الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




زاد المسير - ابن الجوزي ج 4

زاد المسير

ابن الجوزي ج 4


[ 1 ]

زاد المسير في علم التفسير للامام ابي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي المتوفى سنة 597 ه‍ حققه وكتب هوامشه محمد بن عبد الرحمن عبد الله دكتوراه في علوم القرآن استاذ بكلية الدراسات الاسلامية بالازهر خرج احاديثه أبو هاجر السيد بن بسيوني زغلول الجزء الرابع من اول سورة يونس حتى نهاية سورة النخل دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

جميع حقوق اعادة الطبع محفوظة للناشر الطبعة الاولى جمادى الاولى 1407 ه‍ - كانون الثاني 1987 م بيروت - لبنان المكاتب: البناية المركزية - هاتف: 244739 - ص ب: 11 7061 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد النور - هاتف: 838202 390663 - 837898 برقيا: فكسي - تلكس: 41392 فكر 41392 lE fikr

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم سورة يونس مكية واياتها تسع ومائة فصل في نزولها روى عطية وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وبه قال الحسن وعكرمة وروى أبو صالح عن ابن عباس أن فيها من المدني قوله من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به [ الاية ] وفي رواية عن ابن عباس فيها ثلاث آيات من المدني أولها قوله كنت في شك [ يونس 94 ] إلى رأس ثلاث آيات وبه قال قتادة وقال مقاتل هي مكية غير آيتين قوله كنت في شك والتي تليها [ يونس 9594 ] حدثنا وقال بعضهم هي مكية إلا آيتين وهي قوله بفضل الله وبرحمته والتي تليها [ يونس 5958 ابن ] تلك آيات الكتاب الحكيم فأما قوله قرأ ابن كثير الر بفتح الراء وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي الر على الهجاء مكسورة وقد ذكرنا في أول سورة (البقرة) ما يشتمل على بيان هذا الجنس وقد خصت هذه الكلمة

[ 4 ]

بستة أقوال أحدها أن معناها أنا الله أرى رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنا الله الرحمن رواه عطاء عن ابن عباس والثالث أنه بعض اسم من أسماء الله روى عكرمة عن ابن عباس قال الر وحم ونون حروف الرحمن والرابع أنه قسم أقسم الله به رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والخامس أنه اسم من أسماء القرآن قاله مجاهد وقتادة والسادس أنه اسم للسورة قاله ابن زيد وفي قوله قولان أحدهما أنه بمعنى هذه قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره أبو عبيدة والثاني أنه على أصله ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الإشارة إلى الكتب المتقدمة من التوراة والإنجيل قاله مجاهد وقتادة فيكون المعنى هذه الأقاصيص التي تسمعونها تلك الآيات التي وصفت في التوراة والإنجيل والثاني أن الإشارة إلى الآيات التي جرى ذكرها من القرآن قاله الزجاج والثالث أن تلك إشارة إلى الر وأخواتها من حروف المعجم أي تلك الحروف المفتتحة بها السور هي (آيات الكتاب) لأن الكتاب بها يتلى و ألفاظه إليها ترجع ذكره ابن الأنباري قال أبو عبيدة (الحكيم) بمعنى المحكم المبين الموضح والعرب قد تضع فعيلا في معنى مفعل قال الله تعالى قوله عتيد [ ق 23 له 18 ] أي معد للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين إن ربكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر مامن

[ 5 ]

شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون قوله تعالى للناس عجبا سبب نزولها أن الله تعالى لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار ذلك وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فنزلت هذه الآية والمراد بالناس هاهنا أهل مكة والمراد بالرجل محمد صلى الله عليه وسلم ومعنى (منهم) ذلك يعرفون نسبه قاله ابن عباس فأما الألف فهي للتوبيخ والإنكار قال ابن الأنباري والاحتجاج عليهم في كونهم عجبوا من إرسال محمد محذوف هاهنا وهو مبين في قوله (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) محمد [ الزخرف 32 ] أي فكما وضح لكم هذا التفاضل بالمشاهدة فلا تنكروا تفضيل الله من شاء بالنبوة وإنما حذفه هاهنا اعتمادا على ما بينه في موضع آخر قال وقيل إنما عجبوا من ذكر البعث والنشور لأن الإنذار والتبشير يتصلان بهما فكان جوابهم في مواضع كثيرة تدل على كون ذلك مثل قوله (وهو أهون عليه) [ الروم 27 ] وقوله (يحيها إلى الذي أنشأها أول مرة) [ يس 79 ] وفي المراد بقوله (قدم صدق) سبعة أقوال أحدها أنه الثواب الحسن بما قدموا من أعمالهم رواه العوفي عن ابن عباس وروى عنه أبو صالح قال عمل صالح يقدمون عليه والثاني أنه ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال أبو عبيدة سابقة صدق والثالث شفيع صدق وهو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم يوم القيامة قاله الحسن والرابع سلف صدق تقدموهم بالإيمان قاله مجاهد وقتادة والخامس مقام صدق لا زوال عنه قاله عطاء والسادس أن قدم الصدق المنزلة الرفيعة قاله الزجاج

[ 6 ]

والسابع أن القدم هاهنا مصيبة المسلمين بنبيهم صلى الله عليه وسلم وما يلحقهم من ثواب الله عند أسفهم كان على فقده ومحبتهم لمشاهدته ذكره ابن الأنباري فإن قيل لم آثر القدم هاهنا على اليد والعرب تستعمل اليد في موضع الإحسان فالجواب أن القدم ذكرت هاهنا للتقدم لأن العادة جارية بتقدم الساعي على قدميه والعرب تجعلها كناية عن العمل الذي يتقدم فيه ولا يقع فيه تأخر قال ذو الرمة لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر أبو فإن قيل ما وجه إضافة القدم إلى الصدق فالجواب أن ذلك مدح للقدم وكل شئ أضفته إلى الصدق فقد مدحته ومثله أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق وقوله في مقعد صدق وفي الكلام محذوف تقديره أوحينا إلى رجل منهم فلما اتاهم الوحي قال الكافرون إن هذا لسحر مبين قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي لسحار أو بألف وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر لسحر بغير ألف قال أبو علي قد تقدم قوله (أن أوحينا إلى رجل منهم) فمن قال ساحر أراد الرجل ومن قال سحر أراد الذي أوحي سحر أي الذي تقولون أنتم فيه إنه وحي سحر قال الزجاج لما أنذرهم بالبعث والنشور فقالوا هذا سحر أخبرهم أن الذي خلق السموات والأرض قادر على بعثهم بقوله (إن ربكم الله) وقد سبق تفسيره في (الأعراف 54) قوله تعالى (يدبر الأمر) قال مجاهد يقضيه وقال غيره يأمر به ويمضيه قوله تعالى (مامن شفيع إلى من بعد إذنه) فيه قولان أحدهما لا يشفع أحد إلا أن يأذن له قاله ابن عباس قال الزجاج لم يجر للشفيع

[ 7 ]

ذكر قبل هذا ولكن الذين خوطبوا كانوا يقولون الأصنام شفعاؤنا والثاني أن المعنى لا ثاني معه مأخوذ من الشفع لأنه لم يكن معه أحد ثم خلق الأشياء فقوله (إلا من بعد إذنه) أي من بعد أمره أن يكون الخلق فكان ذكره الماوردي قوله تعالى (فاعبدوه)) قال مقاتل وحدوه وقال الزجاج المعنى فاعبدوه وحده وقوله (تذكرون) عبد معناه تتعظون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون قوله تعالى (إليه مرجعكم جميعا) أي مصيركم يوم القيامة (وعد الله حقا) قال الزجاج وعد الله منصوب على معنى وعدكم الله وعدا لأن قوله (إليه مرجعكم) معناه الوعد بالرجوع وحقا منصوب على أحق ذلك حقا قوله تعالى يبدأ الخلق قرأه الأكثرون بكسر الألف وقرأت عائشة وأبو رزين وعكرمة وأبو العالية والأعمش بفتحها قال الزجاج من كسر فعلى الاستئناف ومن فتح فالمعنى إليه مرجعكم لأنه يبدأ الخلق قال مقاتل يبدأ الخلق ولم يكن شيئا ثم يعيده بعد الموت وأما القسط فهو العدل قيل كيف خص جزاء المؤمنين بالعدل وهو في جزاء الكافرين عادل أيضا فالجواب أنه لو جمع الفريقين في القسط لم يتبين في حال اجتماعهما ما يقع بالكافرين من العذاب الأليم والشرب من الحميم ففصلهم عليه من المؤمنين ليبين ما يجزيهم به مما هو عدل أيضا ذكره ابن الأنباري فأما الحميم فهو الماء الحار وقال أبو عبيدة كل حار فهو حميم

[ 8 ]

الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأويهم أبي النار بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين قال تعالى (هو الذي جعل الشمس ضياء) (قرأ الأكثرون ضياء بهمزة واحدة وقرأ ابن كثير ضئاء بهمزتين في كل القرآن أي ذات ضياء (والقمر نورا) أي ذات نور (وقدره ما منازل) أي قدر له فحذف الجار والمعنى هيأ ويسر له منازل قال الزجاج الهاء ترجع إلى القمر لأنه المقدر لعلم السنين والحساب وقد يجوز أن يعود إلى الشمس والقمر فحذف أحدهما اختصارا وقال الفراء إن شئت جعلت تقدير المنازل للقمر خاصة لأن به تعلم الشهور وإن شئت جعلت التقدير لهما فاكتفي بذكر أحدهما من صاحبه كقوله (والله ورسوله أحق أن يرضوه) لا [ التوبة 62 ] قال ابن قتيبة منازل القمر ثمانية وعشرون منزلا من أول الشهر إلى ثماني وعشرين ليلة ثم يستسر وهذه المنازل هي النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء وأسماؤها عندهم الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وفزغ الدلو المقدم وفرغ الدلو المؤخر والرشاء وهو الحوت قوله تعالى (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أي للحق من إظهار صنعه وقدرته والدليل

[ 9 ]

على وحدانيته (يفصل الآيات) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم يفصل بالياء وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم نفصل الآيات بالنون والمعنى نبينها (لقوم يعلمون) يستدلون بالأمارات على قدرته قوله تعالى (لآيات لقوم يتقون) فيه قولان أحدهما يتقون الشرك والثاني عقوبة الله فيكون المعنى إن الآيات لمن لم يحمله هواه على خلاف ما وضح له من الحق قوله تعالى (لا يرجون لقاءنا) أن قال ابن عباس لا يخافون البعث (ورضوا بالحياة الدنيا) اختاروا ما فيها على الآخرة (واطمأنوا على بها) آثروها وقال غيره ركنوا إليها لأنهم لا يؤمنون بالآخرة (والذين هم عن آياتنا غافلون) فيها قولان أحدهما أنها آيات القرآن ومحمد قاله ابن عباس والثاني ما ذكره في أول السورة من صنعه قاله مقاتل فأما قوله (غافلون) فقال ابن عباس مكذبون وقال غيره معرضون قال ابن زيد وهؤلاء هم الكفار قوله تعالى (بما كانوا يكسبون) قال مقاتل من الكفر والتكذيب قوله تعالى (يهديهم ربهم بأيمانهم) الله فيه أربعة أقوال أحدها يهديهم إلى الجنة ثوابا بإيمانهم والثاني يجعل لهم نورا يمشون به بإيمانهم والثالث يزيدهم هدى بإيمانهم والرابع يثيبهم بإيمانهم فأما الهداية فقد سبقت لهم قوله تعالى (تجري من تحتهم الأنهار) أي تجري بين أيديهم وهم يرونها من علو قوله تعالى (دعواهم فيها) أي دعاؤهم وقد شرحنا ذلك في أول (الأعراف 5)

[ 10 ]

وفي المراد بهذا الدعاء قولان أحدهما أنه استدعاؤهم ما يشتهون قال ابن عباس كلما اشتهى أهل الجنة شيئا قالوا (سبحانك اللهم) فيأتيهم ما يشتهون فإذا طعموا قالوا (الحمد لله رب العالمين) فذلك آخر دعواهم وقال ابن جريج إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا (سبحانك اللهم) فيأتيهم الملك بما اشتهوا فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله (وتحيتهم فيها سلام) فإذا أكلوا حمدوا ربهم فذلك قوله (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) والثاني (أنهم إذا أرادوا الرغبة إلى الله تعالى في دعاء يدعونه به قالوا (سبحانك اللهم) قاله قتادة قوله تعالى (وتحيتهم فيها سلام) فيه ثلاثة أقوال أحدها أنها تحية بعضهم لبعض وتحية الملائكة لهم قاله ابن عباس والثاني أن الله تعالى يحييهم بالسلام والثالث أن التحية الملك فالمعنى ملكهم فيها سالم ذكرهما الماوردي قوله تعالى (وآخر دعواهم) قال أي دعاؤهم وقولهم (أن الحمد لله رب العالمين) قرأ أبو مجلز وعكرمة ومجاهد وابن يعمر وقتادة ويعقوب أن الحمد لله بتشديد النون ونصب الدال قال الزجاج أعلم الله أنهم يبتدؤون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بشكره والثناء عليه وقال ابن كيسان يفتتحون كلامهم بالتوحيد ويختمونه بالتوحيد يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين

[ 11 ]

لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون قوله تعالى (ولو يعجل الله للناس الشر) ذكر بعضهم أنها نزلت في النضر بن الحارث حيث قال (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) [ الأنفال 8 ] والتعجيل تقديم الشئ قبل وقته وفي المراد بالآية قولان أحدهما ولو يعجل الله للناس الشر إذا دعوا على أنفسهم عند الغضب وعلى أهليهم واستعجلوا به كما يعجل لهم الخير لهلكوا هذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والثاني ولو يعجل الله للكافرين العذاب على كفرهم كما عجل لهم خير الدنيا من المال والولد لعجل لهم قضاء آجالهم ليتعجلوا عذاب الآخرة حكاه الماوردي ويقوي هذا تمام الآية وسبب نزولها وقد قرأ الجمهور لقضي إليهم بضم القاف أجلهم بضم اللام وقرأ ابن عامر لقضى بفتح القاف أجلهم بنصب اللام وقد ذكرنا في أول (سورة البقر 15) معنى الطغيان والعمة مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون قوله تعالى (وإذا مس الإنسان الضر) اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في أبي حذيفة واسمه هاشم بن المغيرة بن عبد الله المخزومي قاله ابن عباس ومقاتل والثاني أنها نزلت في عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة قاله عطاء والضر الجهد والشدة واللام في قوله (لجنبه) عن بمعنى على وفي معنى الآية قولان أحدهما إذا مسه الضر دعا على جنبه أو دعا قاعدا أو دعا قائما قاله ابن عباس والثاني إذا مسه الضر في هذه الأحوال دعا ذكره الماوردي

[ 12 ]

قوله تعالى (فلما كشفنا عنه ضره مر) فيه ثلاثة أقوال أحدها أعرض عن الدعاء قاله مقاتل والثاني مر في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى ولم يتعظ بما يناله قاله الزجاج والثالث مر طاغيا على ترك الشكر قوله تعالى (كأن لم يدعنا) من قال الزجاج كأن هذه مخففة من الثقيلة المعنى كأنه لم يدعنا قالت الخنساء كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا قوله تعالى (كذلك زين للمسرفين) المعنى كما زين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء كذلك زين للمسرفين وهم المجاوزون الحد في الكفر والمعصية عملهم أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين قوله تعالى (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم) قال مقاتل هذا تخويف لكفار مكة والظلم هاهنا بمعنى الشرك وفي قوله (وما كانوا ليؤمنوا) قولان أحدهما أنه عائد على أهل مكة قاله مقاتل والثاني على القرون المتقدمة قاله أبو سليمان قال ابن الأنباري ألزمهم الله ترك الإيمان لمعاندتهم الحق وإيثارهم الباطل وقال الزجاج جائز أن يكون جعل جزاءهم الطبع على قلوبهم وجائز أن يكون أعلم ما قد علم منهم قوله تعالى (كذلك نجزي) في أي نعاقب ونهلك (القوم بن المجرمين) يعني المشركين من قومك جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون

[ 13 ]

قوله تعالى (ثم جعلناكم خلائف) قال ابن عباس جعلناكم يا أمة محمد خلائف أي استخلفناكم في الأرض وقال قتادة ما جعلنا الله خلائف إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي هذه نفسي أن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قوله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا) اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في مشركي مكة قاله مجاهد وقتادة والمراد بالآيات القرآن ويرجون بمعنى يخافون وفي علة طلبهم سوى هذا القرآن أو تبديله قولان أحدهما أنهم أرادوا تغيير آية العذاب بالرحمة وآية الرحمة بالعذاب قاله ابن عباس والثاني أنهم كرهوا منه ذكر البعث والنشور لأنهم لا يؤمنون به وكرهوا عيب آلهتهم فطلبوا ما يخلوا من ذلك قاله الزجاج والفرق بين تبديله والإتيان بغيره أن تبديله لا يجوز أن يكون معه والإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه قوله تعالى (ما يكون لي) حرك هذه الياء ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون (من تلقاء نفسي) حركها نافع وأبو عمرو وأسكنها الباقون والمعنى من عند نفسي فالمعنى أن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي فأبدله ( إني أخاف) سنة فتح هذه الياء ابن كثير ونافع وابو عمرو

[ 14 ]

(إن عصيت ربي) أي في تبديله أو تغييره (عذاب يوم عظيم) يعني في القيامة فصل وقد تكلم علماء الناسخ والمنسوخ في هذه الآية على ما بينا في نظيرتها في (الأنعام 15) ومقصود الآيتين تهديد المخالفين وأضيف ذلك إلى الرسول ليصعب الأمر فيه لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدريكم عمرو به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون قوله تعالى (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) يعني القرآن وذلك أنه كان لا ينزله علي فيأمرني بتلاوته عليكم (ولا أدراكم به) أي ولا أعلمكم الله به قرأ ابن كثير ولأدراكم بلام التوكيد من غير ألف بعدها يجعلها لاما دخلت على أدراكم وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم أدراكم بالإمالة وقرأ الحسن وابن أبي عبلة وشيبة بن نصاح ولا أدرأتكم بتاء بين الألف والكاف (فقد لبثت فيكم عمرا) قبل وقرأ الحسن والأعمش عمرا بسكون الميم قال أبو عبيدة وفي العمر ثلاث لغات عمر وعمر وعمر قال ابن عباس أقمت فيكم أربعين سنة لا أحدثكم بشئ من القرآن (أفلا تعقلون) أنه ليس من قبلي (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) يريد إني لم أفتر على الله ولم أكذب عليه وأنتم فعلتم ذلك حيث زعمتم أن معه شريكا والمجرمون هاهنا المشركون ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبؤن الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون

[ 15 ]

قوله تعالى (ويعبدون من دون الله مالا يضرهم) يحيى أي لا يضرهم إن لم يعبدوه ولا ينفعهم إن عبدوه قاله مقاتل والزجاج قوله تعالى (ويقولون) الرحمن يعني المشركين (هؤلاء) يعنون الأصنام قال أبو عبيدة خرجت كنايتها على لفظ كناية الآدميين وقد ذكرنا هذا المعنى في (الأعراف 191) عند قوله (وهم يخلقون) وفي قوله (شفعاؤنا وكان عند الله) قولان أحدهما شفعاؤنا في الآخرة قاله أبو صالح عن ابن عباس ومقاتل والثاني شفعاؤنا في إصلاح معايشنا في الدنيا لأنهم لا يقرون بالبعث قاله الحسن قوله تعالى (قل أتنبئون الله بما لا يعلم) قال الضحاك أتخبرون الله أن له شريكا ولا يعلم الله لنفسه شريكا في السموات ولا في الأرض كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون قوله تعالى (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) قد شرحنا هذا في سورة (البقرة 213) وأحسن الأقوال أنهم كانوا على دين واحد موحدين فاختلفوا وعبدوا الأصنام فكان أول من بعث إليهم نوح عليه السلام قوله تعالى (ولولا كلمة سبقت من ربك) فيه ثلاثة أقوال أحدها ولولا كلمة سبقت بتأخير هذه الأمة أنه لا يهلكهم بالعذاب كما أهلك الذين من قبلهم لقضي بينهم بنزول العذاب فكان ذلك فصلا بينهم فيما فيه يختلفون من الدين والثاني أن الكلمة أن لكل أمة أجلا وللدنيا مدة لا يتقدم ذلك على وقته

[ 16 ]

والثالث أن الكلمة أنه لا يأخذ أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه وفي قوله (لقضي بينهم) قولان أحدهما لقضي بينهم بإقامة الساعة والثاني بنزول العذاب على المكذبين منه لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين قوله تعالى (ويقولون) يعني المشركين (لولا) أي هلا (أنزل عليه آية من ربه) مثل العصا واليد وآيات الأنبياء (فقل إنما الغيب لله) فيه قولان أحدهما أن سؤالكم لم لم تنزل الآية غيب ولا يعلم علة امتناعها إلا الله والثاني أن نزول الآية متى يكون غيب ولا يعلمه إلى الله قوله تعالى (فانتظروا) روى فيه قولان أحدهما انتظروا نزول الآية والثاني قضاء الله بيننا باظهار المحق على المبطل أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ولم قوله تعالى (وإذا أذقنا الناس رحمة) سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا على أهل مكة بالجذب فقحطوا سبع سنين أتاه أبو سفيان فقال ادع لنا بالخصب فإن أخصبنا بين صدقناك فدعا لهم فسقوا ولم يؤمنوا ذكره الماوردي قال المفسرون المراد بالناس هاهنا الكفار وفي المراد بالرحمة والضراء ثلاثة أقوال

[ 17 ]

أحدها أن الرحمة العافية والسرور والضراء الفقر والبلاء قاله ابن عباس والثاني الرحمة الإسلام والضراء الكفر وهذا في حق المنافقين قاله الحسن والثالث الرحمة الخصب والضراء الجدب قاله الضحاك وفي المراد بالمكر هاهنا أربعة أقوال أحدها أنه الاستهزاء والتكذيب قاله مجاهد ومقاتل والثاني أنه الجحود والرد قاله أبو عبيدة والثالث أنه إضافة النعم إلى غير الله فيقولون سقينا بنوء كذا قاله مقاتل بن حيان والرابع أن المكر النفاق لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر ذكره الماوردي قوله تعالى (قل الله أسرع مكرا) أهل أي جزاء على المكر (إن رسلنا) يعني الحفظة (يكتبون حديث ما تمكرون) أي يحفظون ذلك لمجازاتكم عليه وقرأ يعقوب إلا رويسا با حاتم وأبان عن عاصم يمكرون بالياء الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما انجيناهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون

[ 18 ]

قوله تعالى (هو الذي يسيركم) عند أي الله الذي هو أسرع مكرا هو الذي يسيركم (في البر) على الدواب وفي البحر على السفن فلو شاء انتقم منكم في البر أو في البحر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ينشركم بالنون والشين من النشر وهو في المعنى مثل قوله (وبث منهما رجالا كثيرا) [ النساء 2 ] والفلك السفن قال الفراء الفلك تذكر وتؤنث وتكون واحدة وتكون جمعا قال تعالى هاهنا (جاءتها) فأنث وقال في (يس 41) (في الفلك المشحون) فذكر قوله تعالى (وجرين لأنه بهم) عاد بعد المخاطبة لهم إلى الإخبار عنهم قال الزجاج كل من أقام الغائب مقام من يخاطبه جاز أن يرده إلى الغائب قال الشاعر شطت مزار العاشقين فأصبحت عسرا علي طلابك ابنة مخرم قوله تعالى (بريح طيبة) أي لينة (وفرحوا بها) للينها (جاءتها) يعني الفلك قال الفراء وإن شئت جعلتها للريح كأنك قلت جاءت الريح الطيبة ريح عاصف والعرب تقول عاصف وعاصفة وقد عصفت الريح وأعصفت والألف لغة لبني أسد قال ابن عباس الريح العاصف الشديدة قال الزجاج يقال عصفت الريح فهي عاصف وعاصفة وأعصفت فهي معصف ومعصفة (وجاءهم الموج من كل مكان) أي من كل أمكنة الموج قوله تعالى (وظنوا) أخبرنا فيه قولان أحدهما أنه بمعنى اليقين والثاني أنه التوهم وفي قوله (أحيط يا بهم) قولان أحدهما دنوا من الهلكة قال ابن قتيبة وأصل هذا أن العدو إذا أحاط ببلد فقد دنا أهله من الهلكة وقال الزجاج يقال لكل من وقع في بلاء قد أحيط بفلان أي أحاط به البلاء والثاني أحاطت بهم الملائكة ذكره الزجاج قوله تعالى (دعوا الله مخلصين له الدين) دون أوثانهم قال ابن عباس تركوا الشرك وأخلصوا لله الربوبية وقالوا (لئن أنجيتنا من هذه) الريح العاصف (لنكونن من الشاكرين) أي الموحدين قوله تعالى (يبغون لو في الأرض) البغي الترامي في الفساد قال الأصمعي يقال بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد قال ابن عباس يبغون في الأرض بالدعاء إلى عبادة الله

[ 19 ]

والعمل بالمعاصي والفساد (يا أيها الناس) يعني أهل مكة (إنما بغيكم على أنفسكم) أي جناية مظالمكم بينكم على أنفسكم وقال الزجاج عملكم بالظلم عليكم يرجع قوله تعالى (متاع الحياة الدنيا) قرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن وحفص وأبان عن عاصم متاع الحياة الدنيا بنصب المتاع قال الزجاج من رفع المتاع فالمعنى أن ما تنالونه يكون بهذا البغي إنما تنتفعون به في الدنيا ومن نصب المتاع فعلى المصدر فالمعنى تمتعون متاع الحياة الدنيا وقرأ أبو المتوكل واليزيدي في اختياره وهارون العتكي عن عاصم متاع الحياة بكسر العين قال ابن عباس متاع الحياة الدنيا أي منفعة في الدنيا مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها آتها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون قوله تعالى (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) هذا مثل ضربه الله للدنيا الفانية فشببها مع بمطر نزل من السماء (فاختلط سعيد به نبات الأرض) يعني التف النبات بالمطر وكثر (مما يأكل الناس) من الحبوب وغيرها (والأنعام) من المرعى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) قال ابن قتيبة زينتها بالنبات وأصل الزخرف الذهب ثم يقال للنقش والنور والزهر وكل شئ زين زخرف وقال الزجاج الزخرف كمال حسن الشئ قوله تعالى (وازينت) قرأه الجمهور وازينت بالتشديد وقرأ سعد ابن أبي وقاص وابو عبد الرحمن والحسن وابن يعمر بفتح الهمزة وقطعها ساكنة الزاي على وزن وأفعلت قال الزجاج من قرأ وازينت بالتشديد فالمعنى وتزينت فادغمت التاء في الزاي وأسكنت الزاي فاجتلبت لها ألف الوصل ومن قرأ وأزينت بالتخفيف على أفعلت فالمعنى جاءت بالزينة وقرأ أبي وابن مسعود وتزينت

[ 20 ]

قوله تعالى (وظن أهلها) أي أيقن أهل الأرض (أنهم قادرون عليها) أي على ما انبتته بكر فأخبر عن الأرض والمراد النبات لأن المعنى مفهوم (أتاها أمرنا) أي فضاءنا قد باهلاكها (فجعلناها حصيدا) أي محصودا لا شئ فيها والحصيد المقطوع المستأصل (كأن لم تغن بالأمس) قال الزجاج لم تعمر والمغاني المنازل التي يعمرها الناس بالنزول فيها يقال غنينا بالمكان إذا نزلوا به وقرأ الحسن كأن لم يغن بالياء يعني الحصيد قال بعض المفسرين تأويل الآية أن الحياة في الدنيا سبب لاجتماع المال وما يروق من زهرة الدنيا ويعجب حتى إذا استتم ذلك عند صاحبه وظن أنه ممتع بذلك سلب عنه بموته أو بحادثة تهلكه كما أن الماء سبب لالتفاف النبات وكثرته فإذا تزينت به الأرض وظن الناس أنهم مستمتعون وفي بذلك أهلكه الله فعاد ما كان فيها كأن لم يكن يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون قوله تعالى (والله يدعوا إلى دار السلام) يعني الجنة وقد ذكرنا معنى تسميتها بذلك عند قوله (لهم دار السلام عند ربهم) [ الأنعام 127 ] كل واعلم أن الله عم بالدعوة وخص الهداية من شاء لأن الحكم له في خلقه وفي المراد بالصراط المستقيم أربعة أقوال أحدها كتاب الله رواه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 21 ]

والثاني الإسلام رواه النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم والثالث الحق قاله مجاهد وقتادة والرابع المخرج من الضلالات والشبه قاله أبو العالية قوله تعالى (للذين أحسنوا) قال ابن عباس قالوا لا إله إلا الله قال ابن الأنباري الحسنى كلمة مستغنى عن وصفها ونعتها لأن العرب توقعها على الخلة المحبوبة المرغوب فيها المفروح بها فكان الذي تعلمه العرب من أمرها يغني عن نعتها فكذلك المزيد عليها محمول على معناها ومتعرف من جهتها يدل على هذا قول امرئ القيس فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال فصرنا فلا إلى الحسنى ورق كلامنا ورضت فذلت صعبة أي إذلال أي إلى الأمر المحبوب وهصرت بمعنى مددت والغصن كناية عن المرأة والباء مؤكدة للكلام كما تقول العرب ألفى بيده إلى الهلاك يريدون ألقى يده والشماريخ كناية عن الذوائب ورضت معناه أذللت ومن أجل هذا قال أي إذلال ولم يقل أي رياضة وللمفسرين في المراد بالحسنى خمسة أقوال أحدها أنها الجنة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه قال الأكثرون والثاني أنها الواحدة من الحسنات بواحدة قاله ابن عباس والثالث النصرة قاله عبد الرحمن بن سابط

[ 22 ]

والرابع الجزاء في الآخرة قاله ابن زيد والخامس الأمنية ذكره ابن الأنباري وفي الزيادة ستة أقوال أحدها أنها النظر إلى الله عز وجل روى مسلم في صحيحة من حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل وبهذا القول قال أبو بكر الصديق وابو موسى الأشعري وحذيفة وابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن أبي ليلى والسدي ومقاتل والثاني أن الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب رواه الحكم عن علي ولا يصح والثالث أن الزيادة مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها قاله ابن عباس والحسن والرابع أن الزيادة مغفرة روضوان منه قاله مجاهد والخامس أن الزيادة أن ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به في القيامة قاله ابن زيد والسادس أن الزيادة ما يشتهونه ذكره الماوردي قوله تعالى (ولا يرهق) أي لا يغشى (وجوههم قتر) وقرأ الحسن وقتادة والأعمش قتر باسكان التاء وفيه أربعة أقوال أحدها أنه السواد قال ابن عباس سواد الوجوه من الكآبة وقال الزجاج القتر الغبرة التي معها سواد والثاني أنه دخان جهنم قاله عطاء والثالث الخزي قاله مجاهد والرابع الغبار قاله أبو عبيدة وفي الذلة قولان

[ 23 ]

أحدهما الكآبة قاله ابن عباس والثاني الهوان قاله أبو سليمان كسبوا السيئآت جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة مالهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون قوله تعالى (والذين كسبوا السيئات) قال ابن عباس عملوا الشرك (جزاء سيئة بمثلها): في الآية محذوف وفي تقديره قولان أحدهما أن فيها إضمار لهم المعنى لهم جزاء سيئة بمثلها وأنشد ثعلب فإن سأل الواشون عنه فقل لهم وذاك عطاء للوشاة جزيل ملم بليلى لمة ثم إنه لهاجر ليلى بعدها فمطيل غير أراد هو ملم وهذا قول الفراء والثاني أن فيها إضمار منهم المعنى جزاء سيئة منهم بمثلها تقول العرب رأيت القوم صائم وقائم أي منهم صائم وقائم أنشد الفراء حتى إذا ما أضاء الصبح في غلس وغودر البقل ملوي ومحصود أي منه ملوي وهذا قول ابن الأنباري وقال بعضهم الباء زائدة هاهنا ومن في قوله (من عاصم) صلة والعاصم المانع (كأنما أغشيت وجوههم) أي ألبست (قطعا) أحمد قرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو وحمزة قطعا مفتوحة الطاء وهي جمع قطعة وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب قطعا بتسكين الطاء قال ابن قتيبة وهو اسم ما قطع قال ابن جرير وإنما قال مظلما ولم يقل مظلمة لأن المعنى قطعا من الليل المظلم ثم حذفت الألف واللام من المظلم فلما صار نكره وهو من نعت الليل نصب على القطع وقوم يسمون ما كان كذلك حالا وقوم قطعا

[ 24 ]

ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين قوله تعالى (ويوم نحشرهم جميعا) قال ابن عباس يجمع الكفار وآلهتهم (ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم) بعد أي آلهتكم قال الزجاج مكانكم منصوب على الأمر كأنهم قيل لهم انتظروا مكانكم حتى نفصل بينكم والعرب تتوعد فتقول مكانك أي انتظر مكانك فهي كلمة جرت على الوعيد قوله تعالى (فزيلنا بينهم) وقرأ ابن أبي عبلة فزايلنا بألف قال ابن عباس فرقنا بينهم وبين آلهتهم وقال ابن قتيبة هو من زال يزول وأزلته وقال ابن جرير إنما قال فزيلنا ولم يقل فزلنا لا راده تكرير الفعل وتكثيره فإن قيل كيف تقع الفرقة بينهم وهم معهم في النار لقوله (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) [ الأنبياء 98 ] فالجواب أن الفرقة وقعت بتبري كل معبود ممن عبده وهو قوله (وقال شركاؤهم) يقول قال ابن عباس آلهتهم ينطق الله الأوثان فتقول (ما كنتم إيانا تعبدون) أي لا نعلم بعبادتكم لنا لأنه ما كان فينا روح فيقول العابدون بلى قد عبدناكم فتقول الآلهة (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين) لا نعلم بها قال الزجاج (إن كنا) الذي معناه ما كنا إلا غافلين فإن قيل ما وجه دخول الباء في قوله (فكفى بالله شهيدا)

[ 25 ]

فعنه جوابان أحدهما أنها دخلت للمبالغة في المدح كما قالوا أظرف بعبد الله وأنبل بعبد الرحمن وناهيك بأخينا وحسبك بصديقنا هذا قول الفراء وأصحابه والثاني أنها دخلت توكيدا للكلام إذ سقوطها ممكن كما يقال خذ بالخطام وخذ الخطام قاله ابن الأنباري هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون قوله تعالى (هنالك تبلو) لأن قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر تبلو بالباء وقرأ حمزة والكسائي وخلف وزيد عن يعقوب تتلو بالتاء قال الزجاج هنالك ظرف والمعنى في ذلك الوقت تبلو وهو منصوب بتبلو وقد إلا أنه غير متمكن والام زائدة والأصل هناك وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف والكاف للمخاطبة وتبلو تختبر أي تعلم ومن قرأ تتلو بتاءين فقد فسرها الأخفش وغيره تتلو من التلاوة أي تقرأ وفسروه ايضا تتبع كل نفس ما أسلفت ومثله قول الشاعر قد جعلت دلوي تستتليني ولا أريد تبع القرين أي تستتبعني علي أي من ثقلها تستدعي اتباعي إياها قوله تعالى (وردوا) حتى أي في الآخرة (تعالى إلى الله مولاهم الحق) الذي يملك أمرهم حقا لا من جعلوا معه من الشركاء (وضل عنهم) أي زال وبطل (ما كانوا يفترون) من الآلهة قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون قوله تعالى (قل من يرزقكم من السماء) المطر ومن الأرض النبات (أم من يملك

[ 26 ]

السمع) أي خلق السمع والأبصار وقد سبق معنى إخراج الحي من الميت والميت من الحي [ آل عمران 27 ] قوله تعالى (ومن يدبر الأمر) أي أمر الدنيا والآخرة (فسيقولون الله) لأنهم خوطبوا بما لا يقدر عليه إلا الله فكان في ذلك دليل توحيده وفي قوله (أفلا تتقون) قولان أحدهما أفلا تتعظون قاله ابن عباس والثاني تتقون الشرك قاله مقاتل فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون قوله تعالى (فذلكم الله ربكم الحق) قال الخطابي الحق هو المتحقق وجوده وكل شئ صح وجوده وكونه فهو حق قوله تعالى (فأنى تصرفون) قال ابن عباس كيف تصرف عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيى ولا يميت كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون قوله تعالى (كذلك حقت كلمة ربك) قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي كلمة ربك آخر السورة كذلك وقرأ نافع وابن عامر الحرفين كلمات على الجمع قال الزجاج الكاف في موضع نصب أي مثل أفعالهم جازاهم ربك والمعنى حق

[ 27 ]

عليهم أنهم لا يؤمنون وقوله (أنهم لا يؤمنون) بدل من (كلمة ربك) وجائز أن تكون الكلمة حقت عليهم لأنهم لا يؤمنون وتكون الكلمة ما وعدوا به من العقاب وذكر ابن الأنباري في (كذلك) قولين أحدهما أنها إشارة إلى مصدر تصرفون والمعنى مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك والثاني أنه بمعنى هكذا وفي معنى حقت قولان أحدهما وجبت والثاني سبقت وفي كلمته قولان أحدهما أنها بمعنى وعده والثاني بمعنى قضائه ومن قرأ كلمات جعل كل واحدة من الكلم التي توعدوا بها كلمة وقد شرحنا معنى الكلمة في (الأعراف 137 و 158) قوله تعالى (قل الله يهدي للحق) فإن أي إلى الحق قوله تعالى (أم من لا يهدي) قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع يهدي بفتح الياء والهاء وتشديد الدال قال الزجاج الأصل يهتدي فأدغمت التاء في الدال فطرحت فتحتها على الهاء وقرأ نافع إلى ورشا وأبو عمرو يهدي بفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدال غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئا من الفتح وقرأ حمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال قال أبو علي والمعنى لا يهدي غيره إلا أن يهدى هو ولو هدي الصم لم يهتد ولكن لما جعلوها كمن يعقل أجريت مجراه وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم يهدي بكسر الياء والهاء وتشديد الدال وكذلك روى أبان وجبلة عن المفضل وعبد الوارث قال الزجاج أتبعوا الكسرة الكسرة وهي رديئة لثقل الكسرة في الياء وروى حفص عن عاصم والكسائي عن أبي بكر عنه يهدي بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال قال الزجاج وهذه في الجودة كالمفتوحة عمر الهاء إلا أن الهاء كسرت لالتقاء الساكنين وقرأ ابن السميفع يهتدي بزيادة تاء والمراد بقوله (أم من لا يهدي) الصم (إلا أن يهدى) النبي وظاهر الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت وليست كذلك لأنها حجارة لا تهتدى إلا أنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ووصفت صفة من يعقل وإن لم تكن في

[ 28 ]

الحقيقة كذلك ولهذا المعنى قال في صفتها (أمن) لأنهم جعلوها كمن يعقل ولما أعطاها حقها في أصل وضعها قال (يا أبت لم تعبد مالا يسمع) [ مريم وإن 42 ] وقال الفراء (أمن لا يهدي) أي أتعبدون مالا يقدر أن ينتقل من مكانه إلا أن يحول وقد صرف بعضهم الكلام إلى الرؤساء والمضلين والأول أصح قوله تعالى (فما لكم) قال الزجاج هو كلام تام كأنه قيل لهم أي شئ لكم في عبادة الأوثان ثم قيل لهم (كيف تحكمون) أي على أي حال تحكمون وقال ابن عباس كيف تقضون لأنفسكم وقال مقاتل كيف تقضون بالجور وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون قوله تعالى (وما يتبع أكثرهم) أي كلهم (إلا ظنا) أي ما يستيقنون أنها آلهة بل يظنون شيئا فيتبعونه (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) أي ليس هو كاليقين ولا يقوم مقام الحق وقال مقاتل ظنهم بأنها آلهة لا يدفع عنهم من العذاب شيئا وقال غيره ظنهم أنها تشفع لهم لا يغني عنهم وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين قوله تعالى (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله) قال الزجاج هذا جواب قولهم (ائت بقرآن غير هذا أو بدله) [ يونس 15 ] وجواب قولهم (افتراه) [ الفرقان 4 ] قال الفراء ومعنى الآية ما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يفترى من دون الله فجاءت أن على معنى ينبغي وقال ابن الأنباري يجوز أن تكون مع يفترى مصدرا وتقديره وما كان هذا القرآن افتراء ويجوز أن تكون كان تامة فيكون المعنى ما نزل هذا القرآن وما ظهر هذا القرآن لأن يفترى وبأن يفترى فتنصب أن بفقد الخافض في قول الفراء وتخفض باضمار الخافض في قول الكسائي وقال ابن قتيبة معنى (أن يفترى) أي يضاف إلى غير الله أو يختلق

[ 29 ]

قوله تعالى (ولكن تصديق الذي بين يديه) فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه تصديق الكتب المتقدمة قاله ابن عباس فعلى هذا إنما قال (الذي) لأنه يريد الوحي والثاني ما بين يديه من البعث والنشور ذكره الزجاج والثالث تصديق النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين يدي القرآن لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوه قبل سماعهم القرآن ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (وتفصيل الكتاب) أي وبيان الكتاب الذي كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرائض التي فرضها عليهم أم يقولون افتريه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين قوله تعالى (أم يقولون افتراه) في أم قولان أحدهما أنها بمعنى الواو قاله أبو عبيدة والثاني بمعنى بل قاله الزجاج قوله تعالى (فأتوا بسورة مثله) قال الزجاج المعنى فأتوا بسورة مثل سورة منه فذكر المثل لأنه إنما التمس شبه الجنس (وادعوا من استطعتم) ممن هو في التكذيب مثلكم (إن كنتم صادقين) أنه اختلقه كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين قوله تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فيه قولان أحدهما أن المعنى بما لم يحيطوا بعلم ما فيه ذكر الجنة والنار والبعث والجزاء والثاني بما لم يحيطوا بعلم التكذيب به لأنهم شاكون فيه وفي قوله (ولما يأتهم تأويله) قولان أحدهما تصديق ما وعدوا به من الوعيد والتأويل ما يؤول إليه الأمر والثاني ولم يكن معهم علم تأويله قاله الزجاج

[ 30 ]

قيل لسفيان بن عيينة يقول الناس كل إنسان عدو ما جهل فقال هذا في كتاب الله قيل أين فقال (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) وقيل للحسين بن الفضل هل تجد في القرآن من جهل شيئا عاداه فقال نعم في موضعين قوله (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) وقوله (إذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) [ الأحقاف كما 11 ] من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين هو قوله تعالى (يومنهم ثنا من يؤمن به) في المشار إليهم قولان أحدهما أنهم اليهود قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني قريش قاله مقاتل بن سليمان وفي هاء به قولان أحدهما أنها ترجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم ودينه قاله مقاتل والثاني إلى القرآن قاله أبو سليمان الدمشقي وهذه الآية تضمنت الإخبار عما سبق في علم الله فالمعنى ومنهم من سيؤمن به وقال الزجاج منهم من يعلم أنه حق فيصدق به ويعاند فيظهر الكفر (يومنهم ثنا من لا يؤمن به) أي يشك ولا يصدق قوله تعالى (وربك أعلم بالمفسدين) قال عطاء يريد المكذبين وهذا تهديد لهم وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما تعملون قوله تعالى (وإن كذبوك فقل لي عملي) الآية قال أبو صالح عن ابن عباس نسختها آية السيف وليس هذا بصحيح لأنه لا تنافي بين الآيتين ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون

[ 31 ]

قوله تعالى (يومنهم ثنا من يستمعون إليك) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها في يهود المدينة كانوا يأتون رسول الله ويستمعون القرآن فيعجبون ويشتهونه ويغلب عليهم الشقاء فنزلت هذه الآية والثاني أنها نزلت في المستهزئين كانوا يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم للاستهزاء والتكذيب فلم ينتفعوا فنزلت فيهم هذه الآية والقولان مرويان عن ابن عباس والثالث أنها نزلت في مشركي قريش قاله مقاتل قال الزجاج ظاهرهم ظاهر من يستمع وهم لشدة عداوتهم بمنزلة الصم (ولو كانوا لا يعقلون) أي ولو كانوا مع ذلك جهالا وقال ابن عباس يريد أنهم شر من الصم لأن الصم لهم عقول وقلوب وهؤلاء قد اصم الله قلوبهم ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون قوله تعالى (يومنهم ثنا من ينظر إليك) قال ابن عباس يريد متعجبين منك (أفأنت تهدي العمي) وسلم يريد أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون وقال الزجاج منهم من يقبل عليك بالنظر وهو من بغضه لك وكراهته لما يرى من آياتك كالأعمى وقال ابن جرير ومنهم من يستمع قولك وينظر إلى حججك على نبوتك ولكن الله قد سلبه التوفيق وقال مقاتل ولو في الآيتين بمعنى إذا الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون قوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئا) لما ذكر الذين سبق القضاء عليهم بالشقاوة أخبر أن تقدير ذلك عليهم ليس بظلم لأنه يتصرف في ملكه كيف شاء وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا أنفسهم بذلك لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان بقضاء الله قوله تعالى (ولكن الناس) قرأ حمزة والكسائي وخلف ولكن الناس بتخفيف النون وكسرها ورفع الإسم بعدها

[ 32 ]

يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين قوله تعالى (ويوم نحشرهم) وقرأ حمزة يحشرهم بالياء قال أبو سليمان الدمشقي هم المشركون قوله تعالى (كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار) فيه قولان أحدهما كأن لم يلبثوا في قبورهم قاله ابن عباس والثاني في الدنيا قاله مقاتل قال الضحاك قصر عندهم مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم فصار كالساعة من النهار لهول ما استقبلوا من القيامة قوله تعالى (يتعارفون بينهم) قال ابن عباس إذا بعثوا من عنه القبور تعارفوا ثم تنقطع المعرفة قال الزجاج وفي معرفة بعضهم بعضا وعلم بعضهم باضلال بعض التوبيخ لهم وإثبات الحجة عليهم وقيل إذا تعارفوا وبخ بعضهم بعضا فيقول هذا لهذا أنت أضللتني وكسبتني إن دخول النار قوله تعالى (قد خسر الذين كذبوا) هو من قول الله تعالى لا من قولهم والمعنى خسروا ثواب الجنة إذ كذبوا بالبعث (وما كانوا مهتدين) من الضلالة نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فالينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون قوله تعالى (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) قال المفسرون كانت وقعة بدر مما أراه الله في حياته من عذابهم (أو نتوفينك) قبل أن نريك (فإلينا إلا مرجعهم) بعد الموت والمعنى إن لم ننتقم منهم عاجلا انتقمنا آجلا قوله تعالى (ثم الله شهيد على ما يفعلون) من الكفر والتكذيب قال الفراء ثم ها

[ 33 ]

هنا عطف ولو قيل معناها هناك الله شهيد كان جائزا وقال غيره ثم هاهنا بمعنى الواو وقرأ ابن أبي عبلة ثم الله شهيد بفتح الثاء يراد به هنالك الله شهيد قوله تعالى (فإذا جاء رسولهم قضي بينهم) فيه ثلاثة أقوال أحدها إذا جاء في الدنيا بعد الإذن له في دعائهم قضي بينهم بتعجيل الانتقام منهم قاله الحسن وقال غيره إذا جاءهم في الدنيا حكم عليهم عند اتباعه وخلافه بالطاعة والمعصية والثاني إذا جاء يوم القيامة قاله مجاهد وقال غيره إذا جاء شاهدا عليهم والثالث إذا جاء في القيامة وقد كذبوه في الدنيا قاله ابن السائب قوله تعالى (قضي بينهم بالقسط) فيه قولان أحدهما بين الأمة فأثيب المحسن وعوقب المسئ والثاني بينهم وبين نبيهم منه متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قوله تعالى (ويقولون متى هذا الوعد) في القائلين هذا قولان أحدهما الأمم المتقدمة أخبر عنهم باستعجال العذاب لأنبيائهم قاله ابن عباس والثاني أنهم المشركون الذين أنذرهم نبينا صلى الله عليه وسلم قاله أبو سليمان وفي المراد بالوعد قولان أحدهما العذاب قاله ابن عباس والثاني قيام الساعة (إن كنتم صادقين) أنت وأتباعك لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قل أرأبتم فيه إن أتيكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعلجل صلى منه المجرمون أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون

[ 34 ]

قوله تعالى (قل لا أملك لنفسي ضرا) الآية قد ذكرت تفسيرها في آيتين من (الأعراف 34 و 188) قوله تعالى (إن أتاكم عذابه بياتا) وقال قال الزجاج البيات كل ما كان بليل وقوله (ماذا) في موضع رفع من جهتين إحداهما أن يكون ذا بمعنى الذي المعنى مال الذي يستعجل منه المجرمون ويجوز أن يكون ماذا اسما واحدا فيكون المعنى أي شئ يستعجل منه المجرمون والهاء في منه تعود على العذاب وجائز أن تعود على ذكر الله تعالى فيكون المعنى أي شئ يستعجل المجرمون من الله تعالى وعودها على العذاب أجود لقوله (أثم إذا ما وقع آمنتم به) وذكر بعض المفسرين أن المراد بالمجرمين المشركون وكانوا يقولون نكذب بالعذاب ونستعجله ثم إذا وقع العذاب آمنا به فقال الله تعالى موبخا لهم (أثم إذا ما وقع آمنتم به) أي هنالك تؤمنون فلا يقبل منكم الإيمان ويقال لكم الآن تؤمنون فأضمر تؤمنون به مع (الآن وقد كنتم به تستعجلون) مستهزئين وهو قوله (ثم قيل للذين ظلموا) أي كفروا عند نزول العذاب (ذوقوا عذاب الخلد) لأنه إذا نزل بهم العذاب أفضوا منه إلى عذاب الآخرة الدائم ويستنبؤنك أنه أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين قوله تعالى (ويستنبؤنك) وهو أي ويستخبرونك (أحق هو) يعنون البعث والعذاب (قل إي) صلى الله عليه وسلم المعنى نعم (وربي) إذا وفتح هذه الياء نافع وأبو عمرو وإنما أقسم مع أخباره تأكيدا وقال ابن قتيبة إي بمعنى بل ولا تأتي إلا قبل اليمين صلة لها قوله تعالى (وما أنتم بمعجزين) قال ابن عباس بسابقين وقال الزجاج لستم ممن يعجز أن يجازى على كفره ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون

[ 35 ]

قوله تعالى (ولو أن لكل نفس ظلمت) فقال قال ابن عباس أشركت (ما في الأرض لافتدت به) عند نزول العذاب (وأسروا الندامة) يعني الرؤساء أخفوها من الأتباع (وقضي بينهم) أي بين الفريقين وقال آخرون منهم أبو عبيدة والمفضل أسروا الندامة بمعنى أظهروا لأنه ليس بيوم تصنع ولا تصبر والإسرار من الأضداد يقال أسررت الشئ بمعنى أخفيته وأسررته أظهرته قال الفرزدق ولما رأى الحجاج جرد سيفه أسر الحروري الذي كان أضمرا يعني أظهر فعلى هذا القول أظهروا الندامة عند إحراق النار لهم لأن النار ألهتهم عن التصنع والكتمان وعلى الأول كتموها قبل إحراق النار إياهم وقوله تعالى (ألا إن وعد الله حق) قال ابن عباس ما وعد أولياءه من الثواب وأعداءه من العقاب (ولكن أكثرهم) يعني المشركين (لا يعلمون) يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قوله تعالى (يا أيها الناس) قال ابن عباس يعني قريشا (ق جاءتكم موعظة) أي يعني القرآن (وشفاء لما في الصدور) أي دواء لداء الجهل (وهدى) أي بيان من الضلالة بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون قوله تعالى (قل بفضل الله وبرحمته) فيه ثمانية أقوال أحدها أن فضل الله الإسلام ورحمته القرآن رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال قتادة وهلال بن يساف وروي عن الحسن ومجاهد في بعض الرواية عنهما وهو اختيار ابن قتيبة

[ 36 ]

والثاني أن فضل الله القرآن ورحمته أن جعلهم من أهل القرآن رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال أبو سعيد الخدري والحسن في رواية والثالث أن فضل الله العلم ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم رواه الضحاك عن ابن عباس والرابع أن فضل الله الإسلام ورحمته تزيينه في القلوب قاله ابن عمر والخامس أن فضل الله القرآن ورحمته الإسلام قاله الضحاك وزيد بن أسلم وابنه ومقاتل والسادس أن فضل الله ورحمته القرآن رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد واختاره الزجاج والسابع أن فضل الله القرآن ورحمته السنة قاله خالد بن معدان والثامن فضل الله التوفيق ورحمته العصمة قاله ابن عيينة قوله تعالى (فبذلك فليفرحوا) وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وقتادة وأبو العالية ورويس عن يعقوب فلتفرحوا بالتاء وقرأ الحسن ومعاذ القارئ وأبو المتوكل مثل ذلك إلا أنهم كسروا اللام وقرأ ابن مسعود وأبو عمران فبذلك فافرحوا قال ابن عباس بذلك الفضل والرحمة (هو خير مما يجمعون) أي مما يجمع الكفار من الأموال وقرأ أبو جعفر وابن عامر ورويس تجمعون بالتاء وحكى ابن الأنباري أن الباء في قوله (بفضل الله) خبر لاسم مضمر تأويله هذا الشفاء وهذه الموعظة بفضل الله ورحمته فبذلك التطول من الله فليفرحوا أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون قوله تعالى (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق) قال المفسرون هذا خطاب لكفار قريش كانوا يحرمون ما شاؤوا ويحلون ما شاؤوا و (أنزل) ثنا بمعنى خلق وقد شرحنا بعض مذاهبهم فيما كانوا يفعلون من البحيرة والسائبة وغير ذلك في (المائدة 103) و (الأنعام 139) قوله تعالى (قل آلله أذن لكم) أي في هذا التحليل والتحريم

[ 37 ]

وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذوا فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون قوله تعالى (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب) في الكلام محذوف تقديره ما ظنهم أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم (إن الله لذو فضل على الناس) حين لم يعجل عليهم بالعقوبة (به ولكن أكثرهم لا يشكرون) تأخير العذاب عنهم وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين قوله تعالى (وما تكون في شأن) أي في عمل من الأعمال وجمعه شؤون (وما تتلو منه) في هاء الكناية قولان أحدهما أنها تعود إلى الشأن قال الزجاج معنى الآية أي وقت تكون في شأن من عبادة الله وما تلوت من الشأن من قرآن والثاني أنها تعود إلى الله تعالى فالمعنى وما تلوت من الله أي من نازل منه من قرآن ذكره جماعة من العلماء والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وامته داخلون فيه بدليل قوله (ولا تعملون من عمل) قال ابن الأنباري جمع في هذا ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين قوله تعالى (إذ تفيضون فيه) الهاء عائدة على العمل قال ابن قتيبة تفيضون بمعنى تأخذون فيه وقال الزجاج تنتشرون فيه يقال أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه وخاضوا (وما يعزب) هذا معناه وما يبعد وقال ابن قتيبة ما يبعد ولا يغيب وقرأ الكسائي يعزب بكسر الزاي هاهنا وفي (سبأ 3) وقد بينا مثقال ذرة في سورة (النساء 40) قوله تعالى (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) قرأ الجمهور بفتح الراء فيهما وقرأ حمزة وخلف ويعقوب برفع الراء فيهما قال الزجاج من قرأ بالفتح فالمعنى وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ولا مثقال أصغر من ذلك ولا أكبر والموضع موضع خفض إلا أنه فتح لأنه

[ 38 ]

لا ينصرف ومن رفع فالمعنى وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا أصغر ولا أكبر ويجوز رفعه على الابتداء فيكون المعنى ولا أصغر من ذلك ولا أكبر رفعه على الابتداء (إلا في كتاب مبين) قال ابن عباس هو اللوح المحفوظ إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم قوله تعالى (ألا إن أولياء الله) روى ابن عباس أن رجلا قال يا رسول الله من أولياء الله قال الذين إذا رؤوا ذكر الله وروى عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم أنه قال إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله عز وجل قالوا يا رسول الله من هم وما أعمالهم لعلنا نحبهم قال هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ثم قرأ (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قوله تعالى (لهم البشرى في الحياة الدنيا) فيها ثلاثة أقوال

[ 39 ]

أحدها أنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له رواه عبادة ابن الصامت وأبو الدرداء وجابر بن عبد الله وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني أنها بشارة الملائكة لهم عند الموت قاله الضحاك وقتادة والزهري والثالث أنها ما بشر الله به في كتابه من جنته وثوابه كقوله (وبشر الذين آمنوا) [ البقرة 25 ] (وأبشروا بالجنة) [ فصلت 30 ] (يبشرهم ربهم) [ التوبة 21 ] وهذا قول الحسن واختاره الفراء والزجاج واستدلا بقوله (لا تبديل لكلمات الله) قال ابن عباس لا خلف لمواعيده وذلك أن مواعيده بكلماته فإذا لم تبدل الكلمات لم تبدل المواعيد فأما بشراهم في الآخرة ففيها ثلاثة أقوال أحدها أنها الجنة رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم واختارة ابن قتيبة والثاني أنه عند خروج الروح تبشر برضوان الله قاله ابن عباس والثالث أنها عند الخروج من قبورهم قاله مقاتل ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم قوله تعالى (ولا يحزنك قولهم) قال ابن عباس تكذيبهم وقال غيره تظاهرهم عليك

[ 40 ]

بالعداوة وإنكارهم وأذاهم وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال (إن العزة لله جميعا) أي الغلبة له فهو ناصرك وناصر دينك (هو السميع) لقولهم (العليم) باضمارهم فيجازيهم على ذلك ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء أن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون قوله تعالى (ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض) قال الزجاج ألا افتتاح كلام وتنبيه أي فالذي هم له يفعل فيهم وبهم ما يشاء قوله تعالى (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) أي ما يتبعون شركاء على الحقيقة لأنهم يعدونها شركاء لله شفعاء لهم وليست على ما يظنون (إن يتبعون إلا الظن) في ذلك (وإن هم إلا يخرصون) قال ابن عباس يكذبون وقال ابن قتيبة يحدسون ويحزرون هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون قوله تعالى (هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) المعنى إن ربكم الذي يجب أن تعتقدوا ربوبيته هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه فيزول تعب النهار وكلاله بالسكون في الليل وجعل النهار مبصرا أي مضيئا تبصرون فيه وإنما أضاف الابصار إليه لأنه قد فهم السامع المقصود إذ النهار لا يبصر وإنما هو ظرف يفعل فيه غيره كقوله (عيشة راضية) [ الحاقة 21 ] إنما هي مرضية وهذا كما يقال ليل نائم قال جرير لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم قوله تعالى (إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون) سماع اعتبار فيعلمون أنه لا يقدر على

[ 41 ]

ذلك إلا الإله القادر قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون قوله تعالى (قالوا اتخذ الله ولدا) قال ابن عباس يعني أهل مكة جعلوا الملائكة بنات الله قوله تعالى (سبحانه) تنزيه له عما قالوا (هو الغني) عن الزوجة والولد (إن عندكم) ثم أي ما عندكم (من رسول سلطان) أي جحة بما تقولون قوله تعالى (لا يفلحون) فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يبقون في الدنيا والثاني لا يسعدون في العاقبة والثالث لا يفوزون قال الزجاج وهذا وقف التمام وقوله (متاع في الدنيا) مرفوع على معنى ذلك متاع في الدنيا واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون قوله تعالى (واتل عليهم نبأ نوح) فيه دليل على نبوته حيث أخبر عن قصص الأنبياء ولم يكن يقرأ الكتب وتحريض على الصبر وموعظة لقومه بذكر قوم نوح وما حل بهم من العقوبة بالتكذيب قوله تعالى (إن كان كبر) أي عظم وشق (عليكم مقامي) ولا أي طول مكثي وقرأ

[ 42 ]

أبو مجلز وأبو رجاء وأبو الجوزاء مقامي برفع الميم (وتذكيري) وعظي (فعلى الله توكلت) في نصرتي ودفع شركم عني (فأجمعوا أمركم) قرأ الجمهور فأجمعوا بالهمز وكسر الميم من أجمعت وروى الأصمعي عن نافع فاجمعوا بفتح الميم من جمعت ومعنى أجمعوا أمركم أحكموا أمركم واعزموا عليه قال المؤرج أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه وأنشد يا ليت شعري والمنى لا تنفع هل أغدون يوما وأمري مجمع فأما رواية الأصمعي فقال أبو علي يجوز أن يكون معناها اجمعوا ذوي الأمر منكم أي رؤساءكم ويجوز أن يكون جعل الأمر ما كانوا يجمعونه من كيدهم الذي يكيدون به فيكون كقوله (فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا) [ طه 64 ] قوله تعالى (وشركاءكم) لم قال الفراء وابن قتيبة المعنى وادعوا شركاءكم وقال الزجاج الواو هاهنا بمعنى مع فالمعنى مع شركائكم تقول لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها أي مع فصيلها وقرأ يعقوب وشركاؤكم بالرفع قوله تعالى (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) فيه قولان أحدهما لا يكن أمركم مكتوما قاله ابن عباس والثاني غما عليكم كما تقول كرب وكربة قاله ابن قتيبة وذكر الزجاج القولين وفي قوله (ثم اقضوا إلي) قولان أحدهما ثم أقضوا إلي ما في أنفسكم قاله مجاهد والثاني افعلوا ما تريدون قاله الزجاج وابن قتيبة وقال ابن الأنباري معناه اقضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني حدثنا به كما تقول العرب قد قضى فلان يريدون مات ومضى فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذوبه ابن فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين

[ 43 ]

قوله تعالى (فإن توليتم) أي أعرضتم عن الإيمان (فما سألتكم من أجر) أي لم يكن دعائي إياكم طمعا في أموالكم قوله تعالى (إن أجري) قوله حرك هذه الياء ابن عامر وأبو عمرو ونافع وحفص عن عاصم وأسكنها الباقون قوله تعالى (وجلناهم له خلائف) أي جعلنا الذين نجوا مع نوح خلفا ممن هلك ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبيانات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين قوله تعالى (ثم بعثنا من بعده) أي من بعد نوح (رسلا إلى قومهم) قال ابن عباس يريد إبراهيم وهودا وصالحا ولوطا وشعيبا (فجاؤوهم ذلك بالبينات) أي بأن لهم أنهم رسل الله (فما كانوا) أي أولئك الأقوام (ليؤمنوا بما كذبوا) يعني الذين قبلهم والمراد أن المتأخرين مضوا على سنن المتقدمين في التكذيب وقال مقاتل فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من العذاب من قبل نزوله قوله تعالى (كذلك نطبع) محمد أي كما طبعنا على قلوب أولئك (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) يعني المتجاوزين ما أمروا به ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين قوله تعالى (ثم بعثنا من بعدهم) يعني الرسل الذين أرسلوا بعد نوح فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا

[ 44 ]

وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون قوله تعالى جاءهم الحق من عندنا وهو ما جاء به موسى من الآيات قوله تعالى هذا قال الزجاج المعنى أتقولون للحق لما جاءكم هذا اللفظ وهو قولهم (إن هذا لسحر مبين) ثم قررهم فقال هذا) قال ابن الأنباري إنما أدخلوا الألف على جهة تفظيع الأمر كما يقول الرجل إذا نظر إلى الكسوة الفاخرة أكسوة إلى هذه يريد بالاستفهام تعظيمها وتأتي الرجل جائزة فيقول أحق ما أرى معظما لما ورد عليه وقال غيره تقدير الكلام أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه كقوله جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم [ الاسراء 8 ] المعنى بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم قوله تعالى أجئتنا لتلفتنا كان قال ابن قتيبة لتصرفنا يقال لفت فلانا عن كذا إذا صرفته ومنه الالتلفت أبو وهو الانصراف عما كنت مقبلا عليه قوله تعالى لكما الكبرياء في الأرض وروى أبان وزيد عن يعقوب (ويكون لكما) بالياء وفي المراد بالكبرياء ثلاثة أقوال أحدها الملك والشرف قاله ابن عباس والثاني الطاعة قاله الضحاك والثالث العلو قاله ابن زيد قال ابن عباس والأرض هاهنا أرض مصر قوله تعالى ساحر قرأ حمزة والكسائي وخلف بكل سحار بتشديد الحاء وتأخير الألف قوله تعالى جئتم به السحر قرأ الأكثرون السحر بغير مد على لفظ الخبر والمعنى الذي جئتم به من الحبال والعصي هو السحر وهذا رد لقولهم للحق هذا سحر فتقديره الذي جئتم به السحر فدخلت الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة كما تقول رايت رجلا فقال لي الرجل وقرأ مجاهد وأبو عمرو وأبو جعفر وابان عن عاصم

[ 45 ]

وأبو حاتم عن بعقوب السحر بمد الألف استفهاما قال الزجاج والمعنى أي شئ جئتم به أسحر هو على جهة التوبيخ لهم وقال ابن الأنباري هذا الاستفهام معناه التعظيم للسحر لا على سبيل الاستفهام عن الشئ الذي يجهل وذلك مثل قول الإنسان في الخطأ الذي يستعظمه من إنسان أخطأ هذا أي هو عظيم الشأن في الخطأ والعرب تستفهم عما هو معلوم عندها قال امرؤ القيس أغرك مني أن حبك قاتلي وأنك مهما تأمري القلب يفعل وقال قيس بن ذريح أراجعة أو يالبن) أيامنا الألى بذي الطلح أم لا ما لهن رجوع عبد فاستفهم وهو يعلم أنهن لا يرجعن قوله تعالى الله سيبطله أي يهلكه ويظهر فضيحتكم (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) لا يجعل عملهم نافعا لهم (ويحق الله الحق) أي يظهره ويمكنه (بكلماته) عليه بما سبق من وعده بذلك آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة وبشر المؤمنين وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملائه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق

[ 46 ]

قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون أبي قوله تعالى آمن لموسى إلا ذرية (في المراد بالذرية هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أن المراد بالذرية القليل قاله ابن عباس والثاني أنهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى مات آباؤهم لطول الزمان وآمنوا هم قاله مجاهد وقال ابن زيد هم الذين نشؤوا مع موسى حين كف فرعون عن ذبح الغلمان قال ابن الأنباري وإنما قيل لهؤلاء ذرية لأنهم أولاد الذين بعث إليهم موسى وإن كانوا بالغين والثالث أنهم قوم أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط قاله مقاتل واختاره الفراء قال وإنما سموا ذرية كما قيل لأولاد فارس الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم وفي هاء قومه قولان أحدهما أنها تعود إلى موسى رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني إلى فرعون رواه أبو صالح عن ابن عباس فعلى القول الأول يكون قوله (على خوف من فرعون وملئهم ما أي وملأ فرعون قال الفراء وإنما قال وملئهم بالجمع وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى من معه تقول قدم الخليفة فكثر الناس تريد بمن معه وقد يجوز أن يريد بفرعون آل فرعون كقوله القرية [ يوسف 82 ] وعلى القول الثاني يرجع ذكر الملأ إلى الذرية قال ابن جرير وهذا أصح لأنه كان في الذرية من أبوه قبطي وأمه إسرائيلية فهو مع فرعون على موسى قوله تعالى يفتنهم لا يعني فرعون ولم يقل يفتنوهم لأن قومه كانوا على من كان عليه وفي هذه الفتنة قولان أحدهما أنها القتل قاله ابن عباس والثاني التعذيب قاله ابن جرير

[ 47 ]

قوله تعالى فرعون لعال في الأرض قال ابن عباس متطاول في أرض مصر لمن المسرفين حين كان عبدا فادعى الربوبية قوله تعالى كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا لما شكا بنوا إسرائيل إلى موسى ما يهددهم به فرعون من ذبح أولادهم واستحياء نسائهم قال لهم هذا وفي قوله تجعلنا فتنة ثلاثة أقوال أحدها لا تهلكنا بعذاب على أيدي قوم فرعون ولا بعذاب من قبلك فيقول قوم فرعون لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم والثاني لا تسلطهم علينا فيفتنونا والقولان مرويان عن مجاهد والثالث لا تسلطهم علينا فيفتتنون بنا لظنهم أنهم على حق قاله أبو الضحى وأبو مجلز قوله تعالى تبوآ لقومكما بمصر بيوتا قال المفسرون لما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها ومنعوا من الصلاة وكانوا لا يصلون إلى في الكنائس فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من فرعون وتبوآ معناه اتخذا وقد شرحناه في (الأعراف 74) وفي المراد بمصر قولان أحدهما أنه البلد المعروف بمصر قاله الضحاك والثاني أنه الاسكندرية قاله مجاهد وفي البيوت قولان أحدهما أنها المساجد قاله الضحاك والثاني القصور قاله مجاهد وفي قوله بيوتكم قبلة أربعة أقوال أحدها اجعلوها مساجد رواه مجاهد وعكرمة والضحاك عن ابن عباس وبه قال النخعي وابن زيد وقد ذكرنا أن فرعون أمر بهدم مساجدهم فقيل لهم اجعلوا بيوتكم قبلة بدلا من المساجد والثاني اجعلوها قبل القبلة رواه العوفي عن ابن عباس وروى الضحاك عن ابن عباس قال قبل مكة وقال مجاهد أمروا أن يجعلوها مستقبلة الكعبة وبه قال مقاتل وقتادة والفراء والثالث اجعلوها يقابل بعضها بعضا وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال سعيد بن جبير

[ 48 ]

والرابع واجعلوا بيوتكم التي بالشام قبلة لكم في الصلاة فهي قبلة اليهود إلى اليوم قاله ابن بحر فإن قيل البيوت جمع فكيف قال قبلة على التوحيد فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال من قال المراد بالقبلة الكعبة قال وحدت القبلة لتوحيد الكعبة قال ويجوز أن يكون أراد اجعلوا بيوتكم قبلا فاكتفى بالواحد عن الجمع كما قال العباس بن مرداس فقلنا أسلموا إنا أخوكم فقد برئت من الإحن الصدور أن إنا إخوتكم ويجوز أن يكون وحد قبلة لانه أجراها مجرى المصدر فيكون المعنى واجعلوا بيوتكم إقبالا على الله وقصدا لما كنتم تستعملونه في المساجد ويجوز أن يكون وحدها والمعنى واجعلوا بيوتكم شيئا قبلة ومكانا قبلة ومحلة قبلة قوله تعالى الصلاة قال ابن عباس أتموا الصلاة (وبشر المؤمنين) أنت يا محمد قال سعيد بن جبير بشرهم بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة قوله تعالى إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا قال ابن عباس كان لهم من لدن فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن ذهب وفضة وزبرجد وياقوت قوله تعالى عن سبيلك وفي لام ليضلوا أربعة أقوال أحدها أنها لام كي والمعنى آتيتهم ذلك كي يضلوا وهذا قول الفراء والثاني أنها لام العاقبة والمعنى إنك آتيتهم ذلك فأصارهم إلى الضلال ومثله قوله لهم عدوا وحزنا بالقصص 8 ] أي آل أمرهم إلى أن صار لهم عدوا لا أنهم قصدوا ذلك وهذا كما تقول للذي كسب مالا فأداه إلى الهلاك إنما كسب فلان لحتفه وهو لم يكسب المال طلبا للحتف وأنشدوا وللمنايا على تربي كل مرضعة وللخراب يجد الناس عمرانا وقال آخر وللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدور تبنى المساكن وقال آخر فإن يكن الموت أفناهم فللموت ما تلد الوالده أراد عاقبة الأمر ومصيده إلى ذلك هذا قول الزجاج

[ 49 ]

والثالث أنها لام الدعاء والمعنى ربنا ابتلهم بالضلال عن سبيلك ذكره ابن الأنباري والرابع أنها لام أجل فالمعنى آتيتهم لأجل ضلالتهم عقوبة منك لهم ومثله قوله بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم [ التوبة 95 ] أي لأجل إعراضكم حكاه بعض المفسرين وقرأ أهل الكوفة إلا المفضل وزيد وابو حاتم عن يعقوب ليضلوا بضم الياء اي ليضلوا غيرهم قوله تعالى اطمس روى الحلبي عن عبد الوارث اطمس بضم الميم (على أموالهم) وفيه قولان أحدهما أنها جعلت حجارة رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال قتادة والضحاك وأبو صالح والفراء وقال القرظي جعل سكرهم حجارة وقال ابن زيد صار ذهبهم ودارهمهم الله وعدسهم وكل شئ لهم حجارة وقال مجاهد مسخ الله النخل والثمار والأطعمة حجارة فكانت إحدى الآيات التسع وقال الزجاج تطميس قال الشئ إذهابه عن صورته والانتفاع به على الحال الأولى التي كان عليها والثاني أنها هلكت فالمعنى أهلك أموالهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وأبو عبيدة وابن قتيبة ومنه يقال طمست عينه أي ذهبت وطمس الطريق إذا عفا ودرس وفي قوله عن على قلوبهم أربعة أقوال أحدها اطبع عليها رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مقاتل والفراء والزجاج والثاني أهلكهم كفارا رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثالث اشدد عليها بالضلالة قاله مجاهد والرابع أن معناه قس قلوبهم قاله ابن قتيبة قوله تعالى يؤمنوا فيه قولان أحدهما أنه دعاء عليهم أيضا كأنه قال اللهم فلا يؤمنوا قاله الفراء وأبو عبيدة والزجاج وقال ابن الأنباري معناه فلا آمنوا قال الأعشى فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم معناه لا أنبسط ولا لقيتني والثاني أنه عطف على قوله عن سبيلك فالمعنى أنك آتيتهم ليضلوا فلا يؤمنوا

[ 50 ]

حكاه الزجاج عن المبرد قوله تعالى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس هو الغرق وكان موسى يدعو وهارون يؤمن فقال الله تعالى أجيبت دعوتكما وكان بين الدعاء والإجابة أربعون سنة فإن قيل كيف قال (دعوتكما) من وهما دعوتان فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن الدعوة تقع على دعوتين وعلى دعوات وكلام يطول كما بينا في (الأعراف 158) أن الكلمة تقع على كلمات قال الشاعر وكان دعا دعوة قومه هلم إلى أمركم قد صرم فأوقع دعوة على ألفاظ بينها آخر بيته والثاني أن يكون المعنى قد أجيبت دعواتكما فاكتفى بالواحد من ذكر الجميع ذكر الجوابين ابن الأنباري وقد روى حماد بن سلمة عن عاصم أنه قرأ دعواتكما بالألف وفتح العين والثالث أن موسى هو الذي دعا فالدعوة له غير أنه لما أمن هارون أشرك بينهما في الدعوة لأن التأمين على الدعوة منها وفي قوله اربعة أقوال أحدها فاستقيما على الرسالة وما أمرتكما به قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني فاستقيما على دعاء فرعون وقومه إلى طاعة الله قاله ابن جرير والثالث فاستقيما في دعائكما على فرعون وقومه والرابع فاستقيما على ديني ذكرهما أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى تتبعان في قرأ الأكثرون بتشديد تاء تتبعان وقرأ ابن عامر بتخفيفها مع الاتفاق على تشديد نون تتبعان إلا أن النون الشديدة دخلت للنهي مؤكدة وكسرت تخفيف لسكونها وسكون النون التي قبلها واختير لها الكسر لأنها بعد الألف فشبهت بنون الاثنين قال أبو علي ومن خفض النون أمكن أن يكون خفف النون الثقيلة فإن شئت كان على لفظ الخبر والمعنى الأمر كقوله بأنفسهن [ البقرة 228 و 234 ] بن وهذه والدة سنة [ البقرة 233 ] عمرو أي لا ينبغي ذلك وإن شئت جعلته حالا من قوله تقديره استقيما غير متبعين وفي المراد بسبيل الذين لا يعلمون قولان

[ 51 ]

أحدهما أنهم فرعون وقومه قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الذين يستعجلون القضاء قبل مجيئه ذكره أبو سليمان الدمشقي فإن قيل كيف جاز أن يدعو موسى على قومه فالجواب أن بعضهم يقول كان ذلك بوحي وهو قول صحيح لأنه لا يظن بنبي أن يقدم على مثل ذلك إلا عن إذن من الله عز وجل لأن دعاءه سبب للانتقام قوله تعالى قبل فرعون وجنوده قال أبو عبيدة أتبعهم وتبعهم سواء وقال ابن قتيبة أتبعهم لحقهم (بغيا وعدوا) يحيى أي ظلما وقرأ الحسن (فأتبعهم) الرحمن بالتشديد وكذلك شددوا (وعدوا) وكان مع ضم العين قوله تعالى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه) روى قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر أنه بفتح الألف والمعنى آمنت بأنه فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى أن فنصب وقرأ حمزة والكسائي إنه بكسر الألف فحملوه على القول المضمر كأنه قال آمنت فقلت إنه قال ابن عباس لم يقبل الله إيمانه عند رؤية العذاب قال ابن الأنباري جنح فرعون إلى التوبة حين أغلق بابها لحضور الموت ومعاينة الملائكة فقيل له (الآن) ولم أي الآن تتوب وقد أضعت التوبة في وقتها وكنت من المفسدين بالدعاء إلى عبادة غير الله عز وجل والمخاطب له بهذا كان جبريل وجاء في الحديث أن جبريل جعل يدس الطين في فم فرعون خشية أن يغفر له قال الضحاك ابن قيس اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة إن يونس عليه السلام كان عبدا صالحا وكان يذكر الله فلما وقع في بطن الحوت سأل الله فقال الله أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون [ الصافات بين 143 ] وإن فرعون كان عبدا طاغيا ناسيا لذكر الله تعالى فلما أدركه الغرق قال آمنت فقال الله أهل وقد عصيت قبلي عمرو قوله تعالى ننجيك حديث وقرأ يعقوب ننجيك مخففة قال اللغويون منهم يونس وأبو عبيدة نلقيك على نجوة من الأرض أي ارتفاع ليصير علما أنه قد غرق وقرأ ابن السميفع ننحيك بحاء وفي سبب إخراجه من البحر بعد غرقه ثلاثة اقوال أحدها أن موسى واصحابه لما خرجوا قال من بقي من المدائن من قوم فرعونك عند ما أغرق

[ 52 ]

فرعون ولكنه هو وأصحابه يتصيدون في جزائر البحر فأوحى الله إلى البحر أن الفظ فرعون عريانا فكانت نجاة عبرة وأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفظ ما فيك فلفظهم البحر بالساحل ولم يكن يلفظ غريقا فصار لا يقبل غريقا إلى يوم القيامة رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أن أصحاب موسى قالوا إنا نخاف أن يكون فرعون ما غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا موسى ربه فأخرجه حتى أيقنوا بهلاكه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وإلى نحوه ذهب قيس بن عباد وعبد الله بن شداد والسدي ومقاتل وقال السدي لما قال بنو إسرائيل لم يغرق فرعون دعا موسى فخرج فرعون في ستمائة الف وعشرين ألفا عليهم الحديد فأخذته بنوا إسرائيل يمثلون به وذكر غيره أنه إنما أخرج من البحر وحده دون أصحابه وقال ابن جريج كذب بعض بني إسرائيل بغرقه فرمى به البحر على ساحل البحر حتى رآه بنوا إسرائيل قصيرا أحمر كأنه ثور وقال أبو سليمان عرفه بنوا إسرائيل بدرع كان له من لؤلؤ لم يكن لأحد مثلها فأما وجهه فقد غيره سخط الله تعالى والثالث أنه كان يدعي أنه رب وكان يعبده قوم فبين الله تعالى أمره فأغرقه وأصحابه ثم أخرجه من بينهم قاله الزجاج وفي قوله (ببدنك) أربعة أقوال أحدها بجسدك من غير روح قاله مجاهد وذكر البدن دليل على عدم الروح والثاني بدرعك قاله أبو صخر وقد ذكرنا أنه كانت له درع من لؤلؤ وقيل من ذهب فعرف بدرعه والثالث نلقيك عريانا قاله الزجاج والرابع ننجيك وحدك قاله ابن قتيبة وفي قوله لمن خلفك آية ثلاثة أقوال أحدها لتكون لمن بعدك في النكال آية لئلا يقولوا مثل مقالتك فإنك لو كنت إلها ما غرقت قاله أبو صالح عن ابن عباس قال أبو عبيدة خلفك بمعنى بعدك والآية العلامة والثاني لتكون لبني إسرائيل آية قاله السدي والثالث لمن تخلف من قومه لأنهم أنكروا غرقه على ما ذكرنا في أول الآية فخرج في معنى الآية قولان أحدهما عبرة للناس والثاني علامة تدل على غرقه وقال الزجاج الآية أنه كان يدعي أنه رب فبان أمره

[ 53 ]

وأخرج من بين اصحابه لما غرقوا وقرأ ابن السميفع وابو المتوكل وأبو الجوزاء (لمن خلقك) بالقاف بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جائهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم قوله تعالى بوأنا بني إسرائيل أي أنزلناهم منزل صدق أي منزلا كريما وفي المراد ببني إسرائيل قولان أحدهما أصحاب موسى والثاني قريظة والنضير وفي المراد بالمنزل الذي أنزلوه خمسة أقوال أحدها أنه الأردن وفلسطين قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الشام وبيت المقدس قاله الضحاك وقتادة والثالث مصر روي عن الضحاك أيضا والرابع بيت المقدس قاله مقاتل والخامس ما بين المدينة والشام من أرض يثرب ذكره علي بن أحمد النيسابوري والمراد بالطيبات ما أحل لهم من الخيرات الطيبة (فما اختلفوا) يعني بني إسرائيل قال ابن عباس ما اختلفوا في محمد لم يزالوا به مصدقين (حتى جاءهم العلم) يعني القرآن وروي عنه حتى جاءهم العلم يعني محمدا فعلى هذا يكون العلم هاهنا عبارة عن المعلوم وبيان هذا أنه لما جاءهم اختلفوا في تصديقه وكفر به أكثرهم بغيا وحسدا بعد أن كانوا مجتمعين على تصديقه قبل ظهوره قوله تعالى كنت في شك في تأويل هذه الآية ثلاثة اقوال

[ 54 ]

أحدها أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره من الشاكين بدليل قوله في آخر السورة كنتم في شك من ديني [ يونس 105 ] ومثله قوله أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما [ الأحزاب 2 ] ثم قال تعملون خبيرا [ الأحزاب 3 ] ولم يقل بما تعمل وهذا قول الأكثرين والثاني أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد به ثم في المعنى قولان أحدهما أنه خوطب بذلك وإن لم يكن في شك لأنه من المستفيض في لغة العرب أن يقول الرجل لولده إن كنت أبني فبرني ولعبده إن كنت عبدي فأطعني وهذا اختيار الفراء وقال ابن عباس لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في شك ولا سأل والثاني أن تكون إن بمعنى ما فالمعنى ما كنت في شك (فاسأل) لأنه المعنى لسنا نريد أن نأمرك أن تسأل لأنك شاك ولكن لتزداد بصيرة ذكره الزجاج والثالث أن الخطاب للشاكين فالمعنى إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزل إليك على لسان محمد فسل روي عن ابن قتيبة وفي الذي أنزل إليه قولان أحدهما أنه أنزل إليه أنه رسول الله والثاني أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل قوله تعالى الذين يقرؤون الكتاب من قبلك) وهم اليهود والنصارى وفي الذين أمر بسؤالهم منهم قولان أحدهما من آمن كعبد الله بن سلام قاله ابن عباس ومجاهد في آخرين

[ 55 ]

والثاني أهل الصدق منهم قاله الضحاك وهو يرجع إلى الأول لأنه لا يصدق إلا من آمن قوله تعالى جاءك الحق من ربك هذا كلام مستأنف قوله تعالى الذين حقت أي وجبت (عليهم كلمة ربك) أي قوله وبماذا حقت الكلمة عليهم فيه اربعة أقوال أحدها باللعنة والثاني بنزول العذاب والثالث بالسخط والرابع بالنقمة قوله تعالى جاءتهم كل آية قال الأخفش إنما أنث فعل كل لأنه أضافه إلى آية وهي مؤنثة كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين قوله تعالى كانت قرية آمنت أخبرنا أي أهل قرية وفي لولا قولان أحدهما أنه بمعنى لم تكن قرية آمنت (فنفعها يا إيمانها) أي قبل منها (إلا لو قوم يونس) قاله ابن عباس وقال قتادة لم يكن هذا لأمة آمنت عند نزول العذاب إلا لقوم يونس والثاني أنها بمعنى فهلا قاله أبو عبيدة وابن قتيبة والزجاج قال الزجاج والمعنى فهلا كانت قرية آمنت في وقت نفعها إيمانها إلا قوم يونس وإلا هاهنا استثناء ليس من الأول كأنه قال لكن قوم يونس قال الفراء نصب القوم على الانقطاع مما قبله ألا ترى أن ما بعد إلا في الجحد يتبع ما قبلها تقول ما قام أحد إلا أخوك فإذا قلت ما فيها أحد إلا كلبا أو حمارا نصبت لانقطاعهم من الجنس كذلك كان قوم يونس منقطعين من غيرهم من أمم الأنبياء ولو كان الاستثناء وقع على طائفة منهم لكان رفعا وذكر ابن الأنباري في قوله إلا قولين آخرين أحدهما أنها بمعنى الواو والمعنى وقوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا وهذا

[ 56 ]

مروي عن أبي عبيدة والفراء ينكره والثاني أن الاستثناء من الآية التي قبل هذه تقديره حتى يروا العذاب الأليم إلا قوم يونس فالاستثناء على هذا متصل غير منقطع قوله تعالى يكون عنهم أي صرفنا عنهم (عذاب الخزي) مع أي عذاب الهوان والذل (ومتعناهم إلى حين) أي إلى حين آجالهم الإشارة إلى شرح قصتهم ذكر أهل العلم بالسير والتفسير أن قوم يونس كانوا ب نينوى من أرض الموصل فأرسل الله عز وجل إليهم يونس يدعوهم إلى الله ويأمرهم بترك الأصنام فأبوا فأخبرهم أن العذاب مصبحهم بعد ثلاث فلما تغشاهم العذاب قال ابن عباس وأنس لم يبق بين العذاب وبينهم إلا قدر ثلثي ميل وقال مقاتل قدر ميل وقال أبو صالح عن ابن عباس وجدوا حر العذاب على أكتافهم وقال سعيد بن جبير غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر وقال بعضهم غامت السماء غيما أسود يظهر دخانا شديدا فغشي مدينتهم واسودت سطوحهم فلما أيقنوا بالهلاك لبسوا المسوح وحثوا على رؤوسهم الرماد وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام وعجوا إلى الله بالتوبة الصادقة وقالوا آمنا بما جاء به يونس فاستجاب الله منهم قال ابن مسعود بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي إلى الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقلعه فيرده وقال أبو الجلد لما غشيهم العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا ما ترى قال قولوا يا حي حين لا حي يا حي محيي الموتى يا حي لا إله إلا أنت ققالواها سعيد فكشف العذاب عنهم قال مقاتل عجوا إلى الله أربعين ليلة فكشف العذاب عنهم وكانت التوبة عليهم في يوم عاشوراء يوم الجمعة قال وكان يونس قد خرج من بين أظهرهم فقيل له ارجع إليهم فقال كيف أرجع إليهم فيجدوني كاذبا وكان من يكذب بينهم ولا بينة له يقتل فانصرف مغاضبا فالتقمه الحوت وقال أبو صالح عن ابن عباس أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعيا فقيل له ائت فلانا الملك فقل له يبعث إلى بني إسرائيل نبيا قويا أمينا وكان في مملكته خمسة من الأنبياء فقال الملك ليونس اذهب إليهم فقال ابعث غيري فعزم عليه أن يذهب فأتى بحر الروم فركب سفينة فالتقمه الحوت فلما خرج من بطنها أمر ينطلق إلى قومه فانطلق نذيرا لهم فأبوا عليه فوعدهم بالعذاب وخرج فلما تابوا رفع عنهم والقول الأول أثبت عند العلماء وأنه إنما

[ 57 ]

التقمه الحوت بعد إنذاره لهم وتوبتهم وسيأتي شرح قصته في التقام الحوت إياه في مكانه إنشاء الله تعالى [ الصفات بكر 143 ] فإن قيل كيف كشف العذاب عن قوم يونس بعد إتيانه إليهم ولم يكشف عن فرعون حين آمن فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن ذلك كان خاصا لهم كما ذكرنا في أول الآية والثاني أن فرعون باشره العذاب وهؤلاء دنا منهم ولم يباشرهم فكانوا كالمريض يخاف الموتويرجو قد العافية فأما الذي يعاين فلا توبة له ذكره الزجاج والثالث أن الله تعالى علم منهم صدق النيات بخلاف من تقدمهم من الهالكين ذكره ابن الأنباري شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين قوله تعالى شاء ربك لآمن من في الأرض قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلى من سبقت له السعادة قال الأخفش جاء بقوله جميعا مع كل تأكيدا كقوله الله لا تتخذوا إلهين اثنين [ النحل 51 ] قوله تعالى تكره الناس قال المفسرون منهم مقاتل هذا منسوخ بآية السيف والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ لأن الإكراه على الإيمان لا يصح لأنه عمل القلب كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون

[ 58 ]

قوله تعالى كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله فيه ستة أقوال أحدها بقضاء الله وقدره والثاني بأمر الله رويا عن ابن عباس والثالث بمشيئة الله قاله عطاء الرابع إلا أن يأذن الله في ذلك قاله مقاتل والخامس بعلم الله والسادس بتوفيق الله ذكرهما الزجاج وابن الأنباري قوله تعالى الرجس أي ويجعل الله الرجس وروى أبو بكر عن عاصم ونجعل الرجس بالنون وفيه خمسة أقوال أحدها أنه السخط رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني الإثم والعدوان قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنه مالا خير فيه قاله مجاهد والرابع العذاب قاله الحسن وأبو عبيدة والزجاج والخامس العذاب والغضب قاله الفراء قوله تعالى الذين لا يعقلون أي لا يعقلون عن الله أمره ونهيه وقيل لا يعقلون حججه ودلائل توحيده انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون قوله تعالى انظروا ماذا في السموات والأرض قال المفسرون قل للمشركين الذي يسألونك الآيات على توحيد الله انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في السموات والأرض من الآيات والعبر التي تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر وكل هذا يقتضي خالقا مدبرا (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) في علم الله

[ 59 ]

ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين قوله تعالى ينتظرون وفي قال ابن عباس يعني كفار قريش (إلا مثل ايام الذين خلوا من قبلهم) قال ابن الأنباري أي مثل وقائع الله بمن سلف قبلهم والعرب تكني بالأيام عن الشرور والحروب وقد تقصد بها أيام السرور والأفراح إذا قام دليل بذلك قوله تعالى فانتظروا كل هلاكي معكم من المنتظرين لنزول العذاب بكم ننجي رسلنا والذين آمنوا من العذاب إذا نزل فلم يهلك قوم قط إلا نجا نبيهم والذين آمنوا معه قوله تعالى كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين وقرأ يعقوب وحفص والكسائي في قراءته وروايته عن أبي بكر ننج المؤمنين بالتخفيف ثم في هذا الإنجاء قولان أحدهما ننجيهم من العذاب إذا نزل بالمكذبين قاله الربيع بن أنس والثاني ننجيهم في الآخرة من النار قاله مقاتل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين قوله تعالى يا أيها الناس قال ابن عباس يعني أهل مكة كنتم في شك من ديني) الإسلام (فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) وهي الأصنام (ولكن أعبد الله الذي) يقدر أن يميتكم وقال ابن جرير معنى الآية لا ينبغي لكم أن تشكوا في ديني لأني أعبد الله الذي يميت وينفع ويضر ولا تستنكر عبادة من يفعل هذا وإنما ينبغي لكم أن تشكوا وتنكروا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع فإن قيل لم قال (الذي يتوفاكم) ولم يقل الذي خلقكم فالجواب أن هذا يتضمن تهديدهم لأن ميعاد عذابهم الوفاة

[ 60 ]

قوله تعالى (وأن أقم وجهك) المعنى وأمرت أن أقم وجهك وفيه قولان أحدها أخلص عملك والثاني استقم باقبالك على ما أمرت به بوجهك وفي المراد بالحنيف ثلاثة أقوال أحدهما أنه المتبع قاله مجاهد والثاني المخلص قاله عطاء والثالث المستقيم قاله القرظي قوله تعالى (ولا تدع من دون الله مالا ينفعك) فلا إن دعوته (ولا يضرك) إن تركت عبادته والظالم الذي يضع الشئ في غير موضعه يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين قوله تعالى (وإن يمسسك الله بضر) أي بشدة وبلاء (فلا كاشف) منه لذلك (إلا هو) دون ما يعبده المشركون من الأصنام وإن يصبك بخير أي برخاء ونعمة وعافية فلا يقدر أحد أن يمنعك إياه (يصيب به) أي بكل واحد من الضر والخير قوله تعالى (قد جاءكم الحق من ربكم) فيه قولان أحدهما أنه القرآن والثاني محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (ومن ضل فإنما يضل عليها) أي فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه قوله تعالى (وما أنا عليكم بوكيل) أي في منعكم من اعتقاد الباطل والمعنى لست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك قال ابن عباس وهذه منسوخة بآية القتال والتي بعدها أيضا وهي قوله (واصبر حتى يحكم الله) لأن الله تعالى حكم بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب والصحيح أنه ليس هاهنا نسخ أما الآية الأولى فقد ذكرنا الكلام عليها في نظيرتها في (الأنعام 107) وأما الثانية فقد ذكرنا نظيرتها في سورة (البقرة 109) قوله (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره)

[ 61 ]

سورة هود مكية [ عليه السلام ] وآياتها ثلاث وعشرون ومائة فصل في نزولها روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية كلها وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد وجابر بن زيد وقتادة وروي عن ابن عباس أنه قال هي مكية إلا آية وهي قوله (أقم الصلاة طرفي النهار) [ هود 114 ]: وعن قتادة نحوه وقال مقاتل هي مكية كلها إلا قوله تارك بعض ما يوحى إليك [ هود 12 ] وقوله يومنون به [ هود 17 ] وقوله الحسنات يذهبن السيئات [ هود 14 ] روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله عجل إليك الشيب قال شيبتني هود وأخواتها الحاقة والواقعة وعم يتساءلون وهل أتاك حديث الغاشية بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير فأما (آلر) فقد ذكرنا تفسيرها في سورة (يونس) قال الفراء و (كتاب) مرفوع بالهجاء الذي قبله كأنك قلت حروف الهجاء هذا القرآن وإن شئت رفعته باضمار هذا كتاب والكتاب القرآن

[ 62 ]

وفي قوله (أحكمت آياته) أربعة أقوال أحدها أحكمت فما تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع قاله ابن عباس واختاره ابن قتيبة والثاني أحكمت بالأمر والنهي قاله الحسن وأبو العالية والثالث أحكمت عن الباطل أي منعت قاله قتادة ومقاتل والرابع أحكمت بمعنى جمعت قاله ابن زيد فإن قيل كيف عم الآيات هاهنا بالإحكام وخص بعضها في قوله (منه آيات محكمات) [ آل عمران 8 ] فعنه جوابان أحدهما أن الإحكام الذي عم به هاهنا غير الذي خص به هناك وفي معنى الإحكام العام خمسة أقوال قد أسلفنا منها أربعة في قوله (أحكمت آياته) والخامس أنه إعجاز النظم والبلاغة وتضمين الحكم المعجزة ومعنى الإحكام الخاص زوال اللبس واستواء السامعين في معرفة معنى الآية والجواب الثاني أن الإحكام في الموضعين بمعنى واحد والمراد بقوله (أحكمت آياته) أحكم بعضها بالبيان الواضح ومنع الالتباس فأوقع العموم على معنى الخصوص كما تقول العرب قد أكلت طعام زيد يعنون بعض طعامه ويقولون قتلنا ورب الكعبة يعنون قتل بعضنا ذكر ذلك ابن الأنباري وفي قوله (ثم فصلت) ستة أقوال أحدها فصلت بالحلال والحرام رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني فصلت بالثواب والعقاب رواه جسر بن فرقد عن الحسن والثالث فصلت بالوعد والوعيد رواه أبو بكر الهذلي عن الحسن أيضا والرابع فصلت بمعنى فسرت قاله مجاهد الخامس أنزلت شيئا بعد شئ ولم تنزل جملة ذكره ابن قتيبة والسادس فصلت بجميع ما يحتاج إليه من الدلالة على التوحيد وتثبيت نبوة الأنبياء وإقامة الشرائع قاله الزجاج قوله تعالى (من لدن حكيم) أي من عنده

[ 63 ]

تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير قوله تعالى (ألا تعبدوا إلا الله) قال الفراء المعنى فصلت آياته بأن لا تعبدوا إلا الله (وأن استغفروا) غير وأن في موضع النصب بالقائك أحمد الخافض وقال الزجاج المعنى آمركم أن تعبدوا [ إلا الله ] وأن استغفروا قال مقاتل والمراد بهذه العبادة التوحيد والخطاب لكفار مكة قوله تعالى (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) فيه قولان أحدهما أن الاستغفار والتوبة هاهنا من الشرك قاله مقاتل والثاني استغفروه من الذنوب السالفة ثم توبوا إليه من المستأنفة متى وقعت وذكر عن الفراء أنه قال ثم هاهنا بمعنى الواو قوله تعالى (يمتعكم متاعا حسنا) قال ابن عباس يتفضل عليكم بالرزق والسعة وقال ابن قتيبة يعمركم وأصل الإمتاع الإطالة يقال أمتع الله بك ومتع الله بك إمتاعا ومتاعا والشئ الطويل ماتع يقال جبل ماتع وقد متع النهار إذا تطاول وفي المراد بالأجل المسمى قولان أحدهما أنه الموت قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة والثاني أنه يوم القيامة قاله سعيد بن جبير قوله تعالى (ويؤت كل ذي فضل فضله) في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى ثم في معنى الكلام قولان أحدهما ويؤت كل ذي فضل من حسنة وخير فضله وهو الجنة والثاني يؤتيه فضله من الهداية إلى العمل الصالح والثاني أنها ترجع إلى العبد فيكون المعنى ويؤت كل من زاد في إحسانه وطاعاته ثواب ذلك الفضل الذي زاده فيفضله في الدنيا بالمنزلة الرفيعة وفي الآخرة بالثواب الجزيل قوله تعالى (وإن تولوا) أي تعرضوا عما أمرتم به وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو مجلز وأبو رجاء وإن تولوا بضم التاء (فإني أخاف عليكم) فيه إضمار فقل واليوم الكبير يوم القيامة

[ 64 ]

إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور قوله تعالى (ألا إنهم يثنون صدورهم) في سبب نزولها خمسة أقوال أحدها أنها نزلت في الأخنس بن شريق وكان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحلف إنه ليحبه ويضمر خلاف ما يظهر له فنزلت فيه هذه الآية رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في ناس كانوا يستحيون أن يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء فنزلت فيهم هذه الآية رواه محمد بن عباد عن ابن عباس والثالث أنها نزلت في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره وطأطأ راسه وغطى وجهه لئلا يراه رسول الله قاله عبد الله ابن شداد والرابع أن طائفة من المشركين قالوا إذا أغلقنا أبوابنا وأرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم كيف يعلم بنا فأخبر الله عما كتموا ذكر زجاج والخامس أنها نزلت في قوم كانوا لشدة عداوتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعوا منه القرآن حنوا صدورهم ونكسوا رؤوسهم وتغشوا ثيابهم ليبعد عنهم صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدخل أسماعهم شئ من القرآن ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (يثنون صدورهم) يقال ثنيت الشئ إذا عطفته وطويته وفي معنى الكلام خمسة أقوال أحدها يكتمون ما فيها من العداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني يثنون صدورهم على الكفر قاله مجاهد والثالث يحنونها بعد لئلا يسمعوا كتاب الله قاله قتادة والرابع يثنونها إذا ناجى بعضهم بعضا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن زيد والخامس يثنونها حياء من الله تعالى وهو يخرج على ما حكينا عن ابن عباس قال ابن الأنباري وكان ابن عباس يقرؤها ألا إنهم تثنوني صدورهم وفسرها أن ناسا كانوا يستحيون أن

[ 65 ]

يفضوا إلى السماء في الخلاء ومجامعة النساء فتثنوني يقول تفعوعل وهو فعل للصدور معناه المبالغة في تثني الصدور كما تقول العرب احلولى الشئ يحلولي الذي إذا بالغوا في وصفه بالحلاوة قال عنترة ألا قاتل الله الطلول البواليا وقاتل ذكراك السنين الخواليا وقولك لأن للشئ الذي لا تناله إذا ما هو احلولي وقد ألا ليت ذا ليا فعلى هذا القول هو في حق المؤمنين وعلى بقية الأقوال هو في حق المنافقين وقد خرج من هذه الأقوال في معنى (يثنون صدورهم) قولان أحدهما أنه حقيقة في الصدور والثاني أنه كتمان ما فيها قوله تعالى (ليستخفوا علي منه) في هاء منه قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى والثاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (ألا حين يستغشون ثيابهم) قال أبو عبيدة العرب تدخل ألا توكيدا وإيجابا وتنبيها قال ابن قتيبة يستغشون ثيابهم أي يتغشونها حتى ويستترون بها قال قتادة أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره واشتغشى تعالى ثيابه وأضمر همه في نفسه قال ابن الأنباري أعلم الله أنه يعلم سرائرهم كما يعلم مظهراتهم فإن قوله تعالى (إنه عليم بذات الصدور) وقد شرحنا في (آل عمران 119) من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفورا إن هذا إلا سحر مبين قوله تعالى (وما من دابة في الأرض) قال أبو عبيدة من من حروف الزوائد والمعنى وما دابة والدابة اسم لكل حيوان يدب وقوله (إلا على الله رزقها) قال العلماء فضلا منه لا وجوبا عليه وعلى هاهنا بمعنى من وقد ذكرنا المستقر والمستودع في سورة (الأنعام 67)

[ 66 ]

قوله تعالى (كل في كتاب) أي ذلك عند الله في اللوح المحفوظ هذا قول المفسرين وقال الزجاج المعنى ذلك ثابت في علم الله عز وجل قوله تعالى (وكان عرشه على الماء) قال ابن عباس عرشه سريره وكان الماء إذ كان العرش عليه على الريح قال قتادة ذلك قبل أن يخلق السموات والأرض قوله تعالى (ليبلوكم) أي ليختبركم الاختبار الذي يجازي عليه فيثيت عمر المعتبر بما يرى من آيات السموات والأرض ويعاقب أهل العناد قوله تعالى (أيكم أحسن عملا) فيه أربعة أقوال أحدها أيكم أحسن عقلا وأورع من محارم الله عز وجل وأسرع في طاعة الله رواه ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والثاني أيكم أعمل بطاعة الله قاله ابن عباس والثالث أيكم أتم عقلا قاله قتادة والرابع أيكم أزهد في الدنيا قاله الحسن وسفيان قوله تعالى (إن هذا إلا سحر مبين) قال الزجاج السحر باطل عندهم فكأنهم قالوا إن هذا إلا باطل بين فأعلمهم الله تعالى أن القدرة على خلق السموات والأرض تدل على بعث الموتآ النبي أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم ياتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا يستهزؤون وإن

[ 67 ]

قوله تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب) قال المفسرون هؤلاء كفار مكة والمراد بالأمة المعدودة الأجل المعلوم والمعنى إلى مجئ أمة وانقراض أخرى قبلها (ليقولن ما يحبسه) كما وإنما قالوا ذلك تكذيبا واستهزاء قوله تعالى (ألا يوم يأتيهم) هو وقال (ليس مصروفا عنهم) وقال بعضهم لا يصرف عنهم العذاب إذا أتاهم وقال آخرون إذا أخذتهم سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تغمد عنهم حتى يباد أهل الكفر وتعلوا كلمة الإخلاص قوله تعالى (وحاق بهم) قال أبو عبيدة نزل بهم وأصابهم وفي قوله (ما كانوا به يستهزؤن) قولان أحدهما انه الرسول والكتاب قاله أبو صالح عن ابن عباس فيكون المعنى حاق بهم جزاء استهزائهم والثاني أنه العذاب كانوا يستهزئون بقولهم (ما يحسبه) وسلم وهذا قول مقاتل أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور قوله تعالى (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في الوليد بن المغيرة قاله ابن عباس والثاني في عبد الله بن أبي أمية المخزومي ذكره الواحدي والثالث أن الإنسان هاهنا اسم جنس والمعنى ولئن أذقنا الناس قاله الزجاج والمراد بالرحمة النعمة من العافية والمال والولد واليؤوس عنه القنوط قال أبو عبيدة هو فعول من يئست قال مقاتل إنه ليؤوس عند الشدة من الخير كفور لله في نعمه في الرخاء أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور قوله تعالى (ولئن أذقناه نعماء) إن قال ابن عباس صحة وسعة في الرزق (بعد ضراء مسته) إلا بعد مرض وفقر (ليقولن ذهب السيئات عني) يريد الضر والفقر (إنه لفرح) فيه أي بطر (فخور) صلى قال ابن عباس يفاخر أوليائي بما أوسعت عليه فإن قيل ما وجه عيب الإنسان في قوله (ذهب السيئات عني) وما وجه ذمه على الفرح وقد وصف الله الشهداء فقال (فرحين)

[ 68 ]

وقال فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال إنما عابه بقوله (ذهب السيئات عني) لأنه لم يعترف بنعمة الله ولم يحمده على ما صرف عنه وإنما ذمه بهذا الفرح لأنه يرجع إلى معنى المرح والتكبر عن طاعة الله قال الشاعر ولا ينسيني الحدثان عرضي ولا ألقي من الفرح الإزارا يعني من المرح وفرح الشهداء فرح لا كبر فيه ولا خيلاء بل هو مقرون بالشكر فهو مستحسن الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير قوله تعالى (إلا الذين صبروا) قال الفراء هذا الاستثناء من الإنسان لأنه في معنى الناس كقوله (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) [ العصر أنه 24 ] وقال الزجاج هذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن الذين صبروا قال ابن عباس الوصف الأول للكافر والذين صبروا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل قوله تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) سبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم (أئت وهو بقرآن غير هذا أو بدله) يونس 15 ] فهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسمعهم عيب آلهتهم رجاء أن يتبعوه فنزلت هذه الآية قاله مقاتل وفي معنى الآية قولان أحدهما فلعلك تارع صلى الله عليه وسلم تبليغ بعض ما يوحى إليك من أمر الآلهة وضائق بما كلفته من ذلك صدرك خشية أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز والثاني فلعلك لعظيم ما يرد على قلبك من تخليطهم تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه من أمر ربك فأما الضائق فهو بمعنى الضيق قال الزجاج ومعنى (أن يقولوا) كراهية أن يقولوا وإنما عليك أن تنذرهم بما يوحى إليك وليس عليك أن تأتيهم باقتراحهم من الآيات قوله تعالى (والله على كل شئ وكيل) فيه قولان

[ 69 ]

أحدهما أنه الحافظ والثاني الشهيد وقد ذكرناه في (آل عمرا 173) يقولون افتريه قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فالم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون قوله تعالى (أم يقولون افتراه) أم بمعنى بل وافتراه أتى به من قبل نفسه (قل فأتوا) إذا أنتم في معارضتي (بعشر فقال سور مثله) في البلاغة (مفتريات) أي بزعمكم ودعواكم (وادعوا من استطعتم من دون الله) إلى المعاونة على المعارضة (إن كنتم صادقين) في قولكم افتراه (فإن لم يستجيبوا لكم) أي يجيبوكم إلى المعارضة فقد مات الحجة عليهم لكم فإن قيل كيف وحد القول في قوله قل فأتوا ثم جمع في قوله فإن لم يستجيبوا لكم فعنه جوابان أحدهما أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده في الموضعين فيكون الخطاب له بقوله لكم تعظيما لأن خطاب الواحد بلفظ الجميع تعظيم هذا قول المفسرين والثاني أنه وحد في الأول لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وجمع في الثاني لمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاله ابن الأنباري قوله تعالى (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) فيه قولان أحدهما أنزله وهو عالم بانزاله وعالم بأنه حق من عنده والثاني أنزله بما أخبر فيه من الغيب ودل على ما سيكون وما سلف ذكرهما الزجاج قوله تعالى (وأن لا إله إلا هو) أي واعلموا ذلك (فهل أنتم مسلمون) استفهام بمعنى الأمر وفيمن خوطب به قولان أحدهما أهل مكة ومعنى إسلامهم إخلاصهم لله العبادة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد

[ 70 ]

كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون قوله تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال أحدها أنها عامة في جميع الخلق وهو قول الأكثرين والثاني أنها في أهل القبلة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنها في اليهود والنصارى قاله أنس والرابع أنها في أهل الرياء قاله مجاهد وروى عطاء عن ابن عباس من كان يريد عاجل الدنيا ولا يؤمن بالبعث والجزاء وقال غيره إنما هي في الكافر لأن المؤمن يريد الدنيا والآخرة قوله تعالى (نوف إليهم أعمالهم) أي أجور أعمالهم (فيها) قال سعيد ابن جبير أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا وقال مجاهد من عمل عملا من صلة أو صدقة لا يريد به وجه الله أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا ويدرأ به عنه في الدنيا قوله تعالى (وهم فيها) قال ابن عباس أي في الدنيا (لا يبخسون) ثنا أي لا ينقصون من أعمالهم في الدنيا شيئا (أولئك الذين) عملوا لغير الله (ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا) به أي ما عملوا في الدنيا من حسنة (وباطل ما كانوا) لغير الله (يعلمون) فصل وذكر قوم من المفسرين منهم مقاتل أن هذه الآية اقتضت أن من أراد الدنيا بعمله أعطي فيا ثواب عمله من الرزق والخير ثم نسخ ذلك بقوله (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) [ الاسراء 18 ] وهذا لا يصح لأنه لا يوفي إلا لمن يريد كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا

[ 71 ]

أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين قوله تعالى (أفمن كان على بينة من ربه) في المراد بالبينة أربعة أقوال أحدها أنها الدين قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الضحاك والثالث القرآن قاله ابن زيد والرابع البيان قاله مقاتل وفي المشار إليه ب من قولان أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس والجمهور والثاني أنهم المسلمون وهو يخرج على قول الضحاك وفي قوله (ويتلوه) ثم قولان أحدهما يتبعه والثاني يقرؤه وفي هاء يتلوه قولان أحدهما أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والثاني إلى القرآن وقد سبق ذكره في قوله (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) رسول [ هود 13 ] وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال أحدها أنه جبريل قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وإبراهيم في آخرين والثاني أنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتلو القرآن قاله علي بن أبي طالب والحسن وقتادة في آخرين والثالث أنه علي بن أبي طالب ويتلوه بمعنى يتبعه رواه جماعة عن علي بن أبي طالب وبه قال محمد بن علي وزيد بن علي والرابع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو شاهد من الله تعالى قاله الحسين بن علي عليه السلام والخامس أنه ملك يحفظه ويسدده قاله مجاهد والسادس أنه الإنجيل يتلو القرآن بالتصديق وإن كان قد أنزل قبله لأن النبي صلى الله عليه وسلم بشرت به التوراة قاله الفراء والسابع أنه القرآن ونظمه وإعجازه قاله الحسين بن الفضل

[ 72 ]

والثامن أنه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخايله لأن كل عاقل نظر إليه علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي هاء منه ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الله تعالى والثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم والثالث إلى البينة قوله تعالى (ومن قبله) في هذه الهاء ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قاله مجاهد والثاني إلى القرآن قاله ابن زيد والثالث إلى الإنجيل أي ومن قبل الإنجيل (كتاب موسى) يتبع محمدا بالتصديق له ذكره ابن الأنباري قال الزجاج والمعنى وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كتاب موسى عطفا على قوله (ويتلو ولا شاهد منه) أي ويتلوه كتاب موسى لأن موسى وعيسى بشرا بالنبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل ونصب إماما على الحال فإن قيل كيف تتلوه التوراة وهي قبله قيل لما بشرت به كانت كأنها تاليه له لأنها تبعته بالتصديق له وقال ابن الأنباري كتاب موسى مفعول في المعنى لأن جبريل تلاه على موسى فارتفع الكتاب وهو مفعول بمضمر بعده تأويله ومن قبله كتاب موسى كذاك أي تلاه جبريل أيضا كما تقول العرب أكرمت أخاك وأبوك فيرفعون الأب وهو مكرم على الاستئناف بمعنى وأبوك مكرم أيضا قال وذهب قوم إلى أن كتاب موسى فاعل لأنه تلا محمدا بالتصديق كما تلاه الإنجيل فصل فتلخيص الآية أفمن كان على بينة من ربه كمن لم يكن قال الزجاج ترك المضاد له لأن في ما بعده دليلا عليه وهو قوله (مثل الفريقين كالأعمى والأصم) [ هود 24 ] وقال ابن قتيبة لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إلى الدنيا جاء بهذه الآية وتقدير الكلام أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا فاكتفى من الجواب بما تقدم إذ كان فيه دليل عليه وقال ابن الأنباري إنما حذف لانكشاف المعنى والمحذوف المقدر كثير في القرآن والشعر قال الشاعر فأقسم لو شئ أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

[ 73 ]

فإن قلنا إن المراد بمن كان على بينة ربه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعنى الآية ويتبع هذا النبي شاهد وهو جبريل عليه السلام منه أي من الله وقيل شاهد هو علي بن أبي طالب منه أي من النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يتلوه يعني القرآن يتلوه جبريل وهو شاهد لمحمد صلى الله عليه وسلم أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى وقيل ويتلو رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وهو شاهد من الله وقيل ويتلو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فلسانه شاهد منه وقيل ويتبع محمدا شاهد له بالتصديق وهو الإنجيل من الله تعالى وقيل ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه وهو سمته وهديه الدال على صدقه وإن قلنا إن المراد بمن كان على بينة من ربه المسلمون فالمعنى أنهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو البينة ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه قوله تعالى (إماما ورحمة) إنما سماه إماما لأنه كان يهتدى به رحمة أي وذا رحمة وأراد بذلك التوراة لأنها كانت إماما وسببا لرحمة من آمن بها قوله تعالى (أولئك) فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه إشارة إلى أصحاب موسى والثاني إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والثالث إلى أهل الحق من أمة موسى وعيسى ومحمد وفي هاء به ثلاثة اقوال أحدها أنها ترجع إلى التوراة والثاني إلى القرآن والثالث إلى محمد صلى الله عليه وسلم وفي المراد بالأحزاب هاهنا أربعة أقوال أحدها جميع الملل قال سعيد بن جبير والثاني اليهود والنصارى قاله قتادة والثالث قريش قاله السدي والرابع بنو أمية وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي وآل أبي طلحة بن العزي قاله مقاتل قوله تعالى (فالنار لم موعده) أي إليها مصيره قال حسان بن ثابت أوردتموها حياض الموت ضاحية فالنار موعدها والموت لا قيها قوله تعالى (فلا تك في مرية منه) قرأ الحسن وقتادة مرية بضم الميم أين وقع وفي المكني عنه قولان

[ 74 ]

أحدهما أنه الإخبار بمصير الكافر به فالمعنى فلا تك في شك أن موعد المكذب به النار وهذا قول ابن عباس والثاني أنه القرآن فالمعنى فلا تك في شك من أن القرآن من الله تعالى قاله مقاتل قال ابن عباس والمراد بالناس هاهنا أهل مكة قوله تعالى (أولئك يعرضون على ربهم) قال الزجاج ذكر عرضهم توكيدا لحالهم في الانتقام منهم وإن كان غيرهم يعرض أيضا فأما الأشهاد ففيهم خمسة أقوال أحدها أنهم الرسل قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الملائكة قاله مجاهد وقتادة والثالث الخلائق روي عن قتادة ايضا وقال مقاتل الأشهاد الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد أي على رؤوس الناس والرابع الملائكة والنبيون وأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون على الناس والجوارح تشهد على ابن آدم قاله ابن زيد والخامس الأنبياء والمؤمنون قاله الزجاج قال ابن الأنباري وفائدة إخبار الأشهاد بما يعلمه الله تعظيم بالأمر المشهود عليه ودفع المجاحدة فيه يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون قوله تعالى (الذين يصدون عن سبيل الله) قد تقدم تفسيرها في (الأعراف 45) قوله تعالى (وهم بالآخرة هم كافرون) قال الزجاج ذكرت هم ثانية على جهة التوكيد لشأنهم في الكفر لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون

[ 75 ]

قوله تعالى (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض) قال ابن عباس لم يعجزوني أن آمر الأرض فتخسف بهم (وما كان لهم من دون الله من أولياء) أي لا ولي لهم ممن يعبدون يمنعهم مني وقال ابن الأنباري لما كانت عادة العرب جارية بقولهم لا وزر لك مني ولا نفق يعنون بالوزر الجبل والنفق السرب وكلاهما يلجأ إليه الخائف أعلم الله تعالى أن هؤلاء الكافرين لا يسبقونه هربا ولا يجدون ما يحجز بينهم وبين عذابه من جميع ما يستر من الأرض ويلجأ إليه قال وقوله من أولياء يقتضي محذوفا تلخيصه من أولياء يمنعونهم من عذاب الله فحذف هذا لشهرته قوله تعالى (يضاعف لهم العذاب) يعني الرؤساء الصادين عن سبيل الله وذلك لإضلالهم أتباعهم واقتداء غيرهم بهم وقال الزجاج لم يكونوا معجزين في الأرض أي في دار الدنيا ولا لهم ولي يمنع من انتقام الله ثم استأنف (يضاعف لهم العذاب) لعظم كفرهم بنبيه وبالبعث والنشور قوله تعالى (ما كانوا يستطيعون السمع) فيمن عني بهذا قولان أحدهما أنهم الكفار ثم في معناه ثلاثة أقوال أحدها أنهم لم يقدروا على استماع الخير وإبصار الحق وفعل الطاعة لأن الله تعالى حال بينهم وبين ذلك هذا معنى قول ابن عباس ومقاتل والثاني أن المعنى يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه وبما كانوا يبصورن حدثنا حجج الله ولا يعتبرون بها فحذف الباء كما تقول العرب لأجزينك ما عملت وبما عملت ذكره الفراء وأنشد ابن الأنباري في الاحتاج له نغالي اللحم للأضياف نيئا ونبذله ابن إذا نضج القدور أراد نغالي باللحم والثالث أنهم من شدة كفرهم وعداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يستطيعون أن يتفهموا ما يقول قاله الزجاج والقول الثاني أنهم الأصنام فالمعنى ماكان للآلهة سمع ولا بصر فلم تستطع لذلك السمع ولم تكن تبصر فعلى هذا يرجع قوله ما كانوا إلى أوليائهم وهي الأصنام وهذا المعنى منقول عن ابن عباس أيضا

[ 76 ]

جرم أنهم في الآخرة هم الأحسرون قوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون قوله تعالى (لا جرم) قال ابن عباس يريد حقا إنهم الأخسرون وقال الفراء لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقا ألا ترى أن العرب تقول لا جرم لآتينك لا جرم لقد أحسنت وأصلها من جرمت أي كسبت الذنب قال الزجاج ومعنى لا جرم لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم كأن المعنى لا ينفعهم ذلك جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون أي كسب لهم ذلك الفعل الخسران وذكر ابن الأنباري أن لا رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع الشر عنهم في الآخرة والمعنى لا يندفع عنهم عذابي ولا يجدون وليا يصرف عنهم نقمتي ثم ابتدأ مستأنفا جرم قال وفيها قولان أحدهما أنها بمعنى كسب كفرهم وما قدروا من الباطل وقوع العذاب بهم ف جرم فعل ماض معناه كسب وفاعله مضمر فيه من ذكر الكفر وتقرير الباطل والثاني أن معنى جرم أحق وصحح وهو فعل ماض وفاعله مضمر فيه والمعنى أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم قال الشاعر ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أراد حقت الطعنة فزارة بالغضب ومن العرب من يغير لفظ جرم مع لا خاصة فيقول بعضهم لا جرم ويقول آخرون لا جر باسقاط الميم ويقال لاذا جرم ولاذا جر بغير ميم ولا إن ذا جرم ولا عن ذا جرم ومعنى اللغات كلها حقا قوله تعالى (واخبتوا له إلى ربهم) فيه سبعة أقوال أحدها خافوا ربهم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنابوا إلى ربهم رواه العوفي عن ابن عباس والثالث ثابوا إلى ربهم قاله قتادة والرابع اطمأنوا قاله مجاهد والخامس أخلصوا قاله مقاتل والسادس تخشعوا لربهم قاله الفراء

[ 77 ]

والسابع تواضعوا لربهم قاله ابن قتيبة فإن قيل لم أوثرت إلى على اللام في قوله واخبتوا إلى ربهم والعادة جارية بأن يقال أخبتوا لربهم فالجواب أن المعنى وجهوا خوفهم وخشوعهم وإخلاصهم إلى ربهم واطمأنوا إلى ربهم قال الفراء وربما جعلت العرب إلى في موضع اللام كقوله (بأن ربك أوحى لها) [ الزلزال ذلك 5 ] وقوله (الذي هدانا لهذا) [ الأعراف 43 ] وقد يجوز في العربية فلان يخبت إلى الله يريد يفعل ذلك موجهه إلى الله قال بعض المفسرين هذه الآية نازلة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قبلها نازل في المشركين ثم ضرب للفريقين مثلا فقال (مثل الفريقين كالأعمى والأصم) قال مجاهد الفريقان المؤمن والكافر فأما الأعمى والأصم فهو الكافر وأما البصير والسميع فهو المؤمن قال قتادة الكافر عمي عن الحق وصم عنه والمؤمن أبصر الحق وسمعه ثم انتفع به وقال أبو عبيدة في الكلام ضمير تقديره مثل الفريقين كمثل الأعمى وقال الزجاج مثل الفريقين المسلمين كالبصير والسميع ومثل فريق الكافرين كالأعمى والأصم لأنهم في عداوتهم وتركهم للفهم بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر قوله تعالى (هل يستويان مثلا) أي هل يستويان في المشابهة والمعنى كما لا يستويان عندكم كذلك لا يستوي المؤمن والكافر عند الله وقال أبو عبيدة هل هاهنا بمعنى الإيجاب لا بمعنى الاستفهام والمعنى لا يستويان قال الفراء وإنما لم يقل يستوون لأن الأعمى والأصم من صفة واحد والسميع والبصير من صفة واحد كقول القائل مررت بالعاقل واللبيب وهو يعني واحدا قال الشاعر وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني فقال أيهما وإنما ذكر الخير وحده لأن المعنى يعرف إذ المبتغي للخير متق للشر وقال ابن الأنباري الأعمى والأصم صفتان لكافر والسميع والبصير صفتان لمؤمن فرد الفعل إلى الموصوفين بالأوصاف الأربعة كما تقول العاقل والعالم والظالم والجاهل حضرا مجلسي فتثني الخبر بعد ذكرك أربعة لأن الموصوف بالعلم هو الموصوف بالعقل وكذلك المنعوت بالجهل هو المنعوت بالظلم فلما كان المنعوتان محمد اثنين رجع الخبر إليهما ولم يلتفت إلى تفريق الأوصاف ألا ترى أنه يسوغ أن تقول الأديب والليبب إلى والكريم والجميل قصدني فتوحد الفعل بعد أوصاف لعلة أن الموصوف بهن واحد ولا يمتنع عطف النعوت على

[ 78 ]

النعوت بحروف العطف والموصوف واحد فقد قال تعالى (التائبون العابدون) بالتوبه 112 ] كان ثم قال (الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) فلم يقتض دخول الواو وقوع خلاف بين الآمرين والناهين وقد قيل الآمر بالمعروف ناه عن المنكر في حال أمره وكان دخول الواو دلالة على الآمر بالمعروف لأن الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر كما ينفرد الحامدون بالحمد دون السائحين والسائحون بالسياحة دون الحامدين ويدل أيضا على أن العرب تنسق النعت على النعت والمنعوت واحد كقول الشاعر يخاطب سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان يظن سعيد وابن عمرو بأنني إذا سامني ذلا أكون به أرضى فنسق ابن عمرو على سعيد وهو سعيد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ويا قوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون قوله تعالى (ولقد ارسلنا نوحا إلى قومه أني) أبو قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي أني بفتح الألف والتقدير أرسلناه بأني وكأن الوجه بأنه لهم نذير ولكنه على الرجوع من الإخبار عن الغائب إلى خطاب نوح قومه وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة إني بكسر الألف فحملوه على القول المضمر والتقدير فقال لهم إني لكم نذير قوله تعالى (ما نراك إلا بشرا مثلنا) أي إنسانا مثلنا لا فضل لك علينا فأما الأراذل فقال ابن عباس هم السفلة وقال ابن قتيبة هم جمع أرذل يقال رجل رذل وقد رذل رذالة ورذولة ومعنى الأراذل الشرار قوله تعالى (بادي أو الرأي) قرأ الأكثرون بادي بغير همز وقرأ أبو عمرو بالهمز بعد الدال وكلهم همز الرأي غير أبي عمرو وللعلماء في معنى بادي إذا لم يهمز ثلاثة أقوال

[ 79 ]

أحدها أن المعنى ما نرى أتباعك إلى سفلتنا وأرذالنا) في بادي الرأي لكل ناظر يعنون أن ما وصفناهم به من النقص لا يخفى على أحد فيخالفنا عبد هذا مذهب مقاتل في آخرين والثاني أن المعنى أن هؤلاء القوم اتبعوك في ظاهر ما يرى منهم وطويتهم عليه على خلافك والثالث أن المعنى اتبعوك في ظاهر رأيهم ولم يتدبروا ما قلت ولو رجعوا إلى التفكر لم يتبعوك ذكر هذين القولين الزجاج قال ابن الأنباري وهذه الثلاثة الأقوال على قراءة من لم يهمز لأنه من بدا يبدو إذا ظهر فأما من همز بادئ فمعناه ابتداء الرأي أي اتبعوك أول ما ابتدؤوا ينظرون ولو فكروا لم يعدلوا عن موافقتنا في تكذيبك قوله تعالى (وما نرى أبي لكم علينا من فضل) فيه ثلاثة أقوال أحدها من فضل في الخلق قاله ابن عباس والثاني في الملك والمال ونحو ذلك قاله مقاتل والثالث ما فضلتم باتباعكم نوحا ومخالفتكم لنا بفضيلة نتبعكم طلبا لها ذكره أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى (بل نظنكم كاذبين) فيه قولان أحدهما نتيقنكم (قاله الكلبي والثاني نحسبكم قاله مقاتل قوله تعالى (ارأيتم ما إن كنت على بينة من ربي) أي على يقين وبصيرة قال ابن الأنباري وقوله إن كنت شرط لا يوجب شكا يلحقه لكن الشك يلحق المخاطبين من أهل الزيغ فتقديره إن كنت على بينة من ربي عندكم (وآتاني رحمة من عنده) فيها قولان أحدهما أنها النبوة قاله ابن عباس والثاني الهداية قاله مقاتل قوله تعالى (فعميت عليكم) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم فعميت بتخفيف الميم وفتح العين قال ابن قتيبة والمعنى عميتم عنها يقال عمي علي هذا الأمر إذا لم أفهمه وعميت عنه بمعنى قال الفراء وهذا مما حولت العرب الفعل إليه وهو في الأصل لغيره كقولهم دخل الخاتم في يدي والخف في رجلي وإنما الإصبع تدخل في الخاتم والرجل في الخف واستجازوا ذلك إذ كان المعنى معروفا وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم فعميت بضم العين وتشديد الميم قال ابن الأنباري ومعنى ذلك فعماها الله عليكم إذ كنتم ممن حكم عليه بالشقاء وكذلك قرأ أبي بن كعب والأعمش فعماها عليكم

[ 80 ]

وفي المشار إليها قولان أحدهما البينة والثاني الرحمة قوله تعالى (أنلزمكموها) أي أنلزمكم قبولها وهذا استفهام معناه الإنكار يقول لا نقدر أن نلزمكم من ذات أنفسنا قال قتادة والله لو استطاع نبي الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه ولكن لم يملك ذلك وقيل كان مراد نوح عليه السلام رد قولهم (وما نرى لكم علينا من فضل) فبين فضله وفضل من آمن به بأنه على بينة من ربه وقد آتاه رحمة من عنده وسلب المكذبون ذلك قوله تعالى (لا أسألكم عليه) أي على نصحي ودعائي إياكم (مالا) لا فتتهموني وقال ابن الأنباري لما كانت الرحمة بمعنى الهدى والإيمان جاز تذكيرها قوله تعالى (وما أنا بطارد الذين آمنوا) قال ابن جريج سألوه طردهم أنفة منهم فقال لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون الله فيجزيهم بإيمانهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم وفي قوله (ولكني أراكم قوما تجهلون) قولان أحدهما تجهلون أن هذا الأمر من الله تعالى قاله ابن عباس والثاني تجهلون لأمركم إياي بطرد المؤمنين قاله أبو سليمان في يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون قوله تعالى (ويا قوم من ينصرني) أن اي من يمنعني من عذاب الله إن طردتهم

[ 81 ]

قوله تعالى (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) قال ابن الأنباري أراد بالخزائن علم الغيب المطوي عن الخلق لأنهم قالوا له إنما اتبعك هؤلاء في الظاهر وليسوا معك فقال لهم ليس عندي خزائن غيوب الله فأعلم ما تنطوي عليه الضمائر وإنما قيل للغيوب خزائن لغموضها عن الناس واستتارها عنهم قال سفيان بن عيينة إنما آيات القرآن خزائن فإذا دخلت خزانة فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها قوله تعالى (ولا أعلم الغيب) قيل إنما قال لهم هذا لأن أرضهم أجدبت فسألوه متى يجئ المطر وقل بل سألوه متى يجئ العذاب فقال ولا أعلم الغيب وقوله عز (ولا أقول إني ملك) جواب لقولهم (ما نراك إلا بشرا مثلنا) [ هود 27 ] و (ولا أقول للذين تزدري أعينكم) على أي تحتقر وتستصغر المؤمنين قال الزجاج تزدري تستقل وتستخس يقال زريت على الرجل إذا عبت عليه وخسست فعله وأزريت به إذا قصرت به وأصل تزدري تزتري إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالا لأن التاء من حروف الهمس وحروف الهمس خفية فالتاء بعد الزاي تخفى فأبدلت منها الدال لجهرها الله قوله تعالى (لن يؤتيهم الله خيرا) قال ابن عباس إيمانا ومعنى الكلام ليس لي أن أطلع على ما في نفوسهم فأقطع عليهم بشئ وليس لاحتقاركم إياهم يبطل أجرهم (إني إذا لمن الظالمين) إن قلت هذا الذي تقدم ذكره وقيل إن طردتهم قوله تعالى (قد جادلتنا) قال قال الزجاج الجدال هو المبالغة في الخصومة والمناظرة وهو مأخوذ من الجدل وهو شدة الفتل ويقال للصقر أجدل لأنه من أشد الطير ويقرأ (فأكثرت عن جدلنا) من قوله تعالى (فائتنا في بما تعدنا) قال ابن عباس يعنون العذاب (إن كنت من الصادقين) أنه يأتينا قوله تعالى (إن أردت أن أنصح لكم) أي أنصحكم وفي هذه الآية شرطان فجواب الأول النصح وجواب الثاني النفع قوله تعالى (إن كان الله يريد أن يغويكم) فيه ثلاثة أقوال أحدها يضلكم قاله ابن عباس والثاني يهلككم حكاه ابن الأنباري وقال هو قول مرغوب عنه الثالث يضلكم ويهلككم قاله الزجاج

[ 82 ]

قوله تعالى (هو ربكم) أي هو أولى بكم يتصرف في ملكه كما يشاء (وإليه ترجعون) بعد الموت يقولون افتريه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون بن قوله تعالى (أم يقولون) قال الزجاج المعنى أيقولون (افتراه) قال ابن قتيبة الافتراء الاختلاق (فعلي هذه إجرامي) أي جرم ذلك الاختلاق إن كنت فعلت (وأنا برئ مما تجرمون) في التكذيب وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع فعلي أجرامي بفتح الهمزة وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون قوله تعالى (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) قال المفسرون لما أوحي إليه هذا استجاز الدعاء عليهم فقال (لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) [ نوح سنة 26 ] قوله تعالى (فلا تبتئس) قال ابن عباس ومجاهد لا تحزن وقال الفراء والزجاج لا تستكن ولا تحزن قال أبو صالح عن ابن عباس فلا تحزن إذا نزل بهم الغرق (بما كانوا يفعلون) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون قوله تعالى واصنع الفلك أي واعمل السفينة قوله بأعيننا ثلاثة أقوال أحدها بمرأى منا قاله ابن عباس والثاني بحفظنا قاله الربيع والثالث بعلمنا قاله مقاتل قال ابن الأ نباري إنما جمع على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد تقول خرجنا إلى البصرة في السفن وإنما جمع لأن من عادة الملك أن يقول أمرنا ونهينا

[ 83 ]

قوله ووحينا قولان أحدهما وأمرنا لك أن تصنعها والثاني وبتعليمنا إياك كيف تصنعها قوله تعالى ولا تخاطبني في الذين ظلموا فيه قولان أحدهما لا تسألني عمرو الصفح عنهم والثاني لا تخاطبني قبل في إمهالهم وإنما نهي عن الخطاب في ذلك صيانة له عن سؤال لا يجاب فيه الإشارة إلى كيفية عمل السفينة روى الضحاك عن ابن عباس قال كان نوح يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال يا بني انظر هذا الشيخ لا يغررك يحيى قال يا أبت أمكني من العصا فأخذها فضربه ضربة شجة موضحة وسالت الدماء على وجهه فقال رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فان يكن لك فيهم حاجة فاهدهم وإلا فصبرني إلى أن تحكم فأوحى الله إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن إلى قوله واصنع الفلك قال يا رب وما الفلك قال بيت من خشب يجري على وجه الماء أنجي فيه أهل طاعتي وأغرق أهل معصيتي قال يا رب وأين الماء قال إني على ما أشاء قدير قال يا رب وأين الخشب قال اغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة وكف عن دعائهم وكفوا عنه إلا أنهم يستهزؤن به فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعه وجففه ولفقه فقال يا رب كيف أتخذ هذا البيت قال اجعله على ثلاث صور رأسه كرأس الطاووس وجؤجؤه كجؤجؤ الطائر وذنبه كذنب الديك واجعلها مطبقة وبعث الله إليه جبريل يعلمه وأوحى إليه أن عجل عمل السفينة فقد اشتد غضبي على من عصاني فاستأجر نجارين يعملون معه وسام وحام ويافث معه ينحتون السفينة فجعل طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة وثلاثين ذراعا وعلوها ثلاثا وثلاثين وفجر الله له عين القار تغلي غليانا حتى طلاها وعن ابن عباس قال جعل لها ثلاث بطون فحمل في البطن الأول الوحوش والسباع والهوام وفي الأوسط الدواب والأنعام وركب وهو ومن معه البطن الأعلى وروي عن الحسن أنه قال كانت سفينة نوح طولها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقال قتادة كانت فيما ذكر لنا طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسمائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراعا وقال ابن جريج كان طولها ثلاثمائة ذراع وفرضها خمسين ومائة ذراع وطولها في السماء ثلاثون ذراع وكان في

[ 84 ]

أعلاها الطيروفي الرحمن وسطها الناس وفي أسفلها السباع وزعم مقاتل أنه عمل السفينة في أربعمائة سنة قوله تعالى وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه فيه قولان أحدهما أنهم رأوه يبني السفينة وما رأوا سفينة قط فكانوا يسخرون ويقولون صرت بعد النبوة نجارا وهذا قول ابن إسحاق والثاني أنهم قالوا له ما تصنع فقال أبني بيتا يمشي على الماء فسخروا من قوله وهذا قول مقاتل وفي قوله إن تسخروا منا فانا نسخر منكم خمسة أقوال أحدها إن تسخروا من قولنا فانا نسخر من غفلتكم والثاني إن تسخروا من فعلنا عند بناء السفينة فانا نسخر منكم عند الغرق ذكره المفسرون والثالث إن تسخروا منا في الدنيا فانا نسخر منكم في الآخرة قاله ابن جرير والرابع إن تستجهلونا فانا نستجهلكم قاله الزجاج والخامس إن تسخروا منا فانا نستنصر الله عليكم فسمى هذا سخرية ليتفق اللفظان كما بينا في قوله الله يستهزئ بهم هذا قول ابن الأنباري قال ابن عباس لم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولابحر وكان فلذلك سخروا منه وإنما مياه البحار بقية الطوفان فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم قوله تعالى فسوف تعلمون هذا وعيد ومعناه فسوف تعلمون من هو أحق بالسخرية ومن هو أحمد عاقبه قوله تعالى من يأتيه عذاب يخزيه أي يذله وهو الغرق ويحل عليه أي ويجب عليه عذاب مقيم في الآخرة حتى إذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل

[ 85 ]

قوله تعالى إذا جاء أمرنا فيه قولان أحدهما جاء أمرنا بعذابهم وإهلاكهم والثاني جاء عذابنا وهو الماء ابتدأ بجنبات الأرض فدار حولها كالإكليل وجعل المطر ينزل من السماء كأفواه القرب فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربا من الماء حتى اجتمعن عند السفينة فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين قوله تعالى وفار التنور الفور الغليان والفوارة ما يفور من القدر قاله ابن فارس قال المصنف وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال التنور اسم فارسي معرب لا تعرف له العرب اسما غير هذا فلذلك جاء في التنزيل لأنهم خوطبوا بما عرفوا وروي عن ابن عباس أنه قال التنور بكل لسان عربي وعجمي وفي المراد بهذا التنور ستة أقوال أحدها أنه اسم لوجه الأرض رواه عكرمة عن علي عليه السلام وروى الضحاك عن ابن عباس التنور وجه الأرض قال قيل له إذا رأيت الماء قد علا وجهه الأرض فاركب أنت وأصحابك وهذا قول عكرمة والزهري والثاني أنه تنوير الصبح رواه أبو جحيفة عن علي رضي الله عنه وقال ابن قتيبه التنوير عند الصلاة والثالث أنه طلوع الفجر روي عن علي أيضا قال وفار التنور طلع الفجر والرابع أنه طلوع الشمس وهو منقول عن علي أيضا والخامس أنه تنور أهله روى العوفي عن ابن عباس قال إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فانه هلاك قومك وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه تنور آدم عليه السلام وهبه الله لنوح وقيل له إذا فار الماء منه فاحمل ما أمرت به وقال الحسن كان تنورا من حجارة وهذا قول مجاهد والفراء ومقاتل والسادس أنه أعلى الأرض وأشرفها

[ 86 ]

قال ابن الأنباري شبهت أعالي الأرض وأماكنها المرتفعة لعلوها بالتنانير واختلفوا في المكان الذي فار منه التنور على ثلاثة أقوال أحدها أنه فار من مسجد الكوفة رواه حبة العربي عن علي عليه السلام وقال زر بن حبيش فار التنور من زاوية مسجد الكوفة اليمنى وقال مجاهد نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته وكان ذلك بناحية الكوفة وكان الشعبي يحلف بالله ما كان التنور إلا بناحية الكوفة والثاني أنه فار بالهند رواه عكرمة عن ابن عباس والثالث أنه كان في أقصى دار نوح وكانت بالشام في يقال له عين وردة قاله مقاتل قوله تعالى قلنا احمل فيها أي في السفينة من كل زوجين اثنين وروى حفص عن عاصم من كل بالتنوين قال أبو علي والمعنى من كل شئ ومن كل زوج زوجين فحذف المضاف وانتصاب اثنين على أنهما صفة لزوجين وقد علم أن الزوجين اثنان ولكنه توكيد قال مجاهد من كل صنف ذكرا وأنثى وقال ابن قتيبة الزوج يكون واحدا ويكون اثنين وهو هاهنا واحد ومعنى الآية احمل من كل ذكر وأنثى اثنين وقال الزجاج المعنى احمل زوجين اثنين من كل شئ والزوج في كلام العرب يجوز أن يكون معه واحد والاثنان يقال لهما زوجان يقال عندي زوجان من الطير إنما يريد ذكرا وأنثى فقط وقال ابن الأنباري إنما قال اثنين فثنى الزوج لأنه قصد قصد الذكر والأنثى من الحيوان وتقديره من كل ذكر وأنثى قوله تعالى وأهلك أي وأحمل أهلك قال المفسرون أراد بأهله عياله وولده إلا من سبق عليه القول أي سبق عليه القول من الله بالإهلاك قال الضحاك وهم امرأته وابنه كنعان قوله تعالى ومن آمن معناه واحمل من آمن وما آمن معه إلا قليل وفي عددهم ثمانية أقوال أحدها أنهم كانوا ثمانين رجلا معهم أهلوهم رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أن نوحا حمل معه ثمانين إنسانا وبنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه وامرأة نوح رواه يوسف بن مهران عن ابن عباس والثالث كانوا ثمانين إنسانا قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل كانوا وأربعين رجلا

[ 87 ]

وأربعين امرأة والرابع كانوا أربعين ذكره ابن جريج عن ابن عباس والخامس كانوا ثلاثين رجلا رواه أبو نهيك عن ابن عباس والسادس كانوا ثمانية قال الحكم بن عتيبة كان نوح وثلاثة بنيه وأربع كنائنه قال قتادة ذكر لنا أنه لم ينج في السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنين له ونساؤهم فجماعتهم ثمانية وهذا قول القرظي وابن جريج والسابع كانوا سبعة نوح وثلاث كنائن له وثلاثة بنين قاله الأعمش والثامن كانوا عشرة سوى نسائهم قاله ابن إسحاق وروي عنه أنه قال الذين نجوا مع نوح بنوه الثلاثة ونساؤهم ثلاث وستة ممن آمن به وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها إن ربي لغفور رحيم قوله تعالى وقال يعني نوحا للذين أمر بحملهم اركبوا السفينة قال ابن عباس ركبوا فيها لعشر مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء وقال ابن جريج رفعت من عين وردة يوم الجمعة لعشر مضين من رجب فأتت موضع البيت فطافت به أسبوعا وكان البيت قد رفع في ذلك الوقت ورست بباقردى على الجودي يوم عاشوراء وقال ابن عباس قرض الفأر حبال السفينة فشكا نوح ذلك فأوحى الله تعالى إليه فمسح ذنب الأسد فخرج سنوران وكان في السفينة عذرة فشكا ذلك إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه فمسح ذنب الفيل فيخرج خنزيران فأكلا هذه ذلك الفيل فخرج خنزيران فأكلا هذه ذلك قوله تعالى بسم الله مجراها ومرساها قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم مجراها بضم الميم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم مجراها بفتح الميم وكسر الراء وكلهم قرؤوا بضم الميم من مرساها إلا أن ابن كثير وأبا عمرو وابن عامر وحفصا عن عاصم كانوا يفتحون السين ونافع وأبو بكر عن عاصم كانا يقرآنها بين الكسر والتفخيم وكان حمزة والكسائي وخلف يميلونها وليس في هؤلاء أحد جعلها نعتا لله وإنما جعل الوصفين نعتا لله تعالى الحسن وقتادة وحميد الأعرج

[ 88 ]

وإسماعيل بن مجالد عن عاصم فقرؤوا مجريها ومرسيها بضم الميم وببهاءين روى صحيحتين مثل مبديها ومنشيها ولم وقرأ ابن مسعود مجراها بفتح الميم وإمالة الراء بعدها ألف ومرساها برفع الميم وإمالة السين بعدها ألف وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل مجراها بفتح الميم والراء وبألف بعدها ومرساها برفع الميم وفتح السين وبألف بعدها وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر مجراها ومرساها بفتح الميم فيهما جميعا وفتح الراء والسين وبألف بعدهما وقرأ يحيى بن وثاب بفتح الميمين إلا أنه أمال الراء والسين فيهما وقرأ أبو عمران الجوني وابن جبير برفع الميم فيهما وفتح الراء والسين وبألف بعدهما جميعا فمن قرأ بضم الميمين جعله من أجرى وأرسى ومن فتحهما جعله مصدرا من جرى الشئ يجري مجرى ورسى بين يرسي مرسى قال الزجاج قوله بسم الله أي بالله والمعنى أنه أمرهم أن يسموا في وقت جريها ووقت استقرارها ومن قرأ بضم الميمين فالمعنى بالله إجراؤها وبالله إرساها أهل ومن فتحهما فالمعنى بالله يكون جريها وبالله يقع إرساؤها أي إقرارها وسمعت شيخنا أبا منصور اللغوي يقول من ضم الميم في مجراها أراد أجراها الله مجرى ومن فتحها أراد جرت مجرى وقال الضحاك كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت وإذا أراد أن ترسى قال بسم الله فرست وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين قوله تعالى وهي تجري بهم في موج كالجبال شبهه في بالجبال في عظمه وارتفاعه ويقال إن الماء أرتفع على أطول جبل في الأرض أربعين ذراعا ويروي خمس عشرة ذراعا وذكر بعض المفسرين أنه ارتفع نحو السماء سبعين فرسخا من الأرض قوله تعالى ونادى نوح ابنه لا يختلفون أنه كان كافرا وفي اسمه قولان أحدهما كنعان وهو قول الأكثرين والثاني اسمه يام قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عبيد بن عمير وابن إسحاق قوله تعالى وكان في معزل المعزل المكان المنقطع ومعنى العزل التنحية

[ 89 ]

وفي معنى الكلام وجهان ذكرهما الزجاج أحدهما في معزل من السفينة والثاني في معزل من دين أبيه قوله تعالى يا بني اركب معنا قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي يا بني اركب مضافة بكسر الياء وروى أبو بكر عن عاصم يا بني مفتوحة الياء ها هنا وباقي القرآن مكسورة حفص عنه بالفتح في كل القرآن يا بني إذا كان واحدا قال النحويون الأصل في بني ثلاث ياءات ياء التصغير وياء بعدها هي لام الفعل وياء بعد لام الفعل هي ياء الإضافة فمن قرأ يا بني أراد يابنيي حديث فحذف ياء الإضافة وترك الكسرة تدل عليها كما يقال يا غلام أقبل ومن فتح الياء أبدل من كسرة لام الفعل فتحة استثقالا لاجتماع الياءات مع الكسرة فانقلبت ياء الإضافة ألفا ثم حذفت الألف كما تحذف الياء فبقيت الفتحة على حالها وقيل إن المعنى يا بني آمن واركب معنا قوله تعالى سآوي أي سأصير وأرجع إلى جبل يعصمني أي يمنعني من الماء أي من تغريق الماء قال لاعاصم اليوم فيه قولان أحدهما لا مانع اليوم من أمر الله قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني لا معصوم ومثله ماء دافق أي مدفوق وسر كاتم وليل نائم قاله ابن قتيبة قوله تعالى من رحم قال الزجاج هذا استثناء ليس من الأول والمعنى لكن من رحم الله فانه معصوم قال مقاتل إلا من رحم فركب السفينة قوله تعالى وحال بينهما الموج في المكني عنها قولان أحدهما أنهما ابن نوح والجبل الذي زعم أنه يعصمه رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثاني نوح وابنه قاله مقاتل وقيل يا أرض أبلعي عند ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي

[ 90 ]

وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسئلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماؤك وقف قوم على ظاهر الآية وقالوا إنما ابتلعت ما نبع منها ولم تبتلع ماء السماء فصار ذلك بحارا وأنهارا وهو معنى قول ابن عباس وذهب آخرون إلى أن المراد ابلعي ماءك الذي عليك وهو ما نبع من الأرض ونزل من السماء وذلك بعد أن غرق ما على وجه الأرض قوله تعالى ويا سماء أقلعي أي أمسكي عن إنزال الماء قال ابن الأنباري لما تقدم ذكر الماء علم أن المعنى أقلعي عن إنزال الماء قوله تعالى وغيض الماء أي نقص قال الزجاج يقال غاض الماء يغيض إذا غاب في الأرض ويجوز إشمام الضم في الغين قوله تعالى وقضي الأمر قال ابن عباس غرق من غرق ونجا من نجا وقال مجاهد قضي الأمر هلاك قوم نوح وقال ابن قتيبة وقضي الأمر أي فرغ منه قال ابن الأنباري والمعنى أحكمت هلكة قوم نوح فلما دلت القصة على ما يبين هلكتهم أغنى عن نعت الأمر قوله تعالى واستوت يعني السفينة على الجودي وهو اسم جبل وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة على الجودي بسكون الياء قال ابن الأنباري وتشديد الياء في الجودي لأنها ياء النسبه فهي كالياء في علوي وهاشمي وقد خففها بعض القراء ومن العرب من يخفف ياء النسبه فيسكنها في الرفع والخفض ويفتحها في النصب فيقول قام زيد العلوي ورأيت زيدا العلوي قال ابن عباس درات السفينة بالبيت أربعين يوما ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه واختلفوا أين هذا الجبل على ثلاثة أقوال أحدها أنه بالموصل رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك والثاني بالجزيرة قاله مجاهد وقتادة وقال مقاتل هو بالجزيرة قريب من الموصل والثالث أنه بناحية آمد قاله الزجاج وفي علة استوائها عليه قولان

[ 91 ]

أحدهما أنه لم يغرق لأن الجبال تشامخت يومئذ وتطاولت وتواضع هو فلم يغرق فأرست عليه قاله مجاهد والثاني لما قل الماء أرست عليه فكان استواؤها عليه دلالة على قلة الماء قوله تعالى وقيل بعدا للقوم الظالمين قال ابن عباس بعدا من رحمة الله للقوم الكافرين فان قيل ما ذنب من أغرق من البهائم والأطفال فالجواب أن آجالهم حضرت فأميتوا بالغرق قاله الضحاك وابن جريج قوله تعالى رب إن ابني من أهلي إنما قال نوح هذا لأن الله تعالى وعده نجاة أهله فقال وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال ابن عباس أعدل العادلين وقال ابن زيد فأنت أحكم الحاكمين بالحق واختلفوا في هذا الذي سأل فيه نوح على قولين أحدهما أنه ابن نوح لصلبه قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والجمهور والثاني أنه ولد على فراشه من لغير رشدة ولم يكن ابنه روى ابن الأنباري باسناده عن الحسن أنه قال لم يكن ابنه إن امرأته فجرت وعن الشعبي قال لم يكن ابنه إن امرأته خانته وعن مجاهد نحو ذلك وقال ابن جريج ناداه نوح وهو يحسب أنه ابنه وكان ولد على فراشه فعلى القول الأول يكون في معنى قوله إنه ليس من أهلك قولان أحدهما ليس من أهل دينك والثاني ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم قال ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط وإنما المعنى ليس من أهلك الذين وعدتك نجاتهم وعلى القول الآخر الكلام على ظاهره والأول أصح لموافقته ظاهر القرآن ولاجتماع الأكثرين عليه وهو أولى من رمي زوجة نبي بفاحشة قوله تعالى إنه عمل غير صالح قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر

[ 92 ]

وحمزة إنه عمل رفع منون غير صالح برفع الراء وفيه قولان أحدهما أنه يرجع إلى السؤال فيه فالمعنى سؤلك إياي فيه عمل غير صالح قاله ابن عباس وقتادة وهذا ظاهر لأنه قد تقدم السؤال فيه في قوله رب إن ابني من أهلي فرجعت الكناية إليه والثاني أنه يرجع إلى المسؤول فيه وفي هذا المعنى قولان أحدهما أنه لغير رشدة قاله الحسن والثاني أن المعنى إنه ذو عمل غير صالح قاله الزجاج قال ابن الأنباري من قال هو لغير رشدة قال المعنى إن أصل أبنك الذي تظن أنه أبنك عمل غير صالح ومن قال إنه ذو عمل غير صالح قال حذف المضاف وأقام العمل مقامه كما تقول العرب عبد الله إقبال وأدبار أي صاحب إقبال وأدبار وقرأ الكسائي عمل بكسر الميم وفتح اللام غير صالح بفتح الراء يشير إلى أنه مشرك قوله تعالى فلا تسألن ما ليس لك به علم قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر فلا تسألن بفتح اللام وتشديد النون غير أن نافعا وابن عامر كسرا النون وفتحها ابن كثير وحذفوا الياء في الوصل والوقف وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون اللام وتخفيف النون غير أن أبا عمرو وأبا جعفر أثبتا الياء في الوصل وحذفاها في الوقف ووقف عليها يعقوب بالياء والباقون يحذفونها في الحالين قال أبو علي من كسر النون فقد عدى السؤال إلى مفعولين أحدهما اسم المتكلم والآخر الآسم الموصول وحذفت النون المتصلة بياء المتكلم لاجتماع النونات وأما إثبات الياء في الوصل فهو الأصل وحذفها أخف والكسرة تدل عليها وتعلم أن المفعول مراد في المعنى ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال أحدها أنه نسبته إليه وليس منه والثاني في إدخاله إياه في جملة أهله الذين وعده نجاتهم والثالث سؤاله في إنجاء كافر من العذاب قوله تعالى إني أعظك أن تكون من الجاهلين فيه ثلاثة أقوال أحدها أن تكون من الجاهلين في سؤالك من ليس من حزبك والثاني من الجاهلين بوعدي لأني وعدت بانجاء المؤمنين والثالث من الجاهلين بنسبك لأنه ليس من أهلك

[ 93 ]

قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم قوله تعالى يا نوح اهبط قال ابن عباس يريد من السفينة إلى الأرض بسلام منا أي بسلامه قوله تعالى وبركات عليك قال المفسرون البركات عليه أنه صار أبا للبشر جميعا لأن جميع الخلق من نسله وعلى أمن معك قال ابن عباس يريد من ولدك قال ابن الأنباري المعنى من ذراري من معك والمراد المؤمنون من ذريته ثم ذكر الكفار فقال وأمم أي من الذرية أيضا والمعنى وفيمن نصف لك أمم وفيمن نقص عليك أمره أمم سنمتعهم أي في الدنيا ثم يمسهم منا عذاب أليم في الآخرة قال محمد بن كعب القرظي لم يبق مؤمن ولا مؤمنة في أصلاب الرجال وأرحام النساء يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا وقد دخل في ذلك السلام والبركا تولم لأنه يبق كافر إلا دخل في ذلك المتاع والعذاب تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا اسئلكم عليه اجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين قوله تعالى تلك من أنباء الغيب في المشار إليه ب تلك قولان أحدهما قصة نوح والثاني آيات القرآن والمعنى تلك من أخبار ما غاب عنك وعن قومك فان قيل كيف قال ها هنا تلك وفي مكان آخر ذلك

[ 94 ]

فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال تلك إشارة إلى آيات القرآن وذلك إشارة إلى الخبر والحديث وكلاهما معروف في اللغة الفصيحة يقول الرجل قد قدم فلان فيقول سامع قوله قد فرحت به وقد سررت بها فإذا ذكر عنى القدوم وإذا أنث ذهب إلى القدمة قوله تعالى من قبل هذا يعني القرآن فاصبر كما صبر نوح على أذى قومه إن العاقبة أي آخر الأمر بالظفر والتمكين للمتقين أي لك ولقومك كما كان لمؤمني قوم نوح قوله تعالى إن أنتم إلا مفترون أي ما أنتم إلا كاذبون في إشراككم مع الله الأوثان وما بعد هذا قد سبق تفسيره (يونس 72) إلى قوله يرسل السماء عليكم مدرارا وهذا أيضا قد سبق تفسيره في (سورة الأنعام 61) والسبب في قوله لهم ذلك أن الله تعالى حبس المطر عنهم ثلاث سنين وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم أحياء بلادهم وبسط الرزق لهم إن آمنوا قوله تعالى ويزدكم قوة إلى قوتكم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الولد وولد الولد رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني يزدكم شدة إلى شدتكم قاله مجاهد وابن زيد والثالث خصبا إلى خصبكم قاله الضحاك قوله تعالى ولا تتولوا مجرمين قال مقاتل لا تعرضوا عن التوحيد مشركين قوله تعالى ما جئتنا ببينة أي بحجة واضحة وما نحن بتاركي آلهتنا يعنون الأصنام قولك أي بقولك والباء وعن يتعاقبان إن نقول إلا اعتريك أخبرنا بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم

[ 95 ]

قوله تعالى إن نقول أي ما نقول في سبب مخالفتك إيانا إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون لسبك أياها فالذي تظهر من عيبها لما لحق عقلك من التغيير قال ابن قتيبة يقال عراني كذا واعتراني إذا ألم بي ومنه قيل لمن أتاك يطلب نائلك عار ومنه قول النابغة أتيتك عاريا خلقا ثيابي على خوف تظن بي الظنون قوله تعالى إني أشهد الله إلى آخر الآية حرك ياء إني نافع ومعنى الآية إن كنتم تقولون إن الآلهة عاقبتني لطعي يا عليها فاني على يقين من عيبها والبراءة منها وها أنا ذا أزيد في الطعن عليها جميعا أي احتالوا أنتم وأوثانكم في ضري ثم لا تمهلون لو قال الزجاج وهذا من أعظم آيات الرسل أن يكون الرسول وحده وأمته متعاونه يكون عليه فيقول لهم كيدوني فلا يستطيع أحد منهم ضره وكذلك قال نوح لقومه فأجمعوا أمركم وشركاءكم مع وقال محمد صلى الله عليه وسلم فان كان لكم كيد فكيدون (المرسلات 39) سعيد قوله تعالى إلا هو آخذ بناصيتها قال أبو عبيدة المعنى أنها في قبضته وملكه وسلطانه فان قيل لم خص الناصية فالجواب أن الناصية شعر مقدم الرأس فإذا أخذت بها من شخص فقد ملكت سائر بدنه وذل لك قوله تعالى إن ربي على صراط مستقيم قال مجاهد على الحق وقال غيره في الكلام إضمار تقديره إن ربي يدل على صراط مستقيم فان قيل ما وجه المناسبة بين قوله إلا هو آخذ بناصيتها وبين كونه على صراط مستقيم فعنه جوابان أحدهما أنه لما أخبر أنه آخذ بنواصي الخلق كان معناه أنهم لا يخرجون عن قبضته فأخبر أنه على طريق لا يعدل عنه هارب ولا يخفي عليه مستتر والثاني أن المعنى أنه وإن كان قادرا عليهم فهو لا يظلمهم بكر ولا يريد إلا العدل ذكرهما ابن الأنباري فان تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا

[ 96 ]

تضرونه شيئا إن ربي على كل شئ حفيظ قوله تعالى فان تولوا فيه قولان أحدهما أنه فعل ماضي معناه فان أعرضوا فعلى هذا في الآية إضمار تلخيصه فان أعرضوا فقل لهم قد أبلغتكم هذا مذهب مقاتل في آخرين والثاني أنه خطاب للحاضرين وتقديره فان تتولوا فاستثقلوا الجمع بين تاءين متحركتين فاقتصر على إحدهما وأسقطت الأخرى كما قال النابغة المرء يهوى أن يعيش وطول عيش قد يضره تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره وتصرف الأيام حتى ما يرى شيئا يسره أراد وتتصرف الأيام فأسقط إحدى التاءين ذكره ابن الأنباري قوله تعالى ويستخلف ربي قوما غيركم فيه وعيد لهم بالهلاك إن ربي على كل شئ حفيظ فيه قولان أحدهما حفيظ على أعمال العباد حتى يجازيهم بها والثاني أن على بمعنى اللام فالمعنى لكل شئ حافظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ قوله تعالى جاء أمرنا فيه قولان أحدهما جاء عذابنا قاله ابن عباس والثاني جاء أمرنا بهلاكهم قوله تعالى نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا فيه قولان أحدهما نجيناهم من العذاب بنعمتنا والثاني نجيناهم بأن هديناهم إلى الإيمان وعصمناهم من الكفر روي القولان عن ابن عباس قوله تعالى ونجيناهم من عذاب غليظ أي شديد وهو ما استحقه قوم هود من عذاب الدنيا والآخرة

[ 97 ]

وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد قوله تعالى وتلك عاد يعني القبيلة وعصوا رسله لقائل أن يقول إنما أرسل إليهم هود وحده فكيف ذكر بلفظ الجمع فالجواب من ثلاثة أوجه أحدها أنه قد يذكر لفظ الجمع ويراد به الواحد كقوله أم يحسدون الناس والمراد به النبي صلى الله عليه وسلم وحده والثاني أن من كذب رسولا واحدا فقد كذب الكل والثالث أن كل مرة ينذرهم فيها هي رسالة مجددة وهو بها رسول قوله تعالى واتبعوا أي واتبع الأتباع أمر الرؤساء والجبار الذي طال وفات اليد وللعلماء في الجبار أربعة أقوال أحدها أنه الذي يقتل على الغضب ويعاقب على الغضب قاله الكلبي والثاني أنه الذي يجبر الناس على ما يريد قاله الزجاج والثالث أنه المسلط والرابع أنه العظيم في نفسه المتكبر على العباد ذكرهما ابن الأنباري والذي ذكرناه يجمع هذه الأقوال وقد زدنا هذا شرحا في المائدة وأما العنيد فهو الذي لا يقبل الحق قال ابن قتيبة العنود والعنيد والعاند المعارض لك بالخلاف عليك وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة إلا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو انشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهينا قد أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن

[ 98 ]

ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ قوله تعالى وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة أي ألحقوا لعنة تنصرف معهم ويوم القيامة أي وفي يوم القيامة لعنوا أيضا ألا إن عادا كفروا ربهم أي بربهم فحذف الباء وأنشدوا أمرتك الخير فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب قال الزجاج قوله ألا ابتداء وتنبيه وبعدا منصوب على معنى أبعدهم الله فبعدوا بعدا والمعنى أبعدهم من رحمته قوله تعالى هو انشأكم من الأرض فيه قولان أحدهما خلقكم من آدم وآدم خلق من الأرض والثاني أنشأكم في الأرض وفي قوله واستعمركم فيها ثلاثة أقوال أحدها أعمركم فيها أي جعلكم ساكنيها مدة أعماركم ومنه العمرى وهذا قول مجاهد والثاني أطال أعماركم وكانت أعماركم من ألف سنة إلى ثلاثمائة قاله الضحاك والثالث جعلكم عمارها قاله أبو عبيدة قوله تعالى قد كنت فينا مرجوا قبل هذا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنهم كانوا يرجونه للمملكة بعد ملكهم لأنه كان ذا حسب وثروة قاله كعب والثاني أنه كان يبغض أصنامهم ويعدل عن دينهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما

[ 99 ]

أظهر إنذارهم انقطع رجاؤهم منه وإلى نحو هذا ذهب مقاتل والثالث أنهم كانوا يرجون خيره فلما أنذرهم زعموا أن رجاءهم لخيره قد انقطع ذكره الماوردي قوله تعالى وإننا لفي شك إن قال قائل لم قال ها هنا وإننا وقال في إبراهيم وإنا فالجواب أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها قال الفراء من قال إننا أخرج الحرف على أصله لأن كناية المتكلمين نا فاجتمعت ثلاث نونات نونا إن والنون المضمومة إلى الألف ومن قال إنا استثقل الجمع بين ثلاث نونات وأسقط الثالثة وأبقى وفي الأولتين وكذلك يقال إني وأنني ولعلي ولعلني وليتي وليتني قال الله في اللغة العليا لعلي أبلغ الأسباب (غافر 36) وقال الشاعر في اللغة الأخرى أريني جوادا مات هزلا لعلني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا وقال تعالى يا ليتني كنت معهم (النساء 73) وقال الشاعر كمنية كل جابر إذ قال ليتي أصادفه وأتلف بعض مالي فأما المريب فهو الموقع للريبة والتهمة والرحمة يراد بها هاهنا النبوة قوله تعالى فما تزيدونني غير تخسير التخسير النقصان وفي معني الكلام قولان أحدهما فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم قاله ابن عباس وقال الفراء المعنى فما تزيدونني غر تخسير لكم أي كلما اعتذرتم عندي بعذر فهو يزيدكم تخسيرا وقال ابن الأعرابي غير تخسير لكم لا لي وقال بعضهم المعنى فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة والقول الثاني فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم وهذا معنى قول مقاتل فإن قيل فظاهر هذا أنه كان خاسرا فزادوه خسارا فقد أسلفنا الجواب في قوله لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا (التوبة 47) قوله تعالى هذه ناقة الله لكم آية قد شرحناها في سورة (الأعراف 73) قوله تعالى تمتعوا في داركم أي استمتعوا بحياتكم وعبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعا بالحواس

[ 100 ]

قوله تعالى ثلاثة أيام قال المفسرون لما عقرت الناقة صعد فصيلها إلى الجبل ورغا ثلاث مرات فقال صالح لكل رغوة أجل يوم ألا إن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة واليوم الثالث مسودة فلما أصبحوا في اليوم الأول إذا وجوههم مصفرة فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب فلما أصبحوا في اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة فضجوا وبكوا فلما أصبحوا في اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وألقوا أنفسهم بالأرض لا يدرون من أين يأتيهم العذاب فلما أصبحوا في اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعت قلوبهم في صدورهم وقال مقاتل حفروا لأنفسهم قبورا فلما ارتفعت الشمس من اليوم الرابع ولم يأتهم العذاب ظنوا أن الله قد رحمهم فخرجوا من قبورهم يدعو بعضهم بعضا إذ نزل جبريل فقام فوق المدينة فسد ضوء الشمس فلما عاينوه دخلوا قبورهم فصاح بهم صيحة موتوا عليكم لعنة الله فخرجت أرواحهم وتزلزلت بيوتهم فوقعت على قبورهم قوله تعالى ذلك وعد أي العذاب غير مكذوب أي غير كذب قوله تعالى ومن خزي يومئذ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ابن عامر يومئذ بكسر الميم وقرأ الكسائي بفتحها مع الإضافة قال مكي من كسر الميم أعرب وخفض لإضافة الخزي إلى اليوم ولم يبنه ومن فتح بنى اليوم على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ وقرأ ابن مسعود ومن خزي بالتنوين يومئذ بفتح الميم قال ابن الأنباري هذه الواو في قوله ومن خزي معطوفة على محذوف تقديره نجيناهم من العذاب ومن خزي يومئذ قال ويجوز أن تكون دخلت لفعل مضمر تأويله نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من خزي يومئذ قال وإنما قال وأخذ لأن الصيحة محمولة على الصياح قوله تعالى ألا بعدا لثمود اختلفوا في صرف ثمود وترك إجرائه في خمسة مواضع في (هود 69) ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود وفي (الفرقان 38) وعادا وثمودا وأصحاب الرس وفي (العنكبوت 38) وعادا وثمودا وقد تبين لكم وفي (النجم 51) وثمود فما أبقي قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر بالتنوين في أربعة مواضع منها وتركوا ألا بعدا لثمودا فلم يصرفوه وقرأ حمزة بترك صرف هذه الخمسة الأحرف وصرفهن الكسائي واختلف عن عاصم فروى حسين الجعفي عن أبي بكر عنه أنه أجرى الأربعة الأحرف مثل أبي عمرو وروى يحيى بن آدم أنه أجرى ثلاثة في (هود 69) ألا أن ثمودا وفي

[ 101 ]

(الفرقان 38) والعنكبوت 38) وروى حفص عنه أنه لم يجر شيئا منها مثل حمزة واعلم أن ثمودا يراد به القبيلة تارة ويراد به الحي تارة فإذا أريد به القببيلة فلا لم يصرف وإذا أريد به الحي صرف وما أخللنا به فقد سبق تفسيره (الأعراف 73 والتوبة 70) إلى قوله ولقد جاءت رسلنا إبراهيم والرسل هاهنا الملائكة وفي عددهم ستة أقوال أحدها أنهم كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وقال مقاتل جبريل وميكائيل وملك الموت والثاني أنهم كانوا اثني عشر روي عن ابن عباس أيضا والثالث ثمانية قاله محمد بن كعب والرابع تسعة قاله الضحاك والخامس أحد عشر قاله السدي والسادس أربعة حكاه الماوردي وفي هذه البشرى أربعة أقوال أحدها أنها البشرى بالولد قاله الحسن ومقاتل والثاني بهلاك قوم لوط قاله قتادة والثالث بنبوته قاله عكرمة والرابع بأن محمدا يخرج من صلبه ذكره الماوردي قوله تعالى قالوا سلاما قال ابن الأنباري انتصب بالقول لأنه حرف مقول والسلام الثاني مرفوع باضمار عليكم وقال الفراء فيه وجهان أحدهما أنه أضمر عليكم كما قال الشاعر فقلنا السلام فاتقت من أميرها فما كان إلا ومؤها بالحواجب والعرب تقول التقينا فقلنا سلام سلام والثاني أن القوم سلموا فقال حين أنكرهم هو سلام فمن أنتم لإنكاره إياهم وقرأ حمزة والكسائي قال سلم وهو بمعنى سلام كما قالوا حل وحلال وحرم وحرام فعلى هذا يكون معنى سلم سلام عليكم قال أبو علي فيكون معنى القراءتين واحدا وإن اختلف اللفظان وقال الزجاج من قرأ سلم فالمعنى أمرنا سلم أي لا بأس علينا قوله تعالى فما لبث أي ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ لأنه ظنهم أضيافا وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوضاء

[ 102 ]

وفي الحنيذ ستة أقوال أحدها أنه النضيج قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثاني أنه الذي يقطر ماؤه ودسمه وقد شوي قاله شمر بن عطية والثالث أنه ما حفرت الأرض ثم غممته وهو من فعل أهل البادية معروف وأصله محنوذ فقيل حنيذ كما قيل طبيخ للمطبوخ وقتيل للمقتول هذا قول الفراء والرابع أنه المشوي قاله أبو عبيدة والخامس المشوي بالحجارة المحماة قاله مقاتل وابن قتيبة والسادس السميط ذكره الزجاج وقال يقال إنه المشوي فقط ويقال المشوي الذي يقطر ويقال المشوي بالحجارة فلما را أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط قوله تعالى فلما رأى أيديهم يعنى الملائكة لا تصل إليه يعني العجل نكرهم أي أنكرهم قال أبو عبيدة نكرهم وأنكرهم واستنكرهم سواء قال الأعشى فأنكر تني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى وأوجس منهم خيفة أي أضمر في نفسه خوفا قال الفراء وكانت سنة في زمانهم إذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسوه ظنوا أنهم عدو أو لصوص فهنالك أوجس في نفسه خيفة فرأوا ذلك في وجهه فقالوا لا تخف قوله تعالى إنا أرسلنا إلى قوم لوط قال الزجاج أي أرسلنا بالعذاب إليهم قال ابن الأنباري وإنما أضمر ذلك هاهنا لقيام الدليل عليه بذكر الله تعالى له في سورة أخرى وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب قالت يا ويلتي

[ 103 ]

ألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخنا إن هذا لشئ عجيب قوله تعالى وامرأته قائمة واسمها سارة واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال أحدها وراء الستر تسمع كلامهم قاله وهب والثاني كانت قائمة تخدمهم قاله مجاهد والسدي والثالث كانت قائمة تصلي قاله محمد بن إسحاق وفي قوله فضحكت منه ثلاثة أقوال أن الضحك ها هنا بمعنى التعجب قاله أبو صالح عن ابن عباس أن معنى ضحكت حاضت قاله مجاهد وعكرمة قال ابن قتيبة وهذا من قولهم ضحكت الأرنب إذا حاضت فعلى هذا يكون حيضها حينئذ تأكيد للبشارة بالولد لأن من لا تحيض لاتحمل وقال الفراء لم نسمع من ثقة أن معنى ضحكت حاضت قال ابن الأنبار أنكر الفراء وأبو عبيدة أن يكون ضحكت بمعنى حاضت وعرفه غيرهم قال الشاعر تضحك الضبع لقتلى هذيل وترى الذئب لها يستهل قال بعض أهل اللغة معناه تحيض والثالث أنه الضحك المعروف وهو قول الأكثرين وفي سبب ضحكها ستة أقوال أحدها أنها ضحكت من شدة خوف ابراهيم من أضيافه وقالت من ماذا يخاف ابراهيم وإنما هم ثلاثة وهو في أهله وغلمانه رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثاني أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإبراهيم بالولد وهذا مروي عن ابن عباس ووهب بن منبه فعلى هذا إنما ضحكت سرورا بالبشارة ويكون في الآية تقديم وتأخير المعنى وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت وهو اختيار ابن قتيبة والثالث ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم قاله قتادة والرابع ضكحت من إمساك الأضياف عن الأكل وقالت عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا وهم لا يأكلون طعامنا قاله السدي والخامس ضحكت سرورا بالأمن لأنها خافت كخوف إبراهيم قاله الفراء والسادس أنها كانت قالت لإبراهيم اضمم إليك ابن أخيك لوطا فانه سينزل العذاب بقومه فلما جاءت الملائكة بعذابهم ضحكت سرورا بموافقتها للصواب ذكره ابن الأنباري قال المفسرون قال جبريل لسارة أبشري أيتها الضاحكة بولد اسمه إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فبشروها أنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد الولد

[ 104 ]

وفي معنى الوراء قولان أحدهما أنه بمعنى بعد قاله أبو صالح عن ابن عباس واختاره مقاتل وابن قتيبة والثاني أن الوراء ولد الولد روي عن ابن عباس وبه قال الشعبي واختاره أبو عبيدة فان قيل كيف يكون يعقوب وراء إسحاق وهو ولده لصلبه وإنما الوراء ولد الولد فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال المعنى ومن وراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب لأنه قد كان الوراء لإبراهيم من جهة إسحاق فلو قال ومن الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس قال ويجوز أن ينسب ولد إبراهيم من غير إسحاق إلى سارة على المجاز فكان تأويل الآية من الوراء المنسوب إلى سارة وإلى إبراهيم من جهة إسحاق يعقوب ومن حمل الوراء على بعد لزم ظاهر العربية واختلف القراء في يعقوب فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وابو بكر عن عاصم يعقوب بالرفع وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم يعقوب بالنصب قال الزجاج وفي رفع يعقوب وجهان على الابتداء المؤخر معناه التقديم والمعنى ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق والثاني وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب ومن نصبه حمله على المعنى والمعنى وهبنا لها إسحاق ووهبنا لها يعقوب قوله تعالى يا ويلتي أألد وأنا عجوز هذه الكلمة تقال عند الإيذان بورود الأمر العظيم ولم ترد بها الدعاء على نفسها وإنما هي كلمة تخف على ألسنة النساء عند الأمر العجيب وقولها أألد استفهام تعجب قال الزجاج وشيخا منصوب على الحال قال ابن الأنباري إنما أشارت بقولها هذا لتنبه على شيخوخته واختلفوا في سن إبراهيم وسارة يومئذ على أربعة أقوال

[ 105 ]

أحدها أنه كان إبراهيم ابن تسعا وتسعين سنة وسارة بنت ثمان وتسعين سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه كان إبراهيم ابن مائة سنة وسارة بنت تسع وتسعين قاله مجاهد والثالث كان إبراهيم ابن تسعين وسارة مثله قاله قتادة والرابع كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وسارة بنت تسعين قاله عبيد ابن عمير وابن إسحاق قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد قوله تعالى قالوا أتعجبين من أمر الله أي من قضائه وقدرته وهو إيجاد ولد من بين كبيرين قال السدي قالت سارة لجبرئيل ما آية ذلك فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر فقالت هو إذن لله ذبيح قوله تعالى رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت فيه وجهان أحدهما أنه من دعاء الملائكة لهم والثاني أنه إخبار عن ثبوت ذلك لهم ومن تلك البركات وجود أكثر الأنبياء والأسباط من إبراهيم وسارة والحميد بمعنى المحمود فأما المجيد فقال ابن قتيبة بمعنى الماجد وهو الشريف وقال أبو سليمان الخطابي هو الواسع الكرم وأصل المجد في كلامهم السعة يقال رجل ماجد إذا كان سخيا واسع العطاء وفي بعض الأمثال في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثرا منها فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود: قوله تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع يعني الفزع الذي أصابه حين امتنعوا من الأكل يجادلنا فيه إضمار أخذ وأقبل يجادلنا والمراد يجادل رسلنا

[ 106 ]

قال المفسرون لما قال له قالوا له إنا مهلكوا أهل هذه القرية (العنكبوت 31) قال أتهلكون قرية فيها مائة مؤمن قالوا لا قال أتهلكون قرية فيها خمسون مؤمنا قالوا لا قال أربعون قالوا لا فما غير زال ينقص حتى قال فواحد قالوا لا فقال حينئذ إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها (العنكبوت 31) هذا قول ابن إسحاق وقال غيره قيل له إن كان فيهم خمسة لم نعذبهم فما كان فيهم سوى لوط وابنتيه وقال سعيد بن جبير قال لهم أتهاكون أحمد قرية فيها أربعة عشر مؤمنا قالوا لا وكان إبراهيم يعدهم أربعة عشر مع امرأة لوط فسكت واطمأنت نفسه وإنما كانوا ثلاثة عشر فأهلكوا قوله تعالى إن إبراهيم لحليم أواه قد فسرناه في (براءة 114) فعند ذلك قالت الرسل لإبراهيم يا إبراهيم أعرض عن هذا يعنون الجدال إنه قد جاء أمر ربك بعذابهم وقيل قد جاء عذاب ربك فليس بمردود لأن الله قد قضى به ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو أوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من ليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب قوله تعالى ولما جاءت رسلنا لوطا قال المفسرون خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فأتوها عشاء وقال السدي عن أشياخه أتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا بنت لوط تستقي الماء لأهلها فقالوا لها يا جارية هل من منزل قالت نعم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقا عليهم من قومها فأتت أباها فقالت يا أبتاه أدرك فتيانا على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه

[ 107 ]

أن يضيف رجلا فجاء بهم ولم يعلم بهم أحدا إلا أهل بيت لوط فخرجت امرأته فأخبرت قومها فجاؤوا يهرعون إليه قوله تعالى سئ بهم فيه قولان أحدهما ساء ظنه بقومه قاله ابن عباس والثاني ساءه مجئ الرسل لأنه لم يعرفهم وأشفق عليهم من قومه قاله ابن جرير قال الزجاج وأصل سئ بهم سوئ بهم من السوء ألا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين قوله تعالى وضاق بهم ذرعا قال ابن عباس ضاق ذرعا بأضيافه قال الفراء الأصل فيه وضاق ذرعه بهم فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط ونصب الذرع بتحول الفعل عنه كما قال واشتعل الرأس شيبا (مريم 4) ومعناه اشتعل شيب الرأس قال الزجاج يقال ضاق فلان بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصا وذكر ابن الأنباري فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعة عن نفسه فالذرع بعد كناية عن هذا المعنى والثاني أن معناه ضاق صبره وعظم المكروه عليه وأصله من ذرع فلانا القئ إذا غلبه وسبقه أن المعنى ضاق بهم وسعه فناب الذرع والذراع عن الوسع لأن الذراع من اليد والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس هذا في وسعي ويدل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بهذا الأمر ذراعا قال الشاعر إليك إليك ضاق بهم ذرعا فأما العصيب فقال أبو عبيدة العصيب الشديد الذي يعصب الناس بالشر وأنشد يوم عصيب يعصب الا بطالا عصب القوي السلم الطوالا وقال أبو عبيد يقال يوم عصيب ويوم عصبصب إذا كان شديدا قوله تعالى يهرعون إليه قال ابن عباس ومجاهد يهرعون يسرعون وقال الفراء والكسائي لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة قال ابن قتيبة الإهراع شيبه بالرعدة يقال أهرع الرجل إذا أسرع على لفظ ما لم يسم فاعله كما يقال أرعد قال ابن

[ 108 ]

الأنباري الإهراع فعل واقع بالقوم وهو لهم في المعنى كما قالت العرب قد أولع الرجل بالأمر فجعلوه مفعولا وهو صاحب الفعل ومثله أرعد زيد وسهي عمرو من السهو كل واحد من هذه الأفاعيل خرج الاسم معه مقدرا تقدير المفعول وهو صاحب الفعل لا يعرف له فاعل غيره قال وقال بعض النحويين لا يجوز للفعل أن يجعل فاعله مفعولا وهذه الأفعال المذكورة فاعلوها محذوفون يقول وتأويل أولع زيد أولعه الذي طبعه وجبلته وأرعد الرجل أرعده لأن غضبه وسهي عمرو جعله ساهيا ماله أو جهله وأهرع معناه أهرعه خوفه ورعبه فلهذه العلة خرج هؤلاء الأسماء مخرج المفعول به قال وقال بعض اللغويين لا يكون الإهراع إلا إسراع المذعور الخائف لا يقال لكل مسرع مهرع حتى ينضم إلى إسراعه جزع وذعر قال المفسرون سبب إهراعهم وقد أن امرأة لوط أخبرتهم بالأضياف ومن قبل أي ومن قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يعملون السيئات يعني فعلهم المنكر وفي قوله هؤلاء بناتي قولان أحدهما أنهن بناته لصلبه قاله ابن عباس فإن قيل كيف جمع وقد كن اثنتين فالجواب أنه قد يقع الجمع على اثنين كقوله وكنا لحكمهم شاهدين (الأنبياء 78) والثاني أنه عنى نساء أمته لأن كل نبي أبو أمته والمعنى أنه عرض عليهم التزويج أو أمرهم أن يكتفوا بنسائهم وهذا مذهب مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج فإن قيل كيف عرض تزويج المؤمنات على الكافرين فعنه جوابان أحدهما أنه قد كان يجوز ذلك في شريعته وكان جائزا في صدر الإسلام حتى نسخ قاله الحسن والثاني أنه عرض ذلك عليهم بشرط إسلامهم قاله الزجاج ويؤكده أن عرضهن عليهم موقوف على عقد النكاح فجاز أن يقف على شرط آخر قوله تعالى هن أطهر لكم قال مقاتل هن أحل من إتيان الرجال قوله تعالى فاتقوا الله فيه قولان أحدهما اتقوا عقوبته والثاني اتقوا معصيته قوله تعالى ولا تخزون في ضيفي حرك ياء ضيفي أبو عمرو ونافع وفي معنى هذا الخزي ثلاثة أقوال أحدها أنه الفضيحة قاله ابن عباس والثاني الاستحياء والمعنى لا تفعلوا بأضيافي فعلا يلزمني الاستحياء منه لأن

[ 109 ]

المضيف يلزمه الاستحياء من كل فعل يصل إلى ضيفه والعرب تقول قد خزي الرجل يخزي خزاية إذا استحيى قال الشاعر من البيض لا تخزي إذا الريح ألصقت بها مرطها أو زايل الحلي جيدها والثالث أنه بمعنى الهلاك لأن المعرة الني تقع بالمضيف في هذه الحال تلزمه هلكة ذكرهما ابن الأنباري قال ابن قتيبة والضيف هاهنا بمعنى الأضياف والواحد يدل على الجميع كما تقول هؤلاء رسولي ووكيلي قوله تعالى أليس منكم رجل رشيد في المراد بالرشيد قولان أحدهما المؤمن والثاني الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر رويا عن ابن عباس قال ابن الأنباري يجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد فيكون المعنى أليس منكم مرشد يعظكم ويعرفكم قبيح ما تأتون فيكون الرشيد من صفة الفاعل كالعليم والشهيد ويجوز أن يكون الرشيد بمعنى المرشد فيكون المعنى أليس منكم رجل قد أسعده الله بما منحه من الرشاد يصرفكم عن إتيان هذه المعرة فيجري رشيد مجرى مفعول كالكتاب الحكيم بمعنى المحكم قوله تعالى مالنا في بناتك من حق فيه قولان أحدهما مالنا فيهن حاجة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني لسن لنا بأزواج فنستحقهن قاله ابن إسحاق وابن قتيبة قوله تعالى وإنك لتعلم ما نريد قال عطاء وإنك لتعلم أنا نريد الرجال لا النساء قوله تعال لو أن لي بكم قوة أي جماعة أقوى بهم عليكم وقيل أراد بالقوة البطش أو آوي إلى ركن شديد أي أنضم إلى عشيرة وشيعة تمنعني وجواب لو محذوف على تقدير لحلت بينكم وبين المعصية قال أبو عبيدة قوله آوي من قولهم أويت إليك فأنا آوي أويا والمعنى صرت إليك وانضممت ومجاز الركن هاهنا العشيرة العزيزة الكثيرة المنيعة وأنشد يأوى إلى ركن من الأركان في عدد طيس ومجد باني علي والطيس حتى الكثير يقال أتانا لبن طيس وشراب طيس أي كثير واختلفوا أي وقت قال هذا لوط فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب وهم يعالجون الباب ويرومون تسور الجدار

[ 110 ]

فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب قالوا يالوط إنا رسل ربك فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم فأذن له فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم فانصرفوا يقولون النجاء النجاء فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وجعلوا يقولون يالوط كما أنت حتى تصبح يوعدونه فقال لهم لوط متى موعد هلاكهم قالوا الصبح قال لو أهلكتموهم الآن فقالوا أليس الصبح بقريب وقال أبو صالح عن ابن عباس إنهم لما تواعدوه قال في نفسه ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي وأبقى مه هؤلاء فيهلكوني تعالى فقال لو أن لي بكم قوة قلت وإنما يتوجه هذا إذا قلنا إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة وقال قوم إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه وقال آخرون لما نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا وفي الجملة ما أراد بالركن نصر الله وعونه لأنه لم يخل من ذلك وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة وروى أبو هريرة عن رسول الله ص = أنه قال رحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه قوله تعالى لن يصلوا إليك قال مقاتل فيه إضمار تقديره لن يصلوا إليك بسوء وذلك أنهم قالوا للوط إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك فقال له جبريل إنا رسل ربك لن يصلوا إليك قوله تعالى فأسر بأهلك قرأ عاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي فأسر باثبات الهمز في اللفظ من أسريت وقر أ ابن كثير ونافع فاسر بأهلك بغير همز من سريت وهما لغتان قال الزجاج يقال سريت وأسريت إذا سرت ليلا قال الشاعر سريت بهم حتى تكل مطيهم وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وقال النابغة أسرت عليه من الجوزاء سارية تزجي الشمال عليه جامد البرد وقد رووه سرت فأما أهله فقال مقاتل هم امرأته وابنتاه واسم ابنتييه فإن ربثا عمر وزعرثا وقال السدي اسم الكبرى رية واسم الصغرى عروبة والمراد بأهله ابنتاه فأما القطع فهو بمعنى القطعة يقال مضى قطع من الليل أي قطعة قال ابن عباس يريد به آخر الليل قال ابن قتيبة بقطع أي ببقية تبقي من آخره وقال ابن الأنباري ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل ولا يقال عندي قطع من الثوب بمعنى عندي قطعة

[ 111 ]

قوله تعالى ولا يلتفت منكم أحد فيه قولان أحدهما أنه بمعنى لا يتخلف منكم أحد قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه الالتفات المعروف قاله مجاهد ومقاتل قوله تعالى إلا امرأتك قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بنصب التاء وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء قال الزجاج من قرأ بالنصب فالمعنى فأسر بأهلك إلا امرأتك ومن قرأ بالرفع حمله على ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك وإنما أمروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب قاله ابن الأنباري وعلى قراءة الرفع يكون الاستثناء منقطعا معناه لكن امرأتك فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم فإذا كان استثناء منقطعا كان التفاتها معصية لربها لأنه ندب إلى ترك الالتفاف قال قتادة ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية فلما سمعت هدة العذاب التفتت فقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها وهو قوله إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم للعذاب الصبح قوله تعالى أليس الصبح بقريب قال المفسرون قالت الملائكة إن موعدهم الصبح فقال أريد أعجل من ذلك فقالوا له أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد قوله تعالى فلما جاء أمرنا فيه ثلاثة أقوال أحدها أمر الله الملائكة بعذابهم والثاني أن الأمر بمعنى العذاب والثالث أنه بمعنى القضاء بعذابهم قوله تعالى جعلنا عاليها سافلها الكناية تعود إلى المؤتفكات وهي قرى قوم لوط وقد ذكرناها في (براءة 70) ونحن نشير إلى قصة هلاكهم ها هنا قال ابن عباس أمر جبريل لوطا بالخروج وقال اخرج وأخرج غنمك وبقرك فقال كيف لي بذلك وقد أغلقت أبواب المدينة فبسط جناحه وحمله وبنتيه ومالهم شئ فأخرجهم من المدينة وسأل جبريل ربه فقال يا رب ولني هلاك هؤلاء القوم فأوحى الله إليه أن تول هلاكهم فلما أن بدا

[ 112 ]

الصبح غدا عليهم جبريل فاحتملها على جناحه ثم صعد بها حتى خرج الطير في الهواء لا يدري أين يذهب ثم كفأها عليهم وسمعوا وجبة شديدة فالتفت امرأة لوط فرماها جبريل بحجر فقتلها ثم صعد حتى أشرف على الأرض فجعل يتبعهم مسافرهم ورعاتهم ومن تحول عن القرية فرماهم بالحجارة حتى قتلهم وقال السدي اقتلع جبريل الأرض من سبع أرضين فاحتملها حتى بلغ بها إلى أهل السماء الدنيا حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها وقال النبي غيره كانت خمس قرى أعظمها سدوم وكان القوم أربعة آلاف ألف وقيل كان في كل قرية مائة ألف مقاتل فلما رفعها إلى السماء لم ينكسر لهم إناء ولم يسقط حتى قلبها عليهم وقيل نجا من الخمس واحدة لم تكن تعمل مثل عملهم وانفرد سعيد بن جبير فقال إن جبريل وميكائيل توليا قلبها قوله تعالى وأمطرنا عليها في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى القرى والثاني إلى الأمة وفي السجل سبعة أقوال أحدها أنها بالفارسية سنك وكل السنك وإن الحجر والكل الطين هذا قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وقال مجاهد أولها حجر وآخرها طين وقال الضحاك يعني الآجر قال ابن قتيبة من ذهب إلى هذا القول اعتبره بقوله حجارة من طين (الذاريات 33) يعنى الآجر وحكى الفراء أنه طين قد طبخ حتى صار بمنزلة الأرحاء والثاني أنه بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض ومنه نزلت الحجارة قاله عكرمة والثالث أن السجيل اسم السماء الدنيا فالمعنى حجارة من السماء الدنيا قاله قاله ابن زيد والرابع أنه الشديد من الحجارة الصلب قاله أبو عبيدة وأنشد لابن مقبل ورجلة يضربون البيض عن عرض ضربا تواصت به الأبطال سجينا ورد هذا القول ابن قتيبة فقال هذا بالنون وذاك باللام وإنما هو في هذا البيت فعيل

[ 113 ]

من سجنت أي حبست كأنه يثبت صاحبه والخامس أن قوله من سجيل كقولك من سجل أي مما كتب لهم أن يعذبوا به وهذا اختيار الزجاج والسادس أنه من أسجلته أي أرسلته فكأنها مرسلة عليهم والسابع أنه من أسجلت إذا أعطيت حكى القولين الزجاج وفي قوله منضود ثلاثة أقوال أحدها يتبع بعضه بعضا قاله ابن عباس والثاني مصفوف قاله عكرمة وقتادة والثالث نضد بعضه على بعض لأنه طين جمع فجعل حجارة قاله الربيع بن أنس قوله تعالى مسومة قال الزجاج أي معلمة أخذ من السومة وهي العلامة وفي علامتها ستة أقوال أحدها بياض في حمرة رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال الحسن والثاني أنها كانت مختومة فالحجر أبيض وفيه نقطة سوداء أو أسود وفيه نقطة بيضاء رواه العوفي عن ابن عباس والثالث أنها المخططة بالسواد والحمرة رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع عليها نضح من حمرة فيها خطوط حمر على هيأة الجزع قاله عكرمة وقتادة والخامس أنها كانت معلمة بعلامة يعرف بها أنها ليست من حجارة الدنيا قاله ابن جريج والسادس أنه كان على كل حجر منها اسم صاحبه قاله الربيع وحكي عن بعض من رأى تلك الحجارة أنه قال كانت مثل رأس الأبل ومثل مبارك الأبل ومثل قبضة الرجل وفي قوله تعالى عند ربك أربعة أقوال أحدها أن المعنى جاءت من عند ربك قاله ابن عباس ومقاتل والثاني عند ربك معدة قاله أبو بكر الهزلي والثالث أن المعنى هذا كما التسويم لزم هذه الحجارة عند الله إيذانا بنفاذ قدرته وشدة عذابه قاله ابن الأنباري

[ 114 ]

والرابع أن معنى قوله عند ربك في خزائنه التي لا يتصرف في شئ منها إلا بإذنه قوله تعالى وما هي من الظالمين ببعيد في المراد بالظالمين ها هنا ثلاثة أقوال أحدها أن المراد بالظالمين ها هنا كفار قريش خوفهم الله بها قاله الأكثرون والثاني أنه عام في كل ظالم قال قتادة والله ما أجار الله منها ظالما بعد قوم لوط فاتقوا الله وكونوا منه على حذر والثالث أنهم قوم لوط فالمعنى وما هي من الظالمين أي من قوم لوط ببعيد والمعنى لم تكن لتخطئهم قاله الفراء وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا هو المكيال والميزان إني أرايكم وسلم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين قوله تعالى وإلى مدين قد ذكرناه في (الأعراف 85) قوله تعالى ولا تنقصوا المكيال والميزان أي لا تطففوا عنه وكانوا يطففون مع كفرهم قوله تعالى إني أراكم بخير فيه قولان أحدهما أنه رخص الأسعار قاله ابن العباس والحسن ومجاهد والثاني سعة المال وهو مروي عن ابن عباس أيضا وبه قال قتادة وابن زيد وقال الفراء أموالكم كثيرة وأسعاركم إن رخيصة فأي حاجة بكم إلى سوء الوزن والكيل قوله تعالى وأني أخاف عليكم عذاب يوم محيط فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه غلاء السعر قاله ابن عباس وقال مجاهد القحط والجدب والغلاء والثاني العذاب في الدنيا وهو الذي أصابهم قاله مقاتل والثالث عذاب النار في الآخرة ذكره الماوردي قوله تعالى أوفوا المكيال والميزان بالقسط أي أتموا ذلك بالعدل والإيفاء الإتمام ولا تعثوا في الأرض مفسدين بنقص المكيال والميزان

[ 115 ]

بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشؤا إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهيكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أن أنيب ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مل مثل أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود قالوا يا شعيب ما نفقة كثيرا مما تقول وإنا لنريك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعملون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود قوله تعالى بقية الله خير لكم فيه ثمانية أقوال أحدها ما أبقي الله لكم الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس قاله ابن عباس والثاني رزق الله خير لكم روى عن ابن عباس أيضا وبه قال سفيان والثالث طاعة الله خير لكم قاله مجاهد والزجاج والرابع حظكم من الله خير لكم قاله قتادة والخامس رحمة الله خير لكم قال ابن زيد

[ 116 ]

والسادس وصية الله خير لكم قاله الربيع والسابع ثواب الله في الآخرة خير لكم قال مقاتل والثامن مراقبة الله خير لكم ذكره الفراء وقرأ الحسن البصري نقية الله خير لكم بالتاء قوله تعالى إن كنتم مؤمنين شرط الإيمان في كونه خيرا لهم لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله عز وجل عرفوا صحة ما يقول وفي قوله وما أنا عليكم بحفيظ ثلاثة أقوال أحدها ما أمرت بقتالكم وإكراهكم على الإيمان والثاني ما أمرت بمراقبتكم إلا عند كيلكم لئلا تبخسوا والثالث ما أحفظكم من عذاب الله إن نالكم قوله تعالى أصلواتك تأمرك وقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص أصلاتك على التوحيد وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال أحدها دينة قاله عطاء والثاني قراءته قاله الأعمش والثالث أنها الصلوات المعروفة وكان شعيب كثير الصلاة قوله تعالى أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء قال الفراء معنى الآية أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان أحدهما أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف قاله ابن عباس فالمعنى قد تراضينا فيما بيننا بذلك والثاني أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير فنهاهم عن ذلك قاله ابن زيد وقال القرظي عذبوا في قطعهم الدارهم قال ابن الأنباري وقرأ الضحاك بن قيس الفهري ما تشاء بالتاء ونسق أن تفعل على أن تترك واستغنى عن الإضمار قال سفيان الثوري في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك وابن

[ 117 ]

أبي عبلة أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء بالتاء فيهما ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري وفي قوله (إنك لأنت الحليم الرشيد) أربعة أقوال أحدها أنهم قالوه استهزاء به رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال قتادة والفراء والثاني أنهم قالوا له إنك لأنت السفيه الجاهل فكنى بهذا عن ذلك ذكره الزجاج والثالث أنهم سبوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد فأثنى الله عز وجل عليه فقال بل إنك لأنت الحليم الرشيد لا كما قال لك الكافرون حكاه أبو سليمان الدمشقي عن أبي الحسن المصيصي والرابع أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة وقالوا أنت حليم رشيد فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء حكاه الماوردي وذهب إلى نحوه ابن كيسان قوله تعالى (إن كنت على بينة من ربي) قد تقدم تفسيره [ هود 28 و 63 ] وفي قوله (ورزقني منه رزقا حسنا) ثلاثة أقوال أحدها أنه الحلال قال ابن عباس وكان شعيب كثير المال والثاني النبوة والثالث العلم والمعرفة قال الزجاج وجواب الشرط هاهنا متروك والمعنى إن كنت على بينة من ربي أتبع الضلال فترك الجواب لعلم المخاطبين بالمعنى وقد مر مثل هذا قوله تعالى (وما أريد أن أخلفكم فيه إلى ما أنهاكم عنه) قال قتادة لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه وقال الزجاج ما أقصد بخلافكم القصد إلى ارتكابه قوله تعالى (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) أي ما أريد بما آمركم به إلا إصلاح أموركم بقدر طاقتي وقدر طاقتي إبلاغكم لا إجباركم صلى قوله تعالى (وما توفيقي إلا بالله) فتح تاء توفيقي أهل المدينة وابن عامر ومعنى الكلام ما أصابتي وقال الحق في محاولة صلاحكم إلى بالله (عليه توكلت) أي فوضت أمري وذلك أنهم تواعدوه بقولهم (لنخرجنك يا شعيب) [ الأعراف 88 ] (وإليه أنيب) أي أرجع قوله تعالى (لا يجرمنكم شقاقي) حرك هذه الياء ابن كثير وأبو عمرو ونافع قال

[ 118 ]

الزجاج لا تكسبنكم أنه عداوتكم إياي أن تعذبوا قوله تعالى (وما قوم لوط منكم ببعيد) فيه قولان أحدهما أنهم كانوا قريبا من مساكنهم والثاني أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط قال الزجاج كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها قال ابن الأنباري إنما وحد بعيدا لأنه أزاله عن صفة القوم وجعله نعتا مكان محذوف تقديره وما قوم لوط منكم بمكان بعيد قوله تعالى (إن ربي رحيم ودود) قد سبق معنى الرحيم فأما الودود فقال ابن الأنباري معناه المحب لعباده من قولهم وددت الرجل أوده ودا وودا وودا ويقال وددت الرجل ودادا وو دادة وودادة وقال الخطابي هو اسم مأخوذ من الود وفيه وجهان أحدهما أن يكون فعولا في محل مفعول كما قيل رجل هيوب بمعنى مهيب وفرس ركوب يمعنى مركوب فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرفونه وهو من إحسانه إليهم والوجه الآخر أن يكون بمعنى الواد أي أنه يود عباده الصالحين بمعنى أنه يرضى عنهم بتقبل أعمالهم ويكون معناه أن يوددهم إلى خلقه كقوله (سيجعل لهم الرحمن ودا) [ مريم 96 ] قوله تعالى (ما نفقه كثيرا مما تقول) قال ابن الأنباري معناه ما نفقه صحة كثير مما تقول لأنهم كانوا يتدينون بغيره ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه قوله تعالى (وإنا لنراك فينا ضعيفا) وفيه أربعة أقوال أحدها ضريرا قال ابن عباس وابن جبير وقتادة كان أعمى قال الزجاج ويقال إن حمير تسمي المكفوف ضعيفا والثاني ذليلا قاله الحسن وأبو روق ومقاتل وزعم أبو روق أن الله لم يبعث نبيا أعمى ولا نبييا به زمانة والثالث ضعيف البصر قاله سفيان والرابع عاجزا عن التصرف في المكاسب ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (ولولا رهطك لرجمناك) قال الزجاج لولا عشيرتك لقتلناك بالرجم والرجم

[ 119 ]

من سئ القتلات وكان رهطه من أهل ملتهم فلذلك أظهروا الميل إليهم والإكرام لهم وذكر بعضهم أن الرجم هاهنا بمعنى الشتم والأذى قوله تعالى (وما أنت علينا بعزيز) فيه قولان أحدهما بكريم والثاني بممتنع أن نقتلك قوله تعالى (أرهطي صلى الله عليه وسلم أعز عليكم من الله) وأسكن ياء رهطي أهل الكوفة ويعقوب والمعنى أتراعون إذا رهطي في ولا تراعون الله في قوله تعالى (واتخذتموه فقال وراءكم) في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله الجمهور قال الفراء المعنى رميتم بأمر الله وراء ظهوركم قال الزجاج والعرب تقول لكل من لا يعبأ بأمر قد جعل فلان هذا الأمر بظهر قال الشاعر تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها والثاني أنها كناية عما جاء به شعيب قاله مجاهد قوله تعالى (إن ربي بما تعملون محيط) أي عالم بأعماكم أي فهو بجازيكم بها وما بعد هذا قد سبق تفسيره إلى قوله (سوف تعلمون) [ الأنعام 135 ] فإن قال قائل كيف قال هاهنا سوف وفي سورة أخرى فسوف [ الأنعام 135 ] فالجواب أن كلا الأمرين حسن عند العرب إن أدخلوا الفاء دلوا على اتصال ما بعد الكلام بما قبله وإن أسقطوها بنوا الكلام الأول على أنه قد تم وما بعده مستأنف كقوله (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا) [ البقرة 67 ] ثنا والمعنى فقالوا أتتخذنا بالفاء فحذفت الفاء لتمام ما قبلها قال امرؤ القيس فقالت يمين الله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي خرجت بها أمشي تجر وراءنا على إثرنا أذيال مرط مرحل قال ابن الأنباري أراد فخرجت فأسقط الفاء لتمام ما قبلها ويروى فقمت بها أمشي قوله تعالى (وارتقبوا به إني معكم رقيب) قال ابن عباس ارتقبوا العذاب فإني أرتقب الثواب

[ 120 ]

قوله تعالى (وأخذت هذا الذين ظلموا الصيحة) قال المفسرون صاح بهم جبريل فماتوا في أمكنتهم قال محمد بن كعب عذب أهل مدين بثلاثة أصناف من العذاب أخذتهم رجفة في ديارهم حتى خافوا أن تسقط عليهم فخرجوا منها فأصابهم حر شديد فبعث الله الظلة فتنادوا هلم إلى الظل فدخلوا جميعا في الظلة فصيح بهم صيحة واحدة فماتوا كلهم قال ابن عباس لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم نشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها ريح بعد أن امتنعت الريح عنهم فأتوها يستطلون ثم تحتها فأحرقتهم قوله تعالى (كما بعدت ثمود) أي كما هلكت ثمود قال ابن قتيبة يقال بعد يبعد إذا كان بعده هلكة وبعد يبعد إذا نأى أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد قوله تعالى (ولقد أرسنا موسى بآياتنا) قال الزجاج بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته (وسلطان رسول مبين) اي حجة بينة قوله تعالى (فاتبعوا أمر فرعون) وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه آلها (وما أمر فرعون برشيد) أي مرشد إلى خير ولا قومه يوم القيامة فاوردهم النار وبئس الورد المورود لم قوله تعالى (يقدم قومه يوم القيامة) قال الزجاج يقال قدمت القوم أقدمهم قدما وقدوما إذا تقدمتهم والمعنى يقدمهم إلى النار ويدل عليه قوله (فأوردهم النار) قال ابن عباس أرودهم حدثنا بمعنى أدخلهم وقال قتادة يمضي بين ايديهم حتى يهجم بهم على النار قوله تعالى (وبئس الورد المورود) قال المفسرون الورد الموضع الذي ترده وقال ابن الأنباري الورد مصدر معناه الورود تجعله العرب بمعنى الموضع المورود فتلخيص

[ 121 ]

الحرف وبئس المدخل المدخول النار في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ابن قوله تعالى (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة) في هذه اللعنة قولان أحدهما أنها في الدنيا الغرق وفي الآخرة عذاب النار هذا قول الكلبي ومقاتل والثاني أنها اللعنة في الدنيا من المؤمنين وفي الآخرة من الملائكة ذكره الماوردي قوله تعالى (بئس الرفد المرفود) قال ابن قتيبة الرفد العطية يقول اللعنة بئس العطية يقال رفدته أرفده إذا أعطيته واعنته والمرفود قوله المعطى من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد له قوله تعالى (ذلك من أنباء القرى) يعني ما تقدم من الخبر عن القرى المهلكة (نقصه عليك) أي نخبرك به (منها قائم وحصيد) ذلك قال قتادة القائم ما يرى مكانه والحصيد لا يرى أثره وقال ابن قتيبة القائم الظاهر العين والحصيد الذي قد أبيد وحصد وقال الزجاج القائم ما بقيت حيطانه والحصيد الذي خسف به وما قد امحى أثره وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب قوله تعالى (وما ظلمناهم) أي بالعذاب والإهلاك (ولكن ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعاصي (فما أغنت عنهم آلهتهم) أي فما نفعتهم ولا دفعت عنهم شيئا (لما جاء أمر ربك) بالهلاك (وما زادوهم يعني الآلهة (غير تتبيب) وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه التخسير رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة واختاره ابن قتيبة والزجاج والثاني أنه الشر قاله ابن زيد والثالث التدمير والإهلاك قاله أبو عبيدة

[ 122 ]

فإن قيل الآلهة جماد فكيف قال زادوهم فعنه جوابان أحدهما وما زادتهم عبادتها والثاني أنها في القيامة تكون عونا عليهم فتزيدهم شرا وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد قوله تعالى (وكذلك أخذ ربك) أي وكما ذكر من إهلاك الأمم وأخذهم بالعذاب أخذ ربك (إذا أخذ القرى وهي ظالمة) وصف القرى بالظلم والمراد أهلها وقال ابن عباس الظلم هاهنا بمعنى الكفر في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود محمد قوله تعالى (إن في ذلك لآية) يعني ما ذكر من عذاب الأمم وأخذهم والآية العبرة والعظة (ذلك يوم مجموع له الناس) لأن الخلق يحشرون فيه ويشهده البر والفاجر وأهل السماء والأرض (وما نؤخره) إلى وروى زيد عن يعقوب وابو زيد عن المفضل وما يؤخره بالياء والمعنى وما نؤخر ذلك اليوم إلا لوقت معلوم لا يعلمه إلا الله يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ قوله تعالى (يوم يأت) كان قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي يوم يأتي بياء في الوصل وحذفوها أبو في الوقف غير أن ابن كثير كان يقف بالياء ويصل بالياء وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة بغير ياء في الوصل والوقف قال الزجاج الذي يختاره النحويون يوم يأتي

[ 123 ]

باثبات الياء والذي في المصحف وعليه أكثر القراءات بكسر التاء وهذيل تستعمل حذف هذه الياءات كثيرا وقد حكى الخليل وسيبويه أن العرب تقول لا أدر فتحذف الياء وتجتزئ بالكسرة ويزعمون أن ذلك لكثرة الاستعمال وقال الفراء كل ياء ساكنة وما قبلها مكسور أو واو ساكنة وما قبلها مضموم فإن العرب تحذفها وتجتزئ بالكسرة من الياء وبالضمة أو من الواو وانشدني بعضهم كفاك كف ما تليق درهما جودا وأخرى تعط بالسيف الدما قال المفسرون وقوله (يوم يأتي) يعني يأتي ذلك اليوم لا تكلم نفس إلا بإذن الله فكل الخلائق ساكتون إلا من أذن الله له في الكلام وقيل المراد بهذا الكلام الشفاعة قوله تعالى (فمنهم شقي) قال ابن عباس منهم من كتبت عليه الشقاوة ومنهم من كتبت له السعادة قوله تعالى (لهم فيها زفير وشهيق) فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الزفير كزفير الحمار في الصدر وهو أول ما ينهق والشهيق كشهيق الحمار في الحلق وهو آخر ما يفرغ من نهيقه رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومقاتل والفراء وقال الزجاج الزفير شديد الأنين وقيبحه) والشهيق الأنين الشديد المرتفع جدا وهما من أصوات المكروبين وزعم أهل اللغة من الكوفيين والبصريين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار في النهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته في النهيق والثاني أن الزفير في الحلق والشهيق في الصدور رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال أبو العالية والربيع بن أنس وفي رواية أخرى عن ابن عباس الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف وقال ابن فارس الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس وقال غيره الزفير الشديد مأخوذ من الزفر وهو الحمل على الظهر لشدته والشهيق النفس الطويل الممتد مأخوذ من قولهم جبل شاهق أي طويل والثالث أن الزفير زفير الحمار والشهيق شهيق البغال قاله ابن السائب قوله تعالى (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) المعروف فيه قولان أحدهما أنها السموات المعروفة عندنا والأرض المعروفة قال ابن قتيبة وابن الأنباري للعرب في معنى الأبد الفاظ تقول لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار وما دامت السموات ولأرض وما اختلفت الجرة والدرة وما أطت الإبل في أشباه لهذا كثيرة ظنا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير فخاطبهم الله بما يستعملون في كلامهم

[ 124 ]

والثاني أنها سموات الجنة والنار وأرضهما قوله تعالى (إلا ما شاء ربك) في الاستثناء المذكور في حق أهل النار سبعة أقوال أحدها أن الاستثناء في حق الموحدين الذين يخرجون بالشفاعة قاله ابن عباس والضحاك والثاني أنه استثناء لا يفعله تقول والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وعزيمتك على ضربه ذكره الفراء وهو معنى قول أبي صالح عن ابن عباس إلا ما شاء ربك قال فقد شاء أن يخلدوا فيها قال الزجاج وفائدة هذا أنه لو شاء أن يرحمهم لرحمهم ولكنه أعلمنا أنهم خالدون أبدا والثالث أن المعنى خالدين فيها أبدا غير أن الله تعالى يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم ثم يجدد خلقهم فيرجع الاستثناء إلى تلك الحال قاله ابن مسعود والرابع أن إلا بمعنى سوى تقول لو كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد فالمعنى خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود والزيادة وهذا اختيار الفراء قال ابن قتيبة ومثله في الكلام أن تقول لأسكننك عبد في هذه الدار حولا إلا ما شئت تريدك سوى ما شئت أن أزيدك والخامس أنهم إذا حشروا وبعثوا فهم في شروط القيامة فالاستثناء واقع في الخلود بمقدار موقفهم في الحساب فالمعنى خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا مقدار موقفهم للمحاسبة ذكره الزجاج وقال ابن كيسان الاستثناء يعود إلى مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب قال ابن قتبية فالمعنى خالدين في النار وخالدين في الجنة دوام السماء والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك فكأنه جعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد على ما كانت العرب تستعمل وإن كانتا قد تتغيران واستثنى المشيئة من دوامهما لأن أهل الجنة والنار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة ولا في النار والسادس أن الاستثناء وقع على أن لهم فيها زفيرا وشهيقا إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب التي لم تذكر وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم مما يذكر ما شاء ربك ذكره الزجاج أيضا والسابع أن إلا بمعنى كما ومنه قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) [ النساء 22 ] ذكره الثعلبي

[ 125 ]

فأما الاستثناء في حق أهل الجنة ففيه ستة أقوال أحدها أنه استثناء لا يفعله والثاني أن إلا بمعنى سوى والثالث أنه يرجع إلى وقوفهم للحساب ولبثهم في القبور والرابع أنه يمعنى إلا ما شاء أن يزيدهم من النعيم الذي لم يذكر والخامس أن إلا ك ما وهذه الأقوال قد سبق شرحها والسادس أن الاستثناء يرجع إلى لبث من لبث في النار من الموحدين ثم أدخل الجنة قاله ابن عباس والضحاك ومقاتل قال ابن قتيبة فيكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار فكأنه قال إلا ما شاء ربك من أخراج المذنبين إلى الجنة وخالدين في الجنة إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة واختلف القراء في سعدوا فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم سعدوا بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بضمها وهما لغتان قوله تعالى (عطاء غير مجذوذ) نصب عطاء بما دل عليه الكلام كأنه قال أعطاهم النعيم عطاء والمجذوذ المقطوع قال ابن قتيبة يقال جذذت وجددت وجذفت وجدفت أبي إذا قطعت فلا تك مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص قوله تعالى (فلا تك في مرية) (أي فلا تك يا محمد في شك (مما يعبد هؤلاء)

[ 126 ]

المشركون من الأصنام أنه باطل وضلال إنما يقلدون آباءهم (وإنا لموفهم ما نصيبهم) وفيه ثلاثة أقوال أحدها ما قدر لهم من خير وشر قاله ابن عباس والثاني نصيبهم من الرزق قاله أبو العالية والثالث نصيبهم من العذاب قاله ابن زيد وقال بعضهم لا ينقصهم من عذاب آبائهم ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب قوله تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة (فاختلف فيه) فمن مصدق به ومكذب كما فعل قومك بالقرآن قال المفسرون وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال ابن عباس يريد إني أخرت أمتك إلى يوم القيامة ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك وقال ابن قتيبة لولا نظرة لهم إلى يوم الدين لقضي بينهم في الدنيا وقال ابن جرير سبقت من ربك أنه لا يعجل على خلقه بالعذاب لقضي بين المصدق منهم والمكذب باهلاك المكذب وإنجاء المصدق قوله تعالى (وإنهم لفي شك منه) أي من القرآن (مريب) أي موقع للريب وان كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير قوله تعالى (وإن كلا) يشير إلى جميع من قص قصته في هذه السورة وقال مقاتل يعني به كفار هذه الأمة وقيل المعنى وإن كلا لخلق أو بشر (ليوفينهم) لا قرأ أبو عمرو والكسائي وإن مشددة النون لما خفيفة واللام في لما لام التوكيد دخلت على ما وهي خبر إن واللام في ليوفينهم اللام التي يتلقى بها القسم والتقدير والله ليوفينهم ودخلت ما للفصل بين اللامين قال مكي بن أبي طالب وقيل إن ما زائدة لكن دخلت لتفصل بين اللامين اللذين يتلقيان القسم وكلاهما مفتوح ففصل ب ما بينهما أن وقرأ ابن كثير وإن بالتخفيف وكذلك لما قال سيبويه حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول

[ 127 ]

إن عمرا لمنطلق فيخففون إن ويعملونها وأنشد ووجه حسن النحر كأن ثدييه حقان وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وإن خفيفة لما مشددة والمعنى وما كلا إلا وهذا كما تقول سألتك لما فعلت وإلا فعلت ومثله قوله (إن كل نفس لما عليها حافظ) [ الطارق على 4 ] وقرأ حمزة وابن عامر وحفص عن عاصم وإن بالتشديد لما بالتشديد أيضا قال أبو علي هذه قراءة مشكلة لأنه كما لا يحسن إن زيدا إلا منطلق كذلك لا يحسن تثقيل إن وتثقيل لما وحكى عن الكسائي أنه قال لا أعرف وجه التثقيل في لما ولم يبعد فيما قال وقال مكي بن أبي طالب الأصل فيها لمن ما ثم أدغمت النون في الميم فاجتمعت ثلاث ميمات في اللفظ فحذفت الميم المكسورة والتقدير وإن كلا لمن خلق ليوفينهم قال وقيل التقدير لمن ما بفتح الميم في من فتكون ما زائدة وتحذف إحدى الميمات لتكرير الميم في اللفظ والتقدير لخلق ليوفينهم ومعنى الكلام ليوفينهم جزاء أعمالهم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير قوله تعالى (فاستقم كما أمرت) قال ابن عيينة استقم على القرآن وقال ابن قتيبة امض على ما أمرت به قوله تعالى (ومن تاب معك) قال ابن عباس من تاب معك من الشرك قوله تعالى (ولا تطغوا) فيه ثلاثة أقوال أحدها لا يطغوا في القرآن فتحلوا وتحرموا ما لم آمركم به قاله ابن عباس والثاني لا تعصوا ربكم ولا تخالفوه قاله ابن زيد والثالث لا تخلطوا التوحيد بشك قاله مقاتل ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) قوله تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) روى عبد الوارث عن أبي عمرو تركنوا بفتح التاء وضم الكاف وهي قراءة قتادة وروى هارون عن أبي عمرو تركنوا بفتح التاء وكسر الكاف وروى محبوب عن أبي عمرو تركنوا بكسر التاء وفتح الكاف وقرأ ابن أبي عبلة تركنوا بضم التاء وفتح الكاف على ما لم يسم فاعله وفي المراد بهذا الركون أربعة أقوال

[ 128 ]

أحدها لا تميلوا إلى المشركين قاله ابن عباس والثاني لا ترضوا أعمالهم قاله أبو العالية والثالث لا تلحقوا بالمشركين قاله قتادة والرابع لا تداهنوا الظلمة قاله السدي وابن زيد وفي قوله (فتمسكم النار) وجهان أحدهما فتصيبكم النار قاله ابن عباس والثاني فيتعدى إليكم ظلمهم كما تتعدى النار إلى إحراق ما جاورها ذكره الماوردي قوله تعالى (وما لكم من دون الله من أولياء) أي ليس لكم أعوان يمنعونكم من العذاب واقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيآت ذلك ذكرى للذاكرين قوله تعالى (وأقم الصلاة طرفي النهار) أما سبب نزولها فروى علقمة والأسود عن ابن مسعود أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أخذت امرأة في البستان فقبلتها وضممتها إلي وباشرتها وفعلت بها كل شئ غير أني لم أجامعها فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الصلاة طرفي النهار فدعا الرجل فقرأها عليه فقال عمر أهي له خاصة أم للناس كافة قال لا بل للناس كافة وفي رواية أخرى عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله فذكر ذلك له فنزلت هذه الآية فقال الرجل إلي هذه الآية فقال لمن عمل بها من أمتي وقال معاذ بن جبل كنت قاعدا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل أصاب من امرأة مالا يحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا أصابه منها غير أنه لم يجامعها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال معاذ أهي له خاصة أم للمسلمين عامة فقال بل هي للمسلمين عامة واختلفوا في إسم هذا الرجل فقال أبو صالح عن ابن عباس هو عمرو بن غزية الأنصاري وفيه نزلت هذه الآية كان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع منه تمرا فأعجبته فقال إن في البيت تمرا أجود من هذا فانطلقي معي حتى أعطيك منه فذكر

[ 129 ]

نحو حديث معاذ وقال مقاتل هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري وذكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري وذكر في الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم أله خاصة ثلاثة أقوال أحدها أنه أبو اليسر صاحب القصة والثاني معاذ بن جبل والثالث عمر بن الخطاب فأما التفسير فقوله (وأقم الصلاة) أي أتم ركوعها وسجودها فأما طرفا النهار ففي الطرف الأول قولان أحدهما أنه صلاة الفجر قاله الجمهور والثاني أنه الظهر حكاه ابن جرير وفي الطرف الثاني ثلاثة أقوال أحدها أنه صلاة المغرب قاله ابن عباس وابن زيد الثاني العصر قاله قتادة وعن الحسن كالقولين والثالث الظهر والعصر قاله مجاهد والقرظي وعن الضحاك كالأقوال الثلاثة قوله تعالى (وزلفا من الليل) وقرأ أبو جعفر وشيبة وزلفا بضم اللام قال أبو عبيدة الزلف الساعات واحدها زلفة أي ساعة ومنزلة وقربة ومنه سميت المزدلفة قال العجاج ناج واه الأين مما أوجفا الله طي الليالي زلفا فزلفا سماوة الهلال حتى احقوا قال ابن قتيبة ومنه يقال أزلفني عن كذا عندك أي أدناني والمزالف المنازل والدرج وكذلك الزلف وفيما للمفسرين قولان أحدهما أنها صلاة العتمة رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وعوف عن الحسن وابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال ابن زيد والثاني أنها صلاة المغرب والعشاء روي عن ابن عباس أيضا ورواه يونس عن الحسن ومنصور عن مجاهد وبه قال قتادة ومقاتل والزجاج قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) في المراد بالحسنات قولان

[ 130 ]

أحدهما أنها الصلوات الخمس قاله ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ومسروق ومجاهد والقرظي والضحاك والمقاتلان من ابن سليمان وابن حيان والثاني أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه منصور عن مجاهد والأول أصح لأن الجمهور عليه وفيه حديث مسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ وقال من توضأ وضوئي هذا ثم صلى الظهر غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح ومن صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر ومن صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها ويبن صلاة المغرب ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات فأما السيئات المذكورة هاهنا فقال المفسرون هي الصغائر من الذنوب وقد روى معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله أوصني قال اتق الله حيثما كنت قال قلت زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قلت زدني قال خالق الناس بخلق حسن قوله تعالى (ذلك ذكرى للذاكرين) في المشار إليه ب ذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه القرآن والثاني إقام الصلاة والثالث جميع ما تقدم من الوصية بالاستقامة والنهي عن الطغيان وترك الميل إلى الظالمين والقيام بالصلاة وفي المراد بالذكرى قولان أحدهما أنه بمعنى التوبة والثاني بمعنى العظة واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين قوله تعالى (واصبر) في فيما أمر بالصبر عليه قولان أحدهما لما يلقاه من أذى قومه

[ 131 ]

والثاني الصلاة وفي المراد بالمحسنين ثلاثة أقوال أحدها المصلون قاله ابن عباس والثاني المخلصون قاله مقاتل والثالث أنهم المحسنون في أعمالهم قاله أبو سليمان فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين قوله تعالى (فلولا كان من القرون) قال ابن عباس والفراء المعنى فلم يكن وقال ابن قتيبة المعنى فهلا كان من القرون من قبلكم أولو بقية وروى ابن جماز عن أبي جعفر أولو بقية بكسر الباء وسكون القاف وتخفيف الياء وفي معنى أولو بقية ثلاثة أقوال أحدها أولو دين قاله ابن عباس قال ابن قتيبة يقال قوم لهم بقية وفيهم بقية إذا كانت بهم مسكة وفيهم خير والثاني أولو تمييز والثالث أولو طاعة ذكرهما الزجاج وقال إذا قلت فلان فيه بقية فمعناه فيه فضل قوله تعالى (إلا قليلا) استثناء منقطع أي لكن قليلا ممن أنجينا منهم ممن نهى عن الفساد قال مقاتل لم يكن من القرون من ينهى عن المعاصي والشرك إلى قليلا ممن أنجينا من العذاب مع الرسل قوله تعالى (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) أي اتبعوا مع ظلمهم ما أترفوا فيه مع استدامة نعيمهم فلم يقبلوا ما ينقص من ترفهم قال الفراء آثروا اللذات على أمر الآخرة قال ويقال اتبعوا ذنوبهم السيئة إلى النار وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

[ 132 ]

قوله تعالى (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) فيه قولان أحدهما بغير جرم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني بشرك ذكره ابن جرير وابو سليمان وفي قوله (وأهلها مصلحون) ثلاثة أقوال أحدها ينتصف بعضهم من بعض رواه قيس بن أبي حازم عن جرير قال أبو جعفر الطبري فيكون المعنى لا يهلكهم إذا تناصفوا بن وإن كانوا مشركين وإنما يهلكهم إذا تظالموا والثاني مصلحون لأعمالهم متمسكون بالطاعة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث مؤمنون قاله مقاتل ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين قوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) قال ابن عباس لو شاء أن يجعلهم كلهم مسلمين لفعل قوله تعالى (ولا يزالون مختلفين) في المشار إليهم قولان أحدهما أنهم أهل الحق وأهل الباطل رواه الضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى إن هؤلاء يخالفون هؤلاء والثاني أنهم أهل الأهواء لا يزالون مختلفين رواه عكرمة عن ابن عباس قوله تعالى (إلا من رحم ربك) قال ابن عباس هم أهل الحق وقال الحسن أهل رحمة اللة لا يختلفون قولة تعالى (ولذلك خلقهم) في المشار إلية بذلك أربعة أقوال أحدها أنه يرجع إلى ماهم عليه قال ابن عباس خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف وفريقا لا يرحم يختلف والثاني أنه يرجع إلى الشقاء والسعادة قاله ابن عباس أيضا واختاره الزجاج قال لأن اختلافهم مؤديهم هذه إلى سعادة وشقاوة قال ابن جرير واللام في قوله ولذلك بمعنى على

[ 133 ]

والثالث أنه يرجع إلى الاختلاف رواه مبارك عن الحسن والرابع أنه يرجع إلى الرحمة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة فعلى هذا يكون المعنى ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم قوله تعالى (وتمت كلمة ربك) قال ابن عباس وجب قول ربك (لأملأن جهنم) من كفار الجنة وكفار الناس وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين قوله تعالى (وكلا نقص) سنة قال الزجاج كلا منصوب ب نقص المعنى كل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل نقص عليك وما منصوبة بدلا من كل المعنى نقص عليك ما نثبت به فؤادك ومعنى تثبيت الفؤاد تسكين القلب هاهنا ليس للشك ولكن كلما كان البرهان والدلالة أكثر كان القلب أثبت قوله تعالى (وجاءك في هذه الحق) في المشار إليه ب هذه أربعة أقوال أحدها أنها السورة قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية ورواه شيبان عن قتادة والثاني أنها الدنيا فالمعنى وجاءك في هذه الدنيا رواه سعيد عن قتادة وعن الحسن كالقولين والثالث أنها الأقاصيص المذكورة والرابع أنها هذه الآية بعينها ذكر القولين ابن الأنباري وفي المراد بالحق هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أنها البيان والثاني صدق القصص والأنباء والثالث النبوة فإن قيل أليس قد جاءه الحق في كل القرآن فلم خص هذه السورة

[ 134 ]

فالجواب أنا إن قلنا إن الحق النبوة فالإشارة ب هذه إلى الدنيا فيكون المعنى وجاءك في هذه الدنيا النبوة فيرتفع الإشكال وإن قلنا إنها السورة فعنه أربعة أجوبة أحدها أن المراد بالحق البيان وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم وشرح مالهم قالهم يجمع غيرها فبان أثر التخصيص وهذا مذهب بعض المفسرين والثاني أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا ولهذا يقول الناس فلان في الحق إذا كان في الموت وإن لم يكن قبله في باطل ولكن لتعظيم ما هو فيه فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره وهذا مذهب الزجاج والثالث أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها وإن كان في غيرها حق أيضا فهو كقوله (والصلاة الوسطى) [ البقرة 238 ] عمرو وقوله (وجبريل قبل وميكال) يحيى [ البقرة 98 ] وهذا مذهب ابن الأنباري والرابع أن المعنى وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور قاله ابن جرير الطبري قوله تعالى (وموعظة وذكرى للمؤمنين) أي يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم وقل صلى للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون قوله تعالى (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم) هذا تهديد ووعيد والمعنى اعملوا ما أنتم عاملون فستعلمون عاقبة أمركم (وانتظروا) الرحمن ما يعدكم الشيطان (إنا منتظرون) ما يعدنا ربنا فصل قال المفسرون وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم والاقتناع بانذارهم وهي منسوخة بآية السيف واعلم أنه إذا قلنا إن المراد بالآية التهديد لم يتوجه نسخ

[ 135 ]

ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون قوله تعالى (ولله غيب السموات والأرض) أي علم ما غاب عن العباد فيهما (وإليه يرجع الأمر كله) قرأ نافع وحفص عن عاصم يرجع الأمر كله بضم الياء وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم يرجع بفتح الياء والمعنى إن كل الأمور ترجع إليه في المعاد (فاعبده) وكان أي وحده (وتوكل عليه) أي ثق به (وما ربك بغافل عما يعملون) قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم تعملون بالتاء وقرأ الباقون بالياء قال أبو علي فمن قرأ بالياء فالمعنى قل لهم وما ربك بغافل عما يعملون ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم فهو أعم من الياء وهذا وعيد والمعنى إنه يجزي المحسن باحسانه والمسئ باساءته قال كعب خاتمة التوراة خاتمة هود

[ 136 ]

سورة يوسف [ عليه السلام ] مكية وآياتها ومائة بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب المبين فصل في نزولها روى هي مكية بالإجماع وفي سبب نزولها قولان أما القول الأول فروي عن سعد بن أبي وقاص قال أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله تعالى (آلر ولم تلك آيات الكتاب المبين) إلى قوله (نحن نقص عليك أحسن القصص) فتلاه عليهم زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فأنزل الله تعالى (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني) [ الزمر 23 ] كل ذلك يؤمرون بالقرآن وقال عون بن عبد الله مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا يا رسول الله حدثنا فأنزل الله عز وجل (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني) [ الزمر 23 ] ثم إنهم ملوا ملة أخرى فقالوا يا رسول الله فوق الحديث ودون القرآن يعنون القصص فأنزل الله (نحن نقص عليك أحسن القصص) فأراد الحديث فدلهم على أحسن الحديث وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص والثاني رواه الضحاك عن ابن عباس قال سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا حدثنا عن أمر يعقوب وولده وشأن يوسف فأنزل الله عز وجل صلى تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا وذلك أن التوراة بالعبرانية والإنجيل بالسريانية وأنتم قوم عرب ولو أنزلته بغير العربية ما فهمتموه وقد بينا تفسير أول هذه السورة في أول (يونس) إلا أنه قد ذكر ابن الأنباري زيادة وجه في هذه السورة فقال لما لحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملل وسآمة فقالوا له حدثنا

[ 137 ]

بما يزيل عنا هذا الملل فقال تلك الأحاديث التي تقدرون الانتفاع بها وانصراف الملل هي آيات الكتاب المبين وفي معنى المبين خمسة أقوال أحدها البين حلاله وحرامه قاله ابن عباس ومجاهد والثاني المبين للحروف التي تسقط عن ألسن الأعاجم رواه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل والثالث البين هداه ورشده قاله قتادة والرابع المبين للحق من الباطل والخامس البين إعجازه فلا يعارض ذكرهما الماوردي إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون قوله تعالى (إنا أنزلناه) في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى الكتاب قاله الجمهور والثاني إلى خبر يوسف ذكره الزجاج وابن القاسم قوله تعالى (قرآنا عربيا) قد ذكرنا معنى القرآن واشتقاقه في سورة (النساء 82) وقد اختلف الناس هل في القرآن شئ بغير العربية أم لا فمذهب أصحابنا أنه ليس فيه شئ بغير العربية وقال أبو عبيدة من زعم أن في القرآن لسانا سوى العربية فقد أعظم على الله القول واحتج بقوله (إنا جعلناه قرآنا عربيا) [ الزخرف 3 ] وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة أن فيه من غير لسان العرب مثل سجيل والمشكاة واليم والطور وأباريق وإستبرق وغير ذلك وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال قال أبو عبيد وهؤلاء أعلم من أبي عبيدة ولكنهم ذهبوا إلى مذهب وذهب هو إلى غيره وكلاهما مصيب إن شاء الله وذلك أن هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل فقال أولئك على الأصل ثم لفظت به العرب بالسنتها فعربته فصار عربيا بتعريبها إياه فهي عربية في هذه الحالة أعجمية الأصل فهذا القول يصدق الفريقين جميعا قوله تعالى (لعلكم تعقلون) قال ابن عباس لكي تفهموا

[ 138 ]

نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين قوله تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص) قد ذكرنا سبب نزولها في أول الكلام وقد خصت بسبب آخر فروي عن سعيد بن جبير قال اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى سلمان فقالوا حدثنا عن التوراة فإنها حسن ما فيها فأنزل الله تعالى (نحن نقص عليك أحسن القصص) يعني قصص القرآن أحسن مما في التوراة قال الزجاج والمعنى نحن نبين لك أحسن البيان والقاص الذي يأتي بالقصة على حقيقتها قال وقوله (بما أوحينا إليك) أي بوحينا إليك هذا القرآن قال العلماء وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص لأنها جمعت ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والأنعام وسير الملوك والمماليك والتجار والعلماء والرجال والنساء وحيلهن وذكر التوحيد والفقه والسر وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش والصبر على الأذى والحلم والعز والحكم إلى غير ذلك من العجائب قوله تعالى (وإن كنت) في إن قولان أحدهما أنها بمعنى قد والثاني بمعنى ما قوله تعالى (من قبله) قال ابن عباس من قبل نزول القرآن (لمن الغافلين) عن علم خبر يوسف وما صنع به إخوته إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين قوله تعالى (إذ قال يوسف لأبيه) في إذ قولان أحدهما أنها صلة للفعل المتقدم والمعنى نحن نقص عليك إذ قال يوسف والثاني أنها صلة لفعل مضمر تقديره اذكر إذ قال يوسف ذكرهما الزجاج وابن الأنباري

[ 139 ]

قوله تعالى (يا أبت) بين قرأ أبو جعفر وابن عامر بفتح التاء ووقفا بالهاء وافقهما ابن كثير في الوقف بالهاء وقرأ الباقون بكسر التاء فمن فتح التاء أراد يا ابتا فحذف الألف كما تحذف الياء فبقيت الفتحة دالة على الألف كما أن الكسرة تبقى دالة على الياء ومن وقف على الهاء فلان تاء التأنيث تبدل منها الهاء في الوقف وقرأ أبو جعفر أحد عشر وتسعة عشر بسكون العين فيهما وفيما رآه يوسف قولان أحدهما أنه رأى الشمس والقمر والكواكب وهو قول الأكثرين قال الفراء وإنما قال رأيتهم على جمع ما يعقل لأن السجود فعل ما يعقل كقوله (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) أهل النمل 18 ] قال المفسرون كانت الكواكب في التأويل إخوته والشمس أمه والقمر أباه فلما قصها على يعقوب أشفق من حسد إخوته وقال السدي الشمس أبوه والقمر خالته لأن أمه كانت قد ماتت والثاني أنه رأي أبويه وإخوته ساجدين له فكنى عن ذكرهم وهذا مروي عن ابن عباس وقتادة فأما تكرار قوله (رأيتهم) حديث فقال الزجاج إنما كرره لما طال الكلام توكيدا وفي سن يوسف لما رأى هذا المنام ثلاثة أقوال أحدها سبع سنين والثاني اثنتا عشرة سنة والثالث سبع عشرة سنة قال المفسرون علم يعقوب أن إخوة يوسف يعلمون تأويل رؤياه فقال (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) قال ابن قتيبة يحتالوا لك حيلة ويغتالوك عند وقال غيره اللام صلة والمعنى فيكيدوك والعدو المبين الظاهر العداوة وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم قوله تعالى (وكذلك يجتبيك ربك) قال الزجاج وابن الأنباري ومثل ما رأيت من الرفعة والحال الجليلة يختارك ربك ويصطفيك من بين إخوتك وقد شرحنا في (الأنعام 87) معنى

[ 140 ]

الاجتباء وقال ابن عباس يصطفيك بالبنوة قوله تعالى (ويعلمك من تأويل الأحاديث) فيه ثلاثة اقوال أحدها أنه تعبير الرؤيا قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة فعلى هذا سمي تأويلا لأنه بيان ما يؤول أمر المنام إليه والثاني أنه العلم والحكمة قاله ابن زيد والثالث تأويل أحاديث الأنبياء والأمم والكتب ذكره الزجاج قال مقاتل ومن هاهنا صلة قوله تعالى (ويتم نعمته عليك) فيه ثلاثة أقوال أحدها بالنبوة قاله ابن عباس والثاني باعلاء الكلمة والثالث بأن أحوج إخوته إليه حتى أنعم عليهم ذكرهما الماوردي وفي (آل يعقوب) ثلاثة أقوال أحدها أنهم ولده قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني يعقوب وامرأته وأولاده الأحد عشر أتم عليهم نعمته بالسجود ليوسف قاله مقاتل والثالث أهله قاله أبو عبيدة واحتج بأنك إذا صغرت الآل قلت أهيل قوله تعالى (كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق) لأنه قال عكرمة فنعمته على إبراهيم أن نجاه من النار ونعمته على إسحاق أن نجاه من الذبح قوله تعالى (إن ربك عليم) أي عليم حيث يضع النبوة (حكيم) في تدبير خلقه لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين قوله تعالى (لقد كان في يوسف وإخوته) أخبرنا أي في خير يوسف وقصة إخوته (آيات) أي يا عبر لمن سأل عنهم فكل حال من أحواله آية وقرأ ابن كثير آية قال المفسرون وكان اليهود قد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا من ذلك وفي وجه هذه الآيات خمسة أقوال أحدها الدلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم حين أخبر أخبار قوم لم يشاهدهم ولا نظر في الكتب

[ 141 ]

والثاني ما أظهر الله في قصة يوسف من عواقب البغي عليه والثالث صدق رؤياه وصحة تأويله والرابع ضبط نفسه وقهر شهوته حتى قام بحق الأمانة والخامس حدوث السرور بعد اليأس فإن قيل لم خص السائلين ولغيرهم فيها آيات أيضا فعنه جوابان أحدهما أن المعنى للسائلين وغيرهم فاكتفى بذكر السائلين من غيرهم كما اكتفى بذكر الحر من البرد في قوله (تقيكم لو الحر) [ النحل 81 ] والثاني أنه إذا كان للسائلين عن خبر يوسف آية كان لغيرهم آية أيضا وإنما خص السائلين لأن سؤالهم نتج الأعجوبة وكشف الخبر إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين قوله تعالى (إذ قالوا) يعني إخوة يوسف (ليوسف يكون وأخوه) مع يعنون ابن يامين وإنما قيل له ابن يامين لأن أمه ماتت نفساء ويامين بمعنى الوجع وكان أخاه لأمه وأبيه والباقون إخوته لأبيه دون أمه فأما العصبة فقال الزجاج هي في اللغة الجماعة الذين أمرهم واحد يتابع بعضهم بعضا في الفعل ويتعصب بعضهم لبعض وللمفسرين في العصبة ستة أقوال أحدها أنها ما كان أكثر من عشرة رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أنها ما بين العشرة إلى الأربعين روي عن ابن عباس أيضا وبه قال قتادة والثالث أنها ستة أو سبعة قاله سعيد بن جبير والرابع أنها من عشرة إلى خمسة عشر قاله مجاهد والخامس الجماعة قاله ابن زيد وابن قتيبة والزجاج والسادس عشرة قاله مقاتل وقال الفراء العصبة عشرة فما زاد قوله تعالى (إن أبانا لفي ضلال مين) سعيد فيه ثلاثة اقوال أحدها لفي خطأ من رأيه قاله ابن زيد والثاني في شقاء قاله مقاتل والمراد به عناء الدنيا والثالث لفي ضلال عن طريق الصواب الذي يقتضي تعديل المحبة بيننا لأن نفعنا له

[ 142 ]

أعم قال الزجاج ولو نسبوه إلى الضلال في الدين كانوا كفارا إنما أرادوا إنه قدم ابنين صغيرين علينا في المحبة ونحن جماعة نفعنا أكثر اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قوله تعالى (اقتلوا يوسف) قال أبو علي قرأ ابن كثير ونافع والكسائي مبين اقتلوا بضم التنوين لأن تحريكه يلزم لالتقاء السكانين فحركوه بالضم ليتبعوا الضمة الضمة كما قالوا مد وظلمات وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة بكسر التنوين فلم يتبعوا الضمة كما قالوا مد ظلمات قال المفسرون وهذا قولهم بينهم (أو اطرحوه أرضا) قد قال الزجاج نصب أرضا على إسقاط في وأفضى الفعل إليها والمعنى أو اطرحوه أرضا يبعد بها عن أبيه وقال غيره أرضا تأكله فيها السباع قوله تعالى (يخل وفي لكم وجه أبيكم) اي يفرغ لكم من الشغل بيوسف (وتكونوا من بعده) أي من بعد يوسف (قوما صالحين) فيه قولان أحدهما صالحين بالتوبة من بعد قتله قاله ابن عباس والثاني يصلح حالكم عند أبيكم قاله مقاتل وفي قصتهم نكتة عجيبة وهو أنهم عزموا على التوبة قبل الذنب وكذلك المؤمن لا ينسى التوبة وإن كان مرتكبا للخطايا قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون قوله تعالى (قال قائل منهم) فيه ثلاثة أقوال

[ 143 ]

أحدها أنه يهوذا قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال وهب بن منبه والسدي ومقاتل والثاني أنه شمعون قاله مجاهد والثالث روبيل قاله قتادة وابن إسحاق فأما غيابة الجب فقال أبو عبيدة كل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة والجب الركية التي لم تطو وقال الزجاج الغيابة كل ما غاب عنك أو غيب شيئا عنك قال المنخل فإن أنا يوما غيبتني غيابتي فسيروا بسيري في العشيرة والأهل والجب البئر التي لم تطو سميت جبا من أجل أنها قطعت قطعا ولم يحدث فيها غير القطع من طي وما أشبهه وقال ابن عباس في غيابة الجب أي في ظلماته وقال الحسن في قعره وقرأ نافع غيابات الجب فجعل كل منه غيابة وروى خارجة عن نافع غيابات بتشديد الياء وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد غيبة الجب بغرير ألف مع إسكان الياء وأين كان هذا الجب فيه قولان أحدهما بأرض الأردن قاله وهب وقال مقاتل هو بأرض الأردن على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب والثاني ببيت المقدس قاله قتادة قوله تعالى (يلتقطه بعض السيارة) قال ابن عباس يأخذه بعض من يسير (إن كنتم فاعلين) أي إن أضمرتم له ما تريدون وأكثر القراء قرؤوا يلتقطه بالياء وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي عبلة بالتاء قال الزجاج وجميع النحويين يجيزون ذلك لأن بعض السيارة سيارة فكأنه قال تلتقطه سيارة بعض السيارة وقال ابن الأنباري من قرأ بالتاء فقد أنث فعل بعض وبعض مذكر وإنما فعل ذلك حملا على المعنى إذ التأويل تلتقطه السيارة قال الشاعر رأت مر السنين أخذن مني كما أخذ السرار من الهلال أراد رأت السنين وقال الآخر طول الليالي أسرعت في نقضي طوين طولي وطوين عرضي أرادك الليالي أسرعت وقال جرير لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع

[ 144 ]

أراد تواضعت المدينة وقال الآخر وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم أراد كما شرقت القناة قال المفسرون فلما عزم القوم على كيد يوسف قالوا لأبيه (مالك لا تأمنا) كل قرأ الجماعة تأمنا بفتح الميم وإدغام النون الأولى في الثانية والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم قال مكي لأن الأصل تأمننا ثم أدغمت النون الأولى وبقي الإشمام يدل على ضمة النون الأولى والإشمام هو ضم شفتيك من غير صوت يسمع فهو بعد الإدغام وقبل فتحه النون الثانية وابن كيسان يسمي الإشمام الإشارة ويسمى الروم إشماما والروم صوت ضعيف يسمع خفيا وقرأ أبو جعفر تأمنا بفتح النون من غير إشمام إلى إعراب المدغم وقرأ الحسن مالك لا تأمنا بضم الميم وقرأ ابن مقسم تأمننا بنونين على الأصل والمعنى مالك لا تأمنا على يوسف فترسله معنا فإنه قد كبر ولا يعلم شيئا من أمر المعاش (وإنا له لناصحون) فيما أشرنا به عليك (أرسله معنا غدا) إلى الصحراء وقال مقاتل في الكلام تقديم وتأخير وذلك أنهم قالوا له أرسله معنا فقال إني ليحزنني أن تذهبوا به فقالوا مالك لا تأمنا قوله تعالى (نرتع ونلعب) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو نرتع ونلعب بالنون فيهما والعين ساكنه وافقهم زيد عن يعقوب في نرتع فحسب وفي معنى نرتع ثلاثة أقوال أحدها نله قاله الضحاك والثاني نسع قاله قتادة والثالث نأكل يقال رتعت الإبل إذا رعت وأرتعتها فلا إذا تركتها ترعى قال الشاعر وحبيب لي إذا لا قيته وإذا يخلوا له لحمي رتع أي أكله هذا قول ابن الأنباري وابن قتيبة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يرتع ويلعب بالياء فيهما وجزم العين والباء يعنون يوسف وقرأ نافع نرتع بكسر العين من نرتع من غير بلوغ إلى الياء قال ابن قتيبة ومعناها نتحارس ويرعى بعضنا بعضا أي يحفظ ومنه يقال رعاك الله أي حفظك وقد رويت عن ابن كثير أيضا نرتعي باثبات ياء بعد العين في الوصل والوقف وقرأ أنس وأبو رجاء في الوصل والوقف نرتع بنون مرفوعة وكسر التاء وسكون العين ونلعب بالنون قال أبو عبيدة أي نرتع إبلنا

[ 145 ]

فأما قوله (ونلعب) فقال ابن عباس نلهو فإن قيل كيف لم ينكر عليهم يعقوب ذكر اللعب فالجواب من وجهين أحدهما أنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء قاله أبو عمرو ابن العلاء والثاني أنهم عنوا مباح اللعب قاله الماوردي قوله تعالى (إني ليحزنني أن تذهبوا به) أي يحزنني ذهابكم به لأنه يفارقني فلا أراه (وأخاف أن يأكله الذئب) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة الذئب بالهمز في الثلاثة المواضع وقرأ الكسائي وأبو جعفر وشيبة بغير همز قال أبو علي الذئب مهموز في الأصل يقال بذاءيت: الريح إذا جاءت من كل جهة كما يأتي الذئب وفي علة تخصيص الذئب بالذكر ثلاثة أقوال أحدها أنه رأى في منامة أن الذئب شد على يوسف قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن أرضهم كانت كثيرة الذئاب قاله مقاتل والثالث أنه خافهم عليه فكنى بذكر الذئب قاله الماوردي قوله تعالى (وأنتم عنه غافلون) فيه قولان أحدهما غافلون في اللعب والثاني مشتغلون برعيتكم قوله تعالى (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) أي جماعة نرى الذئب قد قصده ولا نرد عنه (إنا إذا لخاسرون) أي عاجزون قال ابن الأنباري ومن قرأ عصبة بالنصب فتقديره ونحن نجتمع عصبة فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون قوله تعالى (فلما ذهبوا به) في الكلام اختصار وإضمار تقديره فأرسله معهم فلما ذهبوا (وأجمعوا) غير أي عزموا على أن يجعلوه في غيابة الجب

[ 146 ]

الإشارة إلى قصة ذهابهم به قال المفسرون قالوا ليوسف أما تشتاق أن تخرج معنا فتلعب وتتصيد أحمد قال بلى قالوا فسل أباك أن يرسلك معنا قال أفعل فدخلوا بجماعتهم على يعقوب فقالوا يا أبانا إن يوسف قد أحب أن يخرج معنا فقال ما تقول يا بني قال نعم يا أبت قد أرى من إخوتي اللين واللطف فأنا أحب أن تأذن لي فأرسله معهم فلما أصحروا أظهروا له ما في أنفسهم من العداوة وأغلظوا له القول وجعل يلجأ إلى هذا فيضربه وإلى هذا فيؤذيه فلما فطن لما قد عزموا عليه جعل ينادي يا أبتاه يا يعقوب لو رأيت يوسف وما ينزل به من إخوته لأحزنك ذلك وأبكاك يا أبتاه ما أسرع ما نسوا عهدك وضيعوا وصيتك وجعل يبكي بكاءا شديدا قال الضحاك عن ابن عباس فأخذه روبيل فجلد به الأرض ثم جثم على صدره وأراد قتله فقال له يوسف مهلا يا أخي لا تقتلني قال يا ابن راحيل صاحب الأحلام قل لرؤياك تخلصك من أيدينا ولوى عنقه ليكسرهها بعد فنادى يوسف يا يهوذا اتق الله في وخل بيني وبين من يريد قتلي فأدركته له رحمه فقال يهوذا يا إخوتاه ألا أدلكم على أمر هو خير لكم وأرفق به قالوا وما ذاك قال تلقونه في هذا الجب فيلتقطه بعض السيارة قالوا نفعل فانطلفوا يقول به إلى الجب فخلعوا قميصه فقال يا إخوتاه لم نزعتم قميصي ردوه علي أستر به عورتي ويكون كفنا لي في مماتي فأخرج الله له حجرا في البئر مرتفعا من الماء فاستقرت عليه قدماه وقال السدي جعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال يا إخوتاه ردوا علي قيمصي الذي أتوارى به فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فدلوه في البئر لأن حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها فلما ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام وقال كعب جمعوا يديه إلى عنقه ونزعوا قميصه فبعث الله إليه ملكا فحل عنه وأخرج له حجرا من الماء فقعد عليه وكان يعقوب قد أدرج قميص إبراهيم الذي كساه الله إياه يوم ألقي في النار في قصبة وجعلها في عنق يوسف فألبسه إياه الملك حينئذ وأضاء له الجب وقال الحسن ألقي في الجب فعذب ماؤه فكان يغنيه عن الطعام والشراب ودخل عليه جبريل فأنس به فلما أمسى نهض جبريل ليذهب فقال له يوسف إنك إذا خرجت عني استوحشت فقال إذا رهبت شيئا فقل يا صريخ المستصرخين ويا غوث وقد المستغيثنين علي ويا مفرج كرب المكروبين قد ترى مكاني وتعلم حالي ولا يخفى عليك شئ من أمري فلما قالها حفته الملائكة فاستأنس في الجب ومكث فيه ثلاثة أيام وكان إخوته يرعون حول الجب وقال محمد بن مسلم الطائفي لما ألقي يوسف في الجب قال يا شاهدا غير غائب ويا قريبا غير بعيد ويا غالبا غير مغلوب اجعل لي فرجا مما

[ 147 ]

أنا فيه قال فما بات فيه وفي مقدار سنة حين ألقي في الجب أربعة أقوال أحدها اثنتا عشرة سنة قاله الحسن والثاني ست سنين قاله الضحاك والثالث سبع عشرة قاله ابن السائب وروي عن الحسن ايضا والرابع ثمان عشرة قوله تعالى (وأوحينا إليه) فيه قولان 191 أحدهما أنه إلهام قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه وحي حقيقة قال المفسرون أوحي إليه لتخبرن إخوتك بأمرهم أي بما صنعوا بك وأنت عال عليهم وفي قوله (وهم لا يشعرون) قولان أحدهما لا يشعرون أنك يوسف وقت إخبارك لهم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثاني لا يشعرون بالوحي قاله مجاهد وقتادة وابن زيد فعلى الأول يكون الكلام من صلة لتنبئنهم وعلى الثاني من صلة وأوحينا إليه قال حميد قلت للحسن أيحسد المؤمن المؤمن قال لا أبالك ما نساك بني يعقوب وجاء أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين قوله تعالى (وجاؤوا أباهم عشاء يبكون) وقرأ أبو هريرة والحسن وابن السميفع والأعمش عشاء بضم العين قال المفسرون جاؤوا وقت العتمة ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار بالكذب فلما سمع صوتهم فزع وقال مالكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شئ قالوا لا قال فما اصابكم وأين يوسف (قالوا يا ابانا إنا ذهبنا نستبق) وفيه ثلاثة أقوال أحدها ننتضل قاله ابن عباس وابن قتيبة قال والمعنى يسابق بعضنا بعضا في الرمي

[ 148 ]

والثاني نشتد قاله السدي والثالث نتصيد قاله مقاتل فيكون المعنى على الأول نستبق في الرمي لننظر أينا أسبق سهما وعلى الثاني نستبق على الأقدام وعلى الثالث للصيد قوله تعالى (وتركنا يوسف عند متاعنا) أي ثيابنا (وما أنت بمؤمن لنا) أي يمصدق تعالى وفي قوله (ولو كنا صادقين) قولان أحدهما أن المعنى وإن كنا قد صدقنا قاله ابن إسحاق والثاني لو كنا عندك من أهل الصدق لا تهمتنا في يوسف لمحبتك إيان وظننت أنا قد كذبناك قاله الزجاج وجاء فإن على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قوله تعالى (وجاؤوا على قيصه عمر بدم كذب) قال اللغويون معناه بدم مكذوب فيه والعرب تجعل المصدر في كثير من الكلام مفعولا فيقولون للكذب مكذوب وللعقل معقول وللجلد مجلود قال الشاعر حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحما ولا لفؤاده معقولا أراد عقلا وقال الآخر قد والذي سمك السماء بقدره بلغ العزاء وأدرك المجلود يريد أدرك الجلد ويقولون ليس لفلان عقد رأي ولا معقود رأي ويقولون هذا ماء سكب يريدون مسكوبا النبي وهذا شراب صب يريدون مصبوبا وماء غور يعنون غائرا ورجل صوم يريدون صائما وامرأة نوح يريدون نائحة وهذا الكلام مجموع قول الفراء والأحفش وإن والزجاج وابن قتيبة في آخرين قال ابن عباس أخذوا جديا فذبحوه ثم غمسوا قميص يوسف في دمه وأتوه به وليس فيه خرق فقال كذبتم لو كان أكله الذئب لخرق القميص وقال قتادة كان دم ظبية وقرأ ابن أبي عبلة بدم كذبا بالنصب وقرأ ابن عباس والحسن وأبو العالية بدم كذب بالدال غير معجمة أي بدم طري

[ 149 ]

قوله تعالى (بل سولت) كما أي زينت (لكم أنفسكم أمرا) غير ما تصفون (هو فصبر جميل) قال الخليل المعنى فشأني صبر جميل والذي أعتقده صبر جميل وقال الفراء الصبر مرفوع لأنه عزى نفسه وقال ما هو إلا الصبر ولو أمرهم بالصبر لكان نصبا وقال قطرب المعنى فصبري صبر جميل وقرأ ابن مسعود وأبي وأبو المتوكل فصبرا جميلا بالنصب قال الزجاج والصبر الجميل لا جزع فيه ولا شكوى إلى الناس قوله تعالى (والله المستعان على ما تصفون) فيه قولان أحدهما على ما تصفون من الكذب والثاني على احتمال ما تصفون وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون قوله تعالى (وجاءت سيارة) أي قوم يسيرون (فأرسلوا وسلم واردهم) عنه قال الأخفش أنث السيارة وذكر الوارد لأن السيارة في المعنى للرجال وقال الزجاج الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم وفي اسم هذا الوارد قولان أحدهما مالك بن ذعر بن يؤيب إن بن عيفا بن مدين بن إبراهيم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني مجلث بن رعويل قاله وهب بن منبه قوله تعالى (فأدلى إلا دلوه) فيه أي أرسلها قال الزجاج يقال أدليت الدلو إذا أرسلتها لتملأها ودلوتها إذا أخرجتها (قال يا بشراي) صلى قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر يا بشراي بفتح الياء وإثبات الألف وروى ورش عن نافع بشراي ومحياي [ الأنعام 162 ] ومثواي ] يوسف وقال 23 ] بسكون الياء وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يا بشرى بألف بغير ياء وعاصم بفتح الراء وحمزة والكسائي يميلانها قال الزجاج من قرأ يا بشراي فهذا النداء لتنبيه للمخاطبين لأن البشرى لا تجيب ولا تعقل فالمعنى أبشروا ويا أيها البشرى هذا من أوانك وكذلك إذا قلت يا عجباه فكأنك قلت اعجبوا ويا أيها العجب هذا من حينك وقد شرحنا هذا المعنى [ هود 69 و 74 ]

[ 150 ]

فأما قراءة من قرأ يا بشرى فيجوز أن يكون المعنى يا من حضر هذه بشرى ويجوز أن يكون المعنى يا بشرى هذا أوانك على ما سبق بيانه من تنبيه الحاضرين وذكر السدي أنه نادى بذاك أحدهم وكان اسمه بشرى وقال ابن الأنباري يجوز فيه هذه الأقوال ويجوز أن يكون اسم امرأة وقرأ أبو رجاء وابن أبي عبلة يا بشري بتشديد الياء وفتحها من غير ألف قال ابن عباس لما أدلى دلوه تعلق يوسف بالحبل فنظر إليه فإذا غلام أحسن ما يكون من الغلمان فقال لأصحابه البشرى فقالوا ما وراءك قال هذا غلام في البئر فأقبلوا يسألونه الشركة فيه واستخرجوه من الجب فقال بعضهم لبعض اكتموه عن أصحابكم لئلا يسألونكم الشركة فيه فإن قالوا ما هذا فقولوا استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر فجاء إخوة يوسف فطلبوه فلم يجدوه في البئر فنظروا فإذا هم بالقوم ومعهم يوسف فقالوا لهم هذا غلام أبق منا فقال مالك بن ذعر فأنا أشتريه منكم فباعوه بعشرين درهما وحلة ونعلين واسره مالك بن ذعر من أصحابه وقال استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر قوله تعالى (واسروه أنه بضاعة) قال الزجاج بضاعة منصوب على الحال كأنه قال وأسروه جاعليه بضاعة وقال ابن قتيبة أسروا في أنفسهم أنه بضاعة وتجارة في الفاعلين لذاك قولان أحدهما أنهم واردوا الجب أسروا ابتياعه عن باقي أصحابهم وتواصوا أنه بضاعة استبضعهم وهو إياها أهل الماء وقد ذكرنا هذا المعنى عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثاني أنهم إخوته أسروا أمره وباعوه وقالوا هو بضاعة لنا وهذا المعنى مروي عن ابن عباس أيضا قوله تعالى (والله عليم بما يعملون) يعم الباعة والمشترين وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين قوله تعالى (وشروه) هذا حرف من حروف الأضداد تقول شريت الشئ بمعنى بعته وشريته يمعنى اشتريته فإن كان بمعنى باعه ففيهم قولان أحدهما أنهم إخوته وهو قول الأكثرين والثاني أنهم السيارة ولم يبعه إخوته قاله الحسن وقتادة وإن كان بمعنى اشتروه فإنهم السيارة

[ 151 ]

قوله تعالى (بثمن صلى الله عليه وسلم بخس) إذا فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الحرام قاله ابن عباس والضحاك وقتادة في آخرين والثاني أنه القليل قاله عكرمة والشعبي قال ابن قتيبة البخس الخسيس الذي بخس به البائع والثالث الناقص وكانت الدراهم عشرين درهما في العدد وهي تنقص عن عشرين في الميزان قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى (دراهم معدودة) قال الفراء إنما قيل معدودة ليستدل بها على القلة وقال ابن قتيبة أي يسيرة سهل عددها لقلتها فلو كانت كثيرة لثقل عددها وقال ابن عباس كانوا في ذلك الزمان لا يزنون أقل من أريعين درهما وقيل إنما لم يزنوها لزهدهم فيه وفي عدد تلك الدراهم خمسة أقوال أحدها عشرون درهما قاله ابن مسعود وابن عباس في رواية وعكرمة في رواية ونوف الشامي ووهب بن منبه والشعبي وعطية والسدي ومقاتل في آخرين والثاني عشرون درهما وحلة ونعلان روي عن ابن عباس أيضا والثالث اثنان وعشرون درهما رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد والرابع أربعون درهما قاله عكرمة في رواية وابن إسحاق والخامس ثلاثون درهما ونعلان وحلة وكانوا قالوا له بالعبرانية إما أن تقر لنا بالعبودية وإما أن نأخذك منهم فنقتلك قال بل أقر لكم بالعبودية ذكره إسحاق بن بشر عن بعض أشياخه قال المفسرون اقتسموا ثمنه فاشتروا به نعالا وخفافا وكان بعض الصالحين يقول والله ما يوسف وإن باعه أعداؤه بأعجب منك في بيعك نفسك بشهوة ساعة من معاصيك قوله تعالى (وكانوا فيه من الزاهدين) الزهد قلة الرغبة في الشئ

[ 152 ]

وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم إخوته قاله ابن عباس فعلى هذا في هاء فيه قولان أحدهما أنها ترجع إلى يوسف لأنهم لم يعلموا مكانه من الله تعالى قاله الضحاك وابن جريج والثاني أنها ترجع إلى الثمن وفي علة زهدهم قولان أحدهما ردائته والثاني أنهم قصدوا بعد يوسف لا الثمن والثاني أنهم السيارة الذين اشتروه وفي علة زهدهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم ارتابوا لقلة ثمنه والثاني أن إخوته وصفوه عندهم بالخيانة والإباق والثالث أنهم علموا أنه حر وقال الذين اشتريه من مصر لامرأته أكرمي مثويه عسى أن يفعنا أي أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون قوله تعالى (وقال الذي اشتراه من مصر) قال وهب لما ذهبت به السيارة إلى مصر وقفوه في سوقها يعرضونه للبيع فتزايد الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا ووزنه ورقا ووزنه حريرا فاششتراه بذلك الثمن رجل يقال له قطفير وكان أمين فرعون وخازنه وكان مؤمنا وقال ابن عباس إنما اشتراه قطفير من مالك بن ذعر بعشرين دينارا وزوجي نعل وثوبين أبيضين فلما رجع إلى منزله قال لامرأته أكرمي مثواه وقال قوم اسمه أطفير وفي اسم المرأة قولان أحدهما رعاييل بنت عايبل ثنا قاله ابن إسحاق والثاني أزليخا بنت تمليخا قاله مقاتل قال ابن قتيبة أكرمي مثواه يعني أكرمي منزله ومقامه عندك من قولك ثويت بالمكان إذا أقمت به وقال الزجاج أحسني إليه في طول مقامه عندنا قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته

[ 153 ]

أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا وابنة شعيب حين قالت (يا أبت استأجره) [ القصص به 26 ] وأبو بكر حين استخلف عمر وفي قوله (عسى أن ينفعنا) قولان أحدهما يكفينا إذا بلغ أمورنا والثاني بالربح في ثمنه قوله تعالى (أو نتخذه ولدا) قال ابن عباس نتبناه وقال غيره لم يكن لهما ولد وكان العزيز لا يأتي النساء قوله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف) أي وكما أنجيناه من إخوته وأخرجناه من ظلمة الجب مكنا له في الأرض أي ملكناه في أرض مصر فجعلناه على خزائنها (ولنعلمه) هذا قال ابن الأنباري إنما دخلت الواو في ولنعلمه لفعل مضمر هو المجتلب للام والمعنى مكنا ليوسف في الأرض واختصصناه ثم بذلك لكي نعلمه من تأويل الأحاديث وقد سبق تفسير تأويل الأحاديث [ يوسف 6 ] (والله غالب على أمره) في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله فالمعنى أنه غالب على ما أراد من قضائه وهذا معنى قول ابن عباس والثاني أنها ترجع إلى يوسف فالمعنى غالب على أمر يوسف حتى يبلغه ما أراده له وهذا معنى قول مقاتل وقال بعضهم والله غالب على أمره حيث أمر يعقوب يوسف أن لا يقص رؤياه على إخوته فعلموا بها ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوه فكادوه ثم أراد إخوة يوسف قتله فلم يقدر لهم ثم أرادوا أن يلتقطه بعض السيارة فنيدرس رسول أمره فعلا أمره ثم باعوه ليكون مملوكا فغلب أمره حتى ملك وأرادوا أن يعطفوا ولا أباهم فأباهم ثم أرادوا أن يغروا يعقوب بالبكاء والدم الذي ألقوه على القميص فلم يخف عليه ثم أرادوا أن يكونوا من بعده قوما صالحين فنسوا ذنبهم إلى أن أقروا به بعد سنين فقالوا (إنا كنا خاطئين) [ يوسف 97 ] ثم أرادوا أن يمحوا محبته من قلب أبيه فازدادت ثم أرادت أزليخا أن تلقي عليه التهمة بقولها (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) [ يوسف 25 ] فغلب أمره حتى شهد شاهد من أهلها وأراد يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فنسي الساقي حتى لبث في السجن بضع سنين ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين

[ 154 ]

قوله تعالى (ولما بلغ أشده) قد ذكرنا معنى الأشد في (الأنعام 152) واختلف العلماء في المراد به هاهنا على ثمانية لم أقوال أحدها أنه ثلاث وثلاثون سنة رواه عسد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة والثاني ثماني عشرة سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال عكرمة والثالث أربعون سنة قاله الحسن والرابع بلوغ الحلم قاله الشعبي وربيعة وزيد بن أسلم وابنه والخامس عشرون سنة قاله الضحاك والسادس أنه من نحو سبع عشرة سنة إلى نحو الأربعين قاله الزجاج والسابع أنه بلوغ ثمان وثلاثين سنة حكاه ابن قتيبة والثامن ثلاثون سنة ذكره بعض المفسرين قوله تعالى (آتيناه حكما) فيه أربعة أقوال أحدها أنه الفقه والعقل قاله مجاهد والثاني النبوة قاله ابن السائب والثالث أنه جعل حكيما قاله الزجاج قال وليس كل عالم حكيما إنما الحكيم العالم المستعمل علمه الممتنع به من استعمال ما يجهل فيه والرابع أنه الإصابة في القول ذكره الثعلبي قال اللغويون الحكم عند العرب ما يصرف عن الجهل والخطأ ويمنع منهما ويرد النفس عما يشينها ويعود عليها بالضرر ومنه حكمة الدابة وأصل أحكمت في اللغة منعت وسمي الحاكم حاكما لأنه يمنع من الظلم والزيغ وفي المراد بالعلم هاهنا قولان أحدهما الفقه والثاني علم الرؤيا قوله تعالى (وكذلك نجزي المحسنين) أي ومثل ما وصفنا من تعلم يوسف وحراسته نثيب من أحسن عمله واجتنب المعاصي فننجيه حدثنا من الهلكة ونستنفذه ابن من الضلالة فنجعله من أهل العلم والحكمة كما فعلنا بيوسف

[ 155 ]

وفي المراد بالمحسنين هاهنا ثلاثة أقوال أحدها الصابرون على النوائب والثاني المهتدون رويا عن ابن عباس والثالث المؤمنون قال محمد بن جرير هذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من البلاء فمكنته في الأرض وآتيته العلم كذلك أفعل بك وأنجيك من مشركي قومك وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون قوله تعالى (وراودته قوله التي هو في بيتها عن نفسه) أي طلبت منه المواقعة وقد سبق اسمها قال الزجاج المعنى راودته عما أرادته مما يريد النساء من الرجال (وقالت هيت لك) قرأ ابن كثير هيت لك بفتح الهاء وتسكين الياء وضم التاء وقرأ نافع وابن عامر هيت لك بكسر الهاء وتسكين الياء وفتح التاء وهي مروية عن علي بن أبي طالب وروى الحلواني عن هشام عن ابن عامر مثله إلا أنه همزه قال أبو علي الفارسي هو خطأ وروي عن ابن عامر هئت لك بكسر الهاء وهمز الياء وضم التاء وهي قراءة ابن عباس وأبي الدرداء وقتادة قال الزجاج هو من الهيئة كأنها قالت تهيأت لك وعن ابن محيصن وطلحة بن مصرف مثل قراءة ابن عباس إلا أنها بغير همز وعن ابن محيصن بفتح الهاء وكسر التاء وهي قراءة أبي رزين وحميد وعن الوليد بن عتبة بكسر الهاء والتاء مع الهمز وهي قراءة أبي العالية وقرأ ابن خثيم مثله إلا أنه لم يهمز وعن الوليد بن مسلم عن نافع بكسر الهاء وفتح التاء مع الهمز وقرأ ابن مسعود وابن السميفع وابن يعمر والجحدري هيئت لك برفع الهاء والتاء وبياء مشددة مكسورة بعدها همزة ساكنة وقرأ أبي بن كعب ها أنا لك وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء بغير همز قال الزجاج وهو أجود اللغات

[ 156 ]

وأكثرها في كلام العرب ومعناها هلم لك أي أقبل على ما أدعوك إليه وقال الشاعر أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عنق إليك فهيت هيتا أي فأقبل وتعال وقال ابن قتيبة يقال هيت فلان لفلان إذا دعاه وصاح به قال الشاعر قد رابني أن الكري أسكتا لو كان معنيا بها لهيتا أي صار ذا سكوت واختلف العلماء في قوله هيت لك بأي لغة هي على أربعة أقوال أحدها أنها عربية قاله مجاهد وقال ابن الأنباري وقد قيل إنها من كلام قريش إلا أنها مما درس وقل في أفواههم آخرا فأتى الله به لأن أصله من كلامهم وهذه الكلمة لا مصدر لها ولا تصرف ولا تثنية ولا جمع ولا تأنيث يقال للاثنين هيت لكما وللجميع هيت لكم وللنسوة هيت لكن والثاني أنها بالسريانية قاله الحسن والثالث بالحورانية قاله عكرمة والكسائي وقال الفراء يقال إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى أهل مكة فتكلموا بها والرابع أنها بالقبطية قاله السدي قوله تعالى (قال معاذ الله) قال الزجاج هو مصدر والمعنى أعوذ بالله أن أفعل هذا يقال عذت عياذا ومعاذا ومعاذة (إنه ربي) أي إن العزيز صاحبي (أحسن مثواي) قال ويجوز أن يكون إنه ربي يعني الله عز وجل أحسن مثواي أي تولاني في طول مقامي قوله تعالى (إنه لا يفلح الظالمون) أي إن فعلت هذا فخنته في أهله بعدما أكرمني فأنا ظالم وقيل الظالمون هاهنا الزناة ولقد همت به وهم بها لولا أن را برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين قوله تعالى (ولقد همت به) الهم بالشئ في كلام العرب حديث المرء نفسه بمواقعته ما لم يواقع فأما هم أزليخا فقال المفسرون دعته إلى نفسها واستلقت له واختلفوا في همه

[ 157 ]

بها على خمسة أقوال أحدها أنه كان من جنس همها فلولا أن الله تعالى عصمه لفعل وإلى هذا المعنى ذهب الحسن وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وهو قول عامة المفسرين المتقدمين واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير وابن الأنباري وقال ابن قتيبة لا يجوز في اللغة هممت بفلان وهم بي وأنت تريد اختلاف الهمين واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه قالوا ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سئ الهم ويوجب له علو المنازل ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار فانطبقت عليهم صخرة فقالوا ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله فقال أحدهم اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار فلما أتيتها بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت إن هذا لعمل ما عملته قط فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فزال ثلث الحجر والحديث معروف وقد ذكرته في الحدائق فعلى هذا نقول إنما همت فترقت همتها إلى العزيمة فصارت مصرة على الزنا فأما هو فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب وحديث النفس من غير عزم فلم يلزمه هذا الهم ذنبا فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه وقد قال صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل وقال صلى الله عليه وسلم هلك المصرون وليس الإصرار إلا عزم القلب فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب وسئل سفيان الثوري أيؤاخذ العبد بالهمة فقال إذا كانت عزما ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه فإن عملها كتبتها عليه سيئة واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله قال معاذ الله إنه ربي وقوله كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء وكل ذلك إخبار ببراءة ساحتة من العزيمة على المعصية وعلى هذا العزم فإن قيل فقد سوى القرآن بين الهمتين فلم فرقتم

[ 158 ]

فالجواب أن الاستواء وقع في بداية الهمة ثم ترقت همتها إلى العزيمة بدليل مراودتها واستلقائها له بين يديه ولم تتعد همته مقامها بل نزلت عن رتبتها وانحل معقودها ذلك بدليل هربه منها وقوله معاذ الله وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل فإنه لو كان هذا دل على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا والقول لا لثاني أنها همت به أن يفترشها وهم بها أي تمناها أن تكون له زوجة رواه الضحاك عن ابن عباس والقول الثالث أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان لم يقع منه الهم فقدم جواب لولا عليها كما يقال قد كنت من الهالكين لولا أن فلانا خلصك لكنت من الهالكين ومنه قول الشاعر فلا يدعني قومي صريحا لحرة لئن كنت مقتولا وتسلم عامر أراد لئن كنت مقتولا وتسلم عامر فلا يدعني قومي فقدم الجواب وإلى هذا القول ذهب قطرب وأنكره قوم منهم ابن الأنباري وقالوا تقديم جواب لولا عليها شاذ مستكره لا يوجد في فصيح كلام العرب فأما البيت المستشهد به فمن اضطرار الشعراء لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره فيضع الكلمة في غير موضعها ويقدم ما حكمه التأخير ويؤخر ما حكمه التقديم ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة قال الشاعر جزى ربه عني عدي بن حاتم بتركي وخذلاني جزاء موفرا تقديره جزى عني عدي بن حاتم ربه فاضطره إلى تقديم الرب وقال الآخر لما جفا إخوانه مصعبا أدى بذلك البيع صاعا بصاع أراد لما جفا مصعبا إخوانه وأنشد الفراء طلبا لعرفك محمد يا ابن يحيى بعدما تتقطعت بي دونك الأسباب إلى فزاد تاء على تقطعت لا أصل لها ليصلح ون شعره وأنشد ثعلب إن شكلي وإن شكلك شتى فالزمي الخفض وانعمي تبيضضي فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت وقال الفرزدق هما تفلا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد لجاميا

[ 159 ]

فزاد واوا بعد الميم ليصلح شعره ومثل هذه الأشياء لا يحمل عليها كتاب الله النازل بالفصاحة لأنها من ضرورات الشعراء والقول الرابع أنه هم أن يضربها ويدفعها عن نفسه فكان البرهان الذي رآه من ربه أن الله أوقع في نفسه إن ضربها كان ضربه كان ضربه إياها حجة عليه لأنها تقول راودني فمنعته فضربني ذكره ابن الأنباري والقول الخامس أو أنه هم بالفرار منها حكاه الثعلبي وهو قول مرذول أفتراه أراد الفرار منها فلما رأى البرهان أقام عندها قال بعض العلماء كان هم يوسف خطيئة من الصغائر الجائزة على الأنبياء وإنما ابتلاهم بذلك ليكونوا على خوف منه وليعرفهم) مواقع نعمته في الصفح عنهم وليجعلهم عبد أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة قال الحسن إن الله تعالى لم يقصص عليكم ذنوب الأنبياء تعبيرا لهم ولكن لئلا تقنطوا من رحمته يعني الحسن أن الحجة للأنبياء ألزم فإذا قبل التوبة منهم كان إلى قولها منكم أسرع وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أحد يلقى الله تعالى إلا وقد هم بخطيئة أو عملها إلى يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) جواب لولا محذوف قال الزجاج المعنى لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما هم به قال ابن الأنباري لزنا فلما رأى البرهان كان سبب انصراف الزنا عنه وفي البرهان ستة أقوال أحدها أنه مثل له يعقوب روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال نودي يا يوسف أتزني فتكون مثل الطائر الذي نتف ريشه فذهب يطير فلم يستطع فلم يعط على النداء شيئا فنودي الثانية فلم يعط على النداء شيئا فتمثل له يعقوب فضرب صدره فقام فخرجت شهوته من أنامله وروى الضحاك عن ابن عباس قال رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على أنامله فأدبر هاربا وقال وحقك يا أبت لا أعود أبدا وقال أبو صالح عن ابن عباس رأى مثال يعقوب في الحائط عاضا على شفتيه وقال الحسن مثل له جبريل في صورة يعقوب في سقف البيت عاضا على إبهامه أو بعض أصابعه وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن سيرين والضحاك في آخرين وقال عكرمة كل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا إلا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا فنقص بتلك الشهوة ولدا والثاني أنه جبريل عليه السلام روى ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال مثل له يعقوب

[ 160 ]

فلم يزدجر فنودي أتزني فتكون مثل الطائر نتف ريشه فلم يزدجر حتى ركضه جبريل في ظهره فوثب والثالث أنها قامت إلى صنم في زاوية البيت فسترته بثوب فقال لها يوسف أي شئ تصنعين قالت استحي من إلهي هذا أن يراني على هذه السوأة فقال أتستحين عليه من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فهو البرهان الذي رأى قاله علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين والضحاك والرابع أن الله بعث إليه ملكا فكتب في وجه المرأة بالدم (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) قاله الضحاك عن ابن عباس وروي عن محمد ابن كعب القرظي أنه رأى هذه الآية مكتوبة بين عينيها وفي رواية أخرى عنه أنه رآها مكتوبة أبي في الحائط وروى مجاهد عن ابن عباس قال بدت فيما بينهما كف ليس فيها عضد ولا معصم وفيها مكتوب (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا) [ الاسراء 32 ] فقام هاربا وقامت فلما ذهب عنها الرعب عادت وعاد فلما قعد إذا بكف قد بدت فيما بينهما فيها مكتوب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) [ البقرة 281 ] (فقام هاربا فلما عاد قال الله تعالى لجبرئيل أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل عاضا على كفه أو أصبعه وهو يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء وقال وهب بن منبه ظهرت تلك الكف وعليها مكتوب بالعبرانية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت فانصرفا فلما عادا رجعت وعليها مكتوب (وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين) [ الأنفطار ما 12 11 ] فانصرفا فلما عادا عادت وعليها مكتوب (ولا تقربوا الزنا) الآية فعاد فعادت الرابعة وعليها مكتوب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) فولى يوسف هاربا الخامس أنه سيده العزيز دنا من الباب رواه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم وقال ابن إسحاق يقال إن البرهان خيال سيده رآه عند الباب فهرب والسادس أن البرهان أنه علم ما أحل الله مما حرم الله فرأى تحريم الزنا روي عن محمد بن كعب القرظي قال ابن قتيبة رأى حجة الله عليه وهي البرهان وهذا هو القول الصحيح وما تقدمه فليس بشئ وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص وقد أشرت إلى فسادها في كتاب المغني في التفسير وكيف يظن بنبي لله كريم أنه يخوف ويرعب ويضطر

[ 161 ]

إلى ترك هذه المعصية وهو مصر هذا غاية القبح قوله تعالى (كذلك) أي كذلك أريناه البرهان (لنصرف لا عنه السوء) وهو خيانة أن صاحبه (والفحشاء) على ركوب الفاحشة (إنه من عبادنا المخلصين) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام والمعنى إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام أرادوا من الذين أخلصهم الله من الأسواء والفواحش وبعض المفسرين يقول السوء الزنى والفحشاء المعاصي

[ 162 ]

واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين قوله تعالى (واستبقا الباب) يعني يوسف والمرأة تبادرا إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه وأراد يوسف أن يسبق ليفتح الباب ويخرج وأرادت هي إن سبقت إمساك الباب لئلا يخرج فأدركته فتعلقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها فقدت قميصه من دبر أي قطعته من خلفه لأنه كان هو الهارب وهي الطالبة له قال المفسرون قطعت قميصه نصفين فلما خرجا ألفيا سيدها أي صادفا زوجها عند الباب فحضرها في ذلك الوقت

[ 163 ]

كيد فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر (ما الله جزاء من أراد بأهلك سوءا) قال ابن عباس تريد الزني (إلا أن يسجن) أي ما جزاؤه إلا السجن (أو عذاب أليم) تعني الضرب بالسياط فغضب يوسف حينئذ وقال (هي راودتني) قال وقال وهب ابن منبه قال له العزيز حينئذ اخنتني عن يا يوسف في أهلي وغدرت بي وغررتني بما كنت أرى من صلاحك فقال حينئذ (هي راودتني عن نفسي) قوله تعالى (وشهد شاهد من أهلها) وذلك أنه لما تعارض قولاهما احتاجا إلى شاهد يعلم به قول الصادق وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال أحدها أنه كان صبيا في المهد رواه عكرمة عن ابن عباس وشهر بن حوشب عن أبي هريرة وبه قال سعيد بن جبير والضحاك وهلال بن يساف في آخرين والثاني أنه كان من خاصة الملك رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس وقال أبو صالح عن ابن عباس كان ابن عم لها وكان رجلا حكيما فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة وهو كاذب وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة وقال بعضهم كان ابن خالة المرأة والثالث أنه شق القميص رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وفيه ضعف لقوله من أهلها فإن قيل كيف وقعت شهادة الشاهد هاهنا معلقة بشرط والشارط غير عالم بما يشرطه فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا من فعلم غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة العقل والتمييز فكأنه قال هو الصادق عندي فإن تدبر تم ما اشترطه لكم عقلتم قولي ومثل هذا قول الحكماء إن كان القدر حقا فالحرص باطل وإن كان الموت يقينا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق والجواب الثاني أن الشاهد لم يقطع بالقول ولم يعلم حقيقة ما جرى وإنما قال ما قال على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي فكان معنى قوله وشهد شاهد أعلم وبين فقال الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن فهذان الجوابان يدلان على أن المتكلم رجل فإن قلنا إنه صبي في المهد كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف لأن كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك

[ 164 ]

فلما را قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم قوله تعالى (فلما رأى قميصه) في في هذا الرائي والقائل (إنه من كيدكن) قولان أحدهما أنه الزوج والثاني الشاهد وفي هاء الكناية في قوله إنه من كيدكن ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى تمزيق القميص قاله مقاتل والثاني إلى قولها ما جزاء من أراد بأهلك سوءا فالمعنى قولك هذا من كيدكن قاله الزجاج والثالث إلى السوء الذي دعته إليه ذكره الماوردي قال ابن عباس إن كيدكن أي عملكن عظيم تخلطن البرئ والسقيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتيها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنريها بن في ضلال مبين قوله تعالى (يوسف أعرض عن هذا) المعنى يا يوسف أعرض وفي القائل له هذا قولان أحدهما أنه ابن عمها وهو الشاهد قاله ابن عباس والثاني أنه الزوج ذكره جماعة من المفسرين قال ابن عباس أعرض عن هذا الأمر فلا تذكره لأحد واكتمه عليها وروى الحلبي عن عبد الوراث يوسف أعرض عن هذا بفتح الراء على الخبر قوله تعالى (واستغفري لذنبك) فيه قولان أحدهما استعفي زوجك لئلا يعاقبك قاله ابن عباس والثاني توبي من ذنبك فإنك قد أثمت وفي القائل لهذا قولان أحدهما ابن عمها والثاني الزوج

[ 165 ]

قوله تعالى (إنك كنت من الخاطئين) يعني من المذنبين قال المفسرون ثم شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء وهو قوله (وقال نسوة في المدينة) وفي عددهن قولان أحدهما أنهن كن أربعا امرأة ساقي الملك وامرأة صاحب دوانه وامرأة خبازه وامرأة صاحب سجنه قاله ابن عباس والثاني أنهن خمس امرأة الخباز وامرأة الساقي وامرأة السجان وامرأة صاحب الدواة وامرأة الآذن قاله مقاتل وأما العزيز فهو بلغتهم الملك والفتى بمعنى العبد قال الزجاج كانوا يسمون المملوك فتى وإنما تكلم النسوة في حقها طعنا فيها وتحقيقا لبراءة يوسف قوله تعالى (قد شغفها حبا) أي بلغ حبه شغاف قلبها وفي الشغاف أربعة أقوال أحدها أنه جلدة بين القلب الفؤاد رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أنه غلاف القلب قاله أبو عبيدة قال ابن قتيبة ولم يرد الغلاف إنما أراد القلب يقال شغفت فلانا إذا أصبت شغافه كما يقال كبدته إذا أصبت كبده وبطنته إذا أصبت بطنه والثالث أنه حبة القلب وسويداؤه هذه والرابع أنه داء يكون في الجوف في الشراسيف وأنشدوا وقد حال هم دون ذلك داخل دخول الشغاف تبتغيه الأصابع ذكر القولين الزجاج وقال الأصمعي الشغاف عند العرب داء يكون تحت الشراسيف في الجانب الأيمن من البطن والشراسيف مقاط رؤوس الأضلاع واحدها شرسوف سنة وقرأ عبد الله بن عمرو وعلي بن الحسين والحسن البصري ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة قد شعفها بالعين قال الفراء كأنه ذهب بها كل مذهب والشعف رؤوس الجبال قوله تعالى (إنا لنراها في ضلال مبين) أي عن طريق الرشد لحبها إياه والمبين الظاهر فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن

[ 166 ]

سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين قوله تعالى (فلما سمعت) عمرو يعني امرأة العزيز (بمكرهن) قبل وفيه قولان أحدهما أنه قولهن وعيبهن يحيى لها قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن قتيبة قال الزجاج وإنما سمي هذا القول مكرا لأنها كانت أطلعتهن على أمرها واستكتمتهن فمكرن الرحمن وأفشين سرها والثاني أنه مكر حقيقة وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف قاله ابن إسحاق قوله تعالى (وأعتدت) وكان قال الزجاج أفعلت من العتاد وكل ما اتخذته عدة لشئ فهو عتاد والعتاد الشئ الثابت اللازم وقال ابن قتيبة أعتدت بمعنى أعدت فأما المتكأ ففيه ثلاثة اقوال أحدها أنه المجلس فالمعنى هيأت لهن مجلسا قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال الزجاج المتكأ ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث والثالث أنه الطعام قاله الحسن ومجاهد وقتادة قال ابن قتيبة يقال اتكأنا عند فلان إذا طعمنا قال جميل بن معمر فظللنا في نعمة واتكأنا وشربنا الحلال من قلله والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة فسمي الطعام متكأ على الاستعارة قال الأزهري إنما قيل للطعام متكأ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا ونهيت هذه الأمة عن ذلك وقرأ مجاهد متكا باسكان التاء خفيفة وفيه أربعة أقوال أحدها أنه الأترج قاله ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر في آخرين ومنه قول الشاعر [ نشرب روى الإثم بالصواع جهارا ] ولم وترى المتك بيننا مستعارا يريد الأترج

[ 167 ]

والثاني أنه الطعام أيضا قاله عكرمة الثالث أنه كل شئ يحز بالسكاكين قاله الضحاك والرابع أنه الزماورد روي عن الضحاك أيضا وقد روي عن جماعة أنهم فسروا المتكأ بما فسروا به المتك فروي عن ابن جريج أنه قال المتكأ الأترج وكل ما يحز بالسكاكين وعن الضحاك قال المتكأ كل ما يحز السكاكين وفرق آخرون بين القراءتين فقال مجاهد من قرأ متكأ بالتثقيل فهو الطعام ومن قرأ بالتخفيف فهو الأترج قال ابن قتيبة من قرأ متكا فإنه يريد الأترج ويقال الزماورد وأيا ما كان فإني لا أحسبه سمي متكا إلا بالقطع كأنه مأخوذ من البتك فأبدلت الميم منه باء كما يقال سمد رأسه وسبده إذا استأصله وشر لازم ولازب والميم تبدل من الباء كثيرا لقرب مخرجيهما قوله تعالى (وآتت كل واحدة منهم سكينا) إنما فعلت ذلك لأن الطعام الذي قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين وقيل كان مقصودها افتضاحهن بين بتقطيع أيديهن كما فضحنها أهل قال وهب بن منبه ناولت كل واحدة منهن أترجة وسكينا وقالت لهن لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن ثم قالت ليوسف اخرج عليهن قال الزجاج إن شئت ضممت التاء من قوله وقالت وإن شئت كسرت والكسر الأصل لسكون التاء والخاء ومن ضم التاء فلثقل حديث الضمة بعد الكسرة ولم يمكنه أن لا يخرج لأنه بمنزلة العبد لها وذكر بعض أهل العلم أنها إنما قالت اخرج وأضمرت في نفسها عليهن فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به ومثله (إنما نطعمكم لوجه الله) الآية [ الانسان عند 9 ] لم يقولوا ذلك إنما أضمروه ويدل على صحة هذا أنها لو قالت له وهو شاب مستحسن اخرج على نسوة من طبعهن الفتنة ما فعل وفي قوله (أكبرنه) لأنه قولان أحدهما أعظمنه رواه أبو صالح عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال قتادة وابن زيد والثاني حضن رواه الضحاك عن ابن عباس وروى علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه قال حضن من الفرح قال وفي ذلك يقول الشاعر تأني النساء لدى أطهارهن ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا وقد روى هذا المعنى ليث عن مجاهد واختاره ابن الأنباري ورده بعض اللغويين فروي عن أبي عبيدة أنه قال ليس في كلام العرب أكبرن بمعنى حضن ولكن عسى أن يكن من

[ 168 ]

شدة ما أعظمنه حضن وكذلك روي عن الزجاج أنه أنكره قوله تعالى (وقطعن أخبرنا أيديهن) يا فيه ثلاثة أقوال أحدها حززن أيديهن وكن يحسبن أنهن يقطعن طعاما قاله ابن عباس وابن زيد والثاني قطعن أيديهن حتى ألقينها قاله مجاهد وقتادة والثالث كلمن الأكف وابن الأنامل قاله وهب بن منبه قوله تعالى (وقلن حاشا لله) قرأ أبو عمرو حاشا بألف في الوصل في الموضعين واتفقوا عن حذف الألف في الوقف وأبو عمرو جاء به على التمام والأصل والباقون حذفوا وهذه الكلمة تستعمل في موضعين أحدهما الاستثناء والثاني التبرئة من الشر والأصل حاشا وهي مشتقة من قولك كنت في حشا فلان أي في ناحيته والحشا الناحية وأنشدوا بأي الحشا أمسى الخليط المباين أي بأي النواحي والمعنى صار يوسف في حشا من أن يكون بشرا لفرط جماله وقيل صار في حشا مما قرفته لو به امرأة العزيز وقال ابن عباس ومجاهد حاش لله بمعنى معاذ الله قال الفراء وبشرا منصوب لأن الباء قد استعملت فيه فلا يكاد اهل الحجاز ينطقون إلا بالباء فلما حذفوها أحبوا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه فنصبوا على ذلك وكذلك قوله (ماهن يكون أمهاتهم) [ المجادلة مع 2 ] وأما أهل نجد فيتكلمون بالباء وبغير الباء فإذا أسقطوها رفعوا وهو أقوى الوجهين في العربية قال الزجاج قوله الرفع أقوى الوجيهن غلط لأن كتاب الله أقوى اللغات ولم يقرأ بالرفع أحد وزعم الخليل وسيبويه وجميع النحويين القدماء أن بشرا منصوب لأنه خبر ما وما بمنزلة ليس قلت وقد قرأ أبو المتوكل وابو نهيك وعكرمة ومعاذ القارئ في آخرين ما هذا بشر بالرفع وقرأ أبي بن كعب وأبو الجوزاء وأبو السوار ما هذا بشرى بكسر الباء والشين مقصورا منونا قال الفراء أي ما هذا بمشترى وقرأ ابن مسعود بشراء بالمد والهمز مخفوضا منونا قوله تعالى (إن هذا إلا ملك) قرأ أبي وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة والجحدري ملك بكسر اللام قوله تعالى (فذلكن الذي لمتنني فيه) قال المفسرون لما ذهبت عقولهن فقطعن أيديهن قالت لهن ذلك

[ 169 ]

فإن قيل كيف أشارت إليه وهو حاضر بقولها فذلكن فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أنها أشارت ب ذلكن إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس والثاني أن في الكلام إضمار هذا تقديره فهذا ذلكن ومعنى لمتنني فيه أي في حبه ثم أقرت عندهن فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) أي امتنع قوله تعالى (وليكونن سعيد من الصاغرين) قال الزجاج القراءة الجيدة تخفيف وليكونن والوقوف عليها بالألف لأن النون الخفيفة تبدل منها في الوقف الألف تقول اضربن زيدا وإذا وقفت قلت اضربا وقد قرئت وليكونن بتشديد النون وأكرهها لخلاف المصحف لأن الشديدة لا يبدل منها شئ والصاغرون المذلون قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم قوله تعالى (قال رب السجن أحب إلي) قال وهب بن منبه لما قالت فذلكن الذي لمتنني فيه قلن لا لوم عليك قالت فاطلبن إلى يوسف أن يسعفني بحاجتي فقلن يا يوسف افعل فقالت لئن لم يفعل لأخلدنه قد السجن فعند ذلك قال (رب السجن أحب إلي) وقرأ يعقوب السجن بفتح السين هاهنا فحسب قال الزجاج من كسر سين السجن فعلى اسم المكان فيكون المعنى نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية ومن فتح فعلى المصدر المعنى أن أسجن أحب إلي (وإلا تصرف عني كيدهن) وفي أي إلا تعصمني (أصب إليهن) أي أمل إليهن يقال صبا إلى اللهو يصبو صبوا وصبوا وصباء كل إذا مال وقال ابن الأنباري ومعنى هذا الكلام اللهم اصرف عني كيدهن ولذلك قال (فاستجاب له ربه) قال فإن قيل إنما كادته امرأة العزيز وحدها فكيف قال كيدهن فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقول قائلهم خرجت إلى البصرة في السفن وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة

[ 170 ]

والثاني أن المكني عنه امرأة العزيز والنسوة اللاتي عاضدنها على أمرها والثالث أنه عنى امرأة العزيز وغيرها من نساء العالمين اللاتي لهن مثل كيدها ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين قوله تعالى (ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات) في المراد بالآيات ثلاثة أقوال أحدها أنها شق القميص وقضاء ابن عمها عليها رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها قد القميص وشهادة الشاهد وقطع الأيدي وإعظام النار إياه رواه مجاهد عن ابن عباس والثالث جماله وعفته ذكره الماوردي قال وهب بن منبه فأشار النسوة عليها بسحنه رجاء أن يستهوينه فلا حين يخلو لهن في السجن وقلن متى سجنتيه منه قطع ذلك عنك قالة الناس التي قد شاعت ورأوا أنك تبغضينه ويذله السجن لك فلما انصرفن عادت إلى مراودته فلم يزدد إلا بعدا عنها فلما يئست قالت لسيدها إن هذا العبد قد فضحني وقد أبغضت رؤيته فائذن لي في سجنه فأذن لها فسجنته وأضرت به وقال السدي قالت إما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر بعذري وإما أن تحبسه كما حبستني فظهر للعزيز واصحابه من الرأي حبس يوسف قال الزجاج كان العزيز أمر بالإعراض فقط ثم تغير رأيه عن ذلك قال ابن الأنباري وفي معنى الآية قولان أحدهما ثم بدا لهم أي ظهر لهم بالقول والرأي والفكر سجنه والثاني ثم بدا لهم في يوسف بدء فقالوا والله لنسجننه: فاللام جواب يمين مضمرة فأما الحين فهو يقع على قصير الزمان وطويله وفي المراد به هاهنا للمفسرين خمسة أقوال أحدها خمس سنين رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني سنة روي عن ابن عباس أيضا والثالث سبع سنين قاله عكرمة والرابع إلى انقطاع القالة قاله عطاء والخامس أنه زمان غير محدود ذكره الماوردي وهذا هو الصحيح لأنهم لم يعزموا على حبسه مدة معلومة وإنما ذكر المفسرون قدر ما لبث ودخل معه السجن فتيان قال أحدها إني أريني أعصر خمرا وقال الآخر إني

[ 171 ]

أريني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك غير من المحسنين قوله تعالى (ودخل معه السجن فتيان) أحمد قال الزجاج فيه دليل على أنه حبس وإن لم يذكر ذلك وفتيان جائز أن يكونا حدثين أو شيخين لأنهم يسمون المملوك فتى قال ابن الأنباري إنما قال فتيان لأهما كانا مملوكين والعرب تسمي الملموك فتى شابا كان أو شيخا قال المفسرون عمر ملك مصر فملوه فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه فبلغه ذلك فحبسهما فكان يوسف قال لأهل السجن إني أعبر الأحلام فقال أحد الفتين هلم فلنجرب هذا العبد العبراني واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة أم لا على ثلاثة أقوال أحدها أنها كانت كذبا وإنما سألاه تجريبا قاله ابن مسعود والسدي والثاني أنها كانت صدقا قاله مجاهد وابن إسحاق والثالث أن الذي صلب منهما كان كاذبا وكان الآخر صادقا قاله أبو مجلز قوله تعالى (قال أحدهما) يعني الساقي (إني أراني) بعد أي في النوم (أعصر يقول خمرا) أي عنبا وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال أحدها أنه سماه باسم ما يؤول إليه لأن المعنى لا يلتبس كما يقال فلان يطبخ الآجر ويعمل الدبس وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر وهذا قول أكثر المفسرين قال ابن الأنباري وإنما كان كذلك لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل كقولهم فلان يطبخ آجرا والثاني أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب قاله الضحاك والزجاج قال ابن القاسم وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها والثالث أن المعنى أعصر عنب خمر وأصل خمر وسبب خمر فحذف المضاف وخلفه المضاف إليه كقوله (واسأل القرية) [ يوسف 82 ] قال أبو صالح عن عن ابن عباس رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين فقال ما شأنكما قالا رأينا رؤيا قال قصاها الذي علي قال الساقي إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ثلاثة عناقيد عنب فعصرتهن في الكأس ثم أتيت به الملك فشربه وقال الخباز رايت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز فوقع طير على أعلاهن فأكل منها (نبئنا بتأويله) أي أخبرنا بتفسيره وفي قوله (إنا نراك من المحسنين) خمسة أقوال أحدها أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين رواه مجاهد عن ابن عباس والثاني إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله قاله ابن إسحاق والثالث إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم قاله الفراء قال ابن الأنباري فعلى

[ 172 ]

هذا يكون مفعول الإحسان محذوفا كما حذف في قوله (وفيه يعصرون) [ يوسف 49 ] يعني العنب والسمسم وإنما علموا أنه عالم لنشره العلم بينهم والرابع إنا نراك ممن يحسن التأويل ذكره الزجاج والخامس إنا نراك محسنا إلى نفسك بلزومك لأن طاعة الله ذكره ابن الأنباري قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار قوله تعالى (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه) في معنى الكلام قولان أحدهما لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة إلا أخبرتكما به قبل أن يصل إليكما لأنه كان يخبر بما غاب كعيسى عليه السلام وهو قول الحسن والثاني لا يأتيكما طعام ترزقانه في المنام إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما في اليقظة هذا قول السدي قال ابن عباس فقالا له وكيف تعلم ذلك ولست بساحر ولا عراف ولا صاحب نجوم فقال (ذلكما وقد مما علمني ربي) فإن قيل هذا كله ليس بجواب سؤالهما فأين جواب سؤالهما فعنه أربعة أجوبة أحدها أنه لما علم أن أحدهما مقتول دعاهما إلى نصيبهما من الآخرة قاله قتادة والثاني أنه عدل عن الجواب لما فيه من المكروه لأحدهما قاله ابن جريج والثالث أنه ابتدأ بدعائهما إلى الإيمان قبل جواب السؤال قاله الزجاج والرابع أنه ظنهما كاذبين في رؤياهما فعدل عن جوابهما ليعرضا عن مطالبته بالجواب فلما ألحا علي أجابهما ذكره ابن الأنباري فأما الملة فهي الدين وتكرير قوله (هم) للتوكيد قوله تعالى (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ) قال ابن عباس يريد أن الله عصمنا من الشرك (ذلك من فضل الله علينا) أي اتباعنا الإيمان بتوفيق الله (وعلى الناس) يعني

[ 173 ]

المؤمنين بأن دلهم على دينه وقال ابن عباس ذلك من فضل الله عينا أن جعلنا أنبياء (وعلى الناس) أن بعثنا إليهم ولكن أكثر الناس من أهل مصر (لا يشكرون) نعم الله فيوحدونه قوله تعالى (أأرباب متفرقون) حتى يعني الأصنام من صغير وكبير (خير) أي أعظم صفة في المدح (أم الله الواحد القهار) يعني أنه أحق بالإلهية من الأصنام فأما الواحد فقال الخطابي هو الفرد الذي لم يزل وحده وقيل هو المنقطع تعالى القرين المعدوم الشريك والنظير وليس كسائر الآحاد من الأجسام المؤلفة فإن كل شئ سواه يدعى واحدا من جهة غير واحد من جهات والواحد لا يثنى من لفظه لا يقال واحدان والقهار الذي قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة وقهر الخلق كلهم بالموت وقال غيره القهار الذي قهر كل شئ فذلله فاستسلم وذل له ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان قوله تعالى (ما تعبدون من دونه) إنما جمع في الخطاب لهما لأنه أراد جميع من شاركهما في شركهما وقوله من دونه أي من دون الله (إلا أسماء) يعني الأرباب والآلهة ولا يصح معاني تلك الأسماء للأصنام فكأنها أسماء فارغة فكأنهم يعبدون الأسماء لأنها لا تصح معانيها (ما أنزل الله بها من سلطان) أي من حجة بعبادتها (إن الحكم إلا لله) أي ما القضاء والأمر والنهي إلا له (ذلك الدين القيم) أي المستقيم يشير إلى التوحيد (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فيه قولان أحدهما لا يعلمون أنه لا يجوز عبادة غيره والثاني لا يعلمون ما للمطيعين فإن من الثواب وللعاصين من العقاب قوله تعالى (أما أحدكما فيسقي ربه خمرا) الرب هاهنا السيد قال ابن السائب لما قص الساقي رؤياه على يوسف قال له ما أحسن ما رأيت أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك عند انقضائها فيردك عمر إلى عملك فتعود كأحسن ما كنت فيه وقال للخباز

[ 174 ]

بئس ما رأيت السلال الثلاث ثلاثة ايام ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهن فيقتلك ويصلبك النبي ويأكل الطير من رأسك فقالا ما رأينا شيئا فقال (قضي الأمر الذي فيه تستفتيان) أي فرغ منه وسبقع وإن بكما صدقتما أو كذبتما فإن قيل لم حتم على وقوع التأويل وربما صدق تأويل الرؤيا وكذب فعنه جوابان أحدهما أنه حتم ذلك لوحي أتاه من الله وسبيل المنام المكذوب فيه أن لا يقع تأويله فلما قال قضي الأمر دل على أنه بوحي والثاني أنه لم يحتم بدليل قوله وقال للذي ظن أنه ناج منهما قال أصحاب هذا الجواب معنى قضي الأمر قطع الجواب الذي التمستماه كما من جهتي ولم يعن أن الأمر واقع بكما وقال أصحاب الجواب الأول الظن هاهنا بمعنى العلم وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنسيه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين قوله تعالى (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) يعني الساقي وفي هذا الظن قولان أحدهما أنه بمعنى العلم قاله ابن عباس والثاني أنه الظن الذي يخالف اليقين قاله قتادة قوله تعالى (اذكرني عند ربك) أي عند صاحبك وهو الملك وقل له إن في السجن غلاما حبس ظلما واسم الملك الوليد بن الريان قوله تعالى (فأنساه الشيطان ذكر ربه) فيه قولان أحدهما فأنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف لربه قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال ابن إسحاق والثاني فأنسى الشيطان يوسف ذكر ربه وأمره بذكر الملك ابتغاء الفرج من عنده قاله مجاهد ومقاتل والزجاج وهذا نسيان عمد لا نسيان سهو وعكسه القول الذي قبله قوله تعالى (فلبث في السجن بضع سنين) أي غير ما كان قد لبث قبل ذلك عقوبة له على تعلقه بمخلوق وفي البضع تسعة أقوال أحدها ما بين السبع والتسع روى ابن عباس أن أبا بكر لما ناحب قريشا عند نزول (آلم غلبت الروم) [ الروم 12 ] قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا احتطت فإن البضع ما بين السبع إلى

[ 175 ]

التسع والثاني اثنتا عشرة سنة قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث سبع سنين قاله عكرمة والرابع أنه ما بين الخمس إلى السبع قاله الحسن والخامس أنه ما بين الأربع إلى التسع قاله مجاهد والسادس ما بين الثلاث والتسع والعشر قاله قتادة والثامن أنه ما دون العشرة قاله الفراء وقال الأخفش البضع من واحد إلى عشرة والتاسع أنه ما لم يبلغ العقد ولا نصفه قاله أبو عبيدة قال ابن قتيبة يعني ما بين الواحد إلى الأربعة وروى الأثرم عن أبي عبيدة البضع ما بين ثلاث وخمس وفي جملة ما لبث في السجن ثلاثة أقوال أحدها اثنتا عشرة سنة قاله ابن عباس والثاني أربع عشرة قاله الضحاك والثالث سبع سنين قاله قتادة قال مالك بن دينار لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك قيل له يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك فبكى وقال يا رب أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة فويل لإخوتي وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات يا أيها الملأ افتوني في رؤياي إن كنتم للرءيا هو تعبرون وسلم تعالى (وقال الملك) يعني ملك مصر الأكبر (إني أرى) يعني في المنام ولم يقل رايت وهذا جائز في اللغة أن يقول القائل أرى بمعنى رأيت قال وهب بن منبه لما انقضت المدة التي وقتها الله تعالى ليوسف في حبسه دخل عليه جبريل إلى السجن فبشره بالخروج وملك مصر ولقاء أبيه فلما أمسى الملك من ليلتئذ رأى سبع بقرات سمان خرجن من البحر في آثارهن سبع عجاف فأقبلت العجاف على السمان فأخذن بأذنابهن عنه فأكلنهن إلى

[ 176 ]

القرنين ولم يزد في العجاف شئ ورأى سبع سنبلات خضر وقد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهن حتى أتين عليهن ولم يزدد في اليابسات شئ فدعا أشراف قومه فقصها عليهم فقالوا (أضغاث أحلام) قال الزجاج والعجاف التي قد بلغت في الهزال الغاية والملأ الذين يرجع إليهم في الأمور ويقتدى برأيهم واللام في قوله (للرؤيا) إن دخلت على المفعول للتبيين المعنى إن كنتم تعبرون ثم يبن باللام فقال للرؤيا ومعنى عبرت الرؤيا وعبرتها أخبرت بآخر ما يؤول إليه أمرها واشتقاقه من عبر النهر وهو شاطئ النهر فتأويل عبرت النهر بلغت إلى عبره أي إلى شطه وهو آخر عرضه وذكر ابن الأنباري في اللام قولين أحدهما أنها للتوكيد والثاني أنها أفادت معنى إلى والمعنى إن كنتم توجهون العبارة إلى الرؤيا قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين قوله تعالى قالوا (أضغاث أحلام) قال أبو عبيدة واحدها ضغث مكسورة وهي ما لا تأويل له من الرؤيا تراه جماعات تجمع من الرؤيا كما يجمع الحشيش فيقال ضغث أي مل ء كف منه وقال الكسائي الأضغاث الرؤيا المختلطة وقال ابن قتيبة أضغاث أحلام أي أخلاط مثل أضغاث النبات يجمعها الرجل فيكون فيها ضروب مختلفة وقال الزجاج الضغث في اللغة الحزمة والباقة فيه من الشئ كالبقل وما أشبهه فقالوا له رؤياك أخلاط أضغاث أي حزم أخلاط ليست برؤيا بينه (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) أي ليس للرؤيا المخلتطة صلى عندنا تأويل وقال غيره وما نحن بتأويل الأحلام الذي هذا وصفها بعالمين والأحلام جمع حلم وهو ما يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلى قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما

[ 177 ]

قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون قولة تعالي (وقال اللذي نجا منهما) يعني اللذي تخلص من القتل من الفتيين وهو الساقي (وادكر) وقال اي تذكر شأن يوسف وما وصاة بة قال الزجاج وأصل ادكر اذتكر ولكن التاء ابدلت منها الدال وأدغمت الذال في الدال وقرأ الحسن واذكر بالذال المشددة وقوله (بعد أمة) أي بعد حين وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في السجن وقد سبق بيانه وقرأ ابن عابس والحسن بعد امة أراد بعد نسيان فإن قيل هذا يدل على أن الناسي في قوله فأنساه الشيطان ذكر ربه هو الساقي ولا شك أن من قال إن الناسي يوسف يقول لم ينس الساقي فالجواب أن من قال إن يوسف نسي يقول معنى قوله وادكر ذكر كما تقول العرب احتلب بمعنى حلب واغتدى بمعنى غدا فلا يدل إذا على نسيان سبقه وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى تأويل رؤياه خوفا من أن يكون ذكره ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس ذكر هذا الجواب ابن الأنباري قوله تعالى (أنا أنبئكم بتأويله) أي من جهة يوسف (فأرسلون) أثبت الياء فيها وفي (ولا تقربون) أنه [ يوسف 60 ] (أن تفندون) [ يوسف 94 ] يعقوب في الحالين فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع تعظيما وقيل خاطبه وخاطب أتباعه وفي الكلام اختصار المعنى فأرسلوه فأتى يوسف فقال يا يوسف يا أيها الصديق والصديق الكثير الصدق كما يقال فسيق وسكير وقد سبق بيانه [ النساء 69 ] قوله تعالى (لعلي أرجع إلى الناس) يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين جمعهم لتعبير رؤياه وفي قوله (لعلهم يعلمون) قولان أحدهما يعلمون تأويل رؤيا الملك والثاني يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك وذكر ابن الأنباري في تكرير لعلي قولين أحدهما أن لعل الأولى متعلقة بالإفتاء والثانية مبنية على الرجوع وكلتاهما بمعنى كي والثاني أن الأولى بمعنى عسى والثانية بمعنى كي فأعيدت لاختلاف المعنيين

[ 178 ]

وهذا هو الجواب عن قوله (لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون) [ يوسف 63 ] قال المفسرون كان سيده العزيز قد مات واشتغلت عنه امرأته وقال بعضهم لم يكن العزيز قد مات فقال يوسف للساقي قل للملك هذه سبع سنين مخصبات ومن بعدهن سبع سنين شداد إلا أن يحتال لهن فانطلق الرسول إلى الملك فأخبره فقال له الملك ارجع إليه فقل له كيف يصنع فقال (تزرعون سبع سنين دأبا) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم دأبا ساكنه الهمزة إلا أن أبا عمرو كان إذا أدرج القراءة لم يهمزها وروى حفص عن عاصم دأبا بفتح الهمزة قال أبو علي الأكثر في دأب الإسكان ولعل الفتح لغة ومعنى دأبا أي زراعة متوالية على عادتكم والمعنى تزرعون دائبين فناب دأب عن دائبين وقال الزجاج المعنى تدأبون دأبا ودل على تدأبون تزرعون والدأب الملازمة للشئ والعادة فإن قيل كيف حكم بعلم الغيب فقال تزرعون ولم يقل إن شاء الله فعنه أربعة أجوبة أحدها أنه كان بوحي من الله عز وجل والثاني أنه بنى على علم ما علمه الله من التأويل الحق فلم يشك والثالث أنه أضمر إن شاء الله كما أضمر إخوته في قولهم (ونمير أهلنا ونحفظ أخانا) [ يوسف 65 ] فاضمروا وهو الاستثناء في نياتهم لأنهم على غير ثقة مما وعدوا ذكره ابن الأنباري والرابع أنه كالآمر لهم فكأنه قال ازرعوا قوله تعالى (فذروه صلى الله عليه وسلم في سنبله) إذا فإنه أبقى له وأبعد من الفساد والشداد المجدبات التي تشتد على الناس (يأكلن) فقال أي يذهبن ما قدمتم لهن في السنين المخصبات فوصف السنين بالأكل وإنما يؤكل فيها كما يقال ليل نائم قوله تعالى (إلا قليلا مما تحصنون) أي تحرزون وتدخرون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون قوله تعالى (ثم يأتي من بعد ذلك عام) إن قيل لم أشار إلى السنين وهي مؤنثة ب ذلك فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم

[ 179 ]

أحدهما أن السبع مؤنثه ولا علامة للتأنيث في لفظها فأشبهت المذكر كقوله تعالى (السماء منفطر به) [ المزمل 18 ] فذكر منفطرا أي لما لم يكن في السماء علم التأنيث قال الشاعر فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها فذكر أبقل لما وصفنا والثاني أن ذلك إشارة إلى الجدب وهذا قول مقاتل والأول قول الكلبي قال قتادة زاده الله علم عام لم يسألوه عنه قوله تعالى (فيه يغاث الناس) فيه قولان أحدهما يصيبهم الغيث قاله ابن عباس والثاني يغاثون بالخصب ذكره الماوردي قوله تعالى (وفيه يعصرون) قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر وعاصم يعصرون بالياء وقرأ حمزة والكسائي بالتاء فوجها الخطاب إلى المستفتين وفي قوله يعصرون خمسة أقوال أحدها يعصرون العنب والزيت والثمرات رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والجمهور والثاني يعصرون بمعنى يحتلبون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عيد قال تفسير يعصرون يحتلبون الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم واحتج بقول الشاعر فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهم طعام ولا در من المال يعصر أي يحلب والثالث ينجون وهو من العصر والعصر النجاء والعصرة المنجاة ويقال فلان في عصرة إذا كان في حصن لا يقدر عليه قال الشاعر صاديا يستغيث غير مغاث ولقد كان عصرة المنجود أي غياثا للمغلوب المقهور وقال عدي لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري هذا عبيد ة والرابع يصيبون ما يحبون روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال المعتصر الذي يصيب الشئ ويأخذه ومنه هذه الآية ومنه قول ابن أحمر

[ 180 ]

فإنما العيش بريانه ثنا وأنت من أفنانه معتصر والخامس يعطون ويفضلون لسعة عيشهم رواه ابن الأنباري عن بعض أهل الغة وقرأ سعيد بن جبير يعصرون بضم الياء وفتح الصاد وقال الزجاج أراد يمطرون من قوله (وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا) [ النبأ به 14 ] وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأت العزيز الئن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصاداقين هذا قوله تعالى (وقال الملك ائتوني به) قال المفسرون لما رجع الساقي إلى الملك وأخبره بتأويل رؤياه وقع في نفسه صحة ما قال فقال ائتوني بالذي عبر رؤياي فجاءه الرسول فقال أجب الملك فأبى أن يخرج حتى تبين براءته مما قرف به فقال (ارجع إلى ربك) يعني الملك (فاسأله ما بال النسوة) ثم وقرأ ابن أبي عبلة النسوة بضم النون والمعنى فاسأل الملك أن يتعرف ما شأن تلك النسوة وحالهن ليعلم صحة براءتي وإنما أشفق أن يراه اللمك بعين مشكوك في أمره أو متهم بفاحشة وأحب أن يراه بعد استقرار براءته عنده وظاهر قوله (إن ربي بكيدكن رسول عليم) أنه يعني الله تعالى وحكى ابن جرير الطبري أنه أراد به سيده العزيز والمعنى أنه يعلم براءتي وقد روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه استحسن حزم يوسف وصبره عن التسرع إلى الخروج فقال صلى الله عليه وسلم إن الكريم بن الكريم بن الكريم [ ابن الكريم ] يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبت وفي ذكره للنسوة دون امرأة العزيز أربعة أقوال أحدها أنه خلطها بالنسوة لحسن عشرة فيه وأدب قاله الزجاج والثاني لأنها زوجة ملك فصانها والثالث لأن النسوة شاهدات عليها له والرابع لأن في ذكره لها نوع تهمة ذكر الأقوال الثلاثة الماوردي قال المفسرون فرجع الرسول إلى الملك برسالة يوسف فدعا الملك النسوة وفيهن امرأة العزيز فقال (ما خطبكن)

[ 181 ]

أي ما شأنكن وقصتكن ولا (إذ راودتن يوسف) فإن قيل إنما راودته واحدة فلم جمعن فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه جمعهن في السؤال ليعلم عين المراودة والثاني أن أزليخا راودته على نفسه وراوده باقي النسوة على القبول منها والثالث أنه جمعهن في الخطاب والمعنى لواحدة منهن لأنه قد يوقع على النوع وصف الحبس إذا أمن من اللبس يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء إنكن أكثر أهل النار فجمعهن في الخطاب والمعنى لبعضهن ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (قلن حاش لله) قال الزجاج قرأ الحسن بتسكين الشين ولا اختلاف بين النحويين أن الإسكان غير جائز لأن الجمع بين ساكنين لا يجوز ولا هو من كلام العرب فأعلم النسوة الملك براءة يوسف من السوء فقالت امرأة العزيز (الآن حصحص الحق) أي برزوتبين لم واشتقاقه في اللغة من الحصة أي بانت حصة الحق وجهته من حصة جهة الباطل وقال ابن القاسم حصحص بمعنى وضح وانكشف تقول العرب حصحص البعير في بروكة حدثنا إذا تمكن وأثر في الأرض وفرق الحصى وللمفسرين في ابتداء أزليخا بالإقرار قولان أحدهما أنها لما رأت النسوة قد برأنه قالت لم يبق إلا أن يقبلن على بالتقرير فأقرت قاله الفراء والثاني أنها أظهرت التوبة وحققت صدق يوسف قاله الماوردي ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قوله تعالى (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قال مقاتل ذلك بمعنى هذا وقال ابن الأنباري قال اللغويون هذا وذلك يصلحان في هذا الموضع وأشباهه لقرب الخبر من أصحابه فصار كالمشاهد الذي يشار إليه بهذا ولما كان متقضيا أمكن أن يشار إليه بذلك لأن المقتضي كالغائب واختلفوا في القائل لهذا على ثلاثة أقوال أحدها أنه يوسف وهو من أغمض ما يأتي من الكلام أن تحكي عن شخص شيئا ثم تصله بالحكاية عن آخر ونظير هذا قوله يريد أن يخرجكم من أرضكم) ابن [ الأعراف 110 ] هذا قول الملأ (فماذا

[ 182 ]

تأمرون) قوله قول فرعون ومثله (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) [ النمل 34 ] هذا قول بلقيس (وكذلك يفعلون) له قول الله تعالى ومثله (من بعثنا من مرقدنا) بيس 52 ] هذا قول الكفار فقالت الملائكة (هذا ما وعد الرحمن) وإنما يجوز مثل هذا في الكلام لظهور الدلالة على المعنى واختلفوا أين قال يوسف هذا على قولين أحدهما أنه لما رجع الساقي إلى يوسف فأخبره وهو في السجن بجواب امرأة العزيز والنسوة للملك قال حينئذ ذلك ليعلم رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال ابن جريج والثاني أنه قاله بعد حضوره مجلس الملك رواه عطاء عن ابن عباس قوله تعالى (ذلك ليعلم) ذلك أي ذلك الذي فعلت من ردي رسول الملك ليعلم واختلفوا في المشار إليه بقوله ليعلم وقوله (لم أخنه) على أربعة أقوال أحدها أنه العزيز والمعنى ليعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته (بالغيب) أي إذا غاب عني رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة والجمهور والثاني أن المشار إليه بقوله ليعلم الملك والمشار إليه بقوله لم أخنه العزيز والمعنى ليعلم الملك أني لم أخن العزيز في أهله بالغيب رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أن المشار إليه بالشيئين الملك فالمعنى ليعلم الملك أني لم أخنه يعني الملك أيضا بالغيب وفي وجه خيانة الملك في ذلك قولان أحدهما لكون العزيز وزيره فالمعنى لم أخنه في امرأة وزيره قاله ابن الأنباري والثاني لم أخنه في بنت أخته وكانت أزليخا بنت أخت الملك قاله أبو سليمان الدمشقي والثالث أن المشار إليه بقوله ليعلم الله فالمعنى ليعلم الله أني لم أخنه روي عن مجاهد قال ابن الأنباري نسب العلم إلى الله في الظاهر وهو في المعنى للمخلوقين كقوله (حتى نعلم المجاهدين منكم) [ محمد 31 ] فإن قيل إن كان يوسف قال هذا في مجلس الملك فكيف قال ليعلم ولم يقل لتعلم وهو يخاطبه فالجواب أنا إن قلنا إنه كان حاضرا عند الملك فإنما آثر الخطاب بالياء توقيرا للملك

[ 183 ]

كما يقول الرجل للوزير إن رأى الوزير أن يوقع في قصتي وإن قلنا إنه كان غائبا فلا وجه لدخول التاء وكذلك إن قلنا إنه عني العزيز والعزيز غائب عن مجلس الملك حينئذ والقول الثاني أنه قول امرأة العزيز فعلى هذا يتصل بما قبله والمعنى ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته الآن بالكذب عليه والثالث أنه قول العزيز والمعنى ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب فلم أغفل عن مجازاته على أمانته حكى القولين الماوردي قوله تعالى (وأن الله لا يهدي كيد الخائنين) قال ابن عباس لا يصوب عمل الزناة وقال غيره لا يرشد من خان أمانته ويفضحه في عاقبته وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين قوله تعالى (وما أبرئ) محمد في القائل لهذا ثلاثة أقوال وهي التي تقدمت في الآية قبلها فالذين قالوا هو يوسف اختلفوا في سبب قوله لذلك على خمسة أقوال أحدها أنه لما قال ليعلم أني لم أخنه بالغيب غمزه جبريل فقال ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال الأكثرون والثاني أن يوسف لما قال لم أخنه ذكر أنه قد هم بها فقال وما أبرئ نفسي رواه العوفي عن ابن عباس والثالث أنه لما قال ذلك خاف أن يكون قد زكى نفسه فقال وما أبرئ نفسي قاله الحسن والرابع أنه لما قاله قال له الملك الذي معه اذكر ما هممت به فقال وما أبرئ نفسي قاله قتادة والخامس أنه لما قاله قالت امرأة العزيز ولا يوم حللت سراويلك فقال وما أبرئ نفسي قاله السدي والذين قالوا هذا قول امرأة العزيز فالمعنى وما أبرئ نفسي من

[ 184 ]

سوء الظن بيوسف لأنه قد خطر لي قوله تعالى (لأمارة بالسوء) قرأ ابن عامر وأهل الكوفة ويعقوب إلا رويسا بالسوء إلا بتحقيق الهمزتين وقرأ أبو عمرو وابن شنبوذ عن قنبل بتحقيق الثانية وحذف الأولى وروى نظيف عن قنبل بتحقيق الأولى وقلب الثانية ياء وقرأ أبو جعفر وورش ورويس بتحقيق الأولى وتليين الثانية بين بين مثل السوء علا وروى ابن فليح بتحقيق الثانية وقلب الأولى واوا وأدغمها في الواو التي قبلها فتصير واوا مكسورة مشددة قبل همزة إلا قوله تعالى (إلا ما رحم ربي) قال ابن الأنباري قال اللغويون هذا استثناء منقطع والمعنى إلا أن رحمة ربي عليها المعتمد قال أبو صالح عن ابن عباس المعنى إلا من عصم ربي وقيل ما بمعنى من قال الماوردي ومن قال هو قول امرأة العزيز فالمعنى إلا من رحم ربي في قهره لشهوته أو في نزعها عنه ومن قال هو قول العزيز فالمعنى إلا من رحم ربي بأن يكفيه سوء الظن أو يثبته فلا يعجل قال ابن الأنباري والقول بأن هذا قول يوسف أصح لوجين إلى أحدهما لأن العلماء عليه والثاني لأن المرأة كانت عابدة وثن وما تضمنته الآية أليق أن يكون قول يوسف من قول من لا يعرف الله عز وجل وقال المفسرون فلما تبين الملك عذر يوسف وعلم أمانته قال (أئتوني كان به أستخلصه لنفسي) أي أجعله خالصا لي لا يشركني فيه أحد فإن قيل فقد رويتم في بعض ما مضى أن يوسف قال في مجلس الملك ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب فكيف قال الملك ائتوني به وهو حاضر عنده فالجواب أن أرباب هذا القول يقولون أمر الملك باحضاره ليقلده الأعمال في غير المجلس الذي استحضره فيه لتعبير الرؤيا قال وهب لما دخل يوسف على الملك وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا كان كلما كلمة بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان فعجب الملك وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة فقال إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها فذكرها له قال فما ترى أيها الصديق قال أرى أن تزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وتجمع الطعام فيأتيك الناس فيمتارون وتجمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد فقال الملك ومن لي بهذا فقال يوسف اجعلني على خزائن الأرض قال ابن عباس ويريد بقوله (مكين أبو أمين) أي قد مكنتك في ملكي وائتمنتك أو فيه وقال مقاتل المكين الوجيه والأمين الحافظ قوله تعالى (اجعلني على خزائن الأرض) أي خزائن أرضك وفي المراد بالخزائن قولان

[ 185 ]

أحدهما خزائن الأموال قاله الضحاك والزجاج والثاني خزائن الطعام فحسب قاله ابن السائب قال الزجاج وإنما سأل ذلك لأن الأنبياء بعثوا بالعدل فعلم أنه لا أحد أقوم بذلك منه وفي قوله (إني حفيظ عليم) ثلاثة أقوال أحدها حفيظ لما وليتني عليم بالمجاعة متى تكون قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني حفيظ لما استودعتني عليم بهذه السنين قاله الحسن والثالث حفيظ للحساب عليم بالألسن قاله السدي وذلك أن الناس كانوا يردون على الملك من كل ناحية فيتكلمون بلغات مختلفة واختلفوا هل ولاه الملك يومئذ أم لا على ثلاثة أقوال أحدها أنه ولاه بعد سنة روى الضحاك عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال رحم الله أخي يوسف لو لم يقل أجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه أخر ذلك سنة وذكر مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لملك من وقته قال مجاهد أسلم الملك على يد يوسف وقال أهل السير أقام في بيت الملك سنة فلما انصرمت دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه وأمر له بسرير من ذهب وضرب عليه كلة من إستبرق فجلس على السرير كالقمر ودانت له الملوك ولزم الملك بيته وفوض أمره إليه وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملك يوسف بامرأة قطفير فلما دخل عليها قال أليس هذا خيرا مما تريدين فقالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء فغلبتني نفسي فلما بنى بها يوسف وجدها عذراء فولدت له ابنين إفراييم وميشا واستوسق له ملك مصر والقول الثاني أنه ملكه بعد سنة ونصف حكاه مقاتل عن ابن عباس والثالث أنه سلم إليه الأمر من وقته قاله وهب وابن السائب فإن قيل كيف قال يوسف إني حفيظ عليم ولم يقل إن شاء الله فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أن ترك الاستثناء أوجب عقوبة بأن أخر تمليكه على ما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم والثاني أنه أضمر الاستثناء كما أضمروه في قولهم (ونمير أهلها) والثالث أنه أراد أن حفظي وعلمي يزيدان على حفظ غيري وعلمه فلم يحتج هذا إلى الاستثناء لعدم الشك فيه ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري فإن قيل كيف مدح نفسه بهذا القول ومن شأن الأنبياء والصالحين التواضع

[ 186 ]

فالجواب أنه لما خلا مدحه لنفسه من بغي وتكبر وكان مراده به الوصول إلى حق يقيمه وعدل يحيه وجور يبطله كان ذلك جميلا جائزا وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم أنا أكرم ولد آدم على ربه وقال علي بن أبي طالب عليه السلام والله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار وقال ابن مسعود لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته فهذه الأشياء خرجت مخرج الشكر لله وتعريف المستفيد ما عند المفيد ذكر هذا محمد بن القاسم قال القاضي أبو يعلى في قصة يوسف دلالة على أنه يجوز للانسان أن يصف نفسه بالفضل عند من لا يعرفه وأنه ليس من المحظور في قوله (فلا تزكوا أنفسكم) [ النجم 32 ] قوله تعالى (وكذلك مكنا ليوسف) في الكلام محذوف تقديره اجعلني على خزائن الأرض قال قد فعلت فحذف ذلك لأن قوله وكذلك مكنا ليوسف يدل عليه والمعنى ومثل ذلك الإنعام الذي أنعما عليه في دفع المكروه عنه وتخليصه من السجن وتقريبه من قلب اللمك أقدرناه على ما يريد في أرض مصر (يتبوأ منها حيث يشاء) قال ابن عباس ينزل حيث أراد وقرأ ابن كثير والمفضل حيث نشاء بالنون قوله تعالى (نصيب برحمتنا)) أي نختص بنعمتنا من النبوة والنجاة (من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) يعني المؤمنين يقال إن يوسف باع أهل مصر الطعام بأموالهم وحليهم ومواشيهم وعقارهم وعبيدهم ثم بأولادهم ثم برقابهم ثم قال للملك كيف ترى صنع ربي فقال الملك إنما نحن لك تبع قال فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر ورددت عليهم أملاكهم وكان يوسف لا يشبع في تلك الأيام ويقول إني أخاف أن أنسى الجائع ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا عبد يتقون قوله تعالى (ولأجر الآخرة خير) المعنى ما نعطي يوسف في الآخرة خير مما أعطيناه في الدنيا وكذلك غيره من المؤمنين ممن سلك طريقه في الصبر وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون قوله تعالى (وجاء إخوة يوسف) روى الضحاك عن ابن عباس قال لما فوض الملك إلى يوسف أمر مصر تلطف يوسف للناس ولم يزل يدعوهم إلى الإسلام فآمنوا به وأحبوه فلما

[ 187 ]

أصاب الناس القحط نزل ذلك بأرض كنعان فأرسل يعقوب ولده للميرة وذاع أمر يوسف في الآفاق وانتشر عدله ورحمته ورأفته فقال يعقوب يا بني إنه قد بلغني أن بمصر ملكا صالحا فانطلقوا إليه وأقرئوه مني السلام وانتسبوا له لعله يعرفكم فانطلقوا فدخلوا عليه فعرفهم وأنكروه فال من أين أقبلتم قالوا من أرض كنعان ولنا شيخ يقال له يعقوب وهو يقرئك السلام فبكى وعصر عينيه وقال لعلكم جواسيس جئتم تنظرون عورة بلدي فقالوا لا والله ولكنا من كنعان أصابنا الجهد فأمرنا أبونا أن نأتيك فقد بلغه عنك خير قال فكم أنتم قالوا أحد عشر أخا وكنا اثنى عشر فأكل أحدنا الذئب قال فمن يعلم صدقكم ائتوني بأخيكم الذي من أبيكم وروى أبو صالح عن ابن عباس قال لما دخلوا عليه كلموه بالعبرانية فأمر الترجمان فكلمهم ليشبه عليهم فقال الترجمان قل لهم أنتم عيون بعثكم ملككم لتنظروا إلى أهل مصر فتخبرونه عليه فيأتينا بالجنود فقالوا لا وكنا قوم لنا أب شيخ كبير وكنا اثنى عشر فهلك منا واحد في الغنم وقد خلفنا عند أبينا أخا له من أمه فقال إن كنتم صادقين فخلفوا عندي بعضكم رهنا وائتوني بأخيكم فحبس عنده شمعون واختلفوا بماذا عرفهم يوسف على قولين أحدهما أنه عرفهم برؤيتهم قاله ابن عباس والثاني أنه ما عرفهم حتى تعرفوا إليه قاله الحسن قوله تعالى (وهم له منكرون) قال مقاتل لا يعرفونه وفي علة كونهم لم يعرفوه قولان أحدهما أنهم جاؤوه مقدرين أنه ملك كافر فلم يتأملوا منه ما يزول به عنهم الشك والثاني أنهم عاينوا من زيه وحليته ما كان سببا لإنكارهم وقد روى أبو صالح عن ابن عباس أنه كان لا بسا ثياب حرير وفي عنقه طوق من ذهب فإن قيل كيف يخفى من قد أعطي نصف الحسن وكيف يشتبه بغيره فالجواب أنهم فارقوه طفلا ورأوه كبيرا والأحوال تتغير وما توهموا أنه ينال هذه المرتبة وقال ابن قتيبة معنى كونه أعطي نصف الحسن أن الله جعل للحسن غاية وحدا وجعله لمن شاء من خلقه إما للملائكة أو للحور فجعل ليوسف نصف ذلك الحسن فكأنه كان حسنا مقاربا لتلك الوجوه الحسنة وليس كما يزعم الناس من أنه أعطي هذا الحسن وأعطي الناس كلهم نصف الحسن

[ 188 ]

ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون أبي قوله تعالى (ولما جهزهم بجهازهم) يقال جهزت القوم تجهيزا إذا هيأت لهم ما يصلحهم وجهاز البيت متاعه قال المفسرون حمل لكل رجل منهم بعيرا وقال (ألا ترون أني أوفي الكيل) أي أتمه ولا أبخسه (وأنا خير المنزلين) يعني المضيفين وذلك أنه أحسن ضيافتهم ثم أوعدهم على ترك الإتيان بأخيهم فقال (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي) وفيه قولان أحدهما أنه يعني به فيما بعد وهو قول الأكثرين والثاني أنه منعهم الكيل في الحال قاله وهب بن منبه قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون قوله تعالى (قالوا سنراود عنه أباه) ما أي نطلبه منه والمراودة الاجتهاد في الطلب وفي قوله (وإنا لفاعلون) لا ثلاثة أقوال أحدها أن المعنى وإنا لجاؤوك أن به وضامنون على لك المجئ به هذا مذهب الكلبي والثاني أنه توكيد قاله الزجاج فعلى هذا يكون الفعل الذي ضمنوه عائدا إلى المراودة فيصح معنى التوكيد والثالث وإنما لمديمون المطالبة به لأبينا ومتابعون الله المشورة عليه بتوجيهه وهذا غير المراودة ذكره ابن الأنباري فإن قيل كيف جاز ليوسف أن يطلب أخاه وهو يعلم ما في ذلك من إدخال الحزن على أبيه فعنه خمسة أجوبة أحدها أنه يجوز أن يكون ذلك بأمر عن الله تعالى زيادة لبلاء يعقوب ليعظم ثوابه وهذا الأظهر والثاني أنه طلبه لا ليحبسه فلما عرفه قال لا أفارقك يا يوسف قال لا يمكنني حبسك إلا أن أنسبك إلى أمر فظيع قال أفعل ما بدا لك قاله كعب والثالث أن يكون قصد تنبيه يعقوب بذلك على حال يوسف

[ 189 ]

والرابع ليتضاعف سرور يعقوب برجوع ولديه والخامس ليعجل سرور أخيه باجتماعه به قبل إخوته وكل هذه الأجوبة مدخوله إلا الأول فإنه الصحيح ويدل عليه ما روينا عن وهب بن منبه قال لما جمع الله بين يوسف ويعقوب قال له يعقوب بيني وبينك هذه المسافة القريبة ولم تكتب إلى تعرفني فقال إن جبريل أمرني أن لا أعرفك فقال له سل جبريل فسأله فقال إن الله أمرني بذلك فقال سل ربك فسأله فقال قل ليعقوب خفت عليه الذئب ولم تؤمني وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون قوله تعالى (وقال لفتيته) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم لفتيته وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم لفتيانه قال أبو علي الفتية جمع فتى في العدد القليل والفتيان في الكثير والمعنى قال لغلمانه (اجعلوا بضاعته) قال وهي التي اشتروا بها الطعام) (في رحالهم) والرحل كل شئ يعد للرحيل (لعلهم يعرفونها) عن أي ليعرفوها (إذا انقلبوا) من أي رجعوا (في إلى أهلهم لعلهم يرجعون) أي لكي يرجعوا وفي مقصوده بذلك خمسة أقوال أحدها أنه تخوف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في رحالهم قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنه أراد أنهم إذا عرفوها لم يستحلوا إمساكها حتى يردوها قاله الضحاك والثالث أنه استقبح أخذ الثمن من والده وإخوته مع حاجتهم إليه فرده عليهم من حيث لا يعلمون سبب رده تكرما وتفضلا ذكره ابن جرير الطبري وأبو سليمان الدمشقي والرابع ليعلموا أن طلبه لعودهم لم يكن طمعا في أموالهم ذكره الماوردي والخامس أنه أراهم كرمه وبره ليكون أدعى إلى عودهم فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له الحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافضا بن وهو أرحم الراحمين

[ 190 ]

قوله تعالى (فلما رجعوا إلى أبيهم) هذه قال المفسرون لما عادوا إلى يعقوب قالوا يا أبانا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته وفي قوله (منع منا الكيل) قولان قد تقدما في قوله (فلا كيل لكم عندي) [ يوسف 61 ] فإن قلنا إنه لم يكل لهم فلفظ منع بين وإن قلنا إنه خوفهم منع الكيل ففي المعنى قولان أحدهما حكم علينا بمنع الكيل بعد هذا الوقت كما تقول للرجل دخلت والله النار بما فعلت والثاني أن المعنى يا أبانا يمنع منا الكيل إن لم ترسله معنا فناب منع عن يمنع كقوله (يحسب أن ماله أخلده) [ الهمزة سنة 3 ] أي يخلده وقوله (ونادى أصحاب النار) [ الأعراف 50 ] (وإذ قال الله يا عيسى) [ المائدة 116 ] أي وإذ يقول ذكرهما ابن الأنباري قوله تعال فأرسل معنا أخانا نكتل قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر نكتل بالنون وقرأ حمزة والكسائي يكتل بالياء والمعنى إن أرسلته معنا اكتلنا وإلا فقد منعنا الكيل قوله تعالى (هل آمنكم عليه) أي لا آمنكم إلا كأمني على يوسف يريد أنه لم ينفعه ذلك الأمن إذ خانوه (فالله خير حفظا) عمرو قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم حفظا والمعنى خير حفظا من حفظكم وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم خير حافظا بألف قال أبو علي ونصبه على التمييز دون الحال ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم

[ 191 ]

من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضيها قبل وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون قوله تعالى (ولما فتحوا متاعهم) يحيى يعني أوعية الطعام (وجدوا بضاعتهم) التي حملوها ثمنا للطعام (ردت) الرحمن قال الزجاج الأصل رددت فأدغمت الدال الأولى في الثانية وبقيت الراء مضمومة ومن قرأ بكسر الراء جعل كسرتها منقولة من الدال كما فعل ذلك في قيل وبيع ليدل على أن أصل الدال الكسر قوله تعالى (ما نبغي) في ما قولان أحدهما أنها استفهام المعنى أي شئ نبغي وقد ردت بضاعتنا إلينا والثاني أنها نافية المعنى ما نبغي شيئا أي لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها إليه بل تكفينا هذه في الرجوع إليه وأرادوا بذلك تطييب قلبه ليأذن لهم بالعود وقرأ ابن مسعود وابن يعمر والجحدري وأبو حيوة ما تبغي بالتاء على الخطاب ليعقوب قوله تعالى (ونمير أهلنا) أي نجلب لهم الطعام قال ابن قتيبة يقال مار أهله يميرهم ميرا وهو مائر لأهله إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده قوله تعالى (ونحفظ أخانا) فيه قولان أحدهما نحفظ أخانا بنيامين الذي ترسله معنا قاله الأكثرون والثاني ونحفظ أخانا شمعون الذي أخذه رهينة عنده قاله الضحاك عن ابن عباس قوله تعالى (ونزداد كيل بعير) أي وقر بعير يعنون بذلك نصيب أخيهم لأن يوسف كان لا يعطي الواحد أكثر من حمل بعير قوله تعالى (ذلك كيل يسير) فيه ثلاثة أقوال أحدها ذلك كيل سريع لا حبس فيه يعنون إذا جاء معنا عجل الملك لنا الكيل قاله مقاتل والثاني ذلك كيل سهل على الذي نمضي إليه قاله الزجاج والثالث ذلك الذي جئناك به كيل يسير لا يقنعنا قاله الماوردي قوله تعالى (حتى تؤتون موثقا من الله) أي تعطوني عهدا أثق به والمعنى حتى تحلفوا لي بالله (لتأتنني به) أي لتردنه إلي قال ابن الأنباري وهذه اللام جواب لمضمر

[ 192 ]

تلخيصه وتقولوا والله لتأتنني به قوله تعالى (إلا أن يحاط بكم) فيه قولان أحدهما أن يهلك جميعكم قاله مجاهد والثاني أن يحال بينكم وبينه فلا تقدرون على الإتيان به قاله الزجاج قوله تعالى (فلما آتوه موثقهم) أي أعطوه العهد وفيه قولان أحدهما أنهم حلفوا له بحق محمد صلى الله عليه وسلم ومنزلته من ربه قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني أنهم حلفوا بالله تعالى قاله السدي قوله تعالى (قال الله على ما نقول وكيل) فيه قولان أحدهما أنه الشهيد والثاني كفيل بالوفاء رويا عن ابن عباس قوله تعالى (لا تدخلوا من باب واحد) قال المفسرون لما تجهزوا للرحيل قال لهم يعقوب لا تدخلوا يعني مصر من باب واحد وفي المراد بهذا الباب قولان أحدهما أنه أراد بابا من أبواب مصر وكان لمصر أربعة أبواب قاله الجمهور والثاني أنه أراد الطرق لا الأبواب قاله السدي وروى نحوه أبو صالح عن ابن عباس وفي ما أراد بذلك ثلاثة أقوال أحدها أنه خاف عليهم العين وكانوا أولي جمال وقوة وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والثاني أنه خاف أن يغتالوا لما ظهر لهم في أرض مصر من التهمة قاله وهب بن منبه والثالث أنه أحب أن يلقوا يوسف في خلوة قاله إبراهيم النخعي قوله تعالى (وما أغني عنكم من الله من شئ) أي لن أدفع عنكم شيئا قضاه الله فإنه إن شاء أهلككم متفرقين ومصداقة في الآية التي بعدها (ما كان يغني عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) وهي إرادته أن يكون دخولهم كذلك شفقة عليهم قال الزجاج إلا حاجة استثناء ليس من الأول والمعنى لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها قال ابن عباس قضاها أي أبداها وتكلم بها قوله تعالى (وإنه لذو علم لما علمناه) فيه سبعة أقوال أحدها إنه حافظ لما علمناه قاله أبو صالح عن ابن عباس

[ 193 ]

والثاني وإنه لذو علم أن دخلوهم من أبواب متفرقة لا يغني عنهم من الله شيئا قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث وإنه لعامل بما علم قاله قتادة وقال ابن الأنباري سمي العمل علما لأنه العلم أول أسباب العمل والرابع وإنه لمتيقن وكان لوعدنا روى قاله الضحاك والخامس وإنه لحافظ لوصيتنا ولم قاله ابن السائب والسادس وإنه لعالم بما علمناه أنه لا يصيب بنيه إلا ما قضاه الله قاله مقاتل والسابع وإنه لذو علم لتعليمنا إياه قاله الفراء ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون قوله تعالى (ولما دخلوا على يوسف) يعني إخوته (آوى إليه أخاه) يعني بنيامين وكان أخاه لأبيه وأمه قاله قتادة وضمه إليه وأنزله معه قال ابن قتيبة يقال آويت فلانا إلي بمد الألف إذا ضممته إليك وأويت إلى بني فلان بقصر الألف إذا لجأت إليهم وفي قوله (قال إني أنا أخوك) قولان أحدهما أنهم لما دخلوا عليه حبسهم بالباب وأدخل أخاه فقال له ما اسمك فقال بنيامين قال فما اسم أمك قال راحيل بنت لاوي فوثب إليه فاعتنقه فقال إني أنا أخوك قاله أبو صالح عن ابن عباس وكذلك قال ابن إسحاق أخبره أنه يوسف والثاني أنه لم يعترف له بذلك وإنما قال أنا أخوك مكان أخيك الهالك قاله وهب بن منبه وقيل إنه أجلسهم كل اثنين على مائدة فبقي بنيامين وحيدا يبكي وقال لو كان أخي حيا لأجلسني معه فضمه يوسف إليه وقال إني أرى هذا وحيدا فأجسله بين معه على مائدته فلما جاء الليل نام كل اثنين على منام فبقي وحيدا فقال يوسف هذا ينام معي فلما خلا به قال هل لك أخ من أمك قال كان لي أخ من أمي فهلك فقال أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك فقال أيها الملك ومن يجد أخا مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام إليه فاعتنقه وقال (إني أنا أخوك) يوسف (فلا تبتئس) قال قتادة لا تأس ولا تحزن وقال الزجاج لا تحزن ولا تستكن قال ابن الأنباري تبتئس تفتعل من البؤس وهو الضر والشدة أي لا يلحقنك أهل بؤس بالذي فعلوا قوله تعالى (بما كانوا يعملون) فيه ثلاثة اقوال

[ 194 ]

أحدها أنهم كانوا يعيرون يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما للأصنام فقال لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس والثاني لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك حديث فتكون كانوا بمعنى يكونون قال الشاعر فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع لمن كان بعدي من القصائد مصنعا وقال آخر وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح أراد فقد كان وهذا مذهب مقاتل والثالث لا تحزن بما عملوا من حسدنا وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قوله تعالى (فلما جهزهم بجهازهم) قال المفسرون أوفى لهم الكيل وحمل ل يامين بعيرا باسمه كما حمل لهم وجعل السقاية في رحل أخيه وهي الصواع فهما اسمان واقعان على شئ واحد كالبر والحنطة والمائدة والخوان وقال بعضهم الاسم الحقيقي الصواع والسقاية وصف كما يقال كوز وإناء فالاسم الخاص الكوز قال المفسرون جعل يوسف ذلك الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره وقيل كال لإخوته بذلك إكراما لهم قالوا ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا أرسل الطلب في أثرهم فأدركوا وحبسوا (ثم أذن مؤذن) عند قال الزجاج أعلم معلم يقال آذنته بالشئ فهو مؤذن به أي أعلمته وآذنت أكثرت الإعلام بالشئ يعني أنه إعلام بعد إعلام (أيتها العير) يريد أهل العير فأنث لأنه جعلها للعير قال الفراء لا يقال عير إلا لأصحاب الإبل وقال أبو عبيدة العير الإبل المرحولة المركوبة وقال ابن قتيبة العير القوم على الإبل فإن قيل كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم يسرق فعنه أربعة أجوبة أحدها أن المعنى إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه لأنه في الجب قاله الزجاج

[ 195 ]

والثاني أن المنادي نادى وهو لا يعلم أن يوسف أمر بوضع السقاية في رحل أخيه فكان غير كاذب في قوله قاله ابن جرير والثالث أن المنادي نادى بالتسريق أخبرنا لهم بغير أمر يوسف والرابع أن المعنى إنكم لسارقون فيما يظهر لمن لم يعلم حقيقة أخباركم كقوله (ذق إنك أنت العزيز الكريم) [ الدخان 49 ] أي عند نفسك لا عندنا وقول النبي صلى الله عليه وسلم كذب إبراهيم ثلاث كذبات أي قال قولا يشبه الكذب وليس به قوله تعالى (قالوا) يعني إخوة يوسف (وأقبوا يا عليهم) فيه قولان أحدهما على المؤذن وأصحابه والثاني أقبل المنادي ومن معه على إخوة يوسف بالدعوى (ماذا تفقدون) لو مالذي ضل عنكم (قالوا نفقد صواع الملك) قال الزجاج الصواع هو الصاع بعينه وهو يذكر ويؤنث وكذلك الصاع يذكر ويؤنث وقد قرئ صياع بياء وقرئ صوغ بغين معجمة وقرئ صوع بعين غير معجمة مع فتح الصاد وضمها وقرأ أبو هريرة صاع الملك وكل هذه لغات ترجع إلى معنى واحد إلا أن الصوغ بالغين المعجمة مصدر صغت وصف الإناء به لأنه كان مصوغا من ذهب واختلفوا في جنسه على خمسة أقوال أحدها أنه كان قدحا من زبرجد والثاني أنه كان من نحاس رويا عن ابن عباس والثالث أنه كان شربة من فضة مرصعة بالجوهر قاله عكرمة والرابع كان كأسا من ذهب قاله ابن زيد والخامس كان من مس حكاه الزجاج وفي صفته قولان أحدهما أنه كان مستطيلا يشبه المكوك والثاني أنه كان يشبه الطاس قوله تعالى (ولمن جاء به) يعني الصواع (حمل بعير) من الطعام (وأنا به زعيم) أي كفيل لمن رده بالحمل يقوله المؤذن قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم

[ 196 ]

كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين قوله تعالى (قالوا تالله) يكون قال الزجاج تالله بمعنى والله إلا أن التاء لا يقسم بها إلى في الله عز وجل ولا يجوز تالرحمن لأفعلن ولا تربي لأفعلن والتاء تبدل من الوار كما قالوا في وراث تراث وقالوا يتزن وأصله يوتزن مع من الوزن قال ابن الأنباري أبدلت التاء من الواو كما أبدلت في التخمة والتراث والتجاه وأصلهن من الوخمة والوجاه سعيد لأنهن من الوخامة والوراثة والوجه ولا تقول العرب تالرحمن كما قالوا تالله لأن الاستعمال في الإقسام كثر بالله ولم يكن بالرحمن فجاءت التاء بدلا من الواو في الموضع الذي يكثر استعماله قوله تعالى (لقد علمتم) يعنون يوسف (ما جئنا لنفسد في الأرض) أي لنظلم بكر أحدا أو نسرق فإن قيل كيف حلفوا على علم قوم لا يعرفونهم فالجواب من ثلاثة أوجه أحدها أنهم قالوا ذلك لأنهم رددوا الدراهم ولا يستحلوها فالمعنى لقد علمتم أنا رددنا عليكم دراهمكم وهي أكثر من ثمن الصاع فكيف نستحل صاعكم رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثاني لأنهم لما دخلوا مصر كعموا قد أفواه إبلهم وحميرهم حتى لا تتناول شيئا وكان غيرهم لا يفعل ذلك رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أن أهل مصر كانوا قد عرفوهم أنهم لا يظلمون أحدا قوله تعالى (فما جزاؤه) المعنى قال المنادي وأصحابه فما جزاؤه قال الأخفش إن شئت رددت الكناية إلى السارق وإن شئت رددتها إلى السرق قوله تعالى (إن كنتم كاذبين) أي في قولكم (وما كنا سارقين) (قالوا) يعني إخوة يوسف (جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه) أي يستعبد بذلك قال ابن عباس وهذه كانت سنة آل يعقوب فبدا بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من عاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم

[ 197 ]

قوله تعالى (فبدأ بأوعيتهم) وفي قال المفسرون انصرف بهم المؤذن إلى يوسف وقال لا بد من تفتيش أمتعتكم (فبدأ) كل يوسف (بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) لإزالة التهمة فلما وصل إلى وعاء أخيه قال ما أظن هذا أخذ شيئا فقالوا والله لا نبرح حتى تنظر في رحله فهو أطيب لنفسك فلما فتحوا متاعه وجدوا الصواع فذلك قوله (ثم استخرجها) وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى السرقة قاله الفراء والثاني إلى السقاية قاله الزجاج والثالث إلى الصواع على لغة من أنثه ذكره ابن الأنباري قال المفسرون فأقبلوا على ابن يامين وقالوا أي شئ صنعت فضحتنا وأزريت بأبيك الصديق فقال وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به قوله تعالى (كذلك كدنا ليوسف) فيه أربعة أقوال أحدها كذلك صنعنا له قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني احتلنا له والكيد الحيلة قاله ابن قتيبة والثالث أردنا ليوسف ذكره ابن القاسم والرابع دبرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه قال ابن الأنباري لما دبر الله ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إخوته شبه بالكيد من المخلوقين لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه قوله تعالى (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) في المراد بالدين هاهنا قولان أحدهما أنه السلطان فالمعنى في سلطان الملك رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه القضاء فالمعنى في قضاء الملك لأن قضاء الملك أن من سرق إنما يضرب ويغرم قاله أبو صالح عن ابن عباس وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب فأجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفا حتى أظفره بمراده بمشيئة الله فذلك معنى قوله تعالى (إلا أن يشاء الله) وقيل إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها أخاه قوله تعالى (نرفع درجات من نشاء) وقرأ يعقوب يرفع درجات من يشاء بالياء فيهما وقرأ أهل الكوفة درجات بالتنوين والمعنى نرفع الدرجات بصنوف العطاء وأنواع الكرامات وابواب العلوم وقهر الهوى والتوفيق للهدى كما رفعنا يوسف (وفوق كل ذي علم عليم) أي فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله

[ 198 ]

تعالى والكمال في العلم معدوم من غيره وفي مقصود هذا الكلام ثلاثة أقوال أحدها أن المعنى يوسف أعلم من إخوته وفوقه من هو أعلم منه والثاني أنه نبه على تعظيم العلم وبين أنه أكثر من أن يحاط به والثالث أنه تعليم للعالم التواضع لئلا يعجب قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون قوله تعالى (قالوا) يعني إخوة يوسف (إن يسرق) فلا يعنون بنيامين (فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف قال المفسرون عوقب يوسف ثلاث مرات قال للساقي اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين وقال للعزيز ليعلم أني لم أخنه بالغيب فقال له جبريل ولا حين هممت فقال وما أبرئ نفسي وقال لإخوته إنكم لسارقون فقالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل وفي ما عنوا بهذه السرقة سبعة اقوال أحدها أنه كان يسرق الطعام من مائدة أبيه في سني المجاعة فيطعمه للمساكين رواه عطاء عن ابن عباس والثاني أنه سرق مكحلة لخالته رواه أبو مالك عن ابن عباس والثالث أنه سرق صنما لجده أبي أمه فكسره وألقاه في الطريق فعيره إخوته بذلك قاله سعيد بن جبير ووهب بن منبه وقتادة والرابع أن عمه يوسف وكانت أكبر ولد إسحاق كانت تحضن يوسف وتحبه حبا شديدا فلما ترعرع طلبه يعقوب فقالت ما أقدر أن يغيب عني فقال والله ما أنا بتاركه فعمدت إلى منطقة إسحاق فربطتها على يوسف تحت ثيابه ثم قالت لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها فوجدوها مع يوسف فأخبرت يعقوب ذلك وقالت والله إنه لي أصنع فيه ما شئت فقال أنت وذاك فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت فذاك الذي عيره به إخوته رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد

[ 199 ]

والخامس أنه جاءه سائل يوما فسرق شيئا فأعطاه السائل فعيروه بذلك وفي ذلك الشئ ثلاثة اقوال أحدهما أنه كان بيضه قاله مجاهد والثاني أنه شاة قاله كعب والثالث دجاجة قاله سفيان بن عيينة والسادس أن بني يعقوب كانوا على طعام فنظر يوسف إلى عرق فخبأه فعيروه بذلك قاله عطية العوفي وإدريس الأودي قال ابن الأنباري وليس في هذه الأفعال كلها ما يوجب السرقة لكنها تشبه السرقة فعيره إخوته بذلك عند الغضب والسابع أنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه قاله الحسن وقرأ أبو رزين وابن أبي عبلة فقد سرق بضم السين وكسر الراء وتشديدها قوله تعالى (فأسرها يوسف في نفسه) في منه هاء الكناية ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الكلمة التي ذكرت بعد هذا وهي قوله (أنتم شر مكانا) روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس والثاني أنها ترجع إلى الكلمة التي قالوها في حقه وهي قولهم فقد سرق أخ له من قبل وهذا معنى قول أبي صالح عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى أسر جواب الكلمة فلم يجبهم عليها والثالث أنها ترجع إلى الحجة المعنى فأسر الاحتجاج عليهم في ادعائهم عليه السرقة ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (أنتم شر مكانا) فيه قولان أحدهما شر صنيعا من يوسف لما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم قاله ابن عباس والثاني شر منزلة عند الله ذكره الماوردي قوله تعالى (والله أعلم بما تصفون) فيه قولان أحدهما تقولون قاله مجاهد والثاني بما تكذبون قاله قتادة قال الزجاج المعنى والله أعلم أسرق أخ له أم لا وذكر بعض المفسرين أنه لما استخرج الصواع من رحل أخيه نقر الصواع ثم أدناه من أذنه فقال إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم اثنى عشر رجلا وأنكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه فقال ابن يامين أيها الملك سل صواعك عن أخي أحي هو فنقره ثم قال هو حي وسوف

[ 200 ]

تراه فقال سل صواعك من جعله في رحلي فنقره وقال إن صواعي هذا غضبان وهو يقول كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت فغضب روبيل وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فإذا مس أحدهم الآخر ذهب غضبه فقال والله أيها الملك لتتركنا أو لأصيحن صيحة لا يبقى بمصر امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها فقال يوسف لابنه قم إلى جنب روبيل فامسسه ففعل الغلام فذهب غضبه فقال روبيل ما هذا إن في هذا البلد من ذرية يعقوب قال يوسف ومن يعقوب فقال أيها الملك لا تذكر يعقوب فإنه إسرائيل الله بن ذبيح الله بن خليل الله فلما لم يجدوا إلى خلاص أخيهم سبيلا سألوه أن يأخذ منهم بديلا به فذلك قوله (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا) أي في سنة وقيل في قدره (فخذ أحدنا مكانه) أي تستعبده بدلا عنه (إنا نراك من المحسنين) فيه قولان أحدهما فيما مضى والثاني إن فعلت (قال معاذ الله) قد سبق تفسيره [ يوسف 33 ] والمعنى أعوذ بالله أن نأخذ بريئا بسقيم فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين إرجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين قوله تعالى (فلما استيأسوا منه) أي أيسوا وفي هاء منه قولان أحدهما أنها ترجع إلى يوسف فالمعنى يئسوا من يوسف أن يخلي سبيل أخيهم والثاني إلى أخيهم فالمعنى يئسوا من أخيهم قوله تعالى (خلصوا نجيا) أي اعتزلوا الناس ليس معهم غيرهم يتناجون ويتناظرون ويتشاورون يقال قوم نجي والجمع أنجيه قال الشاعر إني إذا ما القوم كانوا أنجيه واضطربت أعناقهم كالأرشية وإنما وحد نجيا لأنه يجري مجرى المصدر الذي يكون للاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وقال الزجاج انفردوا متناجين فيما يعملون في ذهابهم إلى أبيهم وليس معهم أخوهم

[ 201 ]

قوله تعالى (قال كبيرهم) فيه قولان أحدهما أنه كبيرهم في العقل ثم فيه قولان أحدهما أنه يهوذا ولم يكن أكبرهم سنا وإنما كان أكبرهم سنا روبيل قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الضحاك ومقاتل والثاني أنه شمعون قاله مجاهد والثاني أنه كبيرهم في السن وهو روبيل قاله قتادة والسدي قوله تعالى (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثق من الله) في حفظ أخيكم ورده إليه (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) قال الفراء ما في موضع رفع كأنه قال ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف وإن شئت جعلتها نصبا المعنى ألم تعلموا هذا وتعلموا من قبل تفريطكم في يوسف وإن شئت جعلت ما صلة كأنه قال ومن قبل فرطتم في يوسف قال الزجاج وهذا أجود الوجوه أن تكون ما لغوا قوله تعالى (فلن أبرح الأرض) أي لن أخرج من أرض مصر يقال برح الرجل براحا إذا تنحى عن موضعه (حتى يأذن لي) قال ابن عباس حتى يبعث إلي أن آتيه (أو يحكم الله لي) فيه ثلاثة أقوال أحدها أو يحكم الله لي فيرد أخي علي والثاني يحكم الله لي بالسيف فأحارب من حبس أخي والثالث يقضي في أمري شيئا (وهو خير الحاكمين) أي أعدلهم وأفضلهم قوله تعالى (إن ابنك سرق) وقرأ ابن عباس والضحاك وابن أبي سريج عن الكسائي سرق بضم السين وتشديد الراء وكسرها قوله تعالى (وما شهدنا إلا بما علمنا) فيه قولان أحدهما وما شهدنا عليه بالسرقة إلا بما علمنا لأنا رأينا المسروق في رحله قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني وما شهدنا عن يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا من دينك قاله ابن زيد وفي قوله (وما كنا للغيب حافظين) ثمانية أقوال أحدها أن الغيب هو الليل والمعنى لم نعلم ما صنع بالليل قاله أبو صالح عن ابن عباس وهذا يدل على أن التهمة وقعت به ليلا والثاني ما كنا نعلم أن ابنك يسرق رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وبه قال عكرمة

[ 202 ]

وقتادة ومكحول قال ابن قتيبة فالمعنى لم نعلم الغيب حين أعطيناك الموثق لنأتينك به أنه يسرق فيؤخذ والثالث لم نستطع أن نحفظه فلا يسرق رواه عبد الوهاب عن مجاهد والرابع لم نعلم أنه سرق للملك شيئا ولذلك حكمنا باسترقاق السارق قاله ابن زيد والخامس أن المعنى قد رأينا السرقة قد أخذت من رحله ولا علم لنا بالغيب فلعلهم سرقوه قاله ابن إسحاق والسادس ما كنا لغيب ابنك حافظين إنما نقدر على حفظه في محضره فإذا غاب عنا خفيت عنا أموره والسابع لو علمنا من الغيب أن هذه البلية تقع بابنك ما سافرنا به ذكرهما ابن الأنباري والثامن لم نعلم أنك تصاب به كما أصبت بيوسف ولو علمنا لم نذهب به قاله ابن كيسان وسئل لا لقرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون قوله تعالى (واسأل القرية) المعنى قولوا لأبيكم سل أهل القرية (التي كنا فيها) يعنون مصر (والعير التي أقبلنا فيها) أي وأهل العير وكان قد صحبهم قوم من الكنعانيين قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون المعنى وسل القرية والعير فإنها تعقل عنك لأنك نبي والأنبياء قد تخاطبهم الأحجار والبهائم فعلى هذا تسلم الآية من إضمار قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن ياتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم قوله تعالى (قال بل سولت لكم أنفسكم) في الكلام اختصار والمعنى فرجعوا إلى أبيهم فقالوا له ذلك فقال لهم هذا وقد شرحناه في اول السورة [ يوسف 18 ] واختلفوا لأي علة قال لهم هذا القول على ثلاثة أقوال أحدها أنه ظن أن الذي تخلف منهم إنما تخلف حيلة ومكرا ليصدقهم قاله وهب بن منبه والثاني أن المعنى سولت لكم أنفسكم أن خروجكم بأخيكم يجلب نفعا فجر ضررا

[ 203 ]

قاله ابن الأنباري والثالث سولت لكم أنه سرق وما سرق قوله تعالى (عسى اله أن يأتيني بهم جميعا) يعني يوسف وبنيامين وأخاهما المقيم بمصر وقال مقاتل أقام بمصر يهوذا وشمعون فاراد بقوله أن يأتيني بهم يعني الأربعة قوله تعالى (إنه هو العليم) أي بشدة حزني وقيل بمكانهم (الحكيم) فيما حكم علي: وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قوله تعالى (وتولى عنهم) أي أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب وانفرد بحزنه وهيج عليه ذكر يوسف (وقال يا أسفى على يوسف) قال ابن عباس يا طول حزني على يوسف قال ابن قتيبة الأسف أشد الحسرة قال سعيد بن جبير لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم (إنا لله وإنا إليه راجعون) [ البقرة 156 ] غير ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول يا أسفى على يوسف فإن قيل هذا لفظ الشكوى فأين الصبر من وجهين أحدهما أنه شكا إلى الله تعالى لا منه والثاني أنه أراد به الدعاء فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف وذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال نداء يعقوب الأسف في اللفظ من المجاز الذي يعني به غير المظهر في اللفظ وتلخيصه يا إلهي ارحم أسفي أو أنت راء أسفي وهذا أسفي فنادى الأسف في اللفظ والمنادى في المعنى سواه كما قال يا حسرتنا والمعنى يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا قال والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه فلما كان قوله يا أسفي شكوى إلى ربه كان غير ملوم وقد روي عن الحسن أن أخاه مات فجزع الحسن جزعا شديدا فعوتب في ذلك فقال ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال يا أسفي على يوسف قوله تعالى (وابيضت عيناه من الحزن) أي انقلبت إلى حال البياض وهل ذهب بصره أم لا فيه قولان

[ 204 ]

أحدهما أنه ذهب بصره قاله مجاهد والثاني ضعف بصره لبياض تغشاه من كثرة البكاء ذكره الماوردي وقال مقاتل لم يبصر بعينيه ست سنين قال ابن عباس وقوله من الحزن أي من البكاء يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه فلما كان الحزن سببا للبكاء سمي البكاء حزنا وقال ثابت البناني دخل جبريل على يوسف فقال أيها الملك الكريم على ربه هل لك علم بيعقوب قال نعم قال ما فعل قال ابيضت عيناه قال ما بلغ حزنه قال حزن سبعين ثكلى قال فهل له على ذلك من أجر قال أجر مائة شهيد وقال الحسن البصري ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة وما جفت عينه وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره قوله تعالى (فهو كظيم) الكظيم بمعنى الكاظم وهو الممسك على حزنه فلا يظهره قاله ابن قتيبة وقد شرحنا هذا عند قوله (والكاظمين الغيظ) [ آل عمران 134 ] قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تايئسوا بعد من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون قوله تعالى (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف) قال ابن الأنباري معناه والله وجواب هذا القسم لا المضمرة التي تأويلها تالله لا تفتأ فلما كان موضعها معلوما خفف الكلام بسقوطها من ظاهره كما تقول العرب والله أقصدك أبدا يعنون لا أقصدك قال امرؤ القيس فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي يريد لا أبرح وقالت الخنساء فأقسمت آسى على هالك أو اسأل نائحة مالها

[ 205 ]

يقول أرادت لا آسى وقال الآخر لم يشعر النعش ما عليه من ال عرف ولا الحاملون ما حملوا الذي تالله أنسى مصيبتي أبدا ما أسمعتني حنينها الإبل لأن وقرأ أبو عمران وابن محيصن وأبو حيوة قالوا بالله بالباء وكذلك كل قسم في القرآن وأما قوله تفتأ فقال المفسرون وأهل اللغة معنى تفتأ تزال فمعنى الكلام لا تزال تذكر يوسف وأنشد أبو عبيدة فما فتئت خيل تثوب وتدعي ويلحق منها لا حق وتقطع وأنشد ابن القاسم فما فتئت منا رعال كأنها رعال القطا حتى احتوين وقد بني صخر علي قوله تعالى (حتى تكون حرضا) فيه أربعة أقوال أحدها أنه الدنف قاله أبو صالح عن ابن عباس قال ابن قتيبة يقال أحرضه الحزن أي أدنفه حتى قال أبو عبيدة الحرض الذي قد أذابه الحزن أو الحب وهي في موضع محرض وأنشد إني امرؤ لج بي حب فأحرضني حتى بليت وحتى شفني السقم أي أذابني وقال الزجاج الحرض الفاسد في جسمه والمعنى حتى تكون مدنفا مريضا والثاني أنه الذاهب العقل قاله الضحاك عن ابن عباس وقال ابن إسحق الفاسد العقل قال الزجاج وقد يكون الحرض الفاسد في أخلاقه والثالث أنه الفاسد في جسمه وعقله يقال رجل حارض وحرض فحارض تعالى يثني ويجمع ويؤنث وحرض لا يجمع ولا يثنى لأنه مصدر قاله الفراء والرابع أنه الهرم قاله الحسن وقتادة وابن زيد قوله تعالى (أو تكون من الهالكين) يعنون الموتى فإن قيل كيف حلفوا على شئ يجوز أن يتغير فالجواب أن في الكلام إضمارا تقديره إن هذا في تقديرنا وظننا قوله تعالى (إنما أشكو بثي) فإن قال ابن قتيبة البث أشد الحزن سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه

[ 206 ]

قوله تعالى (إلى الله) المعنى إني لا أشكو إليكم وذلك لما عنفوه بما تقدم ذكره وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال كان ليعقوب أخ مؤاخ فقال له ذات يوم يا يعقوب مالذي أذهب بصرك وما الذي قوس ظهرك قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحي أن تشكو إلى غيري فقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل الله أعلم بما تشكو ثم قال يعقوب أي رب أما ترحم الشيخ الكبير أذهبت بصري وقوست ظهري فاردد علي ريحاني أشمه شمة قبل الموت ثم اصنع بي يا رب ما شئت فأتاه جبريل فقال يا يعقوب إن الله يقرأ عليك السلام ويقول أبشر فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك اصنع طعاما للمساكين فإن أحب عبادي إلي المساكين وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا لأنكم ذبحتم شاة فأتاكم فلان المسكين وهو صائم فلم تطعموه منها فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا فنادى ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب وإذا كان صائما أمر مناديا فنادى من كان صائما فليفطر مع يعقوب وقال وهب بن منبه أوحى الله تعالى إلى يعقوب أتدري لم عاقبتك وجبست عمر عنك يوسف ثمانين سنة قال لا قال لأنك شويت عناقا وقترت على جارك وأكلت ولم تطعمه وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين يديها وهي تخور فلم يرحمها فإن قيل كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكا فقد ذكر المفسرون عنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى وهو الأظهر والثاني لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله شدة فاقتهم والثالث أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيما ولا يقدر على دفع سببه قوله تعالى (وأعلم من الله مالا تعلمون) فيه أربعة أقوال أحدها أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأنا سنسجد له رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أعلم من سلامة يوسف مالا تعلمون قال ابن السائب وذلك أن ملك الموت أتاه فقال له يعقوب هل قبضت روح ابني يوسف قال لا والثالث أعلم من رحمة الله وقدرته مالا تعلمون قاله عطاء

[ 207 ]

والرابع أنه لما أخبره بنوه بسيرة العزيز طمع أن يكون هو يوسف قاله السدي قال ولذلك قال لهم (اذهبوا فتحسسوا) النبي وقال وهب بن منبه لما قال له ملك الموت ما قبضت روح يوسف تباشر عند ذلك ثم أصبح فقال لبنيه (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) قال أبو عبيدة تحسسوا أي تخبروا والتمسوا في المظان فإن قيل كيف قال من يوسف والغالب أن يقال تحسست عن كذا فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أن المعنى عن يوسف ولكن نابت عنها من كما تقول العرب حدثني فلان من فلان يعنون عنه والثاني أن من أوثرت للتبعيض والمعنى تحسسوا خبرا من أخبار يوسف قوله تعالى (ولا تيأسوا من روح الله) فيه ثلاثة أقوال أحدها من رحمة الله قاله ابن عباس والضحاك والثاني من فرج الله قاله ابن زيد والثالث من توسعة الله حكاه ابن القاسم قال الأصمعي الروح الاستراحة من غم القلب وقال أهل المعاني لا تيأسوا من الروح الذي يأتي به الله (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) لأن المؤمن يرجوا الله في الشدائد فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجة وإن فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين إذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وائتوني بأهلكم أجمعين قوله تعالى (فلما دخلوا عليه) في الكلام محذوف تقديره فخرجوا إلى مصر

[ 208 ]

فدخلوا على يوسف ف (قالوا يا أيها العزيز) وكانوا يسمون ملكهم بذلك (مسنا وأهلنا الضر) يعنون الفقر والحاجة (وجئنا ببضاعة مزجاه) كما اقوال أحدها أنها كانت دراهم رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنها كانت متاعا رثا كالحبل والغرارة رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس والثالث كانت أقطا قاله الحسن والرابع كانت نعالا وأدما رواه جويبر عن الضحاك والخامس كانت سويق المقل روي عن الضحاك أيضا والسادس حبة الخضراء وصنوبر قاله أبو صالح والسابع كانت صوفا وشيئا من سمن قاله عبد الله بن الحارث وفي المزجاة خمسة أقوال أحدها أنها القليلة روى العوفي عن ابن عباس قال دراهم غير طائلة وبه قال مجاهد وابن إسحاق وابن قتيبة قال الزجاج تأويله في اللغة أن التزجية الشئ الذي يدافع به يقال فلان يزجي العيش أي يدفع بالقليل ويكتفي به فالمعنى جئنا ببضاعة إنما ندافع بها ونتقوت وليست مما يتسع به قال الشاعر الواهب المائة الهجان وعبدها عوذا تزجي خلفها أطفالها أي تدفع أطفالها والثاني أنها الرديئة رواه الضحاك عن ابن عباس قال أبو عبيدة إنما قيل للرديئة هو مزجاة لأنها مردودة مدفوعة غير مقبولة ممن ينفقها قال وهي من الإزجاء والإزجاء عند العرب السوق والدفع وأنشد ليبك على ملحان ضيف مدفع وأرملة تزجي من الليل أرملا وسلم أي تسوقه والثالث الكاسدة رواه الضحاك أيضا عن ابن عباس والرابع الرثة وهي المتاع الخلق رواه ابن أبي مليكة عن ابن عباس والخامس الناقصة رواه أبو حصين عن عكرمة قوله تعالى (فأوف لنا الكيل) أي أتمه لنا ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا قوله تعالى (وتصدق علينا) فيه ثلاثة أقوال أحدها تصدق علينا بما بين سعر الجياد والرديئة قاله سعيد بن جبير والسدي قال ابن

[ 209 ]

الأنباري كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدق وليس به والثاني برد أخينا قال ابن جريج قال وذلك أنهم كانوا أنبياء والصدقة لا تحل للأنبياء والثالث وتصدق علينا بالزيادة على حقنا قاله ابن عيينة وذهب إلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم حكاه أبو سليمان الدمشقي وأبو الحسن الماوردي وابو يعلى بن الفراء قوله تعالى (إن الله يجزي المتصدقين) أي بالثواب قال الضحاك لم يقولوا إن الله يجزيك إن تصدقت علينا لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن قوله تعالى (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) في سبب قوله لهم هذا ثلاثة اقوال أحدها أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر وفي آخر الكتاب وكتب يهوذا فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا فقال يوسف عند ذلك إنكم تستحقون العقوبة وأمر بهم ليقتلوا فقالوا إن كنت فاعلا فاذهب بأمتعتنا عنه إلى يعقوب ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته وقال قد كان ابونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده فكيف به إذا أخبر بهلكنا أجمعين فرق يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره وقال لهم هذا القول رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنهم لما قالوا مسنا وأهلنا الضر أدركته الرحمة فقال لهم هذا قاله ابن إسحاق والثالث أن يعقوب كتب إليه كتابا إن رددت ولدي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك فبكى وقال لهم هذا وفي هل قولان احدهما أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام قال ابن الأنباري والمعنى ما أعظم ما ارتكبتم وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق وهذا مثل قول العربي أتدري من عصيت هل تعرف من عاديت لا يرد بذلك الاستفهام ولكن يريد تفظيع الأمر قال الشاعر أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي لم يرد الاستفهام إنما أراد أن هذا غير مرجو عندهم قال ويجوز أن يكون المعنى هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه وهذه الآية تصديق قوله (لتنبئنهم إن بأمرهم)

[ 210 ]

إلا والثاني أن هل بمعنى قد ذكره بعض أهل التفسير فإن قيل فالذي فعلوا بيوسف معلوم فما الذي فعلوا بأخيه وما سعوا في حبسه ولا أرادوه فالجواب من وجوه أحدها أنهم فرقوا بينه وبين يوسف فنغصوا فيه عيشه بذلك والثاني أنهم آذوه بعد فقد يوسف والثالث أنهم سبوه لما قذف بسرقة الصاع وفي قوله (إذ أنتم جاهلون) أربعة أقوال أحدها إذ أنتم صبيان قاله ابن عباس والثاني مذنبون قاله مقاتل والثالث جاهلون بعقوق الأب وقطع الرحم وموافقة الهوى والرابع جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف ذكرهما ابن الأنباري قوله تعالى (أئنك لأنت يوسف) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن إنك على الخبر وقرأه آخرون بهمزتين محققتين وأدخل بعضهم بينهما ألفا واختلف المفسرون هل عرفوه أم شبهوه على قولين احدهما أنهم شبهوه بيوسف قاله ابن عباس في رواية والثاني أنهم عرفوه قاله ابن إسحاق وفي سبب معرفتهم له ثلاثة أقوال أحدها أنه تبسم فشبهوا ثناياه بثنايا صلى يوسف قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني أنه كانت له علامة كالشامة في قرنه وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها فلما وضع التاج عن رأسه عرفوه رواه عطاء عن ابن عباس والثالث أنه كشف الحجاب فعرفوه قاله ابن إسحاق تعالى (قال أنا يوسف) قال ابن الأنباري إنما أظهر الاسم ولم يقل أنا هو تعظيما لما وقع به من ظلم إخوته فكأنه قال أنا المظلوم المستحل منه المراد قتله فكفى ظهور الاسم من هذه المعاني ولهذا قال (وهذا أخي) وهم يعرفونه وإنما قصد وهذا المظلوم كظلمي قوله تعالى (قد من الله علينا) فيه ثلاثة أقوال أحدها بخير الدنيا والآخرة والثاني بالجمع بعد الفرقة

[ 211 ]

والثالث بالسلامة ثم بالكرامة قوله تعالى (إنه من يتق ويصبر) وقال قرأ ابن كثير في رواية قنبل من يتقي ويصبر بياء في الوصل والوقف وقرأ الباقون بغير ياء الحالين وفي معنى الكلام أربعة أقوال أحدها من يتق الزنى ويصبر على البلاء والثاني من يتق الزنى ويصبر على العزبة والثالث من يتق الله ويصبر على المصائب رويت هذه الأقوال عن ابن عباس والرابع يتق معصية الله ويصبر على السجن قاله مجاهد قوله تعالى (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) أي أجر من كان هذا حاله قوله تعالى (لقد آثرك الله علينا) أي اختارك وفضلك وبماذا عنوا أنه فضله فيه أربعة أقوال أحدها بالملك قاله الضحاك عن ابن عباس والثاني بالصبر قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث بالحلم والصفح عنا ذكره أبو سليمان الدمشقي والرابع بالعلم والعقل والحسن وسائر الفضائل التي أعطاه قوله تعالى (وإن كنا لخاطئين) أنه قال ابن عباس لمذنبين آثمين في أمرك قال ابن الأنباري ولهذا اختير خاطئين على مخطئين وإن كان أخطأ على ألسن الناس أكثر من خطئ يخطأ لأن معنى خطئ يخطأ فهو خاطئ آثم ومعنى أخطأ يخطئ فهو مخطئ ترك الصواب ولم يأثم قال الشاعر عبادك يخطأون وهو وأنت رب بكفيك المنايا والحتوم صلى الله عليه وسلم أراد يأثمون قال ويجوز أن يكون آثر خاطئين على مخطئين لموافقة رؤوس الآيات لأن خاطئين أشبه بما قبلها وذكر الفراء في معنى إن قولين أحدهما وقد كنا خاطئين والثاني وما كنا إلا خاطئين قوله تعالى (لا تثريب عليكم اليوم) قال أبو صالح عن ابن عباس لا أعيركم إذا بعد اليوم بهذا أبدا قال ابن الأنباري إنما أشار إلى ذلك اليوم لأنه أول أوقات العفو وسبيل العافي في مثله أن لا يراجع عقوبة وقال ثعلب قد ثرب فلان على فلان إذا عدد عليه ذنوبه وقال ابن قتيبة لا تعيير عليكم بعد هذا اليوم بما صنعتم وأصل التثريب الإفساد يقال ثرب علينا

[ 212 ]

إذا أفسد وفي الحديث إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب أي لا يعيرها بالزنى قال ابن عباس جعلهم في حل وسأل الله المغفرة لهم وقال السدي لما عرفهم نفسه سألهم عن أبيه فقالوا ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه وقال (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) وهذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف لما ألقي في الجب وكان من الجنة وقد سبق ذكره [ يوسف 28 27 26 1825 ] قوله تعالى (يأت بصيرا) قال أبو عبيدة يعود مبصرا فإن قيل من أين قطع على الغيب فالجواب أن ذلك كان بالوحي إليه قاله مجاهد قوله تعالى (وائتوني فقال بأهلكم أجمعين) قال الكلبي كان أهله نحوا من سبعين إنسانا ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قوله تعالى (ولما فصلت العير) أي خرجت من مصر متوجهة إلى كنعان وكان الذي حمل القميص يهوذا قال السدي قال يهوذا ليوسف أنا الذي حملت القميص إلى يعقوب بدم كذب فأحزنته وأنا الآن أحمل قميصك لأسرة أي فحمله قال ابن عباس فخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها قوله تعالى (قال لهم أبوهم) يعني يعقوب لمن حضره من أهله وقرابته وولد ولده (إني لأجد ريح يوسف) ومعنى أجد أشم قال الشاعر وليس صرير النعش ما تسمعونه ولكنها أصلاب قوم تقصف وليس فتيق المسك ما تجدونه ولكنه ذاك الثناء المخلف فإن قيل كيف وجد يعقوب ريحه وهو بمصر ولم يجد ريحه من الجب وبعد خروجه منه والمسافة هناك أقرب فعنه جوابان أحدهما أن الله تعالى أخفى أمر يوسف على يعقوب في بداية الأمر لتقع البلية التي يتكامل بها الأجر وأوجده ريحه من المكان النازح عند تقضي البلاء ومجئ الفرج

[ 213 ]

والثاني أن هذا القميص كان في قصبة من فضة معلقا في عنق يوسف على ما سبق بيانه فلما نشره فاحت روائح الجنان في الدنيا فاتصلت بيعقوب فعلم أن الرائحة من جهة ذلك القميص قال مجاهد هبت ريح فضربت القميص ففاحت روائح الجنة في الدنيا واتصلت بيعقوب فوجد ريح الجنة فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلاما كان من ذلك القميص فمن ثم قال (إني لأجد ريح يوسف) وقيل إن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل البشير فأذن لها فلذلك يستروح كل محزون إلى ريح الصبا ويجد المكروبون لها روحا وهي ريح لينة تأتي من ناحية المشرق قال أبو صخر الهذلي إذا قلت هذا حين اسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر قال ابن عباس وجد ريح قميص يوسف من مسيرة ثمان ليال ثمانين فرسخا قوله تعالى (لولا أن تفندون) فيه خمسة أقوال أحدها تجهلون رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال مقاتل والثاني تسفهون رواه عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس وبه قال عطاء وقتادة ومجاهد في رواية وقال في رواية أخرى لولا أن تقولوا ذهب عقلك والثالث تكذبون رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والضحاك والرابع تهرمون قاله الحسن ومجاهد في رواية قال ابن فارس الفند إنكار العقل من هرم والخامس تعجزون قاله ابن قتيبة وقال أبو عبيدة تسفهون وتعجزون وتلومون ثنا وأنشد يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي فليس ما فات من أمر بمردود قال ابن جرير وأصل التفنيد الإفساد وأقوال المفسرين تتقارب معانيها وسمعت الشيخ أبا محمد إبن الخشاب يقول قوله لولا أن تفندون فيه إضمار تقديره لأخبرتكم أنه حي قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم قوله تعالى (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) قال ابن عباس بنو بنيه خاطبوه بهذا وكذلك قال السدي هذا قول بني بنيه لأن بنيه كانوا بمصر وفي معنى هذا الضلال ثلاثة أقوال أحدها أنه بمعنى الخطأ قاله ابن عباس وابن زيد والثاني أنه الجنون قاله سعيد بن جبير

[ 214 ]

والثالث الشقاء والعناء قاله مقاتل يريد بذلك شقاء الدنيا فلما أن جاء البشير ألقه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم قوله تعالى (فلما أن جاء البشير) به فيه قولان أحدهما أنه يهوذا قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال وهب بن منبه والسدي والجمهور والثاني أنه سمعون قاله الضحاك فإن قيل ما الفرق بين قوله هاهنا (فلما أن جاء) وقال في موضع (فلما جاءهم) [ البقرة 89 ] فالجواب أنهما لغتان لقريش خاطبهم الله بهما جميعا فدخول أن لتوكيد مضي الفعل وسقوطها للاعتماد على إيضاح الماضي بنفسه ذكره ابن الأنباري قوله تعالى (ألقاه) هذا يعني القميص (على وجهه) يعني يعقوب (فارتد بصيرا) الارتداد رجوع الشئ إلى حال قد كان عليها قال ابن الأنباري إنما قال ارتد ولم يقل رد لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين كقولهم طالت النخلة والله أطالها وتحركت الشجرة والله حركها قال الضحاك رجع إليه بصره بعد العمى وقوته بعد الضعف وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن وروى يحيى بن يمان عن سفيان قال لما جاء البشير يعقوب قال على أي دين تركت يوسف قال على الإسلام قال الآن تمت النعمة قوله تعالى (ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون) فيه أقوال قد سبق ذكرها قبل هذا بقليل قوله تعالى (يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا) سألوه يستغفر لهم ما أتوا لأنه نبي مجاب الدعوة (قال سوف أستغفر لكم ربي) في سبب تأخيره لذلك ثلاثة أقوال أحدهما أنه أخرهم لانتظار الوقت الذي هو مظنة الإجابة ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه أخرهم إلى ليلة الجمعة رواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهب كان

[ 215 ]

يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة والثاني إلى وقت السحر من ليلة الجمعة رواه أبو صالح عن ابن عباس قال طاووس فوافق ذلك ليلة عاشوراء والثالث إلى وقت الحر رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود وابن عمر وقتادة والسدي ومقاتل قال الزجاج إنما أراد الوقت الذي هو أخلق لإجابة الدعاء لا أنه ضن عليهم بالاستغفار وهذا أشبه بأخلاق الأنبياء عليهم السلام والقول الثاني أنه دفعهم عن التعجيل بالوعد قال عطاء الخراساني طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ألا ترى إلى قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم وإلى قول يعقوب سوف أستغفر لكم ربي والثالث أنه أخرهم ليسأل يوسف فإن عفا عنهم استغفر لهم قاله الشعبي وروي عن أنس بن مالك أنهم قالوا يا أبانا إن عفا الله عنا وإلا فلا قرة عين لنا في الدنيا فدعا يعقوب وأمن يوسف فلم يجب فيهم عشرين سنة ثم جاء جبريل فقال إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعفا عما صنعوا به واعتقد مواثيقهم من بعد على النبوة قال المفسرون وكان يوسف قد بعث مع البشير إلى يعقوب جهازا ومائتي راحلة وسأله أن يأتيه بأهله وولده فلما ارتحل يعقوب ودنا من مصر استأذن يوسف الملك الذي فوقه في تلقي يعقوب فأذن له وأمر الملأ من أصحابه بالركوب معه فخرج في أربعة آلاف من الجند وخرج معهم أهل مصر وقيل إن الملك خرج معهم أيضا فلما التقى يعقوب ويوسف بكيا جميعا فقال يوسف يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك أما علمت أن القيامة تجمعني وإياك قال أي بني خشيت أن تسلب دينك فلا نجتمع وقيل إن يعقوب ابتدأه بالسلام فقال السلام عليكم يا مذهب الأحزان فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ابويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين قوله تعالى (فلما دخلوا على يوسف يعني) يعقوب وولده وفي هذا الدخول قولان أحدهما أنه دخول أرض مصر ثم قال لهم (ادخلوا مصر) يعني البلد والثاني أنه دخول مصر ثم قال لهم ادخلوا مصر أي استوطنوها وفي قوله (آوى إليه أبويه) قولان

[ 216 ]

أحدهما أبوه وخالته لأن أمه كانت قد ماتت قاله ابن عباس والجمهور والثاني أبوه وأمه قاله الحسن وابن إسحاق وفي قوله (إن شاء الله آمنين) أربعة أقوال أحدها أن في الكلام تقديما وتأخيرا فالمعنى سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله إنه هو الغفور الرحيم هذا قول ابن جريج والثاني أن الاستثناء يعود إلى الأمن ثم فيه قولان أحدهما أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم والثاني أن الناس كانوا فيما خلا يخافون ملوك مصر فلا يدخلون إلا بجوارهم والثالث أنه يعود إلى دخول مصر لأنه قال لهم هذا حين تلقاهم قبل دخولهم على ما سبق بيانه والرابع أن إن بمعنى إذ كقوله (إن أردن تحصنا) [ النور 33 ] قال ابن عباس دخلوا مصر يومئذ وهم نيف وسبعون من ذكر وأنثى وقال ابن مسعود دخلوا وهم ثلاثة وتسعون وخرجوا مع موسى وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين قوله تعالى (ورفع أبويه على العرش) في أبويه قولان قد تقدما في الآية التي قبلها والعرش هاهنا سرير المملكة أجلس أبويه عليه (وخروا له) يعني أبويه وإخوته وفي هاء له قولان أحدهما أنها ترجع إلى يوسف قاله الجمهور قال أبو صالح عن ابن عباس كان سجودهم كهيأة الركوع كما يفعل الأعاجم وقال الحسن أمرهم الله بالسجود لتأويل الرؤيا قال ابن الأنباري سجدوا له على جهة التحية لا على معنى العبادة وكان أهل ذلك الدهر يحيى

[ 217 ]

بعضهم بعضا بالسجود والانحناء فحظره ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم فروى أنس بن مالك قال قال رجل يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه اينحني له قال لا والثاني أنها ترجع إلى الله فالمعنى وخروا لله سجدا رواه عطاء والضحاك عن ابن عباس فيكون المعنى أنهم سجدوا شكرا لله إذ جمع بينهم وبين يوسف قوله تعالى (هذا تأويل رؤياي) رسول اي تصديق ما رأيت وكان قد رآهم في المنام يسجدون له فأراه الله ذلك في اليقظة واختلفوا فيما بين رؤياه وتأويلها على سبعة أقوال أحدها أربعون سنة قاله سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد بن الهاد ومقاتل والثاني اثنتان وعشرون سنة قاله أبو صالح عن ابن عباس والثالث ثمانون سنة قاله الحسن والفضيل بن عياض والرابع ست وثلاثون سنة قاله سعيد بن جبير وعكرمة والسدي والخامس خمس وثلاثون سنة قاله قتادة والسادس سبعون سنة قاله عبد الله بن شوذب السابع ثماني عشرة سنة قاله ابن إسحاق قوله تعالى (وقد أحسن بي) أي إلي والبدو البسط من الأرض وقال ابن عباس البدو البادية وكانوا أهل عمود وماشية قوله تعالى (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) ولا أي أفسد بيننا قال أبو عبيدة يقال نزغ بينهم ينزغ أي أفسد وهيج وبعضهم يكسر زاي ينزغ (إن ربي لطيف لما يشاء) أي عالم بدقائق الأمور وقد شرحنا معنى اللطيف في (الأنعام 102) فإن قيل قد توالت على يوسف نعم خمسة فما اقتصاره على ذكر السجن وهلا ذكر الجب لم وهو أصعب فالجواب من وجوه أحدها أنه ترك ذكر الجب تكرما لئلا يذكر إخوته صنيعهم وقد قال لا تثريب عليكم اليوم والثاني أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك فكانت هذه النعمة أوفى والثالث أن طول لبثه في السجن كان عقوبة له بخلاف الجب فشكر الله على عفوه قال العلماء بالسير أقام يعقوب بعد قدومه مصر أربعا وعشرين سنة وقال بعضهم سبع

[ 218 ]

عشرة سنة في أهنأ عيش فلما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يحمل إلى الشام حتى يدفنه عند أبيه إسحاق ففعل به ذلك وكان عمره مائة وسبعا وأربعين سنة ثم إن يوسف تاق إلى الجنة وعلم أن الدنيا لا تدوم فتمنى الموت قال ابن عباس وقتادة ولم يتمن الموت نبي قبله فقال (رب قد آتيتني من الملك) يعني ملك مصر (وعلمتني حدثنا من تأويل الأحاديث) وقد سبق تفسيرها [ يوسف 6 ] وفي من قولان أحدهما أنها صلة قاله مقاتل والثاني أنها للتبعيض لأنه لم يؤت كل الملك ولا كل تأويل الأحاديث قوله تعالى (فاطر السموات والأرض) قد شرحناه في (الأنعام ابن 6) (أنت وليي) قوله أي الذي تلي أمري (توفني مسلما) قال ابن عباس يريد لا تسلبني الإسلام حتى تتوفاني عليه وكان ابن عقيل يقول لم يتمن يوسف الموت وإنما سأل أن يموت على صفة والمعنى توفني إذا توفيتني مسلما قال الشيخ وهذا الصحيح قوله تعالى (وألحقني بالصالحين) والمعنى ألحقني بدرجاتهم وفيهم قولان أحدهما أنهم أهل الجنة قاله عكرمة والثاني آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب قاله الضحاك قالوا فلما احتضر يوسف أوصى إلى يهوذا ومات فتشاح الناس في دفنه كل يحب أن يعرفن في محلته رجاء البركة فاجتمعوا على دفنه في النيل ليمر الماء عليه ويصل إلى الجميع فدفنوه في صندوق من رخام فكان هنالك إلى أن حمله موسى حين خرج من مصر ودفنه بأرض كنعان قال الحسن مات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة وذكر مقاتل أنه مات بعد يعقوب بسنتين ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون قوله تعالى (ذلك من أنباء الغيب) أي ذلك الذي قصصنا عليك من أمر يوسف وإخوته من الأخبار التي كانت غائبة عنك فأنزله الله عليك دليلا على نبوتك (وما كنت لديهم) أي عند إخوة يوسف (إذ أجمعوا أمرهم) أي عزموا على إلقائه في الجب) (وهم له يمكرون) بيوسف وفي هذا احتجاج على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه لم يشاهد تلك القصة ولا كان يقرأ الكتاب وقد أخبر عنها بهذا الكلام المعجز فدل على أنه أخبر بوحي ووما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر

[ 219 ]

للعالمين قوله تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) قال ابن الأنباري إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحا شافيا وهو يؤمل ان يكون ذلك سبا لإسلامهم فخالفوا ظنه فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزاه الله تعالى بهذه الآية قال الزجاج ومعناها وما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم (وما تسألهم عليه) أي على القرآن وتلاوته وهدايتك إياهم (من أجر إن هو) أي ما هو إلا تذكرة لهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون قوله تعالى (وكأين) أي وكم (من آية) أي علامة ودلالة تدلهم على توحيد الله من أمر السموات والأرض (يمرون عليها) أي يتجاوزونها غير متفكرين ولا معتبرين وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون قوله تعالى (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) فيهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم المشركون ثم في معناها المتعلق بهم قولان أحدهما أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به رواه أبو صالح عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة والثاني أنها نزلت في تلبية مشركي العرب كانوا يقولون لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني انهم النصارى يؤمنون بأنه خالقهم ورازقهم ومع ذلك يشركون به رواه العوفي عن ابن عباس والثالث أنهم المنافقون يومنون في الظاهر رئاء الناس وهم في الباطن كافرون قاله الحسن فإن قيل كيف وصف المشرك بالإيمان فالجواب أنه ليس المراد به حقيقة الإيمان وإنما المعنى أن أكثرهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم مشركون

[ 220 ]

افامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون قوله تعالى (أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله) قال ابن قتيبة الغاشية المجللة تغشاهم وقال الزجاج المعنى يأتيهم ما يغمرهم من العذاب والبغتة الفجأة من حيث لم تتوقع قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين قوله تعالى (قل هذه سبيلي) المعنى قل يا محمد للمشركين هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي أي سنتي ومنهاجي والسبيل تذكر وتؤنث وقد ذكرنا ذلك في (آل عمران 195) (أدعوا إلى الله على بصيرة) أي على يقين قال ابن الأنباري وكل مسلم لا يخلو من الدعاء إلى الله عز وجل لأنه إذا تلا القرآن فقد دعا إلى الله بما فيه ويجوز أن يتم الكلام عند قوله (إلى الله) ثم ابتدأ فقال (على بصيرة أنا ومن اتبعني) قوله تعالى (وسبحان الله) المعنى وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) هذا نزل من أجل قولهم هلا بعث الله ملكا فالمعنى كيف تعجبوا من إرسالنا إياك وسائر الرسل كانوا على مثل حالك (يوحى إليهم) وقرأ حفص عن عاصم نوحي بالنون والمراد بالقرى المدائن وقال الحسن لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ولا من الجن ولا من النساء قال قتادة لأن أهل القرى أعلم وأحلم من اهل العمود قوله تعالى (أفلم يسيروا في الأرض) يعني المشركين المنكرين نبوتك (فينظروا) محمد إلى مصارع الأمم المكذبة فيعتبروا بذلك (ولدار الآخرة) يعني الجنة (خير) من الدنيا

[ 221 ]

(للذين اتقوا) الشرك قال الفراء أضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة لأن العرب قد تضيف الشئ إلى نفسه إذا اختلف لفظه كقوله (لهو حق اليقين) [ الواقعة 96 ] والحق هو اليقين وقولهم أتيتك عام الأول ويوم الخميس قوله تعالى (أفلا يعقلون) قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص والمفضل ويعقوب تعقلون بالتاء وقرأ الآخرون بالياء والمعنى أفلا يعقلون هذا فيؤمنوا حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين قوله تعالى (حتى إذا استيأس الرسل) المعنى متعلق بالآية الأولى فتقديره وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا فدعوا قومهم فكذبوهم وصبروا وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا استيأس الرسل وفيه قولان أحدهما استيأسوا من تصديق قومهم قاله ابن عباس والثاني من أن نعذب قومهم قاله مجاهد (وظنوا أنهم قد كذبوا) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر كذبوا مشددة الذال مضمومة الكاف والمعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيكون الظن هاهنا بمعنى اليقين هذا قول الحسن وعطاء وقتادة وقرأ عاصم وحمزة والكسائي كذبوا خفيفة والمعنى ظن قومهم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النصر لأن الرسل لا يظنون ذلك وقرأ أبو رزين ومجاهد والضحاك كذبوا بفتح الكاف والذال خفيفة والمعنى ظن قومهم أيضا أنهم قد كذبوا قاله الزجاج قوله تعالى (جاءهم نصرنا) يعني الرسل (فننجي إلى من نشاء) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي فننجي بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة والياء ساكنة وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحفص جميعا عن عاصم ويعقوب فنجي مشدده الجيم مفتوحة الياء بنون واحدة يعني المؤمنين نجوا عند نزول العذاب لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

[ 222 ]

قوله تعالى (لقد كان في قصصهم) كان اي في خبر يوسف وإخوته وروى عبد الوارث كسر القاف وهي قراءة قتادة وأبي الجوزاء (عبرة) أبو أي عظة (لأولي الألباب) أي لذوي العقول السليمة وذلك من وجهين أحدهما ما جرى ليوسف من إعزازه وتمليكه بعد استعباده فإن من فعل ذلك به قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم وتعلية كلمته والثاني أن من تفكر علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم مع كونه أميا لم يأت بهذه القصة على موافقة ما في التوراة من قبل نفسه فاستدل بذلك على صحة نبوته قوله تعالى (ما كان حديثا يفترى) في المشار إليه قولان أحدهما أنه القرآن قاله قتادة والثاني ما تقدم من القصص قاله ابن إسحاق فعلى القول الأول يكون معنى قوله (ولكن تصديق الذي بين يديه) ولكن كان تصديقا لما بين يديه من الكتب (وتفصيل كل شئ) يحتاج إليه من أمور الدين (وهدى) بيانا (ورحمة لقوم يؤمنون) أي يصدقون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وعلى القول الثاني وتفصيل كل شئ من نبأ يوسف وإخوته

[ 223 ]

سورة الرعد مدنية وآياتها ثلاث واربعون فصل في نزولها اختلفوا في نزولها على قولين أحدهما أنها مكية رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين منها قوله تعالى (ولا يزال الذين كفروا تعيبهم أو بما صنعوا قارعة) إلى آخر الاية وقوله [ الرعد 31 ] (ويقول الذين كفروا لست مرسلا) [ الرعد 43 ] والثاني أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وبه قال جابر ابن زيد وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وهما قوله (ولو ان قرآنا سيرت به الجبال) إلى آخرها [ الرعد 31 ] وقال بعضهم المدني منها قوله (هو الذي يريكم البرق)) إلى قوله تعالى (له دعوة الحق) [ الرعد 14 ] بسم الله الرحمن الرحيم المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون

[ 224 ]

قوله تعالى (آلمر) عليه قد ذكرنا في سورة (البقرة) جملة من الكلام في معاني هذه الحروف وقد روي عن ابن عباس في تفسير هذه الكلمة ثلاثة أقوال أحدها أن معناها أنا الله أعلم وأرى رواه أبو الضحى عنه والثاني أنا الله أرى رواه سعيد بن جبير عنه والثالث أنا الله الملك الرحمن رواه عطاء عنه قوله تعالى (تلك آيات الكتاب) في تلك قولان وفي الكتاب قولان قد تقدمت في أول (يونس) قوله تعالى (والذي أنزل إليك من ربك الحق) يعني القرآن وغيره من الوحي (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) قال ابن عباس يعني أهل مكة قال الزجاج لما ذكر أنهم لا يؤمنون عرف الدليل الذي يوجب التصديق بالخالق فقال (الله الذي رفع السموات بغير عمد) قال أبو عبيدة العمد متحرك الحروف بالفتحة وبعضهم يحركها بالضمة لأنها جمع عمود وهو القياس لأن كل كلمة هجاؤها أبي أربعة أحرف الثالث منها ألف أو ياء أو واو فجميعه مضموم الحروف نحو رسول والجمع رسل وحمار والجمع حمر غير أنه قد جاءت أسامي استعملوا جميعها بالحركة والفتحة نحو عمود وأديم وإهاب قالوا ادم وأهب ومعنى عمد سوار ودعائم وما يعمد البناء وقرأ أبو حيوة بغير عمد بضم العين والميم وفي قوله (ترونها) قولان أحدهما أن هاء الكناية ترجع إلى السموات فالمعنى ترونها بغير عمد قاله أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة والجمهور وقال ابن الأنباري ترونها خبر مستأنف والمعنى رفع السموات بلا دعامة تمسكها ثم قال ترونها أي ما تشاهدون من هذا الأمر العظيم يغنيكم عن إقامة الدلائل عليه والثاني أنها ترجع إلى العمد فالمعنى إنها بعمد لا ترونها رواه عطاء والضحاك عن ابن عباس وقال لها عمد على قاف ولكنكم لا ترون العمد وإلى هذا القول ذهب مجاهد وعكرمة والأول أصح قوله تعالى (وسخر الشمس والقمر) اي ذللهما لما يراد منهما (كل (يجري لأجل مسمى) أي إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا (يدبر الأمر) أي يصرفه بحمته (يفصل الآيات) أي يبين الآيات التي تدل أنه قادر على البعث لكي توقنوا بذلك وقرأ أبو دزيني ما وقتادة والنخعي ندبر الأمر نفصل

[ 225 ]

الآيات بالنون فيهما وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون قوله تعالى (وهو الذي مد الأرض) قال ابن عباس بسطها على الماء قوله تعالى (وجعل فيها رواسي) قال الزجاج أي جبالا ثوابت يقال رسا الشي يرسوا رسوا فهر راس إذا ثبت و (جعل فيها زوجين اثنين) أي نوعين والزوج الواحد الذي له قريب من جنسه قال المفسرون ويعني بالزوجين الحلو والحامض والعذب والملح والأبيض والأسود قوله تعالى (يغشى الليل النهار) قد شرحناه في (الأعراف 54) وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون قوله تعالى (وفي الأرض قطع متجاورات) فيها قولان أحدهما أنها الأرض السبخة والأرض العذبة تنبت هذه وهذه إلى جنبها لا تنبت هذا قول ابن عباس وأبي العالية ومجاهد والضحاك والثاني أنها القرى المتجاورات قاله قتادة وابن قتيبة وهو يرجع إلى معنى الأول قوله تعالى (وزرع ونخيل) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم (وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان) رفعا في الكل وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان خفضا في الكل قال أبو علي من رفع فالمعنى وفي الأرض قطع متجاورات وجنات وفي الأرض زرع ومن خفض حمله على الأعناب فالمعنى جنات من أعناب ومن زرع ومن نخيل قوله تعالى (صنوان وغير صنوان) هذا من صفة النخيل قال الزجاج الصنوان جمع صنو وصنو ومعناه أن يكون الأصل واحدا وفيه النخلتان والثلاث والأربع وكذلك قال

[ 226 ]

المفسرون الصنوان النخل المجتمع وأصله واحد وغير صنوان المتفرق وقرأ أبو رزين وابو عبد الرحمن السلمي وابن جبير وقتادة صنوان بضم الصاد قال الفراء لغة أهل الحجاز صنوان بكسر الصاد وتميم وقيس يضمون الصاد قوله تعالى (تسقى بماء واحد) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو تسقى بالتاء ونفضل بالنون وقرأ حمزة والكسائي تسقى بالتاء أيضا لكنهما أمالا القاف وقرأ الحسن ويفضل بالياء وقرأ عاصم وابن عامر يسقى بالياء ونفضل بالنون وكلهم كسر الضاد وروى الحلبي عن عبد الوارث ضم الياء من يفضل وفتح الضاد بعضها برفع الضاد وقال الفراء من قرأ تسقى بالتاء ذهب إلى تأنيث الزرع والجنات والنخيل ومن كسر ذهب إلى النبت وذلك كله يسقى بماء واحد وأكله مختلف حامض وحلو ففي هذا آية قال المفسرون الماء الواحد ماء المطر والأكل الثمر بعضه أكبر من بعض وبعضه أفضل من بعض وبعضه حامض وبعضه حلو إلى غير ذلك وفي هذا دليل على بطلان قول الطبائعيين لأنه لو كان حدوث الثمر على طبع الأرض والهواء والماء وجب أن يتفق ما يحدث لاتفاق ما أوجب الحدوث فلما وقع الاختلاف دل على مدبر قادر (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) أنه لا تجوز العبادة إلا لمن يقدر على هذا وإن تعجب فعجب قولهم ءإذا كنا تراباءإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون قوله تعالى (وإن تعجب) أي من تكذيبهم وعبادتهم مالا ينفع ولا يضر بعدما رأوا من تأثير قدرة الله عز وجل في خلق الأشياء فانكارهم البعث موضع عجب وقيل المعنى وإن تعجب بما وقفت عليه من القطع المتجاورات وقدرة ربك في ذلك فعجب جحدهم البعث لأنه قد بان لهم من خلق السموات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل من القدرة قوله تعالى (أإذا لا كنا ترابا) قرأ ابن كثير وأبو عمرو آيذا كنا ترابا آينا جميعا بالاستفهام غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد وقرأ نافع آيذا مثل أبي عمرو واختلف عنه في المد وقرأ إنا لفي خلق مكسورة على الخبر وقرأ عاصم وحمزة أإذا كنا أإنا بهمزتين فيهما وقرأ ابن عامر إذا كنا ترابا مكسورة الألف من غير استفهام أإنا يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا أن وروي عن ابن عامر أيضا أإذا بهمزتين لا ألف بينهما

[ 227 ]

والأغلال جمع غل وفيها قولان أحدهما أنها أغلال يوم القيامة قاله الأكثرون والثاني أنها الأعمال التي هي أغلال قاله الزجاج ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال على قوله تعالى (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في كفار مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بذلك قاله ابن عباس والثاني في مشركي العرب قاله قتادة والثالث في النضر بن الحارث حين قال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك قاله مقاتل وفي السيئة والحسنة قولان أحدهما بالعذاب قبل العافية قاله ابن عباس ومقاتل والثاني بالشر قبل الخير قاله قتادة فأما (المثلات) فقرأ الجمهور بفتح الميم وقرأ عثمان وأبو رزين وأبو مجلز وسعيد ابن جبير وقتادة والحسن وابن أبي عبلة برفع الميم ثم في معناها قولان أحدهما أنها العقوبات قاله ابن عباس، وقال الوجاج: المعنى: قد تقدم من العذاب ما همو مثله وما فيه نكال، لو أنهم اتعظوا، وقال ابن الانباري: المثلة: العقوبة التي تبقي في المعاقب شينا بتغيير بعض خلقه، من قولهم: مثل فلان بفلان، إذا شان خلقه بقطع أنفه أو أذنه، أو سمل عينيه ونحو ذلك. والثاني: أن المثلات: الامثال التي ضربها الله تعالى لهم، قاله مجاهد، وأبو عبيدة. قوله تعال: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) قال ابن عباس: لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا، وإنه لشديد العقاب للمصرين على الشرك. وقال مقاتل: لذو تجاوز عن

[ 228 ]

شركهم في تأخير العذاب، وإنه لشديد العقاب إذا عذب. فصل وذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الاية منسوخة بقوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به) (1)، والمحققون على أنها محكمة. قوله تعالى: (لولا أنزل عليه آية من ربه) " لولا " بمعنى هلا، والاية التي طلبوها، مثل عصا موسى وناقة صالح، ولم يقنعوا بما رأوا، فقال الله تعالى: (إنما أنت منذر) أي: مخوف عذاب الله، وليس لك من الايات شئ، وفي قوله تعالى: (ولكل قوم هاد) ستة أقوال: أحدها: أن المراد بالهادي: الله عزوجل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والنخعي والثاني أن الهادي الداعي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث أن الهادي النبي صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وعطاء وقتادة وابن زيد فالمعنى ولكل قوم نبي ينذرهم والرابع أن الهادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا قاله عكرمة وأبو الضحى والمعنى أنت منذر وأنت هاد والخامس أن الهادي العمل قاله أبو العالية والسادس أن الهادي القائد إلى الخير أو إلى الشر قاله أبو صالح عن ابن عباس وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال أنا المنذر وأومأ بيده إلى منكب علي فقال أنت الهادي يا علي بك يهتدى من بعدي قال المصنف وهذا من موضوعات الرافضة ثم إن الله تعالى أخبرهم عن قدرته ردا على منكري البعث فقال (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) أي من علقة أو مضغة أو زائد أو ناقص أو ذكر أو أنثى أو واحد أو اثنين أو أكثر (وما تغيض الأرحام) أي وما تنقص (وما تزداد) وفيه أربعة أقوال أحدها ما تغيض بالوضع لأقل من تسعة أشهر وما تزداد بالوضع لأكثر من تسعة أشهر

[ 229 ]

رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ومقاتل وابن قتيبة والزجاج والثاني وما تغيض بالسقط الناقص وما تزداد بالولد التام رواه العوفي عن ابن عباس وعن الحسن كالقولين والثالث وما تغيض بإراقة الدم في الحمل حتى يتضاءل الولد وما تزداد إذا أمسكت الدم فيعظم الولد قاله مجاهد والرابع ما تغيض الأرحام من ولدته من قبل وما تزداد من تلده من بعد روي عن قتادة والسدي قوله تعالى (وكل شئ عنده بمقدار) أي بقدر قال أبو عبيدة هو مفعال من القدر قال ابن عباس علم كل شئ فقدره تقديرا قوله تعالى (عالم الغيب والشهادة) قد شرحنا ذلك في (الأنعام 6) و (الكبير) بمعنى العظيم ومعناه يعود إلى كبر قدره واستحقاقه صفات العلو فهو أكبر من كل كبير لأن كل كبير يصغر بالإضافة إلى عظمته ويقال الكبير الذي كبر عن مشابهة المخلوقين فأما (المتعال) فقرأ ابن كثير المتعالي بياء في الوصل والوقف وكذلك روى عبد الوارث عن أبي عمرو واثبتها في الوقف دون الوصل ابن شنبوذ عن قنبل والباقون بغير ياء في الحالين والمتعالي هو المتنزه عن صفات المخلوقين قال الخطابي وقد يكون بمعنى العالي فوق خلقه وروي عن الحسن أنه قال المتعالي عما يقول المشركون سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار قوله تعالى (سواء منكم) قال ابن الأنباري ناب سواء عن مستو والمعنى مستو منكم (من اسر القول) أي أخفاه وكتمه (ومن جهر به) أعلنه وأظهره والمعنى أن السر والجهر سواء عنده قوله تعالى (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) فيه قولان أحدهما أن المستخفي هو المستتر المتواري في ظلمة الليل والسارب بالنهار الظاهر المتصرف في حوائجة يقال سربت الإبل تسرب إذا مضت في الأرض ظاهرة وأنشدوا أرى كل قوم قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو سارب الله أي ذاهب ومعنى الكلام أن الظاهر والخفي عنده سواء هذا قول الأكثرين وروى

[ 230 ]

العوفي عن ابن عباس ومن هو مستخف قال صاحب ريبة بالليل فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه برئ من الإثم والثاني أن المستخفي بالليل الظاهر والسارب بالنهار المستتر يقال انسرب الوحش إذا دخل في كناسه وهذا قول الأخفش وذكره قطرب أيضا واحتج له ابن جرير بقولهم خفيت الشئ إذا أظهرته ومنه (أكاد أخفيها) [ طه 15 ] بفتح الألف أي أظهرها قال وإنما قيل للمتواري قال سارب لأنه صار في السرب مستخفيا له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال قوله تعالى (له معقبات) عن في هاء له أربعة أقوال أحدها أنها ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والثاني إلى الملك من ملوك الدنيا رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثالث إلى الإنسان قاله الزجاج الرابع إلى الله تعالى ذكره ابن جرير وأبو سليمان الدمشقي وفي المعقبات قولان أحدهما أنها الملائكة رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والحسن وقتادة في آخرين قال الزجاج والمعنى للإنسان ملائكة يعتقبون يأتي بعضهم بعقب بعض وقال أكثر المفسرين هم الحفظة اثنان بالنهار واثنان بالليل إذا مضى فريق خلف بعده فريق ويجتمعون عند صلاة المغرب والفجر وقال قوم منهم ابن زيد هذه الآية خاصة في رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عامر بن الطفيل وأربد بن قيس على قتله فمنعه الله منهما وأنزل هذه الآية والقول الثاني أن المعقبات حراس الملوك الذين يتعاقبون الحرس وهذا مروي عن ابن عباس وعكرمة وقال الضحاك هم السلاطين المشركون المحترسون من من الله تعالى وفي قوله (يحفظونه من أمر الله) سبعة أقوال أحدها يحرسونه من أمر الله ولا يقدرون هذا على قول من قال هي في المشركين

[ 231 ]

المحترسين في من أمر الله والثاني أن المعنى حفظهم له من أمر الله قاله ابن عباس وابن جبير فيكون تقدير الكلام هذا الحفظ مما أمرهم الله به والثالث يحفطونه بأمر الله قاله الحسن ومجاهد وعكرمة قال اللغويون والباء تقوم مقام من وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض والرابع يحفظونه من الجن قاله مجاهد والنخعي وقال كعب لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتخطفتكم الجن وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فإذا أراده شئ قال وراءك وراءك إلا شئ قد قضي له أن يصيبه وقال أبو مجلز جاء رجل من مراد إلى علي عليه السلام فقال احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإن الأجل جنة حصينة والخامس أن في الكلام تقديما وتأخيرا والمعنى له معقبات من أمر الله يحفظونه قاله أبو صالح والفراء والسادس يحفظونه لأمر الله فيه حتى يسلموه إلى ما قدر له ذكره أبو سليمان الدمشقي واستدل بما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال يحفظونه من أمر الله حتى إذا جاء القدر خلوا عنه وقال عكرمة يحفظونه لأمر الله والسابع يحفظون عليه الحسنات والسيئات قاله ابن جريج قال الأخفش وإنما أنث المعقبات لكثرة ذلك منها نحو النسابة والعلامة ثم ذكر في قوله يحفظونه لأن المعنى مذكر قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم) بن أي لا يسلبهم هذه نعمه (سنة حتى يغيروا ما بأنفسهم) فيعملوا بمعاصيه قال مقاتل ويعني بذلك كفار مكة قوله تعالى (وإذا أراد الله بقوم سوءا) فيه قولان أحدهما أنه العذاب والثاني البلاء قوله تعالى (فلا مرد له) أي لا يرده شئ ولا تنفعه المعقبات (وما لهم من دونه يعني من دون الله (من وال) أي من ولي يدفع عنهم العذاب والبلاء

[ 232 ]

هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال قوله تعالى (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا) فيه أربعة أقوال أحدها خوفا للمسافر وطمعا للمقيم قاله أبو صالح عن ابن عباس قال قتادة فالمسافر خاف أذاه ومشقته والمقيم يرجو منفعته والثاني خوفا من الصواعق وطمعا في الغيث رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الحسن والثالث خوفا للبلد الذي يخاف ضرر المطر وطمعا لمن يرجو الانتفاع به ذكره الزجاج والرابع خوفا من العقاب وطمعا في الثواب ذكره الماوردي وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد يقول إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض قوله تعالى (وينشئ السحاب الثقال) أي ويخلق السحاب الثقال بالماء قال الفراء السحاب وإن كان لفظه واحدا فإنه جمع واحدته سحابة جعل نعته على الجمع كما قال (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [ الرحمن 76 ] ولم يقل أخضر ولا حسن ويسبح الرعد بحمده والملئكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال قوله تعالى (ويسبح الرعد بحمده) فيه قولان أحدهما أنه إسم الملك الذي يزجر السحاب وصوته تسبيحه قاله مقاتل والثاني أنه الصوت المسموع وإنما خص الرعد بالتسبيح لأنه من أعظم الأصوات قال ابن الأنباري وإخباره عن الصوت بالتسبيح مجاز كما يقول القائل قد غمني كلامك قوله تعالى (والملائكة من خيفته) عمرو في هاء الكناية قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله عز وجل وهو الأظهر قال ابن عباس يخافون الله وليس كخوف ابن آدم لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره ولا يشغله عن عبادة الله شئ والثاني أنها ترجع إلى الرعد ذكره الماوردي قوله تعالى (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في أربد بن قيس وعامر ابن الطفيل أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان

[ 233 ]

الفتك به فقال اللهم اكفنيهما قبل بما شئت فأما أربد فأرسل الله عليه صاعقة في يوم صائف صاح فأحرقته وأما عامر فأصابته غدة فهلك فأنزل الله تعالى هذه الآية هذا قول الأكثرين منهم ابن جريج وأربد هو أخو لبيد بن ربيعة لأمه والثاني أنها نزلت في رجل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حدثني يا محمد عن إلهك أياقوت هو اذهب هو فنزلت على السائل صاعقة فأحرقته ونزلت هذه الآية قاله علي بن أبي طالب عليه السلام قال مجاهد وكان يهوديا وقال أنس بن مالك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض فراعنة العرب يدعوه إلى الله تعالى فقال للرسول وما الله أمن ذهب هو أم من فضة أم من نحاس فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ارجع إليه فادعه فرجع فأعاد عليه الكلام إلى أن رجع إليه ثالثة فبينما هما يتراجعان الكلام إذ بعث الله سحابة حيال رأسه فرعدت ووقعت منها صاعقة فذهبت بقحف راسه ونزلت هذه الآية والثالث أنها في رجل أنكر القرآن وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله عليه صاعقة فأهلكته ونزلت هذه الآية قاله قتادة قوله تعالى (وهم يجادلون في الله) فيه قولان أحدهما يكذبون بعظمة الله قاله ابن عباس والثاني يخاصمون في الله حيث قال قائلهم أهو من ذهب أم من فضة على ما تقدم بيانه قوله تعالى (وهو شديد المحال) فيه خمسة أقوال أحدها شديد الأخذ قاله علي عليه السلام والثاني شديد المكر شديد العداوة رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث شديد العقوبة قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مجاهد في رواية عنه شديد الانتقام وقال أبو عبيدة شديد العقوبة والمكر والنكال وأنشد للأعشى فرع نبع يهتز في غصن المجد يحيى غزير الندى شديد المحال الرحمن إن يعاقب يكن غراما وإن يغط جزيلا وكان فإنه لا يبالي وقال ابن قتيبة شديد المكر واليد وأصل المحال الحيلة والرابع شديد القوة قاله مجاهد قال الزجاج يقال ما حلته محالا إذا قاويته حتى تبين له أيكما الأشد والمحل في اللغة الشدة والخامس شديد الحقد روى قاله الحسن البصري فيما سمعناه عنه مسندا من طرق وقد رواه عنه جماعة من المفسرين منهم ابن الأنباري والنقاش ولا يجوز هذا في صفات الله عزوجل قال

[ 234 ]

النقاش هذا قول منكر عند أهل الخبر والنظر في اللغة لا يجوز أن تكون هذه صفة من صفات الله تعالى عز وجل والذي أختاره في هذا ما قاله علي عليه السلام شديد الأخذ يعني أنه إذا أخذ الكافر والظالم لم يفلته من عقوباته له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال قوله تعالى (له دعوة الحق) فيه قولان أحدهما أنها كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله قاله علي وابن عباس والجمهور فالمعنى له من خلقه الدعوة الحق فأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف اللفظين والثاني أن الله عز وجل هو الحق فمن دعاه دعا الحق قاله الحسن قوله تعالى (والذين يدعون من دونه) يعني الأصنام يدعونها آلهة قال أبو عبيدة المعنى والذين يدعون غيره من دونه قوله تعالى (لا يستجيبون لهم) أي لا يجيبونهم قوله تعالى (إلا كباسط كفيه إلى الماء) فيه خمسة أقوال أحدها أنه العطشان يمد يده إلى البئر ليرتفع الماء إليه وما هو ببالغه قاله علي عليه السلام وعطاء والثاني أنه الرجل العطشان قد وضع كفيه في الماء وهو لا يرفعهما رواه العوفي عن ابن عباس والثالث أنه العطشان يرى خياله في الماء من بعيد فهو يريد أن يتناوله فلا يقدر عليه رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أنه الرجل يدعو الماء بلسانه ولم ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا قاله مجاهد والخامس أنه الباسط كفيه ليقبض على الماء حتى يؤديه إلى فيه لا يتم له ذلك والعرب تقول من طلب مالا يجد فهو القابض على الماء وأنشدوا وإني وإياكم وشوقا إليكم كقابض ماء لم تسقه أنامله أي لم تحمله والوسق الحمل وقال آخر فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد

[ 235 ]

هذا قول أبي عبيدة وابن قتيبة قوله تعالى (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) فيه قولان أحدهما وما دعاء الكافرين ربهم إلى في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل قاله مقاتل ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال قوله تعالى (ولله يسجد من في السموات) أي من الملائكة ومن في الأرض من المؤمنين (طوعا وكرها) وفي معنى سجود الساجدين كرها ثلاثة اقوال أحدها أنه سجود من دخل في الإسلام بالسيف قاله ابن زيد والثاني أنه سجود ظل الكافر قاله مقاتل والثالث أن سجود الكاره تذلله وانقياده لما يريده الله منه من عافية ومرض وغنى وفقر قوله تعالى (وظلالهم) بين أي وتسجد ظلال الساجدين طوعا وكرها وسجودها تمايلها أهل من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير بالطول والقصر قال ابن الأنباري قال اللغويون الظل ما كان بالغدوات قبل انبساط الشمس والفئ ما كان بعد انصراف الشمس وإنما سمى فيئا لأنه فاء أي رجع إلى الحال التي كان عليها قبل ان تنبسط الشمس وما كان سوى ذلك فهو ظل نحو ظل الإنسان وظل الجدار وظل الثوب وظل الشجرة قال حميد ابن ثور فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفئ من برد العشي تذوق وقال لبيد بينما الظل ظليل مونق طلعت شمس عليه فأضمحل حديث وقال آخر أيا أثلات القاع من بطن توضح حنيني إلى أظلالكن عند طويل وقيل إن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد الله وقد شرحنا معنى الغدو والآصال في (الأعراف 7) قل من رب السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا

[ 236 ]

يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شئ وهو الواحد القهار قوله تعالى (قل من رب السموات والأرض قل الله) إنما جاء السؤال والجواب من جهة لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شئ فلما لم ينكروا كان كأنهم أجابوا ثم ألزمهم الحجة بقوله (قل أفاتخذتم من دونه أولياء) يعني الأصنام توليتموهم لأنه فعبدتموهم وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف لغيرهم ثم ضرب مثلا للذي يعبد الأصنام والذي يعبد الله بقوله (قل هل يستوي الأعمى والبصير) يعني المشرك والمؤمن (أم هل تستوي الظلمات والنور) وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم تستوي بالتاء وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم يستوي بالياء قال أبو علي التأنيث حسن لأنه فعل مؤنث والتذكير سائغ لأنه تأنيث غير حقيقي ويعني الظلمات والنور الشرك والإيمان (أم جعلوا الله شركاء) قال ابن الأنباري معناه أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه خلق الله بخلق هؤلاء وهذا استفهام إنكار والمعنى ليس الأمر على هذا بل إذا فكروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق وغيره لا يخلق شيئا قوله تعالى (قل الله خالق كل شئ) قال الزجاج قل ذلك وبينه بما أخبرت به من الدلالة في هذه السورة مما يدل على أنه خالق كل شئ وقد ذكرنا في (يوسف 39) معنى الواحد القهار أنزلنا من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأويهم أخبرنا جهنم وبئس المهاد

[ 237 ]

قوله تعالى (أنزل من السماء ماء) يعني المطر (فسالت أودية) يا وهي جمع واد وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل (بقدرها) لو أي بمبلغ ما تحمل فإن صغر الوادي قل الماء وإن هو اتسع كثر وقرأ الحسن وابن جبير وابو العالية وايوب وابن يعمر وأبو حاتم عن يعقوب بقدرها باسكان الدال وقوله فسالت أودية توسع في الكلام والمعنى سالت مياهها فحذف المضاف وكذلك قوله بقدرها أي بقدر مياهها (فاحتمل السيل زبدا رابيا) أي عاليا فوق الماء فهذا مثل ضربه الله عز وجل ثم ضرب مثلا آخر فقال (ومما توقدون عليه في النار) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم توقدون عليه بالتاس يكون وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء قال أبو علي من قرأ بالتاء فلما قبله من الخطاب وهو قوله أفاتخذتم ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله أم جعلوا لله شركاء ويعني بقوله (ومما توقدون عليه) ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر (ابتغاء حلية) مع يعني الذهب والفضة (أو متاع) يعني الحديد والصفر والنحاس والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها (زبد مثله) أي له زبد إذا أذيب مثل زبد السيل فهذا مثل آخر وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال أحدها أنه القرآن شبه نزوله من السماء بالماء وشبه قلوب العباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فيستكن سعيد فيها فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به والثاني أنه الحق والباطل فالحق شبه بالماء الباقي الصافي والباطل مشبه بالزبد الذاهب فهو وإن علا على الماء فإنه سيمحق بكر كذلك الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال فإن الله سيبطله والثالث أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فمثل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفع به ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد قوله تعالى (كذلك) أي كما ذكر هذا يضرب الله مثل الحق والباطل وقال أبو عبيدة كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل

[ 238 ]

فأما الجفاء فقال ابن قتيبة هو ما رمى به الوادي إلى جنباته يقال أجفأت القدر بزبدها إذا ألقته عنها قال ابن فارس الجفاء ما نفاه السيل ومنه اشتقاق الجفاء وقال ابن الأنباري جفاء أي باليا متفرقا قال ابن عباس إذا مس الزبد لم يكن شيئا قوله تعالى (وأما ما ينفع الناس) من الماء والجواهر التي زال زبدها (فيمكث في الأرض) فينتفع به (كذلك) يبقى الحق لأهله قوله تعالى (للذين استجابوا لربهم) يعني المؤمنين (والذين لم يستجيبوا له) يعني الكفار قال أبو عبيدة استجبت لك واستجبتك قد سواء وهو بمعنى أجبت وفي الحسنى ثلاثة اقوال أحدها أنها الجنة قاله ابن عباس والجمهور والثاني أنها الحياة والرزق قاله مجاهد والثالث كل خير من الجنة فما دونها قاله أبو عبيدة قوله تعالى (لا فتدوا به) اي لجعلوه وفي فداء أنفسهم من العذاب ولا يقبل منهم وفي سوء الحساب ثلاثة أقوال أحدها أنها المناقشة بالأعمال رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس وقال النخعي هو أن يحاسب بذنبه كله فلا يغفر له منه شئ والثاني أن لا تقبل منهم حسنة ولا يتجاوز لهم عن سيئة والثالث أنه التوبيخ والتقريع عند الحساب أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب قوله تعالى (أفمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى) قال ابن عباس نزلت في حمزة وأبي جهل (إنما يتذكر) أي إنما يتعظ ذوو العقول والتذكر الاتعاظ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب

[ 239 ]

قوله تعالى (الذين يوفون بعهد الله) في هذا العهد قولان أحدهما أنه ما عاهدهم عليه حين استخرجهم من ظهر آدم والثاني ما أمرهم به وفرضه عليهم وفي الذي أمر الله به عز وجل أن يوصل ثلاثة أقوال قد نسبناها إلى قائلها في أول سورة (البقرة 27) وقد ذكرنا سوء الحساب آنفا والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار قوله تعالى (والذين صبروا) أي على ما أمروا به (ابتغاء وجه ربهم) أي طلبا لرضاه (وأقاموا الصلاة) أتموها (كل وأنفقوا مما رزقناهم) من الأموال في طاعة الله قال ابن عباس يريد بالصلاة الصلوات الخمس وبالإنفاق الزكاة قوله تعالى (ويدرؤون) أي يدفعون (بالحسنة السيئة) وفي المراد بهما خمسة أقوال أحدها يدفعون بالعمل الصالح الشر من العمل قاله ابن عباس والثاني يدفعون بالمعروف المنكر قاله سعيد بن جبير والثالث بالعفو الظلم قاله جويبر والرابع بالحلم السفه كأنهم إذا سفه عليهم حلموا قاله ابن قتيبة والخامس بالتوبة الذنب قاله ابن كيسان قوله تعالى (أولئك لهم عقبى الدار) قال ابن عباس يريد عقباهم الجنة أي تصير الجنة آخر أمرهم قوله تعالى (ومن صلح) وقرأ ابن أبي عبلة صلح بضم اللام ومعنى صلح آمن وذلك أن الله تعالى ألحق المؤمن أهله المؤمنين إكراما له لتقر عينه بهم (والملائكة يدخلون عليهم من كل بابي) سعيد قال ابن عباس بالتحية من الله والتحفة والهدايا قوله تعالى (سلام عليكم) قال الزجاج أضمر القول هاهنا لأن في الكلام دليلا

[ 240 ]

عليه وفي هذا السلام قولان أحدهما أنه التحية المعروفة يدخل الملك فيسلم وينصرف قال ابن الأنباري وفي قول المسلم سلام عليكم قولان أحدهما أن السلام الله عز وجل والمعنى الله عليكم أي على حفظكم والثاني أن المعنى السلامة عليكم فالسلام جمع سلامة والثاني أن معناه إنما سلمكم الله تعالى من أهوال القيامة وشرها بصبركم في الدنيا وفيما صبروا عليه خمسة أقوال أحدها أنه أمر الله قاله سعيد بن جبير والثاني فضول الدنيا قاله الحسن والثالث الدين والرابع الفقر رويا عن أبي عمران الجوني والخامس أنه فقد المحبوب قاله ابن زيد والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار قوله تعالى (والذين ينقضون عهد الله) قد سبق تفسيره في سورة (البقرة 27) وقال مقاتل نزلت في كفار أهل الكتاب قوله تعالى (أولئك لهم اللعنة) أي عليهم يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحيوة الدنيا وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع قوله تعالى (الله يبسط الرزق لمن يشاء) أي يوسع على من يشاء (ويقدر) منه أي يضيق (وفرحوا بالحياة الدنيا) قال ابن عباس يريد مشركي مكة فرحوا بما نالوا من الدنيا فطغوا وكذبوا الرسل قوله تعالى (وما الحياة الدنيا في الآخرة) أي بالقياس إليها (إلا متاع) أي كالشئ

[ 241 ]

الذي يتمتع به ثم يفنى ويقول لالذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب قوله تعالى (ويقول الذين كفروا) نزلت في مشركي مكة حين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل آيات الأنبياء (قل إن الله يضل من يشاء) أي يرده عن الهدى كما ردكم بعدما أنزل من الآيات وحرمكم الاستدلال بها (ويهدي إليه من أناب) أي رجع إلى الحق وإنما يرجع إلى الحق من شاء الله رجوعه فكأنه قال ويهدي من يشاء الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب قوله تعالى (الذين آمنوا) هذا بلد من قوله (أناب) والمعنى يهدي الذين آمنوا (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) في هذا الذكر قولان أحدهما أنه القرآن والثاني ذكر الله على الإطلاق وفي معنى هذه الطمأنينة قولان أحدهما أنها الحب له والأنس به والثاني السكون إليه من غير شك بخلاف الذين إذا ذكر الله اشمأزت قلوبهم قوله تعالى ألا بذكر الله قال الزجاج ألا حرف تنبيه وابتداء والمعنى تطمئن القلوب التي هي قلوب المؤمنين لأن الكافر غير مطمئن القلب قوله تعالى (طوبى لهم) فيه ثمانية أقوال قوله تعالى (طوبى لهم) فيه ثمانية أقوال أحدها أنه اسم شجرة في الجنة روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال يا رسول الله ما طوبى قال شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها وقال أبو هريرة طوبى شجرة في الجنة يقول الله عز وجل لها تفتقي لعبدي

[ 242 ]

عما شاء فتتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها وعن الإبل بأزمتها وعما شاء من الكسوة وقال شهر بن حوشب طوبى شجرة في الجنة كل شجر الجنة منها أغصانها من وراء سور الجنة وهذا مذهب عطية وشمر بن عطية ومغيث بن سمي وأبي صالح والثاني أنه اسم الجنة بالحبشية رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال المصنف وقرأت على شيخنا أبي منصور عن سعيد بن مسجوح قال طوبى اسم الجنة بالهندية وممن ذهب إلى أنه اسم الجنة عكرمة وعن مجاهد كالقولين والثالث أن معنى طوبى لهم فرح وقرة عين لهم رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أن معناه نعمى لهم قاله عكرمة في رواية وفي رواية أخرى عنه نعم مالهم والخامس غبطة لهم قاله سعيد بن جبير والضحاك والسادس أن معناه خير لهم قاله النخعي في رواية وفي أخرى عنه قال الخير والكرامة اللذان أعطاهم الله وروى معمر عن قتادة قال يقول الرجل للرجل طوبى لك أي أصبت خيرا وهي كلمة عربية والسابع حسنى لهم رواه سعيد عن قتادة عن الحسن والثامن أن المعنى العيش الطيب لهم وطوبى عند النحويين فعلى من الطيب هذا قول الزجاج وقال ابن الأنباري تأويلها الحال المستطابة والخلة المستلذة وأصلها طيبى فصارت الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها كما صارت في موقن والأصل فيه ميقن لأنه مأخوذ من اليقين فغلبت الضمة فيه الياء فجعلتها واوا قوله تعالى (وحسن مآب) المآب المرجع والمنقلب كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب: قوله تعالى (كذلك أرسلناك) أي كما أرسنا الأنبياء قبلك قوله تعالى (وهم يكفرون بالرحمن) في سبب نزولها ثلاثة أقوال

[ 243 ]

أحدها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لكفار قريش اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن فنزلت هذه الآية وقيل لهم إن الرحمن الذي أنكرتم هو ربي هذا قول الضحاك عن ابن عباس والثاني أنهم لما أرادوا كتاب الصلح يوم الحديبية كتب علي عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة فنزلت هذه الآية قاله قتادة وابن جريج ومقاتل والثالث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما في الحجر يدعو وأبو جهل يستمع إليه وهو يقول يا رحمن فولى مدبرا إلى المشركين فقال إن محمدا كان ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين فنزلت هذه الآية ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله تعالى (وإليه متاب) قال أبو عبيدة هو مصدر تبت إليه ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم يايئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى ياتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب قوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) سبب نزولها أن مشركي قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لو وسعت لنا أودية مكة بالقرآن وسرت جبالها فاحترثناها وأحييت من مات منا فنزلت هذه الآية رواه العوفي عن ابن عباس وقال الزبير بن العوام قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنزرع أو يحيى لنا موتانا فنكلمهم أو يصير هذه الصخرة ذهبا فتغنينا غير عن رحلة الشتاء والصيف فقد كان للأنبياء آيات فنزلت هذه الآية ونزل قوله (وما منعنا أحمد أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون) [ الاسراء 59 ] بعد ومعنى قوله (أو قطعت به الأرض) أي شققت فجعلت أنهارا (أو كلم به الموتى) أي أحيوا حتى كلموا

[ 244 ]

واختلفوا في جواب لو على قولين أحدهما أنه محذوف وفي تقدير الكلام قولان أحدهما أن تقديره لكان هذا القرآن ذكره الفراء وابن قتيبة قال قتادة لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم والثاني أن تقديره لو كان هذا كله لما آمنوا ودليله قوله تعالى (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) إلى آخر الآية [ الأنعام 111 ] قاله الزجاج والثاني أن جواب لو مقدم والمعنى وهم يكفرون بالرحمن ولو أنزلنا عليهم ما سالوا ذكره الفراء أيضا قوله تعالى (بل لله الأمر جميعا) أي لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ لم ينفع ما اقترحوا من الآيات ثم أكد ذلك بقوله (أفلم ييأس الذين آمنوا) وفيه أربعة أقوال أحدها أفلم يتبين رواه العوفي عن ابن عباس وروى عنه عكرمة أنه كان يقرؤها كذلك ويقول أظن الكاتب كتبها وهو ناعس وهذا قول مجاهد وعكرمة وأبي مالك ومقاتل والثاني أفلم يعلم رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وقتادة وابن زيد وقال ابن قتيبة ويقال هي لغة للنخع ييأس بمعنى يعلم قال الشاعر أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم يقول وإنما وقع اليأس في مكان العلم لأن في علمك الشئ وتيقنك الذي به يأسك من غيره والثالث أن المعنى قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا واحدا ولو شاء الله لهدى الناس جميعا قاله أبو العالية والرابع أفلم ييأس الذين آمنوا أن يؤمن هؤلاء المشركون قاله الكسائي وقال الزجاج المعنى عندي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الذين وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون لأنه لو شاء لهدى الناس جميعا قوله تعالى (ولا يزال الذين كفروا) فيهم قولان أحدهما أنهم جميع الكفار قاله ابن السائب والثاني كفار مكة قاله مقاتل فأما القارعة فقال الزجاج هي في اللغة النازلة الشديدة تنزل بأمر عظيم وفي المراد بها هاهنا قولان أحدهما أنها عذاب من السماء رواه العوفي عن ابن عباس

[ 245 ]

والثاني السرايا والطلائع التي كان ينفذها رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله عكرمة وفي قوله (أو تحل قريبا من دارهم) قولان أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمعنى أو تحل أنت يا محمد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والثاني أنها القارعة قاله الحسن وفي قوله (حتى يأتي وعد الله) قولان أحدهما فتح مكة قاله ابن عباس ومقاتل والثاني القيامة قاله الحسن افمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم لأن وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله في له من هاد قوله تعالى (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت) يعني نفسه عز وجل ومعنى القيام هاهنا التولي لأمور خلقه والتدبير لأرزاقهم وآجالهم وإحصاء أعمالهم للجزاء والمعنى أفمن هو مجازي كل نفس بما كسبت يثيبها إذا أحسنت ويأخذها بما جنت كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام قال الفراء فترك جوابه لأن المعنى معلوم وقد بينه بعد هذا بقوله (وجعلوا لله شركاء) كأنه قيل كشركائهم قوله تعالى (قل سموهم) أي بما يستحقونه من الصفات وإضافة الأفعال إليهم إن كانوا شركاء لله كما يسمى الله بالخالق والرازق والمحيي والمميت ولو سموهم بشئ من هذا لكذبوا قوله تعالى (أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض) هذا استفهام منقطع مما قبله والمعنى فإن سموهم بصفات الله فقل لهم أتنبئونه أي أتخبرونه بشريك له في الأرض وهو لا يعلم لنفسه شريكا ولو كان لعلمه قوله تعالى (أم بظاهر من القول) فيه ثلاثة أقوال أحدهما أم بظن من القول قاله مجاهد والثاني بباطل قاله قتادة

[ 246 ]

والثالث بكلام لا أصل له ولا حقيقة قوله تعالى (بل زين للذين كفروا مكرهم) قال ابن عباس زين لهم الشيطان الكفر قوله تعالى (وصدوا عن السبيل) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وصدوا بفتح الصاد ومثله في (حم المؤمن) [ غافر 37 ] وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وصدوا بالضم فيهما فمن فتح أراد صدوا المسلمين إما عن الإيمان أو عن البيت الحرام ومن ضم أراد صدهم الله عن سبيل الهدى لهم عذاب في الحيوة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق قوله تعالى (لهم عذاب في الحياة الدنيا) وهو القتل والأسر والسقم فهو لهم في الدنيا عذاب وللمؤمنين كفارة (ولعذاب الآخرة أشق) وقد أي أشد (وما لهم من الله من واق) أي مانع يقيهم عذابه مثل لا لجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار قوله تعالى (مثل الجنة) أي صفتها أن الأنهار تجري من تحتها هذا قول الجمهور وقال ثعلب خبر المثل مضمر قبله والمعنى فيما نصف لكم مثل الجنة وفيما نقصه عليكم خبر الجنة (أكلها دائم) قال الحسن يريد أن ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا (وظلها) علي لأنه لا يزول ولا تنسخه الشمس قوله تعالى (تلك عقبى الذين اتقوا) أي عاقبة أمرهم المصير إليها والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعوا وإليه مآب قوله تعالى (والذين آتيناهم الكتاب) فيه ثلاثة أقوال أحدها أنهم مسلمو اليهود قاله أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل هم عبد الله بن

[ 247 ]

سلام وأصحابه والثاني أنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله قتادة والثالث مؤمنو أهل الكتابين من اليهود والنصارى ذكره الماوردي والذي أنزل إليه القرآن فرح به المسلمون وصدقوه وفرح به مؤمنو أهل الكتاب لأنه صدق ما عندهم وقيل إن عبد الله بن سلام ومن آمن معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة فلما نزل ذكره فرحوا وكفر المشركون به فنزلت هذه الآية فأما الأحزاب فهم الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعاداة وفيهم أربعة أقوال أحدها أنهم اليهود والنصارى قاله قتادة والثاني أنهم اليهود والنصارى والمجوس قاله ابن زيد والثالث بنو أمية وبنو المغيرة وآل أبي طلحة بن عبد العزى قاله مقاتل والرابع كفار قريش ذكره الماوردي وفي بعضه الذي أنكروه ثلاثة أقوال أحدها أنه ذكر الرحمن والبعث ومحمد صلى الله عليه وسلم قاله مقاتل والثاني أنهم عرفوا بعثة الرسول في كتبهم وأنكروا نبوته والثالث أنهم عرفوا صدقه وأنكروا تصديقه ذكرهما الماوردي وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق قوله تعالى (وكذلك أنزلناه) أي وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلغاتهم أنزلنا عليك القرآن (حكما عربيا) قال ابن عباس يريد ما فيه من الفرائض وقال أبو عبيدة دينا عربيا قوله تعالى (ولئن اتبعت أهواءهم) فيه قولان أحدهما في صلاتك إلى بيت المقدس (بعد ما جاءك من العلم) أن قبلتك الكعبة قاله ابن السائب والثاني في قبول ما دعوك إليه من ملة آبائك قاله مقاتل قوله تعالى (مالك من الله من ولي) أي مالك من عذاب الله من قريب ينفعك (ولا

[ 248 ]

واق) يقيك ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب قوله تعالى (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) الآية سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة التزويج وقالوا لو كان نبيا كما يزعم شغلته النبوة عن تزويج النساء فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس ومعنى الآية أن الرسل قبلك كانوا بشرا لهم أزواج يعني النساء وذرية يعني الأولاد (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله) أي بأمره وهذا جواب للذين اقترحوا عليه الآيات قوله تعالى (لكل أجل كتاب) فيه ثلاثة أقوال أحدها لكل أجل من آجال الخلق كتاب عند الله قاله الحسن والثاني أنه من المقدم والمؤخر والمعنى لكل كتاب ينزل من السماء أجل قاله الضحاك والفراء والثالث لكل أجل قدره الله عز وجل ولكل أمر قضاه كتاب أثبت فيه ولا تكون آية ولا غيرها إلا بأجل قد قضاه الله في كتاب هذا معنى قول ابن جرير يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويثبت ساكنة الثاء خفيفة الباء وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويثبت مشددة الباء مفتوحة الثاء قال أبو علي المعنى ويثبته فاستغنى بتعدية الأول من الفعلين عن تعدية الثاني واختلف المفسرون في المراد بالذي يمحو ويثبت على ثمانية أقوال

[ 249 ]

أحدهها حتى أنه عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة وهذا مذهب عمر وابن مسعود وأبي وائل والضحاك وابن جريج والثاني أنه الناسخ والمنسوخ فيمحو المنسوخ ويثبت الناسخ روى هذا المعنى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والقرظي وابن زيد وقال ابن قتيبة يمحو الله ما يشاء أي ينسخ من القرآن ما يشاء ويثبت أي يدعه ثابتا لا ينسخه وهو المحكم والثالث أنه يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة والحياة والموت رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ودليل هذا القول ما روى مسلم في صحيحه من حديث حذيفة بن أسيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك الموكل أذكر أم أنثى فيقضي الله تعالى ويكتب الملك فيقول أشقى أم سعيد فيقضي الله ويكتب الملك فيقول عمله وأجله فيقضي الله ويكتب الملك ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها والرابع يمحو ما يشاء ويثبت إلا الشقاوة والسعادة لا يغيران قاله مجاهد والخامس يمحو من جاء أجله ويثبت من لم يجئ أجله قاله الحسن والسادس يمحو من ذنوب عباده ما يشاء فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها روي عن سعيد بن جبير والسابع يمحو ما يشاء بالتوبة ويثبت مكانها حسنات قاله عكرمة والثامن يمحو من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب ويثبت ما فيه ثواب وعقاب قاله الضحاك وأبو صالح وقال ابن السائب القول كله يكتب حتى إذا كان في يوم الخميس طرح منه كل شئ ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قولك أكلت شربت دخلت خرجت ونحوه وهو صادق ويثبت ما فيه الثواب والعقاب قوله تعالى (وعنده أم الكتاب) قال الزجاج أصل الكتاب قال المفسرون وهو اللوح المحفوظ الذي أثبت فيه ما يكون ويحدث وروى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله سبحانه في

[ 250 ]

تعالى في ثلاث ساعات يبقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت وروى عكرمة عن ابن عباس قال هما كتابان كتاب سوى أم الكتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب لا يغير منه شئ وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب قوله تعالى (وإما نرينك بعض الذي نعدهم) أي من العذاب وأنت حي (تعالى أو نتوفينك) قبل أن نريك ذلك فليس عليك إلا أن تبلغ (وعلينا الحساب) قال مقاتل يعني الجزاء وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله فإنما عليك البلاغ نسخ بآية السيف وفرض الجهاد وبه قال قتادة أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب قوله تعالى (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) فيه خمسة أقوال أحدها أنه ما يفتح الله على نبيه من الأرض رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن والضحاك قال مقاتل أولم يروا يعني كفار مكة أنا نأتي الأرض يعني أرض مكة ننقصها من أطرافها يعني ما حولها والثاني أنها القرية تخرب حتى تبقى الأبيات في ناحيتها رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة والثالث أنه نقص أهلها وبركتها رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وقال الشعبي نقص الأنفس والثمرات والرابع أنه ذهاب فقهائها وخيار أهلها رواه عطاء عن ابن عباس والخامس أنه موت أهلها قاله مجاهد وعطاء وقتادة قوله تعالى (والله يحكم لا معقب لحكمه) فإن قال ابن قتيبة لا يتقعبه عمر أحد بتغيير ولا

[ 251 ]

نقص وقد شرحنا معنى سرعة الحساب في سورة (البقرة 202) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار قوله تعالى (وقد مكر الذين من قبلهم) يعني كفار الأمم الخالية مكروا بأنبيائهم يقصدون قتلهم كما مكرت النبي قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه (فلله المكر جميعا) يعني أن مكر الماكرين مخلوق له ولا يضر إلا بإرادته وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسكين له (يعلم ما تكسب كل نفس) من خير وشر ولا يقع ضرر إلا بإذنه (وسيعلم الكافر) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وسيعلم الكافر قال ابن عباس يعني أبا جهل وقال الزجاج الكافر هاهنا اسم جنس وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي الكفار على الجمع قوله تعالى (لمن عقبى الدار) أي لمن الجنة آخر الأمر ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قوله تعالى (ويقول الذين كفروا) فيهم قولان أحدهما أنهم اليهود والنصارى والثاني كفار قريش (قل كفى بالله شهيدا) اي شاهدا (بيني وبينكم) بما أظهر من الآيات وابان من الدلالات على نبوتي قوله تعالى (ومن عنده علم الكتاب) فيه سبعة أقوال أحدها أنهم علماء اليهود والنصارى رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنه عبد الله بن سلام قاله الحسن ومجاهد وعكرمة وابن زيد وابن السائب ومقاتل

[ 252 ]

والثالث أنهم قوم من أهل الكتاب كانوا يشهدون بالحق منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري قاله قتادة والرابع أنه جبريل عليه السلام قاله سعيد بن جبير والخامس أنه علي بن أبي طالب قاله ابن الحنفية والسادس أنه بنيامين قاله شمر والسابع أنه الله تعالى روي عن الحسن ومجاهد واختاره الزجاج واحتج له بقراءة من قرأ ومن عنده علم الكتاب وهي قراءة ابن السميفع وابن أبي عبلة ومجاهد وأبي حيوة ورواية ابن أبي سريج عن الكسائي ومن بكسر الميم عنده بكسر الدال علم بضم الميم وكسر اللام وفتح الميم الكتاب بالرفع وقرأ الحسن ومن بكسر الميم عنده بكسر الدال علم بكسر العين وضم الميم الكتاب مضاف كأنه قال أنزل من علم الله عز وجل

[ 253 ]

سورة إبراهيم مكية [ عليه السلام ] وآياتها وخسون وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم إلا ما روي عن ابن عباس وقتاده أنهما قالا سوى آيتين منها وهما قوله (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) والتي بعدها [ إبراهيم 29 28 ] بسم الله الرحمن الرحيم آلر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد قوله تعالى (آلر) قد سبق بيانه [ يونس 1 ] وقوله (كتاب) قال الزجاج المعنى هذا كتاب والكتاب القرآن وفي المراد بالظلمات والنور ثلاثة أقوال أحدها أن الظلمات الكفر والنور الإيمان رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أن الظلمات الضلالة والنور الهدى قاله مجاهد وقتادة والثالث أن الظلمات الشك والنور اليقين ذكره الماوردي وفي قوله (بإذن ربهم) ثلاثة أقوال أحدها بأمر ربهم قاله مقاتل والثاني بتوفيق ربهم قاله أبو سليمان والثالث أنه الإذن نفسه فالمعنى بما أذن لك من تعليمهم قاله الزجاج قال ثم بين ما النور فقال (إلى صراط العزيز الحميد) قال ابن الأنباري وهذا مثل قول العرب جلست إلى زيد إلى العاقل الفاضل وإنما تعاد إلى بمعنى التعظيم للأمر قال الشاعر

[ 254 ]

إذا خدرت رجلي تذكرت من لها فناديت لبني باسمها ودعوت دعوت التي لو أن نفسي تطيعني لألقيتها من حبها وقضيت فأعاد دعوت لتفخيم الأمر قوله تعالى (الله الذي له ما في السموات) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي الحميد الله على البدل وقرأ نافع وابن عامر وأبان والمفضل الحميد الله رفعا على الاستئناف وقد سبق بيان ألفاظ الآية الذين يستحبون الحيوة الدنيا على ا لآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجيكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم قوله تعالى (الذين يستحبون الحياة الدنيا) أي يؤثرونها (على الآخرة) قال ابن عباس يأخذون ما تعجل لهم منها تهاونا بأمر الآخرة قوله تعالى (ويصدون عن سبيل) أي يمنعون الناس من الدخول في دينه (ويبغونها عوجا) قد شرحناه في (آل عمران 99) قوله تعالى (أولئك في ضلال) أي في ذهاب عن الحق (بعيد) وإن من الصواب قوله تعالى (إلا بلسان قومه) أي بلغتهم قال ابن الأنباري ومعنى اللغة عند العرب الكلام المنطوق به وهو مأخوذ من قولهم لما الطائر يلغو إذا صوت في الغلس وقرأ أبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري إلا بلسن قومه برفع اللام والسين من غير ألف وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران بلسن قومه بكسر اللام وسكون السين من غير ألف

[ 255 ]

قوله تعالى (ليبين لهم) أي الذي أرسل به فيفهمونه كما عنه وهذا نزل لأن قريشا قالوا ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي قوله تعالى (أن أخرج قومك) قال الزجاج أن مفسر والمعنى قلنا له أخرج قومك وقد سبق بيان الظلمات والنور [ البقرة 257 ] هو وفي قوله (وذكرهم بأيام الله) ثلاثة أقوال أحدها أنها نعم الله رواه أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال مجاهد وقتادة وابن قتيبة والثاني أنها وقائع الله في الأمم قبلهم قاله ابن زيد وابن السائب ومقاتل والثالث أنها أيام نعم الله عليهم وأيام نقمه ممن كفر من قوم نوح وعاد وثمود قاله الزجاج قوله تعالى (إن في ذلك) يعني التذكير (لآيات لكل صبار) على طاعة الله وعن معصيته (شكور) لأنعمه والصبار وسلم الكثير الصبر والشكور الكثير الشكر وإنما خصه بالآيات لانتفاعه بها وما بعد هذا مشروح في سورة (البقرة 49) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما ارسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما

[ 256 ]

كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدينا سبلنا ولنصبرن على ما أذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد قوله تعالى (وإذ تأذن ربكم) مذكور في (الأعراف 167) وفي قوله (لئن شكرتم لأزيدنكم) ثلاثة اقوال أحدها لئن شكرتم نعمي لأزيدنكم من طاعتي قاله الحسن والثاني لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي قاله الربيع والثالث لئن وحدتموني عنه لأزيدنكم خيرا في الدنيا قاله مقاتل وفي قوله (ولئن كفرتم) قولان أحدهما أنه كفر بالتوحيد والثاني كفران النعم قوله تعالى (فإن الله لغني حميد) أي غني عن خلقه محمود في أفعاله لأنه إما متفضل بفعله أو عادل قوله تعالى (لا يعلمهم إلا الله) قال ابن الأنباري أي لا يحصي عددهم إلا هو على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها فانقطعت أخبارهم وعفت آثارهم فليس يعلمهم أحد إلا الله قوله تعالى (فردوا أيديهم في أفواههم) فيه سبعة أقوال أحدها أنهم عضوا أصابعهم غيظا قاله ابن مسعود وابن زيد وقال ابن تيبة إن في هاهنا بمعنى إلى ومعنى الكلام عضوا عليها حنقا وغيظا كما قال الشاعر يردون في فيه عشر الحسود إلا يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر ونحوه قول الهذلي قد افنى أنامله أزمه فأضحى يعض علي الوظيفا

[ 257 ]

يقول قد أكل أصابعه حتى أفناها بالعض فأضحى يعض علي وظيف بالذارع والثاني أنهم كانوا إذا جاءهم الرسول فقال إني رسول قالوا له اسكت واشاروا بأصابعهم إلى أفواه أنفسهم ردا عليه وتكذيبا رواه أبو صالح عن ابن عباس والثالث أنهم لما سمعوا صلى كتاب الله عجوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم رواه العوفي عن ابن عباس والرابع أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل ردا لقولهم قاله الحسن والخامس أنهم كذبوهم بأفواههم وردوا عليهم قولهم قاله مجاهد وقتادة والسادس أنه مثل ومعناه أنهم كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال رد فلان يده إلى فمه أي أمسك فلم يجب قاله أبو عبيدة والسابع ردوا مالوا قبلوه لكان نعما وايادي من الله فتكون الأيدي بمعنى الأيادي وفي بمعنى الباء والمعنى ردوا الأيادي بأفواههم ذكره الفراء وقال قد وجدنا من العرب من يجعل في موضع الباء فيقول أدخلك الله بالجنة يريد في الجنة وأنشدني بعضهم وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ولكنني عن سنبس لست أرغب فقال ارغب فيها يعني بنتا له يريد أرغب بها وسنبس قبيلة قوله تعالى (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) اي على زعمكم أنكم أرسلتم لا أنهم أقروا بإرسالهم وباقي الآية قد سبق تفسيره [ هود 62 ] (قالت رسلهم أفي الله شك) هذا استفهام إنكار والمعنى لا شك في الله أي في توحيده يدعوكم بالرسل والكتب ليغفر لكم ذنوبكم قال أبو عبيدة من زائدة كقوله فما منكم من أحد عنه حاجزين (الحاقة 47) قال أبو ذؤيب جزيتك ضعف الحب لما شكوته وما إن جزاك الضعف من أحد قبلي أي أحد وقوله ويؤخركم إلى أجل مسمى وهو الموت والمعنى لا يعاجلكم بالعذاب قالوا للرسل إن أنتم أي ما أنتم إلا بشر مثلنا أي ليس لكم علينا فضل والسلطان الحجة قالت الرسل إن نحن إلا بشر مثلكم فاعترفوا لهم بذلك ولكن الله يمن على من يشاء يعنون بالنبوة والرسالة وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله أي ليس ذلك من قبل أنفسنا

[ 258 ]

قوله تعالى وقد هدانا سبلنا فيه قولان أحدهما بين لنا رشدنا والثاني عرفنا طريق التوكل وإنما قص هذه وأمثاله على نبينا ص = ليقندي وقال بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم قوله تعالى لنهلكن الظالمين يعني الكافرين بالرسل وقوله تعالى من بعدهم أي بعد هلاكهم ذلك الإسكان لمن خاف مقامي قال ابن عباس خاف مقامه بين يدي قال الفراء العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها وإلى ما أوقعت عليه فتقول قد ندمت على ضربي إياك وندمت على ضربك فهذا من ذاك ومثله وتجعلون رزقكم (الواقعة 82) أي رزقي إياكم قوله تعالى وخاف وعيد أثبت ياء وعيدي في الحالين يعقوب وتابعه ورش في الوصل واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ قوله تعالى واستفتحوا يعني استنصروا وقرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة وحميد وابن محيص واستفتحوا بكسر التاء على الأمر وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم الرسل قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثاني أنهم الكفار واستفتاحهم سؤالهم العذاب كقولهم ربنا عجل لنا قطنا (ص 16) وقولهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية (الانفال 32) هذا قول ابن زيد قوله تعالى وخاب كل جبار عنيد قال ابن السائب خسر عند الدعاء وقال مقاتل خسر عند نزول العذاب وقال أبو سليمان الدمشقي يئس من الإجابة وقد شرحنا معنى الجبار والعنيد في (هود 59) قوله تعالى من ورائه جهنم فيه قولان أحدهما أنه بمعنى القدام قال ابن عباس يريد أمامه جهنم وقال أبو عبيدة من

[ 259 ]

ورائه أي قدامه وأمامه يقال الموت من ورائك وأنشد أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا والثاني أنها بمعنى بعد قال ابن الأنباري من ورائه أي من بعد يأسه فدل خاب على اليأس فكنى عنه وحملت وراء على معنى بعد كما قال النابغة حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب أراد ليس بعد الله مذهب قال الزجاج والوراء يكون بمعنى الخلف والقدام لأن ما بين يديك وما قدامك إذا توارى عنك فقد صار وراءك قال الشاعر أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع قال وليس الوراء من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة وسئل ثعلب لم قيل الوراء للأمام فقال الوراء اسم لما توارى عن عينك سواء أكان أمامك أو خلفك وقال الفراء إنما يجوز هذا في المواقيت من الأيام والليالي والدهر تقول وراءك برد شديد وبين يديك برد شديد ولا يجوز أن تقول للرجل وهو بين يديك هو وراءك ولا للرجل وراءك هو بين يديك قوله تعالى ويسقي من ماء صديد قال عكرمة ومجاهد واللغويون الصديد القيح والدم قاله قتادة وهو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه وقال القرظي هو غسالة أهل النار وذلك ما يسيل من فروج الزناة وقال ابن قتيبة المعنى يسقى الصديد مكان الماء قال ويجوز أن يكون على التشبيه أي ما يسقي أنه ماء كأنه صديد قوله تعالى يتجرعه والتجرع تناول المشروب جرعة جرعة لا في مرة واحدة وذلك لشدة كراهته له وأنما يكرهه على شربه قوله تعالى ولا يكاد يسيغه قال الزجاج لا يقدر على ابتلاعه تقول ساغ لي الشئ وأسغته وهو وروى أبو أمامة عن رسول الله ص = أنه قال يقرب إليه فيكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره قوله تعالى ويأتيه الموت أي هم الموت وكربه وألمه من كل مكان وفيه ثلاثة أقوال

[ 260 ]

أحدها من كل شعرة في جسده رواه عطاء عن ابن عباس وقال سفيان الثوري من كل عرق وقال ابن جريج تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فتموت ولا ترجع إلى مكانها فتجد راحة والثاني من كل جهة من فوقه وتحته وعن يمينه وشماله وخلفه وقدامه قاله ابن عباس أيضا والثالث أنها البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا قاله الأخفش قوله تعالى وما هو بميت أي موتا تنقطع معه الحياة ومن ورائه أي من بعد هذا العذاب قال ابن السائب من بعد الصديد عذاب غليظ وقال إبراهيم التيمي بعد الخلود في النار والغليظ الشديد مثل الذبن كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد قوله تعالى مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد قال الفراء أضاف المثل إليهم وإنما المثل للأعمال فالمعنى مثل أعمال الذين كفروا ومثله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجهوهم مسودة (الزمر 60) أي ترى وجوههم وجعل العصوف تابعا لليوم في إعرابه وإنما العصوف للريح وذلك جائز على جهتين احدهما أن العصوف وإن كان للريح فان اليوم يوصف به لأن الريح فيه تكون فجاز أن تقول يوم عاصف كما تقول يوم بارد ويوم حار والوجه الآخر أن تريد في يوم عاصف الريح فتحذف الريح لأنها قد ذكرت في أول الكلام كما قال الشاعر وتضحك عرفان الدروع جلودنا إذا كان يوم مظلم الشمس كاسف يريد كاسف الشمس وروي عن سيبويه أنه قال في هذه الآية إضمار والمعنى ومما نقص عليك مثل الذين كفروا ثم ابتدأ فقال أعمالهم كرماد وقرأ النخعي وابن يعمر والجحدري في يوم عاصف بغير تنوين اليوم قال المفسرون ومعنى الآية أن كل ما يتقرب به المشركون يحبط ولا ينتفعون به كالرماد الذي سفته الريح فلا يقدر على شئ منه فهم لا يقدرون مما كسبوا في الدنيا على شئ في الآخرة أي لا يجدون ثوابه ذلك هو الضلال البعيد من النجاة

[ 261 ]

ألم ترى أن الله خلق السموات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز قوله تعالى ألم ترى فيه قولان أحدهما أن معناه ألم تخبر قاله ابن السائب والثاني ألم تعلم قاله مقاتل وأبو عبيدة قوله تعالى خلق السموات والأرض بالحق قال المفسرون أي لم يخلقهن عبثا وإنما خلقهن لأمر عظيم إن يشأ يذهبكم قال ابن عباس يريد يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوما غيركم خيرا منكم وأطوع وهذا خطاب لأهل مكة قوله تعالى وما ذلك على الله بعزيز أي بممتنع متعذر وبرزوا لله جميعا فقال الضعفؤا صلى الله عليه وسلم للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدنا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص قوله تعالى وبرزوا لله جميعا لفظه لفظ الماضي ومعناه المستقبل والمعنى خرجوا من قبورهم يوم البعث واجتمع التابع والمتبوع فقال الضعفاء وهم الأتباع للذين استكبروا وهم المتبوعون إنا كنا لكم تبعا قال الزجاج هو جمع تابع يقال تابع وتبع مثل غائب وغيب والمعنى تبعناكم فيما دعوتمونا إليه قوله تعالى فهل أنتم مغنون عنا أي دافعون عنا من عذاب الله من شئ قال القادة لو هدانا الله أي لو أرشدنا في الدنيا لأرشدناكم يريدون أن الله أضلنا فدعوناكم إلى الضلال سواء علينا أجزعنا أم صبرنا قال ابن زيد إن أهل النار قال بعضهم لبعض تعالوا نبكي ونضرع إذا فانما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم فبكوا وتضرعوا فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا تعالوا نصبر فانما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر فصبروا صبرا لم ير مثله قط فلم ينفعهم ذلك فعندها قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص وروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم قال جزعوا مائة سنة وصبروا مائة سنة وقال مقاتل جزعوا خمس مائة عام

[ 262 ]

وصبروا خمس مائة عام وقد شرحنا معنى المحيص في سورة النساء وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلومني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم وأدخل الذبن آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها باذن ربهم تحيتهم فيها سلام قوله تعالى وقال الشيطان قال المفسرون يعني به إبليس لما قضي الأمر أي فرغ منه فدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فحينئذ يجتمع أهل النار باللوم على إبليس فيقوم فيما بينهم خطيبا ويقول إن الله وعدكم وعد الحق أي وعدكم كون هذا اليوم فصدقكم ووعدتكم أنه لا يكون فقال الوعد وما كان لي عليكم من سلطان أي ما أظهرت لكم حجة على ما ادعيت وقال بعضهم ما كنت أملككم فأكرهكم أي إلا أن دعوتكم وهذا من الأستثناء المنقطع والمعنى لكن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم حيث أجبتموني من غير برهان ما أنا بمصرخكم أي بمغيثكم وما أنتم بمصرخي أي بمغيثي قرأ حمزة بمصر خي فحرك الياء إلى الكسر وحركها الباقون إلى الفتح قال قطرب هي لغة في بني يربوع يعني قراءة حمزة قال اللغويون يقال أستصرخني فلان فأصرخته أي أستغاثني ثنا فأغثته إني كفرت اليوم باشراككم إياي في الدنيا مع الله في الطاعة إن الظالمين يعني المشركين قوله تعالى باذن ربهم أي بأمر ربهم وقوله تحيتهم فيها سلام قد ذكرناه في (يونس 10) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء

[ 263 ]

تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا قال المفسرون ألم تر بعين قلبك فتعلم باعلامي به إياك كيف ضرب الله مثلا أي بين شبها كلمة طيبة قال ابن عباس هي شهادة أن لا إله إلا الله كشجرة طيبة أي طيبة الثمرة فترك ذكر الثمرة اكتفاء بدلالة الكلام عليه وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال أحدها أنها النخلة وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي ص = وقد رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود وأنس بن مالك ومجاهد وعكرمة والضحاك في آخرين والثاني أنها شجرة في الجنة رواه أبو ظبيان عن ابن عباس والثالث أنها المؤمن وأصله الثابت أنه يعمل في الأرض ويبلغ عمله السماء وقوله عز وجل تؤتي أكلها كل حين فالمؤمن يذكر الله كل ساعة من النهار رواه عطية عن ابن عباس قوله تعالى أصلها ثابت أي في الأرض وفرعها أعلاها عال في السماء أي نحو السماء وأكلها ثمرها وفي الحين ها هنا ستة أقوال أحدها أنه ثمانية أشهر قال علي عليه السلام والثاني ستة أشهر رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة وقتادة والثالث أنه بكرة وعشية رواه أبو ظبيان عن ابن عباس والرابع أنه السنة روي عن ابن عباس أيضا وبه قال مجاهد وابن زيد والخامس أنه شهران قاله سعيد بن المسيب والسادس أنه غدوة وعشية وكل ساعة قاله ابن جرير

[ 264 ]

فمن قال ثمانية أشهر أشار إلى مدة حملها باطنا وظاهرا ومن قال ستة أشهر فهي مدة حملها إلى حين صرامها ومن قال بكرة وعشية أشار إلى الأجتناء هذا منها ومن قال سنة أشار إلى أنها لاتحمل في السنة إلا مرة ومن قال شهران فهو مدة صلاحها قال ابن المسيب لا يكون في النخلة أكلها إلا شهرين ومن قال كل ساعة أشار إلى أن ثمرتها تؤكل دائما قال قتادة تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف قال ابن جرير الطلع في الشتاء من أكلها والبلح والبسر والرطب والتمر في الصيف فأما الحكمة في تمثيل الإيمان بالنخلة فمن أوجه أحدها أنها شديدة الثبوت فشبه ثبات الإيمان في قلب المؤمن بثباتها والثاني أنها شديدة الأرتفاع فشبه ارتفاع عمل المؤمن بارتفاع فروعها والثالث أن ثمرتها تأتي كل حين فشبه ما يكسب المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين على اختلاف صنوفها فالمؤمن كلما قال لا إله إلا الله صعدت إلى السماء ثم جاءه خيرها ومنفعتها والرابع أنها أشبه الشجر بالإنسان فان كل شجرة يقطع رأسها تتشعب غصونها من جوانبها إلا هي إذا قطع رأسها يبست ولأنها لاتحمل حتى تلقح ولأنها فضلة تربة آدم عليه السلام فيما يروى ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار قوله تعالى ومثل كلمة خبيثة قال ابن عباس هي الشرك وقوله كشجرة خبيثة فيها خمسة أقوال أحدها أنها الحنظلة رواه أنس بن مالك عن النبي ص = وبه قال أنس ومجاهد والثاني أنها الكافر رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وروى العوفي عنه أنه قال الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى فليس له أصل في الأرض ثابت ولا فرع في السماء والثالث أنها الكشوثى رواه الضحاك عن ابن عباس

[ 265 ]

والرابع أنه مثل وليست بشجرة مخلوقة رواه أبو ظبيان ثم عن ابن عباس والخامس أنها الثوم روي عن ابن عباس أيضا قوله تعالى اجتثت قال ابن قتيبة استؤصلت وقطعت قال الزجاج ومعنى اجتثت الشي في اللغة أخذت جثته بكمالها وفي قوله مالها من قرار قولان أحدهما مل لها من أصل لم تضرب في الأرض عرقا والثاني ما لها من ثبات ومعنى تشبيه الكافر بهذه الشجرة أنه لا يصعد للكافر عمل صالح ولا قول طيب ولا لقوله أصل ثابت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا أي يثبتهم على الحق بالقول الثابت وهو شهادة أن لا إله إلا الله قوله تعالى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فيه قولان أحدهما أن الحياة الدنيا زمان الحياة على وجه الأرض والآخرة زمان المسألة في القبر وإلى هذا المعنى ذهب البراء بن عازب وفيه أحاديث تعضده والثاني أن الحياة الدنيا زمن السؤال في القبر والآخرة السؤال في القيامة وإلى هذا المعنى ذهب طاووس وقتادة قال المفسرون هذه الآية وردت في فتنة القبر وسؤال الملكين وتلقين الله تعالى للمؤمنين كلمة الحق عند السؤال وتثبيته إياه على الحق ويضل الله الظالمين يعنى المشركين يضلهم عن هذه الكلمة ويفعل الله ما يشاء من هداية المؤمن وإضلال الكافر

[ 266 ]

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار قوله تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا في المشار إليهم سبعة أقوال أحدها أنهم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة روي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والثاني أنهم منافقو قريش رواه أبو الطفيل عن علي والثالث بنو أمية وبنو المغيرة ورؤساء أهل بدر الذين ساقوا أهل بدر إلى بدر رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع أهل مكة رواه عطاء عن ابن عباس وبه قال الضحاك والخامس المشركون من أهل بدر قاله جاهد وابن زيد والسادس أنهم الذين قتلوا ببدر من كفار قريش قاله سعيد بن جبير وأبو مالك والسابع أنها عامة في جميع المشركين قاله الحسن قال المفسرون وتبديلهم نعمة الله كفرا أن الله أنعم عليهم برسوله وأسكنهم حرمه فكفروا بالله وبرسوله ودعوا قومهم إلى الكفر به فذلك قوله وأحلوا قومهم دار البوار أي الهلاك ثم فسر الدار بقوله تعالى جهنم يصلونها أي يقاسون حرها وبئس القرار أي بئس المقر هي وجعلوا الله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار قوله تعالى وجعلوا لله أندادا قد بيناه في سورة (البقرة 22) واللام في ليضلوا لام العاقبة وقد سبق شرحها (يونس 88) ومن قرأ ليضلوا بضم الياء أراد ليضلوا الناس عن دين الله قوله تعالى قل تمتعوا أي في حياتكم الدنيا وهذا وعيد لهم قال ابن عباس لو كان الكافر مريضا لا ينام جائعا لا يأكل ولا يشرب لكان هذا نعيما يتمتع به بالقياس إلى ما يصير إليه من العذاب ولو كان المؤمن في أنعم عيش لكان بؤسا عندما يصير إليه من نعيم الآخرة

[ 267 ]

قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلوة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم اليل والنهار وآتيكم من كل ماسأرسول لتموه ولا وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم قوله تعالى قل لعبادي الذين آمنوا أسكن ابن عامر وحمزة والكسائي ياء عبادي قوله تعالى يقيموا الصلاة قاله ابن الأنباري معناه قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا وينفقوا فحذف الأمران وترك الجوابان قال الشاعر فأي امرئ أنت أي امرئ إذا قيل في الحرب من يقدم أراد إذا قيل من يقدم تقدم ويجوز أن يكون المعنى قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا فصرف فحذف الأمران وترك الجوابان قال الشاعر فأي امرئ أنت أي امرئ إذا قيل في الحرب من يقدم أراد إذا قيل من يقدم تقدم ويجوز أن يكون المنهى قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا فصرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر ويجوز أن يكون المعنى قل لهم ليقيموا الصلاة ولينفقوا فحذف لام الأمر لدلالة قل عليها قال ابن قتيبة والخلال مصدر خاللت فلانا خلالا ومخالة والاسم الخلة وهي الصداقة قوله تعالى وسخر لكم الأنهار أي ذللها تجري حيث تريدون وتركبون لم فيها حيث تشاؤون وسخر لكم الشمس والقمر لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما دائبين في إصلاح ما يصلحانه من النبات وغيره لا يفتران ومعنى الدؤوب مرور الشئ في العمل على عادة جارية فيه وسخر لكم الليل لتسكنوا فيه راحة لأبدانكم والنهار لتنتفعوا بمعاشكم وآتاكم من كل ما سألتموه وفيه خمسة أقوال أحدها أن المعنى من كل الذي سألتموه قاله الحسن وعكرمة والثاني من كل ما سألتموه لو سألتوه حدثنا قاله الفراء والثالث وآتاكم من كل شئ سألتموه شيئا فأضمر الشئ كقوله وأوتيت من

[ 268 ]

كل شئ (النمل 23) أي من كل شئ في زمانها شيئا قاله الأخفش والرابع من كل ما سألتموه وما لم تسألوه لأنكم لم تسألوا شمسا ولا قمرا ولا كثيرا من النعم التي ابتدأ كم بها فاكتفي بالأول من الثاني كقوله سرابيل تقيكم الحر (النحل 81) قاله ابن الأنباري الخامس على قراءة ابن مسعود وأبي رزين والحسن وعكرمة وقتادة وأبان عن عاصم وأبي حاتم عن يعقوب من كل ما بالتنوين من غير إضافة فالمعنى آتاكم من كل ما لم تسألوه قاله قتادة والضحاك قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله أي إنعامه لا تحصوها لا تطيقوا الإتيان على جميعها بالعد لكثرتها إن الإنسان قال ابن عباس يريد أبا جهل وقال الزجاج الإنسان اسم للجنس يقصد به الكافر خاصة قوله تعالى لظلوم كفار الظلوم هاهنا الشاكر غير من أنعم عليه والكفار الجحود لنعم الله تعالى قوله تعالى اجعل هذا البلد آمنا قد سبق تفسيره في سورة (البقرة 126) قوله تعالى واجنبني وبني أي جنبني وإياهم والمعنى ثبتني على اجتناب عبادتها رب إنهن أضللن كثيرا من الناس يعني الأصنام وهي لا توصف بالإضلال ولا بالفعل ولكنهم لما ضلوا بسببها كانت كأنها أضلتهم فمن تبعني عل ديني التوحيد فانه مني أي فهو على ملتي ومن عصاني فانك غفور رحيم فيه ثلاثة أقوال أحدها ومن عصاني ثم تاب فانك غفور رحيم قاله السدي والثاني ومن عصاني فيما دون الشرك قاله مقاتل بن حيان والثالث ومن عصاني فكفر فإنك غفور رحيم أن تتوب عليه فتهديه إلى التوحيد قاله مقاتل بن سليمان وقال ابن الأنباري يحتمل أن يكون دعا بهذا قبل أن يعلمه الله تعالى أنه لا يغفر الشرك كما استغفر لأبيه ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون

[ 269 ]

قوله تعالى ربنا إني أسكنت من ذريتي في من قولان أحدهما أنها للتبعيض قاله الأخفش والفراء والثاني أنها للتوكيد والمعنى أسكنت ذريتي ذكره ابن الأنباري قوله تعالى بواد غير ذي زرع يعني مكة ولم يكن فيها حرث ولا ماء عند ابن المحرم سمي محرما لأنه يحرم استحلال محرماته والاستخفاف بحقه فان قيل ما وجه قوله عند بيتك المحرم ولم يكن هناك بيت حينئذ إنما بناه إبراهيم بعد ذلك بمدة فالجواب من ثلاثة وجوه أحدها أن الله تعالى حرم موضع البيت منذ خلق السموات والأرض قاله ابن السائب والثاني عند بيتك الذي كان قبل أن يرفع أيام الطوفان والثالث عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث ها هنا ذكرهما ابن جرير وكان أبو سليمان الدمشقي يقول ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إنما بعد أن بني البيت وصارت مكة بلدا والمفسرون على خلاف ما قال وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إسماعيل وأمه هاجر ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم العماليق خارجا من مكة والبيت يومئذ ربوة حمراء فقال إبراهيم لجبريل أها هنا أمرت أضعهما قال نعم فأنزلهما في مكان من الحجر وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشا ثم قال ربنا إني أسكنت من ذريتي الآية وفتح أهل الحجاز وأبو عمرو ياء إني أسكنت قوله تعالى ربنا ليقيموا الصلاة في متعلق هذه اللام قولان أحدهما أنها تتعلق بقوله واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فالمعنى جنبهم الأصنام ليقيموا الصلاة هذا قول مقاتل والثاني أنها تتعلق بقوله أسكنت فالمعنى أسكنتهم عند بيتك ليقيموا الصلاة لأن بيتك قبلة الصلوات ذكره الماوردي قوله تعالى فاجعل أفئدة من الناس قولان احدهما أي قلوب جماعة من الناس الاكثرون قال ابن الأنباري وإنما عبر عن القلوب بالأفئدة لقرب القلب من الفؤاد ومجاورته قال امرؤ القيس

[ 270 ]

رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل فلم أنتصر قوله وقال آخر كأن فؤادي كلما مر راكب جناح غراب رام نهضا إلى وكر له وقال آخر وإن فؤادا قادني لصبابة إليك على طول الهوى لصبور ذلك يعنون بالفؤاد القلب والقول الثاني قاله الزجاج قوله تعالى تهوي إليهم قال ابن عباس تحن إليهم وقال قتادة تنزع إليهم وقال الفراء تريدهم كما تقول رأيت فلانا يهوي نحوك أي يريدك وقرأ يعضهم تهوى إليهم بمعنى تهواهم كقوله ردف لكم (النمل 72) أي ردفكم وإلى توكيد للكلام وقال ابن الأنباري تهوي إليهم تنحط إليهم وتنحدر وفي معنى هذا الميل قولان أحدهما أنه الميل إلى الحج قاله الأكثرون والثاني أنه حب سكنى مكة رواه عطية عن ابن عباس وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال لو كان إبراهيم قال فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم لحجة اليهود والنصارى ولكنه قال من الناس ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفي على الله من شئ في الأرض ولا في السماء قوله تعالى ربنا إنك تعلم ما نخفي قال أبو صالح عن ابن عباس ما نخفي من الوجد بمفارقة إسماعيل وما نعلن من الحب له قال المفسرون إنما قال هذا لما نزل إسماعيل الحرم وأراد فراقه الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحق إن ربي لسميع الدعاء

[ 271 ]

رب اجعلني مقيم الصلوة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء قوله تعالى الحمد لله الذي وهب لي على الكبر أي بعد الكبر إسماعيل وإسحاق قال ابن عباس ولد له إسماعيل وهو ابن تسع وتعسين وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة قوله تعالى ربنا وتقبل دعائي قرأ ابن كثير وأبو عمرة وحمزة وهبيرة عن حفص عن عاصم وتقبل دعائي بياء في الوصل وقال البزي عن ابن كثير يصل ويقف بياء وقال قنبل عن ابن كثير يشم الياء في الوصل ولا يثبتها ويقف عليها بالألف الباقون دعاء بغير ياء في الحالين قال أبو علي الوقف والوصل بياء هو القياس والإشمام جائز لدلالة الكسرة على الياء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب قوله تعالى ربنا اغفر لي ولوالدي قال ابن الأنباري استغفر لأبويه وهما حيان طمعا في أن يهديا إلى الإسلام وقيل أراد بوالديه آدم وحواء وقرأ ابن مسعود وأبي النخعي والزهري ولولدي يعني إسماعيل وإسحاق يدل عليه ذكرهما قبل ذلك وقرأ مجاهد ولوالدي علي التوحيد وقرأ عاصم الجحدري ولولدي بضم الواو وقرأ يحي بن يعمر والجوني ولولدي بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد يوم يقوم الحساب أي يظهر الجزاء على الأعمال وقيل معناه يوم يقوم الناس للحساب فاكتفي بذكر الحساب من ذكر الناس إذ كان المعنى مفهوما ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء قوله تعالى ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون قال ابن عباس هذا وعيد للظالم وتعزية للمظلوم قوله تعالى إنما يؤخرهم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو رزين وقتادة نؤخرهم بالنون أي يؤخر جزاءهم ليوم تشخص فيه الأبصار أي تشخص أبصار الخلائق لظهور الأحوال فلا تغتمض

[ 272 ]

قوله تعالى مهطعين فيه ثلاثة أقوال أحدها أن الإهطاع النظر من غير أن يطرف الناظر رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك وأبو الضحى والثاني أنه الإسراع قاله الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وأبو عبيدة وقال ابن قتيبة يقال أهطع البعير في سيرة واستهطع محمد إذا أسرع وفي ما أسرعوا إليه قولان أحدهما إلى الداعي قاله قتادة والثاني إلى النار قاله مقاتل والثالث أن المهطع الذي لا يرفع رأسه قاله ابن زيد وفي قوله مقنعي رؤوسهم قولان أحدهما رافعي رؤوسهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وأبو عبيدة وأنشد أبو عبيدة أنغض نحوي رأسه وأقنعا كأنما أبصر شيئا أطعما وقال ابن قتيبة المقنع رأسه الذي رفعه وأقبل بطرفه على ما بين يديه وقال الزجاج رافعي رؤوسهم ملتصقة بأعناقهم ومهطعين مقنعي رؤوسهم نصب على الحال المعنى ليوم تشخص فيه أبصارهم مهطعين والثاني ناكسي رؤوسهم حكاه الماوردي عن المؤرج قوله تعالى لا يرتد إليهم طرفهم أي لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة قال ابن قتيبة والمعنى أن نظرهم إلى شئ واحد قال الحسن وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد قوله تعالى وأفئدتهم هواء الأفئدة مساكن القلوب وفي معنى الكلام أربعة أقوال أحدها أن القلوب خرجت من مواضعها فصارت في الحناجر رواه عطاء عن ابن عباس وقال قتادة خرجت من صدورهم فنشبت في حلوقهم فأفئدتهم هواء ليس فيها شئ والثاني وأفئدتهم ليس فيها شئ من الخير فهي كالخربة رواه العوفي عن ابن عباس

[ 273 ]

والثالث وأفئدتهم منخرقة لا تعى شيئا قاله مرة بن شراحبيل وقال الزجاج متخرقة لا تعي شيئا من الخوف والرابع وأفئدتهم جوف لا عقول لها قاله أبو عبيدة وأنشد لحسان ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء فعلى هذا يكون المعنى أن قلوبهم خلت عن العقول لما رأوا من الهول والعرب تسمي كل أجوف خاو هواء قال ابن قتيبة ويقال أفئدتهم منخوبة من الخوف والجبن وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال قوله تعالى وأنذر الناس أي خوفهم يوم يأتيهم العذاب يعني به يوم القيامة وإنما خصه بذكر العذاب وإن كان فيه ثواب لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعصاة قال ابن عباس يريد بالناس هاهنا أهل مكة قوله تعالى فيقول الذين ظلموا أي أشركوا ربنا أخرنا إلى أجل قريب أي أمهلنا مدة يسيرة وقال مقاتل سألوا الرجوع إلى الدنيا لأن الخروج من الدنيا قريب نجب دعوتك يعني التوحيد فيقال لهم أولم تكونوا أقسمتم من قبل أي حلفتم في الدنيا أنكم لا تبعثون ولا تنتقلون من الدنيا إلى الآخرة وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال قوله تعالى وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم أي نزلتم في أماكنهم وقراهم كالحجر ومدين والقرى التي عذب أهلها ومعنى ظلموا أنفسهم أي ضروها إلى بالكفر والمعصية وتبين لكم وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو المتوكل الناجي وتبين بضم التاء كيف فعلنا بهم يعني كيف عذبناهم يقول فكان ينبغي لكم أن تنزجروا عن المخالفة اعتبارا بمساكنهم بعدما علمتم فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال قال ابن عباس يريد الأمثال التي في القرآن

[ 274 ]

وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام قوله تعالى وقد مكروا مكرهم في المشار إليهم أربعة أقوال أحدها أنه نمرود الذي حاج إبراهيم في ربه قال لا أنتهي حتى أنظر إلى السماء فأمر بفرخي نسر فربيا حتى سمنا واستعلجا ثم أمر بتابوت فنحت ثم جعل في وسطه خشبه وجعل على رأس الخشبه لحما شديد الحمرة ثم جوعهما وربط أرجلهما بأوتار إلى قوائم التابوت ودخل هو وصاحب له في التابوت وأغلق بابه ثم أرسلهما فجعلا يريدان اللحم فصعدا في السماء ما شاء الله ثم قال لصاحبه افتح وانظر ماذا ترى ففتح فقال أرى الأرض كأنها الدخان فقال له أغلق ثم صعد ما شاء الله ثم قال افتح فانظر ففتح فقال ما أرى إلا السماء وما نزداد منها إلا بعدا قال فصوب خشبتك فصوبها فا نقضت النسور تريد اللحم فسمعت الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها هذا قول علي ابن أبي طالب وفي رواية عنه كانت النسور أربعة وروى السدي عن أشياخه أنه ما زال يصعد إلى أن رأى الأرض يحيط بها بحر فكأنها فلكة في ماء ثم صعد حتى وقع في ظلمة فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته ففزع فصوب اللحم فانقضت النسور فلما نزل أخذ في بناء الصرح ثم صعد منه مع النسور فلما لم يقدر على السماء اتخذه حصنا فأتى الله بنيانه من القواعد وقال عكرمة كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرم بسهم فعاد إليه ملطخا بالدم فقال كفيت إله السماء وذلك من دم سمكة في بحر معلق في الهواء فلما هاله الأرتفاع قال لصاحبه صوب الخشبة فصوبها فانحطت النسور فظنت الجبال أنه أمر نزل من السماء فزالت عن مواضعها وقال غيره لما رأت الجبال ذلك ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول وإلى هذا المعنى ذهب سعيد بن جبير وأبو مالك والقول الثاني أنه بختنصر وأن هذه القصة له جرت وأن النسور لما ارتفعت تطلب اللحم إلى حيث شاء الله نودي يا أيها الطاغية أين تريد ففرق ثم سمع الصوت فوقه فنزل فلما رأت الجبال ذلك ظنت أنه قيام الساعة فكادت تزول وهذا قول مجاهد والثالث أن المشار إليهم الأمم المتقدمة قال ابن عباس وعكرمة مكرهم شركهم والرابع أنهم الذين مكروا برسول الله ص = حين هموا بقتله وإخراجه وفي قوله وعند الله مكرهم قولان

[ 275 ]

أحدهما أنه محفوظ عنده حتى يجازيهم به قاله الحسن وقتادة والثاني وعند الله جزاء مكركم قوله تعالى وإن كان مكرهم وقرأ أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي وابن عباس وعكرمة وأبو العالية وإن كان مكرهم بالدال لتزول منه الجبال وقرأ الأكثرون لتزول بكسر اللام الأولى من لتزول وفتح الثانية أراد وما كان مكرهم لتزول من الجبال أي هو أضعف وأوهن كذلك فسرها الحسن البصري وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام الأولى وضم الثانية أراد قد كادت الجبال تزول من مكرهم كذلك فسرها ابن الأنباري وفي المراد بالجبال قولان أحدهما أنها الجبال المعروفة قاله الجمهور والثاني أنها ضربت مثلا لأمر النبي ص = وثبوت دينه كثبوت الجبال الراسية والمعنى لو بلغ كيدهم إلى إزالة الجبال لما زال أمر الأسلام قاله الزجاج قال أبو علي ويدل على صحة هذا قوله فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله أي فقد وعدك الظهور عليهم قال ابن عباس يريد بوعده النصر والفتح والنصر وإظهار الدين إن الله عزيز أي منيع ذو انتقام من الكافرين وهو أن يجازيهم بالعقوبة على كفرهم يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض وروى أبان يوم نبدل بالنون وكسر الدال الأرض بالنصب والسموات بخفض التاء ولا خلاف في نصب غير وفي معنى تبديل الأرض قولان أحدهما أنها تلك الأرض وإنما يزاد فيها وينقص منها وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وتمد مد الأديم روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وقد روى أبو هريرة عن النبي ص = يوم تبدل الأرض غير الأرض قال ببسطها ويمدها مد الأديم

[ 276 ]

والثاني أنها تبدل بغيرها ثم فيه أربعة أقوال أحدها أنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة رواه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود وعطاء عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثاني أنها تبدل نارا قاله أبي بن كعب والثالث أنها تبدل بأرض من فضة قاله أنس بن مالك والرابع تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمن من تحت قدميه قاله أبو هريرة وسعيد بن جبير والقرظي وقال غيرهم يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغ من حسابهم فأما تبديل السموات فيه ستة أقوال أحدها أنها تجعل من ذهب قاله علي عليه السلام والثاني أنها تصير جنانا قاله أبي بن كعب والثالث أن تبديلها تكوير شمسها وتناثر نجومها قاله ابن عباس والرابع أن تبديلها اختلاف أحوالها فمرة كالمهل ومرة تكون كالدهان قاله ابن الأنباري والخامس أن تبديلها أن تطوى كطي السجل للكتاب والسادس أن تنشق فلا تظل ذكرهما الماوردي قوله تعالى وبرزوا لله الواحد القهار أي خرجوا من القبور وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب قوله تعالى وترى المجرمين يعني الكفار مقرنين يقال قرنت الشئ إلى الشئ إذا وصلته به وفي معنى مقرنين ثلاثة أقوال أبو أحدها أنهم يقرنون مع الشياطين قاله ابن العباس

[ 277 ]

والثاني أن أيديهم وأرجلهم قرنت إلى رقابهم قاله ابن زيد والثالث يقرن بعضهم إلى بعض قاله ابن قتيبة وفي الأصفاد ثلاثة أقوال أحدها أنها الأغلال قاله ابن عباس وابن زيد وأبو عبيدة وابن قتيبة وابن الأنباري والثاني القيود والأغلال قاله قتادة والثالث القيود قاله أبو سليمان الدمشقي فأما السرابيل فقال أبو عبيدة هي القمص واحدها سربال وقال الزجاج السربال كل ما لبس وفي القطران ثلاث لغات فتح القاف وكسر الطاء وفتح القاف مع تسكين الطاء وفي معناه قولان أحدهما أنه النحاس المذاب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنه قطران الإبل قاله الحسن وهو شئ يتحلب من شجر تهنأ به الأبل قال الزجاج وإنما جعل لهم القطران لأنه يبالغ في اشتعال النار في الجلود ولو أراد الله تعالى المبالغة في إحراقهم بغير ذلك لقدر ولكنه حذرهم ما يعرفون حقيقته وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأبو مجاز وعكرمة وقتادة وابن أبي عبلة وأبو حاتم عن يعقوب من قطر بكسر القاف وسكون الطاء والتنوين آن بقطع الهمزة وفتحها ومدها والقطر النحاس وآن قد انتهت حره قوله تعالى وتغشى وجوهم النار أي تعلوها واللام في ليجزي متعلقة بقوله وبرزوا هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب قوله تعالى هذا بلاغ للناس في المشار إليه قولان أحدهما أنه القرآن والثاني الإنذار والبلاغ الكفاية قال مقاتل والمراد بالناس أهل مكة قوله تعالى ولينذروا به أي أنزل لينذروا به وليعلموا بما فيه من الحجج أنما هو إله واحد وليذكر أي وليتعظ أولو الألباب

[ 278 ]

سورة الحجر مكية وآياتها تسع وتسعون وهي مكية كلها من غير خلاف نعلمه بسم الله الرحمن الرحيم آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين قوله تعالى آلر تلك آيات الكتاب قد سبق بيانه (يونس 1) قوله تعالى وقرآن مبين فيه قولان أحدهما ان القرآن هو الكتاب جمع له بين الأسمين والثاني أن الكتاب هو التوراة والإنجيل والقرآن كتابنا وقد ذكرنا في أول يوسف معنى المبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين قوله تعالى وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ربما مشددة وقرأ نافع وعاصم وعبد الوارث ربما بالتخفيف قال الفراء أسد وتميم يقولون ربما بالتشديد وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون ربما بالتخفيف وتيم الرباب يقولون ربما بفتح الراء وقيل إنما قرئت بالتخفيف لما فيها من التضعيف والحروف المضاعفة قد تحذف نحو إن ولكن فانهم قد خففوها قال الزجاج يقولون رب رجل جاءني ورب رجل جاءني وأنشد

[ 279 ]

أزهير إن يشب القذال فانني رب هيضل مرس لففت بهيضل ورب هذا البيت لأبي كبير الهذلي وفي ديوانه رب هيضل لجب لففت بهيضل أو والهيضل) جمع هيضلة عبد وهي الجماعة يغزى بهم يقول لففتهم عليه بأعدائهم في القتال ورب كلمة موضوعة للتقليل كما أن كم للتكثير وإنما زيدت ما مع رب ليليها الفعل تقول رب رجل جاءني وربما جاءني زيد وقال الأخفش أدخل مع رب ما ليتكلم بالفعل بعدها وإن شئت جعلت ما بمنزلة شئ فكأنك قلت رب شئ أي رب ود يوده الذين كفروا وقال أبو سليمان الدمشقي ما ها هنا بمعنى حين فالمعنى رب حين يودون فيه واختلف المفسرون متى يقع هذا من الكفار على قولين أحدهما أنه في الآخرة ومتى يكون ذلك فيه أربعة أقوال أحدها أنه إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين ألم تكونوا مسلمين قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فلما رأى ذلك الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما أخرجوا رواه أبو موسى الأشعري عن النبي ص = وذهب إليه ابن عباس في رواية وأنس بن مالك ومجاهد وعطاء وأبو العالية وإبراهيم والثاني أنه ما يزال الله يرحم ويشفع حتى يقول من كان من المسلمين فليدخل الجنة فذلك حين يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين رواه مجاهد عن ابن عباس والثالث أن الكفار إذا عاينوا القيامة ودوا لو كانوا مسلمين ذكره الزجاج والرابع أنه كلما رأى أهل الكفر حالا من أحوال القيامة يعذب فيها الكافر ويسلم من مكروهها المؤمن ودوا ذلك ذكره ابن الأنباري والقول الثاني أنه في الدنيا إذا عاينوا وتبين لهم الضلال من الهدى وعلموا مصيرهم ودوا ذلك قاله الضحاك فان قيل إذا قلتم إن رب للتقليل وهذه الآية خارجه مخرج الوعيد فانما يناسب الوعيد تكثير ما يتواعد به فعنه ثلاثة أجوبة ذكرهما ابن الأنباري أحدها أن ربما تقع على التقليل والتكثير كما يقع الناهل على العطشان والريان والجون على الأسود والأبيض والثاني أن أهوال القيامة وما يقع بهم من الأهوال تكثر عليهم فإذا عادت إليهم عقولهم ودوا ذلك

[ 280 ]

والثالث أن هذا الذي خوفوا به لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه لوجب عليه اجتنابه فان قيل كيف جاء بعد ربما مستقبل وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي تقول ربما لقيت عبد الله فالجواب أن ما وعد الله حق فمستقبله بمنزلة الماضي يدل عليه قوله وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم (المائدة 116) وقوله ونادى أصحاب الجنة (الأعراف) ولو ترى إذا فزعوا فلا فوت (سبأ 51) على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون ربما يندم فلان قال الشاعر ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون قوله تعالى ذرهم يأكلوا أي دع الكفار يأخذوا حظوظهم في الدنيا ويلههم الأمل أي ويشغلهم ما يأملون في الدنيا عن أخذ حظهم من الإيمان والطاعة فسوف يعلمون إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا وهذا وعيد وتهديد وهذه الآية عند المفسرين منسوخه بآية السيف وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون قوله تعالى وما أهلكنا من قرية أي ما عذبنا من أهل قرية إلا ولها كتاب معلوم أي أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه ما تسبق من أمة أجلها من صلة والمعنى ما تتقدم وقتها الذي قدر لها بلوغه ولا تستأخر عنه قال الفراء إنما قال أجلها لأن الأمة لفظها مؤنث وإنما قال يستأخرون إخراجا له على معنى الرجال وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين

[ 281 ]

قوله تعالى وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر قال مقاتل نزلت في عبد الله بن أبي امية والنضر بن الحارث ونوفل بن خويلد والوليد بن المغيرة قال ابن عباس والذكر القرآن وإنما قالوا هذا استهزاء لو أيقنوا أنه نزل عليه الذكر ما قالوا إنك لمجنون قال أبو علي الفارس وجواب هه الآية في سورة أخرى في قوله ما أنت بنعمة ربك بمجنون (القلم 2) قوله تعالى لو ما تأتينا قال الفراء لوما ولولا لغتان معناهما هلا وكذلك قال أبو عبيدة هما بمعنى واحد وأنشد لابن مقبل لوما الحياء ولوما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري قال المفسرون إنما سألوا الملائكة ليشهدوا له بصدقه وأن الله أرسله فأجابهم الله تعالى بقوله ما تنزل أبي الملائكة إلا بالحق قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ما تنزل بالتاء المفتوحة الملائكة بالرفع وروى أبو بكر عن عاصم ما تنزل بضم التاء على ما لم يسم فاعله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف ما ننزل بالنون والزاي المشددة الملائكة نصبا وفي المراد بالحق أربعة أقوال أحدها أنه العذاب إن لم يؤمنوا قاله الحسن والثاني الرساله قاله مجاهد والثالث قبض الأرواح عند الموت قاله ابن السائب والرابع أنه القرآن حكاه الماوردي قوله تعالى وما كانوا يعني المشركين إذا منظرين أي عند نزول الملائكة إذا نزلت إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر من عادة الملوك إذا فعلوا شيئا قال أحدهم نحن فعلنا يريد نفسه وأتباعه ثم صار هذا عادة للملك في خطابه وإن انفرد بفعل الشئ فخوطبت العرب بما تعقل من كلامها والذكر القرآن في قول جميع المفسرين وفي هاء له قولان

[ 282 ]

أحدهما أنها ترجع إلى الذكر قاله الأكثرون قال قتادة أنزله الله ثم حفظه فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقا والثاني أنها ترجع إلى النبي ص = فالمعنى وإنا له لحافظون من الشياطين والأعداء لقولهم إنك لمجنون هذا قول ابن السائب ومقاتل ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين قوله تعالى ولقد أرسلنا من قبلك يعني رسلا فحذف المفعول لدلالة الإرسال عليه والشيع الفرق وحكي عن الفراء أنه قال الشيعة الأمة المتابعة بعضها بعضا فيما يجتمعون عليه من أمر وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن قوله تعالى وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن هذا تعزية للنبي ص = والمعنى إن كل نبي قبلك كان مبتلى بقومه كما ابتليت كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين قوله تعالى كذلك نسلكه في المشار إليه ثلاثة أقوال أحدها أنه الشرك قاله ابن عباس والحسن وابن زيد والثاني أنه الأستهزاء قاله قتادة والثالث التكذيب قاله ابن جريج والفراء ومعنى الآية كما سلكنا في قلوب شيع الأولين ندخل في قلوب هؤلاء التكذيب فلا يؤمنوا ثم أخبر عن هؤلاء المشركين فقال لا يؤمنون به وفي المشار إليه ثلاثة أقوال

[ 283 ]

أحدها أنه الرسول والثاني القرآن والثالث العذاب قوله تعالى وقد خلت سنة الأولين فيه قولان أحدهما مضت سنة الله في إهلاك المكذبين والثاني مضت سنتهم بتكذيب الأنبياء ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فطلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون قوله تعالى ولو فتحنا عليهم بابا من السماء يعني كفار مكة فظلوا فيه يعرجون (أي يصعدون يقال ظل يفعل كذا إذا فعله بالنهار وفي المشار إليهم بهذا الصعود قولان أحدهما أنهم الملائكة قاله ابن عباس والضحاك فالمعنى لو كشف عن أبصار هؤلاء فرأوا بابا مفتوحا في السماء والملائكة تصعد فيه لما آمنوا به والثاني أنهم المشركون قاله الحسن وقتادة فيكون المعنى لو وصلناهم ما إلى صعود السماء لم يستشعروا إلا الكفر لعنادهم قوله تعالى لقالوا إنما سكرت أبصارنا قرأ الأكثرون بتشديد الكاف وقرأ ابن كثير وعبد الوارث بتخفيفها قال الفراء ومعنى القراءتين متقارب والمعنى حبست من قولهم سكرت الريح إذا سكنت وركدت وقال أبو عمرو بن العلاء معنى سكرت بالتخفيف مأخوذ من سكر الشراب يعني أن الأبصار حارت ووقع بها من فساد النظر مثل ما يقع بالرجل السكران من تغير العقل قال ابن الأنباري إذا كان هذا كان معنى التخفيف فسكرت بالتشديد يراد به وقوع هذا الأمر مرة بعد مرة وقال أبو عبيد سكرت بالتشديد من السكور التي تمنع الماء الجرية فكأن هذه الأبصار منعت من النظر كما يمنع السكر الماء من الجري وقال الزجاج سكرت بالتشديد فسروها أغشيت وسكرت بالتخفيف تحيرت وسكنت عن أن تنظر والعرب تقول سكرت الريح تسكر إذا سكنت وروى العوفي عن ابن عباس إنما سكرت أبصارنا

[ 284 ]

قال أخذ بأبصارنا وشبه علينا وإنما سحرنا وقال مجاهد سكرت سدت بالسحر فيتماثل لا لأبصارنا غير ما ترى جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين قوله تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا البروج ثلاثة أقوال أحدها أنها بروج الشمس والقمر أي منازلها قاله ابن عباس وأبو عبيدة في آخرين قال ابن قتيبة وأسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت والثاني أنها قصور روي عن ابن عباس أيضا وقال عطية هي قصور في السماء فيها الحرس وقال ابن قتيبة أصل البروج الحصون والثالث أنها الكواكب قاله مجاهد وقتادة العظام قال قتادة لظهورها قوله تعال وزيناها أي حسناها بالكواكب وفي المراد بالناظرين قولان أحدهما أنهم المبصرون والثاني المعتبرون قوله تعالى وحفظناها من كل شيطان رجيم أي حفطناها أن أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئا إلا استراقا ثم يتبعه الشهاب والرجيم مشروح في آل عمران واختلف العلماء هل كانت الشياطين ترمى بالنجوم قبل مبعث نبينا صلى الله عليه وسلم أم لا على قولين أحدهما أنها لم ترم حتى بعث صلى الله عليه وسلم وهذا المعنى مذكور في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد أخرج في الصحيحين من حديث سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال انطلق رسول

[ 285 ]

الله ص = في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب وظاهر هذا الحديث أنها لم تكن قبل ذلك قال الزجاج ويدل على أنها إنما كانت بعد مولد رسول الله ص = أن شعراء العرب الذين يمثلون بالبرق والأشياء المسرعة لم يوجد في أشعارها ذكر الكواكب المنقضة فلما حدثت بعد مولد نبينا ص = استعملت الشعراء ذكرها فقال ذو الرمة كذا كوكب في إثر عفرية مسوم في سواد الليل منقضب والثاني أنه قد كان ذلك قبل نبينا ص = فروى مسلم في صحيحه من حديث علي بن الحسين عن ابن عباس قال بينما النبي ص = جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فاستنار فقال ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم قال فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء ثم يستخبر أهل السماء السابعة حملة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ثم يستخبر أهل كل سماء أهل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن ويرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون وروي عن ابن عباس أن الشاطين كانت لا تحجب عن السموات فلما ولد عيسى منعت من ثلاث سموات فلما ولد رسول الله ص = منعوا من السموات كلها وقال الزهري قد كان يرمى بالنجوم قبل مبعث رسول الله ولكنها غلظت حين بعث ص = وهذا مذهب ابن قتيبة قال وعلى هذا وجدنا الشعر القديم قال بشر بن أبي خازم وهو جاهلي والعير يرهقها الغبار وجحشها ينقض خلفهما انقضاض الكوكب وقال أوس بن حجر وهو جاهلي فانقض على كالدرئ يتبعه نقع يثور تخاله طنبا قوله تعالى إلا من استرق السمع أي اختطف ما سمعه من كلام الملائكة قال ابن فارس استرق السمع إذا سمع مستخفيا فأتبعه أي لحقه شهاب مبين قال ابن قتيبة كوكب مضئ وقيل مبين بمعنى ظاهر يراه أهل الأرض وإنما يسترق الشيطان ما يكون من أخبار الأرض فأما وحي الله عز وجل فقد صانه عنهم واختلفوا هل يقتل الشهاب أم لا على قولين أحدهما أنه يحرق ويخبل ولا يقتل قاله ابن عباس ومقاتل والثاني أنه يقتل قاله الحسن فعلى هذا القول هل يقتل الشيطان قبل أن يخبر بما سمع فيه قولان

[ 286 ]

أحدهما أنه يقتل قبل ذلك فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء قال ابن عباس ولذلك انقطعت الكهانة والثاني أنه يقتل بعد إلقائه ما سمع إلى غيره من الجن ولذلك يعودون إلى الاستراق ولو لم يصل لقطعوا الاستراق والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين قوله تعالى والأرض مددناها أي بسطناها على وجه الماء وألقينا فيها رواسي وهي الجبال الثوابت وأنبتنا فيها في المشار إليه قولان أحدهما أنها الأرض قاله الأكثرون والثاني الجبال قاله الفراء وفي قوله ومن كل شئ موزون قولان أحدهما أن الموزون المعلوم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال سعيد ابن جبير والضحاك وقال مجاهد وعكرمة في آخرين الموزون المقدور فعلى هذا يكون المعنى معلوم القدر كأنه قد وزن لأن أهل الدنيا لما كانوا يعلمون قدر الشئ بوزنه أخبر الله تعالى عن هذا أنه معلوم القدر عنده بأنه موزون وقال الزجاج المعنى أنه جرى على وزن من قدر الله تعالى لا يجاوز ما قدره الله تعالى عليه ولا يستطيع خلق زيادة فيه ولا نقصانا والثاني أنه عنى به الشئ الذي يوزن كالذهب والفضة والرصاص والحديد والكحل ونحو ذلك وهذا المعنى مروي عن الحسن وعكرمة وابن زيد وابن السائب واختاره الفراء قوله تعالى وجعلنا لكم فيها معايش في المشار إليهما قولان أحدهما أنها الأرض والثاني أنها الأشياء التي أنبتت والمعايش جمع معيشة والمعنى جعلنا لكم فيها أرزاقا تعيشون بها

[ 287 ]

وفي قوله تعالى ومن لستم له برازقين أربعة أقوال أحدها أنه الدواب والأنعام رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والثاني الوحوش رواه منصور عن مجاهد وقال ابن قتيبة الوحش والطير والسباع وأشباه ذلك مما لا يرزقه ابن آدم والثالث العبيد والإماء قاله الفراء والرابع العبيد والأنعام والدواب قاله الزجاج قال الفراء ومن في موضع نصب فالمعنى جعلنا لكم فيها المعايش والعبيد والإماء ويقال إنها في موضع خفض فالمعنى جعلنا لكم فيها معايش ولمن لمستم له برازقين وقال الزجاج المعنى جعلنا لكم الدواب والعبيد وكفيتم مؤونة أرزاقها فان قيل كيف قلتم إن من ها هنا للوحوش والدواب وإنما تكون لمن يعقل فالجواب أنه لما وصفت الوحوش وغيرها بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف به الناس فيقال للآدمي معاش ولا يقال للفرس معاش جرت مجرى الناس كما قال يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم (النمل 18) وقال رأيتهم لي ساجدين (يوسف 4) وقال كل في فلك يسبحون (الأنبياء) الله وإن قلنا أريد به العبيد والوحوش فانه إذا اجتمع الناس وغيرهم غلب الناس على غيرهم لفضيلة العقل والتمييز وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم قوله تعالى وإن من شئ أي وما من شئ إلا عندنا خزائنه وهذا الكلام عام في كل شئ وذهب قوم من المفسرين إلى أن المراد به المطر خاصة فالمعنى عندهم وما من شئ من المطر إلا عندنا خزائنه أي في حكمنا وتدبيرنا ومما ننزله كل عام إلا بقدر معلوم لا

[ 288 ]

يزيد ولا ينقص فما من عام أكثر مطرا من عام غير أن الله تعالى يصرفه إلى من يشاء ويمنعه من يشاء وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون قوله تعالى وأرسلنا الرياح لواقح وقرأ حمزة وخلف الريح وكان أبو عبيدة يذهب إلى أن لواقح بمعنى ملاقح فسقطت الميم منه قال الشاعر ليبك يزيد بائس لضراعة وأشعث ممن طوحته الطوائح أراد المطاوح فحذف الميم فمعنى الآية عنده وأرسلنا الرياح ملقحة فيكون ها هنا فاعل بمعنى مفعل كما أتى فاعل بمعنى مفعول كقوله ماء دافق (الطارق 6) أي مدفوق وعيشة راضية (الحاقة 21 والقارعة 7) أي مرضية وكقولهم ليل نائم أي منوم فيه ويقولون أبقل النبت فهو باقل أي مبقل قال ابن قتيبة يريد أبو عبيدة أنها تلقح الشجر وتلقح السحاب كأنها تنتجه ولست أدري ما أضطره إلى هذا التفسير بهذا الاستكراه وهو يجد العرب تسمي الرياح لواقح والريح لاقحا قال الطرماح وذكر بردا مده على أصحابه في الشمس يستظلون به قلق لأفنان الرياح للاقح قال منها وحائل فاللاقح عن الجنوب والحائل الشمال ويسمون الشمال أيضا عقيما والعقيم التي لا تحمل كما سموا الجنوب لا قحا قال كثير ومر بسفاسف من التراب عقيمها في يعني الشمال وإنما جعلوا الريح لاقحا أي حاملا لأنها تحمل السحاب وتقلبه وتصرفه ثم تحله فينزل فهي على هذا حامل ويدل على هذا قوله حتى إذا أقلت سحابا (الأعراف) أي حملت قال ابن الأنباري شبه ما تحمله الريح من الماء وغيره بالولد التي تشتمل عليه الناقة وكذلك يقولون حرب لاقح لما تشتمل عليه من الشر فعلى قول أبو عبيدة يكون معنى لواقح أنها ملقحة لغيرها وعلى قول ابن قتيبة أنها لاقحة نفسها وأكثر الأحاديث تدل على القول الأول قال عبد الله ابن مسعود يبعث الله الرياح لتلقح السحاب فتحمل الماء

[ 289 ]

فتمجه ثم تمريه فيدر كما تدر اللقحة وقال الضحاك يبعث الله الرياح على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء قال النخعي تلقح السحاب الشجر يعنون أنها تلقح السحاب حتى يمطر والشجر حتى يثمر قوله تعالى فأنزلنا من السماء يعني السحاب ماء يعني المطر فأسقيناكموه أي جعلناه سقيا لكم قال الفراء العرب مجتمعون على أن يقولوا سقيت الرجل فأنا أسقيه إذا سقيته لشفته فإذا أجروا للرجل نهرا (قالوا أسقيته وسقيته وكذلك السقيا من الغيث قالوا فيها سقيت وأسقيت) وقال أبو عبيدة كل ما كان من السماء ففيه لغتان أسقاه الله وسقاه الله قال لبيد سقى قومي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال فجاء باللغتين وتقول سقيت الرجل ماء وشرابا من لبن وغيره وليس فيه إلا لغة واحدة بغير ألف إذا كان في الشفه وإذا جعلت له شربا فهو أسقيته وأسقيت أرضه وإبله ولا يكون غير هذا وكذلك إذا استسقيت له كقول ذي الرمة وقفت على رسم لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه فإذا وهبت له إهابا ليجعله سقاء فقد أسقيته إياه قوله تعالى وما أنتم له يعني الماء المنزل بخازنين وفيه قولان أحدهما بحافظين أي ليست خزائنه بأيديكم قاله مقاتل والثاني بمانعين قاله سفيان الثوري قوله تعالى بن الوارثون يعني أنه الباقي بعد فناء الخلق ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين وإن ربك هو يحشركم إنه حكيم عليم قوله تعالى ولقد علمنا المستقدمين منكم يقال استقدم الرجل بمعنى تقدم واستأخر بمعنى تأخر وفي سبب نزولها قولان أحدهما أن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله ص = فكان بعضهم يستقدم حتى يكون

[ 290 ]

في أول صف لئلا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون في آخر صف فإذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت هذه الآية رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والثاني أن النبي ص = حرض على الصف الأول فازدحموا عليه وقال قوم بيوتهم قاصية عن المدينة لنبيعن هذه دورنا ولنشترين سنة دورا قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المتقدم فنزلت هذه الأية ومعناها إنما تجزون على النيات فاطمأنوا وسكنوا رواه أبو صالح عن ابن عباس وللمفسرين في معنى المستقدمين والمستأخرين ثمانية أقوال أحدها التقدم في الصف الأول والتأخر عنه وهذا على القولين المذكورين في سبب نزولها فعلى الأول هو التقدم للتقوى والتأخر للخيانة بالنظر وعلى الثاني هو التقدم لطلب الفضيلة والتأخر للعذر والثاني أن المستقدمين من مات والمستأخرين من هو حي لم يمت رواه العوفي عن ابن عباس وخصيف عن مجاهد وبه قال عطاء والضحاك والقرظي والثالث أن المستقدمين من خرج من الخلق وكان والمستأخرين الذين في أصلاب الرجال رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال عكرمة والرابع أن المستقدمين من مضى من الأمم والمستأخرين أمة محمد ص = رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد والخامس أن المستقدمين المتقدمون في الخير والمستأخرون المثبطون عمرو عنه قاله الحسن وقتادة والسادس أن المستقدمين في صفوف القتال والمستأخرين عنها قاله الضحاك والسابع أن المستقدمين من قتل في الجهاد والمستأخرين من لم يقتل قاله القرظي والثامن أن المستقدمين أول الخلق والمستأخرين آخر الخلق قاله الشعبي

[ 291 ]

ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان يعني آدم من صلصال وفيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الطين اليابس الذي لم تصبه النار فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة قاله ابن عباس وقتادة وأبو عبيدة وابن قتيبة والثاني أنه الطين المنتن قاله مجاهد والكسائي وأبو عبيد ويقال صل اللحم إذا تغيرت رائحته والثالث أنه طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره قاله الفراء فأما الحمأ فقال أبو عبيدة هو جمع حمأة وهو الطين المتغير وقال ابن الأنباري لا خلاف أن الحمأ الطين الأسود المتغير الريح وروى السدي عن أشياخه قال بل التراب حتى صار طينا ثم ترك حتى أنتن وتغير وفي المسنون أربعة أقوال أحدها المنتن أيضا رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد وقتادة في آخرين قال ابن قتيبة المسنون المتغير الرائحة والثاني أنه الطين الرطب رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثالث أنه المصبوب قاله أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيد والرابع أنه المحكوك ذكره ابن الأنباري قال فمن قال المسنون المنتن قال هو من قولهم قد تسنى الشئ إذا أنتن ومنه قوله تعالى لم يتسنه (البقرة 259) وإنما قيل له مسنون لتقادم السنين عليه ومن قال الطين الرطب قال سمي مسنونا لأنه يسيل وينبسط فيكون كالماء المسنون المصبوب ومن قال المصبوب احتج بقول العرب قد سننت علي الماء إذا صببته ويجوز أن يكون المصبوب على صورة ومثال من قوله رأيت سنة وجهه أي صورة وجهه قال الشاعر تريك سنة وجهه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب ومن قال المحكوك احتج بقول العرب سننت الحجر على الحجر إذا حككته عليه

[ 292 ]

وسمي المسن مسنا لأن الحديد يحك عليه قال وإنما كررت من لأن الأولى المتعلقة ب خلقنا والثانية متعلقة بالصلصال تقديره ولقد خلقنا الإنسان من الصلصال الذي هو من حمأ مسنون قوله تعالى والجان فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه مسيخ الجن كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس رواه عكرمة عن ابن عباس والثاني أنه أبو الجن قاله أبو صالح عن ابن عباس وروى عنه الضحاك أنه قال الجان أبو الجن وليسوا بشياطين والشياطين ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس والجن يموتون ومنهم المؤمن ومنهم الكافر والثالث أنه إبليس قاله الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل فان قيل أليس أبو الجن هو إبليس فعنه جوابان أحدهما أنه هو فيكون هذا القول هو الذي قبله والثاني أن الجان أبو الجن وإبليس أبو الشياطين فبينهما إذا فرق على ما ذكرناه عن ابن عباس قال العلماء وإنما سمي جانا لتواريه عن العيون قوله تعالى من قبل يعني قبل خلق آدم من نار السموم وقال ابن مسعود من نار الريح الحارة وهي جزء من سبعين جزءا من نار جهنم والسموم في اللغة الريح الحارة وفيها نار قال ابن السائب وهي نار لا دخان لها فسجد الملئكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم

[ 293 ]

قوله تعالى (فإذا سويته) قبل أي عدلت صورته وأتممت خلقته (ونفخت يحيى فيه من روحي) الرحمن هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان ولا تعلم ما هيتها وإنما أضافها إليه تشريفا لآدم وهذه إضافة ملك وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح فيه قوله تعالى (فقعوا) وكان أمر من الوقوع وقوله (كلهم أجمعون) قال فيه سيبويه والخليل هو توكيد بعد توكيد وقال المبرد أجمعون يدل على اجتماعهم في السجود فالمعنى سجدوا كلهم في حالة واحدة قال ابن الأنباري وهذا لأن كلا تدل على اجتماع القوم في الفعل ولا تدل على اجتماعهم في الزمان قال الزجاج وقول سيبويه أجود لأن أجمعين معرفة ولا تكون حالا قوله تعالى (وإن عليك اللعنة) قال المفسرون معناه يلعنك أهل السماء والأرض إلى يوم الحساب قال ابن الأنباري وإنما قال (إلى يوم الدين) لأنه يوم له أول وليس له آخر فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى والمعنى عليك اللعنة أبدا قوله تعالى (إلى يوم الوقت المعلوم) يعني المعلوم بموت الخلائق فيه فأراد أن يذيقه ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم قوله تعالى (لأزينن لهم في الأرض) مفعول التزيين محذوف والمعنى لأزينن لهم الباطل حتى يقعوا فيه (ولأغوينهم) روى أي ولأضلنهم والمخلصون الذين أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة تناقض الإخلاص وما أخللنا به من الكلمات هاهنا فقد سبق تفسيرها في (الأعراف 16) وغيرها قوله تعالى (قال هذا صراط علي مستقيم) اختلوا في معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال أحدها أنه يعني بقوله هذا الإخلاص فالمعنى إن الإخلاص طريق إلي مستقيم وعلي بمعنى إلي والثاني هذا طريق علي جوازه لأني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم وهو خارج مخرج الوعيد كما تقول للرجل تخاصمه طريقك علي فهو كقوله (إن ربك لبالمرصاد) [ الفجر ولم 14 ] والثالث هذا صراط علي استقامته أي أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان وقرأ قتادة ويعقوب هذا صراط علي بكسر اللام ورفع الياء وتنوينها أي رفيع إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم

[ 294 ]

لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم قوله تعالى (إن عبادي) فيهم أربعة أقوال أحدها أنهم المؤمنون والثاني المعصومون رويا عن قتادة والثالث المخلصون قاله مقاتل والرابع المطيعون قاله ابن جرير فعلى هذه الأقوال تكون الآية من العام الذي أريد به الخاص وفي المراد بالسلطان قولان أحدهما أنه الحجة قاله ابن جرير فيكون المعنى ليس لك حجة في إغوائهم والثاني أنه القهر والغلبة إنما له أن يغر ويزين قاله أبو سليمان الدمشقي وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال ليس لك عليهم سلطان أن تلقيهم في ذنب يضيق عفوي عنه قوله تعالى (وإن جهنم لموعدهم أجمعين) يعني الذين اتبعوه قوله تعالى (لها سبعة أبواب) بين وهي دركاتها بعضها فوق بعض قال علي عليه السلام أبواب جهنم ليست كأبوابكم أهل هذه ولكنها هكذا وهكذا وهكذا بعضها فوق بعض ووصف الراوي عنه بيده وفتح أصابعه قال ابن جرير لها سبعة أبواب أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية وقال الضحاك هي سبعة أدراك بعضها فوق بعض فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر ذنوبهم ثم يخرجون والثاني فيه النصارى والثالث فيه اليهود والرابع فيه الصائبون والخامس فيه المجوس والسادس فيه مشركو العرب والسابع فيه المنافقون قال ابن الأنباري لما اتصل العذاب بالباب وكان الباب من سببه سمي باسمه للمجاورة كتسميتهم الحدث غائطا قوله تعالى (لكل باب منهم) أي من أتباع إبليس (جزء مقسوم) والجزء بعض الشئ إن المتقين في جناب وعيون أدخلوها بسلام آمنين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين

[ 295 ]

قوله تعالى (إن المتقين في جنات وعيون) قد شرحنا في سورة (البقرة 2 و 25) معنى التقوى والجنات فأما العيون فهي عيون الماء والخمر والسلسبيل والتسنيم وغير ذلك مما ذكر أنه من شراب الجنة قوله تعالى (ادخلوها بسلام) المعنى يقال لهم ادخلوها بسلام وفيه ثلاثة أقوال أحدها بسلامة من النار والثاني بسلامة من كل آفة والثالث بتحية من الله وفي قوله (آمنين) أربعة أقوال أحدها آمنين من عذاب الله والثاني من الخروج والثالث من الموت والرابع من الخوف والمرض قوله تعالى (ونزعنا ما في صدورهم من غل) قد ذكرنا تفسيرها في سورة (الأعراف 43) فإن المفسرين ذكروا ما هناك هاهنا من تفسير وسبب نزول قوله تعالى (إخوانا) حديث منصوب على الحال والمعنى أنهم متوادون فإن قيل كيف نصب إخوانا على الحال فأوجب ذلك أن التآخي وقع مع نزع الغل وقد كان التآخي بينهم في الدنيا فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال ما مضى من التآخي قد كان تشويه ضغائن وشحناء عند وهذا التآخي بينهم الموجود عند نزع الغل هو تأخي المصافاة والإخلاص ويجوز أن ينتصب على المدح المعنى اذكر إخوانا فأما السرور فجمع سرير قال ابن عباس على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت السرير مثل ما بين عدن إلى أيلة (متقابلين) لا يرى بعضهم قفا بعض حيثما التفت رأى وجها يحبه يقابله قوله تعالى (لا يمسهم فيها نصب) أي لا يصيبهم في الجنة إعياء وتعب نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ونبئهم

[ 296 ]

عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قوله تعالى (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) سبب نزولها ما روى ابن المبارك باسناد له عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال طلع علينا رسول الله من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك فقال ألا أراكم تضحكون ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد يقول الله تعالى لم تقنط عبادي نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بتحريك ياء عبادي وياء أني أنا واسكنها الباقون قوله تعالى (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) قد شرحنا القصة في (هود 69) وبينا هنالك معنى الضيف والسبب في خوفه منهم وذكرنا معنى الوجل في (الأنفال 2) قوله تعالى (بغلام لأنه عليم) أي إنه يبلغ ويعلم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ألا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ألا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتيناك بالحق وإنا لصادقون فأسر بأهلك بقطع من الليل وابع أخبرنا أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا

[ 297 ]

حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين قوله تعالى (قال أبشرتموني) يا أي بالولد (على أن مسني الكبر) أي على حالة الكبر والهرم (فبم لو تبشرون) قرأ أبو عمر وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي تبشرون بفتح النون وقرأ نافع بكسر النون ووافقه ابن كثير في كسرها لكنه شددها وهذا استفهام تعجب كأنه عجب من الولد على كبره (قالوا بشرناك بالحق) أي بما قضى الله أنه كائن (فلا تكن من القانطين) يعني الآيسين (قال ومن يقنط) يكون قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة ومن يقنط بفتح النون في جميع القرآن وقرأ أبو عمرو والكسائي يقنط بكسر النون وكلهم قرؤوا (من بعد ما قنطوا) [ الشورى مع 28 ] بفتح النون وروى خارجة عن أبي عمرو ومن يقنط بضم النون قال الزجاج يقال قنط يقنط وقنط يقنط والقنوط بمعنى اليأس ولم يكن إبراهيم قانطا ولكنه استبعد وجود الولد (قال فما خطبكم) سعيد أي ما أمركم (قالوا إنا أرسلنا) أي بالعذاب وقوله تعالى (إلا آل لوط) استثناء ليس من الأول فأما آل لوط فهم اتباعه المؤمنون قوله تعالى (إنا لمنجوهم) بكر قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر لمنجوهم مشددة الجيم وقرأ حمزة والكسائي لمنجوهم خفيفة قوله تعالى (إلا امرأته) المعنى أنا لمنجوهم إلا امرأته (قدرنا) قد وروى أبو بكر عن عاصم قدرنا بالتخفيف والمعنى واحد يقال قدرت وقدرت والمعنى قضينا (إنها لمن الغابرين) يعني الباقين في العذاب قوله تعالى (إنكم قوم منكرون) يعني لا أعرفكم قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون) يعنون العذاب كانوا يشكون في نزوله (وأتيناك بالحق) أي بالأمر الذي لا شك فيه من عذاب قومك قوله تعالى (واتبع أدبارهم) وفي أي سر خلفهم (وامضوا حيث كل تؤمرون) أي حيث يأمركم جبريل وفي المكان الذي أمروا بالمضي إليه قولان أحدهما أنه الشام قاله ابن عباس والثاني قرية من قرى قوم لوط قاله ابن السائب قوله تعالى (وقضينا إليه ذلك الأمر) أي أوحينا إليه ذلك الأمر أي الأمر بهلاك قومه قال الزجاج فسر ما الأمر بباقي الآية والمعنى وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين فأما الدابر فقد سبق تفسره [ الأنعام 45 ] والمعنى إن آخر من يبقى منكم يهلك وقت الصبح

[ 298 ]

وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين قوله تعالى (وجاء أهل المدينة) وهم قوم لوط واسمها سدوم (يستبشرون) بأضياف لوط طمعا في ركوب الفاحشة فقال لهم لوط (إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون) أي بقصدكم إياهم بالسوء يقال فضحه يفضحه إذا أبان من أمره ما يلزمه به العار وقد أثبت يعقوب ياء تفضحون ولا تخزون في الوصل والوقف قوله تعالى (أولم ننهك عن العالمين) أي عن ضيافة العالمين قوله تعالى (بناتي فلا إن كنتم) حرك ياء بناتي نافع وأبو جعفر لعمرك إنهم لفي سكرتهم بعمهون منه فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين قوله تعالى (لعمرك) فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معناه وحياتك يا محمد رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس والثاني لعيشك رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الأخفش وهو يرجع إلى معنى الأول والثالث أن معناه وحقك على أمتك تقول العرب لعمر الله لا أقوم يعنون وحق الله ذكره ابن الأنباري قال وفي العمر ثلاث لغات عمر وعمر وعمر وهو عند العرب البقاء وحكى الزجاج أن الخليل وسيبويه وجميع أهل اللغة قالوا العمر والعمر في معنى واحد فإذا استعمل في القسم فتح لا غير وإنما آثروا الفتح في القسم لأن الفتح أخف عليهم وهم يؤثرون القسم ب لعمري ولعمرك فلما كثر استعمالهم إياه لزموا الأخف عليهم قال وقال

[ 299 ]

النحويون ارتفع لعمرك بالابتداء والخبر محذوف والمعنى لعمرك قسمي ولعمرك ما أقسم به وحذف الخبر لأن في الكلام دليلا عليه المعنى أقسم (إنهم لفي سكرتهم يعمهون) وفي المراد بهذه السكرة قولان أحدهما أنها بمعنى الضلالة قاله قتادة والثاني بمعنى الغفلة قاله الأعمش وقد شرحنا معنى العمة في سورة 209 (البقرة 15) وفي المشار إليهم بهذا قولان أحدهما أنهم قوم لوط قاله الأكثرون والثاني قوم نبينا صلى الله عليه وسلم قاله عطاء قوله تعالى (فأخذتهم الصيحة) يعني صيحة العذاب وهي صيحة جبريل عليه السلام (مشرقين) قال الزجاج يقال أشرقنا فنحن مشرقون: إذا صادفوا شروق الشمس وهو طلوعها كما يقال أصبحنا إذا صادفوا الصبح يقال شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا أضاءت وصفت هذا أكثر اللغة وقد قيل شرقت وأشرقت في معنى واحد إلا أن مشرقين في معنى مصادفين غير لطلوع الشمس قوله تعالى (فجعلنا أحمد عاليها سافلها) بعد قد فسرنا الآية في سورة (هود 82) وفي المتوسمين أربعة أقوال أحدها أنهم المتفرسون روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا فراسه المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) قال المتفرسين وبهذا قال مجاهد وابن قتيبة قال ابن قتيبة يقال توسمت في فلان الخير أي تبينته وقال الزجاج المتوسمون في اللغة النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشئ يقال توسمت في فلان كذا أي عرفت وسم ذلك فيه وقال غيره المتوسم الناظر في السمة الدالة على الشئ والثاني المعتبرون قاله قتادة والثالث الناظرون قاله الضحاك

[ 300 ]

والرابع المتفكرون قاله ابن زيد والفراء قوله تعالى (وإنها) يقول يعني قرية قوم لوط (لبسبيل الذي مقيم) فيه قولان أحدهما لبطريق واضح رواه نهشل عن الضحاك عن ابن عباس وبه قال قتادة والزجاج وقال ابن زيد لبطريق متبين والثاني لبهلاك رواه أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس والمعنى إنها بحال هلاكها لم تعمر حتى الآن فالاعتبار بها ممكن وهي على طريق قريش إذا سافروا إلى الشام وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين قوله تعالى (وإن كان أصحاب الأيكة الظالمين) قال الزجاج معنى إن واللام التوكيد والأيك لأن الشجر الملتف فالفصل بين واحده وجمعه الهاء فالمعنى أصحاب الشجرة قال المفسرون هم قوم شعيب كان مكانهم ذا شجر فكذبوا شعيبا فأهلكوا بالحر كما بينا في سورة (هود 87) قوله تعالى (وإنهما) وقد في المكنى عنهما قولان أحدهما أنهما الأيكة ومدينة قوم لوط قاله الأكثرون والثاني لوط وشعيب ذكره ابن الأنباري وفي قوله (لبامام علي مبين) قولان أحدهما لبطريق ظاهر قاله ابن عباس قال ابن قتيبة وقيل للطريق إمام لأن المسافر يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده والثاني لفي كتاب مستبين قاله السدي قال ابن الأنباري وإنهما يعني لوطا وشعيبا لبطريق من الحق يؤتم به ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين قوله تعالى (ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) يعني بهم ثمود قال ابن عباس كانت منازلهم بالحجر بين المدينة والشام وفي الحجر قولان

[ 301 ]

أحدهما أنه اسم الوادي الذي كانوا به قاله قتادة والزجاج والثاني اسم مدينتهم قاله الزهري ومقاتل قال المفسرون والمراد بالمرسلين صالح وحده لأن من كذب نبيا فقد كذب الكل والمراد بالآيات الناقة قال ابن عباس كان في آيات خروجها من الصخرة ودنو نتاجها عند خروجها وعظم خلقها فلم تشبهها ناقة وكثرة لبنها حتى كان يكفيهم جميعا (فكانوا حتى عنها معرضين) لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم قوله تعالى (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا) قد شرحناه في (الأعراف 74) وفي قوله (آمنين) ثلاثة أقوال أحدها آمنين ان تقع عليهم والثاني آمنين من خرابها والثالث من عذاب اللة عز وجل وفي قولة تعالي (ما كانوا يكسبون) قولان احدهما ما كانوا يعملون من نحت الجبال والثاني ما كانوا يكسبون من الأموال والأنعام قولة تعالي (إلا بالحق) أي للحق ولإظهار الحق وهو ثواب المصدق وعقاب المكذب (وإن الساعة لآتية) أي وإن القيامة لتأتي فيجازى المشركون بأعمالهم (فأصفح تعالى الصفح الجميل) عنهم وهو الإعراض الخالي من جزع وفحش قال المفسرون وهذا منسوخ بآية السيف فأما (الخلاق فإن) فهو خالق كل شيئ و (العليم) قد سبق شرحة (البقرة 29)

[ 302 ]

(ولقد اتيناك سبعا من المثاني والقران العظيم لاتمدن عينيك إلى ما متعنا بة ازواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين وقل إني انا النذير المبين) قولة تعالى (ولقد اتيناك سبعا من المثانى) سبب نزولها أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد فيها أنواع من البز والطيب والجواهر ققال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله هذه الآية وقال أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل ويدل على صحة هذا قوله (لا تمدن عينيك) الآية قاله الحسين بن الفضل وفي المراد بالسبع المثاني أربعة أقوال أحدها أنها فاتحة الكتاب قاله عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود في رواية وابن عباس في رواية الأكثرين عنه وأبو هريرة والحسن وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية وعطاء وقتادة في آخرين فعلى هذا إنما سميت بالسبع لأنها سبع آيات وفي تسميتها بالمثاني سبعة أقوال أحدها لأن الله استثناها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يعطها أمة قبلهم رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني لأنها تثنى في كل ركعة رواه أبو صالح عن ابن عباس قال ابن الأنباري والمعنى آتيناك السبع الآيات التي تثنى في كل ركعة وإنما دخلت من للتوكيد كقوله تعالى (ولهم فيها من كل الثمرات) [ محمد 15 ] وقال ابن قتيبة سمي الحمد مثاني لأنها تثنى في كل صلاة والثالث لأنها ما أثنى به على الله تعالى لأن فيها حمد الله وتوحيده وذكر مملكته ذكره الزجاج والرابع لأن فيها الرحمن الرحيم مرتين ذكره أبو سليمان الدمشقي عن بعض اللغويين وهذا على قول من يرى التسمية منها

[ 303 ]

والخامس لأنها مقسومة بين الله تعالى وبين عبده ويدل عليه حديث أبي هريرة قسمت الصلاة بيني وبين عبدي والسادس لأنها نزلت مرتين ذكره الحسين بن الفضل والسابع لأن كلماتها مثناه مثل الرحمن الرحيم إياك إياك الصراط صراط عليهم عليهم غير غير ذكره بعض المفسرين ومن أعظم فضائلها أن الله تعالى جعلها في حيز والقرآن كله في حيز وامتن عليه بها امتن عليه بالقرآن كله والقول الثاني أنها السبع الطول قاله ابن مسعود في رواية وابن عباس في رواية وسعيد بن جبير في رواية ومجاهد في رواية والضحاك فالسبع الطول هي (البقرة) و (آل عمر عمران) و (النساء) النبي و (المائدة) وإن و (الأنعام) و (الأعراف) وفي السابعة ثلاثة أقوال أحدها أنها (يونس) قاله سعيد بن جبير والثاني (براءة) قاله أبو مالك والثالث (الأنفال) و (براءة) جميعا رواه سفيان عن مسعر عن بعض أهل العلم قال ابن قتيبة وكانوا يرون (الأنفال) و (براءة) سورة واحدة ولذلك لم يفصلوا بينهما قال شيخنا أبو منصور اللغوي هي الطول ولا تقلها بالكسر فعلى هذا في تسميتها بالمثاني قولان أحدهما لأن الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها قاله ابن عباس والثاني لأنها تجاوز المائة الأولى إلى المائة الثانية ذكره الماوردي والقول الثالث أن السبع المثاني سبع معان أنزلت في القرآن أمر ونهي وبشارة وإنذار وضرب الأمثال وتعداد النعم وأخبار الأمم قاله زياد بن أبي مريم والقول الرابع أن المثاني القرآن كله قاله طاووس والضحاك وأبو مالك فعلى هذا في تسمية القرآن بالمثاني أربعة أقوال أحدها لأن بعض الآيات يتلو بعضا فتثنى الآخرة على الأولى ولها مقاطع تفصل الآية بعد

[ 304 ]

الآية كما حتى تنقضي السورة قاله أبو عبيدة والثاني أنه سمي بالمثاني لما يتردد فيه من الثناء على الله عز وجل والثالث لما يتردد فيه من ذكر الجنة والنار والثواب والعقاب والرابع لأن الأقاصيص والأخبار والمواعظ والآداب ثنيت فيه ذكرهن ابن الأنباري وقال ابن قتيبة قد يكون المثاني سور القرآن كله قصارها وطوالها وإنما سمي مثاني لأن الأنباء والقصص تثنى فيه فعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن ويكون في الكلام إضمار تقديره وهي القرآن العظيم فأما قوله (في المثاني) ففي من قولان أحدهما أنها للتبعيض فيكون المعنى آتيناك سبعا من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن والثاني أنها للصفة فيكون السبع هي المثاني ومنه قوله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) [ الحج 30 ] لا أن بعضها رجس ذكر الوجهين الزجاج وقد ذكرنا عن ابن الأنباري قريبا من هذا المعنى قوله تعالى (والقرآن العظيم) يعني العظيم القدر لأنه كلام الله تعالى ووحيه وفي المراد به هاهنا قولان أحدهما أنه جميع القرآن قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك والثاني أنه الفاتحة أيضا قاله أبو هريرة وقد روينا فيه حديثا في أول تفسير (الفاتحة) هو قال ابن الأنباري فعلى القول الأول يكون قد نسق الكل على بعض كما يقول العربي رأيت جدار الدار والدار وإنما يصلح هذا لأن الزيادة التي في الثاني من كثرة العدد أشبه بها ما يغاير الأول فجوز ذلك عطفه عليه وعلى القول الثاني نسق الشئ على نفسه لما زيد عليه معنى المدح والثناء كما قالوا روي ذلك عن عمر وابن الخطاب يريدون ابن الخطاب الفاضل العالم الرفيع المنزلة فلما دخلته زيادة أشبه ما يغاير الأول فعطف عليه ولما ذكر الله تعالى منته عليه بالقرآن نهاه عن النظر إلى الدنيا ليستغني بما آتاه من القرآن عن الدنيا فقال (لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم) أي أصنافا من اليهود والمشركين والمعنى أنه نهاه عن الرغبة في الدنيا وفي قوله (ولا تحزن عليهم) قولان أحدهما لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا

[ 305 ]

والثاني لا تحزن بما أنعمت عليهم في الدنيا قوله تعالى (واخفض جناحك للمؤمنين) أي ألن جانبك لهم وخفض الجناح عبارة عن السكون وترك التصعب وسلم والإباء قال ابن عباس ارفق بهم ولا تغلظ عليهم قوله تعالى (وقل إني أنا النذير المبين) حرك ياء إني ابن كثير وأبو عمرو ونافع وذكر بعض المفسرين أن معناها منسوخ بآية السيف كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون قوله تعالى كما أنزلنا على المقتسمين في هذه الكاف قولان أحدهما أنها متعلقة بقوله (ولقد آتيناك سبعا من المثاني) ثم في معنى الكلام قولان أحدهما أن المعنى ولقد آتيناك سبعا من المثاني كما أنزلنا الكتب على المقتسمين قاله مقاتل والثاني أن المعنى ولقد شرفناك وكرمناك عنه بالسبع المثاني كما شرفناك وأكرمناك إن بالذي أنزلناه على المقتسمين من العذاب والكاف بمعنى مثل وما بمعنى الذي ذكره ابن الأنباري والثاني أنها متعلقة إلا بقوله (إني أنا النذير) والمعنى إني أنا النذير أنذرتكم مثل الذي أنزل على المقتسمين من العذاب وهذا معنى قول الفراء فخرج في معنى أنزلنا قولان أحدهما أنزلنا االكتب فيه على قول مقاتل والثاني المذاب على قول الفراء وفي المقتسمين ثلاثة أقوال أحدها أنهم اليهود والنصارى رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد فعلى هذا في تسميتهم بالمقتسمين ثلاثة أقوال أحدها أنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أنهم اقتسموا القرآن فقال بعضهم هذه السورة لي وقال آخر هذه السورة لي

[ 306 ]

استهزاء به قاله عكرمة والثالث أنهم اقتسموا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر ببعضها وآمن آخرون بما كفر به غيرهم قاله مجاهد والثاني أنهم مشركو قريش قاله قتادة وابن السائب فعلى هذا في تسميتهم بالمقتسمين قولان أحدهما أن أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم إنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأولين منهم الأسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة وعدي بن قيس السهمي والعاص ابن وائل قاله قتادة والثاني أنهم اقتسموا على عقاب مكة قال ابن السائب هم رهط من أهل مكة اقتسموا على عقاب مكة حين حضر الموسم قال لهم الوليد ابن المغيرة انطلقوا فتفرقوا على عقاب مكة حيث يمر بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عنه يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقل بعضكم كاهن وبعضكم ساحر وبعضكم شاعر وبعضكم غاو فإذا انتهوا إلي صدقتكم ومنهم حنظلة ابن أبي سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص ابن هشام وابو قيس بن الوليد وقيس بن الفاكه وزهير بن أبي أمية وهلال ابن عبد الأسود والسائب بن صيفي والنضر بن الحارث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الحجاج وأمية بن خلف وأوس بن المغيرة والثالث أنهم قوم صالح الذين تقاسموا بالله (لنبيتنه وأهله) [ النمل 49 ] فكفاه الله شرهم قاله عبد الرحمن بن زيد فعلى هذا هو من القسم لا من القسمة قوله تعالى (الذين جعلوا القرآن عضين) في المراد بالقرآن قولان أحدهما أنه كتابنا وهو الأظهر وعليه الجمهور والثاني أن المراد به كتب المتقدمين قبلنا وفي عضين قولان أحدهما أنه مأخوذ من الأعضاء قال الكسائي وأبو عبيدة اقتسموا بالقرآن وجعلوه أعضاء ثم في ما فعلوا فيه قولان أحدهما أنهم عضوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه والمعضي صلى المفرق والتعضية تجزئة الذبيحة أعضاء قال علي عليه السلام لا تعضية في ميراث أراد تفريق ما يوجب تفريقه ضررا على الورثة كالسيف ونحوه وقال رؤبة وليس دين الله بالمعضى

[ 307 ]

وهذا المعنى في رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أنهم عضوا القول فيه أي فرقوا فقالوا شعر وقالوا سحر وقالوا كهانة وقالوا أساطير الأولين وهذا المعنى في رواية ابن جريج عن مجاهد وبه قال قتادة وابن زيد والثاني أنه مأخوذ من العضه والعضه بلسان قريش السحر ويقولون للساحرة عاضهة وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن العاضهة والمستعضهة فيكون المعنى جعلوه سحرا وهذا المعنى في رواية عكرمة عن ابن عباس وبه قال عكرمة والفراء قوله تعالى (فوربك لنسألنهم أجميعن عما كانوا يعملون) هذا سؤال توبيخ يسألون عما عملوا في ما أمروا به من التوحيد والإيمان فيقال لهم لم عصيتهم وتركتم الإيمان فتظهر فضيحتهم عند تعذر الجواب قال أبو العالية يسأل العباد كلهم يوم القيامة عن خلتين عما كانوا يعبدون وعما أجابوا المرسلين فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) [ الرحمن 39 ] فعنه جوابان أحدهما أنه لا يسألهم هل عملتم كذا لأنه أعلم وإنما يقول لم عملتم كذا رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنهم يسألون في بعض مواطن القيامة ولا يسألون في بعضها رواه عكرمة عن ابن عباس فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) فيه ثلاثة أقوال أحدها فامض لما تؤمر قاله ابن عباس والثاني أظهر أمرك رواه ليث عن مجاهد قال ابن قتيبة فاصدع بما تؤمر أي أظهر ذلك وأصله الفرق والفتح يريد اصدع الباطل بحقك وقال الزجاج اظهر بما تؤمر به أخذ

[ 308 ]

ذلك من الصديع وهو الصبح قال الشاعر كأن بياض غرته صديع وقال وقال الفراء إنما لم يقل بما تؤمر به لأنه أراد فاصدع بالأمر وذكر ابن الأنباري أن به مضمرة كما تقول مررت بالذي مررت والثالث أن المراد به الجهر بالقرآن في الصلاة رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال موسى بن عبيدة ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه وفي قوله (وأعرض عن المشركين) ثلاثة أقوال أحدها اكفف عن حربهم والثاني لا تبال بهم ولا تلتفت إلى لومهم على إظهار أمرك والثالث أعرض عن الاهتمام باستهزائهم وأكثر المفسرين على أن هذا القدر من الآية منسوخ بآية السيف إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين قوله تعالى (إنا كفيناك المستهزئين) المعنى فاصدع بأمري كما كفيتك المستهزئن أنه وهم قوم كانوا يستهزئون به وبالقرآن وفي عددهم قولان أحدهما أنهم كانوا خمسة الوليد بن المغيرة وأبو زمعة والأسود بن عبد يغوث والعاص بن وائل والحارث بن قيس قاله ابن عباس واسم أبي زمعة الأسود بن المطلب وكذلك ذكرهم سعيد بن جبير إلا أنه قال مكان الحارث بن قيس الحارث بن غيطلة قال الزهري غيطلة امه وقيس أبوه فهو واحد وإنما ذكرت ذلك لئلا يظن أنه غيره وقد ذكرت في كتاب التلقيح من ينسب إلى أمه من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وسميت آباءهم ليعرفوا إلى أي الأبوين نسبوا وفي رواية عن ابن عباس مكان الحارث ابن قيس عدي بن قيس

[ 309 ]

والثاني أنهم كانوا سبعة قاله الشعبي وابن أبي بزة وعدهم ابن أبي بزة فقال العاص بن وائل والوليد بن المغيرة والحارث بن عدي والأسود ابن المطلب والأسود بن عبد يغوث وأصرم وبعكك ابنا عبد الحارث بن السباق وكذلك عدهم مقاتل إلا أنه قال مكان الحارث بن عدي الحارث بن قيس السهمي وقال أصرم وبعكك ابنا الحجاج بن السباق ذكر ما أهلكهم الله به وكفى رسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم قال المفسرون أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستهزئون يطوفون بالبيت فمر الوليد بن المغيرة فقال جبريل يا محمد كيف تجد هذا فقال بئس عبد الله قال قد كفيت وأومأ إلى ساق الوليد فمر الوليد برجل يريش نبلا له فتعلقت شظية من نبل بازاره فمنعه الكبر أن يطامن وهو لينزعها وجعلت تضرب ساقه فمرض ومات وقيل تعلق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه فمات ومر العاص بن وائل فقال جبريل كيف تجد هذا يا محمد فقال بئس عبد الله فأشار إلى أخمص رجله وقال قد كفيت فدخلت شوكة في أخمصه فانتخفت صلى الله عليه وسلم رجله ومات ومر الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا قال عبد سوء فأشار بيح ده إلى عينيه فعمي وهلك وقيل جعل ينطح برأسه الشجر ويضرب وجهه بالشوك فاستغاث بغلامه فقال لا أرى أحدا يصنع بك هذا غير نفسك فمات وهو يقول قتلني رب محمد ومر الأسود بن عبد يغوث فقال جبريل كيف تجد هذا فقال بئس عبد الله فقال قد كفيت واشار إلى بطنه فسقى بطنه فمات وقيل أصاب عينه شوك فسالت حدقتاه وقيل خرج عن أهله فأصابه السموم فاسود حتى عاد حبشيا فلما أتى أهله لم يعرفوه فأغلقوا دونه الأبواب حتى مات ومر به الحارث بن قيس فقال كيف تجد هذا قال عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال قد كفيت فانتفخ رأسه فمات وقيل أصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتى انقد بطنه وأما أصرم وبعكك فقال مقاتل أخذت أحدهما الدبيلة والآخر ذات الجنب فماتا جميعا قال عكرمة هلك المستهزئون قبل بدر وقال ابن السائب أهلكوا جميعا في يوم وليلة قوله تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) فيه قولان أحدهما أنه التكذيب والثاني الاستهزاء قوله تعالى (فسبح بحمد ربك) فيه قولان أحدهما قل سبحان الله وبحمده قاله الضحاك

[ 310 ]

والثاني فصل بأمر ربك قاله مقاتل وفي قوله (وكن من الساجدين) قولان أحدهما من المصلين والثاني من المتواضعين رويا عن ابن عباس قوله تعالى حتى يأتيك اليقين فيه قولان أحدهما أنه الموت قاله ابن عباس ومجاهد والجمهور وسمي يقينا لأنه موقن به وقال الزجاج معنى الآية اعبد ربك أبدا ولو قيل اعبد ربك بغير توقيت لاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعا فلما قال (حتى يأتيك اليقين) أمر بالإقامة على العبادة ما دام حيا والثاني أنه الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك حكاه الماوردي آخر الجزء الثالث ان شاء الله تعالى سورة النحل ولا بنون الا من اتى الله من شهور سنة ست وثمانين وآله الطاهرين وصحبه الكرام كثيرا (1)

[ 311 ]

سورة المحل مكية وآياتها ععشرون ومائة فصل في نزولها روى مجاهد إذا وعطية وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكية وكذلك روي عن الحسن وعكرمة وعطاء أنها مكية فقال [ كلها ] أي وقال ابن عباس في رواية إنه نزل منها بعد قتل حمزة (وإن عاقتبم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) النحل 126 ] وقال في رواية هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة وهي قوله (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) إلى قوله (يعملون) [ النحل 9597 ] وقال الشعبي كلها مكية إلى قوله (وإن عاقبتم) إلى آخر الآيات [ النحل 128 126 ] وقال قتادة هي مكية إلا خمس ثنا آيات (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا) الآيتين [ النحل 9596 ] به ومن قوله (وإن عاقبتم) إلى آخرها [ النحل 126 ] وقال ابن السائب هي مكية إلا خمس آيات (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا) الآية [ النحل 41 ] وقوله (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) الآية [ النحل 110 ] وقوله (وإن عاقبتم) إلى آخرها [ النحل 126 ] وقال مقاتل مكية إلا سبع آيات قوله (ثم إن ربك للذين هاجروا) الآية [ النحل 110 ] وقوله (من كفر بالله من بعد إيمانه) الآية [ النحل 106 ] وقوله (والذين هاجروا في الله) الآية [ النحل 41 ] وقوله (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة) الآية [ النحل 112 ] وقوله هذا (وإن عاقبتم) ثم إلى آخرها [ النحل 126 ] قال جابر بن زيد أنزل من أول النحل أربعون آية بمكة وبقيتها بالمدينة وروى حماد عن علي بن زيد قال كان يقال لسورة النحل سورة النعم يريد لكثرة تعداد النعم فيها بسم الله الرحمن الرحيم أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون ينزل الملئكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا

[ 312 ]

فاتقون خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون قوله تعالى (أتى أمر الله) قرأ حمزة والكسائي بالإمالة سبب نزولها أنه لما نزل قوله تعالى (اقتربت الساعة) [ القمر 1 ] فقال الكفار بعضهم لبعض إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر فلما رأوا أنه لا ينزل شئ قالوا ما نرى شيئا فأنزل الله تعالى (اقترب للناس حسابهم) [ الأنبياء 1 ] فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى (أتى أمر الله) فوثب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزل (فلا تستعجلوه) فاطمأنوا قاله ابن عباس وفي قوله (أتى) رسول ثلاثة أقوال أحدها أتى بمعنى يأتي كما يقال أتاك الخير فأبشر أي سيأتيك قاله ابن قتيبة وشاهده (ونادى أصحاب الجنة) [ الأعراف 44 ] (وإذ قال الله يا عيسى) [ المائدة 116 ] ونحو ذلك والثاني أتى بمعنى قرب قال الزجاج أعلم الله تعالى أن ذلك في قربه بمنزلة ما قد أتى والثالث أن أتى للماضي والمعنى أتى بعض عذاب الله وهو الجدب الذي نزل بهم والجوع (فلا تستعجلوه) فينزل بكم مستقبلا كما نزل ماضيا قاله ابن الأنباري وفي المراد ب أمر الله خمسة أقوال أحدها أنها الساعة وقد يخرج على قول ابن عباس الذي قدمناه وبه قال ابن قتيبة والثاني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الضحاك عن ابن عباس يعني أن خروجه من أمارات الساعة وقال ابن الأنباري أتى أمر الله من أشراط الساعة فلا تستعجلوا قيام الساعة والثالث أنه الأحكام والفرائض قاله الضحاك والرابع عذاب الله ذكره ابن الأنباري والخامس وعيد المشركين ذكره الماوردي قوله تعالى (فلا تستعجلوه) أي لا تطلبوه قبل حينه (سبحانه) أي تنزيه له وبراءة من السوء عما يشركون به من الأصنام

[ 313 ]

قوله تعالى (ينزل الملائكة) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (ينزل) باسكان النون وتخفيف الزاي وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ينزل) بالتشديد وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم (تنزل) ولا بالتاء مضمومة وفتح الزاي مشددة (الملائكة) لم رفع قال ابن عباس يريد بالملائكة جبريل عليه السلام وحده وفي المراد بالروح ستة أقوال أحدها الوحي رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنه النبوة رواه عكرمة عن ابن عباس والثالث أن المعنى تنزل الملائكة بأمره رواه العوفي عن ابن عباس فعلى هذا يكون المعنى أن أمر الله كله روح قال [ الزجاج ] حدثنا الروح ما كان فيه من أمر الله حياة النفوس بالإرشاد والرابع أنه الرحمة قاله الحسن وقتادة والخامس أن أرواح الخلق لا ينزل ملك إلا ومعه روح قاله مجاهد والسادس أنه القرآن قاله ابن زيد فعلى هذا سماه روحا لأن الدين يحيا به كما أن الروح تحيي البدن وقال بعضهم الباء في قوله (بالروح) ابن بمعنى مع فالتقدير مع الروح (من أمره) أي بأمره (على من يشاء من عباده) يعني الأنبياء (أن أنذروا) قال الزجاج والمعنى أنذروا أهل الكفر والمعاصي (أنه لا إله إلا أنا) أي مروهم بتوحيدي وقال غيره أنذروا بأنه لا اله إلا أنا أي مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن لم يقروا خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين قوله تعالى (خلق الإنسان من نطفة) قال المفسرون أخذ أبي بن خلف عظما رميما فجعل يفته ويقول يا محمد كيف يبعت الله هذا بعدما رم فنزلت فيه هذه الآية والخصيم المخاصم والمبين الظاهر الخصومه والمعنى أنه مخلوق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث أفلا يستدل بأولة على آخرة وأن من قدر على إيجادة أولا يقدر على إعادتة قوله ثانية وفية تنبية علي إنعام اللة علية حين نقلة من حال ضعف النطفة إلى القوة التي أمكنة معها الخصام والأنعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلي بلد لم تكونوا بالغية إلا بشق الأنفس إن ربكم

[ 314 ]

لرؤف رحيم قولة تعالي (والأنعام خلقها لكم) الأنعام الإبل والبقر والغنم قوله تعالى (لكم فيها دف ء) فيه قولان أحدهما أنه ما استدفئ به من أوبارها تتخذ ثيابا وأخبية وغير ذلك روى العوفي عن ابن عباس أنه قال يعني بالدف ء اللباس وإلى هذا المعنى ذهب الأكثرون والثاني أنه نسلها روى عكرمة عن ابن عباس (فيها دف ء) قال الدف ء نسل كل دابة وذكر ابن السائب قال يقال الدف ء أولادها ومن لا يحمل من الصغار وحكى ابن فارس اللغوي عن الأموي قال الدف ء عند العرب نتاج الإبل وألبانها قوله تعالى (ومنافع) أي سوى الدف ء من الجلود والألبان والنسل والركوب والعمل عليها إلى غير ذلك (ومنها تأكلون) يعني من لحوم الأنعام قوله تعالى (ولكم فيها جمال) له أي زينة (حين تريحون) أي [ حين ] تردونها إلى مراحلها وهو المكان الذي تأوي إليه فترجع عظام الضروع والأسنمة فيقال هذا مال فلان (وحين تسرحون) ترسلونها بالغداة إلى مراعيها فإن قيل لم قدم الرواح وهو مؤخر فالجواب أنها في حال الرواح تكون أجمل لأنها قد رعت وامتلأت ضروعها وامتدت أسنمتها قوله تعالى (وتحمل أثقالكم) الإشارة بهذا إلى ما يطيق الحمل منها والأثقال جمع ثقل وهو متاع المسافر وفي قوله تعالى (إلى بلد) ذلك قولان أحدهما أنه عام في كل بلد يقصده المسافر وهو قول الأكثرين والثاني أن المراد به مكة قاله عكرمة والأول أصح والمعنى أنها تحملكم محمد إلى كل بلد لو تكلفتم أنتم بلدغه إلى لم تبلغوه إلا بشق الأنفس وفي معنى شق الأنفس قولان أحدهما أنه المشقة قاله الأكثرون قال ابن قتيبة يقال نحن بشق من العيش أي بجهد وفي حديث أم زرع وجدني في أهل غنيمة بشق

[ 315 ]

والثاني أن الشق النصف فكان الجهد ينقص من قوة الرجل ونفسه كأنه قد ذهب نصفه ذكره الفراء قوله تعالى (إن ربكم لرؤوف رحيم) أي حين من عليكم بالنعم التي فيها هذه المرافق والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون قوله تعالى (والخيل) كان أي وخلق الخيل (والبغال أبو والحمير لتركبوها وزينة) أو قال الزجاج المعنى وخلقها زينة فصل ويجوز أكل لحم الخيل وإنما لم يذكر في الآية لأنه ليس هو المقصود وإنما معظم المقصود بهأ) الركوب والزينة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا تؤكل لحوم الخيل قوله تعالى (ويخلق مالا تعلمون) ذكر قوم من المفسرين أن المراد به عجائب المخلوقات في السموات والأرض التي لم يطلع عليها مثل ما يروى أن لله ملكا من صفته كذا وتحت العرش نهر من صفته كذا وقال قوم هو ما أعد الله لأهل الجنة فيها ولأهل النار وقال أبو سليمان الدمشقي في الناس من كره تفسير هذا الحرف وقال الشعبي هذا الحرف من أسرار القرآن وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لعذابكم أجمعين هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون قوله تعالى (وعلى الله قصد السبيل) القصد استقامة الطريق يقال طريق قصد وقاصد إذا قصد بك ما تريد قال الزجاج المعنى وعلى الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبرهان قوله تعالى (ومنها جائر) قال أبو عبيدة السبيل لفظه لفظ الواحد وهو في موضع الجميع فكأنه قال ومن السبل سبيل جائر قال ابن الأنباري لما ذكر السبيل دل على السبل فلذلك

[ 316 ]

قالك (ومنها جائر) كما دل الحدثان على الحوادث في قول العبدي ولا يبقى على الحدثان حي فهل يبقى عليهن السلام عبد أراد فهل يبقى على الحوادث والسلام الصخور قال ويجوز أن يكون إنما قال (ومنها) لأن السبيل تؤنث وتذكر فالمعنى من السبيل جائر وقال ابن قتيبة المعنى ومن الطرق جائر لا يهتدون فيه والجائر العادل عن القصد قال ابن عباس ومنها جائر الأهواء المختلفة وقال ابن المبارك الأهواء والبدع قوله تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء) يعني المطر (لكم منه شراب) وهو ما تشربونه (ومنه شجر) ذكر ابن الأنباري في معناه قولين أحدهما ومنه سقي شجر وشرب شجر فخلف المضاف إليه المضاف كقوله (وأشربوا في قلوبهم العجل) [ البقرة 93 ] والثاني أن المعنى ومن جهة الماء شجر ومن سقيه شجر ومن ناحيته شجر فحذف الأول وخلفه الثاني قال زهير [ لمن عليه الديار بقنة الحجر ] أقوين من حجج ومن شهر أي من ممر حجج قال ابن قتيبة والمراد بهذه الشجر المرعى وقال الزجاج كل ما نبت على الأرض فهو شجر قال الشاعر يصف الخيل يعلفها اللحم إذا عز الشجر والخيل في إطعامها اللحم ضرر يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجدبت الأرض و (تسيمون) أبي بمعنى ترعون يقال سامت الإبل فهي سائمة إذا رعت وإنما أخذ ذلك من السومة وهي العلامة وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برعيها علامات قوله تعالى (ينبت لكم به الزرع) (وروى أبو بكر عن عاصم ننبت بالنون قال ابن عباس يريد الحبوب وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى (والنجوم سخرات بأمره) قال الأخفش المعنى وجعل النجوم مسخرات فجاز إضمار فعل غير الأول لأن هذا المضمر في المعنى مثل المظهر وقد تفعل العرب أشد من هذا قال الراجز تسمع في أجوافهن صردا وفي اليدين جسأة وبددا

[ 317 ]

المعنى وترى في اليدين والجسأة اليبس والبدد ما السعة وقال غيره قوله تعالى (مسخرات) لا حال مؤكدة لأن تسخيرها قد عرف بقوله تعالى (وسخر) أن وقرأ ابن عامر والشمس والقمر والنجوم مسخرات رفعا كله وروى حفص عن عاصم بالنصب كالجمهور إلا قوله تعالى (والنجوم مسخرات) على فإنه رفعها وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون قوله تعالى (وما ذرأ لكم) أي وسخر ما ذرأ لكم وذرأ بمعنى خلق وسخر البحر اي ذلله للركوب والغوص فيه (لتأكلوا منه لحما طريا) يعني السمك (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) يعني الدر واللؤلؤ والمرجان وفي هذا دلالة على أن حالفا لو حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا أنه يحنث وقال أبو حنيفة لا يحنث قوله تعالى (وترى الفلك) يعني السفن وفي معنى (مواخر) الله قولان أحدهما جواري قاله ابن عباس قال اللغويون يقال مخرت السفينة مخرا إذا شقت الماء في جريانها والثاني المواقر يعني المملوءة قاله الحسن وفي قوله تعالى (ولتبتغوا من فضله) قولان أحدهما بالركوب فيه للتجارة ابتغاء الربح من فضل الله والثاني بما تستخرجون من حليته وتصيدون قال من حيتانه قال ابن الأنباري وفي دخول الواو في قوله تعالى (ولتبتغوا من فضله) وجهان

[ 318 ]

أحدهما أنها معطوفة عن على لام محذوفة تقديره وترى الفلك مواخر فيه لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا والثاني أنها دخلت لفعل مضمر تقديره وفعل ذلك لكي تبتغوا قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي) أي نصب فيها جبالا ثوابت (أن تميد) من أي لئلا تميد وقال الزجاج كراهة أن تميد يقال ماد الرجل يميد ميدا إذا أدير به وقال ابن قتيبة الميد الحركة والميل يقال فلان يميد في مشيته أي يتكفأ قوله تعالى (وأنهارا) في قال الزجاج المعنى وجعل فيها سبلا لأن معنى ألقى جعل فأما السبل فهي الطرق (ولعلكم تهتدون) أي لكي تهتدوا إلى مقاصدكم قوله تعالى (وعلامات) فيها ثلاثة أقوال أحدها أنها معالم الطرف بالنهار وبالنجم هم يهتدون وبالليل رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنها النجوم أيضا منها ما يكون علامة لا يهتدى به ومنها ما يهتدى به قاله مجاهد وقتادة والنخعي والثالث الجبال قاله ابن السائب ومقاتل وفي المراد بالنجم أربعة أقوال أحدها أنه الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي قاله السدي والثاني أنه الجدي والفرقدان قاله ابن السائب والثالث أنه الجدي وحده لأنه أثبت النجوم كلها في مركزه ذكره الماوردي والرابع أنه اسم جنس والمراد جميع النجوم قاله الزجاج وقرأ الحسن والضحاك وأبو المتوكل ويحيى بن وثاب وبالنجم بضم النون وإسكان الجيم وقرأ الجحدري وبالنجم بضم النون والجيم وقرأ مجاهد وبالنجوم بواو على الجمع وفي المراد بهذا الاهتداء قولان أحدهما الاهتداء إلى القبلة والثاني إلى الطريق في السفر أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم والله يعلم ما تسرون وما تعلنون قوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) يعني الأوثان وإنما عبر عنها ب من لأنهم نحلوها العقل والتمييز (أفلا تذكرون) يعني المشركين يقول أفلا تتعظون كما اتعظ المؤمنون

[ 319 ]

قال الفراء وإنما جاز أن يقول (كمن لا يخلق) لأنه ذكر مع الخالق كقوله (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين) [ النور 45 ] والعرب تقول اشتبه علي الراكب وجمله فما أدري من ذا من ذا لأنهم لما جمعوا بين الإنسان وغيره صلحت من فيهما جميعا قوله تعالى (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) قد فسرناه في (إبراهيم 34) قوله تعالى (إن الله لغفور) بن أي لما كان منكم من تقصيركم في شكر نعمه (رحيم) هذه بكم إذ لم يقطعها عنكم بتقصيركم قوله تعالى (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) روى عبد الوارث إلا القزاز يسرون ويعلنون بالياء والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون قوله تعالى (والذين تدعون من دون الله) قرأ عاصم يدعون بالياء قوله تعالى (أموات غير أحياء) يعني الأصنام قال الفراء ومعنى الأموات هاهنا أنها لا روح فيها قال الأخفش وقوله (غير أحياء) توكيد قوله تعالى (وما يشعرون أيان يبعثون) أيان بمعنى متى وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنها الأصنام عبر عنها كما يعبر عن الآدميين قال ابن عباس وذلك أن الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيتبرؤون من عبادتهم ثم يؤمر بالشياطين والذين كانوا يعبدونها إلى النار الثاني أنهم الكفار لا يعلمون متى بعثهم قاله مقاتل إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين

[ 320 ]

يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتيهم سنة العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول اين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين قوله تعالى (إلهكم عمرو إله واحد) قد ذكرناه في سورة (البقرة 163) قوله تعالى (فالذين لا يؤمنون بالآخرة) أي بالبعث والجزاء (قلوبهم قبل منكرة) يحيى أي جاحدة لا تعرف التوحيد (وهم مستكبرون) أي ممتنعون من قبول الحق قوله تعالى (لا جرم) قد فسرناه في (هود 22) ومعنى الآية أنه يجازيهم بسرهم وعلنهم لأنه يعلمه والمستكبرون المتكبرون عن التوحيد والإيمان وقال مقاتل ما يسرون حين بعثوا في كل طريق من يصد الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون حين أظهروا العداوة لرسول الله قوله تعالى (وإذا قيل لهم) يعني المستكبرين (ماذا أنزل ربكم) على محمد صلى الله عليه وسلم قال الزجاج ماذا بمعنى مالذي و (أساطير الأولين) مرفوعة على الجواب كأنهم قالوا الذي أنزل أساطير الأولين أي الذي تذكرون أنتم أنه منزل أساطير الأولين وقد شرحنا معنى الأساطير في (الأنعام 25) قال مقاتل الذين بعثهم الوليد بن المغيرة في طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان ويقول بعضهم إن محمدا ساحر ويقول بعضهم شاعر وقد شرحنا هذا المعنى في (الحجر 90) في ذكر المقتسمين قولة تعالى (ليحملوا اوزارهم) هذة لام العاقبة وقد شرحناها في الرحمن غير موضع والأوز الاثام وإنما قال كاملة لأنه لم يكفر منها شئ بما يصيبهم من نكبة وأبو بلية كما يكفر عن المؤمن (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) أي أنهم أضلوهم بغير دليل وإنما حملوا من اوزار الأتباع لأنهم كانوا رؤساء يقتدى بهم في الضلالة وقد ذكر ابن الأنباري في من وجهين أحدهما أنها للتبعيض فهم يحملون ما شركوهم فيه فأما ما ركبه أولئك باختيارهم من غير تزيين هؤلاء فلا يحملونه فيصح معنى التبعيض والثاني أن من مؤكدة والمعنى وأوزار الذين يضلونهم (ألا ساء ما يزرون) أي بئس

[ 321 ]

ما حملوا على ظهورهم قوله تعالى (قد مكر الذين من قبلهم) قال المفسرون يعني به النمرود ابن كنعان وذلك أنه بنى صرحا طويلا واختلفوا في طوله فقال ابن عباس خمسة آلاف ذراع وقال مقاتل كان طوله فرسخين قالوا ورام أن يصعد إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه ومعنى المكر هاهنا التدبير الفاسد وفي الهاء والميم من قبلهم قولان أحدهما أنها للمقتسمين على عقاب مكة قاله ابن السائب والثاني لكفار مكة قاله مقاتل قوله تعالى (فأتى الله بنيانهم من القواعد) أي من الأساس قال المفسرون أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر وخر عليهم الباقي قال السدي لما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية وهذا قول مردود لأن التبلبل وكان يوجب الاختلاط والتكلم بشئ غير مستقيم فأما أن يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي فباطل وإنما اللغات تعليم من الله تعالى فإن قيل إذا كان الماكر واحدا فكيف قال الذين ولم يقل الذي فعنه ثلاثة أجوبة أحدها أنه كان الماكر ملكا له أتباع فأدخلوا معه في الوصف والثاني أن العرب توقع الجمع على الواحد فيقول قائلهم خرجت إلى البصرة على البغال وإنما خرج على بغل واحد والثالث أن الذين غير موقع على واحد معين لكنه يراد به قد مكر الجبارون الذين من قبلهم فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري قال وذكر بعض العلماء أنه إنما قال من فوقهم لينبه على أنهم كانوا تحته إذ لو لم يقل ذلك لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته لأن العرب تقول سقط علينا البيت وخر علينا الحانوت وتداعت علينا الدار وليسوا تحت ذلك قوله تعالى (وأتاهم روى العذاب من حيث لا يشعرون) أي من حيث ظنوا أنهم آمنون فيه قال السدي أخذوا من مأمنهم وروى عطية عن ابن عباس قال خر عليهم عذاب من السماء وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط وقال ابن قتيبة هذا مثل والمعنى أهلكهم الله

[ 322 ]

كما هلك من هدم مسكنه من أسفله فخر عليه قوله تعالى (ثم يوم القيامة يخزيهم) أي يذلهم بالعذاب (ويقول أين شركائي) قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي شركائي الذين بهمزة وفتح الياء وقال البزي عن ابن كثير شركاي مثل هداي والمعنى أين شركائي على زعمكم هلا دفعوا عنكم (الذين كنتم تشاقون فيهم) أي تخالفون المسلمين فتعبدونهم وهم يعبدون الله وقرأ نافع تشاقون بكسر النون أراد تشاقونني فحذف النون الثانية وأبقى الكسرة تدل عليها والمعنى كنتم تنازعونني ولم فيهم وتخالفون أمري لأجلهم قوله تعالى (قال الذين أوتوا العلم) فيهم ثلاثة أقوال أحدها أنهم الملائكة قاله ابن عباس والثاني الحفظة من الملائكة قاله مقاتل والثالث أنهم المؤمنون فأما الخزي فقد شرحناه في مواضع [ آل عمران 192 ] بين والسوء هاهنا العذاب الذين تتوفيهم الملئكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين أهل قوله تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) قال عكرمة هؤلاء قوم كانوا بمكة أقروا بالإسلام ولم يهاجروا فأخرجهم المشركون كرها إلى بدر فقتل بعضهم وقد شرحنا هذا في سورة (النساء 97) قوله تعالى (فألقوا السلم) قال ابن قتيبة انقادوا واستسلموا والسلم الاستسلام قال المفسرون وهذا عند الموت يتبرؤون من الشرك وهم قولهم (ماكنا نعمل من سوء) وهو الشرك فترد عليهم الملائكة فتقول بلى وقيل هذا رد خزنة جهنم عليهم (بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون) من الشرك والتكذيب ثم يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم وقد سبق تفسير ألفاظ الآية ] النساء 97 ] و [ الحجر 44 ]

[ 323 ]

وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفيهم الملئكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلو الجنة بما كنتم تعملون قوله تعالى (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم) روى أبو صالح عن ابن عباس أن مشركي قريش بعثوا ستة عشر رجلا إلى عقاب مكة أيام الحج على طريق الناس ففرقوهم على كل عقبة أربعة رجال ليصدوا الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لهم من أتاكم من الناس يسألكم عن محمد فليقل بعضكم شاعر وبعضكم كاهن وبعضكم مجنون وألا تروه ولا يراكم خير لكم فإذا انتهوا إلينا صدقانكم حديث فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلى كل أربعة منهم أربعة من المسلمين فيهم عبد الله بن مسعود فأمروا أن يكذبوهم فكان الناس إذا مروا على المشركين فقالوا ما قالوا رد عليهم المسلمون وقالوا كذبوا بل يدعو إلى الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير فيقولون وما هذا الخير الذي يدعوا إليه فيقولون (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) قوله تعالى (قالوا خيرا) أي أنزل خيرا ثم فسر ذلك الخير فقال (للذين أحسنوا في هذه الدنيا) قالوا لا إله إلا الله وأحسنوا العمل (حسنة) أي كرامة من الله تعالى في الآخرة وهي الجنة وقيل للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة في الدنيا وهي ما رزقهم من خيرها وطاعته فيها (ولدار الآخرة) يعني الجنة (خير) من الدنيا وفي قوله تعالى (ولنعم دار المتقين) قولان أحدهما أنها الجنة قاله الجمهور قال ابن الأنباري في الكلام محذوف تقديره ولنعم دار المتقين الآخرة غير أنه لما ذكرت أولا عرف معناها آخرا ويجوز أن يكون المعنى ولنعم دار المتقين جنات عدن والثاني أنها الدنيا قال الحسن ولنعم دار المتقين الدنيا لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة قوله تعالى (جنات عدن) قد شرحناه في (براءة 72) قوله تعالى (الذين تتوفاهم الملائكة) وقرأ حمزة يتوفاهم بياء مع الإمالة وفي معنى

[ 324 ]

طيبين خمسة أقوال أحدها مؤمنين والثاني طاهرين من الشرك والثالث زاكية أفعالهم وأقوالهم والرابع طيبة وفاتهم سهل خروج أرواحهم والخامسة طيبة أنفسهم بالموت ثقة بالثواب قوله تعالى (يقولون) يعني الملائكة (سلام عليكم) وفي أي وقت يكون هذا [ السلام ] عند فيه قولان أحدهما عند الموت قال البراء بن عازب يسلم عليه ملك الموت إذا دخل عليه وقال القرظي ويقول له الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويبشره بالجنة والثاني عند دخول الجنة قال مقاتل هذا قول خزنة الجنة لهم في الآخرة يقولون سلام عليكم هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملئكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيأت ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن قوله تعالى (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) وقرأ حمزة والكسائي يأتيهم بالياء وهذا تهديد للمشركين وقد شرحناه في (البقرة 210) وآخر (الأنعام 158) وفي قوله تعالى (أو يأتي أمر ربك) قولان أحدهما أمر الله فيهم قاله ابن عباس والثاني العذاب في الدنيا قاله مقاتل قوله تعالى (كذلك فعل الذين من قبلهم) يريد كفار الأمم الماضية كذبوا كما كذب هؤلاء (وما ظلمهم الله) باهلاكهم (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بالشرك (فأصابهم سيئات ما

[ 325 ]

عملو) لأنه أي جزاؤها قال ابن عباس جزاء ما عملوا من الشرك (وحاق بهم) قد بيناه في سورة (الأنعام 10) والمعنى أحاط بهم (ما كانوا به يستهزؤن) من العذاب وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلى البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هديهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين قوله تعالى (وقال الذين أشركوا) يعني كفار مكة (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ) يعين الأصنام أي لو شاء ما أشركنا ولا حرمنا من دونه من شئ من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والحرث وذلك أنه لما نزل (وما تشاؤون أخبرنا إلا أن يشاء الله) [ الدهر يا 30 ] قالوا هذا على سبيل الاستهزاء لا على سبيل الاعتقاد وقيل معنى كلامهم لو لم يأمرنا بهذا ويرده منا لم نأته قوله تعالى (كذلك فعل الذين من قبلهم) أي من تكذيب الرسل وتحريم ما أحل الله (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) يعني ليس عليهم إلا التبليغ فأما الهداية فهي إلى الله تعالى وبين ذلك بقوله (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) أي كما بعثناك في هؤلاء (أن اعبدوا الله) أي وحدوه (واجتنبوا لو الطاغوت) وهو الشيطان (فمنهم من هدى الله) أي أرشده (يومنهم ثنا من حقت عليه الضلالة) أي وجبت في سابق علم الله فأعلم الله عز وجل أنه إنما بعث الرسل بالأمر بالعبادة وهو من وراء الإضلال والهداية (فسيروا في الأرض) أي معتبرين بآثار الأمم المكذبة ثم أكد أن من حقت عليه الضلالة لا يهتدي فقال (إن تحرص على هداهم) أي [ إن ] تطلب هداهم بجهدك (فإن الله لا يهدي من يضل) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر لا يهدى برفع الياء وفتح الدال والمعنى من أضله فلا هادي له وقرأ عاصم وحمزة والكسائي يهدي بفتح الياء وكسر الدال ولم يختلفوا في يضل أنها بضم الياء وكسر الضاد

[ 326 ]

وهذه القراءة تحتمل معنيين ذكرهما ابن الأنباري أحدهما لا يهدي من طبعه ضالا وخلقه شقيا والثاني لا يهدي أي لا يهتدي من أضله أي من أضله الله لا يهتدي فيكون معنى يهدي يهتدي تقول العرب قد هدي فلان الطريق يريدون اهتدى واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون قوله تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) سبب نزولها أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت فقال المشرك وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت فأقسم بالله (لا يبعث الله من يموت) فنزلت هذه الآية قاله أبو العالية و (جهد أيمانهم) مفسر في (المائدة 53) وقوله (بلى) رد عليهم قال الفراء والمعنى (بلى) ليبعثنهم (وعدا عليه حقا) قوله تعالى (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) قال الزجاج يجوز أن يكون متعلقا بالبعث فيكون المعنى بلى يبعثهم فيبين لهم ويجوز أن يكون متعلقا بقوله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) ليبين لهم وللمفسرين في قوله (ليبين لهم) قولان أحدهما أنهم جميع الناس قاله قتادة والثانى أنهم المشركون يبين لهم بالبعث ما خالفوا المؤمنين فيه قوله تعالى (أنهم كانوا كاذبين) أي فيما أقسموا عليه من نفي البعث ثم أخبر بقدرته

[ 327 ]

على البعث بقوله (إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة فيكون رفعا وكذلك في كل القرآن وقرأ ابن عامر والكسائي فيكون نصبا قال مكي بن إبراهيم من رفع قطعه عما قبله والمعنى فهو يكون ومن نصب عطفه على يقول وهذا مثل قوله (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) وقد فسرناه في (البقرة 117) فإن قيل كيف سمي الشئ قبل وجوده شيئا فالجواب أن الشئ وقع على المعلوم عند الله قبل الخلق لأنه بمنزلة ما قد عوين وشوهد قوله تعالى (والذين هاجروا في الله) اختلفوا فيمن نزلت على ثلاثة أقوال أحدها أنها نزلت في ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرت وعايش وجبر موليان لقريش أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإسلام قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو قاله داود بن أبي هند والثالث أنهم جميع المهاجرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله قتادة ومعنى هاجروا في الله أي في طلب رضاه وثوابه (من بعد ما ظلموا) بما نال المشركون منهم (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) وفيها خمسة أقوال أحدها لننزلنهم المدينة روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس وبه قال الحسن والشعبي وقتادة فيكون المعنى لنبوئنهم دارا حسنة وبلدة حسنة والثاني لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن قاله مجاهد والثالث النصر على العدو قاله الضحاك والرابع أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن وصار لأولادهم من الشرف ذكره الماوردي وقد روي معناه عن مجاهد فروى عنه ابن أبي نجيح أنه قال (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) قال لسان صادق والخامس أن المعنى لنحسنن إليهم في الدنيا قال بعض أهل المعاني فتكون على هذه الأقوال لنبوئنهم على سبيل الاستعارة إلا على القول الأول قوله تعالى (ولأجر الآخرة أكبر) قال ابن عباس يعني الجنة (لو كانوا يعلمون) يعني أهل مكة

[ 328 ]

ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه قال خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل ثم يتلو هذه الآية ثم إن الله أثنى عليهم ومدحهم بالصبر فقال (الذين صبروا) أي على دينهم لم يتركوه لأذى نالهم وهم في ذلك واثقون بربهم وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون قوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا) قال المفسرون لما أنكر مشركو قريش نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلا بعث إلينا ملكا فنزلت هذه الآية والمعنى أن الرسل كانوا مثلك آدميين إلا أنهم يوحى إليهم وقرأ حفص عن عاصم نوحي بالنون وكسر الحاء (فاسألوا) يكون يا معشر المشركين (أهل الذكر) وفيهم أربعة أقوال أحدها أنهم أهل التوراة والإنجيل قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أهل التوراة قاله مجاهد والثالث أهل القرآن قاله ابن زيد والرابع العلماء بأخبار من سلف ذكره الماوردي وفي قوله تعالى (إن كنتم لا تعلمون) قولان أحدهما لا تعلمون أن الله تعالى بعث رسولا من البشر والثاني لا تعلمون أن محمدا رسول الله فعلى القول الأول جائز أن يسأل من آمن برسول الله ومن كفر لأن أهل الكتاب والعلم بالسير متفقون على أن الأنبياء كلهم من البشروعلى مع الثاني إنما يسأل من آمن من أهل الكتاب وقد روي عن مجاهد (فاسألوا أهل الذكر) قال عبد الله بن سلام وعن قتادة قال سليمان الفارسي قوله تعالى (بالبينات والزبر) سعيد في هذه الباء قولان أحدهما أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا أرسلناهم بالبينات والزبر الكتب وقد شرحنا في (آل عمران 184)

[ 329 ]

قوله تعالى (وأنزلنا إليك الذكر) وهو القرآن باجماع المفسرين (لتبين للناس ما نزل إليهم) [ فيه ] من حلال وحرام ووعد ووعيد (ولعلهم يتفكرون) في ذلك فيعتبرون أفأمن الذين مكروا السيآت أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم قوله تعالى (أفأمن الذين مكروا السيئات) قال المفسرون أراد مشركي مكة ومكرهم السيئات شركهم وتكذيبهم وسمي ذلك مكرا لأن المكر في اللغة السعي بالفساد وهذا استفهام إنكار ومعناه ينبغي أن لا يأمنوا العقوبة وكان مجاهد يقول عنى بهذا الكلام نمرود بن كنعان قوله تعالى (أو يأخذهم في تقلبهم) فيه اربعة أقوال أحدها في أسفارهم رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال قتادة والثاني في منامهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث في ليلهم ونهارهم قاله الضحاك وابن جريج ومقاتل والرابع أنه جميع ما يتقلبون فيه قاله الزجاج قوله تعالى (أو يأخذهم على تخوف) فيه قولان أحدهما على تنقص قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك قال ابن قتيبة التخوف التنقص ومثله التخون بكر يقال تخوفته الدهور وتخونته قد إذا نقصته وأخذت من ماله وجسمه وقال الهيثم بن عدي التخوف التنقص بلغة أزد شنوءة ثم في هذا التنقص ثلاثة اقوال أحدها أنه تنقص من أعمالهم رواه الضحاك عن ابن عباس والثاني أخذ واحد بعد واحد روي عن ابن عباس أيضا والثالث تنقص أموالهم وثمارهم حتى يهلكهم قاله الزجاج

[ 330 ]

والثاني أنه التخوف نفسه ثم فيه قولان أحدهما يأخذهم على خوف أن يعاقب أو يتجاوز قاله قتادة والثاني أنه يأخذ قرية لتخاف القرية الأخرى قاله الضحاك وقال الزجاج يأخذهم بعد أن يخيفهم بأن يهلك قرية فتخاف التي تليها فعلى هذا خوفهم قبل هلاكهم فلم يتوبوا فاستحقوا العذاب قوله تعالى (فإن ربكم لرؤوف رحيم) إذ لم يعجل بالعقوبة وأمهل للتوبة أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملئكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون قوله تعالى (أولم يروا) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر أولم يروا بالياء وقرأ حمزة والكسائي تروا بالتاء واختلف عن عاصم قوله تعالى (إلى ما خلق الله من شئ) أراد من شئ له ظل من جبل أو شجر أو جسم قائم (يتفيأ) وفي قرأ الجماعة بالياء وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالتاء (ضلاله) كل وهو جمع ظل وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد لأنه واحد يراد به الكثرة كقوله تعالى (لتستووا على ظهوره) [ الزخرف 13 ] قال ابن قتيبة ومعنى يتفيأ ظلاله يدور ويرجع من جانب إلى جانب والفئ الرجوع ومنه قيل للظل بالعشي فيئ لأنه فاء عن المغرب إلى المشرق قال المفسرون إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة كان الظل قدامك فإذا ارتفعت كان عن يمينك فإذا كان بعد ذلك كان خلفك وإذا دنت للغروب كان على يسارك وإنما وحد اليمين والمراد به الجمع ايجازا في اللغظ كقوله تعالى (ويولون الدبر) [ القمر 45 ] ودلت الشمائل على أن المراد به الجميع وقال الفراء إنما وحد اليمين وجمع الشمائل ولم يقل الشمال لأن كل ذلك جائز في اللغة وأنشد الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس

[ 331 ]

ولم يقل جلود ومثله كلوا في نصف بطنكم تعيشوا فإن زمانكم زمن خميص وإنما جاز التوحيد لأن أكثر الكلام يواجه به الواحد وقال غيره اليمين راجعة إلى لفظ ما وهو واحد والشمائل راجعة إلى المعنى قوله تعالى (سجدا لله) قال ابن قتيبة مستسلمة منقادة وقد شرحنا هذا المعنى عند قوله تعالى (وظلالهم بالغدو والآصال) [ الرعد 15 ] وفي قوله تعالى (وهم داخرون) قولان أحدهما والكفار صاغرون والثاني وهذه الاشياء داخرة مجبولة على الطاعة قال الأخفش إنما ذكر من ليس من الإنس لأنه لما وصفهم بالطاعة أشبهوا الإنس في الفعل قوله تعالى (ولله يسجد ما في السموات) الآية الساجدون على ضربين أحدهما من يعقل فسجوده عبادة والثاني من لا يعقل فسجوده بيان أثر الصنعة فيه والخضوع الذي يدل على أنه فمخلوق هذا قول جماعة من العلماء واحتجوا في ذلك بقول الشاعر بجيش تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر قال ابن قتيبة حجراته أي جوانبه يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت فأما الشمس والقمر والنجوم فألحقها جماعة بمن يعقل فقال أبو العالية سجودها حقيقة ما منها غارب إلا خر ساجدا بين يدي الله عز وجل ثم لا ينصرف حتى يؤذن له ويشهد لقول أبي العالية حديث أبي ذر قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد حين وجبت الشمس فقال يا أبا ذر تدري أين ذهبت الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها عز وجل فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها فكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فترجع إلى مطلعها فذلك مستقرها ثم قرأ (والشمس تجري لمستقر لها) [ يس 38 ] أخرجه البخاري ومسلم وأما النبات والشجر فلا يخلو سجوده من أربعة أشياء أحدها أن يكون سجودا لا نعلمه وهذا إذا قلنا إن الله يودعه فهما والثاني أنه تفيؤ ظلاله والثالث بيان الصنعة فيه

[ 332 ]

والرابع الانقياد لما سخر له قوله تعالى (والملائكة) فلا إنما أخرج الملائكة من الدواب لخروجهم بالأجنحة عن صفة الدبيب وفي قوله (وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) قولان أحدهما أنه من صفة الملائكة خاصة قاله ابن السائب ومقاتل والثاني أنه عام في جميع المذكورات قاله أبو سليمان الدمشقي وفي قوله (من فوقهم) قولان ذكرهما ابن الأنباري أحدهما أنه ثناء على الله تعالى وتعظيم لشأنه وتلخيصه يخافون ربهم عاليا رفيعا عظيما والثاني أنه حال وتلخيصه يخافون ربهم معظمين له عالمين بعظيم سلطانه وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السموات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون قوله تعالى (وقال الله لا تتخذوا آلهين اثنين) سبب نزولها أن رجلا من المسلمين دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال رجل من المشركين أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا يدعو ربين اثنين فنزلت هذه الآية قاله مقاتل قال الزجاج ذكر الاثنين توكيد كما قال تعالى (إنما هو إله واحد) قوله تعالى (وله الدين واصبا) في المراد بالدين أربعة أقوال أحدها أنه الإخلاص قاله مجاهد والثاني العبادة قاله سعيد بن جبير والثالث شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الحدود والفرائض قاله عكرمة والرابع الطاعة قاله ابن قتيبة وفي معنى واصبا أربعة أقوال أحدها دائما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد والثوري واللغويون قال أبو الأسود الدؤلي لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه يوما بذم الدهر أجمع واصبا منه قال ابن قتيبة معنى الكلام أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو

[ 333 ]

هلكه غير الله عز وجل فإن الطاعة تدوم له والثاني واجبا رواه عكرمة عن ابن عباس والثالث خالصا قاله الربيع بن أنس والرابع وله الدين موصبا أي متعبا لأن الحق نقيل وهو كما تقول العرب هم ناصب أي منصب قال النابغة كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيئ: الكواكب ذكره ابن الأنباري قال الزجاج ويجوز أن يكون المعنى له الدين والطاعة رضي العبد بما يؤمر به وسهل عليه أو لم يسهل فله الدين وإن كان فيه الوصب والوصب شدة التعب وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون قوله تعالى (وما بكم من نعمة) قال الزجاج المعنى ما حل بكم من نعمة من صحة في جسم أو سعة في رزق أو متاع من مال وولد (فمن الله) وقرأ ابن أبي عبلة فمن الله بتشديد النون قوله تعالى (ثم إذا مسكم الضر) قال ابن عباس يريد الأسقام والأمراض والحاجة قوله تعالى (فإليه غير تجأرون) قال الزجاج تجأرون ترفعون أصواتكم إليه بالاستغاثة يقال جأر يجأر جؤارا والأصوات مبنية على فعال وفعيل فأما فعال فنحو الصراخ والخوار وأما الفعيل فنحو العويل والزئير والفعال أكثر قوله تعالى (إذا فريق منكم) قال ابن عباس يريد أهل النفاق قال ابن السائب يعني الكفار قوله تعالى (ليكفروا بما آتيناهم) قال الزجاج المعنى ليكفروا بأنا أنعمنا عليهم فجعلوا نعمنا سببا إلى الكفر وهو كقوله تعالى (ربنا إنك آتيت فرعون) إلى قوله (ليضلوا عن

[ 334 ]

سبيلك) [ يونس 88 ] ويجوز أن يكون ليكفروا أي ليجحدوا نعمة الله في ذلك قوله تعالى (فتمتعوا) تهدد (فسوف تعلمون) عاقبة أمركم ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون قوله تعالى (ويجعلون لما لا يعلمون) يعني الأوثان وفي الذين لا يعلمون قولان أحدهما أنهم الجاعلون وهم المشركون والمعنى لما لا يعلمون لها ضرا ولا نفعا فمفعول العلم محذوف وتقديره ما قلنا هذا قول مجاهد وقتادة والثاني أنها الأصنام التي لا تعلم شيئا وليس لها حس ولا معرفة وإنما قال يعلمون لأنهم لما نحولها الفهم أجراها مجرى من يعقل على زعمهم قاله جماعة من أهل المعاني قال المفسرون وهؤلاء مشركو العرب جعلوا لأوثانهم جزءا من أموالهم كالبحيرة والسائبة وغير ذلك مما شرحناه في (الأنعام 139) قوله تعالى تالله لتسألن رجع عن الإخبار عنهم إلى الخطاب لهم وهذا سؤال توبيخ قوله تعالى ويجعلون لله البنات قال المفسرون يعني خزاعة وكنانة زعموا أن الملائكة بنات الله سبحانه أي تنزه عما زعموا ولهم ما يشتهون يعني البنين قال أبو سليمان بعد المعنى ويتمنون لأنفسهم الذكور قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بالأنثى أي أخبر أنه قد ولد له بنت ظل وجهه مسودا قال الزجاج أي متغير تغير مغتم يقال لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه غما وحزنا قوله تعالى وهو كظيم أي يكظم شدة وجده فلا يظهره وقد شرحناه في سورة (يوسف 84) قوله تعالى يتوارى من القوم قال المفسرون وهذا صنيع مشركي العرب كان أحدهم

[ 335 ]

إذا ضرب امرأته المخاض توارى إلى أن يعلم ما يولد له فان كان ذكرا سر به وإن كانت أنثى لم يظهر أياما يدبر كيف يصنع في أمرها وهو قوله تعالى أيمسكه على هون يقول فالهاء ترجع إلى ما في قوله ما بشر به والهون في كلام العرب الهوان وقرأ ابن مسعود وابن أبي عبلة والجحدري على هوان والدس إخفاء الشئ في الشئ وكانوا يدفنون البنت وهي حية ألا ساء ما يحكمون إذ جعلوا لله البنات اللاتي محلهن منهم هذا ونسبوه إلى الولد وجعلوا لأنفسهم البنين للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم قوله تعالى للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء أي صفة السوء من احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للاناث خوف الفقر والعار ولله المثل الأعلى أي الصفة العليا من تنزهه وبراءته عن الولد ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قوله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم أي بشركهم ومعاصيهم كلما وجد شئ منهم أوخذوا الذي به ما ترك على ظهرها يعني الأرض وهذه كناية عن غير مذكور غير أنه مفهوم لأن الدواب إنما هي على الأرض وفي قوله من دابة ثلاثة أقوال أحدها أنه عنى جميع ما يدب على وجه الأرض قاله ابن مسعود قال قتادة وقد فعل ذلك في زمن نوح عليه السلام وقال السدي المعنى لأقحط لأن المطر فلم تبق دابة إلا هلكت وإلى نحوه ذهب مقاتل والثاني أنه أراد من الناس خاصة قاله ابن جريج والثالث من الإنس والجن قاله ابن السائب وهو اختيار الزجاج قوله تعالى ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى وهو منتهى آجالهم وباقي الآية قد تقدم (الأعراف 34)

[ 336 ]

ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون قوله تعالى ويجعلون لله ما يكرهون المعنى ويحكمون له بما يكرهونه لأنفسهم وهو البنات وتصف ألسنتهم الكذب أي تقول الكذب وقرأ أبو العالية والنخعي وابن أبي عبلة الكذب بضم الكاف والذال ثم فسر ذلك الكذب بقوله أن لهم الحسنى وفيها ثلاثة أقوال أحدها أنها البنون قاله مجاهد وقتادة ومقاتل والثاني أنها الجزاء الحسن من الله تعالى قاله الزجاج والثالث أنها الجنة وذلك أنه لما وعد الله المؤمنين الجنة قال المشركون إن كان ما تقولونه حقا لندخلنها قبلكم ذكره أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى لا جرم قد شرحناها فيما مضى (هود 22) وقال الزجاج لا رد لقولهم والمعنى ليس ذلك كما وصفوا جرم أن لهم النار المعنى جرم فعلهم أي كسب فعلهم هذا أن لهم النار وأنهم مفرطون وفيه أربعة أوجه قرأ الأكثرون مفرطون بسكون الفاء وتخفيف الراء وفتحها وفي معناها قولان أحدهما متركون قاله ابن عباس وقال الفراء منسيون في النار والثاني معجلون قاله ابن عباس أيضا وقال ابن قتيبة معجلون إلى النار قال الزجاج معنى الفرط في اللغة المتقدم فمعنى مفرطون مقدمون إلى النار ومن فسرها متركون فهو كذلك أيضا أي قد جعلوا مقدمين إلى العذاب أبدا متروكين فيه وقرأ نافع ومحبوب عن أبي عمرو وقتيبة عن الكسائي مفرطون بسكون الفاء وكسر الراء وتخفيفها قال الزجاج ومعناها أنهم أفرطوا في معصية الله وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة مفرطون بفتح الفاء وتشديد الراء وكسرها قال الزجاج ومعناها أنهم فرطوا في الدنيا فلم يعملوا فيها للآخرة وتصديق هذه القراءة يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله (الزمر 56) وروى الوليد بن مسلم عن ابن عامر مفرطون بفتح الفاء والراء وتشديدها قال الزجاج وتفسيرها كتفسير القراءة الأولى فالمفرط وقد والمفرط بمعنى واحد

[ 337 ]

تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون قوله تعالى تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك قال المفسرون هذه تعزية للنبي ص = (فزين علي لهم الشيطان أعمالهم) الخبيثة حتى عصوا وكذبوا فهو وليهم اليوم فيه قولان أحدهما أنه يوم القيامة قاله ابن السائب ومقاتل كأنهما أرادا فهو وليهم يوم تكون لهم النار والثاني أنه الدنيا فالمعنى فهو مواليهم في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى إلا لتبين لهم يعني الكفار الذي اختلفوا فيه أي ما خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء فالمعنى أنزلناه بيانا لما وقع فيه الاختلاف والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون قوله تعالى والله أنزل من السماء ماء يعني المطر فأحيا به الأرض بعد موتها أي بعد يبسها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أي يعتبرون قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم قرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي نسقيكم بضم النون ومثله في (المؤمنين 21) وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم نسقيكم بفتح النون فيهما وقرأ أبو جعفر تسقيكم بتاء مفتوحة وكذلك في (المؤمنين 21) وقد

[ 338 ]

سبق بيان الأنعام وذكرنا معنى العبرة في (آل عمران 13) والفرق بين سقى وأسقى في (الحجر 22) فاما قوله مما في بطونه فقال الفراء النعم والأنعام شئ واحد وهما جمعان فرجع التذكير إلى معنى النعم إذ كان يؤدي عن الأنعام أنشدني بعضهم وطاب ألبان اللقاح وبرد فرجع إلى اللبن لأن اللبن والألبان في معنى قال وقال الكسائي أراد نسقيكم مما في البطون ما ذكرنا وهو صواب أنشدني بعضهم مثل الفراخ نتفت حواصله وقال المبرد هذا فاش في القرآن كقوله للشمس هذا ربي (الأنعام 78) يعني هذا الشئ الطالع وكذلك وإني مرسلة إليهم بهدية ثم قال فلما جاء سليمان (النمل 35 حتى 36) ولم يقل جاءت لأن المعنى جاء الشئ الذي ذكرنا وقال أبو عبيدة الهاء في بطونه للبعض والمعنى نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن لأنه ليس لكل الأنعام لبن وقال ابن قتيبة ذهب بقوله مما في بطونه إلى النعم والنعم تذكر وتؤنث والفرث ما في الكرش والمعنى أن اللبن كان طعاما فخلص من ذلك الطعام دم وبقي منه فرث في الكرش وخلص من ذلك الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين أي سهلا في الشرب لا يشجى تعالى به شاربه ولا يغص وقال بعضهم سائغا أي لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم وروى أبو صالح عن ابن عباس قال إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه لبنا والكبد مسلطه على هذه الأصناف الثلاثة فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش قوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تقدير الكلام ولكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا والعرب تضمر ما كقوله وإذا رأيت ثم (الإنسان 20) أي ما ثم والكناية في منه عائدة على ما المضمرة وقال الأخفش إنما لم يقل منهما لأنه أضمر الشئ كأنه قال ومنها شئ تتخذون منه سكرا وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال أحدها أنه الخمر قاله ابن مسعود وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد

[ 339 ]

وابراهيم ابن أبي ليلى والزجاج وابن قتيبة وروى عمرو بن سفيان عن ابن عباس قال السكر ما حرم من ثمرتها وقال هؤلاء المفسرون وهذه الآية نزلت إذ كانت الخمرة مباحة ثم نسخ ذلك بقوله فاجتنبوه (المائدة 90) وممن ذكر أنها منسوخة سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي والنخعي والثاني أن السكر الخل بلغة الحبشة رواه العوفي عن ابن عباس وقال الضحاك هو الخل بلغة اليمن والثالث أن السكر الطعم يقال هذا له سكر أي طعم وأنشدوا جعلت عيب الأكرمين سكرا 5 قاله أبو عبيدة فعلى هذين القولين الآية محكمة فأما الرزق الحسن فهو ما أحل منهما كالتمر والعنب والزبيب والخل ونحو ذلك وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون قوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل في هذا الوحي قولان أحدهما أنه إلهام رواه الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد والضحاك ومقاتل والثاني أنه أمر رواه العوفي عن ابن عباس وروى ابن مجاهد عن أبيه قال أرسل إليها والنحل زنابير العسل واحدتها نحلة ويعرشون يجعلونه عريشا وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم يعرشون بضم الراء وهما لغتان يقال يعرش ويعرش مثل يعكف ويعكف ثم فيه قولان أحدهما ما يعرشون من الكروم قاله ابن زيد والثاني أنها سقوف البيوت قاله الفراء وقال ابن قتيبة كل شئ عرش من كرم أو نبات أو سقف فهو عرش ومعروش فإن وقيل المراد مما يعرشون مما يبنون لهم من الأماكن التي تلقي فيها تلقي فيها العسل ولولا التسخير ما كانت تأوي إليها

[ 340 ]

قوله تعالى ثم علي من كل الثمرات قال ابن قتيبة أي من الثمرات وكل هاهنا ليست على العموم ومثله قوله تدمر كل شئ (الأحقاف 25) قال الزجاج فهي تأكل الحامض والمر ومالا يوصف طعمه فيحيل الله عز وجل من ذلك عسلا قوله تعالى فاسلكي سبل ربك السبل الطرق وهي التي يطلب فيها الرعي والذلل جمع ذلول وفي الموصوف بها قولان أحدهما أنها السبل فالمعنى اسلكي اسبل مذللة لك فلا يتوعر عليها مكان سلكته وهذا قول مجاهد واختيار الزجاج والثاني انها النحل فالمعنى إنك مذللة بالتسخير لبين آدم وهذا وقول قتادة واختيار ابن قتيبة قوله تعالى يخرج من بطونها شراب يعني العسل مختلف ألوانه قال ابن عباس منه أحمر وأبيض وأصفر قال الزجاج يخرج من بطونها إلا أنها تلقيه من أفواهها وإنما قال من بطونها لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن فيخرج كالريق الدائم الذي يخرج من فم ابن آدم قوله تعالى فيه شفاء للناس في هاء الكنابة ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى العسل رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال ابن مسعود واختلفوا هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره أم لا على قولين أحدهما أنه عام في كل مرض قال ابن مسعود العسل شفاء من كل داء وقال قتادة فيه شفاء للناس من الأدواء وقد روى أبو سعيد الخدري قال جاء رجل إلى رسول الله ص = فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه ثم أتى فقال قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا قال اسقه عسلا فذكر الحديث إلى أن قال فشفي إما في الثالثة وإما في الرابعة فقال رسول الله ص = صدق الله وكذب بطن أخيك أخرجه البخاري ومسلم ويعني بقوله صدق الله هذه الآية والثاني فيه شفاء للأوجاع عمر التي شفاؤها فيه قاله السدي والصحيح أن ذلك خرج مخرج

[ 341 ]

الغالب قال ابن الأنباري الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء ويدخل في الأدوية فإذا لم يوافق آحاد المرضى فقد وافق الأكثرين وهذا كقول العرب الماء حياة كل شئ وقد نرى من يقتله الماء وإنما الكلام على الأغلب والثاني أن الهاء ترجع إلى الاعتبار والشفاء بمعنى الهدى قاله الضحاك والثالث أنها ترجع إلى القرآن قاله مجاهد والله خلقكم ثم يتوفيكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير قوله تعالى والله خلقكم أي أو جدكم ولم تكونوا شيئا ثم يتوفاكم عند انقضاء آجالكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وهو أردؤه وأدونه وهي حالة الهرم وفي مقداره من السنين ثلاثة أقوال أحدها خمس وسبعون سنة قاله علي عليه السلام والثاني تسعون سنة قاله قتادة والثالث ثمانون سنة قاله قطرب قوله تعالى لكي لا يعلم بعد علم شيئا قال الفراء لكي لا يعقل من بعد عقله الأول شيئا وقال ابن قتيبة أي حتى لا يعلم بعد علمه بالأمور شيئا لشدة هرمه وقال الزجاج المعنى أن منكم من يكبر حتى يذهب عقله خرفا فيصير بعد أن كان عالما جاهلا ليريكم من قدرته كما قدر على إماتته وإحيائه أنه قادر على نقله من العلم إلى الجهل وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال ليس هذا في المسلمين المسلم لا يزداد في طول العمر والبقاء إلا كرامة عند الله وعقلا ومعرفة وقال عكرمة من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر والله فضل بعضكم على بعض في الزرق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون قوله تعالى والله فضل بعضكم على بعض في الرزق يعني فضل السادة على المماليك فما الذين فضلوا يعني السادة برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فعبرت

[ 342 ]

ما عن من لأنه موضع إبهام تقول ما في الدار فيقول المخاطب رجلان أو ثلاثة ومعنى الآية أن المولى لا يرد على ما ملكت يمينه من ماله حتى يكون المولى والمملوك في المال سواء وهو مثل ضربه الله تعالى للمشركين الذين جعلوا الأصنام شركاء له والأصنام ملكا له يقول إذا لم يكن عبيدكم معكم في الملك سواء فكيف تجعلون عبيدي معي سواء وترضون لي ما تأنفون لأنفسكم منه وروى العوفي عن ابن عباس قال لم يكونوا أشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني وروى أبو صالح عن ابن عباس قال نزلت في نصارى نجران حين قالوا عيسى ابن الله تعالى قوله تعالى أفبنعمة الله يجحدون قرأ أبو بكر عن عاصم تجحدون بالتاء وفي هذه النعمة قولان أحدهما حجته وهدايته والثاني فضله ورزقه والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون قوله تعالى والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا يعني النساء وفي معنى من أنفسكم قولان أحدهما أنه خلق آدم ثم خلق زوجته منه قاله قتادة والثاني من أنفسكم أي من جنسكم من بني آدم قاله ابن زيد وفي الحفدة خمسة أقوال أحدها أنهم الأصهار أختان الرجل على بناته قاله ابن مسعود وابن عباس في رواية ومجاهد في رواية وسعيد بن جبير والنخعي وأنشدوا من ذلك ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت لها حفد مما يعد كثير

[ 343 ]

ولكنها نفس علي أبيه عيوف لأصهار اللئام قذور والثاني أنهم الخدم رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال مجاهد في رواية الحسن وطاووس وعكرمة في رواية الضحاك وهذا القول يحتمل وجهين أحدهما أنه يراد بالخدم الأولاد فيكون المعنى أن الأولاد يخدمون قال ابن قتيبة الحفدة الخدم والأعوان فالمعنى هم بنون وهم خدم وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع في المشي وإنما يفعل الخدم هذا فقيل لهم حفدة ومنه يقال في دعاء الوتر وإليك نسعى ونحفد والثاني أن يراد بالخدم المماليك فيكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وجعل لكم حفدة من غير الأزواج ذكره ابن الأنباري والثالث أنهم بنو امرأة الرجل من غيره رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الضحاك والرابع أنهم ولد الولد رواه مجاهد عن ابن عباس والخامس أنهم كبار الأولاد والبنون صغارهم قاله ابن السائب ومقاتل قال مقاتل وكانوا في الجاهلية تخدمهم أولادهم قال الزجاج وحقيقة هذا الكلام أن الله تعالى جعل من الأزواج بنين ومن يعاون على ما يحتاج إليه بسرعة وطاعة قوله تعالى ورزقكم من الطيبات قاله ابن عباس يريد من أنواع الثمار والحبوب والحيوان قوله تعالى النبي يؤمنون فيه ثلاثة أقوال أحدها أنه الأصنام قاله ابن عباس والثاني أنه الشريك والصاحبة والولد فالمعنى يصدقون أن لله ذلك قاله عطاء والثالث أنه الشيطان أمرهم بتحريم البحيرة والسائبة فصدقوا وفي المراد ب نعمة الله ثلاثة أقوال أحدها أنها التوحيد قاله ابن عباس والثاني القرآن والرسول والثالث الحلال الذي أحله الله لهم وإن قوله تعالى ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا وفي المشار إليه قولان أحدهما أنها الأصنام قاله قتادة والثاني الملائكة قاله مقاتل

[ 344 ]

قوله تعالى من السموات يعني المطر (و) من (الأرض) كما النبات والثمر قوله تعالى شيئا قال الأخفش جعل شيئا بدلا من الرزق والمعنى لا يملكون رزقا قليلا ولا كثيرا ولا يستطيعون أي لا يقدرون على شئ قال الفراء وإنما قال في أول الكلام يملك وفي آخره يستطيعون لأن ما في مذهب جمع لآلهتهم فوحد يملك على لفظ ما وتوحيدها وجمع في يستطيعون على المعنى كقوله ومنهم من يستمعون إليك (يونس 42) قوله تعالى فلا تضربوا لله الأمثال أي لا تشبهوه بخلقه لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ فالمعنى لا تجعلوا له شريكا وفي قوله إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أربعة أقوال أحدها يعلم ضرب المثل وأنتم لا تعلمون ذلك قاله ابن السائب والثاني يعلم أنه ليس له شريك وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك قاله مقاتل والثالث يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه والرابع يعلم ما كان ويكون وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم به ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على موليه أينما يوجهه لايأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم قوله تعالى ضرب الله مثلا أي بين شبها فيه بيان المقصود وفيه قولان أحدهما انه مثل للمؤمن والكافر فالذي لا يقدر على شئ هو الكافر لأنه لا خير عنده وصاحب الرزق هو المؤمن ابن لما عنده من الخير هذا قول عباس وقتادة والثاني أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان لأنه مالك كل شئ وهي لا تملك شيئا هذا قول مجاهد والسدي وذكر في التفسير أن هذا المثل ضرب بقوم كانوا في زمن رسول الله ص = وفيهم قولان

[ 345 ]

أحدهما أن المملوك أبو الجوار وصاحب الرزق الحسن سيده هشام ابن عمرو رواه عكرمة عن ابن عباس وقال مقاتل المملوك أبو الحواجر والثاني أن المملوك أبو جهل بن هشام وصاحب الرزق الحسن أبو بكر الصديق رضي الله عنه قاله ابن جريج فأما قوله هل يستوون ولم يقل يستويان لأن المراد الجنس وقال ابن الأنباري لفظ من لفظ توحيد ومعناها معنى الجمع ولم يقع المثل بعيد معين ومالك معين لكن عني بهما جماعة عبيد وقوم مالكون فلما فارق من تأويل الجمع جمع عائدها لذلك وقوله تعالى الحمدالله أي هو المستحق للحمد لأنه المنعم ولا نعمة للأصنام (بل أكثرهم يعني المشركين لا يعلمون أن الحمد الله قال العلماء وصف أكثرهم بذلك والمراد جميعهم قوله تعالى وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم قد فسرنا البكم في (البقرة 18) ومعنى لا يقدر على شئ أي من الكلام لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه وهو كل على مولاه قال ابن قتيبة أي ثقل على وليه وقرابته وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فالكافر هو الأبكم والذي يأمر بالعدل هو المؤمن رواه العوفي عن ابن عباس والثاني أنها نزلت في عثمان بن عفان هو الذي يأمر بالعدل وفي مولى له كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النفقة في سبيل الله وهو الأبكم رواه إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس والثالث أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللوثن فالوثن هو هو الأبكم والله تعالى هو الآمر بالعدل وهذا قول مجاهد وقتادة وابن السائب ومقاتل والرابع أن المراد بالأبكم أبي بن خلف وبالذي يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون قاله عطاء فيخرج على هذه الأقوال في معنى مولاه قولان أحدهما أنه مولى حقيقة إذا قلنا إنه رجل من الناس

[ 346 ]

والثاني أنه بمعنى الولي إذا قلنا إنه الصنم فالمعنى وهو ثقل على وليه الذي يخدمه ويزينه ويخرج في معنى أينما توجه قولان إن قلنا إنه رجل في فالمعنى أينما يرسله والتوجيه الإرسال في وجه من الطريق وإن قلنا إنه الصنم ففي معنى الكلام قولان أحدهما أينما يدعوه لا يجيبه قاله مقاتل والثاني أينما توجه تأميله إياه ورجاه له لا يأته ذلك بخير فحذف التأميل وخلفه الصنم كقوله ما وعدتنا على رسلك (آل عمران 194) أي على ألسنة رسلك وقرأ البزي عن ابن محيصن أينما توجهه بالتاء على الخطاب فأما قوله لا يأت بخير فان قلنا هو رجل فانما كان كذلك لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يفهم عنه إما لكفره وجحوده أو لبكم به وإن قلنا إنه الصنم فلكونه جمادا هل يستوي هو أي هذا الأبكم ومن يأمر بالعدل أي ومن هو قادر على التكلم ناطق الحق ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شئ قدير قوله تعالى ولله غيب السموات والأرض قد ذكرناه في آخر (هود 123) وسبب نزول هذه الآية أن كفار مكة سألوا رسول الله ص = متى الساعة فنزلت هذه قاله مقاتل وقال ابن السائب المراد بالغيب ها هنا قيام الساعة قوله تعالى وما أمر الساعة يعني القيامة إلا كلمح البصر واللمح النظر بسرعة والمعنى إن القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق كلمح العين لأن الله تعالى يقول كن فيكون (البقرة 117) أو هو أقرب قال مقاتل بل هو أسرع وقال الزجاج ليس المراد أن الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر ولكنه يصف سرعة القدرة على الأتيان بها متى شاء والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[ 347 ]

قوله تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم قرأ حمزة إمهاتكم بكسر الألف والميم وقرأ الكسائي بكسر الإلف وفتح الميم والباقون بضم الألف وفتح الميم وكذلك في (النور 61) و (الزمر وسلم 6) و (النجم عنه 32) ولا خلاف بينهم في الابتداء الهمزة قوله تعالى وجعل لكم السمع لفظه لفظ الواحد والمراد به الجميع وقد بينا علة ذلك في أول (البقرة 7) والأفئدة جمع فؤاد قال الزجاج مثل غراب وأغربة ولم يجمع فؤاد على أكثر العدد لم يقل فيه فئدان إن مثل غراب وغربان وقال أبو عبيدة وإنما جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم غير أن العرب تقدم وتؤخر وأنشد ضخم تعلق أشناق إلا الديات به إذا المؤون فيه أمرت فوقه حملا صلى الشنق ما بين الفريضتين والمؤون وقال أعظم من الشنق فبدأ بالأقل قبل الأعظم قال المفسرون ومقصود الآية أن الله تعالى أبان نعمه عليهم حيث أخرجهم جهالا بالأشياء وخلق لهم الآلات التي يتوصلون بها إلى العلم ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون قوله تعالى مسخرات في جو السماء قال الزجاج هو الهواء البعيد من الأرض قوله تعالى ما يمسكهن إلا الله فيه قولان أحدهما ما يمسكهن عند قبض أجنحتهن وبسطها أن يقعن على الأرض إلا الله قاله الأكثرون والثاني ما يمسكهن أن يرسلن الحجارة على شرار هذه الأمة كما فعل بغيرهم إلا الله قاله ابن السائب والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم

[ 348 ]

ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأو بارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن تولوا فانما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا أي موضعا تسكنون فيه وهي المساكن المتخذة من الحجر والمدر تستر العورات والحرم وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن بناء البيت وتسقيفه وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا وهي القباب والخيم المتخذة من الأدم تستخفونها أي يخف عليكم حملها يوم ظعنكم قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ظعنكم بفتح العين وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بتسكين العين وهما لغتان كالشعر والنهر والنهر والمعنى إذا سافرتم ويوم إقامتكم أي لا تثقل عليكم في الحالين ومن أصوافها يعني الضأن وأوبارها يعني الإبل وأشعارها يعني المعز أثاثا قال الفراء الأثاث المتاع لا واحد له كما أن المتاع لا واحد له والعرب تقول جمع المتاع أمتعه ولو جمعت الأثاث لقلت ثلاثة أإثة أنه وأثث مثل أغثه وهو وغثث لا غير وقال ابن قتيبة الأثاث متاع البيت من الفرش والأكسية قال أبو زيد واحد الأثاث أثاثة وقال الزجاج يقال قد أث يأث أثا إذا صار ذا أثاث وروي عن الخليل أنه قال أصله الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض ومنه شعر أثيث فأما قوله ومتاعا فقيل إنما جمع بينة وبين الأثاث لاختلاف اللفظين وفي قوله إلى حين قولان أحدهما أنه الموت والمعنى ينتفعون به إلى حين الموت قاله ابن عباس ومجاهد والثاني انه إلى حين البلى فالمعنى إلى أن يبلى ذلك الشئ قاله مقاتل قوله تعالى والله جعل لكم مما خلق ظلالا أي مال يقيكم إذا حر الشمس وفيه خمسة أقوال أحدها أنه ظلال الغمام قاله ابن عباس والثاني ظلال البيوت قاله ابن السائب والثالث ظلال الشجر قاله قتادة والزجاج

[ 349 ]

والرابع ظلال الشجر والجبال وقاله ابن قتيبة والخامس انه كل شئ له ظل من حائط وسقف وشجر وجبل وغير ذلك قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى وجعل لكم من الجبال أكنانا أي ما يكنكم من الحر والبرد وهي الغيران والأسراب وواحد الأكنان كن وكل شئ وقى شيئا وسترة فهو كن وجعل لكم سرابيل وهي القمص تقيكم الحر ولم يقل البرد لأن ما وقى من الحر وقى من البرد وأنشد وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني وقال الزجاج إنما خص الحر لأنهم كانوا في مكاناتهم أكثر معاناة له من البرد وهذا مذهب عطاء الخراساني قوله تعالى وسرابيل تقيكم بأسكم يريد الدروع التي يتقون بها شدة الطعن والضرب في الحرب قوله تعالى كذلك يتم نعمته عليكم أي مثلما أنعم الله عليكم بهذه الأشياء يتم نعمته عليكم في الدنيا لعلكم تسلمون والخطاب لأهل مكة وكان أكثرهم حينئذ كفارا ولو قيل إنه خطاب للمسلمين فالمعنى لعلكم تدومون على الإسلام وتقومون بحقه وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو رجاء لعلكم تسلمون بفتح التاء واللام على معنى لعلكم إذا لبستم الدروع تسلمون من الجراح في الحرب قوله تعالى فان تولوا أعرضوا عن الإيمان فانما عليك البلاغ المبين وهذه عند المفسرين منسوخة بآية السيف قوله تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وفي هذه النعمة قولان أحدهما أنها المساكن نعم الله عز وجل عليهم في الدنيا وفي إنكارها ثلاثة أقوال أحدها أنهم يقولون هذه ورثناها عن آبائنا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال نعم الله المساكن والأنعام وسرابيل الثياب والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن يقولوا هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم وهذا عن مجاهد والثاني أنهم يقولون لولا فلان لكان كذا فهذا إنكارهم قال عون بن عبد الله والثالث يعرفون أن النعم من الله ولكن يقولون هذه بشفاعة آلهتنا قاله ابن السائب والفراء وابن قتيبة

[ 350 ]

والثاني أن المراد بالنعمة هاهنا محمد ص = يعرفون أنه نبي ثم يكذبونه وهذا مروي عن مجاهد والسدي والزجاج قوله تعالى وأكثرهم الكافرون قال الحسن وجميعهم كفار فذكر الأكثر والمراد به الجميع ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون وإذا رأ الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون وإذا رأ الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون قوله تعالى يوم نبعث من كل أمة شهيدا يعني يوم القيامة وشاهد كل أمة نبيها يشهد عليها بتصديقها وتكذبيها فقال ثم لا يؤذن للذين كفروا في الاعتذار ولا هم يستعتبون أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى ما أمر الله به لأن الآخرة ليست بدار تكليف قوله تعالى وإذا رأى الذين ظلموا أي أشركوا العذاب يعني النار فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون لا يؤخرون ولا يمهلون وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم يعني الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه فيقول المشركون ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو أي نعبد من دونك فان قيل فهذا معلوم عند الله تعالى فما فائدة قولهم هؤلاء شركاؤنا فعنه جوابان أحدهما أنهم لما كتموا الشرك في قولهم والله ما كنا مشركين عاقبهم الله تعالى باصمات أي ألسنتهم وإنطاق جوارحهم فقالوا عند معاينه آلهتهم رنبا هؤلاء شركاؤنا أي قد أقررنا بعد الجحد وصدقنا بعد الكذب التماسا للرحمة وفرارا من الغضب وكأن هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنب لا على وجه إعلام من لا يعلم والثاني أنهم لما عاينوا عظم غضب الله تعالى قالوا هؤلاء شركاؤنا تقدير أن يعود عليهم من هذا القول روح وأن تلزم الأصنام إجرامهم أو بعض ذنوبهم إذ كانوا يدعون لها العقل والتمييز فأجابتهم الأصنام بما حسم طمعهم

[ 351 ]

قوله تعالى فألقوا إليهم القول أي أجابوهم وقالوا لهم إنكم لكاذبون قال الفراء ردت عليهم آلهتهم قولهم وقال أبو عبيدة فألقوا أي قالوا لهم يقال ألقيت إلى فلان كذا أي قلت له قال العلماء كذبوهم في عبادتهم إياهم وذلك أن الأصنام كانت جمادا لا تعرف عابديها فظهرت فضيحتهم يومئذ إذ عبدوا من لم يعلم بعبادتهم وذلك كقوله سيكفرون بعبادتهم (مريم 83) قوله تعالى وألقوا إلى الله يومئذ السلم المعنى أنهم استسلموا له وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم المشركون قاله الأكثرون ثم في معنى استسلامهم قولان أحدهما أنهم استسلموا له بالإقرار بتوحيده وربوبيته والثاني أنهم استسلموا لعذابه والثاني أنهم المشركون والأصنام كلهم قال الكلبي والمعنى أنهم استسلموا لله منقادين لحكمه قوله تعالى وضل عنهم ما كانوا يفترون فيه قولان أحدهما بطل قولهم أنها تشفع لهم والثاني ذهب عنهم ما زين لهم الشيطان أن لله شريكا وولدا الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين قوله تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قال ابن عباس منعوا الناس من طاعة الله والإيمان بمحمد ص = قوله تعالى زدناهم عذابا فوق العذاب إنما نكر العذاب الأول لأنه نوع خاص لقوم بأعيانهم وعرف العذاب الثاني لأنه العذاب الذي يعذب به أكثر أهل النار فكان في شهرته بمنزلة النار في قول القائل نعوذ بالله من النار وقد قيل إنما زيدوا هذا العذاب على ما يستحقونه من عذابهم بصدهم عن سبيل الله وفي صفة هذا العذاب الذي زيدوا أربعة أقوال

[ 352 ]

أحدها أنها عقارب كأمثال النحل الطوال رواه مسروق عن ابن مسعود والثاني أنها حيات كأمثال الفيلة وعقارب كأمثال البغال رواه زر عن ابن مسعود والثالث أنها خمسة أنهار من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار قاله ابن عباس والرابع أنه الزمهرير ذكره ابن الأنباري قال الزجاج يخرجون من حر النار إلى المزمهرية فيتبادرون ثنا من شدة برده إلى النار قوله تعالى وجئنا بك شهيدا على هؤلاء وفي المشار إليهم قولان أحدهما أنهم قومه قال ابن عباس والثاني أمته قاله مقاتل وتم الكلام هاهنا ثم قال ونزلنا عليك الكتاب تبيانا قال الزجاج التبيان اسم في معنى البيان فأما قوله تعالى لكل شئ فقال العلماء بالمعاني لكل شئ من أمور الدين إما بالنص عليه أو بالإحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله ص = أو إجماع المسلمين إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائ ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسئلن عما كنتم تعملون قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل فيه أربعة أقوال

[ 353 ]

أحدها أنه شهادة أن لا إله إلا الله رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس والثاني أنه الحق رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث أن استواء السريرة والعلانية في العمل لله تعالى قاله سفيان بن عيينة والرابع أنه القضاء بالحق ذكره الماوردي قال أبو سليمان العدل في كلام العرب الإنصاف وأعظم الإنصاف الاعتراف للمنعم بنعمته وفي المراد بالإحسان خمسة أقوال أحدها أنه أداء الفرائض رواه أبي طلحة عن ابن عباس والثاني العفو رواه الضحاك عن ابن عباس والثالث الإخلاص رواه أبو صالح عن ابن عباس والرابع أن تعبد الله كأنك تراه رواه عطاء عن ابن عباس والخامس أن تكون السريرة أحسن من العلانية قاله سفيان بن عيينة فأما قوله تعالى وإيتاء ذي القربي فالمراد به صلة الأرحام وفي الفحشاء قولان أحدهما أنها الزنا قاله ابن عباس والثاني المعاصي قاله مقاتل وفي المنكر أربعة أقوال أحدها أنه الشرك قال مقاتل والثاني أنه ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والثالث أنه ما وعد الله عليه النار ذكرهما ابن السائب والرابع أن تكون علانية الإنسان أحسن من سريرته قاله سفيان بن عيينة فأما البغي فقال ابن عباس هو الظلم وقد سبق شرحه في مواضع (البقرة 173 والأعراف 33 ويونس 90 23) قوله تعالى يعظكم قال ابن عباس يؤدبكم وقد ذكرنا معنى الوعظ في (سورة النساء 58) وتذكرون بمعنى تتعظون قال ابن مسعود هذه الآية أجمع آية في القرآن لخير أو لشر وقال الحسن والله ما ترك العدل والإحسان شيئا من طاعة الله إلا جمعاه ولا تركت الفحشاء والمنكر والبغي شيئا من معصية الله إلا جمعوه قوله تعال وأوفوا بعهد الله اختلفوا فيمن نزلت على قولين أحدهما أنها نزلت في حلف أهل الجاهلية قاله مجاهد وقتادة

[ 354 ]

والثاني أنها نزلت في الذين بايعوا رسول الله ص = قال المفسرون العهد الذي يجب الوفاء به هو الذي يحسن فعله فإذا عاهد العبد عليه وجب الوفاء به والوعد من العهد ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها أب بعد تغليظها وتشديدها بالعزم والعقد على اليمين بخلاف لغو اليمين ووكدت الشئ توكيدا لغة أهل الحجاز فأما أهل نجد فيقولون أكدته تأكيدا وقال الزجاج يقال وكدت الأمر وأكدت لغتنان جيدتان والأصل الواو والهمزة بدل منها قوله تعالى وقد جعلتم الله عليكم كفيلا أي بالوفاء وذلك أن من حلف بالله فكأنه أكفل الله بالوفاء بما حلف عليه وللمفسرين في معنى كفيلا ثلاثة أقوا أحدها شهيدا قاله سعيد بن جبير والثاني وكيلا قاله مجاهد والثالث حفيظا مراعيا لعقدكم به قاله أبو سليمان الدمشقي قوله تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها قال مجاهد هذا فعل نساء أهل نجد تنقض إحداهن حبلها ثم تنفشه ثم تخلطه بالصوف فتعزله هذا وقال مقاتل هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب كانت إذا غزلت نقضته وقال ابن السائب اسمها رائطة وقال ابن الأنباري اسمها ريطة بنت عمرو المرية ولقبها الجعراء وهي من أهل مكة وكانت معروفة عند المخاطبين فعرفوها بوصفها ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك كانت متناهية الحمق تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه ثم تأمر جاريتها بتقطيعه وقال بعضهم كانت تغزل هي وجواريها ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن فضربها الله مثلا لناقضي ثم العهد ونقضت بمعنى تنقض كقوله ونادى أصحاب الجنة (الأعراف 43) بمعنى وينادي وفي المراد بالغزل قولان أحدهما أنه الغزل المعروف سواء كان من قطن أو صوف أو شعر وهو قول الأكثرين والثاني أنه الحبل قاله مجاهد وقوله من بعد قوة قال قتادة من بعد إبرام وقوله أنكاثا أي أنقاضا قال ابن قتيبة الأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره وواحدها نكث يقول لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا رسول فيه فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت ثم نقضت ذلك النسج فجعلته أنكاثا قوله تعالى تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أي دغلا ومكرا وخديعة وكل شئ دخله عيب فهو مدخول وفيه دخل

[ 355 ]

قوله تعالى أن تكون أمة قال ابن قتيبة لأن تكون أمة هي أربى أي هي أغنى من أمة وقال الزجاج المعنى بأن تكون أمة هي أكثر يقال ربا الشئ يربو إذا كثر قال ابن الأنباري قال اللغويون أربى أزيد عددا قال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون اولئك فنهوا عن ذلك وقال الفراء المعنى لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم أو قلتكم وكثرتهم وقد غررتموهم ولا بالأيمان قوله تعالى إنما يبلوكم الله به في هذه الآية ثلاثة أقوال أحدها أنها ترجع إلى الكثرة قاله سعيد بن جبير وابن السائب ومقاتل فيكون المعنى إنما يختبركم الله بالكثرة فإذا كان بين قومين عهد فكثر أحدهما فلا ينبغي أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل فإن قيل إذا كنى عن الكثرة فهلا قيل بها فقد أجاب عنه ابن الأنباري بأن الكثرة ليس تأنيثها حقيقيا فحملت على معنى التذكير كما حملت الصيحة على معنى الصباح والثاني أنها ترجع إلى العهد فإنه لدلالة الأيمان عليه يجرى مجرى المظهر ذكره ابن الأنباري والثالث أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء ذكه بعض المفسرين قوله تعالى ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة قد فسرناه في آخر (هود 118) قوله تعالى ولكن يضل من يشاء صريح في تكذيب القدرية حيث أضاف الإضلال والهداية إليه وعلقهما بمشيئته ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون قوله تعالى ولا تتخذوا أيمانكم دخلا هذا استئناف للنهي عن أيمان الخديعة فتزل قدم بعد ثبوتها قال أبو عبيدة هذا مثل يقال لكل مبتلى بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة زلت به قدمه قال مقاتل ناقض العهد يزل في دينه كما تزل قدم الرجل بعد الاستقامة

[ 356 ]

قال المفسرون وهذا نهى للذين بايعوا رسول الله ص = على الإسلام ونصرة الدين عن نقض العهد ويدل عليه قوله يتعالى وتذوقوا السوء يعني العقوبة بما صددتم عن سبيل الله يريد أنهم إذا نقضوا عهدهم مع رسول الله ص = صدوا الناس عن الإسلام فاستحقوا العذاب وقوله تعالى ولكم عذاب عظيم يعني في الآخرة ثم أكد ذلك بقوله ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا قال أبو صالح عن ابن عباس نزلت في رجلين اختصما إلى رسول الله ص = في أرض يقال لأحدهما عيدان بن أشوع وهو صاحب الأرض وللآخر امرؤ القيس وهو المدعى عليه فهم امرؤ القيس أن يحلف فأخره رسول الله ص = فنزلت هذه الآية وذكر أبو بكر الخطيب أن اسم صاحب الأرض ربيعة بن عبدان وقيل عيدان بفتح العين وياء معجمه باثنتين ومعنى الآية لا تنقضوا لم عهودكم تطلبون بنقضها عرضا يسيرا من الدنيا إن ما عند الله من الثواب على الوفاء هو خير لكم من العاجل ما عندكم ينفذ أي يفنى وما عند الله في الآخرة باق وقف بالياء ابن كثير في رواية عنه ولا خلاف في حذفها في الوصل ولنجزين الذين صبروا قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي وليجزين بالياء وقرأ ابن كثير وعاصم ولنجزين بالنون ولم يختلفوا في ولنجزينهم أجرهم أنها بالنون ومعنى هذه الآية وليجزين الذين صبروا على أمره بأحسن ما كانوا يعملون في الدنيا ويتجاوز عن سيئاتهم من عمل صالحا من ذكر أو وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون قوله تعالى من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن في سبب نزولها قولان أحدهما أن امرأ القيس المتقدم ذكره أقر بالحق الذي هم أن يحلف عليه فنزلت فيه من عمل صالحا وهو إقراره بالحق قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني أن ناسا من أهل التوارة وأهل الأنجيل وأهل الأوثان جلسوا فتفاضلوا حدثنا فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة اختلفوا أين تكون هذه الحياة الطيبة على ثلاثة أقوال أحدها أنها في الدنيا رواه العوفي عن ابن عباس ثم فيها للمفسرين تسعة أقوال

[ 357 ]

أحدها أنها القناعة قال علي عليه السلام وابن عباس في رواية والحسن في رواية ووهب بن منبه والثاني أنها الرزق الحلال رواه أبو مالك عن ابن عباس وقال الضحاك يأكل حلالا ويلبس حلالا والثالث أنها السعادة رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس والرابع أنها الطاعة قاله عكرمة والخامس أنها رزق يوم بيوم قاله قتادة والسادس أنها الرزق الطيب والعمل الصالح قاله إسماعيل بن أبي خالد والسابع أنها حلاوة الطاعة قاله أبو بكر الوراق والثامن العافية والكفاية والتاسع الرضى بالقضاء ذكرهما الماوردي والثاني أنها في الآخرة قاله الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد وذلك إنما يكون الجنة والثالث أنها في القبر رواه أبو غسان عن شريك فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله فيه ثلاثة أقوال أحدها أن المعنى فإذا أردت القراءة فاستعذ ومثله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم (المائدة 6) وقوله وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب (الأحزاب 53) وقوله إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة (المجادلة 12)

[ 358 ]

ومثله في الكلام إذا أكلت فقل باسم الله هذا قول عامة العلماء واللغويين والثاني أنه على ظاهره وأن الاستعاذة بعد القراءة روي عن أبي هريرة وداود والثالث أنه من المقدم والمؤخر فالمعنى فإذا استعذت بالله فاقرأ قاله أبو حاتم السجستاني والأول أصح فصل والاستعاذة عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها وفي صفتها عن أحمد روايتان إحدها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم رواها أبو بكر المروزي والثانية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم رواها حنبل وقد بينا معنى أعوذ في أول الكتاب (ص 7) ابن وشرحنا اشتقاق الشيطان في (البقرة 14) والرجيم في (آل عمران 36) قوله تعالى إنه ليس له سلطان على الذين امنوا في المراد بالسلطان قولان أحدهما أنه التسلط ثم فيه ثلاثة أقوال أحدها ليس له عليهم سلطان بحال لأن الله صرف سلطانه عنهم بقوله إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (الحجر 42) والثاني ليس له عليهم سلطان لاستعاذتهم قوله منه والثالث ليس له قدره على أن يحملهم على ذنب لا يغفر والثاني أنه الحجة فالمعنى ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي قاله مجاهد فأما قوله يتولونه معناه يطيعونه وفي هاء الكناية في قوله والذين هم به مشركون قولان أحدهما أنها ترجع إلى الله تعالى قاله مجاهد والضحاك والثاني أنها ترجع إلى الشيطان فالمعنى الذين هم من أجله مشركون بالله وهذا كما

[ 359 ]

يقال صار فلان بك عالما أي من أجلك هذا قول ابن قتيبة وقال ابن الأنباري المعنى والذين هم باشراكهم إبليس في العبادة مشركون بالله تعالى قوله تعالى وإذا بدلنا آية مكان آية سبب نزولها أن الله تعالى كان ينزل الآية فيعمل بها مدة ثم ينسخها فقال كفار قريش والله ما محمد إلا يسخر من أصحابه يأمرهم اليوم بأمر ويأتيهم غدا بما هو أهون عليهم منه فنزلت هذه الآية قاله أبو صالح عن ابن عباس والمعنى إذا نسخنا آية بآية إما نسخ الحكم والتلاوة أو نسخ الحكم مع بقاء التلاوة والله أعلم بما ينزل من ناسخ ومنسوخ وتشديد وتخفيف فهو عليم بالمصلحة في ذلك قالوا إنما أنت مفتر أي كاذب بل أكثرهم لا يعلمون فيه قولان أحدهما لا يعلمون أن الله أنزله والثاني لا يعلمون فائدة النسخ قوله تعالى قل نزله يعني القرآن روح القدس يعني جبريل وقد شرحنا هذا الاسم في (البقرة 87) قوله تعالى من ربك أي من كلامه بالحق أي بالأمر الصحيح ليثبت الذين آمنوا بما فيه من البينات فيزدادوا يقينا ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون قوله تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون يعني قريشا إنما يعلمه بشر أي آدمي وما هو من عند الله وفيمن أرادوا بهذا البشر تسعة أقوال أحدها أنه كان لبني المغيرة غلام يقال له يعيش يقرأ التوراة فقالوا منه يتعلم محمد فنزلت هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس وقال عكرمة في رواية كان هذا الغلام لبني عامر بن لؤي وكان روميا

[ 360 ]

والثاني أنه فتى كان بمكة يسمى بلعام وكان نصرانيا أعجميا وكان رسول الله ص = يعلمه فلما رأى المشركون دخوله إليه وخروجه قالوا ذلك روي عن ابن عباس أيضا والثالث أنه نزلت في كاتب كان يكتب لرسول الله ص = فيملي عليه سميع عليم فيكتب هو عزيز حكيم أو هذا فقال رسول الله ص = أي ذلك كتبت فهو كذلك فافتتن وقال إن محمدا يكل ذلك إلي فأكتب ما شئت روي عن سعيد بن المسيب والرابع أنه غلام أعجمي لامرأة من قريش يقال له جابر وكان جابر يأتي رسول الله ص = فيتعلم منه فقال المشركون إنما يتعلم محمد من هذا قاله سعيد بن جبير والخامس أنهم عنوا سلمان الفارسي قاله الضحاك وفيه بعد من جهة أن سلمان أسلم بالمدينة وهذه الآية مكية والسادس أنهم عنوا به رجلا حدادا كان يقال بحنس النصراني قاله ابن زيد والسابع أنهم عنوا به غلاما لعامر بن الحضرمي وكان يهوديا أعجميا واسمه يسار ويكنى أبا فكيهة قاله مقاتل وقد روي عن سعيد بن جبير نحو هذا إلا أنه لم يقل إنه كان يهوديا والثامن أنهم عنوا غلاما أعجميا اسمه عايش وكان مملوكا لحويطب وكان قد أسلم قاله الفراء والزجاج والتاسع أنهما رجلان قال عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار وللآخر جبر وكانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن الإنجيل فربما مر بهما النبي ص = وهما يقرآن فيقف يستمع فقال المشركون إنما يتعلم منهما قال ابن الأنباري فعلى هذا القول يكون البشر واقعا على اثنين والبشر من أسماء الأجناس يعبر عن اثنين كما يعبر أحد عن الاثنين والجميع والمذكر والمؤنث قوله تعالى لسان الذي يلحدون إليه أعجمي قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم يلحدون بضم الياء وكسر الحاء وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء فأما القراءة الأولى فقال ابن قتيبة يلحدون أي يميلون إليه ويزعمون أنه يعلمه وأصل الإلحاد الميل وقال الفراء يلحدون بضم الميم يعترضون ومنه قول يرد فيه بالحاد بظلم (الحج 25) أي باعتراض ويلحدون بفتح الياء يميلون وقال الزجاج يلحدون إليه

[ 361 ]

أي يميلون القول فيه أنه أعجمي قال ابن قتيبة لا يكاد عوام الناس يفرقون بين العجمي والأعجمي والعربي والأعرابي فالأعجمي الذي لا يفصح وإن كان نازلا بالبادية والعجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا والأعرابي هو البدوي والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا قوله تعالى وهذا لسان يعني القرآن عربي قال الزجاج أي أن صاحبه يتكلم بالعربية قوله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله) أي الذين إذا رأوا الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله كذبوا بها وأولئك هم الكاذبون أي أن الكذب نعت لازم لهم وعادة من عاداتهم وهذا رد عليهم إذ قالوا إنما أنت مفتر (النحل 101) وهذه الآية من أبلغ الزجر عن الكذب لأنه خص به من لا يؤمن من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه قال مقاتل نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي ومقيس بن صبابه وعبد الله بن أنس ابن خطل وطعمه بن أبيرق وقيس بن الوليد بن المغيرة وقيس بن الفاكه المخزومي فأما قوله تعالى إلا من أكره فاختلفوا فيمن نزل على أربعة أقوال

[ 362 ]

أحدها أنه نزل في عمار بن ياسر أخذه المشركون فعذبوه فأعطاهم ما أرادوا بلسانه رواه مجاهد عن ابن عباس وبه قال قتادة والثاني أنه لما نزل قوله إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى آخر الآيتين اللتين في سورة النساء (97 96) كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى من كان بمكة فخرج ناس ممن أقر بالإسلام فاتبعهم المشركون فأدركوهم حتى أعطوا الفتنة فنزل إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان رواه عكرمة عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثالث أنه نزل في عياش بن أبي ربيعة كان قد هاجر فحلفت أمه ألا تستظل ولا تشبع من طعام حتى يرجع فرجع إليها فأكرهه المشركون حتى أعطاهم بعض ما يريدون قاله ابن سيرين والرابع أنه نزل في جبر غلام ابن الحضرمي كان يهوديا فأسلم فضربه سيده حتى رجع إلى اليهودية قاله مقاتل وأما قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا فقال مقاتل هم النفر المسمون في أول الآية فأما التفسير فاختلف النحاة في قوله من كفر وقوله ولكن من شرح فقال الكوفيون جوابهما جمعيا في قوله فعليهم غضب فقال البصريون بل قوله من كفر مرفوع بالرد على الذين لا يؤمنون قال ابن الأنباري ويجوز أن يكون خبر من كفر محذوفا لوضوح معناه تقديره من كفر بالله فالله عليه غضبان قوله تعالى وقلبه مطمئن بالإيمان أي ساكن إليه راض به ولكن من شرح بالكفر صدرا قال قتادة من أتاه بإيثار واختيار وقال ابن قتيبة من فتح له صدره بالقبول وقال أبو عبيدة المعنى من تابعته نفسه وانبسط إلى ذلك يقال ما ينشرح صدري بذلك أي ما يطيب وجاء قوله فعليهم غضب على معنى الجميع لأن من تقع على الجميع فصل الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان إحداهما أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمر به والثانية أن التخويف لا يكون إكراها حتى ينال بعذاب وإذ ثبت جواز التقية فالأفضل ألا يفعل نص عليه أحمد في أسير خير بين القتل وشرب الخمر فقال إن صبر على القتل فله

[ 363 ]

الشرف وإن لم يصبر فله الرخصة فظاهر هذا الجواز وروى عنه الأثرم أنه سئل عن التقية في شرب الخمر فقال إنما التقية في القول فظاهر هذا أنه لا يجوز له ذلك فأما إذا أكره على الزنا لم يجز له الفعل ولم يصح إكراهه نص عليه أحمد فان أكره على الطلاق لم يقع طلاقه نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يقع قوله تعالى ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا في المشار إليه بذلك قولان أحدهما أنه الغضب والعذب قاله مقاتل الثاني أنه شرح الصدر للكفر واستحبوا بمعنى أحبوا الدنيا واختاروها على الآخرة قوله تعالى وأن الله أي وبأن الله لا يريد هدايتهم وما بعد هذا قد سبق شرحه (البقرة 7 والنساء 155 والمائدة 67) إلى قوله وأولئك هم الغافلون ففيه قولان أحدهما الغافلون عما يراد بهم قاله ابن عباس والثاني عن الآخرة قاله مقاتل قوله تعالى لا جرم قد شرحناها في (هود 22) قوله تعالى ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا اختلفوا فيمن نزلت على أربعة اقوال أحدها أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله ص = رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس والثاني أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزل فيهم ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله (العنكبوت 10) فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى من نجا وقتل من قتل فنزلت فيهم هذه الآية رواه عكرمة عن ابن عباس والثالث أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان الشيطان قد أزله حتى لحق بالكفار فأمر به رسول الله ص = أن يقتل يوم الفتح فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله ص = وهذا مروي عن ابن عباس والحسن وعكرمة ومنه بعد له لأن المشار إليه وإن كان قد عاد إلى الإسلام فان الهجرة انقطعت بالفتح

[ 364 ]

والرابع أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة وأبي جندل بن سهيل عمرو وعبد الله بن أسيد الثقفي قاله مقاتل فأما قوله تعالى من بعد ما فتنوا فقرأ الأكثرون فتنوا بضم الفاء وكسر التاء على معنى من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم قال ابن عباس فتنوا بمعنى عذبوا وقرأ عبد الله بن عامر فتنوا بفتح الفاء والتاء على معنى من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله يشير إلى من أسلم من المشركين وقال أبو علي من بعد ما فتنوا أنفسهم باظهار ما أظهروا للتقية لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد قوله تعالى ثم جاهدوا أي قاتلوا مع رسول الله ص = وصبروا على الدين والجهاد إن ربك من بعدها في المكني عنها أربعة أقوال أحدها الفتنة وهو مذهب مقاتل والثاني الفعلة التي فعلوها قاله الزجاج والثالث المجاهدة والمهاجرة والصبر والربع المهاجرة ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري قوله تعالى يوم تأتي قال الزجاج هو منصوب على أحد شيئين إما على معنى إن ربك لغفور يوم تأتي وإما على معنى اذكر يوم تأتي ومعنى تجادل عن نفسها أي عنها والمراد أن كل إنسان يجادل عن نفسه وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لكعب الأحبار يا كعب خوفنا فقال إن لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا وقع جاثيا على ركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ليدلي بالخلة فيقول يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أسألك إلا نفسي وإن تصديق ذلك في كتاب الله يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وقد شرحنا معنى الجدال في (هود 32) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون

[ 365 ]

قوله تعالى وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة في هذه القرية قولان أحدهما أنها مكة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور وهو الصحيح والثاني أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز فبعث الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون قاله الحسن فأما ما يروى عن حفصة أنها قالت هي المدينة فذلك على سبيل التمثيل لا على وجه التفسير وبيانه ما روى سليم بن عنز قال صدرنا من الحج مع حفصة وعثمان محصور بالمدينة فرأت راكبين فسألنهما ذلك عنه فقالا قتل فقالت والذي نفسي بيده إنها للقرية تعني المدنية التي قال الله تعالى في كتابه في ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة تعني حفصة أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي ص = وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما فكفرت بأنعم الله عند قتل عثمان رضي الله عنه ومعنى كانت آمنة أي ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم مطمئنة أي ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق وقد شرحنا معنى الرغد في (البقرة 58 35) وقوله من كل مكان أي يجلب إليها من كل بلد وذلك كله بدعوة إبراهيم عليه السلام فكفرت بأنعم الله بتكذيبهم رسول الله ص = وفي واحد الأنعم قولان أحدهما أن واحدها نعم قاله أبو عبيدة وابن قتيبة والثاني نعمة قاله الزجاج قال ابن قتيبة ليس قول من قال هو جمع نعمة بشئ لأن فعلة لا تجمع على أفعل وإنما هو جمع نعم يقال يوم نعم ويوم بؤس ويجمع أنعما وأبؤسا قوله تعالى فأذاقها الله لباس الجوع والخوف وروى عبيد بن عقيل وعبد الوارث عن أبي عمرو والخوف بنصب الفاء وأصل الذوق إنما هو بالفم وهذا استعارة منه وقد شرحنا هذا المعنى في (آل عمران 185 106) وإنما ذكر اللباس هاهنا تجوزا لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف فهو كقوله ولباس التقوى (الأعراف 26) وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى قال المفسرون عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة فأما الخوف فهو خوفهم من رسول الله ص = ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم والكلام وفي هذه الآية خرج على القرية والمراد أهلها ولذلك قال بما كانوا يصنعون يعني به بتكذيبهم لرسول الله ص = وإخراجهم إياه وما هموا به من قتله

[ 366 ]

ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون قوله تعالى ولقد جاءهم يعني أهل مكة رسول منهم يعني محمدا ص = فكذبوه فأخذهم العذاب وفيه قولان أحدهما أنه الجوع قاله ابن عباس والثاني القتل ببدر قاله مجاهد قال ابن السائب وهم ظالمون أي كافرون فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فان الله غفور رحيم قوله تعالى فكلوا مما رزقكم الله في المخاطبين بهذا قولان أحدهما أنهم المسلمون وهو قول الجمهور والثاني أنهم أهل مكة المشركون لما اشتدت مجاعتهم كلم رؤساؤهم رسول الله ص = فقالوا إن كنت عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان فأذن رسول الله ص = للناس أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الثعلبي وذكر نحوه الفراء وهذه الآية والتي تليها مفسرتان في (البقرة 173 172) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب قال ابن الأنباري اللام في لما بمعنى من أجل وتلخيص الكلام ولا تقولوا هذه الميتة حلال وهذه البحيرة حرام من أجل كذبكم وإقدامكم محمد على الوصف والتخرص لما لا أصل له فجرت اللام هاهنا مجراها في قوله وإنه لحب الخير لشديد (العاديات 8) أي وإنه من أجل حب الخير لبخيل وما بمعنى المصدر والكذب منصوب ب تصف والتلخيص لا تقولوا لوصق إلى ألسنتكم الكذب وقرأ ابن أبي

[ 367 ]

عبلة الكذب قال ابن القاسم هو نعت الألسنة وهو جمع كذوب قال المفسرون والمعنى أن تحليلكم كان وتحريمكم ليس له معنى إلا الكذب والإشارة بقوله هذا حلال وهذا حرام إلى ما كانوا يحلون ويحرمون لتفتروا على الله الكذب وذلك أنهم كانوا ينسبون ذلك التحليل والتحريم إلى الله تعالى ويقولون هو أمرنا بهذا وقوله متاع قليل أي متاعهم بهذا الذي فعلوه قليل وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل يعني به ما ذكر في (الأنعام 126) وهو قوله وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وما ظلمناهم بتحريمنا ما حر منا عليهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بالبغي والمعاصي قوله تعال ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة قد شرحناه في سورة (النساء 17) وشرحنا في (البقرة 160) التوبة والاصلاح وذكرنا معنى قوله من بعدها آنفا إن إبرهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتبيه أبو وهديه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قال ابن الأنباري هذا مثل قول العرب فلان رحمة وفلان علامة ونسابه ويقصدون بهذا التأنيث قصد التناهي في المعنى الذي يصفونه والعرب قد توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد كقوله فنادته الملائكة (آل عمران 39) وإنما ناداه

[ 368 ]

جبريل وحده وللمفسرين في المراد بالأمة هاهنا ثلاثة أقوال أحدها أن الأمة الذي يعلم الخير قاله ابن مسعود والفراء وابن قتيبة والثاني أنه المؤمن وحده في زمانه روى هذا المعنى الضحاك عن ابن عباس وبه قال مجاهد والثالث أنه الإمام الذي يقتدى به قاله قتادة ومقاتل أو عبيدة وهو في معنى القول الأول فأما القانت فقال ابن مسعود هو المطيع وقد شرحنا القنوت في (البقرة 238 116) أو وكذلك الحنيف (البقرة 135) قوله تعال ولم يك قال الزجاج أصلها لم يكن وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف وذكر الجلة من البصرين أنها إنما احتملت الحذف لأنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال وأنها عبارة عن كل ما يمضي من الأفعال وما يستأنف وأنها قد أشبهت حروف اللين وأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف قوله تعالى شاكرا لأنعمه انتصب بدلا من قوله أمه قانتا وقد ذكرنا واحد الأنعم آنفا وشرحنا معنى الاجتباء في (الأنعام 87) قال مقاتل والمراد بالصراط المستقيم هاهنا الإسلام قوله تعالى وآتيناه في الدنيا حسنة فيها ستة أقوال أحدها أنه الذكر الحسن قاله ابن عباس والثاني النبوة قاله الحسن والثالث لسان صدق قاله مجاهد والرابع اجتماع المل على ولايته فكلهم يتولونه ويرضونه قاله قتادة والخامس أنها الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على محمد ص = قاله مقاتل بن حيان والسادس الأولاد الأبرار على الكبر حكاه الثعلبي وباقي الآية مفسر في (البقرة 130) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين

[ 369 ]

قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم ملته دينه وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان أحدهما أنه أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه وهذا هو الظاهر والثاني اتباعه في التبرؤ من الأوثان والتدين بالإسلام قاله أبو جعفر الطبري وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع المفضول لأن رسولنا أفضل الرسل وإنما أمر باتباعه لسبقه إلى القول بالحق إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون قوله تعالى إنما جعل السبت أي إنما فرض تعظيمه وتحريمه وقرأ الحسن وأبو حيوة إنما جعل بفتح الجيم والعين السبت بنصب التاء على الذين اختلفوا فيه والهاء ترجع إلى السبت وفي معنى اختلافهم فيه قولان أحدهما أن موسى قال لهم تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه شيئا من صنيعكم فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا لا نبتغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق وهو يوم السبت فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم فيه رواه أبو صالح عن ابن عباس وقال مقاتل لما أمرهم موسى بيوم الجمعة قالوا نتفرغ يوم السبت فان الله لم يخلق فيه شيئا فقال إنما أمرت بيوم الجمعة فقال أحبارهم انتهوا إلى أمر نبيكم فأبوا فذلك اختلافهم فلما رأى موسى حرصهم على السبت أمرهم به فاستحلوا فيه المعاصي وروى سعيد بت جبير عن ابن عباس قال رأى موسى رجلا يحمل قصبا يوم السبت فضرب عنقه وعكفت عليه الطير أربعين صباحا وذكر ابن قتيبة في مختلف الحديث أن الله تعالى بعث موسى بالسبت ونسخ السبت بالمسيح والثاني أنه بعضهم استحله وبعضهم حرمه قاله قتادة ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين

[ 370 ]

قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك قال ابن عباس نزلت مع الآية التي بعدها وسنذكر هناك السبب فأما السبيل فقال مقاتل هو دين الإسلام وفي المراد بالحكمة ثلاثة أقوال أحدها أنها القرآن رواه أبو صالح عن ابن عباس والثاني الفقه قاله الضحاك عن ابن عباس والثالث النبوة ذكره الزجاج وفي الموعظة الحسنة قولان أحدهما مواعظ القرآن قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني الأدب الجميل الذي يعرفونه قاله الضحاك عن ابن عباس قوله تعالى وجادلهم في المشار إليه قولان أحدهما أنهم أهل مكة قاله أبو صالح والثاني أهل الكتاب قاله مقاتل وفي قوله بالتي هي أحسن ثلاثة أقوال أحدها جادلهم بالقرآن والثاني ب لا آله) إلا الله روي القولان عن ابن عباس والثالث جادلهم غير فظ ولا غليظ وألن لهم جانبك قاله الزجاج وقال بعض علماء التفسير وهذا منسوخ بآية السيف قوله تعالى إن ربك هو أعلم المعنى هو أعلم بالفريقين فهو يأمرك فيهما بما فيه الصلاح وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به في سبب نزولها قولان أحدهما أن رسول الله ص = أشرف على حمزة فرآه صريعا فلم ير شيئا كان أوجع لقلبه منه فقال والله لأمثلن بسبعين منهم فنزل جبريل والنبي ص = واقف بقوله وإن عاقبتم إلى أخرها فصبر رسول الله وكفر عن يمينه قاله أبو هريرة وقال ابن عباس رأى رسول الله ص =

[ 371 ]

حمزة قد شق بطنه وجدعت أذناه فقال لولا أن تحزن النساء أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم فنزل قوله أدع إلى سبيل ربك إلى قوله وما صبرك إلا بالله وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله ص = قال يومئذ لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب وكانت هند وآخرون معها قد مثلوا به فنزلت هذه الآية والثاني أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ومثلوا بقتلاهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوما من الدهر لنزيدن على عدتهم مرتين فنزلت هذه الآية قاله أبي بن كعب وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات فنزلت هذه الآية يقول إن كنتم فاعلين فمثلوا بالأموات كما مثلوا بأمواتكم عبد قال ابن الأنباري وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدؤوا بالمثلة ليزدوج اللفظان فيخف على اللسان كقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها (الشورى 40) فصل واختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا على قولين أحدهما أنها نزلت قبل براءة فأمر رسول الله ص = أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال ثم نسخ ذلك وأمر بالجهاد قاله ابن عباس والضحاك فعلى هذا يكون المعنى ولئن صبرتم عن القتال ثم نسخ هذا بقوله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (التوبة 5) والثاني أنها محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامه فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه قاله مجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والثوري وعلى هذا يكون المعنى ولئن صبرتم عن المثلة لا عن القتال قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله أي بتوفقيه عليه ومعونته وهذا أمر بالعزيمة وفي قوله ولا تحزن عليهم قولان أحدهما على كفار مكة إن لم يسلموا قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ولا تحزن على قتلى أحد فانهم أفضوا إلى رحمة الله ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله تعالى ولا تك في ضيق قرأ الأكثرون بنصب الضاد وقرأ ابن كثير في ضيق

[ 372 ]

بكسر الضاد ها هنا وفي (النمل 70) قال الفراء الضيق بفتح الضاد ما ضاق عنه صدرك والضيق ما يكون في الذي يضيق ويتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذلك وقال ابن قتيبة الضيق تخفيف ضيق مثل هين ولين وهو إذا كان على هذا التأويل صفه كأنه قال لا تك في أمر ضيق من مكرهم قال ويقال مكان ضيق وضيق بمعنى واحد كما يقال رطل ورطل وهذا أعجب إلي فأما مكرهم المذكور ها هنا فقال أبو صالح عن ابن عباس فعلهم وعملهم قوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا ما نهاهم عنه وأحسنوا فيما أمرهم به بالعون والنصر تم بعون الله الرابع من كتاب زاد المسير في ابن الجوزى ويليه الجزء واوله تفسير والثاني أنها محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامه فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه قاله مجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والثوري وعلى هذا يكون المعنى ولئن صبرتم عن المثلة لا عن القتال قوله تعالى واصبر وما صبرك إلا بالله أي بتوفقيه عليه ومعونته وهذا أمر بالعزيمة وفي قوله ولا تحزن عليهم قولان أحدهما على كفار مكة إن لم يسلموا قاله أبو صالح عن ابن عباس والثاني ولا تحزن على قتلى أحد فانهم أفضوا إلى رحمة الله ذكره علي بن أحمد النيسابوري قوله تعالى ولا تك في ضيق قرأ الأكثرون بنصب الضاد وقرأ ابن كثير في ضيق

[ 372 ]

بكسر الضاد ها هنا وفي (النمل 70) قال الفراء الضيق بفتح الضاد ما ضاق عنه صدرك والضيق ما يكون في الذي يضيق ويتسع مثل الدار والثوب وأشباه ذلك وقال ابن قتيبة الضيق تخفيف ضيق مثل هين ولين وهو إذا كان على هذا التأويل صفه كأنه قال لا تك في أمر ضيق من مكرهم قال ويقال مكان ضيق وضيق بمعنى واحد كما يقال رطل ورطل وهذا أعجب إلي فأما مكرهم المذكور ها هنا فقال أبو صالح عن ابن عباس فعلهم وعملهم قوله تعالى إن الله مع الذين اتقوا ما نهاهم عنه وأحسنوا فيما أمرهم به بالعون والنصر تم بعون الله الرابع من كتاب زاد المسير في ابن الجوزى ويليه الجزء واوله تفسير سورة بني اسرائيل * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية