الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




جامع البيان - إبن جرير الطبري ج 16

جامع البيان

إبن جرير الطبري ج 16


[ 1 ]

جامع البيان عن تأويل آي القران تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 ه‍ قدم له الشيخ خليل الميس ضبط وتوثيق وتخريج صدقي جميل العطار الجزء السادس عشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع

[ 2 ]

جميع حقوق اعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه‍ / 1995 م

[ 3 ]

القول في تأويل قوله تعالى: * (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا) *. يقول: أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلانها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها بالخرق الذي خرقتها، كما: 17518 - حدثني محمد ابن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: فأردت أن أعيبها قال: أخرقها. حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن ابي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقوله: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وكان أمامهم وقدامهم ملك. كما: 17519 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: وكان وراءهم ملك قال قتادة: أمامهم، ألا ترى أنه يقول: من ورائهم جهنم وهي بين أيديهم. 17520 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان في القرآن: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. وقد ذكر عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ ذلك: وكان أمامهم ملك.

[ 4 ]

قال أبو جعفر: وقد جعل بعض أهل المعرفة بكلام العرب وراء من حروف الاضداد، وزعم أنه يكون لما هو أمامه ولما خلفه، واستشهد لصحة ذلك بقول الشاعر: أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي وقومي تميم والفلاة ورائيا بمعنى أمامي، وقد أغفل وجه الصواب في ذلك. وإنما قيل لما بين يديه: هو ورائي، لانك من ورائه، فأنت ملاقيه كما هو ملاقيك، فصار: إذ كان ملاقيك، كأنه من ورائك وأنت أمامه. وكان بعض أهل العربية من أهل الكوفة لا يجيز أن يقال لرجل بين يديك: هو ورائي، ولا إذا كان وراءك أن يقال: هو أمامي، ويقول: إنما يجوز ذلك في المواقيت من الايام والازمنة كقول القائل: وراءك برد شديد، وبين يديك حر شديد، لانك أنت وراءه، فجاز لانه شئ يأتي، فكأنه إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته صار بين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان. وقوله: يأخذ كل سفينة غصبا فيقول القائل: فما أغنى خرق هذا العالم السفينة التي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، معيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله في خرقها بأنه خرقها، لان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ؟ قيل: إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدع منها كمعيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال: وما الدليل على أن ذلك كذلك ؟ قيل: قوله: فأردت أن أعيبها فأبان بذلك أنه إنما عابها، لان المعيبة منها لا يعرض لها، فاكتفى بذلك من أن يقال: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا على أن ذلك في بعض القراءات كذلك. 17521 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: هي في حرف ابن مسعود: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. 17522 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني الحسن بن دينار، عن الحكم بن عيينة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: في قراءة أبي: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا. وإنما عبتها لارده عنها. 17523 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج

[ 5 ]

وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها. قال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي، أن اسم الرجل الذي يأخذ كل سفينة غصبا: هدد بن بدد. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما) *. يقول تعالى ذكره: وأما الغلام، فإنه كان كافرا، وكان أبواه مؤمنين، فعلمنا أنه يرهقهما. يقول: يغشيهما طغيانا، وهو الاستكبار على الله، وكفرا به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. وقد ذكر ذلك في بعض الحروف. وأما الغلام فكان كافرا. ذكر من قال ذلك: 17524 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: وأما الغلام فكان كافرا في حرف أبي، وكان أبواه مؤمنين فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما. 17525 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وأما الغلام فكان أبواه مومنين وكان كافرا بعض القراءة. وقوله: فخشينا وهي في مصحف عبد الله: فخاف ربك أن يرهقهما طغيانا وكفرا. 17526 - حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني، عنا بن إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب أن رسول الله (ص): الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا. والخشية والخوف توجههما العرب إلى معنى الظن، وتوجه هذه الحروف إلى معنى العلم بالشئ الذي يدرك من غير جهة الحس والعيان. وقد بينا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: معنى قوله خشينا في هذا الموضع: كرهنا، لان الله لا يخشى. وقال في بعض القراءات: فخاف ربك، قال: وهو مثل خفت الرجلين أن يعولا، وهو لا يخاف من ذلك أكثر من أنه يكرهه لهما.

[ 6 ]

وقوله: فأردنا أن يبدلهما ربهما: اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه جماعة من قراء المكيين والمدنيين والبصريين: فأردنا أن يبدلهما ربهما. وكان بعضهم يعتل لصحة ذلك بأنه وجد ذلك مشددا في عامة القرآن، كقول الله عز وجل: فبدل الذين ظلموا، وقوله: وإذا بدلنا آية مكان إية، فألحق قوله: فأردنا أن يبدلهما به. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: فأردنا أن يبدلهما بتخفيف الدال. وكان بعض من قرأ ذلك كذلك من أهل العربية يقول: أبدل يبدل بالتخفيف وبدل يبدل بالتشديد: بمعنى واحد. والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقيل: إن الله عز وجل أبدل أبوي الغلام الذي قتله صاحب موسى منه بجارية. ذكر من قال ذلك: 17527 - حدثني يعقوب، قال: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا المبارك بن سعيد، قال: ثنا عمرو بن قيس في قوله: فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما قال: بلغني أنها جارية. 17528 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، أخبرني سليمان بن أمية أنه سمع يعقوب بن عاصم يقول: أبدلا مكان الغلام جارية. 17529 - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أنه سمع سعيد بن جبير يقول: أبدلا مكان الغلام جارية. وقال آخرون: أبدلهما ربهما بغلام مسلم. ذكر من قال ذلك: 17530 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج فأرد أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما قال: كانت أمه حبلى يومئذ بغلام مسلم. 17531 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، أنه ذكر الغلام الذي قتله الخضر، فقال: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيماط يكره خير له من قضائه فيما يحب.

[ 7 ]

وقوله: خيرا منه زكاة يقول: خيرا من الغلام الذي قتله صلاحا ودينا، كما: 17532 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة قال: الاسلام. وقوله: وأقرب رحما اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأقرب رحمة بوالديه وأبر بهما من المقتول. ذكر من قال ذلك: 17533 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة وأقرب رحما: أبر بوالديه. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة وأقرب رحما أي أقرب خيرا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول. ذكر من قال ذلك: 17534 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج وأقرب رحما أرحم به منهما بالذي قتل الخضر. وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك: وأقرب أن يرحماه والرحم: مصدر رحمت، يقال: رحمته رحمة ورحما. وكان بعض البصريين يقول: من الرحم والقرابة. وقد يقال: رحم ورحم مثل عسر وعسر، وهلك وهلك، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج: ولم تعوج رحم من تعوجا ولا وجه للرحيم في هذا الموضع. لان المقتول كان الذي أبدل الله منه والديه ولدا لابوي المقتول، فقرابتهما من والديه، وقربهما منه في الرحيم سواء. وإنما معنى ذلك: وأقرب من المقتول أن يرحم والديه فيبرهما كما قال قتادة. وقد يتوجه الكلام إلى أن يكون معناه. وأقرب أن يرحماه، غير أنه لا قائل من أهل تأويل تأوله كذلك. فإذ لم يكن فيه قائل، فالصواب فيه ما قلنا لما بينا. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 8 ]

* (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول صاحب موسى: وأما الحائط الذي أقمته، فإنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. اختلف أهل التأويل في ذلك الكنز، فقال بعضهم: كان صحفا فيها علم مدفونة. ذكر من قال ذلك: 17535 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وكان تحته كنز لهما قال: كان تحته كنز علم. 17536 - حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن سعيد بن جبير: وكان تحته كنز لهما قال: كان كنز علم. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير وكان تحته كنز لهما قال: علم. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير وكان تحته كنز لهما قال: علم. 17537 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله وكان تحته كنز لهما قال: صحف لغلامين فيها علم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: صحف علم. 17538 - حدثني أحمد بن حازم الغفاري، قال: ثنا هنادة ابنة مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله عز وجل: وكان تحته كنز لهما قال: سطران ونصف، لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل، وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح وقد قال: وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا

[ 9 ]

حاسبين قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الاب الذي حفظا به سبعة آباء، كان نساجا. 17539 - حدثني يعقوب، قال: ثنا الحسن ابن حبيب بن ندبة، قال: ثنا سلمة بن محمد، عن نعيم العنبري، وكان من جلساء الحسن، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: وكان تحته كنز لهما قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن يؤمن كيف يحزن وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها، كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله، محمد رسول الله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما كان الكنز إلا علما. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، في قوله وكان تحته كنز لهما قال: صحف من علم. 17540 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وعب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، عن عمر مولى غفرة، قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف وكان تحته كنز لهما قال: كان لوحا من ذهب مصمت، مكتوبا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. عجب ممن عرف الموت ثم ضحك، عجب ممن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب ممن أيقن بالموت ثم أمن، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. وقال آخرون: بل كان مالا مكنوزا. ذكر من قال ذلك: 17541 - حدثني يعقوب، قال: ثنا هشام، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة وكان تحته كنز لهما قال: كنز مال. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عكرمة، مثله.

[ 10 ]

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، عن شعبة، قال: أخبرني أبو حصين، عن عكرمة، مثله، قال شعبة: ولم نسمعه منه. 17542 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وكان تحته كنز لهما قال: مال لهما، قال قتادة: أحل الكنز لمن كان قبلنا، وحرم علينا، فإن الله يحل من أمره ما يشاء، ويحرم، وهي السنن والفرائض، ويحل لامة، ويحرم على أخرى، لكن الله لا يقبل من أحد مضى إلا الاخلاص والتوحيد له. وأولى التأويلين في ذلك بالصواب: القول الذي قاله عكرمة، لان المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الاغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك، لعلل قد بيناها في غير موضع. وقوله: وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما يقول: فأراد ربك أن يدركا ويبلغا قوتهما وشدتهما، ويستخرجا حينئذ كنزهما المكنوز تحت الجدار الذي أقمته، رحمة من ربك بهما، يقول: فعلت فعل هذا بالجدار، رحمة من ربك لليتيمين. وكان ابن عباس يقول في ذلك ما: 17543 - حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس، في قوله وكان أبوهما صالحا قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا سفيان، عن مسعر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بمثله. وقوله: وما فعلته عن أمري يقول: وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به، كما: 17544 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وما فعلته عن أمري: كان عبدا مأمورا، فمضى لامر الله. 17545 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: وما فعلته عن أمري ما رأيت أجمع ما فعلته عن نفسي. وقوله: ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا يقول: هذا الذي ذكرت لك من

[ 11 ]

الاسباب التي من أجلها فعلت الافعال التي استنكرتها مني، تأويل. يقول: ما تؤول إليه وترجع الافعال التي لم تسطع على ترك مسألتك إياي عنها، وإنكارك لها صبرا. وهذه القصص التي أخبر الله عزوجل نبيه محمد (ص) بها عن موسى وصاحبه، تأديب منه له، وتقدم إليه بترك الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه واستهزؤوا به وبكتابه، وإعلام منه له أن أفعاله بهم وإن جرت فيما ترى الاعين بما قد يجري مثله أحيانا لاوليائه، فإن تأويله صائر بهم إلى أحوال أعدائه فيها، كما كانت أفعال صاحب موسى واقعة بخلاف الصحة في الظاهر عند موسى، إذ لم يكن عالما بعواقبها، وهي ماضية على الصحة في الحقيقة وائلة إلى الصواب في العاقبة، ينبئ عن صحة ذلك قوله: وربك الغفور ذو الرحمة لو يوءاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا. ثم عقب ذلك بقصة موسى وصاحبه، يعلم نبيه أن تركه جل جلاله تعجيل العذاب لهؤلاء المشركين، بغير نظر منه لهم، وإن كان ذلك فيما يحسب من لا علم له بما اللهمدبر فيهم، نظرا منه لهم، لان تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي الدائم. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا فأتبع سببا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم: سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول: سأقص عليكم منه خبرا. وقد قيل: إن الذين سألوا رسول الله (ص) عن أمر ذي القرنين، كانوا قوما من أهل الكتاب. فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل. وأما الخبر بأن الذين سألوه، كانوا قوما من أهل الكتاب. 17546 - فحدثنا به أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة، قال: ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن شيخين من نجيب، قال: أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدث، قالا: فأتياه فقالا: جئنا لتحدثنا، فقال: كنت يوما أخدم رسول الله (ص)، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل

[ 12 ]

رسول الله (ص)، فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه، فأخبرته، فقال: ما لي وما لهم، ما لي علم إلا ما علمني الله، ثم قال: اسكب لي ماء، فتوضأ ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال: أدخلهم علي، ومن رأيت من أصحابي فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا، وإن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى أخبرنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الاسكندرية فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء، فقال له ما ترى ؟ فقال: أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى ؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى ؟ قال: أرى الارض، قال: فهذا أليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السد، وهو جبلان لينان يزلق عنهما كل شئ، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم. واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لذي القرنين: ذو القرنين، فقال بعضهم: قيل له ذلك من أجل أنه ضرب على قرنه فهلك، ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك. ذكر من قال ذلك: 17547 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبيد المكتب، عن أبي الطفيل، قال: سأل ابن الكواء عليا عن ذي القرنين، فقال: هو عبد أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه فقتلوه، ثم بعثه الله، فضربوه على قرنه فمات. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي رضوان الله عليه عن ذي القرنين، فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا وسألوه عن ذي القرنين أنبيا كان ؟

[ 13 ]

قال: كان عبدا صالحا، أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه، فضربوه ضربتين في رأسه، فسمي ذا القرنين، وفيكم اليوم مثله. وقال آخرون في ذلك بما: 17548 - حدثني به محمد بن سهل البخاري، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين ملكا، فقيل له: فلم سمي ذا القرنين ؟ قال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال آخرون: إنما سمي ذلك لان صفحتي رأسه كانتا من نحاس. ذكر من قال ذلك: 17549 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، قال: إنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس. وقوله: إنا مكنا له الارض وآتيناه من كل شئ سببا يقول: إنا وطأنا له في الارض، وآتيناه من كل شئ سببا يقول: وآتيناه من كل شئ: يعني ما يتسبب إليه وهو العلم به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17550 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وآتيناه من كل شئ سببا يقول: علما. 17551 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وآتيناه من كل شئ سببا: أي علما. 17552 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وآتيناه من كل شئ سببا قال: من كل شئ علما. 17553 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: وآتيناه من كل شئ سببا قال: علم كل شئ. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وآتيناه من كل شئ سببا علما.

[ 14 ]

17554 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وآتيناه من كل شئ سببا يقول: علما. وقوله: فأتبع سببا اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: فاتبع بوصل الالف، وتشديد التاء، بمعنى: سلك وسار، من قول القائل: اتبعت أثر فلان: إذا قفوته وسرت وراءه. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة فأتبع بهمز، وتخفيف التاء، بمعنى لحق. وأولى القراءتين في ذلك بالصواب: قراءة من قرأ: فاتبع بوصل الالف، وتشديد التاء، لان ذلك خبر من الله تعالى ذكره عن مسير ذي القرنين في الارض التي مكن له فيها، لا عن لحاقه السبب، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17555 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس فاتبع سببا يعني بالسبب: المنزل. 17556 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: سببا قال: منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. حدثني محمد بن عمارة الاسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد فاتبع سببا قال: طريقا في الارض. 17557 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فاتبع سببا: اتبع منازل الارض ومعالمها. 17558 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله فاتبع سببا قال: هذه الآن سبب الطرق كما قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الاسباب أسباب السموات قال: طرق السموات.

[ 15 ]

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: فاتبع سببا قال: منازل الارض. 17559 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: فاتبع سببا قال: المنازل. القول في تأويل قوله تعالى: * (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا) *. يقول تعالى ذكره: حتى إذا بلغ ذو القرنين مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة، فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء المدينة والبصرة: في عين حمئة بمعنى: أنها تغرب في عين ماء ذات حمأة، وقرأته جماعة من قراء المدينة، وعامة قراء الكوفة: في عين حامية يعني أنها تغرب في عين ماء حارة. واختلف أهل التأويل في تأويلهم ذلك على نحو اختلاف القراء في قراءته. ذكر من قال: تغرب في عين حمئة: 17560 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس وجدها تغرب في عين حمئة قال: في طين أسود. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الاعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ في عين حمئة قال: ذات حمأة. 17561 - حدثنا الحسين بن الجنيد، قال: ثنا سعيد بن مسلمة، قال: ثنا إسماعيل بن علية، عن عثمان بن حاضر، قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: قرأ معاوية هذه الآية، فقال: عين حامية فقال ابن عباس: إنها عين حمئة، قال: فجعلا كعبا بينهما، قال: فأرسلا إلى كعب الاحبار، فسألاه، فقال كعب: أما الشمس فإنها تغيب في ثأط، فكانت على ما قال ابن عباس، والثأط: الطين. حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني نافع بن أبي نعيم، قال: سمعت عبد الرحمن الاعرج يقول: كان ابن عباس يقول في عين حمئة ثم فسرها: ذات

[ 16 ]

حمأة، قال نافع: وسئل عنها كعب، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وجدها تغرب في عين حمئة قال: هي الحمأة. 17562 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في عين حمئة قال: ثأط. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قول الله عز ذكره تغرب في عين حمئة قال: ثأطة. قال: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قرأت في عين حمئة وقرأ عمرو بن العاص في عين حامية فأرسلنا إلى كعب، فقال: إنها تغرب في حمأة طينة سوداء. 17563 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة تغرب في عين حمئة والحمئة: الحمأة السوداء. حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن ورقاء، قال: سمعت سعيد بن جبير، قال: كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف في عين حمئة ويقول: حمأة سوداء تغرب فيها الشمس. وقال آخرون: بل هي تغيب في عين حارة. ذكر من قال ذلك: 17564 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس وجدها تغرب في عين حامية يقول: في عين حارة. 17565 - حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول: في عين حامية قال: حارة. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: في عين حامية قال: حارة، وكذلك قرأها الحسن. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الامصار، ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم، وكلا وجهيه غير مفسد أحدهما

[ 17 ]

صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ في عين حامية وصفها بصفتها التي هي لها، وهي الحرارة، ويكون القارئ في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأة وطين. وقد روي بكلا صيغتيها اللتين قلت إنهما من صفتيها أخبار. 17566 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام، قال: ثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: نظر رسول الله (ص) إلى الشمس حين غابت، فقال: في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لاحرقت ما على الارض. 17567 - حدثني الفضل بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب أن النبي (ص) أقرأه: حمئة. وقوله: ووجد عندها قوما ذكر أن أولئك القوم يقال لهم: ناسك. وقوله: قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب يقول: إما أن تقتلهم إن هم لم يدخلوا في الاقرار بتوحيد الله، ويذعنوا لك بما تدعوهم إليه من طاعة ربهم وإما أن تتخذ فيهم حسنا يقول: وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا) *. يقول جل ثناؤه قال أما من ظلم فسوف نعذبه يقول: أما من كفر فسوف نقتله، كما: 17568 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: أما من ظلم فسوف نعذبه قال: هو القتل. وقوله: ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا يقول: ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله، فيعذبه عذابا عظيما، وهو النكر، وذلك عذاب جهنم. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 18 ]

* (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) *. يقول: وأما من صدق الله منهم ووحده، وعمل بطاعته، فله عند الله الحسنى، وهي الجنة، جزاء يعني ثوابا على إيمانه، وطاعته ربه. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: فله جزاء الحسنى برفع الجزاء وإضافته إلى الحسنى. وإذا قرئ ذلك كذلك، فله وجهان من التأويل: أحدهما: أن يجعل الحسنى مرادا بها إيمانه وأعماله الصالحة، فيكون معنى الكلام إذا أريد بها ذلك: وإما من آمن وعمل صالحا فله جزاؤها، يعني جزاء هذه الافعال الحسنة. والوجه الثاني: أن يكون معنيا بالحسنى: الجنة، وأضيف الجزاء إليها، كما قيل ولدار الآخرة خير والدار: هي الآخرة، وكما قال: وذلك دين القيمة والدين: هو القيم . وقرأ آخرون: فله جزاء الحسنى بمعنى: فله الجنة جزاء فيكون الجزاء منصوبا على المصدر، بمعنى: يجازيهم جزاء الجنة. وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندي قراءة من قرأه: فله جزاء الحسنى بنصب الجزاء وتنوينه على المعنى الذي وصفت، من أن لهم الجنة جزاء، فيكون الجزاء نصبا على التفسير. وقوله: وسنقول له من أمرنا يسرا يقول: وسنعلمه نحن في الدنيا ما تيسر لنا تعليمه مما يقر به إلى الله ويلين له من القول. وكان مجاهدا يقول نحوا مما قلنا في ذلك. 17569 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: من أمرنا يسرا قال معروفا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 19 ]

* (ثم أتبع سببا ئ حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ئ كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا) *. يقول تعالى ذكره: ثم سار وسلك ذو القرنين طرقا ومنازل، كما: 17570 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ثم أتبع سببا يعني منزلا. 17571 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ثم أتبع سببا: منازل الارض ومعالمها. حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا: يقول تعالى ذكره: ووجد ذو القرنين الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا، وذلك أن أرضهم لا جبل فيها ولا شجر، ولا تحتمل بناء، فيسكنوا البيوت، وإنما يغورون في المياه، أو يسربون في الاسراب. كما: 17572 - حدثني إبراهيم بن المستمر، قال: ثنا سليمان بن داود وأبو داود، قال: ثنا سهل بن أبي الصلت السراج، عن الحسن تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قال: كانت أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تغوروا في الماء، فإذا غربت خرجوا يتراعون، كما ترعى البهائم، قال: ثم قال الحسن: هذا حديث سمرة. 17573 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا ذكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه البناء، وإنما يكونون في أسراب لهم، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا إلى معايشهم وحروثهم، قال: كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا. 17574 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس دخلوا أسرابا لهم تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، وجاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام ؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ها هنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الارض.

[ 20 ]

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قال: بلغنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليهم بناء، فكانوا يدخلون في أسراب لهم إذا طلعت الشمس، حتى تزول عنهم، ثم يخرجون إلى معايشهم. وقال آخرون: هم الزنج. ذكر من قال ذلك: 17575 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا قال: يقال: هم الزنج. وأما قوله: كذلك فإن معناه: ثم أتبع سببا كذلك، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وكذلك: من صلة أتبع. وإنما معنى الكلام: ثم أتبع سببا، حتى بلغ مطلع الشمس، كما أتبع سببا حتى بلغ مغربها. وقوله: وقد أحطنا بما لديه خبرا يقول: وقد أحطنا بما عند مطلع الشمس علما، لا يخفى علينا مما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم، ولا من غيرهم، شئ. وبالذي قلنا في معنى الخبر، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17576 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: خبرا قال: علما. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. 17577 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا قال: علما. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا) *. يقول تعالى ذكره: ثم سار طرقا ومنازل، وسلك سبلا حتى إذا بلغ بين السدين. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة بعض الكوفيين: حتى إذا

[ 21 ]

بلغ بين السدين بضم السين وكذلك جميع ما في القرآن من ذلك بضم السين. وكان بعض قراء المكيين يقرؤه بفتح ذلك كله. وكان أبو عمرو بن العلاء يفتح السين في هذه السورة، ويضم السين في يس، ويقول: السد بالفتح: هو الحاجز بينك وبين الشئ والسد بالضم: ما كان من غشاوة في العين. وأما الكوفيون فإن قراءة عامتهم في جميع القرآن بفتح السين غير قوله: حتى إذا بلغ بين السدين فإنهم ضموا السين في ذلك خاصة. وروي عن عكرمة في ذلك ما: 17578 - حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد، يعني بالفتح، وما كان من صنع الله فهو السد. وكان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد. والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الامصار، ولغتان متفقتا المعنى غير مختلفة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولا معنى للفرق الذي ذكر عن أبي عمرو بن العلاء، وعكرمة بين السد والسد، لانا لم نجد لذلك شاهدا يبين عن فرقان ما بين ذلك على ما حكي عنهما. ومما يبين ذلك أن جمع أهل التأويل الذي روي لنا عنهم في ذلك قول، لم يحك لنا عن أحد منهم تفصيل بين فتح ذلك وضمه، ولو كان مختلفي المعنى لنقل الفصل مع التأويل إن شاء الله، ولكن معنى ذلك كان عندهم غير مفترق، فيفسر الحرف بغير تفصيل منهم بين ذلك. وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك، فإن الذي نقل ذلك عن أيوب وهارون، وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه. والسد والسد جميعا: الحاجز بين الشيئين، وهما ههنا فيما ذكر جبلان سد ما بينهما، فردم ذو القرنين حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن وراءهم، ليقطع ماد غوائلهم وعيثهم عنهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17579 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس حتى إذا بلغ بين السدين قال: الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال: الجبلان: أرمينية وأذربيجان. 17580 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان. 17581 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: بين السدين يعني بين جبلين.

[ 22 ]

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: بين السدين قال: هما جبلان. وقوله وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا يقول عز ذكره: وجد من دون السدين قوما لا يكادون يفقهون قول القائل سوى كلامهم. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله يفقهون فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة يفقهون قولا بفتح القاف والياء، من فقه الرجل يفقه فقها. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة يفقهون قولا بضم الياء وكسر القاف: من أفقهت فلانا كذا أفقهه إفقاها: إذا فهمته ذلك. والصواب عندي من القول في ذلك، أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الامصار، غير دافعة إحداهما الاخرى وذلك أن القوم الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر جائز أن يكونوا لا يكادون يفقهون قولا لغيرهم عنهم، فيكون صوابا القراءة بذلك. وجائز أن يكونوا مع كونهم كذلك كانوا لا يكادون أن يفقهوا غيرهم لعلل: إما بألسنتهم، وإما بمنطقهم، فتكون القراءة بذلك أيضا صوابا. وقوله: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض اختلفت القراء في قراءة قوله إن يأجوج ومأجوج فقرأت القراء من أهل الحجاز والعراق وغيرهم: إن يأجوج ومأجوج بغير همز على فاعول من يججت ومججت، وجعلوا الالفين فيهما زائدتين، غير عاصم بن أبي النجود والاعرج، فإنه ذكر أنهما قرآ ذلك بالهمز فيهما جميعا، وجعلا الهمز فيهما من أصل الكلام، وكأنهما جعلا يأجوج: يفعول من أججت، ومأجوج: مفعول. والقراءة التي هي القراءة الصحيحة عندنا، أن يأجوج ومأجوج بألف بغير همز لاجماع الحجة من القراء عليه، وأنه الكلام المعروف على ألسن العرب ومنه قول رؤبة بن العجاج. لو أن ياجوج وماجوج معا وعاد عادوا واستجاشوا تبعا وهم أمتان من وراء السد. وقوله: مفسدون في الارض اختلف أهل التأويل في معنى الافساد الذي وصف الله به هاتين الامتين، فقال بعضهم: كانوا يأكلون الناس. ذكر من قال ذلك:

[ 23 ]

17582 - حدثنا أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا إبراهيم بن أيوب الخوزاني، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت سعيد بن عبد العزيز يقول في قوله إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض قال: كانوا يأكلون الناس. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الارض، لا أنهم كانوا يومئذ يفسدون. ذكر من قال ذلك، وذكر صفة اتباع ذي القرنين الاسباب التي ذكرها الله في هذه الآية، وذكر سبب بنائه للردم: 17583 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثني بعض من يسوق أحاديث الاعاجم من أهل الكتاب، ممن قد أسلم، مما توارثو من علم ذي القرنين، أن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر اسمه مرزبا بن مردبة اليوناني، من ولد يونن بن يافث بن نوح. 17584 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان الكلاعي، وكان خالد رجلا قد أدرك الناس أن رسول الله (ص) سئل عن ذي القرنين فقال: ملك مسح الارض من تحتها بالاسباب قال خالد: وسمع عمر بن الخطاب رجلا يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تسموا بأسماء الانبياء، حتى تسموا بأسماء الملائكة ؟ فإن كان رسول الله (ص) قال ذلك، فالحق ما قال، والباطل ما خالفه. 17585 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، قال: فحدثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالاحاديث الاول، أنه كان يقول: ذو القرنين رجل من الروم. ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الاسكندر. وإنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عز وجل له: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الارض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الارض ومنهم أمتان بينهما طول الارض كله ومنهم أمتان بينهما عرض الارض كله، وأمم في وسط الارض منهم الجن والانس ويأجوج

[ 24 ]

ومأجوج. فأما الامتان اللتان بينهما طول الارض: فأمه عند مغرب الشمس، يقال لها: ناسك. وأما الاخرى: فعند مطلعها يقال لها: منسك. وأما اللتان بينهما عرض الارض، فأمة في قطر الارض الايمن، فقال لها: هاويل. وأما، الاخرى التي في قطر الارض الايسر، فأمة يقال لها: تأويل فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني لامر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الامم التي بعثتني إليها، بأي قوة أكابرهم، وبأي جمع أكاثرهم، وبأي حيلة أكايدهم، وبأي صبر أقاسيهم، وبأي لسان أناطقهم، وكيف لي بأن أفقه لغاتهم، وبأي سمع أعي قولهم، وبأي بصر أنفذهم، وبأي حجة أخاصمهم، وبأي قلب أعقل عنهم، وبأي حكمة أدبر أمرهم، وبأي قسط أعدل بينهم، وبأي حلم أصابرهم، وبأي معرفة أفصل بينهم، وبأي علم أتقن أمورهم، وبأي يد أسطو عليهم، وبأي رجل أطؤهم، وبأي طاقة أخصمهم، وبأي جند أقاتلهم، وبأي رفق أستألفهم، فإنه ليس عندي يا إلهي شئ مما ذكرت يقول لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرب الرحيم، الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا تحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها، بل أنت ترأفها وترحمها. قال الله عز وجل: إني سأطوقك ما حملتك، أشرح لك صدرك، فيسع كل شئ وأشرح لك فهمك فتفقه كل شئ، وأبسط لك لسانك، فتنطق بكل شئ، وأفتح لك سمعك فتعي كل شئ، وأمد لك بصرك، فتنفذ كل شئ، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شئ، وأحصي لك فلا يفوتك شئ، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شئ، وأشد لك ظهرك، فلا يهدك شئ، وأشد لك ركنك فلا يغلبك شئ، وأشد لك قلبك فلا يروعك شئ، وأسخر لك النور والظلمة، فأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور أمامك، وتحوطك الظلمة من ورائك، وأشد لك عقلك فلا يهولك شئ، وأبسط لك من بين يديك، فتسطو فوق كل شئ، وأشد لك وطأتك، فتهد كل شئ، وألبسك الهيبة فلا يرومك شئ. ولما قيل له ذلك، انطلق يؤم الامة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم، وجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، وقوة وبأسا لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأهواء متشتتة، وقلوبا متفرقة فلما رأى ذلك كاثرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، فأحاطتهم من كل مكان، وحاشتهم حتى جمعتهم في مكان واحد، ثم أخذ عليه بالنور، فدعاهم إلى الله وإلى عبادته، فمنهم من آمن له، ومنهم من صد، فعمد إلى الذين تولوا

[ 25 ]

عنه، فأدخل عليهم الظلمة، فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيتهم من فوقهم، ومن تحتهم ومن كل جانب منهم، فماجوا فيها وتحيروا فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم وأخدهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا، ثم انطلق بهم يقودهم، والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلهم، وهو يسير في ناحية الارض اليمنى، وهو يريد الامة التي في قطر الارض الايمن التي يقال لها هاويل، وسخر الله له يده وقلبه ورأيه وعقله ونظره وائتماره، فلا يخطئ إذا ائتمر، وإذا عمل عملا أتقنه. فانطلق يقود تلك الامم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال النعال، فنظمها في ساعة، ثم جعل فيها جميع من معه من تلك الامم وتلك الجنود، فإذا قطع الانهار والبحار فتقها، ثم دفع إلى كل إنسان لوحا فلا يكرثه حمله، فلم يزل كذلك دأبة حتى انتهى إلى هاويل، فعمل فيها كعمله في ناسك. فلما فرغ منها مضى على وجهه في ناحية الارض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس، فعمل فيها وجند منها جنودا، كفعله في الامتين اللتين قبلها، ثم كر مقبلا في ناحية الارض اليسرى، وهو يريد تأويل وهي الامة التي بجيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الارض كله فلما بلغها عمل فيها، وجند منها كفعله فيما قبلها فلما فرغ منها عطف منها إلى الامم التي وسط الارض من الجن وسائر الناس، ويأجوج ومأجوج فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع الترك نحو المشرق، قالت له أمة من الانس صالحة: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله، وكثير منهم مشابه للانس، وهم أشباه البهائم، يأكلون العشب، ويفترسون الدواب والوحوش كما تفترسها السباع، ويأكلون خشاش الارض كلها من الحيات والعقارب، وكل ذي روح مما خلق الله في الارض، وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم، ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم مدة على ما نرى من نمائهم وزيادتهم، فلا شك أنهم سيملئون الارض، ويجلون أهلها عنها ويظهرون عليها فيفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلا ونحن نتوقعهم، وننتظر أن يطلع علينا أوائلهم من بين هذين الجبلين فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة

[ 26 ]

أجعل بينكم وبينهم ردما أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم. ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم، فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، مبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخالب في موضع الاظفار من أيدينا، وأضراس وأنياب كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الابل قوة تسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرة من الابل، أو كقضم الفحل المسن، أو الفرس القوي، وهم هلب، عليهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم، وما يتقون به الحر والبرد إذا أصابهم ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان: إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والاخرى زغبة ظهرها وبطنها، تسعانة إذا لبسهما، يلتحف إحداهما، ويفترش الاخرى، ويصيف في إحداهما، ويشتى في الاخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره، وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الانثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت، وهم يرزقون التنين يام الربيع، ويستمطرونه إذا تحينوه كما نستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد، فيأكلونه عامهم كله إلى مثله من العام القابل، فيغنيهم على كثرتهم ونمائهم، فإذا أمطروا وأخصبوا وعاشوا وسمنوا، ورؤي أثره عليهم، فدرت عليهم الاناث، وشبقت منهم الرجال الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأجدبوا، وجفرت الذكور، وحالت الاناث، وتبين أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الكلاب، ويتسافدون حيث التقوا تسافد البهائم. فلما عاين ذلك منهم ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين، فقاس ما بينهما وهو في منقطع أرض الترك مما يلي مشرق الشمس، فوجد بعد ما بينهما مئة فرسخ فلما أنشأ في عمله، حفر له أساسا حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا، وجعل حشوه الصخور، وطينه النحاس، يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الارض، ثم علاه وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار

[ 27 ]

كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد فلما فرغ منه وأحكمه، انطلق عامدا إلى جماعة الانس والجن فبينا هو يسير، دفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة، يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتآسون ويتراحمون، حالهم واحدة، وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة، وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متألفة، وسيرتهم حسنة، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، وليس بينهم أغنياء، ولا ملوك، ولا أشراف، ولا يتفاوتون، ولا يتفاضلون، ولا يختلفون، ولا يتنازعون، ولا يستبون، ولا يقتتلون، ولا يقحطون، ولا يحر دون، ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين، ولا فقير، ولا فظ، ولا غليظ فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم، عجب منه وقال: أخبروني أيها القوم خبركم، فإني قد أحصيت الارض كلها برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها، فلم أجد مثلكم، فأخبروني خبركم قالوا: نعم، فسلنا عما تريد، قال: أخبروني، ما بال قبور موتاكم على أبواب بيوتكم ؟ قالوا: عمدا فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب ؟ قالوا: ليس فينا متهم، وليس منا إلا أمين مؤتمن قال: فما لكم ليس عليكم أمراء ؟ قالوا: لا نتظالم قال: فما بالكم ليس فيكم حكام ؟ قالوا: لا نختصم قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء ؟ قالوا: لا نتكاثر قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك ؟ قالوا: لا نتكابر قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون ؟ قالوا: من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا قال: فما بالكم لا تستبون ولا تقتتلون ؟ قالوا: من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم، وسسنا أنفسنا بالاحلام قال: فما بالكم كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة مستوية ؟ قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب، ولا نتخادع، ولا يغتاب بعضنا بعضا قال: فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم ؟ قالوا: صحت صدورنا، فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير ؟ قالوا: من قبل أنا نقتسم بالسوية قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع قال: فما جعلكم أطول الناس أعمارا ؟ قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل قال: فما بالكم لا تقحطون ؟ قالوا: لا نغفل عن الاستغفار قال: فما بالكم لا تحردون ؟ قالوا: من قبل أنا وطأنا أنفسنا للبلاء منذ كنا، وأحببناه وحرصنا عليه، فعرينا منه قال: فما بالكم

[ 28 ]

لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس ؟ قالوا: لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل بالانواء والنجوم قال: حدثوني أهكذا وجدتم آباءكم يفعلون ؟ قالوا: نعم وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمن جهل عليهم، ويستغفرون لمن سبهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويوفون بعهودهم، ويصدقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم، ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله لهم بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء، وكان حقا على الله أن يحفظهم في تركتهم. 17586 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن نبي الله (ص): إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فتحفرونه غدا، فيعيده الله وهو كهيئته يوم تركوه، حتى إذا جاء الوقت قال: إن شاء الله، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فيرجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهل الارض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم فتقتلهم فقال رسول الله (ص): والذي نفس محمد بيده إن دواب الارض لتسمن وتشكر من لحومهم. 17587 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري ثم الظفري، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الاشهل، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله عزوجل وهم من كل حدب ينسلون فيغشون الارض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، فيشربون مياه الارض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه، حتى يتركوه يابسا، حتى إن بعدهم ليمر بذلك النهر، فيقول: لقد كان ها هنا ماء مرة، حتى لم يبق من الناس أحد إلا انحاز إلى حصن أو

[ 29 ]

مدينة، قال قائلهم: هولاء أهل الارض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء، قال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مخضبة دما للبلاء والفتنة. فبيناهم على ذلك، بعث الله عليهم دودا في أعناقهم كالنغف، فتخرج في أعناقهم فيصبحون موتى، لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل العدو، قال: فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه، قد وطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين، ألا أبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنهم أحسن ما شكرت عن شئ من النبات أصابت قط. 17588 - حدثني بحر بن نصر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني معاوية، عن أبي الزاهرية وشريح بن عبيد: أن يأجوج ومأجوج ثلاثة أصناف: صنف طولهم كطول الارز، وصنف طوله وعرضه سواء، وصنف يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالاخرى فتغطى سائر جسده. 17589 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض قال: كان أبو سعيد الخدري يقول: إن نبي الله (ص) قال: لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل قال: وكان عبد الله بن مسعود يعجب من كثرتهم ويقول: لا يموت من يأجوج ومأجوج أحد يولد له ألف رجل من صلبه. فالخبر الذي ذكرناه عن وهب بن منبه في قصة يأجوج ومأجوج، يدل على أن الذين قالوا لذي القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض إنما أعلموه خوفهم ما يحدث منهم من الافساد في الارض، لا أنهم شكوا منهم فسادا كان منهم فيهم أو في غيرهم، والاخبار عن رسول الله (ص) أنهم سيكون منهم الافساد في الارض، ولا دلالة فيها أنهم قد كان منهم قبل إحداث ذي القرنين السد الذي أحدثه بينهم وبين من دونهم من الناس في الناس غيرهم إفساد. فإذا كان ذلك كذلك بالذي بينا، فالصحيح من تأويل قوله إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض إن يأجوج ومأجوج سيفسدون في الارض.

[ 30 ]

وقوله فهل نجعل لك خرجا اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: فهل نجعل لك خرجا كأنهم نحوا به نحو المصدر من خرج الرأس، وذلك جعله. وقرأته عامة قراء الكوفيين: فهل نجعل لك خراجا بالالف، وكأنهم نحوا به نحو الاسم، وعنوا به أجرة على بنائك لنا سدا بيننا وبين هؤلاء القوم. وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب قراءة من قرأه: فهل نجعل لك خراجا بالالف، لان القوم فيما ذكر عنهم، إنما عرضوا على ذي القرنين أن يعطوه من أموالهم ما يستعين به على بناء السد، وقد بين ذلك بقوله: فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما ولم يعرضوا عليه جزية رؤوسهم. والخراج عند العرب: هو الغلة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17590 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس فهل نجعل لك خراجا قال: أجرا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا. 17591 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: فهل نجعل لك خراجا قال: أجرا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قوله: فهل نجعل لك خراجا قال: أجرا. وقوله: على أن تجعل بيننا وبينهم سدا يقول: قالوا له: هل نجعل لك خراجا حتى أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج حاجزا يحجز بيننا وبينهم، ويمنعهم من الخروج إلينا، وهو السد. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما) *. يقول تعالى ذكره: قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي، ووطأه لي، وقواني عليه، خير من جعلكم، والاجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوة، أعينوني بفعلة وصناع يحسنون البناء والعمل. كما: 17592 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين،

[ 31 ]

قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة قال: برجال أجعل بينكم وبينهم ردما وقال ما مكني، فأدغم إحدى النونين في الاخرى، وإنما هو ما مكنني فيه. وقوله: أجعل بينكم وبينهم ردما يقول: أجعل بينكم وبين يأجوج ومأجوج ردما. والردم: حاجز الحائط والسد، إلا أنه أمنع منه وأشد، يقال منه: قد ردم فلان موضع كذا يردمه ردما ورد اما ويقال أيضا: ردم ثوبه يردمه، وهو ثوب مردم: إذا كان كثير الرقاع ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17593 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: أجعل بينكم وبينهم ردما قال: هو كأشد الحجاب. 17594 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: انعته لي، قال: كأنه البرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء، قال: قد رأيته. القول في تأويل قوله تعالى: * (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا ئ فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) *. يقول عز ذكره: قال ذو القرنين للذين سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدا آتوني أي جيئوني بزبر الحديد، وهي جمع زبرة، والزبرة: القطعة من الحديد. كما: 17595 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: زبر الحديد يقول: قطع الحديد. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: آتوني زبر الحديد قال: قطع الحديد.

[ 32 ]

17596 - حدثني إسماعيل بن سيف، قال: ثنا علي بن مسهر، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله: زبر الحديد قال: قطع الحديد. 17597 - حدثني محمد بن عمارة الاسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى عن مجاهد، قوله: آتوني زبر الحديد قال: قطع الحديد. 17598 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة آتوني زبر الحديد: أي فلق الحديد. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: آتوني زبر الحديد قال: قطع الحديد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: آتوني زبر الحديد قال: قطع الحديد. وقوله: حتى إذا ساوى بين الصدفين يقول عز ذكره: فأتوه زبر الحديد، فجعلها بين الصدفين حتى إذا ساوى بين الجبلين بما جعل بينهما من زبر الحديد، ويقال: سوى. والصدفان: ما بين ناحيتي الجبلين ورؤوسهما ومنه قوله الراجز: قد أخذت ما بين عرض الصدفين ناحيتيها وأعالي الركنين وبنحو الذي قلنا في ذلك قا أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17599 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله بين الصدفين يقول: بين الجبلين. حدثني محمد، بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: حتى إذا بلغ بين السدين قال: هو سد كان بين صدفين، والصدفان: الجبلان. 17600 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح

[ 33 ]

وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: الصدفين رؤوس الجبلين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17601 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: بين الصدفين يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان. 17602 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة حتى إذا ساوى بين الصدفين وهما الجبلان. 17603 - حدثني أحمد بن يوسف، قال: أخبرنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قرأها: بين الصدفين منصوبة الصاد والدال، وقال: بين الجبلين، وللعرب في الصدفين: لغات ثلاث، وقد قرأ بكل واحدة منها جماعة من القراء: الفتح في الصاد والدال، وذلك قراءة عامة قراء أهل المدينة والكوفة والضم فيهما، وهي قراءة أهل البصرة والضم في الصاد وتسكين الدال، وذلك قراءة بعض أهل مكة والكوفة. والفتح في الصاد والدال أشهر هذه اللغات، والقراءة بها أعجب إلي، وإن كنت مستجيزا القراءة بجميعها، لاتفاق معانيها. وإنما اخترت الفتح فيهما لما ذكرت من العلة. وقوله: قال انفخوا يقول عز ذكره، قال للفعلة: انفخوا النار على هذه الزبر من الحديد. وقوله: حتى إذا جعله نارا وفي الكلام متروك، وهو فنفخوا، حتى إذا جعل ما بين الصدفين من الحديد نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا فاختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض أهل الكوفة: قال آتوني بمد الالف من آتوني بمعنى: أعطوني قطرا أفرغ عليه. وقرأه بعض قراء الكوفة، قال: ائتوني بوصل الالف، بمعنى: جيئوني قطرا أفرغ عليه، كما عليه: أخذت الخطام، وأخذت بالخطام، وجئتك زيدا، وجئتك بزبر. وقد يتوجه معنى ذلك إذا قرئ كذلك إلى معنى أعطوني، فيكون كأنه قارئه أراد مد الالف من آتوني، فترك الهمزة الاولى من آتوني، وإذا سقطت الاولى همز الثانية.

[ 34 ]

وقوله: أفرغ عليه قطرا يقول: أصب عليه قطرا، والقطر: النحاس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17604 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله أفرغ عليه قطرا قال: القطر: النحاس. 17605 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله. 17606 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: أفرغ عليه قطرا: يعني النحاس. 17607 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أفرغ عليه قطرا أي النحاس ليلزمه به. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله أفرغ عليه قطرا قال: نحاسا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: القطر: الحديد المذاب، ويستشهد لقوله ذلك بقول الشاعر: حساما كلون الملح صاف حديده جزارا من اقطار الحديد المنعت وقوله: فما اسطاعوا أن يظهروه يقول عز ذكره: فما اسطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوا الردم الذي جعله ذو القرنين حاجزا بينهم، وبين من دونهم من الناس، فيصيروا فوقه وينزلوا منه إلى الناس. يقال منه: ظهر فلان فوق البيت: إذا علاه ومنه قول الناس: ظهر فلان على فلان: إذا قهره وعلاه. وما استطاعوا له نقبا يقول: ولم يستطيعوا أن ينقبوه من أسفله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17608 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فما اسطاعوا أن يظهروه من قوله: وما استطاعوا له نقبا: أي من أسفله.

[ 35 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله فما اسطاعوا أن يظهروه قال: ما استطاعوا أن ينزعوه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة فما اسطاعوا أن يظهروه قال: أن يرتقوه وما استطاعوا له نقبا. 17609 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، فما اسطاعوا أن يظهروه قال: أن يرتقوه وما استطاعوا له نقبا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثن حجاج، عن ابن جريج فما اسطاعوا أن يظهروه قال: يعلوه وما استطاعوا له نقبا: أي ينقبوه من أسفله. واختلف أهل العربية في وجه حذف التاء من قوله: فما اسطاعوا فقال بعض نحويي البصرة: فعل ذلك لان لغة العرب أن تقول: اسطاع يسطيع، يريدون بها: استطاع يستطيع، ولكن حذفوا التاء إذا جمعت مع الطاء ومخرجهما واحد. قال: وقال بعضهم: استاع، فحذف الطاء لذلك. وقال بعضهم: أسطاع يسطيع، فجعلها من القطع كأنها أطاع يطيع، فجعل السين عوضا من إسكان الواو. وقال بعض نحويي الكوفة: هذا حرف استعمل فكثر حتى حذف. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكآء وكان وعد ربي حقا) *. يقول عز ذكره: فلما رأى ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج لا يستطيعون أن يظهروا ما بني من الردم، ولا يقدرون عل نقبه، قال: هذا الذي بنيته وسويته حاجزا بين هذه الامة، ومن دون الردم رحمة من ربي رحم بها من دون الردم من الناس، فأعانني برحمته لهم حتى بنيته وسويته ليكف بذلك غائلة هذه الامة عنهم. وقوله: فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء يقول: فإذا جاء وعد ربي الذي جعله ميقاتا لظهور هذه الامة وخروجها من وراء هذا الردم لهم، جعله دكاء، يقول: سواه بالارض، فألزقه بها، من قولهم: ناقة دكاء: مستوية الظهر لا سنام لها. وإنما معنى الكلام: جعله مدكوكا، فقيل: دكاء. وكان قتادة يقول في ذلك ما:

[ 36 ]

17610 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء قال: لا أدري الجبلين يعني به، أو ما بينهما. وذكر أن ذلك يكون كذلك بعد قتل عيسى ابن مريم عليه السلام الدجال. ذكر الخبر بذالك. 17611 - حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، قال: ثنا هشيم بن بشير، قال: أخبرنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر، وهو ابن عفارة العبدي، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (ص): لقيت ليلة الاسراء إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة، وردوا الامر إلى إبراهيم فقال إبراهيم: لا علم لي بها، فردوا الامر إلى موسى، فقال موسى: لا علم لي بها، فردوا الامر إلى عيسى قال عيسى: أما قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، ولكن ربي قد عهد إلي بما هو كائن دون وقتها، عهد إلي أن الدجال خارج، وأنه مهبطي إليه، فذكر أن معه قصبتين، فإذا رآني أهلكه الله، قال: فيذوب كما يذوب الرصاص، حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم الله، ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، لا يأتون على شئ إلا أكلوه، والا يمرون على ماء إلا شربوه، فيرجع الناس إلي، فيشكونهم، فأدعوا الله عليهم فيميتهم حتى تجوى الارض من نتن ريحهم، فينزل المطر، فيجر أجسادهم، فيلقيهم في البحر، ثم ينسف الجبال حتى تكون الارض كالاديم، فعهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة منهم كالحامل المتم التي لا يدري أهلها متى تفجوهم بولادها، ليلا أو نهارا. 17612 - حدثني عبيد بن إسماعيل، قال: ثنا المحاربي، عن أصبع بن زيد، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما أسري برسول الله (ص) التقي هو وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فتذاكروا أمر الساعة. فذكر نحو حديث إبراهيم الدورقي عن هشيم، وزاد فيه: قال العوام بن حوشب: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله عزوجل: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا وقال: فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا يقول: وكان

[ 37 ]

وعد ربي الذي وعد خلقه في دك هذا الردم، وخروج هؤلاء القوم على الناس، وعيثهم فيه، وغير ذلك من وعده حقا، لانه لا يخلف الميعاد فلا يقع غير ما وعد أنه كائن. القول في تأويل قوله تعالى: * (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ئ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا) *. يقول تعالى ذكره: وتركنا عبادنا يوم يأتيهم وعدنا الذي وعدناهم، بأنا ندك الجبال وننسفها عن الارض نسفا، فنذرها قاعا صفصفا، بعضهم يموج في بعض، يقول: يختلط جنهم بإنسهم. كما: 17613 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة، في قوله: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض قال: إذا ماج الجن والانس، قال إبليس: فأنا أعلم لكم علم هذا الامر، فيظعن إلى المشرق، فيجد الملائكة قد قطعوا الارض، ثم يظعن إلى المغرب، فيجد الملائكة قد قطعوا الارض، ثم يصعد يمينا وشمالا إلى أقصى الارض، فيجد الملائكة قطعوا الارض، فيقول: ما من محيص، فبينا هو كذلك، إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه، إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازنا من خزان النار، قال: يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك، ألم تكن في الجنان ؟ فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه، فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول: ما هي ؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار، فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه، فيقذفهم في النار، فتزفر النار زفرة فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه. 17614 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض قال: هذا أول القيامة، ثم نفخ في الصور على أثر ذلك فجمعناهم جمعا.

[ 38 ]

ونفخ في الصور قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيما مضى في الصور، وما هو، وما عني به. واخترنا الصواب من القول في ذلك بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع، غير أنا نذكر في هذا الموضع بعض ما لم نذكر في ذلك الموضع من الاخبار. ذكر من قال ذلك: 17615 - حدثنا محمد بن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ثنا أسلم، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي (ص) أن أعرابيا سأله عن الصور، قال: قرن ينفخ فيه. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي (ص)، بنحوه. 17616 - حدثنا محمد بن الحارث القنطري، قال ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: كنت في جنازة عمر بن ذر فلقيت مالك بن مغول، فحدثنا عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص): كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم وحنى الجبهة، وأصغى بالاذن متى يوءمر فشق ذلك على أصحاب رسول الله (ص)، فقال: قولوا حسبنا الله وعلى الله توكلنا، ولو اجتمع أهل منى ما أقالوا ذلك القرن كذا قال، وإنما هو ما أقلوا. حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن الحجاج، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص): كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى ظهره وجحظ بعينيه، قالوا: ما نقول يارسول الله ؟ قال: قولوا: حسبنا الله، توكلنا على الله. 17617 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (ص): كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، يستمع متى يوءمر فينفخ فيه، فقال أصحاب رسول الله (ص): فكيف نقول ؟ قال: تقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله. حدثنا أبو كريب والحسن بن عرفة، قالا: ثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس، عن النبي (ص)، مثله.

[ 39 ]

حدثني يعقوب، قال: ثنا شعيب بن حرب، قال: ثنا خالد أبو العلاء، قال: ثنا عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص): كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى الجبهة، وأصغى بالاذن متى يوءمر أن ينفخ، ولو أن أهل منى اجتمعوا على القرن على أن يقلوه من الارض، ما قدروا عليه قال: فأبلس أصحاب رسول الله (ص)، وشق عليهم، قال: فقال رسول الله (ص): قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا. 17618 - حدثنا أبو كريب، قال ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن فلان، عن رجل من الانصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الانصار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): لما فرغ الله من خلق السموات ولارض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى العرش ينتظر متى يوءمر. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور ؟ قال: قرن. قال: وكيف هو ؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الاولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين. وقوله: فجمعناهم جمعا يقول: فجمعنا جميع الخلق حينئذ لموقف الحساب جمعا. وقوله: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا يقول: وأبرزنا جهنم يوم ينفخ في الصور، فأظهرناها للكافرين بالله، حتى يروها ويعاينوها كهيئة السراب ولو جعل الفعل لها قيل: أعرضت إذا استبانت، كما قال عمرو بن كلثوم: وأعرضت اليمامة واشمخرت كأسياف بأيدي مصلتينا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17619 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله، قال: يقوم الخلق لله إذا نفخ في الصور، قيام رجل واحد، ثم يتمثل الله عز وجل فما يلقاه أحد من الخلائق كان يعبد من دون الله شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه، قال: فيلقى اليهود فيقول: من تعبدون ؟ قال:

[ 40 ]

: نعبد عزيرا، قال: فيقول: هل يسركم الماء ؟ فيقولون نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم قرأ وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ثم يلقى النصارى فيقول: من تعبدون ؟ فيقولون: نعبد المسيح، فيقول: هل يسركم الماء، فيقولون نعم، قال: فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب، ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئا، ثم قرأ عبد الله وقفوهم إنهم مسئولون. القول في تأويل قوله تعالى: * (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) *. يقول تعالى: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين الذين كانوا لا ينظرون في آيات الله، فيتفكرون فيها ولا يتأملون حججه، فيعتبرون بها، فيتذكرون وينيبون إلى توحيد الله، وينقادون لامره ونهيه، وكانوا لا يستطيعون سمعا يقول: وكانوا لا يطيقون أن يسمعوا ذكر الله الذي ذكرهم به، وبيانه الذي بينه لهم في إي كتابه، بخذلان الله إياهم، وغلبة الشقاء عليهم، وشغلهم بالكفر بالله وطاعة الشيطان، فيتعظون به، ويتدبرونه، فيعرفون الهدى من الضلالة، والكفر من الايمان. وكان مجاهد يقول في ذلك ما: 17620 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: لا يستطيعون سمعا قال: لا يعقلون. 17621 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وكانوا لا يستطيعون سمعا قال: لا يعلمون. 17622 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى... الآية، قال: هؤلاء أهل الكفر. القول في تأويل قوله تعالى: * (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) *. يقول عز ذكره: أفظن الذين كفروا بالله من عبدة الملائكة والمسيح، أن يتخذوا

[ 41 ]

عبادي الذين عبدوهم من دون الله أولياء، يقول كلا بل هم لهم أعداء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17623 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، في قوله: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء قال: يعني من يعبد المسيح ابن مريم والملائكة، وهم عباد الله، ولم يكونوا للكفار أولياء. وبهذه القراءة، أعني بكسر السين من أفحسب بمعنى الظن قرأت هذا الحرف قراء الامصار. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعكرمة ومجاهد أنهم قرءوا ذلك أفحسب الذين كفروا بتسكين السين، ورفع الحرف بعدها، بمعنى: أفحسبهم ذلك: أي أفكفاهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء من عباداتي وموالاتي. كما: 17624 - حدثت عن إسحاق بن يوسف الازرق، عن عمران بن حدير، عن عكرمة أفحسب الذين كفروا قال: أفحسبهم ذلك. والقراءة التي نقرؤها هي القراءة التي عليها قراء الامصار أفحسب الذين بكسر السين، بمعنى أفظن، لاجماع الحجة من القراء عليها. وقوله: إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا يقول: أعددنا لمن كفر بالله جهنم منزلا. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد لهؤلاء الذين يبغون عنتك ويجادلونك بالباطل، ويحاورونك بالمسائل من أهل الكتابين: اليهود، والنصارى هل ننبئكم أيها القوم بالاخسرين أعمالا يعني بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ربحا وفضلا، فنالوا به عطبا وهلاكا ولم يدركوا طلبا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعه، ووكس في الذي رجا فضله. واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بذلك، فقال بعضهم: عني به الرهبان والقسوس. ذكر من قال ذلك: 17625 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا المقبري، قال:

[ 42 ]

ثنا حيوة بن شريح، قال: أخبرني السكن بن أبي كريمة، أن أمه أخبرته أنها سمعت أبا خميصة عبد الله بن قيس يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول في هذه الآية قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا: هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت حيوة يقول: ثني السكن بن أبي كريمة، عن أمه أخبرته أنها سمعت عبد الله بن قيس يقول: سمعت علي بن أبي طالب قول، فذكر نحوه. 17626 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قلت لابي: وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أهم الحرورية ؟ قال: هم أصحاب الصوامع. 17627 - حدثنا فضالة بن الفضل، قال: قال بزيع: سأل رجل الضحاك عن هذه الآية قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا قال: هم القسيسون والرهبان. 17628 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، قال: قال سعد: هم أصحاب الصوامع. حدثنا ابن حميد، قال ثنا جرير، عن منصور، عن مصعب ابن سعد، قال: قلت لسعد: يا أبت هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا أهم الحرورية، فقال: لا، ولكنهم أصحاب الصوامع، ولكن الحرورية قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم. وقال آخرون: بل هم جميع أهل الكتابين. ذكر من قال ذلك: 17629 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي عن هذه الآية قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا أهم الحرورية ؟ قال: لا، هم أهل الكتاب، اليهود والنصارى. أما اليهود فكذبوا بمحمد. وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب، ولكن الحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد

[ 43 ]

ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون فكان سعد يسميهم الفاسقين. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن إبراهيم بن أبي حرة عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، في قوله قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا قال: هم اليهود والنصارى. 17630 - حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي حرب بن أبي الاسود عن زاذان، عن علي بن أبي طالب، أنه سئل عن قوله: قل ننبئكم بالاخسرين أعمالا قال: هم كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق، فأشركوا بربهم، وابتدعوا في دينهم، الذين يجتهدون في الباطل، ويحسبون أنهم على حق، ويجتهدون في الضلالة، ويحسبون أنهم على هدى، فضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ثم رفع صوته، فقال: وما أهل النار منهم ببعيد. وقال آخرون: بل هم الخوارج. ذكر من قال ذلك: 17631 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل، قال: سأل عبد الله بن الكواء عليا عن قوله: قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا قال: أنتم يا أهل حروراء. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن أبي الصهباء البكري، عن علي بن أبي طالب، أن ابن الكواء سأله، عن قول الله عز وجل: هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا فقال علي: أنت واصحابك. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أ بي الطفيل، قال: قام ابن الكواء إلى علي، فقال: من الاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسبون صنعا، قال: ويلك أهل حروراء منهم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن خالد ابن عثمة، قال: ثنا موسى بن

[ 44 ]

يعقوب بن عبد الله، قال: ثني أبو الحويرث، عن نافع بن جبير بن مطعم، قال: قال ابن الكواء لعلي بن أبي طالب: ما الاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ؟ قال: أنت وأصحابك. والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن لله عز وجل عنى بقوله: هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه الله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الايمان به جائر كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أي دين كانوا. وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب قوله أعمالا، فكان بعض نحويي البصرة يقول: نصب ذلك لانه لما أدخل الالف واللام والنون في الاخسرين لم يوصل إلى الاضافة، وكانت الاعمال من الاخسرين فلذلك نصب. وقال غيره: هذا باب الافعلة والفعلى، مثل الافضل والفضلي، والاخسر والخسرى، ولا تدخل فيه الواو، ولا يكون فيه مفسر، لانه قد انفصل بمن هو كقوله الافضل والفضلي، وإذا جاء معه مفسر كان للاول والآخر، وقال: ألا ترى أنك تقول: مررت برجل حسن وجها، فيكون الحسن للرجل والوجه، وكذلك كبير عقلا، وما أشبهه قال: وإنما جاز في الاخسرين، لانه رده إلى الافعل والافعلة. قال: وسمعت العرب تقول: الاولات دخولا، والآخرات خروجا، فصار للاول والثاني كسائر الباب قال: وعلى هذا يقاس. وقوله: الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا يقول: هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم. ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكن

[ 45 ]

القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة، وأن أعمالهم حابطة. وزعني بقوله: أنهم يحسنون صنعا عملا، والصنع والصنعة والصنيع واحد، يقال: فرس صنيع بمعنى مصنوع. القول في تأويل قوله تعالى: * (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) *. يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، الاخسرون أعمالا، الذين كفروا بحجج ربهم وأدلته، وأنكروا لقاءه فحبطت أعمالهم يقول: فبطلت أعمالهم، فلم يكن لها ثواب ينفع أصحابها في الآخرة، بل لهم منها عذاب وخزي طويل فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا يقول تعالى ذكره: فلا نجعل لهم ثقلا. وإنما عنى بذلك: أنهم لا تثقل بهم موازينهم، لان الموازين إنما تثقل بالاعمال الصالحة، وليس لهؤلاء شئ من الاعمال الصالحة، فتثقل به موازينهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17632 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن شمر، عن أبي يحيى عن كعب، قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا: فلا نقيم لهم القيامة وزنا. 17633 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن الصلت، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول (ص): يؤتى بالاكول الشروب الطويل، فيوزن فلا يزن جناح بعوضة ثم قرأ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا القول في تأويل قوله تعالى: * (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا) *. يقول تعالى ذكره: أولئك ثوابهم جهنم بكفرهم بالله، واتخاذهم آيات كتابه، وحجج رسله سخريا، واستهزائهم برسله. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 46 ]

* (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) *. يقول تعالى ذكره: إن الذين صدقوا بالله ورسوله، وأقروا بتوحيد الله وما أنزل من كتبه وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتين الفردوس، والفردوس: معظم الجنة، كما قال أمية: كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصل واختلف أهل التأويل في معنى الفردوس فقال بعضهم: عنى به أفضل الجنة وأوسطها. ذكر من قال ذلك: 17634 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عباس بن الوليد، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قال: الفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. 17635 - حدثنا أحمد بن سريج الرازي، قال: ثنا الهيثم أبو بشر، قال: أخبرنا الفرج بن فضالة، عن لقمان، عن عامر، قال: سئل أبو أسامة عن الفردوس، فقال: هي سرة الجنة. 17636 - حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا حماد بن عمرو النصيبي، عن أبي علي، عن كعب، قال: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، وفيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر. وقال آخرون: هو البستان بالرومية. ذكر من قال ذلك: 17637 - حدثني علي بن سهل الرملي، قال: ثنا حجاج عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: الفردوس: بستان بالرومية. حدثنا العباس بن محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ابن جريج: أخبرني عبد الله عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: هو البستان الذي فيه الاعناب. ذكر من قال ذلك:

[ 47 ]

17638 - حدثنا عباس بن محمد، قال: ثنا محمد بن عبيد، عن الاعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن كعب، قال: جنات الفردوس التي فيها الاعناب. والصواب من القول في ذلك، ما تظاهرت به الاخبار عن رسول الله (ص). وذلك ما: 17639 - حدثنا به أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا همام بن يحيى، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، عن النبي (ص) قال: الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين مسيرة عام والفردوس أعلاها درجة، ومنها الانهار الاربعة، والفردوس من فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. حدثنا موسى بن سهل، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله (ص) قال: الجنة مئة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض، أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة الاربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. 17640 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني أبو يحيى بن سليمان، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد الخدري، عن رسول الله (ص) أنه قال: إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقها عرش الرحمن تبارك وتعالى، ومنه تفجر أنهار الجنة. حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا فليح، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) مثله، إلا أنه قال: وسط الجنة وقال أيضا: ومنه تفجر أو تتفجر. 17641 - حدثني عمار بن بكار الكلاعي، قال: ثنا يحيى بن صالح، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، قال: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله (ص) قال: إن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض،

[ 48 ]

والفردوس أعلى الجنة وأوسطها، وفوقها عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس. 17642 - حدثنا أحمد بن منصور، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا الحارث بن عمير، عن أبيه، قال: قال رسول الله (ص): جنات الفردوس أربعة، اثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما، وما فيهما من شئ، واثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما، وما فيهما من شئ. 17643 - حدثنا أحمد بن أبي سريج، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا أبو قدامة، عن أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال: قال رسول الله (ص): جنات الفردوس أربع: ثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، وثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما. 17644 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها في كل يوم خميس، فيقول: ازدادي طيبا لاوليائي، ازدادي حسنا لاوليائي. حدثنا ابن البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا محمد بن جعفر وابن الدراوردي، قالا: ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله (ص): إن للجنة مئة درجة، كل درجة منها كما بين السماء والارض، أعلى درجة منها الفردوس. 17645 - حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، قال: ثنا أحمد بن الفرج الطائي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله (ص): الفردوس من ربوة الجنة، هي أوسطها وأحسنها. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، قال: أنبأنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: أخبرنا رسول الله (ص): أن الفردوس هي أعلى الجنة وأحسنها وأرفعها. 17646 - حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا سعيد، عن

[ 49 ]

قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله (ص)، قال للربيع ابنة النضر: يا أم حارثة، إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الاعلى. والفردوس: ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. وقوله: نزلا يقول: منازل ومساكن، والمنزل: من النزول، وهو من نزول بعض الناس على بعض. وأما النزل: فهو الريع، يقال: ما لطعامكم هذا نزل، يراد به الريع، وما وجدنا عندكم نزلا: أي نزولا. وقوله: خالدين يقول: لابثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا يقول: لا يريدون عنها تحولا، وهو مصدر تحولت، أخرج إلى أصله، كما يقال: صغر يصغر صغرا، وعاج يعوج عوجا. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17647 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لا يبغون عنها حولا قال: متحولا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. 17648 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: سمعت مخلد بن الحسين يقول: وسئل عنها، قال: سمعت بعض أصحاب أنس يقول: قال: يقول أولهم دخولا إنما أدخلني الله أولهم، لانه ليس أحد أفضل مني، ويقول آخرهم دخولا: إنما أخرني الله، لانه ليس أحد أعطاه الله مثل الذي أعطاني. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) *. يقول عز ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد: لو كان البحر مدادا للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا يقول: ولو مددنا البحر بمثل ما فيه من الماء مددا، من قول القائل: جئتك مددا لك،

[ 50 ]

وذلك من معنى الزيادة. وقد ذكر عن بعضهم: ولو جئنا بمثله مددا، كأن قارئ ذلك كذلك أراد: لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو زدنا بمثل ما فيه من المداد الذي يكتب به مدادا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17649 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: البحر مدادا لكلمات ربي للقلم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17650 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي يقول: إذا لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات الله وحكمه. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) *. يقول تعالى ذكره: قل لهؤلاء المشركين يا محمد: إنما أنا بشر مثلكم من بني آدم لا علم لي إلا ما علمني الله وإن الله يوحي إلي أن معبودكم الذي يجب عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، معبود واحد لا ثاني له، ولا شريك فمن كان يرجو لقاء ربه يقول: فمن يخاف ربه يوم لقائه، ويراقبه على معاصيه، ويرجوا ثوابه على طاعته فليعمل عملا صالحا يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17651 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الربيع بن أبي راشد، عن سعيد بن جبير فمن كان يرجو لقاء ربه قال: ثواب ربه. وقوله: ولا يشرك بعبادة ربه أحدا يقول: ولا يجعل له شريكا في عبادته إياه، وإنما يكون جاعلا له شريكا بعبادته إذا راءى بعمله الذي ظاهره أنه لله وهو مريد به غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 51 ]

17652 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عمرو بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. 17653 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال: لا يرائي. 17654 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن طاوس، قال: جاء رجل، فقال: يا نبي الله إني أحب الجهاد في سبيل الله، وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني، فأنزل الله عز وجل: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. 17655 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ومسلم بن خالد الزنجي عن صدقة بن يسار، قال: جاء رجل إلى النبي (ص)، فذكر نحوه، وزاد فيه: وإني أعمل العمل وأتصدق وأحب أن يراه الناس وسائر الحديث نحوه. 17656 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الاعمش، قال: ثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب، قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فسأله فقال: أنبئني عما أسألك عنه، أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويصوم ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، فقال عبادة: ليس له شئ، إن الله عز وجل يقول: أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه. 17657 - حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا ابن عياش، قال: ثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا وقال: إنها آخر آية أنزلت من القرآن. آخر تفسير سورة الكهف

[ 52 ]

سورة مريم سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعونأ بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: * (كهيعص) *. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى ذكره: كاف من كهيعص فقال بعضهم: تأويل ذلك أنها حرف من اسمه الذي هو كبير، دل به عليه، واستغنى بذكره عن ذكر باقي الاسم. ذكر من قال ذلك: 17658 - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية كهيعص قال: كبير، يعني بالكبير: الكاف من كهيعص. حدثنا هناد بن السري، قال: ثنا أبو الاحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، مثله. [ / رق ] حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال كان يقول كهيعص قال: كاف: كبير. حدثني أبو السائب، قال: أخبرنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير في كهيعص قال: كاف: كبير. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحم بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.

[ 53 ]

وقال آخرون: بل الكاف من ذلك حرف من حروف اسمه الذي هو كاف. ذكر من قال ذلك: 17659 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيد، في قوله كهيعص قال: كاف: كاف. 17660 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم في قوله: كهيعص قال: كاف: كاف. 17661 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن الكلبي مثله. وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو كريم. ذكر من قال ذلك: 17662 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير كهيعص قال: كاف من كريم. وقال الذين فسروا ذلك هذا التفسير الهاء من كهيعص: حرف من حروف اسمه الذي هو هاد. ذكر من قال ذلك: 17663 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أبو حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقول في الهاء من كهيعص: هاد. حدثنا أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد، مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير نحوه. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، قال: ها: هاد. 17664 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله كهيعص قال: ها: هاد.

[ 54 ]

17665 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبي، مثله. واختلفوا في تأويل الياء من ذلك، فقال بعضهم: هو حرف من حروف اسمه الذي هو يمين. ذكر من قال ذلك: 17666 - حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يا من كهيعص ياء يمين. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير ياء: يمين. وقال آخرون: بل هو حرف من حروف اسمه الذي هو حكيم. ذكر من قال ذلك: 17667 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير كهيعص قال: يا: من حكيم. وقال آخرون: بل هي حرف من قول القائل: يا من يجير. ذكر من قال ذلك: 17668 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا إبراهيم بن الضريس، قال: سمعت الربيع بن أنس في قوله كهيعص قال: يا من يجير ولا يجار عليه. واختلف متأولو ذلك كذلك في معنى العين، فقال بعضهم: هي حرف من حروف اسمه الذي هو عالم. ذكر من قال ذلك: 17669 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد جبير كهيعص قال: عين من عالم. 17670 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي، مثله. 17671 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

[ 55 ]

17672 - حدثنا عمرو، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبيه، في قوله كهيعص قال: عين: من عالم. وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عزيز. ذكر من قال ذلك: 17673 - حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس كهيعص عين: عزيز. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير، في قوله كهيعص قال: عين عزيز. وقال آخرون: بل هي حرف من حروف اسمه الذي هو عدل. ذكر من قال ذلك: 17674 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله كهيعص قال: عين: عدل. وقال الذين تأولوا ذلك هذا التأويل: الصاد من قوله كهيعص: حرف من حروف اسمه الذي هو صادق. ذكر الرواية بذلك: 17675 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان يقول في كهيعص صاد: صادق. حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

[ 56 ]

حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير مثله. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن إسماعيل بن راشد، عن سعيد بن جبير، مثله. 17676 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: أخبرنا أبو روق، عن الضحاك بن مزاحم، قال: صاد: صادق. حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، قال: صادق، يعني الصاد من كهيعص. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد كهيعص قال: صاد صادق. 17677 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن الكلبي، قال: صادق. وقال آخرون: بل هذه الكلمة كلها اسم من أسماء الله تعالى. ذكر من قال ذلك: 17678 - حدثني محمد بن خالد بن خداش، قال: ثني سالم بن قتيبة، عن أبي بكر الهذلي، عن عاتكة، عن فاطمة ابنة علي قالت: كان علي يقول: يا كهيعص: اغفر لي. 17679 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: كهيعص قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وقال آخرون: كل حرف من ذلك اسم من أسماء الله عز وجل. ذكر من قال ذلك: 17680 - حدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: كهيعص ليس منها حرف إلا وهو اسم. وقال آخرون: هذه الكلمة اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك: 17681 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله كهيعص قال: اسم من أسماء القرآن. قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا نظير القول في الم وسائر فواتح سور القرآن

[ 57 ]

التي افتتحت أوائلها بحروف المعجم، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى قبل، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: * (ذكر رحمة ربك عبده زكريا ئ إذ نادى ربه ندآء خفيا ئ قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا) *. اختلف أهل العربية في الرافع للذكر، والناصب للعبد، فقال بعض نحويي البصرة في معنى ذلك كأنه قال: مما نقص عليك ذكر رحمة ربك عبده، وانتصب العبد بالرحمة كما تقول: ذكر ضرب زيد عمرا. وقال بعض نحويي الكوفة: رفعت الذكر بكهيعص، وإن شئت أضمرت هذا ذكر رحمة ربك، قال: والمعنى ذكر ربك عبده برحمته تقديم وتأخير. قال أبو جعفر: والقول الذي هو الصواب عندي في ذلك أن يقال: الذكر مرفوع بمضمر محذوف، وهو هذا كما فعل ذلك في غيرها من السور، وذلك كقول الله: براءة من الله ورسوله وكقوله: سورة أنزلناها ونحو ذلك. والعبد منصوب بالرحمة، وزكريا في موضع نصب، لانه بيان عن العبد، فتأويل الكلام: هذا ذكر رحمة ربك عبده زكريا. وقوله: إذ نادى ربه نداء خفيا يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعني: وهو مستسر بدعائه ومسألته إياه ما سأل كراهته منه للرياء، كما: 17682 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: إذ نادى ربه نداء خفيا أي سرا، وإن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي. 17683 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: إذ نادى ربه نداء خفيا قال: لا يريد رياء. 17684 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: رغب زكريا في الولد، فقام فصلى، ثم دعا ربه سرا، فقال: رب إني وهن العظم مني... إلى واجعله رب رضيا.

[ 58 ]

وقوله: قال رب إني وهن العظم مني يقول تعالى ذكره، فكان نداؤه الخفي الذي نادى به ربه أن قال: رب إني وهن العظم مني يعني بقوله وهن ضعف ورق من الكبر، كما: 17685 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال رب إني وهن العظم مني أي ضعف العظم مني. 17686 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: وهن العظم مني قال: نحل العظم. قال عبد الرزاق، قال: قال الثوري: وبلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة. وقد اختلف أهل العربية في وجه النصب في الشيب، فقال بعض نحويي البصرة: نصب على المصدر من معنى الكلام، كأنه حين قال: اشتعل، قال: شاب، فقال: شيبا على المصدر. قال: وليس هو في معنى: تفقأت شحما وامتلات ماء، لان ذلك ليس بمصدر. وقال غيره: نصب الشيب على التفسير، لانه يقال: اشتعل شيب رأسي، واشتعل رأسي شيبا، كما يقال: تفقأت شحما، وتفقأ شحمي. وقوله: ولم أكن بدعائك رب شقيا يقول: ولم أشق يا رب بدعائك، لانك لم تخيب دعائي قبل إذ كنت أدعوك في حاجتي إليك، بل كنت تجيب وتقضي حاجتي قبلك. كما: 17687 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، قوله: ولم أكن بدعائك رب شقيا يقول: قد كنت تعرفني الاجابة فيما مضى. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا ئ يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) *. يقول: وإني خفت بني عمي وعصبتي من ورائي. يقول: من بعدي أن يرثوني، وقيل: عنى بقوله من ورائي من قدامي ومن بين يدي وقد بينت جواز ذلك فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17688 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 59 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وإني خفت الموالي من ورائي يعني بالموالي: الكلالة الاولياء أن يرثوه، فوهب الله له يحيى. 17689 - حدثنا يحيى بن داود الواسطي، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله: وإني خفت الموالي من ورائي قال: العصبة. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله وإني خفت الموالي من ورائي قال: خاف موالي الكلالة. حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح بنحوه. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح وإني خفت الموالي من ورائي قال: يعني الكلالة. 17690 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: خفت الموالي من ورائي قال: العصبة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17691 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: وإني خفت الموالي من ورائي قال: العصبة. 17692 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وإني خفت الموالي من ورائي والموالي: هن العصبة، والموالي: جمع مولى، والمولى والولي في كلام العرب واحد. وقرأت قراء الامصار: وإني خفت الموالي بمعنى: الخوف الذي هو خلاف الامن. وروي عن عثمان بن عفان أنه قرأه: وإني خفت الموالي بتشديد الفاء وفتح الخاء من الخفة، كأنه وجه تأويل الكلام: وإني ذهبت عصبتي ومن يرثني من بني أعمامي. وإذا

[ 60 ]

قرئ ذلك كذلك كانت الياء من الموالي مسكنة غير متحركة، لانها تكون في موضع رفع بخفت. وقوله: وكانت امرأتي عاقرا يقول: وكانت زوجتي لا تلد، يقال منه: رجل عاقر، وامرأة عاقر بلفظ واحد، كما قال الشاعر: لبئس الفتى أن كنت أعور عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر وقوله: فهب لي من لدنك وليا يقول: فارزقني من عندك ولدا وارثا ومعينا). وقوله: يرثني ويرث من آل يعقوب يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17693 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل، عن أبي صالح، قوله يرثني ويرث من آل يعقوب يقول: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. حدثنا مجاهد، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا إسماعيل، عن أبي صالح في قوله يرثني ويرث من آل يعقوب قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله يرثني ويرث من آل يعقوب قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله يرثني ويرث من آل يعقوب قال: يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء. 17694 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد يرثني ويرث من آل يعقوب قال: وكان وارثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: كان وارثته علما، وكان زكريا من ذرية يعقوب.

[ 61 ]

17695 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: يرثني ويرث من آل يعقوب قال: نبوته وعلمه. 17696 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن مبارك، عن الحسن، قال: قال رسول الله (ص): رحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة ماله حين يقول فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب. 17697 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يرثني ويرث من آل يعقوب قال: كان الحسن يقول: يرث نبوته وعلمه. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله (ص) كان إذا قرأ هذه الآية، وأتى على يرثني ويرث من آل يعقوب قال: رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته. 17698 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، أن النبي (ص)، قال: يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثته، ويرحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد. 17699 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب قال: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. واختلف القراء في قراءة قوله: يرثني ويرث من آل يعقوب فقرأت ذلك عامة قراء المدينة ومكة وجماعة من أهل الكوفة: يرثني ويرث برفع الحرفين كليهما، بمعنى: فهب لي الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، على أن يرثني ويرث من آل يعقوب، من صلة الولي. وقرأ ذلك جماعة من قراء أهل الكوفة والبصرة: يرثني ويرث بجزم الحرفين على الجزاء والشرط، بمعنى: فهب لي من لدنك وليا فإنه يرثني إذا وهبته لي. وقال الذين قرأوا ذلك كذلك: إنما حسن ذلك في هذا الموضع، لان يرثني من آية غير التي قبلها. قالوا: وإنما يحسن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: ردءا يصدقني. قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأه برفع الحرفين على الصلة للولي، لان الولي نكرة، وأن زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليا يكون بهذه الصفة، كما روي عن رسول الله (ص)، لا أنه سأله وليا، ثم أخبر أنه إذا وهب له ذلك كانت

[ 62 ]

هذه صفته، لان ذلك لو كان كذلك، كان ذلك من زكريا دخولا في علم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه. وقوله: واجعله رب رضيا يقول: واجعل يا رب الولي الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخلقا وخلقا. والرضي: فعيل صرف من مفعول إليه. القول في تأويل قوله تعالى: (يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) *. يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربه، فقال له: يا زكريا إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى. كان قتادة يقول: إنما سماه الله يحيى لاحيائه إياه بالايمان. 17700 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى عبد أحياه الله للايمان. وقوله: لم نجعل له من قبل سميا اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه لم تلد مثله عاقر قط. ذكر من قال ذلك: 17701 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ليحيى: لم نجعل له من قبل سميا يقول: لم تلد العواقر مثله ولدا قط. وقال آخرون: بل معناه: لم نجعل له من قبله مثلا. ذكر من قال ذلك: 17702 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو الربيع، قال: ثنا سالم بن قتيبة، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، في قوله لم نجعل له من قبل سميا قال: شبيها. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله لم نجعل له من قبل سميا قال: مثلا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يسم باسمه أحد قبله. ذكر من قال ذلك:

[ 63 ]

17703 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: لم نجعل له من قبل سميا لم يسم به أحد قبله. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله لم نجعل له من قبل سميا قال: لم يسم يحيى أحد قبله. 17704 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، مثله. 17705 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قول الله: لم نجعل له من قبل سميا قال: لم يسم أحد قبله بهذا الاسم. 17706 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا لم يسم أحد قبله يحيى. قال أبو جعفر: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه، والسمي: فعيل صرف من مفعول إليه. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) *. يقول تعالى ذكره: قال زكريا لما بشره الله بيحيى: رب أني يكون لي غلام، ومن أي وجه يكون لي ذلك، وامرأتي عاقر لا تحبل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء أبأن تقويني على ما ضعفت عنه من ذلك، وتجعل زوجتي ولودا، فإنك القادر على ذلك وعلى ما تشاء، أم بأن أنكح زوجة غير زوجتي العاقر، يستثبت ربه الخبر، عن الوجه الذي يكون من قبله له الولد، الذي بشره الله به، لا إنكارا منه (ص) حقيقة كون ما وعده الله من الولد، وكيف يكون ذلك منه إنكارا لان يرزقه الولد الذي بشره به، وهو المبتدئ مسألة ربه ذلك بقوله: فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب بعد قوله إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا. وقال السدي في ذلك ما: 17707 - حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي،

[ 64 ]

قال: نادى جبرائيل زكريا: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يوحي إليك غيره من الامر، فشك وقال: إني يكون لي غلام يقول: من أين يكون وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر. وقوله: وقد بلغت من الكبر عتيا يقول: وقد عتوت من الكبر فصرت نحل العظام يابسها، يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس، وقد عتا يعتو عتيا وعتوا، وعسى يعسو عسيا وعسوا، وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد، أو كفر، فهو عات وعاس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17708 - حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله (ص) يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: وقد بلغت من الكبر عتيا أو عسيا. 17709 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله وقد بلغت من الكبر عتيا قال: يعني بالعتي: الكبر.. 17710 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله عتيا قال: نحول العظم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17711 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله من الكبر عتيا قال: سنا، وكان ابن بضع وسبعين سنة. 17712 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وقد بلغت من الكبر عتيا قال: العتي: الذي قد عتا عن الولد فيما يرى نفسه لا يولد له.

[ 65 ]

17713 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وقد بلغت من الكبر عتيا قال: هو الكبر. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا) *. يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبا له قال كذلك يقول: هكذا الامر كما تقول من أن امرأتك عاقر، وأنك قد بلغت من الكبر العتي، ولكن ربك يقول: خلق ما بشرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى علي هين، فهو إذن من قوله: قال ربك هو علي هين كناية عن الخلق. وقوله: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا يقول تعالى ذكره: وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقيك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرا سويا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهبه لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك. وقوله: قال رب اجعل لي آية يقول تعالى ذكره: قال زكريا: يا رب اجعل لي علما ودليلا على ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ليطمئن إلى ذلك قلبي. كما: 17714 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قال رب اجعل لي آية قال: قال رب اجعل لي آية أن هذا منك. 17715 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قال رب، فإن كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية. قال الله آيتك لذلك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا يقول جل ثناؤه: علامتك لذلك، ودليلك عليه أن لا تكلم الناس ثلاث ليال وأنت سوي صحيح، لا علة بك

[ 66 ]

من خرس ولا مرض يمنعك من الكلام. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17716 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس ثلاث ليال سويا قال: اعتقل لسانه من غير مرض. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ثلاث ليال سويا يقول: من غير خرس. 17717 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ثلاث ليال سويا قال: لا يمنعك من الكلام مرض. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا قال: صحيحا لا يمنعك من الكلام مرض. 17718 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا من غير بأس ولا خرس، وإنما عوقب بذلك لانه سأل آية بعد ما شافهته الملائكة مشافهة، أخذ بلسانه حتى ما كان يفيض الكلام إلا أومأ إيماء. 17719 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله ثلاث ليال سويا قال: سويا من غير خرس. 17720 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا وأنت صحيح، قال: فحبس لسانه، فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك يسبح، ويقرأ التوراة ويقرأ الانجيل، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم. 17721 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: أخذ الله بلسانه من غير سوء، فجعل لا يطيق الكلام، وإنما كلامه لقومه بالاشارة، حتى مضت الثلاثة الايام التي جعلها الله آية لمصداق ما وعده من هبته له. 17722 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال آيتك

[ 67 ]

ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا يقول: من غير خرس إلا رمزا، فاعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال. وقال آخرون: السوي من صفة الايام، قالوا: ومعنى الكلام: قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال متتابعات. ذكر من قال ذلك: 17723 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا: قال: ثلاث ليال متتابعات. القول في تأويل قوله تعالى: * (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) *. يقول تعالى ذكره: فخرج زكريا على قومه من مصلاه حين حبس لسانه عن كلام الناس، آية من الله له على حقيقة وعده إياه ما وعد. فكان ابن جريج يقول في معنى خروجه من محرابه، ما: 17724 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج فخرج على قومه من المحراب قال: أشرف على قومه من المحراب. قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المحراب فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 17725 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فخرج على قومه من المحراب قال: المحراب: مصلاه، وقرأ: فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب. وقوله: فأوحى إليهم يقول: أشار إليهم، وقد تكون تلك الاشارة باليد وبالكتاب وبغير ذلك، مما يفهم به عنه ما يريد. وللعرب في ذلك لغتان: وحى، وأوحى فمن قال: وحى، قال في يفعل: يحي ومن قال: أوحى، قال: يوحي، وكذلك أومى وومى، فمن قال: ومى، قال في يفعل يمي ومن قال أومى، قال يومي. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي به أوحى إلى قومه، فقال بعضهم: أوحى إليهم إشارة باليد. ذكر من قال ذلك:

[ 68 ]

17726 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فأوحى: فأشار زكريا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17727 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فأوحى إليهم قال: الوحي: الاشارة. 17728 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فأوحى إليهم قال: أومى إليهم. وقال آخرون: معنى أوحى: كتب. ذكر من قال ذلك: 17729 - حدثنا محمود بن خداش، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، في قول الله تعالى: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا قال: كتب لهم في الارض. 17730 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم فأوحى إليهم قال: كتب لهم. 17731 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فخرج على قومه من المحراب فكتب لهم في كتاب أن سبحوا بكرة وعشيا، وذلك قوله: فأوحى إليهم. وقال آخرون: معنى ذلك: أمرهم. ذكر من قال ذلك: 17732 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا قال: ما أدري كتابا كتبه لهم، أو إشارة أشارها، والله أعلم، قال: أمرهم أن سبحوا بكرة وعشيا، وهو لا يكلمهم. وقوله: أن سبحوا بكرة وعشيا قد بينت فيما مضى الوجوه التي ينصرف فيها التسبيح، وقد يجوز في هذا الموضع أن يكون عنى به التسبيح الذي هو ذكر الله، فيكون أمرهم بالفراغ لذكر الله في طرفي النهار بالتسبيح، ويجوز أن يكون عنى به الصلاة، فيكون أمرهم بالصلاة في هذين الوقتين. وكان قتادة يقول في ذلك ما:

[ 69 ]

17733 - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: فأوحي إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا قال: أومى إليهم أن صلوا بكرة وعشيا. القول في تأويل قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا ئ وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا) *. يقول تعالى ذكره: فولد لزكريا يحيى، فلما ولد، قال الله له: يا يحيى، خذ هذا الكتاب بقوة، يعني كتاب الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة. بقوة، يقول: بجد. كما: 17734 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: خذ الكتاب بقوة قال: بجد. 17735 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد خذ الكتاب بقوة قال: بجد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال ابن زيد في ذلك ما: 17736 - حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: يا يحيى خذ الكتاب بقوة قال: القوة: أن يعمل ما أمره الله به، ويجانب فيه ما نهاه الله. قال أبو جعفر: وقد بينت معنى ذلك بشواهده فيما مضى من كتابنا هذا، في سورة آل عمران، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: وآتيناه الحكم صبيا يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد: 17737 - حدثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرني معمر، ولم يذكره عن أحد في هذه الآية وآتيناه الحكم صبيا قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فأنزل الله: وآتيناه الحكم صبيا.

[ 70 ]

وقوله: وحنانا من لدنا يقول تعالى ذكره: ورحمة منا ومحبة له آتيناه الحكم صبيا. وقد اختلف أهل التأويل في معنى الحنان، فقال بعضهم: معناه: الرحمة، ووجهوا الكلام إلى نحو المعنى الذي وجهناه إليه. ذكر من قال ذلك: 17738 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وحنانا من لدنا يقول: ورحمة من عندنا. 17739 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة، في هذه الآية وحنانا من لدنا قال: رحمة. 17740 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وحنانا من لدنا قال: رحمة من عندنا. 17741 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك، قوله: وحنانا من لدنا قال: رحمة من عندنا لا يملك عطاءها أحد غيرنا. حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله وحنانا من لدنا يقول: رحمة من عندنا، لا يقدر على أن يعطيها أحد غيرنا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم صبيا، وفعلنا به الذي فعلنا. ذكر من قال ذلك: 17742 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وحنانا من لدنا يقول: رحمة من عندنا. وقال آخرون: معنى ذلك: وتعطفا من عندنا عليه، فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك: 17743 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: وحنانا من لدنا قال: تعطفا من ربه عليه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

[ 71 ]

وقال آخرون: بل معنى الحنان: المحبة. ووجهوا معنى الكلام إلى: ومحبة من عندنا فعلنا ذلك. ذكر من قال ذلك: 17744 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن يحيى بن سعيد، عن عكرمة وحنانا من لدنا قال: محبة عليه. 17745 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وحنانا قال: أما الحنان فالمحبة. وقال آخرون معناه تعظيما منا له. ذكر من قال ذلك: 17746 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح وحنانا من لدنا قال: تعظيما من لدنا. وقد ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لا أدري ما الحنان. 17747 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة، عن ابن عباس، قال: والله ما أدري ما حنانا. وللعرب في حنانك لغتان: حنانك يا ربنا، وحنانيك كما قال طرفة بن العبد في حنانيك: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض وقال امرؤ القيس في اللغة الاخرى: ويمنحها بنو شمجي بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان وقد اختلف أهل العربية في حنانيك فقال بعضهم: هو تثنية حنان. وقال آخرون: بل هي لغة ليست بتثنية قالوا: وذلك كقولهم: حواليك وكما قال الشاعر:

[ 72 ]

ضربا هذا ذيك وطعنا وخضا وقد سوي بين جميع ذلك الذين قالوا حنانيك تثنية، في أن كل ذلك تثنية. وأصل ذلك أعني الحنان، من قول القائل: حن فلان إلى كذا، وذلك إذا ارتاح إليه واشتاق، ثم يقال: تحنن فلان على فلان، إذا وصف بالتعطف عليه والرقة به، والرحمة له، كما قال الشاعر: تحنن علي هداك المليك * فإن لكل مقام مقالا بمعنى: تعطف علي. فالحنان: مصدر من قول القائل: حن فلان على فلان، يقال منه: حننت عليه، فأنا أحن عليه حنينا وحنانا، ومن ذلك قيل لزوجة الرجل: حنته، لتحننه عليها وتعطفه، كما قال الراجز: وليلة ذات دجى سريت * ولم تضرني حنة وبيت وقوله: وزكاة يقول تعالى ذكره: وآتينا يحيى الحكم صبيا، وزكاة: وهو الطهارة من الذنوب، واستعمال بدنه في طاعة ربه، فالزكاة عطف على الحكم من قوله: وآتيناه الحكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17748 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وزكاة قال: الزكاة: العمل الصالح. 17749 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: وزكاة قال: العمل الصالح الزكي. 17750 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: في قوله وزكاة يعني العمل الصالح الزاكي.

[ 73 ]

وقوله: وكان تقيا يقول تعالى ذكره: وكان لله خائفا مؤديا فرائضه، مجتنبا محارمه مسارعا في طاعته. كما: 17751 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وزكاة وكان تقيا قال: طهر فلم يعمل بذنب. 17752 - حدثني يونس، قال: خبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وزكاة وكان تقيا قال: أما الزكاة والتقوى فقد عرفهما الناس. القول في تأويل قوله تعالى: * (وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) *. يقول تعالى ذكره: وكان برا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما، غير عاق بهما ولم يكن جبارا عصيا يقول جل ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعا متذللا، يأتمر لما أمر به، وينتهى عما نهي عنه، لا يعصي ربه، ولا والديه. وقوله: عصيا فعيل بمعنى أنه ذو عصيان، من قول القائل: عصى فلان ربه، فهو يعصيه عصيا. وقوله: سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا يقول: وأمان من الله يوم ولد، من أن يناله الشيطان من السوء، بما ينال به بني آدم، وذلك أنه روي عن رسول الله (ص) أنه قال: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا. 17753 - حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: ثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله (ص) يقول ذلك. 17754 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: جبارا عصيا قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله (ص): ما من أحد يلقي الله يوم القيامة، إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا. قال: وقال قتادة: ما أذنب، ولا هم بامرأة. وقوله: ويوم يموت يقول: وأمان من الله تعالى ذكره له من فتاني القبر، ومن

[ 74 ]

هول المطلع ويوم يبعث حيا يقول: وأمان له من عذاب الله يوم القيامة، يوم الفزع الاكبر، من أن يروعه شئ، أو أن يفزعه ما يفزع الخلق. وقد ذكر ابن عيينة في ذلك ما: حدثني أحمد بن منصور الفيروزي، قال: أخبرني صدقة بن الفضل قال: سمعت ابن عطية يقول: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال سلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا. 17755 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن الحسن قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له الآخر: استغفر لي، أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف والله فضلها. القول في تأويل قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ئ فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): واذكر يا محمد في كتاب الله الذي أنزله عليك بالحق مريم ابنة عمران، حين اعتزلت من أهلها، وانفردت عنهم، وهو افتعل من النبذ، والنبذ: الطرح، وقد بينا ذلك بشواهده فيما مضى قبل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17756 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت أي انفردت من أهلها. 17757 - حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا قال: خرجت مكانا شرقيا. 17758 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال:

[ 75 ]

خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها، وهو قوله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا: في شرقي المحراب. وقوله: مكانا شرقيا يقول: فتنحت واعتزلت من أهلها في موضع قبل مشرق الشمس دون مغربها، كما: 17759 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: مكانا شرقيا قال: من قبل المشرق. 17760 - حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس، قال: إني لاعلم خلق الله لاي شئ اتخذت النصارى المشرق قبلة ؟ لقول الله: فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة. حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الاعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عباس، مثله. 17761 - حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: أخبرنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت، والحج لله، وما صرفهم عنهما إلا قيل ربك فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا فصلوا قبل مطلع الشمس. 17762 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا قال: شاسعا متنحيا، وقيل: إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس، لان ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب، وكذلك ذلك فيما ذكر عند العرب. وقوله: فاتخذت من دونهم حجابا يقول: فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس. وذكر عن ابن عباس، أنها صارت بمكان يلي المشرق، لان الله أظلها بالشمس، وجعل لها منها حجابا. 17763 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: انتبذت من أهلها مكانا شرقيا قال: مكانا أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم.

[ 76 ]

وقال غيره في ذلك ما. 17764 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فاتخذت من دونهم حجابا من الجدران. وقوله: فأرسلنا إليها روحنا يقول تعالى ذكره: فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، واتخذت من دونهم حجابا: جبريل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17766 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فأرسلنا إليها روحنا قال: أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل. 17767 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: فأرسلنا إليها روحنا قال: جبريل. حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب، قال: سمعت وهب بن منبه، قال: أرسل الله جبريل إلى مريم، فمثل لها بشرا سويا. 17768 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: فلما طهرت، يعني مريم من حيضها، إذا هي برجل معها، وهو قوله: فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا يقول تعالى ذكره: فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق. القول في تأويل قوله تعالى: * (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا) *. يقول تعالى ذكره: فخافت مريم رسولنا، إذ تمثل لها بشرا سويا، وظنته رجلا يريدها على نفسها. 17769 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،

[ 77 ]

قوله إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال: خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها. 17770 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فتمثل لها بشرا سويا فلما رأته فزعت منه وقالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. فقالت: إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك، تقول: أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه لان من كان لله تقيا، فإنه يجتنب ذلك. ولو وجه ذلك إلى أنها عنت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها. كما: 17771 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ولا ترى إلا أنه رجل من بني آدم. 17772 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر، عن عاصم، قال: قال ابن زيد: وذكر قصص مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك. يقول تعالى ذكره: فقال لها روحنا: إنما أنا رسول ربك يا مريم أرسلني إليك لاهب لك غلاما زكيا. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق غير أبي عمرو: لأهب لك بمعنى: إنما أنا رسول ربك: يقول: أرسلني إليك لأهب لك غلاما زكيا على الحكاية. وقرأ ذلك أبو عمرو بن العلاء: ليهب لك غلاما زكيا بمعنى: إنما أنا رسول ربك أرسلني إليك ليهب الله لك غلاما زكيا. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قراء الامصار، وهو لأهب لك بالالف دون الياء، لان ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم، غير أبي عمرو، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه، ولا سائغ لاحد خلاف مصاحفهم، والغلام الزكي: هو الطاهر من الذنوب وكذلك تقول العرب: غلام زاك وزكي، وعال وعلي. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 78 ]

(قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا) *. يقول تعالى ذكره: قالت مريم لجبريل: أني يكون لي غلام من أي وجه يكون لي غلام ؟ أمن قبل زوج أتزوج، فأرزقه منه، أم يبتدئ الله في خلقه ابتداء ولم يمسسني بشر من ولد آدم بنكاح حلال ولم أك إذ لم يمسسني منهم أحد على وجه الحلال بغيا بغيت ففعلت ذلك من الوجه الحرام، فحملته من زنا، كما: 17773 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ولم أك بغيا يقول: زانية. قال كذلك قال ربك هو علي هين يقول تعالى ذكره: قال لها جبريل: هكذا الامر كما تصفين، من أنك لم يمسسك بشر ولم تكوني بغيا، ولكن ربك قال: هو علي هين: أي خلق الغلام الذي قلت أن أهبه لك علي هين لا يتعذر علي خلقه وهبته لك من غير فحل يفتح لك. وقوله ولنجعله آية للناس يقول: وكي نجعل الغلام الذي نهبه لك علامة وحجة على خلقي أهبه لك. ورحمة منا يقول: ورحمة منا لك، ولمن آمن به وصدقه أخلقه منك وكان أمرا مقضيا يقول: وكان خلقه منك أمرا قد قضاه الله، ومضى في حكمه وسابق علمه أنه كائن منك. كما: 17774 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني من لا أتهم، عن وهب بن منبه وكان أمرا مقضيا أي إن الله قد عزم على ذلك، فليس منه بد. القول في تأويل قوله تعالى: * (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) *. وفي هذا الكلام متروك ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر منه عنه فنفخنا فيه من

[ 79 ]

روحنا بغلام فحملته فانتبذت به مكانا قصيا وبذلك جاء تأويل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17775 - حدثني محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل ابن أخي وهب بن منبه، قال: سمعت وهبا قال: لما أرسل الله جبريل إلى مريم تمثل لها بشرا سويا فقالت له: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ثم نفخ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قال ذلك، يعني لما قال جبريل قال كذلك قال ربك هو علي هين... الآية استسلمت لامر الله، فنفخ في جيبها ثم انصرف عنها. 17776 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: طرحت عليها جلبابها لما قال جبريل ذلك لها، فأخذ جبريل بكميها، فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقا من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى، قالت مريم: أشعرت أيضا أني حبلى، قالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله مصدقا بكلمة من الله. 17777 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: يقولون: إنه إنما نفخ في جيب درعها وكمها. وقوله: فانتبذت به مكانا قصيا يقول: فاعتزلت بالذي حملته، وهو عيسى، وتنحت به عن الناس مكانا قصيا يقول: مكانا نائيا قاصيا عن الناس، يقال: هو بمكان قاص، وقصي بمعنى واحد، كما قال الراجز: لتقعدن مقعد القصي * مني ذي القاذورة المقلي

[ 80 ]

يقال منه: قصا المكان يقصو قصوا: إذا تباعد، وأقصيت الشئ: إذا أبعدته وأخرته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17778 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: فانتبذت به مكانا قصيا قال: مكانا نائيا. 17779 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: مكانا قصيا قال: قاصيا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17780 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما بلغ أن تضع مريم، خرجت إلى جانب المحراب الشرقي منه فأتت أقصاه. وقوله: فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول تعالى ذكره: فجاء بها المخاض إلى جذع النخلة، ثم قيل: لما أسقطت الباء منه أجاءها، كما يقال: أتيتك بزيد، فإذا حذفت الباء قيل آتيتك زيدا، كما قال جل ثناؤه: آتوني زبر الحديد والمعنى: ائتوني بزبر الحديد، ولكن الالف مدت لما حذفت الباء، وكما قالوا: خرجت به وأخرجته، وذهبت به وأذهبته، وإنما هو أفعل من المجئ، كما يقال: جاء هو، وأجأته أنا: أي جئت به، ومثل من أمثال العرب: شر ما أجاءني إلى مخة عرقوب، وأشاء ويقال: شر ما يجيئك ويشيئك إلى ذلك ومنه قول زهير: وجار سار معتمدا إليكم * أجاءته المحافة والرجاء يعني: جاء به، وأجاءه إلينا وأشاءك: من لغة تميم، وأجاءك من لغة أهل العالية، وإنما تأول من تأول ذلك بمعنى: ألجأها، لان المخاض لما جاءها إلى جذع النخلة، كان قد ألجأها إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 81 ]

17781 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فأجاءها المخاض قال: المخاض ألجأها. 17782 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: ألجأها المخاض. قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة. 17783 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة يقول: ألجأها المخاض إلى جذع النخلة. 17784 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قال: اضطرها إلى جذع النخلة. واختلفوا في أي المكان الذي انتبذت مريم بعيسى لوضعه، وأجاءها إليه المخاض، فقال بعضهم: كان ذلك في أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشأم، وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو مصر هاربة منهم. ذكر من قال ذلك: 17785 - حدثنا محمد بن سهل، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها قرابة لها، يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجد يؤمئذ من أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرغبا في ذلك، فكانا يليان معالجته بأنفسهما، تحبيره وكناسته وطهوره، وكل عمل يعمل فيه، وكان لا يعمل من أهل زمانهما أحد أشد اجتهادا وعبادة منهما، فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف فلما رأى الذي بها استفظعه، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدر على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط وإذا أراد أن يبرئها، رأى الذي ظهر عليها فلما اشتد عليه ذلك كلمها، فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر قد خشيته، وقد حرصت على أن أميته وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري، قالت: فقل قولا جميلا، قال: ما

[ 82 ]

كنت لاقول لك إلا ذلك، فحدثيني، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت: نعم، قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث يصيبها ؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت: نعم، ألم تعلم أن الله تبارك وتعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعد ما خلق كل واحد منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولو لا ذلك لم يقدر على إنباته ؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله تبارك وتعالى بقدرته على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون، قالت مريم: أو لم تعلم أن الله تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر ؟ قال: بلى، فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شئ من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه، وذلك لما رأى من كتمانها لذلك. ثم تولى يوسف خدمة المسجد، وكفاها كل عمل كانت تعمل فيه، وذلك لما رأى من رقة جسمها، واصفرار لونها، وكلف وجهها، ونتو بطنها، وضعف قوتها، ودأب نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك فلما دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك عيروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقيا وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجدا معترفا لعيسى، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له ليس بينها حين ركبت وبين الاكاف شئ، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان متاخما لارض مصر في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، ألجأها إلى آري حمار، يعني مدود الحمار، وأصل نخلة، وذلك في زمان أحسبه بردا أو حرا الشك من أبي جعفر، فاشتد على مريم المخاض فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة، قاموا صفوفا محدقين بها. وقد روي عن وهب بن منبه قول آخر غير هذا، وذلك ما: 17786 - حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما حضر ولادها، يعني مريم، ووجدت ما تجد المرأة من الطلق، خرجت من المدينة مغربة من إيلياء، حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال

[ 83 ]

يقال لها بيت لحم، فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مدود بقرة تحتها ربيع من الماء، فوضعته عندها. وقال آخرون: بل خرجت لما حضر وضعها ما في بطنها إلى جانب المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه فألجأها المخاض إلى جذع النخلة، وذلك قول السدي، وقد ذكرت الرواية به قبل. 17787 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت ابن عباس يقول: ما هي إلا أن حملت فوضعت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: وأخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله أنه سمع ابن عباس يقول: ليس إلا أن حملت فولدت. وقوله: يا ليتني مت قبل هذا ذكر أنها قالت ذلك في حال الطلق استحياء من الناس، كما: 17788 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. تقول: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل، وكنت نسيا منسيا: شيئا نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شئ نسي وترك ولم يطلب فهو نسي. ونسي بفتح النون وكسرها لغتان معروفتان من لغات العرب بمعنى واحد، مثل الوتر والوتر، والجسر والجسر، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب عندنا وبالكسر قرأت عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة وبالفتح قرأه أهل الكوفة ومنه قول الشاعر: كأن لها في الارض نسيا تقصه * إذا ماغدت وإن تحدثك تبلت ويعني بقوله: تقصه: تطلبه، لانها كانت نسيته حتى ضاع ثم ذكرته فطلبته، ويعني بقوله: تبلت: تحسن وتصدق، ولو وجه النسي إلى المصدر من النسيان كان صوابا، وذلك

[ 84 ]

أن العرب فيما ذكر عنها تقول: نسيته نسيانا ونسيا، كما قال بعضهم من طاعة الرب وعصي الشيطان، يعني وعصيان، وكما تقول أتيته إتيانا وأتيا، كما قال الشاعر: أتي الفواحش فيهم معروفة * ويرون فعل المكرمات حراما وقوله منسيا مفعول من نسيت الشئ كأنها قالت: ليتني كنت الشئ الذي ألقي، فترك ونسي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17789 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء الخراساني عن ابن عباس، قوله: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا لم أخلق، ولم أك شيئا. 17790 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وكنت نسيا منسيا يقول: نسيا: نسي ذكري، ومنسيا: تقول: نسي أثري، فلا يرى لي أثر ولا عين. 17791 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وكنت نسيا منسيا: أي شيئا لا يعرف ولا يذكر. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله وكنت نسيا منسيا قال: لا أعرف ولا يدري من أنا. 17792 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس نسيا منسيا قال: هو السقط. 17793 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا لم أكن في الارض شيئا قط. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 85 ]

(فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) *. اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق فناداها من تحتها بمعنى: فناداها جبرائيل من بين يديها على اختلاف منهم في تأويله فمن متأول منهم إذا قرأه من تحتها كذلك ومن متأول منهم أنه عيسى، وأنه ناداها من تحتها بعد ما ولدته. وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة والبصرة: فناداها من تحتها بفتح التاءين من تحت، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها عيسى، وأنه الذي نادى أمه. ذكر من قال: الذي ناداها من تحتها الملك: 17794 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت ابن عباس قرأ: فناداها من تحتها يعني: جبرائيل. 17795 - حدثني عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الاودي، قال: الذي ناداها الملك. 17793 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، أنه قرأ: فخاطبها من تحتها. حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة. أنه قرأ: فخاطبها من تحتها. حدثنا الرفاعي، قال: ثنا وكيع، عن أبيه، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأها كذلك. 17797 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن جويبر، عن الضحاك فناداها من تحتها قال: جبرائيل. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحاك، مثله. 17798 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فناداها من تحتها: أي من تحت النخلة.

[ 86 ]

17799 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فناداها جبرائيل من تحتها أن لا تحزني. 17800 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله فناداها من تحتها قال: الملك. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله فناداها من تحتها يعني: جبرائيل كان أسفل منها. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فناداها من تحتها قال: ناداها جبرائيل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها. ذكر من قال: ناداها عيسى (ص): 17801 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فناداها من تحتها قال: عيسى بن مريم. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17802 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن فناداها من تحتها ابنها. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها. 17803 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فناداها عيسى من تحتها أن لا تحزني. 17804 - حدثني أبو حميد أحمد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد،

[ 87 ]

قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان، عن سعيد بن جبير، قوله فناداها من تحتها قال عيسى: أما تسمع الله يقول: فأشارت إليه. 17805 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فناداها من تحتها قال: عيسى ناداها: أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا. 17806 - حدثت عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي بن كعب قال: الذي خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخل من فيها. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله فحملته فانتبذت به مكانا قصيا يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله: فأشارت إليه ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها: أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتج عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله. فإذا كان ذلك هو الصواب من التأويل الذي بينا، فبين أن كلتا القراءتين، أعني من تحتها بالكسر، ومن تحتها بالفتح صواب. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر كان في قوله فناداها ذكر من عيسى: وإذا قرئ من تحتها بالفتح كان الفعل لمن وهو عيسى. فتأويل الكلام إذا: فناداها المولد من تحتها أن لا تحزني يا أمه قد جعل ربك تحتك سريا كما: 17807 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله فناداها من تحتها أن لا تحزني قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج فأقول ومن زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شئ عذري عند الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام. واختلف أهل التأويل في المعني بالسري في هذا الموضع، فقال بعضهم: عني به: النهر الصغير. ذكر من قال ذلك:

[ 88 ]

17808 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قد جعل ربك تحتك سريا قال: الجدول. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول في هذه الآية قد جعل ربك تحتك سريا قال: الجدول. 17809 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله قد جعل ربك تحتك سريا وهو نهر عيسى. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله قد جعل ربك تحتك سريا قال: السري: النهر الذي كان تحت مريم حين ولدته كان يجري يسمى سريا. 17810 - حدثني أبو حصين، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن ميمون الاودي، قال في هذه الآية: قد جعل ربك تحتك سريا قال: السري: نهر يشرب منه. حدثنا يعقوب وأبو كريب، قالا: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، في قوله: قد جعل ربك تحتك سريا قال: هو الجدول. 17811 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد سريا قال: نهر بالسريانية. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، قال ابن جريج: نهر إلى جنبها. 17812 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، في قوله قد جعل ربك تحتك سريا قال: كان سريا فقال حميد بن عبد الرحمن: إن السري: الجدول، فقال: غلبتنا عليك الامراء. 17813 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير قد جعل ربك تحتك سريا قال: هو الجدول، النهر الصغير، وهو بالنبطية: السري.

[ 89 ]

حدثني أبو حميد الحمصي، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمد بن مهاجر، عن ثابت بن عجلان قال: سألت سعيد بن جبير، عن السري، قال: نهر. 17814 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: النهر الصغير. حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير: يعني الجدول، يعني قوله قد جعل ربك تحتك سريا. 17815 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك، قال: جدول صغير بالسريانية. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله تحتك سريا: الجدول الصغير من الانهار. 17816 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قد جعل ربك تحتك سريا والسري: هو الجدول، تسميه أهل الحجاز. 17817 - حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله سريا قال: هو جدول. 17818 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم وعن وهب بن منبه قد جعل ربك تحتك سريا يعني ربيع الماء. 17819 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قد جعل ربك تحتك سريا والسري: هو النهر. وقال آخرون: عنى به عيسى. ذكر من قال ذلك: 17820 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قد جعل ربك تحتك سريا والسري: عيسى نفسه. 17821 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله قد جعل ربك تحتك سريا يعني نفسه، قال: وأي شئ أسرى منه، قال: والذين يقولون: السري: هو النهر ليس كذلك النهر، لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها.

[ 90 ]

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عنى به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أعطاها الله من الماء الذي جعله عندها، وقال لها وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي من هذا الرطب واشربي من هذا الماء وقري عينا بولدك، والسري معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير ومنه قول لبيد: فتوسطا عرض السري وصدعا * مسجورة متجاورا قلامها ويروى: مسا مسجورة، ويروى أيضا: فغارا. وقوله: وهزي إليك بجذع النخلة ذكر أن الجذع كان جذعا يابسا، وأمرها أن تهزه، وذلك في أيام الشتاء، وهزها إياه كان تحريكه، كما: 17822 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وهزي إليك بجذع النخلة قال: حركيها. ذكر من قال ذلك: 17823 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وهزي إليك بجذع النخلة قال: كان جذعا يابسا، فقال لها: هزيه تساقط عليك رطبا جنيا. 17824 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: كانت نخلة يابسة. 17825 - حدثني محمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: وهزي إليك بجذع النخلة فكان الرطب يتساقط عليها وذلك في الشتاء. 17826 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وهزي إليك بجذع النخلة: وكان جذعا منها مقطوعا فهزته، فإذا هو نخلة، وأجري لها في المحراب نهر، فتساقطت النخلة رطبا جنيا فقال لها: كلي واشربي وقري عينا.

[ 91 ]

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزي إليك بالنخلة. ذكر من قال ذلك: 17827 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: قال مجاهد وهزي إليك بجذع النخلة قال: النخلة. حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله وهزي إليك بجذع النخلة قال: العجوة. 17828 - حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن ميمون، أنه تلا هذه الآية: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا قال: فقال عمرو: ما من شئ خير للنفساء من التمر والرطب. وأدخلت الباء في قوله: وهزي إليك بجذع النخلة كما يقال: زوجتك فلانة، وزوجتك بفلانة وكما قال تنبت بالدهن بمعنى: تنبت الدهن. وإنما تفعل العرب ذلك، لان الافعال تكنى عنها بالباء، فيقال إذا كنيت عن ضربت عمرا: فعلت به، وكذلك كل فعل، فلذلك تدخل الباء في الافعال وتخرج، فيكون دخولها وخروجها بمعنى، فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسروه كذلك: وهزي إليك رطبا بجذع النخلة، بمعنى: على جذع النخلة، وجها صحيحا، ولكن لست أحفظ عن أحد أنه فسره كذلك. ومن الشاهد على دخول الباء في موضع دخولها وخروجها منه سواء قول الشاعر: بواد يمان ينبت السدر صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان واختلف القراء في قراءة قوله: تساقط فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة: تساقط بالتاء من تساقط وتشديد السين، بمعنى: تتساقط عليك النخلة رطبا جنيا، ثم تدغم إحدى التاءين في الاخرى فتشدد، وكأن الذين قرأوا ذلك كذلك وجهوا معنى الكلام إلي: وهزي إليك بجذع النخلة تساقط النخلة عليك رطبا. وقرأ ذلك بعض

[ 92 ]

قراء الكوفة: تساقط بالتاء وتخفيف السين، ووجه معنى الكلام، إلى مثل ما وجه إليه مشددوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة. وروي عن البراء بن عازب أنه قرأ ذلك: يساقط بالياء. 17829 - حدثني بذلك أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلي: وهزي إليك بجذع النخلة يتساقط الجذع عليك رطبا جنيا. وروي عن أبي نهيك أنه كان يقرؤه: تسقط بضم التاء وإساقط الالف. 17830 - حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقرؤه كذلك، وكأنه وجه معنى الكلام إلي: تسقط النخلة عليك رطبا جنيا. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن هذه القراءات الثلاث، أعني تساقط بالتاء وتشديد السين، وبالتاء وتخفيف السين، وبالياء وتشديد السين، قراءات متقاربات المعاني، قد قرأ بكل واحدة منهن قراء أهل معرفة بالقرآن، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبا، وهو ثابت غير مقطوع، فقد تساقطت النخلة رطبا، وإذا تساقطت النخلة رطبا، فقد تساقطت النخلة بأجمعها، جذعها وغير جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمة على أصلها، فإنما هي جذع وجريد وسعف، فإذا قطعت صارت جذعا، فالجذع الذي أمرت مريم بهزه لم يذكر أحد نعلمه أنه كان جذعا مقطوعا غير السدي، وقد زعم أنه عاد بهزها إياه نخلة، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبا نخلة واحدا، فتبين بذلك صحة ما قلنا. وقوله: جنيا يعني مجنيا وإنما كان أصله مفعولا فصرف إلى فعيل والمجني: المأخوذ طريا، وكل ما أخذ من ثمرة، أو نقل من موضعه بطراوته فقد اجتني، ولذلك قيل: فلان يجتني الكمأة ومنه قول ابن أخت جذيمة: هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه

[ 93 ]

القول في تأويل قوله تعالى: * (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا) *. يقول تعالى ذكره: فكلي من الرطب الذي يتساقط عليك، واشربي من ماء السري الذي جعله ربك تحتك، لا تخشي جوعا ولا عطشا وقري عينا يقول: وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني. ونصبت العين لانها هي الموصوفة بالقرار. وإنما معنى الكلام: ولتقرر عينك بولدك، ثم حول الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنصبت العين إذ كان الفعل لها في الاصل على التفسير، نظير ما فعل بقوله: فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: وضاق بهم ذرعا ومنه قوله: يساقط عليك رطبا جنيا إنما هو يساقط عليك رطب الجذع، فحول الفعل إلى الجذع، في قراءة من قرأه بالياء. وفي قراءة من قرأه: تساقط بالتاء، معناه: يساقط عليك رطب النخلة، ثم حول الفعل إلى النخلة. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: وقري فأما أهل المدينة فقرأوه: وقري بفتح القاف على لغة من قال: قررت بالمكان أقر به، وقررت عينا، أقر به قرورا، وهي لغة قريش فيما ذكر لي وعليها القراءة. وأما أهل نجد فإنها تقول قررت به عينا أقربه قرارا وقررت بالمكان أقر به، فالقراءة على لغتهم: وقري عينا بكسر القاف، والقراءة عندنا على لغة قريش بفتح القاف. وقوله: فإما ترين من البشر أحدا يقول: فإن رأيت من بني آدم أحدا يكلمك أو يسائلك عن شئ من أمرك وأمر ولدك وسبب ولادتك له فقولي إني نذرت للرحمن صوما يقول: فقولي: إني أوجبت على نفسي لله صمتا ألا أكلم أحدا من بني آدم اليوم فلن أكلم اليوم إنسيا.

[ 94 ]

وبنحو الذي قلنا في معنى الصوم، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17831 - حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أنس بن مالك يقول في هذه الآية إني نذرت للرحمن صوما صمتا. حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني المغيرة بن عثمان، قال: سمعت أنس بن مالك يقول إني نذرت للرحمن صوما قال: صمتا. 17832 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله إني نذرت للرحمن صوما قال: يعني بالصوم: الصمت. 17833 - حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعت أنسا قرأ: إني نذرت للرحمن صوما وصمتا. 17834 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة إني نذرت للرحمن صوما أما قوله: صوما فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام. 17835 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: نذرت للرحمن صوما قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام، إلا من ذكر الله، فقال لها ذلك، فقالت: إني أصوم من الكلام كما أصوم من الطعام، إلا من ذكر الله فلما كلموها أشارت إليه، فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا فأجابهم فقال: إني عبد الله آتاني الكتاب حتى بلغ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. واختلفوا في السبب الذي من أجله أمرها بالصوم عن كلام البشر، فقال بعضهم: أمرها بذلك لانه لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة، وذلك أنها جاءت وهي أيم بولد بالكف عن الكلام ليكفيها فأمرت الكلام ولدها.. ذكر من قال ذلك: 17836 - حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك ؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس

[ 95 ]

اليوم، فقال عبد الله: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام. 17837 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد لما قال عيسى لمريم لا تحزني قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شئ عذري عند الناس يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا قال: هذا كله كلام عيسى لامه. 17838 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فإني سأكفيك الكلام. وقال آخرون: إنما كان ذلك آية لمريم وابنها. ذكر من قال ذلك: 17839 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: إني نذرت للرحمن صوما قال في بعض الحروف: صمتا، وذلك أنك لا تلقي امرأة جاهلة تقول: نذرت كما نذرت مريم، ألا تكلم يوما إلى الليل، وإنما جعل الله تلك آية لمريم ولابنها، ولا يحل لاحد أن ينذر صمت يوم إلى الليل. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فقرأ: إني نذرت للرحمن صوما وكانت تقرأ في الحرف الاول: صمتا، وإنما كانت آية بعثها الله لمريم وابنها. وقال آخرون: بل كانت صائمة في ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأذن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمة. ذكر من قال ذلك: 17840 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فإما ترين من البشر أحدا يكلمك فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا فكان من صام في ذلك الزمان لم يتكلم حتى يمسي، فقيل لها: لا تزيدي على هذا. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 96 ]

* (فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد جئت شيئا فريا) *. يقول تعالى ذكره: فلما قال ذلك عيسى لامه اطمأنت نفسها، وسلمت لامر الله، وحملته حتى أتت به قومها. كما: 17841 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: أنساها يعني مريم كرب البلاء وخوف الناس ما كانت تسمع من الملائكة من البشارة بعيسى، حتى إذا كلمها، يعني عيسى، وجاءها مصداق ما كان الله وعدها احتملته ثم أقبلت به إلى قومها. وقال السدي في ذلك ما: 17842 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما ولدته ذهب الشيطان، فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها فأتت به قومها تحمله. وقوله: قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يقول تعالى ذكره: فلما رأوا مريم، ورأوا معها الولد الذي ولدته، قالوا لها: يا مريم لقد جئت بأمر عجيب، وأحدثت حدثا عظيما. وكل عامل عملا أجاده وأحسنه فقد فراه، كما قال الراجز: قد أطعمتني دقلا حجريا * قد كنت تفرين به الفريا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17843 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: فريا قال: عظيما.

[ 97 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17844 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: لقد جئت شيئا فريا قال: عظيما. 17845 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي لقد جئت شيئا فريا قال: عظيما. 17846 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: لما رأوها ورأوه معها، قالوا: يا مريم لقد جئت شيئا فريا: أي الفاحشة غير المقاربة. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) *. اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل لها: يا أخت هارون، ومن كان هارون هذا الذي ذكره الله، وأخبر أنهم نسبوا مريم إلى أنها أخته، فقال بعضهم: قيل لها يا أخت هارون نسبة منهم لها إلى الصلاح، لان أهل الصلاح فيهم كانوا يسمون هارون، وليس بهارون أخي موسى. ذكر من قال ذلك: 17847 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: يا أخت هارون قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون، فشبهوها به، فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح. 17848 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا، كلهم يسمون هارون من بني إسرائيل. 17849 - حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن

[ 98 ]

محمد بن سيرين، قال: نبئت أن كعبا قال: إن قوله: يا أخت هارون ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي (ص) قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ست مئة سنة، قال: فسكتت. 17850 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: يا أخت هارون قال: اسم واطأ اسما، كم بين هارون وبينهما من الامم أمم كثيرة. 17851 - حدثنا أبو كريب وابن المثنى وسفيان وابن وكيع وأبو السائب، قالوا: ثنا عبد الله بن إدريس الاودي، قال: سمعت أبي يذكر عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله (ص) إلى أهل نجران، فقالوا لي: ألستم تقرأون يا أخت هارون ؟ قلت: بلى وقد علمتم ما كان بين عيسى وموسى، فرجعت إلى رسول الله (ص)، فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة، قال: أرسلني النبي (ص) في بعض حوائجه إلى أهل نجران، فقالوا: أليس نبيك يزعم أن هارون أخو مريم هو أخو موسى ؟ فلم أدر ما أرد عليهم حتى رجعت إلى النبي (ص)، فذكرت له ذلك، فقال: إنهم كانوا يسمون بأسماء من كان قبلهم. وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونسبت مريم إلى أنها أخته لانها من ولده، يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. ذكر من قال ذلك: 17852 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي يا أخت هارون قال: كانت من بني هارون أخي موسى، وهو كما تقول: يا أخا بني فلان. وقال آخرون: بل كان ذلك رجلا منهم فاسقا معلن الفسق، فنسبوها إليه. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله (ص) الذي ذكرناه، وأنها نسبت إلى رجل من قومها.

[ 99 ]

وقوله: ما كان أبوك امرأ سوء يقول: ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش وما كانت أمك بغيا يقول: وما كانت أمك زانية، كما: 17853 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وما كانت أمك بغيا قال: زانية. وقال: وما كانت أمك بغيا ولم يقل: بغية، لان ذلك مما يوصف به النساء دون الرجال، فجري مجرى امرأة حائض وطالق، وقد كان بعضهم يشبه ذلك بقولهم: ملحفة جديدة وامرأة قتيل. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا) *. يقول تعالى ذكره: فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلموه، كما: 17854 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما قالوا لها: ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى. 17855 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فأشارت إليه قال: أمرتهم بكلامه. 17856 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه فأشارت إليه يقول: أشارت إليه أن كلموه. 17857 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله فأشارت إليه أن كلموه. وقوله: قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا يقول تعالى ذكره: قال قومها لها: كيف نكلم من وجد في المهد ؟ وكان في قوله من كان في المهد صبيا معناها التمام، لا التي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى بكان التي في قوله هل كنت إلا بشرا رسولا وإنما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول ؟ وهل وجدت أو بعثت وكما قال زهير بن أبي سلمى:

[ 100 ]

اجرت عليه حرة أرحبية * وقد كان لون الليل مثل الارندج بمعنى: وقد صار أو وجد. وقيل: إنه عني بالمهد في هذا الموضع: حجر أمه. ذكر من قال ذلك: 17858 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة من كان في المهد صبيا والمهد: الحجر. قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) *. يقول تعالى ذكره: فلما قال قوم مريم لها كيف نكلم من كان في المهد صبيا وظنوا أن ذلك منها استهزاء بهم، قال عيسى لها متكلما عن أمه: إني عبد الله آتاني الكتاب. وكانوا حين أشارت لهم إلى عيسى فيما ذكر عنهم غضبوا، كما: 17859 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما أشارت لهم إلى عيسى غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا. 17860 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا فأجابهم عيسى عنها فقال لهم إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا... الآية. 17861 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال لهم: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فقرأ حتى بلغ ولم يجعلني جبارا شقيا فقالوا: إن هذا لامر عظيم.

[ 101 ]

17862 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول: كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله لم يتكلم عيسى إلا عند ذلك حين قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا. وقوله: آتاني الكتاب يقول القائل: أو آتاه الكتاب والوحي قبل أن يخلق في بطن أمه فإن معنى ذلك بخلاف ما يظن، وإنما معناه: وقضى يوم قضى أمور خلقه إلي أن يؤتيني الكتاب، كما: 17863 - حدثني بشر بن آدم، قال: ثنا الضحاك، يعني ابن مخلد، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة قال آتاني الكتاب قال: قضى أن يؤتيني الكتاب فيما مضى. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرنا سفيان، عن سماك، عن عكرمة، في قوله إني عبد الله آتاني الكتاب قال: القضاء. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، في قول الله إني عبد الله آتاني الكتاب قال: قضى أن يؤتيني الكتاب. وقوله: وجعلني نبيا وقد بينت معنى النبي واختلاف المختلفين فيه، والصحيح من القول فيه عندنا بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته. وكان مجاهد يقول في معنى النبي وحده ما: 17864 - حدثنا به محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه الوحي ولا يرسل. وقوله وجعلني مباركا اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: وجعلني نفاعا. ذكر من قال ذلك: 17865 - حدثني سليمان بن عبد الرحمن بن حماد الطلحي، قال: ثنا العلاء، عن عائشة امرأة ليث، عن ليث، عن مجاهد وجعلني مباركا قال: نفاعا. وقال آخرون: كانت بركته الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ذكر من قال ذلك: 17866 - حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، قال: سمعت وهيب بن ابن الورد مولى بني مخزوم، قال: لقي عالم عالما

[ 102 ]

هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله، ما الذي أعلن من علمي، قال: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد اجتمع الفقهاء على قول الله وجعلني مباركا أينما كنت وقيل: ما بركته ؟ قال: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. وقال آخرون: معنى ذلك: جعلني معلم الخير. ذكر من قال ذلك: 17867 - حدثني يونس بن عبد الاعلى، قال: ثنا سفيان في قوله وجعلني مباركا أينما كنت قال: معلما للخير. 17868 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، قوله: وجعلني مباركا أينما كنت قال: معلما للخير حيثما كنت. وقوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة يقول: وقضى أن يوصيني بالصلاة والزكاة، يعني بالمحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي. وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الاموال أن يؤديها. والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي. وقوله: ما دمت حيا يقول: ما كنت حيا في الدنيا موجودا، وهذا يبين عن أن معنى الزكاة في هذا الموضع: تطهير البدن من الذنوب، لان الذي يوصف به عيسى صلوات الله وسلامه عليه أنه كان لا يدخر شيئا لغد، فتجب عليه زكاة المال، إلا أن تكون الزكاة التي كانت فرضت عليه الصدقة بكل ما فضل عن قوته، فيكون ذلك وجها صحيحا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) *. يقول تعالى ذكره: مخبرا عن قيل عيسى للقوم: وجعلني مباركا وبرا: أي جعلني برا بوالدتي. والبر هو البار، يقال: هو بر بوالده، وبار به، وبفتح الباء قرأت هذا الحرف قراء الامصار. وروي عن أبي نهيك ما: 17869 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، عن

[ 103 ]

أبي نهيك أنه قرأ: وبرا بوالدتي من قول عيسى عليه السلام، قال أبو نهيك: أوصاني بالصلاة والزكاة والبر بالوالدين، كما أوصاني بذلك. فكأن أبا نهيك وجه تأويل الكلام إلى قوله وبرا بوالدتي هو من خبر عيسى، عن وصية الله إياه به، كما أن قوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة من خبره عن وصية الله إياه بذلك. فعلى هذا القول يجب أن يكون نصب البر بمعنى عمل الوصية فيه، لان الصلاة والزكاة وإن كانتا مخفوضتين في اللفظ، فإنهما بمعنى النصب من أجل أنه مفعول بهما. وقوله: ولم يجعلني جبارا شقيا يقول: ولم يجعلني مستكبرا على الله فيما أمرني به، ونهاني عنه. شقيا، ولكن ذللني لطاعته، وجعلني متواضعا، كما: 17870 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه يعني عيسى، كان يقول: سلوني، فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي مما أعطاه الله من التواضع. 17871 - وحدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الاكمه والابرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله، واتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا. 17872 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد أبي رجاء، عن بعض أهل العلم، قال: لا تجد عاقا إلا وجدته جبارا شقيا. ثم قرأ وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا، ثم قرأ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا. وقوله: والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا يقول: والامنة من الله علي من الشيطان وجنده يوم ولدت أن ينالوا مني ما ينالون ممن يولد عند الولادة، من الطعن فيه، ويوم أموت، من هول المطلع، ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم، كما:

[ 104 ]

17873 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا قال: يخبرهم في قصة خبره عن نفسه، أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يبعث حيا، يقول الله تبارك وتعالى: ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون. القول في تأويل قوله تعالى: * (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) *. يقول تعالى ذكره: هذا الذي بينت لكم صفته، وأخبرتكم خبره، من أمر الغلام الذي حملته مريم، هو عيسى ابن مريم، وهذه الصفة صفته، وهذا الخبر خبره، وهو قول الحق يعني أن هذا الخبر الذي قصصته عليكم قول الحق، والكلام الذي تلوته عليكم قول الله وخبره، لا خبر غيره، الذي يقع فيه الوهم والشك، والزيادة والنقصان، على ما كان يقول الله تعالى ذكره: فقولوا في عيسى أيها الناس، هذا القول الذي أخبركم الله به عنه، لا ما قالته اليهود، الذين زعموا أنه لغير رشدة، وأنه كان ساحرا كذابا، ولا ما قالته النصارى، من أنه كان لله ولدا، وإن الله لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي ذلك له. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17874 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله ذلك عيسى ابن مريم قول الحق قال: الله الحق. 17875 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جده، عن الاعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون في هذا الحرف في قراءة عبد الله، قال: الذي فيه يمترون، قال: كلمة الله. ولو وجه تأويل ذلك إلى: ذلك عيسى بن مريم القول الحق، بمعنى ذلك القول الحق، ثم حذفت الالف واللام من القول، وأضيف إلى الحق، كما قيل: إن هذا لهو حق اليقين. وكما قيل: وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، كان تأويلا صحيحا. وقد اختفلت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق: قول الحق برفع القول، على ما وصفت من المعنى، وجعلوه في إعرابه تابعا لعيسى، كالنعت له،

[ 105 ]

وليس الامر في إعرابه عندي على ما قاله الذين زعموا أنه رفع على النعت لعيسى، إلا أن يكون معنى القول الكلمة، على ما ذكرنا عن إبراهيم، من تأويله ذلك كذلك، فيصح حينئذ أن يكون نعتا لعيسى، وإلا فرفعه عندي بمضمر، وهو هذا قول الحق على الابتداء، وذلك أن الخبر قد تناهى عن قصة عيسى وأمه عند قوله ذلك عيسى ابن مريم ثم ابتدأ الخبر بأن الحق فيما فيه تمتري الامم من أمر عيسى، هو هذا القول، الذي أخبر الله به عنه عباده، دون غيره. وقد قرأ ذلك عاصم بن أبي النجود وعبد الله بن عامر بالنصب، وكأنهما أرادا بذلك المصدر: ذلك عيسى ابن مريم قولا حقا، ثم أدخلت فيه الالف واللام. وأما ما ذكر عن ابن مسعود من قراءته: ذلك عيسى ابن مريم قال الحق، فإنه بمعنى قول الحق، مثل العاب والعيب، والذام والذيم. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع، لاجماع الحجة من القراء عليه. وأما قوله تعالى ذكره: الذي فيه يمترون فإنه يعني: الذي فيه يختصمون ويختلفون، من قولهم: ما ريت فلانا: إذا جادلته وخاصمته: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17876 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون امترت فيه اليهود والنصارى فأما اليهود فزعموا أنه ساحر كذاب وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله، وثالث ثلاثة، وإله، وكذبوا كلهم، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه. 17877 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: الذي فيه يمترون قال: اختلفوا، فقالت فرقة: هو عبد الله ونبيه، فآمنوا به. وقالت فرقة: بل هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. قال: فذلك قوله: فاختلف الاحزاب من بينهم والتي في الزخرف. قال دقيوس ونسطور ومار يعقوب، قال أحدهم حين رفع الله عيسى: هو الله، وقال الآخر: ابن الله، وقال الآخر: كلمة الله وعبده، فقال المفتريان: إن قولي هو أشبه بقولك، وقولك بقولي من

[ 106 ]

قول هذا، فهلم فلنقاتلهم، فقاتلوهم وأوطؤوهم إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الارض وأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث، قل أنت فيه، قال: هو ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الاسرائيلية ملوك النصارى قال الرابع: كذبت، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا، فظهر على المسلمين، وذلك قول الله: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس قال قتادة: هم الذين قال الله: فاختلف الاحزاب اختلفوا فيه فصاروا أحزابا. القول في تأويل قوله تعالى: * (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) *. يقول تعالى ذكره: لقد كفرت الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وأعظموا الفرية عليه، فما ينبغي لله أن يتخذ ولدا، ولا يصلح ذلك له ولا يكون، بل كل شئ دونه فخلقه، وذلك نظير قول عمرو بن أحمر: في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة * ما يبتغى دونها سهل ولا جبل وأن من قوله أن يتخذ في موضع رفع بكان. وقوله: سبحانه يقول: تنزيها لله وتبرئة له أن يكون له ما أضاف إليه الكافرون القائلون: عيسى ابن الله. وقوله: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون يقول جل ثناؤه: إنما ابتدأ الله خلق عيسى ابتداء، وأنشأه إنشاء، من غير فحل افتحل أمه، ولكنه قال له: كن فيكون لانه كذلك يبتدع الاشياء

[ 107 ]

ويخترعها، إنما يقول، إذا قضى خلق شئ أو إنشاءه: كن فيكون موجودا حادثا، لا يعظم عليه خلقه، لانه لا يخلقه بمعاناة وكلفة، ولا ينشئه بمعالجة وشدة. وقوله: وإن الله ربي وربكم فاعبدوه اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة: وأن الله ربي وربكم واختلف أهل العربية في وجه فتح أن إذا فتحت، فقال بعض نحويي الكوفة: فتحت ردا على عيسى وعطفا عليه، بمعنى: ذلك عيسى ابن مريم، وذلك أن الله ربي وربكم. وإذا كان ذلك كذلك كانت أن رفعا، وتكون بتأويل خفض، كما قال: ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم قال: ولو فتحت على قوله: وأوصاني بأن الله، كان وجها. وكان بعض البصريين يقول: وذكر ذلك أيضا عن أبي عمرو بن العلاء، وكان ممن يقرؤه بالفتح إنما فتحت أن بتأويل وقضى أن الله ربي وربكم. وكانت عامة قراء الكوفيين يقرؤونه: وإن الله بكسر إن بمعنى النسق على قوله: فإنما يقول له. وذكر عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤه: فإنما يقول له كن فيكون إن الله ربي وربكم بغير واو. قال أبو جعفر: والقراءة التي نختار في ذلك: الكسر على الابتداء. وإذا قرئ كذلك لم يكن لها موضع، وقد يجوز أن يكون عطفا على إن التي مع قوله قال إني عبد الله آتاني الكتاب وإن الله ربي وربكم ولو قال قائل، ممن قرأ ذلك نصبا: نصب على العطف على الكتاب، بمعنى: آتاني الكتاب، وآتاني أن الله ربي وربكم، كان وجها حسنا. ومعنى الكلام: وإني وأنتم أيها القوم جميعا الله عبيد، فإياه فاعبدوا دون غيره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17878 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لايتهم، عن وهب بن منبه، قال: عهد إليهم حين أخبرهم عن نفسه ومولده وموته وبعثه إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم أي إني وإياكم عبيد الله، فاعبدوه ولا تعبدوا غيره وقوله (هذا صراط مستقيم) يقول: هذا الذى أوصيتكم به، وأخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم، الذي من سلكه نجا، ومن ركبه اهتدى، لانه دين الله الذي أمر به أنبياءه. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 108 ]

* (فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) *. يقول تعالى ذكره: فاختلف المختلفون في عيسى، فصاروا أحزابا متفرقين من بين قومه، كما: 17879 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثني الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فاختلف الاحزاب من بينهم قال: أهل الكتاب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17880 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فاختلف الاحزاب من بينهم ذكر لنا أن لما رفع ابن مريم، انتخبت بنو إسرائيل أربعة من فقهائهم، فقالوا للاول: ما تقول في عيسى ؟ قال: هو الله هبط إلى الارض، فخلق ما خلق، وأحيا ما أحيا، ثم صعد إلى السماء، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت اليعقوبية من النصارى وقال الثلاثة الآخرون: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثاني: ما تقول في عيسى ؟ قال: هو ابن الله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت النسطورية من النصارى وقال الاثنان الآخران: نشهد أنك كاذب، فقالوا للثالث: ما تقول في عيسى ؟ قال: هو إله، وأمه إله، والله إله، فتابعه على ذلك ناس من الناس، فكانت الاسرائيلية من النصارى، فقال الرابع: أشهد أنك كاذب، ولكنه عبد الله ورسوله، هو كلمة الله وروحه فاختصم القوم، فقال المرء المسلم: أنشدكم الله ما تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام، وأن الله تبارك وتعالى: لا يطعم الطعام قالوا: اللهم نعم، قال: هل تعلمون أن عيسى كان ينام ؟ قالوا: اللهم نعم، قال فخصمهم المسلم قال: فاقتتل القوم. قال: فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله في ذلك القرآن: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فاختلف الاحزاب من بينهم اختلفوا فيه فصاروا أحزابا..

[ 109 ]

وقوله: فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم يقول: فوادي جهنم الذي يدعي ويلا للذين كفروا بالله، من الزاعمين أن عيسى لله ولد، وغيرهم من أهل الكفر به من شهودهم يوما عظيما شأنه، وذلك يوم القيامة. وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما: 17881 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم شهدوا هولا إذا عظيما. القول في تأويل قوله تعالى * (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادا، والزاعمين أن له ولدا يوم ورودهم عليه في الآخرة: لئن كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحق، والنظر إلى حجج الله التي تدل على وحدانيته، صما عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الاقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وأبصرهم يومئذ حين لا ينفعهم الابصار والسماع. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17882 - حدثنا بشر: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: أسمع بهم وأبصر ذاك والله يوم القيامة، سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر. 17883 - حدثنا الحسن، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله أسمع بهم وأبصر قال: أسمع قوم وأبصرهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة، قال أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا يوم القيامة. 17884 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: أسمع بحديثهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم يوم يأتوننا 17885 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا قال: هذا يوم القيامة، فأما الدنيا فلا، كانت على أبصارهم

[ 110 ]

غشاوة، وفي آذانهم وقر في الدنيا فلما كان يوم القيامة أبصروا وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ: ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون. وقوله: لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين يقول تعالى ذكره: لكن الكافرون الذين أضافوا إليه ما ليس من صفته، وافتروا عليه الكذب اليوم في الدنيا، في ضلال مبين يقول: في ذهاب عن سبيل الحق، وأخذ على غير استقامة، مبين أنه جائر عن طريق الرشد والهدى، لمن تأمله وفكر فيه، فهدي لرشده. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): وأنذر يا محمد هؤلاء المشركين بالله يوم حسرتهم وندمهم، على ما فرطوا في جنب الله، وأورثت مساكنهم من الجنة أهل الايمان بالله والطاعة له، وأدخلوهم مساكن أهل الايمان بالله من النار، وأيقن الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا موت بعدها، فيا لها حسرة وندامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17886 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، قال: ثنا أبو الزعراء، عن عبد الله في قصة ذكرها، قال: ما من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لو لا أن من الله عليكم. 17887 - حدثنا أبو السائب، قال: ثنا معاوية، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (ص): يجاء بالموت يوم القيامة فيوقف بين الجنة والنار كأنه كبش أملح قال: فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت، ثم يؤمر به فيذبح قال: فيقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت،

[ 111 ]

ويا أهل النار خلود فلا موت قال: ثم قرأ رسول الله (ص): وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون وأشار بيده في الدنيا. 17888 - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن الاعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي (ص) في هذه الآية وأنذرهم يوم الحسرة قال: ينادى: يا أهل الجنة، فيشرئبون، فينظرون، ثم ينادى: يا أهل النار فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت ؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيقال: هذا الموت، ثم يؤخذ فيذبح، قال: ثم ينادي يا أهل النار خلود فلا موت، ويا أهل الجنة خلود فلا موت، قال: ثم قرأ وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر. 17889 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس، في قوله: وأنذرهم يوم الحسرة قال: يصور الله الموت في صورة كبش أملح، فيذبح، قال: فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، وفيها أيضا الفزع الاكبر، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه، وأمنوا الموت، وهو الفزع الاكبر، لانهم يخلدون في الجنة، قال ابن جريج: يحشر أهل النار حين يذبح الموت والفريقان ينظرون، فذلك قوله: إذ قضي الامر قال: ذبح الموت وهم في غفلة. 17890 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبيه أنه أخبره أنه سمع عبيد بن عمير في قصصه يقول: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح والناس ينظرون. 17891 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وأنذرهم يوم الحسرة قال: يوم القيامة، وقرأ أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله. 17892 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله وأنذرهم يوم الحسرة من أسماء يوم القيامة، عظمه الله، وحذره عباده.

[ 112 ]

وقوله: إذ قضي الامر يقول: إذ فرغ من الحكم لاهل النار بالخلود فيها، ولاهل الجنة بمقام الابد فيها، بذبح الموت. وقوله: وهم في غفلة يقول: وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم، من تخليده إياهم في جهنم، وتوريثه مساكنهم من الجنة غيرهم وهم لا يؤمنون يقول تعالى ذكره: وهم لا يصدقون بالقيامة والبعث، ومجازاة الله إياهم على سيئ أعمالهم، بما أخبر أنه مجازيهم به. القول في تأويل قوله تعالى: * (إنا نحن نرث الارض ومن عليها وإلينا يرجعون) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): لا يحزنك تكذيب هؤلاء المشركين يا محمد فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير جميع الخلق غيرهم، ونحن وارثو الارض ومن عليها من الناس، بفنائهم منها، وبقائها لا مالك لها غيرنا، ثم علينا جزاء كل عامل منهم بعمله، عند مرجعه إلينا، المحسن منهم بإحسانه، والمسئ بإساءته. القول في تأويل قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ئ إذ قال لابيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه: واذكر يا محمد في كتاب الله إبراهيم خليل الرحمن، فاقصص على هؤلاء المشركين قصصه وقصص أبيه، إنه كان صديقا يقول: كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب، والصديق هو الفعيل من الصدق. وقد بينا ذلك فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. نبيا يقول: كان الله قد نبأه وأوحى إليه. وقوله: إذ قال لابيه يقول: اذكره حين قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع يقول: ما تصنع بعبادة الوثن الذي لا يسمع ولا يبصر شيئا ولا يغني عنك شيئا يقول: ولا يدفع عنك ضر شئ، إنما هو صورة مصورة لا تضر ولا تنفع. يقول ما تصنع بعبادة ما هذه صفته ؟ اعبد الذي إذا دعوته سمع دعاءك، وإذا أحيط بك أبصرك فنصرك، وإذا نزل بك ضر دفع عنك. واختلف أهل العربية في وجه دخول الهاء في قوله يا أبت فكان بعض نحويي أهل البصرة يقول: إذا وقفت عليها قلت: يا أبه، وهي هاء زيدت نحو قولك: يا أمه، ثم يقال:

[ 113 ]

يا أم إذا وصل، ولكنه لما كان الاب على حرفين، كان كأنه قد أخل به، فصارت الهاء لازمة، وصارت الياء كأنها بعدها، فلذلك قالوا: يا أبة أقبل، وجعل التاء للتأنيث، ويجوز الترخيم من يا أب أقبل، لانه يجوز أن تدعو ما تضيفه إلى نفسك في المعنى مضموما، نحو قول العرب: يا رب اغفر لي، وتقف في القرآن: يا أبه في الكتاب. وقد يقف بعض العرب على الهاء بالتاء. وقال بعض نحويي الكوفة: الهاء مع أبة وأمة هاء وقف، كثرت في كلامهم حتى صارت كهاء التأنيث، وأدخلوا عليها الاضافة، فمن طلب الاضافة، فهي بالتاء لا غير، لانك تطلب بعدها الياء، ولا تكون الهاء حينئذ إلا تاء، كقولك: يا أبت لا غير، ومن قال: يا أبه، فهو الذي يقف بالهاء، لانه لا يطلب بعدها ياء ومن قال: يا أبتا، فإنه يقف عليها بالتاء، ويجوز بالهاء فأما بالتاء، فلطلب ألف الندبة، فصارت الهاء تاء لذلك، والوقف بالهاء بعيد، إلا فيمن قال: يا أميمة ناصب فجعل هذه الفتحة من فتحة الترخيم، وكأن هذا طرف الاسم، قال: وهذا يعيد. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا) *. يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لابيه: يا أبت إني قد آتاني الله من العلم ما لم يؤتك فاتبعني: يقول: فاقبل مني نصيحتي أهدك صراطا سويا يقول: أبصرك هدى الطريق المستوى الذي لا تضل فيه إن لزمته، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا) *. يقول تعالى ذكره: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان لله عاصيا. والعصي هو ذو العصيان، كما العليم ذو العلم. وقد قال قوم من أهل العربية: العصي: هو العاصي، والعليم هو العالم، والعريف هو العارف، واستشهدوا لقولهم ذلك، بقول طريف بن تميم العنبري. أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلي عريفهم يتوسم

[ 114 ]

وقالوا: قال عريفهم وهو يريد: عارفهم، والله أعلم. القول في تأويل قوله تعالى: * (يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) *. يقول: يا أبت إني أعلم أنك إن مت على عبادة الشيطان أنه يمسك عذاب من عذاب الله فتكون للشيطان وليا يقول: تكون له وليا دون الله ويتبرأ الله منك، فتهلك، والخوف في هذا الموضع بمعنى العلم، كما الخشية بمعنى العلم، في قوله: فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا) *. يقول تعالى ذكره: قال أبو إبراهيم لابراهيم، حين دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وترك عبادة الشيطان، والبراءة من الاوثان والاصنام: أراغب أنت يا إبراهيم عن عبادة آلهتي ؟ لئن أنت لم تنته عن ذكرها بسوء لارجمنك يقول: لارجمنك بالكلام، وذلك السب، والقول القبيح. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17893 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك بالشتيمة والقول. 17894 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، في قوله: لئن لم تنته لارجمنك قال: بالقول لاشتمنك. 17895 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: لارجمنك يعني: رجم القول. وأما قوله: واهجرني مليا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: واهجرني حينا طويلا ودهرا. ووجهوا معنى الملي إلى الملاوة من الزمان، وهو الطويل منه. ذكر من قال ذلك: 17896 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو داود، قال:

[ 115 ]

ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن عبد الكريم، عن مجاهد، في قوله: واهجرني مليا قال: دهرا. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله مليا قال حينا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 17897 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن واهجرني مليا قال: طويلا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله واهجرني مليا قال: زمانا طويلا. 17898 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق واهجرني مليا يقزل: دهرا، والدهر: الملي. 17899 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير واهجرني مليا قال دهرا. 17900 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، ثنا أسباط، عن السدي واهجرني مليا قال: أبدا. وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجرني سويا سالما من عقوبتي إياك، ووجهوا معنى الملي إلى قول الناس: فلان ملي بهذا الامر: إذا كان مضطلعا به غنيا فيه. وكأن معنى الكلام كان عندهم: واهجرني وعرضك وافر من عقوبتي، وجسمك معافى من أذاي. ذكر من قال ذلك: 17901 - حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس واهجرني مليا يقول: اجتنبني سويا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: واهجرني مليا قال: اجتنبني سالما قبل أن يصيبك مني عقوبة.

[ 116 ]

17902 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: واهجرني مليا قال: سالما. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله. 17903 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن كثير بن درهم أبو غسان، قال: ثنا قرة بن خالد، عن عطية الجدلي واهجرني مليا قال: سالما. 17904 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله واهجرني مليا: اجتنبني سالما لا يصيبك مني معرة. قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرني سويا، سلما من عقوبتي، لانه عقيب قوله: لئن لم تنته لارجمنك وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيئ، والذي هو أولى بأن يتبع ذلك التقدم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الامر بطول هجره فلا وجه له. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا) *. يقول تعالى ذكره: قال إبراهيم لابيه حين توعده على نصيحته إياه ودعائه إلى الله بالقول السيئ والعقوبة: سلام عليك يا أبت، يقول: أمنة مني لك أن أعاودك فيما كرهت، ولدعائك إلي ما توعدتني عليه بالعقوبة، ولكني سأستغفر لك ربي يقول: ولكني سأسأل ربي أن يستر عليك ذنوبك بعفوه إياك عن عقوبتك عليها إنه كان بي حفيا يقول: إن ربي عهدته بي لطيفا يجيب دعائي إذا دعوته يقال منه: تحفى بي فلان. وقد بينت ذلك بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا. وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17905 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: إنه كان بي حفيا يقول: لطيفا. 17906 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إنه كان بي حفيا قال: إنه كان بي لطيفا، فإن الحفي: اللطيف.

[ 117 ]

وقوله: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله يقول: وأجتنبكم وما تدعون من دون الله من الاوثان والاصنام وأدعو ربي يقول: وأدعو ربي، بإخلاص العبادة له، وإفراده بالربوبية عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا يقول: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي، ولكن يجيب دعائي، ويعطيني ما أسأله. القول في تأويل قوله تعاله: * (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ئ ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) *. يقول تعالى ذكره: فلما اعتزل إبراهيم قومه وعبادة ما كانوا يعبدون من دون الله من الاوثان آنسنا وحشته من فراقهم، وأبدلناه منهم بمن هو خير منهم وأكرم على الله منهم، فوهبنا له ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكلا جعلنا نبيا يقول: وجعلناهم كلهم، يعني بالكل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أنبياء وقال تعالى ذكره: وكلا جعلنا نبيا فوحد، ولم يقل أنبياء، لتوحيد لفظ كل ووهبنا لهم من رحمتنا يقول جل ثناؤه: ورزقنا جميعهم، يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب من رحمتنا، وكان الذي وهب لهم من رحمته، ما بسط لهم في عاجل الدنيا من سعة رزقه، وأغناهم بفضله. وقوله وجعلنا لهم لسان صدق عليا يقول تعالى ذكره: ورزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل من الناس، كما: 17907 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وجعلنا لهم لسان صدق عليا يقول: الثناء الحسن. وإنما وصف جل ثناؤه اللسان الذي جعل لهم بالعلو، لان جميع أهل الملل تحسن الثناء عليهم، والعرب تقول: قد جاءني لسان فلان، تعني ثناءه أو ذمه ومنه قول عامر بن الحارث: إني أتتني لسان لا أسر بها * من علو لا عجب منها ولا سخر ويروى: لا كذب فيها ولا سخر. جاءت مرجمة قد كنت أحذرها * لو كان ينفعني الاشفاق والحذر

[ 118 ]

مرجمة: يظن بها. القول في تأويل قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه (ص): واذكر يا محمد في كتابنا الذي أنزلناه إليك موسى بن عمران، واقصص على قومك أنه كان مخلصا. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: إنه كان مخلصا بكسر اللام من المخلص، بمعنى: إنه كان يخلص لله العبادة، ويفرده بالالوهة، من غير أن يجعل له فيها شريكا. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة خلا عاصم: إنه كان مخلصا بفتح اللام من مخلص، بمعنى: إن موسى كان الله قد أخلصه واصطفاه لرسالته، وجعله نبيا مرسلا. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي: أنه كان (ص) مخلصا عبادة الله، مخلصا للرسالة والنبوة، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. وكان رسولا يقول: وكان لله رسولا إلى قومه بني إسرائيل، ومن أرسله إليه نبيا. القول في تأويل قوله تعالى * (وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) *. يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالايمن: يمين موسى، لان الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17908 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: من جانب الطور الايمن قال: جانب الجبل الايمن.

[ 119 ]

وقد بينا معنى الطور واختلاف المختلفين فيه، ودللنا على الصواب من القول فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: وقربناه نجيا يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مناجيا، كما يقال: فلان نديم فلان ومنادمه، وجليس فلان ومجالسه. وذكر أن الله جل ثناؤه أدناه، حتى سمع صريف القلم. ذكر من قال ذلك: 17909 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وقربناه نجيا قال: أدني حتى سمع صريف القلم. 17910 - حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا يحيى بن أبي بكر، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، قال: أراه عن مجاهد، في قوله: وقربناه نجيا قال: بين السماء الرابعة، أو قال: السابعة، وبين العرش سبعون ألف حجاب: حجاب نور، وحجاب ظلمة، وحجاب نور، وحجاب ظلمة فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب، وسمع صريف القلم قال رب أرني أنظر إليك. 17911 - حدثنا علي بن سهل، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قربه منه حتى سمع صريف القلم. 17912 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن ميسرة وقربناه نجيا قال: أدني حتى سمع صريف القلم في اللوح، وقال شعبة: أردفه جبرائيل عليه السلام. وقال قتادة في ذلك، ما: 17913 - حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وقربناه نجيا قال: نجا بصدقه. وقوله: ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون يقول: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون نبيا يقول: أيدناه بنبوته، وأعناه بها، كما: 17914 - حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: قوله: ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد وهب له نبوته. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 120 ]

(واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه، أو عبدا من عباده وعدا وفى به، كما: 17915 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: إنه كان صادق الوعد قال: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. 17916 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل، حدثه أن إسماعيل عليه السلام وعد رجلا مكانا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا ؟ قال: لا، قال: إني نسيت، قال: لم أكن لابرح حتى تأتي، فبذلك كان صادقا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) *. يقول تعالى ذكره: وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكان عند ربه مرضيا عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته. القول في تأويل قوله تعالى: * (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ئ ورفعناه مكانا عليا) *. يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد في كتابنا هذا إدريس إنه كان صديقا لا يقول الكذب، نبيا نوحي إليه من أمرنا ما نشاء ورفعناه مكانا عليا ذكر أن الله رفعه وهو حي إلى السماء الرابعة، فذلك معنى قوله: ورفعناه مكانا عليا يعني به إلى مكان ذي علو وارتفاع. وقال بعضهم: رفع إلى السماء السادسة. وقال آخرون: الرابعة. ذكر الرواية بذلك: 17917 - حدثني يونس بن عبد الاعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الاعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل

[ 121 ]

ابن عباس كعبا وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله تعالى لادريس ورفعناه مكانا عليا قال كعب: أما إدريس، فإن الله أوحى إليه: إني رافع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن تزداد عملا، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت، فليؤخرني حتى أزداد عملا، فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس ؟ فقال: هوذا على ظهري، قال ملك الموت: فالعجب بعثت أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الارض ؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ورفعناه مكانا عليا. 17918 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ورفعناه مكانا عليا قال: إدريس رفع فلم يمت، كما رفع عيسى. حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، إلا أنه قال: ولم يمت. 17919 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ورفعناه مكانا عليا قال: رفع إلى السماء السادسة، فمات فيها. 17920 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ورفعناه مكانا عليا إدريس أدركه الموت في السماء السادسة. 17921 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ورفعناه مكانا عليا قال: السماء الرابعة. 17922 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن سفيان، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ورفعناه مكانا عليا قال: في السماء الرابعة. 17923 - حدثنا علي بن سهيل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره شك أبو جعفر الرازي قال: لما أسري بالنبي (ص) صعد به جبريل إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقيل: من هذا ؟

[ 122 ]

قال: جبرائيل، قالوا: ومن معه ؟ قال: محمد، قالوا: أوقد أرسل إليه ؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الاخ ونعم الخليفة، ونعم المجئ جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل، قال: هذا إدريس رفعه الله مكانا عليا. 17924 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله ورفعناه مكانا عليا قال: حدثنا أنس بن مالك أن نبي الله حدث أنه لما عرج به إلى السماء قال: أتيت على إدريس في السماء الرابعة. القول في تأويل قوله تعالى: * (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه (ص): هؤلاء الذين اقتصصت عليك أنباءهم في هذه السورة يا محمد، الذين أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الانبياء من ذريه آدم، ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، ومن ذرية إبراهيم خليل الرحمن، ومن ذرية إسرائيل، وممن هدينا للايمان بالله والعمل بطاعته واجتبينا: يقول: وممن اصطفينا واخترنا لرسالتنا ووحينا، فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا وعيسى وأمه مريم، ولذلك فرق تعالى ذكره أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لان فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، وإدريس جد نوح. وقوله تعالى ذكره: إذا تتلى عليهم آيات الرحمن يقول: إذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه، خروا لله سجدا، استكانة له وتذللا وخضوعا لامره وانقيادا، وبكيا يقول: خروا سجدا وهم باكون، والبكي: جمع باك، كما العتي جمع عات والجثي: جمع جاث، فجمع وهو فاعل على

[ 123 ]

فعول، كما يجمع القاعد قعودا، والجالس جلوسا، وكان القياس أن يكون: وبكوا وعتوا، ولكن كرهت الواو بعد الضمة فقلبت ياء، كما قيل في جمع دلو أدل. وفي جمع البهو أبه، وأصل ذلك أفعل أدلو وأبهو، فقلبت الواو ياء لمجيئها بعد الضمة استثقالا، وفي ذلك لغتان مستفيضتان، قد قرأ بكل واحدة علماء من القراء بالقرآن بكيا وعتوا بالضم، وبكيا وعتيا بالكسر. وقد يجوز أن يكون البكي هو البكاء بعينه. وقد: 17925 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن إبراهيم، قال: قرأ عمر بن الخطاب سورة مريم فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكي ؟ يريد: فأين البكاء. القول في تأويل قوله تعالى: * (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) *. يقول تعالى ذكره: فحدث من بعد هؤلاء الذين ذكرت من الانبياء الذين أنعمت عليهم، ووصفت صفتهم في هذه السورة، خلف سوء خلفوهم في الارض أضاعو الصلاة. ثم اختلف أهل التأويل في صفة إضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: كانت إضاعتهموها تأخيرهم إياها عن مواقيتها، وتضييعهم أوقاتها. ذكر من قال ذلك: 17926 - حدثني علي بن سعد الكندي، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الاوزاعي، عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة، في قوله: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركا كان كفرا. حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي، قال: ثنا الفريابي، عن الاوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة، نحوه. حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، قال: ثني الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو، عن القاسم بن مخيمرة، قال: أضاعوا المواقيت، ولو تركوها لصاروا بتركها كفارا. حدثني يونس بن عبد الاعلى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، عن القاسم، نحوه. 17927 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عيسى، عن الاوزاعي، عن

[ 124 ]

إبراهيم بن يزيد، أن عمر بن عبد العزيز بعث رجلا إلى مصر لامر أعجله للمسلمين، فخرج إلى حرسه، وقد كان تقدم إليهم أن لا يقوموا إذا رأوه، قال: فأوسعوا له، فجلس بينهم فقال: أيكم يعرف الرجل الذي بعثناه إلى مصر ؟ فقالوا: كلنا نعرفه، قال: فليقم أحدثكم سنا، فليدعه، فأتاه الرسول فقال: لا تعجلني أشد علي ثيابي، فأتاه فقال: إن اليوم الجمعة، فلا تبرحن حتى تصلي، وإنا بعثناك في أمر أعجله للمسلمين، فلا يعجلنك ما بعثناك له أن تؤخر الصلاة عن ميقاتها، فإنك مصليها لا محالة، ثم قرأ: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم قال: لم يكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت. 17928 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، والحسن بن مسعود، عن ابن مسعود، أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الذين هم عن صلاتهم ساهون وعلى صلاتهم دائمون وعلى صلاتهم يحافظون فقال ابن مسعود رضي الله عنه: على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذاك الكفر. 17929 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا عمر أبو حفص الابار، عن منصور بن المعتمر، قال: قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس، فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن. وقال آخرون: بل كانت إضاعتهموها: تركها. ذكر من قال ذلك: 17930 - حدثني يونس بن عبد الاعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أبو صخر، عن القرظي، أنه قال في هذه الآية فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يقول: تركوا الصلاة. قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك عندي بتأويل الآية، قول من قال: أضعتموها تركهم إياها لدلالة قول الله تعالى ذكره بعده على أن ذلك كذلك، وذلك قوله جل ثناؤه: إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فلو كان الذين وصفهم بأنهم ضيعوها مؤمنين

[ 125 ]

لم يستثن منهم من آمن، وهم مؤمنون ولكنهم كانوا كفارا لا يصلون لله، ولا يؤدون له فريضة فسقة قد آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله، وقد قيل: إن الذين وصفهم الله بهذه الصفة قوم من هذه الامة يكونون في آخر الزمان. 17931 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن. قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد (ص) ينزو بعضهم على بعض في الازقة. قال محمد بن عمرو: زنا. وقال الحارث: زناة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله، وقال: زنا، كما قال ابن عمرو. 17932 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن عكرمة ومجاهد وعطاء بن أبي رباح فخلف من بعدهم خلف... الآية، قال: هم أمة محمد. 17933 - وحدثني الحارث، قال: ثنا الاشيب، قال: ثنا شريك، عن أبي تميم بن مهاجر في قول الله: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة قال: هم في هذه الامة يتراكبون تراكب الانعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الارض. وأما قوله: فسوف يلقون غيا فإنه يعني أن هؤلاء الخلف الذين خلفوا بعد أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين سيدخلون غيا، وهو اسم واد من أودية جهنم، أو اسم بئر من آبارها، كما: 17934 - حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا محمد بن زياد بن رزان، قال: ثنا شرقي بن قطامي، عن لقمان بن عامر الخزاعي، قال: جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي، فقلت: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله (ص)، قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله (ص): لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا، ثم تنتهي إلى غي وأثام، قال: قلت وما غي وما أثام ؟ قال: بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان ذكر الله في كتابه أضاعوا الصلاة واتبعوا

[ 126 ]

الشهوات فسوف يلقون غيا، وقوله في الفرقان: ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. 17935 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عمرو بن عاصم، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو فسوف يلقون غيا قال: واديا في جهنم. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله فسوف يلقون غيا قال: واديا في النار. 17936 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية فسوف يلقون غيا قال: نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر. حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أبو الاحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا قال: الغي: نهر جهنم في النار، يعذب فيه الذين اتبعوا الشهوات. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الاحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه، في قوله فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا قال: الغي: نهر جهنم في النار، يعذب فيه الذين اتبعوا الشهوات. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو الاحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا قال: نهر في النار يقذف فيه الذين اتبعوا الشهوات. وقال آخرون: بل عنى بالغي في هذا الموضع: الخسران. ذكر من قال ذلك: 17937 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فسوف يلقون غيا يقول: خسرانا. وقال آخرون: بل عنى به الشر. ذكر من قال ذلك:

[ 127 ]

17938 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فسوف يلقون غيا قال: الغي: الشر ومنه قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما قال أبو جعفر: وكل هذه الاقوال متقاربات المعاني، وذلك أن من ورد البئرين اللتين ذكرهما النبي (ص)، والوادي الذي ذكره ابن مسعود في جهنم، فدخل ذلك، فقد لاقى خسرانا وشرا، حسبه به شرا. القول في تأويل قوله تعالى: * (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) *. يقول تعالى ذكره: فسوف يلقي هؤلاء الخلف السوء الذين وصف صفتهم غيا، إلا الذين تابوا فراجعوا أمرا الله، والايمان به وبرسوله وعمل صالحا يقول: وأطاع الله فيما أمره ونهاه عنه، وأدى فرائضه، واجتنب محارمه فأولئك يدخلون الجنة يقول: فإن أولئك منهم خاصة يدخلون الجنة دون من هلك منهم على كفره، وإضاعته الصلاة واتباعه الشهوات. وقوله: ولا يظلمون شيئا يقول: ولا يبخسون من جزاء أعمالهم شيئا، ولا يجمع بينهم وبين الذين هلكوا من الخلف السوء منهم قبل توبتهم من ضلالهم، وقبل إنابتهم إلى طاعة ربهم في جهنم، ولكنهم يدخلون مدخل أهل الايمان. القول في تأويل قوله تعالى: * (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا) *. يقول تعالى ذكره: فأولئك يدخلون الجنة جنات عدن. ولو له: جنات عدن نصب ترجمة عن الجنة. ويعني بقوله: جنات عدن: بساتين إقامة. وقد بينت ذلك فيما مضى قبل بشواهده المغنية عن إعادته. وقوله: التي وعد الرحمن عباده بالغيب يقول: هذه الجنات هي الجنات التي وعد الرحمن عباده المؤمنين أن يدخلوها بالغيب، لانهم لم يروها ولم يعاينوها، فهي غيب لهم. وقوله: إنه كان وعده مأتيا يقول تعالى ذكره: إن الله كان وعده، ووعده في هذا الموضع موعوده، وهو الجنة مأتيا يأتيه أولياؤه وأهل طاعته الذين

[ 128 ]

يدخلهموها الله. وقال بعض نحويي الكوفة: خرج الخبر على أن الوعد هو المأتي، ومعناه: أنه هو الذي يأتي، ولم يقل: وكان وعده آتيا، لان كل ما أتاك فأنت تأتيه، وقال: ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت على خمسون سنة، وكل ذلك صواب، وقد بينت القول فيه، والهاء في قوله إنه من ذكر الرحمن. القول في تأويل قوله تعالى: * (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) *. يقول تعالى ذكره: لا يسمع هؤلاء الذين يدخلون الجنة فيها لغوا، وهو الهدي والباطل من القول والكلام إلا سلاما وهذا من الاستثناء المنقطع، ومعناه: ولكن يسمعون سلاما، وهو تحية الملائكة إياهم. وقوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا يقول: ولهم طعامهم وما يشتهون من المطاعم والمشارب في قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار أيام الدنيا، وإنما يعني أن الذي بين غدائهم وعشائهم في الجنة قدر ما بين غداء أحدنا في الدنيا وعشائه، وكذلك ما بين العشاء والغداء وذلك لانه لا ليل في الجنة ولا نهار، وذلك كقوله: خلق الارض في يومين وخلق السموات والارض في ستة أيام يعني به: من أيام الدنيا، كما: 17939 - حدثنا علي بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: سألت زهير بن محمد، عن قول الله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بارخاء الحجب وإغلاق الابواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الابواب. 17940 - حدثنا علي، قال: ثنا الوليد، عن خليد، عن الحسن، وذكر أبواب الجنة، فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فتهمهم انفتحي انغلقي، فتفعل. 17941 - حدثني ابن حرب، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا عامر بن يساف، عن يحيى، قال: كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاء وغداء، فذاك الناعم

[ 129 ]

في أنفسهم، فأنزل الله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا: قدر ما بين غدائكم في الدنيا إلى عشائكم. 17942 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب له، فأخبرهم الله أن لهم في الجنة بكرة وعشيا، قدر ذلك الغداء والعشاء. 17943 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ليس بكرة ولا عشي، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. 17944 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا فيها ساعتان بكرة وعشي، فإن ذلك لهم ليس ثم ليل، إنما هو ضوء ونور. القول في تأويل قوله تعالى: * (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) *. يقول تعالى ذكره: هذه الجنة التي وصفت لكم أيها الناس صفتها، هي الجنة التي نورثها، يقول: نورث مساكن أهل النار فيها من عبادنا من كان تقيا يقول: من كان ذا اتقاء عذاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا) *. ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل استبطاء رسول الله (ص) جبرائيل بالوحي، وقد ذكرت بعض الرواية، ونذكر إن شاء الله باقي ما حضرنا ذكره مما لم نذكر قبل. ذكر من قال ذلك: 17945 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا عبد الله بن أبان العجلي، وقبيصة ووكيع وحدثنا سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي، جميعا عن عمر بن ذر، قال: سمعت أبي يذكر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن محمدا قال لجبرائيل: ما يمنعك

[ 130 ]

أن تزورنا أكثر مما تزورنا فنزلت هذه الآية: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا قال: هذا الجواب لمحمد (ص). حدثني محمد بن معمر، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا عمر بن ذر، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي (ص) قال لجبرائيل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ربك حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ووما نتنزل إلا بأمر ربك... إلى وما كان ربك نسيا قال: احتبس جبرائيل عن النبي (ص)، فوجد رسول الله (ص) من ذلك وحزن، فأتاه جبرائيل فقال: يا محمد وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا. 17946 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لبث جبرائيل عن النبي (ص)، فكأن النبي استبطأه، فلما أتاه قال له جبرائيل: وما نتنزل إلا بأمر ربك... الآية. 17947 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا قال: هذا قول جبرائيل، احتبس جبرائيل في بعض الوحي، فقال نبي الله (ص): ما جئت حتى اشتقت إليك فقال له جبرائيل: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا. 17948 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تبارك وتعالى وما نتنزل إلا بأمر ربك قال: قول الملائكة حين استراثهم محمد (ص)، كالتي في الضحى. 17949 - حدثنا القاسم، قال ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: لبث جبرائيل عن محمد اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: قلي، فلما جاءه قال:

[ 131 ]

أي جبرائيل لقد رثت علي حتى لقد ظن المشركون كل ظن فنزلت: وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا. 17950 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وما نتنزل إلا بأمر ربك احتبس عن نبي الله (ص) حتى تكلم المشركون في ذلك، واشتد ذلك على نبي الله، فأتاه جبرائيل، فقال: اشتد عليك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته وما نتنزل إلا بأمر ربك يقول: بقول ربك. ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك فقال بعضهم: يعني بقوله ما بين أيدينا من الدنيا، وبقوله: وما خلفنا الآخرة وما بين ذلك النفختين. ذكر من قال ذلك: 17951 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع له ما بين أيدينا يعني الدنيا وما خلفنا الآخرة وما بين ذلك النفختين. 17952 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، قال ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من أمر الآخرة وما بين ذلك ما بين النفختين. وقال آخرون: ما بين أيدينا الآخرة وما خلفنا الدنيا وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة. ذكر من قال ذلك: 17953 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس بين أيدينا الآخرة وما خلفنا من الدنيا. 17954 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة له ما بين أيدينا من أمر الآخرة وما خلفنا من أمر الدنيا وما بين ذلك ما بين الدنيا والآخرة وما كان ربك نسيا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة له ما بين أيدينا من الآخرة وما خلفنا من الدنيا وما بين ذلك ما بين النفختين. 17955 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ما بين أيدينا من الآخرة وما خلفنا من الدنيا.

[ 132 ]

وقال آخرون في ذلك بما: 17956 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ما بين أيدينا قال: ما مضى أمامنا من الدنيا وما خلفنا ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة وما بين ذلك قال: ما بين ما مضى أمامهم، وبين ما يكون بعدهم. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يتأول ذلك له ما بين أيدينا قبل أن نخلق وما خلفنا بعد الفناء وما بين ذلك حين كنا. قال أبو جعفر: وأولى الاقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة، لان ذلك لم يجئ وهو جاء، فهو بين أيديهم، فإن الاغلب في استعمال الناس إذا قالوا: هذا الامر بين يديك، أنهم يعنون به ما لم يجئ، وأنه جاء، فلذلك قلنا: ذلك أولى بالصواب. وما خلفنا من أمر الدنيا، وذلك ما قد خلفوه فمضى، فصار خلفهم بتخليفهم إياه، وكذلك تقول العرب لما قد جاوزه المرء وخلفه هو خلفه، ووراءه وما بين ذلك: ما بين ما لم يمض من أمر الدنيا إلى الآخرة، لان ذلك هو الذي بين ذينك الوقتين. وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلات به، لان ذلك هو الظاهر الاغلب، وإنما يحمل تأويل القرآن على الاغلب من معانيه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له. فتأويل الكلام إذا: فلا تستبطئنا يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا نتنزل من السماء إلى الارض إلا بأمر ربك لنا بالنزول إليها، لله ما هو حادث من أمور الآخرة التي لم تأت وهي آتية، وما قد مضى فخلفناه من أمر الدنيا، وما بين وقتنا هذا إلى قيام الساعة. بيده ذلك كله، وهو مالكه ومصرفه، لا يملك ذلك غيره، فليس لنا أن نحدث في سلطانه أمرا إلا بأمره إيانا به وما كان ربك نسيا يقول: ولم يكن ربك ذا نسيان، فيتأخر نزولي إليك بنسيانه إياك بل هو الذي لا يعزب عنه شئ في السماء ولا في الارض تبارك وتعالى ولكنه أعلم بما يدبر ويقضي في خلقه. جل ثناؤه. وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17957 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وما كان ربك نسيا قال: ما نسيك ربك. القول في تأويل قوله تعالى:

[ 133 ]

رب السماوات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) *. يقول تعالى ذكره: لم يكن ربك يا محمد رب السموات والارض وما بينهما نسيا، لانه لو كان نسيا لم يستقم ذلك، ولهلك لولا حفظه إياه، فالرب مرفوع ردا على قوله ربك. وقوله: فاعبده يقول: فالزم طاعته، وذل لامره ونهيه واصطبر لعبادته يقول: واصبر نفسك على النفوذ لامره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الاله الذي لا مثل له ولا عدل ولا شبيه في جوده وكرمه وفضله هل تعلم له سميا يقول: هل تعلم يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبر على طاعته مثلا في كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه ؟ كلا، ما ذلك بموجود. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17958 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: هل تعلم له سميا يقول: هل تعلم للرب مثلا أو شبيها. حدثني سعيد بن عثمان التنوخي، قال: ثنا إبراهيم بن مهدي، عن عباد بن عوام، عن شعبة، عن الحسن بن عمارة، عن رجل، عن ابن عباس، في قوله هل تعلم له سميا قال: شبيها. 17959 - حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الاعمش، عن مجاهد في هذه الآية هل تعلم له سميا قال: هل تعلم له شبيها، هل تعلم له مثلا تبارك وتعالى. 17960 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: هل تعلم له سميا لا سمي لله ولا عدل له، كل خلقه يقر له، ويعترف أنه خالقه، ويعرف ذلك، ثم يقرأ هذه الآية: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله. 17961 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: هل تعلم له سميا قال: يقول: لا شريك له ولا مثل. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 134 ]

(ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أو لا يذكر إلانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا) *. يقول تعالى ذكره: ويقول الانسان الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت: أخرج حيا، فأبعث بعد الممات وبعد البلاء والفناء إنكارا منه ذلك. يقول الله تعالى ذكره: أو لا يذكر الانسان المتعجب من ذلك المنكر قدرة الله على إحيائه بعد فنائه، وإيجاده بعد عدمه في خلق نفسه، أن الله خلقه من قبل مماته، فأنشأه بشرا سويا من غير شئ ولم يك من قبل إنشائه إياه شيئا فيعتبر بذلك ويعلم أن من أنشأه من غير شئ لا يعجز عن إحيائه بعد مماته، وإيجاده بعد فنائه. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله أو لا يذكر الانسان فقرأه بعض قراء المدينة والكوفة: أو لا يذكر بتخفيف الذال، وقد قرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة والحجاز: أو لا يذكر بتشديد الذال والكاف، بمعنى: أو لا يتذكر، والتشديد أعجب إلي، وإن كانت الاخرى جائزة، لان معنى ذلك: أو لا يتفكر فيعتبر. القول في تأويل قوله تعالى: * (فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): فوربك يا محمد لنحشرن هؤلاء القائلين: أئذا متنا لسوف نخرج أحياء يوم القيامة من قبورهم، مقرنين بأوليائهم من الشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا والجثي: جمع الجاثي. كما: 17962 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا يعني: القعود، وهو مثل قوله: وترى كل أمة جاثية. لقول في تأويل قوله تعالى: * (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا) *. يقول تعالى ذكره، ثم لنأخذن من كل جماعة منهم أشدهم على الله عتوا، وتمردا فلنبدأن بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 135 ]

17963 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علي بن الاقمر، عن أبي الاحوص ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا قال: نبدأ بالاكابر فالاكابر جرما. 17964 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا يقول: أيهم أشد للرحمن معصية، وهي معصيته في الشرك. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أيهم أشد على الرحمن عتيا يقول: عصيا. 17965 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: من كل شيعة قال: أمة. وقوله عتيا قال: كفرا. 17966 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، وزاد فيه ابن جريج: فلنبدأن بهم. قال أبو جعفر: والشيعة هم الجماعة المتعاونون على الامر من الامور، يقال من ذلك: تشايع القوم: إذا تعاونوا ومنه قولهم للرجل الشجاع: إنه لمشيع: أي معان، فمعنى الكلام: ثم لننزعن من كل جماعة تشايعت على الكفر بالله، أشدهم على الله عتوا، فلنبدأن بإصلائه جهنم. والتشايع في غير هذا الموضع: التفرق ومنه قول الله عز ذكره: وكانوا شيعا يعني: فرقا ومنه قول ابن مسعود أو سعد. إني أكره أن آتي رسول الله (ص)، فيقول: شيعت بين أمتي، بمعنى: فرقت. القول في تأويل قوله تعالى: * (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) *. يقول تعالى ذكره: ثم لنحن أعلم من هؤلاء الذين ننزعهم من كل شيعة أولاهم بشدة العذاب، وأحقهم بعظيم العقوبة. وذكر عن ابن جريج أنه كان يقول في ذلك ما: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا قال: أولى بالخلود في جهنم.

[ 136 ]

قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله ابن جريج، قول لا معنى له، لان الله تعالى ذكره أخبر أن الذين ينزعهم من كل شيعة من الكفرة أشدهم كفرا، ولا شك أنه لا كافر بالله إلا مخلد في النار، فلا وجه، وجميعهم مخلدون في جهنم، لان يقال: ثم لنحن أعلم بالذين هم أحق بالخلود من هؤلاء المخلدين، ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا. وقد يحتمل أن يكون معناه: ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى ببعض طبقات جهنم صليا. والصلي: مصدر صليت تصلي صليا، والصلي: فعول، ولكن واوها انقلبت ياء فأدغمت في الياء التي بعدها التي هي لام الفعل، فصارت ياء مشددة. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) *. يقول تعالى ذكره: وإن منكم أيها الناس إلا وارد جهنم، كان على ربك يا محمد إيرادهموها قضاء مقضيا، قد قضى ذلك وأوجبه في أم الكتاب. واختلف أهل العلم في معنى الورود الذي ذكره الله في هذا الموضع، فقال بعضهم: الدخول. ذكر من قال ذلك: 17967 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الازرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون أورود هو أم لا ؟ وقال: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود أورود هو أم لا ؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا ؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك، قال: فضحك نافع. 17968 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال أبو راشد الحروري: ذكروا هذا فقال الحروري: لا يسمعون حسيسها، قال ابن عباس: ويلك أمجنون أنت ؟ أين قوله تعالى: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود. وقوله ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا،

[ 137 ]

وقوله: وإن منكم إلا واردها والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة غانما. قال ابن جريج: يقول: الورود الذي ذكره الله في القرآن: الدخول، ليردنها كل بر وفاجر في القرآن أربعة أوراد فأوردهم النار وحصب جهنم أنتم لها واردون ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا، وقوله: وإن منكم إلا واردها. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا يعرف البر والفاجر، ألم تسمع إلى قول الله تعالى لفرعون: يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود، وقال ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا فسمى الورود في النار دخولا، وليس بصادر. 17969 - حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان، قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار ؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة. قال ابن عرفة، قال مروان بن معاوية، قال بكار بن أبي مروان، أو قال: جامدة. 17970 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا مرحوم بن عبد العزيز، قال: ثني أبو عمران الجوني، عن أبي خالد قال: تكون الارض يوما نارا، فماذا أعددتم لها ؟ قال: فذلك قول الله: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا. 17971 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي السليل، عن غنيم بن قيس، قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة، حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فيخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية أبدانهم. قال: وقال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود له شعبتان، يدفع به الدفعة، فيصرع به في النار سبع مئة ألف. 17972 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن مالك بن مغول، عن أبي

[ 138 ]

إسحاق، قال: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه، قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل: وما يبكيك يا أبا ميسرة ؟ قال: أ خبرنا أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها. 17973 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن إسماعيل، عن قيس، قال: بكى عبد الله بن رواحة في مرضه، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك، قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال ابن رواحة: إني قد علمت إني وارد النار فما أدري أناج منها أنا أم لا ؟. 17974 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عمرو داود بن الزبرقان، قال: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وإن منكم إلا واردها قال: داخلها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله وإن منكم إلا واردها قال: يدخلها. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: كان عبد الله بن رواحة واضع رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك ؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله وإن منكم إلا واردها فلا أدري أنجو منها، أم لا ؟. وقال آخرون: بل هو المر عليها. ذكر من قال ذلك: 17975 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وإن منكم إلا واردها يعني جهنم مر الناس عليها. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله وإن منكم إلا واردها قال: هو المر عليها. 17976 - حدثنا خلاد بن أسلم، قال: أخبرنا النضر، قال: أخبرنا إسرائيل، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الاحوص، عن عبد الله في قوله: وإن منكم إلا واردها قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الاولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. وقال آخرون: بل الورود: هو الدخول، ولكنه عنى الكفار دون المؤمنين. ذكر من قال ذلك: 17977 - حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني

[ 139 ]

عبد الله بن السائب، عن رجل سمع ابن عباس يقرؤها وإن منكم إلا واردها يعني الكفار، قال: لا يردها مؤمن. 17978 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عمرو بن الوليد الشني، قال: سمعت عكرمة يقول وإن منكم إلا واردها يعني الكفار. وقال آخرون: بل الورود عام لكل مؤمن وكافر، غير أن ورود المؤمن المرور، وورود الكافر الدخول. ذكر من قال ذلك: 17979 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وإن منكم إلا واردها ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها وورود المشركين أن يدخلوها، قال: وقال النبي (ص): الزالون والزالات يؤمئذ كثير، وقد أحاط الجسر سماطان من الملائكة، دعواهم يؤمئذ يا ألله سلم سلم. وقال آخرون: ورود المؤمن ما يصيبه في الدنيا من حمى ومرض. ذكر من قال ذلك: 17980 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمان، عن عثمان بن الاسود، عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: وإن منكم إلا واردها. 17981 - حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، قال: ثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله (ص) يعود رجلا من أصحابه وبه وعك وأنا معه، ثم قال: إن الله يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن، لتكون حظه من النار في الآخرة. وقال آخرون: يردها الجميع، ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم. ذكر من قال ذلك: 17982 - حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: ثني السدي، عن مرة، عن عبد الله وإن منكم إلا واردها قال: يردونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا شعبة، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله، بنحوه.

[ 140 ]

17983 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي، قال: ثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الازرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا ؟. 17984 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود، فقال: نحن يوم القيامة على كوى أو كرى، فوق الناس، فتدعي الامم بأوثانها، وما كانت تعبد الاول فالاول، فينطلق بهم ويتبعونه، قال: ويعطي كل إنسان منافق ومؤمن نورا، ويغشى ظلمة ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب تأخذ من شاء الله، فيطفأ نور المنافق، وينجو المؤمنون، فتنجو أول زمرة كالقمر ليلة البدر، وسبعون ألفا لا حساب عليهم، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك، ثم تحل الشفاعة فيشفعون، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله ممن في قلبه وزن شعيرة من خير، ثم يلقون تلقاء الجنة، ويهريق عليهم أهل الجنة الماء، فينبتون نبات الشئ في السيل، ثم يسألون فيجعل لهم الدنيا وعشرة أمثالها. 17985 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن المبارك، عن الحسن، قال: قال رجل لاخيه: هل أتاك بأنك وارد النار ؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها ؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك ؟ قال: فما رؤي ضاحكا حتى لحق بالله. 17986 - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه أنه قال لبسر بن سعيد: إن فلانا يقول: إن ورود النار القيام عليها. قال بسر: أما أبو هريرة فسمعته يقول: إذا كان يوم القيامة، يجتمع الناس نادى مناد: ليلحق كل أناس بما كانوا يعبدون، فيقوم هذا إلى الحجر، وهذا إلى الفرس، وهذا إلى الخشبة حتى يبقى

[ 141 ]

الذين يعبدون الله، فيأتيهم الله، فإذا رأوه قاموا إليه، فيذهب بهم فيسلك بهم على الصراط، وفيه عليق، فعند ذلك يؤذن بالشفاعة، فيمر الناس، والنبيون يقولون: اللهم سلم سلم. قال بكير: فكان ابن عميرة يقول: فناج مسلم ومنكوس في جهنم ومخدوش، ثم ناج. وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار وورودهموها هو ما تظاهرت به الاخبار عن رسول الله (ص) من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم ومكدس فيها. ذكر الاخبار المروية عن رسول الله (ص) بذلك: 17987 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، عن الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة، قالت: قال رسول الله (ص) وهو في بيت حفصة: لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية. قالت: فقالت حفصة: يا رسول الله، أليس الله يقول: وإن منكم إلا واردها ؟ فقال رسول الله (ص): فمه ثم ينجي الله الذين اتقوا. حدثنا الحسن بن مدرك، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن رسول الله (ص)، بمثله. حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة، قالت: قال رسول الله (ص): إني لارجو أن لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية، قالت: فقلت يا رسول الله، أليس الله يقول وإن منكم إلا واردها ؟ قال: فلم تسمعيه يقول: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ؟ 17988 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، عن سليمان بن عمرو بن عبد العتواري، أحد بني ليث، وكان في حجر أبي سعيد، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت

[ 142 ]

رسول الله (ص) يقول: يوضع الصراط بين ظهري جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز الناس، فناج مسلم ومجروح به، ثم ناج ومحتبس ومكدس فيها، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد تفقد المؤمنون رجالا كانوا معهم في الدنيا يصلون صلاتهم، ويزكون زكاتهم ويصومون صيامهم، ويحجون حجهم، ويغزون غزوهم، فيقولون: أي ربنا عباد من عبادك كانوا معنا في الدنيا، يصلون صلاتنا، ويزكون زكاتنا، ويصومون صيامنا، ويحجون حجنا، ويغزون غزونا، لا نراهم، فيقول: اذهبوا إلى النار، فمن وجدتم فيها منهم فأخرجوه، فيجدونهم قد أخذتهم النار على قدر أعمالهم، فمنهم من أخذته النار إلى قدميه، ومنهم من أخذته إلى نصف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى ركبتيه، ومنهم من أخذته إلى ثدييه، ومنهم من أخذته إلى عنقه ولم تغش الوجوه، فيستخرجونهم منها، فيطرحونهم في ماء الحياة قيل: وما ماء الحياة يا رسول الله ؟ قال: غسل أهل الجنة، فينبتون كما تنبت الزرعة في غثاء السيل، ثم تشفع الانبياء في كل من كان يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا، فيستخرجونهم منها، ثم يتحنن الله برحمته على من فيها، فما يترك فيها عبدا في قلبه مثقال ذرة من الايمان إلا أخرجه منها. 17989 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث بن خالد، عن يزيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله (ص) قال: يؤتى بالجسر يعني يوم القيامة فيجعل بين ظهري جهنم قلنا: يا رسول الله وما الجسر ؟ قال: مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد، يقال لها السعدان، يمر المؤمنون عليها كالطرف والبرق وكالريح، وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكدوس في جهنم، ثم يمر آخرهم يسحب سحبا، فما أنتم بأشد مناشدة لي في الحق قد تبين لكم، من المؤمنين يومئذ للجبار تبارك وتعالى، إذا رأوهم قد نجوا وبقي إخوانهم. 17990 - حدثني أحمد بن عيسى، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: هو الدخول، يردون النار حتى يخرجوا منها، فآخر من يبقى رجل

[ 143 ]

على الصراط يزحف، فيرفع الله له شجرة، قال: فيقول: أي رب أدنني منها، قال: فيدنيه الله تبارك وتعالى منها، قال: ثم يقول: أي رب أدخلني الجنة، قال: فيقول: سل، قال: فيسأل، قال: فيقول: ذلك لك وعشرة أضعافه أو نحوها قال: فيقول: يا رب تستهزئ بي ؟ قال: فيضحك حتى تبدو لهواته وأضراسه. 17991 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب ح وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا محمد بن زيد، عن رشدين، جميعا عن زياد بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، عن رسول الله (ص) أنه قال: من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا، لا يأخذه سلطان بحرس، لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله تعالى يقول وإن منكم إلا واردها. 17992 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، عن ابن المسيب عن أبي هريرة، أن النبي (ص) قال: من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم يعني: الورود. وأما قوله: كان على ربك حتما مقضيا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم معناه: كان على ربك قضاء مقضيا. ذكر من قال ذلك: 17993 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: حتما قال: قضاء.

[ 144 ]

17994 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج حتما مقضيا قال: قضاء. وقال آخرون: بل معناه: كان على ربك قسما واجبا. ذكر من قال ذلك: 17995 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو عمرو داود بن الزبرقان، قال: سمعت السدي يذكر عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود كان على ربك حتما مقضيا قال: قسما واجبا. 17996 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة كان على ربك حتما مقضيا يقول: قسما واجبا. قال أبو جعفر: وقد بينت القول في ذلك. القول في تأويل قوله تعالى * (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) *. يقول تعالى ذكره: ثم ننجي من النار بعد ورود جميعهم إياها، الذين اتقوا فخافوه، بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ونذر الظالمين فيها جثيا يقول جل ثناؤه: وندع الذين ظلموا أنفسهم، فعبدوا غير الله، وعصوا ربهم، وخالفوا أمره ونهيه من النار، جثيا، يقول: بروكا على ركبهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17997 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ونذر الظالمين فيها جثيا على ركبهم. حدثنا الحسن ابن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ونذر الظالمين فيها جثيا على ركبهم. 17998 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ونذر الظالمين فيها جثيا قال: الجثي: شر الجلوس، لا يجلس الرجل جاثيا إلا عند كرب ينزل به. 17999 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا إن الناس وردوا جهنم وهي سوداء مظلمة، فأما المؤمنون فأضاءت لهم حسناتهم، فأنجوا منها. وأما الكفار فأوبقتهم أعمالهم، واحتبسوا بذنوبهم. القول في تأويل قوله تعالى *

[ 145 ]

(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) *. يقول تعالى ذكره: وإذا تتلى على الناس آياتنا التي أنزلناها على رسولنا محمد بينات، يعني واضحات لمن تأملها وفكر فيها أنها أدلة على ما جعلها الله أدلة عليه لعباده، قال الذين كفروا بالله وبكتابه وآياته، وهم قريش، للذين آمنوا فصدقوا به، وهم أصحاب محمد أي الفريقين خير مقاما يعني بالمقام: موضع إقامتهم، وهي مساكنهم ومنازلهم وأحسن نديا وهو المجلس، يقال منه: ندوت القوم أندوهم ندوا: إذا جمعتهم في مجلس، ويقال: هو في ندي قومه وفي ناديهم: بمعنى واحد. ومن الندي قول حاتم: ودعيت في أولى الندي ولم * ينظر إلي بأعين خزر وتأويل الكلام: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، قال الذين كفروا للذين آمنوا: أي الفريقين منا ومنكم أوسع عيشا، وأنعم بالا، وأفضل مسكنا، وأحسن مجلسا، وأجمع عددا وغاشية في المجلس، نحن أم أنتم ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18000 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، قوله: خير مقاما وأحسن نديا قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس بمثله. 18001 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ؟ قال: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون، حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن فقال: كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين

[ 146 ]

فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال الله فيما قص على رسوله في أمر لوط إذ قال وتأتون في ناديكم المنكر، والعرب تسمي المجلس: النادي. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله وأحسن نديا يقول: مجلسا. 18002 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: أي الفريقين قال: قريش تقولها لاصحاب محمد (ص) وأحسن نديا قال: مجالسهم، يقولونه أيضا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، نحوه. 18003 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أالفريقين خير مقاما وأحسن نديا رأوا أصحاب محمد (ص) في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فعرض أهل الشرك بما تسمعون قوله وأحسن نديا يقول: مجلسا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا قال: الندي: المجلس، وقرأ قول الله تعالى: فليدع ناديه قال: مجلسه. القول في تأويل قوله تعالى * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا) *. يقول تعالى ذكره: وكم أهلكنا يا محمد قبل هؤلاء القائلين من أهل الكفر للمؤمنين، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، أي الفريقين خير مقاما، وأحسن نديا، مجالس من قرن

[ 147 ]

هم أكثر متاع منازل من هؤلاء، وأحسن منهم منظرا وأجمل صورا، فأهلكنا أموالهم، وغيرنا صورهم ومن ذلك قول علقمة بن عبدة: كميت كلون الارجوان نشرته * لبيع الرئي في الصوان المكعب يعني بالصوان: التخت الذي تصان فيه الثياب. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18004 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس أحسن أثاثا ورئيا قال: الرئي: المنظر، والاثاث: المتاع. حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن سليمان عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الرئي المنظر. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله أحسن أثاثا ورئيا يقول: منظرا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس أحسن أثاثا ورئيا الاثاث: المال، والرئي: المنظر. 18005 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله أثاثا ورئيا قال: الاثاث: أحسن المتاع، والرئي: قال: المال. 18006 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، يقول الله تبارك وتعالى: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا: أي أكثر متاعا وأحسن منزلة ومستقرا، فأهلك الله أموالهم، وأفسد صورهم عليهم تبارك وتعالى. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله أحسن أثاثا ورئيا قال: أحسن صورا، وأكثر أموالا. 18007 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني

[ 148 ]

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أثاثا قال: المتاع ورئيا قال: فيما يرى الناس. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. حدثنا ابن حميد وبشر بن معاذ، قالا: ثنا جرير بن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: الاثاث: المال، والرئي: المنظر الحسن. حدثنا القاسم، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ورئيا: منظرا في اللون والحسن. 18008 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: أحسن أثاثا ورئيا قال: الرئي: المنظر، والاثاث: المتاع، أحسن متاعا، وأحسن منظرا. 18009 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول في قوله: أحسن أثاثا يعني المال ورئيا يعني: المنظر الحسن. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة: وريا غير مهموز، وذلك إذا قرئ كذلك يتوجه لوجهين: أحدهما: أن يكون قارئه أراد الهمزة، فأبدل منها ياء، فاجتمعت الياء المبدلة من الهمز والياء التي هي لام الفعل، فأدغمتا، فجعلتا ياء واحدة مشددة ليلحقوا ذلك، إذ كان رأس آية، بنظائره من سائر رؤوس الآيات قبله وبعده والآخر أن يكون من رويت أروي روية وريا، وإذا أريد به ذلك كان معنى الكلام: وكم أهلكنا قبلهم من قرن، هم أحسن متاعا، وأحسن نظرا لماله، ومعرفة لتدبيره وذلك أن العرب تقول: ما أحسن رؤية فلان في هذا الامر إذا كان حسن النظر فيه والمعرفة به. وقرأ ذلك عامة قراء العراق والكوفة والبصرة ورئيا بهمزها، بمعنى: رؤية العين، كأنه أراد: أحسن متاعا ومرآة. وحكي عن بعضهم أنه قرأ: أحسن أثاثا وزيا، بالزاي، كأنه أراد أحسن متاعا وهيئة ومنظرا، وذلك أن الزي هو الهيئة والمنظر من قولهم: زييت الجارية، بمعنى: زينتها وهيأتها.

[ 149 ]

قال أبو جعفر: وأولى القراءات في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ أثاثا ورئيا بالراء والهمز، لاجماع الحجة من أهل التأويل على أن معناه: المنظر، وذلك هو من رؤية العين، لا من الروية، فلذلك كان المهموز أولى به، فإن قرأ قارئ ذلك بترك الهمز، وهو يريد هذا المعنى، فغير مخطئ في قراءته. وأما قراءته بالزاي فقراءة خارجة، عن قراءة القراء، فلا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءتهم، وإن كان لهم في التأويل وجه صحيح. واختلف أهل العربية في الاثاث أجمع هو أم واحد، فكان الاحمر فيما ذكر لي عنه يقول: هو جمع، واحدتها أثاثه، كما الحمام جمع واحدتها حمامة، والسحاب جمع واحدتها سحابة. وأما الفراء فإنه كان يقول: لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له. قال: والعرب تجمع المتاع: أمتعة، وأماتيع، ومتع. قال: ولو جمعت الاثاث لقلت: ثلاثة آثة وأثث. وأما الرئي فإن جمعه: آراء. القول في تأويل قوله تعالى * (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، القائلين: إذا تتلى عليهم آياتنا، أي الفريقين منا ومنكم خير مقاما وأحسن نديا، من كان منا ومنكم في الضلالة جائرا عن طريق الحق. سالكا غير سبيل الهدى، فليمدد له الرحمن مدا يقول: فليطول له الله في ضلالته، وليمله فيها إملاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18010 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا فليدعه الله في طغيانه. وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة يقول تعالى ذكره: قل

[ 150 ]

لهم: من كان منا ومنكم في الضلالة، فليمدد له الرحمن في ضلالته إلى أن يأتيهم أمر الله، إما عذاب عاجل، أو يلقوا ربهم عند قيام الساعة التي وعد الله خلقه أن يجمعهم لها، فإنهم إذا أتاهم وعد الله بأحد هذين الامرين فسيعلمون من هو شر مكانا ومسكنا منكم ومنهم وأضعف جندا أهم أم أنتم ؟ ويتبينون حينئذ أي الفريقين خير مقاما، وأحسن نديا. القول في تأويل قوله تعالى * (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا) *. يقول تعالى ذكره: ويزيد الله من سلك قصد المحجة، واهتدى لسبيل الرشد، فآمن بربه، وصدق بآياته، فعمل بما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه هدى بما يتجدد له من الايمان بالفرائض التي يفرضها عليه. ويقر بلزوم فرضها إياه، ويعمل بها، فذلك زيادة من الله في اهتدائه بآياته هدى على هداه، وذلك نظير قوله: وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون. وقد كان بعضهم يتأول ذلك: ويزيد الله الذين اهتدوا هدى بناسخ القرآن ومنسوخه، فيؤمن بالناسخ، كما آمن من قبل بالمنسوخ، فذلك زيادة هدى من الله له على هداه من قبل والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا يقول تعالى ذكره: والاعمال التي أمر الله بها عباده ورضيها منهم. الباقيات لهم غير الفانيات الصالحات، خير عند ربك جزاء لاهلها وخير مردا عليهم من مقامات هؤلاء المشركين بالله، وأنديتهم التي يفتخرون بها على أهل الايمان في الدنيا. وقد بينا معنى الباقيات الصالحات، وذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، ودللنا على الصواب من القول فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. 18011 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: جلس النبي (ص) ذات يوم، فأخذ عودا يابسا، فحط ورقه ثم قال: إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله وسبحان الله، تحط الخطايا، كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن

[ 151 ]

يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة، قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لاهللن الله، ولاكبرن الله، ولاسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون. القول في تأويل قوله تعالى * (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): أفرأيت يا محمد الذي كفر بآياتنا حججنا فلم يصدق بها، وأنكر وعيدنا من أهل الكفر وقال وهو بالله كافر وبرسوله لاوتين في الآخرة مالا وولدا. وذكر أن هذه الآيات أنزلت في العاص بن وائل السهمي أبي عمرو بن العاص. ذكر الرواية بذلك: 18012 - حدثنا أبو السائب وسعيد بن يحيى، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب، قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فقال: فإذا أنا مت ثم بعثت كما تقول، جئتني ولي مال وولد، قال: فأنزل الله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا... إلى قوله: ويأتينا فردا. حدثني به أبو السائب، وقرأ في الحديث: وولدا. 18013 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، أن رجالا من أصحاب رسول الله (ص) كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة فضة وذهبا وحريرا، ومن كل الثمرات ؟ قالوا: بلى، قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لاوتين مالا وولدا، ولاوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن، فقال: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا... إلى قوله ويأتينا فردا. 18014 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: لاوتين مالا وولدا قال: العاص بن وائل يقوله.

[ 152 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18015 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا فذكر لنا أن رجالا من أصحاب رسول الله (ص)، أتوا رجلا من المشركين يتقاضونه دينا، فقال: أليس يزعم صاحبكم أن في الجنة حريرا وذهبا ؟ قالوا: بلى، قال فميعادكم الجنة، فوالله لا أو من بكتابكم الذي جئتم به، استهزاء بكتاب الله، ولاوتين مالا وولدا. يقول الله: أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ؟ 18016 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن الاعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال خباب بن الارت: كنت قينا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لا تقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: قلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد، قال: فذكرت ذلك لرسول الله (ص)، فأنزل الله تبارك وتعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا... إلى ويأتينا فردا. واختلفت القراء في قراءة قوله وولدا فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: وولدا بفتح الواو من الولد في كل القرآن، غير أن أبا عمرو بن العلاء خص التي في سورة نوح بالضم، فقرأها: ماله وولده. وأما عامة قراء الكوفة غير عاصم، فإنهم قرأوا من هذه السورة من قوله مالا وولدا إلى آخر السورة، واللتين في الزخرف، والتي في نوح، بالضم وسكون اللام. وقد اختلف أهل العربية في معنى ذلك إذا ضمت واوه، فقال بعضهم: ضمها وفتحها واحد، وإنما هما لغتان، مثل قولهم العدم والعدم، والحزن والحزن. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقول الشاعر: فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمار

[ 153 ]

ويقول الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا وقول رؤبة: الحمد لله العزيز فردا * لم يتخذ من ولد شئ ولدا وتقول العرب في مثلها: ولدك من دمى عقبيك، قال: وهذا كله واحد، بمعنى الو لد. وقد ذكر لي أن قيسا تجعل الولد جمعا، والولد واحدا. ولعل الذين قرأوا ذلك بالضم فيما اختاروا فيه الضم، إنما قرأوه كذلك ليفرقوا بين الجمع والواحد. قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك عندي أن الفتح في الواو من الولد والضم فيها بمعنى واحد، وهما لغتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب، غير أن الفتح أشهر اللغتين فيها. فالقراءة به أعجب إلي لذلك. وقوله: أطلع الغيب يقول عز ذكره: أعلم هذا القائل هذا القول علم الغيب، فعلم أن له في الآخرة مالا وولدا باطلاعه على علم ما غاب عنه أم اتخذ عند الرحمن عهدا يقول: أم آمن بالله وعمل بما أمر به، وانتهى عما نهاه عنه، فكان له بذلك عند الله عهدا أن يؤتيه ما يقول من المال والولد، كما: 18017 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا بعمل صالح قدمه. القول في تأويل قوله تعالى * (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) *. يعني تعالى ذكره بقوله كلا: ليس الامر كذلك، ما اطلع الغيب، فعلم صدق

[ 154 ]

ما يقول، وحقيقة ما يذكر، ولا اتخذ عند الرحمن عهدا بالايمان بالله ورسوله، والعمل بطاعته، بل كذب وكفر. ثم قال تعالى ذكره: سنكتب ما يقول: أي سنكتب ما يقول هذا الكافر بربه، القائل لاوتين في الآخرة مالا وولدا ونمد له من العذاب مدا يقول: ونزيده من العذاب في جهنم بقيله الكذب والباطل في الدنيا، زيادة على عذابه بكفره بالله. وقوله: ونرثه ما يقول يقول عز ذكره: ونسلب هذا القائل: لاوتين في الآخرة مالا وولدا، ماله وولده، ويصير لنا ماله وولده دونه، ويأتينا هو يوم القيامة فردا، وحده لا مال معه ولا ولد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18018 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ونرثه ما يقول: ماله وولده، وذلك الذي قال العاصي بن وائل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18019 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ونرثه ما يقول ويأتينا فردا: لا مال له ولا ولد. 18020 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ونرثه ما يقول قال: ما عنده، وهو قوله لاوتين مالا وولدا وفي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده. 18021 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ونرثه ما يقول قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها. قال ويأتينا فردا قال: فردا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير. 18022 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ونرثه ما يقول: نرثه. القول في تأويل قوله تعالى *

[ 155 ]

(واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا) *. يقول تعالى ذكره: واتخذ يا محمد هؤلاء المشركون من قومك آلهة يعبدونها من دون الله، لتكون هؤلاء الآلهة لهم عزا، يمنعونهم من عذاب الله، ويتخذون عبادتهموها عند الله زلفى. وقوله: كلا يقول عز ذكره: ليس الامر كما ظنوا وأملوا من هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله، في أنها تنقذهم من عذاب الله، وتنجيهم منه، ومن سوء إن أراده بهم ربهم. وقوله: سيكفرون بعبادتهم يقول عز ذكره: ولكن سيكفر الآلهة في الآخرة بعبادة هؤلاء المشركين يوم القيامة إياها، وكفرهم بها قيلهم لربهم: تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون، فجحدوا أن يكونوا عبدوهم أو أمروهم بذلك، وتبرأوا منهم، وذلك كفرهم بعبادتهم. وأما قوله: ويكونون عليهم ضدا فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: وتكون آلهتهم عليهم عونا، وقالوا: الضد: العون. ذكر من قال ذلك: 18023 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ويكونون عليهم ضدا يقول: أعوانا. 18024 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ويكونون عليهم ضدا قال: عونا عليهم تخاصمهم وتكذبهم. 18025 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ويكونون عليهم ضدا قال: أوثانهم يوم القيامة في النار. وقال آخرون: بل عنى بالضد في هذا الموضع: القرناء. ذكر من قال ذلك: 18026 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ويكونون عليهم ضدا يقول: يكونون عليهم قرناء. 18027 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ويكونون عليهم ضدا قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض.

[ 156 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ضدا قال: قرناء في النار. وقال آخرون: معنى الضد ههنا: العدو. ذكر من قال ذلك: 18028 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ويكونون عليهم ضدا قال: أعداء. وقال آخرون: معنى الضد في هذا الموضع: البلاء. ذكر من قال ذلك: 18029 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ويكونون عليهم ضدا قال: يكونون عليهم بلاء. الضد: البلاء، والضد في كلام العرب: هو الخلاف، يقال: فلان يضاد فلانا في كذا، إذا كان يخالفه في صنيعه، فيفسد ما أصلحه، ويصلح ما أفسده، وإذ كان ذلك معناه، وكانت آلهة هؤلاء المشركين الذين ذكرهم الله في هذا الموضع يتبرؤون منهم، وينتفعون يومئذ، صاروا لهم أضدادا، فوصفوا بذلك. وقد اختلف أهل العربية في وجه توحيد الضد، وهو صفة لجماعة. فكان بعض نحويي البصرة يقول: وحد لانه يكون جماعة، وواحدا مثل الرصد والارصاد. قال: ويكون الرصد أيضا لجماعة. وقال بعض نحويي الكوفة وحد، لان معناه عونا، وذكر أن أبا نهيك كان يقرأ ذلك، كما: 18030 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك الازدي يقرأ: كلا سيكفرون يعني الآلهة كلها أنهم سيكفرون بعبادتهم. القول في تأويل قوله تعالى * (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ألم تر يا محمد أنا أرسلنا الشياطين على أهل الكفر بالله توزهم يقول: تحركهم بالاغواء والاضلال، فتزعجهم إلى معاصي الله، وتغريهم بها حتى يواقعوها أزا إزعاجا وإغواء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 157 ]

18031 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أزا يقول: تغريهم إغراء. [ / رق ] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: تؤز الكافرين إغراء في الشرك: امض امض في هذا الامر، حتى توقعهم في النار، امضوا في الغي امضوا. 18032 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو إدريس، عن جويبر، عن الضحاك، في قوله توزهم أزا قال: تغريهم إغراء. 18033 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: توزهم أزا قال: تزعجهم إزعاجا في معصية الله. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن عثمة، قال: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة في قول الله توزهم أزا قال: تزعجهم إلى معاصي الله إزعاجا. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله توزهم أزا قال تزعجهم إزعاجا في معاصي الله. 18034 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين توزهم أزا فقرأ: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين قال: توزهم أزا، قال: تشليهم إشلاء على معاصي الله تبارك وتعالى، وتغريهم عليها، كما يغري الانسان الآخر على الشئ. يقال منه: أززت فلانا بكذا، إذا أغريته به أؤزه أزا وأزيزا، وسمعت أزيز القدر: وهو صوت غليانها على النار ومنه حديث مطرف عن أبيه، أنه انتهى إلى النبي (ص) وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. وقوله: فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا يقول عز ذكره: فلا تعجل على هؤلاء الكافرين بطلب العذاب لهم والهلاك، يا محمد إنما تعد لهم عدا يقول: فإنما نؤخر إهلاكهم ليزدادوا إثما، ونحن نعد أعمالهم كلها ونحصيها حتى أنفاسهم لنجازيهم على

[ 158 ]

جميعها، ولم نترك تعجيل هلاكهم لخير أردناه بهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18035 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: إنما تعد لهم عدا يقول: أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا، فهي معدودة كسنهم وآجالهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) *. يقول تعالى ذكره: يوم نجمع الذين اتقوا في الدنيا فخافوا عقابه، فاجتنبوا لذلك معاصيه، وأدوا فرائضه إلى ربهم وفدا يعني بالوفد: الركبان. يقال: وفدت على فلان: إذا قدمت عليه، وأوفد القوم وفدا على أميرهم، إذا بعثوا من قبلهم بعثا. والوفد في هذا الموضع بمعنى الجمع، ولكنه واحد، لانه مصدر واحدهم وافد، وقد يجمع الوفد: الوفود، كما قال بعض بني حنيفة: إني لممتدح فما هو صانع * رأس الوفود مزاحم بن جساس وقد يكون الوفود في هذا الموضع جمع وافد، كما الجلوس جمع جالس. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18036 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، في قوله: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقا، ولكنهم يؤتون بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. 18037 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: على الابل. 18038 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا يقول: ركبانا. 18039 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس

[ 159 ]

الملائي، قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن صورة، وأطيبها ريحا، فيقول: هل تعرفني ؟ فيقول: لا إلا أن طيب ريحك وحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا، فاركبني أنت اليوم، وتلا: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا. 18040 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة إلى الرحمن وفدا قال: وفدا إلى الجنة. 18041 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: على النجائب. 18042 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا قال: على الابل النوق. وقوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا يقول تعالى ذكره: ونسوق الكافرين بالله الذين أجرموا إلى جهنم عطاشا. والورد: مصدر من قول القائل: وردت كذا أرده وردا، ولذلك لم يجمع، وقد وصف به الجمع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18043 - حدثني علي، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا يقول: عطاشا. 18044 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال: عطاشا. 18045 - حدثني يعقوب والفضل بن صباح، قالا: ثنا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال: عطاشا. [ / رق ] حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن يونس، عن الحسن، مثله. 18046 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: إلى جهنم وردا قال: ظماء إلى النار.

[ 160 ]

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا سوقوا إليها وهم ظم ء عطاش. 18047 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: سمعت سفيان يقول في قوله: ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا قال: عطاشا. القول في تأويل قوله تعالى: * (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) *. يقول تعالى ذكره: لا يملك هؤلاء الكافرون بربهم يا محمد، يوم يحشر الله لمتقين إليه وفدا الشفاعة، حين يشفع أهل الايمان بعضهم لبعض عند الله، فيشفع بعضهم لبعض إلا من اتخذ منهم عند الرحمن في الدنيا عهدا بالايمان به، وتصديق رسوله، والاقرار بما جاء به، والعمل بما أمر به. كما: 18048 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله. 18049 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال: المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا قال: عملا صالحا. 18050 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا: أي بطاعته، وقال في آية أخرى: لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا ليعلموا أن الله يوم القيامة يشفع المؤمنين بعضهم في بعض، ذكر لنا أن نبي الله (ص) كان يقول: إن في أمتي رجلا ليدخلن الله بشفاعته الجنة أكثر من بني تميم، وكنا نحدث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.

[ 161 ]

18051 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك، قال: قال رسول الله (ص): إن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا. ومن في قوله: إلا من في موضع نصب على الاستثناء، ولا يكون خفضا بضمير اللام، ولكن قد يكون نصبا في الكلام في غير هذا الموضع، وذلك كقول القائل: أردت المرور اليوم إلا العدو، فإني لا أمر به، فيستثنى العدو من المعنى، وليس ذلك كذلك في قوله: لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا لان معنى الكلام: لا يملك هؤلاء الكفار إلا من آمن بالله، فالمؤمنون ليسوا من أعداد الكافرين، ومن نصبه على أن معناه إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا، فإنه ينبغي أن يجعل قوله لا يملكون الشفاعة للمتقين، فيكون معنى الكلام حينئذ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا، لا يملكون الشفاعة، إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. فيكون معناه عند ذلك: إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا. فأما إذا جعل لا يملكون الشفاعة خبرا عن المجرمين، فإن من تكون حينئذ نصبا على أنه استثناء منقطع، فيكون معنى الكلام: لا يملكون الشفاعة، لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا يملكه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا ئ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا) *. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا يقول تعالى ذكره للقائلين ذلك من خلقه: لقد جئتم أيها الناس شيئا عظيما من القول منكرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18052 - حدثنى على، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: شيئا إدا يقول: قولا عظيما. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

[ 162 ]

أبيه، عن ابن عباس قوله: لقد جئتم شيئا إدا يقول: لقد جئتم شيئا عظيما وهو المنكر من القول. 18053 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله شيئا إدا قال: عظيما. [ / رق ] حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18054 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله شيئا إدا قال: عظيما. 18055 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: لقد جئتم شيئا إدا قال: جئتم شيئا كبيرا من الامر حين دعوا للرحمن ولدا. وفي الاد لغات ثلاث، يقال: لقد جئت شيئا إدا، بكسر الالف، وأدا بفتح الالف، وأدا بفتح الالف، ومدها، على مثال ماد فاعل. وقرأ قراء الامصار، بكسر الالف وبها نقرأ، وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك بفتح الالف، ولا أرى قراءته كذلك لخلافها قراءة قراء الامصار، والعرب تقول لكل أمر عظيم: إد، وإمر، ونكر ومنه قوله الراجز: قد لقي الاعداء مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا ومنه قول الآخر: في لهث منه وحثل إدا وقوله: تكاد السموات يتفطرن منه يقول تعالى ذكره: تكاد السموات يتشققن قطعا من قيلهم: اتخذ الرحمن ولدا، ومنه قيل: فطر نابه: إذا انشق. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 163 ]

18056 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا قال: إن الشرك فزعت منه السموات والارض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين. وقال رسول الله (ص): لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته ؟ قال: تلك أوجب وأوجب. ثم قال: والذي نفسي بيده لو جئ بالسموات والارضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الاخرى، لرجحت بهن. 18057 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا ذكر لنا أن كعبا كان يقول: غضبت الملائكة، واستعرت جهنم، حين قالوا ما قالوا. وقوله: وتنشق الارض يقول: وتكاد الارض تنشق، فتنصدع من ذلك وتخر الجبال هدا يقول: وتكاد الجبال يسقط بعضها على بعض سقوطا. والهد: السقوط، وهو مصدر هددت، فأنا أهد هدا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18058 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وتخر الجبال هدا يقول: هدما. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: وتخر الجبال هدا قال: الهد: الانقضاض. 18059 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وتخر الجبال هدا قال: غضبا لله. قال: ولقد دعا هؤلاء الذين جعلوا لله هذا الذي غضبت السموات والارض والجبال من قولهم، لقد استتابهم ودعاهم إلى التوبة، فقال:

[ 164 ]

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة قالوا: هو وصاحبته وابنه، جعلوها إلهين معه وما من إله إلا إله واحد... إلى قوله: ويستغفرنه والله غفور رحيم. القول في تأويل قوله تعالى: * (أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والارض إلا آتي الرحمن عبدا) *. يقول تعالى ذكره: وتكاد الجبال أن تخر انقضاضا، لان دعوا للرحمن ولدا. ف أن في موضع نصب في قول بعض أهل العربية، لاتصالها بالفعل وفي قول غيره في موضع خفض بضمير الخافض وقد بينا الصواب من القول في ذلك في غير موضع من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقال: أن دعوا للرحمن ولدا يعني بقوله: أن دعوا: أن جعلوا له ولدا، كما قال الشاعر: ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغب * تجده بغيب غير منتصح الصدر وقال ابن أحمر: أهوى لهامشقصا حشرا فشبرقها * وكنت أدعو قذاها الاثمد الفردا وقوله: وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا يقول: وما يصلح لله أن يتخذ ولدا، لانه ليس كالخلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرهم اللذات إلى جماع الاناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالى عن أن يكون كخلقه، وذلك كقول ابن أحمر:

[ 165 ]

في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة * ما ينبغي دونها سهل ولا جبل يعني: لا يصلح ولا يكون. إن كل من في السموات والارض إلا آتى الرحمن عبدا يقول: ما جميع من في السموات من الملائكة، وفي الارض من البشر والانس والجن إلا آتى الرحمن عبدا يقول: إلا يأتي ربه يوم القيامة عبدا له، ذليلا خاضعا، مقرا له بالعبودية، لا نسب بينه وبينه. وقوله: آتى الرحمن إنما هو فاعل من أتيته، فأنا آتيه. القول في تأويل قوله تعالى: * (لقد أحصاهم وعدهم عدا ئ وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) *. يقول تعالى ذكره: لقد أحصى الرحمن خلقه كلهم، وعدهم عدا، فلا يخفى عليه مبلغ جميعهم، وعرف عددهم، فلا يعزب عنه منهم أحد وكلهم آتيه يوم القيامة فردا يقول: وجميع خلقه سوف يرد عليه يوم تقوم الساعة وحيدا لا ناصر له من الله، ولا دافع عنه، فيقضي الله فيه ما هو قاض، ويصنع به ما هو صانع. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا) *. يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا بما جاءهم من عند ربهم، فعملوا به، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه سيجعل لهم الرحمن ودا في الدنيا، في صدور عباده المؤمنين. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18060 - حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن مسلم الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: محبة الناس في الدنيا. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: حبا.

[ 166 ]

18061 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن. واللسان الصادق. 18062 - حدثني يحيى بن طلحة، قال: ثنا شريك، عن عبيد المكتب، عن مجاهد، في قوله سيجعل لهم الرحمن ودا قال: محبة في المسلمين في الدنيا. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: يحبهم ويحببهم إلى خلقه. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد سيجعل لهم الرحمن ودا قال: يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا علي بن هاشم، عن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يحبهم ويحببهم. 18063 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: ما أقبل عبد الله إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه، وزاده من عنده. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا: إي والله في قلوب أهل الايمان. ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله، إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم. 18064 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، أن عثمان بن عفان كان يقول: ما من الناس عبد يعمل خيرا ولا يعمل شرا، إلا كساه الله رداء عمله. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله: سيجعل لهم الرحمن ودا قال: محبة. وذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف.

[ 167 ]

18065 - حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي، قال: أخبرنا يعقوب بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز بن عمران، عن عبد الله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن أمه أم إبراهيم ابنة أبي عبيدة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيها، عن عبد الرحمن بن عوف، أنه لما هاجر إلى المدينة، وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة، منهم شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فأنزل الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. وقوله: فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين يقول تعالى ذكره: فإنما يسرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك تقرؤه، لتبشر به المتقين الذين اتقوا عقاب الله، بأداء فرائضه، واجتناب معاصبه، بالجنة. وتنذر به قوما لدا يقول: ولتنذر بهذا القرآن عذاب الله قومك من قريش، فإنهم أهل لدد وجدل بالباطل، لا يقبلون الحق. واللد: شدة الخصومة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18066 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: لدا قال: لا يستقيمون. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18067 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله وتنذر به قوما لدا يقول: لتنذر به قوما ظلمة. 18068 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وتنذر به قوما لدا: أي جدالا بالباطل، ذوي لدد وخصومة. 18069 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: وتنذر به قوما لدا قال: فجارا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله قوما لدا قال: جدالا بالباطل. 18070 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وتنذر به قوما لدا قال: الالد: الظلوم، وقرأ قول الله: وهو ألد الخصام.

[ 168 ]

18071 - حدثنا أبو صالح الضراري، قال: ثنا العلاء بن عبد الجبار، قال: ثنا مهدي بن ميمون، عن الحسن في قول الله عز وجل: وتنذر به قوما لدا قال: صما عن الحق، حدثني ابن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن هارون، عن الحسن، مثله. وقد بينا معنى الالد فيما مضى بشواهده، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. ] القول في تأويل قوله تعالى: * (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) *. يقول تعالى ذكره: وكثيرا أهلكنا يا محمد قبل قومك من مشركي قريش، من قرن، يعني من جماعة من الناس، إذا سلكوا في خلافي وركوب معاصي مسلكهم، هل تحس منهم من أحد: يقول: فهل تحس أنت منهم أحدا يا محمد، فتراه وتعاينه أو تسمع لهم ركزا يقول: أو تسمع لهم صوتا، بل بادوا وهلكوا، وخلتمنهم دورهم، وأوحشت منهم منازلهم، وصاروا إلى دار لا ينفعهم فيها إلا صالح من عمل قدموه، فكذلك قومك هؤلاء، صائرون إلى ما صار إليه أولئك، إن لم يعاجلوا التوبة قبل الهلاك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18072 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أو تسمع لهم ركزا قال: صوتا. 18073 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ قال: هل ترى عينا، أو تسمع صوتا. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟ يقول: هل تسمع من صوت، أو ترى من عين ؟. 18074 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: أو تسمع لهم ركزا يعني: صوتا.

[ 169 ]

حدثنا أبو كيب، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ركز الناس: أصواتهم. قال أبو كريب: قال سفيان: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ؟. 18075 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا قال: أو تسمع لهم حسا. قال: والركز: الحس. قال أبو جعفر: والركز في كلام العرب: الصوت الخفي، كما قال الشاعر: فتوجست ذكر الانيس فراعها * عن ظهر غيب والانيس سقامها آخر تفسير سورة مريم، والحمد لله رب العالمين

[ 170 ]

سوة طه سورة طه مكية وآياتها خمس وثلاثون ومائة بسم الله الرحمن الرحيم القول في تأويل قوله تعالى: * (طه مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى) *. قال أبو جعفر محمد بن جرير: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: طه فقال بعضهم: معناه يا رجل. ذكر من قال ذلك: 18076 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تميلة، عن الحسن بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: طه: بالنبطية: يا رجل. 18077 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى فإن قومه قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله تعالى ذكره طه يعني: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. 18078 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن مسلم، أو يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير أنه قال: طه: يا رجل بالسريانية. قال ابن جريج: وأخبرني زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، بذلك أيضا. قال ابن جريج، وقال مجاهد، ذلك أيضا. 18079 - حدثنا عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا عمارة، عن عكرمة، في قوله: طه قال: يا رجل، كلمه بالنبطية.

[ 171 ]

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد الله، عن عكرمة، في قوله طه قال: بالنبطية: يا إنسان. 18080 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، عن قرة بن خالد، عن الضحاك، في قوله طه قال: يا رجل بالنبطية. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حصين، عن عكرمة في قوله طه قال: يا رجل. 18081 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله طه قال: يا رجل، وهي بالسريانية. 18082 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن في قوله: طه قالا: يا رجل. حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، يقول: أخبرنا عبيد، يعني ابن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله طه قال: يا رجل. وقال آخرون: هو اسم من أسماء الله، وقسم أقسم الله به. ذكر من قال ذلك: 18083 - حدثنا علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: طه قال: فإنه قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله. وقال آخرون: هو حروف هجاء. وقال آخرون: هو حروف مقطعة يدل كل حرف منها على معنى، واختلفوا في ذلك اختلافهم في الم، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه، وبينا ذلك بشواهده. والذي هو أولى بالصواب عندي من الاقوال فيه: قول من قال: معناه: يا رجل، لانها كلمة معروفة في عك فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أنشدت لمتمم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب * فخفت عليه أن يكون موائلا وقال آخر: إن السفاهة طه من خلائقكم * لابارك الله في القوم الملاعين

[ 172 ]

فإذا كان ذلك معروفا فيهم على ما ذكرنا، فالواجب أن يوجه تأويله إلى المعروف فيهم من معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويل أهل العلم من الصحابة والتابعين. فتأويل الكلام إذا: يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، ما أنزلناه عليك فنكلفك ما لا طاقة لك به من العمل. وذكر أنه قيل له ذلك بسبب ما كان يلقى من النصب والعناء والسهر في قيام الليل. ذكر من قال ذلك: 18084 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى قال: هي مثل قوله: فاقرءوا ما تيسر منه فكانوا يعلقون الحبال في صدورهم في الصلاة. 18085 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى قال: في الصلاة كقوله: فاقرءوا ما تيسر منه فكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة. 18086 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى لا والله ما جعله الله شقيا، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة. وقوله: إلا تذكرة لمن يخشى يقول تعالى ذكره: ما أنزلنا عليك هذا القرآن إلا تذكرة لمن يخشى عقاب الله، فيتقيه بأداء فرائض ربه واجتناب محارمه، كما: 18087 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: إلا تذكرة لمن يخشى وإن الله أنزل كتبه، وبعث رسله رحمة رحم الله بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر له أنزل الله فيه حلاله وحرامه، فقال: تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى. 18088 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إلا تذكرة لمن يخشى قال: الذي أنزلناه عليك تذكرة لمن يخشى. فمعنى الكلام إذا: يا رجل ما أنزلنا عليك هذا القرآن لتشقى به، ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.

[ 173 ]

وقد اختلف أهل العربية في وجه نصب تذكرة، فكان بعض نحويي البصرة يقول: قال: إلا تذكرة بدلا من قوله لتشقى، فجعله: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة. وكان بعض نحويي الكوفة يقول: نصبت على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة. وكان بعضهم ينكر قول القائل: نصبت بدلا من قوله لتشقى، ويقول: ذلك غير جائز، لان لتشقى في الجحد، وإلا تذكرة في التحقيق، ولكنه تكرير. وكان بعضهم يقول: معنى الكلام: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى، لا لتشقى. القول في تأويل قوله تعالى: * (تنزيلا ممن خلق الارض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): هذا القرآن تنزيل من الرب الذي خلق الارض والسموات العلى. والعلى: جمع عليا. واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: تنزيلا فقال بعض نحويي البصرة: نصب ذلك بمعنى: نزل الله ذلك تنزيلا. وقال بعض من أنكر ذلك من قيله هذا من كلامين، ولكن المعنى: هو تنزيل، ثم أسقط هو، واتصل بالكلام الذي قبله، فخرج منه، ولم يكن من لفظه. قال أبو جعفر: والقولان جميعا عندي غير خطأ. وقوله: الرحمن على العرش استوى يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. وقد بينا معنى الاستواء بشواهده فيما مضى وذكرنا اختلاف المختلفين فيه فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وللرفع في الرحمن وجهان: أحدهما بمعنى قوله: تنزيلا، فيكون معنى الكلام: نزله من خلق الارض والسموات، نزله الرحمن الذي على العرش استوى. والآخر بقوله: على العرش استوى لان في قوله استوى، ذكرا من الرحمن. القول في تأويل قوله تعالى: * (له ما في السماوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى) *. يقول تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الارض وما بينهما، وما تحت الثرى، ملكا له، وهو مدبر ذلك كله، ومصرف جميعه. ويعني بالثرى: الندى. يقال للتراب

[ 174 ]

الرطب المبتل: ثرى منقوص، يقال منه: ثريت الارض تثرى، ثرى منقوص، والثرى: مصدر. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18089 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وما تحت الثرى والثرى: كل شئ مبتل. 18090 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: الضحاك يقول في قوله: وما تحت الثرى ما حفر من التراب مبتلا. وإنما عنى بذلك: وما تحت الارضين السبع. كالذي: 18091 - حدثني محمد بن إبراهيم السليمي المعروف بابن صدران، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا محمد بن رفاعة، عن محمد بن كعب وما تحت الثرى قال: الثرى: سبع أرضين. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى) *. يقول تعالى ذكره: وإن تجهر يا محمد بالقول، أو تخف به، فسواء عند ربك الذي له ما في السموات وما في الارض فإنه يعلم السر يقول: فإنه لا يخفى عليه ما استسررته في نفسك، فلم تبده بجوارحك ولم تتكلم بلسانك، ولم تنطق به وأخفى. ثم اختلف أهل التأويل في المعني بقوله وأخفى فقال بعضهم: معناه: وأخفى من السر، قال: والذي هو أخفى من السر ما حدث به المرء نفسه ولم يعمله. ذكر من قال ذلك: 18092 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس يعلم السر وأخفى قال: السر: ما عملته أنت وأخفى: ما قذف الله في قلبك مما لم تعمله. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

[ 175 ]

أبيه، عن ابن عباس، قوله يعلم السر وأخفى يعني بأخفى: ما لم يعمله، وهو عامله وأما السر: فيعني ما أسر في نفسه. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله يعلم السر وأخفى قال: السر: ما أسر ابن آدم في نفسه. وأخفى: قال: ما أخفى ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فالله يعلم ذلك، فعلمه فيما مضى من ذلك، وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة، وهو قوله: ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: السر: ما أسر الانسان في نفسه وأخفى: ما لا يعلم الانسان مما هو كائن. 18093 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ومحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، عن عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: يعلم السر وأخفى قال: أخفى: الوسوسة. زاد ابن عمرو والحارث في حديثيهما: والسر: العمل الذي يسرون من الناس. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وأخفى قال: الوسوسة. حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الاحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله يعلم السر وأخفى قال: أخفى حديث نفسك. 18095 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا الحسين بن الحسن الاشقر، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله يعلم السر وأخفى قال: السر: ما يكون في نفسك اليوم. وأخفى: ما يكون في غد وبعد غد، لا يعلمه إلا الله. وقال آخرون: بل معناه: وأخفى من السر ما لم تحدث به نفسك. ذكر من قال ذلك: 18096 - حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، في قوله: يعلم السر وأخفى قال: السر: ما أسررت في نفسك وأخفى من ذلك: ما لم تحدث به نفسك.

[ 176 ]

18097 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى كنا نحدث أن السر ما حدثت به نفسك، وأن أخفى من السر: ما هو كائن مما لم تحدث به نفسك. 18098 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا أبو قتادة، قوله في يعلم السر وأخفى قال: يعلم ما أسررت في نفسك، وأخفى: ما لم يكن وهو كائن. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله يعلم السر وأخفى قال: أخفى من السر: ما حدثت به نفسك، وما لم تحدث به نفسك أيضا مما هو كائن. 18099 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: يعلم السر وأخفى أما السر: فما أسررت في نفسك. وأما أخفى من السر: فما لم تعمله وأنت عامله، يعلم الله ذلك كله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه يعلم سر العباد، وأخفى سر نفسه، فلم يطلع عليه أحدا. ذكر من قال ذلك: 18100 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله يعلم السر وأخفى قال: يعلم أسرار العباد، وأخفى سره فلا يعلم. قال أبو جعفر: وكأن الذين وجهوا ذلك إلى أن السر هو ما حدث به الانسان غيره سرا، وأن أخفى: معناه: ما حدث به نفسه، وجهوا تأويل أخفى إلى الخفي. وقال بعضهم: قد توضع أفعل موضع الفاعل، واستشهدوا لقيلهم ذلك بقول الشاعر: تمنى رجال أن أموت وإن أمت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد والصواب من القول في ذلك، قول من قال: معناه: يعلم السر وأخفى من السر، لان ذلك هو الظاهر من الكلام ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد، لكان الكلام: وأخفى الله سره، لان أخفى: فعل واقع متعد، إذ كان بمعنى فعل على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد

[ 177 ]

أخفى من مفعوله، والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل الدليل الواضح على أنه بمعنى أفعل، وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه. فإذ كان ذلك تأويله، فالصواب من القول في معنى أخفى من السر أيقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن، لان ما ظهر وكان فغير سر، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شئ، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السر، لان ذلك لا يعلمه إلا الله، ثم من أعلمه ذلك من عباده. وأما قوله تعالى ذكره: الله لا إله إلا هو فإنه يعني به: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له. يقول: فإياه فاعبدوا أيها الناس دون ما سواه من الآلهة والاوثان له الاسماء الحسنى يقول جل ثناؤه: لمعبودكم أيها الناس الاسماء الحسنى، فقال: الحسنى، فوحد، وهو نعت للاسماء، ولم يقل الاحاسن، لان الاسماء تقع عليها هذه، فيقال: هذه أسماء، وهذه في لفظة واحدة ومنه قول الاعشى: وسوف يعقبنيه إن ظفرت به * رب غفور وبيض ذات أطهار فوحد ذات، وهو نعت للبيض لانه يقع عليه هذه، كما قال: حدائق ذات بهجة ومنه قوله جل ثناؤه: مآرب أخرى فوحد أخرى، وهي نعت لمأرب، والمآرب: جمع، واحدتها: مأربة، ولم يقل أخر، لما وصفنا، ولو قيل: أخر، لكان صوابا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص) مسليه عما يلقى من الشدة من مشركي قومه، ومعرفه ما إليه صائر أمره وأمرهم، وأنه معليه عليهم، وموهن كيد الكافرين، ويحثه على الجد في أمره، والصبر على عبادته، وأن يتذكر فيما ينوبه فيه من أعدائه من مشركي قومه وغيرهم، وفيما يزاول من الاجتهاد في طاعته ما ناب أخاه موسى صلوات الله عليه من عدوه، ثم من قومه، ومن بني إسرائيل وما لقي فيه من البلاء والشدة طفلا صغيرا، ثم يافعا مترعرعا، ثم رجلا كاملا: وهل أتاك يا محمد حديث موسى ابن عمران إذ رأى

[ 178 ]

نارا ؟ ذكر أن ذلك كان في الشتاء ليلا، وأن موسى كان أضل الطريق فلما رأى ضوء النار قال لاهله ما قال. ذكر من قال ذلك: 18101 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما قضى موسى الاجل، سار بأهله فضل الطريق. قال عبد الله بن عباس: كان في الشتاء، ورفعت لهم نار فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله قال لاهله امكثوا إني آنست نارا. 18102 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه اليماني، قال: لما قضى موسى الاجل، خرج ومعه غنم له، ومعه زند له، وعصاه في يده يهش بها على غنمه نهارا، فإذا أمسى اقتدح بزنده نارا، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه، فتوكأ على عصاه، فلما كانت الليلة التي أراد الله بموسى كرامته، وابتداءه فيها بنبوته وكلامه، أخطأ فيه الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، فأخرج زنده ليقتدح نارا لاهله ليبيتوا عليها حتى يصبح، ويعلم وجه سبيله، فأصلد زنده فلا يورى له نارا، فقدح حتى أعياه، لاحت النار فرآها، ف قال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. وعنى بقوله: آنست نارا وجدت، ومن أمثال العرب: بعد اطلاع إيناس، ويقال أيضا: بعد طلوع إيناس، وهو مأخوذ من الانس. وقوله: لعلي آتيكم منها بقبس يقول: لعلي أجيئكم من النار التي آنست بشعلة. والقبس: هو النار في طرف العود أو القصبة. يقول القائل لصاحبه: أقبسني نارا، فيعطيه إياها في طرف عود أو قصبة. وإنما أراد موسى بقوله لاهله: لعلي آتيكم منها بقبس لعلي آتيكم بذلك لتصطلوا به، كما: 18103 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه لعلي آتيكم منها بقبس قال: بقبس تصطلون.

[ 179 ]

وقوله: أو أجد على النار هدى دلالة تدل على الطريق الذي أضللناه، إما من خبر هاد يهدينا إليه، وإما من بيان وعلم نتبينه به ونعرفه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18104 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أو أجد على النار هدى يقول: من يدل على الطريق. 18105 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: أو أجد على النار هدى قال: هاديا يهديه الطريق. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18106 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة قوله: أو أجد على النار هدى: أي هداة يهدونه الطريق. 18107 - حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت أبي يحدث، عن قتادة، عن صاحب له، عن حديث ابن عباس، أنه زعم أنها أيلة أو أجد على النار هدى. وقال أبي: وزعم قتادة أنه هدى الطريق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله أو أجد على النار هدى قال: من يهديني إلى الطريق. 18108 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه أو أجد على النار هدى قال: هدى عن علم الطريق الذي أضللنا بنعت من خبر. 18109 - حدثني يونس، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى قال: كانوا أضلوا عن الطريق، فقال: لعلي أجد من يدلني على الطريق، أو آتيكم بقبس لعلكم تصطلون. القول في تأويل قوله تعالى: * (فلمآ أتاها نودي يموسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) *.

[ 180 ]

يقول تعالى ذكره: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى إني ربك فاخلع نعليك كما: 18110 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال: خرج موسى نحوها، يعني نحو النار، فإذا هي في شجر من العليق، وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة فلما دنا استأخرت عنه فلما رأى استئخارها رجع عنها، وأوجس في نفسه منها خيفة فلما أراد الرجعة، دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت استأنس، وقال الله تبارك وتعالى: يا موسى اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى فخلعها فألقاها. واختلف أهل العلم في السبب الذي من أجله أمر الله موسى بخلع نعليه، فقال بعضهم: أمره بذلك، لانهما كانتا من جلد حمار ميت، فكره أن يطأ بهما الوادي المقدس، وأراد أن يمسه من بركة الوادي. ذكر من قال ذلك: 18111 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي قلابة، عن كعب، أنه رآهم يخلعون نعالهم اخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى فقال: كانت من جلد حمار ميت، فأراد الله أن يمسه القدس. 18112 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، في قوله فاخلع نعليك قال: كانتا من جلد حمار ميت. 18113 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعد، عن قتادة، قال: حدثنا، أن نعليه كانتا من جلد حمار، فخلعهما ثم أتاه. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله فاخلع نعليك قال: كانتا من جلد حمار، فقيل له اخلعهما. 18114 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج. قال: وأخبرني عمر بن عطاء عن عكرمة وأبو سفيان، عن معمر، عن جابر الجعفي، عن علي بن أبي طالب فاخلع نعليك قال: كانتا من جلد حمار، من جلد حمار، فقيل له اخلعمها. قال: وقال قتادة مثل ذلك.

[ 181 ]

وقال آخرون: كانتا من جلد بقر، فقيل له اخلعهما. قال: ولكن الله أراد أن يطأ موسى الارض بقدميه، ليصل إليه بركتها. ذكر من قال ذلك: 18115 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال الحسن: كانتا، يعني نعلي موسى، من بقر، ولكن إنما أراد الله أن يباشر بقدميه بركة الارض، وكان قد قدس مرتين. قال ابن جريج: وقيل لمجاهد: زعموا أن نعليه كانتا من جلد حمار أو ميتة، قال: لا، ولكنه أمر أن يباشر بقدميه بركة الارض. 18116 - حدثني يعقوب، قال: قال أبو بشر، يعني ابن علية، سمعت ابن أبي نجيح، يقول في قوله: فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى قال: يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمره الله تعالى ذكره بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي، إذ كان واديا مقدسا. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب، لانه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار ولا لنجاستهما، ولا خبر بذلك عمن يلزم بقوله الحجة، وإن في قوله إنك بالواد المقدس بعقبه دليلا واضحا، على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا. ولو كان الخبر الذي: 18117 - حدثنا به بشر قال: ثنا خلف بن خليفة عن حميد بن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، عن نبي الله (ص)، قال: يوم كلم الله موسى، كانت عليه جبة صوف وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير مذكى صحيحا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه. واختلفت القراءة في قراءة قوله: إني أنا ربك فقرأ ذلك بعض قراء المدينة والبصرة: نودي يا موسى أني بفتح الالف من أني، فأن على قراءتهم في موضع رفع بقوله: نودي، فإن معناه كان عندهم: نودي هذا القول. وقرأه بعض عامة قراء المدينة والكوفة بالكسر: نودي يا موسى إني على الابتداء، وأن معنى ذلك قيل: يا موسى إني. قال أبو جعفر: والكسر أولى القراءتين عندنا بالصواب، وذلك أن النداء قد حال بينه وبين العمل في أن قوله يا موسى، وحظ قوله نودي أن يعمل في أن لو كانت قبل قوله

[ 182 ]

يا موسى، وذلك أن يقال: نودي أن يا موسى إني أنا ربك، ولا حظ لها في إن التي بعد موسى. وأما قوله: إنك بالوادي المقدس فإنه يقول: إنك بالوادي المطهر المبارك، كما: 18118 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: إنك بالوادي المقدس يقول: المبارك. 18119 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد، قوله إنك بالوادي المقدس طوى قال: قدس بورك مرتين. 18120 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله: إنك بالوادي المقدس طوى قال: بالواديى المبارك. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله طوى فقال بعضهم: معناه: إنك بالوادي المقدس طويته، فعلى هذا القول من قولهم طوى مصدر خرج من غير لفظه، كأنه قال: طويت الوادي المقدس طوى. ذكر من قال ذلك: 18121 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: قوله: إنك بالوادي المقدس طوى يعني الارض المقدسة، وذلك أنه مر بواديها ليلا فطواه، يقال: طويت وادي كذا وكذا طوى من الليل، وارتفع إلى أعلى الوادي، وذلك نبي الله موسى (ص). وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرتين، وقال: ناداه ربه مرتين فعلى قول هؤلاء طوى مصدر أيضا من غير لفظه، وذلك أن معناه عندهم: نودي يا موسى مرتين نداءين. وكان بعضهم ينشد شاهدا لقوله طوى، أنه بمعنى مرتين، قول عدي بن زيد العبادي: أعاذل إن اللوم في غير كنهه * علي طوى من غيك المتردد وروى ذلك آخرون: علي ثنى: أي مرة بعد أخرى، وقالوا: طوى ونثى بمعنى واحد. ذكر من قال ذلك:

[ 183 ]

18122 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى كنا نحدث أنه واد قدس مرتين، وأن اسمه طوى. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قدس طوى مرتين. ذكر من قال ذلك: 18123 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال الحسن: كان قد قدس مرتين. وقال آخرون: بل طوى: اسم الوادي. ذكر من قال ذلك: 18124 - حدثني علي بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: طوى: اسم للوادي. 18125 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: طوى: قال: اسم الوادي. 18126 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله بالواد المقدس طوى قال: ذاك الوادي هو طوى، حيث كان موسى، وحيث كان إليه من الله ما كان. قال: وهو نحو الطور. وقال آخرون: بل هو أمر من الله لموسى أن يطأ الوادي بقدميه. ذكر من قال ذلك: 18127 - حدثنا محمد بن منصور الطوسي، قال: ثنا صالح بن إسحاق، عن جعفر بن برقان، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تبارك وتعالى: اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى قال: طأ الوادي. 18128 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا الحسن، عن يزيد، عن عكرمة، في قوله: طوى قال: طأ الوادي. 18129 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن سعيد بن جبير، في قول الله طوى قال: طأ الارض حافيا، كما تدخل الكعبة حافيا، يقول: من بركة الوادي. 18130 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد طوى طأ الارض حافيا.

[ 184 ]

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قراء ا لمدينة: طوى بضم الطاء وترك التنوين، كأنهم جعلوه اسم الارض التي بها الوادي، كما قال الشاعر: نصروا نبيهم وشدوا أزره * بحنين حين تواكل الابطال فلم يجر حنين، لانه جعله اسما للبلدة لا للوادي ولو كان جعله اسما للوادي لاجراه كما قرأت القراء: ويوم حنين، إذ أعجبتكم كثرتكم، وكما قال الآخر: ألسنا أكرم الثقلين رحلاو * أعظمهم ببطن حراء نارا فلم يجر حراء، وهو جبل، لانه جعله اسما للبلدة، فكدلك طوى في قراءة من لم يجره جعله اسما للارض. وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة: طوى بضم الطاء والتنوين وقارئو ذلك كذلك مختلفون في معناه على ما قد ذكرت من اختلاف أهل التأويل فأما من أراد به المصدر من طويت، فلا مؤنة في تنوينه وأما من أراد أن يجعله اسما للوادي، فإنه إنما ينونه لانه اسم ذكر لا مؤنث، وأن لام الفعل منه ياء، فزاده ذلك خفة فأجراه كما قال الله: ويوم حنين إذ كان حنين اسم واد، والوادي مذكر. قال أبو جعفر: وأولى القولين عندي بالصواب قراءة من قرأه بضم الطاء والتنوين، لانه إن يكن اسما للوادي فحظه التنوين لما ذكر قبل من العلة لمن قال ذلك، وإن كان مصدرا أو مفسرا، فكذلك أيضا حكمه التنوين، وهو عندي اسم الوادي. وإذ كان ذلك كذلك، فهو في موضع خفض ردا على الوادي. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) *.

[ 185 ]

اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء الذين قرأوا: وأنا بتشديد النون، وأنا بفتح الالف من أنا ردا على: نودي يا موسى، كأنه معنى الكلام عندهم: نودي يا موسى إني أنا ربك، وأنا اخترناك، وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قراء الكوفة. وأما عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة فقرأوه: وأنا اخترتك بتخفيف النون على وجه الخبر من الله عن نفسه أنه اختاره. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما قراء أهل العلم بالقرآن، مع اتفاق معنييهما. فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيه. وتأويل الكلام: نودي أنا اخترناك. فاجتبيناك لرسالتنا إلى من نرسلك إليه فاستمع إلى ما يوحى يقول: فاستمع لوحينا الذي نوحيه إليك وعه، واعمل به إنني أنا الله يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إله إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي فاعبدني يقول: فأخلص العبادة لي دون كل ما عبد من دوني وأقم الصلاة لذكري. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: معنى ذلك: أقم الصلاة لي فإنك إذا أقمتها ذكرتني. ذكر من قال ذلك: 18131 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: أقم الصلاة لذكري قال: إذا صلى ذكر ربه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله وأقم الصلاة لذكري قال: إذا ذكر عبد ربه. قال آخرون: بل معنى ذلك: وأقم الصلاة حين تذكرها. ذكر من قال ذلك: 18132 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: وأقم الصلاة لذكري قال: يصليها حين يذكرها. 18133 - حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثني عمي عبد الله بن وهب، قال: ثني ويونس ومالك بن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي

[ 186 ]

هريرة، أن رسول الله (ص) قال: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله: أقم الصلاة لذكري. وكان الزهري يقرؤها: أقم الصلاة لذكري بمنزلة فعلى. قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: أقم الصلاة لتذكرني فيها، لان ذلك أظهر معنييه ولو كان معناه: حين تذكرها، لكان التنزيل: أقم الصلاة لذكركها. وفي قوله: لذكري دلالة بينة على صحة ما قال مجاهد في تأويل ذلك ولو كانت القراءة التي ذكرناها عن الزهري قراءة مستفيضة في قراءة الامصار، كان صحيحا تأويل من تأوله بمعنى: أقم الصلاة حين تذكرها، وذلك أن الزهري وجه بقراءته أقم الصلاة لذكرى بالالف لا بالاضافة، إلى أقم لذكراها، لان الهاء والالف حذفتا، وهما مرادتان في الكلام ليوفق بينها وبين سائر رؤوس الآيات، إذ كانت بالالف والفتح. ولو قال قائل في قراءة الزهري هذه التي ذكرنا عنه، إنما قصد الزهري بفتحها تصييره الاضافة ألفا للتوفيق بينه وبين رؤوس الآيات قبله وبعده، لا انه خالف بقراءته ذلك كذلك من قرأه بالاضافة، وقال: إنما ذلك كقول الشاعر: أطوف ما أطوف ثم آوي * إلى أما ويرويني النقيع وهو يريد: إلى أمي، وكقول العرب: يا أبا وأما، وهي تريد: يا أبي وأمي، كان له بذلك مقال. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ئ فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) *. يقول تعالى ذكره: إن الساعة التي يبعث الله فيها الخلائق من قبورهم لموقف القيامة جائية أكاد أخفيها فعلى ضم الالف من أخفيها قراءة جميع قراء أمصار الاسلام،

[ 187 ]

بمعنى: أكاد أخفيها من نفسي، لئلا يطلع عليها أحد، وبذلك جاء تأويل أكثر أهل العلم. ذكر من قال ذلك: 18134 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أكاد أخفيها يقول: لا أظهر عليها أحدا غيري. 18135 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: إن الساعة آتية أكاد أخفيها قال: لا تأتيكم إلا بغتة. 18136 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد إن الساعة آتية أكاد أخفيها قال: من نفسي. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: أكاد أخفيها قال: من نفسي. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أكاد أخفيها قال: من نفسي. 18137 - حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: أكاد أخفيها قال: يخفيها من نفسه. 18138 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: أكاد أخفيها وهي في بعض القراءة: أخفيها من نفسي. ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الانبياء المرسلين. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: في بعض الحروف: إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي. وقال آخرون: إنما هو: أكاد أخفيها بفتح الالف من أخفيها بمعنى: أظهرها. ذكر من قال ذلك:

[ 188 ]

18139 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا محمد بن سهل، قال: سألني رجل في المسجد عن هذا البيت. داب شهرين ثم شهرا دميكا * بأريكين يخفيان غميرا فقلت: يظهران، فقال ورقاء بن إياس وهو خلفي: أقرأنيها سعيد بن جبير: أكاد أخفيها بنصب الالف. وقد روي عن سعيد بن جبير وفاق لقول الآخرين الذين قالوا: معناه: أكاد أخفيها من نفسي. ذكر الرواية عنه بذلك: 18140 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء، عن سعيد بن جبير ومنصور، عن مجاهد، قالا إن الساعة آتية أكاد أخفيها قالا: من نفسي. حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري، قال: ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير أكاد أخفيها قال: من نفسي. قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل الآية من القول، قول من قال: معناه: أكاد أخفيها من نفسي، لان تأويل أهل التأويل بذلك جاء. والذي ذكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الالف قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلا مستفيضا. فإن قال قائل: ولم وجهت تأويل قوله أكاد أخفيها بضم الالف إلى معنى: أكاد أخفيها من نفسي، دون توجيهه إلى معنى: أكاد أظهرها، وقد علمت أن للاخفاء في كلام العرب وجهين: أحدهما الاظهار، والآخر الكتمان وأن الاظهار في هذا الموضع أشبه بمعنى الكلام، إذ كان الاخفاء من نفسه يكاد عند السامعين أن يستحيل معناه، إذ كان محالا أن يخفي أحد عن نفسه شيئا هو به عالم، والله تعالى ذكره لا يخفى عليه خافية ؟ قيل: الامر في ذلك بخلاف ما ظننت، وإنما وجهنا معنى أخفيها بضم الالف إلى معنى: أسترها من نفسي، لان المعروف من معنى الاخفاء في كلام العرب: الستر. يقال: قد أخفيت

[ 189 ]

الشئ: إذا سترته. وأن الذين وجهوا معناه إلى الاظهار، اعتمدوا على بيت لامرئ القيس ابن عابس الكندي. 18141 - حدثت عن معمر بن المثنى أنه قال: أنشدنيه أبو الخطاب، عن أهله في بلده: فإن تدفنوا الداء لا نخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد بضم النون من لا نخفه، ومعناه: لا نظهره، فكان اعتمادهم في توجيه الاخفاء في هذا الموضع إلى الاظهار على ما ذكروا من سماعهم هذا البيت، على ما وصفت من ضم النون من نخفه. وقد أنشدني الثقة عن الفراء: فإن تدفنوا الداء لا نخفه بفتح النون من نخفه، من خفيته أخفيه، وهو أولى بالصواب لانه المعروف من كلام العرب. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الفتح في الالف من أخفيها غير جائز عندنا لما ذكرنا، ثبت وصح الوجه الآخر، وهو أن معنى ذلك: أكاد استرها من نفسي. وأما وجه صحة القول في ذلك، فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم فلما كان معروفا في كلامهم أن يقول أحدهم إذا أراد المبالغة في الخبر عن إخفائه شيئا هو له مسر: قد كدت أن أخفي هذا الامر عن نفسي من شدة استسراري به، ولو قدرت أخفيه عن نفسي أخفيته، خاطبهم على حسب ما قد جرى به استعمالهم في ذلك من الكلام بينهم، وما قد عرفوه في منطقهم. وقد قيل في ذلك أقوال غير ما قلنا، وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الاقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين، إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم، فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئا يقطع العذر. فأما الذين قالوا في ذلك غير قولنا ممن قال فيه على وجه الانتزاع من كلام العرب، من غير أن يعزوه إلى إمام من الصحابة أو التابعين، وعلى وجه يحتمل الكلام غير وجهه المعروف، فإنهم اختلفوا في معناه بينهم، فقال بعضهم:

[ 190 ]

يحتمل معناه: أريد أخفيها قال: وذلك معروف في اللغة. وذكر أنه حكي عن العرب أنهم يقولون: أولئك أصحابي الذين أكاد أنزل عليهم، وقال: معناه: لا أنزل إلا عليهم. قال: وحكي: أكاد أبرح منزلي: أي ما أبرح منزلي، واحتج ببيت أنشده لبعض الشعراء: كادت وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من عهد الصبابة ما مضى وقال: يريد: بكادت: أرادت قال: فيكون المعنى: أريد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. قال: ومما يشبه ذلك قول زيد الخيل: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه * فما إن يكاد قرنه يتنفس وقال: كأنه قال: فما يتنفس قرنه، وإلا ضعف المعنى قال: وقال ذو الرمة: إذا غير النأي المحبين لم يكدر * سيس الهوى من حب مية يبرح قال: وليس المعنى: لم يكد يبرح: أي بعد يسر، ويبرح بعد عسر وإنما المعنى: لم يبرح، أو لم يرد يبرح، وإلا ضعف المعنى قال: وكذلك قول أبي النجم:

[ 191 ]

وإن أتاك نعي فاندبن أبا * قد كاد يضطلع الاعداء والخطبا وقال: يكون المعنى: قد اضطلع الاعداء، وإلا لم يكن مدحا إذا أراد كاد ولم يرد يفعل. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الساعة آتية أكاد، قال: وانتهى الخبر عند قوله أكاد لان معناه: أكاد أن آتي بها قال: ثم ابتدأ فقال: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. قال: وذلك نظير قول ابن ضابئ: هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي أقاربه فقال: كدت، ومعناه: كدت أفعل. وقال آخرون: معنى أخفيها: أظهرها، وقالوا: الاخفاء والاسرار قد توجههما العرب إلى معنى الاظهار، واستشهد بعضهم لقيله ذلك ببيت الفرزدق: فلما رأى الحجاج جرد سيفه * أسر الحروري الذي كان أضمرا وقال: عنى بقوله: أسر: أظهر. قال: وقد يجوز أن يكون معنى قوله: وأسروا الندامة وأظهروها. قال: وذلك أنهم قالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا. وقال جميع هؤلاء الذين حكينا قولهم جائز أن يكون قول من قال: معنى ذلك: أكاد أخفيها

[ 192 ]

من نفسي، أن يكون أراد: أخفيها من قبلي ومن عندي. وكل هذه الاقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا توجيه منهم للكلام إلى غير وجهه المعروف، وغير جائز توجيه معاني كلام الله إلى غير الاغلب عليه من وجوهه عند المخاطبين به، ففي ذلك مع خلافهم تأويل أهل العلم فيه شاهد عدل على خطأ ما ذهبوا إليه فيه. وقوله: لتجزى كل نفس بما تسعى يقول تعالى ذكره: إن الساعة آتية لتجزى كل نفس يقول: لتثاب كل نفس امتحنها ربها بالعبادة في الدنيا بما تسعى، يقول: بما تعمل من خير وشر، وطاعة ومعصية. وقوله: فلا يصدنك عنها يقول تعالى ذكره: فلا يردنك يا موسى عن التأهب للساعة، من لا يؤمن بها، يعني: من لا يقر بقيام الساعة، ولا يصدق بالبعث بعد الممات، ولا يرجو ثوابا، ولا يخاف عقابا. وقوله: واتبع هواه يقول: اتبع هوى نفسه، وخالف أمر الله ونهيه فتردى يقول: فتهلك إن أنت أنصددت عن التأهب للساعة، وعن الايمان بها، وبأن الله باعث الخلق لقيامها من قبورهم بعد فنائهم بصد من كفر بها. وكان بعضهم يزعم أن الهاء والالف من قوله فلا يصدنك عنها كناية عن ذكر الايمان، قال: وإنما قيل عنها وهي كناية عن الايمان كما قيل إن ربك من بعدها لغفور رحيم يذهب إلى الفعلة، ولم يجر للايمان ذكر في هذا الموضع، فيجعل ذلك من ذكره، وإنما جرى ذكر الساعة، فهو بأن يكون من ذكرها أولى. القول في تأويل قوله تعالى: * (وما تلك بيمينك يموسى) *. يقول تعالى ذكره: وما هذه التي في يمينك يا موسى ؟ فالباء في قوله بيمينك من صلة تلك، والعرب تصل تلك وهذه كما تصل الذي ومنه قول يزيد بن مفرغ: عدس ما لعباد عليك إمارة * أمنت وهذا تحملين طليق كأنه قال: والذي تحملين طليق. ولعل قائلا أن يقول: وما وجه استخبار الله موسى عما في يده ؟ ألم يكن عالما بأن الذي في يده عصا ؟ قيل له: إن ذلك على غير الذي ذهبت إليه، وإنما قال ذلك عز ذكره له

[ 193 ]

إذا أراد أن يحولها حية تسعى، وهي خشبة، فنبهه عليها، وقرره بأنها خشبة يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، ليعرفه قدرته على ما يشاء، وعظم سلطانه، ونفاذ أمره فيما أحب بتحويله إياها حية تسعى، إذا أراد ذلك به ليجعل ذلك لموسى آية مع سائر آياته إلى فرعون وقومه. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن موسى: قال موسى مجيبا لربه: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي يقول: أضرب بها الشجر اليابس فيسقط ورقها فترعاه غنمي، يقال منه: هش فلان الشجر يهش هشا: إذا اختبط ورق أغصانها فسقط ورقها كما قال الراجز: أهش بالعصا على أغنامي * من ناعم الاراك والبشام وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18142 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وأهش بها على غنمي قال: أخبط بها الشجر. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وأهش بها على غنمي قال: أخبط. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وأهش بها على غنمي قال: كان نبي الله موسى (ص) يهش على غنمه ورق الشجر. 18143 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وأهش بها على غنمي يقول: أضرب بها الشجر للغنم، فيقع الورق. 18144 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي قال: يتوكأ عليها حين يمشي مع الغنم، ويهش بها، ويحرك الشجر حتى يسقط الورق الحبلة وغيرها.

[ 194 ]

18145 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسن، عن عكرمة وأهش بها على غنمي قال: أضرب بها الشجر، فيسقط من ورقها علي. حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه، قال: ثنا علي بن الحسن، قال: ثنا حسين، قال: سمعت عكرمة يقول وأهش بها على غنمي قال: أضرب بها الشجر، فيتساقط الورق على غنمي. 18146 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله وأهش با على غنمي يقول: أضرب بها الشجر حتى يسقط منه ما تأكل غنمي. وقوله: ولي فيها مآرب أخرى يقول: ولي في عصاي هذه حوائج أخرى، وهي جمع مأربة، وفيها للعرب لغات ثلاث: مأربة بضم الراء، ومأربة بفتحها، ومأربه بكسرها، وهي مفعلة من قولهم: لا أرب لي في هذا الامر: أي لا حاجة لي فيه. وقيل أخرى وهن مآرب جمع، ولم يقل أخر، كما قيل: له الاسماء الحسنى وقد بينت العلة في توجيه ذلك هنالك. وبنحو الذي قلنا في معنى المآرب، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18147 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا حفص بن جميع، قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ولي فيها مآرب أخرى قال: حوائج أخرى قد علمتها. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله ولي فيها مآرب أخرى يقول: حاجة أخرى. 18149 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولي فيها مآرب أخرى قال: حاجات. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ولي فيها مآرب أخرى قال: حاجات ومنافع. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ولي فيها مآرب أخرى قال: حاجات.

[ 195 ]

18150 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسباط، عن السدي ولي فيها مآرب أخرى يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء. 18151 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ولي فيها مآرب أخرى قال: حوائج أخرى. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله مآرب أخرى قال: حاجات منافع أخرى. 18152 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه ولي فيها مآرب أخرى: أي منافع أخرى. 18153 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولي فيها مآرب أخرى قال: حوائج أخرى سوى ذلك. 18154 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله مآرب أخرى قال: حاجات أخرى. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى) *. يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى: ألق عصاك التي بيمينك يا موسى، يقول الله جل جلاله: فألقاها موسى، فجعلها الله حية تسعى، وكانت قبل ذلك خشبة يابسة، وعصا يتوكأ عليها موسى ويهش بها على غنمه، فصارت حية بأمر الله، كما: 18155 - حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: ثنا حفص بن جميع، قال: ثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قيل لموسى: ألقها يا موسى، ألقاها فإذا هي حية تسعى ولم تكن قبل ذلك حية قال: فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها قال: فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها قال: فولى مدبرا، فنودي أن يا موسى خذها، فلم يأخذها ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف، فلم يأخذها فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين فأخذها.

[ 196 ]

18156 - حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قال له، يعني لموسى ربه: ألقها يا موسى يعني فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب فنودي: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون. 18157 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه، قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى تهتز، لها أنياب وهيئة كما شاء الله أن تكون، فرأى أمرا فظيعا، فولى مدبرا، ولم يعقب فناداه ربه: يا موسى أقبل ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى. وقوله: قال خذها ولا تخف يقول تعالى ذكره قال الله لموسى: خذ الحية، والهاء والالف من ذكر الحية. ولا تخف يقول: ولا تخف من هذه الحية سنعيدها سيرتها الاولى يقول: فإنا سنعيدها لهيئتها الاولى التي كانت عليها قبل أن نصيرها حية، ونردها عصا كما كانت. يقال لكل من كان على أمر فتركه، وتحول عنه ثم راجعه: عاد فلان سيرته الاولى، وعاد لسيرته الاولى، وعاد إلى سيرته الاولى. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18158 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله سيرتها الاولى يقول: حالتها الاولى. 18159 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد سيرتها الاولى قال: هيئتها. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18160 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه سنعيدها سيرتها الاولى أي سنردها عصا كما كانت. 18161 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة سنعيدها سيرتها الاولى قال: إلى هيئتها الاولى. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 197 ]

(واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى لنريك من آياتنا الكبرى) *. يقول تعالى ذكره: واضمم يا موسى يدك، فضعها تحت عضدك والجناحان هما اليدان، كذلك روي الخبر عن أبي هريرة وكعب الاحبار. وأما أهل العربية، فإنهم يقولون: هما الجنبان. وكان بعضهم يستشهد لقوله ذلك بقول الراجز: أضمه للصدر والجناح وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18162 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: إلى جناحك قال: كفه تحت عضده. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: تخرج بيضاء من غير سوء ذكر أن موسى عليه السلام كان رجلا آدم، فأدخل يده في جيبه، ثم أخرجها بيضاء من غير سوء، من غير برص، مثل الثلج، ثم ردها، فخرجت كما كانت على لونه. 18163 - حدثنا بذلك ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن وهب بن منبه. 18164 - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: ثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في قوله تخرج بيضاء من غير سوء قال: من غير برص. 18165 - حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد من غير سوء قال: من غير برص.

[ 198 ]

18166 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله بيضاء من غير سوء قال: من غير برص. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة من غير سوء قال: من غير برص. 18167 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي تخرج بيضاء من غير سوء قال: من غير برص. 18168 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله من غير سوء قال: من غير برص. 18169 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا حماد بن مسعدة، قال: ثنا قرة، عن الحسن في قول الله: بيضاء من غير سوء قال: أخرجها الله من غير سوء، من غير برص، فعلم موسى أنه لقي ربه. وقوله: آية أخرى يقول: وهذه علامة ودلالة أخرى غير الآية التي أريناك قبلها من تحويل العصا حية تسعى على حقيقة ما بعثناك به من الرسالة لمن بعثناك إليه. ونصب آية على اتصالها بالفعل، إذ لم يظهر لها ما يرفعها من هذه أو هي. وقوله: لنريك من آياتنا الكبرى يقول تعالى ذكره: واضمم يدك يا موسى إلى جناحك، تخرج بيضاء من غير سوء، كي نريك من أدلتنا الكبرى على عظيم سلطاننا وقدرتنا. وقال: الكبرى، فوحد، وقد قال: من آياتنا كما قال: له الاسماء الحسنى وقد بينا ذلك هنالك. وكان بعض أهل البصرة يقول: إنما قيل الكبرى، لانه أريد بها التقديم، كأن معناها عنده: لنريك الكبرى من آياتنا. القول في تأويل قوله تعالى: * (اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي) *. يقول تعالى ذكره لنبيه موسى صلوات الله عليه: اذهب يا موسى إلى فرعون إنه طغى يقول: إنه تجاوز قدره، وتمرد على ربه وقد بينا معنى الطغيان بما مضى بما أغنى

[ 199 ]

ن إعادته، في هذا الموضع وفي الكلام محذوف استغني بفهم السامع بما ذكر منه، وهو قوله: اذهب إلى فرعون إنه طغى فادعه إلى توحيد الله وطاعته، وإرسال بني إسرائيل معك قال رب اشرح لي صدري يقول: رب اشرح لي صدري، لاعي عنك ما تودعه من وحيك، وأجترئ به على خطاب فرعون ويسر لي أمري يقول: وسهل علي القيام بما تكلفني من الرسالة، وتحملني من الطاعة. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18170 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: رب اشرح لي صدري قال: جرأة لي. وقوله: واحلل عقدة من لساني يقول: وأطلق لساني بالمنطق، وكانت فيه فيما ذكر عجمة عن الكلام الذي كان من إلقائه الجمرة إلى فيه يوم هم فرعون بقتله. ذكر الرواية بذلك عمن قاله: 18171 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن سعيد بن جبير، في قوله: عقدة من لساني قال: عجمة لجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، ترد به عنه عقوبة فرعون، حين أخذ موسى بلحيته وهو لا يعقل، فقال: هذا عدو لي، فقالت له: إنه لا يعقل. حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح واحلل عقدة من لساني لجمرة نار أدخلها في فيه عن أمر امرأة فرعون، تدرأ به عنه عقوبة فرعون، حين أخذ موسى بلحيته وهو لا يعقل، فقال: هذا عدو لي، فقالت له: إنه لا يعقل، هذا قول سعيد بن جبير. 18172 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: واحلل عقدة من لساني قال: عجمة الجمرة نار أدخلها في فيه، عن أمر امرأة فرعون ترد به عنه عقوبة فرعون حين أخذ بلحيته. 18173 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما تحرك الغلام، يعني موسى، أورته أمه آسية صبيا، فبينما هي ترقصه وتلعب به، إذ ناولته فرعون، وقالت: خذه فلما أخذه إليه أخذ موسى بلحيته فنتفها، فقال فرعون: علي

[ 200 ]

بالذباحين، قالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا إنما هو صبي لا يعقل، وإنما صنع هذا من صباه، وقد علمت أنه ليس في أهل مصر أحلى منى أنا أضع له حليا من الياقوت، وأضع له جمرا، فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي فأخرجت له ياقوتها ووضعت له طستا من جمر، فجاء جبرائيل (ص)، فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى في فيه، فأحرقت لسانه، فهو الذي يقول الله عز وجل واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، فتوالت عن موسى من أجل ذلك. وقوله: يفقهوا قولي يقول: يفقهوا عني ما أخاطبهم وأراجعهم به من الكلام واجعل لي وزيرا من أهلي يقول: واجعل لي عونا من أهل بيتي هارون أخي. وفي نصب هارون وجهان: أحدهما أن يكون هارون منصوبا على الترجمة عن الوزير. 18174 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى. القول في تأويل قوله تعالى: * (اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن موسى أنه سأل ربه أن يشدد أزره بأخيه هارون. وإنما يعني بقوله: اشدد به أزري قو ظهري، وأعني به. يقال منه: قد أزر فلان فلانا: إذا أعانه وشد ظهره. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18175 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: اشدد به أزري يقول: أشدد به ظهري.

[ 201 ]

18176 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: اشدد به أزري يقول: اشدد به أمري، وقوني به، فإن لي به قوة. وقوله: وأشركه في أمري يقول: واجعله نبيا مثل ما جعلتني نبيا، وأرسله معي إلى فرعون كي نسبحك كثيرا يقول: كي نعظمك بالتسبيح لك كثيرا ونذكرك كثيرا فنحمدك إنك كنت بنا بصيرا يقول: إنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك من أفعالنا شئ. وذكر عن عبد الله بن أبي إسحاق أنه كان يقرأ: أشدد به أزري بفتح الالف من أشدد وأشركه في أمري بضم الالف من أشركه، بمعنى الخبر من موسى عن نفسه، أنه يفعل ذلك، لا على وجه الدعاء. وإذا قرئ ذلك كذلك جزم أشدد وأشرك على الجزاء، أو جواب الدعاء، وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإن كان لها وجه مفهوم، لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال قد أوتيت سؤلك يموسى ولقد مننا عليك مرة أخرى ئ إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) *. يقول تعالى ذكره: قال الله لموسى (ص): قد أعطيت ما سألت يا موسى ربك من شرحه صدرك وتيسيره لك أمرك، وحل عقدة لسانك، وتصيير أخيك هارون وزيرا لك، وشد أزرك به، وإشراكه في الرسالة معك ولقد مننا عليك مرة أخرى يقول تعالى ذكره: ولقد تطولنا عليك يا موسى قبل هذه المرة مرة أخرى، وذلك حين أوحينا إلى أمك، إذ ولدتك في العام الذي كان فرعون يقتل كل مولود ذكر من قومك ما أوحينا إليها ثم فسر تعالى ذكره ما أوحى إلى أمه، فقال: هو أن اقذفيه في التابوت فأن في موضع نصب ردا على ما التي في قوله: ما يوحى، وترجمة عنها. القول في تأويل قوله تعالى: * (أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني) *. يقول تعالى ذكره: ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى حين أوحينا إلى أمك، أن اقذفي ابنك موسى حين ولدتك في التابوت فاقذفيه في اليم يعني باليم: النيل فليلقه

[ 202 ]

اليم بالساحل يقول: فاقذفيه في اليم، يلقه اليم بالساحل، وهو جزاء أخرج مخرج الامر، كأن اليم هو المأمور، كما قال جل ثناؤه: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم يعني: اتبعوا سبيلنا نحمل عنكم خطاياكم، ففعلت ذلك أمه به فألقاه اليم بمشرعة آل فرعون، كما: 18177 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما ولدت موسى أمه أرضعته، حتى إذا أمر فرعون بقتل الولدان من سنته تلك عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تعالى، جعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينا هو جالس، إذ مر النيل بالتابوت فقذف به وآسية ابنة مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه، فقال: إن هذا لشئ في البحر، فأتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به، ففتح التابوت فإذا فيه صبي في مهده، فألقى الله عليه محبته، وعطف عليه نفسه. وعنى جل ثناؤه بقوله: يأخذه عدو لي وعدو له فرعون وهو العدو، كان لله ولموسى. 18178 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: فاقذفيه في اليم وهو البحر، وهو النيل. واختلف أهل التأويل في معنى المحبة التي قال الله جل ثناؤه وألقيت عليك محبة مني فقال بعضهم: عنى بذلك أنه حببه إلى عباده. ذكر من قال ذلك: 18179 - حدثني الحسين بن علي الصدائي والعباس بن محمد الدوري، قالا: ثنا حسين الجعفي عن موسى بن قبس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، في قول الله: وألقيت عليك محبة مني قال عباس: حببتك إلى عبادي وقال الصدائي: حببتك إلى خلقي. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أي حسنت خلقك. ذكر من قال ذلك: 18180 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني إبراهيم بن مهدي، عن رجل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، قوله: وألقيت عليك محبة مني قال: حسنا وملاحة. قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله ألقى

[ 203 ]

محبته على موسى، كما قال جل ثناؤه وألقيت عليك محبة مني فحببه إلى آسية امرأة فرعون، حتى تبنته وغذته وربته، وإلى فرعون، حتى كف عنه عاديته وشره. وقد قيل: إنما قيل: وألقيت عليك محبة مني، لانه حببه إلى كل من رآه. ومعنى ألقيت عليك محبة مني حببتك إليهم يقول الرجل لآخر إذا أحبه: ألقيت عليك رحمتي: أي محبتي. القول في تأويل قوله تعالى: * ولتصنع على عيني) *. (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يموسى) *. اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ولتصنع على عيني فقال بعضهم: معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي. ذكر من قال ذلك: 18181 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ولتصنع على عيني قال: هو غذاؤه، ولتغذى على عيني. 18182 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ولتصنع على عيني قال: جعله في بيت الملك ينعم ويترف غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنت بعيني في أحوالك كلها. ذكر من قال ذلك: 18183 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ولتصنع على عيني قال: أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت، ثم في البحر، وإذ تمشي أختك. وقرأ ابن نهيك: ولتصنع بفتح التاء. وتأوله كما: 18184 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقرأ ولتصنع على عيني فسألته عن ذلك، فقال: ولتعمل على عيني. قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها ولتصنع بضم التاء،

[ 204 ]

لاجماع الحجة من القراء عليها. وإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به، التأويل الذي تأوله قتادة، وهو: وألقيت عليك محبة مني ولتغذى على عيني، ألقيت عليك المحبة مني. وعنى بقوله: على عيني بمرأى مني ومحبة وإرادة. وقوله: إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله يقول تعالى ذكره: حين تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك، ثم تأتي من يطلب المراضع لك، فتقول: هل أدلكم على من يكلفه ؟ وحذف من الكلام ما ذكرت بعد قوله إذ تمشي أختك استغناء بدلالة الكلام عليه. وإنما قالت أخت موسى ذلك لهم لما: 18185 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: لما ألقته أمه في اليم قالت لاخته قصيه فلما التقطه آل فرعون، وأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى أن يأخذ، فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ؟ فأخذوها وقالوا: بل قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله، قالت: ما أعرفه، ولكن إنما قلت هم للملك ناصحون. 18186 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: قالت، يعني أم موسى لاخته: قصيه فانظري ماذا يفعلون به، فخرجت في ذلك فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة، فيقبل ثديها، فيرمضهم ذلك، فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون أي لمنزلته عندكم وحرصكم على مسرة الملك، وعنى بقوله: هل أدلكم على من يكفله هل أدلكم على من يضمه إليه فيحفظه ويرضعه ويربيه. وقيل: معنى وكفلها زكريا ضمها. وقوله: فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن يقول تعالى ذكره: فرددناك إلى

[ 205 ]

أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقر عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا حدثنا ابن حميد، تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك، كما 18187 - حدثنا ابن قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما قالت أخت موسى لهم ما قالت، قالوا: هات، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم، فناولوها إيا فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها، وسروا بذلك منه، ورده الله إلى أمه كي تقر عينها، ولا تحزن، فبلغ لطف الله لها وله، أن رد عليها ولدها وعطف عليها نفع فرعون وأهل بيته مع الامنة من القتل الذي يتخوف على غيره، فكأنهم كانوا من أهل بيت فرعون في الامان والسعة، فكان على فرش فرعون وسرره. وقوله: وقتلت نفسا يعني جل ثناؤه بذلك: قتله القبطي الذي قتله حين استغاثه عليه الاسرائيلي، فوكزه موسى. وقوله: فنجيناك من الغم يقول تعالى ذكره: فنجيناك من غمك بقتلك النفس التي قتلت، إذ أرادوا أن يقتلوك بها فخلصناك منهم، حتى هربت إلى أهل مدين، فلم يصلوا إلى قتلك وقودك به. وكان قتله إياه فيما ذكر خطأ، كما: 18188 - حدثني واصل بن عبد الاعلى، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا. 18189 - حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، ومحمد بن عمرو، قالا: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فنجيناك من الغم قال: من قتل النفس. 18190 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فنجيناك من الغم النفس التي قتل. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله وفتناك فتونا فقال بعضهم: ابتليناك ابتلاء واختبرناك اختبارا. ذكر من قال ذلك: 18191 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية عن علي، عن ابن عباس، قوله: وفتناك فتونا يقول: اختبرناك اختبارا.

[ 206 ]

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، وفتناك فتونا قال: ابتليت بلاء. 18192 - حدثني العباس بن الوليد الآملي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، قال: أخبرنا القاسم بن أيوب، قال: ثني سعيد بن جبير، قال: سألت عبد الله بن عباس، عن قول الله لموسى وفتناك فتونا فسألته على الفتون ما هي ؟ فقال لي: استأنف النهار يا بن جبير، فإن لها حديثا طويلا، قال: فلما أصبحت غدوت على ابن عباس لانتجز منه ما وعدني، قال: فقال ابن عباس: تذاكر فرعون وجلساؤه ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك وما يشكون، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون ؟ قال: فأتمروا بينهم، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، وأن الصغار يذبحون قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أن تباشروا من الاعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عاما كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم، ودعوا عاما لا تقتلوا منهم أحدا، فتشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم، فتخافون مكاثرتهم إياكم، ولن يقلوا بمن تقتلون، فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أم موسى بهارون في العام المقبل الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، حتى إذا كان العام المقبل حملت بموسى، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير، مما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم فلما ولدته فعلت ما أمرت به، حتى إذا توارى عنها ابنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما صنعت بابني لو ذبح عندي، فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه فأخذنه، فهممن أن يفتحن الباب، فقال بعضهن لبعض: إن في هذا مالا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة فرعون بما وجدنا فيه، فحملنه كهيئته لم يحركن منه شيئا،

[ 207 ]

حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام، فألقي عليه منها محبة لم يلق مثلها منها على أحد من الناس وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين: انصرفوا عني، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، فآتي فرعون فأستوهبه إياه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم. فلما أتت به فرعون قالت: قرة عين لي ولك قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فقال: والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت به، لهداه الله به كما هدى به امرأته، ولكن الله حرمه ذلك. فأرسلت إلى من حولها من كل أنثى لها لبن، لتختار له ظئرا، فجعل كلما أخذته امرأة منهم لترضعه لم يقبل ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق مجمع الناس ترجو أن تصيب له ظئرا يأخذ منها، فلم يقبل من أحد. وأصبحت أم موسى، فقالت لاخته: قصيه واطلبيه، هل تسمعين له ذكرا، أحي ابني، أو قد أكلته دواب البحر وحيتانه ؟ ونسيت الذي كان الله وعدها، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤورات: أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فأخذوها وقالوا: وما يدريك ما نصحهم له ؟ هل يعرفونه ؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه، رغبتهم في ظؤورة الملك، ورجاء منفعته، فتركوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها حتى امتلا جنباه، فانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرا، فأرسلت إليها، فأتيت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي عندي حتى ترضعي ابني هذا فإني لم أحب حبه شيئا قط قال: فقالت: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي، فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه، فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها، فتعاسرت على امرأة فرعون، وأيقنت أن الله تبارك وتعالى منجز وعده، فرجعت بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتا حسنا، وحفظه لما قضى فيه، فلم

[ 208 ]

يزل بنو إسرائيل وهم مجتمعون في ناحية المدينة يمتنعون به من الظلم والسخرة التي كانت فيهم. فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى: أزيريني ابني. فوعدتها يوما تزيرها إياه فيه، فقالت لخواصها وظؤورتها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة ليرى ذلك، وأنا باعثة أمينة تحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت به، وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وقالت: انطلقن به إلى فرعون، فلينحله، وليكرمه. فلما دخلوا به عليه جعلته في حجره، فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير، بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به. فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الصبي الذي قد وهبته لي ؟ قال: ألا ترين يزعم أنه سيصرعني ويعلوني، فقالت: اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرب ذلك إليه، فتناول الجمرتين، فنزعوهما منه مخافة أن تحرقا يده، فقالت المرأة: ألا ترى ؟ فصرفه الله عنه بعد ما قد هم به، وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده، وكان من الرجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعو كل امتناع. فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة، إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه، لانه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل، وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنما ذلك من قبل الرضاعة غير أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والاسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال: رب إني ظلمت نفسي

[ 209 ]

فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم فأصبح في المدينة خائفا يترقب الاخبار، فأتى فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا من آل فرعون، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: ابغوني قاتله ومن شهد عليه، لانه لا يستقيم أن يقضي بغير بينه ولا ثبت، فطلبوا له ذلك فبينما هم يطوفون لا يجدون ثبتا، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الاسرائيلي يقاتل فرعونيا، فاستغاثه الاسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالامس وكره الذي رأى، فغضب موسى، فمد يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، قال للاسرائيلي لما فعل بالامس واليوم إنك لغوي مبين فنظر الاسرائيلي موسى بعد ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه بالامس الذي قتل فيه الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، وإنما أراد الفرعوني، فخاف الاسرائيلي، فحاجز الفرعوني فقال: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الاسرائيلي من الخبر حين يقول: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ؟ فأرسل فرعون الذباحين، فسلك موسى الطريق الاعظم، فطلبوه وهم لا يخافون أن يفوتهم. وجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقا قريبا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير. 18193 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فتونا قال: بلاء، إلقاؤه في التابوت، ثم في البحر، ثم التقاط آل فرعون إياه، ثم خروجه خائفا. قال محمد بن عمرو، وقال أبو عاصم: خائفا، أو جائعا شك أبو عاصم، وقال الحارث: خائفا يترقب، ولم يشك. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جرى، عن مجاهد، مثله وقال: خائفا يترقب، ولم يشك.

[ 210 ]

18194 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: وفتناك فتونا يقول: ابتليناك بلاء. 18195 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وفتناك فتونا هو البلاء على إثر البلاء. وقال آخرون: معنى ذلك: أخلصناك. ذكر من قال ذلك: 18196 - حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وفتناك فتونا أخلصناك إخلاصا. 18197 - حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن يعلى بن مسلم، قال: سمعت سعيد بن جبير، يفسر هذا الحرف: وفتناك فتونا قال: أخلصناك إخلاصا. قال أبو جعفر: وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا معنى الفتنة، وأنها الابتلاء والاختبار بالادلة المغنية عن الاعادة في هذا الموضع. وقوله: فلبثت سنين في أهل مدين وهذا الكلام قد حذف منه بعض ما به تمامه اكتفاء بدلالة ما ذكر عم حذف. ومعنى الكلام: وفتناك فتونا، فخرجت خائفا إلى أهل مدين، فلبثت سنين فيهم. وقوله: ثم جئت على قدر يا موسى يقول جل ثناؤه: ثم جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون رسولا ولمقداره. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18198 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ثم جئت على قدر يا موسى يقول: لقد جئت لميقات يا موسى. 18199 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: على قدر يا موسى قال: موعد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: على ذي موعد.

[ 211 ]

18200 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: على قدر يا موسى قال: قدر الرسالة والنبوة. والعرب تقول: جاء فلان على قدر: إذا جاء لميقات الحاجة إليه ومنه قول الشاعر: نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسعي على قدر القول في تأويل قوله تعالى: * (واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى) *. يقول تعالى ذكره: واصطنعتك لنفسي أنعمت عليك يا موسى هذه النعم، ومننت عليك هذه المنن، اجتباء مني لك، واختيارا لرسالتي والبلاغ عني، والقيام بأمري ونهيي اذهب أنت وأخوك هارون بآياتي يقول: بأدلتي وحججي، اذهبا إلى فرعون بها إنه تمرد في ضلاله وغيه، فأبلغه رسالاتي ولا تنيا في ذكري يقول: ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فإن ذكركما إياي يقوي عزائمكما، ويثبت أقدامكما، لانكما إذا ذكرتماني، ذكرتما مني عليكما نعما جمة، ومننا لا تحصى كثرة. يقال منه: ونى فلان في هذا الامر، وعن هذا الامر: إذا ضعف، وهو يني ونيا كما قال العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر * له الاله ما مضى وما غبر وبنحو الذي قلنا في ذلك، قا ل أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18201 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ولا تنيا يقول: لا تبطئا. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ولا تنيا في ذكري يقول: ولا تضعفا في ذكري. 18202 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني

[ 212 ]

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ولا تنيا في ذكري قال: لا تضعفا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد تنيا تضعفا. 18203 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ولا تنيا في ذكري يقول: لا تضعفا في ذكري. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ولا تنيا في ذكري قال: لا تضعفا. 18204 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ولا تنيا في ذكري يقول: لا تضعفا. 18205 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولا تنيا في ذكري قال: الواني: هو الغافل المفرط، ذلك الواني. القول في تأويل قوله تعالى: * (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) *. يقول تعالى ذكره لموسى وهارون: فقولا لفرعون قولا لينا. ذكر أن القول اللين الذي أمرهما الله أن يقولاه له، هو أن يكنياه. 18206 - حدثنى جعفر ابن ابنة إسحاق بن يوصف الازرق، قال: ثنا سعيد بن محمد الثقفي، قال: ثنا علي بن صالح، عن السدي: فقولا له قولا لينا قال: كنياه. وقوله: لعله يتذكر أو يخشى اختلف في معنى قوله: لعله في هذا الموضع، فقال بعضهم معناها ههنا الاستفهام، كأنهم وجهوا معنى الكلام إلى: فقولا له قولا لينا، فانظرا هل يتذكر ويراجع أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. ذكر من قال ذلك: 18207 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: لعله يتذكر أو يخشى يقول: هل يتذكر أو يخشى.

[ 213 ]

وقال آخرون: معنى لعل ههنا كي. ووجهوا معنى الكلام إلى اذهبا إلى فرعون إنه طغى فادعواه وعظاه ليتذكر أو يخشى، كما يقول القائل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، بمعنى: لتأخذ أجرك، وافرغ من عملك لعلنا نتغدى، بمعنى: لنتغدى، أو حتى نتغدى، ولكلا هذين القولين وجه حسن، ومذهب صحيح. وقوله: قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا يقول تعالى ذكره: قال موسى وهارون: ربنا إننا نخاف فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه، أن يعجل علينا بالعقوبة وهو من قولهم: فرط مني إلى فلان أمر: إذا سبق منه ذلك إليه، ومنه: فارط القوم، وهو المتعجل المتقدم أمامهم إلى الماء أو المنزل كما قال الراجز: قد فرط العلج علينا وعجل وأما الافراط: فهو الاسراف والاشطاط والتعدي. يقال منه: أفرطت في قولك: إذا أسرف فيه وتعدى. وأما التفريط: فإنه التواني. يقال منه: فرطت في هذا الامر حتى فات: إذا توانى فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 17208 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن يفرط علينا قال: عقوبة منه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18209 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال: نخاف أن يعجل علينا إذ نبلغه كلامك أو أمرك، يفرط ويعجل. وقرأ لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال لا تخافآ إنني معكمآ أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى) *.

[ 214 ]

يقول الله تعالى ذكره: قال الله لموسى وهارون: لا تخافا فرعون إنني معكما أعينكما عليه، وأبصركما أسمع ما يجري بينكما وبينه، فأفهمكما ما تحاورانه به وأرى ما تفعلان ويفعل، لا يخفى علي من ذلك شئ فأتياه فقولا له إنا رسولا ربك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18210 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ما يحاوركما، فأوحي إليكما فتجاوبانه. وقوله: فأتياه فقولا إنا رسولا ربك أرسلنا إليك يأمرك أن ترسل معنا بني إسرائيل، فأرسلهم معنا ولا تعذبهم بما تكلفهم من الاعمال الرديئة قد جئناك بآية معجزة من ربك على أنه أرسلنا إليك بذلك، إن أنت لم تصدقنا فيما نقول لك أريناكها، والسلام على من اتبع الهدى يقول: والسلامة لمن اتبع هدى الله، وهو بيانه. يقال: السلام على من اتبع الهدى، ولمن اتبع بمعنى واحد. القول في تأويل قوله تعالى: * (إنا قد أوحي إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى قال فمن ربكما يموسى قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) *. يقول تعالى ذكره لرسوله موسى وهارون: قولا لفرعون إنا قد أوحى إلينا ربك أن عذابه الذي لا نفاد له، ولا انقطاع على من كذب بما ندعوه إليه من توحيد الله وطاعته، وإجابة رسله وتولى يقول: وأدبر معرضا عما جئناه به من الحق، كما: 18211 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: أن العذاب على من كذب وتولى كذب بكتاب الله، وتولى عن طاعة الله. وقوله: قال فمن ربكما يا موسى في هذا الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة ما ذكر عليه عنه، وهو قوله: فأتياه فقالا له ما أمرهما به ربهما وأبلغاه رسالته، فقال فرعون لهما فمن ربكما يا موسى فخاطب موسى وحده بقوله: يا موسى، وقد وجه الكلام قبل ذلك إلى موسى وأخيه. وإنما فعل ذلك كذلك، لان المجاوبة إنما تكون من الواحد وإن كان الخطاب بالجماعة لا من الجميع، وذلك نظير قوله: نسيا حوتهما

[ 215 ]

وكان الذي يحمل الحوت واحد، وهو فتى موسى، يدل على ذلك قوله: إني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره. وقوله: قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى يقول تعالى ذكره: قال موسى له مجيبا: ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه، يعني: نظير خلقه في الصورة والهيئة كالذكور من بني آدم، أعطاهم نظير خلقهم من الاناث أزواجا، وكالذكور من البهائم، أعطاها نظير خلقها، وفي صورتها وهيئتها من الاناث أزواجا، فلم يعط الانسان خلاف خلقه، فيزوجه بالاناث من البهائم، ولا البهائم بالاناث من الانس، ثم هداهم للمأتي الذي منه النسل والنماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب، وغير ذلك. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: بنحو الذي قلنا فيه. ذكر من قال ذلك: 18212 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: أعطى كل شئ خلقه ثم هدى يقول: خلق لكل شئ زوجة، ثم هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه ومولده. 18213 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى يقول: أعطى كل دابة خلقها زوجا، ثم هدى للنكاح. وقال آخرون: معنى قوله ثم هدى أنه هداهم إلى الالفة والاجتماع والمناكحة. ذكر من قال ذلك: 18214 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى يعني: هدى بعضهم إلى بعض، ألف بين قلوبهم وهداهم للتزويج أن يزوج بعضهم بعضا. وقال آخرون: معنى ذلك: أعطى كل شئ صورته، وهي خلقه الذي خلقه به، ثم هداه لما يصلحه من الاحتيال للغذاء والمعاش. ذكر من قال ذلك: 18215 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال: أعطى كل شئ صورته ثم هدى كل شئ إلى معيشته.

[ 216 ]

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال: سوى خلق كل دابة، ثم هداها لما يصلحها، فعلمها إياه. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال: سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه، ولم يجعل الناس في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الناس، ولكن خلق كل شئ فقدره تقديرا. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن حميد عن مجاهد أعطى كل شئ خلقه ثم هدى قال: هداه إلى حيلته ومعيشته. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أعطى كل شئ ما يصلحه، ثم هداه له. ذكر من قال ذلك: 18216 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قوله: أعطى كل شئ خلقه قال: أعطى كل شئ ما يصلحه. ثم هداه له. قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك، لانه جل ثناؤه أخبر أنه أعطى كل شئ خلقه، ولا يعطي المعطي نفسه، بل إنما يعطي ما هو غيره، لان العطية تقتضي المعطي المعطى والعطية، ولا تكون العطية هي المعطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه، كان معلوما أنه إذا قيل: أعطى الانسان صورته، إنما يعني أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانا، فكأن قائله قال: أعطى كل خلق نفسه، وليس ذلك إذا وجه إليه الكلام بالمعروف من معاني العطية، وإن كان قد يحتمله الكلام. فإذا كان ذلك كذلك، فالاصوب من معانيه أن يكون موجها إلى أن كل شئ أعطاه ربه مثل خلقه، فزوجه به، ثم هداه لما بينا، ثم ترك ذكر مثل، وقيل أعطى كل شئ خلقه كما يقال: عبد الله مثل الاسد، ثم يحذف مثل، فيقول: عبد الله الاسد. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال فما بال القرون الاولى ئ قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) *.

[ 217 ]

يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى، إذ وصف موسى ربه جل جلاله بما وصفه به من عظيم السلطان، وكثرة الانعام على خلقه والافضال: فما شأن الامم الخالية من قبلنا لم تقر بما تقول، ولم تصدق بما تدعو إليه، ولم تخلص له العبادة، ولكنها عبدت الآلهة والاوثان من دونه، إن كان الامر على ما تصف من أن الاشياء كلها خلقه، وأنها في نعمه تتقلب، وفي مننه تتصرف ؟ فأجابه موسى فقال: علم هذه الامم التي مضت من قبلنا فيما فعلت من ذلك، عند ربي في كتاب: يعني في أم الكتاب، لا علم لي بأمرها، وما كان سبب ضلال من ضل منهم فذهب عن دين الله لا يضل ربي يقول: لا يخطئ ربي في تدبيره وأفعاله، فإن كان عذب تلك القرون في عاجل، وعجل هلاكها، فالصواب ما فعل، وإن كان أخر عقابها إلى القيامة، فالحق ما فعل، هو أعلم بما يفعل، لا يخطئ في فعله ولا ينسى فيترك فعل ما فعله حكمة وصواب. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18217 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى يقول: لا يخطئ ربي ولا ينسى. 18218 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فما بال القرون الاولى يقول فما أعمى القرون الاولى، فوكلها نبي الله موكلا فقال: علمها عند ربي... الآية يقول: أي أعمارها وآجالها. وقال آخرون: معنى قوله لا يضل ربي ولا ينسى واحدا. ذكر من قال ذلك: 18219 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: لا يضل ربي ولا ينسى قال: هما شئ واحد. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. والعرب تقول: ضل فلان منزله: إذا أخطأه، يضله بغير ألف، وكذلك ذلك في كل ما كان من شئ ثابت لا يبرح، فأخطأه مريده، فإنها تقول: أضله، فأما إذا ضاع منه ما يزول بنفسه من دابة وناقة وما أشبه ذلك من الحيوان الذي ينفلت منه فيذهب، فإنها تقول: أضل فلان بعيره أو شاته أو ناقته يضله بالالف. وقد بينا معنى النسيان فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 218 ]

(الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى) *. اختلف أهل التأويل في قراءة قوله مهدا فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة: الذي جعل لكم الارض مهادا بكسر الميم من المهاد وإلحاق ألف فيه بعد الهاء، وكذلك عملهم ذلك في كل القرآن. وزعم بعض من اختار قراءة ذلك كذلك، أنه إنما اختاره من أجل أن المهاد: اسم الموضع، وأن المهد الفعل قال: وهو مثل الفرش والفراش. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين: مهدا بمعنى: الذي مهد لكم الارض مهدا. والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الامصار مشهورتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيها. وقوله: وسلك لكم فيها سبلا يقول: وأنهج لكم في الارض طرقا. والهاء في قوله فيها: من ذكر الارض، كما: 18220 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وسلك لكم فيها سبلا: أي طرقا. وقوله: وأنزل من السماء ماء يقول: وأنزل من السماء مطرا فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن إنعامه على خلقه بما يحدث لهم من الغيث الذي ينزله من سمائه إلى أرضه، بعد تناهي خبره عن جواب موسى فرعون عما سأله عنه وثنائه على ربه بما هو أهله. يقول جل ثناؤه: فأخرجنا نحن أيها الناس بما ننزل من السماء من ماء أزواجا، يعني ألوانا من نبات شتى، يعني مختلفة الطعوم، والاراييح والمنظر. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18221 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: من نبات شتى يقول: مختلف. القول في تأويل قوله تعالى: * (كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لاولي النهى) *. يقول تعالى ذكره: كلوا أيها الناس من طيب ما أخرجنا لكم بالغيث الذي أنزلناه من السماء إلى الارض من ثمار ذلك وطعامه، وما هو من أقواتكم وغذائكم، وارعوا فيما هو

[ 219 ]

أرزاق بهائمكم منه وأقواتها أنعامكم إن في ذلك لآيات يقول: إن فيما وصفت في هذه الآية من قدرة ربكم، وعظيم سلطانه لآيات: يعني لدلالات وعلامات تدل على وحدانية ربكم، وأن لا إله لكم غيره أولي النهى يعني: أهل الحجى والعقول. والنهي: جمع نهية، كما الكشي: جمع كشية. قال أبو جعفر: والكشي: شحمة تكون في جوف الضب، شبيهة بالسرة وخص تعالى ذكره بأن ذلك آيات لاولي النهي، لانهم أهل التفكر والاعتبار، وأهل التدبر والاتعاظ. القول في تأويل قوله تعالى: * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) *. يقول تعالى ذكره: من الارض خلقناكم أيها الناس، فأنشأناكم أجساما ناطقة وفيها نعيدكم يقول: وفي الارض نعيدكم بعد مماتكم، فنصيركم ترابا، كما كنتم قبل إنشائنا كم بشرا سويا ومنها نخرجكم يقول: ومن الارض نخرجكم كما كنتم قبل مماتكم أحياء، فننشئكم منها، كما أنشأناكم أول مرة. وقوله: تارة أخرى يقول: مرة أخرى، كما: 18222 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ومنها نخرجكم تارة أخرى يقول: مرة أخرى. 18223 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: تارة أخرى قال: مرة أخرى الخلق الآخر. قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذا: من الارض أخرجناكم ولم تكونوا شيئا خلقا سويا، وسنخرجكم منها بعد مماتكم مرة أخرى، كما أخرجناكم منها أول مرة. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى) *.

[ 220 ]

يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا فرعون آياتنا، يعني أدلتنا وحججنا على حقيقة ما أرسلنا به رسولينا، موسى وهارون إليه كلها فكذب وأبى أن يقبل من موسى وهارون ما جاآه به من عند ربهما من الحق استكبارا وعتوا. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) *. يقول تعالى ذكره: قال فرعون لما أريناه آياتنا كلها لرسولنا موسى: أجئتنا يا موسى لتخرجنا من منازلنا ودورنا بسحرك هذا الذي جئتنا به فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نتعداه، لنجئ بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه، لا نخلف ذلك الموعد نحن ولا أنت مكانا سوى يقول: بمكان عدل بيننا وبينك ونصف. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: مكانا سوى بكسر السين، وقرأته عامة قراء الكوفة: مكانا سوى بضمها. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما لغتان، أعني الكسر والضم في السين من سوى مشهورتان في العرب. وقد قرأت بكل واحدة منهما علماء من القراء، مع اتفاق معنييهما، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وللعرب في ذلك إذا كان بمعنى العدل والنصف لغة هي أشهر من الكسر والضم وهو الفتح، كما قال جل ثناؤه تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم وإذا فتحت السين منه مد. وإذا كسرت أو ضمت قصر، كما قال الشاعر: فإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر ونظير ذلك من الاسماء: طوى، وطوى وثنى وثنى وعدى، وعدى. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18224 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني

[ 221 ]

الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: مكانا سوى قال: منصفا بينهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه. 18225 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة مكانا سوى: أي عادلا بيننا وبينك. 18226 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قوله: مكانا سوى قال: نصفا بيننا وبينك. 18227 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، في قوله: فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال: يقول: عدلا. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما: 18228 - حدثني به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: مكانا سوى قال: مكانا مستويا يتبين للناس ما فيه، لا يكون صوب ولا شئ فيغيب بعض ذلك عن بعض مستو حين يرى. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى) *. يقول تعالى ذكره: قال موسى لفرعون، حين سأله أن يجعل بينه وبينه موعدا للاجتماع: موعدكم للاجتماع يوم الزينة يعني يوم عيد كان لهم، أو سوق كانوا يتزينون فيه وأن يحشر الناس يقول: وأن يساق الناس من كل فج وناحية ضحى فذلك موعد ما بيني وبينك للاجتماع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18229 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فإنه يوم زينة يجتمع الناس إليه ويحشر الناس له. 18230 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال

[ 222 ]

موعدكم يوم الزينة قال: يوم زينة لهم، ويوم عيد لهم وأن يحشر الناس ضحى إلى عيد لهم. 18231 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد يوم الزينة قال: يوم السوق. 18232 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد يوم الزينة: موعدهم. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18233 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال موسى: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى وذلك يوم عيد لهم. 18234 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ثنا سعيد، عن قتادة قال موعدكم يوم الزينة يوم عيد كان لهم. وقوله: وأن يحشر الناس ضحى يجتمعون لذلك الميعاد الذي وعدوه. 18235 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: قال موعدكم يوم الزينة قال: يوم العيد، يوم يتفرغ الناس من الاعمال، ويشهدون ويحضرون ويرون. 18236 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال موعدكم يوم الزينة يوم عيد كان فرعون يخرج له وأن يحشر الناس ضحى حتى يحضروا أمري وأمرك، وأن من قوله وأن يحشر الناس ضحى رفع بالعطف على قوله يوم الزينة. وذكر عن أبي نهيك في ذلك ما: 18237 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقول: وأن يحشر الناس ضحى يعني فرعون يحشر قومه. وقوله: فتولى فرعون يقول تعالى ذكره: فأدبر فرعون معرضا عما أتاه به من الحق فجمع كيده يقول: فجمع مكره، وذلك جمعه سحرته بعد أخذه إياهم بتعلمه، ثم

[ 223 ]

أتى يقول: ثم جاء للموعد الذي وعده موسى، وجاء بسحرته. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى) *. يقل تعالى ذكره: قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا يقول: لا تختلفوا على الله كذبا، ولا تتقولوه فيسحتكم بعذاب فيستأصلكم بهلاك فيبيدكم. وللعرب فيه لغتان: سحت، وأسحت، وسحت، أكثر من أسحت، يقال منه: سحت الدهر، وأسحت مال فلان: إذا أهلكه فهو يسحته سحتا، وأسحته يسحته إسحاتا. ومن الاسحات قول الفرزدق: وعض زمان يا بن مرون لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف ويروى: إلا مسحت أو مجلف. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18238 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فيسحتكم بعذاب يقول: فيهلككم. 18239 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فيسحتكم بعذاب يقول يستأصلكم بعذاب. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: فيسحتكم بعذاب قال: فيستأصلكم بعذاب فيهلككم. 18240 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: فيسحتكم بعذاب قال: يهلككم هلاكا ليس فيه بقية، قال: والذي يسحت ليس فيه بقية. 18241 - حدثنا موسى قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فيسحتكم بعذاب يقول يهلككم بعذاب.

[ 224 ]

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة: فيسحتكم بفتح الياء من سحت يسحت. وقرأته عامة قراء الكوفة: فيسحتكم بضم الياء من أسحت يسحت. قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أن الفتح فيها أعجب إلي لانها لغة أهل العالية، وهي أفصح، والاخرى وهي الضم في نجد. وقوله: وقد خاب من افترى يقول: ولم يظفر من يخلق كذبا وبقوله، بكذبه ذلك، بحاجته التي طلبها به، ورجا إدراكها به. القول في تأويل قوله تعالى: * (فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) *. يقول تعالى ذكره: فتنازع السحرة أمرهم بينهم. وكان تنازعهم أمرهم بينهم فيما ذكر أن قال بعضهم لبعض، ما: 18242 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قال السحرة بينهم: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر. وقال آخرون بل هو أن بعضهم قال لبعض: ما هذا القول بقول ساحر. ذكر من قال ذلك: 18243 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه، حتى أتى المجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، قد استكف له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتراد السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.

[ 225 ]

وقوله: وأسروا النجوى يقول تعالى ذكره: وأسروا السحرة المناجاة بينهم. ثم اختلف أهل العلم السرار الذي أسروه، فقال بعضهم: هو قول بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحرا فإنا سنغلبه، وإن كان من أمر السماء فإنه سيغلبنا. وقال آخرون في ذلك ما: 18244 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: أشار بعضهم إلى بعض بتناج: إن هذان لساحران يريدانه أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما. 18246 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى من دون موسى وهارون، قالوا في نجواهم: إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى قالوا: إن هذان لساحران، يعنون بقولهم: إن هذان موسى وهارون، لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما: موسى وهارون صلى الله عليهما. وقد اختلفت القراء في قراءة قوله: إن هذان لساحران فقرأته عامة قراء الامصار: إن هذان بتشديد إن وبالالف في هذان، وقالوا: قرأنا ذلك كذلك. وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: إن خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، ويدخلون اللام ليفرقوا بينها وبين التي تكون في معنى ما. وقال بعض نحويي الكوفة: ذلك على وجهين: أحدهما على لغة بني الحارث بن كعب ومن جاورهم، يجعلون الاثنين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالالف. وقد فأطرق إطراق الشجاع ولو أنشدني رجل من الاسد عن بعض بني الحارث بن كعب فاطرق إطراق الشجاع ولو رلو رأى * مساغا لناباه الشجاع لصمما

[ 226 ]

قال: وحكى عنه أيضا: هذا خط يدا أخي أعرفه، قال: وذلك وإن كان قليلا أقيس، لان العرب قالوا: مسلمون، فجعلوا الواو تابعة للضمة، لانها لا تعرب، ثم قالوا: رأيت المسلمين، فجعلوا الياء تابعة لكسرة الميم قالوا: فلما رأوا الياء من الاثنين لا يمكنهم كسر ما قبلها، وثبت مفتوحا، تركوا الالف تتبعه، فقالوا: رجلان في كل حال. قال: وقد اجتمعت العرب على إثبات الالف في كلام الرجلين، في الرفع والنصب والخفض، وهما اثنان، إلا بني كنانة، فإنهم يقولون: رأيت كلى الرجلين، ومررت بكلي الرجلين، وهي قبيحة قليلة مضوا على القياس. قال: والوجه الآخر أن تقول: وجدت الالف من هذا دعامة، وليست بلام فعلى فلما بنيت زدت عليها نونا، ثم تركت الالف ثابتة على حالها لا تزول بكل حال، كما قالت العرب الذي، ثم زادوا نونا تدل على الجمع، فقالوا: الذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كما تركوا هذان في رفعه ونصبه وخفضه. قال: وكان القياس أن يقولوا: الذون. وقال آخر منهم: ذلك من الجزم المرسل، ولو نصب لخرج إلى الانبساط. 18247 - وحدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: قال أبو عمرو وعيسى بن عمر ويونس، إن هذين لساحران في اللفظ، وكتب هذان كما يريدون الكتاب، واللفظ صواب. قال: وزعم أبو الخطاب أنه سمع قوما من بني كنانة وغيرهم، يرفعون الاثنين في موضع الجر والنصب. قال: وقال بشر بن هلال: إن بمعنى الابتداء والايجاب. ألا ترى أنها تعمل فيما يليها، ولا تعمل فيما بعد الذي بعدها، فترفع الخبر ولا تنصبه، كما نصبت الاسم، فكان مجاز إن هذان لساحران، مجاز كلامين، مخرجه: إنه: إي نعم، ثم قلت: هذان ساحران. ألا ترى أنهم يرفعون المشترك كقول ضابئ: فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإني وقيار بها لغريب

[ 227 ]

وقوله: إن السيوف غدوها ورواحها * تركت هوازن مثل قرن الاعضب قال: ويقول بعضهم: إن الله وملائكته يصلون على النبي، فيرفعون على شركة الابتداء، ولا يعملون فيه إن. قال: وقد سمعت الفصحاء من المحرمين يقولون: إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال: وقرأها قوم على تخفيف نون إن وإسكانها. قال: ويجوز لانهم قد أدخلوا اللام في الابتداء وهي فصل، قال: أم الحليس لعجوز شهربه قال: وزعم قوم أنه لا يجوز، لانه إذا خفف نون إن فلا بد له من أن يدخل إلا فيقول: إن هذا إلا ساحران. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: إن بتشديد نونها، وهذان بالالف لاجماع الحجة من القراء عليه، وأنه كذلك هو في خط المصحف. ووجهه إذا قرئ كذلك مشابهته الذين إذ زادوا على الذي النون، وأقر في جميع الاحوال الاعراب على حالة واحدة، فكذلك إن هذان زيدت على هذا نون وأقر في جميع أحوال الاعراب على حال واحدة، وهي لغة بلحرث بن كعب، وخثعم، وزبيد، ومن وليهم من قبائل اليمن. وقوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى يقول: ويغلبا على ساداتكم وأشرافكم، يقال: هو طريقة قومه ونظورة قومه، ونظيرتهم إذا كان سيدهم وشريفهم والمنظور إليه، يقال ذلك

[ 228 ]

للواحد والجمع، وربما جمعوا، فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم ومنه قول الله تبارك وتعالى: كنا طرائق قدادا وهؤلاء نظائر قومهم. وأما قوله: المثلى فإنها تأنيث الامثل، يقال للمؤنث، خذ المثلى منهما. وفي المذكر: خذ الامثل منهما، ووحدت المثلى، وهي صفة ونعت للجماعة، كما قيل: له الاسماء الحسنى، وقد يحتمل أن يكون المثلى أنثت لتأنيث الطريقة. وبنحو ما قلنا في معنى قوله: بطريقتكم المثلى قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18248 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى يقول: أمثلكم وهم بنو إسرائيل. 18249 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى قال: أولي العقل والشرف والانساب. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ويذهبا بطريقتكم المثلى قال: أولي العقول والاشراف والانساب. 18250 - حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وطريقتهم المثلى يومئذ كانت بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عددا وأموالا وأولادا. قال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا بهم لانفسهما. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله بطريقتكم المثلى قال: ببني إسرائيل. 18251 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ويذهبا بطريقتكم المثلى يقول: يذهبا بأشراف قومكم. وقال آخرون: معنى ذلك: ويغيرا سنتكم ودينكم الذي أنتم عليه، من قولهم: فلان حسن الطريقة. ذكر من قال ذلك:

[ 229 ]

18252 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى قال: يذهبا بالذي أنتم عليه، يغير ما أنتم عليه. وقرأ: ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الارض الفساد قال: هذا قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وقال: يقول طريقتكم اليوم طريقة حسنة، فإذا غيرت ذهبت هذه الطريقة. وروي عن علي في معنى قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى ما: 18253 - حدثنا به القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم، عن علي بن أبي طالب، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما. قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في قوله: ويذهبا بطريقتكم المثلى وإن كان قولا له وجه يحتمله الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه، فلا أستجيز لذلك القول به. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى) *. اختلفت القراء في قراءة قوله: فأجمعوا كيدكم فقرأته عامة قراء المدينة والكوفة فأجمعوا كيدكم بهمز الالف من فأجمعوا، ووجهوا معنى ذلك إلى: فأحكموا كيدكم، واعزموا عليه من قولهم: أجمع فلان الخروج، وأجمع على الخروج، كما يقال: أزمع عليه ومنه قول الشاعر: يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع يعني بقوله: مجمع قد أحكم وعزم عليه ومنه قول النبي (ص): من لم يجمع على الصوم من الليل فلا صوم له. وقرأ ذلك بعض قراء أهل البصرة: فاجمعوا كيد كم بوصل الالف، وترك همزها، من جمعت الشئ، كأنه وجهه إلى معنى: فلا تدعوا من كيدكم شيئا إلا جئتم به. وكان

[ 230 ]

بعض قارئي هذه القراءة يعتل فيما ذكر لي لقراءته ذلك كذلك بقوله: فتولى فرعون فجمع كيده. قال أبو جعفر: والصواب في قراءة ذلك عندنا همز الالف من أجمع، لاجماع الحجة من القراء عليه، وأن السحرة هم الذين كانوا به معروفين، فلا وجه لان يقال لهم: اجمعوا ما دعيتم له مما أنتم به عالمون، لان المرء إنما يجمع ما لم يكن عنده إلى ما عنده، ولم يكن ذلك يوم تزيد في علمهم بما كانوا يعملونه من السحر، بل كان يوم إظهاره، أو كان متفرقا مما هو عنده، بعضه إلى بعض، ولم يكن السحر متفرقا عندهم فيجمعونه. وأما قوله: فجمع كيده فغير شبيه المعنى بقوله فأجمعوا كيدكم وذلك أن فرعون كان هو الذي يجمع ويحتفل بما يغلب به موسى مما لم يكن عنده مجتمعا حاضرا، فقيل: فتولى فرعون فجمع كيده. وقوله: ثم ائتوا صفا يقول: احضروا وجيئوا صفا والصف ههنا مصدر، ولذلك وحد، ومعناه: ثم ائتوا صفوفا، وللصف في كلام العرب موضع آخر، وهو قول العرب: أتيت الصف اليوم، يعني به المصلى الذي يصلى فيه. وقوله: وقد أفلح اليوم من استعلى يقول: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره، كما: 18254 - حدثنا ابن حميد، قلا: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى أي قد أفلح من أفلج اليوم على صاحبه. القول في تأويل قوله تعالى: * (قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى ئ قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) *. يقول تعالى ذكره: فأجمعت السحرة كيدهم، ثم أتوا صفا فقالوا لموسى: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى وترك ذكر ذلك من الكلام اكتفاء بدلالة الكلام عليه.

[ 231 ]

واختلف في مبلغ عدد السحرة الذين أتوا يومئذ صفا، فقال بعضهم: كانوا سبعين ألف ساحر، مع كل ساحر منهم حبل وعصا. ذكر من قال ذلك: 18255 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبي بزة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا فألقى موسى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين فاغر به فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة سجدا عند ذلك، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما، فعند ذلك قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات. وقال آخرون: بل كانوا نيفا وثلاثين ألف رجل. ذكر من قال ذلك: 18256 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: قالو يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال لهم موسى: ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا. وقال آخرون: بل كانوا خمسة عشر ألفا. ذكر من قال ذلك: 18257 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه. وقال آخرون: كانوا تسع مئة. ذكر من قال ذلك: 18258 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فيوم، ويشكون في ثلاث مئة من الاسكندرية فقالوا لموسى: إما أن تلقي ما معك قبلنا، وإما أن نلقي ما معنا قبلك، وذلك قوله: وإما أن نكون أول من ألقى وأن في قوله: إما أن في موضع نصب، وذلك أن معنى الكلام: اختر يا موسى أحد هذين الامرين: إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نكون أول من ألقي، ولو قال قائل: هو رفع، كان مذهبا، كأنه وجهه إلى أنه خبر، كقول القائل: فسيرا فإما حاجة تقضيانها * وإما مقيل صالح وصديق وقوله: قال بل ألقوا يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة: بل ألقوا أنتم ما

[ 232 ]

معكم قبلي. وقوله: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وفي هذا الكلام متروك، وهو: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، فإذا حبالهم، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام الذي ذكر عليه عنه. وذكر أن السحرة سحروا عين موسى وأعين الناس قبل أن يلقوا حبالهم وعصيهم، فخيل حينئذ إلى موسى أنها تسعى، كما: 18259 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: قالوا يا موسى، إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصي والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الحبال، قد ملات الوادي يركب بعضها بعضا. واختلفت القراءة في قراءة قوله: يخيل إليه فقرأ ذلك عامة قراء الامصار يخيل إليه بالياء بمعنى: يخيل إليهم سعيها. وإذا قرئ ذلك كذلك، كانت أن في موضع رفع. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه: تخيل بالتاء، بمعنى: تخيل حبالهم وعصيهم بأنها تسعى. ومن قرأ ذلك كذلك، كانت أن في موضع نصب لتعلق تخيل بها. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقرؤه: تخيل إليه بمعنى: تتخيل إليه. وإذا قرئ ذلك كذلك أيضا ف أن في موضع نصب بمعنى: تتخيل بالسعي لهم. والقراءة التي لا يجوز عندي في ذلك غيرها يخيل بالياء، لاجماع الحجة من القراء عليه. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) *. يعني تعالى ذكره بقوله: فأوجس في نفسه خوفا موسى فوجده. وقوله: قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى يقول تعالى ذكره: قلنا لموسى إذ أوجس في نفسه خيفة: لا تخف إنك أنت الاعلى على هؤلاء السحرة، وعلى فرعون وجنده، والقاهر لهم وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا يقول: وألق عصاك تبتلع حبالهم وعصيهم التي سحروها حتى خيل إليك أنها تسعى.

[ 233 ]

وقوله: إنما صنعوا كيد ساحر اختلفت القراء في قراءة قوله، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة إنما صنعوا كيد ساحر برفع كيد وبالالف في ساحر بمعنى: إن الذي صنعه هؤلاء السحرة كيد من ساحر. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: إنما صنعوا كيد سحر برفع الكيد وبغير الالف في السحر بمعنى إن الذي صنعوه كيد سحر. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، وذلك أن الكيد هو المكر والخدعة، فالساحر مكره وخدعته من سحر يسحر، ومكر السحر وخدعته: تخيله إلى المسحور، على خلاف ما هو به في حقيقته، فالساحر كائد بالسحر، والسحر كائد بالتخييل، فإلى أيهما أضفت الكيد فهو صواب. وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ: كيد سحر بنصب كيد. ومن قرأ ذلك كذلك، جعل إنما حرفا واحدا وأعمل صنعوا في كيد. قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها لاجماع الحجة من القراء على خلافها. وقوله: ولا يفلح الساحر حيث أتى يقول: ولا يظفر الساحر بسحره بما طلب أين كان. وقد ذكر عن بعضهم أنه كان يقول: معنى ذلك: أن الساحر يقتل حيث وجد. وذكر بعض نحويي البصرة، أن ذلك في حرف ابن مسعود: ولا يفلح الساحر أين أتى وقال: العرب تقول: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم. وقال غيره من أهل العربية الاول: جزاء يقتل الساحر حيث أتى وأين أتى وقال: وما قول العرب: جئتك من حيث لا تعلم، ومن أين لا تعلم، فإنما هو جواب لم يفهم، فاستفهم كما قالوا: أين الماء والعشب. القول في تأويل قوله تعالى: * (فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن أأذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى) *. وفي هذا الكلام متروك قد استغنى بدلالة ما ترك عليه هو: فألقى موسى عصاه، فتلقفت ما صنعوا فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى وذكر أن موسى لما ألقى ما في يده تحول ثعبانا، فالتقم كل ما كانت السحرة ألقته من الحبال والعصي. ذكر الرواية عمن قال ذلك:

[ 234 ]

18260 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: لما اجتمعوا وألقوا ما في أيديهم من السحر، خيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. قال: فتحت فما لها مثل الدحل، ثم وضعت مشفرها على الارض ورفعت الآخر، ثم استوعبت كل شئ ألقوه من السحر، ثم جاء إليها فقبض عليها، فإذا هي عصا، فخر السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف قال: فكان أول من قطع الايدي والارجل من خلاف فرعون ولاصلبنكم في جذوع النخل قال: فكان أول من صلب في جذوع النخل فرعون. 18261 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فأوجس في نفسه خيفة موسى فأوحى الله إليه لا تخف وألق ما في يمينك تلقف ما يأفكون فألقى عصاه فأكلت كل حية لهم فلما رأوا ذلك سجدوا وقالوا آمنا برب العالمين رب هارون وموسى. 18262 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه فأوجس في نفسه خيفة موسى لما رأى ما ألقوا من الحبال والعصي وخيل إليه أنها تسعى، وقال: والله إن كانت لعصيا في أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو عصاي هذه، أو كما حدث نفسه، فأوحى الله إليه أن ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى وفرح موسى فألقى عصاه من يده، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي حيات في عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقفها، تبتلعها حية حية، حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا: آمنا برب هارون وموسى، لو كان هذا سحر ما غلبنا. وقوله: قال آمنتم له قبل أن آذن لكم يقول جل ثناؤه: وقال فرعون للسحرة:

[ 235 ]

أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه من قبل أن أطلق ذلك لكم إنه لكبيركم يقول: إن موسى لعظيمكم الذي علمكم السحر. كما: 18263 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه، قال: لما قالت السحرة: آمنا برب هارون وموسى قال لهم فرعون، وأسف ورأى الغلبة والبينة: آمنتم له قبلع أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر: أي لعظيم السحار الذي علمكم. وقوله: فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف يقول: فلاقطعن أيديكم وأرجلكم مخالفا بين قطع ذلك، وذلك أن يقطع يمنى اليدين ويسرى الرجلين، أو يسرى اليدين، ويمنى الرجلين، فيكون ذلك قطعا من خلاف، وكان فيما ذكر أول من فعل ذلك فرعون، وقد ذكرنا الرواية بذلك. وقوله: ولاصلبنكم في جذوع النخل يقول: ولاصلبنكم على جذوع النخل، كما قال الشاعر: هم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا يعني على جذع نخلة، وإنما قيل: في جذوع، لان المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها. 18264 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ولاصلبنكم في جذوع النخل لما رأى السحرة ما جاء به عرفوا أنه من الله فخروا سجدا، وآمنوا عند ذلك، قال عدو الله: فلاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف... الآية. 18265 - حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال فرعون: لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل فقتلهم وقطعهم، كما قال عبد الله بن عباس حين قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء. وقوله: ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى يقول: ولتعلمن أيها السحرة أينا أشد عذابا لكم، وأدوم، أنا أو موسى. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 236 ]

(قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض مآ أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) *. يقول تعالى ذكره: قالت السحرة لفرعون لما توعدهم بما توعدهم به: لن نؤثرك فنتبعك ونكذب من أجلك موسى على ما جاءنا من البينات يعني من الحجج والادلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى. والذي فطرنا يقول: قالوا: لن نؤثرك على الذي جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا. ويعني بقوله: فطرنا خلقنا فالذي من قوله: والذي فطرنا خفض على قوله: ما جاءنا، وقد يحتمل أن يكون قوله: والذي فطرنا خفضا على القسم، فيكون معنى الكلام: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله. وقوله: فاقض ما أنت قاض يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك إنما تقضي هذه الحياة الدنيا يقول: إنما تقدر أن تعذبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى. ونصب الحياة الدنيا على الوقت وجعلت إنما حرفا واحدا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18266 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثت عن وهب بن منبه لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا أي على الله على ما جاءنا من الحجج مع بينة فاقض ما أنت قاض: أي اصنع ما بدا لك إنما تقضي هذه الحياة الدنيا أي ليس سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعده. وقوله: إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا يقول تعالى ذكره: إنا أقررنا بتوحيد ربنا، وصدقنا بوعده ووعيده. وأن ما جاء به موسى حق ليغفر لنا خطايانا يقول: ليعفو لنا عن ذنوبنا فيسترها علينا وما أكرهتنا عليه من السحر يقول: ليغفر لنا ذنوبنا، وتعلمنا ما تعلمناه من السحر، وعملنا به الذي أكرهتنا على تعلمه والعمل به. وذكر أن فرعون كان أخذهم بتعليم السحر. ذكر من قال ذلك: 18267 - حدثني موسى بن سهل، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله تبارك وتعالى: وما أكرهتنا عليه من السحر قال: غلمان دفعهم فرعون إلى السحرة، تعلمهم السحر بالفرما.

[ 237 ]

18268 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وما أكرهتنا عليه من السحر قال: أمرهم بتعلم السحر، قال: تركوا كتاب الله، وأمروا قومهم بتعليم السحر. وما أكرهتنا عليه من السحر قال: أمرتنا أن نتعلمه. وقوله: والله خير وأبقى يقول: والله خير منك يا فرعون جزاء لمن أطاعه، وأبقى عذابا لمن عصاه وخالف أمره، كما: 18269 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق والله خير وأبقى: خير منك ثوابا، وأبقى عذابا. 18270 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب، ومحمد بن قيس في قول الله: والله خير وأبقى قالا: خيرا منك إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عصي. القول في تأويل قوله تعالى: * (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى ئ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) *. يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل السحرة لفرعون: إنه من يأت ربه من خلقه مجرما يقول: مكتسبا الكفر به، فإن له جهنم يقول: فإن له جهنم مأوى ومسكنا، جزاء له على كفره لا يموت فيها فتخرج نفسه ولا يحيا فتستقر نفسه في مقرها فتطمئن، ولكنها تتعلق بالحناجر منهم ومن يأته مؤمنا موحدا لا يشرك به قد عمل الصالحات يقول: قد عمل ما أمره به ربه، وانتهى عما نهاه عنه فأولئك لهم الدرجات العلى يقول: فأولئك الذين لهم درجات الجنة العلى. القول في تأويل قوله تعالى: * (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) *. يقول تعالى ذكره: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. ثم بين تلك الدرجات العلى ما هي، فقال: هن جنات عدن يعني: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاد لها ولا فناء تجري من تحتها الانهار يقول: تجري من تحت

[ 238 ]

أشجارها الانهار خالدين فيها يقول: ماكثين فيها إلى غير غاية محدودة فالجنات من قوله جنات عدن مرفوعة بالرد على الدرجات، كما: 17271 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى قال: عدن. وقوله: وذلك جزاء من تزكى يقول: وهذه الدرجات العلى التي هي جنات عدن على ما وصف جل جلاله ثواب من تزكى، يعني: من تطهر من الذنوب، فأطاع الله فيما أمره، ولم يدنس نفسه بمعصيته فيما نهاه عنه. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى) *. يقول تعالى ذكره: ولقد أوحينا إلى نبينا موسى إذ تابعنا له الحجج على فرعون، فأبى أن يستجيب لامر ربه، وطغى وتمادى في طغيانه أن أسر ليلا بعبادي يعني بعبادي من بني إسرائيل فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا يقول: فاتخذ لهم في البحر طريقا يابسا. واليبس واليبس: يجمع أيباس، تقول: وقفوا في أيباس من الارض. واليبس المخفف: يجمع يبوس. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18272 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله يبسا قال: يابسا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وأما قوله: لا تخاف دركا ولا تخشى فإنه يعني: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوك من ورائك، ولا تخشى غرقا من بين يديك ووحلا. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18273 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن

[ 239 ]

عباس، في قوله: لا تخاف دركا ولا تخشى يقول: لا تخاف من آل فرعون دركا ولا تخشى من البحر غرقا. 18274 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة لا تخاف دركا ولا تخشى يقول: لا تخاف أن يدركك فرعون من بعدك ولا تخشى الغرق أمامك. 18275 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله: لا تخاف دركا أصحاب فرعون ولا تخشى من البحر وحلا. 18276 - حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن بعض أصحابه، في قوله: لا تخاف دركا ولا تخشى قال: الوحل. واختلفت القراء في قراءة قوله لا تخاف دركا فقرأته عامة قراء الامصار غير الاعمش وحمزة: لا تخاف دركا على الاستئناف بلا، كما قال: واصطبر عليها لا نسألك رزقا فرفع، وأكثر ما جاء في هذا الامر الجواب مع لا. وقرأ ذلك الاعمش وحمزة لا تخف دركا فجزما لا تخاف على الجزاء، ورفعا ولا تخشى على الاستئناف، كما قال جل ثناؤه: يولوكم الادبار ثم لا ينصرون فاستأنف بثم، ولو نوى بقوله: ولا تخشى الجزم، وفيه الياء، كان جائزا، كما قال الراجز: هزي إليك الجذع يجنيك الجنى وأعجب القراءتين إلي أن أقرأ بها: لا تخاف على وجه الرفع، لان ذلك أفصح اللغتين، وإن كانت الاخرى جائزة. وكان بعض نحويي البصرة يقول: معنى قوله: لا تخاف دركا اضرب لهم طريقا لا تخاف فيه دركا، قال: وحذف فيه، كما تقول: زيد أكرمت، وأنت تريد: أكرمته، وكما تقول: واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا أي لا تجزى فيه. وأما نحويو الكوفة فإنهم ينكرون حذف فيه إلا في المواقيت، لانه يصلح فيها أن يقال: قمت اليوم وفي اليوم، ولا يجيزون ذلك في الاسماء. القول في تأويل قوله تعالى *

[ 240 ]

(فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ئ وأضل فرعون قومه وما هدى) *. يقول تعالى ذكره: فسرى موسى ببني إسرائيل إذا أوحينا إليه أن أسر بهم، فأتبعهم فرعون بجنوده حين قطعوا البحر، فغشي فرعون وجنده من اليم ما غشيهم، فغرقوا جميعا وأضل فرعون قومه وما هدى يقول جل ثناؤه: وجاوز فرعون بقومه عن سواء السبيل، وأخذ بهم على غير استقامة، وذلك أنه سلك بهم طريق أهل النار، بأمرهم بالكفر بالله، وتكذيب رسله وما هدى يقول: وما سلك بهم الطريق المستقيم، وذلك أنه نهاهم عن اتباع رسول الله موسى، والتصديق به، فأطاعوه، فلم يهدهم بأمره إياهم بذلك، ولم يهتدوا باتباعهم إياه. القول في تأويل قوله تعالى: * (يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى ئ كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي) *. يقول تعالى ذكره: فلما نجا موسى بقومه من البحر، وغشي فرعون قومه من اليم ما غشيهم، قلنا لقوم موسى: يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم فرعون وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم المن والسلوى وقد ذكرنا كيف كانت مواعدة الله موسى وقومه جانب الطور الايمن. وقد بينا المن والسلوى باختلاف المختلفين فيهما، وذكرنا الشواهد على الصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. واختلفت القراء في قراءة قوله: قد أنجيناكم فكانت عامة قراء المدينة والبصرة يقرءونه: قد أنجيناكم بالنون والالف وسائر الحروف الاخر معه كذلك، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: قد أنجيتكم بالتاء، وكذلك سائر الحروف الاخر، إلا قوله: ونزلنا عليكم المن والسلوى فإنهم وافقوا الآخرين في ذلك وقرءوه بالنون والالف. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان باتفاق المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ ذلك فمصيب. وقوله: كلوا من طيبات ما رزقناكم يقول تعالى ذكره لهم: كلوا يا بني إسرائيل

[ 241 ]

من شهيات رزقنا الذي رزقناكم، وحلاله الذي طيبناه لكم ولا تطغوا فيه يقول: ولا تعتدوا فيه، ولا يظلم فيه بعضكم بعضا، كما: 18277 - حدثنا علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قول: ولا تطغوا فيه يقول: ولا تظلموا. وقوله: فيحل عليكم غضبي يقول: فينزل عليكم عقوبتي، كما: 18278 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: فيحل عليكم غضبي يقول: فينزل عليكم غضبي. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والمدينة والبصرة والكوفة فيحل عليكم بكسر الحاء ومن يحلل بكسر اللام. ووجهوا معناه إلى: فيجب عليكم غضبي. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة: فيحل عليكم بضم الحاء، ووجهوا تأويله إلى ما ذكرنا عن قتادة من أنه: فيقع وينزل عليكم غضبي. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، وقد حذر الله الذين قيل لهم هذا القول من بني إسرائيل وقوع بأسه بهم ونزوله بمعصيتهم إياه إن هم عصوه، وخوفهم وجوبه لهم، فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب، لانهم كانوا قد خوفوا المعنيين كليهما. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) *. يقول تعالى ذكره: ومن يجب عليه غضبي، فينزل به. فقد هوى، يقول فقد تردى فشقي، كما: 18279 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فقد هوى يقول: فقد شقي. وقوله: وإني لغفار لمن تاب يقول: وإني لذو غفر لمن تاب من شركه، فرجع منه إلى الايمان لي وآمن، يقول: وأخلص لي الالوهة، ولم يشرك في عبادته إياي غيري. وعمل صالحا يقول: وأدى فرائضي التي افترضتها عليه، واجتنب معاصي. ثم اهتدى يقول: ثم لزم ذلك، فاستقام ولم يضيع شيئا منه.

[ 242 ]

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: وإني لغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18280 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وإني لغفار لمن تاب من الشرك وآمن يقول: وحد الله وعمل صالحا يقول: أدى فرائضي. 18281 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وإني لغفار لمن تاب من ذنبه وآمن به وعمل صالحا فيما بينه وبين الله. 18282 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع وإني لغفار لمن تاب من الشرك وآمن يقول: وأخلص لله، وعمل في إخلاصه. واختلفوا في معنى قوله: ثم اهتدى فقال بعضهم: معناه: لم يشكك في إيمانه. ذكر من قال ذلك: 18283 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ثم اهتدى يقول: لم يشكك. وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لزم الايمان والعمل الصالح. ذكر من قال ذلك: 18284 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ثم اهتدى يقول: ثم لزم الاسلام حتى يموت عليه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استقام. ذكر من قال ذلك: 18285 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ثم اهتدى قال: أخذ بسنة نبيه (ص). وقال آخرون: بل معناه: أصاب العمل. ذكر من قال ذلك: 18286 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: وعمل صالحا ثم اهتدى قال: أصاب العمل. وقال آخرون: معنى ذلك: عرف أمر مثيبه. ذكر من قال ذلك: 18287 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن الكلبي وإني لغفار

[ 243 ]

لمن تاب من الذنب وآمن من الشرك وعمل صالحا أدى ما افترضت عليه ثم اهتدى عرف مثيبه إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. وقال آخرون بما: 18288 - حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: أخبرنا عمر بن شاكر، قال: سمعت ثابتا البناني يقول في قوله: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى قال: إلى ولاية أهل بيت النبي (ص). قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الايمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه، فلا شك في اهتدائه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وما أعجلك عن قومك يموسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى) *. يقول تعالى ذكره: وما أعجلك ؟ وأي شئ أعجلك عن قومك يا موسى، فتقدمتهم وخلفتهم وراءك، ولم تكن معهم ؟ قال هم أولاء على أثري يقول: قومي على أثري يلحقون بي. وعجلت إليك رب لترضى يقول: وعجلت أنا فسبقتهم رب، كيما ترضى عني. وإنما قال الله تعالى ذكره لموسى: ما أعجلك عن قومك ؟ لانه جل ثناؤه، فيما بلغنا، حين نجاه وبني إسرائيل من فرعون وقومه، وقطع بهم البحر، وعدهم جانب الطور الايمن، فتعجل موسى إلى ربه، وأقام هارون من بني إسرائيل، يسير بهم على أثر موسى. كما: 18289 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومه ونجاه وقومه، ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، تلقاه فيها بما شاء، فاستخلف موسى هارون من بني إسرائيل، ومعه السامري، يسير بهم على أثر موسى ليلحقهم به، فلما كلم الله موسى، قال له ما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى. 18290 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: وعجلت إليك رب لترضى قال: لارضيك. القول في تأويل قوله تعالى: *

[ 244 ]

(قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي) *. يقول الله تعالى ذكره قال الله لموسى: فإنا يا موسى قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل، وذلك كان فتنتهم من بعد موسى. ويعني بقوله: من بعدك: من بعد فراقك إياهم. يقول الله تبارك وتعالى: وأضلهم السامري وكان إضلال السامري إياهم دعاءه إياهم إلى عبادة العجل. وقوله: فرجع موسى إلى قومه يقول: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الاربعين ليلة غضبان أسفا متغيظا على قومه، حزينا لما أحدثو بعده من الكفر بالله. كما: 18291 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: غضبان أسفا يقول: حزينا. وقال في الزخرف: فلما آسفونا يقول: أغضبونا، والاسف على وجهين: الغضب، والحزن. 18292 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي غضبان أسفا يقول: حزينا. 18293 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا: أي حزينا على ما صنع قومه من بعده. 18294 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: أسفا قال: حزينا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقوله: قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا يقول: ألم يعدكم ربكم أنه غفار

[ 245 ]

لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، ويعدكم جانب الطور الايمن، وينزل عليكم المن والسلوى، فذلك وعد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى: ألم يعدكموه ربكم. وقوله: أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم يقول: أفطال عليكم العهد بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لديكم، أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم: يقول: أم أردتم أن يجب عليكم غضب من ربكم فتستحقوه بعبادتكم العجل، وكفركم بالله، فأخلفتم موعدي. وكان إخلافهم موعده، عكوفهم على العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذي كان الله وعدهم، وقولهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجل، ودعاهم إلى السير معه في أثر موسى: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. القول في تأويل قوله تعالى: * (قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري ئ فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي) *. يقول تعالى ذكره: قال قوم موسى لموسى: ما أخلفنا موعدك، يعنون بموعده: عهده الذي كان عهده إليهم، كما: 18295 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى ح وحدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: موعدي قال: عهدي، وذلك العهد والموعد هو ما بيناه قبل. وقوله: بملكنا يخبر جل ذكره عنهم أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نطق حمل أنفسنا على الصواب، ولم نملك أمرنا حتى وقعنا في الذي وقعنا فيه من الفتنة. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة: بملكنا بفتح الميم، وقرأته عامة قراء الكوفة: بملكنا بضم الميم، وقرأه بعض أهل البصرة بملكنا بالكسر. فأما الفتح والضم فهما بمعنى واحد، وهما بقدرتنا وطاقتنا، غير أن أحدهما مصدر، والآخر اسم. وأما الكسر فهو بمعنى ملك الشئ وكونه للمالك.

[ 246 ]

واختلف أيضا أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما أخلفنا موعدك بأمرنا. ذكر من قال ذلك: 18296 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي عن ابن عباس، قوله: ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول: بأمرنا. 18297 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: بملكنا قال: بأمرنا. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. وقال آخرون: معناه: بطاقتنا. ذكر من قال ذلك: 18298 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا: أي بطاقتنا. 18299 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي: قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول: بطاقتنا. وقال آخرون: معناه: ما أخلفنا موعدك بهوانا، ولكنا لم نملك أنفسنا. ذكر من قال ذلك: 18300 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ما أخلفنا موعدك بملكنا قال: يقول بهوانا، قال: ولكنه جاءت ثلاثة، قال ومعهم حلي استعاروه من آل فرعون، وثياب. وقال أبو جعفر: وكل هذه الاقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى، لان من لم يهلك نفسه، لغلبة هواه على ما أمر، فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول: فعل فلان هذا الامر، وهو لا يملك نفسه وفعله، وهو لا يضبطها وفعله وهو لا يطيق تركه. فإذا كان ذلك كذلك، فسواء بأي القراءات الثلاث قرأ ذلك القارئ، وذلك أن من كسر الميم من الملك، فإنما يوجه معنى الكلام إلى ما أخلفنا موعدك، ونحن نملك الوفاء به لغلبة أنفسنا إيانا على خلافه، وجعله من قول القائل: هذا ملك فلان لما يملكه من المملوكات، وأن من فتحها، فإنه يوجه معنى الكلام إلى نحو ذلك، غير أنه يجعله مصدرا من قول القائل: ملكت الشئ

[ 247 ]

أملكه ملكا وملكة، كما يقال: غلبت فلانا أغلبه غلبا وغلبة، وأن من ضمها فإنه وجه معناه إلى ما أخلفنا موعدك بسلطاننا وقدرتنا، أي ونحن نقدر أن نمتنع منه، لان كل من قهر شيئا فقد صار له السلطان عليه. وقد أنكر بعض الناس قراءة من قرأه بالضم، فقال: أي ملك كان يومئذ لبني إسرائيل، وإنما كانوا بمصر مستضعفين، فأغفل معنى القوم وذهب غير مرادهم ذهابا بعيدا وقارئو ذلك بالضم لم يقصدوا المعنى الذي ظنه هذا المنكر عليهم ذلك، وإنما قصدوا إلى أن معناه: ما أخلفنا موعدك بسلطان كانت لنا على أنفسنا نقدر أن نردها عما أتت، لان هواها غلبنا على إخلافك الموعد. وقوله: ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول: ولكنا حملنا أثقالا وأحمالا من زينة القوم، يعنون من حلي آل فرعون وذلك أن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلا من مصر بأمر الله إياه بذلك، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، واستعاروا من حلى نسائهم وأمتعتهم، فذلك قولهم لموسى حين قال لهم أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا، ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18301 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فهو ما كان مع بني إسرائيل من حلي آل فرعون، يقول: خطئونا بما أصبنا من حلي عدونا. 18302 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: أوزارا قال: أثقالا. وقوله: من زينة القوم قال: هي الحلي التي استعاروا من آل فرعون، فهي الاثقال. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ولكنا حملنا أوزارا قال: أثقالا من زينة القوم قال: حليهم. 18303 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم يقول: من حلي القبط. 18304 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله:

[ 248 ]

ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم قال: الحلي الذي استعاروه. والثياب ليست من الذنوب في شئ، لو كانت الذنوب كانت حملناها نحملها، فليست من الذنوب في شئ. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة وبعض المكيين: حملنا بضم الحاء وتشديد الميم بمعنى أن موسى يحملهم ذلك. وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين: حملنا بتخفيف الحاء والميم وفتحهما، بمعنى أنهم حملوا ذلك من غير أن يكلفهم حمله أحد. قال أبو جعفر: والقول عندي في تأويل ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لان القوم حملوا، وأن موسى قد أمرهم بحمله، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. وقوله: فقذفناها يقول: فألقينا تلك الاوزار من زينة القوم في الحفرة فكذلك ألقى السامري يقول: فكما قذفنا نحن تلك الاثقال، فكذلك ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18305 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: فقذفناها قال: فألقيناها فكذلك ألقى السامري: كذلك صنع. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد فقذفناها قال: فألقيناها فكذلك ألقى السامري فكذلك صنع. 18306 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فقذفناها: أي فنبذناها. وقوله: فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار يقول: فأخرج لهم السامري مما قذفوه ومما ألقاه عجلا جسدا له خوار، ويعني بالخوار: الصوت، وهو صوت البقر. ثم اختلف أهل العلم في كيفية إخراج السامري العجل، فقال بعضهم: صاغه صياغة، ثم ألقى من تراب حافر فرس جبرئيل في فمه فخار. ذكر من قال ذلك: 18307 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فكذلك ألقى السامري قال: كان الله وقت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر فلما مضت الثلاثون قال عدو الله السامري: إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلي الذي كان معكم، فهلموا

[ 249 ]

وكانت حليا تعيروها من آل فرعون، فساروا وهي معهم، فقذفوها إليه، فصورها صورة بقرة، وكان قد صر في عمامته أو في ثوبه قبضة من أثر فرس جبرئيل، فقذفها مع الحلي والصورة فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فجعل يخور خوار البقر، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: لما استبطأ موسى قومه قال لهم السامري: إنما احتبس عليكم لاجل ما عندكم من الحلي، وكانوا استعاروا حليا من آل فرعون فجمعوه فأعطوه السامري فصاغ منه عجلا، ثم أخذ القبضة التي قبض من أثر الفرس، فرس الملك، فنبذها في جوفه، فإذا هو عجل جسد له خوار، قالوا: هذا إلهكم وإله موسى، ولكن موسى نسي ربه عندكم. وقال آخرون في ذلك بما: 18308 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: أخذ السامري من تربة الحافر، حافر فرس جبرئيل فانطلق موسى واستخلف هارون على بني إسرائيل وواعدهم ثلاثين ليلة، فأتمها الله بعشر، قال لهم هارون: يا بني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم، وإن حلي القبط إنما هو غنيمة، فاجمعوها جميعا، فاحفروا لها حفرة فادفنوها، فإن جاء موسى فأحلها أخذتموها، وإلا كان شيئا لم تأكلوه. فجمعوا ذلك الحلي في تلك الحفرة، فجاء السامري بتلك القبضة فقذفها فأخرج الله من الحلي عجلا جسدا له خوار، وعدت بنو إسرائيل موعد موسى، فعدوا الليلة يوما، واليوم يوما فلما كان لعشرين خرج لهم العجل فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي فعكفوا عليه يعبدونه، وكان يخور ويمشي فكذلك ألقى السامري ذلك حين قال لهم هارون: احفروا لهذا الحلي حفرة واطرحوه فيها، فطرحوه، فقذف السامري تربته. وقوله: فقال هذا إلهكم وإله موسى يقول: فقال قوم موسى الذين عبدوا العجل: هذا معبودكم ومعبود موسى. وقوله فنسي يقول: فضل وترك. ثم اختلف أهل التأويل في قوله فنسي من قائله ومن الذي وصف به وما معناه، فقال بعضهم: هذا من الله خبر عن السامري، والسامري هو الموصوف به، وقالوا: معناه: أنه ترك الدين الذي بعث الله به موسى وهو الاسلام. ذكر من قال ذلك:

[ 250 ]

18309 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقول الله: فنسي: أي ترك ما كان عليه من الاسلام، يعني السامري. وقال آخرون: بل هذا خبر من الله عن السامري، أنه قال لبني إسرائيل، وأنه وصف موسى بأنه ذهب يطلب ربه، فأضل موضعه، وهو هذا العجل. ذكر من قال ذلك: 18310 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس فقذفناها يعني زينة القوم حين أمرنا السامري لما قبض قبضة من أثر جبرائيل عليه السلام، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى الذي انطلق يطلبه فنسي يعني: نسي موسى، ضل عنه فلم يهتد له. 18311 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة فنسي يقول: طلب هذا موسى فخالفه الطريق. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة فنسي يقول: قال السامري: موسى نسي ربه عندكم. 18312 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: فنسي موسى، قال: هم يقولونه: أخطأ الرب العجل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد فنسي قال: نسي موسى، أخطأ الرب العجل، قوم موسى يقولونه. 18313 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي فنسي يقول: ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه. 18314 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: هذا إلهكم وإله موسى فنسي قال: يقول: فنسي حيث وعده ربه ههنا، ولكنه نسي. 18315 - حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: هذا إلهكم وإله موسى فنسي يقول: نسي موسى ربه فأخطأه، وهذا العجل إله موسى.

[ 251 ]

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء، وهو أن ذلك خبر من الله عز ذكره عن السامري أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأنه ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لاجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره. القول في تأويل قوله تعالى: * (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ئ ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) *. يقول تعالى ذكره موبخا عبدة العجل، والقائلين له هذا إلهكم وإله موسى فنسي، وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضر ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها ؟ كما: 18316 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم. قال: ثنا عيسى ح وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لا يرجع إليهم قولا العجل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا قال: العجل. 18317 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: أفلا يرون ألا يرجع إليهم ذلك العجل الذي اتخذوه قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا. وقوله: ولقد قال لهم هارون من قبل: يقول: لقد قال لعبدة العجل من بني إسرائيل هارون، من قبل رجوع موسى إليهم، وقيله لهم ما قال، مما أخبر الله عنه إنما فتنتم به يقول: إنما اختبر الله إيمانكم ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فيهم الخوار، ليعلم به الصحيح الايمان منكم من المريض القلب، الشاك في دينه، كما: 18318 - حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال لهم هارون: إنما فتنتم به يقول: إنما ابتليتم به، يقول: بالعجل.

[ 252 ]

وقوله: وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري: يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له. وقوله: قالوا لن نبرح عليه عاكفين يقول: قال عبدة العجل من قوم موسى: لن نزال على العجل مقيمين نعبده، حتى يرجع إلينا موسى. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال يابنأم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) *. يقول تعالى ذكره: قال موسى لاخيه هارون لما فرغ من خطاب قومه ومراجعته إياهم على ما كان من خطأ فعلهم: يا هارون أي شئ منعك إذ رأيتهم ضلوا عن دينهم، فكفروا بالله وعبدوا العجل أن لا تتبعني. واختلف أهل التأويل في المعنى الذي عذل موسى عليه أخاه من تركه اتباعه، فقال بعضهم: عذله على تركه السير بمن أطاعه في أثره على ما كان عهد إليه. ذكر من قال ذلك: 18319 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قال القوم: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى أقام هارون فيمن تبعه من المسلمين ممن لم يفتتن، وأقام من يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوف هارون إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي وكان له هائبا مطيعا. 18320 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن قال: تدعهم. وقال آخرون: بل عذله على تركه أن يصلح ما كان من فساد القوم. ذكر من قال ذلك: 18321 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن قال: أمر موسى هارون أن يصلح، ولا يتبع

[ 253 ]

سبيل المفسدين، فذلك قوله: أن لا تتبعن أفعصيت أمري بذلك، وقوله: قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي وفي هذا الكلام متروك، ترك ذكره استغناء بدلالة الكلام عليه، وهو: ثم أخذ موسى بلحية أخيه هارون ورأسه يجره إليه، فقال هارون: يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. وقوله: إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي فاختلف أهل العلم في صفة التفريق بينهم، الذي خشيه هارون، فقال بعضهم: كان هارون خاف أن يسير بمن أطاعه، وأقام على دينه في أثر موسى، ويخلف عبدة العجل، وقد قالوا له لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى فيقول له موسى فرقت بين نبي إسرائيل ولم ترقب قولي بسيرك بطائفة، وتركك منهم طائفة وراءك. ذكر من قال ذلك: 18322 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قول الله تعالى: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري قال: خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي قال: خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: خشيت أن نقتتل فيقتل بعضنا بعضا. ذكر من قال ذلك: 18323 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي قال: كنا نكون فرقتين فيقتل بعضنا بعضا حتى نتفانى. قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، القول الذي قاله ابن عباس من أن موسى عذل أخاه هارون على تركه اتباع أمره بمن اتبعه من أهل الايمان، فقال له هارون: إني خشيت أن تقول، فرقت بين جماعتهم، فتركت بعضهم وراءك، وجئت ببعضهم، وذلك بين في قول هارون للقوم يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري وفي جواب القوم له وقيلهم لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى. وقوله: ولم ترقب قولي يقول: ولم تنظر قولي وتحفظه. من مراقبة الرجل الشئ، وهي مناظرته بحفظه، كما: 18324 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،

[ 254 ]

قال: قال ابن عباس: ولم ترقب قولي قال: لم تحفظ قولي. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال فما خطبك يسامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) *. يعني تعالى ذكره بقوله: فما خطبك يا سامري قال موسى للسامري: فما شأنك يا سامري، وما الذي دعاك إلى ما فعلته، كما: 18325 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله فما خطبك يا سامري قال: ما أمرك ؟ ما شأنك ؟ ما هذا الذي أدخلك فيما دخلت فيه. 18326 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال فما خطبك يا سامري قال: مالك يا سامري ؟ وقوله: بصرت بما لم يبصروا به يقول: قال السامري: علمت ما لم يعلموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بما عملت بصيرا عالما. ذكر من قال ذلك: 18327 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: لما قتل فرعون الولدان قالت أم السامري: لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبرئيل، فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: فقبضت قبضة من أثر الرسول. وقال آخرون: هي بمعنى: أبصرت ما لم يبصروه. وقالوا: يقال: بصرت بالشئ وأبصرته، كما يقال: أسرعت وسرعت ما شئت. ذكر من قال: هو بمعنى أبصرت: 18328 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال بصرت بما لم يبصروا به يعني فرس جبرئيل عليه السلام. وقوله: فقبضت قبضة من أثر الرسول يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرئيل. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18329 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما قذفت بنو إسرائيل ما كان

[ 255 ]

معهم من زينة آل فرعون في النار، وتكسرت، ورأى السامري أثر فرس جبرئيل عليه السلام، فأخذ ترابا من أثر حافره، ثم أقبل إلى النار فقذفه فيها، وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان للبلاء والفتنة. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قبض قبضة منه من أثر جبرئيل، فألقى القبضة على حليهم فصار عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. 18330 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها قال: من تحت حافر فرس جبرئيل، نبذه السامري على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلا جسدا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره، والعجل: ولد البقرة. واختلف القراء في قراءة هذين الحرفين، فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة بصرت بما لم يبصروا به بالياء، بمعنى: قال السامري: بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل. وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: بصرت بما لم تبصروا به بالتاء على وجه المخاطبة لموسى (ص) وأصحابه، بمعنى: قال السامري لموسى: بصرت بما لم تبصر به أنت وأصحابك. والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء مع صحة معنى كل واحدة منهما، وذلك أنه جائز أن يكون السامري رأى جبرئيل، فكان عنده ما كان بأن حدثته نفسه بذلك أو بغير ذلك من الاسباب، أن تراب حافر فرسه الذي كان عليه يصلح لما حدث عنه حين نبذه في جوف العجل، ولم يكن علم ذلك عند موسى، ولا عند أصحابه من بني إسرائيل، فلذلك قال لموسى: بصرت بما لم تبصروا به أي علمت بما لم تعلموا به. وأما إذا قرئ بصرت بما لم يبصروا به بالياء، فلا مؤنة فيه، لانه معلوم أن بني إسرائيل لم يعلموا ما الذي يصلح له ذلك التراب. وأما قوله: فقبضت قبضة من أثر الرسول فإن قراء الامصار على قراءته بالضاد، بمعنى: فأخذت بكفي كلها ترابا من تراب أثر فرس الرسول. وروي عن الحسن البصري وقتادة ما: 18331 - حدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن عوف، عن الحسن أنه قرأها: فقبصت قبصة بالصاد.

[ 256 ]

18332 - وحدثني أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيم، عن عباد، عن قتادة مثل ذكر بالصاد. بمعنى: أخذت بأصابعي من تراب أثر فرس الرسول، والقبضة عند العرب: الاخذ بالكف كلها، والقبصة: الاخذ بأطراف الاصابع. وقوله: فنبذتها يقول: فألقيتها وكذلك سولت لي نفسي يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلا جسدا له خوار. سولت لي نفسي يقول: زينت لي نفسي أنه يكون ذلك كذلك، كما: 18333 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وكذلك سولت لي نفسي قال: كذلك حدثتني نفسي. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما) *. يقول تعالى ذكره: قال موسى للسامري: فاذهب فإن لك في أيام حياتك أن تقول: لامساس: أي لا أمس، ولا أمس.. وذكر أن موسى أمر بني إسرائيل أن لا يؤاكلوه، ولا يخالطوه، ولا يبايعوه، فلذلك قال له: إن لك في الحياة أن تقول لامساس، فبقي ذلك فيما ذكر في قبيلته، كما: 18334 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان والله السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل، من قبيلة يقال لها سامرة، ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع بني إسرائيل. قوله: فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس فبقاياهم اليوم يقولون لا مساس. وقوله: وإن لك موعدا لن تخلفه اختلفت القراء في قراءته، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والكوفة لن تخلفه بضم التاء وفتح اللام بمعنى: وإن لك موعدا لعذابك وعقوبتك على ما فعلت من إضلالك قومي حتى عبدوا العجل من دون الله، لن يخلفكه الله، ولكن يذيقكه. وقرأ ذلك الحسن وقتادة وأبو نهيك: وإن لك موعدا لن تخلفه بضم التاء

[ 257 ]

وكسر اللام، بمعنى: وإن لك موعدا لن تخلفه أنت يا سامري، وتأولوه بمعنى: لن تغيب عنه. ذكر من قال ذلك: 18335 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمعت أبا نهيك يقرأ لن تخلفه أنت يقول: لن تغيب عنه. 18336 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وإن لك موعدا لن تخلفه يقول: لن تغيب عنه. قال أبو جعفر: والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لانه لا شك أن الله موف وعده لخلقه بحشرهم لموقف الحساب، وأن الخلق موافون ذلك اليوم، فلا الله مخلفهم ذلك، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك. وقوله: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا يقول: وانظر إلى معبودك الذي ظلت عليه مقيما تعبده، كما: 18337 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ظلت عليه عاكفا الذي أقمت عليه. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: فقال له موسى: انظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا يقول: الذي أقمت عليه. وللعرب في ظلت: لغتان: الفتح في الظاء، وبها قرأ قراء الامصار، والكسر فيها وكأن الذين كسروا نقلوا حركة اللام التي هي عين الفعل من ظللت إليها، ومن فتحها أقر حركتها التي كانت لها قبل أن يحذف منها شئ، والعرب تفعل في الحروف التي فيها التضعيف ذاك، فيقولون في مسست ومست وفي هممت بذلك: همت به، وهل أحست فلانا وأحسسته، كما قال الشاعر: خلا أن العتاق من المطايا * أحسن به فهن إليه شوس وقوله: لنحرقنه اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق

[ 258 ]

لنحرقنه بضم النون وتشديد الراء، بمعنى لنحرقنه بالنار قطعة قطعة. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: لنحرقنه بضم النون، وتخفيف الراء، بمعنى: لنحرقنه بالنار إحراقة واحدة، وقرأه أبو جعفر القارئ: لنحرقنه بفتح النون وضم الراء بمعنى: لنبردنه بالمبارد من حرقته أحرقه وأحرقه، كما قال الشاعر: بذي فرقين يوم بنو حبيب * نيوبهم علينا يحرقونا والصواب في ذلك عندنا من القراءة لنحرقنه بضم النون وتشديد الراء، من الاحراق بالنار، كما: 18338 - حدثني علي قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: لنحرقنه يقول: بالنار. 18339 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس لنحرقنه فحرقه ثم ذراه في اليم. وإنما اخترت هذه القراءة لاجمال الحجة من القراء عليها. وأما أبو جعفر، فإني أحسبه ذهب إلى ما: 18340 - حدثنا به موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط عن السدي: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ثم أخذه فذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم، فلم يبق بحر يومئذ إلا وقع فيه شئ منه. 18341 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا قال: وفي بعض القراءة: لنذبحنه ثم لنحرقنه، ثم لننسفنه في اليم نسفا. 18342 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في حرف ابن مسعود: وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا. وقوله: ثم لننسفنه في اليم نسفا يقول: ثم لنذرينه في البحر تذرية يقال منه:

[ 259 ]

نسف فلان الطعام بالمنسف: إذا ذراه فطير عنه قشوره وترابه باليد أو الريح. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك: 18343 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ثم لننسفنه في اليم نسفا يقول: لنذرينه في البحر. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: ذراه في اليم، واليم: البحر. 18344 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: ذراه في اليم. 18345 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في اليم، قال: في البحر. وقوله: إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو يقول: ما لكم أيها القوم معبود، إلا الذي له عبادة جميع الخلق لا تصلح العبادة لغيره، ولا تنبغي أن تكون إلا له وسع كل شئ علما يقول: أحاط بكل شئ علما فعلمه، فلا يخفى عليه منه شئ ولا يضيق عليه علم جميع ذلك. يقال منه: فلان يسع لهذا الامر: إذا أطاقه وقوى عليه، ولا يسع له: إذا عجز عنه فلم يطقه ولم يقو عليه. وكان قتادة يقول في ذلك ما: 18346 - حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وسع كل شئ علما يقول: ملا كل شئ علما تبارك وتعالى. القول في تأويل قوله تعالى: * (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): كما قصصنا عليك يا محمد نبأ موسى وفرعون وقومه وأخبار بني إسرائيل مع موسى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق يقول: كذلك نخبرك بأنباء الاشياء التي قد سبقت من قبلك، فلم تشاهدها ولم تعاينها. وقوله: وقد آتيناك من لدنا ذكرا يقول تعالى ذكره لمحمد (ص): وقد آتيناك يا محمد من عندنا ذكرا يتذكر به، ويتعظ به أهل العقل والفهم، وهو هذا القرآن الذي أنزله الله عليه، فجعله

[ 260 ]

ذكرى للعالمين. وقوله من أعرض عنه يقول تعالى ذكره: من ولى عنه فأدبر فلم يصدق به ولم يقر، فإنه يحمل يوم القيامة وزرا يقول: فإنه يأتي ربه يوم القيامة يحمل حملا ثقيلا، وذلك الاثم العظيم، كما: 18347 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: يوم القيامة وزرا قال: إثما. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج. عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. القول في تأويل قوله تعالى: * (خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا) *. يقول تعالى ذكره: خالدين في وزرهم، فأخرج الخبر جل ثناؤه عن هؤلاء المعرضين عن ذكره في الدنيا أنهم خالدون في أوزارهم، والمعنى: أنهم خالدون في النار بأوزارهم، ولكن لما كان معلوما المراد من الكلام اكتفي بما ذكر عما لم يذكر. وقوله: وساء لهم يوم القيامة حملا يقول تعالى ذكره: وساء ذلك الحمل والثقل من الاثم يوم القيامة حملا، وحق لهم أن يسوءهم ذلك، وقد أوردهم مهلكة لا منجي منها. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18348 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وساء لهم يوم القيامة حملا يقول: بئسما حملوا. 18349 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وساء لهم يوم القيامة حملا يعني بذلك: ذنوبهم. وقوله: يوم ينفخ في الصور يقول تعالى ذكره وساء لهم يوم القيامة، يوم ينفخ في الصور، فقوله: يوم ينفخ في الصور رد على يوم القيامة. وقد بينا معنى النفخ في الصور، وذكرنا اختلاف المختلفين في معنى الصور، والصحيح في ذلك من القول عندي بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع قبل.

[ 261 ]

واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الامصار يوم ينفخ في الصور الياء وضمها على ما لم يسم فاعله، بمعنى: يوم يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ ذلك يوم ننفخ في الصور بالنون بمعنى: يوم ننفخ نحن في الصور، كأن الذي دعاه إلى قراءة ذلك كذلك طلبه التوفيق بينه وبين قوله: ونحشر المجرمين إذ كان لا خلاف بين القراء في نحشر أنها بالنون. قال أبو جعفر: والذي أختار في ذلك من القراءة يوم ينفخ بالياء على وجه ما لم يسم فاعله، لان ذلك هو القراءة التي عليها قراء الامصار وإن كان للذي قرأ أبو عمرو وجه غير فاسد. وقوله: ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يقول تعالى ذكره: ونسوق أهل الكفر بالله يومئذ إلى موقف القيامة زرقا، فقيل: عنى بالزرق في هذا الموضع: ما يظهر في أعينهم من شدة العطش الذي يكون بهم عند الحشر لرأي العين من الزرق. وقيل: أريد بذلك أنهم يحشرون عميا، كالذي قال الله ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا. وقوله: يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا يقول تعالى ذكره: يتهامسون بينهم، ويسر بعضهم إلى بعض: إن لبثتم في الدنيا، يعني أنهم يقول بعضهم لبعض: ما لبثتم في الدنيا إلا عشرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18350 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: يتخافتون بينهم يقول: يتسارون بينهم. 18351 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يتخافتون بينهم: أي يتسارون بينهم إن لبثتم إلا عشرا. القول في تأويل قوله تعالى: * (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) *. يقول تعالى ذكره: نحن أعلم منهم عند إسرارهم وتخافتهم بينهم بقيلهم إن لبثتم إلا عشرا بما يقولون لا يخفى علينا مما يتساررونه بينهم شئ إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما يقول تعالى ذكره حين يقول أو فاهم عقلا، وأعلمهم فيهم: إن لبثتم في الدنيا إلا يوما. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 262 ]

18352 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن شعبة، في قوله: إذ يقول أمثلهم طريقة يقول أعملهم أوفاهم عقلا وإنما عنى جل ثنائه بالخبر عن قيلهم هذا القول يومئذ، إعلام عباده أن أهل الكفر به ينسون من عظيم ما يعاينون من هول يوم القيامة، وشدة جزعهم من عظيم ما يردون عليه ما كانوا فيه في الدنيا من النعيم واللذات، ومبلغ ما عاشوا فيها من الازمان، حتى يخيل إلى أعقلهم فيهم، وأذكرهم وأفهمهم أنهم لم يعيشوا فيها إلا يوما. القول في تأويل قوله تعالى: * (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) *. يقول تعالى ذكره: ويسألك يا محمد قومك عن الجبال، فقل لهم: يذريها ربي تذرية، ويطيرها بقلعها واستئصالها من أصولها، ودك بعضها على بعض، وتصييره إياها هباء منبثا فيذرها قاعا صفصفا يقول تعالى ذكره: فيدع أماكنها من الارض إذا نسفها نسفا، قاعا: يعني: أرضا ملساء، صفصفا: يعني مستويا لا نبات فيه، ولا نشز، ولا ارتفاع. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18353 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: قاعا صفصفا يقول: مستويا لا نبات فيه. 18354 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله فيذرها قاعا صفصفا قال: مستويا، الصفصف: المستوى. 18355 - حدثني يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الاسود، عن عروة، قال: كنا قعودا عند عبد الملك حين قال كعب: إن الصخرة موضع قدم الرحمن يوم القيامة، فقال: كذب كعب، إنما الصخرة جبل من الجبال، إن الله يقول: ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فسكت عبد الملك. 18356 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: صفصفا قال: مستويا.

[ 263 ]

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. قال أبو جعفر: وكان بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل الكوفة يقول: القاع: مستنقع الماء، والصفصف: الذي لا نبات فيه. وقوله: لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يقول: لا ترى في الارض عوجا ولا أمتا. واختلف أهل التأويل في معنى العوج والامت، فقال بعضهم: عنى بالعوج في هذا الموضع: الاودية، وبالامت: الروابي والنشوز. ذكر من قال ذلك: 18357 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يقول: واديا، ولا أمتا: يقول: رابية. حدثني محمد بن عبد الله المخرمي، قال: ثنا أبو عامر العقدي، عن عبد الواحد بن صفوان مولى عثمان، قال: سمعت عكرمة، قال: سئل ابن عباس، عن قوله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قال: هي الارض البيضاء، أو قال: الملساء التي ليس فيها لبنة مرتفعة. 18358 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قال: ارتفاعا، ولا انخفاضا. 18359 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله لا ترى فيها عوجا ولا أمتا قال: لا تعادي، الامت: التعادي. وقال آخرون: بل عنى بالعوج في هذا الموضع: الصدوع، وبالامت: الارتفاع من الآكام وأشباهها. ذكر من قال ذلك: 18360 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: لا ترى فيها عوجا قال: صدعا ولا أمتا يقول: ولا أكمة. وقال آخرون: عنى بالعوج: الميل، وبالامت: الاثر. ذكر من قال ذلك: 18361 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي،

[ 264 ]

عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: لا ترى فيها عوجا ولا أمتا يقول: لا ترى فيها ميلا، والامت: الاثر مثل الشراك. وقال آخرون: الامت: المحاني والاحداب. ذكر من قال ذلك: 18362 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: الامت: الحدب. قال أبو جعفر: وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بالعوج: الميل، وذلك أن ذلك هو المعروف في كلام العرب. فإن قال قائل: وهل في الارض اليوم من عوج، فيقال: لا ترى فيها يومئذ عوجا. قيل: إن معنى ذلك: ليس فيها أودية وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الاخذ على الاستقامة، كما يحتاج اليوم من أخذ في بعض سبلها إلى الاخذ أحيانا يمينا، وأحيانا شمالا، لما فيها من الجبال والاودية والبحار. وأما الامت فإنه عند العرب: الانثناء والضعف. مسموع منهم: مد حبله حتى ما ترك فيه أمتا: أي انثناء وملا سقاءه حتى ما ترك فيه أمتا ومنه قول الراجز: ما في انجذاب سيره من أمت يعني: من وهن وضعف، فالواجب إذا كان ذلك معنى الامت عندهم أن يكون أصوب الاقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض، لان الانخفاض لم يكن إلا عن ارتفاع. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لا ترى فيها ميلا عن الاستواء، ولا ارتفاعا، ولا انخفاضا، ولكنها مستوية ملساء، كما قال جل ثناؤه: قاعا صفصفا. القول في تأويل قوله تعالى: * (يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا) *.

[ 265 ]

يقول تعالى ذكره: يومئذ يتبع الناس صوت داعي الله الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، فيحشرهم إليه لا عوج له يقول: لا عوج لهم عنه ولا انحراف، ولكنهم سراعا إليه ينحشرون. وقيل: لا عوج له، والمعنى: لا عوج لهم عنه، لان معنى الكلام ما ذكرنا من أنه لا يعوجون له ولا عنه. ولكنهم يؤمونه ويأتونه، كما يقال في الكلام: دعاني فلان دعوة لا عوج لي عنها: أي لا أعوج عنها. وقوله وخشعت الاصوات للرحمن يقول تعالى ذكره: وسكنت أصوات الخلائق للرحمن فوصف الاصوات بالخشوع. والمعنى لاهلها إنهم خضع جميعهم لربهم، فلا تسمع لناطق منهم منطقا إلا من أذن له الرحمن، كما: 18363 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وخشعت الاصوات للرحمن يقول: سكنت. وقوله: فلا تسمع إلا همسا يقول: إنه وطئ الاقدام إلى المحشر. وأصله: الصوت الخفي، يقال همس فلان إلى فلان بحديثه إذا أسره إليه وأخفاه ومنه قول الراجز: وهن يمشين بنا هميسا * إن يصدق الطير ننك لميسا يعني بالهمس: صوت أخفاف الابل في سيرها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18364 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا علي بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فلا تسمع إلا همسا قال: وطئ الاقدام. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا يعني: همس الاقدام، وهو الوطئ. حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس فلا تسمع إلا همسا يقول: الصوت الخفي.

[ 266 ]

18365 - حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا شريك، عن عبد الرحمن بن الاصبهاني، عن عكرمة فلا تسمع إلا همسا قال: وطئ الاقدام. 18366 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا سليمان، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الحسن فلا تسمع إلا همسا قال: همس الاقدام. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قادة فلا تسمع إلا همسا قال قتادة: كان الحسن يقول: وقع أقدام القوم. 18367 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: فلا تسمع إلا همسا قال: تهافتا، وقال: تخافت الكلام. حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: همسا قال: خفض الصوت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: خفض الصوت، قال: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كلام الانسان لا تسمع تحرك شفتيه ولسانه. 18368 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قوله: فلا تسمع إلا همسا يقول: لا تسمع إلا مشيا، قال: المشي الهمس: وطئ الاقدام. القول في تأويل قوله تعالى: * (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) *. يقول تعالى ذكره يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع ورضي له قولا وأدخل في الكلام له دليلا على إضافة القول إلى كناية من وذلك كقول القائل الآخر: رضيت لك عملك، ورضيته منك، وموضع من من قوله إلا من أذن له نصب لانه خلاف الشفاعة. وقوله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم يقول تعالى ذكره: يعلم ربك يا محمد

[ 267 ]

ما بين أيدي هؤلاء الذين يتبعون الداعي من أمر القيامة، وما الذي يصيرون إليه من الثواب والعقاب وما خلفهم يقول: ويعلم أمر ما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا، كما: 18369 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة يعلم ما بين أيديهم من أمر الساعة وما خلفهم من أمر الدنيا. وقوله: ولا يحيطون به علما يقول تعالى ذكره: ولا يحيط خلقه به علما. ومعنى الكلام: أنه محيط بعباده علما، ولا يحيط عباده به علما. وقد زعم بعضهم أن معنى ذلك: أن الله يعلم ما بين أيدي ملائكته وما خلفهم، وأن ملائكته لا يحيطون علما بما بين أيدي أنفسم وما خلفهم، وقال: إنما أعلم بذلك الذين كانوا يعبدون الملائكة، أن الملائكة كذلك لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها، موبخهم بذلك ومقرعهم بأن من كان كذلك، فكيف يعبد، وأن العبادة إنما تصلح لمن لا تخفى عليه خافية في الارض ولا في السماء. القول في تأويل قوله تعالى: * (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما) *. يقول تعالى ذكره: استأسرت وجوه الخلق، واستسلمت للحي القيوم الذي لا يموت، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءوا. وأصل العنو الذل، يقال منه: عنا وجهه لربه يعنو عنوا، يعني خضع له وذل، وكذلك قيل للاسير: عان لذلة الاسر. فأما قولهم: أخذت الشئ عنوة، فإنه يكون وإن كان معناه يؤول إلى هذا أن يكون أخذه غلبة، ويكون أخذه عن تسليم وطاعة، كما قال الشاعر: هل أنت مطيعي أيها القلب عنوة * ولم تلح نفس لم تلم في اختيالها وقال آخر: فما أخذوها عنوة عن مودة * ولكن بحد المشرفي استقالها

[ 268 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18370 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم يقول: ذلت. حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله وعنت الوجوه للحي القيوم يعني بعنت: استسلموا لي. 18371 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: وعنت الوجوه قال: خشعت. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18372 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم أي ذلت الوجوه للحي القيوم. حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: ذلت الوجوه. 18373 - حدثنا ابن عبد الاعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قال طلق: إذا سجد الرجل فقد عنا وجهه، أو قال: عنا. حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن عمرو بن مرة، عن طلق بن حبيب، في هذه الآية: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: هو وضع الرجل رأسه ويديه وأطراف قدميه. حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيل، عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن طلق بن حبيب في قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: وهو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود. حدثنا خلاد بن أسلم، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن طلق بن حبيب في قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: وضع الجبهة والانف على الارض.

[ 269 ]

حدثني يعقوب: قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عمرو بن مرة، عن طلق بن حبيب، في قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: هو السجود على الجبهة والراحة والركبتين والقدمين. 18374 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وعنت الوجوه للحي القيوم قال: استأسرت الوجوه للحي القيوم، صاروا أسارى كلهم له. قال: والعاني: الاسير. وقد بينا معنى الحي القيوم فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: وقد خاب من حمل ظلما يقول تعالى ذكره: ولم يظفر بحاجته وطلبته من حمل إلى موقف القيامة شركا بالله، وكفرا به، وعملا بمعصيته. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18375 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: وقد خاب من حمل ظلما قال: من حمل شركا. 18376 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: وقد خاب من حمل ظلما قال: من حمل شركا، الظلم هاهنا: الشرك. القول في تأويل قوله تعالى: * (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما) *. يقول تعالى ذكره وتقدست أسماؤه: ومن يعمل من صالحات الاعمال، وذلك فيما قيل أداء فرائض الله التي فرضها على عباده وهو مؤمن يقول: وهو مصدق بالله، وأنه مجاز أهل طاعته وأهل معاصيه على معاصيهم فلا يخاف ظلما يقول: فلا يخاف من الله أن يظلمه، فيحمل عليه سيئات غيره، فيعاقبه عليه ولا هضما يقول: لا يخاف أن يهضمه حسناته، فينقصه ثوابها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18377 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن وإنما يقبل الله من العمل ما كان في إيمان. 18378 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،

[ 270 ]

قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن قال: زعموا أنها الفرائض. ذكر من قال ما قلنا في معنى قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما: 18379 - حدثنا أبو كريب سليمان بن عبد الجبار، قالا: ثنا ابن عطية، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس لا يخاف ظلما ولا هضما قال: هضما: غضبا. حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قال: لا يخاف ظلما ولا هضما قال: لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته. 18380 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما يقول: أنا قاهر لكم اليوم، آخذكم بقوتي وشدتي، وأنا قادر على قهركم وهضمكم، فإنما بيني وبينكم العدل، وذلك يوم القيامة. 18381 - حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما أما هضما فهو لا يقهر الرجل الرجل بقوته، يقول الله يوم القيامة: لا آخذكم بقوتي وشدتي، ولكن العدل بيني وبينكم، ولا ظلم عليكم. 18382 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: هضما قال: انتقاص شئ من حق عمله. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. 18383 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا أبو أسامة، عن مسعر، قال: سمعت حبيب بن أبي ثابت يقول في قوله: ولا هضما قال: الهضم: الانتقاص. 18384 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة،

[ 271 ]

في قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما قال: ظلما أن يزاد في سيئاته، ولا يهضم من حسناته. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فلا يخاف ظلما ولا هضما قال: لا يخاف أن يظلم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفى عمله. 18385 - حدثنا الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا سلام بن مسكين، عن ميمون بن سياه، عن الحسن، في قول الله تعالى: فلا يخاف ظلما ولا هضما قال: لا ينتقص الله من حسناته شيئا، ولا يحمل عليه ذنب مسئ. وأصل الهضم: النقص، يقال: هضمني فلان حقي، ومنه امرأة هضيم: أي ضامرة البطن، ومنه قولهم: قد هضم الطعام: إذا ذهب، وهضمت لك من حقك: أي حططتك. القول في تأويل قوله تعالى: * (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) *. يقول تعالى ذكره: كما رغبنا أهل الايمان في صالحات الاعمال، بوعدناهم ما وعدناهم، كذلك حذرنا بالوعيد أهل الكفر بالمقام على معاصينا، وكفرهم بآياتنا، فأنزلنا هذا القرآن عربيا، إذ كانوا عربا وصرفنا فيه من الوعيد فبيناه: يقول: وخوفناهم فيه بضروب من الوعيد لعلهم يتقون يقول: كي يتقونا، بتصريفنا ما صرفنا فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكرا يقول: أو يحدث لهم هذا القرآن تذكرة، فيعتبرون ويتعظون بفعلنا بالامم التي كذبت الرسل قبلها، وينزجرون عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18386 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون ما حذروا به من أمر الله وعقابه، ووقائعه بالامم قبلهم أو يحدث لهم القرآن ذكرا: أي جدا وورعا. حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في

[ 272 ]

قوله أو يحدث لهم ذكرا قال: جدا وورعا. وقد قال بعضهم في: أو يحدث لهم ذكرا أن معناه: أو يحدث لهم شرفا، بإيمانهم به. القول في تأويل قوله تعالى: * (فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما) *. يقول تعالى ذكره: فارتفع الذي له العبادة من جميع خلقه، الملك الذي قهر سلطانه كل ملك وجبار، الحق عما يصفه به المشركون من خلفه ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد (ص): ولا تعجل يا محمد بالقرآن، فتقرئه أصحابك، أو تقرأ عليهم، من قبل أن يوحى إليك بيان معانيه، فعوتب على إكتابه وإملائه ما كان الله ينزله عليه من كتابه من كان يكتبه ذلك، من قبل أن يبين له معانيه، وقيل: لا تتله على أحد، ولا تمله عليه، حتى نبينه لك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18387 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه قال: لا تتله على أحد حتى نبينه لك. 18388 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: يقول: لا تتله على أحد حتى تتمه لك هكذا قال القاسم: حتى نتمه. 18389 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه يعني: لا تعجل حتى نبينه لك. 18390 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه: أي بيانه.

[ 273 ]

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه قال: تبيانه. حدثنا ابن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة من قبل أن يقضى إليك وحيه من قبل أن يبين لك بيانه. وقوله: وقل رب زدني علما يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد: رب زدني علما إلى ما علمتني أمره بمسألته من فوائده العلم ما لا يعلم. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولقد عهدنا إلئ ادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) *. يقول تعالى ذكره: وإن يضيع يا محمد هؤلاء الذين نصرف لهم في هذا القرآن من الوعيد عهدي، ويخالفوا أمري، ويتركوا طاعتي، ويتبعوا أمر عدوهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمري، فقديما ما فعل ذلك أبوهم آدم ولقد عهدنا إليه يقول: ولقد وصينا آدم وقلنا له: إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمري، فحل به من عقوبتي ما حل. وعنى جل ثناؤه بقوله: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرف لهم الوعيد في هذا القرآن وقوله: فنسي يقول: فترك عهدي، كما: 18391 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي يقول: فترك. 18392 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: فنسي قال: ترك أمر ربه. 18393 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما قال: قال له يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى فقرأ حتى بلغ: لا تظمأ فيها ولا تضحى، وقرأ حتى بلغ: وملك لا يبلى قال: فنسي ما عهد إليه في ذلك، قال: وهذا عهد الله إليه، قال: ولو كان له عزم ما أطاع عدوه الذي حسده، وأبي أن يسجد له مع من سجد له إبليس، وعصى الله الذي كرمه وشرفه، وأمر ملائكته فسجدوا له.

[ 274 ]

18394 - حدثنا ابن المثنى وابن بشار قالا: ثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن، ومؤمل، قالوا: ثنا سفيان، عن الاعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما سمي الانسان لانه عهد إليه فنسي. وقوله: ولم نجد له عزما اختلف أهل التأويل في معنى العزم ها هنا، فقال بعضهم: معناه الصبر. ذكر من قال ذلك: 18395 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ولم نجد له عزما أي صبرا. حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة ولم نجد له عزما، قال: صبرا. حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، قال: ثنا أبو النضر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، مثله. وقال آخرون: بل معناه: الحفظ، قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظا لما عهدنا إليه. ذكر من قال ذلك: 18396 - حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية ولم نجد له عزما قال: حفظا لما أمرته. حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الاشجعي، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية، في قوله ولم نجد له عزما قال: حفظا. حدثنا عباد بن محمد، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية، في قوله ولم نجد له عزما قال: حفظا لما أمرته به. 18397 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ولم نجد له عزما يقول: لم نجد له حفظا. 18398 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولم نجد له عزما قال: العزم: المحافظة على ما أمره الله تبارك وتعالى بحفظه، والتمسك به.

[ 275 ]

18399 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: ولم نجد له عزما يقول: لم نجعل له عزما. 18400 - حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الحجاج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة قال: لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله تعالى آدم إلى يوم الساعة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حلم آدم في الكفة الاخرى، لرجح حلمه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ولم نجد له عزما. قال أبو جعفر: وأصل العزم اعتقاد القلب على الشئ، يقال منه: عزم فلان على كذا: إذا اعتقد عليه ونواه ومن اعتقاد القلب: حفظ الشئ، ومنه الصبر على الشئ، لانه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى، وهو قوله: ولم نجد له عزما فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلب، على الوفاء الله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه. القول في تأويل قوله تعالى: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) *. يقول تعالى ذكره معلما نبيه محمدا (ص)، ما كان من تضييع آدم عهده، ومعرفه بذلك أن ولده لن يعدوا أن يكونوا في ذلك على منهاجه، إلا من عصمه الله منهم: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى أن يسجد له فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك ولذلك من شنآنه لم يسجد لك، وخالف أمري في ذلك وعصاني، فلا تطيعاه فيما يأمر كما به، فيخرجكما بمعصيتكما ربكما، وطاعتكما له من الجنة فتشقى يقول: فيكون عيشك من كد يدك، فذلك شقاؤه الذي حذره به، كما: 18401 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق من جبينه، فهو الذي قال الله تعالى ذكره: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى فكان ذلك شقاءه. وقال تعالى ذكره: فتشقى ولم يقل: فتشقيا، وقد قال: فلا يخرجنكما لان

[ 276 ]

ابتداء الخطاب من الله كان لآدم عليه السلام، فكان في إعلامه العقوبة على معصيته إياه، فيما نهاه عنه من أكل الشجرة، الكفاية من ذكر المرأة، إذ كان معلوما أن حكمها في ذلك حكمه، كما قال: عن اليمين وعن الشمال قعيد اجتزئ بمعرفة السامعين معناه، من ذكر فعل صاحبه. القول في تأويل قوله تعالى: * (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) *. يقول تعالى ذكره، مخبرا عن قيله لآدم حين أسكنه الجنة: إن لك يا آدم أن لا تجوع فيها ولا تعرى. وأن في قوله ألا تجوع فيها في موضع نصب بإن التي في قوله: إن لك. وقوله: وأنك لا تظمأ فيها اختلفت القراء في قراءتها، فقرأ ذلك بعض قراء المدينة والكوفة بالكسر: وإنك، على العطف على قوله: إن لك. وقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء الكوفة والبصرة: وأنك، بفتح ألفها عطفا بها على أن التي في قوله: أن لا تجوع فيها. ووجهوا تأويل ذلك إلى أن لك هذا وهذا فهذه القراءة أعجب القراءتين إلي، لان الله تبارك وتعالى ذكره وعد ذلك آدم حين أسكنه الجنة، فكون ذلك بأن يكون عطفا على أن لا تجوع أولى من أن يكون خبر مبتدإ، وإن كان الآخر غير بعيد من الصواب. وعنى بقوله: لا تظمأ فيها لا تعطش في الجنة ما دمت فيها ولا تضحى، يقول: لا تظهر للشمس فيؤذيك حرها، كما قال ابن أبي ربيعة: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخصر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18402 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى يقول: لا يصيبك فيها عطش ولا حر.

[ 277 ]

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى يقول: لا يصيبك حر ولا أذى. 18403 - حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الاودي، قال: ثنا عبد الرحمن بن شريك، قال: ثني أبي، عن خصيف عن سعيد بن جبير لا تظمأ فيها ولا تضحى قال: لا تصيبك الشمس. حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ولا تضحى قال: لا تصيبك الشمس. وقوله: فوسوس إليه الشيطان يقول: فألقى إلى آدم الشيطان وحدثه فقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد يقول: قال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها خلدت فلم تمت، وملكت ملكا لا ينقضى فيبلى، كما: 18404 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي قال يا أدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى إن أكلت منها كنت ملكا مثل الله أو تكونا من الخالدين فلا تموتان أبدا. القول في تأويل قوله تعالى: * (فأكلا منها فبدت لهما سوأتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصئ ادم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) *. يقول تعالى ذكره: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عن الاكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما فبدت لهما سوآتهما يقول: فانكشفت لهما عوراتهما، وكانت مستورة عن أعينهما، كما: 18405 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قال: إنما أراد، يعني إبليس بقوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ليبدي لهما ما توارى عنهما من سوآتهما، بهتك لباسهما، وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من

[ 278 ]

كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر، فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدمت حواء، فأكلت ثم قالت: يا آدم كل، فاني قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكل آدم بدت لهما سوآتهما. وقوله: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة يقول: أقبلا يشدان عليهما من ورق الجنة، كما: 18406 - حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السدي وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة يقول: أقبلا يغطيان عليهما بورق التين. 18407 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة يقول: يوصلان عليهما من ورق الجنة. وقوله: وعصى آدم ربه فغوى يقول: وخالف أمر ربه، فتعدى إلى ما لم يكن له أن يتعدى إليه، من الاكل من الشجرة التي نهاه عن الاكل منها. وقوله: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى يقول: اصطفاه ربه من بعد معصيته إياه فرزقه الرجوع إلى ما يرضى عنه، والعمل بطاعته، وذلك هو كانت توبته التي تابها عليه. وقوله: وهدى يقول: وهداه للتوبة، فوفقه لها. القول في تأويل قوله تعالى: * (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) *. يقول تعالى ذكره: قال الله تعالى لآدم وحواء: اهبطا جميعا إلى الارض بعضكم لبعض عدو يقول: أنتما عدو إبليس وذريته، وإبليس عدوكما وعدو ذريتكما. وقوله: فإما يأتينكم مني هدى يقول: فإن يأتكم يا آدم وحواء وإبليس مني هدى: يقول: بيان لسبيلي، وما أختاره لخلقي من دين فمن اتبع هداي يقول: فمن اتبع بياني ذلك وعمل به، ولم يزغ منه فلا يضل يقول: فلا يزول عن محجة الحق، ولكنه يرشد في الدنيا ويهتدي ولا يشقى في الآخرة بعقاب الله، لان الله يدخله الجنة، وينجيه من عذابه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 279 ]

18408 - حدثني الحسين بن يزيد الطحان، قال: ثنا أبو خالد الاحمر، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: تضمن الله لمن قرأ القرآن، واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه الآية: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. حدثني نصر بن عبد الرحمن الاودي، قال: ثنا حكام الرازي، عن أيوب بن موسى، عن عمرو، الملائي عن ابن عباس أنه قال: إن الله قد ضمن... فذكر نحوه. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أيوب بن يسار أبي عبد الرحمن، عن عمرو بن قيس، عن رجل عن ابن عباس، بنحوه. حدثنا علي بن سهل الرملي، قال: ثنا أحمد بن محمد النسائي، عن أبي سلمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس: من قرأ القرآن واتبع ما فيه عصمه الله من الضلالة، ووقاه، أظنه أنه قال: من هول يوم القيامة، وذلك أنه قال: فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى في الآخرة. القول في تأويل قوله تعالى: * (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) *. يقول تعالى ذكره: ومن أعرض عن ذكري الذي أذكره به فتولى عنه ولم يقبله ولم يستجب له، ولم يتعظ به فينزجر عما هو عليه مقيم من خلافه أمر ربه فإن له معيشة ضنكا يقول: فإن له معيشة ضيقة. والضنك من المنازل والاماكن والمعايش: الشديد يقال: هذا منزل ضنك: إذا كان ضيقا، وعيش ضنك: الذكر والانثى والواحد والاثنان والجمع بلفظ واحد ومنه قول عنترة: وإن نزلوا بضنك فأنزل وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

[ 280 ]

18409 - حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: فإن له معيشة ضنكا يقول: الشقاء. 18410 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ضنكا قال: ضيقة. 18411 - حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: فإن له معيشة ضنكا قال: الضنك: الضيق. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد، في قوله: فإن له معيشة ضنكا يقول: ضيقة. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله. واختلف أهل التأويل في الموضع الذي جعل الله لهؤلاء المعرضين عن ذكره العيشة الضنك، والحال التي جعلهم فيها، فقال بعضهم: جعل ذلك لهم في الآخرة في جهنم، وذلك أنهم جعل طعامهم فيها الضريع والزقوم. ذكر من قال ذلك: 18412 - حدثني محمد بن عمرو بن علي بن مقدم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عوف، عن الحسن، في قوله: فإن له معيشة ضنكا قال: في جهنم. 18413 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا فقرأ حتى بلغ: ولم يؤمن بآيات ربه قال: هؤلاء أهل الكفر. قال: ومعيشة ضنكا في النار شوك من نار وزقوم وغسلين، والضريع: شوك من نار، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة، ما المعيشة والحياة إلا في الآخرة، وقرأ قول الله عزوجل: يا ليتني قدمت لحياتي قال: لمعيشتي قال: والغسلين والزقوم: شئ لا يعرفه أهل الدنيا.

[ 281 ]

18414 - حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة فإن له معيشة ضنكا قال: في النار. وقال آخرون: بل عنى بذلك: فإن له معيشة في الدنيا حراما. قال: ووصف الله عز وجل معيشتهم بالضنك، لان الحرام وإن اتسع فهو ضنك. ذكر من قال ذلك: 18415 - حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة في قوله: معيشة ضنكا قال: هي المعيشة التي أوسع الله عليه من الحرام. 18416 - حدثني داود بن سليمان بن يزيد المكتب من أهل البصرة، قال: ثنا عمرو بن جرير البجلي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم في قول الله: معيشة ضنكا قال: رزقا في معصيته. 18417 - حدثني عبد الاعلى بن واصل، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا أبو بسطام، عن الضحاك فإن له معيشة ضنكا قال: الكسب الخبيث. حدثني محمد بن إسماعيل الصراري، قال: ثنا محمد بن سوار، قال: ثنا أبو اليقظان عمار بن محمد، عن هارون بن محمد التيمي، عن الضحاك، في قوله: فإن له معيشة ضنكا قال: العمل الخبيث، والرزق السيئ. وقال آخرون ممن قال عنى أن لهؤلاء القوم المعيشة الضنك في الدنيا، إنما قيل لها ضنك وإن كانت واسعة، لانهم ينفقون ما ينفقون من أموالهم على تكذيب منهم بالخلف من الله، وإياس من فضل الله، وسوء ظن منهم بربهم، فتشتد لذلك عليهم معيشتهم وتضيق ذكر من قال ذلك: 18418 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا يقول: كل مال أعطيته عبدا من عبادي قل أو كثر، لا يتقيني فيه، لا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ويقال: إن قوما ضلالا أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله عز وجل ليس بمخلف لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله، والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسئ الظن به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.

[ 282 ]

وقال آخرون: بل عني بذلك: أن ذلك لهم في البرزخ، وهو عذاب القبر. ذكر من قال ذلك: 18419 - حدثني يزيد بن مخلد الواسطي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، قال في قول الله: معيشة ضنكا قال: عذاب القبر. حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي حازم، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، قال: إن المعيشة الضنك، التي قال الله: عذاب القبر. حدثني حوثرة بن محمد المنقري، قال: ثنا سفيان، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري فإن له معيشة ضنكا قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه. حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا أبي وشعيب بن الليث، عن الليث، قال: ثنا خالد بن زيد، عن ابن أبي هلال، عن أبي حازم، عن أبي سعيد، أنه كان يقول: المعيشة الضنك: عذاب القبر، إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتخدش لحمه حتى يبعث. وكان يقال: لو أن تنينا منها نفخ الارض لم تنبت زرعا. 18420 - حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: يطبق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهي المعيشة الضنك التي قال الله: معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. 18421 - حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح والسدي في قوله: معيشة ضنكا قال: عذاب القبر. 18422 - حدثنا محمد بن إسماعيل الاحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: فإن له معيشة ضنكا قال: عذاب القبر. 18423 - حدثني عبد الرحمن بن الاسود، قال: ثنا محمد بن ربيعة، قال: ثنا أبو عميس، عن عبد الله بن مخارق عن أبيه، عن عبد الله، في قوله: معيشة ضنكا قال: عذاب القبر.

[ 283 ]

حدثني عبد الرحيم البرقي، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر وابن أبي حازم، قالا: ثنا أبو حازم، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري معيشة ضنكا قال: عذاب القبر. قال أبو جعفر: وأولى الاقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هو عذاب القبر الذي: 18424 - حدثنا به أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن ابن حجيرة عن أبي هريرة، عن رسول الله (ص) أنه قال: أتدرون فيم أنزلت هذه الآية: فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى أتدرون ما المعيشة الضنك ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده، إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا، أتدرون ما التنين: تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس، ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم القيامة. وإن الله تبارك وتعالى أتبع ذلك بقوله: ولعذاب الآخرة أشد وأبقى فكان معلوما بذلك أن المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم قبل عذاب الآخرة، لان ذلك لو كان في الآخرة لم يكن لقوله ولعذاب الآخرة أشد وأبقى معنى مفهوم، لان ذلك إن لم يكن تقدمه عذاب لهم قبل الآخرة، حتى يكون الذي في الآخرة أشد منه، بطل معنى قوله ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. فإذ كان ذلك كذلك، فلا تخلو تلك المعيشة الضنك التي جعلها الله لهم من أن تكون لهم في حياتهم الدنيا، أو في قبورهم قبل البعث، إذ كان لاوجه لان تكون في الآخرة لما قد بينا، فإن كانت لهم في حياتهم الدنيا، فقد يجب أن يكون كل من أعرض عن ذكر الله من الكفار، فإن معيشته فيها ضنك، وفي وجودنا كثيرا منهم أوسع معيشة من كثير من المقبلين على ذكر الله تبارك وتعالى، القائلين له المؤمنين في ذلك، ما يدل على أن ذلك ليس كذلك، وإذ خلا القول في ذلك من هذين الوجهين صح الوجه الثالث، وهو أن ذلك في البرزخ. وقوله: ونحشره يوم القيامة أعمى اختلف أهل التأويل في صفة العمى الذي ذكر

[ 284 ]

الله في هذه الآية، أنه يبعث هؤلاء الكفار يوم القيامة به، فقال بعضهم: ذلك عمى عن الحجة، لا عمى عن البصر. ذكر من قال ذلك: 18425 - حدثنا محمد بن إسماعيل الاحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: ونحشره يوم القيامة أعمى قال: ليس له حجة. 18426 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ونحشره يوم القيامة أعمى قال: عن الحجة. 18427 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله، وقيل: يحشر أعمى البصر. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك ما قال الله تعالى ذكره، وهو أنه يحشر أعمى عن الحجة ورؤية الشئ كما أخبر جل ثناؤه، فعم ولم يخصص. وقوله: قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم في ذلك، ما: 18428 - حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرزاق، عن ابن نجيح، عن مجاهد قال رب لم حشرتني أعمى لا حجة لي. وقوله: وقد كنت بصيرا اختلف أهل التأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وقد كنت بصيرا بحجتي. ذكر من قال ذلك: 18429 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد وقد كنت بصيرا قال: عالما بحجتي. وقال آخرون: بل معناه: وقد كنت ذا بصر أبصر به الاشياء. ذكر من قال ذلك 18430 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقد كنت بصيرا في الدنيا.

[ 285 ]

18431 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال: كان بعيد البصر، قصير النظر، أعمى عن الحق. قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، أن الله عز وجل ثناؤه، عم بالخبر عنه بوصفه نفسه بالبصر، ولم يخصص منه معنى دون معنى، فذلك على ما عمه فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية، قال: رب لم حشرتني أعمى عن حجتي ورؤية الاشياء، وقد كنت في الدنيا ذا بصر بذلك كله. فإن قال قائل: وكيف قال هذا لربه: لم حشرتني أعمى مع معاينته عظيم سلطانه، أجهل في ذلك الموقف أن يكون لله أن يفعل به ما شاء، أم ما وجه ذلك ؟ قيل: إن ذلك منه مسألة لربه يعرفه الجرم الذي استحق به ذلك، إذ كان قد جهله، وظن أن لا جرم له، استحق ذلك به منه، فقال: رب لاي ذنب ولاي جرم حشرتني أعمى، وقد كنت من قبل في الدنيا بصيرا وأنت لا تعاقب أحدا إلا بدون ما يستحق منك من العقاب. وقوله: قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها يقول تعالى ذكره، قال الله حينئذ للقائل له: لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا: فعلت ذلك بك، فحشرتك أعمى كما أتتك آياتي، وهي حججه وأدلته وبيانه الذي بينه في كتابه، فنسيتها: يقول: فتركتها وأعرضت عنها، ولم تؤمن بها، ولم تعمل. وعنى بقوله كذلك أتتك هكذا أتتك. وقوله: وكذلك اليوم تنسى يقول: فكما نسيت آياتنا في الدنيا، فتركتها وأعرضت عنها، فكذلك اليوم ننساك، فنتركك في النار. وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله وكذلك اليوم تنسى فقال بعضهم بمثل الذي قلنا في ذلك. ذكر من قال ذلك: 18432 - حدثنا محمد بن إسماعيل الاحمسي، قال، ثنا محمد بن عبيد، قال: ثنا سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله: وكذلك اليوم تنسى قال: في النار. 18433 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها قال: فتركتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك اليوم تترك في النار. وروي عن قتادة في ذلك ما.

[ 286 ]

18434 - حدثني بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى قال: نسي من الخير، ولم ينس من الشر. وهذا القول الذي قاله قتادة قريب المعنى مما قاله أبو صالح ومجاهد، لان تركه إياهم في النار أعظم الشر لهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) *. يقول تعالى ذكره: وهكذا نجزي: أي نثيب من أسرف فعصي ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنجعل له معيشة ضنكا في البرزخ كما قد بينا قبل ولعذاب الآخرة أشد وأبقى يقول جل ثناؤه: ولعذاب في الآخرة أشد لهم مما وعدتهم في القبر من المعيشة الضنك وأبقى يقول: وأدوم منها، لانه إلى غير أمد ولا نهاية. القول في تأويل قوله تعالى: * (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لاولي النهى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): أفلم يهد لقومك المشركين بالله، ومعنى يهد: يبين. يقول: أفلم يبين لهم كثرة ما أهلكنا قبلهم من الامم التي سلفت قبلها التي يمشون في مساكنهم ودورهم، ويرون آثار عقوباتنا التي أحللناها بهم سوء مغبة ما هم عليه مقيمون من الكفر بآياتنا، ويتعظوا بهم، ويعتبروا، وينيبوا إلى الاذعان، ويؤمنوا بالله ورسوله، خوفا أن يصيبهم بكفرهم بالله مثل ما صابهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18435 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم لان قريشا كانت تتجر إلى الشأم، فتمر بمساكن عاد وثمود ومن أشبههم، فترى آثار وقائع الله تعالى بهم، فلذلك قال لهم: أفلم يحذرهم ما يرون من فعلنا بهم بكفرهم بنا نزول مثله بهم، وهم على مثل فعلهم مقيمون. وكان الفراء يقول: لا يجوز في كم في هذا الموضع أن يكون إلا نصبا بأهلكنا وكان يقول: وهو وإن لم يكن إلا نصبا، فإن جملة الكلام رفع بقوله: يهد لهم ويقول: ذلك مثل قول القائل: قد تبين لي أقام عمرو أم زيد في الاستفهام، وكقوله سواء عليكم أدعوتموهم أم

[ 287 ]

أنتم صامتون ويزعم أن فيه شيئا يرفع سواء لا يظهر مع الاستفهام، قال: ولو قلت: سواء عليكم صمتكم ودعاؤكم تبين ذلك الرفع الذي في الجملة وليس الذي قال الفراء من ذلك، كما قال: لان كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للاستفهام، بل هي واقعة موقع الاسماء الموصوفة. ومعنى الكلام ما قد ذكرنا قبل وهو: أفلم يبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أفلم يهد لهم من أهلكنا فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله، هي في موضع رفع بقوله: يهد لهموهو أظهر وجوهه، وأصح معانيه، وإن كان الذي قاله وجه ومذهب على بعد. وقوله: إن في ذلك لآيات لاولي النهى يقول تعالى ذكره: إن فيما يعاين هؤلاء ويرون من آثار وقائعنا بالامم المكذبة رسلها قبلهم، وحلول مثلاتنا بهم لكفرهم بالله لآيات يقول: لدلالات وعبرا وعظات لاولي النهى يعني: لاهل الحجى والعقول، ومن ينهاه عقله وفهمه ودينه عن مواقعة ما يضره. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18436 - حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: لاولي النهى يقول: التقى. 18437 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة إن في ذلك لآيات لاولي النهى أهل الورع. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) *. يقول تعالى ذكره: ولولا كلمة سبقت من ربك يا محمد أن كل من قضى له أجلا فإنه لا يخترمه قبل بلوغه أجله وأجل مسمى يقول: ووقت مسمى عند ربك سماه لهم

[ 288 ]

في أم الكتاب وخطه فيه، هم بالغوه ومستوفوه لكان لزاما يقول: للازمهم الهلاك عاجلا، وهو مصدر من قول القائل: لازم فلان فلانا يلازمه ملازمة ولزاما: إذا لم يفارقه، وقدم قوله: لكان لزاما قبل قوله أجل مسمى ومعنى الكلام: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما، فاصبر على ما يقولون. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18438 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى الاجل المسمى: الدنيا. 18439 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى وهذه من مقاديم الكلام، يقول: لولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى كان لزاما، والاجل المسمى، الساعة، لان الله تعالى يقول بل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. 18440 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى قال: هذا مقدم ومؤخر، ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما. واختلف أهل التأويل في معنى قوله: لكان لزاما فقال بعضهم: معناه: لكان موتا. ذكر من قال ذلك: 18441 - حدثني علي قال: ثني أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: لكان لزاما يقول: موتا. وقال آخرون: معناه لكان قتلا. ذكر من قال ذلك: 18442 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد لكان لزاما واللزام: القتل. وقوله: فاصبر على ما يقولون يقول جل ثناؤه لنبيه: فاصبر يا محمد على

[ 289 ]

ما يقول هؤلاء المكذبون بآيات الله من قومك لك إنك ساحر، وإنك مجنون وشاعر ونحو ذلك من القول وسبح بحمد ربك يقول: وصل بثنائك على ربك، وقال: بحمد ربك. والمعنى: بحمدك ربك، كما تقول: أعجبني ضرب زيد، والمعنى: ضربي زيدا. وقوله: قبل طلوع الشمس وذلك صلاة الصبح وقبل غروبها وهي العصر ومن آناء الليل وهي ساعات الليل، واحدها: إني، على تقدير حمل ومنه قول المنخل السعدي: حلو ومر كعطف القدح مرته * في كل إني قضاه الليل ينتعل ويعني بقوله: ومن آناء الليل فسبح صلاة العشاء الآخرة، لانها تصلى بعد مضي آناء من الليل. وقوله: وأطراف النهار: يعني صلاة الظهر والمغرب وقيل: أطراف النهار، والمراد بذلك الصلاتان اللتان ذكرنا، لان صلاة الظهر في آخر طرف النهار الاول، وفي أول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، والطرف الثالث: غروب الشمس، وعند ذلك تصلى المغرب، فلذلك قيل أطراف، وقد يحمل أن يقال: أريد به طرفا النهار. وقيل: أطراف، كما قيل صغت قلوبكما فجمع، والمراد: قلبان، فيكون ذلك أول طرف النهار الآخر، وآخر طرفه الاول. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18443 - حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن ابن أبي زيد، عن ابن عباس وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها قال: الصلاة المكتوبة. 18444 - حدثنا تميم بن المنتصر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا

[ 290 ]

إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا جلوسا عند رسول الله (ص)، فرأى القمر ليلة البدر فقال: إنكم راءون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم تلا: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. 18445 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها قال ابن جريج: العصر، وأطراف النهار قال: المكتوبة. 18446 - حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمى، عن قتادة في قوله: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس قال: هي صلاة الفجر وقبل غروبها قال: صلاة العصر. ومن آناء الليل قال: صلاة المغرب والعشاء. وأطراف النهار قال: صلاة الظهر. 18447 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار: قال: من آناء الليل: العتمة. وأطراف النهار: المغرب والصبح. ونصب قوله وأطراف النهار عطفا على قوله قبل طلوع الشمس، لان معنى ذلك: فسبح بحمد ربك آخر الليل، وأطراف النهار. وبنحو الذي قلنا في معنى آناء الليل قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18448 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس ومن آناء الليل قال: المصلى من الليل كله. 18449 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، قال: سمعت الحسن قرأ: ومن آناء الليل قال: من أوله، وأوسطه، وآخره. 18450 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ومن آناء الليل فسبح قال: آناء الليل: جوف الليل. وقوله: لعلك ترضى يقول: كي ترضى.

[ 291 ]

وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: لعلك ترضى بفتح التاء. وكان عاصم والكسائي يقرآن ذلك: لعلك ترضى بضم التاء، وروي ذلك عن أبي عبد الرحمن السلمي، وكأن الذين قرأوا ذلك بالفتح، ذهبوا إلى معنى: إن الله يعطيك، حتى ترضى عطيته وثوابه إياك، وكذلك تأوله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18451 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: لعلك ترضى قال: الثواب، ترضى بما يثيبك الله على ذلك. 18452 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج لعلك ترضى قال: بما تعطى. وكأن الذين قرأوا ذلك بالضم، وجهوا معنى الكلام إلى لعل الله يرضيك من عبادتك إياه، وطاعتك له. والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الامصار، متفقتا المعنى، غير مختلفتيه وذلك أن الله تعالى ذكره إذا أرضاه، فلا شك أنه يرضى، وأنه إذا رضي فقد أرضاه الله، فكل واحدة منهما تدل على معنى الاخرى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): ولا تنظر إلى ما جعلنا لضرباء هؤلاء المعرضين عن آيات ربهم وأشكالهم، متعة في حياتهم الدنيا، يتمتعون بها، من زهرة عاجل الدنيا ونضرتها لنفتنهم فيه يقول: لنختبرهم فيما متعناهم به من ذلك، ونبتليهم، فإن ذلك فان زائل، وغرور وخدع تضمحل ورزق ربك الذي وعدك أن يرزقكه في الآخرة حتى ترضى، وهو ثوابه إياه خير لك مما متعناهم به من زهرة الحياة الدنيا. وأبقى يقول: وأدوم، لانه لانقطاع له ولا نفاذ. وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله (ص)، من أجل أن رسول الله (ص) بعث إلى يهودي يستسلف منه طعاما، فأبى أن يسلفه إلا برهن. ذكر من قال ذلك: 18453 - حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن يزيد بن

[ 292 ]

عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع، قال: أرسلني رسول الله (ص) إلى يهودي يستسلفه، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فحزن رسول الله (ص)، فأنزل الله: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا. 18454 - حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن يعقوب بن يزيد، عن أبي رافع، قال: نزل رسول الله (ص) ضيف، فأرسلني إلى يهودي بالمدينة يستسلفه، فأتيته، فقال: لا أسلفه إلا برهن، فأخبرته بذلك، فقال: إني لامين في أهل السماء وفي أهل الارض، فاحمل درعي إليه فنزلت: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم. وقوله: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا إلى قوله: والعاقبة للتقوى. ويعني بقوله: أزواجا منهم رجالا منهم أشكالا، وبزهرة الحياة الدنيا: زينة الحياة الدنيا. كما: 18455 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: زهرة الحياة الدنيا: أي زينة الحياة الدنيا. ونصب زهرة الحياة الدنيا على الخروج من الهاء التي في قوله به من متعنا به، كما يقال: مررت به الشريف الكريم، فنصب الشريف الكريم على فعل مررت، وكذلك قوله: إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا تنصب على الفعل بمعنى: متعناهم به زهرة الحياة الدنيا وزينة لهم فيها. وذكر الفراء أن بعض بني فقعس أنشده: أبعد الذي بالسفح سفح كواكب * رهينة رمس من تراب وجندل

[ 293 ]

فنصب رهينة على الفعل من قوله: أبعد الذي بالسفح، وهذا لا شك أنه أضعف في العمل نصبا من قوله: متعنا به أزواجا منهم لان العامل في الاسم وهو رهينة، حرف خافض لا ناصب. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18456 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: لنفتنهم فيه قال: لنبتليهم فيه ورزق ربك خير وأبقى مما متعنا به هؤلاء من هذه الدنيا. القول في تأويل قوله تعالى: * (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): وأمر يا محمد أهلك بالصلاة واصطبر عليها يقول: واصطبر على القيام بها، وأدائها بحدودها أنت لا نسئلك رزقا يقول: لا نسألك مالا، بل نكلفك عملا ببدنك، نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا نحن نرزقك يقول: نحن نعطيك المال ونكسبكه، ولا نسألكه. وقوله: والعاقبة للتقوى يقول: والعاقبة الصالحة من عمل كل عامل لاهل التقوى والخشية من الله دون من لا يخاف له عقابا، ولا يرجو له ثوابا. وبنحو الذي قلنا في قوله وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ليها قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18457 - حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، قال: كان عروة إذا رأى ما عند السلاطين دخل داره، فقال: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم في ورزق ربك خير وأبقى وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى ثم ينادي: الصلاة الصلاة، يرحمكم الله. حدثنا أبو كريب قال، ثنا عثام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه كان إذا رأى شيئا من الدنيا جاء إلى أهله، فقال: الصلاة وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا. 18458 - حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: كان يبيت عند عمر بن الخطاب من

[ 294 ]

غلمانه أنا ويرفأ، وكانت له من الليل ساعة يصليها، فإذا قلنا لا يقوم من الليل كان قياما، وكان إذا صلى من الليل ثم فرغ قرأ هذه الآية: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها... الآية. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، مثله. القول في تأويل قوله تعالى: * (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى) * / مق ]. يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون الذين وصف صفتهم في الآيات قبل: هلا يأتينا محمد بآية من ربه، كما أتى قومه صالح بالناقة وعيسى بإحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، يقول الله جل ثناؤه: أو لم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب من أنباء الامم من قبلهم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات فكفروا بها لما أتتهم كيف عجلنا لهم العذاب، وأنزلنا بأسنا بكفرهم بها، يقول: فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أولئك. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: 18459 - حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى قال: التوارة والانجيل. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله. 18460 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى الكتب التي خلت من الامم التي يمشون في مساكنهم. القول في تأويل قوله تعالى: * (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) *.

[ 295 ]

يقول تعالى ذكره: ولو أنا أهلكنا هؤلاء المشركين الذين يكذبون بهذا القرآن من قبل أن ننزله عليهم، ومن قبل أن نبعث داعيا يدعوهم إلى ما فرضنا عليهم فيه بعذاب ننزله بهم بكفرهم بالله، لقالوا يوم القيامة، إذ وردوا علينا، فأردنا عقابهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك، فنتبع آياتك يقول: فنتبع حجتك وأدلتك وما تنزله عليه من أمرك ونهيك من قبل أن نذل بتعذبيك إيانا ونخزى به، كما: 17461 - حدثني الفضل بن إسحاق، قال: ثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) قال: يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله: لم تجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الهالك في الفترة: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك. وقرأ: لولا أرسلت إلينا رسولا ويقول الصبي الصغير: كنت صغيرا لا أعقل قال: فترفع لهم نار ويقال لهم: ردوها قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول: إياي عصيتم، فكيق برسلي لو أتتكم ؟. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد: كلكم أيها المشركون بالله متربص يقول: منتظر لمن يكون الفلاح، وإلى ما يؤول أمري وأمركم متوقف ينتظر دوائر الزمان، فتربصوا يقول: فترقبوا وانتظروا، فستعلمون من أهل الطريق المستقيم المعتدل الذي لا اعوجاج فيه إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، أنحن أم أنتم ؟ ومن اهتدى يقول: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد غير الجائر عن قصده منا ومنكم. وفي من من قوله: فستعلمون من أصحاب الصراط السوي، والثانية من قوله: ومن اهتدى وجهان: الرفع، وترك إعمال تعلمون فيهما، كما قال جل ثناؤه:

[ 296 ]

لنعلم أي الحزبين أحصى والنصب على إعمال تعلمون فيهما، كما قال جل ثناؤه: فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) قال: يحتج على الله يوم القيامة ثلاثة: الهالك في الفترة، والمغلوب على عقله، والصبي الصغير، فيقول المغلوب على عقله: لم تجعل لي عقلا أنتفع به، ويقول الهالك في الفترة: لم يأتني رسول ولا نبي، ولو أتاني لك رسول أو نبي لكنت أطوع خلقك لك. وقرأ: لولا أرسلت إلينا رسولا ويقول الصبي الصغير: كنت صغيرا لا أعقل قال: فترفع لهم نار ويقال لهم: ردوها قال: فيردها من كان في علم الله أنه سعيد، ويتلكأ عنها من كان في علم الله أنه شقي، فيقول: إياي عصيتم، فكيق برسلي لو أتتكم ؟. القول في تأويل قوله تعالى: * (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) *. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (ص): قل يا محمد: كلكم أيها المشركون بالله متربص يقول: منتظر لمن يكون الفلاح، وإلى ما يؤول أمري وأمركم متوقف ينتظر دوائر الزمان، فتربصوا يقول: فترقبوا وانتظروا، فستعلمون من أهل الطريق المستقيم المعتدل الذي لا اعوجاج فيه إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، أنحن أم أنتم ؟ ومن اهتدى يقول: وستعلمون حينئذ من المهتدي الذي هو على سنن الطريق القاصد غير الجائر عن قصده منا ومنكم. وفي من من قوله: فستعلمون من أصحاب الصراط السوي، والثانية من قوله: ومن اهتدى وجهان: الرفع، وترك إعمال تعلمون فيهما، كما قال جل ثناؤه:

[ 296 ]

لنعلم أي الحزبين أحصى والنصب على إعمال تعلمون فيهما، كما قال جل ثناؤه: والله يعلم المفسد من المصلح. تم الجزء السادس عشر من تفسير الامام محمد بن جرير الطبري، ويليه الجزء السابع عشر وأوله: سورة الانبياء

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية