الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تدوين القرآن- الشيخ علي الكوراني العاملي

تدوين القرآن

الشيخ علي الكوراني العاملي


[ 1 ]

تدوين القرآن بقلم علي الكوراني العاملي الناشر دار القرآن الكريم

[ 2 ]

الكتاب: تدوين القرآن المؤلف: علي الكوراني العاملي الناشر: دار القرآن الكريم الطبعة: الأولى ليتوغرافي: نقش المطبعة: باقري العدد: 3000 نسخة

[ 3 ]

مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم الصلاة على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين... وبعد، فإن من أبرز الظواهر في تاريخ الأمم اختلافهم من بعد رسلهم اختلافا شديدا يصل الى حد... الإقتتال، قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم.... ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) سورة البقرة - 253 ولم يكن نبينا صلى الله عليه وآله بدعا من الرسل، مع أنه أفضلهم.. ولم تكن أمته بدعا من الأمم، مع أنها أفضل الأمم.. لكن أمتنا امتازت بأنها لم تكفر بنبيها بعد وفاته كما حدث لبعض الأمم، وأن اختلافها كان عن نبيها ولم يكن فيه.. قال حاخام يهودي لعلي عليه السلام: سرعان ما اختلفتم أيها الأمة في نبيكم ؟ فأجابه: نحن ما اختلفنا في نبينا ولكن اختلفنا عنه، أما أنتم فما جفت أقدامكم من حما البحر حتى قلتم (يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ! ! رواه المجلسي في البحار ج 13 ص 176 و الثعلبي في العرائس ص 113 كما أنها امتازت بأنها الأمة الوحيدة التي سلمت بيدها نسخة كتاب ربها الذي أنزل عليها، ولم تختلف فيه، وإن اختلفت في تفسيره وتأويله.. وهي ميزة ترجع الى

[ 4 ]

تكفل إلهي استثنائي بحفظ القرآن (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لانه آخر الكتب الالهية، وإذا لم يحفظ ووقع فيه التحريف كما وقع في غيره، فإن البشرية ستبقى قرونا طويلة وليس على وجه الارض كتاب سماوي سليم ! وعندما يتكفل الله عزوجل بحفظ شئ أو بعمل شئ فإن له طرقه وأساليبه ووسائله في ذلك، وليس من الضروري أن نعرفها نحن، ولا أن تفهمها أكبر عقولنا الرياضية ! نعم يمكن أن نفهم بناءالله تعالى للنص القرآني بناء فريدا يجذب أجزاءه إليه، وينفي عنه ما ليس منه... فقد جعل الله القرآن أشبه بطبق من الجواهر الفريدة، إذا وضع بينها غيرها انفضح ! وإذا أخذ منها شئ الى مكان آخر، نادى بغربته حتى يرجع الى طبقه ! ونفهم منها دور أهل بيت النبي في حفظ القرآن حيث جعلهم الله تعالى توأما له وقال عنهم النبي صلى الله عليه وآله في الحديث الصحيح عند الجميع (وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروني بم تخلقوني فيهما) رواه أحمد ج 3 ص 17 ونحوه مسلم والهيثمي وغيرهم... كما نفهم من التكفل الالهي بحفظ القرآن أن خطرا حقيقا سيحدث عليه، وأن وضع الامة بعد نبيها سوف لا يكفي لحفظه بدون ضمان رباني استثنائي ! فأين هذا الخطر الذي واجه القرآن في تاريخنا الاسلامي ؟ وهل نكتفي بذكره بالعموميات والخطابيات، دون أن نبحث عنه ونحاول أن نضع يدنا عليه... ؟ في اعتقادي أنا لا نجد في تاريخ القرآن خطرا على نصه أشد من الفترة التي تلت وفاة النبي صلى الله عليه وآله الى.. أن تم تدوينه في عهد الخليفة عثمان.. وهو ما حاولت أن أقدمه في هذا الكتاب بشئ من العمق والصراحة.. والله الموفق. الحوزة العلمية بقم المشرفة - غرة محرم الحرام 1418 على الكوراني العاملي

[ 15 ]

الفصل الأول قصة اتهام الشيعة بتحريف القرآن

[ 17 ]

التهمة الجديدة القديمة تعودنا نحن الشيعة على تلقي التهم، وتحملها.. فبدأت محنتنا من يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله.. فنحن في تاريخ الإسلام معارضة، والمعارضة لابد أن تتحمل ضريبة إعلام الدولة واضطهادها وأذاها.. وتتحمل من عوام الدولة تهمهم ومضايقاتهم أذاهم.. ولم تختلف علينا العصور إلا في شدة الحملة وخفتها.. فأحيانا تحدث عوامل تخفيف فيقل الإتهام والإضطهاد وأحيانا تحدث عوامل توجب شدة الموجة، أو حدوث موجة جديدة ! والذي حدث في عصرنا أن الشيعة ارتكبوا ذنبا كبيرا ومعصية يصعب غفرانها.. فقد ثار شيعة إيران على شاههم بفتوى مرجع ديني، فغضب لذلك الغرب واليهود، وغضب كثير من حكام المسلمين.. وبدؤوا الصراع مع الدولة الشيعية. ثم ما لبث الكتاب والباحثون من خصوم الشيعة أن غضبوا أيضا.. فحدثت موجة جديدة من التهجم على (مذهب التشيع) تكرر التهم القديمة، وتبحث عن جديد إن استطاعت.. ومن التهم المؤذية التي وجهوها إلينا: أن الشيعة لا يعتقدون بالقرآن الكريم ! والسبب أنه توجد في مصادرهم روايات تدعي أن القرآن وقع فيه تحريف، ولا بد أنهم يعتقدون بها !..

[ 18 ]

وقد روج مبغضوا الشيعة لهذه التهمة، وبالغوا فيها، وشنعوا بها علينا، ونشروا حولها الكتب والمناشير، حتى زعم بعضهم أن الشيعة ليسوا مسلمين، لأن من أنكر القرآن وادعى أن القرآن الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله قرآن آخر، فهو كافر بالقرآن، وخارج عن الإسلام. نموذج من نصوص التهمة قال الكاتب الهندي الوهابي إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة والسنة) صفحة 65 تحت عنوان (الشيعة والقرآن): (من أهم الخلافات التي تقع بين السنة والشيعة هو اعتقاد أهل السنة بأن القرآن المجيد الذي أنزله الله على نبينا صلى الله عليه وسلم هو الكتاب الأخير المنزل من عند الله الى الناس كافة وأنه لم يتغير ولم يتبدل. وليس هذا فحسب بل إنه لن يتغير ولن يتحرف الى أن تقوم الساعة. وهو الموجود بين دفتي المصاحف لأن الله قد ضمن حفظه وصيانته من أي تغيير وتحريف وحذف وزيادة، على خلاف الكتب المنزلة القديمة السالفة، من صحف إبراهيم وموسى، وزبور وإنجيل وغيرها، فإنها لم تسلم من الزيادة والنقصان بعد وفاة الرسل، ولكن القرآن أنزله سبحانه وتعالى وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. الحجر - 9 وقال إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه. القيامة 17 - 19 وقال لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. حم السجدة - 42. وإن عدم الإيمان بحفظ القرآن وصيانته يجر الى إنكار القرآن وتعطيل الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه حينذاك يحتمل في كل آية من آيات الكتاب الحكيم أنه وقع فيها تبديل وتحريف، وحين تقع الإحتمالات تبطل الإعتقادات والإيمانيات، لأن الإيمان لا يكون إلا باليقينيات وأما بالظنيات والمحتملات فلا. وأما الشيعة فإنهم لا يعتقدون بهذا القرآن الكريم الموجود بأيدي الناس، والمحفوظ من قبل الله العظيم، مخالفين أهل السنة، ومنكرين لجميع النصوص الصحيحة الواردة

[ 19 ]

في القرآن والسنة، ومعارضين كل ما يدل عليه العقل والمشاهدة، مكابرين للحق وتاركين للصواب. فهذا هو الإختلاف الحقيقي الأساسي بين أهل السنة والشيعة، بين المسلمين والشيعة لأنه لا يكون الإنسان مسلما إلا باعتقاده أن القرآن هو الذي بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الناس كافة بأمر من الله عزوجل. وإنكار القرآن ليس إلا تكذيبا بالرسول. وقال في هامشه: ولقد كان الشيخ السيد محب الدين الخطيب صادقا في رسالته (الخطوط العريضة) حين قال: وحتى القرآن الذي كان ينبغي أن يكون المرجع الجامع لنا ولهم على التقارب والوحدة، هم لا يعتقدون بذاك، ثم ذكر بعض الأمثلة من صفحة 9 الى 16 التي تدل على أن الشيعة لا يعتقدون بالقرآن الذي في أيدينا وأيدي الناس بل يظنونه محرفا مغيرا وناقصا. وقد رد عليه لطف الله الصافي في (مع الخطيب في خطوطه العريضة) من ص 48 الى ص 82 بحماس وشدة وأنكر اعتقاد الشيعة تحريف القرآن وتغييره إنكارا لا يستند الى دليل وبرهان. فأولا: ما استطاع الشيخ الشيعي (لطف الله الصافي) أن ينكر ما ذكره الخطيب من نصوص الشيعة الدالة على التحريف والتغيير في القرآن، كما لم يستطع إنكار كتاب الحاج ميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي ومرتبته وشأنه عند الشيعة، بل قد اعترف بتضلعه في الحديث وعلو مقامه عندهم. ثانيا: ذكر الصافي نفسه بعض العبارات التي هي بمنزلة الإعتراف باعتقاد الشيعة بالتحريف في الكتاب المبين. ثالثا: التجأ الشيخ الشيعي أخيرا الى أنه لا ينبغي أن يثار مثل هذا الموضوع لأنه يعطي سلاحا في أيدي المستشرقين للرد على المسلمين بأن القرآن الذي يدعونه محفوظا مصونا قد وقع فيه الخلاف أيضا مثل التوراة والإنجيل. فقوله هذا، ليس إلا إقرارا واعترافا بالجريمة، وإلا فالمسألة واضحة كما سيجئ مفصلا إن شاء الله.

[ 20 ]

رابعا: إن الصافي لم يورد في مبحثه حول القرآن رواية من الإثني عشر - المعصومين عندهم - تدل وتنص على اعتقادهم بعدم التحريف في القرآن، بخلاف الخطيب فإنه ذكر روايتين عن الإثنين منهم تصرح بأن القرآن وقع فيه التغيير والتحريف، وها نحن ذاكرون عديدا من الأحاديث والروايات من كتبكم أنتم أيها الصافي التي لا تقبل الشك في أن الشيعة اعتقادهم في القرآن هو كما ذكره الخطيب رحمه الله ولا تنكرونه إلا تقية وخداعا للمسلمين. ثم قال إحسان ظهير في صفحة 69: من المجرم أيها السادة العلماء والفضلاء ؟ ومن صاحب الجريمة ؟ الذي يرتكب الجريمة ويكتسب العار، أم الذي يدل على الجريمة المرتكبة، وعلى الفضيحة المكتسبة ؟ والرواية ليست واحدة وثنتين بل هناك روايات وأحاديث عن الشيعة تدل وتخبر بأن القرآن عندهم غير محفوظ من التغيير والتبديل، وليس هذا القرآن الموجود قرآن الشيعة، بل هذا القرآن عندهم مختلق بعضه ومحرف بعضه، فانظر ما يرويه الشيعة عن أبي جعفر فيقول صاحب بصائر الدرجات (حدثنا علي بن محمد عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود عن يحيى بن أديم عن شريك عن جابر قال قال أبو جعفر: دعا رسول الله أصحابه بمنى فقال: يا أيها الناس إني تارك فيكم حرمات الله، كتاب الله وعترتي، والكعبة البيت الحرام. ثم قال أبو جعفر: أما كتاب الله فحرفوا، وأما الكعبة فهدموا، وأما العترة فقتلوا، وكل ودايع الله فقد تبروا). ثم قال إحسان ظهير في صفحة 73: (ويؤيد هذه الرواية ذلك الحديث الشيعي المشهور الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزل إلا علي بن أبي طالب والأئمة بعده) الكافي في الأصول - كتاب الحجة، باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة - ج 1 ص 228 - ط طهران.

[ 21 ]

ثم قال في صفحة 117: وأما القول بأن مثل هذه الروايات توجد عند السنة فليس إلا كذبا وإفتراء، فالحق أنه لا يوجد في كتب أهل السنة المعتمد عليها رواية واحدة صحيحة تدل على أن القرآن الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته نقص منه أو زيد عليه، بل صرح أهل العلم من المسلمين بأن من يعتقد مثل هذا فقد خرج عن الملة الحنيفية البيضاء، كما أنهم نصوا على أن الشيعة هم القائلون هذا القول الخبيث. فهذا الإمام ابن حزم الظاهري يقول في كتابه العظيم (الفصل في الملل والنحل) ما نصه (ومن قول الإمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير. وقال أيضا ردا على قول الشيعة إن القرآن محرف ومغير فيه: وأعلموا أنه لو رام اليوم أحد أن يزيد في شعر النابغة أو شعر زهير كلمة أو ينقص أخرى ما قدر لأنه كان يفتضح في الوقت، وتخالفه النسخ المثبتة، فكيف القرآن في المصاحف وهي من آخر الأندلس، وبلاد البربر، وبلاد السودان الى آخر السند، وكابل، وخراسان، والترك، والصقالبة، وبلاد الهند فما بين ذلك - فظهر حمق الرافضة. وقال الأصولي الشافعي المعروف: الأول في الكتاب، أي القرآن وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف تواترا. وقال الأصولي الحنفي: أما الكتاب فالقرآن المنزل على الرسول عليه السلام، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلا متواترا بلا شبهة. وقال الآمدي: وأما حقيقة الكتاب هو ما نقل إلينا بين دفتي المصاحف نقلا متواترا. وقال السيوطي بعد ما ذكر الأقوال بأن القرآن جمعه وترتيبه ليس إلا توقيفيا، قال: قال القاضي أبو بكر في الإنتصار: الذي نذهب إليه أن جميع القرآن أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو هذا الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وإنه لم ينقص منه شئ ولا زيد فيه.

[ 22 ]

وقال البغوي في شرح السنة: إن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين، القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئا. وقال الخازن في مقدمته تفسيره: وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله عزوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئا... فكتبوه كما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن قدموا أو أخروا شيئا، أو وضعوا له ترتيبا لم يأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم... فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي هو في مصاحفنا الآن. هذا وقد بوب الإمام البخاري بابا في صحيحه بعنوان: باب من قال لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين. ثم ذكر تحت ذلك حديثا: إن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي صلى الله عليه وسلم من شئ ؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية. فهذا ما رواه بخارينا، وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة، وذلك ما قاله أئمتهم. وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتاب (البرهان) بعد ذكر قول القاضي في (الإنتصار) وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقوله إن علينا جمعه وقرآنه وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل). انتهى محل الحاجه من كلامه. الهدف من تحويل المسألة النظرية الى مسألة عملية ما هو الهدف من هذه العشرات من الكتب والمنشورات التي كتبها بعض الكتاب من قلوب تفيض ببغض الشيعة، وقام آخرون بطباعتها وتوزيعها ونشرها في أنحاء العالم.. ومن أبرزها كتب هذا المؤلف الهندي التي يوزعونها مجانا خاصة على الحجاج في موسم

[ 23 ]

الحج. ويبيعونها في المكتبات بثمن بخس.. ومعها أشرطة مسجلة تكفر الشيعة وتخرجهم من الإسلام ! إن الطبعة التي نقلنا منها فقرات التهمة للشيعة هي الطبعة الثلاثون من كتاب يتهمنا بالكفر وعدم الإعتقاد بالقرآن، وقد طبعت في لاهور - باكستان، وذكر فيها عناوين ثلاث عشرة مكتبة للتوزيع في السعودية ! هل أن السبب في تبني خصوم الشيعة لهذا (الباحث) وكتبه أكثر من غيره، أنه أفتى بكفر الشيعة وهدر دمائهم وإباحة أعراضهم، وأسس مع أشكاله منظمة إرهابية في باكستان لقتل الشيعة باسم (ميليشيا الصحابة) تخصصت بمهاجمة مساجد الشيعة، وقتلت أكبر عدد ممكن منهم في حال صلاتهم في مساجدهم ! أو في حال إقامتهم مجالس التعزية في حسينياتهم في ذكرى شهادة الإمام الحسين عليه السلام ! أم السبب أنهم وجدوا أن كتب هذا المؤلف هي أقوى ما كتب ضد الشيعة بأسلوب (علمي) فأحبوا أن يطلع الناس على حقيقة الشيعة من قلم هذا المؤلف القدير ونتاجه الموضوعي ؟ ! وآخر ما قرأت في هذه التهمة ما توصل إليه (دكتور) وهابي ادعى أن الشيعة في مسألة تحريف القرآن قسمان: قسم يعتقد بتحريف القرآن ونقصه، وهم عدد من علمائهم القدماء والمتأخرين. وهؤلاء تنطبق عليهم فتاوي إحسان ظهير وأمثاله. وقسم يوافق السنة على الإعتقاد بعدم تحريف القرآن، وهم عدد من علمائهم القدماء والمتأخرين. وهؤلاء لا يصح تكفيرهم من هذه الجهة، وإن صح تكفيرهم لمغالاتهم في أهل البيت وما يوجبه ذلك من شرك وخروج عن الإسلام ! ! ماذا يمكن أن يكون هدف هؤلاء الكتاب، وأولئك الناشرين ؟ وهل كتب علينا نحن الشيعة أن ندفع دائما الثمن، وتتوالى علينا سهام الإفتراءات والتهم ؟ وأن يكون جواب دعوتنا الى الوحدة مع إخواننا السنة لمقابلة موجة العداء العالمية للإسلام، أن نفاجأ بتحالف النواصب والأجانب، ثم يقال لنا: اعترفوا بالكفر والخروج عن الدين، أو تبرؤوا من أهل بيت النبي الطاهرين، الذين أوصى بهم النبي صلى الله عليه وآله الى جنب القرآن ! !

[ 24 ]

تحرير المسألة يقول علماء أصول الفقه: لا بد قبل البحث في المسألة من تحرير محل النزاع فيها.. وهو كلام علمي تماما، لأن خلط الموضوعات يوجب خلط الأحكام، فلا بد من إعراب المسألة الخلافية وفك الإرتباط بين مفرداتها قبل طرحها للبحث.. هذه هي المشكلة الأولى في مسألتنا.. والمشكلة الثانية.. هي التهويل والكلام الفارغ عن المحتوى.. فإذا استطعنا في هذه الدراسة أن نبتعد عن هاتين المشكلتين، نكون توفقنا بعون الله تعالى الى تقديم بحث علمي نافع للمسلمين حول القرآن الكريم، الركن الأهم والثقل الأكبر في الإسلام، والى نفي تلك التهمة الكاذبة عن مذهب أهل بيت النبي عليهم السلام الذين أوصى بهم النبي صلى الله عليه وآله جنبا الى جنب القرآن. إن البحث في موضوع مقدس كالقرآن، وفي مسألة قرآنية خطيرة كمسألتنا.. يوجب على الباحث الذي يحترم نفسه وقلمه، أن يراعي الأصول التالية: أولا: معرفة نوع المسألة، وهل هي مسألة علمية محضة أم مسألة عملية ؟ هل المشكلة أنه توجد في مصادر المسلمين وبطون الكتب روايات تتنافى مع صيانة القرآن وسلامته ؟ أم المشكلة أن أناسا منهم يعتقدون بتحريف القرآن، لكي نثبت لهم سلامته وندعوهم الى الإيمان به ؟ ثانيا: العدالة في النظر الى الروايات الواردة في مصادر الشيعة والسنة معا. أما أن يرى الكاتب الروايات التي في مصادر الشيعة ويغمض عينيه عما في مصادر السنة، كما فعل الكتاب الجدد الذين وجهوا التهمة الى الشيعة في عصرنا.. فهذا عمل لا ينسجم مع العدالة والموضوعية. ثالثا: التتبع الواسع للروايات وتحري الدقة في نقلها وتحليلها والإستنتاج منها. وإذا راعينا هذه الأصول في مسألتنا، نجد أن واقعها ليس أكثر من وجود روايات في مصادر الشيعة تقول بنقص القرآن.. وفي مقابلها توجد روايات في مصادر السنة تقول بنقص القرآن، وروايات أخرى تقول بزيادته، وروايات أخرى تجوز التصرف في نص القرآن.

[ 25 ]

وإذا نظرنا الى واقع المسلمين الشيعة والسنة نجدهم مجمعين والحمد لله على صحة نسخة القرآن الموجودة في طول بلاد الشيعة وعرضها، وطول بلاد السنة وعرضها، لا يعرفون قرآنا غيرها. فكيف يصح لكاتب والحال هذه أن يصدر حكمه ويقول: إن الطائفة الفلانية يعتقدون بالأمر الفلاني أو لا يعتقدون به، فإن كلمة (يعتقدون) تعني أن ذلك الأمر موجود في مصادرهم ويقبله علماؤهم ويعتقدون به ويدرسونه لعوامهم، فهو من عقائدهم المعاشة في مجتمعاتهم، كعقيدة الإمامة، وانتظار الإمام المهدي عليه السلام، عند الشيعة. إن الفرق كبير بين وجود مطلب في مصادر طائفة من المسلمين، وبين أن يكون مقبولا عند بعض علمائها أو كلهم.. وحتى لو كان مقبولا عند بعض العلماء فلا يعني ذلك أنه صار من عقائد طائفتهم، إلا إذا كان أولئك العلماء باعتراف الطائفة ممثلين لمذهبها. فطبيعة المشكلة إذن نظرية محضة لا عملية، لأن العلماء المعاصرين من السنة والشيعة لا يأخذون بهذه الروايات، بل يردونها أو يؤولونها.. فلا معنى لإصرار الكاتب على تحويلها إلى مشكلة عملية إلا أنه صاحب جدل وهدف غير نزيه.. وهذا ما ارتكبته الكتابات التي اتهمت الشيعة بأنهم لا يؤمنون بالقرآن ! فلو عكسنا القضية وقلنا إن السنة يعتقدون بتحريف القرآن، لأن روايات التحريف موجودة في مصادرهم، فهل يقبل ذلك منا أمثال هذا الكاتب ؟ ! وإذا استخرجنا له روايات التحريف من مصادرهم وقبلها منا بسبب ضعفه أو جهله، فهل نكون موضوعيين في حكمنا على السنة بأنهم يعتقدون بتحريف القرآن ؟ كلا، إن غاية ما نستطيع قوله: إنه توجد في مصادرهم روايات تدل على تحريف القرآن، ولا ندري موقف علمائهم المعاصرين منها، فقد يقبلونها وقد لا يقبلونها.. ثم إذا قبلوها وأولوها بتأويلات لا تتنافى باعتقادهم مع صيانة القرآن، فهل يصح التهريج عليهم بأنكم اعتقدتم بتحريف القرآن وخرجتم بذلك عن الإسلام.. الى آخر الأحكام التي أصدرها على الشيعة خصومهم ؟ !

[ 26 ]

مثلا، يعتقد الشيعة بأن القرآن نزل من عند الواحد، على حرف واحد، على نبي واحد.. على حد تعبير أئمتنا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، ويعتقد إخواننا السنة أنه نزل على سبعة أحرف، يعني بسبعة أشكال، والأشكال السبعة كلها قرآن منزل. أو نزل بأحرف على عدد لغات العرب.. وكلها قرآن منزل ! وعندما تسألهم: هل القرآن واحد أو متعدد ؟ يجيبون: هو واحد. تسألهم: كيف قلتم إنه نزل سبعة ؟ ! يقولون: نعم، هو واحد، ولكن سبعة ! فهل يصح أن نهول عليهم ونقول إنكم لا تعتقدون بالقرآن الواحد، وتعتقدون بأنه سبعة قرائين ؟ كلا، إنها شبهة عرضت لهم بسبب تبني الخليفة عمر لهذا الرأي وتفسيره الأحرف السبعة التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وآله بأن معاني القرآن سبعة أقسام، ففسرها الخليفة عمر بألفاظ القرآن وأنه نزل من عند الله تعالى سبعة أشكال، ويجوز للمسلم أن يقرأه بأي شكل منها.. فوقعوا في مشكلة أن الواحد سبعة والسبعة واحد ! إن مسألة القرآن أكثر دقة وتفصيلات، وعلى الباحثين في العقائد أن يلتفتوا أنه لا يصح التبسيط في الأمر المركب، ولا الحكم على صوره وحالاته بالجملة، بل يجب تشخيص الحالة بدقة، ثم إصدار الحكم على قدرها. ومثال آخر أكثر وضوحا: هل يقبل هؤلاء الكتاب الذين أصدروا حكمهم على الشيعة بأنهم يعتقدون بتحريف القرآن، أن يؤلف باحث شيعي كتابا يقول فيه إن السنيين يؤمنون بنبوة عمر بن الخطاب ولا يؤمنون بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ؟ ! ثم يسوق لذلك روايات من صحاحهم المعتمدة تذكر أن النبي كان يرى رأيا وعمر يرى رأيا، ثم ينزل القرآن مخطئا رأي النبي ومؤيدا رأي عمر ! أو أن النبي كان يخطئ الخطأ الفاحش فيستنكر ذلك عمر وينهاه عنه، فيتدارك النبي أخطاءه ويصحح مواقفه بتسديد عمر ! ثم يسرد لذلك مجموعة شواهد.. مثل مسألة أسرى بدر، ومسألة حجاب نساء النبي، ومسألة أمر

[ 27 ]

النبي المزعوم للمسلمين أن يذبحوا جمالهم في مؤتة، ومسألة أمر النبي المزعوم بقطع نخيل خيبر وكروم الطائف فنهاه عمر.. حتى أن بعض محبي الخليفة ألفوا كتبا ونظموا قصائد في موافقات الله تعالى لعمر، يعنون بذلك نزول القرآن أو الوحي بتخطئة رأي النبي صلى الله عليه وآله وتأييد رأي عمر ! ! والأعظم من ذلك أنه عندما تقع مواجهة بين عمر والنبي صلى الله عليه وآله كما حدث في طلب النبي من الحاضرين في مرض وفاته أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم وصيته لتأمينهم مدى الأجيال من الضلال، فعارض ذلك عمر وأيده أكثر الحاضرين حتى غلبوا النبي ومنعوه من كتابة وصيته ! ! وإلى يومنا هذا يقف إخواننا السنة الى جانب عمر ويبررون عمله، ولعلهم يخطئون النبي كيف طلب الورق والدواة لكتابة وصيته، وأراد أن يؤمن أمته من الضلال ! ! هل يصح أن نجعل من ذلك مشكلة عملية مع إخواننا السنيين وندعوهم الى الإيمان بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وترك القول بنبوة عمر ؟ ! وإذا قال لنا علماء السنة: إنا نشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله، ولا نقول بنبوة عمر، بل نرى أن عمر فرد من المسلمين، يجب عليه أن يكون مطيعا للنبي إطاعة كاملة ! فهل يصح منا أن نصر عليهم ونقول لهم: كلا لا نقبل منكم ؟ ! تلك هي مشكلتنا مع هؤلاء الباحثين الجدد الذين رفعوا في هذه السنوات راية عدم إيمان الشيعة بالقرآن، بسبب أنه توجد في مصادرهم روايات تقول بحذف آيات منه نزلت في حق أهل البيت عليهم السلام ! معنى القول بتحريف القرآن يطلق هذا التعبير على ادعاء التحريف اللفظي أو التحريف المعنوي، أو كليهما. وأهم أقسام التحريف اللفظي: 1 - القول بوجود نقص في القرآن، أي كلمات أو آيات أو سور أنزلها الله تعالى، وكانت جزء منه، ثم ضاعت أو حذفت منه لسبب وآخر.

[ 28 ]

2 - القول بوجود زيادة في القرآن، أي كلمات أو آيات أو سور لم ينزلها الله تعالى، ثم أضيفت الى القرآن لسبب وآخر. 3 - القول بوجود الزيادة والنقصان معا في القرآن. 4 - القول بأن القرآن نزل من عند الله تعالى بأكثر من نص، ولم ينزل بنص واحد، بل نزل بالقراءات السبع أو العشر، أو بكل لغات العرب.. فهي جميعا قرآن منزل من عند الله تعالى، لأنها مروية عن النبي صلى الله عليه وآله، أو مجازة منه، أو من صحابته. 5 - القول بأن القرآن نزل من عند الله تعالى بالمعنى لا بالألفاظ ! وأن نصه مفتوح للقراءة بأي صيغة، فيجوز قراءته بالمعنى بشرط أن يكون بألفاظ عربية وأن لا يغير القارئ معانيه الأساسية كأن يجعل العذاب مغفرة والمغفرة عذابا ! 6 - القول بأن القرآن الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وآله كتاب آخر غير هذا الموجود بأيدي المسلمين، وإنكار هذا القرآن الموجود والعياذ بالله ! وأهم أقسام التحريف المعنوي: 1 - تأويل القرآن تبعا للهوى والأغراض الدنيوية، وهو التأويل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله أنه سيقع في أمته، فقد روى السنة والشيعة روايات صحيحة أن النبي أخبر بأن عليا سوف يقاتل قريشا على تأويل القرآن، كما قاتلهم النبي على تنزيله. كما في الترمذي ج 5 ص 298 وصححه، والحاكم ج 3 ص 122 وج 4 ص 298 وصححهما على شرط الشيخين، وأحمد ج 3 ص 82 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 133 (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة). 2 - تفسير القرآن خارج الضوابط التي عينها النبي صلى الله عليه وآله، وهي ضوابط في المفسر وفي منهج التفسير. وقد ثبت بحديث إني تارك فيكم الثقلين أن النبي صلى الله عليه وآله عين عترته مفسرين شرعيين للقرآن، فلا يجوز تجاوز تفسيرهم، كما ثبت تحريم تفسير القرآن بالظنون والترجيحات والإحتمالات. فالتفسير غير الشرعي إن كان عن هوى دنيوي دخل في التأويل، وإلا فهو منهج خاطئ في تفسير كتاب الله تعالى، وفي كلا الحالتين يصح أن يسمى تحريفا لمعانيه. * *

[ 29 ]

أما التأويل الصحيح فليس تحريفا ولا تأويلا مذموما، بل هو علم الكتاب المخصوص بأهله الراسخين في العلم، الذين آتاهم الله تعالى الكتاب والحكمة و علمهم تأويل الأحاديث. وهم عندنا عترة النبي صلى الله عليه وآله الذين نص عليهم. واختلف إخواننا السنة في تحديد الراسخين في العلم الذين عندهم علم الكتاب، فادعاه بعضهم لبعض الصحابة، ونفى بعضهم وجودهم في الأمة، حتى أنه لما رأى أن قوله تعالى قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب لا يمكن تفسيرها بغير علي، حرف الآية وقرأ (من) فيها بالكسر، فقال (ومن عنده علم الكتاب) ليكون المعنى: وعند الله علم الكتاب ! معنى المصادر المعتمدة يختلف معنى المصادر المعتمدة في الحديث والتفسير والتاريخ والفقه عندنا عن معناه عند إخواننا السنة، فروايات مصادرنا المعتمدة وفتاواها جميعا قابلة للبحث العلمي والإجتهاد عندنا.. ولكل رواية في هذه المصادر أو رأي أو فتوى، شخصيتها العلمية المستقلة، ولابد أن تخضع للبحث العلمي. أما إخواننا السنيون فيرون أن مصادرهم المعتمدة فوق البحث العلمي، فصحيح البخاري عندهم كتاب معصوم، كله صحيح من الجلد الى الجلد، بل أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، ورواياته قطعة واحدة، فإما أن تأخذها وتؤمن بها كلها، أو تتركها كلها. وبمجرد أن تحكم بضعف رواية واحدة من البخاري فإنك ضعفته كله، وخرجت عن كونك سنيا.. وصرت مخالفا للبخاري، ولأهل السنة والجماعة ! وينتج عن هذا الفرق أن الباحث الشيعي يمكن أن يبحث جديا في رواية من كتاب الكافي، ويتوصل الى التوقف في سندها، أو الى الإعتقاد بضعف سندها، فلا يفتي بها، ولا يضر ذلك في إيمانه وتشيعه.. بينما السني محروم من ذلك، وإن فعل صدرت فيه فتاوى الخروج عن مذاهب أهل السنة، وقد يتهم بالرفض ومعاداة الصحابة !

[ 30 ]

وينتج عنه أن الباحث إذا وجد رواية في تحريف القرآن في البخاري فإن من حقه أن يلزم السني بأن الإعتقاد بتحريف القرآن جزء من مذهبه ! بينما إذا وجد رواية مثلها في الكافي لا يستطيع أن يلزم الشيعي بأنها جزء من مذهبه حتى يسأله: هل تعتقد بصحتها أم لا ؟ أو هل يعتقد مرجع تقليدك بصحتها أم لا ؟ فإن أجابه نعم، ألزمه بها، وإلا فلا. الصيغة العلمية ل‍ (التهمة) صار بإمكاننا الآن أن نضع صيغة علمية للتهمة، وذلك بأن نسأل هذا الكاتب وأمثاله: - ماذا تقصد بقولك: إن الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن فهم غير مسلمين ؟ - أقصد التحريف اللفظي طبعا، وليس المعنوي. - حسنا، أي أقسام التحريف اللفظي تقصد ؟ - القول بنقص القرآن، وأنه حذف منه آيات نزلت في مدح أهل البيت وذم مخالفيهم. - إذن روايات التهمة كلها تدور حول أن نسخة القرآن الفعلية ناقصة، فهل رأيت نصا في مصادرنا يقول بزيادة سورة أو كلمة في القرآن الموجود ؟ - كلا، لم أر نصا يقول بذلك. - الحمد لله على أنه لا توجد في مصادر الشيعة روايات تدعي الزيادة في القرآن، فالقرآن الموجود محل اتفاق، والروايات التي هي محل الكلام تدعي وجود إضافة لما هو موجود. هذا هو تحديد التهمة. وإن من أبسط أصول العدالة إذا وجه إليك أخوك تهمة ما، أن تقول له: أنظر أيها الأخ الى نفسك.. فإن رأيت نفس التهمة موجودة فيك، فكن أنت الحكم، وأصدر الحكم على بما تصدره على نفسك ! ! لذا نرجو أن يسمح لنا إخواننا السنة بأن نسجل تهمة أخرى لمصادرهم بأنها يوجد فيها روايات كثيرة في تحريف القرآن، أكثر وأخطر من التي عندنا، ففيها روايات تدعي

[ 31 ]

نقص القرآن وتقول إن القرآن الموجود لا يبلغ ثلث القرآن المنزل.. وروايات تقول بوجود سور وآيات زيدت على القرآن.. وروايات أخرى تقول بأن ما نزل من عند الله تعالى ليس قرآنا واحدا بل هو قرائين متعددة بعدد لهجات قبائل العرب ! ثم تبلغ المصيبة أوجها عندما نجد في مصادرهم أحاديث (موثقة) تحرر المسلمين من النص القرآني وتجوز قراءته بالمعنى.. وتدعي أن كل قراءة له تكون قرآنا منزلا من عند الله تعالى ! ! ومع كل هذا.. فنحن نوجه التهمة الى تلك المصادر وأصحاب تلك الروايات، ولا نصدر الحكم على إخواننا السنة بأنهم يعتقدون بتحريف القرآن، ولا نكفر ملايين المسلمين لأنهم لا بد أنهم يعتقدون بتلك الروايات ! * * كنا نأمل أن تتوقف موجة التهمة لنا بأنا لا نعتقد بالقرآن، أو أن يقف بعض إخواننا علماء السنة فيجيبوا أصحاب هذه التهمة، ويأخذوا على يد السفهاء الذين يرفعونها شعارا ضد الشيعة... ولكنا لم نر شيئا من ذلك مع الأسف.. فكان لابد أن نستخرج نماذج من روايات مصادر إخواننا في هذه الصفحات، راجين أن يعالجوها معالجة علمية كما نعالج الروايات التي في مصادرنا، وأن ينتهي هذا التنابز والتهريج بأن الشيعة أو السنة لا يؤمنون بالقرآن.. حتى تتوجه جهودنا وجهودهم الى بحوث القرآن وتعريف المسلمين بجواهره وكنوزه.. ودعوة العالم الى هداه.. فذلك خير لنا عند الله وعند الناس.

[ 33 ]

الفصل الثاني خلاصة ردود علماء الشيعة

[ 35 ]

خلاصة ردود علماء الشيعة صدرت عن علماء الشيعة ردود عديدة على تهمة القول بتحريف القرآن، نذكر خلاصة أفكارها بما يلي: 1 - أن واقع الشيعة في العالم يكذب التهمة فالشيعة ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية أو مجتمع مقفل، حتى يخفى قرآنهم الذي يعتقدون به ويقرؤونه. بل هم ملايين الناس وعشرات الملايين، يعيشون في أكثر بلاد العالم الإسلامي، وهذه بلادهم وبيوتهم ومساجدهم وحسينياتهم ومدارسهم وحوزاتهم العملية، لا تجد فيها إلا نسخة هذا القرآن.. ولو كانوا لا يعتقدون به ويعتقدون بغيره دونه أو معه، فلماذا يقرؤونه في بيوتهم ومراكزهم ومناسباتهم ولا يقرؤون غيره ؟ ولماذا يدرسونه ولا يدرسون غيره ؟ ! 2 - ومذهب التشيع مبني على التمسك بالقرآن والعترة قام مذهب التشيع لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله على الإعتقاد بأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يوصي أمته بالتمسك بعده بالقرآن وعترة النبي، لأنه اختارهم للإمامة وقيادة الأمة بعد نبيه صلى الله عليه وآله. وحديث الثقلين حديث ثابت عند الشيعة والسنة، فقد رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 (عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني أوشك أن ادعى

[ 36 ]

فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروني بم تخلفوني فيهما ؟ !). وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق عند الطرفين بحيث أن أحد علماء الهند ألف في أسانيده وطرقه كتاب (عبقات الأنوار) من عدة مجلدات. وعندما يقوم مذهب طائفة على التمسك بوصية النبي بالثقلين، الثقل الأكبر القرآن والثقل الأصغر أهل بيت نبيهم.. فكيف يصح اتهامهم بأنهم لا يؤمنون بأحد ركني مذهبهم ؟ ! إن مثل القرآن والعترة - الذين هم المفسرون للقرآن والمبلغون للسنة - في مذهبنا، كمثل الأوكسجين والهيدر وجين، فبدون أحدهما لا يتحقق وجود مذهب التشيع.. ولم تقتصر تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله على التمسك بعترته على حديث الثقلين، بل كانت متكررة وممتدة طوال حياته الشريفة، وكان أولها مبكرا في مرحلة دعوة عشيرته الأقربين - التي يقفز عنها كتاب السيرة في عصرنا ويسمونها مرحلة دار الأرقم - يوم نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين فجمع بني عبد المطلب ودعاهم الى الإسلام، وأعلن لهم أن عليا وزيره وخليفته من بعده ! قال السيد شرف الدين في المراجعات ص 187 (... فدعاهم الى دار عمه أبي طالب وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، وفيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، والحديث في ذلك من صحاح السنن المأثورة، وفي آخره قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها غير علي - وكان أصغرهم - إذ قام فقال: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ رسول الله برقبته وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع !) انتهى. وتواصلت تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله بعد حديث الدار في مناسبات عديدة، كان منها حديث الثقلين، وكان منها تحديد من هم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم

[ 37 ]

الرجس.. ثم كان أوجها أن أخذ البيعة من المسلمين لعلي في حجة الوداع في مكان يدعى غدير خم.. وقد روت ذلك مصادر الفريقين أيضا، وألف أحد علماء الشيعة كتاب (الغدير) من عدة مجلدات في جمع أسانيده وما يتعلق به. 3 - والشيعة عندهم قاعدة عرض الأحاديث على القرآن من مباحث أصول الفقه عند الشيعة والسنة: مسألة تعارض الأحاديث مع القرآن، وتعارض الأحاديث فيما بينها.. وفي كلتا المسألتين يتشدد الشيعة في ترجيح القرآن أكثر من إخوانهم السنة، فعلماء السنة مثلا يجوزون نسخ آيات القرآن بالحديث حتى لو رواه صحابي واحد.. ولذلك صححوا موقف الخليفة أبي بكر السلبي من فاطمة الزهراء عليها السلام، حيث صادر منها (فدك) التي نحلها إياها النبي صلى الله عليه وآله وكانت بيدها في حياة أبيها، ثم منعها إرثها من أبيها صلى الله عليه وآله بدعوى أنه سمع النبي يقول (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) يقصد أن ما تركه النبي يكون صدقة بيد الدولة.. واحتجت عليه فاطمة الزهراء عليها السلام بالقرآن وقالت له كما روى النعماني المغربي في شرح الأخبار ج 3 ص 36: يابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي.. ؟ ! لقد جئت شيئا فريا، فقال علماء السنة إن عمل أبي بكر صحيح، وآيات الإرث في القرآن منسوخة بالرواية التي رواها أبو بكر وحده، ولم يروها غيره ! أما إذا تعارض الحديثان فقد وضع علماء الأصول والحديث لذلك موازين لترجيح أحدهما على الآخر، ومن أولها عند الفريقين الأخذ بالحديث الموافق لكتاب الله تعالى وترك ما خالفه.. إلخ. وزاد علماء الشيعة على ذلك أنه بقطع النظر عن وجود التعارض بين الأحاديث أو عدم وجوده، فإنه يجب عرض كل حديث على كتاب الله تعالى، والأخذ بما وافقه إن استكمل بقية شروط القبول الأخرى، ورد ما خالفه وإن استجمع شروط القبول الأخرى، ورووا في ذلك روايات صحيحة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله.. ففي الكافي ج 1 ص 69 (عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه.

[ 38 ]

... عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال: أيها الناس ما جاء كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاء كم يخالف كتاب الله فلم أقله.... عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لانثق به ؟ قال إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فالذي جاء كم به أولى به.... عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف). وفي تهذيب الأحكام للطوسي ج 7 ص 275 (... فهذان الخبران قد وردا شاذين مخالفين لظاهر كتاب الله، وكل حديث ورد هذا المورد فإنه لا يجوز العمل عليه، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا إذا جاءكم منا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاطرحوه أو ردوه علينا. وهذان الخبران مخالفان على ما ترى..) انتهى. فكيف يتهم الشيعة بعدم الإعتقاد بالقرآن، والقرآن هو المقياس الأول في مذهبهم، وهم يخوضون معركة فكرية مع إخوانهم السنة ويكافحون من أجل تحكيم نصوص القرآن، وقد اشتهرت عنهم إشكالاتهم على اجتهادات الخلفاء في مقابل نص القرآن والسنة، ومازال علماء السنة الى عصرنا يسعون للإجابة على هذه الإشكالات ! 4 - وتاريخ الشيعة وثقافتهم مبنيان على القرآن والشيعة ليسوا طائفة مستحدثة، بل جذورهم ضاربة الى زمن النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان عدد من الصحابة يلتفون حول علي عليه السلام، فشجعهم النبي على ذلك، ومدحهم وأبلغهم مدح الله تعالى لهم، كما ترويه مصادر السنة والشيعة.. فقد روى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 379 في تفسير قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية فقال: (وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل على فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون

[ 39 ]

يوم القيامة. ونزلت: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل على قالوا: جاء خير البرية. وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي سعيد مرفوعا: على خير البرية. وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال لما نزلت: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين. وأخرج ابن مردويه عن علي قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تسمع قول الله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، أنت وشيعتك. وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون غرا محجلين) انتهى. فعلى وشيعته كانوا وجودا مميزا في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وهم الذين كانوا مشغولين مع علي بجنازة النبي، عندما بادر الآخرون الى السقيفة ورتبوا بيعة أبي بكر، فأدان علي وفاطمة وشيعتهم هذا التصرف، واتخذوا موقف المعارضة.. وعندما بويع علي بالخلافة كانوا معه في مواجهة الإنحراف وتنفيذ وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقتال على تأويل القرآن.. ثم كانوا مع أبنائه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام.. وعبر القرون كان الشيعة قطاعا كبيرا حيويا واسع الإمتداد في الأمة تمثل في مجتمعات ودول، وتاريخ معروف مدون.. وثقافتهم ومؤلفاتهم كثيرة وغزيرة، وقد كانت وما زالت في متناول الجميع، ومحورها كلها القرآن والسنة، ولا أثر فيها لوجود قرآن آخر ! ! 5 - وتفاسيرهم ومؤلفاتهم حول القرآن يمكن القول بأن عدد الشيعة عبر العصور المختلفة كان خمس عدد الأمة الإسلامية، وبقية المذاهب السنية أربعة أخماس.. فالوضع الطبيعي أن تكون نسبة مؤلفاتهم في تفسير القرآن ومواضيعه الأخرى خمس مجموع مؤلفات إخوانهم السنة.. وإذا لاحظنا ظروف الإضطهاد التي عاشها الشيعة عبر القرون، نكون منصفين إذا توقعنا من علمائهم عشر ما ألفه إخوانهم السنة حول القرآن بل نصف العشر.. بينما نجد أن مؤلفات الشيعة حول القرآن قد تزيد على الثلث !

[ 40 ]

وقد أحصت دار القرآن الكريم في قم التي أسسها مرجع الشيعة الراحل السيد الكلبايكاني رحمه الله، مؤلفات الشيعة في التفسير فقط في القرون المختلفة، فزادت على خمسة آلاف مؤلف.. فكيف يصح أن نعمد الى طائفة أسهموا على مدى التاريخ الإسلامي أكثر من غيرهم في التأليف في تفسير القرآن وعلومه.. ونتهمهم بعدم الإيمان بالقرآن، أو بأن عندهم قرآنا آخر ! ! 6 - وفقه الشيعة في احترام القرآن أكثر تشددا توجد مجموعة أحكام شرعية عند الشيعة تتعلق بوجوب احترام نسخة القرآن الكريم وحرمة إهانتها.. فلا يجوز عندنا مس خط القرآن لغير المتطهر، ولايجوز القيام بأي عمل يعتبر عرفا إهانة للقرآن ولو لم يقصد صاحبه الإهانة، كأن يضع نسخة القرآن في مكان غير مناسب، أو يرميها رميا غير لائق، أو ينام ونسخة المصحف في مكان مواجه لقدميه، أو يضعها في متناول طفل يسئ الى قداستها.. الى آخر هذه الأحكام التي تشاهدها في كتب الفقه العملي الذي يعلم الناس الصلاة والوضوء والأحكام التي يحتاجها الشيعي في حياته اليومية.. فأي قرآن تقصد هذه الأحكام التي تعلمها نساء الشيعة لأطفالهن.. ؟ هل تقصد قرآن الشيعة المزعوم الذي لا يعرفه الشيعة ولا رأوه ؟ ! 7 - وفتاوى علماء الشيعة بعدم تحريف القرآن الذين يمثلون الشيعة في كل عصر هم علماؤهم، فهم الخبراء بمذهب التشيع لأهل البيت عليهم السلام، الذين يميزون ما هو جزء منه وما هو خارج عنه.. وعندما نقول علماء الشيعة نعني بالدرجة الأولى مراجع التقليد الذين يرجع إليهم ملايين الشيعة ويقلدونهم، ويأخذون منهم أحكام دينهم في كيفية صلاتهم وصومهم وحجهم، وأحكام زواجهم وطلاقهم وإرثهم، معاملاتهم.. فهؤلاء الفقهاء، الذين هم كبار المجتهدين في كل عصر، يعتبر قولهم رأي الشيعة، وعقيدتهم عقيدة الشيعة.

[ 41 ]

ويليهم في الإعتبار بقية العلماء، فهم يعبرون عن رأي الشيعة نسبيا.. وتبقى الكلمة الفصل في تصويب آرائهم وأفكارهم لمراجع التقليد. وقد صدرت فتاوى مراجع الشيعة في عصرنا جوابا على تهمة الخصوم فأجمع مراجعهم على أن اتهام الشيعة بعدم الاعتقاد بالقرآن افتراء عليهم وبهتان عظيم، وأن الشيعة يعتقدون بسلامة هذا القرآن وأنه القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله دون زيادة أو نقيصة.. وهذه نماذج من فتاوى عدد من فقهاء الشيعة الماضين والحاضرين ننقلها ملخصة من كتاب (البرهان على صيانة القرآن) للسيد مرتضى الرضوي ص 239 فما بعدها: رأي الشيخ الصدوق: (إعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة (يعني في الصلاة) ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب). رأي الشيخ المفيد: (وأما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان، وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز، ويكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن، غير أنه لابد متى وقع ذلك من أن يدل الله عليه، ويوضح لعباده عن الحق فيه. ولست أقطع على كون ذلك، بل أميل الى عدمه وسلامة القرآن عنه). رأي الشريف المرتضى: (المحكي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن، فإن القرآن كان يحفظ ويدرس جميعه في ذلك الزمان، حتى عين على جماعة من الصحابة في حفظهم له، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله عليه وآله ويتلى عليه، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وآله عدة ختمات. وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منثور، ولا مبثوث).

[ 42 ]

رأي الشيخ الطوسى: (وأما الكلام في زيادته ونقصانه، فمما لا يليق به أيضا، لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله وهو الظاهر في الروايات.. ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته، والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها أحد أنه قال إني مخلف فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر. لأنه لا يجوز أن يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن أهل البيت عليهم السلام ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي أن نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه، ونترك ما سواه). رأي الشيخ الطبرسي: (فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت الى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شئ اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرا، أو منقوصا مع العناية الصادقة، والضبط الشديد). رأي الفيض الكاشاني: (قال الله عزوجل وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير ؟ ! وأيضا قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له، وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفا فما فائدة العرض، مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله، مكذب له، فيجب رده، والحكم بفساده).

[ 43 ]

رأي الشيخ جعفر الجناجي (بجيمين، كاشف الغطاء): (لا زيادة فيه من سورة، ولا آية من بسملة وغيرها، لا كلمة ولا حرف. وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله تعالى بالضرورة من المذهب بل الدين، وإجماع المسلمين، وأخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الطاهرين عليهم السلام، وإن خالف بعض من لا يعتد به في دخول بعض ما رسم في اسم القرآن... لا ريب في أنه محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح القرآن، وإجماع العلماء في جميع الأزمان، ولا عبرة بالنادر). رأي السيد محسن الأمين العاملي: (ونقول: لا يقول أحد من الإمامية لا قديما ولا حديثا إن القرآن مزيد فيه، قليل أو كثير، فضلا عن كلهم، بل كلهم متفقون على عدم الزيادة، ومن يعتد بقوله من محققيهم متفقون على أنه لم ينقص منه). رأي الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: (وإن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله للإعجاز والتحدي، وتمييز الحلال من الحرام، وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم). رأي السيد شرف الدين العاملي: (والقرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس لا يزيد حرفا ولا ينقص حرفا، ولا تبديل فيه لكلمة بكلمة ولا لحرف بحرف، وكل حرف من حروفه متواتر في كل جيل تواترا قطعيا الى عهد الوحي والنبوة، وكان مجموعا على ذلك العهد الأقدس مؤلفا على ما هو عليه الآن، وكان جبرائيل عليه السلام يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام وفاته مرتين. والصحابة كانوا يعرضونه ويتلونه على النبي صلى الله عليه وآله حتى ختموه عليه صلى الله عليه وآله مرارا عديدة، وهذا كله من الأمور المعلومة الضرورية لدى المحققين من علماء الإمامية.

[ 44 ]

... نسب الى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات إلخ. فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ الى الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا، أو مفتر علينا، فإن القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته، تواترا قطعيا عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه، وأئمة أهل البيت كلهم أجمعون رفعوه الى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، وهذا أيضا مما لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم - فضلا عن نصوصه - أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، وبذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها، عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام). رأي السيد البروجردي الطباطبائي: قال الشيخ لطف الله الصافي عن أستاذه آية الله السيد حسين البروجردي (فإنه أفاد في بعض أبحاثه في الأصول كما كتبنا عنه، بطلان القول بالتحريف، وقداسة القرآن عن وقوع الزيادة فيه، وأن الضرورة قائمة على خلافه، وضعف أخبار النقيصة غاية الضعف سندا ودلالة. وقال: وإن بعض هذه الروايات تشتمل على ما يخالف القطع والضرورة، وما يخالف مصلحة النبوة. وقال في آخر كلامه الشريف: ثم العجب كل العجب من قوم يزعمون أن الأخبار محفوظة في الألسن والكتب في مدة تزيد على ألف وثلاثمائة سنة، وأنه لو حدث فيها نقص لظهر، ومع ذلك يحتملون تطرق النقيصة الى القرآن المجيد). رأي السيد محسن الحكيم الطباطبائي: (وبعد، فإن رأي كبار المحققين، وعقيدة علماء الفريقين، ونوع المسلمين من صدر الإسلام الى اليوم على أن القرآن بترتيب الآيات والسور والجمع كما هو المتداول بالأيدي، لم يقل الكبار بتحريفه من قبل، ولا من بعد).

[ 45 ]

رأي السيد محمد هادي الميلاني: (الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أقول بضرس قاطع إن القرآن الكريم لم يقع فيه أي تحريف لا بزيادة ولا بنقصان، ولا بتغيير بعض الألفاظ، وإن وردت بعض الروايات في التحريف المقصود منها تغيير المعنى بآراء وتوجيهات وتأويلات باطلة، لا تغيير الألفاظ والعبارات. وإذا اطلع أحد على رواية وظن بصدقها وقع في اشتباه وخطأ، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا). رأي السيد محمد رضا الكلبايكاني: (وقال الشيخ لطف الله الصافي دام ظله: ولنعم ما أفاده العلامة الفقيه والمرجع الديني السيد محمد رضا الكلبايكاني بعد التصريح بأن ما في الدفتين هو القرآن المجيد، ذلك الكتاب لا ريب فيه، والمجموع المرتب في عصر الرسالة بأمر الرسول صلى الله عليه وآله، بلا تحريف ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان، وإقامة البرهان عليه: أن احتمال التغيير زيادة ونقيصة في القرآن كاحتمال تغيير المرسل به، واحتمال كون القبلة غير الكعبة في غاية السقوط لا يقبله العقل، وهو مستقل بامتناعه عادة). رأي السيد محمد حسين الطباطبائي: (فقد تبين مما فصلناه أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله ووصفه بأنه ذكر محفوظ على ما أنزل، مصون بصيانة إلهية عن الزيادة والنقيصة والتغيير كما وعد الله نبيه فيه. وخلاصة الحجة أن القرآن أنزله الله على نبيه ووصفه في آيات كثيرة بأوصاف خاصة لو كان تغيير في شئ من هذه الأوصاف بزيادة أو نقيصة أو تغيير في لفظ أو ترتيب مؤثر، فقد آثار تلك الصفة قطعا، لكنا نجد القرآن الذي بأيدينا واجدا لآثار تلك الصفات المعدودة على أتم ما يمكن وأحسن ما يكون، فلم يقع فيه تحريف يسلبه شيئا من صفاته، فالذي بأيدينا منه هو القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وآله بعينه، فلو فرض سقوط شئ منه أو إعراب أو حرف أو ترتيب، وجب أن يكون في أمر لا يؤثر في شئ من أوصافه كالإعجاز وارتفاع الإختلاف، والهداية، والنورية، والذكرية، والهيمنة على سائر الكتب السماوية، الى غير ذلك، وذلك كآية مكررة ساقطة، أو اختلاف في نقطة أو إعراب ونحوها).

[ 46 ]

رأي السيد أبو القاسم الخوئي: (... إن حديث تحريف القرآن حديث خرافة وخيال، لا يقول به إلا من ضعف عقله أو من لم يتأمل في أطرافه حق التأمل، أو من ألجأه إليه حب القول به، والحب يعمي ويصم. وأما العقل المنصف المتدبر فلا يشك في بطلانه وخرافته). رأي الشيخ لطف الله الصافي: (القرآن معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قد عجز الفصحاء عن الإتيان بمثله، وبمثل سورة أو آية منه، وحير عقول البلغاء، وفطاحل الأدباء... وقد مر عليه أربعة عشر قرنا، ولم يقدر في طول هذه القرون أحد من البلغاء أن يأتي بمثله، ولن يقدر على ذلك أحد في القرون الآتية والأعصار المستقبلة، ويظهر كل يوم صدق ما أخبر الله تعالى به فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا.. هذا هو القرآن، وهو روح الأمة الإسلامية وحياتها ووجودها وقوامها، ولولا القرآن لما كان لنا كيان. هذا القرآن هو كل ما بين الدفتين ليس فيه شئ من كلام البشر وكل سورة من سوره وكل آية من آياته، متواتر مقطوع به ولا ريب فيه. دلت عليه الضرورة والعقل والنقل القطعي المتواتر. هذا هو القرآن عند الشيعة الإمامية، ليس الى القول فيه بالنقيصة فضلا عن الزيادة سبيل، ولا يرتاب في ذلك إلا الجاهل، أو المبتلى بالشذوذ الفكري). التقية سند للشيعة أم عليهم ؟ هيأ خصوم الشيعة من أمثال إحسان ظهير جوابا لفتاوى مراجع الشيعة، فقالوا للسنة: لا تصدقوهم فإنهم يعتقدون بالتقية، والتقية هي الكذب والخداع، وعلماء الشيعة يكذبون ولا يعتقدون بالقرآن، بل عندهم قرآن آخر ! ! يعني ذلك أن شخصا يقول لك: أنت كافر ! فتقول له: كلا أنا مسلم.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله..

[ 47 ]

فيقول لك: كلا إنك تكذب ! فتقول له: والله العظيم إني مسلم ! فيقول لك: كلا إنك تعتقد بأن الكذب حلال ! فتقول له: حسنا، يابن الحلال، كيف أثبت لك أني مسلم ؟ فيقول لك: لا تستطيع أن تثبت ذلك، لأنك تعتقد بأن الكذب حلال للتقية ! ! أيها الأخوة الصادقون الذين تعتقدون بأن الكذب حرام: هل الإيمان بالله تعالى أكبر أم الإيمان بكتابه ؟ فكيف اكتفى الله تعالى من الناس أن يتلفظوا بالشهادتين ولو تحت السيف، وقبل منهم الإسلام وعاملهم معاملة المسلمين، وأنتم لا تقبلون من الشيعة كلامهم، وإعلانهم، وأيمانهم، وفتاوى مراجعهم، وواقع ملايينهم ؟ ! تلك هي صورة من محنة الشيعة مع خصومهم.. قديما وحديثا.. أما قصة التقية التي يقولون، فهي قصة إرهاب الظالم ومداراة المظلوم ليحفظ دمه.. إنها قصة تقتيل الحكام وعوامهم للشيعة بالجملة بلا رحمة، لمجرد أنهم شيعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ! فيضطر الشيعة أن يداروهم ليحفظوا دماءهم من السفك، وأعراضهم من الهتك، وأموالهم من الغارة ! ! فإن كان في التقية عار وشنار، فأيهما أولى بعارها وشنارها: الظالم أو المظلوم ؟ ألا تعجب لمن لا يتحمل مخالفتك له في الرأي فيصادر حريتك، ويكم فمك ويصوب رصاصه الى رأسك، ويضع شعلة ناره على باب بيتك.. ثم يقول لك: إنك كذاب حبان لانك تداريني، وأنا شجاع صادق لأني لا أداريك ! ! إن التقية سند مظلومية الشيعة من بعد النبي صلى الله عليه وآله الى يومنا هذا، وهي سند يدين الذين اضطهدوا الشيعة.. ولكن هؤلاء الباحثين الموضوعيين يريدون أن يقلبوا الواقع ويجعلوها سندا لإدانة الشيعة ! ! والتقية سيرة العقلاء في كل المجتمعات مع المتسلط والحاكم، عند ما تصادر حرياتهم ويواجهون الخوف على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فتراهم يدارون الظالم ليسلموا من شره.. فهل صارت مداراة الظالم سبة ؟ وصار ظلمه مكرمة ؟ !

[ 48 ]

والتقيه عندنا حكم شرعي علمنا إياه أئمتنا عترة النبي عليهم السلام أننا إذا ابتلوا بإرهاب جسدي أو إرهاب فكري.. فلا يجب على أحدنا أن يقتل نفسه، بل يجوز له أحيانا، أو يجب عليه أحيانا، أن يداري الإرهابي ويتعايش معه. وقد تحرم عليه التقية أحيانا، ويجب عليه أن يجهر بعقيدته ويقاوم حتى يستشهد ! والتقية جزء من مذهبنا لا ننكرها، لأنها جزء من الإسلام لا يمكن لأحد أن ينكرها.. فقد أجاز الله تعالى من أجلها إظهار كلمة الكفر أمام الكفار لدفع شرهم وخطرهم، فقال تعالى: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم - النحل - 106 وقال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير - آل عمران - 28 ومن التقية ما يحرم عندنا مطلقا ولا يجوز بحال وهي ما يترتب عليه قتل شخص آخر، فيجب على الشيعي أن يتحمل هو القتل ولا يسببه لغيره، لأنه لا تقية في الدماء.. بينما يفتي كثير من فقهاء إخواننا السنة لمن يقلدهم بالتقية لنجاة نفسه حتى لو سبب ذلك قتل غيره ! فيا أيها الطاعنون على الشيعة لاعتقادهم بالتقية، إرفعوا عنهم سيوف ظلمكم، وأعطوهم حقهم في الأمن والتعبير عن الرأي حتى يتركوا التقية وتنتهي حاجتهم إليها.. فإذا وجد جو الأمن الإسلامي، أو جو الحرية الإنساني، واتسعت الصدور لسماع الرأي الموافق والمخالف.. فقد ارتفعت الضرورة التي من أجلها شرع الله التقية ! والتقية في مذاهب السنة كما في مذهب الشيعة قال البخاري في صحيحه ج 8 ص 55 (كتاب الإكراه. وقول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية، وقال إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض.. الى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به. والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير

[ 49 ]

ممتنع من فعل ما أمر به. وقال الحسن - يقصد البصري -: التقية الى يوم القيامة). وقال في ج 5 ص 165 (تقاة وتقية واحدة..) انتهى. وروى البيهقي في سننه ج 8 ص 209 تفسير ابن عباس لهذه الآية وفيه (... فأما من أكره فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه، إن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم). ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 16 وذكر ما يوافق مذهبنا من عدم التقية في الدماء قال (... ولا يبسط يده فيقتل ولا الى إثم فإنه لا عذر له) ثم نقل كلام الحسن البصري وقراءة قتادة وغيره: تتقوا منهم تقية، بالياء. وقال النووي في المجموع ج 18 ص 8 (... إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر. هذا قول مالك والشافعي والكوفيين غير محمد بن الحسن فإنه قال: إذا أظهر الشرك كان مرتدا في الظاهر، وفيما بينه وبين الله تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات ولا يرث أباه إن مات مسلما. قال القرطبي: وهذا قول يرده الكتاب والسنة قال تعالى: إلا من أكره.. الآية وقال: إلا أن تتقوا منهم تقاة. (ثم نقل كلام البخاري وقال: فلما سمح الله عز وجل بالكفر به لمن أكره وهو أصل الشريعة ولم يؤاخذ به، حمل عليه أهل العلم) انتهى. وروى في المدونة الكبرى ج 3 ص 29 عن عبد الله بن مسعود أنه قال (ما من كلام كان يدرأ عني سوطين من سلطان إلا كنت متكلما به). وروى عبد الرزاق في المصنف ج 4 ص 47 عن عبد الله بن عمر أنه كان يستعمل التقية مع خلفاء بني أمية.. ! قال (عن ميمون بن مهران قال دخلت على ابن عمر أنا وشيخ أكبر مني، قال حسبت أنه قال ابن المسيب، فسألته عن الصدقة أدفعها الى الأمراء ؟ فقال نعم، قلت وإن اشتروا به الفهود والبيزان (الصقور) ؟ ! قال نعم.... وعن محمد بن راشد قال أخبرني أبان قال: دخلت على الحسن وهو متوار زمان الحجاج في بيت أبي خليفة فقال له رجل: سألت ابن عمر هل أدفع الزكاة الى الأمراء ؟ فقال ابن عمر: ضعها في الفقراء والمساكين. قال فقال لي الحسن: ألم أقل لك إن ابن عمر كان إذا أمن الرجل قال: ضعها في الفقراء والمساكين) انتهى.

[ 50 ]

وقال السرخسي في المبسوط ج 24 ص 45 (... وعن الحسن البصري رحمه الله: التقية جائزة للمؤمن الى يوم القيامة، إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية، وبه نأخذ. والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه. وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول إنه من النفاق، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضي الله عنه). وقال في ص 154 (.. وذلك على المكره دون المكره عند التهديد بالقتل (يقصد أن كفارة القتل تكون على من أجبره على القتل لا على المنفذ) وإن توعده بالحبس كانت الكفارة على القاتل خاصة، بمنزلة ضمان المال وبمنزلة الكفارة في قتل الآدمي خطأ.... ولو أن رجلا وجب عليه أمر بمعروف أو نهي عن منكر فخاف إن فعل أن يقتل، وسعه أن لا يفعل. وإن فعل فقتل كان مأجورا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فر ض مطلقا. قال الله تعالى: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك الآية.. والترك عند خوف الهلاك رخصة، قال الله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة، فإن ترخص بالرخصة كان في سعة وإن تمسك بالعزيمة كان مأجورا) انتهى. فما هو الفرق بين التقية التي يفتي بها الشيعة، وهذه التي يفتي بها السنة ؟ لا فرق، إلا أن الشيعة يحتاجون إليها أكثر بسبب الظلم والإضطهاد الذي كان وما زال ينصب عليهم ! ! ولا فرق، إلا أن خصوم الشيعة يبحثون عن أي شئ لينبزوا به الشيعة وقد وجدوا التقية، ولم يعرفوا أنها أمر مشترك، أو عرفوا وحرفوا ! جرى نقاش عن التقية بيني وبين بعض علماء الوهابية وكان على مذهب إحسان ظهير في تكفير الشيعة وكرههم الى آخر نفس، فوجدت أنه لا يدرك أنه يستعمل التقية مع دولته ومن يخاف منهم، ولا يريد أن يدرك ! فقد كان يصر على أنها جائزة فقط مع الكفار ولا مع المسلمين. ولم يقتنع بكلامي بأن ملاك التقية الخطر وخوف

[ 51 ]

الضرر، سواء توجه إليك من كافر أو مسلم.. فأردت أن يلمس أنه يستعمل التقية مثلي وأكثر، فجررت الحديث الى حكومته ورأيه فيها وفي رئيسها، وواصلت أسئلتي له، وواصل استعمال التقية في الجواب حتى أحس بالحرج فودعني، فشكرته على أنه استعمل التقية من دولته وصار على مذهب الشيعة في هذه المسألة الفقهية ! إن التقية موجودة في حياتنا جميعا أيها الإخوة، ولكنها أمر نسبي حسب أجواء الأمن والحرية التي توجد لإنسان ولا توجد لآخر، وتوجد في بلد ولا توجد في آخر، وتوجد لطائفة ولا توجد لأخرى.. فهل تتركون نبز الشيعة بها ؟ ! وروايات النقص والزيادة في القرآن في مصادر إخواننا أكثر منها في مصادرنا هؤلاء الكتاب والخطباء الذين يتهمون إخوانهم الشيعة بعدم الإيمان بالقرآن، بسبب روايات رأوها في مصادرهم أو سمعوا عنها.. هل رأوا الروايات في هذا الموضوع في مصادر السنة ؟ وهؤلاء الذين يقولون للشيعة: لا نصدقكم بأنكم تعتقدون بالقرآن حتى لو أفتى بذلك علماؤكم، وملأت نسخ القرآن مساجدكم وبيوتكم، وحتى لو درستموه وحفظتموه وقرأتموه في مجالسكم ومدارسكم أحسن منا.. حتى تتبرؤوا من مصادركم التي فيها هذه الروايات، وتسقطوها عن الإعتبار، ولا تأخذوا منها عقائدكم وأحكامكم.. هل يقبلون أن يعاملوا مصادرهم بالمثل إذا وجدوا فيها روايات تدعي التحريف كالتي في مصادر الشيعة، أو أشد ؟ ! إن الناظر بإنصاف في روايات مصادر الطرفين في هذه المسألة، يحكم بأن اعتقاد الشيعة بالقرآن الكريم الموجود، أقوى وأرقى من اعتقاد السنة ! فمصادر الشيعة تقبل القرآن الموجود ولا تدعي فيه أي زيادة. وروايات التحريف التي فيها محصورة في أمر واحد هو أن السلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله أسقطت آيات من القرآن ورفضت نسخة القرآن التى كتبها علي عليه السلام بإملاء النبي صلى الله عليه وآله، والتي

[ 52 ]

ذكرت بعض الروايات أن فيها زيادات في مدح أهل البيت عليهم السلام، قد تكون تفسيرا، وقد تكون آيات منزلة.. وقد بحث علماء الشيعة هذه الروايات وفق مقاييس البحث والإجتهاد التي يتبناها مذهبهم.. أما مصادر إخواننا السنة ففيها الغرائب والعجائب.. التى لو نظر إليها هؤلاء الكتاب الذين يتهمون الشيعة لتغيرت حالتهم، وأصيبوا بالدوار !

[ 53 ]

الفصل الثالث موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة

[ 55 ]

موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة من الأصول الثابتة عند المسلم السني والشيعي في عصرنا، أن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، هما المصدران الوحيدان للإسلام.. ويتصور المسلم السني المعاصر أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يعتقد بهذين الأصلين مثل اعتقاده هو اليوم.. بل يتصور أن الخليفة عمر ومن سار على خطه من الخلفاء قد خاضوا معركة فكرية شعارها القرآن والسنة ضد الذين رفعوا شعار القرآن والإمامة أو الوصية وأهل بيت النبي... إلخ. ولهذا يعتبر إخواننا السنة أنه لا معنى للسؤال عن موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة لأنه حامل رايتهما، بل هو إمام المسلمين الذين اتبعوه وتسموا من بعده باسم (أهل السنة والجماعة) في مقابل (أهل البدعة والفرقة) ! لكن تصوراتنا لا يجب أن تكون دائما مطابقة للواقع.. فربما كان مفيدا أن نفحص، ونتعرف على حقيقة موقف الخليفة عمر من القرآن والسنة، كما تشهد المصادر المحبة له.. المعتبرة عند محبيه.. القرآن شعار الخليفة في وجه النبي ! ننقل نصوص الموقف وأجواءه من كتاب عدالة الصحابة للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب ص 182 - 185: (المواجهة الصاخبة: النبي على فراش الموت، وجبريل الأمين لا ينقطع عن زيارته، وأكثر ما كان يأتيه جبريل في مرضه.

[ 56 ]

النبي على علم بمستقبل هذه الأمة، وقد أدى النبي دوره كاملا وبلغ رسالات ربه، وبين لهم كل شئ على الإطلاق، وهو على علم تام بما يجري حوله ومدرك أنه السكون الذي يسبق الإنفجار فينسف الشرعية السياسية والمرجعية، وبنسف الشرعية السياسية والمرجعية يتجرد الإسلام من سلاحه الجبار ويتعطل المولد الأساسي للدعوة والدولة. ولكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة، ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق بالرأفة والرحمة لهذه الأمة، وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة الإلهية والبيان الإلهي الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة بما فيه كيف يتبول وكيف يتغوط أفرادها، إلا أنه أراد أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي وحتى لا تضل، وحتى تخرج بسلام من المفاجأت التي تتربص بها وتنتظر موت النبي لتفتح أشداقها فتعكر صفو الإسلام وتعيق حركته وتغير مساره. النبي على فراش المرض، وبيته المبارك يغص بأكابر الصحابة، وقد أصر النبي على تلخيص الموقف والتذكير بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام فقال النبي: قربوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. ما هو الخطأ بهذا العرض النبوي ؟ من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟ ولماذا ؟ ولمصلحة من ؟ ثم إن من حق أي مسلم أن يوصي، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبل موته، والذين يسمعون قوله أحرار فيما بعد بإعمال هذا القول أو إبطاله، هذا إذا افترضنا أن محمدا مجرد مسلم عادي وليس نبيا وقائدا للأمة. فتصدى الفاروق عمر بن الخطاب ووجه كلامه للحضور وقال: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله ! فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لا تضلوا بعده أبدا، ومنهم من يقول: القول ما قاله عمر. فلما أكثروا اللغو والإختلاف عند النبي قال لهم رسول الله: قوموا عني (1).

[ 57 ]

وفي رواية ثانية أن الرسول عندما قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا تنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا هجر رسول الله. قال النبي: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! ! (2) وفي رواية ثالثة قال النبي: ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا: إن رسول الله يهجر (3). وفي رواية رابعة للبخاري: أن النبي قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر بن الخطاب: إن النبي غلبة الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا ! ! فاختلفوا وأكثروا اللغط. قال النبي: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. (4) رواية بلفظ خامس للبخاري: قال النبي: ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما شأنه أهجر ؟ استفهموه.. فذهبوا يرددون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه (5). رواية بلفظ سادس للبخاري: قال النبي: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: ما له أهجر، إستفهموه، فقال النبي ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. (6) رواية بلفظ سابع للبخاري: قال النبي: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده. قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والإختلاف عند النبي قال: قوموا عني. (7) وفي رواية أن عمر بن الخطاب قال: إن النبي يهجر... (8) وقد اعترف الفاروق أنه صد النبي عن كتابة الكتاب حتى لا يجعل الأمر لعلي. (9) تحليل المواجهة: أطراف المواجهة: الطرف الأول، هو محمد رسول الله وخاتم النبيين وإمام الدولة الإسلامية (رئيسها). الطرف الثاني، هو عمر بن الخطاب أحد كبار الصحابة ووزير من أبرز وزراء دولة النبي، والخليفة الثاني من خلفاء النبي فيما بعد.

[ 58 ]

مكان المواجهة: بيت النبي. شهود المواجهة: كبار الصحابة رضوان الله عليهم. النتائج الأولية للمواجهة: 1 - الإنقسام. إن الحاضرين قد انقسموا الى قسمين: القسم الأول: يؤيد الفاروق فيما ذهب إليه من الحيلولة بين الرسول وبين كتابة ما يريد. وحجة هذا الفريق أن الفاروق من كبار الصحابة وأحد وزراء النبي ومشفق على الإسلام، وأن النبي مريض وبالتالي فلا داعي لإزعاجه بكتابة هذا الكتاب. ثم إن القرآن وحده يكفي، فهو التأمين ضد الضلالة، ولا داعي لأي كتاب آخر يكتبه النبي. القسم الثاني: يرفض المواجهة أصلا بين التابع والمتبوع، وبين نبي ومصدق به، وبين رسول يتلقى تعليماته من الله، وبين مجتهد يعمل بما يوحيه له اجتهاده، وبين رئيس دولة ونبي بنفس الوقت وبين واحد من وزرائه. ويرى هذا القسم أن تتاح الفرصة للنبي ليقول ما يريد، ولكتابة ما يريد لأنه نبي وما زال نبيا حتى يتوفاه الله، ولأنه رئيس الدولة وما زال رئيسا للدولة حتى يتوفاه الله ويحل رئيس آخر محله. ثم على الأقل لأنه مسلم يتمتع بالحرية كما يتمتع بها غيره، ومن حقه أن يقول ما يشاء وأن يكتب ما يشاء. ثم إن الأحداث والمواجهة تجري في بيته، فهو صاحب البيت، ومن حق أي إنسان أن يقول ما يشاء في بيته. 2 - بروز قوة هائلة جديدة: برز الفاروق كقوة جديدة هائلة استطاعت أن تحول بين النبي وبين كتابة ما يريد، واستطاعت أن تستقطب لرأيها عددا كبيرا من المؤيدين بمواجهة مع النبي نفسه وبحضور النبي نفسه !) انتهى. هامش: (1) صحيح بخاري - كتاب المرضى باب قول المريض: قوموا عني ج 7 ص 9 وراجع صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج 5 ص 75 وصحيح مسلم بشرح النووي ج 11 ص 95 ومسند الإمام أحمد ج 4 ص 356 ح 2992 وشرح النهج لابن أبي الحديد ج 6 ص 51. (2) راجع صحيح بخاري ج 4 ص 31 وصحيح مسلم ج 3 ص 16 ومسند الإمام أحمد ج 1 ص 222 وج 3 ص 286.

[ 59 ]

(3) راجع صحيح مسلم ج 2 ص 16 وج 11 ص 94 - 95 بشرح النووي ومسند الإمام أحمد ج 1 ص 355 وتاريخ الطبري ج 2 ص 193 والكامل لابن الاثير ص 320. (4) راجع صحيح بخاري ج 1 ص 37. (5) راجع صحيح بخاري ج 5 ص 137 وتاريخ الطبري ج 3 ص 192 - 193. (6) صحيح بخاري ج 2 ص 132 وج 4 ص 65 - 66. (7) صحيح بخاري ج 8 ص 161. (8) راجع تذكرة الخواص للسبط الجوزي الحنفي ص 62 وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي ص 21. (9) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد ج 3 ص 114 طبعة أولى مصر وأوفست بيروت وج 12 ص 79 سطر 3 بتحقيق محمد أبو الفضل وج 3 ص 803 دار مكتبة الحياة وج 3 ص 167 دار الفكر) انتهى. نتائج المواجهة على القرآن الذي يخص بحثنا من هذه المواجهة الصاخبة - على حد تعبير الباحث الأردني - أن الخليفة عمر نجح بمساعدة أكثر الصحابة الحاضرين أن يحقق هدفين ضخمين حول القرآن والسنة: الأول: أن القرآن هو المصدر الرسمي للإسلام فقط، والسنة ليست مصدرا الى جنب القرآن وفي مستواه، بل هي مصدر انتقائي يختار منه عمر ورؤساء قريش ما يناسب، ويتركون ما لا يناسب، أو يمنعون صدوره ! الثاني: أن عمر الزعيم المقبول من كافة قبائل قريش - ما عدا بني هاشم - هو المفسر الرسمي للقرآن، وله الحق أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله من كتابة وصيته التي قد تلزم المسلمين بمفسر رسمي من بني هاشم ! وقد اضطر الخليفة عمر من أجل تحقيق هذين الهدفين الضخمين، وفي تلك اللحظات الحاسمة من حياة النبي صلى الله عليه وآله.. أن يستعمل الغلظة والشدة، ويجابه نبيه بقرار أكثرية الصحابة ويقول له بصراحة: أيها الرسول، لا حاجة بنا الى وصيتك، فالقرآن كاف شاف، ولا نحتاج أن تنصب له مفسرا من بني هاشم لأن تفسيره من حقنا نحن ! لقد قبلنا نبوتك والقرآن الذي أنزله الله عليك، ولكن قريشا تشاورت فيما بينها وقررت أن لا يستأثر بنو هاشم بالنبوة والخلافة فلا يبقى لقبائل قريش شئ ! وبما أن الوصية التي تريد أن تكتبها لا تنسجم مع هذا القرار، فليس فيها إلا الضرر

[ 60 ]

علينا من بعدك، فنشكرك أيها الرسول، فإنا لا نخاف على أنفسنا الضلال من بعدك حتى تؤمننا منه ! ! وقد قلت للحاضرين بلسان قريش: لا تقربوا له شيئا، لا دواة وقرطاسا، فخير لك أن تصرف النظر عن كتابة الوصية، وإلا فإني سأشهد الحاضرين عليك بأنك تهجر وأن كلامك لم يعد وحيا، بل هذيان ! ! تطبيق الخليفة عمر للهدفين اللذين واجه بهما النبي ! والمتأمل في سيرة الخليفة عمر يجد أن عمله طوال خلافة أبي بكر وخلافته كان على أساس نظرية أن (القرآن هو المصدر الوحيد، والخليفة هو المفسر الوحيد) ! ولئن اضطر الى أن يجرح شعور النبي في بيته وهو يودع أمته، ويعلن ذلك بصراحة، فهو ليس مضطرا الى ذلك بعد وفاة النبي، بل يمكنه أن (يحفظ) حرمة النبي صلى الله عليه وآله، ويطبق هدفيه الكبيرين بأسلوبه الخاص الذي يسميه معاريض الكلام فيقول عنه (لا يسرني أن لي بما أعلم من معاريض القول مثل أهلي ومالي) كنز العمال ج 3 ص 875، وسنن البيهقي ج 10 - 199. ثم بإمكانه بعد أن صار خليفة أن يجسد ذلك في مواقف وقرارات جريئة مبررة، لضبط مسألة القرآن والسنة.. ! وتتلخص مواقف الخليفة عمر وقراراته بشأن القرآن مباشرة، باثني عشر موقفا وقرارا: 1 - رفض نسخة القرآن التي عند علي عليه السلام. 2 - إخضاع علي وفاطمة وأنصارهما للسلطة ولو بالقوة، ومنعهما من أي تأثير على الناس حتى في تعليم القرآن ورواية السنة. 3 - تكذيب أن عليا أو أحدا من الصحابة عنده القرآن كله أو تفسيره من النبي، بل القرآن موزع عند الصحابة، وجمعه والمصادقة على نسخته من حق الخليفة فقط ! 4 - النسخة التي بأيدي الصحابة، والتي جمعها عثمان، هي برأي عمر جزء قليل من القرآن، لا يبلغ ثلث القرآن الذي أنزله الله تعالى ! فقد ضاع أكثر من ثلثيه

[ 61 ]

بعد النبي، وتدارك الخليفة عمر الأمر فجمع ما بقي منه ولم ينشره حتى يكتمل ويحين موعد نشره ! 5 - النسخة التي بأيدي الصحابة هي برأي الخليفة صحيحة لا زيادة فيها، فكلها قرآن نزل من عند الله تعالى، ما عدا سورتي المعوذتين وبعض الآيات، فإن في نفس الخليفة منها شيئا، وعنده حولها استفهاما ! 6 - يوجد عدد من آيات القرآن لم يكتبها الناس في القرآن، وقد أمر الخليفة أن يكتب بعضها في القرآن واحتاط في بعضها وقال: لولا أن يقول المسلمون إن عمر زاد في كتاب الله لأمرت بوضعها فيه ! 7 - القرآن نزل بألفاظ قريش، فيجب أن يقرأ بلهجة قريش، ولا يجوز أن يقرأ بلهجة هذيل أو تميم، أو غيرهما من لهجات قبائل العرب. 8 - القرآن فيه سعة للهجات العرب، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وآله نزل القرآن على سبعة أحرف فقراءته بهذه اللهجات قراءة شرعية، ولكن الأصح قراءته بلهجة قريش. أما القول بأن القرآن نزل على حرف واحد من عند الواحد، فهو خطأ. 9 - نص القرآن فيه مرونة تتسع لأكثر من الأحرف السبعة ولهجات العرب، فيجوز قراءته بالمعنى بأي كلام عربي بشرط أن لا تغير المغفرة الى عذاب والعذاب الى مغفرة، وكل قراءة يقرأ بها القرآن بهذا الشرط تكون شرعية منزلة من عند الله الواحد الأحد ! 10 - تحاشيا لإحراج المفسر الرسمي للقرآن، تقرر إغلاق كل أنواع البحث في القرآن، ومعاقبة كل من يسأل عن شئ منه، أو يبحث في آياته. 11 - نظرا لخطورة موقع القراء وتعلق الناس بهم والتفافهم حولهم، فإن كثرتهم تجعلهم مراكز قوى.. لذلك يجب تقليل قراء القرآن الى أقل حد ممكن. 12 - يعمل القضاة بفهمهم للقرآن إذا لم يتعارض مع فهم الخليفة.. ثم بما أفتى به الخليفة والصحابة المرضيون عنده.. ثم يجوز للقاضي أن يعمل بظنه.. وإذا أخر القضية حتى يأخذ فيها رأي الخليفة فهو أفضل !

[ 62 ]

كما تتلخص مواقف الخليفة وقراراته بشأن السنة بخمسة قرارات ومواقف: 1 - منع رواية سنة النبي منعا باتا، تحت طائلة العقوبة، وقد عاقب الخليفة عمر عددا من الصحابة على مجرد رواية الحديث عن النبي، بالضرب والسجن، وبقي عدد منهم في سجنه الى أن مات ! 2 - منع تدوين سنة النبي منعا باتا، وهو قرار اتخذه الخليفة عمر مع زعماء قريش من زمن النبي صلى الله عليه وآله، عندما رأوا بعض الغرباء وبعض شباب قريش يكتبون كل ما يقوله النبي ! وفي خلافة أبي بكر جمع أبو بكر المكتوب من السنة وأحرقه ! وأمر بإحراق المكتوب في المناطق البعيدة أو إتلافه ! ! 3 - رفض الخليفة كتاب علي (الجامعة) الذي يزعم أنه بإملاء النبي، وأن فيه كل ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش. بل كذب وجود مثل هذا الكتاب، فالنبي لم يخص عليا ولا أحدا من أهل بيته بشئ من العلم.. ولم يترك علما غير القرآن. 4 - انتقى الخليفة مجموعة من روايات سيرة النبي وأحداثها من وجهة نظره، وعمل على تعليمها للأمة على أنها السنة والسيرة الصحيحة دون غيرها ! 5 - رفع الخليفة شعار (سنة النبي) التي رفضها بالأمس، وعدل شعار (حسبنا كتاب الله) الى شعار (حسبنا كتاب الله وسنة نبيه) أي كتاب الله كما يفهمه الخليفة عمر، وسنة رسوله التي يرويها أو يمضيها ! وهناك قراران آخران يتصلان بالقرآن أيضا، لأنهما قراران ثقافيان واسعا التأثير على الأمة، وهما: 1 - قرار الخليفة الإنفتاح على الثقافة اليهودية والمسيحية. 2 - اهتمام الخليفة بالشعر الجاهلي وأمره بتعلمه وكتابته. * * وبما أن إخواننا السنة يرون أن أعمال الخليفة عمر وأقواله حجة شرعية، كأعمال النبي وأقواله صلى الله عليه وآله، لذا نستعرض في الفصول التالية توثيق هذه المواقف والقرارات.

[ 63 ]

الفصل الرابع نقص القرآن وزيادته في رأي الخليفة

[ 65 ]

نقص القرآن وزيادته في رأي الخليفة ضاع من القرآن أكثره برأي الخليفة ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 422 (وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا محتسبا فله بكل حرف زوجة من الحور العين. قال بعض العلماء هذا العدد باعتبار ما كان قرآنا ونسخ رسمه، وإلا فالموجود الآن لا يبلغ هذه العدة). ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 163 وقال (رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن عبيد بن آدم بن أبي إياس، ذكره الذهبي في الميزان لهذا الحديث، ولم أجد لغيره في ذلك كلاما، وبقية رجاله ثقات). ورواه في كنز العمال ج 1 ص 517 وقال عن مصادره (ط ص، عن عمر) ورواه في ج 1 ص 541 وعن (طس، وابن مردويه وابو نصر السجزي في الإبانة عن عمر. قال أبو نصر: غريب الإسناد والمتن، وفيه زيادة على ما بين اللوحين، ويمكن حمله على ما نسخ منه تلاوة مع المثبت بين اللوحين اليوم) انتهى. وبما أن عدد حروف القرآن ثلاث مئة ألف حرف وكسرا، وهي لا تبلغ ثلث العدد الذي قاله الخليفة في الرواية، فيكون مقصوده ضياع أكثر من ثلثي

[ 66 ]

القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله ! ولا يمكن قبول رواية السيوطي بأن ما نسخ من القرآن أكثر من الثلثين ! ! وقال ابن حجر في لسان الميزان ج 5 ص 276 (عبيد بن آدم بن أبي أياس العسقلاني: تفرد بخبر باطل، قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبيد، قال حدثنا أبي، عن جدي، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا محتسبا كان له بكل حرف زوجة من الحور العين. قال الطبراني في معجمه الأوسط: لا يروى عن عمر إلا بهذا الإسناد) انتهى. ولكن قول ابن حجر إن الحديث باطل ليس له مستند علمي، بعد أن مال الهيثمي الى توثيقه وقال إن محمد بن عبيد من شيوخ الطبراني، وبقية رجال السند ثقاة.. وبعد أن كثرت مؤيداته وهي الروايات التي يقول فيها الخليفة (فقد فيما فقدنا من القرآن... أسقط فيما أسقط... قرآن كثير ذهب مع محمد !.. رفع فيما رفع). قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 179 (وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال: أمر عمر بن الخطاب مناديه فنادى إن الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس لا تجزعن من آية الرجم، فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد...). وقال في كنز العمال ج 2 ص 567 (من مسند عمر رضي الله عنه، عن المسور بن مخرمة قال قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها، قال: أسقط فيما أسقط من القرآن). وقال في رواية أخرى:... فرفع فيما رفع ! وفي ج 6 ص 208 (عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة، عن أبيه، عن جده أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله: إن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال بلى، ثم قال: أو ليس كنا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال: بلى !) انتهى.

[ 67 ]

سور ضاعت، وسور مبتكرة، وسور يجب حذفها ! سورة الأحزاب، ضاع منها أكثر من 200 آية ! روى في كنز العمال ج 2 ص 480 (من مسند عمر رضي الله عنه، عن حذيفة قال قال لي عمر بن الخطاب: كم تعدون سورة الأحزاب ؟ قلت ثنتين أو ثلاثا وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم - ابن مروديه). وروى نحوه أحمد في مسنده ج 5 ص 132، ولكن عن أبي بن كعب. وكذا الحاكم في المستدرك ج 2 ص 415، وج 4 ص 359 وقال في الموردين (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). ورواه البيهقي في سننه ج 8 ص 211 كما في رواية الحاكم الثانية. وروى في كنز العمال ج 2 ص 567 (عن زر قال قال لي أبى بن كعب: يا زر كأين تقرأ سورة الأحزاب ؟ قلت ثلاثا وسبعين آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة، أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. وفي لفظ: وإن في آخرها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، فرفع فيما رفع (عب ط ص عم، وابن منيع ن، وابن جرير وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، قط في الإفراد، ك وابن مردويه، ص). ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 180، ثم قال (وأخرج ابن الضريس عن عكرمة قال: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول، وكان فيها آية الرجم) انتهى. وبما أن سورة البقرة 286 آية، فيكون الناقص من سورة الأحزاب حسب هذه الرواية أكثر من 200 آية ! ! سورة براءة ضاع أكثرها.. ! ! قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 302: (وعن أبي موسى الأشعري قال نزلت سورة نحوا من براءة فرفعت فحفظت منها إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم - فذكر الحديث. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد وفيه ضعف، ويحسن حديثه لهذه الشواهد).

[ 68 ]

وقال في ج 7 ص 28: (عن حذيفة قال تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وما تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات). وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 330: (... عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن حذيفة رضي الله عنه قال ما تقرؤون ربعها يعني براءة وإنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقال السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 105: (وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت وحفظت منها أن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم !). وقال في ج 3 ص 208: (وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه قال التي تسمون سورة التوبة هي سورة العذاب والله ما تركت أحدا إلا نالت منه ولا تقرؤون منها مما كنا نقرأ إلا ربعها ! !) انتهى. والظاهر أن أصل ادعاء هذه السورة من أبي موسى الأشعري، وأن آيات وادي التراب المزعومة منسوبة إليها ! وأما آية أبي موسى عن تأييد الدين بالفجار فقد يكون هدفها تبرير إعطاء مناصب الدولة الى المنافقين والفساق ! ! ولابد أن تكون هذه السورة المزعومة موجودة في مصحف أبي موسى الذي صادره منه حذيفة بأمر الخليفة عثمان وكان أبو موسى يترجاه أن يترك له الإضافات ولا يمحوها، وسيأتي ذكره في بحث جمع القرآن ! وهذا يضعف رواية نقص سورة براءة عن حذيفة، وإن صحت عنه فقد يكون قال: إنكم لا تقرؤونها حق قراءتها، فحرف الرواة كلامه.. لأن حذيفة كان يحذر من المنافقين الذين كشفتهم السورة وحذرت منهم ! !

[ 69 ]

سورتا الخلع والحفد المزعومتان ! من أعجب ما تجد في مصادر إخواننا السنة قصة (سورتي) الخلع والحفد.. ! وقد ربطتهما الروايات الصحيحة بالخليفة عمر، حيث كان يقرؤهما في صلاته على أنهما سورتان من القرآن، أو دعاء في القنوت ! وذكرت المصادر أنهما كتبتا في مصاحف عدد من الصحابة المقربين من الخليفة عمر، والمتتبع لمسألة الكتابة في المصاحف يعرف أن أحدا من أصحاب المصاحف لم يكن يجرأ أن يكتب سورة في مصحفه إلا بأمر عمر ورأيه.. ويشعر أن الذي أعطى السورتين (الشرعية) هو عمر بقراءته لهما في صلاته.. وأن بعض الصحابة الذين كانوا يؤكدون على أنهما سورتان من القرآن، كانوا يتقربون بذلك الى الخليفة ! ! وقد روى الرواة قصتهما، وأحيانا بشئ من الخجل، ولكن بدون توجيه أي اتهام أو حتى استفهام الى الخليفة الذي كان يقرؤهما دائما في صلاته، أو الى الذين كتبوهما في مصاحفهم من جماعته ! ولو أن أحدا غير الخليفة وجماعته روى سورة غير موجودة في القرآن، أو قرأها في إمامته في الصلاة، لكان للرواة أصحاب الغيرة على القرآن كلام آخر معه، وحساب آخر، ولكنه الخليفة عمر ! ويتوقف فهم قصة (سورتي) الخلع والحفد أو سورتي الخليفة عمر، على معرفة قصة قنوت النبي صلى الله عليه وآله ودعائه في قنوته على أئمة الكفر وقادة الأحزاب، الذين هم بالدرجة الأولى زعماء قريش، ثم على بقية أعداء الله ورسوله من المشركين والمنافقين.. لذلك نحن مضطرون الى بحث القنوت في فقه الشيعة والسنة.. ليتضح أمر السورتين المزعومتين.

[ 70 ]

قصة تغييب القنوت من صلاة إخواننا السنة لتضمنه الدعاء على المشركين والمنافقين من المعروف في سيرة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقنت في صلاته، أي يرفع يديه أثناء الصلاة ويدعو الله تعالى.. وقد يدعو على أعداء الله ورسوله من المشركين والمنافقين، وقد يلعنهم ويسميهم بأسمائهم.. ! ومن الطبيعي أن ذلك كان ثقيلا عليهم، خاصة على رؤساء قريش.. ! وتذكر روايات السيرة أن الله تعالى استجاب دعاء رسوله صلى الله عليه وآله، وأنزل بقريش ضائقة اقتصادية ألقت بثقلها على مكة، حتى أكلوا العلهز أو العلهس الذي كانوا يضطرون لأكله أحيانا في الجاهلية، وهو وبر الجمال يخلطونه بالدم ويشوونه ويأكلونه ! ! ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله.. اللهم إلا بعد أن نزل بساحتهم مباغتة في عشرة آلاف مقاتل من المسلمين، فاضطروا الى التسليم وإلقاء السلاح، فجمعهم النبي في المسجد الحرام وخيرهم بين الإسلام والقتل، فأسلموا تحت السيف أو استسلموا، فعفا عنهم وسماهم الطلقاء.. وبعد أسبوع أخذهم معه كجزء من جيشه الى حرب هوازن في حنين ! ومع أنهم انهزموا في أول معركة حنين.. إلا أن النبي أكرمهم ماديا وأعطاهم أكثر غنائم حنين ! وهكذا انحلت بفتح مكة أزمة قريش الإقتصادية، كما انحلت مشكلة لعن النبي إياهم بأسمائهم، وإن بقيت ذكراها تاريخا يطاردهم وعقدة تتراءى لهم ! وعين النبي حاكما على مكة، وأطمع شخصيات قريش بأنهم يستطيعون أن يأخذوا مواقع قيادية في دولة الإسلام، فهاجر قليل منهم الى المدينة، وبقي أكثرهم في مكة، وبدؤوا ينسون مرارة الهزيمة بحلاوة الطمع، لولا أن النبي صلى الله عليه وآله واصل دعاءه على المنافقين والمشركين عامة ولعنهم، لكن بدون تسمية ! !

[ 71 ]

وطال أمر مشكلة القنوت واللعن نحو سنتين بعد فتح مكة الى وفاة النبي صلى الله عليه وآله.. كان لله تعالى ولرسوله خلالها مع المنافقين آيات وقرارات، بلغت أوجها في سورة براءة التي سموها السورة الفاضحة، لأنها فضحت نواياهم وأفكارهم ونفذت الى أعماقهم، ورسمت صورا لمجموعاتهم وأشخاصهم.. كادت أن تعلن أسمائهم ! ! محاولات عمر وقريش لحل مشكلة الملعونين على لسان النبي ! بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله قام محبوا قريش والمنافقين بأعمال مبتكرة لمعالجة مشكلة الملعونين على لسان النبي، تتلخص في الأعمال السبعة التالية: العمل الأول: وضعوا أحاديث مفادها أن النبي صلى الله عليه وآله قد اعترف بخطئه في لعن الذين لعنهم ودعا عليهم، لأنه بشر ! فدفع كفارة خطئة بأن دعا الله تعالى أن يجعل لعنته على من لعنه أو سبه أو آذاه (صلاة وقربة، زكاة وأجرا، زكاة ورحمة، كفارة له يوم القيامة، صلاة وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة، مغفرة وعافية وكذا وكذا.. بركة ورحمة ومغفرة وصلاة، فإنهم أهلي وأنا لهم ناصح) على حد تعبير الروايات ! فقد روى البخاري في صحيحه ج 7 ص 157 (عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة اليك يوم القيامة). وروى مسلم في صحيحه ج 8 ص 26 عن أبي هريرة أيضا (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة). وروى مسلم سبع روايات أخرى من هذا النوع. وروت ذلك أغلب مصادر إخواننا مثل: مسند أحمد ج 2 ص 390 وص 488 وص 496 وج 3 ص 384 وج 5 ص 437 وص 439 وج 6 ص 45 وسنن الدارمي ج 2 ص 314 وسنن البيهقي ج 7 ص 60 وكنز العمال ج 3 ص 609.. في عشرات الروايات التي تصور النبي صلى الله عليه وآله جالسا على كرسي الإعتراف بأنه سباب لعان فحاش،

[ 72 ]

مؤذ للناس يضربهم بالسوط ويهينهم ! ولذا فهو يعلن توبته ويدعو لمن ظلمهم وأساء إليهم من الفراعنة والأبالسة، بهذا الخير الطويل العريض ! ! وقد حيرت هذا الروايات بعض الفقهاء مثل البيهقي.. لأن لعن الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وآله مادام بأمر الله تعالى فهو طاعة وليس معصية، لأن الطرد من رحمة الله تعالى إنما هو جزاء من الله تعالى تابع لقوانين عادلة يتحمل مسؤوليتها الملعون نفسه، فلا يحتاج لعنه الى توبة.. كما لا يجوز الدعاء له بالخير والبركة والرحمة.. وقد نصت بعض روايات اللعن والدعاء على أن النبي صلى الله عليه وآله قال والله ما أنا قلته ولكن الله قاله كما في مسند أحمد ج 4 ص 48 وص 57 وص 420 وص 424 ومجمع الزوائد ج 10 ص 46 وكنز العمال ج 12 ص 68 ومستدرك الحاكم ج 4 ص 82. أما إذا كان اللعن بسبب غضب وخطأ بشري كما تقول الروايات، فهو معصية كبيرة توجب خروج صاحبها عن العدالة، بل تجعله هو ملعونا ! فقد نصت على ذلك روايات رواها إخواننا السنة أيضا.. منها أن لعن المؤمن كقتله، ومنها إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها نظرت فإن وجدت مسلكا في الذي وجهت إليه، وإلا عادت الى الذي خرجت منه. وقد عقدت بعض مصادر الحديث عندهم بابا لروايات النهي عن اللعن وتحريمه، كما في كنز العمال ج 3 ص 614 و 616 وغيره. ولكن البيهقي استطاع أن يجد حلا يحفظ كرامة نبيه كما حفظت هذه الروايات كرامة الملعونين ! قال في سننه ج 7 ص 60 (باب ما يستدل به على أنه جعل سبه للمسلمين رحمة وفي ذلك كالدليل على أنه له مباح) انتهى ! يعني أن اعتراف النبي بأنه لعن أناسا بغير حق، أو دعا عليهم بغير حق، أمر ثابت، ولا يمكن انسجامه مع عصمة النبي صلى الله عليه وآله إلا بالقول بأن الله قد أحل لنبيه هذه المحرمات.. وأطلق لسان نبيه ويده في أعراض المسلمين ! ! وبقيت على أمته حراما ! ! لقد قدم البيهقي حلا للجانب الفقهي من المسألة.. ولكن لم يقدم هو ولا غيره حلا لمحذورها الأخلاقي، الذي يدعي أن النبي صلى الله عليه وآله قد ارتكب مثل هذا السلوك السئ، الذي لا يليق بشخص عادي من أسرة عادية مؤدبة ! ! بل ولم يقدم حلا للمحذور الأخلاقي بالنسبة الى الله سبحانه وتعالى الذي أحل لنبيه هذا السلوك ! !

[ 73 ]

ولكن إخواننا السنة يجدون أنفسهم مضطرين الى نسبة هذا النقص الأخلاقي الى النبي صلى الله عليه وآله ! لأنه الضريبة الوحيدة لتبرئة من يحبونهم من الملعونين على لسانه ! والعمل الثاني: من أعمال معالجة اللعن، أحاديث أكثر جرأة على مقام النبي صلى الله عليه وآله لأنها تصرح بأن النبي قد أخطأ وأساء الأدب في لعنه من لعن ! فبعث الله تعالى إليه جبرئيل فوبخه وقال له: إن الله يقول لك إني لم أبعثك سبابا ! بل بعثتك رحمة للعالمين، والقرشيون قومك وأهلك أولى بالرحمة الإلهية، فلماذا تسبهم وتلعنهم ؟ ! وعلمه دعاء عاما يقوله في قنوته ليس فيه ما يمس قريش ! وكان ذلك الدعاء (سورتي) الخلع والحفد العمريتين ! ! ف‍ (السورتان) عند أصحابهما نسخة إلهية بدل دعاء اللعن والسب غير المناسب الذي كان يتلوه النبي صلى الله عليه وآله في قنوت صلاته.. وعند الباحث نسخة موضوعة لمصلحة زعماء قريش والمنافقين بدل الدعاء عليهم ولعنهم ! قال البيهقي في سننه ج 2 ص 210 (.. عن خالد بن أبي عمران قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر (يعني قريش) إذ جاءه جبرئيل فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق) ثم قال البيهقي (هذا مرسل وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحا موصولا. ... عن عبيد بن عمير أنه عمر رضي الله عنه قنت بعد الركوع فقال: اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم ألعن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين.

[ 74 ]

بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعي ونحفد ونخشى عذابك الجد ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكافرين ملحق. رواه أبو سعيد بن عبد الرحمن ابن أبزى عن أبيه عن عمر فخالف هذا في بعضه.... عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلاة الصبح فسمعته يقول بعد القراءة قبل الركوع اللهم اياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع من يكفرك. كذا قال قبل الركوع. وهو إن كان اسنادا صحيحا فمن روى عن عمر قنوته بعد الركوع أكثر...) انتهى ! العمل الثالث: أحاديث تفسير قوله تعالى: ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون - آل عمران - 128 فإنك تجد العجب في تفسير إخواننا السنة لهذه الآية.. فالروايات فيها من كل حدب وصوب في رد أفكار النبي وآلامه من طغاة قريش وتخطئته في دعائه عليهم ولعنه إياهم ! وكأن أصحاب هذه الروايات وجدوا بغيتهم من القرآن ضد النبي صلى الله عليه وآله لمصلحة مشركي قريش ومنافقيها.. قال الترمذي في ج 4 ص 295 (... عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية، قال فنزلت: ليس لك من الأمر شئ، أو يتوب عليهم، فتاب عليهم فأسلموا وحسن إسلامهم ! ! هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم، وكذا رواه الزهري عن سالم عن أبيه.... عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة نفر فأنزل الله تبارك وتعالى: ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون

[ 75 ]

فهداهم الله للإسلام ! هذا حديث حسن غريب صحيح يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع عن ابن عمر. ورواه يحيى بن أيوب عن ابن عجلان) انتهى. أما البخاري فقد عقد للآية أربعة أبواب ! روى فيها كلها أن الله تعالى رد دعاء نبيه على المشركين والمنافقين أو لعنه إياهم، ولم يسم البخاري الملعونين في أكثرها حفظا على (كرامتهم) ! قال في ج 5 ص 35: (باب ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. قال حميد وثابت عن أنس: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ فنزلت: ليس لك من الأمر شئ.... عن الزهري حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الأخيرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله عزوجل: ليس لك من الأمر شئ الى قوله فإنهم ظالمون). وقال في ص 171: (باب ليس لك من الأمر شئ... سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر يقول اللهم العن فلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله ليس لك من الأمر شئ الى قوله فإنهم ظالمون. رواه اسحق بن راشد عن الزهري). ثم أورد البخاري رواية أخرى تجعل فلانا وفلانا الملعونين أحياء من قبائل العرب وليسوا قادة من قريش ! قال:... عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف، يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلانا وفلانا لأحياء من العرب حتى أنزل الله: ليس لك من الأمر شئ... الآية).

[ 76 ]

وقال في ج 8 ص 155: (باب قول الله تعالى ليس لك من الأمر شئ.... عن ابن عمر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في صلاة الفجر رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا ولك الحمد في الأخيرة، ثم قال: اللهم العن فلانا وفلانا. فأنزل الله عزوجل: ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) انتهى. والمرة الوحيدة التي سمى فيها البخاري بعض الملعونين رواية رواها عن ابن أبي سفيان، ومن الطبيعي أن يحذف منها اسم أبيه ! ! قال في ج 5 ص 35: (وعن حنظلة بن أبي سفيان قال سمعت سالم بن عبد الله يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحرث بن هشام فنزلت: ليس لك من الأمر شئ الى قوله فإنهم ظالمون !). وأورد في ج 7 ص 164 روايات يوهم تسلسلها أن الآية نزلت ردا على دعاء النبي على أبي جهل، مع أن أبا جهل قتل في بدر والآية نزلت على أقل تقدير بعد بدر بسنة ! قال البخاري: (باب الدعاء على المشركين. وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف وقال اللهم عليك بأبي جهل. وقال ابن عمر دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة اللهم العن فلانا وفلانا حتى أنزل الله عزوجل: ليس لك من الأمر شئ !..... عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال سمع الله لمن حمده في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت اللهم أنج عياش بن ربيعة اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم أنج سلمة بن هشام اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها سنين كسني يوسف) انتهى. والنتيجة من روايات البخاري فقط أن الآية نزلت عدة مرات.. من أجل أشخاص أو فئات متعددين.. وفي أوقات متفاوتة ! ! أما إذا جمعنا أسباب نزولها عند البخاري وغيره، فقد تبلغ عشرين مناسبة متناقضة في الزمان والمكان والأشخاص الملعونين ! ! راجع سنن النسائي ج 2 ص 203 ومسند أحمد ج 2 ص 93 و 104 و 118 و 147 و 255

[ 77 ]

وسنن الدارمي ج 1 ص 374 وسنن البيهقي ج 2 ص 197 وكنز العمال ج 2 ص 379 والدر المنثور ج 2 ص 70. ولكن مسلما كان أقل تشددا من البخاري فقد روى أن نهي الله لرسوله عن لعن قريش تأخر عدة سنوات.. وأن الآية نزلت بعد غزوة بئر معونة وشهادة قراء القرآن.. قال في ج 2 ص 134: ... سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف انهما سمعا أبا هريرة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقول وهو قائم اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف. اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. ثم برأ مسلم ذمته وروى رواية أخرى ليس فيها ذكر نزول الآية.. قال:... عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الى قوله واجعلها عليهم كسني يوسف ولم يذكر ما بعده ! !... عن أبي سلمة أن أبا هريرة حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركعة في الصلاة شهرا إذا قال سمع الله لمن حمده يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد اللهم نج سلمة ابن هشام اللهم نج عياش بن أبي ربيعة اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف. قال أبو هريرة ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعد، فقلت أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم ؟ قال فقيل وما تراهم قد قدموا ؟ ! ثم برأ مسلم ذمته مرة أخرى فقال:... عن أبي سلمة أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي العشاء إذ قال سمع الله لمن حمده ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي الى قوله كسني يوسف ولم يذكر ما بعده ! !

[ 78 ]

ثم روى مسلم رواية تنفى أن النبي ترك لعن الكفار من صلاته الى آخر حياته ! فقال: (... حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول والله لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح ويدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) انتهى. العمل الرابع: الفتوى بالجنة للمنافقين ! عندما تقرأ القرآن تجد فراعنة قريش والمنافقين وجودا بارزا خطيرا بشخصياتهم ومواقفهم وخططهم ضد النبي صلى الله عليه وآله ودعوته ودولته وأمته.. لكن عندما تقرأ السيرة والحديث في مصادر إخواننا السنة تجد الصورة تخف.. وتصغر.. وتخفى ملامحها.. وأحيانا تغيب كليا.. فتحتاج الى بحث وتنقيب لتعرف من هذا الشخص أو الجماعة الذين نزلت فيهم هذه الآية أو الآيات الكاسحة.. ! ومن هؤلاء الجهنميون الخبثاء الذين حذر الله تعالى منهم واعتبرهم مجرمين على مستوى الأمم والشعوب.. ؟ ! لقد اختفوا وغابوا، كما غاب قنوت النبي بالدعاء عليهم ولعنهم ! قد يقال إن النبي صلى الله عليه وآله كان يعرفهم أو يعرف أكثرهم بما علمه الله تعالى، فكانوا في عصره معروفين مميزين.. أما بعد وفاته وانقطاع الوحي فقد صار أمرهم الى الله تعالى.. ولكن لو سلمنا ذلك، فإنا نسأل عن أولئك الذين كانوا مكشوفين في زمن النبي صلى الله عليه وآله، أين صاروا، ولماذا اختفوا.. ؟ ! وأين غاب أبطال الكفر والنفاق في تاريخ البعثة والمرحلة المكية والمدنية وأحداث نزول القرآن.. ؟ ! ونسأل عن أسماء الذين كان يدعو عليهم النبي صلى الله عليه وآله في صلاته طوال نبوته تقريبا، وعن الذين ضاق بهم صدره الرحب، ولم يسعهم حلم الله العظيم، فكشفهم النبي وسماهم في المسجد واحدا واحدا وطرد بعضهم من مسجده.. وقال لآخرين منهم في أنفسهم قولا بليغا ؟ لقد اختفى أكثر تاريخ مشركي قريش ومنافقيها من المصادر.. ولعله لولا آيات القرآن القارعة الهادرة لكان اختفى كل تاريخهم.. !

[ 79 ]

إنها ظاهرة ذات دلالة على وجود موقف مقصود مدروس في التغطية على تاريخ القرشيين أعداء الله ورسوله بالأمس، والمنافقين اليوم.. لأنهم جميعا صاروا من شخصيات مجتمع المدينة، عاصمة الدولة الإسلامية الكبرى ! ! فقد صدر قرار قبول المنافقين واعتبارهم مسلمين من أهل الجنة، وكتبوا تحته توقيع النبي صلى الله عليه وآله، فظهرت الروايات التي تشهد بذلك ! ومن أجل عيون مشركي قريش ومنافقيها صدرت الفتاوي باستحقاق منافقي المدينة من غير قريش لدخول الجنة ! ! روى أحمد في مسنده ج 3 ص 135 قصة مالك بن الدخشم الذي كان رأس المنافقين بعد ابن أبي سلول فقال (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأصحابه يتحدثون بينهم، فجعلوا يذكرون ما يلقون من المنافقين فأسندوا أعظم ذلك الى مالك بن دخشم، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ فقال قائل بلى وما هو من قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلن تطعمه النار أو قال لن يدخل النار) ونحوه في ج 5 ص 449 ! ! أما في ج 4 ص 44 فاكتفت الرواية بشهادة التوحيد فقط دون النبوة ! قال (ذكروا المنافقين وما يلقون من أذاهم وشرهم حتى صيروا أمرهم الى رجل منهم يقال له مالك بن الدخشم وقالوا: من حاله ومن حاله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما أكثروا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يشهد أن لا إله إلا الله ؟ فلما كان في الثالثة قالوا إنه ليقوله، قال: والذي بعثني بالحق لئن قالها صادقا من قلبه لا تأكله النار أبدا ! قالوا فما فرحوا بشئ قط كفرحهم بما قال !) انتهى ! إذن يكفي لضمان الجنة أن يشهد الشخص بالتوحيد، ولا يضره أن يكون كافرا بالنبي صلى الله عليه وآله، أو منافقا يكيد للإسلام ورسوله وأمته ! وقد احتاط البخاري وغيره قليلا في ضمان الجنة للمنافق، فاشترطوا أن يشهد شهادة التوحيد يريد بها وجه الله تعالى ! ثم لا مانع بعد ذلك أن يكفر برسول الله ويقصد بأعماله وجه الشيطان ! فقد روى في صحيحه رواية ابن الدخشم وغيره في ج 2

[ 80 ]

ص 56 وج 6 ص 202 وفيهما أن النبي صلى الله عليه و آله قال (فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) ورواه أحمد نحوه في مسنده ج 4 ص 44 ! أما مسلم فلم يستعمل الإحتياط هنا بل روى في صحيحه ج 1 ص 122 كيفية نجاة المنافقين يوم القيامة ودخولهم الجنة، يوم (يتجسد !) الله سبحانه وتعالى و (يضحك !) للمؤمنين والمنافقين ويمشي أمامهم.. الخ ! قال مسلم (أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال... فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول من تنظرون ؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول أنا ربكم، فيقولون حتى ننظر إليك، فيتجلى لهم يضحك ! قال فينطلق بهم ويتبعونه ويعطي كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء، ثم كذلك. ثم تحل الشفاعة ويشفعون حتى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء حتى ينبتوا نبات الشئ في السيل ويذهب حراقه، ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها) انتهى. ومع أن (بركات) هذه الأحاديث شملت المنافقين من أهل المدينة، لكن المقصود بها بالأساس مشركوا قريش ومنافقوها.. فقد أكد الخليفة عمر أن الظالم من قريش مغفور له ويدخل الجنة ! روى الذهبي في ميزان الإعتدال ج 3 ص 355 (عن أبي عثمان النهدي، سمعت عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له !) وهو يقصد بذلك قريشا. وقال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 251 (وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب انه كان إذا نزع بهذه الآية (ثم أورثنا الكتاب...) قال: ألا أن سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له ! ! وأخرج العقيلي وابن لال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له، وقرأ عمر فمنهم ظالم لنفسه... الآية) انتهى.

[ 81 ]

وما أدري كيف يمكن الجمع بين هذه الروايات وبين آية واحدة من آيات المنافقين في القرآن مثل قوله تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ؟ ! بل كيف يمكن الجمع بينها وبين ما روته نفس هذه المصادر، كالأحاديث الصحيحة التي رواها الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 108 (وعن عبد الله يعني ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن كان فيه خصلة ففيه خصلة من النفاق: إذا حدث كذب، وإذا أوتمن خان، وإذا وعد أخلف. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن مسعود قال: اعتبروا المنافقين بثلاث، إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر. فأنزل الله عزوجل تصديق ذلك في كتابه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله... الى آخر الآية. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح) انتهى. والذي رواه الترمذي في سننه ج 5 ص 298 (عن أبي سعيد الخدري قال: إن كنا لنعرف المنافقين نحن معشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب. هذا حديث غريب. وقد تكلم شعبة في أبي هارون العبدي، وقد روى هذا عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد). وأحاديث الحاكم الصحيحة في المستدرك ج 3 ص 129 (عن أبي ذر رضي الله عنه قال ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه. هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه). وفي ص 138 (عن علي بن أبي طلحة قال حججنا فمررنا على الحسن بن علي بالمدينة ومعنا معاوية بن حديج، فقيل للحسن إن هذا معاوية بن حديج الساب لعلي، فقال على به، فأتي به فقال: أنت الساب لعلي ؟ فقال ما فعلت. فقال والله إن لقيته وما أحسبك تلقاه يوم القيامة لتجده قائما على حوض رسول الله صلى الله عليه وآله يذود عنه رايات المنافقين، بيده عصا من عوسج. حدثنيها الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله، وقد خاب من افترى. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) انتهى.

[ 82 ]

العمل الخامس: إعطاء مناصب هامة في الدولة الإسلامية للمنافقين ! وأول من فتح هذا الباب وأعطى مناصب الدولة للمنافقين هو الخليفة عمر.. وكان يبرر ذلك تبريرا عصريا فيقول إن مسألة الدين أمر بين الإنسان وربه.. والمنافق إثمه عليه ! فقد روى في كنز العمال ج 4 ص 614 (عن عمر قال: نستعين بقوة المنافق، وإثمه عليه !) وفي ج 5 ص 771 (عن الحسن أن حذيفة قال لعمر: إنك تستعين بالرجل الفاجر فقال عمر: إني لاستعمله لأستعين بقوته ثم أكون على قفائه - أبو عبيد) انتهى. هذا مع أنه روي عن الخليفة قوله (من استعمل فاجرا وهو يعلم أنه فاجر فهو مثله) كنز العمال ج 5 ص 761. وقد برر البيهقي إعطاء المناصب للمنافقين بأنهم منافقون لينون، فقال في سننه ج 9 ص 36 (عن عبد الملك بن عبيد قال قال عمر رضي الله عنه: نستعين بقوة المنافقين وإثمهم عليهم. وهذا منقطع فإن صح فإنما ورد في منافقين لم يعرفوا بالتخذيل والارجاف، والله أعلم) ! ولكن محاولة البيهقي للتخفيف لا تنفع مع ما رواه البخاري، في صحيحه ج 8 ص 100 من أن المنافقين في زمن الخليفة عمر كانوا - بسبب بسط أيديهم وقحين متجاهرين - وأن حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وآله أطلق صيحة التحذير من خطرهم فقال (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون ! !) انتهى. قرار حذف القنوت من الصلاة لأنه كان محل لعن قريش العمل السادس: انتقام الخلفاء من القنوت ! فقد قرر فقه إخواننا السنة التخلص من القنوت في كل فريضة وحصره في صلاة الفجر والوتر، أو فيما إذا نزلت نازلة بالناس فيدعو الإمام بشأنها، وجوز الإمام أحمد أن يقنت الأمراء فقط في صلاتهم ويدعوا، أما عامة المسلمين فلا.. !

[ 83 ]

ومع أن القنوت بقي عندهم جزئيا، لكنك تشعر وأنت تقرأ فتاواهم فيه أنه ما زال في أنفسهم منه شئ، وكأنهم لم يستوفوا حقهم من قنوت رسول الله صلى الله عليه وآله ! ثم تراهم لا يحبونه ولا يعلمونه لعوامهم ! وإذا علموهم اقتصروا على سورتي الخلع والحفد، أو دعاء القنوت الذي يروونه عن الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، وهو دعاء عام لا أثر فيه لذكر الكفار والمنافقين.. وهو الدعاء الشائع عندهم في عصرنا أكثر من سورتي الخليفة، بسبب أن نصه أقوى من نصهما.. قال في فتح العزيز ج 4 ص 250: (واستحب الأئمة منهم صاحب التلخيص أن يضيف إليه (القنوت) ما روي عن عمر رضي الله عنه..) ثم ذكر (السورتين). ويبدو أن ترك القنوت وتحريمه كان مذهب الأكثرية في زمن بني أمية ! بل تصاعد غيظ الفقهاء منه وأفتوا بأنه كان من أصله تصرفا شخصيا من النبي صلى الله عليه وآله لمدة شهر فقط ثم نهاه الله عنه، أو كان مشروعا لكنه نسخ، وهو الآن حرام وبدعة.. ! قال النسائي في سننه ج 2 ص 203 (عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا، قال شعبة لعن رجالا، وقال هشام يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثم تركه بعد الركوع هذا قول هشام. وقال شعبة عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهرا يلعن رعلا وذكوان ولحيان. باب لعن المنافقين في القنوت... عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الآخرة قال: اللهم العن فلانا وفلانا يدعو على أناس من المنافقين فأنزل الله عزوجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. ترك القنوت... عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت ! وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان، فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال يا بني إنها بدعة !) انتهى.

[ 84 ]

وقد يكون المقصود بالقنوت هنا لعن الكفار والمنافقين، لأن القنوت صار علما على اللعن.. ولكن ذلك يؤكد ما ذكرناه ! روايات القنوت الشاهدة الشهيدة ! ومع كل هذه الحملة على قنوت النبي صلى الله عليه وآله، استطاعت بعض رواياته أن تعبر حواجز تفتيش السلطة والرواة وتصل الى أيدينا ! ! وبعضها يشهد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يدعو في صلاته على الكفار والمنافقين حتى توفاه الله تعالى ! وأن بقايا عمل المسلمين بهذه السنة الشريفة كانت موجودة الى فترة من عهد بني أمية ! روى مالك في الموطأ ج 1 ص 115 (عن داود بن الحصين، أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان... في قنوت الوتر اقتداء بدعائه صلى الله عليه وآله في القنوت). وروى البخاري في صحيحه ج 1 ص 193 (عن أبي هريرة قال لأقربن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار) ورواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 135 والنسائي في سننه ج 2 ص 202 وأبو داود في سننه ج 1 ص 324 وأحمد في مسنده ج 2 ص 255 وص 337 وص 470 والبيهقي في سننه ج 2 ص 198 وص 206 والسيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 307 وقال أخرجه الدارقطني. وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 211 (... عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتضرع وتخشع وتمسكن، ثم تقنع يديك - يقول ترفعهما الى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك - تقول يا رب يا رب، فمن لم يقل ذلك، فقال فيه قولا شديدا !) ورواه في ج 4 ص 167 وفي آخره (فمن لم يفعل ذلك فهي خداج) أي صلاته ناقصة. ورواه الترمذي في سننه ج 1 ص 238 وفي آخره (ومن لم يفعل ذلك فهو كذا وكذا. قال أبو عيسى (الترمذي): وقال غير ابن المبارك في هذا الحديث: من لم يفعل ذلك فهو خداج).

[ 85 ]

وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 198 (عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها ! ومحمد هذا هو ابن أنس أبو أنس مولى عمر بن الخطاب، ومطرف هو ابن طريف). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 ص 138 (وعن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون. وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أقنت لتدعوا ربكم وتسألوه حوائجكم... وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت حتى مات، وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات. رواه البزار ورجاله موثقون) انتهى. ومن آراء فقهاء السنة الملفتة في القنوت: رأي ابن حزم الظاهري ودفاعه العلمي المطول عن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في القنوت.. قال في المحلى ج 4 ص 138 - 146 (مسألة: والقنوت فعل حسن.. في آخر ركعة من كل صلاة فرض، الصبح وغير الصبح، وفي الوتر، فمن تركه فلا شئ عليه في ذلك.. ويدعو لمن شاء ويسميهم بأسمائهم إن أحب فإن قال ذلك قبل الركوع لم تبطل صلاته بذلك... عن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الصبح والمغرب). وقال في هامشه (في النسائي ج 1 ص 164 ورواه الطيالسي ص 100 رقم 737 عن شعبة، ورواه الدارمي ص 198 ولم يذكر فيه المغرب، ورواه أيضا مسلم ج 1 ص 188 والترمذي وصححه ج 1 ص 81 والطحاوي ج 1 ص 142 وأبو داود ج 1 ص 540 و 541 والبيهقي ج 2 ص 198). ثم قال ابن حزم (... عن أبي هريرة قال: والله إني لأقربكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة من صلاة الظهر، وصلاة العشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار... عن البراء ابن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي صلاة إلا قنت فيها ! !) ثم قال (أما الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم بأنهم لم يقنتوا فلا حجة في ذلك في النهي عن القنوت، لأنه قد صح عن جميعهم أنهم قنتوا، وكل ذلك صحيح قنتوا وتركوا، فكلا

[ 86 ]

الأمرين مباح، والقنوت ذكر لله تعالى، ففعله حسن، وتركه مباح، وليس فرضا، ولكنه فضل. وأما قول والد أبي مالك الأشجعي إنه بدعة، فلم يعرفه، ومن عرفه أثبت فيه ممن لم يعرفه، والحجة فيمن علم لا فيمن لم يعلم !... وقال بعض الناس: الدليل على نسخ القنوت ما رويتموه من طريق معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة قال: أللهم العن فلانا وفلانا، دعا على ناس من المنافقين فأنزل الله عز وجل ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال علي (ابن حزم): هذا حجة في إثبات القنوت: لأنه ليس فيه نهي عنه، فهذا حجة في بطلان قول من قال: إن ابن عمر جهل القنوت، ولعل ابن عمر إنما أنكر القنوت في الفجر قبل الركوع، فهو موضع إنكار، وتتفق الروايات عنه فهو أولى، لئلا يجعل كلامه خلافا للثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما في هذا الخبر إخبار الله تعالى بأن الأمر له لا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن أولئك الملعونين لعله تعالى يتوب عليهم، أو في سابق علمه أنهم سيؤمنون فقط.... وأما أبو حنيفة ومن قلده فقالوا: لا يقنت في شئ من الصلوات كلها إلا في الوتر، فإنه يقنت فيه قبل الركوع السنة كلها، فمن ترك القنوت فيه فليسجد سجدتي السهو. أما مالك والشافعي فإنهما قالا: لا يقنت في شئ من الصلوات المفروضة كلها إلا في الصبح خاصة.... قال علي (ابن حزم): أما قول أبي حنيفة: فما وجدناه كما هو عن أحد من الصحابة نعني النهي عن القنوت في شئ من الصلوات، حاشا الوتر فإنه يقنت فيه، وعلى من تركه سجود السهو. وكذلك قول مالك في تخصيصه الصبح خاصة بالقنوت، ما وجدناه عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين. وكذلك تفريق الشافعي بين القنوت في الصبح وبين القنوت في سائر الصلوات، وهذا مما خالفوا فيه كل شئ روى في هذا الباب عن الصحابة رضي الله عنهم، مع تشنيعهم على من خالف بعض الرواية عن صاحب لسنة صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم !

[ 87 ]

قال علي: وقولنا هو قول سفيان الثوري. وروى عن ابن أبي ليلى: ما كنت لأصلي خلف من لا يقنت، وأنه كان يقنت في صلاة الصبح قبل الركوع) انتهى. كيف صار قنوت النبي (المصحح) سورتين من القرآن ؟ العمل السابع: إضافة سورتي الخلع والحفد الى القرآن ! كل أصل (سورتي) الخلع والحفد هو الرواية المتقدمة التي تقول إن النبي كان يصلي ويدعو على قريش في قنوته ويلعنهم، فنزل جبرئيل وأمره بالسكوت وقطع عليه صلاته وبلغه توبيخ الله تعالى وقال له (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا ! وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا، ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون. ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعي ونحفد ونرجو رحمتك ونخشى عذابك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق) ! وما دام جبرئيل علم ذلك للنبي فهو كلام الله تعالى، وهو من القرآن ! ! أما لماذا صار هذا النص سورتين ببسملتين ؟ فالأمر سهل، أولا، لأنهما فقرتان تبدأ كل منهما ب‍ (اللهم). وثانيا، لأنه يجوز للخليفة عمر أن يضع آيات القرآن في سورة مستقلة ! فقد قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 296 (وأخرج ابن اسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم... الى قوله وهو رب العرش العظيم، الى عمر فقال: من معك على هذا ؟ فقال لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها. فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها، فألحقت في آخر براءة) ورواه الهيثمى في مجمع الزوائد ج 7 ص 35. وثالثا، لأنهم إذا أسقطوا من القرآن سورتي المعوذتين باعتبار أنهما عوذتان نزل بهما جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ليعوذ بهما الحسن الحسين عليهما السلام،

[ 88 ]

ولم يقل له إنهما من القرآن ! فلابد لهم من وضع سورتين مكانهما لا سورة واحدة.. فيجب جعل النص قسمين ! يبقى السؤال: من الذي ارتأى أن يسمى هذا القنوت المزعوم سورتين ؟ هنا تسكت الروايات عن التصريح ! ومن الذي أمر أن تضاف سورتان ركيكتان الى كتاب الله تعالى وتكتبا في المصاحف ؟ هنا تسكت الروايات عن التصريح ! ولكنها تنطق صحيحة متواترة صريحة بأن الخليفة عمر هو الذي عرفهما للمسلمين بقراءته لهما في صلاة الصبح دائما أو كثيرا ! إما بنية الدعاء وإما بنية سورتين من القرآن ! ومن الطبيعي أن تكونا موجودتين في مصحف عمر الذي كان عند حفصة.. الى أن أحرقه مروان بن الحكم بعد وفاتها حتى لا يقال إنه يختلف عن مصحف عثمان ! ! ويشك الإنسان كل الشك في نسبة السورتين المزعومتين الى مصحف ابن مسعود وابن كعب.. وإن صح شئ من ذلك فلا بد أن يكون الخليفة عمر هو الذي أقنع ابن مسعود وابن كعب بكتابتهما في مصحفيهما ! وسيأتي ما ينفع في ذلك في قصة المعوذتين ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 420: (ذكر ما ورد في سورة الخلع وسورة الحفد. قال ابن الضريس في فضائله أخبرنا موسى بن اسمعيل أنبأنا حماد قال قرأنا في مصحف أبي بن كعب اللهم إنا نستعينك وتستغفرك ونثنى عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك قال حماد هذه الآية سورة وأحسبه قال اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه قال: صليت خلف عمر بن الخطاب فلما فرغ من السورة الثانية قال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق.

[ 89 ]

وفي مصحف ابن عباس قراءه أبى وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. وفي مصحف حجر: اللهم إنا نستعينك. وفي مصحف ابن عباس قراءة أبي وأبي موسى: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج أبو الحسن القطان في المطولات عن أبان بن أبي عياش قال سألت أنس بن مالك عن الكلام في القنوت فقال: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد واليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق. قال أنس والله إن أنزلتا إلا من السماء ! وأخرج محمد بن نصر والطحاوي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين: اللهم إياك نعبد، واللهم إنا نستعينك. وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبزى قال قنت عمر رضي الله عنه بالسورتين. وأخرج محمد بن نصر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر قنت بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك.. واللهم إياك نعبد.. وأخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبرئيل فاومأ إليه أن أسكت فسكت فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة للعالمين ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومحمد بن نصر والبيهقي في سننه عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا

[ 90 ]

نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد ولك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. وزعم عبيد أنه بلغه انهما سورتان من القرآن من مصحف ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن ميمون بن مهران قال في قراءة أبي بن كعب اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. وأخرج محمد بن نصر عن ابن إسحق قال قرأت في مصحف أبي بن كعب بالكتاب الأول العتيق بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله احد الى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الفلق الى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم قل أعوذ برب الناس الى آخرها بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثنى عليك الخير ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق. بسم الله الرحمن الرحيم اللهم لا تنزع ما تعطى ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك وغفرانك وحنانيك اله الحق (يلاحظ في هذه الرواية أن السورتين ولدتا بنتا فصرن ثلاثة). وأخرج محمد بن نصر عن عطاء بن السائب قال كان أبو عبد الرحمن يقرئنا اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجد إن عذابك بالكفار ملحق. وزعم أبو عبد الرحمن أن ابن مسعود كان يقرئهم إياها ويزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم إياها. وأخرج محمد بن نصر عن الشعبي قال قرأت أو حدثني من قرأ في بعض مصاحف أبي بن كعب هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك، والأخرى، بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. قبلهما سورتان من المفصل وبعدهما سور من المفصل.

[ 91 ]

وأخرج محمد بن نصر عن سفيان قال كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك واللهم إياك نعبد. وأخرج محمد بن نصر عن إبراهيم قال يقرأ في الوتر السورتين: اللهم إياك نعبد اللهم إنا نستعينك ونستغفرك. وأخرج محمد بن نصر عن خصيف قال سألت عطاء بن أبي رباح: أي شئ أقول في القنوت ؟ قال: هاتين السورتين اللتين في قراءة أبي، اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد. وأخرج محمد بن نصر عن الحسن قال نبدأ في القنوت بالسورتين ثم ندعو على الكفار ثم ندعو للمؤمنين والمؤمنات) انتهى. وروى في كنز العمال ج 8 ص 74 و 75 و 78 وغيرها، الكثير من روايات الخلع والحفد ! ! منها: (عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يقنت بالسورتين أللهم إنا نستعينك، أللهم إياك نعبد - ش ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة والطحاوي. عن عبد الرحمن بن ابزى قال: صليت خلف عمر بن الخطاب الصبح، فلما فرغ من السورة في الركعة الثانية قال قبل الركوع: أللهم إنا نستعينك... إلخ. - ش وابن الضريس في فضائل القرآن، هق وصححه. وقال في هامشه: ملحق: الرواية بكسر الحاء: أي من نزل به عذابك ألحقه بالكفار. ويروى بفتح الحاء على المفعول: أي عذابك يلحق بالكفار ويصابون به النهاية 4 / 238) ب. عن عبيد بن عمير أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع في صلاة الغداة، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، أللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك بسم الله الرحمن الرحيم أللهم إياك نعبد.. إلخ. وزعم عبيد أنه بلغه أنهما سورتان من القرآن في مصحف ابن مسعود - عب ش ومحمد ابن نصر والطحاوي هق.

[ 92 ]

عن عبد الرحمن بن ابزى أن عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد - الطحاوي. ثنا هشيم قال: أخبرنا حصين قال: صليت الغداة ذات يوم، وصلى خلفي عثمان بن زياد فقنت في الصلاة، فلما قضيت صلاتي قال لي: ما قلت في قنوتك ؟ فقلت: ذكرت هؤلاء الكلمات: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكفار ملحق، فقال عثمان: كذا كان يصنع عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ش) انتهى. وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1009 (حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا هشام، عن محمد: أن أبى بن كعب كتبهن في مصحفه خمسهن: أم الكتاب والمعوذتين والسورتين، وتركهن ابن مسعود كلهن، وكتب ابن عفان فاتحة الكتاب والمعوذتين، وترك السورتين. وعلى ما كتبه عمر رضي الله عنه مصاحف أهل الإسلام، فأما ما سوى ذلك فمطرح، ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة، أو جحد شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به) انتهى. وتعبيره (على ما كتبه عمر) يعني أن ما كتب في عهده كان بأمره وموافقته، وأن من قرأ سورتي الخلع والحفد لا يستحل دمه لأنهما مما كتبه عمر. والظاهر أن اسم عمر في الرواية جاء خطأ بدل اسم عثمان. فتكون فتوى باستحلال دم من يكتب سورتي الخليفة عمر في قرآنه ! روى الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 148 الحديث المتقدم عن البيهقي، أي حديث (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وسورتي الخلع والحفد) وأفتى باستحباب القنوت بهما ! وقال مالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 103: (قال ابن وهب: قال لي مالك لا بأس أن يدعى الله في الصلاة على الظالم ويدعو لآخرين وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة لناس ودعا على آخرين (ابن وهب) عن معاوية بن صالح عن عبد القاهر عن خالد بن أبي عمران قال بينا

[ 93 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن أسكت فسكت فقال يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون قال ثم علمه القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يكفرك. اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق) انتهى. وقال النووي في المجموع ج 3 ص 493 عن القنوت (.. والسنة أن يقول: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت. لما روى الحسن بن علي رضي الله عنه قال: علمني رسول الله صلى الله عليه و سلم هؤلاء الكلمات في الوتر فقال قل: اللهم اهدني فيمن هديت.. الى آخره. وإن قنت بما روي عن عمر رضي الله عنه كان حسنا... وهو ما روى أبو رافع قال قنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الركوع في الصبح فسمعته يقول اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ولا نكفرك ونؤمن بك ونخلع ونترك من يفجرك اللهم إياك نعبد ولك نصلى ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخشى عذابك أن عذابك الجد بالكفار ملحق. اللهم عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك يكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم واجعل في قلوبهم الايمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم آله الحق واجعلنا منهم. ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء). وقال في ص 498: (ولو قنت بالمنقول عن عمر رضي الله تعالى عنه كان حسنا وهو الدعاء الذي ذكره المصنف رواه البيهقي وغيره قال البيهقي هو صحيح عن عمر واختلف الرواة في لفظه والرواية التي أشار البيهقي الى اختيارها رواية عطاء عن عبيدالله بن عمر رضي

[ 94 ]

الله عنهم قنت بعد الركوع فقال (اللهم اغفر لنا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وألف بين قلوبهم وأصلح ذات بينهم وانصرهم على عدوك وعدوهم. اللهم العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ويكذبون رسلك ويقاتلون أولياءك. اللهم خالف بين كلمتهم وزلزل أقدامهم وأنزل بهم بأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك. بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونخشى عذابك ونرجوا رحمتك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. هذا لفظ رواية البيهقي) انتهى. وعندما رأى النووي أن الخليفة حصر دعاءه بكفرة أهل الكتاب ليبعد الأمر عن كفرة قريش الوثنيين، علق بقوله (وقوله اللهم عذب كفرة أهل الكتاب، إنما اقتصر على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر وأما الآن فالمختار أن يقال عذب الكفرة ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، فإن الحاجة الى الدعاء على غيرهم أكثر والله أعلم) انتهى ! ولكن النووي نسي المنافقين الذين نسيهم الخليفة ! ! وقد حاول بعض الرواة أن يقوي أمر سورتي الخلع والحفد بأن عليا عليه السلام أيضا وافق الخليفة عمر وقرأهما في قنوته ! فقد روى السيوطي ومالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 103 عن (.. عبد الرحمن بن سويد الكاهلي أن عليا قنت في الفجر: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك...) ! ولكنها رواية شاذة، وقد روت مصادر إخواننا السنة عن قنوت علي ضد ذلك، وأنه كان يدعو على خصومه المنافقين ! ففي كنز العمال ج 8 ص 79 (عن إبراهيم النخعي قال: إنما كان علي يقنت لأنه كان محاربا وكان يدعو على أعدائه في القنوت في الفجر والمغرب - الطحاوي) وفي ص 82 (عن عبد الرحمن بن معقل قال: صليت مع علي صلاة الغداة، فقنت فقال في قنوته اللهم عليك بمعاوية وأشياعه، وعمرو بن العاص وأشياعه، وأبي الأعور السلمي وأشياعه، وعبد الله بن قيس وأشياعه - ش) انتهى.

[ 95 ]

ابن حزم يفتي بأن (السورتين) كلام غير مأثور ! ! قال في المحلى ج 4 ص 148:... وقد جاء عن عمر رضي الله عنه القنوت بغير هذا، والمسند أحب إلينا. فإن قيل: لا يقوله عمر إلا وهو عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلنا لهم: المقطوع في الرواية على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى من المنسوب إليه عليه السلام بالظن الذي نهى الله تعالى عنه ورسوله عليه السلام. فإن قلتم ليس ظنا، فأدخلوا في حديثكم أنه مسند فقولوا: عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ! فان فعلتم كذبتم، وإن أبيتم حققتم أنه منكم قول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن الذي قال الله تعالى فيه إن الظن لا يغني من الحق شيئا). وقال في المحلى ج 3 ص 91 (ويدعو المصلي في صلاته في سجوده وقيامه وجلوسه بما أحب، مما ليس معصية، ويسمي في دعائه من أحب. وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عصية ورعل وذكوان، ودعا للوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، يسميهم بأسمائهم، وما نهى عليه السلام قط عن هذا ولا نهي هو عنه) انتهى. وكلامه الأخير تكذيب لحديث الشافعي والبيهقي (يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا) ! هل نفعت كل المقويات لبقاء سورتي الخليفة ؟ ! أكبر نجاح حققته سورتا الخلع والحفد أنهما سببتا التشويش على سورتي المعوذتين كما سترى ! وأنهما دخلتا في فقه إخواننا السنة على أنهما دعاء القنوت المأثور، كما رأيت ! ولعل أكبر نجاح أمكن تحقيقه لهما كان على يد السلطة الأموية، التي تبنت قراءتهما مدة لا تقل عن نصف قرن على أنهما سورتان من القرآن ! حيث تدل الروايات على أنهما عاشتا بالمقويات في حكم بني أمية.. ثم ماتتا ؟ !

[ 96 ]

روى السيوطي في الإتقان ج 1 ص 227 (وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق قال: أمنا أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بهاتين السورتين: إنا نستعينك، ونستغفرك) ! ! انتهى. وعندما يقول أحد: صلى فلان بنا فقرأ بسورتي كذا وكذا فمعناه قرأهما على أنهما قرآن، فقرأ إحداهما في الركعة الأولى والثانية في الركعة الثانية. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 157 وصححه، قال: (وعن أبي إسحق قال أمنا أمية ابن عبد الله بن خالد بن أسيد بخراسان فقرأ بها من السورتين إنا نستعينك ونستغفرك قال فذكر الحديث. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح !) قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 116 (وأما أمية بن عبد الله فإن عبد الملك استعمله على خراسان، والصحيح أنه لا صحبة له.. وقد ذكر مصنفوا التواريخ والسير أمية وولايته خراسان وساقوا نسبه كما ذكرناه. وذكر أبو أحمد العسكري عتاب بن أسيد بن أبي العيص ثم قال: وأخوه خالد بن أسيد وابنه أمية بن خالد. ثم قال في ترجمة منفردة: أمية بن خالد بن أسيد ذكر بعضهم أن له رواية وقد روى عن ابن عمر). وترجم له البخاري في تاريخه الكبير ج 2 ص 7 والرازي في الجرح والتعديل ج 2 ص 301 والمزني في تهذيب الكمال ج 3 ص 334 وقال (عن سعيد بن عبد العزيز: دعا عبد الملك بغدائه فقال: أدع خالد ابن يزيد بن معاوية، قال: مات يا أمير المؤمنين. قال أدع ابن أسيد، قال: مات يا أمير المؤمنين. قال أدع روح بن زنباع، قال: مات يا أمير المؤمنين. قال إرفع، إرفع. قال أبو مسهر: فحدثني رجل قال: فلما ركب تمثل هذين البيتين: ذهبت لداتي وانقضت آثارهم وغبرت بعدهم ولست بغابر وغبرت بعدهم فأسكن مرة بطن العقيق ومرة بالظاهر قال خليفة بن خياط: وفي ولاية عبد الملك، مات أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. وقال الحافظ أبو القاسم: بلغني أن أمية بن خالد، وخالد بن يزيد بن معاوية

[ 97 ]

وروح بن زنباع، ماتوا بالصنبرة في عام واحد. وبلغني من وجه آخر أن روحا مات في سنة أربع وثمانين. وقال أبو بشر الدولابي: حدثني أحمد بن محمد بن القاسم، حدثني أبي، حدثني أبو الحسن المدائني، قال: سنة سبع وثمانين، فيها مات أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. روى له النسائي وابن ماجة حديثا واحدا) انتهى. ويظهر من ترجمة أمية أنه نشأ في مكة كغيره من بني أمية، ثم وفد على عبد الملك فجعله من ندمائه وسكن في الشام حتى عدوه في الشاميين، ثم ولاه عبد الملك خراسان.. فالقصة التي يرويها الطبراني عنه بسند صحيح كما يشهد السيوطي لابد أن تكون بعد أكثر من نصف قرن من وفاة الخليفة عمر ! ! وهذا يقوي أن تكون السلطة الأموية قد تبنت سورتي الخليفة كسورتين أصيلتين من القرآن، وتبنت كتابتهما في المصحف بدل المعوذتين اللتين ليستا في رأيهم أكثر من عوذتين كان النبي صلى الله عليه وآله يعوذ بهما الحسن والحسين عليهما السلام، كما سنرى ! لكن مع كل هذه الجهود الرسمية لدعم هذين النصين الركيكين، فإن قوة القرآن الذاتية قد نفتهما عنه كما تنفي النار عن الذهب الزبد والخبث.. وتجلى بذلك أحد مصاديق قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وكفى الله المسلمين شر سورتي الخلع والحفد والحمد لله، ولم يبق منهما إلا الذكرى السيئة لمن أراد أن يزيدهما على كتاب الله تعالى ! ! وإلا الدعاء في فقه إخواننا، والحمد لله أنهما صارتا دعاء من الدرجة الثانية، لأن الدعاء الذي رووه عن الإمام الحسن عليه السلام أبلغ منهما ! القنوت في فقه الشيعة القنوت في فقهنا جزء مستحب مؤكد من صلاة الفريضة والنافلة، ويدعو المصلي فيه بالمأثور أو بما جرى على لسانه، لنفسه أو للمؤمنين ولو بأسمائهم، ولا يجوز الدعاء على المؤمنين ولا لعنهم. ويجوز أن يدعو على أئمة الكفر والنفاق ولو بأسمائهم، ويجوز أن يلعنهم..

[ 98 ]

قال المحقق الحلي المتوفي سنة 624 في المعتبر ج 2 ص 238: (اتفق الأصحاب على استحباب القنوت في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا مرة، وهو مذهب علمائنا كافة، وقال الشافعي: يستحب في الصبح خاصة بعد الركوع، ولو نسيه سجد للسهو لأنه سنة كالتشهد الأول، وفي سائر الصلاة إن نزلت نازلة قولا واحدا، وإن لم تنزل فعلى قولين. وبقوله قال أكثر الصحابة، ومن الفقهاء مالك قال: وفي الوتر في النصف الأخير من رمضان لا غير. وقال أبو حنيفة: ليس القنوت بمسنون بل هو مكروه إلا في الوتر خاصة فإنه مسنون. وقال أحمد: إن قنت في الصبح فلا بأس، وقال: يقنت أمراء الجيوش. لنا: أن القنوت دعاء فيكون مأمورا به لقوله تعالى أدعوني أستجب لكم وقوله وقوموا لله قانتين، ولأن الدعاء أفضل العبادات فلا يكون منافيا للصلاة، وما رواه أحمد بن حنبل عن الفضل بن عباس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصلاة مثنى مثنى، وتشهد في كل ركعتين، وتضرع، وتخشع، ثم تضع يديك ترفعهما الى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب..) وعن البراء بن عازب قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها) ورووا عن علي عليه السلام (أنه قنت في الصلاة المغرب على أناس وأشياعهم) وقنت النبي صلى الله عليه وآله في صلاة الصبح فقال (اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان وأرسل عليهم سنين كسني يوسف). ومن طريق أهل البيت عليهم السلام روايات، منها رواية زرارة عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال (القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع) وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام أيضا قال (القنوت في كل ركعتين في التطوع والفريضة) وروى صفوان الجمال قال (صليت مع أبي عبد الله أياما فكان يقنت في كل صلاة يجهر فيها ولا يجهر فيها) انتهى. وهكذا تمسك الفقه الشيعي بسنة النبي صلى الله عليه وآله في القنوت باعتبار أنه تشريع ثابت مفتوح الى يوم القيامة، يدعو فيه الفرد المسلم أو الحاكم المسلم إن شاء لنفسه وإخوانه، ويدعو فيه إن شاء على المنافقين والكافرين..

[ 99 ]

وهكذا.. أدان الأئمة من عترة النبي صلى الله عليه وآله اتهام رسول الله من أجل تبرئة الملعونين على لسانه ! وتمسكوا بشهادة الله سبحانه بحق نبيه وما ينطق عن الهوى.. إن هو إلا وحي يوحى واعتقدوا بأن النبي لا يمكن أن يلعن غير المستحق.. بل تدل الروايات عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام على أن لعنة الأنبياء أو بعض أنواعها تجري في ذرية الملعون.. ! لأن اللعن لا يصدر منهم إلا بعد علمهم بنضوب الخير من الملعون ومن صلبه ! فقد روى الكليني في الكافي ج 5 ص 569 (عن سدير قال: قال لي أبو جعفر - الإمام محمد الباقر عليه السلام -: يا سدير بلغني عن نساء أهل الكوفة جمال وحسن تبعل، فابتغ لي امرأة ذات جمال في موضع، فقلت: قد أصبتها جعلت فداك، فلانة بنت فلان ابن محمد بن الأشعث بن قيس. فقال لي: يا سدير إن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن قوما فجرت اللعنة في أعقابهم الى يوم القيامة ! وأنا أكره أن يصيب جسدي جسد أحد من أهل النار !) انتهى. وفي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم وقال أبو جعفر عليه السلام أما داود عليه السلام فإنه لعن أهل أيلة لما اعتدوا في سبتهم، وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة، وأما عيسى فإنه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة، ثم كفروا بعد ذلك !) انتهى. المؤامرة على سورتي المعوذتين ! يتضح من روايات سورتي المعوذتين في مصادر إخواننا السنة أنه كانت توجد مؤامرة لحذفهما من القرآن، ولكنها فشلت والحمد لله، وحفظ الله المعوذتين جزء من القرآن عند كل المسلمين ! وهو سبحانه القائل إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. ولكن لماذا هذه المؤامرة ؟ وما هو هدفها ؟ ومن هو أصلها ؟ ! الإحتمال الأول: أن المعوذتين لم تعجبا السليقة العامة للعرب ! كما يفهم مما رواه البيهقي في سننه ج 2 ص 394 (عن عقبة بن عامر الجهني قال: كنت أقود برسول

[ 100 ]

الله صلى الله عليه وسلم ناقته فقال لي: يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ قلت بلى يا رسول الله. فأقرأني قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فلم يرني أعجب بهما فصلى بالناس الغداة فقرأ بهما، فقال لي: يا عقبة كيف رأيت ؟ كذا قال العلاء بن كثير. وقال ابن وهب عن معاوية عن العلاء بن الحارث وهو أصح). ثم رواه برواية أخرى جاء فيها (فلم يرني سررت بهما جدا...). ثم رواه برواية أخرى تدل على أن عقبة هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله عنهما، وأن النبي أراد تأكيد أنهما من القرآن فصلى بهما (عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فأمهم بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر) انتهى. الإحتمال الثاني: أن محاولة حذفهما من القرآن جاءت بسبب ارتباطهما بالحسن والحسين عليهما السلام ! فقد روى أحمد في مسنده ج 5 ص 130 (... عن زر قال قلت لأبى: إن أخاك يحكهما من المصحف، فلم ينكر ! قيل لسفيان: ابن مسعود ؟ قال نعم. وليسا في مصحف ابن مسعود، كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين ولم يسمعه يقرؤهما في شئ من صلاته، فظن أنهما عوذتان وأصر على ظنه، وتحقق الباقون كونهما من القرآن فأودعوهما إياه !). وروى نحوه ابن ماجة في سننه ولكن لم يذكر الحسن والحسين، قال في ج 2 ص 1161 (عن أبي سعيد، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين الجان، ثم أعين الأنس، فلما نزل المعوذتان أخذهما وترك ما سوى ذلك). وروى الترمذي في سننه ج 3 ص 267 أن النبي كان (يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما). ورواه في كنز العمال ج 7 ص 77 عن (ت ن ه‍، والضياء عن أبي سعيد). وروى البخاري في صحيحه تعويذ النبي للحسنين عليهما السلام بدعاء آخر غير المعوذتين، قال في ج 4 ص 119 (... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها اسمعيل واسحق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة).

[ 101 ]

وروى ابن ماجة في ج 2 ص 1165 (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة. قال وكان أبونا إبراهيم يعوذ بها إسماعيل وإسحاق. أو قال إسماعيل ويعقوب). ومثله أبو داود في ج 2 ص 421، والترمذي في سننه ج 3 ص 267، والحاكم في المستدرك ج 3 ص 167 وج 4 ص 416 وقال في الموردين (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وأحمد في مسنده ج 1 ص 236 وص 270 ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 113 بعدة روايات، وإحداها عن عبد الله بن مسعود فيها تفصيل جميل (قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر به الحسين والحسن وهما صبيان فقال: هاتوا ابني أعوذهما مما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحق، قال أعيذكما بكلمات الله التامة من كل عين لامة ومن كل شيطان وهامة. رواه الطبراني وفيه محمد بن ذكوان وثقة شعبة وابن حبان وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات). ورواه في كنز العمال عن عمر، في ج 2 ص 261 وج 10 ص 108 قال (عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعوذ حسنا وحسينا يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة - حل). وروى البخاري ذلك بعدة روايات عن عائشة بتفاوت في الدعاء، لكنها لم تسم فيهما الحسنين ! قال في ج 7 ص 24 (... حدثني سليمان عن مسلم عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول الله رب الناس أذهب الباس واشفه وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. قال سفيان حدثت به منصورا فحدثني عن إبراهيم عن مسروق عن عائشة نحوه... روايتين في ج 7 ص 26 (... عن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه... اذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما. فذكرته لمنصور فحدثني عن ابراهيم عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها بنحوه). وروى نحوه أحمد في مسنده ج 6 ص 44 و 45.. إلخ.

[ 102 ]

من هذه الروايات نعرف أن النبي صلى الله عليه وآله كان يهتم اهتماما خاصا بولديه الحسن والحسين عليهما السلام وتعويذهما بكلمات الله تعالى لدفع الحسد والشر عنهما، وأنه كان يفعل ذلك عمدا أمام الناس لتركيز مكانتهما في الأمة والتأكيد على أنهما ذريته وامتداده.. كما كان إسحاق واسماعيل بقية ابراهيم وامتداده عليهم السلام ! وأنه بعد نزول المعوذتين كان يعوذهما دائما بهما ! وبهذا ارتبطت السورتان في ذهن الأمة بالحسنين وسرى اليهما الحسد منهما.. أو الحب ! ! وتحاول الروايات تصوير عبد الله بن مسعود بأنه حامل راية العداء للمعوذتين وتنقل إصراره على حذفهما من القرآن ! كما في مسند أحمد في ج 5 ص 130 (عن عبد الرحمن بن يزيد قال كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول إنهما ليستا من كتاب الله تبارك وتعالى) ! ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 149 وقال (رواه عبد الله بن أحمد والطبراني ورجال عبد الله رجال الصحيح ورجال الطبراني ثقات) ثم روى رواية أخرى ووثقها، قال (وعن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ بهما، وكان عبد الله لا يقرأ بهما. رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات. وقال البزار: لم يتابع عبد الله أحد من الصحابة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف). وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1011 (عن عبد الرحمن بن يزيد: رأيت ابن مسعود يحك المعوذتين من المصحف ويقول: لا يحل قراءة ما ليس منه !) انتهى. ولكن توجد أمور توجب الشك في ذلك.. منها: أن ابن مسعود لم يكن يجرؤ في زمن عمر على حذف شئ من مصحفه أو إثباته إلا برأي عمر ! ومنها: أن ابن مسعود لم يكن معروفا ببغض علي والحسن والحسين عليهم السلام.. ومنها: أنه يستبعد أن لا يكون ابن مسعود اطلع على تأكيدات النبي صلى الله عليه وآله التي نقلها الصحابة وأهل البيت عليهم السلام على أن المعوذتين سورتان منزلتان !

[ 103 ]

ومنها: ما يدل على أن ترك المعوذتين شاع في أوساط من المسلمين حتى كانوا يسخرون ممن يعتقد أنهما من القرآن ويقرأ بهما في صلاته ! وهذا أمر أكبر من تأثير ابن مسعود، وهو عادة لا يحدث بدون عمل من السلطة مؤثر على الناس ! قال أحمد في مسنده ج 1 ص 282 (حنظلة السدوسي قال قلت لعكرمة: إني أقرأ في صلاة المغرب بقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وإن ناسا يعيبون ذلك على ! ! فقال وما بأس بذلك، إقرأهما فإنهما من القرآن !) وينبغي أن نتذكر هنا أن عكرمة هو عبد لابن عباس الهاشمي ومنه أخذ ثقافته القرآنية، وإن صار فيما بعد من الخوارج. ومنها: الصلة التي تتبادر الى الذهن بين حذف سورتين ارتبطتا في ذهن الناس بالحسن والحسين وبين إضافة سورتين في تبرئة مشركي ومنافقي قريش، وهما سورتا الخليفة عمر: الخلع والحفد ؟ ! ومنها: أنه لم يرو عن الخليفة عمر أنه أثبت المعوذتين في مصحفه، ولا قرأهما في صلاته، ولا اتخذ موقفا من نفيهما والتشكيك فيهما الذي كان شائعا في زمانه ! ومنها: أنه رويت عن ابن مسعود رواية أو أكثر في فضل سورتي المعوذتين، فهي تناقض رواية أنه أنكرهما.. ففي كنز العمال ج 1 ص 601 (استكثروا من السورتين يبلغكم الله بهما في الآخرة: المعوذتين ينوران القبر ويطردان الشيطان ويزيدان في الحسنات والدرجات ويثقلان الميزان ويدلان صاحبهما الى الجنة - الديلمي عن ابن مسعود). ومنها: أن تهمة حذف المعوذتين لم تقتصر على ابن مسعود، فقد تظافرت الروايات على أن أبي بن كعب اتخذ موقفا محايدا فلا هو خطأ ابن مسعود في حذفهما ولا هو شهد بأنهما من القرآن ! والحياد أمام نفي شئ من القرآن نفي لقرآنيته، وشهادة بعدم وجود دليل على أنه من القرآن ! ! روى أحمد في مسنده ج 5 ص 129 (عن زر بن حبيش قال قلت لأبي بن كعب: إن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه ! فقال أشهد أن رسول الله صلى

[ 104 ]

الله عليه وسلم أخبرني أن جبريل عليه السلام قال له: قل أعوذ برب الفلق فقلتها، فقال قل أعوذ برب الناس فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ! !) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 149 وقال (رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح) ! وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 394 عن أبي بن كعب قال (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال قيل لي فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... زر بن حبيش يقول سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت يا بالمنذر إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف ؟ قال إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقيل لي فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال ابن حجر في لسان الميزان ج 3 ص 81 (واختلف على أبي بن كعب في إثبات المعوذتين) انتهى. ومعنى كلام أبي ابن كعب كما تدعي هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله لم يصرح بأن المعوذتين سورتان من القرآن، بل قال: قال لي جبرئيل: قل أعوذ برب الفلق... قل أعوذ برب الناس.. ! ! فلم ينص النبي على أنهما سورتان ولو قال إنهما من قول جبرئيل، فقد يكون جبرئيل علمه إياهما ليعوذ بهما الحسنين فقط، وليس لتكونا جزء من القرآن ! ! هذه الأمور وغيرها.. تدفع الباحث الى القول بأن جو السلطة هو الذي كان يستنكر على الناس ويعيب عليهم قراءة المعوذتين في الصلاة.. وهو المسؤول عن نسبة هذه الروايات الى ابن مسعود وابن كعب. وبسبب ذلك ذهب بعض الباحثين الى تكذيب نسبة هذا الرأي الى ابن مسعود مثل الفخر الرازي والباقلاني وابن حزم.. قال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 227 عن عدد السور (وفي مصحف ابن مسعود مائة واثنتا عشرة لأنه لم يكتب المعوذتين ! وفي مصحف أبي ست عشرة لأنه كتب قط آخره (سورتي) الحفد والخلع !). وأورد في ص 270 دفاع الفخر الرازي والقاضي أبي بكر والنووي وابن حزم عن ابن مسعود، ولكنه رجح كلام ابن حجر في شرح البخاري بأنه قد صح ذلك عن ابن مسعود، فلا يمكن إنكاره..

[ 105 ]

إخواننا السنة يعتقدون أن المعوذتين من القرآن، إلا البخاري ! أمام هذه التشكيكات في المعوذتين في مصادر إخواننا السنة، يبقى عندهم عدد من الروايات التي تثبت جزئيتهما من القرآن الكريم، وعمدتها ما رووه عن عقبة بن عامر الجهني كما في مسلم ج 2 ص 200 فقال (عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس.... عن عقبة بن عامر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل أو أنزلت على آيات لم ير مثلهن قط المعوذتين. وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع ح، وحدثني محمد بن رافع حدثنا أبو أسامة كلاهما عن إسماعيل بهذا الإسناد مثله). ورواها الترمذي ج 5 ص 122 وج 4 ص 244 وقال في الموردين (هذا حديث حسن صحيح) ثم روى عن عقبة (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين في دبر كل صلاة. وقال هذا حديث حسن غريب). ثم كرر رواية ابن كعب. ورواه البيهقي في سننه ج 2 ص 394. وقال الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 199 (أخبرنا وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت عبد الله يحك المعوذتين من المصحف ويقول لا تخلطوا به ما ليس منه - ثم قال عبد الرحمن - وهم يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهما في صلاة الصبح وهما مكتوبتان في المصحف الذي جمع على عهد أبي بكر ثم كان عند عمر ثم عند حفصة ثم جمع عثمان عليه الناس، وهما من كتاب الله عز وجل، وأنا أحب أن أقرأ بهما في صلاتي). وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 148 عدة روايات في إثبات أن المعوذتين من القرآن. أما البخاري فقد اختار أن يقف في صف المشككين في المعوذتين ! فقد كان روى رواية عقبة في تاريخه الكبير ج 3 ص 353 ثم تراجع عن روايتها في صحيحه، فلم يرو إلا روايات أبي ابن كعب المتزلزلة المشككة ! مع أنه عقد في صحيحه عنوانين

[ 106 ]

للمعوذتين لكن اكتفى بروايات التشكيك دون غيرها ! وقد ألف تاريخه قبل صحيحه كما في تذكرة الحفاظ ج 2 ص 555 ! ! قال في صحيحه ج 6 ص 96 (سورة قل أعوذ برب الفلق... عن زر بن حبيش قال سألت أبى بن كعب عن المعوذتين فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قيل لي فقلت. فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... سورة قل أعوذ برب الناس... وحدثنا عاصم عن زر قال سألت أبى بن كعب قلت أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال أبي: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي قيل لي فقلت، قال فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى، فيكون البخاري متوقفا في أنهما من القرآن لعدم ثبوت دليل على ذلك عنده ! ! ومن طريف ما تقرأ في إرشاد الساري في شرح البخاري ج 7 ص 442 قول القسطلاني (وقع الخلاف في قرآنيتهما ثم ارتفع الخلاف ووقع الإجماع عليه، فلو أنكر أحد قرآنيتهما كفر) انتهى. وقد تضمن كلامه فتوى بتبرئة الذين خالفوا إجماع الصحابة من الماضين، وتكفير من خالف إجماعهم ممن بعدهم.. ولا نظن إخواننا السنة يلتزمون بذلك ! وفتوى أخرى بكفر منكر قرآنية المعوذتين من بعد الصحابة وكأن ذلك مما أجمع عليه الفقهاء.. ولم يذكر حكم من شك فيهما كالبخاري الذي اقتصر على نقل روايات التشكيك، وتجاهل روايات جزئيتهما من القرآن ولم يعتمدها في صحيحه ! ! ثم إن الصحابة لم يجمعوا على إثبات المعوذتين ولا على حذف سورتي الخليفة عمر (الخلع والحفد) ولكن قوة المعوذتين، وحفظ الله تعالى لكتابه، ضمن بقاءهما. كما أن ركة الخلع والحفد، وحفظ الله تعالى لكتابه، تكفل بموتهما ! هذا، وقد تحدث ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1010 عن حساسية المسلمين تجاه النص القرآني فقال (... ولو قرأ غير ما في مصاحفهم قارئ في الصلاة، أو جحد شيئا منها استحلوا دمه بعد أن يكون يدين به) انتهى. ولكنهم استثنوا من ذلك الخليفة عمر، ولابد أنهم من أجله يستثنون البخاري أيضا ! !

[ 107 ]

موقف أهل بيت النبي عليهم السلام وشيعتهم من المعوذتين لا يوجد في مصادرنا الشيعية أثر لسورتي الخلع والحفد.. كما لا توجد ذرة غبار على أن المعوذتين جزء من القرآن، بل كان موقف الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله التأكيد على قرآنيتهما.. روى الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ج 2 ص 96 (.. عن سيف بن عميرة عن منصور بن حازم قال: أمرني أبو عبد الله عليه السلام أن أقرأ المعوذتين في المكتوبة). وروى الحر العاملي في وسائل الشيعة ج 4 ص 786 (عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ فقال: هما من القرآن. فقال الرجل: إنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه. فقال أبو عبد الله: أخطأ ابن مسعود، أو قال كذب ابن مسعود، وهما من القرآن. فقال الرجل: فأقرأ بهما في المكتوبة ؟ فقال نعم) انتهى. وقال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة في فقه العترة الطاهرة ج 8 ص 230 (الثانية: أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن المعوذتين من القرآن العزيز وأنه يجوز القراءة بهما في الصلاة المفروضة، وروى منصور بن حازم قال: أمرني أبو عبد الله عليه السلام أن أقرأ المعوذتين في المكتوبة. وعن صفوان الجمال في الصحيح... قال في الذكرى: ونقل عن ابن مسعود أنهما ليستا من القرآن وإنما أنزلتا لتعويذ الحسن والحسين عليهما السلام ! وخلافه انقرض، واستقر الإجماع الآن من العامة والخاصة على ذلك) انتهى. * *

[ 108 ]

آيات حذفت من القرآن برأي الخليفة 1 - آية الرجم 2 - آية الشيخ والشيخة روى البخاري في صحيحه ج 8 ص 25 (... عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الإعتراف.... وعن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع الى عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا ! فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ! فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذي يريدون أن يغصبوهم أمورهم ! قال عبد الرحمن فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. فقال عمر أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا الى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما

[ 109 ]

رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر على وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله ؟ ! فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب على. إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الإعتراف). ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم).... ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر. من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا) انتهى. ومعنى قوله تغرة أن يقتلا: مخافة أن يقتلا بهذا الأمر الذي أصدره في هذه الخطبة. ورواه مختصرا في ج 8 ص 113 (... قال عمر لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي) وروى نحوه مسلم في صحيحه ج 5 ص 116 وابن ماجة في سننه ج 1 ص 625 وج 2 ص 853 وأبو داود في سننه ج 2 ص 343 وفيه (وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عزوجل لكتبتها). وفي سنن الترمذي ج 2 ص 442 وقال (هذا حديث صحيح... وفي الباب عن علي. حديث عمر حديث حسن صحيح. وروي من غير وجه عن عمر). ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 179 وأحمد في مسنده ج 1 ص 23 وص 34 وص 40 وص 45 وص 49 وروى في ج 5 ص 183 (... فقال عمر لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبنيها. قال شعبة فكأنه كره ذلك، فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم).

[ 110 ]

ورواه الحاكم في المستدرك ج 4 ص 359 والبيهقي في سننه ج 8 ص 213 بعدة روايات وقال (قال مالك: يريد عمر بن الخطاب بالشيخ والشيخة الثيب من الرجال والثيبة من النساء) ونحوه في ج 8 ص 236 ورواه الشافعي في اختلاف الحديث ص 61 والسيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 179 بعدة روايات، منها (وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال: أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى أن الصلاة جامعة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس لا تجزعن من آية الرجم فإنها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد... وأخرج ابن الضريس عن عمر قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية الرجم: أكتبها يا رسول الله. قال: لا أستطيع ذلك. وأخرج ابن الضريس عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: لا تشكوا في الرجم فإنه حق قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم أبو بكر ورجمت، ولقد هممت أن أكتب في المصحف، فسأل أبى بن كعب عن آية الرجم فقال أبى: ألست أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعت في صدري وقلت: أتستقرؤه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر !) وهو كلام غريب من ابن كعب يدل على أن الخليفة كان مخالفا لآية الرجم أو لتطبيق حكمها، لكثرة من يستحق الرجم من الناس ! فإن صح ذلك فإن تأكيده الشديد على (آية) الرجم وتطبيق الرجم قد يكون ندما على مخالفته لحكمه في زمن النبي صلى الله عليه وآله ! وقال ابن قدامة في المغني ج 10 ص 121 (... قد ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سنذكره في أثناء الباب في مواضعه إن شاء الله تعالى، وقد أنزله الله تعالى في كتابه ! وإنما نسخ رسمه دون حكمه، فروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى (فالرجم حق على من زنا أذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الإعتراف)

[ 111 ]

وقد قرأ بها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم) متفق عليه... وقولهم إن هذا نسخ - يعني لآية الجلد - ليس بصحيح وإنما هو تخصيص، ثم لو كان نسخا لكان نسخا بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه) ! وقال النووي في المجموع ج 20 ص 7 (فصل: إذا وطأ رجل من أهل دار الإسلام امرأة محرمة عليه من غير عقد ولا شبهة عقد وغير ملك ولا شبهة ملك، وهو عاقل بالغ مختار عالم بالتحريم، وجب عليه الحد، فإن كان محصنا وجب عليه الرجم لما روى ابن عباس رضي الله عنه قال، قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائلهم ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلون ويتركون فريضة أنزلها الله، ألا إن الرجم إذا أحصن الرجل وقامت البينة أو كان الحمل أو الإعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخه إذا زنيا فارجموهما البتة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا) ورواه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 4 ص 77 وقال (وقد وقع لي حديث بإسناد صحيح لا مطعن فيه.. وفيه: لولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت، إنه حق). ورواه الدميري في حياة الحيوان ج 2 ص 127... إلخ. * * وينبغي أن نسجل هنا ملاحظة أساسية تنفع في هذا الباب وغيره، وهي أن آية الرجم العمرية كانت تملك من القوة من تأكيدات الخليفة عمر وشهادات الصحابة ما لم تملكه بعض آيات القرآن.. وهي تملك الآن في مصادر إخواننا السنة أحاديث صحيحة على أنها من القرآن أكثر وأقوى مما تملكه سورتا المعوذتين مثلا.. ولكن لماذا لم يكتبها الخليفة عمر أو غيره في القرآن ؟ ! ! لقد صرح الخليفة بالجواب، وهو أنه يخاف من الناس.. فأي ناس هؤلاء وقد شهد بها هو وشهد معه الصحابة.. وهو الحاكم المطلق الجرئ ؟ ! ! هنا تأتي معجزة قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون معجزة القوة الذاتية للقرآن، والتي يعرفها الحس القرآني عند جماهير المسلمين.. فالقرآن فيه خصوصية أنه ينفي غيره عنه، تماما كما ينفي الجوهر الفحم الذي تضعه معه على أنه منه ويفضحه.. وإذا أصريت على أنه منه.. فضحت نفسك معه !

[ 112 ]

إن المسلمين يتحملون الكلام النظري للخليفة بأن هذه الآية كانت من القرآن أو لم تكن منه.. كما يقول الإنسان هذا الحجر كان معدنا كريما، وكان جزءا من طبق الجواهر.. لكن إذا وصل الأمر الى أن يضعه بالفعل في طبق الجواهر على أنه منه.. فإن للناس معه حسابا آخر.. ! لقد كان الخليفة مدركا لهذه الحقيقة ويخاف منها.. ومن حقه أن يخاف.. وفي نفس الوقت كان مصرا على اجتهاداته وآرائه ويعمل لها ! ! 3 - آية لا ترغبوا عن آبائكم مضافا الى ما تقدم في صحيح البخاري ج 8 ص 24 وغيره، فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 97 (وعن أيوب بن عدي بن عدي عن أبيه أو عمه أن مملوكا كان يقال له كيسان فسمى نفسه قيسا وادعى الى مولاه ولحق بالكوفة، فركب أبوه الى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين ابني ولد على فراشي، ثم رغب عني وادعى الى مولاي ومولاه ! فقال عمر لزيد بن ثابت: أما تعلم أنا كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم ؟ فقال زيد بلى، فقال عمر بن الخطاب: إنطلق فاقرن ابنك الى بعيرك ثم انطلق فاضرب بعيرك سوطا وابنك سوطا حتى تأتي به أهلك ! رواه الطبراني في الكبير، وأيوب بن عدي وأبوه أو عمه لم أر من ذكرهما. وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ادعى الى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من قدر سبعين عاما - أو من مسيرة سبعين عاما - قلت رواه ابن ماجه إلا أنه قال من مسيرة خمسمائة عام - رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). ورواه في كنز العمال ج 2 ص 480 وص 567 وج 5 ص 428 - 433 بعدة روايات، وفي ص 429 (.. ألا وإنا قد كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم - عب، ش، حم، والعدني، والدارمي خ م د ت ن ه‍، وابن الجارود وابن جرير وأبو عوانة، حب، ق) وروى مالك بعضه. ثم رواه في ص 649 بعدة روايات وقال في رموزها (مالك والشافعي وابن سعد والعدني، حل، ق - مالك وابن سعد ومسدد، ك - عب - ابن الضريس).

[ 113 ]

وفي ج 2 ص 596 (عن عمر قال: كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم - الكجي في سننه). وفي ج 6 ص 208 (عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال بلى، ثم قال: أو ليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال بلى - ابن عبد البر في التمهيد) كما روى استشهاد الخليفة على قوله بزيد بن ثابت... وقال في مصادره (عب، ط، وأبو عبيد في فضائله، وابن راهويه، ورستة في الايمان، طب). 4 - آية: ولو حميتم كما حموا... روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 225 (... عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام، فأنزل الله سكينته على رسوله، فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه فبعث إليه وهو يهنأ ناقة له (يدهن بالقطران ناقة له جرباء) فدخل عليه فدعا أناسا من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح ؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم فغلظ له عمر، فقال له أبى: أأتكلم ؟ فقال تكلم، فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرئني وأنتم بالباب، فإن أحببت أن أقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت، وإلا لم أقرئ حرفا ما حييت !. قال بل أقرئ الناس. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) انتهى. ورواه في كنز العمال ج 2 ص 568 وقال (ن، وابن أبي داود في المصاحف، ك، وروى ابن خزيمة بعضه) وروى نحوه في ص 594 وقال (ن وابن أبي داود في المصاحف ك وروى ابن خزيمة بعضه). وفي ص 595 عن ابن داود. ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 79 وقال (وأخرج النسائي والحاكم وصححه) ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 397 (... عن أبي إدريس الخولاني أن أبا الدرداء ركب الى المدينة في نفر من أهل دمشق، فقرؤوا يوما على عمر: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. فقال عمر: من أقرأكم هذا ؟ قالوا أبي بن كعب. فدعا به فلما أتى قال: إقرؤوا، فقرؤوا كذلك، فقال أبى: والله يا عمر إنك لتعلم أني كنت أحضر ويغيبون وأدنى ويحجبون ويصنع بي ويصنع بي، ووالله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئا ولا أقرئ أحدا حتى أموت ! فقال عمر: اللهم غفرا، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علما فعلم الناس ما علمت) ورواه في كنز العمال ج 2 ص 594

[ 114 ]

ونحمد الله تعالى أن المسلمين لم يأخذوا بقول الخليفة عمر ولم يتعلموا هذه الإضافة الركيكة للآية الكريمة، ولم يقرأ أحد منهم: ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ! ! ثم لا أدري ما هو التناسب بين حمية الجاهلية عند قريش وحمية المسلمين لإسلامهم ! ثم بين ذلك وبين فساد المسجد الحرام ؟ ! فقد نزلت الآية كما تذكر تفاسير الشيعة والسنة في سورة الفتح على أثر صلح الحديبية. وتمثلت حمية المشركين الجاهلية بمنع النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين من العمرة، فلو حمي المسلمون كما حموا وقاتلوهم لما فسد المسجد الحرام، بل كان كما قال تعالى في سورة الفتح ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا وقال في آية 24 وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا فكيف تصح مقولة: لفسد المسجد الحرام ؟ وكيف يصح القول: ولو حميتم كما حموا ؟ فهل الحمية للإسلام مثل الحمية للجاهلية ؟ ! فهذه الزيادة المزعومة في الآية مضافا الى ركة عبارتها لا يصح معناها. وشهادة الحاكم بأن روايتها صحيحة على شرط الشيخين، تضر رواتها ولا تقوم قناتها ! ولا نريد الإطالة في تحليل الهدف من وراء هذه الإضافة، ولكن الظاهر أنها محاولة لإثبات مكرمة لكفار قريش، فيكون أبي بن كعب الأنصاري بريئا منها ! ! 5 - آية: حق جهاده في آخر الزمان ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 371 (قوله تعالى: وجاهدوا في الله حق جهاده. أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي عمر: ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ: وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله ؟ قلت بلى، فمتى هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ! ! وأخرجه البيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة).

[ 115 ]

وقال في ج 5 ص 197 (وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال: أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، هل كانت الجاهلية غير واحدة ؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة، فقال له عمر رضي الله عنه: فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك ؟ قال: إن الله يقول وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة. فقال عمر رضي الله عنه: من أمرنا أن نجاهد ؟ قال: بني مخزوم وعبد شمس !). ورواه في كنز العمال ج 2 ص 480 وقال في مصادره (أبو عبيد في فضائله، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه) وفي ج 2 ص 567 (من مسند عمر رضي الله عنه، عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم نجد فيما أنزل علينا أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة ؟ فإنا لم نجدها ! قال: أسقط فيما أسقط من القرآن - أبو عبيد) ورواه في ص 568 ورمز له (ن، وابن أبي داود في المصاحف، ك، وروى ابن خزيمة بعضه) انتهى. ولو كانت هذه الروايات تفسيرا للآية بدون ادعاء أن الزيادة الواردة فيها من القرآن، لكانت مقبولة عندنا.. فإنها تتناسب مع اعتقادنا بأن الله تعالى أوجب الجهاد على تأويل القرآن كما أوجبه على تنزيله، وأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أمته بأن عليا عليه السلام هو الذي يقاتل من بعده على تأويله، وكان ذلك معروفا عند الصحابة، ونقلت نصوصه مصادر إخواننا السنة ومن أشهرها حديث (خاصف النعل) الذي رواه الترمذي في سننه ج 5 ص 298 (... عن ربعي بن حراش قال أخبرنا علي بن أبي طالب بالرحبة فقال: لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين فقالوا يا رسول الله: خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا، فارددهم إلينا، فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلوبهم على الايمان، قالوا من هو يا رسول الله ؟ فقال له أبو بكر من هو يا

[ 116 ]

رسول الله ؟ وقال عمر من هو يا رسول الله ؟ قال: هو خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها، قال ثم التفت إلينا علي فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كذب على متعمدا فليتبوأ معقده من النار. هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي). ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 138 وج 4 ص 298 وقال في الموردين (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ورواه أحمد في مسنده ج 3 ص 33 عن أبي سعيد، وكذا في ص 82 وفيه (إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله فاستشرفنا وفينا أبو بكر وعمر فقال: لا ولكنه خاصف النعل. قال فجئنا نبشره، قال وكأنه قد سمعه) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 186 عن أبي سعيد وقال (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) ورواه في ج 9 ص 133 وقال (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة). وروى في كنز العمال ج 7 ص 326 (والله يا معشر قريش لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلا فيضرب أعناقكم على الدين، أنا أو خاصف النعل - ك، عن علي) وروى نحو حديث أبي سعيد في ج 11 ص 613... الخ) انتهى. ولا يبعد أن تكون هذه الحادثة بعد فتح مكة وإعلان قريش إسلامها.. وبقائها على كبريائها في مقابل النبي ! ! أما قبيلة بني مخزوم الواردة في تفسير الجهاد الأول فكانت الرئاسة فيها لبني المغيرة ورئيسهم أبو جهل. كما كانت الرئاسة في بني عبد شمس لبني أمية ورئيسهم أبو سفيان.. فالقبيلتان إذن من أشد قبائل قريش كفرا بالنبي صلى الله عليه وآله، ومن أول المأمور بجهادهم في الآية.. وقد روى الحاكم في المستدرك ج 4 ص 487 عن أبي سعيد الخدري (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا، وإن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ورواه في كنز العمال ج 11 ص 169 وقال (نعيم بن حماد في الفتن، ك، عن أبي سعيد). وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 44 عن علي عليه السلام في تفسير قوله تعالى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلو أقومهم دار البوار.. الآية، قال: نزلت في الأفجرين من بني مخزوم وبني أمية فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا الى

[ 117 ]

حين. رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمرو ذومر ولم يرو عنه غير أبي إسحق السبعي، وبقية رجاله ثقات) ورواه في كنز العمال أيضا ج 2 ص 445 عن ابن مردويه الخ. لكن تفاسير الشيعة تروي أن المقصود بالآية قريش قاطبة، كالذي رواه العياشي في تفسيره ج 2 ص 229 عن الإمام الصادق عليه السلام (قال فقال: ما تقولون في ذلك ؟ فقال: نقول هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، فقال: بل هي قريش قاطبة، إن الله خاطب نبيه فقال: إني قد فضلت قريشا على العرب، وأتممت عليهم نعمتي، وبعثت إليهم رسولا فبدلوا نعمتي، وكذبوا رسولي) انتهى. وعلى هذا فمقولة الجهاد أول مرة وثاني مرة، أو الجهاد على تنزيل القرآن وعلى تأويله، مقولة إسلامية ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله، وهي منسجمة مع اعتقاد أهل البيت وبني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وآله، لكن لماذا يطرح الخليفة عمر موضوع الجهاد الأول والثاني مع ابن عباس الهاشمي.. ؟ تدل الروايات المتعددة من مصادر إخواننا السنة على أن الخليفة كان معنيا بمستقبل الأمة من عهد النبي صلى الله عليه وآله وبعده، فقد كان يسأل النبي عن ذلك، بل كان يسأل الأحبار والرهبان وأهل الفراسة.. كما روى التاريخ روايات له ومناظرات مع ابن عباس في مسألة الخلافة، وحق بني هاشم فيها وظلم قريش لهم.. وقد روت مصادر السنة كما في كنز العمال ج 13 ص 455 أن ابن عباس سأل يوما الخليفة عمر عن سبب نزول آية في أنساب بعض المخالفين لبني هاشم فقال له الخليفة (يابن عباس من ظن أن يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها، فقد ظن عجزا !). وعلى هذا الأساس فعندما يخاطب الخليفة ابن عباس فهو يعرف من يخاطب، ولا بد أن ننظر الى كلامه معه في هذا الموضوع بعمق خاص ! وهو في هذه الروايات يقول لابن عباس: إن صراع بني هاشم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله مع بني أمية أمر لابد منه، ودليله تفسير هذه الآية، فلا تلوموني إذا أشركت بني أمية في الحكم ! لكن تبقى دعوى الخليفة أو ابن عباس إضافة فقرات الى الآية، دعوى بدون دليل، وقولا بنقص القرآن ! !

[ 118 ]

6 - آية: الولد للفراش ! روى في كنز العمال ج 6 ص 208 (عن عدي بن عدي بن عميرة بن فروة عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ من كتاب الله أن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم ؟ فقال: بلى، ثم قال: أو ليس كنا نقرأ الولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ فقد فيما فقدنا من كتاب الله ؟ قال بلى - ابن عبد البر في التمهيد) انتهى. هذا مع أن مصادر الشيعة والسنة روت أن قاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر هي حديث للنبي صلى الله عليه وآله، كما في وسائل الشيعة ج 13 ص 376 وسنن الترمذي ج 2 ص 313 عن أبي هريرة، وقال (وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعائشة، وأبي أمامة، وعمرو بن خارجة، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة. والعمل على هذا عند أهل العلم). ورواه النسائي في سننه ج 6 ص 180 وأحمد ج 1 ص 25 وج 4 ص 186 بأربع روايات. ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 5 ص 14 وفيه (عن البراء وزيد بن أرقم قالا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال: إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي. لعن الله من ادعى الى غير أبيه، ولعن الله من تولى غير مواليه. الولد للفراش وللعاهر الحجر. ليس لوارث وصية) انتهى. وفي كتاب الأم ج 6 ص 213 (قال الشافعي رحمه الله تعالى: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر الى رجل من بني زهرة كان ساكنا معنا فذهبنا معه فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان فقال رضي الله تعالى عنه: صدقت ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش...) انتهى. وهذا يؤيد أن النص حديث، ويتناقض مع روايات أنه آية، ولكن الروايات الواردة عن الخليفة بأنه آية أكثر ! ! 7 - آية: لو كان لابن آدم واديان ! روى البخاري في صحيحه ج 7 ص 175 عن (ابن عباس رضي الله عنهما يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا،

[ 119 ]

ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وروى عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). وروى مسلم في صحيحه ج 3 ص 100 حديث أنس ولكن بنص حديث ابن عباس. ورواياته تذكر أن النص هو حديث شريف وليس آية، ولكن مسلما روى بعد ذلك (عن أبي الأسود عن أبيه قال: بعث أبو موسى الأشعري الى قراء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن فقال: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم، فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها ! غير أني قد حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ! !). وروى أحمد في مسنده نص أنس على أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وآله ج 3 ص 238 وكذا في ج 5 ص 219 (عن أبي واقد الليثي قال كنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه فيحدثنا، فقال لنا ذات يوم: إن الله عزوجل قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد لأحب أن يكون إليه ثان ولو كان له واديان لأحب أن يكون إليهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب) وقريبا منه عن عائشة في ج 6 ص 55 ورواه أيضا في ج 3 ص 122 بصيغة الشك بين الحديث والآية (عن أنس قال كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فلا أدري أشئ نزل عليه أم شئ يقوله ؟ وهو يقول: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) وقريب منها في ج 3 ص 272 ورواه أحمد في ج 4 ص 368 بصيغة الجزم بأنه آية (... عن زيد بن أرقم قال: لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى إليهما آخر، ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).

[ 120 ]

وفي ج 5 ص 117 (... عن ابن عباس قال جاء رجل الى عمر يسأله فجعل ينظر الى رأسه مرة والى رجليه أخرى هل يرى عليه من البؤس شيئا ؟ ثم قال له عمر كم مالك ؟ قال أربعون من الإبل. قال ابن عباس فقلت: صدق الله ورسوله: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لا بتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. فقال عمر ما هذا ؟ فقلت هكذا أقرأنيها أبى ! قال فمر بنا إليه، قال فجاء الى أبي فقال: ما يقول هذا ؟ قال أبى: هكذا أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال أفأثبتها ؟ فأثبتها !) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 141 وقال (... قال: أفأثبتها في المصحف قال: نعم ! رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) ثم قال الهيثمي (وعن ابن عباس قال جاء رجل الى عمر فقال أكلتنا الضبع. قال مسعر يعني السنة قال فسأله عمر ممن أنت ؟ قال فما زال ينسبه حتى عرفه، فإذا هو موسر، فقال عمر لو أن لابن آدم واد وواديين لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ثم يتوب الله على من تاب. قلت رواه ابن ماجة غير قول عمر ثم يتوب الله على من تاب، رواه أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني في الأوسط). وروى في ج 10 ص 243 رواية أحمد المتقدمة ج 4 ص 368 عن زيد بن أرقم، وقال (رواه أحمد والطبراني والبزاز بنحوه ورجالهم ثقات. ثم أورد رواية عائشة وقال (رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال إنما جعلنا المال لتقضى به الصلاة وتؤتى به الزكاة، قالت فكنا نرى أنه مما نسخ من القرآن، والبزاز وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط، ولكن يحيى القطان لا يروي عنه ما حدث به في اختلاطه. والله أعلم). ثم قال الهيثمي (وعن بريدة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: لو أن لابن آدم واديا من ذهب لابتغى إليه ثانيا ولو أعطى ثانيا لابتغى إليه ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. رواه البزاز ورجاله رجال الصحيح غير صبيح أبي العلاء وهو ثقة. وعن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الرجل لا تمتلئ نفسه من المال حتى يمتلئ من التراب ولو كان لأحدكم واديان من بين أعلاه الى أسفله أحب أن يملأ له واد آخر، فإن ملئ له الوادي الآخر فانطلق فوجد واديا آخر قال أما والله لو استطعت لملأتك. رواه البزاز

[ 121 ]

والطبراني ولفظه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا إن أحدكم لو كان له واد واد ملآن من أعلاه الى أسفله أحب أن يملأ له واد آخر، والباقي بنحوه. وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم، وفي إسناد البزاز يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب. وعن أبي سعيد يعني الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن لابن آدم واديا من مال لابتغى إليه ثانيا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. رواه البزاز وفيه عطية العوفي وهو ضعيف. وعن سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير حامد بن يحيى البلخي وهو ثقة. وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو كان لابن آدم واديان لتمنى واديا ثالثا وما جعل المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف كذاب. وعن كعب بن عياض الأشعري عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لوسيل لابن آدم واديان من مال لتمنى إليهما ثالثا ولا يشبع ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. رواه الطبراني). ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 318 عن أنس بصيغة التشكيك قريبا مما في أحمد ج 3 ص 272، ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 224 (... عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين.. ومن نعتها: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيته سأل ثانيا، وإن أعطيته ثانيا سأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) انتهى. ويلاحظ أن هذا الحديث الصحيح الاسناد قد خلط بين آيتين مزعومتين، آية وادي المال وآية النصرانية أو ذات الدين ! ! ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 707 وفيه (قال عمر رضي الله عنه: أفنكتبها ؟ قال لا آمرك، قال أفندعها ؟ قال لا أنهاك، قال: كان إثباتك أولى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم قرآن منزل) أي ليتك كنت تثبتت من النبي صلى الله عليه وآله هل هي قرآن أم لا ؟

[ 122 ]

ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 106 وفيه (ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب... قال ابن عباس فلا أدري أمن القرآن هو أم لا) وروى في ج 6 ص 378 رواية ابن عباس التي يسأل فيها عمر: أفأثبتها في المصحف ؟ قال: نعم. ثم نقله عن ابن الضريس عن ابن عباس... فقال عمر أفاكتبها ؟ قال لا أنهاك. قال فكأن أبيا شك أقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قرآن منزل ؟). ورواه في كنز العمال على أنه آية ج 2 ص 567 وفيه (عن أبي: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه.. ! ورمز له: ط حم، ت حسن صحيح، ك، ص) ورواه أيضا في ج 3 ص 200 انتهى. ويتعجب الباحث هنا من سؤال الخليفة لأبي بن كعب: أفأكتبها في المصحف ؟ فهل أن الملاك في كون نص من القرآن أو ليس منه هو رأي أبي بن كعب كما تقول هذه الرواية ؟ أو الملاك رأي الخليفة عمر كما تقول روايات أخرى ؟ أو رأي زيد بن ثابت كما تقول ثالثة ؟ أو شهادة اثنين من الصحابة كما تقول رابعة ؟.. الى آخر التناقضات الواردة في روايات جمع القرآن في مصادر إخواننا السنة.. لكن المتتبع يعرف أن الملاك الأول والأخير هو رأي الخليفة وأن الباقين لا يجرؤون أن يكتبوا شيئا إلا بأمره أو إجازته ! لكن يأتي السؤال هنا أيضا: مادام الخليفة أمر بإثباتها، فما لنا لا نراها في القرآن ؟ والجواب قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. 8 - نقص (وهو أب لهم) في آية ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 183 (وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ! فقال يا غلام حكها، فقال: هذا مصحف أبي ! فذهب الى أبي فسأله فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق). ورواه عبد الرزاق في المصنف ج 10 ص 181 عن بجالة التيمي. وروى أحمد في مسنده ج 3 ص 122 (... عن قتادة عن أنس قال كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فلا أدري أشئ نزل عليه أم شئ يقوله ؟ وهو

[ 123 ]

يقول: لو كان لابن آدم واديان من مال لا تبغي لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب). وفي ج 3 ص 236 (.. قال ابن شهاب حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن لابن آدم واديين من ذهب أحب أن له واديان ثالثا ولم يملا فاه إلا التراب والله يتوب على عن تاب). ورواه ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 708 وزاد في آخره (فمضى عمر رضي الله عنه) ورواه البيهقي في سننه ج 7 ص 69 والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 397 ورواه في كنز العمال ج 2 ص 569 ورمز له (ص ك). وروى في ج 13 ص 259 وفيه (وشغلك الصفق بالسواق إذ تعرض رداءك على عنقك بباب ابن العجماء) انتهى، ويقصد أبي بن كعب: أنك كنت مشغولا ببيع الأردية في سوق المدينة عند بيت ابن العجماء فتضعها على عنقك ليراها المشتري ! وابن العجماء عدوي من عشيرة عمر، وقد ترجمت المصادر لعدة من بناته، ولم أجد له ترجمة ! والسؤال في هذه الآية المزعومة وأمثالها: مادام ابن كعب قد أكد أن هذه الزيادة جزء من الآية، والخليفة قبل منه ذلك.. فلماذا لا نجد هذه الزيادة وأمثالها في القرآن، خاصة أن معناها يوافق بقية الآية ؟ والجواب: ما تقدم من حس المسلمين في الرقابة على نص القرآن بقطع النظر عن صحة المعنى المدعى أنه كان جزء منه ! وصدق الله العظيم: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ! 9 - آية ذات الدين ووادي التراب ! روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 224 (... عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين. ومن نعتها لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيته لسأل ثانيا، وإن أعطيته ثانيا سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب، وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيرا فلن يكفره. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 140 (عن أبي ابن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمرني أن أقرأ عليك قال فقرأ علي: لم يكن الذين

[ 124 ]

كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة. إن الدين عند الله الحنيفية غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية ومن يفعل خيرا فلن يكفره. قال شعبة ثم قرأ آيات بعدها، ثم قرأ: لو كان لابن آدم واديان من مال لسأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. قال ثم ختم ما بقي من السورة ! ! وفي رواية عن أبي بن كعب أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن فذكر نحوه، وقال فيه: لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه لسأل ثانيا ولو سأل ثانيا فأعطيه لسأل ثالثا، والباقي بنحوه. قلت في الترمذي بعضه، وفي الصحيح طرف منه، رواه أحمد وابنه، وفيه عاصم بن بهدلة وثقه قوم وضعفه آخرون، وبقية رجاله رجال الصحيح) انتهى. ورواه في كنز العمال ج 2 ص 567 وفيه (... إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ عليه لم يكن، وقرأ عليه إن ذات الدين عند الله الحنيفية... ط حم ت، حسن صحيح، ك ص). وعلى هذه الرواية الصحيحة السند بمقاييس إخواننا السنة ينبغي أن تسمى هذه الآيات المخلوطة من آية وادي التراب وذات الدين وغيرهما: الآية المنزلة الى أبى بن كعب ! لأنه جاء في نصوصها جميعا قول النبي لابن كعب (إن الله أمرني أن أقرأ عليك) ! ولكن ينبغي الشك في كل روايات الزيادة والنقصان المنسوبة الى أبي بن كعب لأنه ثبت في بعضها أنها مكذوبة عليه.. وأن اسمه استغل لإثبات الزيادة والنقص في القرآن ! ! 10 - التسبيحات الأربع من القرآن ! وروى أحمد في مسنده ج 5 ص 11 (... عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا حدثتكم حديثا فلا تزيدن عليه، وقال: أربع من أطيب الكلام وهن من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ثم قال: لا تسمين غلامك أفلحا ولا نجيحا ولا رباحا ولا يسارا) وفي ج 5 ص 20 (عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهي من القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر).

[ 125 ]

روى النسائي في سننه ج 2 ص 143 (... عن ابن أبي أوفى قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني شيئا يجزئني من القرآن فقال: قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله) انتهى. وهذه الروايات الصحيحة عند إخواننا مناقضة لما ورد في مصادرهم ولما اتفق عليه المسلمون من أن التسبيحات الاربع حديث شريف وليست قرآنا ! ! ورواية النسائي تحتمل أن يكون متعلق الجار والمجرور (يجزئني) وأن تكون من بمعنى عن، لكن المرجح أنه صفة أخرى للشئ، بقرينة الروايات المتقدمة. 11 - آية: ألا بلغوا قومنا.. ! روى البخاري في صحيحه ج 3 ص 204 و 208 وج 4 ص 35 وج 5 ص 42 عدة روايات أن آية (ألا بلغوا قومنا بأنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) نزلت في شهداء بئر معونة الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله الى نجد فغدر بهم رعل وذكوان وعصية من بني لحيان، وأن المسلمين قرؤوا هذه الآية ! ورواها مسلم في صحيحه ج 2 ص 135 وأحمد في مسنده بعدة روايات ج 3 ص 109 و 210 و 215 و 255 و 289 والبيهقي في سننه ج 2 ص 199 وغيرهم كثيرون.. وفي أكثر الروايات أنها نسخت بعد ذلك، وفي بعضها أنها رفعت، وفي رواية أحمد ج 3 ص 109 (ثم رفع ذلك بعد، وقال ابن جعفر ثم نسخ) ! ! انتهى. ولو صح أنها كانت آية ونسخت فلابد أن يكون قبلها أو بعدها كلام آخر حتى لا تكون مقتصرة على مقول القول فقط.. فتكون مثلا: إن المؤمنين الذين قتلهم أهل نجد المشركون قالوا ألا بلغوا قومنا... إلخ ! ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! 12 - آية عائشة التي أكلتها السخلة ! من الأحكام الشرعية المتفق عليها بين المسلمين: أن الرضاعة تشبه النسب، فلو أرضعت امرأة طفلا لغيرها صارت أما له وحرمت عليه، وصارت بناتها أخواته وحرمن عليه.. الخ.

[ 126 ]

وبعد اتفاق المسلمين على هذا الأصل الذي نص عليه القرآن اختلفوا في شروطه، فقال الأئمة من أهل البيت عليهم السلام: يشترط أن يرضع الطفل من تلك المرأة رضاعا متصلا خمس عشرة رضعة، أو يكون الرضاع بحيث ينبت به لحم الطفل ويشتد عظمه، وأن لا يكون للطفل غذاء آخر غير الحليب، وأن يكون الطفل في سن الرضاعة لا أكبر.. فإذا اختلت الشروط فلا أثر للرضاع. أما المذاهب الأخرى فتساهلوا في شروط الرضاعة، وكان أول المتساهلين في عدد الرضعات عبد الله بن عمر ولا يبعد أن يكون ذلك مذهب أبيه، فقال إن الرضعة الواحدة توجب التحريم.. قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 135: (وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه بلغه عن ابن الزبير أنه يؤثر عن عائشة في الرضاعة لا يحرم منها دون سبع رضعات. قال: الله خير من عائشة إنما قال الله تعالى وأخواتكم من الرضاعة ولم يقل رضعة ولا رضعتين. وأخرج عبد الرزاق عن طاووس أنه قيل له إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاعة دون سبع رضعات ثم صار ذلك الى خمس. قال قد كان ذلك فحدث بعد ذلك أمر جاء التحريم المرة الواحدة تحرم. وأخرج بن أبي شيبة عن ابن عباس قال: المرة الواحدة تحرم. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: المصة الواحدة تحرم) انتهى. أما أم المؤمنين عائشة فقالت: نزل في القرآن آية تحدد الرضاعة بعشر رضعات، ثم نسخت ونزلت آية تكتفي بخمس رضعات وأن تلك الآية كانت حتى توفي النبي صلى الله عليه وآله تقرأ في القرآن وكانت مكتوبة عندها على ورقة وموضوعة تحت سريرها، ولكنها انشغلت بوفاة النبي وبعدها فدخلت سخلة وأكلت الورقة ! ولكن التساهل الأكبر الذي به صارت عائشة أشهر المتساهلين في المسألة هو تعميمها الرضاع للكبار ! فيمكن للرجل الكبير أن يرضع من أي امرأة فيكون ابنها ويصير أقاربها أقاربه ومن المحرمات عليه فيدخل عليهن بدون حجاب ! وكانت عائشة تعمل بذلك فترسل الرجل الذي تريده أن يدخل عليها الى إحدى قريباتها فترضعه خمس رضعات فيصير محرما ويدخل عليها بدون حجاب.. وقد ذكر

[ 127 ]

الرواة أسماء بعض الرجال الذين أرضعتهم عائشة عند أقاربها ليدخلوا عليها بدون حرج. وعرفت هذه المسألة في الفقه برضاع الكبير. والذي يهمنا في بحثنا هو قول عائشة بأن آية الخمس رضعات كانت في القرآن ثم ضاعت، ولكن نورد ما يتعلق بالمسألتين لتداخل رواياتهما وارتباطها. قال مسلم في صحيحه ج 4 ص 167: (... عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ! !). ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 157 ورواه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 625 وروى بعده (... عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشرا. ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها) انتهى، ومعنى الداجن: الحيوان الأهلي الذي يربى في المنزل وكان السائد منه في المدينة الماعز، ولذلك جعلنا العنوان: أكلتها السخلة. وفي هذه الرواية دليل على أن مرض النبي ووفاته لم يكن في غرفة عائشة وإلا لما دخلتها السخلة، وبحث ذلك خارج عن موضوعنا. وروى النسائي في سننه ج 6 ص 100 (... عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت كان فيما أنزل الله عز وجل، وقال الحرث فيما أنزل من القرآن، عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن !). وقال الترمذي في سننه ج 2 ص 309: (قالت عائشة: أنزل في القرآن: عشر رضعات معلومات، فنسخ من ذلك خمس وصار الى: خمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك.. وبهذا كانت عائشة تفتي وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وهو قول الشافعي وإسحاق، وقال أحمد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحرم المصة ولا

[ 128 ]

المصتان، وقال: إن ذهب ذاهب الى قول عائشة في خمس رضعات فهو مذهب قوى. وجبن عنه أن يقول فيه شيئا. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: يحرم قليل الرضاع وكثيره إذا وصل الى الجوف، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ووكيع وأهل الكوفة) انتهى. وبذلك يكون هؤلاء الذين ذكرهم الترمذي أكثر تساهلا من عائشة ! لانهم لم يشترطوا خمس رضعات بل ولا رضعة واحدة واكتفوا بمصة واحدة ! والمقصود ببعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله غير عائشة في حديث الترمذي هو حفصة لا غير. وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 432 ما يوافق مذهب أهل البيت عليهم السلام فقال: (عن أبي موسى الهلالي عن أبيه أن رجلا كان في سفر فولدت امرأته فاحتبس لبنها فجعل يمصه ويمجه فدخل حلقه فأتى أبا موسى فقال حرمت عليك قال فأتى ابن مسعود فسأله فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشر العظم). وقال في ج 6 ص 271 (... كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد وقلن لعائشة والله ما ندري لعلها كانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم من دون الناس) انتهى. أما البخاري فلم يرو في صحيحه قصة هذه الآية ولا رضاع الكبير، واكتفى برواية ما حول الموضوع.. فقال في صحيحه ج 3 ص 150: (... عن مسروق أن عائشة رضي الله عنها قالت دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعندي رجل قال يا عائشة من هذا قلت أخي من الرضاعة قال يا عائشة أنظرن من إخوانكن ! فإنما الرضاعة من المجاعة). ورواه في ج 3 ص 149 والنسائي في ج 6 ص 101 وروى البخاري في ج 6 ص 125 (عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك ! ! فقالت إنه أخي فقال أنظرن من إخوانكن ! فإنما الرضاعة من المجاعة.

[ 129 ]

... عن عروة بن الزبير عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب فأبيت ان آذن له فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بالذى صنعت فأمرني أن آذن له). ورواه في ج 6 ص 160 وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 163 بعد أن روى حديث رضاع سالم (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وفيه أن الشريفة تزوج من كل مسلم). وأورد عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج 7 ص 458 نحو خمسين رواية تحت عنوان: باب رضاع الكبير يفهم منها أن المجتمع الإسلامي كان يستغرب ذلك بل يستنكره.. قال (... عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيدالله بن أبي مليكة أن القاسم بن محمد بن أبي بكر أخبره أن عائشة أخبرته أن سهلة بنت سهيل بن عمرو جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ! إن سالم مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه، قال ابن أبي مليكة: فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به رهبة له، ثم لقيت القاسم فقلت: لقد حدثتني حديثا ما حدثته بعد، قال: وما هو ؟ فأخبرته، فقال حدث به عني أن عائشة أخبرتني به !... فأخذت بذلك عائشة فيمن كانت تريد أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أم كلثوم ابنة أبي بكر وبنات أخيها يرضعن لها من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهن أحد من الناس بتلك الرضاعة، قلن: والله ما نرى الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به سهلة إلا رخصة في رضاعة سالم وحده) انتهى. وقد تكون عائشة اعتمدت على سهلة بنت سهيل بن عمرو.. وسهيل هذا من قادة الأحزاب والمشركين، وممن كان النبي صلى الله عليه وآله يقنت بالدعاء عليه ويلعنه، وقد أسلم تحت السيف يوم فتح مكة ولكنه بقي الناطق باسم قريش في مواجهة النبي والإسلام.. فمن أين يأتي الصدق والتدين الى بنته ؟ ! وقال عبد الرزاق (... عن معمر عن الزهري أن عائشة أمرت أم كلثوم أن ترضع سالما، فأرضعته خمس رضعات، ثم مرضت، فلم يكن يدخل سالم على عائشة.

[ 130 ]

... أخبرنا ابن جريج قال: سمعت نافعا يحدث أن سالم بن عبد الله حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت به الى أختها أم كلثوم ابنة أبي بكر، لترضعه عشر رضعات، ليلج عليها إذا كبر، فأرضعته ثلاث مرات، ثم مرضت، فلم يكن سالم يلج عليها، قال زعموا أن عائشة قالت: لقد كان في كتاب الله عزوجل عشر رضعات، ثم رد ذلك الى خمس، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم.... أخبرنا ابن جريج قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر يحدث أن ابنة أبي عبيد امرأة ابن عمر، أخبرته أن حفصة بنت عمر زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أرسلت بغلام نفيس (...) لبعض موالي عمر الى أختها فاطمة بنت عمر، فأمرتها أن ترضعه عشر مرات، ففعلت، فكان يلج عليها بعد أن كبر) انتهى. كما روى عبد الرزاق عددا من الروايات المخالفة لمذهب عائشة في رضاع الكبير.. قال (... عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم عن النزال عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا رضاع بعد الفصال.... عن الثوري عن جويبر عن الضحاك عن النزال عن علي قال: لا رضاع بعد الفصال، وسمعته يقول لمعمر: إنه لم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، قال معمر: بلى..... جابر عن أبيهما جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمين لولد مع يمين والد، ولا يمين لزوجة مع يمين زوج، ولا يمين لمملوك مع يمين مالك، ولا يمين في قطيعة، ولا نذر في معصية، ولا طلاق قبل نكاح، ولا عتاقة قبل ملك، ولا صمت يوم الى الليل، ولا مواصلة في الصيام، ولا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد الفطام، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح.... عن الثوري عن عمرو بن دينار عمن سمع ابن عباس يقول: لا رضاع بعد الفطام.... عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: لا رضاع إلا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير) انتهى. ورواه عنه البيهقي في سننه ج 7 ص 461 وقال مالك في الموطأ ج 2 ص 601: (عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا رضاعة إلا لمن أرضع في الصغر، ولا رضاعة لكبير.

[ 131 ]

... عن يحيى بن سعيد، أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد. وإلا ما أنبت اللحم والدم. وحدثني عن مالك، عن ابن شهاب، أنه كان يقول: الرضاعة، قليلها وكثرت تحرم. والرضاعة من قبل الرجال تحرم. قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: الرضاعة، قليلها وكثيرها إذا كان في الحولين تحرم. فأما ما كان بعد الحولين، فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئا، وإنما هو بمنزلة الطعام.... عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله، أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن - عشر رضعات معلومات يحرمن - ثم نسخن ب‍ - خمس معلومات - فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهو فيما يقرأ من القرآن. قال يحيى، قال مالك: وليس على هذا العمل) انتهى. وقال الشافعي في مسنده ص 416: (عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سهلة بنت سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات فتحرم بهن. أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت كان فيما أنزل الله في القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن). وقال في كتاب الأم ج 5 ص 29: رضاعة الكبير. قال الشافعي رحمه الله تعالى... فجاءت سهلة بنت سهيل وهي قال الشافعي: فإن قال قائل: ما دل على ما وصفت ؟ قال الشافعي: فذكرت حديث سالم الذي يقال له مولى أبي حذيفة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر امرأة أبي حذيفة أن ترضعه خمس رضعات يحرم بهن، وقالت أم سلمة في الحديث وكان ذلك في سالم خاصة وإذا كان هذا لسالم خاصة فالخاص لا يكون إلا مخرجا من حكم العام، وإذا كان مخرجا من حكم العام فالخاص غير العام ولا يجوز في العام إلا أن يكون رضاع الكبير لا يحرم ولا بد إذا اختلف الرضاع في الصغير والكبير من طلب الدلالة على الوقت الذي إذا صار إليه المرضع فأرضع لم يحرم.

[ 132 ]

قال: والدلالة على الفرق بين الصغير والكبير موجودة في كتاب الله عزوجل، قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، فجعل الله عزوجل تمام الرضاع حولين كاملين).... قال الشافعي: فإن قال قائل: فقد قال عروة قال غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما نرى هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إلا رخصة في سالم. قيل: فقول عروة عن جماعة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير عائشة لا يخالف قول زينب عن أمها إن ذلك رخصة مع قول أم سلمة في الحديث هو خاصة وزيادة قول غيرها ما نراه إلا رخصة مع ما وصفت من دلالة القرآن وإني قد حفظت عن عدة ممن لقيت من أهل العلم إن رضاع سالم خاص. فإن قال قائل: فهل في هذا خبر عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما قلت في رضاع الكبير ؟ قيل نعم: أخبرنا مالك عن أنس عن عبد الله بن دينار قال جاء رجل الى ابن عمر وأنا معه عند دار القضاء يسأله عن رضاعة الكبير فقال ابن عمر جاء رجل الى عمر ابن الخطاب فقال كانت لي وليدة فكنت أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت دونك فقد والله أرضعتها. فقال عمر بن الخطاب أوجعها وائت جاريتك فإنما الرضاع رضاع الصغير.... قال الشافعي: فجماع فرق ما بين الصغير والكبير أن يكون الرضاع في الحولين فإذا ارضع المولود في الحولين خمس رضعات كما وصفت فقد كمل رضاعه الذي يحرم) انتهى. وقال في كتاب الأم ج 7 ص 236: باب في الرضاع. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر سهلة ابنة سهيل أن ترضع سالما خمس رضعات فيحرم بهن. قال الشافعي: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة أنها قالت كان فيما أنزل الله في القرآن: عشر رضعات معلومات

[ 133 ]

يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن ! قال الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت به وهو يرضع الى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم يكن يدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تكمل له عشر رضعات... قال الشافعي: فرويتم عن عائشة أن الله أنزل كتابا أن يحرم من الرضاع بعشر رضعات ثم نسخن بخمس رضعات وأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهي مما يقرأ من القرآن، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بأن يرضع سالم خمس رضعات يحرم بهن، ورويتم أن عائشة وحفصة أمي المؤمنين مثل ما روت عائشة وخالفتموه، ورويتم عن ابن المسيب أن المصة الواحدة تحرم، فتركتم رواية عائشة ورأيها ورأى حفصة بقول ابن المسيب وأنتم تتركون على سعيد بن المسيب رأيه برأى أنفسكم مع أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما روت عائشة وابن الزبير ووافق ذلك رأي أبي هريرة. وهكذا ينبغي لكم أن يكون عندكم العمل) انتهى. ونحوه في مجموع النووي ج 18 ص 210 و 212 وقال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 135: (وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن. وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثم رد ذلك الى خمس ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن ماجه وابن الضريس عن عائشة قالت كان مما نزل من القرآن ثم سقط لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات.

[ 134 ]

وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها) انتهى. وروى البيهقي أكثر ذلك في سننه ج 7 ص 453 وقال ابن قدامة في المغني ج 9 ص 192: (مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله (والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا) في هذه المسألة مسألتان: أحدهما، أن الذي يتعلق به التحريم خمس رضعات فصاعدا هذا الصحيح في المذهب وروي هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاووس وهو قول الشافعي. وعن أحمد رواية ثانية أن قليل الرضاع وكثيره يحرم. وروي ذلك عن علي وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن ومكحول والزهري وقتادة والحكم وحماد ومالك والأوزاعي والثوري والليث وأصحاب الرأي وزعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم...). وقال الكاشاني الحنفي في بدائع الصنائع ج 4 ص 7: (ويستوى في الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وروى عن عبد الله بن الزبير وعائشة رضي الله عنهما أن قليل الرضاع لا يحرم وبه أخذ الشافعي فقال لا يحرم إلا خمس رضعات متفرقات واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان فيما نزل عشر رضعات يحرم ثم صرن الى خمس فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو فيما يقرأ... وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد قيل أنه لم يثبت عنها وهو الظاهر فإنه روي أنها قالت توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما يتلى في القرآن فما الى نسخه (سبيل) ولا نسخ بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يحتمل أن يقال ضاع شئ من القرآن ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أن هذا حديث منكر، وإنه من صيارفة الحديث ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع الكبير فنسخ العدد بنسخ رضاع الكبير) انتهى.

[ 135 ]

وقال ابن حزم في المحلى ج 10 ص 14: (قال أبو محمد: وهذان أثران في غاية الصحة والحجة بهما قائمة، ثم نظرنا فيما احتج به من قال: لا يحرم من الرضاع أقل من خمس رضعات فوجدنا ما رويناه من طريق حماد بن سملة عن يحيى بن سعيد الأنصاري. وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق كلاهما عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت: نزل القرآن أن لا يحرم إلا عشر رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات هذا لفظ يحيى بن سعيد، ولفظ عبد الرحمن قالت: كان مما نزل من القرآن ثم سقط لا يحرم من الرضاع إلا عشر رضعات ثم نزل بعد وخمس معلومات، ومن طريق القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن مما يقرأ من القرآن، وروينا أيضا معناه من طريق مسلم نا القعنبي ومحمد بن المثنى قال ابن المثنى نا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وقال القعنبي نا سليمان بن بلال ثم اتفق سليمان وعبد الوهاب كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة أم المؤمنين قالت لما نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل أيضا خمس معلومات... قال أبو محمد: وهذان خبران في غاية الصحة وجلالة الرواة وثقتهم ولا يسع أحدا الخروج عنهما... لكن لما جاءت رواية الثقات التي ذكرنا بأنه لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان وأنه إنما يحرم خمس رضعات كانت هذه الأخبار زائدة على ما في تلك الآية وفي تلك الأخبار وكانت رواية ابن جريج في حديث أبي حذيفة أرضعيه خمس رضعات هي زائدة. وقالوا أيضا: قول الراوي فمات عليه الصلاة والسلام وهو مما يقرأ من القرآن قول منكر وجرم في القرآن ولا يحل أن يجوز أحد سقوط شئ من القرآن بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله فقلنا: ليس كما ظنتم إنما معنى قول عبد الله بن أبى بكر في روايته لما ذكرتم ثم أي أنه عليه الصلاة والسلام مات وهو مما يقرأ مع القرآن بحروف

[ 136 ]

الجر يبدل بعضها من بعض، ومما يقرأ من القرآن الذي بطل أن يكتب في المصاحف وبقي حكمه كالآية الرجم سواء سواء فبطل إعتراضهم المذكور... فمن ذلك قلنا إن استنفاد الراضع ما في الثديين متصلا رضعة واحدة. وأن المصة لا تحرم إلا إذا علمنا أنها قد سدت مسدا من الجوع) انتهى. وهكذا وافق ابن حزم عائشة في الخمس رضعات التي أكلت آيتها السخلة، وزاد عليها أنه اعتبر المصة الطويلة رضعة، فيكفي عنده خمس مصات متفرقات. ثم كان من النادرين الذين آنسوا وحدة أم المؤمنين في رضاع الكبير، فيكفي عنده أن يرضع رجل كبير ولو كان عمره خمسين سنة من امرأة غير محرم عليه ! خمس مصات متفرقات فتصير أمه وتحرم عليه هي وقريباتها ! ! قال في ص 19: (قال أبو محمد: وقالت طائفة: إرضاع الكبير والصغير يحرم كما ذكرنا قبل عن أبي موسى وإن كان قد رجع عنه... ومن طريق مالك عن ابن شهاب أنه سئل عن رضاع الكبير ؟ فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر رسول الله صلى الله عليه وآله سهلة بنت سهيل بأن ترضع سالما مولى أبي حذيفة خمس رضعات وهو كبير ففعلت فكانت تراه ابنا لها قال عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. ومن طريق عبد الرزاق نا ابن جريج قال: سمعت عطاء بن أبي رباح وسأله رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعدما كنت رجلا كبيرا أفأنكحها ؟ قال عطاء لا. قال ابن جريج فقلت له وذلك رأيك قال: نعم كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها وهو قول الليث بن سعد...) قال أبو محمد: أما قول أبي حنيفة وزفر ومالك، فلا خفاء بفسادها إلا على قول من يقول في النهار أنه ليل مكابره ونصرا للباطل، ومن عجائب الدنيا قول بعض المفتونين لما قال الله تعالى: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين... قال أبو محمد: فجمع هذا القول مخالفة لله عزوجل ومكابره الحس...) انتهى. * *

[ 137 ]

فهذه أحاديث تدعي زيادات لا وجود لها في كتاب الله تعالى، وكثير منها بمقاييس إخواننا أحاديث صحيحة على شرط البخاري ومسلم، أو شرط غيرهما، أو موثقة.. فهل يمكن لأحد أن يقبلها ويضيف هذه الآيات والزيادات المزعومة في كتاب الله والعياذ بالله بحجة التمسك بالحديث إذا صح سنده ! ! أم أن علماء إخواننا يردونها كما نفعل نحن الشيعة، فيقلدوننا في هذا الموضوع من أجل الحفاظ على كتاب الله تعالى ؟ ! أم يبحثون لها عن تأويلات بعيدة لا تقبلها عبارة عربية مستقيمة ؟ !

[ 139 ]

الفصل الخامس قراءات شخصية ومحاولات تحريف

[ 141 ]

قراءات شخصية ومحاولات تحريف قراءات للخليفة لم يطعه فيها المسلمون 1 - فامضوا الى ذكر الله ! اتفقت مصادر إخواننا السنة على أن الخليفة عمر كان يقرأ فاسعوا الى ذكر الله في الآية التاسعة من سورة الجمعة (فامضوا الى ذكر الله) حتى في صلاته، وأنه كان يصر على ذلك ويأمر بمحو (فاسعوا) ويقول إنها منسوخة ! ! فما هو سبب ذلك ؟ ثم ما هو السبب في أن جميع المفسرين وفقهاء المذاهب السنية لم يطيعوا الخليفة ولم يكتبوها في المصاحف، ولم يقرؤوا بها، مع أنهم يتعصبون لأقوال الخليفة عمر ويتشبثون بها ؟ ! أما السر في اجتهاد الخليفة في نص القرآن فهو أن كلمة (السعي) في ذهنه تعني الركض، بينما المضي تعني الذهاب.. وبما أن المطلوب من المسلمين إذا سمعوا النداء لصلاة الجمعة هو الذهاب بسكينة ووقار وليس الركض.. فلا يصح التعبير بالسعي ! وما دام القرآن نازلا من عند الله تعالى فلا بد أنه قال: فامضوا ولم يقل فاسعوا ! أو أن الركض للجمعة كان مطلوبا أولا ثم نسخ بالمضي ! ! أو أنه كان اشتباها من النبي أو جبرئيل ثم صححه أحد لهما ! ! قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 63 (قوله وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وقرأ عمر: فامضوا الى ذكر الله).

[ 142 ]

وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 711 (عن إبراهيم عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوحا مكتوبا فيه: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله، فقال: من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب، فقال إن أبيا كان أقرأنا للمنسوخ، إقرأها: فامضوا الى ذكر الله !). وروى البيهقي في سننه ج 3 ص 227 (عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرؤها إلا: فامضوا الى ذكر الله... أنبأ الشافعي، أنبأ سفيان بن عيينة، فذكره بنحوه). وقال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 219 (قوله تعالى: فاسعوا الى ذكر الله.. الآية. أخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال رأى معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله فقال: من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب، قال إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ، إقرأها فامضوا الى ذكر الله !) انتهى. ورووا أن الخليفة أقنع برأيه هذا عبد الله بن مسعود فمحى من مصحفه (فاسعوا) وكتب فيه (فامضوا) ! روى الهيثمي بسند موثق في مجمع الزوائد ج 7 ص 124 (عن إبراهيم قال، قال عبد الله بن مسعود... لو قرأتها فاسعوا سعيت حتى يسقط ردائي ! وكان يقرؤها فامضوا. رواه الطبراني وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود ورجاله ثقات. وعن قتادة قال: في جزء ابن مسعود (مصحفه) فامضوا الى ذكر الله... رواه الطبراني وقتادة لم يدرك ابن مسعود ولكن رجاله ثقات) انتهى. أما علي وأهل البيت عليهم السلام فكانوا ملتفتين الى أن السعي هنا ليس بمعنى الركض بل بمعنى السعي المعنوي الذي يتناسب مع المشي الى صلاة الجمعة بسكينة ووقار.. روى القاضي المغربي في دعائم الإسلام ج 1 ص 182 (عن علي عليه السلام أنه سئل عن قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله، قال: ليس السعي الاشتداد ولكن يمشون إليها مشيا).

[ 143 ]

وروى الصدوق في علل الشرائع ج 2 ص 357 (عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قمت الى الصلاة إن شاء الله فأتها سعيا وليكن عليك السكينة والوقار، فما أدركت فصل وما سبقت به فأتمه، فإن الله عزوجل يقول: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله. ومعنى قوله فاسعوا هو الإنكفات). وروى علي بن إبراهيم في تفسيره ج 2 ص 367 عن الإمام الباقر عليه السلام (إسعوا: إعملوا لها وهو قص الشارب، ونتف الابط وتقليم الأظافير والغسل ولبس أفضل ثيابك، وتطيب للجمعة فهو السعي، يقول الله: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن) انتهى. وروى هذا المعنى أيضا عن أبي ذر رحمه الله، قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 219 (وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال خرجت الى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله: إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله، فجذبني جذبة فقال: أو لسنا في سعي ؟ !) انتهى. وتؤيد مصادر اللغة هذا الإشتراك في مادة (سعى) فهي تستعمل في المشي السريع الذي هو دون الركض، وتستعمل في (السعي المعنوي) وهو الإهتمام والجد في الشئ المقصود.. وأكثر ما وردت في القرآن بهذا المعنى الثاني. قال الراغب في مفرداته ص 233 (السعي المشي السريع وهو دون العدو. ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا، قال تعالى وسعى في خرابها وقال نورهم يسعى بين أيديهم وقال ويسعون في الأرض فسادا، وإذا تولى سعى في الأرض، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، إن سعيكم لشتى وقال تعالى وسعى لها سعيها، كان سعيهم مشكورا وقال تعالى فلا كفران لسعيه). وقال الخليل في كتاب العين ج 2 ص 202 (السعي عدو ليس بشديد. وكل عمل من خير أو شر فهو السعي، يقولون السعي العمل أي الكسب. والمسعاة في الكرم والجود).

[ 144 ]

وقال الجوهري في الصحاح ج 6 ص 2377 (سعى الرجل يسعى سعيا أي عدا، وكذلك إذا عمل وكسب). وقال الطريحي في مجمع البحرين ج 2 ص 375 (قوله تعالى فاسعوا الى ذكر الله، أي بادروا بالنية والجد، ولم يرد للعدو والإسراع في المشي، والسعي يكون عدوا ومشيا وقصدا وعملا، ويكون تصرفا بالصلاح والفساد. والأصل فيه المشي السريع لكنه يستعمل لما ذكر وللأخذ في الأمر) انتهى. * * وعندما وجد إخواننا السنة أنفسهم أمام هذا الواقع، ورأوا أن قراءة (فامضوا) اشتباه محض من الخليفة وإصرار غير منطقي، فاختاروا أن يبقوا الآية في مصاحفهم (فاسعوا) وأن يحفظوا كرامة الخليفة في نفس الوقت ولا يخطئوه.. فلذلك لا تجد منهم منتقدا للخليفة، ولا متسائلا عن معنى شهادة الخليفة بأن اسعوا منسوخة ! ! بل تجد أن بعضهم فضل السكوت وطلب الستر والسلامة للخليفة، كما فعل البخاري ! وبعضهم قلد الخليفة وأفتى بجواز القراءة بقراءته، وحاول أن يستر خطأه بالإصرار عليه، مدعيا أن المضي هو السعي في لغة قريش والحجاز ! ولو كان السعي مرادفا للمضي فلماذا هرب منه الخليفة وجعل ابن مسعود يهرب منه خوفا على ردائه، وهما حجازيان ؟ ! وغاية ما وصلت إليه جرأة علماء إخواننا الانتقاد البعيد بالإشارة التي لا يفهمها إلا اللبيب اللبيب.. قال البيهقى في سننه ج 3 ص 227 (قال الشافعي: ومعقول أن السعي في هذا الموضع العمل لا السعي على الأقدام، قال الله تعالى إن سعيكم لشتى، وقال ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن. وقال وكان سعيكم مشكورا، وقال وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وقال وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها. قال الشيخ (البيهقي) وقد روي عن أبي ذر ما يؤكد هذا) انتهى. وقد أخذها الشافعي عن أهل البيت عليهم السلام كما رأيت ! وتبع الشافعي ابن قدامة في المغني ج 2 ص 143 قال (... والمراد بالسعي هاهنا الذهاب إليها لا الإسراع، فإن السعي في كتاب الله لم يرد به العدو قال الله تعالى وأما من جاءك يسعى وقال وسعى لها سعيها وقال سعى في الأرض ليفسد فيها وقال ويسعون في

[ 145 ]

الأرض فسادا، وأشباه هذا لم يرد بشئ منه العدو، وقد روى عن عمر أنه كان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله) ! ! ومن أكثرهم أمانة وجمعا لروايات الموضوع جلال الدين السيوطي، قال في الدر المنثور ج 6 ص 219: (وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال قيل لعمر إن أبيا يقرأ فاسعوا الى ذكر الله قال عمر: أبى أعلمنا بالمنسوخ. وكان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله ! وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا الى ذكر الله ! وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا فامضوا الى ذكر الله ! ! وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: لقد توفي عمر وما يقول هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا فامضوا الى ذكر الله ! ! وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: فامضوا الى ذكر الله، قال ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي ! وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن قتادة قال في حرف ابن مسعود فامضوا الى ذكر الله وهو كقوله إن سعيكم لشتى. وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: فامضوا الى ذكر الله. وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرؤها فامضوا الى ذكر الله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال: فامضوا. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله فاسعوا الى ذكر الله قال: ما هو بالسعي على الأقدام

[ 146 ]

ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان عن قتادة في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال: السعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المضي إليها، قال الله فلما بلغ معه السعي قال لما مشى مع أبيه. وأخرج عبد بن حميد عن ثابت قال كنا مع أنس بن مالك يوم الجمعة فسمع النداء بالصلاة فقال قم لنسعى إليها. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء في قوله فاسعوا الى ذكر الله قال: الذهاب والمشي. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: إنما السعي العمل وليس السعي على الأقدام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن كعب قال: السعي العمل. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس وعكرمة مثله. وأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن الصامت قال خرجت الى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر، فبينا أنا أمشي إذ سمعت النداء فرفعت في المشي لقول الله إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله، فجذبني جذبة فقال: أو لسنا في سعي ؟ !) انتهى. وروى في كنز العمال عددا من هذه الروايات ج 2 ص 591 تحت الأرقام: 48087 و 4809 و 4821 و 4822 وقال ابن جزي في كتاب التسهيل ج 2 ص 445 (قرأ عمر: وامضوا الى ذكر الله) انتهى.. ويطول الأمر لو أردنا استعراض بقية المصادر.. والحمد لله أن أحدا من المسلمين لم يطع الخليفة في تحريف هذه الآية، حتى أشد المتعصبين له. ومن المؤكد أن الخليفة كان مصرا عليها حتى توفي فقد كتبها في مصحفه، وبما أن مصحفنا الذي كتبه الخليفة عثمان فيه (فاسعوا) فهو دليل على أنه لم ينسخه من مصحف الخليفة عمر، والحمد لله.

[ 147 ]

2 - عظاما ناخرة قال الله تعالى في الآيتين الحادية عشرة والثانية من سورة النازعات: أإذا كنا عظاما نخرة. قالوا تلك إذن كرة خاسرة. والموجود في القرآن هو (نخرة) فلو أن أحدا في عصرنا قرأها (ناخرة) بالألف بحجة أنه يريد أن تتناسب أواخر الآيات، أو بحجة أن جنابه تعود على لفظ ناخرة واستحسنه.. فماذا يقول عنه إخواننا السنة ؟ نقول له جميعا: إن القرآن نص منزل من عند الله تعالى، ولا يجوز لك أن تغير في كلام الله تعالى من عندك. فلا جبرئيل ينزل عليك، ولا أنت مفوض من الله تعالى بهذا العمل ! ! هذا هو الموقف الطبيعي الصحيح من القراءات الذوقية التي نجدها تملأ كتب التفسير، والتي فتح بابها الخليفة عمر، فقرأ (فامضوا الى ذكر الله) كما تقدم وشجع عليها بعض الصحابة وكتبها في مصاحفهم، وفتح بذلك الباب لهم وللتابعين أن يقرأ كل منهم كلمات القرآن باجتهاده وذوقه وسليقته ! ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 312 (وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ: أئذا كنا عظاما ناخرة، بألف. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ناخرة بالألف. وأخرج الطبراني عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف أئذا كنا عظاما ناخرة. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد قال سمعت ابن الزبير يقرؤها: عظاما ناخرة فذكرت ذلك لابن عباس فقال: أو ليس كذلك ؟ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ التي في النازعات: ناخرة بالألف وقال بالية. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وعكرمة وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يقرؤون: ناخرة بالألف. وأخرج الفراء عن ابن الزبير أنه قال على المنبر ما بال صبيان يقرؤن: نخرة إنما هي ناخرة.

[ 148 ]

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك: عظاما ناخرة، قال بالية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال الناخرة العظم يبلى فتدخل الريح فيه). وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 133 (عن ابن عمر أنه كان يقرأ هذا الحرف: أئذا كنا عظاما ناخرة. رواه الطبراني من طريق زيد بن معاوية عن ابن عمر ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح) انتهى. وروى في كنز العمال ج 2 ص 591 (عن عمر أنه كان يقرأ: إذا كنا عظاما ناخرة، بألف - ص وعبد بن حميد). وقال الطوسي في التبيان ج 10 ص 251 (قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (عظاما ناخرة) بألف، والباقون (نخرة) بلا ألف. من قرأ (ناخرة) اتبع رؤوس الآي نحو (الساهرة، والحافرة) ومن قرأ نخرة بلا ألف قال لأنه الأكثر في كلام العرب، ولما روي عن علي عليه السلام أنه قرأ (نخرة) وقال النحويون: هما لغتان مثل باخل وبخل، وطامع وطمع، وقال الفراء: النخرة البالية والناخرة المجوفة). وقال في ص 255 (والنخرة البالية بما حدث فيها من التغيير واختلال البنية، جذع نخر إذا كان بهذه الصفة، وإذا لم تختل بنيته لم يكن نخرا وإن بلي بالوهن والضعف. وقيل ناخرة مجوفة تنخر الرياح فيها بالمرور في جوفها. وقيل: ناخرة ونخرة سواء مثل ناخل ونخل، ونخرة أوضح في المعنى، وناخرة أشكل برؤس الآي) انتهى. وقال الطريحي في مجمع البحرين ج 4 ص 284 (قال الشيخ أبو علي: قرأ أهل الكوفة ويعني أكثرهم، عظاما ناخرة بالألف. ثم قال: ناخرة ونخرة لغتان. وقال الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة. وقال الزجاج: ناخرة أكثر وأجود لأجل مراعاة أواخر الآي، مثل الخاسرة والحافرة. والمنخر كمجلس وكسر الميم للإتباع كمنبر لغة، والمنخران: ثقبا الأنف، وفي حديث العابد: فنخر إبليس نخرة واحدة فاجتمع إليه جنوده، من النخير وهو صوت الأنف، يقال نخر ينخر من باب قتل، إذا مد النفس في الخياشيم، والجمع مناخر) انتهى. * *

[ 149 ]

نفهم من هذه الروايات أن الخليفة عمر كان يجيز لنفسه وللصحابة الإجتهاد في نص القرآن الكريم.. وكأن المسألة أن أحدا كتب نصا وأبقى المجال مفتوحا للقراء لإجراء بعض التحسينات عليه والإجتهادات فيه.. فهل أن نص القرآن الكريم كذلك ؟ ! إن ملاك الخليفة في اختيار كلمة نخرة أو ناخرة هو الأنسب لقوافي الآيات، أو للمألوف من الكلمات.. هكذا وبكل بساطة وجرأة.. وكأنه أحاط بعلم الله في اختيار ألفاظ كتابه أو حصل منه على تفويض.. ! ثم يجب على العباد أن يقبلوا قراءته ويتعبدوا بها، ويعتقدوا أنها الكلمة التي أنزلها الله تعالى ! قد يقول قائل: لا فرق يذكر بين قراءة نخرة بدون ألف أو بألف. فالأمر سهل، ولا يصح أن نعطي المسألة أكثر من حجمها ! ولكن الأمر ليس سهلا والفرق ليس قليلا، سواء في ألفاظ القرآن أوفي معانيه.. لأن بناء القرآن بناء خاص لا يشبهه بناء كلام البشر، والحرف الواحد منه له دوره بل أدواره في موضعه وفي مجموع القرآن، بل في عوالم وجود القرآن وتأثيراتها في الوجود.. فالقول بعدم تأثير زيادة حرف أو نقصه قول سطحي يصدر عمن لم يستوعب خطورة البناء اللفظي للقرآن وكونية هذا البناء.. ! والكلام نفسه يصح في زيادة شئ في المعنى القرآني أو نقصه، أو إحداث أدنى تغيير فيه ! فمن يدري لعل الله تعالى يريد الخروج عن قافية الآيات بكلمة نخرة ؟ ثم من يدري ما هو بالضبط القول الذي يريد الله تعالى نقله عن المشركين المستبعدين لبعث العظام البالية.. هل قولهم النخرة أو الناخرة.. ؟ إن مقولة عدم الفرق بين هذه اللفظة وتلك مقولة سطحية، فالترادف الكامل من كل الجهات إن كان موجودا في اللغة العربية فهو غير موجود في ألفاظ القرآن، والفرق بين الناخرة والنخرة هنا قد يكون من عشرين وجها.. وقد يكون أولها التغيرات الفيزيائية التي تحدث على العظام حتى تكون نخرة بالية، أو حتى تكون ناخرة مجوفة ولو لم يكمل بلاها.. !

[ 150 ]

فمن أين يدري الخليفة أن الله تعالى اختار أن ينقل عن المشركين استبعادهم لإحياء العظام البالية تماما، أو البالية نصف بلى، أو البالية الى حد التجويف فقط، أو البالية مطلقا مجوفة كانت أو غير مجوفة.. ؟ ! الى آخر الاحتمالات في المسألة.. إن ما يبدو لنا بسيطا هو كبير في البناء القرآني.. فهل يصح مثلا أن نقول: إن المنزل والبيت والمسكن كلمات مترادفة، فيجوز أن نبادل مواضعها في القرآن.. ؟ كلا، ثم كلا.. فإن الزاوية والأبعاد التي يريدها الله تعالى من الكلمة لها موضعها ودورها الذي لا يؤديه مرادفها ! وحروفها لها أدوارها أيضا.. ونغمها.. إلخ. ثم لو سلمنا أن اللفظين مترادفان من جميع الأبعاد، وأن المعنى لا يتغير باختيار أحدهما أبدا.. فما هو المجوز الشرعي والأخلاقي لأحد أن يمد يده أو لسانه الى نصوص الآخرين، فضلا عن نصوص رب العالمين ؟ ! ! إنها نظرة الخليفة عمر المتساهلة الى نص القرآن والسنة، وفي مقابلها نظرة أهل البيت عليهم السلام، الذين يرون وجوب التمسك بالنص والمحافظة عليه كما نزل. وستعرف أن الخليفة عمر يرى التساهل في نص القرآن الى حد.. التعويم ! 3 - صراط من أنعمت عليهم.. وغير الضالين ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 15 (أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي داود وابن الأنباري كلاهما في المصاحف من طرق عن عمر بن الخطاب أنه كان يقرأ: سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري عن عبد الله بن الزبير قرأ: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين، في الصلاة. وأخرج ابن أبي داود عن ابراهيم قال كان عكرمة والأسود يقرآنها: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين). وقال في ص 17 (وأخرج ابن شاهين في السنة عن إسماعيل ابن مسلم قال في حرف أبي بن كعب غير المغضوب عليهم وغير الضالين. آمين. بسم الله).

[ 151 ]

ورواه في كنز العمال ج 2 ص 593 (عن عمر أنه كان يقرأ: سراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين - وكيع وأبو عبيد، ص، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي داود، وابن الأنباري معا في المصاحف). ورواه البغوي في معالم التنزيل ج 1 ص 42 والراغب في محاضراته ج 2 ص 199 وابن جزي في التسهيل.. وغيرهم.. وغيرهم. * * ومن الواضح أن قراءة الخليفة عمر أسبق من قراءة عكرمة وابن الزبير، وأنهما قلداه فيها. وإذا سألت نفسك لماذا يقرأ الخليفة هذه القراءة، وهو يعرف أن المسلمين كلهم يقروؤن غيرها.. ؟ وهو يروي أن النبي قد أمره وأمر غيره من المسلمين أن يأخذوا القرآن من أشخاص معينين ويقرؤوه كما يقرؤونه ؟ ! فسوف لا تجد جوابا لهذا السؤال، إلا أن الخليفة استذوق أن (يصحح) في كلام الله تعالى أو يحسن في عبارته ! أو أن ذهنه ولسانه كانا قاصرين عن قراءة القرآن كما أنزل ! لكن نحمد الله تعالى أن أحدا من المسلمين لم يطع الخليفة عمر في هذه التصحيحات أو التحسينات، ولا في غيرها من قراءاته المستهجنة.. وبذلك يتجلى قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ! 4 - الحي القيام ! قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 72 (سورة إنا أرسلنا... ديارا من دور، ولكنه فيعال من الدوران، كما قرأ عمر: الحي القيام، وهي من قمت...). ودافع عن الخليفة في ج 8 ص 184 فقال (.. وقال مجاهد القيوم القائم على كل شئ. وقرأ عمر القيام، وكلاهما مدح) انتهى. ولكن المسألة هنا ليست في أن القيام هل هو مدح أو ذم حتى يقال إنه مدح لله تعالى مثل القيوم، بل المسألة أن القيوم إسم من أسماء الله الحسنى، وهو توقيفي لا يجوز فيه التغيير ! فهل يصح أن تقول: بسم الله الرحمن الراحم، وتقول لا فرق كلاهما مدح ؟ !

[ 152 ]

وروى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 287 (... عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أنه صلى بهم فقرأ: آلم الله لا إله إلا هو الحي القيام) ووصف الحديث بأنه صحيح. وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 154 (... عن أبي خالد الكناني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها: الحي القيام. رواه الطبراني، وأبو خالد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات). وروى السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 3 (الله لا إله إلا هو الحي القيوم. وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها القيام. وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ الحي القيوم). وفي كنز العمال ج 2 ص 592 (عبد الرحمن بن حاطب أن عمر صلى بهم العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران فقرأ: آلم الله لا إله إلا هو الحي القيام - أبو عبيد في الفضائل ص، وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معا في المصاحف وابن المنذر، ك). وقال الطوسي في التبيان ج 2 ص 388 (... وقرأ عمر بن الخطاب: الحي القيام وهي لغة أهل الحجاز. ويقولون في الصواغ صياغ. الباقون: قيوم) وفي صحاح الجوهري ج 5 ص 2018 (والقيوم: إسم من أسماء الله تعالى. وقرأ عمر رضي الله عنه: الحي القيام، وهو لغة) انتهى. ولم تذكر بقية مصادر اللغة أن القيام لغة في القيوم، ولكن لو تأكد ذلك فإن اسم الله تعالى هو القيوم وليس القيام ! وقد صرح الراغب في المفردات بأن القيام بناء آخر، ولم يقل إنه لغة في القيوم، قال في ص 417 (وقوله: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. أي القائم الحافظ لكل شئ والمعطي له ما به قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى، وفي قوله أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وبناء قيوم فيعول، وقيام فيعال نحو ديون وديان) انتهى. * * وهناك نماذج أخرى متعددة نقلتها مصادر الحديث والتفسير من قراءات الخليفة عمر وكبار شخصيات الصحابة الذين يتعصب إخواننا السنة لرأيهم، لا نطيل فيها الكلام، مثل قراءة عمر: فأخذتهم الصعقة: قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 238 (وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنه قرأ: فأخذتهم الصعقة). وإن كاد مكرهم: قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 89 (وأخرج ابن الأنباري كان المصاحف عن عمر بن الخطاب أنه قرأ: وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال. يعني

[ 153 ]

بالدال) ورواه في كنز العمال ج 2 ص 596 (عن أبي عبيد ص، وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف). يا فلان ما سلككم: قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 285 (أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي داود وابن الأنباري معا في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ في جنات يتساءلون عن المجرمين يا فلان ما سلككم في سقر. قال عمر وأخبرني لقيط قال سمعت ابن الزبير قال سمعت عمر بن الخطاب يقرؤها كذلك) ورواه في كنز العمال ج 2 ص 594 عن (عب، وعبد بن حميد عم في زوائد الزهد وابن أبي داود وابن الأنباري معا في المصاحف وابن المنذر وابن أبى حاتم). فتناه بالتشديد: قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 135 (قرأ عمر: فتناه بتشديد التاء فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) انتهى... الى آخر ما ورد من قراءات الخليفة الشاذة المخالفة لما أجمع عليه المسلمون، أو ما هو مدون في المصاحف ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! * *

[ 154 ]

محاولات تحريف فاشلة روت مصادر إخواننا السنة محاولتين مكشوفتين للخليفة عمر لتغيير آيتين، إحداهما موجهة ضد الأنصار لمصلحة قريش، والثانية موجهة ضد بني هاشم لمصلحة قريش ! وقد يكون ما لم تروه المصادر أكثر وأعظم ! ! 1 - محاولة تغيير آية الأنصار قال الله تعالى: الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم. ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم. والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم - التوبة 97 - 100 وقال تعالى: إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم - التوبة 116 - 117 وروى الحاكم في مستدركه ج 3 ص 305 (عن أبي سلمة ومحمد بن ابراهيم التيمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقول السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه.. الى آخر الآية، فوقف عليه عمر فقال إنصرف، فلما انصرف قال له عمر: من أقرأك هذه الآية ؟ قال أقرأنيها أبي بن كعب. فقال: انطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فإذا هو متكئ على وسادة يرجل رأسه فسلم عليه فرد السلام فقال: يا أبا المنذر، قال لبيك، قال: أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية ؟ قال صدق، تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله. قال عمر: أنت تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! قال: نعم أنا تلقيتها من رسول الله صلى

[ 155 ]

الله عليه وآله. ثلاث مرات كل ذلك يقوله. وفي الثالثة وهو غضبان: نعم والله، لقد أنزلها الله على جبريل وأنزلها جبريل على محمد فلم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه ! ! فخرج عمر وهو رافع يديه وهو يقول: ألله أكبر ألله أكبر ! !). ورواه في كنز العمال ج 2 ص 605 وقال (أبو الشيخ في تفسيره، ك، قال الحافظ ابن حجر في الأطراف: صورته مرسل. قلت: له طريق آخر عن محمد بن كعب القرظي مثله أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ، وآخر عن عمر بن عامر الأنصاري نحوه، أخرجه أبو عبيد في فضائله، وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه هكذا. صححه، ك) انتهى. ولكن ابن شبة روى القصة في تاريخ المدينة ج 2 ص 707 بنحو آخر فقال (حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن: قرأ عمر رضي الله عنه (والسابقون الأولون من المهاجرين الذين اتبعوهم بإحسان، (بدون واو) فقال أبي والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فقال عمر رضي الله عنه: والسابقون الأولون من المهاجرين الذين اتبعوهم بإحسان، وقال عمر رضي الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، فقال أبي رضي الله عنه: أشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيها الخطاب ولا ابنه !). وقال في هامشه: في منتخب كنز العمال 2: 55 عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين... ورد في نفس المرجع 2: 56 عن أبي سلمة ومحمد بن ابراهيم التيمي قالا... وروى رواية الحاكم المتقدمة، ثم قال: وانظر تفسير ابن كثير 4: 228) انتهى. وروى في كنز العمال ج 2 ص 597 (عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان. فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال زيد: والذين اتبعوهم بإحسان. فقال عمر: الذين اتبعوهم بإحسان. فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم ! ! فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب، فسأله عن ذلك ؟ فقال أبي: والذين اتبعوهم بإحسان، فجعل كل واحد منهما يشير الى أنف صاحبه بإصبعه، فقال أبي: والله أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تتبع الخبط، فقال عمر: نعم إذن، فنعم إذن فنعم إذن، نتابع أبيا - أبو عبيد في فضائله، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه. وقال في هامشه: الخبط بفتح الخاء والباء - الورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن) انتهى.

[ 156 ]

وقال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 269 (قوله تعالى: والسابقون الأولون... الآية. أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر بن الخطاب قرأ: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان. فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ! فقال له زيد بن ثابت: والذين. فقال عمر الذين ؟ فقال زيد أمير المؤمنين أعلم ! فقال عمر رضي الله عنه: إئتوني بأبي بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي: والذين. فقال عمر رضي الله عنه: فنعم إذن نتابع أبيا. (وقد حذفت منه المشادة بينهما كما رأيت ! وكذا رواه في كنز العمال ج 2 ص 594). ثم قال السيوطي: وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال مر عمر رضي الله عنه برجل يقرأ: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا ؟ قال أبي بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا ؟ قال نعم. قال وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم. قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا ! ! فقال أبى: تصديق ذلك في أول سورة الجمعة وآخرين منهم لما يلحقوا بهم. وفي سورة الحشر والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان وفي الأنفال والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم. وأخرج أبو الشيخ عن أبا أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ والسابقون الأولون... وأورد رواية الحاكم) انتهى. * * نفهم من هذه الروايات الصحيحة بمقاييس إخواننا، أن الخليفة يرى أن قريشا فوق الجميع، ولا يجوز أن يساوى بها أحد (لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا) وكان يرى أن وجود الواو في الآية يجعل الأنصار على قدم المساواة مع المهاجرين، فالحل أن تقرأ الآية المئة من سورة التوبة (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان..) فترفع كلمة الأنصار وتحذف الواو بعدها وتكون جملة (الذين اتبعوهم) صفة للأنصار، ليكون المعنى: أن الله رضي عن المهاجرين وعن أتباعهم من الأنصار ! !

[ 157 ]

وقد أثار هذا التحريف حفيظة الأنصار ولا شك، لأنه الله تعالى جعلهم على قدم المساواة مع المهاجرين وإن ذكر اسمهم بعدهم.. ويريد الخليفة عمر أن يجعلهم تابعين لهم ! ! أما زيد بن ثابت (الأنصاري) فقد سلم للخليفة (فقال له زيد بن ثابت: والذين. فقال عمر: الذين ؟ فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم !) ولو وقف زيد في وجه الخليفة ولم يخف من سطوته، لربح المعركة لأن كل الأنصار سيقفون الى جانبه، وسيؤيدهم أهل البيت عليهم السلام، وعدد من المسلمين الذين لا يسمحون للخليفة أن يحرف آية من كتاب الله تعالى ! ! ولكن زيدا صغير السن ضعيف الشخصية، وقد وبخه أبي بن كعب يوما بأنه نشأ مع صبيان اليهود وكان يلعب معهم، وقد يكون منزله في محلتهم، فقد تعلم العبرية منهم ! بل قد يكون أبوه يهوديا وأمه أنصارية، فقد قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1008 (حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبي الأسود - أو غيره - قال: قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال: مالي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان) ! ! وسيأتي بحث نسبه في فصل جمع القرآن إن شاء الله تعالى. أما أبي بن كعب فمع أنه يخاف سطوة الخليفة عمر ويداريه كثيرا.. لكنه أكبر سنا من عمر ويرى أنه من صحابة النبي المقربين، وحافظ القرآن، ولذا سجلت له الروايات مواقف في مقابل الخليفة ومنها هذا الموقف في هذه المسألة التي تمس كيان الأنصار ! وقد يحاول البعض الدفاع عن الخليفة بأن المسألة منه مجرد اشتباه، وقد رجع عنه عندما شهد له ابن كعب ! ولكن منطق التغيير الذي أراده الخليفة في الآية، ومنطق وجود المهاجرين في مدينة الأنصار، ومواقف الخليفة من الأنصار في حياة النبي صلى الله عليه وآله، وفي السقيفة وبعدها، وتأكيده وشهادته أن الآية نزلت بدون واو.. كلها تدل على أن المسألة كانت جدية وحامية، وأن أبيا كان يتكلم وهو مسنود بإجماع الأنصار واستعدادهم للدفاع عن هذا الإمتياز الذي منحهم إياه الله تعالى حتى لو احتاج الأمر الى السلاح، كما تذكر بعض المصادر !

[ 158 ]

والذي يهمنا هنا ليس سياسة الخليفة عمر مع الأنصار، وإنما شهادته بأن الآية نزلت بدون واو، وأن الله مدح الأنصار فيها بأنهم تابعون للمهاجرين ! ! قال عمر (أشهد أن الله أنزلها هكذا - ابن شبة - ج 2 ص 707) فإذا كان قوله هذا اجتهادا من عنده، لأن مكانة قريش برأيه عند الله أعلى من مكانة الأنصار.. فوا مصيبتاه من هذه الجرأة على تحريف آية من كتاب الله ! ! وإن كان صادقا، فلماذا تراجع بمجرد شهادة أبي بن كعب وتأكيده ؟ ! فقول أبي شهادة في مقابل شهادة، والشهادتان المتعارضتان تتكافآن وتتساقطان، ويجب الرجوع الى شهادات الصحابة.. فلماذا لم يسأل عمر عددا من المهاجرين والأنصار عن الآية التي نزلت بالأمس قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله بشهور ! وكيف خضع لشهادة أبي بن كعب ؟ ثم كيف أمر بكتابتها في القرآن كما قال ابن كعب ولم يطلب حتى شاهدا آخر معه عليها ؟ ! مهما يكن من أمر، فلولا موقف أبي بن كعب لقام الخليفة بتغيير آية في كتاب الله تعالى، بضربة فنية وحذف واو واحدة ! ولكن الله تعالى حفظ كتابه، وهو القائل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ! 2 - محاولة تحريف آية نزلت في علي آية: ومن عنده علم الكتاب في القرآن الكريم عدة تعبيرات عن العلم بالكتاب الإلهي.. منها تعبير: إيتاء الكتاب، ويستعمل بمعنى الإيتاء العام للأمم، حتى لأولئك الذين انحرفوا عن الكتاب الإلهي وضيعوه ولم يعرفوا منه إلا أماني.. قال الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب - آل عمران 19 ويستعمل بمعنى الإيتاء الخاص للأنبياء وأوصيائهم، قال تعالى: أولئك الذين آتينا هم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين. أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين - الأنعام 90

[ 159 ]

ومنها تعبير: توريث الكتاب، ويستعمل أيضا بمعنى عام وخاص، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير - فاطر 32 ومنها تعبير: الراسخون في العلم، قال تعالى: هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب - آل عمران 7 ومنها تعبير: الذي عنده علم من الكتاب، قال تعالى: قال يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم - النمل 38 - 40 ومنها تعبير: الذي عنده علم الكتاب، قال تعالى: ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب. يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب - الرعد - 43 وقد وردت الروايات الصحيحة عندنا أن الراسخين في العلم، والذين عندهم علم الكتاب، هم بعد النبي أهل بيته صلى الله عليه وآله. ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله: إني أوشك إن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتي أهل بيتي وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما، الذي رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 وغيره، وغيره.. بأسانيد صحيحة عند إخواننا، فإنه لا معنى لإخبار الله تعالى لرسوله أنهما لن يفترقا الى يوم القيامة، إلا أنه سيكون منهم إمام في كل عصر، وأن علم الكتاب عنده، فيكون أفضل من وزير سليمان ووصيه آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب.

[ 160 ]

وبما أن نص الآية الموجود في القرآن ومن عنده علم الكتاب فتكون من موصولة بمعنى الذي.. لكن يطالعك في مصادر إخواننا أن الخليفة عمر حاول إبعاد الآية عن علي عليه السلام فقرأها (ومن عنده) فكسر من وكسر عنده ! وأراد بهاتين الكسرتين أن يغير معنى الآية من أساسه ليصير: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عند الله علم الكتاب. وهذه القراءة لا معنى لها لأنها تقطع الربط بين الفقرتين، وتجعل من عنده ابتداء بجملة جديدة بعيدة عن الموضوع، مع أن الآية آخر آية في سورة الرعد ! والعجيب أن عمر نسب ذلك الى النبي صلى الله عليه وآله ! ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 69 (وأخرج تمام في فوائده وابن مردويه عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ومن عنده علم الكتاب، قال: من عند الله علم الكتاب). وفي كنز العمال ج 2 ص 593 (عن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ومن عنده علم الكتاب - قط في الافراد وتمام وابن مردويه). وفي ج 12 ص 589 (عن ابن عمر قال: قال عمر وذكر إسلامه فذكر أنه حيث أتى الدار ليسلم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: ومن عنده علم الكتاب - ابن مردويه). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 155 (وعن ابن عمر قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن عنده علم الكتاب - رواه أبو يعلى وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك) انتهى. والحمد لله أن إخواننا السنة لم يطيعوا هذه الروايات، فالموجود في مصحف الجميع (ومن عنده علم الكتاب) ! وبعد فشل محاولة قراءة (ومن عنده) بكسر (من) يبقى السؤال عن هذا الذي جعله الله شاهدا في الأمة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله ؟ أما أهل البيت وشيعتهم فقد رووا أن هذا الشاهد على عليه السلام.. قال الحويزي في تفسير نور الثقلين ج 2 ص 523 (في أمالي الصدوق رحمه الله بإسناده الى أبي سعيد الخدري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله جل ثناؤه قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ؟ قال: ذاك أخي علي بن أبي طالب).

[ 161 ]

وقال العياشي في تفسيره ج 2 ص 220 (عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام في قوله ومن عنده علم الكتاب، قال: نزلت في علي عليه السلام، إنه عالم هذه الأمة بعد النبي صلوات الله عليه وآله. عن بريد بن معاوية العجلي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال: إيانا عني، وعلى أفضلنا وأولنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله. عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: هذا ابن عبد الله بن سلام يزعم أن أباه الذي يقول الله قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب قال: كذب.. هو علي بن أبي طالب ! عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قوله قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، فقال: نزلت في علي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وفي الأئمة بعده، وعلي عنده علم الكتاب) انتهى. وقال علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ج 1 ص 367 (.. فإنه حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الذي عنده علم الكتاب هو أمير المؤمنين عليه السلام. وسئل عن الذي عنده علم من الكتاب أعلم أم الذي عنده علم الكتاب ؟ فقال: ما كان علم الذي عنده علم من الكتاب عند الذي عنده علم الكتاب إلا بقدر ما تأخذ البعوضة بجناحها من ماء البحر.. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إن العلم الذي هبط به آدم من السماء الى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون الى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين صلى الله عليه وآله) انتهى، ولا نطيل بإيراد الروايات الدالة على ذلك من مصادرنا. أما مفسروا إخواننا السنة فمنهم من تحير في تفسيرها، ومنهم من فسرها برجل يهودي أسلم ! وكأن المهم عندهم إبعاد الآية عن علي ولو بتلبيسها ليهودي، ولو لزم منها أن لا يكون في الأمة الإسلامية شخص عنده علم القرآن ! ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 69 (قوله تعالى ويقول الذين كفروا... الآية. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم على رسول الله صلى الله

[ 162 ]

عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجدني في الإنجيل رسولا ؟ قال لا، فأنزل الله قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب يقول عبد الله بن سلام !) انتهى. وحادثة أسقف اليمن كانت في المدينة، لكن واضع الحديث لم يلتفت الى أن الآية نزلت في مكة قبل الهجرة ! ثم قال السيوطي (وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام قال قال عبد الله بن سلام: قد أنزل الله في القرآن: قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ! وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب رضي الله عنه قال جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال أنشدكم بالله أتعلمون أني أنا الذي أنزلت فيه ومن عنده علم الكتاب ؟ قالوا اللهم نعم ! وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه لقي الذين أرادوا قتل عثمان رضي الله عنه فناشدهم بالله فيمن تعلمون نزل قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عند علم الكتاب ؟ قالوا فيك. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه أنه كان يقرأ ومن عنده علم الكتاب، قال هو عبد الله بن سلام) انتهى. ثم روى السيوطي روايتين تكذبان أن يكون المقصود بالآية ابن سلام، قال (وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سئل عن قوله ومن عنده علم الكتاب أهو عبد الله بن سلام رضي الله عنه ؟ قال وكيف وهذه السورة مكية ؟ !) وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما نزل في عبد الله ابن سلام رضي الله عنه شئ من القرآن) ! ثم روى تفسيرا آخر وسع فيه من عنده علم الكتاب ليشمل عدة أشخاص مع ابن سلام، قال (وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي

[ 163 ]

الله عنه في الآية قال كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبد الله بن سلام والجارود وتميم الداري وسلمان الفارسي). ثم روى تفسيرا آخر جعل الشهداء على الأمة الإسلامية كل أهل الكتاب ! قال (وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومن عنده علم الكتاب قال هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى !). وتفسيرا آخر جعله جبرئيل، قال (وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ومن عنده علم الكتاب قال: جبريل). وتفسيرا آخر جعله الله عز وجل، قال (وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ومن عنده علم الكتاب قال: هو الله عز وجل). أما الطبري فخلاصة ما قاله في تفسيره ج 7 ص 118 أن في الآية قراءتين، قراءة بالفتح فتكون من إسما موصولا، وعليه فسروها بابن سلام واليهود والنصارى، وروى في ذلك روايات، ومن طريف ما رواه فيما بينها (... عن أبي صالح في قوله ومن عنده علم الكتاب قال رجل من الإنس ولم يسمه) وكأن أبا صالح خاف أن يقول إنه علي عليه السلام ! ثم ذكر الطبري أن في الآية قراءة بالكسر وأنه كان يقرؤها المتقدمون، وكأنها عاشت مدة بعد عمر ثم تلاشت ! ثم روى روايات هذه القراءة عن مجاهد والحسن البصري وشعبة وقتادة وهارون والضحاك بن مزاحم.. وكلهم يبغضون عليا.. ! ثم قال (وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل غير أن في إسناده نظرا، وذلك ما حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنى عباد بن العوام عن هرون الأعور عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ومن عنده علم الكتاب، عند الله علم الكتاب، وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري. فإذا كان ذلك كذلك وكانت قراء الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى وهي ومن عنده علم الكتاب كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قراء الأمصار أولى بالصواب ممن خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب) انتهى.

[ 164 ]

يقصد الطبري أن قراءة الفتح على الموصولية أصح من قراءة الجر. وقراءة قراء الأمصار أصح من قراءة الخليفة عمر ومن تبعه من كبار القراء والمفسرين القدماء.. والخبر الذي نفاه الطبري وقال لا أصل له عند الثقات من أصحاب الزهري هو الخبر المروي عن الخليفة عمر، ولكن رواية القراءة بالكسر عن عمر ليست محصورة بطريق الزهري، مع أنه يكفي أن أول من اخترع الكسر في الآية هو رواية الخليفة عمر ! أما الفخر الرازي فقد عجز عن تفسير الآية أو هرب من معركتها ! فاكتفى في تفسيره ج 19 ص 69 بذكر الأقوال في تفسيرها بناء على قراءة الفتح وبناء على قراءة الكسر، ولم يستطع ترجيح أي قول منها، فقال (والله تعالى أعلم بالصواب). وهكذا فرض مفسروا إخواننا السنة أن المقصود بالكتاب في الآية التوراة والإنجيل، ودارت أقوالهم بين أن يكون الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام أو غيره من أمثاله ! وتركز جهدهم على إبعاد (الكتاب) عن القرآن ! وإن سألتهم: حسنا هذا عن علم التوراة والإنجيل، فأين الذي عنده علم القرآن ؟ لقالوا: لا يوجد بعد النبي عند أحد ! أو يوجد عند الأمة كلها ! أو يوجد عند فلان وفلان الصحابي الذي يتحير في قراءة آية، وفي معنى مفرداتها ! وهكذا استطاعت السياسة المعادية لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله أن تشوش معنى الآية في مصادر التفسير، وتحول البحث فيها من معرفة المقصود بقوله تعالى ومن عنده علم الكتاب الى البحث في (من) وهل هي موصولة أو جارة، فإن كانت جارة كما يرى الخليفة عمر فالمقصود الله تعالى ويكون معنى الآية قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم، وبالله ! ! وإن كانت موصولة كما اختاره الطبري فالمقصود بها عبد الله بن سلام، فهو الشاهد الذي ارتضاه الله تعالى شاهدا على الأمة الإسلامية والعالم ! ! ولك الله يا علي بن أبي طالب ! وعندما نرجع الى حياة عبد الله بن سلام الذي ادعوا أنه الشاهد الرباني على الأمة، نجد أن تعصبه اليهودي لا يجعله أهلا لهذه المسؤولية الضخمة، فقد روى الذهبي عنه أنه استجاز النبي صلى الله عليه وآله في أن يقرأ القرآن ليلة والتوراة ليلة.. فأجازه النبي صلى الله عليه وآله ! !

[ 165 ]

قال في تذكرة الحفاظ ج 1 ص 27 (.. عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه أنه جاء الى النبي صلى الله عليه وآله فقال إني قرأت القرآن والتوراة، فقال: إقرأ هذا ليلة وهذا ليلة ! فهذا إن صح ففيه الرخصة في تكرير التوراة وتدبرها ! ! اتفقوا على موت ابن سلام في سنة ثلاث وأربعين بالمدينة رضي الله عنه) انتهى. وإذا جاز ذلك عند الذهبي فينبغي عملا بفتواه أن توزع نسخ التوراة على المسلمين أو يطبعوها مع القرآن ! ! ومنها ما رواه الهيثمي من أن عبد الله بن سلام وأولاده كانوا من مرتزقة بني أمية، قال في مجمع الزوائد ج 9 ص 92 (وعن عبد الملك بن عمير أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام استأذن على الحجاج بن يوسف فأذن له فدخل وسلم وأمر رجلين مما يلي السرير أن يوسعا له فأوسعا له فجلس، فقال له الحجاج: لله أبوك أتعلم حديثا حدثه أبوك عبد الملك بن مروان عن جدك عبد الله بن سلام ؟ قال فأي حديث رحمك الله ؟ قال حديث المصريين حين حصروا عثمان. قال قد علمت ذلك الحديث، أقبل عبد الله بن سلام وعثمان محصور فانطلق فدخل عليه فوسعوا له حتى دخل فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال وعليك السلام ما جاء بك يا عبد الله بن سلام ؟ قال جئت لأثبت حتى استشهد أو يفتح الله لك... في حديث طويل قال في آخره: رواه الطبراني ورجاله ثقات) انتهى. ونعرف من النص التالي أنه كان يوجد اتجاه لتكبير ابن سلام حتى جعلوه بدريا ! قال في هامش تهذيب الكمال ج 15 ص 75 (وقال ابن حجر: ذكره أبو عروبة في البدريين وانفرد بذلك، وأما ابن سعد فذكره في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق وما بعدها، والله أعلم - تهذيب التهذيب: 5 - 249). * * وينبغي أن نشير هنا الى أن مصادر الشيعة تروي أن عدة آيات نزلت في علي عليه السلام، وأن إخواننا السنة يروون في بعضها نفس روايات الشيعة، ولكنهم يخلطونها بروايات وتفاسير أخرى تشوش الموضوع وتبعد الآية عن علي عليه السلام... ونذكر

[ 166 ]

فيما يلي منها آية ويتلوه شاهد منه، لأنها تكشف عن الشاهد في قوله تعالي (ومن عنده علم الكتاب). قال الله تعالى فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل. أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون. من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون. سورة هود - 12 - 17 وقد أوردنا الآية مع سياقها ليتضح أن من معجزات القرآن ذكر الأحزاب المكذبة للنبي قبل ظهورها، وذكر الشاهد على الأمة بعد نبيها.. فإن سورة هود نزلت بعد عشر سور من القرآن فقط كما ذكر المفسرون. وهذه الآيات تسلي النبي صلى الله عليه وآله أمام استهزاء المشركين وسخريتهم وأقوالهم بأن محمدا يدعي النبوة وليس له مال وليس معه ملك يصدقه ويشهد له.. فيقول الله تعالى لنبيه: ألا يكفيهم هذا القرآن الذي أنزل عليك ؟ ! فادعوهم أن يأتوا بعشر سور مثله، فإن لم يستطيعوا ذلك مع أن تأليف الكلام من أسهل الأمور عليهم وفيهم المتمكنون من أنواعه وفنونه ! فادعوهم الى الإيمان بالله الذي أنزله، فإن لم يستجيبوا فاعلموا أنهم مكابرون يريدون الحياة الدنيا ثم مأواهم النار.. ثم أجرى الله تعالى مقايسة بين النبي الفقير وأتباعه القلائل وبين الأحزاب المكذبة الصادة عن سبيل الله، فقال أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه.. الى آخر الآية. فالذي على بينة من ربه هو النبي صلى الله عليه وآله والذين آمنوا معه، أولئك يؤمنون.. ولكن من هو هذا الشاهد الذي وعد الله تعالى بأنه يتلو نبيه ؟ ! إذا رجعت الى مصادر الحديث والتفسير عند شيعة أهل البيت عليهم السلام، تجد أنها مجمعة على أن الشاهد الذي يتلو النبي هو علي عليه السلام.

[ 167 ]

قال الحويزي في تفسير نور الثقلين ج 2 ص 344 (في أصول الكافي... عن أحمد بن عمر الحلال قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزوجل: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ؟ فقال: أمير المؤمنين الشاهد على رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وآله على بينة من ربه. - في بصائر الدرجات... عن أبي الجارود عن الأصبغ بن نباتة قال قال أمير المؤمنين: والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن أنزلت ولا مر على رأسه المواسي إلا وقد أنزلت عليه آية من كتاب الله تسوقه الى الجنة أو الى النار، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الآية التي نزلت فيك ؟ قال له: أما سمعت الله يقول أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، فرسول الله صلى الله عليه وآله على بينة من ربه وأنا الشاهد له فيه وأتلوه منه. (وفي نسخة وأنا الشاهد التالي وهي أصح). - في أمالي شيخ الطائفة قدس سره بإسناده الى أمير المؤمنين عليه السلام أنه إذا كان يوم الجمعة يخطب على المنبر فقال: والذي فلق الحبة وبرئ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواثيق إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله عز وجل أعرفها كما أعرفه، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما آيتك التي نزلت فيك ؟ فقال: إذا سألت فافهم، ولا عليك ألا تسأل عنها غيري، أقرأت سورة هود ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين، قال أفسمعت الله عزوجل يقول أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ؟ قال نعم، قال: فالذي على بينة من ربه محمد صلى الله عليه وآله والذي يتلوه شاهد منه وهو الشاهد وهو منه أنا علي بن أبي طالب أنا الشاهد، وأنا منه صلى الله عليه وآله. - وقال سليم بن قيس: سأل رجل، علي بن أبي طالب عليه السلام فقال وأنا أسمع: أخبرني بأفضل منقبة لك ؟ قال: ما أنزل الله في كتابه، قال: وما أنزل الله فيك ؟ قال: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، أنا الشاهد من رسول الله صلى الله عليه وآله.. والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

[ 168 ]

- في تفسير العياشي عن بريد بن معاوية العجلي عن أبي جعفر عليه السلام قال: الذي على بينة من ربه رسول الله صلى الله عليه وآله، والذي تلاه من بعده الشاهد منه أمير المؤمنين عليه السلام، ثم أوصياؤه واحد بعد واحد. - عن جابر عن عبد الله بن يحيى قال: سمعت عليا عليه السلام وهو يقول: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزل فيه آية أو آيتان من كتاب الله، فقال له رجل من القوم: فما نزل فيك يا أمير المؤمنين ؟ فقال أما تقرء الآية التي في هود أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. محمد صلى الله عليه وآله على بينة من ربه وأنا الشاهد) انتهى. * * أما مصادر إخواننا السنة ففيها روايات مطابقة لرواياتنا، لكن معها أضعافها من الأقوال والاحتمالات المتناقضة والغريبة التي تصرف الألفاظ عن ظواهرها، وكأن الغرض تشويش الذهن بتكثير الاحتمالات ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 324 (أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن فقال له رجل ما نزل فيك ؟ قال أما تقرأ سورة هود أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه وأنا شاهد منه). وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال: رسول الله صلى عليه وسلم على بينة من ربه، وأنا شاهد منه. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفمن كان على بينة من ربه: أنا ويتلوه شاهد منه: قال علي) انتهى. ثم قال السيوطي (وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال قلت لأبي إن الناس يزعمون في قول الله ويتلوه شاهد منه أنك أنت التالي قال وددت أني أنا هو، ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم ! وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن علي بن الحنفية أفمن كان على بينة من ربه قال محمد صلى الله عليه وسلم ويتلوه شاهد منه قال: لسانه) انتهى.

[ 169 ]

ولا يمكن قبول هذه الرواية لأن راويها عن محمد بن الحنفية عروة بن الزبير وهو معروف ببغضه لعلي عليه السلام، ولأنها تفسير غير منطقي حيث يصير المعنى بموجبها أن النبي على بينة من ربه ويأتي بعده لسانه وبيانه ! ! فهل يصح في اللغة العربية أن تقول: إن الشخص الفلاني على بصيرة من أمره ويليه لسانه ! فلو أنك قلت يتقدمه لسانه لكان له وجه ولو معلول ! ثم قال السيوطي (وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه أفمن كان على بينة من ربه قال هو محمد صلى الله عليه وسلم ويتلوه شاهد منه قال: أما الحسن رضي الله عنه (البصري) فكان يقول: اللسان. وذكر عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جبريل عليه السلام، ووافقه سعيد بن جبير رضي الله عنه قال هو جبريل. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه ويتلوه شاهد منه قال: هو اللسان ويقال أيضا جبريل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أفمن كان على بينة من ربه قال: محمد، ويتلوه شاهد منه قال جبريل، فهو شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل على محمد) انتهى. وجبرئيل عليه السلام شاهد على الأمة ولكنه مع النبي وليس يتلوه بعده ؟ ! وقد حاول بعضهم أن يصحح ذلك ففسر يتلوه بالقراءة وأرجع ضميره على البينة لا على النبي.. وقال كان اللازم أن يقول يتلوها ولكن تذكير الضمير باعتبار أن البينة تشتمل على القرآن... ولكنه تمحل، لأنه أولا، لا يصح تفسير (يتلوه) هنا بالقراءة لمقابلتها ب‍ (ومن بعده) ؟ ! قال الراغب في المفردات ص 75 (ويتلوه شاهد منه: أي يقتدي به ويعمل بموجب قوله). وثانيا، لأن البينة من ربه أعم من القرآن، ولم نعهد في القرآن موردا أرجع فيه الضمير المذكر على لفظ مؤنث بحجة اشتماله على مذكر ! وثالثا، لو سلمنا، فكيف يصح وصف جبرئيل بأنه منه ؟ فهل جبرئيل من النبي أو من المتلو ؟ !

[ 170 ]

ورابعا، لأن المعنى يكون على هذا التفسير: النبي ومن معه على بينة من ربه، ويتلو القرآن شاهد من ربه هو جبرئيل. ولو قبلنا هذا اللعب بالضمائر، فما هو الربط بين المعنيين ؟ ! ثم قال السيوطي (وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد أفمن كان على بينة من ربه قال هو محمد صلى الله عليه وسلم، ويتلوه شاهد منه قال ملك يحفظه) انتهى. ولكن هذا الملك الذي يحفظ النبي صلى الله عليه وآله إذا صح أنه يتلوه ويمشي وراءه، فلماذا قال عنه إنه شاهد على الأمة، وكيف يصح وصفه بأنه من النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! ثم قال السيوطي (وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسين بن علي في قوله ويتلوه شاهد منه قال محمد هو الشاهد من الله) انتهى. فيكون المعنى أن النبي على بينة من ربه، وهو يأتي بعد نفسه ! ! ثم قال السيوطي (وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله أفمن كان على بينة من ربه قال المؤمن على بينة من ربه) انتهى. وهذا ذهاب بالآية الى مكان بعيد ليكون معناها: كل مؤمن على بينة من ربه حتى الجهلة والفساق، وكل منهم لابد أن يتلوه شاهد من أهل بيته أو عشيرته، فتكون الآية دليلا على أن من انقطع نسله أو انقرضت عشيرته فهو كافر ! وقال الطبري في تفسيره ج 7 ص 10 (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك... فقال بعضهم يعني بقوله أفمن كان على بينة من ربه محمدا صلى الله عليه وسلم... ثم أورد الطبري تسع روايات في أن معنى شاهد منه: لسانه ! ! ثم قال (وقال آخرون يعني بقوله ويتلوه شاهد منه محمد صلى الله عليه وسلم) وأورد ثمان روايات ! ثم قال (وقال آخرون هو علي بن أبي طالب وأورد رواية واحدة. ثم قال (وقال آخرون هو جبرئيل) وأورد تسع عشرة رواية !

[ 171 ]

ثم قال (وقال آخرون هو ملك يحفظه) وأورد ست روايات ! ثم قال الطبري (وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله ويتلوه شاهد منه قول من قال هو جبرئيل لدلالة قوله ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة على صحة ذلك، وذلك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يتل قبل القرآن كتاب موسى فيكون ذلك دليلا على صحة قول من قال عنى به لسان محمد صلى الله عليه وسلم أو محمد نفسه، أو على قول من قال عنى به عليا، ولا يعلم أن أحدا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به ممن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله ويتلوه شاهد منه غير جبرئيل عليه السلام. فإن قال قائل: فإن كان ذلك دليلك على أن المعني به جبرئيل فقد يجب أن تكون القراءة في قوله ومن قبله كتاب موسى بالنصب لأن معنى الكلام على ما تأولت يجب أن يكون: ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قبل القرآن كتاب موسى ؟ قيل: إن القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحا. فإن قال: فما وجه رفعهم إذن الكتاب على ما ادعيت من التأويل ؟ قيل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدؤا الخبر عن مجئ كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد فرفعوه بمن قبله والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيل ذلك قبل القرآن، وأن المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفا على ما وصفت إكتفاء بدلالة الكلام على معناه ! وأما قوله إماما فإنه نصب على القطع من كتاب موسى، وقوله ورحمة عطف على الإمام كأنه قيل ومن قبله كتاب موسى إماما لبني اسرائيل يأتمون به ورحمة من الله تلاه على موسى، كما حدثناه ابن وكيع قال ثنا أبي عن أبيه عن منصور عن ابراهيم في قوله ومن قبله كتاب موسى قال من قبله جاء بالكتاب الى موسى، وفي الكلام محذوف قد ترك ذكره اكتفاء بدلالة ما ذكر عليه منه وهو أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد

[ 172 ]

منه ومن قبله كتاب موسى اماما ورحمة كمن هو في الضلالة متردد لا يهتدي لرشد ولا يعرف حقا من باطل ولا يطلب بعمله إلا الحياة الدنيا وزينتها. وذلك نظير قوله أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة به قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) انتهى. وهكذا فرض هذا المفسر (المنصف) أن معنى يتلوه: يقرؤه لا غير، ثم حاكم التفاسير الأخرى على أساسه حتى تلك التي تقول إن معنى (يتلوه) يأتي بعده ! وهذا في اصطلاح المنطق مصادرة، وبتعبير عصرنا: إرهاب فكري، وإلغاء للآراء الأخرى ! ! أما الفخر الرازي فقال في تفسيره جزء 17 ص 200 - 202 (واعلم أن أول هذه الآية مشتمل على ألفاظ أربعة كل واحد مجمل. فالأول: أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو. والثاني: أنه ما المراد بهذه البينة. والثالث: أن المراد بقوله (يتلوه) القرآن أو كونه حاصلا عقيب غيره. والرابع: أن هذا الشاهد ما هو ؟ فهذه الألفاظ الأربعة مجملة، فلهذا كثر اختلاف المفسرين في هذه الآية. (أما الأول) وهو أن هذا الذي وصفه الله تعالى بأنه على بينة من ربه من هو ؟ فقيل: المراد به النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: المراد به من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، وهو الأظهر لقوله تعالى في آخر الآية أولئك يؤمنون به وهذا صيغة جمع، فلا يجوز رجوعه الى محمد صلى الله عليه وسلم، والمراد بالبينة هو البيان والبرهان الذي عرف به صحة الدين الحق والضمير في (يتلوه) يرجع الى معنى البينة، وهو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن، ومنه أي من الله، ومن قبله كتاب موسى، أي ويتلو ذلك البرهان من قبل مجئ القرآن كتاب موسى. واعلم أن كون كتاب موسى تابعا للقرآن ليس في الوجود بل في دلالته على هذا المطلوب و (إماما) نصب على الحال، فالحاصل أنه يقول اجتمع في تقرير صحة هذا الدين أمور ثلاثة: أولها دلالة البينات العقلية على صحته. وثانيها شهادة القرآن بصحته. وثالثها شهادة التوراة بصحته، فعند اجتماع هذه الثلاثة لا يبقى في صحته شك ولا إرتياب، فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها الى مطابقة اللفظ. وفيها أقوال أخر.

[ 173 ]

والمراد بقوله (يتلوه) هو التلاوة بمعنى القراءة وعلى هذا التقدير فذكروا في تفسير الشاهد وجوها: أحدها: أنه جبريل عليه السلام، والمعنى: أن جبريل عليه السلام يقرأ القرآن على محمد عليه السلام. وثانيها: أن ذلك الشاهد هو لسان محمد عليه السلام وهو قول الحسن، ورواية عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنهما قال: قلت لأبي أنت التالي قال: وما معنى التالي قلت قوله (ويتلوه شاهد منه) قال وددت أني هو ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كان الإنسان إنما يقرأ القرآن ويتلوه بلسانه لا جرم جعل اللسان تاليا على سبيل المجاز كما يقال: عين باصرة وأذن سامعة ولسان ناطق. وثالثها: أن المراد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمعنى أنه يتلو تلك البينة وقوله (منه) أي هذا الشاهد من محمد وبعض منه، والمراد منه تشريف هذا الشاهد بأنه بعض من محمد عليه السلام. ورابعها: أن لا يكون المراد بقوله (ويتلوه) القرآن بل حصول هذا الشاهد عقيب تلك البينة، وعلى هذا الوجه قالوا إن المراد: أن صورة النبي عليه السلام ووجهه ومخايله كل ذلك يشهد بصدقه، لأن من نظر إليه بعقله علم أنه ليس بمجنون ولا كاهن، ولا ساحر ولا كذاب، والمراد بكون هذا الشاهد منه كون هذه الأحوال متعلقة بذات النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أن هذين القولين وإن كانا محتملين إلا أن القول الأول أقوى وأتم) انتهى. وهكذا اختار هذا المفسر الكبير أن يكون معنى الآية: هل يمكن أن يكون خيار اليهود كالكفار، وهم الذين على بينة من أمرهم ويتلو هذه البينة عليهم توراة موسى، بعد شهادة القرآن ! ! فقد جعل كتاب موسى فاعل يتلوه، وجعل الشاهد القرآن ! ثم قال (فهذا القول أحسن الأقاويل في هذه الآية وأقربها الى مطابقة اللفظ) ! ! فانظر الى فن التفسير ومطابقته اللفظ للمعنى عند هذا المفسر الفيلسوف ! ! وكأنه تبع في ذلك الثعالبي حيث قال في الجواهر الحسان ج 2 ص 120 (والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون (فمن) للمؤمنين أولهم وللنبي صلى الله عليه وسلم معهم، والبينة القرآن وما تضمن، والشاهد الإنجيل، يريد أو إعجاز القرآن في قول، والضمير في (يتلوه) للبينة، وفي (منه) للرب... الخ).

[ 174 ]

أما المراغي فقال في تفسيره ج 12 ص 18 (بعد أن ذكر سبحانه مآل من كان يريد الدنيا وزينتها ولا يهتم بالآخرة وأعمالها، قفى على ذلك بذكر من كان يريد الآخرة ويعمل لها، وكان على بينة من ربه في كل ما يعمل، ومعه شاهد يدل على صدقه، وهو القرآن، ومآل من أنكر صحته وكفر به) انتهى. فقد جعل المراغي، الذي هو على بينة من ربه: كل مؤمن، وجعل يتلوه: معه ! وجعل شاهد منه: القرآن مع المؤمن ! وهكذا فعل المراغي والمراغيون ! ولا نطيل الكلام فيما فعل بقية المفسرين ! إنهم يرون جوا مفروضا في كتب التفسير، فيه روايات رووها عن مفسري العصر الأموي والعباسي لم يسند شئ منها الى النبي صلى الله عليه وآله إلا نادرا.. فيقعون في أسرها ويعاملونها كالروايات عن النبي صلى الله عليه وآله، حتى لو كانت مخالفة لألف باء اللغة العربية، وفهم العرف والأذهان السوية ! ومنهم من يمتلئ قلبه ببغض علي وآله فيطفح على لسانه وقلمه، فيفعل المستحيل لإبعاد الآيات عن علي عليه السلام، أو يتكلف تفسيرات تجعل الآية القرآنية البليغة عبارة عامية ركيكة، فلا يبقي منها من عربيتها إلا حروفها ! ! أما إذا وجد رواية عن أحد الصحابة أو التابعين المعروفين بنصبهم العداء لأهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله فهي بغيته المطلوبة، والتمسك بها فريضة ! وكم مرة أراني أقرأ آيات من القرآن فأفهم منها أشياء تقربني خطوات من فهم معناها.. ثم أرجع الى أقاويل هؤلاء المفسرين فأراهم يتأرجحون ذات الشمال وذات اليمين.. يشط واحدهم في احتمالاته ويشذ في تفسيراته، ويمرغ المعاني السامية والكلمات الصافية بتراب سليقته وأوحال طريقته، حتى كأن هدفه التضييع لا التفسير، وأن يشوش فهمك العربي السليم، ويضلل ذهنك الإنساني القويم ! !

[ 175 ]

الفصل السادس نظريات لا يمكن أن يقبلها المسلمون

[ 177 ]

نظريات لا يمكن أن يقبلها المسلمون تمهيد القرآن كلام الله تعالى.. وهي حقيقة يقف عندها الذهن لاستيعابها، ويتفكر فيها العقل لإدراك أبعادها، ويخشع لها القلب لجلالها.. وهي تعني فيما تعني أنه عز وجل قد انتقى معاني القرآن وألفاظه، وصاغها بعلمه وقدرته وحكمته.. وهي حقيقة تفاجئ كل منصف يقرأ القرآن، فيجد نفسه أمام متكلم فوق البشر، وأفكار أعلى من أفكارهم، وألفاظ لا يتمكن إنسان أن ينتقيها أو يصوغها ! ! يجد.. أن نص القرآن متميز عن كل ما قرأ وما سمع.. وكفى بذلك دليلا على سلامته عن تحريف المحرفين وتشكيك المشككين. إن القوة الذاتية لنص القرآن هي أقوى سند لنسبته الى الله تعالى.. وأقوى ضمان لإباء نسيجه عما سواه، ونفيه ما ليس منه ! إن التكفل الإلهي بحفظ القرآن لابد أن يكون بأسباب عديدة.. ولكن من أولها قوة بناء القرآن، وتفرده وتعاليه على جميع أنواع كلام البشر.. الماضي منه والآتي ! فقد قال تعالى وإنا له لحافظون ولا يلزم أن يكون حفظه له بنوع أو نوعين من الأسباب فقط.. فحفظه تعالى لكتابه كأفعاله الأخرى.. لها وسائلها وجنودها وقوانينها ! ولا شك أن من أعظم جنودها بناء القرآن الفريد، وأهل بيت النبي الأطهار !

[ 178 ]

بل تدل الآيات الشريفة على أن بناء القرآن قد أتقن بدقة متناهية وإعجاز كبناء السماء ! قال الله تعالى فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنه لقسم لو تعلون عظيم. إنه لقرآن كريم الواقعة 75 - 77 والتناسب بين المقسم به والمقسم عليه الذي تراه دائما حاضرا في القرآن، يدل على التشابه في حكمة البناء ودقته بين سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولبناء مجرات السماء ومواقع نجومها.. ! وإلى اليوم لم يكتشف العلماء من بناء الكون إلا القليل، وكلما اكتشفوا جديدا خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل ! وكذلك لم يكتشفوا من بناء القرآن إلا القليل، وكلما اكتشفوا منه جديدا خضعت أعناقهم لبانيه عز وجل ! ! أجل، إن التاريخ لم يعرف أمة اهتمت بحفظ كتاب وضبطه والتأليف حول سوره وآياته وكلماته وحروفه، فضلا عن معانيه، كما اهتمت أمة الإسلام بالقرآن.. وهذا سند ضخم، رواته الحفاظ والقراء والعلماء وجماهير الأجيال سندا متصلا جيلا عن جيل.. الى جيل السماع من فم الذي أنزله الله على قلبه صلى الله عليه وآله.. ولكن سند القرآن الأعظم هو قوته الذاتية ومعماريته الفريدة ! ! هذا اعتقاد المسلمين بالقرآن سواء منهم الشيعة والسنة.. وسواء استطاع علماؤهم وأدباؤهم أن يعبروا عنه، أم بقي حقائق تعيش في عقولهم وقلوبهم وإن عجزت عنها ألسنتهم والأقلام.. ! ولا يحتاج الأمر الى أن ينبري كتاب الوهابية أمثال إحسان ظهير فينصحوا الشيعة بضرورة الايمان بكتاب الله تعالى وسلامته من التحريف.. فنحن الشيعة نفتخر بأن اعتقادنا بالقرآن راسخ، ورؤيتنا له صافية، ونظرياتنا حوله واضحة، لأنها مأخوذة من منبع واضح صاف، منبع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وأبواب مدينة علمه ! أما إخواننا السنة فقد أخذوا رؤيتهم للقرآن من عدد من الصحابة.. والصحابة كلهم أمرهم النبي صلى الله عليه وآله أن يرجعوا في أمور القرآن الى مفسريه الشرعيين من عترته، فقال لهم: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولكن بعض

[ 179 ]

الصحابة لم يفعلوا، ثم تدخلوا في تحليل أمور القرآن ووضعوا له نظريات بدون علم إلا اتباع الظن، فوقعوا وأوقعوا الذين قلدوهم من الأمة في مشكلات فكرية لا حل لها.. وفيما يلي نستعزض نظريتين منها ! 1 - نظرية التوسع في نص القرآن ! إذا كنت مسلما سنيا وكنت من أعلم العلماء، فلن تستطيع أن تقنع أطفالك بأن القرآن نزل على سبعة حروف.. بل سوف تتحير من أول الأمر ماذا تقول لهم ؟ ! فهل تقول لهم إن الله تعالى أنزل القرآن بسبعة نصوص ؟ يعني أنزل سبعة قرائين ؟ ! أو أنزله بسبع طبعات منقحة ؟ ! وماذا تجيب إذا سألك ولدك الناشئ فقال لك: يا أبتي نحن نعرف أن الملك أو رئيس الجمهورية يصدر المرسوم بنسخة واحدة ونص واحد ! وأنت تقول إن جبرئيل كان يضبط نص القرآن على النبي كل سنة مرة، فهل تقصد أنه نزل على النبي من الأول سبع نسخ، وكان جبرئيل يضبط عليه سبعة ؟ ولماذا، ألا تكفي نسخة واحدة ؟ ! ثم ما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ ! تقول لابنك: لا يا ولدي، القرآن نسخة واحدة ومعنى أنه على سبعة حروف أن الله تعالى استعمل فيه سبعة أنواع من لغات العرب أو لهجاتهم. فيقول لك: ولكن هذا لا يقال له نزل على سبعة حروف، بل يقال إن ألفاظه مختارة من كلمات سبع قبائل ! ثم تقول له.. ويقول لك.. حتى تعجز أمام ابنك ! ! وقد يمكنك أن تسكته بأن هذه المقولة حديث نبوي وردت في المصادر المعتمدة، فيجب عليك أن تقبلها حتى ولو لم تفهمها ولم يفهمها أبوك وعلماؤك ! وقد يسكت ابنك: ولكن يبقى السؤال يجول في أعماق نفسه: هل يعقل أن يكون هذا كلام النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وهل يمكن أن يتكلم النبي بغير المعقول أو بغير المفهوم ؟ !

[ 180 ]

لقد تحير كبار علماء السنة ومفسروهم وما زالوا متحيرين الى يومنا هذا.. فلا هم يستطيعون أن يردوا نظرية الخليفة عمر (الأحرف السبعة) لأنها بتصورهم حديث نبوي رواه عمر.. ولا هم يستطيعون أن يقنعوا بها أحدا، أو يقتنعوا بها هم ! ! وسيظلون متحيرين الى آخر الدهر، لسبب بسيط.. هو أنهم يبحثون عن معنى معقول لمقولة ليس لها معنى معقول ! ! من العلماء المتحيرين في هذا الموضوع الإمام ابن جزي المشهود له في التفسير وعلوم القرآن الذي نقل في تاريخ القرآن ص 87 قوله (ولا زلت أستشكل هذا الحديث - أي حديث نزول القرآن على سبعة أحرف - وأفكر فيه وأمعن النظر من نحو نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله علي بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله تعالى، وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذها فإذا هي يرجع اختلافها الى سبعة أوجه) ! ! فترى ابن جزي بعد تفكير أكثر من ثلاثين سنة غير مطمئن الى ما توصل إليه وإن سماه فتحا علميا ولذا عبر عنه بأنه (يمكن أن يكون صوابا) ومن حقه أن يشك في هذا الفتح، لأن معناه أن نسخة القرآن نزلت من عند الله تعالى مفصلة على حسب قراءات سوف يولد أصحابها ! وسوف تكون اختلافاتهم في سبعة وجوه لا أكثر ! ! فكيف تعقل هذا العالم أن نسخة القرآن نزل بها جبرئل مفتوحة لاجتهادات القراء الذين سوف يأتون ! ! ثم اعتبر ذلك فتحا علميا ؟ ! بالله عليك هل تتعقل أن مؤلفا يؤلف كتابا بسبعة نصوص سوف تظهر على يد أشخاص بعد نشره ؟ ! ! قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 172 (وقال ابن حجر: ذكر القرطبي عن ابن حبان، أنه بلغ الإختلاف في الأحرف السبعة الى خمسة وثلاثين قولا، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، ولم أقف على كلام ابن حبان في هذا، بعد تتبعي مظانه. قلت: قد حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره عنه بواسطة الشرف المزني المرسي. فقال: قال ابن حبان اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا). وقال السيوطي في ص 176 (قال ابن حبان: فهذه خمسة وثلاثون قولا لأهل العلم واللغة في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضا وكلها محتملة وتحتمل غيرها) انتهى.

[ 181 ]

وهو اعتراف من ابن حبان بأن جميع هذه الأقوال لا تزيد عن كونها احتمالات استنسابية غير مقنعة ! ثم نقل السيوطي تصريحا مشابها لأحد علمائهم فقال (وقال المرسي: هذه الوجوه أكثرها متداخلة، ولا أدري مستندها، ولا عمن نقلت، ولا أدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر، مع أن كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص ! وفيها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة، وأكثرها يعارضه حديث عمر مع هشام بن حكيم الذي في الصحيح، فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه، إنما اختلفا في قراءة حروفه. وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع، وهو جهل قبيح) انتهى. هذه نماذج من أقوال هؤلاء العلماء الكبار، وهي كافية للتدليل على أن النظرية برأيهم غير قابلة للفهم والتعقل.. فهل يجوز نسبتها والحال هذه الى الله تعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وآله ؟ ! سبب وضع الخليفة عمر لهذه النظرية ؟ السبب ببساطة أن النبي صلى الله عليه وآله كان في حياته يقرأ نص القرآن ويصححه لمن يقرؤه، فكان مصدر نص القرآن واحدا مضبوطا. أما بعد وفاته صلى الله عليه وآله وأحداث السقيفة وبيعة أبي بكر، فقد جاءهم علي عليه السلام بنسخة القرآن بخط يده حسب أمر النبي صلى الله عليه وآله، فرفضوا اعتمادها لأنه كان فيها تفسير كل الآيات أو كثير منها لمصلحة علي برأيهم، فأخذها علي وقال لهم إن النبي صلى الله عليه وآله أمرني أن أعرضها عليكم فإن قبلتموها فهو، وإلا فإني أحفظها وأقرأ النسخة التي تعتمدونها، حتى لا يكون في أيدي الناس نسختان للقرآن ! روى الكليني في الكافي ج 2 ص 633: (عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال

[ 182 ]

أبو عبد الله عليه السلام: كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم فإذا قام القائم عليه السلام قرأ كتاب الله عزو جل على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام وقال: أخرجه علي عليه السلام الى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عزوجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته من اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا، إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه !) وسوف نتعرض في جمع القرآن الى ما يؤيده من مصادر إخواننا. من ذلك اليوم.. ولدت أرضية التفاوت في النص القرآني، وأخذ الخليفة والناس يقرؤون ولا مصحح لهم، ولا مرجع يرجعون إليه في نص القرآن ! ! وما لبث أن انتشر التفاوت في قراءاتهم، ثم تحول التفاوت الى اختلاف بين القراء في هذه الكلمة وتلك، وهذه الآية وتلك.. فهذا يقرأ في صلاته أو يعلم المسلمين على نحو، وذاك على نحو آخر.. وهذا يؤكد صحة قراءته وخطأ القراءة المخالفة، وذاك بعكسه.. وهذا يتعصب لهذه القراءة وقارئها، وهذا لذاك.. الى آخر المشكلة الكبيرة التي تهم كيان الدولة الإسلامية وتمس قرآنها المنزل ! ! هنا كان لا بد أن يتدخل الخليفة عمر لحل المشكلة، وكان الأحرى به أن يختار نسخة من القرآن ويعتمدها، وقد كانت موجودة عند عدد من الصحابة غير علي.. ومنهم من روى عمر نفسه أن النبي أمر بأخذ القرآن منهم.. أو يجمع نسخة ويعتمدها، ويحل المشكلة من أساسها كما فعل عثمان.. ولكن عمر لم يرد اعتماد نسخة معينة، بل اختار حل المشكلة بالتسامح في نص القرآن، والفتوى بصحة جميع القراءات المختلف عليها، واستند بذلك الى حديث ادعاه على النبي صلى الله عليه وآله ولم يدعه غيره، بأن في القرآن سعة، وأنه نزل على سبعة أحرف ! ! فالنظرية إذن ولدت على يد الخليفة عمر عندما واجه مشكلة ! وحيث لم يعالجها بنسخة علي، أو عثمان أو زيد أو عمرو.. بل روى عن النبي حديث الأحرف السبعة لكي يثبت مشروعية التسامح في قراءة النص القرآني.. ولكنه بذلك سكن المشكلة

[ 183 ]

تسكينا آنيا.. وحير علماء الأمة أربعة عشر قرنا في تصور معنى معقول لهذا الحديث أو هذه النظرية ! إن ابن جزي الذي اعترف بتحيره وبحثه أكثر من ثلاثين سنة عن معنى مفهوم لنظرية الخليفة.. ما هو إلا نموذج لحيرة خيرة أئمتهم وعلمائهم الذين عملوا المستحيل حتى يجدوا وجها معقولا لنظرية الأحرف السبعة، وما ازدادوا إلا حيرة وتخبطا.. فكلما خرجوا من مطب وقعوا في آخر أكبر منه.. وليس ذلك بسبب ضعفهم العلمي، ولكن بسبب أنهم تبنوا نظرية عصمة الخليفة عمر، فصاروا مجبورين أن يبحثوا عن وجه معقول لمقولة الأحرف السبعة التي قالها الخليفة ورواها عنه البخاري.. حتى لو كان البحث عن ذلك عقيما.. وطال الى يوم القيامة ! ! لقد حاول بعض عقلائهم أن يجد مخرجا سليما لهذه الورطة ويقنعهم بأن حديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) يقصد معاني القرآن لا ألفاظه، فالقرآن كون مثل هذا الكون، ونظامه سباعي كالسماوات السبع.. ولكنهم ردوه بأن الأحاديث تصرح بأن الخليفة عمر قال إن المقصود بالأحرف السبعة الألفاظ لا المعاني.. وهكذا أقفلوا الباب على أنفسهم.. وعادوا في الورطة ! ! وستعرف أن رأي أهل البيت عليهم السلام أن القرآن نزل من عند الواحد على حرف واحد، وأن حديث نزوله على سبعة أحرف قصد به النبي صلى الله عليه وآله معاني القرآن.. ولكن الخليفة أصر على توظيفه لحل مشكلة الألفاظ وتفاوت القراءات ! قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 168 (قال الطحاوي: وإنما كان ذلك رخصة (أي القراءة بسبعة أحرف) لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ. وكذا قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون. وفي فضائل أبي عبيد من طريق عون بن عبد الله أن ابن مسعود أقرأ رجلا (إن شجرة الزقوم، طعام الأثيم) فقال الرجل: طعام اليتيم، فردها فلم يستقم بها لسانه، فقال أتستطيع أن تقول طعام الفاجر ؟ قال نعم، قال فافعل) انتهى.

[ 184 ]

وقد روى قصة طعام اليتيم في الدر المنثور ج 6 ص 33 عن ابن مردويه عن أبي بن كعب، وعن أبي عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن ابن مسعود. وعن سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن الحارث عن أبي الدرداء) انتهى. لكن ما هو دليل الباقلاني وابن عبد البر والطحاوي على أن السبعة أحرف كانت فقط لظرف خاص ثم نسخت ؟ ! فإن كانت حديثا نبويا صحيحا كما زعموا.. وتوسعة من الله ورسوله على المسلمين في النص القرآني.. فما هو الحديث الذي نسخها ؟ ! وإن كانت استنسابا عمريا فما هو المجوز للخليفة أن يفتي بالتوسع في نص كتاب الله تعالى بسبعة أشكال أو أكثر.. ثم يفتي هو أو غيره بالتضييق ووجوب القراءة بنص واحد ؟ ! على أن مقولة الباقلاني وجماعته بتيسر الكتابة في زمن عثمان وعدم تيسرها في عهد أبي بكر وعمر، إلقاء للكلام على عواهنه من أجل تصحيح عمل الخليفة.. فأين مقولتهم بأن الخليفة أول من مدن الدولة ودون الدواوين.. ؟ فقد كانت الكتابة ميسرة في عهده إذن، بل في عهد النبي صلى الله عليه وآله بل وقبله، خاصة في المدن.. كما سيأتي ذلك في قصة جمع القرآن. كلا.. ليست المسألة صعوبة الكتابة في عهد الخليفة عمر.. بل المسألة أن الخليفة لا يريد أن يلتزم بنسخة محددة من القرآن، ويريد إبقاء المجال مفتوحا في جمع القرآن وقراءته.. لقد رخص عمر بقراءة القرآن الى سبعة أنواع وأكثر ! ثم نسخ الخليفة عثمان هذه الرخصة وأوجب أن يقرأ القرآن بالحرف الذي كتب عليه مصحفه.. ونحن نقبل من الطحاوي وزملائه القول بالحرف الواحد الموحد الذي عممه الخليفة عثمان على البلاد الإسلامية، وذلك لأن عليا عليه السلام أقر هذا العمل، ولأن الأدلة تشير أنه نسخ عن مصحف علي عليه السلام. ولكن نسألهم: أين صار حديث نزول القرآن على سبعة أحرف والذي قلتم إنه كلام النبي صلى الله عليه وآله، وقلتم إنه صحيح ومتواتر.. ؟ !

[ 185 ]

صار معناه أن القرآن نزل من عند الله تعالى على سبعة أحرف، لكن الذي يجب أن يقرأ منها في زمن النبي صلى الله عليه وآله حرف واحد كما يقرؤه النبي فقط، ثم يصير في زمن أبي بكر وعمر سبعة أحرف، ثم يرجع في زمن عثمان الى حرف واحد ! ! فتكون فائدة هذا النص في مدة حكم أبي بكر وعمر فقط، ويكون مفصلا لمعالجة مشكلة اضطراب القراءة في هذه الفترة كما ذكرنا ! فهل يمكن لباحث أن يغمض عينيه ويقبل حديثا نسب الى النبي صلى الله عليه وآله وليس له دور في الحياة الى يوم القيامة إلا أداء وظيفة خاصة من وجهة نظر خليفة معين ؟ ! ولكن حتى هذه الوظيفة التي أرادها عمر من نظرية الأحرف السبعة أحرف.. لم تستطع النهوض بها ! بدليل أن المشكلة بقيت وتفاقمت وصارت تنذر بالخطر في زمن عثمان فبادر الى حلها بما كان يجب أن يحلها به عمر ! ! بل تدل الروايات الصحيحة على أن الخليفة عمر لم يسمح لأحد أن يستفيد من الأحرف السبعة إلا هو ! أحاديث نظرية التوسع في نص القرآن ننقل روايات السبعة أحرف من رواية النسائي أولا، لأنه جمعها في مكان واحد، بينما وزعها البخاري في بضعة أمكنة من أجزاء كتابه.. قال النسائي في صحيحه ج 2 ص 150: (عن ابن مخرمة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان فقرأ فيها حروفا لم يكن نبى الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها ! قلت من أقرأك هذه السورة ؟ ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت كذبت، ما هكذا أقرأك رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأخذت بيده أقوده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت: يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفا لم تكن أقرأتنيها ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقرأ يا هشام فقرأ كما كان يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا

[ 186 ]

أنزلت ! ثم قال إقرأ يا عمر فقرأت، فقال: هكذا أنزلت ! ! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف !). ثم رواه بروايتين أخريين وفيهما (فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت. ثم قال لي إقرأ فقرأت فقال: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه !). ثم روى ثلاث روايات عن أبي بن كعب، قال (... عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة بني غفار فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم أتاه الثانية فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ! ثم جاءه الثالثة فقال إن الله عزوجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتى لا تطيق ذلك ! ثم جاءه الرابعة فقال إن الله عز وجل يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا ! ! ... عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة فبينا أنا في المسجد جالس إذ سمعت رجلا يقرؤها يخالف قراءتي فقلت له من علمك هذه السورة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لا تفارقني حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقلت يا رسول الله إن هذا خالف قراءتي في السورة التي علمتني ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقرأ يا أبي فقرأتها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنت. ثم قال للرجل: إقرأ فقرأ فخالف قراءتي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسنت. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبي إنه أنزل القرآن على سبعة أحرف كلهن شاف كاف ! !... عن أبي قال ما حاك في صدري منذ أسلمت إلا أني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله أقرأتني آية

[ 187 ]

كذا وكذا، قال نعم. وقال الآخر ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال نعم، إن جبريل وميكائيل عليهما السلام أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل عليه السلام: إقرأ القرآن على حرف، قال ميكائيل استزده استزده حتى بلغ سبعة أحرف، فكل حرف شاف كاف !) انتهى. روى البخاري في صحيحه ج 6 ص 100 رواية عمر مع هشام تحت عنوان (باب أنزل القرآن على سبعة أحرف) ورواها أيضا في ج 6 ص 110 وفي ج 3 ص 90 وفي ج 8 ص 215 ورواها مسلم في ج 2 ص 201 بروايتين وأبو داود في سننه ج 1 ص 331 والترمذي في سننه ج 4 ص 263 والبيهقي في سننه ج 2 ص 383 وأحمد في مسنده ج 1 ص 24 وص 39 وص 45 وص 264 وقال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 163 (المسألة الثالثة: في الأحرف السبعة التي نزل القرآن عليها. قلت: ورد حديث (نزل القرآن على سبعة أحرف) من رواية جمع من الصحابة: أبي بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم. وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس، وابن مسعود، وعبد الرحمن ابن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وعمر بن أبي سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ بن جبل، وهشام بن حكيم، وأبي بكرة، وأبي جهم وأبي سعيد الخدري، وأبي طلحة الأنصاري، وأبي هريرة، وأبي أيوب. فهؤلاء أحد وعشرون صحابيا، وقد نص أبو عبيد على تواتره. وأخرج أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على المنبر: أذكر الله رجلا، سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف، لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم) انتهى. ملاحظات على النظرية الإشكالات على حديث الأحرف السبعة كثيرة، نجملها فيما يلي: أولا: الظاهر أن أصل جميع أحاديث النظرية رواية واحدة أو اثنتان رواهما الخليفة عمر، وإن اعتبرها بعضهم أحاديث عديدة وصل فيها الى حد التواتر.. ويكفي تدليلا على ذلك أن حديث ابن كعب تكملة لحديث عمر أو هو نفسه.. وأن أكثر الصحابة رووه عن عمر، ولم يرووه عن النبي مباشرة !

[ 188 ]

ثانيا: إن أسلوب النقاشات المروية فيه بين النبي صلى الله عليه وآله وبين جبرئيل وميكائيل وبقية الملائكة، نسخة طبق الأصل عما يرويه اليهود من نقاشات موسى مع ربه ! وأكثرها (اتزانا) لا يمكن قبول مضمونه، وهو ما رواه الترمذي في سننه ج 4 ص 263 تحت عنوان (باب ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف... عن أبي بن كعب قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل فقال: يا جبرئيل إني بعثت الى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتأبا قط. قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف !) انتهى. ثالثا: إن التوسعة على الناس والتسامح في نص القرآن مسألة كبيرة وخطيرة، فكيف لم تكن معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وآله، ثم عرفت على يد عمر عندما وجدت مشكلة تفاوت القراءات ؟ ! رابعا: روى الخليفة عمر وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله أمر المسلمين أن يأخذوا القرآن من أحد أربعة (أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة) كما سيأتي في قصة جمع القرآن.. وقراءة القرآن على حرف أو سبعة أو عشرين من صلب مسائل أخذه.. فكان الواجب على الخليفة أن يرجع الى هؤلاء الأربعة ويقبل القرآن بقراءتهم.. ولكنه رفع شعار هذا الحديث ولم يرجع إليهم لا في أصل تلقي القرآن ولا في حروفه ! بل كانت معاملته لهم سلبية شديدة كما سنرى ! خامسا: إذا صحت نظرية عمر في الأحرف السبعة، وأن الله تعالى قد وسع على المسلمين في قراءة نص كتابه، فلماذا حرم الله نبيه من هذه النعمة وألزمه بحفظ القرآن حرفيا بدقة وتشدد معه في ذلك، وكان ينزل عليه كبير ملائكته كل عام مرة ليضبط عليه نص القرآن، وفي سنة وفاته ضبطه عليه مرتين ليتأكد من دقة ضبط النبي لنص القرآن ؟ ! ! ألا يكون ذلك شبيها بقانون يصدره رئيس ويتشدد مع وزيره في ضبط نصه وطباعته، ولكنه بعد نشره للتطبيق يجيز للناس أن يتسامحوا في نصه وأن يقرؤوه بعدة نصوص ؟ ! !

[ 189 ]

سادسا: هشام بن حكيم بن حزام الذي يروي عمر أن القصة حدثت معه، أحد الطلقاء الذين يسمونهم مسلمة الفتح.. مما يعني أن زمن القصة هو السنة الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وآله.. ويعني أن النبي صلى الله عليه وآله كان كل هذه المدة يقرأ نص القرآن بصيغة واحدة ولم يقل لجبرئيل شيئا، ولم يقل له جبريل شيئا ! الى أن اكتشف النبي المشكلة في أواخر حياته فشكا ذلك الى جبرئيل فلم يراجع جبرئيل ربه، وكان الجواب عنده حاضرا ! ! سابعا: كان سلوك عمر ضد نظريته.. فكان يتدخل في القراءات ويحاسب عليها، ويرفض منها ويقبل، ويأمر بمحو هذا وإثبات ذاك، كما رأيت في نماذج من قراءاته وكما ترى من سلوكه مع القراء.. وقد (هجم) بيت عبد الله بن مسعود عندما بلغه أنه قرأ آية بلغة هذيل كما سترى ! وبهذا نعرف أن مقصوده بالحروف السبعة التوسعة على نفسه فقط، ليختار الحرف الذي يريده ويلزم به المسلمين، ويرفض الحرف الذي لا يريده وينهى عنه المسلمين.. ويجمع ذلك في مصحفه عند حفصة حتى يستكمل اجتهاداته في كتاب الله تعالى.. فيخرجه الى المسلمين ويلزمهم به.. ولكن الأجل أدركه قبل ذلك.. ! على أي حال لم يكن لأحد من المسلمين حق أن يستفيد من هذه التوسعة المزعومة إلا الخليفة عمر فقط، وكان نصيب من يستفيد منها من المسلمين.. التعرض لسوط الخليفة ! ! الفتاوى الفقهية بالتوسع في نص القرآن ! لقد حفظ الله تعالى كتابه من نظرية الخليفة في التوسع في نصه، ولم تؤثر إلا التشويش على النص القرآني في عهده، ولكن بقيت آثارها وأثمرت في فقه مذاهب إخواننا السنة فأفتى فقهاؤهم بجواز التغيير في نص القرآن، وفي نص التشهد في الصلاة لأنه أخف من نص القرآن ! قال الشافعي في اختلاف الحديث ص 489 وفي كتاب الأم ج 1 ص 142: (وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند رسول الله ولم يختلفوا في معناه فأقرهم وقال: هكذا أنزل إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما

[ 190 ]

تيسر منه. فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع، هذا فيه إذا لم يختلف المعنى ! قال: وليس لأحد أن يعمد أن يكف عن قراءة حرف من القرآن إلا بنسيان، وهذا في التشهد وفي جميع الذكر أخف ! !). وقال البيهقي في سننه ج 2 ص 145، في الاستدلال على أن التشهد في الصلاة لا يجب أن يكون بصيغة واحدة: (قال الشافعي رحمه الله فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد نزر ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يخل معناه !) وقال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 575: (فصل. وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم جاز، نص عليه أحمد فقال: تشهد عبد الله أعجب إلي، وإن تشهد بغيره فهو جائز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه الصحابة مختلفا دل على جواز الجميع كالقراءات المختلفة التي اشتمل عليها المصحف... وقال ابن حامد رأيت بعض أصحابنا يقول لو ترك واوا أو حرفا أعاد الصلاة لقول الأسود: فكنا نتحفظه عن عبد الله كما نتحفظ حروف القرآن، والأول أصح لما ذكرنا. وقول الأسود يدل على أن الأولى والأحسن الإتيان بلفظه وحروفه، وهو الذي ذكرنا أنه المختار، وعلى أن عبد الله كان يرخص في إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى ! فقد روي عنه أن إنسانا كان يقرأ عليه إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، فيقول طعام اليتيم، فقال له عبد الله: قل طعام الفاجر. فأما ما اجتمعت عليه التشهدات كلها فيتعين الإتيان به. وهذا مذهب الشافعي). وقال ابن حزم في المحلى ج 3 ص 253: (والحق من هذا أن النص قد صح بوجوب قراءة أم القرآن فرضا، ولا يختلف اثنان من أهل الاسلام في أن هذه القراءات حق كلها مقطوع به مبلغة كلها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بنقل الملوان فقد وجب، إذ كلها حق أن يفعل الإنسان في قراءته أي ذلك شاء !) انتهى.

[ 191 ]

وهكذا ذهب إخواننا فقهاء المذاهب الى أن القراء كلهم على حق ولا ذنب لهم، لأن النبي صلى الله عليه وآله أقرأهم متفاوتا أو أمضى قراءاتهم المتفاوتة، والنبي أيضا لا ذنب له، لأن جبرئيل أبلغه القرآن متفاوتا.. وجبرئيل أيضا لا ذنب له لأن الله تعالى أعطاه القرآن متفاوتا.. تعالى الله عن ذلك، وتنزه رسله ! ! وستري في البحث التالي أن نظرية التسامح في نص القرآن لم تقف عند حد التفاوت في بعض الحروف والكلمات في الآيات، بل أخذت مجراها ونموها السرطاني حتى وصلت الى نظرية تعويم نص القرآن وجواز قراءته بالمعنى بدون التقيد بألفاظه ! ! ولكن مع خطورة هذه الفتاوي وهذه النظريات.. فإن ضررها والحمد لله بقي محصورا تقريبا في مصادر إخواننا السنة، خاصة في تفاسيرهم، ولم يؤثر تأثيرا كبيرا على القرآن في حياتهم وسلوكهم.. والسبب في ذلك هو فقط تكفل الله تعالى بحفظ كتابه: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ! ! رأي أهل البيت عليهم السلام وعلماء الشيعة روى الكليني في الكافي ج 2 ص 630 (... عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن القرآن واحد نزل من عند واحد، ولكن الاختلاف يجئ من قبل الرواة.... عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون: إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد !) انتهى، ويدل قوله عليه السلام (كذبوا أعداء الله) على أنه كان يوجد جماعة يريدون تمييع نص القرآن بهذه المقولة ! وروى المجلسي في بحار الأنوار ج 90 ص 3 حديثا مطولا جاء فيه (عن إسماعيل بن جابر قال سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء فلا نبي بعده، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتب فلا كتاب بعده، أحل فيه حلالا وحرم حراما، فحلاله حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النبي صلى الله عليه وآله علما باقيا في أوصيائه. فتركهم الناس وهم الشهداء على أهل كل زمان، فعدلوا

[ 192 ]

عنهم ثم قتلوهم واتبعوا غيرهم... ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنه الناسخ، واحتجوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم، واحتجوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام، واحتجوا بأول الآية وتركوا السبب في تأويلها، ولم ينظروا الى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره، إذ لم يأخذوه عن أهله... ولقد سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه شيعته عن مثل هذا فقال: إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف، وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص. وفي القرآن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وخاص وعام، ومقدم ومؤخر، وعزائم ورخص، وحلال وحرام، وفرائض وأحكام، ومنقطع ومعطوف، ومنقطع غير معطوف، وحرف مكان حرف، ومنه ما لفظه خاص، ومنه ما لفظه عام محتمل العموم، ومنه ما لفظه واحد ومعناه جمع، ومنه ما لفظه جمع ومعناه واحد، ومنه ما لفظه ماض ومعناه مستقبل، ومنه ما لفظه على الخبر ومعناه حكاية عن قوم أخر، ومنه ما هو باق محرف عن جهته، ومنه ما هو على خلاف تنزيله، ومنه ما تأويله في تنزيله، ومنه ما تأويله قبل تنزيله، ومنه ما تأويله بعد تنزيله. ومنه آيات بعضها في سورة وتمامها في سورة أخرى، ومنه آيات نصفها منسوخ ونصفها متروك على حاله، ومنه آيات مختلفة اللفظ متفقة المعنى، ومنه آيات متفقه اللفظ مختلفة المعنى، ومنه آيات فيها رخصة وإطلاق بعد العزيمة...) انتهى. وينبغي الإلتفات الى أن الإمام علي عليه السلام استعمل كلمة (أقسام) وترك استعمال كلمة (أحرف أو حروف) حتى لا يفسرها أحد بألفاظ القرآن كما فسروا السبعة أحرف في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله ! ! وقال الشيخ الطوسي في تفسير التبيان ج 1 ص 7 (.. وروى المخالفون لنا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، وفي بعضها: على سبعة أبواب، وكثرت في ذلك رواياتهم، ولا معنى للتشاغل بإيرادها، واختلفوا في تأويل الخبر، فاختار قوم أن معناه على سبعة معان: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وجدل، وقصص، وأمثال. وروى ابن مسعود عن النبي أنه قال: نزل القرآن على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم،

[ 193 ]

ومتشابه، وأمثال... وقال آخرون: أي سبع لغات مختلفة، مما لا يغير حكما في تحليل وتحريم... وكانوا مخيرين في أول الاسلام في أن يقرؤوا بما شاؤوا منها، ثم أجمعوا على حدها، فصار ما أجمعوا عليه مانعا مما أعرضوا عنه. وقال آخرون نزل على سبع لغات... الخ) انتهى. وقال الشهيد الثاني في مسالك الأفهام ج 1 ص 429 (ووجه تسمية القراءة بالحرف ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال نزل القرآن على سبعة أحرف، وفسرها بعضهم بالقراءات وليس بجيد، لأن القراءة المتواترة لا تنحصر في السبعة بل ولا في العشرة كما حقق في موضعه، وإنما اقتصروا على السبعة تبعا لابن مجاهد حيث اقتصر عليها تبركا بالحديث. وفي أخبارنا أن السبعة أحرف ليست هي القراءة بل هي أنواع التركيب من الأمر والنهي والقصص وغيرها) انتهى. وقال المحقق البحراني في الحدائق الناضرة ج 8 ص 99 (ثم اعلم أن العامة قد رووا في أخبارهم أن القرآن قد نزل على سبعة أحرف كلهاشاف واف، وادعوا تواتر ذلك عنه صلى الله عليه وآله، واختلفوا في معناه الى ما يبلغ أربعين قولا، أشهرها الحمل على القراءات السبع. وقد روى الصدوق قدس سره في كتاب الخصال بإسناده إليهم عليهم السلام، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله أتاني آت من الله عز وجل يقول إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت يا رب وسع على أمتي فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف. وفي هذا الحديث ما يوافق أخبار العامة المذكورة، مع أنه عليه السلام قد نفى ذلك في الأحاديث المتقدمة وكذبهم في ما زعموه من التعدد، فهذا الخبر بظاهره مناف لما دلت عليه تلك الأخبار والحمل على التقية أقرب فيه) انتهى. وروى المجلسي في بحار الأنوار ج 82 ص 65 عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (أتاني آت من الله، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسع على أمتي، فقال إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف) ثم قال: بيان، الخبر ضعيف ومخالف للأخبار الكثيرة كما سيأتي، وحملوه على القراءات السبعة، ولا يخفى بعده لحدوثها بعده صلى الله عليه وآله، وسنشبع القول في ذلك في

[ 194 ]

كتاب القرآن إن شاء الله. ولاريب في أنه يجوز لنا الآن أن نقرأ موافقا لقراءاتهم المشهورة) انتهى. وقال المحقق الهمداني في مصباح الفقيه ج 2 ص 274 (والحق أنه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ شيئا من القرآن بكيفيات مختلفة، بل ثبت خلافه فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفا، كما في ضم التاء من أنعمت، ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند الواحد كما نطقت به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل بيت الوحي والتنزيل، مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن القرآن واحد من عند الواحد ولكن الإختلاف يجئ من قبل الرواة ! وعن الفضيل بن يسار في الصحيح قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون نزل القرآن على سبعة أحرف، فقال كذبوا أعداء الله، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد. ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر الى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد يدعى تواتره، ولكنهم حرفوها عن موضعها وفسروها بآرائهم، مع أن في بعض رواياتهم إشارة الى أن المراد بالأحرف أقسامه ومقاصده، فإنهم على ما حكي عنهم رووا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل. ويؤيده ما روى من طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها كاف شاف، وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص.... فظهر مما ذكرنا أن الاستشهاد بالخبر المزبور لصحة القراءات السبع وتواترها عن النبي صلى الله عليه وآله في غير محله. وكفاك شاهدا لذلك ما قيل من أنه نقل اختلافهم في معناه الى ما يقرب من أربعين قولا !. والحاصل: أن دعوى تواتر جميع القراءات السبعة أو العشرة بجميع خصوصياتها عن النبي صلى الله عليه وآله تتضمن مفاسد ومناقضات لا يمكن توجيهها، وقد تصدى جملة من القدماء والمتأخرين لإيضاح ما فيها من المفاسد بما لا يهمنا الإطالة في إيراده) انتهى.

[ 195 ]

وقال السيد الخوئي في مستند العروة ج 14 ص 474 (... هذا وحيث قد جرت القراءة الخارجية على طبق هذه القراءات السبع لكونها معروفة مشهورة ظن بعض الجهلاء أنها المعني بقوله صلى الله عليه وآله على ما روي عنه، إن القرآن نزل على سبعة أحرف، وهذا كما ترى غلط فاحش، فإن أصل الرواية لم تثبت، وإنما رويت من طريق العامة، بل هي منحوله مجعولة كما نص الصادق عليه السلام على تكذيبها بقوله: كذبوا أعداء الله نزل على حرف واحد...) انتهى. وقال السيد الخوئي في البيان في تفسير القرآن ص 180 بعد إيراد روايات السبعة أحرف (وعلى هذا فلا بد من طرح الروايات، لأن الإلتزام بمفادها غير ممكن. والدليل على ذلك: أولا: أن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن، التي يمكن أن يعبر عنها بألفاظ سبعة متقاربة... ثانيا: إن كان المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله عليه وآله قد جوز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربها في المعنى، ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدمة، فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن، المعجزة الأبدية، والحجة على جميع البشر... وقد قال الله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي. وإذا لم يكن للنبي أن يبدل القرآن من تلقاء نفسه، فكيف يجوز ذلك لغيره ؟ وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم البراء بن عازب دعاء كان فيه ونبيك الذي أرسلت فقرأ براء: ورسولك الذي أرسلت، فأمره صلى الله عليه وآله أن لا يضع الرسول موضع النبي. فإذا كان هذا في الدعاء، فماذا يكون الشأن في القرآن ؟... ثالثا: أنه صرحت الروايات المتقدمة بأن الحكمة في نزول القرآن على سبعة أحرف هي التوسعة على الأمة، لأنهم لا يستطيعون القراءة على حرف واحد، وأن هذا هو الذي دعا النبي الى الإستزادة الى سبعة أحرف. وقد رأينا أن اختلاف القراءات أوجب أن يكفر بعض المسلمين بعضا حتى حصر عثمان القراءة بحرف واحد وأمر بإحراق بقية المصاحف. ويستنتج من ذلك... أن الاختلاف في القراءة كان نقمة على الأمة وقد ظهر ذلك في عصر عثمان، فكيف يصح أن يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من

[ 196 ]

الله ما فيه فساد الأمة. وكيف يصح على الله أن يجيبه الى ذلك ؟ وقد ورد في كثير من الروايات النهي عن الإختلاف، وأن فيه هلاك الأمة، وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تغير وجهه واحمر حين ذكر له الاختلاف في القراءة... وحاصل ما قدمناه: أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يرجع الى معنى صحيح، فلا بد من طرح الروايات الدالة عليه، ولا سيما بعد أن دلت أحاديث الصادقين عليهم السلام على تكذيبها وأن القرآن إنما نزل على حرف واحد، وأن الاختلاف قد جاء من قبل الرواة) انتهى. وقال في ص 160 عن القراءات السبع (... والأولى أن نذكر كلام الجزائري في هذا الموضع. قال: لم تكن القراءات السبع متميزة عن غيرها حتى قام الإمام أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد - وكان على رأس الثلاثمائة ببغداد - فجمع قراءات سبعة من مشهوري أئمة الحرمين والعراقين والشام، وهم: نافع، وعبد الله ابن كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن عامر، وعاصم وحمزة، وعلي الكسائي. وقد توهم بعض الناس أن القراءات السبعة هي الأحرف السبعة، وليس الأمر كذلك... وقد لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اختياره عدد السبعة، لما فيه من الايهام... قال أحمد ابن عمار المهدوي: لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة... قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل...) انتهى. وقال في ص 167 (ذهب الجمهور من علماء الفريقين الى جواز القراءة بكل واحدة من القراءات السبع في الصلاة، بل ادعي على ذلك الإجماع في كلمات غير واحد منهم وجوز بعضهم القراءة بكل واحدة من العشر، وقال بعضهم بجواز القراءة بكل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها، ولم يحصرها في عدد معين. والحق أن الذي تقتضيه القاعدة الأولية، هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بها من النبي الأكرم صلى الله

[ 197 ]

عليه وآله أو من أحد أوصيائه المعصومين عليهم السلام، لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شئ لم يحرز كونه قرآنا، وقد استقل العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة... وأما بالنظر الى ما ثبت قطعيا من تقرير المعصومين عليهم السلام شيعتهم على القراءة، بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانهم، فلا شك في كفاية كل واحدة منها، فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانهم، ولم يرد عنهم أنهم ردعوا عن بعضها، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر، ولا أقل من نقله بالآحاد، بل ورد عنهم عليهم السلام إمضاء هذه القراءات بقولهم: إقرؤوا كما يقرأ الناس. إقرؤا كما علمتم. وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة... وصفوة القول: أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت عليهم السلام) انتهى. ونلفت هنا الى نكتة نحوية في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام (كذبوا أعداء الله) فقد ورد في كثير من الأحاديث والنصوص الفصيحة الجمع بين فاعلين مضمر وظاهر، مما يجعلنا نطمئن الى أنه أسلوب عربي في التأكيد على الفاعل لغرض من الأغراض. وكذلك تمييز أحد المعطوفات بإعراب آخر لتأكيده كما ورد في القرآن، وأن هذه القواعد قد فات النحاة استقراؤها من لغة العرب، كما فاتهم إضافة (بقي) الى أخوات كان مع أنه لا فرق بينها وبينها. الروايات السنية الموافقة لرأي أهل البيت لا أدري لماذا أعرض علماء إخواننا السنة عن هذه الأحاديث مع أن فيها الصحيح، وأقل ما يقال فيها أنها تصلح لمعارضة الأحاديث التي تفسر السبعة أحرف بالألفاظ، وقواعدهم عند تعارض الأحاديث الصحيحة مثل قواعدنا.. فعندما يتعارض الحديثان أو المجموعتان من الأحاديث ولا يمكن الجمع بينها، فإذا وجد مرجح لبعضها رجحناه، وإلا فإنها جميعا تتساقط ونتوقف عن الأخذ بأي منها.. وبما أن الجمع بين هاتين المجموعتين غير ممكن، فكيف صح لهم أن يرجحوا الأحاديث التي تفسر الأحرف السبعة بالألفاظ على الأحاديث التي تفسرها بالمعاني ؟ ! مع أن أكبر مرجح للأحاديث التي

[ 198 ]

تفسرها بالمعاني أنها تسد ذريعة التوسع في نص القرآن، وأنها مضافا الى صحة أسنادها ذات معنى مفهوم معقول.. بعكس الأخرى.. روى الحاكم في مستدركه ج 1 ص 553 وفي ج 2 ص 289 (... عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجرا وآمرا وحلالا وحراما ومحكما ومتشابها وأمثالا، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 6 عن ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الابانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم... وعن الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود... إلخ. وعن ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود... إلخ. وعن البيهقي في شعب الايمان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه وغرائبه فرائضه وحدوده، فإن القرآن نزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال) انتهى. وقال السيوطي في الإتقان ص 170 وهو يعدد الأربعين وجها التي توصل إليها علماء السنة في تفسير الأحرف السبعة: (الحادي عشر: أن المراد سبعة أصناف، والأحاديث السابقة ترده، والقائلون به اختلفوا في تعيين السبعة فقيل: أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، واحتجوا بما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال (كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه، وأمثال...) انتهى. وقصده بالأحاديث السابقة التي ترد هذا الوجه: أحاديث الخليفة

[ 199 ]

عمر التي تنص على أن السبعة أحرف تقصد ألفاظ القرآن لا معانيه ! وبهذا يكون السيوطي وقف الى صف الذين أقفلوا باب الحل المعقول لورطة الأحرف السبعة ! وقال في ص 172 (السادس عشر: إن المراد بها سبعة علوم: علم الإنشاد والإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات) انتهى. ولا بد أنه يرد هذا الوجه أيضا، لأن حديث الخليفة ينص على أن المقصود بالسبعة الألفاظ لا المعاني ! وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 152 (وعن عبد الله يعني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن... الخ. رواه البزار وأبو يعلى في الكبير وفي رواية عنده لكل حرف منها بطن وظهر، والطبراني في الأوسط باختصار آخره ورجال أحدهما ثقات. ورواية البزار عنه محمد بن عجلان عن أبي إسحق قال في آخرها لم يرو محمد بن عجلان عن إبراهيم الهجرى غير هذا الحديث، قلت ومحمد بن عجلان إنما روى عن أبي إسحق السبيعي فإن كان هو أبو إسحق السبيعي فرجال البزار أيضا ثقات) انتهى. * *

[ 200 ]

2 - أخطر فتاوى الخليفة عمر: فتواه بتعويم نص القرآن ! ماذا يقول علماء إخواننا السنة في الفتوى التالية: (لا يجب على المسلمين أن يتقيدوا في قراءة القرآن بنصه ! لا في صلاتهم ولا في غيرها، بل يجوز أن يقرؤوه بالمعنى، أو بما يقرب من المعنى، بأي ألفاظ شاؤوا ! والشرط الوحيد أن لايبدلوا المعنى بحيث ينقلب رأسا على عقب وتصير آية الرحمة آية عذاب وآية العذاب آية رحمة ! فإذا قرؤوا بهذا الشرط فقراءتهم صحيحة شرعا ! وقراءتهم شرعا قرآن أنزله الله تعالى ! لأن الله رخص أن يقرأ الناس كتابه بأي لفظ بهذا الشرط ! !). لابد أن هذه الفتوى ستغيضهم وتثير غيرتهم على القرآن، ويصبون بحر غضبهم على صاحبها أيا كان.. وقد يقولون إنه رافضي كافر ! ! لكن إذا كان صاحبها الخليفة عمر فسوف يختلف الحال، وسوف يتحمس علماؤهم الغيارى لتفسير نظرية الخليفة، ويكثرون من ذكر الأقوال والوجوه والاحتمالات فيها، ويفكر بعضهم نيفا وثلاثين سنة حتى يفتح الله عليه بالعثور على وجه جديد معقول ! بينما يسكت بعضهم.. طالبا من الله الستر والسلامة له وللخليفة ! ! روى أحمد في مسنده ج 4 ص 30 عن (إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده قال قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يغير علي ! قال فاجتمعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال فقرأ الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: قد أحسنت ! قال فكأن عمر وجد من ذلك فقال

[ 201 ]

النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر إن القرآن كله صواب، ما لم يجعل عذاب مغفرة أو مغفرة عذابا ! !). وروى في ج 5 ص 41 (عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل وميكائيل فقال جبريل إقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل استزده، قال إقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ! !). ورواه أيضا في ج 5 ص 51 وأضاف في آخره (... نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وأعجل). وروى في ج 5 ص 124 (... عن أبي بن كعب قال قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا ؟ قال بلى. فقال ابن مسعود ألم تقرئنيها كذا وكذا ؟ فقال بلى ! كلاكما محسن مجمل ! قال فقلت له.. فضرب صدري فقال: يا أبي بن كعب إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو على حرفين ؟ قال فقال الملك الذي معي: على حرفين فقلت على حرفين ؟ ! فقال على حرفين أو ثلاثة. فقال الملك الذي معي على ثلاثة ؟ فقلت على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف. إن قلت غفورا رحيما أو قلت سميعا عليما أو عليما سميعا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ! !). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 150 عن رواية أحمد الأولى (رواه أحمد ورجاله ثقات) ثم قال الهيثمي (وعن أبي بكرة أن جبريل عليه السلام قال يا محمد إقرا القرآن على حرف، قال ميكائيل استزده فاستزدته قال إقرأ على حرفين، قال ميكائيل استزده فاستزدته قال إقرأ على ثلاثة أحرف، قال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف، قال كل شاف كاف ما لم يختم آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب، نحو قولك تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع واعجل. رواه أحمد والطبراني بنحوه إلا أنه قال واذهب وأدبر، وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو سئ الحفظ وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح) انتهى.

[ 202 ]

وروى البخاري في التاريخ الكبير ج 1 ص 382 (حدثنا موسى بن اسمعيل قال حدثنا حرب بن ثابت المنقر، قال حدثني إسحاق الأنصاري عن أبيه عن جده، وكانت له صحبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: القرآن كله صواب، وقال عبد الصمد: حدثنا حرب أبو ثابت سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم - مثله) وقال في أسد الغابة ج 5 ص 156 (أبو جارية الأنصاري، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: القرآن كله صواب. روى حديثه حرب بن ثابت عن إسحاق بن جارية عن أبيه عن جده، أخرجه ابن مندة). وقال السيوطي في الإتقان ج 1 ص 168 (وعند أحمد من حديث أبي هريرة: أنزل القرآن على سبعة أحرف، عليما حكيما غفورا رحيما. وعنه أيضا من حديث عمر: أن القرآن كله صواب، ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة) أسانيدها جياد) انتهى. وروى في كنز العمال ج 1 ص 550 (القرآن كله صواب - خ في تاريخه عن رجل له صحبة). وفي ص 618 (أنفر الشيطان أنفر الشيطان أنفر الشيطان. يا عمر القرآن كله صواب ما لم يجعل المغفرة عذابا والعذاب مغفرة - البغوي عن إسحق بن حارثة الأنصاري عن أبيه عن جده). وفي ص 619 (يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم يجعل عذاب مغفرة ومغفرة عذابا - حم وسمويه عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جده) وفي ج 2 ص 52 (يا أبي إني أقريت القرآن على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي قل على حرفين، قلت على حرفين، فقيل لي على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي قل على ثلاثة، قلت على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت سميعا عليما عزيزا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب - د عن أبي).

[ 203 ]

وفي ج 2 ص 603 (قرأت آية وقرأ ابن مسعود خلافها، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألم تقرئني كذا وكذا ؟ قال: بلى، فقال ابن مسعود: ألم تقرئني كذا وكذا ؟ قال: بلى، كلاكما محسن مجمل، فقلت له فضرب في صدري وقال: يا أبي بن كعب إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي: على حرفين فقلت على حرفين، قال حرفين أو ثلاثة، فقال الذي معي: على ثلاثة فقلت على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف ليس منها إلا شاف كاف، إن قلت غفورا رحيما، أو قلت سميعا عليما، أو عليما سميعا فالله كذلك، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب - حم، وابن منيع، ن، ع، ص) انتهى. ماذا تعني هذه الروايات ؟ تعني أولا: الفتوى القنبلة المتقدمة وأن نص القرآن مفتوح لقراءة من يريد بالألفاظ التي يريد، مع شرط واحد خفيف جدا.. وهو أن لا تقلب المعنى من رحمة ومغفرة الى عذاب.. أو من عذاب الى رحمة ومغفرة ! ! وتعني ثانيا: أن روايات تعويم نص القرآن بمقاييس إخواننا السنة يجب أن تقبل، لأنها على الأقل موثقة، وقد تكون بدرجة صحة روايات البخاري، الذي هو عندهم أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى ! وتعني ثالثا: أن الخليفة يقول: إذا رأيت أحدا يقرأ القرآن غلطا فلا تغير عليه، فهل أنت أعلم بالقرآن من النبي الذي أنزل عليه ؟ ! فلقد غيرت يوما على شخص قراءته فلم يقبل، فاحتكمنا عند النبي فصحح قراءته فوجدت في نفسي.. أو كما رووا عن ابن كعب: ما شككت في نبوة النبي منذ الجاهلية مثل ذلك اليوم ! فقال لي النبي: لا تشك فنص القرآن هكذا أنزل من عند الله تعالى مفتوحا عائما يصح أن تقرأه بأي لفظ، بهذا الشرط البسيط ! ! وتعني رابعا: أن نظرية تعويم نص القرآن تجعل الانسان يشك في أحاديث السبعة أحرف، لأن نظرية التعويم إنما هي نتيجة طبيعية لها.. فنظرية الأحرف السبعة هي

[ 204 ]

(الأميبا) أو البذور لنظرية التعويم ! ! ونظرية الأحرف السبعة لو طبقها المسلمون لا سمح الله لأدت الى هدم لبنات القرآن واحدة واحدة، أما نظرية التعويم هذه فلو طبقت لا سمح الله لأدت الى هدم القرآن سورة سورة، ثم هدم صرح القرآن كله ! ! وأخيرا، فإن الناظر في سياسة الخليفة عمر تجاه القرآن يجد فيها حقائق غريبة تبعث على الحيرة.. ويتساءل عن هدف الخليفة من ورائها فلا يجد الجواب حتى عند ابن جزي.. فماذا كان يريد الخليفة عمر ؟ فقد تعمد أولا، تغييب النص القرآني الواحد في عهد أبي بكر وعهده ! وثانيا، شكل لجنة لجمع القرآن جعل رئاستها لشاب صغير السن أنصاري ويقال أصله يهودي هو زيد بن ثابت، وأبعد منها كل الذين شهد بأن النبي أمر المسلمين أن يأخذوا القرآن منهم ! ! وثالثا، أعلن أنه ضاع من القرآن أكثره، وأن اللجنة التي كلفها بجمعه بذلت جهودا كبيرة لجمعه من الناس والمكتوبات بشرط شاهدين عاديين فقط.. الخ !. ورابعا، القرآن الذي جمعته اللجنة المحترمة لم يره المسلمون.. بل خبأه الخليفة عند بنته أم المؤمنين حفصة ولم يكن يطلع عليه أحدا.. وربما كان يواصل جمعه وتنقيحه باجتهاده.. ولكن كان نصيبه الإحراق بعد وفاة حفصة ! ! وخامسا، روى الخليفة نظرية الأحرف السبعة ولكن لم يسمح بها للناس، ولا لقراء القرآن المشهود لهم من النبي صلى الله عليه وآله.. ولم يستفد منها أحد إلا هو نفسه ! ! وسادسا، كان الخليفة عمر يتدخل في صغير الأمور التي تتعلق بالقرآن والسنة وكبيرها، بل في صغير شؤون الآخرين وكبيرها حتى واجهته أم سلمة كما روى البخاري ج 6 ص 69 (فقالت أم سلمة عجبا لك يابن الخطاب دخلت في كل شئ حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه !) فلم يكن غائبا عن معاناة المسلمين واختلافهم في قراءة القرآن، ولا كان من طبيعته التوسعة على الناس وعدم التدخل..

[ 205 ]

وسابعا، وإن عجبت فاعجب من أن الخليفة عمر أعطى لنفسه الحق في أن يرخص لكل الناس بما لم يرخصه الله تعالى لرسوله الذي هو أعظم عقلية بشرية على الاطلاق، فقد قال تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير هذا، أو بدله. قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلى. إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم - يونس - 15 وثامنا، روى الخليفة نظرية تعويم نص القرآن.. ولكن الجو العام للمسلمين لم يسمح لأحد بالاستفادة منها والحمد لله.. وذلك بسبب قوة القرآن الذاتية وفرادة نصه المعجز.. فالمسلمون يعرفون أنه كلام رب العالمين وأن النبي نفسه صلى الله عليه وآله لا يستطيع أن يغير منه حرفا من تلقاء نفسه، وهم يريدون هذا النص المعجز ولا يسمعون لقول قائل بأنه سبعة أشكال، أو أنه مفتوح ليتصرف في نصه المتصرفون ويحرفوا كلام الله عن مواضعه ويلوون به ألسنتهم ويقولون هو من عند الله تعالى ! * * لا يجد الإنسان جوابا لأعمال الخليفة هذه.. ولكنه يجد ظروفا خطيرة حدثت على القرآن بعد النبي صلى الله عليه وآله، واستمرت بضع عشرة سنة، وسببت اختلاف الأمة في نصوصه.. حتى نهض الغيارى على الإسلام، وكتبوا نسخته على نسخة علي عليه السلام كما ستعرف. وتجلت فاعلية قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. فالحمد لله الذي جعل الأعمال والنظريات المنافية لحفظ كتابه حبرا على ورق، وهواء في شبك ! !

[ 207 ]

الفصل السابع تحريم الخليفة البحث العلمي حول القرآن

[ 209 ]

تحريم الخليفة البحث العلمي في القرآن محنة صبيغ التميمي وثائق القضية 1 - روى الدارمي في سننه ج 1 ص 54 (عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال: من أنت ؟ قال أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه، فقال يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي ! 2 -... عن نافع مولى عبد الله أن صبيغ العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص الى عمر بن الخطاب فلما أتاه الرسول بالكتاب فقرأه فقال: أين الرجل ؟ فقال في الرحل، قال عمر أبصر أن يكون ذهب فتصيبك مني به العقوبة الموجعة ! فأتاه به فقال عمر تسأل محدثة ! ! فأرسل عمر الى رطائب من جريد فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برأ، ثم عاد له ! ثم تركه حتى برأ، فدعا به ليعود له ! ! قال فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت ! ! فأذن له الى أرضه وكتب الى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين ! فاشتد ذلك على الرجل فكتب أبو موسى الى عمر أن قد حسنت توبته، فكتب عمر أن يأذن للناس بمجالسته ! !).

[ 210 ]

3 - ورواه في كنز العمال ج 2 ص 331 وقال (الدارمي، وابن عبد الحكم، كر) ورواه بروايات أخرى مختلفة، منها (عن السائب بن يزيد قال: أتى عمر بن الخطاب فقيل: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلا يسأل عن تأويل مشكل القرآن، فقال عمر: اللهم أمكني منه، فبينما عمر ذات يوم جالس يغدي الناس إذ جاء وعليه ثياب وعمامة صفراء، حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين (والذاريات ذروا فالحاملات وقرا) فقال عمر أنت هو، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابا واحملوه على قتب، وأخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيب، ثم يقول: إن صبيغا ابتغى العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه - ابن الأنباري في المصاحف، ونصر المقدسي في الحجة، واللالكائي، كر). ورواه عن سليمان بن يسار كرواية الدارمي الأولى، وقال (الدارمي ونصر والأصبهاني معا في الحجة وابن الأنباري واللا لكائي كر). 4 - عن أبي العديس قال: كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل، فقال يا أمير المؤمنين (ما الجوار الكنس) فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال عمر: أحروري ؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقا لأنحيت القمل عن رأسك - الحاكم في الكنى). 5 - عن أبي عثمان النهدي عن صبيغ أنه سأل عمر بن الخطاب عن المرسلات والذاريات والنازعات، فقال له عمر: ألق ما على رأسك فإذا له ضفيرتان، فقال له: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك، ثم كتب الى أهل البصرة أن لا تجالسوا صبيغا ! قال أبو عثمان: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا عنه - نصر المقدسي في الحجة كر). 6 - عن محمد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطاب الى أبي موسى الأشعري أن لا تجالسوا صبيغا، وأن يحرم عطاءه ورزقه. ابن الأنباري في المصاحف كر). 7 - عن إسحاق بن بشر القريشي قال أخبرنا ابن إسحاق قال جاء رجل الى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين ما النازعات غرقا، فقال عمر من أنت ؟ قال امرؤ من أهل البصرة من بني تميم ثم أحد بني سعد، قال من قوم جفاة، أما إنك لتحملن الى

[ 211 ]

عاملك ما يسوءك، ولهزه حتى فرت قلنسوته، فإذا هو وافر الشعر، فقال أما إني لو وجدتك محلوقا ما سألت عنك، ثم كتب الى أبي موسى، أما بعد فإن الأصبغ بن عليم التميمي تكلف ما كفي وضيع ما ولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه. ثم التفت الى القوم فقال: إن الله عزوجل خلقكم وهو أعلم بضعفكم فبعث إليكم رسولا من أنفسكم وأنزل عليكم كتابا، وحد لكم فيه حدودا أمركم أن لا تعتدوها، وفرض عليكم فرائض أمركم أن تتبعوها، وحرم حرما نهاكم أن تنتهكوها. وترك أشياء لم يدعها نسيانا، فلا تكلفوها وإنما تركها رحمة لكم ! قال فكان الاصبغ بن عليم يقول قدمت البصرة فأقمت بها خمسة وعشرين يوما، وما من غائب أحب الي أن ألقاه من الموت، ثم إن الله ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فأتيت أبا موسى وهو على المنبر، فسلمت عليه فأعرض عني فقلت أيها المعرض إنه قد قبل التوبة من هو خير منك ومن عمر، إني أتوب الى الله عزوجل مما أسخط أمير المؤمنين وعامة المسلمين، فكتب بذلك الى عمر، فقال صدق، إقبلوا من أخيكم ! ! 8 - وروى في كنز العمال ج 2 ص 510 (عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي الى عمربن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين: أخبرني عن الذاريات ذروا، فقال: هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الحاملات وقرا، قال: هي السحاب ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال: فأخبرني عن الجاريات يسرا قال: هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته، قال فأخبرني عن المقسمات أمرا، قال: هي الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب الى أبي موسى الأشعري: إمنع الناس من مجالسته، فلم يزالوا كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا، فكتب في ذلك الى عمر، فكتب عمر ما إخاله إلا قد صدق فخل بينه وبين مجالسة الناس - البزار قط في الافراد وابن مردويه - كر).

[ 212 ]

9 - وفي كنز العمال ج 11 ص 296 (مسند عمر، عن صبيغ بن عسل قال: جئت عمر بن الخطاب زمان الهدنة وعلى غديرتان وقلنسوة فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج من المشرق حلقان الرؤوس يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، طوبى لمن قتلوه وطوبى لمن قتلهم ! ثم أمر عمر أن لا أداوى ولا أجالس - كر). 10 - وفي الدر المنثور ج 2 ص 7 (وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل... - وأخرج الدارمي عن نافع أن صبيغا العراقي... الخ. 11 - وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره. 12 - وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ونصر المقدسي في الحجة وابن عساكر، عن السائب بن يزيد أن رجلا قال قال لعمر إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن ! فقال عمر: اللهم أمكني منه، فدخل الرجل يوما على عمر فسأله، فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ثم قال ألبسوه تبانا واحملوه على قتب وأبلغوا به حيه، ثم ليقم خطيب فليقل إن صبيغا طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم. 13 - وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن عمر كتب الى أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغا، قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا. 14 - وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال: كتب عمر بن الخطاب الى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغا، وأن يحرمه عطاءه ورزقه. 15 - وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجئ الى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه، فتناديهم الحلقة الأخرى عزمة أمير المؤمنين عمر، فيقومون ويدعونه.

[ 213 ]

16 - وأخرج نصر في الحجة عن أبي إسحق أن عمر كتب الى أبي موسى الأشعري: أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما خفي وضيع ماولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه. 17 - وأخرج الهروي في ذم الكلام عن الأم للشافعي رضي الله عنه قال: حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على علم الكلام ! ! 18 - وفي الدر المنثور ج 3 ص 161 (وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال الفرس من النفل والسلب من النفل، فأعاد المسألة فقال ابن عباس ذلك أيضا، قال الرجل الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي ؟ فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر، وفي لفظ فقال: ما أحوجك الى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه !). 19 - وفي الدر المنثور ج 6 ص 111 (وأخرج البزار والدارقطني في الإفراد وابن مردويه وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: جاء صبيغ التميمي الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال أخبرني عن الذاريات ذروا... الخ. 20 - وأخرج الفريابي عن الحسن قال سأل صبيغ التميمي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الذاريات ذروا وعن المرسلات عرفا وعن النازعات غرقا ؟ فقال عمر رضي الله عنها: إكشف رأسك فإذا له ضفيرتان، فقال: والله لو وجدتك محلوقا لضربت عنقك ! ثم كتب الى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه مسلم ولا يكلمه !). 21 - وفي إكمال الكمال ج 5 ص 221 (وأما صبيغ بالصاد المهملة وغين معجمة فهو صبيغ بن عسل الذي كان يسأل عمر عن غريب القرآن. 22 - وفي إكمال الكمال ج 6 ص 206 (وعسل بن عبد الله بن عسل التميمي، حدث عن عمه صبيغ بن عسل قال: جئت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه -

[ 214 ]

وهو الذي كان يتتبع مشكل القرآن فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يجالس، وقال يحيى بن معين: هو صبيغ ابن شريك من بني عمرو بن يربوع، روى خالد بن نزار عن عمر بن قيس عن عسل. وقال في هامشه: في الأصل (كتب، وفي الإصابة) روى الخطيب من طريق عسل بن عبد الله بن عسيل (كذا) التميمي عن عطاء بن أبي رباح عن عمه صبيغ بن عسل قال جئت عمر فذكر قصة ثم قال: الضمير في قوله عن عمه يعود على عسل. وربيعة بن عسل أحد بني عمرو بن يربوع بن حنظلة - ذكره ابن الكلبي في جمهرة بنى تميم. وأما عسل بفتح العين والسين فهو عسل بن ذكوان، أخباري) انتهى. والأخباري في ذلك الوقت هو المؤرخ في عصرنا. 23 - وفي معجم البلدان ج 4 ص 124 (عسل: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وآخره لام، يقال: رجل عسل مال كقولك ذو مال، وهذا عسل هذا وعسنه أي مثله، وقصر عسل: بالبصرة بقرب خطة بني ضبة، وعسل: هو رجل من بني تميم من ولده صبيغ بن عسل الذي كان يتتبع مشكلات القرآن فضربه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وأمر أن لا يجالس). الصيغة القضائية لقضية صبيغ المتهم: صبيغ التميمي رئيس عشيرة صغيرة من مراد من تميم تسكن في البصرة، وكان يقرأ ويكتب وعنده بعض الكتب، أي كان متعلما أو مثقفا، وكان جده أو أبوه مؤرخا. التهمة: ثبت عند الخليفة أن المتهم سأل عن أمور محدثة، يعني أسئلة دينية جديدة لم يسأل أحد عنها سابقا، كما في الوثيقة رقم 2، أو عن متشابه القرآن أو مشكل القرآن أو غريب القرآن، كما في الوثيقة رقم 1 و 3 و 12 و 22 و 23 أو عن حرف من القرآن كما في الوثيقة رقم 11 أو عن معنى الذاريات كما في الوثيقة رقم 3 و 5 و 8 و 19 أو عن معنى النازعات كما في الوثيقة رقم 5 و 7 و 20 أو عن معنى الجواري الكنس كما في الوثيقة رقم 4.. وقد ذكرت المصادر أنه طرح هذه الأسئلة على بعض الناس عندما كان مجندا في مصر كما في الوثيقة رقم 2 وأنه جاء الى عاصمة الخلافة

[ 215 ]

ليسأل الخليفة عن ذلك كما في الوثيقة رقم 1 و 7 و 8 و 9 و 19 و 22، ولم تذكر أنه طرح أي أفكار مخالفة للعقيدة أو أنه أثر على أحد من الناس. الحكم: حيث أن المتهم سأل عن أمور محدثة سكت عنها القرآن، كما في الوثيقة رقم 2، وقد ثبت ذلك عليه جهارا نهارا في محضر الخليفة وتحت سمعه وبصره ! وحيث أنه بذلك اعتدى على الخليفة وعلى حدود الله تعالى، وتكلف البحث فيما تركه الله وما خفي من أمور الدين ! وحيث أنه بذلك ضيع ماولي وما وجب عليه من أداء واجباته الدينية كما في الوثيقة رقم 3 و 7 و 12 و 16 ! لذلك حكم عليه الخليفة بما هو آت: أولا: القبض على المتهم صبيغ التميمي بكل وسيلة وإحضاره الى العاصمة، وإن هرب من يد الرسول الذي أحضره فعليه العقوبة لتقصيره في تسليمه، كما في الوثيقة رقم 2. ثانيا: تعد له حزمة من عراجين النخل الرطبة قبل حضوره كما في الوثيقة رقم 1 و 2 و 10 و 12، فيضرب بها على رأسه المكشوف وبدنه حتى يسيل الدم على رأسه كما في الوثيقة رقم 1 وحتى يجري دمه على ظهره كما في الوثيقة رقم 2 و 11 ويسيل على عقبيه كما في الوثيقة رقم 18 وحتى يصير ظهره مثخنا بجراح العراجين كما في الوثيقة رقم 2، ثم يرسل الى السجن حتى تبرأ جراحه، ثم يعاد ضربه بنفس الطريقة مرة ثانية، كما في الوثيقة رقم 2 و 8.. ثالثا: وحيث أن المتهم قد يسبب بعمله أن يفتح في الإسلام باب الأسئلة المحرمة، ولكي تكون العقوبة رادعة لأمثاله من المجرمين.. فقد أصدر الخليفة عليه حكمه بأن يلبس تبانا (لباس مثل الكيس) ويحمل على جمل الى عشيرته ويطاف به فيها وفي القبائل الأخرى ويشهر به وينادى عليه كما في الوثيقة رقم 3 و 12 ثم يقوم خطيب ويقول إن صبيغا ابتغى العلم فأخطأه كما في الوثيقة رقم 3 و 12 وتكلف ما كفي وما خفي رقم 7 و 16 وأن يحرم رزقه وعطاءه من بيت المال كما في الوثيقة رقم 6 و 14

[ 216 ]

وأن لا يجالسه أحد، كما في أكثر الوثائق، وأن لا يبايعه، أحد وإن مرض فلا يعوده أحد وإن مات فلا يشهد أحد جنازته، كما في الوثيقة رقم 16 وغيرها. رابعا: أما إذا تاب صبيغ وأناب، فينتظر به سنة كما ذكر الفقهاء المدافعون عن الخليفة، حتى يطمأن بأن توبته صادقة وأنه ترك الأسئلة المحرمة، فإن ثبت للخليفة حسن توبته، يطلب من المسلمين الذين أساء إليهم المجرم صبيغ بأسئلته، أن يعفوا عنه ويقبلوا من أخيهم توبته كما في الوثيقة رقم 7 ! ! تحليل قضية صبيغ إن قصة صبيغ التميمي تثير التعجب والتساؤل عن ذنب الرجل ؟ وهل السؤال عن معنى آيات القرآن حرام ؟ وإذا كان حراما، فهل جزاؤه الشرعي هذا الجزاء القاسي ؟ ! أم أن في الأمر شيئا آخر ؟ حاولت أن أجد في حيثيات الحكم الذي أصدره الخليفة ما يبرره.. فلم أجد ! وبحثت عن وجود تهمة غير السؤال على صبيغ، فقد يكون زنديقا، أو جاسوسا، أو مبتدعا في الدين له شخص واحد يتبعه.. فما وجدت إلا أنه كان يتساءل عن مشكلات القرآن، حتى أتى الى الخليفة يسأله ! ! ظاهر المسألة أنها دينية صرفة وأن صبيغا من أهل البحث والجدل، فأراد الخليفة أن يسد باب البحث والجدل ويحذر المسلمين من ذلك، فقد كان يتبنى خط تحريم البحث في معاني القرآن وموضوعاته، وحتى في تفسير ألفاظه ومفرداته، كما نرى في روايات أخرى ! وحسب الأصول القضائية والشرعية لابد أن نبقى متمسكين بدلالة ظاهر النص حتى نجد قرائن توجب الاطمئنان بخلافه. وقد فهم الإمام الشافعي قضية صبيغ على ظاهرها هذا كما رأيت في الوثيقة رقم 17، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 10 ص 29: (الزعفراني وغيره: سمعنا الشافعي يقول: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الابل، ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام.

[ 217 ]

وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي: قال الشافعي: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط، وتشريدهم في البلاد. قلت: لعل هذا متواتر عن الإمام) انتهى. ولكن كيف يحكم الشافعي على صبيغ بأنه ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام ؟ ! فأسئلته لاتدل على ذلك ؟ وحيثيات حكم الخليفة لا تتضمن شيئا من ذلك ؟ ! على أن الشافعي دافع عن ضرب الخليفة لصبيغ فقط، لكن تبقى فتوى الخليفة بقتله لو كان حلق رأسه، وفتواه بعدم قبول توبته إلا بعد سنة.. وستعرف أن الشافعي خالف فيهما الخليفة، فلا يجوز قتال الخوارج عنده ما لم يشهروا السلاح ضد الدولة، كما أن التوبة تقبل عنده رأسا ! محاولة جعل صبيغ من الخوارج حاول محبوا الخليفة في بعض مصادر الفقه والتراجم أن يتهموا صبيغا بأنه كان خارجيا، ولكن الخوارج بدأ وجودهم في زمن الإمام علي عليه السلام بعد زمان الخليفة عمر وعثمان، فكيف يكون صبيغ خارجيا قبل الخوارج ؟ ! وحتى لو كان للخوارج وجود فكري في ذلك الوقت فهو بدايات أفكار ومفاهيم تكونت لديهم بحكم أنهم قراء للقرآن لم تزد عن كونها أسئلة، ولنفرض أن أسئلة صبيغ منها، وأن أسئلة الوفد المصري منها.. فهل يستحقون هذه العقوبة.. وهل معالجة ظاهرتهم تكون بما فعله الخليفة ؟ ! قال ابن حجر في لسان الميزان ج 3 ص 439 (قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر: عبد الرحمن بن ملجم المرادي أحد بني مدرك، أي حي من مراد، شهد فتح مصر واختط بها - بني بها دارا - يقال إن عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه لأنه كان من قراء القرآن وكان فارس قومه المعدود فيهم بمصر، وكان قرأ على معاذ بن جبل وكان من العباد. ويقال إنه كان أرسل صبيغ بن عسل الى عمر يسأل عن مشكل القرآن. وقيل إن عمر كتب الى عمرو أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من

[ 218 ]

المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه، فوسع له فكان داره الى جنب دار ابن عديس. وهو الذي قتل علي بن ابي طالب رضي الله عنه). وقال السمعاني في الأنساب ج 1 ص 451 (التدؤلي: بفتح التاء المنقوطة باثنتين من فوقها وسكون الدال المهملة وهمزة الواو المضمومة في آخرها اللام، هذه النسبة الى تدؤل وهو بطن من مراد من جملتهم عبد الرحمن بن ملجم المرادي التدؤلي أحد بني تدؤل شهد فتح مصر واختط بها وخطته بالراية مع الأشراف، وله خطة أيضا مع قومه بمراد، وله مسجد هنالك معروف، يقال إن عمرو بن العاص أمره بالنزول بالقرب منه لأنه كان من قراء القرآن وأهل الفقه، وكان فارس تدؤل المعدود فيهم بمصر وكان قرأ القرآن على معاذ بن جبل، وكان من العباد، ويقال هو الذي كان أرسل صبيغ بن عسل التميمي الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسأله عما سأله من معجم القرآن، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب الى عمرو بن العاص أن قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلم الناس القرآن والفقه فوسع له مكان داره التي في الراية في الزيارتين الى جانب دار ابن عديس البلوي قاتل عثمان رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن ملجم هو الذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقتل ابن ملجم لعنه الله بالكوفة سنة أربعين وكان من شيعة علي رضي الله عنه، وخرج إليه الى الكوفة ليبايعه ويكون معه وشهد صفين معه، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دعا الناس الى البيعة فجاء ابن ملجم فرده، ثم جاء فرده، ثم جاء فبايعه، ثم قال علي رضي الله عنه: ما يحبس أشقاها ؟ ما يحبس أشقاها ؟ أما والذي نفسي بيده لتخضبن هذه وأخذ بلحيته من هذا وأخذ برأسه ثم تمثل: أشد دحياز يمك للموت فإن الموت آتيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا) انتهى. وهذان الخبران لا يفيدان تهمة لصبيغ ولا يثبتان غرضا سياسيا لأسئلته حتى لو كان قاصدا من مصر لطرحها على الخليفة. بل لو كان أرسله عبد الرحمن بن ملجم لكان احترمه الخليفة وما هجم عليه هذه الهجمة المنكرة، لأن ابن ملجم يومذاك كان مقربا عند الخليفة وقد أمر عمرا بن العاص أن يجعله معلما ومفقها للمسلمين في مصر..

[ 219 ]

ولعل هذا السبب في أن السمعاني روى دعوى إرسال ابن ملجم لصبيغ بلفظ (قيل) وكذلك ابن حجر. ثم لو كان صبيغ خارجيا لانضم إليهم عندما ظهروا، ولما روى عن الخليفة ذم الخوارج ووجوب قتلهم كما في الوثيقة رقم 10. ومع ذلك فهناك مؤشرات تفتح باب الإحتمال لأن تكون قضية صبيغ شخصية أو سياسية. فبعض روايات الحادثة تذكر أن الخليفة عرف صبيغا من سؤاله عن الذاريات كما في الوثيقة رقم 3 (حتى إذا فرغ قال يا أمير المؤمنين والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فقال عمر أنت هو، فقام إليه وحسر عن ذراعيه فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابا (تبانا) واحملوه على قتب...) وأنه كان أعد له العراجين أي عروق سعف النخل مسبقا كما في الوثيقة 1 و 11، فقد يكون صبيغ جاء الى المدينة سابقا وسأل الخليفة عن الذاريات فلم يعرف الخليفة جوابها، فذهب الى مصر يشهر بالخليفة بأنه لا يفهم القرآن، فكتب له ابن العاص بالخبر وأن جماعة من قراء القرآن في مصر يغتابون الخليفة ويتهمونه بأنه لا يعرف تفسير القرآن، ولا يطبق كثيرا من آياته ! فأمر ابن العاص أن يحضره وعرفه من سؤاله.. ويؤيد هذا الإحتمال ما رواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 145 والهندي في كنز العمال ج 2 ص 330 (عن الحسن أن ناسا لقوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك فقدم وقدموا معه فلقي عمر، فقال: يا أمير المؤمنين أن ناسا لقوني بمصر، فقالوا إنا نرى أشياء من كتاب الله أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك، فقال أجمعهم لي فجمعهم له، فأخذ أدناهم رجلا فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك أقرأت القرآن كله ؟ فقال: نعم: قال فهل أحصيته في نفسك ؟ قال لا، قال فهل أحصيته في بصرك ؟ قال لا، قال فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك ؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات وتلا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون

[ 220 ]

عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) هل علم أهل المدينة فيم قدمتم ؟ قالوا لا. قال لو علموا لوعظت بكم ! ! - ابن جرير). وقال في هامشه: لوعظت بكم أي خفقهم بالدرة أو غيرها حيث أن سؤالهم يترتب عليه بعض الشبهات في العقيدة الايمانية) انتهى. فهذه القصة تشبه قصة صبيغ في أن هؤلاء المصريين جاؤوا من مصر ليسألوا الخليفة عن آيات من القرآن فيها أوامر إلهية لا يرون تطبيقها في دولة الخليفة.. فكانت أسئلتهم إدارية سياسية، وقد أجابهم الخليفة بأن القرآن بحر لا يمكن إحصاؤه كله في الحفظ أو الفهم أو النظر الى صفحات كتابه في آن واحد ! فكيف يمكن لخليفة مثلي تطبيقه كله ! فارضوا بما ترون من تطبيقي وتطبيق عمالي منه ولا تثيروا علينا المشاكل، ولا تذكروا إشكالاتكم هذه أمام أحد، وإلا فالدرة وعراجين النخل حاضرة ! فقد أمر الخليفة بإغلاق باب البحث والسؤال عن تطبيق الدولة للقرآن تحت تهديد العقوبة.. وقول المعلق على كتاب كنز العمال إن أسئلة المصريين تستحق الضرب لأنها يترتب عليها بعض الشبهات في العقيدة الايمانية، قول لادليل عليه إلا التبرع بالدفاع عن عمر ! على أي حال، من المحتمل أن يكون صبيغا التميمي من نوع هؤلاء المصريين، ولكن لو صح هذا الاحتمال فهل يستحق تلك العقوبة ؟ ألم يكن تهديد الخليفة كافيا له كزملائه ؟ ! أم أن ذنب صبيغ أنه ليس مصريا، ولو كان مصريا لنجا بجلده ؟ ! ومن المحتمل أيضا أن السؤال عن الذاريات كانت له قصة في ذلك الوقت وكان مرتبطا بأسئلة أخرى، قال الصديق المغربي في كتابه فتح الملك العلي ص 75 (قال الحاكم في المستدرك... ثنا أبو الطفيل قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قام على المنبر فقال: سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي، قال فقام ابن الكوا فقال: يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا ؟ قال: الرياح، قال: فما الحاملات ؟ وقرا، قال: السحاب، قال: فما الجاريات يسرا ؟ قال: السفن، قال: فما المقسمات أمرا ؟ قال: الملائكة، قال: فمن الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم ؟ قال: منافقوا قريش، صححه الحاكم) انتهى.

[ 221 ]

ولكن لو صح هذا الإحتمال أيضا وكان مع أسئلتهم عن الذاريات أسئلة أخرى محرجة عن انحراف الأمة.. فهي لا تستحق العقوبة التي نزلت بصبيغ ! ! تحير الفقهاء في عقوبة صبيغ وقد تحير الفقهاء في توجيه حكم الخليفة على صبيغ، فحاولوا أن يثبتوا لسؤاله بعدا عقائديا سياسيا، قال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 73: (فصل: واختلفت الرواية عن أحمد في حلق الرأس فعنه أنه مكروه لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخوارج (سيماهم التحليق) فجعله علامة لهم وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف) انتهى. وقال في ج 10 ص 58 (فصل، وإذا أظهر قوم رأي الخوارج مثل تكفير من ارتكب كبيرة وترك الجماعة واستحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا أنهم لم يخرجوا عن قبضة الإمام ولم يسفكوا الدم الحرام، فحكي القاضي عن أبي بكر أنه لا يحل بذلك قتلهم ولاقتالهم، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور أهل الفقه... وأما من رأى تكفيرهم فمقتضى قوله أنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم)... وقول عمر لصبيغ لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، يعني لقتلتك، وإنما يقتله لكونه من الخوارج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيماهم التسبيد يعني حلق رؤوسهم) انتهى. يقصد ابن قدامة أن الخليفة كان يفتي بقتل من حلق رأسه لأن ذلك شعار الخوارج ! وهو توجيه غريب لحكم الخليفة على صبيغ، فأين كان الخوارج في زمن الخليفة عمر ؟ ومن روى هذا الحديث ؟ ومن صححه ؟ وكيف يمكن توجيه ما قاله وما فعله الخليفة عمر بحدث تاريخي بدأ بعد وفاته بربع قرن !. وينبغي الإلتفات هنا الى أن من عادة العرب عند العزم على شئ والاستماتة في سبيله أن يحلقوا رؤوسهم علامة على ذلك.. وقد ورد أن جماعة من الأنصار والمهاجرين جاؤوا الى علي عليه السلام بعد فراغه من مراسم جنازة النبي صلى الله عليه وآله

[ 222 ]

واعترضوا بشدة على عدم دعوته الى السقيفة وبيعة أبي بكر، وقالوا للإمام نحن معك وفي عنقنا لك بيعة أخذها النبي من الجميع يوم غدير خم، فقال لهم الإمام: إن كنتم صادقين فاغدوا إلي محلقين.. فجاءه منهم في الغد سبعة فقط أو ثلاثة، فأخبرهم أن النبي صلى الله عليه وآله أوصاه أن لا يتحرك إلا إذا اجتمع له أربعون رجلا ! فالخوارج لم ينشؤوا عادة حلق الرؤوس من عندهم، بل استفادوا من عرف عربي موجود استفاد منه قبلهم علي عليه السلام، فقد يكون الخليفة مثلا أراد أن يعرف هل أن صبيغا عضو في حركة حلقوا رؤوسهم وتعاهدوا على معارضة الخليفة، فيكون ذلك مؤشرا احتماليا آخر على أن قضية صبيغ سياسية. وهناك مؤشر ثالث وهو أن الشاكي صاحب التقرير على صبيغ هو عمرو بن العاص الذي كان فكره وعمله الأمور السياسية والتخطيط ضد هذا وذاك، ولم يعهد عنه اهتمام بالأمور الفكرية والعقائدية كالسؤال عن القرآن ! بل قد يكون هو الذي أرسل المصريين المعترضين الى الخليفة مع ولده عبد الله ليلاقوا جزاءهم ! هذا، ولكنها تبقى احتمالات، ويبقى الحكم على قضية صبيغ حسب ظاهرها كما فهمها الفقهاء وأنها قضية بحث وجدل في القرآن، أو قضية شخصية، أقوى من الحكم عليها بأنها سياسية، خاصة عندما نرى حياة صبيغ العادية غير السياسية.. فقد عاش بعد الخليفة ولم يظهر منه شئ مخالف لخط الخليفة ! وتحير الفقهاء في توبة صبيغ عن أي شئ كانت توبة صبيغ التميمي ؟ الظاهر أنها توبة عن السؤال فقط وفقط ! ! وقد تاب وهو تحت عراجين النخل وقال للخليفة: اعفني، سامحني، فقد كان في رأسي أسئلة أو تساؤلات، وذهب الذي كان في رأسي، وإني تائب الى الله واليك.. ولكن الخليفة لم يعفه ولم يقبل توبته إلا بعد أن دمر شخصيته وجعله ميتا في الأحياء ! فلماذا اشترط الخليفة مضي سنة من إعلان توبة صبيغ حتى يثبت صدقها، مع أن التوبة إما أن لا تقبل، وإما تقبل رأسا ؟ ! هذا ما حير فقهاء المذاهب الأربعة !

[ 223 ]

قال ابن قدامة في المغني ج 12 ص 80: (فصل: ظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يعتبر في ثبوت أحكام التوبة من قبول الشهادة وصحة ولايته في النكاح إصلاح العمل، وهو أحد القولين للشافعي، وفي القول الآخر يعتبر إصلاح العمل... ولأن عمر رضي الله عنه لما ضرب صبيغا أمر بهجرانه حتى بلغته توبته، فأمر أن لا يكلم إلا بعد سنة. ولنا: قوله عليه السلام: التوبة تجب ما قبلها، وقوله: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولأن المغفرة تحصل بمجرد التوبة فكذلك الأحكام، ولأن التوبة من الشرك بالاسلام لا تحتاج الى اعتبار ما بعده وهو أعظم الذنوب كلها، فما دونه أولى ! فأما الآية فيحتمل أن يكون الإصلاح هو التوبة وعطفه عليها لاختلاف اللفظين، ودليل ذلك قول عمر لأبي بكرة: تب أقبل شهادتك، ولم يعتبر أمرا آخر، ولأن من كان غاصبا فرد ما في يديه أو مانعا الزكاة فأداها وتاب الى الله تعالى قد حصل منه الإصلاح، وعلم نزوعه من معصيته بأداء ما عليه، ولو لم يرد التوبة ما أدى ما في يديه. ولأن تقييده بالسنة تحكم لم يرد الشرع به، والتقدير إنما يثبت بالتوقيف) انتهى. الى هنا تلاحظ أن كلام ابن قدامة كلام فقهي قوي.. ثم أخذ ينقض مبانيه التي أثبتها للتوبة فقال: (وما ورد عن عمر في حق صبيغ إنما كان لأنه تائب من بدعة وكانت توبته بسبب الضرب والهجران فيحتمل أنه أظهر التوبة تسترا بخلاف مسألتنا. وقد ذكر القاضي أن التائب من البدعة يعتبر له مضي سنة لحديث صبيغ رواه أحمد في الورع قال: ومن علامة توبته أن يجتنب من كان يواليه من أهل البدع، ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة. والصحيح أن التوبة من البدعة كغيرها إلا أن تكون التوبة بفعل يشبه الإكراه كتوبة صبيغ فيعتبر له مدة تظهر أن توبته عن إخلاص لا عن إكراه. وللحاكم أن يقول للمتظاهر بالمعصية تب أقبل شهادتك قال مالك لا أعرف هذا، قال الشافعي وكيف لا يعرفه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة، وقاله عمر لأبي بكرة ! !) انتهى.

[ 224 ]

وهكذا طبق الفقهاء على صبيغ أنه لابد أن تمضي عليه سنة ليعرف أنه (اجتنب من كان يواليه من أهل البدع ويوالي من كان يعاديه من أهل السنة) ولكن صبيغا لم يكن له فئة غير أهل السنة، وإن كان له فئة فكيف يعرف أنه اجتنبهم وهو ممنوع المجالسة والمكالمة الخ.. النتيجة والنتيجة أن صبيغا دفع في حياته ثمن أسئلته غاليا، ثم دفعها على يد الفقهاء من سمعته لأجل تبرير عمل الخليفة، فصار صاحب بدعة، وصار خارجيا مستحقا للعقوبة قبل ظهور الخوارج وتسميتهم خوارج بربع قرن أو أكثر.. كل ذلك بدون دليل عند أحد من هؤلاء الفقهاء إلا عمل الخليفة.. ويمكن أن يصير صبيغ بعد مدة رافضيا خبيثا، مع أني لم أجد له إشارة مدح واحدة في مصادر الشيعة ! ولكن لا يختلف الحال في غرض بحثنا، فسواء اعتبرنا قضية صبيغ قضية علمية أو عقائدية أو شخصية أو سياسية.. فإنها قضية تخدم تحريم البحث العلمي في القرآن والسؤال عن غوامضه وحتى عن معاني ألفاظه ومفرداته، كما نرى في نهي الخليفة عن البحث في معنى: وفاكهة وأبا.. وغيرها، وغيرها ! وإذا أردنا تطبيق أحكام الخليفة على صبيغ في عصرنا فيجب على الحاكم المسلم أن يجمع كتب التفسير ويحرقها، ثم يقيم الحد الشرعي على المفسرين وطلبة العلوم القرآنية، فيجلدهم حتى تسيل دماؤهم على رؤوسهم وظهورهم وأعقابهم، والأحوط أن يكون ذلك بجريد النخل الرطب، ثم يسجنهم حتى يبرؤوا، ثم يضربهم مرة ثانية وثالثة.. ثم يلبسهم تبابين ويركبهم في شاحنات ويطوفهم في مدنهم وقراهم.. ويحذر الناس من شرهم.. الى آخر أحكام الخليفة. هذا إذا كانت أسئلتهم بمقدار أسئلة صبيغ، أما إذا كانت أسئلتهم أكثر مثل طلبة المعاهد والجامعات الدينية في عصرنا، فيجب أن يحكم عليهم بالإعدام حتى يخلص الأمة من شرهم ! !

[ 225 ]

وفاكهة وأبا ؟ ! روى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 290 (.. عن أنس رضي الله عنه قال قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وفاكهة وأبا، فقال بعضهم هكذا، وقال بعضهم هكذا.. فقال عمر: دعونا من هذا آمنا به كل من عند ربنا. هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وروى في نفس المجلد ص 514 (... عن ابن شهاب أن أنس بن مالك رضي الله عنه أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، قال: فكل هذا قد عرفناه فما الأب ؟ ثم نفض عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر الله التكلف، اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) انتهى. وروى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 317 أن هذه القصة حدثت وكان الخليفة على المنبر، وأن رجلا سأل الخليفة عن معنى الأب، قال (وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان والخطيب والحاكم وصححه عن أنس أن عمر قرأ على المنبر فانبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا الى قوله وأبا قال: كل هذا قد عرفناه فما الأب ؟ ثم نفض عصا كانت في يده فقال: هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا ندري ما الأب. إتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه الى ربه. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن يزيد أن رجلا سأل عمر عن قوله وأبا، فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة ! وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال قرأ عمر وفاكهة وأبا فقال هذه الفاكة قد عرفناها فما الاب ؟ ثم قال: نهينا عن التكلف ! وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل أن عمر سئل عن قوله وأبا ما الأب ؟ ثم قال: ما كلفنا هذا أو ما أمرنا بهذا !) انتهى.

[ 226 ]

وروى في كنز العمال ج 2 ص 328 (عن أنس قال قرأ عمر وفاكهة وأبا، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فماالاب ؟ ثم قال: مه نهينا عن التكلف، وفي لفظ: ثم قال إن هذا لهو التكلف، يا عمر فما عليك ألا تدري ما الأب، إتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب واعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه الى عالمه - ص، ش، وأبو عبيد في فضائله، وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، ك، هب، وابن مردويه) انتهى. قد يأخذ بعضهم على الخليفة من هذه الروايات أنه لايعرف معنى بعض كلمات القرآن، ولكن هذا إنما يكون إشكالا على الذين يقولون بوجوب عصمة الإمام والخليفة ويشترطون أن يكون أعلم أهل زمانه، كما نعتقد نحن الشيعة في الائمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فلو أن هذه الحادثة كانت مع أحد منهم لكانت دليلا على عدم سعة علمه باللغة العربية وأضرت بعصمته.. ولكن إخواننا السنة لا يشترطون في الخليفة العصمة ولا الأعلمية على أهل زمانه، ويروون شهادات الخليفة عمر بأن عليا أقضى الصحابة أو أعلمهم. ولكن غرضنا من هذه النصوص أن نعرف موقف الخليفة عمر من البحث في القرآن ؟ فقد وردت فيه عبارات (هذا لعمر الله التكلف، اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب.. ثم قال: نهينا عن التكلف.. أن رجلا سأل عمر عن قوله وأبا، فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة !) فهل السؤال عن معنى كلمة قرآنية تكلف منهي عنه في الشريعة ؟ وهل يجوز للحاكم المسلم إذا رأى الصحابة أو العلماء يتناقشون في معنى كلمة أن يقبل عليهم ضربا بالسوط ؟ ! فهذه الحادثة التي اختصرنا من مصادرها، تدل على أن الخليفة كان يفتي بحرمة البحث العلمي في القرآن، ويعاقب عليه ! لكن روى البيهقي في سننه ج 4 ص 313 (عن ابن عباس قال كنت عند عمر وعنده أصحابه فسألهم فقال: أرأيتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر التمسوها في العشر الأواخر وترا، أي ليلة ترونها ؟ فقال بعضهم ليلة إحدى،

[ 227 ]

وقال بعضهم ليلة ثلاث، وقال بعضهم ليلة خمس، وقال بعضهم ليلة سبع، فقالوا وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تكلم ؟ فقلت إنك أمرتني أن لا أتكلم حتى يتكلموا، فقال: ما أرسلت إليك إلا لتكلم، فقلت: إني سمعت يذكر السبع فذكر سبع سموات ومن الأرض مثلهن وخلق الإنسان من سبع ونبت الأرض سبع. فقال عمر رضي الله عنه: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لم أعلم قولك نبت الأرض سبع ؟ قال قال عز وجل (إنا شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضبا، وزيتونا ونخلا، وحدائق غلبا) قال فالحدائق الغلب الحيطان من النخل والشجر. وفاكهة وأبا ؟ قال فالأب ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب والأنعام ولا يأكله الناس. قال فقال عمر رضي الله عنه لأصحابه: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه ؟ ! والله إني لأرى القول كما قلت) انتهى. فهذا الحديث يدل على أن الفتوى بتحريم التكلف وتفسير ألفاظ القرآن مختصة بالذين كانوا حول عمر، الذين يتكلمون رجما بالغيب، وأن ضربه لهم بالدرة كان بسبب ذلك، ولكنه في نفس الوقت أرسل الى ابن عباس وأحضره وسأله عن تفسيرها وقبله منه ووبخ أصحابه الذين لم يعرف أحد منهم معنى وأبا ! ! فيكون المأخذ على الخليفة في أسلوبه، وأنه كان الأولى أن يقول أنا وأنتم لا نعرف معنى وأبا، فينبغي أن نسأل من يعرف، ولا يحتاج الأمر الى النهي عن التكلف ولا الى.. الغضب والضرب بالدرة ! على أن ابن عباس إذا صحت عنه الرواية تكلف أيضا، وأفتى استحسانا بدون دليل ! نهي الخليفة عن السؤال عما لم يكن ! روى الدارمي في سننه ج 1 ص 50 (عن عمرو عن طاووس قال قال عمر على المنبر: أحرج بالله على رجل سأل عما لم يكن، فإن الله قد بين ما هو كائن) انتهى، وبمقتضى فتوى الخليفة يجب أن يصبر الحاكم والقضاة والناس حتى تقع الحوادث فيسألون أو يبحثون عن حكمها، ولا يجوز افتراض حادثة لم تقع وبحث حكمها الشرعي ! !

[ 228 ]

فضربه بالدرة وقال: مالك نقبت عنها ؟ ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 227 (وأخرج ابن راهويه في مسنده عن محمد بن المنتشر قال قال رجل لعمر بن الخطاب إنى لأعرف أشد آية في كتاب الله، فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال: مالك نقبت عنها ؟ ! فانصرف حتى كان الغد قال له عمر الآية التي ذكرت بالأمس فقال من يعمل سوء يجز به فما منا أحد يعمل سوء إلا جزى به، فقال عمر: لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب، حتى أنزل الله بعد ذلك ورخص وقال: من يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفور رحيما) انتهى. ولكن الخليفة لم يتراجع عن ضربه الرجل بالأمس بل أراد التأكيد على منهجه في تطمين الناس بالمغفرة والجنة مهما عملوا، ومنع تخويفهم بالعقاب، وقد هيأ للرجل الجواب في اليوم الثاني فجعل الآية 110 من سورة المائدة ترخيصا ونسخا للآية 123 منها، مع أن موضوعهما مختلف، ويلزم منه جعل المتقدم ناسخا للمتأخر.. الى آخر البحث وسيأتي في فصل الثقافة اليهودية ما ينفع في ذلك.

[ 229 ]

الفصل الثامن قصة الأحرف السبعة وجمع القرآن

[ 231 ]

قصة الأحرف السبعة وجمع القرآن هل كان يوجد شئ اسمه مشكلة جمع القرآن ؟ ! حاولت أكثر روايات جمع القرآن، أن تثبت أنه لم يكن مجموعا كله في كتاب واحد (مصحف) من عهد النبي صلى الله عليه وآله، وأنه كان موزعا سورا وآيات مكتوبة عند هذا وذاك على (العسب والرقاع واللخاف وصدور الرجال) كما يقول زيد بن ثابت في رواية البخاري ج 8 ص 119. غير أن المتتبع في مصادر الحديث والتاريخ يجزم بأن القرآن كان مجموعا في مصحف من عهد النبي صلى الله عليه وآله، وأن نسخه كانت موجودة في بيت النبي، وفي مسجده، وعند كثيرين.. كما كان محفوظا في صدور العديد من الصحابة من أهل بيت النبي وغيرهم ! ! وأن المشكلة كانت مشكلة الدولة التي خافت من اعتماد نسخة من القرآن مكتوبة، لتكون النسخة الرسمية لجميع المسلمين.. فالدولة، والدولة هنا تعني الخليفة عمر، رفضت نسخة القرآن التي جاءها بها علي بن أبي طالب عليه السلام.. كما نهت الأنصار أن يقدموا نسخة قرآن على أنها النسخة المعتمدة، لأن ذلك برأيه من حق الدولة وحدها.. ومن جهة ثانية، لم تقم بنسخ القرآن المتداول في أيدي الناس بعدة نسخ وإرسالها الى الأمصار، لأنها لا تريد أن تعتمد نسخة معينة..

[ 232 ]

ومن جهة ثالثة، قامت بتشكيل لجنة لجمع القرآن، مكونة من الخليفة عمر وزيد بن ثابت.. وطال عمل هذه اللجنة ولم تقدم الى المسلمين نسخة القرآن، بل بقيت النسخة التي جمعتها بيد الخليفة عمر.. لذلك بقيت الدولة الإسلامية بلا نسخة رسمية للقرآن طوال عهد أبي بكر وعمر، وكانت تجيب على اختلاف الناس في قراءة نص القرآن برواية الأحرف السبعة.. حتى تفاقمت المشكلة وكادت تنفجر.. فنهض بالأمر الخليفة عثمان وكتب نسخة القرآن الفعلية في سنة 25 هجرية ! ! والأدلة على أن القرآن كان مجموعا من عهد النبي صلى الله عليه وآله كثيرة.. نذكر منها أولا الأدلة التمهيدية التي تثبت أن الكتابة كانت ميسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله بل وقبله، خاصة في المدن.. وترد ادعاء الباقلاني وغيره الذين برروا عمل السلطة بأن الكتابة لم تكن متيسرة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد الخليفتين أبي بكر وعمر، ثم تيسرت في عهد الخليفة عثمان.. ! فإن عشرات النصوص بل مئاتها في المصادر، ترد هذا الإدعاء. فمن ذلك: آية الدين أطول آية في كتاب الله تعالى، التي أمر تعالى فيها مجتمع المدينة وعموم المسلمين بكتابة الديون حتى اليومية منها، فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا، فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو، فليملل وليه بالعدل.. الى آخر الآية الكريمة. ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وآله أول من دون الدواوين، وليس الخليفة عمر كما يذكر بعضهم، فقد كان عند النبي ديوان فيه أسماء كل المسلمين، وديوان فيه أسماء المجاهدين.. قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 33: (... عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: أكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا نخاف ونحن ألف وخمسمائة ؟ ! فلقد رأيتنا ابتلينا حتى أن الرجل ليصلي وحده وهو خائف !

[ 233 ]

... عن الأعمش فوجدناهم خمسمائة قال أبو معاوية ما بين ستمائة الى سبعمائة.... عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني كتبت في غزوة كذا وكذا وامرأتي حاجة قال: إرجع فحج مع امرأتك !) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 10 ص 48: (عن طارق بن شهاب قال: قدم وفد بجيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: أكتبوا البجليين وابدؤوا بالأحمسيين). ورواه أحمد في ج 4 ص 315 لكن فيه (اكسوا) بدل (اكتبوا) ولابد أن يكون أحدهما تصحيفا. ومن ذلك: أن أشخاصا كانوا يكتبون حديث النبي صلى الله عليه وآله، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص.. ففي صحيح البخاري ج 1 ص 36: (... وهب بن منبه عن أخيه قال سمعت أبا هريرة يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله ابن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب). وفي مسند أحمد ج 2 ص 171: (... عبد الرحمن الحبلي حدثه قال أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسا وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا يقول: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شئ وإله كل شئ، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون، أعوذ بك من الشيطان وشركه وأعوذ بك أن اقترف على نفسي إثما أو أجره على مسلم. قال أبو عبد الرحمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام). ومن ذلك: أن البدوي كان يطلب كتابة خطبة النبي صلى الله عليه وآله فيكتبونها له.. ففي صحيح البخاري ج 1 ص 36 وج 3 ص 95:

[ 234 ]

(... فجاء رجل من أهل اليمن فقال أكتب لي يا رسول الله، فقال: اكتبوا لأبي فلان). ومن ذلك: أن تعليم الصبيان الكتابة كان متعارفا، ففي صحيح البخاري ج 3 ص 209: (... حدثنا عبد الملك بن عمير قال سمعت عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة). ومن ذلك: أن الكتابة وطلب التعلم كان في الأنصار قبل الإسلام.. فقد روى مسلم في صحيحه ج 8 ص 231: (... عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه غلام له معه ضمامة من صحف...). ورواه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 28 فقال: (عن عبادة بن الصامت قال خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه غلام له وعليه برد معافري وعلى غلامه برد معافري ومعه ضبارة صحف..). ومن ذلك: أنهم كانوا يشبهون الوجه الحسن الحيوي بورقة المصحف.. قال البخاري في صحيحه ج 1 ص 165: (حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم). ورواه مسلم في صحيحه ج 2 ص 24 وأحمد في مسنده ج 3 ص 110 وص 196.. وغيره.. وجاء في مستدرك الحاكم ج 3 ص 640 قول صهر معاوية الذي طلق ابنته (... فنظرت فإذا أنا شيخ وهي شابة لا أزيدها مالا الى مالها ولا شرفا الى شرفها، فرأيت أن أردها إليك لتزوجها فتى من فتيانك كأن وجهه ورقة مصحف).

[ 235 ]

ومن ذلك: أن دباغة الجلد للكتابة عليه كانت أمرا معروفا عاديا، فقد اشترى عمر جلدا وكتب عليه التوراة.. قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 148: (وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه، فقال للرجل أكتب لي من هذا الكتاب. قال نعم، فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال: ثكلتك أمك يابن الخطاب ! أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم، وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارا، فلا يهلكنكم المتهوكون). ومن ذلك: أن عادة وضع القلم وراء الأذن كانت من ذلك الزمان.. قال أحمد في مسنده ج 5 ص 193: (... عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، قال فكان زيد يروح الى المسجد وسواكه على أذنه بموضع قلم الكاتب، ما تقام صلاة إلا استاك قبل أن يصلي). وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 356 رواية لا يصححها علماء الشيعة ولا السنة، ولكنها تدل على المقصود، قال: (عن عائشة قالت لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم دق الباب داق فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنظروا من هذا قالوا معاوية قال ائذنوا ودخل وعلى أذنه قلم يخط به، فقال ما هذا القلم على أذنك يا معاوية، قال قلم أعددته لله ولرسوله فقال جزاك الله عنا خيرا...). ومن ذلك: أن بعضهم كان يكتب أسئلته ويرسلها يستفتي بها.. فقد روى البيهقي في سننه ج 9 ص 241: (... عبد الله بن أبي الهذيل قال أمرني ناس من أهلي أن أسأل لهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن أشياء فكتبتها في صحيفة فأتيته لأسأله فإذا عنده ناس يسألونه

[ 236 ]

فسألوه حتى سألوه عن جميع ما في صحيفتي وما سألته عن شئ، فسأله رجل أعرابي فقال إني مملوك أكون في إبل أهلي فيأتيني الرجل يستسقيني فأسقيه.. ؟) ومن ذلك: أن نظام الكمبيالات أول ما ظهر في العالم في المدينة المنورة في زمن عثمان.. فقد روى مالك في الموطأ ج 2 ص 641: (وحدثني عن مالك، أنه بلغه أن صكوكا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم، قبل أن يستوفوها فدخل زيد بن ثابت ورجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مروان بن الحكم فقالا: أتحل بيع الربا يا مروان ؟ فقال أعوذ بالله وما ذاك ؟ فقالا هذه الصكوك تبايعها الناس ثم باعوها قبل أن يستوفوها. فبعث مروان الحرس يتبعونها ينزعونها من أيدى الناس ويردونها الى أهلها). كل ذلك يدل على أن الكتابة في زمن النبي صلى الله عليه وآله كانت أمرا شائعا، وكان الناس عامة مدركين لفائدتها وضرورتها خاصة في الأمور المهمة، فكيف جوز هؤلاء الرواة والباحثون على النبي صلى الله عليه وآله، مع إيمانهم ببعد نظره وعمق تفكيره وتسديده بوحي الله تعالى، أن لا يهتم بكتابة القرآن ونشر نسخه في مصاحف، والقرآن هو كتاب الدعوة الإلهية ومعجزتها، والذي بواسطته كان النبي والمسلمون يدعون الناس الى الإسلام.. ؟ ! ! بلى.. إن الأحاديث الكثيرة تشهد بأن نسخ القرآن كانت موجودة من عهده صلى الله عليه وآله ومنتشرة في أيدي الرجال والنساء، في المدينة وفي بقية بلاد الجزيرة.. وأنهم كانوا يضيفون الى نسخهم السور والآيات الجديدة عند ما تنزل.. ولا مجال لادعاء الزركشي وغيره بأن النبي والمسلمين لم يكتبوا القرآن في عهده صلى الله عليه وآله بحجة أنهم كانوا ينتظرون اكتمال نزوله ! ! قال في البرهان ج 1 ص 262 (وإنما لم يكتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصحف لئلا يفضي الى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته الى أن كمل نزول القرآن بموته صلى الله عليه وسلم) فهذا المؤلف يتكلم عن التغيير في القرآن كأنه كتاب

[ 237 ]

تحت التأليف لأمثاله، ينتظر الناشرون اكتماله لينشروا نسخته ! ولكن السورة الواحدة من القرآن كانت حدثا عقائديا وفكريا وسياسيا، وكان المسلمون يستقبلون نزولها بأرواحهم قبل ألسنتهم، ويكتبونها لأنفسهم ولدعوة الناس بها الى الإسلام ! ثم إذا نزلت آية أو سورة جديدة كتبوها أيضا ! ومما يدل على ذلك: ما رواه الترمذي في سننه ج 4 ص 140: (... عن أبي الدرداء قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره الى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ! قال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم ؟ !). ورواه أحمد في مسنده ج 5 ص 266 وفيه تصريح أوضح بوجود المصاحف، قال: (... عن أبي إمامة الباهلي قال لما كان في حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جمل آدم فقال: يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم وقد كان أنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم، عفا الله عنها والله غفور حليم. قال فكنا نذكرها كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، قال فأتينا اعرابيا فرشوناه برداء قال فاعتم به حتى رأيت حاشية البرد خارجة من حاجبه الأيمن، قال ثم قلنا له سل النبي صلى الله عليه وسلم، قال فقال له: يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا ؟ ! قال فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب قال فقال: أي ثكلتك أمك، وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم ! ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، ثلاث مرار !). ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 199، وروى عدة روايات بمعناه.

[ 238 ]

ويدل عليه أيضا: أن الرجل المسلم كان يأتي بالورق الى النبي صلى الله عليه وآله فيأمر النبي الصحابة فينسخوا له القرآن.. فقد روى البيهقي في سننه ج 6 ص 16: (... ثنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال كانت المصاحف لاتباع، كان الرجل يأتي بورقه عند النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب، ثم يقوم آخر فيكتب، حتى يفرغ من المصحف !). فقد كان الورق موجودا إذن.. فأين ما تصوره الروايات من انعدام الورق، وأن وسائل الكتابة كانت على الأحجار الرقاق والعظام والخشب.. ؟ ! ويدل عليه أيضا: ما روته مصادرنا عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام وأيدته مصادر إخواننا.. فقد روى الكليني في الكافي ج 5 ص 121: (... عن غالب بن عثمان، عن روح بن عبد الرحيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن شراء المصاحف وبيعها فقال: إنما كان يوضع الورق عند المنبر وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمر الشاة أو رجل منحرف قال: فكان الرجل يأتي ويكتب من ذلك. ثم إنهم اشتروا بعد ذلك. قلت: فما ترى في ذلك ؟ قال لي: أشتري أحب إلي من أن أبيعه، قلت: فما ترى أن أعطي على كتابته أجرا ؟ قال: لا بأس ولكن هكذا كانوا يصنعون). ورواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام ج 6 ص 366: (... عن عاصم بن حميد عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله عن بيع المصاحف وشرائها فقال: إنما كان يوضع عند القامة والمنبر قال: وكان بين الحائط والمنبر قيد ممر شاة ورجل وهو منحرف، فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة ويجئ آخر فيكتب السورة وكذلك كانوا، ثم إنهم اشتروا بعد ذلك. فقلت فما ترى في ذلك ؟ فقال: أشتريه أحب الى من أن أبيعه). وروى مسلم في صحيحه أنه كان يوجد مكان في مسجد النبي صلى الله عليه وآله يسمى (مكان المصحف) وهو مؤيد لما تقدم عن الإمام الصادق عليه السلام.. قال مسلم في ج 2 ص 59:

[ 239 ]

(... عن يزيد يعني ابن أبي عبيد عن سلمة وهو ابن الأكوع أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة). ورواه البخاري، ولكن جعل المكان عند الأسطوانة ولم يذكر مكان المصحف، قال في صحيحه ج 1 ص 127: (حدثنا يزيد بن أبي عبيد قال كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة ؟ قال فإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها). ورواه ابن ماجة في ج 1 ص 459 وفيه (أنه كان يأتي الى سبحة الضحى فيعمد الى الأسطوانة دون المصحف، فيصلي قريبا منها). وروى أحمد في مسنده في ج 4 ص 49 رواية البخاري. وروى في ج 4 ص 54 رواية مسلم. وروى البيهقي في سننه ج 2 ص 271 وج 5 ص 247 رواية البخاري. ويدل عليه أيضا: ما روي من أن الكتاب كانوا يرتبون الآيات والسور في مصاحفهم بأمر النبي صلى الله عليه وآله.. فقد روى أحمد في مسنده ج 5 ص 185 (... عبد الرحمن بن شماسة أخبره أن زيد بن ثابت قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال طوبى للشام، قيل ولم ذلك يا رسول الله ؟ قال إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه). ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 229، فقال: (... عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله طوبى للشام، فقلنا لأي شئ ذاك ؟ فقال لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفيه البيان الواضح أن جمع القرآن لم يكن مرة واحدة، فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق، والجمع الثالث هو في ترتيب السور كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين).

[ 240 ]

ورواه في ج 2 ص 611 بدون الإضافة عن الشام، قال: (... عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله نؤلف القرآن من الرقاع. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وفيه الدليل الواضح أن القرآن إنما جمع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). ويدل عليه أيضا: أن الإعجاب بالقرآن كان يجعل الشبان يقبلون على قراءته والتأمل فيه، وكانت نسخه عندهم.. فقد روى أحمد في مسنده ج 2 ص 173: (... عن عبد الله بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن له فقال: يا رسول الله أن ابني هذا يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: م اتنقم أن ابنك، يظل ذاكرا، ويبيت سالما) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 2 ص 270 ويدل عليه أيضا: ما ورد من استحباب كتابة المصحف وتوريثه لتكون نسخته صدقة جارية.. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 67: (عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة يجري للعبد أجرهن من بعد موته وهو في قبره: من علم علما أو كرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بني مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته). ويدل عليه أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن يسافر بالقرآن الى أرض العدو، لأنهم قد يهينونه.. ففي سنن أبي داود ج 1 ص 587: (باب في المصحف يسافر به الى أرض العدو... عن نافع، أن عبد الله بن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن الى أرض العدو، قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو). ويدل عليه أيضا: الحكم الشرعي بعدم جواز مس المصحف لغير المتطهر، وقد روته مصادر الشيعة والسنة عن النبي صلى الله عليه وآله، كالذي رواه البيهقي في سننه ج 1 ص 309:

[ 241 ]

(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم.. فذكر الحديث وفيه قال: ولا يمس القرآن إلا طاهر). وفي هذا الحديث دلالة على اهتمام النبي صلى الله عليه وآله بتدوين الأحكام وإرسالها الى الأمصار.. ومن باب أولى أن يرسل لهم نسخة القرآن.. بل يدل الحديث على وجود نسخة المصحف في اليمن، أو أن النبي أرسلها مع كتاب الفرائض والسنن والديات المذكور.. وإلا لما صح أن يذكر لهم حرمة مسه لغير المتوضئ. وفيه دلالة أيضا على أن القرآن يستعمل في حديث النبي صلى الله عليه وآله بمعنى المصحف كما تقدم ويأتي. ويدل عليه أيضا: الحكم الشرعي باستحباب قراءة القرآن في المصحف حتى لمن يحفظه، قال البخاري في صحيحه ج 1 ص 170: (باب إمامة العبد والمولى وكانت عائشة يؤمها عبدها ذكوان من المصحف، وولد البغي والأعرابي والغلام الذي لم يحتلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله ولا يمنع العبد من الجماعة بغير علة). وقال مالك في المدونة الكبرى ج 1 ص 224: (عن ابن شهاب قال كان خيارنا يقرؤن في المصاحف في رمضان وأن ذكوان غلام عائشة كان يؤمها في المصحف في رمضان. وقال مالك والليث مثله). وقال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 613: (وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة به إذا لم يكن حافظا لأنه عمل طويل، وقد روى أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف بإسناده عن ابن عباس قال نهانا أمير المؤمنين أن نؤم الناس في المصاحف وأن يؤمنا إلا محتلم. وروي عن ابن المسيب والحسن ومجاهد وابراهيم وسليمان بن حنظلة والربيع كراهة ذلك، وعن سعيد والحسن قالا تردد ما معك من القرآن ولا تقرأ في المصحف، والدليل على جوازه ما روى أبو بكر الأثرم وابن أبي داود بإسنادهما عن عائشة أنها كانت يؤمها عبد لها في المصحف،

[ 242 ]

وسئل الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال كان خيارنا يقرؤون في المصاحف !). وعقد الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 165 بابا بعنوان: (باب القراءة في المصحف وغيره. عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قراءة الرجل في غير المصحف ألف درجة وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك ألفي درجة. رواه الطبراني وفيه أبو سعيد بن عون وثقه ابن معبد في رواية وضعفه في أخرى، وبقية رجاله ثقات. وعن عبد الله بن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف. رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف). وقال ابن أبي شيبة في المصنف ج 7 ص 180: (... عن علقمة قال: أمسكت على عبد الله في المصحف فقال كيف رأيت ؟ قلت قرأتها كما هي في المصحف إلا حرف كذا قرأته كذا وكذا). وقال في ص 191: (حدثنا معتمر عن ليث قال: رأيت طلحة يقرأ في المصحف). ويدل عليه أيضا: ما ورد في كراهة بيع المصاحف، ومعناه أن نسخها كان رائجا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وبعده الى حد أن بعضهم اتخذ ذلك تجارة.. قال ابن قدامة في المغني ج 4 ص 277: (والصحابة أباحوا شراء المصاحف وكرهوا بيعها، وإن أعطى صاحب العمل هدية أو أكرمه من غير إجارة جاز، وبه قال الشافعي لما روي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كان إكراما فلا بأس) ! وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 710: (... حدثني عطية بن قيس: أن رجلا من أهل الشام خرج الى المدينة لكتب مصحف وخرج معه بطعام وإدام، في خلافة عمر رضي الله عنه، فكان يطعم الذين يكتبون، وكان أبي يختلف إليهم يمل عليهم، فقال له عمر رضي الله عنه: كيف

[ 243 ]

وجدت طعام الشامي ؟ قال: إني لأوشك إذا ما نشبت في أمر القوس، ما طعمت له طعاما ولا إداما). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 293: (وعن واصل قال أدركت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له ناجية الطفاوي وهو يكتب المصاحف فأتته امرأة فقالت جئت أسالك عن الصلاة...). وقال البيهقي في سننه ج 6 ص 17: (... ثنا يونس عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا ببيع المصاحف واشترائها.... عن الشعبي أنه سئل عن ذلك فقال إنما يبتغي ثمن ورقه وأجر كتابه.... ثنا مالك بن دينار قال دخل على جابر بن زيد وأنا أكتب فقلت كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء ؟ قال ما أحسن صنعتك تنقل كتاب الله عز وجل ورقة الى ورقة وآية الى آية وكلمة الى كلمة، هذا الحلال لا بأس به.... ثنا مالك بن دينار أن عكرمة باع مصحفا له، وأن الحسن كان لا يرى به بأسا). وقال في كنز العمال ج 2 ص 330: (عن عبادة بن نسي أن عمر كان يقول: لا تبيعوا المصاحف ولا تشتروها - ابن أبي داود). وقال النووي في المجموع ج 9 ص 252: (وعن عمر أنه كان يمر بأصحاب المصاحف فيقول بئس التجارة. وبإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق التابعي المجمع على جلالته وتوثيقه قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف. قال البيهقي وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرا. قال وروي عن ابن مسعود الترخيص فيه وإسناده ضعيف. قال وقول ابن عباس اشتر المصحف ولا تبعه، إن صح عنه يدل على جواز بيعه مع الكراهة، والله سبحانه وتعالى أعلم).

[ 244 ]

ويدل عليه أيضا: أحاديث ضبط جبرئيل القرآن على النبي صلى الله عليه وآله مرتين عام وفاته.. فلا معنى لهذا العمل إلا أن الله تعالى أمر نبيه أن يضبط نسخة القرآن على أحد من الأمة.. على شخص يشمله قول الله تعالى لنبيه سنقرؤك فلا تنسى أو على نسخ من القرآن مكتوبة.. وقد كانت العرضة الأخيرة بعد اكتمال نزول القرآن، فلم ينزل بعدها شئ حتى توفي صلى الله عليه وآله.. قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 101: (باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مسروق عن عائشة رضي الله عنها عن فاطمة رضي الله عنها: أسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي !... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة !... عن أبي هريرة قال كان يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض !). ويدل عليه أيضا: أن اقتناء نسخة من القرآن كان متعارفا عند الصحابة وغيرهم بكتابتها أو استكتابها.. مما يشعر بأن عملهم كان استمرارا للوضع الطبيعي الذي جروا عليه من عهد النبي صلى الله عليه وآله.. فقد روى مسلم في صحيحه ج 2 ص 112: (... عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها آذنتها فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين)

[ 245 ]

ورواه النسائي في سننه ج 1 ص 236 وأبو داود في سننه ج 1 ص 102 والترمذي في سننه ج 4 ص 285 وأحمد في مسنده ج 6 ص 73 وص 178 والبيهقي في سننه ج 1 ص 462 ورواه في نفس الصفحة والتي بعدها أيضا عن حفصة ! والطريف أن الهيثمي رواه في موضعين ووثقه، وفيه أن الكاتب هو غلام عمر والمكتوب له بنته.. فأي قرآن كان غير مجموع ويحتاج أن يجمعه زيد أو عمرو ؟ ! قال في مجمع الزوائد ج 6 ص 320 وج 7 ص 154: (... عن عمرو بن رافع مولى عمر بن الخطاب حدث أنه كان يكتب المصاحف في عهد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال فاستكتبتني حفصة مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة فلا تكتبها حتى تأتيني بها فأملها عليك كما حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما بلغتها جئتها بالورقة التي أكتبها فيها فقالت أكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين. رواه أبو يعلي ورجاله ثقات) انتهى. فلم تكن كتابة نسخة من القرآن تحتاج الى أكثر من تكليف كاتب لينسخها عن نسخته هو، أو عن إحدى النسخ الكثيرة الموجودة في أيدي الناس.. وليس في هذه الروايات الموثقات والصحيحات ذكر للعسب والرقاق واللخاف وصدور الرجال ! ولا ذكر للجلوس على باب المسجد وسؤال الناس عن آيات القرآن لجمعها ونسخها في مصحف ! بل ليس في هذه الرواية ذكر لنسخة القرآن التي جمعها الخليفة وأودعها عند بنته حفصة ! فإن كان استكتاب حفصة المذكور بعد جمع أبيها للقرآن، فلماذا أعرضت عن نسخة أبيها واستكتبت نسخة من المصحف المتداول ؟ ! وهل أن نسخة أبيها تختلف عن المصحف الرائج ؟ ! وإن كان ذلك قبل جمع أبيها للقرآن.. فما معنى قولهم إن القرآن كان موزعا متفرفا وأن جمعه كان عملا كبيرا صعبا ؟ ! ويدل عليه أيضا: كثرة الأحاديث التي ورد فيها ذكر نسخ الصحابة ومصاحفهم، مما يدل على أن نسخه كانت في أيديهم وأيدي الناس قبل ما سموه (جمع القرآن)..

[ 246 ]

قال أحمد في مسنده ج 5 ص 183: (... عن كثير بن الصلت قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمروا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فقال عمر لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبنيها قال شعبة فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم). وقال الحاكم في المستدرك ج 4 ص 360: (... عن كثير بن الصلت قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة فقال عمرو لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك... هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه). وقال البيهقي في سننه ج 7 ص 69: (عن عمرو عن بجالة أو غيره قال: مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم...) الخ. وقال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 180: (حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عامر قال: كتب رجل مصحفا، وكتب عند كل آية تفسيرها، فدعا به عمر فقرضه بالمقراضين). وقال الحاكم في المستدرك ج 2 ص 447: (... عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما وجعلوا الملائكة الذين هم عبد الرحمن أو عباد الرحمن ؟ فقال عباد الرحمن. قلت هو في مصحفي عبد الرحمن. قال فامحها واكتب عباد الرحمن. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وفي كنز العمال ج 2 ص 332: عن أبي الأسود أن عمربن الخطاب وجد مع رجل مصحفا قد كتبه بقلم دقيق، فقال: ما هذا ؟ فقال: القرآن كله ! فكره ذلك وضربه وقال: عظموا كتاب الله).

[ 247 ]

وقال الحاكم في المستدرك ج 3 ص 243: (عن أيوب عن أبي مليكة قال كان عكرمة بن أبي جهل يأخذ المصحف فيضعه على وجهه ويبكي ويقول: كلام ربي.. كتاب ربي). وقال في ج 3 ص 408: (حدثنا أبو مكين قال رأيت امرأة في مسجد أويس القرني قالت: كان يجتمع هو وأصحاب له في مسجدهم هذا يصلون ويقرؤون في مصاحفهم، فآتي غداءهم وعشاءهم هاهنا حتى يصلوا الصلوات، قالت وكان ذلك دأبهم ما شهدوا، حتى غزوا فاستشهد أويس وجماعة من أصحابه في الرجالة بين يدي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين). وقال البخاري في صحيحه ج 5 ص 146: (باب ما جاء في فاتحة الكتاب. وسميت أم الكتاب لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة !). انتهى، وقد كان إسم الفاتحة أم الكتاب من عهد النبي صلى الله عليه وآله ! ويدل عليه أيضا: أن عبد الله بن مسعود كان يملي المصاحف على الناس في الكوفة ويكتبونها عنه.. فقد روى أحمد في مسنده ج 1 ص 25: (... عن علقمة قال جاء رجل الى عمر رضي الله عنه وهو بعرفة قال معاوية وحدثنا الأعمش عن خيثمة عن قيس بن مروان أنه أتى عمر رضي الله عنه فقال جئت يا أمير المؤمنين من الكوفة وتركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه فغضب وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتي الرجل ! فقال ومن هو ويحك ؟ قال عبد الله بن مسعود فما زال يطفأ ويسرى عنه الغضب حتى عاد الى حاله التي كان عليها، ثم قال: ويحك والله ما أعلمه بقي من الناس أحد هو أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يسمر عند أبي بكر رضي الله عنه الليلة كذاك في الأمر من أمر المسلمين وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه فإذا رجل قائم يصلي في المسجد فقام رسول الله صلى الله عليه

[ 248 ]

وسلم يستمع قراءته فلما كدنا أن نعرفه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من: سره أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، قال ثم جلس الرجل يدعو فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: سل تعطه، سل تعطه. قال عمر رضي الله عنه: قلت والله لأغدون إليه فلأبشرنه، قال فغدوت إليه لأبشره فوجدت أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني إليه فبشره. ولا والله ما سابقته الى خير قط إلا وسبقني إليه). ورواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 227، والبيهقي في سننه ج 1 ص 452 أما في زمن علي عليه السلام فصار في الكوفة دور لكتابة القرآن.. قال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 196: (حدثنا وكيع عن علي بن مبارك عن أبي حكيمة العبدي قال: كنا نكتب المصاحف بالكوفة فيمر علينا علي فينظر ويعجبه خطنا ويقول: هكذا نوروا ما نور الله). ويدل عليه أيضا: أن النساء كان منهن قارئات وعندهن مصاحف.. فقد روى أحمد في مسنده ج 1 ص 415: (عن مسروق أن امرأة جاءت الى ابن مسعود فقالت أنبئت أنك تنهى عن الواصلة ؟ قال نعم، فقالت: أشئ تجده في كتاب الله أم سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أجده في كتاب الله وعن رسول الله، فقالت والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول ؟ ! قال: فهل وجدت فيه ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت: نعم). ورواه مسلم في صحيحه ج 6 ص 167 وفيه (فقالت المرأة لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته ! فقال لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه قال الله عزوجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا). ومثله في سنن أبي داود ج 2 ص 283 وفي سنن البيهقي ج 7 ص 312 ويدل عليه أيضا: الروايات التي تذكر عددا كبيرا من الصحابة جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وآله.. وقد حاول أكثر علماء إخواننا أن يفسروا جمعهم للقرآن بحفظهم له دون كتابته ويحصروه بذلك، ولكن جمع القرآن تعبير يطلق على من حفظه فيكون معناه

[ 249 ]

جمعه في صدره، كما يطلق على من كتبه ودونه فيكون معناه جمعه في مصحف أو كتاب.. وعندما يرد تعبير جمع القرآن ويوجد معه قرينة تدل على نوع الجمع المقصود فهي المتبعة، وإن لم توجد قرينة فينبغي أن يحمل الجمع على المعنى الأقرب والأكثر شيوعا وهو جمع القرآن بكتابته، وإن أبيت فيبقى معناه مجملا يحتمل المعنيين، لأن ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح ! وستري أنه يوجد في عدد من أحاديث الجمع قرائن تدل على أن المقصود به جمع الكتابة، كقول أبي بن كعب جمع القرآن فلان ابن عمنا وتوفي ونحن ورثناه.. فإنه يقصد ورثنا مصحفه لا ورثنا حفظه للقرآن، خاصة وأن أبيا قد يكون حفظه قبله ! ! قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 228: (باب مناقب زيد بن ثابت... عن أنس رضي الله عنه: جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد ابن ثابت. قلت لأنس من أبو زيد ؟ قال أحد عمومتي). وروى البخاري في ج 6 ص 103: (... حدثنا قتادة قال سألت أنس ابن مالك رضي الله عنه من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد. تابعه الفضل... عن أنس قال: مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء: ومعاذ بن جبل: وزيد بن ثابت: وأبو زيد، قال ونحن ورثناه). وروى الأول مسلم في ج 7 ص 149 وص 150 والترمذي في ج 5 ص 331 وأحمد في ج 3 ص 233 وص 277 والبيهقي في سننه ج 6 ص 211 ورواه أحمد في مسنده ج 3 ص 233 و 277 وغيرها وابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 106 والمزي في تهذيب الكمال ج 14 ص 186 والهندي في كنز العمال ج 2 ص 576 والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 6.. وغيرهم. وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 216: (قال أبو عمر إنما أراد أنس بهذا الحديث الأنصار. وقد جمع القرآن من المهاجرين جماعة منهم علي وعثمان وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وسالم مولى أبي حذيفة أخرجه الثلاثة).

[ 250 ]

وقال الدكتور صبحي الصالح في كتابه مباحث في علوم القرآن ص 66: (والسيوطي في الإتقان يذكر بعض هؤلاء القراء بأسمائهم التي وردت في كتاب القراءات المنسوب الى أبي عبيد، فيفهم منه أن أبا عبيد (عد من المهاجرين الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، ومن الأنصار عبادة بن الصامت، ومعاذا الذي يكنى أبا حليمة، ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد. وقد صرح بأن بعضهم إنما كمله بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء الذين عدهم القاسم بن سلام من المهاجرين والأنصار وأمهات المؤمنين ليسوا إلا طائفة من الأصحاب الذين جمعوا كتاب الله في صدورهم (...) وتيسر لهم أن يعرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا بذلك تلامذة له وكان شيخا لهم. لكن الذين حفظوا القرآن من الصحابة من غير أن يعرضوه على الرسول لا يحصون عددا، ولا سيما إذا أدخلنا في عدادهم من لم يكمل له الجمع إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وفي مقدمة (طبقات القراء) للحافظ الذهبي ما يبين ذلك، وأن هذا العدد هم الذين عرضوه على النبي صلى الله عليه وسلم واتصلت بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير) انتهى. ونحن نكتفي بذكر نماذج من هؤلاء الذين جمعوا القرآن وكتبوه، والذين يصر بعض علماء إخواننا السنة على تسميتهم بالحفاظ فقط، حتى تبقى فضيلة كتابة القرآن لغيرهم.. ونلفت الى أن الحافظ لكتاب يحتاج الى نسخته ليحفظ منها، ومن النادر أن يحفظ شخص كتابا من 400 صفحة بدون تكرار قراءة نسخته ! ولو كان حفظ هؤلاء الحفاظ عن طريق تكرار السماع من حافظ آخر لورد ذكر للحافظ الذي حفظ فلانا أو فلانا بتكرار القرآن عليه حتى حفظه ! مع أنه لم يرد شئ من ذلك ! قال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 312: (وعن عامر الشعبي قال جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة من الأنصار زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وسعد بن عبادة وأبي بن

[ 251 ]

كعب وكان جارية بن مجمع قد قرأه إلا سورة أو سورتين. رواه الطبراني مرسلا وفيه إبراهيم بن محمد بن عثمان الحضرمي ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح). ونحوه في كنز العمال ج 2 ص 589 وأسد الغابة ج 1 ص 263 وج 4 ص 303 وتهذيب التهذيب ج 10 ص 43. وقال في مجمع الزوائد ج 9 ص 402: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان سعد بن عبيد يسمى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاري. رواه الطبراني مرسلا ورجاله رجال الصحيح). وقال الطبري في تاريخه ج 2 ص 408: (قال الواقدي: في هذه السنة قدم جرير بن عبد الله البجلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما في رمضان فبعثه رسول الله الى ذى الخلصة فهدمها. قال وفيها قدم وبر بن يحنس على الأبناء باليمن يدعوهم الى الإسلام فنزل علي بنات النعمان بن بزرج فأسلمن، وبعث الى فيروز الديلمي فأسلم، والى مركبود وعطاء ابنه ووهب بن منبه وكان أول من جمع القرآن بصنعاء ابنه عطاء بن مركبود ووهب بن منبه. قال وفيها أسلم باذان وبعث الى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلامه). وقال البلاذري في فتوح البلدان ص 210: (قال ابن الكلبي: عمير بن سعد عامل عمر هو عمير بن سعد بن شهيد بن عمرو أحد الأوس. وقال الواقدي: هو عمير بن سعد بن عبيد، وقتل أبوه سعد يوم القادسية. وسعد هذا هو الذي يروي الكوفيون أنه أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى عليه وسلم). وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 333: (عبد الواحد غير منسوب أخرجه الباطرقاني في طبقات المقرئين روى ابن وهب عن خلاد بن سليمان، قال وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعبد الله بن مسعود... قال أبو زرعة: عبد الواحد لم ينسب، وخلاد مصري).

[ 252 ]

وقال ابن كثير في البداية والنهاية ج 7 ص 72: (عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني شهد العقبة وبدرا، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، وقتل يومئذ، وله حديث قال: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن ؟ قال: في خمس عشرة الحديث، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقال في كنز العمال ج 13 ص 628: (عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة وكانت قد جمعت القرآن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غزا بدرا قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم وامرض مرضاكم لعل الله يهدي لي شهادة ؟ قال: إن الله مهد لك شهادة، فكان يسميها الشهيدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها أن تؤم أهل دارها وكان لها مؤذن... - ابن سعد وابن راهويه، حل، ق، وروى د بعضه). وقال السمعاني في الأنساب ج 2 ص 134: (الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وكسر النون في آخرها، هذه النسبة الى جهينة وهي قبيلة من قضاعة... ومنهم... عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني، شهد فتح مصر واختط بها وولي الجند بمصر... توفي بمصر سنة ثمان وخمسين، وقبر في مقبرتها بالمقطم، وكان يخضب بالسواد، وكان عقبة قارئا عالما بالفرائض والفقه، وكان فصيح اللسان شاعرا، وكان له السابقة والهجرة، وكان كاتبا، وكان أحد من جمع القرآن ومصحفة بمصر الى الآن بخطه، رأيته عند علي بن الحسن بن قديد على غير التأليف الذي في مصحف عثمان، وكان في آخره: وكتب عقبة بن عامر بيده، ورأيت له خطا جيدا، ولم أزل أسمع شيوخنا يقولون إنه مصحف عقبة لا يشكون فيه، وروى عن رسول الله حديثا كثيرا). ونحوه في تهذيب التهذيب ج 7 ص 216

[ 253 ]

وقال في تعجيل المنفعة ص 140: (زهير بن قيس البلوى عن علقمة بن رمثة البلوي وعنه سويد ابن قيس... وشهد فتح مصر وقتل ببرقة سنة ست وسبعين شهيدا. قال وكان سبب قتله أن الروم نزلوا ببرقة فأمره عبد العزيز بن مروان أن ينهض إليهم وكان عبد العزيز عليه واجدا لأنه كان عامل أيلة فقاتل عبد العزيز لما دخل أبوه مصر، فدار بينهما كلام فقال له عبد العزيز إنك جلف جاف ! فقال له زهير: يابن ليلى أتقول لرجل جمع القرآن قبل أن يجتمع أبواك ؟ ! وهو ذا أمر لا ردني الله إليك ومضى معه على البريد فالتقى بالروم واستشهد هو ومن معه كلهم. وذكره ابن أبي حاتم ومن قبله البخاري ولم يذكرا فيه جرحا). وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 98: (عبادة بن الصامت بن قيس... أحد النقباء ليلة العقبة. شهد بدرا فما بعدها... وقال محمد بن كعب القرظي هو أحد من جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في تاريخه الصغير. قال وأرسله عمر الى فلسطين ليعلم أهلها القرآن فأقام بها الى أن مات. وقال ابن سعد عن الواقدي عن يعقوب بن مجاهد عن عبادة عن أبيه مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن 72 سنة) انتهى. هذه الأدلة التي يمكن أن يضاف إليها غيرها حتى تبلغ خمسين دليلا.. يكفي بعضها لإثبات أنه لم تكن توجد مشكلة عند المسلمين اسمها جمع القرآن ! ! ولكن الباحثين في أمور القرآن وعلومه من إخواننا السنة يريدون منا أن نغمض عيوننا عن أدلة وجود نسخ القرآن وانتشارها في عهد النبي صلى الله عليه وآله وعهد أبي بكر وعمر.. مع أن الإسلام بلغ مناطق واسعة من الشرق والغرب، وأقبلت الشعوب من ورثة الحضارة الفارسية والرومانية على قراءة القرآن ودراسته.. وكان في كل مدينة وربما في كل قرية من يقرأ ويكتب ويريد نسخة من القرآن المنزل على النبي الجديد.. بل كانت الرغبة والتعطش لسماع القرآن وتعلمه وقراءته موجة عارمة في شعوب كل البلاد المفتوحة، حتى أولئك الذين لا يعرفون العربية ! ! يريدون منا أن نغمض عيوننا عن هذا الواقع وأن نقبل بدله نصوصا قالت إن نسخة القرآن كانت تواجه خطر الضياع، لأنها كانت مكتوبة بشكل بدائي ساذج على..

[ 254 ]

العظام وصفائح الحجارة وسعف النخل.. الخ. وأن الدولة شمرت عزيمتها ونهضت لإنقاذ كتاب الله من الضياع والإندثار.. وشكلت لجنة تاريخية، بذلت حهودا مضنية في جمع القرآن.. حتى أنها استعطت آياته وسوره من الناس استعطاء على باب المسجد ! لا بأس أن نمدح الصحابة وجهودهم لخدمة الدين والقرآن.. لكن بالمعقول، فالمدح غير المعقول ابن عم الذم ! ! ولا بأس أن نمدح الصحابة وجهودهم لخدمة الدين والقرآن.. لكن بشرط أن لا نوهن الدين والقرآن والرسول صلى الله عليه وآله ! والنتيجة: أن العقل والنصوص تقول لنا: لم تكن مشكلة في نسخ القرآن ونشره، بل كانت نسخه ميسرة والمصاحف منتشرة.. ونصوص أخرى تقول: بل كانت توجد مشكلة.. وقد نهض الخلفاء أبو بكر وعمر لحلها. حسنا.. لننظر ماذا كانت المشكلة.. ؟ ! وصية النبي التي يرويها السنة بشأن القرآن صح عند إخواننا السنة أن النبي صلى الله عليه وآله شهد لعدة أشخاص من صحابته بأنهم حفاظ القرآن، وأمر المسلمين بأن يأخذوا القرآن منهم ! فقد روى البخاري في صحيحه ج 6 ص 102 (عن مسروق ذكر عبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود فقال لا أزال أحبه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب) وفي ج 4 ص 228 (عن مسروق قال ذكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو فقال ذاك رجل لا أزال أحبه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب). ورواها مسلم في صحيحه ج 7 ص 148 و 149 وجعل سالما الرابع. ورواها أحمد في مسنده ج 2 ص 163 وص 190 وص 191 وجعل سالما الرابع.

[ 255 ]

وروى الأولى الترمذي في سننه ج 5 ص 338 وقال (هذا حديث حسن صحيح). ورواها أحمد في مسنده ج 2 ص 191 والحاكم في مستدركه ج 3 ص 225 و 227 بصيغة أخرى وقال (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) والهندي في كنز العمال ج 2 ص 49 والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 311.. وروى في ج 9 ص 52: (وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد ومعاذ وأبي وسالم، ولقد هممت أن أبعثهم في الأمم كما بعث عيسى بن مريم الحواريين في بني إسرائيل) انتهى. وصية النبي التي يرويها السنة والشيعة بشأن القرآن وصح عند الشيعة والسنة أن النبي صلى الله عليه وآله أوصى أمته بأن تتمسك بعده بالقرآن والعترة، وتأخذ منهم معالم دينها.. وذلك في حديث الثقلين الذي أكده النبي مرارا، والذي صحت روايته عند الطرفين.. وهو برأينا حاكم على كل وصية أخرى.. فمن نصوصه ما رواه أحمد في مسنده ج 3 ص 17 (عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما ؟ !). وقد بلغت مصادر هذا الحديث من الكثرة وتعدد الطرق في المصادر، أن أحد علماء الهند ألف في جمع أسانيده كتاب (عبقات الأنوار) من عدة مجلدات. وبموجب هذه الوصية كان على المسلمين بعد فقد نبيهم صلى الله عليه وآله أن يأخذوا القرآن والسنة من آل النبي وعترته الذين عينهم ونص عليهم بأسمائهم، وقد صحت أحاديث تسميتهم عند الطرفين أيضا.. فقد روى مسلم في صحيحه ج 7 ص 120: (... عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال ما منعك أن تسب أبا التراب ؟ فقال أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال ادعوا لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي).

[ 256 ]

ورواه أحمد في مسنده ج 1 ص 185 وروى الترمذي القسم الأخير منه ج 4 ص 293.. وقال مسلم في ج 7 ص 130: (... عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شبية قالت قالت عائشة خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). ورواه الترمذي في ج 5 ص 30 وص 328 في قصة أخرى قال: (... عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويظهركم تطهيرا، في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلى خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال أنت على مكانك وأنت على خير. هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر بن أبي سلمة) ورواه الحاكم في مستدركه ج 2 ص 416 وقال (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه) ورواه في ج 3 ص 108 وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة). ورواه في ج 3 ص 147 وما بعدها، بعدة روايات وأكثر من مناسبة، وقال فيها: (هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه.. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه !) ورواه أحمد في مسنده ج 6 ص 292 وص 304 وأما بناء على الوصية التي تفرد بروايتها إخواننا السنة، فقد كان الواجب بعد وفاة النبي أن ترجع الدولة الى الأربعة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وآله وهم ابن كعب وابن مسعود وابن معاذ وسالم غلام أبي حذيفة.. وتأخذ القرآن من أي واحد منهم.. بأي الوصيتين أخذ الخليفة عمر ؟ لا نريد هنا مناقشة مواقف إخواننا السنة وخلفائهم من وصية النبي صلى الله عليه وآله بعترته وأهل بيته عليهم السلام.. فكلنا نعرف أن العترة الطاهرة قد واجهت في يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله، التهديد بحرق بيت فاطمة بمن فيه.. ! ! ومع ذلك فقد قام علي عليه السلام بواجبه نحو الأمة وقدم لهم نسخة القرآن بأمر النبي صلى الله عليه وآله وخط علي، ولكنهم رأوا (المصلحة) في عدم جعلها نسخة القرآن الرسمية.. ورووا أن النبي أمر أن يؤخذ القرآن من هؤلاء القراء الأربعة.. فكان على الخليفة أن

[ 257 ]

يكتب القرآن من إملاء أي واحد من هؤلاء الأربعة، أو يجمعهم ليتداولوا فيما قد يكون بينهم من اختلاف في النص، ثم يتفقوا على نسخة القرآن، ويعممها الخليفة على بلاد المسلمين.. على هذا.. لم يكن هناك شئ اسمه مشكلة في أخذ القرآن.. أو القراءات، لأن النبي صلى الله عليه وآله عين للأمة مصدر القرآن سواء بالرواية المشتركة، أو بالرواية التي تفرد بها إخواننا السنة. ولكن المشكلة نشأت لأن الخليفة لم يأخذ القرآن من أحد.. ! فقد كان له حساباته الخاصة التي أوجبت برأيه أن تبقى الدولة طيلة عهد أبي بكر وطيلة عهده بلا نسخة قرآن رسمية.. كما أبقاها بلا نسخة مدونة من الحديث النبوي، بل منع حتى رواية الحديث.. فمن هذا الفراغ القرآني المتعمد.. نشأت مشكلة القراءات والمصاحف ! ! أما لماذا اختار الخليفة عمر هذا الفراغ ؟ ! فالجواب: يعلم ذلك عمر، ورب عمر ! وأما كيف سكت المسلمون، ولم يطلبوا من الخليفة تعميم مصحف أهل البيت أو أحد مصاحف هؤلاء الأربعة ؟ ! ! فالجواب: لقد طلب المسلمون من الخليفة، وطالبوه، وحاولوا أن يقوموا هم بجمع القرآن.. ولكن عمر منعهم وقال لا أسمح أن يقوم أحد بذلك، أنا أقوم بجمع القرآن ! ! قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 705: (حدثنا هارون بن عمر الدمشقي قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمد، عن أبيه قال: جاءت الأنصار الى عمر رضي الله عنه فقالوا: نجمع القرآن في مصحف واحد، فقال: إنكم أقوام في ألسنتكم لحن، وإني أكره أن تحدثوا في القرآن لحنا فأبى عليهم. حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال، حدثنا جرير ابن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن معقل بن معاوية قال: قال عمر رضي الله عنه: لا يملينا في مصاحفنا إلا فتيان قريش وثقيف) ! !

[ 258 ]

وقال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 151: (حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمة قال أخبرني سالم أن زيد بن ثابت استشار عمر في جمع القرآن فأبى عليه فقال: أنتم قوم تلحنون، واستشار عثمان فأذن له). وقال في كنز العمال ج 2 ص 578: (حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد بن زيد عن أبيه أن الأنصار جاؤوا الى عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين نجمع القرآن في مصحف واحد ؟ فقال: انكم أقوام في ألسنتكم لحن وأنا أكره أن تحدثوا في القرآن لحنا وأبي عليهم !... عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يملين في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف - أبو عبيد في فضائله وابن أبي داود) انتهى. يعني هذا القرار: أن الخليفة عمر رفض اعتماد مصحف علي الذي وجهه النبي صلى الله عليه وآله لتأليفه ! ثم رفض اعتماد مصحف واحد من الأربعة المشهود لهم من النبي صلى الله عليه وآله ! ثم رفض قبول أي مصحف تجمعه الأنصار.. وبذلك أسقط اثنين من الأربعة الذين عينهم النبي لأنهما أنصاريان، وهما: معاذ بن جبل وأبي بن كعب ! ! وأراد قرآنا يمليه فتيان قريش وثقيف، فأسقط بذلك عبد الله بن مسعود المكي لأنه هذلي ليس من قريش ولا ثقيف ! ! ولم يبق من الأربعة إلا سالم الفارسي غلام أبي حذيفة الأموي.. ! فهل اعتبره الخليفة قرشيا وأخذ منه القرآن.. ؟ ! كلا.. ما أخذ القرآن من سالم، ولا من غيره ! حتى قتل سالم في حرب اليمامة في أواخر خلافة أبي بكر.. مع أن عمر صرح قبل وفاته بأن سالما لو كان حيا لجعله خليفة على المسلمين من بعده ! ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 922: (حدثنا موسى بن إسماعيل قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا الحسن، وعبد الله بن بريدة قالا: لما طعن عمر رضي الله عنه قيل له: لو استخلفت ؟ قال: لو شهدني أحد رجلين استخلفته - إني قد اجتهدت ولم أتم - أو وضعتها موضعها، أبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة).

[ 259 ]

وفي نفس المصدر ج 3 ص 881 (يابن عباس... لو كان فيكم مثل سالم مولى أبي حذيفة لم أشكك في استخلافه، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سالم مولى أبي حذيفة آمن وأحب الله فأحبه) انتهى. - فكيف يقولون جمع الخليفة عمر القرآن، الجمع الأول أو الجمع الثاني.. ثم جمعه عثمان الجمع الثالث.. وما قصة هذه الجموع ؟ ! الجواب: الجمع لا يكون جمعا إلا إذا كانت له ثمرة.. فالجمع بلا مجموع اسم بلا مسمى.. وهكذا كان جمع الخليفة عمر للقرآن في عهد أبي بكر ثم في عهده، كان اسم جمع واسم لجنة بلا نتيجة ! ! - ولماذا قام الخليفة عمر بهذا العمل الشكلي ؟ ! الجواب: لأن أهل البيت جاؤوا بمصحفهم فرده عمر عليهم.. وأراد الأنصار جمع القرآن فنهاهم عمر.. وقد يكون آخرون طالبوا بجمع القرآن أو أرادوا جمعه.. فنهاهم، وقد يكون هددهم أو ضربهم ! بعد ذلك أعلن الخليفة أنه قام بتشكيل (لجنة) برئاسة شاب أنصاري ويقال يهودي هو زيد بن ثابت، وجمع زيد أو عمر القرآن لكن بقيت نسخته عند عمر لا يراها إلا هو، ولم تصل نسخة القرآن الى المؤمنين مع تشوقهم إليها، وكأن المؤمنين أطفال اشترى لهم أبوهم عمر شيئا عزيزا، لكن خبأه لهم عند أمهم حفصة ! ! بل حتى الخليفة عمر لم يرو عنه أنه رجع يوما ولا أرجع أحدا الى النسخة الأم التي عند الأم.. وحتى أم المؤمنين حفصة لم تستفد من هذه النسخة، فقد تقدم أنها استكتبت نسخة لها ! من هنا بدأت مشكلة تفاوت القراءات والمصاحف.. ثم أخذت تتراكم، حتى تحولت الى أزمة وانفجرت في خلافة عثمان، فكتب عثمان نسخة المصحف الرسمي ونشرها والحمد لله ! ! ويظهر من سياسة الخليفة عمر أنه كان يميل الى إبقاء نص القرآن مفتوحا لاجتهاداته، بحجة أنه أساسا نزل مفتوحا لسبعة أحرف وأكثر، ولا يريد فعلا حصره في نسخة واحدة ! ولعله كان ناويا أن يكتب نسخة القرآن بالقراءة والمواصفات التي يثق بها، ولكن الأجل لم يمهله !

[ 260 ]

وهكذا تحول موقف الخليفة عمر الغريب وغير المبرر، الى فضيلة لعمر وخدمة للقرآن، وتحول قرآن علي وغيره من الصحابة، الى تهمة بالخروج عن إجماع الأمة.. وكأن الأمة تعني عمر، حتى لو كان الذين خالفوه كل الأمة ومعهم وصية نبيهم صلى الله عليه وآله ! ! مواقف الخليفة عمر من حملة القرآن أولا: مع كبير القراء أبي بن كعب الأنصاري شهادة عظيمة لأبي بن كعب رووها وخالفوها ! ! روى إخواننا السنة في صحاحهم أن الله جلت عظمته قد أمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يعلم القرآن لأبي بن كعب.. وبذلك فقد وجب على جميع المسلمين بمن فيهم أبو بكر وعمر وعثمان أن يأخذوا القرآن من أبي بن كعب.. ! ! قال البخاري في صحيحه ج 6 ص 90: (... عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: إن الله أمرني أن أقرئك القرآن قال آلله سماني لك ؟ ! قال نعم. قال وقد ذكرت عند رب العالمين ؟ ! قال نعم. فذرفت عيناه ! !). وقال مسلم في ج 2 ص 195: (... حدثنا شعبة قال سمعت قتادة يحدث عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب أن الله أمرني أن أقرأ عليك: لم يكن الذين كفروا، قال وسماني لك ؟ قال نعم، قال فبكى) انتهى. ورواه مسلم في ج 7 ص 150، ورواه البخاري في ج 4 ص 228، وروى قريبا من معناه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 54 - وأحمد في مسنده ج 3 ص 281 ولعل الخليفة عمر وجه المسلمين في أول خلافته الى أبي بن كعب ليأخذوا عنه القرآن، ثم تراجع ونهاهم.. فقد روى البيهقي في سننه ج 6 ص 210: (... حدثني موسى بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس بالجابية ققال من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن

[ 261 ]

يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله تعالى جعلني له خازنا وقاسما). ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 135، والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 394 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 20. وروى البخاري في صحيحه ج 2 ص 252 أن الخليفة عمر عندما ابتدع صلاة التراويح جعل إمامتها لأبي بن كعب (... فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعم البدعة). ولعل أحاديث المدح والإحترام التي رويت عن عمر في حق أبي بن كعب صدرت في تلك الفترة من العلاقة الجيدة بينهما، فقد روى المزي في تهذيب الكمال ج 2 ص 269: (عن أبي نضرة العبدي: قال رجل منا يقال له: جابر أو جويبر طلبت حاجة الى عمر في خلافته فانتهيت الى المدينة ليلا، فغدوت عليه وقد أعطيت فطنة ولسانا أو قال منطقا فأخذت في الدنيا فصغرتها، فتركتها لا تسوى شيئا، وإلى جنبه رجل أبيض الشعر أبيض الثياب، فقال لما فرغت: كل قولك كان مقاربا إلا وقوعك في الدنيا، وهل تدري ما الدنيا ؟ إن الدنيا فيها بلاغنا، أو قال: زادنا الى الآخرة، وفيها أعمالنا التي نجزى بها في الآخرة، قال: فأخذ في الدنيا رجل هو أعلم بها مني. فقلت يا أمير المؤمنين من هذا الرجل الذي الى جنبك ؟ قال سيد المسلمين أبي بن كعب ! !) انتهى. ولكن على رغم هذه الشهادات الضخمة بحق أبي، وعلاقته المميزة مع الخليفة.. فإن الخليفة لم يأخذ عنه القرآن، ولم يعتمد مصحفه مصحفا رسميا للدولة مع شدة حاجة المسلمين الى ذلك.. بل تروي الصحاح اختلافات كثيرة بينهما بسبب أن عمر أراد أن يفرض رأيه على أبي في آيات القرآن، بينما كان أبي يرفض ذلك ويقف في وجه الخليفة.. ! كما تروي الصحاح أن العلاقة بينهما قد ساءت الى حد أن عمر أهان أبيا وضربه بالسوط عند خروجه من المسجد على مرأى جماعته ومسمعهم.. !

[ 262 ]

الصراع بين عمر وأبي على قراءة القرآن ! ! روت مصادر إخواننا نماذج متعددة من هذا الخلاف، وقد تفاوتت مواقف الخليفة الى حد التناقض.. ففي بعضها كان يخضع لقول أبي ويعتذر إليه.. وفي بعضها كانا يفترقان بدون نتيجة عملية.. وفي بعضها كان الخليفة يصر على رأيه ويأمر المسلمين بكتابة المصحف على ما يقوله هو ومحو ما يقوله أبى.. ! الخ. وقد عرضنا في فصل القراءات الشخصية ومحاولات التحريف، نماذج من روايات اختلافه معه.. ونذكر هنا ما رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 225: (... عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما أنا أقرأ آية من كتاب الله عزوجل وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة فإذا أنا برجل يناديني من بعدي: أتبع ابن عباس، فإذا هو أمير المؤمنين عمر، فقلت اتبعك على أبي بن كعب فقال: أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ ؟ قلت نعم، قال فأرسل معي رسولا قال إذهب معه الى أبي بن كعب فانظر يقرأ أبي كذلك، قال فانطلقت أنا ورسوله الى أبي بن كعب قال فقلت يا أبي قرأت آية من كتاب الله فناداني من بعدي عمر بن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت اتبعك على أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت ؟ قال أبي نعم. قال فرجع الرسول إليه فانطلقت أنا الى حاجتي قال فراح عمر الى أبي فوجده قد فرغ من غسل رأسه ووليدته تدري لحيته بمدراها، فقال أبي: مرحبا يا أمير المؤمنين أزائرا جئت أم طالب حاجة ؟ فقال عمر بل طالب حاجة، قال فجلس ومعه موليان له حتى فرغ من لحيته وأدرت جانبه الأيمن من لمته ثم ولاها جانبه الأيسر، حتى إذا فرغ أقبل الى عمر بوجهه فقال: ما حاجة أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: يا أبي على ما تقنط الناس ؟ فقال أبي: يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن من تلقاء جبريل وهو رطب، فقال عمر: تالله ما أنت بمنته وما أنا بصابر، ثلاث مرات، ثم قام فانطلق ! هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) انتهى.

[ 263 ]

ومن ذلك: ما رواه في كنز العمال ج 13 ص 261: (عن الحسن أن عمر بن الخطاب رد على أبي بن كعب قراءة آية فقال أبي: لقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت يلهيك يا عمر الصفق بالبقيع ! فقال عمر: صدقت ! إنما أردت أن أجربكم هل منكم من يقول الحق، فلا خير في أمير لا يقال عنده الحق ولا يقوله ! - ابن راهويه. ... عن أبي إدريس الخولاني أن أبي بن كعب قال لعمر: والله يا عمر ! إنك لتعلم أني كنت أحضر وتغيبون وأدنى وتحجبون ويصنع بي ويصنع بي والله لئن أحببت لألزمن بيتي فلا أحدث شيئا ولا أقرئ أحدا حتى أموت، فقال عمر بن الخطاب اللهم غفرا، إنا لنعلم أن الله قد جعل عندك علما فعلم الناس ما علمت - ابن أبي داود في المصاحف، كر)... ومن ذلك: ما رواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 344: (وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ من الذين استحق عليهم الأوليان قال عمر كذبت ! قال أنت أكذب ! فقال رجل: تكذب أمير المؤمنين ؟ قال أنا أشد تعظيما لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله ! ! فقال عمر: صدق). ومن ذلك: موقف غريب للخليفة رواه البخاري في صحيحه ج 5 ص 149: (... عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال عمر رضي الله عنه: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي، وذاك أن أبيا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسؤها) انتهى. ورواه بتفاوت يسير في ج 6 ص 103، ورواه أحمد ج 5 ص 113 بثلاث روايات. ورواه في كنز العمال ج 2 ص 592 وقال في مصادره (خ، ن، وابن الأنباري في المصاحف، قط في الإفراد، ك، وأبو نعيم في المعرفة، ق، الدلائل) ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 391 وص 394 وتذكرة الحفاظ ج 1 ص 20 وفي كثير من رواياته: (وإنا لندع من لحن أبى، وفي بعضها: كثيرا من لحن أبى ! ! ومعنى ذلك أن الخليفة يشهد بأن أبيا أقرأ الصحابة للقرآن، ولكنه ليس أقرأهم ! ! والسبب أن أبيا يلحن ويغلط في نص القرآن، وأنه لا يعلم المنسوخ من القراءات، فهو

[ 264 ]

يقرأ آيات نسخها النبي صلى الله عليه وآله ولم يعرف أبى ذلك.. بينما عمر لا يلحن ويعرف المنسوخ، فيحق له أن يقبل قراءة أبي أو يرفضها، ويأمر المسلمين باتباع رأيه وترك رأي أبي.. ! ! الخليفة عمر يضع حدا لصراعه مع أبي بن كعب ! ! ولم يقف سوء العلاقة بينهما عند هذا الحد.. بل تطور حتى وصل الى نهايته المعلومة مع الخليفة عمر، وهي السوط على رأس ووجه أكبر شيبة في الأنصار، وأكبر حفظة القرآن بشهادة الخليفة ! وذلك عندما خرج أبي بن كعب من مسجد النبي أو كان داخل المسجد، على مرأى جماعته ومسمعهم.. ! وبذلك نفذ خليفة النبي وصية النبي معكوسة تماما، كما نفذ وصية النبي بآله وعترته صلى الله عليه وآله ! ! وقد أغفلت الصحاح الستة قصة ضرب عمر لكعب، لكن روتها مصادر أخرى موثوقة عند إخواننا السنة، ولكنها تفاوتت في ذكر السبب.. والذي يظهر من رواية الراغب في محاضرات الأدباء ج 1 ص 133 أن السبب هو مشي عدد من التلاميذ والمحبين لأبي خلفه في الطريق ! قال الراغب (... ونظر عمر رضي الله عنه الى أبي بن كعب وقد تبعه قوم، فعلاه بالدرة وقال: إنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع). ولكن الدارمي وعمر بن شبة صرحا بأن السبب أن أبيا خالف أمر الخليفة بعدم تحديث الناس عن النبي صلى الله عليه وآله ! ! قال الدارمي في سننه ج 1 ص 132: (... عن سليمان بن حنظلة قال أتينا أبي بن كعب لنحدث إليه فلما قام قمنا ونحن نمشي خلفه، فرهقنا عمر فتبعه فضربه عمر بالدرة قال فاتقاه بذراعيه فقال يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ ! ! قال: أو ما ترى ؟ فتنة للمتبوع مذلة للتابع !) انتهى. وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 691: (... حدثني أبو عمرو الجملي، عن زاذان: أن عمر رضي الله عنه خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل: ما هذا ؟ قالوا: هذا أبي بن كعب، كان يحدث الناس في المسجد فخرج الناس يسألونه، فأقبل عمر رضي الله عنه حردا فجعل يعلوه

[ 265 ]

بالدرة خفقا، فقال: يا أمير المؤمنين أنظر ما تصنع، قال: فإني على عمد أصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلة للتابع ! !) ويمكن أن نضيف الى السببين المصرح بهما سببين آخرين قد يكونا أعظم منهما في رأي عمر وهما: وقوف أبي في مواجهة عمر في جملة من مسائل القرآن، خاصة عندما حاول تحريف آية الأنصار.. وأن عمر ما زال يضطغن على أبي بن كعب أنه كان مع سعد بن عبادة وكثير من الأنصار معارضين لفرضه بيعة أبي بكر.. فقد كان أبي بن كعب مع الذين اعتصموا في بيت فاطمة وهاجمهم عمر وأشعل الحطب في باب البيت وهددهم بإحراقه على من فيه ! ! فبقيت في نفس عمر حتى وجد لها مناسبة ! قال ابن واضح اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 124: (وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأبي بن كعب، فأرسل أبو بكر الى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي ؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب، فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم، فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمغيرة حتى دخلوا على العباس ليلا... واجتمع جماعة الى علي بن أبي طالب يدعونه الى البيعة له، فقال لهم: أغدوا على غدا محلقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر. وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتوا في جماعة حتى هجموا الدار...) انتهى. على أي حال، فإن من يقرأ ما روته الصحاح عن علم أبي بن كعب بالقرآن وحفظه له، ثم يقرأ ما فعله الخليفة عمر معه.. يجد نفسه ملزما بالحكم على الخليفة بأنه لم ينفذ وصية النبي صلى الله عليه وآله في حق أبي، بل عمل بعكسها تماما ! !

[ 266 ]

ثانيا: مع ثاني القراء عبد الله بن مسعود الهذلي شهادة عظيمة لابن مسعود روتها مصادر السنة أيضا روى أحمد في مسنده ج: 1 ص 38: (... عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه وأبو بكر رضي الله عنه على عبد الله بن مسعود وهو يقرأ فقام فسمع قراءته، ثم ركع عبد الله وسجد قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل تعطه، سل تعطه. قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه من ابن أم عبد، قال فادلجت الى عبد الله بن مسعود لأبشره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما ضربت الباب أو قال لما سمع صوتي قال ما جاء بك هذه الساعة ؟ قلت جئت لأبشرك بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال قد سبقك أبو بكر رضي الله عنه، قلت إن يفعل فإنه سباق بالخيرات، ما استبقنا خيرا قط إلا سبقنا إليها أبو بكر) انتهى. ورواه أحمد أيضا في ج 1 ص 454 وج 4 ص 278، وابن ماجة في سننه ج 1 ص 49، والحاكم في المستدرك ج 2 ص 227 وصححه على شرط الشيخين. ورواه في ج 3 ص 317 وقال (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) وفي ص 318 وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). ورواه البيهقي في سننه ج 1 ص 452 وج 2 ص 153 والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 287 وص 288 ورواه في كنز العمال ج 2 ص 51 وفي ج 11 ص 710 وج 13 ص 460 وقال في مصدره (البزار وصححه). ورواه في ج 11 ص 710، وروى في ج 13 ص 461 أن الخليفة عمر أكد مكانة ابن مسعود عندما جعله واليا على بيت مال الكوفة فكتب الى أهل الكوفة (يا أهل الكوفة، أنتم رأس العرب وجمجمتها، وسهمي الذي أرمي به إن أتاني شئ من ههنا وههنا، وإني بعثت إليكم عبد الله بن مسعود واخترته لكم وآثرتكم به على نفسي أثرة - ابن سعد، ص) انتهى. ولكن مع كل هذا التأكيد النبوي، والاحترام العمري، فإن الخليفة عمر لم يأخذ القرآن من عبد الله بن مسعود ولم يعتمد مصحفه مصحفا رسميا للدولة ! بل عندما سمع عنه وهو في الكوفة أنه قرأ الآية الفلانية قراءة لم تعجب الخليفة أرسل إليه رسالة الى الكوفة يتهمه فيها بأنه لا يقرأ القرآن كما أنزل، فقد أنزل القرآن بلغة قريش بينما ابن مسعود يحرفه ويقرؤه بلغة قبيلته هذيل ! !

[ 267 ]

قال عمر ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1010: (... عن عبد الرحمن بن عبد الله - يعني أبي بن كعب بن عجرة - عن أبيه، عن جده قال: كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقرأ رجل من سورة يوسف (عتا حين) فقال عمر رضي الله عنه: من أقرأك هكذا ؟ قال: ابن مسعود، فكتب عمر رضي الله عنه الى ابن مسعود: أما بعد، فإن الله أنزل هذا القرآن بلسان قريش، وجعله بلسان عربي مبين، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل والسلام !). وقال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 18: (وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والإبتداء والخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنه عن أبيه قال سمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ هذا الحرف ليسجننه عتى حين فقال له عمر رضي الله عنه من أقرأك هذا الحرف ؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه ليسجننه حتى حين، ثم كتب الى ابن مسعود رضي الله عنه سلام عليك أما بعد فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآنا عربيا مبينا وأنزله بلغة هذا الحي من قريش، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل ! !). ورواه في كنز العمال ج 2 ص 593 وهذا الموقف غريب من الخليفة، فهو الذي روى شهادة النبي صلى الله عليه وآله بأن ابن مسعود يقرؤه غضا طريا كما أنزله الله تعالى.. وروى أن النبي حث المسلمين على القراءة بقراءة ابن أم عبد.. وهو الذي توسع في قراءات القرآن الى سبعة أحرف وأكثر.. وهو الذي توسع في نص القرآن حتى جوز قراءته بالمعنى كما قدمنا.. ومع كل ذلك ضاق صدره عن قراءة ابن مسعود لآية واحدة ! ! الواقع أن المسألة ليست قراءة آية، خاصة أن عمر لم يذكر الآية.. بل هي أن الخليفة عمر يريد حصر مصدر القرآن وقراءاته به.. فليس من حق أحد أن يقرأ إلا كما يقرأ عمر، حتى لو كان قارئه شهد له النبي بأن قراءته صحيحة دقيقة كما نزل بها جبرئيل عليه السلام ! !

[ 268 ]

هذا هو لب القضية.. ونظريات التوسع والتوسعة كلها للخليفة وحده، ولمن أجاز له القراءة بها وحده ! ! وقد فصل عمرو بن العاص شهادته على ما أراده عمر فقال، كما في كنز العمال ج 12 ص 593: (عن عمرو بن العاص قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أقرأكم عمر فاقرؤوا، وما أمركم به فائتمروا ! - كر). ورووا شهادة مماثلة عن جابر بن عبد الله الأنصاري ! قال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 183: (حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة عن جابر قال: ما رأيت أحدا كان أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله ولا أعلم بالله من عمر) ! بل رووا شهادة عن لسان عبد الله بن مسعود أسقط فيها نفسه من شهادة النبي صلى الله عليه وآله وأعطاها لعمر ! ! قال الحاكم في مستدركه ج 3 ص 86: (... عن زيد بن وهب عن ابن مسعود رضي الله عنه: كان عمر أتقانا للرب، وأقرأنا لكتاب الله ! !) انتهى، ولكن هل يعقل في حق ابن مسعود الذي ائتمنه النبي على نص وقال للناس خذوه منه.. أن يقول لهم: بل خذوه من فلان ؟ ! بل لو صح ذلك عنه لجرح بعدالته ! وقد حاول ابن عبد البر أن يبرر نهي عمر لابن مسعود، وغاية ما وصل إليه أنه ليس نهيا حقيقيا.. فكأن الخليفة عمر كان يمزح في رسالته الصريحة من المدينة الى الكوفة ! ! قال محمد طاهر الكردي في تاريخ القرآن الكريم ص 39: (وأخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري أن عمر كتب الى ابن مسعود أن القرآن نزل بلسان قريش فاقرئ الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل، قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الإختيار لا أن الذي قرأ به ابن مسعود لا يجوز. قال وإذا أبيحت قراءته على سبعة أوجه أنزلت جاز الإختيار فيما أنزل. انتهى، من فتح الباري على صحيح البخاري) انتهى.

[ 269 ]

من جهة أخرى، من قال إن هذيلا يقلبون الحاء عينا ويلفظون (حتى) (عتى) فقد كانت هذيل تعيش مع قريش وتتصف بفصاحتها، حتى أن الخليفة عثمان تمنى أن يكون مملي القرآن من هذيل لأن لغته لغة قريش، وأن يكون الكاتب من ثقيف لقربهم منهم وإجادتهم الكتابة.. روى في كنز العمال ج 2 ص 586 وص 587: (عن أبي المليح قال قال عثمان بن عفان حين أراد أن يكتب المصحف تملي هذيل... عن عكرمة قال لما أتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا - ابن الأنباري وابن أبي داود). ويبدو من النص الذي تقدم في أدلة جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وآله، أن الخليفة عمر كان متسامحا مع ابن مسعود في أول الأمر، فتركه يملي المصاحف على الناس.. ثم تغيرت سياسته معه. والنتيجة: أن عبد الله بن مسعود كان محترما عند الخليفة عمر، وقد تحمل الكثير حتى حافظ على مكانته عنده.. ولكن ذلك لم يشفع له لينفذ عمر فيه وصية النبي صلى الله عليه وآله ويأخذ القرآن منه.. بل حدث عكس ذلك ووقع ابن مسعود تحت تأثير الخليفة عمر في الأحرف السبعة وغيرها، حتى وقف في عهد عثمان ضد توحيد نسخة القرآن.. الأمر الذي يوجب برأينا إعادة النظر في أصل رواية وصية النبي صلى الله عليه وآله بأخذ القرآن من ابن مسعود.. لكن الرواية عند إخواننا ثابتة وصحيحة ! قارئا الخليفة المفضلان الأول: عبد الرحمن بن أبزى من هو عبد الرحمن بن أبزى ؟ ذكر الحموي في معجم البلدان ج 1 ص 411 معنى كلمة أبزى، فقال (البزواء بالفتح والمد والبزا: خروج الصدر ودخول الظهر، يقال: رجل أبزى وامرأة بزواء) انتهى.

[ 270 ]

وعبد الرحمن بن أبزى شاب حبشي كان في زمن الخليفة عمر صغير السن لأنه توفي نحو سنة 72 هجرية كما ذكر الذهبي، وهو غلام لنافع بن عبد الحارث بن حبالة الملكاني حليف خزاعة، ونافع هذا من أهل مكة ومسلمة الفتح.. قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 5 ص 7: (نافع بن عبد الحارث بن حبالة بن عمير بن غبشان، واسمه الحارث بن عبد عمرو بن لؤي ابن ملكان بن أقصى الخزاعي، نسبه كلهم الى خزاعة وساقوا نسبه الى ملكان وهو أخو خزاعة وأخو أسلم، ويقال لبعض ولده خزاعي لقلة بني ملكان فنسبوا الى خزاعة ! ولنافع صحبة ورواية واستعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مكة والطائف وفيهما سادة قريش وثقيف. وخرج الى عمر واستخلف على مكة مولاه عبد الرحمن بن أبزى فقال له عمر استخلفت على آل الله مولاك فعزله واستعمل خالد ابن العاص بن هشام، وكان نافع من فضلاء الصحابة وكبارهم (...) وقيل أسلم يوم الفتح وأقام بمكة ولم يهاجر ! روى عنه أبو سلمة وحميد وأبو الطفيل) انتهى ! ولكن الظاهر أن الخليفة عمر لم يعزل ابن أبزى بل أعجبه وأقره نائبا لواليه على مكة والطائف، ثم استقدمه الى المدينة فكان من خاصته وولاته، وادعى ابن الأثير أن عليا عليه السلام ولاه على خراسان، ولم يؤيده الآخرون.. وقد ترجم البخاري لابن أبزى في تاريخه ج 5 ص 245 فقال: (عبد الرحمن بن أبزى مولى خزاعة الكوفي، له صحبة. قال عمرو بن محمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني سلمة بن كهيل الحضرمي: عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى من قدماء موالي أهل مكة). وروى له البخاري في صحيحه في ج 1 ص 87 و 88 فتوى الخليفة عمر بعدم التيمم وعدم الصلاة لمن لم يجد ماء ! ! وفي ج 3 ص 44 و 45 و 46 في شراء السلف. وفي ج 4 ص 239 وج 6 ص 15 في التوبة على قاتل النفس المحترمة. وروى له مسلم في ج 1 ص 193 وج 8 ص 242. وروى في ج 2 ص 201: (... عن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بعسفان وكان عمر يستعمله على مكة فقال من استعملت على أهل الوادي ؟ فقال ابن أبزى قال ومن ابن.

[ 271 ]

أبزى ؟ قال مولى من موالينا قال فاستخلفت عليهم مولى ؟ قال إنه قارئ لكتاب الله عز وجل وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين) وهذا يؤيدأن عمر لم يعزله، خاصة وأنه عالم بالفرائض، أي تقسيم الإرث وحساب الماليات، كما سنرى في زيد بن ثابت. وفي كنز العمال ج 13 ص 560: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خرجت مع عمر ابن الخطاب الى مكة فاستقبلنا أمير مكة نافع بن الحرث فقال: من استخلفت على أهل مكة ؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى، قال: عمدت الى رجل من الموالي فاستخلفته على من بها من قريش وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ! قال: نعم وجدته أقرأهم لكتاب الله. ومكة أرض محتضرة فأحببت أن يسمعوا كتاب الله من رجل حسن القراءة. قال نعم ما رأيت إن عبد الرحمن بن أبزى ممن يرفعه الله بالقرآن - ع) انتهى. وروى النسائي لابن أبزى في ج 1 ص 165 و 168 و 169 وج 3 ص 235 و 244 و 245 و 247 و 250 وج 7 ص 289 وج 8 ص 62. وروى له في ج 8 ص 335 رواية تدل على أنه كان يشرب الخمر ولا يكتفي بالنبيذ، قال النسائي: (عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال سألت أبي بن كعب عن النبيذ فقال: إشرب الماء، واشرب العسل، واشرب السويق، واشرب اللبن الذي نجعت به، فعاودته فقال: الخمر تريد، الخمر تريد ! !). وفي كنز العمال ج 5 ص 523: (عن ابن أبزى عن أبيه قال: سألت أبي بن كعب عن النبيذ فقال: إشرب الماء، واشرب السويق، واشرب اللبن الذي نجعت به، قلت لا توافقني هذه الأشربة، قال: فالخمر إذا تريد ! - عب). وروى ولايته بالنيابة على مكة ابن ماجة ج 1 ص 79 وروى له في ج 1 ص 188 و 370 و 374 وج 2 ص 766 ورواها الدارمي ج 2 ص 443 وروى له في ج 1 ص 190 ورواها أحمد في مسنده ج 1 ص 35 وروى له في ج 1 ص 8 و 64 وج 3 ص 406 وج 4 ص 263 و 265 و 319 و 320 وج 5 ص 122 وروت له بقية الصحاح وغيرها.. ولعل أهم ما رووا له أن الخليفة عمر كان يقنت بالسورتين الخلع والحفد اللتين زعموا أنهما من القرآن، فقد روى ذلك البيهقي في سننه ج 2 ص 211 والهندي في كنز العمال ج 8 ص 74 و 75:

[ 272 ]

(عن عبد الرحمن بن أبزى أن عمر قنت في صلاة الغداة قبل الركوع بالسورتين: اللهم إنا نستعينك، واللهم إياك نعبد - الطحاوي). وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 201، فقال: (عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي له صحبة ورواية وفقه وعلم. وهو مولى نافع بن عبد الحارث، كان نافع مولاه استنابه على مكة حين تلقى عمر بن الخطاب الى عسفان، فقال له: من استخلفت على أهل الوادي يعني مكة ؟ قال: ابن أبزى، قال ومن ابن أبزى ؟ قال: إنه عالم بالفرائض، قارئ لكتاب الله. قال: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال إن هذا القرآن يرفع الله به أقواما، ويضع به آخرين. وحدث عبد الرحمن أيضا عن أبي بكر، وعمر، وأبي بن كعب، وعمار بن ياسر. حدث عنه: ابناه، عبد الله وسعيد، والشعبي، وعلقمة بن مرثد، وأبو إسحاق السبيعى، وآخرون. سكن الكوفة، ونقل ابن الأثير في تاريخه: أن عليا رضي الله عنه استعمل عبد الرحمن بن أبزى على خراسان. ويروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: ابن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن. قلت: عاش الى سنة نيف وسبعين فيما يظهر لي). وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 278: (عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث سكن الكوفة... وقال فيه عمر بن الخطاب عبد الرحمن بن أبزى ممن رفعه الله بالقرآن) وقال في ج 1 ص 45: (... عن مقاتل بن حيان عن علقمة بن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن جده قال خطب رسول الله وذكر الحديث... ولم يصح لابن أبزى عن النبي رواية ولا رؤية، هذا كلام أبي نعيم، ولقد أحسن فيما قال وأصاب الصواب رحمة الله تعالى عليه، وأما أبو عمر فلم يذكر أبزى وإنما ذكر عبد الرحمن لأنه لم تصح عنده صحبة أبزى، والله أعلم) انتهى.

[ 273 ]

هذا الغلام المحظوظ بصوته الحسن - وقد يكون مغنيا - وقدرته على الجمع والضرب، صار برضا الخليفة عمر عنه وتقريبه إياه، ومن شخصيات التاريخ الإسلامي وصار هو وأبوه وأولاده من العلماء والرواة. وقد توقف بعض الفقهاء في قبول روايته ورواية أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله، لأنهما ليسا من الصحابة كما تقدم، وقال في الجوهر النقي ج 2 ص 347 تعليقا على رواية ابن أبزى التي ادعى فيها أن النبي صلى الله عليه وآله سهى في صلاته ! (قلت: في هذا الحديث علتان، إحداهما أن عبد الرحمن بن أبزى مختلف في صحبته. والثانية أن عبد الحق ذكر هذا الحديث في أحكامه ثم قال الحسن بن عمران شيخ ليس بالقوي) انتهى. ولكن يبقى الأساس عند إخواننا أن البخاري وثقه وقال إنه له صحبة ما.. لذلك قال في كنز العمال ج 9 ص 58: (قال ابن السكن: ماله غيره وإسناده صالح لكن رواه محمد بن إسحاق بن راهويه عن أبيه فقال: في إسناده عن علقمة بن سعيد بن أبزى عن أبيه عن جده رواه طب في ترجمة عبد الرحمن، ورجح أبو نعيم هذه الرواية وقال لا يصح لأبزى رواية ولا رؤية، وكذا قال ابن منده. وقال ابن حجر في الإصابة: كلام ابن السكن يرد عليهما، والعمدة في ذلك على البخاري فإليه المنتهى في ذلك) ! والى الله المشتكى في ذلك ! الثاني: زيد بن ثابت بن... ؟ مسؤول جمع القرآن شاب صغير السن، وأصله... ؟ لم يكن زيد بن ثابت (الأنصاري) من الصحابة المعروفين، ولعل أول ما ورد اسمه في التاريخ في مسألة جمع القرآن.. فقد أمره الخليفة أبو بكر وعمر بجمع القرآن.. ثم كان أحد الذين أمرهم الخليفة عثمان بجمع القرآن، فشارك في كتابة المصحف الأم أو المصحف الإمام.. والذي هو المصحف الوحيد للمسلمين من ذلك التاريخ والحمد لله. فمن هو زيد بن ثابت ؟ ولماذا اعتمد عليه الخليفة أبو بكر وعمر وعثمان ؟

[ 274 ]

ثم ماذا كان عمل زيد بالضبط، وهل جمع القرآن في مصحف في عهد أبي بكر وعمر، أم كتبه مسودة في صحف، وكان الخليفة يجري عليها (تنقيحات) حتى تكتمل فتكون مصحفا كاملا.. ؟ وهل يحتاج جمع نسخة القرآن الى هذه المدة الطويلة ؟ ! روى النسائي في سننه ج 8 ص 134: (عن أبي وائل قال خطبنا ابن مسعود فقال: كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعد ما قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة وإن زيدا مع الغلمان له ذؤابتان ؟ !). وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 389 وص 405 وص 442: (عن خمير بن مالك قال قال عبد الله قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت له ذؤابة في الكتاب). ورواه في ج 1 ص 405 وص 442، وروى في ج 1 ص 411 رواية النسائي وفيها (غلام له ذؤابتان يلعب مع الغلمان). وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1006: (... عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل، فإن من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال: لقد قرأت القرآن من في رسول الله سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !... عن حمزة بن عبد الله قال: بلغني أنه قيل لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مالك لا تقرأ على قراءة فلان ؟ فقال: لقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة فقال لي لقد أحسنت، وإن الذي يسألون أن أقرأ على قراءته في صلب رجل كافر ! عن ابن إسحاق، عن أبي الأسود - أو غيره - قال: قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال: مالي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان. حدثنا الحماني قال حدثنا شريك، عن ابن إسحاق، عن أبي الأسود - أو غيره - قال: قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال ما لي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت

[ 275 ]

من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ! !) انتهى. وروى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 228: (... حدثني اسمعيل بن سالم بن أبي سعيد الأسدي قال سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت ! !) انتهى. وروى المزي في تهذيب الكمال ج 33 ص 351: (عن أبي سعيد الأزدي، عن عبد الله ابن مسعود: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت. فلا أدري هو هذا أو غيره) انتهى. ولكن البخاري وآخرين خففوا قول ابن مسعود في زيد، وغيروا كلمة غلام في رواية جمع القرآن الى (رجل).. قال البخاري في تاريخه ج 3 ص 227: (... عن خمير ابن مالك عن ابن مسعود يقول: أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت صبي من الصبيان !) وقال أحمد في مسنده ج 5 ص 188: (... عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر عنده جالس وقال أبو بكر يا زيد بن ثابت إنك غلام شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه). وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 80 مؤكدا حداثة من زيد: (... قلت هذا إسماعيل بن زيد بن ثابت يروى عن أبيه وهو تابعي ولا اعتبار بإرساله هذا الحديث، فإن التابعين لم يزالوا يروون المراسيل. ومما يقوى أنه لم تكن له صحبة أن أباه زيد بن ثابت استصغر يوم أحد وكانت سنة ثلاث من الهجرة فمن يكون عمره كذا كيف يقول ولده خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وهذا إنما يقوله رجل، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال لما كتب زيد المصحف لقد أسلمت وإنه في صلب رجل كافر، وهذا أيضا يدل على حداثة سنه عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه أبو موسى !). * *

[ 276 ]

ولكن المشكلة في شخصية زيد ليست صغر سنه، بل اتهامه بأن أصله يهودي.. وعلى لسان صحابي كبير من وزن عبد الله بن مسعود ! والمؤكد أن زيدا كان ضمن صبيان اليهود، وأنه كان يعرف العبرية.. فقد قال الفضل بن شاذان في الإيضاح ص 519: (فأما سب بعضهم بعضا وقدح بعضهم في بعض في المسائل الفقهية، فأكثر من أن يحصى مثل قول ابن عباس وهو يرد على زيد مذهبه العول في الفرائض: إن شاء، أو قال من شاء، باهلته، إن الذي أحصى رمل عالج عددا أعدل من أن يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، هذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ؟ ! ومثل قول أبي بن كعب في القرآن: لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب) انتهى. ورواه في الدرجات الرفيعة ص 22 وحسب هذه الشهادة وحدها يمكن تبرئة زيد من تهمة اليهودية، والقول بأنه كان أنصاريا قتل أبوه في حرب بعاث، وأدخلته أمه النوار بنت مالك الخزرجية في (بيت المدراس) عند اليهود ليتعلم القراءة والكتابة، كما يضع بعض الناس أبناءهم في عصرنا في مدارس مسيحية أو يهودية.. لكن تبقى مسألة أن اليهود كانوا مجتمعا مغلقا لا يقبلون في مدرستهم أبناء العرب، ولم أجد رواية عن أي عربي أنه تعلم القراءة والكتابة مع أبناء اليهود. وتبقى أيضا شهادات ابن مسعود الصريحة التي تقول (قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال ما لي ولزيد ولقراءة زيد، لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان ! !) وإذا أخذنا بإجماع أئمة الجرح والتعديل من إخواننا على توثيق ابن مسعود وتقواه.. فلا بد أن نقول إن والد زيد يهودي، وأمه أنصارية، وقد نسب الى الأنصار من جهة أمه وأخواله ! وهذا يفتح باب الشك في ادعاء زيد أن أباه قتل يوم بعاث لأن اليهود لم يشاركوا فيه ! وعندما نرجع الى ترجمة زيد في كتب التراجم نجدهم يذكرون أن أمه هي النوار بنت مالك ولا يذكرون فيها خلافا.. قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 5 ص 557:

[ 277 ]

(النوار بنت مالك بن صرمة من بني عدي بن النجار وهي أم زيد بن ثابت الأنصاري الفقيه الفرضي كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم، روت عنها أم سعد بنت أسعد بن زرارة. أخرجها الثلاثة) انتهى. ولكن مصادر السيرة والتاريخ والرجال المعروفة خالية عن إسم أبيها مالك بن صرمة، ولا عن اسمه الآخر الذي ذكره ابن الأثير (مالك بن معاوية) كما لا توجد روايات عن حياتها، وهل أنها تزوجت بعد ثابت أم لا ؟ لكن المشكلة الصعبة في ترجمة زيد معرفة الإسم الحقيقي لأبيه وجده وأعمامه ونسبه ! فقد ذكرت المصادر لجده عدة أسماء، منها الضحاك بن خليفة، وله ابن اسمه ثابت، ومنها الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن جشم وله ابن اسمه ثابت، ومنها الضحاك بن الصامت، ومنها الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف.. لكن يصعب أن تنطبق ترجمة أي واحد منهم على زيد.. ! وهكذا إذا صعدت مع نسبه جدا فجدا، مضافا الى أن بعض هؤلاء الأجداد المفترضين لزيد من الأوس، وبعضهم من الخزرج ! ! ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي ؟ قال السمعاني في الأنساب ج 1 ص 172: (... وأبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبد الرحمن بن زيد بن ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي المديني، وخليفة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى. ووصف السمعاني له بالأشهلي يعني أنه من الأوس، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 ص 8 (ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلي الأوسي أبو زيد المدني. وقال في هامشه: الأشهلي بمفتوحة وإعجام شين وفتح هاء منسوب الى عبد الأشهل بن جشم كذا في المغني اه‍) انتهى. ومن البعيد جدا أن يكون مقصوده بهذا النسب زيد بن ثابت وأن جد جده كان من صحابة النبي صلى الله عليه وآله ! !

[ 278 ]

وقد ترجم ابن هشام للضحاك بن خليفة بأنه كان منافقا ومثبطا للمسلمين في غزوة تبوك.. قال في السيرة ج 4 ص 96: (قال ابن هشام: وحدثني الثقة عمن حدثه، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جده، قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، وكان بيته عند جاسوم، يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيدالله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا، فقال الضحاك في ذلك: كادت وبيت الله نار محمديشيط بها الضحاك وابن أبيرق وظلت وقد طبقت كبس سويلم أنوء على رجلي كسيرا ومرفقي سلام عليكم لا أعود لمثلها أخاف ومن تشمل به النار يحرق قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، وأمر الناس بالجهاز والإنكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله...) انتهى. وروى الطبري عن الضحاك هذا في تاريخه ج 2 ص 459 رواية قد تدل على أنه حضر السقيفة ! قال الطبري: (حدثنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا عمي قال أخبرنا سيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان عن الضحاك بن خليفة قال: لما قام الحباب بن المنذر انتضى سيفه وقال أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فحامله عمر فضرب يده فندر السيف، فأخذه ثم وثب على سعد، ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة وبايع سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها ! وقال قائل حين أوطئ سعدا: قتلتم سعدا ! فقال عمر قتله الله إنه منافق ! واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه) انتهى.

[ 279 ]

وللضحاك هذا ولد اسمه ثابت بن الضحاك بن خليفة، ترجم له البخاري في تاريخه ج 2 ص 165 فقال: (ثابت بن الضحاك الأنصاري، وقال بعضهم الكلابي، له صحبة وأخوه أبو جبيرة بن الضحاك) انتهى. ولكن الرازي نفى في الجرح والتعديل ج 2 ص 453 أن يكون ثابت هذا والد زيد بن ثابت.. قال: (ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري له صحبة روى عنه عبد الله بن معقل وأبو قلابة سمعت أبي يقول ذلك. سمعت أبي يقول: بلغني عن ابن نمير أنه قال: هو والد زيد بن ثابت. فإن كان قاله فقد غلط وذلك أن أبا قلابة لم يدرك زيد بن ثابت فكيف يدرك أباه ؟ وهو يقول حدثني ثابت بن الضحاك الأنصاري !) انتهى. وترجم ابن الأثير لثابت هذا فقال في أسد الغابة ج 1 ص 226: (ثابت بن الضحاك بن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل كذا نسبه أبو عمر. وأما ابن منده وأبو نعيم فلم يجاوزا في نسبه خليفة وقالا إنه أخو أبي جبيرة بن الضحاك شهد الحديبية، وقال ابن منده قال البخاري أنه شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو نعيم: هذا وهم وإنما ذكر البخاري في الجامع أنه من أهل الحديبية واستشهد بحديث أبي قلابة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم الذى أخبرنا به أبو الفرج يحيى بن محمود... أن أبا قلابة حدثه أن ثابت بن الضحاك حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، وليس على رجل نذر في ما لا يملك... وقال ابن منده توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني سنين وقيل توفي سنة خمس وأربعين، وقيل توفي في فتنة ابن الزبير أخرجه الثلاثة. وأخرجه أبو موسى مستدركا على ابن مندة فقال: ثابت بن الضحاك بن ثعلبة الأنصاري أبو جبيرة هكذا أورده أبو عثمان، وقال بعضهم هو أخو ثابت بن الضحاك بن خليفة. وقال حماد بن سلمة: هو الضحاك بن أبي جبيرة أورده في غير باب الثاء. انتهى كلام أبي موسى. فأما قوله في نسبه الضحاك بن ثعلبة فهو وهم أسقط منه خليفة وما لإخراجه عليه وجه، فإن بعض الرواة قد أسقط الجد الذي هو خليفة. وقد أخرجه ابن منده على الصواب) انتهى.

[ 280 ]

وللضحاك هذا أولاد آخرون معروفون مثل أبي جبيرة واسمه قيس وقد ترجم له البخاري في تاريخه ج 9 ص 20 برقم 157 وابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 218 وج 5 ص 156. وله بنت اسمها ثبيتة أو نبيتة ترجم لها في أسد الغابة ج 5 ص 413 وإكمال الكمال ج 1 ص 185 وقال عن ثابت (وهو أخو جبيرة بن الضحاك، وثبيتة بنت الضحاك، التي كان محمد بن مسلمة يطاردها ببصره ليتزوجها).. الخ. ولو كان هؤلاء أعمام زيد وأقاربه لعرفوا، أو ذكر ذلك أحد في ترجمته أو ترجماتهم.. مضافا الى أن زيدا كان يقول إن والده توفي وعمره ست سنوات كما روت عنه المصادر مثل سير أعلام النبلاء وأسد الغابة وتهذيب الكمال.. وغيرها. هل هو ابن ثابت بن الضحاك بن زيد ؟ نسب ابن الأثير وأكثر كتب الرجال زيدا الى الخزرج فقال في أسد الغابة ج 2 ص 221: (زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم النجاري، أمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار...) انتهى. ومن المشكل قبول ذلك، لأن زيد بن لوذان المذكور هو جد بني حزم المعروفين من نقباء الأنصار، ولو كان زيد منهم لظهر ذلك في ترجماته أو ترجماتهم، فمنهم النقيب المعروف عمارة، وإخوته عمرو ومعمر وأولادهم.. قال ابن هشام في السيرة ج 2 ص 520 في تعديد النقباء (قال ابن إسحاق: ومن بني عمرو بن عبد عوف بن غنم. عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو). وقال في ج 2 ص 313: (قال ابن هشام: وعمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار. شهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها، قتل يوم اليمامة).

[ 281 ]

وقال ابن الأثير في أسد الغابة ج 4 ص 48 (عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي ثم من بني النجار أخو عمرو بن حزم وأمه خالدة بنت أنس...) وقال في أسد الغابة ج 4 ص 400: (معمر بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمر وبن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري جد أبي طوالة وهو أخو عمرو بن حزم قاله محمد بن سعد كاتب الواقدي، شهد بيعة الرضوان وما بعدها وهو أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب مع أبي موسى الى البصرة أخرجه أبو نعيم وأبو موسى) انتهى. فلو كان النسب الذي ذكروه لزيد صحيحا لكان عمارة وإخوته أبناء حزم، أولاد عم أبيه ثابت، ولظهر شئ من هذا النسب الرفيع في ترجمته أو تراجمهم.. مع أنه لا ذكر لشئ من ذلك ! هل هو زيد بن ثابت بن الصامت ؟ ذكر الرازي في الجرح والتعديل ج 9 ص 255 أن اسم جده الصامت، فقال: (يزيد بن ثابت بن الصامت أخو زيد بن ثابت الأنصاري له رؤية للنبي صلى الله عليه وسلم، رمي باليمامة ومات في الطريق، روى عنه خارجة بن زيد بن ثابت سمعت أبي يقول ذلك) انتهى. ولم أجد لثابت بن الصامت ذكرا في شئ مصادر التاريخ والسيرة والحديث المعروفة.. ولا للصامت بن زيد بن لوذان، وقد تفرد بذكره الرازي، ومن المحتمل أن يكون تصحيف الضحاك، ولكنه أيضا لا يصح ! هل أعمامه أبو أيوب ورفاعة بن رافع ؟ روى أحمد في مسنده ج 5 ص 115: (عن عبيد بن رفاعة بن رافع عن أبيه قال زهير في حديثه رفاعة بن رافع وكان عقبيا بدريا، قال كنت عند عمر فقيل له إن زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد قال

[ 282 ]

زهير في حديثه الناس برأيه في الذي يجامع ولا ينزل، فقال أعجل به فأتي به فقال: يا عدو نفسه أو قد بلغت أن تفتي الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيك ؟ ! قال ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أي عمومتك ؟ ! قال أبي بن كعب قال زهير وأبو أيوب ورفاعة بن رافع ! فالتفت إلى: ما يقول هذا الفتى ؟ ! وقال زهير ما يقول هذا الغلام ؟ ! فقلت كنا نفعله في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فسألتم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال كنا نفعله على عهده فلم نغتسل ! قال فجمع الناس واتفق الناس على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا رجلين علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل قالا: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) انتهى. ولا بد أن نحمل العمومة في كلام زيد في هذه الرواية على معناها المجازي، لأن أيا من هؤلاء الثلاثة المذكورين لا يمكن أن يكون عما حقيقيا لزيد ! فأبي بن كعب هو كما في أسد الغابة ج 1 ص 49 (أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك ابن النجار واسمه تيم اللات وقيل تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر الأنصاري لخزرجي). وأبو أيوب هو كما في أسد الغابة ج 5 ص 143 (أبو أيوب الأنصاري واسمه خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم ابن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي النجاري شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن خاصته قال ابن الكلبي وابن إسحاق وغيرهما شهد أبو أيوب مع على الجمل وصفين وكان على مقدمته يوم النهروان). وكذا في مستدرك الحاكم ج 3 ص 463 وفي سيرة ابن هشام ج 2 ص 49 ورفاعة بن رافع هو كما في مستدرك الحاكم ج 3 ص 233 (... ثنا عروة في تسمية من شهد العقبة من الأنصار من بني زريق رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان بن زريق وهو نقيب وذكره أيضا في تسمية من شهد بدرا) وكذا في سيرة ابن هشام ج 2 ص 255 بل قد يفهم من سؤال عمر الشديد لزيد: أي عمومتك ؟ ! أنه لا أعمام لزيد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ! !

[ 283 ]

مهما يكن.. فإن زيد بن ثابت من الذين يحتاج الباحث أن يبحث طويلا عن اسم جده لأمه وعن اسم أبيه وجده وأعمامه وأسرته، لأن الأنساب التي ذكروها له تزيد الباحث شكا، واستيفاء ذلك خارج عن غرض هذا الكتاب.. والذي يهون الخطب أن دور زيد في جمع القرآن دور تنفيذي لا أكثر كما سترى.. وإن حاول هو أن يعطيه صفة أخرى ! ! مناصب زيد في عهود الخلفاء الثلاثة كان زيد من أنصار السلطة الجديدة بعد النبي صلى الله عليه وآله من أول ساعاتها.. فبعد ولادة خلافة أبي بكر في السقيفة ببيعة أفراد محدودين، ومعارضة سعد بن عبادة زعيم الخزرج.. كان المشروع بحاجة في اليوم الثاني الى بيعة الأنصار الذين هم أهل المدينة، وكان الصوت المؤيد من الأنصار ذا قيمة عند أبي بكر وعمر حتى لو كان لشاب صغير السن محسوب على الأنصار، مثل زيد بن ثابت.. روى أحمد في مسنده ج 5 ص 185: (عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار فجعل منهم من يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم والآخر منا، قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك قال فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنما الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقام أبو بكر فقال جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم، ثم قال والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم) انتهى. وروى ابن كثير في السيرة النبوية ج 4 ص 494 (... أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه...) انتهى. ومن ذلك اليوم أخذ زيد موقعه في الدولة الجديدة وصار كاتب دار الخلافة، ثم مقسم مواريث المسلمين.. ثم مسؤول جمع القرآن !

[ 284 ]

قال النووي في المجموع ج 16 ص 68: (... دليلنا ما روى عن زيد بن ثابت أنه قال: ولاني أبو بكر مواريث قتلى اليمامة فكنت أورث الأحياء من الموتى ولا أورث الموتى من الموتى). وقد أعطى لمنصبه هذا لونا من الشرعية أنه كان أحيانا يكتب للنبي صلى الله عليه وآله.. قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 1 ص 50: (... عن الشعبي عن مسروق قال كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ستة عمر وعلي وعبد الله وأبي وزيد وأبو موسى. قال أبو عمر قال محمد بن سعد عن الواقدي: أول من كتب لرسول الله مقدمه المدينة أبي بن كعب وهو أول من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان بن فلان، فإذا لم يحضر أبي كتب زيد بن ثابت، وأول من كتب من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ورجع الى مكة فنزل فيه ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شئ وكان من المواظبين على كتاب الرسائل عبد الله بن الأرقم الزهري. وكان الكاتب لعهوده صلى الله عليه وسلم إذا عاهد وصلحه إذا صالح علي بن أبي طالب. وممن كتب لرسول الله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص وحنظلة الأسيدي والعلاء بن الحضرمي وخالد بن الوليد وعبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول والمغيرة بن شعبة وعمر وابن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وجهم بن الصلت ومعيقيب بن أبي فاطمة وشرحبيل بن حسنة) انتهى. أما في عهد عمر فصار زيد الكاتب الرسمي لدار الخلافة، ونائب الخليفة على ولاية المدينة.. قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 2 ص 693: (... عن نافع: أن عمر رضي الله عنه استعمل زيدا على القضاء، وفرض له رزقا... عن خارجة بن زيد قال: كان عمر رضي الله عنه كثيرا ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج الى شئ من الأسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيدا حديقة من نخل !... عن السائب بن يزيد، عن أبيه: أن عمر رضي الله عنه قال: أكفني صغار الأمور، فكان يقضي في الدرهم ونحوه) انتهى.

[ 285 ]

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 438: (وعن يعقوب بن عتبة: أن عمر استخلف زيدا، وكتب إليه من الشام: الى زيد بن ثابت، من عمر). يقصد الذهبي أن عمر قدم اسم زيد على إسمه فخالف أعراف العرب والخلافة، بسبب حبه لزيد ! ثم قال الذهبي: (... عن خارجة بن زيد، قال: كان عمر بن الخطاب كثيرا ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج الى شئ من الأسفار، وقلما رجع من سفر إلا أقطع زيد بن ثابت حديقة من نخل. ورجاله ثقات. وعن سليمان بن يسار، قال: ما كان عمر وعثمان يقدمان على زيد أحدا في الفرائض والفتوى والقراءة والقضاء) انتهى. أما في عهد عثمان فصار زيد والي بيت المال ووالي الصدقات.. قال البخاري تاريخه ج 8 ص 373 (... عن يوسف بن سعد كان زيد بن ثابت عامل عثمان على بيت المال). وروى أحمد في مسنده ج 3 ص 22 وفي ج 5 ص 187: (... عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال لما نزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس قال قرأها رسول الله صلى عليه وسلم حتى ختمها وقال: الناس حيز وأنا وأصحابي حيز، وقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. فقال له مروان كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فسكتا، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالوا صدق !) انتهى. وروى الذهبي أن زيدا كان والي القضاء والإفتاء والقراءة والمحاسبة، طيلة عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.. قال في سير أعلام النبلاء ج 4 ص 424: (ويروي عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: كنا في خلافة معاوية، وإلى آخرها، نجتمع في حلقة بالمسجد بالليل، أنا، ومصعب وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن مروان، وعبد الرحمن المسور، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف

[ 286 ]

، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكنا نتفرق بالنهار، فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت وهو مترئس بالمدينة في القضاء، والفتوى، والقراءة، والفرائض، في عهد عمر، وعثمان، وعلي. ثم كنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن نجالس أبا هريرة، وكان عروة يغلبنا بدخوله على عائشة) انتهى. لكن زيدا لم يكن مع علي عليه السلام بل مع معاوية. والظاهر أن الميزة الأساسية في شخصية زيد التي جعلته مرغوبا فيه عند الخلفاء الثلاثة مضافا الى سيره في خطهم السياسي، كفاءته في الكتابة والحسابات وأنه موظف مطيع، فهذه المهنة كانت عزيزة في الجزيرة لا يجيدها إلا القلة.. وكان الكاتب يساوي في عصرنا السكرتير الخاص ووزير المالية.. وقد ورث هذه المهنة عن زيد ولده خارجة بن زيد، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 5 ص 18: (... وقال ابن أبي خيثمة كان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يستفتيان وينتهي الناس الى قولهما ويقسمان المواريث ويكتبان الوثائق) انتهى. وقال في المدونة الكبرى ج 4 ص 423 (قال مالك: وقد كان خارجة بن زيد بن ثابت ومجاهد يقسمان مع القضاة ويحسبان ولا يأخذان لذلك جعلا) انتهى. على أن أعظم منصب ديني تحمله زيد بن ثابت في حياته هو منصب كتابة القرآن، حتى لو كان دوره فيه مجرد كاتب مأمور ! كان زيد يتقن اللغة العبرية قال البخاري في صحيحه ج 8 ص 120 (قال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه). وقال أحمد في مسنده ج 5 ص 182: (عن عبيد قال قال زيد بن ثابت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحسن السريانية، إنها تأتيني كتب. قال قلت لا، قال فتعلمها، فتعلمتها في سبعة عشر يوما !).

[ 287 ]

وقال السرخسي في المبسوط ج 16 ص 89: (وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه أن يتعلم العبرانية وكان يترجم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمن كان يتكلم بين يديه بتلك اللغة) انتهى. وهكذا نسج الآخرون على منوال البخاري وأحمد ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله أمر زيدا أن يتعلم العبرية فتعلمها قراءة وكتابة في أسبوعين، وفسر المحللون ذلك بمعجزة للنبي صلى الله عليه وآله أو بكرامة لزيد، وذكائه المفرط ! وقد تقدمت شهادة ا بن مسعود وأبي بن كعب بأن زيدا كان يهوديا، وأنه درس من صغره عند كتاتيب اليهود.. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يحتاج الى كاتب بالعبرية، فاليهود الذين في الجزيرة كانوا يكتبون رسائلهم للعرب بالعربية ! فلا بد أن يكون هدف زيد من هذه الرواية تبرير معرفته باللغة العبرية وإجادته الكتابة بها، بأن ذلك كان بأمر النبي ومن أجله صلى الله عليه وآله ! وهو أمر يوجب المزيد من الشك في أصله ! هذا بناء على عقيدة إخواننا السنة بالنبي صلى الله عليه وآله، أما نحن الشيعة فنعتقد أن النبي، أي نبي، وكذا الإمام، حجة الله تعالى على خلقه.. ومن أول شروط الحجة أن يعرف لغة المحتج عليه.. وبذلك صرحت أحاديثنا الصحيحة عن النبي وآله صلى الله عليه وآله بأن نبينا وأوصياءه يعرفون كل ما يحتاجون إليه من لغات الناس في عصرهم، ولا حاجة لهم الى زيد وعمرو ليترجموا لهم ! الأحاديث التي رووها في فضل زيد وعلمه وعلى عادة المؤرخين لشخصيات السلطة، حاولوا أن يجدوا تاريخا جهاديا لزيد مع النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا إنه أراد أن يشترك في بدر فاستصغر النبي سنه، ثم صار في الخندق غلاما ينقل التراب.. وقالوا إن النبي أعطاه راية بني النجار في تبوك التي لم يكن فيها حرب، ولعلهم جعلوه بدل زيد بن حارثة، كما جعلوا أباه بدل أحد الصحابة..

[ 288 ]

قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 ص 221: (زيد بن ثابت... وكان عمره لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إحدى عشرة سنة وكان يوم بعاث ابن ست سنين وفيها قتل أبوه، واستصغره رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فرده وشهد أحدا وقيل لم يشهدها وإنما شهد الخندق أول مشاهده وكان ينقل التراب مع المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه نعم الغلام وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك مع عمارة بن حزم فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفعها الى زيد بن ثابت فقال عمارة يا رسول الله بلغك عني شئ قال لا ولكن القرآن مقدم وزيد أكثر أخذا للقرآن منك ! !) انتهى. أما الشهادات بعلمه فكثيرة.. روى أحمد وغيره شهادة من النبي صلى الله عليه وآله لزيد بأنه أعلم الأمة بالرياضيات.. قال في مسنده ج 3 ص 281: (عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ارحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر. وقال عفان مرة: في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. ألا وإن لكل أمة أمينا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهم أجمعين). ورواه في كنز العمال ج 11 ص 641 وقال في مصادره (حم، ت، ن ه‍، حب، ك، هق - عن أنس) انتهى. وينبغي أن نسجل هنا أن عرب الحجاز لم يكونوا يجيدون الرياضيات والحساب، بمن فيهم أكثر الصحابة.. فقد روت مصادر الحديث تحير الصحابة والخليفة عمر في مسائل الإرث وحساب سهام الورثة وارتباكه في إرث الكلالة.. لذلك كان يوجه الناس الى تعلم الفرائض أي حساب سهام الإرث في الصور المختلفة، وينهاهم عن البحث في المسائل العقائدية والمسائل المستحدثة.. فقد روى الحاكم في المستدرك ج 4 ص 333: (... عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى أبي موسى الأشعري: إذا لهوتم فالهو بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض. هذا وإن كان موقوفا فإنه صحيح الإسناد).

[ 289 ]

وروى البيهقي في سننه ج 6 ص 209: (... عن إبراهيم قال قال عمر رضي الله عنه: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم (قال وثنا) يحيى بن يحيى أنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة قال كتب عمر: إذا لهوتم فالهو بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض) انتهى. وفي جو كهذا يبرز أصحاب الذهن الرياضي ويتميزون، وكان زيدا أحد هؤلاء، ولذلك صار كاتب دار الخلافة ومقسم الفرائض الرسمي، كما صار عبد الرحمن بن أبزى غلام نافع بن عبد الحارث بن حبالة، كاتب والي مكة والطائف ونائبه، كما تقدم. روى الحاكم في المستدرك ج 3 ص 272: (... أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليات أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني فإني له خازن. صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). وقال الدارمي ج 2 ص 341 عن عهد عثمان: (... قال ابن شهاب لو هلك عثمان وزيد في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمها غيرهما !) ورواه البيهقي في سننه ج 6 ص 211 أعلم الأمة بالرياضيات يقع في مشكلات قام منهج زيد بن ثابت في تقسيم الإرث على ثلاثة أسس: الأول: آيات القرآن حسب ما يفهمها الصحابي العادي بدون سؤال عنها، ودون بحث وتعمق. الثاني: العمل بظنه واحتماله واستنسابه، فيما لا علم له فيه ! الثالث: ترجيح جانب الدولة، وتحويل ما أمكن من المواريث الى بيت المال ! ولذلك وقع في مشكلات شرعية كبيرة توجب الشك في الشهادة التي رووها في حقه عن النبي صلى الله عليه وآله، وترجح أنها كانت شهادة من الخليفة عمر ثم نسبت الى النبي صلى الله عليه وآله !

[ 290 ]

وفيما يلي نماذج من أحكام زيد، يتضح منها ذلك: قال الترمذي في سننه ج 3 ص 285: (واختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فورث بعضهم الخال والخالة والعمة. وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال !). وقال الدارمي في سننه ج 2 ص 361 و 362: (عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أن أتي في ابنة أو أخت، فأعطاها النصف وجعل ما بقي في بيت المال !... وقال زيد بن ثابت للجدة السدس وللإخوة للأم الثلث، وما بقي فلبيت المال). وقال السرخسي في المبسوط ج 30 ص 2: (حكي أن المعتضد سأل أبا حازم القاضي عن هذه المسألة فقال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير زيد بن ثابت على توريث ذوي الأرحام ولا يعتد بقوله بمقابلة إجماعهم. وقال المعتضد أليس أنه يروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان ؟ فقال كلا ! وقد كذب من روى ذلك عنهم ! ! وأمر المعتضد برد ما كان في بيت المال مما أخذ من تركة من كان وارثه من ذوي الأرحام. وقد صدق أبو حازم فيما قال !) انتهى. وقال في المدونة الكبرى ج 3 ص 380: (... عن محمد بن سيرين قال مات مولى لعمر بن الخطاب فسأل ابن عمر زيد بن ثابت فقال أيعطى بنات عمر شيئا ؟ فقال: ما أرى لهن شيئا وإن شئت أعطيتهن) وكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 397 وقال السرخسي في المبسوط ج 29 ص 181: (والمروي عن زيد ابن ثابت أنه شبه الأخوين بواد تشعب منه نهران، والجد مع النافلة بواد تشعب منه نهر ثم تشعب من النهر جدول، فالقرب بين النهرين يكون أظهر منه بين الجدول وأصل الوادي. وهذا يوجب تقديم الأخوة على الجد إلا أن في جانب الجد معنى الأولاد وبه يسمى أبا، ولكنه أبعد من الأب الأول بدرجة !).

[ 291 ]

وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 434: (... عن الشعبي: أن مروان دعا زيد بن ثابت، وأجلس له قوما خلف ستر، فأخذ يسأله وهم يكتبون ففطن زيد، فقال يا مروان أغدرا، إنما أقول برأيي. رواه إبراهيم بن حميد الرؤاسي، عن ابن أبي خالد، نحوه، وزاد: فمحوه) انتهى. ويدل هذا على أن زيدا كان يفتي بظنونه واحتمالاته، وكانت تلك مدرسة الفتوى بالرأي والاحتمالات التي أشاعها الخليفة عمر بن الخطاب، وسيأتي تصريح زيد بذلك أيضا ! وفقهاء المذاهب قلدوا زيدا جاء في مجموع النووي ج 6 ص 210: (باب ترجيح قول زيد بن ثابت على قول غيره من الصحابة رضي الله عنهم في الفرائض... قلت: ذكر الإمام تاج الدين الفزاري أن المشهور عند الفقهاء أن الشافعي لم يقلد زيدا وإنما وافق رأيه رأيه فإن المجتهد لا يقلد المجتهد. وظاهر كلام البيهقي يدل على أنه قلده، وفيه مخالفة للمشهور عندهم، وتقليد المجتهد المجتهد. ويقال للشافعي هلا قلدت معاذا في تحليله وتحريمه بعين ما ذكرتم ؟ وهلا قلدت عليا في جميع قضائه لقوله عليه السلام: أقضاكم علي الحديث.. وإن كان لم يقلد زيدا كما هو المشهور عندهم ففيه أيضا نظر من وجهين: أحدهما، أن الشافعي لم يضع في الفرائض كتابا ولولا تقليد زيد لوضع كتابا ليظهر لمتبعيه طريق اجتهاده التي بها وافق زيدا كما فعل في سائر الأبواب. الثاني، أنه لم يخالف ولا في مسألة، ويبعد اتفاق رأيين في كتاب من العلم من أوله الى آخره !). وقال ابن قدامة في المغني ج 7 ص 46: (وذهب زيد بن ثابت الى أن الفاضل عن ذوي الفروض لبيت المال ولا يرد على أحد فوق فرضه، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم) انتهى.

[ 292 ]

رأي ابن عباس في علم زيد قال الدارمي في سننه ج 2 ص 346: (... عن عكرمة قال أرسل ابن عباس الى زيد بن ثابت: أتجد في في كتاب الله للأم ثلث ما بقي ؟ فقال زيد إنما أنت رجل تقول برأيك، وأنا رجل أقول برأيي ! !) وقال السرخسي في المبسوط ج 29 ص 182: (فأما أبو حنيفة احتج بما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول: ألا يتق الله زيد بن ثابت يجعل ابن الإبن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا ؟ ! ومعنى هذا الكلام أن الإتصال بالقرب من الجانبين يكون بصفة واحدة لا يتصور التفاوت بينهما بمنزلة المماثلة بين مثلين) انتهى. وعلى رغم انتقادات ابن عباس لزيد، فقد روى محبوا زيد احترام ابن عباس له الى حد التقديس.. والسبب في ذلك أن خط زيد السياسي صار أمويا وكان ابن عباس في المعارضة ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426: (... عن ابن عباس، قال: لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن زيد بن ثابت، من الراسخين في العلم...... عن أبي سلمة أن ابن عباس قام الى زيد بن ثابت فأخذ له بركابه ! فقال: تنح يابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا !). قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 3 ص 345: (قال علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما دلي في قبره قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم فهكذا ذهاب العلم، والله قد دفن اليوم علم كثير. قلت: وقال أبو هريرة يوم مات زيد: مات اليوم حبر الأمة وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا) انتهى.

[ 293 ]

بل جعلوه أستاذ بن عباس ومعلمه القرآن ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426: (... حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن صاحبيه وقرأ عليه القرآن بعضه أو كله، ومناقبه جمة. حدث عنه أبو هريرة وابن عباس وقرآ عليه.. !) انتهى. والمتتبع لشخصية ابن عباس وزيد يدرك أن أمثال هذه الأحاديث من مغالاة أتباع الدولة بزيد، فالذي لا يحترمه ابن مسعود ويتكلم في نسبه بذلك الكلام الغليظ.. كيف يحترمه ابن عباس الى حد الإجلال والتقديس ؟ ! خاصة أن زيدا لم يكن معروفا بالتقوى، بل ورد في ترجمته أنه كان عنده عبد مغن، وربما مغنيات ! رأي الأئمة من أهل بيت النبي في علم زيد روى الكليني في الكافي ج 7 ص 407: (عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية، وقد قال الله عز وجل: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. واشهدوا على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية !). وقال الحر العاملي في وسائل الشيعة ج 18 ص 405: (روت العامة والخاصة أن مكاتبة زنت على عهد عثمان قد عتق منها ثلاثة أرباع، فسأل عثمان أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يجلد منها بحساب الحرية، ويجلد منها بحساب الرق، وسأل زيد بن ثابت فقال: يجلد منها بحساب الرق، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كيف يجلد بحساب الرق وقد اعتق ثلاثة أرباعها ؟ وهلا جلدتها بحساب الحرية فإنها أكثر ؟ فقال زيد: لو كان ذلك كذلك لوجب توريثها بحساب الحرية فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أجل ذلك واجب، فأفحم زيد، وخالف عثمان أمير المؤمنين عليه السلام) انتهى.

[ 294 ]

كان زيد مع السلطة دائما إلا مع علي قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 435: (... الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، وآخر، قالا: لما حصر عثمان، أتاه زيد بن ثابت، فدخل عليه الدار. فقال له عثمان: أنت خارج الدار أنفع لي منك ها هنا فذب عني. فخرج، فكان يذب الناس ويقول لهم فيه حتى رجع أناس من الأنصار. وجعل يقول للأنصار كونوا أنصارا لله مرتين أنصروه، والله إن دمه لحرام، فجاء أبو حية المازني مع ناس من الأنصار فقال: ما يصلح معك أمر ! فكان بينهما كلام وأخذ بتلبيب زيد هو وأناس معه فمر به ناس من الأنصار، فلما رأوهم أرسلوه، وقال رجل منهم لأبي حية: أتصنع هذا برجل لو مات الليلة ما دريت ما ميراثك من أبيك !) انتهى. ومع ذلك قال زيد لعثمان إن الأنصار أطاعوا زيدا ولكن عثمان أمرهم بالرجوع ! قال في تاريخ المدينة ج 4 ص 1209: (حدثنا قريش بن أنس قال، حدثنا هشام، عن محمد قال: دخل زيد بن ثابت على عثمان رضي الله عنه فقال: هؤلاء الأنصار يقولون دعنا نكن أنصار الله مرتين. قال: عزمت عليكم لما رجعتم. قال فرجعوا) انتهى. وبعد عثمان كان زيد مع المعتزلة الذين لم يبايعوا عليا.. ! قال النوري في مستدرك الوسائل ج 12 ص 323: (... ويمكن أن يكون مراده عليه السلام من المعتزلة الذين اعتزلوا عن بيعته عليه السلام، ولم يلحقوا بمعاوية، كسعد بن وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأشباههم، وكانوا معروفين بلقب الإعتزال، والله العالم) انتهى. وسرعان ما خرج زيد من اعتزاله وانضم الى صف معاوية، ورويت عنه الروايات الموضوعة في مدح معاوية ومدح أهل الشام ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 3 ص 129:

[ 295 ]

(عن زيد بن ثابت: دخل النبي عليه السلام على أم حبيبة، ومعاوية نائم على فخذها، فقال: أتحبينه ؟ قالت: نعم. قال: لله أشد حبا له منك له، كأني أراه على رفارف الجنة ! !). وروى عنه أحمد في مسنده ج 5 ص 184: (... عن ابن شماسة عن زيد بن ثابت قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حين قال طوبى للشام طوبى للشام. قلت ما بال الشام ؟ قال الملائكة باسطوا أجنحتها على الشام !) انتهى. لكنه كان في زمن النبي شيعيا كان زيد في زمن النبي صلى الله عليه وآله غلاما عاديا يدور حول النبي وأهل بيته، ويروي عن النبي فضائل علي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليه وعليهم.. وقد بقيت بعض مروياته مدونة في مصادر الحديث.. وروى بعضها أحمد في مسنده، قال في ج 5 ص 181 ونحوه ص 189: (... عن القاسم بن حسان عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض). وروى عنه الصدوق في علل الشرائع ج 1 ص 144 حديثا في وجوب حب علي عليه السلام، قال: (حدثنا أبو حاتم قال: حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا أبو الربيع الأعرج قال: حدثنا عبد الله بن عمران، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب عليا في حياتي وبعد موتي كتب الله له الأمن والإيمان ما طلعت الشمس أو غربت. ومن أبغضه في حياتي وبعد موتي مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل) انتهى.

[ 296 ]

من شؤون زيد الشخصية اهتم الرواة والمترجمون بحياة زيد، فرووا روايات عن شؤونه الشخصية منها أنه كان ناعما يغطي وجهه في طريق الحج، مع أن المحرم لا يغطي وجهه ! وقال الذهبي في سير أعلام النباء ج 2 ص 426: (... وروى الأعمش، عن ثابت بن عبيد، قال: كان زيد بن ثابت من أفكه الناس في أهله وأزمته عند القوم). قال النووي في المجموع ج 2 ص 85: (أما حكم المسألة فقال أصحابنا يكره البول قائما بلا عذر كراهة تنزيه ولا يكره للعذر وهذا مذهبنا. وقال ابن المنذر اختلفوا في البول قائما فثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما...). وقال السرخسي في المبسوط ج 17 ص 99: (روى عن عمر رضي الله عنه أنه كان له جارية وكان يطأها فجاءت بولد ونفاه وقال اللهم لا يلحق بآل عمر من لا يشبههم، فأقرت أنه من فلان الراعي. وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه كان يطأ جاريته فجاءت بولد فنفاه فقال كنت أطأها ولا أبغي ولدها أي أعزل عنها). ورواه الشافعي في كتاب الأم ج 7 ص 242 وذكروا من شؤون زيد الشخصية كثرة حديثه عن نفسه.. فقد روت مصادر إخواننا كثيرا من ذلك كالذي رواه البخاري عنه بأنه كان مقربا من النبي صلى الله عليه وآله حتى أن النبي كان يتكئ على فخذ زيد ثم يوحى إليه فيثقل بدنه... مما لا يناسب مقام النبوة ولا صفة الوحي ! قال البخاري في صحيحه ج 1 ص 97: (وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي) ! وقال في ج 3 ص 211: (عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد فأقبلت حتى جلست الى جنبه فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن

[ 297 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله قال فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها على فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فثقلت على حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله عز وجل (غير أولى الضرر) ! ! ورواه أيضا في ج 5 ص 182، وأحمد في مسنده ج 5 ص 191، وأبو داود في سننه ج 1 ص 563 ورواه مسلم في صحيحه ج 6 ص 43 عن البراء وعن زيد، وليس فيه وصف الوحي وإتكاء النبي على زيد ! وروى النوري في مستدرك الوسائل ج 4 ص 371: (... زيد بن ثابت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه) وهو مروي عن علي عليه السلام، ولعل زيدا نسبه الى النبي صلى الله عليه وآله

[ 298 ]

مشروع جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر زيد بن ثابت يدعي أنه بطل جمع القرآن، جمعه أربع مرات في ربع قرن ! ! نلاحظ في روايات جمع القرآن الأساسية أن راويها زيد بن ثابت، وأنه صور المسألة على أن الخليفة أبا بكر وعمر كلفاه بجمع القرآن فامتنع من ذلك لتقواه ! ولكنهما أصرا عليه مرارا حتى قبل هذه المسؤولية الثقيلة احتسابا لخدمة الدين والقرآن.. ولكن الواقع أن زيدا لم يكن أكثر من كاتب، وكان القرار في هذا الموضوع حتى في خلافة أبي بكر للخليفة عمر، ثم كان القرار في خلافة عثمان للخليفة عثمان ولمملي القرآن سعيد بن العاص.. وكان زيد كاتبا مأمورا فقط كما سيأتي ! والأهم من ذلك أن القرآن كان مجموعا من عهد النبي صلى الله عليه وآله.. فما معنى تكليف زيد بجمعه بعد النبي ؟ وخوف زيد من الله تعالى ؟ ! وما معنى أن يجمعه زيد عدة مرات، مرة له، وثلاث مرات للخلفاء ؟ ! وهل ضاعت نسخة زيد الأولى، والثانية، والثالثة ؟ ! وما هو الفرق بين هذه النسخ ؟ !... الى آخر الأسئلة التي ستعرف أجوبتها ! كان أبي بن كعب يملي القرآن ولا وجود لمشكلة قال أحمد في مسنده ج 5 ص 134: (عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبى بن كعب فلما انتهوا الى هذه الآية من سورة براءة ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون، فظنوا أن هذا آخر ما أنزل من القرآن، فقال لهم أبى بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 299 ]

أقرأني بعدها آيتين لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم الى وهو رب العرش العظيم ثم قال هذا آخر ما أنزل من القرآن، قال فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تبارك وتعالى وما أرسلنا قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) انتهى. هذه الرواية طبيعية ومنسجمة مع ما ثبت من وجود نسخ القرآن من عهد النبي صلى الله عليه وآله وتوفرها عند كثيرين.. ومنسجمة مع اعتراف المسلمين بحفظ أبي بن كعب للقرآن وخبرته بنصه.. فالمسألة لا تحتاج الى أكثر من كاتب وممل موثوق، ومع وجود أبي بن كعب فلا حاجة لأمثال زيد بن ثابت ولا دور له في الإملاء. كذلك هي منسجمة مع حاجة المسلمين في المناطق المختلفة لنسخ القرآن وقيام الصحابة في المدينة بدل الدولة بكتابة نسخ عديدة وإرسالها إليهم، وإن لم تعتمد الدولة نسخة رسمية منها ! ثم بقدرة قادر ولدت المشكلة وطرح عمر وأبو بكر مشروعا لحلها يقول زيد بن ثابت: ولدت المشكلة من اللامشكلة، وضاعت نسخ المصحف كلها.. وغاب أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم من الحفاظ المشهود لهم.. ولم يبق إلا زيد بن ثابت ومكتوبات القرآن المشتتة، ومحفوظاته الموزعة.. فنهض زيد بعد تردد وخوف من الله تعالى، وبعد تكليف رسمي والتماس متكرر من الخليفتين أبي بكر وعمر.. وتحمل زيد صعوبات جمة وبذل جهودا كبيرة متنوعة.. حتى أكمل جمع القرآن في سنتين وأكثر والحمد لله ! ولكن نسخته لم تر النور ! ! روى البخاري في صحيحه ج 5 ص 210 عن زيد: (... أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وكان ممن يكتب الوحي قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر قلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

[ 300 ]

فقال عمر هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد بن ثابت وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر إنك رجل (...) شاب عاقل ولا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن ! قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أبو بكر هو والله خير، فلم أزل أراجعه (...) حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم الى آخرها). وروى البخاري في ج 6 ص 98 عن زيد أيضا: (... عن عبيد بن السباق أن زيدا بن ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر رضي الله عنه أن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال عمر هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن، قلت كيف تفعلون شيأ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني (...) حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي (...) خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه.

[ 301 ]

... باب كاتب النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب أن ابن السباق قال: إن زيد بن ثابت قال: أرسل الى أبو بكر رضي الله عنه قال إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبع القرآن فتتبعت حتى وجدت آخر سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم الى آخرها) وروى نحوه عن زيد أيضا في ج 8 ص 118، انتهى. هذا ما رواه زيد عن جمعه الثاني للقرآن في زمن الخليفة أبي بكر.. ولم يقل شيئا عن نسخته التي كتبها من زمن النبي صلى الله عليه وآله ! ولا عن دور غيره من القراء والحفاظ، ولو بقدر رأس إبرة.. ثم قلد البخاري أكثر المؤلفين ورووا قصة جمع القرآن عن زيد.. ورووا متفرقاتها عن غيره ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 296 (وأخرج ابن سعد، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن حبان، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت قال: أرسل الى أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال.. الخ). وقال في كنز العمال ج 2 ص 571: جمع القرآن - من مسند الصديق رضي الله عنه، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عنده عمر بن الخطاب فقال... (ط، وابن سعد، حم، خ، والعدنى ت ن، وابن جرير، وابن أبي داود في المصاحف، وابن المنذر، حب طب ق) انتهى. إستعطاء آيات القرآن على باب المسجد من أجل إثبات فضيلة لزيد، وبيان الصعوبات التي تحملتها الدولة في جمع القرآن، وأن المشروع كان يحتاج الى وقت طويل وكان على المسلمين أن ينتظروا ولا يستعجلوا.. ارتكب الرواة إهانة للمسلمين واتهموهم بأنهم لم يهتموا بكتاب ربهم وضيعوه،

[ 302 ]

حتى اضطر نائب الخليفة عمر ورئيس اللجنة وعضوها الوحيد زيد بن ثابت أن يجلسا على باب المسجد ويعلنا للمصلين: رحم الله من كان من عنده آية فليقلها حتى نكتبها في المصحف ! ! روى في كنز العمال ج 2 ص 573: (عن هشام بن عروة قال: لما استحر القتل بالقراء فرق أبو بكر على القرآن أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب، ولزيد بن ثابت: أقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه - ابن أبي داود في المصاحف.... عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما قتل أهل اليمامة أمر أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت فقال: أجلسا على باب المسجد فلا يأتينكما أحد بشئ من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه، وذلك لأنه قتل باليمامة ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمعوا القرآن ! - ابن سعد ك) انتهى. وفي عصرنا الواعي كما في عصور سابقة، صارت هذه الرواية موثقة وصارت منقبة للدولة ولزيد في ورعه واحتياطه.. قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه (مباحث في علوم القرآن) ص 75 - 76: (... ولكنه (زيد) أراد - ورعا منه واحتياطا - أن يشفع الحفظ بالكتابة، وظل ناهجا هذا النهج في سائر القرآن الذي تتبعه فجمعه بأمر أبي بكر: فكان لا بد لقبول آية أو آيات من شاهدين هما الحفظ والكتابة، وبهذا فسر ابن حجر المراد من الشاهدين في قول أبي بكر لعمر وزيد: أقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب الله فاكتباه - الإتقان 1 - 100) ! ! وينبغي أن نتوقف طويلا عن قول أبي بكر (فلا يأتينكما أحد بشئ من القرآن تنكرانه يشهد عليه رجلان إلا أثبتماه) ففي هذا الكلام علم كثير، فهو يدل على أن القرآن الذي (يحفظه) أبو بكر وعمر وزيد وغيرهم من الحفاظ المعروفين، ناقص ! ! وأن بقيته مبثوثة عند الناس، لذلك تعلن الخلافة أن أي نص يشهد عليه رجلان أنه من القرآن فهي تلتزم به وتثبته في القرآن، ونائب الخليفة وكاتبه مأموران أن يدخلا ذلك النص في القرآن حتى لو لم يشهدا به، بل حتى لو استغرباه وأنكراه (تنكرانه.. إلا أثبتماه) !

[ 303 ]

إن هذه الحركة منسجمة تماما مع الأحاديث الصحيحة الواردة عن الخليفة عمر بأن القرآن الذي نزل أضعاف الموجود، لذلك فهو يحاول جمع ما ضاع منه بأقل إثبات شرعي وهو شاهدان عاديان ! ولعل تأخر الخليفة عمر بنشر نسخته كان لهذا السبب.. والله يعلم ماذا جمع في نسخته من أمثال سورتي (الخلع والحفد) والآيات التي تقدمت ! ! ونلاحظ في الرواية التالية مزيدا من المبالغة في فقدان نسخ القرآن.. فقد (مات) كل حفاظه، حتى أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم.. وغيرهم ! قال في كنز العمال ج 2 ص 584: (عن ابن شهاب قال: بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير فقتل علماؤه يوم اليمامة الذين كانوا قد وعوه ولم يعلم بعدهم ولم يكتب ! ! فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم، وذلك فيما بلغنا (...) حملهم على أن تتبعوا القرآن، فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر، خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن، معهم كثير من القرآن فيذهبوا بما معهم من القرآن، فلا يوجد عند أحد بعدهم، فوفق الله عثمان فنسخ ذلك المصحف في المصاحف، فبعث بها الى الأمصار وبثها في المسلمين - ابن أبي داود) انتهى. نتيجة عمل لجنة أبي بكر لتدوين القرآن استغرق عمل اللجنة التي عينها الخليفة أبو بكر باقتراح عمر بن الخطاب وعضوية زيد بن ثابت.. شطرا من عهد أبي بكر، ثم استمر عملها طوال عهد الخليفة عمر، ولكن نتيجتها لم تر النور ولم تصل الى أيدي المسلمين ! بل كانت صحائف عند الخليفة عمر، وبقيت بيده وعند ابنته حفصة.. حتى وفاته ! قال البخاري في صحيحه ج 5 ص 211 وج 6 ص 98 ج 8 ص 119 وكل رواياته عن زيد: (وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر) انتهى.

[ 304 ]

ونستبعد أن يكون الخليفة أبا بكر احتفظ بالصحف في بيته، فقد كان المشروع مشروع عمر، وكان هو المتصدي له حتى في عهد أبي بكر، وكان زيد منفذا لأمر عمر فقط ! كما أن لحفظ الصحف عند حفصة لا في بيت عمر ولا عند زيد، معنى المحافظة التامة عليها وعدم نشرها، فقد كانت حفصة أقرب أهل بيت عمر إليه، ووصيه الشرعي وموضع أسراره ! قال السرخسي في المبسوط ج 12 ص 36: (واستدل محمد رحمه الله في الكتاب بحديث عمر رضي الله عنه فإنه جعل وقفه في يد ابنته حفصة رضي الله عنها وإنما فعل ذلك ليتم الوقف، ولكن أبو يوسف رحمه الله يقول فعل ذلك لكثرة اشتغاله وخاف التقصير منه في أوانه، أو ليكون في يدها بعد موته) انتهى. لكن لماذا لم ينشر عمر النسخة ؟ ولماذا لم تسلمها حفصة الى الخليفة عثمان ؟ ثم لماذا أصر عثمان ثم مروان على مصادرتها من حفصة وإحراقها ؟ ! ثم السؤال الأكبر والعجب من الباحثين المعاصرين، كيف يصدرون حكمهم بأن القرآن الذي في أيدينا هو مصحف أبي بكر أو مصحف عمر ؟ ! قال الدكتور صبحي الصالح في كتابه (مباحث في علوم القرآن) ص 77: (وقد تم لأبي بكر جمع القرآن كله خلال سنة واحدة تقريبا، لأن أمره زيدا بجمعه كان بعد واقعة اليمامة، وقد حصل الجمع بين هذه الواقعة ووفاة أبي بكر. وحين نتذكر كيف جمع هذا القرآن من الرقاع والعسب واللخاف والأقتاب والجلود في هذه المدة القصيرة، لا يسعنا إلا أن نكبر عزيمة الصحابة الذين بذلوا أنفسهم لله، ولا يسعنا إلا أن نقول مع علي بن أبي طالب: رحم الله أبا بكر، هو أول من جمع كتاب الله بين اللوحين. البرهان 1 - 239، المصاحف لابن أبي داوود ص 5.. أما عمر فقد سجل له التاريخ أنه صاحب الفكرة، كما سجل لزيد أنه وضعها موضع التنفيذ. وختام النص الذي رواه البخاري عن زيد ينبئنا بأن الصحف التي جمع فيها القرآن كانت عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم صارت الى عمر وظللت عنده حتى توفاه الله، ثم صارت الى حفصة بنت عمر لا الى الخليفة الجديد عثمان. وقد

[ 305 ]

أثارت (دائرة المعارف الإسلامية) شبهة حول هذا الموضوع، فتساءلت: ألم يكن عثمان أجدر أن تودع هذه الصحف عنده ؟ (أنظر) P 0311 , II Islam Encyclopedia ونجيب: بل حفصة أولى بذلك وأجدر، لأن عمر أوصى بأن تكون الصحف مودعة لديها، وهي زوجة رسول الله أم المؤمنين، فضلا على حفظها القرآن كله في صدرها وتمكنها من القراءة والكتابة، وكان عمر قد جعل أمر الخلافة شورى من بعده، فكيف يسلم الى عثمان هاتيك الصحف قبل أن يفكر أحد في اختياره للخلافة) انتهى. لكن هل غاب عن الدكتور المؤلف وأمثاله من الباحثين المعاصرين أن من حق الباحث الغربي أن يتساءل: إن نسخة القرآن هي النص الرسمي السماوي لدستور دين المسلمين، وقد جمعها خليفة النبي وكانت عنده ولم ينشرها.. وقد اهتم بمسألة الحكم بعد وفاته وأوصى بالشورى وألزم أعضاءها أن يصلوا الى نتيجة خلال ثلاثة أيام.. فكان من الطبيعي كما أوصى بالخلافة أن يوصي بنسخة القرآن للخليفة المنتخب ؟ ! ثم إذا كانت تلك النسخة لا تختلف عن النسخة الفعلية التي نشرها عثمان، فلماذا وجد اللغط حولها فطلبتها السلطة فاستعصت بها حفصة الى آخر عمرها ؟ حتى صادرتها الدولة مباشرة بعد دفن حفصة و.. أحرقتها ؟ ! ! هذه نماذج مما رووه وقالوه عن جمع الخليفة أبي بكر وعمر للقرآن.. وقد رأيت أنه لا يمكن لباحث أن يقبل مسألة لجنة زيد ومصحف عمر على ظاهرها، بل لابد أن يفسرها بأنها من أعمال السلطة لتسكيت الناس عن المطالبة باعتماد نسخة رسمية.. أو هي محاولة لجمع نسخة رسمية للقرآن حسب قناعات الخليفة عمر.. وإلا فإن القرآن الكريم كان مجموعا مكتوبا في مصاحف عديدة من عهد النبي صلى الله عليه وآله.. وكانت المصاحف تكتب في حياة النبي وبعده في عهد الخليفة أبي بكر وبعده، في المدينة وخارجها، بإملاء الصحابة وخطهم، ويتلقفها المسلمون المتعطشون إليها، بل حتى أعداء المسلمين !

[ 306 ]

لماذا نسبوا جمع القرآن الى عمر ؟ ! أثار توحيد نسخة القرآن الذي قام به الخليفة عثمان اعتراضات متعددة غير شرعية وغير منطقية.. وكان عثمان وأنصاره يدافعون عن جمع القرآن بأي وجه، ومن ذلك أنهم نسبوا هذا العمل الى الخليفة عمر ليثبتوا للمعترضين أن توحيد القرآن ليس بدعة من عثمان بل كان مشروعه من عهد عمر، وأن عثمان إنما نفذ مشروع عمر لا أكثر، وكان عمله فقط أنه نسخ الصحف التي جمعها عمر عند حفصة بعدة نسخ وأرسلها الى الأمصار ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1136: (حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن الوليد ابن سعيد، عن عروة بن الزبير قال: قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال: ما الذي تنقمون ؟ قالوا: تمزيق المصاحف. قال: إن الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة فقال: من أعرب الناس ؟ فقالوا: سعيد بن العاص. قال: فمن أخطهم ؟ قالوا: زيد بن ثابت. فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم ! فلما كان حديثا كتب إلى حذيفة: إن الرجل يلقى الرجل فيقول قرآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفر صاحبه، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم) انتهى. فقد دافع عثمان عن نفسه بأن نسب عمله الى عمر... ! لكن سرعان ما ماتت الإعتراضات وفهم الناس أن خطوة عثمان كانت حكيمة بل ضرورية للدين ووحدة المسلمين.. فصار عمل عثمان فضيلة عظيمة يتنافس الرواة في نسبتها الى زيد وعمرو ! فنسبها بعض الرواة الى الخليفة عمر وقالوا إنه هو الذي جمع القرآن وبعث نسخه الى الأمصار !

[ 307 ]

قال في كنز العمال ج 2 ص 574: (... عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان وقتل يوم اليمامة، فقال إنا لله، وأمر بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه في المصحف - ابن أبي داود في المصاحف.... عن عبد الله بن فضالة، قال لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من أصحابه فقال إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر فإن القرآن نزل على رجل من مضر - ابن أبي داود). وقال في ص 578 (... عن أبي إسحاق عن بعض أصحابه قال: لما جمع عمر بن الخطاب المصحف سأل عمر من أعرب الناس ؟ قيل سعيد بن العاص، فقال: من أكتب الناس ؟ فقيل زيد بن ثابت، قال: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتبوا مصاحف أربعة، فانفذ مصحفا منها الى الكوفة ومصحفا الى البصرة ومصحفا الى الشام ومصحفا الى الحجاز - ابن الأنباري في المصاحف) انتهى. وروى نحوه في تاريخ المدينة ج 3 ص 991 وقال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 135: (وقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، إن حملة القرآن قد قتل أكثرهم يوم اليمامة، فلو جمعت القرآن، فإني أخاف عليه أن يذهب حملته. فقال أبو بكر: أفعل ما لم يفعله رسول الله ؟ فلم يزل به عمر حتى جمعه وكتبه في صحف. وكان مفترقا في الجريد وغيرها، وأجلس خمسة وعشرين رجلا من قريش، وخمسين رجلا من الأنصار، وقال: أكتبوا القرآن، واعرضوا على سعيد بن العاص، فإنه رجل فصيح) انتهى. ولكن بقيت الحقيقة تشع من بين الروايات شاهدة بأن الخليفة عمر لم يجمع القرآن، بل كان عنده مشروع خاص لجمعه، ولم يمهله الأجل كما قدمنا.. قال في كنز العمال ج 2 ص 574: (مسند عمر رضي الله عنه. عن محمد بن سيرين قال: قتل عمر ولم يجمع القرآن - ابن سعد) انتهى.

[ 308 ]

الأحرف السبعة تنفجر في عهد الخليفة عثمان مشكلة الفراغ القرآني تتفاقم لم تتحدث روايات جمع القرآن عن المشكلة العظيمة التي حدثت في الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله بسبب أن الخليفة عمر أبقى الدولة الإسلامية بدون قرآن رسمي طيلة عهد أبي بكر، وعهده، وشطرا من عهد عثمان.. ! فهذه نقطة ضعف كبيرة.. والرواة يريدون تدوين فضائل الخليفة عمر ومناقبه، وإبعاد الأنظار عن نقاط ضعفه.. فهل تريد منهم أن يرووا أن الخليفة عمر باجتهاده الخاطئ قصر بحق أعظم وثيقتين تملكهما أمة من الأمم، وهما القرآن والسنة، وذلك عندما رفض ما دونه علي عليه السلام بأمر النبي صلى الله عليه وآله ! ثم منع الأنصار وآخرين من تدوين القرآن والسنة، ووعد الأمة بأنه سيقوم هو بتدوين القرآن ولم يفعل.. ! وأعلن على المنبر أنه فكر في اقتراح الصحابة بتدوين السنة شهرا كاملا حتى (اختار له الله).. عدم تدوينها ! ! لكن مع كل التعتيم على هذه الأزمة التي شملت طول البلاد الإسلامية وعرضها، فإنه لم يمكن إخفاؤها.. وبقيت في المصادر روايات صريحة بأنه كانت توجد مشكلة عقائدية وسياسية عميقة وخطيرة، ولدت من الفراغ القرآني طوال خمس عشرة سنة فكثر القراء والمجتهدون في قراءات القرآن، أو في حروف القرآن كما كانوا يسمونها.. وانقسم الناس أحزابا يتعصبون للقراء والقراءات ويكفرون بعضهم بعضا بسبب ذلك.. ولم يبق إلا أن يقتتلوا بالسلاح.. ! ! وفيما يلي عدد من هذه النصوص: روى أحمد في مسنده ج 1 ص 445: (... عن عثمان بن حسان عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع الى عبد الله في المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين ولكن جئناك حين راعنا هذا الخبر ! فقال: إن القرآن نزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف أو قال حروف وإن الكتاب قبله كان ينزل من باب واحد على حرف واحد) انتهى.

[ 309 ]

ولعل هذه الرواية تتحدث عن فزع عقلاء المسلمين من ظاهرة تعدد القراءات في عهد الخليفة عمر واختلاف الناس بسببها، لذا التجؤوا الى ابن مسعود الوالي في الكوفة ومقرئ أهل العراق لحل المشكلة، فأجابهم ابن مسعود بما كان يجيبهم الخليفة عمر بالأحرف السبعة، ولكن هذا الجواب كان صالحا لتسكين المشكلة في أول الأمر بمساعدة سوط عمر، أما بعده فانكشف أنه لم يسمن ولم يغن من جوع.. بل أعطى الشرعية لكل القراءات وأجج الإختلافات ! ! وقال في كنز العمال ج 2 ص 582: (عن أبي قلابة قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يتلقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك الى المعلمين، حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبا فقال: أنتم عندي تختلفون وتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا وأشد لحنا ! فاجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إماما) انتهى. وأكثر مؤرخ ومحدث تعرض لروايات المشكلة هو عمر بن شبة، قال في تاريخ المدينة ج 3 ص 991: (... عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق وأفزع باختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان رضي الله عنه الى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة الى عثمان، فأمر عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا ذلك، حتى إذا نسخ المصحف رد عثمان الصحف الى حفصة، وأرسل الى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.

[ 310 ]

... عن ابن شهاب قال حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه أنه اجتمع لغزوة أرمينية وأذربيجان أهل الشام وأهل العراق، فتذاكروا القرآن فاختلفوا فيه حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان الى عثمان لما رأى من اختلافهم في القرآن، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن حتى - والله - إني لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف، ففزع لذلك عثمان رضي الله عنه فزعا شديدا، فأرسل الى حفصة فاستخرج المصاحف التي كان أبو بكر رضي الله عنه أمر بجمعها زيدا، فنسخ منها مصاحف بعث بها الى الآفاق.... عن ابن شهاب الزهري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قدم من غزوة غزاها بفرج أرمينية فحضرها أهل العراق وأهل الشام، فإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ويأتون بما لم يسمع أهل الشام، ويقرأ أهل الشام بقراءة أبي بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق، فيكفرهم أهل العراق ! ! قال: فأمرني عثمان رضي الله عنه أن أكتب له مصحفا فكتبته، فلما فرغت منه عرضه.... حدثنا عبد الله بن وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدث: أن ناسا كانوا بالعراق يسأل أحدهم عن الآية فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه ! ! ففشا ذلك في الناس واختلفوا في القراءة، فكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه في ذلك، فأمر بجمع المصاحف فأحرقها، وكتب مصاحف ثم بثها في الأجناد) انتهى. وقال البخاري في صحيحه ج 6 ص 99: (... حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ! ! فأرسل عثمان الى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة الى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم

[ 311 ]

وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف الى حفصة، فأرسل الى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) انتهى. وقال في كنز العمال ج 2 ص 581: (عن الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق، فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود والنصارى ! فأرسل الى حفصة أن أرسلي إلي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها عليك، فأرسلت حفصة الى عثمان بالصحف فأرسل عثمان الى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن الزبير أن انسخوا الصحف في المصاحف، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانها، حتى إذا نسخوا المصحف في المصاحف بعث عثمان الى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا، وأمر بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق (ابن سعد، خ، ت، ن، وابن أبي داود، وابن الأنباري معا في المصاحف، حب، ق) انتهى. فقد كانت مشكلة وأزمة إذن.. شملت التلاميذ ومعلميهم في مكاتب القرآن، والمصلين في المساجد، وحكام الأمصار والمجاهدين في جيوش الفتح.. وسببها الوحيد فتوى الخليفة عمر بالأحرف السبعة.. وكان علاجها الوحيد تدوين القرآن على حرف واحد وجمع المسلمين عليه، وتخليص الناس من مصيبة الأحرف السبعة ! حذيفة بن اليمان يحمل لواء توحيد القرآن الثابت عند الجميع أن الذي قام بدور (يا للقرآن.. يا للمسلمين) هو حذيفة بن اليمان الذي كان حاكما على المدائن عاصمة كسرى، وقائدا لجيش الفتح العراقي في

[ 312 ]

آذربيجان وأرمينية.. وقد جاء خصيصا مع وفد من جيش الفتح مستغيثا شاكيا الى الخليفة عثمان.. فاستجاب الخليفة بعد أن كانت المسألة نصف ناضجة في ذهنه، ولأن مطلب حذيفة حل مشكلة خطيرة داخل جيوش الفتح.. وأصدر الخليفة مرسومه التاريخي بتوحيد نسخة القرآن.. وبقي حذيفة في المدينة يواكب تدوين القرآن، ثم قام بتنفيذ المرسوم عمليا بأمر الخليفة ونفوذ حذيفة الأدبي باعتباره شيخا كبير السن من خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله، يحترمه الجميع.. روى البخاري أن حذيفة بن اليمان موضع سر النبي صلى الله عليه وآله، فقال في ج 4 ص 215 وج 7 ص 139: (... عن إبراهيم قال ذهب علقمة الى الشام فلما دخل المسجد قال: اللهم يسر لي جليسا صالحا فجلس الى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: ممن أنت ؟ قال من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره ؟ يعني حذيفة، قال قلت: بلى، قال: أليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم يعني من الشيطان يعني عمارا ؟ قلت: بلى...). وروى عنه وصف نفوذ المنافقين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، فقال في ج 8 ص 100: (... عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون.... عن أبي الشعثاء عن حذيفة قال إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان ! !) انتهى. وأكثر ما تجد أحاديث الفتن التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله مروية عن حذيفة حتى ليمكن أن نسميه (الصحابي المتخصص بأخبار المنافقين والفتن) وكان بعض المنافقين المخفيين يخافون منه ويظهرون له الإحترام، لأنه خبير بهم، ومنهم الذين حاولو اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في رجوعه من حجة الوداع أو تبوك، فصعدوا الجبل ليلا في الظلام، وعندما صعد النبي العقبة ألقوا عليه الصخور ليقتلوه فجاء جبرئيل كشفهم له فرآهم ورآهم حذيفة وعمار.. إلخ.

[ 313 ]

قال أحمد في مسنده ج 5 ص 390: (... ثنا أبو الطفيل قال كان بين حذيفة وبين رجل من أهل العقبة ما يكون بين الناس فقال: أنشدك الله كم كان أصحاب العقبة ؟ فقال له القوم: أخبره إذ سألك، قال: إن كنا نخبر أنهم أربعة عشر. وقال أبو نعيم فقال الرجل كنا نخبر أنهم أربعة عشر قال فإن كنت منهم - وقال أبو نعيم فيهم - فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد !) انتهى. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 361: (حذيفة بن اليمان. من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صاحب السر... حليف الأنصار، من أعيان المهاجرين... عن ابن سيرين أن عمر كتب في عهد حذيفة على المدائن اسمعوا له وأطيعوا، وأعطوه ما سألكم... ولي حذيفة إمرة المدائن لعمر، فبقي عليها الى بعد مقتل عثمان، وتوفي بعد عثمان بأربعين ليلة... وحذيفة هو الذي ندبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ليجس له خبر العدو. وعلى يده فتح الدينور عنوة. ومناقبه تطول، رضي الله عنه.... خالد عن أبي قلابة عن حذيفة قال: إني لاشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله... أبو نعيم: حدثنا سعد بن أوس، عن بلال بن يحيى قال: بلغني أن حذيفة كان يقول: ما أدرك هذا الأمر أحد من الصحابة إلا قد اشترى بعض دينه ببعض. قالوا: وأنت ؟ قال: وأنا والله !) انتهى. وكما كان حذيفة من حواريي النبي صلى الله عليه وآله وموضع سره، صار بعده من خاصة شيعة علي وموضع سره، وكان لا يقوم بعمل مهم إلا بأمر علي عليه السلام.. وهذا مما يقوي الظن بأن عليا كان وراء حركة توحيد نسخة القرآن.. ! روى في كنز العمال ج 13 ص 532: (عن حذيفة أنه قيل له: إن عثمان قد قتل فما تأمرنا ؟ قال إلزموا عمارا، قيل: إن عمارا لا يفارق عليا ! قال إن الحسد أهلك الجسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي ! فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإن عمارا من الأخيار - كر) انتهى.

[ 314 ]

وأرانا هنا بحاجة الى دراسة فقرات من النص التالي عن عبد الله بن الزبير لأنه يعطي ضوءا هاما على الشخص المحرك لحذيفة، ويبين سعي علي عليه السلام لتوحيد نسخة القرآن من زمن الخليفة عمر.. قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 990: (حدثنا الحسن بن عثمان قال، حدثنا الربيع بن بدر، عن سوار بن شبيب قال: دخلت على ابن الزبير رضي الله عنه في نفر فسألته عن عثمان، لم شقق المصاحف، ولم حمى الحمى ؟ فقال قوموا فإنكم حرورية، قلنا: لا والله ما نحن حرورية. قال: قام الى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رجل فيه كذب وولع، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة، فكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فطعن طعنته التي مات فيها، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه قام ذلك الرجل فذكر له، فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف، ثم بعثني الى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فعرضناها عليها حتى قومناها، ثم أمر بسائرها فشققت) انتهى. فقد اعترض سوار بن شبيب ورفقاؤه على عثمان: لماذا اعتمد نسخة واحدة من القرآن ومزق الباقي ؟ ! وذلك لأن الناس تعودوا على الإختلاف، وتعلموا من روايات الخليفة عمر أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأنها جميعا نسخ وقراءات صحيحة منزلة من عند الله تعالى ! ولذلك كان عثمان بتوحيده نسخة القرآن مخالفا للخليفة عمر ومنحرفا عن الإسلام ! ! وعندما سمع عبد الله بن الزبير اعتراضهم أحس بهدفهم السياسي ضد عثمان، وعرف أنهم فقدوا بتوحيد نسخة القرآن موقعهم كقرا خبراء في القرآن لهم أتباع من العوام.. فقال لهم: قوموا عني فأنتم خوارج (حرورية) أي تقولون بكفر عثمان ! ! فأكدوا له: لا والله ما نحن حرورية.. فحكى لهم قصة توحيد عثمان لنسخة القرآن، وقال لهم ما معناه: إن المسألة فيها فتوى من الخليفة عمر فلا تعترضوا على عثمان، لقد نوى عمر أخيرا أن يوحد نسخة القرآن، ويترك مسألة الأحرف السبعة، ولكنه قتل قبل أن ينفذ ذلك. ثم قال ابن الزبير: أنا لا أعترض على عمل عثمان لأن فيه فتوى من عمر، وإن كنت

[ 315 ]

أتحفظ على هذا العمل لأن الذي جعل الخليفة عمر يتخذ هذا القرار هو شخص سئ، بالغ له في ضرر اختلاف الناس في القراءات (قام الى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رجل فيه كذب وولع، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد اختلفوا في القراءة، فكان عمر رضي الله عنه قد هم أن يجمع المصاحف فيجعلها على قراءة واحدة، فطعن طعنته التي مات فيها. فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه قام ذلك الرجل فذكر له، فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف...) هذا النص يدل على أن ذلك الشخص الذي يكرهه عبد الله بن الزبير ويصفه بأنه (فيه ولع وكذب) كان يسعى الى توحيد المصاحف وكان من زمن عمر يشكو لعمر ظاهرة اختلاف المسلمين في قراءة قرآنهم بسبب عدم وجود نسخة رسمية للدولة، وأن اللازم على الدولة أن تقوم بهذه المهمة وتسد هذا الفراغ، وقد وافق عمر مبدئيا على رأي هذا الرجل السئ ولكنه قتل قبل أن ينفذه.. ! ثم يتابع عبد الله بن الزبير: ولكن هذا الشخص السئ نفسه واصل مسعاه مع الخليفة عثمان ونجح في هدفه.. ! فمن هو هذا الشخص الحكيم الحريص على قرآن المسلمين، الذي حاول مع الخليفة عمر حتى أقنعه بخطورة ظاهرة الاختلاف في القراءات وأن تبرير ذلك بنظرية الأحرف السبعة لم يحل المشكلة ولم يمنع نموها ؟ ! ثم واصل مسعاه مع الخليفة عثمان محذرا من تفاقم مشكلة اختلاف الناس في نصوص القرآن، وأن حلها فقط بتدوين القرآن على حرف واحد ؟ ! الذي يعرف عبد الله بن الزبير، يعرف أنه يقصد عليا عليه السلام، لأن ابن الزبير كان يكره عليا وشيعته حتى العظم، بل روي عنه أنه ترك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله حتى لا يشمخ على وآل محمد بأنوفهم على حد تعبير ابن الزبير ! ! فالشخص الذي كان وراء توحيد نسخة القرآن إذن هو علي بن أبي طالب عليه السلام.. ومجئ حذيفة وأصحابه من قادة الفتح من أرمينية الى المدينة كان أوج هذه الحركة لقطف ثمرتها المباركة !

[ 316 ]

أما قول ابن الزبير عن المصحف الذي كتبوا عنه نسخة المصحف الإمام بأنه كانت مصحف خالته عائشة.. فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. متابعة حذيفة لتوحيد نسخة القرآن مما يدل على وعي حذيفة بن اليمان تلميذ علي عليه السلام.. أنه تابع اقتراحه على الخليفة عثمان، حتى نجح وأصدر الخليفة أمرا بكتابة المصحف الموحد أو المصحف الإمام.. وساعد حذيفة في تنفيذ أمر الخليفة في المدينة حتى اكتمل نسخ المصاحف.. ثم ساعد في إصدار الخليفة قرارا بتوحيد جميع نسخ القرآن على المصحف الإمام، وأن على كل من عنده نسخة مصحف أو صحف فيها قرآن أن يسلمها الى الخليفة أو الى عماله.. وإن لم يفعل يجري عليه حكم الغلول الذي يخفي شيئا من غنائم الحرب ويثبت عليه إثمه وعقوبته. على أن أهم النسخ التي تختلف عن المصحف الإمام كانت أربعا: 1 - نسخة حفصة التي هي نسخة الخليفة عمر.. ولابد أن الفروق المروية عن الخليفة عمر في آيات القرآن وسوره وربما غيرها، كانت مدونة فيها. 2 - نسخة أبي بن كعب، وكانت عند ورثته في المدينة، وقد نسخت عنها نسخ بلاد الشام وفلسطين ومصر. 3 - نسخة عبد الله بن مسعود وقد نسخت عنها نسخ أهل الكوفة وقسم كبير من بلاد إيران والبلاد الشرقية التي كانت تدار من الكوفة. 4 - نسخة أبي موسى الأشعري الذي كان حاكم البصرة من عهد عمر، وقد نسخ عنه أهل اليمن والبصرة وبلاد فارس وخراسان وما وراء النهر التي كانت تدار من البصرة.. ويحكى عن هذه النسخة أن فيها زيادات كثبرة عن القرآن المتداول بسبب اجتهادات أبي موسى. فكان لا بد لحذيفة من تكميل العمل وإلزام أصحاب هذه النسخ بأن يسلموها إليه أو يصححوها على نسخة المصحف الإمام، فتابع ذلك..

[ 317 ]

ويظهر أنهم أخذوا نسخة أبي بن كعب من ورثته بدون مشكلة. فقد روى في كنز العمال ج 2 ص 585: (عن محمد بن أبي بن كعب أن ناسا من أهل العراق قدموا عليه فقالوا، إنا تحملنا إليك من العراق، فأخرج لنا مصحف أبى، فقال محمد قد قبضه عثمان قالوا: سبحان الله أخرجه، قال: قد قبضه عثمان - أبو عبيد في الفضائل وابن أبي داود). وتدل الروايات أن حذيفة أخذ من الخليفة عثمان أمرا بمعالجة أمر نسخة أبي موسى الأشعري ونسخة ابن مسعود.. قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 998: (... حدثنا عمرو بن مرة الجملي قال: استأذن رجل على ابن مسعود رضي الله عنه فقال الآذن: إن القوم والأشعري، وإذا حذيفة يقول لهم: أما إنكما إن شئتما أقمتما هذا الكتاب على حرف واحد، فإني قد خشيت أن يتهون الناس فيه تهون أهل الكتاب، أما أنت يا أبو (كذا) موسى فيطيعك أهل اليمن، وأما أنت يا ابن مسعود فيطيعك الناس. قال ابن مسعود: لو أني أعلم أن أحدا من الناس أحفظ مني لشددت رحلي براحلتي حتى أنيخ عليه، قال: فكان الناس يرون أن حذيفة رضي الله عنه ممن عمل فيه حتى أتى على حرف واحد !... حدثنا عبد الأعلى بن الحكم الكلابي قال: أتيت دار أبي موسى الأشعري فإذا حذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري فوق إجار، فقلت: هؤلاء والله الذين أريد، فأخذت أرتقي لهم فإذا غلام على الدرجة فمنعني أن أرتقي إليهم فنازعته حتى التفت إلى بعضهم فأتيتهم حتى جلست إليهم، فإذا عندهم مصحف أرسل به عثمان رضي الله عنه فأمرهم أن يقيموا مصاحفهم عليه، فقال أبو موسى: ما وجدتم في مصحفي هذا من زيادة فلا تنقصوها، وما وجدتم من نقصان فاكتبوه فيه ! فقال حذيفة رضي الله عنه: فكيف بما صنعنا، والله ما أحد من أهل هذا البلد يرغب عن قراءة هذا الشيخ يعني ابن مسعود، ولا أحد من أهل اليمن يرغب عن قراءة هذا الآخر يعني أبا موسى. وكان حذيفة هو الذي أشار على عثمان رضي الله عنه أن يجمع المصاحف على مصحف واحد !) انتهى.

[ 318 ]

والظاهر أن محل هذه الحادثة البصرة مركز ولاية أبي موسى الأشعري وأن عبد الله ابن مسعود كان زائرا، لقول حذيفة في الرواية (من أهل هذا البلد) و هو يدل على أن أهل البصرة غير اليمانيين كانوا يقرؤون بقراءة ابن مسعود، و اليمانيين بقراءة أبي موسى ! ولو كانت الحادثة في المدينة لما صح ذلك لأن أهلها كانوا يقرؤون بقراءة أبي ! مهما يكن، فقد كان حذيفة رسولا من الخليفة مع نسخة من المصحف الإمام ليصحح النسخ عليه.. وقد امتنع ابن مسعود من تسليم نسخته بحجة أنه أعلم من زيد الذي كتب نسخة المصحف الإمام.. وأوصى ابن مسعود الذين نسخوا عنه أن لا يسلموا نسخهم الى حذيفة ويغلوها إذا استطاعوا، ويقاوموا أمر الخليفة ! ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1005: (... عن توبة بن أبي فاختة، عن أبيه قال بعث عثمان رضي الله عنه الى عبد الله أن يدفع المصحف إليه قال: ولم ؟ قال: لأنه كتب القرآن على حرف زيد ! قال: أما أن أعطيكم المصحف فلن أعطيكموه، ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل، والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة !). وقال في ج 3 ص 1006: (... عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير ساء ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل، فإن من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال: لقد قرأت القرآن من في رسول الله سبعين سورة، وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ !). وقال الترمذي في سننه ج 4 ص 348: (قال الزهري: فأخبرني عبيدالله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله ابن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر ! يريد زيد بن ثابت، ولذلك قال عبد الله بن مسعود: يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها، فإن الله يقول ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة فالقوا الله بالمصاحف. قال

[ 319 ]

الزهري فبلغني أنه كره ذلك من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث الزهري، ولا نعرفه إلا من حديثه) انتهى. والظاهر أنهم تركوا مصحف ابن مسعود له، مراعاة لمكانته وكبر سنه، بعد أن منعوه من إملائه على أحد، وصححوا تفاوت نسخ أهل الكوفة وغيرهم من أتباع قراءته على نسخة المصحف الإمام. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426: (الواقدي: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن الزهري، قال: قال ثعلبة ابن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود ؟ غضب إذ لم أوله نسخ المصاحف ! هلاغضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك ووليا زيدا، فاتبعت فعلهما !) انتهى. وأما أبو موسى الأشعري فسلم مصحفه الى حذيفة ومن معه من مبعوثي الخليفة ليصححوه، لكنه كان يترجاهم أن يبقوا فيه إضافاته العزيزة على قلبه ! ويكتبوا فيه فقط ما ربما كان محذوفا ! ! ولكنهم لابد أنهم نفذوا القرار كاملا فصححوه على المصحف الإمام وحذفوا منه زيادات أبي موسى ! وكملوا نواقصه.. أو أنهم أخذوه وأتلفوا نسخته، جزاهم الله خيرا. كما يظهر من رواية ابن شبة الثانية أن الراوي كان مخالفا لتوحيد نسخة القرآن، وأنه يريد أن يسجل على حذيفة تحيره بما صنع من جمع القرآن، لأن كل منطقة من المسلمين يريدون القراءة على حرف قارئهم، ويثقل عليهم القراءة بحرف المصحف الإمام ! لكن ما لبث المسلمون على رغم هذا الراوي أن فهموا أهمية مصحف الخليفة وعمل على وحذيفة وقداسته ! أعضاء لجنة تدوين المصحف الإمام ذكرت أكثر الروايات أن أعضاء لجنة التدوين الذين عينهم الخليفة عثمان أربعة: 1 - زيد بن ثابت، كاتب. 2 - سعيد بن العاص، مملي. 3 - عبد الله بن الزبير، عضو. 4 - عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، عضو.

[ 320 ]

قال البخاري في صحيحه ج 4 ص 156: (باب نزل القرآن بلسان قريش... عن ابن شهاب عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث ابن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك). وقال في ج 6 ص 97: (باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، قرآنا عربيا، بلسان عربي مبين... أنس بن مالك قال فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد ابن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف وقال لهم إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فأكتبوها بلسان قريش فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا) انتهى. وذكرت روايات غير البخاري أعضاء آخرين.. قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 993 (... حدثنا هشام، عن محمد قال: كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه: كفرت بما تقول، فرفع ذلك الى ابن عفان فتعاظم في نفسه، فجمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، منهم: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأرسل الى الرقعة التي كانت في بيت عمر رضي الله عنه فيها القرآن، قال وكان يتعاهدهم. قال فحدثني كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه. قلت لم أخروه ؟ قال لا أدري. قال محمد: فظننت أنا فيه ظنا ولا تجعلوه أنتم يقينا، ظننت أنهم كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا بالعرضة الأخيرة فكتبوه على قوله. حدثنا وهب بن جرير قال حدثنا هشام بنحوه، وزاد: قال محمد فأرجو أن تكون قراءتنا هذه آخرتها عهدا بالعرضة الأخيرة). وقال المزي في تهذيب الكمال ج 2 ص 272: (قال محمد بن سعد: وأخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد بن سيرين: أن عثمان بن عفان جمع اثني عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أبي بن كعب، وزيد بن ثابت في جمع القرآن).

[ 321 ]

وجاء في رسالة عثمان الى الأمصار أسماء ثلاثة كتاب وإشارة الى آخرين.. قال في تاريخ المدينة ج 3 ص 997: (... عن أبي محمد القرشي: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب الى الأمصار: أما بعد فإن نفرا من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافا شديدا، فقال بعضهم قرأت على حرف أبي الدرداء، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس، فلما سمعت اختلافهم في القرآن - والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمرا منكرا، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم، وأحببت أن نتدارك من ذلك، فأرسلت الى عائشة أم المؤمنين أن ترسل إلى بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله الى جبريل، وأوحاه جبريل الى محمد وأنزله عليه، وإذا القرآن غض، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفرا من كتاب أهل المدينة وذوي عقولهم، منهم نافع بن طريف، وعبد الله بن الوليد الخزاعي، وعبد الرحمن بن أبي لبابة، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا). وقال في كنز العمال ج 2 ص 587: (عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر قال قال عثمان: إن في القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها - ابن أبي داود. وقال عبد الله بن فطيمة هذا، أحد كتاب المصاحف). وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 993: (.. قال فحدثني كثير بن أفلح أنه كان فيمن يكتب لهم، فكانوا كلما اختلفوا في شئ أخروه انتهى.

[ 322 ]

وعلى هذه الروايات لابد من القول إن الأعضاء الإستشاريين كانوا كثيرين، ولابد أن يكون حذيفة منهم بل في طليعتهم.. وأن الأعضاء الكتاب والنساخين كانوا كثيرين أيضا، وكان أبرزهم زيد بن ثابت.. والظاهر أن اسم أبي بن كعب جاء في هذه الرواية وغيرها بدل اسم ابنه محمد بن أبي بن كعب، لأن أبيا توفي في زمن عمر، وقد ورد اسم ولده محمد بأنه سلم مصحف أبيه كعب الى الخليفة عثمان. وقد أشكل المستشرقون على ذكر أبي بن كعب في لجنة جمع القرآن وضخموا ذلك، وأرادوا أن يطعنوا بسببه في نسخة القرآن، على عادتهم ! دور زيد بن ثابت في لجنة تدوين المصحف الإمام من مجموع روايات تدوين المصحف الإمام، نعرف أن دور زيد بن ثابت فيه كان دورا تنفيذيا فقط.. فهو كاتب لا يملك القرار، ولا حتى ترجيح كلمة واحدة، لأن المملي الرسمي صاحب القرار هو سعيد بن العاص ! وقد اختلف هو وزيد في كلمة التابوت فقال زيد: التابوه بالهاء، ولعل ذلك من تأثره بدراسته عند اليهود، وقال سعيد بالتاء، فأمر الخليفة زيدا أن يكتبها كما قال سعيد.. قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1002 (... وقال سعيد بن العاص إنما هو التابوت. فقال عثمان رضي الله عنه: اكتبوه كما قال سعيد، فكتبوا التابوت) انتهى. وقال البخاري في صحيحه ج 4 ص 156 (وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك). وقال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 995 (قال فليكتب سعيد وليمل زيد، قال فكانت مصاحف بعث بها الى الأمصار). فالظاهر أنه وقع فيها تبديل اسم باسم. وقال في كنز العمال ج 2 ص 585 (قال عثمان فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب زيد وكتب معه مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد يقولون قد أحسن - ابن أبي داود كر). على أن الروايات ذكرت كتابا آخرين مع زيد، وهم: كثير بن أفلح، ونافع بن طريف، وعبد الله بن الوليد الخزاعي، وعبد الرحمن بن أبي لبابة، وعبد الله بن فطيمة، وقد صرحت رسالة عثمان بأن عددهم كان أكثر من هؤلاء..

[ 323 ]

مهما يكن، فمن الطبيعي أن يكون كتاب كثيرون شاركوا في الكتابة الأولى في جلسات المذاكرات والمسودات، ثم في نسخ النسخ الأربع أو الست.. لذلك لا يمكن القول إن نسخ المصحف الإمام كلها كانت بخط زيد بن ثابت، نعم يمكن أن تكون إحداها بخطه ! آيات خزيمة ضاعت مرات ووجدها زيد.. ! ! ذكر زيد بن ثابت لنفسه دورا بارزا في جمع المصحف الإمام.. وهو أنه وجد آية خزيمة، أو آيات خزيمة وأبي خزيمة ! فقد ضاعت هذه الآيات المسكينة في الجمع الأول قبل بضع عشرة سنة ووجدها زيد.. ثم ضاعت ثانية ووجدها زيد.. ولم تكن موجودة عند أحد من الناس إلا عند آل خزيمة.. فقبل زيد شهادة خزيمة وحده ولم يطلب شاهدين، لأن النبي صلى الله عليه وآله سماه (ذو الشهادتين). وفي رواية عن زيد أنه وجدها عند ابن خزيمة وليس عند خزيمة، وفي رواية أنه وجدها عند أبي خزيمة لا ابنه ولا حفيده ! وفي رواية أنه وجدها عند (خزيمة آخر) فأجرى عليهم جميعا حكم خزيمة ذي الشهادتين لمجرد اسم خزيمة.. ! (فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو ابن خزيمة... وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره... فلم أجدهما مع أحد منهم حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعي خزيمة أيضا) ! ! وأكثرت المصادر من رواية آيات خزيمة، وفي بعضها أن الذي وجدها هو الخليفة عمر أو عثمان، وفي بعضها أن الذي وجدها صاحبها خزيمة ! ! روى البخاري في صحيحه ج 8 ص 177: (... عن ابن السباق أن زيد بن ثابت حدثه قال: أرسل الى أبو بكر فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ! لقد جاءكم رسول من أنفسكم، حتى خاتمة براءة).

[ 324 ]

وقال في كنز العمال ج 2 ص 576: (عن خزيمة بن ثابت قال: جئت بهذه الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم الى عمر بن الخطاب وإلى زيد بن ثابت ؟ فقال زيد من يشهد معك ؟ قلت لا والله ما أدري، فقال عمر: أنا أشهد معه على ذلك - ابن سعد.... عن يحيى بن جعدة قال: كان عمر لا يقبل آية من كتاب الله حتى يشهد عليها شاهدان، فجاء رجل من الأنصار بآيتين، فقال عمر: لا أسألك عليها شاهدا غيرك لقد جاءكم رسول من أنفسكم.. الى آخر السورة - ك). وقال في كنز العمال ج 2 ص 574: (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان فقتل وهو يجمع ذلك، فقام عثمان فقال من كان عنده من كتاب الله شئ فليأتنا به، وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شاهدان فجاء خزيمة بن ثابت فقال: قد رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما، قالوا ما هما ؟ قال: تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم الى آخر السورة، فقال عثمان: وأنا أشهد أنهما من عند الله فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال: إختم بهما آخر ما نزل من القرآن فختم بهما براءة - ابن أبي داود كر) انتهى. ثم رووا أن آية أخرى من سورة الأحزاب ضاعت أيضا فوجدها زيد عند الخزيميين أيضا ! قال البخاري في صحيحه ج 5 ص 31: (... أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر فألحقناها في سورتها في المصحف). ورواه في ج 6 ص 22 وص 98

[ 325 ]

ورواه في ج 3 ص 206 وفيه (فلم أجدها إلا مع خزيمة ابن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة رجلين..). ورواه أحمد في مسنده ج 5 ص 188، والترمذي في سننه ج 4 ص 347، وكنز العمال ج 2 ص 581 وروى ابن شبة ادعاء زيد أنه كان صاحب قرار في تدوين المصحف الإمام، وكأنه لم يكن يوجد أحد غيره.. وأنه كان يتصرف برأيه ! فقد تذكر آية وبحث عنها فلم يجدها عند أحد من المهاجرين ولا الأنصار، بل عند رجل آخر يدعي خزيمة فأخذها، واختار لها مكانا في آخر سورة براءة، ولو كانت ثلاث آيات لجعلها سورة مستقلة ولصار قرآننا 115 سورة ! ! وربما كان اسم السورة الأخيرة (سورة زيد بن ثابت) ! ! قال في تاريخ المدينة ج 3 ص 1001: (... عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: عرضت المصحف فلم أجد فيه هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنها فلم أجدها مع أحد منهم ! حتى وجدتها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري فكتبتها، ثم عرضته مرة أخرى فلم أجد فيه هاتين الآيتين لقد جاءكم رسول من أنفسكم الى آخر السورة، قال: فاستعرضت المهاجرين أسألهم عنها فلم أجدهما مع أحد منهم، ثم استعرضت الأنصار أسألهم عنهما فلم أجدهما مع أحد منهم ! حتى وجدتهما مع رجل آخر يدعي خزيمة أيضا من الأنصار فأثبتهما في آخر (براءة) قال زيد: ولو تمت ثلاث آيات لجعلتها سورة واحدة، ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه شيئا. فأرسل عثمان رضي الله عنه الى حفصة رضي الله عنها يسألها أن تعطيه الصحيفة، وجعل لها عهد الله ليردها إليها، فأعطته إياها، فعرضت الصحف عليها فلم تخالفها في شئ فرددتها إليه، وطابت نفسه فأمر الناس أن يكتبوا المصاحف) انتهى. وقد أطال الرواة والباحثون والفقهاء والمستشرقون في أمر آيات آل خزيمة، لأنها تثير في الذهن عدة أسئلة.. منها، كيف ضاعت فلم يعلمها أحد غيرخزيمة ! فأين حفاظ القرآن ؟ وأين حفظ زيد نفسه ؟ ! وأجاب محبوا زيد بأنه كان يحفظها ولكن من تقواه أراد أن يكتب في المصحف الآيات المكتوبة فقط.. الى آخر الأسئلة القوية وأجوبتها

[ 326 ]

وقد عرفت أن نسخ القرآن كانت كثيرة وميسرة، وأن زيدا ليس بعيدا عن المبالغة في دوره في جمع القرآن، وغير جمع القرآن ! وقد فتحت مبالغات زيد وأمثاله عن القرآن والوحي والنبي صلى الله عليه وآله.. بابا دخل منه المستشرقون وأعداء الإسلام، ووجهوا إشكالاتهم وسهامهم الى الإسلام والمسلمين، ولا يتسع المجال لسرد ذلك ! سعيد بن العاص ودوره في تدوين المصحف الإمام سعيد بن العاص على إسم جده المعروف بأبي أحيحة وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. وأبو أحيحة من زعماء قريش وأثريائها وطغاتها، كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله.. ولكن أغلب أولاده صالحون ! وأولاده خالد وأبان وعمرو، وحفيده سعيد هذا من نجباء بني أمية.. وكان أبو أحيحة يعذب ابنه خالدا وغيره على الإسلام، وهو أحد المستهزئين الذين كفى الله رسوله شرهم فأهلكه قبل وقعة بدر فلم يشارك فيها، وشارك بدله ابنه العاص وقتل كافرا وهو والد سعيد هذا، قتله علي عليه السلام.. وكان سعيد ابنه صغيرا فلما كبر أسلم.. وكان في حياة عمه خالد مع علي عليه السلام كليا، ثم كان مع علي نسبيا.. قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 2 ص 82: (وكان أبوه (أبو أحيحة) شديدا على المسلمين وكان أعز من بمكة فمرض فقال لئن الله رفعني من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشه بمكة ! فقال ابنه خالد عند ذلك: اللهم لا ترفعه. فتوفي في مرضه ذلك) انتهى. وقال في ج 2 ص 309: (سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص ابن أمية بن عبد شمس بن بن عبد مناف القرشي الأموي، وجده هو المعروف بأبي أحيحة وكان أشرف قريش. وأم سعيد أم كلثوم بنت عمرو بن عبد الله بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حر بن عامر بن لؤى العامرية، ولد عام الهجرة وقيل بل ولد سنة إحدى، وقتل أبوه العاص يوم بدر كافرا قتله علي بن أبي طالب... وكان جده أبو أحيحة إذا اعتم بمكة لا يعتم أحد بلون عمامته إعظاما له وكان يقال له ذو التاج. وكان هذا سعيد من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان. واستعمله

[ 327 ]

عثمان على الكوفة بعد الوليد بن عقبة بن أبي معيط وغزاط برستان فافتتحها، وغزا جرجان فافتتحها سنة تسع وعشرين أو سنة ثلاثين، وانتقضت أذربيجان فغزاها فافتتحها... وانقطع عقب أبي أحيحة إلا من سعيد هذا، وقد قيل إن خالد بن سعيد أعقب أيضا). وترجم له البخاري في تاريخه ج 3 ص 502، والرازي في الجرح والتعديل ج 4 ص 48. ومن الطريف أن ابنه عمرو بن سعيد هذا كان أحد المعارضين لبني أمية، وهو عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان ! وروى ابن الأثير أن عمه أبان كان في لجنة جمع القرآن أيضا.. قال في أسد الغابة ج 1 ص 37 (وقال الزهري إن أبان بن سعيد بن العاص أملى مصحف عثمان على زيد بن ثابت بأمر عثمان) لكن روي أنه توفي قبل هذا التاريخ. وقال في ترجمة عمه خالد ج 2 ص 82: (خالد بن سعيد بن العاص ابن أمية بن عبد شمس... قالت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص كان أبي خامسا في الإسلام. قلت من تقدمه ؟ قالت علي بن أبي طالب وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. وكان سبب إسلامه أنه رأى في النوم أنه وقف على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به، وكان أباه يدفعه فيها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه لا يقع فيها، ففزع وقال أحلف أنها لرؤيا حق... وعلم أبوه إسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده ولم يكونوا أسلموا فوجدوه فأتوا به أباه أبا أحيحة سعيدا فسبه وبكته وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه وقال: اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم ؟ ! ! قال: قد والله تبعته على ما جاء به ! فغضب أبوه ونال منه وقال: إذهب يالكع حيث شئت والله لأمنعنك القوت، فقال خالد: إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به ! فأخرجه وقال لبنيه لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بخالد، فانصرف خالد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويعيش معه... وهاجر خالد الى الحبشة ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية وولد له بها ابنه سعيد بن خالد وابنته أم خالد واسمها أمة، وهاجر معه الى أرض الحبشة أخوه عمرو بن سعيد

[ 328 ]

وقدما على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر مع جعفر بن أبي طالب في السفينتين، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين فأسهموا لهم. وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم القضية، وفتح مكة، وحنينا، والطائف، وتبوك. وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملا على صدقات اليمن وقيل على صدقات مذحج وعلى صنعاء فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عليها، ولم يزل خالد وأخواه عمرو وأبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي رجعوا عن أعمالهم فقال لهم أبو بكر: ما لكم رجعتم ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إرجعوا الى أعمالكم فقالوا: نحن بنو أبي أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا ! ! وكان خالد على اليمن كما ذكرناه وأبان على البحرين وعمرو على تيماء وخيبر وقرى عربية، وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه فقال لبني هاشم: إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر، ونحن تبع لكم. فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد وأبان) ! وقال في ج 3 ص 222: (وكان عمر بن الخطاب أول من بايعه، وكانت بيعته في السقيفة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت بيعة العامة من الغد، وتخلف عن بيعته علي وبنو هاشم والزيبر ابن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري. ثم إن الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحدا الى أن مات، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول الصحيح، وقيل غير ذلك). وقال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 124: (وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم: العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس والزبير بن العوام بن العاص، وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب، فأرسل أبو بكر الى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن

[ 329 ]

الجراح والمغيرة بن شعبة، فقال: ما الرأي ؟ قالوا: الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده، فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب حجة لكم على علي، إذا مال معكم...). وذكره ابن هشام في السيرة ج 3 ص 240، وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 259، انتهى. وغرضنا من التعرف على شخصية سعيد بن العاص وأسرته أن نسجل أن مملي القرآن الذي بأيدينا كان من نجباء بني أمية.. ومما يدل على عقله وتدينه أن عليا عليه السلام قتل أباه العاص يوم بدر، ولكنه لم يكن في نفسه ضغينة على علي، مع أن بعضهم حاول تحريكه على قاتل أبيه.. بل نراه وقف مع أعمامه بعد النبي صلى الله عليه وآله الى جانب علي ولم يبايعوا حتى بايع.. جاء في سيرة ابن هشام ج 2 ص 200 وص 264: (قال ابن هشام: وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي، أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ومر به: إني أراك كأن في نفسك شيئا ؟ ! أراك تظن أني قتلت أباك ؟ ! إني لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله، ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه، وقصد له ابن عمه علي فقتله). وكان العاص بن هشام أسيرا يوم بدر فقتله عمر ! وذكر ابن الأثير جواب سعيد لعمر، قال في أسد الغابة ج 2 ص 309 (فقال له سعيد بن العاص: ولو قتلته لكنت على الحق وكان على الباطل ! فتعجب عمر من قوله !) انتهى. بقي أن نشير الى رواية ذكرت ممليا آخر مع سعيد هو مالك بن أنس جد مالك بن أنس.. قال في كنز العمال ج 2 ص 582: (فقال أبو قلابة: فحدثني مالك بن أنس قال أبو بكر بن داود هذا مالك بن أنس جد مالك بن أنس، قال: كنت فيمن أملى عليهم فربما اختلفوا في الآية، فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعله أن يكون غائبا أو في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما بعدها ويدعون موضعها حتى يجئ أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف، كتب الى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وصنعت كذا،

[ 330 ]

ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم - ابن أبي داود وابن الأنباري، ورواه خط في المتفق عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك القشيري بدل مالك بن أنس) انتهى. فإن صحت هذه الرواية يكون أنس هذا شاهدا على آية أو سورة يحفظها، فطلبوا منه إملاءها عليهم في مسودات اللجنة وتجميعها الأولي مثلا.. أما المملي الرسمي لصيغة القرآن التي بأيدينا، فهو سعيد بن العاص، وربما كان معه عمه أبان ! النسخة الأم التي دونوا عنها المصحف الإمام توجد أربعة احتمالات للنسخة الأم التي أملى منها سعيد بن العاص المصحف على زيد بن ثابت وغيره من الكتاب: الإحتمال الأول: أن تكون صحف حفصة أي نسخة الخليفة عمر التي جمعها هو وزيد في عهد أبي بكر ثم في عهده.. كما ذكرت أكثر الروايات الإحتمال الثاني: أن تكون نسخة عائشة، كما ذكرت بعض الروايات. الإحتمال الثالث: أن تكون نسخة علي عليه السلام، كما يفهم من صفات النسخة. الإحتمال الرابع: أن يكون سعيد أو هو وبقية أعضاء اللجنة رأوا عدة نسخ وقايسوا بينها وناقشوا فروقاتها واستمعوا الى شهودها، ثم راجعوا الخليفة عثمان وعليا عليه السلام وغيرهما من الصحابة الخبيرين بالقرآن، واختاروا الكلمة أو الصيغة الأكثر وثوقا عندهم. كما يفهم من بعض الروايات.. وفيما يلي نفحص ما يملكه كل واحد من هذه الإحتمالات. لم يكتبوا المصحف الإمام عن صحف حفصة أو نسخة عمر ينبغي الإلتفات الى أن توحيد الخليفة عثمان لنسخة القرآن كان عملية جراحية لمرض في الأمة هو اختلاف المسلمين في قراءات القرآن، وانقسامهم الى أحزاب دينية متعارضة ! !

[ 331 ]

وقد كان عدد كبير من الأشخاص يعيشون على هذه الإختلافات والتعصبات، فلما قام عثمان بجمع القرآن سحب البساط من تحت أقدامهم بضربة فنية، فأسقط في أيديهم، وفقدوا مكانتهم وجمهورهم ! لقد صارت قراءتهم مثل غيرها وصاروا هم مثل غيرهم.. وانتهى عهد الأحرف السبعة الذي بدأه الخليفة عمر، وصار على الجميع أن يقرؤوا بحرف واحد هو حرف الخليفة عثمان في المصحف الإمام ! ! لهذا ارتفعت اعتراضات زعماء الأحرف السبعة أو الأحرف العشرين وجمهورهم، وكان سلاحهم ضد الخليفة عثمان وضد حذيفة، هو الأحرف السبعة التي سلحهم بها عمر ! ! وكان الجواب المنطقي للدولة أن تقول لهم: إن الخليفة عمر أخطأ في طرح الأحرف السبعة، فهذا الواقع الخطير الذي نعانيه إنما هو ثمرتها، ولو تركناه بلا معالجة جذرية لاختلفت الأمة في كتابها الى فرق ومذاهب متناحرة الى يوم القيامة ! ولكن الناس بسياسة الخليفة عمر، وقد سجلوا نقاط ضعف على سياسة الخليفة عثمان.. لم تسمح له بتخطئة عمر، بل كان يرى نفسه محتاجا لإثبات (الشرعية) لأعماله بالإحتجاج بأعمال عمر وأقواله ! ! لهذا نراه يحتج على المعترضين، أو لا: بأن عمر كان ينوي توحيد القرآن. وثانيا، بأنه كتب مصحفه الإمام عن نسخة الخليفة عمر أو الصحف التي عند بنته حفصة ! لذلك يجب أن ننظر الى جميع الروايات التي تقول إنهم نسخوا المصحف الإمام عن صحف حفصة بأنها كلام سياسي للدفاع عن الخليفة عثمان، وليس بالضرورة أن يكون هو الذي حصل ! وكذلك كثير من دفاعات الخليفة عثمان عن نفسه فيما خالف فيه عمر، كما يظهر للمتتبع ! قال ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1136: (حدثنا علي بن محمد، عن يزيد بن عياض، عن الوليد ابن سعيد، عن عروة بن الزبير قال: قدم المصريون فلقوا عثمان رضي الله عنه فقال: ما الذي تنقمون ؟ قالوا:

[ 332 ]

تمزيق المصاحف. قال: إن الناس لما اختلفوا في القراءة خشي عمر رضي الله عنه الفتنة فقال: من أعرب الناس ؟ فقالوا: سعيد بن العاص. قال: فمن أخطهم ؟ قالوا: زيد بن ثابت. فأمر بمصحف فكتب بإعراب سعيد وخط زيد، فجمع الناس ثم قرأه عليهم بالموسم فلما كان حديثا كتب إلى حذيفة: إن الرجل يلقى الرجل فيقول قرآني أفضل من قرآنك حتى يكاد أحدهما يكفر صاحبه، فلما رأيت ذلك أمرت الناس بقراءة المصحف الذي كتبه عمر رضي الله عنه وهو هذا المصحف، وأمرتهم بترك ما سواه، وما صنع الله بكم خير مما أردتم لأنفسكم) انتهى. والجميع يعرفون أن الخليفة عمر لم يقم بهذا العمل، ولم يقرأ على المسلمين قرآنا في موسم الحج ! ! وقال ابن شبة في ج 3 ص 1005: (... عن توبة بن أبي فاختة، عن أبيه قال بعث عثمان رضي الله عنه الى عبد الله أن يدفع المصحف إليه، قال ولم ؟ قال لأنه كتب القرآن على حرف زيد. قال: أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل، والله لقد قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة !) انتهى. ولم يدع أحد غير عثمان وخصم زيد ابن مسعود بأن قرآن عثمان كتب على حرف زيد، ولكن غرض ابن مسعود من ادعاء ذلك أن يبرر تمسكه بقراءته، وغرض عثمان من ذلك إن كان قاله، أن يسكت المعترضين لعمر، لأنهم يعرفون ثقة عمر بزيد ! ! وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426: (الواقدي: حدثنا الضحاك بن عثمان، عن الزهري، قال: قال ثعلبة ابن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود ؟ غضب إذ لم أوله نسخ المصاحف ! هلا غضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك ووليا زيدا، فاتبعت فعلهما !) انتهى. والجميع يعرف أن أبا بكر وعمر لم يوليا ابن مسعود على نسخ المصاحف حتى يعزلاه، ولا وليا زيدا إلا على جمع القرآن مع الخليفة عمر وبرأيه، ولكن الخليفة عثمان يريد الدفاع عن نفسه وإثبات أن سياسته نفس سياسة الشيخين التي يريدها الناس !

[ 333 ]

هذا هو الدليل الأول... والدليل الثاني، أن قراءات عمر التي كانت في نسخته التي عند حفصة لا توجد في المصحف الإمام.. ويكفي أن ترجع الى ما قدمنا من قراءاته المروية عنه بأحاديث صحيحة، والتي كان يأمر بإثباتها في المصاحف ومحو ما عداها، مثل قراءة (وامضوا الى ذكر الله) وغيرها وغيرها.. فإنك لا تجد لها أثرا في قرآننا الفعلي الذي هو المصحف الإمام، والحمد لله. والدليل الثالث: إصرار الدولة على مصادرة مصحف حفصة وإحراقه، ولا يمكن أن يكون سبب ذلك إلا أن حفصة أو غيرها أشاعوا أن مصحف عثمان فيه نقص أو خلل.. الأمر الذي جعل الدولة تلح على أخذ النسخة، ولكن حفصة وقفت في وجه الدولة وقاومت الى أن توفيت.. لكن الدولة ما أن فرغت من تشييع جنازة حفصة حتى وضعت يدها على النسخة و.. أحرقتها ! ! فلو كان المصحف الإمام نسخة عن مصحف عمر، لما استطاعت حفصة أو غيرها أن تتكلم بكلمة، ولما كان معنى لإصرار الدولة وافتعالها أزمة طالت أكثر من عشرين سنة مع أم المؤمنين وبنت عمر ! ! قال في كنز العمال ج 2 ص 573: (عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله وخارجة أن أبا بكر الصديق كان جمع القرآن في قراطيس، وكان قد سأل زيد بن ثابت النظر في ذلك، فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل، فكانت الكتب عند أبي بكر حتى توفي، ثم عند عمر حتى توفي، ثم كانت عند حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليها عثمان فأبت أن تدفعها، حتى عاهدها ليردنها إليها فبعثت بها إليه، فنسخها عثمان هذه المصاحف، ثم ردها إليها فلم تزل عندها، قال الزهري: أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل الى حفصة يسألها الصحف التي كتب فيها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة الى عبد الله بن عمر ليرسل إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت، وقال مروان إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذا المصحف مرتاب، أو يقول إنه قد كان فيها شئ لم يكتب - ابن أبي داود) انتهى. والمتأمل في هذه الرواية يطمئن بأن مصحف عمر كان فيه زيادة عن مصحفنا، كما صرح أبو موسى الأشعري عن مصحفه !

[ 334 ]

وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1003: (... عن ابن شهاب قال، حدثني أنس رضي الله عنه قال، لما كان مروان أمير المدينة أرسل الى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضا - فمنعتها إياه.... عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لما ماتت حفصة أرسل مروان الى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعزيمة، فأعطاه إياها، فغسلها غسلا. قال الزهري: فحدثني سالم قال، لما توفيت حفصة أرسل مروان الى ابن عمر رضي الله عنهما بعزيمة ليرسلن بها، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمر رضي الله عنهما، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شئ من ذلك خلاف لما نسخ عثمان رضي الله عنه ! !). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 156: (باب ما جاء في المصحف) عن سالم بن مروان كان يرسل الى حفصة يسألها عن المصحف الذي نسخ منه القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياه، فلما دفنا حفصة أرسل مروان الى ابن عمر أرسل إلى بذلك المصحف فأرسله إليه ! رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) انتهى. بل إن أزمة الدولة مع حفصة وإصرار حفصة الشديد تجعلنا نشك في أنها أعطتهم النسخة أول الأمر، وإن كانت أعطتهم فلا بد أنهم رفضوا الكتابة منها لاختلافها عن القرآن المتداول ! ولذلك شاع في المدينة أن مصحف عثمان لم يكتبوه عن مصحف عمر، الدليل الرابع: ما تقدم في أدلة جمع القرآن من عهد النبي صلى الله عليه وآله، من أن حفصة نفسها لم تكن تقرأ بمصحف أبيها الذي هو عندها أو عنده لا فرق، بل استك تبت لنفسها مصحفا متداولا ! فقد روى مسلم في صحيحه ج 2 ص 112: (... عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها آذنتها

[ 335 ]

فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) انتهى. إن كل المؤشرات بل والأدلة تدلنا على أن مصحف عمر كان مشروع مصحف يحمل اجتهادات الخليفة عمر المتجددة، وكان ينتظر أن يكتمل عمله فينشره.. ولكن الأجل عاجله، ثم عاجل مروان نسخته فأحرقها ! ولم يكتبوا المصحف الإمام عن مصحف عائشة تفاجؤنا في روايات جمع القرآن وثيقة تاريخية مهمة وسارة، يقول فيها الخليفة عثمان إن لجنة جمع القرآن كتبت المصحف الإمام عن مصحف كتبه النبي صلى الله عليه وآله ! ! وقد أعلن الخليفة عثمان ذلك في رسالته الى الأمصار التي أرسلها مع المصاحف ! وأكد على ذلك عبد الله بن الزبير الذي كان عضوا في لجنة جمع القرآن ! قال عمر بن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 997: (... عن أبي محمد القرشي: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كتب الى الأمصار: أما بعد فإن نفرا من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القرآن، فاختلفوا اختلافا شديدا، فقال بعضهم قرأت على أبي الدرداء، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم قرأت على حرف عبد الله بن قيس، فلما سمعت اختلافهم في القرآن - والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم حديث - ورأيت أمرا منكرا، فأشفقت على هذه الأمة من اختلافهم في القرآن، وخشيت أن يختلفوا في دينهم بعد ذهاب من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قرأوا القرآن على عهده وسمعوه من فيه، كما اختلفت النصارى في الإنجيل بعد ذهاب عيسى بن مريم، وأحببت أن نتدارك من ذلك، فأرسلت الى عائشة أم المؤمنين أن ترسل الى بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله الى جبريل، وأوحاه جبريل الى محمد وأنزله عليه، وإذا القرآن غض، فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك، ولم أفرغ لذلك من أجل أمور الناس والقضاء بين الناس، وكان زيد بن ثابت أحفظنا للقرآن، ثم دعوت نفرا من كتاب أهل المدينة وذوي عقولهم،

[ 336 ]

منهم نافع بن طريف، وعبد الله بن الوليد الخزاعي، وعبد الرحمن بن أبي لبابة، فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف وأن يتحفظوا). وقال عبد الله بن الزبير كما في ج 3 ص 991 وقد تقدم في الحديث عن دور حذيفة وعلي عليه السلام (... فجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف، ثم بعثني الى عائشة رضي الله عنها فجئت بالصحف التي كتب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فعرضناها عليها حتى قومناها، ثم أمر بسائرها فشققت) انتهى. فما عدا مما بدا حتى صار القرآن مدونا في مصحف كامل من عهد النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وأين وسائل الكتابة البدائية من (العسب والرقاق واللخاف وصدور الرجال) التي يرويها البخاري.. وأين الجلوس على باب المسجد لتجميع الآيات والسور من المسلمين.. وأين قصة جمع القرآن على يد الخليفة أبي بكر وعمر ؟ ! وأين عشرات الروايات وعشرات النظريات والتاريخ الذي بنوه عليها.. الى آخر الأسئلة الكبيرة ؟ ! على أي حال إن الذي يهمنا الآن هو النتيجة التي تقول: إذا صح أن المصحف الإمام كتب عن نسخة مكتوبة في عهد النبي وتحت نظره صلى الله عليه وآله، وذلك نعمة عظيمة يجب أن نشكر الله تعالى عليها.. ولتسقط كل الروايات المخالفة لها، وليكن ما يكون ! قرآننا الفعلي هو نسخة علي بن أبي طالب عليه السلام والحمد لله أن كل المؤشرات تدل على صحة ذلك.. من أولها أن أوصاف المصاحف التي كانت موجودة عند تدوين المصحف الإمام لا تنطبق عليه، لا مصحف عبد الله بن مسعود، ولا مصحف أبي بن كعب، ولا مصحف أبي موسى الأشعري، ولا مصحف عمر، ولا مصحف زيد بن ثابت، بل يكفي أن نرجع الى عدد السور والقراءات التي ذكرت في مصاحفهم لنرى أنها تختلف عن عدد سور مصحفنا الفعلي... إلا مصحف علي عليه السلام ! وحتى قراءة عثمان لا تنطبق عليها النسخة الفعلية إذا صح أن عثمان كان له اعتراض على عدد من جمل أو كلمات المصحف الذي كتبته اللجنة.. فقد قال في كنز العمال ج 2 ص 586:

[ 337 ]

(عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي قال: لما فرغ من المصحف أتي به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم أرى شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها - ابن أبي داود وابن الأنباري. عن قتادة أن عثمان لما رفع إليه المصحف قال: إن فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها - ابن أبي داود وابن الأنباري. عن قتادة عن نصر بن عاصم الليثي عن عبد الله بن فطيمة عن يحيى بن يعمر قال قال عثمان: إن في القرآن لحنا وستقيمه العرب بألسنتها - ابن أبي داود. عن عكرمة قال: لما أتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئا من لحن فقال: لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا - ابن الأنباري وابن أبي داود) انتهى. والحمد لله أنه لم يكن في المصحف الإمام لحن ولا خطأ.. وما أقامت العرب (لحنه) بألسنتها بل قوم هو ألسنة العرب وأقام لحنها، لأنه كما وصفه الخليفة عثمان (القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله الى جبريل، وأوحاه جبريل الى محمد وأنزله عليه، وإذ القرآن غض...) انتهى، وانتهى الأمر ! يبقى هنا سؤال هام، وهو أنه لم يعرف عن أم المؤمنين عائشة أنها كانت تملك هذه الثروة العظيمة.. ولو كانت عندها لحدثت عنها عشرات الأحاديث، قبل كتابة المصحف الإمام عنها وبعده، وهي التي تحدثت عن كل ما يرتبط بها من النبي صلى الله عليه وآله حتى في الأمور الشخصية، وافتخرت بكل ما يمكن أن يكون حظوة لها عند النبي صلى الله عليه وآله، أو أثرا منه عندها ؟ ! والجواب: نعم هذا صحيح، وأحاديث عائشة تنفي أن تكون عندها مثل هذه النسخة.. فلو كانت عندها لاحتجت بها على نساء النبي صلى الله عليه وآله عندما خالفنها في مسألة رضاع الكبير، وفي مسألة كفاية خمس رضعات.. فقد قالت كما في صحيح مسلم ج 4 ص 167 (... عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس

[ 338 ]

معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن !) ورواه الدارمي في سننه ج 2 ص 157، ورواه ابن ماجة في سننه ج 1 ص 625 وروى بعده (... عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: لقد نزلت آية الرجم، ورضاعة الكبير عشرا. ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها). وروى النسائي في سننه ج 6 ص 100 (... عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت كان فيما أنزل الله عز وجل وقال الحرث فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن !) انتهى. وقال أحمد في مسنده ج 6 ص 271 (... كانت عائشة تأمر أخواتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ويدخل عليها وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها ! ! وأبت أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد..). فقد كان مهما عند عائشة أن تحتج لمسألة الرضاعة بالقرآن لأن نساء النبي صلى الله عليه وآله خالفنها وانتقدنها، بل كانت متحمسة لإثبات صحة عملها ! ثم لو كانت نسخة القرآن عند عائشة لما استكتبت نسخة من القرآن المتداول كما في رواية مسلم ج 2 ص 112 (... عن أبي يونس مولى عائشة أنه قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، فلما بلغتها آذنتها فأملت على حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين) انتهى، وقد تقدمت رواياته في أول هذا الفصل ! قرآننا الفعلي هو نسخة علي بن أبي طالب ما الحل إذن ؟ هل نستطيع القول إن عثمان يكذب في إدعائه أن اللجنة كتبت المصحف الإمام عن مصحف غض كتب بإملاء النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! كلا.. فليس للخليفة مصلحة في إخبار أهل الأمصار بذلك إلا أنه يريد أن يطمئنهم ويفتخر لهم بثقته بالنسخة التي كتب عنها القرآن.. وقرائن وصفه للنسخة وثقته بها تأبى أن يكون قوله افتراء ! كل ما في الأمر أنها نسخة علي عليه السلام وقد أراد عثمان أن يبتعد عن حساسيتهم من علي فنسبها الى عائشة، ولعله أشرك عبد الله بن الزبير بن

[ 339 ]

أخت عائشة في اللجنة وأرسله إليها وأحضر نسخة مصحفها العادية، لكي ينسب التدوين إليها ! ! أرانا ملزمين بهذه الفرضية، لأنها تملك مؤيدات كثيرة، ولأن كل فرضية أخرى للنسخة الأم تواجهها مضعفات كثيرة ! ! ولابد أن نستذكر هنا أن وجود سعيد بن العاص في مشروع تدوين المصحف الإمام بصفته معربا وممليا للمصحف، وبصفته أمويا من أقارب الخليفة، ومن أسرة موالية لعلي بن أبي طالب عليه السلام.. ووجود حذيفة الذي له مكانة مميزة بين الصحابة بصفته رائد مشروع توحيد القرآن، ومن خاصة أصحاب علي عليه السلام.. يجعل لمصحف علي في اللجنة أسهما وافرة في أن تكون نسخته هي النسخة الأم التي كتب عنها المصحف الإمام. وقد روى الشيعة والسنة أن عليا عليه السلام كتب نسخة القرآن على أثر وفاة النبي صلى الله عليه وآله.. روى ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 197: (حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا ابن عون عن محمد قال: لما استخلف أبو بكر قعد علي في بيته فقيل لأبي بكر فأرسل إليه: أكرهت خلافتي ؟ قال لا لم أكره خلافتك، ولكن كان القرآن يزاد فيه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت على أن لا أرتدي إلا الى الصلاة حتى أجمعه للناس، فقال أبو بكر: نعم ما رأيت). وروى في كنز العمال ج 13 ص 127 (عن محمد بن سيرين قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أقسم على أن لا يرتدي برداء إلا الجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، وأرسل إليه أبو بكر بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن ؟ قال لا والله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا الجمعة ! فبايعه ثم رجع - ابن أبي داود في المصاحف). وقال ابن أبي شيبة في مصنفه ج 7 ص 204 (... عن ابن جريج وعن ابن سيرين عن عبيدة قال: القراءة التي عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هي القراءة التي يقرأها الناس اليوم فيه) انتهى.

[ 340 ]

ومن الذي عرض على النبي صلى الله عليه وآله نسخته قبيل وفاته غير علي عليه السلام ؟ ! بل لم يدع ذلك أحد من المسلمين غيره ! وكفى بذلك دليلا شرعيا ! وقد تقدم في تعداد أعضاء لجنة التدوين قول ابن سيرين (كانوا إذا اختلفوا في الشئ أخروه حتى ينظروا آخرهم عهدا بالعرضة الأخيرة فكتبوه على قوله) فهذا الكلام ولو كان ظنا من ابن سيرين، لكنه يدل على أن المسلمين بمن فيهم اللجنة كانوا يعرفون قيمة النص ممن سمع العرضة الأخيرة من النبي صلى الله عليه وآله.. ومن يكون ذلك غير علي عليه السلام ! ثم إن من المعروف أن مصحفنا الفعلي الذي جمعه الخليفة عثمان، بقراءة عاصم، التي هي قراءة علي عليه السلام ! قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 426: (... حفص، عن عاصم، عن أبي عبد الرحمن قال: لم أخالف عليا في شئ من قراءته، وكنت أجمع حروف على، فألقى بها زيدا في المواسم بالمدينة فما اختلفنا إلا في التابوت كان زيد يقرأ بالهاء وعلى بالتاء) انتهى، وهذه الرواية تكشف أن الذي صحح التابوت وجعله بالتاء هو علي عليه السلام ! وأن زيدا بقي يقرؤها بالهاء الى آخر عمره ! * * يبقى الإحتمال الرابع، وهو أن يكون سعيد بن العاص أملى النص الذي وثق به أكثر من بين مجموع ما جمعوه، وهو احتمال وجيه لكن لعمل اللجنة في المرحلة الأولى للجمع والتدوين حيث جمعوا من الناس مصاحف متعددة، وصحفا فيها أجزاء من القرآن أو سور، وتناقشوا في بعضها.. ولكن سعيد بن العاص عندما يرى نسخة غضة كتبت بإملاة النبي صلى الله عليه وآله كما وصفها الخليفة عثمان بأنها (القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله الى جبريل، وأوحاه جبريل الى محمد وأنزله عليه، فإذا القرآن غض) فهل يعقل أن يفضل سعيد عليها أي نسخة أو رواية أخرى ؟ ! ! * *

[ 341 ]

ليس في قرآننا الفعلي لحن ولا غلط في مصادر إخواننا السنة روايات يفهم منها أن ترتيب القرآن الفعلي كان اجتهادا من الخليفة عثمان أو الصحابة الذين جمعوه، أو أنهم تدخلوا جزئيا في ترتيبه، كالذي رواه أبو داود في سننه ج 1 ص 182: (... عن يزيد الفارسي، قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم الى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثانى فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال عثمان: كان النبي صلى الله عليه وسلم مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم). ورواه الترمذي في سننه ج 4 ص 336، وأحمد في مسنده ج 1 ص 57 وص 69 وابن شبة في تاريخ المدينة المنورة ج 3 ص 1015 والحاكم ج 2 ص 230، وص 221 وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) والبيهقي في سننه ج 2 ص 42 والهندي في كنز العمال ج 2 ص 579 ولا يمكن قبول أمثال هذه الروايات، لأنها تنافي أوصاف النسخة المذكورة في رسالة الخليفة الى الأمصار، وتنافي الروايات الأخرى التي تدل على أن الخليفة عثمان لم يتدخل فنيا في جمع القرآن، بل ترك الأمر للمملي الموثوق سعيد بن العاص. كما وردت روايات أخرى تدعي أن الكتاب عندما جمعوا القرآن اشتبهوا في الكتابة ودخلت أغلاطهم في نسخة القرآن ! كالتي رواها ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1014 (... عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن لحن القرآن إن هذان لساحران وقوله إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة وأشباه ذلك ؟ فقالت: أي بني إن الكتاب يخطئون) !

[ 342 ]

وهي روايات مرفوضة لأن تدوين القرآن كان أدق مما يتصوره أصحاب هذا الكلام.. وقد وجدت رواية يظهر أنها أصدق وصف لعملية التدوين، وأن كتاب القرآن كانوا مقيدين حرفيا بما يمليه المملي سعيد بن العاص.. وهي ما رواه ابن شبة في نفس المكان عن أبان بن عثمان، قال (... عن الزبير أن خاله قال: قلت لأبان بن عثمان وكان ممن حضر كتاب المصحف: كيف كتبتم والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة فقال: كان الكاتب يكتب والمملي يملي، فقال اكتب، قال: ما أكتب ؟ قال أكتب والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة). انتهى، وإنما قال له المملي ذلك لأنه يملي من نسخة دقيقة ولا يتصرف فيها بحرف. وقد أشرنا الى أن تمييز أحد المعطوفات بإعراب عن المعطوفات الأخرى له دلالة في اللغة العربية، كما تضع تحت كلمة خطا أو تكتبها بحرف كبير. كذلك لا يمكن لباحث مدقق أن يقبل الروايات التي تقدمت عن الخليفة عثمان، التي تدعي أن في القرآن خطأ أو لحنا، وأن العرب ستقومه بألسنتها ! سواء كانت صادرة عن الخليفة أو مكذوبة عليه.. لأنها تتنافى مع واقع القرآن الذي قرأه ملايين العرب بعد جمعه وفيهم الفصحاء والأدباء، وفيهم العدو الذي يبحث عن نقطة ضعف في القرآن، ولم يستطيعوا أن يأخذوا على نسخته التي بأيدينا غلطا أو لحنا.. ولأنها تتنافى مع ثقة الخليفة بالمملي والنسخة التي أملاها كما قدمنا. ومما يؤيد ضعف كل الروايات التي تنتقد نسخة المصحف الإمام، أن المعارضين لتوحيد القرآن قاموا بحملة كبيرة، واتهموا النسخة التي جمعها الخليفة عثمان بأن فيها نقاط ضعف، من أجل تبرير بقائهم على قراءاتهم السابقة ! ولا شك أن بعض هذه الروايات إن لم يكن كلها من مقولاتهم وموضوعاتهم ! وقد برأ ابن تيمية الخليفة عثمان من هذه الروايات ولكنه لم يبرئ أم المؤمنين عائشة ! قال في تفسيره ج 5 ص 207: (وهذا ما يبين غلط من قال في بعض الألفاظ إنه غلط من الكاتب... قال الزجاج في قوله المقيمين الصلاة قول من قال إنه خطأ بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة والقدوة، فكيف يتركون شيئا يصلحه غيرهم فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم.

[ 343 ]

وقال ابن الأنباري: حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا ليصلحه من بعده) انتهى. نسختان من القرآن عند علي عليه السلام نذكر فيما يلي بقية الروايات التي وردت في مصادرنا و مصادر إخواننا حول مصحف علي عليه السلام لنستخلص النتيجة. فقد روى ابن سعد في الطبقات ج 2 ق 2 ص 101: (عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن عليا أبطأ عن بيعة أبي بكر فلقيه أبو بكر فقال أكرهت إمارتي ؟ قال لا، ولكن آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا الى الصلاة حتى أجمع القرآن، قال فزعموا أنه كتبه على تنزيل قال محمد: فلو أصبت ذلك الكتاب كان فيه علم، قال ابن عون: فسألت عكرمة عن ذلك الكتاب فلم يعرفه). ورواه في كنز العمال ج 2 ص 588 وقال ابن عبد البر في الإستيعاب ج 3 ص 974: (حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، قال: لما بويع أبو بكر الصديق أبطأ على عن بيعته وجلس في بيته فبعث إليه أبو بكر: ما أبطأ بك عني أكرهت إمارتي ؟ قال علي: ما كرهت إمارتك، ولكني آليت ألا أرتدي ردائي إلا الى صلاة حتى أجمع القرآن. قال ابن سيرين: فبلغني أنه كتب على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير). ورواه عبد الرزاق في مصنفه ج 5 ص 450 وقال في هامشه: رواه البلاذري عن ابن سيرين موقوفا مختصرا، راجع أنساب الأشراف 1: 587 انتهى. وقال ابن جزي في التسهيل ج 1 ص 6: (وكان القرآن على عهد رسول الله متفرقا في الصحف وفي صدور الرجال، فلما توفي رسول الله قعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بيته فجمعه على ترتيب نزوله. ولو وجد مصحفه لكان فيه علم كبير، ولكنه لم يوجد). وقال عن تميز علي عن الصحابة في علمه بالقرآن ص 13: (واعلم أن المفسرين على طبقات فالطبقة الأولى الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم كلاما في التفسير ابن عباس، وكان علي بن أبي طالب رضي الله يثنى على تفسير ابن عباس ويقول كان ينظر الى الغيب من ستر رقيق. وقال ابن عباس: ما عندي من

[ 344 ]

تفسير القرآن فهو من علي بن أبي طالب، ويتلوهما عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص. وكلما جاء من التفسير من الصحابة فهو حسن). وقال ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 319: (ومن عجب أمره في هذا الباب أنه لا شئ من العلوم إلا وأهله يجعلون عليا قدوة فصار قوله قبلة في الشريعة، فمنه سمع القرآن. ذكر الشيرازي في نزول القرآن وأبو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عباس في قوله لا تحرك به لسانك، كان النبي يحرك شفتيه عند الوحي ليحفظه وقيل له لا تحرك به لسانك يعني بالقرآن لتعجل به من قبل أن يفرغ به من قراءته عليك إن علينا جمعه وقرآنه، قال ضمن الله محمدا أن يجمع القرآن بعد رسول الله علي بن أبي طالب. قال ابن عباس: فجمع الله القرآن في قلب علي وجمعه علي بعد موت رسول الله بستة أشهر. وفي أخبار ابن أبي رافع أن النبي قال في مرضه الذي توفي فيه لعلي: يا علي هذا كتاب الله خذه إليك، فجمعه على في ثوب فمضى الى منزله فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جلس علي عليه السلام فألفه كما أنزله الله وكان به عالما. وحدثني أبو العلاء العطار والموفق خطيب خوارزم في كتابيهما بالإسناد عن علي بن رباح أن النبي صلى الله عليه وآله أمر عليا بتأليف القرآن فألفه وكتبه. جبلة بن سحيم، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لوثني لي الوسادة وعرف لي حقي لأخرجت لهم مصحفا كتبته وأملاه علي رسول الله صلى الله عليه وآله... أبو نعيم في الحلية والخطيب في الأربعين بالإسناد عن السدي عن عبد خير عن علي عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله أقسمت أو حلفت أن لا أضع ردائي عن ظهري حتى أجمع ما بين اللوحين، فما وضعت ردائي حتى جمعت القرآن. وفي أخبار أهل البيت عليهم السلام أنه آلى أن لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه، فانقطع عنهم مدة الى أن جمعه، ثم خرج إليهم به في إزار يحمله وهم مجتمعون في المسجد، فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع التيه، فقالوا: لأمر ما

[ 345 ]

جاء أبو الحسن ؟ فلما توسطهم وضع الكتاب بينهم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهذا الكتاب وأنا العترة، فقام إليه الثاني فقال له: إن يكن عندك قرآن فعندنا مثله، فلا حاجة لنا فيكما ! فحمل عليه السلام الكتاب وعاد به بعد أن ألزمهم الحجة... الخ.... ومنهم العلماء بالقراءات: أحمد بن حنبل وابن بطة وأبو يعلى في مصنفاتهم عن الأعمش عن أبي بكر بن أبي عياش في خبر طويل أنه قرأ رجلان ثلاثين آية من الأحقاف فاختلفا في قراءتهما، فقال ابن مسعود: هذا خلاف ما أقرؤه، فذهبت بهما الى النبي (صلى الله عليه وآله) فغضب وعلي عنده فقال علي: رسول الله صلى الله عليه وآله يأمركم أن تقرؤوا كماعلمتم، وهذا دليل على علم علي بوجوه القراآت المختلفة. وروي أن زيدا لما قرأ (التابوه) قال علي عليه السلام اكتبه (التابوت) فكتبه كذلك. والقراء السبعة الى قراءته يرجعون، فأما حمزة والكسائي فيعولان على قراءة علي عليه السلام وابن مسعود، وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود، فهما إنما يرجعان الى علي ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الأعراب، وقد قال ابن مسعود: ما رأيت أحدا أقرأ من علي بن أبي طالب للقرآن. فأما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءتهم ترجع الى ابن عباس، وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي عليه السلام، والذي قرأه هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي، فهو إذا مأخوذ عن علي عليه السلام. وأما عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام، فقالوا أفصح القراءات قراءة عاصم، لأنه أتى بالأصل، وذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره، ويحقق من الهمز ما لينه غيره، ويفتح من الألفات ما أماله غيره.

[ 346 ]

والعدد الكوفي في القرآن منسوب الى علي عليه السلام ليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره، وإنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض التابعين. ومنهم المفسرون كعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وهم معترفون له بالتقدم. تفسير النقاش: قال ابن عباس: جل ما تعلمت من التفسير من علي بن أبي طالب عليه السلام وابن مسعود، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، ما منها إلا وله ظهر وبطن، وإن علي بن أبي طالب عليه السلام علم الظاهر والباطن. فضائل العكبري: قال الشعبي: ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي بن أبي طالب عليه السلام. تاريخ البلاذري وحلية الأولياء: قال علي عليه السلام: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت، أبليل نزلت أم بنهار نزلت، في سهل أو جبل. إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا. قوت القلوب: قال علي عليه السلام لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب. وما وجد المفسرون قوله إلا ويأخذون به) انتهى. ورواه المجلسي في بحار الأنوار ج 40 ص 155 وج 89 ص 51 وروى العياشي في تفسيره ج 1 ص 14: (عن الأصبغ بن نباتة قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام الكوفة صلى بهم أربعين صباحا يقرأ بهم (سبح إسم ربك الأعلى) قال فقال المنافقون: لا والله ما يحسن ابن أبي طالب أن يقرأ القرآن ! ولو أحسن أن يقرء القرآن لقرأ بنا غير هذه السورة ! قال: فبلغه ذلك فقال: ويل لهم ! إني لأعرف ناسخه من منسوخه ومحكمه من متشابهه وفصله من فصاله وحروفه من معانيه، والله ما من حرف نزل على محمد صلى الله عليه وآله إلا أني أعرف فيمن أنزل وفي أي يوم وفي أي موضع ! ويل لهم ! أما يقرؤون إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى والله عندي، ورثتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد أنهى الى رسول الله صلى الله عليه وآله من إبراهيم وموسى عليهما السلام.

[ 347 ]

ويل لهم ! والله أنا الذي أنزل الله في وتعيها أذن واعية فإنما كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله فيخبرنا بالوحي فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفا ؟ !). وروى الكليني في الكافي ج 1 ص 62: (... عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ ! قال: فأقبل علي فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: أيها الناس قد كثرت علي الكذابة فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، ثم كذب عليه من بعده. وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كذاب لم يقبلوا منه ولم يصدقوه، ولكنهم قالوا هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله ! وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبر ووصفهم بما وصفهم فقال عز وجل وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم. ثم بقوا بعده فتقربوا الى أئمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والكذب والبهتان فولوهم الأعمال، وحملوهم على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

[ 348 ]

ورجل، سمع من رسول الله شيئا لم يحمله على وجهه ووهم فيه، ولم يتعمد كذبا، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو علم المسلمون أنه وهم لم يقبلوه ولو علم هو أنه وهم لرفضه. ورجل ثالث، سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه، ولم علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه. وآخر رابع، لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله، لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي صلى الله عليه وآله مثل القرآن ناسخ ومنسوخ وخاص وعام ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان: كلام عام وكلام خاص مثل القرآن وقال الله عزوجل في كتابه: ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله. وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا. وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم دخلة وكل ليلة دخلة فيخليني فيها أدور معه حيث دار، وقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر ذلك في بيتي، وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله أخلاني وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي لم تقم عني فاطمة ولا أحد من بني، وكنت إذا سألته أجابني وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي ابتدأني، فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبتها بخطي وعلمني تأويلها

[ 349 ]

وتفسيرها وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصها وعامها، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي وكتبته، منذ دعا الله لي بما دعا، وما ترك شيئا علمه الله من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي كان أو يكون ولا كتاب منزل على أحد قبله من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته، فلم أنس حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكما ونورا، فقلت: يا نبي الله بأبي أنت وأمي منذ دعوت الله لي بما دعوت لم أنس شيئا ولم يفتني شئ لم أكتبه أفتتخوف علي النسيان فيما بعد ؟ فقال: لا لست أتخوف عليك النسيان والجهل). ورواه الصدوق في الخصال ص 255، والعياشي في تفسيره ج 1 ص 14، والنعماني في الغيبة ص 59، والمجلسي في بحار الأنوار ج 36 ص 273 وج 36 ص 139. وأصل هذه الرواية أكبر مما نقله الكليني، وقد أوردت المصادر بقية أجزائها.. ومن ذلك ما رواه العياشي في تفسيره ج 1 ص 253: (عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عليا عليه السلام: يقول ما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها على فاكتبها بخطي وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله لي أن يعلمني فهمها وحفظها فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه على فكتبته بيدي على ما دعا لي، وما نزل شئ علمه الله من حلال ولاحرام، أمر ولا نهي كان أو يكون من طاعة أو معصية إلا علمنيه وحفظته فلم أنس منه حرفا واحدا، ثم وضع يده على صدري ودعا الله لي أن يملأ قلبي علما وفهما وحكمة ونورا فلم أنس شيئا ولم يفتني شئ لم أكتبه، فقلت: يا رسول الله أتخوفت على النسيان فيما بعد ؟ فقال: لست أتخوف عليك نسيانا ولا جهلا، وقد أخبرني ربي أنه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك، فقلت: يا رسول الله ومن شركائي من بعدي ؟ قال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي فقال: أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، الأئمة، فقلت: يا رسول الله ومن هم ؟ فقال الأوصياء مني الى أن يردوا على الحوض كلهم هاد مهتد لا يضرهم من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تنصر أمتي، وبهم يمطرون وبهم يدفع عنهم، وبهم يستجاب دعاؤهم،

[ 350 ]

فقلت: يا رسول الله سمهم لي، فقال لي: ابني هذاووضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن له يقال له علي، وسيولد في حيوتك فأقرأه مني السلام، ثم تكملة الى اثني عشر من ولد محمد، فقلت له: بأبي وأمي أنت سمهم فسماهم لي رجلا رجلا، فيهم والله يا أخا بني هلال مهدي أمة محمد الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت جورا وظلما، والله إني لأعرف من يبايعه بين الركن والمقام، وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم. وذكر الحديث بتمامه) انتهى. وهي روايات صريحة بأن القرآن كله كان مكتوبا عند علي عليه السلام من عهد النبي صلى الله عليه وآله، وأن النبي كان حريصا على أن يكتب عنه علي، أو مأمورا من الله تعالى أن يبلغ القرآن وما يوحيه إليه الله تعالى الى من يعيه ويبلغه من بعده.. ويأتي هنا سؤال، وهو أنه يفهم من روايات مصادر إخواننا السنة أن عليا لم يكن عنده نسخة القرآن، بل كتبها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وأن ذلك كان سبب تأخره عن بيعة أبي بكر. والجواب: أن عليا عليه السلام كان في اليوم الأول لوفاة النبي صلى الله عليه وآله مشغولا بمراسم جنازته ودفنه.. أما الأيام التي تلت ذلك فقد كانت مليئة بالأحداث السياسية المهمة التي روتها مصادر الشيعة والسنة، ولابد أن عليا كان مشغولا بها.. ويكفي أن بيته الذي كان يعرفه المسلمون ببيت فاطمة عليهما السلام، كان مركز اعتصام المعزين بوفاة النبي صلى الله عليه وآله والمعارضين لبيعة أبي بكر من أنصار ومهاجرين، وقد ذكرت المصادر أسماء عدد منهم.. وفي تلك الأيام قامت السلطة الوليدة بالهجوم على بيت فاطمة مطالبين بأن يبايع المعتصمون وإلا أحرقوا البيت عليهم بمن فيه.. وبالفعل جمعوا الحطب على باب البيت وأضرموا النار وأحرقوه... الى آخر الأحداث ! وقد اختلف المؤرخون والمحدثون في تاريخ بيعة علي لأبي بكر، وذهب المحققون منهم الى أن فاطمة غضبت ولم تبايع، وأن عليا لم يبايع إلا بعد وفاتها عليهما السلام. قال ابن الأثير في أسد الغابة ج 3 ص 222: (... وتخلف عن بيعته علي وبنو هاشم والزيبر ابن العوام وخالد بن سعيد بن العاص وسعد بن عبادة الأنصاري. ثم أن الجميع بايعوا بعد موت فاطمة بنت رسول

[ 351 ]

الله صلى الله عليه وسلم، إلا سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحدا الى أن مات، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول الصحيح، وقيل غير ذلك) انتهى. لكن مع ذلك يطمئن الإنسان بأن عليا كتب نسخة من القرآن في المرحلة الأولى من خلافة أبي بكر وقدمها لهم، لأن روايتها وردت في مصادر السنة كما تقدم، وفي مصادرنا أيضا، كالذي رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 633: (... عن سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كف عن هذه القراءة إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله عز وجل على حده، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام. وقال: أخرجه علي عليه السلام الى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عز وجل كما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله، وقد جمعته بين اللوحين فقالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال أما والله ما ترونه بعد يومكم هذا أبدا ! إنما كان علي أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه !). والذي رواه الطبرسي في الإحتجاج ج 1 ص 225: (وفي رواية أبي ذر الغفاري أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به الى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله). ورواه المجلسي في البحار ج 96 ص 42 - 43 والحويزي تفسير نور الثقلين ج 5 ص 226، انتهى. ويفهم من هذه الروايات وغيرها أن عليا عليه السلام كان عنده نسختان من القرآن: نسخة كتبها في عهد النبي بإملائه صلى الله عليه وآله وهي النسخة الموروثة المذخورة للإمام المهدي عليه السلام.. وقد تظافرت الروايات عنها في مصادرنا وفيها روايات صحيحة.. وأن الله تعالى يظهرها على يده فيما يظهر من معجزات أحقية الإسلام وتأويل آيات القرآن. وقد تكون هي التي تحدث عنها ابن سيرين وابن سعد وعاصم وابن جزي، بأن تأليفها على حسب التنزيل.

[ 352 ]

أما النسخة الأخرى فقد كتبها علي عليه السلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، وهي بأسلوب التأليف الذي بين أيدينا ولابد أن النبي صلى الله عليه وآله قد علمه أسلوب تأليفها أيضا وأوصاه بعرضها عليهم كما نصت رواية الطبرسي (وجاء به الى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله). والظاهر أنها النسخة التي يصفها الخليفة عثمان بافتخار في رسالته الى الأمصار بأنها (القرآن الذي كتب عن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحاه الله الى جبريل، وأوحاه جبريل الى محمد، وأنزله عليه، وإذا القرآن غض ! !). ولا يبعد أن يكون الرواة خلطوا أحيانا بين النسختين.. أما الفرق بينهما فهو في الترتيب فقط.. وقد نصت مصادر إخواننا على أن ترتيب نسخة علي عليه السلام على حسب النزول كما تقدم. ونصت مصادرنا الشيعية أيضا على ذلك.. قال المفيد في الإرشاد ج 2 ص 360 (وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط لمن يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف). ورواه النيسابوري في روضة الواعظين ص 265، والمجلسي في بحار الأنوار ج 52 ص 339، وغيرهم. أسرار ترتيب القرآن لم تكتشف بعد مع أن ما كشف لنا من أسرار القرآن الى الآن كاف لكل منصف لأن يؤمن بأنه كلام الله تعالى، فإن أكثر أسرار القرآن لم تكتشف بعد، ومنها أسرار ترتيبه.. سواء في ذلك ترتيب سوره وآياته.. بل ترتيب حروفه ونظمها في السور والآيات والكلمات ! ! وعلى كثرة الحقائق والشواهد التي قدمها العلماء والباحثون في إعجاز القرآن وبنائه الفريد، فإني أذكر حقيقة واحدة وردت في روايات أهل البيت عليهم السلام، تخضع لها الأفكار والأعناق.. فقد روى القاضي المغربي المصري من علماء القرن الرابع في كتابه القيم دعائم الإسلام ج 2 ص 146 قال:

[ 353 ]

(عن علي عليه السلام أنه قال: اعتل الحسين فاشتد وجعه، فاحتملته فاطمة فأتت به النبي صلى الله عليه وآله مستغيثة مستجيرة، فقالت: يا رسول الله أدع الله لابنك أن يشفيه، ووضعته بين يديه، فقام صلى الله عليه وآله حتى جلس عند رأسه ثم قال: يا فاطمة يا بنية إن الله هو الذي وهبه لك هو قادر على أن يشفيه ! فهبط عليه جبرئيل فقال: يا محمد، إن الله لم ينزل عليك سورة من القرآن إلا فيها فاء، وكل فاء من آفة ! ما خلا (الحمد لله) فإنه ليس فيها فاء، فادع بقدح من ماء فاقرأ فيه (الحمد) أربعين مرة ثم صبه عليه، فإن الله يشفيه ! ففعل ذلك، فكأنما أنشط من عقال !) انتهى. يعني ذلك: أن ما يبدو لنا من القرآن عاديا بسبب سذاجتنا، وراءه حساب، بل حسابات.. حسابات إلهية لا بشرية ! وأن هذه الحروف الثمانية والعشرين في القرآن عوالم من الرياضيات والعلوم والحقائق.. وليست حروف كتاب بشري ! فوجود الحرف له دلالة بل دلالات، وعدم وجوده، وعدده، وتوزيعه في الآية، وفي السورة.. وفي كل القرآن ! ! الله أكبر.. فحيثما كانت الفاء في سورة أو موضوع، فهي تدل على وجود آفة.. وحيثما وجدت الباء، والسين.. وكل الحروف.. تدل على حقائق أخرى ؟ ثم ما معنى الآفة ؟ وما معنى خلو سورة الحمد منها ؟ وما معنى قراءة كلام الله الذي ليس فيه آفة على قدح ماء ؟ وماذا يؤثر تكرار القراءة ؟ وهل يتغير تركيب الماء بذلك ؟ ثم هل تؤثر فيزياؤه المطورة في بدن المريض وتذهب منه الآفة.. ؟ ! من المؤكد أنه يوجد ارتباط بين النظام الفيزيائي والروحي للكون، وبين نظام القرآن، وأن للقرآن إمكانات تأثير متنوعة على عالمي الروح والمادة، هي لون أو ألوان من فاعليات الله تعالى في الكون، لأن القرآن كلامه سبحانه ! ! ومن المؤكد أن النبي صلى الله عليه وآله أعطي من معرفة ذلك أقصى ما يمكن أن يعطاه إنسان ويحتمله، لأنه صلى الله عليه وآله أفضل بني الانسان، بل أفضل المخلوقات.. فهو المصطفى منها جميعا، ولقد أجاد الشاعر الأزري بقوله: قلب العالمين ظهرا لبطن فرأى ذات أحمد فاصطفاها

[ 354 ]

ولكن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يستعمل ذلك إلا بأمر الله تعالى أو إجازته.. وهذه قضية مهمة في شخصيته وسلوكه صلى الله عليه وآله.. حيث أعطي وسائل العمل الإعجازي، ومع ذلك كان يعمل في كل أموره بالأسباب والقوانين الطبيعية العادية، ولا يستعمل الإعجاز إلا عندما يؤمر، أو عند (الضرورة). إن الفرق بينه وبين موسى والخضر أن الخضر أعطي العلم اللدني أو علم الباطن فهو يعمل بموجبه، وموسى أعطي الشريعة أو علم الظاهر فهو يعمل بموجبها.. أما نبينا صلى الله عليه وآله فقد أعطي العلمين معا، ولكنه يعمل بالظاهر، إلا عندما يؤمر أو عند الضرورة ! ! وهذه هي سنة الله تعالى، فهو لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضاه.. ولا يرتضيه إلا إذا استوعب مسألة العمل بالقوانين الطبيعية والغيبية وسلم لإرادة الله فيها.. ثم يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ! ! والقرآن أكبر، أو من أكبر، تلك الوسائل التي أعطاها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله.. وقد كان له ترتيب نزل به منجما في بضع وعشرين سنة، وكان يؤدي فيه إدارة أحداث النبوة وصناعة الأمة وتوجيه النبي والأمة، وتسجيل كل ذلك للأجيال.. ثم صار له ترتيب ككتاب تقرؤه الأجيال، كتاب له مقدمة وفصول وفقرات.. أحدث من كل ما أنتجه وينتجه المؤلفون في منهجة التأليف والأسلوب ! ! فما المانع أن يكون للقرآن ترتيب ثالث، ورابع، وخامس، أملاه النبي صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام، وادخره عنده مع وصيته المحفوظة وعهده المعهود الى ولده المهدي الذي بشر به الأمة والعالم ؟ والذي يظهر الله على يديه صدق دين جده على الدين كله، فتخضع لبراهينه العقول والأعناق.. أرواحنا فداه وعجل الله ظهوره. أما نحن الشيعة فنعتقد بأن ذلك حدث، وأن نبينا صلى الله عليه وآله قد ورث علومه ونسخة القرآن المؤلفة تأليفا يؤثر تأثيرا معجزا في المادة والروح، ويظهر بها إعجاز القرآن وتأويله، الى علي والحسن والحسين.. الى أن وصلت الى يد خاتم الأوصياء الموعود على لسان خاتم الأنبياء، الإمام المهدي أرواحنا فداه ونور نواظرنا بطلعته المباركة.

[ 355 ]

وماذا نصنع إذا كانت النصوص في مصادرنا تصرح بذلك، وفي مصادر إخواننا تؤيده ؟ ! فهل نغمض أعيننا عنها ونقول لا يوجد شئ.. حتى يرضى عنا زيد أو عمرو ؟ ! وهل نفع الأمم السابقة إغماضهم عن نصوص أنبيائهم ووصاياهم.. حتى نقلدهم ونقول: كلا، كلا.. لم يقل نبينا شيئا، ولم يوص بشئ، ولم يورث شيئا ؟ ! ! وهل إذا قلنا إن النبي صلى الله عليه وآله رتب القرآن بأكثر من ترتيب.. وإن الروايات تدل على أن النسخة المعهودة منه الى ولده الإمام المهدي يختلف ترتيبها عن النسخة الموجودة بأيدينا.. صرنا من الكافرين بالقرآن الذي بين أيدينا، والقائلين بتحريفه ؟ ! ! على أي حال، نحن أتباع النص الثابت عن نبينا وأهل بيته، وليقل عنا الناس ما يقولون ! مواريث النبي التي عند أهل بيته شهد علماء الحديث بأنه صدر من النبي صلى الله عليه وآله أحاديث في حق علي عليه السلام لم يصدر مثلها في حق أحد من الصحابة.. ومن ذلك شهادات النبي صلى الله عليه وآله بتميز علي في العلم عن بقية الصحابة.. وقد أكدت ذلك شهادات الخلفاء في حق علي عليه السلام، وما رأته الأمة من علمه، وما دونته عنه ! ! لكن مصادر إخواننا عندها حساسية من أن يكون النبي صلى الله عليه وآله أوصى الى علي بشي ! أو ورث عليا أو أحدا من أهل بيته شيئا.. من ماله الشخصي، أو العام، وخاصة من العلم ! فتراهم يبادرون الى نفي ذلك وتأكيده بقولهم: كلا.. كلا.. لم يوص النبي بشئ، ولا ورث شيئا، لا لأهل بيته، ولا لأحد ! ! وأكثر المتحمسين للنفي أم المؤمنين عائشة المعروفة بحساسيتها من علي حتى في عهد النبي صلى الله عليه وآله، والتي لم ينفعها نهي النبي إياها عن ذلك، بل تصاعدت حساسيتها حتى وصلت الى حرب الجمل وعشرين ألف قتيل، ومصائب ما زالت تعاني منها الأمة !

[ 356 ]

قال البخاري في صحيحه ج 3 ص 186: (... عن الأسود قال ذكروا عند عائشة أن عليا رضي الله عنهما كان وصيا، فقالت: متى أوصى إليه ! وقد كنت مسندته الصدري أو قالت حجري، فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنه قد مات ! فمتى أوصى إليه ؟ !). ورواه أيضا في ج 5 ص 143، ورواه مسلم ج 5 ص 74 والنسائي ج 1 ص 32 وص 75 وج 6 ص 241، وابن ماجة ج 1 ص 519، وأحمد ج 6 ص 32. وقال مسلم في ج 5 ص 75 (عن مسروق عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله دينارا، ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا، ولا أوصى بشئ !). ورواه النسائي ج 6 ص 240، وابن ماجة ج 2 ص 900، وأبو داود ج 1 ص 654. ولكن الحاكم روى حديثا وصححه بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يتوف في حجر عائشة، بل توفي وهو يناجي عليا، قال في المستدرك ج 3 ص 138: (... عن أم سلمة رضي الله عنها قالت والذي أحلف به أن كان علي لأقرب الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. عدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة وهو يقول جاء علي جاء علي مرارا ؟ ! فقالت فاطمة رضي الله عنها كأنك بعثته في حاجة، قالت فجاء بعد. قالت أم سلمة فظننت أن له إليه حاجة فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من أدناهم الى الباب، فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه ذلك. فكان علي أقرب الناس عهدا. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه !). وروى أحمد أن عائشة أقسمت بأنها كانت غائبة يومين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله، ولم تشهد جنازته ! قال في مسنده ج 6 ص 62: (عن عمرة عن عائشة قالت والله ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء !) ورواه البيهقي في سننه ج 3 ص 409. فكيف ينطبق ذلك مع وفاته في غرفتها وفي حجرها ! وهل أغمض النبي صلى الله عليه وآله عينيه في حجرها فتركت جنازته وبدأت حدادها عليه بالذهاب الى هنا وهناك لتدبير أمر الخلافة لأبيها ؟ ! ثم، لو صح أن النبي توفي في حجر عائشة.. فهل يجب عليه أن يخبر عائشة بما يوصي به لعلي أو يورثه من العلم، وأن يكون ذلك بحضورها ؟ ! !

[ 357 ]

مهما يكن، فإن البخاري كان ألين من عائشة بعض الشئ في توريث النبي، فقال في ج 5 ص 144: (... عمرو بن الحرث قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة !) انتهى. ولا بد أن النبي برأي البخاري جعل هذه الأرض سائبة.. بدون وصي ولا متول ! ! هذا، ولكن بقيت أمام مصادر إخواننا مشكلة أكبر من البغلة.. مشكلة صحيفة صغيرة من العلم كانت في ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان المسلمون يرون سيف النبي مع علي وفي ذؤابته الصحيفة ! وقد طال عمر علي بعد النبي ثلاثين سنة، وسيف النبي بيده، وقد حارب به في الجمل وصفين والنهروان.. ! وقد توصل الرواة الى حل لهذه المشكلة.. بأن هذه الصحيفة الصغيرة هي الإستثناء الوحيد والعلم الوحيد الذي ورثه النبي لأهل بيته.. وليس فيها كثير علم، بل فيها أحكام عامة ! ! لهذا السبب تواجهك في كل مصادر إخواننا تأكيدات وتكرارات مقصودة لروايات عن لسان علي وأهل بيته يحلفون فيها الايمان المغلظة بأن النبي لم يورثهم غير هذه الصحيفة الصغيرة، وأن مضمونها عام وعادي ! فقد روى البخاري هذه الرواية في كتابه ثمان مرات على الأقل ! كلها عن علي وأولاد علي وكلها يؤكد فيها علي (براءته) من تهمة توريث النبي إياه شيئا من العلم غير هذه الصحيفة ! قال في ج 2 ص 221: (... عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال ما عندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم المدينة حرم ما بين عائر الى كذا من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل وقال ذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن تولى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. قال أبو عبد الله عدل فداء).

[ 358 ]

وقال في ج 4 ص 30: (عن أبي حجيفة رضي الله عنه قال قلت لعلي رضي الله عنه هل عندكم شئ من الوحي إلا ما في كتاب الله ؟ قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت وما في الصحيفة ؟ قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر !). وكرر البخاري ذلك بصيغ متضاربة عن مضمون هذه الصحيفة في ج 4 ص 67 وص 69 وج 8 ص 10 وص 45 وص 47 وص 144. ثم قلدته أكثر المصادر كما في مسلم ج 4 ص 115 وص 217 وج 6 ص 85 وابن ماجة ج 2 ص 168 وأبو داود ج 1 ص 168 وج 2 ص 177 والنسائي ج 8 ص 23 ولكن يبقى الإمام أحمد صاحب الرقم القياسي حيث رواها في المجلد الأول من مسنده وحده عشر مرات في الصفحات 97 و 81 و 100 و 102 و 110 و 118 و 119 و 126 و 151 و 152 ! ! لكن هل نفعت هذه الروايات وأمثالها في إقناع المسلمين بأن نبيهم كان بدعا من الرسل والأنبياء الذين أمروا أممهم بالوصية وأوصوا جميعا ! كل واحد الى وصيه وأهل بيته ! إلا خاتم النبيين فإنه بلغ المسلمين وجوب الوصية على كل مسلم، وأخبره ربه بوفاته قبل عام، وحج بالمسلمين حجة الوداع.. ثم مات ولم يكتب شيئا، ولم يوص بشئ ! قال البخاري في صحيحه ج 3 ص 186: (حدثنا طلحة بن مصرف قال سألت عبد الله بن أبى أوفى رضي الله عنهما، هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بالوصية ؟ ! قال أوصى بكتاب الله ! !) ورواه في ج 5 ص 144 وج 6 ص 107 وتبعه الباقون فرووه عشرات المرات ! ! الظاهر أن إخواننا السنة اقتنعوا بأن نبينا صلى الله عليه وآله الذي هو أعظم الأنبياء وخاتمهم، كان أكثر الأنبياء سذاجة، فترك أمته سياسيا بدون راع.. وتركها فكريا من أفقر الأمم فلم يكتب لها شيئا من توجيهاته ! ولا شبيها بالوصايا العشر التي كتبها نبي الله موسى لليهود، أو عيسى للحواريين ؟ ! وحتى كتاب الله خاتم الكتب الذي أوصاهم به، تركه موزعا مهددا بالضياع حتى.. جمعه الصحابة بعد جهود مضنية ! ! والظاهر أنهم اقتنعوا بأن الله تعالى الذي اختار آل نوح وآل عمران وآل إبراهيم وورثهم علوم الأنبياء، وجعل أممهم بعد أنبيائها غنية بهم.. لم يختر آل محمد، بل

[ 359 ]

حرمهم من إرث محمد العلمي، والسياسي، وحتى المادي، ومرغ أنوفهم بالتراب.. وجعلهم من يوم وفاته أفرادا عاديين ! يجب أن يحرق عليهم دارهم بمن فيه ؟ ! ! ومن اقتنع بذلك من إخواننا فهو حر بقناعته.. ومن وقع في شك فساعده الله للخروج من شكه.. أما نحن الشيعة فلنا رأي آخر.. نحن نتفهم سبب حساسية إخواننا حتى من الحديث عن وصية النبي صلى الله عليه وآله.. ومن حقهم أن يكونوا كذلك، لأن القول بوجود وصية يعني أنها لعلي.. ويعني طرح الأصل والأساس الذي بنيت عليه الخلافة للبحث.. لذلك رأوا أن أسلم الطرق هو نفي وصية النبي صلى الله عليه وآله بكل أنواعها.. وأفتوا أن الأحوط استثناء النبي من أحكام الإرث والتوريث الشرعي بأنواعه ! لكن إذا ابتعدنا عن مسألة الخلافة، فإن إخواننا السنة مستعدون للإعتراف بالامتياز العلمي لعلي عليه السلام، وبتمييز النبي له عن غيره بأمر الله تعالى.. لكن في العلم فقط ! ! ولذا تجد في مصادرهم أحاديث كثيرة في ذلك، رووها في جو بعيد عن الخلافة، أو فلتت من رقابة الدولة، فجاءت شاهدة لعلي بأكثر من صحيفة ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه وآله.. بل صريحة بأن الله تعالى الذي أقرأ رسوله فلا ينسى، أمره أن يعد عليا ويقربه ويعلمه، وأعطى عليا وعيا وحفظا فلا ينسى.. قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 260: (وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن مكحول قال لما نزلت وتعيها أذن واعية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي أن يجعلها أذن علي. قال مكحول فكان علي يقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فنسيته ! وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم والواحدي وابن مردويه وابن عساكر وابن النجاري عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي، وحق لك أن تعي. فنزلت هذه الآية وتعيها أذن واعية !

[ 360 ]

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي أن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي فأنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) فأنت أذن واعية لعلمي ! !) انتهى. وبهذا الحد ينبغي أن يكتفي الباحث من مصادر إخواننا السنة ولا يحرجها.. فهي تفتح له الباب وتشهد بأن الله تعالى أمر نبيه أن يعد عليا إعدادا علميا خاصا لما بعده.. أما كيف أعده وماذا ورثه فيجب أن يبحث عنه في مصادر شيعته.. وروى الكليني في الكافي ج 1 ص 235: (... عن حجر، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عما يتحدث الناس أنه دفعت الى أم سلمة صحيفة مختومة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض ورث عليا عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك، ثم صار الى الحسن ثم صار الى الحسين عليهما السلام، فلما خشينا أن نغشى استودعها أم سلمة، ثم قبضها بعد ذلك علي بن الحسين عليه السلام، قال فقلت: نعم ثم صار الى أبيك ثم انتهى إليك، قال: نعم). وفي ج 1 ص 228: (... عن عمرو بن أبي المقدام عن جابر قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما نزله الله تعالى إلا علي بن أبطالب والأئمة من بعده.... عن عمار بن مروان عن المنخل، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ما يستطيع أحد أن يدعي أن عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الأوصياء). وفي ج 1 ص 238 (... عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير قال دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك إني أسألك عن مسألة، هاهنا أحد يسمع كلامي ؟ قال: فرفع أبو عبد الله عليه السلام سترا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدأ لك، قال قلت: جعلت فداك إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله علم عليا عليه السلام بابا يفتح له منه ألف باب ؟ قال فقال: يا أبا

[ 361 ]

محمد علم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب ! قال قلت: هذا والله العلم. قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال: إنه لعلم وما هو بذاك. قال ثم قال: يا أبا محمد وإن عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة ؟ قال قلت: جعلت فداك وما الجامعة ؟ قال: صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله صلى الله عليه وآله وإملائه من فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شئ يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش... إلخ). وفي ج 1 ص 241: (... عن بكر بن كرب الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عندنا ما لا نحتاج معه الى الناس، وإن الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا كتابا إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام، صحيفة فيها كل حلال وحرام... وإنكم لتأتونا بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ونعرف إذا تركتموه !). وفي ج 1 ص 296 (... عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان في ذؤابة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله صحيفة صغيرة، فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: أي شئ كان في تلك الصحيفة ؟ قال: هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف. قال أبو بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام: فما خرج منها حرفان حتى الساعة !). وروى البرقي في بصائر الدرجات ص 159: (حدثنا أحمد بن محمد عن الحسن بن علي عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال ذكروا ولد الحسن فذكروا الجفر فقال: والله إن عندي لجلدي ما عز وضأن إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخطه علي بيده. وإن عندي لجلدا سبعين ذراعا أملاه رسول الله وخطه علي بيده ! وإن فيه لجميع ما يحتاج إليه الناس حتى أرش الخدش !).

[ 362 ]

وقال السيد الأرموي محقق كتاب الإيضاح لابن شاذان ص 466: (فممن صرح بهذا المطلب المحقق الشريف الجرجاني فإنه قال في مبحث العلم من شرح المواقف عند ذكر الماتن أعني القاضي عضد الدين الإيجي (أنظر ص 276 من طبعة بولاق سنة 1366) ما نصه: الجفر والجامعة. وهما كتابان لعلي رضي الله عنه قد ذكر فيهما على طريقة علم الحروف الحوادث التي تحدث الى انقراض العالم، وكانت الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما ويحكمون بهما. وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى رضي الله عنهما الى المأمون: إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرف آباؤك وقبلت منك عهدك، إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم ! ولمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيه الى أهل البيت ورأيت أنا بالشام نظما أشير فيه بالرموز الى أحوال ملوك مصر، وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين... وقال الشيخ الأجل بهاء الملة والدين محمد بن الحسين العاملي في شرح الأربعين حديثا عند شرحه الحديث الحادي والعشرين ما نصه: وقد تظافرت الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله أملى لعلي عليه السلام كتابي الجفر والجامعة وأن فيهما علم ما كان وما يكون الى يوم القيامة، ونقل الشيخ الجليل عماد الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحاديث كثيرة في أن ذينك الكتابين كانا عنده، وأنهما لا يزالان عند الأئمة عليهم السلام يتوارثونهما واحدا بعد واحد... وقال الدميري في حياة الحيوان في باب الجيم تحت عنوان (الجفرة) ما نصه: فائدة: قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب: وكتاب الجفر جلد جفر كتب فيه الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام لآل البيت كل ما يحتاجون الى علمه وكل ما يكون الى يوم القيامة. وإلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله: لقد عجبوا لأهل البيت لماأتاهم علمهم في مسك جفر ومرآة المنجم وهي صغرى أرته كل عامرة وقفر

[ 363 ]

ثم قال محقق الكتاب المذكور: أقول: البيتان من لزوميات أبي العلاء وما قبلهما ثلاثة أبيات فمجموع القطعة خمسة أبيات، فإن أردت أن تلاحظها فراجع ج 2 من طبعة مكتبة صادر بيروت ص 249 وأما الكتاب المنقول عنه الكلام فالصحيح أنه تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة كما صرح به ابن خلكان واشتبه الأمر على الدميري فإنا راجعنا أدب الكاتب لابن قتيبة فلم نجد هذا المطلب فيه، وأما تأويل مختلف الحديث فالقصة مذكورة فيها (انظر ص 85) وأما ما ذكره السيد الجرجاني فيما تقدم من كلامه عن الرضا عليه السلام (إلا أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم) فهو مأخوذ من كتاب الفخري لابن الطقطقي، فإن شئت فراجع) انتهى.

[ 365 ]

الفصل التاسع موقف أهل السنة من السنة !

[ 367 ]

التدوين أصل من أصول الدين الإلهي قام الدين الإلهي أصلا على إرسال الأنبياء وتنزيل الكتب والصحف الإلهية.. فالكتاب والكتابة من أولى خصائصه وبدهياته. وكان موقف النبي صلى الله عليه وآله كما روته الأحاديث الصحيحة هو الأمر بكتابة حديثه، وهو يتفق مع العقل والمنطق وبدهيات الدين الإلهي.. فما هو السبب الذي جعل دولة المسلمين يبتعدون عن هذا الخط المستقيم في مسألة تدوين السنة ؟ فضاع منها ما ضاع، وكان ما وصلنا ناقصا من جهات ومتضخما من جهات.. ومتناقضا من جهات ؟ ! ! ما هو السبب الذي جعل عدم تدوين الدين عملا دينيا، وألبس عدم تدوين السنة ثوبا شرعيا ؟ ! ما هو السبب الذي جعل سد الأفواه بعد النبي صلى الله عليه وآله، وعدم تحديث الناس عن النبي بشئ خدمة للدين وورعا واحتياطا من صحابة النبي.. وهم الذين حملهم الله ورسوله مسؤولية تبليغ كتاب الله وسنة رسوله ؟ ! ما هو السبب في أن الصحابي كان يتحرك في زمن النبي صلى الله عليه وآله ويدعو الناس الى الإسلام ويحدثهم بدقة وإعجاب وخشوع عن رسول رب العالمين، وآياته،

[ 368 ]

وسلوكه، وكلماته.. فلما توفي النبي صار تحديث الصحابي عن نبيه حراما وجريمة يعاقب عليها ويحبس عليها ؟ ! ! ما هو السبب في أن البدهيات صارت بعد النبي نظريات.. فيها آراء واحتمالات.. وصار في تدوين حديث النبي بل في التحديث عنه وجهان وروايتان.. رواية تقول أمر به النبي ورواية تقول نهى عنه النبي.. ورواية تقول إن الإحتياط للدين بعدم التحديث والتدوين ؟ ! ! ما هو السبب في أن مطلع تاريخنا والجيل الأول من صحابة نبينا، حرموا التدوين فأقفلوا أبوابا من الخير على الأجيال.. وفتحوا الباب لأعداء الإسلام لتهمة الإسلام بالتخلف عن أول شروط الوعى الثقافي والمدنية ؟ ! إبحث عن السبب أينما شئت.. ولكنك لن تجده إلا في شعار (حسبنا كتاب الله) الذي رفعه الصحابة قبل أن يغمض النبي عينيه صلى الله عليه وآله ! ! فهذا الشعار كان خطا يعيش في الصحابة في زمن النبي.. وهو الذي حكم بعده.. قرارات خلفاء النبي بتغييب سنته أحاديث النبي ممنوعة لأنها تشغل الناس عن القرآن ! روى ابن ماجة في سننه ج 1 ص 12 (... عن قرظة بن كعب قال: بعثنا عمر بن الخطاب الى الكوفة وشيعنا، فمشى معنا الى موضع يقال له صرار فقال: أتدرون لم مشيت معكم ؟ قال قلنا: لحق صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحق الأنصار. قال لكنى مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم. إنكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنا شريككم. الحديث من إفراد المصنف) انتهى. ورواه الدارمي في سننه ج 1 ص 85 عن قرظة بن كعب... وقال في آخره (قال: فما حدثت بشئ، وقد سمعت كما سمع أصحابي !).

[ 369 ]

ثم قال الدارمي: قال أبو محمد - يعني نفسه - (معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس السنن والفرائض). يريد الدارمي بذلك أن يخفف من منع الخليفة وأنه كان منعا عن التحديث بالأحداث السياسية والحروب في زمن النبي صلى الله عليه وآله ولم يشمل المنع عن بيان الفرائض وأحكام الإرث والمستحبات ! ولكن الدارمي بذلك يعترف بأن السبب السياسي هو السبب الأساسي للمنع، وأن عذر الخليفة بالإنشغال بالحديث عن القرآن عذر ظاهري. ورواه في سنن الدارمي ج 1 ص 85 عن قرظة... وقال في آخره (قال قرظة وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لمن أحفظهم له فإذا ذكرت وصية عمر سكتت !). ورواه الحاكم في مستدركه ج 1 ص 102 عن قرظة... وقال في آخره (فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال: نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها. وقرظة بن كعب الأنصاري صحابي سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله. ومن شرطنا في الصحابة أن لا نطويهم. وأما سائر رواته فقد احتجا به). يلاحظ على هذه الرواية الصحيحة عند إخواننا ما يلي: أولا: أن المطلب الذي أراده الخليفة من هذه المجموعة من الصحابة المهاجرين الى الكوفة، مطلب مهم عنده.. ولذا خرج الى توديعهم مسافة طويلة، ولم يكن من عادته الخروج الى توديع أحد. ثانيا: أنه كان مطلبا صعب القبول على الصحابة لأنه يخالف المعقول الذي فهموه من النبي صلى الله عليه وآله وعملوا به. بل يفهم من قوله (وأنا شريككم) أنهم كانوا يرون أن عدم التحديث عن النبي إثم، لأنه ترك لتبليغ الدين وكتمان لما سمعوه من النبي ومخالفة لتأكيداته صلى الله عليه وآله بأن يبلغ الشاهد منهم الغائب ! فطمأنهم الخليفة بأنه لا إثم في ذلك وإن يكن فيه إثم فهو شريكهم، ويتحمل مسؤوليته ! ثالثا: أن حديث الخليفة معهم كان أكثر من العبارة المنقولة وتأكيداته كانت أشد، بدليل قول الراوي (فما حدثت بشئ وقد سمعت كما سمع أصحابي... قال قرظة وإن كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكتت.. فلما قدم قرظة قالوا حدثنا قال نهانا ابن الخطاب !). فالمسألة ليست طلبا أخويا، بل هي نهي مشدد مؤكد، وقد يكون معه تهديد أيضا !

[ 370 ]

التحديث عن النبي حرام وعقوبته السجن ! روى الحاكم في مستدركه ج 1 ص 110: (... عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب. (... عن شعبة فذكر الحديث بإسناده نحوه. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. وإنكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله فيه سنة ولم يخرجاه) انتهى. وروى في كنز العمال ج 10 ص 285: (عن محمد بن إسحاق قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم من الآفاق عبد الله ابن حذافة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآفاق ؟ قالوا أتنهانا ؟ ! قال لا، أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت ! فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم. فما فارقوه حتى مات - كر) انتهى. تدوين السنة حرام ! ومن السنة إحراق.. السنة ! روى الذهبي في تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 والهندي في كنز العمال ج 10 ص 285: (... قالت عائشة جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت فغمني فقلت: أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت لم أحرقتها ؟ قال خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك !) انتهى.

[ 371 ]

ولابد من التحفظ على الرقم الذي ذكرته الرواية، لأن روايات أخرى ذكرت أن أبا بكر ناشد الناس أن يأتوه بكل ما كتبوه من حديث النبي صلى الله عليه وآله ولم يقل لهم لماذا ؟ فتصور الناس أن له بذلك غرضا كتدوين السنة مثلا.. فأتوه بما كتبوا بصدق وطيب نية، فجمعه عنده، ثم.. اتخذ القرار بإحراقه ! فيكون غرض عائشة من روايته تبرير فعل أبيها، وكف ألسنة الناس عنه ! الخليفة أبو بكر تقلب ليلة والخليفة عمر تقلب شهرا ! روى في كنز العمال ج 10 ص 291: (عن الزهري عن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها فظل عمر رضي الله عنه يستخير الله فيها شهرا ! ثم أصبح يوما وقد عزم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا - ابن عبد البر في العلم. عن الزهري قال: أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السنن فاستخار الله شهرا ثم أصبح فقد عزم له فقال: ذكرت قوما كتبوا كتابا فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله - ابن سعد) انتهى. ملاحظات على هذا الحديث وأمثاله: أولا، لم أجد تطبيق هذا الكلام في شئ من تاريخ اليهود ولا النصارى، فالذي حدث بعد موسى على نبينا وآله وعليه السلام أن أكثر قومه أطاعوا وصيه يوشع مدة قليلة ثم انقلبوا على أعقابهم من بعده ولم يقبلوا الأوصياء، وشكلوا دولة القضاة التي هي أشبه بدولة الخلفاء عندنا.. وفي هذه المدة لم يكتبوا أحاديث موسى ولا يوشع. بل بدؤوا بتحريف التوراة. أما بعد داود وسليمان فالأمر أوضح.. لأن اليهود انقلبوا على أعقابهم جهارا نهارا ولم يقبلوا آصف بن برخيا وصي سليمان، الذي ذكره الله تعالى في القرآن بقوله وقال

[ 372 ]

الذي عنده علم من الكتاب وبايع قسم منهم ابن سليمان الذي لم ينص عليه أبوه، بينما استدعى القسم الآخر عدو سليمان (رحبعام) الذي كان لاجئا سياسيا عند ملك مصر (شيشق) وبايعوه واتخذ عاصمته السامرة.. فصار لهم دويلتان ضعيفتان، ما لبثتا أن وقعتا بيد البابليين. كما ذكرته مصادرهم ومنها التوراة الموجودة. وهما (دولتا) يهودا والسامرة اللتان يتغنى بهما اليهود في عصرنا ! وعليه فقد كانت كتبهم التوراة والزبور المحرفتان.. وبعد ذلك بزمان ظهرت كتاباتهم في سيرة موسى وتشريعاته ! ولكنهم لم يكبوا عليها ويتركوا التوراة كما قال الخليفة. لأن هذه الكتب جاءت شروحا للتوراة المحرفة، ومتجانسة معها بنسبة كبيرة. ثانيا، أن الخليفة عمر كان شريكا لأبي بكر عندما جمع السنة المدونة من المسلمين وأحرقها، فكيف يقال إنه استشار الصحابة في تدوينها، فلابد أن تدوين السنة كان مطلبا عاما للصحابة وأشاروا عليه به جميعا بذلك وأصروا، فطلب منهم المهلة حتى يفكر في الأمر ففكر شهرا وعمل شهرا في تهدئة الجو، ثم صعد المنبر وأعلن للمسلمين ما عزمه الله له، لأنه بتفكيره أو دعائه صار عزمه مظهرا لعزم الله تعالى.. وصار قراره بعدم تدوين السنة ومرسومه الخلافي الى الأمصار بمحو المكتوب منها، مظهرا لقرار الله تعالى ! ثم عزم له الله تعالى أن يحرق السنة ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأحرق الخليفة عمر السنة المدونة ولم يتأرق أبدا قال ابن سعد في الطبقات ج 5 ص 140: (عبد الله بن العلاء قال سألت القاسم يملي على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ! !) انتهى.

[ 373 ]

تعميم من الخليفة عمر بمحو السنة المدونة روى في كنز العمال ج 10 ص 291: (عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يحدث أن عمر ابن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله - ابن عبد البر. عن يحيى بن جعدة قال: أراد عمر رضي الله عنه أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ من ذلك فليمحه - أبو خيثمة وابن عبد البر معا في العلم) انتهى. الحديث ممنوع والفتوى ممنوعة ! روى في كنز العمال ج 10 ص 299: (عن ابن سيرين أن عمر قال لأبي موسى: أما بلغني أنك تفتي الناس ولست بأمير ؟ قال: بلى. قال: فول حارها من تولى قارها - عب، والدينوري في المجالسة وابن عبد البر في العلم، كر) انتهى. ويقصد الخليفة بذلك أنك لست مسؤولا في الدولة ولذلك يحرم عليك الفتوى في أمور الدين، لأن حق الفتوى فقط لمن تحمل مسؤولية السلطة ! ولكن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم تحملوا وجاهدوا لأداء مسؤوليتهم في تبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وفتاواه ! فقد روى الدارمي في سننه ج 1 ص 136 (أخبرنا عبد الوهاب بن سعيد ثنا شعيب هو ابن اسحاق ثنا الأوزاعي حدثني أبو كثير حدثني أبي قال أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تنه عن الفتيا ؟ ! ! فرفع رأسه إليه فقال: أرقيب أنت على ؟ ! لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار الى قفاه ثم ظننت إني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا على لأنفذتها ! !) انتهى.

[ 374 ]

وانظر كيف بتره البخاري في صحيحه ج 1 ص 25 قال: (وإنما العلم بالتعلم، وقال أبو ذر: لو وضعتم الصمصامة على هذه وأشار الى قفاه ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا على لأنفذتها) انتهى. وجذور المسألة... من زمن النبي ! روى أبو داود في سننه ج 2 ص 176 (... عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، وقالوا أتكتب كل شئ تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا ! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه الى فيه فقال: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق !). ورواه أحمد في مسنده ج 2 ص 192 - بتفاوت يسير. وروى في ص 215 عن (عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك أشياء أفاكتبها ؟ قال نعم. قلت: في الغضب والرضا ؟ قال نعم، فإني لا أقول فيهما إلا حقا !). وروى الحاكم في مستدركه ج 1 ص 105 حديث النسائي هذا وفيه (ما خرج منه إلا حق) ثم قال: فليعلم طالب هذا العلم أن أحدا لم يتكلم قط في عمرو بن شعيب وإنما تكلم مسلم في سماع شعيب من عبد الله بن عمرو فإذا جاء الحديث عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، فإنه صحيح) انتهى. وقال في ص 106 (... نعم فإنه لا ينبغي لي أن أقول إلا حقا) وقال (رواة هذا الحديث قد احتجا بهم عن آخرهم غير الوليد وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشامي فإنه الوليد بن عبد الله وقد علمت على أبيه الكتبة فإن كان كذلك فقد احتج مسلم به. وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال قيدوا العلم بالكتاب. حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ثنا ابراهيم عن عبد الله السعدي ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عبد الملك ابن عبد الله بن أبي سفيان أنه سمع عمر بن الخطاب يقول قيدوا العلم بالكتاب) انتهى. وروى الحاكم أيضا في ج 3 ص 528 (... عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله أتأذن لي فأكتب ما أسمع منك ؟ قال نعم. قلت في الرضاء والغضب ؟ قال نعم فإنه لا ينبغي لي أن أقول عند الرضاء والغضب إلا حقا !. ثم قال (صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

[ 375 ]

إن رواية الشاب عبد الله بن عمرو بن العاص المتقدمة ومثلها غيرها، تكشف حقيقة كانت موجودة حول النبي صلى الله عليه وآله، وهي أن القرشيين الذين دخلوا في الإسلام باختيارهم أو دخلوا فيه مجبرين بعد هزيمتهم على يد النبي صلى الله عليه وآله.. كانوا يخافون أن يكرس النبي القيادة لعشيرته من بعده، فكانوا حساسين من الأمور التي تؤدي الى ذلك، ومنها أمر تدوين سنته وأقواله وأفعاله ! لذلك كونوا حركة معادية للنبي مخالفة لتدوين كلامه الشريف، وكانت حركة نفاق قرشية لا مدنية، وكانت تعمل سرا داخل الصحابة، وتتصل بالشباب الذين يدونون أحاديثه الشريفة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص وتنهاهم عن ذلك ! وقد حاول أحد أعضائها - أو أكثر من واحد - أن يقنع هذا الشاب القرشي غير الهاشمي بترك عادة الكتابة لحديث النبي، بحجة أن النبي بشر وقد يغضب ويتكلم على أشخاص بغير حق أو يهددهم أو يلعنهم، فإذا كتب أحد ذلك فقد سجله التاريخ وصار جزء من السيرة والدين، وهو أمر مضر بمصلحة هؤلاء الأشخاص ! وقد جاء موقف النبي في الرد عليهم حاسما، فقد أمره بمواصلة الكتابة وأخبره بأن منطقه مصون بعصمة الله تعالى في الرضا والغضب وما ينطق عن الهوى. وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 151 رواية أخرى (عن عبد الله بن عمرو قال كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من أصحابه وأنا معهم وأنا أصغر القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فلما خرج القوم قلت كيف تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمعتم ما قال ! وأنتم تنهمكون في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فضحكوا فقالوا: يابن أخينا إن كل ما سمعنا منه عندنا في كتاب !) انتهى. ويظهر أن هذه الرواية متقدمة زمنيا على رواية نهيهم إياه عن الكتابة، وأن النبي صلى الله عليه وآله حذرهم في ذلك المجلس بشدة من الكذب عليه، فلما خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وآله حاورهم هذا الشاب بصفائه وقال لهم: إنكم سمعتم لتوكم تحذير النبي لمن يكذب عليه ووعيده له بنار جهنم، وأنا أراكم دائما تتحدثون عن لسانه بما لم يقل ؟ ! فضحكوا منه وقالوا له: أيها الولد إننا نكتب حديثه مثلك ونتحدث مما هو مكتوب عندنا ! !

[ 376 ]

رواية أبي داود توضح المقصود ورواية أبي داود التالية وأمثالها، تعطي أضواء كافية على المسألة، فقد روى في سننه ج 2 ص 404 (... عن عمرو بن أبي قرة، قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول، فيرجعون الى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان وهو في مبقلة فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدقني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضي فيقول في الرضا لناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالا حب رجال ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة ؟ ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة. والله لتنتهين أو لأكتبن الى عمر) انتهى. فهذه الحادثة وقعت في المدائن في عهد الخليفة عمر بين اثنين من كبار الصحابة، وهي تدل على أن حذيفة بن اليمان هو الذي كان يروي الأحاديث المتضمنة غضب النبي صلى الله عليه وآله على بعض أصحابه ولعنه إياهم، وحذيفة أجمع المسلمون على أنه كان (صاحب سر رسول الله) وأن النبي أخبره بأسماء المنافقين. وهذا يدل على وجود أحاديث صدر فيها كلام شديد على جماعة من الصحابة على لسان النبي صلى الله عليه وآله، وأنها كانت أحاديث مهمة وخطيرة، لو عرفها المسلمون لأثرت على حبهم وبغضهم وتوليهم وتبريهم من أولئك الصحابة. وأن سياسة الخليفة عمر كانت تحريم رواية تلك الأحاديث تحريما مشددا، الى حد أن الوالي الذي يرويها قد يتعرض لغضب الخليفة وعزله، حتى لو كان من وزن حذيفة أمين رسول الله صلى الله عليه وآله ! !

[ 377 ]

أما الحديث التي نسبته الرواية الى النبي صلى الله عليه وآله عن لسان سلمان رضي الله عنه فهو حديث موضوع، كما بينا في بحث سورتي الخلع والحفد والمعوذتين ونضيف هنا: أن الملعونين على لسان الأنبياء من الأمم السابقة هم الذين حكم الله تعالى بطردهم الأبدي من رحمته بسبب عصيانهم وطغيانهم، لأن لعنة الأنبياء لا تصدر إلا بإلهام إلهي. بل يفهم من بعض الآيات والروايات أن لعنة الأنبياء تجري في ذرية الملعون الى يوم القيامة.. ومعنى ذلك أن الله تعالى يخبر نبيه بأن هذا الشخص بلغ من الشر حدا نضب معه من الخير، ونضب صلبه عن أن يولد منه ولد فيه خير، وأن أولاده بمجرد أن يكبروا سوف يختارون طريق الشر ! وهذا المعنى الخطير للعن كان معروفا عند الصحابة وعند عامة العرب، بل كانوا يتشاءمون من الملعون على لسان غير الأنبياء، حتى أن الخليفة عمر تشاءم من ناقة لعنها بدوي ! فكيف بمن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! فقد روى في كنز العمال ج 3 ص 877 (... عن أبي عثمان قال: بينما عمر يسير ورجل على بعير له فلعنه، فقال من هذا اللاعن ؟ قالوا: فلان قال: تخلف عنا أنت وبعيرك، لا تصحبنا راحلة ملعونة - ش) انتهى. هذه الحقيقة الكبيرة والخطيرة تحاول رواية أبي داود وأمثالها أن تميعها بأسلوب ذكي هدفه تبرئة الذين غضب عليهم رسول الله ولعنهم، بل تحاول أن تقلب المسألة لصالحهم فتعطيهم امتيازات بحيث يتمنى كل مسلم لو أن النبي لعنه ! ثم يطلب من الله تعالى أن يحول لعنته له الى.. بركة ورحمة عليه وصلوات ! الأحاديث المغيبة: أمر النبي بكتابة الحديث روى البخاري في صحيحه ج 1 ص 36 (... فجاء رجل من أهل اليمن فقال: أكتب لي يا رسول الله، فقال: أكتبوا لأبي فلان). وفي ج 3 ص 95 (... فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال أكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتبوا لأبي شاه. قلت للأوزاعي ما قوله أكتبوا لي يا رسول الله ؟ قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى. ورواه في ج 8 ص 38

[ 378 ]

ورواه أحمد في مسنده ج 2 ص 238، ورواه مسلم ج 4 ص 110 و 111، ورواه أبو داود في ج 1 ص 448 وفي ج 4 ص 34، ورواه في ص 177 و 368. وجاء في هامش ص 176 (الذين كتبوا عبد الله بن عمرو، وكان عنده صحيفة يسميها الصادقة). ورواه الترمذي في ج 4 ص 146، وقال (هذا حديث حسن صحيح. وقد روى شيبان عن يحيى بن أبي كثير مثل هذا). ورواه البيهقي في سننه ج 8 ص 52، ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 122 وقد تقدم في أدلة جمع القرآن من عهد النبي صلى الله عليه وآله أن الكتابة كانت أمرا مألوفا، وأن النبي صلى الله عليه وآله كان صاحب ابتكارات في ذلك ! وقد عقد في مجمع الزوائد ج 1 ص 150 بابا باسم (باب كتابة العلم) وروى فيه روايات متناقضة في تحريم التدوين وفي الحث على التدوين.. منها: (... عن أبي هريرة قال ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه بقلبي ولا أكتب بيدي، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتابة عنه فأذن له. وعن رافع بن خديج قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تحدثوا، وليتبوأ من كذب على مقعده من جهنم. قالوا يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء فنكتبها قال: أكتبوا ولا حرج). وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيد العلم قلت وما تقييده ؟ قال: الكتابة. وعن ثمامة قال قال لنا أنس: قيدوا العلم بالكتابة. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح. وعن أنس قال شكا رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ فقال: إستعن بيمينك. وعن أبي هريرة أن رجلا شكا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء الحفظ فقال: إستعن بيمينك على حفظك). وهذه الأحاديث كما ترى منسجمة مع حكم العقل، ومع أسلوب الدين الإلهي في الكتاب والكتابة.. وسيرة الأنبياء، وسيرة العقلاء في كل العصور والشعوب.. فهل

[ 379 ]

يقبل منصف الإلتفاف عليها وحصرها في حادثة واحدة أو اثنتين ؟ ! أم يرضى بتكذيبها أو ردها، لأن عمل الخليفة يخالفها ؟ ! متى تم الإفراج عن تدوين السنة وكيف ؟ كان قرار الفراغ القرآني وعدم اعتماد الدولة لنسخة رسمية موحدة للقرآن.. لم يفقد الأمة قرآنها والحمد لله، وإن سبب خلأ وأزمة واختلافات سيئة فيها.. أما قرار هما تغييب سنة النبي صلى الله عليه وآله.. فقد سبب ضررا فادحا على السنة حيث ضاع منها الكثير، وتشوه الكثير، وصارت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله غابة كبيرة من (الأحاديث) مليئة بالجواهر والحقائق وبالضد والنقيض اللامعقول.. والضرر الأعظم أن السلطة عندما قررت أن تدون السنة بعد تسعين سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله.. لم تقتصر عليها وحدها بل خلطتها في مرسوم التكليف بسنة الخليفة عمر وأمرت أن يدونا معا ! ! قال الدارمي في سننه ج 1 ص 126: (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر عن أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال كتب عمر بن عبد العزيز الى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أكتب الى بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث عمر فإني قد خشيت درس العلم وذهابه !) انتهى. وقد وافق البخاري على هذا المرسوم وطبقه في صحيحه حرفيا، فأبرز الخليفة عمر دائما الى جنب النبي ! ! ولكنه كان يرى أن من المصلحة فعل ذلك وعدم قوله.. لهذا طور نص المرسوم (بعد صدوره) ليكون في الظاهر محصورا بسنة النبي صلى الله عليه وآله ! قال في صحيحه ج 1 ص 33: (باب كيف يقبض العلم. وكتب عمر بن عبد العزيز الى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه فإني خفت دروس العلم و ذهاب العلماء. ولا يقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم (...) وليفشوا العلم وليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا !) انتهى.

[ 380 ]

محاولات الدفاع عن قرار تغييب السنة يرجع ما ذكره المدافعون عن قرارات منع السنة وتغييبها الى ثلاثة أمور: الأول: أن هدف الخلفاء التثبت في الحديث من الخطأ، ومنع حدوث الكذب في التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله. وقد جاء هذا التوجيه على لسان أبي بكر فقط ثم ذكروه في الإعتذار عن الخليفة عمر، ولم يرد في كلامه إلا مجملا. الثاني: خوف انشغال الناس بالحديث عن القرآن، وقد ذكره الخليفة عمر، ويظهر أن اعتذاره به كان في أوائل خلافته. الثالث: الخوف من اختلاط الحديث النبوي بالقرآن. وقد اعتذربه الخليفة عمر، ولعل تاريخه في أواخر خلافته، حيث كثر انتقاد الصحابة لسياسة المنع، وانتشرت مخالفاتهم لقرارات الخليفة، وصارت المسألة حادة !. دفاع ابن حبان ومن أقدم المدافعين عن قرارات الخلفاء بتغييب السنة محمد بن حبان المتوفى سنة 300، قال في كتاب المجروحين ج 1 ص 33: (أخبرنا عبد الملك بن محمد قال: سمعت عباس بن محمد يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه. قال أبو حاتم: فهذا عناية هذه الطائفة (يعني الذين يسمون أهل السنة) بحفظ السنن على المسلمين، وذب الكذب عن رسول رب العالمين، ولولاهم لتغيرت الأحكام عن سننها حتى لم يكن يعرف أحد صحيحها من سقيمها، والملزق بالنبي صلى الله عليه وسلم والموضوع عليه مما روى عنه الثقات والأئمة في الدين. فإن قال قائل: فكيف جرحت من بعد الصحابة ؟ وأبيت ذلك في الصحابة، والسهو والخطأ موجود في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين ؟

[ 381 ]

يقال له: إن الله عز وجل نزه أقدار أصحاب رسوله عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم... فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الايمان، والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله بحكم من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم.... وإن من تولى رسول الله إيداعهم ما ولاه الله بيانه الناس لبالحري من أن لا يجرح، لأن رسول الله لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحا في الرسالة. وكفى بمن عدله رسول الله شرفا. وإن من بعد الصحابة ليسوا كذلك، لأن الصحابي إذا أدى الى من بعده يحتمل أن يكون المبلغ إليه منافقا، أو مبتدعا ضالا ينقص من الخبر أو يزيد فيه، ليضل به العالم من الناس، فمن أجله ما فرقنا بينهم وبين الصحابة، إذ صان الله عز وجل أقدار الصحابة عن البدع والضلال !). وقال في ج 1 ص 34: (ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب الصحابة من إكثار الحديث: حدثنا عمر بن محمد الهمداني قال:... عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن الخطاب الى صرار فتوضأ ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم ؟ قالوا: نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا. قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث. جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمضوا وأنا شريككم ! فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب.... قال أبو حاتم (يعني نفسه ابن حبان) لم يكن عمر بن الخطاب وقد فعل يتهم الصحابة بالتقول على النبي ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله، وقد علم أنه قال (ليبلغ الشاهد منكم الغائب) وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله، ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله لأنه عليه السلام قال (إن الله تبارك وتعالى نزل الحق على لسان عمر وقلبه) وقال (إن يكون في هذه الأمة محدثون

[ 382 ]

فعمر منهم) فعمر من الثقات المتقنين الذين شهدوا الوحي والتنزيل، فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي). انتهى كلام ابن حبان. ومعنى دفاعه: أنه يفتخر بأن طائفته أهل السنة قد اهتموا بتدوين السنة، ولولاهم لضاعت السنة. ولا يصح الإشكال على الخليفة عمر بأنه لم يدون السنة بل نهى عن التدوين، ونهى عن التحديث، وحبس الصحابة بسبب ذلك، وأحرق المكتوب، وأمر ولاته في أرجاء الدولة الإسلامية أن يمحوا ما كتبه المسلمون... ! الخ. وذلك لأن الصحابة معصومون، بدليل أن النبي سلمهم أمانة الرسالة وأوصى بهم.. والنبي لا ينطق عن الهوى، فأمره أمر الله تعالى ونهيه نهيه، ومجرد تزكيته لصحابته وتسليمهم أمانة تبليغ رسالته للأجيال، تجعلهم عدولا معصومين وتجعل عملهم حجة علينا فيجب أن نتبعهم ونقدسهم، سواء دونوا السنة أم حرموا الأمة من تدوينها، أم أحرقوا المدون منها. وسواء رووها أم منعوا من روايتها وعاقبوا من رواها.. ! فإن قال قائل: إنهم اختلفوا على آراء متناقضة لا يمكن الجمع بينها، وسب بعضهم بعضا، وحبس بعضهم بعضا، وتبرأ بعضهم من بعض، وقتل بعضهم بعضا، وكفر بعضهم بعضا.. فهل يعقل أن يعطي الله ورسوله أمانة الرسالة بيد أناس من هذا النوع ؟ ! يقول ابن حبان: جوابنا على ذلك أنهم جميعا معصومون عن الخطأ مهما عملوا، وإذا اختلفوا فالحق مع عمر ومن تبعه لأن الله أجرى الحق على لسان عمر ! وإن اقتتلوا وتبرأ بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضا فيجب علينا أن نتولى عمر ومن رضي عنه عمر.. وندع الباقين، والسلام ! والظاهر أن مقصود إخواننا السنة بكلامهم عن فضائل الصحابة، وعدالة الصحابة، ووجوب حب الصحابة وموالاتهم وطاعتهم، والبراءة ممن ينتقدهم أو يبغضهم.. إنما هو الخليفة عمر فقط، لأنك عندما تمدح جماعة أو تجعلهم أعضاء في هيئة، ثم تقول: إن اختلفوا فالمقدم رأي فلان.. تكون أعطيته حق النقض لقراراتهم وأعطيته الرئاسة الكاملة عليهم، ويكون مدحك لمجموعهم في الحقيقة مدحا لفلان بالأصالة وللبقية بالتبع ! وهكذا يكون جوهر الجواب شخصية عمر، ويكون معنى قول إخواننا السنة بتسليم أمانة الرسالة الى الصحابة: أن الله ورسوله قد سلما الرسالة الى الخليفة عمر !

[ 383 ]

ويكون شعارهم (القول ما قاله عمر) نفس الشعار الذي واجه بها الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وهم يودعونه وأيدوا رأي عمر بمنع النبي من كتابة وصيته وقالوا له (القول ما قاله عمر ! !). وماذا يملك الإنسان أمام هذه الحالة سوى أن يتذكر حسرة النبي يومذاك وقوله لهم (قوموا عني !). دفاع الذهبي ومن أكثر المتحمسين في الدفاع عن قرارات منع الخلفاء من الحديث والتدوين، الحافظ الذهبي المتوفى سنة 748، قال في كتابه تذكرة الحفاظ ج 1 ص 2: (1 - أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أفضل الأمة وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم... أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال (إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) فهذا المرسل يدلك أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب، كيف سأل عنه في السنة فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج.... نعم فرأس الصادقين في الأمة الصديق وإليه المنتهى في التحري في القول وفي القبول. وقد نقل الحاكم فقال حدثني بكر بن محمد الصيرفي بمرو أنا محمد بن موسى البربري أنا المفضل بن غسان أنا علي بن صالح أنا موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن عن إبراهيم بن عمر بن عبيدالله التيمي حدثني القاسم بن محمد قالت عائشة جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلب كثيرا قالت فغمني فقلت أتتقلب لشكوى أو لشئ بلغك ؟ فلما أصبح قال أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فحرقها، فقلت لم أحرقتها ؟ قال

[ 384 ]

خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت ولم يكن كما حدثني فأكون قد نقلت ذاك. فهذا لا يصح والله أعلم) انتهى. وقد نسي الذهبي أن شعار (حسبنا كتاب الله) قبل أن يكون مقولة الخوارج كان مقولة عمر للنبي نفسه صلى الله عليه وآله، وأن أبا بكر وغيره أيدوه، وأن ذلك مروي بست روايات في البخاري، وبأكثر منها في غيره ! وماذا يريد الذهبي أكثر صراحة من الحديث الذي رواه هو عن أبي بكر في منع السنة (إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا، فلاتحدثوا عن رسول الله شيئا ! فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) ! وهل يسمح لنا الذهبي والذهبيون بأن نجيبهم بما رواه الشافعي في مسنده ص 390 وص 420 وفي كتاب الأم ج 7 ص 16 و 303: (... عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول ما ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه !. قال الشافعي رضي الله عنه: الأريكة السرير). ورواه في كنز العمال ج 1 ص 173 (ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه ! وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله). وفي ص 194 (عسى أحدكم إن يكذبني وهو متكئ على أريكته يبلغه الحديث عني فيقول ما قال ذا رسول الله ! دع هذا وهات ما في القرآن !) انتهى. ونستفتيهم: هل ينطبق كلام النبي هذا على ما قاله الخليفة أبو بكر أم لا، أفتونا مأجورين ! ثم قال الذهبي: (2 - أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار وهو الصادق

[ 385 ]

المحدث الملهم الذي جاء عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال (لو كان بعدي نبي لكان عمر) الذي فر منه الشيطان وأعلى به الايمان وأعلن الأذان. قال نافع بن أبي نعيم عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه. فيا أخى إن أحببت أن تعرف هذا الإمام حق المعرفة فعليك بكتابي (نعم السمر في سيرة عمر) فإنه فارق فيصل بين المسلم والرافضي، فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل دائص أو رافضي فاجر، وأين مثل أبي حفص ؟ فما دار الفلك على مثل شكل عمر، وهو الذي سن للمحدثين التثبت في النقل وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال لم رجعت ؟ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع. قال لتأتيني على ذلك بينة أو لأفعلن بك ! فجاءنا أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس فقلنا ما شأنك ؟ فأخبرنا وقال فهل سمعه أحد منكم فقلنا نعم كلنا سمعه فارسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره. أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل عن أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكى يرتقى عن درجة الظن الى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد. وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله صلى الله عليه وآله يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن. وقد روي عن شعبة وغيره عن بيان الشعبي عن قرظة بن كعب قال لما سيرنا عمر الى العراق مشى معنا عمر وقال أتدرون لم شيعتكم ؟ قالوا نعم تكرمة لنا. قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم. جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم) فلما قدم قرظة بن كعب قالوا حدثنا فقال نهانا عمر رضي الله عنه !

[ 386 ]

... عن أبي هريرة قلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا ؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته !... عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر حبس ثلاثة ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري فقال قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ابن علية عن رجاء بن سلمة قال: بلغني أن معاوية كان يقول عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر فإنه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى. والذهبي كما ترى يؤكد على جانب واحد هو أن الخليفة أبا بكر وعمر ما عملا الذي عملاه من إحراق أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ومحوها، ومنع الناس من كتابتها، ومنع الصحابة من تحديث الناس عن نبيهم.. إلا من أجل الحفاظ على سلامة سنة النبي وبقائها ووصولها الى الأجيال ! وقد شحن كلامه بتأجيج عاطفة الحب التي تربى عليها إخواننا السنيون للخليفة عمر، وعلى تحريك بغضهم الذي تربوا عليه لأولئك الرافضة الذين لا يقبلون هذه الأعذار، ولا يدركون أسرار الحكمة في عمل الخليفة المسدد من الله تعالى في كل أقواله وأفعاله ! ! لكن بقطع النظر عن الكلام العاطفي: هل يكون موقف الذهبي والذهبيين نفس الموقف إذا وجدوا في تاريخ الأنبياء السابقين أن أحد الحكام بعد إبراهيم أو بعد موسى أو بعد سليمان عليهم السلام قد منع أمته من تدوين أحاديثه وروايتها ؟ ! بل ما هو موقفهم لو أن عثمان أو عليا أو حاكما مسلما بعد عمر، منع من رواية أحاديث عمر وسيرته وفتاواه، وعاقب على ذلك بحجة المحافظة على صحتها وسلامتها ووصولها الى الأجيال ؟ ! وهل سمعتم في التاريخ أن أصحاب نبي منعوا من رواية سنته وتدوينها من شدة حرصهم على سنته وسيرته.. حتى ضاع ما ضاع منها واختلط صحيحها بمكذوبها ؟ ! أو سمعتم أن ولدا من شدة محافظته على جواهر أبيه وحرصا منه على إيصالها سالمة الى أولاده من بعده.. أخفى مكانها ولم يخبر به أحدا.. حتى مات وضاع ما ضاع منها، وحصل ما حصل منها غير سليم ؟ !

[ 387 ]

لا أدري بأي ذهن يفكر هؤلاء الذين يدافعون عن سياسة تغييب سنة النبي صلى الله عليه وآله ومنع روايتها وتدوينها ؟ ! وهل يخفى عليهم أمر بديهي مثل هذا الأمر ؟ أم يتصورون أنه كان خافيا على الخلفاء ؟ كلا.. ولكنه التعصب للأشخاص يعمى عن السواطع، ويصم عن القوارع ! وعلى هذا التعصب قام تاريخ وبنيت ثقافة وتربت أجيال.. ولا حول ولا قوة إلا بالله ! ! أيها الأخ المسلم.. أحبب رسول الله صلى الله عليه وآله حبا مطلقا غير مشروط. أما غيره فأحببهم حبا مشروطا بأن لا يصطدم مع بدائه العقل، فإذا اصطدم مع عقلك فكن.. مع عقلك ! ومشروطا بأن لا يصطدم مع أمر النبي ونهيه، فإذا اصطدم فكن مع.. نبيك ! ومشروطا بأن لا يصطدم مع سنة نبيك وسيرته، فإذا اصطدم فكن مع.. سنة نبيك وسيرته ! فنحن وأنت لسنا مسؤولين يوم القيامة عن تبرير أعمال الصحابة ولا مسؤولين عن التعبد تعالى بأفعالهم وأقوالهم ! الدفاع العصري عن تغييب السنة وإعطاء عمر حق النقض على أحاديث النبي ! ! أحدث مسلك في الدفاع عن الخلفاء، هو أن نرفع المسؤولية عن عاتقهم ونضعها على عاتق النبي صلى الله عليه وآله ونقول إنه هو الذي نهى عن كتابة الحديث.. ثم نعطي لكبار الصحابة حق النقض على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ! ! وقد سلك هذا المسلك الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير المنار، فأهمل أحاديث الأمر بكتابة السنة ومنها حديث عبد الله بن عمرو الصحيح.. وأهمل مجموعات أخرى من الأحاديث الصحيحة في مصادرهم، سنذكر طرفا منها.. وعبر عن بدائه العقل وتاريخ الأنبياء والناس.. ثم بحث.. وبحث، حتى وجد روايات عن النبي (تنهى)

[ 388 ]

المسلمين عن كتابة حديثه صلى الله عليه وآله، فأفتى بترجيح روايات المنع من التدوين على ما (ربما) يوجد من روايات الأمر به.. وجعل دليله على الترجيح نفس فعل الخليفة عمر ومن كان على رأيه من الصحابة.. أي استدل بالمدعى عليه على إثبات الدعوى ! ! قال الشيخ رشيد رضا (ج 10 ص 766 وج 19 ص 511 كما نقله عنه الشيخ أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية). (... وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في كتابة الأحاديث أو بعدم الكتابة مع كتاب الله في الرواية الأولى وقوله في الرواية الثانية بعد الإستشارة في كتابتها: والله إني لا أشوب كتاب الله بشئ أبدا. وقول ابن عباس: كنا نكتب العلم ولا نكتبه. أي لا لأحد أن يكتب عنا. ونهيه في الرواية الأخرى عن الكتابة... ومحو زيد بن ثابت للصحيفة ثم إحراقها، وتذكيره بالله من يعلم أنه توجد صحيفة أخرى في موضع آخر ولو بعيدا أن يخبره بها ليسعى إليها ويحرقها... وقول سعيد بن جبير عن ابن عمر، إنه لو كان يعلم بأنه يكتب عنه لكان ذلك فاصلا بينهما. ومحو عبد الله بن مسعود للصحيفة التي جاءه بها عبد الرحمن بن الأسود وعلقمة، وقوله عند ذلك: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره. كل هذا الذي أورده ابن عبد البر، وأمثاله مما رواه غيره كإحراق أبي بكر لما كتبه، وعدم وصول شئ من صحف الصحابة الى التابعين، وكون التابعين لم يدونوا الحديث لنشره إلا بأمر الأمراء.. يؤيد ما ورد من أنهم كانوا يكتبون الشئ لأجل حفظه ثم يمحونه) انتهى. وإلى هنا لم يأت الشيخ رشيد رضا بجديد ولم يزد شيئا على كلام ابن حبان والذهبي إلا أنه ألبسه ثوبا علميا ! ولكن هذا المفسر المثقف لم يسأل نفسه: لو كان هناك أثارة من علم عن النبي تنهى عن رواية الحديث أو تدوينه لتمسك بها الخليفة أبو بكر وعمر.. مع أن المتتبع لأعذارهم وتبريراتهم لا يجد شيئا من ذلك ! ! لقد طلب أبو بكر من الناس أن يأتوه بما دونوه من سنة النبي حتى جمعه عنده وتأرق ليله كما تقول عائشة وهو يفكر قبل أن يحرقها، ثم اعتذر عن قراره بإحراقها بوجوب التحقق الدقيق من نسبة الحديث الى النبي صلى الله عليه وآله ! ! فلو كان هناك أثارة

[ 389 ]

من علم عن النبي صلى الله عليه وآله أو شبهة تنهى عن التدوين لاستند إليها وأراح نفسه.. ولو لم يطلع عليها أبو بكر لاستند إليها الصحابة وقالوها للخليفة عمر عندما استشارهم في تدوين السنة فأشاروا عليه كلهم بالتدوين، ولم تذكر الروايات مخالفا واحدا لذلك ! ألا يكفي ذلك للحكم بأن أحاديث المنع وضعت بعد ذلك لتبرير عمل أبي بكر وعمر ؟ ألا يكفي ذلك لأن يتوقف الباحث في أمرها على الأقل، ويتوقف عن معارضة أحاديث الأمر بالتدوين بها، فضلا عن ترجيحها عليها ؟ ! ثم جاء رشيد رضا بجديد تكاد تخر منه الجبال هدا.. فقال: (وإذا أضفت الى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه بل في نهيهم عنه، قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينا عاما دائما كالقرآن. ولو كانوا فهموا من النبي أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه الى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به، ولم يكتفوا بالقرآن) انتهى. وينبغي لنا أولا أن نقدر للشيخ رشيد رضا ما توصل إليه من تتبعه آراء (كبار) الصحابة في مسألة التدوين وأنهم (لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينا عاما دائما كالقرآن) فهو لعمري وصف دقيق لتحير الخليفة أبي بكر ثم تحير الخليفة عمر وتصرفاته المتفاوتة المتضاربة، ومواقفه المركبة من سنة النبي صلى الله عليه وآله ! فقد أراد أن يكون (بعض) سنة النبي دينا عاما دائما كالقرآن ولكن ليس (كلها) ولا تفسير لمنعه النبي من كتابة وصيته، ثم منعه من تدوين سنته، ثم منعه من إطلاق حرية الصحابة في تحديث الأمة عن نبيها.. ثم تحديثه هو عن النبي صلى الله عليه وآله.. إلا أنه يريد اختيار هذا (البعض) الذي يصلح لأن يكون جزءا من دين الله تعالى، واستبعاد ذلك (البعض) الذي لا يصلح لذلك ! نعم هذا هو لب المسألة الذي لم يتجرأ باحث أن يفصح عنه مثل رشيد رضا.. فالمسألة هي تعيين دائرة الدين، وجعل هذا الشئ جزء منه أو خارجا عنه..

[ 390 ]

لكن ليسمح لنا رشيد رضا وكل أهل الأرض أن نقول: إن الذي يملك هذا الحق هو فقط رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ! لا عمر، ولا علي، ولا كل الصحابة مجتمعين ! ويظهر أن إخواننا السنة يرون أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله قد أعطيا هذا الحق الى الصحابة، بدعوى أنهم أمناء على الرسالة بعد النبي ! ولابد أنهم فهموا من النبي عدم كون سنته (كلها) دينا عاما ولذا لم يدونوها ! ! إن هذا المنطق الذي يبدو حسنا لأنه دفاع عن الصحابة، منطق خطير، ومعناه تأسيس دين جديد.. لأنه يعطي صحابة النبي حق الإنتقاء والحذف من الدين ! ! وهو حق لم يعطه الله تعالى لرسوله فقال ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ! ولا بد من الإشارة الى أن إخواننا السنة عندما يتكلمون عن مقام الصحابة وعن حقوق الصحابة، فهم يعنون الخليفة عمر بن الخطاب لا غير، لأنهم عند اختلافه مع الصحابة لا يهتمون بمن خالفه.. فتكون النتيجة أن الله تعالى أعطى لعمر بن الخطاب حق الحذف والإثبات في سنة النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! وهو عينه حق الحذف والإثبات في الإسلام ! ! وبهذا يولد عند إخواننا أصل جديد من أصول الإسلام وهو: عدم حجية سنة النبي وعدم كونها جزء من الدين إلا ما دل الدليل على أن الخليفة عمر جعله جزءا من الدين ! لكن كيف يمكن لهم أن يعرفوا ما أمضاه عمر من سنة النبي وما لم يمضه، فالأحاديث عن عمر في أكثر الفتاوي الفقهية متفاوتة بل متناقضة ؟ ! فلا بد من الإحتياط بترك السنة حتى نعلم إمضاءها من الخليفة عمر ! ! يعني لو فرضنا أن سنة النبي عشرون ألف حديثا ثابتة قطعية الصدور عنه صلى الله عليه وآله، والمفروض أننا نعلم أن بعضها جزء من الدين وبعضها ليس جزءا منه، ولا نعلم ما هو ؟ فيجب علينا أن نتوقف عن نسبة أي حديث منها الى الدين ولا ندخل في دين الله تعالى ما ليس منه، حتى يثبت عندنا إمضاء الخليفة عمر لذلك الحديث ! !

[ 391 ]

فيكون المطلوب في البحث العلمي صحة السند الى عمر لا الى النبي، ويكون الميزان ما قبله عمر من قول النبي وليس ما قاله النبي.. وتكون القاعدة أننا كلما شككنا في أمر من أو امر النبي، أو نهي من نواهيه، أو فعل من أفعاله، أنه حجة أم لا ؟ فالأصل عدم حجيته حتى لو ثبت باليقين، لأن الحجة الشرعية قبول عمر أو رده ! وعلى هذا الأصل لا يسلم من أحاديث السنة ربع صحيح البخاري ! وعلى هذا الأصل يكون حق إطاعة الخليفة عمر على الأمة أعظم من حق النبي صلى الله عليه وآله، لأن حق النبي في مثل قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا مشروط ضمنا بأن لا يزيد النبي حرفا ولا ينقص حرفا من أوامر ربه.. بينما يحق للخليفة عمر أن ينقص ما شاء من أحاديث النبي ويمنع من العمل به ! ! لا نظن أن المدافعين عن الخليفة عمر يقبلون الهوي في هذه الأودية.. ! ولكن ماذا نصنع لهم إذا اختاروا لأنفسهم طريقا تنتهي بهم الى إعطاء حق النقض على رسول الله صلى الله عليه وآله للخليفة عمر بن الخطاب، وبالتالي التخلي عن سنة النبي واتباع سنة عمر بن الخطاب ؟ ! إن المدخل الذي أتي منه إخواننا أنهم حملوا في أذهانهم فرضية مسبقة وتشبثوا بها مهما كانت النتائج، وهي: أن عمل الخليفة عمر يجب أن يكون صحيحا لأنه معصوم ! وكان الأجدر بهم أن يقولوا: لا عصمة إلا لرسول الله ومن نص الرسول على عصمته صلى الله عليه وآله. نقد المقولات الثلاث مقولة التثبت من الحديث هذه المقولة لم ترد في مصادر إخواننا حسب اطلاعي على لسان الخليفة أبي بكر مباشرة، بل وردت في رواية عائشة التي ذكرت فيها حادثة جمع أبيها لما كتبه المسلمون من سنة النبي صلى الله عليه وآله ثم أحرقها ! فهي تقدم للمسلمين عذر أبيها ليعذروه على هذا العمل ولا يسمونه حارق سنة النبي صلى ا لله عليه وآله !

[ 392 ]

غير أن السلطة لو كانت تريد تعليم الأمة والرواة التثبت في رواية الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله، لكان لذلك طرقه الطبيعية.. ومنها أن تعلن السلطة لكل من عنده شئ مدون من السنة أن يحضره الى دار الخلافة ليخضع لعملية التثبت التي تريد السلطة أن تجريها.. ثم تكلف شخصا أو هيئة للتثبت وطلب الشهود على كل حديث من هذه المدونات التي جمعتها. ثم تعطي المدونات الصحيحة أو المصححة الى المسلمين، وتعلن قانونا يقضي بأن لا يدون أحد من سنة النبي شيئا إلا بشاهدين مثلا، أو بإمضاء رسمي من السلطة. هذه هي الطريقة المنطقية الطبيعية لإجراء التثبت وتعليمه للمسلمين.. أما أن تقوم السلطة بإحراق المدونات التي جمعتها ثم تنهى عن رواية الحديث ! فهو تصرف غير طبيعي يدل على وجود أمر كبير في المسألة، غير معلن ! وهذا الأمر هو: أن السلطة لا تريد سنة النبي أصلا.. ولذا جمعتها لتحرقها ! أو أنها تريد بعضها دون بعض ولا تستطيع التصريح بذلك خوفا من الرأي العام ! أو تريد أن تكسر هوس المسلمين بجمع سنة النبي وتدوينها.. الخ. وأخيرا، فإن نهي الخليفة أبي بكر عن الحديث كليا كما ورد في رواية الذهبي وأمره بالإكتفاء بما حلله وحرمه القرآن فقط.. لا ينسجم مع عذر التثبت، بل يكشف عن اتجاه السلطة، وإن حاول الذهبي أن يؤوله ! نعم ورد في بعض روايات قرارات منع الخليفة عمر عن الحديث تعليله ذلك بكذب الراوي كقوله لأبي هريرة (ما أكثر ما كذبت على رسول الله يا أقرع) فيدخل ذلك تحت العذر المنسوب الى أبي بكر وهو التثبت في نسبة الحديث. ولكن أكثر الروايات التي نقلت قرارات المنع جاءت بنص النهي أو الزجر بدون تعليل.. أو جاء فيها عذر آخر ! مقولة أن الحديث يشغل الناس عن القرآن ورد هذا العذر في قرار المنع الذي أبلغه الخليفة عمر باحترام وتأكيد، لمجموعة الصحابة المسافرين الى الكوفة، في الرواية المعروفة عن قرظة بن كعب. والموجود في

[ 393 ]

الرواية: هو الأمر بتقليل الحديث عن النبي وعدم إشغال الناس عن القرآن بحديث النبي.. ولكن قرظة صرح في آخر الرواية بأن الخليفة نهاهم عن الحديث ومنعهم منه منعا باتا، لكي لا يشغلوا الناس به عن القرآن ! والظاهر أن مقصود الخليفة من قوله المعروف عنه (جردوا القرآن) أن الحديث يشغل عن القرآن، ولذلك يجب التركيز على القرآن دون الحديث ! ومعنى يشغل عنه: أنه يلحق ضررا بقراءته، لأن الحديث يأخذ وقت طلبة العلم والمسلمين، فلا يبقى لهم وقت لقراءة القرآن. أو أنه يلحق ضررا بفهمهم للقرآن لأنه يشوش معانيه في أذهانهم، بسبب الإختلاف الموجود بين الصحابة في نقل الأحاديث مثلا. فمقصود الخليفة أما إن يكون ضرورة التوازن في صرف المسلمين لأوقاتهم بين القرآن والسنة، وإما الحفاظ على فهمهم للقرآن وعدم تشويشه.. ولكن كيف يكون ترك تحديث المسلمين علاجا لواحد المعنيين أو المشكلتين ؟ ! فمسألة الوقت - على أنها بعيدة عن قصد الخليفة - علاجها بتوجيه قسم من المسلمين الى الإهتمام بالقرآن وتعليمه، وقسم آخر الى السنة. ومسألة التشويش على فهم القرآن علاجها بتعيين مفسرين من الصحابة عايشوا نزول القرآن وتفسير النبي صلى الله عليه وآله لآياته، من الموثوقين عند الخليفة يقومون بتفسير القرآن للمسلمين بالأحاديث التي يرتضيها الخليفة. فلم يبق وجه معقول لمقصود الخليفة إلا أنه يريد أن يقرأ المسلمون النص القرآني وحده ولو من غير فهم، ولا يشغلوا أنفسهم بالسؤال عن معاني آياته، حتى بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله ! وقد تقدم ما يؤيد هذا الرأي في منع الخليفة من السؤال والبحث في القرآن ! مقولة اختلاط السنة بالقرآن لو قال غير الخليفة عمر: لا تدونوا السنة حتى لا تختلط بالقرآن لسخر منه العلماء وقالوا هذا امتهان للعقل ! ! فالقرآن والسنة طبيعتان متميزتان وقد كانا معا ولم يختلطا ولم يشتبها، حتى عند متوسطي الثقافة والمعرفة، فضلا عن العلماء والفقهاء !

[ 394 ]

ولكنه صار عذرا مقبولا عند علماء إخواننا لمجرد أنه صدر عن الخليفة عمر ! وهكذا يبحث الناس عن وجه معقول للكلام غير المعقول، بسبب أنه صدر عن شخصية مقدسة عندهم، والويل لغيره إذا صدر منه نفس الكلام ! يقول الباحث المصري الشيخ محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية ص 50 عن هذا العذر: (... وهو سبب لا يقتنع به عاقل عالم... اللهم إلا إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه - وهذا ما لا يقره أحد حتى الذين جاءوا بهذا الرأي، إذ معناه إبطال معجزة القرآن وهدم أصولها من القواعد... وبين الحديث والقرآن ولا ريب فروق كثيرة يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق في البيان... على أن هذا السبب الذي يتشبثون به قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبي بكر على ما رووه، وبعد أن نسخ في عهد عثمان ووزعت منه نسخ على الأمصار وأصبح من العسير بل من المستحيل أن يزيدوا على القرآن حرفا واحدا...) انتهى. هل كان أبو بكر وعمر مضطرين الى هذا القرار ؟ ما هو السر الذي جعل الخليفة أبا بكر وعمر يصران على هذا القرار الصعب.. قرار منع التحديث عن النبي وتدوين سنته ؟ ! فالأمة تقدس نبيها وترى أن أقواله وأفعاله حجة كالقرآن، وهي تريد من الصحابة الذين عاشوا معه كل شئ عن نبيها.. فهل يمكن لقرار من السلطة أن يكم أفواه الصحابة ويجعلهم يكتفون بقراءة القرآن للأمة فقط، ولا ينبسوا ببنت شفة عن نبيهم، حتى في تفسير ما يقرؤون لهم من القرآن ! ! لابد أنهما فكرا فيما سيحدث.. وأن ذلك سوف يعرضهما لانتقاد الصحابة الجريئين.. وستكون النتيجة عدم تقيد الجميع بقرار المنع، فيبقى التحديث ويبقى التدوين.. وبالفعل حدث شئ كثير من ذلك ! لابد أنهما كانا مدركين لهذه الأبعاد وغيرها.. لكنهما مع ذلك مقتنعان بأن يتحملا نتائج قرار المنع، لأنه أهون من تحمل السماح برواية السنة وتدوينها !

[ 395 ]

كان القرار في حساباتهما قرارا لا بديل عنه.. فأقدما على عمل صعب ضد التيار، وبذلا جهودهما لإحداث تيار معاكس، ونجحا في ذلك لمدة قرن من الزمان ! وقد كان التيار قويا الى حد أن أبا بكر بقي يتقلب ليلته ولم ينم كما قالت ابنته عائشة ! والى حد أن عمر بعد أن استشار الصحابة فشجعوه على التدوين، بقي شهرا يفكر ويقلب الأمر على وجوهه ويحسب منافعه ومضاره.. ثم قرر أبو بكر الإحراق.. وقرر عمر الإحراق وعدم التدوين، ثم الكتابة الى الأمصار بالإحراق أو المحو، ثم مضاعفة العقوبة على من يروي سنة النبي من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله.. ولا حول وقوة إلا بالله العلي العظيم ! ! جبال أخرى أمام المدافعين عن تغييب السنة ! عندما يصل المدافعون عن سياسة تغييب السنة الى أحاديث وجوب طلب العلم وبذله، أو أحاديث وجوب أن يبلغ الشاهد الغائب، وثواب حفظ الأحاديث والتحديث، الخ. يحاولون العبور عنها وتجاهلها كما عبروا عن أحاديث الأمر بكتابة السنة، أو يحاولون الإلتفاف عليها بأنها تقصد التبليغ الشفهي وليس المكتوب، وتقصد الحفظ في الصدر دون التدوين.. ! لكن هل يستطيع عاقل أن يقنع نفسه بأن النبي صلى الله عليه وآله أكد على أمته فقال: إحفطوا أحاديثي، لكن يحرم عليكم أن تكتبوها ! وبلغوها الى الأجيال تبليغا شفهيا فقط ؟ ! وبماذا نجيب مثقفي الأمم الأخرى بل عوامها، إذا قالوا لنا: ما هذه المفارقة من نبيكم ؟ ! الواقع أنها ليست مفارقة من نبينا صلى الله عليه وآله.. بل من غيره ! ! وفيما يلي نورد نماذج لأربعة أنواع من الأحاديث من مصادر إخواننا.. تأمر كلها بالتحديث وتدوين الحديث، أو تستلزم ذلك بالضرورة..

[ 396 ]

أحاديث وجوب طلب العلم أحاديث وجوب طلب العلم متفق عليها لأن منها أحاديث صحيحة، وهي بمجموعها متواترة في مصادر الشيعة والسنة.. فإذا كان طلب العلم فريضة، وعلم الدين إنما هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله.. فهو يستلزم بالضرورة وجوب بذل العلم على الصحابة ووجوب تحديثهم ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله.. كما يستلزم إجازة الكتابة والتدوين، لأنه لا يمكن لأكثر المسلمين أن يحفظوا الحديث من إلقائه مرة أو مرتين، بل ولا ثلاث مرات ولا خمسة ! فهل سقطت هذه الفريضة بمجرد أن توفي النبي صلى الله عليه وآله، لأن الخليفة نهى عن التحديث بالسنة وعن تدوينها ؟ أم بقيت فريضة طلب العلم وأراد الخليفة عمر أن يحصر مصدره به شخصيا وبمن أجاز لهم التحديث فقط ؟ ! وبشرط أن يكون طلب العلم وتعليمه شفهيا لا خطيا ؟ ! نكتفي من أحاديث طلب العلم بما يلي: روى البخاري في صحيحه ج 1 ص 28 (باب فضل من علم وعلم... عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلا والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا. وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به). وروى ابن ماجة ج 1 ص 81 (... عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلب العلم فريضة على كل مسلم). (... قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا الى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن طالب العلم يستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

[ 397 ]

وعقد أبو داود في سننه ج 2 ص 175 بابا باسم (باب الحث على طلب العلم) وأورد فيه روايات. وعقد الترمذي في ج 4 ص 137 بابا باسم باب فضل طلب العلم) وأورد فيه روايات. وتجد شبيه بذلك أو أوسع منه في مستدرك الحاكم ج 1 ص 89 وج 3 ص 511 ومسند أحمد ج 4 ص 240 والدارمي ج 1 ص 95 والبيهقي ج 1 ص 282 والهيثمي ج 1 ص 124 و 131 و 191 و 201 وكنز العمال ج 10 ص 130 الى 261 وج 12 ص 85 وج 13 ص 426 وج 15 ص 840 وج 16 ص 127... وغيرها. وعقد الترمذي في سننه ج 4 ص 138 بابا باسم (باب ما جاء في الإستيصاء بمن يطلب العلم. وروى فيه: (... عن أبي هارون قال: كنا نأتي أبا سعيد فيقول مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا. قال علي بن عبد الله، قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون العبدي. قال يحيى: وما زال ابن عون يروي عن أبي هارو العبدي حتى مات.... عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فإذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا. قال فكان أبو سعيد إذا رآنا قال مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري) انتهى. فكيف نفذ الخلفاء هذه الوصية، وأي صدمة كان يواجهها طالب العلم عندما كان يأتي الى مدينة النبي صلى الله عليه وآله ومركز أصحابه، فلا يجد شخصا يعلمه أو يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! لأن خليفة الرسول منع التحديث عن الرسول تحت طائلة العقوبة العمرية اللينة ! ! آيات وأحاديث النهى عن كتمان العلم قال الله تعالى أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، قل أأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون - البقرة - 140

[ 398 ]

وقال تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم - البقرة 159 - 160 وروى البخاري في صحيحه ج 1 ص 38 ونحوه في ج 3 ص 74 (... عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم يتلو إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى.. الى قوله الرحيم. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون). وروى في ج 1 ص 48 (... قال ابن شهاب ولكن عروة يحدث عن حمران فلما توضأ عثمان قال ألا أحدثكم حديثا، لولا آية ما حدثتكموه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها. قال عروة الآية: إن الذين يكتمون ما أنزلنا...). ونحوه في صحيح مسلم ج 1 ص 142 وج 7 ص 167 وابن ماجه ج 1 ص 97 ومسند أحمد ج 2 ص 240 و 247 والحاكم ج 2 ص 271 والسيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 163 وقال في ج 2 ص 162: (وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله الذين يبخلون الآية.. قال هؤلاء يهود يبخلون بما آتاهم الله من الرزق، ويكتمون ما آتاهم الله من الكتب إذا سئلوا عن الشئ ! ! وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم وينهون العلماء أن يعلموا الناس شيئا فعيرهم الله بذلك فأنزل الله الذين يبخلون.. الآية ! ! وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، قال: هذا في العلم ليس للدنيا منه شئ ! !). وعقد الترمذي في سننه ج 4 ص 138 بابا باسم (باب ما جاء في كتمان العلم) وروى فيه (عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سئل عن

[ 399 ]

علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار. ثم قال: وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمر. قال أبو عيسى - يقصد نفسه الترمذي - هذا حديث حسن). وفي سنن ابن ماجة ج 1 ص 97: (... عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كتم علما مما ينفع الله به في أمر الناس، أمر الدين، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار) انتهى. فماذا نسمى رفض الصحابة للحديث عن النبي رغم إلحاح المسلمين عليهم، خاصة أولئك الذين دخلوا في الإسلام جديدا ولم يروا نبيهم، وهم في أشد الشوق لأن يسمعوا أحاديثه ويتعرفوا على أخباره ؟ ! وإذا لم يكن امتناع قرظة وأمثاله عن التحديث كتمانا، فما هو الكتمان الذي تنهى عنه هذه الأحاديث ؟ ! وإذا لم يكن النهي عن الحديث أمرا بالكتمان، فهل هو أمر ببذل العلم ؟ ! قال الحاكم في المستدرك ج 1 ص 102 (فلما قدم قرظة قالوا حدثنا، قال: نهانا ابن الخطاب ! هذا حديث صحيح الإسناد له طرق تجمع ويذاكر بها) انتهى. وهل يصح أن نحكم باستثناء هذا الكتمان المكشوف من الكتمان المحرم، ونقدم نهي الخليفة أبي بكر وعمر على أمر رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ بل على أمر الله تعالى ؟ ! أحاديث وجوب التبليغ والتحديث وماذا يصنع المدافع عن تغييب السنة بهذه المجموعة من الروايات المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله، التي تنص على أنه كان يوصي دائما بأن يبلغ الحاضر الغائب.. ؟ ! فقد عقد البخاري في ج 1 ص 34 بابا باسم (باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب) وأورد فيه ما يدل على وجوب تبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وآله.. وكذا في ج 2 ص 191 وفيها (قال اللهم أشهد. فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع) ونحوه في ج 5 ص 94 وص 127 وفي ج 6 ص 236 (ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض

[ 400 ]

من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه). ثم قال البخاري (وكان محمد إذا ذكره قال: صدق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت ؟) وكرره في ج 8 ص 186 وفي ج 8 ص 91 (فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى له) وفي ص 115 (ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه). ونحوه في صحيح مسلم ج 5 ص 108 وابن ماجه ج 1 ص 85 و 86 والترمذي ج 2 ص 152 وعقد في ج 4 ص 141 بابا باسم (باب في الحث على تبليغ السماع) وروى فيه عن زيد بن ثابت (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه ثم قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأنس. وروى نحوه عن عبد الله بن مسعود ثم قال: هذا حديث حسن صحيح) وكذا في مستدرك الحاكم ج 3 ص 174 وسنن البيهقى ج 5 ص 140 وج 6 ص 92 وفيه (ألا ليبلغ الشاهد الغائب، مرتين، فرب مبلغ هو أوعى من سامع). ونحوه في ج 8 ص 20 وج 9 ص 212 وفي سنن النسائي ج 5 ص 206 ومسند أحمد ج 1 ص 83 و 437 وج 4 ص 31 وكذا في ج 5 ص 37 و 39 و 183 وفي ص 4 منه (ألا إن ربي داعيي وإنه سائلي هل بلغت عبادي ؟ وأنا قائل له رب قد بلغتهم. ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب). وفي ص 41 منه (فلعل الغائب أن يكون أوعى له من الشاهد). وفي ص 45 منه (ألا ليبلغ الشاهد الغائب، مرتين). وفي ص 73 منه (ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع. قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة: قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به). وفي 366 منه (فليبلغ الشاهد الغائب. (ثم قال الراوي) ولولا عزمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثتكم). وفي ج 6 ص 456 (فمن حضر مجلسي وسمع قولى فليبلغ الشاهد منكم الغائب). وفي مجمع الزوائد ج 1 ص 139: (... وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إني محدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب. رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. وفيه (... فرفع يديه صلى الله عليه وسلم الى السماء فقال: اللهم أشهد.

[ 401 ]

ثم قال يا أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب. (وقال الراوي) فأدنوا نبلغكم كما قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البزار ورجاله موثقون). وفي كنز العمال ج 10 ص 224 (إني أحدثكم الحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب - طب - عن عبادة بن الصامت). وقال في ص 229 (إني أحدثكم بحديث فليحدث الحاضر منكم الغائب، الديلمي - عن عبادة بن الصامت. نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه الى من هو أفقه منه (حم، ه‍، ص - عن أنس، الخطيب - عن أبي هريرة، طب - عن عمير بن قتادة الليثي، طس - عن سعد، الرافعي في تاريخه - عن ابن عمر) انتهى. وقد أورد تحت الأرقام التي بعده نحو ثلاثين رواية بألفاظه أو مضمونه أو تأييده.. فهذه المجموعة تؤكد حكما شرعيا وفريضة في أعناق الصحابة، هي وجوب تبليغ ما سمعوه منه صلى الله عليه وآله.. فهل يصح أن نحرفها فنقول: أيها المسلمون ليبلغ الشاهد منكم الغائب إلا إذا نهاكم فلان أو فلان فانتهوا ولا تبلغوا ! ! أحاديث: من حفظ على أمتي أربعين حديثا روى في كنز العمال ج 10 ص 158 (من حفظ على أمتي أربعين حديثا من سنتي أدخلته يوم القيامة في شفاعتي - ابن النجار - عن أبي سعيد. من حمل من أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما - عن أنس). وفي ص 164 (من تعلم أربعين حديثا ابتغاء وجه الله تعالى ليعلم به أمتي في حلالهم وحرامهم حشره الله يوم القيامة عالما - أبو نعيم - عن علي). وفي ص 224 (من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما - عد في العلل - عن ابن عباس عن معاذ، حب في الضعفاء - عن ابن عباس، عد وابن عساكر من طرق - عن أبي هريرة، ابن الجوزي - عن أنس. من حفظ على أمتي أربعين حديثا فيما ينفعهم من أمر دينهم بعث يوم القيامة من العلماء، وفضل على العالم على العابد سبعين درجة، الله أعلم بما بين كل

[ 402 ]

درجتين - ع، عد، هب - عن أبي هريرة). ونحوه الأحاديث التي بعده الى رقم 29192) انتهى. ومن المعلوم لمن عرف أسلوب النبي صلى الله عليه وآله ولمح مقاصده الشريفة أن هدفه من الترغيب في حفظ أربعين حديثا أن تصل أحاديثه وما أوحاه الله إليه الى أوسع نطاق من الأمة والعالم، وأن يحفظ العلماء والطلبة هذه الأحاديث ويلقوها على الناس ويشرحوها لهم، سواء كان ذلك بتحفيظها أو تكتيبها أو تدوينها، بل بمختلف الوسائل المناسبة المتجددة في كل عصر. فهل ينسجم ذلك مع سياسة تغييب السنة ومنع التدوين والتحديث والعقوبة عليهما ؟ ! الخسارة العظمى إن كل مسلم، وكل عاقل من أي دين كان، يدرك أن قرار منع تدوين السنة سبب خسارة كبرى للبشرية، وضيع على المسلمين ثروة لا تعوض، وأفقدنا عشرات الألوف من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله.. ثم أفقد الأجيال القدرة الكافية على تمييز الصحيح من المكذوب والدقيق من الموهوم في الأحاديث الموجودة ! ومن الطبيعي أن هذه الخسارة العلمية قد استوجبت في تاريخ الأمة وتاريخ البشرية خسارات أعظم.. حتى ليمكن القول: إنه لو دونت سنة النبي صلى الله عليه وآله بعد وفاته مباشرة لأثرت على كثير من المفاهيم والأحكام ولأحدثت تغييرا مستمرا في تاريخ الأمة الى الأحسن.. ولما واجهت الأمة انهيارات كبرى كان آخرها نهاية دولة الخلافة الإسلامية العثمانية هذه النهاية الذليلة على يد الغربيين ! ! إن الذين يهونون من حجم الخسارة التي أصابت الأمة بسبب سياسة منع الحديث لم يلتفتوا الى أنه رب حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله لو دونه المسلمون وتسالم جيلهم الأول عليه، لأوقف أنهارا من الدماء في صراعات المسلمين الداخلية ! ولم يلتفتوا الى أن بعض الصراعات لو أوقفت في مقطعها التاريخي الحساس لتغير مجرى تاريخ المسلمين.. ومن ثم تاريخ العالم !

[ 403 ]

لذلك لا يمكن التهرب من الإعتراف بأن حجم الخسارة من عدم تدوين السنة خسارة عظمي لا يمكن تقديرها بدقة ! ويكفينا أن نتصور أن السنة شروح القرآن وتفاصيله فهي شطر الدين، فخسارة تدوينها خسارة لوضوح وفاعلية شطري الدين معا ! ! نعم، نحمد الله تعالى حيث وصلنا الكثير الكثير من سنة نبينا صلى الله عليه وآله.. ولكنه عند إخواننا لا يزيد عن شذرات محتوتة مخلوطة، أو جواهر مهربة من الكنز الأصلي ! ! نتائج القرارت على نفس السنة 1 - كانت النتيجة أن روايات السنة التي ارتضتها السلطة استثنيت من المنع، وأخذت طريقها الى الرواية.. ثم الى التدوين ! 2 - وكانت النتيجة أن كعب الأحبار وجماعته، وتميما الداري وجماعته، صدرت لهم إجازة رسمية بأن يحدثوا الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ومساجد بلاد المسلمين بأحاديث اليهود والنصارى.. بينما أمثال على باب مدينة علم النبي، وأبو ذر أصدق من عليها، وحذيفة بن اليمان أمين رسول الله وصاحب سره.. ممنوعون من الرواية ! 3 - وكانت النتيجة أن دولة عثمان ودولة بني أمية بعده تبنت قرارات عمر وسياسته في منع الحديث والعقوبة عليه الى نهاية القرن الأول.. ثم أجازت تدوين الحديث المسموح به فقط، للمسموح لهم فقط، وبشرط أن تدون أحاديث النبي وأحاديث عمر معا جنبا الى جنب ! ! لقد أمضى الخليفة عمر شهرا وهو يفكر ويستخير الله في تدوين السنة، ثم خرج بقرار عدم التدوين.. ولكن المقلدين له فكروا واستخاروا الله قرنا من الزمان حتى سمحوا بأن تدون للأمة سنة نبيها تحت نظرهم، واشترطوا أن تكون معها سنة عمر ! 4 - وكانت النتيجة أن سنة النبي صارت سنتين: سنة مسموحة متبناة من الدولة تشجعها وتروجها في جماهير الأمة وعوامها.. وسنة ممنوعة ترويها المعارضة على خوف ووجل وتكذيب ومطاردة !

[ 404 ]

5 - وكانت النتيجة أن الدولة التي رفعت في وجه النبي شعار (رفض السنة والإكتفاء بالقرآن) ثم وقفت ضد تدوين السنة وضد روايتها.. صارت هي دولة السنة، وصار أتباعها (أهل السنة والجماعة) أما أولئك الذين جاهدوا من أجل تبليغ سنة النبي صلى الله عليه وآله وتدوينها، وتحملوا اضطهاد الحكومات لتحديهم سياسة منع التحديث عن نبيهم.. فقد صاروا أعداء أهل السنة وخارجين عن جماعة المسلمين.. كما صاروا من قبل منكرين للقرآن ! ! لا تسأل كيف صار ذلك، بل انظر الى السياسة في عصرك.. أما تراهما تجعل الأبيض أسود كالليل، وتجعل الفحم أبيض كالثلج.. وكذلك فعلت في التاريخ ! ! موقف أهل البيت عليهم السلام من المسألة وقف علي عليه السلام وشيعته ضد سياسة منع الحديث وكان يأمر من يطيعه بالتحديث والتدوين، ويروي لهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله بالتحديث عنه وتدوين حديثه الشريف.. وعلى خطه سار الأئمة من أبنائه عليهم السلام.. روى في كنز العمال ج 10 ص 262 (... عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتبوا هذا العلم فإنكم تنتفعون به إما في دنياكم وإما في آخرتكم، وإن العلم لا يضيع صاحبه - الديلمي). وروى الطبرسي في الإحتجاج ج 1 ص 42 (... ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المسلمين واليهود: أكتبوا بما سمعتم، فقالوا: يا رسول الله قد سمعنا ووعينا ولا ننسى. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الكتابة أذكر لكم). وروى في الكافي ج 1 ص 52 (عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام يقول: أكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا.... عن عبيد بن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها).

[ 405 ]

وفي الكافي ج 1 ص 41 (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تذاكروا وتلاقوا وتحدثوا، فإن الحديث جلاء للقلوب، إن القلوب لترين كما يرين السيف وجلاؤها الحديث). وفي الكافي ج 1 ص 57 (... عن سماعة بن مهران، عن أبي الحسن موسى (الكاظم) عليه السلام قال قلت: أصلحك الله إنا نجتمع فنتذاكر ما عندنا فلا يرد علينا شئ إلا وعندنا فيه شئ مسطر وذلك مما أنعم الله به علينا بكم، ثم يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ فينظر بعضنا الى بعض، وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه ؟ فقال: وما لكم وللقياس ؟ إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس، ثم قال: إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به، وإن جاءكم ما لا تعلمون فها، وأهوى بيده الى فيه (أي اسكتوا)... فقلت: أصلحك الله أتى رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بما يكتفون به في عهده ؟ قال: نعم وما يحتاجون إليه الى يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شئ ؟ فقال: لا هو عند أهله !... عن أبان، عن أبي شيبة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ضل علم ابن شبرمة عند الجامعة، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام بيده ! إن الجامعة لم تدع لأحد كلاما، فيها علم الحلال والحرام. إن أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحق إلا بعدا، إن دين الله لا يصاب بالقياس) انتهى. * * ملاحظة: بعد كتابة هذا الفصل اطلعت على كتاب (تدوين السنة) للعلامة الباحث السيد محمد رضا الجلالي الحسيني وهو كتاب غني بل أشمل ما كتب في هذا الموضوع.

[ 407 ]

الفصل العاشر موقف إخواننا السنة من الثقافة اليهودية

[ 409 ]

احترام عرب الجاهلية للثقافة اليهودية كان اعتداد العرب بقوميتهم ووثنيتهم في الجاهلية اعتدادا قويا الى حد التعصب، ولم يكونوا يحترمون اليهود كأمة ولكنهم كانوا يحترمون علماءهم وثقافتهم ويرجعون إليهم في العديد من مسائل التاريخ والتنبؤ بالمستقبل والأمور الروحية. بل كان الكثير من عرب الجاهلية يعيشون حالة الإنهزام أمام الثقافة اليهودية.. لأن اليهود أصحاب كتاب سماوي وعلماء وأنبياء، والعرب أميون وثنيون، وإن بقيت عندهم بقايا من دين إبراهيم، واشتركوا مع اليهود في الإنتساب الى جدهم الأعلى إبراهيم صلى الله عليه السلام. والشواهد على ذلك من مصادر التاريخ والتفسير والحديث والفقه كثيرة، نكتفي منها بالنص التالي الذي يدل على أن تأثيرات الثقافة اليهودية بقيت حتى بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله، وحتى على ذهن زوجته عائشة وأبيها الخليفة أبي بكر ! روى مالك في الموطأ ج 2 ص 943 (عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ترقيها ! فقال أبو بكر: إرقيها بكتاب الله). وقال في كتاب الأم للشافعي ج 7 ص 241 (باب ما جاء في الرقية. سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله. قلت أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ ! فقال نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر

[ 410 ]

الله، فقلت وما الحجة في ذلك ؟ قال غير حجة، فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر إرقيها بكتاب الله. فقلت للشافعي فإنا نكره رقية أهل الكتاب، فقال: ولم وأنتم تروون هذا عن أبي بكر، ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلافه. وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم، وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخف) انتهى. ورواه البيهقي في سننه ج 9 ص 347، كما روى أن امرأة عبد الله بن مسعود كانت تذهب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله الى يهودي لرقية عينها. وقال النووي في المجموع ج 9 ص 64 (فرع في جواز الرقية بكتاب الله تعالى وبما يعرف من ذكر الله... وروى البيهقي بإسناده الصحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت: دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها وعندها يهودية ترقيها فقال: إرقيها بكتاب الله عز وجل. وبإسناده الصحيح عن الربيع بن سليمان قال (سألت الشافعي عن الرقية...) الى آخر ما تقدم، انتهى. يلاحظ على هذه الفتوى المجمع عليها عند إخواننا السنيين، أن الخليفة أبا بكر لم ينه عائشة عن هذا العمل، وإنما طلب من المرأة اليهودية باحترام أن ترقيها ببعض آيات القرآن، باعتبار أن ذلك أفضل من الأدعية التي تقرؤها من عندها، أو أراد منها أن تضم الى أدعيتها آيات من القرآن ليكون ذلك أرجى لشفاء بنته.. ! هذا إذا كان مقصوده بكتاب الله: القرآن، وإلا فيكون قصده: إرقيها بنص من التوراة، لا بدعاء من عندك ! فتعبير كتاب الله كان يتبادر منه عندما يخاطب به يهودي: التوراة ! وبذلك يتضح أن الشرط الذي شرطه الشافعي وغيره لما يجب أن يقرأه اليهودي أو النصراني في رقية المسلم لا أساس له في الرواية. وغاية ما يمكن استفادته منها أن الأحسن للمسلم أن يطلب من الكتابي أن يقرأ على مريضه شيئا من (القرآن).. خاصة وأن الذي يكلف أحدا أن يرقي مريضه لا يملي عليه ماذا يقرأ عليه، لأنه لا يكلفه بالرقية إلا وهو معتقد بأنه عبد صالح قريب الى الله تعالى، فهو أعرف بما يقرأ عليه !

[ 411 ]

كما يلاحظ استغراب السائل لهذه الرواية والفتوى ! فأجابه الشافعي بأن الرواية صحيحة ولم يصل إلينا استنكار أحد من الصحابة لعمل عائشة وإقرار أبي بكر. والقاعدة عند الشافعي أنه إذا فعل الصحابي شيئا فهو جائز وحجة على غيره، إلا إذا عارضه صحابي آخر، ويشترط أن يكون الصحابي المعارض من الصحابة الذين تؤثر معارضتهم عند الإخوة السنيين.. فبعض الصحابة عندهم لا تضر معارضتهم، وبعضهم تضر ! ثم أراد الشافعي أن يقنع المعترض أكثر فقاس الرقية على حلية طعام أهل الكتاب وحلية الزواج منهم، ولكنه قياس مع الفارق، لأن أكل طعامهم والتزوج منهم ليس اعترافا بعقائدهم وثقافتهم.. بينما الرقية في أقل مدلولاتها احترام لثقافة الراقي الروحية، واعتراف بصلاحه عند الله تعالى ! وكان الأجدر بمثل الشافعي أن يقول: إن هذا النوع من العمل الذي كانت تقوم به عائشة وأمثالها من نساء قريش أو الأنصار، لم يثبت إمضاء من رسول الله صلى الله عليه وآله، وبما أن آيات القرآن حاسمة في أمر اليهود والنصارى، وأحاديثه هو صلى الله عليه وآله.. فإن من البعيد أن يمضيه. واحتمال إمضاء النبي لا يكفي في إثبات المشروعية، فاحتط لدينك واتركه. على أي حال، كان الجو العام عند نساء قريش في الجاهلية وعند نساء الأنصار أيضا أنهن يحترمن الثقافة اليهودية، وكذلك رجالهن، بل يوجد نص عن ابن عباس أنه كان يوجد في الأنصار جو تقليد ثقافي لليهود. ويبدو أن رواسب من ذلك بقيت في أذهان البعض حتى بعد الإسلام ! الخليفة عمر واليهود إن معرفة هذا الجو في الجزيرة من التأثر العام بثقافة اليهود، تمكننا من تفسير مواقف الخليفة عمر تجاه الثقافة اليهودية.. فقد كان من صغره قبل الإسلام يحترم هذه الثقافة كثيرا، وتدل عدة نصوص على أنه استمر على احترامها حتى وهو الى جانب النبي صلى الله عليه وآله، ثم عندما صار خليفة.

[ 412 ]

وبهذا نفهم سبب احترامه لكعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام.. وأمثالهم من اليهود الذين أعلنوا دخولهم في الإسلام.. وتميم الداري وأمثاله من النصارى الذين دخلوا في الإسلام.. وكذا ثقته بما عند علماء اليهود والنصارى من كتب وتاريخ وتنبؤات واستنتاجات عن المستقبل ! وينبغي للباحث في هذا الموضوع أن يعرف المقومات الأساسية لشخصية الخليفة عمر.. فهو أولا، عربي معتز بقوميته الى حد أنه يرى أن المخاطب بقوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.. هم العرب خاصة ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 98 (وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية في الحجرات إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، هي مكية وهي للعرب خاصة. الموالي أي قبيلة لهم ؟ وأي شعاب ؟ وقوله إن أكرمكم عند الله أتقاكم، قال: أتقاكم للشرك) انتهى. وعلى تفسير الخليفة فإن الآية لا تساوي بين العرب وغيرهم كما فهم منها المسلمون. ولعله لذلك أفتى بأنه لا ملك على عربي وبأن العرب لهم أن يتزوجوا من الأمم الأخرى ولكن ليس لهم أن يزوجوهم، لأن العربية لا كفؤ لها إلا العربي.. الى آخر فتاواه وقراراته في هذا المجال. وهو ثانيا: قرشي يحب قريش ويعتز بها اعتزازا شديدا.. حتى بالطلقاء وقادة الأحزاب بعد انهزامهم وإسلامهم.. فيقول عن معاوية: كسرى العرب، وعن أبي سفيان: سيد العرب ! بل يثقل عليه يوم فتح مكة أن يدخل أنصاري براية النبي صلى الله عليه وآله وهو يتحدى قادة الأحزاب من قريش في عقر دارهم.. فقد روى البيهقي في سننه ج 10 ص 228 (... عن أنس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فقام أهلها سماطين ينظرون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه قال وابن رواحة يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن رواحة: خلوا بني الكفار عن سبيله فاليوم نضربكم على تنزيلها ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلها يا رب إني مؤمن بقيلها

[ 413 ]

فقال عمر رضي الله عنه: يابن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر ؟ ! ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه يا عمر، فوالذي نفسي بيده لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل) ! وروى نحوه الترمذي في سننه ج 4 ص 217، والذهبي في سير أعلام النبلاء ج 1 ص 235 وعلى هذا الأساس يجب أن نعرف أن إعجاب الخليفة عمر بالثقافة اليهودية لا يتنافى في نظره مع عروبته وقرشيته بل يخدمهما.. وقد كان تقريبه لكعب الأحبار وتميم الداري وغيرهما، مشروطا بأن يحترموا العرب وخاصة قريش.. فإذا شعر منهم انتقاصا للعرب أو لقريش لم يتردد في اتخاذ الموقف الحاسم منهم.. وقد عنف كعب الأحبار وتميما الداري أكثر من مرة. إنها نظرة مركبة الى اليهود من عناصر متعددة في ذهنية الخليفة، وقد نتجت عنها هذه السياسة المركبة مع اليهود، ومع أن فيها مواقف مضادة لهم لكنها على العموم كانت ترضيهم. وقد روت المصادر المحبة للخليفة مواقفه الدالة على هذه السياسة، وروت أن بعض مواقفه جاء على شكل اندفاع خطير منه لإدخال الثقافة اليهودية في الإسلام، فنهاه النبي صلى الله عليه وآله مرات متعددة عن ذلك.. ثم ذات يوم غضب النبي منه غضبا شديدا ودعا المسلمين الى اجتماع طارئ ليحذرهم من خطورة ما يريده عمر وأصحابه ! كان عمر في زمن النبي يدرس عند اليهود ! روى في كنز العمال ج 2 ص 353 (من مسند عمر رضي الله عنه عن الشعبي قال: نزل عمر بالروحاء، فرأى ناسا يبتدرون أحجارا فقال: ما هذا ؟ فقالوا يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الى هذه الأحجار، فقال: سبحان الله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا راكبا، مر بواد فحضرت الصلاة فصلى ! ثم حدث فقال: إني كنت أغشى اليهود يوم دراستهم، فقالوا: ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا، قلت وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف

[ 414 ]

يصدق بعضها بعضا، كيف تصدق التوراة الفرقان والقرآن التوراة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أكلمهم يوما، فقلت نعم، فقلت أنشدكم بالله وما تقرؤون من كتابه أتعلمون أنه رسول الله ؟ قالوا: نعم فقلت: هلكتم والله، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه ؟ ! فقالوا لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوته ؟ فقال: عدونا جبريل لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا، فقلت: ومن سلمكم من الملائكة ؟ فقالوا: ميكائيل، ينزل بالقطر والرحمة وكذا، قلت وكيف منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر من الجانب الآخر. فقلت إنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدو جبريل، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا. ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا أريد أن أخبره، فلما لقيته قال: ألا أخبرك بآيات أنزلت علي ؟ فقلت: بلى يا رسول الله فقرأ: من كان عدوا لجبريل.. حتى بلغ (الكافرين) قلت يا رسول الله والله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لا خبرك بما قالوا لي وقلت لهم، فوجدت الله قد سبقني، قال عمر: فلقد رأيتني وأنا أشد في دين الله من الحجر - ق وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم) وسنده صحيح لكن الشعبي لم يدرك عمر، وروى سفيان بن عيينة في تفسيره عن عكرمة نحوه، وله طرق أخرى مرسلة تأتي في المراسيل) انتهى. وفي أسباب النزول للسيوطي ج 1 ص 21 أن عمر كان يأتي اليهود فيسمع منهم التوراة. وينبغي هنا نشير الى أن ضعف السند في بعض الأحيان لا يضر بالإطمئنان بالرواية.. فعندما لا يكون للرواة ولا لجوهم العام الذي هو جو السلطة أو جو المعارضة، غرض في جعل الرواية، أو لا يستطيع الرواة أن يجعلوا الرواية حتى لو أرادوا ذلك.. وتكون القرائن من أحاديث أخرى أو من التاريخ تؤيد مضمون الرواية.. فإن ذلك يدل على أن الرواية لم تولد من فراغ، بل جاءت من واقع كان له نحو من الوجود.. وهذه الرواية من ذلك النوع الذي لا مصلحة للرواة الذين رووها في وضعها، بل لو أرادوا أن يضعوها عن لسان الخليفة لما استطاعوا !

[ 415 ]

هذا مضافا الى شهادة بعض علماء إخواننا بصحة سندها، فهم يقبلون من الشعبي رواياته عن عمر حتى لو لم يذكر الواسطة بينه وبينه. ونلاحظ في الرواية أن هدف الخليفة منها أن يقول إن اتخاذكم مصلى من مكان مر عليه النبي وصلى فيه هو من الغلو ! فإنما هو راكب مر بمكان وصلى فيه ! ومع احترامي له فإني أحدثكم عن نفسي كيف ناقشت اليهود فنزل كلامي معهم آية في القرآن.. ! ومما يساعد على أن الخليفة كان يدرس عند اليهود، أن بيته كان في عوالي المدينة قريبا من بني قريظة، وكان (بيت المدراس) لليهود في العوالي.. فبعض الروايات تقول إن الخليفة عمر بسبب بعد منزله مقدار ساعة أو ساعة ونصف عن وسط المدينة، كان يذهب الى مسجد النبي صلى الله عليه وآله كل يومين مرة.. فقد روى البخاري ج 1 ص 31 (... عن عمر قال كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته...) وروى نحوه في ج 8 ص 4 ورواه البيهقي في سننه ج 7 ص 37. وقد نهاه النبي عن حضور دروسهم ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 148: (وأخرج البيهقي وضعفه عن عمر بن الخطاب قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعلم التوراة فقال لاتتعلمها وآمن بها وتعلموا ما أنزل اليكم وآمنوا به ! !). ورواه في كنز العمال ج 1 ص 370 وقد يكون تضعيف البيهقي للحديث من ناحية فنية بسبب رواته.. وقد يكون بسبب مضمونه وأنه لم يثبت النهي عن النبي صلى الله عليه وآله عن تعلم التوراة.. ومن البعيد أن يكون تضعيفه له لاستبعاد أن الخليفة عمر استأذن النبي صلى الله عليه وآله في أن يدرس التوراة !

[ 416 ]

واقترح على النبي أن يكتب الصحابة أحاديث اليهود ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 148: وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمربن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا، وقد هممنا أن نكتبها ! ! فقال يابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكني أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الحديث اختصارا !) انتهى. وهذه الرواية لم يضعفها ابن الضريس.. وهي تدل على أن الخليفة عمر لم يكن وحده مغرما بثقافة اليهود، بل معه آخرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ! وأنهم بلغ إعجابهم بأحاديث اليهود أنهم فكروا أن يكتبوها ! وقد يكونوا كتبوها بالفعل، لكنهم أرادوا إمضاء النبي لعملهم ! ويدل طلبهم هذا فيما يدل، على أن التدوين في مفهوم العرب كان يعني القبول والإعجاب، وأن كل ما يأخذ بقلب الإنسان لبلاغته أو صدقه، فهو يستحق الكتابة والتدوين ليحفظ ويستفاد منه.. إلا سنة النبي المظلوم صلى الله عليه وآله ! ! مهما يكن، فقد كان منزل عمر مجاورا ليهود بني قريظة، وكان يحضر درسهم أو درس غيرهم، وكان هو وأصحابه يستمعون الى أحاديثهم بإعجاب.. ولا بد أن اليهود اهتموا بهؤلاء التلاميذ الذين لم يحصلوا على مثلهم من الأنصار، وخصصوا لهم مدرسا أو أكثر باللغة العربية، لأن تدريسهم لبعضهم ومراسمهم كانت بالعبرية ! ولما رأوا إعجاب عمر ورفقائه بدروسهم أرادوا أخذ الإعتراف من النبي صلى الله عليه وآله بثقافتهم، فقالوا للخليفة عمر وجماعته أطلبوا من نبيكم أن يأذن لكم بكتابة أحاديثنا.. فطلب عمر من النبي ذلك ! ! ولابد أن النبي صلى الله عليه وآله رفض هذا الإقتراح ولم يأذن لعمر أو غيره بكتابة أحاديث اليهود ! لأن الذين ضلوا ولم يستطيعوا هداية أنفسهم لا يمكنهم هداية غيرهم، كما جاء في نهيه الآتي صلى الله عليه وآله للمسلمين أن يسألوهم عن شئ ! !

[ 417 ]

ولعل استئذان عمر بدراسة التوراة كان بعد نهي النبي له عن كتابة ثقافتهم، ومعنى هذا الطلب أننا لا ندرس أحاديثهم ولا نكتبها، لكن اسمح لنا بدراسة التوراة المنزلة على موسى ! فيكون ذلك حركة من اليهود لأخذ اعتراف النبي صلى الله عليه وآله بشرعية توراتهم المحرفة، وتعميم دراستها على المسلمين، بعد أن يئسوا من الإعتراف بثقافتهم ككل ! ! ولابد أن النبي صلى الله عليه وآله رفض هذا الإقتراح أيضا ولم يأذن لعمر أو غيره بدراستها ! ! لكن تدل الروايات على أن علاقة عمر بقيت قائمة مع اليهود ومستمرة، لأن اقتراحاته لمصلحة الثقافة اليهودية تواصلت على النبي صلى الله عليه وآله بأشكال متعددة، لأخذ الإعتراف منه بشرعية التوراة.. وبالطبع فشلت كلها ! ! والظاهر أن عمر واصل التلقي منهم، لأنهم حسب اجتهاده أصحاب كتاب إلهي وعلوم دينية، وينبغي أن يستفيد من علومهم الى علمه الذي يتعلمه من هذا النبي المبعوث من قريش ومن بني هاشم.. ويدل على ذلك أنه بعد مجيئه بنسخ التوراة المعربة عدة مرات.. رآه النبي يوما يحمل كتابا فقال له (ما هذا في يدك يا عمر ؟ ! فقلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما الى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة) وحضر الأنصار بالسلاح... وكان الإجتماع التاريخي.. كما سيأتي ! ! بنو قريظة عربوا التوراة وتبنى مشروعها عمر ! روى أحمد في مسنده ج 3 ص 469 (... عن عبد الله بن ثابت قال جاء عمر بن الخطاب الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك ؟ قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عبد الله: فقلت له ألا ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. قال فسري عن

[ 418 ]

النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم. إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين). ورواه أحمد في ج 4 ص 265 وروى الدارمي في سننه ج 1 ص 115 (... عن جابر أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله صلى الله عيله وسلم بنسخة من التوراة فقال يا رسول الله هذه نسخة من التوراة فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله يتغير، فقال أبو بكر: ثكلك الثواكل ما ترى ما بوجه رسول الله ! فنظر عمر الى وجه رسول الله فقال: أعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا. فقال رسول الله صلى الله عيله وسلم: والذي نفس محمد بيده لو بدى لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيا وأدرك نبوتي لا تبعني) انتهى. ورواه في أسد الغابة ج 3 ص 126 وقال (رواه خالد وحريث ابن أبي مطر وزكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن ثابت بن يزيد، ورواه هشيم وحفص ابن غياث وغيرهما عن مجالد عن الشعبي عن جابر، أخرجه ابن مندة وأبو نعيم). وروى شبيها له مختصرا في ج 1 ص 235 وقال (أخرجه ابن مندة وأبو نعيم) ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 48 عن أحمد. وفي ج 5 ص 148 وقال (وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن الضريس والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإيمان). ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 173 عن عبد الله بن ثابت، وقال (رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن فيه جابر الجعفي وهو ضعيف) انتهى، ولكن رأيت أنه روي بطرق أخرى عن ابن ثابت وجابر.. الخ. ماذا يعلق الإنسان على هذه الحادثة الخطيرة ؟ ! وهل يمكن للباحث أن يعتبرها حادثة واحدة، أو مزلقا واحدا أوقع اليهود فيه الخليفة عمر واستغلوا ميله إليهم واستماعه الى أحاديثهم عن أنبيائهم وتاريخهم.. فخططوا للكيد بالإسلام ورسوله، فرد الله كيدهم، وانتبه الخليفة عمر الى خطئه فتاب الى الله ورسوله وقطع علاقته مع أولاد الافاعي... ؟ لو كان هذا القول ممكنا لكان حسنا ! ! بنو زريق عربوا التوراة وتبنى مشروعها عمر ! روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 1 ص 174 (عن أبي الدرداء قال جاء عمر بجوامع من التوراة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن زيد الذي أري الأذان: أمسخ الله عقلك ألا ترى الذي بوجه رسول الله

[ 419 ]

صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما. فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو كان موسى بين أظهركم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ضلالا بعيدا، أنتم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين. رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو عامر القاسم بن محمد الأسدي، ولم أر من ترجمه وبقية رجاله موثقون) انتهى. وقد يقول المدافع عن الخليفة هنا: إنها حادثة واحدة، وقد اشتبه الراوي فقال من بني زريق بدل بني قريظة.. ولكن الرواية التالية تقول شيئا آخر.. يهود خيبر عربوا التوراة وتبنى مشروعها عمر ! روى في كنز العمال ج 1 ص 372 (عن جبير بن نفير عن عمر قال: انطلقت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيت خيبر فوجدت يهوديا يقول قولا فأعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي بما تقول ؟ قال نعم، فأتيته بأديم فأخذ يملي على فلما رجعت قلت: يا رسول الله إني لقيت يهوديا يقول قولا لم أسمع مثله بعدك ! فقال: لعلك كتبت منه ؟ قلت: نعم قال: ائتني به فانطلقت فلما أتيته قال: أجلس إقراه فقرأت ساعة ونظرت الى وجهه فإذا هو يتلون فصرت من الفرق لا أجيز حرفا منه، ثم رفعته إليه ثم جعل يتبعه. (قال في الهامش: وفي المنتخب، ع، وابن جرير، قط، في الإفراد، طب، وأبو نعيم.. والديلمي رسما رسما يمحوه بريقه وهو يقول لا تتبعوا هؤلاء فإنهم قد تهوكوا حتى محا آخر حرف، حل). وفي كنز العمال ج 1 ص 201 (حم، ه‍، عن ابن عباس) إن عمر أتى النبي بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فغضب، قال فذكره.. لتهوكون كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) انتهى. وقال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 148: (وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه، فقال للرجل أكتب لي من هذا الكتاب. قال نعم، فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرؤه عليه وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون، ضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال ثكلتك أمك يابن الخطاب ! أما ترى

[ 420 ]

وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم، وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إنما بعثت فاتحا وخاتما وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصر لي الحديث اختصارا، فلا يهلكنكم المتهوكون) انتهى. وروى أحمد في مسنده ج 3 ص 387 (... عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي، فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ! والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، و الذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني). ورواه في مجمع الزوائد ج 8 ص 262 - عن أحمد. وروى في ج 1 ص 174 عن (عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال أمتهوكون فيها يابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى كان فيكم حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. رواه أحمد وأبو يعلى والبزار وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. وعن جابر أيضا قال نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به الى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير فقال رجل من الأنصار ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل. والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني. رواه البزار وعند أحمد بعضه وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف اتهم بالكذب) انتهى. وقد يقول المدافع عن الخليفة: إنها آخر مرة.. وقد تاب بعدها الخليفة الى الله ورسوله.. ولكن الروايات تقول إن طمع اليهود وصل الى بيت النبي صلى الله عليه وآله، عن طريق زوجته حفصة بنت الخليفة عمر ! فهل يكون طمع من هذا النوع إلا مع وجود تقبل من نوع ما ؟ ! اليهود عربوا قصة يوسف وتبنت مشروعها حفصة ! روى عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج 6 ص 113 (عن الزهري أن حفصة زوج النبي جاءت الى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف فجعلت تقرؤه عليه والنبي يتلون وجهه فقال: والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم) انتهى.

[ 421 ]

وقد يقول المدافع عن الخليفة: لا يمكننا أن نحمله مسؤولية عمل ابنته، ولا نستطيع الجزم بأن نسخة الكتاب من أبيها عمر، فقد كانت قصة يوسف معروفة، ونزلت سورتها في مكة.. والنساء تحب أن تعرف قصة يوسف وتتحدث فيها، فجاء اليهود الى حفصة بهذا الكتاب وهو من أسفار التوراة أو غيرها وطلبوا منها أن تقرأه على النبي صلى الله عليه وآله، كما طلبوا من أبيها فقرأته بحسن نية.. الخ. نقول: لو كان هذا الدفاع ممكنا لكان حسنا.. لكن يظهر مما يأتي أن النبي صلى الله عليه وآله المعروف بتحمله وصبره على كل الناس وعلى عمرو حفصة بالذات، لابد أنه رأى أمورا من عمر وجماعته المتهوكين طفح بها الكيل، فنفد صبره صلى الله عليه وآله عندها وأمره جبريل بأن يدعوا المسلمين لاجتماع طارئ بالسلاح، ويبلغهم رسالة ربه ويقيم عليهم الحجة ! ! إعلان النفير بالسلاح للتحذير من المتهوكين ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 3 (وأخرج أبو يعلي وابن المنذر وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة والضياء في المختارة عن خالد بن عرفطة قال: كنت جالسا عند عمر إذ أتاه رجل من عبد القيس فقال له عمر أنت فلان العبدي قال نعم فضربه بقناة معه ! فقال الرجل ما لي يا أمير المؤمنين ؟ قال أجلس فجلس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم. الر. تلك آيات الكتاب المبين. الى قوله لمن الغافلين.. فقرأها عليه ثلاثا، وضربه ثلاثا ! فقال له الرجل مالي يا أمير المؤمنين ؟ ! فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال ؟ قال مرني بأمرك أتبعه. قال: إنطلق فامحه بالحميم والصوف ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس. فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال أجلس فجلس بين يديه فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا في يدك يا عمر ؟ فقلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما الى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه ثم نودي

[ 422 ]

بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، السلاح ! فجاؤا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الذين آمنوا إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ! قال عمر رضي الله عنه فقمت فقلت: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ! !) انتهى، ورواه في كنز العمال ج 1 ص 371 ورمز له (ع، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عق، ونصر المقدسي، ص، في الحجة. وله طريق ثان في المراسيل) ورواه في مجمع الزوائد ج 1 ص 173، وقال (رواه أبو يعلي وفيه عبد الرحمن بن إسحق ضعفه أحمد وجماعة ويأتي الحديث بقصته وتمامه في باب الإقتداء بالسلف). وفي لسان الميزان ج 2 ص 408 (... عن عمر رضي الله عنه قال انتسخت كتابا من أهل الكتاب فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي فقال ما هذا الكتاب يا عمر ؟ قلت انتسخته من أهل الكتاب لنزداد به علما الى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤوا حتى أحدقوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أوتيت جوامع الكلم وخواتمه ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تهيلوا ولا يغرنكم المتهيلون. فقال عمر رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبك رسولا) انتهى. من مجموع روايات هذه القصة ومن شهادة مضمونها يطمئن الإنسان بوقوعها.. وهي غنية بالدلالات، ومن أولها أنا نلمس صدق قول رسول الله صلى الله عليه وآله (ما أوذني نبي بمثل ما أوذيت) وأنه صلى الله عليه وآله تفرد عن الأنبياء السالقين بأنواع جديدة من الأذى لم تكن في عهودهم، كما تفرد في عمقها الذي هو أشد من حز الشفار وأمر من طعم العلقم ! ومما كان يزيد فيها أنه لم يكن من مصلحة الإسلام أن يعلن النبي عنها ويكشفها للناس ! إن هذه القصة تكشف عن حلقة بارزة من فعاليات النبي صلى الله عليه وآله لإحباط واحدة من خطط اليهود لفرض ثقافتهم على الإسلام وجعل محمد صلى الله عليه وآله كأحد أنبياء التوراة الذين اضطهدوهم وشوهوا تاريخهم ! ! وعندما يصل طمع اليهود الى مطالبة النبي والمسلمين أن يتبنوا توراتهم المحرفة.. وعندما يؤثروا على بعض كبار أصحاب النبي وبعض زوجات النبي.. فالله يعلم كم كان حجم نشاطهم وفعالياتهم وضغوطهم على النبي صلى الله عليه وآله ؟ !

[ 423 ]

وهي قصة غنية بالدلالات، أن الخليفة عمر كان دائما بطل التأثر بالثقافة اليهودية.. فالقصة هنا جديدة وهي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في يد عمر كتابا فأحس بالخطر ! لقد وصل الأمر في الأمة الى التلقي الرسمي من اليهود.. ولم ينفع معهم الشرح والتوضيح والنهي.. ولذا كان على النبي هذه المرة أن يبادر هو بالسؤال (فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يدي فقال ما هذا الكتاب يا عمر ؟ !... فقال لي رسول الله ما هذا في يدك يا عمر ؟ فقلت يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما الى علمنا، فغضب رسول الله حتى احمرت وجنتاه ثم نودي بالصلاة جامعة ! ! فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، السلاح ! !). وفي هذا الموقف دلالة واضحة على أن نهي النبي عن ثقافتهم لم يؤثر ! بل استمرت حركة اليهود في أصحابه ! واستمر أصحابه في خدمة خطتهم عن سذاجة أو اجتهاد ! وأمام هذه الأسلحة القاتلة.. لابد من إعلان النفير المسلح وإطلاق حكم الله تعالى في ثقافة اليهود وفي المبهورين بها أو عملائها لا فرق، ولابد من حفر ذلك في أذهان الأمة حفرا في حالة الغضب.. وتحت السلاح ! ! وثاني هذه الدلالات، أن خطبة النبي صلى الله عليه وآله لابد أنها كانت أطول مما نقله الخليفة عمر أو تذكره منها ! ! ولكن الموجود منها بركة، والأمور الأربعة الواردة فيها كافية لمعرفة الوضع المرضي في الأمة والدواء النبوي له.. (فقال: يا أيها الذين آمنوا إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون !): الأمر الأول، إذا كان يعجبكم بلاغة حاخامات اليهود ورهبانهم وقلتم إن أحاديثهم لفصاحتها وبلاغتها تأخذ بمجامع قلوبكم ! فإن نبيكم أبلغ منهم يامن تدعون معرفة الفصاحة والبلاغة ! فقد أعطاه الله تعالى جوامع الكلم وطوع الله له المعاني والألفاظ تطويعا لم يعطه حتى لموسى بن عمران ! فما لكم تدعون الايمان بالله ورسوله ثم تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ !

[ 424 ]

والأمر الثاني، لقد أتيتكم بالعقيدة الخاتمة والشريعة الخاتمة، بيضاء نقية، وهؤلاء قد غيروا عقائدهم وشرائعهم وحرفوها حتى صارت كدرة مخلوطة.. فما لكم تستبدلون الأبلج المشرق بالداكن المظلم، والزلال الصافي بالآسن الكدر ؟ ! ! والأمر الثالث، إن الله أمرني أن أنهاكم عن السير وراء هؤلاء والتأثر بهم كثيرا أو قليلا.. وإن فعلتم فأنتم متهوكون ضالون. والأمر الرابع، أخبرني ربي بأنكم ستتهوكون وتضيعون كما ضاعت اليهود والنصارى، وقد بدأت بوادره فيكم.. فإني أحذركم المتهوكين منكم الذين هم في الواقع أتباع لهم، وضائعون ضالون مثلهم، وإني أنهاكم عنهم كما نهيتكم عن أسيادهم، ولعل التأثر بالتابع أسوأ من التأثر بالمتبوع ! ! وثالث هذه الدلالات، أن النبي صلى الله عليه وآله عندما رأى الكيل طفح والخطر وصل الى البيت، نفد صبره النبوي.. ولكنه لم يجب عمر على كلامه ! بل قرر هذه المرة أن يدعو المسلمين الى اجتماع طارئ ويخاطبهم بدل أن يخاطب عمر.. ولعل السبب في ذلك أن واجبه إقامة الحجة وقد أقامها على عمر مرات.. وقد بقي عليه أن يقيمها على المسلمين.. أو لأنه يريد الإحتفاظ بعلاقته مع عمر ولا يقطعها أو يوترها. لكن قد يكون النبي صلى الله عليه وآله عندما سمع جواب عمر أجابه جوابا شديدا، ولكن الخليفة لم ينقله، ولا نقله الرواة خوفا من الخليفة، كما أنهم لم ينقلوا الرواية إلا عن لسان الخليفة ! مهما يكن، فقد جاء تحذيره صلى الله عليه وآله قويا شديدا حاسما، أقام فيه الحجة عليهم جميعا بمن فيهم عمر، وبين للمسلمين غناهم عن استيراد ثقافة أهل الكتاب، وخط لهم دونها خطا أحمر ! ورابع هذه الدلالات، أن أحدا غير الخليفة عمر لم ينقل هذه الحادثة الخطيرة ولا شيئا من خطبة النبي صلى الله عليه وآله في هذا الموضوع الخطير، إلا ما رواه الشيعة ! وهذا يدل على سيطرة الخليفة عمر ونفوذه الكامل بعد النبي صلى الله عليه وآله بحيث أن أحدا لا يجرؤ أن ينقل قصة يمكن أن تكون طعنا فيه، الى أن ينقلها هو بالصيغة التي يختارها.. والحمد لله أن من صفات الخليفة عمر أنه كان كثير الحديث عن أموره بجرأة واطمئنان.. ولولا ذلك لما وصلت إلينا نتف هذه الرواية وأمثالها ! !

[ 425 ]

وسادس هذه الدلالات، ما ذكره العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء ج 2 ص 429، قال (مسألة: لا يجوز الوقف على كتابة التوراة والإنجيل لأنهما منسوخان محرفان ولا نعلم فيه خلافا، لما روى العامة أن رسول الله خرج الى المسجد فرأى في يد عمر صحيفة فيها شئ من التوراة فغضب النبي صلى الله عليه وآله لما رأى الصحيفة مع عمر وقال له: أفي شك أنت يابن الخطاب ؟ ألم آت بها بيضاء نقية ؟ لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي. ولولا أن ذلك معصية لما غضب منه. وكذا لا يجوز الوقف على كتبة كتب الضلال وجميع ما لا يحل كتابته لأنها جهة محرمة) انتهى. والظاهر أن العلامة الحلي وجد رواية أخرى غير ما ذكرنا وقد خاطب بها النبي عمر مباشرة.. ولابد أن قصتها كانت قبل دعوته صلى الله عليه وآله المسلمين الى النفير العام والتجمع في المسجد ! ! في أول إسلامه أراد زيارة بيت المقدس فنهاه النبي روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 4 ص 5 عن إسلام عمر: (... وكان آخرهم إسلاما عمر بن الخطاب فلما كانوا أربعين خرجوا الى المشركين (! !) قال جئت رسول الله لأودعه وأردت الخروج الى بيت المقدس فقال لي رسول الله: أين تريد ؟ قلت أريد بيت المقدس. قال وما يخرجك إليه، أفي تجارة ؟ قلت لا، ولكني أصلي فيه. فقال رسول الله: صلاة ههنا خير من ألف صلاة ثم. ورجال الطبراني ثقات. ورجال أحمد فيهم يحيى بن عمران جهله أبو حاتم) انتهى. روى في كنز العمال ج 14 ص 146: (عن سعيد بن المسيب قال: استأذن رجل عمر بن الخطاب في إتيان بيت المقدس فقال له: إذهب فتجهز فإذا تجهزت فأعلمني، فلما تجهز جاءه فقال له عمر: إجعلها عمرة. (يعني لا تجعلها حجة، أو الأفضل أن لا تجعلها حجة !) قال: ومر به رجلان وهو يعرض إبل الصدقة فقال لهما من أين جئتما ؟ قالا من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة وقال: أحج كحج البيت ؟ قالا: إنما كنا مجتازين - الأزرقي) انتهى.

[ 426 ]

ومعنى جوابهما: أننا حججنا الى بيت المقدس كحج البيت ولكنا لم نقصده قصدا كما يقصد البيت الحرام، بل كان في طريقنا ! فرضي الخليفة بذلك ولم يعقب بشئ، لأن المهم أن تبقى للكعبة ميزة ما على بيت المقدس، وقد بقيت الميزة بأن الكعبة تقصد للحج والعمرة، وبيت المقدس يحج إليه ولكن يقصد للعمرة فقط لا للحج ! ! وروى البيهقي في سننه ج 5 ص 41 (... عن عباد يعني ابن عبد الله بن الزبير قال حدثت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل بيت المقدس قال: لبيك اللهم لبيك !). وفي كنز العمال ج 8 ص 144 (عن أبي مريم عبيد قال: دخلت مع عمر بن الخطاب محراب داود فقرأ فيه (ص) وسجد). وفي الدر المنثور ج 5 ص 305: وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مريم قال لما قدم عمر الشام أتى محراب داود عليه السلام فصلى فيه فقرأ سورة ص، فلما انتهى الى السجدة سجد) انتهى. ولكن ابن الأثير خفف لون عمل الخليفة في بيت المقدس، فقال في البداية والنهاية ج 7 ص 65 (ويقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود !) انتهى. الخليفة يثق بتنبؤات أهل الكتاب عن المستقبل ! لم يكن عرب الجاهلية يرون بأسا بسؤال أحبار اليهود ورهبان النصارى عن الأمور الروحية وعن تنبؤاتهم عن المستقبل.. بشرط الحذر من أن يستغل الحبر أو الراهب ذلك لأغراض سياسية تضر العرب.. فأهل الكتاب في نظر العرب - وخاصة قريش - أصحاب علم من كتبهم، وعندهم تنبؤات صحيحة إذا صدقوا ولم يكذبوا ! كذلك كان أكثر الناس يرجعون الى الكهان المنتشرين في بلاد الجزيرة وبواديها ليعرفوا من الكاهن أخبار المستقبل، أو ليساعدهم في حل مشكلة، أو ليحكم بينهم أي الشخصين أو القبيلتين أفضل (المنافرة).

[ 427 ]

وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وإسلام العرب انتهى دور الكهان بشكل عام لأنهم رجال دين الوثنية التي انتهت.. أما دور الأحبار والرهبان فلم ينته في الحس العام للعرب ! بل قد تعزز في حس بعضهم فلم يكونوا يرون بأسا بالإستفادة من علماء أهل الكتاب، خاصة فيما فاتهم أن يسألوا عنه النبي صلى الله عليه وآله ! ولم أجد استثناء من هذه الظاهرة إلا الأئمة من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ! ومن الممكن أن يكون عند الأحبار والرهبان في ذلك الزمان أثارة من علم وبقايا ورثوها من الأنبياء والأوصياء السابقين، ولكنها في الغالب مشوبة ومحرفة لا يمكن الوثوق بها.. وقد كان الخليفة عمر في علاقاته مع أهل الكتاب مهتما بهذا الجانب، قبل الإسلام وبعده، فكان يسألهم عما يجدونه عندهم عن النبي وأمته، وعمن يحكم هذه الأمة بعد نبيها، والأخطار التي تهدد مستقبلها وبقاءها.. بل كان وهو خليفة يروي قصة الراهب الذي تنبأ له بأنه سيحكم العرب ويفتح الشام، قال ابن جزي في التسهيل لعلوم القرآن ج 1 ص 323 (ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة الى الشام، قال فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي فذهبت أنازعه فقيل لي لا تفعل فإنه لا نصيف لك منه ! فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ملقى فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال لي أنقل ما ههنا ! فجعلت أنظر كيف أصنع، فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال أئنك على ما أرى ما نقلت شيئا، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي ! فقلت: واثكل أمك يا عمر أبلغت ما أرى ؟ ! ثم وثبت الى المجرفة فضربت بها هامته فنشرت دماغه ثم واريته في التراب وخرجت على وجهي لا أدري أين أسير فسرت بقية يومي وليلتي من الغد الى الهاجرة فانتهيت الى دير فاستظللت فناءه، فخرج إلي رجل منه فقال لي: يا عبد الله ما يقعدك هنا ؟ فقلت أضللت أصحابي، فقال لي ما

[ 428 ]

أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف، فادخل فأصب من الطعام واسترح، فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعد في النظر وصوبه، فقال قد علم والله أهل الكتاب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب مني، وإني لأرى صفتك الصفة التي تخرجنا من هذا الدير وتغلبنا عليه، فقلت يا هذا لقد ذهبت بي في غير مذهب، فقال لي ما اسمك فقلت عمر بن الخطاب، فقال أنت والله صاحبنا فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت يا هذا إنك قد صنعت إلي صنيعة فلا تكررها، فقال إنما هو كتاب في رق، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلا لم يضرك شئ. فكتب له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلي ثم أوكف أتانا فقال لي أتراها ؟ فقلت نعم، قال سر عليها فإنك لا تمر بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلى ! ! قال فركبتها فكان كما قال حتى لحقت بأصحابي وهم متوجهون الى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم ! فلما وافى عمر الشام في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب دير العرس فلما رآه عرفه، فقال قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على أصحابه فحدثهم بحديثه فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال هل عندكم من نفع للمسلمين، قال نعم يا أمير المؤمنين، قال إن أضفتم المسلمين ومرضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك قال نعم يا أمير المؤمنين فوفى له عمر رضي الله عنه ورحمة !) انتهى. وهذا يدل على أن حمارة الراهب من الملائكة، فلابد أن يكون الراهب من ملائكة العرش ! ! وروى أبو داود في سننه ج 2 ص 403 (... عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب، قال: بعثني عمر الى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر: وهل تجدني في الكتاب ؟ قال: نعم، قال: كيف تجدني ؟ قال: أجدك قرنا، فرفع عليه الدرة، فقال: قرن مه ؟ فقال: قرن حديد، أمين شديد، قال: كيف تجد الذي يجئ من بعدي ؟ فقال: أجده خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته، قال عمر: يرحم الله عثمان ! ثلاثا، فقال: كيف تجد الذي بعده ؟ قال: أجده صدأ حديد، فوضع عمر يده على رأسه فقال: يا دفراه يا دفراه، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه خليفة صالح ولكنه يستخلف حين يستخلف

[ 429 ]

والسيف مسلول والدم مهراق ! قال أبو داود: الدفر النتن) ورواه في تهذيب التهذيب ج 1 ص 323، وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 1078: (... عن أقرع مؤذن عمر قال: بعثني عمر رضي الله عنه الى الأسقف فدعوته فجعلت أظلهما من الشمس، فقال عمر رضي الله عنه: يا أسقف هل تجدنا في الكتب ؟ قال نعم. قال فكيف تجدني ؟ قال أجدك قرنا. قال فرفع عليه الدرة وقال: وعلى قرني مه ؟ قال قرنا حديدا أمينا شديدا. قال فكيف تجد الذي بعدي ؟ قال: خليفة صالحا غير أنه يؤثر قرابته. قال يرحم الله عثمان، يرحم الله عثمان - ثلاثا - قال: فكيف تجد الذي بعده ؟ قال أجد حدا حديدا. فوضع عمر رضي الله عنه يده على رأسه وقال وازفراه، وازفراه، وازفراه. قال يا أمير المؤمنين إنه خليفة صالح ولكن يستخلف حين يستخلف والسيف مسلول والدم مهراق !). وفي معجم ما استعجم للأندلسي ج 4 ص 1153 (لد. مدينة بالشام بضم أوله وتشديد ثانيه. جاء في الحديث أن المسيح عليه السلام يقتل الدجال بباب لد رواه الزهري، عن سالم عن أبيه أن عمر سأل رجلا من اليهود، فقال له: قد بلوت منك صدقا فحدثني عن الدجال. فقال يقتله ابن مريم بباب لد) انتهى. أما في أحاديث أهل البيت عليهم السلام فإن الدجال قائد حركة ضد الإسلام يخرج بعد ظهور الإمام المهدي، والذي يقتله هو الإمام المهدي عليه السلام. مهما يكن، فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب قبل الإسلام يعتقد بالكهان والأحبار والرهبان، أما بعد الإسلام فالظاهر أنه لم يضعف اعتقاده بهم بل تأكد.. وأكبر شاهد على ذلك المكانة التي أعطاها لكعب الأحبار في الدولة الإسلامية وثقافة الإسلام ! مكانة كعب الأحبار عند الخليفة كان كعب الأحبار حاخاما يهوديا من يهود اليمن، وعندما قصد من اليمن الى بيت المقدس مر على المدينة فخرج الخليفة عمر الى استقباله أو الى زيارته في مكان إقامته، إكراما له واحتراما ! وقالوا دعاه الى الإسلام ولكنه لم يستجب.. وواصل سفره الى بيت المقدس ثم سكن في الشام وهو على يهوديته، ورافق الخليفة عمر في زيارته الى بيت المقدس وهو على يهوديته ! وكان يتردد على المدينة إجابة لدعوة الخليفة ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 168 (وأخرج ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال: أسلم كعب في زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال: يا كعب أسلم. قال

[ 430 ]

ألستم تقرؤون في كتابكم مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا، و أنا قد حملت التوراة فتركه. ثم خرج حتى انتهى الى حمص فسمع رجلا من أهلها يقرأ هذه الآية يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها، قال كعب يا رب آمنت يا رب أسلمت. مخافة أن تصيبه هذه الآية ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين) انتهى. وقد طوت هذه الرواية مدة من حياة كعب وأحداثا أشرنا إليها، وكانت علاقته بالخليفة وثيقة.. وأيا كان، فقد أخذ كعب في قلب الخليفة ودار الخلافة مكانة علمية استشارية، وصار له نفوذ في الدولة ! وقد أثر بحكم هذه المكانة على ثقافتنا الإسلامية.. بل بلغت ثقة الخليفة بعلم كعب وثقافته أنه صار مشاورا دينيا للخليفة على أعلى مستوى يمكن أن يتصوره إنسان ! فكعب مصدر لمعرفة أخبار الغيب والآخرة.. ومصدر لمعرفة تاريخ الأنبياء.. ومصدر لتفسير القرآن.. ومصدر للفتاوي الشرعية.. ومصدر لمعرفة المستقبل السياسي والديني للأمة الإسلامية.. ومصدر لمعرفة مستقبل الخليفة عمر شخصيا.. ومصدر لمعرفة مقام الخليفة عند الله تعالى ومكانه في الجنة ! ! ولا يتسع المجال الى استقصاء الأحاديث في ذلك وفيها الأحاديث الصحيحة عند إخواننا بأعلى درجات الصحة.. لذا نكتفي بذكر نماذج منها: روى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 65 عن كعب الأحبار، تحت عنوان: (باب شدته رضي الله عنه في الله وكراهيته للباطل. عن عمر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب أرسل الى كعب الأحبار فقال: يا كعب كيف تجد نعتي ؟ قال أجد نعتك قرن من حديد. قال وما قرن من حديد ؟ قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم. قال ثم مه ؟ قال ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة). وروى في كنز العمال ج 12 ص 567: (عن سفيان بن أبي العوجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك ؟ فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين ! إن بينهما فرقا،

[ 431 ]

قال ما هو ؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك. والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا، فسكت عمر ! - ابن سعد.... عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة ؟ قال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر - ابن سعد.... عن رجل من بني أسد أنه شهد عمر بن الخطاب سأل أصحابه وفيهم طلحة وسلمان والزبير وكعب فقال: إني سائلكم عن شئ فإياكم أن تكذبوني فتهلكوني وتهلكوا أنفسكم، أنشدكم بالله ! أخليفة أنا أم ملك ؟ فقال طلحة والزبير: إنك لتسألنا عن أمر ما نعرفه، ما ندري ما الخليفة من الملك، فقال سلمان يشهد بلحمه ودمه: إنك خليفة ولست بملك، فقال عمر إن تقل فقد كنت تدخل فتجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال سلمان: وذلك أنك تعدل في الرعية وتقسم بينهم بالسوية وتشفق عليهم شفقة الرجل على أهله وتقضي بكتاب الله، فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحدا يعرف الخليفة من الملك غيري ولكن الله ملأ سلمان حكما وعلما. ثم قال كعب: أشهد أنك خليفة ولست بملك فقال له عمر وكيف ذاك ؟ قال: أجدك في كتاب الله قال عمر: تجدني باسمي ؟ قال: لا ولكن بنعتك أجد: نبوة ثم خلافة ورحمة على منهاج نبوة، ثم خلافة ورحمة على منهاج نبوة، ثم ملكا عضوضا - نعيم بن حماد في الفتن.... عن كعب أن عمر بن الخطاب قال: أنشدك بالله يا كعب ! أتجدني خليفة أم ملكا ؟ قال: بل خليفة: فاستحلفه فقال كعب: خليفة والله ! من خير الخلفاء، وزمانك خير زمان - نعيم بن حماد في الفتن) انتهى. والسبب في إصرار الخليفة عمر على أن يعرف من كعب أو غيره هل أنه خليفة أو ملك ؟ أن الأحبار أخبروه بأن اسمه أو صفته مذكورة في كتبهم التي ورثوها عن أنبيائهم وأنه سيحكم العرب بعد نبيهم.. فهو يريد أن يعرف نفسه وهل هو عند الله تعالى

[ 432 ]

خليفة صالح من أهل الجنة أم أنه ملك من الملوك الذين ورد ذمهم في القرآن والكتب السماوية ؟ ! فكان كعب الأحبار وغيره يطمئنونه بأنه خليفة وليس ملكا. وكذلك أسئلة الخليفة لكعب عن مساكن عدن الخاصة في الجنة، التي أخبره الأحبار بأن مسكنه فيها: روى السيوطي في الدر المنثور ج 4 ص 57 (عن الحسن البصري أن عمر قال لكعب: ما عدن ؟ قال هو قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم (حاكم) عدل). وفي ج 5 ص 347 (وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه... في قوله تعالى وأدخلهم جنات عدن قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا كعب ما عدن ؟ قال: قصور من ذهب في الجنة يسكنها النبيون والصديقون وأئمة العدل). وفي كنز العمال ج 12 ص 561 (عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: حدثني يا كعب عن جنات عدن. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل، فقال عمر: أما النبوة فقد مضت لأهلها، وأما الصديقون فقد صدقت الله ورسوله، وأما الحكم العدل فإني أرجو الله أن لا أحكم بشئ إلا لم آل فيه عدلا، وأما الشهادة فأني لعمر بالشهادة ؟ ! ابن المبارك وأبو ذر الهروي في الجامع) انتهى. وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج 10 ص 331: (... عن عبد الله بن الحرث قال كنت عند عائشة وعندها كعب الأحبار فذكر إسرافيل فقالت عائشة: يا كعب أخبرني عن إسرافيل ؟ فقال كعب: عندكم العلم قالت أجل، قالت فأخبرني. قال: له أربعة أجنحة جناحان في الهواء وجناح قد تسربل به وجناح على كاهله والقلم على أذنه، فإذا نزل الوحي كتب القلم، ثم درست الملائكة وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب للأخرى فالتقم الصور محنى ظهره وقد أمر إذا رأى اسرافيل قد ضم جناحه أن ينفخ في الصور ! ! فقالت عائشة: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ! رواه الطبراني في

[ 433 ]

الأوسط وإسناده حسن). ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 338، وقال (وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط بسند حسن) انتهى. عمر يسأل كعبا عن مستقبل الأمة وعن مستقبله الشخصي وروى أحمد في مسنده ج 1 ص 42 (... أن عمير بن سعد الأنصاري كان ولاه عمر حمص فذكر الحديث قال عمر يعني لكعب: إني اسألك عن أمر فلا تكتمني قال والله لا أكتمك شيئا أعلمه. قال ما أخوف شئ تخوفه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال أئمة مضلين. قال عمر: صدقت قد أسر ذلك الي وأعلمنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم). ورواه في مجمع الزوائد ج 5 ص 239، وقال (رواه أحمد ورجاله ثقات) وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 3 ص 891 (... عن عبد الله بن زيد ابن أسلم، عن أبيه، عن جده قال: لما قدم عمر رضي الله عنه من مكة في آخر حجة حجها أتاه كعب فقال: يا أمير المؤمنين، إعهد فإنك ميت في عامك، قال عمر رضي الله عنه وما يدريك يا كعب ؟ قال: وجدته في كتاب الله. أنشدك الله يا كعب هل وجدتني باسمي ونسبي، عمر بن الخطاب ؟ قال: اللهم لا، ولكني وجدت صفتك وسيرتك وعملك وزمانك !). وروى الطبري في تاريخه ج 1 ص 323: (... عن سالم النصرى قال بينما عمر بن الخطاب يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى فقال أحدهما لصاحبه أهو هو ؟ ! قال فلما انفتل عمر قال أرأيت قول أحدكما لصاحبه أهو هو ؟ فقالا إنا نجد في كتابنا قرنا من حديد يعطي ما أعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله ! فقال عمر ما نجد في كتابنا حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله إلا عيسى ابن مريم ! فقالا أما تجد في كتاب الله ورسلا لم نقصصهم عليك، فقال عمر بلى قالا وأما إحياء الموتى فسنحدثك أن بني اسرائيل وقع فيهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على رأس ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله له، فأنزل الله في ذلك: ألم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) انتهى.

[ 434 ]

الخليفة يطلب من كعب الموعظة ! روى السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 257 (... فقال عمر بن الخطاب عند ذلك ألا تسمع يا كعب ما يحدثنا به ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ماله، فكيف بأعلاهم ؟ قال يا أمير المؤمنين مالا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء فخلق لنفسه دارا بيده فزينها بما شاء وجعل فيها ما شاء من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها، جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ كعب (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.. الآية) وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والإستبرق وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة. فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبق خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه حتى أنهم ليستنشقون ريحه ويقولون واها هذه الريح الطيبة، ويقولون لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين ! فقال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها. فقال كعب يا أمير المؤمنين إن لجهنم زفرة مامن ملك ولا نبي إلا يخر لركبتيه حتى يقول إبراهيم خليل الله: رب نفسي نفسي ! وحتى لو كان لك عمل سبعين نبيا الى عملك لظننت أن لن تنجو منها) انتهى. يقول كعب إن الخوف يوم القيامة يشمل كل الناس فينشغل كل إنسان بنفسه، حتى إبراهيم عليه السلام الذي هو أفضل الخلق يقول يا رب نفسي.. وهذا موافق لعقيدة اليهود، أما نحن المسلمين فعقيدنتا أن نبينا محمدا صلى الله عليه وآله أفضل من جميع الخلق حتى إبراهيم عليه السلام. ولكن السؤال هنا وفي العديد من روايات كعب: من أين جاء بها كعب ؟ ! فأمور غيب الله تعالى لا يمكن لأحد أن يتكلم عنها إلا بإسناد عن النبي صلى الله عليه وآله، وكعب لم ير النبي صلى الله عليه وآله، ولم يسند إليه ! فهل كان يروي للخليفة والمسلمين من كتب اليهود، أم كان يلتقط منهم ومن المسلمين ثم ينتقي الأخبار ويتبناها ويتكلم بها من عنده باعتباره مصدرا للعلم بالآخرة والغيب ؟ !

[ 435 ]

وقد وردت في مصادرنا رواية عن أهل البيت عليهم السلام تكذب ماقاله كعب.. فقد روى الكليني في الكافي ج 8 ص 312 عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال (قال النبي صلى الله عليه وآله: أخبرني الروح الأمين أن الله لا إله غيره إذا أوقف الخلائق وجمع الأولين والآخرين أتي بجهنم تقاد بألف زمام، آخذ بكل زمام مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، ولها هدة وتحطم وزفير وشهيق، وإنها لتزفر الزفرة فلولا أن الله عز وجل أخرها الى الحساب لأهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق يحيط بالخلائق البر منهم والفاجر، فما خلق الله عبدا من عباده ملك ولا نبي إلا وينادي يا رب نفسي نفسي، وأنت تقول: يا رب أمتي أمتي) انتهى، وصدق رسول الله وآله، صلى الله عليه وآله. نظرية كعب والخليفة في شفاعة نبينا (ص) ! قال السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 285 (وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن ميمون أن كعبا دخل يوما على عمر بن الخطاب فقال له عمر حدثني الى ما تنتهي شفاعة محمد يوم القيامة ؟ فقال كعب قد أخبرك الله في القرآن أن الله يقول ما سلككم في سقر... الى قوله اليقين قال كعب: فيشفع يومئذ حتى يبلغ من لم يصل صلاة قط، ويطعم مسكينا قط، ومن لم يؤمن ببعث قط، فإذا بلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير !) انتهى. وبهذا أفتى كعب بأنه يدخل الجنة حتى من لم يصل صلاة واحدة، ولا من أطعم حتى مسكينا واحدا، وحتى من لا يؤمن بيوم الدين ! ! لأن جميع هؤلاء تشملهم شفاعة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة ! ! ويبدو أن الخليفة وافق كعبا على هذه السعة في شفاعة النبي صلى الله عليه وآله، بل يفهم من صيغة سؤاله له أنه كان يعرف جوابه، لكن أراد أن يعرف الحاضرين سعة شفاعة النبي وأنها تشمل حتى الكفار والملحدين.. ولكنها برأي إخواننا السنة لا تشمل الشيعة المحبين للنبي وأهل بيته، كما لا تشمل أجداد النبي وجداته صلى الله عليه وعليهم !

[ 436 ]

وقد كنت أنظر الى روايات شفاعة النبي صلى الله عليه وآله التي جعلها كعب تشمل كل أهل الكتاب وغيرهم أيضا.. بنظرة طبيعية وأن كعبا يقصد منها إثبات أنه مسلم مؤمن بمقام النبي صلى الله عليه وآله عند ربه.. ولكني لاحظت أن روايات شفاعة نبينا صلى الله عليه وآله في مصادر السنة والشيعة مخصوصة بأمته، ولم أجد رواية واحدة منها تدل على شمولها للكفار والملحدين كما يدعي كعب ! لذا ترجح عندي أن المقصود بروايات كعب بيان مقام المشفوع لهم من أهل الكتاب، وليس مقام الشفيع صلى الله عليه وآله ! ثم وجدت أن توسعة كعب للشفاعة جزء من نظرية أوسع.. تقول بأن العقاب الإلهي في الآخرة محدود، وأن النار تفنى وتنتهي ويدخل كل أهلها الجنة حتى الطغاة والمجرمين والمفسدين في البلاد، وسفاكي دماء العباد، وقتلة الأنبياء ! ! ووجدت رواية عن صاحب كعب عبد الله بن سلام تقول بنفس النظرية ! وهي نظرية يهودية ! ! ثم وجدت أن الشيخ محمد رشيد رضا ينسبها الى الخليفة عمر.. قال في تفسير المنار ج 8 ص 72 دار المعرفة بيروت: (السابع: قول من يقول بل يفنيها ربها وخالقها تبارك وتعالى فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها. قال شيخ الإسلام وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم، وقد روى عبد بن حميد وهو من أجل أئمة الحديث في تفسيره المشهور: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن قال: قال عمر لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه. وقال حدثنا حجاج ابن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن عمر بن الخطاب قال لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. ذكر ذلك في تفسير ثابت عند قوله تعالى لابثين فيها أحقابا، فقد رواه عبد وهو من الأئمة الحفاظ وعلماء السنة عن هذين الجليلين سليمان بن حرب وحجاج بن منهال وكلاهما عن حماد بن سلمة وحسبك به، وحماد يرويه عن ثابت وحميد وكلاهما يرويه عن الحسن وحسبك بهذا الإسناد جلالة، والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به وقال قال

[ 437 ]

عمر بن الخطاب، ولو قدر أنه لم يحفظ عن عمر فتداول هؤلاء الأئمة له غير مقابلين له بالإنكار والرد مع أنهم ينكرون على من خالف السنة بدون هذا فلو كان هذا القول عند هؤلاء الأئمة من البدع المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله واجماع الأئمة لكانوا أول منكر له. قال: ولا ريب أن من قال هذا القول عن عمر ونقله عنه. إنما أراد بذلك جنس أهل النار الذين هم أهلها، فأما قوم أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها وأنهم لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه، ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (أما أهل النار الذين هم أهلها فهم لا يموتون فيها ولا يحيون) ولا يناقض هذا قوله تعالى خالدين فيها، وقوله وما هم منها بمخرجين بل ما أخبر الله به هو الحق والصدق الذي لا يقع خلافه. لكن إذا انقضى أجلها وفنيت كما تفني الدنيا لم تبق نارا ولم يبق فيها عذاب !) انتهى. ومعنى هذا الرأي أن المسلمين لا يدخلون النار إلا النادر منهم، وأن أهل النار عذابهم موقت حتى لو كانوا من أكفر الكافرين وألحد الملحدين، وحتى لو كانوا طغاة وكانت جرائمهم بمقدار قتل سكان الكرة الأرضية ! فهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ! ! ولكن ذلك يخالف آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله، كما اعترف به رشيد رضا.. كما أنه يستلزم لوازم كبيرة لا يمكن الإلتزام بها.. وتفصيلها خارج عن بحثنا.. وقبل هذا وذاك: أين الدليل على هذا الكلام من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه وآله ؟ فالخليفة عمر قال ذلك ولم يسنده الى النبي صلى الله عليه وآله، وحتى لو أسنده إليه فنحن مأمورون من النبي أن لا نقبل عنه ما خالف كتاب الله تعالى لأنه لا يقول ما خالف كتاب الله ! ولا يمكننا أن نفسر (خالدين فيها.. وما هم منها بخارجين) بأنهم يخرجون منها ! وأما كعب الأحبار فهو يتحدث من عنده بدون إسناد، ونادرا ما يسند الحديث الى النبي صلى الله عليه وآله، وقد يقول وجدت في كتب الله تعالى ! وهذا إسناد لا يمكن لعالم أن يقبله ! إن كعبا يتحدث عن السماوات والأرضين كأنه تجول فيها.. وعن

[ 438 ]

أوضاع وأحوال الآخرة والحساب والعقاب والجنة والنار.. وعن خلق الله تعالى وأفعاله كأنه سكرتيره ! وإذا قبل الخليفة عمر فهل يجب علينا أن نقبلها، ولم تثبت عندنا نبوته ! ولا نص النبي على صدق قوله وحجيته علينا.. ؟ ! هل تسربت روايات التجسيم من كعب ؟ روى السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 305 في تفسير قوله تعالى عن نبيه داود على نبينا وآله وعليه السلام: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب... عن السدي بن يحيى قال حدثني أبو حفص رجل قد أدرك عمر بن الخطاب أن الناس يصيبهم يوم القيامة عطش وحر شديد فينادى المنادي داود فيسقى على رؤس العالمين، فهو الذي ذكر الله وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب، ثم روى عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر يوم القيامة فعظم شأنه وشدته قال ويقول الرحمن لداود عليه السلام: مر بين يدي، فيقول داود يا رب أخاف أن تدحضني خطيئتي، فيقول: خذ بقدمي فيأخذ بقدمه عز وجل فيمر. قال فتلك الزلفى التي قال الله وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) انتهى، ورواه في كنز العمال ج 2 ص 488. ونحن لا نعرف مدى صحة هذه الرواية عن الخليفة، فإن صحت فلا بد أن يكون أصلها من ثقافة كعب اليهودية التي تنص على تجسم الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا، وتعطي لنبي الله داود على نبينا وآله وعليه السلام مقاما يكاد يكون فوق مقام كل الأنبياء ! وكذلك ينبغي لعلماء إخواننا السنة أن ينقدوا روايات طقطقة العرش وصريره وأطيطه وأزيزه من ثقل الله عزوجل وتعالى.. لأنها تستوجب أن يكون وجوده سبحانه تعالى داخل الزمان والمكان، مع أنه ليس كمثله شئ، وهو الذي خلق المكان، وبدأ شريط الزمان.. فهو متعال عن صفات المكين والزمين.. وما دام العرش مخلوقا تحمله الملائكة كما نص القرآن الكريم، فيستحيل أن يكون الله تعالى عليه أوفيه، بل يمكن أن يكون العرش بتعبير عصرنا شبيه السنترال الذي يدار منه الكون. وإدارة الكون المادي من مركز مادي لا تستلزم أن يكون الله تعالى وجودا ماديا.. الى آخر مسائل تنزه وجوده سبحانه عن شبه مخلوقاته، وعن أن يحويه مكان أو يحكمه زمان !

[ 439 ]

تفسير كعب للأئمة الاثني عشر الموعودين ومن طرائف ما وجدت من أخبار كعب خبر يدل على قراءته للتوراة، فقد روى ابن الأثير في البداية ج 6 ص 281 عن نعيم ابن حماد المتوفى سنة 327، ولعلي رأيت ذلك في مخطوطة كتابه (الفتن) في نسخة مصورة من المتحف البريطاني، وليست الآن عندي - قال: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن أبي المنهال عن أبي زياد عن كعب قال: إن الله وهب لإسماعيل من صلبه اثني عشر قيما، أفضلهم أبو بكر وعمر وعثمان) انتهى. وهو يقصد ما ورد في العهد القديم - الا صحاح السابع عشر (وأما إسمعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة) وقد ترجمها كعب (قيما) وترجمها ناشروا التوراة (رئيسا) وذكر بعض أهل الخبرة أن ترجمتها الصحيحة (إماما) فيكون تأييدا لأحاديث الأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، ولا ندري من أين أتى كعب بتطبيق النص على أبي بكر وعمر وعثمان ؟ ويظهر أنه حدث بذلك في زمن معاوية، ولذلك لم يذكر معهم عليا عليه السلام ؟ ! معنى تعصب كعب للشام ضد الحجاز والعراق ! روى في كنز العمال ج 14 ص 148 ثلاث روايات عن مسند عمر، تقول أولاها: (... عن الهيثم بن عمار قال: سمعت جدي يقول: لما ولي عمر بن الخطاب زار أهل الشام فنزل بالجابية... فبلغ أهل العراق أنه زار أهل الشام فكتبوا إليه يسألونه أن يزورهم كما زار أهل الشام، فهم أن يفعل فقال له كعب: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تدخلها ! قال: ولم ؟ قال: فيها عصاة الجن وهاروت وماروت يعلمان الناس السحر، وفيها تسعة أعشار الشر وكل داء معضل، قال عمر: قد فهمت كل ما ذكرته غير الداء المعضل فما هو ؟ قال: كثرة الأموال، هو الذي ليس له شفاء، فلم يأتها عمر - كر). ونحوه في ص 173 حديث رقم 38279 ورقم 38280. وفي كنز

[ 440 ]

العمال ج 14 ص 143 (عن قتادة وغيره أن عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول الى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره ! فقال كعب: يا أمير المؤمنين ! إني وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله من أرضه، فيها كنز من عباده - كر) انتهى. وينبغي للباحث أن يتثبت بشكل عام من الأحاديث المتضمنة مدح بلدان وأقوام أو ذمهم، لأن دواعي الوضع فيها قوية.. وبلاد الشام قديما تشمل سورية وفلسطين ولبنان والأردن، وأكثر أحاديث فضلها وتفضيلها غير مسندة الى النبي صلى الله عليه وآله، بل هي من كلام كعب وحزبه ومعاوية وحزبه، وقليل منها مسند ! ومع أن كعب الأحبار من أهل اليمن، ومع أنه أسلم كما يقول، ولكنه ظل يتبنى روايات اليهود والنصارى في تفضيل منطقة أنبيائهم على مكة والمدينة والعراق، وقد اتفق هدف الأمويين مع هدف هؤلاء في هذا الموضوع، خاصة في مدح الشام وذم العراق ! وقد يكون سبب ذم كعب الشديد للعراق وإصراره على ثني عزم الخليفة عمر عن زيارته، أن الصحابة الذين كانوا في الكوفة كانوا متشددين ضد اليهود والنصارى أكثر من الذين في المدينة، مضافا الى أن ثقل قبائل اليمن المسلمين كانوا في الكوفة، وهم يعرفون كعبا وأسرته وتاريخه.. فخشي كعب أن يؤثروا على مكانته عند الخليفة ! شهادة كعب للنميري بأنه ذهب الى الجنة ورجع ! قال الحموي في معجم البلدان ج 4 ص 386 (القلت: قال هشام بن محمد: أخبرني ابن عبد الرحمن القشيري عن امرأة بن حباشة النميري قالت خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أيام خرج الى الشام فنزلنا موضعا يقال له القلت، قالت: فذهب زوجي شريك يستقي فوقعت دلوه في القلت فلم يقدر على أخذها لكثرة الناس فقيل له: أخر ذلك الى الليل، فلما أمسى نزل الى القلت ولم يرجع فأبطأ وأراد عمر الرحيل فأتيته وأخبرته بمكان زوجي فأقام عليه ثلاثا وارتحل في الرابع، وإذا شريك قد

[ 441 ]

أقبل فقال له الناس: أين كنت ؟ فجاء الى عمر رضي الله عنه، وفي يده ورقة يواريها الكف وتشتمل على الرجل وتواريه فقال: يا أمير المؤمنين إني وجدت في القلت سربا وأتاني آت فأخرجني الى أرض لا تشبهها أرضكم وبساتين لا تشبه بساتين أهل الدنيا فتناولت منه شيئا فقال لي ليس هذا أوان ذلك، فأخذت هذه الورقة فإذا وهي ورقة تين، فدعا عمر كعب الأحبار وقال: أتجد في كتبكم أن رجلا من أمتنا يدخل الجنة ثم يخرج ؟ قال نعم وإن كان في القوم أنبأتك به ! فقال: هو في القوم، فتأملهم فقال: هذا هو، فجعل شعار بني نمير خضراء الى هذا اليوم !) انتهى. إذا صحت هذه الرواية فلا ندري من أيهما نعجب ؟ من كعب أم من الخليفة عمر ! وإن كانت موضوعة فهي تكشف عن أن مسألة احترام الخليفة لكعب وعلمه، وسرعة (بديهة) كعب وتقربه الى الخليفة، كانا أمرين معروفين عند الناس ! البخاري لا يوافق الخليفة على الرواية عن أهل الكتاب عقد البخاري في صحيحه ج 8 ص 160 بابا تحت عنوان (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ) شكك فيه بصدق كعب الأحبار فقال (وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب !). ثم روى أمر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين بعدم الثقة بثقافة أهل الكتاب فقال (... عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم. وقولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل اليكم.. الاية). ثم روى صيحة ابن عباس في المسلمين ليكفوا عن أخذ ثقافتهم من أهل الكتاب ! فقال (... عن عبيدالله بن عبد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال كيف تسألون أهل الكتاب عن شئ وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه

[ 442 ]

وسلم أحدث تقرؤنه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم ؟ ! !). ونحوه في ج 5 ص 150، ج 8 ص 208 و 213 وج 3 ص 163 ولكن البخاري - الذي هو من بلاد ما وراء النهر البعيدة عن اليهود والنصارى - لم يلتفت الى أن صيحات ابن عباس هذه ما ارتفعت إلا بعد وفاة الخليفة عمر، وبعد أن رأى موجة الثقافة اليهودية التي فتح بابها الخليفة وأعطاها الشرعية، تضرب أطنابها في مساجد المسلمين وحديثهم وتفسيرهم وفقههم، بفعل كعب وتلامذة كعب المحترمين ! ولم يلتفت البخاري أيضا الى أن اتهامه كعبا بالكذب لا يرضي الخليفة عمر، وأنه لو كان في زمن الخليفة فلربما أدبه بسبعين سوطا ! ابن الأثير يبرر عمل الخليفة قال ابن الأثير في البداية والنهاية ج 1 ص 19: (... فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر، فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الإذن في التحديث عن بني إسرائيل، لكن كثيرا ما يقع فيما يرويه غلط كبير وخطأ كثير) انتهى. وكأن ابن الأثير لم يقرأ روايات البخاري المتقدمة أو قرأها ولكن أولها بأن نهي النبي عن سؤال أهل الكتاب لا يعارض الاستفادة من ثقافتهم والتحديث عنهم، فيكون بذلك قد أيد رأي الخليفة عمر. والإذن الذي يقصده ابن الأثير رواية رووها عن النبي صلى الله عليه وآله تقول (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، أو ما شئتم) وقد فسرها الذين يوافقون الخليفة عمر في سياسة الإنفتاح على ثقافة أهل الكتاب بأن معناها: يجوز لكم أن تحدثوا عنهم وترووا عنهم ما شئتم ولا حرج ! ولكن إذا صحت الرواية فإن معناها: كل ما تقولون من تفصيلات عن أعمال أهل الكتاب التي نزل بها القرآن أو أخبركم بها نبيكم من

[ 443 ]

تكذيبهم لأنبيائهم وانحرافهم وضلالهم.. فلا مبالغة فيه، لأن تاريخهم ملئ وغريب.. فحدثوا عنهم ولا حرج ! وهذا ضد ما أرادوه من رواية الحديث عنهم وأخذ ثقافتهم ! ! لقد لعب المفسرون بكلمة (حدثوا) ففسروها بالمعنى المصطلح عند المحدثين بعد النبي صلى الله عليه وآله.. بينما هي في كلامه هنا بالمعنى اللغوي للتحديث لا بالمعنى الإصطلاحي ! وقد نصت على ما ذكرنا رواية في كنز العمال ج 10 ص 231 عن النبي صلى الله عليه وآله قال (تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنكم لا تحدثون عنهم بشئ إلا وقد كان فيهم أعجب منه - حم عن أبي هريرة) انتهى. ولكن هل يقنع ذلك ابن الأثير والأثيريين ؟ ! الشيخ أبو رية المصري يرى أن إسلام كعب مكيدة قال الشيخ محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية ص 145 (.. وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرا، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام. ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا الى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تهي هذه الأصول وتضعف. لما عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم لأنه قد حفظ بالتدوين، واستظهره آلاف من المسلمين، وأنه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسس إليه حرف - اتجهوا الى التحديث عن النبي فافتروا ما شاؤوا أن يفتروا عليه أحاديث لم تصدر عنه. وأعانهم على ذلك أن ما تحدث به النبي في حياته لم يكن محدد المعالم، ولا محفوظ الأصول، لأنه لم يكتب في عهده صلوات الله عليه كما كتب القرآن، ولا كتبه صحابته من بعده، وأن في استطاعة كل ذي هوى أو دخلة سيئة، أن يدسس إليه بالإفتراء، ويسطو عليه بالكذب.

[ 444 ]

ويسر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية. قال ابن الجوزي: لما لم يستطيع أحد أن يدخل في القرآن ما ليس منه أخذ أقوام يزيدون في الحديث ويضعون ما لم يقل (ص 14 ج 2 تاريخ ابن عساكر).... وبواسطة كعب وابن منبه وسواهما من اليهود الذين أسلموا تسربت الى الحديث طائفة من أقاصيص التلمود - الإسرائيليات - وما لبثت هذه الروايات أن أصبحت جزءا من الأخبار الدينية والتاريخية.... وقال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: إنه قدم من اليمن في دولة أمير المؤمنين عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم وروى جماعة من التابعين مرسلا، مات بحمص في سنة 32 أو 33 أو 38 بعد ما ملأ الشام وغيرها من البلاد الإسلامية اليهودية برواياته وقصصه المستمدة من الأخبار، كما فعل تميم الداري في الأخبار النصرانية) انتهى. الخليفة عمر وتميم الداري تميم الداري مسيحي لخمي، أي من قبيلة لخم في سوريا ولبنان، وفد هو وجماعته على النبي صلى الله عليه وآله في السنة التاسعة للهجرة، أي بعد أن شمل الإسلام كل الجزيرة العربية تقريبا. وكان ظاهر تميم الصلاح والتقوى، على رغم أن عمله مع جماعته تجارة الخمور، فقد ذكرت بعض الروايات أنه أراد أن يهدي الى النبي أدنانا من الخمر فرفضها النبي صلى الله عليه وآله لأنها حرام، فأصر عليه تميم أن يأخذها ويبيعها وينتفع بثمنها فقال له إن ثمنها أيضا حرام ! وكانت ثقافة تميم يهودية مع اهتمام كبير بالأمور الخارقة للعادة والأساطير.. فهو يجمع صفات (الحكواتي) النموذجي بالتعبير المصري. صار تميم الداري مقربا من الخليفة عمر بحكم احترام الخليفة للثقافة اليهودية وعلمائها، والثقافة المسيحية فرع منها. وطلب تميم من الخليفة أن يجيزه بأن يقص للمسلمين في مسجد النبي من قصص أهل الكتاب، ولكن النبي صلى الله عليه وآله نهي المسلمين عن أخذ ثقافتهم من القصاصين، ولذلك قال الخليفة لتميم (إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم) يعني

[ 445 ]

أخاف عليك إذا وقفت في المسجد تقص على المسلمين من قصص أهل الكتاب، أن يدوسوك بأقدامهم. ولكن تميما استغل ليونة الخليفة واحترامه له وواصل طلبه من الخليفة.. فقال له عمر مرة (إنه الذبح) أي يذبحك المسلمون ! وقد كان هذا موقف الخليفة مع القصاصين الآخرين، كما يذكر ابن شبة المتوفى سنة 260 في كتابه تاريخ المدينة ج 1 ص 9 - 11، قال (مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقاص، فخفقه بالدرة وقال: ما أنت ؟ قال: مذكر. قال كذبت، قال الله جل ثناؤه فذكر إنما أنت مذكر، ثم خفقه بالدرة فقال: ما أنت ؟ قال: ما أدري ما أقول لك ؟ قلت: قاص فرددت علي، وقلت مذكر فرددت علي ! فقال قل: أنا أحمق مراء متكلف ! حدثنا أحمد بن جنان... مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقاص فقال: ما أنت ؟ قال: قاص، قال: كذبت، إنما يقص على الناس أمير أو مأمور، فخفقه بالدرة وقال ما أنت ؟ قال: مذكر، قال: كذبت، قال الله جل ثناؤه فذكر إنما أنت مذكر. ثم خفقه بالدرة فقال: ما أنت ؟ قال: ما أدري ما أقول لك ! قلت: قاص فرددت علي وقلت: مذكر فرددت علي ! فقال: قل أنا أحمق مراء متكلف. حدثنا محمد بن مصعب قال، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى، أن رجلا استأذن عمر رضي الله عنه في القصص فقال: وددت لو أنك رفعت الى الثريا ثم رمي بك الى الأرض، فإياك وإياه، فإنه الذبح) انتهى. الى هنا نرى أن المسألة طبيعية منسجمة مع ما ينبغي لخليفة النبي صلى الله عليه وآله من رفض ثقافة القصاصين.. ولكن الأمر اختلف بعد مدة وفي أواخر خلافة عمر ! وأصدر الخليفة ترخيصا لتميم الداري بالقص في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ! مما يدل على أن الخليفة كان يحب ذلك فانتظر حتى يتهيأ الرأي العام لقبوله.. ! فكيف تهيأ الرأي العام وصار المسلمون يتقبلون مجلسا رسميا لقصص اليهود والنصارى في مسجد نبيهم ؟ !

[ 446 ]

تشير الروايات الى أنه كان يوجد قصاصون متعددون صغار في مسجد النبي صلى الله عليه وآله قبل تميم، بهم انفتح باب القص في المسجد ! وأن الخليفة مر عليهم يوما فقال إنه يريد أن يجمعهم على قصاص واحد، وكأنه قرر إنجاح مجلس كبير للقصاص الذي يريده وهو تميم ! وتذكر الروايات أن الخلفية لم يكتف لصاحبه تميم بإصدار المرسوم الخلافي، بل حضر شخصيا في مجلس قصصه وحكاياته، من أجل إعلام الرأي العام أن الخليفة قد أعطى الشرعية لمجلس تميم وأفكاره ! وعندما حضر الخليفة في ذلك اليوم تحت منبر تميم أراد أن يسأله عن توضيح كلمة سمعها منه في تلك الجلسة، ولكنه احترم تميما وكره أن يقطع كلامه ! والأعجب من ذلك أن الخليفة اختار لتميم أولا يوم الجمعة قبل خطبته هو، ثم اختار له يوم السبت، فصارت النتيجة مزيجا طريفا: قسيس مسيحي سابقا ومسلم فعلا.. يقص على المسلمين قصص اليهود.. في مسجد نبيهم صلى الله عليه وآله.. في يوم السبت ! ! روى الإمام أحمد في مسنده ج 3 ص 449 (... عن الزهري عن السائب بن يزيد أنه لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر وكان أول من قص تميما الداري، استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على الناس قائما فأذن له عمر). وروى ابن شبة في تاريخ المدينة ج 1 ص 11 (... عن ابن شهاب قال: أول من قص في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري: استأذن عمر رضي الله عنه أن يذكر الله مرة فأبى عليه، ثم استأذن أخرى فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته، فأذن له أن يذكر يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر رضي الله عنه. فاستأذن تميم رضي الله عنه في ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه فأذن له أن يذكر يومين من الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك.... عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرج عمر رضي الله عنه الى المسجد، فرأى حلقا في المسجد فقال ما هؤلاء ؟ فقالوا قصاص، فقال: وما القصاص ؟

[ 447 ]

سنجمعهم على قاص يقص لهم في يوم سبت مرة الى مثلها من الآخر. فأمر تميم الداري رضي الله عنه.... عن السائب بن يزيد: أنه لم يكن قص على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، كان أول من قص تميم الداري رضي الله عنه. استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقص على الناس قائما، فأذن له عمر رضي الله عنه. حدثنا أبو عاصم عن ابن أبي رواد، عن نافع: أن تميما الداري رضي الله عنه استأذن عمر رضي الله عنه في القصص فقال: إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم - وقال أبو عاصم مرة: إنه الذبح، وأشار الى حلقه - فقال: إن لي فيه نية، وأرجو أن أوجر فيه. فأذن له قال: وجلس إليه هو وابن عباس رضي الله عنهما. وقال أبو عاصم مرة: وجلس إليه في أصحابه وهو يقص، فسمعه يقول (إياك وزلة العالم) فأراد أن يسأله عنها، فكره أن يقطع به ! قال: وتحدث هو وابن عباس رضي الله عنهما وتميم يقص، وقاما قبل أن يفرغ. حدثنا ابن أبي رجاء قال، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب: إنه سئل عن القصص فقال: لم يكن إلا في خلافة عمر رضي الله عنه، سأله تميم رضي الله عنه أن يرخص له في مقام واحد في الجمعة، فرخص له (فسأله أن) يزيده فزاده مقاما آخر. ثم استخلف عثمان رضي الله عنه فاستزاده فزاده مقاما آخر، فكان يقوم ثلاث مرات في الجمعة. حدثنا موسى بن إسماعيل قال، أنبأنا أبو عثمان قال: حدثنا عتبة أن تميم الداري رضي الله عنه استأذن عمر رضي الله عنه أن يقص، فقال: لا. ثم استأذن أيضا، فقال: أما إني آذن لك فيه، وأعلمك أنه الذبح، وأشار الى حلقه). وروى نحوه في كنز العمال ج 10 ص 280، وقال في رمزه: المروزي في العالم - العسكري في المواعظ - أبو نعيم) ونحوه في مجمع الزوائد ج 1 ص 190، وقال (رواه أحمد والطبراني في الكبير). إن هذا التغير في موقف الأمة من ثقافة (القصاصين) أي رواة قصص أهل الكتاب في مدة قليلة من أول خلافة عمر الى أواخرها، يدل على وجود عمل في هذا الإتجاه، كما يدل على أن سماع ثقافة أهل الكتاب اتسع في المسلمين حتى صار مألوفا، بل

[ 448 ]

صار هو المادة الوحيدة بعد القرآن بسبب سياسة تغييب السنة ومنع التحديث عن النبي صلى الله عليه وآله ! ! أحاديث الجساسة والدجال لا يكاد مصدر مهم من مصادر إخواننا السنة يخلو من حديث تميم الداري عن الجساسة والدجال اللذين رآهما أقارب تميم في جزيرة كأنها جزيرة قبرص، وأحاديث أخرى مشابهة عن الدجال تؤكد حتمية خروجه، وأنه قد ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وأنه حي يرزق قد مد الله تعالى في عمره حتى يخرج فيضل به خلق كثير، وأن اسمه صائد أو عبد الله بن صياد من أهل المدينة ! ولذا تجد إخواننا السنة يعتقدون بوجوده لأن رواياته عندهم صحيحة من الدرجة الأولى.. ولكن بعضهم يشنع علينا اعتقادنا بالأحاديث المتواترة الصحيحة عندنا بأن الإمام المهدي عليه السلام قد مد الله تعالى في عمره حتى يظهره ويظهر به الإسلام على الدين كله ! وقد اخترع بعضهم قصصا وأساطير عن انتطار الشيعة للإمام المهدي عليه السلام وسرداب الغيبة.. الخ. فكأن تمديد الحياة لأعداء الله ممكن، ولأوليائه مستحيل ! وكأن باء الدجال تجر وباء المهدي لا تجر ! وكأن روايات تميم وكعب وأمثالهم أوثق من روايات علي وبقية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ! ! لا شك عندنا في أن أصل رواية الدجال رواية صحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله، ولكن من حق الباحث أن يتساءل عن هذا الحجم الضخم لمسألة الدجال، أليس من الممكن أن تكون أثرت فيها رواسب الثقافة اليهودية عن طريق كعب وتميم.. ؟ وأن يتساءل عن ذلك المدني عبد الله ابن صياد الذي كان مسلما عاديا وشارك في الفتوحات وتوفي.. أليس من الممكن أن يكون ضحية هذه التأثيرات ؟ ! ويظهر أن حديث (جساسة) تميم كان قبل حديث ابن صياد.. يقول تميم: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم الظهر، ثم صعد المنبر، فاستنكر الناس ذلك فبين قائم وجالس، ولم يكن يصعده قبل ذلك إلايوم الجمعة، فأشار إليهم بيده أن اجلسوا، ثم قال: والله ما قمت مقامي هذ ا لأمر (ينفعكم) لرغبة ولا لرهبة،

[ 449 ]

ولكن تميما الداري أتاني فأخبرني خبرا منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، ألا إن بني عم لتميم الداري أخذتهم عاصف في البحر فألجأتهم الريح إلى جزيرة لا يعرفونها، فقعدوا في قوارب السفينة فصعدوا فإذا هم بشئ أسود أهدب كثير الشعر، قالوا لها ما أنت ؟ قالت: أنا الجساسة، قالوا: فأخبرينا، قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا سائلتكم عنه، ولكن هذا الدير قد رمقتموه فأتوه فإن فيه رجلا بالأشواق الى أن يخبركم وتخبروه، فأتوه فدخلوا عليه فإذا هم بشيخ موثق في الحديد شديد الوثاق كثير الشعر فقال لهم: من أين ؟ قالوا: من الشام قال: ما فعلت العرب ؟ قالوا نحن قوم من العرب، قال: ما فعل هذا الرجل الذي خرج فيكم ؟ قالوا: خير ناواه قوم فأظهره الله عليهم فأمرهم اليوم جميع وإلههم واحد ودينهم واحد، قال: ذلك خير لهم، قال: ما فعلت عين زغر ؟ قالوا: يسقون منها زروعهم ويشربون منها لسقيهم، قال: ما فعل نخل بين عمان وبيسان ؟ قالوا: يطعم في جناه كل عام، قال: ما فعلت بحيرة طبرية ؟ قالوا: تدفق جانباها من كثرة الماء، فزفر ثلاث زفرات ثم قال: إني لو قد انفلت من وثاقي هذا لم أترك أرضا إلا وطأتها بقدمي هاتين إلا طيبة ليس لي عليها سلطان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الى هذا انتهى فرحي، هذه طيبة والذي نفس محمد بيده مامنها طريق ضيق ولا واسع إلا عليه ملك شاهر بالسيف الى يوم القيامة) انتهى. وقد أوردنا هذا الحديث في (معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام) تحت رقم 470 واستوفينا ذكر مصادره وقلنا هناك: (يختلف التصور الذي تقدمه الأحاديث الواردة في مصادرنا الشيعية عن الدجال وحركته، عن التصور الذي تقدمه الأحاديث الواردة في المصادر السنية ببعض الأمور: منها: خلو أحاديثنا من أكثر العناصر التصويرية المتقدمة. ومنها: أن حركة الدجال فيها ليست حادثا ابتدائيا بل هي حركة مضادة لثورة الإمام المهدي الشاملة، وقوام هذه الحركة المضادة اليهود والمنافقون من الداخل الذين يتصفون بدرجة خاصة من العداء للإمام المهدي وأهل البيت عليهم السلام. ومنها: أن الذي يقتل الدجال هو الإمام المهدي وليس عيسى عليهما السلام) انتهى.

[ 450 ]

وهناك روايات في مصادر إخواننا السنة تؤيد ما ورد في مصادرنا عن الدجال.. منها ما رواه الطبراني في معجمه الصغير ج 1 ص 139 (... عن حنش بن المعتمر، أنه سمع أبا ذر الغفاري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال) انتهى، وروى نحوه الحاكم في مستدركه ج 3 ص 150 - 151 ومسند الشهاب ج 2 ص 273 وابن المغازلي في المناقب ص 68 ح 99، وص 134 والشجري في الأمالي: ج 1 ص 151.. وغيرهم. وروى الطوسي شبيها لها في الأمالي ج 1 ص 59 وفيه (... وقاتل أهل بيتي في الثانية حشره الله تعالى في الثالثة مع الدجال. إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل باب حطة من دخله نجا ومن لم يدخله هلك) انتهى، ونحوه في ج 2 ص 74 ورواه في الإيقاظ من الهجعة ص 245 و 246، ومجمع الرجال ج 2 ص 56، وبحار الأنوار ج 2 ص 408 وج 23 ص 119، والدرجات الرفيعة ص 239، وتنقيح المقال ج 1 ص 235، ومعجم رجال الحديث ج 4 ص 167.. وتفصيل ذلك خارج عن بحثنا.. نتيجة احترام الخليفة لتميم الداري ! إن تأثير كعب وتميم وتلامذة مدرستهما على ثقافتنا الإسلامية، ليس من نوع واحد، فمنه الواضح البين.. ومنه الخفي البين الذي يمكنك أن تلحظه إذا تأملت أكثر ودققت.. ومنه الخفي الخفي، الذي يحتاج الى اطلاع واسع على الإسلام واليهودية والنصرانية لتمييز مفردات عقائدها وأحكامها وإرجاع المورد الى أصله ! ثم منه ما يسهل إقناع إخواننا السنة به، ومنه ما يصعب إقناعهم به أو يستحيل، لأن فلانا روى فيه رواية أسندها الى النبي صلى الله عليه وآله، أو لأن فلانا من الصحابة تبناه ! على أي حال صار تميم وكعب وجماعتهما عند إخواننا السنة بسبب احترام الخليفة عمر، من أولياء الله الصالحين.. وصار ما يروى عنهم مقبولا عند إخواننا حتى لو شموا منه رائحة يهودية قوية. والظاهر أن مجلس القص الذي استمر عليه تميم نحو عشر سنين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله أعطاه مكانة عند عوام المسلمين فوق مكانة كعب.. ونكتفي هنا بذكر نماذج مما رووه من كراماته:

[ 451 ]

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 445 (... عن المنكدر بن محمد، عن أبيه: أن تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد، فقام سنة لم ينم فيها، عقوبة للذي صنع !... وروى حماد، عن ثابت: أن تميما أخذ حلة بألف، يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر) انتهى، ولعل الألف درهم في عصره كانت تشتري مئتي شاة ! وقال البيهقي في دلائل النبوة ج 6 ص 80 (باب ما جاء في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري رضي الله عنه شرفا للمصطفى صلى الله عليه وسلم وتنويها باسم من آمن به. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ... عن أبي العلاء، عن معاوية بن حرمل، قال: قدمت المدينة فلبثت في المسجد ثلاثا لا أطعم، قال: فأتيت عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين تائب من قبل أن يقدر عليه، قال: من أنت ؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل، قال: إذهب الى خير المؤمنين فأنزل عليه، قال: وكان تميم الدارمي إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت الى جنبه فضرب يده فأخذ بيدي فذهب بي فأتينا بطعام، فأكلت أكلا شديدا وما شبعت من شدة الجوع، قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة فجاء عمر الى تميم فقال: قم الى هذه النار، فقال يا أمير المؤمنين ! ومن أنا وما أنا، قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال وتبعتهما فانطلقا الى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب، ودخل تميم خلفها ! ! قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير. قالها ثلاثا. لفظ حديث الصنعاني) انتهى. ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 2 ص 447 وقال (سمعها عفان من حماد، وابن حرمل لا يعرف) وقال في هامشه (هذا ما قاله المؤلف هنا وفي تاريخه 2 - 189، أما الحافظ ابن حجر فقد ذكره في الإصابة 10 - 35 في القسم الثالث فقال: معاوية بن حرمل الحنفي صهر مسيلمة الكذاب، له إدراك. وكان مع مسيلمة في الردة، ثم قدم على عمر تائبا، ثم أورد هذا الخبر من طريق البغوي، عن الجريري) انتهى. وما ندري لماذا اكتفى الذهبي بقوله عن ابن حرمل: لا يعرف.. ولماذا لم يوجد أحد من المسلمين يروي هذا الحديث والحدث الكبير الذي وقع في المدينة في عهد الخليفة

[ 452 ]

عمر، إلا صهر مسيلمة الكذاب، الجائع، الذي بقي فارا بعد قتل مسيلمة ولم يتب إلا في زمن الخليفة عمر ؟ ! هل أجلى الخليفة عمر يهود خيبر ؟ تضمنت روايات رزية الخميس في مصادر إخواننا السنة وصية النبي صلى الله عليه وآله بإجلاء المشركين من جزيرة العرب، أو اليهود والنصارى كما في عدد منها.. وقالت مصادر حديثهم وفقههم إن الخليفة عمر عمل بهذه الوصية وأجلاهم.. واستشهدوا لذلك بإجلائه يهود خيبر الى أريحا بفلسطين عندما اعتدوا على ولده عبد الله.. قال البخاري في صحيحه ج 5 ص 137: (... عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا ما شأنه أهجر ؟ ! استفهموه ! ! فذهبوا يردون عليه ! ! فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه ! ! وأوصاهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالثة، أو قال فنسيتها ! !). ثم أطالت المصادر في رواية اعتداء يهود خيبر على عبد الله بن عمر، ومصادرة عمر لأرضهم وإجلائهم الى تيماء التي تبعد 300 كيلو مترا عن خيبر، والى أريحا بفلسطين. قال البخاري في صحيحه ج 3 ص 17: (... عن نافع عن ابن عمر قال لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبا فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقركم ما أقركم الله، وأن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا... فأجلاهم عمر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضا من أقتاب وحبال وغير ذلك) انتهى. ورواه مسلم ج 5 ص 27، وأبو داود ج 2 ص 35 وأحمد ج 1 ص 14، والبيهقي في سننه ج 6 ص 115 و 135 وج 9 ص 56 و 137 و 207 و 208 و 224، وابن شبة في تاريخ المدينة ج 1 ص 176 - 194 والسيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 228، والهندي في كنز العمال ج 4 ص 503 وقال البخاري في صحيحه ج 3 ص 71 وج 4 ص 61 (... حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحا).

[ 453 ]

وفي سيرة ابن هشام ج 3 ص 389 - تحقيق السقا: (قال ابن اسحاق: وحدثني نافع، مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، قال: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدي على تحت الليل، وأنا نائم على فراشي، ففدعت يداي من مرفقي، فلما أصبحت استصرخ على صاحباي فأتياني فسألاني من صنع هذا بك ؟ قلت: لا أدري، قال: فأصلحا من يدي، ثم قدما بي على عمر رضي الله عنه، فقال: هذا عمل يهود، ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر، ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم أصحابه، ليس لنا هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإني مخرج يهود، فأخرجهم). وفي كنز العمال ج 4 ص 509: (عن يحيى بن سهل بن أبي حثمة قال: أقبل مظهر بن رافع الحارثي إلى أبي بأعلاج من الشام عشرة ليعملوا في أرضه فلما نزل خيبر أقام بها ثلاثا فدخلت يهود للأعلاج وحرضوهم على قتل مظهر ودسوا لهم سكينين أو ثلاثا فلما خرجوا من خيبر، وكانوا بثبار وثبوا عليه فبعجوا بطنه فقتلوه ثم انصرفوا إلى خيبر فزودتهم يهود وقوتهم حتى لحقوا بالشام، وجاء عمر بن الخطاب الخبر بذلك فقال: إنى خارج إلى خيبر فقاسم ما كان بها من الأموال، وحاد حدودها ومورف أرفها ومجل يهود عنها، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم أقركم ما أقركم الله، وقد أذن الله في إجلائهم ففعل ذلك بهم - ابن سعد). وقال ابن كثير في السيرة النبوية ج 3 ص 378: (... فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها، فقسمها بينهم فقال رئيسهم: لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. فقال عمر: أتراني سقط على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف بك

[ 454 ]

إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما. وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أه الحديبية. وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة. قال البيهقي: وعلقه البخاري في كتابه فقال: ورواه حماد بن سلمة. قلت: ولم أره في الاطراف فالله أعلم) انتهى. نفهم من هذه الروايات أن الخليفة عمر أبقى اليهود في خيبر وفي جزيرة العرب الى أن وقعت حادثة الإعتداء على ابنه.. وعند ذلك عاقبهم أو أجلاهم ! وانحصرت القصة فقط بيهود خيبر، لأن سياسة الخليفة مع اليهود كانت بعمومها إيجابية، وكانوا أحرارا في التنقل والسكن والتجارة في الجزيرة وغيرها.. وكان علماؤهم محترمين مقدرين أكثر من غيرهم.. هذا إذا صحت تسمية إجلائهم الى منطقة أريحا في فلسطين طردا.. فهي هدفهم الذي يشكرون الخليفة عليه، خاصة إذا أعطاهم فيها أراضي خيرا من أراضي خيبر ونجران ! ! بل تدل الرواية التالية على أن إجلاءهم من الجزيرة كان مطلبا للمسلمين وأن الخليفة عمر كان يفكر فيه ويعد به عندما يأتي وقته ! قال أحمد في مسنده ج 1 ص 32: (... عن أبي الزبير عن جابر عن عمر رضي الله عنه قال لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب !). ولا بد أن يهود نجران قاموا بتصرف عدواني كيهود خيبر فعاقبهم الخليفة ! والظاهر أنه لم يجلهم من نجران كما تدل الرواية التالية التي رواها أحمد في مسنده ج 1 ص 87: (... عن عدي بن ثابت عن أبي ظبيان عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي إن أنت وليت الأمر بعدي فأخرج أهل نجران من جزيرة العرب) انتهى. فهذه الرواية إن كانت صادرة من النبي صلى الله عليه وآله فهي تدل على أنهم سيبقون في نجران الى خلافة علي عليه السلام، وإن كانت موضوعة فهي تدل على أن عمر لم يقم بإجلاهم بل كانوا موجودين إلى زمن علي عليه السلام.

[ 455 ]

مذهب أهل البيت أبعد المذاهب عن الثقافة اليهودية إذا كان عند الباحث معرفة بالثقافة اليهودية وحساسية منها، ومشى بهذا النور في مصادر الإسلام متتبعا احتمالات التسرب والتأثير.. فلن يجد معينا صافيا لا شائبة فيه إلا الثروة المروية عن أهل البيت عليهم السلام. ولا يهمنا أن يستكثر الآخرون هذه الدعوى.. ولكن يهمنا أن يبحثوا في مفردات ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وآله برواية أهل بيته.. ثم يقارنوا بينها وبين مثيلاتها من رواية غير أهل البيت، من زاوية القرب والبعد عن الثقافة اليهودية، ومن زاوية احتمال التسرب والتأثر، ومن زاوية التعبير عن استقلال الشخصية الفكرية للوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله.. ثم يحكموا ! ونكتفي هنا بذكر نماذج تدل على اعتداد النبي وآله صلى الله عليه وآله بثقافة الإسلام الربانية، وحرصهم على الابتعاد عن ثقافة أهل الكتاب والتميز عليها: قال الشيخ الصدوق في الهداية ص 70 (وقال النبي صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: أنقبي على أذني ابني الحسن والحسين خلافا على اليهود) انتهى. وجاء في قاموس الكتاب المقدس ص 316 (وكانت عادة قومية عند الاسماعيليين أن يلبس الرجال أقراطا - قضاة 8: 25 و 26) انتهى. * * وقال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 390 (وإذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة فليقل الذي خلفه (الحمد لله رب العالمين) ولا يجوز أن يقال بعد قراءة فاتحة الكتاب (آمين) لأن ذلك كانت تقوله النصارى) انتهى. وروى في تهذيب الأحكام ج 2 ص 75 (... عن معاوية بن وهب قال قلت لابي عبد الله عليه السلام (الإمام الصادق): أقول آمين إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟ قال: هم اليهود والنصارى ! ولم يجب في هذا) انتهى. وروى في الإستبصار ج 1 ص 318 عن الإمام الصادق عليه السلام أيضا أنه قال (إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد وفرغ من قرائتها فقل أنت الحمد لله رب العالمين ولا تقل آمين) انتهى.

[ 456 ]

وقال الراغب الإصفهاني في المفردات ص 26 (آمين: يقال بالمد والقصر، وهو اسم للفعل نحو صه ومه. قال الحسن: معناه استجب. وأمن فلان إذا قال آمين. وقيل: آمين اسم من أسماء الله تعالى) انتهى. ويفهم من كلام هذا اللغوي أنه غير متأكد من معنى آمين، ولذا جعله على ذمة الحسن البصري. ولكن أخذ على ذمته فعل (أمن) المشتق منها فيما بعد ! وفي هامش الإنجيل طبعة دار الكتاب المقدس صفحة 548 (آمين (حقا) كلمة من الكلما ت الآرامية الأربع التي حفظت في النص اليوناني في صيغ العهد الجديد الطقسية. إنها تؤكد على أمانة الرب وإيمان الإنسان خلافا لما كان يفعل الربانيون، كان يسوع يستهل أقواله بقوله (آمين أقول لكم) في الأناجيل الأزائية أكثر من خمسين مثلا على ذلك. أما الإنجيل الرابع، فانه يكرر كلمة آمين مرتين للتأكيد على القول والتفخيم: آمين، آمين، أقول لكم، يو 1 / 51، لكن لفظ آمين يكون في أغلب الأحيان خاتمة لليترجية، وفي ليترجية الافخارستيا مثل بليغ (راجع روم 16 / 27 و 1 قور 14 / 16 ورؤ 5 / 14 ويستعمل سفر الرؤيا مفردات بولس فيسمي يسوع (آمين) (رؤ 3 / 14) انتهى. نعم ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام استحسان كلمة آمين في غير الصلاة، ومن المحتمل أن تكون دخلت الى اللغة العربية من يهود المدينة أو من نصارى الشام ونجران ثم صار معناها: استجب.. لكن مع ذلك نهى أهل البيت عنها في الصلاة واستنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه وآله قالها في صلاته. * * وقال الشيخ المفيد في المقنعة ص 316 (والسحور في شهر رمضان من السنة، وفيه فضل كبير لمعونته على الصيام، والخلاف فيه على اليهود، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله) انتهى. * * وقال السيد المرتضى في الإنتصار ص 193 (مسألة: ومما انفردت به الإمامية أن كل طعام عالجه الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يثبت كفرهم بدليل قاطع فهو حرام لا يجوز أكله ولا الإنتفاع به، وقد خالف باقي الفقهاء في ذلك، وقد دللنا على هذه المسألة في كتاب الطهارة، حيث دللنا أن سؤر الكفار نجس) انتهى. * *

[ 457 ]

وقال الشيخ الطوسي في الخلاف ج 1 ص 255 (دليلنا إجماع الفرقة وروى ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله قال: خمروا وجوه موتاكم، ولا تشبهو باليهود) انتهى. * * وقال في ص 264 (وأيضا روى عبادة بن صامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى يوضع في اللحد، فاعترض بعض اليهود وقال: إنا لنفعل ذلك فجلس وقال: خالفوهم) انتهى. * * وقال في ص 452 (مسألة 350 - لا يجوز أن يتولى ذبح الهدي والأضحية أحد من الكفار، ولا اليهود ولا المجوس ولا النصارى. ووافقنا الشافعي في المجوس، وكره في اليهودي والنصراني، وأجازه). وقال في الخلاف ج 3 ص 249 (لا تجوز ذبائح أهل الكتاب اليهود والنصارى عند المحصلين من أصحابنا وقال شذاذ منهم إنه يجوز أكله، وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وإنما يخالف فيها من لا يعتد بقوله من الطائفة وأيضا قوله تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) انتهى. * * وقال المحقق الحلي في المعتبر ج 2 ص 452 (ويكره أن تكون محاريبها داخلة في الحائط، لما روى طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن علي عليهما السلام أنه كان يكسر المحاريب إذا رآها في المسجد ويقول انها مذابح اليهود) انتهى. * * وقال في كشف الرموز ج 1 ص 381 (... عن يزيد بن خليفة، قال: رآني أبو عبد الله عليه السلام أطوف حول الكعبة وعلى برطلة، فقال لي بعد ذلك: قد رأيتك تطوف حول الكعبة وعليك برطلة ! لا تلبسها حول الكعبة فإنها من زي اليهود) انتهى.

[ 458 ]

شئ من الانصاف للشيعة ! لو كان عند الشيعة نصف كعب الأحبار.. أو نصف وهب بن منبه.. أو نصف أبي شعيون.. أو نصف تميم الداري.. أو أي شخص من أولئك المستشرقين القدامي.. لقامت القيامة على رؤوسهم من إخوانهم السنة ! ومع كل الذي رأيناه نماذجه.. فالقيامة قائمة على رؤوسنا نحن ! وما زال بعض الكتاب (الأكاديميين) والعلماء (الباحثين) يلصقون الإسرائيليات بالشيعة. حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا، وهو من كبار فقهاء السنة في عصرنا، ومن أبرز عقولهم العلمية المحترمة، عن جلسة من جلسات مؤتمر البحوث الإسلامية في القاهرة في أواخر الستينات فقال: تحدث أحد المحاضرين عن مشكلة الإسرائيليات في مصادر المسلمين فحمل على الشيعة الذين جلبوا على المسلمين هذا البلاء، وأطال في ذلك. فطلبت الكلام بعده وقلت: لا يصح أن نظلم الشيعة، لأنهم طائفة إسلامية لها عراقتها وأصالتها العلمية، وقد اطلعت على مصادر من فقههم فرأيته فقها قوي المنطق والحجة مستندا الى القرآن والسنة.. والإسرائيليات بلاء عام ابتليت به مصادرنا كما ابتليت به مصادر الشيعة، فلا يصح أن نقول إنه جاءنا منهم.. إن هذا الموقف شبه المنصف لهذا الفقيه يدل على اطلاعه على مصادر السنة وشئ من مصادر الشيعة.. ولكني مطمئن بأنه لو اطلع أكثر لقال: إن بلاء الإسرائيليات في مصادر المسلمين وإن كان مشتركا بين السنة والشيعة، إلا أن منبعه عند السنة وبعض ترشحاته عند الشيعة.. والسبب في ذلك أن السلطة كانت بيد خلفاء السنة وأئمتهم، وكان علماء اليهود وحملة ثقافتهم يتقربون إليهم فقربوهم وأجازوا لهم بث ثقافتهم في المسلمين.. أما الشيعة فكانوا أقلية محكومين، وكان اليهود يبتعدون عنهم خوفا من غضب السلطة. ولو اطلع أكثر لقال: أما علي والأئمة من أهل بيت النبي فلم يكونوا بحاجة لأن تكون لهم علاقات ثقافية مع اليهود والنصارى، بل كانوا يأنفون من الإستماع الى

[ 459 ]

علومهم المحرفة.. ولم يعهد عنهم أنهم مدحوا شخصيات أهل الكتاب أو ثقافتهم بكلمة واحدة، بل كانوا أقوى المناظرين لهم، وكان المسلمون إذا أحرجوا في مسألة من أهل الكتاب هرعوا الى أهل بيت نبيهم صلى الله عليه وآله ليأخذوا جوابها.. ومن المعروف عن علي عليه السلام أن حاخاما يهوديا قال له: سرعان ما اختلفتم في نبيكم. يقصد في أمر الخلافة. فأجابه عليه السلام: نحن لم نختلف في نبينا بل اختلفنا عنه، وأما أنتم فما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهؤلاء ! ! إننا على يقين بأن الباحثين المنصفين في سلوك أهل البيت عليهم، وفقههم والعلوم التي أثرت عنهم، سوف يصلون الى نتيجة تقول: إن أصفى المذاهب وأبعدها عن التأثر بثقافة أهل الكتاب: هو مذهب أهل البيت عليهم السلام.

[ 461 ]

الفصل الحادي عشر صفات القرآن من كلمات النبي وآله وصحبه

[ 463 ]

صفات القرآن من كلمات النبي وآله وصحبه نورد في هذا الفصل عددا من النصوص اتصف القرآن الكريم وتبين مكانته العظيمة، من كلمات النبي وآله صلى الله عليه وآله، وكلمات الصحابة.. ونبدأ بما ورد عن الصحابة لأنه قليل مختصر.. صفات القرآن من كلمات الخليفة أبي بكر وعمر تتبعت الصحاح الستة وأكثر مصادر إخواننا السنة من الدرجة الأولى والثانية، فلم أجد للخليفة أبي بكر كلاما في وصف القرآن، إلا هذا السطر، وأقل منه للخليفة عمر. هذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره (... عن عبد الله بن عكيم قال خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله واثنى عليه بما هو له أهل قال أوصيكم بتقوى الله وإن تثنوا عليه بما هو له أهل وإن تخلطوا الرغبة بالرهبة فإن الله اثنى على زكريا وأهل بيته فقال أنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين. ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكما لقليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه فاستضيئوا بنوره

[ 464 ]

وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمه، فإنه إنما خلقكم لعبادته ووكل بكم كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون... هذا حديث صحيح الإسناد). الحاكم في المستدرك ج 2 ص 383 وكنز العمال ج 16 ص 147 ومجمع الزوائد ج 2 ص 189 عليكم بالقرآن فأتموا به وأموا به (... وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:... فعليكم بالوقوف عند الشبهات حتى يبرز لكم واضح الحق بالبينة فإن الداخل فيما لا يعلم بغير علم آثم ومن نظر لله نظر الله له. عليكم بالقرآن فأتموا به وأموا به، وعليكم بطلب أثر الماضين فيه ولو أن الأحبار والرهبان لم يتقوا زوال مراتبهم، وفساد منزلتهم بإقامة الكتاب وتبيانه ما حرفوه ولا كتموه ولكنهم لما خالفوا الكتاب بأعمالهم التمسوا أن يخدعوا قومهم عما صنعوا مخافة أن تفسد منازلهم وأن يتبين للناس فسادهم فحرفوا الكتاب بالتفسير وما لم يستطيعوا تحريفه كتموه فسكتوا عن صنيع أنفسهم إبقاء على منازلهم وسكتوا عما صنع قومهم مصانعة لهم، وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه بل مالوا عليه ورفقوا لهم فيه). سنن الدارمي ج 1 ص 163 من كلمات النبي (ص) في وصف القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الرد (عن علي رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا خير في العيش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق، أيها الناس: إنكم في زمان هدنة، وإن السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فاعدوا الجهاد لبعد المضمار. فقال المقداد يا نبي الله ما الهدنة ؟ قال: بلاء وانقطاع، فإذا التبست الأمور عليكم كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده الى الجنة، ومن جعله خلفه قاده الى النار، وهو الدليل الى خير سبيل، وهو

[ 465 ]

الفصل ليس بالهزل، له ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم. عميق بحره، لا تحصى عجائبه ولا يشبع منه علماؤه، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم، وهو الحق الذي لم تناه الجن إذ سمعته أن قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد فآمنا به من قال به صدق، ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي الى صراط مستقيم، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودال على الحجة - العسكري) كنز العمال ج 2 ص 288 فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم (.... عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتاب الله فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة رد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله لله، هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي الى صراط مستقيم). مصنف ابن أبي شيبة ج 7 ص 164 إن على كل صواب نورا (... عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه). الكافي ج 1 ص 69 حبل ممدود من السماء الى الأرض عن زيد بن أرقم (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها

[ 466 ]

الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه.. ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله في أهل بيتي.. ! !) وورد وصف القرآن في كثير من روايات هذا الحديث بأنه (حبل ممدود من السماء الى الأرض) صحيح مسلم ج 7 ص 122 ورواه الترمذي ج 5 ص 327 والدارمي ج 2 ص 431 وأحمد ج 4 ص 366 وج 5 ص 189 والبيهقي في سننه ج 2 ص 148 وج 7 ص 30 والحاكم ج 3 ص 109 وقال (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله) ورواه في ص 148 برواية أخرى، وقال (هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه). لا يموج فيقوم، ولا يزيغ فيتشعب (فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن أحاديث البدع، قال: نعم، سمعت رسول الله يقول: إن أحاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم: قال رسول الله وسمعت رسول الله، كل ذلك افتراء علي، والذي بعثني بالحق لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة مضلة تدعو الى النار، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عز وجل، فإن فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم، والحكم فيه بين، من خالفه من الجبابرة قصمه الله، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتبن، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يموج فيقام، ولا يزيغ فيتشعب ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الرد، هو الذي سمعتته الجن فلم تناه أو ولوا الى قومهم منذرين قالوا: يا قومنا ! إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي الى الرشد من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي الى صراط مستقيم. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الفتنة هل سألت عنها رسول الله ؟ قال: نعم، إنه لما نزلت هذه الآية من قول الله عزوجل: ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله

[ 467 ]

حي بين أظهرنا فقلت: يا رسول الله ! ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال: يا علي ! إن أمتي سيفتنون من بعدي، قلت: يا رسول الله ! أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحزنت على الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر يا صديق فإن الشهادة من ورائك، فقال لي: فإن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ! وأهوى بيده الى لحيتي ورأسي، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ! ليس ذلك من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشري والشكر ! فقال لي: أجل... ثم قال لي: يا علي ! إنك باق بعدي، ومبتلي بأمتي، ومخاصم يوم القيامة بين يدي الله تعالى فأعدد جوابا، فقلت: بأبي أنت وأمي ! بين لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها وعلى ما أجاهدهم بعدك ؟ فقال: إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة - وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، ثم قال لي: وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما هو أمر من الرب ونهيه، فقلت: يا رسول الله فأرشدني الى الفلج عند الخصومة يوم القيامة، فقال: نعم، إذا كان ذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفوا الهدى على العمى، وعطفوا القرآن على الرأي فتأولوه برأيهم... يا علي إن القوم سيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويزكون أنفسهم ويمنون دينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه، ويستحلون حرامه بالمشتبهات الكاذبة، فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع، ويمنعون الزكاة ويطلبون البر، ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها، ويلي أمرهم السفهاء، ويكثر اتباعهم على الجور والخطأ، فيصير الحق عندهم باطلا والباطل حقا، ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم، ويعيبون العلماء ويتخذونهم سخريا، يا رسول الله ! فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردة ؟ قال: بمنزلة فتنة، ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا... يا علي ! بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه، بنا أهلك الأوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كل جبار وكل منافق، حتى إنا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل !

[ 468 ]

يا علي ! إنما مثل هذه الأمة مثل حديقة أطعم منها فوجا عاما ثم فوجا عاما، فلعل آخرها فوجا أن يكون أثبتها أصلا وأحسنها فرعا، وأحلاها جنى، وأكثرها خيرا، وأوسعها عدلا، وأطولها ملكا، يا علي ! كيف يهلك الله أمة أنا أولها ومهدينا أوسطها، والمسيح ابن مريم آخرها. يا علي ! إنما مثل هذه الأمة كمثل الغيث لا يدري أوله خير أم آخره، وبين ذلك نهج أعوج لست منه وليس مني. يا علي ! وفي تلك الأمة يكون الغلول والخيلاء وأنواع المثلات، ثم تعود هذه الأمة الى ما كان خيار أوائلها... - نعيم بن حماد، طس، وأبو نعيم في كتاب المهدي، خط في التلخيص). كنز العمال ج 16 ص 193 صفات القرآن من كلمات أهل البيت عليهم السلام حددهم النبي (ص) وقال إنهم صفوة الله من خلقه (... ثنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل اصطفى من ولد ابراهيم اسمعيل واصطفى من بني اسمعيل كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم.... ثنا الأوزاعي عن شداد أبي عمار قال دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا فلما قاموا قال لي ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله تعالى عنها أسألها عن علي قالت توجه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وحسن وحسين رضي الله تعالى عنهم آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة فاجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساء ثم تلا هذه الآية إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق !). مسند أحمد ج 4 ص 107

[ 469 ]

ونبأه اللطيف الخبير أنهم مع القرآن في كل عصر (... عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله عز وجل، وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي.. وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ! فانظروني بم تخلفوني فيهما ! !). مسند أحمد ج 3 ص 14 وص 17 وص 26 وص 59 وقال علي عليه السلام (... إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا). الكافي ج 1 ص 191 من كلمات علي عليه السلام في وصف القرآن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق (ومن كلام له عليه السلام في ذم اختلاف العلماء في الفتيا: ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد ! ! أفأمرهم الله تعالى بالإختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامه، أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى، أم أنزل الله سبحانه دينا تاما فقصر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه، والله سبحانه يقول ما فرطنا في الكتاب من شئ.. فيه تبيان كل شئ.. وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا وأنه لا اختلاف فيه فقال سبحانه ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا... وإن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به). نهج البلاغة ج 1 ص 55

[ 470 ]

فيه دواء دائكم، ونظم ما بينكم (... أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، وانتقاض من المبرم.. فجاءهم بتصديق الذي بين يديه، والنور المقتدى به.. ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه.. ألا إن فيه علم ما يأتي، والحديث عن الماضي، ودواء دائكم، ونظم ما بينكم !). نهج البلاغة ج 2 ص 53 إتهموا عليه آراءكم (... واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها ومستزيدا لها، فكونوا كالسابقين قبلكم والماضين أمامكم، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل، وطووها طي المنازل. واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب.. وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى، أو نقصان في عمي. واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غني.. فاستشفوه من أدوائكم واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء وهو الكفر والنفاق والغي والضلال.. فاسألوا الله به وتوجهوا إليه بحبه، ولا تسألوا به خلقه.. إنه ما توجه العباد الى الله بمثله. واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق، وأنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة: ألا إن كل حارث مبتلي في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن.. فكونوا من حرثته وأتباعه، واستدلوه على ربكم، واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم، واستغشوا فيه أهواءكم.. العمل العمل، ثم النهاية النهاية. والإستقامة الإستقامة، ثم الصبر الصبر والورع الورع. إن لكم نهاية فانتهوا الى نهايتكم، وإن لكم علما فاهتدوا

[ 471 ]

بعلمكم. وإن للإسلام غاية فانتهوا الى غايتكم. واخرجوا الى الله بما افترض عليكم من حقه، وبين لكم من وظائفه.. أنا شاهد لكم وحجيج يوم القيامة عنكم). نهج البلاغة ج 2 ص 91 ربيع القلب، وينابيع العلم (وإنما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة، ليس معه من الله سبحانه برهان سنة ولا ضياء حجة.. وإن الله سبحانه لم يعظ أحدا بمثل هذا القرآن، فإنه حبل الله المتين وسببه الأمين، وفيه ربيع القلب، وينابيع العلم، وما للقلب جلاء غيره، مع أنه قد ذهب المتذكرون وبقي الناسون والمتناسون. فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه، وإذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشر فإذا أنت جواد قاصد). نهج البلاغة ج 2 ص 95 أنواع أحكام الله تعالى في القرآن (... ولم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل، أو كتاب منزل، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة.. رسل لا تقصر بهم قلة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم، من سابق سمي له من بعده، أو غابر عرفه من قبله.. على ذلك نسلت القرون، ومضت الدهور، وسلفت الآباء، وخلفت الأبناء، الى أن بعث الله سبحانه محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله لإنجاز عدته، وتمام نبوته، مأخوذا على النبيين ميثاقه، مشهورة سماته، كريما ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة، وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة، بين مشبه لله بخلقه، أو ملحد في اسمه أو مشير الى غيره.. فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة. ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه وآله لقاءه، ورضي له ما عنده وأكرمه عن دار الدنيا ورغب به عن مقارنة البلوى، فقبضه إليه كريما صلى الله عليه وآله، وخلف

[ 472 ]

فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح، ولا علم قائم: كتاب ربكم فيكم، مبينا حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسرا مجمله، ومبينا غوامضه.. بين مأخوذ ميثاق في علمه، وموسع على العباد في جهله، وبين مثبت في الكتاب فرضه، ومعلوم في السنة نسخه، وواجب في السنة أخذه، ومرخص في الكتاب تركه.. وبين واجب بوقته، وزائل في مستقبله، ومباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه. وبين مقبول في أدناه موسع في أقصاه). نهج البلاغة ج 1 ص 24 الإمام المهدي يعطف الرأي على القرآن (يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. منها: حتى تقوم الحرب بكم على ساق باديا نواجذها، مملوءة أخلافها، حلوا رضاعها، علقما عاقبتها. ألا وفي غد - وسيأتي غد بما لا تعرفون - يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوي أعمالها، وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها، وتلقي إليه سلما مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة). نهج البلاغة ج 2 ص 21 (ألا ومن أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين ليحل فيها ربقا، ويعتق رقا، ويصدع شعبا، ويشعب صدعا، في سترة عن الناس لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره. ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح). نهج البلاغة ج 2 ص 35

[ 473 ]

المتقون يستثيرون بالقرآن دواء دائهم (روي أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام يقال له همام كان رجلا عابدا، فقال يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم. فتثاقل عليه السلام عن جوابه ثم قال: يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه. فقسم بينهم معيشتهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم. فالمتقون فيها هم أهل الفضائل. منطقهم الصواب، وملبسهم الإقتصاد ومشيهم التواضع. غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا الى الثواب، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة. وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها. وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا. يحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون الى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر

[ 474 ]

عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل. ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متهمون. ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي من نفسي. اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم. وقصدا في غنى وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا في حلال ونشاطا في هدى، وتحرجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل. يمسي وهمه الشكر، ويصبح وهمه الذكر. يبيت حذرا، ويصبح فرحا..). نهج البلاغة ج 2 ص 160 الزاهدون اتخذوا القرآن شعارا والدعاء دثارا (وعن نوف البكالي قال رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر في النجوم، فقال لي يا نوف: أراقد أنت أم رامق ؟ فقلت بل رامق يا أمير المؤمنين، قال يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة. أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح. يا نوف، إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو فيها عبد إلا استجيب له إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهي الطبل). نهج البلاغة ج 4 ص 23 نموذج من كلام علي عليه السلام حول آية (ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم: أدحض مسئول حجة، وأقطع مغتر معذرة. لقد أبرح جهالة بنفسه. يا أيها الإنسان ما جرأك على ذنبك، وما غرك بربك، وما آنسك بهلكة نفسك ؟ ! أما من دائك بلول، أم ليس من نومتك يقظة ؟ ! أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك. فربما ترى الضاحي لحر الشمس فتظله، أو ترى المبتلي بألم يمض جسده فتبكي

[ 475 ]

رحمة له.. فما صبرك على دائك، وجلدك على مصابك، وعزاك عن البكاء على نفسك وهي أعز الأنفس عليك ؟ ! وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته ؟ ! فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة، ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة. وكن لله مطيعا، وبذكره آنسا. وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك، يدعوك الى عفوه، ويتغمدك بفضله، وأنت متول عنه الى غيره. فتعالى من قوي ما أكرمه، وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته وأنت في كنف ستره مقيم، وفي سعة فضله متقلب، فلم يمنعك فضله ولم يهتك عنك ستره، بل لم تخل من لطفه مطرف عين، في نعمة يحدثها لك، أو سيئة يسترها عليك، أو بلية يصرفها عنك. فما ظنك به لو أطعته ؟ ! وأيم الله لو أن هذه الصفة كانت في متفقين في القوة، متوازيين في القدرة، لكنت أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ومساوي الأعمال. وحقا أقول ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ! ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء.. ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك، أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك. ولرب ناصح لها عندك متهم، وصادق من خبرها مكذب. ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك ! ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحل من لم يوطنها محلا. وإن السعداء بالدنيا غدا هم الهاربون منها اليوم إذا رجفت الراجفة، وحقت بجلائلها القيامة، ولحق بكل منسك أهله، وبكل معبود عبدته، وبكل مطاع أهل طاعته، فلم يجز في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء، ولا همس قدم في الأرض إلا بحقه. فكم حجة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر منقطعة ! فتحر من أمرك ما يقوم به عذرك، وتثبت به حجتك، وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له، وتيسر لسفرك، وشم برق النجاة، وارحل مطايا التشمير). نهج البلاغة ج 2 ص 213

[ 476 ]

الزهد كله بين كلمتين (الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. ومن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه). نهج البلاغة ج 4 ص 102 من أعطي أربعا لم يحرم أربعا (وقال عليه السلام: من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطي الإستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة وتصديق ذلك كتاب الله تعالى قال الله عزوجل في الدعاء ادعوني أستجب لكم وقال في الإستغفار ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما وقال في الشكر لئن شكرتم لأزيدنكم وقال في التوبة إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما). نهج البلاغة ج 4 ص 33 لا خير في قراءة ليس فيها تدبر (... عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه الى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكر). الكافي ج 1 ص 36 سيأتي زمان لا يبقى من القرآن إلا رسمه (يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا اسمه مساجدهم يومئذ عامرة من البنى خراب من الهدى ! سكانها وعمارها شر أهل

[ 477 ]

الأرض، منهم تخرج الفتنة وإليهم تأوي الخطيئة ! يردون من شذ عنها فيها، ويسوقون من تأخر عنها إليها !) نهج البلاغة ج 4 ص 87 دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام عند ختم القرآن (وكان من دعائه عليه السلام عند ختم القرآن: اللهم إنك أعنتني على ختم كتابك الذي أنزلته نورا، وجعلته مهيمنا على كل كتاب أنزلته، وفضلته على كل حديث قصصته، وفرقانا فرقت به بين حلالك وحرامك، وقرآنا أعربت به عن شرائع أحكامك، وكتابا فصلته لعبادك تفصيلا، ووحيا أنزلته على نبيك محمد صلواتك عليه وآله تنزيلا، وجعلته نورا نهتدي من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاء لمن أنصت بفهم التصديق الى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته، اللهم فإذ أفدتنا المعونة على تلاوته، وسهلت جواسي ألسنتنا بحسن عبارته، فاجعلنا ممن يرعاه حق رعايته ويدين لك باعتقاد التسليم لمحكم آياته، ويفزع الى الإقرار بمتشابهه وموضحات بيناته. اللهم إنك أنزلته على نبيك محمد صلى الله عليه وآله جملا، وألهمته علم عجائبه كملا، وورثتنا علمه مفسرا، وفضلتنا على من جهل علمه، وقويتنا عليه لترفعنا فوق من لم يطق حمله، اللهم فكما جعلت قلوبنا له حملة، وعرفتنا برحمتك شرفه وفضله، فصل على محمد الخطيب به، وعلى آله الخزان له، واجعلنا ممن يعترف بأنه من عندك حتى لا يعارضنا الشك في تصديقه ولا يختلجنا الزيغ عن قصد طريقه. اللهم صل على محمد وآله، واجعلنا ممن يعتصم بحبله، ويأوي من المتشابهات الى حرز معقله، ويسكن في ظل جناحه، ويهتدي بضوء صباحه، ويقتدي بتبلج إسفاره ويستصبح بمصباحه ولا يلتمس الهدى في غيره. اللهم وكما نصبت به محمدا علما للدلالة عليك، وأنهجت بآله سبل الرضا إليك، فصل على محمد وآله، واجعل القرآن وسيلة لنا الى أشرف منازل الكرامة، وسلما

[ 478 ]

نعرج فيه الى محل السلامة، وسببا نجزى به النجاة في عرصة القيامة، وذريعة نقدم بها على نعيم دار المقامة. اللهم صل على محمد وآله، واحطط بالقرآن عنا ثقل الأوزار، وهب لنا حسن شمائل الأبرار، واقف بنا آثار الذين قاموا لك به آناء الليل وأطراف النهار، حتى تطهرنا من كل دنس بتطهيره، وتقفو بنا آثار الذين استضاؤا بنوره، ولم يلههم الأمل عن العمل فيقطعهم بخدع غروره. اللهم صل على محمد وآله، واجعل القرآن لنا في ظلم الليالي مؤنسا، ومن نزغات الشيطان وخطرات الوساوس حارسا، ولأقدامنا عن نقلها الى المعاصي حابسا، ولألسنتنا عن الخوض في الباطل من غير ما آفة مخرسا، ولجوارحنا عن اقتراف الآثام زاجرا، ولما طوت الغفلة عنا من تصفح الإعتبار ناشرا، حتى توصل الى قلوبنا فهم عجائبه وزواجر أمثاله، التي ضعفت الجبال الرواسي على صلابتها عن احتماله. اللهم صل على محمد وآله، وأدم بالقرآن صلاح ظاهرنا، واحجب به خطرات الوساوس عن صحة ضمائرنا، واغسل به درن قلوبنا وعلائق أوزارنا، واجمع به منتشر أمورنا، وأرو به في موقف العرض عليك ظمأ هواجرنا، واكسنا به حلل الأمان يوم الفزع الأكبر في نشورنا. اللهم صل على محمد وآله، واجبر بالقرآن خلتنا من عدم الإملاق، وسق إلينا به رغد العيش وخصب سعة الأرزاق، وجنبنا به الضرائب المذمومة ومداني الأخلاق، واعصمنا به من هوة الكفر ودواعي النفاق، حتى يكون لنا في القيامة الى رضوانك وجنانك قائدا، ولنا في الدنيا عن سخطك وتعدي حدودك ذائدا، ولما عندك بتحليل حلاله وتحريم حرامه شاهدا. اللهم صل على محمد وآله، وهون بالقرآن عند الموت على أنفسنا كرب السياق، وجهد الأنين وترادف الحشارج إذا بلغت النفوس التراق، وقيل من راق، وتجلى ملك الموت لقبضها من حجب الغيوب، ورماها عن قوس المنايا بأسهم وحشة الفراق، وداف لها من زعاف الموت كأسا مسمومة المذاق، ودنا منا الى الآخرة رحيل

[ 479 ]

وانطلاق، وصارت الأعمال قلائد في الأعناق، وكانت القبور هي المأوى الى ميقات يوم التلاق. اللهم صل على محمد وآله، وبارك لنا في حلول دار البلى، وطول المقامة بين أطباق الثرى، واجعل القبور بعد فراق الدنيا خير منازلنا، وافسح لنا برحمتك في ضيق ملاحدنا، ولا تفضحنا في حاضري القيامة بموبقات أثامنا، وارحم بالقرآن في موقف العرض عليك ذل مقامنا، وثبت به عند اضطراب جسر جهنم يوم المجاز عليها زلل أقدامنا، ونور به قبل البعث سدف قبورنا، ونجنا به من كل كرب يوم القيامة، وشدائد أهوال يوم الطامة، وبيض وجوهنا يوم تسود وجوه الظلمة في يوم الحسرة والندامة، واجعل لنا في صدور المؤمنين ودا، ولا تجعل الحياة علينا نكدا. اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما بلغ رسالتك، وصدع بأمرك، ونصح لعبادك. اللهم اجعل نبينا صلواتك عليه وعلى آله يوم القيامة أقرب النبيين منك مجلسا، وأمكنهم منك شفاعة، وأجلهم عندك قدرا، وأوجههم عندك جاها. اللهم صل على محمد وآل محمد، وشرف بنيانه، وعظم برهانه، وثقل ميزانه، وتقبل شفاعته، وقرب وسيلته، وبيض وجهه، وأتم نوره، وارفع درجته، وأحينا على سنته، وتوفنا على ملته، وخذ بنا منهاجه، واسلك بنا سبيله، واجعلنا من أهل طاعته، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه، وصل اللهم على محمد وآله، صلوة تبلغه بها أفضل ما يأمل من خيرك وفضلك وكرامتك إنك ذو رحمة واسعة، وفضل كريم. اللهم أجزه بما بلغ من رسالاتك، وأدى من آياتك، ونصح لعبادك، وجاهد في سبيلك، أفضل ما جزيت أحدا من ملائكتك المقربين، وأنبيائك المرسلين، والسلام عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين). الصحيفة السجادية - دعاء رقم 42 ص 198

[ 480 ]

من كلمات الأئمة عليهم السلام حول القرآن القرآن والسنة يستوعبان كل حاجات المجتمع البشري (عن مرازم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن ؟ إلا وقد أنزله الله فيه.... عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه وبينه لرسوله صلى الله عليه وآله وجعل لكل شئ حدا وجعل عليه دليلا يدل عليه، وجعل على من تعدى ذلك الحد حدا. ... عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: مامن شئ إلا وفيه كتاب أو سنة.... عن المعلي بن خنيس قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عزوجل، ولكن لا تبلغه عقول الرجال.... عن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال قلت له: أكل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى إليه عليه وآله ؟ أو تقولون فيه ؟ قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله). الكافي ج 1 ص 59 نصيحتهم عليهم السلام للمفسرين بالظنون والإحتمالات (... عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا الله أعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء والأرض !). الكافي ج 1 ص 42

[ 481 ]

(... عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل !). الكافي ج 1 ص 56... عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقال له: مه، ما أجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لسنا من: أرأيت في شئ !). الكافي ج 1 ص 58... عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف. كتاب الله وسنة نبيه صلى إليه عليه وآله ؟ أو تقولون فيه ؟ قال: بل كل شئ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله). الكافي ج 1 ص 59 نصيحتهم عليهم السلام للمفسرين بالظنون والإحتمالات (... عن زياد بن أبي رجاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا الله أعلم، إن الرجل لينتزع الآية من القرآن يخر فيها أبعد ما بين السماء والأرض !). الكافي ج 1 ص 42

[ 481 ]

(... عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال: لا، أما إنك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل !). الكافي ج 1 ص 56... عن قتيبة قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها، فقال الرجل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القول فيها ؟ فقال له: مه، ما أجبتك فيه من شئ فهو عن رسول الله صلى الله عليه وآله، لسنا من: أرأيت في شئ !). الكافي ج 1 ص 58... عن أيوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل شئ مردود الى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف.... عن أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف). الكافي ج 1 ص 69 * * وقد تضمنت هذه النصوص الشريفة حقائق وأفكارا عالية حول القرآن والحياة، ولكنا اكتفينا بتقديمها مجردة من الشرح والتحليل.. حتى لا يطول بنا الحديث.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية