الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع البيان - إبن جرير الطبري ج 18

جامع البيان

إبن جرير الطبري ج 18


[ 1 ]

جامع البيان عن تأويل آي القرآن تأليف أبي محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 ه‍ قدم له الشيخ خليل الميس ضبط وتوثيق وتخريج صدقي جميل العطار الجزء الثامن عشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

1415 ه‍ 1995 م

[ 3 ]

سورة المؤمنون مكية أو آياتها ثماني عشرة ومائة بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: * (قد أفلح المؤمنون ئ الذين هم في صلاتهم خاشعون ئ والذين هم عن اللغو معرضون) *. قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: قد أفلح المؤمنون: قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله محمدا (ص)، وأقروا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمي في هذه الايات، الخلود في جنات ربهم وفازوا بطلبتهم لديه. كما: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: قد أفلح المؤمنون قال: قال كعب: لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده، ثم قال لها: تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون لما علمت فيها من الكرامة. حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن عمرو بن أبي قيس، عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد، قال: لما غرس الله تبارك وتعالى الجنة، نظر إليها فقال: قد أفلح المؤمنون. قال: ثنا حفص بن عمر، عن أبي خلدة، عن أبي العالية، قال: لما خلق الله الجنة قال: قد أفلح المؤمنون فأنزل الله به قرآنا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جبير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: لم يخلق الله شيئا بيده غير أربعة أشياء: خلق آدم بيده، وكتب الالواح بيده، والتوراة بيده، وغرس عدنا بيده، ثم قال: قد أفلح المؤمنون.

[ 4 ]

وقوله: الذين هم في صلاتهم خاشعون يقول تعالى ذكره: الذين هم في صلاتهم إذا قاموا فيها خاشعون وخشوعهم فيها تذللهم لله فيها بطاعته، وقيامهم فيها بما أمرهم بالقيام به فيها. وقيل: إنها نزلت من أجل أن القوم كانوا يرفعون أبصارهم فيها إلى السماء قبل نزولها، فنهوا بهذه الآية عن ذلك. ذكر الرواية بذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت خالدا، عن محمد بن سيرين، قال: كان رسول الله (ص) إذا صلى نظر إلى السماء، فأنزلت هذه الآية: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: فجعل بعد ذلك وجهه حيث يسجد. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن أبي جعفر، عن الحجاج الصواف، عن ابن سيرين، قال: كان أصحاب رسول الله (ص) يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء حتى نزلت: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فقالوا بعد ذلك برؤوسهم هكذا. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، عن محمد، قال: نبئت أن رسول الله (ص) كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت آية إن لم تكن الذين هم في صلاتهم خاشعون فلا أدري أية آية هي قال: فطأطأ. قال: وقال محمد: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد استعاد رالنظر فليغمض. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن ابن عون، عن محمد نحوه. واختلف أهل التأويل في الذي عني به في هذا الموضع من الخشوع، فقال بعضهم: عني به سكون الاطراف في الصلاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: السكون فيها.

[ 5 ]

حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: سكون المرء في صلاته. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، مثله. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي سفيان الشيباني، عن رجل، عن علي، قال: سئل عن قوله: الذين في صلاتهم خاشعون قال: لا تلتفت في صلاتك. حدثنا عبد الجبار بن يحيى الرملي، قال: قال ضمرة بن ربيعة، عن أبي شوذب، عن الحسن، في قوله: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر وخفضوا به الجناح. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا معمر، عن إبراهيم، في قوله: خاشعون قال: الخشوع في القلب، وقال: ساكنون. قال: ثنا الحسن، قال: ثني خالد بن عبد الله، عن المسعودي، عن أبي سنان، عن رجل من قومه، عن علي رضي الله عنه، قال: الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء بن أبي رباح، في قوله: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: التخشع في الصلاة. وقال لي غير عطاء: كان النبي (ص) إذا قام في الصلاة نظر عن يمينه ويساره ووجاهه، حتى نزلت: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فما رؤي بعد ذلك ينظر إلا إلى الارض. وقال آخرون: عني به الخوف في هذا الموضع. ذكر من قال ذلك:

[ 6 ]

حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال: خائفون. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله: الذين هم في صلاتهم خاشعون قال الحسن: خائفون. وقال قتادة: الخشوع في القلب. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: الذين هم في صلاتهم حاشعون يقول: خائفون ساكنون. وقد بينا فيما مضى قبل من كتابنا أن الخشوع التذلل والخضوع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره دل على أن مراده من ذلك معنى دون معنى في عقل ولا خبر، كان معلوما أن معنى مراده من ذلك العموم. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام ما وصفت من قبل من أنه: والذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته، وإذا تذلل لله فيها العبد رؤيت ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أمر بتركه فيها. وقوله: والذين هم عن اللغو معرضون يقول تعالى ذكره: والذين هم عن الباطل وما يكرهه الله من خلقه معرضون. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: والذين هم عن اللغو معرضون يقول: الباطل. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: عن اللغو معرضون قال: عن المعاصي. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

[ 7 ]

والذين هم عن اللغو معرضون قال: النبي (ص) ومن معه من صحابته، ممن آمن به واتبعه وصدقه، كانوا عن اللغو معرضين. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين هم للزكاة فاعلون ئ والذين هم لفروجهم حافظون ئ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ئ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) *. يقول تعالى ذكره: والذين هم لزكاة أموالهم التي فرضها الله عليهم فيها مؤدون، وفعلهم الذي وصفوا به هو أداؤهموها. وقوله: والدين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم يقول: والذين هم لفروج أنفسهم. وعنى بالفروج في هذا الموضع: فروج الرجال، وذلك أقبالهم. حافظون يحفظونها من أعمالها في شئ من الفروج. إلا على أزواجهم يقول: إلا من أزواجهم اللاتي أحلهن الله للرجال بالنكاح. أو ما ملكت أيمانهم يعني بذلك: إماءهم. وما التي في قوله: أو ما ملكت أيمانهم في محل خفض عطفا على الازواج. فإنهم غير ملومين يقول: فإن من لم يحفظ فرجه عن زوجه وملك يمينه، وحفظه عن غيره من الخلق، فإنه غير موبخ على ذلك ولا مذموم ولا هو بفعله ذلك راكب ذنبا يلام عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين يقول: رضي الله لهم إتيانهم أزواجهم وما ملكت أيمانهم. وقوله: فمن ابتغى وراء ذلك يقول: فمن التمس لفرجه منكحا سوى زوجته ملك يمينه، فأولئك هم العادون يقول: فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 8 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قال: نهاهم الله نهيا شديدا، فقال: فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون فسمى الزاني من العادين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فأولئك هم العادون قال: الذين يتعدون الحلال إلى الحرام. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون قال: من زنى فهو عاد. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعو والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون) *. يقول تعالى ذكره: والذين هم لاماناتهم التي ائتمنوا عليها وعهدهم، وهو عقودهم التي عاقدوا الناس راعون يقول: حافظون لا يضيعون، ولكنهم يوفون بذلك كله. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الامصار إلا ابن كثير: والذين هم لاماناتهم على الجمع. وقرأ ذلك ابن كثير: لامانتهم على الواحدة. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: لاماناتهم لاجماع الحجة من القراء عليها. وقوله: والذين هم على صلواتهم يحافظون يقول: والذين هم على أوقات صلاتهم يحافظون، فلا يضيعونها ولا يشتغلون عنها حتى تفوتهم، ولكنهم يراعونها حتى يؤدوها فيها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: والذين هم على صلواتهم يحافظون قال: على وقتها. حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن مسلم، عن مسروق: والذين هم على صلواتهم يحافظون على ميقاتها. حدثنا ابن عبد الرحمن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا

[ 9 ]

يحيى بن أيوب، قال: أخبرنا ابن زحر، عن الاعمش، عن مسلم بن صبيح، قال: الذين هم على صلواتهم يحافظون قال: إقام الصلاة لوقتها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: على صلواتهم دائمون. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: على صلواتهم يحافظون قال: دائمون. قال: يعني بها المكتوبة. وقوله: أولئك هم الوارثون يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم في الدنيا، هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار من الجنة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، روي الخبر عن رسول الله (ص)، وتأوله أهل التأويل. ذكر الرواية بذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، وإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله: أولئك هم الوارثون. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، في قوله: أولئك هم الوارثون قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. حدثني ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الاعمش، عن أبي هريرة: أولئك هم الوارثون قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم الذين أعدت لهم لو أطاعوا الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: الوارثون الجنة أورثتموها، والجنة التي نورث من عبادنا، هن سواء. قال ابن جريج:

[ 10 ]

قال مجاهد: يرث الذي من أهل الجنة أهله وأهل غيره، ومنزل الذين من أهل النار هم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان. وذلك أنه منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبنى منزله الذي في الجنة ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبنى منزله الذي في النار. قال ابن جريج عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، أنه قال مثل ذلك. القول في تأويل قوله تعالى: * (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) *. يقول تعالى ذكره: الذين يرثون البستان ذا الكرم، وهو الفردوس عند العرب. وكان مجاهد يقول: هو بالرومية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: الذين يرثون الفردوس قال: الفردوس: بستان بالرومية. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: عدن حديقة في الجنة قصرها فيها عدنها خلقها بيده، تفتح كل فجر فينظر فيها ثم يقول: قد أفلح المؤمنون، قال: هي الفردوس أيضا تلك الحديقة، قال مجاهد: غرسها الله بيده فلما بلغت قال: قد أفلح المؤمنون ثم أمر بها تغلق، فلا ينظر فيها خلق ولا ملك مقرب، ثم تفتح كل سحر فينظر فيها فيقول: قد أفلح المؤمنون ثم تغلق إلى مثلها. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قتل حارثة بن سراقة يوم بدر، فقالت أمه: يا رسول الله، إن كان ابني من أهل الجنة لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في البكاء. قال: يا أم حارثة، إنها جنتان في جنة، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الاعلى من الجنة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، عن كعب، قال: خلق الله بيده جنة الفردوس، غرسها بيده، ثم قال: تكلمي قالت: قد أفلح المؤمنون.

[ 11 ]

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن حسام بن مصك، عن قتادة أيضا، مثله، غير أنه قال: تكلمي، قالت: طوبي للمتقين. قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي داود نفيع، قال: لما خلقها الله، قال لها: تزيني فتزينت ثم قال لها: تكلمي فقالت: طوبي لمن رضيت عنه. وقوله: هم فيها خالدون يعني ماكثون فيها، يقول: هؤلاء الذين يرثون الفردوس خالدون، يعني ماكثون فيها أبدا لا يتحولون عنها القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين) *. يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين أسللناه منه، فالسلالة هي المستلة من كل تربة ولذلك كان آدم خلق من تربة أخذت من أديم الارض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في المعني بالانسان في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به آدم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: من طين قال: استل آدم من الطين. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: من سلالة مطين قال: استل آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقنا ولد آدم، وهو الانسان الذي ذكر في هذا الموضع، من سلالة، وهي النطفة التي استلت من ظهر الفحل من طين، وهو آدم الذي خلق من طين. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: من سلالة من طين قال: صفوة الماء.

[ 12 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: من سلالة من مني آدم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ولقد خلقنا ابن آدم من سلالة آدم، وهي صفة مائة وآدم هو الطين، لانه خلق منه. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لدلالة قوله: ثم جعلناه نطفة في قرار مكين على أن ذلك كذلك لانه معلوم أنه لم يصر في قرار مكين إلا بعد خلقه في صلب الفحل، ومن بعد تحوله من صلبه صار في قرار مكين والعرب تسمي ولد الرجل ونطفته: سليله وسلالته، لانهما مسلولان منه ومن السلالة قول بعضهم: حملت به عضب الاديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين وقول الآخر: وهل كنت إلا مهرة عربية * سلالة أفراس تجللها بغل فمن قال: سلالة جمعها سلالات، وربما جمعوها سلائل، وليس بالكثير، لان السلائل جمع للسليل ومنه قول بعضهم: إذا أنتجت منها المهارى تشابهت * على القود إلا بالانوف سلائله وقول الراجز: يقذفن في أسلابها بالسلائل

[ 13 ]

القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ئ ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) *. يعني تعالى ذكره بقوله: ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم جعلنا الانسان الذي جعلناه من سلالة من طين، نطفة في قرار مكين، وهو حيث استقرت فيه نطفة الرجل من رحم المرأة. ووصفه بأنه مكين، لانه مكن لذلك وهيئ له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره الذي جعله له قرارا. وقوله: ثم خلقنا النطفة علقة يقول: ثم صيرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقة، وهي القطعة من الدم. فخلقنا العلقة مضغة يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهي القطعة من اللحم. وقوله: فخلقنا المضغة عظاما يقول: فجعلنا تلك المضغة اللحم عظاما. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق سوى عاصم: فخلقنا المضغة عظاما على الجماع، وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك: عظما في الحرفين على التوحيد جميعا.

[ 14 ]

والقراءة التي نختار في ذلك الجماع، لاجماع الحجة من القراء عليه. وقوله: فكسونا العظام لحما يقول: فألبسنا العظام لحما. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ثم خلقنا النطفة عظما وعصبا فكسوناه لحما. وقوله: ثم أنشأناه خلقا آخر يقول: ثم أنشأنا هذا الانسان خلقا آخر. وهذه الهاء التي في: أنشأناه عائدة على الانسان في قوله: ولقد خلقنا الانسان قد يجوز أن تكون من ذكر العظم والنطفة والمضة، جعل ذلك كله كالشئ الواحد، فقيل: ثم أنشأنا ذلك خلقا آخر. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر فقال بعضهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر: نفخه الروح فيه، فيصير حينئذ إنسانا، وكان قبل ذلك صورة. ذكر من قال ذلك: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: نفخ الروح فيه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا هشيم عن الحجاج بن أرطأة عن عطاء، عن ابن عباس، بمثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: الروح. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الاصبهاني عن عكرمة، في قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: نفخ الروح فيه. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: نفخ فيه الروح. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، بمثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن

[ 15 ]

الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: نفخ فيه الروح، فهو الخلق الآخر الذي ذكر. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ثم أنشأناه خلقا يعني الروح تنفخ فيه بعد الخلق. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: الروح الذي جعله فيه. وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الاحوال بعد الولادة: في الطفولة، والكهولة، والاغتذاء، ونبات الشعر، والسن، ونحو ذلك من أحوال الاحياء في الدنيا. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنا أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين يقول: خرج من بطن أمه بعدما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل، ثم كان من خلقه دل على ثدي أمه، ثم كان من خلقه أن علم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن قطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بإلغ الحلم، إلى أن بلغ أن يتقلب في البلاد. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: يقول بعضهم: هو نبات الشعر، وبعضهم يقول: هو نفخ الروح. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة، مثله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: يقال الخلق الآخر بعد خروجه من بطن أمه بسنه وشعره. وقال آخرون: بل عنى بإنشائه خلقا آخر: سوى شبابه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني

[ 16 ]

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ثم أنشأناه خلقا آخر قال: حين استوى شبابه. حدثنا القاسم، قا: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: حين استوى الشباب. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك نفخ الروح فيه وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالاحوال التي وصفه الله أنه كان بها، من نطفة وعلقة ومضغة وعظم وبنفخ الروح فيه، يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الانسانية، كما تحول أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه. وقوله: فتبارك الله أحسن الخالقين اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه فتبارك الله أحسن الصانعين. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد: فتبارك الله أحسن الخالقين قال: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين. وقال آخرون: إنما قيل: فتبارك الله أحسن الخالقين لان عيسى ابن مريم كان يخلق، فأخبر جل ثناؤه عن نفسه أنه يخلق أحسن مما كان يخلق. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله: فتبارك الله أحسن الخالقين قال: عيسى ابن مريم يخلق. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد، لان العرب تسمي كل صانع خالقا ومنه قول زهير: ولانت تفري ما خلقت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري

[ 17 ]

ويروى: ولانت تخلق ما فريت وبع * ض القوم يخلق ثم لا يفري القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) *. يقول تعالى ذكره: ثم إنكم أيها الناس من بعد إنشائكم خلقا آخل وتصييرناكم إنسانا سويا ميتون وعائدون ترابا كما كنتم، ثم إنكم بعد موتكم وعودكم رفاتا باليا مبعوثون من التراب خلقا جديدا كما بدأناكم أول مرة. وإنما قيل: ثم إنكم بعد ذلك لميتون لانه خبر عن حال لهم يحدث لم يكن. وكذلك تقول العرب لمن لم يمت: هو مائت وميت عن قليل، ولا يقولون لمن قد مات مائت، وكذلك هو طمع فيما عندك إذا وصف بالطمع، فإذا أخبر عنه أنه سيفعل ولم يفعل قيل هو طامع فيما عندك غدا، وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرا لما ذكرناه. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين) *. يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سموات بعضهن فوق بعض والعرب تسمي كل شئ فوق شئ طريقة. وإنما قيل للسموات السبع سبع طرائق، لان بعضهن فوق بعض، فكل سماء منهن طريقة. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق قال: الطرائق: السموات. وقوله: وما كنا عن الخلق غافلين يقول: وما كنا في خلقنا السموات السبع فوقكم عن خلقنا الذي تحتها غافلين، بل كنا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون) *.

[ 18 ]

يقول تعالى ذكره: وأنزلنا من السماء ما في الارض من ماء، فأسكناه فيها. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض ماء هو من السماء. وقوله: وإنا على ذهاب به لقادرون يقول جل ثناؤه: وإنا على الماء الذي أسكناه في الارض لقادرون أن نذهب به فتهلكوا أيها الناس عطشا تخرب أرضوكم، فلا تنبت زرعا ولا غرسا، وتهلك مواشيكم، يقول: فمن نعمتي عليكم تركي ذلك لكم في الارض جاريا. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون) *. يقول تعالى ذكره: فأحدثنا لكم بالماء الذي أنزلناه من السماء، بساتين من نخيل وأعناب لكم فيها يقول: لكم في الجنات فواكه كثيرة. ومنها تأكلون يقول: ومن الفواكه تأكلون. وقد يجوز أن تكون الهاء والالف من ذكر الجنات، ويحتمل أن تكون من ذكر النخيل والاعناب. وخص جل ثناؤه الجنات التي ذكرها في هذا الموضع، فوصفها بأنها من نخيل وأعناب دون وصفها بسائر ثمار الارض لان هذين النوعين من الثماء كانا هما أعظم ثمار الحجاز وما قرب منها، فكانت النخيل لاهل المدينة، والاعناب لاهل الطائف، فذكر القوم بما يعرفون من نعمة الله عليهم، بما أنعم به عليهم من ثمارها. القول في تأويل قوله تعالى: * (وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) *. يقول تعالى ذكره: وأنشأنا لكم أيضا شجرة تخرج من طور سيناء وشجرة منصوبة عطفا على الجنات، ويعني بها: شجرة الزيتون. وقوله: تخرج من طور سيناء يقول: تخرج من جبل ينبت الاشجار. وقد بينت معنى الطور فيما مضى بشواهده، واختلاف المختلفين، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: سيناء فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأته عامة قراء المدينة

[ 19 ]

والبصرة: سيناء بكسر السين. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: سيناء بفتح السين، وهما جميعا مجمعون على مدها. والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الامصار بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: المبارك، كأن معنى الكلام عنده: وشجرة تخرج من جبل مبارك. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: طور سيناء قال: المبارك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وشجرة تخرج من طور سيناء قال: هو جبل بالشام مبارك. وقال آخرون: معناه: حسن. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: طور سيناء قال: هو جبل حسن. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: من طور سيناء الطور: الجبل بالنبطية، وسيناء: حسنة بالنبطية. وقال آخرون: هو اسم جبل معروف. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن باس، في قوله: من طور سيناء قال: الجبل الذي نودي منه موسى (ص). حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

[ 20 ]

طور سيناء قال: هو جبل الطور الذي بالشام، جبل ببيت المقدس، قال: ممدود، هو بين مصر وبين آيلة. وقال آخرون: معناه: أنه جبل ذو شجر. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عمن قاله. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به، كما قيل جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال معناه جبل مبارك، أو كما قال من قال معناه حسن، لكان الطور منونا، وكان قوله سيناء من نعته. على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله كما قال ابن عباس، من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الجبل الذي نودي منه موسى (ص)، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء معنى مبارك. وقوله: تنبت بالدهن اختلفت القراء في قراءة قوله: تنبت فقرأته عامة قراء الامصار: تنبت بفتح التاء، بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وقرأه بعض قراء البصرة: تنبت بضم التاء، بمعنى: تنبت الدهن: تخرجه. وذكر أنها في قراءة عبد الله: تخرج الدهن وقالوا: الباء في هذا الموضع زائدة، كما قيل: أخذت ثوبه وأخدته بثوبه وكما قال الراجز: نحن بنو جعدة أرباب الفلج * نضرب بالبيض ونرجو بالفرج بمعنى: ونرجو الفرج. والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت ومن أنبت قول زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل

[ 21 ]

ويروى: نبت، وهو كقوله: فأسر بأهلك وفاسر. غير أن ذلك وإن كان كذلك، فإن القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: تنبت بفتح التاء، لاجماع الحجة من القراء عليها. ومعنى ذلك: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تنبت بالدهن قال: بثمره. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. والدهن الذي هو من ثمره الزيت، كما: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: تنبت بالدهن يقول: هو الزيت يؤكل ويدهن به. وقوله: وصبغ للآكلين يقول: تنبت بالدهن وبصبغ للآكلين، يصطبغ بالزيت الذين يأكلونه. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: وصبغ للآكلين قال: هذا الزيتون صبغ للآكلين، يأتدمون به ويصطبغون به. قال أبو جعفر: فالصبغ عطف على الدهن. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون) *. يقول تعالى ذكره: وإن لكم أيها الناس في الانعام لعبرة تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم وقدرته على ما يشاء، وأنه الذي لا يمتنع عليه شئ أراده ولا يعجزه شئ شاءه. نسقيكم مما في بطونها من اللبن الخارج من بين الفرث والدم. ولكم مع ذلك فيها يعني في الانعام، منافع كثيرة وذلك كالابل التي يحمل عليها ويركب

[ 22 ]

ظهرها ويشرب درها. ومنها تأكلون يعني من لحومها تأكوله. وقوله: وعليها وعلى الفلك تحملون يقول: وعلى الانعام وعلى السفن تحملون، على هذه في البر وعلى هذه في البحر. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) *. يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه داعيهم إلى طاعتنا وتوحيدنا والبراءة من كل معبود سوانا. فقال لهم نوح: يا قوم اعبدوا الله يقول: قال لهم: ذلوا يا قوم لله بالطاعة. ما لكم من إله غيره يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره. أفلا تتقون يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحل بكم. القول في تأويل قوله تعالى: * (فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبآئنا الاولين) *. يقول تعالى ذكره: فقالت جماعة أشراف قوم نوح، الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه، لقومهم: ما نوح أيها القوم إلا بشر مثلكم، إنما هو إنسان مثلكم وكبعضكم، يريد أن يتفضل عليكم يقول: يريد أن يصير له الفضل عليكم، فيكون متبوعا وأنتم له تبع. ولو شاء الله لانزل ملائكة يقول: ولو شاء الله أن لا نعبد شيئا سواه لانزل ملائكة، يقول: لارسل بالدعاء إلى ما يدعوكم إليه نوح ملائكة تؤدي إليكم رسالته. وقوله: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهي آباؤهم الاولون. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين ئ قال رب انصرني بما كذبون فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) *.

[ 23 ]

يعني ذكره مخبرا عن قيل الملا الذين كفروا من قوم نوح إن هو إلا رجل به جنة: ما نوح إلا رجل به جنون. وقد يقال أيضا للجن جنة، فيتفق الاسم والمصدر، وهو من قوله: إن هو كناية اسم نوح. وقوله: فتربصوا به حتى حين يقول: فتلبثوا به، وتنظروا به حتى حين يقول: إلى وقت ما. ولم يعنوا بذلك وقتا معلوما، إنما هو كقول القائل: دعه إلى يوم ما، أو إلى وقت ما. وقوله: قال رب انصرني بما كذبون يقول: قال نوح داعيا ربه مستنصرا به على قومه، لما طال أمره وأمرهم وتمادوا في غيهم: رب انصرني على قومي بما كذبون يعني بتكذيبهم إياي، فيما بلغتهم من رسالتك ودعوتهم إليه من توحيدك. وقوله: فأوحينا إليه أنه اصنع الفلك بأعيننا ووحينا يقول: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك، وهي السفينة بأعيننا يقول: بمرأى ومنظر، ووحينا يقول: وبتعليمنا إياك صنعتها. فإذا جاء أمرنا يقول: فإذا جاء قضاؤنا في قومك، بعذابهم وهلاكهم وفار التنور، وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف المختلفين في صفة فور التنور، والصواب عندنا من القول فيه بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فاسلك فيها من كل زوجين اثنين يقول: فأدخل في الفلك واحمل. والهاء والالف في قوله: فيها من ذكر الفلك. من كل زوجين اثنين يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه ومن سلكته قوم الشاعر: وكنت لزاز خصمك لم أعرد * وقد سلكوك في يوم عصيب وبعضهم يقول: أسلكت بالالف ومنه قولي الهذلي: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 24 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: فاسلك فيها من كل زوجين اثنين يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين. وأهلك وهم ولده ونساؤهم: إلا من سبق عليه القول من الله بأنه هالك فيمن يهلك من قومك فلا تحمله معك، وهو يام الذي غرق. ويعني بقوله: منهم من أهلك، والهاء والميم في قوله منهم من ذكر الاهل. وقوله: ولا تخاطبني... الآية، يقول: ولا تسألني في الذين كفروا بالله أن أنجيهم. إنهم مغرقون يقول: فإني قد حتمت عليهم أن أغرق جميعهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين) *. يعني تعالى ذكره بقوله فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك: فإذا اعتدلت في السفينة أنت ومعك ممن حملته معك من أهلك، راكبا فيها عاليا فوقها فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين يعني من المشركين. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ئ إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين) *. يقول تعالى ذكره لنبيه نوح عليه السلام: وقل إذا سلمك الله وأخرجك من الفلك فنزلت عنها: رب أنزلني منزلا من الارض مباركا وأنت خير من أنزل عباده المنازل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: منزلا مباركا قال: لنوح حين نزل من السفينة.

[ 25 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الامصار: رب أنزلني منزلا مباركا بضم الميم وفتح الزاي، بمعنى: أنزلني إنزالا مباركا. وقرأه عاصم: منزلا بفتح الميم وكسر الزاي، بمعنى: أنزلني مكانا مباركا وموضعا. وقوله: إن في ذلك لآيات يقول تعالى ذكره: إن فيما فعلنا بقوم نوح يا محمد من إهلاكناهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والاصنام، لعبرا لقومك من مشركي قريش، وعظات وحججا لنا، يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم، فينزجروا عن كفرهم ويرتدعوا عن تكذيبك، حذرا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب. وقوله: وإن كنا لمبتلين يقول تعالى ذكره: وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا، لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ئ فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون) *. يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد مهلك قوم نوح قرنا آخرين فأوجدناهم. فأرسلنا فيهم رسولا منهم داعيا لهم، إن اعبدوا الله يا قوم، وأطيعوه دون الآلهة والاصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له. ما لكم من إله غيره يقول: ما لكم من معبود يصلح أن تعبدوا سواه. أفلا تتقون: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الاله الذي لا إله لكم سواه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) *. يقول تعالى ذكره: وقالت الاشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح. وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحا، وبقومه: ثمود. الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة يقول: الذين جحدوا توحيد الله وكذبوا بلقاء الآخرة يعني كذبوا بلقاء الله في الآخرة.

[ 26 ]

وقوله: وأترفناهم في الحياة الدنيا يقول: ونعمناهم في حياتهم الدنيا بما وسعنا عليهم من المعاش وبسطنا لهم من الرزق، حتى بطروا وعتوا على ربهم وكفروا ومنه قول الراجز: وقد أراني بالديار مترفا وقوله: ما هذا إلا بشر مثلكم يقول: قالوا: بعث الله صالحا إلينا رسولا من بيننا، وخصه با لرسالة دوننا، وهو إنسان مثلنا يأكل مما نأكل منه من الطعام ويشرب مما نشرب، وكيف لم يرسل ملكا من عنده يبلغنا رسالته ؟ قال: ويشرب مما تشربون معناه: مما تشربون منه، فحذف من الكلام منه، لان معنى الكلام: ويشرب من شرابكم، وذلك أن العرب تقول: شربت من شرابك. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ئ أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الملا من قوم صالح لقومهم: ولئن أطعمتم بشرا مثلكم فاتبعتموه وقبلتم ما يقول وصدقتموه. إنكم أيها القوم إذا لخاسرون: يقول: قالوا: إنكم إذن لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة في الدنيا، باتباعكم إياه. قوله: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما... الآية، يقول تعالى ذكره: قالوا لهم: أيعدكم صالح أنكم إذا متم وكنتم ترابا في قبوركم وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم وبقيت عظامها، أنكم مخرجون من قبوركم أحياء كما كنتم قبل مماتكم ؟ وأعيدت أنكم مرتين، والمعنى: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون مرة واحدة، لما فرق بين أنكم الاولى وبين خبرها ب إذا، وكذلك تفعل العرب بكل اسم أوقعت عليه الظن وأخواته، ثم اعترضت بالجزاء دون خبره، فتكرر اسمه مرة وتحذفه أخرى، فتقول: أظن أنك إن جالستنا أنك محسن، فإن حذفت أنك الاولى الثانية صلح، وإن أثبتهما

[ 27 ]

صلح، وإن لم تعترض بينهما بشئ لم يجز، خطأ أن يقال: أظن أنك أنك جالس. وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أيعدكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. القول في تأويل قوله تعالى: * (هيهات هيهات لما توعدون ئ إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين) *. وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن قول الملا من ثمود أنهم قالوا: هيهات هيهات أي بعيد ما توعدون أيها القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياء من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: هيهات هيهات يقول: بعيد بعيد. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: هيهات هيهات لما توعدون قال: يعني البعث. والعرب تدخل اللام مع هيهات في الاسم الذي يصحبها، وتنزعها منه، تقول: هيات لك هيات، وهيهات ما تبتغي هيهات وإذا أسقطت اللام رفعت الاسم بمعنى هيهات، كأنه قال: بعيد ما ينبغي لك كما قال جرير: فهيهات هيهات العقيق ومن به * وهيهات خل بالعقيق نواصله

[ 28 ]

كأنه قال: العقيق وأهله، وإنما دخلت اللام مع هيهات في الاسم لانهم قالوا: هيهات أداة غير مأخوذة من فعل، فأدخلوا معها في الاسم اللام، كما أدخلوها مع هلم لك، إذ لم تكن مأخوذة من فعل، فإذا قالوا أقبل، لم يقولوا لك، لاحتمال الفعل ضمير الاسم. واختلف أهل العربية في كيفية الوقف على هيهات، فكان الكسائي يختار الوقوف فيها بالهاء، لانها منصوبة وكان الفراء يختار الوقوف عليها بالتاء، ويقول: من العرب من يخفض التاء، فدل على أنها ليست بهاء التأنيث، فصارت بمنزلة دراك ونظار وأما نصب التاء فيهما، فلانهما أداتان، فصارتا بمنزلة خمسة عشر. وكان الفراء يقول: إن قيل إن كل واحدة مستغنية بنفسها يجوز الوقوف عليها، وإن نصبها كنصب قوله: تمت جلست وبمنزلة قول الشاعر: ماوي ياربتما غارة * شعواء كاللذعة بالميسم قال: فنصب هيهات بمنزلة هذه الهاء التي في ربت، لانها دخلت على حرف، على ربوعلى ثم، وكانا أداتين، فلم تغيرها عن أداتهما فنصبا. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته قراء الامصار غير أبي جعفر: هيهات هيهات بفتح التاء فيهم. وقرأ ذلك أبو جعفر: هيهات هيهات بكسر التاء فيهما. والفتح فيهما هو القراءة عندنا، لاجماع الحجة من القراء عليه. وقوله: إن هي إلا حياتنا الدنيا يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها نموت ونحيا يقول: تموت الاحياء منا فلا تحيا ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء. وما نحن بمبعوثين: يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين قال: يقول ليس آخره ولا بعث،

[ 29 ]

يكفرون بالبعث، يقولون: إنما هي حياتنا هذه ثم نموت ولا نحيا، يموت هؤلاء ويحيا هؤلاء، يقولون: إنا الناس كالزرع يحصد هذا وينبت هذا: يقولون: يموت هؤلاء ويأتي آخرون. وقرأ: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد وقرأ: لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين ئ قال رب انصرني بما كذبون ئ قال عما قليل ليصبحن نادمين) *. يقول تعالى ذكره: قالوا ما صالح إلا رجل اختلق على الله كذبا في قوله ما لكم من إله غير الله وفي وعده إياكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. وقوله: هو من ذكر الرسول، وهو صالح. وما نحن له بمؤمنين يقول: وما نحن له بمصدقين فيما يقول أنه لا إله لنا غير الله، وفيما يعدنا من البعث بعد الممات. ] وقوله: قال رب انصرني بما كذبون يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله ومن تصديقهم إياه بقولهم وما نحن له بمؤمنين: رب انصرني على هؤلاء بما كذبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحق. فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه وتكذيبهم له، فقال الله له مجيبا في مسئلته إياه ما سأل: عن قليل يا صالح ليصبحن مكذبوك من قومك على تكذيبهم إياك نادمين، وذلك حين تنزل بهم نقمتنا فلا ينفعهم الندم. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين) *. يقول تعالى ذكره: فانتقمنا منهم، فأرسلنا عليهم الصيحة فأخذتهم بالحق وذلك أن الله عاقبهم باستحقاقهم العقاب منه بكفرهم به وتكذيبهم رسوله. فجعلناهم غثاء يقول: فصيرناهم بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع على السيل ونحوه، كما لا ينتفع به في شئ. فإنما هذا مثل، والمعنى: فأهلكناهم فجعلناهم كالشئ الذي لا منفعة فيه.

[ 30 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين يقول: جعلوا كالشئ الميت البالي من الشجر. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: غثاء كالرميم الهامد، الذي يحتمل السيل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: فجعلناهم غثاء قال: كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل. حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: فجعلناهم غثاء قال: هو الشئ البالي. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فجعلناهم غثاء قال: هذا مثل ضربه الله. وقوله: فبعدا للقوم الظالمين يقول: فأبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم، إذ كفروا بربهم وعصوا رسله وظلموا أنفسهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أولئك ثمود، يعني قوله: فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ئ ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) *. يقول تعالى ذكره: ثم أحدثنا من بعد هلاك ثمود قوما آخرين. وقوله: ما تسبق من أمة أجلها يقول: ما يتقدم هلاك أمة من تلك الامم التي أنشأناها بعد ثمود قبل الاجل الذي

[ 31 ]

أجلنا لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الاجل الذي أجلنا لهلاكها والوقت الذي وقتنا لفنائها ولكنها تهلك لمجيئه. وهذا وعيد من الله لمشركي قوم نبينا محمد (ص) وإعلام منه لهم أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ليبلغوا الاجل الذي أجل لهم فيحل بهم نقمته، كسنته فيمن قبلهم من الامم السالفة. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون) *. يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا إلى الامم التي أنشأنا بعد ثمود رسلنا تترى يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض. وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شئ، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنون ولا تنون، وفيها الياء، فمن لم ينونها فعلى من وترت، ومن قال تترا يوهم أن الياء أصلية كما قيل: معزى بالياء، ومعزا وبهمى بهما ونحو ذلك، فأجريت أحيانا وترك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها فعلى وقف عليها، أشاء إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر، لان ألف الاعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدا، فيشار فيه إلى الكسر. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ثم أرسلنا رسلنا تترى يقول: يتبع بعضها بعضا. حدثنا محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ثم أرسلنا رسلنا تترى يقول: بعضها على أثر بعض. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: تترى قال: اتباع بعضها بعضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ثم أرسلنا رسلنا تترى قال: يتبع بعضها بعضا.

[ 32 ]

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ثم أرسلنا رسلنا تترى قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا. واختلفت قراء الامصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قراء أهل مكة وبعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة: تترى بالتنوين. وكان بعض أهل مكة وبعض أهل المدينة وعامة قراء الكوفة يقرءونه: تترى بإرسال الياء على مثال فعلى. والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين، لانه أفصح اللغتين وأشهرهما. وقوله: كلما جاء أمة رسولها كذبوه يقول: كلما جاء أمة من تلك الامم التي أنشأناها بعد ثمود رسولها الذي نرسله إليهم، كذبوه فيم جاءهم به من الحق من عندنا. وقوله: فأتبعنا بعضهم بعضا يقول: فأتبعنا بعض تلك الامم بعضا بالهلاك فأهلكنا بعضهم في إثر بعض. وقوله: وجعلناهم أحاديث للناس ومثلا يتحدث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث. وإنما قيل: وجعلناهم أحاديث لانهم جعلوا حديثا ومثلا يتمثل بهم في الشر، ولا يقال في الخير: جعلته حديثا ولا أحدوثة. وقوله: فبعدا لقوم لا يؤمنون يقول: فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدقون برسوله. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين ئ إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين) *. يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا بعد الرسل الذين وصف صفتهم قبل هذه الآية، موسى وأخاه هارون إلى فرعون وأشراف قومه من القبط بآياتنا يقول: بحججنا، فاستكبروا عن اتباعها والايمان بما جاءهم به من عند الله. وكانوا قوما عالين يقول: وكانوا قوما عالين على أهل ناحيتهم ومن في بلادهم من بني إسرائيل وغيرهم بالظلم، قاهرين لهم. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، وقوله:

[ 33 ]

وكانوا قوما عالين قال: علوا على رسلهم وعصوا ربهم ذلك علوهم. وقرأ: تلك الدار الآخرة... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: * (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ئ فكذبوهما فكانوا من المهلكين) *. يقول تعالى ذكره: فقال فرعون وملؤه: أنؤمن لبشرين مثلنا فنتبعهما وقومهما من بني إسرائيل لنا عابدون يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لامرهم ويدينون لهم. والعرب تسمي كل من دان الملك عابدا له، ومن ذلك قيل لاهل الحيرة: العباد، لانهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: قال فرعون: أنؤمن لبشرين مثلنا... الآية، نذهب نرفعهم فوقنا، ونكون تحتهم، ونحن اليوم فوقهم وهم تحتنا، كيف نصنع ذلك ؟ وذلك حين أتوهم بالرسالة. وقرأ: وتكون لكما الكبرياء في الارض قال: العلو في الارض. وقوله: فكذبوهما فكانوا من المهلكين يقول: فكذب فرعون وملؤه موسى وهارون، فكانوا ممن أهلكهم الله كما أهلك من قبلهم من الامم بتكذيبها رسلها. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون ئ وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) *. يقول تعالى ذكره: ولقد آتينا موسى التوراة، ليهتدي بها قومه من بني إسرائيل، ويعلموا بما فيها. وجعلنا ابن مريم وأمه يقول: وجعلنا ابن مريم وأمه حجة لنا على من كان بينهم، وعلى قدرتنا على إنشاء الاجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. كما:

[ 34 ]

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وجعلنا ابنع مريم وأمه قال: ولدته من غير أب هو له. ولذلك وحدت الآية، وقد ذكر مريم وابنها. وقوله وآويناهما إلى ربوة يقول: وضممناهما وصيرناهما إلى ربوة، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا، فهو يأوي إليه. إذا صار إليه وعلى مثال أفعلته فهو يؤويه. وقوله إلى ربوة يعني: إلى مكان مرتفع من الارض على ما حوله ولذلك قيل للرجل يكون في رفعة من قومه وعز وشرف وعدد: هو في ربوة من قومه، وفيها لغتان: ضم الراء وكسرها إذا أريد بها الاسم، وإذا أريد بها الفعلة من المصدر قيل ربا ربوة. واختلف أهل التأويل في المكان الذي وصفه الله بهذه الصفة وآوى إليه مريم وابنها، فقال بعضهم: هو الرملة من فلسطين. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثني ابن عم لابي هريرة، يقال له أبو عبد الله، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة من فلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين. حدثني عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عباد أبو عتبة الخواص، قال: ثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن ابن وعلة، عن كريب، قال: ما أدري ما حدثنا مرة النبهزي، أنه سمع رسول الله (ص): ذكر أن الربوة هي الرملة.

[ 35 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله: إلى ربوة ذات قرار ومعين قال: هي الرملة من فلسطين. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا صفوان، قال: ثنا بشر بن رافع، قال: ثنا أبو عبد الله ابن عم، أبي هريرة، قال: قال لنا أبو هريرة: الزموا هذه الرملة التي بفلسطين، فإنها الربوة التي قال الله: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين. وقال آخرون: هي دمشق. ذكر من قال ذلك: حدثنا أحمد بن الوليد القرشي، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال في هذه الآية: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين قال: زعموا أنها دمشق. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: بلغني، عن ابن المسيب أنه قال دمشق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: ثنا ابن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثني عبد الله بن لهيعة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قوله: وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين قال: إلى ربوة من ربا مصر. قال: وليس الربا إلا في مصر، والماء حين يرسل تكون الربا عليها القرى، لولا الربا لغرقت تلك القرى. وقال آخرون: هي بيت المقدس. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هو بيت المقدس. قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: كان كعب يقول: بيت المقدس أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن كعب، مثله.

[ 36 ]

وأولى هذه الاقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء وماء ظاهر وليس كذلك صفة الرملة، لان الرملة لا ماء بها معين، والله تعالذكره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومعين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وآويناهما إلى ربوة قال: الربوة: المستوية. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: إلى ربوة قال: مستوية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: ذات قرار ومعين يقول تعالى ذكره: من صفة الربوة التي آوينا إليها مريم وابنها عيسى، أنها أرض منبسطة وساحة وذات ماء ظاهر لغير الباطن جار. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ومعين قال: المعين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: قد جعل ربك تحتك سريا. حدثني محمد بن عمارة الاسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله: ذات قرار ومعين قال: المعين: الماء. حدثني محمد بن عمارة الاسدي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: معين، قال: ماء.

[ 37 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني سليمان بن عبد الجبار قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله: ذات قرار ومعين قال: المكان المستوى، والمعين: الماء الظاهر. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ومعين: هو الماء الظاهر. وقال آخرون: عني بالقرار الثمار. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ذات قرار ومعين هي ذات ثمار، وهي بيت المقدس. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله قتادة في معنى: ذات قرار وإن لم يكن أراد بقوله: إنها إنما وصفت بأنها ذات قرار، لما فيها من الثمار، ومن أجل ذلك يستقر فيها ساكنوها، فلا وجه له نعرفه. وأما معين فإنه مفعول من عنته فأنا أعينه، وهو معين وقد يجوز أن يكون فعيلا من معن يمعن، فهو معين من الماعون ومنه قول عبيد بن الابرص: واهية أو معين ممعن * أو هضبة دونها لهوب القول في تأويل قوله تعالى: * (يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) *.

[ 38 ]

يقول تعالى ذكره: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الحلال الذي طيبه الله لكم دون الحرام، واعملوا صالحا تقول في الكلام للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنا أذاكم، وكما قال: الذين قال لهم الناس، وهو رجل واحد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني ابن عبد الاعلى بن واصل، قال: ثني عبيد بن إسحاق الضبي العطار، عن حفص بن عمر الفزاري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن شرحبيل: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا قال: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه. وقوله: إني بما تعملون عليم يقول: إني بأعمالكم ذو علم، لا يخفى علي منها شئ، وأنا مجازيكم بجميعها، وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالحات الاعمال واجتهدوا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: وإن هذه أمتكم أمة واحدة، فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والبصرة: وأن بالفتح، بمعنى: إني بما تعملون عليم، وأن هذه أمتكم أمة واحدة. فعلى هذا التأويل أن في موضع خفض، عطف بها على ما من قوله: بما تعملون، وقد يحتمل أن تكون في موضع نصب إذا قرئ ذلك كذلك، ويكون معنى الكلام حينئذ: واعلموا أن هذه، ويكون نصبها بفعل مضمر وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين بالكسر: وإن هذه على الاستئناف. والكسر في ذلك عندي على الابتداء هو الصواب، لان الخبر من الله عن قيله لعيسى: يا أيها الرسل مبتدأ، فقوله: وإن هذه مردود عليه عطفا به عليه فكان معنى الكلام: وقلنا لعيسى: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، وقلنا: وإن هذه أمتكم أمة واحدة وقيل: إن الامة الذي في هذا الموضع: الدين والملة. ذكر من قال ذلك:

[ 39 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، في قوله: وإن هذه أمتكم أمة واحدة قال: الملة والدين. وقوله: وأنا ربكم فاتقون يقول: وأنا مولاكم فاتقون بطاعتي تأمنوا عقابي. ونصبت أمة واحدة على الحال. وذكر عن بعضهم أنه قرأ ذلك رفعا. وكان بعض نحويي البصرة يقول: رفع ذلك إذا رفع على الخبر، ويجعل أمتكم نصبا على البدل من هذه. وأما نحويو الكوفة فيأبون ذلك إلا في ضرورة شعر، وقالوا: لا يقال: مررت بهذا غلامكم لان هذا لا تتبعه إلا الالف واللام والاجناس، لان هذا إشارة إلى عدد، فالحاجة في ذلك إلى تبيين المراد من المشار إليه أي الاجناس هو ؟ وقالوا: وإذا قيل: هذه أمتكم واحدة، والامة غائبة وهذه حاضرة، قالوا: فغير جائز أن يبين عن الحاضر بالغائب، قالوا: فلذلك لم يجز: إن هذا زيد قائم، من أجل أن هذا محتاج إلى الجنس لا إلى المعرفة. القول في تأويل قوله تعالى: * (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: زبرا فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: زبرا بمعنى جمع الزبور. فتأويل الكلام على قراءة هؤلاء: فتفرق القوم الذين أمرهم الله من أمة الرسول عيسى بالاجتماع على الدين الواحد والملة الواحدة، دينهم الذي أمرهم الله بلزومه زبرا كتبا، فدان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذين دان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة وكذبوا بحكم الانجيل والقرآن، وكالنصارى الذين دانوا بالانجيل بزعمهم وكذبوا بحكم الفرقان. ذكر من تأول ذلك كذلك: حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة زبرا قال: كتبا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: بينهم زبرا قال: كتب الله فرقوها قطعا.

[ 40 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا قال مجاهد: كتبهم فرقوها قطعا. وقال آخرون من أهل هذه القراءة: إنما معنى الكلام: فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذاهبهم. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون قال: هذا ما اختلفوا فيه من الاديان والكتب، كل معجبون برأيهم، ليس أهل هواء إلا وهم معجبون برأيهم وهواهم وصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم. وقرأ ذلك عامة قراء الشام: فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا بضم الزاء وفتح الباء، بمعنى: فتفرقوا أمرهم بينهم قطعا كزبر الحديد، وذلك القطع منها، واحدتها زبرة، من قول الله: آتوني زبر الحديد فصار والقراءة التي نختار في ذلك: قراءة من قرأه بضم بعضهم يهودا وبعضهم نصارى الزاء والباء، لاجماع أهل التأويل في تأويل ذلك على أنه مراد به الكتب، فذلك يبين عن صحة ما اخترنا في ذلك، لان الزبر هي الكتب، يقال منه: زبرت الكتاب: إذ كتبته. فتأويل الكلام: فتفرق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الامم دينهم بينهم كتبا، كما بينا قبل. وقوله: كل حزب بما لديهم فرحون يقول: كل فريق من تلك الامم بما اختاروه لانفسهم من الدين والكتب فرحون، معجبون به، لا يرون أن الحق سواه. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: كل حزب بما لديهم فرحون قطعة، وهؤلاء هم أهل الكتاب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: كل حزب قطعة، أهل الكتاب. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 41 ]

* (فذرهم في غمرتهم حتى حين ئ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ئ نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) *. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): فدع يا محمد هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا، في غمرتهم في ضلالتهم وغيهم، حتى حين يعني إلى أجل سيأتيهم عند مجيئه عذابي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فذرهم في غمرتهم حتى حين قال: في ضلالهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فذرهم في غمرتهم حتى حين قال: الغمرة: الغمر. وقوله: أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين يقول تعالى ذكره: أيحسب هؤلاء الاحزاب الذين فرقوا دينهم زبرا، أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين نسارع لهم يقول: نسابق لهم في خيرات الآخرة، ونبادر لهم فيها ؟ وما من قوله: أنما نمدهم به نصب، لانها بمعنى الذي. بل لا يشعرون يقول تعالى ذكره تكذيبا لهم: ما ذلك كذلك، بل لا يعلمون أن إمدادي إياهم بما أمدهم به من ذلك، إنما هو إملاء واستدراج لهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنما نمدهم قال: نعطيهم، نسارع لهم، قال: نزيدهم في الخير، نملي لهم، قال: هذا لقريش. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمر بن علي، قال: ثني أشعث بن عبد الله، قال: ثنا

[ 42 ]

شعبة، عن خالد الحذاء، قال: قلت لعبد الرحمن بن أبي بكرة، قول الله: نسارع لهم في الخيرات ؟ قال: يسارع لهم في الخيرات. وكأن عبد الرحمن بن أبي بكرة وجه بقراءته ذلك كذلك، إلى أن تأويله: يسارع لهم إمدادنا إياهم بالمال والبنين في الخيرات. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ئ والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ئ والذين هم بربهم لا يشركون) *. يعني تعالى ذكره: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إن الذين هم من خشيتهم وخوفهم من عذاب الله مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادون في طلب مرضاته. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون يقول: والذين هم بآيات كتابه وحججه مصدقون. الذين هم بربهم لا يشركون يقول: والذين يخلصون لربهم عبادتهم، فلا يجعلون له فيها لغيره شركا لوثن ولا لصنم، ولا يراءون بها أحدا من خلقه، ولكنهم يجعلون أعمالهم لوجهه خالصا، وإياه يقصدون بالطاعة والعبادة دون كل شئ سواه. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ئ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) *. يعني تعالى ذكره بقوله: والذين يؤتون ما آتوا والذين يعطون أهل سهمان الصدقة ما فرض الله لهم في أموالهم. ما آتوا يعني: ما أعطوهم إياه من صدقة، ويؤدون حقوق الله عليهم في أموالهم إلى أهلها. وقلوبهم وجلة يقول: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله لذلك، كما قال الحسن: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبجر، عن رجل، عن ابن عمر: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: الزكاة.

[ 43 ]

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: وقلوبهم وجلة قال: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي الاشهب، عن الحسن، قال: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم. حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: المؤمن ينفق ماله ويتصدق وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن أنه كان يقول: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. ثم تلا الحسن: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى: وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون وقال المنافق: إنما أوتيته على علم عندي. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: يؤتون ما آتوا قال: يعطون ما أعطوا. وقلوبهم وجلة يقول: خائفة. حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، في قوله: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: يفعلون ما يفعلون وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: يعطون ما أعطوا ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا علي، قال: ثني معاوية، عن ابن عباس، قوله: والذين يأتون ما آتوا وقلوبهم وجلة يقول: يعملون خائفين.

[ 44 ]

قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: يعطون ما أعطوا فرقا من الله ووجلا من الله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: يؤتون ما آتوا ينفقون ما أنفقوا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة قال: يعطون ما أعطوا وينفقون ما أنفقوا ويتصدقون بما تصدقوا وقلوبهم وجلة، اتقاء لسخط الله والنار. وعلى هذه القراءة، أعني على: والذين يؤتون ما آتو اقرأه الامصار، وبه رسوم مصاحفهم وبه نقرأ، لاجماع الحجة من القراء عليه و وفاقخط مصاحف المسلمين. وروي عن عائشة رضي الله عنها في ذلك، ما: حدثناه أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا علي بن ثابت، عن طلحة بن عمر، عن أبي خلف، قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فسألها عبيد: كيف نقرأ هذا الحرف والذين يؤتون ما آتوا ؟ فقالت: يأتون ما أتوا. وكأنها تأولت في ذلك والذين يفعلون ما يفعلون من الخيرات وهم وجلون من الله.، كالذي: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمر بن قيس، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قالت عائشة: يا رسول الله والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يذنب الذنب وهو وجل منه ؟ فقال: لا، ولكن من يصوم ويصلي ويتصدق وهو وجل. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن مالك بن مغول، عن

[ 45 ]

عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله الذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أهم الذين يذنبون وهم مشفقون ويصومون وهم مشفقون ؟ حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا ليث، عن مغيث، عن رجل من أهل مكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله: الذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة قال: فذكر مثل هذا. حدثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد، عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله الذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أهو الرجل يزنى ويسرق ويشرب الخمر ؟ قال: لا يا ابنة أبي بكر أو يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم عن العوام بن حوشب جميعا، عن عائشة، أنها قالت: سألت رسول الله (ص) فقال: يا ابنة أبي بكر أو يا بنة الصديق هم الذين يصلون ويفرقون أن لا يتقبل منهم وأن من قوله: أنهم إلى ربهم راجعون: في موضع نصب، لان معنى الكلام: وقلوبهم وجلة من أنهم، فلما حذفت من اتصل الكلام قبلها، فنصبت. وكان بعضهم يقول: هو في موضع خفض، وإن لم يكن الخافض ظاهرا. ] وقوله: أولئك يسارعون في الخيرات يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفات صفاتهم، يبادرون في الاعمال الصالحة ويطلبون الزلفة عند الله بطاعته. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: أولئك يسارعون في الخيرات. وقوله: وهم لها سابقون كان بعضهم يقول: معناه: سبقت لهم من الله السعادة، فذلك سبوقهم الخيرات التي يعملونها. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وهم لها سابقون يقول: سبقت لهم السعادة.

[ 46 ]

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وهم لها سابقون، فتلك الخيرات. وكان بعضهم يتأول ذلك بمعنى: وهم إليها سابقون. وتأوله آخرون: وهم من أجلها سابقون. وأولى الاقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله ابن عباس، من أنه سبقت لهم من الله السعادة قبل مسارعتهم في الخيرات، ولما سبق لهم من ذلك سارعوا فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلين بالكلام لان ذلك أظهر معنييه، وأنه لا حاجة بنا إذا وجهنا تأويل الكلام إلى ذلك، إلى تحويل معنى اللام التي في قوله: وهم لها إلى غير معناها الاغلب عليها. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون) *. يقول تعالى ذكره: ولا نكلف نفسا إلا ما يسعها ويصلح لها من العبادة ولذلك كلفناها ما كلفناها من معرفة وحدانية الله، وشرعنا لها ما شرعنا من الشرائع. ولدينا كتاب ينطق بالحق يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشر ينطق بالحق وهم لا يظلمون يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه ولا نقصان، ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسئ بإساءته. وهم لا يظلمون يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسئ منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جرمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عما له من الثواب. القول في تأويل قوله تعالى: * (بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون) *. يقول تعالى ذكره: ما الامر كما يحسب هؤلاء المشركون، من أن إمدادناهم بما نمدهم به من مال وبنين، بخير نسوقه بذلك إليهم والرضا منا عنهم ولكن قلوبهم في غمرة عمى عن هذا القرآن. وعنى بالغمرة: ما غمر قلوبهم فغطاها عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ والعبر والحجج. وعنى بقوله: من هذا من القرآن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 47 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: في غمرة من هذا قال: في عمى من هذا القرآن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: في غمرة من هذا قال: من القرآن. وقوله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار أعمال لا يرضاها الله من المعاصي. من دون ذلك يقول: من دون أعمال أهل الايمان بالله وأهل التقوى والخشية له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون قال: الخطايا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ولهم أعمال من دون ذلك قال: الحق. حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ولهم أعمال من دون ذلك قال: خطايا من دون ذلك الحق. قال: ثنا حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ولهم أعمال من دون ذلك... الآية، قال: أعمال دون الحق. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: ذكر الله الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ثم قال للكفار: بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون قال: من دون الاعمال التي منها قوله: من خشية ربهم مشفقون والذين، والذين. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها. حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن حماد بن سلمة،

[ 48 ]

عن حميد، قال: سألت الحسن عن قول الله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون قال: أعمال لم يعملوها سيعملونها. دثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون قال: لم يكن له بد من أن يستوفي بقية عمله، ويصلى به. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها. حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن عبد الكريم، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى: ولهم أعمال من دون ذلك قال: أعمال لا بد لهم من أن يعملوها. القول في تأويل قوله تعالى: * (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ئ لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون) *. يقول تعالى ذكره: ولهؤلاء الكفار من قريش أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، إلى أن يؤخذ أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب. كما: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب، قال: المترفون: العظماء. إذا هم يجئرون يقول: فإذا أخذناهم به جأروا، يقول: ضجوا واستغاثوا مما حل بهم من عذابنا. ولعل الجؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور ومنه قول الاعشى: يراوح من صلوات الملي ك طورا سجودا وطورا جؤار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 49 ]

حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: إذا هم يجأرون يقول: يستغيثون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن علقمة بن قردد، عن مجاهد، في قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون قال: بالسيوف يوم بدر. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، في قوله: إذا هم يجأرون قال: يجزعون. قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب قال: عذاب يوم بدر. إذا هم يجأرون قال: الذين بمكة. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب يعني أهل بدر، أخذهم الله بالعذاب يوم بدر. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: إذا هم يجأرون قال: يجزعون. وقوله: لا تجأروا اليوم يقول: لا تضجوا وتستغيثوا اليوم وقد نزل بكم العذاب الذي لا يدفع عن الذين ظلموا أنفسهم، فإن ضجيجكم غير نافعكم ولا دافع عنكم شيئا مما قد نزل بكم من سخط الله. إنكم منا لا تنصرون يقول: إنكم من عذابنا الذي قد حل بكم لا تستنقذون، ولا يخلصكم منه شئ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس: لا تجأروا اليوم: لا تجزعوا اليوم. حدثني يونس، قال: أخبرنا الربيع بن أنس: لا تجأروا اليوم

[ 50 ]

لا تجزعوا الآن حين نزل بكم العذاب، إنه لا ينفعكم، فلو كان هذا الجزع قبل نفعكم. القول في تأويل قوله تعالى: * (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون) *. يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من قريش: لا تضجوا اليوم وقد نزل بكم سخط الله وعذابه، بما كسبت أيديكم واستوجبتموه بكفركم بآيات ربكم. قد كانت آياتي تتلى عليكم يعني: آيات كتاب الله، يقول: كانت آيات كتابي تقرأ عليكم فتكذبون بها وترجعون مولين عنها إذا سمعتموها، كراهية منكم لسماعها. وكذلك يقال لكل من رجع من حيث جاء: نكص فلان على عقبه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فكنتم على أعقابكم تنكصون قال: تستأخرون. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فكنتم على أعقابكم تنكصون يقول: تدبرون. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: قد كانت آياتي تتلى عليكم، فكنتم على أعقابكم تنكصون يعني أهل مكة. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: تنكصون قال: تستأخرون. وقوله: مستكبرين به يقول: مستكبرين بحرم الله، يقولون: لا يظهر علينا فيه أحد، لانا أهل الحرم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 51 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: مستكبرين به يقول: مستكبرين بحرم البيت أنه لا يظهر علينا فيه أحد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: مستكبرين به قال: بمكة بالبلد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن: مستكبرين به قال: مستكبرين بحرمي. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير، في قوله: مستكبربن به بالحرم. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: مستكبرين به قال: مستكبرين بالحرم. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، مثله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: مستكبرين به قال: بالحرم. وقوله: سامرا يقول: تسمرون بالليل. ووحد قوله: سامرا وهو بمعنى السمار، لانه وضع موضع الوقت. ومعنى الكلام: وتهجرون ليلا، فوضع السامر موضع الليل، فوحد لذلك. وقد كان بعض البصريين يقول: وحد ومعناه الجمع، كما قيل: طفل في موضع أطفال. ومما يبين عن صحة ما قلنا في أنه وضع موضع الوقت فوحد لذلك، قول الشاعر. من دونهم إن جئتهم سمرا * عزف القيان ومجلس غمر

[ 52 ]

فقال: سمرا لان معناه: إن جئتهم ليلا وهم يسمرون، وكذلك قوله: سامرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: سامرا يقول: يسمرون حول البيت. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: سامرا قال: مجلسا بالليل. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: سامرا قال: مجالس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير: سامرا قال: تسمرون بالليل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: سامرا قال: كانوا يسمرون ليلتهم ويلعبون: يتكلمون بالشعر والكهانة وبما لا يدرون. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: سامرا قال: يعني مر الليل. وقال بعضهم في ذلك، ما: حدثنا به ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: سامرا يقول: سامرا من أهل الحرم آمنا لا يخاف، كانوا يقولون: نحن أهل الحرم لا يخافون. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: سامرا يقول: سامرا من أهل مكة آمنا لا يخاف، قال: كانوا يقولون: نحن أهل الرحم لا نخاف. وقوله: تهجرون اختلفت القراء في قراءته، فقرأته عامة قراء الامصار:

[ 53 ]

تهجرون بفتح التاء وضم الجيم. ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى: أحدهما أن يكون عنى أنه وصفهم بالاعراض عن القرآن أو البيت، أو رسول الله (ص) ورفضه. والآخر: أن يكون عنى أنهم يقولون شيئا من القول كما يهجر الرجل في منامه، وذلك إذا هذى فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يقولوا فيه باطلا من القول الذي لا يضره. وقد جاء بكلا القولين التأويل من أهل التأويل. ذكر من قال: كانوا يعرضون عن ذكر الله والحق ويهجرونه: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: تهجرون قال: يهجرون ذكر الله والحق. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن أبي صالح، في قوله: سامرا تهجرون قال: السب. ذكر من قال: كانوا يقولون الباطل والسيئ من القول في القرآن: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير: تهجرون قال: يهجرون في الباطل. قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حصين، عن سعيد بن جبير: سامرا تهجرون قال: يسمرون بالليل يخوضون في الباطل. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تهجرون قال: بالقول السيئ في القرآن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: تهجرون قال: الهذيان الذي يتكلم بما لا يريد، ولا يعقل كالمريض الذي يتكلم بما لا يدري. قال: كان أبي يقرؤها: سامرا تهجرون. وقرأ ذلك آخرون: سامرا تهجرون بضم التاء وكسر الجيم. وممن قرأ ذلك كذلك من قراء الامصار نافع بن أبي نعيم، بمعنى: يفحشون في المنطق، ويقولون الخنا، من

[ 54 ]

قولهم: أهجر الرجل: إذا أفحش في القول. وذكر أنهم كانوا يسبون رسول الله (ص). ذكر من قال ذلك: حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: تهجرون قال: تقولون هجرا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن أبي نهيك، عن عكرمة، أنه قرأ: سامرا تهجرون: أي تسبون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عون، عن الحسن، في قوله: سامرا تهجرون رسولي. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: تهجرون رسول الله (ص). حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: تهجرون يقول: يقولون سوءا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: قال الحسن: تهجرون كتاب الله ورسوله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: تهجرون يقول: يقولون المنكر والخنا من القول، كذلك هجر القول. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا القراءة التي عليها قراء الامصار، وهي فتح التاء وضم الجيم، لاجماع الحجة من القراء. القول في تأويل قوله تعالى: * (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آبآءهم الاولين ئ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ئ أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) *. يقول تعالى ذكره: أفلم يتدبر هؤلاء المشركون تنزيل الله وكلامه، فيعلموا ما فيه من

[ 55 ]

العبر، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه ؟ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين ؟ يقول: أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم، فاستكبروا ذلك وأعرضوا، فقد جاءت الرسل من قبلهم، وأنزلت معهم الكتب. وقد يحتمل أن تكون أم في هذا الموضع بمعنى: بل، فيكون تأويل الكلام: أفلم يدبروا القول ؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك. وقد ذكر عن ابن عباس في نحو هذا القول، ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين قال: لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الاولين. وقوله: أم لم يعرفوا رسولهم يقول تعالى ذكره: أم لم يعرف هؤلاء المكذبون محمدا، وأنه من أهل الصدق والامانة، فهم له منكرون يقول: فينكروا قوله، أو لم يعرفوه بالصدق، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه. يقول جل ثناؤه: فكيف يكذبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والامانة. أم يقولون به جنة يقول: أيقولون بمحمد جنون، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول: بل جاءهم بالحق يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بين وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحق الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون ؟ وقوله: وأكثرهم للحق كارهون يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للاذعان للحق كارهون ولاتباع محمد ساخطون، حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الارض. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والارض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون) *. يقول تعالى ذكره: ولو عمل الرب تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى

[ 56 ]

التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والارض ومن فيهن وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الامور والصحيح من التدبير والفاسد. فلو كانت الامور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحق، لم تقر السموات والارض ومن فيهن من خلق الله، لان ذلك قام بالحق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السدي، عن أبي صالح: ولو اتبع الحق أهواءهم قال: الله. قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ولو اتبع الحق أهواءهم قال: الحق: هو الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ولو اتبع الحق أهواءهم قال: الحق: الله. وقوله: بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو بيان الحق لهم بما أنزل على رجل منهم من هذا القرآن. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: بل أتيناهم بذكرهم يقول: بينا لهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل أتيناهم بشرفهم وذلك أن هذا القرآن كان شرفا لهم، لانه نزل على رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به. وقالوا: ذلك نظير قوله وإنه لذكر لك ولقومك وهذان القولان متقاربا المعنى. وذلك أن الله جل ثناؤه أنزل هذا القرآن بيانا بين فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله (ص) وقومه وشرف لهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين ئ وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) *.

[ 57 ]

يقول تعالى ذكره: أم تسأل هؤلاء المشركين يا محمد من قومك خراجا، يعني أجرا على ما جئتهم به من عند الله من النصيحة والحق فخراج ربك خير: فأجر ربك على نفاذك لامره، وابتغاء مرضاته خير لك من ذلك، ولم يسألهم (ص) على ما أتاهم به من عند الله أجرا، قال لهم كما قال الله له، وأمره بقيله لهم: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وإنما معنى الكلام: أم تسألهم على ما جئتهم به أجرا، فنكصوا على أعقابهم إذا تلوته عليهم، مستكبرين بالحرم، فخراج ربك خير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير قال: أجرا. حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن، مثله. وأصل الخراج والخرج: مصدران لا يجمعان. ] وقوله: وهو خير الرازقين يقول: والله خير من أعطى عوضا على عمل ورزق رزقا.) وقوله: وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم يقول تعالى ذكره: وإنك يا محمد لتدعو هؤلاء المشركين من قومك إلى دين الاسلام، وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ئ ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون) *. يقول تعالى ذكره: الذين لا يصدقون بالبعث بعد الممات، وقيام الساعة، ومجازاة الله عباده في الدار الآخرة عن الصراط لناكبون يقول: عن محجة الحق وقصد السبيل، وذلك دين الله الذي ارتضاه لعباده لعادلون، يقال منه: قد نكب فلان عن كذا: إذا عدل عنه، ونكب عنه: أي عدل عنه.

[ 58 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: عن الصراط لناكبون قال: لعادلون. [ / رق ] حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون يقول: عن الحق عادلون. وقوله: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر يقول تعالى: ولو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب وضر الجوع والهزال للجوا في طغيانهم يعني في عتوهم وجرأتهم على ربهم. يعمهون يعني: يترددون كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر قال: الجوع. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) *. يقول تعالى ذكره: ولقد أخذنا هؤلاء المشركين بعذابنا، وأنزلنا بهم بأسنا، وسخطنا وضيقنا عليهم معايشهم، وأجدبنا بلادهم، وقتلنا سراتهم بالسيف. فما استكانوا لربهم يقول: فما خضعوا لربهم فينقادوا لامره ونهيه وينيبوا إلى طاعته. وما يتضرعون يقول: وما يتذللون له. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله (ص) حين أخذ الله قريشا بسني الجدب، دعا عليهم رسول الله (ص). ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبوتميلة، عن الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى النبي (ص)، فقال: يا محمد، أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلهز يعني الوبر والدم. فأنزل الله: ولقد أخذناهم بالعذاب، فما استكانوا لربهم وما يتضرعون.

[ 59 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن ابن أثال الحنفي لما أتى النبي (ص) وهو أسير، فخلى سبيله، فلحق بمكة، فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة، حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى النبي (ص)، فقال: أليس تزعم بأنك بعثت رحمة للعالمين ؟ فقال: بلى فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والابناء بالجوع فأنزل الله: ولقد أخذناهم بالعذاب... الآية. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله. وقرأ هذه الآية: ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ولقد أخذناهم بالعذاب قال: الجوع والجدب. فما استكانوا لربهم فصبروا. وما استكانوا لربهم وما يتضرعون. القول في تأويل قوله تعالى: * (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون) *. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب القتال فقتلوا يوم بدر. ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود بن أبي هند، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد قد مضى، كان يوم بدر. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الاعلى، قال: ثنا داود، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس مثله.

[ 60 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد قال: يوم بدر. وقال آخرون: معناه: حتى إذا فتحنا عليهم باب المجاعة والضر، وهو الباب ذو العذاب الشديد. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد قال: لكفار قريش الجوع، وما قبلها من القصة لهم أيضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: وما قبلها أيضا. وهذا القول الذي قاله مجاهد: أولى بتأويل الآية، لصحة الخبر الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت على رسول الله (ص) في قصة المجاعة التي أصابت قريشا بدعاء رسول الله (ص) عليهم، وأمر ثمامة بن أثال وذلك لا شك أنه كان بعد وقعة بدر. وقوله: إذا هم فيه مبلسون يقول: إذا هؤلاء المشركون فيما فتحنا عليهم من العذاب حزانى نادمون على ما سلف منهم في تكذيبهم بآيات الله، في حين لا ينفعهم الندم والحزن. القول في تأويل قوله تعالى: * (وهو الذي أنشأ لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون) *. يقول تعالى ذكره: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون بالبعث بعد الممات، السمع الذي تسمعون به، والابصار التي تبصرون بها، والافئدة التي تفقهون بها، فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك ابتداء عادته بعد عدمه وفقده، وهو الذي يوجد ذلك كله إذا شاء ويفنيه إذا أراد. قليلا ما تشكرون يقول: تشكرون أيها المكذبون خبر الله من عطائكم السمع والابصار والافئدة قليلا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وهو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون) *.

[ 61 ]

يقول تعالى ذكره: والله الذي خلقكم في الارض وإليه تحشرون من بعد مماتكم، ثم تبعثون من قبوركم إلى موقف الحساب. ] القول في تأويل قوله تعالى: * (وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون) *. يقول تعالى ذكره: والله الذي يحيي خلقه يقول: يجعلهم أحياء بعد أن كانوا نطفا أمواتا، بنفخ الروح فيها بعد التارات التي تأتي عليها. ويميت يقول: ويميتهم بعد أن أحياهم. وله اختلاف الليل والنهار يقول: وهو الذي جعل الليل والنهار مختلفين، كما يقال في الكلام: لك المن والفضل، بمعنى: إنك تمن وتفضل. وقوله: أفلا تعقلون يقول: أفلا تعقلون أيها الناس أن الذي فعل هذه الافعال ابتداء من غير أصل لا يمتنع عليه إحياء الاموات بعد فنائهم وإنشاء ما شاء إعدامه بعد إنشائه. القول في تأويل قوله تعالى: * (بل قالوا مثل ما قال الاولون ئ قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون) *. يقول تعالى ذكره: ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله ولا تدبروا ما احتج عليهم من الحجج والدلالة على قدرته على فعل كل ما يشاء ولكن قالوا مثل ما قال أسلافهم من الامم المكذبة رسلها قبلهم. قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما يقول: أئذا متنا وعدنا ترابا قد بليت أجسامنا وبرأت عظامنا من لحومنا، أئنا لمبعوثون يقول: إنا لمبعوثون من قبورنا أحياء كهيئتنا قبل الممات ؟ إن هذا لشئ غير كائن. القول في تأويل قوله تعالى: * (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الاولين) *. يقول تعالى ذكره: قالوا: لقد وعدنا هذا الوعد الذي تعدنا يا محمد، ووعد آباءنا من قبلنا قوم ذكروا أنهم لله رسل من قبلك، فلم نره حقيقة أن هذا يقول: ما هذا الذي تعدنا من البعث بعد الممات إلا أساطير الاولين يقول: ما سطره الاولون في كتبهم من الاحاديث والاخبار التي لا صحة لها لا حقيقة. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون ئ سيقولون لله قل أفلا تذكرون) *.

[ 62 ]

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالآخرة من قومك: لمن ملك الارض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها ؟ ثم أعلمه أنهم سيقرون بأنها لله ملكا، دون سائر الاشياء غيره. قل أفلا تذكرون يقول: فقل لهم إذا أجابوك بذلك كذلك: أفلا تذكرون فتعلمون أن من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم وإعادتهم خلقا سويا بعد فنائهم ؟ القول في تأويل قوله تعالى: * (قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ئ سيقولون لله قل أفلا تتقون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل لهم يا محمد: من رب السموات السبع، ورب العرش المحيط بذلك ؟ سيقولون: ذلك كله لله، وهو ربه. فقل لهم: أفلا تتقون عقابه على كفركم به وتكذيبكم خبره وخبر رسوله ؟ وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: سيقولون لله فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق والشام: سيقولون لله سوى أبي عمرو، فإنه خالفهم فقرأه: سيقولون الله في هذا الموضع، وفي الآخر الذي بعده، اتباعا لخط المصحف، فإن ذلك كذلك في مصاحف الامصار إلا في مصحف أهل البصرة، فإنه في الموضعين بالالف، فقرءوا بالالف كلها اتباعا لخط مصحفهم. فأما الذين قرءوه بالالف فلا مؤنة في قراءتهم ذلك كذلك، لانهم أجروا الجواب على الابتداء وردوا مرفوعا على مرفوع. وذلك أن معنى الكلام على قراءتهم: قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم ؟ سيقولون رب ذلك الله. فلا مؤنة في قراءة ذلك كذلك. وأما الذين قرءوا ذلك في هذا والذي يليه بغير ألف، فإنهم قالوا: معنى قوله قل من رب السموات لمن السموات ؟ لمن ملك ذلك ؟ فجعل الجواب على المعنى، فقيل: لله لان المسألة عن ملك ذلك لمن هو ؟ قالوا: وذلك نظير قول قائل لرجل: من مولاك ؟ فيجيب المجيب عن معنى ما سئل، فيقول: أنا لفلان لانه مفهوم بذلك من الجواب ما هو مفهوم بقوله: مولاي فلان. وكان بعضهم يذكر أن بعض بني عامر أنشده: وأعلم أنني سأكون رمسا * إذا سار النواجع لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم * فقال المخبرون لهم: وزير

[ 63 ]

فأجاب المخفوض بمرفوع لان معنى الكلام: فقال السائلون: من الميت ؟ فقال المخبرون: الميت وزير فأجابوا عن المعنى دون اللفظ. والصواب من القراءة في ذلك أنهما قراءتان قد قرأ بهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. غير أني مع ذلك أختار قراءة جميع ذلك بغير ألف، لاجماع خطوط مصاحف الامصار على ذلك سوى خط مصحف أهل البصرة. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ئ سيقولون لله قل فأنى تسحرون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا امحمد: من بيده خزائن كل شئ ؟ كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ملكوت كل شئ قال: خزائن كل شئ. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن مجاهد، في قول الله: قل من بيده ملكوت كل شئ قال: خزائن كل شئ. وقوله: وهو يجير من أراد ممن قصده بسوء. ولا يجار عليه يقول: ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء فيدفع عنه عذابه وعقابه. إن كنتم تعلمون من ذلك صفته، فإنهم يقولون: إن ملكوت كل شئ والقدرة على الاشياء كلها لله. فقل لهم يا محمد: فأنى تسحرون يقولون: فمن أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والاقرار بأخباره وأخبار رسوله والايمان بأن الله القادر على كل ما يشاء وعلى بعثكم أحياء بعد مماتكم، مع علمكم بما تقولون من عظيم سلطانه وقدرته ؟ وكان ابن عباس فيما ذكر عنه يقول في معنى قوله تسحرون ما: حدثني به علي، قال: ثنا عبد الله قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فأنى تسحرون يقول: تكذبون.

[ 64 ]

وقد بينت فيما مضى السحر: أنه تخييل الشئ إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته، فذلك معنى قوله: فأنى تسحرون إنما معناه: فمن أي وجه يخيل إليكم الكذب حقا والفاسد صحيحا، فتصرفون عن الاقرار بالحق الذي يدعوكم إليه رسولنا محمد (ص). القول في تأويل قوله تعالى: * (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون ئ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ئ عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) *. يقول: ما الامر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله من أن الملائكة بنات الله وأن الآلهة والاصنام آلهة دون الله. بل أتيناهم بالحق اليقين، وهو الدين الذي ابتعث الله به نبيه (ص)، وذلك الاسلام، ولا يعبد شئ سوى الله لانه لا إله غيره. وإنهم لكاذبون يقول: وإن المشركين لكاذبون فيما يضيفون إلى الله وينحلونه من الولد والشريك. وقوله: ما اتخذ الله من ولد يقول تعالى ذكره: ما لله من ولد، ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الاشياء من تصلح عبادته، ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الاشياء من تصلح عبادته من إله إذا لذهب يقول: إذن لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شئ، فانفرد به، ولتغالبو، فلعلا بعضهم على بعض، وغلب القوي منهم الضعيف لان القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلها. فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر وقوله: إذا لذهب جواب لمحذوف، وهو: لو كان معه إله إذن لذهب كل إله بما خلق اجتزئ بدلالة ما ذكر عليه عنه، وقوله: سبحان الله عما يصفون يقول تعالى ذكره: تنزيها لله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له ولدا، وعما قالوه من أن له شريكا، أو أن معه في القدم إلها يعبد، تبارك وتعالى. وقوله: عالم الغيب والشهادة يقول تعالى ذكره: هو عالم ما غاب عن خلقه من الاشياء، فلم يروه ولم يشاهدوه، وما رأوه وشاهدوه. إنما هذا من الله خبر عن هؤلاء الذين قالوا من المشركين: اتخذ الله ولدا وعبدوا من دونه آلهة، أنهم فيما يقولون ويفعلون مبطلون مخطئون، فإنهم يقولون ما يقولون من قول في ذلك عن $ غيعلم، بل عن جهل منهم به وإن العالم بقديم الامور وبحديثها وشاهدها وغائبها عنهم، الله الذي لا يخفى

[ 65 ]

عليه شئ، فخبره هو الحق دون خبرهم. وقال: عالم الغيب فرفع على الابتداء، بمعنى: هو عالم الغيب، ولذلك دخلت الفاء في قوله: فتعالى كما يقال: مررت بأخيك المحسن فأحسنت إليه، فترفع المحسن إذا جعلت فأحسنت إليه بالفاء، لان معنى الكلام إذا كان كذلك: مررت بأخيك هو المحسن، فأحسنت إليه. ولو جعل الكلام بالواو فقيل: وأحسنت إليه، لم يكن وجه الكلام في المحسن إلا الخفض على النعت للاخ، ولذلك لو جاء فتعالى بالواو كان وجه الكلام في عالم الغيب الخفض على الاتباع لاعراب اسم الله، وكان يكون معنى الكلام: سبحان الله عالم الغيب والشهادة وتعالى فيكون قوله: وتعالى حينئذ معطوفا على سبحان الله. وقد يجوز الخفض مع الفاء، لان العرب قد تبدأ الكلام بالفاء، كابتدائها بالواو. وبالخفض كان يقرأ: عالم الغيب في هذا لموضع أبو عمرو، وعلى خلافه في ذلك قرأة الامصار. والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لمعنيين: أحدهما: إجماع الحجة من القراء عليه، والثاني: صحته في العربية.) وقوله: فتعالى عما يشركون يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفهم إياه بما يصفون. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل رب إما تريني ما يوعدون ئ رب فلا تجعلني في القوم الظالمين وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد: رب إن ترينى في هؤلاء المشركين ما تعدهم من عذابك فلا تهلكني بما تهلكهم به. ونجني من عذابك وسخطك فلا تجعلني في القوم المشركين ولكن اجعلني ممن رضيت عنه من أوليائك. وقوله: فلا تجعلني جواب لقوله: إما ترينى اعترض بينهما بالنداء، ولو لم يكن قبله جزاء لم يجز ذلك في الكلام، لا يقال: يا زيد فقم، ولا يا رب فاغفر، لان النداء مستأنف، وكذلك الامر بعده مستأنف، لا تدخله الفاء والواو، إلا أن يكون جوابا لكلام قبله. وقوله: وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون يقول تعالى ذكره: وإنا يا محمد على أن نريك في هؤلاء المشركين ما نعدهم من تعجيل العذاب لهم، لقادرون، فلا يحزننك تكذيبهم إياك بما نعدهم به، وإنما نؤخر ذلك ليبلغ الكتاب أجله. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 66 ]

* (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ئ وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ئ وأعوذ بك رب أن يحضرون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه: ادفع يا محمد بالخلة التي هي أحسن، وذلك الاغضاء والصفح عن جهلة المشركين والصبر على أذاهم، وذلك أمره إياه قبل أمره بحربهم. وعنى بالسيئة: أذى المشركين إياه وتكذيبهم له فيما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالى ذكره: اصبر على ما تلقى منهم في ذات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ادفع بالتي هي أحسن السيئة قال: أعرض عن أذاهم إياك. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد: ادفع بالتي هي أحسن السيئة قال: هو السلام، تسلم عليه إذا لقيته. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ادفع بالتي هي أحسن السيئة قال: والله لا يصيبها صاحبها حتى يكظم غيظا ويصفح عما يكره. وقوله: نحن أعلم بما يصفون يقول تعالى ذكره: نحن أعلم بما يصفون الله به، وينحلونه من الاكاذيب والفرية عليه، وبما يقولون فيك من السوء، ونحن مجازوهم على جميع ذلك، فلا يحزنك ما تسمع منهم من قبيح القول. وقوله: وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): وقل يا محمد رب أستجير بك من خنق الشياطين وهمزاتها، والهمز: هو الغمز، ومن ذلك قيل للهمز في الكلام: همزة، والهمزات جمع همزة.

[ 67 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس قال: أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وقل رب أعوذ بك مهمزات الشياطين قال: همزات الشياطين: خنقهم الناس، فذلك همزاتهم. وقوله: وأعوذ بك رب أن يحضرون يقول: وقل أستجير بك رب أن يحضرون في أموري. كالذي: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وأعوذ بك رب أن يحضرون في شئ من أمرى. القول في تأويل قوله تعالى: * (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ئ لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) *. يقول تعالى ذكره: حتى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت، وعاين نزول أمر الله به، قال لعظيم ما يعاين مما يقدم عليه من عذاب الله تندما على ما فات وتلهفا على ما فرط فيه قبل ذلك من طاعة الله ومسئلته للاقالة: رب ارجعون إلى الدنيا فردوني إليها، لعلي أعمل صالحا يقول: كي أعمل صالحا فيما تركت قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كان محمد بن كعب القرظي يقرأ علينا: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون قال محمد: إلى أي شئ يريد ؟ إلى أي شئ يرغب ؟ أجمع المال، أو غرس الغراس، أو بني بنيان، أو شق أنهار ؟ ثم يقول: لعلي أعمل صالحا فيما تركت يقول الجبار: كلا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: رب ارجعون قال: هذه في الحياة الدنيا، ألا تراه يقول: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: حين تنقطع الدنيا ويعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت.

[ 68 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال النبي (ص) لعائشة: إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول: إلى دار الهموم والاحزان ؟ فيقول: بل قدماني إلى الله. وأما الكافر فيقال: نرجعك ؟ فيقول: لعلي أعمل صالحا فما تركت... الآية. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون: يعني أهل الشرك. وقيل: رب ارجعون، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثم قيل: ارجعون، فصار إلى خطاب الجماعة، والله تعالى ذكره واحد. وإنما فعل ذلك كذلك، لان مسألة القوم الرد إلى الدنيا إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جريج أن النبي (ص) قاله. وإنما ابتدئ الكلام بخطاب الله جل ثناؤه، لانهم استغاثوا به، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع والرد إلى الدنيا. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قيل ذلك كذلك، لانه مما جرى على وصف الله نفسه من قوله: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا في غير مكان من القرآن، فجرى هذا على ذاك. وقوله: كلا يقول تعالى ذكره: ليس الامر على ما قال هذا المشرك لن يرجع إلى الدنيا ولن يعاد إليها. إنها كلمة هو قائلها يقول: هذه الكلمة، وهو قوله: رب ارجعون كلمة هو قائلها يقول: هذا المشرك هو قائلها. كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: كلا إنها كلمة هو قائلها لا بد له أن يقولها. ومن ورائهم برزخ يقول: ومن أمامهم حاجز يحجز بينهم وبين الرجوع، يعني إلى يوم يبعثون من قبورهم، وذلك يوم القيامة والبرزخ والحاجز والمهلة متقاربات في المعنى.

[ 69 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون يقول: أجل إلى حين. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، في قوله: ومن ورائهم برزخ قال: ما بعد الموت. حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، قال: ثنا أبو حيوة شريح بن يزيد، قال: ثنا أرطاة، عن أبي يوسف، قال: خرجت مع أبي أمامة في جنازة، فلما وضعت في لحدها، قال أبو أمامة: هذا برزخ إلى يوم يبعثون. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا مطر، عن مجاهد، قوله: ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون قال: ما بين الموت إلى البعث. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: برزخ إلى يوم يبعثون قال: حجاب بين الميت والرجوع إلى الدنيا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون قال: برزخ بقية الدنيا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون قال: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 70 ]

* (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) *. اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: فإذا نفخ في الصور من النفختين أيتهما عني بها ؟ فقال بعضهم: عني بها النفخة الاولى. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، قال: ثنا عمرو بن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، أن رجلا أتى ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: فلا أنساب بينهم يومئذ... الآية، وقال في آية أخر ى: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فذلك في النفحة الاولى، فلا يبقى على الارض شئ، (فلا أنساب بينم يومئذ ولا ييساءلون. فإنهم لما دخلوا الجنة أقيل بعضهم على بعض يتساءلون: وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن السدي، في قوله: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون قال: في النفخة الاولى. حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فلا أنساب بينهم يومئذ وعلا يتساءلون فذلك حين ينفخ في الصور، فلا حي يبقى إلا الله. وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون فذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية. قال أبو جعفر: فمعنى ذلك على هذا التأويل: فإذا نفخ في الصور، فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ يتواصلون بها، ولا يتساءلون، ولا يتزاورون، فيتساءلون عن أحوالهم وأنسابهم. وقال آخرون: بل عني بذلك النفخة الثانية. ذكر من قال ذلك:

[ 71 ]

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن هارون بن أبي وكيع، قال: سمعت زاذان يقول: أتيت ابن مسعود، وقد اجتمع الناس إليه في داره، فلم أقدر على مجلس، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، من أجل أني رجل من العجم تحقرني ؟ قال: ادن قال: فدنوت، فلم يكن بيني وبينه جليس، فقال: يؤخذ بيد العبد أو الامة يوم القيامة على رؤوس الاولين والآخرين، قال: وينادي مناد: ألا إن هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه، قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على ابنها أو على أبيها أو على أخيها أو على زوجها فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن زاذان، قال: سمعت ابن مسعود يقول: يؤخذ العبد أو الامة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الاولين والآخرين، ثم ينادي مناد، ثم ذكر نحوه، وزاد فيه: فيقول الرب تبارك وتعالى للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم فيقول: أي رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم ؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل، ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة. ثم تلا ابن مسعود: إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكا إلى النار. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون قال: لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا، ولا يتساءلون، ولا يمت إليه برحم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني محمد بن كثير، عن حفص بن المغيرة، عن قتادة، قال: ليس شئ أبغض إلى الانسان يوم القيامة من أن يرى من يعافه، مخافة أن يذوب له عليه شئ. ثم قرأ: يوم يفر المرء من أخيه وأمهه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه.

[ 72 ]

قال: ثنا الحسن، قال: ثنا الحكم بن سنان، عن سدوس صاحب السائري، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (ص): إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من أهل العرش: يا أهل التظالم تداركوا مظالمكم وادخلوا الجنة. القول في تأويل قوله تعالى: * (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ئ ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ئ تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) *. يقول تعالى ذكره: فمن ثقلت موازينه: موازين حسناته وخفت موازين سيئاته. فأولئك هم المفلحون يعني الخالدون في جنات النعيم. ومن خفت موازينه يقول: ومن خفت موازين حسناته، فرجحت بها موازين سيئاته. فأولئك الذين خسروا أنفسهم يقول: غبوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله. في جهنم خالدون يقول: هم في نار جهنم. وقوله: تلفح وجوههم النار يقول: تسفع وجوههم النار. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: تلفح وجوههم النار قال: تنفح. وهم فيها كالحون والكلوح: أن تتقلص الشفتان عن الاسنان حتى تبدو الاسنان، كما قال الاعشي: وله المقدم لا مثل له * ساعة الشدق عن الناب كلح فتأويل الكلام: يسفع وجوههم لهب النار فتحرقها، وهم فيها متقلصوا الشفاه عن الاسنان من إحراق النار وجوههم.

[ 73 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: وهم فيها كالحون يقول: عابسون. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص عن عبد الله، في قوله: وهم فيها كالحون قال: ألم تر إلى الرأس المشيط قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه ؟. حدثن القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق أبي الاحوص عن عبد الله، قرأ هذه الآية: تلفح وجوههم النار... الآية، قال ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار وقد قلصت شفتاه وبدت أسنانه ؟. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وهم فيها كالحون قال: ألم تر إلى الغنم إذا مست النار وجوهها كيف هي ؟. القول في تأويل قوله تعالى: * (ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون ئ قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين) *. يقول تعالى ذكره: يقال لهم: ألم تكن آياتي تتلى عليكم يعني آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا، فكنتم بها تكذبون. وترك ذكر يقال لدلالة الكلام عليه. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: غلبت علينا شقوتنا بكسر الشين، وبغير ألف. وقرأته عامة قراء أهل الكوفة: شقاوتنا بفتح الشين والالف.

[ 74 ]

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: قالوا: ربنا غلبت علينا ما سبق لنا في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، قوله: غلبت علينا شقوتنا قال: التي كتبت علينا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال: قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم: أن ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فلم يجيبوهم ما شاء الله فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. قال: ثم نادوا مالكا: يا مالك ليقض علينا ربك فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة، ثم أجابهم فقال: إنكم ماكثون. ثم نادى الاشقياء ربهم، فقالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى: اخسئوا فيها ولا تكلمون. قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال: ينادي أهل النار أهل الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقول: أجيبوهم وقد قطع الرحم والرحمة. فيقول أهل الجنة: يا أهل النار عليكم غضب الله يا أهل النار عليكم لعنة الله يا أهل النار، لا لبيكم

[ 75 ]

ولا سعديكم ماذا تقولون ؟ فيقولون: ألم نك في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم ؟ فيقولون: بلى. فيقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين. قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: وثني عبدة المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن عمرو بن أبي ليلى، قال: سمعت محمد بن كعب، زاد أحدهما على صاحبه، قال محمد بن كعب: بلغني، أو ذكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فردوا عليهم ما قال الله فلما أيسوا نادوا: يا مالك وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمر عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا: يا مالك، ليقض علينا ربك سألوا الموت. فمكث لا يجيبهم ثمانين ألف سنة من سني الآخرة، أو كما قال. ثم انحط إليهم، فقال: إنكم ماكثون فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص: أي منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان، فلما سمعوا مقالتهم، مقتوا أنفسهم، قال: فنودوا: لمقت الله أكبر ممقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون قالوا ربنا أمتنا... الآية، قال: فيجيبهم الله فيها: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك بهه تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير. قال: فيقولون: ما أيسنا بعد قال: ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها يقول الرب: لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ولكن حق

[ 76 ]

القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا يقول: بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا، إنا نسيناكم: أي تركناكم، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون. قال: فيقولون: ما أيسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل قال: فيقال لهم: أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم... الآية، قال: فيقولون: ما أيسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل، قال: فيقول: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير... إلى: نصير. ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم: ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا: أي الكتاب الذي كتب علينا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها... الآية، فقال عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبدا. فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت عليهم. قال عبد الله بن المبارك في حديثه: فحدثني الازهر بن أبي الازهر أنه قال: فذلك قوله: هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، أنه قال: فوالذي أنزل القرآن على محمد والتوراة على موسى والانجيل على عيسى، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزعيق في الخلد أبدا ليس له نفاد. قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، قال: كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارئ، فجلسنا، فتنحى أبو جعفر، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا جعفر ؟ قال: أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون.

[ 77 ]

وقوله: وكنا قوما ضالين يقول: كنا قوما ضللنا عن سبيل الرشاد وقصد الحق. القول في تأويل قوله تعالى: * (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ئ قال اخسئوا فيها ولا تكلمون) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل الذين خفت موازين صالح أعمالهم يوم القيامة في جهنم: ربنا أخرجا من النار، فإن عدنا لما تكره منا من عمل فإنا ظالمون. وقوله: قال اخسئوا فيها يقول تعالى ذكره: قال الرب لهم جل ثناؤه مجيبا: اخسئوا فيها أي اقعدوا في النار. يقال منه: خسأت فلانا أخسؤه خسأ وخسوءا، وخسئ هو يخسأ وما كان خاسئا ولقد خسئ. ولا تكلمون فعند ذلك أيس المساكين من الفرج ولقد كانوا طامعين فيه كما: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثني أبو الزعراء، عن عبد الله، في قصة ذكرها في الشفاعة، قال: فإذا أراد الله ألا يخرج منها يعني من النار أحدا، غير وجوههم وألوانها، فيجئ الرجل من المؤمنين فيشفع فيهم، فيقول: يا رب فيقول: من عرف أحدا فليخرجه قال: فيجئ الرجل فينظر فلا يعرف أحدا، فيقول: يا فلان يا فلان فيقول: ما أعرفك. فعند ذلك يقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون فإذا قالوا ذلك، انطبقت عليهم جهنم فلا يخرج منها بشر. حدثنا تميم بن المنتصر، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر ابن حوشب، عن معدي كرب، عن أبي الدرداء، قال: يرسل أو يصب على أهل النار الجوع، فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، فلا يغني ذلك عنهم شيئا. فيستغيثون، فيغا ثون بطعام ذي غصة، فإذا أكلوه نشب في حلوقهم، فيذكرون أنهم كانوا في الدنيا يحدرون الغصة بالماء. فيستغيثون، فيرفع إليهم الحميم في كلاليب الحديد، فإذا انتهى إلى وجوههم شوى وجوههم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم. قال: فينادون مالكا: ليقض علينا ربك قال: فيتركهم ألف سنة، ثم يجيبهم: إنكم ماكثون. قال: فينادون خزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ؟ قالوا: بلى. قالوا: فادعوا، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال قال: فيقولون ما نجد أحدا لنا

[ 78 ]

من ربنا، فينادون ربهم: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال: فيقول الله: اخسئوا فيها ولا تكلمون. قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، فيدعون بالويل والشهيق والثبور. حدثني محمد بن عمارة الاسدي، قال: ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، قال: ثنا قطبة بن عبد العزيز الاسدي، عن الاعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله (ص): يلقى على أهل النار الجوع... ثم ذكر نحوا منه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمى، عن هارون بن عنترة، عن عمرو بن مرة، قال: يرى أهل النار في كل سبعين عاما ساق مالك خازن النار، فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربك فيجيبهم بكلمة. ثم لا يرونه سبعين عاما، فيستغيثون بالخزنة، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فيجيبونهم: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات... الآية. فيقولون: ادعوا ربكم، فليس أحد أرحم من ربكم فيقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال: فيجيبهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الشهيق والويل والثبور. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: بلغني أنهم ينادون مالكا فيقولون: ليقض علينا ربك فيسكت عنهم قدر أربعين سنة، ثم يقول: إنكم ماكثون. قال: ثم ينادون ربهم، فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون. قال: فييأس القوم، فلا يتكلمون بعدها كلمة، وكان إنما هو الزفير والشهيق. قال قتادة: صوت الكافر في النار مثل صوت الحمار: أوله زفير، وآخره شهيق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

[ 79 ]

حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الله بن عيسى، قال: أخبرني زياد الخراساني، قال: أسنده إلى بعض أهل العلم، فنسيته، في قوله: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فيسكتون، قال: فلا يسمع فيها حس إلا كطنين الطست. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: اخسئوا فيها ولا تكلمون هذا قول الرحمن عزوجل، حين انقطع كلامهم منه. القول في تأويل قوله تعالى: * (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين) *. يقول تعالى ذكره: إنه وهذه الهاء في قوله إنه هي الهاء التي يسميها أهل العربية المجهولة. وقد بينت معناها فيما مضى قبل، ومعنى دخولها في الكلام، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. كان فريق من عبادي يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الايمان بالله، يقولون في الدنيا: ربنا آمنا بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك. فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذا بك. القول في تأويل قوله تعالى: * (فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون ئ إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) *. يقول تعالى ذكره: فاتخذتم أيها القائلون لربهم ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين في الدنيا، القائلين فيها ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين سخريا. والهاء والميم في قوله: فاتخذتموهم من ذكر الفريق. واختلفت القراء في قراءة قوله: سخريا فقرأه بعض قراء الحجاز وبعض أهل البصرة والكوفة: فاتخذتموهم سخريا بكسر السين، ويتأولون في كسرها أن معنى ذلك

[ 80 ]

الهزء، ويقولون: إنها إذا ضمت فمعنى الكملة: السخرة والاستعباد. فمعنى الكلام على مذهب هؤلاء: فاتخذهم أهل الايمان بي في الدنيا هزؤا ولعبا، تهزءون بهم، حتى أنسوكم ذكري. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة: فاتخذتموهم سخريا بضم السين، وقالوا: معنى الكلمة في الضم والكسر واحد. وحكى بعضهم عن العرب سماعا لجي ولجى، ودري، ودري، منسوب إلى الدر، وكذلك كرسي وكرسي وقالوا ذلك من قيلهم كذلك: نظير قولهم في جمع العصا: العصي بكسر العين، والعصي بضمها قالوا: وإنما اخترنا الضم في السخري، لانه أفصح اللغتين. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان معروفتان بمعنى واحد، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب. وليس يعرف من فرق بين معنى ذلك إذا كسرت السين وإذا ضمت، لما ذكرت من الرواية عمن سمع من العرب ما حكيت عنه. ذكر الرواية به عن بعض من فرق في ذلك بين معناه مكسورة سينه ومضمومة: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: فاتخذتموهم سخريا قال: هما مختلفتان: سخريا، وسخريا، يقول الله: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا قال: هذا سخريا: يسخرونهم، والآخرون: الذين يستهزئون بهم هم سخريا، فتلك سخريا يسخرونهم عندك، فسخرك: رفعك فوقه والآخرون: استهزءوا بأهل الاسلام هي سخريا يسخرون منهم، فهما مختلفتان. وقرأ قول الله: كلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون وقال: يسخرون منهم كما سخر قوم نوح بنوح، اتخذوهم سخريا: اتخذوهم هزؤا، لم يزالوا يستهزئون بهم. ] وقوله: حتى أنسوكم ذكري يقول: لم يزل استهزاؤكم بهم، أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري، فألهاكم عنه. وكنتم منهم تضحكون، كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

[ 81 ]

حتى أنسوكم ذكري قال: أنسى هؤلاء الله استهزاؤهم بهم وضحكهم بهم. وقرأ: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون حتى بلغ: إن هؤلاء لضالون. ] وقوله: إني جزيتهم اليوم بما صبروا يقول تعالى ذكره: إني أيها المشركون بالله المخلدون في النار، جزيت الذين اتخذتموهم في الدنيا سخريا من أهل الايمان بي، وكنتم منهم تضحكون. اليوم بما صبروا على ما كانوا يلقون بينكم من أذى سخريتكم وضحككم منهم في الدنيا. إنهم هم الفائزون. اختلفت القراء في قراءة: إنهم فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: أنهم، بفتح الالف من أنهم بمعنى: جزيتهم هذا. ف أن في قراءة هؤلاء: في موضع نصب بوقوع قوله: جزيتهم عليها، لان معنى الكلام عندهم: إني جزيتهم اليوم الفوز بالجنة. وقد يحتمل النصب من وجه آخر، وهو أن يكون موجها معناه إلى: إني جزيتهم اليوم بما صبروا، لانهم هم الفائزون بما صبروا في الدنيا على ما لقوا في ذات الله. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: إني بكسر الالف منها، بمعنى الابتداء، وقالوا: ذلك ابتداء من الله مدحهم. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر الالف، لان قوله: جزيتهم، عمل في الهاء والميم، والجزاء إنما يعمل في منصوبين، وإذا عمل في الهاء والملم يكن له العمل في أن فيصير عاملا في ثلاثة إلا أن ينوى به التكرير، فيكون نصب أن حينئذ بفعل مضمر لا بقوله: جزيتهم، وإن هي نصبت بإضمار لام لم يكن له أيضا كبير معنى لان جزاء الله عباده المؤمنين بالجنة، إنما هو على ما سلف من صالح أعمالهم في الدنيا وجزاؤه إياهم وذلك في الآخرة هو الفوز، فلا معنى لان يشرط لهم الفوز بالاعمال ثم يخبر أنهم إنما فازوا لانهم هم الفائزون. فتأويل الكلام إذ كان الصواب من القراءة ما ذكرنا: إني جزيتهم اليوم الجنة بما صبروا في الدنيا على أذاكم بها، في أنهم اليوم هم الفائزون بالنعيم الدائم والكرامة الباقية أبدا، بما عملوا من صالحات الاعمال في الدنيا ولقوا في طلب رضاي من المكاره فيها. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 82 ]

* (قال كم لبثتم في الارض عدد سنين ئ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: كم لبثتم في الارض عدد سنين، وفي قوله: لبثنا يوما أو بعض يوم فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة على وجه الخبر: قال كم لبثتم، وكذلك قوله: قال إن لبثتم. ووجه هؤلاء تأويل الكلام إلى أن الله قال لهؤلاء الاشقياء من أهل النار وهم في النار: كم لبثتم في الارض عدد سنين وأنهم أجابوا الله فقالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، فنسي الاشقياء، لعظيم ما هم فيه من البلاء والعذاب، مدة مكثهم التي كانت في الدنيا، وقصر عندهم أمد مكثهم الذي كان فيها، لما حل بهم من نقمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يكونوا مكثوا فيها إلا يوما أو بعض يوم، ولعل بعضهم كان قد مكث فيها الزمان الطويل والسنين الكثيرة. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة على وجه الامر لهم بالقول، كأنه قال لهم قولوا كم لبثتم في الارض ؟ وأخرج الكلام مخرج الامر للواحد والمعني به الجماعة، إذ كان مفهوما معناه. وإنما اختار هذه القراءة من اختارها من أهل الكوفة لان ذلك في مصاحفهم: قل بغير ألف، وفي غر مصاحفهم بالالف. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ ذلك: قال كم لبثتم على وجه الخبر، لان وجه الكلام لو كان ذلك أمرا، أن يكون قولوا على وجه الخطاب للجمع لان الخطاب فيما قبل ذلك وبعده جرى لجماعة أهل النار، فالذي هو أولى أن يكون كذلك قوله: قولوا لو كان الكلام جاء على وجه الامر، وإن كان الآخر جائزا، أعني التوحيد، لما بينت من العلة لقارئ ذلك كذلك، وجاء الكلام بالتوحيد في قراءة جميع القراء، كان معلوما أن قراءة ذلك على وجه الخبر عن الواحد أشبه، إذ كان ذلك هو الفصيح المعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك ذلك، فتأويل الكلام: قال الله كم لبثتم في الدنيا من عدد سنين ؟ قالوا مجيبين له: لبثنا فيها يوما أو بعض يوم فاسأل العادين، لانا لا ندري، قد نسينا ذلك. واختلف أهل التأويل في المعني بالعادين، فقال بعضهم: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني

[ 83 ]

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فاسأل العادين قال: الملائكة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: بل هم الحساب. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: فاسأل العادين قال: فاسأل الحساب. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: فاسأل العادين قال: فاسأل أهل الحساب. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله جل ثناؤه: فاسأل العادين وهم الذين يعدون عدد الشهور والسنين وغير ذلك. وجائز أن يكونوا الملائكة، وجائز أن يكونوا بني آدم وغيرهم، ولا حجة بأي ذلك من أي ثبتت صحتها فغير جائز توجيه معنى ذلك إلى بعض العادين دون بعض. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون ئ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: قال إن لبثتم إلا قليلا اختلافهم في قراءة قوله: قال كم لبثتم. والقول عندنا في ذلك في هذا الموضع نحو القول الذي بيناه قبل في قوله: كم لبثتم. وتأويل الكلام على قراءتنا: قال الله لهم: ما لبثتم في الارض إلا قليلا يسيرا لو أنكم كنتم تعلمون قدر لبثكم فيها. وقوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا يقول تعالى ذكره: أفحسبتم أيها الاشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبا وباطلا، وأنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا تصيرون أحياء فتجزون بما كنتم في الدنيا تعملون ؟. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة والكوفة: لا ترجعون بضم التاء: لا تردون، وقالوا: إنما هو من مرجع الآخرة لا من الرجوع إلى

[ 84 ]

الدنيا. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: لا ترجعون وقالوا: سواء في ذلك مرجع الآخرة والرجوع إلى الدنيا. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى لان من رده الله إلى الآخرة من الدنيا بعد فنائه فقد رجع إليها، وأن من رجع إليها فبرد الله إياه إليها رجع. وهما مع ذلك قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا قال: باطلا. القول في تأويل قوله تعالى: * (فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم) *. يقول تعالى ذكره: فتعالى الله الملك الحق عما يصفه به هؤلاء المشركون من أن له شريكا، وعما يضيفون إليه من اتخاذ البنات. لا إله إلا هو يقول: لا معبود تنبغي له العبودة إلا الله الملك الحق رب العرش الكريم والرب: مرفوع بالرد على الحق، ومعنى الكلام: فتعالى الله الملك الحق، رب العرش الكريم، لا إله إلا هو. القول في تأويل قوله تعالى: * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) *. يقول تعالى ذكره: ومن يدع مع المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له معبودا آخر، لا حجة له بما يقول ويعمل من ذلك ولا بينة. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: لا برهان له به قال: بينة.

[ 85 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: لا برهان له به قال: حجة. ] حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: لا برهان له به قال: لا حجة. وقوله: فإنما حسابه عند ربه يقول: فإنما حساب عمله السيئ عند ربه، وهو موفيه جزاءه إذا قدم عليه. إنه لا يفلح الكافرون يقول: إنه لا ينجح أهل الكفر بالله عنده ولا يدركون الخلود والبقاء في النعيم. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): وقل يا محمد رب استر علي ذنوبي بعفوك عنها وارحمني بقبول توبتك وتركك عقابي على ما احترمت. وأنت خير الراحمين يقول: وقل أنت يا رب خير من رحم ذا ذنب فقبل توبته ولم يعاقبه على ذنبه.

[ 86 ]

سورة النور مدنية وآياتها أربع وستون بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: * (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون) *. قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: سورة أنزلناها وهذه السورة أنزلناها. وإنما قلنا معنى ذلك كذلك، لان العرب لا تكاد تبتدئ بالنكرات قبل أخبارها إذا لم تكن جوابا، لانها توصل كما يوصل الذي، ثم يخبر عنها بخبر سوى الصلة، فيستقبح الابتداء بها قبل الخبر إذا لم تكن موصولة، إذ كان يصير خبرها إذا ابتدئ بها كالصلة لها، ويصير السامع خبرها كالمتوقع خبرها بعد إذ كان الخبر عنها بعدها كالصلة لها. وإذا ابتدئ بالخبر عنها قبلها، لم يدخل الشك على سامع الكلام في مراد المتكلم. وقد بينا فيما مضى قبل أن السورة وصف لما ارتفع بشواهده فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وأما قوله: وفرضناها فإن القراء اختلفت في قراءته، فقرأه بعض قراء الحجاز والبصرة: وفرضناها ويتأولونه: وفصلناها ونزلنا فيها فرائض مختلفة. وكذلك كان مجاهد يقرؤه ويتأوله. حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن مهدي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حميد، عن مجاهد، أنه كان يقرؤها: وفرضناها يعني بالتشديد.

[ 87 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: وفرضناها قال: الامر بالحلال، والنهى عن الحرام. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقد يحتمل ذلك إذا قرئ بالتشديد وجها غير الذي ذكرنا عن مجاهد، وهو أن يوجه إلى أن معناه: وفرضناها عليكم وعلى من بعدكم من الناس إلى قيام الساعة. وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة والشأم: وفرضناها بتخفيف الراء، بمعنى: أوجبنا ما فيها من الاحكام عليكم وألزمناكموه وبينا ذلك لكم. والصواب من القول في ذلك: أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وذلك أن الله قد فصلها، وأنزل فيها ضروبا من الاحكام، وأمر فيها ونهى، وفرض على عباده فيها فرائض، ففيها المعنيان كلاهما: التفريض، والفرض فلذلك قلنا بأية القراءتين قرأ القارئ فمصيب الصواب. ذكر من تأول ذلك بمعنى الفرض والبيان من أهل التأويل: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: وفرضناها يقول: بيناها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: سورة أنزلناها وفرضناها قال: فرضناها لهذا الذي يتلوها مما فرض فيها. وقرأ فيها: آيات بينات لعلكم تذكرون. وقوله: وأنزلنا فيها آيات بينات يقول تعالى ذكره: وأنزلنا في هذه السورة علامات ودلالت على الحق بينات، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها بعقل أنها من عند الله، فإنها الحق المبين، وإنها تهدي إلى الصراط المستقيم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: وأنزلنا فيها آيات بينات قال: الحلال والحرام والحدود. لعلكم تذكرون يقول: لتتذكروا بهذه الآيات البينات التي أنزلناها. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 88 ]

* (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) *. يقول تعالى ذكره: من زنى من الرجال أو زنت من النساء، وهو حر بكر غير محصن بزوج، فاجلدوه ضربا مئة جلة عقوبة لما صنع وأتى من معصية الله. ولا تأخذكم بهما رأفة فدين الله يقول تعالى ذكره: لا تأخذكم بالزاني والزانية أيها المؤمنون رأفة، وهي رقة الرحمة في دين الله، يعني في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحد عليهما على ما ألزمكم به. واختلف أهل التأويل في المنهي عنه المؤمنون من أخذ الرأفة بهما، فقال بعضهم: هو ترك إقامة حد الله عليهما، فأما إذا أقيم عليهما الحد فلم تأخذهم بهما رأفة في دين الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليجة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: جلد ابن عمر جارية له أحدثت، فجلد رجليها قال نافع: وحسبت أنه قال: وظهرها فقلت: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال: وأخذتني بها رأفة، إن الله لم يأمرني أن أقتلها. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن أبي مليكة يقول: ثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر حد جارية له، فقال للجالد، وأشار إلى رجلها وإلى أسفلها، قلت: فأين قول الله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: أفأقتلها ؟. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال: أن تقيم الحد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، ابن جريج: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: لا تضيعوا حدود الله.

[ 89 ]

قال ابن جريج: وقال مجاهد: لا تأخذكم بهما رأفة: لا تضيعوا الحدود في أن تقيموها. وقالها عطاء بن أبي رباح. حدثنا أبو هشام، قال: ثنا عبد الملك وحجاج، عن عطاء: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: يقام حد الله ولا يعطل، وليس بالقتل. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني محمد بن فضيل، عن داود، عن سعيد بن جبير، قال: الجلد. حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن المغيرة، عن إبراهيم، في قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: الضرب. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، قال: قلت لابي مجلز: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما... إلى قوله: واليوم الآخر إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل حدا، أو تقطع يده. قال: إنما ذاك أنه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم الحد. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال لا تقام الحدود. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة فتدعوهما من حدود الله التي أمر بها وافترضها عليهما. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، أنه سأل سليمان بن يسار، عن قول الله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أي في الحدود أو في العقوبة ؟ قال: ذلك فيهما جميعا. حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء في قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: أن يقام حد الله ولا يعطل، وليس بالقتل.

[ 90 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامر في قوله: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: الضرب الشديد. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب عنهما، ولكن أو جعوهما ضربا. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا أبو جعفر، عن قتادة، عن الحسن وسعيد ابن المسيب: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: الجلد الشديد. قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن حماد، قال: يحد القاذف والشارب وعليهما ثيابهما. وأما الزاني فتخلع ثيابه. وتلا هذه الآية: ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقلت لحماد: أهذا في الحكم ؟ قال: في الحكم والجلد. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة: يخفف في الشراب، ويجتهد في الزاني. وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ولا تأخذكم بهما رأفة في إقامة حد الله عليهما الذي افترض عليكم إقامته عليهما. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لدلالة قول الله بعده: في دين الله، يعني في طاعة الله التي أمركم بها. ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحد عليهما، على ما أمر من جلد كل واحد منهما مئة جلدة، مع أن الشدة في الضرب لا حد لها يوقف عليه، وكل ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدة حد لا زيادة فيه فيؤمر به وغير جائز وصفه جل ثناؤه بأنه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته. وإذا كان ذلك كذلك، فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا. وللعرب في الرأفة لغتان: الرأفة بتسكين الهمزة، والرآفة بمدها، كالسأمة والسآمة، والكأبة والكآبة. وكأن الرأفة المرة الواحدة، والرآفة المصدر، كما قيل: ضؤل ضآلة مثل فعل فعالة، وقبح قباحة. وقوله: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر يقول: إن كنتم تصدقون بالله ر بكم وباليوم الآخر، وأنكم فيه مبعوثون لحشر القيامة وللثواب والعقاب، فإن من كان بذلك

[ 91 ]

مصدقا فإنه لا يخالف الله في أمره ونهيه خوف عقابه على معاصيه. وقوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين يقول تعالى ذكره: وليحضر جلد الزانيين البكرين وحدهما إذا أقيم عليهما طائفة من المؤمنين. والعرب تسمي الواحد فما زاد. طائفة. من المؤمنين يقول: من أهل الايمان بالله ورسوله. وقد اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد الطائفة الذي أمر الله بشهود عذاب الزانيين البكرين، فقال بعضهم: أقله واحد. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الطائفة: رجل. حدثنا علي بن سهل بن موسى بن إسحاق الكناني وابن القواس، قالا: ثنا يحيى بن عيسى، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: وليشهد عذابهما طائقة من المؤمنين قال: الطائفة رجل. قال علي: فما فوق ذلك وقال ابن القواس: فأكثر من ذلك. حدثنا علي، قال: ثنا زيد، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: الطائفة: رجل. حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: قال ابن أبي نجيح: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال مجاهد: أقله رجل. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: الطائفة: الواحد إلى الالف. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد في هذه الآية: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: الطائفة واحد إلى الالف وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: الطائفة: الرجل الواحد إلى الالف، قال: وإن طائفتان من

[ 92 ]

المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما: إنما كانا رجلين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سمعت عيسى بن يونس، يقول: ثنا النعمان بن ثابت، عن حماد وإبراهيم قالا: الطائفة: رجل. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: الطائفة: رجل واحد فما فوقه. وقال آخرون: أقله في في هذا الموضع رجلان. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: قال عطاء: أقله رجلان. حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة قال: ليحضر رجلان فصاعدا. وقال آخرون: أقل ذلك ثلاثة فصاعدا. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: الطائفة: الثلاثة فصاعدا. حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: نفر من المسلمين. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا أشعث، عن أبيه، قال: أتيت أبا برزة الاسلمي في حاجة وقد أخرج جارية إلى باب الدار وقد زنت، فدعا رجلا فقال: اضربها خمسين فدعا جماعة، ثم قرأ: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، عن أشعث، عن أبيه، أن أبا برزة أمر ابنه أن يضرب جارية له ولدت من الزنا ضربا غير مبرح، قال: فألقى عليها ثوبا وعنده قوم، وقرأ: وليشهد عذابهما الآية.

[ 93 ]

وقال آخرون: بل أقل ذلك أربعة. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين قال: فقال: الطائفة التي يجب بها الحد أربعة. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أقل ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين: الواحد فصاعدا وذلك أن الله عم بقوله: وليشهد عذابهما طائفة والطائفة: قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدا. فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن الله تعالى ذكره وضع دلالة على أن مراده من ذلك خاص من العدد، كان معلوما أن حضور ما وقع عليه أدنى اسم الطائفة ذلك المحضر مخرج مقيم الحد مما أمره الله به بقوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. غير أني وإن كان الامر على ما وصفت، أستحب أن لا يقصر بعدد من يحضر ذلك الموضع عن أربعة أنفس عدد من تقبل شهادته على الزنا لان ذلك إذا كان كذلك فلا خلاف بين الجمع أنه قد أدى المقيم الحد ما عليه في ذلك وهم فيما دون ذلك مختلفون. القول في تأويل قوله تعالى: * (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) *. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في بعض من استأذن رسول الله (ص) في نكاح نسوة كن معروفات بالزنا من أهل الشرك، وكن أصحاب رايات، يكرين أنفسهن، فأنزل الله تحريمهن على المؤمنين، فقال: الزاني من المؤمنين لا يتزوج إلا زانية أو مشركة، لانهن كذلك والزانية من أولئك البغايا لا ينكحها إلا زان من المؤمنين أو المشركين أو مشرك مثلها، لانهن كن مشركات. وحرم ذلك على المؤمنين فحرم الله نكاحهن في قول أهل هذه المقالة بهذه الآية. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: ثني الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلا من المسلمين استأذن نبي الله في امرأة يقال لها أم مهزول، كانت تسافح الرجل وتشترط له أن تنفق عليه، وأنه

[ 94 ]

استأذن فيها نبي الله (ص) وذكر له أمرها، قال: فقرأ نبي الله (ص): الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك أو قال: فأنزلت الزانية.... حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثني هشيم، عن التيمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: كن نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، قال: كن نساء موارد بالمدينة. حدثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: نزلت في نساء موارد كن بالمدينة. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: ثنا معتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد، بنحوه. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الاعلى، قال: ثنا داود، عن رجل، عن عمرو بن شعيب، قال: كان لمرثد صديقة في الجاهلية يقال لها عناق، وكان رجلا شديدا، وكان يقال له دلدل، وكان يأتي مكة فيحمل ضعفة المسلمين إلى رسول الله (ص)، فلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال: إن الله قد حرم الزنا فقالت: أنى تبرز فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة، فأتى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها ؟ قال: فأنزل الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: كن نساء معلومات يدعون القليقيات.

[ 95 ]

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، قال: سمعت مجاهدا يقول في هذه الآية: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال: كن بغايا في الجاهلية. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عمن أخبره، عن مجاهد، نحوا من حديث ابن المثنى، إلا أنه قال: كانت امرأة منهن يقال لها: أم مهزول يعني في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال: فكن نساء معلومات، قال: فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوج المرأة منهن لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. هذا من حديث التيمي. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: الزاني لا ينكح إلا زانية قال: رجال كانوا يريدون الزنا بنساء زوان بغايا متعالمات كن في الجاهلية، فقيل لهم هذا حرام، فأرادوا نكاحهن، فحرم الله عليهم نكاحهن. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه، إلا أنه قال: بغايا معلنات كن كذلك في الجاهلية. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي وابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال: كن بغايا في الجاهلية، على أبوابهن رايات مثل رايات البيطار يعرفن بها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: نساء بغايا متعالمات، حرم الله نكاحهن، لا ينكحهن إلا زان من المؤمنين أو مشرك من المشركين. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين قال: كانت بيوت تسمى المواخير في الجاهلية،

[ 96 ]

وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهن، وكانت بيوتا معلومة للزنا، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الاوثان، فحرم الله ذلك على المؤمنين. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عطاء، في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: بغايا متعالمات كن في الجاهلية بغي آل فلان وبغي آل فلان، فأنزل الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الاسلام. فقال له سليمان بن موسى: أبلغك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني ذلك عن ابن عباس ؟ فقال: نعم حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول في ذلك: كن بغايا متعالمات بغي آل فلان وبغي آل فلان، وكن زواني مشركات، فقال: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين قال: أحكم الله من أمر الجاهلية بهذا. قيل له: أبلغك هذا عن ابن عباس ؟ قال: نعم. قال ابن جريج: وقال عكرمة: إنه كان يسمي تسعا بعد صواحب الرايات، وكن أكثر من ذلك، ولكن هؤلاء أصحاب الرايات: أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أمية، وحنة القبطية جارية العاصي بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الاسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عامر بن لؤي، وقريبا جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر. حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقال الزهري وقتادة، قالوا: كان في الجاهلية بغايا معلوم ذلك منهن، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن، فأنزل الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك... الآية. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وقاله الزهري وقتادة، قالوا: كانوا في الجاهلية بغايا، ثم ذكر نحوه.

[ 97 ]

حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن القاسم بن أبي بزة: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فنهوا عن ذلك. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، قال: قال القاسم بن أبي بزة، فذكر نحوه. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا سليمان التيمي، عن سعيد بن المسيب، قال: كن نساء موارد بالمدينة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير: أن نساء في الجاهلية كن يؤاجرن أنفسهن، وكان الرجل إنما ينكح إحداهن يريد أن يصيب منها عرضا، فنهوا عن ذلك، ونزل: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ومنهن امرأة يقال لها أم مهزول. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن الشعبي، في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: كن نساء يكرين أنفسهن في الجاهلية. وقال آخرون: معنى ذلك: الزاني لا يزنى إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها إلا زان أو مشرك. قالوا: ومعنى النكاح في هذا الموضع: الجماع. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال: لا يزنى إلا بزانية أو مشركة. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير أنه قال في هذه الآية: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: لا يزنى الزاني إلا بزانية مثله أو مشركة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن شبرمة، عن سعيد بن جبير وعكرمة في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قالا: هو الوطئ.

[ 98 ]

حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قالا: هو الوطئ. [ / رق ] حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم وشعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قالا: لا يزني الزاني حين يزني إلا بزانية مثله أو مشركة، ولا تزني مشركة إلا بمثلها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: هؤلاء بغايا كن في الجاهلية، والنكاح في كتاب الله الاصابة، لا يصيبها إلا زان أو مشرك، لا يحرم الزنا، ولا تصيب هي إلا مثلها. قال: وكان ابن عباس يقول: بغايا كن في الجاهلية. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن قيس بن سعد، عن سعيد بن جبير، قال: إذا زنى بها فهو زان. حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال: الزاني من أهل القبلة لا يزنى إلا بزانية مثله أو مشركة. قال: والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة أو مشرك من غير أهل القبلة. ثم قال: وحرم ذلك على المؤمنين. وقال آخرون: كان هذا حكم الله في كل زان وزانية، حتى نسخه بقوله: وأنكحوا الايامى منكم، فأحل نكاح كل مسلمة وإنكاح كل مسلم. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، في قوله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين قال: يرون الآية التي بعدها نسختها: وأنكحوا الايامى منكم قال: فهن من أيامى المسلمين. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية

[ 99 ]

لا ينكحها إلا زان أو مشرك قال: نسختها التي بعدها: وأنكحوا الايامى منكم وقال: إنهن من أيامى المسلمين. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وذكر عن يحيى، عن ابن المسيب، قال: نسختها: وأنكحوا الايامى منكم. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها قوله: وأنكحوا الايامى. حدثني يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياض، عن يحيى، قال: ذكر عند سعيد بن المسيب: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة قال: فسمعته يقول: إنها قد نسختها التي بعدها. ثم قرأها سعيد، قال: يقول الله: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ثم يقول الله: وأنكحوا الايامى منكم فهن من أيامى المسلمين. قال أبو جعفر: وأولى الاقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالنكاح في هذا الموضع الوطئ، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الاوثان. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا أو بمشركة تستحله. وقوله: وحرم ذلك على المؤمنين يقول: وحرم الزنا على المؤمنين بالله ورسوله، وذلك هو النكاح الذي قال جل ثناؤه: الزاني لا ينكح إلا زانية. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) *. يقول تعالى ذكره: والذين يشتمون العفائف من حرائر المسلمين، فيرمونهن بالزنا،

[ 100 ]

ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن ذلك، فاجلدوا الذين رموهن بذلك ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الذين خالفوا أمر الله وخرجوا من طاعته ففسقوا عنها. وذكر أن هذه الآية إنما نزلت في الذين رموا عائشة زوج النبي (ص) بما رموها به من الافك. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب وإبراهيم بن سعيد، قالا: ثنا ابن فضيل، عن خصيف، قال: قلت لسعيد بن جبير: الزنا أشد، أو قذف المحصنة ؟ قال: لا، بل الزنا. قلت: إن الله يقول: والذين يرمون المحصنات قال: إنما هذا في حديث عائشة خاصة. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء... الآية في نساء المسلمين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وأولئك هم الفاسقون قال: الكاذبون. القول في تأويل قوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) *. اختلف أهل التأويل في الذي استثني منه قوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فقال بعضهم: استثني من قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق، حد فيه أو لم يحد. ذكر من قال ذلك: حدثني أحمد بن حماد الدولابي، قال: ثني سفيان، عن الزهري، عن سعيد إن شاء الله، أن عمر قال لابي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك، أو رديت شهادتك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة حدهم. وقال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن

[ 101 ]

لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع، وأبى أبو بكرة أن يفعل. قال الزهري: هو والله سنة فاحفظوه. حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا داود، عن الشعبي، قال: إذا تاب يعني القاذف ولم يعلم منه إلا خير، جازت شهادته. حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن الشعبي، قال: على الامام أن يستتيب القاذف بعد الجلد، فإن تاب وأونس منه خير جازت شهادته، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا داود، عن عامر، أنه قال في القاذف: إذا تاب وعلم منه خير إن شهادته جائزة، وإن لم يتب فهو خليع لا تجوز شهادته، وتوبته إكذابه نفسه. قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، نحوه. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال في القاذف: إذا تاب وأكذب نفسه قبلت شهادته، وإلا كان خليعا لا شهادة له لان الله يقول: لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء... إلى آخر الآية. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن الشعبي أنه كان يقول في شهادة القاذف: إذا رجع عن قوله حين يضرب، أو أكذب نفسه، قبلت شهادته. قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه كان يقول: يقبل الله توبته، وتردون شهادته ؟ وكان يقبل شهادته إذا تاب. قال: أخبرنا إسماعيل عن الشعبي أنه كان يقول في القاذف: إذا شهد قبل أن يضرب الحد، قبلت شهادته. قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبيد عن إبراهيم، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي، أنهما قالا في القاذف: إذا شهد قبل أن يجلد فشهادته جائزة.

[ 102 ]

حدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر، يني ابن علية، سمعت ابن أبي نجيح يقول: القاذف إذا تاب تجوز شهادته. وقال كنا نقوله. فقيل له: من ؟ قال: قال عطاء وطاوس ومجاهد. حدثنا ابن بشار، وابن المثنى، قالا: ثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمر بن طلحة، عن عبد الله، قال: إذا تاب القاذف جلد وجازت شهادته. قال أبو موسى: هكذا قال ابن أبي عثمة. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا ابن أبي عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن سليمان بن يسار والشعبي قالا: إذا تاب القاذف عند الجلد جازت شهادته. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الاعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: أن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة جلد رجلا في قذف، فقال: أكذب نفسك حتى تجوز شهادتك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهيثم، قال: سمعت إبراهيم والشعبي يتذاكران شهادة القاذف، فقال الشعبي لابراهيم: لم لا تقبل شهادته ؟ فقال: لاني لا أدري تاب أم لا. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: تقبل شهادته إذا تاب. قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يعقوب بن القعقاع، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، مثله. قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريج، عن عمران بن موسى، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: قال الشعبي: إذا تاب جازت شهادته، قال ابن المثنى. قال: عندي، يعني في القذف. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا مسعر، عن عمران بن عمير: أن عبد الله بن عتبة كان يجيز شهادة القاذف إذا تاب.

[ 103 ]

حدثني يعقوب، قال: ثني هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، قال: إذا تاب وأصلح قبلت شهادته يعني القاذف. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: أخبرنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، قال: تقبل شهادة القاذف إذا تاب. حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب، مثله. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد، عن معمر، قال: قال الزهري: إذا حد القاذف، فإنه ينبغي للامام أن يستتيبه، فإن تاب قبلت شهادته، وإلا لم تقبل. قال: كذلك فعل عمر بن الخطاب بالذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فتابوا إلا أبا بكرة، فكان لا تقبل شهادته. وقال آخرون: الاستثناء في ذلك من قوله: وأولئك هم الفاسقون. وأما قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا فقد وصل بالابد ولا يجوز قبولها أبدا. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا أشعث بن سوار، قال: ثني الشعبي، قال: كان شريح يجيز شهادة صاحب كل عمل إذا تاب إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه ولا نجيز شهادته. حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا أشعث بن سوار، قال: ثنا الشعبي، عن شريح بنحوه، غير أنه قال: صاحب كل حد إذا كان عدلا يوم شهد. حدثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية عن الاعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال: كان لا يجيز شهادة القاذف، ويقول: توبته فيما بينه وبين ربه. حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن مطرف، عن أبي عثمان، عن شريح في القاذف: يقبل الله توبته، ولا أقبل شهادته. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبي، قال: أتاه خصمان، فجاء أحدهما بشاهد أقطع، فقال الخصم: لا ترى ما به ؟ قال: قد أراه. قال: فسأل القوم، فأثنوا عليه خيرا، فقال شريح: نجيز شهادة كل صاحب حد، إذا كان يوم شهد عدلا إلا القاذف، فإن توبته فيما بينه وبين ربه.

[ 104 ]

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الشعبي، قال: جاء خصمان إلى شريح، فجاء أحدهما ببينة، فجاء بشاهد أقطع، فقال الخصم: ألا ترى إلى ما به ؟ فقال شريح: قد رأيناه، وقد سألنا القوم فأثنوا خيرا. ثم ذكر سائر الحديث، نحو حديث أبي كريب. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الشيباني، عن الشعبي، عن شريح أنه كان يقول: لا تقبل له شهادة أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه يعني القاذف. قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا الاشعث، عن الشعبي، بأن ربابا قطع رجلا في قطع الطريق، قال: فقطع يده ورجله. قال: ثم تاب وأصلح، فشهد عند شريح، فأجاز شهادته. قال: فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته علي وهو أقطع ؟ قال: فقال شريح: كل صاحب حد إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح، فشهادته جائزة إلا القاذف. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال المغيرة: أخبرني، قال: سمعت إبراهيم يحدث عن شريح، قال: قضاء من الله لا تقبل شهادته أبدا، توبته فيما بينه وبين ربه. قال أبو موسى: يعني القاذف. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال شريح: لا يقبل الله شهادته أبدا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، أنه قال: القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تقبل. حدثنا اب المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: لا تجوز شهادة القاذف، توبته فيما بينه وبين الله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الاعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، أنه قال: القاذف توبته فيما بينه وبين الله، وشهادته لا تقبل.

[ 105 ]

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم أنه قال في الرجل يجلد الحد، قال: لا تجوز شهادته أبدا. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان لا يقبل له شهادة أبدا، وتوبته فيما بينه وبين الله يعني القاذف. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي (ص) قال: لا تجوز شهادة محدود في الاسلام. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا قال: كان يقول: لا تقبل شهادة القاذف أبدا، إنما توبته فيما بينه وبين الله. وكان شريح يقول: لا تقبل شهادته. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، ثم قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل. والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الاستثناء من المعنيين جميعا، أعني من قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، ومن قوله: وأولئك هم الفاسقون. وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن ذلك كذلك إذا لم يحد في القذف حتى تاب، إما بأن يرفع إلى السلطان بعفو المقذوفة عنه، وإما بأن ماتت قبل المطالبة بحدها ولم يكن لها طالب يطلب بحدها. فإذ كان ذلك كذلك وحدثت منه توبة صحت له بها العدالة. فإذ كان من الجميع إجماعا، ولم يكن الله تعالى ذكره شرط في كتابه أن لا تقبل شهادته أبدا بعد الحد في رميه، بل نهى عن قبول شهادته في الحال التي أوجب عليه فيها الحد وسماه فيها فاسقا، كان معلوما بذلك أن إقامة الحد عليه في رميه، لا تحدث في شهادته مع التوبة من ذنبه، ما لم يكن حادثا فيها قبل إقامته عليه، بل توبته بعد إقامة الحد عليه من ذنبه أحرى أن تكون شهادته معها أجوز منها قبل إقامته عليه لان الحد يزيد المحدود عليه تطهيرا من جرمه الذي استحق عليه الحد.

[ 106 ]

فإن قال قائل: فهل يجوز أن يكون الاستثناء من قوله: فاجلدوهم ثمانين جلدة فتكون التوبة مسقطة عنه الحد، كما كانت لشهادته عندك قبل الحد وبعده مجيزة ولاسم الفسق عنه مزيلة ؟ قيل: ذلك غير جائز عندنا وذلك أن الحد حق عندنا للمقذوفة كالقصاص الذي يجب لها من جناية يجنيها عليها مما فيه القصاص. ولا خلاف بين الجميع أن توبته من ذلك لا تضع عنه الواجب لها من القصاص منه، فكذلك توبته من القذف لا تضع عنه الواجب لها من الحد، لان ذلك حق لها، إن شاءت عفته، وإن شاءت طالبت به. فتوبة العبد من ذنبه إنما تضع عن العبد الاسماء الذميمة والصفات القبيحة، فأما حقوق الآدميين التي أوجبها الله لبعضهم على بعض في كل الاحوال فلا تزول بها ولا تبطل. واختلف أهل العلم في صفة توبة القاذف التي تقبل معها شهادته، فقال بعضهم: هو إكذابه نفسه فيه. وقد ذكرنا بعض قائلي ذلك فيما مضى قبل، ونحن نذكر بعض ما حضرنا ذكره مما لم نذكره قبل. حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن ليث، عن طاوس، قال: توبة القاذف أن يكذب نفسه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، قال: رأيت رجلا ضرب حدا في قذف بالمدينة، فلما فرغ من ضربه تناول ثوبه، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إليه من قذف المحصنات قال: فلقيت أبا الزناد، فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن الامر عندنا هاهنا أنه إذا قال ذلك حين يفرغ من ضربه ولم نعلم منه إلا خيرا قبلت شهادته. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا... الآية، قال: من اعترف وأقر على نفسه علانية أنه قال البهتان وتاب إلى الله توبة نصوحا والنصوح: أن لا يعودوا، وإقراره واعترافه عند الحد حين يؤخذ بالجلد فقد تاب والله غفور رحيم. وقال آخرون: توبته من ذلك صلاح حاله وندمه على ما فرط منه من ذلك والاستغفار منه وتركه العود في مثل ذلك من الجرم. وذلك قول جماعة من التابعين وغيرهم، وقد ذكرنا بعض قائليه فيما مضى، وهو قول مالك بن أنس. وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب لان الله تعالى ذكره جعل توبة كل ذي

[ 107 ]

ذنب من أهل الايمان تركه العود منه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربه منه، فيما كان من ذنب بين العبد وبينه دون ما كان من حقوق عباده ومظالمهم بينهم. والقاذف إذا أقيم عليه فيه الحد أو عفي عنه فلم يبق عليه إلا توبته من جرمه بينه وبين ربه، فسبيل توبته منه سبيل توبته من سائر أجرامه. فإذ كان الصحيح في ذلك من القول ما وصفنا، فتأويل الكلام: وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من جرمهم الذي اجترموه بقذفهم المحصنات من بعد اجترامهموه، فإن الله غفور رحيم يقول: ساتر على ذنوبهم بعفوه لهم عنها، رحيم هم بعد التوبة أن يعذبهم عليها، فاقبلوا شهادتهم ولا تسموهم فسقة، بل سموهم بأسمائهم التي هي لهم في حال توبتهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ئ والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) *. يقول تعالى ذكره: والذين يرمون من الرجال أزواجهم بالفاحشة، فيقذفونهن بالزنا، ولم يكن لهم شهداء يشهدون لهم بصحة ما رموهن به من الفاحشة، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: أربع شهادات نصبا، ولنصبهم ذلك وجهان: أحدهما: أن تكون الشهادة في قوله: فشهادة أحدهم مرفوعة بمضمر قبلها، وتكون الاربع منصوبا بمعنى الشهادة، فيكون تأويل الكلام حينئذ: فعلى أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله. والوجه الثاني: أن تكون الشهادة مرفوعة بقوله: إنه لمن الصادقين والاربع منصوبة بوقوع الشهادة عليها، كما يقال: شهادتي ألف مرة إنك لرجل سوء وذلك أن العرب ترفع الايمان بأجوبتها، فتقول: حلف صادق لاقومن، وشهادة عمرو ليقعدن. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: أربع شهادات برفع الاربع، ويجعلونها للشهادة مرافعة، وكأنهم وجهوا تأويل الكلام: فالذي يلزم من الشهادة، أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين بنصب أربع، بوقوع الشهادة عليها، والشهادة مرفوعة حينئذ على ما وصفت من الوجهين قبل وأحب وجهيهما إلي أن تكون به مرفوعة بالجواب، وذلك قوله: إنه لمن الصادقين وذلك أن معنى الكلام: والذين يرمون

[ 108 ]

أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، تقوم مقام الشهداء الاربعة في دفع الحد عنه. فترك ذكر تقوم مقام الشهداء الاربعة، أكتفاء بمعرفة السامعين بما ذكر من الكلام، فصار مرافع الشهادة ما وصفت. ويعني بقوله: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله: فحلف أحدهم أربع أيمان بالله، من قول القائل: أشهد بالله إنه لمن الصادقين فيما رمى زوجته به من الفاحشة، والخامسة يقول: والشهادة الخامسة، أن لعنة الله عليه يقول: إن لعنة الله له واجبة وعليه حالة، إن كان فيما رماها به من الفاحشة من الكاذبين. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار عن رسول الله (ص)، وقالت به جماعة من أهل التأويل. ذكر الرواية بذلك، وذكر السبب الذي فيه أنزلت هذه الآية: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن عكرمة، قال: لما نزلت والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة قال سعد بن عبادة: الله إن أنا رأيت لكاع متفخذها رجل فقلت بما رأيت إن في ظهري لثمانين إلى ما أجمع أربعة ؟ قد ذهب فقال رسول الله (ص): يا معشر الانصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم ؟. قالوا: يا رسول الله لا تلمه وذكروا من غيرته فما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة قط فرجع فيها أحد منا. فقال رسول الله (ص): فإن الله يأبى إلا ذاك فقال: لا والله، لا يجعل في ظهري ثمانين أبدا، لقد نظرت حتى أسقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت قال: فأنزل الله القرآن باللعان، فقيل له: احلف فحلف، قال: قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة. فقال: لا يدخله الله النار بهذا أبدا، كما درأ عنه جلد ثمانين، لقد نظرت حتى أيقنت، ولقد استسمعت حتى استشفيت فحلف ثم قيل: احلفي فحلفت ثم قال: ققوها عند الخامسة، فإنها موجبة. فقيل لها: إنها موجبة، فتلكأت ساعة، ثم قالت: لا أخزي قومي، فحلفت. فقال رسول الله (ص): إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه ما قيل. قال: فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر، لا يعرف نسبه، أو لا يدرى من أبوه.

[ 109 ]

حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر بن شميل، قال: أخبرنا عباد، قال: سمعت عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون قال سعد بن عبادة: لهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ لو أتيت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فقال رسول الله (ص): يا معشر الانصار، أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم ؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها قال سعد: يا رسول الله، بأبي وأمي، والله إني لاعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل بم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فأمسك حتى أصبح. فلما أصبح غدا على رسول الله (ص)، وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني. فكره رسول الله (ص) ما أتاه به وثقل عليه جدا، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لارى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق، وما قلت إلا حقا، فإني لارجو أن يجعل الله فرجا. قال: واجتمعت الانصار، فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين ؟ فهم رسول الله (ص) بضربه، فإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه، ورسول الله (ص) جالس مع أصحابه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل، حتى فرغ، فأنزل الله: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم... إلى: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فقال رسول الله (ص): أبشر يا هلال، فإن الله قد جعل فرجا فقال: قد كنت أرجو ذلك من الله. فقال رسول الله (ص): أرسلوا إليها فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله (ص) قيل لها، فكذبت، فقال رسول الله (ص): إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ؟ فقال هلال: يا رسول الله، بأبي وأمي لقد صدقت وما قلت إلا حقا فقال رسول الله (ص): لاعنوا بينهما قيل لهلال: يا هلال اشهد فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الله أشد من عذاب

[ 110 ]

الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله (ص) فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قيل لها: اشهدي فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقي الله، فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق بينهما رسول الله (ص)، وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لاب، ولا يرمى ولدها. حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قذف هلال بن أمية امرأته، قيل له: والله ليجلدنك رسول الله (ص) ثمانين جلدة قال: الله أعدل من ذلك أن يضربني ضربة وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت وسمعت حتى استثبت، لا والله لا يضربني أبدا فنزلت آية الملاعنة، فدعا بهما رسول الله (ص) حين نزلت الآية، فقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب ؟ فقال هلال: والله إني لصادق. فقال له: احلف بالله الذي لا إله إلا هو: إني لصادق يقول ذلك أربع مرات فإن كنت كاذبا فعلي لعنة الله. فقال رسول الله (ص): قفوه عند الخامسة، فإنها موجبة فحلف. ثم قالت أربعا: والله الذي لا إله إلا هو إنه لمن الكاذبين، فإن كان صادقا فعليها غضب الله. وقال رسول الله (ص): قفوها عند الخامسة، فإنها موجبة فترددت وهمت بالاعتراف، ثم قالت لا أفضح قومي. حدثنا أبو كريب وأبو هشام الرفاعي، قالا: ثنا عبدة، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنا ليلة الجمعة في المسجد، فدخل رجل فقال: لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه فذكر ذلك

[ 111 ]

لرسول الله (ص)، فأنزل الله آية اللعان. ثم جاء الرجل بعد، فقذف امرأته، فلاعن رسول الله (ص) بينهما، فقال: عسى أن تجئ به أسود جعدا. فجاءت به أسود جعدا. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أيفرق بين المتلاعنين ؟ فقال: نعم، سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان، أتى النبي (ص) فسأله، فقال: أرأيت لو أن أحدنا رأى صاحبته على فاحشة، كيف يصنع ؟ فلم يجبه في ذلك شيئا. قال: فأتاه بعد ذلك فقال: إن الذي سألت عنه قد ابتليت به. فأنزل الله هذه الآية في سورة النور، فدعا الرجل فوعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة قال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيت وما كذبت عليها قال: ودعا المرأة فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، وما رأى شيئا قال: فبدأ الرجل، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم إن المرأة شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وفرق بينهما. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر، قال: لما أنزل: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة قال عاصم بن عدي: إن أنا رأيت فتكلمت جلدت ثمانين، وإن أنا سكت سكت على الغيظ قال: فكأن ذلك شق على رسول الله (ص)، قال: فأنزلت هذه الآية: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم قال: فما لبثوا إلا جمعة، حتى كان بين رجل من قومه وبين امرأته، فلاعن رسول الله (ص) بينهما. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم... الآية، والخامسة: أن يقال له: إن عليك لعنة الله إن كنت من الكاذبين. وإن أقرت المرأة بقوله رجمت، وإأنكرت شهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن يقال لها:

[ 112 ]

غضب الله عليك إن كان من الصادقين فيدرأ عنها العذاب، ويفرق بينهما، فلا يجتمعان أبدا، ويلحق الولد بأمه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثحجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، قوله: والذين يرمون أزواجهم قال: هلال بن أميه، والذي رميت به شريك بن سحماء، والذي استفتى عاصم ابن عدي. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني الزهري عن الملاعنة والسنة فيها، عن حديث سهل بن سعد: أن رجلا من الانصار جاء إلى النبي (ص)، فقال: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه ؟ أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر من أمر المتلاعنين، فقال رسول الله (ص): قد قضى الله فيك وفي امرأتك فتلاعنا وأنا شاهد. ثم فارقها عند رسول الله (ص)، فكانت السنة بعدها أن يفرق بين المتلاعنين. وكانت حاملة، فأنكره، فكان ابنها يدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أن ابنها يرثها وترث ما فرض الله لها. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: والذين يرمون أزواجهم... إلى قوله: إن كان من الكاذبين قال: إذا شهد الرجل خمس شهادات، فقد برئ كل واحد من الآخر، وعدتها إن كانت حاملا أن تضع حملها، ولا يجلد واحد منهما وإن لم تحلف أقيم عليها الحد والرجم. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ئ والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) *. يعني جل ذكره بقوله: ويدرأ عنها العذاب: ويدفع عنها الحد. واختلف أهل العلم في العذاب الذي عناه الله في هذا الموضع أنه يدرؤه عنها شهاداتها الاربع، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك، من أن الحد جلد مئة إن كانت بكرا أو الرجم إن كانت ثيبا قد أحصنت.

[ 113 ]

وقال آخرون: بل ذلك الحبس، وقالوا: الذي يجب عليها إن هي لم تشهد الشهادات الاربع بعد شهادات الزوج الاربع والتعانة: الحبس دون الحد. وإنما قلنا: الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحد الذي وصفنا، قياسا على إجماع الجميع على أن الحد إذا زال عن الزوج بالشهادات الاربع على تصديقه فيما رماها به، أن الحد عليها واجب، فجعل الله أيمانه الاربع والتعانة في الخامسة مخرجا له من الحد الذي يجب لها برميه إياها، كما جعل الشهداء الاربعة مخرجا له منه في ذلك وزائلا به عنه الحد فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحد عنه بذلك واجبا عليها حدها كما كان بزواله عنه بالشهود واجبا عليها، لا فرق بين ذلك. وقد استقصينا العلل في ذلك في باب اللعان من كتابنا المسمى لطيف القول في شرائع الاسلام، فأغني عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: أن تشهد أربع شهادات بالله يقول: ويدفع عنها العذاب أن تحلف بالله أربع أيمان: أزوجها الذي رماها بما رماها به من الفاحشة، لمن الكاذبين فيما رماها من الزنا وقوله: والخامسة أن غضب الله عليها... الآية، يقول: والشهادة الخامة: أن غضب الله عليها إن كان زوجها فيما رماها به من الزنا من الصادقين. ورفع قوله: والخامسة في كلتا الآيتين، ب أن التي تليها. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) *. يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عواد على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم وسياسته لهم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا، رحمة منه بكم وتفضلا عليكم، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدم عما عنه نهاكم من معاصيه. وترك الجواب في ذلك، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) *. يقول تعالى ذكره: إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان عصبة منكم يقول: جماعة

[ 114 ]

منكم أيها الناس. لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم يقول: لا تظنوا ما جاءوا به من الافك شرا لكم عند الله وعند الناس، بل ذلك خير لكم ده وعند المؤمنين وذلك أن الله يجعل ذلك كفارة للمرمي به، ويظهر براءته مما رمي به، ويجعل له منه مخرجا. وقيل: إن الذي عنى الله بقوله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم: جماعة، منهم حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنه بنت جحش. كما: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: كتبت إلي تسألني في الذين جاءوا بالافك، وهم كما قال الله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم، وأنه لم يسم منهم أحد إلا حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وهو يقال في آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: جاءوا بالافك عصبة منكم هم أصحاب عائشة. قال ابن جريج: قال ابن عباس: قوله: جاءوا بالافك عصبة منكم... الآية، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كبره، وحسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الذين جاءوا بالافك عصبة منكم الذين قالوا لعائشة الافك والبهتان. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم قال: الشر لكم بالافك الذي قالوا، الذي تكلموا به، كان شرا لهم، وكان فيهم من لم يقله إنما سمعه، فعاتبهم الله، فقال أول شئ: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم ثم قال: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. وقوله: لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم يقول: لكل امرئ من الذين جاءوا بالافك جزاء ما اجترم من الاثم، بمجيئه بما جاء به، من الاولى عبد الله. وقوله: والذي

[ 115 ]

تولى كبره منهم يقول: والذي تحمل معظم ذلك الاثم والافك منهم هو الذي بدأ بالخوض فيه. كما: حدثت الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: والذي تولى كبره منهم يقول: الذي بدأ بذلك. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: عصبة منكم قال: أصحاب عائشة عبد الله بن أبي ابن سلول، ومسطح، وحسان. قال أبو جعفر: له من الله عذاب عظيم يوم القيامة. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: كبره فقرأت ذلك عامة قراء الامصار: كبره بكسر الكاف، سوى حميد الاعرج فإنه كان يقرؤه: كبره بمعنى: والذي تحمل أكبره. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: القراءة التي عليها عوام القراء، وهي كسر الكاف، لاجماع الحجة من القراء عليها، وأن الكبر بالكسر: مصدر الكبير من الامور، وأن الكبر بضم الكاف: إنما هو من الولاء والنسب، من قولهم: هو كبر قومه والكبر في هذا الموضع: هو ما وصفناه من معظم الاثم والافك. فإذا كان ذلك كذلك، فالكسر في كافة هو الكلام الفصيح دون ضمها، وإن كان لضمها وجه مفهوم. وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: والذي تولى كبره منهم... الآية، فقال بعضهم: هو حسان بن ثابت. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن قزعة، قال: ثنا مسلمة بن علقمة، قال: ثنا داود، عن عامر، أن عائشة قالت: ما سمعت بشئ أحسن من شعر حسان، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لابي سفيان: هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء

[ 116 ]

أتشتمه ولست له بكف ء * فشر كما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء فقيل: يا أم المؤمنين، أليس هذا لغوا ؟ قالت لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم ؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف ؟. قال: ثنا ابن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة، فدخل حسان بن ثابت، فأمرت، فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا وقد قال الله ما قال ؟ فقالت: قال الله: والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم وقد ذهب بصره، ولعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة، فشبب بأبيات له، فقال: وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فقالت عائشة: أما إنك لست كذلك فقلت: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد

[ 117 ]

أنزل الله فيه: والذي تولى كبره... الآية ؟ فقالت: وأي عذاب أشد من العمى وقالت: إنه كان يدفع عن رسول الله (ص). حدثني محمد بن عثمان الواسطي، قال: ثنا جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن محمد بن عبد الله بن جحش، قال: تفاخرت عائشة وزينب، قال: فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء. قال: وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة، ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل قالت قلت كلمة المؤمنين. وقال آخرون: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطحا، وحسان بن ثابت. حدثنا سفيان، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقاص وغيره أيضا، قالوا: قالت عائشة: كان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي ابن سلول. حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان الذي تولى كبره: عبد الله بن أبي. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: إن الذين جاءوا... الآية،، الذين افتروا على عائشة: عبد الله بن أبي، وهو الذي تولى كبره، وحسان، ومسطح، وحمنه بنت جحش.

[ 118 ]

حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبان العطار، قال: ثنا هشام بن عروة في الذين جاءوا بالافك: يزعمون أنه كان كبر ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، أحد بني عوف بن الخرزج وأخبرت أنه كان يحدث به عنهم فيقره ويسمعه ويستوشيه. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أما الذي تولى كبره منهم، فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقود بها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو بدأه. وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الافك، كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذي بدأ بذكر الافك، وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبد الله بن أبي ابن سلول، وفعله ذلك على ما وصفت كان توليه كبر ذلك الامر. وكان سبب مجئ أهل الافك، ما: حدثنا به ابن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، ثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي (ص)، حين قال لها أهل الافك ما قالوا، فبرأها الله، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضا: زعموا أن عائشة زوج النبي (ص) قالت: كان رسول الله (ص) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله (ص)، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا، حتى إذا فرغ رسول الله (ص) من غزوه وقفل إلى المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني،

[ 119 ]

أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فاحتملوا هو دجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. قالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني ويرجعون إلي. فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت حتى أصبحت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش، فادلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الافك ولا أشعر

[ 120 ]

بشئ من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم ؟ فذلك يريبني، ولا أشعر بالشر. حتى خرجت بعد ما نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الاول في التنزه، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب. فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي ين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، أو لم تسمعي ما قال ؟ وما قال ؟ فأخبرتني بقول أهل الافك، فازددت مرضا على مرضي. فلما رجعت إلى منزلي، ودخل علي رسول الله (ص)، ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قال: نعم. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستثبت الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله (ص)، فجئت أبوي، فقلت لامي: أي أمتاه، ماذا يتحدث الناس ؟ فقالت: أي بنية، هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا وبلغ رسول الله (ص) ؟

[ 121 ]

قالت: نعم، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدخل علي أبو بكر وأنا أبكي، فقال لامي: ما يبكيها ؟ قالت: لم تكن علمت ما قيل لها. فأكب يبكي، فبكى ساعة، ثم قال: اسكتي يا بنية فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلى المقبل لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى ظن أبواي أن البكاء سيفلق كبدي. فدعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله قالت: فأما أسامة، فأشار على رسول الله (ص) بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله، هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرا. وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، يعني بريرة. فدعا رسول الله (ص) بريرة، فقال: هل رأيت من شئ يريبك من عائشة ؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله فقام النبي (ص) خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: من يعذرني ممن قد بلغني أذاه في أهلي ؟ يعني عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال رسول الله (ص) وهو على المنبر أيضا: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الانصاري، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الاوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة، فقال، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية، فقال: أي سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان: الاوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله (ص) قائم على

[ 122 ]

المنبر، فلم يزل رسول الله (ص) يخفضهم حتى سكتوا. ثم أتاني رسول الله (ص) وأنا في بيت أبوي، فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الانصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله (ص)، ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشئ قالت: فتشهد رسول الله (ص) حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله (ص) مقالته، قلص دمعي، حتى ما أحس منه دمعة قلت لابي: أجب عني رسول الله (ص) فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص). فقلت لامي: أجيبي عني رسول الله (ص) قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص) فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد عرفت أن قد سمعتم بهذا، حتى استقر في أنفسكم، حتى كدتم أن تصدقوا به، فإن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني برئة، لا صدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: والله المستعان على ما تصفون. ثم توليت واضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله سيبرئني ببرأتي، ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) في المنام رؤيا يبرئني الله بها. قالت: والله ما رام رسول الله (ص) مجلسه ولا خرج من البيت أحد حتى أنزل الله على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما

[ 123 ]

سري عن رسول الله (ص) وهو يضحك، كان أول كلمة تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة، إن الله قد برأك فقالت لي أمي، قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم عشر آيات، فأنزل هذه الآيات براءة لي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة قالت: فأنزل الله: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة حتى بلغ: غفور رحيم فقال أبو بكر: إني لاحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله (ص) يسأل زينب بنت جحش عن أمري وما رأت وما سمعت، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما رأيت إلا خيرا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب فهلكت فيمن هلك. قال الزهري بن شهاب: هذا الذي انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري وعن علقمة بن وقاص الليثي، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عتبة بن مسعود. قال الزهري: كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان له أوعى من بعض. قال: وقد جمعت لك كل الذي قد حدثني. وحدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة قال: وثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة. قال: ثني عبد الله بن بكربمحمد بن عمرو بن حزم الانصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت وكل قد اجتمع في حديثه قصة خبر عائشة عن

[ 124 ]

نفسها، حين قال أهل الافك فيها ما قالوا، وكله قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، ويحدث بعضهم ما لم يحدث بعض، وكل كان عنها ثقة، وكل قد حدث عنها ما سمع. قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله (ص) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. لما كانت غزاة بني المصطلق، أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن، فخرج بي رسول الله (ص) معه. قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العلق لم يهيجهن اللحم فيثقلن. قالت: وكنت إذا رحل بعيري جلست في هو دجي، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج ير فعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله (ص) من سفره ذلك وجه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة، نزل منزلا فبات بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل. فلما ارتحل الناس، خرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار، فلما فرغت انسل من عنقي وما أدري فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل. قالت: فرجعت عودي إلى بدئي، إلى المكان الذي ذهبت إليه، فالتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون بي البعير. ثم ذكر نحو حديث ابن عبد الاعلى، عن ابن ثور. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله (ص) خطيبا وما علمت، فتشهد، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي والله ما علمت على أهلي سوءا قط، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه سوءا قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا أغيب في سفر إلا غاب معي فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، نرى أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال كذبت، أما والله لو كانوا من الاوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الاوس الخزرج في المسجد شر وما علمت به. فلما كان مساء ذلك اليوم، خرجت لبعض حاجتي ومعى أم مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح فقلت علام تسبين ابنك ؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس

[ 125 ]

مسطح قلت: علام تسبين ابنك ؟ فسكتت الثانية. ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح فانتهرتها، فقلت: وقد كان هذا ؟ قالت: نعم والله. قالت: فرجعت إلى بيتي فكأن الذي خرجت له لم أخرج له، ولا أجد منه قليلا ولا كثيرا. ووعكت، فقلت: يا رسول الله، أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فإذا أنا بأمي أم رومان، قالت: ما جاء بك يا بنية ؟ فأخبرتها، فقالت: خفضي عليك الشأن، فإنه والله ما كانت امرأة جميلة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا حسدنها وقلن فيها. قلت: وقد علم بها أبي ؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله ؟ قالت: نعم. فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لامي: ما شأنها ؟ قالت: بلغها الذي ذكر من أمرها. ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك إلا رجعت إلى بيتك فرجعت. فأصبح أبواي عندي، فلم يزالا عندي حتى دخل رسول الله (ص) علي بعد العصر، وقد اكتنفني أبواي، عن يميني وعن شمالي، فتشهد رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد يا عائشة، إن كنت قارفت سوءا أو ألممت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده. وقد جاءت امرأة من الانصار وهي جالسة، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تقول شيئا ؟ فقلت لابي: أجبه فقال: أقول ماذا ؟ قلت لامي: أجيبيه فقالت: أقول ماذا ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد، فوالله لئن قلت لكم إني لم أفعل، والله يعلم إني لصادقة ما ذا بنافعي عندكم، لقد تكلم به وأشربته قلوبكم وإن قلت إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لتقولن قد باءت به على نفسها، وأيم الله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. وأنزل الله على رسوله ساعتئذ، فرفع عنه، وإني لاتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه يقول: أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك فكنت أشد ما كنت غضبا، فقال لي أبواي: قومي إلى رسول الله (ص) فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمده ولا أحمدكما، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، ولكني أحمد الله الذي أنزل براءتي. ولقد جاء رسول الله بيتي، فسأل الجارية

[ 126 ]

عني، فقالت: والله ما أعلم عليها عيبا إلا أنها كانت تنام حتى كانت تدخل الشاة فتأكل حصيرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، وقال لها: اصدقي رسول الله (ص) قال عروة: فعتب على من قاله، فقال: لا، والله ما أعلم عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الاحمر. وبلغ ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله ما كشفت كنف أنثى قط. فقتل شهيدا في سبيل الله. قالت عائشة: فأما زينب بنت جحش، فعصمها الله بدينها، فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة أختها، فهلكت فيمن هلك. وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره، ومسطحا، وحسان بن ثابت، فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة، فأنزل الله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة يعني أبا بكر، أن يؤتوا أولي القربى والمساكين يعني مسطحا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم قال أبو بكر: بلى والله، إنا لنحب أن يغفر الله لنا وعاد أبو بكر لمسطح بما كان يصنع به. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن علقمة بن وقا ص وغيره أيضا، قال: خرجت عائشة تريد المذهب، ومعها أم مسطح. وكان مسطح بن أثاثة ممن قال ما قال. وكان رسول الله (ص) خطب الناس قبل ذلك، فقال: كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني ؟ فقال سعد بن معاذ: أي رسول الله، إن كان منا معشر الاوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا فأطعناك. فقال سعد بن عبادة: يا ابن معاذ، والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل لنا من صدوركم بعد فقال ابن معاذ: الله أعلم ما أردت. فقام أسيد بن حضير، فقال: يا ابن عبادة، إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقين وتدفع عنهم. وكثر اللغط في الحيين في المسجد ورسول الله (ص) جالس على المنبر، فما زال النبي (ص) يومئ بيده إلى الناس ههنا وههنا، حتى هدأ الصوت. وقالت عائشة: كان الذي تولى كبره، والذي يجمعهم في بيته، عبد الله بن أبي ابن

[ 127 ]

سلول. قالت: فخرجت إلى المذهب ومعي أم مسطح، فعثرت، فقالت: تعس مسطح فقلت: غفر الله لك، أتقولين هذا لابنك ولصاحب رسول الله (ص) ؟ قالت ذلك مرتين، وما شعرت بالذي كان. فحدثت، فذهب عنى الذي خرجت له، حتى ما أجد منه شيئا. ورجعت على أبوي أبي بكر وأم رومان، فقلت: أما اتقيتما الله في وما وصلتما رحمي ؟ قال النبي (ص) الذي قال، وتحدث الناس بالذي تحدثوا به ولم تعلماني فأخبر رسول الله (ص) قالت: أي بنية، والله لقلما أحب رجل قط امرأته إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك أي بنية ارجعي إلى بيتك حتى نأتيك فيه فرجعت وارتكبني صالب من حمى، فجاء أبواي فدخلا، وجاء رسول الله (ص) حتى جلس على سريري وجاهي، فقالا: أي بينة، إن كنت صنعت ما قال الناس فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه فأخبرني رسول الله بعذرك قلت: ما أجد لي ولكم إلا كأبي يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. قالت: فالتمست اسم يعقوب، فما قدرت، أو فلم أقدر عليه. فشخص بصر رسول الله إلى السقف، وكان إذا نزل عليه وجد، قال الله: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا فوالذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما زال يضحك حتى إني لانظر إلى نواجذه سرورا، ثم مسح عن وجهه، فقال: يا عائشة أبشري، قد أنزل الله عذرك قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك. قال الله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم... حتى بلغ: ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة. وكان أبو بكر حلف أن لا ينفع مسطحا بنافعة، وكان بينهما رحم، فلما أنزلت: ولا يأتل أولوا الفضل منكم... حتى بلغ: والله غفور رحيم قال أبو بكر: بلى، أي رب فعاد إلى الذي كان لمسطح إن الذين يرمون المحصنات... حتى بلغ: أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم. قالت عائشة: والله ما كنت أرجو أن ينزل في كتاب ولا أطمع به، ولكن أرجو أن يرى رسول الله (ص) رؤيا تذهب ما في نفسه. قالت: وسأل الجارية الحبشية، فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها،

[ 128 ]

ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قال: فعجب الناس من فقهها. القول في تأويل قوله تعالى: * (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين) *. وهذا عتاب من الله تعالى ذكره أهل الايمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة بما أرجف به. يقول لهم تعالى ذكره: هلا أيها الناس إذ سمعتم ما قال أهل الافك في عائشة ظن المؤمنون منكم والمؤمنات بأنفسهم خيرا يقول: ظننتم بمن قرف بذلك منكم خيرا، ولم تظنوا به أنه أتى الفاحشة. وقال بأنفسهم لان أهل الاسلام كلهم بمنزلة نفس واحدة، لانهم أهل ملة واحدة. ] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار، أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت: لا والله ما كنت لافعله. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الافك: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون... الآية: أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ما هذا الخير ؟ ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن ليفجر بأمه، وأن الام لم تكن لتفجر بابنها، إن أراد أن يفجر فجر بغير أمه. يقول: إنما كانت عائشة أما، والمؤمنون بنون لها، محرما عليها، وقرأ: لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء... الآية.

[ 129 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا قال لهم خيرا، ألا ترى أنه يقول: لا تقتلوا أنفسكم يقول: بعضكم بعضا، وسلموا على أنفسكم، قال: يسلم بعضكم على بعض. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف عن الحسن، في قوله: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا يعني بذلك المؤمنين والمؤمنات. وقوله: وقالوا هذا إفك مبين يقول: وقال المؤمنون والمؤمنات: هذا الذي سمعنا من القول الذي رمي به عائشة من الفاحشة: كذب وإثم، يبين لمن عقل وفكر فيه أنه كذب وإثم وبهتان. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: أخبرنا عوف عن الحسن: وقالوا هذا إفك مبين قالوا: إن هذا لا ينبغي أن يتكلم به إلا من أقام عليه أربعة من الشهود وأقيم عليه حد الزنا. القول في تأويل قوله تعالى: * (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) *. يقول تعالى ذكره: هلا جاء هؤلاء العصبة الذين جاءوا بالافك، ورموا عائشة بالبهتان، بأربعة شهداء يشهدون على مقالتهم فيها وما رموها به فإذا لم يأتوا بالشهداء الاربعة على حقيقة ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون يقول: فالعصبة الذين رموها بذلك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الافك. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم) *.

[ 130 ]

يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الخائضون في أمر عائشة، المشيعون فيها الكذب والاثم، بتركه تعجيل عقوبتكم ورحمته إياكم، لعفوه عنكم في الدنيا والآخرة بقبول توبتكم مما كان منكم في ذلك، لمسكم فيما خضتم فيه من أمرها عاجلا في الدنيا عذاب عظيم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته هذا للذين تكلموا فنشروا ذلك الكلام، لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. القول في تأويل قوله تعالى: * (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) *. يقول تعالى ذكره: لمسكم فيما أفضتم فيه من شأن عائشة عذاب عظيم، حين تلقونه بألسنتكم. وإذ من صلة قوله لمسكم. ويعني بقوله: تلقونه تتلقون الافك الذي جاءت به العصبة من أهل الافك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض يقال: تلقيت هذا الكلام عن فلان، بمعنى أخذته منه وقيل ذلك لان الرجل منهم فيما ذكر يلقى آخر فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة ؟ ليشيع عليها بذلك الفاحشة. وذكر أنها في قراءة أبي: إذ تتلقونه بتاءين، وعليها قرأه الامصار، غير أنهم قرءوها: تلقونه بتاء واحدة، لانها كذلك في مصاحفهم. وقد روي عن عائشة في ذلك، ما: حدثني به محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا خالد بن نزار، عن نافع، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة زوج النبي (ص)، أنها كانت تقرأ هذه الآية: إذ تلقونه بألسنتكم تقول: إنما هو ولق الكذب، وتقول: إنما كانوا يلقون الكذب. قال ابن أبي مليكة: وهي أعلم بما فيها أنزلت.

[ 131 ]

قال نافع: وسمعت بعض العرب يقول: الليق: الكذب. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا نافع بن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الجمحي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، أنها كانت تقرأ: إذ تلقونه بألسنتكم وهي أعلم بذلك وفيها أنزلت، قال ابن أبي مليكة: هو من ولق الكذب. قال أبو جعفر: وكأن عائشة وجهت معنى ذلك بقراءتها تلقونه بكسر اللام وتخفيف القاف، إلى: إذ تستمرون في كذبكم عليها وإفككها بألسنتكم، كما يقال: ولق فلان في السير فهو يلق: إذا استمر فيه وكما قال الراجز: إن الجليد زلق وزملق * جاءت به عنس من الشأم تلق مجوع البطن كلابي الخلق وقد روي عن العرب في الولق: الكذ ب: الالق، والالق: بفتح الالف وكسرها، ويقال في فعلت منه: ألقت، فأنا ألق وقال بعضهم: من لي بالمزرر اليلامق * صاحب أدهان وألق آلق والقراءة التي لا أستجيز غيرها: إذ تلقونه على ما ذكرت من قراءة الامصار، لاجماع الحجة من القراء عليها. وبنحو الذي قلنا من التأويل في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: إذ تلقونه بألسنتكم قال: تروونه بعضكم عن بعض.

[ 132 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إذ تلقونه قال: تروونه بعضكم عن بعض. قوله: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم يقول تعالى ذكره: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم من الامر الذي تروونه، فتقولون: سمعنا أن عائشة فعلت كذا وكذا، ولا تعلمون حقيقة ذلك ولا صحته. وتحسبونه هينا وتظنون أن قولكم ذلك وروايتكموه بألسنتكم وتلقيكموه بعضكم عن بعض، هين سهل، لا إثم عليكم فيه ولا حرج. وهو عند الله عظيم يقول: وتلقيكم ذلك كلك وقولكموه بأفواهكم، عند الله عظيم من الامر لانكم كنتم تؤذون به رسول الله (ص) وحليلته. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) *. يقول تعالى ذكره: فلولا أيها الخائضون في الافك الذي جاءت به عصبة منكم، إذ سمعتموه ممن جاء به، قلتم ما يحل لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوه به سبحانك هذا بهتان عظيم، تنزيها لك يا رب وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء هذا بهتان عظيم يقول: هذا القول بهتان عظيم. القول في تأويل قوله تعالى: * (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) *. يقول تعالى ذكره: يذكركم الله وينهاكم بآي كتابه، لئلا تعودوا لمثل فعلكم الذي فعلتموه في أمر عائشة من تلقيكم الافك الذي روي عليها بألسنتكم، وقولكم بأفواهكم ما ليس لكم به علم فيها أبدا. إن كنتم مؤمنين يقول: إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لامره وتنتهون عما نهاكم عنه. ] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

[ 133 ]

ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم قال: والذي هو خير لنا من هذا، أن الله أعلمنا هذا لكيلا نقع فيه، لولا أن الله أعلمنا لهلكنا كما هلك القوم، أن يقول الرجل: أنا سمعته ولم أخترقه ولم أتقوله، فكان خيرا حين أعلمناه الله، لئلا ندخل في مثله أبدا، وهو عند الله عظيم. وقوله: ويبين الله لكم الآيات: ويفصل الله لكم حججه عليكم بأمره ونهيه، ليتبين المطيع له منكم من العاصي، والله عليم بكم وبأفعالكم، لا يخفي عليه شئ، وهو مجاز المحسن منكبإحسانه والمسئ بإساءته، حكيم في تدبير خلقه وتكليفه ما كلفهم من الاعمال وفرضما فرض عليهم من الافعال. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) *. يقول تعالى ذكره: إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا بالله ورسوله ويظهر ذلك فيهم، لهم عذاب أليم يقول: لهم عذاب وجيع في الدنيا، بالحد الذي جعله الله حدا لرامي المحصنات والمحصنين إذا رموه بذلك، وفي الآخرة عذاب جهنم إن مات مصرا على ذلك غير تائب. ] كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: يحبون أن تشيع الفاحشة قال: تظهر في شأن عائشة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم قال: الخبيث عبد الله بن أبي ابن سلول، المنافق، الذي أشاع على عائشة ما أشاع عليها من الفرية، لهم عذاب أليم. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني لحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: أن تشيع الفاحشة قال: تظهر يتحدث عن شأن عائشة. وقوله: والله يعلم وأنتم لا تعلمون يقول تعالى ذكره: والله يعلم كذب الذين

[ 134 ]

جاءوا بالافك من صدقهم، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لانكم لا تعلمون الغيب، وإنما يعلم ذلك علام الغيوب. يقول: فلا ترووا ما لا علم لكم به من الافك على أهل الايمان بالله، ولا سيما على حلائل رسول الله (ص)، فتهلكوا. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) *. يقول تعالى ذكره: ولولا أن تفضل الله عليكم أيها الناس ورحمكم، وأن الله ذو رأفة، ذو رحمة بخلقه، لهلكتم فيما أفضتم فيه وعاجلتكم من الله العقوبة. وترك ذكر الجواب لمعرفة السامع بالمراد من الكلام بعده، وهو قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم) *. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه ولا تقتفوا آثاره، بإشاعتكم الفاحشة في الذين آمنوا وإذا عتكموها فيهم وروايتكم ذلك عمن جاء به، فإن الشيطان يأمر بالفحشاء وهي الزنا والمنكر من القول. وقد بينا معنى الخطوات والفحشاء فيما مضى بشواهد ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) * * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشآء والله سميع عليم) *. يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تطهر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ولو فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا يقول: ما

[ 135 ]

اهتدى منكم من الخلائق لشئ من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئا من الشر يدفعه عن نفسه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا قال: ما زكى: ما أسلم. وقال: كل شئ في القرآن من زكى أو تزكي فهو الاسلام. وقوله: والله سميع عليم يقول: والله سميع لما تقولون بأفواهكم وتلقونه بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم، محيط به محصيه عليكم، ليجازيكم بكل ذلك. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) *. يقول تعالى ذكره: ولا يحلف بالله ذوو الفضل منكم، يعني ذوي التفضل والسعة يقول: وذوو الجدة. واختلف القراء في قراءة قوله: ولا يأتل فقرأته عامة قراء الامصار: ولا يأتل بمعنى: يفتعل من الالية، وهي القسم بالله سوى أبي جعفر وزيد بن أسلم، فإنه ذكر عنهما أنهما قرآ ذلك: ولا يتأل بمعنى: يتفعل، من الالية. والصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: ولا يأتل بمعنى يفتعل من الالية وذلك أن ذلك في خط المصحف كذلك، والقراءة الاخرى مخالفة خط المصحف، فاتباع المصحف مع قراءة جماعة القراء وصحة المقروء به أولى من خلاف ذلك كله. وإنما عني بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حلفه بالله لا ينفق على مسطح، فقال جل ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون بالله ألا يعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم، كمسطح، وهو ابن خالة أبي بكر. والمساكين: يقول:

[ 136 ]

وذوي خلة الحاجة، وكان مسطح منهم، لانه كان فقيرا محتاجا. والمهاجرين في سبيل الله وهم الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم في جهاد أعداء الله، وكان مسطح منهم لانه كان ممن هاجر من مكة إلى المدينة، وشهد مع رسول الله (ص) بدرا. وليعفوا يقول وليعفوا عما كان منهم إليهم من جرم، وذلك كجرم مسطح إلى أبي بكر في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الافك. وليصفحوا يقول: وليتركو عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الافضال عليهم. ألا تحبون أن يغفر الله لكم يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها. والله غفور لذنوب من أطاعه واتبع أمره، رحيم بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه، على ما كان لهم من زلة وهفوة قد استغفروه منها وتابوا إليه من فعلها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن علقمة بن وقاص الليثي، وعن سعيد بن المسيب، وعن عرورة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة. قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة. قال: وثني ابن إسحاق، قال: ثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: لما نزل هذا يعني قوله: إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم في عائشة، وفيمن قال لها ما قال قال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ولا أنفعه بنفع أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال وأدخل عليها ما أدخل قالت: فأنزل الله في ذلك: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة... الآية. قالت: فقال أبو بكر: والله إني لاحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. حدثني علي، قال ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة يقول: لا تقسموا ألا تنفعوا أحدا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 137 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة... إلى آخر الآية، قال: كان ناس من أصحاب رسول الله (ص) قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك وتكلوا به، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله (ص)، فيهم أبو بكر، ألا يتصدق على رجل تكلم بشئ من هذا ولا يصله، فقال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك. فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفى عنهم. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة: لما أنزل الله تعالى ذكره عذر عائشة من السماء، قال أبو بكر وآخرون من المسلمين: والله لا نصل رجلا منهم تكلم بشئ من شأن عائشة ولا ننفعه فأنزل الله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة يقول: ولا يحلف. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى قال: كان مسطح ذا قرابة. والمساكين قال: كان مسكينا. والمهاجرين في سبيل الله كان بدريا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة قال: أبو بكر حلف أن لا ينفع يتيما في حجره كان أشاع ذلك. فلما نزلت هذه الآية قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، فلاكونن ليتيمي خير ما كنت له قط. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) *. يقول تعالى ذكره: إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات يعني العفيفات الغافلات عن الفاحش المؤمنات بالله ورسوله، وما جاء به من عند الله، لعنوا في

[ 138 ]

الدنيا والآخرة يقول: أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ولهم في الآخرة عذاب عظيم وذلك عذاب جهنم. واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن، فقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون سائر نساء أمة نبينا (ص). ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن أبي الشوارب قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا خصيف، قال: قلت لسعيد بن جبير: الزنا أشد أم قذف المحصنة ؟ فقال: الزنا. فقلت: أليس الله يقول: إن الذين يرمون المحصنات... الآية ؟ قال سعيد: إنما كان هذا لعائشة خاصة. حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينما رسول الله (ص) عندي جالس، إذ أوحي إليه، وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات. وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح عن وجهه، وقال: يا عائشة أبشري قالت: فقلت: بحمد الله لا بحمدك فقرأ: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات... حتى بلغ: أولئك مبرءون مما يقولون. وقال آخرون: بل ذلك لازواج رسول الله (ص) خاصة دون سائر النساء غيرهن. ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات... الآية، أزواج النبي (ص) خاصة. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، وعني بها كل من كان بالصفة التي وصف الله هذه الآية. قالوا: فذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا. ذكر من قال ذلك: حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا زيد، عن جعفر بن برقان، قال: سألت

[ 139 ]

ميمونا، قلت: الذي ذكر الله: الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء... إلى قوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم فجعل في هذه توبة، وقال في الاخرى: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات... إلى قوله: لهم عذاب عظيم ؟ قال ميمون: أما الاولى فعسى أن تكون قد قارفت، وأما هذه فهي التي لم تقارف شيئا من ذلك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس، قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات... الآية، قال: هذا في شأن عائشة وأزواج النبي (ص)، وهي مبهمة، وليست لهم توبة. ثم قرأ: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء... إلى قوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا... الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة. قال: فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر سورة النور. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم قال: هذا في عائشة، ومن صنع هذا اليوم في المسلمات فله ما قال الله، ولكن عائشة كانت إمام ذلك. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي (ص)، فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة فأوجب الجلد وقبل التوبة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات... إلى: عذاب عظيم يعني أزواج النبي (ص)، رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله. وكان ذلك في أزواج النبي (ص)، ثم نزل بعد ذلك: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء... إلى قوله: فإن الله غفور رحيم فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد.

[ 140 ]

وأولى هذه الاقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها. وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب، لان الله عم بقوله: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات كل محصنة غافلة مؤمنة رماها رام بالفاحشة، من غير أن يحض بذلك بعضا دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية فملعون في الدنيا والآخرة وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دل باستثنائه بقوله: إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله: لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا. القول في تأويل قوله تعالى: * (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) *. يقول تعالى ذكره: ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم ف اليوم الذي في قوله: يوم تشهد عليهم من صلة قوله: ولهم عذاب عظيم. وعني بقوله: يوم تشهد عليهم ألسنتهم يوم القيامة وذلك حين يجحد أحدهما ما اكتسب في الدنيا من الذنوب عند تقرير الله إياه بها، فيختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. فإن قال قائل: وكيف تشهد عليهم ألسنتهم حين يختم على أفواههم ؟ قيل: عني بذلك أن ألسنة بعضهم تشهد إلى بعض، لا أن ألسنتهم تنطق وقد ختم على الافواه. وقد: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو، عن دراج، عن أبي الهيثمي، عن أبي سعيد، عن رسول الله (ص): إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا فيقول: أتحلفون ؟ فيحلفون. ثم يصمتهم الله، وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 141 ]

* (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) *. يقول تعالى ذكره: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون يوفيهم الله حسابهم وجزاءهم الحق على أعمالهم. والدين في هذا الموضع: الحساب والجزاء كما: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق يقول: حسابهم. واختلفت القراء في قراءة قوله: الحق فقرأته عامة قراء الامصار: دينهم الحق نصبا على النعت للدين، كأنه قال: يوفيهم الله أعمالهم حقا. ثم أدخل في الحق الالف واللام، فنصب بما نصب به الدين. وذكر عن مجاهد أنه قرأ ذلك: يوفيهم الله دينهم الحق برفع الحق على أنه من نعت الله. حدثنا بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، أنه قرأها الحق بالرفع. قال جرير: وقرأتها في مصحف أبي بن كعب يوفيهم الله الحق دينهم. والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الامصار، وهو نصب الحق على إتباعه إعراب الدين لاجماع الحجة عليه. وقوله: ويعلمون أن الله هو الحق المبين يقول: ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، ويزول حينئذ الشك فيه عن أهل النفاق الذين كانوا فيما كان يعدهم في الدنيا يمترون. القول في تأويل قوله تعالى: * (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) *. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معناه: الخبيثات من القول

[ 142 ]

للخبثيين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من الول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. وقوله: والطيبات للطيبين يقول: الطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي (ص) ما قالوا من البهتان. ويقال: الخبيثات للخبيثين: الاعمال الخبيثة تكون للخبيثين، والطيبات من الاعمال تكون للطيبين. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الاسود، عن مجاهد: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح، في قول الله: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات قال: الطيبات: القول الطيب يخرج من الكافر والمؤمن فهو للمؤمن والخبيثات: القول الخبيث يخرج من المؤمن والكافر فهو للكافر. أولئك مبرءون مما يقولون وذلك أنه برأ كليهما مما ليس بحق من الكلام. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات يقول: الخبيثات والطيبات: القول السئ والحسن للمؤمنين الحسن وللكافرين السئ. أولئك مبرءون مما يقولون وذلك بأنه ما قال الكافرون من كلمة طيبه فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين، كل برئ مما ليس بحق من الكلام.

[ 143 ]

حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الخبيثات للخبيثين قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلام. حدثنا الحسن قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مثله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الخبيثات للخبيثين... الآية، يقول: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول. فهذا في الكلام، وهم الذين قالوا لعائشة ما قالوا، هم الخبيثون. والطيبون هم المبرءون مما قال الخبيثون. حدثنا أبو زرعة، قال ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سلمة، يعني ابن نبيط الاشجعي، عن الضحاك: الخبيثات للخبيثين قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس، والطيبات من الكلام للطيبين من الناس. قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح وعثمان بن الاسود، عن مجاهد: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات قال: الخبيثات من الكلام للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال: ثنا عن خصيف، عن سعيد بن جبير، قال: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. قال: ثني محمد بن بكر بن مقدم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، يعني ابن أبي سليمان، عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد: والخبيثون للخبيثات قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس. قال: ثنا عباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون

[ 144 ]

للطيبات يقول: الخبيثات من القول والعمل للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والعمل. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، قال: الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، قال: الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول، والخبيثات من القول للخبيثين من الناس، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية، فبرأها الله من ذلك. وكان عبد الله بن أبي هو خبيث، وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها. وكان رسول الله (ص) طيبا، وكان أولى أن تكون له الطيبة. وكانت عائشة الطيبة، وكان أولى أن يكون لها الطيب. أولئك مبرءون مما يقولون قال: هاهنا برئت عائشة. لهم مغفرة ورزق كريم. وأولى هذه الاقوال في تأويل الآية قول من قال: عنى بالخبيثات: الخبيثات من القول وذلك قبيحه وسيئه للخبيثين من الرجال والنساء، والخبيثون من الناس للخبيثات من القول هم بها أولى، لانهم أهلها. والطيبات من القول وذلك حسنه وجميله للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول لانهم أهلها وأحق بها. وإنما قلنا هذا القول أولى بتأويل الآية، لان الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الافك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصهم به على إفكهم، فكان ختم الخبر عن أولى الفريقين بالافك من الرامي والمرمي به أشبه من الخبر عن غيرهم. وقوله: أولئك مبرءون يقول: الطيبون من الناس مبرءون من خبيثات القول، إن قالوها فإن الله يصفح لهم عنها ويغفرها لهم، وإن قيلت فيهم ضرت قائلها ولم تضرهم، كما لو قال الطيب من القول الخبيث من الناس لم ينفعه الله به لان الله لا يتقبله، ولو قيلت له لضرته لانه يلحقه عارها في الدنيا وذلها في الآخرة. كما:

[ 145 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أولئك مبرءون مما يقولون فمن كان طيبا فهو مبرأ من كل قول خبيث، يقول: يغفره الله ومن كان خبيثا فهو مبرأ من كل قول صالح، فإنه يرده الله عليه لا يقبله منه. وقد قيل: عني بقوله: أولئك مبرءون مما يقولون عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به. فعلى هذا القول قيل أولئك فجمع، والمراد ذانك، كما قيل: فإن كان له إخوة، والمراد أخوان. وقوله: لهم مغفرة يقول لهؤلاء الطيبين من الناس مغفرة من الله لذنوبهم، والخبي من القول إن كان منهم. ورزق كريم يقول: ولهم أيضا مع المغفرة عطية من الله كريمة، وذلك الجنة، وما أعد لهم فيها من الكرامة. كما: حدثنا أبو زرعة، قال: ثنا العباس بن الوليد النرسي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: لهم مغفرة ورزق كريم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم في الجنة. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون) *. اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: تأويله يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: لا تدخلوا بيوتا عير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها قال: وإنما تستأنسوا وهم من الكتاب.

[ 146 ]

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها وقال: إنما هي خطأ من الكاتب: حتى تستأذنوا وتسلموا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله، غير أنه قال: إنما هي حتى تستأذنوا، ولكنها سقط من الكاتب. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس: حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قال: أخطأ الكاتب. وكان ابن عباس يقرأ: حتى تستأذنوا وتسلموا وكان يقرؤها على قراءة أبي بن كعب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش أنه كان يقرؤها: حتى تستأذنوا وتسلموا قال سفيان: وبلغني أن ابن عباس كان يقرؤها: حتى تستأذنوا وتسلموا وقال: إنها خطأ من الكاتب. حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قال: الاستئناس: الاستئذان. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، قال: في مصحف ابن مسعود: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا قال: وإنما تستأنسوا وهم من الكتاب. قال: ثنا هشيم، قال مغيرة، قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتفسطاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أدخل ؟ فقالت: ادخل بسلام فأعاد، فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، قال: قولي ادخل قالت: ادخل فدخل. قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفي: أن رجلا استأذن النبي (ص)، فقال: ألج أو أنلج ؟

[ 147 ]

فقال النبي (ص) لامة له يقال لها روضة: قومي إلى هذا فكلميه، فإنه لا يحسن يسأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم، أدخل ؟ فسمعها الرجل، فقالها، فقال: أدخل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: حتى تستأنسوا قال: الاستئذان، ثم نسخ واستثني: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة، عن إبراهيم، قوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم قال: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: حتى تستأنسوا قال: حتى تستأذنوا وتسلموا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. قال أشعث عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الانصار، قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ؟ قال: فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها... الآية. وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح والتنخم وما أشبهه، حتى يعلموا أنكم تريدون الدخول عليهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قال: حتى تتنحنحوا وتتنخموا.

[ 148 ]

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: حتى تستأنسوا قال: حتى تجرسوا وتسلموا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: حتى تستأنسوا قال: تنحنحوا وتنخموا. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، قال: ثلاث آيات قد جحدهن الناس، قال الله: إن أكرمكم عند الله أتقاكم قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم شأنا. قال: والاذن كله قد جحده الناس فقلت له: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال: نعم، فرددت على من حضرني، فأبى، قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ قلت: لا. قال: فاستأذن فراجعته أيضا، قال: أتحب أن تطيع الله ؟ قلت: نعم، قال: فاستأذن فقال لي سعيد بن جبير: إنك لتردد عليه قلت: أردت أن يرخص لي. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه، قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى كأنه يقول عريتها أو عريانة من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك. قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبي رباح: وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا، فواجب على الناس أجمعين إذا احتلموا أن يستأذنوا على من كان من الناس. قلت لعطاء: أواجب على الرجل أن يستأذن على أمه ومن وراءها من ذات قرابته ؟ قال: نعم. قلت: أبر وجب ؟ قال قوله: وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا. قال ابن جريج: وأخبرني ابن زياد: أن صفوان مولى لبني زهرة، أخبره عن عطاء بن يسار: أن رجلا قال للنبي (ص): أستأذن على أمي ؟ قال: نعم. قال: إنها ليس لها خادم غيري، أفأستأذن عليها كلما دخلت ؟ قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ قال ارجل: لا. قال: فاستأذن عليها. قال ابن

[ 149 ]

جريج عن الزهري، قال: سمعت هزيل بن شرحبيل الاودي الاعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الاذن على أمهاتكم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته ؟ قال: لا. حدثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن حازم، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود، عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق، كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا قال: الاستئناس: التنحنح والتجرس، حتى والصواب من القول يعرفوا أن قد جاءهم أحد. قال: والتجرس: كلامه وتنحنحه في ذلك عندي أن يقال: إن الاستئناس: الاستفعال من الانس، وهو أن يستأذن أهل البيت في الدخول عليهم، مخبرا بذلك من فيه، وهل فيه أحد ؟ وليؤذنهم أنه داخل عليهم، فليأنس إلى إذنهم له في ذلك، ويأنسوا إلى استئذانه إياهم. وقد حكى عن العرب سماعا: اذهب فاستأنس، هل ترى أحدا في الدار ؟ بمعنى: انظر هل ترى فيها أحدا ؟ فتأويل الكلام إذن، إذا كان ذلك معناه: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا وتستأذنوا، وذلك أن يقول أحدكم: السلام عليكم، أدخل ؟ وهو من المقدم الذي معناه التأخير، إنما هو: حتى تسلموا وتستأذنوا، كما ذكرنا من الرواية عن ابن عباس. وقوله: ذلكم خير لكم يقول: ستئناسكم وتسليمكم على أهل البيت الذي تريدون دخوله، فإن دخولكموه خير لكم لانكم لا تدرون أنكم إذا دخلتموه بغير إذن، على ماذا تهجمون ؟ على ما يسوءكم أو يسركم ؟ وأنتم إذا دخلتم بإذن، لم تدخلوا على ما تكرهون، وأديتم بذلك أيضا حق الله عليكم في الاستئذان والسلام. وقوله: لعلكم

[ 150 ]

تذكرون يقول: لتتذكروا بفعلكم ذلك أو الله عليكم، واللازم لكم من طاعته، فتطيعوه. القول في تأويل قوله تعالى: * (فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) *. يقول تعالى ذكره: فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحدا يأذن لكم بالدخول إليها، فلا تدخلوها، لانها ليست لكم، فلا يحل لكم دخولها إلا بإذن أربابها، فإن أذن لكم أربابها أن تدخلوها فادخلوها. وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا يقول: وإن قال لكم أهل البيوت التي تستأذنون فيها ارجعوا فلا تدخلوها، فارجعوا عنها ولا تدخلوها هو أزكى لكم يقول: رجوعكم عنها إذا قيل لكم ارجعوا، ولم يؤذن لكم بالدخول فيها، أطهر لكم عند الله. وقوله: هو كناية من اسم الفعل، أعنى من قوله: فارجعوا. وقوله: والله بما تعملون عليم يقول جل ثناؤه: والله بما تعملون من رجوعكم بعد استئذانكم في بويت غيركم إذا قيل لكم ارجعوا وترك رجوعكم عنها وطاعتكم الله فيما أمركم ونهاكم في ذلك وغيره من أمره ونهيه، ذو علم محيط بذلك كله، محص جميعه عليكم، حتى يجازيكم على جميع ذلك. ] وكان مجاهد يقول في تأويل ذلك ما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فإن لم تجدوا فيها أحدا قال: إن لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا بإذن. وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

[ 151 ]

قال: ثنا الحسن، قال: ثنا هاشم بن القاسم المزني، عن قتادة، قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط، لقوله: وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم. وهذا القول الذي قاله مجاهد في تأويل قوله: فإن لم تجدوا فيها أحدا بمعنى: إن لم يكن لكم فيها متاع، قول بعيد من مفهوم كلام العرب لان العرب لا تكاد تقول: ليس بمكان كذا أحد، إلا وهي تعني ليس بها أحد من بني آدم. وأما الامتعة وسائر الاشياء غير بني آدم ومن كان سبيله سبيلهم فلا تقول ذلك فيها. القول في تأويل قوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) *. يقول تعالى ذكره: ليس عليكم أيها الناس إثم وحرج أن تدخلوا بيوتا لا ساكن بها بغير استئذان. ثم اختلفوا في ذلك أي البيوت عنى، فقال بعضهم: عنعى بها الخانات والبيوت المبنية بالطرق التي ليس بها سكان معروفون، وإنما بنيت لمارة الطريق والسابلة ليأووا إليها ويؤووا إليها أمتعتهم. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حجاج، عن سالم المكي، عن محمد ابن الحنفية، في قوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة قال: هي الخانات التي تكون في الطرق. حدثني عباس بن محمد، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا عمر بن فروخ، قال: سمعت قتادة يقول: بيوتا غير مسكونة قال: هي الخانات تكون لاهل الاسفار. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم قال: كانوا يضعون في بيوت في طرق المدينة متاعا وأقتابا، فرخص لهم أن يدخلوها.

[ 152 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: بيوتا غير مسكونة قال: هي البيوت التي ينزلها السفر، لا يسكنها أحد. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: بيوتا غير مسكونة قال: كانوا يصنعون أو يضعون بطريق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، فأحل لهم أن يدخلوها بغير إذن. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: كانوا يضعون بطريق المدينة بغير شك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، غير أنه قال: كانوا يضعون بطريق المدينة أقتابا وأمتعة. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة هي البيوت التي ليس لها أهل، وهي البيوت التي يكون بالطرق والخربة. فيها متاع منفعة للمسافر في الشتاء والصيف، يأوي إليها. وقال آخرون: هي بيوت مكة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام بن سلم، عن سعيد بن سائق، عن الحجاج بن أرطاة، عن سالم بن محمد ابن الحنفية، في: بيوتا غير مسكونة قال: هي بيوت مكة. وقال آخرون: هي البيوت الخربة. والمتاع الذي قال الله لكم فيها قضاء الحاجة من الخلاء والبول فيها. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم قال: الخلاء والبول.

[ 153 ]

حدثني محمد بن عمارة، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا حسن بن عيسى بن زيد، عن أبيه، في هذه الآية: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم قال: التخلي في الخراب. وقال آخرون: بل عني بذلك بيوت التجار التي فيها أمتعة الناس. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم قال: بيوت التجار، ليس عليكم جناح أن تدخلوها بغير إذن، الحوانيت التي بالقيساريات والاسواق. وقرأ: فيها متاع لكم متاع للناس، ولبني آدم. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عم بقوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم كل بيت لا ساكن به لنا فيه متاع ندخله بغير إذن لان الاذن إنما يكون ليؤنس المأذون عليه قبل الدخول، أو ليأذن للداخل إن كان له مالكا أو كان فيه ساكنا. فأما إن كان لا مالك له، فيحتاج إلى إذنه لدخوله ولا ساكن فيه، فيحتاج الداخل إلى إيناسه والتسليم عليه، لئلا يهجم على ما لا يحب رؤيته منه، فلا معنى للاستئذان فيه. فإذا كان ذلك، فلا وجه لتخصيص بعض ذلك دون بعض، فكل بيت لا مالك له ولا ساكن من بين مبني ببعض الطرق للمارة والسابلة ليأووا إليه، أو بيت خراب قد باد أهله ولا ساكن فيه، حيث كان ذلك، فإن لمن أراد دخوله أن يدخل بغير استئذان، لمتاع له يؤويه إليه أو للاستمتاع به لقضاء حقه من بول أو غائط أو غير ذلك. وأما بيوت التجار، فإنه ليس لاحد دخولها إلا بإذن أربابها وسكانها. فإن ظن ظان أن التاجر إذا فتح دكانه وقعد للناس فقد أذن لمن أراد الدخول عليه في دخوله، فإن الامر في ذلك بخلاف ما ظن ذلك أنه ليس لاحد دخول ملك غيره بغير ضرورة ألجأته إليه أو بغير سبب أباح له دخوله إلا بإذن ربه، لا سيما إذا كان فيه متاع فإن كان التاجر قد عرف منه أن فتحه حانوته إذن منه لمن أراد دخوله في الدخول، فذلك بعد رجع إلى ما قلنا من أنه لم يدخله من دخله إلا بإذنه. وإذا كان ذلك كذلك، لم يكن من معنى قوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم في شئ، وذلك أن التي وضع الله عنا الجناح في دخولها بغير إذن من البيوت، هي ما لم يكن مسكونا، إذ حانوت التاجر لا سبيل إلى دخوله إلا بإذنه وهو مع ذلك مسكون، فتبين أنه مما عنى الله من هذه الآية بمعزل.

[ 154 ]

وقال جماعة من أهل التأويل: هذه الآية مستثناة من قوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ثم نسخ واستثنى فقال: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: حتى تستأنسوا... الآية، فنسخ من ذلك، واستثني فقال: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم. وليس في قوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم دلالة على أنه استثناء من قوله: لا تدخلوا بيوتكم حتى تستأنسوا لان قوله: لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها حكم من الله في البيوت التي لها سكان وأرباب. وقوله: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم حكم منه في البيوت التي لا سكان لها ولا أرباب معروفون، فكل واحد من الحكمين حكم في معنى غير معنى الآخر، وإنما يستثنى الشئ من الشئ إذا كان من جنسه أو نوعه في الفعل أو النفس، فأما إذا لم يكن كذلك فلا معنى لاستثنائه منه. وقوله: والله يعلم ما تبدون يقول تعالى ذكره: والله يعلم ما تظهرون أيها الناس بألسنتكم من الاستئذان إذا استأذنتم على أهل البيوت المسكونة، وما تكتمون يقول: وما تضمرونه في صدوركم عند فعلكم ذلك ما الذي تقصدون به: إطاعة الله والانتهاء إلى أمره، أم غير ذلك ؟ القول في تأويل قوله تعالى: * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل للمؤمنين بالله وبك يا محمد يغضوا من أبصارهم يقول: يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه مما قد نهاهم الله عن النظر إليه. ويحفظوا فروجهم أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. ذلك أزكى لهم يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحل النظر إليه وحفظ الفرج عن أن

[ 155 ]

يظهر لابصار الناظرين، أطهر لهم عند الله وأفضل. إن الله خبير بما يصنعون يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغض عنه وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم قال: كل فرج ذكر حفظة في القرآن فهو من الزنا، إلا هذه: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن فإنه يعني الستر. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن قال: يغضوا أبصارهم عما يكره الله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم قال: يغض من بصره: أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره، لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال الله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن) * يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): وقل يا محمد للمؤمنات من أمتك يغضضن من أبصارهن عما يكره الله النظر إليه مما نهاكم عن النظر إليه ويحفظن

[ 156 ]

فروجهن يقول: ويحفظن فروجهن على أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم. وقوله: ولا يبدين زينتهن يقول تعالى ذكره: ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن، وهما زينتان: إحداهما: ما خفي، وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد. والاخرى: ما ظهر منها، وذلك مختلف في المعنى منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول: زينة الثياب الظاهرة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص، عن ابن مسعود، قال: الزينة زينتان: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخلخالان والقرطان والسواران. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني الثوري، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الاحوص، عن عبد الله، أنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها: قال: هي الثياب. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص، عن عبد الله، قال: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الثياب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص، عن عبد الله، مثله. قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن عبد الله، مثله. قال: ثنا سفيان، عن علقمة، عن إبراهيم، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها: قال: الثياب. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا بعض أصحابنا إما يونس، إوما غيره عن الحسن، في قوله: إلا ما ظهر منها قال: الثياب. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الاحوص، عن عبد الله: إلا ما ظهر منها قال: الثياب.

[ 157 ]

قال أبو إسحاق: ألا ترى أنه قال: خذوا زينتكم عند كل مسجد ؟. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا محمد بن الفضل، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن زيد، عن ابن مسعود: إلا ما ظهر منها قال: هو الرداء. وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل، والخاتم، والسواران، والوجه. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا مروان، قال: ثنا مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الكحل والخاتم. حدثنا عمرو بن عبد الحميد الاملي، قال: ثنا مروان، عن مسلم الملائي، عن سعيد بن جبير، مثله، ولم يذكر ابن عباس. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون، عن أبي عبد الله نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: الظاهر منها: الكحل والخدان. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الوجه والكف. حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي، عن سعيد بن جبير، مثله. حدثني علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا أبو عمرو، عن عطاء في قول الله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الكفان والوجه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي عن سعيد، عن قتادة قال: الكحل، والسوران والخاتم. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن

[ 158 ]

عباس، قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: المسكتان والخاتم والكحل. قال قتادة: وبلغني أن النبي (ص) قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا. وقبض نصف الذراع. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن رجل، عن المسور بن مخرمة، في قوله: إلا ما ظهر منها قال: القلبين، والخاتم، والكحل: يعني السوار. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الخاتم والمسكة. قال ابن جريج، وقالت عائشة: القلب والفتخة، قالت عائشة: دخلت علي ابنة أخي لامي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي (ص)، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. وأشار به أبو علي قال ابن جريج، وقال مجاهد: قوله: إلا ما ظهر منها قال: الكحل والخضاب والخاتم.

[ 159 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم، عن عامر: إلا ما ظهر منها قال: الكحل، والخضاب، والثياب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها من الزينة: الكحل، والخضاب والخاتم هكذا كانوا يقولون وهذا يراه الناس. حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا عمر بن أبي سلمة، قال: سئل الاوزاعي عن: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الكفين والوجه. حدثنا عمرو بن بندق، قال: ثنا مروان، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ولا يبدين زينتهن قال: الكف والوجه. وقال آخرون: عنى به الوجه والثياب. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: قال يونس: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال الحسن: الوجه والثياب. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، وعبد الاعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها قال: الوجه والثياب. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عني بذلك الوجه والكفان، يدخل في ذلك إذا كان كذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الاقوال في ذلك بالتأويل، لاجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن المرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي (ص) أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لان ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا كان لها إظهار ذلك، كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره بقوله: إلا ما ظهر منها، لان كل ذلك ظاهر منها. وقوله: وليضربن بخمرهن على جيوبهن يقول تعالى ذكره: وليلقين خمرهن، وهي جمع خمار، على جيوبهن، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم بن نافع، قال: ثنا

[ 160 ]

الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة، قالت: لما نزلت هذه الآية: وليضربن بخمرهن على جيوبهن قال: شققن البرد مما يلي الحواشي، فاختمرن به. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن قرة بن عبد الرحمن، أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة زوج النبي (ص) أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الاول لما أنزل الله: وليضربن بخمرهن على جيوبهن شققن أكثف مروطهن، فاختمرن به. وقوله: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن يقول تعالى ذكره: ولا يبدين زينتهن التي هي غير ظاهرة بل الخفية منها، وذلك الخلخال والقرط والدملج، وما أمرت بتغطيته بخمارها من وق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة وللاجنبيين من الناس، والذراعين إلى فوق ذلك، إلا لبعولتهن. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.) ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن قال: هذه ما فوق الذراع. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، قال: سمعت رجلا يحدث عن طلحة، عن إبراهيم، قال في هذه الآية: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن قال: ما فوق الجيب. قال شعبة: كتب به منصور إلي، وقرأته عليه. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن قال: تبدي لهؤلاء الرأس. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن... إلى قوله: عورات النساء قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها.

[ 161 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن مسعود، في قوله: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن قال: الطوق والقرطين، يقول الله تعالى ذكره: قل للمؤمنات الحرائر لا يظهرن هذه الزينة الخفية التي ليست بالظاهرة إلا لبعولتهن، وهم أزواجهن، واحدهم: بعل، أو لآبائهن، أو لابناء بعولتهن، أو لاخوانهن، أو لبني إخوانهن. ويعني بقوله: أو لاخوانهن أو لاخواتهن، أو لبني إخوانهن، أو بني أخواتهن، أو نسائهم. قيل: عني بذلك نساء المسلمين. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: أو نسائهن قال: بلغني أنهن نساء المسلمين، لا يحل لمسلمة أن ترى مشركة عريتها إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله: أو ما ملكت أيمانهن. قال: ثني الحسين، قال: ثني عيسى بن يونس، عن هشام بن الغازي، عن عبادة بن نسي، أنه كره أن تقبل النصرانية المسلمة، أو ترى عورتها، ويتأول: أو نسائهن. قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبادة، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح رحمة الله عليهما: أما بعد، فقد بلغني أن نساء يدخلن الحماما ت ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه قال: ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة ولا سقم تريد البياض لوجهها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله: أو ما ملكت أيمانهن اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: أو مماليكهن، فإنه لا بأس عليها أن تظهر لهم من زينتها ما تظهره لهؤلاء. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن مخلد التميمي، أنه قال، في قوله: أو ما ملكت أيمانهن قال: في القراءة الاولى: أيمانكم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ما ملكت أيمانهن من إماء المشركين، كما قد ذكرنا عن ابن جريج قبل من أنه لما قال: أو نسائهن عنى بهن النساء المسلمات دون

[ 162 ]

المشركات، ثم قال: أو ما ملكت أيمانهن من الاماء المشركات. يقول تعالى ذكره: والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم، ممن لا أرب له في النساء من الرجال، ولا حاجة إليهن، ولا يريدهن. بنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الاول لا يغار عليه ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الاحمق الذي لا حاجة له في النساء. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال فهذا الرجل يتبع القوم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء ولا يشتهيهن، فالزينة التي تبديها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسواراها وأما خلخالاها ومعضداها ونحرها وشعرها، فإنها لا تبديه إلا لزوجها. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: أو التابعين قال: هو التابع يتبعك يصيب من طعامك. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال قال: الذي يريد الطعام ولا يريد النساء.

[ 163 ]

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال الذين لا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، يهمهم إلا بطونهم، ولا يخافون على النساء قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: غير أولى الاربة قال: الابله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت ليثا، عن مجاهد، قوله: غير أولي الاربة قال: هو الابله، الذي لا يعرف شيئا من النساء. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: غير أولى الاربة من الرجال الذي لا أرب له بالنساء مثل فلان. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عمن حدثه، عن ابن عباس: غير أولى الاربة قال: هو الذي لا تستحي منه النساء. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: غير أولى الاربة قال: من تبع الرجل وحشمه الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورة النساء. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي: غير أولى الاربة قال: الذي لا أرب له في النساء. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: المعتوه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال قال: هو الاحمق، الذي لا همة له بالنساء ولا أرب.

[ 164 ]

وبه عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، في قوله: غير أولى الاربة من الرجال يقول: الاحمق، الذي ليست له همة في النساء. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: الذي لا حاجة له في النساء. حدثني يونس، اقل: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: أو التابعين غير أولى الاربة من الرجال قال: هو الذي يتبع القوم، حتى كأنه كان منهم ونشأ فيهم، وليس يتبعهم لاربة نسائهم، وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لارفاقهم إياه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي (ص) مخنث، فكانوا يعدونه من غير أولي الاربة، فدخل عليه النبي (ص) يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي (ص): لا أرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن هذا عليكم فحجبوه. حدثني سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، قال: ثنا الحكم ابن أبان، عن عكرمة في قوله: أو التابعين غير أولى الاربة قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبه. واختلف القراء في قوله: غير أولي الاربة فقرأ ذلك بعض أهل الشام وبعض أهل المدينة والكوفة: غير أولى الاربة بنصب غير ولنصب غير ها هنا وجهان: أحدهما على القطع من التابعين، لان التابعين معرفة وغير نكرة، والآخر على الاستثناء، وتوجيه غير إلى معنى إلا، فكأنه قيل: إلا. وقرأ غير من ذكرت بخفض غير على أنها نعت للتابعين، وجاز نعت التابعين ب غير والتابعون معرفة وغير نكرة، لان التابعين معرفة غير مؤقتة. فتأويل الكلام على هذه القراءة: أو الذين هذه صفتهم. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان متقاربتا المعنى مستفيضة القراءة بهما في الامصار، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الخفض في غير أقوى في العربية،

[ 165 ]

فالقراءة به أعجب إلي. والاربة: الفعلة من الارب، المثل الجلسة من الجلوس، والمشية من المشي وهي الحاجة يقال: لا أرب لي فيك: لا حاجة لي فيك وكذا أربت لكذا وكذا: إذا احتجت إليه، فأنا آرب له أربا. فأما الاربة، بضم الالف: فالعقدة. وقوله: أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء يقول تعالى ذكره: أو الطفل الذين لم يكشفوا عن عورات النساء بجماعهن فيظهروا عليهن لصغرهن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: على عورات النساء قال: لم يدروا ما ثم، من الصغر قبل الحلم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن يقول تعالى ذكره: ولا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس الذين مشين بينهم ما يخفين من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن امرأة اتخذت برتين من فضة، واتخذت جزعا، فمرت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع، فصو ت فأنزل الله: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن قال: كان في أرجلهم خرز، فكن إذا مررن بالمجالس حركن أرجلهن ليعلم ما يخفين من حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن

[ 166 ]

زينتهن عباس: ولا يضربن بأرجلهن فهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، ويكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك لانه حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن من عمل الشيطان قتادة: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن قال: هو الخلخال، لا تضرب امرأة برجلها ليسمع صوت خلخالها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن قال: الاجراس من حليهن يجعلنها في أرجلهن في مكان الخلاخل، فنهاهن الله أن يضربن بأرجلهن لتسمع تلك الاجراس. وقوله: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون يقول تعالى ذكره: وارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم ونهاكم، من غض البصر وحفظ الفرج وترك دخول بيوت غير بيوتكم من غير استئذان ولا تسليم، وغير ذلك من أمره ونهيه. لعلكم تفلحون يقول: لتفلحوا وتدركوا طلباتكم لديه، إذا أنتم أطعتموه فيما أمركم ونهاكم. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) *. يقول تعالى ذكره: وزوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، ومن أهل الصلاح من عبيدكم ومماليككم. والايامى: جمع أيم، وإنما جمع أيامى لانها فعيلة في المعنى، فجمعت كذلك كما جمعت اليتيمة: يتامى ومنه قول جميل: أحب الايامى إذ بثينة أيم * وأحببت لما أن غنيت الغوانيا

[ 167 ]

ولو جمعت أيائم كان صوابا. والايم يوصف به الذكر والانثى، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لها زوج ومنه قول الشاعر: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي * وإن كنت أفتى منكم أتأيم إن يكونوا فقراء يقول: إن يكن هؤلاء الذين تنكحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر، فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم قال: أمر الله سبحانه بالنكاح، ورغبهم فيه وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حسن أبو الحسن وكان إسماعيل بن صبيح مولى هذا قال: سمعت القاسم بن الوليد، عن عبد الله بن مسعود، قال: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله: إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وأنكحوا الايامى منكم قال: أيامى النساء: اللاتي ليس لهن أزواج. وقوله: والله واسع عليم يقول جل ثناؤه: والله واسع الفضل جواد بعطاياه، فزوجوا إماءكم، فإن الله واسع يوسع عليهم من فضله إن كانوا فقراء. عليم يقول: هو ذو علم بالفقير منهم والغني، لا يخفى عليه حال خلقه في شئ وتدبيرهم. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 168 ]

* (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) * يقول تعالى ذكره: وليستعفف الذين لا يجدون ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسع عليهم من رزقه. وقوله: والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم يقول جل ثناؤه: والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم، فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا. واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا على وجه الفرض أم هو على وجه الندب ؟ فقال بعضهم: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا إذا سأله العبد ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت مالا أن أكاتبه ؟ قال: ما أراه إلا واجبا. وقالها عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد ؟ قال: لا. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن سيرين، أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح الذي له المال يريد إن يكاتب ألا يكاتبه. وقال آخرون: ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله: فكاتبوهم: ندب من الله سادة العبيد إلى كتابة من علم فيه منهم خير، لا إيجاب. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس: الامر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الائمة أكره أحدا

[ 169 ]

على أن يكاتب عبده. وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سئل عن ذلك فقيل له: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا يتلو هاتين الآيتين: فإذا حللتم فاصطادوا فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله قال مالك: فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا. وقال الثوري: إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يجبر السيد على ذلك. حدثني بذلك علي عن زيد عنه وحد ثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه ودليل. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا وسأله العبد الكتابة وذلك أن ظاهر قوله: فكاتبوهم ظاهر أمر، وأمر الله فرض الانتهاء إليه، ما لم يكن دليل من كتاب أو سنة على أنه ندب، لما قد بينا من العلة في كتابنا المسمى البيان عن أصول الاحكام. وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القدرة على الاحتراف والكسب لاداء ما كوتبوا عليه. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كره أن يكاتب مملوكه إذا لم تكن له حرفة، قال: تطعمني أوساخ الناس. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا يقول: إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين.

[ 170 ]

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أشهب، قال: سئل مالك بن أنس، عن قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيه خيرا فقال: إنه ليقال: الخير القوة على الاداء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه، قول الله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: الخير: القوة على ذلك. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: صدقا ووفاء وأداء وأمانة. قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاوس، أنهما قالا في قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قالا: مالا وأمانة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: أداء وأمانة. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، قال: كان إبراهيم يقول في هذه الآية: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: صدقا ووفاء، أو أحدهما. حدثنا أبو بكر، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: أداء ومالا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال عمرو بن دينار: أحسبه كل ذلك المال والصلاح. حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: إن علمتم فيهم خيرا يعني: صدقا ووفاء وأمانة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إن علمتم فيهم خيرا، قال: إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدي إليك ويصدقك ما حدثك، فكاتبه. وقال آخرون بل معنى ذلك: إن علمتم لهم مالا.

[ 171 ]

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا يقول: إن علمتم لهم مالا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: إن علمتم فيهم خيرا قال: مالا. حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: مالا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: إن علمتم فيهم خيرا قال: لهم مالا، فكاتبوهم. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: إن علمتم لهم مالا، كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زاذان، عن عطاء بن أبي رباح: فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: مالا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، قال: إن علمتم عندهم مالا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو اليافعي، عن ابن جريج، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: ما نراه إلا المال، يعني قوله: إن علمتم فيهم خيرا قال: ثم تلا: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا.

[ 172 ]

وأولى هذه الاقوال في معنى ذلك عندي قول من قال: معناه: فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوة على الاحتراف والاكتساب ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة. وذلك أن هذه المعاني هي الاسباب التي بمولى العبد الحاجة إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إن الخير في هذا الموضع معني به المال. وقوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم يقول تعالى ذكره: وأعطوهم من مال الله الذي أعطاكم. ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه من هو ؟ وفي المال أي الاموال هو ؟ فقال بعضهم: الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله هو مولى العبد المكاتب، ومال الله الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع. وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى. ذكر من قال ذلك: حدثني عمرو بن علي، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي في قول الله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: ربع المكاتبة. حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، في قوله الله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: ربع الكتابة يحطها عنه. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ليث، عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، في قول الله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: الربع من أول نجومه.

[ 173 ]

قال: أخبرنا ابن علية، قال: عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، في قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: الربع من مكاتبته. حدثنا محمد بن إسماعيل الاحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الملك بن أعين، قال: كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال: لولا أني رأيت عليا رضوان الله عليه كاتب غلاما له ثم وضع له الربع، ما وضعت لك شيئا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي: أنه كاتب غلاما له على ألف ومئتين، فترك الربع وأشهدني، فقال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليا رضوان الله عليه، يتأول: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك، قال: ثني فضالة بن أبي أمية، عن أبيه، قال: كاتبني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستقرض لي من حفصة مئتي درهم. قلت: ألا تجعلها في مكاتبتي ؟ قال: إني لا أدري أدرك ذاك أم لا. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، بلغني أنه كاتبه على مئة أوقية: قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك، قال: ذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قول الله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قول الله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم يقول: ضعوا عنهم من مكاتبتهم. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم يقول: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي

[ 174 ]

سليمان، عن عطاء، في قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: مما أخرج الله لكم منهم. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: آتهم مما في يديك. حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن أبيه، قال: كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة من بني المطلب بن عبد مناف على عشرة آلاف، فتركت لي ألفا وكانت زينب قد صلت مع رسول الله (ص) القبلتين جميعا. حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن مسعود الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مولى أبي أسيد، قال: كاتبني أبو أسيد، على ثنتي عشرة مئة، فجئته بها، فأخذ منها ألفا ورد علي مئتين. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، قال: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له يقال له شرف على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف. ولم يذكر نافع أنه أعطاه شيئا غير الذي وضع له. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى. قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم وعمل الناس عندنا. حدثني علي، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: أحب إلي أن يعطيه الربع أو أقل منه شيئا، وليس بواجب وأن يفعل ذلك حسن. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن حبيب أبي

[ 175 ]

عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: هو ربع المكاتبة. وقال آخرون: بل ذلك حض من الله أهل الاموال على أن يعطوهم سهمهم الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم بقوله: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب قال: فالرقاب التي جعل فيها أحد سهمان الصدقة الثمانية هم المكاتبون، قال: وإياه عنى جل ثناؤه بقوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم: أي سهمهم من الصدقة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن ابن زيد، عن أبيه، قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: يحث الله عليه، يعطونه. حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: حث الناس عليه مولاه وغيره. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، في قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: يعطي مكاتبه وغيره، حث الناس عليه. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في قوله: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: أمر المسلمين أن يعطوهم مما آتاهم الله. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: ذلك في الزكاة على الولاة يعطونهم من الزكاة، يقول الله: وفي الرقاب. قال: ثني ابن زيد، عن أبيه: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: الفئ والصدقات. وقرأ قول الله: إنما الصدقات للفقراء والمساكين، وقرأ حتى بلغ: وفي الرقاب فأمر الله أن يوفوها منه، فليس ذلك من الكتابة. قال: وكان أبي يقول: ماله وللكتابة هو من مال الله الذي فرض له فيه نصيبا.

[ 176 ]

وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني، وهو قول من قال: عنى به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة. وإنما قلنا ذلك أولى القولين لان قوله وآتوهم من مال الله الذي آتاكم أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتبين من ماله الذي آتى أهل الاموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أن مراده الندب، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا. فإذ كان ذلك كذلك، ولم يكن أخبرنا في كتابه ولا على لسان رسوله (ص) أنه ندب، ففرض واجب. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حق لاحد في مال أحد غيره من المسلمين إلا ما أوجبه الله لاهل سهمان الصدقة في أموال الاغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالا من مال سيد المكاتب فيفاد أن الحق الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم هو ما فرض على الاغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حق في أموالهم لاحد سواها. القول في تأويل قوله تعالى: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) *. يقول تعالى ذكره: زوجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا إن أردن تحصنا يقول: إن أردن تعففا عن الزنا. لتبتغوا عرض الحياة الدنيا يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا عرض الحياة، وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها. ومن يكرههن يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهن على ذلك، لهم غفور رحيم، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن. وذكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول حين أكره أمته مسيكة على الزنا. ] ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مسيكة لبعض الانصار

[ 177 ]

فقالت: إن سيدي يكرهني على الزنا فنزلت في ذلك: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الاعمش، عن أبي سفيان عن جابر، قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة، فآجرها أو أكرهها الطبري شك فأتت النبي (ص) فشكت ذلك إليه، فأنزل الله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يعني بهن. حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن الشعبي، في قوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء قال: رجل كانت له جارية تفجر، فلما أسلمت نزلت هذه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: جاءت جارية لبعض الانصار، فقالت: إن سيدي أكرهني على البغاء فأنزل الله في ذلك: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. قال ابن جريج: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: أمة لعبد الله بن أبي، أمرها فزنت، فجاءت ببرد، فقال لها: ارجعي فازني قالت: والله لا أفعل، إن يك هذا خيرا فقد استكثرت منه، وإن يك شرا فقد آن لي أن أدعه. قال ابن جريج، وقال مجاهد نحو ذلك، وزاد قال: البغاء: الزنا. والله غفور رحيم قال: للمكرهات على الزنا، وفيها نزلت هذه الآية. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري: أن رجلا من قريش أسر يوم بدر. وكان عبد الله بن أبي أسره، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، فكان القرشي الاسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لاسلامها، وكان ابن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي

[ 178 ]

فيطلب فداء ولده، فقال الله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا قال الزهري: ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يقول: غفور لهن ما أكرهن عليه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، أنه كان يقرأ: فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا يقول: ولا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء... إلى آخر الآية، قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءكم على الزنا، يأخذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن يعني إذا أكرهن. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء على الزنا. قال: عبد الله بن أبي ابن سلول أمر أمة له بالزنا، فجاءته بدينار أو ببرد شك أبو عاصم فأعطته، فقال: ارجعي فازني بآخر فقالت: والله ما أنا براجعة، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا ففي هذا أنزلت هذه الآية. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه، إلا أنه قال في حديثه: أمر أمة له بالزنا، فزنت، فجاءته ببرد فأعطته. فلم يشك. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء يقول: على الزنا. فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم يقول: غفور لهن، للمكرهات على الزنا.

[ 179 ]

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور قال: غفور رحيم لهن حين أكرهن وقسرن على ذلك. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يأمرون ولائدهم يباغين، يفعلن ذلك، فيصبن، فيأتينهم بكسبهن، فكانت لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية، فكانت تباغي، فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله تبارك وتعالى: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء... الآية. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) *. يقول تعالى ذكره: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس دلالات وعلامات مبينات يقول: مفصلات الحق من الباطل، وموضحات ذلك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: مبينات بفتح الياء: بمعنى مفصلات، وأن الله فصلهن وبينهن لعباده، فهن مفصلات مبينات. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: مبينات بكسر الياء، بمعنى أن الآيات هن تبين الحق والصواب للناس وتهديهم إلى الحق. والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، متقاربتا المعنى. وذلك أن الله إذ فصلها وبينها صارت مبينة بنفسها الحق لمن التمسه من قبلها، وإذا بينت ذلك لمن التمسه من قبلها فيبين الله ذلك فيها. فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصواب. وقوله: ومثلا من الذين خلوا من قبلكم من الامم، وموعظة لمن اتقى الله، فخاف عقابه وخشي عذابه. القول في تأويل قوله تعالى: * (الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد

[ 180 ]

زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم) *. يعني تعالى ذكره بقوله: الله نور السموات والارض هادي من في السموات والارض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا. ] ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: الله نور السموات والارض يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والارض. حدثني سليمان بن عمر بن خلدة الرقي، قال: ثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال: إن إلهي يقول: نوري هداي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: الله مدبر السموات والارض. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد وابن عباس في قوله: الله نور السموات والارض يدبر الامر فيهما: نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال آخرون: بل عنى بذلك النور الضياء. وقالوا: معنى ذلك: ضياء السموات والارض. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله: الله نور السموات والارض قال: فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم كر نور المؤمن.

[ 181 ]

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لانه عقيب قوله: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات، ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين فكان ذلك بأن يكون خبرا عن موقع يقع تنزيله من خلقه ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحق من الباطل ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين فهديناكم بها، وبينا لكم معالم دينكم بها، لاني هادي أهل السموات وأهل الارض. وترك وصل الكلام باللام، وابتدأ الخبر عن هداية خلقه ابتداء، وفيه المعنى الذي ذكرت، استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره. ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنزلها إليهم، فقال: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح يقول: مثل ما أنار من الحق بهذا التنزيل في بيانه كمشكاة. وقد اختلف أهل التأويل في المعني بالهاء في قوله: مثل نوره علام هي عائدة ؟ ومن ذكر ما هي فقال بعضهم: هي من ذكر المؤمن. وقالوا: معنى الكلام: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الايمان والقرآن مثل مشكاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قول الله: مثل نوره قال: ذكر نور المؤمن فقال: مثل نوره، يقول: مثل نور المؤمن. قال: وكان أبي يقرؤها كذلك: مثل المؤمن. قال: هو المؤمن قد جعل الايمان والقرآن في صدره. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: الله نور السموات والارض مثل نوره قال: بدأ بنور نفسه فذكره، ثم قال: مثل نوره يقول: مثل نور من آمن به. قال: وكذلك كان يقرأ أبي، قال: هو عبد جعل الله القرآن الايمان في صدره. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: مثل نوره قال: مثل نور المؤمن.

[ 182 ]

حدثني علي بن الحسن الازدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك في قوله: مثل نوره قال: نور المؤمن. وقال آخرون: بل عني بالنور: محمد (ص)، وقالوا: الهاء التي قوله: مثل نوره عائدة على اسم الله. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الاحبار، فقال له: حدثني عن قول الله عزوجل: الله نور السموات والارض... الآية ؟ فقال كعب: الله نور السموات والارض، مثل نوره مثل محمد (ص)، كمشكاة. حدثني علي بن الحسن الازدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير في قوله: مثل نوره قال: محمد (ص). وقال آخرون: بل عني بذلك: هدي الله وبيانه، وهو القرآن. قالوا: والهاء من ذكر الله، قالوا: ومعنى الكلام: الله هادي أهل السموات والارض بآياته المبينات، وهي النور الذي استنار به السموات والارض، مثل هداه وآياته التي هدى بها خلقه ووعظهم بها في قلوب المؤمنين كمشكاة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: مثل نوره قال: مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: مثل نوره: نور القرآن الذي أنزل على رسوله (ص) وعباده، هذا مثل القرآن كمشكاة فيها مصباح. قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال

[ 183 ]

زيد بن أسلم، في قول الله تبارك وتعالى الله نور السموات والارض مثل نوره ونوره الذي ذكر: القرآن، ومثله الذي ضرب له. وقال آخرون: بل معنى ذلك: مثل نور الله. وقالوا: يعني بالنور: الطاعة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني بي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح وذلك أن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء ؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى. وقوله: كمشكاة اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة والمصباح وما المراد بذلك، وبالزجاجة، فقال بعضهم: المشكاة كل كوة لا منفذ لها، وقالوا: هذا مثل ضربه الله لقلب محمد (ص). ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الاحبار، فقال له: حدثني عن قول الله: مثل نوره كمشكاة قال: المشكاة وهي الكوة، ضربها الله مثلا لمحمد (ص)، المشكاة فيها مصباح المصباح قلبه في زجاجة الزجاجة صدره الزجاجة كأنها كوكب دري شبه صدر النبي (ص) بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال: توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية لم تمسها شمس المشرق ولا شمس المغرب، يكاد زيتها يضئ يكاد محمد يبين للناس وإن لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: كمشكاة يقول: موضع الفتيلة.

[ 184 ]

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الله نور السموات والارض... إلى كمشكاة قال: المشكاة: كوة البيت. وقال آخرون: عنى بالمشكاة: صدر المؤمن، وبالمصباح: القرآن والايمان، وبالزجاجة: قلبه. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: مثل نوره كمشكاة فيها مصباح قال: مثل المؤمن قد جعل الايمان والقرآن في صدره كمشكاة، قال: المشكاة: صدره. فيها مصباح قال: والمصباح القرآن والايمان الذي جعل في صدره. المصباح في زجاجة قال: والزجاجة: قلبه. الزجاجة كأنها كوكب دري توقد، قال: فمثله مما استنار فيه القرآن والايمان كأنه كوكب دري، يقول: مضئ. توقد من شجرة مباركة والشجرة المباركة، أصله المباركة الاخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له. لا شرقية ولا غربية قال: فمثله مثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شئ من الغير وقد ابتلي بها فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطى شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الاموات. قال: نور على نور فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: المشكاة: صدر المؤمن. فيها مصباح، قال: القرآن. قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، نحو حديث عبد الاعلى، عن عبيد الله.

[ 185 ]

حدثني علي، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: مثل نوره كمشكاة قال: مثل هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضئ قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة: قال هذا ربي حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على هدى. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح وذلك أن اليهود قالوا لمحمد (ص): كيف يخلص نور الله من دون السماء ؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح والمشكاة: كوة البيت فيها مصباح، المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري والمصباج: السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا وسماها أنواعا شتى. قوله: توقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية قال: هي شجرة لا يفئ عليها ظل شرق ولا ظل غرب، ضاحية، ذلك أصفى للزيت. يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار. قال معمر، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا، ليست شرقية ولا غربية. وقال آخرون: هو مثل للمؤمن غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه. ] ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد وابن عباس جميعا: المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح مثل الفؤاد، والكوة مثل الجوف. قال ابن جريج: كمشكاة: كوة غير نافذة. قال ابن جريج، وقال ابن عباس: قوله: نور على نور يعني: إيمان المؤمن وعمله. وقال آخرون: بل ذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن. ذكر من قال ذلك:

[ 186 ]

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: الله نور السموات والارض مثل نورهه كمشكاة قال: ككوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: الله نور السموات والارض مثل نوره نور القرآن الذي أنزل على رسوله وعباده، فهذا مثل القرآن كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة فقرأ حتى بلغ: مباركة فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره ويعلمونه ويأخذون به، وهو كما هو لا ينقص، فهذا مثل ضربه الله لنوره. وفي قوله: يكاد زيتها يضئ قال: الضوء: إشراق ذلك الزيت، والمشكاة: التي فيها الفتيلة التي في المصباح، والقناديل تلك المصابيح. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض في قوله: كمشكاة قال: الكوة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، في قوله: كمشكاة قال: قال ابن عمر: المشكاة الكوة. وقال آخرون: المشكاة القنديل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: كمشكاة قال: القنديل، ثم العمود الذي فيه القنديل. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: كمشكاة: الصفر الذي في جوف القنديل. حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله عن داود، عن رجل، عن مجاهد، قال: المشكاة: القنديل. وقال آخرون: المشكاة: الحديد الذي يعلق به القنديل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن المفضل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، قال: المشكاة: الحدائد التي يعلق بها القنديل. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب

[ 187 ]

أهل الايمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنزله إليهم فآمنوا به وصدقوا بما فيه، في قلوب المؤمنين، مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وذلك هو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها. وإنما جعل ذلك العمود مشكاة، لانه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الاعلى، فهو كالكوة التي في الحائط التي لا تنفذ. ثم قال: فيها مصباح وهو السراج، وجعل السراج وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات. ثم قال: المصباح في زجاجة يعني أن السراج الذي في المشكاة في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره. ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه واستنارته بنور القرآن واستضاءته بآيات ربه المبينات ومواعظه فيها، بالكوكب الدري، فقال: الزجاجة وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه كأنها كوكب دري. واختلفت القراء في قراءة قوله: دري فقرأته عامة قراء الحجاز: دري بضم الدال، وترك الهمز. وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة: درئ بكسر الدال وهمزة. وقرأ بعض قراء الكوفة: درئ بضم الدال وهمزة. وكأن الذين ضموا داله وتركوا الهمزة، وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه، إلى أنه فعيل من درئ الكوكب: أي دفع ورجم به الشيطان، من قوله: ويدرأ عنها العذاب: أي يدفع، والعرب تسمى الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الداراري بغير همز. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: هي الدرارئ بالهمز، من يدرأن. وأما الذين قرءوه بضم داله وهمزه، فإن كانوا أرادوا به دروء مثل سبوح وقدوس من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: درئ، كما قيل: وقد بلغت من الكبر عتيا وهو فعول، من عتوت عتوا، ثم حولت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عتيا. فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها، وذلك أنه لا يعرف في كلام العرب فعيل. وقد كان بعض أهل العربية يقول: هو لحن.

[ 188 ]

والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: درى بضم داله وترك همزه، على النسبة إلى الدر، لان أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا. وقد ذكرنا أقوالهم ف ي ذلك قبل، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره. فتأويل الكلام: الزجاجة: وهي صدر المؤمن، كأنها: يعني كأن الزجاجة، وذلك مثل لصدر المؤمن، كوكب: يقول: في صفائها وضيائها وحسنها. وإنما يصف صدره بالنقاء من كل ريب وشك في أسباب الايمان بالله وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب الذي يشبه الدر في الصفاء والضياء والحسن. واختلفوا أيضا في قراءة قوله: توقد من شجرة مباركة فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصرين: توقد من شجرة بالتاء، وفتحها، وتشديد القاف، وفتح الدال. وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة. وقرأه بعض عامة قراء المدنيين: يوقد بالياء، وتخفيف القاف، ورفع الدال بمعنى: يوقد المصباح موقده من شجرة، ثم لم يسم فاعله. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: توقد بضم التاء وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة لما لم يسم فاعله، فقيل توقد. وقرأه بعض أهل مكة: توقد بفتح التاء، وتشديد القاف، وضم الدال بمعنى: تتوقد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى لتاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة. وهذه القراءات متقاربات المعاني وإن اختلفت الالفاظ بها وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد أو بأنها توقد، فملعوم معنى ذلك، فإن المراد به توقد فيها المصباح أو يوقد فيها المصباح، ولكن وجهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها وفهم السامعين معناه والمراد منه. فإذا كان ذلك كذلك فبأي القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إلي أن أقرأ بها في ذلك: توقد بفتح التاء، وتشديد القاف، وفتح الدال، بمعنى: وصف المصباح بالتوقد لان التوقد والاتقاد لا شك أنهما من صفته، دون الزجاجة. فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فيها مصباح، المصباح من دهن شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية. وقد ذكرنا بعض ما روي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى، ونذكر

[ 189 ]

باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل. فقال بعضهم: إنما قيل لهذه الشجرة لا شرقية ولا غربية: أي ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجانب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب. ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشي إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة ولكنها شرقية غربية، تطلع عليها الشمس بالغداة وتغرب عليها، فيصببها حر الشمس بالغداة والعشي. قالوا: وإذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها. ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: زيتونة، لا شرقية ولا غربية قال: لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، إذا طلعت وإذا غربت. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة، في قوله: لا شرقية ولا غربية قال: الشجرة تكون في مكان لا يسترها من الشمس شئ، تطلع عليها وتغرب عليها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد وابن عباس: لا شرقية ولا غربية قالا: هي التي بشق الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها وإذا غربت أصابتها. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليست شرقية ولا غربية. ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: لا شرقية ولا غربية قال: هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق ولا من الغرب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: زيتونة لا شرقية ولا غربية متيامنة الشأم، لا شرقي ولا غربي. وقال آخرون: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: لا شرقية ولا غربية قال: والله لو كانت في الارض لكانت شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره.

[ 190 ]

رق ] حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عثمان، يعني بان الهيثم، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: زيتونة لا شرقية ولا غربية قال: لو كانت في الارض هذه الزيتونة كان شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الارض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن، في قوله: لا شرقية ولا غربية قال: هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. وأولى هذه الاقوال بتأويل ذلك قول من قال: إنها شرقية غربية وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية. وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام، لان الله إنما وصف الزيت الذي يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا كان زيته لا شك أجود وأصفى وأضوأ. وقوله: يكاد زيتها يضئ يقول تعالى ذكره: يكاد زيت هذه الزيتونة يضئ من صفائه وحسن ضيائه. ولو لم تمسسه نار يقول: فكيف إذا مسته النار. وإنما أريد بقوله: توقد من شجرة مباركة أن هذا القرآن من عند الله وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها جل ثناؤه في هذه الآية. وعني بقوله: يكاد زيتها يضئ: أن حجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضئ لمن فكر فيها ونظر أو أعرض عنها ولها. ولو لم تمسسه نار يقول: ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بإنزاله هذا القرآن إليهم، منبها لهم على توحيده، فكيف إذا نبههم به وذكرهم بآياته فزادهم به حجة إلى حججه عليهم قبل ذلك ؟ فذلك بيان من الله ونور على البيان، والنور الذي كان قد وضعه لهم ونصبه قبل نزوله. وقوله: نور على نور يعني النار على هذا الزيت الذي كاد يضئ ولو لم تمسسه النار. ] كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: نور على نور قال: النار على الزيت.

[ 191 ]

قال أبو جعفر: وهو عندي كما ذكرت مثل القرآن. ويعني بقوله: نور على نور هذا القرآن نور من عند الله، أنزله إلى خلقه يستضيئون به. على نور على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجئ القرآن إنزاله إياه، مما يدل على حقيقة وحدانيته. فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نزوله. وذكر عن زيد بن أسلم في ذلك، ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: نور على نور يضئ بعضه بعضا، يعني القرآن. وقوله: يهدى الله لنوره من يشاء: يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده. وقوله: يهدى الله لنوره من يشاء: يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده. وقوله: ويضرب الله الامثال للناس يقول: ويمثل الله الامثال والاشباه للناس كما مثل لهم مثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة وسائر ما في هذه الآية من الامثال. والله بكل شئ عليم يقول: والله بضرب الامثال وغيرها من الاشياء كلها، ذو علم. القول في تأويل قوله تعالى: * (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار ئ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب) *. يعني تعالى ذكره بقوله: في بيوت أذن الله أن ترفع الله نور السموات والارض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، في بيوت أذن الله أن ترفع. ] كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: المشكاة: التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح. قال: المصابيح في بيوت أذن الله أن ترفع. قال أبو جعفر: قد يحتمل أن تكون من في صلة توقد، فيكون المعنى: توقد من شجرة مباركة ذلك المصباح في بيوت أذن الله أن ترفع. وعنى بالبيوت: المساجد.

[ 192 ]

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم بالذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الاودي، قالا: ثنا حكام، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قول الله: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: المساجد. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع وهي المساجد تكرم، ونهي عن اللغو فيها. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع يعني: كل مسجد يصلى فيه، جامع أو غيره. حدثني محمد بن عمرو، قالي: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: مساجد تبني. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: في المساجد. قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: أدركت أصحاب رسول الله (ص) وهم يقولون: المساجد: بيوت الله، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.

[ 193 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سالم بن عمر، في قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: هي المساجد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: المساجد. وقال آخرون: عنى بذلك البيوت كلها. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، ونصر بن عبد الرحمن الاودي، قالا: حدثنا حكام بن سلم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة: في بيوت أذن الله أن ترفع قال: هي البيوت كلها. وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك، لدلالة قوله: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله على أنها بيوت بنيت للصلاة فلذلك قلنا هي المساجد. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: أذن الله أن ترفع فقال بعضهم: معناه: أذن الله أن تبني. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عصام، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أذن الله أن ترفع قال: تبنى. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقال آخرون: معناه: أذن الله أن تعظم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: أذن الله أن ترفع يقول: أن تعظم لذكره. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب القول الذي قاله مجاهد، وهو أن معناه: أذن الله أن ترفع بناء، كما قال جل ثناؤه: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وذلك أن ذلك هو الاغلب من معنى الرفع في البيوت والابنية.

[ 194 ]

وقوله: ويذكر فيها اسمه يقول: وأذن لعباده أن يذكروا اسمه فيها. وقد قيل: عني به أنه أذن لهم بتلاوة القرآن فيها. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: ويذكر فيها اسمه يقول: يتلى فيها كتابه. وهذا القول قريب المعنى مما قلناه في ذلك، لان تلاوة كتاب الله من معاني ذكر الله. غير أن الذي قلنا به أظهر معنييه، فلذلك اخترنا القول به. وقوله: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله اختلفت القراء في قراءة قوله: يسبح له، فقرأ ذلك عامة قراء الامصار: يسبح له بضم الياء وكسر الباء، بمعنى: يصلي له فيها رجال، وبجعل يسبح فعلا ل الرجال وخبرا عنهم، وترفع به الرجال. سوى عاصم وابن عامر، فإنهما قرءا ذلك: يسبح له بضم الياء وفتح الباء، على ما لم يسم فاعله، ثم يرفعان الرجال بخبر ثان مضمر، كأنهما أرادا: يسبح الله في البيوت التي أذن الله أن ترفع، فسبح له رجال فرفعا الرجال بفعل مضمر. والقراءة التي هي أولاهما بالصواب: قراءة من كسر الباء، وجعله خبرا ل الرجال وفعلا لهم. وإنما كان الاختيار رفع الرجال بمضمر من الفعل لو كان الخبر عن البيوت لا يتم إلا بقوله: يسبح له فيها، فأما والخبر عنها دون ذلك تام، فلا وجه لتوجيه قوله: يسبح له إلى غيره، أي غير الخبر عن الرجال. وعني بقوله: يسبح له فيها بالغدو والآصال يصلي له في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي بن الحسن الازدي، قال: ثنا المعافى بن عمران، عن سفيان، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن

[ 195 ]

عباس، قال: ثم قال: يسبح له فيها بالغدو والآصال يقول: يصلى له فيها بالغداة والعشي. يعني بالغدو: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر. وهما أول ما افترض الله من الصلاة، فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عبادته. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن: يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال أذن الله أن تبنى، فيصلى فيها بالغدو والآصال. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: يسبح له فيها بالغدو والآصال يعني الصلاة المفروضة. وقوله: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله يقول تعالى ذكره: لا يشغل هؤلاء الرجال الذي يصلون في هذه المساجد التي أذن الله أن ترفع عن ذكر الله فيها وإقام الصلاة، تجارة ولا بيع. كما: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن حعفر، قال: ثنا شعبة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل نسي اسمه في هذه الآية: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله... إلى قوله: والابصار قال: هم قوم في تجاراتهم وبيوعهم، لا تلهيهم تجاراتهم ولا بيوعهم عن ذكر الله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا جعفر بن سليمان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله: أنه نظر إلى قوم من السوق قاموا وتركوا بباعاتهم إلى الصلاة، فقال هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله... الآية. قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، عن سيار، عمن حدثه، عن ابن مسعود، نحو ذلك.

[ 196 ]

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن سيار، قال: حدثت عن ابن مسعود، أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وقال بعضهم: معني ذلك: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن صلاتهم المفروضة عليهم. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم قال: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله يقول: عن الصلاة المكتوبة. وقوله: وإقام الصلاة يقول: ولا يشغلهم ذلك أيضا عن إقام الصلاة بحدودها في أوقاتها. وبنحو قولنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد، قال: ثنا عوف، عن سعيد بن أبي الحسن، عن رجل نسي عوف اسمه في: وإقام الصلاة قال: يقومون للصلاة عند مواقيت الصلاة. فإن قال قائل: أو ليس قوله: وإقام الصلاة مصدرا من قوله أقمت ؟ قيل: بلى. فإن قال: أو ليس المصدر منه إقامة، كالمصدر من آجرت إجارة ؟ قيل: بلى. فإن قال: وكيف قال: وإقام الصلاة، أو تجيز أن نقول: أقمت إقاما ؟ قيل: ولكني أجيز: أعجبني إقام الصلاة. فإن قيل: وما وجه جواز ذلك ؟ قيل: إن الحكم في أقمت إذا جعل منه مصدر أن يقال إقواما، كما يقال: أقعدت فلانا إقعادا وأعطيته إعطاء ولكن العرب لما سكنت الواو من أقمت فسقطت لاجتماعها وهي ساكنة والميم ووهي ساكنة، بنوا المصدر على ذلك إذ جاءت الواو ساكنة قبل ألف الافعال وهي ساكنة، فسقطت الاولى منهما، فأبدلوا منها هاء في آخر الحرف، كالتكثير للحرف، كما فعلوا ذلك في قولهم: وعدته عدة، ووزنته زنة إذ ذهبت الواو من أوله، كثروه من آخره بالهاء فلما أضيفت الاقامة إلى الصلاة، حذفوا الزيادة التي كانوا زادوها للتكثير، وهي الهاء في آخرها لان الخافض وما

[ 197 ]

خفض عندهم كالحرف الواحد، فاستغنوا بالمضاف إليه من الحرف الزائد. وقد قال بعضهم في نظير ذلك: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا وأخلفوك عد الامر الذي وعدوا يريد: عدة الامر. فأسقط الهاء من العدة لما أضافها، فكذلك ذلك في إقام الصلاة. وقوله: وإيتاء الزكاة قيل: معناه: وإخلاص الطاعة لله. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة. وقوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة، وقوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، وقوله: وحنانا من لدنا وزكاة ونحو هذا في القرآن، قال: يعني بالزكاة: طاعة الله والاخرص. وقوله: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار يقول: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب من هوله، بين طمع بالنجاة وحذر بالهلاك. والابصار: أي ناحية يؤخذ بهم: أذات اليمين أم ذات الشمال ؟ ومن أين يؤتون كتبهم: أمن قبل الايمان أو من قبل الشمائل ؟ وذلك يوم القيامة.) كما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الله بن عياش، قال زيد بن أسلم، في قول الله: في بيوت أذن الله أن ترفع... إلى قوله: تتقلب فيه القلوب والابصار يوم القيامة. وقوله: ليجزيهم الله أحسن ما عملوا يقول: فعلوا ذلك، يعني أنهم لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا ربهم، مخافة عذابه يوم القيامة كي يثيبهم الله يوم القيامة بأحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، ويزيدهم على

[ 198 ]

ثوابه إياهم على أحسن أعمالهم التي عملوها في الدنيا، من فضله، فيفضل عليهم عن عنده بما أحب من كرامته لهم. وقوله: والله يرزق من يشاء بغير حساب يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء وأراد من طوله وكرامته، مما لم يستحقه بعمله ولم يبلغه بطاعته بغير حساب يقول: بغير محاسبة على ما بذل له وأعطاه. القول في تأويل قوله تعالى: * (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) *. وهذا مثل ضربه الله لاعمال أهل الكفر به، فقال: والذين جحدوا توحيد ربهم وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به، مثل أعمالهم التي عملوها كسراب يقول: مثل سراب، والسراب: ما لصق بالارض، وذلك يكون نصف النهار وحين يشتد الحر. والآل ما كان كالماء بين السماء والارض، وذلك يكون أول النهار، يرفع كل شئ ضحى. وقوله: بقيعة وهي جمع قاع، كالجيرة جمع جار، والقاع: ما انبسط من الارض واتسع، وفيه يكون السراب. وقوله: يحسبه الظمآن ماء يقول: يظن العطشان من الناس السراب، ماء. حتى إذا جاءه والهاء من ذكر السراب، والمعنى: حتى إذا جاء الظمآن السراب ملتمسا ماء يستغيث به من عطشه لم يجده شيئا يقول: لم يجد السراب شيئا، فكذلك الكافرون بالله من أعمالهم التي عملوها في غرور يحسبون أنها منجيتهم عند الله من عذابه، كما حسب الظمآن الذي رأى السراب فظنه ماء يرويه من ظمئه حتى إذا هلك وصار إلى الحاجة إلى عمله الذي كان يرى أنه نافعه عند الله، لم يجده ينفعه شيئا لانه كان عمله على كفر بالله، ووجد الله هذا الكافر ند هلاكه بالمرصاد، فوفاه يوم القيامة حساب أعماله التي عملها في الدنيا وجازاه بها جزاءه الذي يستحقه عليه منه. فإن قال قائل: وكيف قيل: حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فإن لم يكن السراب شيئا، فعلام أدخلت الهاء في قوله: حتى إذا جاءه ؟ قيل: إنه شئ يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفا من بعيد والهباء، فإذا قرب منه المرء رق وصار كالهواء. وقد يحتمل أن يكون معناه: حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب من ذكر موضعه. والله سريع الحساب يقول: والله سريع حسابه لانه تعالى ذكره لا يحتاج إلى عقد أصابع ولا حفظ بقلب، ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد ومن بعد ما عمله.

[ 199 ]

وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: ثم ضرب مثلا آخر، فقال: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة قال: وكذلك الكافر يجئ يوم القيامة وهو يحسب أن عند الله خيرا، فلا يجد، فيدخله النار. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب بنحوه. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: أعمالهم كسراب بقيعة يقول: الارض المستوية. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة... إلى قوله: والله سريع الحساب قال: هو مثل ضربه الله لرجل عطش فاشتد عطشه، فرأى سرابا فحسبه ماء، فطلبه وظن أنه قد قدر عليه، حتى أتاه، فلما أتاه لم يجده شيئا، وقبض عند ذلك. يقول: الكافر كذلك، يحسب أن عمله مغن عنه أو نافعه شيئا، ولا يكون آتيا على شئ حتى يأتيه الموت، فإذا أتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئا ولم ينفعه إلا كما نفع العطشان المشتد إلى السراب. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: كسراب بقيعة قال: بقاع من الارض، والسراب: عمله. زاد الحارث في حديثه عن الحسن: والسراب عمل الكافر. إذا جاءه لم يجده شيئا. إتيانه إياه: موته وفراقه الدنيا. ووجد الله عند فراقه الدنيا، فوفاه حسابه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: كسراب بقيعة قال: بقيعة من الارض. يحسبه الظمان ماء: هو مثل ضربه الله

[ 200 ]

لعمل الكافر، يقول: يحسب أنه في شئ كما يحسب هذا السراب ماء. حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، وكذلك الكافر إذا مات لم يجد عمله شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: والذين كفروا... إلى قوله: ووجد الله عنده قال: هذا مثل ضربه الله للذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة قد رأى السراب، ووثق بنفسه أنه ماء، فلما جاءه لم يجده شيئا. قال: وهؤلاء ظنوا أن أعمالهم صالحة، وأنهم سيرجعون منها إلى خير، فلم يرجعوا منها إلا كما رجع صاحب السراب فهذا مثل ضربه الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه. القول في تأويل قوله تعالى: * (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) *. وهذا مثل آخر ضربه الله لاعمال الكفار، يقول تعالى ذكره: ومثل أعمال هؤلاء الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها وعلى غير هدى، مثل ظلمات في بحر لجى. ونسب البحر إلى اللجة، وصفا له بأنه عميق كثير الماء. ولجة البحر: معظمه. يغشاه موج يقول: يغشى البحر موج، من فوقه موج: يقول: من فوق الموج موج آخر يغشاه، من فوقه سحاب: يقول: من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الاول سحاب. فجعل الظلمات مثلا لاعمالهم، والبحر اللجى مثلا لقلب الكافر، يقول: عمل بنية قلب قد غمره الجهل وتغشته الضلال والحيرة كما يغشى هذا البحر اللجي موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ] ذكر من قال ذلك:

[ 201 ]

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب... إلى قوله: من نور قال: يعني بالظلمات: الاعمال، وبالبحر اللجي: قلب الانسان. قال: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال: ظلمات بعضها فوق بعض يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وهو كقوله: ختم الله على قلوبهم... الآية، وكقوله: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه... إلى قوله: أفلا تذكرون. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: أو كظلمات في بحر لجي عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر يعمل في ضلالة وحيرة، قال: ظلمات بعضها فوق بعض. وروي عن أبي بن كعب، ما: حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، في قوله: أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج... الآية، قال: ضرب مثلا آخر للكافر، فقال: أو كظلمات في بحر لجي.. الآية، قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، بنحوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج... إلى قوله: ظلمات بعضها فوق بعض قال: شر بعضه فوق بعض. وقوله: إذا أخرج يده لم يكد يراها يقول: إذا أخرج الناظر يده في هذه الظلمات، لم يكد يراها. فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: لم يكد يراها، مع شدة هذه الظلمة التي وصف، وقد

[ 202 ]

علمت أن قول القائل: لم أكد أرى فلانا، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدة، ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه، فكيف فيها ؟ قيل: في ذلك أقوال نذكرها، ثم نخبر بالصواب من ذلك. أحدها: أن يكون معنى الكلام: إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها أي لم يعرف من أين يراها. والثاني: أن يكون معناه: إذا أخرج يده لم يرها، ويكون قوله: لم يكد في دخوله في الكلام، نظير دخول الظن فيما هو يقين من الكلام، كقوله: وظنوا ما لهم من محيص ونحو ذلك. والثالث: أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة. وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب أكاد في كلامها. والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه. وإنما حسن ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول: لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر لان ذلك مثل لا خبر عن كائن كان. ومن لم يجعل الله له نورا يقول: من من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، فما له من نور يقول: فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه. القول في تأويل قوله تعالى: * (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ئ ولله ملك السماوات والارض وإلى الله المصير) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فتعلم أن الله يصلي له من في السموات والارض من ملك وإنس وجن. والطير صافات في الهواء أيضا تسبح له. كل قد علم صلاته وتسبيحه والتسبيح عندك صلاة، فيقال: قيل: إن الصلاة لبني آدم والتسبيح لغيرهم من الخلق، ولذلك فصل فيما بين ذلك.

[ 203 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: يسبح له من في السموات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه قال: والصلاة للانسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: قوله: ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه قال: صلاته: للناس، وتسبيحه: عامة لكل شئ. ويتوجه قوله: كل قد علم صلاته وتسبيحه لوجوه: أحدها: أن تكون الهاء التي في قوله: صلاته وتسبيحه من ذكر كل، فيكون تأويل الكلام: كل مصل ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، ويكون الكل حينئذ مرتفعا بالعائد من ذكره في قوله: كل قد علم صلاته وتسبيحه، وهو الهاء التي في الصلاة. والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح أيضال الكل، ويكون الكل مرتفعا بالعائد من ذكره عليه في: علم، ويكون: علم فعلا ل الكل، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه وألزمه. والوجه الآخر: أن تكون الهاء في الصلاة والتسبيح من ذكر الله، والعلم ل الكل، فيكون تأويل الكلام حينئذ: قد علم كل مسبح ومصل صلاة الله التي كلفه إياها، وتسبيحه. وأظهر هذه المعاني الثلاثة على هذا الكلام المعنى الاول، وهو أن يكون المعنى: كل مصل منهم ومسبح، قد علم الله صلاته وتسبيحه. وقوله: والله عليم بما يفعلون يقول تعالى ذكره: والله ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شئ من أفعالهم، طاعتها ومعصيتها، محيط بذلك كله، وهو مجازيهم على ذلك كله. وقوله: ولله ملك السموات والارض يقول جل ثناؤه: ولله سلطان السموات والارض وملكها، دون كل من هو دونه من سلطان وملك، فإياه فارهبوا أيها الناس، وإليه فارغبوا لا إلى غيره، فإن بيده خزائن السموات والارض، لا يخشى بعطاياكم منها فقرا. وإلى الله المصير: يقول: وأنتم إليه بعد وفاتكم، مصيركم ومعادكم، فيوفيكم أجور

[ 204 ]

أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، فأحسنوا عبادته، واجتهدوا في طاعته، وقدموا لانفسكم الصالحات من الاعمال. القول في تأويل قوله تعالى * (ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ألم تر يا محمد أن الله يزجي يعني يسوق سحابا حيث يريد. ثم يؤلف بينه: يقول: ثم يؤلف بين السحاب. وأضاف بين إلى السحاب، ولم يذكر معه غيره، وبين لا تكون مضافة إلا إلى جماعة أو اثنين، لان السحاب في معنى جمع، واحده سحابة، كما يجمع النخلة: نخل، والتمرة: تمر، فهو نظير قول قائل: جلس فلان بين النخل. وتأليف الله السحاب: جمعه بين متفرقها. وقوله: ثم يجعله ركاما يقول: ثم يجعل السحاب الذي يزجيه ويؤلف بعضه إلى بعض ركاما يعني: متراكما بعضه على بعض. وقد: حدثنا عبد الحميد بن بيان، قال: أخبرنا خالد، قال: ثنا مطر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبيد بن عمير الليثي، قال: الرياح أربع: يبعث الله الريح الاولى فتقم الارض قما، ثم يبعث الثانية فتنشئ سحابا، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاما، ثم يبعث الرابعة فتمطره. وقوله: فترى الودق يخرج من خلاله يقول: فترى المطر يخرج من بين السحاب، وهو الودق، قال الشاعر: فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها

[ 205 ]

والهاء في قوله: من خلاله من ذكر السحاب، والخلال: جمع خلل. وذكر عن ابن عباس وجماعة أنهم كانوا يقرءون ذلك: من خلله. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ هذا الحرف: فترى الودق يخرج من خلاله: من خلله. قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن رجل، عن ابن عباس، أنه قر هذا الحرف: فترى الودق يخرج من خلاله: من خلله. حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: أخبرني عمارة بن أبي حفصة، عن رجل، عن ابن عباس، أنه قرأها: من خلله بفتح الخاء، من غير ألف. قال هارون: فذكرت ذلك لابي عمرو، فقال: إنها لحسنة، ولكن خلاله أعم. وأما قراء الامصار، فإنهم على القراءة الاخرى: من خلاله وهي التي نختار، لاجماع الحجة من القراء عليها. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فترى الودق يخرج من خلاله قال: الودق: القطر، والخلال: السحاب. وقوله: وينزل من السماء من جبال فيها من برد: قيل في ذلك قولان: أحدهما: أن معناه: وأن الله ينزل من السماء من جبال في السماء من برد، مخلوقة هنالك خلقه. كأن الجبال على هذا القول، هي من برد، كما يقال: جبال من طين. والقول الآخر: أن الله ينزل من السماء قدر جبال وأمثال جبال من برد إلى الارض، كما يقال: عندي بيتان تبنا. والمعنى: قدر بيتين من التبن، والبيتان ليسا من التبن. وقوله: فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء يقول: فيعذب بذلك الذي ينزل من السماء من جبال فيها من برد من يشاء فيهلكه، أو يهلك به زروعه وماله. ويصرفه عمن يشاء من خلقه، يعني عن زروعهم وأموالهم.

[ 206 ]

وقوله: يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقول: يكاد شدة ضوء برق هذا السحاب يذهب بأبصار من لاقى بصره. والسنا: مقصور، وهو ضوء البرق.) كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: يكاد سنا برقه قال: ضوء برقه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: يكاد سنا برقه يقول: لمعان البرق يذهب بالابصار. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: يكاد سنا برقه يذهب بالابصار قال: سناه: ضوء يذهب بالابصار. وقرأت قراء الامصار: يكاد سنا برقه يذهب بفتح الياء من يذهب، سوى أبي جعفر القارئ فإنه قرأه بضم الياء: يذهب بالابصار. والقراءة التي لا أختار غيرها هي فتحها، لاجماع الحجة من القراء عليها، وأن العرب إذا أدخلت الباء في مفعول ذهبت، لم يقولوا: إلا ذهب به، دون أذهبت به. وإذا أدخلوا الالف في أذهبت، لم يكادوا أن يدخلوا الباء في مفعوله، فيقولون: أذهبته، وذهبت به. وقوله: يقلب الله الليل والنهار يقول: يعقب الله بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أذهب هذا جاء هذا. إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار يقول: إن في إنشاء الله السحاب وإنزاله منه الودق ومن السماء البرد وفي تقليبه الليل والنهار، لعبرة لمن اعتبر به وعظة لمن اتعظ به ممن له فهم وعقل لان ذلك ينبئ ويدل على أنه له مدبرا ومصرفا ومقلبا، لا يشبهه شئ. القول في تأويل قوله تعالى: * (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شئ قدير) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: والله خلق كل دابة من ماء فقرأته عامة قراء الكوفة غير عاصم: والله خالق كل دابة. وقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وعاصم: والله خلق كل دابة بنصب كل، وخلق على مثال فعل. وهما قراءتان مشهورتان متقاربتا

[ 207 ]

المعنى، وذلك أن الاضافة في قراءة من قرأ ذلك خالق تدل على أن معنى ذلك المضي، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله: خلق كل دابة من ماء يعني: من نطفة. فمنهم من يمشي على بطنه كالحياة وما أشبهها. وقيل إنما قيل: فمنهم من يمشي على بطنه والمشي لا يكون على البطن لان المشي إنما يكون لما له قوائم، على التشبيه، وأنه لما خالط ما له قوائم ما لا قوائم له، جاز، كما قال: ومنهم من يمشي على رجلين كالطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. فإن قال قائل: فكيف قيل: فمنهم من يمشي، ومن للناس، وكل هذه الاجناس أو أكثرها لغيرهم ؟ قيل: لانه تفريق ما هو داخل في قوله: والله خلق كل دابة وكان داخلا في ذلك الناس وغيرهم، ثم قال: فمنهم لاجتماع الناس والبهائم وغيرهم في ذلك واختلاطهم، فكنى عن جميعهم كنايته عن بني آدم، ثم فسرهم ب من، إذ كان قد كنى عنهم كناية بني آدم خاصة. يخلق الله ما يشاء يقول: يحدث الله ما يشاء من الخلق. إن الله على كل شئ قدير يقول: إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الاشياء غيره، ذو قدرة لا يتعذر عليه شئ أراد. القول في تأويل قوله تعالى: * (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم) *. يقول تعالى ذكره: لقد أنزلنا أيها الناس علامات واضحات، دالات على طريق الحق، وسبيل الرشاد. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم يقول: والله يرشد من يشاء من خلقه بتوفيقه، فيهديه إلى دين الاسلام، وهو الصراط المستقيم والطريق القاصد الذي لا اعوجاج فيه. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ئ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) *. يقول تعالى ذكره: ويقول المنافقون: صدقنا باللو بالرسول وأطعنا الله وأطعنا الرسول. ثم يتولى فريق منهم يقول: ثم تدبر كل طائفة منهم من بعد ما قالوا هذا القول عن رسول الله (ص)، وتدعو إلى المحاكم إلى غيره خصمها. وما أولئك بالمؤمنين

[ 208 ]

يقول: وليس قائلو هذه المقالة، يعني قوله: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا بالمؤمنين، لتركهم الاحتكام إلى رسول الله (ص) وإعراضهم عنه إذا دعوا إليه. وقوله: وإذا دعوا إلى الله ورسوله يقول: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى كتاب الله وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله، إذا فريق منهم معرضون عن قبول الحق والرضا بحكم رسول الله (ص). القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ئ أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون) *. يقول تعالى ذكره: وإن يكن الحق لهؤلاء الذين يدعون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، فيأبون ويعرضون عن الاجابة إلى ذلك، قبل الذين يدعونهم إلى الله ورسوله، يأتوا إلى رسول الله مذعنين، يقول مذعنين منقادين لحكمه، مقرين به طائعين غير مكرهين يقال منه: قد أذعن فلان بحقه: إذا أقر به طائعا غير مستكره وانقاد له وسلم. وكان مجاهد فيما ذكر عنه يقول في ذلك، ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: يأتوا إليه مذعنين قال: سراعا. وقوله: أفي قلوبهم مرض يقول تعالى ذكره: أفي قلوب هؤلاء الذين يعرضون إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، شك في رسول الله (ص) أنه لله رسول فهم يمتنعون من الاجابة إلى حكمه والرضا به. أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله إذا احتكموا إلى حكم كتاب الله وحكم رسوله. وقوله: أن يحيف الله عليهم ورسوله والمعنى: أن يحيف رسول الله عليهم، فبدأ بالله تعالى ذكره تعظيما لله، كما يقال: ما شاء الله ثم شئت، بمعنى: ما شئت. ومما يدل على أن معنى ذلك كذلك قوله: وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فأفرد الرسول بالحكم، ولم يقل: ليحكما. وقوله: بل أولئك هم الظالمون يقول: ما خاف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله، إذ أعرضوا عن الاجابة إلى ذلك، مما دعوا إليه، أن يحيف عليهم رسول الله، فيجور في حكمه عليهم ولكنهم قوم أهل ظلم لانفسهم بخلافهم أمر ربهم ومعصيتهم الله فيما أمرهم من الرضا بحكم رسول الله (ص) فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم له. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 209 ]

* (إنما يكن قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون) *. يقول تعالى ذكره: إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله، ليحكم بينهم وبين خصومهم، أن يقولوا سمعنا ما قيل لنا، وأطعنا من دعانا إلى ذلك. ولم يعن بكان في هذا الموضع الخبر عن أمر قد مضى فيقضى، ولكنه تأنيب من الله الذي أنزلت هذه الآية بسببهم وتأديب منه آخرين غيرهم. وقوله: وأولئك هم المفلحون يقول تعالى ذكره: والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم وبين خصومهم، أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. المفلحون: يقول: هم المنجحون المدركون طلباتهم، بفعلهم ذلك، المخلدون في جنات الله. القول في تأويل قوله تعالى: * (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) *. يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله فيما أمره ونهاه، ويسلم لحكمهما له وعليه، ويخف عاقبة معصية الله ويحذره، ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه فأولئك يقول: فالذين يفعلون ذلك هم الفائزون برضا الله عنهم يوم القيامة وأمنهم من عذابه. القول في تأويل قوله تعالى * (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون) *. يقول تعالى ذكره: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه بالله جهد أيمانهم يقول: أغلظ أيمانهم وأشدها: لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى جهاد عدوك وعدو المؤمنين ليخرجن قل لا تقسموا لا تحلفوا، فإن هذه طاعة معروفة منكم، فيها التكذيب. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: قل لا تقسموا طاعة معروفة قال: قد عرفت طاعتكم إلي أنكم تكذبون.

[ 210 ]

إن الله خبير بما تعملون يقول: إن الله ذو خبرة بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو خلافكم أمرهما أو غير ذلك من أموركم، لا يخفي عليه من ذلك شئ، وهو مجازيكم بكل ذلك. القول في تأويل قوله تعالى * (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) *. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن وغيرهم من أمتك: أطيعوا الله أيها القوم فيما أمركم به ونهاكم عنه. وأطيعوا الرسول فإن طاعته لله طاعة. فإن تولوا يقول: فإن تعرضوا وتدبروا عما أمركم به رسول الله (ص) أو نهاكم عنه، وتأبوا أتذعنوا لحكمه لكم وعليكم. فإنما عليه ما حمل يقول: فإنما عليه فعل ما أمر بفعله من تبليغ رسالة الله إليكم، على ما كلفه من التبليغ. وعليكم ما حملتم يقول: وعليكم أيها الناس أن تفعلوا ما ألزمكم وأوجب عليكم من اتباع رسوله (ص) والانتهاء إلى طاعته فيما أمركم ونهاكم. وقلنا: إن قوله: فإن تولوا بمعنى: فإن تتولوا، فإنه في موضع جزم لانه خطاب للذين أمر رسول الله (ص) بأن يقول لهم: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول يدل على أن ذلك كذلك قوله: وعليكم ما حملتم، ولو كان قوله: تولوا فعلا ماضيا على وجه الخبر عن غيب، لكان في موضع قوله: وعليكم ما حملتم وعليهم ما حملوا. وقوله: وإن تطيعوه تهتدوا يقول تعالى ذكره: وإن تطيعوا أيها الناس رسول الله فيما يأمركم وينهاكم، ترشدوا وتصيبوا الحق في أموركم. وما على الرسول إلا البلاغ المبين يقول: وغير واجب على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالته بلاغا يبين لهم ذلك البلاغ عما أراد الله به، يقول: فليس على محمد أيها الناس إلا أداء رسالة الله إليكم وعليكم الطاعة وإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم تصيبون، وإن عصيتموه بأنفسكم فتوبقون. القول في تأويل قوله تعالى

[ 211 ]

* (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) *. يقول تعالى ذكره: وعد الله الذين آمنوا بالله ورسوله منكم أيها الناس، وعملوا الصالحات يقول: وأطاعوا الله ورسوله فيما أمراه ونهياه ليستخلفنهم في الارض يقول: ليورثنهم الله أرض المشركين من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها. كما استخلف الذين من قبلهم يقول: كما فعل من قبلهم ذلك ببني إسرائيل، إذ أهلك الجبابرة بالشأم وجعلهم ملوكها وسكانها. وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم يقول: وليوطئن لهم دينهم، يعني ملتهم التي ارتضاها لهم فأمرهم بها. وقيل: وعد الله الذين آمنوا، ثم تلقى ذلك بجواب اليمين بقوله: ليستخلفنهم لان الوعد قول يصلح فيه أن، وجواب اليمين كقوله: وعدتك أن أكرمك، ووعدتك لاكرمنك. واختلف القراء في قراءة قوله: كما استخلف فقرأته عامة القراء: كما استخلف بفتح التاء واللام، بمعنى: كما استخلف الله الذين من قبلهم من الامم. وقرأ ذلك عاصم: كما استخلف بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يسم فاعله. واختلفوا أيضا في قراءة قوله: وليبدلنهم فقرأ ذلك عامة قراء الامصار سوى عاصم: وليبدلنهم بتشديد الدال، بمعنى: وليغيرن حالهم عما هي عليه من الخوف إلى الامن، والعرب تقول: قد بدل فلان: إذا غيرت حاله ولم يأت مكان غيره، وكذلك كل مغير عن حاله فهو عندهم مبدل بالتشديد. وربما قيل بالتخفيف، وليس بالفصيح. فأما إذا جعل مكان الشئ المبدل غيره، فذلك بالتخفيف: أبدلته فهو مبدل. وذلك كقولهم: أبدل هذا الثوب: أي جعل مكانه آخر غيره، وقد يقال بالتشديد غير أن الفصيح من الكلام ما وصفت. وكان عاصم يقرؤه: وليبدلنهم بتخفيف الدال. والصواب من القراءة في ذلك: التشديد، على المعنى الذي وصفت قبل، لاجماع الحجة من قراء الامصار عليه، وأن ذاك تغيير حال الخوف إلى الامن. وأرى عاصما ذهب إلى أن الامن لما كان خلاف الخوف وجه المعنى إلى أنه ذهب بحال الخوف وجاء بحال الامن، فخفف ذلك.

[ 212 ]

ومن الدليل على ما قلنا من أن التخفيف إنما هو ما كان في إبدال شئ مكان آخر، قول أبي النجم: عزل الامير للامير المبدل وقوله: يعبدونني يقول: يخضعون لي بالطاعة ويتذللون لامري ونهيي. لا يشركون بي شيئا يقول: لا يشركون في عبادتهم إياي الاوثان والاصنام ولا شيئا غيرها، بل يخلصون لي العبادة فيفردونها إلي دون كل ما عبد من شئ غيري. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله (ص) من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الاوقات التي كانوا فيها من العدو في خوف شديد مما هم فيه من الرعب والخوف وما يلقون بسبب ذلك من الاذى والمكروه. ذكر الرواية بذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قوله: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات... الآية، قال: مكث النبي (ص) عشر سنين خائفا يدعو إلى الله سرا وعلانية، قال: ثم أمر بالهجرة إلى المدينة. قال: فمكث بها هو وأصحابه خائفون، يصبحون في السلاح ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاج فقال النبي (ص): لا تغبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملا العظيم محتبيا فيه ليس فيه حديدة. فأنزل الله هذه الآية: وعد الله الذين آمنوا منكم... إلى قوله: فمن كفر بعد ذلك قال: يقول: من كفر بهذه النعمة فأولئك هم الفاسقون وليس يعني الكفر بالله. قال: فأظهره الله على جزيرة العرب، فآمنوا، ثم تجبروا، فغير الله ما بهم. وكفروا بهذه النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم قال القاسم: قال أبو علي: بقتلهم عثمان بن عفان رضي الله عنه واختلف أهل التأويل في معنى الكفر الذي ذكره الله في قوله: فمن كفر بعد ذلك فقال أبو العالية ما ذكرنا عنه من أنه كفر بالنعمة لا كفر بالله. وروى عن حذيفة في ذلك ما:

[ 213 ]

حدثنا به ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي الشعثاء، قال: كنت جالسا مع حذيفة وعبد الله بن مسعود، فقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان النفاق على عهد رسول الله (ص)، وإنما هو الكفر بعد الايمان قال: فضحك عبد الله، فقال: لم تقول ذلك ؟ قال: علمت ذلك، قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض... حتى بلغ آخرها. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، قال: ثنا شعبة، عن أبي الشعثاء، قال: قعدت إلى ابن مسعود وحذيفة، فقال حذيفة: ذهب النفاق فلا نفاق، وإنما هو الكفر بعد الايمان فقال عبد الله: تعلم ما تقول ؟ قال: فتلا هذه الآية: إنما كان قول المؤمنين... حتى بلغ: فأولئك هم الفاسقون قال: فضحك عبد الله. قال: فلقيت أبا الشعثاء بعد ذلك بأيام، فقلت: من أي شئ ضحك عبد الله ؟ قال: قال: لا أدري، إن الرجل ربما ضحك من الشئ الذي يعجبه وربما ضحك من الشئ الذي لا يعجبه، فمن أي شئ ضحك ؟ لا أدري. والذي قاله أبو العالية من التأويل أشبه بتأويل الآية، وذلك أن الله وعد الانعام على هذه الامة بما أخبر في هذه الآية أنه منعم به عليهم ثم قال عقيب ذلك: فمن كفر هذه النعمة بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قول الله: يعبدونني لا يشركون بي شيئا قال: تلك أمة محمد (ص). حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد: أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا قال: لا يخافون غيري. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ئ لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأواهم النار ولبئس المصير) *.

[ 214 ]

يقول تعالى ذكره: وأقيموا أيها الناس الصلاة بحدودها فلا تضيعوها. وآتوا الزكاة التي فرضها الله عليكم أهلها، وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم ونهاكم. لعلكم ترحمون يقول: كي يرحمكم ربكم فينجيكم من عذابه، وقوله: لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض يقول تعالى ذكره: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا بالله معجزيه في الارض إذا أراد إهلاكهم. ومأواهم بعد هلاكهم النار ولبئس المصير الذي يصيرون إليه ذلك المأوى. وقد كان بعضهم يقول: لا يحسبن الذين كفروا بالياء. وهو مذهب ضعيف عند أهل العربية وذلك أن تحسب محتاج إلى منصوبين. وإذا قرئ يحسبن لم يكن واقعا إلا على منصوب واحد، غير أني أحسب أن قائله بالياء ظن أنه قد عمل في معجزين، وأن منصوبه الثاني في الارض، وذلك لا معنى له إن كان ذلك قصد. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم) *. اختلف أهل التأويل في المعنى بقوله: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم فقال بعضهم: عني بذلك الرجال دون النساء، ونهوا عن أن يدخلوا عليهم في هذه الاوقات الثلاثة هؤلاء الذين سموا في هذه الآية إلا بإذن. ] ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قوله: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال: هي على الذكور دون الاناث. وقال آخرون: بل عني به الرجال والنساء. ذكر من قال ذلك:

[ 215 ]

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال: هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كل حال، بالليل والنهار. وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني به الذكور والاناث لان الله عم بقوله: الذين ملكت أيمانكم جميع أملاك أيماننا، ولم يخصص منهم ذكرا ولا أنثى فذلك على جميع من عمه ظاهر التنزيل. فتأويل الكلام: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، ليستأذنكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم، فلا يدخلوا عليكم إلا بإذن منكم لهم. والذين لم يبلغوا الحلم منكم يقول: والذين لم يحتلموا من أحراركم ثلاث مرات، يعني ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال: عبيدكم المملوكون. والذين لم يبلغوا الحلم منكم قال: لم يحتلموا من أحراركم. قال ابن جريج: قال لي عطاء بن أبي رباح: فذلك على كل صغير وصغيرة أن يستأذن، كما قال: ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء قالوا: هي العتمة. قلت: فإذا وضعوا ئثيابهم بعد العتمة استأذنوا عليهم حتى يصبحوا ؟ قال نعم. قلت لعطاء: هل استئذانهم إلا عند وضع الناس ثيابهم ؟ قال: لا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح بن كيسان ويعقوب بت عتبة وإسماعيل بن محمد، قالوا: لا استئذان على خدم الرجل عليه إلا في العورات الثلاث. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم يقول: إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبي إلا بإذن حتى يصلي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك.

[ 216 ]

حدثني يونس بن عبد الاعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن ثعلبة، عن أبي مالك القرظي: أنه سأل عبد الله بن سويد الحارثي، وكان من أصحاب رسول الله (ص)، عن الاذن في العورات الثلاث، فقال: إذا وضعت ثيابي من الظهيرة، لم يلج علي أحد من الخدم الذي بلغ الحلم ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من الاحرار، إلا بإذن. حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: ثلاث آيات جحدهن الناس: الاذن كله، وقال: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وقال الناس: أكرمكم أعظمكم بيتا، ونسيت الثالثة. حدثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في هذه الآية: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال: كان الحسن يقول: إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في هذه الساعات. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي في قوله: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال: لم تنسخ. قلت: إن الناس لا يعملون به قال: الله المستعان. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي، وسألته عن هذه الآية: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قلت: منسوخة هي ؟ قال: لا والله ما نسخت، قلت: إن الناس لا يعملون بها قال: الله المستعان. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: إن ناسا يقولون نسخت، ولكنها مما يتهاون الناس به. قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم... إلى آخر الآية، قال: لا يعمل بها اليوم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حنظلة، أنه سمع

[ 217 ]

القاسم بن محمد يسأل عن الاذن، فقال: يستأذن عند كل عورة، ثم هو طواف يعني الرجل على أمه. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي رواد، قال: أخبرني رجل من أهل الطائف، عن غيلان بن شرحبيل، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله (ص) قال: لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم، قال الله ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم وإنما العتمة عتمة الابل. وقوله: ثلاث عورات لكم اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: ثلاث عورات لكم برفع الثلاث، بمعنى الخبر عن هذه الاوقات التي ذكرت. كأنه عندهم قيل: هذه الاوقات الثلاثة التي أمرناكم بأن لا يدخل عليكم فيها من ذكرنا إلا بإذن، ثلاث عورات لكم لانكم تضعون فيها ثيابكم وتخلون بأهليكم. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: ثلاث عورات بنصب الثلاث على الرد على الثلاث الاولى. وكأن معنى الكلام عندهم: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، ثلاث عورات لكم. والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله: ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن، طوافون عليكم يقول تعالى ذكره: ليس عليكم معشر أرباب البيوت والمساكن، ولا عليهم يعني: ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار حرج ولا إثم بعدهن، يعني بعد العورات الثلاث. والهاء والنون في قوله: بعدهن عائدتان على الثلاث من قوله: ثلاث عورات لكم. وإنما يعني بذلك أنه لا حرج ولا جناح على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون وصبيانهم الصغار بغير إذن بعد هذه الاوقات الثلاث اللاتي ذكرهن في قوله: من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 218 ]

حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء أنه رخص لخادم الرجل والصبي أن يدخل عليه منزله بغير إذن. قال: وهو قوله: ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن فأما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال. وقوله: طوافون عليكم رفع الطوافون بمضمر، وذلك هم. يقول لهؤلاء المماليك والصبيان الغار هم طوافون عليكم أيها الناس، ويعني بالطوافين: أنهم يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن، يطوفون عليهم بعضكم على بعض في غير الاوقات الثلاث التي أمرهم أن لا يدخلوا على ساداتهم وأقربائهم فيها إلا بإذن. كذلك يبين الله لكم الآيات يقول جل ثناؤه: كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه وأدلته وشرائع دينه. والله عليم حكيم يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم وغير ذلك من أموره. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم) *. يقول تعالى ذكره: إذا بلغ الصغار من أولادكم وأقربائكم ويعني بقوله: منكم من أحراركم الحلم يعني الاحتلام واحتلموا. فليستأذنوا يقول: فلا يدخلوا عليكم في وقت من الاوقات إلا بإذن، لا في أوقات العورات الثلاث ولا في غيرها. وقوله: كما استأذن الذين من قبلهم يقول: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقربائه الاحرار. وخص الله تعالى ذكره في هذه الآية الاطفال بالذكر وتعريف حكمهم عباده في الاستئذان دون ذكر ما ملكت أيماننا، وقد تقدمت الآية التي قبلها بتعريفهم حكم الاطفال الاحرار والمماليك لان حكم ما ملكت أيماننا من ذلك حكم واحد، سواء فيه حكم كبارهم وصغارهم في أن الاذن عليهم في الساعات الثلاث التي ذكرها الله في الآية التي قبل. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 219 ]

حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله يعني من الصبيان الاحرار إلا بإذن على كل حال وهو قوله: وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا قال: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، على من كان من الناس. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، قال: يستأذن الرجل على أمه. قال: إنما نزلت: وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم في ذلك. كذلك يبين الله لكم آياته يقول: هكذا يبين الله لكم آياته، أحكامه وشرائع دينه، كما بين لكم أمر هؤلاء الاطفال في الاستئذان بعد البلوغ. والله عليم حكيم يقول: والله عليم بما يصلح خلقه وغير ذلك من الاشياء، حكيم في تدبيره خلقه. القول في تأويل قوله تعالى: * (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم) *. يقول تعالى ذكره: واللواتي قد قعدن عن الولد من الكبر من النساء، فلا يحضن ولا يلدن واحدتهن قاعد. اللاتي لا يرجون نكاحا يقول: اللاتي قد يئسن من البعولة، فلا يطمعن في الازواج. فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن يقول: فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن، يعني جلابيبهن، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار والرداء الذي يكون فوق الثياب، لا حرج عليهن أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن

[ 220 ]

عباس، قوله: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا وهي المرأة، لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ما لم تتبرج لما يكره الله، وهو قوله: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ثم قال: وأن يستعففن خير لهن. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: يضعن ثيابهن يعني: الجلباب، وهو القناع وهذا للكبيرة التي قد قعدت عن الولد، فلا يضرها أن لا تجلبب فوق الخمار. وأما كل امرأة مسلمة حرة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدنى الجلباب على الخمار. وقال الله في سورة الاحزاب: يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرت بهم امرأة سيئة الهيئة والزي، حسب المنافقون أنها مزنية وأنها من بغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرفث، ولا يعلمون الحرة من الامة فأنزل الله في ذلك: يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين يقول: إذا كان زيهن حسنا لم يطمع فيهن المنافقون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله: والقواعد من النساء التي قعدت من الولد وكبرت. قال ابن جريج: قال مجاهد: اللاتي لا يرجون نكاحا قال: لا يردنه. فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: جلابيبهن. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: والقواعد من النساء اللاتي لا يرجو نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة قال: وضع الخمار قال: التي لا ترجو نكاحا، التي قد بلغت أن لا يكون لها في الرجال حاجة ولا للرجال فيها حاجة فإذا بلغن ذلك وضعن الخمار غير متبرجات بزينة. ثم قال: وأيستعففن خير لهن كان أبي يقول هذا كله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا: ثنا سفيان، عن

[ 221 ]

علقمة بن مرثد، عن ذر، عن أبي وائل، عن عبد الله، في قوله: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: الجلباب أو الردا. شك سفيان. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: الرداء. حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله في هذه الآية: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: هي الملحفة. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد الله يقول في هذه الآية: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: الجلباب. حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن أبي وائل، عن عبد الله، مثله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الاعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، في قوله: أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة قال: هو الرداء. قال الحسن، قال: عبد الرزاق، قال الثوري: وأخبرني أبو حصين وسالم الافطس، عن سعيد بن جبير، قال: هو الرداء. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة قال: تضع الجلباب المرأة التي قد عجزت ولم تزوج. قال الشعبي: فإن أبي بن كعب يقرأ: أن يضعن من ثيابهن. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: قلت لابن أبي

[ 222 ]

نجيح، قوله: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة قال: الجلباب. قال يعقوب، قال أبو يونس: قلت حدثني محمد بن عمرو، قال: له: عن مجاهد ؟ قال: نعم، في الدار والحجرة ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن قال: جلابيبهن. وقوله: غير متبرجات بزينة يقول: ليس عليهن جناح في وضع أرديتهن إذا لم يردن بوضع ذلك عنهن أن يبدين ما عليهن من الزينة للرجال. والتبرج: هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تستره. وقوله: وأن يستعففن خير لهن يقول: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فيلبسنها، خير لهن من أن يضعنها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن يستعففن خير لهن قال: أن يلبسن جلابيبن. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي: وأن يستعففن خير لهن قال: ترك ذلك، يعني ترك وضع الثياب. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وأن يستعففن خير لهن والاستعفاف: لبس الخمار على رأسها، كان أبي يقول هذا كله. والله سميع ما تنطقون بألسنتكم. عليم بما تضمره صدوركم، فاتقوه أن تنطقوا بألسنتكم ما قد نهاكم عن أن تنطقوا بها، أو تضمروا في صدوركم ما قد كرهه لكم، فتستوجبوا بذلك منه عقوبة. القول في تأويل قوله تعالى: * (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو

[ 223 ]

بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) *. قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هذه الآية في المعنى الذي أنزلت فيه، فقال بعضهم: أنزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الاكل مع العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم، خشية أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئا مما نهاهم الله عنه بقوله: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم... إلى قوله: أو أشتاتا وذلك لما أنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل فقال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الاموال، فلا يحل لاحد منا أن يأكل عند أحد. فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله بعد ذلك: ليس على الاعمى حرج... إلى قوله: أو ما ملكتم مفاتحه. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ليس على الاعمى حرج... الآية، كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي (ص) لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذر والتقزز. وقال بعضهم: المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والاعرج المنحبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والاعمى لا يبصر طيب الطعام. فأنزل الله: ليس عليكم حرج في مؤالكة المريض والاعمى والاعرج.

[ 224 ]

فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء: ليس عليكم أيها الناس في الاعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الاعرج حرج، ولا في المريض حرج، ولا في أنفسكم، أتأكلوا من بيوتكم. فوجهوا معنى على في هذا الموضع إلى معنى في. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية ترخيصا لاهل الزمانة في الاكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية لان قوما كانوا من أصحاب رسول الله (ص) إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتخوفون من أن يطعموا ذلك الطعام لانه أطعمهم غير ملكه. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم قال: كان رجال زمنى قال ابن عمرو في حديثه: عميان وعرجان. وقال الحارث: عمي عرج أولوا حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعاما ذهبوا بهم إلى بوت آبائهم ومن عدد منهم من البيوت، فكره ذلك المستتبعون، فأنزل الله في ذلك: ليس عليكم جناح، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان الرجل يذهب بالاعمى والمريض والاعرج إلى بيت أبيه، أو إلى بيت أخيه، أو عمه، أو خاله، أو خالته، فكان الزمني يتحرجون من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحو حديث ابن عمرو، عن أبي عاصم. وقال آخرون: بل نزلت ترخيصا لاهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: ليس على الاعمى حرج ما بال الاعمى ذكر ها هنا والاعرج والمريض ؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم،

[ 225 ]

وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهي غيب. فأنزلت هذه الآية رخصة لهم. وقال آخرون: بل عني بقوله: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله. قالوا: وقوله: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم كلام منقطع عما قبله. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج قال: هذا في الجهاد في سبل الله. وفي قوله: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم... إلى قوله: أو صديقكم قال: هذا شئ قد انقطع، إنما كان هذا في الاول، لم يكن لهم أبواب وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوغه الله أن يأكله. قال: وقد ذهب ذلك اليوم البيوت اليوم فيما أهلها، وإذا أخرجوا أغلقوها فقد ذهب ذلك. وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين الذين كانوا يتقون مؤاكلة أهل الزمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن مقسم، في قوله: ليس على الاعمى حرج قال: كانوا يتقون أن يأكلوا مع الاعمى والاعرج، فنزلت: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا. واختلفوا أيضا في معنى قوله: أو ما ملكتم مفاتحه فقال بعضهم: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه، أنه لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ونحو ذلك. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: أو ما ملكتم مفاتحه وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، فرخص الله له أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن. وقال آخرون: بل عني بذلك: منزل الرجل نفسه أنه لا بأس عليه أن يأكل. ذكر من قال ذلك:

[ 226 ]

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: أو ما ملكتم مفاتحه يعني: بيت أحدهم، فإنه يملكه، والعبيد منهم مما ملكوا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: أو ما ملكتم مفاتحه مما تحبون يا ابن آدم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أو ما ملكتم مفاتحه قال: خزائن لانفسهم، ليست لغيرهم. وأشبه الاقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: ليس على الاعمى حرج... إلى قوله: أو صديقكم القول الذي ذكرنا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وذلك أن أظهر معاني قوله: ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج: أنه لا حرج على هؤلاء الذين سموا في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الاكل منها. فإذ كان ذلك أظهر معانيه، فتوجيه معناه إلى الاغلب الاعرف من معانيه أولى من توجيهه إلى الانكر منها. فإذ كان ذلك كذلك، كان ما خالف من التأويل قول من قال: معناه: ليس في الاعمى والاعرج حرج، أولى بالصواب. وكذلك أيضا الاغلب من تأويل قوله: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أنه بمعنى: ولا عليكم أيها الناس. ثم جمع هؤلاء والزمنى الذين ذكرهم قبل في الخطاب، فقال: أن تأكلوا من بيوت أنفسكم. وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب، غلبت المخاطب فقالت: أنت وأخوك قمتما، وأنت وزيد جلستما، ولا تقول: أنت وأخوك جلسا، وكذلك قوله: ولا على أنفسكم والخبر عن الاعمى والاعرج والمريض، غلب المخاطب، فقال: أن تأكلوا، ولم يقل: أن يأكلوا. فإن قال قائل: فهذا الاكل من بيوتهم قد علمناه كان لهم حلالا إذ كان ملكا لهم، أو كان أيضا حلالا لهم الاكل من مال غيرهم ؟ قيل له: ليس الامر في ذلك على ما توهمت ولكنه كما ذكرناه عن عبيد الله بن عبد الله، أنهم كانوا إذا غابوا في مغازيهم وتخلف أهل الزمانة منهم، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلى المتخلف منهم، فأطلق له في الاكل مما يخلف في منزله من الطعام، فكان المتخلفون يتخوفون الاكل من ذلك وربه غائب، فأعلمه الله أنه لا حرج عليه في الاكل منه وأذن لهم في أكله. فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال: إنما أنزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع لان ذلك لو

[ 227 ]

كان كما قال من قال ذلك: لقيل: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم، ولم يقل: أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم. وكذلك لا وجه لقول من قال: معنى ذلك: ليس على الاعمى حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، لان قوله: أن تأكلوا خبر ليس، وأن في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة ب ليس، فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الاعمى حرج أن يأكل من بيته، ولا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد. فإذ كان الامر في ذلك على ما وصفنا، تبين أن معنى الكلام: لا ضيق على الاعمى، ولا على الاعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس، أن تأكلوا من بيوت أنفسكم أو من بيوت آبائكم أو من بيوت أمهاتكم أو من بيوت إخوانكم أو من بيوت أخواتكم أو من بيوت أعمامكم أو من بيوت عماتكم أو من بيوت أخوالكم أو من بيوت خالاتكم أو من البيوت التي ملكتم مفاتحها أو من بيوت صديقكم، إذا أذنوا لكم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم. والمفاتح: الخزائن، واحدها: مفتح إذا أريد به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يفتح بها، فهي مفتح ومفاتح وهي ها هنا على التأويل الذ اخترناه جمع مفتح الذي يفتح به. وكان قتاة يتأول في قوله: أو صديقكم، ] ما حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: أو صديقكم فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره، لم يكن بذلك بأس. قال معمر: قلت لقتادة: أولا أشرب من هذا الحب ؟ قال: أنت لي صديق. وأما قوله: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: كان الغني من الناس يتخوف أن يأكل مع الفقير، فرخص لهم في الاكل معهم. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا قال: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصديقه، فيدعوه إلى طعامه ليأكل معه، فيقول: والله إني لاجنح أن آكل معك والجنح: الحرج وأنا غني وأنت فقير فأمروا أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا. وقال آخرون: بل عني بذلك حي من أحياء العرب، كانوا لا يأكل أحدهم وحده ولا

[ 228 ]

يأكل إلا مع غيره، فأذن الله لهم أن يأكل من شاء منهم وحده ومن شاء منهم مع غيره. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قال: كانوا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم، فقال: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: كانت بنو كنانة يستحى الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نزلت هذه الآية. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: كانوا لا يأكلون إلا جميعا، ولا يأكلون متفرقين، وكان ذلك فيهم دينا فأنزل الله: ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والاعمى، وليس عليكم حرج أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا قال: كان من العرب من لا يأكل أبدا جميعا ومنهم من لا يأكل إلا جميعا، فقال الله ذلك. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، ثنا نزلت: ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا في حي من في العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، كان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكله معه. قال: وأحسب أنه ذكر أنهم من كنانة. وقال آخرون: بل عني بذلك قوم كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا. ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سليمان، عن أبي صالح وعكرمة، قالا: كانت الانصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فرخص لهم، قال الله: لا جناح عليكم أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا.

[ 229 ]

وأولى الاقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعا معا إذا شاءوا، أو أشتاتا متفرقين إذا أرادوا. وجائز أن يكون ذلك نزل بسبب من كان يتخوف من الاغنياء الاكل مع الفقير، وجائز أن يكون نزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك ولا خبر بشئ من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شئ منه. والصواب التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل، والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل. وقوله: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: معناه: فإذا دخلتم أيها الناس بيوت أنفسكم، فسلموا على أهليكم وعيالكم. ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة في قوله: فسلموا على أنفسكم قالا: بيتك، إذا دخلته فقل: سلام عليكم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: سلم على أهلك قال ابن جريج: وسئل عن عطاء بن أبي رباح: أحق على الرجل إذا دخل على أهله أن يسلم عليهم ؟ قال: نعم. وقالها عمرو بن دينار وتلوا: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة قال عطاء بن أبي رباح ذلك غير مرة. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج، وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم. قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: إذا خرجت أواجب السلام ؟ هل أسلم عليهم ؟ فإنما قال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا ؟ قال: ما أعلمه واجبا ولا آثر عن أحد وجوبه، ولكن أحب إلي، وما أدعه إلا ناسيا. قال ابن جريج، وقال عمرو بن دينار: لا، قال: قلت لعطاء: فإن لم يكن في البيت أحد ؟ قال: سلم قل: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت

[ 230 ]

ورحمة الله. قلت له: قولك هذا إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد عمن تأثره ؟ قال: سمعته ولم يؤثر لي عن أحد. قال ابن جريج، وأخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: السلام علينا من ربنا، وقال عمرو بن دينار: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، عن زهير، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، تحية من عند الله مباركة طيبة. قال: ما رأيته إلا يوجبه. حدثنا محمد بن عباد الرازي، قال: ثنا حجاج بن محمد الاعور، قال: قال لي ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: فذكر مثله. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم يقول: سلموا على أهاليكم إذا دخلتم بيوتكم، وعلى غير أهاليكم، فسلموا إذا دخلتم بيوتهم. وقال آخرون: بل معناه: فإذا دخلتم المساجد فسلموا على أهلها. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: هي المساجد، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، في قوله: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا دخلت بيتك فقل: السلام عليكم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فيها ناس منكم، فليسلم بعضكم على بعض. ذكر من قال ذلك:

[ 231 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: فسلموا على أنفسكم أي ليسلم بعضكم على بعض، كقوله: ولا تقتلوا أنفسكم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: إذا دخل المسلم سلم عليه، كمثل قوله: لا تقتلوا أنفسكم إنما هو: لا تقتل أخاك المسلم. وقوله: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم قال: يقتل بعضكم بعضا، قريظة والنضير. وقال آخرون: معناه: فإذا دخلتم بيوتا ليس فيها أحد، فسلموا على أنفسكم. ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وإذا دخلت بيتا فيه ناس من المسلمين وغير المسلمين، فقل مثل ذلك. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي سنان، عن ماهان، قال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم، قال: تقولوا: السلام علينا من ربنا. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة عن منصور، قال شعبة: وسألته عن هذه الآية: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله قال: قال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الاشج، عن نافع: أن عبد الله كان إذا دخل بيتا ليس فيه أحد، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم: فإذا

[ 232 ]

دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم قال: إذا دخلت بيتا فيه يهود فقل: السلام عليكم وإن لم يكن فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم على بعض. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لان الله جل ثناؤه قال: فإذا دخلتم بيوتا ولم يخصص من ذلك بيتا دون بيت، وقال: فسلموا على أنفسكم يعني: بعضكم على بعض. فكان معلوما إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معنى به جميعها، مساجدها وغير مساجدها. ومعنى قوله: فسلموا على أنفسكم نظير قوله: ولا تقتلوا أنفسكم. وقوله: تحية من عند الله ونصب تحية، بمعنى: تحيون أنفسكم تحية من عند الله السلام تحية، فكأنه قال: فليحي بعضكم بعضا تحية من عند الله. وقد كان بعض أهل العربية يقول: إنما نصبت بمعنى: أمركم بها تفعلونها تحية منه، ووصف جل ثناؤه هذه التحية المباركة الطيبة لما فيها من الاجر الجزيل والثواب العظيم. وقوله: كذلك يبين الله لكم الآيات يقول تعالى ذكره: هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم فيبينها لكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وعرفكم سبيل الدخول على من تدخلون عليه. لعلكم تعقلون يقول: لكي تفقهوا عن الله أمره ونهيه وأدبه. القول في تأويل قوله تعالى: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) *. يقول تعالى ذكره: ما المؤمنون حق الايمان، إلا الذين صدقوا الله ورسوله. وإذا كانوا معه يقول: وإذا كانوا مع رسول الله (ص)، على أمر جامع يقول: على أمر يجمع جميعهم من حرب حضرت، أو صلاة اجتمع لها، أو تشاور في أمر نزل لم يذهبوا يقول: لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الامر، حتى يستأذنوا رسول الله (ص).

[ 233 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه يقول: إذا كان أمر طاعة لله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، قوله: وإذا كانوا معه على أمر جامع قال: أمر من طاعة الله عام. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سأل مكحولا الشامي إنسان وأنا أسمع، ومكحول جالس مع عطاء، عن قول الله في هذه الآية: وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه فقال مكحول: في يوم الجمعة، وفي زحف، وفي كل أمر جامع، قد أمر أن لا يذهب أحد في يوم جمعة حتى يستأذن الامام، وكذلك في كل جامع، ألا ترى أنه يقول: وإذا كانوا معه على أمر جامع. حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، قال: كان الرجل إذا كانت له حاجة والامام يخطب، قام فأمسك بأنفه، فأشار إليه الامام أن يخرج. قال: فكان رجل قد أراد الرجوع إلى أهله، فقام إلى هرم بن حيان وهو يخطب، فأخذ بأنفه، فأشار إليه هرم أن يذهب. فخرج إلى أهله فأقام فيهم، ثم قدم قال له هرم: أين كنت ؟ قال: في أهلي ؟ قال: أبإذن ذهبت ؟ قال: نعم، قمت إليك وأنت تخطب، فأخذت بأنفي، فأشرت إلي أن اذهب فذهبت. فقال: أفاتخذت هذا دغلا ؟ أو كلمة نحوها. ثم قال: اللهم أخر رجال السوء إلى زمان السوء. حدثني الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: وإذا كانوا معه على أمر جامع قال: هو الجمعة إذا كانوا معه، لم يذهبوا حتى يستأذنوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى

[ 234 ]

يستأذنوه قال: الامر الجامع حين يكونون معه في جماعة الحرب أو جمعة. قال: والجمعة من الامر الجامع، لا ينبغي لاحد أن يخرج إذا قعد الامام على المنبر يوم الجمعة إلا بإذن سلطان إذا كان حيث يراه أو يقدر عليه، ولا يخرج إلا بإذن. وإذا كان حيث لا يراه ولا يقدر عليه ولا يصل إليه، فالله أولى بالعذر. وقوله: إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله يقول تعالى ذكره: إن الذين لا ينصرفون يا محمد إذا كانوا معك في أمر جامع، عنك إلا بإذنك لهم، طاعة منهم لله ولك وتصديقا بما أتيتهم به من عندي أولئك الذين يصدقون الله ورسوله حقا، لا من خالف أمر الله وأمر رسوله فينصرف عنك بغير إذن منك له بعد تقدمك إليه أن لا ينصرف عنك إلا بإذنك. وقوله: فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم يقول تعالى ذكره: فإذا استأذنك يا محمد الذين لا يذهبون عنك إلا بإذنك في هذه المواطن لبعض شأنهم يعني لبعض حاجاتهم التي تعرض لهم فأذن لمن شئت منهم في الانصراف عنك لقضائها. واستغفر لهم يقول: وادع الله لهم بأن يتفضل عليهم بالعفو عن تبعات ما بينه وبينهم. إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. القول في تأويل قوله تعالى: * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) *. يقول تعالى ذكره لاصحاب نبيه محمد (ص): لا تجعلوا أيها المؤمنون دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نهى الله بهذه الآية المؤمنين أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم، وقال لهم: اتقوا دعاءه عليكم، بأن تفعلوا ما يسخطه فيدعو لذلك عليكم فتهلكوا، فلا تجعلوا دعاءه كد عاء غيره من الناس، فإن دعاءه موجبة. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي،

[ 235 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها. وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله أن يدعوا رسول الله (ص) بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: إنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: كدعاء بعضكم بعضا قال: أمرهم أن يدعوا يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا يا محمد، في تجهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قال: أمرهم أن يدعوه: يا رسول الله، في لين وتواضع. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قال: أمرهم أن يفخموه ويشرفوه. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي التأويل الذي قاله ابن عباس، وذلك أن الذي قبل قوله: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا نهي من الله المؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الامر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للمنصرفين بغير إذنه عنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرا لهم سخطة أن يضطره إلى الدعاء عليهم أشبه من أن يكون أمرا لهم بما لم يجر له ذكر من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء. وقوله: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا يقول تعالى ذكره: إنكم أيها المنصرفون عن نبيكم بغير إذنه، تسترا وخفية منه، وإن خفي أمر من يفعل ذلك منكم على رسول الله (ص)، فإن الله يعلم ذلك ولا يخفي عليه، فليتق من يفعل ذلك منكم الذين يخالفون أمر الله في الانصراف عن رسول الله (ص) إلا بإذنه، أن تصيبهم فتنة من الله أو يصيبهم عذاب أليم، فيطبع على قلوبهم، فيكفروا بالله.

[ 236 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا قال: كانوا يستتر بعضهم ببعض، فيقومون، فقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، قال: يطبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا قال: خلافا. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا قال: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن رسول الله (ص). قال: اللواذ: يلوذ عنه ويروغ ويذهب بغير إذن النبي (ص). فليحذر الذين يخالفون عن أمره الذين يصنعون هذا، أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. الفتنة ها هنا. الكفر، واللواذ: مصدر لاوذت بفلان ملاوذة ولواذا، ولذلك ظهرت الواو، ولو كان مصدرا للذت لقيل: لياذا، كما يقال: قمت قياما، وإذا قيل: قاومتك، قيل: قواما طويلا. واللواذ: هو أن يلوذ القوم بعضهم ببعض، يستتر هذا بهذا وهذا بهذا، كما قال الضحاك. وقوله: أو يصيبهم عذاب أليم يقول: أو يصيبهم في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع، على صنيعهم ذلك وخلافهم أمر رسول الله (ص). وقوله: فليحذر الذين يخالفون عن أمره وأدخلت عن لان معنى الكلام: فليحذر الذين يلوذون عن أمره ويدبرون عنه معرضين. القول في تأويل قوله تعالى: * (ألا إن لله ما في السماوات والارض قد يعلم مآ أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم) *. يقول تعالى ذكره: ألا إن لله ملك جميع السموات والارض يقول: فلا ينبغي لمملوك أن يخالف أمر مالكه فيعصيه، فيستوجب بذلك عقوبته. يقول: فكذلك أنتم أيها الناس، لا يصلح لكم خلاف ربكم الذي هو مالككم، فأطيعوه وأتمروا لامره ولا تنصرفوا عن رسوله إذا كنتم معه على أمر جامع إلا بإذنه.

[ 237 ]

وقوله: قد يعلم ما أنتم عليه من طاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم من ذلك، كما: حدثني أيضا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قد يعلم ما أنتم عليه صنيعكم هذا أيضا. ويوم يرجعون إليه يقول: ويوم يرجع إلى الله الذين يخالفون عن أمره. فينبئهم يقول: فيخبرهم حينئذ، بما عملوا في الدنيا، ثم يجازيهم على ما أسلفوا فيها، من خلافهم على ربهم. والله بكل شئ عليم يقول: والله ذو علم بكل شئ عملتموه أنتم وهم وغيركم وغيرك ذلك من الامور، لا يخفي عليه شئ، بل هو محيط بذلك كله، وهو موف كل عامل منكم أجر عمله يوم ترجعون إليه.

[ 238 ]

سورة الفرقان مكية وآياتها سبع وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) *. قال أبو جعفر: تبارك: تفاعل من البركة، كما: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، قال: ثنا أبوروق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس، قال: تبارك: تفاعل من البركة. وهو كقول القائل: تقدس ربنا، فقوله: تبارك الذي نزل الفرقان يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل، فصلا بعد فصل وسورة بعد سورة، على عبده محمد (ص)، ليكون محمد لجميع الجن والانس الذين بعثه الله إليهم داعيا إليه، نذيرا: يعني منذرا ينذرهم عقابه ويخوفهم عذابه، إن لم يوحدوه ولم يخلصوا له العبادة ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والاوثان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا قال: النبي النذير. وقرأ:

[ 239 ]

وإن من أمة إلا خلا فيها نذير وقرأ: وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون قال: رسل. قال: المنذرون: الرسل. قال: وكان نذيرا واحدا بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين، ثم بلغ السدين، وكان نذيرا، ولم أسمع أحدا يحق أنه كان نبيا. وأوحي إلي هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ قال: من بلغه القرآن من الخلق، فرسول الله نذيره. وقرأ: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وقال: لم يرسل الله رسولا إلى الناس عامة إلا نوحا، بدأ به الخلق، فكان رسول أهل الارض كلهم، ومحمد (ص) ختم به. القول في تأويل قوله تعالى: * (الذي له ملك السماوات والارض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا) *. يقول تعالى ذكره: تبارك الذي نزل الفرقان... الذي له ملك السموات والارض ف الذي من نعت الذي الاولى، وهما جميعا في موضع رفع، الاولى بقوله تبارك، والثانية نعت لها. ويعني بقوله: الذي له ملك السموات والارض الذي له سلطان السموات والارض ينفذ في جميعها أمره وقضاءه، ويمضي في كلها أحكامه. يقول: فحق على من كان كذلك أن يطيعه أهل مملكته ومن في سلطانه ولا يعصوه، يقول: فلا تعصوا نذيري إليكم أيها الناس، واتبعوه، واعملوا بما جاءكم به من الحق. ولم يتخذ ولدا يقول تكذيبا لمن أضاف إليه الولد وقال الملائكة بنات الله: ما اتخذ الذي نزل الفرقان على عبده ولدا. فمن أضاف إليه ولدا فقد كذب وافترى على ربه. ولم يكن له شريك في الملك يقول تكذيبا لمن كان يضيف الالوهة إلى الاصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب ويقول في تلبيته لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك: كذب قائلوا هذا القول، ما كان لله شريك في ملكه وسلطانه فيصلح أن يعبد من دونه يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه (ص) الالوهة، وأخلصوا له العبادة، دون كل ما تعبدونه من دونه من الآلهة والاصنام والملائكة والجن

[ 240 ]

والانس، فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو مالك جمعي ذلك. ] وقوله: وخلق كل شئ يقول تعالى ذكره: وخلق الذي نزل على محمد الفرقان كل شئ، فالاشياء كلها خلقه وملكه، وعلى المماليك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره. يقول: وأنا خالقكم ومالككم، فأخلصوا لي العبادة دون غيري. وقوله: فقدره تقديرا يقول: فسوى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. القول في تأويل قوله تعالى: * (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا) *. يقول تعالى ذكره: مقرعا مشركي العرب بعبادتهما ما دونه من الآلهة، ومعجبا أولي النهى منهم، ومنبههم على موضع خطأ فعلهم وذهابهم عن منهج الحق وركوبهم من سبل الضلالة ما لا يركبه إلا كل مدخول الرأي مسلوب العقل: واتخذ هؤلاء المشركون بالله من دون الذي له ملك السموات والارض وحده، من غير شريك، الذي خلق كل شئ فقدره، آلهة يعني أصناما بأيديهم يعبدونها، لا تخلق شيئا وهي تخلق، ولا تملك لانفسها نفعا تجره إليها ولا ضرا تدفعه عنها ممن أرادها بضر، ولا تملك إماتة حي ولا إحياء ميت ولا نشره من بعد مماته، وتركوا عبادة خالق كل شئ وخالق آلهتهم ومالك الضر والنفع والذي بيده الموت والحياة والنشور. والنشور: مصدر نشر الميت نشورا، وهو أن يبعث ويحيا بعد الموت. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا) *. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله الذين اتخذوا من دونه آلهة: ما هذا القرآن الذي جاءنا به محمد إلا إفك يعني: إلا كذب وبهتان، افتراه اختلقه وتخرصه بقوله، وأعانه عليه قوم آخرون ذكر أنهم كانوا يقولون: إنما يعلم محمدا هذا الذي يجيئنا به اليهود، فذلك قوله: وأعانه عليه قوم آخرون يقول: وأعان محمدا على هذا الافك الذي افتراه يهود. ذكر من قال ذلك:

[ 241 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: وأعانه عليه قوم آخرون قال: يهود. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: فقد جاءوا ظلما وزورا يقول تعالى ذكره: فقد أتى قائلو هذه المقالة، يعني الذين قالوا: إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ظلما، يعني بالظلم نسبتهم كلام الله وتنزيله إلى أنه إفك افتراه محمد (ص). وقد بينا فيما مضى أن معنى الظلم: وضع الشئ في غير موضعه فكأن ظلم قائلي هذه المقالة القرآن بقيلهم هذا وصفهم إياه بغير صفته. والزور: أصله تحسين الباطل. فتأويل الكلام: فقد أتى هؤلاء القوم في قيلهم إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون كذبا محضا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وحدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فقد جاءوا ظلما وزورا قال: كذبا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ئ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والارض إنه كان غفورا رحيما) *. ذكر أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث، وأنه المعني بقوله: وقالوا أساطير الاولين. ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا شيخ من أهل مصر، قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله (ص) وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، تعلم بها أحاديث ملوك فارس وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان رسول الله (ص) إذا جلس مجلسا

[ 242 ]

فذكر بالله وحدث قومه ما أصاب من قبلهم من الامم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمد أحسن حديثا مني قال: فأنزل الله تبارك وتعالى في النضر ثماني آيات من القرآن، قوله: وإذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين وكل ما ذكر فيه الاساطير في القرآن. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس نحوه، إلا أنه جعل قوله: فأنزل الله في النضر ثماني آيات، عن ابن إسحاق، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: أساطير الاولين أشعارهم وكهانتهم وقالها النضر بن الحارث. فتأويل الكلام: وقال هؤلاء المشركون بالله الذين قالوا لهذا القرآن إن هذا إلا إفك افتراه محمد (ص): هذا الذي جاءنا به محمد أساطير الاولين، يعنون أحاديثهم التي كانوا يسطرونها في كتبهم، اكتتبها محمد (ص) من يهود. فهي تملى عليه يعنون بقوله: فهي تملى عليه فهذه الاساطير تقرأ عليه، من قولهم: أمليت عليك الكتاب وأمللت. بكرة وأصيلا يقول: وتملى عليه غدوة وعشيا. وقوله: قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بآيات الله من مشركي قومك: ما الامر كما تقولون من أن هذا القرآن أساطير الاولين وأن محمد (ص) افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، بل هو الحق، أنزله الرب الذي يعلم سر من في السموات ومن في الارض، ولا يخفى عليه شئ، ومحصي ذلك على خلقه، ومجازيهم بما عزمت عليه قلوبهم وأضمروه في نفوسهم. إنه كان غفورا رحيما يقول: إنه لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم، فيتفضل عليهم بعفوه، يقول: فلان ذلك من عادته في خلقه، يمهلكم أيها القائلون ما قلتم من الافك والفاعلون ما فعلتم من الكفر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 243 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض قال: ما يسر أهل الارض وأهل المساء. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ئ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) *. ذكر أن هاتين الآيتين نزلتا على رسول الله (ص) فيما كان مشركو قومه قالوا له ليلة اجتماع أشرافهم بظهر الكعبة، وعرضوا عليه أشياء، وسألوه الآيات. فكان فيما كلموه به حينئذ، فيما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن قالوا له: فإن لم تفعل لنا هذا يعني ما سألوه من تسيير جبالهم عنهم، وإحياء آبائهم، والمجئ بالله والملائكة قبيلا، وما ذكره الله في سورة بني إسرائيل فخذ لنفسك، سل ربك يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فيجعل لك قصورا وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالاسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعلم فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال رسول الله (ص): ما أنا بفاعل فأنزل الله في قولهم: أن خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لها: أن يجعل له جنانا وقصورا وكنوزا، أو يبعث معه ملكا يصدقه بما يقول ويرد عنه من خاصمه. وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا. فتأويل الكلام: وقال المشركون ما لهذا الرسول: يعنون محمدا (ص)، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا، يأكل الطعام كما نأكل، ويمشي في أسواقنا كما نمشي. لولا أنزل

[ 244 ]

إليه يقول: هلا أنزل إليه ملك إن كان صادقا من السماء، فيكون معه منذرا للناس، مصد قا له على ما يقول، أو يلقى إليه كنز من فضة أو ذهب فلا يحتاج معه إلى التصرف في طلب المعاش، أو تكون له جنة يقول: أو يكون له بستان يأكل منها. واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: يأكل بالياء، بمعنى: يأكل منها الرسول. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: نأكل منها بالنون، بمعنى: نأكل من الجنة. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بالياء وذلك للخبر الذي ذكرنا قبل بأن مسألة من سأل من المشركين رسول الله (ص) أن يسأل ربه هذه الخلال لنفسه لا لهم فإذ كانت مسألتهم إياه ذلك كذلك، فغير جائز أن يقولوا له: سل لنفسك ذلك لنأكل نحن. وبعد، فإن في قوله تعالى ذكره: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار، دليلا بينا على أنهم إنما قالوا له: اطلب ذلك لنفسك، لتأكل أنت منه، لا نحن. وقوله: وقال الظالمون يقول: وقال المشركون للمؤمنين بالله ورسوله: إن تتبعون أيها القوم، باتباعكم محمدا إلا رجلا به سحر. القول في تأويل قوله تعالى: * (انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ئ تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): انظر يا محمد إلى هؤلاء المشركين الذين شبهوا لك الاشباه بقولهم لك: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل وأخطئوا طريق الهدى والرشاد فلا يستطيعون يقول: فلا يجدون سبيلا إلى الحق، إلا فيما بعثتك به، ومن الوجه الذي ضلوا عنه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 245 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا أي التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره. وقال آخرون في ذلك ما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فلا يستطيعون سبيلا قال: مخرجا يخرجهم من الامثال التي ضربوا لك. وقوله: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار يقول تعالى ذكره: تقدس الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك. واختلف أهل التأويل في المعنى ب ذلك التي في قوله: جعل لك خيرا من ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: خيرا مما قال هؤلاء المشركون لك يا محمد، هلا أوتيته وأنت لله رسول ثم بين تعالى ذكره عن الذي لو شاء جعل له من خير مما قالوا، فقال: جنات تجري من تحتها الانهار. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك خيرا مما قالوا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك قال: مما قالوا وتمنوا لك، فيجعل لك مكان ذلك جنات تجري من تحتها الانهار. وقال آخرون: عني بذلك المشي في الاسواق والتماس المعاش. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، فيما يرى الطبري، عن سعيد بن جبر، أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: ثم قال: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك من أن تمشي في الاسواق وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس، جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا. قال أبو جعفر: والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية، لان المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن

[ 246 ]

يمشي في الاسواق وهو لله رسول. فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم. وعني بقوله: جنات تجري من تحتها الانهار بساتين تجري في أصول أشجارها الانهار. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: جنات تجري من تحتها الانهار قال: حوائط. وقوله: ويجعل لك قصورا يعني بالقصور: البيوت المبنية. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: قال: أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ويجعل لك قصورا قال: بيوتا مبنية مشيدة، كان ذلك في الدنيا. قال: كانت قريش ترى البيت من الحجارة قصرا كائنا ما كان. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ويجعل لك قصورا مشيدة في الدنيا، كل هذا قالته قريش. وكانت قريش ترى البيت من حجارة ما كان صغيرا قصرا. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حبيب قال: قيل للنبي (ص): إن شئت ن نعطيك من خزائن الارض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ولا يعطى من بعدك ولا ينقص ذلك مما لك عند الله تعالى ؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة فأنزل الله في ذلك: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا. القول في تأويل قوله تعالى: * (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ئ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا) *. يقول تعالى ذكره: ما كذب هؤلاء المشركون بالله وأنكروا ما جئتهم به يا محمد من

[ 247 ]

الحق، من أجل أنك تأكل الطعام وتمشي في الاسواق، ولكن من أجل أنهم لا يوقنون بالمعاد ولا يصدقون بالثواب والعقاب، تكذيبا منهم بالقيامة وبعث الله الاموات أحياء لحشر القيامة. وأعتدنا يقول: وأعددنا لمن كذب ببعث الله الاموات أحياء بعد فنائهم لقيام الساعة، نارا تسعر عليهم وتتقد. إذا رأتهم من مكان بعيد يقول: إذا رأت هذه النار التي أعتدناها لهؤلاء المكذبين أشخاصهم من مكان بعيد، تغيظت عليهم وذلك أن تغلى وتفور. يقال: فلان تغيظ على فلان، وذلك إذ غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه وتبين في كلامه. وزفيرا، وهو صوتها. فإن قال قائل: وكيف قيل: سمعوا لها تغيظا والتغيظ: لا يسمع ؟ قيل: معنى ذلك: سمعوا لها صوت التغيظ، من التلهب والتوقد. حدثني محمود بن خداش، قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطي، قال: ثنا أصبع بن زيد الوراق، عن خالد بن كثير، عن فديك، عن رجل من أصحاب محمد (ص)، قال: قال رسول الله (ص): من يقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا قالوا: يا رسول الله، وهل لها من عين ؟ قال: ألم تسمعوا إلى قول الله: إذا رأتهم من مكان بعيد ؟... الآية. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر في قوله: سمعوا لها تغيظا وزفيرا قال: أخبرني المنصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، قال: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خر ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم ليجثو على ركبتيه، فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن ما لك ؟ فتقول: إنه ليستجير مني فيقول: أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار، فيقول: يا رب ما كان هذا الظن بك فيقول: فما كان ظنك ؟ فيقول: أن تسعني رحمتك قال: فيقول أرسلوا عبدي وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 248 ]

* (وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا) *. يقول تعالى ذكره: وإذا ألقي هؤلاء المكذبون بالساعة من النار مكانا ضيقا، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الاغلال دعوا هنالك ثبورا. واختلف أهل التأويل في معنى الثبور، فقال بعضهم: هو الويل. ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: وادعوا ثبورا كثيرا يقول: ويلا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا يقول: لا تدعوا اليوم ويلا واحدا، وادعوا ويلا كثيرا. وقال آخرون: الثبور الهلاك. ذكر من قال ذلك: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا الثبور: الهلاك. قال أبو جعفر: والثبور في كلام العرب أصله انصراف الرجل عن الشئ، يقال منه: ما ثبرك عن هذا الامر ؟ أي ما صرفك عنه. وهو في هذا الموضع دعاء هؤلاء القوم بالندم على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا والايمان بما جاءهم به نبي الله (ص) حتى استوجبوا العقوبة منه، كما يقول القائل: واندامتاه، واحسرتاه على ما فرطت في جنب الله. وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول في قوله: دعوا هنالك ثبورا أي هلكة، ويقول: هو مصدر من ثبر الرجل: أي أهلك، ويستشهد لقيله في ذلك ببيت ابن الزبعري: إذ أجاري الشيطان في سنن الغ * ي ومن مال ميله مثبور

[ 249 ]

وقوله: لا تدعوا اليوم أيها المشركون نما واحدا: أي مرة واحدة، ولكن ادعوا ذلك كثيرا. وإنما قيل: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا لان الثبور مصدر، والمصادر لا تجمع، وإنما توصف بامتداد وقتها وكثرتها، كما يقال: قعد قعودا طويلا، وأكل أكلا كثيرا. حدثنا محمد بن مرزوق، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا علي بن زيد، عن أنس بن مالك، أن رسول الله (ص) قال: أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: يا ثبوراه وهم ينادون: يا ثبورهم حتى يقفوا على النار، وهو يقول: يا ثبوراه وهم ينادون: يا ثبورهم فيقال: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا ئ لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا) *. يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة: أهذه النار التي وصف لكم ربكم صفتها وصفة أهلها خير، أم بستان الخلد الذي يدوم نعيمه ولا يبيد، الذي وعد من اتقاه في الدنيا بطاعته فيما أمره ونهاه ؟ وقوله: كانت لهم جزاء ومصيرا يقول: كانت جنة الخلد للمتقين جزاء أعمالهم لله في الدنيا بطاعته وثواب تقواهم إياه ومصيرا لهم، يقول ومصيرا للمتقين يصيرون إليها في الآخرة. وقوله: لهم فيها ما يشاءون يقول: لهؤلاء المتقين في جنة الخلد التي وعدهموها الله، ما يشاءون مما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين. خالدين فيها، يقول: لابثين فيها ماكثين أبدا، لا يزولون عنها ولا يزول عنهم نعيمها. وقوله: كان على ربك وعدا مسئولا وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا: آتنا ما وعدتنا على رسلك يقول الله تبارك وتعالى: كان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد التي وصف صفتها في الآخرة، وعدا وعدهم الله على طاعتهم إياه في الدنيا ومسئلتهم إياه ذلك.

[ 250 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: كان على ربك وعدا مسئولا قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: كان على ربك وعدا مسئولا قال: سألوه إياه في الدنيا، طلبوا ذلك فأعطاهم وعدهم، إذ سألوه أن يعطيهم فأعطاهم، فكان ذلك وعدا مسئولا، كما وقت أرزاق العباد في الارض قبل أن يخلقهم فجعلها أقواتا للسائلين، وقت ذلك على مسئلتهم. وقرأ: وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: وعدا مسئولا إلى أنه معني به وعدا واجبا، وذلك أن المسئول واجب، وإن لم يسأل كالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب: لاعطينك ألفا وعدا مسئولا، بمعنى واجب لك فتسأله. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل) *. يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الاوثان وما يعبدون من دون الله من الملائكة والانس والجن. كما: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء قال: عيسى وعزير والملائكة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه أبو جعفر القارئ وعبد الله بن كثير: ويوم

[ 251 ]

يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول بالياء جميعا، بمعنى: ويوم يحشرهم ربك، ويحشر ما يعبدون من دون فيقول. وقرأته عامة قراء الكوفيين: نحشرهم بالنون، فنقول. وكذلك قرأه نافع. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقوله: فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء يقول: فيقول الله للذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ؟ يقول: أنتم أزلتموهم عن طريق الهدى ودعوتموهم إلى الغي والضلالة حتى تاهوا وهلكوا، أم هم ضلوا السبيل ؟ يقول: أم عبادي هم الذين ضلوا سبيل الرشد والحق وسلكوا العطب. القول في تأويل قوله تعالى: * (قالوا سبحانك ماكان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكرو كانوا قوما بورا) *. يقول تعالى ذكره: قالت الملائكة الذين كان هؤلاء المشركون يعبدونهم من دون الله وعيسى: تنزيها لك يا ربنا وتبرئه مما أضاف إليك هؤلاء المشركون، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء نواليهم، أنت ولينا من دونهم، ولكن متعتهم بالمال يا ربنا في الدنيا والصحة حتى نسوا الذكر وكانوا قوما هلكي قد غلب عليهم الشقاء والخذلان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا يقول: قوم قد ذهبت أعمالهم وهم في الدنيا، ولم تكن لهم أعمال صالحة. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وكانوا قوما بورا يقول: هلكى. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: وكانوا قوما بورا يقول: هلكى.

[ 252 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن الحسن: وكانوا قوما بورا قال: هم الذين لا خير فيهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وكانوا قوما بورا قال: يقول: ليس من الخير في شئ. البور: الذي ليس فيه من الخير شئ. واختلفت القراء في قراءة قوله: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء فقرأ ذلك عامة قراء الامصار: نتخذ بفتح النون سوى الحسن ويزيد بن القعقاع، فإنهما قرأه: أن نتخذ بضم النون. فذهب الذين فتحوها إلى المعنى الذي بيناه في تأويله، من أن الملائكة وعيسى ومن عبد من دون الله من المؤمنين هم الذين تبرءوا أن يكون كان لهم ولي غير الله تعالى ذكره. وأما الذين قرءوا ذلك بضم النون، فإنهم وجهوا معنى الكلام إلى أن المعبودين في الدنيا إنما تبرءوا إلى الله أن يكون كان لهم أن يعبدوا من دون الله جل ثناؤه، كما أخبر الله عن عيسى أنه قال إذا قيل أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه بفتح النون، لعلل ثلاث: إحداهن إجماع من القراء عليها. والثانية: أن الله جل ثناؤه ذكر نظير هذه القصة في سورة سبأ، فقال: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم، فأخبر عن الملائكة أنهم إذا سئلوا عن عبادة من عبدهم تبرءوا إلى الله من ولايتهم، فقالوا لربهم: أنت ولينا من دونهم، فذلك يوضح عن صحة قراءة من قرأ ذلك: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء بمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذهم من دونك أولياء. والثالثة: أن العرب لا تدخل من هذه التي تدخل في الجحد إلا في الاسماء، ولا تدخلها في الاخبار، لا يقولون: ما رأيت أخاك من رجل، وإنما يقولون: ما رأيت من أحد، وما عندي من

[ 253 ]

رجل وقد دخلت هاهنا في الاولياء وهي في موضع الخبر، ولو لم تكن فيها من، كان وجها حسنا. وأما البور: فمصدر واحد، وجمع للبائر، يقال: أصبحت منازلهم بورا: أي خالية لا شئ فيها، ومنه قولهم: بارت السوق وبار الطعام: إذا خلا من الطلاب والمشتري فلم يكن له طالب، فصار كالشئ الهالك ومنه قول ابن الزبعرى: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور وقد قيل: إن بور: مصدر، كالعدل والزور والقطع، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. وإنما أريد بالبور في هذا الموضع أن أعمال هؤلاء الكفار كانت باطلة لانها لم تكن لله، كما ذكرنا عن ابن عباس. القول في تأويل قوله تعالى: * (فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عما هو قائل للمشركين عند تبري من كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله منهم: قد كذبوكم أيها الكافرون من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم بما تقولون يعني بقولكم، يقول: كذبوكم بكذبكم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فقد كذبوكم بما تقولون يقول الله للذين كانوا يعبدون عيسى وعزيزا والملائكة، يكذبون المشركين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فقد كذبوكم بما تقولون قال: عيسى وعزير والملائكة، يكذبون المشركين بقولهم.

[ 254 ]

وكان ابن زيد يقول في تأويل ذلك، ما: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا قال: كذبوكم بما تقولون بما جاء من عند الله جاءت به الانبياء والمؤمنون آمنوا به وكذب هؤلاء. فوجه ابن زيد تأويل قوله: فقد كذبوكم إلى: فقد كذبوكم أيها المؤمنون المكذبون بما جاءهم به محمد من عند الله بما تقولون من الحق، وهو أن يكون خبرا عن الذين كذبوا الكافرين في زعمهم أنهم دعوهم إلى الضلالة وأمروهم بها، على ما قاله مجاهد من لقول الذي ذكرنا عنه، أشبه وأولى لانه في سياق الخبر عنهم. والقراءة في ذلك عندنا: فقد كذبوكم بما تقولون بالتاء، على التأويل الذي ذكرناه، لاجماع الحجة من قراء الامصار عليه. وقد حكي عن بعضهم أنه قرأه: فقد كذبوكم بما يقولون بالياء، بمعنى: فقد كذبوكم بقولهم. وقوله جل ثناؤه: فما تستطيعون صرفا ولا نصرا يقول: فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم، ولا نصرها من الله حين عذبها وعاقبها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: فما تستطيعون صرفا ولا نصرا قال: المشركون لا يستطيعونه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: فما تستطيعون صرفا ولا نصرا قال: المشركون. قال ابن جريج: لا يستطيعون صرف العذاب عنهم، ولا نصر أنفسهم. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فما يستطيعون صرفا ولا نصرا قال: لا يستطيعون يصرفون عنهم العذاب الذي نزل بهم حين كذبوا، ولا أن ينتصروا. قال: وينادي مناد يوم القيامة حين يجتمع الخلائق: ما لكم لا تناصرون ؟ قال: من عبد من دون الله لا ينصر اليوم من عبده، وقال العابدون من دون

[ 255 ]

الله لا ينصره اليوم إلهه الذي يعبد من دون الله، فقال الله تبارك وتعالى: بل هم اليوم مستسلمون. وقرأ قول الله جل ثناؤه: فإن كان لكم كيد فكيدون. وروي عن ابن مسعود في ذلك ما: حدثنا به أحمد بن يونس، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف عبد الله بن مسعود: فما يستطيعون لك صرفا. فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل الذي تأوله ابن زيد في قوله: فقد كذبوكم بما تقولون، ويصير قوله: فقد كذبوكم خبرا عن المشركين أنهم كذبوا المؤمنين، ويكون تأويل قوله حينئذ: فما يستطيعون صرفا ولا نصرا فما يستطيع يا محمد هؤلاء الكفار لك صرفا عن الحق الذي هداك الله له، ولا نصر أنفسهم، مما بهم من البلاء الذي هم فيه، بتكذيبهم إياك. يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: ومن يظلم منكم أيها المؤمنون يعني بقوله: ومن يظلم ومن يشرك بالله فيظلم نفسه فذلك نذقه عذابا كبيرا، كالذي ذكرنا أن نذيقه الذين كذبوا بالساعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثني الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ومن يظلم منكم قال: يشرك نذقه عذابا كبيرا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ومن يظلم منكم قال: هو الشرك. القول في تأويل قوله تعالى: * (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) *.

[ 256 ]

وهذا احتجاج من الله تعالى ذكره لنبيه على مشركي قومه الذين قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق وجواب لهم عنه، يقول لهم جل ثناؤه: وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق، من أكلك الطعام ومشيك في الاسواق، وأنت لله رسول فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة. فإن قال قائل: فإن من ليست في التلاوة، فكيف قلت معنى الكلام: إلا من إنهم ليأكلون الطعام ؟ قيل: قلنا في ذلك معناه: أن الهاء والميم في قوله: إنهم، كناية أسماء لم تذكر، ولا بد لها من أن تعود على من كني عنه بها، وإنما ترك ذكر من وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله: من المرسلين عليه، كما اكتفي في قوله: وما منا إلا له مقام معلوم من إظهار من، ولا شك أن معنى ذلك: وما منا إلا من له مقام معلوم، كما قيل: وإن منكم إلا واردها ومعناه: وإن منكم إلا من هو واردها فقوله: إنهم ليأكلون الطعام صلة ل من المتروك، كما يقال في الكلام: ما أرسلت إليك من الناس إلا من إنه ليبلغك الرسالة، فإنه ليبلغك الرسالة صلة لمن. وقوله: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة يقول تعالى ذكره: وامتحنا أيها الناس بعضكم ببعض، جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكا وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيرا وحرمناه الدنيا، لنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني، والملك بصبره على ما أعطيه الرسول من الكرامة، وكيف رضي كل إنسان منهم بما أعطى وقسم له، وطاعته ربه مع ما حرم مما أعطى غيره. يقول: فمن أجل ذلك لم أعط محمدا الدنيا، وجعلته يطلب المعاش في الاسواق، ولابتليكم أيها الناس، وأختبر طاعتكم ربكم وإجابتكم رسوله إلى ما دعاكم إليه، بغير عرض من الدنيا ترجونه من محمد أن يعطيكم على اتباعكم إياه لاني لو أعطيته الدنيا، لسارع كثير منكم إلى اتباعه طمعا في دنياه أن ينال منها. وبنحو الذي قلنا تأويل في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 257 ]

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: ثني عبد القدوس، عن الحسن، في قوله: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة... الآية، يقول هذا الاعمى: لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيا مثل فلان، ويقول هذا السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون قال: يمسك عن هذا ويوسع على هذا، فيقول: لم يعطني مثل ما أعطى فلانا، ويبتلي بالوجع كذلك، فيقول: لم يجعلني ربي صحيحا مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، قال: ثني محمد بن أبي محمد، فيما يروي الطبري، عن عكرمة، أو عن سعيد، عن ابن عباس، قال: وأنزل عليه في ذلك من قولهم: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق... الآية: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون أي جعلت بعضكم لبعض بلاء، لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم عليه الدنيا ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم. وقوله: وكان ربك بصيرا يقول: وربك يا محمد بصير بمن يجزع ومن يصبر على ما امتحن به من المحن. كما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: وكان ربك بصيرا إن ربك لبصير بمن يجزع ومن يصبر. (تم الجزء الثامن عشر من تفسير الامام محمد بن جرير الطبري ويليه الجزء التاسع عشر وأوله: القول في تأويل قوله تعالى (وقال الذين لا يرجون)...

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية