصل من احتمال المفعل الوجهين الموصوفين بفتح العين وكسرها وقراء العامة على اختيار العرب وما كثر على ألسنتها وخصت الموضع بالكسر وآثرت المصدر بالفتح قال أبو عمرو المطلع بالكسر الموضع الذي تطلع فيه والمطلع بالتفح الطلوع قال ابن الأنباري هذا هو إ الأصل ثم إن العرب تتسع فتجعل الاسم نائبا عن المصدر فيقرؤون حتى مطلع الفجر القدر 5 بالكسر وهم يعنون الطلوع ويقرأ من قرأ مطلع الشمس بالفتح على أنه موضع بمنزلة المدخل الذي هو اسم للموضع الذي يدخل منه تعالى كذلك فيه أربعة أقوال كما بلغ مغرب الشمس بلغ مطلعها اتبع سببا كما اتبع سببا كما وجد أولئك عند مغرب الشمس وحكم فيهم كذلك وجد هؤلاء عند مطلعها وحكم فيهم أن المعنى كذلك أمرهم كما قصصنا عليك ثم استأنف فقال وقد أحطنا

[ 132 ]

بما لديه بما عنده ومعه من الجيوش والعدد وحكى أبو سليمان الدمشقي بما لديه أي بما عند مطلع الشمس وقد سبق معنى الخبر الكهف 68 ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لكم خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجمل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني افرغ عليه قطرا فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا تعالى ثم أتبع سببا أي طريقا ثالثا بين المشرق والمغرب حتى إذا بلغ بين السدين قال وهب بن منبه هما جبلان منيفان في السماء من ورائهما البحر من أمامهما البلدان وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال الجبلان من قبل أرمينية وأذربيجان واختلف القراء في السدين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بضمها المعنى واحد أم لا فيه قولان أنه واحد قال ابن الاعرابي كل ما قابلك فسد ما وراءه فهو سد وسد نحو الضعف والضعف والفقر والفقر قال الكسائي وثعلب السد والسد لغتان بمعنى واحد وهذا مذهب الزجاج أنهما يختلفان الفرق بينهما قولان أن ما هو من فعل الله تعالى فهو مضموم وما هو ما من فعل الآدميين فهو مفتوح قاله

[ 133 ]

ابن عباس وعكرمة وأبو عبيدة قال الفراء وعلى هذا رأيت المشيخة وأهل العلم من النحويين السد بفتح السين الحاجز بين الشيئين والسد بضمها الغشاوة في العين قاله أبو عمر وبن العلاء تعالى وجد من دونهما يعني أمام السدين قوما لا يكادون يفقهون قولا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يفقهون قولا بفتح الياء أي لا يكادون يفهمونه قال ابن الأنباري قال اللغويون معناه أنهم يفهمون بعد إبطاء وهو كقوله وما كادوا يفعلون البقرة 71 قال المفسرون وإنما كانوا كذلك لأنهم لا يعرفون غير لغتهم وقرأ حمزة والكسائي يفقهون بضم الياء أراد يفهمون غيرهم وقيل كلهم ذا القرنين عنهم مترجمون ترجموا تعالى إن ياجوج وماجوج هما اسمان أعجميان وقد همزهما عاصم قال الليث الهمز لغة رديئة قال ابن عباس يأجوج رجل ومأجوج رجل وهما ابنا يافث بن نوح عليه السلام فيأجوج ومأجوج عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء وهم شبر وشبران وثلاثة اشبار وقال علي عليه السلام منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول ولهم من الشعر ما يواريهم من الحر والبرد وقال الضحاك هم جيل من الترك وقال السدي الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تغير فجاء ذو القرنين فضرب السد فبقيت خارجة وروى شقيق عن حذيفة قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج ومأجوج فقال يأجوج أمه ومأجوج أمه كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر الى ألف ذكر بين يديه من صلبه كل قد حمل السلاح قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز قلت يا رسول الله وما الأرز قال شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالآخرى ولا يمرون بفيل ولا وحش ولاجمل ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم أكلوه مقدمتهم بالشام وساقهم بخراسان يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية تعالى مفسدون في الأرض في هذا الفساد أربعة أقوال أنهم كانوا يفعلون فعل قوم لوط قاله وهب بن منبه أنهم كانوا يأكلون الناس قاله سعيد بن عبد العزيز يخرجون الى الأرض الذين شكوا منهم أيام الربيع فلا يدعون شيئا أخضر إلا

[ 134 ]

أكلوه ولا يابسا الا أحتملوه الى ارضهم قاله ابن السائب كانوا يقتلون الناس قاله مقاتل تعالى فهل نجعل لك خرجا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم خرجا بغير ألف وقرأ حمزة والكسائي خراجا بألف وهل بينهما فرق فيه قولان أنهما لغتان بمعنى واحد قاله أبو عبيدة والليث أن الخرج ما تبرعت به والخراج ما لزمك أداؤه قاله أبو عمرو بن العلاء قال المفسرون المعنى هل نخرج اليك من اموالنا شيئا كالجعل لك قوله تعالى ما مكني وقرأ ابن كثير مكنني بنونين وكذلك هي في مصاحف مكة قال الزجاج من قرأ مكني بالتشديد أدغم النون في النون لاجتماع النونين ومن قرأ مكنني أظهر النونين لأنهما من كلمتين الاولى من الفعل والثانية تدخل مع الاسم المضمر إلذي أراد بتمكينه منه قولان أنه العلم بالله وطلب ثوابه ما ملك من الدنيا والمعنى الذي أعطاني الله خير مما تبذلون لي تعالى فأعينوني بقوة فيها قولان أنها الرجال قاله مجاهد ومقاتل الآلة قاله ابن السائب فأما الردم فهو الحاجز قال الزجاج والردم في اللغة أكبر من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض يقال ثوب مردم إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة تعالى آتوني زبر الحديد قرأ الجمهور ردما آتوني أي أعطوني وروى أبو بكر عن عاصم ردم ايتوني بكسر التنوين أي جيئوني بها قال ابن عباس احملوها الي وقال مقاتل أعطوني وقال الفراء المعنى إيتوني بها فلما ألقيت الياء زيدت ألف فأما الزبر فهي القطع واحدتها زبرة والمعنى فأتوه بها فبناه حتى إذا ساوى ورى أبان إذا سوى بتشديد الواو من غير ألف قال الفراء ساوى وسوى سواء واختلف القراء في الصدفين فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الصدفين بضم الصاد والدال وهي لغة حمير وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم الصدفين بضم الصاد وتسكين الدال وقرأ نافع

[ 135 ]

وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بفتح الصاد والدال جمعيا وهي لغة تميم واختارها ثعلب وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وابن يعمر الصدفين بفتح الصاد ورفع الدال وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران والزهري والجحدري برفع الصاد وفتح الدال قال ابن الانباري ويقال صدف على مثال نغر وكل هذه لغات في الكلمة قال أبو عبيدة الصدفان جنبا الجبل قال الأزهري يقال لجانبي الجبل صدفان إذا تحاذيا لتصادفهما أي لتلاقيهما قال المفسرون حشا ما بين الجبلين بالحديد ونسج بين طبقات الحديد الحطب والفحم ووضع عليها المنافيخ صلى ثم قال انفخوا فنفخوا حتى إذا جعله يعني الحديد وقيل الهاء ترجع الى ما بين الصدفين نارا أي كالنار لأن الحديد إذا أحمي بالفحم والمنافيخ وقال صار كالنار قال آتوني قرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي آتوني ممدودة والمعنى أعطوني وقرا حمزة وأبو بكر عن عاصم إيتوني مقصورة والمعنى جيئوني به أفرغه عليه القطر أربعة أقوال انه النحاس قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والفراء والزجاج والثاني أنه الحديد الذائب قاله أبو عبيدة والثالث الصفر المذاب قاله مقاتل والرابع الرصاص حكاه ابن الأنباري قال المفسرون أذاب القطر ثم صبه عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض حتى صار جبلا صلدا من حديد وقطر قال قتادة فهو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء تعالى فما اسطاعوا أصله فما استطاعوا فلما كانت التاء والطاء من مخرج واحد أحبوا التخفيف فحذفوا قال ابن الأنباري إنما تقول العرب اسطاع تخفيفا كما قالوا سوف يقوم وسيقوم فأسقطوا الفاء أنه تعالى أن يظهروه أي يعلوه يقال ظهر فلان فوق البيت إذا علاه والمعنى ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه واملاسه وما استطاعوا له نقبا من أسفله لشدته وصلابته وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعدون إليه فيرونه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه فيرونه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم واراد الله عز وجل ان يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يردو شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا ان شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو

[ 136 ]

كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس وذكر باقي الحديث وقد ذكرت هذا الحديث بطوله وأشباهه في كتاب الحدائق فكرهت التطويل هاهنا تعالى قال هذا رحمة من ربي لما فرغ ذو القرنين من بنيانه قال هذا وفيما أشار إليه قولان أحدهما أنه الردم قاله مقاتل قال فالمعنى هذا نعمة من ربي على المسلمين لئلا يخرجوا إليهم أنه التمكين الذي أدرك به عمل السد قاله الزجاج تعالى فإذا جاء وعد ربي فيه قولان القيامة والثاني وعده لخروج يأجوج ومأجوج تعالى جعله دكا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر دكا منونا غير مهموز ولا ممدود وقرأ عاصم وحمزة والكسائي دكاء ممدودة مهموزة بلا تنوين وقد شرحنا معنى الكلمة في الأعراف تعالى وكان وعد ربي حقا أي الثواب والعقاب وهو بعضهم يؤمئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا تعالى وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض في المشار إليهم ثلاثة أقوال أنهم يأجوج ومأجوج ثم في المراد ب يومئذ قولان احدهما أنه يوم انقضى أمر السد تركوا يموج بعضهم في بعض من ورائه مختلطين لكثرتهم وقيل ماجوا صلى الله عليه وسلم متعجبين من السد والثاني أنه يوم يخرجون من السد تركوا يموج بعضهم في بعض

[ 137 ]

أنهم الكفار أنهم جميع الخلائق الجن والإنس يموجون حيارى فعلى هذين القولين المراد باليوم المكذور يوم القيامة قول تعالى ونفخ في الصور هذه نفخة البعث وقد شرحنا معنى الصور في الأنعام 73 تعالى وعرضنا جهنم أي أظهرناها لهم حتى شاهدوها تعالى الذين كانت أعينهم يعني أعين قلوبهم في غطاء أي في غفلة عن ذكري أي عن توحيدي والإيمان بي وبكتابي وكانوا يستطيعون سمعا هذا لعداوتهم وعنادهم وكراهتهم ما ينذرون به كما تقول لمن يكره قولك ما تقدر أن تسمع كلامي أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياءإنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا أنهم الشياطين قاله ابن عباس والثاني الأصنام قاله مقاتل والثالث الملائكة والمسيح وعزير وسائر المعبودات من دونه قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى من دوني فتح هذه الياء نافع وأبو عمرو وجواب الاستفهام في هذه الآية محذوف وفي تقديره قولان أفحسبوا أن يتخذوهم أولياء كلا بل هم أعداء لهم يتبرؤون منهم والثاني أن يتخذوهم أولياء ولا أغضب ولا أعاقبهم وروى أبان عن عاصم وزيد عن يعقوب أفحسب بتسكين السين وضم الباء وهي قراءة علي عليه السلام وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وابن يعمر وابن محيصن ومعناها أفيكفيهم إذ أن يتخذوهم أولياء

[ 138 ]

فأما النزل فقيه قولان أنه ما يهيأ للضيف والعسكر قاله ابن قتيبة أنه المنزل قاله الزجاج قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفرو بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا وانخذوا فقال آياتي ورسلي هزوا تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين اعمالا فيهم قولان أنهم القسيسون والرهبان قاله علي عليه السلام والضحاك اليهود والنصارى قاله سعد بن أبي وقاص تعالى أعمالا منصوب على التمييز لأنه لما قال بالأخسرين كان ذلك مبهما لا يدل على ما خسروه فبين ذلك في أي نوع وقع تعالى الذين ضل سعيهم أبطل عملهم واجتهادهم ف الدنيا وهم يظنون أنهم محسنون بأفعالهم فرؤساؤهم يعلمون الصحيح ويؤثرون الباطل لبقاء رئاستهم وأتباعهم مقلدون بغير دليل أولئك الذين كفروا بآيات ربهم جحدوا دلائل توحيده وكفروا بالبعث والجزاء وذلك أنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن صاروا كافرين بهذه الأشياء فحبطت أعمالهم أي بطل اجتهادهم لأنه خلا عن الإيمان فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا وقرأ ابن مسعود والجحدري فلا يقيم بالياء وفي معناه ثلاثة أقوال أنه إنما يثقل الميزان بالطاعة وانما توزن الحسنات والسيئات والكافر لا طاعة له والثاني ان المعنى لا نقيم لهم قدرا قال ابن الأعرابي في تفسير هذه الآية يقال ما لفلان عندنا وزن أي قدر لخسته فالمعنى أنهم لا يعتد بهم ولا يكون لهم عند الله قدر ولا منزل وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن

[ 139 ]

جناح بعوضة اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا أنه قال فلا نقيم لهم لأن الوزن عليهم لا لهم ذكره ابن الأنباري تعالى ذلك جزاؤهم أي الأمر ذلك الذي ذكرت من بطلان عملهم وخسة قدرهم ثم ابتدأ فقال جزاؤهم جهنم وقيل المعنى ذلك التصغير لهم وجزاؤهم جهنم فأضمرت واو الحال تعالى بما كفروا أي بكفرهم واتخاذهم آياتي الي أنزلتها ورسلي هزوا أي مهزوءا به الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنهم حولا قوله تعالى كانت لهم جنات الفردوس قال ابن الأنباري كانت لهم في علم الله قبل أن يخلقوا وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنان الفردوس اربع ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيها وليس بين القوم وبين ان ينظروا الى ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن وروى عبادة بن الصامت عن رسول الله ص = انه قال الجنة مائة درجة مابين كل درجتين كما بين السماء والأرض الفردوس أعلاها ومنها تفجر أنهار الجنة فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس قال أبو أمامة الفردوس سره الجنة قال مجاهد الفردوس البستان بالرومية وقال كعب والضحاك جنات الفردوس جنات الأعناب قال الكلبي والفراء الفردوس البستان الذي

[ 140 ]

فيه الكرم وقال المبرد الفردوس فيما سمعت من كلام العرب الشجر المتلف والأغلب عليه العنب وقال ثعلب كل بستان يحوط عليه فهو فردوس قال عبد الله بن رواحة في جنات الفردوس ليس يخافو أي ن خروجا عنها ولا تحويلا وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قال الزجاج الفردوس أصله رومي أعرب وهو البستان كذلك جاء في الفسير وقد قيل الفردوس تعرفه العرب وتسمي الموضع الذي فيه كرم فردوسا وقال أهل اللغة الفردوس مذكر وإنما أنث في قوله تعالى يرثون الفردوس هم فيها خالدون 11 لأنه عني به الجنة وقال الزجاج وقيل الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت وقيل هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية قال والفردوس أيضا بالسريانية كذا لفظه فردوس قال ولم نجده في أشعار العرب إلا في شعر حسان وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين لأنه عند أهل كل لغة كذلك وبيت حسان فان ثواب الله كل موحد جنان من الفردوس فيها يخلد وقال ابن الكلبي باسناده الفردوس البستان بلغة الروم وقال الفراء وهو عربي أيضا والعرب تسمي البستان الذي فيه الكرم فردوسا وقال السدي الفردوس أصله بالنبطية فرداسا وقال عبد الله بن الحارث الفردوس الأعناب وقد شرحنا معنى قوله نزلا آنفا تعالى لا يبغون عنها حولا قال الزجاج لا يريدون عنها تحولا يقال قد حال من مكانه حولا كما قالوا في المصادر صغر صغرا وعظم عظما وعادني حبها عودا قال وقد قيل أيضا إن الحول الحيلة فيكون المعنى لا يحتالون ثنا منزلا غيرها قيل قد علم أن الجنة كثيرة الخير فما وجه مدحها بأنهم لا يبغون عنها حولا أن الإنسان قد يجد في الدار الأنيقة معنى لا يوافقه فيحب أن ينتقل إلى دار أخرى وقد يمل والجنة على خلاف ذلك قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل ان تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا

[ 141 ]

تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي سببب نزولها أنه لما مزل قوله تعالى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الاسراء 85 قالت اليهود كيف وقد أوتينا التوراة وفيها علم كل شئ فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس ومعنى الآية لو كان ماء البحر مدادا يكتب به قال مجاهد والمعنى لو كان البحر مداد للقلم والقلم يكتب قال ابن الأنباري سمي المداد مدادا إ لإمداده الكاتب وأصله من الزيادة ومجئ الشئ بعد الشئ وقرأ الحسن والأعمش مددا لكلمات ربي بغير ألف تعالى قبل أن تنفد كلمات ربي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم تنفد بالتاء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ينفد بالياء قال أبو علي التأنيث أحسن لأن المسند إليه الفعل مؤنث والتذكير حسن لأن التأنيث ليس بحقيقي وإنما لم تنفد كلمات الله لأن كلامه صفة من صفات به ولا يتطرق على صفاته النفاد ولو جئنا بمثله أي بمثل البحر مددا أي زيادة والمدد كل شئ زاد في شئ قيل لم قال في أول الآية مدادا وفي آخرها مددا وكلاهما بمعنى واحد اشتقاقهما غير مختلف أجاب عنه ابن الأنباري فقال لما كان الثاني آخر آية وأواخر الايات هاهنا أتت على الفعل والفعل كقوله نزلا هزوا حولا كان قوله مددا أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد واتفاق المقاطع عند أواخر الآي وانقضاء الأبيات وتمام السجع والنثر أخف على الألسن وأحلى موقعا في الأسماع فاختلفت اللفظتان لهذه العلة وقد قرا ابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد وأبو رجاء وقتادة وابن محيصن ولو جئنا بمثله مدادا فحملوها على الأولى ولم ينظروا الى المقاطع وقراءة الأولين أبين حجة وأوضح منهاجا إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي انما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا تعالى قل إنما أنا بشر مثلكم قال ابن عباس علم الله تعالى رسوله التواضع لئلا يزهى على خلقه فأمره أن يقر على نفسه بأنه آدمي كغير إلا أنه أكرم بالوحي تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه سبب نزولها أن جندب بن زهير الغامدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعمل العمل لله تعالى فإذا طلع عليه سرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله طيب لا يقبل إلا

[ 142 ]

الطيب ولا يقبل ماروئي هذا فيه فنزلت فيه هذه الآية قاله ابن عباس وقال طاووس جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أحب الجهاد في سبيل الله وأحب أن يرى مكاني فنزلت هذه الآية وقال مجاهد جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أتصدق وأصل الرحم ولا اصنع ذلك إلا لله تعالى فيذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية قوله فمن كان يرجو قولان أحدهما يخاف قاله ابن قتيبة والثاني يأمل وهو اختيار الزجاج وقال ابن الأنباري المعنى فمن كان يرجو لقاء ثواب ربه قال المفسرون وذلك يوم البعث والجزاء فليعمل عملا صالحا لا يرائي به ولا يشرك بعبادة ربه أحداص قال سعيد ابن جبير لا يرائي قال معاوية بن أبي سفيان هذه آخر آية نزلت من القرآن

[ 143 ]

مريم مكية باجماعهم من غير خلاف علمناه وقال مقاتل هي مكية غير سجدتها فانها مدنية وقال هبة الله المفسر هي مكية غير آيتين منها قوله فخلف من بعدهم خلف والتي تليها مريم 59 60 بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا وتعالى كهيعص قرأ ابن كثير كهيعص ذكر بفتح الهاء والياء وتبيين الدال التي في هجاء صاد وقرأ أبو عمرو كهيعص بكسر الهاء وفتح الياء ويدغم الدال في الذال وكا نافع بالهاء يلفظ والياء بين الكسر والفتح ولا يدغم الدال التي في هجاء صاد في الذال من ذكر وقرأ أبو بكر عن عاصم والكسائي بكسر الهاء والياء إلا أن الكسائي لا يبين الدال وعاصم يبينها وقرأ ابن عامر وحمزة بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان وقرأ أبي بن كعب إ كهيعص برفع الهاء وفتح الياء وقد ذكرنا في أول البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس وقد خص المفسرون هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال

[ 144 ]

أنها حروف من أسماء الله تعالى قاله الأكثرون ثم أختلف هؤلاء في الكاف من أي اسم هو على أربعة أقوال أحدها أنه من اسم الله الكبير والثاني من الكريم والثالث من الكافي روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنه من الملك قاله محمد بن كعب فأما الهاء فكلهم قالوا هي من اسمه الهادي إلا القرظي فانه قال من اسمه الله وأما الياء ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال أحدها أنها من حكيم والثاني من رحيم والثالث من أمين روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس فأما العين ففيها أربعة أقوال أحدها أنها من عليم والثاني من عالم والثالث من عزيز رواها أيضا سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع أنها من عدل قاله الضحاك وأما الصاد ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها من صادق والثاني من صدوق رواهما سعيد بن جبير أيضا عن ابن عباس والثالث من الصمد قاله محمد بن كعب الثاني ان كهيعص قسم أقسم الله به وهو من أسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وروي عن علي عليه السلام أنه قال هو اسم من اسماء الله تعالى وروي عنه أنه كان يقول يا كهيعص اغفر لي قال الزجاج والقسم بهذا والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد لأن الداعي إذا على أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها فكأنه قال يا كافي يا هادي يا عالم يا صادق وإذا أقسم بها فكأنه قال والكافي الهادي العالم الصادق واسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهج النية فيها الوقف أنه اسم للسورة قاله الحسن ومجاهد اسم من اسماء القرآن قاله قتادة قيل لم قالوا هايا ولم يقولوا في الكاف كا وفي العين عا وفي الصاد صا لتتفق المباني كما اتفقت العلل

[ 145 ]

أجاب عنه ابن الأنباري فقال حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ واستواء الأوزان كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم فيغيرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني فيكون ذلك أعذب على الألسن وأحلى في الاسماع تعالى ذكر رحمة ربك قال الزجاج الذكر مرفوع بالمضمر المعنى هذا الذي نتلو عليك ذكر رحمة ربك عبده قال الفراء وفي الكلام تقديم وتأخير المعنى ذكر ربك عبده بالرحمة وزكريا في موضع نصب تعالى إذ نادى ربه النداء هاهنا بمعنى الدعاء علة إخفائه لذلك ثلاثة أقوال ليبعد عن الرياء قاله ابن جريج لئلا يقول الناس انظروا الى هذا الشيخ يسأل الولد على الكبر قاله مقاتل لئلا يعاديه بنو عمه ويظنوا أنه كره أن يلوا مكانه بعده ذكره أبو سليمان الدمشقي وهذه القصة تدل على أن المستحب إسرار الدعاء ومنه الحديث إنكم لا تدعون أصم تعالى قال رب إني وهن العظم مني وقرأ معاذ القارئ والضحاك وهن بضم الهاء أي ضعف قال الفراء وغيره وهن العظم ووهن بفتح الهاء وكسرها والمستقبل على الحالين كليهما يهن وأراد أن قوة عظامه قد ذهبت لكبره وإنما خص العظم لأنه الأصل في التركيب وقال قتادة شكا ذهاب أضراسه تعالى واشتعل الراس شيبا يعني انتشر الشيب فيه كما ينتشر شعاع النار في الحطب وهذا من أحسن الاستعارات ولكن بدعائك أي بدعائي إياك رب شقيا أي لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب لأنك قد عودتني الإجابة يقال شقي فلان بكذا إذا تعب بسببه ولم ينل مراده تعالى وإني خفت الموالي يعني الذين يلونه في النسب وهم بنو العم والعصبة من ورائي أي مبعد موتي ما خافهم عليه قولان أنه خاف أن يرثوه قاله ابن عباس فان اعترض عليه معترض فقال كيف يجوز لنبي أن ينفس على قراباته بالحقوق المفروضة

[ 146 ]

لهم بعد موته جوابان أحدهما أنه لما كان نبيا والنبي لا يورث خاف أن يرثوا ماله فيأخذوا مالا يجوز لهم والثاني أنه غلب عليه طبع البشر فأحب أن يتولى ماله ولده ذكرهما ابن الأنباري وبيان هذا أنه لا بد أن يتولى ماله وإن ولم يكن ميراثا فأحب أن يتولاه ولده إ الثاني أنه خاف تضييعهم للدين ونبذهم إياه ذكره جماعة من المفسرين عثمان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمرو وابن جبير ومجاهد وابن أبي شريح عن الكسائي خفت بفتح الخاء وتشديد الفاء على معنى قلت فعلى هذا يكون إنما خاف على علمه ونبوته ألا يورثا فيموت العلم وأسكن ابن شهاب الزهري ياء الموالي تعالى من ورائي أسكن الجمهور أسكن الجهور هذه الياء وفتحها ابن كثير في رواية قنبل وروى عنه شبل وراي مثل عصاي تعالى فهب لي من لدنك أي من عندك وليا أي ولدا صالحا يتولاني تعالى يرثني ويرث من آل يعقوب قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة يرثني ويرث برفعهما وقرا أبو عمرو والكسائي يرثني ويرث بالجزم فيهما قال أبو عبيدة من قرأ بالرفع فهو على الصفة للولي فالمعنى هب لي وليا وارثا ومن جزم فعلى الشرط والجزاء كقولك ان وهبته إن وهبته لي ورثني المراد بهذا الميرث أربعة اقوال يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال أبو صالح يرثي العلم ويرث من آل يعقوب الملك فأجابه الله تعالى إلى وراثة العلم دون الملك وهذا مروي عن ابن عباس أيضا يرثني نبوتي وعلمي ويرث من آل يعقوب النبوة أيضا قاله الحسن يرثني النبوة ويرث من آل يعقوب الأخلاق قاله عطاء قال مجاهد كان زكريا

[ 147 ]

من ذرية يعقوب وزعم الكلبي أن آل يعقوب كانوا أخواله وأنه ليس بيعقوب أبي يوسف وقال مقاتل هو يعقوب بن ما ثان وكان يعقوب هذا وعمران أبو مريم أخوين أنه لم يرد ميراث المال لوجوه أنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة أنه لا يجوز أن يتاسف نبي الله على مصير ماله بعد موته إذا وصل إلى ورائه المستحق له شرعا أنه لم يكن ذا مال وقد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زكريا كان نجارا تعالى واجعله رب رضيا قال اللغويون أي مرضيا فصرف عن مفعول إلى فعيل كما قالوا مقتول وقتيل زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امراتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا فخرج علي قومه من المحراب فأوحى إليهم ان سبحوا بكرة وعشيا تعالى يا زكريا إنا نبشرك في الكلام إضمار تقديره فاستجاب الله له فقال يا زكريا إنا نبشرك وقرأ حمزة نبشرك بالتخفيف وقد شرحنا هذا في آل عمران 39 تعالى لم نجعل له من قبل سميا فيه ثلاثة أقوال لم يسم يحيى قبله رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة وقتادة وابن

[ 148 ]

زيد والأكثرون اعترض معترض فقال ما وجه المدحة باسم ليسم به احد قبله ونرى كثيرا من الأسماء لم يسبق إليها فالجواب أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى تسميته ولم يكل ذلك إلى أبويه فسماه باسم لم يسبق إليه لم تلد العواقر مثله ولدا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعمنى لم لم نجعل له نظيرا لم نجعل له من قبل مثلا وشبها قاله مجاهد فعلى هذا يكون عدم الشبه من حيث أنه لم يعيص حدثنا ولم يهم بمعصية وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 إلى قوله وكانت امرأتي عاقرا معنى كانت قولان انه توكيد للكلام فالمعنى وهي عاقر كقوله كنتم خير أمة آل عمران 110 أي أنتم أنها كانت منذ كانت عاقرا لم يحدث ذلك بها ذكرهما ابن الأنباري واختار الأول تعالى وقد بلغت من الكبر عتيا قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم ابن عتيا قوله وبكيا مريم 58 وصليا مريم 70 بضم أوائلها وقرأ حمزة والكسائي بكسر أوائلها وافقهما حفص عن عاصم إلا في قوله بكيا فانه ضم أوله وقرأ ابن عباس ومجاهد عسيا بالسين قال مجاهد عتيا هو قحول له العظم وقال ابن قتيبه أي يبسا يقال عتا وعسا بمعنى واحد قال الزجاج كل شئ انتهى فقد عتا يعتوعتيا ذلك وعتوا وعسوا وعسيا تعالى قال كذلك أي الأمر كما قيل لك من هبة الولد على الكب قال ربك هو علي هين أي خلق يحيى علي سهل محمد معاذ القارئ وعاصم الجحدري هين باسكان الياء وقد خلقتك من قبل أي أوجدتك قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر خلقتك وقرأ حمزة والكسائي خلقناك بالنون والألف ولم تك شيئا المعنى

[ 149 ]

فخلق الولد كخلقك وما بعد هذا مفسر في آل عمران 39 الى قوله ثلاث ليال سويا قال الزجاج سويا منصوب على الحال والمعنى تمنع عن الكلام وأنت سوي قال ابن قتيبة أي سليما غير أخرس تعالى فخرج على قومه وهذا في صبيحة الليلة التي حملت فيها أمرأته من المحراب أي من مصلاه وقد ذكرناه في آل عمران 39 تعالى فأوحى إليهم فيه قولان أنه كتب إليهم في كتاب قاله ابن عباس أومأ برأسه ويديه قاله مجاهد تعالى أن سبحوا أي صلوا بكرة وعشيا قد شرحناه في آل عمران 39 والمعنى أنه كان يخرج الى قومه فيأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا فلما حملت امرأته أمرهم بالصلاة إشارة يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا تعالى يا يحيى قال الزجاج المعنى فوهبنا له يحيى وقلنا له يا يحيى خذ الكتاب يعني التوراة وكان مأمورا بالتمسك بها وقال ابن الأنباري المعنى اقبل كتب الله كلها ايمانا بها واستعمالا لأحكامها وقد شرحنا في البقرة 63 معنى قوله بقوة تعالى وآتيناه الحكم فيه أربعة أقوال أنه الفهم قاله مجاهد والثاني اللب قاله الحسن وعكرمة والثالث العلم قاله ابن السائب والرابع حفظ التوراة وعلمها قاله أبو سليمان الدمشقي وقد زدنا هذا شرحا في سورة

[ 150 ]

يوسف 23 وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن أو الحكم صبيا قوله صبيا ففي سنه يوم أوتي الحكم قولان أنه سبع سنين رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قاله قتادة ومقاتل تعالى وحنانا من لدنا قال الزجاج أي وآتيناه حنانا وقال ابن الأنباري المعنى وجعلناه حنانا لأهل زمانه الحنان ستة أقوال أنه الرحمة رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والفراء وأبو عبيدة وأنشد تحنن إلى علي هداك المليك كان فان لكل مقام مقالا أبو وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين قال طرفة أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا أو حنانيك بعض الشر أهون من بعض ابن قتيبة ومنه يقال تحنن علي وأصله من حنين الناقة على ولدها وقال ابن الأنباري لم يختلف اللغويون أن الحنان الرحمة والمعنى فعلنا ذلك رحمة لأبويه وتزكية له والثاني أنه التعطف من ربه عليه قاله مجاهد والثالث أنه اللين قاله سعيد بن جبير والرابع البركة وروي عن ابن جبير أيضا والخامس المحبة قاله عكرمة وابن زيد والسادس التعظيم قاله عطاء بن أبي رباح وفي قوله وزكاة أربعة أقوال أنها العمل الصالح قاله الضحاك وقتادة أن معنى الزكاة الصدقة فالتقدير إن الله تعالى جعله صدقة تصدق بها على أبويه قاله اب السائب والثالث أن الزكاة التطهير قاله الزجاج

[ 151 ]

أن الزكاة الزيادة فالمعنى وآتيناه زيادة في الخير على ما وصف وذكر قاله ابن الأنباري تعالى وكان تقيا قال ابن عباس جعلته يتقيني لا يعدل بي غيري تعالى وبرا بوالديه أي وجعلناه برا بوالديه والبر بمعنى البار والمعنى لطيفا بهما محسنا اليهما والعصي بمعنى العاصي وقد شرحنا معنى الجبار في هود 59 تعالى وسلام عليه فيه قولان أنه السلام المعروف من الله تعالى قال عطاء سلام عليه مني في هذه الأيام وهذا اختيار أبي سليمان أنه بمعنى السلامة قاله ابن السائب قيل كيف خص التسليم عليه بالأيام وقد يجوز ان يولد ليلا ويموت ليلا أن المراد باليوم الحين والوقت على ما بينا في قوله اليوم أكملت لكم دينكم) قال ابن عباس وسلام عليه حين ولد وقال الحسن البصري التقى يحيى وعيسى فقال يحيى لعيسى انت خير مني فقال عيسى ليحيى بل أنت خير مني سلم الله عليك وانا سلمت على نفسي وقال سعيد بن جبير مثله الا انه قال اثنى الله عليك وأنا أثنيت على نفسي وقال سفيان بن عيينه أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره فخص الله تعالى يحيى فيها بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة عبد في الكتاب مريم إذ نتبذت عليه من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكياقالت أنى أبي لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله

[ 152 ]

آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا تعالى واذكر في الكتاب يعني القرآن مريم إذ انتبذت قال أبو عبيدة تنحت واعتزلت مكانا شرقيا مما يلي المشرق وهو عند العرب خير من الغربي تعالى فاتخذت من دونهم يعني أهلها حجابا أي سترا وحاجزا وفيه ثلاثة أقوال أنها ضربت شترا (قاله أبو صالح عن ابن عباس ان الشمس أظلتها فلم يرها أحد منهم وذلك مما سترها الله به وروي هذا المعنى عن ابن عباس ايضا أنها اتخذت حجابا من الجدران قاله السدي عن أشياخه سبب انفرادها عنهم قولان أنها انفردت لتطهر من الحيض وتمتشط قاله ابن عباس لتفلي رأسها قاله عطاء تعالى فأرسلنا إليها روحنا وهو جبريل في قول الجمهور وقال ابن الأنباري صاحب روحنا وهو جبريل والروح بمعنى الروح والفرح ثم تضم الراء لتحقيق مذهب الاسم وابطال طريق المصدر ويجوز أن يراد بالروح هاهنا الوحي وجبريل صاحب الوحي وقت مجيئه إليها ثلاثة أقوال وهي تغتسل والثاني بعد فراغها ولبسها الثياب والثالث بعد دخولها بيتها وقد قيل المراد بالروح هاهنا الروح الذي خلق منه عيسى حكاه الزجاج والماوردي وهو مضمون كلام أبي بن كعب فيما سنذكره عند قوله فحملته قال ابن الأنباري وفيه بعد لقوله فتمثل لها بشرا سويا والمعنى تصور لها في صورة البشر التام الخلقة وقال ابن عباس جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعد قطط حين طر شاربه وقرأ أبو نهيك فأرسلنا إليها روحنا بفتح الراء من الروح تعالى قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا المعنى إن كنت تتقي الله

[ 153 ]

فستنتهي بتعوذي منك هذا هو القول عند المحققين وحكي عن ابن عباس أنه كان في زمانها رجل اسمه تقي وكان فاجرا فظنته إياه ذكره ابن الأنباري والماوردي وفقراءة علي عليه السلام وابن مسعود وابي رجاء إلا أن تكون تقيا تعالى قال إنما أنا رسول ربك أي فلا تخافي ليهب لك قرا ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي لأهب لك بالهمز وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع ليهب لك بغير همز قال الزجاج من قرأ ليهب فالمعنى أرسلني ليهب ومن قرأ لأهب فالمعنى أرسلت اليك لأهب لك وقال ابن الأنباري المعنى أرسلني يقول لك أرسلت رسولي إليك لأهب لك تعالى غلاما زكيا أي طاهرا من الذنوب والبغي الفاجرة الزانية قال ابن الانباري وإنما لم يقل بغية لأنه وصف يغلب على النساء فقلما تقول العرب رجل بغي فيجري مجرى حائض وعاقر وقال غيره إنما لم يقل بغية لأنه مصروف عن وجهه فهو فعيل بمعنى فاعل ومعنى الآية ليس لي زوج ولست بزانية وإنما يكون الولد من هاتين الجهتين قال كذلك قال ربك قد شرحناه في قصة زكريا والمعنى أنه يسير علي أن أهب لك غلاما من غير أب ولنجعله آية للناس أي دلالة على قدرتنا كونه من غير أب قال ابن الأنباري إنما دخلت الواو في قوله ولنجعله لأنها عاطفة لما بعدها على كلام مضمر محذوف تقديره قال ربك خلقه علي هين لننفعك ما به ولنجعله عبرة تعالى ورحمة منا أي لمن تبعه وآمن به وكان أمرا مقضيا أي وكان خلق أمرا محكوما به مفروغا عنه سابقا في علم الله تعالى كونه إ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فنادها لا من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينان فاما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا أن تعالى فحملته يعني عيسى

[ 154 ]

كيفية حملها له قولان أن جبريل نفخ في جيب درعها فاستمر بها حملها رواه سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال السدي نفخ في جيب درعها وكان مشقوقا من قدامها فدخلت النفخة في صدرها فحملت من وقتها الذي خاطبها هو الذي حملته ودخل من فيها قاله ابي بن عب وفي مقدار حملها سبعة أقوال أحدها انها حين حملت وضعت قاله ابن عباس والمعنى أنه ما طال حملها وليس المراد أنها وضعته في الحال لأن الله تعالى يقول فحملته فانتبذت به وهذا يدل على أن بين الحمل والوضع وقتا يحتمل الانتباذ به أنها حملته تسع ساعات ووضعت من يومها قاله الحسن تسعة أشهر قاله سعيد بن جير وابن السائب ثلاث ساعات حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعت في ساعة قاله مقاتل بن سليمان ثمانية أشهر فعاش ولم يعش مولود قط لثمانية أشهر فكان في هذا آية حكاه الزجاج والسادس في ستة اشهر حكاه الماوردي في ساعة واحدة حكاه الثعلبي تعالى فانتبذت به يعني بالحمل مكانا قصيا أي بعيدا وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة قاصيا قال ابن اسحاق مشت ستة أميال قال الفراء القصي والقاصي بمعنى واحد وقال غير الفراء القصي والقاصي بمنزلة الشهيد والشاهد وإنما بعدت فرارا من قومها أن يعيروها على بولادتها من غير زوج تعالى فأجاءها المخاض وقرأ عكرمة وابراهيم النخعي وعاصم الجحدري المخاص بكسر الميم قال الفراء المعنى فجاء بها المخاص فلما القيت الباء جعلت في الفعل ألفا ومثله آتنا غداءنا الكهف 63 أي الله ومثله آتوني زبر الحديد الكهف 96 أي بزبر الحديد قال أبو عبيدة أفعلها من جاءت هي وأجاءها غيرها وقال ابن قتيبة المعنى جاء بها وألجأها وهو من حيث يقال جاءت بي الحاجة اليك وأجاءتني قال الحاجة اليك والمخاض الحمل وقال

[ 155 ]

غيره المخاض وجع الولادة الى جذع النخلة وهو ساق النخلة وكانت نخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا سعف قالت يا ليتني مت قبل هذا اليوم أو هذا الأمر وقرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف وحفص مت بكسر الميم سبب قولها هذا قولان أنها قالته حياء من الناس والثاني لئلا يأثموا بقذفها تعالى وكنت نسيا منسيا قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر النون وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نسيا بفتح النون قال الفراء وأصحاب عبد الله يقرؤون نسيا بفتح النون وسائر العرب عن بكسرها وهما لغتان مثل الجسر والجسر والوتر والوتر والفتح أحب الي قال أبو علي الفارسي الكسر على اللغتين وقال ابن الأنباري من كسر النون قال النسي اسم لما ينسى بمنزلة البغض اسم لما يبغض والسب اسم لما يسب والنسي بفتح النون اسم لما ينسى أيضا على أنه مصدر ناب عن الاسم كما يقال الرجل دنف ودنف فالمكسور من هو الوصف الصحيح والمفتوح مصدر سد مسد الوصف ويمكن أن يكون النسي والنسي اسمين لمعنى كما يقال الرطل والرطل في قوله تعالى نسيا منسيا خمسة أقوال أحدها يا ليتني لما أكن شيئا قاله الضحاك عن ابن عباس وبه قال عطاء وابن زيد وكنت نسيا منسيا أي دم حيضة ملقاة قاله مجهد وسعيد ابن جبير وعكرمة قال الفراء النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها وقال ابن الأنباري هي خرق الحيض تلقيها المرأة فلا تطلبها ولا تذكرها أنه من السقط قاله أبو العالية والربيع أن المعنى يا ليتني لا يدري من أنا قاله قتادة أنه الشئ التافه يرتحل عنه القوم فيهون عليهم فلا يرجعون إليه قاله ابن السائب وقال أبو عبيدة النسي والمنسي ما ينسى من إدارة وعصا يعني أنه ينسى في المنزل فيرجع إليه لاحتقار صاحبه اياه وقال الكسائي معنى الآية ليتني كنت ما إذا ذكر لم يطلب تعالى فناداها من تحتها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم من تحتها بفتح الميم والتاء قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم والتاء فمن قرأ بكسر الميم ففيه وجهان

[ 156 ]

أحدهما ناداها الملك من تحت النخلة وقيل كانت على نشز فناداها الملك أسفل منها والثاني ناداها عيسى لما خرج من بطنها قال ابن عباس كل ما رفعت في إليه طرفك فهو فوقك وكل ما خفضت إليه طرفك فهو تحتك ومن قأ بن بفتح الميم ففيه الوجهان المذكوران وكا الفراء يقول ما خاطبها الا الملك على القراءتين جميعا تعالى قد جعل ربك تحتك سريا فيه قولان أحدهما أنه النهر الصغير قاله جمهور المفسرين واللغويون قال أبو صالح وابن جريج هو الجدول بالسريانية انه عيسى كان سريا من الرجال قاله الحسن وعكرمة وابن زيد قال ابن الانباري وقد رجع الحسن عن هذا القول الى القول الأول ولو كان وصفا لعيسى كان غلاما سريا أو سويا من الغلمان وقلما تقول العرب رأيت عندك نبيلا حتى يقولوا رجلا نبيلا قيل كيف ناسب تسليتها هذه أن قيل لا تحزني فهذا نهر يجري من وجهين احدهما انها حزت لجدب مكانها الذي ولدت فيه وعدم الطعام والشراب والماء الذي تتطهر به فقيل لا تحزني قد أجرينا لك نهرا وأطلعنا لك رطبا قاله أبو صالح عن ابن عباس أنها حزنت لما جرى عليها من ولادة ولد عن غير زوج فأجرى الله تعالى لها نهرا فجاءها من الاردن واخرج لها الرطب من الشجرة اليابسة فكان ذلك آية تدل على قدرة الله تعالى في إيجاد عيسى قاله مقاتل تعالى وهزي اليك الهز التحريك في قوله تعالى بجذع النخلة فيها قولان انها زائدة مؤكدة كقوله تعالى بسبب الى السماء الحج 15 قال الفراء معناه فليمدد سببا والعرب تقول هزه وهز به وخذ الخطام وخذ بالخطام وتعلق زيدا وتعلق به وقال أبو عبيدة هي مؤكدة كقول الشاعر نضرب سنة بالسيف ونرجو بالفرج والثاني أنها دخلت على الجذع لتلصقه عمرو بالهز فهي مفيدة للالصاق قاله ابن الأنباري تعالى تساقط قرا ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والسكائي وابو بكر عن عاصم تساقط بالتاء مشددة السين وقرأ حمزة وعبد الوارث تساقط بالتاء مفتوحة مخففة

[ 157 ]

السين وقرأ حفص عن عاصم تساقط بضم التاء وكسر القاف مخففة السين وقرأ يعقوب وابو زيد عن المفضل يساقط بالياء مفتوجة قبل وتشديد السين وفتح القاف فهذه القراآت المشاهير وقرأ ابي بن كعب وأبو حيوة تسقط بفتح التاء وسكون السين ورفع القاف وقرأ عبد الله بن عمرو وعائشة والحسن يسقاط يحيى بألف وتخفيف السين ورفع الياء وكسر القاف وقرأ الضحاك عمرو بن دينار يسقط برفع الياء وكسر القاف مع سكون السين وعدم الألف وقرأ عاصم الجحدري وأبو عمران الجوني مثله إلا أنه بالتاء وقرا معاذ القارئ وابن يعمر مثله إلا أنه بالنون وقرأ أبو زرين العقيلي وابن ابي عبلة يسقط بالياء مفتوحة مع سكون السين ورفع القاف وقرأ أبو السماك العدوي وابن حزام تتساقط بتاءين مفتوحين وبألف وقال الزجاج من قرأ يساقط فالمعنى يتساقط فأدغمت التاء في السين ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع يؤنث ومن قرأ تساقط بالتاء والتخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ تساقط بالتاء والخفيف فانه حذف من تتساقط اجتماع التاءين ومن قرأ يساقط ذهب إلى معنى يساقط الجذع عليك ومن قرأ نساقط بالنون فالمعنى نحن نساقط عليك فنجعله لك آية والنحويون يقولون الرحمن رطبا منصوب على التمييز إذا قلت يساقط أو يتساقط المعنى يتساقط الجزع رطب وإذا قلت تساقط بالتاء فالمعنى تتساقط النخلة رطبا تعالى جنيا قال الفراء الجني المجتنى وقال ابن الأنباري هو الطري والأصل مجنو صرف من مفعول الى فعيل كمايقال قديد وطبيخ وقال غيره هو الطري بغباره ولم يكن لتلك النخلة راس فأنبته الله تعالى فلما وضعت يدها عليها سقط الرطب رطبا وكان السلف يستحبون للنفساء الرطب من أجل مريم عليها السلام قوله تعالى فكلي أي من الرطب واشربي من النهر وقري عينا بولادة عيسى عليه السلام قال الزجاج يقال قررت به عينا أقر بفتح القاف في المستقبل وقررت في المكان أقر بكسر القاف وعينا منصوب على التمييز وروى ابن الأنباري عن الأصمعي أنه قال معنى وقري عينا ولتبرد وكان دمعتك روى لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة واشتقاق قري من القرور ولم وهو الماء البارد وقال لنا أحمد بن يحيى تفسير قري عينا بلغت غاية أملك حتى تقر عينك من الاستشراف إلى غيره واحتج بقول عمرو بن كلثوم بيوم بين كريهة ضربا وطعنا أهل أقر به مواليك العيونا حديث ظفروا وبلغوا منتهى أمنيتهم فقرت عينهم من تطلع الى غيره تعالى فاما ترين وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن السميفع والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري ترئن بهمزة مكسورة من غير ياء أي إن رأيت من البشر أحدا

[ 158 ]

فقولي وفيه إضمار تقديره فسألك عن أمر ولدك فقولي إني نذرت للرحمن صوما فيه قولان أحدهما صمتا قاله ابن عباس وأنس بن مالك والضحاك وكذلك قرأ أبي بن كعب وأنس بن مالك وأبو رزين العقيلي صمتا مكان قوله صوما وقرأ ابن عباس صياما صوما عن الطعام والشراب والكلام قاله قتادة وقال ابن زيد كان المجتهد من بني اسرائيل يصوم عن الكلام كما يصوم عن الطعام الا من ذكر الله عز وجل قال السدي فأذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم تسكت قال ابن مسعود أمرت بالصمت لأنها لم تكن لها حجة عند الناس فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ بها ساحتها فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها مما يبرئ به ساحتها وقيل كانت تكلم الملائكة ولا تكلم الإنس قال ابن الأنباري الصوم في لغة العرب على أربعة معان يقال يوم لترك الطعام والشراب وصوم للصمت صوم لضرب من الشجر وصوم لذرق عند النعام العلماء في مقدار سن مريم يوم ولادتها على ثلاثة أقوال أنها ولدت وهي بنت خمس عشرة سنة قاله وهب بن منبه بن ت اثنتي عشرة سنة قاله زيد بن أسلم بنت ثلاث عشرة سنة قاله مقاتل لأنه به قومها تحمله قالوا يا مرى لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيف أشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا تعالى فأتت به قومها تحمله قال ابن عباس في رواية أبي صالح أتتهم به بعد أربعين يوما حين طهرت من نفاسها وقال في رواية الضحاك انطلق قومها يطلبونها فلما رأتهم حملت عيسى فتلقتهم به فذلك قوله تعالى فأتت به قومها تحمله قيل أتت به يغني عن تحمله فلا فائدة للتكرير أنه لما ظهرت منه آيات جاز أن يتوهم السامع فأتت به أن يكون ساعيا على

[ 159 ]

قدميه فيكون سعية آية كنطقه فقطع ذلك التوهم وأعلم أنه كسائر الأطفال وهذا مثل قول العرب نظرت إلفلان بعيني فنفوا بذلك نظر العطف والرحمة وأثبتوا أنه نظر عين وقال ابن السائب لم دخلت على قومها بكوا وكانوا قوما صالحين وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا وفيه ثلاثة أقوال شيئا عظيما قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة قال الفراء الفري العظيم والعرب تقول تركته يفري الفري إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس قيل هذا فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت عبقريا يفري فري عمر عجبا فائقا قاله أبو عبيدة شيئا مصنوعا ومنه يقال فريت الكذب وافتريته قاله اليزيدي قو له تعالى يا أخت هارون في المراد بهارون هذا خمسة أقوال أنه أخ لها من أمها وكان من أمثل فتى في بني اسرائيل قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال الضحاك كان من ابيها وامها انها كانت من بني هارون قاله الضحاك عن ابن عباس وقال السدي كانت من بني هارون أخي موسى عليهما أخبرنا السلام فنسبت إليه لأنها من ولده أنه رجل صالح كان في بني اسرائيل فشبهوها به في الصلاح وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وقتادة ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل نجران فقالوا ألستم تقرؤون يا أخت هارون وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى فلم أدر ما أجيبهم فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناه فنسبوها إليهم قاله سعيد بن جبير أنه رجل من فساق بني اسرائيل شبهوها به قاله وهب بن منبه يا هذا يخرج في معنى الأخت قولان أنها الأخت حقيقة والثاني المشابهة لا المناسبة كقوله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها الزخرف 48 تعالى ما كان أبوك يعنون عمران امرأ سوء أي زانيا وما كانت أمك حنة بغيا أي زانية فمن أين لك هذا الولد تعالى فأشارت أي أومأت إليه أي إلى عيسى فتكلم وقيل المعنى أشارت

[ 160 ]

إليه أن كلموه وكان عيسى قد كلمها حين أتت قومها وقال يا أماه أبشري فاني عبد الله ومسيحه فلما أشارت أن كلموه تعجبوا من ذلك وقالوا كيف نكلم من كان وفيها أربعة أقوال أنها زائدة فالمعنى كيف نكلم صبيا في المهد أنها في معنى وقع وحدث أنها في معنى الشرط والجزاء فالمعنى من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه حكاها الزجاج واختار الأخير منها قال ابن الأنباري وهذا كما تقول كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي أي من يكن لا يقبل والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء أن كان بمعنى صار قاله قطرب المراد بالمهد قولان أحدهما حجرها قاله نوف وقتادة والكلبي والثاني سرير الصبي المعروف حكاه الكلبي أيضا السدي فلما سمع عيسى كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه فقال إني عبد الله قال المفسرون إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية لو وفي قوله آتاني الكتاب أسكن هذه الياء حمزة وفي معنى الآية قولان أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه قاله أبو صالح عن ابن عباس وقيل علم التوراة والإنجيل وهو في بطن امه قضى أن يؤيتني يكون الكتاب قاله عكرمة الكتاب قولان أحدهما أنه التوراة والثاني الأنجيل تعالى وجعلني نبيا هذا وما بعده اخبار عما قضى الله له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون قيل المعنى يؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت فحل الماضي محل المستقبل كقوله تعالى وإذ قال الله يا عيسى المائدة 116 أنه كلمهم بعد أربعين يوما والثاني في يومه وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه مريم

[ 161 ]

تعالى وجعلني مباركا أينما كنت روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال نفاعا حيثما توجهت وقال مجاهد معلما للخير وفي المراد بالزكاة قولان زكاة الأموال قاله ابن السائب والثاني الطهارة قاله الزجاج قوله تعالى وبرا بوالدتي قال ابن عباس لما قال هذا ولم يقل بوالدي علموا أنه ولد من غير بشر تعالى ولم يجعلني جبارا أي متعظما شقيا عاصيا لربه والسلام علي يوم ولدت قال المفسرون السلامة علي من الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان وقد سبق تفسير الآية مريم 15 قيل لم ذكر هاهنا السلام بألف ولام وذكره في قصة يحيى بلا ألف ولام فعنه جوابان أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام هذا قول الزجاج صلى اعترض على هذا القول فقيل كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى على الأول وهو قول الله عز وجل صلى أجاب عنه ابن الأنباري فقال عيسى إنما يتعلم من ربه فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى فبنى عليه وألصقه بنفسه ويجوز أن يكون الله عز وجل عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره وأجراه عليه غير قاصد به اتباع اللفظ المحكي لأن المتكلم له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه فيقول قال عبد الله أنا رجل منصف يريد قال لي عبد الله أنت رجل منصف الثاني أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد ذكره ابن الأنباري مع عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحان

[ 162 ]

إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم تعالى ذلك عيسى بن مريم قال الزجاج أي ذلك الذي قال إني عبد الله هو ابن مريم لا ما تقول النصارى إنه ابن الله وإنه إله تعالى قول الحق قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي قول الحق برفع اللام وقر أ عاصم وابن عامر ويعقوب بنصب اللام قال الزجاج من رفع قول الحق فالمعنى هو قول الحق يعني هذا الكلام ومن نصب فالمعنى أقول قول الحق وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول أن في الكلام إضمارا تقديره ذلك نبأ عيسى ذلك النبأ قول الحق تعالى الذي فيه يمترون أي يشكون قال قتاة امترت اليهود فيه والنصارى فزعم اليهود أنه ساحر وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة قرأ أبو مجلز ومعاذ القارئ وابن يعمر وأبو رجاء تمترون بالتاء تعالى ما كان لله أن يتخذ من ولد قال الزجاج المعنى أن يتخذ ولدا ومن مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعه أن للقائل أن يقول ما اتخذت فرسا يريد أتخذت أكثر من ذلك وله أن يقول سعيد اتخذت فرسين ولا أكثر يريد اتخذت فرسا واحدا فإذا قال ما اتخذت من فرس فقد دل على نفي الواحد والجميع قوله تعالى كن فيكون وقرأ أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة فيكون بالنصب وقد ذكرنا وجهه في البقرة 117 تعالى وإن الله ربي وربكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأن الله بنصب الألف وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي وإن الله بكسر الألف وهذا من قول عيسى فمن فتح عطفه على قوله وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي ومن كسر ففيه وجهان أن يكون معطوفا على قوله إني عبد الله إ والثاني أن يكون مستأنفا

[ 163 ]

بكر الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر بوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم قال المفسرون من زائدة والمعنى اختلفوا بينهم وقال ابن الأنباري لما تمسك المؤمنون بالحق كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم الأحزاب قولان أنهم اليهود والنصارى فكانت اليهود تقول إنه لغير رشدة والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به والثاني أ نهم فرق النصارى قال بعضهم هو الله وقال بعضهم ابن الله وقال بعضهم ثالث ثلاثة قوله تعالى فويل للذين كفروا بقولهم في المسيح من مشهد يوم عظيم أي من حضورهم ذلك اليوم للجزاء تعالى أسمع بهم وأبصر فيه قولان أن لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر فالمعنى ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ذلك لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه الى نظر وفكر فعلموا الهدى وأطاعوا هذا قول الأكثرين أسمع بحديثهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم يأتوننا قاله أبو العالية تعالى لكن الظالمون يعني المشركين والكفار اليوم يعني في الدنيا في ضلال مبين تعالى وانذرهم أي خوف كفار مكة يوم الحسرة يعني يوم القيامة يتحسر المسئ إذ لم يحسن والمقصر إذ لم يزدد من الخير

[ 164 ]

قد الحسرة يوم القيامة كثيرة فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قيل يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون وقيل يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيجاء بالموت كأنه كبش أملح فيقال لهم هل تعرفون هذا وفي هذا الموت فيذبح ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون المفسرون فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة ولو مات أحد حزنا مات اهل النار من وجبات الحسرة ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى يوم القيامة بناس الى الجنة حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا الى قصورها نودوا أن أصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها فيقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا قال ذلك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلوني تركتم للناس ولم تتركوا لي فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال ليس من نفس يوم القيامة الا وهي تنظر الى بيت في الجنة وبيت في النار ثم يقال يعنل هؤلاء لو عملتم ولأهل الجنة لولا أن من الله عليكم ومن موجبات الحسرة قطع الرجاء عند اطباق النار على أهلها تعالى إذ قضي الأمر قال ابن الأنباري قضي في اللغة بمعنى أتقن وأحكم وإنما سمي الحاكم قاضيا لإتقانه وإحكامه ما ينفذ وفي الآية اختصار والمعنى إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم في الأمر قولان انه ذبح الموت قاله ابن جريج والسدي والثاني أن المعنى قضي العذاب لهم قاله مقاتل تعالى وهم في غفلة أي هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ذلك اليوم وهم لا يؤمنون بما يكون في الآخرة

[ 165 ]

تعالى إنا نحن نرث الارض أي نميت سكانها فنرثها ومن عليها وإلينا يرجعون بعد الموت قيل ما الفائدة في نحن وقد كفت عنها إنا أنه لما جاز في قول المعظم إنا نفعل أن يوهم أن أتباعه قعلوا كل أبانت نحن بأن الفعل مضاف إليه حقيقة قيل فلم قال ومن عليها وهو يرث الآدميين وغيرهم أن من تختص أهل التمييز وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري في الكتاب ابراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك وأهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهو بنا له اسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا تعالى واذكر في الكتاب ابراهيم أي اذكر لقومك قصته وقد سبق معنى الصديق في النساء 69 تعالى ولا يغني عنك شيئا أي لا يدفع عنك ضرا تعالى إني قد جاءني من العلم بالله والمعرفة ما لم يأتك تعالى لا تعبد الشيطان أي لا تطعه فيما يأمر به من الكفر والمعاصي وقد شرحنا

[ 166 ]

معنى كان آنفا وعصيا اي عاصيا فهو فعيل بمعنى فاعل تعالى إني أخاف ان يمسك عذاب من الرحمن قال مقاتل في الآخرة وقال غيره في الدنيا فتكون للشيطان وليا أي قرينا في عذاب الله فجرت المقارنة مجرى الموالاة وقيل إنما طمع ابراهيم في إيمان ابيه لأنه حين خرج من النار قال له نعم الإله إلهك يا إبراهيم فحينئذ أقبل يعظه فأجابه أبوه أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم أي أتارك بادتها انت لئن لم تنته عن عيبها وشتمها لأرجمنك وفيه قولان بالشتم والقول قاله ابن عباس ومجاهد بالحجارة حتى تتباعد عني قاله الحسن تعالى واهجرني مليا فيه قولان اهجرني طويلا رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس وبه قال الحسن والفراء والأكثرون قال ابن قتيبة اهجرني حينا طويلا ومنه يقال تمليت حبيبك أجتنبني فلا سالما قبل أن تصيبك عقوبتي رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك فعلى هذا يكون من قولهم فلام ملي بكذا وكذا إذا كان مضطلعا به فالمعنى اهجرني وعرضك وافر وأنت سليم من أذاي قاله ابن جرير تعالى قال سلام عليك أي سلمت من أن أصيبك بمكروه وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره سأستغفلك ربي فيه قولان أن المعنى سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته أنه وعده الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين على الكفر ذكرهما ابن الأنباري تعالى إنه كان بي حفيا فيه ثلاثة أقوال أحدها لطيفا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال ابن زيد والزجاج رحيما رواه الضحاك عن ابن عباس بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته قاله ابن قتيبة تعالى وأعتزلكم أي وأتنحى منه عنكم وأعتزل ما تدعون من دون الله يعني الأصنام وفي معنى تدعون قولان تعبدون أن المعنى وما تدعونه ربا وأدعو ربي أي وأعبده عسى ألا أكون بدعاء

[ 167 ]

ربي شقيا أي أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم فلما اعتزلهم قال المفسرون هاجر عنهم الى ارض الشام فوهب الله له اسحاق ويعقوب فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام قال أبو سليمان وإنما وهب له اسحاق ويعقوب بعد اسماعيل تعالى وكلا أي وكلا من هذين وقال مقاتل وكلا يعني ابراهيم واسحاق ويعقوب جعلناه نبيا تعالى ووهبنا لهم من رحمتنا قال المفسرون المال والولد والعلم والعمل وجعلنا لهم لسان صدق عليا قال ابن قتيبة أي ذكرا حسنا في الناس مرتفعا فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم فوضع اللسان مكان القول لأن القول يكون باللسان في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا: تعالى إنه كان مخلصا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والمفضل عن عاصم بكسر اللام وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بفتح اللام قال الزجاج المخلص بكسر اللام الذي وحد الله وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه والمخلص بفتح اللام الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس تعالى وكان رسولا قال ابن الأنباري إنما أعاد كان لتفخيم شأن النبي المذكور تعالى وناديناه من جانب الطور أي من ناحية الطور وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير قال ابن الأنباري إنما خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم ومن كلامهم عن يمين القبلة وشمالها يعنون مما يلي يمين المستقبل لها وشماله فنقلوا الوصف الى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين وقال المفسرون جاء النداء عن يمين موسى فلهذا قال الأيمن ولم يرد به يمين الجبل تعالى وقربناه نجيا قال ابن الأنباري معناه مناجيا فعبر فعيل عن مفاعل كما قالوا فلان خليطي غير وعشيري أحمد يعنون مخالطي ومعاشري بعد وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وقربناه قال حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح

[ 168 ]

تعالى ووهبنا له من رحمتنا أي من نعمتنا عليه إذ أجبنا دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا قوله تعالى إنه كان صادق الوعد هذا عام فيما بينه وبين الله وفيما بينه وبين الناس وقال مجاهد لم يعد ربه بوعد قط الا وفي له به قيل كيف خص بصدق الوعد اسماعيل وليس في الأنبياء من ليس كذلك أن إسماعيل عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء فأثني عليه بذلك وذكر المفسرون أنه كان بينه وبين رجل ميعاد فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال انه أقام حولا قاله ابن عباس والثاني اثنين وعشرين يوما قاله الرقاشي والثالث ثلاثة أيام قاله مقاتل تعالى وكان رسولا الى قومه وهم جرهم وكان يأمر أهله قال مقاتل يعني قومه وقال الزجاج أهله جميع أمته فأما الصلاة والزكاة فهما العبادتان المعروفتان قوله تعالى ورفعناه مكانا عليا فيه أربعة أقوال أنه في السماء الرابعة روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج أنه رأى إدريس في السماء الرابعة وبهذا قال أبو سعيد الخدري ومجاهد وأبو العالية انه في السماء السادسة رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك أنه في الجنة قاله زيد بن أسلم وهذا يرجع إلى الأول لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة أنه في السماء السابعة حكاه أبو سليمان الدمشقي سبب صعوده الى السماء ثلاثة أقوال

[ 169 ]

أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم فأحبه ملك الموت فاستأذن الله في خلته فأذن له فهبط إليه في صورة آدمي يقول يصحبه فلما عرفه قال إني أسألك حاجة قال ما هي قال تذيقني الموت فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا فأوحى الله إليه أن اقبض روحة ساعة ثم أرسله ففعل ثم قال كيف رأيت قال كان أشد مما بلغني عنه وإني أحب أن تريني النار قال فحمله فأراه إياها قال إني أحب أن تريني الجنة فأراه إياها فلما دخلها طاف فيها قال له ملك الموت اخرج فقال والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني فبعث الله ملكا فحكم بينهما فقال ما تقول يا ملك الموت فقص عليه ما جرى فقال ما تقول يا إدريس قال إن الله تعالى قال كل نفس ذائقة الموت آل عمران 185 وقد ذقته وقال منكم إلا واردها مريم 71 وقد وردتها وقال لأهل الجنة هم منها بمخرجين الحجر 48 فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني فسمع هاتفا من فوقه يقول باذني دخل وبأمري فعل فخل سبيله هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم سأل سائل فقال من أين لإدريس هذه الآيات وهي في كتابنا فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء قال كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود وامتناع الخروج من الجنة وغير ذلك فقال ماقاله بعلم أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس فأذن له فلما عرفه إدريس قال هل بينك وبين ملك الموت قرابة قال ذاك اخي من الملائكة قال هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت قال سأكلمه فيك الذي بك اركب ببن جناحي فركب إدريس فصعد به الى السماء فلقي ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة قال أعلم ما حاجتك تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله الا نصف طرفة عين فمات إدريس بين جناحي الملك رواه عكرمة عن ابن عباس وقال أبو صالح عن ابن عباس فقبض ملك الموت روح ادريس في السماء السادسة أن ادريس مشى يوما في الشمس فأصباه لأن وهجها فقال اللهم خفف ثقلها عمن يحملها يعني به الملك الموكل بالشمس فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها مالا يعرف فسأل الله عز وجل عن ذلك فقال إن عبدي إدريس سألني أن اخفف عنك حملها وحرها فأجبته فقال يا رب أجمع بيني وبينه وأجعل بيننا خلة فأذن له فأتاه فكان مما قال له إدريس اشفع لي الى ملك الموت ليؤخر أجلي فقال إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ولكن أكلمه فيك فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم حمله الملك على جناحه فرفعه

[ 170 ]

الى السماء فوضعه عند مطلع الشمس ثم أتى ملك الموت فقال إن لي إليك حاجة صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله قال ليس ذاك إلي ولكن إن أحببت أعلمته متى يموت فنظر في ديوانه فقال إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا ولا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس فقال إني أتيتك وتركته هناك قال انطلق فما أراك تجده إلا ميتا فوالله ما بقي من أجله شئ فرجع الملك فرآه ميتا وهذا المعنى مروي عن الله عباس وكعب في آخرين فهذا القول والذي قبله يدلان على أنه ميت والقول الأول يدل على انه حي وقد الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح من ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا وما نتنزل الا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا تعالى أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة من ذرية آدم يعني إدريس وممن حملنا مع نوح يعني ابراهيم لأنه من ولد سام بن نوح ومن ذرية إبراهيم يريد اسماعيل واسحاق ويعقوب واسرائيل يعني ومن ذرية اسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى تعالى وممن هدينا أي هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واجتبينا أي واصطفينا تعالى خروا سجدا قال الزجاج سجدا حال مقدرة المعنى خروا مقدرين السجود لأن الإنسان في حال خروره لا يكون ساجدا علي سجدا منصوب على الحال وهو جمع ساجد وبكيا معطوف عليه وهو جمع باك فقد بين الله تعالى أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا من خشية الله

[ 171 ]

تعالى فخلف من بعدهم خلف قد شرحناه في الأعراف 169 وفي المراد بهذا الخلف ثلاثة أقوال أنهم اليهود رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني اليهود والنصارى قاله السدي والثالث أنهم من هذه الأمة يأتون عند ذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم يتبارون بالزنا ينزو بعضهم على بعض في الأزقة زناة قاله مجاهد وقتادة تعالى أضاعوا الصلاة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي والحسن البصري الصلوات على الجمع المراد باضاعتهم حتى إياها قولان أنهم أخروها عن وقتها قاله ابن مسعود والنخعي وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن مخيمرة تركوها قاله الفرظشي تعالى واختاره الزجاج تعالى واتبعوا الشهوات قال أبو سليمان الدمشقي وذلك مثل استماع الغناء وشرب الخمر والزنا واللهو وما شاكل ذلك مما يقطع عن أداء فرائض الله عز وجل تعالى فسوف يلقون غيا ليس معنى هذا اللقاء مجرد الرؤية وإنما المراد به الاجتماع والملابسة مع الرؤية وفي المراد بهذا الغي ستة اقوال أنه واد في جهنم روراه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال كعب والثاني أنه نهر في جهنم قاله ابن مسعود والثالث أنه الخسران رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أنه العذاب قاله مجاهد والخامس أنه الشر قاله ابن زيد وابن السائب والسادس أن المعنى فسوف يلقون مجازاة الغي كقوله يلق أثاما الفرقان 68 أي مجازاة الآثام قاله الزجاج تعالى إلا من تاب وآمن فيه قولان تاب من الشرك وآمن محمد صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل

[ 172 ]

تاب من التقصير في الصلاة وآمن من اليهود والنصارى تعالى جنات عدن وقرأ أبو رزين العقيلي والضحاك وابن يعمر وابن أبو عبلة جنات برفع التاء وقرأ الحسن البصري والشعبي وابن السميفع جنة عدن على التوحيد مع رفع التاء وقرأ أبو مجلز وأبو المتوكل الناجي جنة عدن على التوحيد مع نصب التاء وقوله التي وعد الرحمن عبادة بالغيب أي وعدهم بها ولم يروها فهي غائبة عنهم تعالى إنه كان وعده مأتيا فيه قولان آتيا قال ابن قتيبة وهو مفعول في معنى فاعل وهو قليل أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به وقال الفراء إنما لم يقل آتيا أن ل ما أتاك فأنت تأتيه ألا ترى أنك قول أتيت على خمسين سنة وأتت على خمسون مبلوغا فإن إليه قاله ابن الأنباري وقال ابن جريج وعده هاهنا موعوده وهو الجنة ومأتيا عمر يأتيه أولياؤه تعالى لا يسمعون فيها لغوا فيه قولان أنه التخالف عند شرب الخمر قاله مقاتل ما يلغى من الكلام ويؤثم النبي فيقاله الزجاج وقال ابن الأنباري اللغو في العربية الفاسد المطرح قوله تعالى إلا سلاما قال أبو عبيدة السلام ليس من اللغو والعرب تستثني الشئ بعد الشئ وليس من وذلك أنها تضمر فيه فالمعنى إلا أنها يسمعون فيها سلاما وقال ابن الأنباري استثناء السلام من غير جنسه وفي ذلك توكيد للمعنى المقصود لأنهم إذا لم يسمعوا من اللغواإلا السلام فليس يسمعون لغوا البتة وكذلك قوله فانهم عدو لي إلا رب العالمين الشعراء 77 إذا لم يخرج من عداوتهم لي غير رب العالمين فكلهم عدو معنى هذا لسلام قولان أنه تسليم الملائكة عليهم قاله مقاتل أنهم لا يسمعون الا ما يسلمهم ولا يسمعون ما يؤثمهم قاله الزجاج تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال المفسرون ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكنهم يؤتون برزقهم على مقدار ما كانوا يعرفون في الغداة والعشي قال الحسن كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء فذكر الله لهم ذلك وقال قتادة كانت العرب

[ 173 ]

إذا أصاب أحدهم وإن والعشاء أعجب به فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت وليس ثم ليل ولا نهار وانما هو ضوء ونور وروى الوليد ابن مسلم قال سألت زهير بن محمد عن قوله تعالى بكرة وعشيا فقال ليس في الجنة ليل ولا نهار هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب تعالى تلك الجنة الإشارة إلى قوله فأولئك يدخلون الجنة تعالى نورث وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن والشعبي وقتادة وابن أبي عبلة بفتح الواو وتشديد الراء قال المفسرون ومعنى نورث نعطي المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا للمؤمنين ويجوز أن يكون معنى نورث نعطي فيكون كالميراث لهم من جهة أنها تمليك متسأنف وقد شرحنا هذا في الأعراف 43 تعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك وقرأ ابن السميفع وابن يعموما يتنزل بياء مفتوحة سبب نزولها ثلاثة أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلقال يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أن الملك أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال لعلي أبطأت قال قد فعلت قال وما لي لا أفعل وأنتم لا تتسوكون كما ولا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم فنزلت الآية قاله مجاهد قال ابن الأنباري البراجم عند العرب الفصوص التي في فصول ظهور الأصابع تبدو إذا جمعت وتغمض إذا بسطت والرواجب ما بين البراجم بين كل برجمتين هو راجبة أن جبريل احتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فلم يدر ما يجيبهم ورجا ان يأتيه جبريل بجواب فأبطأ عليه فشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة فلما نزل جبريل قال له أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت اليك فقال جبريل إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست فنزلت هذه الآية قاله عكرمة وقتادة والضحاك سبب احتباس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قولان لامتناع أصحابه من كمال النظافة كما ذكرنا في حديث مجاهد

[ 174 ]

لأنهم سألوه عن قصة أصحاب الكهف فقال غداأخبركم ولم يقل إن شاء الله وقد سبق هذا في سورة الكهف 24 مقدار احتباسه عنه خمسة اقوال خمسة عشر يوما وقد ذكرناه في الكهف عن ابن عباس والثاني أربعون يوما قاله عكرمة ومقاتل والثالث اثنتا عشرة ليلة قاله مجاهد والرابع ثلاثة ايام حكاه مقاتل والخامس خمسة وعشرون يوما وسلم الثعلبي وقيل إن سورة الضحى نزلت في هذا السبب والمفسرون على أن قوله وما نتنزل الا بأمر ربك قول جبريل وحكى الماوردي أنه قول أهل الجنة إذا دخلوها فالمعنى ما ننزل هذ الجنان الا بأمر الله وقيل ما ننزل موضعا من الجنة إلا بأمر الله قوله ما بين أيدينا وما خلفنا قولان ما بين أيدينا الآخرة وما خلفنا الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل ما بين أيدينا ما مضى من الدنيا وما خلفنا من الآخرة فهو عكس الاول قاله مجهد وقال الأخفش ما بين أيدينا قبل ان نخلق وما خلفتا بعد الفناء قوله تعالى وما بين ذلك ثلاثة اقوال ما بين الدنيا والآخرة قاله سعيد بن جبير ما بين النفختين قاله مجاهد وعكرمة وأبو العالية حين كوننا قاله الأخفش قال ابن الأنباري وإنما وحد ذلك والإشارة الى شيئين أحدهما ما بين أيدينا والثاني ما خلفتا لأن العرب توقع ذلك على الاثنين والجمع تعالى وما كان ربك نسيا النسي بمعنى الناسي معنى الكلام قولان ما كان تاركا لك منذ أبطأ الوحي عنك قاله ابن عباس قال مقاتل ما نسيك عند انقطاع الوحي عنك

[ 175 ]

والثاني أنه عالم بما كان ويكون لا ينسى شيئا قاله الزجاج قوله تعالى فاعبده أي وحده لأن عبادته بالشرك ليست عبادة واصطبر لعبادته أي اصبر على توحيده وقيل على أمره ونهيه تعالى هل تعلم له سميا روى هارون عن أبي عمرو أنه كان يدغم هل تعلم ووجهه أن سيبويه يجيز إدغام اللام في التاء والثاء والدال والزاي والسين والصاد والطاء لأن آخر مخرج من اللام وقريب من مخارجهن عنه قال أبو عبيدة إذا كان بعد هل تاء ففيه لغتان بعضهم يبين لام هل وبعضهم يدغمها معنى الكلام ثلاثة أقوال مثلا وشبهارواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة هل تعلم أحدا يسمى الله غيره رواه عطاء عن ابن عباس هل تعلم أحدا يستحق أن يقال له خالق وقادر الا هو قاله الزجاج إن الإنسان إذا مامت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ثم لننزعن من كل شيعة ايهم أشد على الرحمن عتيا ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا قوله تعالى ويقول الإنسان سبب نزولها ان ابي بخلف أخذ عظما إلا فجعل يفته بيده ويذريه في الريح ويقول زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس وروى عطاء عن ابن عباس أنه الوليد بن المغيرة تعالى لسوف أخرج حيا إن قيل ظاهره ظاهر سؤال فأين جوابه فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري

[ 176 ]

أن ظاهر الكلام استفهام ومعناه معنى جحد وإنكار تلخيصه لست مبعوثا بعد الموت فيه أنه لما استفهم بهذا الكلام عن البعث أجابه الله عز وجل بقوله أولا يذكر الإنسان فهو مشتمل على معنى نعم وأنت مبعوث أن جواب سؤال هذا الكافر في يس 78 عند قوله تعالى لنا مثلا ولا ينكر بعد الجواب لأن القرآن كله بمنزلة الرسالة الواحدة والسورتان مكيتان تعالى أولا يذكر الإنسان قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الذال مشددة الكاف وقرأ نافع وعاصم وابن عامر يذكر ساكنة الذال خفيفة وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل الناجي أولا يتذكر الإنسان بياء وتاء وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن يذكر بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف والمعنى أولا يتذكر هذا الجاحد أول خلقه فيستدل بالابتداء على الإعادة فوربك لنحشرنهم يعني المكذبين بالبعث والشياطين أي مع الشياطين وذلك أن كل كافر يحشر مع شيطانه في سلسلة ثم لنحصرنهم صلى حول جهنم قال مقاتل أي في جهنم وذلك أن حول الشئ يجوز أن يكون داخله تقول جلس القوم حول البيت إذا جلسوا داخله مطيفين به وقيل يجثون حولها قبل أن يدخلوها قوله جثيا فقال الزجاج هو جمع جاث مثل قاعد وقعود وهو منصوب على الحال والاصل ضم الجيم وجاء كسرها اتباعا لكسرة الثاء في معناه خمسة أقوال قعودا رواه العوفي عن ابن عباس والثاني جماعات جماعات روي عن ابن عباس أيضا فعلى هذا هو جمع جثوة وهي المجموع من التراب والحجارة والثالث جثيا على الركب قاله الحسن ومجاهد والزجاج والرابع قياما قاله أبو مالك والخامس قياما على ركبهم قاله السدي وذلك لضيق المكان بهم تعالى لننزعن من كل شيعة أي لنأخذن من كل فرقة وأمة وأهل دين أيهم أشد

[ 177 ]

على الرحمن عتيا أي أعظمهم له معصية والمعنى أنه يبدأ بتعذيب الأعتى فالأع وقال وبالأكابر أنه جرما والرؤوس القادة في الشر قال الزجاج وفي رفع أيهم ثلاثة أقوال أنه على الاستئناف ولم تعمل لننزعن شيئا هذا قول يونس أنه على معنى الذي يقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا قاله الخليل واختاره الزجاج وقال التأويل لننزعن الذي من أجل عتوة يقال أي هؤلاء أشد عتيا وأنشد وهو أبيت عن الفتاة بمنزل فأبيت لاحرج ولا محروم صلى الله عليه وسلم أبيت بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم أن أيهم مبنية على الضم لأنه خالفت أخواتها فالمعنى أيهم هو أفضل وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول اضرب أيهم أفضل ولا يحسن اضرب من أفضل حتى تقول من هو أفضل ولا يحسن كل ما أطيب حتى تقول ما هو أطيب ولا خذ ما أفضل حتى تقول الذي هو أفضل فلما خالفت ما ومن والذي بنيت على الضم قاله سيبويه تعالى هم أولى بها صليا يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا فيبتدأ بهم قبل أتباعهم وصليا منصوب على التفسير يقال صلي النار يصلاها إذا دخلها وقاسى حرها تعالى وإن منكم إلا واردها في الكلام إضمار تقديره وما منكم أحد إلا وهو واردها عني بهذا الخطاب قولان أنه عام في حق المؤمن والكافر هذا قول الأكثرين وروي عن ابن عباس أنه قال هذه الآية للكفار وأكثر الروايات عنه كالقول الأول قال ابن الأنباري ووجه هذا أنه لما قال لنحضرنهم وقال أيهم أشد على الرحمن عتيا كان التقدير وإن منهم فأبدلت الكاف من الهاء كما فعل في قوله هذا كان لكم جزاء إذا 22 المعنى كان لهم لأنه مردود على قوله ربهم الانسان 21 وقال الشاعر شطت مزار العاشقين فأصبحت فقال عسرا علي طلابك ابنة مخرم أي أراد طلابها وفي هذا الورود خمسة أقوال أنه الدخول روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخله فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على ابراهيم حتى إن

[ 178 ]

للنار أو قال لجهنم ضجيجا من بردهم وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية فقال له أما أنا وأنت فسندخلها فانظر أيخرجنا الله عز وجل منها أم لا فاحتج بقوله تعالى فأوردهم النار هود 98 وبقوله تعالى ذلك لها واردون الانبياء 98 وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر وحكى الحسن البصري أن رجلا قال لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا قال ففيم الضحك وقال خالد بن معدان إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا ألم يعدنا ربنا أن نرد النار فيقال لهم بلى ولكن مررتم بها وهي خامدة ذهب الى انه الدخول الحسن في رواية وأبو مالك وقد اعترض على أرباب هذا القول بأشياء فقال الزجاج العرب تقول وردت بلد كذا ووردت ماء كذا إذا أشرفوا عليه وإن لم يدخلوا ومنه قوله تعالى ورد ماء مدين القصص 33 والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها ثنا 101102 به وقال زهير فلما وردن الماء زرقا جمامة هذا وضعن عصي الحاضر المتخيم ثم لما بلغن الماء قمن عليه إ وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج فقال أما الآية الأولى فان موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل وأما الآية الأخرى فانها تضمنت الأخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها وحينئذ لا يسمعون حسيسها وقد روينا آنفا عن خالد بن معدان أنهم يمرون بها ولا يعلمون أن الورود الممر عليها قاله عبد الله بن مسعود وقتادة وقال ابن مسعود يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحله ثم كشد الرحل ثم كمشية أو ورودها حضورها قاله عبيد بن عمير أو ورود المسلمين المرور على الجسر وورود المشركين دخولها قاله ابن زيد أن ورود المؤمن إليها ما يصيبه من الحمى في الدنيا روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال الحمى حظ كل مؤمن من النار ثم قرأ وإن منكم إلا واردها فعلى هذا

[ 179 ]

من حم من المسلمين فقد وردها تعالى كان على ربك يعني الورود حتما والحتم ايجاب القضاء والقطع بالأمر والمقضي الذي قضاه الله تعالى والمعنى إنه حتم ذلك وقضاه على الخلق تعالى ثم ننجي الذين اتقوا وقرأ ابن عباس وأبو مجلز وابن يعمر وابن أبي ليلى وعاصم الجحدري ثم بفتح الثاء وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي مخففة وقرأت عائشة وأبو بحرية وأبو الجوزاء الربعي ثم ينجي بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وابن السميفع وأبو رجاء ننحي بحاء غير معجمة مشددة وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق لأن النجاة تخليص الواقع في الشئ ويؤكده قوله تعالى ونذر الظالمين فيها ولم يقل وندخلهم وإنما يقال نذر ونترك لمن قد حصل في مكانه ومن قال إن الورود للكفار خاصة قال معنى هذا الكلام نخرج المتقين من جملة من يدخل النار والمراد بالمتقين الذين اتقوا الشرك وبالظالمين الكفار وقد سبق معنى قوله تعالى جثيا مريم 68 تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا رسول قوله تعالى وإذا تتلى عليهم يعني المشركين آياتنا يعني القرآن قال الذين كفرا يعني المشركي قريش للذين آمنوا أي لفقراء المؤمنين أي الفريقين خير مقاما قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر وحفص عن عاصم مقاما بفتح الميم وقرأ ابن كثير بضم الميم قال أبو علي الفارسي المقام اسم المثوى إن فتحت الميم أو ضمت تعالى وأحسن نديا والندي والنادي مجلس القوم ومجتمعهم وقال الفراء الندي والنادي لغتان ومعنى الكلام أنحن خير أم أنتم فافتخروا عليهم بالمساكن والمجالس فأجابهم الله تعالى فقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن وقد بينا معنى القرن في

[ 180 ]

الأنعام 6 وشرحنا الاثاث في النحل 80 قوله تعالى ورئيا فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي ورئيا بهمزة بين الراء والياء في وزن رعيا قال الزجاج ومعناها منظرا من رأيت نافع وابن عامر ريا بياء مشددة من غير همز قال الزجاج لها تفسيران أحدهما أنها بمعنى الأولى والثاني أنها من الري فالمعنى منظرهم مرتو ولا من النعمة كأن النعيم بين فيهم ابن عباس وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وابن أبي سريج عن الكسائي زيا بالزاي المعجمة مع تشديد الياء من غير همز قال الزجاج ومعناها حسن هيئتهم من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ويزيد الله الذين أمتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا لم حدثنا قوله تعالى قل من كان في الضلالة أي في الكفر والعمى عن التوحيد فليمدد له الرحمن قال الزجاج وهذا لفظ أمر ومعناه الخبر والمعنى أن الله تعالى جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها قال ابن الأنباري خاطب الله العرب بلسانها وهي تقصد التوكيد للخبر بذكر الأمر يقول أحدهم إن زارنا عبد الله فلنكرمه ابن يقصد التوكيد وينبه على أني ألزم نفسي إكرامه ويجوز أن تكون اللام لام الدعاء على معنى قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في النعم مدا قال المفسرون ومعنى مد الله تعالى له إمهاله في الغي حتى إذا رأوا يعني الذين مدهم في الضلالة وإنما اخبر عن الجماعة لأن لفظ من يصلح للجماعة ثم ذكر ما يوعدون فقال إما العذاب يعني القتل والأسر وإما الساعة يعني القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار فسيعلمون من هو شر مكانا في الآخرة أهم أم المؤمنون لأن مكان هؤلاء الجنة ومكان هؤلاء النار ويعلمون بالنصر والقتل من أضعف جندا جندهم أم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا رد عليهم في قولهم الفريقين خير مقاما وأحسن نديا

[ 181 ]

قوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى فيه خمسة أقوال ويزيد الله الذين أمتدوا بالتوحيد إيمانا والثاني يزبدهم له بصيرة في دينهم والثالث يزيدهم بزيادة الوحي إيمانا فكلما نزلت سورة زاد إيمانهم والرابع يزيدهم إيمانا بالناسخ والمنسوخ والخامس يزيد الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ قال الزجاج المعنى إن الله تعالى يجعل جزاءهم أن يزيدهم يقينا كما جعل جزاء الكافر أن يمده في ضلالته تعالى والباقيات الصالحات قد ذكرناها في سورة الكهف 46 قوله تعالى وخير مردا المرد هاهنا مصدر مثل الرد والمعنى وخير ردا للثواب على عامليها ذلك فليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا في سبب نزولها قولان ما روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مسروق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا أي حدادا وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته الأصح أنقاضاه محمد فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد ص = حتى تموت ثم تبعث قال فاني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك فنزلت فيه هذه الآية إلى قوله تعالى فردا أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وهذا مروي عن الحسن والمفسرون على الأول تعالى لأوتين مالا وولدا قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو وقرأ حمزة والكسائي بضم الواو وقال الفراء وهما لغتان كالعدم

[ 182 ]

والعدم وليس يجمع وقيس تجعل الولد جمعا والولد بفتح الواو واحدا زعم هذا الكافر أن يؤتى المال والولد فيه قولان أحدهما أنه أرادفي الجنة على زعمكم والثاني في الدنيا قال ابن الأنباري وتقدير الآية أرأيته مصيبا تعالى أطلع الغيب قال ابن عباس في رواية أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا وقال في رواية أخرى أنظر في اللوح المحفوظ تعالى أم أتخذ عند الرحمن عهدا فيه ثلاثة أقوال أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها قاله ابن عباس والثاني أم قدم عملا صالحا فهو يرجوه قاله قتادة والثالث أم عهد إليه أنه يدخله الجنة قاله ابن السائب تعالى كلا أي ليس الأمر على ما قال من أنه يؤتى المال والولد ويجوز أن يكون معنى كلا أي إنه لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا سنكتب ما يقول أي سنأمر الحفظة باثبات قوله عليه لنجازيه به ونمد له من العذاب مدا أي نجعل بعض العذاب على إثر بعض وقرأ أبو العالية الرياحي وأبو رجاء العطاردي سيكتب ويرثه بياء مفتوحة تعالى ونرثه ما يقول فيه قولان نرثه ما يقول انه له في الجنة فنجعله لغيره من المسلمين قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره الفراء نرث ما عنده من المال والولد باهلاكنا إلى إياه وإبطال ملكه وهو مروي عن ابن عباس ايضا وبه قال قتادة قال الزجاج المعنى سنسلبه كان المال والولد ونجعله لغيره تعالى ويأتينا فردا أي بلا مال ولا ولد أبو من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا الم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا

[ 183 ]

تعالى واتخذوا من دون الله آلهة يعني المشركين عابدي الأصنام ليكونوا لهم عزا قال الفراء ليكونوا لهم شفعاء في الآخرة تعالى كلا أي ليس الأمر كما قدروا سيكفرون يعني الأصنام بجحد عبادة المشركين كقوله تعالى كانوا إيانا يعبدون القصص 63 لأنها كانت جمادا لا تعقل العبادة ويكونون يعني الاصنام عليهم يعني المشركين ضدا أي أعوانا عليهم في القيامة يكذبونهم ويلعنونهم تعالى ألم تر أنا أرسلنا الشياطين قال الزجاج في معنى هذا الإرسال وجهان خلينا بين الشياطين وبين الكافرين فلم نعصمهم من القبول منهم وهو المختار سلطانهم عليهم وقيضناهم أو لهم بكفرهم تؤزهم أزا أي تزعجهم ازعاجا حتى يركبوا المعاصي وقال الفراء تزعجهم الى المعاصي وتغريهم بها قال ابن فارس يقال أزه على كذا إذا أغراه به وأزت) القدر غلت تعالى فلا تعجل عليهم أي لا تعجل بطلب عذابهم وزعم بعضهم أن هذا منسوخ آية بآية السيف وليس بصحيح إنما نعد لهم عدا في هذا المعدود ثلاثة أقوال أنه أنفاسم عبد رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال طاووس ومقاتل والثاني الأيام والليالي والشهور والسنون والساعات رواه أبو صالح عن ابن عباس أنها أعمالهم قاله قطرب عليه نحشر المتقين الى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين الى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا تعالى يوم نحشر المتقين قال بعضهم هذا متعلق بقوله ويكونون عليهم ضدا يوم نحشر المتقين وقال بعضهم تقديره اذكر لهم يوم نحشر المتقين وهم الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني يوم يحشر بياء مفتوحة ورفع الشين ويسوق بياء مفتوحة ورفع السين وقرأ ابي بن كعب والحسن البصري ومعاذ القارئ وأبو المتوكل الناجي يوم يحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المتقون رفعا ويساق بألف وياء مرفوعة المجرمون بالواو على الرفع والوفد جمع

[ 184 ]

وافد مثل ركب وراكب وصحب وصاحب قال ابن عباس وعكرمة والفراء الوفد الركبان قال ابن الأنباري الركبان عند العرب ركاب الإبل زمان هذا الحشر قولان أنه من قبورهم الى الرحمن قاله علي بن أبي طالب أنه بعد الحساب قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى ونسوق المجرمين يعني الكافرين الى جهنم وردا قال ابن عباس وأبو هريرة والحسن عطاشا قال أبو عبيدة الورد مصدر الورود وقال ابن قتيبة الورد جماعة يردون الماء يعني أنهم عطاش لأنه لا يرد الماء الا العطشان وقال ابن الأنباري معنى قوله وردا واردين تعالى لا يملكون الشفاعة أي لا يشفعون ولا يشفع لهم تعالى إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال الزجاج جائز أن يكون من في مومضع رفع على البدل من الواو والنون فيكون المعنى لا يملك الشفاعة الا من اتخذ عن الرحمن عهدا وجائز أن يكون في موضع نصب على استثناء ليس من الأول فالمعنى لا يملك الشفاعة المجرمون ثم قال إلا على معنى لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا فانه يملك الشفاعة والعهد هاهنا توحيد الله والإيمان به وقال ابن الأنباري تفسير العهد في اللغة تقدمة أمر يعلم ويحفظ من قولك عهدت فلانا في المكان أي عرفته وشهدته اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصهم وعدهم عدا وكلهم آتية يوم القيمة فردا تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا يعني اليهود والنصارى ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله لقد جئتم شيئا إدا أي شيئا عظيما من الكفر قال أبو عبيدة الإد والنكر الأمر المتناهي العظم تعالى تكاد السموات والأرض يتفطرن قرا ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة

[ 185 ]

وابو بكر عن عاصم تكاد بالتاء وقرأ نافع والكسائي يكاد بالياء وقرءا جميعا يتفطرن بالياء والتاء مشددة الطاء وافقهما ابن كثير وحفص عن عاصم في يتفطرن وقرأ أبو عمرو وابو بكر عن عاصم ينفطرن بالنون وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل ابي عمرو وفي عسق 5 مثل أبن كثير ومعنى يتفطرن منه يقاربن الانشقاق من قولكم ال ابن قتيبة وقوله تعالى هدا أي سقوطا تعالى أن دعوا قال الفراء من أن دعوا ولأن دعوا وقال أبو عبيدة معناه ان جعلوا وليس هو من دعاء الصوت وأنشد ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب تجده بغيب غير منتصح الصدر تعالى وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا أي ما يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد لأن الولد يقتضي مجانسة وكل متخذ ولدا يتخذه من جنسه والله تعالى منزه عن أن يجانس شيئا أو يجانسه فمحال في حقه اتخاذ الولد إن كل أي ما كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن يوم القيامة عبد ذليلا خاضعا والمعنى أن عيسى وعزيرا والملائكة عبيد له قال القاضي أبو يعلى وفي هذا دلالة على أن الوالد إذا اشترى ولده لم يبق ملكه عليه وإنما يعتق بنفس الشراء لأن الله تعالى نفى البنوة لأجل العبودية فدل على أنه لا يجتمع بنوة ورق تعالى لقد أحصاهم أي علم عددهم وعدهم عدا فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم من كثرتهم وكلهم آتية يوم القيامة فردا بلا مال ولا نصير يمنعه قيل لاية علة وحد في الرحمن وآتية وجمع في العائد في أحصاهم وعدهم أن لكل لفظ توحيد وتأويل جمع فالتوحيد محمول على اللفظ والجمع مصروف الى التأويل الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد

[ 186 ]

أو تسمع لهم ركزا تعالى سيجعل لهم الرحمن ودا قال ابن عباس نزلت في علي عليه السلام وقال معناه يحببهم ويجبهم أبي الى المؤمنين قال قتادة يجعل لهم ودا في قلوب المؤمنين ومن هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا قال يا جبريل إني أحب فلانا فأحبوه فينادي جبريل في السموات إن الله يحب فلانا فأحبوه فيلقى حبه على أهل الأرض فيحب وذكر في البغض مثل ذلك وقال هرم بن حيان ما اقبل عبد بقلبه الى الله عز وجل إلا أقبل الله عز وجل بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم تعالى فانما يسرناه بلسانك يعني القرآن قال ابن قتيبة أي سهلناه وأنزلناه بلغتك واللد جمع ألد وهو الخصم الجدل تعالى وكم أهلكنا قبلهم هذا تخويف لكفار مكة هل تحس منهم من أحد قال الزجاج أي هل ترى يقال هل أحسست صاحبك أي هل رأيته والركز الصوت الخفي وقال ابن قتيبة الصوت الذي لا يفهم وقال أبو صالح حركة والله تعالى أعلم

[ 187 ]

طه الله الرحمن الرحيم ما انزلناه عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى مكية كلها باجماعهم وفي سبب نزول طه ثلاث أقوال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرواح بين قدمية يقوم على رجل حتى نزلت هذه الآية قاله علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه القرآن صلى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت قريش ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فنزلت هذه الآية قاله الضحاك أن أبا جهل والنضر بن الحارث والمطعم بن عدي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك لتشقى بترك ديننا فنزلت هذه الآية قاله مقاتل طه قراءات قرأ ابن كثير وأبن عامر طه بفتح الطاء والهاء وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسر الطاء والهاء وقرأ نافع طه بين الفتح والكسر وهو إلى الفتح أقرب كذلك قال خلف عن المسيبي وقرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء وروى عنه عباس مثل حمزة وقرأ ابن مسعود وأبو رزين العقيلي وسعيد بن المسيب وابو العالية بكسر

[ 188 ]

الطاء وفتح الهاء وقرأ الحسن طه بفتح الطاء وسكون الهاء وقرأ الضحاك ومورق طه بكسر الطاء وسكون الهاء في معناها على أربعة أقوال أن معناها يا رجل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة واختلف هؤلاء باي لغة هي على أربعة أقوال أحدها بالنبطية رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير في رواية والضحاك والثاني بلسان عك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث بالسريانية قاله عكرمة في رواية وسعيد بن جبير في رواية وقتادة والرابع بالحبشية قاله عكرمة في رواية قال ابن الأنباري ولغة قريش وافقت هذه اللغة في المعنى أنها حروف من أسماء ثم فيها قولان أحدهما أنها من اسماء الله تعالى ثم فيها قولان أحدهما أن الطاء من اللطيف والهاء من الهادي قاله ابن مسعود وأبو العالية والثاني أن الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب ما افتتاح اسمه هادي قاله سعيد بن جبير والقول الثاني أنها من غير اسماء الله تعالى ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الطاء من طابة وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والهاء من مكة حكاه أبو سليمان الدمشقي والثاني أن الطاء طرب أهل الجنة والهاء هو أن اهل النار والثالث ان الطاء في حساب الجمل تسعة والهاء خمسة فتكون اربعة عشر فالمعنى يا أيها البدر ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى حكى القولين الثعلبي أنه قسم أقسم الله به وهو من اسمائه رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد شرحناه معنى كونه اسما في فاتحة مريم وقال القرظي أقسم الله بطوله وهدايته وهذا القول قريب المعنى من الذي قبله أن معناه طأ الأرض بقدميك قاله مقاتل بن حيان ومعنى قوله لتشقى لتتعب وتبلغ من الجهد ما قد بلغت وذلك أنه اجتهد في العبادة وبالغ حتى إنه كان يرواح بين قدميه لطول القيام فأمر بالتخفيف تعالى إلا تذكرة قال الأخفش هو بدل من قوله لتشقى ما أنزلناه إلا

[ 189 ]

تذكرة أي عظة تعالى تنزيلا قال الزجاج المعنى أنزلناه تنزيلا والعلى جمع العليا تقول سماء عليه وسماوات لا على مثل الكبرى والكبر فأما الثرى فهو التراب الندي والمفسرو يقولون أراد الثرى الذي تحت الأرض السابعة قوله تعالى وإن تجهر بالقول أي ترفع صوتك فانه يعلم السر والمعنى لا تجهد نفسك برفع الصوت فان اللع يعلم السر وفي المراد ب السر وأخفى خمسة أقوال أن السر ما أسره الإنسان في نفس وأخفى ما لم يكن بعد وسيكون رواه جماعة عن ابن عباس وبه قال الضحاك أن السر ما حدثت به نفسك واخفى ما لم تلفظ به قاله سعيد بن جبير أن السر العمل الذي يسره الإنسان من الناس وأخفى منه الوسوسة قاله مجاهد أن معنى الكلام يعلم إسرار عباده وقد أخفى سره عنهم فلا يعلم قاله زيد بن أسلم وابنه يعلم ما أسره الإنسان الى غيره وما أخفاه في نفسه قاله الفراء تعالى له الأسماء الحسنى قد شرحناه في الأعراف 180 أن أتك حديث موسى إذ را نارا فقال لأهله أمكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فلما أتها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى

[ 190 ]

إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلوة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزكل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى على تعالى وهل أتاك حديث موسى هذا استفهام تقرير ومعناه قد أتاك قال ابن الأنباري وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي هل معبرة عن قد فقد قال رسول الله ص = وهو أفصح العرب اللهم هل بلغت يريد قد بلغت قال وهب بن منبه استأذن موسى شعيبا عليهما السلام في الرجوع الى والدته فإذن له فخرج بأهله فولد له في الطريق في ليلة شاتية فقدح فلم يرو الزناد فبينا هو في مزاولة ذلك ابصرا نارا من بعيد عن يسار الطريق وقد ذكرنا هذا الحديث بطولة في كتاب الحدائق فكر هنا اطالة التفسير بالقصص لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه قال المفسرون رأى نورا ولكن اخبر بما كان في ظن موسى فقال لأهله يعنى امرأته امكثوا اي اقيموا مكانكم وقرأ حمزة لأهله امكثوا بضم الهاء ها هنا وفي اني آنست نارا قال الفراء اني وجدت يقال هل آنست احدا اي وجدت وقال ابن قتيبة الله بمعنى أبصرت فأما القبس فقال الزجاج هو ما أخذته من النار في رأس عود أو في رأس فتيلة قوله تعالى أو اجد على النار هدى قال الفراء اراد هاديا فذكره بلفظ المصدر قال ابن ألنبارى قال يجوز ان تكون على ها هنا بمعنى وبمعنى مع وبمعنى الباء وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضل الطريق فعلم أن النار لا تخلوا من موقد وحكى الزجاج أنه ضل عن الماء فرجا أن يجد من يهديه الطريق أو يدله على الماء تعالى فلما أتاها يعني النار نودي يا موسى إني أنا ربك إنما كرر الكناية لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإزالة الشبهة ومثله إني انا النذير المبين الحجر 89 قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر أني بفتح الألف والياء وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي إني بكسر والألف إلا أن نافعا فتح الياء قال الزجاج من قرأ أني انا بالفتح

[ 191 ]

فالمعنى نودي بأني أنا ربك ومن قرا بالكسر فالمعنى نودي يا موسى فقال الله إني أنا ربك تعالى فاخلع نعليك في سبب أمره بخلعهما قولان انهما كانا من جلد حمار ميت رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعكرمة أنهما كانا من جلد بقرة ذكيت ولكنه أمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة فتناله بركتها قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة تعاى إنك بالواد المقدس فيه قولان قد ذكرناهما في المائدة 21 عند قوله الارض المقدسة قوله تعالى طوى قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طوى وأنا غير مجراه وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي طوى مجراة وكلهم ضم الطاء وقرأ الحسن وأبو حيوة طوى بكسر الطاء مع التنوين وقرأ علي بن نصر عن أبي عمرو طوى بكسر الطاء من غير تنوين قال الزجاج في طوى اربعة أوجه طوى بضم أوله من غير تنوين وبتنوين فمن نونه فهو اسم للوادي وهو مذكر سمي بمذكر على فعل نحو حطم وصرد ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين أن يكون معدولا عن طاو فيصير مثل عمر المعدول عن عامر فلا ينصرف كما لا ينصرف عمر عن الثانية أن يكون اسما للبقعة كقوله في البقعة المباركة من القصص 30 وإذا كسر ونون فهو مثل معى والمعنى المقدس مرة بعد مرة كما قال عدي بن زيد أعاذل إن اللوم في غير كنهه في علي طوى من غيك المتردد بن اللوم المكرر علي ومن لم ينون جعله اسما للبقعة في معنى طوى ثلاثة أقوال أنه اسم الوادي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن معنى طوى طأ الوادي رواه عكرمة عن ابن عباس وعن مجاهد كالقولين

[ 192 ]

والثالث أنه قدس قاله الحسن وقتادة تعالى وأنا اخترتك أي اصطفيتك وقرأ حمزة والمفضل وأنا بالنون المشددة اخترناك بألف فاستمع لما يوحى أي للذي يوحى قال ابن الأنباري الاستماع هاهنا محمول على الإنصات المعنى فأنصت لوحيي والوحي هاهنا قوله إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أي وحدني واقم الصلاة لذكري فيه قولان أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة سواء كنت في وقتها أو لم تكن هذا قول الأكثرين وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها غير ذلك وقرأ أقم الصلاة لذكري أقم الصلاة لتذكرني فيها قاله مجاهد وقيل إن الكلام مردود على قوله فاستمع فيكون المعنى فاستمع لما يوحى واستمع لذكري وقرأ ابن مسعود وابي بن كعب وابن السميفع وأقم الصلاة للذكرى بلامين وتشديد الذال تعالى أكاد أخفيها أكثر القراء على ضم الألف ي معنى الكلام ثلاثة أقوال أكاد أخفيها من نفسي قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد في آخرين وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب ومحمد بن علي أكاد أخفيها من نفسي هذه الفراء المعنى فكيف أظهركم عليها قال المبرد وهذا على عادة العرب فانهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشئ كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحدا أن الكلام تم عند قوله أكاد وبعده مضمر تقديره أكادآتي بها والابتداء أخفيها قال ضابئ البرجمي هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله سنة أراد كدت أفعل أن معنى أكاد أريد قا الشاعر كادت كدت وتلك خير إرادة عمرو لو عاد من لهو الصبابة ما مضى أرادت وأردت ذكرهما ابن الأنباري قيل فما فائدة هذا الأخفاء الشديد أنه للتحذير والتخويف ومن لم يعلم متى يهجم عليه عدوه كان أشد حذرا وقرأ

[ 193 ]

سعيد بن جبير وعروة بن الزبير وأبو رجاء العطاردي وحميد بن قيس أخفيها بفتح الألف قال الزجاج ومعناه أكاد اظهرها قال امرؤ القيس فان تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد قبل أي إن تدفنوا الداء لا نظهره قال وهذه القراءة أبين في المعنى لأن معنى أكاد أظهرها قد أخفيتها يحيى وكدت أظهرها لتجزى كل نفس بما تسعى أي بما تعمل ولتجزى متعلق بقوله إن الساعة آتية لتجزى ويجوز أن يكون على أقم الصلاة لذكري لتجزى تعالى فلا يصدنك عنها أي عن الإيمان بها من لا يؤمن بها أي من لا يؤمن بكونها والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاب لجميع أمته واتبع هواه أي مراده وخالف أمر الله عز وجل فتردى أي فتهلك قال الزجاج يقال ردي يردى إذا هلك وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكؤا الرحمن عليها واهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ألقها يا موسى فألقها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى واضمم يدك الى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى تعالى وما تلك بيمينك قال الزجاج تلك اسم مبهم يجري مجرى التي والمعنى ما التي بيمينك تعالى أتوكأ عليه التوكؤ التحامل على الشئ وأهش بها قال الفراء أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه غنمي قال الزجاج واشتقاقه من أني احيل الشئ إلى الهشاشه وكان والإمكان والمآرب الحاجات واحدها مأربه ومأربه وروى قتيبة وورش مآرب بامالة الهمزة روى قيل ما الفائدة في سؤال الله تعالى له وما تلك بيمينك وهو يعلم فعنه جوابان أن لفظه لفظ الاستفهام ومجراه مجرى السؤال ليجيب المخاطب بالإقرار به فتثبت عليه الحجة باعترافه فلا يمكنه الجحد ومثله في الكلاأن تقول لمن تخاطبه وعندك ماء ما هذا فيقول ماء فتضع عليه شيئا من الصبغ فان قال لم يزل هكذا قلت له ألست قد

[ 194 ]

اعترفت بأنه ماء فتثبت عليه الحجة هذا قول الزجاج فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرتفي انقلابها حية فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها أنه لما أطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإجلال حين التكليم أراد أن يؤانسه ويخفف عن ثقل ما كان فيه من الخوف فأجرى هذا الكلام للاستئناس حكاه أبو سليمان الدمشقي قيل قد كان يكفي في الجواب أن يقول هي عصاي فما الفائدة في قوله أتوكأ عليها إلى آخر الكلام وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها فعنه ثلاثة أجوبة أنه أجاب بقوله هي عصاي فقيل له ما تصنع بها فذكر باقي الكلام جوابا عن سؤال ثان قاله ابن عباس ووهب أنه انما أظهر فوائدها وبين حاجته إليها خوفا من أن يأمره بالقائها كالنعلين قاله سعيد بن جبير أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها قاله الماوردي قيل فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح فعنه ثلاثة أجوبة أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد أنه اقتصر على اللازم دون العارض كانت تضئ له بالليل وتدفع عنه الهوام وتثمر له إذا اشتهى الثمار وفي جنسها قولان أنها كات من آس الجنة قاله ابن عباس والثاني أنها كانت من عوسج قيل المآرب جمع فكيف قال أخرى ولم يقر اخر فالجواب أن المآرب في معنى جماعة فكأنه قال جماعة من الحاجات أخرى قاله الزجاج تعالى قال ألقها يا موسى قال المفسرون ألقاها ظنا منه أنه قد أمر برفضها فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة فتبتلعها ولم فهرب منها وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخطابة بين قولان لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون

[ 195 ]

ليريه أن الذي أبعثك إليه دون ما أريتك فكما ذللت لك الأعظم وهو الحية أذلل أهل لك الأدنى حديث ثم إن الله تعالى أمره باخذها وهي على حالها حية فوضع يده عليها فعادت عصا فذلك قوله سنعيدها سيرتها الأولى قال الفراء طريقتها يقول تردها عصى كما كانت قال الزجاج وسيرتها منصوبة على اسقاط الخافض وافضاء الفعل إليها المعنى سنعيدها الى سيرتها قيل إنما كانت العصا واحدة وكان القاؤها مرة فما وجه اختلاف الأخبار عنها فانه يقول في الأعراف 107 فإذا هي ثعبان مبين وهاهنا حية وفي مكان آخر كأنها جان النمل 10 الأصح والجان ليست بالعظيمة والثعبان أعظم الحيات أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها وبالثعبان عند اخبار عن انتهاء حالها والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى وقال الزجاج خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته تعالى واضنم لأنه يدك الى جناحك قال الفراء الجناح من اسفل العضد الى الابط أبو عبيدة الجناح ناحية الجنب وانشد أضمه أخبر ناللصدر والجناح يا تعالى تخرج بيضاء من غير سوء أي من غير برص آية أخرى أ دلالة على صدقك سوى العصا قال الزجاج ونصب آية عل معنى آتيناك آية أو نؤتيك آية تعالى لنريك من آياتنا الكبرى إن قيل لم لم يقل الكبر فعنه ثلاثة أجوبة انه كقوله مآرب اخرى وقد شرحناه هذا قول الفراء أن فيه إضمارا تقديره لنريك من آياتنا الآية الكبرى وقال أبو عبيدة فيه تقديم وتأخير تقديره لنريك الكبرى من آياتنا إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي حكى القولين الثعلبي

[ 196 ]

لو الى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من اهلي هرون أخي أشدد به أزري واشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا تعالى إنه طغى أي جاوز الحد في العصيان قوله تعالى اشرح لي صدري قال المفسرون ضاق موسى صدر بما كلف من مقاومة فرعون وجنوده فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى لا يخاف فرعون وجنوده ومعنى قوله يسر لي أمري سهل علي ما بعثتني له واحلل عقدة من لساني قال ابن قتيبة فيه رته يكون قال المفسرون كان فرعون قد وضع موسى في حجره وهو صغير فجر لحية فرعون بيده فهم بقتله فقالت له آسية إنه لا يعقل وسأريك مع بيان ذلك قدم إليه جمرتين ولؤلؤتين فان اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل فأخذ موسى جمرة فوضعها في فيه فأحرقت لسانه وصار فيه عقدة فسأل حلها ليفهموا كلامه الوزير فقال ابن قتيبة أصل الوزارة من الوزر وهو الحمل كان الوزير قد حمل عن السلطان الثقل وقال الزجاج اشتقاقه من الوزر والوزر الجبل الذي يعتصم به لينجى سعيد من الهلكة وكذلك وزير الخليفة معناه الذي يعتمد عليه في أموره ويلتجئ الى بكر رأيه ونصب هارون من جهتين إحداهما أن تكون أجعل تتعدى الى مفعولين فيكون المعنى اجعل هارون اخي وزيري فينتصب وزيرا على أنه مفعول ثان ويجوز أن يكون هارون بدلا من قوله وزيرا فيكون المعنى لجعل لي وزيرا من أهلي [ ثم ] أبدل هارون من وزير والاول أجود قال الماوردي وإنما سأل الله تعالى أن يجعل له وزيرا لأنه لم يرد أن يكون مقصورا على الوزراة حتى يكون شريكا في النبوة ولولا ذلك لجاز ان يستوزر من غير مسألة وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء أخي تعالى أشدد به أزري قال الفراء هذا دعاء من موسى والمعنى اشدد به يا رب ازري واشركه يا رب في أمري وقرأ ابن عامر أشدد بالألف مقطوعة مفتوحة وأشركة قد بضم الألف وكذلك يبتدئ بالألفين قال أبو علي هذه القراءة على الجواب والمجازاة والوجه الدعاء دون الإخبار لأن ما قبله دعاء ولان الاشراك في النبوة لا يكون إلا من الله عز وجل قال ابن قتيبة والأزر الظهر يقال آزرت فلانا على الأمر أي قويته عليه

[ 197 ]

وكنت له فيه ظهرا تعالى واشركه في أمري أي في النبوة معي كي نسبحك أي نصلي لك ونذكرك بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا من نعمك إنك كنت بنا نصيرا أي عالما إذ خصصتنا بهذه النعم قد أوتيت سوء لك وفي يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقدفيه كل في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك الى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي إذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري قوله تعالى قال قد أوتيت سؤلك قال ابن قتيبة أي طلبتك وهو فعل من سألت أي أعطيت ما سألت تعالى ولقد مننا عليك أي أنعمنا عليك مرة أخرى قبل هذه المرة ثم بين متى كانت بقوله إذ أوحينا الى أمك ما يوحى أي ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك ثم فسر ذلك بقوله أن اقذفيه في التابوت وقذف الشئ الرمي به قيل ما فائدة قوله ما يوحى وقد علم ذلك فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين أن المعنى أوحينا إليها الشئ الذي يجوز أن يوحى إليها إذ ليس كل الامور يصلح وحيه إليها لأنها ليست بنبي وذلك أنها ألهمت أن ما يوحى أفاد توكيدا كقوله فغشاها ما غشى النجم 54 قوله تعالى فليلقه اليم قال ابن الأنباري ظاهر هذا الأمر ومعناه معنى الخبر

[ 198 ]

تأويله يلقيه اليم ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه فسمع وعقل كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار فأما الساحل فهو شط البحر يأخذه عدو لي وعدو له يعني فرعون قال المفسرون اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت ثم ألقته في النيل وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بالتابوت فأمر الغلمان والجواري بأخذه فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها فلما رآه فرعون أحبه حبا شديدا فذلك قوله وألقيت عليك محبة مني قال أبو عبيدة ومعنى ألقيت عليك أي جعلت لك محبة مني قال ابن عباس أحبه وحببه الى خلقه فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر وقال قتادة كانت في عينيه ملاحة فما رآه أحد إلا حبه تعالى ولتصنع على عيني وقرأ أبو جعفر ولتصنع بسكون اللام والعين والإدغام قال قتادة لتغذى على محبتي وإرادتي قال أبو عبيدة على ما أريد وأحب قال ابن الأنباري هو من قول العرب غذي فلان على عيني أي على المحبة مني وقال غيره لتربى فلا وتغذى بمرأى مني يقال صنع الرجل جاريته إذا رباها وصنع فرسه إذا داوم على علفه ومراعاته والمعنى ولتصنع على عليني منه قدرنا مشي أختك وقولها هل أدلكم على من يكفله لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله عز وجل فأما أخته فقال مقاتل اسمها مريم قال الفراء وإنما اقتصر على ذكر المشي ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام وبقليله إذا كان المعنى معروفا ومثله قوله أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون: يوسف 45 ولم يقل فأرسل حتى دخل على يوسف المفسرون سبب مشي أخته أن أمه قالت لها قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة فقالت لهم أخته هل أدلكم على من يكفله أي يرضعه ويضمه إليه فقيل لها ومن هي فقالت أمي قالوا وهل لها لبن قال لبن أخي هارون وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين فأرسلوها فجاءت بالأم فقبل ثديها فذلك قوله فرجعناك الى أمك أي رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك غير وقتلت نفسا يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى فنجيناك من الغم وكان مغموما مخافة أن يقتل به فنجاه الله بأن هرب الى مدين وفتناك فتونا فيه ثلاث أقوال

[ 199 ]

اختبرناك اختبارا رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أخلصناك اخلاصا رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد ابتليناك ابتلا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة وقال الفراء ابتليناك بغم القتيل ابتلاء وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه اللمنها أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ثم إلقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع الا من ثدي أمه ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ثم تناوله الجمرة بدل أحمد ثم قتله القبطي ثم خروجه الى مدين خائفا وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير ويقول له عند كل ثلاثة وهذا من الفتون يا ابن جبير فعلى هذا يكون فتناك خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث والفتون مصدر تعالى فلبثت سنين تقدير الكلام فخرجت إلى أهل مدين ومدين بلد شعيب وكان على ثمان مراحل من مصر فهرب إليه موسى وقيل مدين اسم رجل وقد سبق هذا الأعراف 86 قدر لبثه هناك قولان عشر سنين قاله ابن عباس ومقاتل ثمان وعشرون سنة عشر منهن مهر امرأته وثمان عشرة أقام حتى ولد له قاله وهب تعالى ثم جئت على قدر أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك وكان ذلك على رأس أربعين سنة وهو الوقت الذي يوحى فيه الى الأنبياء هذا قول الأكثرين وقال الفراء على قدر أي على ما أراد الله به من تكليمه تعالى واصطنعتك لنفسي أي اصطفيتك واختصصتك بعد والاصطناع اتخاذ الصنيعة وهو الخير تسديه الى إنسان وقال ابن عباس اصطفيتك لرسالتي ووحيي اذهب أنت وأخوك بآياتي وفيها ثلاثة أقوال أنها العصا واليد وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع

[ 200 ]

العصا واليد وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها ذكره ابن الأنباري والثالث الآيات التسع والأول أصح تعالى ولا تنيا قال ابن قتيبة لا تضعفا ولا تفترا يقال ونى يني في الأمر وفيه لغة أخرى وني يونى المراد بالذكر هاهنا قولان أنه الرسالة الى فرعون والثاني أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل يقول الى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فاتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي الينا أن العذاب على من كذب وتولى تعالى اذهبا الى فرعون فائدة تكرار الأمر بالذهاب التوكيد وقد فسرناه قوله طغى طه 24 تعالة فقولا له قولا لينا وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري لينا باسكان الياء أي لطفيا رفيقا فيه خمسة أقوال قولا له قل لا اله إلا الله وحده لا شريك له رواه خالد ابن معدان عن معاذ والضحاك عن ابن عباس انه قوله لك إلى أن تزكى وأهديك الى ربك فتخشى الذي النازعات 1819 قاله أبو

[ 201 ]

صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثالث كنياه رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال السدي فأما اسمه فقد ذكرناه في البقرة 49 وفي كنيته أربعة أقوال أحدها أبو مرة رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أبو مصعب ذكره أبو سليمان الدمشقي والثالث أبو العباس والرابع أبو الوليد حكاهما الثعلبي الرابع قولا له إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا قاله الحسن أن القول اللين أن موسى أتاه فقال له تؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت فإذا مت دخلت الجنة فأعجبه ذلك فلما جاء هامان أخبره بما قال موسى فقال قد كنت أرى أن لك رأيا أنت رب أردت أن تكون مربوبا فقلبه عن رأيه قاله السدي وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية فقال إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا إله فكيف رفقك بمن يقول أنت إله تعالة لعله يتذكر أو يخشى قال الزجاج لعل في اللغة ترج وطمع تقول لعلي أصير إلى خير فخاطب الله عز وجل العباد بما يعقلون والمعنى عند سيبويه اذهبا على رجائكما وطمعكما والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون وقد علم لأن أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية والبرهان وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري ايقبل منها أم لا وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم ومعنى لعل متصور في أنفسهم وعلى تصور ذلك تقوم الحجة قال ابن الأنباري ومذهب الفراء في هذا كي يتذكر وروى خالد بن معدان عن معاذ قال والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى يتذكر أو يخشى لهذه الآية وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق وقال كعب والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب في التوراة فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن قال المفسرون كان هارون يؤمئذ غائبا بمصر فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسفت لقاه على مرحلة فقال له موسى إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون فسألته أن يجعلك معي فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا ربنا إننا نخاف قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده واخبر الله عنه بالتثنية لما ضم إليه هارون فان العرب قد توقع التثنية على الواحد فتقول يا زيد قوما يا حرسي اضربا عنقه

[ 202 ]

تعالى أن يفرط علينا وقرأ عبد الله بن عمرو وابن السميفع وابن يعمر وأبو العالية أن يفرط برفع الياء وكسر الراء وقرأ عكرمة وإبراهيم النخعي أن يفرط بفتح الياء والرء وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن محيصن أن يفرط برفع الياء وفتح الراء قال الزجاج المعنى أن يبادر بعقوبتنا يقال قد فرط منه أمر أي قد بدر وقد أفرط في الشئ إذا اشتط فيه وفرط في الشئ إذا قصر ومعناه كله التقدم في الشئ لأن الفرط في اللغة المتقدم ومنه قوله عليه الصلاة والسلام أنا فرطكم على الحوض قوله تعالى أو أن يطغى فيه قولان يستعصي قاله مقاتل والثاني يجاوز الحد في الإساءة الينا قال ابن زيد نخاف أن يعجل علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك تعالى إنني معكما أي بالنصرة والعون أسمع أقوالكم وأرى أفعالكم قال الكلبي أسمع جوابه لكما وأرى ما يفعل بكما تعالى فارسل معنا بني اسرائيل أي خل عنهم ولا تعذبهم وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة قد جئناك بآية من ربك قال ابن عباس هي العصا قال مقاتل أظهر اليد في مقام والعصا في مقام تعالى والسلام على من اتبع الهدى قال مقاتل على من آمن بالله قال الزجاج وليس يعني به التحية وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس بابتداء لقاء وخطاب تعالى على من كذب أي بما جئنا به وأعرض عنه فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل

[ 203 ]

لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى قوله تعالى قال فمن ربكما في الكلام محذوف معناه معلوم وتقديره فأتياه فأديا الرسالة قال الزجاج وإنما لم يقل فأتياه لأن في الكلام دليلا على ذلك لأن قوله فمن ربكما يدل على أنهما أتياه وقالا له تعالى أعطي كل شئ خلقه فيه ثلاثة أقوال أعطى كل شئ صورته فخلق كل جنس من الحيوان على غير صورة جنسه فصوره أبن آدم لا كصورة البهائم وصورة البعير لا كصورة الفرس روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير أعطى كل ذكر زوجه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال السدي فيكون المعنى أعطى كل حيوان ما يشاكله أعطى كل شئ ما يصلح قاله قتادة قوله ثم هدى ثلاثة أقوال هدى كيف يأتي الذكر الأنثى رواه الضحاك عن أبو عباس وبه قال ابن جبير هدى للمنكح والمطعم والمسكن رواه ابن أبي طلحة عن أبو عباس هدى كل شئ إلى معيشته قاله مجاهد وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس والأعمش وابن السميفع ونصير عن الكسائي أعطى كل شئ خلقه بفتح اللام قيل ما وجه الاحتجاج على فرعون من هذا أنه قد ثبت وجود خلق وهداية فلا بد من خالق وهاد تعالى قال فما بال القرون الأولى اختلفوا فيما سأل عنه من حال القرون الأولى على ثلاثة أقوال أنه سأله عن أخبارها وأحاديثها ولم يكن له بذلك علم إذ التوراة إنما نزلت عليه بعد هلاك فرعون فقال علمها عند ربي هذا مذهب مقاتل وقال غيره أراد إني رسول وأخبار الأمم علم غيب فلا علم لي بالغيب

[ 204 ]

أن مراده من السؤال عنها لم عبدت الأصنام ولم لم يعبد الله إن كان الحق ما وصفت أن مراده ما لها لا تبعث ولا تحاسب ولا تجازى فقال علمها عند الله أي علم أعمالها وقيل الهاء في علمها كناية عن القيامة لأنه سأله عن بعث الأمم فأجابه بذلك في كتاب أراد اللوح المحفوظ تعالى لا يضل ربي ولا ينسى وقرأ عبد الله بن عمرو وعاصم الجحدري وقتادوابن محيصن لا يضل بضم الياء وكسر الضاد أي لا يضيعه وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع لا يضل بضم الياء وفتح الضاد وفي هذه الآية توكيد للجزاء على الأعمال والمعنى لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم وقيل أراد لم يجعل ذلك في كتاب لأنه يضل وينسى تعالى الذي جعل لكم الأرض مهادا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر مهادا وقرأ عاصم وحمزة والكسائي مهدا بغير ألف والمهاد الفراش والمهد الفرش وسلك لكم أي أدخل لأجلكم في الأرض طرقا تسلكونها وأنزل من السماء ماء يعني المطر وقد آخر الإخبار عن موسى ثم أخبر الله تعالى عن نفسه بقوله فأخرجنا به يعني بالماء أزواجا من نبات شتى أي أصنافا مختلفة في الألوان والطعوم كل صنف منها زوج وشتى لا واحد له من لفظه كلوا أي مما أخرجنا لكم من الثمار وارعوا أنعامكم يقال رعى الماشية يرعاها إذا سرحها في المرعى ومعنى هذا الأمر التذكير بالنعم إن في ذلك لآيات أي لعبرا في اختلاف الألوان والطعوم لأولي النهى قال الفراء لذوي العقول يقال للرجل إنه لذو نهية إذا كان ذا عقل قال الزجاج واحد النهى نهية يقال فلان ذو نهية أي ذو عقل ينتهي به عن المقابح ويدخل به في المحاسن قال وقال بعض أهل اللغة ذو النهية الذي ينتهى الى رأيه وعقله وهذا حسن أيضا تعالى منها خلقناكم يعني الأرض المذكورة في قوله جعل لكم الأرض مهادا والإشارة بقوله خلقناكم إلى آدم والبشر كلهم منه وفيها نعيدكم بعد الموت ومنها نخرجكم تارة أي مرة أخرى بعد البعث يعني كما أخرجناكم منها أولا عند خلق آدم من الأرض

[ 205 ]

أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وان يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان علي يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى حتى تعالى ولقد أريناه يعني فرعون آياتنا كلها يعني التسع الآيات ولم ير كل آية الله لأنها لا تحصى فكذب أي نسب الآيات الى الكذب وقال هذا سحر وأبى أن يؤمن قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا يعني مصر بسحرك أي تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك فتملكها وتخرجنا منها فلنأتينك بسحر مثله أي فلنقابلن تعالى ما جئت به من السحر بمثله فاجعل بيننا وبينك موعدا أي اضرب بيننا وبينك اجلا وميقاتا لا نخلفه أي لا نجاوزه نحن ولا أنت مكانا وقيل المعنى أجعل بيننا وبينك موعدا مكانا نتواعد فإن لحضورنا ذلك المكان ولا يقع منا خلاف في حضوره سوى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو والكسائي بكسر السين وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب سوى بضمها وقرأ أبي بن كعب وابو المتوكل وابن أبي عبلة مكانا سواء بالمد والهمز والنصب والتنوين وفتح السين وقرأ ابن مسعود مثله إلا أنه كسر السين قال أبو عبيدة هو اسم للمكان النصف فيما بين الفريقين والمعنى مكانا تستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر قال موعدكم يوم الزينة قرأ الجمهور برفع الميم وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة وابن أبي عبلة وهبيرة عن حفص بنصب الميم وفي هذا اليوم أربعة أقوال يوم عيد لهم رواه أبو صالح عن ابن عباس والسدي عن أشياخه وبه قال مجاهد وقتادة وابن زيد والثاني يوم عاشوراء رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس

[ 206 ]

يوم النيروز ووافق ذلك يوم السبت أقول يوم من السنة رواه الضحاك عن ابن عباس يوم سوق لهم قاله سعيد بن جبير رفع اليوم فقال البصريون التقدير وقت موعدكم يو الزينة فناب الموعد عن الوقت وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر فأما نصبه فقال الزجاج المعنى موعدكم يقع يوم الزينة وان يحشر الناس موضع أن رفع المعنى موعدكم حشر الناس ضحى أي إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى ويجوز أن تكون أن في موضع خفض عطفا على الزينة المعنى موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى وقرأ ابن مسعود وابن يعمر وعاصم الجحدري وأن تحشر بتاء مفتوحة ورفع الشين ونصب الناس وعن ابن مسعود والنخعي وان يحشر بالياء المفتوحة ورفع الشين ونصب الناس المفسرون أراد بالناس أهل مصر وبالضحى ضحى اليوم وإنما علقه بالضحى ليتكامل ضوالشمس واجتماع الناس فيكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة عمر فرعون فيه قولان أن المعنى تولى عن الحق الذي أمر به أنه انصرف إلى منزله لاستعداد ما يلقى به موسى فجمع كيده أي مكره وحيلته ثم أتى أي حضر الموعد قال لهم موسى أي للسحرة وقذكرنا عددهم في الأعراف قوله تعالى ويلكم قال الزجاج هو منصوب على ألزمكم الله ويلا ويجوز أن يكون على النداء كقوله تعالى يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا يس 52 تعالى لا تفتروا على الله كذبا قال ابن عباس لا تشركوا معه احدا تعالى فيسحتكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم فيسحتكم بفتح الياء من سحت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فيسحتكم بضم الياء من اسحت قال الفراء ويسحت النبي أكثر وهو الاستئصال والعرب تقول سحته الله وأسحته قال الفرزدقز وإن وعض زمان يا بن مروان لم يدع كما من المال إلا مسحتا أو مجلف

[ 207 ]

هو أنشد البيت الفراء والزجاج ورواه أبو عبيدة الا مسحت أو مجلف بالرفع قوله تعالى فتنازعوا أمرهم بينهم يعني السحرة تناظروا فيما بينها في أمر موسى وتشاوروا وأسروا النجوى أي أخفوا كلامهم من فرعون وقومه وقيل من موسى وهارون وقيل أسروا هاهنا بمعنى أظهروا ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال أنهم قالوا إن كان هذا ساحرا فانا سنغلبه وإن يكن من السماء كما زعمتم فله أمره قاله قتادة أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا ما هذا بقول ساحر ولكن هذا كلام الرب الأعلى فعرفوا الحق ثم نظروا الى فرعون وسلطانه والى موسى وعصاه فنكسوا على رؤوسهم وقالو إن هذان لساحران قاله الضحاك ومقاتل أنه قالوا إن هذان لساحرن الآيات قاله السدي القراء في قوله تعالى إن هذان لساحران فقرأ أبو عمرو ابن العلاء إن هذين على إعمال إن وقال إني لأستحيي من الله أن أقرأ إن هذان وقرأ ابن كثير إن خفيفه هذان بتشديد النون وقرأ عاصم في رواية حفص إن خفيفة هذان خفيفه أيضا وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي إن بالتشديد هاذان بألف ونون خفيفة فأما قراءة ابي عمرو فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روى عن عثمان وعائشة أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى الصلاة في سورة النساء 162 وأما قراءة عاصم فمعناها ما هذان الا ساحران كقوله تعالى نظنك لمن الكاذب الشعراء 186 أي ما نظنك إلا من الكاذبين وأنشدوا في ذلك ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما وسلم حلت عليه عقوبة المتعمد عنه ما قتلت إلا مسلما قال الزجاج ويشهد لهذه القراءة ما روي عن أبي ابن كعب أنه قرأ ما هذان الا ساحران وروي عنه إن هذان إلا ساحران ورويت عن الخليل إن هذان بالتخفيف والإجماع على أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل فأما قراءة الأكثرين بتشديد إن وإثبات الألف في قوله هاذان فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال هي لغة بلحارث بن كعب وقال ابن الأنباري هي لغة لبني الحارث بن كعب وافقتها لغة قريش قال الزجاج وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب وهو راس من رؤوس الرواة أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد يقولون أتاني الزيدان ورايت الزيدان ومررت بالزيدان وأنشدوا

[ 208 ]

فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغا لناباه الشجاع لصمما إن ويقول هؤلاء ضربته بين أدناه وقال النحويون القدماء هاهنا هاء مضمرة المعنى إنه هذان لساحران وقالوا أيضا إن معنى أن نعم هذان لساحران وينشدون ويقلن إلا شيب قد علا فيه ك وقد كبرت فقلت إنه صلى قال الزجاج والذي عندي وكنت عرضته على عالمنا محمد بن يزيد وعلى أسماعيل ابن اسحاق بن حماد بن زيد فقبلاه وذكرا أنه أجود ما سمعناه في هذا وهو أن إن قد وقعت موقع نعم والمعنى نعم هذان لهما الساحران وقال ويلي هذا في الجودة مذهب بني كنانة واستحسن هذه القراءة لأنها مذهب أكثر القراء وبها يقرأ واستحسن قراءة عاصم والخليل لأنهما إمامان ولأنهما وافقا أبي بن كعب في المعنى ولا أجيز قراءة أبي عمرو لخلاف المصحف وحكى ابن الأنباري عن الفراء قال الف هذان هي ألف هذا والنون فرقت بين الواحد والتثنية كما فرقت نون الذين بين الواحد والجمع تعالى ويذهبا بطريقتكم وقرأ أبان عن عاصم ويذهبا بضم الياء وكسر الهاء وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو وأبو رجاء العطاردي ويذهبا بالطريقة بألف ولام مع حذف الكاف والميم وفي الطريقة قولان بدينكم المستقيم رواه الضحاك عن ابن عباس وقال أبو عبيدة بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه يقال فلا حسن الطريقة أنه بأمثلكم وهو رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال مجاهد بأولي العقل والاشراف والأسنان وقال الشعبي يصرفان وجوه الناس اليهما قال الفراء الطريقة الرجال الاشراف تقول العرب للقوم الأشراف هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم المثلى فقال أبو عبيدة هي تأنيث الأمثل تقول في الإناث خذ المثلى منهما وفي الذكور خذ الأمثل وقال الزجاج ومعنى المثلى والأمثل ذو الفضل الذي به يستحق أن يقال هذا أمثل قومه قال والذي عندي أن في الكلام محذوفا والمعنى يذهبا بأهل طريقتكم المثلى وقول العرب هذا طريقة قومه أي صاحب طريقتهم تعالى فأجمعوا كيدكم قرأ الأكثرون فأجمعوا بقطع الألف من أجمعت والمعنى يكون عزمكم مجمعا عليه لا تختلفوا فيختل أمركم قال الفراء والإجماع الإحكام

[ 209 ]

والعزيمة على الشئ تقول أجمعت على الخروج وأجمعت الخروج تريد أزمعت قال الشاعر يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع صلى الله عليه وسلم يريد قد أحكم وعزم عليه وقرأ أبو عمرو فاجمعوا بفتح الميم من جمعت يريد لا تدعوا من كيدكم شيئا الا جئتم به فأما كيدهم فالمراد به سحرهم ومكرهم تعالى ثم ائتوا صفا أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأموركم وأشد لهيبتكم قال أبو عبيدة صفا أي صفوفا وقال ابن قتيبة صفا بمعنى جمعا قال الحسن كانوا خمسة وعشرين صفا كل الف ساحر صف قوله تعالى وقد أفلح من استعلى قال ابن عباس فاز من غلب يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى تعالى بل ألقوا قال ابن الأنباري دخلت بل لمعنى جحد في الأية الأولى لأن الآية الأولى إذا تؤملت وجدت مشتملة على إما أن تلقي وإما أن لا تلقي تعالى وعصيهم قرأ الحسن وأبو رجاء العطاردي وأبو عمران الجوني وابو

[ 210 ]

الجوزاء وعصيم برفع العين تعالى يخيل إليه وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وقتادة والزهري وابن أبي عبلة تخيل بالتاء إليه أي الى موسى يقال خيل إليه إذا شبه له وقد استدل قوم بهذه الآية على أن السحر ليس بشئ وقال إنما خيل الى موسى فالجواب أنا لا ننكر أن يكون ما رآه موسى تخييلا وليس بحقيقة فانه من الجائز أن يكونو تركوا الزئبق في سلوخ الحيات حتى جرت وليس ذلك بحيات فأما السحر فانه يؤثر وهو أنواع وقد سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثر فيه ولعن العاضهة وهي الساحرة تعالى فأوجس في نفسه خيفة موسى قال ابن قتيبة أضمر في نفسه خوفا وقال الزجاج أصلها خوفه ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها خوفه قولان أنه خوف الطبع البشري والثاني أنه لما رأى سحرهم من جنس ما أراهم في العصى خاف أن يلتبس على الناس أمره ولا يؤمنوا فقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة وهذا أصح من الأول تعالى وألق ما في يمينك يعني العصا تلقف وقرأ ابن عامر تلقف ما برفع الفاء وتشديد القاف وروى حفص عن عاصم تلقف خفيفة وكان ابن كثير يشدد التاء من تلقف يريد تتلقف وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وسعيد بن جبير وأبو رجاء تلقم بالميم وقد شرحناها في الأعراف 117 إنما صنعوا كيد ساحر قرأ حمزة والكسائي وخلف كيد السحر وقرأ الباقون كيد سحر إذا بألف والمعنى إن الذي صنوا يد ساحر أي عمل ساحر وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني إنما صنعوا كيد بنصب الدال ولا يفلح الساحر قال ابن عباس لا يسعد حيثما كان وقيل لا يفوز وروى جندب بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أخذتم الساحر فاقتلوه ثم قرأ ولا يفلح الساحر حيث أتى قال لا يأمن حيث وجد تعالى قال آمنتم له قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع آمنتم له على لفظ الخبر وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم له بهمزة ممدودة وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أآمنتم له بهمزتين الثانية ممدودة قوله تعالى إنه لكبيركم قال ابن عباس يريد معلمكم قال الكسائي الصبي بالحجاز إذا

[ 211 ]

جاء من عند معلمه قال جئت من عند كبيري تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل في بمعنى عومثله أم لهم سلم يستمعون فيه الطور 38 ولتعلمن أيها السحرة اينا أشد عذابا لكم وأبقى أي أدوم أنا على إيمانكم أو رب موسى على تركهم الايمان به قالوا لن نؤثرك أي لن نختارك على ما جاءنا من البينات يعنون اليد والعصى قيل لم نسبو الآيات إلى أنفسهم بقولهم جاءنا وإنما جاءت عامة لهم ولغيرهم أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح وكانوا هم لمعرفته أخص قوله تعالى والذي فطرنا وجهان ذكرهما الفراء والزجاج أن المعنى لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات وعلى الذي فطرنا أنه قسم تقديره وحق الذي فطرنا تعالى فاقض ما أنت قاض أي فاصنع ما أنت صانع واصل القضاء عمل باحكام إنما تقضي هذه الحياة الدنيا قال الفراء إنما حرف واحد فلهذا نصب الحياة الدنيا ولو قرأ قارئ برفع الحياة لجاز على أن يجعل ما في مذهب الذي كقولك إن الذي تقضي هذه الحياة الدنيا وقرأ ابن أبي عبلة وأبو المتوكل إنما تقضى بضم التاء على ما لم يسم فاعله الحياة برفع التاء قال المفسرون والمعنى إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا لا في الآخرة فقال تعالى ليغفر لنا يعنون الشرك وما أكرهتنا عليه أي والذي أكرهتنا عليه أي ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر قيل كيف قالوا أكرهتنا وقد قالوا أإن لنا لأجرا وفي هذا دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين فعنه أربعة أجوبة أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر قال ابن عباس قال ابن الأنباري كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون وذلك لشغفه بالسحر ولما خامر قلبه من خوف موسى فالإكراه على السحر هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم أئن لنا لأجرا ورأوا ذكره الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين جزعوا من ملاقاته بالسحر وحذروا أن يظهر عليهم فيطلع على الضعف

[ 212 ]

صناعتهم فتفسد معيشتهم فلم يقنع فرعون منهم الا بمعارضة موسى فكان هذا هو الإكراه على السحر أنهم خافوا أن يغلبوا في ذلك الجمع فيقدح ذلك في صنعتهم عند الملوك والسوق وأكرههم فرعون على فعل السحر أن فرعون أكرههم على مفارقة أوطانهم وكان سبب ذلك السحر ذكره هذه الأقوال ابن الأنباري تعالى والله خير أي خير منك ثوابا إذا أطبع وأبقى عقابا إذا عصي وهذا جواب قوله ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى وهذا آخر الإخبار عن السحرة أي من يأت ربه مجرما فان له جهنم لا يمو ت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيه وذلك جزاؤا من تزكى تعالى إنه من يأت ربه مجرما يعني مشركا فان له جهنم لا يموت فيها فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه ابن الأنباري في مثل هذا المعنى قوله ألا من لنفس لا تموت فينقضي شقاها ولا تحيا حياة لها طعم ثنا تعالى قد عمل الصالحات قال ابن عباس قد أدى الفرائض فأولئك لهم الدرجات العلى يعني درجات الجنة وبعضها أعلى من بعض والعلى جمع العليا وهو تأنيث الأعلى قال ابن الأنباري وإنما قال فأولئك لأن متقع بلفظ التوحيد على تأويل الجمع فإذا غلب لفظها وحد الراجع إليها وإذا بيتأويلها جمع المصروف إليها تعالى وذلك يعني الثواب جزاء من تزكى أي تطهر من الكفر والمعاصي أوحينا الى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا تخاف دركا ولا تخشى فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعو قومه وما هدى يا بني اسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن

[ 213 ]

ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم به ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى تعالى أن اسر بعبادي أي سر بهم ليلا من أرض مصر فاضرب لهم طريقا أي اجعل لهم طريقا في البحر يبسا قرأ أبو المتوكل والحسن والنخعي يبسا باسكان الياء وقرأ الشعبي وأبو رجاء وابن السميفع يابسا بألف قال أبو عبيدة اليبس متحرك الحروف بمعنى اليابس يقال شاة يبس أي يابسة ليس لها لبن وقال ابن قتيبة يقال لليابس يبس ويبس تعالى لا تخاف قرأ الأكثرون بألف وقرأ أبان وحمزة عن عاصم لا تخف قال الزجاج من قرأ لا تخاف فالمعنى لست تخاف ومن قرأ لا تخف فهو نهي عن الخوف قال الفراء قرأ حمزة لا تخف بالجزم ورفع ولا تخشى على الاستئناف كقوله تعالى هذا الأدبار ثم لا ينصرون آل عمران 111 استأنف ب ثم فهذا مثله ولو نوى حمزة بقوله ولا تخش الجزم وإن كانت فيه الياء كان صوابا قال ابن قتيبة ومعنى دركا لحاقا قال المفسرون قال أصحاب موسى هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر بين أيدينا فأنزل الله على موسى لا تخاف دركا أي من فرعون ولا تخشى غرقا في البحر تعالى فأتبعهم فرعون قال ابن قتيبة لحقهم وروى هارون عن أبي عمرو فاتبعهم بالتشديد وقال الزجاج تبع الرجل الشئ وأتبعه بمعنى واحد ومن قرأ بالتشديد ففيه دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود ومن قرأ فاتبعهم فمعناه ألحق جنوده بهم وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ وجائز أن لا يكون إلا انه قد كان معهم فغشيهم من اليم ما غشيهم أي فغشيهم من ماء البحر ما غرقهم وقال ابن الأنباري ويعني بقوله ما غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل مائه وقرأ ابن مسعود وعكرمة وابو رجاء والأعمش فغشاهم من اليم ما غشاهم بألف فيهما مع تشديد الشين وحذف الياء تعالى واضل فرعون قومه أي دعاهم الى عبادته وما هدى أي ما أرشدهم حين أوردهم موارد الهلكة وهذا تكذيب له في قوله وما أهديكم الا سبيل الرشاد غافر 29 تعالى وواعدناكم جانب الطور الأيمن لأخذ التوارة وقد ذكرناه في مريم 52 معنى

[ 214 ]

الأيمن وذكرناه في البقرة 57 المن والسلوى تعالى كلوا أي وقلنا لهم كلوا تعالى ولا تطغوا فيه ثلاثة أقوال لا تبطروا في نعمي فتظلموا والثاني لا تجحدوا نعمي فتكونوا طاغين والثالث لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة تعالى فيحل عليكم غضبي أي فتحب لكم عقوبتي والجمهور قرؤوا فيحل بكسر الحاء ومن يحلل بكسر اللام وقرأ الكسائي فيحل بضم الحاء ومن يحلل بضم اللام قال الفراء والكسر أحب الي لأن الضم من الحلول ومعناه الوقوع ويحل بالكسر يجب وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع تعالى فقد هوى أي هلك تعالى وإني لغفار الغفار الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته وأصل الغفر الستر وبه سمي زئبر الثوب ثم لأنه يستر سداه فالغفار رسول الستار لذنوب عبادة المسبل عليهم ثوب عطفه تعالى لمن تاب قال ابن عباس لمن تاب من الشرك وآمن أي وحد الله وصدقه وعمل صالحا أدى الفرائض قوله تعالى ثم اهتدى ثمانية أقوال علم أن لعمله هذا ثوابا رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني لم شكك رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث علم أن ذلك توفيق من الله له رواه عطاء عن ابن عباس والرابع لزم السنة والجماعة قاله سعيد ابن جبير والخامس استقام قاله الضحاك والسادس لزم الإسلام حتى يموت عليه قاله قتادة والسابع اهتدى كيف يعمل قاله زيد بن أسلم والثامن اهتدى إلى ولاية بيت النبي صلى الله عليه وسلم قاله ثابت البناني

[ 215 ]

أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت اليك رب لترضى قال فاناقد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا قال يا قوم الم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فاخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا تعالى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال المفسرون لما نجى الله تعالى بني اسرائيل وأغرق فرعون قالوا يا موسى لو أتيتنا بكتاب من ولا الله فيه الحلال والحرام والفرائض فأوحى الله إليه يعده أنه ينزل عليه ذلك في الموضع الذي كلمه فيه فاختار سبعين فذهبوا معه الى الطور لأخذ التوارة فعجل موسى من بينم شوقا الى ربه وأمرهم بلحاقه فقال الله تعالى له ما الذي حملك على العجلة عن قومك قال هم أولاء أي هؤلاء على أثري وقرأ أبو رزين العقيلي وعاصم الجحدري على إثري بكسر الهمزة وسكون الثاء وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وابن يعمر برفع الهمزة وسكون الثاء وقرأ أبو رجاء وابو العالية بفتح الهمزة وسكون الثاء والمعنى هم بالقرب مني يأتون بعدي وعجلت اليك رب لترضى أي لتزداد رضى قال فانا قد فتنا قومك قال الزجاج ألقيناهم في فتنة ومحنة واختبرناهم قوله تعالى من بعدك أي من بعد انطلاقك من بينهم وأضلهم السامري أي كان سببا لإضلالهم وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل وعاصم الجحدري وابن السميفع واضلهم برفع اللام وقد شرحناه في البقرة 52 سبب اتخاذ السامري العجل وشرحنا في الأعراف 150 معنى قوله تعالى غضبان أسفا تعالى ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أي صدقا وفيه ثلاثة أقوال إعطاء التوراة والثاني قوله أقمتم الصلاة إلى قوله لأكفرن عنكم سيأتكم المائدة 13 وقوله

[ 216 ]

ما لغفار لمن تاب 82 والثالث النصر والظفر تعالى أفطال عليكم العهد أي مدة مفارقتي إياكم أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم أن تصنعوا صنيعا يكون سبب لغضب ربكم فأخلفتم موعدي أي عهدي وكانوا قد عاهدوه أنه إن فكهم الله م ملكة آل فرعون أن يعبدوا لله ولا يشركوا به ويقيموا الصلاة وينصروا الله ورسله قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر الميم وقرأ نافع وعاصم بفتح الميم وقرا حمزة والكسائي بضم الميم قال أبو علي وهذه لغات وقال الزجاج الملك بالضم السلطان والقدرة والملك بالكسر ما حوته اليد والملك بالفتح المصدر يقال ملكت الشئ أملكه ملكا في معنى الكلام أربعة أقوال ما كنا نملك الذي اتخذ منه العجل ولكنها كانت زينة آل فرعون فقذفناها قاله ابن عباس والثاني بطاقتنا قاله قتادة والسدي لم نملك أنفسنا عند الوقوع في البلية قال ابن زيد لم يملك مؤمنونا سفهاءنا ذكره الماوردي فيمن قال هذا لموسى قولان أحدهما أنهم الذين لم يعبدوا العجل والثاني عابدوه لم تعالى ولكنا حملنا أوزارا قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم حملنا بضم الحاء وتشديد الميم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم حملنا خفيفة والأوزار الاثقال والمراد بها حل آل فرعون الذي كانوا استعاروه منهم قبل خروجهم من مصر فمن قرأ حملنا بالتشديد فالمعنى حملناها موسى أمرنا باستعارتها من آل فرعون فقذفناها أي طرحناها في الحفيرة وقد ذكرنا سسب حدثنا قذفهم إياها في سورة البقرة 52 تعالى فكذلك ألقى السامري فيه قولان أحدهما أنه ألقى حليا كما ألقوا ألقى ما كان معه من تراب حافر فرس جبريل وقد سبق شرح القصة في البقرة 52 وذكرناه في الأعراف 148 معنى قوله تعالى عجلا جسدا له خوار

[ 217 ]

تعالى فقالوا هذ إلهكم هذا قول السامري ومن وافقه من الذين افتتنوا تعالى فنسي في المشار إليه بالنسيان قولان أنه موسى ثم في المعنى ثلاثة أقوال أحدها هذا آلهكم ابن وآله موسى فنسي موسى أن يخبركم أن هذآلهه رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني فنسي موسى الطريق الى ربه روي عن ابن عباس ايضا والثالث فنسي موسى الهه عندكم وخالفه في طريق اخر قاله قتادة أنه السامري والمعنى فنسي السامري إيمانه وإسلامه قاله ابن عباس وقال مكحول فنسي أي فترك السامري ما كان عليه من الدين وقيل فنسي أن العجل لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا فعلى هذا القول يكون قوله تعالى فنسي من إخبار الله عز وجل عن السامري وعلى ما قبله فيمن قاله قولان أنه السامري والثاني بنو اسرائيل تعالى أفلا يرون ألا يرجع قال الزجاج المعنى أفلا يرون أنه لا يرجع إليهم قولا قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا أمري قالوا لن نبرح قوله عاكفين حتى يرجع الينا موسى قال يا فرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي تعالى ولقد قال لهم هارون من قبل أي من قبل أن يأتي موسى يا قوم إنما فتنتم به أي ابتليتم وإن ربكم الرحمن لا العجل قالوا لن نبرح عليه عاكفين أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل حتى يرجع الينا موسى فلما رجع موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا بعبادة العجل ألا تتبعني قرأ ابن كثير وأبو عمرو ألا تتبعني بياء في الوصل ساكنة ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير ياء وروى اسماعيل بن جعفر عن نافع ألا تتبعني أفعصيت بياء منصوبة وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو سواء وقرأ عاصم وابن

[ 218 ]

عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف والمعنى ما منعك من اتباعي ولا كلمة زائدة المعنى ثلاثة أقوال تسير ورائي بمن معك من المؤمنين وتفارقهم له رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أن تناجزهم القتال رواه أبو صالح عن ابن عباس في الإنكار عليهم قاله مقاتل تعالى أفعصيت أمري وهو قوله في وصيته إياه أخلفني في قومي وأصلح قال المفسرون ثم أخذ برأس اخيه ولحيته غضبا منه عليه وهذا وإن لم بذكر هاهنا فقد ذكر في الأعراف 150 فاكتفي بذلك وقد شرحناه هناك معنى يا ابن ام واختلاف القراء فيها تعالى ولا برأسي أي بشعر رأسي وهذا الغضب كان لله عز وجل لا لنفسه لأنه وقع في نفسه أن هارون عصى الله بترك اتباع موسى تعالى إني خشيت أي إن فارقتهم واتبعتك أن تقول فرقت بين بني اسرائيل وفيه قولان باتباعي اياك ومن معي من المؤمنين والثاني بقتالي ذلك لبعضهم ببعض قوله تعالى ولم ترقب قولي قولان لم ترقب قولي لك أخلفني في قومي واصلح لم تنتظر امري فيهم فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فان لك في الحيوة ان تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر الى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما الهكم الله الذي لا إله الا هو وسع كل شي علما

[ 219 ]

تعالى فما خطب يا سامري أي ما أمرك وشأنك الذي دعاك الى ما صنعت قال ابن الأنباري وبعض اللغويين يقول الخطب مشتق من الخطاب المعنى ما أمرك الذي تخاطب فيه في اسم السامري على قولين موسى ايضا قاله وهب بن منبه وقال كان ابن عم موسى بن عمران محمميخا قاله ابن السائب كان من بني اسرائيل أم لا فيه قولان لم يكن منهم قاله اب عباس كان من عظمائهم وكان من قبيلة تسمى سامرة قاله قتادة وفي بلده قولان كرمان قاله سعيد بن جبير والثاني باجرما قاله وهب تعالى بصرت بما لم يبصروا به وقرأ حمزة والكسائي تبصروا بالتاء فعلى قراءة الجمهور أشار الى بني اسرائيل وعلى هذه إلى القراءة خاطب الجميع قال أبو عبيدة علمت ما لم علموا قال وقوم يقولون بصرت وأبصرت سواء بمنزلة اسرعت وسرعت وقال الزجاج يقال بصر الرجل يبصر إذا صار عليما بالشئ وأبصر يبصر إذا نظر قال المفسرون فقال له موسى وما ذاك قال رأيت جبريل على فرس فألقي في نفسي أن اقبض من أثرها فقبضت قبضة وقر أبي بن كعب والحسن ومعاذ القارئ قبصة بالصاد وقال الفراء والقبضة بالكف كلها والقبصة بالصاد بأطراف الاصابع قال ابن قتيبه ومثل هذا الخضم بالفم كله والقضم بأطراف الاسنان والنضخ أكثر من النضح والرجز العذاب والرجس النتن والهلاس كان في البدن والسلاس أبو في العقل والغلط في الكلام والغلت في الحساب والخصر الذي يجد البرد والخرص الذي يجد البرد والجوع والنار الخامدة التي قد سكن لهبها ولم يطفا جمرها والهامدة التي طفئت فذهبت البتة والشكد

[ 220 ]

أو العطاء ابتداء فان كان جزاء فهو شكم والمائج) الذي يدخل البئر فيملأ الدلو والماتح عبد الذي ينزعها تعالى فنبذتها أي فقذفتها في العجل وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف فنبذتها بالإدعام عليه وكذلك أي وكما حدثتك سولت لي نفسي أي زينت لي قال موسى اذهب أي من بيننا فان لك في الحياة أي ما دمت حيا أن تقول لا مساس أي لا أمس ولا امس فصار السامري يهيم في البرية مع الوحش والسباع لا يمس أحدا ولا يمسه احد عاقبه الله بذلك وألهمه أن يقول لا مساس وكان إذا لقي أحدا يقول لا مساس أي لا تقربني ولا تمسني وصار ذلك عقوبة لولده حتى إن بقاياهم اليوم فيما ذكر أهل التفسير بأرض الشام يقولون ذلك وحكي أنه إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم أخذتهما الحمى في الحال تعالى وإن لك موعدا أي لعذابك يوم القيامة لن تخلفه أي لن يتأخر عنك ومن كسر لام تخلف أراد لن تغيب عنه تعالى وانظر الى إلهك يعني العجل الذي ظلت قال ابن عباس معناه أقمت عليه وقال الفراء معنى ظلت فعلته نهارا وقرأ أبي بن كعب وابو الجوزاء وابن يعمر ظلت برفع الظاء وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء والأعمش وابن أبي عبلة ظلت بكسر الظاء وقال الزجاج ظلت وظلت بفتح الظاء وكسرها فمن فتح فالأصل فيه ظللت ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر وبقيت الظاء على فتحها ومن قرأ ظلت بالكسر حول كسرة اللام على الظاء ومعنى عاكفا مقيما لنحرقنه قرأ الجمهور لنحرقنه بضم النون وفت الحاء وتشديد الراء وقرأ علي بن أبي طالب وأبو رزين وابن معمر لنحرقنه بفتح النون وسكون الحاء ورفع الراء مخففة وقرأ أبو هريرة والحسن وقتادة لنحرقنه برفع النون وإسكان الحاء وكسر الراء أبي قال الزجاج إذا شدد فالمعنى نحرقه مره بعد مرة وتأويل لنحرقنه لنبردنه يقال حرقت أحرق وأحرق إذا بردت الشئ والنسف التذرية وجاء في التفسير أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم لأنه كان قد صار لحما ودما ثم أحرقه بالنار ثم أحرقه بالنار ثم ذراه في البحر ثم أخبرهم موسى عن إلههم فقال إنما إلهكم الله الذي لا اله إلا هو أي هو الذي يستحق العبادة لا العجل (وسع كل شئ علما أي وسع علمه كل شئ كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم

[ 221 ]

ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعبما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما تعالى كذلك نقص عليك أي كما قصصنا عليك يا محمد من نبأ موسى وقومه نقص عليك من أنباء ما قد سبق أي من اخبار من مضى والذكر هاهنا القرآن من أعرض عنه فلم يؤمن ولم يعمل بما فيه فانه يحمل يوم القيامة وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وعاصم الجحدري يحمل برفع الياء وفت الحاء وتشديد الميم وزرا أي إثما خالدين فيه أي في عذاب ذلك الوزر وساء لهم قال الزجاج المعنى وساء الوزر لهم يوم القيامة حملا وحملا منصوب على التمييز تعالى يوم ينفخ في الصور قرأ أبو عمرو ننفخ بالنون وقرأ الباقون من السبعة ينفخ بالياء على ما لم يسم فاعله وقرأ أبو عمران الجوني ما ينفخ بياء مفتوحة ورفع الفاء وقد سبق بيانه ونحشر المجرمين وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وطلحة بن مصرف ويحشر بياء مفتوحة ورفع الشين وقرأ ابن مسعود والحسن وأبو عمران ويحشر بياء مرفوعة وفتح الشين المجرمون بالواو قال المفسرون والمراد بالمجرمين المشركون يومئذ زرقا وفيه قولان عميا رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال ابن قتيبة بيض العيون من العمى قد ذهب السواد والناظر زرق العيون من شدة العطش قاله الزهري والمراد أنه يشوه خلقهم بسواد الوجوه وزرق العيون تعالى يتخافتون بينهم أي يسار بعضهم بعضا إن لبثتم أي ما لبثتم إلا عشر ليال وهذا على طريق التقليل لاعلى وجه التحديد وفي مرادهم بمكان هذا اللبث قولان القبور ثم فيه قولان أحدهما أنهم عنوا طول ما لبثوا فيها روى أبو صالح عن ابن عباس إن لبثتم بعد الموت إلا عشرا والثاني ما بين النفختين وهو أربعون سنة فانه يخفف عنهم العذاب حينئذ فيستقلون مدة لبثهم لهول ما يعاينون حكاه علي بن أحمد النيسابوري

[ 222 ]

الثاني أنهم عنوا لبثهم في الدنيا قاله الحسن وقتادة تعالى إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعقله وأعدلهم قولا إن لبثتم إلا يوما فنسي القوم مقدار لبثهم لهول ما عاينوا ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا وأمتا يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما قوله تعالى ويسألونك عن الجبال سبب نزولها أن رجالا من ثقيف أتوا رسول الله ص = فقالوا يا محمد كيف تكون الجبال يوم القيامة فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس تعالى فقينسفها ربي نسفا قال المفسرون النسف التذرية والمعنى يصيرها رمالا تسيل سيلا ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح فتستأصلها لا فيذرها أي يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها قاعا قال ابن قتيبة القاع من الأرض المستوي الذي يعلوه الماء والصفصف المستوي أيضا يريد أنه لا نبت فيها تعالى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا في ذلك ثلاثة أقوال أحدها ان المراد بالعوج الأودية وبالأمت الروابي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك قال مجاهد العوج الانخفاض والأمت الارتفاع وهذا مذهب الحسن وقال ابن قتيبة الأمت النبك

[ 223 ]

أن العوج الميل والأمت الأثر مثل الشراك رواه العوفي عن ابن عباس أن العوج الصدع والأمت الأكمة تعالى يومئذ يتبعون الداعي قال الفراء أي يتبعون صوت الداعي للحشر لا عوج لهم عن دعائه لا يقدرون أن لا يتبعوا تعالى وخشعت الأصوات أي سكنت وخفيت فلا تسمع إلا همس وفيه ثلاثة أقوال وطء الأقدام رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعكرمه ومجاهد في رواية واختاره الفراء والزجاج تحريك الشفاه بغير نطق رواه سعيد بن جيير عن ابن عباس الكلام الخفي روى عن مجاهد وقال أبو عبيدة الصوت الخفي تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة يعني لا تنفع أحدا إلا من أذن له الرحمن أي إلا شفاعة من أذن له الرحمن أي أذن أن يشفع له ورضي له قولا أي ورضي للمشفوع فيه قولا وهو الذي كان في الدنيا من أهل لا إله إلا الله يعلم ما بين أيديهم الكناية راجعه إلى الذين يتبعون الداعي وقد شرحنا هذه الآية في سورة البقرة 255 هاء به قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله مقاتل والثاني إلى ما بين أيديهم وما خلفهم قاله ابن السائب أن تعالى وعنت الوجوه قال الزجاج عنت في اللغة خضعت يقال عنا يعنو إذا خضع ومنه قيل أخذت البلاد عنوة إذا أخذت غلبة وأخذت بخضوع من اهلها والمفسرون على أن هذا في يوم القيامة إلا ما روي عن طلق بن حبيب هو وضع الجبهة والأنف والكفين والركبتين وأطراف القدمين على الأرض للسجود وقد شرحنا في آية الكرسي معنى الحي القيوم البقرة 255 تعالى وقد خاب من حمل ظلما قال ابن عباس خسر من أشرك بالله تعالى ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن من هاهنا للجنس وإنما شرط

[ 224 ]

الإيمان لأن غير المؤمن لا يقبل عمله ولا يكون صالحا فلا يخاف أي فهو لا يخاف وقرأ ابن كثير فلا يخف على النهي تعالى ظلما ولا هضما فيه أربعة أقوال لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته ولا أن يهضم من حسناته رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس لا يخاف أن يظلم فيزاد من ذنب غيره ولا أن يهضم من الأصح حسناته قاله قتادة أن لا يخاف أن يؤاخذ بما لم يعمل ولا ينتقص من عمله الصالقاله الضحاك لا يخاف أن لا يجزى بعمله ولا أن ينقص من حقه قاله ابن زيد قال اللغويون الهضم النقص تقول العرب هضمت لك من حقي أي حططت ومنه فلان هضيم الكشحين أي ضامر الجنبين ويقال هذا شئ يهضم الطعام أي ينقص ثقله وفرق بعض المفسرين بين الظلم والهضم فقال الظلم منع الحق كله والهضم منع البعض وإن كان ظلما أيضا تعالى وكذلك أنزلناه أي وكما بينا في هذه السورة أنزلناه أي أنزلناه هذا الكتاب قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد أي بينا فيه ضروب الوعيد قال قتادة يعني وقائعه في الأمم المكذبة تعالى لعلهم يتقون أي ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ بمن قبلهم أو يحدث لهم أي يجدد لهم القرآن وقيل الوعيد ذكرا أي اعتبارا فيتذكروا به عقاب الأمم فيعتبروا وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري أو نحدث بنون مرفوعة تعالى فتعالى الله أي جل عن إلحاد الملحدين وقول المشركين في صفاته الملك الذي بيده كل شئ الحق وقد ذكرناه في يونس 32 تعالى ولا تعجل بالقرآن في سبب نزولها قولان أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالسورة الآي فيتلوها عليه فلا يفرغ جبريل من آخرها حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها فنزلت هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس أن رجلا لطم امرأته فجاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلب القصاص فجعل رسول

[ 225 ]

الله صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص فنزلت هذه الآية فوقف على الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى الرجال قوامون على النساء النساء 34 قاله الحسن البصري تعالى من قبل أن يقضى اليك وحيه وقرأ ابن مسعود والحسن ويعقوب نقضي بالنون وكسر الضاد وفتح الياء وحيه بنصب الياء معنى الكلام ثلاثة أقوال لا تعجل بتلاوته قبل ان يفرغ جبريل من تلاوته تخاف نسيانه هذا على القول الأول لا تقرئ أصحابك حتى نبين لك معاينة قاله مجاهد وقتادة لا تسأل إنزاله قبل أن يأتيك الوحي ذكره الماوردي تعالى وقل رب زدني علما فيه ثلاثة أقوال زدني قرآنا قاله مقاتل والثاني فهما والثالث حفظا ذكرهما الثعلبي عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لت تظمؤا فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فأكلا هذه منها فبدت لهم سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك آتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم

[ 226 ]

تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى تعالى ولقد عهدنا الى آدم أي أمرناه وأوصيناه الله أن لا يأكل من الشجر من قبل أي من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدي وتركوا قال في وهم الذين ذكرهم في قوله لعلهم يتقون والمعنى أنهم إن نقضوا العهد فان آدم قد عهدنا إليه فنسي هذا النسيان قولان أنه الترك قاله ابن عباس ومجاهد والمعنى ترك ما أمر به أنه من النسيان الذي يخالف الذكر حكاه الماوردي معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابن السميفع فنسي برفع النون وتشديد السين تعالى ولم نجد له عزما العزم في اللغة توطين النفس على الفعل وفي المعنى أربعة اقوال لم نجد له حفظا رواه العوفي عن ابن عباس والمعنى لم يحفظ ما أمر به صبرا قاله قتادة ومقاتل والمعنى لم يصبر عما نهي عنه حزما قاله ابن السائب قال ابن الأنباري وهذا لا يخرج آدم من أولي العزم وإنما لم يكن له عزم في الأكل فحسب عزما في العود الى الذنب ذكره الماوردي وما بعد هذا قد تقدم تفسيره البقرة 34 الى قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى قال المفسرون المراد به نصب الدنيا وتعبها من تكلف الحرث والزرع والعجن والخبز وغير ذلك قال سعيد بن جبير أهبط الى آدم ثور أحمر فكان يعتمل عليه ويمسح العرق عن جبينه فذلك شقاؤه قال العلماء والمعنى فتشقيا وإنما لم يقل فتشقيا لوجهين أن آدم هو المخاطب فاكتفى به مثله عن اليمين وعن الشماقعيد ق 17 عن قاله الفراء أنه لما كان آدم هو الكاسب كان التعب في حقه أكثر ذكره الماوردي تعالى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى قرأ ابي بن كعب لا تجاع ولاتعرى بالتاء المضمومة

[ 227 ]

والألف وأنك لا تظمأ قر أابن من كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأنك مفتوحة الألف وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وإنك بكسر الألف قال أبو علي من فتح حمله على أن لك أن لا تجوع وأن لك أن لا تظمأ ومن كسر استأنف تعالى لا تظمأ فيها أي لا تعطش يقال ظمئ الرجل ظمأ فهو ظمآن أي عطشان ومعنى لا تضحى لا تبرز للشمس فيصيبك حرها لأنه ليس في الجنة شمس تعالى هل أدلك عل شجرة الخلد أي على شجرة من أكل منها لم يمت وملك لا يبلى جديده ولا يفنى وما بعد هذا مفسر في الأعرف 22 قوله تعالى فغوى قولان ضل طريق الخلود حيث أراده من قبل المعصية فسد عليه عيشه لأن معنى الغي الفساد قال ابن الأنباري وقد غلط بعض المفسرين فقال معنى غوى أكثر مما أكل من الشجرة حتى بشم كما يقال غوى الفصيل إذا أكثر من لبن أمه فبشم فكاد يهلك وهذا خطأ من وجهين في أنه لا يقال من البشم غوى يغوي وإنما يقال غوي يغوى أن قوله تعالى فلما ذاقا الشجرة الأعراف 22 يدل على أنهما لم يكثرا ولم تتأخر عنهما العقوبة حتى يصلا الى الإكثار قال ابن قتيبة فنحن نقول في حق آدم عصى وغوى كما قال الله عز وجل ولا نقول آدم عاص وغاو كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه قد قطعه وخاطه ولا تقول هذا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل معروفا به تعالى ثم اجتباه ربه قد بينا الاجتباء في الأنعام 87 فتاب عليه وهدى أي هداه للتوبة قال اهبطا في المشار اليهما قولان آدم وإبليس قاله مقاتل آدم وحواء قاله أبو سليمان الدمشقي ومعنى قوله تعالى بعضكم لبعض عدو آدم وذريته وإبليس وذريته والحية أيضا وقد شرحنا هذا في البقرة 36 تعالى فمن اتبع هداي أي رسولي وكتابي فلا يضل ولا يشقى قال ابن عباس

[ 228 ]

من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه سوء الحساب ولقد ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية تعالى ومن أعرض عن ذكري قال عطاء عن موعظتي وقال ابن السائب عن القرآن ولم يؤمن به ولم يتبعه تعالى فان له معيشة ضنكا قال أبو عبيدة معناه معيشة ضيقة والضنك يوصف به الأنثى والذكر بغير هاء وكل عيش أو مكان أو منزل ضيق فهو ضنك وأنشد وإن نزلوا بضنك فانزل الزجاج الضنك أصله في اللغة الضيق والشدة في المراد بهذه المعيشة خمسة أقوال أنها عذاب القبر روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون ما المعيشة الضنك قالوا الله ورسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه الى يوم القيامة وممن ذهب الى أنه عذاب القبر ابن مسعود وأبو سعيد الخدري والسدي أنه ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه فيه رواه عطاء عن ابن عباس شدة عيشه في النار رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد قال ابن السائب وتلك المعيشة من الضريع والزقو أن المعيشة الضنك كسب الحرام روى الضحاك عن ابن عباس قال المعيشة الضنك أن تضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدى لشئ منها وله معيشة حرام يركض فيها قال الضحاك فهذه المعيشة هي الكسب الخبيث وبه قال عكرمة أن المعيشة الضنك المال الذي لا يتقي الله صاحبه فيه رواه العوفي عن ابن عباس في مكان المعيشة ثلاثة أقوال القبر والثاني الدنيا والثالث جهنم

[ 229 ]

قوله تعالى ونحشره يوم القيامة أعمى قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم أعمى حشترتني بن أعمى بفتح الميمين وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بكسرهما وقرأ نافع بين الكسر والفتح ثم في هذا العمى للمفسرين قولان أعمى البصر روى أبو صالح عن ابن عباس قال إذا أخرج من القبر خرج بصيرا فإذا سيق الى المحشر عمي أعمى عن الحجة قاله مجاهد وأبو صالح قال الزجاج معناه فلا حجة له يهتدي بها لأنه ليس للناس على الله حجة بعد الرسل تعالى كذلك أي الأمر كذلك كما ترى أتتك آياتنا فنسيتها أي فتركتها ولم تؤمن بها وكما تركتها في الدنيا تترك اليوم في النار وكذلك أي وكما ذكرناه نجزي من أسرف أي اشرك ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا ومن عذاب القبر وابقى لأنه يدوم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهي ولولا كلمة هذه من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي سنة الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى تعالى أفلم يهد لهم أي أفلم يتبين لكفار مكة إذا نظروا آثار من أهلكنا من الأمم وكانت قريش تتجر وترى مساكن عاد وثمود وفيها علامات الهلاك فذلك قوله تعالى يمشون في مساكنهم وروى زيد عن يعقوب أفلم نهد بالنون قوله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار الى يوم القيامة وقيل إلى يوم بدر وقيل إلى انقضاء أجالهم لكان لزاما أي لكان العذاب لزاما أي لازما لهم واللزام مصدر وصف به العذاب قال الفراء وابن قتيبة في هذه الآية تقديم وتأخير والمعنى ولولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاما تعالى فاصبر على ما يقولون أمر الله تعالى نبيه بالصبر على ما يسمع من أذاهم

[ 230 ]

إلى أن يحكم الله فيهم ثم حكم فيهم بالقتل ونسخ بآية السيف إطلاق الصبر تعالى وسبح بحمد ربك أي صل له بالحمد له والثناء عليه قبل طلوع الشمس يريد الفجر وقبل غروبها يعني العصر ومن آناء الليل الآناء الساعات وقد بيناها في آل عمران 113 فسبح أي فصل المراد بهذه الصلاة أربعة أقوال المغرب والعشاء رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة جوف الليل رواه العوفي عن ابن عباس عمرو العشاء قاله مجاهد وابن زيد أول الليل وأوسطه وأخره قاله الحسن تعالى وأطراف النهار المعنى وسب أطراف النهار قال الفراء إنما هم طرفان فخرجا مخرج الجمع كقوله تعالى إن تتوب الى الله فقد صغت قلوبكما الترحيم 4 في المراد بهذه الصلاة ثلاثة أقوال أنها الظهر قاله قتادة فعلى هذا إنما قيل لصلاة الظهر أطراف النهار لأن وقتها عند الزوال فهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني انها صلاة المغرب وصلاة الصبح قاله ابن زيد وهذا على ان الفجر في ابتداء الطرف الأول والمغرب في انتهاء الطرف الثاني أنها الفجر والظهر والعصر فعلى هذا يكون الفحر من الطرف الأول والظهر والعصر من الطرف الثاني حكاه الفراء تعالى لعلك ترضى قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم ترضى بفتح التاء وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم بضمها فمن فتح فالمعنى لعلك ترضى ثواب الله الذي يعطيك ومن ضمها ففيه وجهان لعلك ترضى بما تعطى والثاني لعل الله أن يرضاك

[ 231 ]

قبل يحيى تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى وامر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى الرحمن تعالى ولا تمدن عينيك سبب نزولها ما روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نزل ضيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فأرسلني الى رجل من اليهود يبيع طعاما فقال قل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعني كذا وكذا من الدقيق أو اسلفني الى هلال رجب فأتيته فقلت له ذلك فقال اليهودي والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال والله لو باعني أو أسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء أمين في الأرض اذهب بدرعي الحديد إليه فنزلت هذه الآية تعزية له عن الدنيا قال أبي بن كعب من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا وقد مضى تفسير هذه الآية في آخر الحجر 88 تعالى زهرة الحياة الدنيا وقرأ ابن مسعود والحسن والزهري ويعقوب زهرة بفتح الهاء قال الزجاج وهو منصوب بمعنى متعنا لأن معنى متعنا جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة لنفتنهم فيه أي لنجعل ذلك فتنة لهم وقال ابن قتيبة لنختبرهم قال المفسرون زهرة الدنيا بهجتها وغضارتها وما يروق الناظر منها عند رؤيته وهو من زهرة النبات وحسنه تعالى ورزق ربك خير وأبقى فيه قولان أنه ثوابه في الآخرة والثاني القناعة تعالى وأمر أهلك بالصلاة قال المفسرون المراد بأهله قومه ومن كان على دينه ويدخل في هذا اهل بيته تعالى واصطبر عليها أي واصبر على الصلاة لا نسألك رزقا وكان لا نكلفك رزقا لنفسك ولا لخلقنا إنما نأمرك بالعبادة ورزقك علينا والعاقبة للتقوى أي وحسن العاقبة لأهل التقوى وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا فصلوا ثم يقول بهذا أمر الله تعالى ورسوله ويتلو هذه الآية

[ 232 ]

لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينه ما في الصحف الأولى ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى تعالى وقالوا يعني المشركين لولا أي هلا يأتينا محمد بآية من ربه أي كآيات الأنبياء نحو الناقة والعصا أو لم يأتهم قرأ نافع وابو عمرو وحفص عن عاصم تأتهم بالتاء وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم يأتهم بالياء تعالى بينه ما في الصحف الأولى أي أولم يأتهم في القرآن بيان وما في الكتب من أخبار الأمم التي أهلكناها لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فما يؤمنهم أن تكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ولو انا أهلكناهم يعني مشركي مكة بعذاب من قبله في الهاء قولان أنها ترجع الى الكتاب قاله مقاتل والثاني الى الرسول قاله الفراء تعالى لقالوا يوم القيامة ربنا لولا أي هلا ارسلت الينا رسولا يدعونا الى طاعتك فنتبع آياتك أي نعمل بمقتضاها من قبل أن نذل بالعذاب ونخزى في جهنم وقرأ ابن عباس وابن السميفع وأبو حاتم عن يعقوب نذل ونخزى برفع النون فيهما وفتح الذال قل لهم يا محمد كل منا ومنكم متربص أي نحن نتربص بكم العذاب في الدنيا وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتربصوا أي فانتظروا فستعلمون إذا جاء امر الله روى من اصحاب الصراط السوي أي الدين المستقيم ومن اهتدى من الضلالة أنحن أم أنتم وقيل هذه منسوخة بآية السيف وليس بشئ

[ 233 ]

الأنبياء الله الرحمن الرحيم ولم للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وانتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين لقد أنزلنا اليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون مكية باجماعهم من غير خلاف نعلمه عز وجل اقترب افتعل من القرب يقال قرب الشئ واقترب وهذه الآية نزلت في كفار مكة وقال الزجاج اقترب للناس وقت حسابهم وقيل اللام في قوله للناس بمعنى من والمراد بالحساب محاسبة الله لهم على أعمالهم معنى قربه قولان

[ 234 ]

أنه آت وكل آت قريب لأن الزمان لكثرة ما مضى وقله ما بقي قريب تعالى وهم في غفلة أي عما يفعل الله بهم ذلك اليوم معرضون عن التأهب له وقيل اقترب للناس عام والغفلة والإعراض خاص في الكفار بدلالة قوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث وفي هذا الذكر ثلاثة أقوال أنه القرآن قاله ابن عباس فعلى هذا تكون الإشارة بقوله محدث إلى إنزاله له لأنه أنزل شيئا بعد شئ أنه ذكر من الأذكار وليس بالقرآن حكاه أبو سليمان الدمشقي وقال النقاش هو ذكر من رسول الله وليس بالقرآن أنه رسول الله بدليل قوله في سياق الآية هل هذا الا بشر مثلكم قاله الحسن بن الفضل تعالى إلا استمعوه وهم يلعبون قال ابن عباس يستمعون القرآن مستهزئين تعالى لاهية قلوبهم أي غافلة عما يراد بهم قال الزجاج المعنى إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم ويجوز أن يكون منصوبا بقوله بين وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة لاهية بالرفع تعالى وأسروا النجوى أي تناجوا فيما بينهم يعني المشركين ثم بين من هم فقال الذين ظلموا أي اشركوا بالله والذين في موضع رفع على البدل من الضمير في وأسروا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال هل هذا إلا بشر مثلكم أي آدمي فليس بملك وهذا إنكار لنبوته وبعضهم يقول اسروا هاهنا بمعنى أظهروا لأنه من الأضداد تعالى أفتأتون السحر أي أفتقبلون السحر وأنت تعلمون أنه سحر يعنون أنه متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر قل ربي قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم قل ربي وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم قال ربي وكذلك هي في مصاحف الكوفيين وهذا على الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يعلم القو أي لا يخفى عليه شئ يقال في السماء والأرض فهو عالم بما أسررتم بل قالوا قال الفراء رد ب بل على معنى تكذيبهم وإن لم يظهر قبله الكلام بجحودهم لأن معناه الأخبار عن الجاحدين

[ 235 ]

وأعلم أن المشركين كانوا قد تحيروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختلفت أقوالهم فيه فبعضهم يقول هذا الذي يأتي به سحر وبعضهم يقول أضغاث أحلام وهي الأشياء المختلطة ترى في المنام وقد شرحناها في يوسف 44 وبعضهم يقول افتراه أي اختلقه وبعضهم يقول هو شاعر فليأتنا بآية كالناقة والعصا فاقترحوا الآيات التي لا أمهال بعدها تعالى ما آمنت قبلهم يعني مشركي مكة من قرية وصف القرية والمراد أهلها والمعنى أن الأمم التي أهلكت بتكذيب الآيات لم يؤمنوا أهل لما أتتهم فكيف يؤمن هؤلاء وهذه إشارة إلى أن الآية لا تكون سببا للإيمان إلا أن يشاء الله تعالى وما أرسلنا قبلك الا رجالا هذا جواب قولهم هل هذا الا بشر مثلكم تعالى نوحي إليهم قرأ الاكثرون يوحى بالياء وروى حفص عن عاصم نوحي بالنون وقد شرحناه هذه الآية في النحل 43 تعالى وما جعلناهم يعني الرسل جسدا قال الفراء لم يقل اجسادا لأنه اسم الجنس قال مجاهد وما جعلناهم جسدا ليس فيهم روح قال ابن قتيبة ما جعلنا الانبياء قبله أجسادا لا تأكل الطعام لا تموت فنجعله كذلك قال المبرد وثعلب جميعا العرب إذا جاءت بين الكلام بجحدين كان الكلام إخبارا فمعنى الآية إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطعام قال قتادة المعنى وما جعلناهم جسدا إلا ليأكلوا الطعام تعالى ثم صدقناهم الوعد يعني الأنبياء أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بانجائهم وإهلاك مكذبيهم فأنجيناهم ومن نشاء وهم الذين صدقوهم وأهلكنا المسرفين يعني أهل الشرك وهذا تخويف لأهل مكة ثم ذكر منته عليهم بالقرآن فقال لقد أنزلناه اليكم كتابا فيه ذكركم وفيه ثلاثة أقوال فيه شرفكم قاله أبو صالح عن ابن عباس فيه دينكم قاله الحسن يعني فيه متحتاجون إليه من امر دينكم فيه تذكرة لكم لما تلقونه من رجعة أو عذاب قاله الزجاج تعالى أفلا تعقلون ما فضلتكم به على غيركم حديث قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا

[ 236 ]

بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا الى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعولهم عند حتى جعلناهم حصيدا خامدين لأنه خوفهم فقال وكما قصمنا قال المفسرون واللغويون معناه وكم أهلكنا وأصل القصم الكسر وقوله كانت ظالمة أي كافرة والمراد أهلها فلما أحسوا بأسنا أي رأوا عذابنا بحاسة البصر إذا هم منها يركضون أي يعدون وأصل الركض تحريك الرجلين يقال ركضت الفرس إذا أعديته بتحريك رجليك فعدا تعالى لا تركضوا قال المفسرون هذا قول الملائكة لهم وارجعوا الى ما أترفتم فيه أي الى نعمكم التي اترفتكم أخبرنا وهذا توبيخ لهم قوهل لعلكم تسألون قولان تسألون من دنياكم شيئا استهزاء بهم قاله قتادة تسألون عن قتل نبيكم قاله ابن السائب فلما أيقنوا بالعذاب قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين بكفرنا وقيل بتكذيب نبينا فما زالت تلك دعواهم أي ما زالت تلك الكلمة التي هي يا ويلنا إنا كنا ظالمين قولهم يرددونها حتى جعلناهم حصيدا بالعذاب وقيل بالسيوف خامدين أي ميتين كخمود النار إذا طفئت خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقدف يا لو على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يتسحسرون يكون يسبحون الليل والنهار لا يفترون أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا

[ 237 ]

برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون تعالى وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين أي لم نخلق ذلك عبثا إنا خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا ليعتب الناس بخلقه فيعلموا أن العبادة لا تصلح إلا لخالقه لنجازي أولياءنا ونعذب ما أعداءنا تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا في سبب نزولها قولان أن المشركين لما قالوا الملائكة بنات الله والآلهة بناته نزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن نصارى نجران قالوا إن عيسى ابن الله فنزلت هذه الآية مقاتل المراد باللهو ثلاثة أقوال الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال السدي قال الزجاج المعنى لو أردنا أن نتخذ ولدا ذا لهو نلهى سعيد به المرأة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة بكر اللعب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس تعالى لاتخذناه من لدنا قال ابن جريج لا تخذنا نساء أو ولدا من اهل السماء لا من اهل الأرض قال ابن قتيبة وأصل اللهو الجماع فكني عنه باللهو كما كني عنه بالسر والمعنى لو فعلنا ذلك لاتخذناه من عندنا لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره قوله إن كنا فاعلين قولان أن إن بمعنى ما قاله ابن عباس والحسن وقتادة

[ 238 ]

أنها بمعنى الشرط قال الزجاج والمعنى إن كنا نفعل ذلك ولسنا ممن يفعله قال والقول الأول قول المفسرين والثاني قول النحويين وهم يستجيدون القول الأول أيضا لأن إن تكون في موضع النفي إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام تقول إن كنت لصالحا قد معناه ما كنت إلا صالحا تعالى بل أي دع ذاك الذي قالوا فانه باطل نقذف بالحق أي نسلط الحق وهو القرآن على الباطل وهو كذبهم فيدمغه قال ابن قتيبة أي يكسره واصل هذا إصابة الدماع بالضرب وهو مقتل فإذا هو زاهق أي زائل ذاهب قال المفسرون والمعنى إنا نبطل كذبهم بما نثبين وفي من الحق حتى يضمحل ولكم الويل مما تصفون أي من وصفكم الله بما لا يجوز وله من في السموات والأرض يعني هم عبيده وملكه ومن عنده يعني الملائكة قوله ولا يستحسرون ثلاثة أقوال لا يرجعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس كل لا ينقطعون قاله مجاهد وقال ابن قتيبة لا يعيون والحسر المنقطع الواقف إعياء وكلالا لا يملون قاله ابن يزيد تعالى لا يفترون قال قتادة لا يسأمون وسئل كعب أما يشلغهم شأن أما تشغلهم حاجة فقال للسائل يا ابن أخي جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس ألست تأكل وتشرب وتقوم وتجلس وتجئ وتذهب وتتكلم وأنت تتنفس فكذلك جعل هلم التسبيح ثم إن الله تعالى عاد الى توبيخ المشركين فقال أم اتخذوا آلهة من الأرض لأن أصنامهم من الأرض هي سواء كانت من ذهب أو فضة أو خشب أو حجارة هم يعني الآلهة ينشرون أي يحيون الموتى وقرا الحسن ينشرون بفتح الياء وضم الشين وهذا استفهام بمعنى الجحد والمعنى ما اتخذوا آلهة تنشر ميتا لو كان فيهما يعني السماء والارض آلهة يعن معبودين إلا الله قال الفراء سوى الله وقال الزجاج غير الله تعالى لفسدتا أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة فلا يجري أمر العالم على النظام لأن كل أمر صدر عن اثنين فصاعدا لم يسلم من الخلاف تعالى لا يسأل عما يفعل أي عما يحكم في عباده من هدي وإضلال وإعزاز

[ 239 ]

وإذلال لأنه المالك للخلق والخلق يسألون عن أعمالهم لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم ولما أبطل عز وجل أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله لفسدتا أبطل ذلك من حيث الأمر فقال أم اتخذوا من دونه آلهة وهذا استفهام إنكار وتوبيخ قل برهانكم على ما تقولون هذا ذكر من معي يعني القرآن خبر من معي على ديني ممن يتبغني فلا الى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية وذكر من قبلي يعني الكتب المنزلة والمعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبله فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إله سواه فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود غيره من حيث الأمر به قال الزجاج قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلها غير الله تعالى بل أكثرهم يعني كفار مكة لا يعلمون الحق وفيه قولا انه القرآن قاله ابن عباس والثاني التوحيد قاله مقاتل فهم معرضون عن التفكر والتأمل وما يجب عليهم من الإيمان أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لاإله إلا انا فاعبدون وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقون بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين تعالى من رسول الا بوحي قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم الا نوحي بالنون والباقون بالياء تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا في القائلين لهذا قولان أنهم مشركوا قريش قاله ابن عباس وقال ابن اسحاق القائل لهذا النضر بن الحارث

[ 240 ]

أنهم اليهود قالوا إن الله صاهر الجن فكانت منهم الملائكة قاله قتادة فعلى القولين المراد بالولد الملائكة وكذلك المراد بقوله بل عباد مكرمون والمعنى بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم لا يسبقونه بالقول أي لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به وقال ابن قتيبة لا يقولون حتى يقول ثم يقولون عنه ولا يعملون حتى يأمرهم تعالى يعلم ما بين أيديهم أي ما قدموا من الأعمال وما خلفهم ما هم عاملون ولا يشفعون يوم القيامة وقيل لا يستغفرون في الدنيا إلا لمن ارتضى أي لمن رضي عنه وهم من خشيته أي من خشيتهم منه فأضيف المصدر الى المفعول مشفقون أي خائفون وقال الحسن يرتعدون ومن يقل منهم أي من الملائكة قال الضحاك في آخرين هذه خاصة لإبليس لم يدع أحد من الملائكة إلى عبادة نفسه سواه قال أبو سليمان الدمشقي وهذا قول من قال إنه من الملائكة فان ابليس قال ذلك للملائكة الذين هبطوا معه الى الأرض ومن قال إنه ليس من الملائكة قال هذا على وجه التهديد وما قال أحد من الملائكة ذلك عمرو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون قوله تعالى أولم ير الذين كفروا أي أولم يعلموا وقرأ ابن كثير ألم ير الذين كفروا بغير واو بين الألف واللام وكذلك هي في مصاحف أهل مكة أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما قال أبو عبيدة السموات جمع والأرض واحدة فخرجت صفة لفظ الجمع على لفظ صفة الواحد والعرب تفعل هذا إذا أشركوا بين جمع وبين واحد والرتق مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث سواء ومعنى الرتق الذي ليس فيه ثقب قال الزجاج المعنى كانتا ذواتي رتق فجعلهما ذوات فتق وإنما لم يقل رتقين لأن الرتق مصدر في المراد به ثلاثة أقوال أن السموات كانت رتقا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت ففتق هذه بالمطر

[ 241 ]

وهذه بالنبات رواه عبد الله بن دينار عن ابن عباس وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية والضحاك في آخرين أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين ففتقهما الله تعالى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة أنه فتق من الأرض ست أرضين فصارت سبعا ومن السماء ست سموات فصارت سبعا رواه السدي عن أشياخه وابن أبي نجيح عن مجاهد تعالى وجعلنا من الماء كل شئ حي وقرا معاذ القارئ وابن أبي عبلة وحميد بن قيس كل شئ حيا بالنصب هذا الماء قولان أنه الماء المعروف والمعنى جعلنا الماء سببا لحياة كل حي قاله الأكثرون والثاني أنه النطفة قاله أبو العالية

[ 242 ]

تعالى وجعلنا في الأرض رواسي قد فسرناه في النحل 15 تعالى وجعلنا فيها أي في الرواسي فجاجا قال أبو عبيدة هي المسالك قال الزجاج الفجاج جمع فج وهو كل منخرق بين جبلين ومعنى سبلا طرقا قال ابن عباس جعلنا من الجبال طرقا كي تهتدوا الى مقاصدكم في الأسفار قال المفسرون وقوله سبلا تفسير للفجاج وبيان أن تلك الفجاج نافذة مسلوكة فقد يكون الفج غير نافذ وجعلنا السماء سقفا أي هي الأرض كالسقف معنى محفوظا قولان بالنجوم من الشياطين قاله أبو صالح عن ابن عباس محفوظا من الوقوع إلا باذن الله قاله الزجاج تعالى وهم يعني كفار مكة عن آياتها أي شمسها وقمرها ونجومها قال الفراء وقرا مجاهد عن آيتها فوحده فجعل السماء بما فيها آية وكل صواب تعالى كل يعني الطوالع في فلك قال ابن قتيبة الفلك مدار النجوم الذي يضمها وسماه فلكا لاستدارته ومنه قيل فلكه المغزل وقد فلك ثدي المرأة قال أبو سليمان وقيل إن الفلك كهيئة الساقية من ماء مستديرة دون السماء وتحت الأرض فالأرض وسطها والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار يجرون في الفلك وليس الفلك يديرها ومعنى يسبحون يجرون قال الفراء لما كانت السباحة من أفعال الآدميين ذكرت بالنون كقوله لي ساجدين يوسف 40 لأن السجود من أفعال الآدميين: جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد سبب نزولها أن ناسا قالوا إن محمدا لا يموت فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية ما خلدنا قبلك أحدا من بني آدم والخلد البقاء الدائم أفان مت فهم الخالدون يعني مشركي مكة لأنهم قالوا غير به ريب المنون الطور 30

[ 243 ]

تعالى ونبلوكم بالشر والخير قال ابن زيد نختبركم بما تحبون لننظر كيف شكركم وبما تكرهون لننظر كيف صبركم تعالى وإلينا يرجعون قرأ ابن عامر ترجعون بتاء مفتوحة وروى ابن عباس عن ابي عمرو يرجعون بياء مضمومة وقرأ الباقون بتاء مضمومة تعالى وإذا رآك الذين كفروا قال ابن عباس يعني المستهزئين وقال السدي نزلت في أبي جهل مر به رسول الله فضحك وقال هذا نبي نبي عبد مناف وإن بمعنى ما ومعنى هزوا مهزوءا به أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيب أصنامكم وفيه أضمار يقولون وهم بذكر الرحمن هم كافرون وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن فكفروا بالرحمن الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين لو يعلم الذين أحمد حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن تعالى خلق الإنسان من عجل وقرأ أبو رزين العقيلي ومجاهد والضحاك خلق الإنسان بفتح الخاء واللام ونصب النون وهذه الآية نزلت حين استعجلت قريش بالعذاب المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال النضر بن الحارث وهو الذي قال إن كان هذا هو الحق من عندك الآية الانفال 32 رواه عطاء عن ابن عباس آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير والسدي في آخرين أنه اسم جنس قاله علي بن أحمد النيسابوري فعلى هذا يدخل النضر بن الحارث وغيره في هذا وإن كانت الآية نزلت فيه

[ 244 ]

من قال أريد به آدم ففي معنى الكلام قولان أنه خلق عجولا قاله الأكثرون فعلى هذا يقول لما طبع آدم على هذا المعنى وجد في أولاده وأورثهم العجل خلق بعجل استعجل بخلقه قبل غروب الشمس من يوم الجمعة وهو آخر الأيام الستة قاله مجاهد من قال هو اسم جنس ففي معنى الكلام قولان خلق عجولا قال الزجاج خوطبت العرب بما تعقل بعد تقول للذي يكثر منه اللعب إنما خلقت من لعب يريدون المبالغة في وصفه بذلك أن في الكلام تقديما وتأخيرا والمعنى خلقت العجلة في الإنسان قاله ابن قتيبة تعالى سأريك آياتي فيه قولان ما أصاب الأمم المتقدمة والمعنى إنكم تسافرون يقول فترون آثار الهلاك في الماضين قاله ابن السائب أنها القتل ببدر قاله مقاتل تعالى فلا تستعجلون اثبت الياء في الحالين يعقوب تعالى ويقولون متى هذا الوعد يعنون القيامة لم يعلم الذين كفروا جوابه محذوف والمعنى لو علموا صدق الوعد ما استعجلوا حين لا يكفون أي لا يدفعون عن وجوههم النار إذا دخلوا ولا عن ظهورهم لإحاطتها بهم ولا هم ينصرون أي يمنعون مما نزل بهم بل تأتيهم يعني الساعة بغتة فجأة فتبهتهم تحيرهم وقد شرحنا هذا عند قوله الذي كفر البقرة 258 فلا يستطيعون ردها أي صرفها عنهم ولا هم يمهلون لتوبة أو معذرة ثم عزى نبيه فقال ولقد استهزئ برسل من قبلك أي كما فعل بك قومك فحاق أي نزل بالذين سخروا منهم أي من الرسل ما كانوا به يستهزؤون يعني العذاب الذي كانوا استهزؤوا به من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون أم لهم

[ 245 ]

آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون الذي تعالى قل من يكلؤكم المعنى قل لهؤلاء المستعجلين بالعذاب من يحفظكم من بأس الرحمن إن أراد إنزاله بكم وهذا استفهام إنكار أي لا أحد يفعل ذلك بل هم عن ذكر ربهم أي عن كلامه ومواعظه معرضون لا يتفكرون ولا يعتبرون أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا فيه تقديم وتأخير وتقديره أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم وهاهنا تم الكلام ثم وصف آلهتهم بالضعف فقال لا يستطيعون نصر أنفسهم والمعنى من لا يقدر عل نصر نفسه عما يراد به فكيف ينصر غيره تعالى ولا هم في المشار إليهم قولان أنهم الكفار وهو قول ابن عباس والثاني أنهم الأصنام قاله قتادة معنى يصحبون أربعة أقوال يجارون رواه العوفي عن ابن عباس قال ابن قتيبة والمعنى لا يجيرهم منا احد لأن المجير صاحب لجاره والثاني يمنعون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث ينصرون قاله مجاهد والرابع لا يصحبون بخير قاله قتادة بين اغترارهم بالإمهال فقال بل متعنا هؤلاء وآباءهم يعني أهل مكة حتى طال عليهم العمر فاغتروا بذلك أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها لأن أطرافها قد شرحناه في الرعد 41 أفهم الغالبون أي هذه الحال وهو نقص الأرض والمعنى ليسوا بغالبين ولكنهم المغلوبون قل إنما أنذركم أي أخوفكم بالوحي أي بالقرآن والمعنى إنني ما جئت به من تلقاء نفسي إنما أمرت فبلغت ولا يسمع الصم الدعاء وقرأ ابن عامر ولا تسمع بالتاء مضمومة الصم نصبا وقرأ ابن يعمر والحسن ولا يسمع بضم الياء وفتح الميم الصم بضم الميم شبه الكفار بالصم الذين لا يسمعون نداء مناديهم ووجه التشبيه أن هؤلاء لم

[ 246 ]

ينتفعوا بمسمعوا كالصم لا يفيدهم صوت مناديهم ولئن مستهم أي أصابتهم نفحة قال ابن عباس طرف وقال الزجاج المراد أدنى شئ من العذاب ليقولن يا ويلنا والويل ينادي به كل من وقع في هلكة وقد مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين تعالى ونضع الموازين القسط قال الزجاج المعنى ونضع الموازين ذوات القسط والقسط العدل وهو مصدر يوصف به يقال ميزان قسط وميزانا قسط وموازين قسط قال الفراء القسط من صفة الموازين وإن كان موحدا كما تقول أنت عدل وأنتم رضى وقوله ليوم القيامة وفي يوم القيامة سواء وقد ذكرنا الكلام في الميزان في أول الأعراف 8 قيل إذا كان الميزان واحدا فما المعنى بذكر الموازين علي أنه لما كانت أعمال الخلائق توزن وزنة بعد وزنة سميت موازين تعالى فلا تظلم نفس شيئا أي لا ينقص محسن من إحسانه ولا يزاد مسئ على إساءته وإن كان مثقال حبة أي وزن حبة وقرأ نافع مثقال برفع اللام قال الزجاج ونصب مثقال على معنى وإن كان العمل مثقال حبة وقال أبو علي الفارسي وإن كان الظلامة مثقال حبة لقوله تعالى فلا تظلم نفس شيئا قال ومن رفع أسند الفعل الى المثقال كما اسند في قوله تعالى كان ذو عسرة البقرة 280 تعالى أتينا بها أي جئنا بها وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد آتينا ممدودة أي جازينا بها تعالى بنا حاسبين قال الزجاج هو منصوب على وجهين احدهما التمييز والثاني الحال

[ 247 ]

آتينا موسى وهرون الفرقا وضياء وذكرا للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون تعالى ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان فيه ثلاثة أقوال أنه التوارة التي فرق بها الحلال والحرام قاله مجاهد وقتادة البرهان الذي فرق به بين حق موسى وباطل فرعون قاله پابن زيد النصر والنجاة لموسى وإهلاك فرعون قاله ابن السائب تعالى وضياء روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يرى الواو زائدة قال الزجاج وكذلك قال بعض النحويين أن المعنى الفرقان ضياء وعند حتى أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف فهي هاهنا مثل قوله تعالى هدى ونور تعالى المائدة 44 قال المفسرون والمعنى أنهم استضاؤوا فإن بالتوراة حتى اهتدوا بها في دينهم ومعنى قوله تعالى وذكرا للمتقين أنهم يذكرونه ويعملون بما فيه الذين يخشون ربهم بالغيب فيه أربعة أقوال يخافونه ولم يروه قاله الجمهور والثاني يخشون عذابه ولم يروه قاله مقاتل والثالث يخافونه من حيث لا يراهم أحد قاله الزجاج والرابع يخافونه إذا غابوا عن أعين الناس كخوفهم عمر إذا كانوا بين الناس قاله أبو سليمان الدمشقي ثم عاد إلى ذكر القرآن فقال وهذا يعني القرآن ذكر لمن تذكر به وعظه لمن اتعظ مبارك أي كثير الخير أفأنتم يا أهل مكة له منكرون أي جاحدون وهذا استفهام توبيخ آتينا ابرهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله

[ 248 ]

لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون تعالى ولقد آتينا ابراهيم رشده أي هداه من قبل وفيه ثلاثة أقوال من قبل بلوغه قاله أبو صالح عن ابن عباس آتيناه ذلك في العلم السابق قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث من قبل موسى وهارون قال الضحاك وقد أشرنا الى قصة ابراهيم في الأنعام 75 تعالى وكنا به عالمين أي علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد ثم بين متى آتاه فقال إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل يعني الاصنام والتمثال اسم للشئ المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى وأصله من مثلث الشئ بالشئ إذا شبهته به وقوله التي أنتم لها أي على عبادتها عاكفون أي مقيمون فأجابوه أنهم رأوا آباءهم يعبدونها فاقتدوا بهم فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين يعنون أجاد انت أم لاعب تعالى لأكيدن أصنامكم الكيد احتيال الكائد في ضر المكيد النبي والمفسرون يقولون لأكيدنها وإن بالكسر بعد أن تولوا أي تذهبوا عنها وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا الى عيدنا أعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان ببعض الطريق قال إني سقيم وألقى نفسه وقال سرامنهم وتالله لأكيدن أصنامكم فسمعه رجل منهم فأفشاه عليه فرجع إلى بيت الأصنام وكانت فيما ذكره مقاتل بن سليمان اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب فكسرها ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير فذلك قوله فجعلهم جذاذا قرأ الأكثرون جذاذا بضم الجيم وقرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود وأبو رزين وقتادة وابن محيصن والأعمش والكسائي جذاذا بكسر الجيم وقرأ أبو رجاء العطاردي وأيوب السختياني وعاصم الجحدري جذاذا بفتح الجيم وقرأ الضحاك وابن يعمر جذذا كما الجيم من غير الف وقرأ معاذ القارئ وأبو حيوة وابن وثاب جذذا بضم الجيم من غير ألف قال أبو عبيدة أي مستأصلين هو قال جرير بني المهلب جذ الله دابرهم وسلم أمسوا رمادا فلا اصل ولا طرف عنه أي لم يبق منهم شئ ولفظ جذاذ يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكر

[ 249 ]

والمؤنث وقال ابن قتيبة جذاذا أي فتاتا وكل شئ كسرته فقد جذذته ومنه قيل للسويق الجذيذ إن وقرأ الكسائي جذاذا بكسر الجيم على أنه جمع جذيذ مثل ثقيل وثقال وخفيف وخفاف والجذيذ بمعنى المجذوذ وهو المكسور إلا كبيرا لهم أي كسر الأصنام إلا أكبرها قال الزجاج جائز أن يكون أكبرها في ذاته وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه لعلهم إليه يرجعون في هاء الكناية قولان أنها ترجع الى الصنم ثم فيه قولان أحدهما لعلهم يرجعون إليه فيشاهدونه إلا هذا قول مقاتل والثاني لعلهم يرجعون إليه بالتهمة حكاه أبو سليمان الدمشقي أنها ترجع الى ابراهيم والمعنى لعلهم يرجعون الى دين ابراهيم بوجوب الحجة عليهم قاله الزجاج من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فاتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوء أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبرهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون فيه رجعوا من عيدهم ونظروا الى آلهتهم قالو من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين أي قد فعل ما لم يكن له فعله فقال الذي سمع ابراهيم يقول لأكيدن أصنامكم سمعنا فتى يذكرهم قال الفراء أي يعيبهم نقول للجرل صلى لئن ذكرتني لتندمن تريد بسوء تعالى فأتوا به على أعين الناس أي بمرأى منهم لا تأتوا به خفية قال أبو عبيدة تقول العرب إذا أظهر الأمر وشهر كن ذلك على أعين الناس تعاللعلهم يشهدون فيه ثلاثة أقوال يشهدون أنه قال لآلهتنا ما قال رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة يشهدون أنه فعل ذلك قاله السدي يشهدون عقابه وما يصنع به قاله محمد بن اسحاق

[ 250 ]

المفسرون فانطلقوا به الى نمرود فقال له أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا ابراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا غضب أن تعبد معه الصغار فكسرها فاسألوهم إن كانوا ينطقون من فعله بهم وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم جمادلا يقدرون على النطق العلماء في وجه هذا القول من ابراهيم عليه السلام على قولى أنه وإن كان في صورة الكذب إلا أن المراد به التنبيه على أن من لا قدرة له لا يصلح أن يكون إلها ومثله قول الملكين لدواد هذا أخي ولم يكن أخاه له تسع وتسعون نعجة ص 23 وقال ولم كن له شئ أنه هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل وأنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ومثل هذا لا تسميه العرب كذبا أنه من معاريض الكلام فروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله تعالى بل فعله ويقول معناه فعله مفعله ثم يبتدئ كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعله بتشديد اللام يريد فعله كبيرهم هذا قال الفراء وقرأ بعضهم بل فعلته بتشديد اللام يريد فلعله كبيرهم هذ وقال ابن قتيبة هذا من المعاريض ومعناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم وكذلك قوله إني سقيم الصافات 89 أي سأسقم ومثله إنك ميت الزمر 30 أي ستموت وقوله تؤاخذني بما نسيت الكهف 74 قال ابن عباس لم ينس ولكنه من معاريض الكلام والمعنى لا تؤاخذني بنسياني ومن هذا قصة الخصمين إذ تسوروا المحراب ص 21 وهمثله وإنا أو إياكم لعلى هدى سبأ 24 والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف واحسن من التصريح وروي أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه فأخذ منه برا وجعله في عكمه فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان صلى الله عليه وسلم رأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل فأنشأ يقول

[ 251 ]

عكم إذا تغشى بعض أعكام القوم فقال لم أر عكما سارقا قبل اليوم أي صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح قال ابن الأنباري كلام ابراهيم كان صدقا عند البحث ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم كذب إبراهيم ثلاثة كذبات ثنا قولا يشبه الكذب في الظاهر وليس بكذب قال المصنف وقد ذهب جماعة من العلماء إلى هذا الوجه وأنه من المعاريض والمعاريض لا تذم خصوصا إذا احتيج إليها روى عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يسرني أن به بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي وقال النخعي لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شئ يدرؤون به عن أنفسهم وقال ابن سيرين الكلام أوسع من أن يكذب ظريف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز إن الجنة لا تدخلها العجائز أراد قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء الواقعة 35 وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالا فيقول ما أخت خالك منك وقال لامرأة من زوجك فسمته له فقال الذي في عينيه بياض وقال لرجل إنا حاملوك على ولد ناقة وقال له العباس ما ترجو لأبي طالب فقال كل خير أرجوه من ربي وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سأله أحد من هذا بين يديك يقول هاد يهديني وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له فقالت له وعلى فراشي أيضا فجحد فقالت له فاقرأ القرآن فقال وفينا هذا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق مشهور من الصبح طالع ثم يبيت يجافي جنبه عن فراشه رسول إذا استثقلت بالكافرين المضاجع ولا آمنت بالله وكذبت بصري فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فضحك وأعجبه ما صنع وعرض شريح ناقة ليبيعها فقال له المشتري كيف لبناه لم قال احلب في أي اناء شئت قال كيف الوطاء قال افرش ونم قال كيف نجاؤها قال إذا رأتيها في الإبل عرفت مكانها علق سوطك وسر قال كيف قونها حدثنا قال احمل على الحائط ما شئت فاستصراها ابن فلم ير شيئا مما وصف فرجع إليه فقال لما أر فيها شيئا مما وصفتها به قال ما كذبتك قال أقلني قال نعم وخرج شريح من عند زياد وهو مريض فقيل له كيف وجدت الأمير قال تركته يأمر وينهى فقيل له ما معنى يأمر وينهى قال يأمر بالوصية وينهى عن النوح وأخذ محمد بن يوسف حجرا المدري فقال العن عليا فقال إن الأمير أمرني أن ألعن عليا محمد بن يوسف فالعنوه لعنه الله وأمر بعض الأمراء صعصعة بن صوحان بلعن علي فقال لعن الله من لعن الله

[ 252 ]

ولعن علي ثم قال إن هذا الأمير قد أبى إلا أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله وامتحنت الخوارج رجلا من الشيعة فجعل يقول أنا من علي ومن عثمان برئ وخطب رجل امرأة وتحته أخرى فقالوا لا نزوجك حتى تطلق امرأتك فقال اشهدوا أني قد طلقت ثلاثا فزوجوه فأقام مع المرأة الأولى فادعوا أنه قد طلق فقال أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها ثم فلانة فطلقتها قالو بلى قال فقد طلقت ثلاثا وحكي أن رجلا عثر به الطائف ليلة فقال له من أنت فقال أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وإن نزلت يوما فسوف تعود قوله ترى الناس أفوجا له إلى ضوء ناره فمنهم قيام حولها وقعود ذلك محمد الطائف أنه ابن بعض الأشراف بالبصرة فلما أصبح سأل عنه فإذا هو ابن باقلائي إلى ومثل هذا كثير كان الى انفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون تعالى فرجعوا الى أنفسهم فيه قولان رجع بعضهم الى بعض والثاني رجع كل منهم الى نفسه متفكرا تعالى فقالوا إنكم أنتم الظالمون فه خمسة أقوال حين عبدتم من لا يتكلم قاله ابن عباس حين تتركون آلهتكم وحدها وتذهبون قاله وهب بن منبه في عبادة هذه الأصاغر مع هذا الكبير روي عن وهب أيضا لإبراهيم حين اتهمتموه والفأس في يد كبير الأصنام قاله ابن اسحاق ومقاتل أنتم ظالمون لإبراهيم حين سألتموه وهذه أصنامكم حاضرة فاسألوها ذكره ابن جرير تعالى ثم نكسوا على رؤوسهم وقرأ أبو رزين العقيلي وابن أبي عبلة وأبو حيوة نكسوا برفع النون وكسر الكاف مشددة وقرأ سعيد ابن جبير وابن يعمر وعاصم الجحدري

[ 253 ]

نكسوا بفتح النون والكاف أبو قال أبو عبيدة نكسوا قلبوا تقول نكست فلانا على راسه إذا قهرته وعلوته أو في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال أدركتهم حيرة فقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قاله مقتادة رجعوا الى أول ما كانوا يعرفونها به من انها لا تنطق قاله ابن قتيبة انقلبوا على ابراهيم يحتجون عليه بعد أن اقروا له ولاموا أنفسهم في تهمته قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله لقع علمت إضمار قالوا وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق فحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة فقال موبخا لهم أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم أي لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا ولا يضركم إذا لم تعبدوه وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر أف لكم قال الزجاج معناه النتن لكم فلم الزمهم الحجة غضبوا فقالوا حرقوه وذكر في التفسير أن نمرود استشارهم بأي عذاب أعذبه فقال رجل حرقوه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا واوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وكانا لنا عابدين تعالى وانصروا آلهتكم أي بتحريقه لأنه يعيبها إن كنتم فاعلين أي ناصريها الى القصة أهل التفس أنهم حبسوا ابراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا الى سفح جبل منيف ونادى منادي الملك أيها الناس احتطبوا لابراهيم ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير فمن تخلف ألقي في تلك النار ففعلوا ذلك أربعين ليلة حتى إن كانت

[ 254 ]

المرأة لتقول إن ظفرت بكذا لأحتطبن عبد لنار ابراهيم حتى إذا كان الحطب يساوي رأس الجدار سدوا أبواب الحير وقذفوا فيه النار فارتفع لهبها حتى إن كان الطائر ليمر بها فيحترق من شدة حرها ثم بنوا بنيانا شامخا وبنوا فوقه منجنيقا ثم رفعوا ابراهيم على رأس البنيان فرفع ابراهيم رأسه الى السماء فقال اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة ربنا ابراهيم يحرق فيك فائذن لنا في نصرته فقال أنا أعلم به وإن دعاكم فأغيثوه فقذفوه في النار وهو ابن ست عشرة سنة وقيل ست وعشرين فقال حسبي الله ونعم الوكيل فاستقبله جبريل فقال يا ابراهيم ألك حاجة قال أما اليك فلا قال جبريل فسل ربك فقال حسبي من سؤالي علمه بحالي فقال الله عز وجل يا نار كوني بردا وسلاما على ابراهيم فلم تبق نار على وجه الأرض يومئذ إلا طفئت وظنت أنها عنيت وزعم السدي أن جبريل هو الذي ناداها وقال ابن عباس لو لم يتبع بردها سلاما لمات ابراهيم من بدرها قال السدي فأخذت الملائكة بضبعي ابراهيم فأجلسوه على الأرض فإذا عين من ماء عذب وورد أحمر ونرجس قال كعب ووهب فما أحرقت النار من ابراهيم الا وثاقو أقام في ذلك الموضع سبعة ايام وقال غيرهما أربعين أو خمسين يوما فنزل جبريل بقميص من الجنة وطنفسه عليه من الجنة فألبسه القميص وأجلسه على الطنفسة وقعد معه يحدثه وإن آزر أتى نمرود فقال أئذن لي أن اخرج عظام ابراهيم فأدفنها أبي فانطلق نمرود ومعه الناس فأمر بالحائط فنقب فإذا ابراهيم في روضة تهتز وثيابه تندى وعليه القميص وتحته الطنفسة والملك الى جنبه فناداه نمرود يا ابراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير هل تستطيع أن تخرج قال نعم فقام إبراهيم يمشي حتى خرج فقال من الذي رأيت معك قال ملك أرسله الى ربي ليؤنسني فقال نمرود إني مقرب (قربانا لما رأيت من قدرته فقال إذن لا يقبل الله منك ما كنت على دينك فقال يا ابراهيم لا استطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح له فذبح القربان وكف عن ابراهيم المفسرون ومعنى كوني بردا أي ذات برد وسلاما أي سلامة وأرادوا به كيدا وهو التحريق بالنار فجعلناهم الأخسرين وهو أن الله تعالى سلط البعوص ما عليهم حتى أكل لحومهم وشرب دماءهم ودخلت واحدة في دماع لا نمرود حتى أهلكته والمعنى أنهم كادوه بسوء فانقلب السوء عليهم تعالى ونجيناه أي من نمرود وكيده ولوطا وهو ابن أخي ابراهيم وهو لوط بن هاران بن تارح وكان قد آمن به فهاجرا من أرض العراق الى الشام وكانت سارة مع ابراهيم في

[ 255 ]

قول وهب وقال السدي إنما هي إبنة ملك حران لقيها ابراهيم فتزوجها على أن لا يغيرها وكانت قد طعنت علقومها في دينهم قوله تعالى الى الأرض التي باركنا فيها ففيها قولان أنها أرض الشام وهذا قول الأكثرين وبركتها أن الله عز وجل بعث أكثر الأنبياء منها وأكثر فيها الخصب والثمار والأنهار أنها مكة رواه العوفي عن ابن عباس والاول اصح تعالى ووهبنا له يعني ابراهيم اسحاق ويعقوب نافلة وفي معنى النافلة قولان أنها بمعنى الزيادة والمراد بها يعقوب خاصة فكأنه سأل واحدا فأعطي اثنين وهذا مذهب ابن عباس وقتادة وابن زيد والفراء أن النافلة بمعنى العطية والمراد بها اسحاق ويعقوب وهذا مذهب مجاهد وعطاء أن تعالى وكلا جعلناه صالحين يعني ابراهيم واسحاق ويعقوب قال أبو عبيدة كل يقع خبره على لفظ الواحد لأن لفظه لفظ الواحد ويقع خبره على لفظ الجميع لأن معناه معنى الجميع تعالى وجعلناهم أئمة أي رؤوسا يقتدى بهم في الخير يهدون بأمرنا أي يدعون الناس الى ديننا بأمرنا إياهم بذلك وأوحينا إليهم فعل الخيرات قال ابن عباس شرائع النبوة وقال مقاتل الأعمال الصالحة وإقام الصلاة قال الزجاج حذف الهاء من إقامة الصلاة قليل في اللغة تقول اقام إقامة والحذف جائز لأن الإضافة عوض من الهاء آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وادخلناه على في رحمتنا إنه من الصالحين تعالى ولوطا آتيناه حكما قال الزجاج انتصب لوط بفعل مضمر لأن قبله فعلا فالمعنى وأوحينا إليهم وآتينا لوطا وذكر بعض النحويين أنه منصوب على واذكر لوطا وهذا جائز لأن ذكر ابراهيم قد جرى فحمل لوط على معنى واذكر

[ 256 ]

المفسرون لما هاجر لوط مع ابراهيم نزل ابراهيم أرض فلسطين ونزلوط بالمؤتفكة على مسيرة يوم وليلة أو نحو ذلك من ابراهيم فبعثه الله نبيا الحكم ففيه قولان أنه النبوة قاله ابن عباس الفهم والعقل قاله مقاتل وقد ذكرنا فيه أقوالا في سورة 22 وأما القرية هاهنا فهي سدوم والمراد أهلها والخبائث أفعالهم المنكرة فمنها اتيان الذكور وقطع السبيل الى غير ذلك مما قد ذكره الله عز وجل عنهم في مواضع هود 78 والحجر 69 تعالى وأدخلناه في رحمتنا أي بانجائه الله من بينهم قال إذا نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين تعالى ونوحا المعنى واذكر نوحا وكذلك ما يأتيك من ذكر الأنبياء إذ نادى أي دعا على قومه من قبل أي من قبل ابراهيم ولوط فأما الكرب العظيم فقال ابن عباس هو الغرق وتكذيب قومه تعالى ونصرناه من القوم أي منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء وقيل من بمعنى على عن وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمن وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ولسليمن من الريح عاصفة تجري بأمره الى الأرض التي باركنا فيها وكنا

[ 257 ]

بكل شئ عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث وفيه قولان في أنه كان عنبا قاله ابن مسعود ومسروق وشريح كان زرعا قاله قتادة نفشت فيه غنم القوم قال ابن قتيبة أي رعت ليلا يقال نفشت الغنم بالليل وهي إبل نفش ونفاش بن نفاش والواحد نافش هذه وسرحت وسربت بالنهار قال قتادة النفش بالليل والهمل بالنهار وقال ابن السكيت النفش أن تنتشر الغنم بالليل ترعى بلا راع الى القصة اهل التفسير أن رجلين كانا على عهد داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث والأخر صاحب غنم فتفلتت سنة الغنم فوقعت في الحرث فلم تبق منه شيئا فاختصما الى داود فقال لصاحب الحرث لك رقاب الغنم فقال سليمان أو غير ذلك قال ما هو قال ينطلق اصحاب الحرث بالغنم فيصيبون من ألبانها ومنافعها ويقبل أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه الغنم دفع هؤلاء الى هؤلاء غنمهم ودفع هؤلاء الى هؤلاء كرمهم فقال داود قد اصبت القضاء ثم حكم بذلك فذلك قوله وكنا لحكمهم شاهدين وفي المشار إليهم قولان داود وسليمان فذكرهما بلفظ الجمع لأن الاثنين جمع هذا قول الفراء أنهم داود وسليمان والخصوم قاله أبو سليمان الدمشقي وقر ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة وكنا لحكمهما على التثنية ومعنى عمرو أنه لم يغب عنا من أمرهم شئ ففهمناها سليمان يعني القضية والحكومة وإنما كنى عنها لأنه قد سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم وكلا منهما آتينا حكما وقد سبق بيانه قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة قد هلكوا ولكنه أثنى على سليمان لصوابه وعذر دواد باجتهاده أبو سليمان الدمشقي كان قضاء داود وسليمان جميعا من طريق الاجتهاد ولم يكن

[ 258 ]

نصا إذ لو كان نصا ما اخلتفا قال القاضي أبو يعلى وقد اختلف الناس في الغنم إذا نفشت ليلا في زرع رجل فأفسدته فمذهب أصحابنا أن عليه الضمان وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة وأصحابه لا ضمان عليه ليلا ونهارا إلا أن يكون صاحبها هو الذي أرسلها فظاهر الآية يدل على قول أصحابنا لأن داود حكم بالضمان وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه فان قيل فقد ثبت نسخ هذا الحكم لأن داود حكم بدفع الغنم الى صاحب الحرث وحكم سليمان له بأولادها وأصوافها ولا خلاف أنه لا يجب على من نفشت غنمه في حرث رجل شئ من ذلك قيل الآية تضمنت أحكاما منها وجوب الضمان وكيفيته فالنسخ حصل على كيفيته ولم يحصل على أصله فوجب التعلق به وقد روى حرام بن محيصه عن ابيه ان ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل قبل تعالى وسخرنا مع داود الجبال يسبحن تقديره الكلام وسخرنا الجبال يسبحن مع داود قال أبو هريرة كان إذا سبح أجابته الجبال والطير بالتسبيح والذكر وقال غيره كان إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق هو فيسبح تعالى وكنا فاعلين أي لذلك قال الزجاج المعنى وكنا نقدر على ما نريده تعالى وعلمناه صنعة لبوس لكم في المراد باللبوس يحيى قولان الدروع وكانت قبل ذلك صفائح وكان داود أول من صنع هذه الحلق وسرد قاله قتادة أن اللبوس السلاح كله من درع الى رمح قاله أبو عبيدة وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع لبوس بضم اللام تعالى ليحصنكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ليحصنكم بالياء وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم لتحصنكم بالتاء وروى أبو بكر عن عاصم لنحصنكم بالنون خفيفة وقرأ أبو الدرداء وأبو عمران الجوني وابو حيوة لتحصنكم بتاء مرفوعة وفتح الهاء وتشديد الصاد وقرأ ابن مسعود وابو الجوزاء وحميد ابن قيس لتحصنكم بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمها وقرأ أبو رزين العقيلي وابو المتوكل ومجاهد لنحصنكم بنون مرفوعة وفتح الحاء وكسر الصاد مع تشديدها وقرأ

[ 259 ]

معاذ القارئ وعكرمة وابن يعمر وعاصم الجحدري وابن السميفع ليحصنكم بياء مرفوعة وسكون الحاء وكسر الصاد مشددة النون الرحمن قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه قال أبو علي الفارسي أن يكون الفاعل اسم الله لتقدم معناه ويجوز أن يكون اللباس لأن اللبوس بمعنى اللباس من حيث كان ضربا منه ويجوز أن يكون داود ويجوز أن يكون التعليم وقد دل عليه علمناه قرأ بالتاء حمله على المعنى لأنه الدرع قرأ بالنون فلتقدم قوله وعلمناه لتحصنكم لتحرزكم وتمنعكم وكان من بأسكم يعني الحرب تعالى ولسليمان الريح وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو عمران الجوني وأبو حيوة الحضرمي الرياح بألف مع رفع الحاء وقرأ الحسن وابو المتوكل وابو الجوزاء بالألف ونصب الحاء والمعنى وسخرنا لسليمان الريح عاصفة أي شديدة الهبوب تجري بأمره يعني بأمر سليمان الى الأرض التي باركنا فيها وهي أرض الشام وقد مر بيان بركتها في هذه السورة الأنبياء 72 والمعنى أنها كانت تسير به الى حيث شاء ثم تعود به الى منزله بالشام تعالى وكنا بكل شئ عالمين علمنا أن ما نعطي سليمان يدعوه الى الخضوع لربه تعالى ومن الشياطين من يغوصون له قال أبو عبيدة من تقع على الواحدو الاثنين والجمع من المذكر والمؤنث قال المفسرون كانوا يغوصون في البحر فيستخرجون الجواهر ويعملون عملا دون ذلك قال الزجاج معناه سوى ذلك وكنا لهم حافظين أن يفسدوا ما عملوا وقال غيره أن يخرجوا عن أمره روى إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ولم له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين واسمعيل وادريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين

[ 260 ]

تعالى وأيوب إذ نادى ربه أي دعا ربه أني وقرأ أبو عمران الجوني إني بكسر الهمزة مسني الضر وقرأ حمزة مسني بتسكين الياء أي أصابني الجهد وأنت أرحم الراحمن بين أي أكثرهم رحمة وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة إذ أثنى عليه بأنه الأرحم أهل وسكت الى قصته أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زماهنه حديث وكان كير الإحسان فقال ابليس يا رب سلطني على ماله وولده وكان له ثلاثة عشر ولدا فان فعلت رأيته كيف يطيعني ويعصيك فقيل له قد سلطتك على ماله وولده فرجع ابليس فجمع شياطينه ومردته عند فبعث بعضهم الى دوابه ورعاته فاحتملوها حتى قذفوها في البحر وجاء ابليس في صورة قيمه فقال يا أيوب الا أراك تصلي وقد أقبلت ريح عاصف فا حتملت دوابك ورعاتها حتى قذفتها في البحر فلم يرد عليه شيئا حتى فرغ من صلاته ثقال الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مني فانصرف خائبا ثم أرسل بعض الشياطين الى جنانه وزروعه فأحرقوها وجاء فأخبره فقال مثل ذلك فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا لأنه منازل أيوب وفيها ولده وخدمه وفأهلكوهم أخبرنا وجاء فأخبره فحمد الله وقال لإبليس وهو يظنه قيمه في ماله لو كان فيك خير لقبضك معهم فانصرف خائبا يا له كيف رأيت عبدي أيوب قال يا رب سلطني على جسده فسوف ترى قيل له قد سلطتك على جسده فجاء فنفخ في إبهام قدميه فاشتعل فيه مثل النار ولم يكن في زمانه أكثر بكاء منه خوفا من الله تعالى فلما نزل به البلاء لم يبك مخافة الجزع وبقي لسانه للذكر وقلبه للمعرفة والشكر وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم ووقعت به حكة لا يملكها فحك بأظفاره حتى سقطت ثم بالمسوح لو ثم بالحجارة فأنتن جسمه وتقطع وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشا على كناسه ورفضه الخلق سوى زوجته واسمها رحمة بنت إفراييم بن يوسف ين يعقوب فكانت تختلف إليه بما يصلحه وروى أبو بكر القرشي عن الليث ابن سعد

[ 261 ]

قاكان ملك يظلم الناس فكلمه في ذلك جماعة من الأنبياء وسكت عنه أيوب لأجل خى كانت له في سلطانه فأوحى الله إليه تركت كلامه من أجل خيلك لأطيلن بلاءك في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال ثماني عشرة سنة رواه انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم سبع سنين قاله ابن عباس وكعب ويحيى بن أبي كثير 377 يكون سبع سنين وأشهر قاله الحسن ثلاث سنين قاله وهب سبب سؤاله العافية ستة اقوال أنه اشتهى إداما فلم تصبه امرأته حتى باعت قرنا من شعرها فلما علم ذلك قال مسني الضر رواه الضحاك عن ابن عباس أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله فلما انتهى أجل البلاء يسر له الدعاء فاستجاب له رواه العوفي عن ابى عباس أن نفرا من بني اسرائيل مروا به فقال بعضهم لبعض ما أصابه هذا الا بذنب عظيم فعند ذلك قال مسني الضر قاله نوف البكالي وقال عبد الله بن عبيد بن عمير كان له أخوان فأتياه يوما فوجدا ريحا فقالا لو كان الله علم منه خيرا ما بلغ بكل هذا فما سمع شيئا أشد عليه من ذلك فقال اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق وهما يسمعان ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق وهما يسمعان فخر ساجدا ثم قال اللهم لا ارفع رأسي حتى تكشف ما بي فكشف الله عز وجل ما به أن ابليس جاء الى زوجته بسخلة فقال ليذبح أيوب هذه لي وقد برأ فجاءت فأخبرته فقال إن شفان الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتني أن أذبح لغير الله ثم طردها عنه فذهبت فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق خر ساجدا وقال مسني الضر قاله الحسن ان الله تعالى أوحى إليه وهو في عنفوان شبابه إني مبتليك يا رب وأين يكون قلبي قال عندي فصب عليه من البلاء ما سمعتم حتى إذا بلغ البلاء منتهاه أوحى إليه أن معافيك مع قال يا رب وأين يكون قلبي قال عندك قال مسني الضر قاله ابراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدثنا به عنه

[ 262 ]

أن الوحي انقطع عنه اربعين يوما فخاف هجران ربه فقال مسني الضر ذكره الماوردي قيل اين الصبر وهذا لفظ الشكوى أن الشكوى الى الله لا تنافي الصبر وإنما المذموم الشكوى الى الخلق ألم تسمع قول يعقوب إنما أشكو بثي وحزني الى الله يوسف 86 قال سفيان بن عيينه وكذلك من شكا الى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعا ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه أجدني مغموما وأجدني مكروبا وقوله بل أنا وارأساه تعالى وآتيناه أهله يعني أولاده ومثلهم معهم فيه أربعة أقوال أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم وآتاه مثلهم معهم في الدنيا قاله ابن مسعود والحسن وقتادة وروى أبو صالح عن ابن عباس كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات فنشروا له وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا فآتاه إياهم في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة رواه هشام عن الحسن آتاه الله اجور أهله في الآخرة وآتاه مثلهم في الدنيا قاله نوف ومجاهد آتاه اهله ومثلهم معهم في الآخرة حكاه الزجاج تعالى رحمة من عندنا أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا وذكرى أي عظة للعابدين قال محمد بن كعب من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب فليقل إنه قد أصاب من هو خير مني تعالى وذا الكفل اختلفوا هل كان نبيا أم لا على قولين أنه لم يكن نبيا ولكنه كان عبدا صالحا قاله أبو موسى الأشعري ومجاه ثم اختلف أرباب هذا القول في علة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال أحدها أرجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي فكفل بصلاته فسمي ذا الكفل قاله أبو موسى الأشعري والثاني أنه تكفل للنبي بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل فسمي ذا الكفل قاله مجاهد والثالث أن ملكا قتل في يوم ثلاثمائة نبي وفر منه مائة نبي فكفلهم ذو الكفل يطعمهم ويسقيهم حتى أفلتوا فسمي ذا الكفل قاله ابن السائب

[ 263 ]

الثاني أنه كان نبيا قاله الحسن وعطاء قال عطاء سعيد الله تعالى إلى نبي من الأنبياء إني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك بأنه يصلي الليل لا يفتر ويصوم النهار لا يفطر ويقضي بين الناس ولا يغضب فادفع ملكك إليه ففعل ذلك فقام شاب فقال أنا أتكفل لك بهذا فتكفل به فوفى فشكر الله له ذلك ونبأه وسمي ذا الكفل وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول اللصلى الله عليه وسلم في الكفل أنه كان رجلا لا ينزع عن ذنب وأنه خلا بامرأة ليفجر بها فبكت وقالت ما فعلت هذا قط فقام عنها تائبا ومات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله للكفل والحديث معروف وقد ذكرته في الحدائق فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل وهذا غلط لأن ذلك اسمه الكفل والمذكور في القرآن يقال له ذو الكفل ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا وإذا قلنا إنه نبي فإن الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله تعالى فوافقني وقال ليس هذا بذاك تعالى كل من الصابرين أي على طاعة الله وترك معصيته وأدخلناهم في رحمتنا في هذه الرحمة ثلاثة أقوال أنها الجنة قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله مقاتل والثالث النعمة والموالاة حكاها أبو سليمان الدمشقي وذا النون إذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين تعالى وذا النون يعني يونس بن متى والنون السمكة أضيف إليها لابتلاعها إياه تعالى إذ ذهب مغاضبا قال ابن قتيبة المغاضبة مفاعلة وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمجادلة والمخاصمة وربما تكون من واحد كقولك سافرت وشارفت الأمر وهي هاهنا من هذا الباب وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعاصم الجحدري وابن السميفع مغضبا باسكان الغين وفتح الضاد من غير ألف في مغاضابته بكر لمن كانت على قولين

[ 264 ]

أنه غضب على قومه قاله أبن عباس والضحاك وفي غضبه عليهم ثلاثة أقوال أحدها أن الله تعالى أوحى إلى بني نبي يقال له شعيا أن ائت فلان الملك فقل له يبعث نبيا أمينا إلى بني إسرائيل وكان قد غزا بني إسرائيل ملك وسبمنهم الكثير فاراد النبي والملك أن يبعثا يونس إلى ذلك الملك ليكلمه حتى يرسلهم فقال يونس لشعيا هل أمرك الله باخراجي قد قال لا قال فهل سماني لك قال لاقال فهاهنا غيري من الأنبياء فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك ولقومه هذا مروي عن ابن عباس وقد زدناه شرخا في يونس 98 والثاني أنه عانى من قومه أمرا صعبا من الأذى والتكذيب فخرج عنهم قبل أن يؤمنوا ضجرلا وفي وما ظن أن هذا الفعل نوجب عليه ما جرى من العقوبة ذكره ابن الأنباري وقد روي عن وهب بن منبه قال لما حملت عليه أثقال النبوة ضاق بها ذرعا ولم يصبر كل من يده وخرج هاربا والثالث أنه لما أوعدهم العذاب فتابوا ورفع عنهم قيل له ارجع إليهم فقال كيف إ أرجع فيجدوني كاذبا فانصرف مغاضبا لقومه عاتبا على ربه وقد ذكرنا هذا فيونس 98 أنه خرج مغاضبا لربه قاله الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعروة وقال أبو بكر النقاش المعنى مغاضبا من أجل ربه وإنما غضب لأجل تمردهم وعصيانهم وقال ابن قتيبة كان مغيظا عليهم لطول ما عاناه من تكذيبهم مشتهيا أن ينزل بهم فعاقبه الله على كراهيته العفو عن قومه تعالى فظن أن لن نقدر عليه وقرأ يعقوب يفدر بضم الياء وتشديد الدال وفتحها وقرأ سعيد بن جبير وأبو الجوزاء وابن أبي ليلى يقدر بياء مرفوعة مع سكون القاف وتخفيف الدال وفتحها وقرأ أبو عمران الجوني يقدر بياء مفتوحة وسكون القاف وكسر الدال خفيفة وقرأ الزهري وابن يعمر وحميد بن قيس نقدر بنون مرفوعة وفتح القاف وكسر الدال وتشديدها ثم فيه ثلاثة أقوال أن لن نقض عليه بالعقوبة رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك قال الفراء معنى الآية فظن أن لن نقدر عليه ما قدرنا من العقوبة والعرب تقول قدر بمعنى قدر قال أبو صخر

[ 265 ]

ولا عائدا ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن ولك الشكر أراد ما تقدر وهذا مذهب الزجاج فلا فظن أن لن نضيق عليه قاله عطاء قال ابن قتيبة يقال فلان مقدر عليه ومقتر عليه ومنه قوله تعالى فقدر عليه رزقه الفجر 16 أي ضيق عليه فيه قال النقاش والمعنى فظن أن لن يضيق عليه الخروج فكأنه ظن أن الله قد وسع له إن شاء أن يقيم وإن شاء أن يخرج ولم يؤذن له في الخروج أن المعنى فظن أنه يعجز ربه فلا يقدر عليه رواه عوف عن الحسن وقال ا بزيد وسليمان التيمي المعنى أفظن أن لن نقدر عليه فعلى هذا الوجه يكون استفهاما قد حذفت ألفه وهذا الوجه يدل على أنه من القدرة ولا يتصور إلا مع تقدير الاستفهام ولا أعلم له وجها إلا أن يكون اسفهام منه إنكار تقديره ما ظن عجزنا فأين يهرب منا تعالى فنادى في الظلمات فيها ثلاثة أقوال أنها ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل قاله سعيد ابن جبير وقتادة والأكثرون أن حوتا جاء فابتلع الحوت الذي هو في بطنه فنادى في ظلمة حوت ثم في ظلمة حوت ثم في ظلمة البحر قاله سال ابن أبي الجعد أنها ظلمة الماء وظلمة معى السمكة وظلمة بطنها قاله ابن السائب وقد روى سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال الحسن وهذا اعتراف من يونس بذنبه وتوبة من خطيئته قوله تعالى فاستجبنا له أي أجبناه ونجيناه من الغم أي من الظلمات وكذلك ننجي المؤمنين إذا دعونا وروى أبو بكر عن عاصم أنه قرأ نجي المؤمنين بنون واحدة مشددة الجيم قال الزجاج وهذا لحن لا وجه له وقال أبو علي الفارسي غلط الراوي عن عاصم ويدل على هذا اسكانه الياء من نجي ونصب المؤمنين ولو كان على ما لم يسم فاعله ما سكن الياء ولرفع المؤمنين

[ 266 ]

إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون تعالى لا تذرني فردا أي وحيدا بلا ولد وانت خير الوارثين أي أفضل من بقي حيا بعد ميت تعالى وأصلحنا له زوجه فيه ثلاثة أقوال أصلحت للولد بعد أن كانت عقيما قاله ابن عباس وسعيد ابن جبير وقتادة أنه كان في لسانها طول وهو البذاء فأصلحت قاله عطاء وقال السدي كانت سليطة فكف عنه لسانها أنه كان خلقها سيئا قاله محمد بن كعب تعالى إنهم كانوا يسارعو في الخيرات أي يبادرون في طاعة الله وفي المشار إليهم قولان زكريا وامرأته ويحيى والثاني جميع الأنبياء المذكورون في هذه السورة تعالى ويدعوننا وقرأ ابن مسعود وابن محيصن ويدعونا بنون واحدة تعالى رغبا ورهبا أي رغبا فيما عندنا ورهبا منا وقرأ الأعمش رغبا ورهبا بضم الراءين وجزم الغين والهاء وهما لغتان مثل النحل والنحل والسقم والسقم وكانوا لنا خاشعين أي متواضعين تعالى والتي أحصنت فرجها فيه قولان

[ 267 ]

أنه مخرج الولد والمعنى منعته مما لا يحل وإنما وصفت بالعفاف لأنها قذفت بالزنا أنه جيب درعها ومعنى الفرج في اللغة كل فرجة بين شيئين وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو يسمى فرجا وهذا أبلغ في الثناء عليها لأنها إذا منعت جيب درعها فهي لنفسها أمنع تعالى فنفخنا فيها أي أمرنا جبريل فنفخ في درعها فأجرين فيها روح عيسى كما تجري الريح بالنفخ واضاف الروح إليه اضافة الملك للتشريف والتخصيص وجعلناها وابنها اية قال الزجاج لما كان شأنهما واحدا كانت: فيهما آية واحدة وهي ولادة من غير فحل وقرأ ابن مسعود وابن ابي عبلة آيتين على التثنية تعالى إن هذه أمتكم قال ابن عباس المراد بالامة هاهنا الدين وفي المشار إليهم قولان أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو معنى قول مقاتل أنهم الأنبياء عليهم السلام قاله أبو سليمان الدمشقي ثم ذكر أهل الكتاب فذمهم بالاختلاف فقال تعالى وتقطعوا أمرهم بينهم أي اختلفوا في الدين فمن يعمل من الصالحات أي شيئا من الفرائض وأعمال البر فلا كفران لسعيه أي لا نجحد ما عمل قاله ابن قتيبة والمعنى أنه يقبل منه ويثاب عليه وإنا له كاتبون ذلك نأمر الحفظة أن يكتبوه لنجازيه به غير أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين إنكم وما

[ 268 ]

تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيه خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون تعالى وحرام على قرية قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم وحرام بألف وقرأ حمزة والكسائي أحمد بكر عن عاصم وحرم بكسر الحاء من غير ألف وهما لغتان يقال حرم وحرام وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل وأبو عمران الجوني حرم بفتح الحاء وسكون الراء من غير الف والميم مرفوعة منونة وقرأ سعيد بن جبير وحرم بفتح الحاء وسكون الراء وفتح الميم من غير تنوين ولا ألف وقرأ أبو الجوزاء وعكرمة والضحاك وحرم بفتح الحاء والميم وكسر الراء من غير تنوين ولا ألف وقرأ سعيد بن المسيب وأبو مجلز وابو رجاء وحرم بفتح الحاء وضم الراء ونصب الميم من غير ألف معنى قوله تعالى وحرام قولان واجب قاله ابن عباس وانشدوا في معناه فان حراما لا أرى الدهر باكيا بعد على شجوه إلا بكيت على عمرو أي واجب أنه بمعنى العزم قاله سعيد بن جبير وقال عطاء حتم من الله والمراد بالقرية أهلها في معنى الآية أربعة أقوال واجب على قرية أهلكناها أنهم لا يتوبون رواه عكرمة عن ابن عباس واجب عليها أنها إذا أهلكت لا ترجع الى دنياها هذا قول قتادة وقد روي عن ابن عباس نحوه يقول أن لا زائدة والمعنى حرام على قرية مهلكة أنهم يرجعون الى الدنيا قاله ابن جريوابن قتيبة في آخرين أن الكلام متعلق بما قبله لأنه لما قال فلا كفران لسعيه أعلمنا أنه قد حرم قبول اعمال الكفار فمعنى الآية وحرام على قرية أهلكناها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يتوبون هذا قول الزجاج قيل كيف يصح أن يحرم على الإنسان ما ليس من فعله ورجوعهم بعد الموت ليس إليهم

[ 269 ]

ان المعنى منعوا من ذلك كما يمنع الانسان من الحرام وإن قدر عليه فكان التشبيه بالتحريم للحالتين من حيث المنع تعالى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وقرأ ابن عامر فتحت بالتشديد والمعنى فتح الردم عنهم وهم من كل حدب قال ابن قتيبة من كل نشر من الأرض وأكمة ينسلون من النسلان وهو مقاربة الخطو مع الإسراع كمشي الذئب إذا بادر والعسلان مثله وقال الزجاج الذي كل أكمه وينسلون يسرعون وقرأ أبو رجاء العطاردي وعاصم الجحدري ينسلون بضم السين قوله تعالى وهم قولان أنه إشارة الى يأجوج ومأجوج قاله الجمهور الى جميع الناس فالمعنى وهم يحشرون الى الموقف قاله مجاهد والأول اصح قيل أين جواب حتى ففيه قولان أنه قوله تعالى واقترب الوعد الحق والواو في قول تعالى واقترب زائدة قاله الفراء ومثله إذا جاؤوها وفتحت أبوابها الزمر 73 وقوله تعالى فلما أسلما للجبين وناديناه الصافات 103 104 المعنى نادينا وقال عبد الله بن مسعود الساعة من الناس بعد يأجوج ومأجوج كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولدها ليلا أو نهارا أنه قول محذوف في قوله يا ويلنا فالمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد قالو يا ويلنا قال الزجاج هذا قول البصريين فاما الوعد الحق فهو القيامة تعالى فإذا هي في هي أربعة اقوال أن هي كناية عن الابصار والابصار تفسير لها كقول الشاعر لعمرو لأن أبيها لا تقول ظعينتي وقد ألا فرعني علي مالك بن أبي كعب حتى الظعينة وقد كنى عنها في لعمرو أبيها تعالى أن هي ضمير فصل وعماد ويصح في موضعها هو ومثله قول إنه أنا الله النمل 9 وقوله فانها لا تعمى الأبصار الحج 46 وأنشدوا

[ 270 ]

بثوب فإن ودينار وشاه ودرهم عمر فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس النبي ذكرهما الفراء ان يكون تمام الكلام عند قوله هي على معنى فإذا هي بارزة واقفة يعني من قربها كأنها آتية حاضرة ثم ابتدأ فقال شاخصة ذكره الثعلبي أن هي كناية عن القصة والمعنى القصة أن ابصارهم شاخصة في ذلك اليوم ذكره علي بن احمد النيسابوري قال المفسرون تشخص ابصار الكفار من هول يوم القيامة ويقولون يا ويلنا قد كنا أي في الدنيا في غفلة من هذا أي عن هذا بل كنا ظالمين أنفسنا بكفرنا ومعاصينا وإن هم خاطب أهل مكة فقال إنكم وما تعبدون من دون الله يعني الاصنام حصب جهنم وقرأ علي بن ابي طالب وابو العالية وعمر بن عبد العزيز حطب بالطاء وقرأ ابن عباس وعائشة وابن السميفع حضب بالضاد المعجمة المفتوحة وقرأ عروة وعكرمة وابن يعمر وابن أبي عبلة حضب جهنم باسكان الضاد المعجمة وقرأ أبو المتوكل وأبو حيوة ومعاذ القارئ حضب بكسر الحاء مع تسكين الضاد المعجمة وقرأ أبو مجلز كما رجاء وابن محيصن حصب بفتح الحاء وبصاد غير معجمة ساكنة قال الزجاج من قرأ حصب جهنم فمعناه كل ما يرمى به فيها ومن قرأ حطب فمعناه ما توقد به ومن قرأ بالضاد المعجمة فمعناه ما تهيج به النار وتذكى به قال ابن قتيبة الحصب ما ألقي فيها واصله من الحصباء وهو الحصى يقال حصبت فلانا إذا رميته حصبا بتسكين الصاد وما رميت به فهو حصب بفتح الصاد تعالى أنتم يعني العابدين والمعبودين لها واردون أي داخلون لو كان هؤلاء يعني الاصنام آلهة على الحقيقة ما وردوها فيه ثلاثة أقوال أنه اشارة إلى الاصنام والمعنى لو كانوا آلهة ما دخلوا النار أنه اشارة الى عابديها فالمعنى لو كانت الأصنام آلهة منعت عابديها دخول النار أنه إشارة الى الآلهة وعابديها بدليل قوله تعالى وكل فيها خالدون يعني العابد والمعبود تعالى لهم فيه زفير قد شرحنا معنى الزفير في هود 106 وفي علة كونهم لا يسمعون ثلاثة أقوال

[ 271 ]

أنه يوضع في مسامعهم مسامير من نار ثم يقذفون في توابيت من نار مقفلة عليهم رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل وقال ابن مسعود إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار هو جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحدهم ان في النار أحدا يعذب غيره أن السماع أنس والله لا يحب أن يؤنسهم قاله عون بن عمارة إنما لم يسمعوا لشدة غليان جهنم قاله أبو سليمان الدمشقي الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقهم وسلم الملئكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وما أرسلناك الا رحمة للعالمين تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى سبب نزولها أنه لما نزلت إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم شق ذلك على قريش وقالوا شتم آلهتنا فجاء ابن الزبعري فقال ما لكم قالوا شتم آلهتنا قال وما قال فاخبروه فقال ادعوه لي فلما دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا محمد هذا شئ لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله قال لا بل لكل من عبد من دون الله فقال ابن الزبعري خصمت ورب هذه البنية ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون وأن عيسى عبد صالح وأن عزيرا عبد صالح فهذه بنو مليح يعبدون الملائكة وهذه النصارى تعبد عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرا فضج أهل مكة فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقال الحسين ابن الفضل إنما أراد بقوله وما تعبدون الأصنام دون غيرها

[ 272 ]

لأنه لو أراد الملائكة والناس لقال ومن وقيل إن بمعنى إلا فتقديره إلا الذين سبقت لهم منه الحسنى وهي قراءة ابن مسعود وأبي نهيك فانهما قرءا الا الذين وروي عن علي بن أبطالب أنه قرأ هذه الآية فقال أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعوعبد الرحمن المراد بالحسنى قولان أحدهما الجنة قاله ابن عباس وعكرمة والثاني السعادة قاله ابن زيد تعالى اولئك عنها أي عن جهنم وقد تقدم ذكرها مبعدون والبعد طول المسافة والحسيس الصوت تسمعه من الشئ إذا مر قريبا منك قال ابن عباس لا يسمع أهل الجنة حسيس أهل النار إذا نزلوا منازلهم من الجنة تعالى لا يحزنهم الفزع الأكبر وقرأ أبو رزين وقتادة عنه أبي عبلة وابن محيصن وأبو جعفر الشيزري عن الكسائي لا يحزنهم بضم الياء وكسر الزاي الفزع الأكبر أربعة أقوال أنه النفخة الآخرة رواه العوفي عن ابن عباس وبهذه النفخة يقوم الناس من قبورهم ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى وتتلقاهم الملائكة أنه اطباق النار على أهلها رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الضحاك أنه ذبح الموت بين الجنة والنار وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال ابن جريج أنه حين يؤمر بالعبد الى النار قاله الحسن البصري مكان تلقي الملائكة لهم قولان إذا قامو من قبورهم قاله مقاتل والثاني على أبواب الجنة قاله ابن السائب تعالى هذا يومكم فيه اضمار يقولون هذا يومكم الذي كنتم توعدون فيه الجنة تعالى يوم نطوي السماء وقرأ أبو العالية وابن أبي عبلة وأبو جعفر تطوى بتاء مضمومة السماء بالرفع وذلك بمحو رسومها وتكدير نجومها وتكوير شمسها كطي السجل للكتاب قرأ الجمهور السجل بكسر السين والجيم وتشديد اللام وقرأ الحسن وأبو المتوكل

[ 273 ]

إن الجوزاء ومحبوب عن أبي عمرو السجل بكسر السين وإسكان الجيم خفيفة وقرأ أبو السماك كذلك إلا أنه فتح الجيم تعالى للكتاب قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر للكتاب وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع السجل اربعة اقوال أنه ملك قاله علي بن أبي طالب وابن عمر والسدي أنه كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس أن السجل بمعنى الرجل روى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال السجل هو الرجل قال شيخنا أبو منصور اللغوي وقد قيل السجل بلغة الحبشة الرجل أنه الصحيفة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والفراء وابن قتيبة وقرأت على شيخنا أبي منصور قال قال أبو بكر يعني ابن دريد السجل الكتاب والله أعلم ولا ألتفت الى قولهم إنه لا معرب والمعنى كما يطوي السجل على ما فيه من كتاب واللام بمعنى على وقال بعض العلماء المراد بالكتاب المكتوب فلما كان المكتوب ينطوي بانطواء الصحيفة جعل السجل كأنه يطوي الكتاب استأنف فقال تعالى كما بدأنا أول خلق نعيده الخلق هاهنا مصدر وليس بمعنى المخلوق معنى الكلام اربعة أقوال كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة روي عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلا كما خلقوا ثم قرأ كما بدأنا أول خل نعيده والى هذا المعنى ذهب مجاهد أن المعنى إنا نهلك كل شئ كما كان أول مرة رواه العوفي عن ابن عباس أن السماء تمطر أربعين يوما كمني الرجال فينبتون بالمطر في قبورهم كما ينبتون في بطون امهاتهم رواه أبو صالح عن ابن عباس أن المعنى قدرتنا على الإعادة كقدرتنا على الابتداء قاله الزجاج تعالى وعدا قال الزجاج هو منصوب على المصدر لأن قوله تعالى نعيده بمعنى وعدنا هذا وعدا إنا كنا فاعلين أي قادرين على فعل ما نشاء وقال غيره إنا كنا فاعلين ما وعدنا

[ 274 ]

تعالولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر فيه اربعة أقوال أن الزبور جميع الكتب المنزلة من السماء والذكر أم الكتاب الذي عند الله قاله سعيد بن جبير في رواية ومجاهد وابن زيد وهذا معنى قول ابن عباس في رواية ابن جبير فانه قال الزبور التوارة والإنجيل والقرآن والذكر الذي في السماء أن الزبور الكتب والذكر التوراة رواه العوفي عن ابن عباس أن الزبور القرآن والذكر التوراة والإنجيل قاله سعيد بن جبير في رواية أن الزبور زبور داود والذكر ذكر موسى ة فيه قاله الشعبي وفي الارض المذكورة هاهنا ثلاثة أقوال أنه أرض الجنة رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الاكثرون والثاني أرض الدنيا وهو منقول عن ابن عباس أيضا والثالث الارض المقدسة قاله ابن السائب قوله تعالى يرثها عبادي الصالحون ثلاثة أقوال أنهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وفي رواية ترث أمه محمد أرض الدنيا بالفتوح بنو اسرائيل قاله ابن السائب صلى أنه عام في كل صالح قاله بعض فقهاء المفسرين تعالى إن في هذا يعني القرآ لبلاغا أي لكفاية والمعنى أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه الى الجنة تعالى لقوم عابدين قال كعب هم امة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قال ابن عباس هذا عام للبر والفاجر فمن آمن به تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن كفر به صرفت عنه العقوبة الى الموت والقيامة وقال ابن زيد هو رحمة لمن آمن بخاصة إنما يوحى الي انما الهكم اله واحد فهل أنتم مسلمون فان تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري اقريب أم بعيد ما توعدون إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما

[ 275 ]

تكتمون وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع الى حين قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون قوله تعالى فهل انتم مسلمون قال ابن عباس فهل أنتم مخلصون له العبادة قال اهل المعاني هذا استفهام بمعنى الأمر تعالى فان تولوا أي اعرضوا ولم يؤمنوا فقل آذنتكم على سواء في معنى الكلام قولان نابذتكم وعاديتكم وقال وأعلمتكم أنه ذلك فصرت أنا وأنتم على سواء قد استوينا في العلم بذلك وهذا من الكلام المختصر قاله ابن قتيبة أعلمتكم بالوحي الي لتستووا في الإيمان به قال الزجاج تعالى وإن أدري أي وما أدري اقريب أم بعيد ما توعدون بنزول العذاب بكم إنه يعلم الجهر وهو ما يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم متى هذا الوعد يس 48 وما تكتمون إسرارهم ان العذاب لا يكون تعالى لعله فتنة لكم في هاء لعله قولان انها ترجع الى ما آذنهم به قاله الزجاج الى العذاب فالمعنى لعل تأخير العذاب عنكم فتنة قاله ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي ومعنى الفتنة هاهنا الاختبار ومتاع الى حين أي تستمعون الى انقضاء آجالكم قل رب وروى حفص عن عاصم قال رب احكم قرأ أبو جعفر رب احكم بضم الباء وروى زيد عن يعقوب ربي بفتح الياء أحكم بقطع الهمزة وفتح الكاف ورفع الميم ومعنى احكم بالحق أي بعذاب كفار قومي الذي نزوله حق فحكم عليهم بالقتل في يوم بدر وفيما بعده من الأيام والمعنى على هذا افصل بيني وبين المشركين وهو يظهر به الحق ومعنى على ما تصفون أي من كذبكم وباطلكم وقرا ابن عامر والمفضل عن عاصم يصفون بالياء قيل فهل يجوز على الله أن يحكم بغير الحق أن المعنى احكم بحكمك الحق كأنه استعجل النصر عليهم

[ 276 ]

الحج الله الرحمن الرحيم أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه الى عذاب السعير في نزولها وقال أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية كلها غير آيتين نزلتا بالمدينة قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف والتي تليها الحج 12 13 صلى الله عليه وسلم وي رواية اخرى عن ابن عباس انها مدنية إ الا أربع آيات نزلت بمكة وهي قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول الى آخر الاربع الحج 57 - 53 إذا وقال عطاء بن يسار نزلت بمكة الا ثلاثة آيات منها نزلت بالمدينة فقال خصمان واللتان بعدها الحج 20 22 أي وقال أبو سليمان الدمشقي أولها مدني الى قوله تعالى وبشر المحسنين الحج 38 وسائرها مكي وقال الثعلبي هي مكية غير ست آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى هذان خصمان الى قوله تعالى الحميد الحج 20 25 وقال هبة الله بن سلامة هي من

[ 277 ]

أعاجيب سور القرآن لأن فيها مكية ومدنيا وحضرياثنا وسفريا وحربيا وسلميا وليليا ونهاريا به وناسخا ومنسوخا المكي فمن رأس الثلاثين منها الى آخرها هذا فمن رأس خمس وعشرين الى رأس ثلاثين الليلي فمن أولها الى آخر خمس آيات النهاري فمن رأس خمس آيات الى رأس تسع السفري فمن رأس تسع الى اثنتي عشرة الحضري فالى رأس العشرين منها نسب الى المدينة لقرب مدته تعالى اتقوا ربكم أي احذروا عقابة إن زلزلة الساعة الزلزلة الحركة على الحالة الهائلة وقت هذه الزلزلة قولان أنها يوم القيامة بعد النشور روى عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ إن زلزلة الساعة شئ عظيم وقال تدرون أي يوم ذلك فأنه يوم ينادي الرب عز وجل آدم عليه السلام ابعث بعثا الى النار فذكر الحديث وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم قم فابعث بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين الى النار فحينئذ يشيب المولود وتضع كل ذات حمل حملها وقرأ الآية وقال ابن عباس زلزلة الساعة قيامها يعني أنها تقارب قيام الساعة وتكون معها وقال الحسن والسدي هذه الزلزلة تكون يوم القيامة أنها تكون في الدنيا قبل القيامة وهي من اشراط الساعة قاله علقمة والشعبي وابن جريج وروى أبو العالية عن ابي بن كعب قال ست آيات قبل القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت ففزع الجن الى الإنس والإنس الى الجن واختلطت الدواب والطير والوحش فماج بعضهم في بعض فقالت الجن للانس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا الى البحور فإذا هي نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض الى الأرض السابعة والسماء الى السماء السابعة فينما هم كذلك إذ جاءتهم ثم فماتوا وقال مقاتل هذه الزلزلة قبل النفخة الأولى وذلك أن مناديا ينادي من السماء يا أيها الناس أتى أمر الله فيفزعون فزعا شديدا فيشيب الصغير وتضع الحوامل

[ 278 ]

تعالى شئ عظيم أي لا يوصف لعظمه تعالى يوم ترونها يعني الزلزلة تذهل كل مرضعة عما أرضعت فيه قولان تسلو عن ولدها وتتركه قاله ابن قتيبة تشغل عنه قاله قطرب ومنه قول ابن رواحة رسول الخليل عن خليله إ أبو عمران الجوني وابن ابي عبلة تذهل برفع التاء وكسر الهاء كل بنصب اللام قال الأخفش وإنما قال مرضعة لأنه أراد والله أعلم الفعل ولو اراد الصففيما نرى لقال مرضع قال الحسن تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام وتضع الحامل مفي بطنها لغير تمام وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا تكون حبلى تعالى وترى الناس سكارى وقرأ عكرمة والضحاك وابن يعمر وترى بضم التاء ومعنى سكارى من شدة الخوف وما هم بسكارى من الشراب والمعنى ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم يضطربون اضطراب السكران من الشراب وقرأ حمزة والكسائي وخلف سكرى وما هم بسكرى وهي قراءة ابن مسعود قال الفراء ولا وجه جيد لأنه بمنزله الهلكى والجرحى وقرا عكرمة والضحاك وابن السميفع سكارى وما هم بسكارى بفتح السين والراء وإثبات الألف ولكن عذاب الله شديد فيه دليل على أن سكرهم من خوف عذابه تعالى ومن الناس من يجادل في الله قال المفسرون نزلت في النضر بن الحارث وفيما جادل فيه ثلاثة أقوال أنه كان كلما نزل شئ من القرآن كذب به قاله ابن عباس أنه زعم أن الملائكة بنات الله قاله مقات أنه قال لا يقدر الله على إحياء الموتى ذكره أبو سليمان الدمشقي تعالى بغير عل أي إنما يقوله باغواء الشيطان لا بعلم ويتبع ما يسول له كل شيطان مريد وقد ذكرنا معنى المريد في سورة النساء 117 تعالى كتب عليه أنه من تولاه كتب بمعنى قضي والهاء في عليه وفي تولاه كناية عن الشيطان ومعنى الآية قضي على الشيطان أنه يضمن اتبعه وقرأ أبو عمران

[ 279 ]

الجوني كتب بفتح الكاف أنه بفتح الهمزة فانه بكسر الهمزة وقرأ أبو مجلز وابو العالية وابن ابي ليلى والضحاك وابن يعمر إنه فانبكسر الهمزة فيهما وقد بينا معنى السعير في سورة النساء 10 أيها الناس إن كنتفي ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة لم مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء الى اجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فإذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شئ قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور تعالى يا أيها الناس يعني أهل مكة إن كنتم في ريب من البعث أي في شك من القيامة فانا خلقناكم من تراب يعني خلق آدم ثم من نطفة يعني خلق ولده والمعنى إن شككتم في بعثكم فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم فانكم لا تجدون في القدرة فرقا بين الابتداء والاعادة فأما النطفة فهي المني والعلقة دم عبيط جامد وقيل سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به فإذا جفت فليست علقة والمضغة لحمة صغير قال ابن قتيبة وسميت بذلك لأنه بقدر ما يمضغ كما قيل غرفة لقدر ما يغرف تعالى مخلقة وغير مخلقة فيه خمسة اقوال أن المخلقة ما خلق سويا وغير المخلقة ما ألقته الأرحام من النطف وهو دم قبل أن يكون خلقا قاله ابن مسعود أن المخلقة ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه وهو الذي يولد حيا لتمام وغير المخلقة ما سقط غير حي لم يكمل خلقه بنفح الروح فيه هذا معنى قول ابن عباس أن المخلقة المصورة وغير المخلقة غير مصورة قاله الحسن

[ 280 ]

أن المخلقة وغير المخلقة السقط تارة يسقط نطفة وعلقة وتارة قد صور بعضه وتارة قد صور كله قاله السدي أن المخلقة التامة وغير المخلقة السقط قاله الفراء وابن قتيبة تعالى لنبين لكم فيه أربعة أقوال خلقناكم لنبين لكم ما تأتون وما تذرون لنبين لكم في القرآن بدو خلقكم وتنقل احوالكم لنبين لكم كمال حكمتنا وقدرتنا في تقليب أحوال خلقكم لنبين لكم أن البعث حق أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة ليبين لكم بالياء تعالى ونقر في الأرحام وقرأ ابن مسعود وابو رجاء ويقر بباء مرفوعة وفتح القاف ورفع الراء وقرأ أبو الجوزاء وابو اسحاق السبيع ويقر بياء مرفوعه وبكسر القاف ونصب الراء والذي يقر في الأرحام هو الذي لا يكون سقطا الى اجل مسمى وهو أجل الولادة هم نخرجكم طفلا حدثنا أبو عبيدة هو في موضع اطفال والعرب قد تضع لفظ الواحد في معنى الجميع قال الله تعالى والملائكة بعد ذلك ظهير التحريم 4 أي ظهراء وأنشد فقلنا ابن أسلموا إنا أخوكم قوله فقد برئت من الإحن الصدور له أيضا في حلقكم عظم وقد شجينا غيره إنما قال طفلا فوحد لأن الميم في قوله تعالى نخرجكم قد دلت على الجميع فلم يحتج الا ان يقول اطفالا تعالى ثم لتبلغوا فيه اضمار تقديره ثم نعمركم لتبلغوا اشدكم وقد سبق معنى الأشد الأنعام 153 ومنكم من يتوفى من قبل بلوغ الأشد ومنكم من يرد الارذل العمر وقد شرحناه في النحل 70 ثم إن الله تعالى دلهم على احيائه الموتى باحيائه الأرض فقال تعالى وترى الأرض هامدة قال ابن قتيبة أي ميتة يابسة ومثله همدت النار إذا طفئت فذهبت تعالى فإذا انزلنا عليها الماء يعني المطر اهتزت أي تحركت للنبات

[ 281 ]

وذلك أنها ترتفع عن النبات إذا ظهر فهو معنى قوله تعالى وربت أي ارتفعت وزادت وقال المبرد أراد اهتز نباتها وربا فحذف المضاف قال الفراء وقرأ أبو جعفر المدني وربأت بهمزة مفتوحة بعد الباء فان كان ذهب الى الربيئة الذي يحرس القوم أي أنه يرتفع والا فهو غلط قوله تعالى وانبتت من كل زوج بهيج قال ابن قتيبة من كل جنس حسن يبهج أي يسر وهو فعيل في معنى فاعل تعالى ذلك قال الزجاج المعنى الأمر ذلك كما وصف لكم والأجود أن يكون موضع ذلك رفعا ويجوز أن يكون نصبا على معنى فعل الله ذلك بأنه هو الحق تعالى وأن الساعة أي ولتعلموا أن الساعة آتية الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى وكتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيام عذاب الحريق ذلك بما قدمت يداك وان الله ليس بظلام للعبيد تعالى ومن الناس من يجادل قد سبق بيانه وهذا مما نزل في النضر أيضا والهدى البيان والبرهان تعالى ثاني عطفه العطف الجانب وعطفا الرجل جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان ويلويه عند إعراضه عن المشي قال الزجاج ثاني منصوب على الحال ومعناه التنوين معناه ثانيا عطفه وجاء في التفسير أن معناه لاويا عنقه وهذا يوصف به المتكبر والمعنى ومن الناس من يجادل بغير علم متكبرا تعالى ليضل أي ليصير أمره الى الضلال فكأنه وإن لم يقدر أنه يضل فإن أمره يصير الى ذلك لفي الدنيا خزي وهو ما أصابه يوم بدر وذلك أنه قتل وما بعد هذا قد سبق تفسيره يونس 70 الى قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف وفي سبب نزول هذه الآية قولان ذلك أن ناسا من العرب كان يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نحن على دينك فان أصابوا معيشة ونتجت خيلهم وولدت نساؤهم الغلمان اطمأنوا وقالوا هذا دين حق وإن لم يجر

[ 282 ]

الأمر على ذلك قالوا هذا دين سوء فينقلبون عن دينهم فنزلت هذه الآية هذا معنى قول ابن عباس وبه قال الأكثرون أن رجلا من اليهود أسلم فذهب بصره وماله وولده فتشاءم بالإسلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقلني فقال إن الإسلام لا يقال فقال إن لم اصب في ديني هذا خيرا أذهب بصري ومالي وولدي فقال يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب فنزلت هذه الآية رواه عطية عن ابي سعيد الخدري الناس من يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمأن به وإن اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين يدعوا من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد محمد تعالى على حرف قال مجاهد وقتادة على شك قال أبو عبيدة كل شاك في شئ فهو على حرف لا يثبت ولا يدوم وبيان هذا أن القائم على حرف الشئ غير متمكن منه فشبه به الشاك لأنه قلق في دينه على غير ثبات ويوضحه قوله تعالى فان اصابه خير أي رخاء وعافية اطمأن به على عبادة الله وإن اصابته فتنة اختبار بجدب وقلة مال انقلب على وجهه أي رجع عن دينه الى الكفر والمعنى انصرف الى وجهه الذي توجه منه وهو الكفر خسر الدنيا حيث لم يظفر بما أراد منها وخسر الآخرة بارتداده عن الدين وقرأ أبو رزين العقيلي وابو مجلو مجاهد وطلحة ابن مصرف وابن ابي عبلة وزيد عن يعقوب خاسر الدنيا بألف قبل السين وبنصب الراء والآخرة بخفض التاء يدعو هذا المرتد أي يعبد مالا يضره إن لم يعبده ولا ينفعه إن أطاعة ذلك الذي فعل هو الضلال البعيد عن الحق يدعو لمن ضره قال بعضهم اللام صلة والمعنى يدعو من ضره وحكى الزجاج عن البصريين والكوفيين أن اللام معناها التأخير والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه قال وشرح هذا أن اللام لليمين والتوكيد فحقها أن تكون أول الكلام فقدمت لتجعل في حقها قال السدي ضره في الآخرة بعبادته إياه أقرب من نفعه

[ 283 ]

قيل فهل للنفع من عبادة الصنم وجه إلى أنه لا نفع من قبله اصلا غير أنه جاء على لغة العرب وهم يقولون في الشئ الذي لا يكون هذا بعيد تعالى لبئس المولى ولبئس العشير قال ابن قتيبة المولى الولي والعشير الصاحب والخليل كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب الى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله عل كل شئ شهيد تعالى من كان يظن ان لن ينصره الله في الدنيا والآخرة قال مقاتل نزلت في نفر من أسد وغطفان قالوا إنا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليود والى نحو هذا ذهب أبو حمزة الثمالي والسدي وحكى أبو سليمان الدمشقي أن الإشارة بهذه الآية الى الذين انصرفوا عن الإسلام لأن أرزاقهم ما اتسعت وقد شرحنا القصة في قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف هاء ينصره قولان أنها ترجع على من والنصر بمعنى الرزق هذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء وبه قال مجاهد قال أبو عبيدة وقف علينا سائل كان بني بكر فقال من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله ويقال نصر المطر أرض كذا أي جادها وأحياها قال الراعي إذا ادبر الشهر الحرام فودعي أبو بلاد تميم وانصري أرض عامر أنها ترجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى من كان يظن أن لن ينصر المحمد رواه التميمي عن ابن عباس وبه قال عطاء وقتادة قال ابن قتيبة وهذه كنايه عن غير مذكور وكان قوم من المسلمين لشدة حنقهم أو على المشركين يستبطئون ما وعد الله رسوله من النصر واخرون من

[ 284 ]

المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم أمره فقال هذه الآية للفريقين ثم في معنى هذا النصر قولان أنه الغلبة قاله أبو صالح عن ابن عابس والجمهور أنه الرزق حكاه أبو سليمان الدمشقي تعالى فليمدد بسبب الى السماء في المراد بالسماء قولان سقف بيته والمعنى فليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به ثم ليقطع الحبل ليموت مختنقا هذا قول الأكثرين ومعنى الآية ليصور) هذا الأمر في نفسه لا انه يفعله لأنه إذا اختنق لا يمكنه النظر والعلم أنها السماء المعروفة والمعنى فليقطع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قدر قاله ابن زيد تعالى ثم ليقطع قرأ أبو عمرو وابن عامر ثم ليقطع ثم ليقضوا الحج 29 بكسر اللام زاد ابن عامر وليوفوا الحج 29 وليطوفوا الحج 29 بكسر اللام أيضا وكسر أبن كثير لام ثم ليقضوا فحسب وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون هذه اللامات وكذلك في كل القرآن إذا كان قبلها واو أو فاء أو ثم قال الفراء من سكن فقد خفف وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء فأكثر كلام العرب تسكينها وقد كسرها بعضهم قال أبو علي الأصل الكسر لأنك إذا ابتدأت قلت ليقم زيد تعال هل يذهبن كيده قال ابن قتيبة المعنى هل تذهبن حيلته غيظه والمعنى ليجهد جهده تعالى وكذلك أي ومثل ذلك الذي تقدم من آيات القرآن عبد يعني القرآن وما بعد هذا ظاهر الى قوله تعالى إن الله يفصل بينهم أي يقضي يوم القيامة بينهم بادخال المؤمنين الجنة والآخرين النار إن الله عل كل شئ من أعمالهم شهيد تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال

[ 285 ]

والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب أي ألم تعلم وقد بينا في سورة النحل 49 معنى السجود في حق من يعقل ومن لا يعقل تعالى وكثير من الناس يعني الموحدين ا لذين يسجدون لله قوله تعالى وكثير حق عليه العذاب قولان أنهم الكفار وهم يسجدون وسجودهم سجود ظلهم قاله مقاتل أنهم لا يسجدون والمعنى وكثير من الناس أبى السجود فحق عليه العذاب لتركه السجود هذا قول الفراء تعالى ومن يهن الله أمن يشقه الله فما له من مسعد إن الله يفعل ما يشاء في خلقه من الكرامة والإهانة عليه خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم يصهر به ما في بطونم أبي والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق تعالى هذان خصمان اختلفوا فيمن نزلت على اربعة أقوال أنها نزلت في النفر الذين تبارزوا للقتال يوم بدر حمزة وعلي وعبيد بن الحارث وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة هذا قول أبي ذر أنها نزلت في أهل الكتاب قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون نحن أحق بالله آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما انزل الله من

[ 286 ]

كتاب وأنتم تعرفون نبينا ثم كفرتم به حسدا فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس وقتادة أنها في جميع المؤمنين والكفار والى هذا المعنى ذهب الحسن وعطاء ومجاهد (أنها نزلت في اختصام الجنة والنار فقالت النار خلقني الله لعقوبته وقالت الجنة خلقني الله لرحمته قاله عكرمة قوله تعالى هذان وقرأ ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة وابن كثير هاذان بتشديد النون خصمان فمعناه جمعان وليسا برجلين ولهذا قال تعالى اختصموا ولم يقل اختصما على أنه قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة اختصما خصومتهم ثلاثة أقوال في دين ربهم وهذا على القولين الأوليين والثاني في البعث قاله مجاهد والثالث أنه خصام مفاخرة على قول عكرمة تعالى قطعت لهم ثياب أي سويت وجعلت لباسا قال ابن عباس قمص من نار وقال سعيد بن جبير المراد بالنار هاهنا النحاس فأما الحميم فهو الماء الحار يصهر به قال الفراء يذاب به يقال صهرت الشحم بالنار قال المفسرون يذاب بالماء الحار ما في بطونهم من شحم أو معى حتى يخرج من أدبارهم وتنضج الجلود فتتسقاط ما من حره ولهم مقامع قال الضحاك هي المطارق وقال الحسن إن النار ترميهم بلهبها حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا فإذا انتهوا الى اسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة قال مقاتل إذا جاشت جهنم ألقتهم في أعلاها فيريدون الخروج فتتلقاهم خزنة جهنم بالمقامع فيضربونهم لا أن أحدهم من تلك الضربة الى قعرها وقال غيره إذا دفعتهم النار ظنوا أنها ستقذفهم على خارجا منها فتعيدهم الزبانية بمقامع الحديد الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد تعالى ولؤلؤ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ولؤلو

[ 287 ]

بالخفض وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم ولؤلؤا بالنصب قال أبو علي من خفص فالمعنى يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ ومن نصب قال ويحلون لؤلؤا تعالى وهدوا أي أرشدوا في الدنيا الى الطيب من القول وفيه ثلاثة أقوال أنه لا إله إلا الله والحمد لله قاله ابن عباس وزاد ابن زيد والله أكبر القرآن قاله السدي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكاه الماوردي فأما صراط الحميد فقال ابن عباس هو طريق الإسلام الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم تعالى ويصدون عن سبيل الله أي يمنعون الناس من الدخول في الإسلام قال الزجاج ولفظ يصدون لفظ مستقبل عطف به على لفظ الماضي لأن معنى الذين كفروا الذين هم كافرون فكأنه قال إن الكافرين والصادين فأما خبر إن فمحذوف فيكون المعنى إن الذين هذه صفتهم هلكوا المسجد الحرام قولان جميع الحرم روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال كانوا يرون الحرم كله مسجدا نفس المسجد حكاه الماوردي تعالى الذي جعلناه للناس هذا وقف التمام معناه قولان جعلناه للناس كلهم لم نخص به بعضهم دون بعض هذا على أنه جميع الحرم

[ 288 ]

جعلناه قبلة لصلاتم الله ومنسكا لحجتهم وهذا على أنه نفس المسجد وقرأ إبراهيم النخعي وابن أبي عبلة وحفص عن عاصم سواء بالنصب فيتوجه الوقف على سواء وقد وقف بعبض القراء كذلك قال أبو علي الفارسي أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل قال لهم فصار المعنى الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء فأما العاكف فهو المقيم والبادي الذي يأتيه من غير أهله وهذا من قولهم بدا القوم إذا خرجوا عن الحضر الى الصحراء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو البادي بالياء غير أن ابن كثير وقف بياء وأبو عمرو بغير ياء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والمسيبي عن نافع بغير ياء في الحالتين في معنى الكلام قولان أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر غير أنه لا يخرج أحد من بيته هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والى نحو هذا ذهب أبو حنيفة وأحمد ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام هذا على أن المسجد الحرم كله أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به هذا قول الحسن ومجاهد ومنهم من أجاز بيع دور مكة واليه يذهب الشافعي وعلى هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرم ويجوز أن يراد نفس المسجد تعالى ومن يرد فيه بالحاد الإلحاد في اللغة العدول عن القصد والباء زائدة كقوله تعالى تنبت بالدهن المؤمنون 20 وأنشدوا هن من الحرائر لاربات أخمرة في سود المحاجر لا يقرأن بالسور بن هذه آخر نحن بنوا جعدة أرباب الفلج سنة نضرب بالسيف ونرجو بالفرج عمرو هذا قول جمهور اللغويين قال ابن قتيبة والباء قد تزاد في الكلام كهذه الآية وكقوله تعالى اقرأ باسم ربك العلق 1 وهزي اليك بجذع النخلة مريم 24 بأيكم المفتون القلم 6 تلقون

[ 289 ]

إليهم بالمودة الممتحنة 1 عينا يشرب بها الانسان 6 أي يشربها وقد تزاد من كقوله تعالى ما أريد منهم من رزق الذاريات 57 وتزاد اللام كقوله تعالى الذين هم لربهم يرهبون الاعراف 154 والكاف كقوله تعالى ليس كمثله شئ الشورى 11 وعن كقوله تعالى يخالفون عن أمره النور 63 وإن كقوله تعالى فانه ملاقيكم الجمعة 8 وإن الخفيفة كقوله تعالى فيما إن مكناكم فيه الاحقاف 26 وما كقوله تعالى عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون 40 والواو كقوله تعالى وتله للجبين وناديناه الصافات 103 104 المراد بهذا الإلحاد خمسة أقوال أنه الظلم رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد هو عمل سيئة فعلى هذا تدخل فيه جميع المعاصي وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لا تحتكروا الطعام بمكة فان احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم قبل أنه الشرك رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة الشرك والقتل قاله عطاء أنه استحلال محظورات الإحرام وهذا المعنى محكي عن عطاء أيضا استحلال الحرام تعمدا قاله ابن جريج قيل هل يؤاخذ الإنسان إن أراد الظلم بمكة ولم يفعله من وجهين أنه إذا هم بذلك في الحرم خاصة عوقب هذا مذهب ابن مسعود فانه قال لو أن رجلا هم بخطيئة لتكتب عليه ما لم يعملها ولو أن رجلا هم بقتل مؤمن عند البيت وهو ب عدن أبين أذاقه الله في الدنيا من عذاب أليم وقال الضحاك إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى فتكتب عليه ولم يعملها وقال مجاهد تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات وسئل الإمام أحمد هل تكتب السيئة أكثر من واحدة فقال لا إلا بمكة لتعظيم البلد وأحمد على هذا يرى فضيلة المجاورة بها وقد جاور جابر بن عبد الله وكان ابن عمر يقيم بها أن معنى ومن يرد من يعمل قال أبو سليمان الدمشقي هذا قوسائر من حفظنا عنه

[ 290 ]

بوأنا لإبرهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم قال ابن عباس جعلنا وقال مقاتل دللناه عليه وقال ثعلب وإنما أدخل اللام على أن بوأنا في معنى جعلنا فيكون بمعنى ردف لكم النمل 72 أي ردفكم وقد شرحنا كيفية بناء البيت في البقرة 129 تعالى أن لا تشرك بي شيئا المعنى وأوحينا إليه ذلك وطهر بيتي حرك هذه الياء نافع وحفص عن عاصم وقد شرحنا الآية في البقرة 125 المراد ب القائمين قولان أحدهما القائمون في الصلاة قاله عطاء والجمهور والثاني المقيمون بمكة حكي عن قتادة تعالى وأذن في الناس بالحج قال المفسرون لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أمره الله تعالى أن يؤذن في الناس بالحج فقال ابراهيم يا رب وما يبلغ صوتي وقال أذن وعلي البلاغ فعلا على جبل أبي قبيس وقال يا أيها الناس ان ربكم قد بنى بيتا فحجوه فأسمع من في اصلاب الرجال وأرحام النساء ممن سبق في علم الله أن يحج فأجابوه لبيك اللهم لبيك والأذان بمعنى النداء والإعلام والمأمور بهذا الأذان إبراهيم في قول الجمهور يحيى ماروي عن الحسن أنه قال المأمور به محمد صلى الله عليه وسلم والناس هاهنا اسم يعم جميع بني آدم عند الجمهور إلا ما روى العوفي عن ابن عباس انه قال عنى بالناس أهل القبلة أن من أتى البيت الذي دعا إليه ابراهيم فكأنه قد أتى ابراهيم لأنه أجاب نداءه وواحد الرجال هاهنا راجل مثل صاحب وصحاب والمعنى يأتوك مشاة وقد روي ان ابراهيم واسماعيل حجا ماشيين وحج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة الى مكة والنجائب تقاد معه وحج الإمام أحمد ماشيا مرتين أو ثلاثا

[ 291 ]

تعالى وعلى كل ضامر أي ركبانا على ضمر من طول السفر قال الفراء ويأتين فعل للنوق وقال الزجاج يأتين على معنى الإبل وقرأ ابن مسعود وابن اب عبلة يأتون بالواو تعالى من كل فج عميق أي طريق بعيد وقد ذكرنا تفسير الفج عند قوله تعالى وجعلنا فيها فجاجا الانبياء 31 تعالى ليشهدوا أي ليحضروا منافع لهم وفيها ثلاثة أقوال التجارة قاله ابن عباس والسدي منافع الآخرة قاله سعيد بن المسيب والزجاج في أخرين الرحمن منافع الدارين جميعا قاله مجاهد وهو أصح لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة وإنما الأصل قصد الحج والتجارة تبع الأيام المعلومات ستة أقوال أنها أيام العشر رواه مجاهد عن ابن عمر وسعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة والشافعي تسعة ايام من العشر قاله أبو موسى الأشعري يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده رواه نافع عن ابن عمر ومقسم عن ابن عباس أنها أيام التشريق رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال عطاء الخراساني والنخعي والضحاك أنها خمسة ايام أولها يوم التروية رواه أبو صالح عن ابن عباس ثلاثة أيام أولها يوم عرفة قاله مالك بن أنس وقيل إنما قال معلومات ليحرص وكان على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها قال الزجاج والذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله تعالى على ما رزقهم من بهيمة الأنعام قال القاضي أبو يعلى ويحتمل أن يكون الذكر المذكور هاهنا هو الذكر على الهدايا الواجبة كالدم الواجب لأجل التمتع والقران ويحتمل أن يكون الذكر المفعول عند رمي الجمار وتكبير التشريق لأن الآية عامة في ذلك روى تعالى فكلوا منها يعني الأنعام التي تنحر وهذا أمر إباحة وكان أهل الجاهلية لا

[ 292 ]

يستحلون أكل ذبائحهم فأعلم الله عز وجل أن ذلك جائز غير أن هذا إنما يكون في الهدي المتطوع به فأما دم التمتع والقران فعندنا أنه يجوز أن يأكل منه وقال الشافعي لا يجوز وقد روى عطاء عن ابن عباس انه قال من كل الهدي يؤكل إلا ما كان من فداء أو جزاء أو نذر فأما البائس فهو ذو البؤس وهو شدة الفقر تعالى ثم ليقضوا تفثهم فيه اربعة أقوال حلق الرأس وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقص الأظفار والخذ من العارضين ورمي الجمار والوقوف بعرفة رواه عطاء عن ابن عباس مناسك الحج رواه عكرمة عن ابن عباس وهو قول ابن عمر حلق الرأس قاله مجاهد ولم الشعر والظفر قاله عكرمة والقول الأول أصح لأن التفث الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث وقضاؤه نقضه وإذهابه والحاج مغبر شعث لم يدهن ولم يستحد فإذا قضى نسكه وخرج من احرامه بالحلق والقلم وقص الأظفار ولبس الثياب ونحو ذلك فهذا قضاء تفثه قال الزجاج وأهل اللغة لا يعرفون التفث الا من التفسير وكأنه الخروج من الإحرام الى الإحلال تعالى وليوفوا نذورهم وروى أبو بكر عن عاصم وليوفوا بتسكين اللام وتشديد الفاء قال ابن عباس هو نحر ما نذروا من البدن وقال غيره ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج فان الإنسان ربما نذر أن يتصدق إن رزقه الله رؤية الكعبة وقد يكون عليه نذور مطلقة فالأفضل أن يؤديها بمكة تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق هذا هو الطواف الواجب لأنه أمر به بعد الذبح والذبح إنما يكون في يوم النحر فدل على أنه الطواف المفروض تسمية البيت عتيقا أربعة اقوال لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة روى عبد الله بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما سمى الله البيت العتيق لأن الله اعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط وهذا قول مجاهد وقتادة بين أن معنى العتيق القديم قاله الحسن وابن زيد لأنه لم يملك قط قاله مجاهد في رواية وسفيان بن عيينة لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان قاله ابن السائب وقد تكلمنا في هذه السورة

[ 293 ]

في ليقضوا وليوفوا وليطوفوا ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفا لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع الى أجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق تعالى ذلك أي الأمر ذلك يعني ما ذكر من أعمال الحج ومن يعظم حرمات الله فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله قال الليث الحرمة مالا يحل انتهاكه وقال الزجاج الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه تعالى فهو يعني التعظيم خير له عند ربه في الآخرة وأحلت لكم الأنعام وقد سبق بيانها المائدة 1 إلا ما يتلى عليكم تحريمه يعني به ما ذكر في المائدة 3 من المخنقة وغيرها وقيل وأحلت لكم الأنعام في حال احرامكم الا ما يتلى عليكم في الصيد فانه حرام تعالى فاجتنبوا الرجس أي دعوه جانبا قال الزجاج ومن هاهنا لتخليص جنس من أجناس المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن وقد شرحنا معنى الرجس في المائدة 90 أهل المراد بقول الزور اربعة أقوال شهادة الزور قاله ابن مسعود والثاني الكذب قاله مجاهد والثالث الشرك قاله أبو مالك والرابع أنه قول المشركين في الأنعام هذا حلال وهذا حرام قاله الزجاج قال وقوله تعالى حنفاء لله منصوب على الحال وتأويله مسلمين لا ينسبون الى دين غير الإسلام ثم ضرب الله مثلا للمشرك فقال ومن يشرك بالله الى قوله سحيق والسحيق البعيد

[ 294 ]

في قراءة فتخطفه فقرأ الجمهور فتخطفه بسكون الخاء من غير تشديد الطاء وقرأ نافع بتشديد الطاء وقرأ أبو المتوكل ومعاذ القارئ بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء وقرأ أبو رزين وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء وقرأ الحسن والأعمش بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء وكلهم فتح الطاء المراد بهذا المثل قولان أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه بالذي يخر من السماء قال قتادة أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة بحال الهاوي من السماء حكاه الثعلبي تعالى ذلك أي الأمر ذلك الذي ذكرناه ومن يعظم شعائر الله قد شرحنا معنى الشعائر في البقرة 158 المراد بها هاهنا قولان أنها البدن وتعظيمها استحسانها واستسمانها لكم فيها منافع حديث أن يسميها صاحبها هديا أو يشعرها ويوجبها فإذا فعل ذلك لم يكن له من منافعها شئ روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك وقال عطاء ابن أبي رباح لكم في هذه الهدايا منافع بعد ايجابها وتسميتها هدايا إذا احتجتم الى شئ من ذلك أو اضطررتم الى شرب البانها الى أجل مسمى وهو أن تنحر أن الشعائر المناسك ومشاهد مكة والمعنى لكم فيها منافع بالتجارة الى أجل مسمى وهو الخروج من مكة رواه أبو رزين عن ابن عباس وقيل لكم فيها منافع من الأجر والثواب في قضاء المناسك الى اجل مسمى وهو انقضاء ايام الحج تعالى فانها يعني الأفعال المذكورة من اجتناب الرجس وقول الزور وتعظيم الشعائر وقال الفراء فانه يعني الفعلة من تقوى القلوب وإنما اضاف التقوى الى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب تعالى ثم محلها أي حيث يحل نحرها الى البيت يعني عند البيت والمراد

[ 295 ]

به الحرم كله لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت ولا في المسجد هذا على القول الاول وعلى الثاني يكون المعنى ثم محل الناس من احرامهم الى البيت وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك عند أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمه الأنعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلوة ومما رزقناهم ينفقون تعالى ولكل أمة جعلنا منسكا قرأ حمزة والكسائي وبعض أصحاب ابي عمرو بكسر السين وقرأ الباقون بفتحها فمن فتح أراد المصدر من نسك ينسك ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع ومعنى الآية لكل جماعة مؤمنة من الامم السالفة جعلنا ذبح القرابين ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وإنما خص بهيمة الأنعام لأنها المشروعة في القرب والمراد من الآية أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة تعالى فألهكم لأنه إله واحد أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه فله أسلموا أي انقادوا واخضعوا وقد ذكرنا معنى الإخبات في هود 23 وكذلك الفاظ الآية التي تلي هذه أخبرنا جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا والله على ما هداكم وبشر المحسنين تعالى والبدن وقرأ الحسن وابن يعمر برفع الدال قال الفراء يقال بدوبدن والتخفيف أجود وأكثر لأن كل جمع كان واحده على فعلة ثم ضم أول جمعه خفف مثل أكمة

[ 296 ]

وأكم وأجمة وأجم وخشبة وخشب وقال الزجاج البدن منصوبة بفعل مضمر يفسر الذي ظهر والمعنى وجعلنا البدن وإن شئت رفعتها على الاستئناف والنصب أحسن ويقال بدن وبدن وبدنة مثل قولك ثمر وثمر وثمرة وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي تسمن يا في البدن قولان أنها الإبل والبقر قاله عطاء الإبل خاصة حكاه الزجاج وقال الأول قول أكثر فقهاء الأمصار قال القاضي أبو يعلى البدنة اسم يختص الإبل في اللغة والبقرة تقوم مقامها في الحكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة تعالى جعلناها لكم من شعائر الله أي جعلنا لكم فيها عبادة لله من سوقها الى البيت وتقليدها وإشعارها ونحرها والإطعام منها لكم فيها خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة فاذكروا اسم الله عليها أي على نحرها صواف وقرأ ابن مسعود وابن عباس وقتادة صوافن بالنون وقرأ الحسن وابو مجلز وابو العالية والضحاك وابن يعمر صوافي بالياء قال الزجاج صواف منصوبة على الحال ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف أي قد صفت قوائمها والمعنى اذكروا اسم الله عليها في حال نحرها والبعير ينحر قائما وهذا الآية تدل على ذلك ومن قرأ صواففا لصافن لو التي تقوم على ثلاث والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه فهو الصافن والجميع صوافن هذا ومن قرأ صوافي بالياء وبالفتح بغير تنوين فتفسيره خوالص أي خالصه لله لا تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا فإذا وجبت جنوبها أي إذا سقطت الى الأرض يقال وجب الحائط وجبة إذا سقط ووجب القلب وجيبا إذا تحرك من فزع واعلم أن نحرها قياما سنة والمراد بوقوعها على جنوبها موتها والأمر بالأكل منها أمر إباحة وهذا في الأضاحي تعالى وأطعموا القانع والمعتر وقرأ الحسن والمعتر بكسر الراء خفيفة وفيهما ستة أقوال أن القانع الذي يسأل والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير واختاره الفراء أن القانع المتعفف والمعتز السائل رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس

[ 297 ]

وبه قال قتادة والنخعي وعن الحسن كالقولين ان القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته والمعتر الذي يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل رواه العوفي عن ابن عباس وقال مجاهد القانع جارك الذي يقنع بما أعطيته والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل وهذا مذهب القرظي فعلى هذا يكون معنى القانع أن يقنع بما أعطي ومن قال هو المتعفف قال هو القانع بما عنده القانع أهل مكة والمعتر الذي يعتر بهم من غير أهل مكة رواه خصيف عن مجاهد القانع الجار وإن كان غنيا والمعتر الذي يعتربك رواه ليث عن مجاهد القانع المسكين السائل والمعتر الصديق الزائر قاله زيد ابن اسلم قال ابن قتيبة يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل وقنع يقنع يكون إذ رضي ويقال في المعتر اعترني مع واعتراني وعراني سعيد وقال الزجاج مذهب أهل اللغة أن القانع السائل يقال قنع يقنع قنوعا إذا سأل فهو قانع قال الشماخ لما المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع من السؤال ويقال قنع قناعة إذا رضي فهو قنع والمعتر والمعتري واحد تعالى كذلك أي مثل ما وصفنا من نحرها قائمة سخرناها لكم نعمة منا عليكم لتتمكنوا بكر من نحرها على الوجه المسنون لعلكم تشكرون أي لكي تشكروا تعالى لن ينال الله لحومها وقرأ عاصم الجحدري وابن يعمر وابن أبي عبلة ويعقوب لن تنال الله لحومها بالتاء ولكن تناله التقوى بالتاء أيضا نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها نحو الكعبة فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس قال المفسرون

[ 298 ]

ومعنى الآية لن ترفع الى الله لحومها ولا دماؤها وإنما يرفع إليه التقوى وهو ما اريد به وجهه منكم فمن قرأ تناله التقوى بالتاء فانه أنث للفظ التقوى ومن قرأ يناله بالياء فلأن التقوى والتقى واحد والإشارة بهذه الآية الى أنه لا يقبل اللحوم والدماء إذا لم تكن صادرة عن تقوى الله وإنما يتقبل ما يتقونه به وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة تعالى كذلك سخرها قد سبق تفسيره الحج 37 لتكبروا الله على ما هداكم أي على ما بين لكم وأرشدكم الى معالم دينه ومناسك حجه وذلك أن يقول الله أكبر على ما هدانا وبشر المحسنين قال ابن عباس يعني الموحدين الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله للناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيه اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور تعالى إن الله يدافع عن الذين آمنوا قرأ ابن كثير وأبو عمرو يدفع ولولا دفع الله بغير ألف وهذا على مصدر دفع وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي إن الله يدافع بألف ولولا دفع بغير الف وهذا على مصدر دافع والمعنى يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم قال الزجاج والمعنى إذا فعلتم هذا وخالفت الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم فإن الله يدفع عن حزبه وال خوان فعال من الخيانة والمعنى أن من ذكر غير اسم الله وتقرب الى الأصنام بذبيحته فهو خوان تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا قرأ ابن كثير وابن عامر وفي والكسائي أذن بفتح الألف وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر وحفص عن عاصم أذن بضمها تعالى للذين يقاتلون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن

[ 299 ]

عاصبكسر التاء وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتحها قال ابن عباس كان مشركوأهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم اصبروا فإني لاومر بالقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وهي أول آية أنزلت في القتال وقال مجاهد هم ناس خرجوا من مكة مهاجرين فأدركهم كفار قريش فأذن لهم في قتالهم قال الزجاج معنى الآية أذن للذين يقاتلون أن يقاتلو بأنهم ظلموا أي بسبب ما ظلموا ثم وعدهم النصر بقوله وإن الله على نصرهم لقدير ولا يجوز أن تقرأ بفتح إن هذه من غير خلاف بين اهل اللغة لأن إن إذا كانت معها اللام لم تفتح أبدا وقوله إلا أن يقولوا ربنا الله معناه أخرجوا لتوحيدهم تعالى لادفع الله الناس قد فسرناه في البقرة 251 تعالى لهدمت قرأ ابن كثير ونافع لهدمت خفيفة والباقون بتشديد الدال الصوامع ففيها قولان أنها صوامع الرهبان قاله ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وابن زيد أنها صوامع الصابئين قاله قتادة وابن قتيبة البيع فهي جمع بيعة وهي بيع النصارى كل وفي المراد بالصلوات قولان مواضع الصلوات ثم فيها قولان أحدهما أنها كنائس اليهود قاله قتادة والضحاك وقرأ على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قوله وصلوات هي كنائس اليهود وهي بالعبرانية صلوثا والثاني أنها مساجد الصابئين قاله أبو العالية الثاني أنها الصلوات حقيقة والمعنى لولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين لانقطعت الصلوات في المساجد قاله ابن زيد المساجد فقال ابن عباس هي مساجد المسلمين وقال الزجاج معنى الآية لولا دفع بعض الناس ببعض لهدمت في زمن موسى الكنائس وفي زمن عيسى الصوامع والبيع وفي زمن محمد المساجد قوله يذكر فيها اسم الله قولان أن الكنا يترجع الى جميع الأماكن المذكورات قاله الضحاك الى المساجد خاصة لأن جميع المواضع المذكورة الغالب فيها الشرك قاله أبو

[ 300 ]

سليمان الدمشقي تعالى ولينصرن الله من ينصره أي من ينصر دينه وشرعه تعالى الذين إن مكناهم في الأرض قال الزجاج هذه صفة ناصريه قال المفسرون التمكين في الأرض نصرتهم على عدوهم والمعروف لا إله إلا الله والمنكر الشرك قال الأكثرون وهؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال القرظي هم الولاة تعالى ولله عاقبة الأمور أي إليه مرجعها لأن كل ملك يبطل سوى ملكه يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم ابرهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد تعالى ثم أخذتهم أي بالعذاب فكيف كان نكير أثبت الياء في نكير يعقوب في الحالين ووافقه ورش في إثباتها في الوصل والمعنى كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالإهلاك والمعنى أني أنكرت عليهم أبلغ إنكار وهذا استفهام معناه التقرير تعالى أهلكتها قرأ أبو عمرو أهلكتها بالتاء والباقون أهلكناها بالنون تعالى وبئر معطلة قرأ ابن كثير وعاصم وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وبئر مهموز وروى ورش عن نافع بغير همز والمعنى وكم بئر معطلة أي متروكة وقصر مشيد فيه قولان مجصص قاله ابن عباس وعكرمة قال الزجاج أصل الشيد الجص والنورة وكل ما بني بهما أو بأحدهما فهو مشيد طويل قاله الضحاك ومقات وفي الكلام إضمار تقديره وقصر مشيد معطل أيضا ليس فيه ساكن

[ 301 ]

يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإ يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير تعالى افلم يسيروا قال المفسرون أفلم يسر قومك في أرض اليمن والشام فتكون لهم قلوب يعقلون بها إذا نظروا آثار من هلك أو آذان يسمعون بها أخبار الأمم المكذبة فانها لا تعمى الأبصار قال الفراء الهاء في قوله فانها عماد والمعنى أن أبصارهم لم تعم وإنما عميت قلوبهم وأما قوله التي في الصدور فهو توكيد لأن القلب لا يكون إلا في الصدر ومثله تلك عشرة كاملة البقرة 196 يطير بجناحيه الأنعام 38 يقولون بأفواههم آل عمران 167 تعالى ويستعجلونك بالعذاب قال مقاتل نزلت في النضر بن الحارث القرشي وقال غيره هو قولهم له متى هذا الوعد الملك 25 ونحوه من استعجالهم ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم في الدنيا فأنزله بهم يوم بدر وإن يوما عند ربك أي من ايام الآخرة كألف سنة مم تعدون من أيام الدنيا قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر تعدون بالتاء وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعدون بالياء قيل كيف انصرف الكلام من ذكر العذاب الى قوله وإن يوما عند ربك فعنه جوابان أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا فقيل لهم لن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بكم في الدنيا وإن يوما من ايام عذابكم الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فكيف تستعجلون بالعذاب فقد تضمنت الآية وعدهم بعذاب الدنيا والآخرة هذا قول الفراء وإن يوما عند الله والف سنة سواء في قدرته على عذابهم فلا فرق بين وقوع ما يستعجلونه وبين تأخيره في القدرة إلا أن الله تفضل عليهم بالإمهال هذا قول الزجاج يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين فالذين آمنوا وعلموا الصالحات لهم

[ 302 ]

مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم تعالى ورزق كريم يعني به الرزق الحسن في الجنة تعالى والذين سعوا في آياتنا أي عملوا في أبطالها منه قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي معجزين بغير ألف وقرأ ابن كثير وأبو عمرو معاجزين بألف قال الزجاج معاجزين أي ظانين أنهم يعجزوننا لأنهم ظنوا أنهم لا يبعثون وأنه لا جنة ونار قال وقيل في التفسير معاجزين معاندين وليس هو بخارج عن القول الأول ومعجزين تأويلها أنهم كانوا يعجزون من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويثبطونهم عن أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول الآية قال المفسرون سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه سورة النجم قرأها حتى بلغ قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى النجم 19 20: فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي فلما سمعت قريش بذلك فرحوا فأتاه جبريل فقال ماذا صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا فنزلت هذه الآية تطييبا لقلبه وإعلاما له أن الأنبياء قد جرى لهم مثل هذا قال العلماء المحققو وهذا لا يصح لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم عن مثل هذا ولو صح كان المعنى أن بعض شياطين الإنس قال تلك الكلمات فانهم كانوا إذا تلا لغطوا كما قال الله عز وجل وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فصلت 26 قال وفي معنى تمنى قولان

[ 303 ]

تلا قاله الاكثرون وانشدوا غير تمنى كتاب الله أو ليله وآخره لاقى حمام المقادر وقال آخر تمنى كتاب الله آخر ليله تمني دواد الزبور على رسل أحمد أنه من الأمنية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنى يوما أن لا يأتيه من الله شئ ينفر عنه به قومه فألقى الشيطان على لسانه كان قد تمناه قاله محمد بن كعب القرظي تعالى فينسخ الله ما يلق الشيطان أي يبطله ويذهبه ثم يحكم الله آياته قال مقاتل يحكمها من الباطل تعالى ليجعل اللام متعلقة بقوله ألقى الشيطان والفتنة هاهنا بمعنى البلية والمحنة والمرض الشك والنفاق والقاسية قلوبهم يعني الجافية عن الإيمان ثم أعلمه أنهم ظالمون وأنهم في شقاق دائم والشقاق غاية العدواة تعالى وليعلم الذين أوتوا العلم وهو التوحيد والقرآن وهم المؤمنون وقال السدي التصديق بنسخ الله تعالى أنه الحق إشارة الى نسخ ما يلقي الشيطان فالمعنى ليعلموا أن نسخ ذلك وإبطاله حق من الله فيؤمنوا بالنسخ فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتذل ثم بين بباقي الآية أن هذا الإيمان والإخبات إنما هو بلطف الله وهدايته بعد تعالى في مرية منه أي في شك هاء منه أربعة اقوال أنها ترجع الى قوله تلك الغرانيق العلى والثاني أنها ترجع الى سجوده في سورة النجم والقولان عن سعيد بن جبير فيكون المعنى إنهم يقولون ما باله ذكر آلهتنا ثم رجع عن ذكرها والثالث أنها ترجع الى القرآن قاله ابن جريج والرابع أنها ترجع الى الدين حكاه الثعلبي تعالى حتى تأتيهم الساعة وفيها قولان القيامة تأتي من تقوم عليه من المشركين قاله الحسن ساعة موتهم ذكره الواحدي تعالى أو يأتيهم عذاب يوم عقيم فيه قولان أنه يوم بدر روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي

[ 304 ]

أنه يوم القيامة قاله عكرمة والضحاك وأصل العقم في الولاد يقال امرأة عقيم لا تلد ورجل عقيم لا يولد له وانشدوأ يقول عقم الذي النساء فلا يلدن شبيهه لأن إن النساء بمثله عقم وقد علي الريح العقيم بهذا الاسر لأنها لا تأتي بالسحاب الممطر فقيل لهذا اليوم عقيم لأنه لم يأت بخير قول من قال هو يوم بدر في تسميته بالعقيم ثلاثة أقوال أنه لم يكن فيه للكفار بركة ولا خير قاله الضحاك لأنهم لم ينظروا فيه الى الليل بل قتلوا قبل المساء قاله ابن جريل أنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه قاله يحيى ابن سلام قول من قال هو يوم القيامة في تسميته بذلك قولان لأنه لا ليلة له قاله عكرمة لأنه لا يأتي المشركين بخير ولا فرج ذكره بعض المفسرين حتى يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم تعالى الملك يومئذ أي يوم القيامة لله من غير منازع ولا مدع يحكم بينهم أي بين المسلمين والمشركين وحكمه بينهم بما ذكره في تمام الآية وما بعدها ثم ذكر فضل المهاجرين فقال والذين هاجروا في سبيل الله أي من مكة الى المدينة الرزق الحسن قولان تعالى أنه الحلال قاله ابن عباس والثاني رزق الجنة قاله السدي

[ 305 ]

تعالى ثم قتلوا أو ماتوا وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد تعالى ليدخلنهم مدخلا وقرأ نافع بفتح الميم يرضونه يعني الجنة والمدخل يجوز أن يكون مصدرا فيكون المعنى ليدخلنهم إدخالا يكرمون به فيرضونه ويجوز أن يكون بمعنى المكان ومدخلا بفتح الميم على تقدير فيدخلون مدخلا وإن الله لعليم بنياتهم حليم عنهم ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير تعالى ذلك قال الزجاج المعنى الأمر ذلك أي الأمر ما قصصنا عليكم ومن عاقب بمثل ما عوقب به والعقوبة الجزاء والأول ليس بعقوبة ولكنه سمي عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها الشورى 40 لما كانت المجازاة إساءة بالمفعول به سميت سيئة ومثله الله يستهزئ بهم البقرة 15 قاله الحسن ومعنى الآية من قاتل المشركين كما قاتلوه ثم بغي عليه أي ظلم بإخراجه عن منزله وزعم مقاتل أن سبب نزول هذه الآية أن مشركي مكة لقوا المسلمين لليلة بقيت من المحرم فقاتلوهم فناشدهم المسلمون أن لا تقاتلوهم في الشهر الحرام فأبوا إلا القتال فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين ووقع في نفوس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فنزلت هذه الآية وقال إن الله لعفو عنهم غفور لقتالهم في الشهر الحرام تعالى ذلك أي ذلك النصر بأن الله القادر على ما يشاء فمن قدرته أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع لدعاء المؤمنين بصير بهم حيث جعل فيهم الإيمان والتقوى ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأن الله هو الحق أي هو الإله الحق وان ما يدعون قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم يدعون بالياء وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم بالتاء والمعنى وأن ما يعبدون من دونه هو الباطل

[ 306 ]

تر أن الله انزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد تعالى ألم تر أن الله انزل من السماء ماء يعني المطر فتصبح الأرض مخضرة بالنبات وحكى الزجاج عن الخليل أنه قال معنى الكلام التنبيه كأنه قال اتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا وقال ثعلب معنى الآية عند الفراء خبر كأنه قال أعلم أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح ولو كان استفهاما والفاء شرطا لنصبه تعالى إن الله لطيف أي باستخراج النبات من الأرض رزقا لعباده خبير بما في قلوبهم عند تأخير المطر وقد سبق معنى الغني الحميد في البقرة 267 فإن ترأن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور عمر تعالى ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض يريد البهائم التي تركب ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه قال الزجاج كراهة أن تقع وقال غيره لئلا تقع إن الله بالناس لرؤوف رحيم فيما سخر لهم وفيما حبس عنهم من وقوع السماء عليهم وهو الذي أحياكم بعد أن كنتم نظفا ميتة ثم يميتكم عند آجالكم ثم يحييكم للبعث والحساب إن الإنسان يعني المشرك لكفور لنعم الله إذ لم يوحده النبي أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع الى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن

[ 307 ]

ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير تعالى لكل أمة جعلنا منسكا قد سبق بيانه في هذه السورة الحج 34 فلا ينازعنك في الأمر أي في الذبائح وذلك ان كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الذبيحة فقالوا كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة قيل إذا كانوا هم المنازعين له فكيف قيل فلا ينازعنك في الأمر أجاب عنه الزجاج فقال المراد النهي له عن منازعتهم فالمعنى لا تنازعنهم كما تقول للرجل لا يخاصمنك وإن فلان في هذا أبدا وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون الا من اثنين لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم الا باثنين فإذا قلت لا يجادلنك فلان فهو بمنزلة لا تجادلنه ولا يجوز هذا في قولك لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربنه ولكن لو قلت لا يضاربنك فلان لكان كقولك لا تضاربن كما ويدل على هذا الجواب قوله وإن جادلوك تعالى وادع الى ربك أي الى دينه والإيمان به وجادلوك بمعنى خاصموك في أمر الذبائح الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به يحكم بينكم يوم القيامة أي يقضي بينكم فيما كنتم هو تختلفون من الدين أي تذهبون الى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت ولا يجيبوه ولا يناظروه أكثر المفسرين هذا نزل قبل الأمر بالقتال ثم نسخ بآية السيف وقال بعضه هذا نزل في حق المنافقين كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدل على شركهم ثم يجادلون على ذلك فوكل أمرهم الى الله تعالى فالآية على هذا محكمة تعالى ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض هذا استفهام يراد به التقرير والمعنى قد علمت ذلك إن ذلك يعني ما يجري في السموات والأرض في كتاب يعني اللوح المحفوظ إن ذلك أي علم الله بجميع ذلك على الله يسير سهل لا يتعذر عليه العلم به وسلم من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر

[ 308 ]

يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم ذلك النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير عنه تعالى ويعبدون يعني كفار مكة ما لم ينزل به سلطانا أي حجة وما ليس لهم به علم أنه إلة وما للظالمين يعني المشركين من نصير أي مانع من العذاب وإذا تتلى عليهم آياتنا يعني القرآن والمنكر هاهنا بمعنى الإنكار فالمعنى أثر الإنكار من الكراهة وتعبيس الوجوه معروف عندهم يكادون يسطون أي يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ يقال سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالعنف والشدة لهم يا محمد إن بشر من ذلكم أي بأشد عليكم وأكره اليكم من سماع القرآن ثم ذكر ذلك فقال النار أي هو النار أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز تعالى يا أيها الناس ضرب مثل قال الأخفش إن قيل أين المثل أنه ليس هاهنا مثل وإنما المعنى يا أيها الناس ضرب لي مثل أي شبهت بي الأوثان فاستمعوا لهذا المثل وتأويل الآية جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ثم بين ذلك بقوله إن الذين تدعون أي تعبدون من دون الله وقرأ ابن عباس وابو رزين وابن أبي عبلة يدعون بالياء المفتوحة وقر ابن السميفع وأبو رجاء وعاصم الجحدري يدعون بضم الياء وفتح العين يعني الأصنام لن يخلقوا ذبابا والذباب واحد والجمع القليل أذبة والكثير الذبان مثل إلا وأغربة وغربان وقيل إنما خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته ولو اجتمعوا يعني الأصنام له أي لخلقه وإن يسلبهم يعني الاصنام قال ابن عباس كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف فيأتي الذباب فيختلسه وقال ابن جريج كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشئ من الحلواء كالعسل ونحوه فيقع عليه الذباب فيسلبها إياه فلا تستطيع الآلهه ولا من عبدها أن يمنعه ذلك وقال السدي كانوا يجعلون للآلهة طعاما فيقع الذباب عليه فيأكل منه قال ثعلب وإنما قال لا يستنقذوه منه فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب كقوله يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم النمل 18 لما خاطبهم جعلهم

[ 309 ]

كالآدميين ومثله فيه لي ساجدين يوسف 40 وقد بينا هذا المعنى في الأعراف 191 عند قوله تعالى وهم يخلقون تعالى ضعف الطالب والمطلوب فيه ثلاثة أقوال أن الطالب الصنم والمطلوب الذباب رواه عطاء عن ابن عباس الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الطيب الذي على الصنم والمطلوب الصنم يطلب الذباب منه سليمان عليه روي عن ابن عباس أيضا الطالب عباد الصنم يطلب التقرب بعبادته والمطلوب الصنم هذا معنى قول الضحاك والسدي صلى تعالى ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه حق عظمته إذ جعلوا هذه الأصنام شركاء له إن الله لقوي لا يقهر عزيز لا يرام وقال يصطفي من الملئكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين ايديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الامور تعالى الله يصطفي من الملائكة رسلا كجبريل وميكئايل أنه وإسرافيل وملك الموت ومن الناس الانبياء المرسلين إن الله سميع لمقالة العباد بصير بمن يتخذه رسولا وزعم مقاتل ان هذه الآية نزلت حين قالوا أأنزل عليه الذكر من بيننا ص 8 تعالى يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم الإشارة الى الذين أصطفاهم وقد بينا معنى ذلك في آية الكرسي البقرة 255 أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم

[ 310 ]

ابراهيم هو سمكم وهو المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير صلى الله عليه وسلم تعالى اركعوا واسجدوا قال المفسرون المراد صلوا لأن الصلاة لا تكون الا بالركوع والسجود واعبدوا ربكم أي وحدوه وافعلوا الخير يريد أبواب المعروف لعلكم تفلحون أي لكي تسعدوا وتبقوا في الجنة يختلف أهل العلم في السجدة الأولى من الحج واختلفوا في هذه السجدة الأخيرة فروي عن عمر وابن عمر وعمار وابي الدرداء وابي موسى وابن عباس أنهم قالوا في الحج سجدتان وقالوا فضلت هذه السورة على غيرها بسجدتين وبهذا قال أصحابنا وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه وروي عن ابن عباس انه قال في الحج سجدة وبهذا قال الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وابراهيم وجابر بن زيد وابو حنيفة وأصحابه ومالك ويدل على الأول ما روى عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أفي الحج سجدتان قال نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما إذا العلماء في عدد سجود القرآن فروي عن أحمد روايتان إحداهما أنها اربع عشرة سجدة وبه قال الشافعي والثانية أنها خمس عشرة فزاد سجدة ص 24 وقال أبو حنيفة هي أربع عشرة فأخرج التي في آخر الحج وأبدل منها سجعة ص 24 فقال التلاوة سنة وقال أبو حنيفة واجب ولا يصح سجود التلاوة إلا بتكبيرة الإحرام والسلام خلافا لأصحاب ابي حنيفة وبعض اصحاب الشافعي ولا يجزئ الركوع عن سجود التلاوة وقال أبو حنيفة يجزئ ولا يسجد المستمع إذا لم يسجد التالي نص عليه أحمد رضي الله عنه وتكره قراءة السجدة في صلاة الإخفات خلافا للشافعي تعالى وجاهدوا في الله في هذا الجهاد ثلاثة أقوال أنه فعل جميع الطاعات هذا قول الأكثرين

[ 311 ]

والثاني أنه جهاد الكفار قاله الضحاك والثالث أنه جهاد النفس والهوى قاله عبد الله بن المبارك حق الجهاد ففيه ثلاثة أقوال أي أنه الجد في المجاهدة واستيفاء الإمكان فيها والثاني أنه اخلاص النية لله عز وجل والثالث أنه فعل ما فيه وفاء لحق الله عز وجل صلى زعم قوم أن هذه الآية منسوخة واختلفوا في ناسخها على قولين قوله لا يكلف الله نفسا الا وسعها البقرة 286 قوله فاتقوا الله ما استطعتم التغابن 16 وقال اخرون بل هي محكمة ويؤكده القولان الأولان في تفسير حق الجهاد وهو الأصح لأن الله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها تعالى هو اجتباكم أي اختاركم واصطفاكم لدينه والحرج الضيق فما من شئ وقع الإنسان فيه إلا وجد له في الشرع مخرجا بتوبة أو كفارة أو انتقال الى رخصة ونحو ذلك وروي عن ابن عباس انه قال الحرج ما كان على بني اسرائيل من الإصر والشدائد وضعه الله عن هذه الأمة تعالى ملة ابيكم قال الفراء المعنى وسع عليكم كملة أبيكم فإذا ألقيت الكاف نصبت ويجوز النصب على معنى الأمر بها لأن أول الكلام أمر وهو قوله اركعوا واسجدوا والزموا ملة ابيكم قيل هذا الخطاب للمسلمين وليس ابراهيم أبالكلهم أنه إن كان خطابا عاما للمسلمين فهو كالأب لهم لأن حرمته وحقه عليهم كحد الولد وإن كان خطابا للعرب خاصة فابراهيم أبو العرب قاطبة هذا قول المفسرين والذي يقع لي أن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ابراهيم أبوه وأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلة فيما خوطب به رسول الله

[ 312 ]

تعالى هو سماكم المسلمين في المشار إليه قولان أنه الله عز وجل قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور فعلى هذا في قوله من قبل قولان أحدهما من قبل إنزال القرآن سماكم بهذا في الكتب التي أنزلها والثاني من قبل أي في أم الكتاب وقوله وفي هذا أي في القرآن أنه ابراهيم عليه السلام حين قال ومن ذريتنا أمة مسلمة لك البقرة 128 فالمعنى من قبل هذا الوقت وذلك في زمان ابراهيم عليه السلام وفي هذا الوقت حين قال ومن ذريتنا أمة مسلمة هذا قول ابن زيد تعالى ليكون الرسول المعنى اجتباكم وسماكم ليكون الرسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة أنه قد بلغكم وقد شرحناه هذا المعنى في البقرة 143 الى قوله وآتوا الزكاة تعالى واعتصموا بالله قال ابن عباس سلوه أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره وقال الحسن تمسكوا بدين الله وما بعد هذا مشروح في الأنفال 40

[ 313 ]

المؤمنون الله الرحمن الرحيم أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكوة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين ؟ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ثنا المؤمنين مكية في قول الجميع وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لقد أنزلت علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ قد أفلح المؤمنون إلى عشر آيات رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال إن الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها بيده فقال لها تكلمي فقالت قد أفلح المؤمنون فقال لها طوبى لك منزل الملوك قال الفراء قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه الا تراهم يقولون قد قامت الصلاة قبل حال قيامها فيكون معنى الآية إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال وقرأ ابي بن كعب وعكرمة وعاصم الجحدري

[ 314 ]

وطلحة بن مصرف قد أفلح بضم الألف وكسر اللام وفتح الحاء على ما لم يسم فاعله قال الزجاج ومعنى الآية قد نال المؤمنون البقاء الدائم في الخير ومن قرأ قد أفلح بضم الألف كان معناه قد أصيروا به الى الفلاح وأصل الخشوع في اللغة الخضوع والتواضع المراد بالخشوع في الصلاة اربعة اقوال أنه النظر الى موضع السجود روى أبو هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى رفع بصره الى السماء فنزلت الذين هم في صلاتم خاشعون فنكس رأسه والى هذا المعنى ذهب مسلم بن يسار وقتادة أنه ترك الالتفات في الصلاة وأن تلين كنفك للرجل المسلم قاله علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه السكون في الصلاة قاله مجاهد وابراهيم والزهري أنه الخوف قاله الحسن المراد باللغو هاهنا خمسة اقوال الشرك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني الباطل رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث المعاصي قاله الحسن والرابع الكذب قاله السدي والخامس الشتم والأذى الذي كانوا يسمعونه من الكفار قاله مقاتل قال الزجاج واللغو كل لعب ولهو وكل معصية فهي مطرحة ملغاة فالمعنى شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن اللغو تعالى للزكاة فاعلون أي مؤدون فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل تعالى إلا على أزواجهم قال الفراء على بمعنى من وقال الزجاج المعنى أنهم يلامون في اطلاق ما حظر عليهم وأمروا بحفظه إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم لا يلامون تعالى فمن ابتغى أي طلب وراء ذلك أي سوى الأزواج والمملوكات فأولئك هم العادون يعني الجائرين الظالمين لأنهم قد تجاوزوا الى مالا يحل والذين

[ 315 ]

هم لأماناتهم قرأ أبن كثير لأمانتهم وهو اسم جنس والمعنى للأمانات هذا التي ائتمنوا عليها فتارة تكون الأمانة بين العبد وبين ربه وتارة تكون بينه وبين جنسه فعليه مراعاة الكل وكذلك العهد ومعنى راعون حافظون قال الزجاج وأصل الرعي في اللغة القيام على اصلاح ما يتولاه الراعي من كل شئ تعالى على صلواتهم قرأ ابن كثيوعاصم وأبو عمرو وابن عامر صلواتهم على الجمع وقرأ حمزة والكسائي صلاتهم على التوحيد وهو اسم جنس والمحافظة على الصلوات أداؤها في أوقاتها تعالى اولئك هم الوارثون ذكر السدي عن أشياخه ان الله تعالى يرفع للكفار الجنة فينظرون الى بيوتهم فيها لو أنهم أطاعوا ثم تقسم بين المؤمنين فيرثونهم فذلك قوله أولئك هم الوارثون وقد شرحنا هذا في الأعراف 43 عند قوله أورثتموها ثم وشرحنا معنى الفردوس في الكهف 107 خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون رسول تعالى ولقد خلقنا الإنسان فيه قولان أنه آدم عليه السلام وإنما قيل من سلالة لأنه استل من كل الأرض هذا مذهب سلمان الفارسي وابن عباس في رواية وقتادة أنه ابن آدم والسلالة النطفة استلت من الطين والطين آدم عليه السلام قاله أبو صالح عن ابن عباس قال الزجاج والسلالة فعالة وهي القليل مما ينسل وكل مبني على فعالة يراد به القليل من ذلك الفضالة والنخالة والقلامة تعالى ثم جعلناه يعني ابن آدم نطفة في قرار وهو الرحم مكين أي

[ 316 ]

حريز قد هيئ لاستقراره فيه وقد شرحنا في سورة الحج 5 معنى النطفة والعلقة والمضغة تعالى فخلقنا المضغة عظاما قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم عظاما فكسونا العظام على الجمع وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم عظما فكسونا العظم على التوحيد تعالى ثم أنشأناه خلقا آخر وهذه الحالة السابعة قال علي عليه السلام لا تكون موؤودة حتى تمر على التارات السبع محل هذا الإنشاء قولان انه بطن الأم ثم في صفة الإنشاء قولان أحدهما أنه نفخ ولا فيه رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال أبو العالية والشعبي ومجاهد وعكرمة والضحاك في آخرين والثاني أنه جعله ذكرا أو أنثى قاله الحسن الثاني أنه بعد خروجه من بطن أمه ثم في صفة هذا الإنشاء أربعة أقوال أحدها أن ابتداء ذلك الإنشاء أنه استهل ثم دل على الثدي وعلم كيف يبسط رجليه الى أن قعد إلى أن قام على رجليه الى أن مشى إلى أن فطم إلى أن بلغ الحلم إلى أن تقلب في البلاد رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه استواء الشباب قاله ابن عمر ومجاهد والثالث أنه خروج الاسنان والشعر قاله الضحاك فقيل له أليس يولد وعلى رأسه الشعر فقال وأين العانة والإبط والرابع أنه إعطاء العقل والفهم حكاه الثعلبي تعالى فتبارك الله أي استحق التعظيم والثناء وقد شرحنا معنى تبارك في الأعراف 54 أحسن الخالقين أي المصورين والمقدرين والخلق في اللغة التقدير وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وعنده عمر الى قوله تعالى خلقا آخر فقال عمر فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد ختمت بما تكلمت به يا ابن الخطاب قيل كيف الجمع بين قوله أحسن الخالقين وقوله هل من خالق غير الله فاطر 3

[ 317 ]

لم أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد ولا موجد سوى الله ويكون بمعنى التقدير كقول زهير ولأنت تفري ما خلقت وبعد حدثنا ض القوم يخلق ثم لا يفري ابن المراد هاهنا أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشئ فالله خير المصورين والمقدرين وقال الاخفش الخالقون هاهنا هم الصانعون قوله فالله خير الخالقين تعالى ثم إنكم بعد ذلك أي بعد ما ذكر من تمام الخلق لميتون عند انقضاء آجالكم وقرأ أبو رزين العقيلي وعكرمة وابن ابي عبلة لمائنون له بألف قال الفراء والعرب تقول لمن لم يمت إنك مائت عن قليل وميت ولا يقولون للميت الذي قد مات هذا مائت إنما يقال في الاستقبال فقط وكذلك يقال هذا سيد قومه اليوم فإذا اخبرت أنه يسودهم عن قليل قلت هذا سائد قومه عن قليل وكذلك هذا شريف القوم وهذا شارف عن قليل وهذا الباب كله في العربية على ما وصفت لك خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين وانزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق يعني السموات السبع قال الزجاج كل واحدة طريقة وقال ابن قتيبة إنما سميت طرائق بالتطارق إلى لأن بعضها فوق بعض يقال طارقت الشئ إذا جعلت بعضه فوق بعض تعالى وما كنا عن الخلق غافلين فيه ثلاثة أقوال ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب ما كنا تاركين لهم بغير رزق فأنزلنا المطر لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر يعلمه الله وقال مقاتل بقدر ما يكفيهم للمعيشة

[ 318 ]

تعالى وشجرة هي معطوفة على قوله جنات وقرأ أبو مجلز وابن يعمر وابراهيم النخعي وشجرة بالرفع والمراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون قيل لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر من اربعة أوجه لكثرة انتفاعهم بها فذكرهم من نعمه ما يعرفون وكذلك كان النخيل والأعناب في الآية الأولى لأنهما كانا جل ثمار الحجاز وما والاها أبو وكانت النخيل لأهل المدينة والأعناب لأهل الطائف لأنهم لا يكادون يتعاهدونها أو بالسقي وهي تخرج الثمرة التي يكون منها الدهن أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار وفي ثمرتها حياة للنار ومادة لها لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل تعالى طور سيناء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو طور سيناء مكسورة السين وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي مفتوحة السين وكلهم مدها قال الفراء العرب تقول سيناء بفتح السين في جميع اللغات إلا بني كنانة فانهم يكسرون السين قال أبو علي ولا تنصرف هذه الكلمة لأنها جعلت اسما لبقعة أو ارض وكذلك سينين ولو جعلت اسما للمكان أول للمنزل أو نحو ذلك من الأسماء المذكرة لصرفت لأنك كنت قد سميت مذكرا بمذكر والطور الجبل معنى سيناء خمسة أقوال أنه بمعنى الحسن رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال الضحاك الطور الجبل بالسريانية وسيناء الحسن بالنبطية وقال عطاء يريد الجبل الحسن أنه المبارك رواه العوفي عن ابن عباس أنه اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده قاله مجاهد أن طور سيناء الجبل المشجر قاله ابن السائب أن سيناء اسم المكان الذي به هذا الجبل قاله الزجاج قال الواحدي وهو أصح الأقوال قال ابن زيد وهذا هو الجبل الذي نودي منه موسى وهو بين مصر وأيلة تعالى تنبت بالدهن قرأ ابن كثير وأبو عمرو تنبت برفع التاء وكسر الباء وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الباء قال الفراء وهما لغتان نبتت وأنبتت وكذلك قال الزجاج يقال نبت الشجر وأنبت في معنى واحد قال زهير

[ 319 ]

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم عبد قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل عليه قال ومعنى تنبت بالدهن تنبت ومعها دهن كما تقول جاءني زيد بالسيف أي جاءني ومعه السيف وقال أبو عبيدة معنى الآية تنبت الدهن والباء زائدة كقوله ومن يرد فيه بالحاد بظلم الحج 25 وقد بينا هذا المعنى هناك تعالى وصبغ وقرأ ابن مسعود وابن يعمر وابراهيم النخعي وصبغا بالنصب وقرأ ابن السميفع وصباغ بألف مع الخفض قال ابن قتيبة الصبغ مثل الصباغ كما يقال دبغ ودباغ ولبس ولباس قال المفسرون والمراد بالصبغ هاهنا الزيت لأنه يلون الخبز إذا غمس فيه والمراد أنه إدام يصبغ به لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون (تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم وقرأ نافع وابن عامر وابو بكر عن عاصم نسقيكم بفتح النون وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها وقد شرحناه هذا في النحل 66 الى قوله تعالى ولكم فيه منافع كثيرة يعني في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها ومنها تأكلون من لحومها وأولادها والكسب عليها تعالى وعليها يعني الإبل خاصة وعلى الفلك تحملون فالإبل تحمل في البر والسفن تحمل في البحر أرسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملؤا الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملئكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به

[ 320 ]

جنة فتربصوا به حتى حين قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء امرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجيان اثنين لا إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجنا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحيوة الدنيا ما هذا الا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي الا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون تعالى ولقد أرسلنا نوحا الى قومه قال المفسرون هذا تعزية أن الله صلى الله عليه وسلم بذكر هذا الرسول الصابر ليتأسى به في صبره وليعلم أن الرسل قبله قد كذبوا تعالى يريد أن يتفضل عليكم أي يعلوكم بالفضيلة فيصير متبوعا ولو شاء الله أن لا يعبد شئ سواه لأنزل ملائكة تبلغ عنه أمره لم يرسل بشرا ما سمعنا بهذا الذي

[ 321 ]

يدعونا إليه نوح من التوحيد في آبائنا الأولين فأما الجنة فمعناها الجنون قوله حتى حين قولان أن الموت فتقديره انتظروا موته والثاني أنه وقت منكر تعالى قال رب انصرني وقرأ عكرمة وابن محيصن قال رب بضم الباء وفي القصة الأخرى المؤمنون 39 تعالى بما كذبون وقرأ يعقوب كذبوني بياء وفي القصة التي تليها أيضا على المؤمنون 52 أيحضروني الله المؤمنون 98 قال رب أرجعوني عن المؤمنون ولا تكلموني من المؤمنون 108 أثبتهن في الحالين يعقوب والمعنى انصرني بتكذيبهم أي انصرني باهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم فأوحيانا في إليه قد شرحناه في هود 37 الى قوله فاسلك فيها أي أدخل في سفينتك من كل زوجين اثنين قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم من كل بكسر اللام من غير تنوين وقرحفص عن عاصم من كل بالتنوين قال أبو علي قراءة الجمهور إضافة كل الى زوجين وقراءة حفص تؤول الى زوجين لأن المعنى من كل الأزواج زوجين بن تعالى وقل رب أنزلني منزلا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم منزلا بضم الميم وروى أبو بكر عن عاصم فتحها والمنزل بفتح الميم اسم لكل ما نزلت به والمنزل بضمها المصدر بمعنى الإنزال تقول أنزلته إنزالا ومنزلا الوقت الذي قال فيه نوح ذاك قولان عند نزوله في السفينة والثاني عند نزوله من السفينة تعالى إن في ذلك أي في قصة نوح وقومه لآيات وإن كنا أي وما كنا لمبتلين أي لمختبرين إياهم بارسال نوح إليهم ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين يعني عادا فأرسلنا فيهم رسولا منهم وهو هود هذا قول الأكثرين وقال أبو سليمان الدمشقي هم ثمود والرسول صالح وما بعد هذا ظاهر الى قوله أيعدكم أنكم قال الزجاج موضع أنكم نصب

[ 322 ]

على معنى أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم فلما طال الكلام أعيد ذكر أن كقوله يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم التوبة 63 تعالى هيهات هيهات قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي هيهات هيهات بفتح التاء فيهما في الوصل وإسكانها في الوقف وقرأ أبي بن كعب وابو مجلز وهارون عن أبي عمرو هيهاتا هيهاتا بالنصب والتنوين وقرا ابن مسعود وعاصم الجحدري وابو حيوة الحضرمي وابن السميفع هيهات هيهات بالرفع والتنوين وقرأ أبو العالية وقتادة هيهات هيهات بالخفض والتنوين وقرأ أبو جعفر هيهات هيهات بالخفض من غير تنوين وكان يقف بالهاء وقرأ أبو المتوكل هذه وسعيد بن جبير وعكرمة هيهات هيهات بالرفع من غير تنوين وقرأ معاذ القارئ وابن يعمر وابو رجاء وخارجة عن ابي عمرو هيهات هيهات باسكان التاء فيهما وفي هيهات عشر لغات قد ذكرنا منها سبعة عن القراء والثامنة إيهات سنة والاسعة إيها بالنون والعاشرة إيها بغير نون ذكرهن ابن القاسم وأنشد الأحوص في الجمع بين لغتين منهن تذكر أياما مضين من الصبا عمرو وهيهات هيهاتا إليك رجوعها قبل قال الزجاج فأما الفتح فالوقف فيه بالهاء تقول هيهاه إذا فتحت ووقفت بعد الفتح فإذا كسرت ووقفت على التاء كنت ممن ينون في الوصل أو كنت ممن لا ينون وتأويل هيهات البعد لما توعدون وإذا قلت هيهات ما قلت فمعناه بعيد ما قلت وإذا قلت هيهات لما قلت فمعناه البعد لما قلت ويقال أيهات في معنى هيهات وأنشدوا وأيهات يحيى أيهات العقيق ومن به وأيهات وصل بالعقيق نواصله الرحمن قال أبو عمرو بن العلاء إذا وقفت على هيهات فقل هيهاه وقال الفراء الكسائي يختار الوقف بالهاء وأنا اختار التاء تعالى لما توعدون قرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة ما توعدون بغير لام قال المفسرون استبعد القوم بعثهم بعد الموت إغفالا منهم للتفكر في بدو امرهم وقدرة الله على إيجادهم وأرادوا بهذا الاستبعاد أنه لا يكون أبدا إن هي الا حياتنا الدنيا يعنون ما الحياة إلا ما نحن فيه وليس بعد الموت حياة فان قيل كيف قالوا نموت ونحايا وكان وهم لا يقرون بالبعث ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج نموت ويحيا أولادنا فكأنهم قالوا يموت قوم ويحيا قوم

[ 323 ]

نحيا ونموت لأن الواو للجمع لا للترتيب أبتداؤنا روى موات في أصل الخلقة ثم نحيا ثم نموت تعالى إن هو يعنون الرسول وقد سبق تفسير ما بعد هذا هود 7 النحل 38 الى قوله قال عما قليل قال الزجاج معناه عن قليل وما زائدة بمعنى التوكيد تعالى ليصبحن نادمين أي على كفرهم فأخذتهم الصيحة بالحق أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم قال المفسرون صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم فصاروا لشدتها غثاء قال أبو عبيدة الغثاء ما أشبه الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شئ وقال ابن قتيبة المعنى فجعلناهم هلكى كالغثاء وهو ما علا السيل من الزبد والقمش لأنه يذهب ويتفرق وقال الزجاج الغثاء الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده وما بعد هذا قد سبق شرحه الحجر 5 الى قوله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر تترى كلما منونة والوقف بالألف وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بلا تنوين والوقف عند نافع وابن عامر بألف وروى هبيرة وحفص عن عاصم أنه يقف بالياء قال أبو علي يعني بقوله يقف بالياء ولم بألف ممالة قال الفراء أكثر العرب على ترك التنوين ومنهم من نون قال ابن قتيبة والمعنى نتابع بفترة بين كل رسولين وهو من التواتر والأصل وترى فقبلت الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال معنى واترت الخبر اتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنية وقرات على شيخنا أبي منصور اللغوي قال ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم تواترت كتبي اليك يعنون اتصلت من غير انقطاع فيضعون التواتر في موصع الاتصال وذلك غلط إنما التواتر إ مجئ الشئ ثم انقطاعة ثم مجيئه وهو التفاعل من الوتر وهو الفرد يقال واترت الخبر أتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين هنيهة قال الله تعالى ثم أرسلنا رسلنا تترى أصلها وترى من المواترة فأبدلت التاء من الواو ومعناه منقطعة متفاوته لأن بين كل نبيين دهرا طويلا وقال أبو هريرة لا بأس بقضاء رمضان تترى أي منقطعا فإذا قيل واتر فلان كتبه فالمعنى تابعها وبين كل كتابين فقرة تعالى فأتبعنا بعضهم بعضا أي أهلكنا الأمم بعضهم في إثبعض وجعلناهم أحاديث قال أبو عبيدة أي يتمثل بهم في الشر ولا يقال في الخير جعلته حديثا

[ 324 ]

أرسلنا موسى وأخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين الى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين أهل تعالى فاستكبروا أي عن الإيمان بالله وعبادته وكانوا قوما عالين أي قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم تعالى وقومهما لنا عابدون أي مطيعون قال أبو عبيدة كل من دان لملك فهو عابد له آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة أعطيها جملة واحدة بعد غرق فرعون لعلهم يعني بني اسرائيل والمعنى لكي يهتدوا تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة آيتين على التثنية وهذا كقوله وجعلناها وابنها آية الانبياء 91 وقد سبق شرحه تعالى وأويناهما أي جعلناهما يأويان الى ربوة قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وحمزو حديث والكسائي ربوة بضم الراء وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها وقد شرحنا معنى الربوة في البقرة 265 ذات قرار أي مستوية يسقتر عند عليها ساكنوها والمعنى ذات موضع قرار وقال الزجاج أي ذات مستقر ومعين وهو الماء الجاري من العيون وقال ابن قتيبة ذات قرار أي يستقر بها للعمارة ومعين هو الماء الظاهر لأنه هو مفعول من العين كأن أصله معيون كما يقال ثوب مخيط وبر مكيل المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال أنها دمشق رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن

[ 325 ]

المسيب أنها بيت المقدس رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال قتادة وعن الحسن كالقولين أنها الرملة من أرض فلسطين قاله أبو هريرة مصر قاله وهب بن منبه وابن زيد وابن السائب فأما السبب الذي لأجله أويا الى الربوة فقال أبو صالح عن ابن عباس فرت مريم بابنها عيسى من ملكهم ثم رجعت الى أهلها بعد اثنتي عشرة سنة قال وهب بن منبه وكان الملك أراد قتل عيسى أخبرنا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون تعالى يا أيها الرسل قال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة في آخرين يعني بالرسل هاهنا محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وهو مذهب العرب في مخاطبة الواحد خطاب الجميع ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة والزجاج والمراد بالطيبات الحلال قال عمرو بن شرحبيل كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه يا تعالى وأن هذه أمتكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وان بالفتح وتشديد النون وافق ابن عامر في فتح الألف لكنه سكن النون وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وإن بكسر الالف وتشديد النون قال الفراء من فتح عطف على قوله إني بما تعملون عليم وبأن هذه أمتكم فموضعها خفص لأنها مردودة على ما وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر كأنك قلت واعلموا هذا ومن كسر استأنف قال أبو علي الفارسي وأما ابن عامر فانه خفف النون المشددة وإذا خففت تعلق بها ما يتعلق بالمشددة وقد شرحنا معنى الآية والتي بعدها في الانبياء 92 الى قوله زبرا وقرا ابن عباس وابو عمران الجوني زبرا برفع الزاي وفتح الباء وقرأ أبو

[ 326 ]

الجوزاء وابن السميفع زبرا برفع الزاي وإسكان الباء قال الزجاج من قرأ زبرا بضم الباء فتأويله جعلوا دينهم كتبا مختلفة جمع زبور ومن قرأ زبرا بفتح الباء أراد قطعا تعالى كل حزب بما لديهم فرحون أي بما عندهم من الدين الذي ابتدعوه معجبون يرون انهم على الحق المشار إليهم قولان أنهم اهل الكتاب قاله مجاهد أنهم أهل الكتاب ومشركو العرب قاله ابن السائب لو تعالى فذرهم في غمرتهم وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب في غمراتهم على الجمع قال الزجاج في عمايتهم وحيرتهم حتى حين أي الى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب قال مقاتل يعني كفار مكة هذه الآية منسوخة أم لافيها قولان أنها منسوخة بآية السيف والثاني أن معناها التهديد فهي محكمة تعال أيحسبون أنما نمدهم به وقرأ عكرمة وابو الجوزاء يمدهم بالياء المرفوعة وكسر الميم وقرأ أبو عمران الجوني نمدهم بنون مفتوحة ورفع الميم قال الزجاج المعنى أيحسبون أن الذي نمدهم به من مال وبنين مجازاة لهم إنما هو استدراج نسارع لهم في الخيرات أي نسارع لهم به في الخيرات وقرأ ابن عباس وعكرمة وأيوب السختياني يسارع بياء مرفوعة وكسر الراء وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل مثله إلا أنهما فتحا الراء وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري وابن السميفع يسرع بياء مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف تعالى بل لا يشعرون أي لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون

[ 327 ]

يكون ذكر المؤمنين فقال ان الذين هم خشية ربهم مشفقون وقد شرحنا هذا المعنى في قوله وهم من خشيته مشفقون الانبياء 28 تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقرأ عاصم الجحدري يأتون ما أتوا بقصر همزة أتوا وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت يا رسول الله أهم الذين يذنبون وهم مشفقون فقال لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون ويصومون وهم مشفقون ويتصدقون وهم مشفقون أن لا يتقبل منهم قال الزجاج فمعنى يؤتون يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم أنهم إلى ربهم راجعون أي لأنهم يوقنون أنهم يرجعون ومعنى يأتون يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع اجتهادهم مقصرين أولئك يسارعون في الخيرات وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع يسرعون برفع الياء واسكان السين وكسر الراء من غير ألف قال الزجاج يقال اسرعت وسارعت في معنى واحد الا ان سارعت أبلغ من أسرعت وهم لها أي من أجلها وهذا كما تقول أنا أكرم فلانا لك أي من أجلك وقال بعض أهل العلم الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر مع نكلف نفسا الا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون لا تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون سعيد تعالى ولدينا كتاب يعني اللوح المحفوظ ينطق بالحق قد أثبت فيه أعمال الخلق فهو ينطق بما يعملون وهم لا يظلمون أي لا ينقصون من ثواب اعمالهم ثم عاد الى الكفار فقال بل قلوبهم في غمرة من هذا قال مقاتل في غفلة عن الإيمان بالقرآن وقال ابن جرير في عمى عن هذا القرآن قال الزجاج يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من أعمال البر في قوله أولئك يسارعون في الخيرات فيكون المعنى بل قلوب هؤلاء في عماية من هذا ويجوز أن يكون إشارة الى الكتاب فيكون المعنى بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه في المشار إليه ب هذا ثلاثة أقوال القرآن

[ 328 ]

والثاني أعمال البر والثالث اللوح المحفوظ تعالى ولهم أعمال من دون ذلك فيه أربعة أقوال أعمال سيئة دون الشرك رواه عكرمة عن ابن عباس خطايا سيئة من دون ذلك الحق قاله مجاهد وقال ابن جرير من دون أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية بكر أعمال غير الأعمال التي ذكروا بها سيعملونها قاله الزجاج أعمال من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند مجيئه من المعاصي قاله أبو سليمان الدمشقي تعالى هم لها عاملون إخبار بما سيعملونه قد من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها تعالى حتى إذا أخذنا مترفيهم أي أغنياءهم ورؤساءهم والإشارة الى قريش وفي المراد بالعذاب قولان ضرب السيوف يوم بدر قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك الجوع الذي عذبوا به سبع سنين قاله ابن السائب ويجأرون بمعنى يصيحون لا تجأروا اليوم أي لا تستغيثوا من العذاب إنكم منالا تنصرون أي لا تمنعون من عذابنا قد كانت آياتي تتلى عليكم يعني القرآن فكنتم على أعقابكم تنكصون أي ترجعون وتتأخرون وفي عن الإيمان بها مستكبرين منصوب على الحال وقوله به الكناية عن البيت الحرم وهي كناية عن غير مذكور والمعنى إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرام لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم تقولون نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا ونحن أهل بيت الله وولاته هذا مذهب ابن عباس وغيره قال الزجاج ويجوز أن تكون الهاء في به للكتاب فيكون المعنى تحدث لكم تلاوته عليكم استكبارا تعالى سامرا قال أبو عبيدة معناه تهجرون سمارا والسامر بمعنى السمار بمنزلة طفل في موضع أطفال وهو من سمر الليل وقال ابن قتيبة سامرا أي متحدثين ليلا والسمر حديث الليل وقرأ ابي بن كعب وابو العالية وابم حيصن سمرا بضم السين وتشديد الميم وفتحها جمع سامر وقرأ ابن مسعود وابو رجاء وعاصم الجحدري سمارا برفع السين تشديد الميم وألف بعدها

[ 329 ]

تعالى تهجرون قرأ ابكثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي تهجرون بفتح التاء وضم الجيم وفمعناها أربعة أقوال تهجرون ذكر الله والحق رواه العوفي عن ابن عباس تهجرون كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم قاله الحسن تهجرون البيت قاله أبو صالح وقال سعيد بن جبير كانت قريش تسمر حول البيت وتفتخر به ولا تطوف به تقولون هجرا من القول وهو اللغوا والهذيان قاله ابن قتيبة قال الفراء يقال قد هجر الرجل في منامه إذا هذى والمعنى إنكم تقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه ومالا يضره ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن محيصن ونافع تهجرون بضم التاء وكسر الجيم قال ابن قتيبة وهذا من الهجر وهو السب والإفحاش كل من المنطق يريد سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه وقرأ أبو العالية وعكرمة وعاصم الجحدري وأبو نهيك تهجرون بتشديد الجيم ورفع التاء قال ابن الأنباري ومعناها معنى قراءة ابن عباس يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون تعالى أفلم يدبروا القول يعني القرآن فيعرفوا ما فيه من الدلالات والعبر على صدق رسولهم أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين المعنى أليس قد أرسل الانبياء الى أممهم كما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم أم لم يعرفوا رسولهم هذا توبيخ لهم لانهم عرفوا نسبه وصدقه وأمانته صغيرا وكبيرا ثم أعرضوا عنه الجنة الجنون بل جاءهم بالحق يعني القرآن اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين

[ 330 ]

وإنك لتدعوهم الى صراط مستقيم تعالى ولو اتبع الحق أهواءهم في المراد بالحق قولان أنه الله عز وجل قاله مجاهد وابن جريج والسدي في آخرين أنه القرآن ذكره الفراء والزجاج فعلى القول الأول يكون المعنى لو جعل الله لنفسه شريكا كما يحبون وعلى الثاني لو نزل القرآن بما يحبون من جعل شريك لله لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم أي بما فيه شرفهم وفخرهم وهو القرآن فهم عن ذكرهم معرضون أي قد تولوا عما جاءهم من شرف الدنيا والآخرة وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وابو رجاء وابو الجوزاء بل أتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون بألف فيهما أم تسألهم عما جئتهم به خرجا ابن كثير ونافع وابو عمرو وعاصم خرجا بغير الف فخراج بألف وقرأ ابن عامر خرجا فخرج بغير ألف في الحرفين وقرأ حمزة والكسائي خراجا بألف فخراج بألف في الحرفين ومع نخرجا أجرا ومالا فخراج ربك أي فما يعطيك ربك من أجره وثوابه خير وهو خير الرازقين أي أفضل من أعطى وهذا على سبيل التنبيه لهم أنه لم يسالهم أجرا لا أنه قد سألهم والناكب فلا العادل يقال نكب عن الطريق أي عدل عنه الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون تعالى ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر قال ابن عباس الضر هاهنا الجوع الذي نزل بأهل مكة حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم أعني على قريش بسنين كسني يوسف فجاء أبو سفيان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الضر وأنهم قد أكلوا القد والعظام فنزلت هذه الآية والتي بعدها وهو العذاب المذكور في قوله ولقد أخذناهم بالعذاب تعالى حتى إذا فتحنا عليه بابا ذا عذاب شديد فيه ثلاثة أقوال أنه يوم بدر رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس منه أنه الجوع الذي أصابهم قاله مقاتل

[ 331 ]

باب من عذاب جهنم في الآخرة حكاه الماوردي تعالى إذا هم فيه مبلسون وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل وأبو نهيك ومعاذ القارئ مبلسون بفتح اللاوقد شرحنا معنى المبلس في الأنعام 45 الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون وهو الذي ذرأكم في الأرض واليه تحشرون وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاماء إنا لمبعوثون لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذ إلا أساطير الأولين قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون الله قل أفلا تذكرون تعالى قليلا ما تشكرون قال المفسرون يريد أنهم لا يشكرون اصلا تعالى ذرأكم في الأرض أي خلقكم من الارض تعالى وله اختلاف الليل والنهار أي هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض أفلا تعقلون ما ترون من صنعه وما بعد هذا ظاهر الى قوله قل لمن الأرض أي قل لأهل مكة المكذبين بالبعث لمن الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون بحالها سيقولون لله قرأ أبو عمرو لله بغير ألف هاهنا وفي اللذين بعدها بالف وقرأ الباقون لله في المواضع الثلاثة وقراءة ابي عمرو على القياس قال الزجاج ومن قرأ سيقولون الله فهو جواب السؤال ومن قرأ لله فجيد أيضا لأنك قلت من صاحب هذ الدار فقيل لزيد جاز لأن معنى من صاحب هذه الدار لمن هي وقال أبو علي الفارسي من قرأ لله في الموضعين الآخرين فقد أجاب على المعنى دون ما يقتضيه اللفظ وقرأ سعيد بن جبير وأبو المتوكل وابو الجوزاء سيقولون الله الله الله بألف فيهن كلهن قال أبو علي الأهوازي وهو في مصاحف أهل البصرة بألف فيهن تعالى قل أفلا تذكرون فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداءا أقدر على إحياء الأموات من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل افلا تتقون

[ 332 ]

قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجيرولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون: تعالى افلا تتقون فيه قولان تتقون عبادة غيره والثاني تخشون عذابه فأما الملكوت فقد شرحناه في الأنعام 75 تعالى وهو يجير ولا يجار عليه أي يمنع من السوء من شاء ولا يمنع منه م أراده بسوء يقال أجرت فلانا أي حميته وأجرت عليه أي حميت عنه تعالى فأنى تسحرون قال ابن قتيبة أنى تخدعون وتصرفون عن هذا أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى غير على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون تعالى بل أتيناهم بالحق أي بالتوحيد والقرآن وإنهم لكاذبون فيما يضيفون الى الله من الولد والشريك ثم نفاهما عنه بما بعد هذا الى قوله إذا لذهب كل إله بما خلق أي لا نفرد بخلقه ولم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره ولمنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ولعلا بعضهم على بعض أي غلب بعضهم بعضا تعالى عالم الغيب قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم عالم بالخفض وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم عالم بالرفع قال الاخفش الجر اجود ليكون الكلام من وجه واحد والرفع على أن يكون خبر ابتداء محذوف ويقويه أن الكلام الأول قد انقطع رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون إدفع بالتي هي احسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل

[ 333 ]

رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون تعالى إما تريني وقرأ أبو عمران الجوني والضحاك ترئني بالهمز بين الراء والنون من غير ياء والمعنى إن أريتني ما يوعدون من القتل والعذاب فاجعلني خارجا عنهم ولا تهلكني بهلاكهم فأراه الله تعالى ما وعدهم ببدر وغيرها ونجاه ومن معه تعالى ادفع بالتي هي احسن السيئة فيه اربعة اقوال أحد ادفع إساءة المسئ بالصفح قاله الحسن أدفع الفحش بالسلام قاله عطاء والضحاك ادفع الشرك بالتوحيد قاله ابن السائب ادفع المنكر بالموعظة حكاه الماوردي وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوخ بأية السيف تعالى نحن أعلم بما يصفون أي بما يقولون من الشرك والتكذيب والمعنى إنا نجازيهم على ذلك وقل رب أعوذ أي ألجأ وامتنع بك من همزات الشياطين قال ابن قتيبة هو نخسها وطعنها ومنه قيل للعائب همزة كأنه يطعن وينخس إذا عاب وقال ابن فارس الهمز كالعصر يقال همزت الشئ في كفي ومنه الهمز في الكلام لأنه كأنه يضغط الحرف وقال غيره الهمز اللغة الدفع وهمزات الشياطين دفعهم بالإغواء الى المعاصي تعالى أن يحضرون أي أن يشهدون والمعنى أن يصيبوني بسوء لأن الشيطان لا يحضر ابن آدم الا بسوء هم ثم أخبر أن هؤلاء الكفار المنكرين للبعث يسألون الرجعة الى الدنيا عند الموت بالآية التي تلي هذه وقيل هذا السؤال منهم للملائكة الذين يقبضون أرواحهم قيل كيف قال ارجعون وهو يريد ارجعني أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن وذلك أنه يخبل عن نفسه فيه بما تخبر به الجماعة كقوله إنا نحن نحيي ونميت ق 43 فجاء خطابه كاخباره عن نفسه هذا قول الزجاج بعد إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا

[ 334 ]

إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون تعالى لعلي أعمل صالحا فيما تركت قال ابن عباس فيما مضى من عمري وقال مقاتل فيما تركت من العمل الصالح تعالى كلا أي لا يرجع الى الدنيا إنها يعني مسألته الرجعة كلمة هو قائلها أي هو كلام لا فائدة له فيه ومن ورائهم أي أمامهم وبين أيديهم برزخ قال ابن قتيبة البرزخ ما بين الدنيا والآخرة وكل شئ بين شيئين فهو برزخ وقال الزجاج البرزخ في اللغة الحاجز وهو هاهنا ما بين موت الميت وبعثه تعالى فإذا نفخ في الصور في هذه النفخة قولان أنها النفخة الأولى رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أنها الثانية رواه عطاء عن ابن عباس تعالى فلا أنساب بينهم في الكلام محذوف تقديره لا أنساب بينهم يومئذ يتفاخرون بها أو يتقاطعون يقول بها لأن الأنساب لا تنقطع يومئذ إنما يرفع التواصل والتفخار الذي بها قوله ولا يتساءلون ثلاثة أقوال لأن لا يتساءلون بالانساب أن يترك بعضهم لبعض حقه لا يسأل بعضهم بعضا عن شأنه لاشتغال كل واحد بنفسه لا يسأل بعضهم بعضا من أي قبيل أنت كما تفعل العرب لتعرف النسب فتعرف قدر الرجل وما بعد هذا قد سبق تفسيره الاعراف 8 الى قوله تلفح وجوههم النار قال الزجاج تلفح وتنفح وقد بمعنى واحد إلا أن اللفح أعظم تأثيرا والكالح الذي قد تشمرت شفته عن اسنانه نحو ما ترى من رؤوس الغنم إذا برزت الأسنان وتشمرت الشفاه وقال ابن مسعود قد بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم كالرأس المشيط بالنار وروى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته

[ 335 ]

تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون قالوا ربنا غلبت علينا شقوننا علي وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون قال اخسؤا فيها ولا تكلمون إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا حتى وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون إني حزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون تعالى الم تكن المعنى ويقال لهم الم تكن آياتي تتلى عليكم يعني القرآن قالوا ربن غلبت علينا شقوتنا قرأ ابن كثير وعاصم ونافع وأبو عمرو وابن عامر شقوتنا بكسر الشين من غير الف وقرأ عمرو ابن العاص وابو رزين العقبلي كما ورد في المصدر والأصح العقيلي وأبو رجاء العطاردي كذلك إلا أنه بفتح الشين وقرابن مسعود وابن عباس وابو عبد الرحمن السلمي والحسن والأعمش وحمزة والكسائي شقاوتنا بألف مع فتح الشين والقاف وعن الحسن وقتادة كذلك إلا أن الشين مكسورة قال المفسرون أقر القوم بأن ما كتب عليهم من الشقاء منعهم الهدى تعالى ربنا أخرجنا منها أي من النار قال ابن عباس طلبوا الرجوع الى الدنيا فان عدنا أي الى الكفر والمعاصي تعالى اخسؤوا قال الزجاج تباعدوا تباعد سخط يقال خسأت الكلب اخسؤه تعالى إذا زجرته ليتباعد تعالى ولا تكلمون أي في رفع العذاب عنك قال عبد الله ابن عمرو إن اهل جهنم يدعون مالكا أربعين عاما فلا يجيبهم ثم يقول إنكم ماكثون الزخرف 77 ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا ثم يقول إنكم ماكثون ثم ينادون ربهم ربنا أخرجنا منها فيدعهم مثل عمر الدنيا ثم يرى عليهم اخسؤوا فيها ولا تكلمون فما ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان الا الزفير والشهيق فإن بين الذي لأجله أخسأهم عمر بقوله إنه وقرأ ابن مسعود وأبو عمران الجوني وعاصم الجحدري أنه بفتح الهمزة كان فريق من عبادي قال ابن عباس يريد المهاجرين

[ 336 ]

قوله تعالى فاتخذتموهم قال الزجاج الأجود إدغام الذال في التاء لقرب المخرجين وإن شئت أظهرت لأن الذال من كلمة والتاء من كلمة وبين الذل والتاء في المخرج شئ من التباعد تعالى سخريا قرأ نافع وحمزة والكسائي وابو حاتم عن يعقوب سخريا بضم السين هاهنا وفي ص 63 النبي تابعهم المفضل في ص 32 وإن وقرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم وابن عامر بكسر السين في السورتين ولم يختلف فضم السين في الحرف الذي في الزخرف 32 واختار الفراء الضم والزجاج الكسر وهل هما بمعنى فيه قولان أنهما لغتان ومعناهما واحد قاله الخليل وسيبويه ومثله قول العرب بحر لجي ولجي وكوكب دري ودري أن الكسر بمعنى الهمز والضم بمعنى السخرة والاستعباد قاله أبو عبيدة وحكاه الفراء وهو مروي عن الحسن وقتادة ابو علي قراءة عن كسر ارجح من قراءة من ضم لأنه من الهزء والأكثر في الهزء كسر السين قال مقاتل كان رؤوس كفار قريش كأبي جهل وعقبة والوليد قد اتخذوا فقراء اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعمار وبلال وخباب وصهيب سخريا يستهزئون بهم ويضحكون منهم كما تعالى حتى أنسوكم ذكري أي أنساكم الاشتغال بالاستهزاء بهم ذكري فنسب الفعل الى المؤمنين وإن لم يفعلوه لأنهم كانوا السبب في وجوده كقوله إنهن أضللن كثيرا من الناس ابراهيم 36 تعالى إني جزيتهم اليوم بما صبروا أي على أذاكم واستهزائكم أنهم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر أنهم بفتح الألف وقرأ حمزة والكسائي إنهم بكسرها فمن فتح أنهم فالمعنى جزيتهم بصبرهم الفوز ومن كسر إنهم استأنف كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين قال إن لبثتم الا قليلا لو أنكم كنتم أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا

[ 337 ]

ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين تعالى قال كم لبثتم قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر قال كم لبثتم وهذا سؤال الله تعالى للكافرين وفي وقته قولان أنه يسألهم يوم البعث بعد حصولهم في النار ابن كثير وحمزة والكسائي قل كم لبثتم وفيها قولان أنه خطاب لكل واحد منهم والمعنى قل يا ايها الكافر أن المعنى قولوا فأخرجه مخرج الأمر للواحد والمراد الجماعة لأن المعنى مفهوم وأبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون ثاء لبثتم والباقون لا يدغمونها وسلم فمن أدغم فلتقارب مخرج الثاء والتاء ومن لم يدغم فلتباين المخرجين المراد بالأرض قولان أحدهما أنها القبور والثاني الدنيا فاحتقر القوم ما لبثوا لما عاينوا من الأهوال والعذاب فقالوا لبثنا يوما أبو بعض يوم قال الفراء والمعنى لا ندري كم لبثنا المراد بالعادين قولان الملائكة قاله مجاهد الحساب قاله قتادة وقرأ الحسن والزهري وأبو عمران الجوفي وابن يعمر العادين بنخفيف عنه الدال تعالى قال إن لبثتم قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابو عمرو وابن عامر قال إن لبثتم وقرأ حمزة والكسائي قل إن لبثتم على معنى قل أيها السائل عن لبثهم وزعموا أن في مصحف أهل الكوفة قل فالموضعين فقرأهما حمزة والكسائي على ما في مصاحفهم أي ما لبثتم في الأرض إلا قليلا لأن مكثهم في الأرض وإن طال فانه متناه ومكثهم في النار لا يتناهى

[ 338 ]

قوله لو أنكم كنتم تعلمون قولان لو علمتم قدر لبثكم في الأرض لم علمتم أنكم الى الله ترجعون فعملتم لذلك تعالى أفحسبتم أي أفظننتم إن أنما خلقناكم عبثا أي إلا والعبث في اللغة اللعب وقيل هو الفعل لا لغرض صحيح وأنكم إلينا لا ترجعون قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم لا ترجعون بضم التاء وقرأ حمزة والكسائي بفتحها فتعالى الله عما يصفه به الجاهلون من الشرك والولد الملك قال الخطابي هو التام الملك الجام ع فيه لأصناف المملوكات وأما المالك فهو الخالص الملك وقد ذكرنا معنى الحق في يونس 32 تعالى رب العرش الكريم والكريم في صفة الجماد بمعنى الحسن وقرأ ابن محيصن الكريم برفع الميم يعني الله عز وجل تعالى لا برهان له به أي لا حجة له به ولا دليل وقال بعضهم معناه فلا برهان له به تعالى فانما حسابه عند ربه أي جزاؤه عند ربه

[ 339 ]

بعون الله تبارك وتعالى الجزء الخامس صلى مكتاب المسير في علم التفسير ويليه الجزء السادس وقال تفسير سورة النور 1 يوجد تكرار من 4289 الى 4317 سورة النور بسم الله الرحمن الرحيم أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين مدينة كلها باجماعهم وقال أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن المغزل وسوره النور يعني النساء

[ 340 ]

قوله عز وجل سورة قرأ الجمهور بالرفع وقرأ أبو رزين العقبلي وابن أبي عبلة ومحبوب عن أبي عمرو سورة بالنصب قال أبو عبيدة من رفع فعلى الابتداء وقال الزجاج هذا قبيح لأنها نكرة وأنزلناها صفة لها وإنما الرفع على إضمار هذه سورة والنصب على وجهين أحدهما على معنى أنزلنا سورة وعلى معنى أتل سورة تعالى وفرضناها قرأ ابن كثيوأبو عمرو بالتشديد وقرأ ابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وعكرمة والضحاك والزهري ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وابن يعمر والأعمش وابن أبي عبلة بالتخفيف قال الزجاج من قرأ بالتشديد فعلى وجهين أحدهما على معنى التكثير أي إننا فرضنا فيها فروضا والثاني على معنى بينا وفصلنا مفيها من الحلال والحرام ومن قرأ بالتخفيف فمعناه ألزمناكم العمل بما فرض فيها وقال غيره من شدد أراد فصلنا فرائضها ومن خفف فمعناه فرضنا ما فيها تعالى الزانية والزاني القراءة المشهورة بالرفع وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو الجوزا وابن أبي عبلة وعيسى بن عمر الزانية بالنصب واختار الخليل وسيبويه الرفع اختيار الأكثرين قال الزجاج والرفع أقوى في العربية لأن معناه من زنى فاجلدوه فتأويله الابتداء ويجوز النصب على معنى اجلدوا الزانية فأما الجلد فهو ضرب الجلد يقال جلده إذا ضرب جلده كما يقال بطنه إذا ضرب بطنه المفسرون ومعنى الآية الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين بكرين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة شيخنا علي بن عبيد الله هذه الآية تقتضي وجوب الجلد على البكر والثيب وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق البكر زيادة على الجلد بتغريب عام وفي حق الثيب زيادة على الجلد بالرجم بالحجارة فروى عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة وممن قال بوجوب النفي في حق البكر

[ 341 ]

أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عمر وممن بعدهم عطاء وطاووس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وممن قال بالجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب علي بن أبي طالب والحسن البصري والحسن بن صالح واحمد وإسحاق قال وذهب قوم من العلماء إلى أن المراد بالجلد المذكور في هذه الآية البكر فأما الثيب فلا يجب عليه الجلد وإنما يجب الرجم روي عن عمر وبه قال النخعي والزهري والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وروي عن احمد رواية مثل قول هؤلاء تعالى ولا تأخذكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين والضحاك وبن يعمر والأعمش يأخذكم بالياء بهما رأفة قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي رأفة باسكان الهمزة وقرا المتوكل ومجاهد وأبو عمران الجوني وابن كثير بفتح الهمزة وقصرها على وزن رعفة وقرأ سعيد بن جبير والضحاك وأبو رجاء العطاردي رآفة مثل سآمة وكآبة معنى الكلام قولان لا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما قاله سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا نقيموها أنه قاله مجاهد والشعبي وابن زبد في آخرين العلماء في شدة الضرب في الحدود فقال الحسن البصري ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب ويضرب الشارب أشد من ضرب التعزير وعلى هذا مذهب أصحابنا وقال أبو حنيفة التعزير أشد الضرب وضرب الزاني أشد من ضرب الشارب وضرب الشارب أشد من ضرب القذف وقال مالك الضرب في الحدود كلها سواء غير مبرح ما يضرب من الأعضاء فنقل الميموني عن احمد في جلد الزاني قال يجرد ويعطى كل عضو حقه ولا يضرب وجهه ولا رأسه ونقل يعقوب ابن بختان لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير وهو قول أبي حنيفة وقال مالك لا يضرب إلا في الظهر وقال الشافعي يتقى الفرج والوجه تعالى في دين الله فيه قولان في حكمه قاله ابن عباس

[ 342 ]

والثاني في طاعة الله ذكره الماوردي تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال الزجاج القراءة باسكان اللام ويجوز كسرها والمراد بعذابهما ضربهما المراد بالطائفة هاهنا خمسة أقوال الرجل فما فوقه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقال النخعي الواحد طائفة ألإثنان وهو فصاعدا قاله سعيد بن جبير وعطاء وعن عكرمة كالقولين قال الزجاج والقول الأول على غير ما عند أهل اللغة لأن الطائفة في معنى جماعة وأقل الجماعة اثنان ثلاثة فصاعدا قاله الزهري أربعة قاله ابن زيد عشرة قاله الحسن البصري قوله تعالى لا ينكح زانية قال عبد الله بن عمرو كانت امرأة تسافح وتشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية وقال عكرمة نزلت في بغايا كن بمكة ومنهن تسع صواحب رايات وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير ولا يدخل عليهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان فأراد ناس من المسلمين نكاحهن فنزلت هذه الآية قال المفسرون ومعنى الآية الزاني من المسلمين لا يتزوج من اولئك البغايا إلا زانية أو مشركة لأنهن كذلك كن والزانية منهن لا ينكحها إلا زان أو مشرك ومذهب أصحابنا أنه إذا زنى بامرأة لم يجز له ان يتزوجها إلا بعد التوبة منهما قوله تعالى ذلك وقرأ أبي بن كعب وأبو المتوكل وأبو الجوزاء وحرم الله ذلك بزيادة اسم الله عز وجل مع فتح حروف حرم وقرأ زيد بن علي وحرم ذلك بفتح الحاء وضم الراء مخففة ثم فيه قولان أنه نكاح الزواني قاله مقاتل والثاني الزنا قاله الفراء يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبد وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا

[ 343 ]

فان الله غفور رحيم تعالى يرمون المحصنات شرائط الإحصان في الزنا الموجب للرجم عندنا أربعة البلوغ والحرية والعقل والوطء في نكاح صحيح فأما الإسلام فليسبشرط في الإحصان خلافا لأبي حنيفة ومالك وأما شرائط إحصان القذف فأربع الحريه والإسلام والعفة وأن يكون المقذوف ممن يجامع مثله ومعنى الآية يرمون المحصنات بالزنا فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته ثم لم يأتوا على ما رموهن به بأربعة شهداء عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك فاجلدوهم يعني القاذفين صلى أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ورد الشهادة وثبوت الفسق واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف أم بالحد فعلى قول أصحابنا إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحكم بفسقه وتقبل شهادته ما لم يقم الحد عليه صلى الله عليه وسلم بالقذف كقوله لمن يخاصمه ما أنت بزان ولا أمك زانية يوجب الحد في المشهور من مذهبنا وقال أبو حنيفة لا يوجب الحد وحد العبد في القذف نصف حد الحر وهو أربعون قاله الجماعة إلا الأوزاعي فانه قال ثمانون فأما قاذف المجنون فقال الجماعة لا يحد وقال الليث يحد فأما الصبي فان كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع فعلى القاذف الحد وقال مالك يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها ولا يحد قذف الصبي وقال أبو حنيفه والشافعي لا يحد قاذفهما فان قذف رجل جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد وإن أفرد كل واحد بكلمة فعليه لكل واحد حد وهو قول الشعبي وابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه حد واحد سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات فصل القذف حق لآدمي يصح ان يبرئ منه ويعفو عنه وقال أبو حنيفة هو حق لله وعندنا أنه لا يستوفي إلا بمطالبة المقذوف وهو قول الأكثرين وقال ابن أبي ليلى يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف قوله تعالى الذين تابوا أي من القذف وأصلحوا قال ابن عباس أظهروا التوبة وقال غيره لم يعودوا إلى قذف المحصنات هذا الإستثناء قولان

[ 344 ]

أنه نسخ حد القذف وإسقاط الشهادة معا وهذا قول عكرمة والشعبي وطاووس ومجاهد والقاسم بن محمد والزهري والشافعي واحمد أنه يعود إلى الفسق فقط وأما الشهادة فلا تقبل أبدا قاله الحسن وشريح وإبراهيم وقتادة فعلى هذا القول انقطع الكلام عند قوله أبدا وعلى القول الأول وقع الاستثناء على جميع الكلام وهذا أصح لأن المتكلم بالفاحشة لا يكون أعظم جرما من راكبها فإذا قبلت شهادة المقذوف بعد ثبوته فالرامي أيسر جرما وليس القاذف بأشد جرما من الكافرإ فإنه إذا أسلم قبلت شهادته يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم تعالى يرمون أزواجهم سبب نزولها أن هلال بن أمية وجد عند اهله رجلا فرأى بعينه وسمع بأذنه فلم يهجه حتى أصبح فغدا على رسول اللصلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني جئت أهلي فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه فقال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالا ويبطل شهادته فقال هلال والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وفي حديث آخر أن الرجل الذي قذفها به شريك بن سحماء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهلال حين قذفها ائتني بأربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك فنزلت هذه الآية فنسخ حكم الجلد في حق الزوج القاذف

[ 345 ]

بيان حكم الآية قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحد وله التخلص منه باقامة البينة أو باللعان فان أقام البينة لزمها الحد وإن لاعنها فقد حقق عليها الزنا ولها $ التخلص منه باللعان فان نكل الزوج عن اللعان فعليه حد القذف وإن نكلت الزوجة لم تحدوحبست حتى تلاعن أو نقر بالزنا في إحدى الروايتين وفي الأخرى يخلى سبيلها وقال أبو حنيفة لا يحد واحد منهما ويحبس حتى يلاعن وقال مالك والشافعي يجب الحد على الناكل منهما تصح الملاعنة إلا بحضرة الحاكم فان كانت المرأة خفرة بعث الحاكم من يلاعن بينهما وصفة اللعان أن يبدأ الزوج فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا أربع مرات ثم يقول في الخامسة ولعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم تقول الزوجة أربع مرات أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنثم نقول وغضب الله عليها إن كان من الصادقين والسنة أن يتلاعنا قياما ويقال للزوج إذا بلغ اللعنة اتق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وكذلك يقال للزوجة إذا بلغت إلى الغضب فان كان بينهما ولد اقتصر نفيه عن الأب إلى ذكره في اللعان فيزيد في الشهادة وما هذا الولد ولدي وتزيد هي وإن هذا الولد ولده الفقهاء في الزوجين اللذين يجري بينهما اللعان فالمشهور عن أحمد أن كل زوج صح قذفه صح لعانه فيدخل تحت هذا المسلم والكافر والحر والعبد وكذلك المرأة وهذا قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة لا يجوز اللعان بين الحر والأمة ولا بين العبد والحرة ولا بين الذميين أو إذا كان أحدهما ذميا ونقل حرب عن أحمد نحو هذا والمذهب هو الأول ولا تختلف الرواية عن احمد ان فرقة اللعان لا تقبلعان الزوج وحده واختلف هل تقع بلعانهما من غير فرقة الحاكم على روايتين وتحريم اللعان مؤبد فان أكذب الملاعن نفسه لم تحل له زوجته أيضا وبه قال عمر وعلي وابن مسعود وعن أحمد روايتان أصحهما هذا والثانية يجتمعان بعد التكذيب وهو قول أبي حنيفة تعالى يكن لهم شهداء إلا أنفسهم وقرأ أبو المتوكل وابن يعمرو النخعي إذا تكن بالتاء

[ 346 ]

تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم أربع بفتح العين وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم برفع العين قال الزجاج من رفع اربع فالمعنى فشهادة احدهم التي تدر حدالقذف أربع ومن نصب فالمعنى فعليهم ان يشهد أحدهم اربع تعالى والخامسة قرأ حفص عن عاصم والخامسة نصبا حملا على نصب أربع شهادات تعالى لعنة الله عليه قرأ نافع ويعقوب والمفضل أن لعنة الله وأن غضب الله بتخفيف النون فيهما وسكونهما ورفع الهاء من لعنة والباء من غضب إلا ان نافعا كسر الضاد من غضب وفتح الباء تعالى عنها أي ويدفع عنها العذاب وفيه ثلاثة أقوال أنه الحدو الثاني الحبس ذكرهما ابن جرير والثالث العار تعالى فضل الله عليكم ورحمته أي ستره ونعمته قال الزجاج وجواب لولا هاهنا متروك والمعنى لولا ذلك لنال الكاذب منكم عذاب عظيم وقال غيره لولا فضل الله لبين الكاذب من الزوجين فأقيم عليه الحد الله تواب يعود على من رجع عن المعاصي بالرحمة حكيم فيما فرض من الحدود الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم يعظكم

[ 347 ]

الله ان تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم تعالى الذين جاؤوا بالإفك أجمع المفسرون أن هذه الآية وما يتعلق بها بعدها نزلت في قصة عائشة وفي حديث الإفك أن هذه الآية إلى عشر آيات نزلت في قصة عائشة وقد ذكرنا حديث الإفك في كتاب الحدائق وفي كتاب المغني في التفسير فلم نطل بذكره لأن غرضنا اختصار هذا الكتاب ليحفظ فأما الإفك فهو الكذب والعصبة الجماعة ومعنى قوله منكم أي من المؤمنين وروى عروة عن عائشة أنهقالت هم أربعة حسان بن ثابت وعبد الله بن أبي بن سلول ومسطح بن أثاثة وحمنبنت جحش وكذلك عدهم مقاتل تعالى تحسبوه شرا لكم قال المفسرون هذا خطاب لعائشة وصفوان بن المعطل وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعائشة والمعنى إنكم تؤجرون فيه لكل امرئ منهم يعني من العصبة الكاذبة ما اكتسب من الإثم أي جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه والذي تولى كبره منهم وقرأ ابن عباس وأبو رزين وعكرمة ومجاهد وابن أبي عبلة والحسن ومحبوب عن أبي عمرو ويعقوب كبره بضم الكاف قال الكسائي وهما لغتان وقال ابن قتيبة كبر الشئ‌معظمه ومنه هذه الآية قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة تنام عن كبر شأنها فإذقامت رويدا تكاد تنعرف أي المتولي لذلك قولان أنه عبد الله بن أبي رواه أبو صالح عن ابن عباس وعروة عن عائشة وبه قال مجاهد والسدي ومقاتل قال المفسرون هو الذي أشاع الحديث فله عذاب عظيم بالنار وقال

[ 348 ]

الضحاك هو الذي بدأ بذلك أنه حسان روى الشعبي أن عائشة قالت ما سمعت أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة فقيل يا أم المؤمنين أليس الله يقول والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم فقالت اليس قد ذهب بصره وروى عنها مسروق أنها قالت وأي عذاب أشد من العمى ولعل الله أن يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره تعني حسان بن ثابت ثم إن الله عز وجل أنكر على الخائضين في الإفك بقوله إذ سمعتموه أي إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ظن المؤمنون من العصبة الكاذبة وهم حسان ومسطح والمؤمنات وهي حمنة بنت جحش بأنفسهم وفيها ثلاثة أقوال بأمهاتهم والثاني بأخواتهم والثالث بأهل دينهم لان المؤمنين كنفس واحدة وقالوا هذا إفك مبين أي كذب بين وجاء في التفسير أن أبا أيوب الأنصاري قالت له أمه ألا تسمع ما يقول الناس في أمر عائشة فقال هذا إفك مبين أكنت يا أماه فاعلته قالت معاذ الله قال فعائشة والله خير منك فنزلت هذه الآية تعالى جاؤوا أي هجاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري بأربعه منونة والمعنى يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون ثم ذكر القاذفين فقال ولولا فضل الله عليكم ورحمته أي لولا ما من الله به عليكم لمسكم أي لأصابكم فيما أفضتم أي أخذتم وخضتم فيه من الكذب والقذف عذاب عظيم في الدنيا والآخرة ثم ذكر الوقت الذي لولا فضله لأصابهم فيه العذاب فقال إذ تلقونه وكان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا فيتلقاه بعضهم من بعض وقرأ عمر بن الخطاب إذ تلقونه بتاء واحدة خفيفة مرفوعة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مرفوعة خفيفة وقرأ معاوية وابن السميفع مثله إلا أنهما فتحا التاء والقاف وقرأ ابن مسعود تتلقونه بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف وقرأ أبي بن كعب وعائشة ومجاهد وأبو حيوة تلقونه بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف وقال الزجاج تلقونه يلقيه بعضكم إلى بعض وتلقونه ومعناه إذ تسرعون بالكذب يقال ولق يلق إذا أسرع في الكذب وغيره قال الشاعر جاءت ثنا به عنس من الشام تلق

[ 349 ]

به تسرع وقال ابقتيبة تلقونه أي تقبلونه ومن قرأ تلقونه أخذه من الولق وهو الكذب تعالى بأفواهكم ما ليس لكم به علم أي من غير أن تعلموا أنه حق وتحسبونه يعني ذلك القذف هينا أي سهلا لا إثم فيه وهو عند الله عظيم في الوزر ثم زاد عليهم في الإنكار فقال إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أي ما يحل وما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا سبحانك وهو يحتمل التنزيه والتعجب وروت عائشة أن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له ألم تسمع ما يتحدث الناس فقال ما يكون لنا ان نتكلم بهذا الآية فنزلت الآية وقد روينا آنفا أن أمه ذكرت له ذلك فنزلت الآية المتقدمة وروي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ذلك قال سبحانك هذا بهتان عظيم فقيل للناس هلا قلتم كما قال سعد تعالى الله أي ينهاكم الله ان تعودوا لمثله أي إلى مثله إن كنتم مؤمنين لأن من شرط الإيمان ترك قذف المحصنة ويبين الله لكم الآيات في الأمر والنهى هدد القاذفين بقوله إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة أي يحبون أن يفشو القذف بالفاحشة وهي الزنا في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا يعني الجلد والآخرة عذاب النار وروت عمرة عن عائشة قالت لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل امر برجلين وامرأة فضربوا حدهم وروى أبو صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلد عبد الله بن ابي ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش فأما الثلاثة فتابوا وأما عبد الله فمات منافقا وبعض العلماء ينكر صحة هذا ويقول لم يضرب أحدا هذا تعالى يعلم شر ما خضتم فيه وما يتضمن من سخط الله وأنتم لا تعلمون ذلك فضل الله عليكم ثم محذوف تقديره لعاقبكم فيما قلتم لعائشة قال ابن عباس يريد مسطحا وحسان وحمنة أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم

[ 350 ]

تعالى تتبعوا خطوات الشيطان أي تزيينه لكم قذف عائشة وقد سبق شرح خطوات الشيطان وبيان الفحشاء والمنكر تعالى زكى منكم وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ما زكى بتشديد الكاف خوطب بهذا قولان أنه عام في الخلق والثاني أنه خاص للمتكلمين في الإفك ثم في معناه أربعة أقوال ما اهتدى رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثاني ما أسلم قاله ابن زبد والثالث ما صلح قاله مقاتل والرابع ما طهر قاله ابن قتيبة تعالى الله يزكي من يشاء أي يطهر من يشاء من الإثم بالتوبه والغفران فالمعنى وقد شئت ان أتوب عليكم والله سميع عليم علم ما في نفوسكم من التوبة والندامة يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم تعالى ولا يأتل وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو جعفر وابن أبي عبلة ولا يتأل بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام على وزن يتعل قال المفسرون سبب نزولها أن أبا بكر الصديق كان ينفق على مسطح لقرابته وفقره فلما خاض في أمر عائشة قال أبو بكر والله لا أنفق عليه شيئا أبدا فنزلت هذه الآية فأما الفضل فقال أبو عبيدة هو التفضل والسعة الجدة قال المفسرون والمراد به أبو بكر تعالى يؤتوا قال ابن قتيبة معناه أن لا يؤتوا فحذف لا فأما قوله أولي القربى فانه يعنى مسطحا وكان أبن خالة أبي بكر وكان مسكينا وكان مهاجرا قال المفسرون فلما سمع أبو بكر ألا تحبون أن يغفر الله لكم قال بلى يا رب وأعاد نفقته على مسطح

[ 351 ]

الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين تعالى إن الذين يرمون المحصنات يعني العفائف الغافلات عن الفواحش لعنوا في الدنيا أي عذبوا بالجلد وفي الآخرة بالنار العلماء فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقوال انها نزلت في عائشة خاصة قال خصيف سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية فقلت من قذف محصنة لعنة الله قال لاإنما أنزلت هذه الآية في عائشة خاصة أنها في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة قاله الضحاك أنها في المهاجرات قال أبو حمزة الثمالي بلغنا أن المرأة كانت إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا إنما خرجت تفجر فنزلت هذه الآية أنها عامة في ازواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن وبه قال قتادة وابن زيد فان قيل لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال أن من رمى مؤمنة فلا بد أن يرمي معها مؤمنا فاستغني عن ذكر المؤمنين ومثله سرابيل تقيكم الحر أراد والبرد قاله الزجاج تعالى تشهد عليهم السنتهم وقرأ حمزة والكسائي وخلف يشهد بالياء وهو إقرارها بما تكلموا به من الفرية قال أبو سليمان الدمشقي وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم وقال ابن جرير المعنى ان السنة بعضهم تشهد على بعض تعالى أنه يوفيهم الله دينهم الحق أي حسابهم العدل وقيل جزاءهم الواجب وقرأ مجاهد وأبو الجوزاء وحميد بن قيس والأعمش دينهم الحق برفع القاف ويعلمون أن الله هو الحق المبين قال ابن عباس وذلك ان عبد الله بن ابي كان يشك في الدين فإذا كانت القيامة علم حيث لا ينفعه للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك

[ 352 ]

مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم تعالى الخبيثات للخبيثين فيه أربعة أقوال الكلمات الخبيثات لا يتكلم بها إلا الخبيث من الرجال والنساء والكلمات الطيبات لا يتكلم بها إلا الطيبون من الرجال والنساء الكلمات الخبيثات إنما تلصق بالخبيثين من الرجال والنساء فأما الطيبات والطيبون فلا يصلح أن يقال في حقهم إلا الطيبات والثالث الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والطيبات من النساء للطيبين من الرجال الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الأعمال وكذلك الطيبات أولئك يعني عائشة وصفوان مبرؤون أي منزهون مما يقولون من الفرية لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فان لم تجدوا فيها احدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم والله بما تعملون عليم ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون تعالى تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ذكر أهل التفسير ان سبب نزولها أن امرأة من الانصار جاءت إلى رسول الله (ص) فقالت رسول يا رسول الله إني اكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد فلا يزال يدخل علي رجل من اهلي فنزلت هذه الآية فقال أبو بكر بعد نزولها يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن فنزل قوله ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة الآية ومعنى قوله لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم

[ 353 ]

أي بيوتا ليست لكم واختلف القراء في باء البيوت فقرأ بعضهم بضمها وبعضهم بكسرها وقد بينا ذلك في البقرة تعالى حتى تستأنسوا قال الفراء في الكلام تقديم وتأخير تقديره حتى تسلموا وتستأنسوا قال الزجاج وتستأنسوا في اللغة بمعنى تستأذنوا وكذلك هو في التفسير والاستئذان الاستعلام تقول آذنته بكذا أي أعلمته وآنست منه كذا أي علمت منه ومثله فان آنستم منهم رشدا أي علمتم فمعنى الآية حتى تستعلموا يريد أهلها ان تدخلوا ام لا قال المفسرون وصفة الاستعلام ان تقول السلام عليكم اادخل ولا يجوز أن تدخل بيت غيرك إلا بالاستئذان لهذه الآية ذلكم خير لكم من أن تدخلوا بغير إذن لعلكم تذكرون أن الاستئذان خير فتأخذون به قال عطاء قلت لابن عباس أستأذن على أمي وأختي ونحن في بيت واحد قال أيسرك أن ترى منهن عورة قلت لا قال فاستأذن تعالى فان لم تجدوا فيها احدا أي إن وجدتموها خالية فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي إن ردوكم فلا تقضوا على أبوابهم وتلازموها ولا هو أزكى لكم يعني الرجوع خير لكم وأفضل والله بما تعملون من الدخول باذن وغير إذن عليم لم فصل هذه الآية منسوخة أم لا فيها قولان أن حكمها عام في جميع البيوت ثم نسخت منها البيوت التي ليس لها أهل يستأذنون بقوله تعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة هذا مروي عن الحسن وعكرمة أن الآيتين محكمتان فالاستئذان شرط في الأولى إذا كان للدار أهل والثانية وردت في بيوت لا ساكن لها والإذن لا يتصور من غير آذن فإذا بطل الاستئذان لم تكن البيوت الخالية داخلة في الأولى وهذا أصح تعالى تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها خمسة اقوال أنها الخانات والبيوت المبينة للسابلة ليأوو إليها ويؤووا أمتعتهم قاله قتادة أنها البيوت الخربة والمتاع قضاء الحاجة فيها من الغائط والبول قاله عطاء أنها بيوت مكة قاله محمد بن الحنفية حوانيت التجار التي بالأسواق قاله ابن زيد أنها جميع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جعل لأجل الساكن

[ 354 ]

قاله ابن جريج في معنى المتاع ثلاثة أقوال أحدهما الأمتعة التي تباع وتشترى والثاني إلقاء الأذى من الغائط والبول والثالث الانتفاع بالبيوت لاتقاء الحر والبرد للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهم ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني أخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون

[ 355 ]

تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم في من قولان أنها صلة والثاني أنها أصل لأنهم لم يؤمروا بالفض مطلقا وإنما أمروا بالغض عما لا يحل قوله ويحفظوا فروجهم قولان أحدهما عما لا يحل لهم قاله الجمهور والثاني عن أن ترى فهم أمر لهم بالاستتار قاله أبو العالية وابن زيد تعالى ذلك إشارة إلى الغض وحفظ الفروج أزكى لهم أي خير وأفضل إن الله خبير بما يصنعون في الأبصار والفروج ثم امر النساء بما امر به الرجال قوله تعالى ولا يبدين زينتهن أي لا يظهرنها حدثنا لغير محرم وزينتهن على ضربين خفيفة كالسوارين ابن والقرطين والدملج والقلائد ونحو ذلك وظاهرة وهي المشار إليها بقوله إلا ما ظهر منها وفيه سبعة أقوال انها الثياب رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود وفي لفظ آخر قال هو الرداء والثاني أنها الكف والخاتم والوجه والثالث الكحل والخاتم رواهما سعيد بن جبير عن ابن عباس والرابع القلبان وهما السواران والخاتم والكحل قاله المسور بن مخرمة والخامس الكحل والخاتم والخضاب قاله مجاهد والسادس الخاتم والسوار قاله الحسن والسابع الوجه والكفان قاله الضحاك قال القاضي أبو يعلى والقول الاول اشبه وقد

[ 356 ]

نص عليه احمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شئ منها عورة حتى الظفر ويفيد هذا تحريم النظر إلى شئ من الأجنبيات لغير عذر فان كان لعذر مثل ان يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فانه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها بغير عذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن قيل فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها أن في تغطيته مشقة فعفي عنه تعالى وليضربن بخمرهن قوله وهي جمع خمار وهو ما تغطى به المرأة رأسها والمعنى وليلقين مقانعهن على جيوبهن ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب وإبراهيم النخفي والأعمش على جيوبهن بكسر الجيم ولا يبدين زينتهن يعني الخفية وقد سبق بيانها إلا لبعولتهن قال ابن عباس لا يضعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن تعالى أو نسائهن يعني المسلمات قال أحمد لا يحل للمسلمة ان تكشف راسها عند نساء أهل الذمة واليهودية والنصرانية لا تقبلان المسلمة قوله تعالى أو ما ملكت أيمانهن قال اصحابنا المراد به الإماء دون العبيد وقال أصحاب الشافعي يدخل فيه العبيد فيجوز للمرأة عندهم أن تظهر لمملوكها ما تظهر لمحارمها لأن مذهب الشافعي انه محرم لها وعندنا انه ليس بمحرم ولا يجوز أن ينظر إلى غير وجهها وكفيها وقد نص أحمد على انه لا يجوز أن ينظر إلى شعر مولاته قال القاضي أبو يعلى وإنما ذكر الإماء في الآية لانه قد يظن الظان أنه لا يجوز أن تبدي زينتها للإماء لأن الذين تقدم ذكرهم احرار فلما ذكر الإماء زال الإشكال تعالى أو التابعين له وهم الذين يتبعون القوم ويكونون معهم لإرفاقهم إياهم أو لأنهم نشؤوا فيهم في هذا التابع ستة اقوال أنه الأحمق الذي لا تشتهيه المرأة ولا يغار عليه الرجل قاله قتادة وكذلك قال مجاهد هو الأبلة الذي يريد الطعام ولا يريد النساء والثاني أنه العنين قاله عكرمة والثالث المخنث كان يتبع الرجل يخدمه بطعامه ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن قاله الحسن والرابع أنه الشيخ الفاني والخامس انه الخادم قالهما ابن السائب والسادس أنه الذي لا يكترث بالنساء إما لكبر أو لهرم أو لصغر ذكره ابن المنادي من

[ 357 ]

أصحابنا قال الزجاج غير صفة للتابعين وفيه دليل على ان قوله أو ما ملكت أيمانهن معناه غير أولي الإربع من الرجال والمعنى ولا يبدين زينتهن لمماليكهن ذلك ولا لتباعهن محمد إلا أن يكونوا غير أولي الإربة والإربة الحاجة ومعناه غير ذوي الحاجات إلى النساء تعالى أو الطفل قال ابن قتيبة يريد الأطفال إلى بدليل قوله لم يظهروا على عورات النساء أي لم يعرفوها تعالى ولا يضربن بأرجلهن أي باحدى الرجلين على الأخرى ليضرب الخلخال الخلخال فيعلم أن عليها خلخالين وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتكم ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء إن أردن تحصنوا لتبتغوا عرض الحياة الدنيار ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين تعالى الأيامي كان وهم الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء يقال رجل أيم وامرأة أيم ورجل أرمل وامرأة أرملة ورجل بكر وامراة بكر إذا لم يتزوجا وامرأة ثيب ورجل ثيب إذا كانا قد تزوجا والصالحين من عبادكم أي من عبيدكم يقال عبد وعباد وعبيد كما يقال كلب وكلاب وكليب وقرأ الحسن ومعاذ القارئ من عبيدكم أبو المفسرون والمراد بالآية الندب ومعنى الصلاح هاهنا الإيمان والمراد بالعباد المملوكون فالمعنى زوجوا المؤمنين من عبيدكم وولائدكم أو ثم رجع إلى الأحرار فقال إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله فأخبرهم أن النكاح سبب لنفي الفقر تعالى وليستعفف الذين لا يجحدون نكاحا أي وليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد ما ينكح به من صداق ونفقة وقد روى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال يا

[ 358 ]

معشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يجد فعليه بالصيام فانه له وجاء قوله تعالى يبتغون الكتاب أي يطلبون المكاتبة من العبيد والإماء على أنفسهم فكاتبوهم فيه قولان أنه مندوب إليه قاله الجمهور أنه واجب قاله عطاء وعمرو بن دينار وذكر المفسرون أنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزي يقال له صبيح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فنزلت هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا تعالى إن علمتم فيهم خيرا فيه ستة أقوال إن علمتم لهم مالا رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعطاء والضحاك والثاني إن علمتم لهم حيلة يعني الكسب رواه ابن ابي طلحة عن ابن عباس والثالث إن علمتم فيهم دينا قاله الحسن والرابع إن علمتم أنهم يريدون بذلك الخير قاله سعيد بن جبير والخامس إن أقاموا الصلاة قاله عبيدة السلماني والسادس إن علمتم لهم صدقا ووفاء قاله إبراهيم تعالى من مال الله الذي آتاكم فيه قولان انه خطاب للاغنياء الذين تجب عليهم الزكاة أمروا ان يعطوا المكاتبين من سهم الرقاب روى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال هو سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون أنه خطاب للسادة أمروا أن يعطوا مكاتبيهم من كتابتهم شيئا قال احمد والشافعي الإيتاء واجب وقدره أحمد بربع مال الكتابة وقال الشافعي ليس بمقدر وقال أبو حنيفة ومالك لا يجب الإيتاء وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كاتب غلاما له يقال له أبو أمية فجاءه بنجمه حين حل فقال اذهب يا أبا أمية فاستعن به في مكاتبتك قال يا أمير المؤمنين لو أخرته حتى يكون في آخر النجوم فقال يا أبا أمية إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال عكرمة وكان ذلك أول نجم أدي في الإسلام

[ 359 ]

تعالى ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء روى مسلم في صحيحه من حديث ابي سفيان عن جابر قال كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له اذهبي فابغينا شيئا فنزلت هذه الآية قال المفسرون وكان له جاريتان معاذة ومسيكة فكان يكرههما على الزنا ويأخذ منهما الضريبة وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة) إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا عبد منه وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه فنزلت هذه الآية وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي معاذة ومسيكة وأميمة وقتيلة وعمرة وأروى فأما الفتيات فهن الإماء والبغاء الزنا والتحصن التعفف في معنى إن أردن تحصنا على اربعة أقوال أن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكرناه فخرج النهي عن صفة السبب وإن لم يكن شرطا فيه والثاني إنه إنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن فأما إذا لم ترد المرأة التحصن فانها تبغي بالطبع أن إن بمعنى إذ ومثله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين البقرة وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين آل عمران ان في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره وأنكحوا الأيامي إلى قوله وإمائكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا وهو كسبهن وبيع أولادهن ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور للمكرهات رحيم وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني وجعفر بن محمد من بعد إكراههن لهن غفور رحيم تعالى آيات مبينات قرأ ابن عامر وأهل الكوفة غير أبي بكر وأبان مبينات بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة النور وآخر سورة الطلاق تعالى ومثلا من الذين خلوا أي شبها من حالهم بحالكم أيها المكذبون وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة

[ 360 ]

كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم تعالى الله نور السماوات والأرض فيه قولان هادي اهل السماوات والأرض رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال أنس بن مالك وبيان هذا ان النور في اللغة الضياء وهو الذي تصل به الأبصار إلى مبصراتها عليه فورد النور مضافا إلى الله تعالى لأنه هو الذي يهدي المؤمنين ويبين لهم ما يهتدون به والخلائق بنوره يهتدون مدبر السماوات والأرض قاله مجاهد والزجاج وقرأ أبي ابن كعب وأبو المتوكل وابن السميفع الله نور بفتح النون والواو وتشديدها ونصب الراء السماوات بالخفض والارض بالنصب تعالى نوره في هاء الكناية أربعة أقوال أنها ترجع إلى الله عز وجل قال ابن عباس مثل هداه في قلب المؤمن أنها ترجع إلى المؤمن فتقديره مثل نور المؤمن قاله أبي ابن كعب وكان أبي وابن مسعود يقرآن مثل نور من آمن به انها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم قاله كعب أنها ترجع إلى القرآن قاله سفيان المشكاة ففيها ثلاثة أقوال أنها في موضع الفتيلة الذي هو كالأنبوب والمصباح الضوء قاله ابن عباس أنها القنديل والمصباح الفتيلة قاله مجاهد أنها الكوة التي لا منفذ لها والمصباح السراج قاله كعب وكذلك قال الفراء المشكاة الكوة التي ليست بنافذة وقال ابن قتيبة المشكاة الكوة بلسان الحبشة وقال الزجاج هي من كلام العرب والمصباح السراج وإنما ذكر الزجاجة لأن النور في الزجاج أشد ضوءا منه في غيره وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن أبي عبلة في زجاجة الزجاجة بفتح الزاي فيهما وقرأ معاذ القارئ وعاصم الجحدري وابن يعمر بكسر الزاي فيهما قال بعض أهل المعاني معنى الآية كمثل مصباح في مشكاة فهو من المقلوب

[ 361 ]

الدري فقرأ أبو عمرو والكسائي وأبان عن عاصم دري بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودا مهموزا قال ابن قتيبة المعنى على هذا إنه من الكواكب الدراري وهي اللاتي يدرأن عليك أي يطلعن وقال الزجاج هو ماخوذ من درأ يدرأ إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره يقال تدارأ الرجلان إذا تدافعا وروى المفضل عن عاصم كسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد وهي قراءة عبد الله بن عمر والزهري وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم دري بضم الدال وكسر الراء وتشديد الياء من غير مد ولا همز وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس وعاصم الجحدري دري بفتح الدال وكسر الراء ممدودا مهموزا وقرأ أبي ابن كعب وسعيد بن المسيب وقتادة بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز وقرأ ابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن يعمر بفتح الدال وكسر الراء مهموزا مقصورا قال الزجاج الدري منسوب إلى انه كالدر في صفائه وحسنه وقال الكسائي الدري الذي يشبه الدر والدري جار والدري يلتمع وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد قال الزجاج فالنحويون أبي أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا وقال الفراء ليس هذا بجائز في العربية لأنه ليس في الكلام فعيل إلا أعجمي مثل مريق وما أشبهه وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي المريق العصفر اعجمي معرب وليس في كلامهم اسم على زنة فعيل قال أبو علي وقد حكى سيبويه عن ابي الخطاب كوكب دري من الصفات ومن الاسماء المريق العصفر تعالى (قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء المفتوحة وتشديد القاف ونصب الدال يريدان المصباح لأنه هو الذي يوقد وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم يوقد بالياء مضمومة مع ضم الدال يريدون المصباح أيضا وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم توقد بضم التاء والدال يريدون الزجاجة قال الزجاج والمقصود مصباح الزجاجة فحذف المضاف تعالى من شجرة أي من زيت شجرة فحذف المضاف يدلك على ذلك قوله يكاد زيتها يضئ والمراد بالشجرة هاهنا شجرة الزيتون وبركتها من وجوه فانها تجمع الأدم والدهن والوقود فيوقد بحطب الزيتون ويغسل برماده الإبريسم ويستخرج دهنه أسهل استخراج ويورق غصنه من أوله إلى آخره وإنما خصت بالذكر هاهنا دون غيرها لان دهنها أصفى وأضوأ تعالى لا شرقية ولا غربية فيه ثلاثة أقوال أنها بين الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس قاله أبي ابن كعب ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس

[ 362 ]

أنها في الصحراء لا يظلها جبل ولا كهف ولا يواريها شئ فهو اجود لزيتها رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والزجاج والثالث أنها من شجر الجنة لا من شجرة الدنيا قاله الحسن تعالى يكاد زيتها يضئ أي يكاد من صفائه يضئ قبل أن تصيب النار بأن يوقد به نور على نور قال مجاهد النار على الزيت وقال ابن السائب المصباح نور والزجاجة نور وقال أبو سليمان الدمشقي نور النار ونور الزيت ونور الزجاجة الله لنوره ما فيه أربعة أقوال أحدها لنور القرآن والثاني لنور الإيمان والثالث لنور محمد صلى الله عليه وسلم والرابع لدينه الإسلام فصل وجه هذا المثل ففيه ثلاثة أقوال أنه شبه نور محمد صلى الله عليه وسلم بالمصباح النير فالمشكاة جوف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمصباح النور الذي في قلبه والزجاجة قلبه فهو من شجرة مباركة وهو إبراهيم عليه السلام سماه شجرة مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه لا شرقية ولا غربية لا يهودي ولا نصراني يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يتبين للناس أنه نبي ولو لم يتكلم وقال القرظي المشكاة إبراهيم والزجاجة إسماعيل والمصباح محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم وقال الضحاك شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالمصباح

[ 363 ]

أنه شبه نور الإيمان في قلب المؤمن بالمصباح فالمشكاة قلبه والمصباح نور الإيمان فيه وقيل المشكاة صدره والمصباح القرآن والإيمان اللذان في صدره والزجاجة قلبه فكأنه مما فيه من القرأن والإيمان كوكب مضئ توقد من شجرة وهي الإخلاص فمثل الإخلاص عنده كشجرة لا تصيبها الشمس فكذلك هذا المؤمن قد احترس من أن تصيبه الفتن فان اعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل فقلب المؤمن يعم بالهدى قبل أن يأتيه العلم فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى كما يكاد هذا الزيت يضئ قبل أن تمسه النار فإذا مسته ا شتد نوره فالمؤمن كلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى نور يوم القيامة أنه شبه القرآن بالمصباح يستضاء به ولا ينقص والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفمه والشجرة المباركة شجرة الوحي تكاد حجج القرآن تتضح وإن لم نقرأ وقيل تكاد حجج الله تضئ لمن فكر فيها وتدبرها ولو لم ينزل القرآن نور على نور أي القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد قام لهم من الدلائل والاعلام قبل نزول القرآن تعالى ويضرب الله الأمثال أي ويبين الله الأشباه للناس تقريبا إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله احسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب تعالى في بيوت قال الزجاج في من صلة قوله كمشكاة فالمعنى

[ 364 ]

كمشاكة لا في بيوت ويجوز أن تكون متصلة بقوله يسبح له فيها فتكون فيها تكريرا على التوكيد والمعنى يسبح لله رجال في بيوت قيل المشكاة إنما تكون في بيت واحد فكيف قال في بيوت جوابان أحدهما أنه من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء أنه راجع إلى كل واحد من البيوت فالمعنى في كل بيت مشكاة وللمفسرين في المراد بالبيوت ها هنا ثلاثة أقوال انها المساجد قاله ابن عباس والجمهور والثاني بيوت أزواج رسول الله (ص) قاله مجاهد والثالث بيت المقدس قاله الحسن أذن فمعنا امر وفي معنى ان ترفع قولان أن تعظم قاله الحسن والضحاك أن تبنى قاله مجاهد وقتادة وفي قوله ويذكر فيها اسمه قولان توحيده رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني يتلى فيها كتابه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس تعالى يسبح قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي يسبح بكسر الباء وقرأ بن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتحها وقرأ معاذ القارئ وأبو حيوة تسبح بتاء مرفوعة وكسر الباء ورفع الحاء قوله يسبح له فيها قولان أنه الصلاة ثم في صلاة الغدو قولان احدهما أنها صلاة الفجر رواابن ابي طلحة عن ابن عباس والثاني صلاة الضحى روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلاغواص أن ثم قرأ يسبح له فيها بالغدو والآصال وفي صلاة الآصال قولان أحدهما أنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء قاله ابن السائب والثاني صلاة العصر قاله أبو سليمان الدمشقي

[ 365 ]

الثاني أن التسبيح المعروف ذكره بعض المفسرين تعالى رجال لا تلهيهم أي لا تشغلهم تجارة ولابيع قال ابن السائب التجار الجلابون والباعة المقيمون وقال الواقدي التجارة هاهنا بمعنى الشراء وفي المراد بذكر الله ثلاثة أقوال الصلاة المكتوبة قاله ابن عباس وعطاء وروى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر فيهم نزلت رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله عن القيام بحق الله قاله قتادة عن ذكر الله باللسان ذكره أبو سليمان الدمشقي تعالى وإقام الصلاة أي أداؤها لوقتها وإتمامها قيل إذا كان المراد بذكر الله الصلاة فما معنى إعادتها أنه بين أنهم يقيمونها بأدائها في وقتها تعالى تتقلب فيه القلوب والأبصار في معناه ثلاثة أقوال أن من كان قلبه مؤمنا بالبعث والنشور ازداد بصيرة برؤية ما وعد به ومن كان قلبه على غير ذلك رأى ما يوقن معه بامر القيامة قاله الزجاج أن القلوب تتقلب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك والأبصار تتقلب تنظر من أين يؤتون كتبهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال وأي ناحية يؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات الشمال قاله ابن جرير تتقلب القلوب فتبلغ إلى الحناجر وتتقلب الأبصار إلى الزرق بعد الكحل والعمى بعد النظر تعالى ليجزيهم المعنى يسبحون الله ليجزيهم أحسن ما عملوا أي ليجزيهم بحسناتهم فأما مساوئهم فلا يجزيهم بها ويزيدهم من فضله ما لم يستحقوه بأعمالهم يرزق من يشاء بغير حساب قد شرحناه في آل عمران

[ 366 ]

كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوقه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ضرب الله مثلا للكفار فقال والذين كفروا أعمالهم كسراب قال ابن قتيبة السراب ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار والآل ما رأيته في أول النهار وآخره وهو يرفع كل شئ والقيعة والقاع واحد وقرأ أبي ابن كعب وعاصم الجحدري وابن السميفع بقيعات وقال الزجاج القيعة جمع قاع مثل جار وجيرة والقيعة والقاع ما انبسط من الأرض ولم يكن فيه نبات فالذي يسير فيه يرى كأن فيه ماء يجري وذلك هو السراب والآل مثل السراب إلا انه يرتفع وقت الضحى كالماء بين السماء والأرض يحسبه الظمآن وهو الشديد العطش ماء حتى إذا جاء إلى موضع السراب رأى أرضا لاماء فيها فأعلم الله ان الكافر الذي يظن أن عمله قد نفعه عند الله كظن الذي يظن السراب ماء وعمله قد حبط قوله تعالى ووجد الله عنده أي قدم على الله فوفاه حسابه أي جازاه بعمله وهذا في الظاهر خبر عن الظمآن والمراد به الخبر عن الكافر قوله تعالى والله سريع الحساب مفسر في البقرة تعالى أو كظلمات في هذا المثل قولان أنه لعمل الكافر قاله الجمهور واختاره الزجاج أنه مثل لقلب الكافر في أنه لا يعقل ولا يبصر قاله الفراء فأما اللجي فهو العظيم اللجة وهو العميق يغشاه أي يعلو ذلك البحر موج من فوقه أي من فوق الموج موج والمعنى يتبع الموج موج حتى كان بعضه فوق بعض من فوقه أي من فوق ذلك الموج سحاب ابتدأ فقال ظلمات يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول وظلمة الموج الذي فوق الموج وظلمة السحاب وقرأ ابن كثير وابن محيصن سحاب ظلمات مضافا أخرج يده يعني إذا أخرجها مخرج لم يكد يراها فيه قولان

[ 367 ]

أنه لم يرها قاله الحسن واختاره الزجاج قال لأن في دون هذه الظلمات لا يرى الكف وكذلك قال ابن الأنباري معناه لم يرها البتة لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمات على ان الرؤية معدومة فبان بهذا الكلام أن يكد زائدة للتوكيد بمنزلة ما في قوله عما قليل ليصبحن نادمين المؤمنون أنه لم يرها إلا بعد الجهد قاله المبرد قال الفراء وهذا كما تقول ما كدت أبلغ إليك وقد بلغت قال الفراء وهذا وجه العربية وجه المثل فقال المفسرون لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات والمعنى أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد وقيل الظلمات ظلمة الشرك وظلمة المعاصي وقال بعضهم ضرب الظلمات مثلا لعمله والبحر اللجي لقلبه والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة والسحاب للرين والختم على قلبه فكلامه ظلمة وعمله ظلمة ومدخله ظلمة ومخرجه ظلمة ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة تعالى لم يجعل الله له نورا فيه قولان دينا وإيمانا قاله ابن عباس والسدي والثاني هداية قاله الزجاج تر ان الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير تعالى ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض قد تقدم تفسيره تعالى والطير أي وتسبح له الطير صافات أي باسطات اجنحتها في الهواء وإنما خص الطير بالذكر لأنها تكون بين السماء والارض إذا طارت فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض تعالى كل أي من الجملة التي ذكرها قد علم صلاته وتسبيحه قال المفسرون الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق المشار إليه بقوله قد

[ 368 ]

علم قولان أنه الله تعالى والمعنى قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه قاله الزجاج والثاني أنه المصلي والمسبح ثم فيه قولان أحدهما قد علم المصلي والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه أي قد عرف ما كلف من ذلك والثاني قد علم المصلي صلاة الله وتسبيحه أي علم أن ذلك لله تعالى وحده قتادة وعاصم الجحدري وابن يعمر كل قد علم برفع العين وكسر اللام صلاته وتسبيحه بالرفع فيهما تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه فيجعله ركاما فترى الودق على يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار تعالى تر أن الله يزجي سحابا يسوقه يؤلف بينه أي يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة والسحاب لفظه لفظ الواحد ومعناه الجمع فلهذا قال يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي يجعل بعض السحاب فوق بعض فترى الودق وهو المطر قال الليث الودق المطر كله شديده وهينه تعالى من خلاله وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك من خلله والخلال جمع خلل مثل جبال وجبل وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف تقديره وينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه ومن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء والثانية للتبعيض لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال الله البرد قال المفسرون وهي جبال في السماء مخلوقة من برد وقال الزجاج معنى الكلام وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول هذا خاتم في يدي من حديد المعنى هذا خاتم حديد في يدي تعالى فيصيب به أي البرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره والسنا الضوء يذهب

[ 369 ]

وقرأ مجاهد وأبو جعفر يذهب بضم الياء وكسر الهاء يقلب الله الليل والنهار أي يأتي بهذا ويذهب بهذا إن في ذلك التقلب لعبرة لأولي الأبصار أي دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير تعالى خلق كل دابة حمزة والكسائي والله خالق كل دابة من ماء وفي الماء قولان ان الماء أصل كل دابة والثاني أنه النطفة والمراد به جميع الحيوان المشاهد في الدنية وإنما قال فمنهم تغليبا لما يعقل وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من أربع لأنه في رأي العين كالذي يمشي على اربع وقيل لأنه يعتمد في المشي على اربع وإنما سمي السائر على بطنه ماشيا لأن كل سائر ومستمر يقال له ماش وإن لم يكن حيوانا حتى إنه يقال قد مشى هذا الأمر هذا قول الزجاج وقال أبو عبيدة إنما هذا على سبيل التشبيه بالماشي لأن المشي لا يكون على البطن إنما يكون لمن له قوائم فإذا خلطوا ماله قوائم بما لا قوائم له جاز ذلك كما يقولون أكلت خبزا ولبنا ولا يقال أكلت لبنا انزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع

[ 370 ]

الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون تعالى منه آمنا بالله قال المفسرون نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر كان بينه وبين حكومة يهودي فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله (ص) ليحكم بينهما فقال المنافق لليهودي إن محمدا يحيف علينا ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف فنزلت هذه الآية تعالى ثم يتولى فريق منهم يعني المنافقين من بعد ذلك أي من بعد قولهم آمنا وما أولئك يعني المعرضين عن حكم الله ورسوله بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله أي إلى كتابه ورسوله ليحكم بينهم الرسول إذا فريق منهم معرضون ومعنى الكلام أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم لعلمهم أنه يحكم بالحق وإن كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه مذعنين لثقتهم أنه يحكم لهم بالحق قال الزجاج والإذعان في اللغة الإسراع مع الطاعة تقول قد أذعن لي أي قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه تعالى أفي قلوبهم مرض أي كفر ام ارتابوا أي شكوا في القرآن وهذا استفهام ذم وتوبيخ والمعنى إنهم كذلك وإنما ذكره بلفظ الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم كما قال جرير في المدح ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح انتم كذلك فأما الحيف فهو الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار بل اولئك هم الظالمون أي لا يظلم الله ورسوله احدا بل هم الظالمون لانفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول نعت المؤمنين فقال إنما كان قول المؤمنين قال الفراء ليس هذا بخبر ماض وإنما المعنى إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا وقرأ الحسن وأبو الجوزاء إنما كان قول المؤمنين بضم اللام وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري وابن أبي ليلى ليحكم بينهم برفع الياء وفتح الكاف وقال المفسرون سمعنا والمعنى قول رسول الله (ص) وأطعنا أمره وإن كان ذلك فيما يكرهونه تعالى ويخش الله أي فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بعد ان يعصيه وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن نافع ويتقهي قال موصولة بياء وروى قالون عن نافع ويتقه فأولئك بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن

[ 371 ]

عاصم ويتقه جزما بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) تعالى (وأقسموا بالله) قال المفسرون لما نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله قالوا للنبي (ص) والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا فكيف لا نرضى حكمك فنزلت هذه الآية وقد بينا معنى ايمانهم عن (المائدة 53) من أمرتهم ليخرجن) في من أموالهم وديارهم وقيل ليخرجن إلى الجهاد (قل لا تقسموا) هذا تمام الكلام ثم قال (طاعة معروفة) قال الزجاج المعنى أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة قال ابن قتيبة ك بن وبعض النحويين يقول الضمير فيها لتكن منكم طاعة معروفة أي صحيحة لا نفاق فيها تعالى تولوا هذا خطاب لهم والمعنى فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين ومعنى التولي الإعراض عن طاعة الله ورسوله (فإنما عليه) يعني الرسول (ما حمل) من التبليغ (وعليكم ما حملتم) من الطاعة وذكر بعض المفسرين أن هذا منسوح بآية السيف وليس بصحيح قوله تعالى تطيعوه يعني رسول الله ص (تهتدوا) هذه وكان بعض السلف يقول من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقوله تطيعوه تهتدوا قبل الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني

[ 372 ]

لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلوة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون قوله تعالى قبل الله الذين آمنوا منكم روى أبو عبد الله الحاكم في صحيحه من حديث أبي بن كعب قال لما قدم رسول الله ص = وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا في لأمتهم سنة فقالوا أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل فنزلت هذه الآية قال أبو العالية لما أظهر الله عز وجل رسوله على جزيرة العرب وضعوا السلاح وامنوا ثم قبض الله نبيه فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة فأدخل الله عز وجل عليهم الخوف فغيروا فغير الله تعالى ما بهم وروى أبو صالح عن ابن عباس أن هذا الوعد وعده الله أمة محمد في التوراة والإنجيل وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله ص والمسلمين عن العمرة عام الحديبية قال المسلمون لو أن الله تعالى فتح علينا مكة فنزلت هذه الآية قوله تعالى (ليستخلفنهم) أي ليجعلنهم يخلفون من قبلهم والمعنى ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها وعلى قول مقاتل المراد بالأرض مكة قوله تعالى (كما استخلف الذين من قبلهم) وقرأ أبو بكر عن عاصم كما استخلف بضم التاء وكسر اللام يعني بني اسرائيل وذلك أنه لما هلكت الجبابرة بمصر أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم قوله تعالى (وليمكنن لهم دينهم) وهو الإسلام وتمكينه إظهاره على كل دين (وليبدلنهم) وقرأ ابن كثير وأبو بكر وأبان ويعقوب وليبدلنهم بسكون الباء وتخفيف الدال (من بعد خوفهم أمنا) لأنهم كانوا مظلومين مقهورين (يعبدونني) عمرو هذا استئناف كلام في الثناء عليهم (ومن كفر بعد ذلك) بهذه النهم أي جحد حقها قال المفسرون وأول من كفر بهذه النهم قتله عثمان تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأواهم النار ولبئس المصير قوله تعالى تحسبن الذين كفروا قرأ ابن عامر وحمزة عن عاصم لا

[ 373 ]

يحسبن بالياء وفتح السين وقرأ الباقون بالتاء وكسر السين أبها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلث مرات من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء ثلث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم قوله تعالى الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان أحدهما أن رسول الله ص وجه غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها فقال يار رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس والثاني أن اسماء بنت مرثد كان لها غلام فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ص فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها فنزلت هذه الآية قاله مقاتل ومعنى الآية ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم وفيهم قولان أحدهما أنه أراد الذكور دون الإناث قاله ابن عمر والثاني الذكور والإناث رواه أبو حصين عن أبي عبد الرحمن ومعنى الكلام ليستأذنكم مماليككم في الدخول عليكم قال القاضي أبو يعلى والأظهر أن يكون المراد العبيد الصغار والإماء الصغار لأن العبد البالغ بمنزلة الحر البالغ في تحريم النظر إلى مولاته فكيف يضاف إلى الصبيان الذين هم غير مكلفين تعالى لم يبلغوا الحلم وقرأ عبد الوارث الحلم باسكان اللام

[ 374 ]

(منكم) أي من أحراركم من الرجال والنساء (ثلاث مرات) أي ثلاثة أو فات قبل بينها فقال (من قبل صلاة الفجر) وذلك لأن الإنسان قد يبيت عريانا أو على حالة لا يحب أن يطلع عليه فيها (وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة) أي القائلة (ومن بعد صلاة العشاء) حين يأوي الرجل إلى زوجته (ثلاث عورات) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ثلاث عورات برفع الثاء من ثلاث والمعنى هذه الأوقات هي ثلاث عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فربما بدت عورته وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ثلاث عورات بنصب الثاء قال أبو علي وجعلوه بدلا من قوله ثلاث مرات والأوقات ليست عورات ولكن المعنى أنها اوقات ثلاث عورات فلما حذف المضاف أعرب (باعراب يحيى المحذوف) الرحمن وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير والأعمش عورات بفتح الواو (ليس عليكم) يعني المؤمنين الأحرار (ولا عليهم) يعني الخدم والغلمان (جناح) وكان أي حرج (بعدهن) روى أي بعد مضي هذه الأوقات أن لا يستأذنوا فرفع الحرج عن الفريقين (طوافون ولم عليكم) أي هم طوافون عليكم (بعضكم على بعض) أي يطوف بعضكم وهم المماليك على بعض وهم الأحرار (فصل) وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية محكمة وممن روي عنه ذلك ابن عباس والقاسم بن محمد وجابر بن زيد والشعبي وحكي عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة بقوله (وإذا بلغ الأطفال منكم أو من الأحرار الحلم فليستأذنوا سقط أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم (كما استأذن الذين من قبلهم) يعني كما استأذن الأحرار الكبار الذين هم قبلهم في الوجود وهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال فالبالغ يستاذن في كل وقت والطفل والمملوك يستأذنان في العورات الثلاث تعالى (والقواعد من النساء) قال ابن قتيبة يعني العجز واحدها قاعد ويقال إنما قيلها قاعد لقعودها عن الحيض والولد وقد تقعد عن الحيض والولد ومثلها يرجو النكاح ولا أراها سميت قاعدا إلا بالقعود لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة وأطالت القعود فقيل لها قاعد بلا هاء ليدل حذف الهاء على أنه قعود كبر كما قالوا امرأة حامل ليدلوا بحذف الهاء على أنه حمل حبل وقالوا في غير ذلك قاعدة في بيتها وحاملة على ظهرها تعالى (أن يضعن ثيابهن) أي عند الرجال ويعني بالثياب الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار هذا المراد بالثياب لا جميع الثياب (غير متبرجات بزينة) أي من غير أن يردن بوضع الجلباب أن ترى زينتهن والتبرج إظهار المرأة محاسنها (وأن

[ 375 ]

يستعففن) بين فلا يضعن تلك الثياب (خير لهن) قال ابن قتيبة والعرب تقول امرأة واضع إذا كبرت فوضعت الخمار ولا يك هذا إلا في الهرمة قال القاضي أبو يعلى وفي هذه الآية دلالة على أنه يباح (للعجو) أهل كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعماكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون قوله تعالى على الأعمى حرج في سبب نزولها خمسة أقوال أحدها أنه لما نزل قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل (النساء 29) تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج وقالوا الطعام أفضل الأموال وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب والمريض لا يستوفي الطعام فنزلت هذه الآية قاله ابن عباس أن ناسا كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ص وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا فكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن المسيب أن العرجان والعميان كانوا يمتنعون عن مؤاكلة الأصحاء لأن الناس يتقذرونهم حديث فنزلت هذه الآية قاله سعيد بن جبير والضحاك أن قوما من أصحاب رسول الله ص كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمون المريض

[ 376 ]

والزمن ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز وجل في هذه الآية فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكه فنزلت هذه الآية قاله مجاهد أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية قاله الحسن وابن يزيد القول الأول يكون معنى الآية ليس عليكم في الاعمى حرج أن تأكلوا معه ولا في الأعرج وتكون على بمعنى في ذكره ابن جرير وكذلك يخرج (معنى الآية) على كل قول بما يليق به وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون إلى أن آخر الكلام ولا على المريض حرج وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له به وهو يقوي قول الحسن وابن زيد تعالى (أن تأكلوا من بيوتكم) فيه ثلاثة أقوال أنها بيوت الأولاد البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم فيكون الخطاب لأهل الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله ونسبا إليهم لأنهم سكانها أنها بيوتهم والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم لأن بيت المرأة كبيت الرجل أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين لجريان العادة ببذل طعامهم له فإن كان الطعام وراء حرز لم يجز هتك الحرز تعالى (أو ما ملكتم مفاتحه) فيه ثلاثة اقوال أنه الوكيل لا بأس أن يأكل اليسير وهو معنى قول ابن عباس وقرأها سعيد بن جبير وأبو العالية ملكتم بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله وفسرها سعيد فقال يعني القهرمان الذي بيده المفاتيح وقرأ أنس بن مالك وقتادة وابن يعمر مفتاحه بكسر الميم على التوحيد بيت الإنسان الذي يملكه وهو معنى قول قتادة بيوت العبيد قاله الضحاك عند تعالى أو صديقكم قال ابن عباس نزلت هذه في الحارث بن عمرو خرج مع رسول الله ص غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهودا فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك فنزلت هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان الأكل من طعام الصديق بغير استئذان جائزا

[ 377 ]

قوله تعالى عليكم جناح أن تأكلوا جميعا في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها أن حيا من بني كنانة يقال لهم بنو ليث كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح فنزلت هذه الآية قاله قتادة والضحاك والثاني أن قوما من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فنزلت هذه الآية ورخص لهم أن ياكلوا جميعا أو أشتاتا قاله عكرمة والثالث أن المسلمين كانوا يتحرجون من مؤاكلة اهل الضر خوفا من أن يستأثروا عليهم ومن الاجتماع على الطعام لاختلاف الناس في مأكلهم وزيادة بعضهم على بعض فوسع عليهم وقيل ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أي مجتمعين أو أشتاتا أي متفرقين قاله ابن قتيبة قوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتا) فيها ثلاثة أقوال أحدها أنها بيوت أنفسكم فسلموا على أهاليكم وعيالكم قال جابر بن عبد الله وطاووس وقتادة والثاني أنها المساجد فسلموا على من فيها قاله ابن عباس والثالث بيوت الغير فالمعنى إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم قاله الحسن قوله تعالى (تحية) لأنه قال الزجاج هي منصوبة على المصدر لأن قوله (فسلموا) أخبرنا بمعنى فحيوا وليحي بعضكم بعضا تحية (من عند الله) قال مقاتل مباركة بالاجر (طيبة) يا أي حسنة إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فاذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم قوله تعالى كانوا معه يعني مع رسول الله ص (على أمر جامع) أي على أمر طاعة يجتمعون عليها نحو الجهاد والجمعة والعيد ونحو ذلك (لم يذهبوا حتى يستاذنوه) لو قال المفسرون كان رسول الله ص إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ص حيث يراه فيعرف أنه

[ 378 ]

إنما قام ليستأذن فيأذن لمن شاء منهم فالأمر إليه في ذلك قال مجاهد وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده قوله تعالى واستغر لهم الله أي لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذرا لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه نهي عن التعرض لإسخاط يكون رسول الله ص فإنه إذا دعاعلى شخص فدعوته موجبة قاله ابن عباس والثاني أنهم أمروا أن يقولوا يا رسول الله ونهوا أن يقولوا يا محمد قاله سعيد بن خبير وعلقمة والأسود وعكرمة ومجاهد أنه نهي لهم عن الإبطاء إذا أمرهم والتأخر إذا دعاهم حكاه الماوردي وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو المتوكل ومعاذ القارئ دعاء الرسول نبيكم بياء مشددة ونون قبل الباء تعالى يعلم الله الذين يتسللون مع التسلل الخروج في خفية واللواذ أن يستتر بشئ مخافة من يراه والمراد بقوله قد يعلم التهديد بالمجازاة قال الفراء كان المنافقون يشهدون الجمعة فيذكرهم رسول الله ص ويعيبهم بالآيات التي أنزلت فيهم فإن خفي لأحدهم القيام قام فذلك قوله (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا اي يلوذ هذا بهذا أي يستتر ذا بذا وإنما قال لواذا لأنها مصدر لاوذت ولكان مصدرا ل لذت لقلت لذت لياذا كما تقول قمت قياما وكذلك قال ثعلب وقع البناء على لاوذ ملاوذة ولو بني على لاذ يلوذ لقيل لياذا وقيل هذا كان في حفر الخندق كان المنافقون ينصرفون عن غير امر رسول الله ص مختفين تعالى الذي يخالفون عن أمره في هاء الكناية قولان

[ 379 ]

أنها ترجع إلى الله عز وجل قال مجاهد إلى رسول الله ص قال قتادة عن قولان أحدهما انها زائدة قال الاخفش والثاني أن معنى يخالفون يعرضون عن أمره وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الضلالة قاله ابن عباس والثاني بلاء في الدنيا قاله مجاهد والثالثك سعيد كفر قاله السدي ومقاتل قوله تعالى (أو يصيبهم عذاب اليم) فيه قولان القتل في الدنيا والثاني عذاب جهنم في الآخرة تعالى (قد يعلم ما أنتم عليه) أي ما في أنفسكم وما تنطوي عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك ملاوذة ولو بني على لاذ يلوذ لقيل لياذا وقيل هذا كان في حفر الخندق كان المنافقون ينصرفون عن غير امر رسول الله ص مختفين تعالى الذي يخالفون عن أمره في هاء الكناية قولان

[ 379 ]

أنها ترجع إلى الله عز وجل قال مجاهد إلى رسول الله ص قال قتادة عن قولان أحدهما انها زائدة قال الاخفش والثاني أن معنى يخالفون يعرضون عن أمره وفي الفتنة هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الضلالة قاله ابن عباس والثاني بلاء في الدنيا قاله مجاهد والثالثك سعيد كفر قاله السدي ومقاتل قوله تعالى (أو يصيبهم عذاب اليم) فيه قولان القتل في الدنيا والثاني عذاب جهنم في الآخرة تعالى (قد يعلم ما أنتم عليه) أي ما في أنفسكم وما تنطوي عليه ضمائركم من الإيمان والنفاق وهذا تنبيه على الجزاء على ذلك والله أعلم بالصواب * * * انتهى الجزء الخامس من زاد المسير من علم التفسير للامام ابن الجوزي ويليه ان شاء الله تعالى الجزء السادس مبتدئا بسورة الفرقان

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية