الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التفسير الأصفى - الفيض الكاشاني ج 2

التفسير الأصفى

الفيض الكاشاني ج 2


[ 705 ]

الاصفى في تفسير القرآن الجزء الثاني المولى محمد حسين الفيض الكاشاني (1007 - 1091 ه‍) مركز الابحاث والدراسات الاسلامية التحقيق: مركز الابحاث والدراسات الاسلامية (محمد حسين درايتي - ومحمد رضا نعمتي) المطبعة: مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى / 1420 ق، 1378 ش سورة الكهف (مكية وهى مائة وعشر آيات) 1 بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) يعني القرآن، علم الله سبحانه عباده كيف يحمدونه على أجل نعمه عليهم، الذى هو سبب نجاتهم (ولم يجعل له عوجا) با ختلال في اللفظ وتناقض في المعنى. (قيما): جعله مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط. والقمي قال: هذا مقدم ومؤخر، لأن معناه: الذى أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا، فقدم حرف على حرف 2. (لينذر) الذين كفروا (بأسا): عذابا (شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا). (ماكثين فيه أبدا). (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا). (ما لهم به من علم ولا لابائهم) الذين يقلدونهم فيه، بل يقولونه عن جهل مفرط


1 - مابين المعقوفتين من (ب). 2 - القمى 2: 30. (*)

[ 706 ]

وتوهم كاذب (كبرت كلمة): عظمت مقالتهم هذه في الكفر، لما فيها من التشبيه والأشراك (تخرج من أفواههم). استعظام لاجترائهم على إخراجها من أفواههم. (إن يقولون إلا كذبا). (فلعلك باخع نفسك) قال: (قاتل نفسك) 1. (على اثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث): القرآن (أسفا). متعلق بباخع، وهو فرط الحزن والغضب. (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها): ما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها، من زخارفها (لنبلوهم أيهم أحسن عملا) في تعاطيه 2، وهو من زهد فيه، ولم يغتر به، وقنع منه بالكفاف. (وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) قال: (لا نبات فيها) 3. وهو تزهيد في الدنيا، وتنبيه على المقصود من حسن العمل. (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم) في إبقاء حياتهم على تلك الحال مدة مديدة (كانوا من اياتنا عجبا). القمي يقول: قد آتيناك من الايات ما هو أعجب منه. قال القمي: وهم فتية كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله، وأما الرقيم 4: فهما لوحان من نحاس مرقوم، مكتوب فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم، وما أراد منهم دقيانوس 5 الملك، وكيف كان أمرهم وحالهم 6.


1 - القمي 2: 31، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - تعاطاه: تناوله، وفلان يتعاطى كذا، أي: يخوض فيه، الصحاح 6: 2431 (عطا). 3 - القمي 2: 31، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - واختلف في (الرقيم): فقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، وقيل: هو اسم الوادي الذي كان فيها الكهف، وقيل: هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم فدعا كل واحد منهم بما عمله لله خالصا ففرج عنهم. جوامع الجامع 2: 354. 5 - دقيانوس بن خلانوس: كان ملكا جبارا، كان على بقايا ممن كان على دين المسيح عليه السلام، وكان يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت، وكان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام، فمن لم يجبه قتله، وكان أصحاب الكهف في زمانه، وكان في زمن الفترة. مجمع البحرين 4: 71 (دقيس). 6 - القمي 2: 31. (*)

[ 707 ]

وفي رواية: (هم قوم فقدوا 1 وكتب ملك ذلك الديار 2 بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم في صحف من رصاص، فهو قوله: " أصحاب الكهف والرقيم " 3. وورد في قصتهم ما ملخصه: (إنهم كانوا مؤمنين، وكانوا في زمن ملك جبار عات، يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام، فمن لم يجبه قتله، فخرجوا هؤلاء بعلة الصيد، ومروا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم، وكان مع الراعي كلب، فأجابهم الكلب وخرج معهم، فلما أمسوا دخلوا كهفا والكلب معهم، فألقى الله عليهم النعاس فناموا، حتى أهلك الله الملك وأهل مملكته، وذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر وقوم آخرون، ثم انتبهوا) الحديث 4. وتمامه يأتي متفرقا. (إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا اتنا من لدنك رحمة) توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو (وهيئ لنا من أمرنا): من الأمر الذي نحن عليه، من مفارقة الكفار (رشدا) نصير بسببه راشدين مهتدين. (فضربنا على اذانهم) أي: ضربنا عليها حجابا يمنع السماع. يعني أنمناهم إنامة لا ينبههم منها الأصوات (في الكهف سنين عددا)، ذوات عدد. (ثم بعثناهم): أيقظناهم (لنعلم): ليقع علمنا الأزلي على المعلوم بعد وقوعه ويظهر لهم أي الحزبين المختلفين (أحصى لما لبثوا أمدا): ضبط أمدا لزمان لبثهم، أو أضبط له. (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية). قال: (كانوا شيوخا 5) 6. وفي رواية:


1 - في المصدر: (فروا). 2 - في المصدر: (ذلك الزمان). 3 - العياشي 2: 531، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 32 - 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الشيخ: من استبانت فيه السن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره أو إلى الثمانين. القاموس المحيط 1: 273 (شيخ). 6 - الكافي 8: 395، الحديث: 595، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 708 ]

(كهولا 1 فسماهم الله فتية بإيمانهم، وقال: من آمن بالله واتقى فهو الفتى) 2. (امنوا بربهم وزدناهم هدى) بالتوفيق والتثبيت. (وربطنا على قلوبهم) أي: قويناها وشددنا عليها، حتى صبروا على هجر الأوطان، والفرار بالدين إلى بعض الغيران (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا): قولا ذا شطط، أي: ذا بعد عن الحق مفرطا في الظلم. قال: (يعني جورا على الله تعالى، إن قلنا: إن له شريكا) 3. أقول: قالوه سرا من الكفار، ليس كما زعمه المفسرون: أنهم جهروا به بين يدي دقيانوس الجبار 4. فقد ورد: (إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الأيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين) 5. وفي رواية: (ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير 6، فأعطاهم الله أجرهم مرتين) 7. وفي أخرى: (وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجرا منهم على الأسرار بالأيمان) 8. (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه الهة لولا يأتون): هلا يأتون (عليهم): على عبادتهم (بسلطان بين): ببرهان ظاهر (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) بنسبة


1 - الكهل: من وخطه الشيب ورأيت له بجالة، أو من جاوز الثلاثين، أو أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. القاموس المحيط 4: 48 (كهل). 2 - العياشي 2: 323، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 34، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - البيضاوى 3: 218، والكشاف 2: 474. 5 - الكافي 1: 448، الحديث: 28، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الزنار: هو ما يشده أهل الذمة على أوساطهم. لسان العرب 4: 330 (زنر). 7 - الكافي 2: 218، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي العياشي 2: 323، الحديث: 9، مع تقدم وتأخر. 8 - العياشي 2: 323، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 709 ]

الشريك إليه. (وإذ اعتزلتموهم). خطاب بعضهم لبعض. (وما يعبدون إلا الله): واعتزلتم معبوديهم، أو عبادتهم إلا الله (فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا): ما ترتفقون به، أي تنتفعون به، وكان جزمهم بذلك لشدة وثوقهم بفضل الله، وقوة يقينهم بالله. (وترى الشمس) لو رأيتهم (إذا طلعت تزاور عن كهفهم): تميل ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم، ولعل الكهف كان جنوبيا (ذات اليمين): جهة يمين الكهف (وإذا غربت تقرضهم): تقطعهم وتصرم عنهم (ذات الشمال): جهة شمال الكهف (وهم في فجوة منه): وهم في متسع من الكهف، يعني في وسطه بحيث ينالهم برد النسيم وروح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس، لا في طلوعها ولا في غروبها. (ذلك من ايات الله من يهد الله فهو المهتد)، ثناء عليهم. (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا). سئل عنه، فقال: (إن الله تبارك وتعالى يضل الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته، ويهدي أهل الأيمان والعمل الصالح إلى جنتة، كما قال عز وجل: " ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء " 1 وقال: " إن الذين امنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم " 2) 3. (وتحسبهم أيقاظا) قال: (ترى أعينهم مفتوحة) 4 (وهم رقود): (نيام) 5 (ونقلبهم) في رقدتهم (ذات اليمين ودات الشمال) كيلا تأكل الارض ما يليها من


1 - إبراهيم 14: 27. 2 - يونس 10: 9. 3 - التوحيد: 241، الباب: 35، الحديث: 1، معاني الأخبار: 21، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 و 5 - القمي 2: 34، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 710 ]

أبدانهم على طول الزمان. قال: (لهم في كل سنة نقلتان، ينامون ستة أشهر على جنوبهم الأيمن، وستة أشهر على جنوبهم الأيسر) 1. (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد): (بالفناء) 2 (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا): لهربت منهم (ولملئت منهم رعبا): خوفا يملأ صدرك، لما ألبسهم الله من الهيبة. قال: (إن ذلك لم يعن به النبي صلى الله عليه وآله، إنما عني به المؤمنون بعضهم لبعض، لكنه حالهم التي هم عليها) 3. (وكذلك بعثناهم): وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا (ليتساءلوا بينهم): ليسأل بعضهم بعضا، يتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيزدادوا يقينا إلى يقينهم، ويستبصروا به أمر البعث. (قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) قال: (فنظروا إلى الشمس قد ارتفعت فقالوا: نمنا يوما أو بعض يوم)) 4. (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم): بفضتكم (هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما): أي الأطعمة أطيب. قال: (أزكى طعاما التمر) 5. (فليأتكم برزق منه وليتلطف): وليتكلف اللطف في التخفي والتنكر، حتى لا يعرف (ولا يشعرن بكم أحدا). (إنهم إن يظهروا عليكم): إن يظفروا بكم، يعني أهل المدينة (يرجموكم): يقتلوكم بالرجم، وهي أخبث قتلة (أو يعيدوكم في ملتهم): يصيروكم إليها كرها (ولن تفلحوا إذا أبدا) إن دخلتم في ملتهم. قال: (فجاء ذلك الرجل فرأى المدينة بخلاف الذي عهدها، ورأى قوما بخلاف أولئك، لم يعرفهم ولم يعرفوا لغته ولم يعرف لغتهم. فقالوا له: من أنت ومن أين جئت ؟


1 و 2 و 4 - القمي 2: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 324، الحديث: 13، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المحاسن: 531، الحديث: 779، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 711 ]

فأخبرهم. فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه والرجل معهم، حتى وقفوا على باب الكهف، وأقبلوا يتطلعون فيه، فقال بعضهم: هؤلاء ثلاثة ورابعهم كلبهم إلى آخر ما قال الله. قال: وحجبهم الله عز وجل بحجاب من الرعب، فلم يكن أحد يقدم بالدخول عليهم غير صاحبهم، فإنه لما دخل إليهم وجدهم خائفين أن يكون أصحاب دقيانوس شعروا بهم، فأخبرهم صاحبهم: أنهم كانوا نائمين هذا الزمن الطويل، وأنهم آية للناس، فبكوا، وسألوا الله أن يعيدهم إلى مضاجعهم نائمين كما كانوا) 1. (وكذلك أعثرنا عليهم): وكما أنمناهم وبعثناهم ليزدادوا بصيرة، أطلعنا عليهم أهل مدينتهم (ليعلموا): ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم (أن وعد الله) بالبعث (حق وأن الساعة لا ريب فيها) لأن حالهم في نومهم وانتباههم، كحال من يموت ويبعث. وفي الحديث النبوي: ((كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون)) 2. وفي آخر: (النوم أخ الموت) 3. وفي حديث الرجعة: (وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير، منهم أصحاب الكهف، أماتهم الله ثلاثمائة عام وتسعة، ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجتهم وليريهم قدرته، وليعلموا أن البعث حق) 4. (إذ يتنازعون): أعثرنا عليهم حين يتنازعون (بينهم أمرهم) قيل: أمر دينهم، وكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح مجردة، وبعضهم يقول: تبعثان معا 5. وقيل: أمر الفتية


1 - القمي 2: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 15: 261، ذيل الاية: 42 من سورة الزمر، وروضة الواعظين: 53، مع تفاوت يسير. 3 - فيض القدير 6: 300، الحديث: 9325، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - الاحتجاج 2: 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - البيضاوي 3: 220، الكشاف 2: 477. (*)

[ 712 ]

حين توفاهم ثانيا، وكان بعضهم يقول: ماتوا، وبعضهم يقول: ناموا كنومهم أول مرة 1 (فقالوا ابنوا عليهم بنيانا) حين توفاهم ثانيا (ربهم أعلم بهم). اعتراض. (قال الذين غلبوا على أمرهم) من المسلمين وملكهم (لنتخذن عليهم مسجدا) يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم. قال: (قال الملك: ينبغي أن يبنى هاهنا مسجد ونزوره، فإن هؤلاء قوم مؤمنون) 2. (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) يعني أهل المدينة وملكهم، كما سبق. وقيل: بل يعني بهم الخائضين في قصتهم، في عهد نبينا صلى الله عليه وآله من أهل الكتاب والمؤمنين 3. (ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب) يرمون رميا بالخبر الخفي. والقمي: ظنا بالغيب ما يستفتونهم 4. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل). في حديث: (من يخرج مع القائم عليه السلام فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما، قال: وسبعة من أهل الكهف) 5. (فلا تمار فيهم إلا مراءا ظاهرا): ولا تجادل أهل الكتاب في شأن الفتية إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم بما أوحي إليك من غير تجهيل لهم، والرد عليهم (ولا تستفت فيهم منهم أحدا). القمي يقول: حسبك ما قصصنا عليك من أمرهم، ولا تسأل أحدا من أهل الكتاب عنهم 6. (ولا تقولن لشئ) تعزم عليه (إني فاعل ذلك غدا).


1 - البيضاوي 3: 220. 2 - القمي 2: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 3: 220، الكشاف 2: 478. 4 - القمي 2: 34. وفي (ب): (ما يستيقنونهم). 5 - روضة الواعظين: 266، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 34. (*)

[ 713 ]

(إلا أن يشاء الله) إلا متلبسا 1 بمشيئته، قائلا: إن شاء الله. (واذكر ربك إذا نسيت) يعني إذا نسيت الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت. قال: (للعبد أن يستثني ما بينه وبين أربعين يوما إذا نسي، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه ناس من اليهود فسألوه عن أشياء، فقال لهم: تعالوا غدا أحدثكم، ولم يستثن، فاحتبس جبرئيل عليه السلام عنه أربعين يوما، ثم أتاه فقال: " ولا تقولن " الاية) 2. وورد: (كانت الأشياء المسؤول عنها: قصة أصحاب الكهف، وقصة موسى عليه السلام مع العالم، وقصة ذي القرنين، ومتى قيام الساعة) 3. (وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا) قيل: أي يهديني لشئ آخر بدل هذا المنسي، أقرب منه رشدا وأدنى خيرا ومنفعة، أو لما هو أظهر دلالة، على أني نبى، من نبأ أصحاب الكهف 4. (ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا). قال: (ذلك بسني الشمس، وهذا بسني القمر) 5. (قل الله أعلم بما لبثوا): بمدة لبثهم، من الذين اختلفوا فيها من أهل الكتاب. (له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع): ما أبصره وأسمعه. ذكر بصيغة التعجب، للدلالة على أن أمره في الأدراك خارج عن حد ما عليه إدراك كل مبصر وسامع، إذ لا يحجبه شئ، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفي وجلي. (ما لهم): ما لاهل السموات والارض (من دونه من ولى) يتولى أمورهم (ولا يشرك في حكمه


1 - في (ألف) و (ج): (ملتبسا). 2 - من لا يحضره الفقيه 3: 229، الحديث: 4284، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 31 - 32، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - البيضاوي 3: 222، الكشاف 2: 480. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 463، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (ذاك) بدل (ذلك). (*)

[ 714 ]

أحدا) منهم. (واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك): من القرآن (لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا): ملتجأ وموئلا. يقال: التحد إلى كذا إذا مال إليه. (واصبر نفسك): احبسها (مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) في طرفي النهار، أو في مجامع أوقاتهم. قال: (إنما عنى بهما الصلاة) 1.: (يريدون وجهه) رضا الله وطاعته (ولا تعد عيناك عنهم): ولا يجاوزهم 2 نظرك إلى غيرهم من أبناء الدنيا (تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا) بالخذلان (واتبع هواه وكان أمره فرطا): إفراطا وتجاوزا للحد، ونبذا للحق وراء ظهره. القمي: نزلت في سلمان الفارسي رضى الله عنه. كان عليه كساء فيه يكون طعامه، وهو دثاره ورداؤه، وكان كساء من صوف، فدخل عيينة بن حصين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمان عنده، فتأذى بريح كساء سلمان، وقد كان عرق فيه، وكان يوما شديد الحر. فقال: يا رسول الله إذا نحن دخلنا عليك فأخرج هذا وحزبه 3 من عندك، فإذا نحن خرجنا فأدخل من شئت 4. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). قال: (وعيد) 5. (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها): فسطاطها، شبه به ما يحيط بهم من النار. (وإن يستغيثوا) من العطش (يغاثوا بماء كالمهل): (كدردي الزيت المغلي). كذا ورد 6. (يشوي الوجوه) إذا قدم ليشرب، من فرط حرارته (بئس الشراب): المهل


1 - العياشي 2: 326، الحديث: 25، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وفيه: (بها). 2 - في (ألف): (ولا تجاوز). 3 - في المصدر: (واصرفه). 4 - القمي 2: 34. 5 - العياشي 2: 326، الحديث: 26، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 35، عن أبي عبد الله عليه السلام (*)

[ 715 ]

(وساءت) النار (مرتفقا): متكأ، من المرفق، وهو يشاكل قوله: " وحسنت مرتفقا ". (إن الذين امنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا). (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق) مما رق من الديباج وما غلظ منه (متكئين فيها على الأرائك). قال: (الأرائك: السرر عليها الحجال) 1. (نعم الثواب) الجنة ونعيمها (وحسنت) الأرائك (مرتفقا). أقول: وكان الثياب الخضر كناية عن أبدانهم المثالية البرزخية، المتوسطة بين سواد هذا العالم وبياض العالم الأعلى، فإن الخضرة مركبة من سواد وبياض، والرقة والغلظ كنايتان عن تفاوتهما في مراتب اللطافة. (واضرب لهم مثلا) للكافر والمؤمن (رجلين): حال رجلين (جعلنا لأحدهما جنتين): بستانين (من أعناب): من الكروم (وحففناهما بنخل): وجعلنا النخل محيطة بهما (وجعلنا بينهما زرعا) ليكون كل منهما جامعا للأقوات والفواكه على شكل حسن وترتيب أنيق. (كلتا الجنتين اتت أكلها): ثمرها (ولم تظلم منه): ولم تنقص من أكلها (شيئا) كما يكون في سائر البساتين، فان الثمار تتم في عام وتنقص 2 في عام غالبا (وفجرن خلالهما نهرا) ليدوم شربهما ويزيد بهاؤهما. (وكان له ثمر: [ مال كثير، وعلى قراءة بضمتين: ] 3 أنواع من المال سوى الجنتين، من ثمر ماله إذا كثره 4 (فقال لصاحبه وهو يحاوره): يراجعه في الكلام (أنا أكثر منك


1 - القمى 2: 216، عن أبى جعفر عليه السلام، في ذيل الاية: 56 من سورة يس. 2 - في (ألف): (يتم في عام وينقص). 3 - ما بين المعقوفتين من (ج). 4 - في (الف) و (ب): (إذا كاثره). (*)

[ 716 ]

مالا وأعز نفرا): أولادا وأعوانا. (ودخل جنته) بصاحبه، يطوف به فيها، ويفاخره بها (وهو ظالم لنفسه): ضار لها بعجبه وكفره (قال ما أظن أن تبيد): تفنى (هذه) يعني هذه الجنة 1 (أبدا) لطول أمله، وتمادي غفلته، واغتراره بمهلته. (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي) بالبعث كما زعمت (لأجدن خيرا منها منقلبا): مرجعا وعاقبة. (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا). (لكنا هو الله ربي). أصله: لكن أنا. (ولا أشرك بربي أحدا). (ولولا إذ دخلت جنتك قلت): وهلا قلت عند دخولها: (ما شاء الله): ما شاء الله كائن، إقرارا بأنها وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها. (لا قوة إلا بالله) اعترافا بالعجز على نفسك، وبالقدرة لله، وأن ما تيسر لك من عمارتها وتدبيرها فبمعونته وإقداره. (إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا). (فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك) في الدنيا أو في الاخرة، لأ يماني (ويرسل عليها): على جنتك لكفرك (حسبانا من السماء): مرامي من عذابه، كصاعقة ونحوها (فتصبح صعيدا زلقا): أرضا ملساء 2 يزلق 3 عليها، باستئصال نباتها وأشجارها. والقمي: محترقا 4.


1 - في (ألف): (يعني الجنة). 2 - ملس الشئ - من بابي: تعب وقرب - ملاسة: إذا لم يكن له شئ يستمسك به وقد لان، فهو أملس، والأنثى: ملساء. المصباح المنير 2: 279 (ملس). 3 - زلقت القدم: لم تثبت حتى سقطت. المصباح المنير 1: 308 (زلق). 4 - القمي 2: 35. (*)

[ 717 ]

(أو يصبح ماؤها غورا): غائرا في الأرض (فلن تستطيع له طلبا). (وأحيط بثمره): وأهلك أمواله حسبما أنذره صاحبه. روي (إن الله أرسل عليها نارا، فأهلكها وغار ماؤها) 1. (فأصبح يقلب كفيه) ظهر البطن، تلهفا وتحسرا (على ما أنفق فيها وهى خاوية): ساقطة (على عروشها) يعني سقطت عروش كرومها على الأرض، وسقطت الكروم فوقها (ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا). (ولم تكن له فئة ينصرونه) بدفع الأهلاك، أو رد المهلك (من دون الله) فإنه القادر على ذلك وحده (وما كان منتصرا): ممتنعا عن انتقام الله منه. (هنالك): في ذلك المقام وتلك الحال، أو في الاخرة (الولاية): النصرة، إن فتحت الواو، والسلطان والملك، إن كسرتها. (لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا) لأوليائه. (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) في زهرتها 2 وسرعة زوالها (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض): تكاثف بسببه والتف، حتى خالط بعضه بعضا (فأصبح هشيما): مهشوما مكسورا (تذروه الرياح): تفرقه، فيصير كأن لم يكن (وكان الله على كل شئ مقتدرا). (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات): وأعمال الخير والبر التي تبقى ثمرتها أبد الاباد (خير عند ربك) من المال والبنين (ثوابا): عائدة 3 (وخير أملا) لأن صاحبها ينال في الاخرة ما كان يأمل بها في الدنيا. قال: (هي الصلوات الخمس) 4.


1 - مجمع البيان 5 - 6: 472. 2 - زهرة الدنيا: غضارتها وحسنها. الصحاح 2: 674 (زهر). 3 - في (ب): (فائدة). 4 - مجمع البيان 5 - 6: 474، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 718 ]

وقال: (إن من الباقيات الصالحات القيام لصلاة الليل) 1. وفي رواية: (التسبيحات الأربع) 2. وفي أخرى: (لا تستصغر مودتنا، فإنها من الباقيات الصالحات) 3. (ويوم نسير الجبال): نسيرها في الجو ونجعلها هباء منبثا (وترى الأرض بارزة): بادية برزت من تحت الجبال، ليس عليها ما يسترها (وحشرناهم): وجمعناهم إلى الموقف (فلم نغادر): فلم نترك (منهم أحدا). (وعرضوا على ربك صفا) ترى 4 جماعتهم كما يرى كل واحد منهم، لا يحجب أحد أحدا. قال: (هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض) 5. (لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) لا شئ معكم من المال والولد (بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا): وقتا لأنجاز الوعد. (ووضع الكتاب): صحائف الأعمال (فترى المجرمين مشفقين مما فيه): خائفين من الذنوب (ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب) تعجيبا من شأنه. (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا) مكتوبا. (ولا يظلم ربك أحدا). قال: (إذا كان يوم القيامة دفع إلى الانسان كتابه، ثم قيل له: اقرأه، فيقرأ 6 ما فيه، فيذكره، فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم إلا ذكره، كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا:


1 - مجمع البيان 5 - 6: 474، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (القيام بالليل لصلاة الليل). 2 - الكافي 2: 506، الحديث: 4، القمي 2: 53، عن أبي جعفر عليه السلام، معاني الأخبار: 324، الحديث: 1، العياشي 2: 327، الحديث: 32، عن أبي عبد الله عليه السلام، بالمضمون. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 474، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في (ألف): (يرى). 5 - الاحتجاج 2: 98، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - في المصدر: (فيعرف). (*)

[ 719 ]

" يا ويلتنا " الاية) 1. (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس) سبق تفسيره 2. وإنما كرر في مواضع، لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وهكذا كل تكرير في القرآن. (كان من الجن ففسق): فخرج (عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني) فتطيعونهم بدل طاعتي (وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا) من الله إبليس وذريته. (ما أشهدتهم): ما أحضرت إبليس وذريته أو 3 رؤساء المشركين، وبالجملة شياطين الجن والأنس (خلق السموات والأرض) اعتضادا بهم (ولا خلق أنفسهم): ولا أحضرت بعضهم خلق بعض (وما كنت متخذ المضلين عضدا). قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم أعز الأسلام 4 بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام، فأنزل الله هذه الاية يعنيهما) 5. (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) أي: زعمتم أنهم شركائي، توبيخ وتبكيت، والمراد ما عبد (من دونه) من الجن والأنس وغيرهما (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا): مهلكا يشتركون فيه، وهو واد من أودية جهنم. (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها). قال: (يعني أيقنوا أنهم داخلوها) 6. (ولم يجدوا عنها مصرفا). (ولقد صرفنا في هذا القران للناس من كل مثل وكان الأنسان أكثر شئ جدلا).


1 - العياشي 2: 328، الحديث: 34، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في سورة البقرة، الاية 34. 3 - في (ب): (ورؤساء). 4 - في المصدر: (أعز الدين). 5 - العياشي 2: 328، الحديث: 39، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 720 ]

(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم): إلا انتظار أن تأتيهم (سنة الأولين) وهي الأهلاك والاستيصال. (أو يأتيهم العذاب): عذاب الاخرة (قبلا): عيانا. (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق): ليزيلوا بالجدال الحق عن مقره ويبطلوه (واتخذوا اياتي وما أنذروا هزوا). (ومن أظلم ممن ذكر بايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه) من الكفر والمعاصي، فلم يتفكر في عاقبتهما (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه): تمنعهم أن يفقهوه (وفي اذانهم وقرا) يمنعهم أن يسمعوه (وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا) لا تحقيقا لأنهم لا يفقهون، ولا تقليدا لأنهم لا يسمعون. (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا): ملجأ ومنجى. (وتلك القرى): قرى عاد وثمود وأضرابهم (أهلكناهم لما ظلموا) مثل ظلم قريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي (وجعلنا لمهلكهم موعدا): وقتا معلوما، فليعتبروا بهم، ولا يغتروا بتأخر 1 العذاب عنهم. (وإذ قال موسى لفتاه) قال: (هو يوشع بن نون) 2. (لا أبرح) قال: (لا أزال أسير) 3. (حتى أبلغ مجمع البحرين): ملتقى بحري فارس والروم، وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر (أو أمضى حقبا): أو أسير زمانا طويلا. قال: (الحقب: ثمانون سنة) 4.


1 - في (ألف): (بتأخير). 2 - العياشي 2: 330، الحديث: 42، القمي 2: 40، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 2: 40، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 2: 40، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 721 ]

ورد: (إن موسى قال في نفسه: ما أرى أن الله خلق خلقا أعلم مني، فأوحى الله إلى جبرئيل: أدرك عبدي موسى قبل أن يهلك، وقل له: إن عند ملتقى البحرين رجلا عابدا، فاتبعه وتعلم منه) 1. القمي: ((فنزل جبرئيل على موسى وأخبره، وذل موسى في نفسه، وعلم أنه أخطأ، ودخله الرعب، وقال لوصيه يوشع: إن الله قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين، وأتعلم منه، فتزود يوشع حوتا مملوحا وخرجا) 2. (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما): تركاه (فاتخذ) الحوت (سبيله في البحر سربا): مسلكا. القمي: (فلما بلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه، فلم يعرفاه، فأخرج وصي موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه على الصخرة، ومضيا ونسيا الحوت، وكان ذلك الماء ماء الحيوان، فحيي الحوت ودخل في الماء) الحديث 3. وفي رواية: (فانطلق الفتى يغسل الحوت في العين، فاضطرب في يده حتى خدشه وتفلت منه، ونسيه الفتى) 4. وفي أخرى: (فقطرت قطرة من السماء فاضطرب الحوت، ثم جعل يثب 5 إلى البحر) 6. (فلما جاوزا) مجمع البحرين (قال لفتاه آتنا غداءنا): ما نتغدى به (لقد لقينا من


1 - علل الشرائع 1: 59، الباب: 54، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي العياشي 2: 332، الحديث: 47، والقمي 2: 37، ما يقرب منه. 2 - القمي 2: 37، عن النبي صلى الله عليه وآله. 3 - القمي 2: 37، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - العياشي 2: 329، الحديث 41، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 5 - وثب يثب والعامة تستعمله بمعنى المبادرة والمسارعة. المصباح المنير 2: 363 (وثب). 6 - المصدر: 332، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 722 ]

سفرنا هذا نصبا): عناء. قال: (وإنما أعيا حيث جاوزا الوقت) 1. (قال أرأيت) ما دهاني (إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت): تركته وفقدته، أو نسيت ذكر حاله وما رأيت منه لك (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا). (قال ذلك ما كنا نبغ). قال: (قال ذلك الرجل الذي رأيناه عند الصخرة هو الذي نريده) 2. وذلك لأن أمر الحوت كان آيته كما أخبر به. (فارتدا على اثارهما قصصا): فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه، يتبعان آثارهما اتباعا. (فوجدا عبدا من عبادنا) قال: (هو الخضر عليه السلام) 3. قال: (وكان نبيا مرسلا بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى توحيده، والأقرار بأنبيائه ورسله وكتبه، وكانت آيته أنه كان لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا اهتزت خضراء، وإنما سمي خضرا لذلك، وكان اسمه بليا بن ملكا بن عامر بن أرفخشد 4 بن سام بن نوح) 5. (اتيناه رحمة من عندنا) هي الوحي والنبوة (وعلمناه من لدنا علما) قيل: أي: مما يختص 6 بنا من العلم، وهو علم الغيوب 7. (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا). (قال إنك لن تستطيع معى صبرا). قال: (قال: لأني وكلت بأمر لا تطيقه، وأنت وكلت بأمر لا أطيقه. قال موسى: بل أستطيع معك صبرا، فقال الخضر: إن القياس لا مجال


1 - العياشي 2: 332، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 38، عن النبي صلى الله عليه وآله. 3 - المصدر، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام، علل الشرائع 1: 60، الباب: 54، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في (ألف) و (ج): (ارفخشيد). 5 - علل الشرائع 1: 59، الباب: 54، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 6 - في (ب): (ما يختص). 7 - البيضاوي 3: 231، الكشاف 2: 492. (*)

[ 723 ]

له في علم الله وأمره) 1. قال: (وكان موسى أعلم من الخضر) 2. (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا). (قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا). قال: (فقال له ذلك وهو خاضع له، يستلطفه على نفسه كي يقبله) 3. قال: (فلما استثنى المشية قبله) 4. (قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا) قال: (يقول: لا تسألني عن شئ أفعله ولا تنكره علي، حتى أخبرك أنا بخبره، قال: نعم) 5. (فانطلقا) على الساحل يطلبان السفينة (حتى إذا ركبا في السفينة خرقها) الخضر (قال) موسى (أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا): عظيما. القمي: (هو المنكر، وكان موسى ينكر الظلم، فأعظم ما رأى) 6. (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا). (قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا): ولا تغشني عسرا من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر علي متابعتك. روي: (كانت الأولى من موسى نسيانا) 7. (فانطلقا) أي: بعد ما خرجا من السفينة (حتى إذا لقيا غلاما فقتله) من غير ترو واستكشاف حال (قال أقتلت نفسا زكية): طاهرة من الذنوب. قال: (إنه كان حسن الوجه، كأنه قطعة قمر، وفي أذنيه درتان، وكان يلعب بين


1 - علل الشرائع 1: 60، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه (بعلم) بدل (بأمر) في الموضعين. 2 - العياشي 2: 330، الحديث: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 331، الحديث: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (يستعطفه). 4 - علل الشرائع 1: 60، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 38 - 39، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. 6 - القمي 2: 40، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (هو المنكر). 7 - مجمع البيان 5 - 6: 481، تفسير البغوي 3: 174، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 724 ]

الصبيان) 1. (بغير نفس): من غير أن قتلت نفسا فتقاد بها (لقد جئت شيئا نكرا) أي: منكرا. قال: (فغضب موسى، وأخذ بتلابيبه 2 و " قال أقتلت " الاية. قال الخضر: إن العقول لا تحكم على أمر الله، بل أمر الله يحكم عليها، فسلم لما ترى مني، واصبر عليه، فقد كنت علمت أنك لن تستطيع معي صبرا) 3. (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا). في زيادة (لك) زيادة عتاب على رفض الوصية. (قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا): قد وجدت عذرا من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات. روي: (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما) 4. (وأنه لو لبث مع صاحبه، لأبصر أعجب الأعاجيب) 5. (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية) قال: (هي الناصرة، وإليها تنسب النصارى) 6. (استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض): يداني أن يسقط، استعيرت الأرادة للمشارفة. (فأقامه) قال: (بوضع يده عليه) 7. قال لو شئت


1 - القمي 2: 39، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام، مع تقدم وتأخر. 2 - لببه تلبيبا: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة، ثم جره. القاموس المحيط 1: 132 (لبب). 3 - علل الشرائع 1: 60 - 61، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - صحيح البخاري 3: 154، كتاب تفسير القرآن، سنن الترمذي 4: 373، أبواب تفسير القرآن، عن النبي صلى الله عليه وآله. 5 - الكشاف 2: 494، عن النبي صلى الله عليه وآله. وفي صحيح مسلم 4: 1851، كتاب الفضائل، الباب: 46، الحديث: 172، وسنن أبي داود 4: 286، الحديث: 3984، ما يقرب منه. 6 - علل الشرائع 1: 61، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، العياشي 2: 333، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - علل الشرائع 1: 61، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 725 ]

لاتخذت عليه أجرا) قال: (خبزا نأكله، فقد جعنا) 1. (قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا). في قراءتهم عليهم السلام: (كل سفينة صالحة) 2. قال: (وإذا كانت معيوبة لم يأخذ منها شيئا) 3. (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين) في قراءتهم عليهم السلام: (وهو طبع كافرا) 4. (فخشينا أن يرهقهما): أن يغشيهما (طغيانا وكفرا). قال: (علم الله أنه إن بقي كفر أبواه، وافتتنا به وضلا بإضلاله، فأمرني الله بقتله، وأراد بذلك نقلهم إلى محل كرامته في العاقبة) 5. (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة): ولدا خيرا منه، طهارة من الذنوب والأخلاق الردية (وأقرب رحما): رحمة وعطفا على والديه. قال: (إنهما أبدلا بالغلام المقتول ابنة، فولد منها سبعون نبيا) 6. (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك). قال: (كان ذلك الكنز لوحا من ذهب فيه مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا


1 - العياشي 2: 333، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 481، عن أمير المؤمنين والباقر والصادق عليهم السلام. 3 - القمي 2: 39، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. 4 - العياشي 2: 336، الحديث: 55، عن أحدهما عليهما السلام، علل الشرائع 1: 61، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، القمي 2: 39، مجمع البيان 5 - 6: 487، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - علل الشرائع 1: 61، الباب: 54، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 6: 7، الحديث: 11، من لا يحضره الفقيه 3: 317، الحديث: 1542، العياشي 2: 336، الحديث: 60، عن أبي عبد الله عليه السلام، العياشي 2: 337، الحديث: 61، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 726 ]

الله، محمد رسول الله، عجبت لمن يعلم أن الموت حق، كيف يفرح ! عجبت لمن يؤمن بالقدر، كيف يحزن ! عجبت لمن يذكر النار، كيف يضحك ! عجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال، كيف يطمئن إليها !) 1. وفيه روايات أخر يقرب بعضها من بعض 2. (وما فعلته عن أمري): وإنما فعلته عن أمر الله (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) حذف التاء تخفيفا. (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا) ورد: (إنه سئل عن طائف طاف المشرق والمغرب، من هو ؟ وما قصته ؟ فنزلت) 3. (وسئل أمير المؤمنين عليه السلام عنه أنبيا كان أم ملكا ؟ فقال: لا نبيا ولا ملكا، عبد أحب الله فأحبه الله، ونصح لله فنصح له، فبعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الأيمن، فغاب عنهم ما شاء الله أن يغيب، ثم بعثه الثانية، فضربوه على قرنه الأيسر، فغاب عنهم ما شاء الله، ثم بعثه الثالثة، فمكن الله له في الأرض، وفيكم مثله، يعني نفسه) 4. وفي رواية: (فقتلوه) 5. مكان: فغاب عنهم. وفي [ رواية ] 6 أخرى: (فأماته الله خمسمائة عام) 7). وورد: (إن اسمه عياش) 8. (إنا مكنا له في الارض واتيناه من كل شئ) أراده وتوجه إليه (سببا): وصلة


1 - معاني الأخبار: 200، الحديث 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام، القمي 2: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 2: 58، الحديث: 6 و 59، الحديث: 9، الخصال 1: 236، الحديث: 79، معاني الأخبار: 200، الحديث: 1. 3 - القمي 2: 40. 4 - المصدر: 41، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - العياشي 2: 340، الحديث: 73، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - الزيادة من (ألف). 7 - القمي 2: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 2: 340، الحديث: 75 و 350، الحديث: 81، الخصال 1: 248، الحديث: 110، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 727 ]

توصله إليه، من العلم والقدرة والالة. وورد: (أي: دليلا) 1. قال: (سخر الله له السحاب، ويسر له الأسباب، وبسط له النور، وكان الليل والنهار عليه سواء) 2. (فأتبع سببا) أي: فأراد بلوغ المغرب، فأتبع سببا يوصله إليه. (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) أي: ذات حمأة، وهي الطين الأسود. وعلى قراءة حامية، أي: حارة. ورد: (في عين حامية، في بحر دون المدينة التي مما يلي المغرب، يعني جابلقا 3) 4. (ووجد عندها قوما): ناسا كفرة (قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب) أي: بالقتل على كفرهم (وإما أن تتخذ فيهم حسنا) بإرشاد وتعليمهم الشرائع. (قال أما من ظلم) أي: نفسه بإصراره على كفره (فسوف نعذبه) قال: (بعذاب الدنيا) 5. (ثم يرد إلى ربه) قال: (في مرجعه) 6. (فيعذبه عذابا نكرا): منكرا لم يعهد مثله في الاخرة. قال: (أي: في النار) 7. (وأما من امن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا): مما نأمر به من الخراج وغيره (يسرا): سهلا متيسرا غير شاق. (ثم أتبع سببا) يوصله إلى المشرق. (حتى إذا بلغ مطلع الشمس). قيل: يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه 8 أولا،


1 - القمي 2: 42، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - كمال الدين 2: 393، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام، الخرائج 3: 1174، الحديث: 68، عن العسكري عليه السلام، مع تفاوت يسير. 3 - جابلق: روى أبو روح عن الضحاك عن ابن عباس أن جابلق مدينة بأقصى المغرب، وأهلها من ولد عاد، وأهل جابرس من ولد ثمود، ففي كل واحدة منهما بقايا ولد موسى عليه السلام. معجم البلدان 2: 91. 4 - العياشي 2: 350، الحديث: 83، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 و 6 - العياشي 2: 342، ذيل الحديث: 79، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - القمي 2: 41، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - في (ألف): (تطلع عليه الشمس). (*)

[ 728 ]

من معمورة الأرض 1. (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا). قال: (ورد على قوم قد أحرقتهم 2 الشمس، وغيرت أجسادهم وألوانهم، حتى صيرتهم كالظلمة) 3. قال: (لم يعلموا صنعة البيوت) 4. والقمي: لم يعلموا صنعة الثياب 5. (كذلك) كان أمره (وقد أحطنا بما لديه خبرا) من الجنود والايات والعدد والأسباب 6. (ثم أتبع سببا): طريقا ثالثا معترضا بين المشرق والمغرب، آخذا من الجنوب إلى الشمال. قال: (سببا في ناحية الظلمة) 7. (حتى إذا بلغ بين السدين) بين الجبلين المبني بينهما سده (وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا) لغرابة لغتهم، وقلة فطنتهم. (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج). قيل: هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح 8. وورد: (جميع الترك والسقالب 9 ويأجوج ومأجوج والصين من يافث، حيث كانوا) 10. (مفسدون في الارض). قال: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج وماجوج خاف هذين


1 - البيضاوي 3: 235. 2 - في (ب): (احترقهم). وفي (ج): (احترقتهم). 3 - العياشي 2: 342، ذيل الحديث: 79، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - المصدر: 350، الحديث: 84، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - القمي 2: 41. 6 - في (ب): (والالات). 7 - العياشي 2: 342، ذيل الحديث: 79، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 8 - البيضاوي 3: 235. 9 - المشهور على الألسنة بالصاد، وهم جيل من الناس بين بلاد البلغار والقسطنطنية فقط ولكنهم منتشرون في الشمال الشرقي لأوربا وفي غرب البلغار أيضا. انظر: تاج العروس 3: 64 و 200 ودائرة المعارف (للفريد وجدى) 5: 531. 10 - علل الشرائع 1: 32، الباب: 38، الحديث: 1 عن الهادي عليه السلام. (*)

[ 729 ]

الجبلين، وهم يفسدون في الأرض، إذا كان إبان 1 زروعنا وثمارنا خرجوا علينا من هذين السدين، فرعوا من ثمارنا وزروعنا 2، حتى لا يبقون منها شيئا) 3. (فهل نجعل لك) قال: (أي: نؤديه إليك في كل عام) 4. (على أن تجعل بيننا وبينهم سدا). (قال ما مكني فيه ربي خير) مما تبذلون لي من الخراج، ولا حاجة بي إليه (فأعينوني بقوة): بقوة فعلة، أو بما أتقوى به من الالات (أجعل بينكم وبينهم ردما): حاجزا حصينا، وهو أكبر من السد. (اتوني): ناولوني (زبر الحديد): قطعه الكبيرة (حتى إذا ساوى بين الصدفين): بين جانبي الجبلين، بتنضيدها (قال انفخوا) أي: قال للعملة: انفخوا في الأكوار حتى (إذا جعله نارا): كالنار بالأحماء (قال اتوني أفرغ عليه قطرا) أي: آتوني قطرا أفرغه عليه، أي: نحاسا. قال: (احتفروا له جبل حديد، فقلعوا له أمثال اللبن، فطرح بعضه على بعض فيما بين الصدفين، وكان ذو القرنين أول من بنى ردما على وجه الأرض، ثم جعل عليه الحطب وألهب فيه النار، ووضع عليه المنافيخ، فنفخوا عليه. قال: فلما ذاب قال: آتوني بقطر، فاحتفروا له جبلا من مس، فطرحوه على الحديد، فذاب معه واختلط به) 5. (فما اسطاعوا) (يعني يأجوج ومأجوج) 6. (أن يظهروه): أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه (وما استطاعوا له نقبا) لثخنه وصلابته. (قال هذا رحمة من ربى) على عباده (فإذا جاء وعد ربى) بقيام الساعة (جعله


1 - في (ألف) و (ب): (أيان). وإبان الشئ: حينه أو أوله. القاموس المحيط 4: 196 (أبن). 2 - في (ب) و (ج): (فرعوا في ثمارنا وفي زروعنا). 3 و 4 - العياشي 2: 343، ذيل الحديث: 79، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 و 6 - العياشي 2: 343، ذيل الحديث: 79، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 730 ]

دكاء): أرضا مستوية (وكان وعد ربي حقا). القمي: إذا كان قبل يوم القيامة في آخر الزمان، انهدم ذلك السد وخرج يأجوج ومأجوج إلى الدنيا، وأكلوا الناس. وهو قوله تعالى: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون " 1. وورد: (هم أكثر خلق خلقوا بعد الملائكة، وليس منهم رجل يموت حتى يولد له من صلبه ألف ولد ذكر) 2. (والردم في التأويل التقية، وهي 3 الحصن الحصين، فإذا جاء الوعد رفعت، وانتقم من أعداء الله). كذا ورد 4. (وتركنا بعضهم يومئذ) قال: (يعني يوم القيامة) 5. (يموج في بعض): يختلطون، مزدحمين، حيارى (ونفخ في الصور) لقيام الساعة (فجمعناهم جمعا) للحساب والجزاء. (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا) أي: أبرزناها لهم، فشاهدوها. (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) أي: كانوا صما عنه. قال: (لم يعبهم بما صنع هو بهم، ولكن عابهم بما صنعوا، ولو لم يتكلفوا لم يكن عليهم شئ) 6. (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) يعبدونهم أو يحبونهم، أي: أفحسبوا أنهم ينجونهم من عذابي. وفي قراءة أمير المؤمنين عليه السلام:


1 - القمي 2: 41. والاية في سورة الأنبياء (21): 96. 2 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في (ج): (وهو). 4 - العياشي 2: 351، الحديث: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 87، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - المصدر: 352، الحديث: 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: (لم يعتبهم... ولكن يعاتبهم). (*)

[ 731 ]

(أفحسب) 1 بسكون السين ورفع الباء، يعني أفكافيهم في النجاة. (إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا) قال: (مأوى ومنزلا) 2. (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا). (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا): ضاع وبطل لكفرهم (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) لعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق. قال: (هم النصارى والقسيسون والرهبان، وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة، والحرورية 3 وأهل البدع) 4. (أولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا). قال: (ولا يعبأ بهم، لأنهم لم يعبأوا بأمره ونهيه) 5. (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا اياتي ورسلي هزوا). (إن الذين امنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا). قال: (الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها درجة) 6. قال: (نزلت في أبي ذر والمقداد وسلمان وعمار) 7. (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا): تحولا 8. قال: (لا يريدون بها بدلا) 9.


1 - مجمع البيان 5 - 6: 495، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - القمي 2: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - حروراء، أو حرورا: موضع غير بعيد من الكوفة، اجتمع فيه أهل الخوارج عندما جهروا بالخروج على علي عليه السلام وسرعان ما قضى عليهم إلى آخر رجل تقريبا في وقعة النهروان الدامية. وقد نسب الخوارج إلى حروراء، فعرفوا بالحرورية. دائرة المعارف الاسلامية 7: 361 (حروراء). 4 - القمي 2: 46، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الاحتجاج 1: 364، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (ولا يعبأ بهم بأمره ونهيه يوم القيامة). 6 - مجمع البيان 5 - 6: 498، عن النبي صلى الله عليه وآله. 7 و 9 - القمي 2: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - لم ترد في (ب). (*)

[ 732 ]

(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا). قال: (إن كلام الله عز وجل ليس له آخر ولا غاية، ولا ينقطع أبدا) 1. (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد). قال: (يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم، ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم، كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض) 2. (فمن كان يرجو لقاء ربه) قال: (يؤمن بأنه مبعوث) 3. (فليعمل عملا صالحا): خالصا لله (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا). قال: (الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد أسر خيرا، فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد يسر شرا، فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شرا) 4. وفي الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك) 5. وفي الحديث النبوي في تفسير هذه الاية: (من عمل عملا مما أمره الله عز وجل مراآة (6) الناس فهو مشرك، ولا يقبل الله عز وجل عمل مرائي) 7. وورد في تفسيرها: (من صلى أو صام أو أعتق أو حج يريد محمدة الناس فقد أشرك


1 - القمي 2: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الاحتجاج 1: 29، عن العسكري عليه السلام، من النبي صلى الله عليه وآله. 3 - التوحيد: 276، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكافي 2: 294، ذيل الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 499، عن النبي صلى الله عليه وآله. 6 - في (ألف) و (ج): (مراياة). 7 - القمي 2: 47، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، مع تفاوت يسير. (*)

[ 733 ]

في عمله، وهو مشرك مغفور) 1. أقول: يعني أنه ليس من الشرك الذي قال الله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) 2 وذلك لأن المراد بذلك، الشرك الجلي، وهذا هو الشرك الخفي. وورد: (إنه كان يتوضأ للصلاة، فأراد رجل أن يصب الماء على يديه فأبى، وقرأ هذه الاية، وقال: ها أناذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد) 3. أقول: وهذا تفسير آخر للاية، ولعله تنزيه وذاك تحريم.


1 - العياشي 2: 352، الحديث: 92، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - النساء (4): 48 و 116. 3 - الكافي 3: 69، الحديث: 1، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام. (*)

[ 734 ]

سورة مريم (مكية وهي ثمان وتسعون آية) 1 بسم الله الرحمن الرحيم (كهيعص). قال: (إن هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عبده زكريا عليها، ثم قصها على محمد صلى الله عليه وآله، ثم ذكر: أن الكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد، وهو ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره) 2. في قصة مذكورة في الصافي 3. وورد في بعض الأدعية: (يا كهيعص) 4. (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) أي: هذا ذكر رحمة ربك، وورد: (ذكر ربك زكريا فرحمه) 5. (إذ نادى ربه نداءا خفيا) لأنه أشد إخباتا 6 وأكثر إخلاصا.


1 - مابين المعقوفتين من (ب). 2 - كمال الدين 2: 461، الباب: 43، ذيل الحديث الطويل: 21، المناقب 4: 84، عن الحجة عليه السلام. 3 - الصافي 3: 272، نقلا عن كمال الدين، عن الحجة عليه السلام. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 502، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - القمي 2: 48، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - أخبت الرجل اخباتا: خضع لله وخشع قلبه. المصباح المنير 1: 197 (خبت). (*)

[ 735 ]

وورد: (خير الدعاء الخفي) 1. (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا). شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ 2 النار، وانتشاره في الشعر باشتعالها. (ولم أكن بدعائك رب شقيا) بل كلما دعوتك استجبت لي، فلا يبعد أن أجبتني. (وإني خفت الموالى) قال: (الورثة) 3. (من ورائي) أن لا يحسنوا خلافتي على أمتي، ويبدلوا عليهم دينهم (وكانت امرأتي عاقرا): لا تلد (فهب لي من لدنك) فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك (وليا) من صلبي. (يرثني ويرث من ال يعقوب واجعله رب رضيا) ترضاه قولا وعملا. (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى). جواب لندائه، ووعد بإجابة دعائه. (لم نجعل له من قبل سميا). (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا): عتوا، من عتا الشيخ يعتو، إذا كبر وأسن، وهو اعتراف منه بأن المؤثر فيه كمال قدرته، وأن الأسباب عند التحقيق ملغاة. (قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا). (قال رب اجعل لي اية): علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به (قال ايتك ألاتكلم الناس ثلاث ليال سويا): سوي الخلق، ما بك من خرس ولا بكم. وفي آل عمران: (ثلاثة أيام) 4. وفيه دلالة على أنه تجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام بلياليهن. (فخرج على قومه من المحراب): من المصلى، أو من الغرفة (فأوحى إليهم): فأومأ إليهم، لقوله (إلا رمزا) 5 (أن سبحوا بكرة وعشيا). (يا يحيى) على تقدير القول (خذ الكتاب): التوراة (بقوة): بجد واستظهار


1 - مجمع البيان 5 - 6: 502. 2 - الشواظ - كغراب وكتاب -: لهب لا دخان فيه، أو دخان النار وحرها. القاموس المحيط 2: 410 (شوظ). 3 - القمي: 2: 48، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 و 5 - آل عمران (3): 41. (*)

[ 736 ]

بالتوفيق (واتيناه الحكم صبيا). قال: (مات زكريا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة، وهو صبي صغير، ثم تلا هذه الاية) 1. وورد: (إن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا) 2. (وحنانا من لدنا): ورحمة منا عليه وتعطفا. قال: (تحنن الله. سئل: فما بلغ من تحنن الله عليه ؟ قال: كان إذا قال: يا رب، قال الله عز وجل له: لبيك يا يحيى) 3 وراد في رواية: (سل، ما حاجتك ؟) 4. في رواية: (يعني تحننا ورحمة على والديه وساير عبادنا) 5. (وزكاة) قال: (وطهارة لمن آمن به وصدقه) 6. (وكان تقيا) قال: (يتقي الشرور والمعاصي). 7. (وبرا بوالديه) قال: (محسنا إليهما، مطيعا لهما) 8. (ولم يكن جبارا عصيا). قال: (يقتل على الغضب ويضرب على الغضب، لكنه ما من عبد لله 9 إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ما خلا يحيى بن زكريا، فلم يذهب ولم يهم بذنب) 10. (وسلام عليه يوم ولد) من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم (ويوم يموت) من عذاب القبر (ويوم يبعث حيا) من هول القيامة وعذاب النار. وورد: (إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الاخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار


1 - الكافي 1: 382، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 506، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. 3 - الكافي 2: 535، ذيل الحديث: 38، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - المحاسن 1: 35، الباب: 25، الحديث: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: (سل حاجتك). 5 و 6 و 7 و 8 و 10 - تفسير الأمام عليه السلام: 659. 5 - في المصدر: (ما من عبد عبد الله). (*)

[ 737 ]

الدنيا، وقد سلم الله عز وجل على يحيى في هذه الثلاثة المواطن، وآمن روعته 1، وتلا الاية. قال: وقد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه الثلاثة المواطن، وتلا الاية الاتية) 2. (واذكر في الكتاب مريم): قصتها (إذ انتبذت): اعتزلت (من أهلها مكانا شرقيا). (فاتخذت من دونهم حجابا): سترا وحاجزا. القمي قال: في محرابها 3. (فأرسلنا إليها روحنا) قال: (يعني جبرئيل) 4. (فتمثل لها بشرا سويا): سوي الخلق. (قالت إني أعوذ بالرحمن منك) من غاية عفافها (إن كنت تقيا) فكيف إن لم تكن، أو أن تتقي الله فلا تتعرض لي. (قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا). (قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر) يعني بالحلال (ولم أك بغيا): زانية. (قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله اية للناس): علامة وبرهانا على كمال قدرتنا (ورحمة منا) على العباد، يهتدون بإرشاده (وكان أمرا مقضيا). (فحملته). قال: (إنه تناول جيب مدرعتها 5، فنفخ فيه نفخة، فكمل الولد في الرحم من ساعتة، كما يكتمل في أرحام النساء تسعة أسهر، فخرجت من المستحم وهي حامل


1 - الروع - بالفتح -: الفزع. والروعة: الفزعة. الصحاح 3: 1223 (روع). 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 257، الباب: 26، الحديث: 11، الخصال 1: 107، الحديث: 71، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. 3 و 4 - القمي 2: 49. 3 - المدرع والمدرعة واحد، وهو ثوب من صوف يتدرع به. مجمع البحرين 4: 324 (درع). (*)

[ 738 ]

مجح 1 مثقل، فنظرت إليها خالتها فأنكرتها، ومضت مريم على وجهها، مستحية 2 خالتها ومن زكريا) 3. وقال: (كانت مدة حملها تسع ساعات) 4. (فانتبذت به): فاعتزلت، وهو في بطنها (مكانا قصيا): بعيدا من أهلها. قال: (خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء، فوضعته في موضع قبر الحسين عليه السلام، ثم رجعت من ليلتها) 5. (فأجاءها المخاض): فألجأها تحرك الولد في بطنها (إلى جذع النخلة) لتستتر به، وتعتمد عليه (قالت ياليتني مت قبل هذا) استحياء من الناس، ومخافة لومهم. قال: (لأنها لم تر في قومها رشيدا ذا فراسة ينزهها من السوء) 6. (وكنت نسيا): ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب (منسيا): منسي الذكر، لا يخطر ببالهم. (فناداها من تحتها. [ قال ] 7 القمي: أي: عيسى عليه السلام 8. (ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا) روي: (أي: جدولا) 9. وقال: (ضرب عيسى برجله، فظهر عين ماء يجري) 10. (وهزي إليك بجذع النخلة): حركيه وأميليه إليك (تساقط عليك رطبا جنيا):


1 - الجح: بسط الشئ، ويقال أجحت المرأة: إذا حملت فأقربت وعظم بطنها، فهي مجح. تاج العروس 6: 332 (جحح). 2 - في (ب): (مستحيية). 3 - مجمع البيان 5 - 6: 511، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - التهذيب 6: 73، الحديث: 139، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 6 - مجمع البيان 5 - 6: 511، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الزيادة من (ب). 8 - القمي 2: 49. 9 - جوامع الجامع 2: 391، عن النبي صلى الله عليه وآله. والجدول: النهر الصغير. الصحاح 4: 1654 (جدل). 10 - مجمع البيان 5 - 6: 511، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 739 ]

طريا. القمي: وكانت النخلة قد يبست منذ دهر، فمدت يدها إليها، فأورقت وأثمرت وسقط عليها الرطب الطري ! فطابت نفسها، فقال لها عيسى: قمطيني 1 وسويني، ثم افعلي كذا وكذا. فقمطته وسوته 2. (فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما) قال: (أي: صمتا) 3. والقمي: صوما وصمتا، كذا نزلت 4. (فلن أكلم اليوم إنسيا). (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا): بديعا منكرا. (يا أخت هرون ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا). روي: (إن هارون هذا كان رجلا صالحا في بني إسرائيل، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح) 5. والقمي: كان رجلا فاسقا زانيا، فشبهوها به 6. (فأشارت إليه): إلى عيسى، أي: كلموه ليجيبكم (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا). (قال إني عبد الله اتانى الكتاب) قيل: الأنجيل 7 (وجعلني نبيا). (وجعلني مباركا) قال: (نفاعا) 8. (أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة) قال: (زكاة الرؤوس، لأن كل الناس ليست لهم أموال، وإنما الفطرة على الفقير والغني، والصغير


1 - قمطه (كقمطه): شد يديه ورجليه كما يفعل بالصبي في المهد. والقماط: ذلك الحبل والخرقة التي تلفها على الصبي. القاموس المحيط 2: 396 (قمط). 2 و 4 - القمي 2: 49. 2 - الكافي 4: 89، الحديث: 9، من لا يحضره الفقيه 2: 109، الحديث: 1861، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 512، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - القمي 2: 50. 5 - الكشاف 2: 508، البيضاوي 4: 8. 6 - الكافي 2: 165، الحديث: 11، معاني الأخبار: 212، الحديث: 1، القمي 2: 50، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 740 ]

والكبير) 1. (ما دمت حيا). (وبرا بوالدتي). عطف على (مباركا). (ولم يجعلني جبارا شقيا). ورد: (إنه عد العقوق من الكبائر، قال: لأن الله جعل العاق جبارا شقيا في قوله، حكاية عن عيسى) 2. (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا). (ذلك عيسى ابن مريم) لا ما يصفه النصارى. وهو تكذيب لهم فيما يصفونه، على الوجه الأبلغ، حيث جعله الموصوف بأضداد ما يصفونه، ثم عكس الحكم. (قول الحق) أي: هو قول الحق الذي لا ريب فيه (الذي فيه يمترون) القمي: أي: يتخاصمون 3. (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه). تكذيب للنصارى وتنزيه لله عما بهتوه. (إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون). تبكيت لهم بأن من إذا أراد شيئا أوجده ب‍ (كن) كان منزها عن شبه الخلق، والحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الأناث. (وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم). (فاختلف الأحزاب من بينهم) اليهود والنصارى، أو فرق النصارى، فإن منهم من قال: ابن الله، ومنهم من قال: هو الله، هبط إلى الأرض، ثم صعد إلى السماء، ومنهم من قال: هو عبد الله ونبيه. (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم). (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة (لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين). (وأنذرهم يوم الحسرة): يوم يتحسر الناس، المسئ على إساءته، والمحسن على،


1 - القمى 2: 50، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 286، الباب: 28، ذيل الحديث: 33، عن أبى عبد الله عليه السلام. القمى 2: 50، وفيه: (يخاصمون). (*)

[ 741 ]

قلة إحسانه. قال: (يوم يؤتى بالموت فيذبح) 4. (إذ قضى الأمر): فرغ من الحساب، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار. قال: (أي: قضي على أهل الجنة بالخلود فيها، وقضي على أهل النار بالخلود فيها) 2. (وهم في غفلة وهم لا يؤمنون). متعلق بقوله (في ضلال)، وما بينهما اعتراض، أو ب‍ (أنذرهم)). (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) لا يبقى فيها مالك ولا متصرف (وإلينا يرجعون). (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا). (إذ قال لأبيه يا أبت). التاء عوض عن ياء الأضافة. وإنما تذكر للاستعطاف، ولذا كررها. (لم تعبد ما لا يسمع) فيعرف حالك ويسمع ذكرك (ولا يبصر) فيرى خضوعك (ولا يغني عنك شيئا) في جلب نفع أو دفع ضر. (يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا). (يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا). (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا). دعاه صلوات الله عليه إلى الهدى، وبين ضلاله، واحتج عليه أبلغ احتجاج، وأرشقه 3 برفق وحسن أدب، حيث لم يصرح بضلاله، بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما لا يستحق للعبادة بوجه. ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم والصراط المستقيم، لما لم يكن مستقلا بالنظر السوي. ولم يسمه بالجهل المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسيره، يكون أعرف بالطريق. ثم ثبطه عما كان عليه، بأنه مع خلوه عن النفع، مستلزم للضر، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان، فإنه الامر به. وبين أن الشيطان


- 1 معاني الاخبار: 156، الحديث: 1، عن أبى عبد لله. 2 - القمى 2: 50، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - الرشاقة: الحسن والاعتدال. لسان العرب 10: 117 (رشق). (*)

[ 742 ]

مستعص لربك المولي للنعم كلها. وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم، وينتقم منه، ولذلك عقبه بتخويفه وسوء عاقبته، ما يجره إليه من صيرورته قرينا للشيطان في اللعن والعذاب. (قال أراغب أنت عن الهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا). قابل استعطافه ولطفه في الأرشاد بالفظاظة 1 وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم يقابل ب‍ (يا بني) وأخره وقدم الخبر على المبتدأ، وصدره بهمزة الأنكار على ضرب من التعجب، ثم هدده بالرجم بلسانه، أو الحجارة وأمره بالذهاب عنه زمانا طويلا. (قال سلام عليك). توديع، ومتاركة، ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي: لا أصيبك بمكروه، ولا أقول لك بعد ما يؤذيك (سأستغفر لك ربي) لعله يوفقك للتوبة والأيمان (إنه كان بي حفيا): بليغا في البر والأعطاف. (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) بالمهاجرة بديني (وأدعوا ربي): وأعبده وحده (عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا): خائبا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام ب‍ (عسى) التواضع، وهضم النفس، والتنبيه على أن الأجابة والأثابة تفضل غير واجب، وأن ملاك الأمر خاتمته، وهو غيب. (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) بالهجرة إلى الشام (وهبنا له إسحق ويعقوب) بدل من فارقهم من الكفرة (وكلا جعلنا نبيا). (ووهبنا لهم من رحمتنا): كل خير ديني ودنيوي (وجعلنا لهم لسان صدق): ذكر جميل وثناء حسن (عليا): مرتفعا، فإن جميع أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه وعلى ذريته، ويفتخرون به. وهي إجابة لدعوته، حيث قال: " واجعل لي لسان صدق في الاخرين " 2.


1 - الفظ: الغليظ الجانب، السيئ الخلق، القاسي، الخشن الكلام. القاموس المحيط 2: 412 (فظظ). 2 - الشعراء (26): 84. (*)

[ 743 ]

وورد في تأويل: (الرحمة: رسول الله، واللسان الصدق العلي: أمير المؤمنين صلوات الله عليه) 1. (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا): موحدا أخلص عبادته عن الشرك والرياء، وأسلم وجهه لله. وعلى قراءة الفتح 2: أخلصه الله. (وكان رسولا نبيا). قد سبق بيان الرسول والنبي في الأعراف 3. (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا): مناجيا. (ووهبنا له من رحمتنا أخاه): معاضدة أخيه ومؤازرته، إجابة لدعوته " واجعل لي وزيرا من أهلي " 4 (هرون نبيا). (واذكر في الكتاب إسمعيل). قيل: هو إسماعيل بن إبراهيم 5. وفي رواية: (هو إسماعيل بن حزقيل) 6. (إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا). ورد: (إنما سمي صادق الوعد لأنه وعد رجلا في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، ثم إن الرجل أتاه بعد ذلك، فقال له إسماعيل: ما زلت منتظرا لك) 7. (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا). (واذكر في الكتاب إدريس) قيل: هو سبط شيث وجد أبي نوح، واسمه أخنوخ 8. وروى: (إنه إنزل عليه ثلاثون صحيفة، وإنة أول من خط بالقلم، ونظر في علم النجوم


1 - القمي 2: 51، عن العسكري عليه السلام. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 517، البيضاوي 4: 9، وفيه: (وقرأ الكوفيون بالفتح على أن الله أخلصه). 3 - ذيل الاية: 157. 4 - طه (20): 29. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 518. 6 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام، القمي 2: 51. 7 - الكافي 2: 105، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - البيضاوي 4: 10. (*)

[ 744 ]

والحساب، وأول من خاط الثياب ولبسها، وكانوا يلبسون الجلود) 1. (إنه كان صديقا نبيا). (ورفعناه مكانا عليا) قيل: شرف النبوة والزلفى عند الله 2. وورد ما معناه: (إنه صعد إلى السماء على جناح ملك، يطلب ملك الموت ليأنس به، فقبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة) 3. (أولئك): المذكورون في السورة 4 (الذين أنعم الله عليهم) بأنواع النعم الدينية والدنيوية (من النبيين من ذرية ادم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا). قال: (نحن عنينا بها) 5. (إذا تتلى عليهم ايات الرحمن خروا سجدا وبكيا): خشية من الله وإخباتا له. روي: (اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا) 6. (فخلف من بعدهم خلف): عقب سوء (أضاعوا الصلاة) قال: (بتأخيرها عن مواقيتها، من غير أن تركوها أصلا) 7. (واتبعوا الشهوات) قال: (من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور) 8. (فسوف يلقون غيا): شرا. (إلا من تاب وامن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا). (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا): يأتيه أهله.


1 - الكشاف 2: 513، جوامع الجامع 2: 400، قصص الأنبياء (للراوندي): 79. 2 - الكشاف 2: 513، البيضاوي 4: 10. 3 - الكافي 3: 257، الحديث: 26، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - من زكريا إلى إدريس عليهما السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 519، المناقب (لابن شهرآشوب) 4: 129، عن السجاد عليه السلام. 6 - الكشاف 2: 514، البيضاوي 4: 10، عن النبي صلى الله عليه وآله. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 519، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - جوامع الجامع 2: 401، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 745 ]

(لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) على عادة المتنعمين، والتوسط بين الزهادة والرغابة. القمي: ذلك في جنات الدنيا قبل القيامة، لأن البكرة والعشي لا يكونان 1 في الاخرة في جنات الخلد، وإنما يكونان 2 في جنات الدنيا، التي تنتقل 3 إليها أرواح المؤمنين، وتطلع فيها الشمس والقمر 4. (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا). (وما نتنزل إلا بأمر ربك). حكاية قول جبرئيل. روي: (إن النبي صلى الله عليه وآله قال لجبرئيل: ما منعك أن تزورنا ؟ فنزلت) 5. (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين 6، لا تنتقل 7 من مكان إلى مكان، ولا ننزل 8 في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. (وما كان ربك نسيا): تاركا لك. قال: (ليس بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم) 9. (رب السموات والأرض وما بينهما). بيان لامتناع النسيان عليه. (فاعبده واصطبر لعبادته). خطاب للرسول مرتب عليه. (هل تعلم له سميا). قال: (تأويله: هل تعلم أحدا اسمه (الله) غير الله ؟) 10.


1 و 2 - في (ألف): (تكونان). 3 - في (ألف): (ينتقل). 4 - القمي 2: 52، مع تفاوت يسير. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 521. 6 - الحين: الدهر، أو وقت مبهم يصلح لجميع الأزمان، طال أو قصر، الجمع: أحيان، وجمع الجمع: أحايين. القاموس المحيط 4: 219 (حين). وفي (ألف) و (ب): (الأحانين). 7 - في (ألف): (لا ينتقل). 8 - في (ألف): (لا ينزل). 9 - التوحيد: 260، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 9 - المصدر: 264، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 746 ]

(ويقول الأنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا). (أو لا يذكر الأنسان أنا خلقناه من قبل) أي: قدرناه في العلم، حيث كان الله ولم يكن معه شئ (ولم يك شيئا) بل كان عدما صرفا. قال: (لا مقدرا ولا مكونا) 1. (فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا) على ركبهم، كما هو المعتاد في مواقف التقاول، وهو كقوله: " وترى كل أمة جاثية " 2. (ثم لننزعن من كل شيعة): من كل أمة شايعت دينا، أي: تبعت. (أيهم أشد على الرحمن عتيا): من كان أعصى وأعتى منهم، فنطرحهم 3 فيها. (ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا): أولى بالصلي 4. (وإن منكم إلا واردها). قال: (أما تسمع الرجل يقول: وردنا ماء بني فلان، فهو الورود، ولم يدخل) 5. وفي رواية: (الورود: الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا يدخلها، فتكون 6 على المؤمنين بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار - أو قال: لجهنم - ضجيجا من بردها) الحديث 7. (كان على ربك حتما مقضيا): كان ورودهم واجبا، أوجبه الله على نفسه وقضى به. (ثم ننجي الذين اتقوا) فيساقون إلى الجنة (ونذر الظالمين فيها جثيا): على هيأتهم كما كانوا.


1 - الكافي 1: 147، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الجاثية (45): 28. 3 - في (ألف) و (ج): (فيطرحهم). 4 - أصل الصلي لأيقاد النار. المفردات: 293 (صلا). 5 - القمي 2: 52، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (ولم يدخله). 6 - في (ألف) و (ج): (فيكون). 7 - مجمع البيان 5 - 6: 526، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 747 ]

روي: أنه قال: (يرد الناس النار، ثم يصدرون بأعمالهم، فأولهم كلمع 1 البرق، ثم كمر الريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه) 2. وفي رواية: (تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) 3. وورد: (الحمى رائد الموت وسجن الله في أرضه وفورها من جهنم، وهي حظ كل مؤمن من النار) 4. وروي: (إنه لا يصيب أحدا من أهل التوحيد ألما في النار إذا دخلوها، وإنما يصيبهم الألم عند الخروج منها، فتكون تلك الالام جزاء بما كسبت أيديهم وما الله بظلام للعبيد) 5. وسئل عن هذه الاية، فقال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار ؟ ! فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة) 6. (وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات قال الذين كفروا للذين امنوا): لأجلهم أو معهم (أي الفريقين): المؤمنين بها أو الجاحدين لها (خير مقاما وأحسن نديا): مجلسا ومجتمعا. يعني أنهم لما سمعوا الايات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، وزعموا: أن زيادة حظهم فيها تدل على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى. (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا). قال: (الأثاث: المتاع. ورئيا: الجمال والمنظر الحسن) 7.


1 - في (ب): (كلمح). وهو بمعناه، والأصح ما أثبتناه كما في المصدر. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 525، عن النبي صلى الله عليه وآله. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 526، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - الكافي 3: 112، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الاعتقادات (للصدوق): 90، باب الاعتقاد في الجنة والنار، الاعتقادات (للمفيد): 77. 6 - البيضاوي 4: 13. 7 - القمي 2: 52، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 748 ]

(قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا): فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به (حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة. قال: (خروج القائم، وهو الساعة) 1 والقمي: العذاب: القتل، والساعة: الموت 2. (فسيعلمون من هو شر مكانا) من الفريقين. قال: (يعني عند القائم) 3. بأن عاينوا الأمر على عكس ما قد روه، وعاد ما متعوا به خذلانا ووبالا عليهم (وأضعف جندا) أي: فئة وأنصارا. قابل به الندى، فإن حسن الندى باجتماع وجوه القوم وظهور شوكتهم. (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) قال: (يزيدهم في ذلك اليوم هدى على هدى باتباعهم القائم، حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه). 4 (والباقيات الصالحات): الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الاباد (خير عند ربك ثوابا): عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة 5 الفانية التي يفتخرون بها (وخير مردا): مرجعا وعاقبة، فإن مآلها النعيم المقيم، ومآل هذه الحسرة والعذاب الدائم. (أفرأيت الذي كفر باياتنا وقال لاءوتين مالا وولدا) يعني في الاخرة. قال: (إن العاص بن وائل بن هشام القرشي، ثم السهمي 6، وهو أحد المستهزئين، وكان لخباب بن الأرت 7 عليه حق فأتاه يتقاضاه، فقال له العاص: ألستم تزعمون: أن في


1 و 3 و 4 - الكافي 1: 431، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 52. 5 - المخدجة: الناقصة. الصحاح 1: 308 (خدج). 6 - العاص (أو العاصي) بن وائل بن هشام السهمي، من قريش: أحد الحكام في الجاهلية، وكان نديما لهشام بن المغيرة، وأدرك الأسلام وظل على الشرك. ويعد من المستهزئين ومن الزنادقة الذين ماتوا كفارا وثنيين. وكان على رأس بني سهم في حرب الفجار. وقيل في خبر موته: خرج يوما على راحلته، ومعه أبناء له يتنزه، ونزل في أحد الشعاب، فلما وضع قدمه على الأرض صاح، فطافوا فلم يروا شيئا. وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، ومات، فقالوا: لدغته الأرض. وكان ذلك في الأبواء بين مكة والمدينة، وهو والد عمر بن العاص. وكان هلاكه في ثلاث سنة قبل الهجرة. الأعلام (للزركلي) 3: 247. 7 - خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد التميمي، أبو يحيى أو أبو عبد الله: صحابي من السابقين. كان في (*)

[ 749 ]

الجنة الذهب والفضة والحرير ؟ ! قال: بلى ! قال: فموعد ما بيني وبينك الجنة، والله لأوتين فيها خيرا مما أوتيت في الدنيا) 1. (أطلع الغيب): قد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار ! ! حتى ادعاه أن يؤتى في الاخرة مالا وولدا، وتألى عليه (أم اتخذ عند الرحمن عهدا) بذلك. (كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا). (ونرثه) بإملاكنا إياه (ما يقول) يعني المال والولد مما عنده منهما (ويأتينا) يوم القيامة (فردا) لا يصحبه مال ولا ولد مما كان له في الدنيا، فضلا أن يؤتى ثمة زائدا. (واتخذوا من دون الله الهة ليكونوا لهم عزا) ليتعززوا بها، حيث تكون لهم وصلة إلى الله، وشفعاء عنده. (كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا). قال: (يكونون هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة من دون الله ضدا يوم القيامة، ويتبرؤون منهم ومن عبادتهم، ثم قال: ليس العبادة هي السجود ولا الركوع، وإنما هي طاعة الرجال، من أطاع مخلوقا في معصية الخالق فقد عبده) 2. أقول: يعني عليه السلام بذلك: أن المراد بالالهة المتخذة من دون الله، رؤساؤهم الذين أطاعوهم في معصية الخالق.


الجاهلية قينا يعمل السيوف بمكة، ولما أسلم استضعفه المشركون، فعذبوه ليرجع عن دينه، فصبر، إلى أن كانت الهجرة، ثم شهد المشاهد كلها، ونزل الى الكوفة فمات فيها وهو ابن 73 سنة. ولما رجع على عليه السلام من صفين مر بقبره، فقال: رحم الله خبابا، أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، توفى سنة 37 ه‍. الاعلام (للزركى) 2: 301. 1 - القمي 2: 54، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 2: 55، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 750 ]

(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا): تهزهم 1 وتغريهم على المعاصي، بالتسويلات وتحبيب الشهوات. القمي: لما طغوا فيها وفي فتنتها وفي طاعتهم، ومد لهم في طغيانهم وضلالتهم، أرسل عليهم شياطين الأنس والجن " تؤزهم أزا "، أي: تنخسهم 2 نخسا، وتحضهم على طاعتهم وعبادتهم 3. (فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا): فلا تعجل بهلاكهم لتستريح من شرورهم، فإنه لم يبق لهم إلا أنفاس معدودة. قيل له: أي عدد الأيام، فقال عليه السلام: (إن الاباء والأمهات يحصون ذلك، لا، ولكنه عدد الأنفاس) 4. ورد: (نفس المرء خطاه إلى أجله) 5. (يوم نحشر المتقين): نجمعهم (إلى الرحمن): إلى ربهم الذي غمرهم برحمته (وفدا): وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك، منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. (ونسوق المجرمين) كما تساق البهائم (إلى جهنم وردا): عطاشا، كما ترد الدواب الماء. وفي قراءتهم عليهم السلام. (يوم يحشر المتقون إلى الرحمان وفدا ويساق المجرمون إلى جهنم وردا) 6. وقد سمع هكذا من قبر الرضا عليه السلام، وقصته مذكورة في عيون أخبار الرضا 7. قال: (يحشرون على النجائب) 8. وفى رواية: (إن الوفد لا يكونون إلا ركبانا، أولئك رجال اتقوا الله فأحبهم الله


1 - هزه: حركه. القاموس المحيط 2: 203 (هزز). 2 - نخس بالرجل: هيجه وأزعجه، لسان العرب 6: 229 (نخس). 3 - القمي 2: 55، مع تفاوت يسير. 4 - الكافي 3: 259، الحديث: 33، القمي 2: 53، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - نهج البلاغة: 480، الحكمة: 74. 6 و 7 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 282، الباب: 69، ذيل الحديث: 6. 8 - المحاسن 1: 180، الباب: 41، الحديث: 170، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 751 ]

واختصهم، ورضي أعمالهم، فسماهم المتقين) الحديث بطوله 1، وفيه صفة حشرهم إلى الجنة وفي آخرة: (هؤلاء شيعتك يا علي وأنت إمامهم) 2. (لا يملكون الشفاعة) قال: (لا يشفع لهم ولا يشفعون) 3. (إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) قال: (إلا من دان الله بولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده، فهو العهد عند الله) 4. وفي رواية: (إن العهد هو الوصية عند الموت بما اعتقده من الدين الحق) 5 في ألفاظ هذا معناها. وفي أخرى: (أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا - ثم ذكر مثل ذلك، ثم قال: - فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع، ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد ؟ فيدخلون الجنة) 6. (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا). قال: (هذا حيث قالت قريش: إن لله عز وجل ولدا من الملائكة إناثا) 7. (لقد جئتم شيئا إدا) قال: (أي: عظيما) 8. (تكاد السموات يتفطرن منه) قال: (يعني مما قالوه، ومما رموه به) 9. (وتنشق


1 - الكافي 8: 95، الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي القمي 2: 53، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - القمي 2: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 1: 431، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 7: 2، الحديث: 1، التهذيب 9: 174، الحديث: 11، من لا يحضره الفقيه 4: 138، الحديث: 482، القمي 2: 55، عن أبي عبد الله عليه السلام، من النبي صلى الله عليه وآله. 6 - جوامع الجامع 2: 410، عن النبي صلى الله عليه وآله. 7 و 8 - القمي 2: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - القمي 2: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 752 ]

الأرض وتخر الجبال هدا). (أن دعوا للرحمن ولدا). (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا). (إن كل من في السموات والأرض إلا اتي الرحمن). مبدئ نعمه وموليها (عبدا) يأوي إليه بالعبودية والانقياد، لا يدعي لنفسه ما يدعيه هؤلاء. (لقد أحصاهم): حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه وقبضة قدرته (وعدهم عدا): عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فإن كل شئ عنده بمقدار. (وكلهم اتيه يوم القيامة فردا) قال: (واحدا واحدا) 1. (إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا): سيحدث لهم في القلوب مودة. قال: (ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، هي الود الذي قال الله) 2. وقال: (إنه عليه السلام كان جالسا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال له: قل يا علي: اللهم اجعل لي في قلوب المؤمنين ودا، فأنزل الله) 3. وفي رواية: (دعا رسول الله صلى الله عليه وآله له في آخر صلاته رافعا بها صوته يسمع 4 الناس، يقول: اللهم هب لعلي المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين، فأنزل الله) 5. (فإنما يسرناه بلسانك) بأن أنزلناه بلغتك. قال: (يعني القرآن) 6. لتبشر به


1 - القمي 2: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 1: 431، الحديث: 90، القمي 2: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في (ألف): (ليسمع). 5 - العياشي 2: 142، الحديث: 11، ذيل الاية 12 من سورة هود، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 753 ]

المتقين وتنذر به قوما لدا): أشداء الخصومة. قال: (أصحاب الكلام والخصومة) 1 وفي رواية: (أي: كفارا) 2. وفي أخرى: (بني أمية قوما ظلمة) 3. (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) قال: (أي: ذكرا) 4. والركز: الصوت الخفي.


1 - القمي 2: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 1: 432، ذيل الحديث: 90، القمى 2: 57، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - روضة الواعضين: 106، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4 - القمى 2: 57، عن أبى عبد الله عليه السلام.

[ 754 ]

سورة طه [ مكية وهى مائة وخمسون وثلاثون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم (طه). (ما أنزلنا عليك القران لتشقى) قال: (بل لتسعد به) 2. ورد: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على أصابع رجليه حتى تورم، فأنزل الله تبارك وتعالى (طه) بلغة طئ: يا محمد ما أنزلنا، الاية) 3. أقول: الشقاء بمعنى التعب، ومنه سيد القوم أشقاهم. وإنما عدل إليه إشعارا بأنه أنزل إليه ليسعد. (إلا تذكرة لمن يخشى): لكن تذكيرا لمن في قلبه خشية ورقة، يتأثر بالأنذار. (تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى) جمع العليا، مؤنث الأعلى. (الرحمن على العرش استوى) قال: (يقول: على الملك احتوى) 4. وقد سبق تمام


1 - مابين المعقوفتين من (ب). 2 - الاحتجاج 1: 326، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - القمي 2: 58، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 4 - التوحيد: 321، الباب: 50، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 755 ]

تفسيره في الأعراف 1. (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى). قال: (فكل شئ على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة تحمل كل شئ) 2. (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى). قال: (السر: ما أكننته في نفسك، وأخفى: ما خطر ببالك ثم أنسيته) 3. (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى). (وهل أتاك حديث موسى). (إذ رأى نارا) (وذلك حين خرج بأهله من عند شعيب يريد أمه ووطنه، فأصابهم برد شديد وريح وظلمة في مفازة، وجنهم الليل وامرأته تمخض، فنظر موسى إلى نار قد ظهرت). كذا ورد 4. (فقال لأهله امكثوا إني انست نارا): أبصرتها إبصارا لا شبهة فيه، أو إبصار ما يؤنس به (لعلي اتيكم منها بقبس): بشعلة. قال: (يقول: آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد) 5. (أو أجد على النار هدى). قال: (كان قد أخطأ الطريق، يقول: أو أجد عند النار طريقا) 6. (فلما أتاها نودى يا موسى) (إنى أنا ربك فاخلع نعليك). (يعنى ارفع خوفيك، يعنى خوفه من ضياع


1 - ذيل الاية: 54. 2 - الخصال 2: 597، ذيل الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - معاني الأخبار: 143، الحديث 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 3، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 4 - القمي 2: 139، ذيل الاية: 28، من سورة القصص، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 و 6 - القمي 2: 60، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (على النار طريقا). (*)

[ 756 ]

أهله، وقد خلفها تمخض، وخوفه من فرعون) 1. وفي رواية: (أي: انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسول) 2. (إنك بالواد المقدس). قال: (لأنه قدست فيه الأرواح، واصطفيت فيه الملائكة، وكلم الله عزوجل موسى تكليما) 3. (طوى): اسم للوادي 4. (وأنا اخترتك): اصطفيتك للنبوة (فاستمع لما يوحى). (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري). قال: (معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أم لم تكن) 5. (إن الساعة اتية أكاد أخفيها): أخفي وقتها. قال: (أخفيها من نفسي 6. قيل: كيف يخفيها من نفسه ؟ ! قال: جعلها من غير وقت) 7. وقيل: معناه: أكاد أظهرها، من أخفاه: إذا سلب خفاه 8. (لتجزى كل نفس بما تسعى). (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى). (وما تلك بيمينك يا موسى). استفهام يتضمن استيقاظا، لما يريه فيها من العجائب.


1 - علل الشرائع 1: 66، الباب: 55، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - كمال الدين 2: 460، الباب: 43، الحديث: 21، عن الحجة القائم عليه السلام. 3 - علل الشرائع 2: 472، الباب: 222، ذيل الحديث: 33، عن النبي صلى الله عليه وآله. 4 - طوى - بالضم والكسر، وينون -: واد بالشام عند الطور. القاموس المحيط 4: 360، معجم البلدان 4: 44 (طوى). 5 - مجمع البيان 7 - 8: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المصدر: 6، جوامع الجامع 2: 417، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - القمي 2: 60. 8 - الكشاف 2: 532، البيضاوي 4: 19، وفيه: (خفاءه). (*)

[ 757 ]

(قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي) وأخبط 1 الورق بها على رؤوس غنمي (ولى فيها مارب أخرى): حوائج أخرى، مثل أنه إذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها، وإذا قصر الرشاء 2 وصله بها، وكان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته 3، وإذا كان في البرية ركزها وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل بها. القمي: فمن الفرق لم يستطع الكلام، فجمع كلامه فقال: " فيها مآرب أخرى " 4. (قال ألقها يا موسى). (فألقاها فإذا هي حية تسعى). (قال خذها ولا تخف). قال: (ففزع منها موسى وعدا، فناداه الله " خذها ولا تخف ") 5. (سنعيدها سيرتها): هيئتها وحالتها (الأولى). (واضمم يدك إلى جناحك): تحت العضد (تخرج بيضاء من غير سوء) قال: (يعني من غير برص) 6. وفي رواية: (أي من غير علة، قال: وذلك أن موسى كان شديد السمرة 7، فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا) 8. (اية أخرى): معجزة ثانية. (لنريك من اياتنا الكبرى). (إذهب إلى فرعون) بهاتين الايتين، وادعه إلى العبادة (إنه طغى): عصى وتكبر.


1 - خبطت الشجر خبطا: إذا ضربتها بالعصاء ليسقط ورقها، الصحاح 3: 1121 (خبط). 2 - الرشاء: الحبل، والجمع: أرشية، الصحاح 6: 2357 (رشا). 3 - الأداوة: المطهرة، والجمع: الأداوى، وهي إناء صغير من جلد يتطهر به ويشرب. انظر: الصحاح 6: 2266 (ادا). 4 - القمي 2: 60. 5 - المصدر: 140، عن أبي عبد الله عليه السلام، ذيل الاية: 31 من سورة القصص. 6 - طب الأئمة: 56، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: (من غير مرض). 7 - السمرة: منزلة بين البياض والسواد، تكون في ألوان الناس والأبل وغيرها. تاج العروس 12: 71 (سمر). 8 - القمي 2: 140، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 758 ]

(قال رب اشرح لي صدري). (ويسر لي أمري). (واحلل عقدة من لساني). (يفقهوا قولي): (كان في لسانه رتة 1، من جمرة أدخلها فاه). كذا ورد 2 في قصة له مع فرعون في صباه. (واجعل لي وزيرا من أهلي). (هرون أخي) يعينني على ما كلفتني به. (أشدد به أزري): قوتي. (وأشركه في أمري). (كى نسبحك كثيرا). (ونذكرك كثيرا) فإن التهاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخيرات. (إنك كنت بنا بصيرا). (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى). (ولقد مننا): أنعمنا (عليك مرة أخرى). (إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى): ما لا يعلم إلا بالوحي. (أن اقذفيه) قال: (ضعيه) 3. (في التابوت فاقذفيه في اليم): ألقيه فيه، فإن القذف جاء بالمعنيين (فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له). تكرير عدو للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع، والثاني باعتبار المتوقع (وألقيت عليك محبة مني). قيل: أي: أحببتك، أو محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب، بحيث لا يكاد يصبر


1 - الرتة: العجمة والحكلة في اللسان. القاموس المحيط 1: 153 (رتت). 2 - القمي 2: 136، مجمع البيان 7 - 8: 8، عن أبي جعفر عليه السلام، تفسير البغوي 3: 216، في رواية. 3 - القمي 2: 135، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 759 ]

عنك من رآك 1. قال: (وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه، وهو قوله تعالى " وألقيت عليك محبة مني ") 2. (ولتصنع على عيني): ولتربى ويحسن إليك، وأنا راعيك وراقبك. (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها) بلقائك (ولا تحزن) هي بفراقك 3، أو أتت على فراقها، وفقد إشفاقها (وقتلت نفسا): نفس القبطي الذي استغاثة عليه الأسرائيلي، كما يأتي قصته في القصص 4. (فنجيناك من الغم): غم قتله (وفتناك فتونا): وابتليناك ابتلاء، أو 5 أنواعا من الابتلاء فتنة بعد فتنة. وذلك أنه ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، ونال في سفره ما نال من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاف، والمشي راجلا على حذر، وفقد الزاد، وأجر نفسه عشر سنين، إلى غير ذلك. (فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر) قيل: أي: على مقدار من الزمان، يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة 6. وقيل: معناه: سبق في قدري وقضائي أن أكلمك في وقت بعينه، فجئت على ذلك القدر 7. (يا موسى). كرره ليكون تنبيها على أنه غاية الحكاية. (واصطنعتك لنفسي): واتخذتك صنيعتي وخالصتي، واصطفيتك لمحبتي ورسالتي وكلامي. (إذهب أنت وأخوك بآياتى): بمعجزاتى (ولا تنيا): ولا تفترا ولا تقصرا (في


1 - البيضاوي 4: 21. 2 - القمي 2: 135، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في (ب): (وأنت). 4 - ذيل الايات 15 إلى 21. 5 - في (ب): (وأنواعا). 6 و 7 - الكشاف 2: 537. (*)

[ 760 ]

ذكري): لا تنسياني حيث ما تقلبتما وقيل: في تبليغ ذكري والدعاء إلي 1. (إذهبا إلى فرعون إنه طغى). (فقولا له قولا لينا) مثل: " هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى " 2، فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة، حذرا أن يحمله الحماقة على أن يسطو عليكما (لعله يتذكر أو يخشى). قال: (أما قوله: " فقولا له قولا لينا "، أي: ليناه وقولا له: يا أبا مصعب 3، وأما قوله: " لعله يتذكر أو يخشى " فإنما قال ذلك ليكون أحرص لموسى على الذهاب، وقد علم الله أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى إلا عند رؤية البأس) 4. (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا): أن يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة (أو أن يطغى) أن يزداد طغيانا، فيتخطى إلى أن يقول فيك مالا ينبغي، لجرأته وقساوته، وإطلاقه من حسن الأدب. (قال لا تخافا إنني معكما): بالحفظ والنصرة (أسمع وأرى) ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما، ويوجب نصرتي لكما. (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل): أطلقهم (ولا تعذبهم) بالتكاليف الصعبة قد جئناك باية من ربك): بمعجزة وبرهان (والسلام على من اتبع الهدى): والسلامة من عذاب الله على المهتدين. (إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى): أن العذاب على المكذبين للرسل.


1 - البيضاوي 4: 22. 2 - النازعات (79): 18 و 19. 3 - وكان اسم فرعون أبا مصعب الوليد بن مصعب. منه عليه السلام في المصدر. 4 - علل الشرائع 1: 67، الباب: 56، الحديث: 1، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 761 ]

(قال فمن ربكما يا موسى) أي: بعد ما أتياه، وقالا له ما أمرا به. (قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه): صورته وشكله الذي يوافق المنفعة المنوطة به (ثم هدى): عرفه كيف يرتفق بما أعطى. قال: (ليس شئ من خلق الله إلا وهو يعرف من شكله، الذكر من الأنثى. سئل: ما معنى " ثم هدى " ؟ قال: هداه للنكاح والسفاح 1 من شكله) 2. قيل: وهو جواب في غاية البلاغة، لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أن الغني القادر بالذات، المنعم على الأطلاق هو الله تعالى، وأن جميع ما عداه مفتقر إليه، منعم عليه في ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك بهت الذي كفر، فلم ير إلا صرف الكلام عنه 3. (قال فما بال القرون الأولى): فما حالهم بعد موتهم، من السعادة والشقاوة ؟ (قال علمها عند ربي) يعني أنه غيب لا يعلمه إلا الله، وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به (في كتاب): مثبت في اللوح المحفوظ (لا يضل ربي ولا ينسى). الضلال: أن يخطئ الشئ في مكانه فلم يهتد إليه، والنسيان: أن يذهب بحيث لا يخطر بالبال. (الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماءا فأخرجنا به أزواجا): أصنافا (من نبات شتى). (كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لايات لاءولي النهى): لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح، جمع: نهية. قال: (نحن والله أولو النهى) 4.


1 - السفاح، والتسافح، والمسافحة: الزنا والفجور. تاج العروس 6: 476 (سفح). 2 - الكافي 5: 567، الحديث: 49، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 4: 23. 4 - القمي 2: 61، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 762 ]

وورد: (إن خياركم أولو النهى. قيل: يا رسول الله ومن أولو النهى ؟ قال: هم أولو الأخلاق الحسنة، والأحلام الرزينة 1، وصلة الأرحام، والبررة 2 بالأمهات والاباء، والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون) 3. (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى). (ولقد أريناه اياتنا كلها فكذب وأبى). (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا): أرض مصر (بسحرك يا موسى). (فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى): منتصفا يستوي مسافته إلينا وإليك. (قال موعدكم يوم الزينة) وهو يوم عيد كان لهم في كل عام، وإنما خصه به ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار. (وأن يحشر الناس ضحى): واجتماع الناس في ضحى. (فتولى فرعون فجمع كيده): ما يكاد به من السحرة والاتهم (ثم أتى). (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا) بأن تدعو آياته سحرا (فيسحتكم بعذاب): فيهلككم ويستأصلكم (وقد خاب من افترى). (فتنازعوا أمرهم بينهم). قيل: أي: تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه، فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة 4. (وأسروا النجوى). قيل: كان نجواهم:


1 - الأحلام: جمع حلم - بالكسر - بمعنى العقل أو الاناءة وعدم التسرع إلى الانتقام، وهو هنا أظهر. وفي القاموس: الرزين: الثقيل، وترزن في الشئ: توقر. مرآة العقول 9: 278. 2 - في (ب): (والبرارة). 3 - الكافي 2: 240، الحديث: 32، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - البيضاوي 4: 25. (*)

[ 763 ]

إن غلبنا موسى اتبعناه، أو إن كان ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء فله أمر 1. (قالوا إن هذان لساحران) وهي لغة فيه 2. (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم) بالاستيلاء عليها (بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى): بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب. (فأجمعوا كيدكم): فأزمعوه 3 واجعلوه مجمعا عليه، لا يتخلف عنه واحد منكم (ثم ائتوا صفا): مصطفين، لأنه أهيب في صدور الرائين (وقد أفلح اليوم من استعلى). (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى) أي: بعدما أتوا، مراعاة للأدب. (قال بل ألقوا) مقابلة أدب بأدب، وعدم مبالاة بسحرهم، ولأن يأتوا بأقصى وسعهم، ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) أي: فألقوا فإذا. قيل: لطخوها بالزيبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك 4. (فأوجس في نفسه خيفة موسى): فأضمر فيها خوفا. قال: (لم يوجس موسى خيفة على نفسه، أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال) 5. (قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى). قال: اللهم إنى أسألك بحق محمد وآل


1 - الكشاف 2: 543. 2 - وقرأ أبو عمرو: (إن هذين) بتشديد (إن) ونصب (هذين). وقرأ نافع وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بتشديد (إن))، والالف في (هذان). وقرأ إبن كثير: (إن) مخففه (هذان) مشددة النون. وقرأ إبن عامر بتخفيف نون (إن) وتخفيف نون (هذان). التبيان 7: 182. 3 - أزمعت على أمر: إذا ثبت عليه عزمك. وقال الفراء: أزمعته وأزمعت عليه: مثل: اجمعته واجمعت عليه. الصحاح 3: 1225 (زمع). 4 - البيضاوي 4: 25. 5 - نهج البلاغة: 51، الخطبة: 4، وفيه: (بل اشفق). (*)

[ 764 ]

محمد لما آمنتني. فقال الله: " لا تخف ") 1. (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا): تبتلعه بقدرة الله تعالى (إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى): حيث كان، وأين أقبل. (فألقي السحرة سجدا) أي: فألقى، فتلقف، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله ومعجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله، توبة عما صنعوا، وتعظيما لما رأوا (قالوا امنا برب هرون وموسى). (قال امنتم له) أي: لموسى، بتضمين معنى الاتباع (قبل أن اذن لكم إنه لكبيركم): لعظيمكم في فنكم، وأعلمكم به وأستاذكم (الذي علمكم السحر) وأنتم تواطأتم على ما فعلتم (فلاءقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف): اليد اليمنى والرجل اليسرى (ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا): أنا أو رب موسى (أشد عذابا وأبقى): أدوم عقابا. (قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا). عطف على " ما جاءنا " أو قسم. (فاقض ما أنت قاض): ما أنت صانعه أو حاكمه (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا): إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا، والاخرة خير وأبقى. (إنا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) من الكفر والمعاصي (وما أكرهتنا عليه من السحر) في معارضة المعجزة. روي: (إنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، فوجدوه يحرسه العصا ! فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى إلا أن يعارضوه) 2. (والله خير وأبقى). (إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها) فيستريح (ولا يحيى)


1 - الاحتجاج 1: 55، عن عبد الله عليه السلام، من النبي صلى الله عليه وآله. 2 - البيضاوى 4: 26، الكشاف 2: 546، جوامع الجوامع 2: 430. (*)

[ 765 ]

حياة مهناة (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى). (جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى): من تطهر من أدناس الكفر والمعاصي. والايات الثلاث إما من كلام السحرة أو ابتداء كلام من الله. (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أي: من مصر (فاضرب): فاجعل (لهم طريقا في البحر يبسا): يابسا (لا تخاف دركا) آمنا من أن يدرككم العدو (ولا تخشى). (فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم): ما سمعت قصته، ولا يعرف كنهه إلا الله، فيه مبالغة ووجازة. (وأضل فرعون قومه وما هدى). روي: (إنه لما انتهى إلى البحر فرآه قد يبس، فقال لقومه: ترون البحر قد يبس من فرقي فصدقوه، فقال: " أنا ربكم الاءعلى " 1. فذلك قوله تعالى " وأضل فرعون قومه وما هدى ") 2. (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم): فرعون وقومه (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) لمناجاة موسى، وإنزال التوارة عليه (ونزلنا عليكم المن والسلوى) يعنى في التيه، كما مر 3. (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه) بالأخلال بشكره، والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق (فيحل عليكم غضبى): فيلزمكم


1 - النازعات (79): 24. 2 - سعد السعود: 218، عن تفسير الكلبي. 3 - ذيل الاية: 57، من سورة البقرة. (*)

[ 766 ]

عذابي، ويجب لكم. قال: (هو العقاب، إن الله لا يستفزه 1 شئ ولا يغيره) 2. (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى): فقد تردى وهلك. (وإني لغفار لمن تاب) عن الشرك (وامن) بما يجب الأيمان به (وعمل صالحا ثم اهتدى) قال: (ثم اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت) في أخبار كثيرة 3. قال: (فوالله لو أن رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام، ثم مات ولم يجئ بولايتنا، لأكبه الله في النار على وجهه) 4. (وما أعجلك عن قومك يا موسى). (قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى). قال: (ما أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه، أربعين يوما، شوقا إلى ربه) 5. (قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك): ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم (وأضلهم السامري) باتخاذ العجل، والدعاء إلى عبادته. (فرجع موسى إلى قومه) بعد استيفاء الأربعين، وأخذ التوارة (غضبان) عليهم (أسفا): حزينا بما فعلوه (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا) بأن يعطيكم التوارة فيها هدى ونور (أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) بعبادة ما هو مثل في الغباوة (فاخلفتم موعدى): وعدكم إياى بالثبات على الايمان بالله والهدى، والقيام على ما أمرتكم به.


1 - لا يستفزه: لا يستخفه. مجمع البحرين 4: 30 (فزز). 2 - التوحيد: 168، الباب: 26، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 1: 392، الحديث: 3، الأمالي (للصدوق): 400، الحديث: 13، القمي 2: 61، مجمع البيان 7 - 8: 23، عن أبي جعفر عليه السلام، المحاسن 1: 142، الحديث: 35، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 259، الحديث: 202، مجمع البيان 7 - 8: 23، عن أبي جعفر عليه السلام، عقاب الأعمال: 250، الحديث: 15 و 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مصباح الشريعة: 196، الباب: 94، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 767 ]

(قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا): بأن ملكنا أمرنا، أي: لو خلينا وأمرنا، ولم يسول لنا السامري، لما أخلفنا. (ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم): احمالا من حلي القبط (فقذفناها) أي: في النار (فكذلك ألقى السامري) أي: ما كان معه منها. (فأخرج لهم عجلا جسدا) من تلك الحلي المذابة (له خوار): صوت العجل (فقالوا) يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه (هذا إلهكم وإله موسى فنسى) قيل: يعنى فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسى السامري، أي: ترك ما كان عليه من إظهار الأيمان 1. (أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا). (ولقد قال لهم هرون من قبل): من قبل رجوع موسى (يا قوم إنما فتنتم به): بالعجل (وإن ربكم الرحمن) لا غير (فاتبعوني وأطيعوا أمري) في الثبات على الدين. (قالوا لن نبرح عليه): على العجل (عاكفين): مقيمين (حتى يرجع إلينا موسى). القمي: فهموا بهارون فهرب منهم 2، وبقوا في ذلك، حتى تم ميقات موسى 3. (قال يا هرون) أي: قال له موسى لما رجع (ما منعك إذ رأيتهم ضلوا). (ألا تتبعن) أي: تأتي عقبي وتلحقني، و (لا) مزيدة، كما في قوله " ما منعك ألا تسجد " 4. (أفعصيت أمري) بالصلابة في الدين والمحاماة عليه. (قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) قال: (يعني لو فعلت ذلك لتفرقوا) 5. (ولم ترقب قولي) حين قلت: " أخلفني في


1 - البيضاوي 4: 28، الكشاف 2: 550. 2 - في المصدر: (حتى هرب من بينهم). 3 - القمي 2: 62. 4 - الأعراف (7): 12. 5 - علل الشرائع 1: 68، الباب: 58، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 768 ]

قومي وأصلح " 1، فإن الأصلاح في حفظهم، والمداراة بينهم إلى أن ترجع إليهم فتدارك الأمر. (قال فما خطبك يا سامرى) أي: ثم أقبل عليه وقال له منكرا: ما طلبك له، وما الذي حملك عليه ؟ ! (قال بصرت بما لم يبصروا به): علمت ما لم يعلموا، وفطنت لما 2 لم يفطنوا له، وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني محض، لا يمس أثره شيئا إلا أحياه.. (قبضت قبضة من أثر الرسول) القمي: يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر 3. [ والرمك والرمكة: الأنثى من البراذين 4 ] 5. (فنبذتها) يعني أمسكتها فنبذتها في جوف العجل، وقد مضت هذه القصة في سورة البقرة 6، ثم في سورة الأعراف 7. (وكذلك سولت لي نفسي): زينت. (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس) خوفا أن يمسك أحد فيأخذك الحمى، ومن مسك فتحامي الناس ويحاموك، وتكون طريدا وحيدا، كالوحشي النافر. القمي: يعني ما دمت حيا وعقبك هذه العلامة فيكم قائمة، حتى تعرفوا 8 أنكم سامرية، فلا يغتر بكم الناس، فهم إلى الساعة بمصر والشام معروفين ب‍ (لا مساس) 9. ورد: إن موسى هم بقتل السامري، فأوحى الله إليه: لا تقتله يا موسى، فإنه سخي) 10.


1 - الأعراف (7): 142. 2 - في (ألف): (بما). 3 - القمي 2: 61. 4 - جمع، مفرده: برذونة. 5 - ما بين المعقوفتين من (ب). 6 - ذيل الاية: 92 - 93. 7 - ذيل الايات: 148 إلى 155. 8 - في (ب) و (ج): (حتى يعرفوا). 9 - القمي 2: 63. 10 - مجمع البيان 7 - 8: 29، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 769 ]

(وإن لك موعدا) في الاخرة (لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا): ظللت 1 على عبادته مقيما. حذف اللام تخفيفا. (لنحرقنه) بالنار أو بالمبرد، والتشديد للمبالغة في حرق إذا برد بالمبرد. وفي قراءة علي عليه السلام فتح النون 2. وقد سبق ذكر وقوع الأمرين 3. (ثم لننسفنه): لنذرينه رمادا 4 أو مبرودا (في اليم نسفا). (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما). (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد اتيناك من لدنا ذكرا). (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا): عقوبة ثقيلة فادحة 5 على كفره وذنوبه. (خالدين فيه): في الوزر (وساء لهم يوم القيامة حملا). (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا). قيل: يعني زرق العيون، لأن الزرقة 6 أسوء ألوان العين وأبغضها عند العرب 7. وقيل: أي: عميا، فإن حدقة الأعمى تزراق 8. وقيل: عطاشا يظهر في أعينهم كالزرقة 9. القمي: تكون أعينهم مزرقة لا يقدرون أن يطرفوها 10. (يتخافتون بينهم) يخفضون أصواتهم لما يملا صدورهم من الرعب والهول (إن


1 - في (ب): (ظلت). 2 - التبيان 7: 205، جوامع الجامع 2: 435. 3 - ذيل الاية: 93، من سورة البقرة. 4 - الرماد: دقاق الفحم من حراقة النار، وما هبا من الجمر فطار دقاقا، لسان العرب 3: 185 (رمد). 5 - أي: صعبة، ثقيلة. والفدح: إثقال الأمر، لسان العرب 2: 540 (فدح). 6 - الزرقة: خضرة في سواد العين، وقيل: هو أن يتغشى سوادها بياض. لسان العرب 10: 138 (زرق). 7 - الكشاف 2: 553، البيضاوي 4: 30. 8 - البيضاوي 4: 30. 9 - مجمع البيان 7 - 8: 29. 10 - القمي 2: 64. (*)

[ 770 ]

لبثتم إلا عشرا). يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا - أو في القبر - لزوالها. (نحن أعلم بما يقولون) أي: بمدة لبثهم. (إذ يقول أمثلهم طريقة): أعد لهم. القمي: أعلمهم وأصلحهم 1. (إن لبثتم إلا يوما). (ويسألونك عن الجبال): عن مآل أمرها (فقل ينسفها ربي نسفا). قال: (يسوقها بأن يجعلها كالرمال، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها) 2 (فيذرها): فيذر الأرض (قاعا): خاليا (صفصفا): مستويا كأن أجزاءها على صف واحد. القمي: القاع: الذي لا تراب فيه، والصفصف: الذي لا نبات له 3. (لا ترى فيها عوجا): اعوجاجا (ولا أمتا) ولا نتوا 4. (يومئذ يتبعون الداعي): داعي الله إلى المحشر (لا عوج له): لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه (وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا): صوتا خفيا لمهابته. قال: (جمع الله الناس في صعيد واحد حفاة عراة، فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا، وتشتد أنفاسهم، فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاما، وهو قول الله عزوجل " وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا " 5. (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا): إلا شفاعة من أذن له، أو إلا من أذن في أن يشفع له، ورضي لأجله قول الشافع، أو قوله في شأنه. (يعلم ما بين أيديهم): ما تقدمهم من الأحوال (وما خلفهم): وما بعدهم مما يستقبلونه (ولا يحيطون به علما).


1 - القمي 2: 64. 2 - مجمع البيان 7 - 8: 29، عن النبي صلى الله عليه وآله. 3 - القمي 2: 67. 4 - نتا عضوه ينتو نتوا: ورم. القاموس المحيط 4: 395 (نتو). 5 - القمي 2: 64، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 771 ]

قال: (لا يحيط الخلايق بالله عزوجل علما، إذ هو تبارك وتعالى جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، ولا قلب يثبته بالحد 1، فلا تصفه إلا كما وصف نفسه " ليس كمثله شئ وهو السميع البصير " 2 " الأول والاخر والظاهر والباطن " 3 " الخالق البارئ المصور " 4 خلق الأشياء، فليس من الأشياء شئ مثله، تبارك وتعالى) 5. (وعنت الوجوه للحى القيوم): ذلت وخضعت له خضوع العناة، وهم الأسارى في يد الملك القهار (وقد خاب من حمل ظلما). (ومن يعمل من الصالحات بعضها وهو مؤمن فلا يخاف ظلما): منع ثواب مستحق بالوعد (ولا هضما): ولا كسرا منه بنقصان. قال: (لا ينقص من عمله شئ، قال: وأما ظلما: يقول: لن يذهب به) 6. (وكذلك أنزلناه قرانا عربيا): كله على هذه الوتيرة وصرفنا فيه من الوعيد): مكررين فيه آيات الوعيد (لعلهم يتقون) المعاصي، فيصير التقوى لهم ملكة (أو يحدث لهم ذكرا): عظة واعتبارا حين يسمعونها، فيثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والأحداث إلى القرآن. (فتعالى الله الملك الحق) عن مماثلة المخلوقين. (ولا تعجل بالقران من قبل أن يقضى إليك وحيه). القمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه القرآن بادر بقراءته قبل نزول تمام الاية، والمعنى فأنزل الله 7. (وقل رب زدني علما): سل الله زيادة العلم بدل


1 - في المصدر: (بالحدود). 2 - الشورى (42): 11. 3 - الحديد (57): 3. 4 - الحشر (59): 24. 5 - التوحيد: 263، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - القمي 2: 67، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - القمي 2: 65. (*)

[ 772 ]

الاستعجال، فإن ما أوحي إليك تناله لا محالة. قال: (إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله، فلا بارك الله لي في طلوع شمسه) 1. (ولقد عهدنا إلى ادم من قبل فنسي ولم نجد له عزما). قال: (إن الله عهد إلى آدم أن لا يقرب هذه الشجرة، فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها) 2. وفي رواية: (فقالا: نعم يا ربنا لا نقربها ولا نأكل منها، ولم يستثنيا في قولهما: نعم، فوكلهما الله في ذلك إلى أنفسهما وإلى ذكرهما) 3. وفي أخرى: (عهد إليه في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم فيهم إنهم هكذا) 4. أقول: الاعتماد على الرواية الأخيرة، لعدم جواز المؤاخذة على النسيان، ولأن آدم لم ينس النهي. وقد ورد إنه سئل: كيف أخذ الله آدم على النسيان ؟ فقال: (إنه لم ينس، وكيف ينسى ! وهو يذكره، ويقول له إبليس: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) 5) 6. ويجوز أن يكون المنسي عزيمة النهي، بحيث لا يقبل التأويل، وغير المنسي أصل النهي. (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى).


1 - مجمع البيان 7 - 8: 32، عن النبي صلى الله عليه وآله. 2 - الكافي 8: 113، الحديث: 92، كمال الدين 1: 213، الباب: 22، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 7: 448، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 1: 416، الحديث: 22، علل الشرائع 1: 122، الباب: 101، الحديث: 1، بصائر الدرجات: 70، الباب: 7، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الأعراف (7): 20. 6 - العياشي 2: 9، الحديث: 9، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 773 ]

(فقلنا يا ادم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى). (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى). (وأنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى). (فوسوس إليه الشيطان قال يا ادم هل أدلك على شجرة الخلد): الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا (وملك لا يبلى): لا يزول ولا يضعف. (فأكلا منها فبدت لهما سواتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة): أخذ يلزقان الورق على سوآتهما للتستر (وعصى ادم ربه) بالأكل من الشجرة (فغوى): فضل عن المطلوب وخاب، حيث طلب الخلد بأكلها. (ثم اجتباه ربه): اصطفاه وقربه، بالحمل على التوبة والتوفيق له (فتاب عليه وهدى). (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداى فلا يضل) في الدنيا (ولا يشقى) في الاخرة. (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا): ضيقا. قال: (هي والله للنصاب في الرجعة، يأكلون العذرة) 1. (ونحشره يوم القيامة أعمى). (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا). (قال كذلك) أي: مثل ذلك فعلت، ثم فسره (أتتك اياتنا فنسيتها): فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها (وكذلك): ومثل تركك إياها (اليوم تنسى): تترك في العمى والعذاب. وورد: (إن الذكر: ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، والعمى: عمى البصر في الاخرة وعمى القلب في الدنيا عن ولايته، والايات: الأئمة، فنسيتها يعني تركتها وكذلك اليوم تترك في


1 - القمي 2: 65، عن أبي عبد الله على السلام. (*)

[ 774 ]

النار، كما تركت الأئمة فلم تطع أمرهم) 1. (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بايات ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى) من ضنك العيش ومن العمى. (أفلم يهد لهم) يبين لهم (كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) ويشاهدون آثار هلاكهم (إن في ذلك لايات لاءولي النهى): لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الاخرة (لكان لزاما): لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازما لهذه الكفرة (وأجل مسمى). عطف على (كلمة) أي: ولولا العدة بتأخير العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم، لكان العذاب لزاما، والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب. (فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن اناء الليل): ساعاته (فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) طمعا أن تنال عند الله ما به ترض. سئل عن هذه الاية ؟ فقال: (فريضة على كل مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس وقبل غروبها عشر مرات: لا إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شئ قدير) 2. وقال: (وأطراف النهار) يعني تطوع بالنهار) 3. (ولا تمدن عينيك) أي نظرهما (إلى ما متعنا به أزواجا منهم): أصنافا من الكفرة (زهرة الحياة الدنيا): زينتها وبهجتها (لنفتنهم فيه): لنبلوهم ونختبرهم فيه أو لنعذبهم في الاخرة بسببه (ورزق ربك خير وأبقى) أي: الهدى والنبوة، فإنه لا ينقطع.


1 - الكافي 1: 435، الحديث: 92، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الخصال 2: 452، الحديث: 58، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 3: 444، الحديث: 111، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 775 ]

قال: (لما نزلت هذه الاية استوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا، ثم قال: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه ولم يشف غيظه، ومن لم يعرف أن لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب قصر أجله ودنا عذابه) 1. (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها): وداوم عليها (لا نسألك رزقا): أن ترزق نفسك وأهلك (نحن نرزقك) وإياهم، ففرغ بالك للاخرة (والعاقبة) المحمودة (للتقوى): لذوي التقوى. قال: (أمر الله نبيه أن يخص أهل بيته و [ هم ] 2 أهله دون الناس، ليعلم الناس أن لأهله عند الله منزلة ليست لغيرهم، فأمرهم مع الناس عامة، ثم أمرهم خاصة) 3. وورد: (فكان يجئ إلى باب علي وفاطمة عند حضور كل صلاة، فيقول: الصلاة رحمكم الله، حتى فارق الدنيا) 4. (وقالوا لولا يأتينا باية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) فإن القرآن مشتمل على زبدة ما فيها من العقايد والأحكام الكلية. (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله): من قبل محمد صلى الله عليه وآله (لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع اياتك من قبل أن نذل) بالقتل والسبي في الدنيا (ونخزى) بدخول النار في الاخرة. (قل كل متربص): كل واحد منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه أمره (فتربصوا) فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى).


1 - القمي 2: 66، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - ما بين المعقوفتين لم ترد في (ألف) والمصدر. 3 - عوالي اللئالي 2: 22، الحديث: 49، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1، 240: الباب: 23، القمي 2: 67. (*)

[ 776 ]

قال: (سئل في حديث: فمن الولي يا رسول الله ؟ قال: وليكم في هذا 1 الزمان أنا، ومن بعدي وصيي، ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله، لكيلا تقولون كما قال الضلال من قبلكم فارقهم نبيهم: (ربنا لولا أرسلت) الاية وإنما كان تمام ضلالتهم جهالتهم بالايات، وهم الأوصياء، فأجابهم الله: (قل كل متربص) الاية، وإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة من معرفة الأوصياء، حتى يعلن إمام علمه) 2.


1 - في (ألف): (هذه). 2 - كشف المحجة (لابن طاووس): 190، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 777 ]

سورة الأنبياء [ مكية وهي مائة واثنتا عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم (إقترب للناس حسابهم) أي: القيامة (وهم في غفلة معرضون). (ما يأتيها من ذكر من ربهم محدث) لكي يتعظوا بالتكرير (إلا استمعوه وهم يلعبون): يستهزئون. (لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا). أبدل من الضمير لينبه على ظلمهم، (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون). (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) جهرا كان أو سرا (وهو السميع العليم). (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا باية كما أرسل الأولون) مثل اليد البيضاء وأحياء الموتى. (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها) باقتراح الآيات لما جاءتهم (أفهم يوءمنون) وهم أعتى منهم.


1 - مابين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 778 ]

- (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم). قيل: جواب لقولهم: " هل هذا إلا بشر مثلكم " 1. (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). مر تفسيره في سورة النحل 2. (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين). نفي لما اعتقدوه أن الرسالة من خواص الملك. (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء) ممن آمن بهم ومن في إبقائه حكمة، كمن يؤمن هو أو واحد من ذريته (وأهلكنا المسرفين). (لقد أنزلنا إليكم كتابا) يعني القرآن (فيه ذكركم): صيتكم 3 أو موعظتكم (أفلا تعقلون). (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما اخرين). (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون قال): (يهربون) 4. (لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) من التنعم والتلذذ. والأتراف: إبطار النعمة. (ومساكنكم). قيل لهم ذلك استهزاء. (لعلكم تسألون). قيل: يعني تسألون من دنياكم شيئا، فإنكم أهل ثروة ونعمة 5. قيل: نزلت في أهل اليمن، كذبوا نبيهم حنظلة 6 وقتلوه، فسلط الله عليهم بخت


1 - البيضاوي 4: 36. 2 - ذيل الاية: 43. 3 - الصيت: الذكر الجميل الذي ينتشر في الناس، دون القبيح. وأصله من الواو، وإنما انقلبت ياء انكسار ما قبلها، كأنهم بنوه على فعل بكسر الفاء للفرق بين الصوت المسموع وبين الذكر المعلوم. الصحاح 1: 257 (صوت). 4 - الكافي 8: 74، قطعة من حديث: 29، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 5 - تفسير البغوي 3: 240، عن قتادة. 6 - حنظلة بن صفوان الرسي: من أنبياء العرب في الجاهلية، كان في الفترة التي بين الميلاد وظهور الأسلام. وهو من أصحاب الرس الوارد ذكرهم في القرآن، بعث لهدايتهم فكذبوه وقتلوه. وفي خبر أورده الهمداني أن جماعة قبل الأسلام عثروا بقبر حنظلة صاحب الرس ورأوا في يده خاتما كتب عليه: أنا حنظلة بن صفوان رسول الله. ورأوا مكتوبا عند رأسه: بعثني الله إلى حمير والعرب من أصل الرس فكذبوني وقتلوني، وقال ابن خلدون: والرس ما بين نجران إلى اليمن، ومن حضرموت إلى اليمامة. الأعلام (للزركلي) 2: 286. (*)

[ 779 ]

نصر 1، حتى أهلكهم بالسيف 2. وورد: (إن ذلك في زمان القائم، يفعل ذلك ببني أمية حين يهربون إلى الروم، يسألهم الكنوز وهو أعلم بها) 3 في حديث هذا معناه. (قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين). (فما زالت تلك دعواهم) أي: يدعون الويل (حتى جعلناهم حصيدا) كالنبت المحصود (خامدين): ميتين. قال: (بالسيف) 4. (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) وإنما خلقناهما تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسبيبا لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد. (لو أردنا أن نتخذ لهوا): ما يتلهى به ويلعب (لاتخذناه من لدنا). قيل: أي: من جهة قدرتنا أو من عندنا، مما يليق بحضرتنا من الروحانيات لا من الأجسام 5. (إن كنا فاعلين). (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه): فيمحقة (فإذا هو زاهق): هالك، إضراب عن اتخاذ اللهو، وتنزيه لذاته سبحانه من اللعب، أي: من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد، على الباطل الذي من عداده اللهو. قال: (ليس من باطل يقوم بإزاء حق إلا غلب الحق الباطل، وذلك قوله تعالى، وتلا الاية) 6. (ولكم الويل مما تصفون) مما لا يجوز عليه.


1 - مرت ترجمته في ذيل الاية: 8 من سورة بني اسرائيل. 2 - البيضاوي 4: 36. 3 - الكافي 8: 51 - 52، الحديث: 15، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - المصدر، 52، ذيل الحديث: 15، وتأويل الايات الظاهرة: 320، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - البيضاوي 4: 37، وفيه: (من المجردات) بدل: (من الروحانيات). 6 - المحاسن 1: 226، الباب: 14، الحديث: 152، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 780 ]

(وله من في السموات والأرض ومن عنده) قال: (يعني الملائكة) 1، (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون): ولا يعيون منها. (يسبحون الليل والنهار لا يفترون. قال: (أنفاسهم تسبيح) 2. وفي رواية: (ليس شئ من أطباق أجسادهم إلا ويسبح الله ويحمده من ناحيته بأصوات مختلفة) 3. (أم اتخذوا الهة من الأرض هم ينشرون) الموتى، وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزمهم ذلك، فإن من لوازم الألهية الاقتدار على ذلك، والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم. (لو كان فيهما الهة إلا الله): غير الله (لفسدتا): لبطلتا وتفطرتا، وقد وجد الصلاح وهو بقاء العالم، فدل على أن صانعه واحد. سئل: ما الدليل على أن الله واحد ؟ قال: (اتصال التدبير وتمام الصنع كما قال، وتلا الاية) 4. (فسبحان الله رب العرش عما يصفون). (لا يسأل عما يفعل) قال: (لأنه لا يفعل إلا ما كان حكمة وصوابا، وهو المتكبر الجبار والواحد القهار، فمن وجد في نفسه حرجا في شئ مما قضى كفر، ومن أنكر شيئا من أفعاله جحد) 5. (وهم يسألون) قال: (يعني بذلك خلقه إنه يسألهم) 6. (أم اتخذوا من دونه الهة). كرره استعظاما لكفرهم، واستفظاعا لأمرهم، وتبكيتا وإظهارا لجهلهم. (قل هاتوا برهانكم) فإنه لا يصلح القول بما لا دليل عليه (هذا ذكر من معى وذكر من قبلي) قال: (يعني ب‍ " ذكر من معي " ما هو كائن، وب‍ " ذكر من


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 269، الباب: 27، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - كمال الدين 2: 666، الباب: 58، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - التوحيد: 280، الباب: 38، الحديث: 6، عن النبي صلى الله عليه وآله. وفي صدر الرواية هكذا: (إن لله ملائكة ليس شئ...). 4 - التوحيد: 250، الباب: 36، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - التوحيد: 397، الباب: 61، الحديث: 13، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (مما قضى الله فقد كفر). 6 - علل الشرائع 1: 106، الباب: 96، ذيل الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 781 ]

قبلي " ما قد كان " 1. (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون). (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) يعني هؤلاء الذين زعموا أنهم ولد الله. (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم): ما قدموا وما أخروا (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) قال: (إلا لمن ارتضى الله دينه) 2. وزاد في رواية: (والدين الأقرار بالجزاء على الحسنات والسيئات، فمن ارتضى الله دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب، لمعرفته بعاقبته في القيامة) 3. (وهم من خشيته مشفقون): من عظمته ومهابته مرتعدون. (ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين). (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما). قال: (كانت السماء رتقا لا تنزل المطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت الحب فلما خلق الله الخلق وبث فيها من كل دابة فتق السماء بالمطر، والأرض بنبات الحب) 4. (وجعلنا من الماء كل شئ حي): وخلقنا من الماء كل حيوان - كقولة: (والله خلق (


1 - مجمع البيان 7 - 8: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 137، الباب: 11، ذيل الحديث: 35، التوحيد: 408، الباب: 63، ذيل الحديث: 6، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وعليهم. 3 - التوحيد: 408، الباب: 63، ذيل الحديث: 6، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وعليهم. 4 - الكافي 8: 95، ذيل الحديث: 67، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي الكافي 8: 121، الحديث: 93، الاحتجاج 2: 62 ما يقرب منه. (*)

[ 782 ]

كل دابة من ماء " 1، لأنه أعظم مواده، ولفرط احتياجه إليه وانتفاعه به - أو صيرنا كل شئ حي بسبب من الماء لا يحيا دونه (أفلا يؤمنون). (وجعلنا في الأرض رواسي): ثابتات (أن تميد بهم): كراهة أن تميل بهم (وجعلنا فيها فجاجا سبلا): مسالك واسعة (لعلهم يهتدون) إلى مصالحهم. (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) عن الوقوع، كقوله: " ويمسك السماء أن تقع على الاءرض " 2. (وهم عن اياتها): أحوالها الدالة على كمال قدرته وعظمته، وتناهي علمه وحكمته (معرضون): غير متفكرين. (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون): يسرعون إسراع السابح في الماء. (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون). (كل نفس ذائقة الموت). القمي: لما أخبر الله نبيه بما يصيب أهل بيته بعده، وادعاء من ادعى الخلافة دونهم، اغتم، فنزلت 3. (ونبلوكم بالشر والخير): بالبلايا والنعم. قال: (الخير: الصحة والغنى، والشر: المرض والفقر) 4. (فتنة): ابتلاء (وإلينا ترجعون) فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. (وإذا راك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر الهتكم) أي: بسوء (وهم بذكر الرحمن هم كافرون). (خلق الأنسان من عجل). مبالغة في لزومه له. (سأوريكم اياتي فلا تستعجلون).


1 - النور (24): 45. 2 - الحج (22): 65. 3 - القمي 2: 70. 4 - مجمع البيان 7 - 8: 46، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (*)

[ 783 ]

(ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين). (لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون). محذوف الجواب، يعني: لما استعجلوا. (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم): فتغلبهم أو تحيرهم (فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون): يمهلون. (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون). تسلية للرسول ووعد له، بأن ما يفعلونه يحيق بهم. (قل من يكلؤكم): يحفظكم (بالليل والنهار من الرحمن): من بأسه (بل هم عن ذكر ربهم معرضون): لا يخطرونه ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه. (أم لهم الهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون): ولا يصحبهم نصر منا. (بل متعنا هؤلاء واباءهم حتى طال عليهم العمر) فحسبوا أن لا يزالوا كذلك (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها). قيل: بتسليط المسلمين عليها 1. وورد: (ننقصها يعني بموت العلماء، قال: نقصانها ذهاب عالمها) 2. (أفهم الغالبون). (قل إنما أنذركم بالوحى ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون). (ولئن مستهم نفحة): أدنى شئ (من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين). (ونضع الموازين القسط): العدل (ليوم القيامة) يوزن بها الاعمال. قال: (هم


1 - البيضاوي 4: 41، الكشاف 2: 574. 2 - مجمع البيان 7 - 8: 49، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الكافي 1: 38، الحديث: 6، عن أبي جعفر، عن أبيه عليهما السلام، ما يقرب منه. (*)

[ 784 ]

الأنبياء والأوصياء) 1. وقد مضى تحقيقه في الأعراف 2. (فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. (ولقد اتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) أي: الكتاب الجامع، لكونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتعظ به المتقون. (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون): خائفون. (وهذا ذكر مبارك): وهذا القرآن ذكر، كثير خيره (أنزلناه أفأنتم له منكرون). (ولقد اتينا إبراهيم رشده). أضافه إليه، ليدل على أنه رشد مثله، وأن له لشأنا (من قبل وكنا به عالمين) أنه أهل لما آتيناه. (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون). (قالوا وجدنا اباءنا لها عابدين). (قال لقد كنتم أنتم واباؤكم في ضلال مبين). (قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين). (قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين). (وتالله لاءكيدن أصنامكم): لأجتهدن في كسرها، بنوع من الكيد (بعد أن تولوا مدبرين). ولعله قال ذلك سرا. (فجعلهم جذاذا): قطاعا (إلا كبيرا لهم): للأصنام (لعلهم إليه يرجعون). (قالوا) حين رجعوا (من فعل هذا بالهتنا إنه لمن الظالمين). (قالوا سمعنا فتى يذكرهم): يعيبهم (يقال له إبراهيم).


1 - الكافي 1: 419، الحديث: 36، معاني الأخبار: 31، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - ذيل الاية: 8 و 9. (*)

[ 785 ]

(قالوا فأتوا به على أعين الناس): بمرأى منهم (لعلهم يشهدون) بفعله أو قوله. (قالوا) حين أحضروه (أأنت فعلت هذا بالهتنا يا إبراهيم). (قال بل فعله كبيرهم هذا فسألوهم إن كانوا ينطقون). قال: (إنما قال إبراهيم " إن كانوا ينطقون " فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم) 1. وفي رواية: (إنما قال: " فعله كبيرهم " إرادة الأصلاح، ودلالة على أنهم لا يفعلون) 2. ثم قال: (والله ما فعلوه وما كذب) 3. (فرجعوا إلى أنفسهم): فراجعوا عقولهم (فقالوا): فقال بعضهم لبعض (إنكم أنتم الظالمون) عبادة ما لا ينطق ولا يضر ولا ينفع، لا من ظلمتموه. (ثم نكسوا على رؤوسهم). قيل: يعني انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ مستعليا على أعلاه 4. (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فكيف تأمر بسؤالهم. (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم). (أف لكم ولما تعبدون من دون الله): قبحا ونتنا 5، تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين (أفلا تعقلون). (قالوا حرقوه وانصروا الهتكم إن كنتم فاعلين). أخذوا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة.


1 - معاني الأخبار: 210، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 2: 342، الحديث: 17، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 343، الحديث: 22، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - البيضاوي 4: 43. 5 - في (ألف) و (قبحا ونتنا وشينا). (*)

[ 786 ]

(قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم): ابردي بردا غير ضار. ورد: (إن دعاءه يومئذ كان: يا أحد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد ثم قال: توكلت على الله) 1. وفي رواية قال: (اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما) 2. (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين): أخسر من كل خاسر، عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق. (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين قال): (إلى الشام وسواد الكوفة) 3. (ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة). قال: (ولد الولد نافلة) 4. (وكلا جعلنا صالحين). (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) قال: (لا بأمر الناس، يقدمون ما أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم) 5. (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين): موحدين مخلصين في العبادة. و (لوطا اتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين). (وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين).


1 - الكافي 8: 369، ذيل الحديث: 559، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الاحتجاج 1: 55، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 73، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - معاني الأخبار: 225، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 1: 216، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 787 ]

(ونوحا إذ نادى) ربه بإهلاك قومه (من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم). (ونصرناه من القوم الذين كذبوا باياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين). (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم): رعته ليلا (وكنا لحكمهم): حكم الحاكمين والمتحاكمين (شاهدين). (ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما). قال: (كان أوحى الله إلى النبيين قبل داود إلى أن بعث داود: أي غنم نفشت في الحرث، فلصاحب الحرث رقاب الغنم. ولايكون النفش إلا بالليل، فإن على صاحب الزرع أن يحفظ زرعه بالنهار، وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم بالليل. فحكم داود بما حكم به الأنبياء من قبله، فأوحى الله إلى سليمان: أي غنم نفشت في زرع فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها، وكذلك جرت السنة بعد سليمان، وهو قول الله تعالى: (وكلا آتينا حكما وعلما) فحكم كل واحد منهما بحكم الله عز وجل) 1. (وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير). قال: (كان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلا جاوبه) 2. وفي رواية: (إنه بكى على خطيئته حتى سارت الجبال معه لخوفه) 3. (وكنا فاعلين) لأمثاله، فليس ببدع منا وإن كان عجيبا عندكم. (وعلمناه صنعة لبوس لكم): عمل الدرع، وهو في الاصل اللباس (لتحصنكم من


1 - الكافي 5: 302، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - الأمالي (للصدوق): 88، المجلس: 21، الحديث: 8، كمال الدين 2: 524، الباب: 46، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الاحتجاج 1: 326، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، وفيه: (قال له اليهودي: هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه. قال له علي عليه السلام: لقد كان كذلك...). (*)

[ 788 ]

(بأسكم فهل أنتم شاكرون). ورد: (أوحى الله إلى الحديد أن لن لعبدي داود فلان 1 له الحديد، فكان يعمل في كل يوم درعا فيبيعها بألف درهم، واستغنى عن بيت المال) 2. (ولسليمان): وسخرنا له (الريح عاصفة): شديدة الهبوب، يقطع مسافة كثيرة في مدة يسيرة، كما قال: (غدوها شهر ورواحها شهر) 3 (تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها). القمي: إلى بيت المقدس والشام 4. (وكنا بكل شئ عالمين) فنجريه على ما تقتضيه الحكمة. (ومن الشياطين من يغوصون له) في البحار ويخرجون نفايسه (ويعملون عملا دون ذلك): ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر، كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة، كما قال الله تعالى: (ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) 5 (وكنا لهم حافظين) عن أن يزيغوا عن أمره، أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم. (وأيوب إذ نادى ربه أني مسنى الضر): المرض، ابتلاه الله بالمرض في بدنه، وهلاك أولاده، وذهاب أمواله. (وأنت أرحم الراحمين). وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفا في السؤال. (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) بالشفاء من مرضه (واتيناه أهله ومثلهم معهم). سئل: كيف أوتي مثلهم معهم ؟ قال: (أحيا له من ولده، الذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم، مثل الذين هلكوا يومئذ) 6. ويأتي تمام قصته في (ص) 7 إن شاء الله (رحمة من


1 - في المصدر: (فألان). 2 - الكافي 5: 74، الحديث: 5، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 3 - سبأ (34): 12. 4 - القمي 2: 74. 5 - سبأ (34): 13. 6 - الكافي 8: 252، الحديث: 354، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - ذيل الاية: 41. (*)

[ 789 ]

عندنا) عليه (وذكرى): وتذكرة (للعابدين). (وإسمعيل وإدريس وذا الكفل) قال: (هو يوشع بن نون) 1. (كل من الصابرين). (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين). (وذا النون) و [ هو ] 2 صاحب الحوت يونس بن متى (إذ ذهب مغاضبا) لقومه، لما برم لطول دعوتهم، وشدة شكيمتهم، وتمادي إصرارهم، مهاجرا عنهم قبل أن يؤمر به، كما سبق 3. (فظن أن لن نقدر عليه). قيل: أي: لن نضيق عليه، أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، أو لن نعمل فيه قدرتنا 4. وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه، في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه، فسمى ظنا للمبالغة 5. وورد: (أي: أستيقن أن لن نضيق عليه رزقه، ومنه قول الله عز وجل: (وأما إذا ما ابتليه فقدر عليه رزقه) 6 أي: ضيق وقتر) 7. قال: (ولو ظن أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر) 8. وفي رواية يقول: (ظن أن لن يعاقب بما صنع) 9.


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 245، الباب: 24، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - ما بين المعقوفتين من (ألف). 3 - ذيل الاية: 98 من سورة يونس. 4 و 5 - البيضاوي 4: 45. 6 - الفجر (89): 16. 7 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 201، الباب: 15، قطعة من حديث: 1. 8 - المصدر: 193، الباب: 14، ذيل الحديث: 1. 9 - القمي 2: 75، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 790 ]

وفي أخرى سئل: ما كان سببه، حتى ظن أن لن يقدر عليه ؟ قال: (وكله الله إلى نفسه طرفة عين) 1. (فنادى في الظلمات) قال: (ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت) 2. (أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة. وورد: (أي: بتركي مثل هذه العبادة التي قد فرغتني لها في بطن الحوت) 3. (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) بأن قذفه الحوت إلى الساحل، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين (وكذلك ننجي المؤمنين) من غموم دعوا الله فيها بالأخلاص. (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا): وحيدا بلا ولد يرثني (وأنت خير الوارثين) فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به. (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه). قال: (كانت لا تحيض فحاضت) 4. (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين). (والتي أحصنت فرجها). القمي: مريم لم ينظر إليها شئ 5. (فنفخنا فيها من روحنا) قال: (روح مخلوقة، يعني من أمرنا) 6. (وجعلناها وابنها اية للعالمين). (إن هذه أمتكم): ملتكم، وهي ملة الاسلام والتوحيد (أمة واحدة): غير مختلفة فيما بين الأنبياء (وأنا ربكم) لا إله لكم غيري (فاعبدون) لا غير. (وتقطعوا أمرهم بينهم): تفرقوا في الدين، وجعلوا أمره قطعا موزعة (كل) من


1 - القمي 2: 74، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 201، الباب: 15، قطعة من حديث: 1. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 201، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1. 4 و 5 و 6 - القمي 2: 75. (*)

[ 791 ]

الفرق المتحزبة 1 (إلينا راجعون) فنجازيهم. (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) بالله ورسله (فلا كفران لسعيه): فلا تضييع له (وإنا له كاتبون) في صحيفة عمله. (وحرام على قرية): ممتنع على أهلها (أهلكناها أنهم لا يرجعون). قيل: (لا) مزيدة. يعني حرام رجوعهم إلى الدنيا، أو إلى التوبة 2. وقيل: أي: حرام عدم رجوعهم للجزاء 3. وورد ما يؤيد الأول 4. وقال: (كل قرية أهلك الله عز وجل أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة) 5. (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) سدهما. القمي: إذا كان في آخر الزمان، خرج يأجوج ومأجوج إلى الدنيا، ويأكلون الناس 6. (وهم من كل حدب: نشز 7 من الأرض (ينسلون): يسرعون. (واقترب الوعد الحق فإذا هي). جواب الشرط، و (إذا) للمفاجأة. (شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا): لم نعلم أنه حق (بل كنا ظالمين) لانفسنا بالاخلال بالنضر، وعدم الاعتداد بالنذر. (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) يرمى به إليها، من حصبه: إذا رماه بالحصباء. وفي قراءة علي عليه السلام بالطاء 8. (أنتم لها واردون). عوض (اللام) من (على) للاختصاص، والدلالة على أن ورودهم لأجلها.


1 - في (ب): (المتجزئة). 2 و 3 - البيضاوي 4: 46. 4 - من لا يحضره الفقيه 1: 276، ذيل الحديث: 46، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - القمي 2: 72، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 6 - المصدر. 7 - النشز: المكان المرتفع. القاموس المحيط 2: 201 (نشز). 8 - مجمع البيان 7 - 8: 63، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 792 ]

(لو كان هؤلاء الهة ما وردوها وكل فيها خالدون). (لهم فيها زفير): أنين 1 وتنفس شديد (وهم فيها لا يسمعون). ورد: (إن الله يأتي يوم القيامة بكل شئ يعبد من دونه، من شمس أو قمر أو غير ذلك، ثم يسأل كل إنسان عما كان يعبد، فيقول كل من عبد غير الله: ربنا إنا كنا نعبدها لتقربنا إليك زلفى. قال: فيقول الله تبارك وتعالى للملائكة: اذهبوا بهم وبما كانوا يعبدون إلى النار، ما خلا من استثنيت، فأولئك عنها مبعدون) 2. (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون). القمي: يعني الملائكة وعيسى بن مريم 3. (لا يسمعون حسيسها): صوتها الذي يحس به (وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون). (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون). ورد: (يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم، وأنتم الامنون يوم الفزع الأكبر في ظل العرش، يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن الناس ولا تحزنون، وفيكم نزلت هذه الاية (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) الاية وفيكم نزلت: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) 4. (يوم نطوي السماء كطى السجل للكتب) قيل: كطي الطومار للمعاني المكتوبة فيه 5. والقمي: السجل: اسم الملك الذي يطوي الكتب. ومعنى نطويها: نفنيها، فتتحول


1 - الأنين: الصوت المنبعث من الأنسان أو الحيوان من ألم أو حسرة. الرائد 1: 277 (أنن). 2 - قرب الأسناد: 41، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 76. 4 - الأمالي (للصدوق): 451، المجلس: 83، ذيل الحديث: 2، بشارة المصطفى: 181، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله. 5 - البيضاوي 4: 47. (*)

[ 793 ]

دخانا، والأرض نيرانا 1. (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا) أي: علينا إنجازه (إنا كنا فاعلين). روي: (تحشرون يوم القيامة عراة حفاة عزلا، كما بدأنا أول خلق نعيده) 2. (ولقد كتبنا في الزبور) قال: (الذي أنزل على داود) 3. (من بعد الذكر). ورد: (الزبور فيه توحيد وتمجيد ودعاء، وأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والأئمة من ذريتهما عليهم السلام، وأخبار الرجعة، وذكر القائم صلوات الله عليه) 4. (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). قال: (هم أصحاب المهدي في آخر الزمان) 5. (إن في هذا): فيما ذكر من الأخبار والمواعظ (لبلاغا): لكفاية إلى البلوغ إلى البغية (لقوم عابدين): همهم العبادة، دون العادة. (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) لأن ما بعثت به سبب لأسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، وكونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستيصال. قال: (إنما عنى بذلك أنه جعله سبيلا لأنظار أهل هذه الدار، لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض) 6. (قل إنما يوحى إلى أنما الهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون): مخلصون العباد


1 - القمي 2: 77. 2 - مجمع البيان 7 - 8: 66، عن النبي صلى الله عليه وآله. 3 - الكافي 1: 226، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 126، ذيل الاية: 15 من سورة النحل. 5 - مجمع البيان 7 - 8: 66، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الاحتجاج 1: 380، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 794 ]

لله على مقتضى الوحي. وورد: (فهل أنتم مسلمون الوصية بعدي 1. نزلت مشددة) 2. أقول: مالهما واحد، لأن مخالفة الوصية عبادة للهوى. (فإن تولوا فقل اذنتكم): أعلمتكم ما أمرت به (على سواء): عدل (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون). (إنه يعلم الجهر من القول): ما تجاهرون به من الطعن في الاسلام (ويعلم ما تكتمون) من الأحن والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه. (وإن أدري لعله فتنة لكم): وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم، أو امتحان لينظر كيف تعملون (ومتاع إلى حين): وتمتيع إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته. (قال رب احكم بالحق): اقض بيننا وبينهم بالعدل (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) بأن الشوكة تكون لهم، وأن راية الاسلام تخفق أياما ثم تسكن، وأن الموعد به لو كان حقا لنزل بهم، فأجاب الله دعوة رسوله، فخيب أمانيهم ونصر رسوله عليهم. والحمد لله.


1 - في المصدر: (الوصية لعلي بعدي). 2 - المناقب 4: 48، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 795 ]

سورة الحج (مدينة الا الايات 52 و 53 و 54 و 55 فبين مكة ومدينة وآياتها 78 نزلت بعد سورة النور) بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم. قيل: هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها، وهي من أشراط الساعة (2). يوم ترونها: ترون الزلزلة تذهل كل مرضعة عما أرضعت. قيل: هو تصوير لهولها، والمراد الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها، نزعته عن فيه وذهلت عنه (3). وتضع كل ذات حمل حملها: جنينها وترى الناس سكارى: كأنهم سكارى. القمي: يعني ذاهبة عقولهم من الحزن والفزع، متحيرين (4). وما هم بسكارى على الحقيقة ولكن عذاب الله شديد. ومن الناس من يجادل في الله بغير علم: يخاصم ويتبع كل شيطان مريد:


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2 و 3) - البيضاوي 4: 49. (2) - القمي 2: 78. (*)

[ 796 ]

متجرد للفساد، وأصله العري. والقمي: المريد: الخبيث (1). كتب عليه: على الشيطان أنه من تولاه: تبعه فأنه يضله أي: كتب [ عليه ] اضلال من يتولاه لانه جبل عليه. (ويهديه الى عذاب السعير) بحمله على ما يؤدي إليه. يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث: من إمكانه وكونه مقدورا فإنا خلقناكم أي: فانظروا في بدو خلقكم، فإنه يزيح ريبكم، من تراب بخلق آدم منه، ويخلق الأغذية المتكون منها المني منه. ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة. قال: (النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة، فتمكث في الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما، ثم تصير إلى علقة. قال: وهي علقة كعلقة دم المحجمة الجامدة، تمكث في الرحم بعد تحويلها عن النطفة أربعين يوما، ثم تصير مضغة. قال: وهي مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشتبكة، ثم تصير إلى عظم، وشق له السمع والبصر، ورتبت جوارحه) (3). مخلقة وغير مخلقة: تامة وغير تامة. قال: (المخلقة هم الذر الذين خلقهم الله في صلب آدم، أخذ عليهم الميثاق، ثم أجراهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وهم الذين يخرجون إلى الدنيا، حتى يسألوا عن الميثاق، وأما قوله: (غير مخلقة) فهم كل نسمة لم يخلقهم الله عزوجل في صلب آدم حين خلق الذر، وأخذ عليهم الميثاق، وهم النطف من العزل والسقط قبل أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء) (4). لنبين لكم. قال: (لنبين لكم أنكم كنتم كذلك في الأرحام) (5). ونقر في الأرحام ما نشاء. قال: (فلا يخرج سقطا) (6) (الى اجل مسمى) وهو وقت الولادة:


(1) - القمي 2: 78. (2) - الزيادة من (ب). (3) - الكافي 7: 345، الحديث: 10، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 6: 12، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (5 و 6) - القمي 2: 78، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 797 ]

(أدناه ستة أشهر وأقصاه تسعة). كذا ورد (1). وفي رواية: (إذا جاءت به لأكثر من سنة لم تصدق) (2). ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم: كما لكم في القوة والعقل. قال: (الاحتلام وهو أشده) (3). ومنكم من يتوفى قبل بلوغ الأشد أو بعده ومنكم من يرد إلى أرذل العمر: الهرم والخرف لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ليعود كهيئته في أوان الطفولية، من سخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما علمه وينكر ما عرفه. وقد مضى تمام تفسيره في سورة النحل (4). وترى الأرض هامدة: ميتة يابسة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت: تحركت بالنبات وربت: وانتفخت وأنبتت من كل زوج: صنف بهيج: حسن رائق. ذلك: ما ذكر من خلق الأنسان في أطوار مختلفة، وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها بأن الله هو الحق: بأنه الثابت في ذاته الذي به تتحقق الأشياء. وأنه يحي الموتى: وأنه يقدر على إحيائها، وإلا لما أحيى النطفة والأرض الميتة. وأنه على كل شئ قدير. وأن الساعة اتية لا ريب فيها فإن التغير دليل الأنصرام والتجدد. وأن الله يبعث من في القبور بمقتضى وعده. قال: (إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا، فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم) (5).


(1) - الكافي 5: 563، الحديث: 32 عن أبي عبد الله عليه السلام، المصدر 6: 52، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الكافي 6: 101، الحديث: 3، عن الصادق أو الكاظم عليهما السلام. (3) - الكافي 7: 68، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - ذيل الاية: 70. (5) - الأمالي (للصدوق): 149، الحديث: 5، القمي 2: 253، ذيل الاية: 68 من سورة الزمر، تحريرات في الاصول = (*)

[ 798 ]

وفي رواية قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله لجبرئيل: يا جبرئيل أرني كيف يبعث الله تبارك وتعالى العباد يوم القيامة ؟ قال: نعم، فخرج إلى مقبرة بني ساعدة، فأتى قبرا فقال له: اخرج بإذن الله، فخرج رجل (1) ينفض رأسه من التراب وهو يقول: والهفاه - واللهف: الثبور - ثم قال: ادخل، فدخل. ثم قصد به إلى قبر آخر، فقال: اخرج بإذن الله، فخرج شاب ينفض رأسه من التراب. وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأشهد (أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور)، ثم قال: هكذا يبعثون يوم القيامة) (2). ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. قال: (من خاصم الخلق في غير ما يؤمر به، فقد نازع الخالقية والربوبية، ثم تلا هذه الاية وقال: وليس أحد أشد عقابا ممن ليس قميص النسك بالدعوى، بلا حقيقة ولا معنى) (3). ثانى عطفه: متكبرا، فإن ثني العطف كناية عن التكبر، كلي الجيد (4). القمي: تولى عن الحق (5). ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق. ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد. القمي: نزلت في أبي جهل (6). ومن الناس من يعبد الله على حرف: على طرف من الدين لاثبات له فيه، كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس على ظفر قر، وإلا فر.


= ابي عبد الله عليه السلام (1) - في (ب): (شاب). (2) - قرب الأسناد: 58، الحديث: 187، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - مصباح الشريعة، 57، الباب: 25، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - أي: التواء العنق تكبرا. (5) و 6) - القمي 2: 79. (*)

[ 799 ]

قال: (هم قوم وحدوا الله، وخلعوا عبادة من يعبد من دون الله، فخرجوا من الشرك، ولم يعرفوا أن محمدا رسول الله، فهم يعبدون الله على شك في محمد وما جاء به، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا: ننظر، فإن كثرت أموالنا وعوفينا في أنفسنا وأولادنا، علمنا أنه صادق وأنه رسول الله، وإن كان غير ذلك نظرنا) (1). فإن أصابه خير اطمأن به قال: (يعني عافية في الدنيا) (2). وإن أصابته فتنة قال: يعني بلاء في نفسه (3) (انقلب على وجهه) قال: (انقلب على شكه (4) الى الشرك) (5). خسر الدنيا والاخرة بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد. ذلك هو الخسران المبين. يدعوا من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه. قال: (ينقلب مشركا يدعو غير الله ويعبد غيره، فمنهم من يعرف فيدخل الايمان قلبه فيؤمن، ويصدق ويزول عن منزلته من الشك إلى الأيمان، ومنهم من يثبت على شكه (6)، ومنهم من ينقلب إلى الشرك) (7). ذلك هو الضلال البعيد عن المقصد. يدعوا لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه الذي يتوقع بعبادته، لأنه يوجب القتل في الدنيا، والعذاب في الاخرة. لبئس المولى: الناصر ولبئس العشير: الصاحب. إن الله يدخل الذين امنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد. من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ. قيل: معناه أن الله ناصر رسوله في الدنيا والاخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه، فليستقص في إزالة غيظه، بأن


(1 و 2 و 3 و 5 و 7) - الكافي 2: 413 - 414، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (4 و 6) - في (ب): (على شكله). (*)

[ 800 ]

يفعل كل ما يفعله الممتلئ غضبا، حتى يمد حبلا إلى سماء بيته فيختنق، من قطع: إذا اختنق، أو إلى سماء الدنيا، ثم ليقطع به المسافة، فيجتهد في دفع نصره (1). وقيل: المراد بالنصر الرزق، والضمير ل‍ (من) (2). والقمي ما معناه: يعني من شك أن الله عزوجل لن يثيبه (3) في الدنيا والاخرة، (فليمدد بسبب إلى السماء)، أي: يجعل بينه وبين الله دليلا، (ثم ليقطع)، أي: يميز، (فلينظر هل يذهبن كيده)، أي حيلته (ما يغيظ). قال: فإذا وضع لنفسه سببا وميز، دله على الحق. قال: فأما العامة فإنهم رووا (4) في ذلك: إنه من لم يصدق بما قال الله عزوجل، فليلق حبلا إلى سقف البيت، ثم ليختنق (5). وكذلك أنزلناه ايات بينات وأن الله يهدي من يريد. إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة بالحكومة بينهم، وإظهار المحق منهم من المبطل، وجزاء كل بما يليق به إن الله على كل شئ شهيد. ألم تر أن الله يسجد له: ينقاد لأمره من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس. قال بعض أهل المعرفة: وهذا سجود ذاتي، نشأ عن تجل تجلى لهم فانبعثوا إليه، وهي العبادة الذاتية، التي أقامهم الله فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه (6)، وقد مضى تمام


(1) - البيضاوي 4: 51، الكشاف 3: 8. (2) - التبيان 7: 298، الدر المنثور 6: 15، البيضاوي 4: 51. (3) - في جميع النسخ: (يثيبه)، بدون (لن) والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر. (4) - الدر المنثور 6: 16، عن الضحاك وقتادة. (5) - القمي 2: 79 - 80. (6) - أسرار الايات (لصدر المتألهين): 80. (*)

[ 801 ]

تفسيره في سورة النحل (1). وكثير حق عليه العذاب بكفره وإبائه عن الطاعة والانقياد. ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء. هذان خصمان اختصموا في ربهم المؤمنون والكافرون. قال: (نحن وبنوأمية، نحن قلنا: صدق الله ورسوله، وقالت بنو أمية: كذب الله ورسوله) (2). فالذين كفروا. فصل لخصومتهم. قيل: وهو المعني بقوله تعالى: (إن الله يفصل بينهم يوم القيمة) (3). قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم: الماء الحار. يصهر به ما في بطونهم والجلود أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فتذاب به أحشاؤهم، كما تذاب به جلودهم. ولهم مقامع من حديد: سياط يجلدون بها. القمي: الأعمدة التي يضربون بها (4). ورد: (لو وضع مقمع من حديد في الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض) (5). كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ضربا بتلك الأعمدة. ورد: (إن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد وأعيدوا في دركها، هذه حالهم. وهو قول الله تعالى (كلما أرادوا، الاية.) (6). وذوقوا عذاب الحريق: النار البالغة في الأحراق. إن الله يدخل الذين امنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار


(1) - ذيل الاية: 50. (2) - الخصال 1: 42، الحديث: 35، عن حسين بن علي عليهما السلام، القمي 2: 80. (3) - الكشاف 3: 9، البيضاوي 4: 52. (4) - القمي 2: 80. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 78، الدر المنثور 6: 22، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - القمي 2: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 802 ]

يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير. وهدوا إلى الطيب من القول. القمي: التوحيد والأخلاص (1). وهدوا إلى صراط الحميد. قال: (هو والله هذا الأمر الذي أنتم عليه) (2). وورد: (ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبو ذر والمقداد بن الأسود وعمار، هدوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام) (3). إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس. حذف خبره لدلالة آخر الاية عليه، أي: معذبون. القمي: نزلت في قريش، حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن مكة (4). سواء العاكف فيه قال: (المقيم) (5). والباد قال: (الذي يحج إليه من غير أهله - كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى عامله بمكة: - وأمر أهل مكة أن لا يأخذوا من ساكن أجرا، فإن الله يقول: (سواء) الاية) (6). وورد: (لم يكن ينبغي أن يوضع (7) على دور مكة أبواب لأن للحاج (8) أن ينزلوا معهم في دورهم، في ساحة الدار، حتى يقضوا مناسكهم، وإن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية) (9). وفي رواية: (إن معاوية أول من علق على بابه مصراعين بمكة، فمنع حاج بيت الله ما قال الله عزوجل (سواء العاكف فيه والباد) وكان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على،


(1) - القمي 2: 83. (2) - المحاسن: 169، الباب: 35، الحديث: 133، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 1: 426، الحديث: 71، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 83. (5) - نهج البلاغة: 458، الكتاب: 67، وفيه: (المقيم به). (6) - المصدر، وفيه: (ومر أهل مكة...). (7) - في المصدر: (أن يصنع). (8) - في (ب): (للحجاج). (9) - علل الشرائع 2: 396، الباب: 135، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 803 ]

الحاضر، حتى يقضي حجه) (1). ومن يرد فيه بإلحاد: عدول عن القصد بظلم: بغير حق، وهو مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول. نذقه من عذاب أليم. قال: (من عبد فيه غير الله أو تولى فيه غير أولياء الله، فهو ملحد بظلم، وعلى الله أن يذيقه من عذاب أليم) (2). وقال: (كل ظلم يظلم به الرجل نفسه بمكة، من سرقة أو ظلم أحد أو شئ من الظلم، فإني أراه إلحادا، ولذلك كان ينهى أن يسكن الحرم) (3). وورد: (نزلت فيهم، حيث دخلوا الكعبة فتعاهدوا وتعاقدوا على كفرهم، وجحودهم بما نزل في أمير المؤمنين عليه السلام، فألحدوا في البيت بظلمهم الرسول ووليه، فبعدا للقوم الظالمين) (4). وإذ بوأنا لابراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتى للطائفين والقائمين والركع السجود. مضى تفسيره في سورة البقرة (5). وأذن في الناس: ناد فيهم بالحج بأن تدعوهم إليه يأتوك رجالا: مشاة وركبانا وعلى كل ضامر: على كل بعير مهزول، أتعبه بعد السفر فهزله. يأتين. صفة ل‍ (ضامر). وفي قراءتهم عليهم السلام (يأتون) (2). من كل فج عميق: طريق بعيد الأطراف. ورد: (إن الله جل جلاله لما أمر إبراهيم عليه السلام ينادي في الناس بالحج، قام على المقام فارتفع به، حتى صار بإزاء أبي قبيس، فنادى في الناس بالحج، فأسمع من في أصلاب


(1) - الكافي 4: 243، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 8: 337، الحديث: 533، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - علل الشرائع 2: 445، الباب: 196، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 1: 421، الحديث: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - ذيل الاية: 125. (6) مجمع البيان 7 - 8: 80 عن ابي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 804 ]

الرجال وارحام النساء الى ان تقوم الساعة) (1) وفي رواية: (إن الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم) الحديث، في لفظ هذا معناه (2). ليشهدوا: ليحضروا منافع لهم دينية ودنيوية. سئل: منافع الدنيا أو منافع الاخرة ؟ فقال: (الكل) (3). وقال: (لا يشهد أحد إلا نفعه الله، أما أنتم فترجعون مغفورا لكم، وأما غيركم فيحفظون في أهاليهم وأموالهم) (4). وفي رواية علل الحج: (ومنفعة من [ هو ] (5) في شرق الأرض وغربها، ومن في البر والبحر ممن يحج ومن لا يحج، من تاجر وجالب وبايع ومشتر وكاسب ومسكين، وقضاء حوائج أهل الأطراف) (6). وفي أخرى: (مع ما فيه من التفقه، ونقل أخبار الأئمة إلى كل صقع وناحية كما قال الله تعالى: (فلولا نفر) الاية) (7). ويذكروا اسم الله. قال: (هو التكبير عقيب خمس عشرة صلاة، أولها ظهر العيد) (8). في أيام معلومات قال: (أيام التشريق) (9). وفي رواية: ([ هي ] (10)


(1) - علل الشرائع 2: 420، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الكافي 4: 245، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 422، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 264، ذيل الحديث: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الزيادة من (ألف). (6) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 90، الباب: 33، ذيل الحديث: 1. (7) - المصدر: 119، الباب: 34، ذيل الحديث الطويل: 1، والاية في سورة التوبة (9): 122. (8) - عوالي اللئالي 2: 88، الحديث: 237، عن أبي عبد الله عليه السلام. (9) - معاني الأخبار: 297، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (10) - ما بين المعقوفتين لم ترد في (ألف) والمصدر. (*)

[ 805 ]

أيام العشر) (1). على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. قال: (البائس: الفقير) (2). وفي رواية: (هو الزمن الذي لا يستطيع أن يخرج لزمانته (3) (4). ثم ليقضوا تفثهم: ثم ليزيلوا وسخهم. قال: (التفث: هو الحلق، وما في جلد الأنسان) (5). وفي رواية: (تقليم الأظفار وطرح الوسخ وطرح الأحرام (6) عنه) (7 تأويله: (لقاء الأمام) (8). أقول: جهة الاشتراك هو التطهير، فإن أحدهما تطهير عن الأوساخ الظاهرة، والاخر عن الجهل والعمى. وليوفوا نذورهم قال: (تلك المناسك) (9). وليطوفوا بالبيت العتيق قال: (هو طواف النساء) (10). قال: (سمي البيت العتيق لأنه اعتق (11) من الغرق) (12). وفي رواية: (حر عتيق من الناس، لم يملكه أحد) (13). ذلك الأمر. (ذلك) ومثله يطلق للفصل بين الكلامين. ومن يعظم حرمات


(1) - معاني الأخبار: 297، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 4: 500، الحديث: 6، التهذيب 5: 223، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - لزمانته: أي لمرضه الذي يدوم عليه زمانا طويلا. مجمع البحرين 6: 260 (زمن). (4) - الكافي 4: 46، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 4: 503، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - في (ب) و (ج): (الأجرام). (7) - من لا يحضره الفقيه 2: 290، الحديث: 1436، عن الرضا عليه السلام. (8) - الكافي 4: 549، ذيل الحديث: 4، من لا يحضره الفقيه 2: 290، الحديث: 1432 عن أبي عبد الله عليه السلام. (9) المصدر من لا يحضره الفقيه 2: 291 الحديث: 1437 عن ابي عبد الله عليه السلام (10) - التهذيب 5: 253، الحديث: 855، عن أبي عبد الله عليه السلام. (11) - في (ألف): (عتق). (12) - علل الشرائع 2: 399، الباب: 140، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (13) - المصدر، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 806 ]

الله: أحكامه وما لا يحل هتكه فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم كالميتة وما أهل به لغير الله فاجتنبوا الرجس من الأوثان: الرجس الذي هو الأوثان، كما يجتنب الأنجاس. واجتنبوا قول الزور: كل افتراء. روى: (عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الاية) (1). وفي رواية: (الرجس من الأوثان: الشطرنج، وقول الزور: الغناء) (2). وزيد في أخرى: (وسائر أنواع القمار، وسائر الأقوال الملهية) (3). حنفاء لله قال: (أي: طاهرين) (4) غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء لأنه سقط من أوج الأيمان إلى حضيض الكفر. فتخطفه الطير فإن الأهواء المردية توزع أفكاره. أو تهوي به الريح في مكان سحيق: بعيد، فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة. ذلك: الأمر ذلك ومن يعظم شعائر الله: أعلام دينه فإنها من تقوى القلوب. القمي: تعظيم البدن وجودتها (5). لكم فيها منافع إلى أجل مسمى. قال: (إن احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف عليها، وإن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها (6) (7). ثم محلها إلى البيت العتيق. ولكل أمة: أهل دين جعلنا منسكا: متعبدا، وقربانا يتقربون به إلى الله


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 82، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 6: 435، الحديث: 2، و 436، الحديث 6، معاني الأخبار: 349، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 82. (4) - القمي 2: 84، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 84. (6) - نهك الضرع نهكا: استوفى جميع ما فيه. القاموس المحيط 3: 332 (نهك). (7) - الكافي 4: 493، الحديث: 1، من لا يحضره الفقيه 2: 300، الحديث: 1493، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 807 ]

ليذكروا اسم الله دون غيره، ويجعلوا نسيكتهم لوجهه، فيه تنبيه على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود. على ما رزقهم من بهيمة الأنعام عند ذبحها فإلهكم إله واحد فله أسلموا: أخلصوا التقرب والذكر، ولا تشوبوه بالأشراك وبشر المخبتين: الخاشعين. الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم هيبة منه، لأشراق (1) أشعة جلاله عليها والصابرين على ما أصابهم من المصائب والمقيمي الصلاة في أوقاتها ومما رزقناهم ينفقون في وجوه الخير. والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير: منافع دينية ودنيوية فاذكروا اسم الله عليها صوآف قائمات، قد صففن أيديهن وأرجلهن. قال: (ذلك حين تصف للنحر، تربط يديها ما بين الخف إلى الركبة) (2). فإذا وجبت جنوبها قال: (إذا وقعت على الأرض) (3). فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر. قال: (القانع: الذي يرضى بما أعطيته، ولا يسخط ولا يكلح (4) ولا يلوي شدقه (5) غضبا، والمعتر: المار بك لتطعمه) (6). ورد: (أطعم أهلك ثلثا وأطعم القانع ثلثا وأطعم المسكين ثلثا. قيل: المسكين هو السائل ؟ قال: نعم. والقانع: يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، والمعتر يعتريك لا يسألك) (7).


(1) - في (ألف) و (ج): (لأشراف). (2 و 3) - الكافي 4: 497، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكلوح: تكشر في عبوس. الصحاح 1: 399 (كلح). (5) - ألوى شدقه: أعرض به. والشدق: جانب الفم. مجمع البحرين 1: 381، و 5: 189 (لوا - شدق). (6) - الكافي 4: 499، الحديث: 2، معاني الأخبار: 208، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - معاني الأخبار: 208، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 808 ]

وفي رواية: (ينبغي أن يطعم ثلثه، ويعطي القانع والمعتر ثلثه، ويهدي لأصدقائه الثلث الباقي) (1). كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون. لن ينال الله لحومها ولا دماؤها من حيث أنها لحوم ودماء ولكن يناله التقوى منكم: ما يصحبه من تقوى قلوبكم، التي تدعوكم إلى أمر الله وتعظيمه، والتقرب إليه والأخلاص له. سئل: ما علة الأضحية ؟ قال: (إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها إلى الأرض، وليعلم الله عزوجل من يتقيه بالغيب. قال الله عزوجل: (لن ينال الله لحومها) الاية. ثم قال: أنظر كيف قبل الله قربان هابيل، ورد قربان قابيل) (2). كذلك سخرها لكم لتكبروا الله: لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره، فتوحدوه بالكبرياء. والقمي: التكبير أيام التشريق عقيب الصلوات (3). على ما هداكم: أرشدكم إلى طريق تسخيرها، وكيفية التقرب بها. وبشر المحسنين: المخلصين فيما يأتونه ويذرونه. إن الله يدافع عن الذين امنوا غائلة المشركين إن الله لا يحب كل خوان في أمانة الله كفور لنعمته، كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته. أذن: رخص للذين يقاتلون المشركين، أي: في القتال بأنهم ظلموا: بسبب أنهم ظلموا. قال: (لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال، ولا أذن له فيه حتى نزل جبرئيل بهذه الاية، وقلده سيفا) (4).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 86، عنهم عليهم السلام. (2) - علل الشرائع 2: 437، الباب: 178، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 84. (4) - مجمع البيان 1 - 2: 87، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت في اللفظ. (*)

[ 809 ]

وروي: (كان المشركون يؤذون المسلمين، لا يزال يجئ مشجوج (1) ومضروب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، ويشكون ذلك إليه، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال حتى هاجر فأنزل الله عليه هذه الاية بالمدينة. وهي أول آية نزلت في القتال) (2). وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. قال: (نزلت في المهاجرين، وجرت في آل محمد عليهم السلام الذين أخرجوا من ديارهم وأخيفوا) (3). وفي رواية: (نزلت في رسول الله وعلي وحمزة وجعفر عليهم السلام وجرت في الحسين عليه السلام) (4). القمي: الحسين عليه السلام حين طلبه يزيد ليحمله إلى الشام، فهرب إلى الكوفة، وقتل بالطف (5). إلا أن يقولوا ربنا الله يعني أنهم لم يخرجوهم إلا لقولهم: (ربنا الله). ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين لهدمت: لخربت، باستيلاء المشركين على أهل الملل صوامع: صوامع الرهبانية وبيع: وبيع النصارى وصلوات: كنائس اليهود. قيل: أصلها (صلوثا) بالثاء المثلثة بالعبرية، بمعنى المصلى فعربت (6). وفي قراءتهم عليهم السلام بضم الصاد واللام (7). ومساجد: مساجد


(1) - الشجة والشجاج والشج: أن يضربه بشئ فيجرحه ويشقه. وهو في الرأس خاصة، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. مجمع البحرين 1: 312 (شجج). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 87، البيضاوي 4: 55. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 87، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 8: 338، ذيل الحديث: 534، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - القمي 2: 84. (6) - الكشاف 3: 16، البيضاوي 4: 56. (7) - مجمع البيان 7 - 8: 85، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 810 ]

المسلمين يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. قال: (فهذه لال محمد إلى آخر الاية. والمهدي وأصحابه، يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدين، ويميت الله به وبأصحابه البدع والباطل، كما أمات الشقاة الحق، حتى لا يرى أين الظلم) (1). ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. وقوم إبراهيم وقوم لوط. وأصحاب مدين وكذب موسى. قيل: غير فيه النظم، لأن قومه لم يكذبوه، وإنما كذبه القبط، ولأن تكذيبه كان أشنع، وآياته كانت أعظم وأشيع (2). فأمليت للكافرين: فأمهلتهم، حتى انصرمت آجالهم المقدرة ثم أخذتهم فكيف كان نكير: إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة، والحياة هلاكا، والعمارة خرابا. فكأين من قرية أهلكناها وهى ظالمة أي: أهلها فهى خاوية على عروشها: ساقطة حيطانها على سقوفها وبئر معطلة: لا يستقى منها، لهلاك أهلها وقصر مشيد: مرتفع، أخليناه عن ساكنيه. قال: (البئر المعطلة: الأمام الصامت، والقصر المشيد: الأمام الناطق) (3). أقول: إنما كنى عن الأمام الصامت بالبئر، لأنه منبع العلم الذي هو سبب حياة


(1) - القمي 2: 87، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. (2) - البيضاوي 4: 56. (3) - الكافي 1: 427، الحديث: 75، عن الكاظم عليه السلام، كمال الدين 2: 417، الباب: 40، الحديث: 10، معاني الأخبار: 111، الحديث: 1 و 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 811 ]

الأرواح، مع خفائه إلا على من أتاه، كما أن البئر منبع الماء الذي هو سبب حياة الأبدان، مع خفائها إلا على من أتاها. وكنى عن صمته بالتعطيل، لعدم الانتفاع بعلمه، وكنى عن الأمام الناطق بالقصر المشيد، لظهوره وعلو منصبه وإشادة ذكره. وورد في قوله: (وبئر معطلة): (أي: وكم من عالم لا يرجع إليه، ولا ينتفع بعلمه) (1). أفلم يسيروا في الأرض قال: (أو لم ينظروا في القرآن) (2). فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو اذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور عن الاعتبار. أي: ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما إيفت (3) عقولهم باتباع الهوى، والأنهماك في التقليد. ورد: (إنما العمى عمى القلب) (4). ثم تلا الاية. ويستعجلونك بالعذاب المتوعد به ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون يعني: (يوم القيامة). كذا ورد (5). وكأين من قرية أمليت لها كما أمهلتكم وهى ظالمة مثلكم ثم أخذتها وإلي المصير. قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين. فالذين امنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم. والذين سعوا في اياتنا بالرد والأبطال معاجزين: مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق، من عاجزه فأعجزه، إذا سابقه فسبقه. أولئك أصحاب الجحيم.


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 89، في تفسير أهل البيت عليهم السلام. (2) - الخصال 2: 396، ذيل الحديث: 102، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - قد إيف الزرع، أي: أصابته آفة. الصحاح 4: 1333 (أوف). (4) - من لا يحضره الفقيه 1: 248، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (إنما الأعمى أعمى القلب). (5) - الأرشاد (للمفيد): 365، في ذكر قيام القائم عليه السلام، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 812 ]

وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي زاد: (ولا محدث) (1) بفتح الدال. قال: (الرسول: الذي يظهر له الملك فيكلمه. والنبي: هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد. والمحدث: الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة) (2). وورد: (إن الأئمة كانوا محدثين، كانوا يسمعون الصوت ولا يرون الملك) (3). إلا إذا تمنى. قال: (تمنى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه وعقوقهم، والانتقال عنهم إلى دار الأقامة) (4). ألقى الشيطان في أمنيته قال: (ألقى الشيطان المعرض بعداوته، عند فقده في الكتاب الذي أنزل عليه، ذمه والقدح فيه والطعن عليه) (5). فينسخ الله ما يلقي الشيطان. قال: (ينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله (6)، ولا يصغى إليه غير قلوب المنافقين والجاهلين) (7). ثم يحكم الله اياته والله عليم حكيم قال: (بأن يحمى أولياءه من الضلال والعدوان (8)، ومشايعة أهل الكفر والطغيان، الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام، حتى قال (بل هم أضل سبيلا) (9) (10). وفي رواية: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أصابه خصاصة، فجاء إلى رجل من الأنصار فقال له: هل عندك من طعام ؟ قال: نعم يا رسول الله، وذبح له عناقا (11) وشواه، فلما أدناه منه تمنى


(1) - الكافي 1: 176 - 177، الحديث: 1 و 4، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (2) - الكافي 1: 177، الحديث: 4، عن الصادقين عليهما السلام. (3) - المصدر: 170 - 171، الأحاديث: 1، 3 و 4، عن أبي جعفر، وأبي الحسن، وأبي عبد الله عليهم السلام. (4 و 5) - الاحتجاج 1: 383: عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - في (ب): (فلا يقبله). (7) - الاحتجاج 1: 383، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (8) - في (ب): (من الضلال والعدوان والكفران). (9) - الفرقان (25): 44. (10) - الاحتجاج 1: 383، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (11) - العناق: الأنثى من ولد المعز، والجمع: أعنق وعنوق. الصحاح 4: 1534 (عنق). (*)

[ 813 ]

رسول الله أن يكون معه علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فجاء أبو بكر وعمر، ثم جاء علي بعدهما، فأنزل الله في ذلك (وما أرسلنا) الاية. يعني أبا بكر وعمر، (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) يعني لما جاء علي عليه السلام بعدهما، (ثم يحكم الله آياته) للناس، يعني ينصر الله أمير المؤمنين عليه السلام) (1). ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة. قال: (يعني فلانا وفلانا) (2). للذين في قلوبهم مرض قال: (شك) (3). والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم بالانقياد والخشية (وان الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم). ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. القمي: العقيم: الذي لا مثل له في الأيام (4). الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم. والذين كفروا وكذبوا باياتنا فأولئك لهم عذاب مهين. والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين. ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم. روي: (إنهم قالوا: يا رسول الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا


(1) - القمي 2: 85، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (2) - القمي 2: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - لم نعثر عليه. (4) - القمي 2: 86. (*)

[ 814 ]

فما لنا أن متنا معك ؟ فأنزل الله هاتين الايتين) (1). ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ولم يزد في الاقتصاص ثم بغي عليه بالمعاودة الى العقوبة (لينصرنه الله) لا محالة للمنتصر. (ان الله لعفو غفور القمي: هو رسول الله عليه السلام لما أخرجته قريش من مكة، وهرب منهم إلى الغار وطلبوه ليقتلوه، فعاقبهم الله يوم بدر، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، طلب بدمائهم فقتل الحسين وآل محمد صلوات الله عليهم بغيا وعدوانا، لينصرنه الله بالقائم عليه السلام من ولده (2). هذا ملخص ما قاله. ذلك أي: ذلك النصر بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل بسبب أن الله قادر على تغليب بعض الأمور على بعض، والمداولة بين الأشياء المتعاندة. وأن الله سميع بصير: يسمع قول المعاقب والمعاقب، يبصر أفعالهما فلا يمهلهما. ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير. ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة. إنما عدل عن صيغة الماضي، للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. إن الله لطيف: يصل علمه إلى كل ما جل ودق. خبير بالتدابير الظاهرة والباطنة. له ما في السموات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد. ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم.


(1) - جوامع الجامع: 303. (2) - القمي 2: 86. (*)

[ 815 ]

وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الأنسان لكفور. لكل أمة جعلنا منسكا: شريعة ومذهبا هم ناسكوه: يتدينون به، ويذهبون إليه فلا ينازعنك سائر أرباب الملل في الأمر: في أمر الدين. قيل: إنهم قالوا للمسلمين: مالكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ! يعنون الميتة، فنزلت (1) (وادع إلى ربك: إلى توحيده وعبادته إنك لعلى هدى مستقيم. وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون من المجادلة الباطلة، فيجازيكم عليها، وهو وعيد فيه رفق. الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون من أمر الدين. ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير. ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا: حجة تدل على جواز عبادته. وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر: الأنكار لفرط نكيرهم للحق، وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليدا. يكادون يسطون: يثبون ويبطشون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم من غيظكم على التالين، وضجركم مما تلوا عليكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير النار. يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له استماع تدبر وتفكر إن الذين تدعون من دون الله يعني الأصنام لن يخلقوا ذبابا: لا يقدرون على خلقه مع صغره ولو اجتمعوا له: ولو تعاونوا على خلقه. وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه


(1) - الكشاف 3: 21، البيضاوي 4: 60. (*)

[ 816 ]

ضعف الطالب والمطلوب فكيف يكونون آلهة قادرين على المقدورات كلها ؟ ! قال: (كانت قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك والعنبر، وكانوا إذا دخلوا خروا سجدا لها، إلى أن قال: فبعث الله ذبابا أخضر، له أربعة أجنحة، فلم يبق من ذلك المسك والعنبر شيئا إلا أكله، فأنزل الله الاية) (1). ما قدروا الله حق قدره: ما عرفوه حق معرفته، حيث أشركوا به، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة. وقد مر فيه حديث في الأنعام (2)، ويأتي حديث آخر في الزمر (3) إن شاء الله. إن الله لقوى عزيز لا يغلبه شئ. الله يصطفي من الملائكة رسلا: سفرة يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي. ومن الناس رسلا يدعون سائرهم إلى الحق، ويبلغون إليهم ما نزل عليهم. إن الله سميع بصير. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور. يا أيها الذين امنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير. ورد: (جعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا) (4). لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده الأعداء الظاهرة والباطنة. ورد: (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) (5) هو اجتباكم: اختاركم لدينه ولنصرته. قال: (إيانا عنى (6)، ونحن المجتبون) (7).


(1) - الكافي 4: 542، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - ذيل الاية: 91. (3) - ذيل الاية: 67. (4) - الكافي 2: 128، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - عوالي اللالي 4: 118، الحديث: 187، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - في (ج): (إيانا عنى خاصة). (7) - الكافي 1: 191، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 817 ]

وما جعل عليكم في الدين من حرج قال: (يقول: من ضيق) (1) ملة أبيكم إبراهيم قال: (إيانا عنى خاصة) (2). هو سماكم المسلمين قال: (الله سمانا المسلمين) (3). من قبل قال: (في الكتب التي مضت) (4). وفي هذا: القرآن ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس. قال: (فرسول الله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله، ونحن الشهداء على الناس يوم القيامة. فمن صدق يوم القيامة صدقناه، ومن كذب كذبناه) (5). وفي الحديث النبوي: (عنى بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه الأمة، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: أنا وأخي وأحد عشر من ولدي) (6). فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة: فتقربوا إلى الله بأنواع الطاعات، لما خصكم بهذا الفضل والشرف. واعتصموا بالله: وثقوا به في جميع أموركم هو مولاكم: ناصركم ومتولي أموركم. فنعم المولى ونعم النصير هو.


(1) - قرب الأسناد: 84، الحديث: 277، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2 و 3 و 4 و 5) - الكافي 1: 191، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - كمال الدين 1: 279، الباب: 24، ذيل الحديث: 25، وفيه ما هذا نصه: (عنى بذلك ثلاثة عشر رجلا خاصة دون هذه الأمة. قال سلمان: بينهم لي يا رسول الله، قال: أنا وأخي علي وأحد عشر من ولدي). (*)

[ 818 ]

سورة المؤمنون [ وهي مائة وثماني عشر آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم قد أفلح المؤمنون قال: (المسلمون، إن المسلمين هم النجباء) (2). الذين هم في صلاتهم خاشعون (بغض البصر والأقبال على الصلاة). كذا ورد (3). والذين هم عن اللغو معرضون قال: (عن الغناء والملاهي) (4). وورد: (كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو) (5). والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون.


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - الكافي 1: 391، الحديث: 5، بصائر الدرجات: 520، الباب: 20، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي الكافي و (ج): (المسلمون، إن المسلمين هم النجباء) بالتشديد. (3) - القمي 2: 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 99، القمي 2: 88. (5) - الأرشاد (للمفيد): 157، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 819 ]

إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم على صلواتهم يحافظون القمي: على أوقاتها وحدودها (1). ورد: (هي الفريضة، وعلى صلواتهم دائمون، هي النافلة) (2). أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون قال: (ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله) (3). ولقد خلقنا الأنسان من سلالة من طين. القمي: السلالة: الصفوة من الطعام والشراب الذي يصير نطفة (4). ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما. سبق تفسيرها (5). ثم أنشأناه خلقا اخر قال: (هو نفخ الروح فيه) (فتبارك الله أحسن الخالقين. قال: (أخبر أن في عباده خالقين [ وغير خالقين ] (7) منهم عيسى بن مريم، خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله، والسامري خلق لهم عجلا جسدا له خوار) (8). ثم إنكم بعد ذلك لميتون.


(1) - القمي: 2: 89. (2) - الكافي 3: 270، الحديث: 12، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 65، الباب: 31، الحديث: 288، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 99، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - القمي 2: 89. (5) - ذيل الاية: 5 من سورة الحج. (6) - القمي 2: 91، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) - مابين المعقوفتين لم ترد في المصدر. (8) - التوحيد: 63، الباب: 2، ذيل الحديث الطويل: 18، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 820 ]

ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق: سبع سماوات. قيل: سماها طرائق، لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقة (1). وما كنا عن الخلق غافلين. وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض قال: (فهي الأنهار والعيون والابار) (2). وإنا على ذهاب به لقادرون. فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة تتفكهون بها ومنها تأكلون تغذيا. وشجرة تخرج من طور سيناء القمي: شجرة الزيتون (3). تنبت بالدهن وصبغ للاكلين أي: تنبت بالشئ الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه، وكونه إداما يصبغ فيه الخبز، أي: يغمس فيه للائتدام. وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من الألبان ولكم فيها منافع كثيرة في ظهورها وأصوافها وشعورها ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون في البر والبحر. ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون. فقال الملاء: الأشراف الذين كفروا من قومه لعوامهم: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله أن يرسل رسولا لانزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين أي: التوحيد الذي يدعونا إليه.


(1) - البيضاوي 4: 63، الكشاف 3: 28. (2) - القمي 2: 91، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - القمي 2: 91. (*)

[ 821 ]

إن هو إلا رجل به جنة: جنون فتربصوا به حتى حين لعله يفيق من جنونه. قال رب انصرني عليهم بإهلاكهم بما كذبون: بسبب تكذيبهم إياي. فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا: بحفظنا، أن تخطئ فيه، أو يفسد عليك مفسد ووحينا: وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع فإذا جاء أمرنا بنزول العذاب وفار التنور فاسلك فيها: فادخل فيها من كل زوجين اثنين: الذكر والأنثى وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم بإهلاكه لكفره ولا تخاطبني في الذين ظلموا بالدعاء بالأنجاء إنهم مغرقون. فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين. قد سبق تمام القصة في سورة هود (1). إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين: وإنه كنا لممتحنين عبادنا بهذه الايات. ورد: (إن الله قد أعاذكم من أن يجور عليكم، ولم يعذكم من أن يبتليكم، ثم تلا هذه الاية) (2). ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين هم عاد أو ثمود. فأرسلنا فيهم رسولا منهم هو هود أو صالح أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون. وقال الملاء من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفناهم: ونعمناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون.


(1) - ذيل الايات: 30 إلى 45. (2) - نهج البلاغة: 150، الخطبة: 103. (*)

[ 822 ]

ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون حيث أذللتم أنفسكم. أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون من الأجداث. هيهات هيهات: بعد لما توعدون. اللام للبيان، كما في هيت لك. إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا: يموت بعضنا ويولد بعض وما نحن بمبعوثين. إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون. قال عما قليل ليصبحن نادمين. فأخذتهم الصيحة بالحق: صيحة جبرئيل، صاح عليهم صيحة هائلة، تصدعت منها قلوبهم فماتوا فجعلناهم غثاء. قال: (الغثاء: اليابس الهامد (1) من نبات الأرض) (2). فبعدا للقوم الظالمين. يحتمل الأخبار والدعاء. ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين. ما تسبق من أمة أجلها: الوقت الذي قدر لهلاكها وما يستأخرون الأجل. ثم أرسلنا رسلنا تترا: متواترين واحدا بعد واحد كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا في الهلاك وجعلناهم أحاديث: لم يبق منهم إلا حكايات يسمر بها فبعدا لقوم لا يؤمنون. ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون باياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملاءه فاستكبروا وكانوا قوما عالين: متكبرين. فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون.


(1) - الهامد: الميت، والهمود: الموت، وفي الأرض أن لا يكون بها حياة ولا عود ولا نبت ولا مطر. القاموس المحيط 1: 361 (همد). (2) - القمي 2: 91، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 823 ]

فكذبوهما فكانوا من المهلكين. ولقد اتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمه اية بولادتها إياه من غير مسيس وآويناهما إلى ربوة: إلى مكان مرتفع ذات قرار: صالحة للاستقرار ومعين: ماء ظاهر جار على وجه الأرض. قال: (الربوة: نجف الكوفة، والمعين: الفرات) (1). وفي رواية: (الربوه: حيرة الكوفة وسوادها، والقرار: مسجد الكوفة، والمعين: الفرات) (2). يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم أمة واحدة القمي: على مذهب واحد (3). وأنا ربكم فاتقون في شق العصا ومخالفة الكلمة. فتقطعوا أمرهم بينهم: فتحزبوا وافترقوا، وجعلوا دينهم أديانا متفرقة. زبرا، قطعا كل حزب من المتحزبين بما لديهم من الدين فرحون: معجبون، معتقدون أنهم على الحق. القمي: كل من اختار لنفسه دينا فهو فرح به (4). فذرهم في غمرتهم: في جهالتهم. شبهها بالماء الذي يغمر القامة. حتى حين: إلى أن يقتلوا أو يموتوا. أيحسبون أنما نمدهم به ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من مال وبنين. نسارع لهم في الخيرات: ما فيه خيرهم وإكرامهم بل لا يشعرون أن ذلك


(1) - التهذيب 6: 38، الحديث: 79، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 108، جوامع الجامع: 307، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (3) - القمي 2: 91. (4) - القمي 2: 91. (*)

[ 824 ]

استدراج. ورد: (إن الله تعالى يقول: يحزن عبدي المؤمن إذا اقترت عليه شيئا من الدنيا، وذلك أقرب له مني، ويفرح إذا بسطت له الدنيا، وذلك أبعد له مني ثم تلا هذه الاية، ثم قال: إن ذلك فتنة لهم) (1). إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون: من خوف عذابه حذرون. والذين هم بايات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون شركا جليا ولا خفيا. والذين يؤتون ما اتوا: يعطون ما أعطوه من العبادة والطاعة والصدقات. وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون لأن مرجعهم إليه، أو من أن مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم. قال: (قلوبهم وجلة، معناه: خائفة أن لا يقبل منهم) (2). وقال: (هي إشفاقهم (3) ورجاؤهم، يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره، ويرجون أن تقبل منهم) (4). وقال: (يؤتي ما آتى وهو خائف راج) (5). وفي رواية: (آتوا والله الطاعة (6) مع المحبة والولاية، وهم في ذلك خائفون، ليس خوفهم خوف شك، ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا) (7).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 110، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - في المصدر: (شفاعتهم). لعل المراد دعاؤهم وتضرعهم كأنهم شفعوا لأنفسهم أو طلب الشفاعة من غيرهم أو تضاعف حسناتهم، ولعله تصحيف شفقتهم. (4) - الكافي 8: 229، الحديث: 294، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 110، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - في المصدر: (آتوا والله مع الطاعة المحبة والولاية). (7) - الكافي 2: 457، الحديث: 15، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 825 ]

أولئك يسارعون في الخيرات: يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرون بها وهم لها سابقون. قال: (هو علي بن أبي طالب عليه السلام لم يسبقه أحد) (1). ولا نكلف نفسا إلا وسعها: دون طاقتها، يريد به التحريض (2) على ما وصف به الصالحون، وتسهيله على النفوس. ولدينا كتاب هو صحيفة الأعمال ينطق بالحق: بالصدق، لا يوجد فيه ما يخالف الواقع وهم لا يظلمون بزيادة عقاب أو نقصان ثواب. بل قلوبهم: قلوب الكفرة في غمرة من هذا: في غفلة غامرة. القمي: يعني من القرآن (3). ولهم أعمال خبيثة من دون ذلك: سوى ما هم عليه من الشرك هم لها عاملون: معتادون فعلها. حتى إذا أخذنا مترفيهم: متنعميهم. القمي: يعني كبراءهم (4). بالعذاب. قيل: هو قتلهم يوم بدر، أو الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر (5)، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فابتلاهم بالقحط، حتى أكلوا الجيف والكلاب، والعظام المحترقة والقد (6) والأولاد (7). إذا هم يجأرون: فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة.


(1) - القمي 2: 92، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - في (ج): (التحريص)، وهي بمعناها. (3 و 4) - القمي 2: 92. (5) - قبيلة منسوبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان ويقال له (مضر الحمراء)، ولأخيه (ربيعة الفرس)، لأنهما لما اقتسما الميراث أعطي (مضر) الذهب، وهي تؤنث، وأعطي (ربيعة) الخيل. مجمع البحرين 3: 482، قاموس المحيط 2: 139 (مضر). (6) - في جميع النسخ (القدد) والصحيح ما أثبتناه كما في المصادر. والقد - بالكسر -: سير يقد من جلد غير مدبوغ. والجمع: أقد. الصحاح 2: 522 (قدد). (7) - جوامع الجامع: 308، الكشاف 3: 36، البيضاوي 4: 68. (*)

[ 826 ]

لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون. قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون: تعرضون مدبرين. والنكوص: الرجوع القهقري (1). مستكبرين به قيل: أي: بالقرآن، ضمن الاستكبار معنى التكذيب (2). سامرا رضى الله عنه عليه السلام (2) - أي: يسمرون (3) بذكر القرآن والطعن فيه تهجرون. إما من الهجر بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي: تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه، وإما من الهجر بالضم بمعنى الفحش. أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت اباءهم الأولين من الرسول والكتاب. أم لم يعرفوا رسولهم بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم، إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم السلام فهم له منكرون. أم يقولون به جنة مع أنهم يعلمون أنه أرجحهم عقلا وأثبتهم نظرا بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه قيل: إنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الأيمان استنكافا من توبيخ قومه، أو لقلة فطنته وعدم فكرته، لا لكراهة الحق (4). ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن: لذهب ما قام به العالم، فلا يبقى. القمي: فساد السماء إذا لم تمطر، وفساد الأرض إذا لم تنبت


(1) - في (ألف) و (ج): (قهقري). (2) - الكشاف 3: 36. (3) سمر يسمر: لم ينم، والسمر: المسامرة، وهو الحديث بالليل. لسان العرب 4: 376 (سمر). (4) - البيضاوي 4: 69. (*)

[ 827 ]

وفساد الناس في ذلك (1). بل أتيناهم بذكرهم: بوعظهم، أو بصيتهم وفخرهم، أو الذكر الذي تمنوه بقولهم: (لو أن عندنا ذكرا من الاءولين) (2). فهم عن ذكرهم معرضون. أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير قال: (يقول: أم تسألهم أجرا فأجر ربك خير) (3). وهو خير الرازقين. وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم القمي: إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام (4). وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون: لعادلون عنه، فإن خوف الاخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه. القمي: عن الأمام لحادون (5). وورد (إن الله تبارك وتعالى لو شاء لعرف العباد نفسه، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله والوجه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا، أو فضل علينا غيرنا فإنهم عن الصراط لناكبون) (6). ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر أي: القحط للجوا في طغيانهم: لتمادوا في إفراطهم في الكفر، والاستكبار عن الحق، وعداوة الرسول والمؤمنين. يعمهون عن الهدى. روي: (إنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز (7)، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين، قتلت الاباء بالسيف والابناء


(1) - القمي 2: 92. (2) - الصافات (37): 168. (3) - القمي 2: 94، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - المصدر: 92. (5) - القمي 2: 93، وصوابه: (لحائدون). (6) - الكافي 1: 184، الحديث: 9، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (7) - العلهز - بالكسر - طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة. الصحاح 3: 887 (علهز). (*)

[ 828 ]

بالجوع، فنزلت) (1). ولقد أخذناهم بالعذاب. القمي: هو الجوع والخوف والقتل (2). فما استكانوا لربهم وما يتضرعون بل أقاموا على عتوهم. قال: (الاستكانة هي الخضوع، والتضرع: رفع اليدين والتضرع بهما) (3). وفي رواية: (الاستكانة: الدعاء، والتضرع: رفع اليدين في الصلاة) (4). حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد. قال: (وذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله عليه وآله عليهم فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف فجاعوا حتى اكلوا العلهز وهو الوبر بالدم) (5). وفي رواية: (هو في الرجعة) (6). إذا هم فيه مبلسون: متحيرون، آيسون من كل خير. وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار لتحسوا بها ما نصب من الايات والأفئدة لتتفكروا فيها، وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع قليلا ما تشكرون: تشكرونها شكرا قليلا، لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجلها، والأذعان لمنعمها من غير إشراك. وهو الذي ذرأكم في الأرض: خلقكم وبثكم فيها بالتناسل وإليه تحشرون: تجمعون بعد تفرقتكم. وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون بالنظر


(1) - جوامع الجامع: 309. (2) - القمي 2: 94. (3) - الكافي 2: 480، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (الاستكانة هو الخضوع، والتضرع هو رفع اليدين والتضرع بهما). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 113، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - المصدر: 114، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 829 ]

والتأمل أن الكل منا، وأن قدرتنا تعم كل شئ. بل قالوا مثل ما قال الأولون. قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون استبعادا، ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا فخلقوا. لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين: إلا أكاذيبهم التي كتبوها. قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله لأن العقل الصريح اضطرهم بأدنى نظر بأنه خالقها قل أفلا تذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها (1) ابتداء، قدر على إيجادها ثانيا، وأن بدء الخلق ليس بأهون من إعادته. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم فإنها أعظم من ذلك. سيقولون لله قل أفلا تتقون عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته. قل من بيده ملكوت كل شئ: الملك الذي وكل به وهو يجير: يغيث من يشاء ويحرسه ولا يجار عليه: ولا يغاث ولا يحرس. وتعديته ب‍ (على) لتضمين معنى النصرة. إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون: فمن أين تخدعون، فتصرفون عن الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة. بل أتيناهم بالحق من التوحيد والوعد بالنشور وإنهم لكاذبون حيث أنكروا ذلك.


(1) - في (ألف): (من عليها). (*)

[ 830 ]

ما اتخذ الله من ولد لتقدسه عن مماثلة أحد وما كان معه من إله يساهمه في الألوهية إذا لذهب كل إله بما خلق واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الاخر ولعلا بعضهم على بعض كما هو حال ملوك الدنيا، فهذا التدبير المحكم، واتصاله وقوام بعضه ببعض، يدل على صانع واحد. سبحان الله عما يصفون من الولد والشريك. عالم الغيب والشهادة. قال: (الغيب: ما لم يكن، والشهادة: ما قد كان) (1). فتعالى عما يشركون. قل رب إما تريني: إن كان لابد من أن تريني، فإن (ما) والنون للتأكيد. ما يوعدون. رب فلا تجعلني في القوم الظالمين: قرينا لهم. ورد: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد خطبنا يوم الفتح: أيها الناس لأعرفنكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ولئن فعلتم أضربكم بالسيف، ثم التفت عن يمينه، فقال الناس: غمزه جبرئيل، فقال له: أو علي، فقال: أو علي) (2). وفي رواية: (فنزلت هذه الاية) (3). أقول: وذلك إنما يكون في الرجعة، كما يستفاد من أخبار أخر (4). وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون يعني الرجعة. إدفع بالتي هي أحسن السيئة. قيل: هي الصفح عنها، والأحسان في مقابلتها،


(1) - معاني الأخبار: 146، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مختصر بصائر الدرجات: 21، مع تفاوت يسير. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 117، شواهد التنزيل 1: 404، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - مختصر بصائر الدرجات: 19، بحار الأنوار 53: 66، الحديث: 60، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 831 ]

وهو أبلغ من ادفع بالحسنة السيئة، لما فيه من التنصيص على التفضيل (1). وورد: (التي هي أحسن التقية) (2). نحن أعلم بما يصفون: بما يصفونك به. وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين: وساوسهم، وأصل الهمز النخس. وأعوذ بك رب أن يحضرون ويحوموا حولي. حتى إذا جاء أحدهم الموت. متعلق ب‍ (يصفون)، وما بينهما اعتراض. قال تحسرا على ما فرط فيه من الايمان والطاعة لما اطلع على الامر (رب ارجعون) ردوني إلى الدنيا. والواو لتعظيم المخاطب. لعلي أعمل صالحا فيما تركت. (نزلت في مانع الزكاة). كذا ورد (3). كلا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها. إنها كلمة هو قائلها لتسلط الحسرة عليه ومن ورائهم: أمامهم برزخ إلى يوم يبعثون. القمي: البرزخ أمر بين أمرين، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والاخرة، وهو قول الصادق عليه السلام: (والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ، وأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم) (4). وورد: (أما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع، أو وصي النبي، ولكن (5) والله أتخوف عليكم في البرزخ. قيل: وما البرزخ ؟ فقال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة) (6). فإذا نفخ في الصور لقيام الساعة فلا أنساب بينهم يومئذ تنفعهم، من


(1) - الكشاف 3: 41، البيضاوي 4: 71. (2) - الكافي 2: 218، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الكافي 3: 503 الحديث: 3، و 504 الحديث: 11 ثواب الاعمال وعقاب الاعمال: 280 الحديث: 5، مجمع البيان 7 - 8: 117، جميعا عن ابي عبد الله عليه السلام (4) - القمي 2: 94. (5) - في المصدر: (ولكني). (6) - الكافي 3: 242، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 832 ]

فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث (يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) (1) (ولا يتساءلون: ولا يسأل بعضهم بعضا لاشتغاله بنفسه. قال: (لا يتقدم يوم القيامة أحد إلا بالأعمال) (2). فمن ثقلت موازينه بالأعمال الحسنة فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه من تلك الأعمال الحسنة فأولئك الذين خسروا أنفسهم: غبنوها، حيث ضيعوا زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها في جهنم خالدون. تلفح وجوههم النار: تلهب عليهم، فتحرقهم وهم فيها كالحون من شدة الاحتراق. والكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان. القمي: أي: مفتوحي الفم متربدي الوجوه (3). ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون. قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا: ملكتنا. قال: (بأعمالهم شقوا) (4). وكنا قوما ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال اخسؤا فيها: اسكتوا سكوت هوان، فإنها ليست مقام سؤال ولا تكلمون. إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين.


(1) - عبس (80): 34 - 36. (2) - القمي 2: 94، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر. (4) - التوحيد: 356، الباب: 58، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 833 ]

فاتخذتموهم سخريا: هزوا حتى أنسوكم ذكري من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم، فلم تخافوني في أوليائي وكنتم منهم تضحكون استهزاء بهم. إني جزيتهم اليوم بما صبروا على أذاكم أنهم هم الفائزون. قال أي: قال الله أو الملك المأمور بسؤالهم: كم لبثتم في الأرض أحياءا وأمواتا (1) في القبور عدد سنين. قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم استقصارا لمدة لبثهم فيها فاسأل العادين. القمي: سل الملائكة الذين يعدون علينا الأيام، ويكتبون ساعاتنا وأعمالنا التي اكتسبناها فيها (2). قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون. توبيخ لهم على تغافلهم. ورد: (إن الله لم يخلق خلقه عبثا، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لأظهار قدرته وليكلفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد) (3). وقيل له: خلقنا للفناء. فقال: (مه (4) خلقنا للبقاء، وكيف ! وجنة لا تبيد ونار لا تخمد (5)، ولكن إنما نتحول من دار إلى دار) (6). فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم. ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإن الباطل لا برهان به. نبه بذلك


(1) - في (ج): (احياء أو أمواتا). (2) - القمي 2: 95. (3) - علل الشرائع 1: 9، الباب: 9، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - في (ألف): (فقال له). (5) - في (ب): (كيف وجنته لا تبيد وناره لا تخمد). (6) - علل الشرائع 1: 11، الباب: 9، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 834 ]

على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع، فضلا عما دل الدليل على خلافه. فإنما حسابه عند ربه فهو مجاز له مقدار ما يستحقه إنه لا يفلح الكافرون. وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.

[ 835 ]

سورة النور [ مدنية وهي اربع وستون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم سورة أنزلناها وفرضناها: وفرضنا ما فيها من الأحكام وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون فتتقون المحارم. الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. القمي: هي ناسخة لقوله: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) (2). وورد: (سورة النور أنزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك أن الله عزوجل أنزل في سورة النساء (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) إلى قوله (لهن سبيلا) والسبيل الذي قال الله: (سورة أنزلناها) إلى قوله (من المؤمنين) (3). وقال: (الحر والحرة إذا زنيا جلد كل واحد منهما مائة جلدة، فأما المحصن والمحصنة فعليهما الرجم) (4).


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 95. والاية في سورة النساء (4): 15. (3) - الكافي 2: 32 و 33، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 7: 177، الحديث: 2، التهذيب 10: 3، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 836 ]

وقال: (من كان له فرج يغدو عليه ويروح فهو محصن) (1). وورد: (الرجم في القرآن قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، فإنهما قضيا الشهوة) (2). وورد: (لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع والأيلاج والأدخال كالميل في المكحلة) (3). ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله قال: (في إقامة الحدود) (4). إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما قال: (يقول ضربهما) (5). طائفة من المؤمنين قال: (يجمع لهما الناس إذا جلدا) (6). وفي رواية: (إن أقلها رجل واحد) (7). الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين. قال: (هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مشهورين بالزنا فنهى الله عن اولئك الرجال والنساء والناس اليوم على تلك المنزلة، من شهر شيئا من ذلك أو أقيم عليه الحد، فلا تزوجوه حتى تعرف توبته) (8). والذين يرمون المحصنات: يقذفونهن بالزنا ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة وفي حكمهن المحصنين، فقد ورد في الرجل يقذف الرجل بالزنا، قال: (يجلد، هو في كتاب الله وسنة نبيه) (9). وفي امرأة قذفت رجلا، قال: (تجلد


(1) - الكافي 7: 179، الحديث: 10، التهذيب 10: 12، الحديث: 28، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الكافي 7: 177، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 184، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - التهذيب 10: 150، الحديث: 602، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - القمي 2: 95، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (إذا جلدوا). (7) - جوامع الجامع: 312، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - الكافي 5: 355، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (9) - الكافي 7: 205، الحديث: 3، التهذيب 10: 65، الحديث: 238، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 837 ]

ثمانين جلدة) (1). ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم. سئل كيف تعرف توبته ؟ فقال: (يكذب نفسه على رؤوس الخلائق حين يضرب، ويستغفر ربه، فإذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته) (2). والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين أي: فيما رماها به من الزنا. والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين في الرمي. ويدرؤا عنها العذاب: ويدفع عنها الرجم أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به. والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. سئل عن هذه الايات، فقال: (هو القاذف الذي يقذف امرأته، فإذا قذفها ثم أقر أنه كذب عليها، جلد الحد وردت إليه امرأته. وإن أبى إلا أن يمضي، فليشهد عليها أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين، وإن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب - والعذاب هو الرجم - شهدت (أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين)، فإن لم تفعل رجمت، وإن فعلت درأت عن نفسها الحد، ثم لا تحل له إلى يوم القيامة) (3). ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم لفضحكم، وعاجلكم


(1) - الكافي 7: 205، الحديث: 4، التهذيب 10: 66، الحديث: 239، عن أبي جعفر عليه السلام، من لا يحضره الفقيه 4: 38، الحديث: 121، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 7: 241، الحديث: 7، التهذيب 6: 263، الحديث: 699، مضمرا، من لا يحضره الفقيه 3: 36، الحديث: 121، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (3) - الكافي 6: 162، الحديث: 3، التهذيب 8: 184، الحديث: 642، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 838 ]

بالعقوبة. حذف الجواب لتعظيمه. إن الذين جاءوا بالأفك بأبلغ ما يكون من الكذب عصبة منكم: جماعة منكم لا تحسبوه شرا لكم. استئناف والهاء للأفك. بل هو خير لكم لاكتسابكم به الثواب العظيم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الأثم بقدر ما خاض فيه والذي تولى كبره: معظمه منهم له عذاب عظيم. روي في سبب الأفك: (إن عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، وكانت قد خرجت لقضاء حاجة فرجعت طالبة له، وحمل هودجها على بعيرها ظنا منهم أنها فيها، فلما عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا، وكان صفوان من وراء الجيش، فلما وصل إلى ذلك الموضع وعرفها، أناخ بعيره حتى ركبته وهو يسوقه، حتى أتى الجيش وقد نزلوا في قائم الظهيرة) (1). والقمي: روت العامة: أنها نزلت في عائشة. وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا: أنها نزلت في مارية القبطية وما رمتها به عائشة. ثم ذكر القصة، وفيها ما فيها (2). لولا: هلا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين كما يقول المستيقن المطلع على الحال. وإنما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة مبالغة في التوبيخ، وإشعارا بأن الأيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين، والكف عن الطعن فيهم، وذب الطاعنين عنهم كما يذبون عن أنفسهم. لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. استئناف، أو هو من جملة المقول، تقريرا لكونه كذبا، فإن ما لا حجة عليه مكذب عند الله، أي في حكمه. ولذلك رتب عليه الحد.


(1) - جوامع الجامع: 313. (2) - القمي 2: 99. (*)

[ 839 ]

ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة: لولا هذه لامتناع الشئ لوجود غيره، يعني لولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الأمهال للتوبة، ورحمته في الاخرة بالعفو والمغفرة المقدرين لكم لمسكم عاجلا فيما أفضتم فيه: خضتم فيه عذاب عظيم يستحقر دونه اللؤم والجلد. إذ تلقونه بألسنتكم يأخذه بعضكم عن بعض بالسؤال عنه وتقولون بأفواهكم بلا مساعدة من القلوب (ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا) سهلا (وهو عند الله عظيم في الوزر واستجرار العذاب. ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك. تعجب ممن يقول ذلك، فإن الله ينزه عند كل متعجب من أن يصعب عليه، أو تنزيه لله من أن يكون حرمة نبيه فاجرة، فإن فجورها تنفير عنه، بخلاف كفرها. هذا بهتان عظيم لعظمة المبهوت عليه. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الايات الدالة على الشرائع ومحاسن الاداب، كي تتعظوا وتتأدبوا والله عليم حكيم. إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. قال: (من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو من الذين قال الله عزوجل: (ان الذين يحبون) الاية) (1). وورد: إنه قيل له: الرجل من إخواني بلغني عنه الشئ الذي أكرهه، فأسأله عنه فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال: (كذب سمعك وبصرك عن أخيك، وإن شهد عندك خمسون قسامة. وقال لك قولا فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم به


(1) - الكافي 2: 357، الحديث: 2، الأمالي (للصدوق): 276، المجلس: 54، الحديث: 16، القمي 2: 100، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 840 ]

مروته، فتكون من الذين قال الله عزوجل: (إن الذين يحبون) الاية) (1). وورد: (من أذاع فاحشة كان كمبتديها) (2). ولولا فضل الله عليكم ورحمته. كرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب، للدلالة على عظم الجريمة، وحذف الجواب للاستغناء عنه بذكره مرة. وأن الله رؤوف رحيم حيث لم يعاجلكم بالعقوبة. يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان بإشاعة الفاحشة ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر. الفحشاء ما أفرط في قبحه، والمنكر ما أنكره الشرع أو (3) العقل. ولولا فضل الله عليكم ورحمته بتوفيق التوبة الماحية للذنوب، وشرع الحدود المكفرة لها ما زكى: ما طهر من دنسها منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء بحمله على التوبة وقبولها والله سميع لمقالتهم عليم بنياتهم. ولا يأتل: ولا يحلف، من الألية، أو ولا يقصر، من الألو. أولوا الفضل الغني منكم والسعة في المال أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله. قيل: نزلت في جماعة من الصحابة، حلفوا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشئ من الأفك، ولا يواسوهم (4). وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم. قال: (أولي القربى) هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله. يقول يعفو بعضكم عن بعض ويصفح


(1) - الكافي 8: 147، الحديث: 125، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 295، الحديث: 1، عن الكاظم عليه السلام. (2) - الكافي 2: 356، الحديث: 2، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: 295، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - في (ألف): (والعقل). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 133، تفسير البغوي 3: 334، عن ابن عباس. (*)

[ 841 ]

بعضكم بعضا (1)، فإذا فعلتم كانت رحمة من الله لكم، يقول الله: (ألا تحبون) الاية) (2). إن الذين يرمون المحصنات الغافلات مما قذفن به المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والاخرة كما طعنوا فيهن ولهم عذاب عظيم لعظم ذنوبهم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون بإنطاق الله إياها بغير اختيارهم. قال: (وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب. قال: فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية، من أن يسمى بالأيمان) (3). يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق: جزاءهم المستحق ويعلمون لمعاينتهم الأمر أن الله هو الحق المبين: العادل الظاهر العدل، الذي لا جور في حكمه. الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. قال: (الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. قال: هي مثل قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) (4) إلا أن ناسا هموا أن يتزوجوا منهن فنهاهم الله عن ذلك، وكره ذلك لهم) (5). والقمي يقول: الخبيثات من الكلام والعمل للخبيثين من الرجال والنساء، يسلمونهم ويصدق عليهم من قال: والطيبون من الرجال والنساء للطيبات من الكلام والعمل (6).


(1) - في (ب): (يقول يعفو بعضكم بعضا، فإذا فعلتم). (2) - القمي 2: 100، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - الكافي 2: 32، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. (4) - نفس السورة، الاية: 3. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 135، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (6) - القمي 2: 101. (*)

[ 842 ]

أولئك يعني الطيبين والطيبات أو الطيبين مبرءون مما يقولون فيهم، أو من أن يقولوا مثل قولهم لهم مغفرة ورزق كريم. يا أيها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم التي تسكنونها حتى تستأنسوا: تستأذنوا، من الاستئناس، بمعنى الاستعلام، فإن المستأذن مستعلم هل يراد دخوله، أو ما يقابل الاستيحاش، فإنه خائف أن لا يؤذن له. وتسلموا على أهلهابأن تقولوا: السلام عليكم، ءأدخل ؟ قال: (الاستئناس وقع النعل والتسليم) (1). وفي رواية: (يتكلم بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة، يتنحنح على أهل البيت) (2). وورد: (إنما الأذن على البيوت، ليس على الدار إذن) (3). ذلكم خير لكم من أن تدخلوا بغتة لعلكم تذكرون: قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا (4) بما هو أصلح لكم. فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ولا تلحوا. هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم. ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم استمتاع كالاستكنان من الحر والبرد، وإيواء الرجال، والجلوس للمعاملة. قال: (هي الحمامات والخانات والأرحية (5)، تدخلها بغير إذن) (6). والله يعلم ما تبدون وما تكتمون. وعيد لمن دخل مدخلا لفساد، أو تطلع على عورة.


(1) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 135، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - من لا يحضره الفقيه 3: 154، الحديث: 677، التهذيب 7: 154، الحديث: 682، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - في (ب) و (ج): (تعلموا). (5) - الأرحية، جمع الرحى: معروفة التي يطحن فيها. لسان العرب 5: 176 (رحا). (6) - القمي 2: 101، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 843 ]

قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم أي: ما يكون نحو محرم ويحفظوا فروجهم أي: من النظر المحرم ذلك أزكى لهم: أطهر لما فيه من البعد عن الريبة إن الله خبير بما يصنعون. وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن. قال: (كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا إلا هذه الاية، فإنها من النظر، فلا يحل لرجل مؤمن أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا يحل للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها) (1). وزاد في رواية: (ويحفظ فرجه أن ينظر إليه، وتحفظ فرجها من أن ينظر إليه (2) (3). ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها. قال: (الزينة الظاهرة: الكحل والخاتم) (4). وفي رواية: (هي الثياب والكحل والخاتم وخضاب الكف والسوار) (5). وسئل: ما يحل للرجل أن يرى من المرأة، إذا لم تكن محرما ؟ قال: (الوجه والكفان والقدمان) (6). وليضربن بخمرهن على جيوبهن سترا لأعناقهن ولا يبدين زينتهن. كرره لبيان من يحل له الأبداء ومن لا يحل. إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن. قال: (الزينة ثلاث: زينة للناس، وزينة للمحرم، وزينة للزوج. فأما زينة الناس فقد ذكرناها - أقول: يعني ما مر في الرواية الثانية - قال: وأما زينة المحرم: فموضع القلادة فما فوقها، والدملج (7) وما دونه، والخلخال وما أسفل منه. وأما زينة الزوج: فالجسد


(1) - القمي 2: 110، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - في المصدر: (أن ينظر إليها). (3) - الكافي 2: 35، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 5: 521، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 101، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكافي 5: 521، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (إذا لم يكن محرما). (7) - الدملج: المعضد، الصحاح 1: 316 (دملج). (*)

[ 844 ]

كله) (1). وورد: (إن للزوج ما تحت الدرع، وللأبن والأخ ما فوق الدرع، ولغير ذي محرم أربعة أثواب: درع وخمار وجلباب وإزار) (2). أو نسائهن أي: النساء المؤمنات. ورد: (لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين (3) اليهودية (4) والنصرانية، فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن) (5). أو ما ملكت أيمانهن قال: (يعني العبيد والأماء) (6). وورد: (لا بأس أن يرى المملوك شعر مولاته وساقها) (7). وفي رواية: (لا بأس أن ينظر إلى شعرها إذا كان مأمونا) (8). وفي أخرى: (لا يحل للمرأة أن ينظر عبدها إلى شئ من جسدها، إلا إلى شعرها، غير متعمد لذلك) (9). أو التابعين غير أولي الأربة أي: أولي الحاجة إلى النساء. قال: (التابع: الذي يتبعك وينال من طعامك ولا حاجة له في النساء، وهو الأبله المولى عليه) (10). من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء لعدم تمييزهم (11). من الظهور، بمعنى الاطلاع، أو لعدم بلوغهم حد الشهوة. من الظهور، بمعنى الغلبة.


(1) - القمي 2: 101، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 155، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - في (ألف): (ما بين). (4) - في المصدر: (ما بين يدي اليهودية). (5) - الكافي 5: 519، الحديث: 5، من لا يحضره الفقيه 3: 366، الحديث: 1742، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 138، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - الكافي 5: 531، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) - المصدر، ذيل الحديث: 4. (9) - المصدر، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (10) - مجمع البيان 7 - 8: 138، عن أبي عبد الله عليه السلام. (11) - في (ألف): (تميزهم). (*)

[ 845 ]

ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن: ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال، فإن ذلك يورث ميلا في الرجال. وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون إذ لا يكاد يخلو أحد منكم من تفريط، سيما في الكف عن الشهوات لعلكم تفلحون بسعادة الدارين. وأنكحوا الأيامى منكم. هي مقلوب أيايم جمع أيم، وهو العزب، ذكرا كان أو أنثى، بكرا كان أو ثيبا. والصالحين من عبادكم وإمائكم للنكاح، أو خص الصالحين، لأن إحصان دينهم أهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم. ورد: (من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله، إن الله يقول (إن يكونوا فقراء) الاية) (1). وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا أسبابه حتى يغنيهم الله من فضله قيل: اي: ليجتهدوا في قمع الشهوة بالرياضة (2) كما ورد (يا معشر الشبان من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) (3). أقول: الباءة: الجماع. والوجاء: أن ترض أنثيا الفحل رضا شديدا يذهب بشهوة الجماع. أراد: أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء. وورد: (يتزوجون حتى يغنيهم الله من فضله) (3). ولعل معناه: يطلبون العفة بالتزويج والأحصان، ليصيروا أغنياء، فيكون بمعنى الاية الأولى. إلا أن هذا التفسير لا يلائم عدم الوجدان إلا بتكلف، ولعل لفظة (لا) سقطت من صدر الحديث.


(1) - الكافي 5: 331، الحديث: 5، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن النبي صلوات الله عليهم. (2) - البيضاوي 4: 71. (3) - الكافي 4: 180، الحديث: 3، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، مجمع البيان 7 - 8: 140، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - الكافي 5: 331، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 846 ]

والذين يبتغون الكتاب: المكاتبة، وهي أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا، أي: كتبت على نفسي عتقك، إذا أديت كذا من المال. مما ملكت أيمانكم عبدا كان أو أمة فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا قال: (إن علمتم لهم مالا) (1). وفي رواية: (دينا ومالا) (2). وفي أخرى: (الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويكون بيده عمل يكتسب به، أو يكون له حرفة) (3). وآتوهم من مال الله الذي آتاكم قال: (أعطوهم مما كاتبتموهم به شيئا) (4). ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء: على الزنا إن أردن تحصنا: تعففا، شرط للأكراه، فإنه لا يوجد بدونه، وإن جعل شرطا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الأكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بارتفاع المنهي عنه. لتبتغوا عرض الحياة الدنيا القمي: كانت العرب وقريش يشترون الأماء، ويضعون عليهم الضريبة الثقيلة، ويقولون: اذهبوا وأزنوا واكتسبوا، فنهاهم الله عن ذلك (5). ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم أي: لهن. وفي قراءة الصادق عليه السلام: (لهن غفور رحيم) (6). والقمي: أي: لا يؤاخذهن الله بذلك إذا أكرهن عليه (7). وورد: (هذه الاية منسوخة، نسختها (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) (8) (9).


(1) - الكافي 6: 187، الحديث: 9، التهذيب 8: 268، الحديث: 975، من لا يحضره الفقيه 3: 73، الحديث: 256، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 6: 187، الحديث: 10، التهذيب 8: 270، الحديث: 984، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) من لا يحضره الفقيه 3: 78 الحديث 278 عن ابي عبد الله عليه السلام. (4) - لم نعثر على نصه في الروايات، وفي القمي 2: 102 بالمضمون. (5) - القمي 2: 102. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 139. (7) - القمي 2: 102. (8) - النساء (4): 25. (9) - القمي 2: 102، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 847 ]

ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وقصة عجيبة من قصصهم وموعظة للمتقين. الله نور السموات والأرض: الظاهر بذاته المظهر لهما بما فيهما. قال: (هدى من في السموات، وهدى من في الأرض) (1). وفي رواية: (هاد لأهل السموات، وهاد لأهل الأرض) (2). مثل نوره قال: (مثل هداه في قلب المؤمن) (3). كمشكوة: كمثل مشكاة، وهي الكوة غير النافذة فيها مصباح: سراج ضخم ثاقب المصباح في زجاجة: في قنديل من الزجاج الزجاجة كأنها كوكب درى): مضئ متلألئ. قال: (المشكاة: جوف المؤمن، والقنديل: قلبه، والمصباح: النور الذي جعله الله فيه (4) (5). يوقد من شجرة مباركة زيتونة بأن رويت ذبالتها (6) بزيتها. قال: (الشجرة: المؤمن) (7). لاشرقية ولا غربية قال: (على سواء الجبل، إذا طلعت الشمس طلعت عليها، وإذا غربت غربت عليها) (8). أقول: وذلك لأنها إذا وقع عليها الشمس طول النهار، تكون ثمرتها أنضج وزيتها أصفى. يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار أي: يكاد يضئ بنفسه من غير نار،


(1) - التوحيد: 155، الباب: 15، الحديث: 1، في رواية البرقي. (2) - المصدر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (4) - في المصدر: (في قلبه). (5) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (6) - الذبالة: الفتيلة التي تسرج، والجمع: ذبال. لسان العرب 5: 26 (ذبل). (7 و 8) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (*)

[ 848 ]

لتلألؤه. قال: (يعني يكاد النور الذي جعله الله في قلبه يضئ وإن لم يتكلم) (1). نور على نور: نور متضاعف (2)، فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعته. قال: (فريضة على فريضة، وسنة على سنة) (3). أقول: يعني يستمد نور قلبه من نور الفرائض والسنن متدرجا. يهدي الله لنوره من يشاء قال: (يهدي الله لفرائضه وسننه من يشاء) (4). ويضرب الله الأمثال للناس تقريبا للمعقول إلى المحسوس والله بكل شئ عليم معقولا كان أو محسوسا. قال: (فهذا مثل ضربه الله للمؤمن. قال: فالمؤمن يتقلب في خمسة من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومصيره يوم القيامة إلى الجنة نور) (5). وفي رواية: (هو مثل ضربه الله لنا) (6). وفي أخرى: (مثل نوره)، قال: محمد صلى الله عليه وآله (كمشكوة)، قال: صدر محمد صلى الله عليه وآله (فيها مصباح)، قال: فيه نور العلم، يعني النبوة. (المصباح في زجاجة)، قال: علم رسول الله صلى الله عليه وآله صدر إلى قلب علي عليه السلام. (الزجاجة كأنها)، قال: كأنه كوكب. إلى قوله: (ولا غربية)، قال: ذاك أمير المؤمنين عليه السلام، لا يهودي ولا نصراني. (يكاد زيتها يضئ)، قال: يكاد العلم يخرج من فم العالم من آل محمد من قبل أن ينطق به. (نور على نور)، قال: الأمام في أثر الأمام) (7).


(1) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (2) - في (ألف): (مضاعف). (3) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (4) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (5) - القمي 2: 103، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (6) - التوحيد: 157، الباب: 15، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - المصدر، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 849 ]

وفي رواية: (يكاد زيتها يضئ)، يقول: مثل أولادكم الذين يولدون منكم، مثل الزيت الذي يعصر من الزيتون، يكادون أن يتكلموا بالنبوة، ولو لم ينزل عليهم ملك) (1). في بيوت أي: كمشكاة في بعض بيوت، أو توقد في بيوت. قال: (هي بيوت النبي) (2). وفي رواية: (هي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى) (3) أن ترفع بالتعظيم ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال: (كانوا أصحاب تجارة، فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة، وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر) (4). يخافون يوما مع ما هم عليه من الذكر والطاعة تتقلب فيه القلوب والأبصار: تضطرب وتتغير من الهول. ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله مالا يخطر ببالهم والله يرزق من يشاء بغير حساب. تقرير للزيادة. والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة: بأرض مستوية يحسبه الظمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا مما ظنه ووجد الله عنده محاسبا إياه فوفاه حسابه والله سريع الحساب. روي: (إنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية (5)، تعبد في الجاهلية والتمس الدين، فلما


(1) - الكافي 8: 381، ذيل الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الكافي 8: 331، الحديث: 510، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر عن أبي عبد الله عليه السلام، كمال الدين 1: 218، الباب: 22، ذيل الحديث الطويل: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - من لا يحضره الفقيه 3: 119، الحديث: 508، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد: كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية، نشأ يتيما في حجر حرب بن أمية. أدرك الأسلام، وطغى فشهد بدرا مع المشركين. وكان ضخم الجثة، عظيم الهامة، وقاتل قتالا شديدا، فأحاط به علي بن أبي طالب والحمزة وعبيدة بن الحارث، فقتلوه. الأعلام (للزركلي) 4: 200. (*)

[ 850 ]

جاء الاسلام كفر) (1). أو كظلمات (أو) للتخيير، فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، أو للتنويع، فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن كانت قبيحة فكالظلمات. في بحر لجي: عميق منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء يغشاه موج من فوقه موج أي: امواج مترادفة متراكمة (من فوقه سحاب) غطى النجوم وحجب الانوار (ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده) يعني من كان هناك لم يكد يراها فضلا أن يراها ومن لم يجعل الله له نورا: لم يقدر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور خلاف الموفق الذي له نور على نور. ورد في تأويله: (أو كظلمات): الأول والثاني، (يغشيه موج): الثالث، (من فوقه موج): طلحة والزبير، (ظلمات بعضها فوق بعض): معاوية ويزيد وفتن بني أمية، (إذا أخرج يده): في ظلمة فتنتهم (لم يكد يراها)، (ومن لم يجعل الله له نورا): يعني إماما من ولد فاطمة عليها السلام، (فما له من نور): من إمام يوم القيامة يمشي بنوره، كما في قوله تعالى: (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) (2) قال: إنما المؤمنون يوم القيامة (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) (3)، حتى ينزلوا منازلهم من الجنان) (4). ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات: واقفات (5) في الجو، مصطفات الأجنحة في الهواء كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما،


(1) - البيضاوي 4: 82. (2) - الحديد (57): 12. (3) - التحريم (66): 8. (4) - القمي 2: 106، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - في (ألف): (واقعات). (*)

[ 851 ]

يفعلون. ورد: (ما من طير يصاد في بر ولا بحر (1)، ولا يصاد شئ من الوحش، إلا بتضييعه التسبيح) (2). وقد سبق (3) معنى تسبيح الحيوان والجماد. ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير: مرجع الجميع. ألم تر أن الله يزجي: يسوق سحابا ثم يؤلف بينه بأن يكون قطعا، فيضم بعضه إلى بعض ثم يجعله ركاما: متراكما بعضه فوق بعض فترى الودق: المطر يخرج من خلاله: من فتوقه وينزل من السماء: من الغمام، فإن كل ما علاك فهو سماء من جبال: من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها وجمودها فيها من برد. بيان للجبال. فيصيب به: بالبرد من يشاء ويصرفه عن من يشاء. ورد: (إن الله جعل السحاب غرابيل للمطر، هي تذيب البرد ماء لكيلا يضر شيئا يصيبه، والذي ترون فيه من البرد والسواعق نقمة من الله عزوجل، يصيب بها من يشاء من عباده) (4). يكاد سنابرقه: ضوء برقه يذهب بالأبصار: بأبصار الناظرين إليه لفرط الأضاءة. يقلب الله الليل والنهار بالمعاقبة بينهما، ونقص أحدهما وزيادة الاخر، وتغيير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور إن في ذلك: فيما تقدم ذكره لعبرة لاولي الأبصار. والله خلق كل دابة: كل ما يدب على الأرض من ماء القمي: من منى (5)، وقيل: من الماء الذي جزء مادته، إذ من الحيوان ما يتولد لا من نطفة (6). فمنهم من يمشي


(1) - في المصدر: (في البر ولا في البحر). (2) - القمي 2: 107، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - ذيل الاية: 44 من سورة الأسراء، وذيل الايات: 48 إلى 50 من سورة النحل. (4) - الكافي 8: 240، ذيل الحديث: 326، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أمير المؤمنين، عن النبي صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 107. (6) - البيضاوي 4: 84. (*)

[ 852 ]

على بطنه كالحية ومنهم من يمشي على رجلين كالأنس والطير ومنهم من يمشي على أربع كالنعم والوحش. قال: (ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك) (1). يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير. لقد أنزلنا آيات مبينات للحقائق بأنواع الدلائل والله يهدي من يشاء بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها (الى صراط مستقيم). ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم بالامتناع عن قبول حكمه من بعد ذلك: بعد قولهم هذا وما أولئك بالمؤمنين الذين عرفتهم، وهم المخلصون في الأيمان الثابتون عليه. وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي: ليحكم النبي إذا فريق منهم معرضون فاجأ فريق منهم الأعراض إذا كان الحق عليهم، لعلمهم بأنه لا يحكم لهم، وهو شرح للتولي ومبالغة فيه. وإن يكن لهم الحق لا عليهم يأتوا إليه مذعنين: منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم. أفي قلوبهم مرض: كفر وميل إلى الظلم أم ارتابوا بأن رأوا منك تهمة، فزالت ثقتهم بك أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله في الحكومة. بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه (2) فأولئك هم الفائزون.


(1) - القمي 2: 107، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 148، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - و (يتقه) عطف على الشرط المجزوم، أي: ومن يطع الله، لأن كلمة (من) تتضمن معني الشرط فحذف الياء = (*)

[ 853 ]

قال: (نزلت هذه الايات في أمير المؤمنين عليه السلام وعثمان، وذلك أنه كان بينهما منازعة في حديقة، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: نرضى برسول الله صلى الله عليه وآله. فقال عبد الرحمن بن عوف (1) لعثمان: لا تحاكم إلى رسول الله، فإنه يحكم له عليك، ولكن حاكمه إلى ابن شيبة اليهودي ! ! فقال ابن شيبة لعثمان: تأتمنون رسول الله على وحي السماء وتتهمونه في الأحكام ! ! فأنزل الله على رسوله (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) الايات) (2). وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم بالخروج عن ديارهم وأموالهم ليخرجن قل لا تقسموا على الكذب طاعة معروفة: المطلوب منكم طاعة معروفة، لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة إن الله خبير بما تعملون. قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه: على محمد ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الامتثال وإن تطيعوه تهتدوا إلى الحق وما على الرسول إلا البلاغ المبين. وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض: ليجعلنهم خلفاء بعد نبيكم كما استخلف الذين من قبلهم يعني وصاة الأنبياء بعدهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وهو الأسلام وليبدلنهم من بعد خوفهم من الاعداء (امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر) ارتد أو كفر هذه النعمة


= منها لان المعطوف بالشرط المجزوم مجزوم ايضا فصار (يتق) فاتصل به هاء الساكن فصار (يتقه) فحسب اللام المحذوف كان لم يكن فصار اللام حينئذ حرف القاف فصار القاف مجزوما فصار (يتقه) فالتقى الساكنان اعني القاف والهاء فكسرت الهاء لدفع التقاء الساكنين فصار (يتقه) كذا اعلاله في الصرف. منه في نسخة (ب). (1) - عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، أبو محمد، الزهري القرشي، وهو أحد الستة من أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وتوفى سنة: 32 ه‍ - في المدينة. الأعلام (للزركلي) 3: 321. (2) - القمي 2: 107، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 854 ]

بعد ذلك: بعد حصوله فأولئك هم الفاسقون: الكاملون في الفسق. ورد: (إنها نزلت في المهدي من آل محمد عليهم السلام) (1). وقال: (هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة، و هو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم، حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا، كما ملئت ظلما وجورا) (2). وفي معناه أخبار أخر (3). وفي رواية: (هم الأئمة) (4). قال: (ولقد قال الله في كتابه لولاة الأمر من بعد محمد صلى الله عليه وآله خاصة: (وعد الله الذين آمنوا منكم) إلى قوله: (فأولئك هم الفاسقون) يقول: أستخلفكم لعلمي وديني وعبادتي بعد نبيكم، كما استخلف وصاة آدم من بعده، حتى يبعث النبي الذي يليه. قال: فقد مكن ولاة الأمر بعد محمد بالعلم، ونحن هم، فاسألونا، فإن صدقناكم فأقروا، وما أنتم بفاعلين) (5). أقول: لا تنافي بين الروايتين، لأن استخلافهم وتمكينهم بالعلم قد حصل، وأما تبديل خوفهم بالأمن، فإنما يكون بالمهدي عليه السلام. وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون. لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض: معجزين الله عن إدراكهم وإهلاكهم ومأواهم النار ولبئس المصير. يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم. قال: (هي خاصة في


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 152، عن أهل البيت عليهم السلام. (2) - المصدر، عن علي بن الحسين عليهما السلام، جوامع الجامع: 318، عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام. (3) - كمال الدين 2: 356، الباب: 33، ذيل الحديث: 50، عن أبي عبد الله عليه السلام، الاحتجاج 1: 382، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) الكافي 1: 194 ذيل الحديث: 3 عن ابي عبد الله عليه السلام (5) - المصدر: 250، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 855 ]

الرجال دون النساء) (1). وفي رواية: (هم المملوكون من الرجال والنساء والصبيان) (والذين لم يبلغوا الحلم منكم: الصبيان من الأحرار. قال: (من أنفسكم) (3). ثلاث مرات يعني في اليوم والليلة من قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وحين تضعون ثيابكم يعني للقيلولة من الظهيرة. بيان للحين، أي وقت الظهر ومن بعد صلاة العشاء لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف ثلاث عورات لكم أي: ثلاث أوقات يختل فيها تستركم، وأصل العورة الخلل. ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن: بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان. قال: (ويدخل مملوككم وغلمانكم من بعد هذه الثلاث عورات بغير إذن إن شاؤوا) (4). طوافون عليكم أي: هم طوافون، استئناف لبيان العذر المرخص في ترك الاستئذان، وهو المخالطة وكثرة المداخلة بعضكم: طائف على بعض هؤلاء للخدمة وهؤلاء للاستخدام، فإن الخادم إذا غاب احتيج إلى الطلب، وكذا الأطفال للتربية. كذلك يبين الله لكم الايات أي: الأحكام والله عليم بأحوالكم حكيم فيما شرع لكم. وإذا بلغ الأطفال منكم أيها الأحرار الحلم فليستأذنوا يعني في جميع الأوقات كما استأذن الذين من قبلهم: الذين بلغوا من قبلهم من الأحرار المستأذنين في الأوقات كلها كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم. كرره تأكيدا ومبالغة في الأمر بالاستئذان. قال: (ومن بلغ الحلم منكم فلا يلج على أمه، ولا على أخته، ولا على خالته، ولا


(1) - الكافي 5: 529، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 530، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 530، ذيل الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 530، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 856 ]

على من سوى ذلك إلا بإذن، ولا تأذنوا حتى يسلم، فإن السلام طاعة لله عزوجل) (1). والقواعد من النساء: العجائز اللاتي قعدن من الحيض والتزويج اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن أي: الثياب الظاهرة. وفي قراءتهم عليهم السلام (من ثيابهن) (2). قال: (الخمار والجلباب. قيل: بين يدي من كان ؟ قال: بين يدي من كان) (3). وفي رواية: (الجلباب وحده (4)، إلا أن تكون أمة ليس عليها جناح أن تضع خمارها) (5). غير متبرجات بزينة: غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه، وهو ما عدا الوجه والكفين والقدمين، وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفي. وأن يستعففن خير لهن من الوضع. قال: (فإن لم تفعل فهو خير لها) (6). والله سميع لمقالهن للرجال عليم بمقصودهن. ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا: مجتمعين أو متفرقين، نفي لما كانوا يتحرجون منه. قال: (وذلك أن أهل المدينة قبل أن يسلموا، كانوا يعتزلون الأعمى والأعرج


(1) - الكافي 5: 529، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 153، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (3) - الكافي 5: 522، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - في المصدر: (تضع الجلباب وحده). (5) - الكافي 5: 522، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وانظر ذيل الحديث في التهذيب 7: 480، الحديث: (6) الكافي 5: 522 الحديث: 1 عن ابي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 857 ]

والمريض، وكانوا لا يأكلون معهم، وكان الأنصار فيهم تيه (1) وتكرم، فقالوا: إن الأعمى لا يبصر الطعام، والأعرج لا يستطيع الزحام على الطعام، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح، فعزلوا لهم طعامهم على ناحية، وكانوا يرون عليهم في مواكلتهم جناح، وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون: لعلنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم، فاعتزلوا من مواكلتهم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله سألوه عن ذلك، فأنزل الله عز وجل (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) (2). والقمي: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وآخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، قال: فكان بعد ذلك إذا بعث أحدا من أصحابه في غزاة أو سرية، يدفع الرجل مفتاح بيته إلى أخيه في الدين ويقول له: خذ ما شئت، وكل ما شئت، فكانوا يمتنعون من ذلك، حتى ربما فسد الطعام في البيت، فأنزل الله (ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا) يعني إن حضر صاحبه أو لم يحضر إذا ملكتم مفاتحه (3). قيل: (بيوتكم) تشمل بيت الولد (4). وقد ورد: (إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه) (5). وورد: (أنت ومالك لأبيك) (6). قال: (هؤلاء الذين سمى الله عزوجل في هذه الاية، يأكل بغير إذنهم من التمر والمأدوم، وكذلك تطعم المرأة من منزل زوجها بغير إذنه، فأما ما خلا ذلك من الطعام فلا) (7).


(1) - التيه: الصلف والكبر، لسان العرب 2: 72 (تيه). (2) - القمي 2: 108، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر: 109. (4) - البيضاوي 4: 87، تفسير أبي السعود 6: 196 بالمضمون. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 156، الكشاف 3: 77، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - الكافي 5: 135، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، مجمع البيان 7 - 8: 156، عن النبي صلى الله عليه وآله. (7) - الكافي 6: 277، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (تأكل بغير إذنهم). (*)

[ 858 ]

وقال: (للمرأة أن تأكل وأن تتصدق، وللصديق أن يأكل من منزل أخيه ويتصدق) (1). وقال: (الرجل له وكيل يقوم في ماله، فيأكل بغير إذنه) (2). وقال: (ليس عليك جناح فيما أطعمت أو أكلت مما ملكت مفاتحه ما لم تفسده) (3). فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة قال: (هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل، ثم يردون عليه، فهو سلامكم على أنفسكم) (4). وقال: (إذا دخل الرجل منكم بيته فإن كان فيه أحد يسلم عليهم، وإن لم يكن فيه أحد فليقل: السلام علينا من عند ربنا، يقول الله: (تحية من عند الله مباركة طيبة) (5). وورد: (سلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك) (6). كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تعقلون الخير في الأمور. إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله من صميم قلوبهم وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه. القمي: نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله لأمر من الأمور، في بعث يبعثه أو في حرب قد حضرت، يتفرقون بغير إذنه، فنهاهم الله عن ذلك (7). إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله. إنما أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ، ليفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك. تنبيها على كونه مصداقا لصحة الأيمان، ومميزا للمخلص عن المنافق، وتعظيما للجرم.


(1) - الكافي 6: 277، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (الرجل يكون له وكيل...). (3) - المصدر، الحديث: 4، عن أحدهما عليهما السلام، وفيه: (فيما طعمت...). (4) - معاني الأخبار: 163، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 158، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 109، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - جوامع الجامع: 319. (7) - القمي 2: 110. (*)

[ 859 ]

فإذا استأذنوك لبعض شأنهم: ما يعرض لهم من المهام فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله بعد الأذن، فإن الاستيذان ولو لعذر قصور، لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين إن الله غفور رحيم. القمي: نزلت في حنظلة بن أبي عياش (1)، وذلك أنه تزوج في الليلة التي كانت في صبيحتها حرب أحد، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقيم على أهله، فأنزل الله عزوجل هذه الاية: (فأذن لمن شئت منهم) فأقام عند أهله، ثم أصبح وهو جنب، فحضر القتال واستشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن (2) في صحائف فضة بين السماء والأرض، فكان سمى غسيل الملائكة (3). لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قال: (يقول: لا تقولوا: يا محمد، ولا يا أبا القاسم، لكن قولوا: يا نبي الله، ويا رسول الله) (4). وورد: (قالت فاطمة عليها السلام: لما نزلت هذه الاية هبت رسول الله صلى الله عليه وآله أن أقول له: يا أبه، فكنت أقول: يا رسول الله، فأعرض عني مرة أو ثنتين (5) أو ثلاثا، ثم أقبل علي فقال: يا فاطمة إنها لم تنزل فيك، ولا في أهلك، ولا في نسلك، أنت مني وأنا منك، إنما نزلت في أهل الجفاء والغلظة من قريش، أصحاب البذخ (6) والكبر، قولي: يا أبه، فإنها أحيل للقلب،


(1) - هو حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك بن أمية المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب، وكان يذكر البعث ودين الحنيفة فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله عانده وحسده وخرج عن المدينة وشهد مع قريش وقعة أحد ثم رجع مع قريش إلى مكة ثم خرج إلى الروم فمات بها سنة تسع. وأسلم ابنه حنظلة فحسن إسلامه واستشهد بأحد، لا يختلف أصحاب المغازي في ذلك. الأصابة 2: 44. (2) - المزن: السحاب عامة، وقيل: السحاب ذو الماء. لسان العرب 13: 96 (مزن). (3) - القمي 2: 110. (4) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - في (ألف): (اثنين). (6) - البذخ: الكبر وتطاول الرجل بكلامه وافتخاره. لسان العرب 1: 350 (بذخ). (*)

[ 860 ]

وأرضى للرب) (1). قد يعلم الله الذين يتسللون منكم: يخرجون قليلا قليلا من الجماعة لواذا ملاوذة، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمن يؤذن، فينطلق معه كأنه تابعه فليحذر الذين يخالفون عن أمره: يعصون أمره أن تصيبهم فتنة: محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم. قال: (يسلط عليهم سلطان جائر أو عذاب أليم في الاخرة) (2). وفي رواية: (فتنة في دينه أو جراحة لا يأجره الله عليها) (3). ألا إن لله ما في السموات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه من المخالفة والموافقة والنفاق والأخلاص ويوم يرجعون إليه يرجع المنافقون إليه أو الكل، فيكون التفاتا في الكلام فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم.


(1) - المناقب (لابن شهرآشوب) 3: 320، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - جوامع الجامع: 320، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 8: 223، الحديث: 281، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 861 ]

سورة الفرقان [ مكية وهي سبع وسبعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي: تكاثر خيره، من البركة وهي كثرة الخير. نزل الفرقان على عبده. سبق تفسير الفرقان في آل عمران (2). ليكون العبد أو الفرقان للعالمين نذيرا: للجن والأنس منذرا، أو إنذارا، كالنكير بمعنى الأنكار. الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا كما زعمه النصارى ولم يكن له شريك في الملك كما يقوله الثنوية وخلق كل شئ فقدره تقديرا. قال: (هو وضع الحدود من الاجال والأرزاق، والبقاء والفناء) (3). واتخذوا من دونه الهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا: دفع ضر ولا جلب نفع ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا: ولا يملكون إماتة أحد ولا إحياءه أولا وبعثه ثانيا. وقال الذين كفروا إن هذا يعنون القرآن إلا إفك: كذب مصروف عن وجهه.


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - ذيل الاية: 4. (3) - القمي 1: 24، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. (*)

[ 862 ]

قال: (الأفك: الكذب) (1). افتراه وأعانه عليه قوم اخرون. قال: (يعنون أبافهيكة وحبرا وعداسا وعابسا، مولى حويطب) (2). فقد جاءوا ظلما وزورا. وقالوا أساطير الأولين: ما سطره المتقدمون اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا. القمي: هو قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة (3). قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض لتضمنه إخبارا عن مغيبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار إنه كان غفورا رحيما فلذلك لا يعاجلكم بعقوبته مع كمال قدرته، واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا. وقالوا مالهذا الرسول: ما لهذا الذي يزعم الرسالة !. وفيه استهانة وتهكم. يأكل الطعام كما نأكل ويمشي في الأسواق لطلب المعاش كما نمشي. والمعنى إن صح دعواه، فما باله لم يخالف حاله حالنا ! وذلك لعمههم (4) وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال روحانية، كما أشير إليه بقوله سبحانه: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) (5). لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ليعلم صدقه بتصديق الملك.


(1 و 2) - القمي 2: 111، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف، من بني عبد الدار، من قريش: صاحب لواء المشركين ببدر، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها. له اطلاع على كتب الفرس وغيرهم. وهو ابن خالة النبي صلى الله عليه وآله، ولما ظهر الأسلام استمر على عقيدة الجاهلية وآذى رسول الله صلى الله عليه وآله كثيرا. وكان إذا جلس النبي مجلسا للتذكير بالله والتحذير من نقمة الله، جلس النضر بعده، فحدث قريشا بأخبار ملوك فارس ورستم واسفنديار، ويقول: أنا أحسن منه حديثا ! إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين !. وشهد وقعة بدر مع مشركي قريش، فأسره المسلمون، وقتلوه بالأثيل - قرب المدينة - بعد انصرافهم من الوقعة. وفي الرواية من يرى أن النضر لم يقتل صبرا وإنما أصابته جراحة، فامتنع عن الطعام والشراب مادام في أيدي المسلمين، فمات. الأعلام (للزركلي) 8: 33. (4) - العمه: التحير والتردد. الصحاح 6: 2242 (عمه). (5) - الكهف (18): 110. (*)

[ 863 ]

أو يلقى إليه كنز فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش أو تكون له جنة يأكل منها أي: إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان، كما للدهاقين والمياسير، فيتعيش بريعه (1) وقال الظالمون. وضع الظالمون موضع ضميرهم، تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوه. إن تتبعون إلا رجلا مسحورا: سحر فغلب على عقله. أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا قال: (إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة) (2). تبارك الذي إن شاء جعل لك في الدنيا خيرا من ذلك ولكن أخره إلى الاخرة، لأنه خير وأبقى جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا. بل كذبوا بالساعة فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية، فظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال، وطعنوا فيك بفقرك وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا. إذا رأتهم: إذا كانت بمرأى منهم من مكان بعيد قال: (من مسيرة سنة) (3). سمعوا لها تغيظا: صوت تغيظ وزفيرا. وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين القمي: مقيدين بعضهم مع بعض (4). دعوا هنالك ثبورا: هلاكا، أي: يتمنون هلاكا وينادونه. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا لأن عذابكم أنواع كثيرة. قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا. (لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا) حقيقا بان


(1) - الريع: النماء والزيادة. الصحاح 3: 1223 (ريع). (2) - تفسير الأمام عليه السلام: 506، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - القمي 2: 112، مجمع البيان 7 - 8: 163، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 112. (*)

[ 864 ]

يسأل، أو سأله الناس بقولهم: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) (1). كذا قيل (2). ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول للمعبودين أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل. قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ. في قراءتهم عليهم السلام بضم النون وفتح الخاء (3). من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم، واستغرقوا في الشهوات حتى نسوا الذكر: حتى غفلوا عن ذكرك، والتذكر لالائك، والتدبر في آياتك وكانوا قوما بورا: هالكين. فقد كذبوكم. التفات إلى العبدة بالاحتجاج والألزام على حذف القول، والمعنى: فقد كذبكم المعبودون بما تقولون: في قولكم. إنهم آلهة، وهؤلاء أضلونا فما تستطيعون أي: المعبودون صرفا: دفعا للعذاب عنكم ولا نصرا فيعينكم عليه ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا. وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. جواب لقولهم: ' ' ما لهذا الرسول ' '. وجعلنا بعضكم لبعض فتنة: ابتلاء، ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم، ومناصبتهم لهم العداوة وإيذاؤهم لهم، وهو تسلية للنبي على ما قالوه بعد نقضه. أتصبرون أي: لنعلم أيكم يصبر وكان ربك بصيرا بمن يصبر ومن لا يصبر. وقال الذين لا يرجون لقاءنا لكفرهم بالبعث لولا: هلا أنزل علينا الملائكة فيخبرونا بصدق محمد، أو يكونون رسلا إلينا أو نرى ربنا فيأمرنا بتصديقه واتباعه لقد استكبروا في أنفسهم في شأنها وعتوا: وتجاوزوا الحد


(1) - آل عمران (3): 194. (2) - الكشاف 3: 84، البيضاوي 4: 90. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 162، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 865 ]

في الظلم عتوا كبيرا: بالغا أقصى مراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية. يوم يرون الملائكة لابشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا: يستعيذون منهم، ويطلبون من الله أن يمنع لقاءهم، وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. قال: (إن كانت أعمالهم لأشد بياضا من القباطي (1)، فيقول الله عزوجل لها: كوني هباء، وذلك أنهم كانوا إذا شرع لهم الحرام أخذوه) (2). أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا: مكانا يستقر فيه وأحسن مقيلا: مكانا يؤوى إليه للاسترواح من القيلولة. قال: (لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار) (3). ويوم تشقق السماء: تتشقق بالغمام: بسبب طلوع الغمام منها ونزل الملائكة تنزيلا. وقد مر في سورة البقرة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملئكة) (4). الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا. ويوم يعض الظالم على يديه من فرط الحسرة. القمي: الأول. (5) يقول يا


(1) - القباطي - بفتح القاف وقد يضم -: ثياب بيض رقيقة من كتان تجلب من مصر. واحدها: قبطيى، نسبة إلى القبط، وهم أهل مصر، الصحاح 3: 1151، مجمع البحرين 4: 266 (قبط). (2) - الكافي 5: 126، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 167، عن ابن عباس وابن مسعود. (4) - البقرة (2): 210. (5) - القمي 2: 113. (*)

[ 866 ]

ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا قال: (عليا وليا) (1). يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا. القمي: يعني الثاني (2). لقد أضلني عن الذكر. القمي: يعني الولاية (3). بعد إذ جاءني وكان الشيطان القمي: وهو الثاني (4). للانسان خذولا. في حديث أمير المؤمنين عليه السلام: (ولئن تقمصها دوني الأشقيان، ونازعاني فيما ليس لهما بحق، وركباها ضلالة، واعتقداها جهالة، فلبئس ما عليه وردا، ولبئس ما لأنفسهما مهدا (5)، يتلاعنان في دورهما، ويتبرأ كل منهما من صاحبه (6)، يقول لقرينه إذا التقيا: (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) (7) فيجيبه الأشقى على وثوبه (8): يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد أضللتني عن الذكر بعد إذ جائني، وكان الشيطان للأنسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضل، والسبيل الذي عنه مال، والأيمان الذي به كفر، والقرآن الذي إياه هجر، والدين الذي به كذب، والصراط الذي عنه نكب) (9). وقال: (إن الله ورى أسماء من اغتر وفتن خلقه وضل وأضل، وكنى عن أسمائهم في هاتين الايتين) (10). وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القران مهجورا بأن تركوه وصدوا عنه.


(1) - القمي 2: 113، عن أبي جعفر عليه السلام. (2 و 3 و 4) - القمي 2: 113. (5) - في المصدر: (مهدا). (6) - في (ألف): (تبرأ كل منهما صاحبه). وفي المصدر: (يتبرأ كل واحد منهما من صاحبه). (7) - الزخرف (43): 38. (8) - في المصدر: (على رثوثة). (9) - الكافي 8: 27، الحديث: 4، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (10) - الاحتجاج 1: 365، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 867 ]

وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين كما جعلناه لك، فاصبر كما صبروا وكفى بربك هاديا ونصيرا لك عليهم. وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القران أي: أنزل عليه جملة واحدة: دفعة واحدة، كالكتب الثلاثة كذلك أنزلناه مفرقا لنثبت به فؤادك: لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، وبنزول جبرئيل به حالا بعد حال ورتلناه ترتيلا: وقرأناه عليك شيئا بعد شئ على تؤدة وتمهل. ولا يأتونك بمثل سؤال عجيب، كأنه مثل في البطلان، يريدون به القدح في نبوتك إلا جئناك بالحق الدامغ له في جوابه وأحسن تفسيرا: وبما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم. الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا. سئل: كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال: (إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) (1). ولقد اتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا يؤازره في الدعوة وإعلاء الكلمة. فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا باياتنا يعني فرعون وقومه فدمرناهم تدميرا أي: فذهبا إليهم فكذبوهما، فدمرناهم. وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس اية: عبرة وأعتدنا للظالمين عذابا أليما. وعادا وثمود: وجعلناهم آية أيضا وأصحاب الرس. قال: (إنهم كانوا قوما


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 170، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 868 ]

يعبدون شجرة صنوبر، يقال لها: (شاه درخت)، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها: (روشاب)، كانت أنبتت لنوح عليه السلام بعد الطوفان، وإنما سموا أصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الأرض، وذلك بعد سليمان بن داود عليهما السلام - قال: - فأهلكوا بريح عاصفة (1) شديدة الحمرة، تحيروا فيها وذعروا منها، وتضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد، وأظلتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار) (2). وقرونا بين ذلك كثيرا. وكلا ضربنا له الأمثال: بينا له القصص العجيبة، إعذارا وإنذارا، فلما أصروا أهلكوا وكلا تبرنا تتبيرا فتتناه (3) تفتيتا، ومنه التبر، لفتات الذهب والفضة. قال: (يعني كسرنا تكسيرا. قال: هي لفظة بالنبطية) (4). ولقد أتوا يعني قريشا، مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام على القرية التي أمطرت مطر السوء. قال: (هي سدوم (5) قرية قوم لوط، أمطر الله عليهم حجارة من سجيل، يقول: من طين) (6). أفلم يكونوا يرونهافي مرار مرورهم، فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله بل كانوا لا يرجون نشورا فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا، فمروا بها كما مرت ركابهم. وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا.


(1) - في (ألف) والمصدر: (بريح عاصف). (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 205 - 208، الباب: 16، الحديث: 1، علل الشرائع 1: 40 - 43، الباب: 38، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (3) - الفت: الدق والكسر بالأصابع والشق في الصخرة. القاموس المحيط 1: 159 (فتت). (4) - القمي 2: 114، ومعاني الأخبار: 220، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - سدوم - فعول، من السدم، وهو الندم مع غم - بلدة من أعمال حلب، معروفة عامرة عندهم، وهي من مدائن قوم لوط. معجم البلدان 3: 300. (6) - القمي 2: 114، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 869 ]

إن كاد: إنه كاد ليضلنا عن الهتنا: ليصرفنا عن عبادتها لولا أن صبرنا عليها: ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا يسمع حجة ولا يتبصر دليلا أفأنت تكون عليه وكيلا: حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا، فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب، والثاني للأنكار. أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم إن هم إلا كالأنعام في عدم انتفاعهم بقرع الايات آذانهم، وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات بل هم أضل سبيلا من الأنعام، لأنها تنقاد من يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسئ، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسان الرحمن من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها لو لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من تحصيل الكمال، فلا تقصير منها ولا ذم، وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. ألم تر إلى ربك: ألم تنظر إلى صنعه ؟ ! كيف مد الظل: كيف بسطه. قال: (الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) (1). قيل: وهو أطيب الأحوال، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر، وشعاع الشمس يسخن الهواء ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال (وظل ممدود) (2) ولو شاء لجعله ساكنابأن يجعل الشمس مقيمة على


(1) - القمي 2: 115، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - البيضاوي 4: 95. والاية في سورة الواقعة (56): 30. (*)

[ 870 ]

وضع واحد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فإنه لا يظهر للحس (1) حتى تطلع، فيقع ضوؤها على بعض الأجرام، فلولاها لما عرف الظل، ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها. ثم قبضناه إلينا أي: أزلناه بإيقاع الشمس موقعه، لما عبر عن إحداثه بالمد، بمعنى التسيير، عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف. قبضا يسيرا: قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس، لتنتظم بذلك مصالح الكون، ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق. وهو الذي جعل لكم الليل لباسا. شبه ظلامه باللباس في ستره. والنوم سباتا: راحة للأبدان بقطع المشاغل وجعل النهار نشورا ينتشر فيه الناس للمعاش، وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. قال: (كما تنامون تموتون، وكما تستيقظون تبعثون) (2). وهو الذي أرسل الرياح بشرا: مبشرات، وبالنون أي: ناشرات للسحاب بين يدى رحمته: قدام المطر وأنزلنا من السماء ماء طهورا: مطهرا أو بليغا في الطهارة. لنحيى به بلدة: بلدا ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى كثيرا. ولقد صرفناه بينهم قيل: صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة، و الأوقات المتغايرة، والصفات المتفاوتة من وابل وطل (3) وغيرهما (4). قال: (ما أتى على أهل الدنيا يوم واحد منذ خلقها الله إلا والسماء فيها


(1) - في (ألف): (فانه لا يحس). (2) - روضة الواعظين: 53، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 15: 261، ذيل الاية: 42 من سورة الزمر، مع تفاوت يسير، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الوابل: المطر الشديد. والطل: أضعف المطر. الصحاح 5: 1840، 1752 (وبل - طلل). (4) - الكشاف 3: 96، البيضاوي 4: 96. (*)

[ 871 ]

تمطر، فيجعل الله ذلك حيث يشاء) (1). ليذكروا: ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك، ويقوموا بشكره، ويعتبروا بالصرف عنهم وإليهم. فأبى أكثر الناس إلا كفورا: إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا: أمطرنا بنوء (2) كذا، من غير أن يروه من الله، ويجعلوا الأنواء وسائط مسخرات. ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا: نبيا ينذر أهلها، فتخف عليك أعباء النبوة، لكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالثباب والاجتهاد في الدعوة، وإظهار الحق. فلا تطع الكافرين فيما يريدونك عليه وجاهدهم به بترك طاعتهم جهادا كبيرا يعني أنهم يجتهدون في إبطال حقك، فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم. وهو الذي مرج البحرين: خلاهما متلاصقين، بحيث لا يتمازجان هذا عذب فرات: بليغ العذوبة (3) وهذا ملح أجاج: بليغ الملوحة وجعل بينهما برزخا: حاجزا من قدرته وحجرا محجورا القمي: حراما محرما أن يغير واحد منهما طعم الاخر (4).


(1) - من لا يحضره الفقيه 1: 333، الحديث: 1496، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - النوء: النجم - والجمع: أنواء ونوآن - وهي ثمانية وعشرون نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة، يسقط منها كل ثلاث عشرة ليلة نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة. وكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع الاخر قالوا: لابد أن يكون عند ذلك رياح ومطر، فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى النجم الذي يسقط حينئذ، فيقولون: (مطرنا بنوء كذا). ويسمى نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب، ناء الطالع بالمشرق بالطلوع، وذلك النهوض هو النوء، فسمي النجم به. وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (ثلاثة من عمل الجاهلية: الفخر بالأنساب، والطعن في الأحساب، والاستسقاء بالأنواء. راجع: معاني الأخبار: 326، مجمع البحرين 1: 422، الصحاح 1: 79 (نوأ). (3) - في (ألف): (الفروتة) وهي بمعناه. (4) - القمي 2: 115. (*)

[ 872 ]

أقول: وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه، فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها. وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا: ذكورا ينسب إليهم وصهرا: إناثا يصاهر بهن وكان ربك قديرا. قال: (إن الله خلق آدم من الماء العذب، وخلق زوجته من سنخه، فبرأها (1) من أسفل أضلاعه، فجرى بذلك الضلع بينهما سبب ونسب، ثم زوجها إياه، فجرى بينهما بسبب ذلك صهر، فذلك قوله: (نسبا وصهرا) فالنسب ما كان بسبب الرجال، والصهر ما كان بسبب النساء) (2). وفي رواية نبوية: (خلق الله عزوجل نطفة بيضاء مكنونة، فنقلها من صلب إلى صلب، حتى نقلت النطفة إلى صلب عبد المطلب، فجعل نصفين، فصار نصفها في عبد الله ونصفها في أبي طالب، فأنا من عبد الله وعلي من أبي طالب، وذلك قول الله عزوجل: (وهو الذي خلق) الاية) (3). وفي حديث علي عليه السلام: (ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء، احذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم، أنا الصهر يقول الله عزوجل: (وهو الذي خلق) الاية) (4). ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا: يظاهر الشيطان في العداوة والشرك. القمي: قد يسمى الأنسان ربا، كقوله تعالى: (أذكرني عند ربك) (5) وكل مالك لشئ يسمى ربه، فقوله تعالى: (وكان الكافر على ربه ظهيرا) فالكافر: الثاني، وكان على


(1) - برأها: خلقها. المصباح المنير 1: 60 (برى). (2) - الكافي 5: 442، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام، القمي 2: 114، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - روضة الواعظين 1: 71، تفسير فرات: 292، الحديث: 394، مع تفاوت في اللفظ. (4) معاني الاخبار: 59 ذيل الحديث: 9 عن ابي جعفر عن امير المؤمنين عليهما السلام. (5) يوسف (12): 42. (*)

[ 873 ]

أمير المؤمنين صلوات الله عليه ظهيرا (1). وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا. قل ما أسألكم عليه: على تبليغ الرسالة من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا الأطاعة، من شاء التقرب إلى الله، جعل ذلك أجرا من حيث إنه مقصود. وتوكل في استكفاء شرورهم والأغناء عن أجورهم على الحى الذي لا يموت فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم وسبح بحمده: ونزهه عن صفات النقصان، مثنيا عليه بأوصاف الكمال، طالبا لمزيد الأنعام بالشكر على سوابقه وكفى به بذنوب عباده خبيرا ما ظهر منها وما بطن، فلا عليك إن آمنوا أو كفروا. الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش. قد سبق الكلام فيه في سورة الأعراف (7)، ولعل ذكره لزيادة تقرير، لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه، من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض (3) على الثبات والتأني في الأمر، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره، خلق الأشياء على تؤدة وتدرج. الرحمن خبر ل‍ (الذي)، أو لمحذوف، أو بدل من المستكن في (استوى). فاسأل به خبيرا: فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء، أو عن أنه هو الرحمن. روي: (إن اليهود حكوا عن ابتداء خلق الأشياء بخلاف ما أخبر الله عنه، فقال سبحانه: (فاسئل به خبيرا) (4).


(1) - القمي 2: 115 مع تفاوت يسير. (2) ذيل الاية: 54. (3) - في (ألف): (تحريص). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 176. (*)

[ 874 ]

والسؤال كما يعدى ب‍ (عن) لتضمنه معنى التفتيش، يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء، ويجوز أن يكون صلة (خبيرا)، والخبير هو الله تعالى، أو جبرئيل، أو الرسل الماضون في عالم الأرواح كقوله: (واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) (1)، أو من وجده في الكتب المتقدمة، ليصدقك فيه. وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على الله، فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب، ليعرفوا مجئ ما يرادفه في كتبهم (2). وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره تعالى. القمي قال: جوابه: (الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان) (3). أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا. تبارك الذي جعل في السماء بروجا. قد سبق تفسير البروج في الحجر (4). وجعل فيها سراجا يعني الشمس لقوله: (وجعل الشمس سراجا) (5) وقمرا منيرا بالليل. قال: (يسبحان في فلك يدور بهما دائبين، يطلعهما تارة ويؤفلهما أخرى، حتى تعرف عدة الأيام والشهور والسنين، وما يستأنف من الصيف والربيع والشتاء والخريف، أزمنة مختلفة باختلاف الليل والنهار) (6). وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا يخلف كل منهما الاخر بان يقوم مقامه فيما ينبغي ان يفعل فيه. قال: (يعني ان يقضي


(1) - الزخرف (43): 45. (2) - الكشاف 3: 98، البيضاوي 4: 98. (3) - القمي 2: 115، والاية في سورة الرحمن (55): 1 - 4. (4) - ذيل الاية: 16. (5) نوح (71): 16. (6) - نور الثقلين 4: 25، بحار الأنوار 3: 191، ذيل الحديث الطويل المشتهر بالاهليلجة، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 875 ]

الرجل ما فاته بالليل بالنهار، وما فاته بالنهار بالليل) (1). وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا. قال: (هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها، لا يتكلف ولا يتبختر) (2). وفي رواية: (هم الأوصياء، مخافة من عدوهم) (3). وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما: تسليما منكم ومتاركة لكم، لا خير بيننا ولا شر. والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما في الصلاة. والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما قال: (ملازما لا يفارق) (4). دلت الاية على أنهم مع حسن مخالقتهم مع الخلق، واجتهادهم في عبادة الحق، وجلون من العذاب، مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم، لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ولا وثوقهم على استمرار أحوالهم. إنها ساءت مستقرا ومقاما. والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا. القمي: الأسراف: الأنفاق في المعصية في غير حق (5). ولم يقتروا القمي: لم يبخلوا عن حق الله عزوجل (6). وكان بين ذلك قواما. القمي: والقوام العدل، والأنفاق فيما أمر الله به (7). وورد: (من أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من حق فقد قتر) (8). والذين لا يدعون مع الله إلها اخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلهإ،


(1) - من لا يحضره الفقيه 1: 315، الحديث: 1428، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 179، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 1: 427، الحديث: 78، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (من مخافة عدوهم). (4) - القمي 2: 116، عن أبي جعفر عليه السلام. (5 و 6 و 7) - المصدر: 117. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 179، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 876 ]

إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما جزاء إثم. يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما. قال: (إذا كان يوم القيامة تجلى الله عزوجل لعبده المؤمن، فيقفه (1) على ذنوبه ذنبا ذنبا، ثم يغفر له، لا يطلع الله على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ويستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد، ثم يقول لسيئاته: كوني حسنات) (2). ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا القمي: يقول: لا يعود إلى شئ من ذلك بإخلاص ونية صادقة (3). والذين لا يشهدون الزور. قال: (هو الغنا) (4). وزاد القمي: ومجالس اللهو (5). وإذا مروا باللغو مروا كراما معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه. قال: (هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه) (6). والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا قال: (مستبصرين، ليسوا بشكاك) (7). والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين بتوفيقهم للطاعة، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله، سر به قلبه وقر بهم عينه. ورد: (هذه الاية والله خاصة في أمير المؤمنين علي عليه السلام، كان أكثر دعائه يقول: (ربنا، (1) - في المصدر: (فيوقفه). (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 33، الباب: 31، الحديث: 57. (3 و 5) - القمي 2: 117. (4) - الكافي 6: 433، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 181، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكافي 8: 178، الحديث: 199، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 877 ]

هب لنا من أزواجنا) يعني فاطمة، (وذرياتنا) يعني الحسن والحسين (قرة أعين)، قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما سألت ربي ولدا نضير الوجه، ولا سألته ولدا حسن القامة، ولكن سألت ربي ولدا مطيعين لله، خائفين وجلين منه، حتى إذا نظرت إليه وهو مطيع لله قرت به عيني) (1). واجعلنا للمتقين إماما قال: (نقتدي بمن قبلنا من المتقين، فيقتدي المتقون بنا من بعدنا) (2). وفي رواية: (إنما أنزل الله: واجعل لنا من المتقين إماما) (3). أولئك يجزون الغرفة: أعلى موضع الجنة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما. خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما. قل ما يعبؤا بكم ربي قال: (يقول: ما يفعل ربي بكم) (4). لولا دعاؤكم. سئل: كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء ؟ قال: (كثرة الدعاء أفضل، وقرأ هذه الاية) (5). فقد كذبتم بما أخبرتكم به فسوف يكون لزاما: جزاء التكذيب لازما، يحيق بكم لا محالة.


(1 و 2) - المناقب (لابن شهرآشوب) 3: 380، عن سعيد بن جبير. (3) - القمي 2: 117، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 118، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 182، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 878 ]

سورة الشعراء [ مكية وهي مائتان وسبع وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم طسم. تلك آيات الكتاب المبين. لعلك باخع: قاتل نفسك ألا يكونوا مؤمنين. إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية: دلالة ملجئة إلى الأيمان، وبلية قاسرة عليه فظلت أعناقهم لها خاضعين: منقادين. قال: (سيفعل الله ذلك بهم. قيل: من هم ؟ قال: بنو أمية وشيعتهم. قيل: وما الاية ؟ قال: ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، وخروج صدر (2) ووجه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه، وذلك في زمان السفياني، وعندها يكون بواره وبوار قومه) (3). وفي رواية يصف فيها القائم عليه السلام: (ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - في المصدر: (وخروج صدر الرجل). (3) - الأرشاد (للمفيد): 359، باب علامات قيام القائم عليه السلام، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 879 ]

بالدعاء إليه، يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فإن الحق معه وفيه، وهو قول الله عزوجل: (إن نشأ ننزل عليهم) الاية) (1). وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين. فقد كذبوا أي: بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبهم، بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون من أنه كان حقا أم باطلا، وكان حقيقا بأن يصدق ويعظم قدره، أو يكذب فيستخف أمره. أولم يروا إلى الأرض: أو لم ينظروا إلى عجائبها كم أنبتنا فيها من كل زوج: صنف كريم: كثير المنفعة. إن في ذلك لاية على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز: الغالب القادر على الانتقام من الكفرة الرحيم حيث أمهلهم. وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين بالكفر، واستعباد بني إسرائيل، وذبح أولادهم. قوم فرعون يعني فرعون وقومه ألا يتقون. تعجيب من إفراطهم في الظلم واجترائهم. قال رب إني أخاف أن يكذبون. ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ليقوى به قلبي. ولهم علي ذنب: تبعة ذنب، وهو قتل القبطي، سماه ذنبا على زعمهم. فأخاف أن يقتلون به، قبل أداء الرسالة. قال كلا فاذهبا إجابة له إلى الطلبتين، يعني ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب


(1) - كمال الدين 2: 372، الباب: 35، ذيل الحديث: 5، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 880 ]

أنت والذي طلبته بآياتنا إنا معكم يعني موسى وهرون وفرعون مستمعون لما يجري بينكما وبينه، فاظهركما عليه. فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين. أفرد الرسول، لأنه مصدر وصف به. أن أرسل معنا بني إسرائيل: خلهم يذهبوا معنا إلى الشام. قال أي: فرعون لموسى بعد أن أتياه، فقالا له ذلك ألم نربك فينا: في منازلنا وليدا: طفلا ولبثت فينا من عمرك سنين. وفعلت فعلتك التي فعلت يعني قتل القبطي وأنت من الكافرين قال: (يعني كفرت نعمتي) (1). قال فعلتها إذا وأنا من الضالين قيل: من الجاهلين أو (2) الضالين عن طريق النبوة (3). وسئل عن ذلك، مع أن الأنبياء معصومون، فقال: (من الضالين عن الطريق، بوقوعي إلى مدينة من مدائنك) (4). أقول: لعل المراد أنه ورى لفرعون، فقصد الضلال عن الطريق، وفهم فرعون منه الضلال عن الحق، فإن الضلال عن الطريق لا يصلح عذرا للقتل. ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما: حكمة وجعلني من المرسلين. وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل أي: وتلك التربية نعمة تمنها علي بها ظاهرا، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقصدهم بذبح أبنائهم، فإنه السبب


(1) - القمي 2: 118، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - في (ألف): (والضالين). (3) - مجمع البيان 7 - 8: 187. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1. (*)

[ 881 ]

في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك، ويحتمل تقدير همزة الأنكار، أي: أو تلك نعمة تمنها علي، وهي أن عبدت. قال فرعون وما رب العالمين لما سمع جواب ما طعن به فيه، ورآى أنه لم يرعو بذلك، شرع في الاعتراض على دعواه، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل. قال رب السموات والأرض وما بينهما. عرفه بأظهر خواصه وآثاره، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته (1): (الذي سئلت الأنبياء عنه، فلم تصفه بحدولا ببعض (2)، بل وصفته بفعاله، ودلت عليه بآياته) (3). إن كنتم موقنين علمتم ذلك. قال لمن حوله ألا تستمعون قال: (فقال متعجبا لأصحابه: (ألا تستمعون) أسأله عن الكيفية، فيجيبني عن الحق) (4). أقول: يعني بالحق، التحقق (5) والثبوت. قال ربكم ورب آبائكم الأولين. عدل إلى ما لا يشك في افتقاره إلى مصور حكيم وخالق عليم، ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل. قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون أسأله عن شئ ويجيبني عن آخر. قال رب المشرق والمغرب وما بينهما: تشاهدون كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويذهب بها إلى المغرب على وجه نافع، ينتظم به أمور الخلق إن كنتم تعقلون علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك. قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين. عدل إلى التهديد بعد


(1) - في (ب): (في خطبة). (2) - أي: بكونه محدودا بحدود جسمانية أو عقلانية أو بأجزاء وأبعاض خارجية أو عقلية. وقيل: أي لم يحسبوا بحد ولا ببعض حد، وهو الحد الناقص كالجواب بالفصل القريب دون الجنس القريب. مرآة العقول 2: 106. (3) - الكافي 1: 141، الحديث: 7. (4) - القمي 2: 119، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - في (ب): (التحقيق). (*)

[ 882 ]

الانقطاع، وهكذا ديدن المعاند المحجوج. قال أو لو جئتك بشئ مبين أي: أتفعل ذلك ولو جئتك بشئ مبين على (1) صدق دعواي ؟ ! يعني المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته، والدلالة على صدق مدعي نبوته. قال فأت به إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين: ظاهر الثعبانية. قال: (فالتقمت الأيوان بلحييها، فدعاه أن يا موسى أقلني إلى غد، ثم كان من أمره ما كان) (2). وفي رواية: (فلم يبق أحد من جلساء فرعون إلا هرب، ودخل فرعون من الرعب ما لم يملك نفسه، فقال: يا موسى ! أنشدك بالله وبالرضاع إلا ما كففتها عني، فكفها. قال: فلما أخذ موسى العصا رجعت إلى فرعون نفسه وهم بتصديقه، فقام إليه هامان فقال له: بينا أنت إله تعبد إذ صرت تابعا لعبد !) (3). ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال: (قد حال شعاعها بينه وبين وجهه) (4). قال للملاء حوله إن هذا لساحر عليم: فائق في علم السحر. يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون بهره (5) سلطان المعجز، حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى مؤامرة القوم وائتمارهم.


(1) - لم ترد كلمة (على) في (ألف) و (ج). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 253، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - القمي 2: 119، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 253، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - بهره: غلبه وفضله. المصباح المنير 1: 81 (بهر). (*)

[ 883 ]

قالوا أرجه وأخاه: أخر أمرهما. وابعث في المدائن حاشرين شرطا يحشرون السحرة. يأتوك بكل سحار عليم يفضلون عليه في هذا الفن. فجمع السحرة لميقات يوم معلوم لما وقت به من ساعات يوم معين، وهو وقت الضحى من يوم الزينة، كما سبق في سورة طه (1). وقيل للناس هل أنتم مجتمعون. لعلنا نتبع السحرة أي: في دينهم، ومقصودهم أن لا يتبعوا موسى إن كانوا هم الغالبين. فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين. قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين. قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون. فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف: تبتلع (2) ما يأفكون: ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم، فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى. فألقي السحرة ساجدين لعلمهم بأن مثله لا يتأتي بالسحر. قالوا امنا برب العالمين. رب موسى وهرون. إبدال للتوضيح ودفع التوهم، والأشعار على أن الموجب لأيمانهم ما أجراه على أيديهما. قال آمنتم له قبل أن اذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فعلمكم شيئا دون شئ ولذلك غلبكم، أراد به التلبيس على قومه، كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق فلسوف تعلمون وبال فعلكم لاقطعن أيديكم وأرجلكم


(1) - ذيل الاية: 59. (2) - في (ألف): (تبلع). (*)

[ 884 ]

من خلاف ولا صلبنكم أجمعين. قالوا لا ضير: لا ضرر علينا في ذلك إنا إلى ربنا منقلبون بما توعدنا إليه. إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا: لأن كنا أول المؤمنين من أهل المشهد. وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وذلك بعد سنين يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الايات، فلم يزيدوا إلا عتوا إنكم متبعون: يتبعكم فرعون وجنوده. فأرسل فرعون في المدائن حاشرين. قال: (فخرج موسى ببني إسرائيل ليقطع بهم البحر، فجمع فرعون أصحابه وبعث في المدائن حاشرين العساكر ليتبعوهم، وحشر الناس، وقدم مقدمته في ستمائة ألف، وركب هو في ألف ألف وخرج) (1). إن هؤلاء لشرذمة قليلون على إرادة القول. قال: (يقول عصبة قليلة) (2). وإنهم لنا لغائظون: لفاعلون ما يغيظنا. وإنا لجميع حاذرون: لجمع عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور. فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم: المنازل الحسنة والمجالس البهية. كذلك وأورثناها بني إسرائيل. فأتبعوهم مشرقين: داخلين في وقت شروق الشمس. فلما تراءى الجمعان: تقاربا بحيث رأى كل منهما الاخر قال أصحاب موسى إنا لمدركون: لملحقون. قال كلا: لن يدركوكم، فإن الله وعدكم الخلاص منهم إن معي ربي بالحفظ والنصرة (سيهدين) طريق النجاة منهم.


(1) - القمي 2: 121، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 122، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 885 ]

فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق أي: ضرب فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم قال: (أي: كالجبل المنيف) (1) الثابت في مقره، فدخلوا في شعابها. وأزلفنا: وقربنا ثم الاخرين: فرعون وقومه، حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين بحفظ البحر على تلك الهيئة حتى عبروا. ثم أغرقنا الاخرين بإطباقه (2) عليهم. إن في ذلك لاية وأية آية وما كان أكثرهم مؤمنين: وما تنبه عليها أكثرهم، إذ لم يؤمن بها أحد ممن بقي في مصر من القبط، وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها، واتخذوا العجل وقالوا: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (3). وإن ربك لهو العزيز: المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. واتل عليهم نبأ إبراهيم. إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون. قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم إذ تدعون. أو ينفعونكم على عبادتكم لها أو يضرون من أعرض عنها. قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون. أنتم واباؤكم الأقدمون. فإنهم عدو لي يريد عدو لكم، ولكنه صور الأمر في نفسه تعريضا لهم، فإنه أنفع في النصح من التصريح، والبدأة بنفسه في النصيحة أدعى للقبول. إلا رب العالمين استثناء منقطع أو متصل، على أن الضمير لكل معبود عبدوه، وكان من آبائهم


(1) - القمي 2: 122، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (كالجبل العظيم). (2) - أطبق الشئ: غطاه: الصحاح 4: 1512 (طبق). (3) - البقرة (2): 55. (*)

[ 886 ]

من عبد الله. الذي خلقني فهو يهدين لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد، هداية متدرجة من مبدأ الأيجاد إلى منتهى أجله، كما قال: (الذي أحسن كل شئ خلقه ثم هدى) (1). والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. إنما لم ينسب المرض إليه لأن مقصوده تعديد النعم، ولأنه في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الأنسان في مطاعمه ومشاربه، وفي أوامر الله تعالى ونواهيه، كما قال الله سبحانه: (ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (2). والذي يميتني عد الموت من جملة النعم، وأضافه إلى الله، لأنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية، وخلاص من أنواع المحن والبلية ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للأمة، أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم، واستغفار لما عسى يندر منه من خلاف الأولى، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث: (إني سقيم) (3)، (بل فعله كبيرهم) (4)، و (هي أختي) (5) لا وجه له، لأنها معاريض وليست بخطايا.


(1) - ليست بعين هذه الألفاظ آية في القرآن، وهذه متخذة من آيتين في سورة طه والسجدة، وهذا نصهما: الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى طه (20): 50، الذي أحسن كل شئ خلقه السجدة (32): 7. (2) - الشورى (42): 30. (3) - الصافات (37): 89. (4) - الانبياء (21): 63. (5) - قال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن = (*)

[ 887 ]

رب هب لي حكما: كمالا في العلم والعمل، استعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق وألحقني بالصالحين: ووفقني للكمال في العمل، لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح. واجعل لي لسان صدق في الاخرين قيل: أي: جاها وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك ما من أمة إلا وهم له محبون وعليه يثنون (1). ورد: (لسان الصدق للمرء يجعله الله في الناس، خيرا له من المال يأكله ويورثه) (2). وقيل: بل يعني واجعل صادقا من ذريتي يجدد ديني، ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه، وهو محمد (3) وعلي والأئمة من ذريتهما عليهم السلام. القمي: هو أمير المؤمنين عليه السلام (4). واجعلني من ورثة جنة النعيم في الاخرة وقد سبق (5) معنى الوراثة فيها. واغفر لابي بالهداية والتوفيق للأيمان إنه كان من الضالين طريق الحق، وإنما دعا له بالمغفرة لما وعده بأنه سيؤمن، كما قال الله عزوجل: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه) (6). ولا تخزني بمعاتبتي على ما فرطت، من الخزي بمعنى الهوان، أو من الخزاية بمعنى الحياء يوم يبعثون. الضمير للعباد، لأنهم معلومون.


= الناس، فأرسل إليه وسأله عنها، فقال: من هذا ؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وان هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني. قصص الأنبياء (لابن كثير): 149، نقلا عن البخاري. (1) - البيضاوي 4: 106. (2) - الكافي 2: 154، الحديث: 19، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (3) - البيضاوي 4: 106. (4) - القمي 2: 123. (5) - ذيل الاية: 10 - 11، من سورة المؤمن. (6) - التوبة (9): 114. (*)

[ 888 ]

يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم: لا ينفعان أحدا إلا مخلصا سليم القلب. قال: (هو القلب الذي سلم من حب الدنيا) (1). وفي رواية: (هو الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه. قال: وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم إلى الاخرة) (2). وأزلفت الجنة للمتقين بحيث يرونها في الموقف، فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها. وبرزت الجحيم للغاوين: مكشوفة يتحسرون على أنهم المسوقون إليها. وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون. فكبكبوا فيها هم والغاوون أي: الالهة وعبدتهم. والكبكبة: تكرير الكب (3) لتكرير معناه، كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى، حتى يستقر في قعرها. قال: (هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره) (4). وجنود إبليس قال: (ذريته من الشياطين) (5) أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون. تالله إن كنا: إنه كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين: أطعناكم كما أطعنا الله.


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 194، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 2: 16، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (3) - كببت فلانا كبا: ألقيته على وجهه. مجمع البحرين 2: 151 (كبب). (4) - الكافي 2: 300، الحديث: 4، القمي 2: 123، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - المصدر: 31، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 889 ]

وما أضلنا إلا المجرمون قال: (يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء، فاتبعوهم على شركهم، وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد) (1). فما لنا من شافعين قال: (الأئمة) (2). ولا صديق حميم قال: (من المؤمنين) (3). قال: (والله لنشفعن في المذنبين من شيعتنا، حتى يقول (4) أعداؤنا إذا رأوا ذلك: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (5). وورد: (إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان ؟ وصديقه في الجحيم ! فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة (6)، فيقول من بقي في النار: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (7). فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين القمي: من المهتدين، لأن الأيمان قد لزمهم بالأقرار (8). إن في ذلك لاية: لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر وما كان أكثرهم مؤمنين به. وإن ربك لهو العزيز: القادر على تعجيل الانتقام الرحيم بالأمهال، لكي يؤمنوا هم أو واحد من ذريتهم. كذبت قوم نوح المرسلين. قال: (إنه (9) قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين


(1) - الكافي 2: 31، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (2 و 3) - المحاسن: 184، الباب: 45، الحديث: 187، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - في المصدر: (حتى يقولوا). (5) - القمي 2: 123، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (6) - في (ب) و (ج): (في الجنة)، ولم ترد في (ألف)، وما أثبتناه من المصدر. (7) - مجمع البيان 7 - 8: 195، عن النبي صلى الله عليه وآله. (8) - القمي 2: 123. (9) - في المصدر: (لكنه). (*)

[ 890 ]

كانوا بينه وبين آدم) (1). إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون الله، فتتركوا عبادة غيره. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون فيما أمركم به من التوحيد والطاعة لله. وما أسألكم عليه: على ما أنا عليه من الدعاء والنصح من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين. فاتقوا الله وأطيعون. كرره للتأكيد والتنبيه على دلالة كل واحد من أمانته وحسم طمعه، لوجوب طاعته فيما يدعوهم إليه، فكيف إذا اجتمعا ؟ ! قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون: الأقلون مالا وجاها، يعني أهل الطمع في مال أو رفعة. قال وما علمي بما كانوا يعملون إنهم عملوه إخلاصا أو طمعا في طعمة، وما علي إلا اعتبار الظاهر. إن حسابهم إلا على ربي فإنه المطلع على البواطن لو تشعرون لعلمتم ذلك، ولكنكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون. وما أنا بطارد المؤمنين. جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم، وتوقيف إيمانهم على ذلك، حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه. إن أنا إلا نذير مبين لا يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء. قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين: من المشتومين، أو المضروبين بالحجارة. قال رب إن قومي كذبون.


(1) - كمال الدين 1: 215، الباب: 22، ذيل الحديث الطويل: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 891 ]

فافتح: فاحكم بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معى من المؤمنين. فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون. قال: (المشحون: المجهز الذي قد فرغ منه، ولم يبق إلا دفعه) (1). ثم أغرقنا بعد الباقين. إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم. كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين. أتبنون بكل ريع قيل: أي بكل مكان مرتفع (2). آية: علما للمارة، أو بناء لا تحتاجون إليه تعبثون ببنائه، لاستغنائكم بالنجوم للاهتداء في أسفاركم، وبمنازلكم للسكنى. وتتخذون مصانع قيل: مأخذ الماء (3) وقيل: قصورا مشيدة وحصونا (4). لعلكم تخلدون فتحكمون بنيانها. ورد: (كل (5) بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما لابد منه) (6). وإذا بطشتم بسوط أو سيف بطشتم جبارين: متسلطين غاشمين (7)، بلا رأفة ولا قصد تأديب ونظر في العاقبة. القمي: يقتلون بالغضب من غير استحقاق (8).


(1) - القمي 2: 125، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 198، البيضاوي 4: 107. (3 و 4) - المصدرين السابقين، والكشاف 3: 122. (5) - في المصدر: (إن لكل). (6) - مجمع البيان 7 - 8: 198، عن النبي صلى الله عليه وآله. (7) - الغشم: الظلم. القاموس المحيط 4: 158 (غشم). (8) - القمي 2: 123. (*)

[ 892 ]

فاتقوا الله بترك هذه الأشياء وأطيعون فيما أدعوكم إليه. واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون: بما تعرفونه من أنواع النعم. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم. قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين فإنا لا نرعوي عما نحن عليه. إن هذا الذي جئت به إلا خلق الأولين أي: عادتهم إن ضممت الخاء، أو كذبهم إن فتحتها، أو المعنى إن هذا الذي نحن عليه إلا عادة الأولين، ونحن بهم مقتدون، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم، نحيا ونموت مثلهم، ولا بعث ولا حساب. كذا قيل (1). وما نحن بمعذبين. فكذبوه فأهلكناهم بريح صرصر إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم. كذبت ثمود المرسلين. إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين. أتتركون في ما ههنا امنين. إنكار لأن يتركوا كذلك، أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم، وأسباب تنعمهم. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم: لطيف لين، أو متدل منكسر من كثرة الحمل. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين: حاذقين، وبحذف الألف: بطرين.


(1) - البيضاوي 4: 108، الكشاف 3: 122. (*)

[ 893 ]

فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قالوا إنما أنت من المسحرين القمي يقول: أجوف مثل خلق الناس، ولو كنت رسولا ما كنت مثلنا (1). أقول: يعني من ذوى السحر، وهي الرئة، فما بعده تأكيد له. ما أنت إلا بشر مثلنا فأت باية إن كنت من الصادقين. قال هذه ناقة أي: بعدما أخرجه الله من الصخرة بدعائه، كما اقترحوها، على ما سبق ذكره (2). لها شرب: نصيب من الماء ولكم شرب يوم معلوم فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها. ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم. فعقروها: (أسند العقر إلى كلهم، لأن عاقرها إنما عقر برضاهم، ولذلك أخذوا جميعا). كذا ورد (3). فأصبحوا نادمين على عقرها عند معاينة العذاب. فأخذهم العذاب قال: (فما كان إلا أن خارت (4) أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة (5) في الأرض الخوارة (6) (7). إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم. كذبت قوم لوط المرسلين. إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون. إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله


(1) - القمي 2: 125. (2) - في تفسير بالاية: 79 من سورة الاعراف. (3) - نهج البلاغة: 319، الخطبة: 201. (4) - خارت: صوتت كخوار الثور. (5) - السكة المحماة: حديدة المحراث إذا أحميت في النار فهي أسرع غورا في الأرض. (6) - الخوارة: السهلة اللينة. (7) - نهج البلاغة: 319، الخطبة: 201. (*)

[ 894 ]

وأطيعون. وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين. أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون. قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين: من المنفيين من بين أظهرنا. قال إني لعملكم من القالين: من المبغضين غاية البغض. رب نجني وأهلي مما يعملون أي: من شؤمه وعذابه. فنجيناه وأهله أجمعين. إلا عجوزا هي امرأته في الغابرين: مقدرة في الباقين في العذاب. ثم دمرنا الاخرين: أهلكناهم. وأمطرنا عليهم مطرا: حجارة فساء مطر المنذرين. قد مرت قصتهم في الأعراف (1). إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم. كذب أصحاب ليكة المرسلين الأيكة: غيضة (2) تنبت ناعم الشجر. إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (فإنه أرسل إليهم كما أرسل إلى مدين). كذا ورد (3). إني لكم رسول أمين. فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه


(1) - ذيل الاية: 84. (2) - الغيضة: الأجمة، وهي مغيض ماء يجتمع، فينبت فيه الشجر، والجمع: غياض وأغياض. الصحاح 3: 1097 (غيض). (3) - جوامع الجامع: 332، الكشاف 3: 126، و 127 ذيل الاية: 189. (*)

[ 895 ]

من أجر إن أجرى إلا على رب العالمين. أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم. ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بالقتل والغارة وقطع الطريق. واتقوا الذي خلقكم والجبلة: ذوي الجبلة الأولين القمي: والخلق الأولين (1). قالوا إنما أنت من المسحرين. وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين. فأسقط علينا كسفا من السماء: قطعة منها إن كنت من الصادقين. قال ربي أعلم بما تعملون. فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة القمي: يوم حر وسمائم (2)، فبلغنا - والله أعلم -: أنه أصابهم حر وهم في بيوتهم، فخرجوا يلتمسون الروح من قبل السحابة التي بعث الله فيها العذاب، فلما غشيتهم أخذتهم الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين (3) وقيل: فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا (4). إنه كان عذاب يوم عظيم. إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم. وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين: جبرئيل، فإنه أمين الله على وحيه. على قلبك لتكون من المنذرين.


(1) - القمي 2: 123. (2) - المصدر: 124، سطر 1. والسمائم، جمع السموم: الريح الحارة. لسان العرب 6: 373 (سمم). (3) - القمي 2: 125، سطر 18. (4) - الكشاف 3: 127، البيضاوي 4: 109. (*)

[ 896 ]

بلسان عربي مبين قال: (يبين الألسن ولا تبينه الألسن) (1). وإنه لفي زبر الأولين قيل: أي: معناه، أو ذكره (2). أولم يكن لهم اية على صحته أن يعلمه علماء بني إسرائيل: أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم. ولو نزلناه على بعض الأعجمين. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين لفرط عنادهم، واستنكافهم من اتباع العجم. قال: (لو نزلنا القرآن على العجم ما آمنت به العرب، وقد نزل على العرب فآمنت به العجم) (3). كذلك سلكناه: أدخلنا معانيه في قلوب المجرمين ثم لم يؤمنوا به عنادا. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون تحسرا وتأسفا. أفبعذابنا يستعجلون بقولهم: (فأتنا بما تعدنا) (4) وأمثاله، وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة. أفرأيت إن متعناهم سنين. ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون: لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع


(1) - الكافي 2: 632، الحديث: 20، عن أحدهما عليهما السلام. (2) - الكشاف 3: 128، البيضاوي 4: 110. (3) - القمي 2: 124، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه زيادة: (فهذه فضيلة العجم). (4) - الأعراف (7): 70، هود (11): 32، الأحقاف (46): 22. (*)

[ 897 ]

العذاب وتخفيفه. (نزلت حين أري رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه بني أمية يصعدون على منبره من بعده، يضلون الناس عن الصراط القهقري). كذا ورد (1). وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون. ذكرى: تذكرة وما كنا ظالمين فنهلك قبل الأنذار وإلزام الحجة. وما تنزلت به الشياطين كما زعم المشركون أنه من قبيل ما تلقي الشياطين على الكهنة. وما ينبغي لهم: وما يصح لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون. إنهم عن السمع لكلام الملائكة لمعزولون: لمصروفون، حيل بينهم وبين السماء بالملائكة والشهب، كما يأتي بيانه في الصافات (2)، وسورة الجن (3). فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين. من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جارة (4). وأنذر عشيرتك الأقربين فإن الاهتمام بشأنهم أهم. قال: (وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال) (5). وزيد في قراءة أبي وابن مسعود والصادق عليه السلام: (ورهطك المخلصين). كذا ورد (6). قال: (وهي ثابتة في مصحف ابن مسعود) (7).


(1) - الكافي 4: 159، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - ذيل الايات: 8 إلى 11. (3) - ذيل الاية: 9. (4) - مرت ترجمته في ذيل الاية 75 من سورة بني إسرائيل. (5) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 231، الباب: 23، ذيل الحديث الطويل: 1. (6) - المصدر، وفي مجمع البيان 7 - 8: 206، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (ورهطك منهم المخلصين). (7) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 231، الباب: 23، ذيل الحديث الطويل: 1، الأمالي (للصدوق): 423، المجلس: 79، ذيل الحديث: 1، عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام. (*)

[ 898 ]

واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين: لين جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط. فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون. وتوكل على العزيز الرحيم الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه، يكفك شر من يعصيك. الذي يراك حين تقوم قال: (حين تقوم في النبوة) (1). وتقلبك في الساجدين قال: (في أصلاب النبيين) (2). إنه هو السميع العليم. هل أنبئكم على من تنزل الشياطين. تنزل على كل أفاك أثيم: كذاب شديد الأثم. يلقون السمع وأكثرهم كاذبون أي: الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين، فيتلقون منهم ظنونا وأمارات، فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها. كذا قيل (3). وورد: (إن الشياطين تزور أئمة الضلال، فتأتيهم بالأفك والكذب، وبعددهم من الملائكة تزور أئمة الهدى كل يوم وليلة) (4) في لفظ هذا معناه. والشعراء يتبعهم الغاوون قال: (هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) (5). وفي أخرى: (هم القصاص) (6).


(1) - القمي 2: 125، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 207، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (3) - البيضاوي 4: 111. (4) - الكافي 1: 253، ذيل الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 208، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الاعتقادات (في شرح باب الحادي عشر): 105، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 899 ]

ألم تر أنهم في كل واد يهيمون القمي: يعني يناظرون بالأباطيل، ويجادلون بالحجج المضلة، وفي كل مذهب يذهبون، يعني بهم المغيرين دين الله (1). وأنهم يقولون ما لا يفعلون القمي: يعظون الناس ولا يتعظون، وينهون عن المنكر ولا ينتهون، ويأمرون بالمعروف ولا يعملون، وهم الذين غصبوا آل محمد حقهم (2). أقول: إنما سموا بالشعراء، لأن حجج المبطلين من أهل الجدل أكثرها خيالات شعرية لا حقيقة لها، وتمويهات لا طائل تحتها، كأقاويل الشعراء المادحين من لا يستحق، واللئام الممزقين أعراض الأنام، والمموهين الكلام، فكلا الفريقين سيان في (أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون) إلا أن ذكر اتباعهم الغاوين، إنما هو بالنظر إلى من له رياسة في الأضلال من أهل المذاهب الباطلة، فإنكار أحد المعنيين في الحديث يرجع إلى إنكار الحصر فيه. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا. سئل: ما هذا الذكر الكثير ؟ قال: (من سبح تسبيح فاطمة الزهراء، فقد ذكر الله كثيرا) (3). وفي رواية: (من ذكر الله في السر، فقد ذكر الله كثيرا) (4). قيل: هو استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين، الذين يكثرون ذكر الله، ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى، والحث على طاعته، ولو قالوا هجوا، أرادوا به الانتصار ممن هجاهم من الكفار، ومكافاة هجاة المسلمين، كحسان بن ثابت (5)


(1 و 2) - القمي 2: 125. (3) - معاني الأخبار: 193، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (4) - الكافي 2: 105، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد: الصحابي، شاعر النبي صلى الله عليه وآله. أدرك الجاهلية = (*)

[ 900 ]

وكعب بن مالك (1) وكعب بن زهير (2). (3) وهذا معنى: (وانتصروا من بعد ما ظلموا). وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون في قراءتهم: (الذين ظلموا آل محمد حقهم) (4).


= والأسلام، عاش ستين سنة في الجاهلية، ومثلها في الاسلام. وكان من سكان المدينة. لم يشهد مع النبي مشهدا) لعلة أصابته، وعمي قبيل وفاته، توفى سنة 54 ه‍. الأعلام (للزركلي) 2: 175. (1) - كعب بن مالك بن عمرو بن القين، الأنصاري السلمي الخزرجي: صحابي، من أكابر الشعراء، من أهل المدينة، اشتهر في الجاهلية، وكان في الاسلام من شعراء النبي صلى الله عليه وآله، وشهد أكثر الوقائع. ثم كان من أصحاب عثمان، وأنجده يوم الثورة وحرض الأنصار على نصرته. ولما قتل عثمان قعد عن نصرة علي فلم يشهد حروبه. وعمي في آخر عمره وعاش سبعا وسبعين سنة. توفى في سنة: 50 ه‍. الأعلام (للزركلي) 5: 228. (2) - كعب بن زهير بن أبي سلمى المازني، أبو المضرب: شاعر عالي الطبقة، من أهل نجد. له ديوان شعر. كان ممن اشتهر في الجاهلية، ولما ظهر الأسلام هجا النبي صلى الله عليه وآله وأقام يشبب بنساء المسلمين، فهدر النبي دمه، فجاءه (كعب) مستأنسا وقد أسلم، وأنشد لاميته المشهورة، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وآله، وخلع عليه بردته. توفى في سنة: 26 ه‍. الأعلام (للزركلي) 5: 226. (3) - البيضاوي 4: 111. (4) - جوامع الجامع: 334، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 2: 125. (*)

[ 901 ]

سورة النمل [ مكية، وهى ثلاث وتسعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) *. هدى وبشرى للمؤمنين) *. * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم يوقنون) *. * (إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) * عنها لا يدرون ما يتبعها. * (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الاخرة هم الأخسرون) *. * (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) *. إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر) * أي: عن حال الطريق، لأنه قد ضله * (أو آتيكم) * منها * (بشهاب قبس) *: شعلة نار مقبوسة، إن لم أظفر بهما لم أعدم أحدهما، بناء على ظاهر الأمر، وثقة بالله * (لعلكم تصطلون) *: رجاء


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 902 ]

أن تستدفئوا بها. قال: (إنه أصابهم برد شديد وريح وظلمة، وجنهم الليل) (1). * (فلما جاءها نودى أن بورك من في النار) *: من في مكان النار، وهو الوادي المقدس المذكور في طه (2)، والبقعة المباركة المذكورة في القصص (3). * (ومن حولها) *: ومن حول مكانها * (وسبحان الله رب العالمين) * من تمام ما نودي به، لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيها، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر. * (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) *. * (وألق عصاك فلما رآها تهتز) *: تتحرك باضطراب * (كأنها جان) *: حية خفيفة سريعة * (ولى مدبرا ولم يعقب) *: ولم يرجع، من عقب المقاتل: إذا كر بعد ما فر. * (يا موسى لا تخف) * من غيري، ثقة بي * (إني لا يخاف لدي المرسلون) *. * (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم) *. قيل: فيه تعريض لموسى بوكزه القبطي (4). * (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات) * في جملتها أو معها، وقد مضى ذكر تفصيلها (5). * (إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين) *. * (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) *: بينة، كأنها لاجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما تبصر. وفي قراءة السجاد عليه السلام: (مبصرة) (6) بفتح الميم، أي: مكانا يكثر فيه التبصر. * (قالوا هذا سحر مبين) *. * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما) * لأنفسهم * (وعلوا) *: ترفعا من الأيمان والانقياد * (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) * هو الغرق في الدنيا والحرق في


(1) - القمي 2: 139، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - طه (20): 12. (3) - قصص (28): 30. (4) - البيضاوي 4: 113، الكشاف 3: 138. (5) - ذيل الاية: 101 من سورة الأسراء. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 212، عن السجاد عليه السلام. (*)

[ 903 ]

الاخرة. * (ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله) *: ففعلا شكرا له ما فعلا، وقالا: الحمد لله * (الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * يعم من لم يؤت علما، أو مثل علمهما. * (وورث سليمان داوود) * الملك والنبوة. قال: (وهو صبي يرعى الغنم) (1). * (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ) * تشهيرا (2) لنعمة الله وتنويها (3) بها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجزة. قال: (ليس في الاية (من) وإنما هي: وأوتينا كل شئ) (4). * (إن هذا لهو الفضل المبين) *. قال: (يعني الملك والنبوة) (5). ورد: (أعطي سليمان بن داود مع علمه، معرفة المنطق بكل لسان، ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع، وكان إذا شاهد الحروب تكلم بالفارسية، وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلم بالرومية، وإذا خلا بنسائه تكلم بالسريانية والنبطية، وإذا قام في محرابه لمناجاة ربه تكلم بالعربية، وإذا جلس للوفود والخصماء تكلم بالعبرانية) (6). قال: (وأعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم، من الجن والأنس والشياطين، والدواب والطير والسباع، وأعطي علم كل شئ ومنطق كل شئ، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة التي سمع بها الناس، وذلك قوله: (علمنا منطق الطير)، الاية) (7).


(1) - الكافي 1: 383، الحديث: 3، عن الجواد عليه السلام. (2) - في (ألف): (تشميرا). (3) - نوه به تنويها: رفع ذكره وعظمه. المصباح المنير 2: 344 (نوه). (4) - بصائر الدرجات: 342، الحديث: 3، باب أن الأئمة يعرفون منطق الطير، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - جوامع الجامع: 335، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - القمي 2: 129، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - مجمع البيان 7 - 8: 214، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 904 ]

وفي رواية: (أعطي داود وسليمان ما لم يعط أحد من أنبياء الله من الايات علمنا منطق الطير ولان لهما الحديد والصفر من غير نار) (1) الحديث. ويأتي تمامه في ص (2) ان شاء الله. * (وحشر) *: وجمع * (لسليمان جنوده من الجن والأنس والطير فهم يوزعون) *: يحبسون ليتلاحقوا. قال: (يحبس أولهم على آخرهم) (3). * (حتى إذا أتوا على وادي النمل) * القمي: قعد على كرسيه، وحملته الريح فمرت به على وادي النمل، وهو واد ينبت فيه الذهب والفضة، وقد وكل به النمل، وهو قول الصادق عليه السلام: (إن لله واديا ينبت فيه الذهب والفضة، وقد حماه الله بأضعف خلقه وهو النمل، لو رامته البخاتي (4) ما قدرت عليه) (5). * (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) * أنهم يحطمونكم. * (فتبسم ضاحكا من قولها) *. ورد: (إن الريح حملت صوت النملة إلى سليمان عليه السلام وهو مار في الهواء، والريح قد حملته، فوقف وقال: علي بالنملة، فلما أتي بها قال سليمان: يا أيتها النملة أما علمت (6) أني نبي الله، وأني لا أظلم أحدا ؟ قالت النملة: بلى. قال سليمان: فلم تحذرينهم (7) ظلمي، وقلت: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) ؟ ! قالت النملة: خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها، فيبعدوا عن الله عزوجل، ثم قالت النملة:


(1) - القمي 2: 126. (2) - لم نعثر عليه في سورة ص، ولكن يوجد في سورة سبأ، ذيل الاية: 10. (3) - القمي 2: 129، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - البخاتي جمع البخت - بالضم -: الابل الخراسانية، القاموس المحيط 1: 148 (بخت). (5) - القمي 2: 126. (6) - في (ألف): (ما علمت). (7) - في المصدر: (حذرتهم). (*)

[ 905 ]

هل تدري لم سخرت لك الريح من بين سائر المملكة ؟ قال سليمان: مالي بهذا علم، قالت النملة: يعني عزوجل بذلك: لو سخرت لك جميع المملكة كما سخرت لك هذه الريح، لكان زوالها من بين يديك كزوال الريح. فحينئذ تبسم ضاحكا من قولها) (1). * (وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي) *: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي: أكفه وارتبطه، بحيث لا ينفلت عني ولا أنفك عنه، وأدرج ذكر والديه تكثيرا للنعمة. * (وأن أعمل صالحا ترضاه) * تماما للشكر واستدامة (2) للنعمة * (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) * في عدادهم في الجنة. * (وتفقد الطير) *: وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد * (فقال مالى لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) *. * (لاعذبنه عذابا شديدا) *: كنتف ريشه، أو جعله مع ضده في قفص * (أو لاذبحنه) * ليعتبر به أبناء جنسه * (أو ليأتيني بسلطان مبين) *: بحجة تبين عذره. القمي: وكان سليمان إذا قعد على كرسيه جاءت جميع الطير التي سخرها الله عزوجل له، فتظل الكرسي والبساط بجميع من عليه عن الشمس، فغاب عنه الهدهد من بين الطير، فوقع الشمس من موضعه في حجر سليمان، فرفع رأسه وقال كما حكى الله عزوجل (3). ورد: (وإنما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء) (4). * (فمكث غير بعيد) *: زمانا غير مديد، يريد به الدلالة على سرعة رجوعه * (فقال أحطت بما لم تحط به) * يعني حال سبأ. وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه على أنه في أدنى خلق الله من أحاط علما بما لم يحط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر لديه علمه * (وجئتك


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 78، الباب: 32، الحديث: 8. (2) - في (ألف): (استدانه). (3) - القمي 2: 127. (4) - الكافي 1: 226، الحديث: 7، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 906 ]

من سباء بنباء يقين) *. * (إني وجدت امرأة تملكهم) * القمي: هي بلقيس بنت شرح الحميرية (1)، وقيل: بنت شراحيل بن مالك بن ريان (2). * (وأوتيت من كل شئ) * يحتاج إليه الملوك * (ولها عرش عظيم) *. * (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) *: سبيل الحق والصواب * (فهم لا يهتدون) *. * (ألا يسجدوا لله) *: فصدهم ألا يسجدوا، أو زين لهم ألا يسجدوا، أو لا يهتدون أن يسجدوا، بزيادة لا، كقوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد) (3). وعلى قراءة التخفيف (4)، للتنبية، ويا للنداء مناداه محذوف، أي: ألا يا قوم اسجدوا * (الذي يخرج الخب ء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) *. الخب ء: ما خفي في غيره، وإخراجه إظهاره، وهو يعم إشراق الكواكب، وإنزال الامطار، وإنبات النبات، بل الانشاء والابداع. * (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) * المشتمل على المخلوقات كلها. * (قال سننظر) *: سنتعرف، من النظر بمعنى التأمل * (أصدقت أم كنت من الكاذبين) *. * (إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم) *: تنح إلى مكان قريب تتوارى فيه * (فانظر ماذا يرجعون) *: ماذا يرجع بعضهم إلى بعض من القول. القمي: قال الهدهد: إنها لفي حصن منيع. قال سليمان: ألق كتابي على قبتها فجاء الهدهد فألقى الكتاب في حجرها، فارتاعت من ذلك، وجمعت جنودها، وقالت لهم كما


(1) - القمى 2: 127. (2) - البيضاوى 4: 115، الكشاف 3: 144. (3) - الاعراف (7): 12. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 216. (*)

[ 907 ]

حكى الله (1). * (قالت) * أي: بعد ما ألقى إليها * (يا أيها الملاء إني ألقى إلي كتاب كريم) * القمي: أي: مختوم (2). ورد: (كرم الكتاب ختمه) (3). * (إنه) *: إن الكتاب * (من سليمان وإنه) *: وإن المكتوب * (بسم الله الرحمن الرحيم) *. * (ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) *: مؤمنين منقادين. قيل: هذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع وصفاته، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل، والامر بالاسلام الجامع لامهات الفضائل، وليس الامر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته، حتى يكون استدعاء للتقليد، فإن إلقاء الكتاب على تلك الحالة من أعظم الادلة (4). * (قالت يا أيها الملاء أفتوني في أمري) *: اذكروا ما تستصوبونه فيه ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون) *: إلا بمحضركم، كأنها استعطفتهم بذلك، ليمالئوها على الاجابة * (قالوا نحن أولوا قوة) * بالاجساد والعدد. ورد: (ما يكون أولو قوة إلا عشرة آلاف) (5). * (وأولوا بأس شديد) *: نجدة وشجاعة * (والامر إليك) * موكول * (فانظري ماذا تأمرين) * من المقاتلة والصلح نطعك ونتبع رأيك. * (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) * بنهب الاموال وتخريب الديار * (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) * بالاهانة والاسر * (وكذلك يفعلون) * القمي: فقال الله تعالى:


(1 و 2) - القمى 2: 127. (3) - جوامع الجامع: 337، الكشاف 3: 146، عن النبي عليه السلام. (4) - البيضاوي 4: 116. (5) - كمال الدين 2: 654، الباب: 57، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (ما تكن أولوا القوة أقل من عشرة آلاف). (*)

[ 908 ]

(وكذلك يفعلون) (1). * (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة) * قال: (منتظرة) (2). * (بم يرجع المرسلون) * من حاله، حتى أعمل بحسب ذلك. القمي: قالت: إن كان هذا نبيا من عند الله كما يدعي، فلا طاقة لنا به، فإن الله عزوجل لا يغلب، ولكن سأبعث إليه بهدية، فإن كان ملكا يميل إلى الدنيا قبلها، وعلمت (3) أنه لا يقدر علينا، فبعثت حقة (4) فيها جوهرة عظيمة، وقالت للرسول: قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد ولا نار، فأتاه الرسول بذلك، فأمر سليمان بعض جنوده من الديدان، فأخذ خيطا في فمه ثم ثقبها وأخذ الخيط من الجانب الاخر (5). * (فلما جاء سليمان) * أي: الرسول وما أهدت إليه * (قال أتمدونن بمال فما آتانى الله) * من الملك والنبوة، الذي لا مزيد عليه * (خير مما آتاكم) * فلا حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي * (بل أنتم بهديتكم تفرحون) * لانكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. * (إرجع) * أيها الرسول * (إليهم) *: إلى بلقيس وقومها * (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) *: لا طاقة لهم بمقاومتها، ولا قدرة لهم على مقاتلتها * (ولنخرجنهم منها) *: من سبأ * (أذلة وهم صاغرون) *. القمي: فرجع إليها الرسول، فأخبرها بذلك وبقوة سليمان، فعلمت أنه لا محيص لها، فخرجت وارتحلت نحو سليمان (6).


(1) - القمي 2: 128. (2) - الاحتجاج 1: 362. (3) - في المصدر: (وعلمنا). (4) - الحقة: وعاء صغير من خشب أو عاج أو غير ذلك مما يصلح أن ينحت منه. القاموس المحيط 3: 229، لسان العرب 10: 56 (حقق). (5) - القمي 2: 128. (6) - القمي 2: 128. (*)

[ 909 ]

* (قال يا أيها الملاء أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) *. القمي: لما علم سليمان بإقبالها نحوه قال ذلك (1). قيل: أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله به من العجائب الدالة على عظيم القدرة، وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر عقلها بعرفان عرشها بعد التنكير (2). * (قال عفريت) *: خبيث مارد * (من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) *: مجلسك للحكومة. قيل: وكان يجلس إلى نصف النهار (3). * (وإني عليه) *: على حمله * (لقوي أمين) *: لا أختزل منه شيئا ولا أبدله، القمي: قال سليمان: أريد أسرع من ذلك (4). * (قال الذي عنده علم من الكتاب) *: آصف بن برخيا (5). * (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) *. قال: (إن اسم الله الاعظم على ثلاثة وسبعين حرفا، وإنما كان عند آصف منها حرف واحد، فتكلم به، فخسف بالارض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثم عادت الارض كما كانت أسرع من طرفة عين، وعندنا نحن من الاسم الاعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (6). وفي رواية: (إن الارض طويت له) (7). ورد: (ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرف آصف، لكنه أحب أن يعرف الجن


(1) - القمي 2: 128. (2 - 3) - البيضاوي 4: 117. (4) - القمي 2: 128. (5) - آصف بن برخيا: كان وزير سليمان وابن أخته، وكان صديقا يعرف اسم الله الاعظم الذي إذا دعي به أجاب. عن ابن عباس. مجمع البيان 7 - 8: 223. (6) - بصائر الدرجات: 208، الباب: 13، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي الكافي 2: 230، الحديث: 1، عنه عليه السلام، مع تفاوت. (7) - مجمع البيان 7 - 8: 223، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 910 ]

والانس أنه الحجة من بعده) (1). * (فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) * لانه يستجلب به دوام النعمة ومزيدها * (ومن كفر فإن ربي غنى) * عن شكره * (كريم) * بالانعام عليه ثانيا. * (قال نكروا لها عرشها) * بتغيير هيئته وشكله * (ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون) * إلى معرفته. * (فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو) * ولم تقل: هو هو، لاحتمال أن يكون مثله، وذلك من كمال عقلها * (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) *. قيل: هو من تمام كلامها، كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها، وإظهار معجزة لها، فقالت: أوتينا العلم بكمال قدرة الله وصحة نبوتك، قبل هذه الحالة (2). * (وصدها ما كانت تعبد من دون الله) * أي: وصدها عبادتها الشمس عن التقدم إلى الاسلام * (إنها كانت من قوم كافرين) *: نشأت بين أظهر الكفار. * (قيل لها ادخلي الصرح) *: القصر أو عرصة الدار * (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه) *: إن ما تظنينه ماء * (صرح ممرد) *: مملس * (من قوارير) *: من الزجاج * (قالت رب إني ظلمت نفسي) * بعبادتي الشمس * (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) *. روي: (إنه أمر قبل قدومها فبنى قصر صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى فيه من حيوانات البحر، ووضع سريره في صدره فجلس عليه، فلما أبصرته ظنت ماء راكدا، فكشفت عن ساقيها) (3).


(1) - تحف العقول: 478، مجمع البيان 7 - 8: 225، عن الهادي عليه السلام، في أجوبته عن مسائل يحيى بن أكثم. (2) - البيضاوي 4: 117. (3) - الكشاف 3: 150، البيضاوي 4: 118. (*)

[ 911 ]

والقمي: قد أمر أن يتخذ لها بيتا من قوارير، ووضعه على الماء، ثم (قيل لها: ادخلي الصرح)، فظنت أنه ماء، فرفعت ثوبها وأبدت ساقيها، فإذا عليها شعر كثير، فتزوجها سليمان، وقال للشياطين: اتخذوا لها شيئا يذهب هذا الشعر عنها، فعملوا الحمامات وطبخوا النورة (1). * (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون) *. قال: (يقول: مصدق ومكذب، قال الكافرون منهم: أتشهدون أن صالحا مرسل من ربه ؟ قال المؤمنون: إنا بالذي أرسل به مؤمنون (2)، قال الكافرون منهم: (إنا بالذي آمنتم به كافرون) (3) (4). * (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) * القمي: إنهم سألوه قبل أن يأتيهم الناقة أن يأتيهم بعذاب أليم. فأرادوا بذلك امتحانه ! فقال: (يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) يقول: بالعذاب قبل الرحمة (5) وقيل: كانوا يقولون: إن صدق إيعاده تبنا، فالحسنة التوبة (6). * (لولا تستغفرون الله) * قبل نزوله * (لعلكم ترحمون) * بقبولها، فإنها لا تقبل حينئذ. * (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) *: تشأمنا إذ تتابعت علينا الشدائد، وأوقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم. القمي: أصابهم جوع شديد (7). * (قال طائركم عند الله) *


(1) - القمي 2: 128. (2) - اقتباس من القرآن، ونص الاية هكذا: * (قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون) * الاعراف (7): 75. (3) - الاعراف (7): 76. (4) - القمي 2: 132، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - المصدر. (6) - البيضاوي 4: 118. (7) - القمى 2: 132. (*)

[ 912 ]

القمي: يقول: خيركم وشركم من عند الله (1) بل أنتم قوم تفتنون) *: تختبرون بتعاقب السراء والضراء. * (وكان في المدينة تسعة رهط) *: نفر * (يفسدون في الارض ولا يصلحون) *: شأنهم الافساد الخالص عن شوب الصلاح. القمي: كانوا يعملون في الارض بالمعاصي (2). * (قالوا) *: قال بعضهم لبعض * (تقاسموا بالله) *: تحالفوا * (لنبيتنه وأهله) *: لنباغتن (3) صالحا وأهله ليلا * (ثم لنقولن لوليه) *: لولي دمه * (ما شهدنا مهلك أهله) * فضلا أن تولينا إهلاكهم * (وإنا لصادقون) *: ونحلف إنا لصادقون، أو يعنون نوري. كذا قيل (4). * (ومكروا مكرا) * بهذه المواضعة * (ومكرنا مكرا) * بأن جعلناها سببا لاهلاكهم * (وهم لا يشعرون) *. القمي: فأتوا صالحا ليلا ليقتلوه، وعند صالح ملائكة يحرسونه، فلما أتوه قاتلتهم الملائكة في دار صالح رجما بالحجارة، فأصبحوا في داره مقتلين (5)، وأخذت قومه الرجفة (فأصبحوا في دارهم جاثمين) (6). * (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) *. * (فتلك بيوتهم خاوية) *: خالية أو ساقطة منهدمة * (بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون) *. * (وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) *. * (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون) * خبثها، أو يبصرها بعضكم


(1 و 2) - القمي 2: 132. (3) - من البغتة وهو الفجأة، جاء بغتة، أي: فجأة على غرة. المصباح المنير 1: 71 (بغت). (4) - البيضاوي 4: 118. (5) - في (ألف): (مقتولين). (6) - القمي 2: 132. والاية في سورة الاعراف (7): 78. (*)

[ 913 ]

من بعض، وكانوا يعلنون. * (أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء) * اللاتي خلقن لذلك * (بل أنتم قوم تجهلون) *: سفهاء. * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) *: يتنزهون عن أفعالنا. * (فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين) *: الباقين في العذاب. * (وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين) *. * (قل الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى) * قال: (هم آل محمد عليهم السلام) (1). * (الله خير أما يشركون) *. إلزام لهم وتهكم بهم وتسفيه لرأيهم. * (أمن) *: بل أمن * (خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة) *. عدل به عن الغيبة إلى التكلم، لتأكيد اختصاص الفعل بذاته. * (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) *: شجر الحدائق * (أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) * عن الحق، وهو التوحيد. * (أمن جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي) *: جبالا * (وجعل بين البحرين) *: العذب والمالح * (حاجزا) *: برزخا، وقد مر بيانه في سورة الفرقان (2). * (أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون) *. * (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض) *: خلفاء فيها، بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن كان قبلكم. كذا قيل (3). * (أإله مع الله) * الذي حفكم بهذه النعم * (قليلا ما تذكرون) *.


(1) - جوامع الجامع: 339، عنهم عليهم السلام، القمي 2: 129. (2) - ذيل الايات: 53 - 54. (3) - البيضاوي 4: 119، الكشاف 3: 155. (*)

[ 914 ]

* (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) * بالنجوم وغيرها * (ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته) * يعني المطر * (أإله مع الله) * يقدر على شئ من ذلك * (تعالى الله عما يشركون) *. * (أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والارض) * بأسباب سماوية وأرضية * (أإله مع الله) * يفعل ذلك * (قل هاتوا برهانكم) * على شئ من ذلك * (إن كنتم صادقين) * في إشراككم. * (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون) *. * (بل ادارك) *: تتابع حتى استحكم * (علمهم في الاخرة) * القمي: يقول: علموا بعد ما كانوا جهلوا في الدنيا (1). * (بل هم في شك منها) *: في حيرة * (بل هم منها عمون) * لاختلال بصيرتهم. قيل: الاضرابات الثلاث تنزيل لاحوالهم (2). * (وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون) * من الاجداث، أو من الفناء إلى الحياة. * (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل) *: قبل هذا * (إن هذا إلا أساطير الاولين) *: أكاذيبهم التي هي كالاسمار (3). * (قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) * تهديد وتخويف. * (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) * فإن الله يعصمك منهم. * (ويقولون متى هذا الوعد) *: العذاب الموعود * (إن كنتم صادقين) *.


(1) - القمى 2: 132. (2) - الكشاف 3: 157، البيضاوي 4: 120. (3) - الاسمار جمع السمر: الحديث في الليل. القاموس المحيط 2: 53 (سمر). (*)

[ 915 ]

* (قل عسى أن يكون ردف لكم) *: تبعكم ولحقكم * (بعض الذي تستعجلون) * قيل: هو عذاب يوم بدر (1). * (وإن ربك لذو فضل على الناس) * بتأخيره عقبوتهم لعلهم يرجعون * (ولكن أكثرهم لا يشكرون) *. * (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم) *: ما تخفيه * (وما يعلنون) *. * (وما من غائبة) *: خافية * (في السماء والارض إلا في كتاب مبين) *: (في أم الكتاب). كذا ورد (2). * (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) * كالتشبيه والتنزيه، وأحوال الجنة والنار، وعزير والمسيح. * (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) *. * (إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم) *. * (فتوكل على الله) * ولا تبال بمعاداتهم * (إنك على الحق المبين) * وصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصرته. * (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) *. * (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) * شبهوا بالموتى والصم والعمي، لعدم انتفاعهم بما يتلى عليهم * (إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) *: من هو في علم الله كذلك * (فهم مسلمون) *: مخلصون. * (وإذا وقع القول عليهم) * (وهو ما وعدوا به من الرجعة عند قيام المهدي) كذا ورد (3). * (أخرجنا لهم دابة من الارض) * (وهو أمير المؤمنين صلوات الله عليه حين يكر).


(1) - الكشاف 3: 158، البيضاوي 4: 121. (2) - الكافي 1: 226، ذيل الحديث: 7، عن الكاظم عليه السلام. (3) - تأويل الايات الظاهرة: 400، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 234، جوامع الجامع: 341، ورد (*)

[ 916 ]

كذا ورد في أخبار (1) كثيرة (2) * (تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) *. قال: (كلم الله من قرأ تكلمهم يعني بالتخفيف. قال: ولكن تكلمهم بالتشديد) (3). قال: (والله ما لها ذنب وإن لها للحية) (4). وقال: (معها خاتم سليمان وعصا موسى، يضع الخاتم على وجه كل مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقا، ويضعه على وجه كل كافر فيكتب: هذا كافر حقا. قال: وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها، فعند ذلك ترفع التوبة، فلا تقبل توبة ولا عمل يرفع (ولا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) (5)) (6). * (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) * قال: (يعني يوم الرجعة) (7). * (ممن يكذب بآياتنا) *. قال: (الايات أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام) (8). * (فهم يوزعون) *: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا. * (حتى إذا جاؤوا) * إلى المحشر * (قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون) *. تبكيت لهم، إذ لم يفعلوا غير التكذيب. * (ووقع القول عليهم) *: حل بهم العذاب الموعود * (بما ظلموا) *: بسبب ظلمهم، وهو التكذيب بآيات الله * (فهم لا ينطقون) * باعتذار، لشغلهم بالعذاب.


من آل محمد عليهم السلام. (1) - الكافي 1: 198، الحديث: 3، القمي 2: 130، مختصر بصائر الدرجات: 42 - 43 و 209، مجمع البيان 7 - 8: 234. (2) - في (ب) زيادة: (غير معتبرة). (3) - جوامع الجامع: 341، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 234، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - الانعام (6): 158. (6) - كمال الدين 2: 527، الباب: 47، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (7) - القمي 2: 36 و 130، مختصر بصائر الدرجات: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام بالمضمون. (8) - القمي 2: 130، مختصر بصائر الدرجات: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 917 ]

قال: (والدليل على أن هذا في الرجعة، قوله: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا) فقيل: إن العامة تزعم: أنه يوم القيامة، فقال: فيحشر الله عزوجل يوم القيامة من كل أمة فوجا، ويدع الباقين ؟ ! لا، ولكنه في الرجعة. وأما آية القيامة فهي (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) (1)) (2). وورد: (ليس أحد من المؤمنين قتل إلا ويرجع حتى يموت، ولا يرجع إلا من محض الايمان محضا، ومن محض الكفر محضا) (3). وفي رواية: (فلا يدعون وترا لال محمد إلا قتلوه) (4). * (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) * بالنوم والقرار * (والنهار مبصرا) * أصله ليبصروا فيه، فبولغ فيه بجعل الابصار حالا من أحواله المجبول عليها * (إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون) *. * (ويوم ينفخ في الصور) * روي: (إنه قرن من نور التقمه إسرافيل) (5). * (ففزع من في السموات ومن في الارض) * من الهول. وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه * (إلا من شاء الله) * أن لا يفزع، بأن يثبت قلبه * (وكل أتوه داخرين) *: صاغرين. * (وترى الجبال تحسبها جامدة) *: ثابتة في مكانها * (وهى تمر مر السحاب) * في السرعة. قيل: وذلك لان الاجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين (6) حركتها (7). * (صنع الله الذي أتقن كل شئ) *: أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي * (إنه


(1) - الكهف (18): 47. (2) - القمي 2: 130، مختصر بصائر الدرجات: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 131، مختصر بصائر الدرجات: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 8: 206، الحديث: 205، العياشي 2: 281، الحديث: 20، عن أبي عبداله عليه السلام. (5) - تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 3: 112، ذيل الاية: 99 من سورة الكهف. (6) - في (ب): (تتبين). (7) - البيضاوي 4: 122. (*)

[ 918 ]

خبير بما تفعلون) *. * (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون) *. * (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار) *: فكبوا على وجوههم. قال: (الحسنة معرفة الولاية وحبنا أهل البيت، والسيئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت) (1). * (هل تجزون إلا ما كنتم تعملون) *. * (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها) *. ورد: (إن قريشا لما هدموا الكعبة وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته، حتى دعوا رجلا فقرأه، فإذا فيه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السماوات والارض، ووضعتها بين هذين الجبلين، وحففتها بسبعة أملاك حفا) (2). وقال النبي صلى الله عليه وآله: (ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والارض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد (3)، فقال العباس: يا رسول الله إلا الاذخر فإنه للقبر والبيوت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إلا الاذخر) (4). * (وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين) *: المنقادين. * (وأن أتلو القرآن فمن اهتدى) * باتباعه إياي في ذلك * (فإنما يهتدي لنفسه) *: فإن منافعه عائدة إليه * (ومن ضل) * بمخالفتي * (فقل إنما أنا من المنذرين) * فلا علي من وبال ضلالته شئ، إذ ما على الرسول إلا البلاغ، وقد بلغت. * (وقل الحمدلله) * على نعمة النبوة، وعلى ما علمني ربى ووفقني للعمل به


(1) - الكافي 1: 185، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 4: 225، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - نشد الضالة: طلبها وعرفها. القاموس المحيط 1: 354 (نشد). (4) - الكافي 4: 226، ذيل الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 919 ]

* (سيريكم آياته) * إذا رجعتم إلى الدنيا ورجعوا * (فتعرفونها) *: فتعرفون أنها آيات الله، حين لا تنفعكم المعرفة. قال: (الايات أمير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم، إذا رجعوا إلى الدنيا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: والله ما لله آية أكبر مني) (1). * (وما ربك بغافل عما تعملون) *.


(1) - القمي 2: 132. (*)

[ 920 ]

سورة القصص [ مكية، وهى ثمان وثمانون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم) *. * (تلك آيات الكتاب المبين) *. * (نتلو عليك من نباء موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون) *. * (إن فرعون علا في الارض) *: أرض مصر * (وجعل أهلها شيعا) *: فرقا يشيعون * (يستضعف طائفة منهم) * وهم بنو إسرائيل * (يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم) * وذلك لان كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده. * (إنه كان من المفسدين) *. * (ونريد أن نمن) *: نتفضل * (على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) *. * (ونمكن لهم في الارض) *: نسلطهم فيها * (ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) * من ذهاب ملكهم وهلاكهم. قال: (هم آل محمد، يبعث الله مهديهم بعد


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 921 ]

جهدهم، فيعزهم ويذل عدوهم) (1). أقول: يعني في الباطن والتأويل، وكذا كل ما في معناه من الاخبار (2). * (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) * ما أمكنك إخفاؤه * (فإذا خفت عليه) * الصوت * (فألقيه في اليم) *: في النيل * (ولا تخافي) * عليه ضيعة ولا شدة * (ولا تحزني) * لفراقه * (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) *. * (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) *. تعليل لالتقاطهم إياه، بما هو عاقبته ومؤداه، تشبيها له بالغرض الحامل عليه. * (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين) *. * (وقالت امرأة فرعون) * أي: لفرعون حين أخرجته من التابوت: * (قرة عين لي ولك) * عن ابن عباس: (قال فرعون: قرة عين لك، فأما لي فلا. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي يحلف (3) به لو أقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته، لهداه الله به كما هداها، ولكنه أبى للشقاء الذي كتب الله عليه) (4). * (لا تقتلوه عسى أن ينفعنا) * فإن فيه مخايل (5) اليمن ودلائل النفع * (أو نتخذه ولدا) *: نتبناه، فإنه أهل له * (وهم لا يشعرون) * أنه الذي ذهاب ملكهم على يديه. * (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا) *: صفرا (6) من العقل، لما دهمها (7) من الخوف والحيرة * (إن كادت لتبدي به) *: إنها كادت لتظهر بأمره وقصته. قال: (كادت تخبر بخبره أو تموت، ثم حفظت نفسها) (8). لولا أن ربطنا على قلبها) * بالصبر والثبات * (لتكون من


(1) - الغيبة (للطوسي): 184، الحديث: 143، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - نهج البلاغة: 506، الحكمة: 209، معاني الاخبار: 79، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) - في (ج): (نحلف). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 241، الكشاف 3: 166، البيضاوى 4: 124. (5) - مخايل، جمع المخيلة وهى ما يوقع في الخيال يعنى به الامارات. مجمع البحرين 5: 368 (خيل). (6) - الصفر - بالكسر فالسكون -: الخالى. مجمع البحرين 3: 367 (صفر). (7) - دهمهم أمر: إذا غشيهم فاشيا. لسان العرب 12: 210 (دهم). (8) - القمى 2: 136، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 922 ]

المؤمنين) *: من المصدقين بوعد الله، والواثقين بحفظه. قال: (فلما خافت عليه الصوت أوحى الله إليها أن اعملي التابوت ثم اجعليه فيه، ثم أخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر، فوضعته في التابوت ثم دفعته في اليم، فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر (1)، وأن الريح ضربته فانطلقت به، فلما رأته قد ذهب به الماء همت أن تصيح، فربط الله على قلبها) (2). * (وقالت لاخته قصيه) *: اتبعي أثره وتتبعي خبره * (فبصرت به عن جنب) *: عن بعد * (وهم لا يشعرون) * أنها تقص وأنها أخته. * (وحرمنا عليه المراضع) *: ومنعناه أن يرتضع من المرضعات * (من قبل) *: من قبل قصصها أثره * (فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) *: لا يقصرون في إرضاعه وتربيته. * (فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن) * بفراقه * (ولتعلم أن وعد الله حق) * علم مشاهدة. * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * قد مرت هذه القصة في (طه) (3). * (ولما بلغ أشده) * قال: (ثمان عشرة سنة) (4). * (واستوى) * قال: (التحى) (5). * (آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) *. * (ودخل المدينة) * قال: (مدينة من مدائن فرعون). (6) * (على حين غفلة من أهلها) * قال: (بين المغرب والعشاء) (7). * (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته) * قال:


(1) - الغمر: الماء الكثير. الصحاح 2: 772 (غمر). (2) - كمال الدين 1: 148، الباب: 6، ذيل الحديث الطويل: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - ذيل الاية: 40، واطلب تفصيل القصة في الصافي 3: 306. (4 و 5) - معاني الاخبار: 226، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. التحى الغلام: نبتت لحيته. مصباح المنير 2: 243 (لحى). (6 و 7) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 198، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1. (*)

[ 923 ]

(يقول بقول موسى) (1). * (وهذا من عدوه) * قال: (يقول بقول فرعون) (2). * (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) *: سأله أن يغيثه بالاعانة، ولذلك عدى ب‍ (على) * (فوكزه موسى) *: فضرب العدو بجمع كفه (3) * (فقضى عليه) * قيل: أي: قتله، وأصله أنهى حياته (4). وقال: (أي: قضى على العدو بحكم الله، فوكزه فمات) (5). * (قال هذا من عمل الشيطان) * قال: (يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين، لا ما فعله موسى من قتله) (6). * (إنه عدو مضل مبين) *. * (قال رب إني ظلمت نفسي) * قال: (يقول: وضعت نفسي غير موضعها، بدخول هذه المدينة) (7). * (فاغفر لي) * أي: استرني من أعدائك، لئلا يظفروا بي فيقتلوني * (فغفر له إنه هو الغفور الرحيم) *. * (قال رب بما أنعمت علي) * - الباء للسببية وقيل: للقسم - (8) قال: (يعني من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة) (9). ورد: (وكان موسى قد أعطي بسطة في الجسم وشدة في البطش (10)) (11). * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) * قال: (بل أجاهدهم في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى) (12). * (فأصبح في المدينة خائفا يترقب) *: يترصد الاستقادة * (فإذا الذى استنصره


(1 و 2) - القمي 2: 137، ذيل الحديث الطويل، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - جمع الكف - بالضم - وهو حين تقبضها. الصحاح 3: 1198 (جمع). (4) - البيضاوي 4: 125. (5 و 6) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1. (7) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1، مع تفاوت يسير. (8) - البيضاوي 4: 125، الكشاف 3: 169. (9) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1. (10) - البطش: الاخذ بسرعة والاخذ بعنف وسطوة. مجمع البحرين 4: 130 (بطش). (11) - كمال الدين 1: 150، الباب: 6، ذيل الحديث الطويل: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (12) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1، مع تفاوت يسير. (*)

[ 924 ]

بالامس يستصرخه) *: يستغيثه على آخر * (قال له موسى إنك لغوي مبين) *. قال: (قال له: قاتلت رجلا بالامس، وتقاتل هذا اليوم ! لاوذينك، وأراد أن يبطش به) (1). * (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين) *. قال: (فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى، فاستغاث بموسى، فلما نظر صاحبه إلى موسى قال له: (أتريد أن تقتلني) ؟ ! فخلى عن صاحبه وهرب) (2). * (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) *: يسرع * (قال يا موسى إن الملاء يأتمرون بك) *: يتشاورون بسببك * (ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) *. قال: (وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى، قد كتم إيمانه ستمائة سنة، وهو الذي قال الله عزوجل: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) (3) قال: وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل، فطلبه ليقتله، فبعث المؤمن إلى موسى: (إن الملأ يأتمرون بك)) (4). * (فخرج منها) *: من المدينة * (خائفا يترقب) * لحوق طالب * (قال رب نجني من القوم الظالمين) *: خلصني منهم واحفظني من لحوقهم. قال: (يلتفت يمنة ويسرة ويقول: (رب نجني من القوم الظالمين) - قال: - ومر نحو


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 199، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1، مع تفاوت يسير. (2) - القمى 2: 137، عن أبى جعفر عليه السلام. (3) - الغافر (40): 28. (4) - القمى 2: 137، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 925 ]

مدين، وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة أيام) (1). * (ولما توجه تلقاء مدين) *: قبالة مدين، قرية شعيب * (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) *. * (ولما ورد ماء مدين) * أي: البئر. قال: (فخرج من مصر بغير ظهر (2) ولا دابة ولا خادم، تخفضه الارض مرة وترفعه أخرى، حتى انتهى إلى أرض مدين، فانتهى إلى أصل شجرة، فنزل فإذا تحتها بئر) (3). * (وجد عليه أمة من الناس) *: جماعة كثيرة مختلفين * (يسقون) * مواشيهم * (ووجد من دونهم) *: في مكان أسفل من مكانهم * (امرأتين تذودان) *: تمنعان أغنامهما عن الماء، لئلا تختلط بأغنامهم * (قال ما خطبكما) *: ما شأنكما تذودان * (قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء) *: يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء، حذرا من مزاحمة الرجال * (وأبونا شيخ كبير) *: كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي، فيرسلنا اضطرارا. * (فسقى لهما) * مواشيهما رحمة عليهما. قال: (فرحمهما موسى ودنا من البئر، فقال لمن على البئر: استقي لي دلوا ولكم دلوا، وكان الدلو يمده عشرة رجال، فاستقى وحده دلوا لمن على البئر ودلوا لبنتي شعيب، وسقى أغنامهما. قال: وكان شديد الجوع (4)، ولم يكن أكل منذ ثلاثة أيام شيئا) (5). قيل: وكان على رأس البئر حجر لايقله إلا سبعة رجال، وقيل: عشرة، وقيل: أربعون، فأقله وحده (6).


(1) - القمي 2: 137، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - ظهر - بالفتح فالسكون - استعارة للدابة والراحلة. مجمع البحرين 3: 389 (ظهر). (3) - كمال الدين 1: 150، الباب: 6، ذيل الحديث الطويل: 13، عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) - القمى 2: 138، ذيل الحديث الطويل، عن أبى جعفر عليه السلام. (5) - المصدر: 137، ذيل الحديث الطويل، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - جوامع الجامع: 344، الكشاف 3: 170، البيضاوي 4: 126. (*)

[ 926 ]

* (ثم تولى إلى الظل) * قال: (إلى الشجرة فجلس فيها) (1). * (فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) *. قال: (سأل الطعام) (2). وفي رواية: (والله ما سأل الله عزوجل إلا خبزا يأكله، لانه كان يأكل بقلة الارض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف (3) صفاق (4) بطنه لهزاله وتشذب لحمه (5)) (6). وفي رواية: (قال ذلك وهو محتاج الى شق تمرة) (7). * (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين) *. * (قالت إحداهما يا أبت استأجره) * لرعي الغنم * (إن خير من استأجرت القوى الامين) *. قال: (قال لها شعيب: يا بنية هذا قوي، قد عرفته برفع الصخرة - وفي رواية: بأنه يستقي الدلو وحده (8) - الامين من أين عرفته ؟ قالت: يا أبة إني مشيت قدامه فقال: امشي من خلفي، فإن ضللت فارشديني إلى الطريق، فإنا قوم لا ننظر في أدبار النساء) (9). * (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثمانى حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك) * تفضلا منك لا الزاما عليك * (وما أريد أن أشق عليك) * بالزام


(1) - كمال الدين 1: 150، الباب: 6، ذيل الحديث الطويل: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (فجلس تحتها). (2) - الكافي 6: 287، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي العياشي 2: 330، الحديث: 44، عنه عليه السلام، وفيه: (إنما عنى الطعام). (3) - شفيف: رقيق يستشف ما وراءه، أي يبصر. المصباح المنير 1: 384 (شفف). (4) - الصفاق: الجلد الاسفل الرقيق تحت الجلد الذي عليه الشعر وفوق اللحم. لسان العرب 7: 367 (صفق). (5) - تشذب اللحم: فقدانه وتفرقه، ويقال: فرس مشذب. إذا كان طويلا ليس كثير اللحم. لسان العرب 1: 487 (شذب). (6) - نهج البلاغة: 226 - 227، الخطبة: 160. (7) - كمال الدين 1: 150، الباب: 6، ذيل الحديث الطويل: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) - القمي 2: 138، عن أبي جعفر عليه السلام. (9) - من لا يحضره الفقيه 4: 12، الحديث: 6، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 927 ]

الاتمام * (ستجدني إن شاء الله من الصالحين) * في حسن المعاملة. * (قال ذلك بيني وبينك) * لا نخرج عنه * (أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) *: شاهد حفيظ. * (فلما قضى موسى الاجل) * سئل: أي الاجلين قضى ؟ قال: (أوفاهما وأبعدهما، عشر سنين) (1). وفي رواية: (وإن سئلت أية الابنتين تزوج ؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت وقالت: (يا أبت استأجره)) (2). * (وسار بأهله) *: بامرأته * (آنس) *: أبصر * (من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر) * أي: عن الطريق، فإنه قد ضله * (أو جذوة) *: عود غليظ * (من النار لعلكم تصطلون) *: تستدفئون بها. قال: (فلما صار في مفازة ومعه أهله، أصابهم برد شديد وريح وظلمة وجنهم الليل، فنظر موسى إلى نار قد ظهرت) (3). * (فلما أتاها نودى من شاطئ الواد الايمن) * قال: (هو الفرات) (4). * (في البقعة المباركة) * قال: (هي كربلا) (5). * (من الشجرة) * قيل: كانت نابتة على الشاطئ (6). * (أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) *. هذا وإن خالف ما في طه (7) والنمل (8) لفظا، فلا يخالفه في المعنى. * (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز) * أي: فألقاها فصارت ثعبانا واهتزت، فلما رآها تهتز * (كأنها جان) *: حية في الهيئة والجثة، أو في السرعة * (ولى مدبرا) *: مهزما من


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 250، عن أبي عبد الله عليه السلام، ذيل الاية: 27. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 250، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - القمي 2: 139، ذيل الحديث الطويل، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4 و 5) - التهذيب 6: 38، الحديث: 80، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الكشاف 3: 175، البيضاوي 4: 127. (7) - الاية: 10 - 11. (8) - الاية: 7 - 8. (*)

[ 928 ]

الخوف * (ولم يعقب) *: ولم يرجع * (يا موسى) *: نودي يا موسى * (أقبل ولا تخف إنك من الامنين) * من المخاوف، فإنه (لا يخاف لدي المرسلون) (1). * (أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) * قال: (أي: من غير علة) (2). * (واضمم إليك جناحك من الرهب) *. قيل: ولعل ذلك لاخفاء الخوف عن العدو (3)، أو لتسكينه بناء على ما يقال: إن الخوف يسكن بوضع اليد على الصدر. * (فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملأه إنهم كانوا قوما فاسقين) *. * (قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون) * بها. * (وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معى ردءا) *: معينا * (يصدقني) * بتلخيص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة * (انى أخاف أن يكذبون) *. * (قال سنشد عضدك بأخيك) *: سنقويك به * (ونجعل لكما سلطانا) *: غلبة * (فلا يصلون إليكما) * باستيلاء * (بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) *. * (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) *. * (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار) *: العاقبة المحمودة لدار الدنيا التي هي الجنة، لانها خلقت مجازا إليها * (إنه لا يفلح الظالمون) *. * (وقال فرعون يا أيها الملاء ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لاظنه من الكاذبين) *. قال: (فبنى هامان له صرحا، حتى بلغ مكانا في الهواء، لا يتمكن الانسان أن يقوم


(1) - النمل (27): 10، والاية: (إني لا يخاف لدي المرسلون). (2) - القمي 2: 140، ذيل الحديث الطويل، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - غرائب القرآن 3: 151. (*)

[ 929 ]

عليه من الرياح القائمة في الهواء، فقال لفرعون: لا نقدر أن نزيد على هذا، فبعث الله عزوجل رياحا فرمت به) الحديث (1). * (واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) *. * (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) *. * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) *. * (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) *: طردا عن الرحمة * (ويوم القيامة هم من المقبوحين) *: ممن قبحت وجوههم. * (ولقد آتينا موسى الكتاب) *: التوراة * (من بعد ما أهلكنا القرون الاولى) *: أقوام نوح وهود وصالح ولوط. ورد: (ما أهلك الله قوما ولا قرنا (2) ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء، منذ أنزل التوراة على وجه الارض، غير القرية التي مسخوا قردة ثم تلا هذه الاية) (3). * (بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) *. * (وما كنت بجانب الغربي) *: بجانب جبل الطور الغربي حيث كلم الله فيه موسى * (إذ قضينا) *: أوحينا * (إلى موسى الامر) * وكلمناه * (وما كنت من الشاهدين) * لتكليمه. * (ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر) * فحرفت الاخبار وتغيرت الشرائع واندرست العلوم، فأوحيناه إليك * (وما كنت ثاويا) *: مقيما * (في أهل مدين) * وهم شعيب والمؤمنون به * (تتلو عليهم) * قيل: يعني فتقرأ على أهل مكة (4). * (آياتنا) * التي فيها قصتهم * (ولكنا كنا مرسلين) * إياك ومخبرين لك بها.


(1) - القمي 2: 140، ذيل الحديث الطويل، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القرن من الناس: أهل زمان واحد. الصحاح 6: 2180 (قرن). (3) - مجمع البيان 7 - 8: 256، عن النبي صلى الله عليه وآله، وفيه: (غير أهل القرية التي مسخوا قردة). (4) - المصدر: 257. (*)

[ 930 ]

* (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك) *: ولكن علمناك رحمة * (لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك) * لوقوعهم في فترة بينك وبين من تقدمك من الانبياء * (لعلهم يتذكرون) *. * (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) *. جوابه محذوف، يعني: لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين، ما أرسلناك، أي: إنما أرسلناك لعذرهم، وإلزام الحجة عليهم. * (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى) * من الكتاب جملة، واليد والعصا وغيرهما اقتراحا وتعنتا * (أو لم يكفروا بما أوتى موسى من قبل) * يعنى أبناء جنسهم في الرأى والمذهب، وهم كفرة زمان موسى * (قالوا سحران) * قيل: يعنون التوراة والقرآن (1). وعلى قراءة (ساحران): موسى ومحمد (2)، أو قيل موسى وهرون (3). * (تظاهرا) *: تعاونا بتوافق الكتابين أو بإظهار تلك الخوارق * (وقالوا إنا بكل كافرون) *. * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) *: مما نزل على موسى وعلي * (أتبعه إن كنتم صادقين) *. * (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) * إذ لو اتبعوا حجة لاتوابها. * (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) * قال: (من اتخذ دينه رأيه بغير إمام من أئمة الهدى) (4). * (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) *.


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 257، عن عكرمة والكلبي ومقاتل. (2) - المصدر، البيضاوى 4: 129، الكشاف 3: 183. (3) - القمى 2: 141، البيضاوى 4: 129. (4) - الكافي 1: 374، الحديث: 1، عن الكاظم عليه السلام، بصائر الدرجات: 13، الباب: 8، الحديث: 3، عن الباقر عليه السلام. (*)

[ 931 ]

* (ولقد وصلنا لهم القول) *: أتبعنا بعضه بعضا في الانزال أو النظم (1). قال: (إمام إلى إمام) (2). * (لعلهم يتذكرون) *. * (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) *: من قبل القرآن * (هم به يؤمنون) *. * (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) * لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة. * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * قال: (بما صبروا على التقية) (3). * (ويدرءون بالحسنة السيئة) * قال: (الحسنة: التقية، والسيئة: الاذاعة) (4). وفي رواية: (أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بحسناتهم) (5). وورد: (اتبع الحسنة السيئة تمحها) (6). * (ومما رزقناهم ينفقون) * في سبيل الخير. * (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) * تكرما. القمي: اللغو: الكذب واللهو والغناء (7). * (وقالوا) * للاغين * (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم) * متاركة لهم وتوديعا * (لا نبتغي الجاهلين) *: لا نطلب صحبتهم ولا نريدها. * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) *. إن ثبت نزولها في أبي طالب فلا دلالة فيها على عدم إيمانه، كما ظنته العامة (8)، (فإن الله هداه للايمان قبل بعثة ابن أخيه، واستودعه الوصايا، فدفعها إليه صلى الله عليه وآله). كما ورد (9).


(1) - أي: أتبعنا بعضه بعضا في الانزال ليتصل التذكير، أو في النظم لتقرر الدعوة بالحجة، والمواعظ بالمواعيد، والنصائح بالعبر. كذا في الصافى 4: 94. (2) - الكافي 1: 415، الحديث: 18، عن الكاظم عليه السلام. (3 و 4) - الكافي 2: 217، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام (5) - القمى 2: 142. (6) - مسند أحمد 5: 236، البيضاوى 4: 130، عن النبي عليه السلام. (7) - القمى 2: 142. (8) - الكشاف 3: 185، البيضاوى 4: 130. (9) - الكافي 1: 445، الحديث: 18، كمال الدين 2: 665، الباب: 58، الحديث: 7، عن الكاظم عليه السلام. وفى مجمع (*)

[ 932 ]

قال: (إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الايمان وأظهروا الشرك، فأتاهم الله أجرهم مرتين) (1). أقول: وإنما أسر الايمان وأظهر الشرك ليكون أقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وآله، كما يستفاد من أخبار أخر (2). وفي الاية إيماء بسبق هدايته من الله (3)، وإنه كان يسرها. وورد فيه: (إنه لو شفع [ أبي ] (4) في كل مذنب على وجه الارض لشفعه الله فيهم، إن نوره يوم القيامة ليطفي أنوار الخلق إلا أنوار الخمسة (5) والائمة من ولدهم عليهم السلام) (6). * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) *: نخرج منها. ورد: (إنها نزلت في قريش حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاسلام والهجرة) (7). وفي رواية قال: (لادعون إلى هذا الامر الابيض والاسود، ومن على رؤوس الجبال، ومن في لجج البحار، ولادعون إليه فارس والروم. فقالوا: والله لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من أرضنا، ولقلعت الكعبة حجرا حجرا. فأنزل الله هذه الاية) (8).


البيان 7 - 8: 287: (وقد ذكرنا في سورة الانعام - ذيل الاية: 26 - أن أهل البيت عليهم السلام قد أجمعوا على أن ابا طالب مات مسلما، وتظاهرت الروايات بذلك عنهم، وأوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالة على تصديقه للنبى صلى الله عليه وآله وسلم وتوحيده، فان استيفاء ذلك جميعه لا تتسع له الطوامير. وما روى من ذلك في كتب المغازى وغيرها أكثر من أن يحصى يكاشف فيها من كاشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويناضل عنه ويصحح نبوته، وقال بعض الثقاة أن قصائده في هذا المعنى يبلغ قدر مجلد وأكثر من هذا، ولا شك في انه لم يختر تمام مجاهرة الاعداء، استصلاحا لهم، وحسن تدبيره في دفع كيادهم لئلا يلجئوا الرسول الى ما ألجأوه إليه بعد موته). (1) - الكافي 1: 448، الحديث: 28، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 440، ذيل الحديث مولد النبي صلى الله عليه وآله، و 448، الحديث: 29 و 31. (3) - راجع: مجمع البيان 7 - 8: 259، روح الجنان وروح الجنان (لابي الفتوح الرازي) 4: 210. (4) - مابين المعقوفتين من المصدر. (5) - في (ألف) و (ج): (الخمسة أنوار). (6) - بشارة المصطفى: 202، عن أبى عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (7) - القمى 2: 142، كشف المهجة: 175، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (8) - روضة الواعظين، في مبعث النبي عليه السلام، عن على بن الحسين عليهما السلام. (*)

[ 933 ]

* (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه) *: يحمل إليه ويجمع فيه * (ثمرات كل شئ) * من كل أوب (1) * (رزقا من لدنا) *. فإذا كان هذا حالهم وهم عبدة الاصنام، فكيف نعرضهم للتخوف (2) والتخطف إذا كانوا موحدين ؟ ! * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) *: جهلة لا يتفطنون له. * (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) *: كانت (3) حالهم كحالهم في الامن وخفض العيش حتى أشروا، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم * (فتلك مساكنهم) * خاوية * (لم تسكن من بعدهم إلا قليلا) * من شؤم معاصيهم * (وكنا نحن الوارثين) *. * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها) *: في أصلها، لان أهلها (4) يكون أفطن وأنبل * (رسولا يتلو عليهم آياتنا) * لالزام الحجة وقطع المعذرة * (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) * بتكذيب الرسل والعتو في الكفر. * (وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها) * تتمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية * (وما عند الله خير وأبقى) * لانه لذة خالصة وبهجة كاملة أبدية * (أفلا تعقلون) * فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير. * (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا) * الذي هو مشوب بالالام، مكدر بالمتاعب، مستعقب للتحسر على الانقطاع * (ثم هو يوم القيامة من المحضرين) * للحساب أو العذاب. وهذه الاية كالنتيجة للتي قبلها. * (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) *: تزعمونهم شركائي. * (قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنإ


(1) - جاؤوا من كل أوب، أي: من كل طريق ووجه وناحية. لسان العرب 1: 220 (أوب). (2) - في (ألف): (فكيف تعرضهم التخوف). (3) - في (ألف): (قال: كانت). (4) - في (ألف) و (ج): (أهله). (*)

[ 934 ]

إليك) * منهم ومما اختاروه من الكفر * (ما كانوا إيانا يعبدون) * وإنما يعبدون أهواءهم. * (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم) * من فرط الحيرة * (فلم يستجيبوا لهم) * لعجزهم عن الاجابة والنصرة * (ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون) *. (لو) للتمني، أو محذوف الخبر، أي: لو يهتدون لوجه من الحيل يدفعون به العذاب. * (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) *. * (فعميت عليهم الانباء يومئذ) *: لا تهتدي إليهم، وأصله فعموا عن الانباء، لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يرد عليه من خارج، فإذا أخطأ لم يكن له حيلة إلى استحضاره * (فهم لا يتساءلون) *: لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب. القمي: إن العامة قد رووا: أن ذلك يعني النداء في القيامة، وأما الخاصة فعن الصادق عليه السلام: (إن العبد إذا دخل قبره وفرغ منه، يسأل عن النبي صلى الله عليه وآله ثم ذكر حديث سؤال القبر (1). * (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) *. * (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) * أي: التخير، كالطيرة بمعنى التطير، يعني: ليس لاحد من خلقه أن يختار عليه، أو ليس لاحد أن يختار شيئا إلا بقدرته ومشيته واختياره. يدل على الاول: ما ورد في حديث الامامة: (رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم، (وربك يخلق ما يشاء ويختار) الاية) (2). وعلى الثاني: ما ورد في حديث: (وتعلم أن نواصي الخلق بيده، فليس لهم نفس ولا


(1) - القمى 2: 143. (2) - الكافي 1: 201، ذيل الحديث: 1، الامالى (للصدوق): 539، المجلس: 97، ذيل الحديث: 1، عن الرضا عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 266، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 935 ]

لحظة (1) إلا بقدرته ومشيته، وهم عاجزون عن إتيان أقل شئ في مملكته إلا بإذنه وارادته، قال الله تعالى: (وربك يخلق) الاية) (2). * (سبحان الله وتعالى عما يشركون) *. * (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) * فله أن يختار للنبوة والامامة وغيرهما دونهم، هذا على المعنى الاول للاية السابقة، وفي بعض الاخبار دلالة عليه (3). * (وهو الله) * المستحق للعبادة * (لا إله إلا هو) *: لا أحد يستحقها إلا هو * (له الحمد في الاولى والاخرة) * لانه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها * (وله الحكم) *: القضاء النافذ في كل شئ * (وإليه ترجعون) *. * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون سماع تدبر واستبصار. * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون) *. * (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) *: في الليل * (ولتبتغوا من فضله) * في النهار بأنواع المكاسب * (ولعلكم تشكرون) *: ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك، فتشكروه (6) عليها. * (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) *. تقريع بعد تقريع، للاشعار بأنه لا شئ أجلب لغضب الله من الاشراك به، ولان الاول لتقرير فساد رأيهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن برهان. * (ونزعنا) *: وأخرجنا * (من كل أمة شهيدا) * يشهد عليهم بما كانوا عليه. قال: (من


(1) - في (ب) و (ج): (ولحظة). (2) - مصباح الشريعة: 93، الباب: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - كمال الدين 2: 461 - 462، الباب: 43، ذيل الحديث: 21، عن الحجة عليه السلام. (4) - في (ألف): (فتشكرون). (*)

[ 936 ]

كل فرقة من هذه الامة إمامها) (1). * (فقلنا) * للامم * (هاتوا برهانكم) * على صحة ما تتدينون به * (فعلموا) * حينئذ * (أن الحق لله وضل عنهم) *: وغاب عنهم غيبة الضائع * (ما كانوا يفترون) * من الباطل. * (إن قارون كان من قوم موسى) * قال: (هو ابن خالته) (2). وقيل: كان ابن عمه يصهر بن قاهث بن لاوي - ولا تنافي بينهما - وكان ممن آمن به (3)، (وكان موسى يحبه). كذا ورد (4). * (فبغى عليهم) *: فطلب الفضل عليهم وتكبر * (وآتيناه من الكنوز) *: من الاموال المدخرة * (ما إن مفاتحه) *: مفاتح صناديقه * (لتنوء بالعصبة أولي القوة) *: لتثقل (5) الجماعة الكثيرة الاقوياء. القمي: العصبة: ما بين العشرة إلى تسعة عشر (6). * (إذ قال له قومه لاتفرح) *: لا تبطر (7) * (إن الله لا يحب الفرحين) * بزخارف الدنيا. * (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة) * بصرفه فيما يوجبها لك * (ولا تنس) *: ولا تترك * (نصيبك من الدنيا) * قال: (أي: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الاخرة) (8). * (وأحسن) * إلى عباد الله * (كما أحسن الله إليك) * بالانعام * (ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين) *. ورد: (إن فساد الظاهر من فساد الباطن، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن خان الله في السر هتك الله ستره في العلانية. وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله


(1) - القمي 2: 143، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 266، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - البيضاوي 4: 132. (4) - القمي 2: 145. (5) - في (ألف): (لتنقل). (6) - القمي 2: 144. (7) - البطر: النشاط والطغيان في النعمة، لسان العرب 4: 68 (بطر). (8) - معاني الاخبار: 325، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 937 ]

تعالى وهذا الفساد يتولد من طول الامل والحرص والكبر، كما أخبر الله في قصة قارون في قوله: (ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين) وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده، وأصلها من حب الدنيا وجمعها، ومتابعة النفس وهواها، وإقامة شهواتها، وحب المحمدة، وموافقة الشيطان واتباع خطراته (1)، وكل ذلك مجتمع تحت الغفلة عن الله ونسيان مننه (2)) (3). * (قال إنما أوتيته على علم عندي) * القمي: يعني ماله، وكان يعمل الكيمياء (4). * (أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) * القمي: أي: لا يسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء (5). * (فخرج على قومه في زينته) * القمي: في الثياب المصبغات، يجرها على الارض (6). * (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون إنه لذو حظ عظيم) *. * (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها) * أي: هذه الكلمة التى تكلم بها العلماء * (الا الصابرون) * على الطاعات وعن المعاصي. * (فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة) *: أعوان * (ينصرونه من دون الله) * فيدفعون عنه عذابه * (وما كان من المنتصرين) * الممتنعين منه. القمي في كلام طويل ما معناه: إنه كان يؤذي موسى عليه السلام فقال موسى: يا رب إن لم تغضب لي فلست لك بنبي، فأوحى الله إليه: قد أمرت الارض أن تطيعك، فمرها بما شئت. فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيه، فدخل قصره بما فيه في الارض، ودخل قارون فيها إلى


(1) - في المصدر: (واتباع خطواته). (2) - في (ب) و (ج): (منته). (3) - مصباح الشريعة: 107، الباب: 51، عن أبى عبد الله عليه السلام. (4 و 5) - القمى 2: 144. (6) - القمى 2: 144. (*)

[ 938 ]

ركبتيه، فبكى وحلفه بالرحم، فقال له موسى: يابن لاوى لا تزدني من كلامك، يا أرض خذيه، فابتلعته بقصره وخزائنه، فعير الله موسى بما قاله، فقال: يا رب إن قارون دعاني بغيرك، ولو دعاني بك لاجبته. فقال الله عزوجل: يابن لاوي لا تزدني من كلامك، فقال موسى: يا رب لو علمت أن ذلك لك رضا لاجبته، فقال الله: يا موسى وعزتي وجلالي وجودي ومجدي وعلو مكاني، لو أن قارون كما دعاك دعاني لاجبته، ولكنه لما دعاك وكلته إليك (1). هذا ملخص كلامه. * (وأصبح الذين تمنوا مكانه) *: منزلته * (بالامس يقولون ويكأن الله) * القمي: هي لغة سريانية (2). يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) * بمقتضى مشيته، لا لكرامة يقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض * (لولا أن من الله علينا) * فلم يعطنا ما تمنينا * (لخسف بنا) * لتوليده فينا ما ولده فيه، فخسف به لاجله * (ويكأنه لا يفلح الكافرون) * لنعمة الله. * (تلك الدار الاخرة) * التي سمعت خبرها وبلغك وصفها * (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض) *: غلبة وقهرا * (ولا فسادا) *: ظلما على الناس. قال: (العلو: الشرف، والفساد: البناء) (3). وورد: (نزلت في أهل العدل والتواضع من الولاة، وأهل القدرة من سائر الناس) (4). وورد: (إن الرجل ليعجبه أن يكون شراك (5) نعله أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل تحت هذه الاية) (6). * (والعاقبة) * المحمودة * (للمتقين) *: من اتقى ما لا يرضاه الله. * (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا


(1) - القمى 2: 145. (2) - القمى 2: 144. (3) - القمى 2: 147، عن أبى عبد الله عليه السلام. وفيه: (والفساد: النساء) ولكن في المخطوط من القمى كما أثبتناه. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 269، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - الشراك: أحد سيور النعل التى يكون على وجهها توثق به الرجل، مجمع البحرين 5: 276 (شرك). (6) - سعد السعود (لابن طاووس): 88، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 939 ]

السيئات إلا ما كانوا يعملون) *. * (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) * أي معاد. قال: (يرجع إليكم نبيكم وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام) (1). * (قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين) *. يعني به نفسه والمشركين. * (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) * ولكن ألقاه رحمة منه * (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) * بمداراتهم. القمي: قال: المخاطبة للنبي والمعني الناس (2). وكذا قال فيما بعده (3). * (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين) *. * (ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه) * قال: (دينه والوجه الذي يؤتى منه) (4). قال: (ونحن الوجه الذي يؤتى منه، لم نزل في عباده) (5). أقول: وذلك لان الوجه ما يواجه به، والله سبحانه إنما يواجه عباده ويخاطبهم بواسطة نبي أو وصي نبي. وفي رواية: إن الضمير في وجهه راجع إلى الشئ (6). أقول: وعلى هذا فمعناه: إن وجه الشئ لا يهلك، وهو ما يقابل منه إلى الله، وهو روحه وحقيقته وملكوته ومحل معرفة الله منه، التي تبقى بعد فناء جسمه وشخصه، والمعنيان متقاربان * (له الحكم) *: القضاء النافذ في الخلق * (وإليه ترجعون) *.


(1) - القمى 2: 147، عن على بن الحسين عليهما السلام. (2) - المصدر. (3) - المصدر، ذيل الاية: 88. (4) - التوحيد: 149، الباب: 12، الحديث: 1، عن أبى جعفر عليه السلام. (5) - المصدر: 151، الباب: 12، الحديث: 7، عن أبى عبد الله عليه السلام، القمى 2: 147، عن أبى جعفر عليه السلام. (6) - الدر المنثور 6: 447. (*)

[ 940 ]

سورة العنكبوت [ مكية، وهى تسع وستون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (الم) *. * (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا) *: لقولهم * (آمنا وهم لا يفتنون) *: لا يختبرون. قال: (معنى يفتنون: يبتلون في أنفسهم وأموالهم) (2). وفي رواية: (الفتنة في الدين) (3). وورد: لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه وآله: (لابد من فتنة تبتلى بها الامة بعد نبيها، ليتبين الصادق من الكاذب، لان الوحي قد انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة) (4). * (ولقد فتنا الذين من قبلهم) *: اختبرناهم * (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) *: فليعلمنهم في الوجود ممتحنين بعد علمه السابق بأنهم سيوجدون كذلك، وفي


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 272، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 1: 370، الحديث: 4، عن الكاظم عليه السلام. (4) - مجمع البيان 3 - 4: 315، ذيل الاية: 65 من سورة الانعام. (*)

[ 941 ]

قراءتهم عليهم السلام: (ليعلمن) (1) في الموضعين، من الاعلام. * (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) *: أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم * (ساء ما يحكمون) *. * (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لات) * قال: (يعني من كان يؤمن بأنه مبعوث، فإن وعد الله لات من الثواب والعقاب. قال: فاللقاء هاهنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث) (2). والقمي: من أحب لقاء الله جاءه الاجل (3). * (وهو السميع) * لاقوال العباد * (العليم) * بعقائدهم وأعمالهم. * (ومن جاهد) * نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن الشهوات * (فإنما يجاهد لنفسه) * لان منفعته لها * (إن الله لغنى عن العالمين) * فلا حاجة به إلى طاعتهم. * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) *: أحسن جزاء أعمالهم. * (ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم) * بإلاهيته. عبر عن نفيها بنفى العلم بها، اشعارا بأن مالا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وان لم يعلم بطلانه، فضلا عما علم بطلانه. * (فلا تطعهما) * في ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق * (إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) *. * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) *. * (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) * القمى: إذا آذاه انسان، أو أصابه ضر أو فاقة أو خوف من الظالمين، دخل (4) معهم في دينهم، فرأى أن ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع (5). * (ولئن جاء نصر من ربك) *: فتح


(1) - المصدر 7 - 8: 271، عن أمير المؤمنين، عن أبى عبد الله عليهما السلام. (2) - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - القمى 2: 148. (4) - في المصدر: (ليدخل). (5) - القمى 2: 149. (*)

[ 942 ]

وغنيمة * (ليقولن إنا كنا معكم) * في الدين فأشركونا فيه * (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين) * من الاخلاص والنفاق. * (وليعلمن الله الذين آمنوا) * بقلوبهم * (وليعلمن المنافقين) *. * (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم) *. القمي: كان الكفار يقولون للمؤمنين: كونوا معنا، فإن الذي تخافون أنتم ليس بشئ، فإن كان حقا نتحمل نحن ذنوبكم، فيعذبهم الله مرتين، مرة بذنوبهم ومرة بذنوب غيرهم (1). * (وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون) *. * (وليحملن أثقالهم) *: أثقال ما اقترفته أنفسهم * (وأثقالا مع أثقالهم) *: وأثقالا آخر معها، لما تسببوا له بالاضلال والحمل على المعصية، من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شئ * (وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون) *. * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) * قال: (لم يشاركه في نبوته أحد) (2). وقال: (يدعوهم سرا وعلانية، فلما أبوا وعتوا قال: رب إني مغلوب فانتصر) (3). * (فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) *. * (فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) * يتعظون ويستدلون بها. * (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم) * مما أنتم عليه * (إن كنتم تعلمون) *. * (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا) *: وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله * (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون) *.


(1) - القمي 2: 149. (2) - كمال الدين 1: 215، الباب: 22، ذيل الحديث الطويل: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - الكافي 8: 283، ذيل الحديث: 424، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 943 ]

* (وإن تكذبوا) * قيل: هي من جملة قصة إبراهيم (1). والقمي: خطاب لهذه الامة معترض في قصة إبراهيم، وهو من المنقطع المعطوف (2). أقول: الوجه فيه أن مساق قصة إبراهيم لتسلية الرسول، والتنفيس عنه، بأن أباه خليل الله كان ممنوا (3) بنحو ما منى به من شرك القوم وتكذيبهم، وتشبيه حاله فيهم بتشبيه حال إبراهيم في قومه، ولذلك توسط مخاطبتهم بين طرفي قصته * (فقد كذب أمم من قبلكم) * الرسل * (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) *. * (أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير) *. * (قل سيروا في الارض) *. خطاب لابراهيم على الاول، ولنبينا على الثاني. * (فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الاخرة إن الله على كل شئ قدير) *. * (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون) *: تردون. * (وما أنتم بمعجزين) * ربكم عن إدراككم * (في الارض ولا في السماء) * إن فررتم من قضائه بالتواري في إحداهما * (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) *. * (والذين كفروا بآيات الله ولقائه) * بالبعث * (أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم) * بكفرهم. * (فما كان جواب قومه) *: قوم إبراهيم له * (إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) *. كان ذلك قول بعضهم، لكن لما رضي به الباقون أسند إلى كلهم. * (فأنجاه الله من النار) * بأن جعلها عليه بردا وسلاما * (إن في ذلك لايات) * هي حفظه من أذى النار، وإخمادها مع عظمها في زمان يسير، وإنشاء روض مكانها * (لقوم يؤمنون) *. * (وقال انما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم) * أي: لتتوادوا بينكم،


(1) - الكشاف 3: 201، البيضاوي 4: 136. (2) - القمي 2: 149، مع تفاوت يسير. (3) - مناه، يمنوه: ابتلاه واختبره. القاموس المحيط 4: 394 (منو). (*)

[ 944 ]

وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها * (في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم) * ببعض) * قال: يعني يتبرأ بعضكم من بعض) (1). وقال: (الكفر في هذه الاية البراءة) (2). * (ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين) *. * (فآمن له لوط وقال) * إبراهيم * (إني مهاجر إلى ربي) * قيل: مهاجر من قومي إلى حيث أمرني ربي (3). * (إنه هو العزيز) * الذي يمنعني من أعدائي * (الحكيم) * الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي. * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا) * بإعطاء الولد في غير أوانه، والذرية الطيبة التي من جملتهم خاتم الانبياء وسيد المرسلين وأمير المؤمنين وعترتهما الطيبين، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء (4) الملل إليه، والصلاة والثناء عليه إلى آخر الدهر * (وإنه في الاخرة لمن الصالحين) *. * (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) *. * (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل) *: تتعرضون للسابلة (5) بالفاحشة والفضيحة، حتى انقطعت الطرق * (وتأتون في ناديكم) *: في مجالسكم الغاصة، ولا يقال النادي إلا لما فيه أهله * (المنكر) *. قال: (كانوا يتضارطون في مجالسهم في غير حشمة ولا حياء) (6). وفي رواية: (هو الخذف) (7) أي: الرمي بالحصا. * (فما كان جواب قومه إلا أن


(1) - الكافي 2: 391، ذيل الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) - التوحيد: 260، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - البيضاوى 4: 137. (4) - الانتماء: الانتساب. مجمع البحرين 1: 421. (5) - السابلة: الطريق المسلوك، والجمع: السوابل. أقرب الموارد 1: 492 (سبل). (6) - مجمع البيان 7 - 8: 280، عن أبى الحسن الرضا عليه السلام، وفيه: (من غير حشمة ولا حياء). (7) - التهذيب 3: 263، الحديث: 741، عن أبى عبد الله، عن آبائه، عن النبي صلوات الله عليهم، عوالي اللئالى (*)

[ 945 ]

قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين) *. * (قال رب انصرني على القوم المفسدين) * * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى) *: بالبشارة بالولد والنافلة (1) * (قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية) *: قرية سدوم (2) * (إن أهلها كانوا ظالمين) *. * (قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) *: الباقين في العذاب. * (ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم) *: جاءته المساءة والغم بسببهم * (وضاق بهم ذرعا) *: وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه، أي: طاقته * (وقالوا) * لما رأوا فيه من أثر الضجرة * (لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) *. * (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء) *: عذابا منها * (بما كانوا يفسقون) *. * (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) * هي منزل لوط، بقي عبرة للسيارة. * (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الاخر) * قيل: أي افعلوا ما ترجون به ثوابه (3). وقيل: إنه من الرجاء، بمعنى الخوف (4). * (ولا تعثوا في الارض مفسدين) *.


1: 327، الحديث: 72، عن النبي صلى الله عليه وآله. (1) - ويقال لولد الولد: نافلة، لانه زيادة على الولد. ومنه قوله تعالى في سورة الانبياء (21): 72: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)، فانه دعى بإسحاق، فاستجيب له، وزيد يعقوب نافلة، تفضل من الله وإن كان الكل بتفضله. مجمع البحرين 5: 485 (نفل). (2) - سدوم - فعول من السدم، وهو الندم مع غم -: بلدة من أعمال حلب معروفة عامرة عندهم، وهي من مدائن قوم لوط، وقاضيها يضرب به المثل فيقال: أجور من قاضى سدوم. معجم البلدان 3: 300. (3) - البيضاوي 4: 138. (4) - المصدر، الكشاف 3: 205. (*)

[ 946 ]

* (فكذبوه فأخذتهم الرجفة) *: الزلزلة الشديدة التي فيها الصيحة * (فأصبحوا في دارهم جاثمين) *: باركين على الركب ميتين. * (وعادا وثمودا) * أي: واذكرهما، أو وأهلكنا * (وقد تبين لكم من مساكنهم) *: بعض مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها * (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين) *: متمكنين من النظر والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا. * (وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين) *: فائتين، بل أدركهم أمر الله. * (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) * كقوم لوط * (ومنهم من أخذته الصيحة) * كمدين وثمود * (ومنهم من خسفنا به الارض) * كقارون * (ومنهم من أغرقنا) * كفرعون وقومه، وقوم نوح * (وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * بالتعريض للعذاب. * (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء) * فيما اتخذوه معتمدا ومتكلا * (كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) * فيما نسجه، في الوهن والخور (1) * (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون) *: يرجعون إلى علم، لعلموا أن هذا مثلهم. * (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم) *. * (وتلك الامثال) * يعني هذا المثل ونظائره * (نضربها للناس) * تقريبا لما بعد من أفهامهم * (وما يعقلها إلا العالمون) * الذين يتدبرون الاشياء على ما ينبغي. ورد: إن النبي صلى الله عليه وآله تلا هذه الاية فقال: (العالم الذي عقل عن الله (2)، فعمل بطاعته،


(1) - الخور: الضعف. الصحاح 2: 651 (خور). (2) - عقل عن الله، أي: عرف عنه، كأن أخذ العلم من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. وأيضا عقل عن الله، أي: اعتزل عن أهل الدنيا. مجمع البحرين 5: 426 - 427 (عقل). (*)

[ 947 ]

واجتنب سخطه) (1). * (خلق الله السموات والارض بالحق إن في ذلك لاية للمؤمنين) *. * (أتل ما أوحى إليك من الكتاب) * تقربا إلى الله بقراءته، وتحفظا لالفاظه، واستكشافا لمعانيه * (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) *. قال: (الصلاة حجزة (2) الله، وذلك أنها تحجز المصلي عن المعاصي مادام في صلاته، ثم تلا هذه الاية) (3). وروي: إن فتى من الانصار كان يصلي الصلوات (4) مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: (ان صلاته تنهاه يوما (5)) (6) فلم يلبث أن تاب. * (ولذكر الله أكبر) *. قال: (يقول: ذكر الله لاهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه، ألا ترى أن يقول: (أذكروني أذكركم)) (7). وفي رواية قال: (ذكر الله عند ما أحل وحرم) (8). وورد في التأويل: (الصلاة تتكلم ولها صورة وخلق، تأمر وتنهى، والنهي كلام، والفحشاء والمنكر رجال، ونحن ذكر الله ونحن أكبر) (9).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 248. (2) - حجز يحجزه حجزا، أي: منعه. والحجزة: استعير للتمسك والاعتصام أو الهداية. مجمع البحرين 4: 14 - 15 (حجز). (3) - التوحيد: 166، الباب: 23، الحديث: 4، عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) - في (ب): (الصلاة). (5) - في مجمع البيان والصافى 4: 118: (ان صلاته تنهاه يوما ما). (6) - مجمع البيان 7 - 8: 285، الكشاف 3: 207، البيضاوى 4: 139. (7) - القمى 2: 150. والاية في سورة البقرة (2): 152، ونص الاية هكذا: (فاذكروني أذكركم). (8) - الكافي 2: 80، الحديث: 4، عن أبى عبد الله عليه السلام. (9) - الكافي 2: 598، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبى جعفر عليه السلام. وراجع في تفسير الحديث: مرآة العقول 12: (*)

[ 948 ]

* (والله يعلم ما تصنعون) *. * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) *. قد مضى تفسيره في سورة النحل (1). * (إلا الذين ظلموا منهم) * بالافراط في الاعتداء * (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) *. هو من المجادلة بالتي هي أحسن. روي أنه صلى الله عليه وآله قال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وبكتبه ورسله، فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم) (2). * (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء) * يعنى أهل الايمان من أهل القبلة * (من يؤمن به) *: بالقرآن * (وما يجحد بآياتنا الا الكافرون) *. * (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك) * ذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي، ونفي للتجوز في الاسناد * (إذا لارتاب المبطلون) * أي: لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا: لعله أو التقطه من كتب الاقدمين. القمي: هذه الاية معطوفة على قوله في سورة الفرقان (3): (اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (4). * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * قال: (هم الائمة) (5). * (وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون) *.


(1) - ذيل الاية: 125. (2) - الكشاف 3: 208، البيضاوي 4: 140، الدر المنثور 6: 469، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الفرقان (25): 5. (4) - القمي 2: 151. (5) - الكافي 1: 214، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 949 ]

* (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه) * مثل ناقة صالح، وعصا موسى، ومائدة عيسى * (قل إنما الايات عند الله) * ينزلها كما يشاء، لست أملكها فأتيكم بما تقترحونه. * (وإنما أنا نذير مبين) *. * (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) *: يدوم تلاوته عليهم * (إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) *: وتذكرة لمن همه الايمان دون التعنت. روي (إن أناسا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله بكتف كتب فيها بعض ما يقوله اليهود، فقال: كفى بها ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم، إلى ما جاء به غير نبيهم، فنزلت) (1). * (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا) * بصدقي وقد صدقني بالمعجزات. * (يعلم ما في السموات والارض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون. * (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى) * لكل عذاب وقوم * (لجاءهم العذاب) * عاجلا * (وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون) *. * (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * لاحاطة أسبابها بهم. * (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) *. * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياى فاعبدون) * أي: إذا لم يتيسر لكم العبادة في بلدة، فهاجروا إلى حيث يتمشى لكم ذلك. قال: (يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك، فإن خفتموهم أن يفتنوكم عن دينكم، فإن أرضي واسعة، هو يقول: (فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض) فقال: (ألم تكن


(1) - البيضاوي 4: 140. (*)

[ 950 ]

أرض الله واسعة فتهاجروا فيها (1)) (2). وورد: (إذا عصي الله في أرض أنت بها (3) فاخرج منها إلى غيرها) (4). وقال: (من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا، استوجب بها الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام) (5). * (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) *. * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم) *: لننزلنهم * (من الجنة غرفا تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نعم أجر العاملين) *. * (الذين صبروا) * على المحن والمشاق * (وعلى ربهم يتوكلون) *. * (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) *. القمي: كانت العرب يقتلون أولادهم مخافة الجوع، فقال الله تعالى: (الله يرزقها وإياكم) (6). وقيل: لما أمروا بالهجرة قال بعضهم: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة ؟ ! فنزلت (7). * (وهو السميع العليم) * لقولكم وبضميركم. * (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) * عن توحيده بعد إقرارهم بذلك بالفطرة. * (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) * على التعاقب، أو لمن يشاء


(1) - النساء (4): 97. (2) - القمي 2: 151، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - في المصدر: (أنت فيها). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 291، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - جوامع الجامع: 355، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - القمي 2: 151. (7) - الكشاف 3: 211، البيضاوي 4: 141. (*)

[ 951 ]

لابهامه (1) * (إن الله بكل شئ عليم) *. * (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمدلله بل أكثرهم لا يعقلون) * فيتناقضون حيث يقرون بأنه خالق كل شئ، ثم إنهم يشركون به الاصنام. * (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب) *: إلا كما يلهو ويلعب به الصبيان، يجتمعون عليه ويتبهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين * (وإن الدار الاخرة لهى الحيوان) * لهي دار الحياة الحقيقية، لامتناع طريان الموت عليها. وفي لفظة (الحيوان) من المبالغة ما ليس في لفظة (الحياة)، لبناء فعلان على الحركة، والاضطراب اللازم للحياة. * (لو كانوا يعلمون) * * (فإذا ركبوا في الفلك) * على ما هم من الشرك * (دعوا الله مخلصين له الدين) *: في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو. * (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) *: فاجأوا المعاودة إلى الشرك. * (ليكفروا بما آتيناهم) *: لكي يكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة * (وليتمتعوا) * باجتماعهم على عادة الاصنام وتوادهم عليها * (فسوف يعلمون) * عاقبة ذلك حين يعاقبون. * (أو لم يروا) * يعني أهل مكة * (أنا جعلنا) * لهم * (حرما آمنا) * أي: جعلنا بلدهم مصونا عن النهب والتعدي، آمنا أهله عن القتل والسبي * (ويتخطف الناس من حولهم) *: يختلسون قتلا وسبيا إذ كانت (2) العرب حوله في تغاور وتناهب * (أفبا لباطل) *: أبعد هذه


(1) - يعنى يحتمل أن الموسع له والمضيق عليه واحدا، على أن البسط والقبض على التعاقب، وأن لا يكون على وضع الضمير موضع (من يشاء) وابهامه، لان (من يشاء) مبهم. البيضاوى 4: 141. (2) - في (ألف) و (ب): (إذا كانت). (*)

[ 952 ]

النعمة الظاهرة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله، بالصنم أو الشيطان * (يؤمنون وبنعمة الله يكفرون) * حيث أشركوا به غيره. * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) * بأن زعم أن له شريكا * (أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين) *. * (والذين جاهدوا فينا) *: في حقنا، يشمل جهاد الاعداء الظاهرة والباطنة * (لنهدينهم سبلنا) *: سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا. ورد: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) (1). * (وإن الله لمع المحسنين) * بالنصر والاعانة. ورد: (هذه الاية لال محمد عليهم السلام وأشياعهم) (2).


(1) - محجة البيضاء 1: 148، و 5: 43، عن النبي صلى الله عليه وآله، البيضاوي 4: 142. (2) - القمي 2: 151، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (ولاشياعهم). (*)

[ 953 ]

سورة الروم [ مكية، وهى ستون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (الم) *. * (غلبت الروم) *. قال: (يعني غلبتها فارس) (2). * (في أدنى الارض) * قيل: أي: أدنى أرض العرب منهم، أو أدنى أرضهم من العرب (3). قال: (وهي الشامات وما حولها) (4). * (وهم) * قال: (يعني وفارس) (5). * (من بعد غلبهم) * الروم * (سيغلبون) *. * (في بضع سنين) * قال: (يعني يغلبهم المسلمون) (6). أقول: وهو ما وقع في زمن عمر، وهذا على قراءة (سيغلبون) بضم الباء. وعلى قراءة الفتح، قيل ظهرت الروم على فارس يوم الحديبية (7).


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - الكافي 8: 269، الحديث: 397، عن أبى جعفر عليه السلام. (3) - الكشاف 3: 213، البيضاوى 4: 142. (4 و 5 و 6) - الكافي 8: 269، الحديث: 397، عن أبى جعفر عليه السلام. (7) - الكشاف 3: 214، البيضاوى 4: 143. (*)

[ 954 ]

* (لله الامر من قبل ومن بعد) * قال: (له الامر من قبل أن يأمر به، وله الامر من بعد أن يأمر به، يقضي بما يشاء) (1). * (ويومئذ يفرح المؤمنون) *. * (بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) *. قال: (إن لها تأويلا لا يعلمه إلا الراسخون في العلم من آل محمد صلى الله عليه وآله. إن رسول الله لما هاجر إلى المدينة وأظهر الاسلام، كتب إلى ملك الروم كتابا وبعث به مع رسول يدعوه إلى الاسلام، وكتب إلى ملك فارس كتابا يدعوه إلى الاسلام وبعثه إليه مع رسوله. فأما ملك الروم فعظم كتاب رسول الله وأكرم رسوله، وأما ملك فارس فإنه استخف بكتاب رسول الله ومزقه واستخف برسوله. وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم، وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحيته أرجى منهم لملك فارس، فلما غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون واغتموا به، فأنزل الله عزوجل بذلك كتابا، ثم فسر الاية كما ذكر أولا. قال: فلما غزا المسلمون فارس وافتتحوها، فرح المسلمون بنصر الله عزوجل. قيل: أليس الله يقول (في بضع سنين) وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي إمارة أبي بكر، وإنما غلب المسلمون فارس في إمارة عمر، فقال: ألم أقل لك: إن لهذا تأويلا وتفسيرا والقرآن ناسخ ومنسوخ، أما تسمع لقول الله: (لله الامر من قبل ومن بعد) يعني إليه المشية في القول، أن يؤخر ما قدم ويقدم ما أخر في القول إلى يوم تحتم (2) القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، وذلك قوله عزوجل: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) أي: يوم تحتم القضاء بالنصر) (3). وفي رواية: (إن بني أمية ليسوا من قريش وإن أصلهم من الروم، وفيهم تأويل هذه الاية، يعني إنهم غلبوا على الملك وسيغلبهم على ذلك بنو العباس) (4).


(1) - الخرائج والجرائح 2: 686، الحديث: 8، عن حسن على العسكري عليهما السلام. (2) - في المصدر و (ألف): (يحتم القضاء) في الموضعين. (3) - الكافي 8: 269، الحديث: 397، عن أبى جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير في ابتداء الحديث. (4) - الاستغاثة (لابي القاسم الكوفى): 74، قال: لقد روينا من طرق علماء أهل البيت عليهم السلام. (*)

[ 955 ]

أقول: وهذا على قراءة (غلبت) بالفتح، و (سيغلبون) بالضم، كما وردت في الشواذ (1). * (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) *. * (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا) * قال: (منه الزجر (2) والنجوم) (3). * (وهم عن الاخرة هم غافلون) *. القمي: يرون حاضر الدنيا ويتغافلون عن الاخرة (4). * (أو لم يتفكروا في أنفسهم) * فإنها أقرب إليهم من غيرها، ومرآة يجتلي للمستبصر ما يجتلي له في سائر المخلوقات، ليتحقق لهم قدرة مبدعها على إعادتها قدرته على إبدائها. * (ما خلق الله السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) * تنتهى عنده ولا تبقى بعده * (وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) *: جاحدون، يحسبون أن الدنيا أبدية وأن الاخرة لا تكون. * (أو لم يسيروا في الارض) * قال: (أو لم ينظروا في القرآن) (5). * (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة) * كعاد وثمود * (وأثاروا الارض) *: وقلبوا وجهها لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وزرع البذور وغيرها * (وعمروها) *: وعمروا الارض * (أكثر مما عمروها) *: من عمارة أهل مكة إياها، فإنهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيرها. وفيه تهكم بهم، من حيث أنهم مغترون بالدنيا مفتخرون بها، وهم أضعف حالا فيها. * (وجاءتهم رسلهم بالبينات) *: بالايات الواضحات * (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *.


(1) - البيضاوي 4: 143، الكشاف 3: 214. (2) - الزجر: التيمن والتشاؤم بالطير والتفاؤل بطيرانها، وهو نوع من الكهانة والعيافة، قيل: إنما سمي الكاهن زاجرا، لانه إذا رأى ما يظن أنه يتشاءم به زجر بالنهي عن المضي في تلك الحاجة برفع صوت وشدة. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 295، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 153. (5) - الخصال 2: 396، الحديث: 102، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 956 ]

* (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى) *. هي تأنيث (أسوأ) (1) أو مصدر. * (أن كذبوا بآيات الله) * علة أو بدل أو خبر كان. * (وكانوا بها يستهزءون) *. * (الله يبدأ الخلق ثم يعيده) *: ينشئهم ثم يبعثهم * (ثم إليه ترجعون) * للجزاء. * (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) * يسكتون (2) متحيرين آيسين. * (ولم يكن لهم من شركائهم) * ممن أشركوهم بالله * (شفعاؤا) * يجيرونهم من عذاب الله * (وكانوا بشركائهم كافرين) *. * (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) * القمي: إلى الجنة والنار (3). * (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) * القمي: أي: يكرمون (4)، وأصله: السرور. * (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الاخرة فأولئك في العذاب محضرون) *. * (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) *. * (وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون) * قيل: إخبار في معنى الامر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه، في هذه الاوقات التي تظهر فيها قدرته، وتتجدد فيها نعمته. والاية جامعة للصلوات الخمس، تمسون صلاة المغرب والعشاء، وتصبحون صلاة الفجر، وعشيا صلاة العصر، وتظهرون صلاة الظهر (5). * (يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى) * قال: (يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن) (6). * (ويحي الارض بعد موتها) * قال: (ليس يحييها


(1) - كما أن الحسنى تأنيث الاحسن. (2) - في (ب): (يسكنون). وفى الكشاف 3: 216: (الابلاس، أي: يبقى بائسا ساكنا متحيرا. وقرى (يبلس) بفتح اللام - من أبلسه إذا أسكته). (3 و 4) - القمى 2: 153. (5) - البيضاوى 4: 144. (6) - مجمع البيان 1 - 2: 428، ذيل الاية: 27 من سورة الانعام، عن الباقر والصادق عليهما السلام. وفى الكافي 2: 5، (*)

[ 957 ]

بالقطر، ولكن يبعث الله رجالا فيحيون العدل، فتحيا الارض لاحياء العدل، ولاقامة حد فيه أنفع في الارض من القطر أربعين صباحا) (1). * (وكذلك تخرجون) * من قبوركم. * (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) *. * (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها) *: لتألفوا بها * (وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون) *. * (ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لايات للعالمين. ورد: (الامام إذا أبصر الرجل (2) عرفه وعرف لونه، وإن سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو، إن الله يقول: (ومن آياته) إلى قوله (للعالمين) قال: وهم العلماء، فليس يسمع شيئا من الامر ينطق به إلا عرفه ناج أو هالك، فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم) (3). * (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله) *: منامكم في الزمانين لاستراحة البدن وطلب معايشكم فيهما، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار، فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين، إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للاخر عند الحاجة، ويؤيده سائر الايات الواردة فيه (4). * (إن في ذلك لايات لقوم يسمعون) * سماع تفهم واستبصار. * (ومن آياته يريكم البرق خوفا) * من الصاعقة وللمسافر * (وطمعا) * في الغيث وللمقيم * (وينزل من السماء ماء فيحيى به الارض بعد موتها ان في ذلك لايات لقوم


الحديث: 7، عن أبى عبد الله عليه السلام، ما يقرب منه. (1) - الكافي 7: 174، الحديث: 2، عن الكاظم عليه السلام، مع تفاوت يسير. (2) - في المصدر: (الامام إذا أبصر إلى الرجل). (3) - الكافي 1: 439، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القصص (28): 73. (*)

[ 958 ]

يعقلون) *. * (ومن آياته أن تقوم السماء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون) *: ثم خروجكم من القبور بغتة إذا دعاكم من الارض دعوة واحدة بلا توقف. * (وله من في السموات والارض كل له قانتون) *: منقادون لفعله فيهم، لا يمتنعون عليه. * (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) * بالاضافة إلى قدركم، والقياس على أصولكم، وإلا فهما عليه سواء * (وله المثل الاعلى) *: الوصف العجيب، الشأن الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه. قال: (الذي لا يشبهه شئ ولا يوصف ولا يتوهم، فذلك المثل الاعلى) (1). * (في السموات والارض وهو العزيز الحكيم) *. * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم) * من الاموال وغيرها * (فأنتم فيه سواء) *: فتكونون (2) أنتم وهم فيه سواء، يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأنها معادة لكم * (تخافونهم) * أن تستبدوا (3) بتصرف فيه * (كخيفتكم أنفسكم) *: كما يخاف الاحرار بعضهم من بعض * (كذلك نفصل الايات) *: نبينها، فإن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها * (لقوم يعقلون) *: يستعملون عقولهم في تدبر الامثال. القمي في سبب نزولها ما ملخصه: إن إبليس جاء قريشا في صورة شيخ وقال لهم: هكذا تلبية أسلافكم إذا حجوا: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه ولا يملكك. فرضوا بذلك، وكانوا يلبون بها، فلما بعث الله رسوله أنكر ذلك عليهم وقال: هذا


(1) - التوحيد: 324، الباب: 50، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) - في (ألف): (فتكون). (3) - في (ألف): (أن يستبدوا). (*)

[ 959 ]

شرك، فنزلت (1). * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين) *. * (فأقم وجهك للدين حنيفا) *. قال: (أمره أن يقيم وجهه للقبلة (2)، ليس فيه شئ من عبادة الاوثان) (3). وفي رواية قال: (يقيم للصلاة لا يلتفت يمينا ولا شمالا) (4). * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) * قال: (هي الاسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال (ألست بربكم) (5)، وفيهم (6) المؤمن والكافر) (7). وفي رواية قال: (هو لا إله إلا الله ومحمد رسول الله وعلي ولي الله إلى هاهنا التوحيد) (8). وفى أخرى: (لا يعرفون ايمانا بشريعة ولا كفرا بجحود) (9). وفى أخرى: (فطرهم على المعرفة به) (10). وفى لفظ آخر: (فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة أنه ربهم. قال: لولا ذلك. لم يعلموا من ربهم، ولا من رازقهم) (11).


(1) - القمي 2: 154، مع تفاوت يسير. (2) - في المصدر زيادة: (خالصا مخلصا). (3) - التهذيب 2: 43، ذيل الحديث: 133، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 155، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (قم للصلاة، لا تلتفت يمينا ولا شمالا). (5) - الاعراف (7): 172. (6) - في المصدر: (فيه). (7) - الكافي 2: 12، الحديث: 2، التوحيد: 329، الباب: 53، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) - القمى 2: 155، عن على بن موسى الرضا عليهما السلام. (9) - الكافي 2: 417، ذيل الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (10) - المصدر: 13، ذيل الحديث: 3، التوحيد: 330، الباب: 53، الحديث: 9، عن أبى جعفر عليه السلام. (11) - التوحيد: 330، الباب: 53، الحديث: 8، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 960 ]

* (لا تبديل لخلق الله) *: لا يقدر أحد أن يغيره * (ذلك الدين القيم) *: المستوي الذي لا عوج له * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) *. * (منيبين إليه) *: راجعين إليه مرة بعد أخرى، متعلق ب‍ (أقم)، وأتي بالجمع لدخول الامة في الخطاب معنى. * (واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين) *. * (من الذين فرقوا دينهم) *: اختلفوا فيه على اختلاف أهوائهم * (وكانوا شيعا) *: فرقا، تشايع كل إمامها الذي أضل دينها * (كل حزب بما لديهم فرحون) *: مسرورون، ظنا بأنه الحق. * (وإذا مس الناس ضر) *: شدة * (دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة) *: خلاصا من تلك الشدة * (إذا فريق منهم بربهم يشركون) *. * (ليكفروا بما آتيناهم) *. اللام فيه للعاقبة. * (فتمتعوا فسوف تعلمون) *. * (أم أنزلنا عليهم سلطانا) *: حجة أو ذا سلطان، أي: من معه برهان * (فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) *. * (وإذا أذقنا الناس رحمة) *: نعمة من صحة وسعة * (فرحوا بها) *: بطروا بسببها * (وإن تصبهم سيئة) *: شدة * (بما قدمت أيديهم) *: بشؤم معاصيهم * (إذا هم يقنطون) * من رحمته. * (أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) * فما لهم لم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء * (إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون) * يستدلون بها على كمال القدرة والحكمة. * (فلت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون) *.

[ 961 ]

قال: (لما نزلت هذه الاية على النبي صلى الله عليه وآله، أعطى فاطمة فدكا وسلمه إليها) (1). وقد سبق في بني إسرائيل فيه كلام (2). * (وما آتيتم من ربا) *: هدية يتوقع بها مزيد مكافاة * (ليربوا في أموال الناس) *: ليزيد ويزكو في أموالهم، يعني ينمو فيها ثم يرجع إليه * (فلا يربوا عند الله) *: فلا يزكو عنده، يعني لا يثاب عليه من عند الله. قال: (هو أن يعطي الرجل العطية أو يهدي الهدية ليثاب أكثر منها، فليس فيه أجر ولا وزر) (3). وفي رواية: (الربا ربوان: أحدهما حلال، والاخر حرام. فأما الحلال: فهو أن يقرض الرجل أخاه قرضا، طمعا أن يزيده ويعوضه بأكثر مما يأخذه بلا شرط بينهما، فإن أعطاه أكثر مما أخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له، وليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، وهو قوله: (فلا يربوا عند الله). وأما الحرام: فالرجل يقرض قرضا ويشترط أن يرد أكثر مما أخذه، فهذا هو الحرام) (4). * (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) *: ذوو الاضعاف، من الثواب في الاجل، والمال في العاجل. ورد: (الزكاة زيادة في الرزق) (5). والقمي: أي: ما بررتم به إخوانكم وأقرضتموهم، لا طمعا في زيادة (6). ورد: (على باب الجنة مكتوب: القرض بثمانية عشر والصدقة بعشرة) (7).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 306، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (2) - ذيل الاية: 26 من سورة بنى اسرائيل. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 306، عن أبى جعفر عليه السلام. (4) - القمى 2: 159، عن أبى عبد الله عليه السلام. (5) - من لا يحضره الفقيه 3: 327، الحديث: 1754، من خطبة فاطمة عليهما السلام. (6) - القمى 2: 159. (7) - القمى 2: 159، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 962 ]

* (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون) *. * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) *. قال: (حياة دواب البحر بالمطر، فإذا كف المطر ظهر الفساد في البر والبحر، وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي) (1). وفي رواية: (ذاك (2) والله حين قالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير) (3). * (ليذيقهم بعض الذي عملوا) *: بعض جزائه، فإن تمامه في الاخرة * (لعلهم يرجعون) * عما هم عليه. * (قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) * أي: كان سوء عاقبتهم، لفشو الشرك فيهم. قال: (عنى بذلك، أي: انظروا في القرآن فاعلموا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم، وما أخبركم عنه) (4). * (فأقم وجهك للدين القيم) *: البليغ الاستقامة * (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون) *: يتصدعون، أي: يتفرقون، فريق في الجنة، وفريق في السعير * (من كفر فعليه كفره) * أي: وباله، وهو النار المؤبدة * (ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون) *: يسوون منازلهم في الجنة. قال: (إن العمل الصالح ليسيق (5) صاحبه إلى الجنة، فيمهد له كما يمهد لاحدكم خادمه فراشه) (6). * (ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله انه لا يحب الكافرين) *.


(1) - القمي 2: 160، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - في (ألف): (ذلك). (3) - الكافي 8: 58، الحديث: 19، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي القمي 2: 160، عنه عليه السلام، مع تفاوت. (4) - الكافي 8: 249، ذيل الحديث: 349، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - في (ج) والمصدر: (ليسبق). (6) - مجمع البيان 7 - 8: 307، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 963 ]

اكتفى عن ذكر جزائهم بالفحوى. * (ومن آياته أن يرسل الرياح) *: رياح الرحمة * (مبشرات) * بالمطر * (وليذيقكم من رحمته) * المنافع التابعة لها * (ولتجرى الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله) * يعني تجارة البحر * (ولعلكم تشكرون) *. * (ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا) * بالتدمير * (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) *. فيه إشعار بأن الانتقام لهم وإظهار لكرامتهم، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم. ورد: (ما من امرئ مسلم (1) يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم قرأ: (وكان حقا)، الاية) (2). * (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا) * أي: ترفعه * (فيبسطه في السماء كيف يشاء) * سائرا وواقفا، مطبقا وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك * (ويجعله كسفا) * قيل: أي قطعا، يعني يبسطه تارة متصلا وأخرى قطعا (3). والقمي: قال: بعضه على بعض (4). * (فترى الودق) *: المطر * (يخرج من خلاله) * قال: (من خلله) (5). * (فإذا أصاب به من يشاء من عباده) * يعني بلادهم وأراضيهم * (إذا هم يستبشرون) * بمجئ الخصب (6) * (وإن كانوا) *: وإنه كانوا. * (من قبل أن ينزل عليهم من قبله) * كرره للتأكيد. * (لمبلسين) *: لايسين. * (فانظر الى آثار رحمة الله) *: آثار الغيث، من النبات والاشجار وأنواع الثمار


(1) - في (ألف): (ما من مؤمن). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 309، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الكشاف 3: 226، البيضاوي 4: 148. (4) - القمي 2: 160. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 308، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - الخصب: كثرة العشب ورفاغة العيش. القاموس المحيط 1: 64 (خصب). (*)

[ 964 ]

* (كيف يحي الارض بعد موتها إن ذلك) * يعني الذي قدر على إحياء الارض بعد موتها * (لمحي الموتى) *: لمحييهم لا محالة * (وهو على كل شئ قدير) *. * (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) * أي: الاثر والزرع، أو السحاب فإنه إذا كان مصفرا لم يمطر * (لظلوا من بعده يكفرون) *. قيل: هذه الايات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم، وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم، لعدم تفكرهم وسوء رأيهم، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله، ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييأسوا من رحمته، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار، وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولم يكفروا نعمه (1). * (فإنك لا تسمع الموتى) * وهم مثلهم، لما سدوا عن الحق مشاعرهم * (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) * فإن الاصم المقبل وإن لم يسمع الكلام تفطن منه بواسطة الحركات شيئا. * (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا) * لانه الذي يتلقى اللفظ ويتدبر المعنى * (فهم مسلمون) * لما تأمرهم به. * (الله الذي خلقكم من ضعف) *: ابتدأكم ضعفاء، أو خلقكم من أصل ضعيف، وهو النطفة * (ثم جعل من بعد ضعف قوة) * وهو بلوغكم الاشد * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء) * من ضعف وقوة وشيبة وشبيبة * (وهو العليم القدير) *. * (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا) * في الدنيا أو القبور * (غير ساعة) *. استقلوا مدة لبثهم. * (كذلك) *: مثل ذلك الصرف عن الصدق * (كانوا يؤفكون) *: يصرفون في الدنيا. * (وقال الذين أوتوا العلم والايمان) * (يعني الائمة). كذا ورد (2). * (لقد لبثتم في


(1) - البيضاوى 4: 149. (2) - الكافي 1: 200، ذيل الحديث: 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 218، الباب: 20، ذيل الحديث: 1، عن على (*)

[ 965 ]

كتاب الله) * قيل: في علمه وقضائه، وما أوجبه لكم وكتبه (1). * (إلى يوم البعث) * القمي: هذه الاية مقدمة ومؤخرة، وإنما هي: وقال الذين أوتوا العلم والايمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث (2). * (فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) *. * (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون) *: لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم، أي: إزالة عتبهم والرضا عنهم، من التوبة والطاعة، كما دعوا إليه في الدنيا. * (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا) * من فرط عنادهم وقسوة قلوبهم * (إن أنتم) * يعنون الرسول والمؤمنين * (إلا مبطلون) *: مزورون. * (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) *. * (فاصبر) * على أذاهم * (إن وعد الله) * بنصرتك، وإظهار دينك على الدين كله * (حق) * لابد من إنجازه * (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) *: ولا يحملنك على الخفة والقلق بتكذيبهم وإيذائهم، فإنهم شاكون ضالون، لا يستبدع منهم ذلك. والقمي: أي: لا يغضبنك (3).


بن موسى الرضا عليهما السلام، بالمضمون. (1) - الكشاف 3: 227، البيضاوي 4: 149. (2) - القمي 2: 160. (3) - القمي 2: 160. (*)

[ 966 ]

سورة لقمان [ مكية، الا الايات 27 و 28 و 29 فمدنية، وآياتها أربع وثلاثون ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (الم) * * (تلك آيات الكتاب الحكيم) *: ذي الحكمة، أو المحكم آياته. * (هدى ورحمة للمحسنين) *. * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم يوقنون) *. * (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) *. * (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) *: ما يلهي عما يعني. قال: (هو الطعن في الحق والاستهزاء به) (2). قال: (ومنه الغناء) (3). * (ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) *: ويتخذ السبيل سخرية * (أولئك لهم عذاب مهين) * لاهانتهم الحق وإيثار الباطل عليه. * (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا) *: ثقلا


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 313، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر، معاني الاخبار: 349، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 967 ]

* (فبشره بعذاب أليم) *. قال: (هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة (1)، وكان ذا رواية من أحاديث الناس وأشعارهم) (2). * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم) *. * (خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم) *. * (خلق السموات بغير عمد ترونها) * قال: (ثم عمد ولكن لا ترونها) (3). * (وألقى في الارض رواسي) *: جبالا شوامخ * (أن تميد بكم) *: كراهة أن تميل بكم * (وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) *: من كل صنف كثير المنفعة. * (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين) *. * (ولقد آتينا لقمان الحكمة) * قال: (الفهم والعقل) (4). وفي رواية قال: (أوتي معرفة إمام زمانه) (5). * (أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) * لاستحقاقه بالشكر دوام النعمة ومزيدها. * (ومن كفر فإن الله غنى) * عن الشكر * (حميد) *: محمود، ينطق بحمده جميع مخلوقاته، حقيق بالحمد حمد أو لم يحمد. قال: (شكر كل نعمة وإن عظمت، أن يحمد الله عليها) (6). قال: (وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حق، أداه) (7).


(1) - مرت ترجمته ذيل الاية: 5 من سورة الفرقان ج 2 ص 137. (2) - القمي 2: 161، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر: 328، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4) - الكافي 1: 16، ذيل الحديث الطويل: 12، عن الكاظم عليه السلام. (5) - القمي 2: 161، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الكافي 2: 95، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - المصدر: 96، ذيل الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 968 ]

وفي رواية: (من أنعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه، فقد أدى شكرها) (1). وورد: (أوحى الله إلى موسى اشكرني حق شكري، فقال: يا رب وكيف أشكرك حق شكرك، وليس من شكر أشكرك به، إلا وأنت أنعمت به علي ؟ ! قال: يا موسى الان شكرتني، حين علمت أن ذلك مني) (2). * (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني) * تصغير إشفاق. * (لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) * لانه تسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة منه. قال: (الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله. فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة (3) بين العباد) (4). * (ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن) *: تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنها لا يزال يتضاعف ضعفها * (وفصاله في عامين) *: وفطامه في انقضاء عامين، وكانت ترضعه في تلك المدة. والجملتان اعتراض مؤكد للتوصية في حقها. * (أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) * فأحاسبك على شكرك وكفرك. قال: (أمر بالشكر له وللوالدين، فمن لم يشكر والديه لم يشكر الله) (5). وقال: (من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عزوجل) (6). * (وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم) * باستحقاقه الاشراك تقليدا


(1) - الكافي 2: 96، الحديث: 15، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 98، الحديث: 27، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المداينة: المجازاة، ومنه: (كما تدين تدان). (4) - الكافي 2: 330، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 258، الباب: 26، الحديث: 13. (6) - المصدر 2: 24، الباب: 31، الحديث: 2. (*)

[ 969 ]

لهما، يعني ما ليس * (فلا تطعهما) * في ذلك (إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (1). * (وصاحبهما في الدنيا معروفا) *: صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم. قيل: (أوصني يا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالايمان، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الايمان) (2). * (واتبع سبيل من أناب إلي) * بالتوحيد والاخلاص في الطاعة. قال: (يقول: سبيل محمد صلى الله عليه وآله) (3). * (ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) *. والايتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان، تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك، كأنه قال: وقد وصينا بمثل ما وصى به، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك، فإنهما مع أنهما تلوا الباري عز اسمه في استحقاق التعظيم والطاعة، لا يجوز أن يطاعا في الاشراك، فما ظنك بغيرهما. * (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل) * أي: الخصلة من الاساءة والاحسان، إن تك مثلا في الصغر كحبة الخردل. وعلى رفع مثقال، فالهاء للقصة، والكون تامة. * (فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض) *: في أخفى مكان وأحرزه، أو أعلاه أو أسفله * (يأت بها الله) *: يحضرها ويحاسب عليها * (إن الله لطيف) *: يصل علمه إلى كل خفي * (خبير) *: يعلمه بكنهه. ورد: (اتقوا المحقرات من الذنوب، فإن لها طالبا. لا يقولن أحدكم أذنب واستغفر الله إن الله يقول: (إن تك مثقال حبة) الاية) (4).


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 124، الباب: 35، ذيل الحديث الطويل: 1. (2) - الكافي 2: 158، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) - القمى 2: 165، عن أبى جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 2: 270، الحديث: 10، عن أبى جعفر عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 319، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 970 ]

* (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك) * من الشدائد. قال: (من المشقة والاذى في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) (1). * (إن ذلك من عزم الامور) *: عزيمة، قطعه قطع إيجاب وإلزام لا رخصة فيه. * (ولا تصعر خدك للناس) * قال: (ولا تمل وجهك من الناس تكبرا، ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به) (2). قيل: هو من الصعر، وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه (3). والقمي: أي: لا تذل للناس طمعا فيما عندهم (4). * (ولا تمش في الارض مرحا) *: بطرا. قال: (يقول: بالعظمة) (5). * (إن الله لا يحب كل مختال فخور) *. علة النهي. ورد: (من اختال فقد نازع الله في جبروته) (6). * (واقصد في مشيك) *: توسط فيه بين الدبيب والاسراع. والقمي: أي: لا تعجل (7). ورد: (سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن) (8). * (واغضض من صوتك) *: اقصر منه. القمي: أي: لا ترفعه (9). * (إن أنكر الاصوات) *: أوحشها * (لصوت الحمير) *. قال: (هي العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا، إلا أن يكون داعيا أو يقرأ القرآن) (10).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 319، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - المصدر، عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) - الكشاف 3: 234، البيضاوى 4: 152. (4) - القمى 2: 165. (5) - المصدر، عن أبى جعفر عليه السلام. (6) - من لا يحضره الفقيه 4: 7، ذيل الحديث: 1، الامالى (للصدوق): 348، المجلس: 66، ذيل الحديث: 1، عن (7) - القمى 2: 65. (8) - الخصال 1: 9، الحديث: 3، عن أبى الحسن عليه السلام. (9) - القمى 2: 65. (10) - مجمع البيان 7 - 8: 238، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 971 ]

* (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات) * بأن جعله أسبابا لمنافعكم * (وما في الارض) * بأن مكنكم من الانتفاع به * (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) *: محسوسة ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه. قال: (أما النعمة الظاهرة فالنبي صلى الله عليه وآله وما جاء به من معرفة الله وتوحيده، وأما النعمة الباطنة فولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا) (1). وفي رواية: (النعمة الظاهرة الامام الظاهر، والباطنة الامام الغائب) (2). وفي أخرى: (أما ما ظهر فالاسلام، وما سوى الله من خلقك، وما أفضل (3) عليك من الرزق، وأما ما بطن فستر مساوئ عملك ولم يفضحك به) (4). * (ومن الناس من يجادل في الله) *: في توحيده وصفاته * (بغير علم) * مستفاد من برهان * (ولا هدى) * راجع إلى رسول أو وصي رسول * (ولا كتاب منير) * أنزله الله، بل بتقليد من لا يجوز تقليده. * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) *. قال: (هو النضر بن الحارث (5). قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: اتبع ما أنزل إليك من ربك. قال: بل أتبع ما وجدت عليه آبائي) (6). * (ومن يسلم وجهه إلى الله) * بأن فوض أمره إليه، وأقبل بشراشره عليه * (وهو محسن) * في عمله * (فقد استمسك بالعروة الوثقى) *: تعلق بأوثق ما يتعلق به * (وإلى الله عاقبة الامور) * إذ الكل صائر إليه.


(1) - القمي 2: 165، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - كمال الدين 2: 368، الباب: 34، الحديث: 6، المناقب 4: 180، عن الكاظم عليه السلام. (3) - في المصدر: (أفاض). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 320، عن النبي صلى الله عليه وآله. (5) - مرت ترجمته في ذيل الاية: 7 من نفس السورة. (6) - القمي 2: 166، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 972 ]

* (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور) *. * (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) *. * (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) * لوضوح البرهان، بحيث اضطروا إلى الاذعان. قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأن الله عزوجل خالقه، فذلك قول الله عزوجل: ولئن سئلتهم الاية) (1). * (قل الحمد لله) * على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم * (بل أكثرهم لا يعلمون) * أن ذلك يلزمهم. * (لله ما في السموات والارض إن الله هو الغنى الحميد) *. * (ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) * والبحر المحيط بسعته مداد ممدودا بسبعة أبحر، فأغنى عن ذكر المداد (يمده)، لانه من مد الدواة وأمدها. وفي قراءتهم عليهم السلام: (والبحر مداده) (2). * (ما نفدت كلمات الله) * بكتبها بتلك الاقلام، بذلك المداد. * (إن الله عزيز) *: لا يعجزه شئ * (حكيم) *: لا يخرج عن علمه وحكمته أمر. * (ما خلقكم ولابعثكم إلا كنفس واحدة) *: إلا كخلقها وبعثها، إذ لا يشغله شأن عن شأن. قال: (بلغنا والله أعلم أنهم قالوا: يا محمد خلقنا أطوارا، نطفا ثم علقا، ثم أنشأنا خلقا آخر كما تزعم، وتزعم أنا نبعث في ساعة واحدة. فقال الله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) (إنما يقول له كن فيكون) (3)) (4).


(1) - التوحيد: 331، الباب: 53، الحديث: 9، عن أبى جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 321، عن أبى عبد الله عليه السلام. (3) - البقرة (2): 117، آل عمران (3): 47، مريم (19): 35، غافر (40): 68، وفى جميع الايات: (فانها). (4) - القمي 2: 167، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 973 ]

* (إن الله سميع بصير) * لا يشغله سمع عن سمع، ولا إبصار عن إبصار. * (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل) * من النيرين * (يجري) * في فلكه * (إلى أجل مسمى) * القمي يقول: كل واحد منهما يجري إلى منتهاه، لا يقصر عنه ولا يجاوزه (1). * (وأن الله بما تعملون خبير) *. * (ذلك) * إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة وعجائب الصنع، واختصاص الباري عز اسمه بها. * (بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) *. * (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله) *: بإحسانه في تهيئة أسبابه * (ليريكم من آياته إن في ذلك لايات لكل صبار شكور) * قيل: أي: لكل من حبس نفسه على النظر في آيات الله، والتفكر في آلائه، والشكر لنعمائه، أو لكل مؤمن كامل الايمان (2). (فإن الايمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر). كما ورد (3). أقول: راكب البحر بين خوف من الغرق ورجاء للخلاص [ والوصول إلى المطلوب بسرعة (4) ]. فهو لا يزال بين بلية ونعمة، والبلية تطلبه بالصبر، والنعمة تطلبه بالشكر، فهو صبار شكور. * (وإذا غشيهم) *: علاهم وغطاهم، يعني في البحر * (موج كالظلل) *: كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما * (دعوا الله مخلصين له الدين) * لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد، بما دهاهم من الخوف الشديد. * (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) * القمى: أي: صالح (5). * (وما يجحد بآياتنا الا كل ختار) *: غدار ينقض العهد الفطري، وما


(1) - القمى 2: 167، عن أبى جعفر عليه السلام. (2) - البيضاوى 5: 55، ذيل الاية: 33 من سورة الشورى. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 323. (4) - مابين المعقوفتين لم ترد في (ألف). (5) - القمى 2: 167. (*)

[ 974 ]

كان في البحر. والقمي: الختار الخداع (1). * (كفور) * للنعم. * (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي) *: لا يقضي، وعلى ضم الياء: لا يغني * (والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق) * بالثواب والعقاب. القمي: ذلك القيامة (2) * (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) * قال: (بتشويقها) (3). وقال: (الدنيا دنياء ان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة) (4). * (ولا يغرنكم بالله الغرور) *: الشيطان بأن يرجيكم التوبة والمغفرة، فيجسركم على المعاصي. * (إن الله عنده علم الساعة) *: علم وقت قيامها * (وينزل الغيث) * في إبانه المقدر له، والمحل المعين له في علمه. * (ويعلم ما في الارحام) * قال: (من ذكر أو أنثى، وقبيح أو جميل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون للنار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا) (5). * (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) * من خير أو شر، وربما تعزم على شئ، فتفعل خلافه. * (وما تدري نفس بأى أرض تموت) *. قال: (هذه الخمسة أشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهي من صفات الله تعالى) (6). وورد: (هذا هو علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله) (7). * (إن الله عليم خبير) *.


(1 و 2) - القمي 2: 167. (3) - من لا يحضره الفقيه 4: 274، ذيل الحديث: 829، معاني الاخبار: 199، ذيل الحديث: 44، عن الكاظم، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، وفيهما: (بتشوقها). (4) - الكافي 2: 131، ذيل الحديث: 11، عن السجاد عليه السلام. (5) - نهج البلاغة: 186، ذيل الخطبة: 128. (6) - القمي 2: 167، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - نهج البلاغة: 186، ذيل الخطبة: 128. (*)

[ 975 ]

سورة السجدة [ مكية، وهى ثلاثون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (الم) *. * (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) *. * (أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون) *. * (الله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش) *. سبق في الاعراف (2). * (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون) *. * (يدبر الامر من السماء إلى الارض) * بأسباب سماوية، نازلة آثارها إلى الارض * (ثم يعرج إليه) *: يصعد الامر إليه * (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) *. القمي: يعني الامور التي يدبرها، والامر والنهي الذي أمر به، وأعمال العباد، كل هذا يظهر (3) يوم


(1) - مابين المعقوفتين من (ب). (2) - ذيل الاية: 54. (3) - في المصدر: (يظهره). (*)

[ 976 ]

القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم ألف سنة من سني الدنيا (1). * (ذلك عالم الغيب والشهادة) * فيدبر أمرهما على وفق الحكمة * (العزيز) *: الغالب على أمره * (الرحيم) * على العباد في تدبيره. * (الذي أحسن كل شئ خلقه) * موفرا عليه ما يستعده ويليق به، على وفق الحكمة والمصلحة * (وبدأ خلق الانسان) * يعني آدم * (من طين) *. * (ثم جعل نسله) *: ولده * (من سلالة) * القمي: هو الصفو من الطعام والشراب (2). * (من ماء مهين) *: المني. * (ثم سواه) *: قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي * (ونفخ فيه من روحه) *. أضافه إلى نفسه تشريفا وإظهارا بأنه خلق عجيب، وأن له لشأنا. وقد سبق في الحجر (3). * (وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون) *. * (وقالوا أإذا ضللنا في الارض) *: غبنا فيها، بحيث لانتميز من ترابها * (أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون) * قال: (يعني البعث) (4). * (قل يتوفاكم) *: يستوفي نفوسكم، لا يترك منها شيئا، ولا يبقي منكم أحدا * (ملك الموت الذي وكل بكم) * بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم * (ثم إلى ربكم ترجعون) *. * (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم) * من الحياء والخزي * (عند ربهم ربنا أبصرنا) * ما وعدتنا * (وسمعنا) * منك تصديق رسلك. كذا قيل (5). والقمي: (أبصرنا وسمعنا في الدنيا ولم نعمل به (6). * (فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون) * إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا.


(1 و 2) - القمي 2: 168. (3) - الاية: 29. (4) - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - الكشاف 3: 242، البيضاوي 4: 155. (6) - لم نعثر عليه في تفسير القمي المطبوعة، ولعله سقط من النساخ، لانه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي، الموجودة في مكتبة الاعلام الاسلامي، تحت رقم: 26818. (*)

[ 977 ]

* (ولو شئنا لاتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني) *: ثبت قضائي وسبق وعيدي * (لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) *. * (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم) * القمي: أي: تركناكم (1). * (وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون) *. * (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا) * خوفا من عذاب الله * (وسبحوا بحمد ربهم) *: نزهوه عما لا يليق به، حامدين له، شكرا على ما وفقهم للاسلام وآتاهم الهدى * (وهم لا يستكبرون) * عن الايمان والطاعة. * (تتجافى جنوبهم) *: ترتفع وتتنحى * (عن المضاجع) *: الفرش ومواضع النوم. قال: (هم المتهجدون بالليل، الذين يقومون عن فرشهم للصلاة) (2). * (يدعون ربهم خوفا) * من سخطه * (وطمعا) * في رحمته * (ومما رزقناهم ينفقون) * في وجوه الخير. قال: (لعلك ترى أن القوم لم يكونوا ينامون، لا بد لهذا البدن أن تريحه حتى يخرج نفسه، فإذا خرج النفس استراح البدن، ورجع الروح قوة على العمل. قال: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه من شيعتنا، ينامون في أول الليل، فإذا ذهب ثلثا الليل أو ما شاء الله، فزعوا إلى ربهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده، فذكر الله في كتابه فأخبركم بما أعطاهم، إنه أسكنهم في جواره، وأدخلهم جنته، وآمنهم خوفهم، وأذهب رعبهم) (3). * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) *: مما تقر به عيونهم * (جزاء بما كانوا يعملون) *. قال: (ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل، فإن الله عزوجل لم يبين ثوابها لعظم خطرها عنده، فقال جل ذكره: (تتجافى جنوبهم - إلى قوله: -


(1) - القمي 2: 168. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 331، عنهما عليهما السلام. (3) - علل الشرائع 2: 365، الباب: 86، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 978 ]

يعملون) (1). وورد: (يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس) الاية) (2). أقول: بله مبني على الفتح ككيف، بمعنى دع أو سوى. * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) *: خارجا عن الايمان * (لا يستوون) *. * (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا) * هو ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة * (بما كانوا يعملون) *. * (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) *. قال: (إن علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة (3) تشاجرا، فقال - الفاسق - الوليد بن عقبة: أنا والله أبسط منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأمثل منك جثوا في الكتيبة، فقال علي عليه السلام: اسكت ! إنما أنت فاسق، فأنزل الله هذه الايات) (4). * (ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر) * قبل أن يصلوا الى الاخرة


(1) - القمي 2: 168، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 331، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب، الاموي القرشي: من فتيان قريش وشعرائهم، وهو آخو عثمان بن عفان لامه، أسلم يوم فتح مكة. بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله على صدقات بني المصطلق، ولا خلاف بين أهل العلم في أن قوله عزوجل: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * أنزلت في الوليد بن عقبة. ثم ولاه عمر صدقات بني تغلب، وولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص (سنة 29 ه‍). كان الاصمعي وأبو عبيدة والكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد شريب خمر، وروي ان الوليد صلى صلاة الصبح بأهل الكوفة أربع ركعات وهو سكران، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم. وهذه الرواية مشهورة من رواية الثقات من أهل الحديث. ولما قتل عثمان تحول الوليد إلى الجزيرة الفراتية واعتزل الفتنة. وقيل: شهد صفين مع معاوية، وقيل: لم يشهدها، ولكنه يحرض معاوية بكتبه وشعره على الاخذ بثأر عثمان. ومات بالرقة سنة 61 ه‍. راجع: أسد الغابة 5: 91 - 92، الاعلام 8: 122. (4) - القمي 2: 170. (*)

[ 979 ]

* (لعلهم يرجعون) *. قال: (العذاب الادنى عذاب القبر) (1). وفي رواية: (الدابة والدجال) (2). والقمي: العذاب الادنى عذاب الرجعة بالسيف، فإنهم يرجعون حتى يعذبوا (3). * (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) * فلم يتفكر فيها، و (ثم) لاستبعاد الاعراض عنها مع فرط وضوحها، وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكر لها * (إنا من المجرمين منتقمون) * فكيف بمن كان أظلم من كل ظالم. * (ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه) * قال: (من لقاء موسى ربه في الاخرة) (4). * (وجعلناه هدى لبني إسرائيل) *. * (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) * قال: (لا بأمر الناس، يقدمون أمر الله قبل أمرهم، وحكم الله قبل حكمهم) (5). * (لما صبروا) *. القمي: كان في علم الله أنهم يصبرون على ما يصيبهم، فجعلهم أئمة (6). * (وكانوا بآياتنا يوقنون) *. * (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) * من أمر الدين. * (أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون) * أي: كثرة من أهلكنا (7). * (يمشون في مساكنهم) *: يمرون في متاجرهم على ديارهم * (إن في ذلك لايات أفلا يسمعون) *. * (أو لم يروا أنا نسوق الماء الى الارض الجرز) *: التى جرز نباتها أي: قطع


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 332، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر، عنهما عليهما السلام. (3) - القمي 2: 170. (4) - الدر المنثور 6: 556. لم نعثر عليه في كتب الخاصة، ونقله بنصه في التبيان ومجمع البيان بلفظة (قيل). (5) - القمي 2: 170. (6) - المصدر: 171، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - في (ب): (أهلكناهم). (*)

[ 980 ]

وأزيل. القمي: الارض الخراب (1). * (فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون) *. * (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين) *. * (قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) *: ولا يمهلون. القمي: هو مثل ضربه الله عزوجل في الرجعة والقائم عليه السلام، فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بخبر الرجعة قالوا: (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين)، وهذه معطوفة على قوله: (ولنذيقنهم من العذاب الادنى) (2). * (فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون) *.


(1 و 2) - القمي 2: 171. (*)

[ 981 ]

سورة الاحزاب [ مدنية، وهى ثلاث وسبعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) * القمي: وهذا هو الذي قال الصادق عليه السلام: (إن الله بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جاره، فالمخاطبة للنبي والمعني الناس) (2). * (إن الله كان عليما حكيما) *. قيل: قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها (3) وندعك وربك، فنزلت (4). * (واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا) *. * (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) *. * (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) * رد لما زعمت العرب من أن اللبيب الاريب له قلبان. قال: (لا يجتمع (5) حبنا وحب عدونا في جوف إنسان، إن الله لم يجعل


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 171، وفيه: (والمعني للناس). (3) - لم ترد (لمن عبدها) في (ألف) و (ج). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 335. (5) - في (ألف): (لا يجتمعان). (*)

[ 982 ]

لرجل قلبين (1) في جوفه، فيحب بهذا ويبغض بهذا) (2) الحديث. وورد: (من كان قلبه متعلقا في صلاته بشئ دون الله، فهو قريب من ذلك الشئ، بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته، ثم تلا هذه الاية) (3). * (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم) * رد لما زعمت العرب: أن من قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، صارت زوجته كالام له. * (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) * رد لما زعمت العرب: (أن دعي (4) الرجل ابنه، ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي (5) عتيق رسول الله: ابن محمد، وذلك لانه حين برئ منه أبوه لاسلامه، وعدم مفارقته النبي ولحوقه بأبيه، ألحقه رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه). كذا ورد (6). * (ذلكم قولكم بأفواهكم) * لا حقيقة له * (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) *. * (أدعوهم لابائهم هو أقسط عند الله) *: أعدل * (فإن لم تعلموا آباءهم) * لتنسبوا إليهم * (فإخوانكم في الدين) *: فهم إخوانكم في الدين * (ومواليكم) *: وأولياؤكم فيه، فقولوا: هذا أخي ومولاى، بهذا التأويل. * (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما) *. * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) * يعني أولى بهم في الامور كلها، فإنه لا


(1) - في المصدر: (من قلبين). (2) - القمى 2: 171، عن أبى جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. وفى الامالى (للشيخ الطوسى) 1: 148، عن (3) - مصباح الشريعة: 92، الباب: 41 في السجود، عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) - الدعى: من ييتبناه الانسان وأنه ليس بابن حقيقة. مجمع البحرين 1: 144 (دعا). (5) - زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى: صحابي. اختطف في الجاهلية صغيرا، واشترته خديجة بنت خويلد فوهبته الى النبي صلى الله عليه وآله حين تزوجها، فتبناه النبي قبل الاسلام وأعتقه وزوجه بنت عمته. واستمر الناس يسمونه (زيد بن محمد) حتى نزلت آية (ادعوهم لابائهم). وهو من أقدم الصحابة اسلاما. وكان النبي يحبه ويقدمه، وجعل له الامارة في غزوة مؤتة، فاستشهد فيها في سنة 8 من الهجرة. الاعلام (للزركلي) 3: 57. (6) - القمى 2: 172، عن أبى عبد الله عليه السلام، بالمضمون. (*)

[ 983 ]

يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس، فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأمره أنفذ عليهم من أمرها، وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها. ورد: (إنه لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج، قال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا. فنزلت) (1). وكذلك الائمة عليهم السلام من بعده، فإن كل واحد منهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم واحدا بعد واحد. سئل عن معنى ذلك، فقال: (قول النبي صلى الله عليه وآله: من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي (2)، ومن ترك مالا فلورثته، فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال، وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم (3) النفقة، والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما سلام الله عليهم ألزمهم الله هذا، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم، وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله، لانهم آمنوا على أنفسهم وعيالاتهم) (4). * (وأزواجه أمهاتهم) *: منزلات منزلتهن في التحريم مطلقا، (وفي استحقاق التعظيم ما دمن على الطاعة). كذا ورد (5). وزيد في قراءتهم عليهم السلام (وهو أب لهم) (6). القمي: نزلت: وهو أب لهم (7). أقول: وذلك لما مر من إلزام نفسه مؤنتهم وتربية أيتامهم ومن يضيع منهم، ولان كل نبي أب لامته، من جهة أنه أصل فيما به الحياة الابدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة. وورد:


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 338، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - ليس في المصدر كلمة: (والى). (3) - في (ألف) و (ج): (عليه). (4) - الكافي 1: 406، الحديث: 6، عن أبى عبد الله عليه السلام. (5) - كمال الدين 2: 459، الباب: 43، ذيل الحديث الطويل: 21، عن القائم عليه السلام. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 338. (7) - القمى 2: 175. (*)

[ 984 ]

(أنا وعلي أبوا هذه الامة) (1). وذلك لانهما في هذا المعنى سواء. * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) *: في حكمه المكتوب. قال: (نزلت في الامرة، إن هذه الاية جرت في ولد الحسين من بعده، فنحن أولى بالامر وبرسول الله من المؤمنين والمهاجرين والانصار) (2). وقد مضت هذه الاية في آخر الانفال (3)، وأنها نزلت في نسخ التوارث بالهجرة والنصرة. والتوفيق بنزول هذه في الامرة، وتلك في الميراث، لا يلائم الاستثناء في هذه الاية ولا ما يأتي في بيانه، بلى إن عكسنا استقام، وكذا إذا عممنا الحكم وإن كان المورد خاصا، وكذا إذا جعلنا أحدهما تأويلا، كما يستفاد من بعض الاخبار (4). * (من المؤمنين والمهاجرين) * صلة لاولي، أي: أولوا الارحام بحق القرابة أولى بالامرة أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين، والمهاجرين بحق الهجرة. وإن حملنا الاية على الميراث احتمل أيضا أن تكون بيانا لاولي الارحام. * (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) * يعني بالتوصية. سئل: أي شئ للموالي ؟ فقال: (ليس لهم من الميراث إلا ما قال الله: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا)) (5). * (كان ذلك في الكتاب مسطورا) *. * (وإذ أخذنا) * مقدر بأذكر. * (من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) * القمي: الواو في (ومنك) زيادة، إنما هو (منك ومن نوح)، فأخذ الله الميثاق لنفسه على الانبياء، ثم أخذ لنبيه على الانبياء


(1) - الامالي (للصدوق): 22، المجلس: 4، ذيل الحديث: 6، علل الشرائع 1: 127، الباب: 106، الحديث: 2، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 1: 288، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - الاية: 75. (4) - علل الشرائع 1: 205، الباب: 156، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 7: 135، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 985 ]

والائمة عليهم السلام ثم أخذ للانبياء على رسوله صلوات الله عليهم (1). * (ليسأل الصادقين عن صدقهم) * أي: فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الانبياء الذين صدقوا عهدهم، فيظهر صدقهم. * (وأعد للكافرين عذابا أليما) * كأنه قيل: فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين. * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا) * يعني الاحزاب، وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير في عشرة الاف، وكان المسلمون سبعمائة، فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله بإقبالهم، ضرب الخندق على المدينة بينه وبينهم، بإشارة سلمان رضى الله عنه عليه وتصويبه الوحي، فبقي يحاربهم في الخندق أياما، فلما طال الامر واشتد عليهم الحصار، وكانوا في وقت برد شديد، وأصابتهم مجاعة، وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم، ونافق أكثر من معه، وقد كان أخبرهم بتحزب العرب عليه ومجيئهم من فوق، وبغدر يهود ونقضهم عهده ومجيئهم من أسفل، وأنه يصيبهم جهد شديد، وأن العاقبة له عليهم، بعث الله الدبور (2) مع الملائكة فهزموهم بإذن الله. كذا ذكره القمي (3) في خلال قصتهم بطولها. * (وجنودا لم تروها) * يعني الملائكة * (وكان الله بما تعملون بصيرا) * أي: حفر الخندق، وعلى الغيبة، أي: التحزب والمحاربة. * (إذ جاؤوكم من فوقكم) *: من أعلى الوادي * (ومن أسفل منكم) *: من أسفل الوادي * (وإذ زاغت الابصار) *: مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا * (وبلغت القلوب الحناجر) * رعبا، فان الرئة تنتفخ من شدة الروع، فيرتفع القلب بارتفاعها الى رأس


(1) - القمى 2: 176. (2) - الدبور: الريح تقابل التى تقابل الصبا والقبول، وهى ريح تهب من نحو المغرب، والصبا تقابلها من ناحية المشرق. (3) - القمى 2: 176 الى 188. (*)

[ 986 ]

الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم. * (وتظنون بالله الظنونا) *: الانواع من الظن. * (هنالك ابتلى المؤمنون) *: اختبروا، فظهر المخلص من المنافق، والثابت من المتزلزل. * (وزلزلوا زلزالا شديدا) * من شدة الفزع. * (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله) * من الظفر وإعلاء الدين * (إلا غرورا) *: وعدا باطلا. * (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب) *: أهل المدينة * (لا مقام لكم) *: لا موضع قيام لكم * (فارجعوا) * إلى منازلكم هاربين * (ويستأذن فريق منهم النبي) * للرجوع * (يقولون إن بيوتنا عورة) *: غير حصينة، وأصلها الخلل * (وما هي بعورة) * قال: (بل هي رفيعة السمك (1) حصينة) (2). وفي رواية: (وكانت بيوتهم في أطراف البيوت حيث ينفرد الناس، فأكذبهم. قال (وما هي بعورة)) (3). إن يريدون إلا فرارا) * من القتال. * (ولو دخلت عليهم من أقطارها) *: من جوانبها * (ثم سئلوا الفتنة) *: الردة ومقاتلة المسلمين * (لاتوها) *: لاعطوها * (وما تلبثوا بها) * بالفتنة، أي بإعطائها * (إلا يسيرا) *. * (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا) *. * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) *. * (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا) * ينفعهم * (ولا نصيرا) * يدفع الضر عنهم. * (قد يعلم الله المعوقين منكم) *: المثبطين (4) عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهم المنافقون * (والقائلين لاءخوانهم هلم إلينا) *: قربوا أنفسكم إلينا ولا يأتون البأس) *: ولا يقاتلون


(1) - السمك: السقف. الصحاح 4: 1592 (سمك). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 347، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - العياشي 2: 103، الحديث: 98، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - ثبطه: قعد به عن الامر وشغله عنه ومنعه تخذيلا ونحوه، المصباح المنير 1: 100 (ثبط). (*)

[ 987 ]

* (إلا قليلا) *. * (أشحة عليكم) * بخلاء بالمعاونة أو النفقة أو الظفر أو الغنيمة * (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم) * في أحداقهم * (كالذي يغشى عليه من الموت) *: من معالجة سكرات الموت، خوفا ولواذا بك * (فإذا ذهب الخوف) * وحيزت الغنائم * (سلقوكم) *: ضربوكم * (بألسنة حداد) *: ذربة (1) يطلبون الغنيمة، والسلق: البسط بقهر، باليد أو باللسان. * (أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا) * إخلاصا * (فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا) *. القمي: نزلت هذه الاية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا (2). * (يحسبون الاحزاب لم يذهبوا) * أي: هؤلاء لجبنهم يظنون أن الاحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا * (وإن يأت الاحزاب) * كرة ثانية * (يودوا لو أنهم بادون في الاعراب) *: تمنوا أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون بين الاعراب * (يسألون) * كل قادم من جانب المدينة * (عن أنبائكم) *: عما جرى عليكم * (ولو كانوا فيكم) * هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة، وكان قتال * (ما قاتلوا إلا قليلا) * رياء وخوفا عن التعيير. * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) * في أفعاله وأخلاقه، كثباته في الحرب ومقاساته للشدائد وغير ذلك * (لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا) *. قرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك. * (ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما) *. روي: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيشتد الامر


(1) - الذرب: الحاد من كل شئ. ولسان ذرب وفيه ذرابة، أي: حدة. قال أبو زيد: في لسانه ذرب، وهو الفحش، الصحاح 1: 127 (ذرب). (2) - القمي 2: 188. (*)

[ 988 ]

باجتماع الاحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم. وقال: إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر) (1). * (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) * قال: (أن لا يفروا أبدا) (2). * (فمنهم من قضى نحبه) * قال: (أجله، وهو حمزة وجعفر) (3). قيل: النحب: النذر، استعير للموت لانه كنذر لازم في الرقبة (4). * (ومنهم من ينتظر) * قال: (أجله، يعني عليا) (5) * (وما بدلوا) * العهد ولا غيروه * (تبديلا) *: شيئا من التبديل. فيه تعريض لاهل النفاق ومرض القلب بالتبديل. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (ولقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى، فأنزل الله فينا: (من المؤمنين رجال صدقوا) الاية) (6). وفي لفظ آخر قال: (فينا نزلت: (رجال صدقوا) فأنا والله المنتظر، وما بدلت تبديلا) (7). * (ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين) *: المبدلين * (إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما) *. * (ورد الله الذين كفروا) * يعني الاحزاب * (بغيظهم لم ينالوا خيرا) *: غير ظافرين * (وكفى الله المؤمنين القتال) * قال: (كفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب وقتله


(1) - البيضاوي 4: 161. (2 و 3) - القمي 2: 188، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - البيضاوي 4: 161. (5) - القمي 2: 189، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الخصال 2: 376، ذيل الحديث الطويل: 58، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (7) - مجمع البيان 7 - 8: 350، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 989 ]

عمرو بن عبدود) (1). * (وكان الله قويا) * على إحداث ما يريده * (عزيزا) * غالبا على كل شئ. * (وأنزل الذين ظاهروهم) *: ظاهروا الاحزاب * (من أهل الكتاب) * القمي: يعني بني قريظة (2). * (من صياصيهم) *: من حصونهم * (وقذف في قلوبهم الرعب) *: الخوف * (فريقا تقتلون وتأسرون فريقا) *. * (وأورثكم أرضهم وديارهم) *: مزارعهم وحصونهم * (وأموالهم) *: نقودهم ومواشيهم وأثاثهم * (وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شئ قديرا) *. وذلك أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة واللواء معقود، أراد أن يغتسل من الغبار، فناداه جبرئيل عليه السلام: ما وضعت الملائكة لامتها (3)، فكيف تضع لامتك ! إن الله يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة، فإني متقدمكم ومزلزل بهم حصنهم، إنا كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه مع الراية العظمى، وأنزل العسكر حول حصنهم، فحاصرهم ثلاثة أيام، فجزعوا وأكثروا عليه، فأنزلهم على حكم سعد بن معاذ فرضوا بذلك، فحكم سعد: أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم، وتقسم غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والانصار. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قد حكمت بقول الله عزوجل فوق سبعة أرقعة (4). هذا ملخص ما ذكره القمي (5). * (يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا) *: السعة والتنعم فيها * (وزينتها) *: وزخارفها * (فتعالين أمتعكن) *: أعطكن المتعة * (وأسرحكن سراحا جميلا) *:


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 189. (3) - اللامة: الدرع. الصحاح 5: 2026 (لأم). (4) - الرقيع: سماء الدنيا، وكذلك سائر السماوات. الصحاح 3: 1222 (رقع). (5) - القمي 2: 189 إلى 191. (*)

[ 990 ]

طلاقا من غير ضرار برغبة. * (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) *. استحقر دونه الدنيا وزينتها. ورد: (إن زينب بنت جحش قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله: لا تعدل وأنت رسول الله ! وقالت حفصة: إن طلقتنا وجدنا أكفائنا من قومنا. فاحتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين يوما، قال: فأنف الله لرسوله، فأنزل هذه الاية. قال: فاخترن الله ورسوله ولم يكن شئ، ولو اخترن أنفسهن لبن (1)) (2). والقمي: أصاب غنيمة، فقلن أزواجه: أعطنا ما أصبت، فقال: قسمته بين المسلمين على ما أمر الله، فغضبن من ذلك، وقلن: لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الاكفاء من قومنا يتزوجونا ! فأنف الله عزوجل لرسوله، فأمره أن يعتزلهن، تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن، ثم أنزل الله هذه الاية، وهي آية التخيير، فقامت أم سلمة أول من قامت، فقالت: قد اخترت الله ورسوله، فقمن كلهن، فعانقنه، وقلن مثل ذلك، فأنزل الله: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) الاية (3)، فهذه الاية مع هذه، وقد أخرت عنها في التأليف (4). ورد: (إنما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة، أمر بذلك ففعل، ولو اخترن أنفسهن لطلقهن) (5). * (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) *: ظاهر قبحها * (يضاعف لها العذاب


(1) - أي: لصرن بائنات، يعني حصل البينونة بينك وبينهن. (2) - الكافي 6: 138، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - نفس السورة: 51. (4) - القمي 2: 192. (5) - الكافي 6: 137، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 991 ]

ضعفين) *: ضعفي عذاب غيرهن. قال: (الفاحشة: الخروج بالسيف) (1). * (وكان ذلك على الله يسيرا) * لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي، وكيف وهو سببه ؟ ! * (ومن يقنت منكن) *: ومن يدم على الطاعة * (لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين) *: مرة على الطاعة ومرة على طلب رضا النبي صلى الله عليه وآله، بالقناعة وحسن المعاشرة وغير ذلك. * (وأعتدنا لها رزقا كريما) * في الجنة زيادة على أجرها. قال: (كل ذلك (2) في الاخرة، حيث يكون الاجر يكون العذاب) (3). * (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) * الله * (فلا تخضعن بالقول) *: فلا تجبن بقولكن خاضعا لينا مثل قول المريبات * (فيطمع الذي في قلبه مرض) *: فجور * (وقلن قولا معروفا) *: حسنا بعيدا عن الريبة. * (وقرن) * من الوقار أو القرار * (في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) * التبرج: اظهار النساء زينتهن ومحاسنهن للرجال. ورد: (إن يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى عليه السلام فقالت: أنا أحق بالامر منك، فقاتلها فقتل مقاتلتها وأحسن أسرها، وإن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من أمتي، فيقاتلها فيقتل مقاتلتها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى) يعني صفراء بنت شعيب) (4). وفي رواية: (أي: سيكون جاهلية


(1) - القمي 2: 193، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - في المصدر: (كل هذا). (3) - القمي 2: 193، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - كمال الدين 1: 27، في مقدمة المصنف، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 992 ]

أخرى) (1). * (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. قال: (نزلت هذه الاية في رسول الله وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، وذلك في بيت أم سلمة زوج النبي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المومنين وفاطمة والحسن والحسين، ثم ألبسهم كساء له خيبريا، ودخل معهم فيه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين وعدتني فيهم ما وعدتني، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟ قال: ابشري يا أم سلمة، فإنك إلى خير) (2). وزيد في رواية: (إنما نزلت في وفي أخي وفي ابنتي وفي ابني وفي تسعة من ولد ابني الحسين خاصة، ليس معنا (3) أحد غيرنا) (4). وفي أخرى: (يعني الائمة وولايتهم، من دخل فيها دخل في بيت النبي) (5). وفي نزولها في شأنهم أخبار كثيرة من طريق العامة (6) والخاصة (7). وعن زيد بن علي بن الحسين: إن جهالا من الناس يزعمون: أنه إنما أراد الله بهذه الاية أزواج النبي، وقد كذبوا وأثموا وأيمن الله، ولو عنى أزواج النبي لقال: ليذهب عنكن


(1) - القمي 2: 193، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (2) - القمي 2: 193، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - في المصدر: (ليست فيها). (4) - كمال الدين 1: 278، الباب: 24، ذيل الحديث: 25، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - الكافي 1: 423، الحديث: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - السنن الكبرى (للبيهقي) 2: 150، المستدرك (للحاكم) 2: 416، البيضاوي 4: 163، روح المعاني 22: 14. (7) - القمي 2: 193، علل الشرائع 1: 191، الباب: 151، الحديث: 1، الخصال 2: 561، ذيل الحديث: 31، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 229، الباب: 23، الحديث: 1. (*)

[ 993 ]

الرجس ويطهركن تطهيرا، ولكان الكلام مؤنثا، كما قال: (أذكرن ما يتلى في بيوتكن)، (ولا تبرجن) (ولستن كأحد من النساء) (1). وورد: (ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إن الاية أولها ينزل في شئ وأوسطها في شئ وآخرها في شئ ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) من ميلاد الجاهلية) (2). وفي رواية: (الرجس هو الشك، ولا نشك في ديننا أبدا) (3). * (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) * من الكتاب الجامع بين الامرين * (إن الله كان لطيفا خبيرا) *. * (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) *. ورد: (إن الايمان ما وقر في القلوب، والاسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء، والايمان يشرك الاسلام، والاسلام لا يشرك الايمان) (4). * (والقانتين) *: المداومين على الطاعة * (والقانتات والصادقين) * في القول والفعل * (والصادقات والصابرين) * على الطاعات وعن المعاصي * (والصابرات والخاشعين) *: المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم * (والخاشعات والمتصدقين) * من أموالهم ابتغاء مرضاة الله * (والمتصدقات والصائمين) * لله بنية صادقة * (والصائمات والحافظين فروجهم) * عن الحرام * (والحافظات والذاكرين الله كثيرا) * بقلوبهم وألسنتهم * (والذاكرات أعد الله لهم مغفرة) * لذنوبهم * (وأجرا عظيما) * على طاعتهم. روي: (دخلت أسماء بنت عميس على نساء رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: هل فينا شئ من


(1) - القمي 2: 193. (2) - العياشي 1: 17، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - بصائر الدرجات: 206، الباب: 11، الحديث: 13، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 2: 26، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 994 ]

القرآن ؟ قلن: لا. فأتت رسول الله فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار ! فقال: ومم ذلك ؟ قالت: لانهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله هذه الاية) (1). * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) *: أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله، والخيرة: ما يخير. ورد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش، وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وآله، فقالت: يا رسول الله حتى أوامر نفسي فانظر، فأنزل الله هذه الاية، فقالت: يا رسول الله أمري بيدك، فزوجها إياه) (2). * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) *. * (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) * بالاسلام * (وأنعمت عليه) * بالعتق، وهو زيد بن حارثة * (أمسك عليك زوجك) *: زينب * (واتق الله) * في أمرها فلا تطلقها * (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) *. قال: (إن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال له: أريد أن أطلق زينب، قال له: (أمسك عليك زوجك)، فقال سبحانه: لم قلت: أمسك عليك زوجك ؟ وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك) (3). وزاد في رواية: (ولم يبده، لكيلا يقول أحد من المنافقين: إنه قال في امرأة في بيت رجل: إنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين (4)) (5).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 358، عن مقاتل بن حيان، مع تفاوت يسير. (2) - القمي 2: 194، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 360، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 195، الباب: 14، ذيل الحديث الطويل: 1. (5) - وزاد في (ألف): (وفي المخفي رواية أخرى ذكرناها في الصافي). (*)

[ 995 ]

* (وتخشى الناس) * تعييرهم إياك به. * (والله أحق أن تخشاه) * إن كان فيه ما يخشى * (فلما قضى زيد منها وطرا) * بحيث ملها ولم يبق له فيها حاجة، وطلقها وانقضت عدتها * (زوجناكها) * وفي قراءتهم عليهم السلام: (زوجتكها) (1). ورد: (إن الله ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حواء من آدم، وزينب من رسول الله، وفاطمة من علي) (2). * (لكى لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) *. * (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله) *: سن ذلك سنة * (في الذين خلوا من قبل) * من الانبياء، وهو نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) *: قضاء مقضيا وحكما قطعيا. * (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا) * فينبغي أن لا يخشى إلا منه. * (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) * على الحقيقة، فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها. أقول: لا ينتقض عمومه بكونه أبا للائمة عليهم السلام وأنهم بنوه، لانهم رجاله ليسوا برجال الناس، مع أنهم لا يقاسوا بالناس. ورد: إنه صلى الله عليه وآله قال: (إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم، وقال للحسن والحسين: ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3).


(1) - جوامع الجامع: 373، عن أهل البيت وعلي والصادق عليهم السلام. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 195، الباب: 14، ذيل الحديث الطويل: 1. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 361. (*)

[ 996 ]

يعني قاما بالامامة أو قعدا عنها، وقد مر في سورتي النساء (1) والانعام (2) ما يدل على أنهما ابناه أيضا. * (ولكن رسول الله) * وكل رسول أبو أمته لا مطلقا، بل من حيث أنه شفيق ناصح لهم، واجب التوقير والطاعة عليهم، وزيد منهم. * (وخاتم النبيين) *: وآخرهم الذي ختمهم أو ختموا به، على اختلاف القراءتين (3). * (وكان الله بكل شئ عليما) *. * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) *: يغلب الاوقات وتعم أنواعه. * (وسبحوه بكرة وأصيلا) *: أول النهار وآخره، خصوصا لفضلهما على سائر الاوقات، بكونهما مشهودين. ورد: (ما من شئ إلا وله حد ينتهي إليه، إلا الذكر فليس له حد ينتهي إليه، فرض الله الفرائض فمن أداهن فهو حدهن، وشهر رمضان فمن صامه فهو حده، والحج فمن حج فهو حده، إلا الذكر فإن الله لم يرض منه بالقليل، ولم يجعل له حدا ينتهي إليه، ثم تلا هذه الاية) (4). * (هو الذي يصلي عليكم) * بالرحمة * (وملائكته) * بالاستغفار لكم، والاهتمام بما يصلحكم * (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) *: من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور الايمان والطاعة * (وكان بالمؤمنين رحيما) * حيث اعتنى بصلاح أمرهم وإنافة (5) قدرهم، واستعمل في ذلك ملائكته المقربين. ورد: (من صلى على محمد وآل محمد عشرا صلى الله عليه وملائكته مائة مرة، ومن


(1) - ذيل الاية: 23. (2) - ذيل الاية: 153. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 358. (4) - الكافي 2: 498، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (الله عزوجل) في الموضعين. (5) - ناف الشئ ينوف، أي: طال وارتفع. الصحاح 4: 1436 (نوف). (*)

[ 997 ]

صلى على محمد وآل محمد (1) مائة مرة صلى الله عليه وملائكته ألفا، أما تسمع قول الله عزوجل: (هو الذي يصلي عليكم) الاية) (2). * (تحيتهم يوم يلقونه سلام) * قيل: أي: يحيون يوم لقائه بالسلامة من كل مكروه وآفة (3). وورد: (يعني أنه لا يزول الايمان عن قلوبهم يوم يبعثون) (4). * (وأعد لهم أجرا كريما) *. * (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا) *: (على من بعثت إليه، بتصديقهم وتكذيبهم) (5) * (ومبشرا) * (بالجنة من أطاعك) (6) * (ونذيرا) * (بالنار من عصاك) (7). * (وداعيا إلى الله) *: (إلى دينه). كذا ورد في الاربعة (8). * (بإذنه) *: بتيسيره * (وسراجا منيرا) * يستضاء به عن ظلمات الجهالة، ويقتبس من نوره أنوار البصائر. * (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) *. * (ولا تطع الكافرين والمنافقين) *. تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم. * (ودع أذاهم) *: إيذاءهم إياك، أو إيذاءك (9) إياهم * (وتوكل على الله) * فإنه يكفيهم * (وكفى بالله وكيلا) *. القمي: نزلت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، قال: فهذا دليل على خلاف التأليف (10). * (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) *:


(1) - في (ألف): (ومن صلى عليه). (2) - الكافي 2: 493، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - البيضاوي 4: 165. (4) - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - الاحتجاج 1: 361، عن أمير المؤمنين عليه السلام، بالمضمون. (6 و 7 و 8) - علل الشرائع 1: 127، الباب: 106، ذيل الحديث: 1، معاني الاخبار: 52، ذيل الحديث: 2، عن حسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (9) - في (ب): (وإيذاءك). (10) - القمي 2: 194. (*)

[ 998 ]

تجامعوهن * (فما لكم عليهن من عدة) *: أيام يتربصن فيها بأنفسهن * (تعتدونها) *: تستوفون عددها * (فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) * من غير ضرار ولا منع حق. قال: (عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا، وإن لم يكن فرض لها فليمتعها على نحو ما يتمتع مثلها من النساء) (1). وقد سبق في سورة البقرة (2). * (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) *: مهورهن، لان المهر أجر على البضع * (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) * بالسبي * (وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها) *. (نزلت في خولة بنت حكيم من الانصار، عرضت نفسها عليه وقالت: وهبت نفسي لك إن قبلتني، فقال لها خيرا ودعا لها وللانصار، فنزلت). كذا ورد (3). * (خالصة لك من دون المؤمنين) * قال: (ولا يحل ذلك لغيره) (4). قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم) * من الشرائط والحصر في الاربع * (وما ملكت أيمانهم) * والجملة إعتراض. * (لكيلا يكون عليك حرج) * أي: خلص إحلالها لك لمعان يقتضي التوسيع عليك * (وكان الله غفورا) * لما يعسر التحرز عنه * (رحيما) * بالتوسعة في مظان الحرج. * (ترجي من تشاء منهن) * بترك نكاحها أو تطليقها * (وتؤوي إليك) * بضمها إليك وإمساكها * (من تشاء) * قال: (من أوى فقد نكح، ومن أرجى فلم ينكح) (5). وفي رواية: (ومن أرجى فقد طلق) (6). * (ومن ابتغيت) *: طلبت * (ممن عزلت فلا جناح عليك) * في


(1) - الكافي 6: 108، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - ذيل الاية: 231. (3 و 4) - الكافي 5: 568، الحديث: 53، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 367، عن الباقر والصادق عليهما السلام. (6) - القمي 2: 192، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 999 ]

شئ من ذلك. * (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) *: ذلك التفويض إلى مشيتك، أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا، لانه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله، فتطمئن نفوسهن. * (والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما) *. * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا) *. قيل: المعنى لا يحل لك النساء من بعد الاجناس المذكورة اللاتي نص على إحلالهن لك، ولا أن تبدل بهن أزواجا من أجناس أخر (1)، وقيل: من بعد النساء اللاتي اخترن الله ورسوله، إذ خيرن مكافاة لهن على ذلك، وهن التسع (2). وورد: (إنما عنى به: لا يحل لك النساء اللاتي حرم الله عليك في هذه الاية (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) إلى آخرها (3). قال: ولو كان الامر كما يقولون، كان قد أحل لكم ما لم يحل له، لان أحدكم يستبدل كلما أراد، ولكن الامر ليس كما يقولون، إن الله عزوجل أحل لنبيه أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم في هذه الاية في سورة النساء) (4). فيه ما وقيل: هي منسوخة بقوله: (ترجى من تشاء) فإنه وإن تقدمها قراءة فهو مسبوق بها نزولا (5). * (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم الى طعام) *: تدعون


(1) - جوامع الجامع: 376، الكشاف 3: 270، البيضاوي 4: 166. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 367. (3) - النساء (4): 23. (4) - الكافي 5: 389، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - البيضاوي 4: 166. (*)

[ 1000 ]

إليه * (غير ناظرين إناه) *: غير منتظرين وقته أو إدراكه، من أنى الطعام إذا أدرك. * (ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا) *: تفرقوا ولا تمكثوا * (ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي) * لتضييق المنزل عليه وعلى أهله، واشتغاله بما لا يعينه * (فيستحيي منكم) *: من إخراجكم * (والله لا يستحيي من الحق) * فيأمركم بالخروج * (وإذا سألتموهن متاعا) *: شيئا ينتفع به * (فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) * من الخواطر الشيطانية. القمي: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله بزينب بنت جحش وكان يحبها، فأولم ودعا أصحابه، وكانوا إذا أكلوا يحبون أن يتحدثوا عنده، وكان يحب أن يخلو معها، فأنزل الله عزوجل هذه الاية (1). * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) *: من بعد وفاته أو فراقه * (إن ذلكم كان عند الله عظيما) *. * (إن تبدوا شيئا) * كنكاحهن، على ألسنتكم * (أو تخفوه) * في صدوركم * (فإن الله كان بكل شئ عليما) *. القمي: لما أنزل: (وأزواجه أمهاتهم) (2) وحرم الله نساء النبي على المسلمين، غضب طلحة فقال: يحرم (3) محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا، لئن أمات الله محمد النركضن بين خلاخيل نسائه، كما ركض بين خلاخيل نسائنا، فأنزل الله (4). * (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن) *. استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم.


(1) - القمي 2: 195. (2) - نفس السورة: 6. (3) - في (ب): (حرم). (4) - القمي 2: 195. (*)

[ 1001 ]

روي: (إنه لما نزلت آية الحجاب، قال الاباء والابناء والاقارب: يا رسول الله أو نكلمهن أيضا من وراء حجاب ؟ فنزلت) (1). * (ولا نسائهن) * يعني النساء المؤمنات * (ولا ما ملكت أيمانهن) *. سبق بيانه في سورة النور (2). * (واتقين الله) * فيما أمرتن به * (إن الله كان على كل شئ شهيدا) * لا تخفى عليه خافية. * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه) *. قال: (الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة تزكية، ومن الناس دعاء) (3). ورد: (صل على النبي صلى الله عليه وآله كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان وغيره) (4). * (وسلموا تسليما) *. قال: (يعني التسليم) (5) فيما ورد عنه. وفي رواية: (لهذه الاية ظاهر وباطن، فالظاهر: قوله: (صلوا عليه)، والباطن قوله: (سلموا تسليما)، أي: سلموا لمن وصاه واستخلفه عليكم فضله (6) وما عهد به إليه، تسليما، قال: وهذا مما أخبرتك: أنه لا يعلم تأويله إلا من (7) لطف حسه وصفا ذهنه وصح تمييزه) (8). * (إن الذين يؤذون الله ورسوله) *: يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمخالفة * (لعنهم الله) *: أبعدهم من رحمته * (في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) *: يهينهم مع الايلام. القمي: نزلت فيمن غصب أمير المؤمنين حقه، وأخذ حق فاطمة وآذاها (9).


(1) - الكشاف 3: 272، البيضاوى 4: 167. (2) - ذيل الاية: 31. (3) - معاني الاخبار: 368، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 3: 303، الحديث: 7، من لا يحضره الفقيه 1: 185، الحديث: 875، عن أبى جعفر عليه السلام. (5) - معاني الاخبار: 368، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (6) - في المصدر: (واستخلفه وفضله عليكم). (7) - في جميع النسخ: (الا لمن لطف) وما أثبتناه من المصدر. (8) - الاحتجاج 1: 377، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (9) - القمى 2: 196. (*)

[ 1002 ]

* (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) *: بغير جناية استحقوا بها * (فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) *. ورد: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين المؤذون (1) لاوليائي ؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين، ونصبوا لهم، وعاندوهم وعنفوهم في دينهم، ثم يؤمر بهم إلى جهنم) (2). * (يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) *: يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة * (ذلك أدنى أن يعرفن) *: يميزن من الاماء والقينات * (فلا يؤذين) *: فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن * (وكان الله غفورا) * لما سلف * (رحيما) * بعباده، يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها. * (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض) * القمي: شك (3). * (والمرجفون في المدينة) *: الذين يرجفون أخبار السوء، وأصله التحريك، من الرجفة وهي الزلزلة، سمي به الاخبار الكاذب، لكونه متزلزلا غير ثابت. القمي: نزلت في قوم منافقين، كانوا في المدينة يرجفون برسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج في بعض غزواته يقولون: قتل واسر، فيغتم المسلمون لذلك ويشكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (4). * (لنغرينك بهم) * قيل: لنأمرنك بقتالهم أو إجلائهم (5). والقمي: نأمرك بإخراجهم من المدينة (6) * (ثم لا يجاورونك فيها) *: في المدينة * (إلا قليلا) *.


(1) - في المصدر: (أين الصدود). (2) - الكافي 2: 351، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 196. (4) - القمي 2: 196. (5) - البيضاوي 4: 168. (6) - القمي 2: 197. (*)

[ 1003 ]

* (ملعونين) * قال: (فوجبت عليهم اللعنة) (1). * (أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا) *. * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) *: سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل الذين نافقوا الانبياء وسعوا في وهنهم بالارجاف ونحوه، أينما ثقفوا * (ولن تجد لسنة الله تبديلا) *. * (يسألك الناس عن الساعة) *: عن وقت قيامها * (قل إنما علمها عند الله) * لم يطلع عليه ملكا ولا نبيا * (وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا) *. * (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا) *. * (خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا) * يحفظهم * (ولا نصيرا) * يدفع العذاب عنهم. * (يوم تقلب وجوههم في النار) * تصرف من جهة إلى جهة، أو من حال إلى حال * (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) *. * (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) *. * (ربنا آتهم ضعفين من العذاب) *: مثلي ما آتيتنا به، لانهم ضلوا وأضلوا * (والعنهم لعنا كبيرا) *: أشد اللعن وأعظمه. القمي: هي كناية عن الذين غصبوا آل محمد حقهم. (يا ليتنا أطعنا): يعني في أمير المؤمنين، والسادة والكبراء: هما أول من بدأ بظلمهم وغصبهم (2). * (يا أيها الذين امنوا لا تكونوا كالذين اذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) *. قال: (كانوا يقولون: ليس له ما للرجال) (3). وفي رواية: (يقولون: إنه


(1) - المصدر: عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 197. (3) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1004 ]

عنين) (1). وفي أخرى: (إنه كان حييا (2) ستيرا، يغتسل وحده. فقالوا: ما يتستر منا إلا لعيب بجلده، إما برص وإما أدرة (3)، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فمر الحجر بثوبه، فطلبه موسى، فرأوه عريانا كأحسن الرجال خلقا، (فبرأه الله مما قالوا) (4). * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) * قال: (عدلا) (5). * (يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله) * قال: (في ولاية علي والائمة من بعده) (6). * (فقد فاز فوزا عظيما) *. * (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا) *. قال (7): (الامانة الولاية، من أدعاها بغير حق كفر) (8). أقول: يعني بالولاية: الامارة والامامة المتقرب بهما إلى الله (9). وفي رواية: (الامانة: الولاية. والانسان: أبو الشرور المنافق، يعني الاول) (10).


(1) - الامالى (للصدوق): 92، المجلس: 22، ذيل الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. (2) - في (ج): (حئيا). والحيى والحئى: ذوالحياء. (3) - الادرة: نفخة في الخصية. النهاية 1: 31 (أدر). (4) - مجمع البيان 7 - 8: 372، مرفوعة. (5) - الكافي 8: 107، الحديث: 81، عن أبى عبد الله عليه السلام. (6) - الكافي 1: 414، الحديث: 8، القمى 2: 198، عن أبى عبد الله عليه السلام. (7) - في (ألف): (أقول: ما قيل في تفسير هذه الاية في مقام التعميم ان المراد بالامانة التكليف، وبعرضها عليهن النظر الى استعدادهن، وبابائهن الاباء الطبيعي الذى هو عدم اللياقة والاستعداد، وبحمل الانسان قابليته واستعداده لها، وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وهو وصف للجنس باعتبار الاغلب، وكل ما ورد في تفسيرها في مقام التخصيص يرجع الى هذا، مثل ما ورد ان...). (8) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 306، الباب: 28، الحديث: 66، معاني الاخبار: 110، ذيل الحديث: 3، عن على بن موسى الرضا عليهما السلام. (9) - في (ألف): (الامارة والامامة ويحتمل ارادة القرب من الله). (10) - معاني الاخبار: 110، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1005 ]

وفي أخرى: (هي الولاية أبين أن يحملنها كفرا، وحملها الانسان، والانسان أبو فلان) (1). والقمي: الامانة هي الامامة والامر والنهي. قال: والدليل على أن الامانة هي الامامة قوله عزوجل للائمة: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) يعني الامامة، فالامانة هي الامامة عرضت على السموات والارض والجبال فأبين أن يدعوها أو يغصبوها أهلها (وأشفقن منها وحملها الانسان)، يعني الاول، (إنه كان ظلوما جهولا) (2). أقول: (3) تخصيص الامانة في هذه الاخبار بالولاية والامامة (4)، والانسان بالاول، لا ينافي عمومها لكل تكليف بعبودية لله وأمانة وشمول الانسان كل مكلف. فقد ورد: (إن عليا عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلون، فيقال له: مالك يا أمير المؤمنين ؟ ! فيقول: جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) (5). وفي وصاياه عليه السلام: (ثم أداء الامانة، فقد خاب من ليس من أهلها، إنها عرضت على السماوات المبنية، والارض المدحوة، والجبال ذات الطول المنصوبة، فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها، ولو امتنع شئ بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن، ولكن أشفقن من العقوبة، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن، وهو الانسان، (إنه كان ظلوما جهولا) (6). وظاهر هذه الوصية التعميم. وورد: (في الرجل يبعث الى الرجل يقول له: ابتع لى ثوبا، فيطلب له في السوق


(1) - بصائر الدرجات: 76، باب آخر في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 198. والاية في سورة النساء (4): 58. (3) - في (ألف) زيادة: (الدليل على أن). (4) - في (ألف) زيادة: (اللتين مرجعهما واحد). (5) - عوالي اللئالي 1: 324، الحديث: 62. (6) - نهج البلاغة: 317، الخطبة: 199. وفي الكافي 5: 37، ذيل الحديث: 1، ما يقرب منه. (*)

[ 1006 ]

فيكون عنده ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده. قال: لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه، إن الله عزوجل يقول: (إنا عرضنا الامانة) الاية) (1). فتأويل هذه الاية في مقام التعميم أن يقال: المراد بالامانة: التكليف بالعبودية لله لكل عبد بحسب وسعه، وأعظمها الخلافة الالهية لاهلها، ثم تسليم من لم يكن من أهلها لاهلها، وعدم ادعاء منزلتها لنفسه، ثم ساير التكاليف، والمراد بعرضها على السماوات والارض والجبال: النظر إلى استعدادهن لذلك، وبإبائهن: الاباء الذاتي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة لها، وبحمل الانسان إياها: تحمله لها من غير استحقاق لها واقتدار بها، وبكونه ظلوما جهولا: ما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية، وهو وصف للجنس باعتبار الاغلب، فكل ما ورد في مقام التخصيص يرجع إلى هذا، كما يظهر عند التدبر. * (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) *. تعليل للحمل من حيث أنه نتيجته، وذكر التوبة في الوعد إشعار بأن كونهم (ظلوما جهولا) في جبلتهم لا يخليهم من فرطات.


(1) - التهذيب 6: 352، الحديث: 999، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1007 ]

سورة سبأ [ مكية، وهي أربع وخمسون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض) كله نعمة من الله، فله الحمد في الدنيا (وله الحمد في الاخرة) لأن نعمها أيضا من الله كلها (وهو الحكيم): الذي أحكم أمر الدارين (الخبير) ببواطن الأشياء. (يعلم ما يلج): يدخل (في الأرض) من مطر أو كنز أو ميت (وما يخرج منها) من ماء أو فلز، أو نبات أو حيوان (وما ينزل من السماء) من مطر أو كنز أو مطر أو ملك أو رزق (وما يعرج فيها) من عمل أو ملك (وهو الرحيم الغفور) للمقصرين في شكر نعمه. (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة). إنكار لمجيئها، أو استبطاء استهزاء بالوعد به. (قل بلى وربي). رد لكلامهم وإثبات لما نفوه. (لتأتينكم عالم الغيب). تكرير لايجابه، مؤكدا بالقسم، مقررا له بوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه، وتنفي استبعاده. (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين). رفعهما بالابتداء، والجملة تأكيد لنفي العزوب.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 1008 ]

(ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات). علة لأتيانها وبيان لما يقتضيه (أولئك لهم مغفرة ورزق كريم) لا تعب فيه ولا من عليه. (والذين سعوا في اياتنا) بالأبطال وتزهيد الناس فيها (معاجزين): مسابقين كي يفوتونا. وعلى قراءة. (معجزين) (1). أي: مثبطين عن الأيمان من أراده. (أولئك لهم عذاب من رجز): من سئ العذاب (أليم). (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد). القمي: هو أمير المؤمنين عليه السلام صدق رسول الله بما أنزل الله عليه (2). (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل) يعنون النبي صلى الله عليه وآله (ينبئكم): يحدثكم بأعجب الأعاجيب (إذا مزقتم كل ممزق): تفرق أجسادكم كل تفريق (إنكم لفي خلق جديد): تنشؤون خلقا جديدا. (أفترى على الله كذبا أم به جنة): جنون، يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه. (بل الذين لا يؤمنون بالاخرة في العذاب والضلال البعيد) رد من الله عليهم ترديدهم. (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم): ما أحاط بجوانبهم (من السماء والأرض) مما يدل على كمال قدرة الله، وأنهم في سلطانه تجري عليهم قدرته (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك): النظر والفكر فيهما وما يدلان عليه (لاية): لدلالة (لكل عبد منيب): راجع إلى ربه، فإنه يكون كثير التأمل في أمره. (ولقد اتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه): رجعي معه التسبيح (والطير) رجعي أيضا، أو أنت والطير (وألنا له الحديد): جعلنا في يده كالشمع، يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق، وقد سبق نحوه في سورة الأنبياء (3).


(1) التبيان 7: 329 مجمع البيان 7 - 8: 79، البيضاوي 4: 170. (2) القمي 2: 198، عن رسول اله صلى الله عليه وسلم. (3) ذيل الاية: 79. (*)

[ 1009 ]

القمي: كان داود عليه السلام إذا مر بالبراري يقرأ الزبور، تسبح الجبال والطير معه والوحوش، وألان الله له الحديد مثل الشمع، حتى كان يتخذ منه ما أحب (1). (أن اعمل سابغات): دروعا واسعات (وقدر في السرد): في نسجها بحيث يتناسب حلقها، أو في مساميرها في الرقة والغلظ. قال: (الحلقة بعد الحلقة) (2). والقمي: المسامير التي في الحلقة (3) (واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير). (ولسليمان الريح): وسخرنا له الريح (غدوها شهر ورواحها شهر) القمي: كانت الريح تحمل كرسي سليمان، فتسير به في الغداة مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر (4). (وأسلنا له عين القطر) القمي: الصفر (5). وقيل: أسال له النحاس المذاب من معدنه، فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عينا، وكان ذلك باليمن (6). (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه): بأمره (ومن يزغ منهم عن أمرنا): ومن يعدل منهم عما أمرناه من طاعة سليمان (نذقه من عذاب السعير) في الدنيا أو في الاخرة. (يعملون له ما يشاء من محاريب) قصورا حصينة ومساكن شريفة، سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها (وتماثيل): وصورا. قال: (والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه) (7). (وجفان): صحاف (كالجواب): كالحياض الكبار (وقدور راسيات): ثابتات على الأثافي (8) لا تنزل عنها لعظمها. (اعملوا ال داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور).


(1) - القمي 2: 199. (2) - قرب الاسناد: 364، الحديث: 1305، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) و (4) و (5) - القمي 2: 199. (6) - البيضاوي 4: 171. (7) - الكافي 6: 527، الحديث: 7، مجمع البيان 7 - 8: 383، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الكافي 6: 477، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - الأثافي جمع الأثفية، وهي الحجارة التي تنصب ويجعل القدر عليها. مجمع البحرين 1: 73 (ثفا). (*)

[ 1010 ]

(فلما قضينا عليه الموت): على سليمان (ما دلهم على موته إلا دابة الأرض): الأرضة، والأرض فعلها أضيفت إليه (تأكل منسأته): عصاه. ورد: (إنه أمر الجن فصنعوا له قبة من قوارير، فبينا هو متكئ على عصاه في القبة، ينظر إلى الجن كيف يعملون وينظرون إليه، إذ حانت منه التفاته فإذا هو برجل معه في القبة، ففزع منه، فقال: من أنت ؟ ! قال: أنا الذي لا أقبل الرشا، ولا أهاب الملوك، أنا ملك الموت، فقبضه وهو متكي على عصاه في القبة، والجن ينظرون إليه. قال: فمكثوا سنة يدأبون (1 له، حتى بعث الله الأرضة فأكلت منسأته، وهي العصا) (2). (فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين). قال: (والله ما نزلت هذه الاية هكذا، وإنما نزلت: فلما خر تبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) (3). القمي: وذلك أن الانس كانوا يقولون: إن الجن يعلمون الغيب، فلما سقط سليمان على وجهه علموا: أن لو يعلم الجن الغيب لم يعملوا سنة لسليمان وهو ميت ويتوهمونه حيا (4). (لقد كان لسباء): لأولاد سبأ (في مسكنهم) باليمن حيث أجرى لهم سليمان خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند. كذا قاله القمي (5). (اية): علامة دالة على قدرة الله على ما يشاء (جنتان عن يمين وشمال). قيل: جماعتان من البساتين، كل واحدة منها في تقاربها وتضايقها (6) كأنه جنة واحدة، إحداهما عن يمين بلدهم والأخرى عن


(1) دأب في عمله: جد وتعب. القاموس المحيط 1: 66 (دأب). (2) علل الشرائع 1: 74، الباب: 64، الحديث: 3، مجمع البيان 7 - 8: 384، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 266، الباب: 26، الحديث: 24، علل الشرائع 1: 74، الباب 64، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) و (5) القمي 2: 200. (6) في " ب ": " منهما في تقاربهما وتضايقهما ". (*)

[ 1011 ]

شمالها (1). القمي: عن مسيرة عشرة أيام، فيها يمر المار لا تقع عليه الشمس من التفافها (2). (كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور). (فأعرضوا) عن الشكر. القمي: عملوا بالمعاصي، وعتوا عن أمر ربهم (3). (فأرسلنا عليهم سيل العرم) القمي: أي: العظيم الشديد (4). (وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط): مر بشع (5) (وأثل وشئ من سدر قليل). معطوفان على (أكل) لا (خمط)، فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له، ووصف السدر بالقلة، لأن جناه وهو النبق مما يطيب أكله، وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم. (ذلك جزيناهم بما كفروا): بكفرانهم النعمة (وهل نجازي) بمثل ذلك (إلا الكفور). (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها) بالتوسعة على أهلها. قيل: هي قرى الشام (6). والقمي: مكة (7). (قرى ظاهرة): متواصلة يظهر بعضها لبعض (وقدرنا فيها السير) بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت في أخرى. (سيروا فيها ليالى وأياما): متى شئتم من ليل أو نهار (امنين). (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا): أشروا النعمة وملوا العافية. وفي قراءتهم عليهم السلام: (باعد) (8) بلفظ الخبر، فهو شكوى منهم لبعد سفرهم، إفراطا في الترفيه. (وظلموا أنفسهم) حيث بطروا النعمة (فجعلناهم أحاديث) يتحدث الناس بهم تعجبا، وضرب


(1) - البيضاوي 4: 172. (2) و (3) - القمي 2: 200. (4) - القمي 2: 201. (5) - البشع من الطعام: الكريه فيه مرارة. القاموس المحيط 3: 5 (بشع). (6) - التبيان 8: 389، مجمع البيان 7 - 8: 387، البيضاوي 4: 173. (7) - القمي 2: 201. (8) - مجمع البيان 7 - 8: 384، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1012 ]

مثل، فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ، أي: تفرقوا كتفرق أيدي سبا. (ومزقناهم كل ممزق): وفرقناهم غاية التفريق، حتى لحق كل قبيلة منهم بصقع. (إن في ذلك لايات لكل صبار شكور). قال: (هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله عزوجل، وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغير الله ما بهم من نعمة،) وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (1) فأرسل الله عليهم سيل العرم، فغرق قراهم وخرب ديارهم، وذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جنتيهم جنتين ذواتي أكل، الاية) (2). وفي رواية: (بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن، فنحن القرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عزوجل في من أقر بفضلنا، حيث أمرهم أن يأتونا) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة (والقرى الظاهرة الرسل، والنقلة عنا إلى شيعتنا، قال: والسير مثل للعلم سير به في الليالي والأيام عنا إليهم، في الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، آمنين فيها إذا أخذوا من معدنها الذي أمروا أن يأخذوا منه، آمنين من الشك والضلال، والنقلة من الحرام إلى الحلال) (3). وفي معناه أخبار أخر (4). (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه): حقق ظنه، وهو قوله:) لأضلنهم (5) ولأغوينهم (6). وعلى التخفيف: صدق ظنه. (فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين). (وما كان له عليهم من سلطان): تسلط واستيلاء بوسوسة واستغواء (إلا لنعلم من


(1) - الرعد (13): 11. (2) - الكافي 2: 274، الحديث: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الاحتجاج 2: 63، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف يسير. (4) - الكافي 8: 311، الحديث: 485، كمال الدين 2: 483، الباب: 45، الحديث: 2، الاحتجاج 2: 42. (5) - النساء (4): 119. (6) - الحجر (15): 39. (*)

[ 1013 ]

يؤمن بالاخرة ممن هو منها في شك): ليتميز المؤمن من الشاك، أريد بحصول العلم حصول متعلقه. قال: (تأويل هذه الاية لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله: إنه ينطق عن الهوى، فظن بهم إبليس ظنا، فصدقوا ظنه) (1). (وربك على كل شئ حفيظ). (قل ادعوا الذين زعمتم) آلهة (من دون الله) فيما يهمكم (لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض): في أمرهما (وما لهم فيهما من شرك): من شركة (وما له منهم من ظهير) يعينه على تدبير أمرها. (ولا تنفع الشفاعة عنده): ولا تنفعهم شفاعة أيضا، كما يزعمون (إلا لمن أذن له) أن يشفع. قال: (لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله يوم القيامة حتى يأذن الله له، إلا رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن الله قد أذن له في الشفاعة من قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمة، ثم بعد ذلك للأنبياء عليهم السلام) (2). (حتى إذا فزع عن قلوبهم) يعني يتربصون (3) فزعين، حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم (قالوا): قال بعضهم لبعض (ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير). قال: (وذلك أن أهل السماوات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وآله، فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله سمع أهل السماوات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا، فصعق أهل السماوات، فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل عليه السلام كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم، يقول كشف عن قلوبهم. فقال بعضهم


(1) - الكافي 8: 345، ذيل الحديث: 542، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 201، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - في (ألف): (متربصين). (*)

[ 1014 ]

لبعض:) ماذا قال ربكم (الاية) (1). (قل من يرزقكم من السموات والأرض) تقرير لقوله:) لا يملكون (قل الله) إذ لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا (2) في الجواب مخافة الالزام، فهم مقرون به بقلوبهم (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) أي: وإن أحد الفريقين من الموحدين والمشركين لعلى أحد الأمرين، وهو أبلغ من التصريح، لأنه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب. واختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ويتطلع عليها، أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصى منها. (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) هذا أدخل في الانصاف وأبلغ في الاخبات، حيث أسند الاجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين. (قل يجمع بيننا ربنا) يوم القيامة (ثم يفتح بيننا بالحق) يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار (وهو الفتاح): الحاكم الفاصل (العليم) بما ينبغي أن يقضى به. (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء): لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة ؟ ! وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم، زيادة في تبكيتهم. (كلا) ردع عن المشاركة بعد إبطال المقايسة (بل هو الله العزيز الحكيم): الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة، وهؤلاء الملحقون متسمة بالذلة، متأبية عن قبول العلم والقدرة رأسا. (وما أرسلناك إلا كافة للناس): إلا إرسالة عامة لهم (بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فيحملهم جهلهم على مخالفتك.


(1) - القمي: 202، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - تلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى. مجمع البحرين 2: 162 (لعثم). (*)

[ 1015 ]

قال: (أرسله إلى الناس كافة، إلى الأبيض والأسواد والجن والأنس) (1). ورد: (إن الله تعالى أمر جبرئيل فاقتلع الأرض بريشة من جناحه ونصبها لرسول الله صلى الله عليه وآله، فكانت بين يديه مثل راحته في كفه، ينظر إلى أهل الشرق والغرب ويخاطب كل قوم بألسنتهم، ويدعوهم إلى الله عزوجل وإلى نبوته بنفسه، فما بقيت قرية ولا مدينة إلا ودعاهم النبي بنفسه) (2). (ويقولون متى هذا الوعد) الموعود بقوله: (يجمع بيننا ربنا) (إن كنتم صادقين). (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون). (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القران ولا بالذي بين يديه) ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على البعث (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) في موضع المحاسبة (يرجع بعضهم إلى بعض القول) يتحاورون (يقول الذين استضعفوا): الاتباع (للذين استكبروا): للرؤساء (لولا أنتم) وإضلالكم (لكنا مؤمنين). (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين) حيث أعرضتم عن الهدى وآثرتم التقليد عليه. (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار) إضراب عن إضرابهم، أي: لم يكن إجرامنا الصاد، بل مكركم لنا ليلا ونهارا، حتى أغرتم علينا رأينا (إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب): وأضمر الفريقان الندامة على الضلالة والاضلال، وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير. سئل: وما يغنيهم إسرارهم الندامة. وهم في العذاب ؟ قال: (يكرهون شماتة الأعداء) (3).


(1) الكافي 2: 17، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) القمي 2: 203، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) المصدر. (*)

[ 1016 ]

(وجعلنا الاغلال في أعناق الذين كفروا) أي: في أعناقهم. جاء بالظاهر تنويها بذمهم، وإشعارا بموجب إغلالهم. (هل يجزون إلا ما كانوا يعملون). (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله مما مني به من قومه. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب، لأن الداعي المعظم إلى التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا الانهماك في الشهوات، والاستهانة بمن لم يحظ منها، ولذلك ضموا المفاخرة والتهكم إلى التكذيب. (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين). (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر): ويضيق على من يشاء، وليس ذلك لكرامة وهوان (ولكن أكثر الناس لا يعلمون). (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى): قربة (إلا من امن وعمل صالحا) بإنفاق ماله في سبيل الله، وتعليم ولده الخير والصلاح (فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات امنون). ورد: (الغني إذا كان وصولا برحمه بارا بإخوانه، أضعف الله له الأجر ضعفين، لأن الله يقول:) وما أموالكم (الاية) (1). (والذين يسعون في اياتنا) بالرد والطعن (معاجزين أولئك في العذاب محضرون). (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) هذا في شخص واحد باعتبار وقتين، وما سبق في شخصين فلا تكرير. (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) عوضا، إما عاجلا أو آجلا. ورد: (من صدق بالخلف جاد بالعطية) (2). (وهو خير الرازقين) فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته.


(1) - علل الشرائع 2: 604، الباب: 385، الحديث: 73، القمي 2: 203، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 4: 2، الحديث: 4، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1017 ]

(ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون). إنما. خصهم لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم، وهو تقريع للمشركين، وتبكيت وإقناط لهم عما يتوقعون من شفاعتهم. (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) لا موالاة بيننا وبينهم (بل كانوا يعبدون الجن) أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله (أكثرهم بهم مؤمنون). فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا) إذ الأمر فيه كله لله (ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون). (وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات قالوا ما هذا) يعنون النبي صلى الله عليه وآله (إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد اباؤكم وقالوا ما هذا) يعنون القرآن (إلا إفك): كذب (مفترى) على الله (وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين). (وما اتيناهم من كتب يدرسونها): تدعوهم إلى ما هم عليه (1) (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) ينذرهم على تركه، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة ؟ !. (وكذب الذين من قبلهم) رسلهم، كما كذبوا (وما بلغوا معشار ما اتيناهم) قيل: وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال، أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى (2). أقول: كأنه أريد - على التقديرين - أن أولئك كانوا أحرى بتكذيب رسلهم من هؤلاء، وعليه يحمل ما رواه القمي مرفوعا: (وما بلغ ما آتينا رسلهم معشار ما آتينا محمدا وآل محمد) (3). أو يحمل على أن المراد: أن فضائل محمد وآل محمد أحرى بالحسد والتكذيب، وإيتاء محمد وآل محمد إيتاء لهم، فلا ينافي الحديث ظاهر القرآن.


(1) - في (ألف): (تدعوهم إليه). (2) - البيضاوي 4: 174. (3) - القمي 2: 204. (*)

[ 1018 ]

(فكذبوا رسلي) لا تكرير فيه، لأن الأول مطلق والثاني مقيد. (فكيف كان نكير) أي: إنكاري لهم بالتدمير، فليحذر هؤلاء من مثله. (قل إنما أعظكم بواحدة) أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة (أن تقوموا لله) معرضين عن المراء والتقليد (مثنى وفرادى): متفرقين، اثنين اثنين وواحدا واحدا، فان الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول (ثم تتفكروا) في أمري وما جئت به، لتعلموا حقيته (1) (ما بصاحبكم من جنة): فتعلموا ما به جنون يحمله على ذلك (إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد) أي: قدامه. (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم). قال: (معناه أن أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي وذخره هو لكم دوني) (2). وفي رواية يقول: (أجر المودة الذي لم أسألكم غيره فهو لكم، تهتدون به، وتنجون من عذاب يوم القيامة) (3). (إن أجرى إلا على الله وهو على كل شئ شهيد). (قل إن ربي يقذف بالحق): يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده (علام الغيوب). (قل جاء الحق): الاسلام (وما يبدئ الباطل وما يعيد): وزهق الباطل، أي: الشرك، بحيث لم يبق له أثر. (قل إن ضللت) عن الحق (فإنما أضل على نفسي): فإن وبال ضلالي عليها. (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب). (ولو ترى إذ فزعوا) لرأيت فظيعا (فلا فوت): فلا يفوتون الله بهرب أو حصن.


(1) - في (ب): (حقيقته). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 396، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - الكافي 8: 379، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1019 ]

قال: (إذ فزعوا من الصوت، وذلك الصوت من السماء) (1). (وأخذوا من مكان قريب). قال: (من تحت أقدامهم خسف بهم) (2). وفي رواية: (لكأني أنظر إلى القائم وقد أسند ظهره إلى الحجر، إلى أن قال: فإذا جاء إلى البيداء (3) يخرج إليه جيش السفياني، فيأمر الله عزوجل الارض فتأخذ بأقدامهم، وهو قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا) (الاية) (4). (وقالوا امنا به) قال: (يعني بالقائم من آل محمد) (5). (وأنى لهم التناوش): التناول، يعني تناول الايمان (من مكان بعيد): [ من جانب بعيد من أمره ] (6)، يعني بعد انقضاء زمان التكليف. قال: (إنهم طلبوا الهدى من حيث لا ينال، وقد كان لهم مبذولا من حيث ينال) (7). (وقد كفروا به من قبل) يعني أوان التكليف (ويقذفون بالغيب): ويرجمون بالظن، ويتكلمون بما لم يظهر لهم (من مكان بعيد): من جانب بعيد من أمره. (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال: (يعني أن لا يعذبوا) (8). (كما فعل بأشياعهم من قبل) قال: (يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا) (9). (إنهم كانوا في شك مريب.


(1) - القمي 2: 205، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - المصدر: 206، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - البيداء: إسم لارض ملساء بين مكة والمدينة، وهي إلى مكة أقرب، تعد من الشرف أمام ذي الحليفة. وفي قول بعضهم: إن قوما كانوا يغزون البيت فنزلوا بالبيداء فبعث الله عزوجل جبرائيل فقال: يا بيداء أبيديهم. وكل مفازة لا شئ بها فهي بيداء. معجم البلدان 1: 523. (4) و (5) - القمي 2: 205، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - ما بين المعقوفتين من (ب). (7) - القمي 2: 206، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) و (9) - المصدر: 205، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1020 ]

سورة فاطر [ مكية، وهي خمس وأربعون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله فاطر السموات والارض): مبدعهما، من الفطر بمعنى الشق، كأنه شق العدم بإخراجهما منه. (جاعل الملائكة رسلا): وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والالهام والرؤيا الصادقة. (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) ينزلون بها ويعرجون، ويسرعون بها نحو ما أمروا به (يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير). ورد: (إن النبي صلى الله عليه وآله رأى جبرئيل ليلة المعراج وله ستمائة ألف جناح) (2). و (إن دردائيل له ستة عشر ألف جناح) (3). إلى غير ذلك من كثرة أجنحة الملائكة، ولعله إلى ذلك أشير بقوله:) يزيد في الخلق ما يشاء (يعني على مقتضى حكمته.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكشاف 3: 298، البيضاوي 4: 178. وفي القمي 2: 206، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (وله ستمائة جناح). (3) - كمال الدين 1: 282، الباب: 24، الحديث: 36، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1021 ]

وورد: (إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله، والله يزيد في الخلق ما يشاء) (1). وفي رواية: (هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن) (2). (ما يفتح الله للناس من رحمة) كنعمة وأمن وصحة وعلم، ونبوة وولاية. قال: (والمتعة من ذلك) (3). (فلا ممسك لها) يحبسها (وما يمسك فلا مرسل له من بعده): من بعد إمساكه (وهو العزيز): الغالب على ما يشاء، ليس لاحد أن ينازعه فيه (الحكيم): لا يفعل إلا بعلم وإتقان. (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم): احفظوها بمعرفة حقها، والاعتراف بها وطاعة منعمها (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون): فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الاشراك به ؟ !. (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الامور) فاصبر كما صبروا، حتى يرجع الامر إليه. (يا أيها الناس إن وعد الله) بالحشر والجزاء (حق) لا خلف فيه (فلا تغرنكم الحياة الدنيا) فيذهلكم التمتع بها عن طلب الاخرة والسعي لها (ولا يغرنكم بالله الغرور): الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الاصرار على المعصية. (إن الشيطان لكم عدو) عداوة عامة قديمة (فاتخذوه عدوا) في عقائدكم وأفعالكم، وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم (إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير). (الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين امنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير). (أفمن زين له سوء عمله فراه حسنا) كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق، فحذف الجواب لدلالة ما بعده عليه. (فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا،


(1) التوحيد، 364 الباب 60، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) مجمع البيان 7 - 8: 400، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (3) القمي 2: 207، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1022 ]

تذهب نفسك عليهم حسرات): فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب (إن الله عليم بما يصنعون). (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور) أي: مثل إحياء الموات، إحياء الاموات. ورد: (إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الارض أربعين صباحا، فاجتمعت الاوصال ونبتت اللحوم) (1). (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا) أي: فليطلبها من عنده، فإن كلها له. ورد: (إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز) (2). (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه). قال: (الكلم الطيب: قول المؤمن: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي الله وخليفة رسول الله، والعمل الصالح: الاعتقاد بالقلب: أن هذا هو الحق من عند الله، لا شك فيه، من رب العالمين) (3). وفي رواية: (إن لكل قول مصداقا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا قال ابن آدم وصدق قوله بعمله، رفع قوله بعمله إلى الله، وإذا قال وخالف بعمله قوله، رد قوله على عمله الخبيث وهوى به في النار) (4). وفي أخرى: (يعني إذا كان عمله خالصا ارتفع قوله وكلامه) (5). (والذين يمكرون السيئات): المكرات السيئات (لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور): يفسد ولا ينفذ، وفي العاقبة يحيق بهم.


(1) - الامالي (للصدوق): 149، المجلس: 33، الحديث: 5، القمي 2: 253، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 402، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - القمي 2: 208، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - الاحتجاج 1: 387، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (عمله صالحا). (*)

[ 1023 ]

(والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا): ذكرانا وإناثا (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب). قيل: معناه لا يطول عمر ولا ينقص إلا في كتاب، وهو أن يكتب في اللوح: لو أطاع الله فلان بقي إلى وقت كذا، وإذا عصى نقص من عمره الذي وقت له، واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله: (إن الصدقة وصلة الرحم تعمران الديار وتزيدان في الاعمار) (1). (إن ذلك على الله يسير). (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج). قال: (هو المر) (2). قيل: مثل للمؤمن والكافر (3). (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون) منه (حلية تلبسونها): اللالي واليواقيت (وترى الفلك فيه مواخر) تشق الماء بجريها (لتبتغوا من فضله): من فضل الله بالنقلة فيها (ولعلكم تشكرون). (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير). هو الجلدة الرقيقة التي على ظهر النواة. (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير). (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد). (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد). (وما ذلك على الله بعزيز): بمتعذر أو متعسر. (ولا تزر وازرة وزر أخرى): ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وأما قوله:


(1) - جوامع الجامع: 387، الكشاف 3: 303. (2) القمي 2: 208، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - البيضاوي 4: 180. (*)

[ 1024 ]

(وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) (1) ففي الضالين المضلين، فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم، وكل ذلك أوزارهم، ليس فيها شئ من أوزار غيرهم. (وإن تدع مثقلة): نفس أثقلتها الاوزار (إلى حملها): تحمل بعض أوزارها (لا يحمل منه شئ): لم تجب بحمل شئ منه. نفى أن يحمل عنها ذنبها، كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها. (ولو كان ذا قربى): ولو كان المدعو ذا قرابتها. أضمر المدعو لدلالة (إن تدع) عليه. (إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة) إذ غيرهم لا ينتفعون به (ومن تزكى): تطهر من دنس المعاصي (فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير) فيجازيه على تزكيته. (وما يستوي الاعمى والبصير): الكافر والمؤمن. (ولا الظلمات ولا النور): ولا الباطل ولا الحق. (ولا الظل ولا الحرور): ولا الثواب ولا العقاب. و (لا) لتأكيد نفي الاستواء، وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد. والحرور: السموم. (وما يستوي الاحياء ولا الاموات): العلماء والجهلاء، أو تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الاول، ولذلك كرر الفعل. (إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور): المصرين على الكفر. (إن أنت إلا نذير): فما عليك إلا الانذار، وأما الاسماع فلا إليك، ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم. (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة): أهل عصر (إلا خلا): مضى. (فيها نذير) من نبي أو وصي نبي. القمي: لكل زمان إمام (2).


(1) العنكبوت (29): 13. (2) القمي 2: 209. (*)

[ 1025 ]

وورد: (لم يمت محمد صلى الله عليه وآله إلا وله بعيث نذير. فإن قيل: لا، فقد ضيع رسول الله صلى الله عليه وآله من في أصلاب الرجال من أمته. قيل: وما يكفيهم القرآن ؟ قال: بلى ! إن وجدوا له مفسرا. قيل: وما فسره رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: بلى ! قد فسره لرجل واحد، وفسر للامة شأن ذلك الرجل، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام) (1). (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات): بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم (وبالزبر وبالكتاب المنير) كصحف إبراهيم والتوارة والانجيل. (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) أي: إنكاري بالعقوبة. (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد) أي: ذو جدد أي خطط وطرائق (بيض وحمر مختلف ألوانها) بالشدة والضعف. (وغرابيب سود): ومنها غرابيب متحدة اللون، والغربيب تأكيد للاسود، وحقه أن يتبع المؤكد، قدم لمزيد التأكيد، لما فيه من التأكيد باعتبار الاضمار والاظهار. (ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك): كاختلاف الثمار والجبال. (إنما يخشى الله من عباده العلماء) إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: (إني أخشاكم لله وأتقاكم) (2). قال: (يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم) (3). (إن الله عزيز غفور). تعليل لوجوب الخشية، لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه، غفور للتائب عن عصيانه.


(1) - الكافي 1: 250، ذيل الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - البيضاوي 4: 182. (3) - الكافي 1: 36، الحديث: 2، مجمع البيان 7 - 8: 407، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1026 ]

(إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور): لن تكسد ولن تهلك بالخسران. والتجارة تحصيل الثواب بالطاعة. (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) على ما يقابل أعمالهم. قال: (هو الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليه معروفا في الدنيا) (1). (إنه غفور) لفرطاتهم (شكور) لطاعاتهم. (والذي أوحينا إليك من الكتاب) يعني القرآن (هو الحق مصدقا لما بين يديه) من الكتب السماوية (إن الله بعباده لخبير بصير): عالم بالبواطن والظواهر. (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير). قال: (هي في ولد علي وفاطمة) (2). وفي رواية: (أراد الله بذلك العترة الطاهرة، ولو أراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة، لقوله:) (جنات عدن يدخلونها) (3). وقال: (ليس يدخل في هذا من أشار بسيفه ودعا الناس إلى ضلال. فقيل: أي شئ الظالم لنفسه ؟ قال: الجالس في بيته لا يعرف حق الامام، والمقتصد: العارف بحق الامام، والسابق بالخيرات: الامام) (4). وفي معناه أخبار كثيرة (5)، وفي بعضها: (أما الظالم لنفسه منا فمن عمل عملا صالحا


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 407، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - بصائر الدرجات: 45، الباب: 21، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 229، الباب: 23، الحديث: 1. (4) - الكافي 1: 215، ذيل الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - راجع: المصدر: 214، الحديث: 1، و 215، الحديث: 3، الاحتجاج 2: 139، بصائر الدرجات: 44، الباب: 21، الحديث: 2. (*)

[ 1027 ]

وآخر سيئا، وأما المقتصد فهو المتعبد المجتهد، وأما السابق بالخيرات فعلي والحسن والحسين عليهما السلام ومن قتل من آل محمد شهيدا) (1). وفي رواية: (الظالم يحوم (2) حول نفسه، والمقتصد يحوم حول قلبه، والسابق يحوم حول ربه) (3). (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير). (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور) للمذنبين (شكور) للمطيعين. (الذي أحلنا دار المقامة): دار الاقامة (من فضله لا يمسنا فيها نصب): تعب (ولا يمسنا فيها لغوب): كلال، إذ لا تكليف فيها ولا كد. قال: (يعني المقتصد والسابق) (4). وفي رواية: (أما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة فهم الذين) قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) (5). (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم): لا يحكم عليهم بموت ثان (فيموتوا) ويستريحوا (ولا يخفف عنهم من عذابها) بل كلما خبت زيدوا سعيرا (كذلك نجزي كل كفور).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 409، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - حام حول الشئ، أي: دار. الصحاح 5: 1908 (حوم). (3) - معاني الاخبار: 104، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه (يحوم حوم) بدل: (يحوم حول) في المواضع الثلاث. (4) - معاني الاخبار: 105، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 408، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1028 ]

(وهم يصطرخون فيها): يستغيثون بالصراخ (1) (ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) يتناول كل عمر يمكن فيه من التذكر. وورد: (هو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة) (2). وفي رواية: (من عمره الله ستين سنة فقد أعذر إليه) (3). (فذوقوا فما للظالمين من نصير). (إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور). (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض): ألقى (4) إليكم مقاليد التصرف فيها، أو جعلكم خلفا بعد خلف. (فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا). كرره للدلالة على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين مستقل باقتضاء قبحه ووجوب التجنب عنه، والمراد بالمقت مقت الله، وبالخسار خسار الاخرة. (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم اتيناهم كتابا) ينطق على أنا اتخذنا شركاء (فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) بأنهم شفعاؤهم عند الله. (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده): من بعد الله، أو من بعد الزوال.


(1) - الصرخة: الصيحة الشديدة. القاموس المحيط 1: 273 (صرخ). (2) - من لا يحضره الفقيه 1: 118، الحديث: 561، الخصال 2: 509، الحديث: 2، الأمالي: 40، المجلس: 10، ذيل الحديث: 10، مجمع البيان 7 - 8: 410، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 410، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - في (ألف) و (ب): (القمي). والصحيح ما أثبتناه كما في (ج)، حيث لم ترد هذه الكلمات في القمي، والظاهر أنها تصحيف من النساخ. (*)

[ 1029 ]

قال: (بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا) (1). وقال: (لولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها) (2). (إنه كان حليما غفورا). (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم). قيل: وذلك أن قريشا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، قالوا: لعن الله اليهود والنصارى، لو أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم (3). (فلما جاءهم نذير) يعني محمدا صلى الله عليه وآله (ما زادهم إلا نفورا): تباعدا عن الحق. (إستكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق): ولا يحيط (المكر السيئ إلا بأهله) قيل: وقد حاق بهم يوم بدر (4). (فهل ينظرون): ينتظرون (إلا سنت الأولين) بتعذيب مكذبيهم (فلن تجد لسنة الله تبديلا) بجعل التعذيب غيره (ولن تجد لسنة الله تحويلا) بنقله إلى غيرهم. (أو لم يسيروا في الأرض) في مسايرهم في أسفارهم، أو في القرآن (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم): فينظروا في آثارهم، أو في أخبارهم (وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ): ليسبقه ويفوته (في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا). (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها): ظهر الأرض (من دابة) تدب عليها بشؤم (5) معاصيهم (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيرا).


(1) - كمال الدين 1: 202، الباب: 21، قطعة من حديث: 6، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (2) - المصدر: 207، الباب: 21، ذيل الحديث: 22، عن السجاد عليه السلام. (3) و (4) - البيضاوي 4: 184. (5) - في (ب): (من شؤم). (*)

[ 1030 ]

سورة يس [ مكية، وهي ثلاث وثمانون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (يس) قد مضى نظائره. قال: (هو اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله، ومعناه: يا أيها السامع الوحي) (2). (والقران الحكيم) الواو للقسم. (إنك لمن المرسلين). (على صراط مستقيم) قال: (على الطريق الواضح) (3). (تنزيل العزيز الرحيم) قال: (القرآن) (4). (لتنذر قوما) قال: (لتنذر القوم الذين أنت فيهم) (5). (ما أنذر اباؤهم فهم غافلون) قال: (عن الله، وعن رسوله، وعن وعيده) (6). (لقد حق القول على أكثرهم) قال: (ممن لا يقرون بولاية أمير المؤمنين والأئمة


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - معاني الأخبار: 22، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) و (4) - القمي 2: 211، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) و (6) - الكافي 1: 432، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1031 ]

من بعده) (1). (فهم لا يؤمنون) قال: (بإمامة أمير المؤمنين والأوصياء من بعده، فلما لم يقروا كانت عقوبتهم ما ذكر الله) (2). (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون) القمي: قد رفعوا رؤوسهم (3). (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). قال: (يقول: فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدى، أخذ الله سمعهم وأبصارهم وقلوبهم، فأعماهم عن الهدى) (4). وقال: (هذا في الدنيا، وفي الاخرة في نار جهنم مقمحون) (5). قيل: تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم، بحيث لا تغني الايات والنذر، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم، والأغلال واصلة إلى أذقانهم، فلا تخليهم يطأطئون فهم مقمحون رافعون رؤوسهم، غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم، في أنهم محبوسون في مطمورة (6) الجهالة، ممنوعون عن النظر في الايات والدلائل (7). (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون). (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم). (إنا نحن نحيى الموتى): الأموات بالبعث، والجهال بالهداية (ونكتب ما


(1) و (2) - الكافي 1: 432، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 212. (4) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - الكافي 1: 432، ذيل الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - المطمورة: حفيرة تحت الأرض يوسع أسافلها. تاج العروس 12: 433. (7) - البيضاوي 4: 185. (*)

[ 1032 ]

قدموا): ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة (واثارهم) كعلم علموه، وخطوة مشوا بها إلى المساجد، وكإشاعة باطل، وتأسيس ظلم. (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) القمي: أي: في كتاب مبين (1). وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (أنا والله الأمام المبين، أبين الحق من الباطل، ورثته من رسول الله صلى الله عليه وآله) (2). وعن النبي صلى الله عليه وآله: (ما من علم إلا علمنيه ربي وأنا علمته عليا، وقد أحصاه الله في، وكل علم علمت فقد أحصيته في إمام المتقين، وما من علم إلا علمته عليا) (3). وقال: (لما نزلت هذه الاية قام أبو بكر وعمر من مجلسهما وقالا: يا رسول الله هو التوراة ؟ قال: لا. قالا: فهو الأنجيل ؟ قال: لا. قالا: فهو القرآن ؟ قال لا. قال: فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هو هذا، إنه الامام الذي أحصى الله فيه علم كل شئ) (4). (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون) قيل: أرسلهم الله، أو أرسلهم عيسى بأمر الله (5). (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون). (هي قرية أنطاكية (6)، أرسل إليهم رسولان، فغلظوا عليهما وحبسوهما في بيت


(1) و (2) - القمي 2: 212. (3) - الاحتجاج 1: 74، مع تفاوت. (4) - معاني الأخبار: 95، الحديث: 1، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8:: 420، زاد المسير (لابن الجوزي) 6: 266. (6) - أنطاكية: وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير. وقال ابن بطلان: وخرجنا من حلب طالبين أنطاكية وبينهما يوم وليلة، فوجدنا المسافة التي بين حلب وانطاكية عامرة لا خراب فيها أصلا. ولم تزل أنطاكية قصبة العواصم من الثغور الشامية. وأول من بنى أنطاكية (انطيخس) وهو الملك الثالث بعد الأسكندر. وقيل: أول من بناها وسكنها (أنطاكية) بنت الروم بن اليقن بن سام بن نوح عليه السلام، أخت أنطالية باللام. معجم البلدان 1: 266. (*)

[ 1033 ]

الأصنام، فبعث الله الثالث. فقال لهم: أحببت أن أعبد إله الملك، فأمر الملك أن ادخلوه إلى بيت الالهة. فمكث سنة مع صاحبيه، فقال لهما: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين، بالخرق ؟ ! أفلا رفقتما، ثم قال لهما: لا تقران بمعرفتي، وقال للملك: رأيت رجلين في بيت الالهة، فما حالهما ؟ قال: هذان رجلان أتياني ببطلان ديني، ويدعواني إلى إله سماوي، فقال: أيها الملك فمناظرة جميلة، فإن يكن الحق لهما تبعناهما، وإن يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا. فلما دخلا إليه قال لهما صاحبهما: ما الذي جئتما به ؟ قالا: جئنا ندعوه إلى عبادة الله، الذي خلق السموات والأرض، ويخلق في الأرحام ما يشاء، ويصور كيف يشاء، وأنبت الأشجار والثمار، وأنزل القطر من السماء. فقال لهما: هذا الذي تدعوان إليه وإلى عبادته إن جئنا بأعمى يقدر أن يرده صحيحا ؟ قالا: إن سألناه أن يفعل، فعل إن شاء. قال: أيها الملك علي بأعمى لم يبصر شيئا قط، فأتي به، فقال لهما: أدعوا إلهكما أن يرد بصر هذا. فقاما وصليا ركعتين، فإذا عيناه مفتوحتان وهو ينظر إلى السماء، ففعل صاحبهما مثل فعلهما بأعمى آخر. فأتيا بمقعد فدعوا الله فأطلقت رجلاه، ففعل صاحبهما مثله بمقعد آخر. فقال: أيها الملك ! قد أتيا بحجتين وآتينا بمثلهما، ولكن إن أحيا إلههما ابنك الذي مات دخلت معهما في دينهما، فقال له الملك: وأنا أيضا معك، فخرا ساجدين لله وأطالا السجود، ثم رفعا رؤوسهما وقالا للملك: ابعث إلى قبر ابنك تجده قد قام من قبره إن شاء الله. فخرج الناس ينظرون، فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التراب. فقال له: يا بني ما حالك ؟ قال: كنت ميتا، فرأيت رجلين ساجدين يسألان الله أن يحييني. قال: فتعرفهما إذا رأيتهما ؟ قال: نعم. فكان يمر عليه رجل بعد رجل، فمر أحدهما بعد جمع كثير فقال هذا أحدهما، ثم مر الاخر فعرفهما وأشار بيده إليهما. فآمن الملك وأهل مملكته). كذا ورد (1).


(1) - القمي 2: 213، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1034 ]

وفي رواية: (إن الثالث كان شمعون الصفا رأس الحواريين، وإنه كان يدعو معهما سرا، فقام الميت وقال: وأنا أحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك دعاه إلى الله، فآمن وآمن من أهل مملكته قوم وكفر آخرون) (1). (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) لا مزية لكم تقتضي اختصاصكم بما تدعون (وما أنزل الرحمن من شئ): من وحي ورسالة (إن أنتم إلا تكذبون). (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون). (وما علينا إلا البلاغ المبين). (قالوا إنا تطيرنا بكم): تشأمنا. قيل: ذلك لاستغرابهم ما ادعوه وتنفرهم بهم (2). والقمي: تطيرنا بأسمائكم (3). (لئن لم تنتهوا) عن مقالتكم هذه (لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم). (قالوا طائركم معكم): سبب شؤمكم معكم، وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم: (أإن ذكرتم): أئن وعظتم به تطيرتم وتوعدتم، فحذف الجواب. (بل أنتم قوم مسرفون). (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين). القمي: نزلت في حبيب النجار، إلى قوله:) من المكرمين) (4). ورد: (الصديقون ثلاثة: حبيب النجار، مؤمن آل يس الذي يقول) إتبعوا المرسلين (، وحزقيل، مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب، وهو أفضلهم) (5). (اتبعوا من لا يسألكم أجرا) على النصح وتبليغ الرسالة (وهم مهتدون) إلى خير الدارين. (وما لى لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون). تلطف في الأرشاد، بإيراده في


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 420، في رواية عن وهب بن منبة. (2) - البيضاوي 4: 186. (3) و (4) - القمي 2: 214. (5) - الأمالي (للصدوق): 385، المجلس: 72، الحديث: 6، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1035 ]

معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح، حيث أراد لهم ما أراد لنفسه، والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره، ولذلك قال:) وإليه ترجعون (مبالغة في التهديد، ثم عاد إلى المساق الأول. (أأتخذ من دونه الهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون). (إني إذا لفي ضلال مبين). (إني امنت بربكم) الذي خلقكم، أو هو خطاب للرسل، بعد ما أراد القوم أن يقتلوه (فاسمعون): فاسمعوا إيماني. (قيل ادخل الجنة). قيل له ذلك لما قتلوه، بشرى بأنه من أهل الجنة، أو إكراما وإذنا في دخولها. (قال يا ليت قومي يعلمون). (بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). روي: (إنه نصح قومه حيا وميتا) (1). (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء) لأهلاكهم، كما أرسلنا يوم بدر والخندق، بل كفينا أمرهم بصيحة (وما كنا منزلين). (ما) نافية أو موصولة معطوفة على جند، أي: ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح ونحوهما. (إن كانت إلا صيحة واحدة) صاح بها جبرئيل (فإذا هم خامدون): ميتون، شبهوا بالنار رمزا، إلى أن الحي كالنار الساطع والميت كرمادها. (يا حسرة على العباد) تعالى فهذا أوانك، وفي قراءتهم عليهم السلام: (يا حسرة العباد) (2). (ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون). (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون). (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) إن شدد (لما) فهو بمعنى إلا، وإن خفف ف‍


(1) - جوامع الجامع: 392. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 420، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (*)

[ 1036 ]

(إن) مخففة، و (ما) مزيدة للتأكيد. (واية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) فإنه معظم ما يؤكل ويعاش به. (وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون). (ليأكلوا من ثمره): ثمر ما ذكر (وما عملته أيديهم) مما يتخذ منه، كالعصير والدبس ونحوهما، وقيل: (ما) نافية (1). (أفلا يشكرون). (سبحان الذي خلق الأزواج كلها): الأنواع والأصناف (مما تنبت الأرض) من النبات والشجر (ومن أنفسهم) الأنثى والذكر (ومما لا يعلمون): وأزواجا مما لا يطلعهم الله عليه. (واية لهم الليل نسلخ منه النهار) نزيله ونكشف عن مكانه، مستعار من سلخ الشاة (فإذا هم مظلمون): داخلون في الظلام. قال: (يعني قبض محمد صلى الله عليه وسلم، وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل أهل بيته) (2). (والشمس تجري لمستقر لها): لحد معين ينتهي إليه دورها، وفي قراءتهم عليهم السلام: (لا مستقر لها) (3)، أي: لا سكون لها فإنها متحركة دائما. (ذلك تقدير العزيز العليم). (والقمر قدرناه): قدرنا مسيره (منازل) وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه (حتى عاد كالعرجون القديم) كالشمراخ (4) المعوج العتيق.


(1) - الكشاف 3: 322، البيضاوي 4: 188. (2) - الكافي 8: 380، قطعة من حديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 423، عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام. (4) - الشمراخ والشمروخ: العثكال، وهو ما يكون فيه الرطب، وكل غصن من أغصانه شمراخ. مجمع البحرين 2: 436، النهاية 2: 500 (شمرخ). (*)

[ 1037 ]

(لا الشمس ينبغي لها): يصح لها ويتسهل (أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون): يسيرون فيه بانبساط. قال: (يقول: الشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، لا ينبغي للشمس أن تكون مع ضوء القمر بالليل، ولا يسبق الليل النهار: يقول: لا يذهب الليل حتى يدركه النهار، (وكل في فلك يسبحون): يقول: يجئ وراء الفلك الاستدارة) (1). وفي رواية: (إن النهار خلق قبل الليل وقوله تعالى:) ولا الليل سابق النهار (أي: قد سبقه النهار) (2). (واية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون): المملوء، أي: سفينة نوح، كما في قوله:) ذرية من حملنا مع نوح) (3). سئل في حديث: فما التسعون ؟ قال: (الفلك المشحون، اتخذ نوح عليه السلام فيه تسعين بيتا للبهائم) (4). قيل: حمل الله ذريتهم فيها، حمله آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم ذرياتهم، وتخصيص الذرية لأنه أبلغ في الامتنان وأدخل في التعجيب مع الايجاز (5). والقمي: السفن الممتلئة (6)، وعمم الفلك، فالمراد بالذرية أولادهم الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم، أو صبيانهم ونسائهم. (وخلقنا لهم من مثله): من مثل الفلك (ما يركبون) من السفن والزوارق، على المعنى الأول، ومن الأنعام والدواب، ولا سيما الأبل، فإنها سفائن البر، على المعنى الأخير.


(1) - القمي 2: 214، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 425، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - الاسراء (17): 3. (4) - الخصال 2: 598، قطعة من حديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - البيضاوي 4: 188. (6) - القمي 2: 215. (*)

[ 1038 ]

(وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون). (إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين). (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم) قال: (من الذنوب) (1). (وما خلفكم) قال: (من العقوبة) (2). (لعلكم ترحمون) جواب إذا محذوف دل عليه ما بعده، كأنه قيل: أعرضوا. (وما تأتيهم من اية من ايات ربهم إلا كانوا عنها معرضين). (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين امنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين). إما تهكم بهم من إقرارهم بالله وتعليقهم الأمور بمشيئة الله، وإما إيهام بأن الله لما كان قادرا أن يطعمهم فلم يطعمهم فنحن أحق بذلك، وهذا من فرط جهالتهم، فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء، وتوفيقهم له. (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) يعنون وعد البعث. (ما ينظرون): ما ينتظرون (إلا صيحة واحدة) هي النفخة الأولى (تأخذهم وهم يخصمون): يختصمون في متاجرهم ومعاملاتهم. (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) القمي: ذلك في آخر الزمان، يصاح فيهم صيحة وهم في أسواقهم يتخاصمون، فيموتون كلهم في مكانهم، لا يرجع أحد إلى منزله ولا يوصى بوصية (3). وورد: (الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فما يطويانه حتى تقوم الساعة. والرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتى تقوم. والرجل يليط حوضه ليسقى ماشيته فما


(1) و (2) - مجمع البيان 7 - 8: 427، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) القمي 2: 215. (*)

[ 1039 ]

يسقيها حتى تقوم) (1). (ونفخ في الصور) أي: مرة ثانية، كما يأتي في سورة الزمر (2). (فإذا هم من الأجداث): من القبور (إلى ربهم ينسلون): يسرعون. (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا). وفي قراءتهم عليهم السلام: (من بعثنا) (3) على من الجارة والمصدر. (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون). قال: (فإن القوم كانوا في القبور، فلما قاموا حسبوا أنهم كانوا نياما،) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا (قالت الملائكة:) هذا ما وعد الرحمن (الاية) (4). (إن كانت إلا صيحة واحدة) هي النفخة الأخيرة (فإذا هم جميع لدينا محضرون) بمجرد الصيحة، وفي ذلك تهوين أمر البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوط بها فيما يشاهدونه. قال: (كان أبو ذر رضى الله عنه يقول في خطبة: ما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها) (5). (فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون). (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون): متلذذون. قال: (شغلوا بافتضاض العذارى. قال: وحواجبهن كالأهلة، وأشفار أعينهن كقوادم النسور) (6). (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكؤون). قال: (الأرائك: السرر عليها


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 427. (2) - الزمر (39): 68. (3) - جوامع الجامع: 394، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - القمي 2: 216، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - الكافي 2: 134، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 429، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1040 ]

الحجال) (1). وورد: (إذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا) (2). (لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون): يتمنون، من قولهم: ادع علي ما شئت، أي: تمنه. كذا قيل (3). (سلام قولا من رب رحيم) يقال لهم قولا كائنا من جهته، يعني: إن الله يسلم عليهم. القمي: السلام منه هو الأمان (4). (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) وانفردوا عن المؤمنين، وذلك حين يسار بالمؤمنين إلى الجنة، كقوله:) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (5). (ألم أعهد إليكم يا بني ادم أن لا تعبدوا الشيطان) جعلها عبادة الشيطان، لأنه الامر بها المزين لها، وقد ثبت أن من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده. وورد: (من أطاع رجلا في معصية فقد عبده) (6). (إنه لكم عدو مبين). (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم). (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا): خلقا كثيرا (أفلم تكونوا تعقلون). (هذه جهنم التي كنتم توعدون). (إصلوها اليوم بما كنتم تكفرون). (اليوم نختم على أفواههم): نمنعها عن الكلام (وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون). قال: (وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة


(1) - القمي 2: 216، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - المصدر: 247، الكافي 8: 97، قطعة من حديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - البيضاوي 4: 190. (4) - القمي 2: 216. (5) - الروم (30): 14. (6) - الكافي 2: 398، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1041 ]

العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه) (1). (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة (فاستبقوا الصراط): إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه (فأنى يبصرون) الطريق وجهة السلوك فضلا عن غيره. (ولو نشاء لمسخناهم) بتغيير صورهم وإبطال قواهم (على مكانتهم): مكانهم، بحيث يخمدون فيه. القمي: في الدنيا (2). (فما استطاعوا مضيا): ذهابا (ولا يرجعون). (ومن نعمره): نطل عمره (ننكسه في الخلق): نقلبه فيه، فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه، عكس ما كان عليه بدو أمره (أفلا يعقلون) أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ، فإنه مشتمل عليهما وزيادة، غير أنه على تدرج. (وما علمناه الشعر) بتعليم القرآن، يعني ليس ما أنزلنا عليه من صناعة الشعر في شئ، أي: مما يتوخاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوهما، مما لا حقيقة له ولا أصل، وإنما هو تمويه محض، موزونا كان أو غير موزون. (وما ينبغي له) يعني هذه الصناعة. القمي: كانت قريش تقول: إن هذا الذي يقوله محمد شعر، فرد الله عزوجل عليهم (3). (إن هو إلا ذكر): عظة (وقران مبين): كتاب سماوي يتلى في المعابد. (لينذر من كان حيا) قال: (أي: عاقلا) (4). والقمي: أي: مؤمنا حي القلب (5). (ويحق القول): وتجب كلمة العذاب (على الكافرين) المصرين على الكفر. (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا) قيل: يعني مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص،


(1) - الكافي 2: 32، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) و (3) - القمي 2: 217. (4) - مجمع البيان 7 - 8: 432، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - القمي 2: 217. (*)

[ 1042 ]

والتفرد الاحداث (1). والقمي: أي: بقوتنا خلقناها (2). (أنعاما) خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. (فهم لها مالكون): يتصرفون فيها. (وذللناها لهم فمنها ركوبهم): مركوبهم (ومنها يأكلون). (ولهم فيها منافع) مما يكسبون بها، ومن الجلود والأصواف والأوبار (ومشارب) من ألبانها (أفلا يشكرون). (واتخذوا من دون الله الهة لعلهم ينصرون): رجاء أن ينصروهم. (لا يستطيعون نصرهم) قال: (يقول: لا يستطيع الالهة لهم نصرا) (3) (وهم لهم): (للالهة) (4). (جند محضرون) قيل: أي: معدون لحفظهم والذب عنهم، أو محضرون أثرهم في النار (5). (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون). (أو لم ير الأنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) القمي: أي: ناطق عالم بليغ (6). (وضرب لنا مثلا): أمرا عجيبا، وهو نفي القدرة على إحياء الموتى (ونسى خلقه): خلقنا إياه (قال من يحي العظام وهى رميم) منكرا إياه، مستبعدا له، والرميم: ما بلي من العظام. قال: (جاء أبي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته (7)، ثم قال (8): يا محمد) إذا كنا


(1) - البيضاوي 4: 190. (2) - القمي 2: 217. (3) و (4) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - البيضاوي 4: 191. (6) - القمي 2: 218. (7) - فت الشئ يفته فتا: دقه وكسره بأصابعه. لسان العرب 10: 169 (فتت). (8) - في (ألف) والمصدر: (فقال). (*)

[ 1043 ]

عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا (11) ؟ ! فنزلت (2). (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) يعلم تفاصيل المخلوقات، وكيفية خلقها، وأجزاءها المتفتة، المتبددة أصولها وفروعها، ومواقعها وطريق تمييزها، وضم بعضها إلى بعض. قال: (إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن (3) في ضياء وفسحة، وروح المسئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما يقذفه به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض فتمخض مخض السقاء (4)، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا) (5). (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) القمي: وهو المرخ (6) والعفار (7)، يكون في ناحية من بلاد العرب، فإذا أرادوا أن يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر، ثم أخذوا عودا فحركوه فيه فيستوقدون منه النار (8). قيل: يسحقون المرخ على


(1) - الأسراء (17): 49 و 98. (2) - العياشي 2: 296، الحديث: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - في (ب): (روح المؤمن). (4) - السقاء: جلد السخلة إذا جذع يكون للماء واللبن، والجمع: أسقية وأساقي. مجمع البحرين 1: 221 (سقا). (5) - الاحتجاج 2: 98، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (6) - المرخ: شجر كثير الوري سريعه. لسان العرب 13: 68 (مرخ). (7) - العفار: شجر يتخذ منه الزناد. لسان العرب 9: 287 (عفر). (8) - القمي 2: 218. (*)

[ 1044 ]

العفار - وهما خضراوان - يقطر منهما الماء، فتنقدح النار (1). (أو ليس الذي خلق السموات والأرض) مع كبر جرمهما وعظم شأنهما (بقادر على أن يخلق مثلهم) في الصغر والحقارة (بلى وهو الخلاق العليم): كثير المخلوقات والمعلومات. (وهذه كلها جدال بالتي هي أحسن، أمر الله تعالى نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت). كذا ورد (2). (إنما أمره): إنما شأنه (إذا أراد شيئا أن يقول له كن): تكون (فيكون). وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور، من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة (3) عمل واستعمال آلة، قطعا لمادة الشبهة. قال: (كن منه صنع، وما يكون به المصنوع) (4). وقال: (إنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه. قال: يقول ولا يلفظ، ويريد ولا يضمر) (5) وقال: (يريد بلا همة) (6). والقمي: خزائنه في الكاف والنون (7). (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ). تنزيه له عما ضربوا له، وتعجيب عما قالوا فيه، و (ملكوت كل شئ): ما يقوم به ذلك الشئ من عالم الأرواح والملائكة. (وإليه ترجعون). وعد ووعيد للمقرين والمنكرين.


(1) - البيضاوي 4: 192. (2) - الاحتجاج 1: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - زاوله مزاولة: طالبه. القاموس المحيط 3: 402 (زول). (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 173، الباب: 12، قطعة من حديث: 1. (5) - نهج البلاغة: 274، الخطبة: 186. (6) - المصدر: 258، الخطبة: 179، وفيه: (مريد بلا همة). (7) - القمي 2: 218. (*)

[ 1045 ]

سورة الصافات [ مكية، وهي مائة واثنتان وثمانون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والصافات صفا). (فالزاجرات زجرا). (فالتاليات ذكرا). القمي: الملائكة والأنبياء عليهم السلام، ومن صف لله وعبده، والذين يزجرون الناس، والذين يقرؤون الكتاب من الناس (2). (إن إلهكم لواحد) جواب القسم. (رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق): مشارق الكواكب، أو مشارق الشمس، فإن لها كل يوم مشرقا، وبحسبها المغارب، ولذلك اكتفى بذكرها، مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة. (إنا زينا السماء الدنيا): القربى (بزينة الكواكب). (وحفظا) برمي الشهب (من كل شيطان مارد): خبيث. (لا يسمعون إلى الملاء الأعلى): الملائكة وأشرافهم (ويقذفون): ويرمون (من كل جانب) من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 118. (*)

[ 1046 ]

(دحورا): للدحور وهو الطرد (ولهم عذاب واصب) قال: (أي: دائم موجع قد وصل إلى قلوبهم) (1). (إلا من خطف الخطفة): اختلس كلام الملائكة مسارقة (فأتبعه شهاب ثاقب): مضئ كأنه يثقب الجو بضوئه. والشهاب ما يرى كأنه كوكب انقض. (فاستفتهم): فاستخبرهم (أهم أشد خلقا أم من خلقنا) من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما، والمشارق والكواكب والشهب الثواقب. (إنا خلقناهم من طين لازب): يلزق باليد. (بل عجبت) من قدرة الله وإنكارهم البعث (ويسخرون) من تعجبك. (وإذا ذكروا لا يذكرون). (وإذا رأوا اية يستسخرون). (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين). (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون). (أو اباؤنا الأولون). (قل نعم وأنتم داخرون): صاغرون. (فإنما هي زجرة واحدة) فإنما البعثة صيحة واحدة، هي النفخة الثانية (فإذا هم ينظرون): فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون، أو ينتظرون ما يفعل بهم. (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين): يوم الحساب والمجازاة. (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون): يوم القضاء والفرق بين المحسن والمسئ، وهو قول بعضهم لبعض، أو قول الملائكة لهم. (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم): وأشباههم (وما كانوا يعبدون). (من دون الله) من الأصنام وغيرها، زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) قال: (يقول: ادعوهم إلى طريق الجحيم) (2). (وقفوهم): احبسوهم في الموقف (إنهم مسؤولون) قيل: عن عقائدهم وأعمالهم (3). وقال: (عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام) (4).


(1) - القمي 2: 221، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 222، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 441، البيضاوي 5: 4. (*)

[ 1047 ]

وورد في تفسيرها: (لا يجاوز قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل البيت) (5). (ما لكم لا تناصرون): لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص، وهو توبيخ وتقريع. (بل هم اليوم مستسلمون): منقادون لعجزهم، أو متسالمون يسلم بعضهم بعضا ويخذله. القمي: يعني للعذاب (6). (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) للتوبيخ. (قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين) يعني عن أقوى الوجوه وأيمنه. (قالوا بل لم تكونوا مؤمنين). (وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين). (فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون) القمي: العذاب (7). (فأغويناكم إنا كنا غاوين). (فإنهم): فإن الأتباع والمتبوعين (يومئذ في العذاب مشتركون) كما كانوا في الغواية مشتركين. (إنا كذلك نفعل بالمجرمين): بالمشركين. (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون). (ويقولون أئنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون). (بل جاء بالحق وصدق المرسلين). (إنكم لذائقوا العذاب الأليم). (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون). (إلا عباد الله


(4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 313، الباب: 28، الحديث: 86، وج 2: 59، الباب: 31، الحديث: 222، الأمالي (للشيخ الطوسي) 1: 296، ومن العامة: شواهد التنزيل 2: 106 - 107، الأحاديث: 785 إلى 790، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - علل الشرائع 1: 218، الباب: 159، الحديث: 2، عن حسن بن علي، عن رسول الله صلوات الله عليهم. (6) و (5) - القمي 2: 222. (*)

[ 1048 ]

العذاب الأليم). (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون). (إلا عباد الله المخلصين. (أولئك لهم رزق معلوم) قال: (يعلمه الخدام، فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه) (1). (فواكه وهم مكرمون). قال: (فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا أكرموا به) (2). (في جنات النعيم). (على سرر متقابلين). (يطاف عليهم بكأس من معين): من شراب جار ظاهر للعيون، أو خارج من العيون، وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء. (بيضاء لذة للشاربين). وصفها بلذة للمبالغة، أو أنها تأنيث لذ بمعنى لذيذ. (لا فيها غول): غائلة وفساد، كما في خمر الدنيا، كالخمار (ولا هم عنها ينزفون) قيل: أي يسكرون، من نزف: إذا ذهب عقله (3). والقمي: أي لا يطردون منها (4). (وعندهم قاصرات الطرف): قصرن أبصارهن على أزواجهن (عين) قيل: أي واسعات العيون الحسانها، جمع عيناء (5). وقيل: هي الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها (6). (كأنهن بيض مكنون): شبههن ببيض النعام الذي تكنه بريشها، مصونا من الغبار ونحوه، في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان. كذا قيل (7).


(1) و (2) - الكافي 8: 100، ذيل الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - البيضاوي 5: 6. (4) - القمي 2: 222. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 443، جامع البيان (للطبري) 23: 36. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 443. (7) - البيضاوي 5: 6. (*)

[ 1049 ]

(فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) عن المعارف والفضائل، وما جرى لهم وعليهم في الدنيا، فإنه ألذ اللذات. (قال قائل منهم إني كان لي قرين): جليس في الدنيا. (يقول أئنك لمن المصدقين): يوبخني على التصديق بالبعث. (أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون): لمجزيون، من الدين، بمعنى الجزاء. (قال) أي: ذلك القائل لجلسائه (هل أنتم مطلعون) إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين، فتعلموا أين منزلتكم من منزلته. (فاطلع) عليهم (فراه) أي: قرينه (في سواء الجحيم) قال: (يقول: في وسط الجحيم) (1). (قال تالله إن كدت لتردين): إنه كدت لتهلكني بالاغواء. (ولولا نعمة ربي) بالهداية والعصمة (لكنت من المحضرين): معك فيها. (أفما نحن بميتين). عطف على محذوف، أي: نحن مخلدون منعمون، فما نحن بمن شأنه الموت. (إلا موتتنا الأولى) التي كانت في الدنيا (وما نحن بمعذبين). (إن هذا لهو الفوز العظيم). (لمثل هذا فليعمل العاملون). قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، جئ الموت، فيذبح كالكبش بين الجنة والنار، ثم يقال: خلود فلا موت أبدا، فيقول أهل الجنة: (أفما نحن بميتين)، الايات) (2). (أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم): شجرة ثمرها نزل أهل النار. فيه دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل، ولهم ما وراء ذلك ما يقصر عنه


(1) و (2) - القمي 2: 223، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1050 ]

الأفهام، وكذلك الزقوم لأهل النار. (إنا جعلناها فتنة للظالمين): محنة وعذابا لهم في الاخرة أو ابتلاء في الدنيا، فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا: كيف ذلك، والنار تحرق الشجر ؟ ! (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم). (طلعها): حملها (كأنه رءوس الشياطين) في تناهي القبح والهول، نظيره في التشبيه بالمتخيل تشبيه الفائق في الحسن بالملك. (فإنهم لاكلون منها فمالئون منها البطون) لغلبة الجوع. (ثم إن لهم عليها) أي: بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش (لشوبا من حميم): لشرابا من غساق، أو صديد مشوبا بماء حميم يقطع أمعاءهم. (ثم إن مرجعهم لالى الجحيم) فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها. (إنهم ألفوا اباءهم ضالين). (فهم على اثارهم يهرعون). تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد، بتقليد الاباء في الضلال. والاهراع: الاسراع الشديد. كأنهم يزعجون على الأسراع على أثرهم، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على بحث ونظر. (ولقد ضل قبلهم): قبل قومك (أكثر الأولين). (ولقد أرسلنا فيهم منذرين). (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين). (إلا عباد الله المخلصين) الذين تنبهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم لله، أو أخلصهم الله لدينه. (ولقد نادانا نوح): دعانا حين أيس من قومه (فلنعم المجيبون) أي: فأجبناه أحسن الأجابة، فوالله لنعم المجيبون نحن. (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم): من أذى قومه والغرق.

[ 1051 ]

(وجعلنا ذريته هم الباقين) إذ هلك من هلك. (وتركنا عليه في الاخرين). قال: (ظهرت الجبرية من ولد حام ويافث، فاستخفى ولد سام بما عندهم من العلم، وجرت على سام بعد نوح الدولة لحام ويافث، وهو قول الله عز وجل (وتركنا عليه في الاخرين) يقول: تركت على نوح دولة الجبارين، ويعزي الله محمدا صلى الله عليه وآله بذلك) (1). وقيل: بل معناه: وأبقينا عليه ذكرا جميلا، فحذف (2). وقيل: وتركنا عليه هذه الكلمة، أي: التسليم الذي بعده (3). وكذا الكلام فيما يأتي (4) من نظائره. (سلام على نوح في العالمين) أي: سلام من الله عليه، تحية ثابتة في الملائكة والثقلين، مجازاة له على إحسانه. (إنا كذلك نجزي المحسنين). (إنه من عبادنا المؤمنين). (ثم أغرقنا الاخرين). (وإن من شيعته): ممن شايعه في الأيمان وأصول الشريعة (لإبراهيم). (إذ جاء ربه بقلب سليم). من حب الدنيا. (إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون). (أإفكا الهة دون الله تريدون): أتريدون آلهة دون الله إفكا ؟ ! فقدم للعناية. (فما ظنكم برب العالمين): بمن هو حقيق بالعبادة، حتى أشركتم به غيره وأمنتم من عذابه.


(1) - كمال الدين 1: 135، الباب: 2، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - التبيان 8: 506، مجمع البيان 7 - 8: 447، جامع البيان (للطبري) 23: 43. (3) - التبيان 8: 506، مجمع البيان 7 - 8: 447. (4) - الايات: 108 و 119 و 129 من نفس السورة. (*)

[ 1052 ]

(فنظر نظرة في النجوم) فرأى مواقعها واتصالاتها. (فقال إني سقيم) أراهم أنه استدل بها على أنه مشارف للسقم، لئلا يخرجوه إلى معيدهم (1)، لأنهم كانوا منجمين، وذلك حين سألوه أن يعيد معهم. قال: (والله ما كان سقيما، وما كذب، وإنما عنى سقيما في دينه مرتادا) (2). (فتولوا عنه مدبرين) إلى عيد لهم. (فراغ إلى الهتهم): فذهب إليها في خفية. (فقال) أي: للأصنام استهزاء (ألا تأكلون) يعني الطعام الذي كان عندهم. (ما لكم لا تنطقون) بجوابي. (فراغ عليهم): فمال عليهم مستخفيا. والتعدية ب‍ (على) للاستعلاء وكراهة الميل. (ضربا باليمين): يضربهم ضربا بها. (فأقبلوا إليه): إلى إبراهيم بعد ما رجعوا (يزفون): يسرعون لما رأوا أصنامهم مكسرة، وظنوا أنه كاسرها. (قال أتعبدون ما تنحتون) من الأصنام. (والله خلقكم وما تعملون) فإن جوهرها بخلقه، ونحتها بإقداره. (قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم): في النار الشديدة، فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك، لئلا يظهر للعامة عجزهم. (فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين): الأذلين، بإبطال كيدهم وجعله برهانا نيرا على علو شأنه، حيث جعل النار عليه بردا وسلاما، وقد مضت قصته في سورة


(1) - في (ب): (معبدهم). (2) - معاني الأخبار: 210، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الكافي 8: 100، الحديث: 70، و 368، الحديث: 559، ما يقرب منه. (*)

[ 1053 ]

الأنبياء (1). (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) قال: (يعني بيت المقدس) (2). قال: (إن ذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله عزوجل) (3). (رب هب لي من الصالحين): بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة، يعني الولد، فإن لفظة الهبة غالبة فيه. (فبشرناه بغلام حليم). قيل: ما نعت الله نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما السلام (4). (فلما بلغ معه السعي) أي: فلما وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله (قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى) إنما شاوره فيه وهو حتم، ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله، فيثبت قدمه إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، وليوطن نفسه عليه فيهون، ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله. (قال يا أبت افعل ما تؤمر): ما تؤمر به، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا. وورد: (إنه قال: (يا أبت افعل ما تؤمر)، ولم يقل يا أبت افعل ما رأيت) (5). (ستجدني إن شاء الله من الصابرين). (فلما أسلما): استسلما لأمر الله، أو أسلم الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه، وفي قراءتهم عليهم السلام: (سلما) (6) من التسليم (وتله للجبين): صرعه (7) على شقه، فوقع جبينه على


(1) - الاية: 57 إلى 71. (2) - الكافي 8: 371، الحديث: 560، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - التوحيد: 266، الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - الكشاف 3: 347، البيضاوي 5: 8. (5) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 210، الباب: 18، الحديث: 1. (6) - مجمع البيان 7 - 8: 451، عن أمير المؤمنين وجعفر بن محمد عليهم السلام. (7) - الصرع: الطرح على الأرض. القاموس المحيط 3: 51 (صرع). (*)

[ 1054 ]

الأرض، وهو أحد جانبي الجبهة. (وناديناه أن يا إبراهيم). (قد صدقت الرؤيا) بالعزم والأتيان بما كان تحت قدرتك من ذلك. وجواب لما محذوف تقديره: كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال، من فرحهما وشكرهما لله على ما أنعم عليهما من رفع البلاء بعد حلوله، والتوفيق لما لم يوفق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما به على العالمين، مع إحراز الثواب العظيم، إلى غير ذلك. (إنا كذلك نجزي المحسنين). (إن هذا لهو البلاء المبين): الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره، أو المحنة البينة الصعوبة، فإنه لا أصعب منها. (وفديناه بذبح عظيم): عظيم القدر أو الجثة سمين. قال: (بكبش أملح، يأكل في سواد ويشرب في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد ويبول ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وما خرج من رحم أنثى، وإنما قال الله له كن فكان) (1). وفي رواية: (نزل من السماء على الجبل الذي عن يمين مسجد منى) (2). وسئل عن الذبيح من كان ؟ فقال: (إسماعيل، لأن الله ذكر قصته في كتابه، ثم قال: (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين)) (3). أقول ويؤيده أيضا: أن البشارة بإسحاق في موضع آخر (4) مقرونة بأنه من ورائه يعقوب، فلا يناسب الأمر بذبحه مراهقا.


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 210، الباب: 18، الحديث: 1، وفيه: (كن فيكون). (2) - القمي 2: 226، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - من لا يحضره الفقيه 2: 148، الحديث: 655، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - هود (11): 71. (*)

[ 1055 ]

وفي الحديث النبوي: (أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل وعبد الله) (1). كما ورد في معناه (2). وأما الوجه فيما ورد: (إن الذبيح إسحاق فهو: أنه تمنى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحه وكان يصبر لأمر الله ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه، فينال بذلك درجته في الثواب، فعلم الله ذلك من قلبه، فسماه بين ملائكته ذبيحا، لتمنيه ذلك). كذا ورد (3). (وتركنا عليه في الاخرين). (سلام على إبراهيم) سبق بيانه (4). (كذلك نجزي المحسنين). (إنه من عبادنا المؤمنين). (وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين). (وباركنا عليه وعلى إسحق): أفضنا عليهم بركات الدين والدنيا (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين). (ولقد مننا على موسى وهرون). (ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم). (ونصرناهم فكانوا هم الغالبين). (واتيناهما الكتاب المستبين). (وهديناهما الصراط المستقيم). (وتركنا عليهما في الاخرين). (سلام على موسى وهرون). (إنا كذلك نجزي المحسنين). (إنهما من عبادنا المؤمنين). (وإن إلياس لمن المرسلين). (إذ قال لقومه ألا تتقون). (أتدعون بعلا): أتعبدونه وتطلبون منه الخير، وهو اسم صنم لهم (وتذرون


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 210، الباب: 18، الحديث: 1. (2) - جامع البيان (للطبري) 23: 54، الكشاف 3: 350، تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 21. (3) - من لا يحضره الفقيه 2: 148، الحديث: 655. (4) - ذيل الاية: 79 من نفس السورة. (*)

[ 1056 ]

أحسن الخالقين): وتتركون عبادته. (الله ربكم ورب ابائكم الأولين). (فكذبوه فإنهم لمحضرون) أي: في العذاب. (إلا عباد الله المخلصين). (وتركنا عليه في الاخرين). (سلام على إل ياسين) قيل: هو لغة في إلياس، كسينا وسينين (1). وفي قراءتهم عليهم السلام: (آل يس) (2). وكذا في قراءة جماعة من العامة (3)، لأنهم وجدوه مفصولا في مصحف إمامهم. قال: (يس محمد، ونحن آل يس) (4). وفي رواية: (إن الله سمى النبي بهذا الاسم حيث قال: (يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين) لعلمه أنهم يسقطون: (سلام على آل محمد) كما أسقطوا غيره) (5). ويؤيد القراءة الأولى ما بعد هذه الاية ونظم سائر القصص، وقيل: (يس) اسم أبي إلياس (6). (إنا كذلك نجزي المحسنين). (إنه من عبادنا المؤمنين). (وإن لوطا لمن المرسلين). (إذ نجيناه وأهله أجمعين).


(1) - البيضاوي 5: 11. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 237، الباب: 23، الحديث: 1. (3) - البيضاوي 5: 11، معالم التنزيل (للبغوي) 4: 41، عن نافع وابن عامر، جامع البيان (للطبري) 23: 61، عن قراء المدينة. (4) - معاني الأخبار: 122، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - الاحتجاج 1: 377، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - الكشاف 3: 352، البيضاوي 5: 11. (*)

[ 1057 ]

(إلا عجوزا في الغابرين). (ثم دمرنا الاخرين) قد مضى تفسيرها (1). (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين). (وبالليل أفلا تعقلون): أفليس فيكم عقل تعتبرون به ؟ سئل عن هذه الاية، فقال: (تمرون عليهم في القرآن، إذا قرأتم القرآن يقرأ ما قص الله عليكم من خبرهم) (2). (وإن يونس لمن المرسلين). (إذ أبق): هرب، وأصل الأباق: الهرب من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه. (إلى الفلك المشحون): المملوء. (فساهم): فقارع أهله (فكان من المدحضين): فصار من المغلوبين بالقرعة. (فالتقمه الحوت وهو مليم): داخل في الملامة. ورد: (إنه لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة، واستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات، قال: فمضى يونس إلى صدر السفينة، فإذا الحوت فاتح فاه، فرمى بنفسه) (3). (فلولا أنه كان من المسبحين). (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون). (فنبذناه بالعراء): بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت (وهو سقيم) قال (وقد ذهب جلده ولحمه) (4). (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين). قال: (وهي الدبا، فأظلته من الشمس،


(1) - في الأعراف (7): 84، وهود (11): 82، والحجر (15): 73. (2) - الكافي 8: 248، الحديث: 349، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - من لا يحضره الفقيه 3: 51، الحديث: 173، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - القمي 1: 319، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1058 ]

فسكن، ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه ووقعت الشمس عليه، فجزع، فأوحى الله إليه: يا يونس لم لم ترحم مائة ألف أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة ؟ قال: يا رب عفوك عفوك. فرد الله عليه بدنه، ورجع إلى قومه فآمنوا به) (1). (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون). وفي قراءتهم عليهم السلام: (ويزيدون) (2) بالواو. قال: (يزيدون ثلاثين ألفا) (3). (فامنوا فمتعناهم إلى حين): إلى أجلهم المقضي. (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) القمي: قالت قريش: إن الملائكة هم بنات الله ! فرد الله عليهم (4). (أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون). (ألا إنهم من إفكهم ليقولون). (ولد الله وإنهم لكاذبون) فيما يتدينون به. (أصطفى البنات على البنين). (مالكم كيف تحكمون). (أفلا تذكرون). (أم لكم سلطان مبين): حجة واضحة. (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين). (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا). القمي: يعني أنهم قالوا: الجن بنات الله (5). وقيل: يعني الملائكة سموا بها لاستتارهم (6). وقيل: قالوا: إن الله صاهر الجن فخرجت


(1) - القمي 1: 319، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 457، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 1: 175، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 227. (5) - القمي 2: 227. (6) - التبيان 8: 533، البيضاوي 5: 12، معالم التنزيل (للبغوي) 4: 44، عن مجاهد وقتادة. (*)

[ 1059 ]

الملائكة (1) ! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. (ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون): إن المشركين في النار. (سبحان الله عما يصفون). (إلا عباد الله المخلصين). (فإنكم وما تعبدون). عود إلى خطابهم. (ما أنتم عليه): على الله (بفاتنين): مفسدين الناس بالاغواء. (إلا من هو صال الجحيم): إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار، يصلاها لا محالة. (وما منا إلا له مقام معلوم). قيل: هي حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية، للرد على عبدتهم. والمعنى: وما منا أحد إلا وله مقام معلوم في المعرفة والعبادة، والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم (2). وورد: (أنزلت في الأئمة والأوصياء من آل محمد عليهم السلام) (3). (وإنا لنحن الصافون) في أداء الطاعة ومنازل الخدمة. (وإنا لنحن المسبحون): المنزهون الله عما لا يليق به. القمي: (قال جبرئيل: يا محمد (إنا لنحن الصافون، وإنا لنحن المسبحون)) (4). وورد: (كنا أنوارا صفوفا حول العرش، نسبح فيسبح أهل السماء بتسبيحنا، إلى أن هبطنا إلى الأرض، فسبحنا فسبح أهل الأرض بتسبيحنا، (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون)) (5).


(1) - الكشاف 3: 355، البيضاوي 5: 12. (2) - البيضاوي 5: 13. (3) - القمي 2: 227، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - المصدر: 228، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1060 ]

(وإن كانوا ليقولون) أي: مشركو قريش. (لو أن عندنا ذكرا من الأولين): كتابا من الكتب التي نزلت عليهم. (لكنا عباد الله المخلصين): أخلصنا العبادة له، ولم نخالف مثلهم. (فكفروا به) لما جاءهم الذكر. قال: (هم كفار قريش، كانوا يقولون ذلك، يقول الله عز وجل: فكفروا به حين جاءهم محمد صلى الله عليه وآله). كذا ورد (1). (فسوف يعلمون) عاقبة كفرهم. (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) أي: وعدنا لهم بالنصر والغلبة، كما يفسره ما بعده. (إنهم لهم المنصورون). (وإن جندنا لهم الغالبون). (فتول عنهم): فأعرض عنهم (حتى حين) هو الموعد لنصرك عليهم. (وأبصرهم) على ما ينالهم حينئذ (فسوف يبصرون) ما قضينا لك من التأييد والنصرة، والثواب في الاخرة. و (سوف) للوعيد لا للتبعيد. (أفبعذابنا يستعجلون). روي: (إنه لما نزل (فسوف يبصرون) قالوا: متى هذا ؟ فنزل) (2). (فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين). شبه العذاب بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة. والصباح مستعار لوقت نزول العذاب، لأن أكثر ما يكون الهجوم والغارة في صباح الجيش المبيت. (وتول عنهم حتى حين). (وأبصر فسوف يبصرون) تأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد، للاشعار بأنه


(1) القمي 2: 228، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - البيضاوي 5: 13. (*)

[ 1061 ]

يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة، أو الأول لعذاب الدنيا، والثاني لعذاب الاخرة. والقمي: (فإذا نزل بساحتهم)، يعني: العذاب إذا نزل ببني أمية وأشياعهم في آخر الزمان، (فسوف يبصرون). قال: أبصروا حين لا ينفعهم البصر. قال: فهذه في أهل الشبهات والضلالات من أهل القبلة (1). (سبحان ربك رب العزة عما يصفون). قال: (إن الله علا ذكره كان ولا شئ غيره، وكان عزيزا ولا عز كان قبل عزه، وذلك، قوله سبحانه: (ربك رب العزة)) (2). (وسلام على المرسلين). تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم. (والحمد لله رب العالمين) على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة. وفيه تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله. ورد: (من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى، فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه: (سبحان ربك) الايات الثلاث (3).


(1) - القمي 2: 227. (2) - التوحيد: 67، الباب: 2، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: (ولاعز، لأنه كان قبل عزه). (3) - الكافي 2: 496، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1062 ]

سورة ص [ مكية، وهي ثمان وثمانون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ص). قد سبق تأويله (2). وورد: (وأما (ص) فعين تنبع من تحت العرش، وهي التي توضأ منها النبي صلى الله عليه وآله لما عرج به، ويدخلها جبرئيل كل يوم دخلة فينغمس (3) فيها، ثم يخرج منها فينفض أجنحته، فليس من قطرة تقطر من أجنحته إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ملكا، يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده إلى يوم القيامة) (4). وفي رواية سئل: وما صاد الذي أمر أن يغتسل منه - يعني النبي صلى الله عليه وآله - لما أسري به ؟ فقال: (عين تنفجر من ركن من أركان العرش يقال لها (ماء الحياة)، وهو ما قال الله: (ص والقرآن ذي الذكر) (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البقرة (2): 1. (3) - في المصدر: (فيغتمس). (4) - معاني الأخبار: 22، قطعة من حديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - علل الشرائع 1: 335، الباب: 32، ذيل الحديث: 1، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1063 ]

وفي أخرى: (هو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن) (1). وفي أخرى: (إنه اسم من أسماء الله تعالى أقسم به) (2). (والقران ذي الذكر) مقسم به، عطفا على (ص). وجوابه محذوف، أي: إنه لحق، يدل عليه ما بعده. (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) يعني: ما كفر من كفر لخلل وجد فيه، بل الذين كفروا في استكبار عن الحق، وخلاف لله ولرسوله، ولذلك كفروا به. (كم أهلكنا من قبلهم من قرن). وعيد لهم على كفرهم به، استكبارا وشقاقا. (فنادوا) استغاثة (ولات حين مناص) أي: ليس الحين حين منجا ومفر، زيدت التاء على (لا) للتأكيد. (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم): بشر مثلهم (وقال الكافرون). وضع فيه الظاهر موضع الضمير، غضبا عليهم وذما لهم، وإشعارا بأن كفرهم جسرهم (3) على هذا القول (هذا ساحر) فيما يظهره معجزة (كذاب) فيما يقول على الله. (أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب): بليغ في العجب، فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا. (وانطلق الملاء منهم أن امشوا): قائلين بعضهم لبعض: (امشوا) (واصبروا على الهتكم): على عبادتها، فلا ينفعكم مكالمته (إن هذا لشئ يراد) قيل: أي: إن هذا لشئ من ريب الزمان، يراد بنا فلا مرد له (4). وقيل: إن هذا الذي يدعيه من الرياسة والترفع على العرب، لشئ يريده كل أحد (5). (ما سمعنا بهذا): بالذي يقوله (في الملة الاخرة): في الملة التي أدركنا عليها آباءنا (إن هذا إلا اختلاق): كذب اختلقه.


(1) - الكافي 3: 485، قطعة من حديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 7 - 8: 465، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - في (ألف): (جبرهم). (4) و (5) - البيضاوي 5: 15. (*)

[ 1064 ]

(قالت قريش لأبي طالب: إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا، فادعه ومره، فليكف (1) عن آلهتنا ونكف عن إلهه، فخبره أبو طالب به، فقال: أو هل لهم في كلمة خير لهم من هذا (2)، يسودون بها العرب، ويطأون أعناقهم، فقال أبو جهل: نعم. قال: تقولون: لا إله إلا الله، فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وخرجوا هرابا وهم يقولون: (ما سمعنا بهذا (الاية). كذا ورد (3). (أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب): بل لم يذوقوا عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال شكهم، يعني: أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه. (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب): بل أعندهم خزائن رحمته حتى يصيبوا بها من شاؤوا، فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم ؟ يعني: أن النبوة عطية من الله، يتفضل بها على من يشاء من عباده، لا مانع له، فإنه العزيز الذي لا يغلب (4)، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء. (أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما): أم لهم مدخل في هذا العالم، الذي هو جزء يسير من خزائنه. (فليرتقوا في الأسباب) ويدبروا أمر العالم، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون. (جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب) أي: هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل، مكسور عما قريب، فمن أين لهم التدابير الألهية، والتصرف في الأمور الربانية ؟ !


(1) - في (ألف): (ليكف). (2) - الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، و (لهم) متعلق بمحذوف، و (خير) خبر مبتدأ، والتقدير: أقالوا هذا وهل لهم رغبة في كلمة هي خير لهم من هذا الذي طلبوه. شرح أصول الكافي والروضة (للمولى صالح المازندراني) 11: 102. (3) - الكافي 2: 649، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - في (ألف): (لا يغالب). (*)

[ 1065 ]

أو فلا تكترث لما يقولون، و (هنالك) إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الابتدار لهذا القول. (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد). سئل: لأي شئ سمي ذا الأوتاد ؟ فقال: (لأنه كان إذا عذب رجلا بسطه على الأرض على وجهه، ومد يديه ورجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض، وربما بسطه على خشب منبسط فوتد رجليه ويديه بأربعة أوتاد، ثم تركه على حاله حتى يموت. فسماه الله عز وجل ذا الأوتاد) (1). والقمي: الأوتاد: التي أراد أن يصعد بها إلى السماء (2). (وثمود وقوم لوط وأصحاب ل‍ - يكة): وأصحاب الغيضة، وهم قوم شعيب (أولئك الأحزاب) يعني: المتحزبين على الرسل، الذين جعل الجند المهزوم منهم. (إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب). (وما ينظر هؤلاء): وما ينتظر قومك (إلا صيحة واحدة) هي النفخة (ما لها من فواق) قيل: أي: من توقف مقدار فواق، وهو ما بين الحلبتين، أو رجوع وترداد، فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع (3). والقمي: أي: لا يفيقون عن العذاب (4). (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا): قسطنا من العذاب الذي توعدنا به. قال: (نصيبهم من العذاب) (5). (قبل يوم الحساب) استعجلوا ذلك استهزاء. (إصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد). قال: (اليد في كلام العرب القوة والنعمة، ثم تلا هذه الاية) (6). (إنه أواب) قيل: أي: رجاع إلى مرضاة الله، لقوته في


(1) - علل الشرائع 1: 70، الباب: 60، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 420. (3) - البيضاوي 5: 16. (4) - القمي 2: 229. (5) - معاني الأخبار: 225، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - التوحيد: 153، الباب: 13، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1066 ]

الدين (1). والقمي: أي: دعاء (2). قيل: إنه يصوم يوما ويفطر يوما، ويقوم نصف الليل (3). (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والاشراق): حين تشرق الشمس، أي: تضئ ويصفو شعاعها. (والطير محشورة كل له أواب): كل من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح. وقد مر بيانه في سورتي الأنبياء وسبأ (4). (وشددنا ملكه): قويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود (واتيناه الحكمة وفصل الخطاب). قال: (هو قوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) (5). وفي رواية: (هو معرفة اللغات) (6). (وهل أتاك نبأ الخصم) فيه تعجيب وتشويق إلى استماعه، (إذ تسوروا المحراب): إذ تصعدوا سور الغرفة. (إذ دخلوا على داوود ففزع منهم) لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب (قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط): ولا تجر في الحكومة (واهدنا إلى سواء الصراط): إلى وسطه، وهو العدل. (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة). النعجة هي الأنثى من الضأن، وقد يكنى بها عن المرأة. (فقال أكفلنيها): ملكنيها (وعزني في الخطاب):


(1) - الكشاف 3: 363، البيضاوي 5: 16. (2) - القمي 2: 229. (3) - البيضاوي 5: 16. (4) - الأنبياء (21): 79، السبأ (34): 10. (5) - جوامع الجامع: 404، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 228، الباب: 53، الحديث: 3. (*)

[ 1067 ]

وغلبني في مخاطبته إياي. (قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء): الشركاء الذين خلطوا أموالهم (ليبغي): ليتعدي (بعضهم على بعض إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) (ما) مزيدة للأبهام والتعجب من قلتهم وظن داوود قال: (أي: علم) (1). أنما فتناه: امتحناه بتلك الحكومة، هل ينبه بها (فاستغفر ربه وخر راكعا): ساجدا (وأناب) قال: (أي: تاب) (2). (فغفرنا له ذلك): ما استغفر عنه (وإن له عندنا لزلفى): لقربة بعد المغفرة (وحسن مئاب): مرجع في الجنة. (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب). روت العامة (3) في خطيئة داود ما لا يجوز روايته ولا نسبته إلى أدنى رجل من المسلمين، فكيف بالأنبياء عليهم السلام ؟ ! وورد تكذيبه عن الأئمة (4). أشد تكذيب. وورد: (إن داود عليه السلام إنما ظن أن ما خلق الله عزوجل خلقا هو أعلم منه، فبعث الله عزوجل إليه الملكين فتسورا المحراب، فقالا له:) خصمان بغى بعضنا على بعض (الاية، فعجل داود عليه السلام على المدعى عليه فقال:) لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه (، ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له: ما تقول ؟ فكان هذا خطيئة رسم حكم، لا ما ذهبتم إليه - يعني: ما روته العامة - قال: ألا تسمع الله عزوجل يقول:) يا


(1) و (2) - القمي 2: 234، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - جامع البيان (للطبري) 23: 93، الكشاف 3: 365. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 194، الباب: 14، الحديث: 1، الأمالي (للصدوق): 92، المجلس: 22، ذيل الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، التبيان 8: 555، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1068 ]

داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق (إلى آخر الاية) (1). (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) لا حكمة فيه (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار). (أم نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض). قال: (لا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل، لأن الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل، ألم يعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه:) أم نجعل الذين آمنوا (الاية) (2). (أم نجعل المتقين كالفجار) تكرير للأنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية بين المؤمنين والكافرين، أو أراد بهما المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم. (كتاب أنزلناه إليك مبارك): نفاع (ليدبروا اياته وليتذكر أولوا الألباب). (ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب): كثير الرجوع إلى الله، بالتوبة والذكر. (إذ عرض عليه بالعشي): بعد الظهر (الصافنات الجياد) الصافن: الخيل الذي يقوم على طرف سنبك (3) يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل. والجياد: جمع جواد أو جود، وهو الذي يسرع في جريه، وقيل: الذي يجود بالركض، وقيل: جمع جيد (4). (فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي). قيل: أي: آثرت، وينبغي أن يعدى ب‍ (على)، ولكنه لما أنيب مناب أنبت، عدى ب‍ (عن) (5). وقيل: يعني تقاعدت عن ذكر ربي


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 194، الباب: 14، الحديث: 1، الأمالي (للصدوق): 88، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 8: 12، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - السنبك كقنفذ: طرف مقدم الحافر، وهو معرب، والجمع: سنابك. مجمع البحرين 5: 27 (سبك). (4) - التبيان 8: 560، البيضاوي 5: 18. (5) - البيضاوي 5: 19. (*)

[ 1069 ]

لحب الخير (1). والخير: المال الكثير، ويعني به هنا الخيل. و ورد: (الخيل معقود بنواصيها (2) الخير) (3). (حتى توارت بالحجاب) أي: غربت الشمس، شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها، وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها. (ردوها علي فطفق مسحا): فأخذ يمسح مسحا (بالسوق والأعناق). ورد: (إن سليمان بن داود عليهما السلام عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال للملائكة: ردوا الشمس علي حتى أصلي صلاتي في وقتها، فردوها، فقام فمسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك، وكان ذلك وضوءهم للصلاة ثم قام فصلى، فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عزوجل:) ووهبنا لداود سليمان (إلى قوله:) والأعناق (4). وفي رواية: (اشتغل بعرض الخيل لأنه أراد جهاد العدو) (5). والعامة رووها على نحو لا يليق بالأنبياء (6)، وورد تكذيبه عن أئمتنا عليهم السلام (7). (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب). ورد: (إن الجن والشياطين لما ولد لسليمان ابن قال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء، فأشفق عليه السلام منهم عليه، فاسترضعه في المزن، وهو السحاب، فلم يشعر إلا


(1) - البيضاوي 5: 19. (2) - في المصدر: (في نواصيها). (3) - الكافي 5: 48، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، والحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله، مع اختلاف يسير. (4) - من لا يحضره الفقيه 1: 129، الحديث: 607، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 475، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - جامع البيان (للطبري) 23: 100، الكشاف 3: 373، معالم التنزيل (للبغوي) 4: 61. (7) - الكافي 3: 294، الحديث: 10، علل الشرائع 2: 605، الباب: 385، الحديث: 79، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 7 - 8: 475، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1070 ]

وقد وضع على كرسيه ميتا، تنبيها على أن الحذر لا ينفع من القدر، وإنما عوتب على خوفه من الشياطين) (1). (قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي): لا يتسهل له ولا يكون، ليكون معجزة لي مناسبة لحالي، أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته، كذا قيل (2). وقال: (الملك ملكان: ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس، وملك مأخوذ من قبل الله فقال سليمان: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يقول: إنه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس فسخر الله له ما سخر، فعلم الناس في وقته وبعده: أن ملكه لا يشبه ملك الملوك الجبارين من الناس (3). كذا ورد (4). (إنك أنت الوهاب). (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء): لينة لا تزعزع (حيث أصاب): أراد. (والشياطين كل بناء وغواص). (واخرين مقرنين في الأصفاد): قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك): فاعط من شئت وامنع من شئت (بغير حساب): غير محاسب على منه وإمساكه، لتفويض التصرف فيه إليك. (وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب). (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب): بتعب (وعذاب): وألم. ورد: (إنما كانت بلية أيوب التي ابتلي بها في الدنيا، لنعمة أنعم الله بها عليه، فأدى


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 476، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - البيضاوي 5: 19. (3) - في المصدر: (المختارين من قبل الناس والمالكين بالغلبة والجور). (4) - علل الشرائع 1: 71، الباب: 62، الحديث: 1، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (*)

[ 1071 ]

شكرها. وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش، فلما صعد عمل أيوب بأداء شكر النعمة، حسده إبليس فقال: يا رب إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا، فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة، فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة، فقال: قد سلطتك على دنياه. فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك كل ذلك، وهو يحمد الله عزوجل، ثم رجع إليه فقال: يا رب إن أيوب يعلم أنك سترد إليه دنياه التي أخذتها منه، فسلطني على بدنه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة، قال: قد سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه، قال: فانقض مبادرا خشية أن تدركه رحمة الله عزوجل فتحول بينه وبينه، فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا) (1). وورد: (إن الله ابتلى أيوب بلا ذنب، فصبر حتى عير، إن الأنبياء لا يصبرون على التعيير) (2). وقال: (إن الله يبتلي المؤمن بكل بلية، ويميته بكل ميتة، ولا يبتليه بذهاب عقله، أما ترى أيوب كيف سلط إبليس على ماله وعلى أهله، وعلى كل شئ منه، ولم يسلط (3) على عقله، ترك له يوحد الله عزوجل) (4). (اركض برجلك): اضرب بها الأرض، حكاية لما أجيب به. (هذا مغتسل بارد وشراب) أي: فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل، أي: تغتسل به، وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك. (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم). قال: (أحيا له من ولده الذين كانوا ماتوا قبل ذلك


(1) - علل الشرائع 1: 75، الباب: 65، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (2) - المصدر، 76، الباب: 65، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - في (ب): (ولم يسلطه). (4) - الكافي 2: 256، الحديث: 22، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (ترك له ليوحد الله به). (*)

[ 1072 ]

بآجالهم، مثل الذين هلكوا يومئذ) (1). (رحمة منا وذكرى لاءولي الألباب) لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم. (وخذ بيدك ضغثا): حزمة من خشب (فاضرب به ولا تحنث) وذلك أنه حلف أن يضرب زوجته في أمر، ثم ندم عليه، فحلل الله يمينه بذلك. (وهي رخصة باقية في الحدود)، كما ورد (2). قال: (فأخذ عذقا (3) مشتملا على مائة شمراخ، فضربها ضربة واحدة، فخرج عن يمينه) (4). (إنا وجدناه صابرا نعم العبد): أيوب (إنه أواب): مقبل بشراشره على الله. (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار) قال: (أولوا القوة في العبادة والصبر (5) فيها) (6). (إنا أخلصناهم بخالصة): جعلناهم خالصين لنا بخصلة لا شوب فيها (ذكرى الدار) هي تذكرهم للاخرة دائما، فإن خلوصهم في الطاعة بسببها، وذلك لأنه كان مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه. وإطلاق الدار للأشعار بأنها الدار حقيقة، والدنيا معبر. (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار). (واذكر إسمعيل واليسع). قيل: هو ابن اخطوب، استخلفه إلياس على بني


(1) - الكافي 8: 252، الحديث: 354، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 7: 243، الحديث: 1، و 244، الحديث: 4، من لا يحضره الفقيه 4: 19، الحديث: 41، عن أبي عبد الله عليه السلام، والحديث: 42، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - العذق: كل غصن له شعب. لسان العرب 9: 110 (عذق). (4) - القمي 2: 241، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - في (ب) و (ج): (البصر). (6) - القمي 2: 242، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1073 ]

إسرائيل، ثم استنبأ (1). (وذا الكفل) هو يوشع بن نون، كما مر في سورة الأنبياء (2). (وكل من الأخيار). (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مئاب). (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب). (متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب) في الاقتصار على الفاكهة إشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ، فإن التغذي للتحلل، ولا تحلل ثمة. (وعندهم قاصرات الطرف): لا ينظرن إلى غير أزواجهن (أتراب): لدات (3) بعضهن لبعض، لا عجوز فيهن ولا صبية. (هذا ما توعدون ليوم الحساب): لأجله. (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد): انقطاع. (هذا): الأمر هذا (وإن للطاغين لشر مئاب). (جهنم يصلونها فبئس المهاد). (هذا فليذوقوه حميم وغساق) هو ما يغسق، أي: يسيل من صديد (4) أهل النار. (واخر من شكله): من مثل المذوق أو الذائق (أزواج): أصناف. القمي: هم بنو العباس (5). (هذا فوج مقتحم معكم) حكاية ما يقال لرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار، ودخل معهم فوج تبعهم في الضلال. والاقتحام: ركوب الشدة والدخول فيها.


(1) - البيضاوي 5: 21. (2) - ذيل الاية: 85. (3) - جمع واحده اللدة: الترب وهو الذي ولد معك وتربى، أصله: ولد. أقرب الموارد 3: 1484 (ولد). (4) - الصديد: الدم المختلط بالقيح في الجرح. ترتيب كتاب العين: 442 (صدد). (5) - القمي 2: 242. (*)

[ 1074 ]

ورد: (إن النار تضيق على أهلها كضيق الزج (1) بالرمح) (2). (لا مرحبا بهم). دعاء من المتبوعين على التابعين. القمي: فيقول بنو أمية: لا مرحبا بهم (3). (إنهم صالوا النار). (قالوا) أي: الأتباع للرؤساء (بل أنتم لا مرحبا بكم): بل أنتم أحق بما قلتم، لضلالكم وإضلالكم (أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار). (قالوا) القمي: أي: بنو أمية (4). (ربنا من قدم لنا هذا) القمي: يعنون الأول والثاني (5). (فزده عذابا ضعفا في النار) وذلك أن تزيد على عذابه مثله. (وقالوا ما لنا لا نرى رجالاكنا نعدهم من الأشرار) أي: في الدنيا. (أتخذناهم سخريا): هزوا (أم زاغت عنهم الأبصار): مالت فلا نراهم، أي: ليسوا هاهنا، أم زاغت عنهم أبصارنا. قال: (لقد ذكركم الله، إذ حكى عن عدوكم في النار:) وقالوا ما لنا (الاية، قال: والله ما عنى ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل النار (6) شرار الناس، وأنتم والله في الجنة تحبرون، وفي النار تطلبون) (7). (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار). قال: (يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا) (8). (قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار).


(1) - زج الرمح: الحديدة التي تركب في أسفل الرمح. لسان العرب 6: 19 (زجج). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 283، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - القمي 2: 242. (4) و (5) - المصدر: 243. (6) - في المصدر: (صرتم عند أهل هذا العالم). (7) - الكافي 8: 36، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) - المصدر: 141، الحديث: 104، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1075 ]

(رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار). (قل هو نبأ عظيم). (أنتم عنه معرضون). قال: (النبأ الامامة) (1). وفي رواية: (هو والله أمير المؤمنين عليه السلام) (2). (ما كان لي من علم بالملاء الأعلى إذ يختصمون). (إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين). ورد في حديث المعراج: (قال: يا محمد ! قلت: لبيك يا رب. قال: فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال: قلت: سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني. قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، قال: فلم يسألني عما مضى ولا عما بقى إلا علمته، فقال: يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى ؟ قال: قلت: في الكفارات والدرجات والحسنات. فقال لي: يا محمد قد انقطع أكلتك وانقضت نبوتك، فمن وصيك ؟ فقلت: يا رب قد بلوت خلقك فلم أر أحدا من خلقك أطوع لي من علي. فقال: ولي يا محمد، فقلت: يا رب إني قد بلوت خلقك، فلم أر في خلقك أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب عليه السلام. قال: ولي يا محمد، فبشره بأنه راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور لمن أطاعني، والكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، مع ما أني أخصه بما لم أخص به أحدا. فقلت: يا رب أخي وصاحبي ووزيري ووارثي، فقال: إنه أمر قد سبق، إنه مبتلى ومبتلى به، مع ما أني قد نحلته ونحلته ونحلته ونحلته أربعة أشياء، عقدها بيده ولا يفصح بها عقدها) (3). وفي رواية قال: (قال لي ربي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ فقلت: لا. قال:


(1) - بصائر الدرجات: 207، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 77، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - القمي 2: 244، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1076 ]

اختصموا في الكفارات والدرجات. فأما الكفارات: فإسباغ (1) الوضوء في السبرات (2) الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. وأما الدرجات: فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام) (3). (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين). (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين). (فسجد الملائكة كلهم أجمعون). (إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين). (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) قال: (يعني بقوتي وقدرتي) (4). (أستكبرت أم كنت من العالين): تكبرت من غير استحقاق، أو كنت ممن علا واستحق التفوق ؟ ! (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). (قال فاخرج منها فإنك رجيم). (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين). (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون). (قال فإنك من المنظرين). (إلى يوم الوقت المعلوم). (قال فبعزتك لاءغوينهم أجمعين). (إلا عبادك منهم المخلصين). قد مر تمام تفسيره وتفسير تمامه في سورة البقرة والأعراف والحجر (5). (قال فالحق) أي: فالحق يميني، وعلى النصب أي: فأحق الحق، القمي: أي: إنك


(1) - إسباغ الوضوء: المبالغة فيه واتمامه. لسان العرب 8: 433 (سبغ). (2) - السبرات: جمع سبرة، وهي الغداة الباردة. لسان العرب 4: 341 (سبر). (3) - مجمع البيان 7 - 8: 485، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 120، الباب: 11، الحديث: 13، التوحيد: 154، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، وفيهما: (بقدرتي وقوتي). (5) - البقرة (2): 139، الأعراف (7): 29، الحجر (15): 40 - 41. (*)

[ 1077 ]

تفعل ذلك (1). (والحق أقول): أقوله. (لاءملاءن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين). (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين). قال: (أن أسألكم ما لستم بأهله) (2). (إن هو إلا ذكر): عظة للعالمين. (ولتعلمن نبأه) من الوعد والوعيد (بعد حين). قال: (عند خروج القائم عليه السلام) (3).


(1) - لم نعثر عليه في التفسير القمي المطبوعة، ولعله سقط من النساخ، لأنه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي، الموجودة في مكتبة الاعلام الاسلامي، تحت رقم: 26818. (2) - الكافي 8: 379، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر: 287، الحديث: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1078 ]

سورة الزمر [ مكية، وهي خمس وسبعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين) من الشرك والرياء. (ألا لله الدين الخالص) لأنه المتفرد بالألوهية، والاطلاع على الضمائر (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) بإضمار القول (إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون) من أمور الدين (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار). (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) كما زعموا ونسبوا إليه الملائكة والمسيح وعزير (لاصطفى): لاختار (مما يخلق ما يشاء) قيل: يعني ما كان اتخاذه الولد باختيارهم حتى يضيفوا إليه من شاؤوا (2) (سبحانه هو الله الواحد القهار) قال: (ليس له في الأشياء شبيه) (3).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - مجمع البيان 7 - 8: 488. (3) - التوحيد: 83، الباب: 3، قطعة من حديث: 3، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1079 ]

(خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل): يغشى كل واحد منهما الاخر، كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة، أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة. (وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز): الغالب على كل شئ (الغفار) حيث لم يعاجل بالعقوبة (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها). سبق تفسيره في سورة النساء (1). (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) أهليا ووحشيا، من البقر والضأن والمعز، وبخاتي (2) وعرابا من الإبل، كما مر بيانه في سورة الأنعام (3). قال: (إنزاله ذلك خلقه إياه) (4). (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق): حيوانا سويا، من بعد عظام مكسوة لحما، من بعد عظام عارية، من بعد مضغة، من بعد علقة، من بعد نطفة. (في ظلمات ثلاث) قال: (ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة) (5). (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك. (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر) لاستضرارهم به رحمة عليهم (وإن تشكروا يرضه لكم) لأنه سبب فلا حكم. القمي: فهذا كفر النعم (6). وورد: (الكفر هاهنا الخلاف، والشكر الولاية والمعرفة) (7). (ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور). (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه) لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على


(1) - النساء (4): 1. (2) - البخاتي جمع البخت - بالضم - الابل الخراسانية. القاموس المحيط 1: 148 (بخت). (3) - ذيل الاية: 143 - 44. (4) - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 491، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - القمي 2: 246. (7) - المحاسن: 149، الباب: 19، الحديث: 65. (*)

[ 1080 ]

أن مبدأ الكل منه سبحانه (ثم إذا خوله): أعطاه تفضلا، فإن التخويل مختص بالتفضل. (نعمة منه): من الله (نسى ما كان يدعو إليه) أي: الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه (من قبل): من قبل النعمة (وجعل لله أندادا): شركاء (ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار). قال: (نزلت في أبي الفصيل، إنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله عنده ساحرا، فكان إذا مسه الضر، يعني السقم (دعا ربه منيبا إليه)، يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله صلى الله عليه وآله ما يقول، ثم إذا خوله نعمة منه)، يعني العافية (نسي ما كان يدعو إليه من قبل)، يعني نسي التوبة إلى الله مما كان يقول في رسول الله: إنه ساحر، ولذلك قال الله عزوجل: (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار،) يعني إمرتك على الناس بغير حق من الله عزوجل ومن رسوله) (1). (أمن هو قانت اناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه) قال: يعني صلاة الليل) (2). وفي الحديث السابق: (ثم عطف القول من الله في علي عليه السلام، يخبر بحاله وفضله عند الله فقال: (قل هل يستوي الذين يعلمون) أن محمدا رسول الله (والذين لا يعلمون) أن محمدا رسول الله، أو أنه (3) ساحر كذاب. قال هذا تأويله (4). (إنما يتذكر أولوا الألباب). قال: (نحن الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولوا الألباب) (5).


1) - الكافي 8: 204، الحديث: 246، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - علل الشرائع: 364، الباب: 84، ذيل الحديث: 8، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - في المصدر: " وأنه ". (4) - الكافي 8: 204 - 205، الحديث: 246، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 8: 35، قطعة من حديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام، بصائر الدرجات: 54، الباب: 24، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1081 ]

قال: (هم أولوا العقول) (1). (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم) بلزوم طاعته (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة). الظرف إما متعلق ب (أحسنوا) أو ب (حسنة)، وعلى الاول تشمل الحسنة حسنة الدارين، وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الاخرة أيضا، وحسنة الدنيا مثل الصحة والعافية. ورد: (إن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب، إما لخير فإن الله يثيبه بعمله في دنياه، ثم تلا هذه الاية، ثم قال: فمن أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الاخرة) (2). (وأرض الله واسعة) فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث تمكن منه (إنما يوفى الصابرون) على مشاق الطاعة، من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها (أجرهم بغير حساب): أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب. قال: (إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان، ثم تلا هذه الاية) (3). وورد: (إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه، فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل الصبر. فيقال: على ما صبرتم ؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله، ونصبر عن معاصي الله. فيقول الله عزوجل: صدقوا أدخلوهم الجنة. وهو قول الله:) إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب () (4). (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين): موحدا له. (وأمرت لاءن أكون أول المسلمين): مقدمهم في الدنيا والاخرة.


1) - الكافي 1: 20، ذيل الحديث: 12، عن موسى بن جعفر، عن حسن بن علي عليهم السلام، القمي 2: 246. 2) - الامالي (للشيخ الطوسي) 1: 25، الامالي (للشيخ المفيد): 262، قطعة من حديث: 3 عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3) - مجمع البيان 7 - 8: 492، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4) - الكافي 2: 75، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1082 ]

(قل إني أخاف إن عصيت ربي) بترك الإخلاص (عذاب يوم عظيم). (قل الله أعبد مخلصا له ديني) امتثالا لأمره تعالى. (فاعبدوا ما شئتم من دونه) تهديد وخذلان لهم. (قل إن الخاسرين): الكاملين في الخسران (الذين خسروا أنفسهم وأهليهم) قال: (غبنوا) (1). (يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين). (لهم من فوقهم ظلل من النار): أطباق منها تظلهم (ومن تحتهم ظلل). قيل: هي ظلل للاخرين (2). (ذلك يخوف الله به عباده) ليجتنبوا ما يوقعهم فيه (يا عباد فاتقون) ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. (والذين اجتنبوا الطاغوت): البالغ غاية الطغيان (أن يعبدوها وأنابوا إلى الله): وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه (لهم البشرى) بالثواب على ألسنة الرسل وعلى ألسنة الملائكة، عند حضور الموت. قال: (أنتم هم، ومن أطاع جبارا فقد عبده) (3). (فبشر عباد). (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه): يميزون بين الحق والباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل. ورد: (هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه، لا يزيد فيه ولا ينقص منه) (4). (أولئك الذين هداهم الله) لدينه (وأولئك هم أولوا الألباب). (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) بالسعي في دعائه إلى الإيمان، إنكار واستبعاد لإنقاذ من حق عليه الكلمة، لأنه كالواقع في النار. (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها


1) - القمي 2: 248، عن أبي جعفر عليه السلام. 2) - الكشاف 3: 392، البيضاوي 5: 25. 3) - مجمع البيان 7 - 8: 493، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4) - الكافي 1: 51، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1083 ]

الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد). قال: (تلك غرف بناها الله لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد، سقوفها الذهب محبوكة بالفضة، لكل غرفة منها ألف باب من ذهب، على كل باب ملك موكل به) (1) الحديث. (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض): عيونا وركايا (ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج: يثور عن منبته بالجفاف (فتراه مصفرا) من يبسه (ثم يجعله حطاما): فتاتا (إن في ذلك لذكرى): لتذكيرا بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه، وبأنه مثل الحياة الدنيا فلا يغتروا بها (لأولى الألباب) إذ لا يتذكر به غيرهم. (أفمن شرح الله صدره للاسلام) حتى تمكن فيه بيسر (فهو على نور من ربه). خبره محذوف، دل عليه ما بعده. قال: (إن النور إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. قالوا: يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله) (2). (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله): من أجل ذكره، وهي أشد تأبيا عن قبوله من القاسي عنه بسبب آخر، ف (من) هنا أبلغ من (عن). (أولئك في ضلال مبين مبين). روي: (إن الأولى نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وحمزة، والثانية في أبي لهب وولده) (3). (الله نزل أحسن الحديث) يعني القرآن (كتابا متشابها): يشبه بعضه بعضا في الإعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى، والدلالة على المنافع العامة. (مثاني): (يثنى


1) - الكافي 8: 97، قطعة من حديث: 69، القمي 2: 246، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2) - روضة الواعظين 2: 448، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3) - تفسير ابن جزي: 624. (*)

[ 1084 ]

فيه القول) أي: يتكرر. كذا ورد (2) في أحد وجوه تسمية فاتحة الكتاب بها. ويجوز أن يكون جمع مثن من الثناء، وإنما وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل. وإن جعل (مثاني) تمييزا ل‍ (متشابها)، يكون المعنى: متشابهة تصاريفه. قيل: الفائدة في التكرير والتثنية: أن النفوس تنفر عن النصيحة والمواعظ، فما لم يكرر عليها عودا بعد بدء لم يرسخ فيها (2). (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم): تنقبض وتشمئز خوفا مما فيه من الوعيد، وهو مثل في شدة الخوف. ورد: (إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تتحات عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها) (3). (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله): تطمئن إليه بالرحمة وعموم المغفرة (ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) يخرجه من الضلال. (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة): يجعل وجهه درعه يقي به نفسه، لأن يديه مغلولتان إلى عنقه، فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه. وخبره محذوف، أي: كمن هو آمن منه. (وقيل للظالمين) أي: لهم، وضع الظاهر موضعه، تسجيلا عليهم بالظلم، وإشعارا للموجب لما يقال لهم: (ذوقوا ما كنتم تكسبون) أي: وباله. (كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون: من الجهة التي كانت لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها. (فأذاقهم الله الخزى): الذل، كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء (في


1) - العياشي 1: 22، الحديث: 17، عن أبي عبد الله عليه السلام، العياشي 2: 294، الحديث: 34، عن أحدهما عليهما السلام. 2) - الكشاف 3: 395. 3) - مجمع البيان 7 - 8: 495، زاد المسير 7: 13، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1085 ]

الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة) المعد لهم (أكبر) لشدته ودوامه (لو كانوا يعلمون) لاعتبروا به واجتنبوا عنه. (ولقد ضربنا للناس في هذا القران من كل مثل لعلهم يتذكرون): يتعظون به. (قرانا عربيا غير ذي عوج): لا اختلال فيه بوجه ما (لعلهم يتقون). (ضرب الله مثلا) للمشرك والموحد (رجلا فيه شركاء متشاكسون): متنازعون مختلفون (ورجلا سلما لرجل): خالصا لواحد ليس لغيره عليه سبيل. نزلت في أبي بكر وأصحابه وأمير المؤمنين عليه السلام وشيعته. (فإن أمير المؤمنين كان سلما لرسول الله صلى الله عليه وآله وأبا بكر كان يجمع المتفرقون ولايته، وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا، ويبرأ بعضهم من بعض). كذا ورد (1). أقول: الوجه في ذلك: أن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام كانوا أهل نص من الله ورسوله، ولا اختلاف فيه، ولذلك، اعتقدوه مفترض الطاعة. وأبو بكر لم يكن سلما لله ورسوله، لافي أمر الأمارة ولا فيما يبتني عليه من الأحكام، وكان أصحابه أصحاب آراء، وهي مما يجري فيه الاختلاف. (هل يستويان مثلا): صفة وحالا (الحمد لله): لا يشاركه في الحمد سواه، لأنه المنعم بالذات (بل أكثرهم لا يعلمون) فيشركون به غيره لفرط جهلهم. (إنك ميت وإنهم ميتون): فإن الكل بصدد الموت. (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون): يخاصم بعضكم بعضا فيما دار بينكم في الدنيا. (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه) القمي: يعني بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله من الحق (3). (أليس في جهنم مثوى): مقام (للكافرين).


1) - الكافي 8: 224، الحديث: 283، عن أبي جعفر عليه السلام. 2) - القمي 2: 249. (*)

[ 1086 ]

(والذي جاء بالصدق) قال: (محمد) (1). (وصدق به) قال: (أمير المؤمنين عليه السلام) (2). (أولئك هم المتقون). (لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين). (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا) فضلا عن غيره (ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها، في زيادة الأجر وعظمه، لفرط إخلاصهم فيها. (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه). قيل: قالت قريش: إنا نخاف أن تخبلك (3) آلهتنا لعيبك إياها (4). والقمي: يقولون لك: اعفنا من علي، ويخوفونك بأنهم يلحقون بالكفار (5). (ومن يضلل الله فما له من هاد). (ومن يهد الله فما له من مضل) إذ لا راد لفعله (أليس الله بعزيز ذي انتقام). (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبى الله) في إصابة الخبر ودفع الضر. روي: (إنه صلى الله عليه وآله سألهم فسكتوا، فنزل ذلك) (6). (عليه يتوكل المتوكلون) لعلمهم بأن الكل منه. (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم): على حالكم (إني عامل) على مكانتي (فسوف تعلمون).


(1) - (2) - مجمع البيان 7 - 8: 498، عن أئمة الهدى عليهم السلام، القمي 2: 249. (3) - الخبل: الفساد، وقد خبله وخبله، واختبله: إذا أفسد عقله أو عضوه. الصحاح 4: 1682 (خبل). (4) - الكشاف 3: 398، البيضاوي 5: 28. (5) - القمي 2: 249. (6) - الكشاف 3: 399، البيضاوي 5: 28. (*)

[ 1087 ]

(من يأتيه عذاب يخزيه)، من المغلوب في الدارين، فإن خزي أعدائه دليل غلبته وقد أخزاهم الله يوم بدر. (ويحل عليه عذاب مقيم): دائم، وهو عذاب النار. (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس): لمصالحهم في معاشهم ومعادهم (بالحق) متلبسا به (فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل) لتجبرهم على الهدى، وإنما عليك البلاغ. (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) أي: يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها ظاهرا وباطنا، وذلك عند الموت، أو ظاهرا لا باطنا، وهو في النوم. (فيمسك التي قضى عليها الموت): لا يردها إلى البدن (ويرسل الأخرى) أي: النائمة إلى بدنها عند اليقظة (إلى أجل مسمى) هو الوقت المضروب لموته (إن في ذلك لايات) على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته (لقوم يتفكرون). ورد: (ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء وبقيت روحه في بدنه، وصار بينهما سبب كشعاع الشمس، فإن أذن الله في قبض الروح أجابت الروح النفس، وإن أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح، وهو قوله سبحانه: (الله يتوفى الأنفس) الاية، فما رأت في ملكوت السماوات فهو مما له تأويل، وما رأت فيما بين السماء والأرض فهو مما يخيله الشيطان ولا تأويل له) (1). (أم اتخذوا): بل اتخذ قريش (من دون الله شفعاء) تشفع لهم عند الله (قل أو لو كانوا): أيشفعون ولو كانوا (لا يملكون شيئا ولا يعقلون). (قل لله الشفاعة جميعا): لا يشفع أحد إلا بإذنه (له ملك السموات والأرض) لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه (ثم إليه ترجعون). (وإذا ذكر الله وحده) دون آلهتهم (اشمأزت): انقبضت ونفرت (قلوب الذين)


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 501، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1088 ]

لا يؤمنون بالاخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون. قال: (إذا ذكر الله وحده (بطاعة من أمر الله بطاعته من آل محمد) اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة، وإذا ذكر الذين (لم يأمر الله بطاعتهم) إذا هم يستبشرون () (1). (قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون): فأنت وحدك تحكم بيني وبينهم، فإني تحيرت في كفرهم، وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم. (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة. وعيد شديد، وإقناط كلي لهم من الخلاص (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون). زيادة مبالغة فيه، وهو نظير قوله:) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين (2) في الوعد. (وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون): وأحاط بهم جزاؤه. (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا): أعطيناه إياها تفضلا (قال إنما أوتيته على علم): على علم مني بوجوه كسبه، أو بأني سأعطاه لما لي من استحقاقه. كذا قيل (3). (بل هي فتنة): امتحان له أيشكر أم يكفر (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ذلك. (قد قالها الذين من قبلهم) يعني هذه الكلمة، قارون قاله ورضي به قومه. (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). (فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا) بالعتو (من هؤلاء) المشركين


1) - الكافي 8: 304، الحديث: 471، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2) - السجدة (32): 17. 3) - الكشاف 3: 402، البيضاوي 5: 30. (*)

[ 1089 ]

(سيصيبهم سيئات ما كسبوا) كما أصاب أولئك، وقد أصابهم، فإنهم قحطوا سبع سنين، وقتل ببدر صناديدهم. (وما هم بمعجزين): فائتين. (أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون). (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم): أفرطوا في الجناية عليها بالإسراف في المعاصي (لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم. قال: (والله ما أراد بهذا غيركم) (1). والقمي: نزلت في شيعة علي بن أبي طالب خاصة (2). وورد: (ما في القرآن آية أوسع منها) (3). (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون). (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون). (أن تقول نفس): كراهة أن تقول (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله): في حقه وطاعته وقربه. قال: (جنب الله علي عليه السلام، وهو حجة الله على الخلق يوم القيامة) (4). وفي رواية: (في ولاية علي) (5). ورد: (نحن جنب الله) (6).


(1) - الكافي 8: 35، قطعة من حديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 250. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 503، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - المناقب 3: 273، عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام. (5) - المصدر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (6) - كمال الدين 1: 206، الباب: 21، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام، القمي 2: 251، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1090 ]

وفي أخرى: (ألا ترى أنك تقول: فلان إلى جنب فلان، إذا أردت أن تصف قربه منه) (1) (وإن كنت لمن الساخرين): المستهزئين بأهله، يعني فرطت وأنا ساخر. (أو تقول لو أن الله هداني) بالإرشاد إلى الحق (لكنت من المتقين) الشرك والمعاصي. (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين) في العقيدة والعمل، و (أو) للدلالة على أنه لا يخلو من هذه الأقوال، تحيرا أو تعللا بما لا طائل تحته. (بلى قد جاءتك اياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين). رد من الله عليه لما تضمنه قوله (لو أن الله هداني)، من معنى النفي. القمي: يعني بالايات الائمة عليهم السلام (2). (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة). قال: (من ادعى أنه إمام وليس بإمام. قيل: وإن كان علويا فاطميا ؟ قال: وإن كان علويا فاطميا) (3). (أليس في جهنم مثوى): مقام (للمتكبرين). (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم): بفلاحهم (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون). (الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل): يتولى التصرف فيه. (له مقاليد السموات والأرض): مفاتيحها، لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها. (والذين كفروا بايات الله أولئك


(1) - الاحتياج 1: 376، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - القمي 2: 251. (3) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1091 ]

هم الخاسرون. قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون. روي: (إنهم قالوا: استلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك، فنزلت) (1). (ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين). (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين) القمي: هذه مخاطبة للنبي والمعني لأمته (2). وورد: (يعني: إن أشرك في الولاية غيره، (بل الله فاعبد) يعني بالطاعة، (وكن من الشاكرين (بأن عضدتك بأخيك وابن عمك) (3). (وما قدروا الله حق قدره): ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه، حيث وصفوه بما لا يليق به. قال: (لما شبهه العادلون بالخلق المبعض، المحدود في صفاته، ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته، وكان عزوجل الموجود بنفسه لا بأداته، انتفى أن يكون قدروه حق قدره، فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد، وارتفاعها عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد:) وما قدروا الله حق قدره () (4). وقد مر فيه حديث آخر في الأنعام (5). (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) قال: (يعني ملكه لا يملكها معه أحد) (6).


(1) - جوامع الجامع 414، الكشاف 3: 407، البيضاوي 5: 32. (2) - القمي 2: 251. (3) - الكافي 1: 427، الحديث: 76، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - التوحيد: 55، الباب: 2، قطعة من حديث: 13، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (5) - ذيل الاية: 91. (6) - التوحيد: 161، الباب: 17، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1092 ]

(والسموات مطويات بيمينه) قال: (يعني بقدرته وقوته) (1). قيل: هو تنبيه على عظمته وحقارة المخلوقات العظام التي تتحير فيها الأوهام، بالإضافة إلى قدرته، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شئ عليه (2). (سبحانه وتعالى عما يشركون). (ونفخ في الصور) يعني المرة الأولى (فصعق من في السموات ومن في الأرض): خروا ميتين (إلا من شاء الله). روي: (هم جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت) (3). وفي رواية: (هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش) (4). (ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون): قائمون من قبورهم يقلبون أبصارهم. (وأشرقت الأرض بنور ربها). قال: (رب الأرض إمام الأرض. قيل: فإذا خرج يكون ماذا ؟ قال: إذا يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر، ويجتزؤون بنور الإمام) (5). (ووضع الكتاب) للحساب (وجئ بالنبيين والشهداء) القمي: الشهداء: الأئمة (6). (وقضى بينهم): بين العباد (بالحق وهم لا يظلمون). (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون). (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا): أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض، على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة. (حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ايات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى


(1) - التوحيد: 162، الباب: 17، ذيل الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - البيضاوي 5: 32. (3) - مجمع البيان 7 - 8: 508، جامع البيان (للطبري) 24: 20، الكشاف 3: 161، البيضاوي 4: 122. (4) - المصدر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 253، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - المصدر. (*)

[ 1093 ]

ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين): كلمة الله بالعذاب، وهو الحكم عليهم بالشقاوة، وأنهم من أهل النار. (قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين). قد مر بيان أبواب جهنم في سورة الحجر (1). (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة) إسراعا بهم إلى دار الكرامة راكبين (زمرا): على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) حذف جواب (إذا) للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف، وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم منتظرين. (وقال لهم خزنتها سلام عليكم): لا يعتريكم بعد مكروه (طبتم): طهرتم من دنس المعاصي. والقمي: أي طاب مواليدكم، لأنه لا يدخل الجنة إلا طيب المولد (2). (فادخلوها خالدين). ورد: (أحسنوا الظن بالله، واعلموا أن للجنة ثمانية أبواب، عرض كل باب منها مسيرة أربعمائة سنة) (3). (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده) بالبعث والثواب (وأورثنا الأرض) قال: (يعني أرض الجنة) (4). (نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين) الجنة. (وترى الملائكة حافين): محدقين (من حول العرش يسبحون بحمد ربهم): ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به. وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين، وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق سبحانه. (وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) أي: على ما قضى بيننا بالحق، والقائلون هم المؤمنون.


(1) - ذيل الاية: 44. (2) - القمي 2: 254. (3) - الخصال 2: 408، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (مسيرة أربعين سنة). (4) - القمي 2: 254، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1094 ]

سورة المؤمن (1) [ مكية، إلا آيتي 56 و 75 فمدنيتان، وآياتها خمس وثمانون آية ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (حم) سبق تأويل أمثاله (3) (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم). (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول): ذي الفضل بترك العقاب المستحق (لا إله إلا هو) فيجب الاقبال الكلي على عبادته (إليه المصير) فيجازي المطيع والعاصي. (ما يجادل في ايات الله) بالطعن فيها وإدحاض (4) الحق (إلا الذين كفروا). قال: (لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيا، ومن جادل في آيات الله فقد كفر، ثم تلا هذه الاية) (5).


(1) - في (ب): (سورة غافر). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - البقرة (2): 1. (4) - دحضت: بطلت. الصحاح 3: 1076 (دحض). (5) - كمال الدين 1: 256، الباب: 24، الحديث: 1، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1095 ]

(فلا يغررك تقلبهم في البلاد) بالتجارات المربحة، فإنهم مأخوذون عن قريب بكفرهم أخذ من قبلهم. (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم): والذين تحزبوا على الرسل، وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود. (وهمت كل أمة) من هؤلاء (برسولهم ليأخذوه): ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب. (وجادلوا بالباطل): بما لا حقيقة له (ليدحضوا به الحق): ليزيلوه به (فأخذتهم) بالاهلاك جزاء لهمهم (فكيف كان عقاب) فإنكم تتلون قصصهم في القرآن. (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار) قال: (يعني بني أمية) (1). (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين امنوا) قال: (آمنوا بولايتنا) (2). وورد: (إن لله ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه، وذلك قوله تعالى:) الذين يحملون العرش (الاية. قال: استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق) (3). (ربنا): يقولون ربنا (وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم). (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من ابائهم وأزواجهم وذرياتهم) ليتم سرورهم (إنك أنت العزيز): الذي لا يمتنع عليه مقدور (الحكيم):


(1) - القمي 2: 255، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 262، الباب: 26، الحديث: 22، عن الرضا، عن آبائه، عن رسول الله صلوات الله عليهم. (3) - الكافي 8: 34، قطعة من حديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: 304، الحديث: 470، عنه عليه السلام، مع تفاوت في ذيل الحديث. (*)

[ 1096 ]

الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته، ومن ذلك الوفاء بالوعد. (وقهم السيئات): العقوبات (ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم). (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله) إياكم (أكبر من مقتكم أنفسكم) الأمارة بالسوء (إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون). (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين). قال: (ذلك في الرجعة) (1). أقول: لعل المراد أن التثنية إنما تتحقق بالرجعة، أو يقولون ذلك في الرجعة، بحسب الاماتة والاحياء اللتين في القبر للسؤال. (فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل): فهل إلى نوع خروج من العذاب طريق فنسلكه ؟. (ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده) قال: (يقول: إذا ذكر الله وحده بولاية من أمر الله بولايته) (2). (كفرتم وإن يشرك به) قال: (من ليست له ولاية) (3). تؤمنوا قال: (بأن له ولاية) (4). (فالحكم لله العلي الكبير). (هو الذي يريكم اياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب): يرجع من الانكار بالاقبال عليها والتفكر فيها. (فادعوا الله مخلصين له الدين) من الشرك (ولو كره الكافرون) إخلاصكم وشق عليهم. (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) القمي: روح القدس، وهو خاص برسول الله والائمة عليهم السلام (5) (لينذر يوم التلاق) قال:


(1) و (2) و (3) و (4) - القمي 2: 256، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 256.

[ 1097 ]

(يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض) (1). (يوم هم بارزون): خارجون من قبورهم لا يسترهم شئ (لا يخفى على الله منهم شئ) من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم. (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). حكاية لما يسأل عنه ولما يجاب به، بما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط، وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما. (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب). قال: (يقول الله:) لمن الملك اليوم (ثم تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون: (لله الواحد القهار) فيقول الله جل جلاله: (اليوم تجزى) (2). وفي رواية أخرى: (فيرد الله على نفسه،) لله الواحد القهار (3). (وأنذرهم يوم الازفة) أي: القيامة، سميت بها لأزوفها، أي: قربها. (إذ القلوب لدى الحناجر) فإنها ترتفع عن أماكنها فتلتصق بحلوقهم، فلا تعود فتتروحوا، ولا تخرج فتستريحوا. (كاظمين) على الغم (ما للظالمين من حميم): قريب مشفق (ولا شفيع يطاع): يشفع. ورد: (من لم يندم على ذنب يرتكبه، فليس بمؤمن، ولم تجب له الشفاعة، وكان ظالما، والله تعالى يقول: (ما للظالمين من حميم) الاية (4). (يعلم خائنة الأعين): استراق النظر. سئل عن معناها، فقال: (ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشئ وكأنه لا ينظر إليه، فذلك خائنة الأعين) (5). (وما تخفي الصدور) من


(1) - معاني الأخبار: 156، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - التوحيد: 234، الباب: 32، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (3) - القمي 2: 257، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - التوحيد: 408، الباب: 63، الحديث: 6، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (5) - معاني الأخبار: 147، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1098 ]

الضمائر. (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير). تقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق، ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون، وتعريض بحال ما يدعون من دونه. (أو لم يسيروا في الأرض): أرض القرآن (فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة واثارا في الأرض) مثل القلاع والمدائن الحصينة (فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق). (ذلك) الأخذ (بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب). (ولقد أرسلنا موسى باياتنا): بالمعجزات (وسلطان مبين): وحجة قاهرة ظاهرة. (إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب). (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين امنوا معه واستحيوا نساءهم) أي: أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولا، كي يصدوا عن مظاهرة موسى. (وما كيد الكافرين إلا في ضلال): في ضياع. (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه) قاله تجلدا وعدم مبالاة بدعائه. قيل: كانوا يكفونه عن قتله ويقولون: إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر، ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة. وتعلله بذلك - مع كونه سفاكا في أهون شئ - دليل على أنه تيقن أنه نبي، فخاف من قتله، أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له (1). سئل: ما كان يمنعه ؟ قال: (منعته رشدته، ولا يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنا (2).


(1) - البيضاوي 5: 37. (2) - علل الشرائع 1: 58، الباب: 52، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1099 ]

(إني أخاف) إن لم أقتله (أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد) ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج. (وقال موسى) أي: لقومه لما سمع كلامه (إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب). (وقال رجل مؤمن من ال فرعون): من أقربائه، واسمه (حزقيل). كما ورد (1). (5) - الأمالي (للصدوق) 385، المجلس: 72، الحديث: 18، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، الاحتجاج 2: 131، عن أبي عبد الله عليه السلام. قال: (ابن خاله) (2). وفي رواية: (ابن عمه) (3). ولا تنافي بينهما. (يكتم إيمانه) القمي: كتم إيمانه ستمائة سنة (4). (أتقتلون رجلا أن يقول): لأن يقول. (ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) أضافه إليهم بعد ذكر البينات، احتجاجا عليهم واستدراجا لهم إلى الاعتراف به، ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط. (وإن يك كاذبا فعليه كذبه): لا يتخطاه وبال كذبه، فيحتاج في دفعه إلى قتله. (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم): فلا أقل من أن يصيبكم بعضه. وفيه مبالغة في التحذير، وإظهار للإنصاف وعدم التعصب، ولذلك قدم كونه كاذبا. (إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب). قيل: احتجاج ثالث ذو وجهين: أحدهما: أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله إلى البينات، ولما عضده بتلك المعجزا ت وثانيهما: أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله. ولعله أراد به المعنى الأول، وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم، وعرض به فرعون بأنه مسرف كذاب (5). (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين): غالبين عالين (في الأرض): أرض مصر


(1) - الأمالي (للصدوق) 385، المجلس: 72، الحديث: 18، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، الاحتجاج 2: 131، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - عيون أخبار الرضاء عليه السلام 1: 240، الباب: 23، الحديث: 1، وفيه: (ابن خال فرعون). (3) - الاحتياج 2: 131، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 257. (5) - البيضاوي 5: 38. (*)

[ 1100 ]

(فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) أي: فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله، فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد، وإنما أدرج نفسه فيه ليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم. (قال فرعون ما أريكم): ما أشير إليكم (إلا ما أرى) واستصوبه من قتله (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد). (وقال الذي امن يا قوم إني أخاف عليكم) في تكذيبه والتعرض له (مثل يوم الأحزاب): مثل أيام الأمم الماضية المتحزبة على الرسل، يعني وقائعهم. وجمع (الأحزاب) مع التفسير أغنى عن جمع (اليوم). (مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود): مثل سنة الله فيهم حين استأصله، جزاء بما كانوا عليه من الكفر وإيذاء الرسل. (والذين من بعدهم) كقوم لوط (وما الله يريد ظلما للعباد) يعاقبهم بغير ذنب، ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام. (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) قال: (يوم ينادي أهل النار أهل الجنة: أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله) (1). (يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم) يعصمكم من عذابه (ومن يضلل الله فما له من هاد). (ولقد جاءكم يوسف من قبل): من قبل موسى (بالبينات): بالمعجزات (فما زلتم في شك مما جاءكم به) من الدين. (حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب) (الذين يجادلون في ايات الله بغير سلطان): بغير حجة (أتاهم) بل إما بتقليد أو شبهة داحضة (2) (كبر مقتا عند الله وعند الذين امنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار).


(1) - معاني الأخبار: 156، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - دحض الحجة: بطلت. القاموس المحيط 2: 343 (دحض). (*)

[ 1101 ]

(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا): بناء مكشوفا عاليا، من صرح الشئ: إذا ظهر. (لعلي أبلغ الأسباب): الطرق. (أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) في دعوى الرسالة. (وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب): في خسار. (وقال الذي امن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد). (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع): تمتع يسير لسرعة زوالها (وإن الاخرة هي دار القرار) لخلودها. (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) عدلا من الله (ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب): بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة، فضلا من الله ورحمة. (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار). (تدعونني لاءكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به): بربوبيته (علم) والمراد نفي المعلوم، والأشعار بأن الألوهية، لابد لها من برهان، واعتقادها لا يصح إلا عن إيقان. (وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة والتمكن من المجازاة، والقدرة على التعذيب، والغفران. (لا جرم) (لا) رد لما دعوه إليه، و (جرم) بمعنى حق. (أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الاخرة). قيل: أي: حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها، أو عدم دعوة مستجابة لها (1). (وأن مردنا إلى الله) بالموت (وأن المسرفين) في الضلال والطغيان. (هم أصحاب النار).


(1) - البيضاوي 5: 40. (*)

[ 1102 ]

(فستذكرون) عند معاينة العذاب (ما أقول لكم) من النصيحة (وأفوض أمري إلى الله) ليعصمني من كل سوء (إن الله بصير بالعباد). (فوقاه الله سيئات ما مكروا): شدائد مكرهم (وحاق بال فرعون سوء العذاب). قال: (التقية ترس الله في الأرض، لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الإسلام لقتل) (1). ورد: ما ملخصه: (إنه لما وشوا (2) به إلى فرعون: أنه خالفك، وجئ به إليه، ورى فوقي من القتل، فجعل في ساق كل واحد من الواشين وتد وفي صدره وتد، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله:) فوقاه الله (إلى قوله:) سوء العذاب () (3). وفي رواية: (والله لقد قطعوه إربا إربا، ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه) (4). (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). قال: (ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة، لأن في نار القيامة لا يكون غدو وعشي، ثم قال: إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا، ففيما بين ذلك هم من السعداء، ولكن هذا في نار البرزخ قبل يوم القيامة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة ادخلوا (الاية) (5). وورد: (إن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها، يقولون: ربنا لا تقم لنا الساعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا، ولا تلحق آخرنا بأولنا) (6). (ويوم تقوم الساعة أدخلوا ال فرعون أشد العذاب).


(1) - مجمع البيان 7 - 8: 521، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - وشى به وشيا ووشاية: إذا نم عليه وسعى به. لسان العرب 15: 313 (وشي). (3) - الاحتجاج 2: 131 - 132، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 258، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - مجمع البيان 7 - 8: 526، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الكافي 3: 245، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1103 ]

(وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار) بالدفع أو الحمل. قال: (الاستكبار هو ترك الطاعة لمن أمروا بطاعته، والترفع على من ندبوا إلى متابعته) (1). (قال الذين استكبروا إنا كل فيها) فكيف نغني عنكم، (إن الله قد حكم بين العباد) ولا معقب لحكمه. (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب). (قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا) فإنا لا نجترئ فيه، إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم، وفيه إقناط لهم عن الأجابة. (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال): في ضياع لا يجاب. (إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد). قال: (ذلك والله في الرجعة، أما علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا، وأئمة من بعدهم قتلوا ولم ينصروا، وذلك في الرجعة) (2). (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) لبطلانها (ولهم اللعنة ولهم سوء الدار). (ولقد اتينا موسى الهدى): ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب): التوراة. (هدى وذكرى لاءولي الألباب). (فاصبر) على أذى المشركين (إن وعد الله حق) بالنصر (واستغفر لذنبك): لترك الأولى والاهتمام بأمر العدا (وسبح بحمد ربك بالعشى والإبكار). (إن الذين يجادلون في ايات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر):


(1) - مصباح المتهجد: 701، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (2) - القمي 2: 259، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1104 ]

عظمة وتكبر عن الحق (ما هم ببالغيه) أي: ما هم ببالغي تلك العظمة، لأن الله مذلهم (فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير). (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) فمن قدر على خلقها أولا من غير أصل، قدر على خلق الناس ثانيا من أصل (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون، لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم. (وما يستوي الأعمى والبصير): الجاهل والمستبصر (والذين امنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ): والمحسن والمسئ، فما بعد البعث يظهر التفاوت (قليلا ما تتذكرون). (إن الساعة لاتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) لقصور نظرهم على ظاهر المحسوس. (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين): صاغرين. قال: (هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء) (1). (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه): لتستريحوا فيه، بأن خلقه باردا مظلما، ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس. (والنهار مبصرا): يبصر فيه أو به، وإسناد الإبصار إليه مجاز فيه مبالغة. (إن الله لذو فضل على الناس): فضل لا يوازيه فضل. (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) لجهلهم بالمنعم، وإغفالهم مواقع النعم. (ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون): تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. (كذلك يؤفك الذين كانوا بايات الله يجحدون). (الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم) بأن


(1) - الكافي 2: 466، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1105 ]

خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيأ لمزاولة (الصنايع واكتساب الكمالات. (ورزقكم من الطيبات): اللذائذ (ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) فإن كل ما سواه مربوب مفتقر معرض للزوال. (هو الحي): المتفرد بالحياة الذاتية (لا إله إلا هو): لا أحد يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته (فادعوه مخلصين له الدين) من الشرك والرياء (الحمد لله رب العالمين): قائلين له. ورد: (إذا قال أحدكم:) لا إله إلا الله (فليقل:) الحمد لله رب العالمين (فإن الله تعالى يقول:) هو الحي (الاية) (1). (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين): أن أنقاد له، وأخلص له ديني. (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا) (ثم لتبلغوا): ثم يبقيكم لتبلغوا (أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل): من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد. (ولتبلغوا أجلا مسمى): ويفعل ذلك لتبلغوا وقت الموت (ولعلكم تعقلون) ما في ذلك من الحجج والعبر. (هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن) بلا صوت ولا حرف (فيكون). (ألم تر إلى الذين يجادلون في ايات الله أنى يصرفون) عن التصديق بها. (الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون). (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون) بها.


(1) - القمي 2: 260، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (*)

[ 1106 ]

(في الحميم ثم في النار يسجرون): يحرقون. (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون). (من دون الله قالوا ضلوا عنا): فلم نجد ما كنا نتوقع منهم (بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا): بل تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم. (كذلك يضل الله الكافرين) حتى لا يهتدوا الى شئ ينفعهم في الاخرة. ورد: (فأما النصاب من أهل القبلة فإنهم يخد لهم خد إلى النار التي خلقها الله في المشرق، فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة، ثم مصيرهم إلى الحميم.) ثم في النار يسجرون، ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله (؟ ! أي: أين إمامكم الذي اتخذتموه دون الإمام الذي جعله الله للناس إماما ؟) (1). وقال: (وقد سماهم الله كافرين مشركين بأن كذبوا بالكتاب وقد أرسل الله عزوجل رسله بالكتاب وبتأويله، فمن كذب بالكتاب، أو كذب بما أرسل به رسله من تأويل الكتاب، فهو مشرك كافر) (2). (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض): تبطرون وتتكبرون (بغير الحق): بالشرك والطغيان (وبما كنتم تمرحون): تتوسعون في الفرح. (أدخلوا أبواب جهنم) المقسومة لكم (خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين عن الحق جهنم. (فاصبر إن وعد الله حق) بهلاك الكفار وتعذيبهم. (فإما نرينك): فإن نرك، و (ما) مزيدة لتاكيد الشرطية، ولذلك لحقت النون الفعل. (بعض الذي نعدهم) وهو القتل والأسر (أو نتوفينك) قبل أن تراه (فإلينا يرجعون) فنجازيهم بأعمالهم. (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص


(1) - الكافي 3: 247، ذيل الحديث: 1، القمي 2: 260، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 260، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1107 ]

عليك). ورد: (إن عددهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا) (1). (وما كان لرسول أن يأتي باية إلا بإذن الله): ليس له أن يستبد بإتيان المقترح (2) بها. (فإذا جاء أمر الله) بالعذاب (قضى بالحق): بإنجاء المحق وتعذيب المبطل (وخسر هنالك المبطلون): المعاندون، باقتراح الايات بعد ظهور ما يغنيهم عنها. (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون) فإن منها ما يؤكل كالغنم، ومنها ما يؤكل ويركب كالإبل والبقر. (ولكم فيها منافع) كالألبان والجلود والأوبار (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) بالمسافرة عليها (وعليها) في البر (وعلى الفلك) في البحر (تحملون). (ويريكم اياته) الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته (فأي ايات الله تنكرون) فإنها لظهورها لا تقبل الانكار. (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة واثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون). (ما) الأولى يحتمل النافية والاستفهامية، والثانية الموصولة والمصدرية (3). (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) واستحقروا علم الرسل (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون). (فلما رأوا بأسنا): شدة عذابنا (قالوا امنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به


(1) - الخصال 2: 642، الحديث: 18، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن النبي صلوات الله عليهم، والحديث: 19، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين، عن النبي صلوات الله عليهم، مجمع البيان 7 - 8: 533. (2) - اقترحته: ابتدعته من غير سبق مثال. المصباح المنير 2: 176 (قرح). (3) - فالمعنى على الأول: لم يغن عنهم ما كسبوه من البنيان والأموال شيئا من عذاب الله تعالى. وعلى الثاني: فأي شئ أغنى عنهم كسبهم. فيكون موضع (ما) الأولى نصبا، وموضع (ما) الثانية رفعا. التبيان 9: 101، مجمع البيان 7 - 8: 535. (*)

[ 1108 ]

مشركين) يعنون الأصنام. (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) أي: في وقت رؤيتهم البأس، استعير اسم المكان للزمان. سئل: لأي علة غرق الله تعالى فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده ؟ قال: (لأنه آمن عند رؤية البأس، والإيمان عند رؤية البأس غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف. قال الله عزوجل:) فلما رأوا بأسنا (الايتين) (1).


(1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 77، الباب: 32، الحديث: 7. (*)

[ 1109 ]

سورة السجدة (5) [ مكية، وهي أربع وخمسون آية ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (تنزيل من الرحمن الرحيم). (كتاب فصلت اياته): بين حلالها وحرامها، وأحكامها وسننها، (قرانا عربيا لقوم يعلمون). (بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم) عن تدبره وقبوله (فهم لا يسمعون) سماع تأمل وطاعة. (وقالوا قلوبنا في أكنة): في أغطية (مما تدعونا إليه وفي اذاننا وقر): صمم (ومن بيننا وبينك حجاب) يمنعنا عن التفهم منك، والتواصل. تمثيلات لنبو (3) قلوبهم عن الموافقة (فاعمل) على دينك (إننا عاملون) على ديننا. (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد): لست ملكا ولا جنيا لا


(1) - في (ب): (سورة فصلت). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - نبا الشئ: تجافى وتباعد. الصحاح 6: 2500 (نبا). (*)

[ 1110 ]

يمكنكم التلقي منه، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والأسماع، وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل (فاستقيموا) في أفعالكم، متوجهين (إليه واستغفروه) مما أنتم عليه (وويل للمشركين). الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم كافرون). قال: (أترى أن الله عزوجل طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول:) وويل للمشركين (الاية ؟ قيل: ففسره لي. فقال: ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول، وهم بالائمة الاخرين كافرون. إنما دعا الله العباد إلى الإيمان به، فإذا آمنوا بالله وبرسوله افترض عليهم الفرائض) (1). (إن الذين امنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون): غير مقطوع، أولا يمن به عليهم. (قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) القمي: أي وقتين: ابتداء الخلق وانقضائه (2). أقول: وفي هذا سر لا يدركه إلا من له صفاء ذهن ونقاء سريرة. (وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين). (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها): وأكثر خيرها. القمي: أي: لا تزول وتبقى (3). (وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء). القمي: يعني في أربعة أوقات، وهي التي يخرج الله عزوجل فيها أقوات العالم، من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض، وما في البر والبحر من الخلق، من الثمار والنبات والشجر، وما يكون فيه معاش الحيوان كله، وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء، ففي الشتاء يرسل الله الرياح والأمطار والأنداء (4) والطلول من السماء، فتلقح الأرض والشجر،


(1) - القمي 2: 262، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) و (3) - المصدر. (4) - جمع الندي: المطر والبلل وما يسقط آخر الليل. مجمع البحرين 1: 412 (ندا). (*)

[ 1111 ]

وهو وقت بارد، ثم يجئ بعده الربيع، وهو وقت معتدل، حار وبارد، فيخرج من الشجر ثماره، ومن الأرض نباتها، فيكون أخضر ضعيفا، ثم يجئ وقت الصيف، وهو حار، فينضج الثمار ويصلب الحبوب التي هي أقوات العالم وجميع الحيوان. ثم يجئ من بعده وقت الخريف، فيطيبه ويبرده. ولو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الأرض. لأنه لو كان الوقت كله ربيعا، لم ينضج الثمار ولم يبلغ الحبوب. ولو كان الوقت كله صيفا، لاحترق كل شئ في الأرض، ولم يكن للحيوان معاش ولا قوت. ولو كان الوقت كله خريفا ولم يتقدمه شئ من هذه الأوقات، لم يكن شئ يتقوت به العالم. فجعل الله هذه الأقوات في أربعة أوقات: في الشتاء والربيع والصيف والخريف، وقام به العالم واستوى وبقي، وسمى الله هذه الأوقات أياما (1). (للسائلين) القمي: يعني المحتاجين، لأن كل محتاج سائل، وفي العالم من خلق الله من لا يسأل ولا يقدر عليه من الحيوان كثير، فهم سائلون وإن لم يسألوا (2). (ثم استوى إلى السماء): قصد نحو خلقها وتدبيرها، و (ثم) لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة، إذ لا مدة قبل خلق السماء. (وهى دخان): أمر ظلماني (فقال لها وللاءرض ائتيا طوعا أو كرها): شئتما ذلك أو أبيتما (قالتا أتينا طائعين): منقادين بالذات. تمثيل لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها بأمر المطاع، وإجابة المطيع الطائع، كقوله:) كن فيكون (3)، أو هو نوع من الكلام باطنا من دون حرف ولا صوت. سئل: عمن كلم الله لا من الجن ولا من الإنس ؟، فقال: (السماوات والأرض في قوله:


(1) - القمي 2: 262. (2) - المصدر: 263. (3) - البقرة (2): 117، آل عمران (3): 47 و 59، الأنعام (6): 73، النحل (16): 40، مريم (19): 35، يس (36): 82، المؤمن (40): 68. (*)

[ 1112 ]

) ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين () (1). (فقضاهن سبع سموات): فخلقهن خلقا إبداعيا (في يومين) القمي: في وقتين: إبداءا وانقضاء (2). (وأوحى في كل سماء أمرها): شأنها وما يتأتى منها، بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا. القمي: هذا وحي تقدير وتدبير (3). (وزينا السماء الدنيا بمصابيح): بالنجوم (وحفظا) من الشيطان المسترق وسائر الافات. ورد: (النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء. وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) (4).، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (ذلك تقدير العزيز العليم): البالغ في القدرة والعلم. (فإن أعرضوا) عن الإيمان بعد هذا البيان. القمي: وهم قريش، وهو معطوف على قوله:) فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (5) (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم): من تقدمهم (ومن خلفهم): من أرسل إليهم (6)، أو من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة، أو بالإنذار بما جرى على الكفار في الدنيا، وبالتحذير عما أعد لهم في الاخرة. (ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا) إرسال الرسل (لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون). (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة): اغتروا


(1) - القمي 2: 263، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (2) و (3) - القمي 2: 263. (4) - كمال الدين 1: 205، الباب: 21، الحديث: 19، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 263. (6) - أي: الرسل الذين جاؤوا آباءهم والرسل الذين جاؤوهم في أنفسهم، لأنهم كانوا خلف من جاء آباءهم من الرسل، فيكون الهاء والميم في (من خلفهم) للرسل. مجمع البيان 9 - 10: 7. (*)

[ 1113 ]

بقوتهم. قيل: كان من قوتهم أن الرجل منهم ينزع الصخرة فيقلعها بيده (1). (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة): قدرة (وكانوا باياتنا يجحدون): يعرفون أنها حق وينكرونها. (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا). قال: (الصرصر: البارد) (2). (في أيام نحسات) قال: (مياشيم) (3). (لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لا ينصرون). (وأما ثمود فهديناهم) قال: (عرفناهم) (4) وجوب الطاعات وتحريم المعاصي. (فاستحبوا العمى على الهدى) قال: (وهم يعرفون) (5).. (فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون) (ونجينا الذين امنوا وكانوا يتقون). (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) قال: (يحبس أو لهم على آخرهم) (6). (حتى إذا ما جاءوها): إذا حضروها. و (ما) مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور. (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) بإنطاق الله إياها. (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون). القمي: نزلت في قوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها، فيقولون: ما عملنا شيئا منها. فتشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم. قال الصادق عليه السلام: (فيقولون لله: يا رب


(1) - البيضاوي 5: 46. (2) و (3) - القمي 2: 263، عن أبي جعفر عليه السلام. إ (4) و (5) - التوحيد: 411، الباب: 64، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - القمي 2: 129، ذيل الاية: 17 من سورة النمل، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1114 ]

هؤلاء ملائكتك يشهدون لك. ثم يحلفون بالله ما فعلوا من ذلك شيئا. وهو قول الله عزوجل:) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم (1). وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام. فعند ذلك يختم الله على ألسنتهم وينطق جوارحهم، فيشهد السمع بما سمع ما حرم الله، ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرم الله، وتشهد اليدان بما أخذتا، وتشهد الرجلان بما سعتا في ما حرم الله، ويشهد الفرج بما ارتكب مما حرم الله. ثم أنطق الله ألسنتهم، فيقولون هم لجلودهم:) لم شهدتم علينا (؟) (2). (وما كنتم تستترون) قال: (أي: من الله) (3). (أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم). قال: (يعني بالجلود الفروج والأفخاذ) (4). (ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون) فلذلك اجترأتم على ما فعلتم. (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين) إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببا لشقاء النشأتين. ورد: (ليس من عبد يظن بالله عزوجل خيرا إلا كان عند ظنه به، وذلك قوله عزوجل:) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين () (5). (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) لا خلاص لهم عنها (وإن يستعتبوا): يسألوا العتبى، وهي الرجوع إلى ما يحبون (فما هم من المعتبين أي: لايجابوا إلى ذلك. (وقيضنا): وقدرنا (لهم قرناء) من شياطين الجن والأنس (فزينوا لهم ما بين أيديهم) من أمر الدنيا واتباع الشهوات (وما خلفهم) من أمر الاخرة وإنكاره (وحق


(1) - المجادلة (58): 18. (2) - القمي 2: 264. (3) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 2: 36، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 265، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1115 ]

عليهم القول) أي: كلمة العذاب (في أمم): في جملة أمم (قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) وقد عملوا مثل أعمالهم (إنهم كانوا خاسرين). (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القران والغوا فيه): وعارضوه بالخرافات. القمي: وصيروه سخرية ولغوا (1). (لعلكم تغلبون): تغلبونه على قراءته. (فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون): سيئات أعمالهم. (ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا باياتنا يجحدون). (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس): شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان. قال: (يعنون إبليس الأبالسة وقابيل بن آدم، أول من أبدع المعصية) (2). وفي رواية (6) - القمي 2: 265. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 12، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*) قال: (هما، ثم قال: وكان فلان شيطانا) (3). أقول: لعل ذلك (لأن ولد الزنا يخلق من مائي الزاني والشيطان معا). كما ورد (4). وفي أخرى: (من الجن: إبليس الذي رد عليه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله في دار الندوة، وأضل الناس بالمعاصي، وجاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر فبايعه، ومن الإنس: فلان) (5). (نجعلهما تحت أقدامنا): ندسهما انتقاما منهما (ليكونا من الأسفلين) ذلا ومكانا.


(1) - القمي 2: 265. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 12، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - الكافي 8: 334، الحديث: 523، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - العياشي 2: 299، الحديث: 104، عن أبي جعفر عليه السلام، وص 300، الحديث: 108، عن أحدهما عليهما السلام. (5) - القمي 2: 265، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1116 ]

(إن الذين قالوا ربنا الله) اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته (ثم استقاموا) على مقتضاه. قال (على الائمة واحدا بعد واحد) (1). وفي رواية: (هي والله ما أنتم عليه) (2). وفي نهج البلاغة: (وإني متكلم بعدة الله وحجته، قال الله تعالى:) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا (الاية، وقد قلتم:) ربنا الله (، فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تخالفوا عنها، فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة) (3). (تتنزل عليهم الملائكة) قال: (عند الموت) (4). (ألا تخافوا) ما تقدمون عليه (ولا تحزنوا) على ما خلفتم (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). قال: (فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها، وما تخلفونه من الذراري والعيال، فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم، وذلك حين أراهم ملك الموت درجات الجنان وقصورها، والنبي والوصي والطيبين من آلهما في أعلى عليين، عند الموت). كذا ورد (5). (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا) قال: (أي: نحرسكم في الدنيا) (6). (وفي الاخرة) قال: (عند الموت) (7). (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون): ما تتمنون، من الدعاء، بمعنى الطلب. (نزلا من غفور رحيم). قيل له: بلغنا أن الملائكة تتنزل عليكم، قال: (أي والله


(1) - الكافي 1: 220، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 12، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - نهج البلاغة: 253، الخطبة: 176. (4) - القمي 2: 265، تأويل الايات الظاهرة: 524، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - تفسير الإمام عليه السلام: 239، الحديث: 117، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) و (7) - مجمع البيان 9 - 10: 13، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1117 ]

لتنزل علينا، فتطأ فرشنا، أما تقرأ كتاب الله تعالى:) إن الذين قالوا ربنا الله (الاية) (1). (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله): إلى عبادته وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين). ورد: (إنها في علي عليه السلام) (2). (10) - بصائر الدرجات: 91، الباب: 17، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (11) - العياشي 1: 279، الحديث: 286، عن أبي جعفر عليه السلام، بالمضمون. (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) في الجزاء وحسن العاقبة. و (لا) الثانية مزيدة لتاكيد النفي. (إدفع بالتي هي أحسن): ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها، وهي الحسنة، على أن المراد بالأحسن: الزائد مطلقا، أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات. القمي: ادفع سيئة من أساء إليك بحسنتك (3). وورد: (الحسنة: التقية، والسيئة: الإذاعة) (4). (فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) أي: إذا فعلت ذلك، صار عدوك المشاق، مثل الولي الشفيق. (وما يلقاها): وما يلقى هذه السجية، وهي مقابلة الإساءة بالإحسان (إلا الذين صبروا) فإنها تحبس النفس عن الانتقام. قال: (إلا الذين صبروا في الدنيا على الأذى) (5). (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) يعني من الخير وكمال النفس. (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ): نخس (6)، شبه به وسوسته (فاستعذ بالله) من شره ولا تطعه (إنه هو السميع) لاستعاذتك (العليم) بنيتك. القمي: المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله، والمعني للناس (7).


(1) - بصائر الدرجات: 91، الباب: 17، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - العياشي 1: 279، الحديث: 286، عن أبي جعفر عليه السلام، بالمضمون. (3) - القمي 2: 266. (4) - الكافي 2: 217 - 218، الحديث: 1 و 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - نخست الدابة نخسا: طعنته بعود أو غيره فهاج. المصباح المنير 2: 300 (نخس). (7) - القمي 2: 266. (*)

[ 1118 ]

(ومن اياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون). (فإن استكبروا) عن الامتثال (فالذين عند ربك) من الملائكة (يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون): لا يملون. (ومن اياته أنك ترى الأرض خاشعة): يابسة متطامنة، مستعار من الخشوع بمعنى التذلل. (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت): انتفخت بالنبات (إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شئ قدير). (إن الذين يلحدون): يميلون عن الاستقامة (في اياتنا) بالطعن والتحريف والتأويل بالباطل والألغاء فيها (لا يخفون علينا) فنجازيهم على إلحادهم. (أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم) تهديد شديد. (إنه بما تعملون بصير). (إن الذين كفروا بالذكر) قال: (يعني القرآن) (1). (لما جاءهم). خبر (إن) محذوف دل عليه ما بعده. (وإنه لكتاب عزيز). (لا يأتيه الباطل من بين يديه) قال: (من قبل التوارة، ولا من قبل الإنجيل والزبور) (2). (ولا من خلفه) قال: (أي: لا يأتيه من بعده كتاب يبطله) (3). وفي رواية: (ليس في إخباره عما مضى باطل، ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل، بل أخباره كلها موافقة لمخبراتها) (4). (تنزيل من حكيم) وأي حكيم (حميد): يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه. (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب


1 و 2 و 3 - القمي 2: 266، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 15، عنهما عليهما السلام. (*)

[ 1119 ]

أليم). (ولو جعلناه قرانا أعجميا لقالوا لولا فصلت اياته): بينت بلسان نفقهه (أأعجمي وعربي): أكلام أعجمي ومخاطب عربي ؟ ! والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه، ويقال لكلامه. (قل هو للذين امنوا هدى) إلى الحق (وشفاء) من الشك والشبهة (والذين لا يؤمنون في اذانهم وقر وهو عليهم عمى) لتصاممهم (1) عن سماعه، وتعاميهم عما يريهم من الايات (أولئك ينادون من مكان بعيد). تمثيل لعدم قبولهم واستماعهم له، بمن يصاح به من مسافة بعيدة. (ولقد اتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) قال: (اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم، الذي يأتيهم به، حتى ينكره ناس كثير، فيقدمهم فيضرب أعناقهم) (2). (ولولا كلمة سبقت من ربك) بالإمهال (لقضي بينهم) باستيصال المكذبين (وإنهم لفي شك منه): من القرآن (مريب): موجب للاضطراب. (من عمل صالحا فلنفسه) نفعه (ومن أساء فعليها) ضره. (وما ربك بظلام للعبيد) فيفعل بهم ما ليس له. (إليه يرد علم الساعة) إذا سئل عنها، إذ لا يعلمها إلا هو (وما تخرج من ثمرات من أكمامها): من أوعيتها، جمع (كم) بالكسر. (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركائي) بزعمكم. القمي: يعني ما كانوا يعبدون من دون الله (3). (قالوا اذناك): أعلمناك (مامنا من شهيد): من أحد منا يشهد لهم بالشركة، إذ تبرأنا عنهم لما عاينا الحال، أو ما من أحد منا يشاهدهم، لأنهم ضلوا عنا. (وضل عنهم ما كانوا يدعون): يعبدون (من قبل وظنوا): وأيقنوا (مالهم من


(1) - في (ب): (لتصامهم). (2) - الكافي 8: 287، الحديث: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - القمي 2: 266. (*)

[ 1120 ]

محيص): مهرب. (لا يسأم الأنسان من دعاء الخير) القمي: أي: لا يمل ولا يعيا من أن يدعو لنفسه بالخير (1). (وإن مسه الشر فيؤوس قنوط): يائس من روح الله وفرجه. (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي): حقي أستحقه (وما أظن الساعة قائمة): تقوم (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى): ولئن قامت على التوهم، كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة، وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه. (فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ). (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض) عن الشكر (ونئا بجانبه): وانحرف عنه وذهب بنفسه، وتباعد عنه بكليته تكبرا، والجانب مجاز عن النفس. (وإذا مسه الشر) كالفقر والمرض والشدة (فذو دعاء عريض): كثير. (قل أرأيتم): أخبروني (إن كان من عند الله) أي: القرآن (ثم كفرتم به) من غير نظر واتباع دليل (من أضل ممن هو في شقاق بعيد): من أضل منكم، فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم، وتعليلا لمزيد ضلالهم. (سنريهم اياتنا في الافاق وفي أنفسهم). قال: (نريهم (2) في أنفسهم المسخ، ونريهم في الافاق انتقاض الافاق عليهم، فيرون قدرة الله في أنفسهم وفي الافاق) (3). وفي رواية: (خسف ومسخ وقذف) (4).


(1) - القمي 2: 267. (2) - في المصدر: (يريهم) في الموضعين. (3) - الكافي 8: 381، الحديث: 575، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 166، الحديث: 181، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1121 ]

وفي أخرى: (الفتن في آفاق الأرض (1)، والمسخ في أعداء الحق) (2). (حتى يتبين لهم أنه الحق) قال: (خروج القائم هو الحق عند الله، يراه الخلق لابد منه) (3). أقول: كانه عليه السلام أراد أن ذلك إنما يكون في الرجعة، وعند ظهور القائم يرون من العجائب والغرائب في الافاق وفي الأنفس ما يتبين لهم به: أن الإمامة والولاية وظهور الإمام حق، فيكون مخصوصا بالجاحدين ومن رام التعميم. قال (4): سنريهم دلائلنا على ما تدعوهم إليه من التوحيد، وما يتبعه في آفاق العالم، من أقطار السماء والأرض، وفي أنفسهم وما فيهما من لطائف الصنعة وبدائع الحكمة، حتى يظهر لهم أن ذلك هو الحق، وهذا للمتوسطين من أهل النظر، الذين يستشهدون بالصنائع على الصانع، الذين لا يرضون بالتقليد المحض. (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد): أو لم يكفك شهادة ربك على كل شئ دليلا عليه، وهذا للخواص الذين يستشهدون بالله على الله، ولهذا خصه به في الخطاب. ورد: (العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد من العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية، قال الله تعالى:) سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد (أي: موجود في غيبتك وحضرتك) (5). (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط) لا يفوته شئ.


(1) - في المصدر: (في الافاق). (2) - الأرشاد (للمفيد): 359، عن الكاظم عليه السلام. (3) - الكافي 8: 381، ذيل الحديث: 575، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - لم نعثر عليه، ولعل (قال) تصحيف (قيل)، ويؤيده ما في الصافي 4: 361 حيث أشار إلى هذه الألفاظ ب‍ (قيل). والقائل: عطاء وابن زيد كما في مجمع البيان 9 - 10: 19. (5) - مصباح الشريعة: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1122 ]

سورة الشورى [ مكية، وهي ثلاث وخمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (عسق). قال: (عس): عدد سني القائم، وقاف (جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء، فخضرة السماء من ذلك الجبل، وعلم كل شئ في) عسق (2). (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم). (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) قال: (أي: يتصدعن) (3). أقول: يعني من عظمة الله (والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض) قال: (من المؤمنين) (4). القمي: للمؤمنين من الشيعة التوابين خاصة، ولفظ الاية عام والمعنى خاص (5). (ألا إن الله هو الغفور الرحيم).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) و (3) - القمي 2: 268، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - جوامع الجامع: 427، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 268. (*)

[ 1123 ]

(والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم): رقيب على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها (وما أنت عليهم بوكيل). (وكذلك أوحينا إليك قرانا عربيا لتنذر أم القرى) أي: أهلها، وهي مكة (ومن حولها): سائر الأرض (وتنذر يوم الجمع): يوم القيامة يجمع فيها الخلائق (لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير). (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) مهتدين (ولكن يدخل من يشاء في رحمته بالهداية (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير) أي: ويدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه. (أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولى X وهو يحي الموتى وهو على كل شئ قدير). (وما اختلفتم فيه من شئ) القمي: من المذاهب والأديان (1). (فحكمه إلى الله) يوم القيامة. وقيل: وما اختلفتم فيه من تأويل متشابه، فارجعوا إلى المحكم من كتاب الله (2). (ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب). (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا) يعني النساء (ومن الأنعام أزواجا) يعني ذكرا وأنثى (يذرؤكم فيه): يبثكم ويكثركم فيه، يعني النسل الذي يكون من الذكور والأناث (ليس كمثله شئ) قال: (إذا كان الشئ من مشيئته فكان لا يشبه مكونه) (3). القمي: رد الله على من وصف الله (4). قيل: الكاف زائدة (5) المراد المبالغة في نفي المثل عنه. فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه


(1) القمي 2: 273. (2) - البيضاوي 5: 51. (3) - المصباح المتهجد: 697، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - القمي 2: 273. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 24، البيضاوي 5: 52. (*)

[ 1124 ]

أولى (1). (وهو السميع البصير) لكل ما يسمع ويبصر. (له مقاليد السموات والأرض): خزائنهما (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر): يوسع ويقتر على وفق مشيئته (إنه بكل شئ عليم) فيفعله على ما ينبغي. (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين) يعني: الأصل المشترك فيما بينهم، ومنه الولاية (ولا تتفرقوا فيه): ولا تختلفوا فيه (كبر على المشركين): عظم عليهم (ما تدعوهم إليه) من هذه الشرائع (الله يجتبي إليه من يشاء): يختار ويجتلب إلى الدين (ويهدي إليه) بالارشاد والتوفيق (من ينيب): من يقبل إليه. قال: (نحن الذين شرع الله لنا دينه، فقال في كتابه:) شرع لكم (يا آل محمد) من الدين (الاية. قال: فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا، واستودعنا علمهم، نحن ورثة أولي العزم من الرسل،) أن أقيموا الدين (يا آل محمد) ولا تتفرقوا فيه (: وكونوا على جماعة،) كبر على المشركين (: من أشرك بولاية علي،) ما تدعوهم إليه (، من ولاية علي - وزيد في رواية أخرى: هكذا في الكتاب مخطوطة قال: (إن الله يا محمد) (2) - يهدي إليه من ينيب: من يجيبك إلى ولاية علي) (3). (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم). القمي: لم يتفرقوا بجهل، ولكنهم تفرقوا لما جاءهم وعرفوه، فحسد بعضهم بعضا، وبغى بعضهم على بعض، لما رأوا من تفاضيل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر الله، فتفرقوا في المذاهب، وأخذوا بالاراء والأهواء (4).


(1) - البيضاوي 5: 51. (2) - الكافي 1: 418، الحديث: 32، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - الكافي 1: 224، الحديث: 1، بصائر الدرجات: 118، الباب: 3، الحديث: 1، تأويل الايات الظاهرة: 530، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4) - القمي 2: 273. (*)

[ 1125 ]

(ولولا كلمة سبقت من ربك) بالامهال (إلى أجل مسمى لقضى بينهم): لأهلكهم، ولم ينظرهم إذا اختلفوا (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب). (فلذلك فادع). القمي: يعني لهذه الأمور، والدين الذي تقدم ذكره، وموالاة أمير المؤمنين عليه السلام فادع (1). وورد: (يعني إلى ولاية أمير المؤمنين) (2). (واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) فيه (وقل امنت بما أنزل الله من كتاب) يعني جميع الكتب المنزلة (وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم): خالق الكل ومتولي أمره (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم): وكل مجازى بعمله (لا حجة بيننا وبينكم): لا حجاج، بمعنى لا خصومة. إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال. (الله يجمع بيننا) يوم القيامة (وإليه المصير): مرجع الكل. (والذين يحاجون في الله): في دينه (من بعد ما استجيب له) لدينه أو لرسوله (حجتهم داحضة عند ربهم). القمي: أي: يحتجون على الله بعد ما شاء الله أن يبعث عليهم الرسل، فبعث الله إليهم الرسل والكتب، فغيروا وبدلوا، ثم يحتجون يوم القيامة، فحجتهم على الله داحضة، أي: باطلة عند ربهم (3). (وعليهم غضب ولهم عذاب شديد) بمعاندتهم. (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان). القمي: (الميزان أمير المؤمنين عليه السلام) (4). أقول: قد مضى تحقيقه في الأعراف (5). (وما يدريك لعل الساعة


(1) - القمي 2: 273. (2) - 3 - المصدر: 274. (3) - القمي 2: 343، ذيل الاية: 7 من سورة الرحمن، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4) - ذيل الاية: 8. (*)

[ 1126 ]

قريب). (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين امنوا مشفقون منها): خائفون منها مع اعتناء بها لتوقع الثواب (ويعلمون أنها الحق) الكائن لا محالة (ألا إن الذين يمارون في الساعة) القمي: أي: يخاصمون، فإنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم لنا الساعة وأتنا بما تعدنا، إن كنت من الصادقين (1). (لفي ضلال بعيد). (الله لطيف بعباده): بر بهم بصنوف من البر (يرزق من يشاء): يرزقه لما يشاء، فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته. (وهو القوي العزيز): المنيع الذي لا يغلب. (من كان يريد حرث الاخرة): ثوابها. شبهه بالزرع، من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا، ولذلك قيل: الدنيا مزرعة الاخرة (2). (نزد له في حرثه) فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها. (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها): شيئا منها، على ما قسمنا له (وما له في الاخرة من نصيب) إذ الاعمال بالنيات. وإنما لكل امرئ ما نوى. ورد: (المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة، وقد يجعلهما الله لأقوام) (3). (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا (ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم). قال: (لولا ما تقدم فيهم من الله عز ذكره، ما أبقى القائم منهم أحدا) (4). أقول يعني قائم كل عصر. (وإن الظالمين لهم


(1) - القمي 2: 274، ومنتهى كلامه اقتباس من الاية: 70، من سورة الأعراف. (2) - عوالي اللئالي 1: 267، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، البيضاوي 5: 53. (3) - القمي 2: 274، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 8: 287، الحديث: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1127 ]

عذاب أليم). (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا): خائفين مما ارتكبوا وعملوا (وهو واقع بهم) أي: ما يخافونه (والذين امنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير). (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين امنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه): على ما أتعاطاه من التبليغ (أجرا): نفعا منكم (إلا المودة في القربى) قال: (أن تودوا قرابتي وعترتي، وتحفظوني فيهم) (1). ورد: (جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: إنا آوينا ونصرنا، فخذ طائفة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك، فأنزل الله:) قل لا أسألكم عليه أجرا (يعني على النبوة) إلا المودة في القربى (أي: في أهل بيته، ثم قال: ألا ترى أن الرجل يكون له صديق، وفي نفس ذلك الرجل شئ على أهل بيته، فلا يسلم صدره، فأراد الله أن لا يكون في نفس رسول الله شئ على أمته، ففرض الله عليهم المودة في القربى. فإن أخذوا أخذوا مفروضا، وإن تركوا تركوا مفروضا) (2). وقال: (هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد صلى الله عليه وآله في أهل بيته) (3). وفي رواية: (في علي وفاطمة والحسن والحسين، أصحاب الكساء) (4). وفي أخرى: (هم الأئمة عليهم السلام) (5). وروي إنه: لما نزلت، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم ؟ قال:


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 28، عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام. (2) - القمي 2: 275، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المحاسن: 144، الباب: 13، الحديث: 46، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 8: 93، الحديث: 66، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 1: 413، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1128 ]

(علي وفاطمة وولدهما) (1). (ومن يقترف حسنة) قال: (اقتراف الحسنة، مودتنا أهل البيت) (2). وفي رواية: (الاقتراف التسليم لنا والصدق علينا، وأن لا يكذب علينا) (3). (نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور). قال: (من توالى (4) الأوصياء، من آل محمد واتبع آثارهم، فذاك يزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الأولين، حتى يصل ولايتهم إلى آدم) (5). (أم يقولون افترى على الله كذبا) أي: افترى آية المودة، كما يأتي بيانه (6) (فإن يشاء الله يختم على قلبك) قال: (لو افتريت) (7). وفي رواية يقول: (لو شئت حبست عنك الوحي، فلم تكلم بفضل أهل بيتك ولا بمودتهم) (8). (ويمح الله الباطل): المفترى. قال: (يعني يبطله) (9). (ويحق الحق بكلماته) قال: (يعني بالأئمة والقائم من آل محمد صلى الله عليه وآله) (10). وفي رواية يقول: (يحق لأهل بيتك الولاية) (11).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 28، عن النبي صلى الله عليه وآله، البيضاوي 5: 53. وفي شواهد التنزيل 2: 130، الحديث: 822، الدر المنثور 7: 348، ابن عباس. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 29، عن حسن بن علي عليهما السلام. (3) - الكافي 1: 391، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - في المصدر: (من تولى). (5) - الكافي 8: 379، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - ذيل الاية: 25، من نفس السورة. (7) - القمي 2: 275، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - الكافي 8: 379، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (9) و (10) - القمي 2: 275، عن أبي جعفر عليه السلام. (11) - الكافي 8: 380، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1129 ]

(إنه عليم بذات الصدور). قال: (يقول: بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك، والظلم بعدك) (1). (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون). روي: (لما نزلت آية المودة بعد مقالة الأنصار - كما مر (2) - فقرأها عليهم، وقال: تودون قرابتي من بعدي. فخرجوا من عنده مسلمين لقوله. فقال المنافقون: إن هذا لشئ افتراه في مجلسه، أراد أن يذللنا لقرابته من بعده. فنزلت:) أم يقولون افترى على الله كذبا (فأرسل إليهم، فتلاها عليهم، فبكوا واشتد عليهم، فأنزل الله:) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده (الاية، فأرسل في أثرهم، فبشرهم) (3). وورد مثله برواية الخاصة (4)، إلا أنه ذكر مكان: (أم يقولون افترى على الله كذبا،) أم يقولون افتريه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا (الاية، كما في الأحقاف (5). (ويستجيب الذين امنوا وعملوا الصالحات) روي: (إنهم الذين سلموا لقوله) (6). وفي رواية الخاصة: (هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب، فيقول له الملك: آمين، قول العزيز الجبار: ولك مثلا ما سألت، وقد أعطيت ما سألت بحبك إياه) (7). (ويزيدهم من فضله). قال: (الشفاعة لمن وجبت له النار، ممن أحسن إليهم في الدنيا) (8). (والكافرون لهم عذاب شديد).


(1) - الكافي 8: 380، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - ذيل الاية: 23، من نفس السورة. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 29، وتأويل الايات الظاهرة: 531. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 235، الباب: 23، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي الحسن الرضا، عن آبائه، عن حسين بن علي عليهم السلام. (5) - الاحقاف (46): 8. (6) - مجمع البيان 9 - 10: 29. (7) - الكافي 2: 507، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - مجمع البيان 9 - 10: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1130 ]

(ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض): لتكبروا وأفسدوا بطرا. قال: (لو فعل لفعلوا، ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض، واستعبدهم بذلك، ولو جعلهم كلهم أغنياء لبغوا) (1). (ولكن ينزل بقدر ما يشاء) قال: (بما يعلم أنه يصلحهم في دينهم ودنياهم) (2). (إنه بعباده خبير بصير). في الحديث القدسي: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده، وذلك أني أدبر عبادي، لعلمي بقلوبهم) (3). (وهو الذي ينزل الغيث): المطر الذي يغيثهم من الجدب (4)، ولذلك خص بالنافع. (من بعد ما قنطوا): أيسوا منه (وينشر رحمته) في كل شئ، من السهل والجبل والنبات والحيوان (وهو الولي): الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته (الحميد): المستحق للحمد. (ومن اياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير). (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم): فبسبب معاصيكم (ويعفو عن كثير) من الذنوب، فلا يعاقب عليها. ورد: (خير آية في كتاب الله، هذه الاية. يا علي ما من خدش عود، ولا نكبة قدم إلا بذنب، وما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، وما عاقب عليه في الدنيا فهو


(1) و (2) - القمي 2: 276، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - علل الشرائع 1: 12، الباب: 9، الحديث: 7، مجمع البيان 9 - 10: 30. (3) - الجدب: نقيض الخصب. الصحاح 1: 97 (جدب). (*)

[ 1131 ]

أعدل من أن يثني على عبده) (1). أقول: الآية مخصوصة بغير أولياء الله، فقد ورد: (إن الله يخص أولياءه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب) (2). (وما أنتم بمعجزين في الأرض): فائتين ما قضى عليكم من المصائب (وما لكم من دون الله من ولي) يحرسكم عنها (ولا نصير) يدفعها عنكم. (ومن اياته الجوار): السفن الجارية (في البحر كالأعلام): كالجبال. (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره): فيبقين ثوابت على ظهر البحر (إن في ذلك لايات لكل صبار شكور) قيل: لكل من حبس نفسه على النظر في آيات الله، والتفكر في آلائه (3). وقد مر له معنى آخر في لقمان (4). (أو يوبقهن): يهلك أهلهن (بما كسبوا ويعف عن كثير) بإنجائهم. (ويعلم الذين يجادلون في اياتنا) قيل: عطف على علة مقدرة، مثل: لينتقم منهم ويعلم (5). (ما لهم من محيص) محيد (6) من العذاب. (فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا) تمتعون به مدة حياتكم (وما عند الله) من ثواب الاخرة لخلوص (خير وأبقى) نفعه ودوامه (للذين امنوا وعلى ربهم يتوكلون. (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش). قد سبق تفسير الكبائر في سورة


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 31، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 2: 450، الحديث: 2، القمي 2: 277، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - البيضاوي 5: 55. (4) - لقمان (31): 31. (5) - البيضاوي 5: 55، الكشاف 3: 472. (6) - حاد، يحيد حيدة عن الشئ: تنحى وبعد. المصباح المنير 1: 194 (حيد). (*)

[ 1132 ]

النساء (1). (وإذا ما غضبوا هم يغفرون). ورد: (من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة) (2). (والذين استجابوا لربهم): قبلوا ما أمروا به (وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم): تشاور بينهم، لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه، وذلك من فرط تيقظهم في الأمور. ورد: (ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد) (3). (ومما رزقناهم ينفقون) في سبيل الخير. (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) على ما جعله الله لهم، كراهة التذلل، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل، وهو لا ينافي وصفهم بالغفران، فإن الغفران ينبئ عن عجز المغفور، والانتصار يشعر عن مقاومة الخصم، والحلم عن العاجز محمود، وعن المتغلب مذموم، لأنه إجراء وإغراء على البغي. (وجزاء سيئة سيئة مثلها). سمى الثانية سيئة للازدواج، ولأنها تسوء من تنزل به، وهذا منع عن التعدي في الانتصار. (فمن عفا وأصلح) بينه وبين عدوه (فأجره على الله) إبهامه يدل على عظمه. ورد: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان أجره على الله فليدخل الجنة. فيقال: من ذا الذي أجره على الله ؟ فيقال: العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب) (4). (إنه لا يحب الظالمين): المبتدئين بالسيئة، والمتجاوزين في الانتقام. (ولمن انتصر بعد ظلمه): بعد ما ظلم (فأولئك ما عليهم من سبيل) بالمعاتبة والمعاقبة.


(1) - ذيل الاية: 31. (2) - القمي 2: 277، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 33، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 34، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1133 ]

ورد: (حق من أساءك أن تعفو عنه، وإن علمت أن العفو يضر انتصرت، ثم تلا هذه الاية) (1). (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس): يبتدؤونهم بالإضرار، ويطلبون ما لا يستحقونه تجبرا عليهم (ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم). (ولمن صبر) على الأذى (وغفر) ولم ينتصر (إن ذلك) منه (لمن عزم الأمور). (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده): من بعد خذلان الله إياه (وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل) أي: إلى رجعة إلى الدنيا. (وتراهم يعرضون عليها) أي: على النار، ويدل عليها العذاب. (خاشعين من الذل): متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل (ينظرون من طرف خفي) يبتدئ نظرهم إلى النار، من تحريك لأجفانهم ضعيف، كالمصبور ينظر إلى السيف. (وقال الذين امنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم) بالتعريض للعذاب المخلد (يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم). (وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل) إلى الهدى والنجاة. (هذه الايات من قوله:) ولمن انتصر (إلى آخرها نزلت في القائم وأصحابه، وانتصارهم من أعدائهم). كذا ورد (2). قال: (و) الظالمين (يعني آل محمد حقهم. وعلي عليه السلام هو العذاب، ينظرون إليه من طرف خفي) (3). (إستجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجاء يومئذ


(1) - الخصال 2: 570، قطعة من حديث: 1، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (2) - و (3) - القمي 2: 278، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1134 ]

وما لكم من نكير). إنكار لما اقترفتموه، لأنه مثبت في صحائف أعمالكم، يشهد عليه جوار حكم. (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا): رقيبا (إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور): بليغ الكفران، ينسي النعمة رأسا ويذكر البلية ويعظمها، ولم يتأمل سببها. وإنما صدر الأولى ب‍ (إذا) والثانية ب‍ (إن) لأن إذاقة النعمة محققة، بخلاف إصابة البلية. وإنما أقام علة الجزاء مقامه في الثانية، ووضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة. (لله ملك السموات والأرض) فله أن يقسم النعمة والبلية كيف شاء (يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا) قال: (يعني ليس معهن ذكر) (1). (ويهب لمن يشاء الذكور) قال: (يعني ليس معهم أنثى) (2). (أو يزوجهم ذكرانا وإناثا) قال: (أي: يهب لمن يشاء ذكرانا وإناثا جميعا، يجمع له البنين والبنات، أي: يهبهم جميعا لواحد) (3). (ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير). (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا): كلاما يسمعه من ملك يشاهده، أو يقع في قلبه. القمي: وحي مشافهة، ووحي إلهام، وهو الذي يقع في القلب (4). (أو من وراء حجاب): كلاما لا يشاهد قائله. القمي: كما كلم الله نبيه، وكما كلم الله موسى من النار (5). (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) فيسمع من الرسول. القمي: وحي مشافهة،


(1) و (2) و (3) - القمي 2: 278، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) و (5) - المصدر: 279. (*)

[ 1135 ]

يعني إلى الناس (1). (إنه علي) عن صفات المخلوقين (حكيم): يفعل ما يقتضيه حكمته. (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) أي: أرسلناه إليك بالوحي. قال: (خلق من خلق الله أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده) (2). وفي رواية: (فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم، وهي الروح التي يعطيها الله عزوجل من شاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم) (3). (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) أي: قبل الوحي (ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا). قال: (بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، حتى بعث الله عزوجل الروح التي ذكر في الكتاب، فلما أوحاها علم بها العلم والفهم) (4). وفي رواية: (علي هو النور، هدى به من هدى من خلقه) (5). (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) قال: (يقول: تدعو) (6). وفي رواية: (إنك لتأمر بولاية علي وتدعو إليها، وعلي هو الصراط المستقيم) (7). (صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) قال: (يعني عليا، إنه جعله خازنه على ما في السماوات وما في الأرض من شئ، وائتمنه عليه) (8). (ألا إلى الله تصير الأمور) بارتفاع الوسائط والتعلقات.


(1) - القمي 2: 279. (2) - الكافي 1: 273، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) و (4) - المصدر، 274، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 280، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (به هدى من هدى). (6) - الكافي 5: 13، قطعة من حديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - القمي 2: 280، بصائر الدرجات: 78، ذيل الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - القمي 2: 280، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1136 ]

سورة الزخرف [ مكية، إلا آية: (54) فمدنية، وآياتها تسع وثمانون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (والكتاب المبين). (إنا جعلناه قرانا عربيا): أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا. وهو من البدائع، لتناسب القسم والمقسم عليه. وفي الباطن الكتاب المبين أمير المؤمنين عليه السلام، كما يأتي في الدخان (2). (لعلكم تعقلون): لكي تفهموا معانيه. (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم): رفيع الشأن ذو حكمة بالغة. (أفنضرب عنكم الذكر صفحا): ندعكم مهملين، لا نحتج عليكم برسول أو إمام ؟ ! (أن كنتم قوما مسرفين): لأن كنتم. (وكم أرسلنا من نبي في الأولين). (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزءون). تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله عن استهزاء قومه.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - ذيل الاية: 4. (*)

[ 1137 ]

(فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين): وسلف في القرآن قصتهم العجيبة، وفيه وعد لرسول الله صلى الله عليه وآله، ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين. (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) يعني: أقروا بعزي وعلمي، وما بعده استئناف. (الذي جعل لكم الأرض مهدا) تستقرون فيها (وجعل لكم فيها سبلا) تسلكونها (لعلكم تهتدون) إلى مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك. (والذي نزل من السماء ماء بقدر): بمقدار ينفع ولا يضر (فأنشرنا به بلدة ميتا): فأحيينا به أرضا لانبات فيها (كذلك تخرجون): تنشرون من قبوركم. (والذي خلق الأزواج كلها): أصناف المخلوقات (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) في البحر والبر. (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه): تذكروها بقلوبكم، معترفين بها حامدين عليها (وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين): مطيقين. يعني: لا طاقة لنا بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر، لولا أن الله سخره لنا. (وإنا إلى ربنا لمنقلبون) أي: راجعون. واتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل، والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله عزوجل، ولأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله. ورد: (ليس من عبد يقولها عند ركوبه فيقع من بعير أو دابة فيصيبه شئ بإذن الله) (1). (وجعلوا له من عباده جزءا): ولدا، فقالوا: الملائكة بنات الله. سماه جزءا، لأن الولد بضعة من والده. قيل: هو متصل بقوله:) ولئن سألتهم (2) أي: وجعلوا له بعد ذلك الاعتراف (3). (إن الإنسان لكفور مبين): ظاهر الكفران.


(1) - الكافي 3: 472، الحديث: 5، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (2) - الاية: 8، من نفس السورة. (3) - الكشاف 3: 480، البيضاوي 5: 58. (*)

[ 1138 ]

(أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) إنكار وتعجيب من شأنهم. (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا): بما جعل له شبها، فإن كل ولد من كل جنس شبهه وجنسه (ظل وجهه مسودا): صار وجهه أسود في الغاية، لما يعتريه من الكآبة (1) (وهو كظيم): مملو قلبه من الكرب. (أو من ينشؤا في الحلية): أو يجعلون له من يتربى في الزينة، يعني البنات. (وهو في الخصام): في المجادلة (غير مبين) للحجة. يقال: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم): خلق الله إياهم، فشاهدوهم إناثا (ستكتب شهادتهم) التي شهدوا بها على الملائكة (ويسألون) عنها يوم القيمة. (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون). (أم اتيناهم كتابا من قبله) ينطق على صحة ما قالوه (فهم به مستمسكون). (بل قالوا إنا وجدنا اباءنا على أمة): طريقة تام (وإنا على اثارهم مهتدون) أي: لا حجة لهم على ذلك، وإنما جنحوا إلى تقليد آبائهم الجهلة. (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا اباءنا على أمة وإنا على اثارهم مقتدون) تسلية، ودلالة على أن التقليد في مثله ضلال قديم. وفي تخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد. (قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه اباءكم) يعني: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم، وهو حكاية أمر ماض أوحى إلى النذير، أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وآله. (قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) أي: وإن كان أهدى.


(1) - كئب يكأب - من باب: تعب - كآبة وكأبا وكأبة: حزن أشد الحزن. المصباح المنير 2: 237 (كأب). (*)

[ 1139 ]

(فانتقمنا منهم) بالاستئصال (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين). (وإذ قال إبراهيم): واذكر وقت قوله هذا، ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالبرهان، أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد، فإنه أشرف آبائهم.. (لابيه وقومه إنني برآء مما تعبدون). (إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) هداية بعد هداية. (وجعلها) أي: كلمة التوحيد (كلمة باقية في عقبه): في ذريته، فيكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، ويكون إماما للخلق وحجة عليهم. لعلهم يرجعون: يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحده. قال: (فينا نزلت هذه الاية، والإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة) (1). (بل متعت هؤلاء واباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين). (ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون): ضموا إلى شركهم معاندة الحق. (وقالوا لولا نزل هذا القران على رجل من القريتين عظيم) بالجاه والمال: إما الوليد بن المغيرة (2) بمكة، أو عروة بن مسعود الثقفي (3) بالطائف، فإن الرسالة


(1) - كمال الدين 1: 323، الباب: 31، الحديث: 8، عن السجاد عليه السلام، علل الشرائع 1: 207، الباب: 156، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام، معاني الاخبار: 132، مجمع البيان 9 - 10: 45، المناقب 4: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو: من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش ومن زنادقتها. وأدرك الإسلام وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته، وهو الذي جمع قريشا وقال: إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد، فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا: كاهن، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه: (ساحر) لأنه يفرق بين المرء وأخيه، والزوج وزوجته. ولد في سنة 95 قبل الهجرة وهلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر. الأعلام (للزركلي) 8: 122. (3) - عروة بن مسعود بن معتب الثقفي: صحابي مشهور. كان كبيرا في قومه بالطائف، ولما أسلم استأذن النبي صلى الله عليه وآله (*)

[ 1140 ]

منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم، ولم يعملوا أنها رتبة روحانية، تستدعي عظم (1) النفس، بالتحلي بالفضائل الأخروية، والكمالات القدسية، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية. (أهم يقسمون رحمة ربك). إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم. والمراد بالرحمة: النبوة. (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا): ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم، فيحصل بينهم تألف وتضام، وينتظم بذلك النظام، لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف. (ليس للغني أن يقول: هلا أضيف إلى غناي جمال فلان، ولا للجميل أن يقول: هلا أضيف إلى جمالي مال فلان إلى غير ذلك). كذا ورد (2). (ورحمت ربك) هذه، أي: النبوة وما يتبعها (خير مما يجمعون): من حطام الدنيا، والعظيم من رزق منها لا منه. (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة): لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم، لحبهم الدنيا، فيجتمعوا عليه. قال: (عنى بذلك أمة محمد صلى الله عليه وآله، أن يكونوا على دين واحد، كفارا كلهم) (3). (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج): ومصاعد (عليها يظهرون): يعلون السطوح. (ولبيوتهم أبوابا وسررا) أي: من فضة (عليها يتكئون).


أن يرجع إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام. فقال: أخاف أن يقتلوك، قال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني. فأذن له، فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، فخالفوه، ورماه أحدهم بسهم فقتله، وكان ذلك في سنة 9 من الهجرة. الأعلام (للزركلي) 4: 227. (1) - في (ب): (عظيم النفس). (2) - الاحتجاج 1: 31، عن العسكري، عن الهادي عليهما السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - الكافي 2: 265، الحديث: 23، علل الشرائع 2: 589، الباب: 385، الحديث: 33، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (*)

[ 1141 ]

(وزخرفا): وزينة. قال: (لو فعل الله ذلك بهم لما آمن أحد، ولكنه جعل في المؤمنين أغنياء وفي الكافرين فقراء، وجعل في المؤمنين فقراء وفي الكافرين أغنياء، ثم امتحنهم بالأمر والنهي والصبر والرضا) (1). (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) (لما) بمعنى (إلا)، و (إن) نافية. (والاخرة عند ربك للمتقين). ورد: (إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا، كما يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي، فارفع هذا السجف (2)، فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا. قال: فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني) (3). وورد: (يا معشر المساكين طيبوا نفسا، واعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله على فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم) (4). (ومن يعش عن ذكر الرحمن): يتعامى ويعرض عنه، لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات (نقيض): نسبب ونقدر (له شيطانا فهو له قرين): يوسوسه ويغويه دائما. ورد: (من تصدى بالإثم أعشى (5) عن ذكر الله، ومن ترك الأخذ عمن أمر الله بطاعته قيض له شيطان، فهو له قرين) (6).


(1) - القمي 2: 284، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - السجف - ويكسر -: الستر، القاموس المحيط 3: 155 (سجف). (3) - الكافي 2: 264، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 2: 263، الحديث: 14، عن النبي صلى الله عليه وآله. (5) - أعشى عنه: صدر عنه إلى غيره وأعرض. أقرب الموارد 3: 787 (عشو). (6) - الخصال 2: 633، حديث أربعمائة، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (*)

[ 1142 ]

(وإنهم): وإن الشياطين (ليصدونهم) أي: العاشين (عن السبيل): سبيل الحق (ويحسبون أنهم مهتدون). (حتى إذا جاءنا) أي: العاشي (قال) أي: للشيطان (يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين): بعد المشرق من المغرب (فبئس القرين) أنت. (ولن ينفعكم اليوم) ما أنتم عليه من التمني (إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون). قال: (نزلت هكذا: حتى إذا جاءانا، يعني فلانا وفلانا، يقول أحدهما لصاحبه حين يراه:) يا ليت (، الايتين. قال:) إذ ظلمتم (آل محمد حقهم) (1). (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين). إنكار تعجب (7) - القمي 2: 286، عن أبي جعفر عليه السلام. من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم، بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال، بحيث صار عشاهم عمى مقرونا بالصمم. (فإما نذهبن بك) فإن قبضناك قبل أن نريك عذابهم. و (ما) مزيدة للتأكيد. (فإنا منهم منتقمون) بعدك. (أو نرينك): أو إن أردنا أن نريك (الذي وعدناهم) من العذاب (فإنا عليهم مقتدرون): لا يفوتوننا. روي: (إنه أري ما يلقى ذريته من أمته بعده، فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقى الله عزوجل) (2). وورد: إنه قال في حجة الوداع بمنى: (لألفينكم (3) ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم، ثم التفت إلى


(1) - القمي 2: 286، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 16: 92، تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 44. (3) - ألفيت الشئ: وجدته. الصحاح 6: 2484 (لفا). (*)

[ 1143 ]

خلفه فقال: أو علي أو علي أو علي، فرأينا أن جبرئيل غمزه. فأنزل الله على أثر ذلك:) فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (بعلي بن أبي طالب) (1). أقول: يعني في الرجعة. وفي رواية قال: (فإما نذهبن بك يا محمد من مكة إلى المدينة، فإنا رادوك إليها، ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب) (2). (فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم) قال: (على ولاية علي) (3). (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون). قال: (نحن قومه ونحن المسؤولون) (4). (وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن الهة يعبدون). (نزلت حين أسرى به إلى السماء وجمع له الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به وحملو. كذا ورد (5). (ولقد أرسلنا موسى باياتنا إلى فرعون وملاءه فقال إني رسول رب العالمين). (فلما جاءهم باياتنا إذا هم منها يضحكون): استهزؤوا بها أول ما رأوها، ولم يتأملوا فيها. (وما نريهم من اية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب) كالسنين والطوفان والجراد (لعلهم يرجعون). (وقالوا يا أيه الساحر) قيل: نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 49، جوامع الجامع: 434. (2) - القمي 2: 284، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 286، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 1: 211، الحديث: 5، القمي 2: 286، عن أبي عبد الله عليه السلام، الكافي 1: 210، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - الاحتجاج 1: 370، القمي 2: 285، عن أبي جعفر عليه السلام، بالمضمون. (*)

[ 1144 ]

حماقتهم، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الباهر ساحرا (1)، والقمي: يا أيها العالم (2) (ادع لنا ربك بما عهد عندك) أن يكشف عنا العذاب (إننا لمهتدون). (فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون) عهدهم بالاهتداء. (ونادى فرعون في قومه) بعد كشف العذاب عنهم، مخافة أن يؤمن بعضهم. (قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار): أنهار النيل (تجري من تحتي أفلا تبصرون). (أم أنا خير) مع هذه المملكة والبسطة (من هذا الذي هو مهين): ضعيف حقير لا يصلح للرئاسة (ولا يكاد يبين) الكلام، لما به من الرتة (3). و (أم) إما منقطعة والهمزة فيها للتقرير، أو متصلة، والمعنى: أفلا تبصرون ؟ أم تبصرون فتعلمون أني خير منه ؟. (فلو لا ألقى عليه أسورة من ذهب) أي: فهلا ألقي إليه مقاليد الملك إن كان صادقا إذ كانوا إذا سودوا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب. (أو جاء معه الملائكة مقترنين): مقارنين، يعينونه أو يصدقونه. (فاستخف قومه): استخف أحلامهم، أو طلب منهم الخفة في مطاوعته، ودعاهم (فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين). (فلما اسفونا): أغضبونا بالإفراط في العناد والعصيان. قال: (إن الله لا يأسف كأسفنا، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون، وهم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، وسخطهم سخط نفسه) الحديث (4). (انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين في اليم).


(1) - البيضاوي 5: 60. (2) - القمي 2: 285. (3) - الرتة: العجمة والكحلة في اللسان. القاموس المحيط 1: 153 (رتت). (4) - الكافي 1: 144، الحديث: 6، التوحيد: 168، الباب: 26، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1145 ]

(فجعلناهم سلفا): قدوة لمن بعدهم من الكفار (ومثلا للاخرين): وعظة لهم. (ولما ضرب ابن مريم مثلا) أي: لعلي. قال عليه السلام: (جئت إلى النبي يوما (1)، فوجدته في ملإ من قريش، فنظر إلي، ثم قال: يا علي إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم عليه السلام، أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا، فعظم ذلك عليهم وضحكوا وقالوا: يشبهه بالأنبياء والرسل، فنزلت هذه الاية) (2). وفي رواية قال: (إن فيك شبها من عيسى بن مريم، لو لا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك، البركة. قال: فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة (3) وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى بن مريم، فنزلت) (4). وفي رواية: (قالوا: والله لالهتنا التي كنا نعبدها في الجاهلية أفضل منه) (5). (إذا قومك منه يصدون). قال: (الصدود في العربية: الضحك) (6).


(1) - الكافي 1: 144، الحديث: 6، التوحيد: 168، الباب: 26، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 53، جوامع الجامع: 436، عن أهل البيت، عن علي عليه السلام. (3) - المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أبو عبد الله: أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم، صحابي. ولد في الطائف (بالحجاز). فلما ظهر الإسلام تردد في قبوله إلى أن كانت سنة: 5 ه‍، فأسلم، وشهد الحديبية واليمامة وفتوح الشام والقادسية ونهاوند وهمدان وغيرها. وولاه عمر بن الخطاب على البصرة، وعزله، ثم ولاه الكوفة، وأقره عثمان على الكوفة ثم عزله. ولما حدثت الحرب بين علي ومعاوية اعتزلها المغيرة. ثم ولاه معاوية الكوفة، فلم يزل فيها إلى أن مات سنة: 50 ه‍. الأعلام (للزركلي) 7: 277. (4) - الكافي 8: 57، الحديث: 18، عن النبي صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 286، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - معاني الأخبار: 220، الحديث: 1، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1146 ]

وفي رواية: (أنزل:) يضجون (فحرفوها) (1). (وقالوا أالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك) أي: هذا المثل (إلا جدلا بل هم قوم خصمون) شداد الخصومة، حراص على اللجاج. (إن هو) يعني الذي ضرب له المثل، أو ضرب به، والأول مروي (2). (إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل). (ولو نشاء لجعلنا منكم) قال: (يعنى من بني هاشم) (3). (ملائكة في الأرض يخلفون): يخلفونكم في الأرض، يعني أن الله قادر على أعجب من ذلك. (وإنه لعلم للساعة) أي: من أشراطها، يعلم بها قربها. القمي: يعني أمير المؤمنين عليه السلام (4). وقيل: يعني عيسى، أي: نزوله (5). (فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم). (ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين). (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولاءبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون) فيما أبلغه عنه. (إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم). (فاختلف الأحزاب): الفرق المتحزبة (من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم). (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون).


(1) - القمي 2: 286، عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 8: 57، الحديث: 18، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الكافي 8: 57، الحديث: 18، عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - لم نعثر عليه في تفسير القمي المطبوع، ولعله سقط من النساخ، لأنه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي، الموجودة في مكتبة الإعلام الإسلامي، تحت رقم: 26818. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 54، الكشاف 3: 494، البيضاوي 5: 62. (*)

[ 1147 ]

(الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الاباد. قال: (والله ما أراد بهذا غيركم) (1). وورد: (ألا كل خلة في غير الله فإنها تصير عداوة يوم القيامة) (2). (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله يومئذ. (الذين امنوا باياتنا وكانوا مسلمين). (أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) القمي: أي تكرمون (3). (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب) الصحفة: القصعة. والكوب: كوز لاعروة له. (وفيها ما تشتهيه الأنفس). ورد: (فإذا اشتهى المؤمن ولدا خلقه الله عز وجل بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد، كما خلق آدم عبرة) (4). وورد: (إن الرجل في الجنة يبقى على مائدته أيام الدنيا، ويأكل في أكلة واحدة بمقدار أكله في الدنيا) (5). (وتلذ الأعين) بمشاهدته (وأنتم فيها خالدون). (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون). (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون).


(1) - الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 287، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 288. (4) - الاحتجاج 2: 310، في توقيعات الناحية المقدسة، عن القائم عليه السلام. (5) - القمي 2: 288، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1148 ]

(إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون). (لا يفتر عنهم): لا يخفف عنهم (وهم فيه مبلسون): آئسون من الخير. (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين). (ونادوا يا مالك). وفي قراءتهم عليهم السلام: (يا مال) (1) بالترخيم. قيل: فلعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام (2). (ليقض علينا ربك) يعني: سل ربك ليقضي علينا، أي: يميتنا، من قضى عليه: إذا أماته. (قال إنكم ماكثون). (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون). (أم أبرموا أمرا) في تكذيب الحق ورده، ولم يقتصروا على كراهته. (فإنا مبرمون) أمرا في مجازاتهم. القمي: يعني ما تعاهدوا عليه في الكعبة: أن لا يردوا الأمر في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله (3). وورد: (إن هذه الايات نزلت فيهم) (4). (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) نسمعها (ورسلنا): والحفظة مع ذلك (لديهم يكتبون) ذلك. (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين). قال: (أي: الجاحدين. قال: والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره) (5). والقمي: يعني أول الانفين لله أن يكون له ولد (6). (سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون): عن كونه ذا ولد، فإن


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 56، الكشاف 3: 496، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - البيضاوي 5: 64، الكشاف 3: 496. (3) - القمي 2: 288. (4) - الكافي 8: 180، ذيل الحديث: 202، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) - القمي 2: 289. (*)

[ 1149 ]

هذه المبدعات منزهة عن توليد المثل، فما ظنك بمبدعها وخالقها. (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون). (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله): مستحق لأن يعبد فيهما (وهو الحكيم العليم). (وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون). (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون بالتوحيد. (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) لتعذر المكابرة فيها، من فرط ظهوره (فأنى يؤفكون) من عبادته إلى عبادة غيره. (وقيله) وقوله:) قيل (عطف على) الساعة (، وعلى النصب أي: ويعلم قول الرسول صلى الله عليه وآله أو وقال: قوله. وقيل: الهاء زائدة (1). (يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون). (فاصفح عنهم): فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم (وقل سلام): تسلم منكم ومتاركة (فسوف يعلمون). تسلية له، وتهديد لهم.


(1) - تفسير الكبير 27: 234. (*)

[ 1150 ]

سورة الدخان [ مكية، وهي تسع وخمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (والكتاب المبين). (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) قال: (هي ليلة القدر، أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة) (2). (إنا كنا منذرين). (فيها يفرق كل أمر حكيم) (أي: محكم). كذا ورد (3). قال: (أي: يقدر الله كل أمر من الحق والباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء (4) والمشيئة، يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، من الاجال والأرزاق، والبلايا والأعراض والأمراض، ويزيد فيه ما يشاء وينقص ما يشاء، ويلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 290، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وأبي الحسن عليهم السلام. (3) - الكافي 1: 248، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - البداء في أصل اللغة بمعنى الظهور، وقد اكتسب في الاستعمال اختصاصا في ظهور رأي جديد في أمر. (*)

[ 1151 ]

أمير المؤمنين عليه السلام، ويلقيه أمير المؤمنين إلى الأئمة، حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان صلوات الله عليهم، ويشترط له فيه البداء والمشيئة، والتقديم والتأخير) (1). وفي رواية: (إنه لينزل إلى ولي الأمر تفسير الأمور سنة سنة، يؤمر فيها في أمر نه بكذا وكذا، وفي أمر الناس بكذا وكذا) (2). وورد في تفسير هذه الاية في الباطن: (أما) حم (فهو محمد صلى الله عليه وآله، وهو في كتاب هود الذي أنزل عليه، وهو منقوص الحروف. وأما) الكتاب المبين (فهو أمير المؤمنين عليه السلام. وأما الليلة، ففاطمة صلوات الله عليها. وأما قوله:) فيها يفرق كل أمر حكيم (يقول: يخرج منها خير كثير، فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم) الحديث (3). (أمرا من عندنا): على مقتضى حكمتنا (إنا كنا مرسلين): من عادتنا إرسال الرسل بالكتب. (رحمة من ربك). وضع الرب موضع الضمير إشعارا بأن الربوبية اقتضت ذلك، فإنه أعظم أنواع التربية. (إنه هو السميع العليم). (رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين): علمتم أن الأمر كما قلنا. (لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب ابائكم الأولين). (بل هم في شك يلعبون). رد لكونهم موقنين. (فارتقب): فانتظر لهم (يوم تأتي السماء بدخان مبين). (يغشى الناس): يحيط بهم (هذا عذاب أليم). روي في حديث أشراط الساعة: (أول الايات: الدخان، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر. قيل: فما الدخان ؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الاية، وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه


(1) - القمي 2: 290، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وأبي الحسن عليهم السلام. (2) - الكافي 1: 248، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر: 479، قطعة من حديث: 4، عن أبي الحسن عليه السلام. (*)

[ 1152 ]

كهيئة الزكام، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره) (1). أقول: أبين بالموحدة ثم المثناة من تحت: اسم رجل نسب إليه عدن. وفي رواية: (دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة، يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد كرأس الحنيذ (2)، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، ويكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه، ليس فيه خصاص (3)، يمتد ذلك أربعين يوما) (4). والقمي: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر، يغشى الناس كلهم الظلمة، فيقولوا:) هذا عذاب أليم ((5). (ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) وعد بالإيمان، إن كشف عنهم العذاب. (أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين): أبان لهم ما هو أعظم منها، في إيجاب الذكرى من الايات والمعجزات. (ثم تولوا عنه وقالوا معلم): يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف (مجنون). القمي: قالوا ذلك لما نزل الوحي فأخذه الغش، فقالوا: هو مجنون (6). (إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون) قيل: يعني إلى الكفر غب الكشف (7). والقمي: يعني إلى القيامة (8). (يوم نبطش البطشة الكبرى) القمي: القيامة (9). والبطش: التناول بصولة. (إنا


(1) - الكشاف 3: 501، البيضاوي 5: 65. (2) - الحنذ: اشتواء اللحم، والحنيذ: المشوي، كتاب العين 3: 201 (حنذ) (3) - الخصاص: الخلل والفرج. مجمع البحرين 4: 167 (خصص). (4) - جوامع الجامع: 438، الكشاف 3: 501، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - القمي 2: 290. (6) - القمي 2: 291. (7) - البيضاوي 5: 66. (8) و (9) - القمي 2: 291. (*)

[ 1153 ]

منتقمون. (ولقد فتنا): اختبرنا (قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم). (أن أدوا إلي عباد الله): أرسلوهم معي. القمي: أي: ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والأحكام (1). (إني لكم رسول أمين): غير متهم. (وأن لا تعلوا على الله) بالاستهانة بوحيه ورسوله (إني اتيكم بسلطان مبين). لذكر الأمين مع الأداء، والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى. (وإني عذت بربي وربكم): التجأت إليه وتوكلت عليه (أن ترجمون): أن تؤذوني ضربا أو شتما. (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون) لا علي، ولا لي. (فدعا ربه) بعد ما كذبوه (أن هؤلاء قوم مجرمون). تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به، ولذلك سماه دعاء. (فأسر) أي: فأوحى الله إليه أن أسر (بعبادي ليلا إنكم متبعون): يتبعكم فرعون وجنوده، إذا علموا بخروجكم. (واترك البحر رهوا) قيل: أي: مفتوحا ذا فجوة واسعة، أو ساكنا على هيئته (2). والقمي: أي: جانبا، وخذ على الطريق (3). (إنهم جند مغرقون). (كم تركوا): كثيرا تركوا (من جنات وعيون). (وزروع ومقام كريم): محافل مزينة ومنازل حسنة. (ونعمة): وتنعم (كانوا فيها فاكهين): متنعمين. والقمي: النعمة في الأبدان.


(1) - القمي 2: 291. (2) - البيضاوي 5: 66. (3) - القمي 2: 291. (*)

[ 1154 ]

فاكهين أي: مفاكهة النساء (1). (كذلك وأورثناها قوما اخرين). (فما بكت عليهم السماء والأرض). قيل: مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد بوجودهم (2). وورد: (ما بكت السماء والأرض إلا على يحيى بن زكريا، وعلى الحسين بن علي) (3). وفي رواية (بكت السماء على يحيى بن زكريا، وعلى الحسين بن علي أربعين صباحا، ولم تبك إلا عليهما. قيل: فما بكاؤها ؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء) (4). وفي أخرى: (بكت السماء على الحسين أربعين يوما بالدم) (5). (وما كانوا منظرين): ممهلين إلى وقت آخر. (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين): من استعباد فرعون وقتله أبناءهم. (من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين). (ولقد اخترناهم على علم) بأنهم أحقاء بذلك، (على العالمين): على عالمي زمانهم. القمي: فلفظه عام ومعناه خاص (6). (واتيناهم من الايات) كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى. (ما فيه بلاء مبين): نعمة جلية، أو اختبار ظاهر. (إن هؤلاء) يعني كفار قريش، فإن قصة فرعون كانت معترضة. (ليقولون). (إن هي إلا موتتنا الأولى): ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة المزيلة للحياة الدنيوية. (وما نحن بمنشرين): بمبعوثين.


(1) - القمي 2: 291. (2) - البيضاوي 5: 66. (3) - القمي 2: 291، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - المناقب 4: 54، مجمع البيان 9 - 10: 65، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - المناقب 4: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - القمي 2: 292. (*)

[ 1155 ]

(فأتوا بابائنا إن كنتم صادقين). (أهم خير أم قوم تبع) الحميري (1)، الذي سار بالجيوش وحير الحيرة، كان مؤمنا وقومه كافرين، ولذلك ذمهم دونه. ورد: (لا تسبوا تبعا، فإنه كان قد أسلم) (2). (والذين من قبلهم) كعاد وثمود. (أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين) كما أن هؤلاء مجرمون. (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين). (ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون). (إن يوم الفصل): فصل الحق عن الباطل، والمحق عن المبطل (ميقاتهم أجمعين). (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا) من الاغناء (ولاهم ينصرون). (إلا من رحم الله) بالعفو عنه، وقبول الشفاعة فيه (إنه هو العزيز): لا ينصر منه من أراد تعذيبه (الرحيم) لمن أراد أن يرحمه. قال: (نحن والله الذي يرحم الله (3)، ونحن والله الذي استثنى الله، لكنا نغني عنهم) (4). وفي رواية: (يعني بذلك عليا وشيعته) (5). (إن شجرت الزقوم). مضى صفتها في الصافات (6). (طعام الأثيم): كثير الاثام. القمي: نزلت في أبي جهل (7).


(1) - (التبابعة) اسم ملوك اليمن، فتبع لقب له، كما يقال: خاقان لملك الترك، وقيصر لملك الروم. سمي تبعا لكثرة اتباعه من الناس، وقيل: سمي تبعا لأنه تبع من قبله من ملوك اليمن. مجمع البيان 9 - 10: 66. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 66، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - في المصدر: رحم الله). (4) - الكافي 1: 423، الحديث: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الصافات (37): 64 - 65. (7) - القمي 2: 292. (*)

[ 1156 ]

(كالمهل القمي): الصفر المذاب (1). (يغلي في البطون). (كغلي الحميم) القمي: هو الذي حمي وبلغ المنتهى (2). (خذوه) على إرادة القول، والمقول له الزبانية (فاعتلوه): فجروه بمجامعه بقهر (إلى سواء الجحيم): وسطه. (ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم): من عذاب هو الحميم. (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي: وقولوا له ذلك استهزاء به. القمي: وذلك، أن أبا جهل كان يقول: أنا العزيز الكريم، فيعير بذلك في النار (3). (إن هذا ما كنتم به تمترون): تشكون وتمارون فيه. (إن المتقين في مقام أمين): يأمن صاحبه عن الافة والانتقال. (في جنات وعيون). (يلبسون من سندس): ما رق من الحرير (وإستبرق): ما غلظ منه (متقابلين) في مجالسهم، ليستأنس بعضهم ببعض. (كذلك): الأمر كذلك (وزوجناهم بحور عين) الحوراء: البيضاء، والعيناء: عظيم العينين. ورد: (المؤمن يزوج ثمانمائة عذراء وألف ثيب، وزوجتين من الحور العين) (4). (يدعون فيها بكل فاكهة): يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه، لا يتخصص شئ منها بمكان ولا زمان (امنين) من الضرر. (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) التي في الدنيا، حين يشارف الجنة


(1) و (2) و (3) - القمي 2: 292. (4) - القمي 2: 82، ذيل تفسير الاية: 23، من سورة الحج، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: (وأربعة آلاف ثيب). (*)

[ 1157 ]

ويشاهدها ووقاهم عذاب الجحيم. (فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم). (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون): يفهمونه، فيتذكرون به لما لم يتذكروا. (فارتقب) ما يحل بهم (إنهم مرتقبون) ما يحل بك.

[ 1158 ]

سورة الجاثية [ مكية، وهي سبع وثلاثون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). (إن في السموات والأرض لايات للمؤمنين) من النجوم والشمس والقمر، ومما يخرج من الأرض من أنواع النبات للناس والدواب. (وفي خلقكم وما يبث من دابة ايات لقوم يوقنون). (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق): من مطر، سماه رزقا لأنه سببه. (فأحيا به الأرض بعد موتها): يبسها وتصريف الرياح باختلاف جهاتها وأحوالها، وإثارتها السحاب. وإلقاحها الشجر (ايات لقوم يعقلون). ولعل اختلاف الفواصل لاختلاف الايات في الدقة والظهور. (تلك ايات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله واياته يؤمنون) أي: بعد حديثه، وهو القرآن. وتقديم اسم الله للمبالغة والتعظيم، كقولك: أعجبني زيد كرمه.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 1159 ]

(ويل لكل أفاك أثيم): كذاب كثير الاثم. (يسمع ايات الله تتلى عليه ثم يصر): يقيم على كفره (مستكبرا) عن الايمان بالايات. و (ثم) لاستبعاد الاصرار بعد سماع الايات. (كأن لم يسمعها) أي: كأنه (فبشره بعذاب أليم). (وإذا علم من اياتنا شيئا) القمي: وإذا رأى (1). (اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين). (من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا) من الأموال والأولاد (شيئا ولا (ما اتخذوا من دون الله أولياء) من الأصنام والرؤساء (ولهم عذاب عظيم). (هذا هدى) أي: القرآن (والذين كفروا بايات ربهم لهم عذاب من رجز): من أشد العذاب (أليم). (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره): بتسخيره وأنتم راكبوها (ولتبتغوا من فضله) بالتجارة والغوص والصيد وغيرها (ولعلكم تشكرون). (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا) بأن خلقها كلها نافعة لكم (منه): كائنة منه (إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون). (قل للذين امنوا يغفروا) أي: قل لهم: اغفروا يغفروا. يعني يعفوا ويصفحوا. (للذين لا يرجون أيام الله): لا يتوقعون وقائعه بأعدائه. قال: (قل للذين مننا عليهم بمعرفتنا أن يعرفوا الذين لا يعلمون، فإذا عرفوهم فقد غفروا لهم) (2). والقمي: يقول الأئمة الحق: لا تدعوا على أئمة الجور، حتى يكون الله هو الذي يعاقبهم (3). (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون).


(1) - القمي 2: 293. (2) - القمي 2: 294، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 293. (*)

[ 1160 ]

(من عمل صالحا فلنفسه) ثوابه (ومن أساء فعليها) عقابه (ثم إلى ربكم ترجعون) فيجازيكم على أعمالكم. (ولقد اتينا بني إسرائيل الكتاب): التوارة (والحكم): والحكمة، أو فصل الخصومات (والنبوة) إذ كثر الأنبياء فيهم ما لم يكثر في غيرهم (ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين): عالمي زمانهم. (واتيناهم بينات من الأمر): أدلة من أمر الدين (فما اختلفوا) في ذلك الأمر (إلا من بعد ما جاءهم العلم) بحقيقة الحال (بغيا بينهم): عداوة وحسدا. (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون). (ثم جعلناك على شريعة من الأمر): طريقة من أمر الدين (فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون). القمي: هذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله، والمعنى لأمته (1). (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) مما أراد بك (وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين). (هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون). (أم حسب الذين اجترحوا السيئات): اكتسبوها (أن نجعلهم كالذين امنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون. (وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون). (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) بأن أطاعه وبنى عليه دينه. القمي: نزلت في قريش، كلما هووا شيئا عبدوه، وجرت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في أصحابه الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام، واتخذوا إماما بأهوائهم (2).


(1) - القمي 2: 294. (2) - القمي 2: 294. (*)

[ 1161 ]

(وأضله الله على علم): وخذله، عالما بضلاله وفساد جوهر روحه. (وختم على سمعه وقلبه) فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الايات (وجعل على بصره غشاوة) فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار (فمن يهديه من بعد الله): من بعد إضلاله (أفلا تذكرون. (وقالوا ما هي): ما الحياة (إلا حياتنا الدنيا) التي نحن فيها (نموت ونحيا). القمي: هذا مقدم ومؤخر، لأن الدهرية لم يقروا بالبعث والنشور بعد الموت، وإنما قالوا: نحيا ونموت (1). وقيل: أي نموت نحن ويحيا آخرون ممن يأتون بعدنا (2). (وما يهلكنا إلا الدهر): إلا مرور الزمان (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). قال في حديث: (فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم: الدهرية، وهم الذين يقولون:) وما يهلكنا إلا الدهر (، وهو دين وضعوه لأنفسهم، بالاستحسان منهم على غير تثبت منهم ولا تحقيق لشئ مما يقولون. قال الله عزوجل:) إن هم إلا يظنون (أن ذلك كما يقولون) (3). (وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات ما كان حجتهم): ما كان لهم متشبث يعارضونها به (إلا أن قالوا ائتوا بابائنا إن كنتم صادقين). (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لاريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لقصور نظرهم على ما يحسونه. (ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون). (وترى كل أمة جاثية) القمي: أي: على ركبها (4). أقول: يعني مستوفزين. وقيل:


(1) - القمي 2: 294. (2) - جامع البيان (للطبري) 25: 91، الكشاف 3: 512، البيضاوي 5: 7. (3) - الكافي 2: 389، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 295. (*)

[ 1162 ]

أي: مجتمعة، من الجثوة وهي الجماعة (1). (كل أمة تدعى إلى كتابها): صحيفة أعمالها. (اليوم تجزون ما كنتم تعملون). (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق): يشهد عليكم. وورد: (إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الناطق بالكتاب. قال الله تعالى:) هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق (فقيل: إنا لا نقرؤها هكذا ؟ فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله، ولكنه مما حرف من كتاب الله) (2). أقول: يعني أنه نزل على البناء للمفعول. (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون): نستكتب الملائكة أعمالكم من اللوح المحفوظ. ورد: (إن الملكين الموكلين بالعبد إذا أرادا النزول صباحا ومساء ينسخ لهما إسرافيل عمل العبد من اللوح المحفوظ، فيعطيهما ذلك، فإذا صعدا صباحا ومساء بديوان العبد قابله إسرافيل بالنسخ التي انتسخ لهما، حتى يظهر أنه كان كما نسخ منه) (3). وفي رواية: (أو لستم عربا فكيف لا تعرفون معنى الكلام ؟ ! واحدكم يقول لصاحبه: انسخ ذلك الكتاب، أو ليس إنما ينسخ من كتاب آخر من الأصل، وهو قوله:) إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون () (4). (فأما الذين امنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين). (وأما الذين كفروا أفلم تكن اياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين). (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لاريب فيها قلتم ما ندري ما


(1) - الكشاف 3: 513، البيضاوي 5: 71. (2) - الكافي 8: 50، الحديث: 11، القمي 2: 295، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - سعد السعود: 226. (4) - القمي 2: 380، ذيل الاية: 1، عن سورة القلم، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1163 ]

الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين). (وبدا لهم): ظهر لهم (سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون). (وقيل اليوم ننساكم): نترككم في العذاب ترك ما ينسى. (كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين). (ذلكم بأنكم اتخذتم ايات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون): لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي: يرضوه لفوات أوانه. (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) إذ الكل نعمة منه. (وله الكبرياء في السموات والأرض) إذ ظهر فيها آثار قدرته (وهو العزيز) الذي لا يغلب (الحكيم) فيما قدر وقضى، فاحمدوه وكبروه وأطيعوه له.

[ 1164 ]

سورة الأحقاف [ مكية، وهي خمس وثلاثون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم). (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم). (ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون). (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا) يعني القرآن. قال: (عنى بالكتاب التوراة والانجيل) (2). (أو أثارة من علم): أو بقية بقيت عليكم من علوم الأولين قال: (عنى بذلك علم أوصياء الأنبياء) (3). (إن كنتم صادقين). (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة): ما دامت الدنيا (وهم عن دعائهم غافلون).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) و (3) - الكافي 1: 426، الحديث: 72، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1165 ]

(وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء): يضرونهم ولا ينفعونهم وكانوا بعبادتهم كافرين). كل من الضميرين ذو وجهين. (وإذا تتلى عليهم اياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين). (أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا) يعني إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شئ منها، فكيف أجترئ عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع، ولا دفع ضر من قبلكم ! (هو أعلم بما تفيضون فيه) من القدح في آياته (كفى به شهيدا بيني وبينكم) يشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والإنكار، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم. (وهو الغفور الرحيم). وعد بالرحمة والمغفرة لمن تاب وآمن، وإشعار بحلم الله عنهم مع جرأتهم، وقد سبق شأن نزول هذه الاية في الشورى (1). (قل ما كنت بدعا من الرسل): بديعا منهم، أدعوكم إلى ما لم يدعوا إليه، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه. (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) في الدارين على التفصيل، إذ لا علم لي بالغيب (إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين). (قل أرأيتم إن كان من عند الله) أي: القرآن (وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل) قيل (2): هو عبد الله بن سلام (3). وقيل: موسى عليه السلام، وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول صلى الله عليه وآله (4). (على مثله) مما في التوراة من المعاني المصدقة له المطابقة عليه


(1) - ذيل الاية: 25. (2) - التبيان 9: 271، الكشاف 3: 518، البيضاوي 5: 73. (3) - عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، أبو يوسف، صحابي، قيل: إنه من نسل يوسف بن يعقوب. أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وقيل: تأخر إسلامه إلى سنة ثمان. وكان حليفا لبني قينقاع، وكان اسمه في الجاهلية (الحصين). وأن أمير المؤمنين عليه السلام لما بويع أرسل خلف جمع وأمرهم بالبيعة. فقيل له: ألا تبعث إلى حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن سلام ؟ فقال: لا حاجة، لنا فيمن لا حاجة له فينا. ومات بالمدينة سنة: 43. راجع: الإصابة 4: 80، شرح نهج البلاغة (لابن أبي الحديد) 4: 9، الأعلام (للزركلي) 4: 90. (4) - التبيان 9: 271، البيضاوي 5: 73. (*)

[ 1166 ]

(فامن) به (واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين). استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف، أي: ألستم ظالمين. (وقال الذين كفروا للذين امنوا) أي: لأجلهم وفي شأنهم (لو كان خيرا) أي: الإيمان (ما سبقونا إليه) وهم فقراء وموال ورعاة (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم). (ومن قبله): ومن قبل القرآن (كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق) لكتاب موسى (لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين). (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا). مضى تفسيره في حم السجدة (1). فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). (أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله): ومدة حمله وفطامه (ثلاثون شهرا). ذلك كله بيان لما تكابده الأم في تربية الولد، مبالغة في التوصية بها (حتى إذا بلغ أشده): استحكم قوته وعقله (وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني): ألهمني (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك) عما يشغل عنك (وإني من المسلمين): المخلصين لك. ورد ما ملخصه: (إنها نزلت في الحسين عليه السلام، وإن كراهة أمه بالحمل والوضع من جهة أنها أخبرت بأنه سيقتل، فلما بشرت بأن في ذريته الإمامة والولاية والوصية رضيت، قال: فلو لا أنه قال:) أصلح لي في ذريتي (لكانت ذريته كلهم أئمة. قال: ولم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم والحسين عليهما السلام) (2).


(1) - ذيل الاية: 30. (2) - الكافي 1: 464، الحديث: 3 و 4، علل الشرائع 1: 206، الباب: 156، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1167 ]

(أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون). (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج): أن أبعث (وقد خلت القرون من قبلي) فلم يرجع أحد منهم (وهما يستغيثان الله ويلك امن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين): أباطيلهم التي كتبوها. القمي: نزلت في عبد الرحمان بن أبي بكر (1). (أولئك الذين حق عليهم القول) بأنهم أهل النار (في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين). (ولكل) من الفريقين (درجات مما عملوا): مراتب في الخير والشر. والدرجة غالبة في المثوبة، وهاهنا جاءت على التغليب. (وليوفيهم أعمالهم): جزاؤها (وهم لا يظلمون) بنقص ثواب، وزيادة عقاب. (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم): لذائذكم (في حياتكم الدنيا) باستيفائها (واستمتعتم بها) فما بقي لكم منها شئ. القمي: أكلتم وشربتم ولبستم وركبتم، وهي في بني فلان (2). ورد: (أتي النبي صلى الله عليه وآله بخبيص (3) فأبى أن يأكله، فقيل: أتحرمه ؟ فقال: لا، ولكني اكره أن تتوق (4) إليه نفسي، ثم تلا هذه الاية) (5). (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون).


(1) - القمي 2: 297. (2) - القمي 2: 298. (3) - الخبيص: طعام معمول من التمر والزبيب والسمن. مجمع البحرين 4: 167 (خبص). (4) - تاقت نفسي إلى الشئ، أي: اشتاقت. الصحاح 4: 1453 (توق). (5) - المحاسن 2: 409، الباب: 15، الحديث: 133، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام. (*)

[ 1168 ]

(واذكر أخا عاد) يعني هودا (إذ أنذر قومه بالأحقاف). قيل: هي جمع (حقف)، وهي رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء (1). القمي: الأحقاف من بلاد عاد، من الشقوق (2) إلى الأجفر (3)، وهي أربعة منازل (4). (وقد خلت النذر): الرسل (من بين يديه ومن خلفه): قبل هود وبعده (ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). (قالوا أجئتنا لتأفكنا): لتصرفنا (عن الهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين). (قال إنما العلم عند الله): لا علم لي بوقت عذابكم، ولا مدخل لي فيه فأستعجل به، وما لي إلا البلاغ (وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون). (فلما رأوه عارضا): سحابا عرض في أفق السماء (مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو) أي: قال هود: بل هو (ما استعجلتم به) من العذاب (ريح فيها عذاب أليم). (تدمر): تهلك (كل شئ) من نفوسكم وأموالكم (بأمر ربها فأصبحوا) أي: فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا (لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين). روي: (إن هودا لما أحس بالريح، اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة، وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، ثم كشفت عنهم (1) - الكشاف 3: 523، البيضاوي 5: 74. (2) - شقوق: جمع شق أو شق، وهو الناحية: منزل بطريق مكة بعد واقصة من الكوفة وبعدها تلقاء مكة بطان وقبر العبادي، وهو لبني سلامة من بني أسد. والشقوق أيضا: من مياه ضبة بأرض اليمامة. معجم البلدان 3: 356. (3) - الاجفر: جمع جفر، وهو البئر الواسعة لم تطو، موضع بين فيد والخزيمية، بينه وبين فيد ستة وثلاثون فرسخا نحو مكة. وقال الزمخشري: الاجفر ماء لبني يربوع، انتزعته منهم بنو جذيمة. معجم البلدان 1: 102. (4) - القمي 2: 298. (*)

[ 1169 ]

واحتملتهم وقذفتهم في البحر) (1). (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) (إن) نافية أو شرطية محذوفة الجواب، أي: كان بغيكم أكثر. (وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة) ليعرفوا تلك النعم، ويستدلوا بها على منعمها، ويواظبوا على شكرها. (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ): من الإغناء (إذ كانوا يجحدون بايات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) من العذاب. القمي: أي: قد أعطيناهم فكفروا، فنزل بهم العذاب، فاحذروا أن لا ينزل بكم ما نزل بهم (2). (ولقد أهلكنا ما حولكم) يا أهل مكة (من القرى) كحجر ثمود، وقرى قوم لوط (وصرفنا الايات) بتكريرها (لعلهم يرجعون) عن كفرهم. (فلو لا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا الهة): فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله، حيث قالوا:) هؤلاء شفعاؤنا عند الله (1). (بل ضلوا عنهم): غابوا عن نصرهم (وذلك إفكهم): صرفهم عن الحق (وما كانوا يفترون). (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن) والنفر دون العشرة. ورد: (إنهم كانوا تسعة، واحد من جن نصيبين والثمان من بني عمرو بن عامر وذكر أسماءهم) (4). (يستمعون القران فلما حضروه قالوا أنصتوا): قال بعضهم لبعض: اسكتوا لنسمعه. (فلما قضي): فرغ من قراءته (ولوا إلى قومهم منذرين) إياهم. (قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم).


(1) - البيضاوي 5: 75. (2) - القمي 2: 299. (3) - يونس (10): 18. (2) - الاحتجاج 1: 330، عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (*)

[ 1170 ]

(يا قومنا أجيبوا داعي الله وامنوا به يغفر لكم من ذنوبكم): بعض ذنوبكم. قيل: هو ما يكون من خالص حق الله، فإن المظالم لا تغفر بالإيمان (1). (ويجركم من عذاب أليم). (ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الأرض) إذ لا ينجي منه مهرب (وليس له من دونه أولياء) يمنعونه منه (أولئك في ضلال مبين). سئل عن مؤمني الجن: أيدخلون الجنة ؟ فقال: (لا، ولكن لله حظائر بين الجنة والنار، يكون فيها مؤمنو الجن وفساق الشيعة) (2). (أو لم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي): ولم يتعب ولم يعجز (بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شئ قدير). (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل): أولوا الثبات والجد منهم، فإنك من جملتهم. وأولوا العزم: أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على مشاقها. قال: (هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم) (3). (ولا تستعجل لهم): لكفار قريش بالعذاب، فإنه نازل بهم في وقته لا محالة. (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة. بلاغ: هذا الذي وعظتم به كفاية، أو تبليغ من الرسول. (فهل يهلك إلا القوم الفاسقون): الخارجون عن الاتعاظ والطاعة.


(1) - البيضاوي 5: 76. (2) - القمي 2: 300، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - الكافي 1: 175، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، وص 224، الحديث: 2، الخصال 1: 300، الحديث: 73، عن أبي جعفر عليه السلام، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 79، الباب: 32، الحديث: 13. (*)

[ 1171 ]

سورة محمد [ مدنية، وهي ثمان وثلاثون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم) *. القمي: نزلت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وغصبوا أهل بيته حقهم، وصدوا عن أمير المؤمنين وولاية الأئمة عليهم السلام. (أضل أعمالهم)، أي: أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله من الجهاد 2. * (والذين امنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) * قال: (بما نزل على محمد في علي، هكذا نزلت) 3. * (وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم) *: حالهم. القمي: نزلت في أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد، لم ينقضوا العهد وثبتوا على الولاية 4. * (ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين امنوا اتبعوا الحق من ربهم


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 300. (3) - المصدر: 301، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 301. (*)

[ 1172 ]

كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) *. قال: (في سورة محمد آية فينا وآية في أعدائنا) 1. * (فإذا لقيتم الذين كفروا) * في المحاربة * (فضرب الرقاب) *: فاضربوا الرقاب ضربا * (حتى إذا أثخنتمو هم) *: أكثرتم قتلهم وأغلظتموه فشدوا الوثاق) *: فأسروهم واحفظوهم * (فإما منا بعد وإما فداء) *: فإما تمنون منا، أو تفدون فداء. والمراد التخيير بين المن والإطلاق، وبين أخذ الفداء. * (حتى تضع الحرب أوزارها) *: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها، كالسلاح والكراع. أي: تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم. * (ذلك) *: الأمر ذلك * (ولو يشاء الله لانتصر منهم) *: لا نتقم منهم بالا ستئصال * (ولكن ليبلو بعضكم ببعض) *: ولكن أمركم بالقتال، ليبلو المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم، والكافرين بالمؤمنين، بأن يعاجلهم بأيديهم ببعض عذابهم، كي يرتدع بعضهم عن الكفر. * (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) *: فلن يضيعها. * (سيهديهم ويصلح بالهم) *. * (ويدخلهم الجنة عرفها لهم) * القمي: أي: وعدها إياهم، وادخرها لهم 2. * (يا أيها الذين امنوا إن تنصروا الله) *: إن تنصروا دينه ورسوله * (ينصركم) * على عدوكم * (ويثبت أقدامكم) * في القيام بحقوق الإسلام، والمجاهدة مع الكفار. * (والذين كفروا فتعسا لهم) *: فعثورا وانحطاطا لهم وأضل أعمالهم) *. * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله) * في علي. قال: (هكذا نزل جبرئيل بهذه الآية، إلا أنه كشط 3 الإسم) 4. * (فأحبط أعمالهم) *.


1 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. 2 - القمي 2: 302. 3 - الكشط: ر فعك شيئا عن شئ قد غطاه. كتاب العين 5: 289 (كشط). 4 - القمي 2: 302، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1173 ]

* (أفلم يسيروا في الأرض) * القمي: في أخبار الأمم الماضية 1. * (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم) *: أهلكهم وعذبهم * (وللكافرين) * الذين كرهوا ما أنزل الله في علي * (أمثالها) * من العذاب والهلاك. * (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) *: ناصرهم * (وأن الكافرين لا مولى لهم) *: لا ناصر لهم فيدفع عنهم العذاب وأما قوله: (وردوا إلى الله موليهم الحق) 2 فالمولى فيه بمعنى المالك. * (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون) *: ينتفعون بمتاع الدنيا * (ويأكلون كما تأكل الأنعام) *: حريصين غافلين عن العاقبة * (والنار مثوى لهم) *: منزل ومقام. * (وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم) * يدفع عنهم. * (أفمن كان على بينة من ربه) * القمي: يعني أمير المؤمنين صلوات الله عليه 3. * (كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) *. ورد: (هم المنافقون) 4. القمي: يعني الذين غصبوه 5. * (مثل الجنة) * أي: أمثل الجنة * (التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن: غير متغير الطعم والريح * (وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين) *: لذيذة لهم، لا يكون فيها كراهة ريح، ولا غائلة سكر وخمار. القمي: إذا تناولها ولي الله


1 - القمي 2: 302. 2 - يونس (10): 30. 3 - القمي 2: 302. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 100، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - القمي 2: 302. (*)

[ 1174 ]

وجد رائحة المسك فيها 1. * (وأنهار من عسل مصفى) *: لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها * (ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار) *: كمثل من هو خالد في النار * (وسقوا ماء حميما) * مكان تلك الأشربة فقطع أمعاءهم) * من فرط الحرارة. * (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا) *. القمي: نزلت في المنافقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن كان إذا سمع شيئا لم يكن يؤمن به ولم يعه، فإذا خرج قال للمؤمنين: ماذا قال محمد آنفا 2 ؟ * (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم) *. * (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) *. * (فهل ينظرون) *: ينتظرون * (إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها) *: فقد ظهر أماراتها * (فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم: تذكرهم، ولا ينفع حينئذ ولا فراغ له. ورد: (أما أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) 3. وفي رواية: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويقل الرجال وتكثر النساء، حتى ان الخمسين امرأة فيهن واحد من الرجال) 4. وفي حديث سلمان عد منها أشياء كثيرة، وهو مذكور في الصافي 5. * (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) * يعني إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالو حدانية


1 و 2 - المصدر: 303. 3 - علل الشرائع 1: 95، الباب: 3، الحديث: 85، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - روضة الواعظين 2: 485، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي (ج): (الخميسين). 5 - الصافي 5: 25 - 26. (*)

[ 1175 ]

وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها بالا ستغفار لذنبك، ولذنوب المؤمنين والمؤمنات، بالدعاء لهم والتحريض 1 على ما يستدعي غفرانهم. * (والله يعلم متقلبكم) * في الدنيا، ولها مراحل لابد من قطعها * (ومثواكم) * في العقبى، فإنها دار إقامتكم. ورد: (الا ستغفار وقول لا إله إلا الله خير العبادة. قال الله العزيز الجبار: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) 2. * (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة) * في أمر الجهاد * (فإذا أنزلت سورة محكمة) *: مبينة * (وذكر فيها القتال) * أي: الأمر به * (رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت) *: جبنا ومخافة * (فأولى لهم) *: فويل لهم. * (طاعة وقول معروف) * خير لهم * (فإذا عزم الأمر) * أي: جد. أسند عزم أصحاب الأمر إلى الأمر مجازا، وجوابه محذوف. * (فلو صدقوا الله أي: فيما زعموا من الحرص على الجهاد * (لكان) * الصدق * (خيرا لهم) *. * (فهل عسيتم) *: فهل يتوقع منكم * (إن توليتم) * أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو أعرضتم وتوليتم عن الإسلام * (أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) * تناحرا 3 على الولاية وتجاذبا لها، أو رجوعا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية، من تغاور ومقاتلة مع الأقارب. والمعنى: أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا، أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم، ويقول لهم هل عسيتم ؟ ورد: (إنها نزلت في بني أمية) 4.


1 - في (ألف): (التحريص). 2 - الكافي 2: 517، الحديث: 2، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - انتحر القوم على الأمر: تشاحوا عليه. وقيل: انتحروا وتناحر وا: من شدة حرصهم. القاموس المحيط 2: 144، كتاب العين 3: 210 (نحر). وفي (ألف): (تفاخرا). 4 - الكافي 8: 103، الحديث: 76، القمي 2: 308، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1176 ]

* (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم) * عن استماع الحق * (وأعمى أبصارهم) * فلا يهتدون سبيله. * (أفلا يتدبرون القرآن) * قال: (أفلا يتدبرون القرآن فيقضون ما عليهم من الحق) 1. * (أم على قلوب أقفالها) * لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر. وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة. ورد: (إن الله إذا أراد أن يهدي عبدا فتح مسامع قلبه، وإذا أراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه، فلا يصلح أبدا، وهو قول الله عزوجل: (أم على قلوب أقفالها) 2. * (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) * إلى ما كانوا عليه من الكفر * (من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم: سهل لهم * (وأملى لهم) *: مدلهم في الآمال والأماني. وعلى قراءة: أملي 3، أي: وأنا أمهلهم ولم أعاجلهم بالعقوبة. قال: (نزلت والله فيهما وفي أتباعهما) 4. وفي رواية: (الشيطان: الثاني) 5. * (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهو اما نزل الله قال: (في علي) 6. * (سنطيعكم في بعض الأمر) *. قال: (دعوا بني أمية إلى ميثاقهم أن لا يصيروا الأمر فينا بعد النبي صلى الله عليه وآله، ولا يعطونا من الخمس شيئا. وقالوا: إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ، ولم يبالوا أن لا يكون الأمر فيهم. فقالوا: سنطيعكم في بعض الأمر الذي دعوتمونا إليه، وهو الخمس ألا تعطيهم منه شيئا) 7. * (والله يعلم إسرارهم.) *


1 - مجمع البيان 9 - 10: 104، عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. 2 - المحاسن: 300، الحديث: 35، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 103، في قراءة أهل البصرة. 4 - الكافي 1: 420، الحديث: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 308: عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 و 7 - الكافي 1: 421، ذيل الحديث: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1177 ]

* (فكيف) * يعملون ويحتالون * (إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) *. * (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله) * القمي: يعني موالاة فلان وفلان 1. * (وكرهوا رضوانه) *. قال: (كرهوا عليا، أمر الله بولايته يوم بدر، ويوم حنين، وببطن نخلة، ويوم التروية، ويوم عرفة، نزلت فيه خمس عشرة آية في الحجة التي صد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله عن المسجد الحرام، وبالجحفة، وبخم) 2. * (فأحبط أعمالهم) * القمي: يعني التي عملوها من الخيرات 3. * (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم) *: أن لن يبرز الله لرسوله والمؤمنين أحقادهم. * (ولو نشاء لأريناكهم) *: لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم * (فلعرفتهم بسيماهم) *: بعلاماتهم التي نسمهم بها ولتعرفنهم في لحن القول) *: في اسلوبه، وإمالته إلى جهة تعريض وتورية. قال بعض الصحابة: لحن القول: بغض علي بن أبي طالب، وكنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله بذلك 4. * (والله يعلم أعمالكم) *. * (ولنبلونكم) * بالتكاليف الشاقة * (حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) * عن إيمانكم وموالاتكم المؤمنين في صدقها وكذبها. * (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا) * بكفرهم وصدهم * (وسيحبط أعمالهم) *. * (يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم) *


1 - القمي 2: 309. 2 - روضة الواعظين: 106، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 2: 309. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 106، عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله الأنصاري. (*)

[ 1178 ]

الصالحات بترك الإطاعة فيما افترض الله ورسوله عليكم. * (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) *. * (فلا تهنوا) *: فلا تضعفوا * (وتدعوا إلى السلم) *: ولا تدعوا إلى الصلح خورا وتذللا * (وأنتم الأعلون) *: الأغلبون * (والله معكم) *: ناصركم * (ولن يتركم أعمالكم) *: ولن يضيع أعمالكم بإفراده عن الثواب. والآية ناسخة لقوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) 1. * (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) * لا ثبات لها * (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم) *: ثواب إيمانكم وتقواكم * (ولا يسألكم أموالكم) *: جميع أموالكم، بل يقتصر على جزء يسير، كالعشر ونصف العشر وربع العشر. * (إن يسألكموها فيحفكم) *: فيجهدكم بطلب الكل، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية * (تبخلوا) * فلا تعطوا * (ويخرج أضغانكم) *: العداوة التي في صدوركم. * (ها أنتم هؤلاء) * قيل: أي: أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون 2. والقمي: معناه: أنتم يا هؤلاء 3 * (تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) *: فإن نفع الإنفاق وضر 4 الإمساك عائدان إليه * (والله الغني وأنتم الفقراء) * فما يأمركم به فهو لا حتياجكم، فإن امتثلتم فلكم، وإن توليتم فعليكم * (وإن تتولوا) * عطف على (وإن تؤمنوا). * (يستبدل قوما غيركم) *: يقم مكانكم قوما آخرين * (ثم لا يكونوا أمثالكم) * في معاداتكم وخلافكم.


1 - الأنفال (8): 61. 2 - البيضاوي 5: 81. 3 - القمي 2: 309. 4 - في (ألف): (ضرر). (*)

[ 1179 ]

قال: (إن تتولوا معشر العرب يستبدل قوما غيركم، يعني الموالي) 1. وفي رواية: (عنى أبناء الموالي المعتقين) 2. وروي: (إن أناسا قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه ؟ وكان سلمان إلى جنبه، فضرب بيده على فخذ سلمان فقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس) 3.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 108، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 2: 309، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكشاف 3: 540، معالم التنزيل 4: 187، تفسير القرآن العظيم 4: 196، مجمع البيان 9 - 10: 108. (*)

[ 1180 ]

سورة الفتح [ مدنية، وهي تسع وعشرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) *. ورد: (إن سبب نزول هذه السورة، وهذا الفتح العظيم، أن الله عزوجل أمر رسوله صلى الله عليه وآله في النوم أن يدخل المسجد الحرام ويطوف ويحلق مع المحلقين، فأخبر أصحابه وأمرهم بالخروج، فخرجوا، فلما نزل ذا الحليفة، أحرموا بالعمرة، وساقوا البدن. قال: فلما كان في اليوم الثاني نزل الحديبية - وهي على طرف الحرم - وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستنفر الأعراب في طريقه معه، فلم يتبعه أحد ويقولون: أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم، وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم ؟ ! إنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا. فلما نزل الحديبية، خرجت قريش يحلفون باللات والعزى: لا يدعون رسول الله صلى الله عليه وآله يدخل مكة، وفيهم عين تطرف، فبعث إليهم: أني لم آت لحرب، وإنما جئت لأقضي مناسكي وأنحر بدني وأخلي بينكم وبين لحمانها، فبعثوا إليه حفص بن الأحنف 2 وسهيل ابن عمرو 3، فقالا: يا محمد ألا ترجع عنا عامك هذا،


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - هو مكرز بن حفص بن الأخيف، من بني عامر بن لؤي، من قريش: شاعر جاهلي، من الفتاك، أدرك الإسلام، وقدم المدينة لما أسر المسلمون سهيل بن عمرو يوم بدر. راجع: المغازي (للواقدي) 1: 599 و 602، السيرة النبوية (لابن كثير) 3: 316، الأعلام (للزركلي) 7: 284. 3 - سهيل بن عمرو بن عبد شمس، القرشي العامري، من لؤي: خطيب قريش وأحد سادتها في الجاهلية، أسره (*)

[ 1181 ]

إلى أن ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر العرب ؟ فإن العرب قد تسامعت مسيرك، فإذا دخلت بلادنا وحرمنا استذلتنا العرب واجترأت علينا، ونخلي لك البيت في العام القابل في هذا الشهر ثلاثة أيام، حتى تقضي نسكك وتنصرف عنا، فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ذلك، واشترط عليهم: أن المسلمين بمكة لا يؤذون في إظهارهم الإسلام، ولا يكرهون ولا ينكر عليهم شئ يفعلونه من شرائع الإسلام. فقبلوا ذلك. فلما أجابهم إلى الصلح، أنكر عليه عامة أصحابه، وأشد ما كان إنكارا عمر، فقال: يا رسول الله ألم تقل لنا أن ندخل المسجد الحرام، ونحلق مع المحلقين ؟ فقال: أمن عامنا هذا وعدتك ؟ قلت لك: إن الله عزوجل قد وعدني أن أفتح مكة وأطوف وأسعى وأحلق مع المحلقين، فلما أكثروا عليه قال لهم: إن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم. فمروا نحو قريش وهم مستعدون للحرب، وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله هزيمة قبيحة، ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله فتبسم، ثم قال: يا علي خذ السيف واستقبل قريشا، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام سيفه وحمل على قريش، فلما نظروا إليه تراجعوا، ثم قالوا: يا علي بدا لمحمد فيما أعطانا ؟ فقال: لا. ورجع حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا: يا محمد قد أجابت قريش إلى ما اشترطت من إظهار الإسلام، وأن لا يكره أحد على دينه قال: وكتبوا نسختين، نسخة عند رسول الله صلى الله عليه وآله ونسخة عند سهيل بن عمرو، ورجع سهيل وحفص إلى قريش، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انحروا بدنكم واحلقوا رؤوسكم فامتنعوا، وقالوا: كيف ننحر ونحلق ولم نطف بالبيت، ولم نسع بين الصفا والمروة ؟ فنحر رسول ا لله وحلق، فنحر القوم على حيث يقين وشك وارتياب. ثم رحل نحو المدينة فرجع إلى التنعيم، ونزل تحت الشجرة، فجاء أصحابه الذين أنكروا عليه الصلح واعتذروا، وأظهروا الندامة على ما كان منهم، وسألوه أن يستغفر لهم. فنزلت آية الرضوان) 1. هذا ملخص القصة. * (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) * علة للفتح من حيث إنه مسبب عن


المسلمون يوم بدر، وافتدي، فأقام على دينه إلى يوم الفتح بمكة، فأسلم وسكنها، ثم سكن المدينة. مات بالطاعون في الشام سنة: 18 ه‍. الأعلام (للزركلي) 3: 144. 1 - القمي 2: 309، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1182 ]

جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهرا، ليصير ذلك بالتدريج اختيارا، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة. سئل عن هذه الاية، فقال: (ما كان له ذنب ولا هم بذنب، ولكن الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له) 1. وفي رواية: (يعني ذنبك عند مشركي أهل مكة، حيث دعوت إلى توحيد الله فيما تقدم وتأخر وجعلت الآلهة إلها واحدا) 2. * (ويتم نعمته عليك) * بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة * (ويهديك صراطا مستقيما) * في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة. * (وينصرك الله نصرا عزيزا) *: نصرا فيه عز ومنعة. * (هو الذي أنزل السكينة) *: الثبات والطمأنينة. قال: (هو الأيمان) 3. * (في قلوب المؤمنين) *. القمي: هم الذين لم يخالفوا رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ينكروا عليه الصلح 4. * (ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) *. قد مضى معنى زيادة الإيمان في سورة الأنفال 5. * (ولله جنود السموات والأرض) * يدبر أمرهما، فيسلط بعضها على بعض تارة، ويوقع فيما بينهم السلم أخرى، كما تقتضيه حكمته. * (وكان الله عليما حكيما) *. * (ليدخل المؤمنين والمؤمنات) *: فعل ما فعل ليدخل * (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم) *: يغطيها * (وكان ذلك عند الله فوزا عظيما) * لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر. * (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن


1 - القمي 2: 314، مجمع البيان 9 - 10: 110، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 202، الباب: 15، ذيل الحديث الطويل: 1، وليس فيها: (جعلت الآلهة إلها واحدا). 3 - الكافي 2: 15، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، والحديث: 4 و 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 315. 5 - ذيل الآية: 4. (*)

[ 1183 ]

السوء) * وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين * (عليهم دائرة السوء) *: دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم. القمي: هم الذين أنكروا الصلح واتهموا رسول الله 1. * (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) *. * (ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما) *. * (إنا أرسلناك شاهدا) * على أمتك * (ومبشرا) * على الطاعة ونذيرا) * على المعصية. * (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه:) * وتقووه بتقوية دينه ورسوله وتوقروه) *: وتعظموه * (وتسبحوه) *: وتنزهوه * (بكرة وأصيلا) *: غدوة وعشيا. * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) * لأنه المقصود ببيعته * (يد الله فوق أيديهم) * يعني يدك التي فوق أيديهم في حال بيعتهم إياك، إنما هي بمنزلة يد الله، لأنهم في الحقيقة يبايعون الله ببيعتك. * (فمن نكث) *: نقض العهد * (فإنما ينكث على نفسه) *: فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) *. القمي: نزلت هذه الآية بعد نزول آية الرضوان، واشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك على رسول الله شيئا يفعله، ولا يخالفوه في شئ يأمرهم به، وإنما رضي الله عنهم بهذا الشرط أن يفوا به، فبهذا العقد 2 رضي الله عنهم، فقدموا في التأليف آية الشرط على آية الرضوان 3. * (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا) *. القمي: هم


1 - القمي 2: 315. 2 - في (ب) والمصدر: (فبهذا العهد). 3 - القمي 2: 315. (*)

[ 1184 ]

الذين استنفرهم في الحديبية 1. * (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) *. تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار. * (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) *: فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه * (إن أراد بكم ضرا) * كقتل أو هزيمة، وخلل في المال والأهل، وعقوبة على التخلف * (أو أراد بكم نفعا) *: ما يضاد ذلك * (بل كان الله بما تعملون خبيرا) *. * (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا) *: لظنكم أن المشركين يستأصلونهم * (وزين ذلك في قلوبكم فتمكن) * فيها وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) *: هالكين عند الله، لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم. القمي: أي: قوم سوء 2. * (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا) *. * (ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما) * فإن الغفران والرحمة من دأبه، والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض، كما قال: (سبقت رحمتي غضبي) 3. * (سيقول المخلفون) * يعني المذكورين. القمي: ولما رجع من الحديبية إلى المدينة غزا خيبر، فاستأذنه المخلفون أن يخرجوا معه، فقال الله: (سيقول المخلفون) 4. * (إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) * يعني مغانم خيبر * (ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) * وهو وعده لأهل الحديبية: أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر. * (قل لن تتبعونا) * نفي في معنى النهي كذلكم قال الله من قبل) *: من قبل تهيئهم للخروج إلى خيبر فسيقولون بل تحسدوننا) * أن نشارككم في الغنائم * (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) *: إلا فهما قليلا، وهو فطنتهم لأمور الدنيا.


1 - القمي 2: 315. 2 - القمي 2: 315. 3 - الكافي 1: 443، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 315. (*)

[ 1185 ]

* (قل للمخلفين من الأعراب) *. كرر ذكرهم بهذا الاسم، مبالغة في الذم، وإشعارا بشناعة التخلف. * (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) *. قيل: هم هوازن وثقيف 1. * (تقاتلونهم أو يسلمون) * أي: يكون أحد الأمرين: * (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا) * هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة * (وإن تتولوا كما توليتم من قبل) * عن الحديبية * (يعذبكم عذابا أليما) * لتضاعف جرمكم. * (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) * لما أو عد على التخلف، نفى الحرج عن هؤلاء المعذورين، استثناء لهم عن الوعيد. ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا اليما) *. * (لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحا قريبا) * فتح خيبر غب انصر افهم. ومغانم كثيرة ياخذونها يعنى مغانم خيبر وكان الله عزيزا حكيما. وعدكم الله مغانم كثيرة تاخدونها) * وهي ما يفي على المؤمنين الى يوم القيامة فعجل لمكم هذه) * يعنى مغانم خيبر (وكف ايدي الناس عنكم ايدي اهل خيبر وحلفائهم (ولتكون آية للمؤمنين *: امارة يعرفون بها صدق الرسول في وعدهم ويهديكم صراطا مستقيما هو الثقة بفضل الله والتوكل عليه. واخرى لهم تقدروا عليها بعد (قد احاط الله بها وكان الله على كل شئ قديرا. ولو قائلكم الذين كفروا * من أهل مكة ولم يصالحوا (لولوا الادبار ثم لا يجدون وليا) * يحرسهم (ولا نصيرا) ينصرهم.


1 - الكشاف 3: 545 البيضاوي 5: 83. (*)

[ 1186 ]

(سنة الله التي قد خلت من قبل) أي: سن غلبة أنبيائه، سنة قديمة فيمن مضى من الأمم (ولن تجد لسنة الله تبديلا). (وهو الذي كف أيديهم عنكم): أيدي كفار مكة (وأيديكم عنهم ببطن مكة): في داخل مكة (من بعد أن أظفركم عليهم) القمي: أي: من بعد أن أممتم (1) من المدينة إلى الحرم، وطلبوا منكم الصلح من بعد أن كانوا يغزونكم بالمدينة صاروا يطلبون الصلح بعد أن كنتم تطلبون الصلح منهم (2). (وكان الله بما تعملون بصيرا) من مقاتلتهم أولا طاعة لرسوله، وكفهم ثانيا لتعظيم بيته. (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا): محبوسا (أن يبلغ محله). الهدي: ما يهدى إلى مكة، ومحله: مكانه الذي يحل فيه نحره. (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) القمي: يعني بمكة (3). (لم تعلموهم): لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين (أن تطؤهم): أن تواقعوا بهم وتبتدؤوهم (فتصيبكم منهم): من جهتهم (معرة): مكروه، كوجوب الدية والكفارة بقتلهم، والتأسف عليهم، وتعيير الكفار بذلك، والأثم بالتقصير في البحث عنهم. (بغير علم) أي: تطؤوهم غير عالمين بهم. وجواب (لولا) محذوف لدلالة الكلام عليه، والمعنى: لولا كراهة أن تهلكو اناسا مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه، لما كف أيديكم عنهم. القمي: أخبر الله عزوجل نبيه: أن علة الصلح إنما كان للمؤمنين والمؤمنات الذين كانوا بمكة، ولو لم يكن صلح وكانت الحرب لقتلوا، فلما كان الصلح أمنوا وأظهروإ


1 - أي: قصدتم. والام بالفتح: القصد. يقال: أمه وأممه وتأممه: إذا قصده. الصحاح 5: 1865 (أمم) 2 و 3 - القمي 2: 316. (*)

[ 1187 ]

الأسلام. ويقال: إن ذلك الصلح كان أعظم فتحا على المسلمين من غلبهم (1). (ليدخل الله في رحمته). علة لما دل عليه كف الأيدي من أهل مكة، صونا لمن فيها من المؤمنين، أي: كان ذلك ليدخل الله في توفيقه، لزيادة الخير أو الأسلام (من يشاء) من مؤمنيهم أو مشركيهم (لو تزيلوا): لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض (لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما) بالقتل والسبي. القمي: يعني هؤلاء الذين كانوا بمكة من المؤمنين والمؤمنات، لو زالوا عنهم وخرجوا من بينهم لعذبنا الذين كفروا منهم (2). وورد في تفسيره: (لو أخرج الله ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين، وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين، لعذبنا الذين كفروا) (3). (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية): الأنفة (حمية الجاهلية) التي تمنع إذعان الحق (فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) فتحملوا حميتهم (وألزمهم كلمة التقوى) قال: (هو الأيمان) (4). وفي رواية: (لا إله إلا الله هي كلمة التقوى، يثقل الله بها الموازين يوم القيامة) (5). وفي أخرى نبوية: (إن عليا راية الهدى وإمام أوليائي ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين) (6). (وكانوا أحق بها وأهلها): والمستأهل لها (وكان الله بكل شئ عليما). (لقد صدق الله رسوله الرؤيا): صدقه في رؤياه بالحق: متلبسا به، فإن ما


1 و 2 - القمي 2: 316. 3 - كمال الدين 2: 642، الباب: 54، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 2: 15، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - علل الشرائع 1: 251، الباب: 182، الحديث: 8، عن حسن بن علي عليهما السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) - الأمالي (للصدوق): 386، المجلس: 72، الحديث: 23، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1188 ]

رآه كائن لا محالة. وقد سبق قصته في أول السورة. (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله امنين محلقين رءوسكم ومقصرين): محلقا بعضكم ومقصرا آخرون (لا تخافون) بعد ذلك (فعلم ما لم تعلموا) من الحكمة في تأخير ذلك (فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) هو فتح خيبر لستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الموعود. (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق): وبدين الأسلام (ليظهره على الدين كله): ليغلبه على جنس الدين كله، بنسخ ما كان حقا، وإظهار فساد ما كان باطلا، ثم بتسليط المسلمين على أهله، إذ ما من أهل دين إلا وقد قهر بالأسلام أو سيقهر. وفيه تأكيد لما وعده بالفتح. القمي: وهو الأمام الذي يظهره الله عزوجل على الدين كله، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا. وهذا مما ذكرنا أن تأويله بعد تنزيله (1). أقول: وقد سبق تمام الكلام فيه في سورة التوبة (2). (وكفى بالله شهيدا) على أن وعده كائن، أو على رسالته. (محمد رسول الله) جملة مبينة للمشهود به، أو استئناف مع معطوفه، وما بعدهما خبر. (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم): يغلظون على من خالف دينهم، ويتراحمون فيما بينهم، كقوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (3). (تراهم ركعا سجدا) لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم (يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود) قال: (هو السهر في الصلاة) (4). (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الأنجيل): صفتهم العجيبة الشأن، المذكورة فيهما.


(1) - القمي 2: 317. (2) - ذيل الاية: 33. (3) - المائدة (5): 54. (4) - من لا يحضره الفقيه 1: 299، الحديث: 1369، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1189 ]

قال: (إن الله عزوجل قد أنزل في التوراة والأنجيل والزبور صفة محمد، وصفة أصحابه ومبعثه ومهاجره، وهو قوله:) محمد رسول الله (إلى قوله:) في الأنجيل () (1). (كزرع أخرج شطأه): فراخه (فازره): فقواه (فاستغلظ فاستوى على سوقه): فاستقام على قصبه، جمع ساق. (يعجب الزراع) بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره. قيل: هو مثل ضربه الله للصحابة، قلوا في بدء الأسلام، ثم كثروا واستحكموا، فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس (2). (ليغيظ بهم الكفار) علة لتشبيههم بالزرع في زكائه واستحكامه. (وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما). (نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ومن كان تحت لوائه يوم القيامة، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لا يخالطهم غيرهم). كذا ورد (3).


(1) - القمي 1: 33، ذيل الاية: 6 من سورة البقرة، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - البيضاوي 5: 86، الكشاف 3: 551. (3) - الأمالي (للشيخ الطوسي) 1: 387، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1190 ]

سورة الحجرات [ مدنية، وهي ثماني عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين امنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) قيل: أي: بين يدي رسول الله، وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان، والمعنى: لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به (2)، أو لا تتقدموا في المشي (3). (واتقوا الله) في التقديم (إن الله سميع) لأقوالكم (عليم) بأفعالكم. (يا أيها الذين امنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) أي: إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض): ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته، محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الأيقاظ، والدلالة على استقلال المنادى له، وزيادة الاهتمام به. (أن تحبط أعمالكم): لأن تحبط، أو كراهة أن تحبط. (وأنتم لا تشعرون) أنها محبطة.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 86. (3) - تفسير ابن جزي: 701. (*)

[ 1191 ]

القمي: نزلت في وفد بني تميم، كانوا إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وقفوا على باب حجرته فنادوا: يا محمد أخرج إلينا. وكانوا إذا خرج رسول الله تقدموه في المشي، وكانوا إذا كلموه رفعوا أصواتهم فوق صوته ويقولون: يا محمد يا محمد ما تقول في كذا ؟ كما يكلمون بعضهم بعضا، فأنزل الله (1). وورد: (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بهم رحيما وعليهم عطوفا، وفي إزالة الاثام عنهم مجتهدا، حتى أنه كان ينظر إلى من يخاطبه فتعمل (2) على أن يكون صوته مرتفعا على صوته، ليزيل عنه ما توعده الله من إحباط أعماله، حتى أن رجلا أعرابيا ناداه يوما خلف حائط بصوت له جهوري: يا محمد، فأجابه بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الأعرابي بارتفاع صوته) (3). (إن الذين يغضون أصواتهم): يخفضونها (عند رسول الله) مراعاة للأدب (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى): جربها لها ومرنها عليها (لهم مغفرة وأجر عظيم). (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات): من خارجها، خلفها أو قدامها، والمراد حجرات نسائه (أكثرهم لا يعقلون) إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة لمن كان بهذا المنصب. (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم). في (إليهم) إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم، ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم. (والله غفور رحيم) حيث اقتصر على النصح والتقريع. (يا أيها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا): فتعرفوا وتفحصوا. وفي


(1) - القمي 2: 318. (2) - أي: تكلف العمل. وتعمل، أي: تعنى. لسان العرب 11: 476 (عمل). (3) - تفسير الأمام عليه السلام: 477، الحديث: 305، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1192 ]

قراءتهم عليهم السلام بالثاء المثلثة والباء الموحدة (1)، يعني فتوقفوا حتى يتبين الحال (أن تصيبوا): كراهة إصابتكم (قوما بجهالة): جاهلين بحالهم (فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). (نزلت في الوليد بن عقبة (2)، حيث أخبر عن بني المصطلق بالارتداد، فهم المؤمنون بقتالهم). كذا ورد (3). (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم): لوقعتم في العنت، وهو الجهد والهلاك. وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالأيقاع ببني المصطلق. (ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان). قيل: هو خطاب للمؤمنين الذين لم يفعلوا ذلك ولم يكذبوا لغرضهم الفاسد، تحسينا لهم وتعريضا بذم من فعل (4). قال: (الفسوق: الكذب) (5). وورد: (الأيمان: أمير المؤمنين عليه السلام، والكفر والفسوق والعصيان: الأول والثاني والثالث) (6). (أولئك هم الراشدون) يعني أولئك الذين فعل الله بهم ذلك، هم الذين أصابوا الطريق السوي. (فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم). (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا): تقاتلوا (فأصلحوا بينهما) بالنصح


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 131، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مرت ترجمته ذيل الاية: 20 من سورة السجدة. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 132، عن ابن عباس ومجاهد. (4) - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 16: 314، بالمضمون. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 133، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكافي 1: 426، الحديث: 71، القمي 2: 319، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1193 ]

والدعاء إلى حكم الله (فإن بغت إحداهما على الأخرى): تعدت (فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله): ترجع إلى حكمه وما أمر به (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل): بفصل ما بينهما على ما حكم الله (وأقسطوا): واعدلوا في كل الأمور (إن الله يحب المقسطين). قيل: نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده صلى الله عليه وآله بالسعف والنعال (1). وورد: (إنما جاء تأويل هذه الاية يوم البصرة، وهم أهل هذه الاية، وهم الذين بغوا على أمير المؤمنين عليه السلام. قال: وهي الفئة الباغية) (2). (إنما المؤمنون إخوة) قال: (بنو أب وأم (3)، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الاخرون) (4). وفي رواية: (لأن الله خلق المؤمنين من طينة الجنان، وأجرى في صورهم من ريح الجنة، فلذلك هم إخوة لأب وأم) (5). (فأصلحوا بين أخويكم) ورد: (صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا) (6). (واتقوا الله لعلكم ترحمون). (يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء


(1) - الكشاف 3: 563، البيضاوي 5: 88. (2) - الكافي 8: 180، ذيل الحديث: 202، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - أريد بالأب روح الله الذي نفخ منه في طينة المؤمن، وبالأم الماء العذب والتربة الطيبة، لا آدم وحواء كما يتبادر إلى بعض الأذهان، لعدم اختصاص الانتساب إليهما بالأيمان. إلا أن يقال: تباين العقائد صار مانعا عن تأثير تلك الأخوة. لكنه بعيد. ويمكن أن يكون المراد اتحاد آبائهم الحقيقية الذين أحيوهم بالأيمان والعلم. مرآة العقول 9: 8. (4) - الكافي 2: 165، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - المصدر: 166، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكافي 2: 209، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1194 ]

من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) أي: لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر. القمي: نزلت في صفية بنت حي بن أخطب، وكانت زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله، وذلك أن عائشة وحفصة كانتا تؤذيانها، وتشتمانها وتقولان لها: يا بنت اليهودية. فشكت ذلك إلى رسول الله. فقال لها: ألا تجيبينهما ؟ فقالت: بماذا يا رسول الله ؟ قال: قولي: إن أبي هارون نبي الله، وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله، فما تنكران مني ؟ فقالت لهما. فقالتا: هذا علمك رسول الله، فأنزل الله (1). (ولا تلمزوا أنفسكم): ولا يعب بعضكم بعضا (ولا تنابزوا بالالقاب) ولا يدعو بعضكم بعضا بلقب السوء (بئس الاسم الفسوق بعد الأيمان) أي: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسق بعد دخولهم الأيمان واشتهارهم به. (ومن لم يتب) عما نهي عنه (فأولئك هم الظالمون) بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس للعذاب. (يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن): كونوا منه على جانب. وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل، حتى يعلم أنه من أي القبيل (إن بعض الظن إثم). ورد: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا) (2). (ولا تجسسوا): ولا تبحثوا عن عوارت المؤمنين. ورد: (لا تطلبوا عثرات المؤمنين، فإنه من يتبع (3) عثرات أخيه يتبع الله عثرته، ومن يتبع الله عثرته، يفضحه ولو


(1) - القمي 2: 321. (2) - الكافي 2: 362، الحديث: 3، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (3) - في المصدر: (تتبع) في جميع المواضع. (*)

[ 1195 ]

في جوف بيته) (1). (ولا يغتب بعضكم بعضا): ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته. سئل عن الغيبة فقال: (هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل (2)، وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه، لم يقم عليه فيه حد) (3). وفي رواية: (وأما الأمر الظاهر فيه، مثل الحدة والعجلة فلا) (4) (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه). تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات. (واتقوا الله إن الله تواب رحيم). روي: (إن أبا بكر وعمر بعثا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى أسامة بن زيد، وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وآله على رحله، فقال: ما عندي شئ، فعاد إليهما. فقالا: بخل أسامة، ولو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما ؟ ! قالا: يا رسول الله ما تناولنا اليوم لحما. قال: ظلتم تفكهون لحم سلمان وأسامة، فنزلت) (5). (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى): من آدم وحواء (وجعلناكم شعوبا وقبائل). قال: (الشعوب: العجم، والقبائل: العرب) (6). لتعارفوا: ليعرف بعضكم بعضا لا للتفاخر بالاباء والقبائل (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فإن التقوى تكمل


(1) - الكافي 2: 355، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) - المراد بما لم يفعل: العيب الذي لم يكن باختياره وفعله الله فيه كالعيوب البدنية، فيخص بما إذا كان مستورا. وهذا بناءا على أن (في دينه) صفة (لأخيك) أي: الذي أخوته بسبب دينه. ويمكن أن يكون (في دينه) متعلقا بالقول، أي: كان ذلك القول طعنا في دينه بنسبة كفر أو معصية إليه، ويدل على أن الغيبة تشتمل البهتان أيضا. مرآة العقول 10: 430. 3 - الكافي 2: 357، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 358، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكشاف 3: 569، البيضاوي 5: 89، جوامع الجامع: 459. 6 - مجمع البيان 9 - 10: 138، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1196 ]

النفوس وتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليلتمس منها. القمي: هو رد على من يفتخر بالأحساب والأنساب 1. وورد: (أتقاكم، أي: أعملكم بالتقية) 2. * (إن الله عليم) * بكم * (خبير) * ببواطنكم. * (قالت الأعراب آمنا) *. قيل: نزلت في نفر من بني أسد، قدموا المدينة في سنة جدبة 3 وأظهروا الشهادتين، وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، يريدون الصدقة ويمنون 4 * (قل لم تؤمنوا) * إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب، ولم يحصل لكم ولكن قولوا أسلمنا) * فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم، وإظهار الشهادة وترك المحاربة يشعر به. وكان نظم الكلام أن يقول: لا تقولوا: آمنا، ولكن قولوا: أسلمنا، إذ لم تؤمنوا ولكن أسلمتم. فعدل منه إلى هذا النظم، احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم، وقد فقد شرط اعتباره شرعا. ورد: (الإسلام علانية والإيمان في القلب) 5. وفي رواية: (الإسلام قبل الإيمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون) 6. * (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) * توقيت ل‍ (قولوا). * (وإن تطيعوا الله ورسوله) * بالإخلاص وترك النفاق * (لا يلتكم من أعمالكم) *: لا ينقصكم من أجورها * (شيئا إن الله غفور رحيم) *.


1 - القمي 2: 322. 2 - كمال الدين 2: 371، الباب: 35، الحديث: 5، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - أجدبت البلاد: قحطت وغلت أسعارها، مجمع البحرين 2: 22 (جدب). 4 - البيضاوي 5: 89. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 138، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 6 - الكافي 1: 173، ذيل الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1197 ]

* (إنما المؤمنون الذين امنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) * الذين صدقوا في ادعاء الإيمان. القمي: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام 1. * (قل أتعلمون الله بدينكم) *: أتخبرونه به لقولكم آمنا والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شئ عليم) *: لا يخفى عليه خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ. روي: (إنه لما نزلت الآية المتقدمة جاؤوا وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون، فنزلت هذه) 2. * (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم) *: بإسلامكم * (بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان) * على ما زعمتم، مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء. * (إن كنتم صادقين) * في ادعاء الإيمان. القمي: نزلت في عثمان، ثم ذكر عنه كلمة قالها لرسول الله صلى الله عليه وآله فيها المنة، في قصة له مع سلمان 3. * (إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون في سركم وعلانيتكم.


1 - القمي 2: 322. 2 - البيضاوي 5: 90. 3 - القمي 2: 322. (*)

[ 1198 ]

سورة ق [ مكية، وهي خمس وأربعون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (ق والقران المجيد) *. قال: (ق جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر، فخضرة السماء من ذلك الجبل) 2. وفي رواية: (وبه يمسك الله الأرض أن تميد بأهلها) 3. والقمي: جبل محيط بالدنيا من وراء يأجوج ومأجوج 4. * (بل عجبوا) * يعني قريشا * (أن جاءهم منذر منهم) * يعني رسول الله * (فقال الكافرون هذا شئ عجيب. * (أإذا متنا أي: أنرجع إذا متنا ؟ ! * (وكنا ترابا ذلك رجع بعيد) *. القمي: نزلت في أبي بن خلف، قال لأبي جهل: تعال إلي لأعجبك من محمد، ثم أخذ عظما ففته ثم قال: يا محمد تزعم أن هذا يحيى ؟ ! 5 * (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) *: ما تأكل الأرض من أجساد موتاهم * (وعندنا


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 - معاني الأخبار: 22، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 323. 5 - القمي 2: 323. (*)

[ 1199 ]

كتاب حفيظ. * (بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج) *: مضطرب، فتارة يقولون: إنه شاعر، وتارة إنه ساحر، وتارة إنه كاهن، إلى غير ذلك. * (أفلم ينظروا) * حين كفروا بالبعث * (إلى السماء فوقهم) *: إلى آثار قدرة الله في خلق العالم * (كيف بنيناها) *: رفعناها بلا عمد * (وزيناها) * بالكواكب * (وما لها من فروج) *: فتوق، بأن خلقها ملساء، متلاصقة الطباق. * (والأرض مددناها) *: بسطناها * (وألقينا فيها رواسي) *: جبالا ثوابت * (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) *: من كل صنف حسن. * (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) *: راجع إلى ربه، متفكر في بدائع صنعه. * (ونزلنا من السماء ماء مباركا) *: كثير المنافع. قال: (ليس من ماء في الأرض إلا وقد خالطه ماء السماء) 1. * (فأنبتنا به جنات) *: أشجارا وأثمارا * (وحب الحصيد) *: وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد، كالبر والشعير. * (والنخل باسقات) *: مرتفعات أو حوامل، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها، وكثرة منافعها * (لها طلع نضيد) *: منضود بعضه فوق بعض. * (رزقا للعباد وأحيينا به) *: بذلك الماء * (بلدة ميتا) *: أرضا جدبة لا نماء فيها * (كذلك الخروج) *: كما أنزلنا الماء من السماء، وأخرجنا به النبات من الأرض، وأحيينا البلدة الميت، يكون خروجكم أحياء بعد موتكم. وهو جواب لقولهم:) أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد (. * (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس) * الذين رسوا نبيهم في الأرض. أي: دسوه 2، كما سبق في الفرقان 3. وثمود) *.


1 - الكافي 6: 387، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام.، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - دسست الشئ في التراب أدسه: أخفيته فيه. الصحاح 3: 928 (دسس). 3 - ذيل الآية: 38. (*)

[ 1200 ]

* (وعاد وفرعون وإخوان لوط) *. * (وأصحاب الأيكة) *: الغيضة، وهم قوم شعيب، كما مر في الحجر 1. وقوم تبع) *. مضى ذكره في الدخان 2. * (كل كذب الرسل فحق وعيد) *: فوجب وحل عليه وعيدي. وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وآله، وتهديد لهم. * (أفعيينا بالخلق الأول) *: أفعجزنا عن الأبداء حتى نعجز عن الإعادة * (بل هم في لبس من خلق جديد) * أي: هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة في خلق مستأنف، لما فيه من مخالفة العادة. قال: (تأويل ذلك: أن الله تعالى إذا أفنى هذا الخلق وهذا العالم، وسكن أهل الجنة وأهل النار النار، جدد الله عالما غير هذا العالم، وجدد خلقا من غير فحولة ولا إناث، يعبدونه ويوحدونه، وخلق لهم أرضا غير هذه الأرض تحملهم، وسماء غير هذه السماء تظلهم، لعلك ترى أن الله إنما خلق هذا العالم الواحد، أو 3 ترى أن الله لم يخلق بشرا غيركم ! بلى والله لقد خلق ألف ألف عالم وألف ألف آدم ! أنت في آخر تلك العوالم، وأولئك الآدميين) 4. * (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) *: ما تحدث به نفسه، وهو ما يخطر بالبال. والوسوسة: الصوت الخفي. * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) *: عرق العنق، وهو مثل في القرب. * (إذ يتلقى المتلقيان) *: إذ يتلقى 5 الحفيظان ما يتلفظ به. وفيه إشعار بأنه غني عن


1 - ذيل الآية: 78. 2 - ذيل الآية: 37. 3 - في المصدر: (وترى). 4 - التوحيد: 277، الباب: 38، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - في (ج): (إذ يتلقن). (*)

[ 1201 ]

استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما، لأنه أقرب إليه منهما، ولكنه لحكمة اقتضته من تشديد في تثبط العبد عن المعصية، وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء، وإلزام الحجة يوم يقوم الأشهاد. * (عن اليمين وعن الشمال قعيد) *. * (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب) *: ملك يرقب عمله * (عتيد) *: معد حاضر. قال: (ما من قلب إلا وله أذنان، على إحداهما ملك مرشد وعلى الأخرى شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي، والملك يزجره عنها، وهو قول الله:) عن اليمين وعن الشمال قعيد) 1. * (وجاءت سكرة الموت) *: شدته الذاهبة بالعقل * (بالحق) * يعني يلاقونها عن قريب. القمي: نزلت: وجاءت سكرة الحق بالموت 2. * (ذلك ما كنت منه تحيد) *: تميل وتفر عنه، والخطاب للإنسان. * (ونفخ في الصور) * يعني نفخة البعث * (ذلك يوم الوعيد) *: يوم تحقق الوعيد وإنجازه. * (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) * قال: (سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها) 3. * (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك) *: ما حجبك عن أمور معادك، وهو الغفلة والانهماك في المحسوسات والألف بها وقصور النظر عليها. * (فبصرك اليوم حديد) *: نافذ، لزوال المانع للإبصار. (وقال قرينه) * قال: (يعني الملك الشهيد عليه) 4. * (هذا ما لدي عتيد) *: هذا ما


1 - الكافي 2: 266، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 324. 3 - نهج البلاغة: 116، الخطبة: 85. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 146، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (*)

[ 1202 ]

هو مكتوب عندي حاضر لدي. * (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) * قيل: خطاب من الله للسائق والشهيد 1. والقمي: مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وذلك قول الصادق عليه السلام: (علي قسيم الجنة والنار) 2. وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد، كنت أنا وأنت يومئذ عن يمين العرش، ثم يقول الله تبارك وتعالى لي ولك: قوما فألقيا من أبغضكما وكذبكما في النار، وأدخلا الجنة من أحبكما، وذلك قوله تعالى:) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) 3. * (مناع للخير) *: كثير المنع للمال، من حقوقه المفروضة * (معتد) *: متعد * (مريب) *: شاك في الله وفي دينه. * (الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد) *. * (قال قرينه) *: الشيطان المقيض له * (ربنا ما أطغيته) * كأن الكافر قال: هو أطغاني فقال قرينه: ما أطغيته * (ولكن كان في ضلال بعيد) * فأعنته عليه، فإن إغواء الشيطان إنما يؤثر فيمن كان مختل الرأي، مائلا إلى الفجور، كما قال:) وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فأستجبتم لي 4. * (قال أي: الله * (لا تختصموا لدي) * أي: في موقف الحساب، فإنه لا فائدة فيه * (وقد قدمت إليكم بالو عيد) * على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فلم يبق لكم حجة. * (ما يبدل القول لدي) * بوقوع الخلف فيه * (وما أنا بظلام للعبيد) * فأعذب من ليس لي تعذيبه.


1 - الكشاف 4: 7، البيضاوي 5: 93. 2 - القمي 2: 324. 3 - المصدر، وفي الأمالي (للطوسي) 1: 296 و 378، ومجمع البيان 9 - 10: 147 ما يقرب منه. 4 - إبراهيم (14): 22. (*)

[ 1203 ]

* (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) * قيل: تخييل وتصوير، يعني كأنها مع سعتها يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ، فتطلب الزيادة 1. والقمي: هو استفهام، لأن الله وعد النار أن يملأها، فيمتلئ النار، ثم يقول لها:) هل امتلأت (وتقول:) هل من مزيد (على حد الا ستفهام، أي: ليس في مزيد، فتقول الجنة: يا رب وعدت النار أن تملأها، ووعدتني أن تملأني فلم تملأني وقد ملأت النار، فيخلق الله يومئذ خلقا فيملأ بهم الجنة. فقال أبو عبد الله عليه السلام: (طوبى لهم ! لم يروا غموم الدنيا وهمومها) 2. * (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد) * قيل: أي: قربت لهم مكانا غير بعيد 3. والقمي: أي: زينت لهم بسرعة 4. * (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) *: رجاع إلى الله، حافظ لحدود الله. * (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب) *. * (ادخلوها) * يقال لهم: ادخلوها * (بسلام) *: سالمين من العذاب وزوال النعم، أو مسلما عليكم من الله وملائكته * (ذلك يوم الخلود) *. * (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) وهو مالا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. القمي: النظر إلى رحمة الله 5. * (وكم أهلكنا قبلهم) *: قبل قومك * (من قرن هم أشد منهم بطشا: قوة، كعاد وثمود


1 - البيضاوي 5: 93. 2 - القمي 2: 326. 3 - البيضاوي 5: 93. 4 - القمي 2: 327. 5 - القمي 2: 327. (*)

[ 1204 ]

* (فنقبوا في البلاد) *: فخرقوا البلاد وتصرفوا في الأرض، أو جالوا فيها كل مجال * (هل من محيص) * لهم من الله، أو من الموت. * (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) * أي: قلب واع يتفكر في حقائقه، قال: (يعني عقل) 1. * (أو ألقى السمع) *: أو أصغى لاستماعه * (وهو شهيد) *: حاضر بذهنه ليفهم معانيه. * (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) * مر تفسيره 2. * (وما مسنا من لغوب: من تعب وإعياء، (رد لما زعمته اليهود: أنه سبحانه استراح بعد خلقها). كذا ورد 3. * (فاصبر على ما يقولون) * من وصف الحق سبحانه بما لا يليق بجنابه * (وسبح بحمد ربك) *: ونزهه عن الوصف بما يوجب التشبيه، حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها. * (قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) * يعني: الفجر والعصر. قال: (تقول حين تصبح وحين تمسي عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت 4 وهو على كل شئ قدير) 5. * (ومن الليل فسبحه) *: وسبحه بعض الليل * (وأدبار السجود) *: وأعقاب الصلاة، قال: (ركعتان بعد المغرب) 6، وفي رواية: (أربع) 7، وفي أخرى: (الوتر من آخر الليل) 8.


1 - الكافي 1: 16، ذيل الحديث الطويل: 12، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 2 - في سورة الأعراف (7) ذيل الآية: 54. 3 - روضة الواعظين 2: 394. 4 - في (ألف) زيادة: (وهو حي لا يموت بيده الخير). 5 - مجمع البيان 9 - 10: 150، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 3: 444، الحديث: 11، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 150، عن النبي، وأمير المؤمنين، وحسن بن علي صلوات الله عليهم. 7 - القمي 2: 327، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 8 - مجمع البيان 9 - 10: 150، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1205 ]

* (واستمع يوم يناد المناد قيل: للبعث وفصل القضاء 1. والقمي: ينادي المنادي باسم القائم واسم أبيه 2. * (من مكان قريب) * بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء. * (يوم يسمعون الصيحة بالحق) * القمي: صيحة القائم من السماء 3. * (ذلك يوم الخروج) * قال: (هي الرجعة) 4. * (إنا نحن نحيي ونميت) * في الدنيا * (وإلينا المصير) * في الآخرة. * (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) *: مسرعين * (ذلك حشر) *: بعث وجمع * (علينا يسير: هين. القمي: في الرجعة 5. * (نحن أعلم بما يقولون) * تسلية للنبي صلى الله عليه وآله، وتهديد لهم. * (وما أنت عليهم بجبار) *: بمسلط، تقهرهم على الإيمان، أو تفعل بهم ما تريد، وإنما أنت داع * (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) * لأنه المنتفع بالتذكير.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 150. 2 و 3 - القمي 2: 327. 4 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر. (*)

[ 1206 ]

سورة الذاريات [ مكية، وهي ستون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (والذاريات ذروا) * قال: (الريح) 2. * (فالحاملات وقرا) * قال: (السحاب) 3. * (فالجاريات يسرا) * قال: (السفن) 4. * (فالمقسمات أمرا) * قال: (الملائكة) 5. القمي: وهو قسم كله 6. * (إنما توعدون لصادق) *. * (وإن الدين لواقع) * جواب القسم، والدين: الجزاء. * (والسماء ذات الحبك) * قال: (ذات الحسن والزينة) 7. وفي رواية قال: (هي محبوكة إلى الأرض، وشبك بين أصابعه) (8). يعني على كل


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 إلى 5 - القمي 2: 327، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام، الاحتجاج 1: 386، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - القمي 2: 327. 7 - مجمع البيان 9 - 10: 153، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 8 - القمي 2: 328، مجمع البيان 9 - 10: 153، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1207 ]

أرض سماء، وعلى كل سماء أرض، ويأتي بيانه في سورة الطلاق 1. * (إنكم لفي قول مختلف قال: (في أمر الولاية) 2. * (يؤفك عنه من أفك) *: يصرف عنه من صرف. قال: (من أفك عن الولاية أفك عن الجنة) 3. * (قتل الخراصون) *: الكذابون. القمي: الذين يخرصون الدين بآرائهم من غير علم ولا يقين 4. * (الذين هم في غمرة) *: في جهل وضلال يغمرهم * (ساهون) *: غافلون عما أمروا به * (يسألون أيان يوم الدين) *: متى يكون يوم الجزاء ؟. * (يوم هم على النار يفتنون) *: يحرقون ويعذبون. * (ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون) *. * (إن المتقين في جنات وعيون) *. * (آخذين ما آتاهم ربهم) *: قابلين له، راضين به. ومعناه: أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول. * (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) *: قد أحسنوا أعمالهم، فهم مستحقون لذلك. * (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) *: ينامون. قال: (كانوا أقل الليالي يفوتهم 5، لا يقومون فيها) 6. وفي رواية: (كان القوم ينامون، ولكن كلما انقلب أحدهم قال: الحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) 7.


1 - ذيل الآية: 12. 2 و 3 - الكافي 1: 422، الحديث: 48، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 2: 329. 5 - في المصدر: (تفوتهم). 6 - الكافي 3: 446، الحديث: 18، التهذيب 2: 336، الحديث: 1386، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - التهذيب 2: 335، الحديث: 1384، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1208 ]

* (وبالاسحار هم يستغفرون) * قال: (كانوا يستغفرون في الوتر، في آخر الليل سبعين مرة) 1. * (وفي أموالهم حق) *: نصيب، يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله، وإشفاقا على الناس * (للسائل والمحروم) *. قال: (المحروم: المحارف 2 الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع) 3. وفي رواية: (الذي ليس بعقله بأس، ولا يبسط له في الرزق، وهو محارف) 4. * (وفي الأرض آيات للموقنين) *: دلائل تدل على عظمة الله وعلمه، وكمال قدرته وفرط رحمته. * (وفي أنفسكم) * أي: آيات. قال: (يعني أنه خلقك سميعا بصيرا، تغضب وترضى وتجوع وتشبع، وذلك كله من آيات الله) 5. وسئل أمير المؤمنين عليه السلام: بما عرفت ربك ؟ قال: (بفسخ العزائم ونقض الهمم، لما أن هممت فحال بيني وبين همي، وعزمت فخالفت القضاء عزمي، علمت أن المدبر غيري) 6. * (أفلا تبصرون) *: تنظرون نظر من يعتبر. * (وفي السماء رزقكم وما توعدون. القمي: المطر ينزل من السماء فتخرج به أقوات العالم من الأرض، وما توعدون من أخبار الرجعة والقيامة، والأخبار التي في السماء 7.


1 - التهذيب 2: 130، الحديث: 498، مجمع البيان 9 - 10: 155، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المحارف: المحدود المدبر، وهو خلاف قولك: مبارك. كتاب العين 3: 210، الصحاح 4: 1342 (حرف). 3 - الكافي 3: 500، الحديث: 12، التهذيب 4: 108، الحديث: 312، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر، ذيل الحديث: 12، التهذيب 4: 108، الحديث: 313، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 156، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الخصال 1: 33، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، التوحيد: 288، الباب: 41، الحديث: 6، عن أبي جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، وجاء صدر الحديث في نهج البلاغة: 511، الحكمة: 250. 7 - القمي 2: 330. (*)

[ 1209 ]

وسئل عن أرزاق الخلائق ؟ فقال: (في السماء الرابعة، تنزل بقدر، وتبسط بقدر) 1. * (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) * أي: مثل نطقكم، كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون، ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك. * (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. * (إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام) * عدل به إلى الرفع لقصد الثبات، حتى يكون تحيته أحسن من تحيتهم، * (قوم منكرون) * أي: أنتم قوم منكرون. * (فراغ إلى أهله) *: فذهب إليهم في خفية من ضيفه، فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى، حذرا من أن يكفه الضيف، أو يصير منتظرا. * (فجاء بعجل سمين) * إذ كان عامة ماله البقر. * (فقربه إليهم قال ألا تأكلون) *. * (فأوجس منهم خيفة) *: فأضمر منهم خوفا لما رآى من إعراضهم عن طعامه، لظنه أنهم جاؤوه لشر. * (قالوا لا تخف) * إنا رسل ربك * (وبشروه بغلام) * هو إسحاق * (عليم) *: يكمل علمه إذا بلغ. * (فأقبلت امرأته) *: سارة * (في صرة) * قال: (في جماعة) 2. * (فصكت وجهها) * قيل: لطمته تعجبا 3. والقمي: أي: غطته 4. * (وقالت عجوز عقيم) * أي: أنا عجوز عجوز عاقر، فكيف ألد ؟ ! * (قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم) *. * (قال فما خطبكم أيها المرسلون) * لما علم أنهم ملائكة، وأنهم لا ينزلون


1 - القمي 2: 271، في ذيل الآية: 7 من سورة الشورى، عن حسن بن علي عليهما السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 157، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر، عن الكلبي ومقاتل، الكشاف 4: 18، البيضاوي 5: 97. 4 - القمي 2: 330. (*)

[ 1210 ]

مجتمعين إلا لأمر عظيم، سأل عنه. * (قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) * يعنون قوم لوط. * (لنرسل عليهم حجارة من طين) * أي: السجيل، فإنه طين متحجر. * (مسومة: مرسلة أو معلمة * (عند ربك للمسرفين) *: المجاوزين الحد في الفجور. * (فأخرجنا من كان فيها) *: في قرى قوم لوط * (من المؤمنين) *. * (فما وجدنا فيها غير بيت) *: أهل بيت * (من المسلمين) * قال: (هي منزل لوط) 1. * (وتركنا فيها آية) *: علامة * (للذين يخافون العذاب الأليم) *. * (وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين) *. * (فتولى بركنه) *: فأعرض بما يتقوى به من جنوده * (وقال ساحر أو مجنون) *. * (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم) *: آت بما يلام عليه، من الكفر والعناد. * (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) *. سميت عقيما لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أو لأنها لم تتضمن منفعة. ورد: (الرياح خمسة، منها الريح العقيم، فتعوذوا بالله من شرها) 2. * (ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) *: كالرماد. * (وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين) *: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. * (فعتوا عن أمر ربهم) *: فاستكبروا عن امتثاله * (فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون) *. * (فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين) *: ممتنعين منه. * (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين) *: خارجين عن الاستقامة. * (والسماء بنيناها بأيد) *: بقوة * (وإنا لموسعون) * قيل: أي: لقادرون، من الوسع


1 - علل الشرائع 2: 548، الباب: 340، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، بالمضمون. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 345، الحديث: 1527، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (فنعوذ بالله من شرها). (*)

[ 1211 ]

بمعنى الطاقة، أو لموسعون السماء 1. * (والأرض فرشناها) *: مهدناها لتستقروا عليها * (فنعم الماهدون) * نحن. * (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) *. قال: (بمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد بالحرور، مؤلفا بين متعادياتها، مفرقا بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله،) ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (ففرق بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد) الحديث 2. * (ففرواإلى الله) * قال: (حجواإلى الله) 3. والحج القصد والقدوم. قيل: أي: فروا من عقابه إلى الأيمان والتوحيد وملازمة الطاعة 4. * (إني لكم منه نذير مبين) *. * (ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين) *. كرره للتأكيد، أو الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني على الإشراك. * (كذلك) * إشارة إلى تكذيبهم وتسميتهم الرسول ساحراأو مجنونا * (ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) *. * (أتواصوا به) * أي: كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضا بهذا القول، حتى قالوه جميعا. * (بل هم قوم طاغون) * إضراب عن كونه تواصيا إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه. * (فتول عنهم) *: فأعرض عن مجادلتهم بعد ما كررت عليهم الدعوة، فأبوا إلا الأصرار


1 - البيضاوي 5: 97. 2 - الكافي 1: 139، ذيل الحديث: 4، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 3 - الكافي 4: 256، الحديث: 21، معاني الأخبار: 222، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي مجمع البيان 9 - 10: 160، عن أبي عبد الله عليه السلام ما يقرب منه. 4 - البيضاوي 5: 98. (*)

[ 1212 ]

والعناد. * (فما أنت بملوم) * على الإعراض بعد بذل جهدك في البلاغ. * (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) *: فإنها تزداد بصيرة. قال: (أراد هلاكهم، ثم بدا لله فقال:) وذكر) 1. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (لما نزلت) فتول عنهم (لم يبق أحد منا إلا أيقن بالهلكة، فلما نزل) وذكر (الآية طابت أنفسنا 2). * (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) * قال: (خلقهم ليأمرهم بالعبادة) 3. والقمي: خلقهم للأمر والنهي والتكليف، ليست خلقة جبر أن يعبدوه، ولكن خلقة اختيار، ليختبرهم بالأمر والنهي ومن يطع الله ومن يعصي 4. وفي رواية: (ما خلق العباد إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، وإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، قيل: فما معرفة الله ؟ قال: معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي تجب عليهم طاعته) 5. * (ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) * كما هو شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم، تعالى الله عن ذلك. * (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) *. * (فإن للذين ظلموا ذنوبا) *: نصيبا من العذاب * (مثل ذنوب أصحابهم) *: مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة * (فلا يستعجلون) * القمي: العذاب 6. * (فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) *: من يوم القيامة، أو الرجعة.


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 181، الباب: 13، ذيل الحديث: 1. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 161، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - علل الشرائع 1: 13، الباب: 9، الحديث: 10، العياشي 2: 164، الحديث: 83، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 331. 5 - علل الشرائع 1: 9، الباب: 9، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن حسين بن علي عليهم السلام. 6 - لم نعثر عليه في تفسير القمي المطبوع، ولعله سقط من النساخ، لأنه بعينه موجود في النسخة المخطوطة من تفسير القمي، الموجودة في مكتبة الأعلام الإسلامي، تحت رقم: 26818. (*)

[ 1213 ]

سورة الطور [ مكية، وهي تسع وأربعون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (والطور) *: طور سينين، وهو جبل بمدين، سمع فيها موسى كلام الله. * (وكتاب مسطور) *. * (في رق منشور) *. الرق: الجلد الذي يكتب فيه، استعير لما كتب فيه. وفي التنكير تعظيم، وإشعار بأنهما ليسا من المتعارف بين الناس. * (والبيت المعمور) *. ورد: (إن الله وضع تحت العرش أربع أساطين وسماهن الضراح، وهو البيت المعمور، وقال للملائكة: طوفوابه) 2. وفي رواية: (ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبدا) 3. * (والسقف المرفوع) * قال: (السماء) 4. * (والبحر المسجور) *: الموقد، القمي: يسجر يوم القيامة 5.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - مجمع البيان 1 - 2: 207، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 و 4 - المصدر 9 - 10: 163، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - القمي 2: 331. (*)

[ 1214 ]

وروي: (إن الله يجعل يوم القيامة البحار نارا يسجر بها جهنم) 1. * (إن عذاب ربك لواقع) * جواب القسم باقسامه. * (ما له من دافع) *. * (يوم تمور السماء مورا) *: تضطرب. * (وتسير الجبال سيرا) * القمي: أي: تسير مثل الريح 2. وفي رواية: (يعني تبسط) 3. * (فويل يومئذ للمكذبين) *. * (الذين هم في خوض يلعبون) *: يخوضون في المعاصي. * (يوم يدعون إلى نار جهنم دعا) *: يدفعون بعنف. * (هذه النار التي كنتم بها تكذبون) *. * (أفسحر هذا أي: كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، فهذا المصداق أيضا سحر ؟ ! * (أم أنتم لا تبصرون) * كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدل عليه، وهو تقريع وتهكم. * (إصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون) *. * (إن المتقين في جنات ونعيم) *. * (فاكهين) *: ناعمين متلذذين * (بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) *. * (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) *. * (متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين) *. * (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم) *. قال: (قصرت الأبناء عن عمل الآباء، فالحقوا الأبناء بالآباء، لتقر بذلك أعينهم) 4.


1 - الكشاف 4: 23، البيضاوي 5: 99. 2 - القمي 2: 332. 3 - المصدر: 252، ذيل الآية: 68 من سورة الزمر، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 4 - الكافي 3: 249، الحديث: 5، من لا يحضره الفقيه 3: 316، الحديث: 1537، التوحيد: 394، الباب: 61، (*)

[ 1215 ]

وفي رواية: (أطفال المؤمنين يهدون إلى آبائهم يوم القيامة) 1. * (وما ألتناهم من عملهم من شئ) *: وما نقصناهم بهذا الألحاق، بل نتفضل عليهم. قال: (الذين آمنوا النبي وأمير المؤمنين وذريته الأئمة والأوصياء عليهم السلام ألحقنا بهم، ولم ننقص ذريتهم الحجة التي جاء بها محمد في علي، وحجتهم واحدة، وطاعتهم واحدة) 2. * (كل امرئ بما كسب رهين) * فإن عمل صالحا فكه، وإلا أهلكه. * (وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) * وقتا بعد وقت. * (يتنازعون فيها) *: يتعاطون هم وجلساؤهم بتجاذب * (كأسا) *: خمرا * (لا لغو فيها ولا تأثيم) *: لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، كما هو عادة الشاربين في الدنيا. * (ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون) *: مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم. ورد: (والذي نفسي بيده: إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) 3. * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون. * (قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين) *. القمي: أي: خائفين من العذاب 4. * (فمن الله علينا) * بالرحمة * (ووقانا عذاب السموم) * القمي: الحر الشديد 5.


الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 1 - مجمع البيان 9 - 10: 166، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي القمي 2: 332، عنه عليه السلام ما يقرب منه. 2 - الكافي 1: 275، الحديث: 1، القمي 2: 332، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 166، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 و 5 - القمي 2: 332. (*)

[ 1216 ]

* (إنا كنا من قبل) * في الدنيا * (ندعوه) *: نعبده * (إنه هو البر الرحيم) *. * (فذكر) *: فاثبت على التذكير، ولا تكترث بقولهم * (فما أنت بنعمة ربك) *: بحمد الله وإنعامه * (بكاهن ولا مجنون) * كما يقولون. * (أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) *: ما يقلق النفوس من حوادث الدهر. * (قل تربصوا فإني معكم من المتربصين) *: أتربص هلاككم، كما تتربصون هلاكي. * (أم تأمرهم أحلامهم) *: عقولهم، القمي: لم يكن في الدنيا أحلم من قريش 1. * (بهذا) *: بهذا التناقض في القول، فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله، والشاعر يكون ذا كلام مخيل موزون، ولا يتأتى ذلك من المجنون. * (أم هم قوم طاغون) *: مجاوزون الحد في العناد. * (أم يقولون تقو له) *: اختلقه من تلقاء نفسه * (بل لا يؤمنون) * فيرمون بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم. * (فليأتوا بحديث مثله) *: مثل القرآن * (إن كانوا صادقين) *. * (أم خلقوا من غير شئ) *: أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر، فلذلك لا يعبدونه ؟ ! * (أم هم الخالقون) *: أم خلقوا أنفسهم ؟ ! * (أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) * إذ لو أيقنوا لما أعرضوا عن عبادته. * (أم عندهم خزائن ربك) *: خزائن علمه ورزقه، حتى يختاروا للنبوة، ويرزقوها من شاؤوا * (أم هم المصيطرون) *: الغالبون على الأشياء، يدبرونها كيف شاؤوا. * (أم لهم سلم) *: مرقاة إلى السماء * (يستمعون فيه) *: صاعدين فيه إلى كلام الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا ما هو كائن * (فليأت مستمعهم بسلطان مبين) *: بحجة واضحة، تصدق استماعة.


1 - المصدر: 333. (*)

[ 1217 ]

* (أم له البنات ولكم البنون) * حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله. فيه تسفيه لهم، وإشعار بأن من هذا رأيه لا يعد من العقلاء، فضلا أن يترقى بروحه إلى عالم الملكوت، فيتطلع على الغيوب. * (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم) *: من التزام غرم * (مثقلون) * فلذلك زهدوا في اتباعك. * (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) * منه. * (أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون) *: هم الذين يحيق بهم الكيد. * (أم لهم إله غير الله) * يعينهم ويحرسهم من عذابه * (سبحان الله عما يشركون. * (وإن يروا كسفا) *: قطعة * (من السماء ساقطا يقولوا) * من فرط طغيانهم وعنادهم * (سحاب مركوم) *: هذا سحاب تراكم بعضها على بعض. وهو جواب قولهم:) فأسقط علينا كسفا من السماء 1. * (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) *. * (يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون) *. * (وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك) *: دون عذاب الآخرة. القمي: عذاب الرجعة بالسيف 2. * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) *. * (واصبر لحكم ربك) * في إمهالهم وإبقائك في عنائهم * (فإنك بأعيننا) *: في حفظنا وحرزنا، بحيث نراك ونكلؤك 3. وجمع العين مبالغة بكثرة أسباب الحفظ. * (وسبح بحمد


1 - الشعراء (26): 187. 2 - القمي 2: 333. 3 - كلأك الله كلاءة، أي حفظك وحرسك. كتاب العين 5: 407 (كلأ). (*)

[ 1218 ]

ربك حين تقوم القمي: لصلاة الليل 1. * (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) *: وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. قال: (يعني الركعتين قبل صلاة الفجر) 2.


1 - القمي 2: 333. 2 - الكافي 3: 444، الحديث: 11، عن أبي جعفر عليه السلام، القمي 2: 333، عن الرضا عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 170، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وفيه أيضا: 150، عن علي بن أبي طالب وحسن بن علي، عن رسول الله صلوات الله عليهم. (*)

[ 1219 ]

سورة النجم [ مكية، وهي اثنتان وستون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم * (والنجم إذا هوى) *: أقسم بالنجم إذا سقط. * (ما ضل صاحبكم) *: ما عدل محمد صلى الله عليه وآله عن الطريق المستقيم * (وما غوى: وما اعتقد باطلا، والمراد نفي ما ينسبون إليه. * (وما ينطق عن الهوى. * (إن هو) * أي: الذي ينطق به * (إلا وحى يوحى) *: يوحيه الله إليه. قال: (يقول: ما ضل في علي وما غوى، وما ينطق فيه عن الهوى، وما كان ما قاله فيه إلا بالوحي الذي أوحي إليه) 2. وورد: (إنه قال سينقض كوكب من السماء مع طلوع الفجر فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيي وخليفتي والإمام بعدي، فلما كان قرب الفجر جلس كل ينتظر سقوط الكوكب في داره، فلما طلع الفجر انقض الكوكب من الهواء في دار علي عليه السلام، فقال صلى الله عليه وآله لعلي: والذي بعثني بالنبوة، لقد وجبت لك الوصية والخلافة والإمامة


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - القمي 2: 334، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1220 ]

بعدي فقال المنافقون: لقد ضل محمد في محبة ابن عمه وغوى، وما ينطق في شأنه إلا بالهوى. فأنزل الله الايات. يقول الله عزوجل: وخالق النجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم، يعني في محبة علي، وما غوى، وما ينطق عن الهوى، يعني في شأنه) 1. وفي رواية قال: (أقسم بقبر 2 محمد إذا قبض ما ضل صاحبكم بتفضيله أهل بيته وما غوى، وما ينطق عن الهوى يقول: ما يتكلم بفضل أهل بيته بهواه) 3. * (علمه شديد القوى) * قيل: يعني جبرئيل 4. والقمي: يعني الله عزوجل 5. * (ذو مرة) * قيل: أي: ذو حصافة 6 في عقله ورأيه 7 * (فاستوى) *: فاستقام. قيل: يعني جبرئيل استقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله عليها 8، فإنه روي: (ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمد صلى الله عليه وآله، مرة في السماء ومرة في الأرض) 9. والقمي: يعني رسول الله صلى الله عليه وآله 10. وورد: (ما بعث الله نبيا إلا صاحب مرة سوداء صافية) 11. * (وهو بالاءفق الأعلى) * قيل: يعني جبرئيل 12، والقمي: يعني رسول الله 13.


1 - الأمالي (للصدوق): 453، المجلس: 83، الحديث: 4، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه أيضا: 468، المجلس: 86، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام ما يقرب منه. 2 - في المصدر: (اقسم بقبض محمد). 3 - الكافي 8: 380، الحديث: 574، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 265، البيضاوي 5: 101. 5 - القمي 2: 334. 6 - الحصيف: المحكم العقل. الصحاح 4: 1344 (حصف). 7 - الكشاف 4: 28، البيضاوي 5: 101. 8 - البيضاوي 5: 101. 9 - البيضاوي 5: 101. 10 - القمي 2: 334. 11 - المصدر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 12 - جامع البيان (للطبري) 27: 26، عن الربيع، وتفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 265، عن عكرمة. 13 - القمي 2: 334. (*)

[ 1221 ]

* (ثم دنا) * قيل: يعني جبرئيل من رسول الله 1 والقمي: يعني رسول الله من ربه 2. * (فتدلى) *: فزاد منه دنوا، وأصل التدلي استرسال مع تعلق. قال: (لا تقرأ هكذا، إقرأ: ثم دنا فتدانى) 3. وفي رواية: (إن هذه لغة قريش، إذا أراد الرجل منهم أن يقول: قد سمعت، يقول: قد تدليت، وإنما التدلي الفهم) 4. * (فكان قاب قوسين) *: قدرهما. قال: (ما بين سيتها إلى رأسها) 5. أقول: سية القوس ما عطف من طرفيها، وهو تمثيل للمقدار المعنوي الروحاني بالمقدار الصوري الجسماني، والقرب المكانتي بالدنو المكاني، تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا. فسر عليه السلام مقدار القوسين بمقدار طرفي القوس الواحد المنعطفين، كأنه جعلا كلا منهما قوسا على حدة، فيكون مقدار مجموع القوسين مقدار قوس واحد، وهي المسماة بقوس الحلقة، وهي قبل أن يهيأ للرمي فإنها حينئذ تكون شبه دائرة، والدائرة تنقسم بما يسمى بالقوس. وفي التعبير عن مثل هذا المعنى بمثل هذه العبارة إشارة لطيفة إلى أن السائر بهذا السير منه سبحانه نزل وإليه صعد، وأن الحركة الصعودية كانت انعطافية، وأنها لم تقع على نفس المسافة النزولية، بل على مسافة أخرى، فسيره كان من الله، وإلى الله، وفي الله، وبالله، ومع الله جل جلاله. * (أو أدنى) * قال (أي: بل أدنى) 6، وفي رواية: (دنا من حجب النور فرأى ملكوت


1 - جامع البيان (للطبري) 27: 26، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 17: 89. 2 - القمي 2: 334. 3 - علل الشرايع 1: 277، الباب: 185، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الاحتجاج 2: 157، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. 5 - الكافي 1: 443، ذيل الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 1: 246، ذيل الآية: 172 من سورة الأعراف، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1222 ]

السماوات، ثم تدلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض، حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى) 1. وفي أخرى: (فدنا بالعلم، فتدلى، فدلى له من الجنة رفرف أخضر وغشى النور بصره، فرأى عظمة ربه عزوجل بفؤاده ولم يرها بعينه، فكان قوسين بينها وبينه أو أدنى) 2 وورد: (كان بينهما حجاب يتلألأ بخفق 3 ولا أعلمه إلا وقد قال: زبرجد، فنظر في مثل سم الإبرة إلى ما شاء الله من نور العظمة. فقال الله تبارك وتعالى: يا محمد. قال: لبيك ربي. قال: من لاءمتك من بعدك ؟ قال: الله أعلم. قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وسيد المسلمين وقائد الغر المحجلين) 4. أقول: لعل الحجاب الذي كان بينهما حجاب البشرية، وإنما يتلألأ لانغماسه في نور الرب تعالى بخفق، أي: باضطراب وتحرك، وذلك لما كاد أن يفنى عن نفسه بالكلية في نور الأنوار بغلبة سطوات الجلال، وبانجذابه بشراشره إلى جناب القدس المتعال، وهذا هو المعني بالتدلي المعنوي. ووصف الحجاب بالزبرجد كناية عن خضرته، وذلك لأن النور الإلهي الذي يشبه بلون البياض في التمثيل، كان قد شابته ظلمة بشرية فصار يتراءى كأنه أخضر على لون الزبرجد. وإنما سأله الله عزوجل عن خليفته، لأنه صلى الله عليه وآله كان قد أهمه أمر الأمة، وكان في قلبه أن يخلف فيهم خليفة إذا ارتحل عنهم، وقد علم الله ذلك منه، ولذلك سأله عنه. ولما كان الخليفة متعينا عند الله وعنده، قال الله ما قال، ووصفه بأوصاف لم يكن لغيره أن ينال. * (فأوحى إلى عبده ما أوحى) * في إبهام الموحى به تفخيم له. القمي: وحي


1 - علل الشرائع 1: 132، الباب: 112، الحديث: 1، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - الاحتجاج 1: 327، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - في المصدر: (يخفق). 4 - الكافي 1: 443، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1223 ]

مشافهة 1. ورد: (كان فيما أوحى إليه الاية التي في سورة البقرة:) لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (الآية 2. قال: وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم إلى أن بعث الله محمدا وعرضت على الأمم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله صلى الله عليه وآله، وعرضها على أمته فقبلوها) 3. * (ما كذب الفؤاد ما رأى. سئل هل رآى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه عزوجل ؟ فقال: (نعم، بقلبه رآه، أما سمعت الله يقول:) ما كذب الفؤاد ما رأى (لم يره بالبصر ولكن رآه بالفؤاد) 4. وفي رواية: (رأى عظمة ربه تعالى بفؤاده ولم يرها بعينه) 5 كما مر. وفي أخرى: (ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى فقال:) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (فآيات الله غير الله) 6. وفي النبوي: سئل عن هذه الآية فقال: (رأيت نورا) 7. أقول: إنما اختلفت الأجوبة لا ختلاف مراتب أفهام المخاطبين في الذكاء وغموض المسألة. * (أفتمارونه على ما يرى) *: أفتجادلونه عليه، من المراء. * (ولقد رآه نزلة أخرى) *: مرة أخرى، بنزول ودنو.


1 - القمي 2: 334. 2 - البقرة (2): 284. 3 - الاحتجاج 1: 327، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - التوحيد: 116، الباب: 8، الحديث: 17، عن الكاظم عليه السلام. 5 - الاحتجاج 1: 327، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - الكافي 1: 96، الحديث: 2، التوحيد: 111، الباب: 8، الحديث: 9، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 7 - مجمع البيان 9 - 10: 175. (*)

[ 1224 ]

* (عند سدرة المنتهى) * (التي ينتهي إليها أعمال أهل الأرض). كذا ورد 1. * (عندها جنة المأوى التي يأوي إليها المتقون. قال: (وإن غلظ السدرة لمسيرة مائة عام من أيام الدنيا، وان الورقة منها تغطي أهل الدنيا) 2. وفي النبوي: (رأيت على كل ورقة من ورقها 3 ملكا قائما يسبح الله عزوجل) 4. * (إذ يغشى السدرة ما يغشى) * تفخيم وتكثير لما يغشاها، بحيث لا يكتنهها 5 نعت ولا يحصيها عد. القمي: لما رفع الحجاب بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله غشي نوره السدرة 6. * (ما زاغ البصر) *: ما مال بصر رسول الله صلى الله عليه وآله عما رآه * (وما طغى: وما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحا مستقيما. * (لقد رأى من ايات ربه الكبرى) * قال: (يعني أكبر الآيات) 7. القمي: يقول: لقد سمع كلاما لو لا أنه قوي ما قوي 8. وورد: (رأى جبرئيل على ساقه الدر مثل القطر على البقل له ستمائة جناح قد ملأ ما بين السماء والأرض) 9. و ورد: (رآى جبرئيل في صورته مرتين، هذه المرة ومرة أخرى، وذلك أن خلق


1 - علل الشرائع 1: 277، الباب: 185، قطعة من حديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر: 278، الباب: 185، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في المصدر: (من أوراقها). 4 - مجمع البيان 9 - 10: 175. 5 - لا يكتنهه الوصف، بمعنى لا يبلغ كنهه، أي: قدره وغايته. الصحاح 6: 2247 (كنه). 6 - القمي 2: 338. 7 - علل الشرائع 1: 278، الباب: 185، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - القمي 2: 335. 9 - التوحيد: 116، الباب: 8، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1225 ]

جبرئيل عظيم، فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم وصفتهم إلا الله رب العالمين) 1. وفي رواية: (يا علي إن الله أشهدك معي في سبع مواطن: أما أول ذلك: فليلة أسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ فقلت: خلفته ورائي، قال: ادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا مثالك معي، وإذ الملائكة صفوف، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء ؟ قال: هم الذين يباهيهم الله بك يوم القيامة، فدنوت ونطقت بما كان ويكون 2 إلى يوم القيامة. والثاني: حين أسري بي في المرة الثانية، فقال لي جبرئيل: أين أخوك ؟ قلت: خلفته ورائي، قال: ادع الله فليأتك به، فدعوت الله فإذا مثالك معي فكشط لي عن سبع سماوات، حتى رأيت سكانها وعمارها وموضع كل ملك منها) الحديث 3. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: (ما لله عزوجل آية هي أكبر مني) 4. * (أفرأيتم اللات والعزى) *. * (ومناة الثالثة الأخرى) * هي أصنام كانت لهم يعبدونها. * (ألكم الذكر وله الاءنثى) *. قيل: إنكار لقولهم: الملائكة بنات الله وهذه الأصنام هياكلها، أو استوطنها جنيات هن بناته 5 ! ! تعالى الله عن ذلك. * (تلك إذا قسمة ضيزى) *: جائرة، حيث جعلتم له ما تستنكفون منه. * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم واباؤكم) * أي: الأصنام ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء تطلقونها عليها. * (ما أنزل الله بها من سلطان) *: من حجة وبرهان يتعلقون بها * (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى: الرسول والكتاب


1 - المصدر: 263، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - في المصدر: (وبما يكون). 3 - القمي 2: 335، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - الكافي 1: 207، قطعة من حديث: 3، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 5 - البيضاوي 5: 102. (*)

[ 1226 ]

فتركوه. * (أم للإنسان ما تمنى) * أي: ليس له كل ما يتمنى، والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة وغير ذلك مما يتمنون. * (فلله الآخرة والأولى) * يعطي منهما ما يشاء لمن يريد، وليس لأحد أن يتحكم عليه في شئ منهما. * (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله) * في الشفاعة * (لمن يشاء ويرضى) *. * (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) * بأن سموهم بنات. * (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) *. * (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا) *: فاعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه، فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره وانهمك في الدنيا، بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه، لا تزيده الدعوة إلا عنادا وإصرارا على الباطل. * (ذلك مبلغهم من العلم) * لا يتجاوزه علمهم، اعتراض مقرر لقصور هممهم على الدنيا. * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) * يعني إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب، فلا تتعب نفسك في دعوتهم، إذ ما عليك إلا البلاغ، وقد بلغت. * (ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) *: بالمثوبة الحسنى. * (الذين يجتنبون كبائر الإثم) *: ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب الوعيد عليه بخصوصه * (والفواحش) * من الكبائر خصوصا * (إلا اللمم) *: إلا ما قل وصغر، فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر، والاستثناء منقطع.

[ 1227 ]

قال: (الفواحش: الزنا والسرقة، واللمم: الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه) 1. أقول: يلم بالذنب، أي: يقاربه وينزل إليه فيفعله. وورد: (ما من ذنب إلا وقد طبع عليه عبد مؤمن، يهجره الزمان ثم يلم به، وهو قول الله عزوجل:) الذين يجتنبون كبائر الأثم والفواحش إلا اللمم (. قال: اللمام: العبد الذي يلم بالذنب 2 بعد الذنب، ليس من سليقته، أي: من طبيعته) 3. أقول: وقد طبع عليه، أي: لعارض عرض له يمكن زواله عنه، ولو كان مطبوعا عليه في أصل الخلقة وكان من سجيته وسليقته، لما أمكنه الهجرة عنه. * (إن ربك واسع المغفرة) * حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، وله أن يغفر ما شاء من الذنوب، صغيرها وكبيرها، لمن يشاء. * (هو أعلم بكم) *: أعلم بأحو الكم منكم * (إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم) *: علم مصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب، وحيثما صوركم في الأرحام. * (فلا تزكوا أنفسكم) *: فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، والطهارة عن المعاصي والرذائل. هو أعلم بمن اتقى فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم. قال: (يقول: لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه، لأن الله أعلم بمن اتقى منكم) 4. وورد: (إن قوما كانوا يصبحون فيقولون: صلينا البارحة، وصمنا أمس، فقال


1 - الكافي 2: 442، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في المصدر: (يلم الذنب). 3 - الكافي 2: 442، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - علل الشرائع 2: 610، الباب: 385، ذيل الحديث الطويل: 81، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1228 ]

علي عليه السلام: لكني أنام الليل والنهار، ولو أجد بينهما شيئا لنمته) 1. قال: (ويجوز إذا اضطر إليه كما قال يوسف:) إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) 2. * (أفرأيت الذي تولى) *. * (وأعطى قليلا وأكدى) *: وقطع العطاء. قيل: نزلت الآيات السبع - يعني هذه وما بعدها - في عثمان بن عفان، كان يتصدق وينفق، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح 3: ما هذا الذي تصنع يوشك أن لا يبقى لك شئ ؟ ! فقال عثمان: إن لي ذنوبا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله وأرجو عفوه. فقال له عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها ! ! فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن النفقة، فنزلت) أفرأيت الذي تولى (أي: يوم أحد حين ترك المركز) وأعطى قليلا (ثم قطع النفقة إلى قوله:) وأن سعيه سوف يرى (فعاد عثمان إلى ما كان عليه 4. * (أعنده علم الغيب فهو يرى) *: يعلم أن صاحبه يتحمل عنه. * (أم لم ينبأ بما في صحف موسى) *. * (وإبراهيم الذي وفى) *: وفر وأتم ما أمر به، والتزمه على نفسه القمي: وفي بما أمره الله به من الأمر والنهي وذبح ابنه 5.


1 - معاني الأخبار: 243، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 2: 181، الحديث: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام، والاية في سورة يوسف (12): 55. 3 - مرت ترجمته ذيل الاية: 136 من سورة النساء. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 178، عن ابن عباس والسدي والكلبي وجماعة من المفسرين، وفي الكشاف 4: 33، مع تفاوت يسير. 5 - القمي 2: 338. (*)

[ 1229 ]

وفي رواية: (كلمات 1 بالغ فيهن، كان يقولها إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا) 2. * (ألا تزر وازرة وزر أخرى) * أي: لم ينبأ بما في صحفهما، أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ؟ ! * (وأن ليس للإلنسان إلا ما سعى: وأن لا يثاب أحد بفعل غيره. * (وأن سعيه سوف يرى) *: يراه في الآخرة. * (ثم يجزاه الجزاء الأوفى) *: يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر. * (وأن إلى ربك المنتهى) *: انتهاء الخلائق ورجوعهم. قال: (فإذا انتهى الكلام إلى الله فامسكوا) 3. * (وأنه هو أضحك وأبكى) * القمي: أبكى السماء بالمطر، وأضحك الأرض بالنبات 4. * (وأنه هو أمات وأحيا) *. * (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) *. * (من نطفة إذا تمنى) *. * (وأن عليه النشأة الأخرى) *. * (وأنه هو أغنى وأقنى) *: وأعطى القنية، أي: أصل المال، أو الكسب والرضا. قال: (أغنى كل إنسان بمعيشته، وأرضاه بكسب يده) 5. * (وأنه هو رب الشعرى) * القمي: نجم في السماء، كانت قريش وقوم من العرب


1 - وهن الكلمات كما في المصدر: (أصبحت وربي محمود، أصبحت لا أشرك بالله شيئا ولا أدعو معه إلها ولا أتخذ من دونه وليا). 2 - الكافي 2: 535، قطعة من حديث: 38، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي علل الشرائع 1: 37، الباب: 33، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام ما يقرب منه. 3 - الكافي 1: 92، الحديث: 2، التوحيد: 456، الباب: 67، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 339. 5 - معاني الأخبار: 215، الحديث: 1، القمي 2: 339، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (*)

[ 1230 ]

يعبدونه، يطلع في آخر الليل 1. * (وأنه أهلك عادا الأولى) *. * (وثمودا فما أبقى). * (وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) *. * (والمؤتفكة) *: والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهي قرى قوم لوط. * (أهوى) * بعد أن رفعها وقلبها. وورد: (هم أهل البصرة، هي المؤتفكة) 2. القمي: وقد ائتفكت بأهلها مرتين، وعلى الله تمام الثالثة، ويكون في الرجعة 3. * (فغشاها ما غشى) * فيه تهويل وتعميم لما أصابهم. * (فبأي آلاء ربك تتمارى) *: (تتشكك). كذا ورد 4. والقمي: بأي سلطان تخاصم 5. والخطاب لكل أحد. * (هذا نذير من النذر الأولى). قال: (إن الله تبارك وتعالى لما ذرأ الخلق في الذر الأول أقامهم صفوفا قدامه، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله، فآمن به قوم وأنكره قوم، فقال الله عزوجل:) هذا نذير من النذر الأولى (يعني محمدا حيث دعاهم إلى الله في الذر الأول) 6. * (أزفت الآزفة) *. القمي: يعني قربت القيامة 7. * (ليس لها من دون الله كاشفة) *: ليس لها نفس قادرة على كشفها إلا الله.


1 - القمي 2: 339. 2 - الكافي 8: 180، ذيل الحديث: 202، عن أبي عبد الله عليه السلام، القمي 2: 339، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - القمي 2: 340، عن أميرالمؤ منين عليه السلام، وفيه: (وتمام الثالثة في الرجعة). 4 - الكافي 2: 392، قطعة من حديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - القمي 2: 340. 6 - المصدر عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي بصائر الدرجات: 84، الباب: 14، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام، ذيل الرواية فقط. 7 - القمي 2: 340. (*)

[ 1231 ]

* (أفمن هذا الحديث) *. قال: (يعني بالحديث ما تقدم من الأخبار) 1. * (تعجبون) * إنكارا. * (وتضحكون) * استهزاء * (ولا تبكون) * تحزنا على ما فرطتم. * (وأنتم سامدون) * القمي: أي: لا هون 2. * (فاسجدوا لله واعبدوا) *: واعبدوه دون الآلهة.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 184، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 340. (*)

[ 1232 ]

سورة القمر [ مكية، وهي خمس وخمسون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (إقتربت الساعة) * القمي: اقتربت القيامة، فلا يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا القيامة، وقد انقضت النبوة والرسالة 2. وفي رواية: (خروج القائم) 3. * (وانشق القمر) *. روي: (إن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يشق لهم القمر فرقتين، فقال لهم: إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا: نعم. وكانت ليلة بدر، فسأل ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين ورسول الله صلى الله عليه وآله ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا. فقال ناس: سحرنا محمد. فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم). كذا في المجمع 4. وفيه: وإنما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله، ونبوته وزمانه من آيات اقتراب الساعة 5. * (وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) *: مطرد، وقيل: أي: قوي شديد،


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 - القمي 2: 340. 4 و 5 - مجمع البيان 9 - 10: 186. (*)

[ 1233 ]

يعلو كل سحر 1. * (وكذبوا واتبعوا أهواءهم) * القمي: أي: كانوا يعملون برأيهم، ويكذبون أنبياءهم 2. * (وكل أمر مستقر) *: منته إلى غاية. * (ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر) * أي: متعظ من تعذيب أو وعيد. * (حكمة بالغة) * غايتها، لا خلل فيها * (فما تغن النذر) *. نفي، أو استفهام إنكار. * (فتول عنهم) * لعلمك أن الإنذار لا يؤثر فيهم * (يوم يدع الداع إلى شئ نكر) *: فظيع ينكره النفوس، لأنها لم تعهد مثله. القمي: الإمام إذا خرج يدعوهم إلى ما ينكرون 3. وقيل: هو هول يوم القيامة 4. ويأتي ما يؤيده 5. * (خشعا أبصارهم) *: ذليلة عند رؤية العذاب * (يخرجون من الأجداث) *: من القبور * (كأنهم جراد منتشر) * في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة. * (مهطعين إلى الداع) *: مسرعين، مادي أعناقهم إليه، أو ناظرين إليه. القمي: إذا رجع فيقول: ارجعوا 6. * (يقول الكافرون هذا يوم عسر) *. ورد في حديث القيامة: (فيشرف الجبار عليهم من فوق عرشه في ظلال من الملائكة، فيأمر ملكا من الملائكة، فينادي فيهم: يا معشر الخلائق ! انصتوا واستمعوا منادي الجبار. قال: فيسمع آخرهم كما يسمع أولهم. قال: فتنكسر أصواتهم عند ذلك، وتخشع أبصارهم، وتضطرب فرائصهم، وتفزع قلوبهم، ويرفعون رؤوسهم إلى ناحية الصوت،) مهطعين إلى الداع (. قال: فعند ذلك يقول الكافر:) هذا يوم عسر) 7.


1 - المصدر، عن الضحاك وأبي العالية وقتادة. 2 و 3 - القمي 2: 341. 4 - البيضاوي 5: 105. 5 - ذيل الآية: 8 من نفس السورة. 6 - القمي 2: 341. 7 - الكافي 8: 104، الحديث: 79، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (*)

[ 1234 ]

* (كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا) *: نوحا * (وقالوا مجنون وازدجر) *: وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية. * (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) *: فانتقم منهم، وذلك بعد يأسه منهم. قال: (لبث فيهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم سرا وعلانية، فلما أبوا وعتوا قال: رب إني مغلوب فانتصر) 1. * (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر) *: منصب. * (وفجرنا الأرض عيونا) *: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة. وأصلها: وفجرنا عيون الأرض، فغير للمبالغة. * (فالتقى الماء) *: ماء السماء وماء الأرض * (على أمر قد قدر) *: قدره الله تعالى. ورد: (لم تنزل قطرة من السماء من مطر إلا بعدد معدود ووزن معلوم، إلا ما كان من يوم الطوفان على عهد نوح، فإنه نزل ماء منهمر بلا وزن ولا عدد) 2. * (وحملناه على ذات ألواح) *: ذات أخشاب عريضة * (ودسر) * القمي: الألواح: السفينة، والدسر: المسامير 3. * (تجري بأعيننا) *: بمرأى منا، القمي: بأمرنا وحفظنا 4. * (جزاء لمن كان كفر) * أي: فعلنا ذلك جزاء لنوح، لأنه نعمة كفروها، فإن كل نبي نعمة من الله ورحمة على أمته. * (ولقد تركناها آية) * يعتبر بها، إذ شاع خبرها * (فهل من مدكر) *: معتبر. * (فكيف كان عذابي ونذر) *: وإنذاراتي، أو رسلي. وتمام القصة في هود 5. * (ولقد يسرنا القران: سهلناه * (للذكر) *: للادكار والاتعاظ لمن يذكر، بأن صرفنا


1 - الكافي 8: 283، ذيل الحديث: 424، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 8: 239، ذيل الحديث: 326، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 3 و 4 - القمي 2: 342. 5 - هود (11): 25 إلى 49. (*)

[ 1235 ]

فيه أنواع المواعظ والعبر. * (فهل من مدكر) *: متعظ. * (كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر) *. * (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) *: باردة * (في يوم نحس) *: شؤم * (مستمر) *: مستمر شؤمه إلى مثله. قال: (كان يوم الأربعاء) 1. وزاد في رواية: (في آخر الشهر لا يدور) 2 وورد: (الأربعاء يوم نحس مستمر، لأنه أول يوم وآخر يوم من الأيام التي قال الله:) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما) 3. * (تنزع الناس) *: تقلعهم، روي: (إنهم دخلوا في الشعاب والحفر، وتمسك بعضهم ببعض، فنزعتهم الريح منهم، وصرعتهم موتى) 4. * (كأنهم أعجاز نخل منقعر) *: أصول نخل منقلع عن مغارسه، ساقط على الأرض. قيل: شبهوا بالأعجاز، لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم 5. * (فكيف كان عذابي ونذر) * كرره للتهويل. وقيل: الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال في قصتهم أيضا:) لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى 6 وتمام القصة في الأعراف، وهود 7. * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) *. * (كذبت ثمود بالنذر.


1 و 2 - مجمع البيان 9 - 10: 190، عن أبي جعفر عليه السلام، نقلا عن العياشي. 3 - علل الشرائع 2: 381، الباب: 112، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. والآية في سورة الحاقة (69): 7. 4 و 5 - البيضاوي 5: 106. 6 - البيضاوي 5: 106. والآية في سورة فصلت (41): 16. 7 - الأعراف (7): 65 إلى 71، هود (11): 50 إلى 60. (*)

[ 1236 ]

* (فقالوا أبشرا منا) *: من جنسنا * (واحدا) *: منفردا لا تبع له * (نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر) *: جمع سعير. كأنهم عكسوا عليه، فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ترك اتباعهم له. * (أءلقي الذكر) *: الكتاب والوحي * (عليه من بيننا وفينا) * من هو أحق منه بذلك * (بل هو كذاب أشر) *: حمله بطره على الترفع علينا بادعائه. * (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) *: الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق، أصالح، أم من كذبه ؟ * (إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم) *: اختبارا * (فارتقبهم) *: فانتظرهم، وتبصر ما يصنعون * (واصطبر) * على أذاهم. * (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم) *: مقسوم، لها يوم ولهم يوم * (كل شرب محتضر) *: يحضره صاحبه في نوبته. * (فنادوا صاحبهم) * قدار بن سالف 1، أحيمر ثمود. * (فتعاطى فعقر) * فاجترأ على تعاطي قتلها، فقتلها، أو فتعاطى السيف فقتلها. * (فكيف كان عذابي ونذر) *. * (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) *: كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء وتمام القصة في الأعراف 2. * (ولقد يسرنا القران للذكر فهل من مدكر) *. * (كذبت قوم لوط بالنذر) *. * (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) *: ريحا تحصبهم بالحجارة، أي: ترميهم. * (إلا ال لوط


1 - قدار بن سالف: الذي يقال له: أحمر ثمود، عاقر ناقة صالح عليه السلام. قال الأزهري: وقالت العرب للجزار: قدار، تشبيها به. لسان العرب 5: 80 (قدر). 2 - ذيل الآية: 79. (*)

[ 1237 ]

نجيناهم بسحر) * * (نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر) *: شكر نعمتنا بالأيمان والطاعة. * (ولقد أنذرهم) * لوط * (بطشتنا) *: أخذتنا بالعذاب * (فتماروا بالنذر) *: فشكوا ولم يصدقوا. * (ولقد راودوه عن ضيفه) *: قصدوا الفجور بهم * (فطمسنا أعينهم) *: فمسحناها وسويناها بسائر الوجه. قال: (أهوى جبرئيل بإصبعه نحوهم فذهبت أعينهم) 1. وفي رواية: (أخذ كفا من بطحاء فضرب بها وجوههم، وقال: شاهت الوجوه 2، فعمي أهل المدينة كلهم) 3. وتمام القصة في هود 4. * (فذوقوا عذابي ونذر) *. * (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) *: يستقر بهم، حتى يسلمهم إلى النار. * (فذوقوا عذابي ونذر) *. * (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) *. كرر ذلك في كل قصة، إشعارا بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، واستئنافا للتنبيه والأيقاظ، لئلا يغلبهم السهو والغفلة. * (ولقد جاء ال فرعون النذر) *. * (كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر): أخذ من لا يغالب ولا يعجزه شئ. * (أكفاركم) * يا معشر قريش * (خير من أولئكم) *: من هذه الأمم الهالكة * (أم لكم


1 - الكافي 5: 548، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - شاهت الوجوه: قبحت. الصحاح 6: 2238 (شوه). 3 - الكافي 5: 546، ذيل الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - هود (11): 77 إلى 83. (*)

[ 1238 ]

براءة في الزبر) *: براءة في الكتب: أن لا تهلكوا كما هلكوا. * (أم يقولون نحن جميع منتصر) * القمي: قال قريش: قد اجتمعنا لننتصر بقتلك يا محمد، فأنزل الله 1. * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * القمي: يعني يوم بدر حين هزموا وأسروا وقتلوا 2. * (بل الساعة موعدهم) * يعني القيامة موعد عذابهم الأصلي، وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه * (والساعة أدهى وأمر) *: أشد وأغلظ وأمر مذاقا من عذاب الدنيا. * (إن المجرمين في ضلال) * عن الحق في الدنيا * (وسعر) *: ونيران في الآخرة. * (يوم يسحبون) *: يجرون * (في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر) *: حرها وألمها. ورد: (إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال لها: سقر، شكا إلى الله شدة حره، وسأله: أن يأذن له أن يتنفس، فتنفس فأحرق جهنم) 3. * (إنا كل شئ خلقناه بقدر) *: مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه. القمي: له وقت وأجل ومدة 4. ورد: (إن القدرية مجوس هذه الأمة، وهم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، وفيهم نزلت هذه الآية:) يوم يسحبون (إلى قوله) بقدر) 5. وفي رواية: (ما أنزل الله هذه الآيات إلا في القدرية) إن المجرمين (إلى قوله: ) بقدر) 6.


1 و 2 - القمي 2: 342. 3 - ثواب الأعمال: 265، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 342. 5 - التوحيد: 382، الباب: 60، الحديث: 29، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - ثواب الأعمال: 252، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1239 ]

* (وما أمرنا إلا واحدة) * القمي: يعني نقول: كن فيكون 1. * (كلمح بالبصر) * في اليسر والسرعة. * (ولقد أهلكنا أشياعكم) *: أتباعكم ونظراءكم في الكفر من عباد الأصنام * (فهل من مدكر) *: متعظ. * (وكل شئ فعلوه في الزبر) *: مكتوب في كتب الحفظة. * (وكل صغير وكبير) * من الأعمال * (مستطر) *: مسطور. * (إن المتقين في جنات ونهر) *. * (في مقعد صدق) *: حق لا لغو فيه ولا تأثيم * (عند مليك مقتدر) *: مقربين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار.


1 - القمي 2: 342. (*)

[ 1240 ]

سورة الرحمن [ جل ذكره. مكية أو مدنية، وهي ثمان وسبعون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الرحمن) *. * (علم القران) *. * (خلق الإنسان) *. * (علمه البيان) *. قيل: لما كانت هذه السورة مشتملة على تعداد نعم الدنيوية والأخروية، صدرها ب‍) الرحمن (، وقدم أجل النعم وأشرفها، وهو تعليم القرآن، فإنه أساس الدين ومنشأ الرع، وأعظم الوحي وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ولها، ثم أتبعه بنعمة خلق الإنسان وإيتائه ما تميز به عن سائر الحيوان، من التعبير عما في الضمير وإفهام الغير ما أدركه 2. وقال: (البيان: الاسم الأعظم الذي علم به كل شئ) 3. وفي رواية: (الإنسان أمير المؤمنين عليه السلام، علمه بيان كل شئ يحتاج إليه الناس) 4.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - البيضاوي 5: 108. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 197، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 343، بصائر الدرجات: 506، ذيل الحديث: 5، تأويل الآيات الظاهرة: 611، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1241 ]

* (الشمس والقمر بحسبان) *: يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما، ويتسق بذلك أمور الكائنات، ويختلف الفصول والأوقات، ويعلم السنون والحساب. * (والنجم) *: النبات الذي ينجم، أي: يطلع من الأرض ولا ساق له * (والشجر) *: والذي له ساق * (يسجدان) *: ينقادان لله فيما يريد بهما طبعا، انقياد الساجد من المكلفين طوعا. * (والسماء رفعها) *: خلقها مرفوعة محلا ومرتبة فإنها منشأ أقضيته، ومتنزل أحكامه، ومحل ملائكته. ووضع الميزان: العدل، بأن وفر على كل مستعد مستحقه، ووفى كل ذي حق حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام. وورد: (بالعدل قامت السماوات والأرض) 1. * (ألا تطغوا في الميزان) *: لئلا تطغوا فيه، أي: لا تعتدوا ولا تجاوزوا الانصاف. * (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) *: ولا تنقصوه، فإن من حقه أن يسوى، لأنه المقصود من وضعه. ورد: (الميزان أمير المؤمنين عليه السلام، نصبه لخلقه) 2. قال: (ألا تطغوا)، أي: لا تعصوا الأمام) 3. * (والأرض وضعها) *: خفضها مدحوة * (للأنام) *: للخلق. * (فيها فاكهة): ضروب مما يتفكه به * (والنخل ذات الأكمام) *: أوعية التمر. * (والحب) * كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به * (ذوالعصف) * قال: (التبن) 4. * (والريحان) * قال: (ما يؤكل منه) 5. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) * قال: (فبأي النعمتين تكفران، بمحمد أم بعلي ؟ !) 6.


1 - البيضاوي 5: 108. 2 و 3 - القمي 2: 343، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 4 و 5 - القمي 2: 344، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 6 - المصدر: 344، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1242 ]

وفي رواية: (أبالنبي أم بالوصي) 1. والقمي: في الظاهر مخاطبة الجن والأنس، وفي الباطن فلان وفلان 2. * (خلق الإنسان من صلصال كالفخار) *. الصلصال: الطين اليابس الذي له صلصلة. والفخار: الخزف 3. وقد خلق الله آدم من تراب جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا، فلا تنافي بين ما ورد بكل منها. * (وخلق الجان) *: أبا الجن * (من مارج) *: من صاف من الدخان * (من نار بيان لمارج، فإنه في الأصل للمضطرب. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (رب المشرقين ورب المغربين) *: مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. قال: (إن مشرق الشتاء على حدة، ومشرق الصيف على حدة، أما تعرف ذلك من قرب الشمس وبعدها) 4. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (مرج البحرين) *: أرسل البحر العذب والبحر الملح * (يلتقيان) *: يتجاوران. * (بينهما برزخ) *: حاجز من قدرة الله * (لا يبغيان) *: لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) *: كبار الدر وصغاره. قال: (يخرج منهما)، يعني من ماء السماء ومن ماء البحر، فإذا أمطرت فتحت


1 - الكافي 1: 217، الحديث: 2، مرفوعة، تأويل الآيات الظاهرة: 614، مرفوعة عن الصادق عليه السلام. 2 - القمي 2: 344. 3 - كل ما عمل من طين وشوي بالنار حتى يكون فخارا فهو خزف. مجمع البحرين 5: 44 (خزف). 4 - الاحتجاج 1: 386، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1243 ]

الأصداف أفواهها في البحر فيقع فيها من ماء المطر، فتخلق اللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة، واللؤلؤة الكبيرة من القطرة الكبيرة) 1. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (وله الجوار) *: السفن * (المنشات) * قيل: المرفوعات الشرع 2 * (في البحر كالأعلام) *: كالجبال، جمع علم، وهو الجبل الطويل. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (كل من عليها فان) *: من على وجه الأرض. * (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) *: ذو الاستغناء المطلق والفضل العام، وذلك لأنك إذا استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها، وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله، أي: الوجه الذي يلي جهته. قال: (إذا أفنى الله الأشياء أفنى الصور والهجاء، ولا ينقطع ولا يزال من لم يزل عالما) 3. وفي رواية: (نحن وجه الله) 4. وفي أخرى: (وجه ربك، أي: دين ربك) 5. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (يسأله من في السموات والأرض) * فإنهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم، والمراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشئ، نطقا


1 - قرب الإسناد: 137، الحديث: 485، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 2 - البيضاوي 5: 109. 3 - التوحيد: 193، الباب: 29، الحديث: 7، عن الجواد عليه السلام. 4 - التوحيد: 150، الباب: 12، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 345، منه قدس سره. (*)

[ 1244 ]

كان أو غيره. * (كل يوم هو في شأن) * قال: (من إحداث بديع لم يكن) 1. وفي رواية: (من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين) 2. والقمي: يحيي ويميت، ويرزق ويزيد وينقص 3. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان.) * * (سنفرغ لكم أيها الثقلان) * قيل: أي: سنتجرد لحسابكم وجزائكم أيها الجن والإنس 4. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض) *: أن تخرجوا من جوانبها، هاربين من الله، فارين من قضائه * (فانفذوا لا تنفذون) *: لا تقدرون على النفوذ * (إلا بسلطان) *: إلا بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك ! ورد: (يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار، ثم ينادون بذلك) 5. وفي رواية: (يهبط أهل سبع سماوات، فتصير الجن والإنس في سبع سرادقات من الملائكة ثم ينادي مناد) يا معشر الجن والإنس (الآية، فينظرون، فإذا قد أحاط بهم سبعة أطواق من الملائكة) 6. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (يرسل عليكما شواظ من نار) *: لهب منها * (ونحاس) *: دخان أو صفر مذاب، يصب


1 - الكافي 1: 141، الحديث: 7، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 202، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - القمي 2: 345. 4 - البيضاوي 5: 110. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 205، في الخبر. 6 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1245 ]

على رؤوسهم. كذا قيل 1. * (فلا تنتصران) *: فلا تمتنعان. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان.) * * (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) * قيل: أي: حمراء كوردة، مذابة كالدهن 2. وقيل: الدهان: الأديم الأحمر 3. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) *. قال: (من اعتقد الحق ثم أذنب ولم يتب في الدنيا، عذب عليه في البرزخ، ويخرج يوم القيامة وليس له ذنب يسأل عنه) 4. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام) *. قال: (كيف يحتاج تبارك وتعالى إلى معرفة خلق أنشأهم وهو خلقهم، لو قام قائمنا أعطاه الله السيماء، فيأمر بالكافرين فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم، ثم يخبط بالسيف خبطا) 5. * (فبأي الاء ربكما تكذبان) *. * (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) *. * (يطوفون بينها وبين حميم آن) *: ماء حار بلغ النهاية في الحرارة. * (فبأي الاء ربكما تكذبان.


1 - البيضاوي 5: 110. 2 - البيضاوي 5: 110. 3 - التبيان 9: 476. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 206، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 5 - بصائر الدرجات: 356، الباب: 17، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1246 ]

* (ولمن خاف مقام ربه جنتان) *. قال: (من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه 1 ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) 2. وورد: (من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عزوجل، حرم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الأكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله:) ولمن خاف مقام ربه جنتان) 3. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (ذواتا أفنان) *: ذواتا ألوان من النعيم. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (فيهما عينان تجريان) *. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (فيهما من كل فاكهة زوجان) *: صنفان، قيل: غريب ومعهود، أو رطب ويابس 4. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) *: ديباج ثخين، فما ظنك بالظهائر * (وجنى الجنتين دان) *: مجنيهما قريب، يناله القاعد والمضطجع. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (فيهن قاصرات الطرف) *: نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن، لم يردن غيرهم * (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) *: لم يمس الإنسيات إنس، ولا الجنيات جن. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *.


1 - في (ألف): (فحجزه). 2 - الكافي 2: 70، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - من لا يحضره الفقيه 4: 7، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 4 - البيضاوي 5: 111. (*)

[ 1247 ]

* (كأنهن الياقوت والمرجان) * في حمرة الوجنة وبياض البشرة وصفائهما. ورد: (إن المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها وراء سبعين حلة) 1. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) * قال: (هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة) 2. وفي رواية: (من أنعمت عليه بالمعرفة) 3. وفي أخرى: (هل جزاء من قال: لا إله إلا الله إلا الجنة) 4. وورد: (إن هذه الآية جرت في الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليس المكافاة أن تصنع كما صنع حتى تربي، فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء) 5. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (ومن دونهما جنتان) *. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (مدهامتان) *. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) * ومن دون تينك الجنتين - الموعودتين للخائفين مقام ربهم - جنتان لمن دونهما، خضراوان تضربان إلى السواد. ورد: (جنتان من فضة أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما) 6. قيل له: الناس يتعجبون إذا قلنا: يخرج قوم من النار فيد خلون الجنة ! فيقولون لنا:


1 - الكافي 8: 99، ذيل الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، مجمع البيان 9 - 10: 208، في الحديث. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 208، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - التوحيد: 28، الباب: 1، الحديث: 29، عن موسى الكاظم، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، القمي 2: 345. 4 - علل الشرائع 1: 251، الباب: 182، الحديث: 8، عن حسن بن علي، عن أمير المؤمنين عليهما السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 208، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 9 - 10: 210، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه: (آنيتهما). (*)

[ 1248 ]

فيكونون مع أولياء الله في الجنة ؟ فقال عليه السلام: (إن الله يقول:) ومن دونهما جنتان (لا والله ما يكونون مع أولياء الله) 1. وورد: (لا تقولن: الجنة واحدة، إن الله يقول:) ومن دونهما جنتان (ولا تقولن: درجة واحدة، إن الله يقول:) درجات بعضها فوق بعض 2، إنما تفاضل القوم بالأعمال) 3. وفي رواية: سئل عن هذه الآية، قال: (خضراوان في الدنيا، يأكل المؤمنون منهما حتى يفرغ من الحساب) 4. وفي أخرى: (يتصل 5 ما بين مكة والمدينة نخلا) 6. * (فيهما عينان نضاختان) *: فوارتان. قال: (تفوران) 7. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (فيهما فاكهة ونخل ورمان) * قيل: عطفهما على الفاكهة لفضلهما، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، والرمان فاكهة ودواء (8). ورد: (الفاكهة مائة وعشرون لونا، سيدها الرمان) 9. وفي رواية: (خمس من فواكه الجنة في الدنيا: الرمان الأمليسي، والتفاح الشيسقان 10، والسفرجل، والعنب الرازقي، والرطب المشان) 11. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 210، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - اقتباس من الآية: 21 من سورة الإسراء، والآية: 4 من سورة الأنفال، والآية: 32 من سورة الزخرف. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 210، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 345، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في (ب) و (ج): (متصل). 6 و 7 - القمي 2: 346، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - البيضاوي 5: 111. 9 - الكافي 6: 352، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - وفي الأمالي (للشيخ الطوسي) 1: 379: الشعشعاني، يعني الشامي. 11 - الكافي 6: 349، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1249 ]

* (فيهن خيرات حسان) * قال: (نساء خيرات الأخلاق، حسان الوجوه) 1. وورد: (هن من نساء أهل الدنيا، وهن أجمل من الحور العين) 2. وفي رواية: (هن جوار نابتات على شط الكوثر، كلما قلعت منها واحدة نبتت مكانها أخرى) 3. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (حور مقصورات في الخيام) * قال: (الحور هن البيض المضمرات المخدرات، في خيام الدر والياقوت والمرجان، لكل خيمة أربعة أبواب، على كل باب سبعون كاعبا حجابا لهن، ويأتيهن في كل يوم كرامة من الله عز ذكره، يبشر الله عزوجل بهن المؤمنين) 4. والقمي: مقصورات: يقصر الطرف عنها 5. وورد: (الخيمة. درة واحدة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراه الآخرون) 6. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) *. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (متكئين على رفرف) *: وسائد أو نمارق أو بسط * (خضر وعبقري حسان) *


1 - مجمع البيان 9 - 10: 211، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - من لا يحضره الفقيه 3: 299، الحديث: 1432، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 346، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 8: 156، الحديث: 147، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 346. 6 - مجمع البيان 9 - 10: 211، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1250 ]

قيل: زرابي 1، وقيل: كل ثوب موشي 2 فهو عبقري 3، وقيل: الديباج 4، وقيل: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد الجن، فينسبون إليه كل شئ عجيب، أريد به الجنس، أو هو جمع 7. * (فبأي آلاء ربكما تكذبان) *. * (تبارك اسم ربك) * فما ظنك بذاته * (ذي الجلال والإكرام) * قال: (نحن جلال الله وكرامته، التي أكرم الله العباد بطاعتنا ومحبتنا) 6.


1 - التبيان 9: 486، عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة. الزرابي: البسط. زرابي النبت إذا اصفر واحمر وفيه خضرة، فلما رأوا الألوان في البسط والفرش شبهوها بزرابي النبت. وكذلك العبقري من الثياب والفرش. لسان العرب 1: 447 (زرب). 2 - وشيت الثوب وشيا: رقمته ونقشته فهو موشي وموشى. الصحاح 6: 2524، المصباح المنير 2: 381 (وشي). 3 - مجمع البيان 9 - 10: 211، عن القتيبي. 4 - التبيان 9: 486، عن مجاهد. 5 - الكشاف 4: 50، البيضاوي 5: 112. 6 - القمي 2: 346، عن أبي جعفر عليه السلام، ولم ترد فيه كلمة (ومحبتنا). (*)

[ 1251 ]

سورة الواقعة [ مكية، وهي ست وتسعون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا وقعت الواقعة) * قال: (يعني القيامة) 2. * (ليس لوقعتها كاذبة) *: نفس كاذبة. القمي: القيامة هي حق 3. * (خافضة رافعة) * قال: (خفضت والله بأعداء الله إلى النار، ورفعت والله أولياء الله إلى الجنة) 4. * (إذا رجت الأرض رجا: تحركت تحركا شديدا. القمي: يدق بعضها على بعض 5. * (وبست الجبال بسا) *: فتتت كالسويق الملتوت. القمي: قلعت قلعا 6. * (فكانت هباء منبثا) *: غبارا منتشرا.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - الخصال 1: 64، الحديث: 5، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 3 - القمي 2: 346. 4 - الخصال 1: 64، الحديث: 5، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 5 و 6 - القمي 2: 346. (*)

[ 1252 ]

* (وكنتم أزواجا) *: أصنافا * (ثلاثة) *. * (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة) *. القمي: هم المؤمنون من أصحاب التبعات، يوقفون للحساب 1. * (وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة. والسابقون السابقون. * (أولئك المقربون) *. * (في جنات النعيم) * القمي: هم الذين سبقوا إلى الجنة بغير حساب 2. ورد: (هم رسل الله وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح: أيدهم بروح القدس، فيه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان، فبه خافوا الله عزوجل، وأيدهم بروح القوة، فبه قدروا على طاعة الله، وأيدهم بروح الشهوة، فبه اشتهوا طاعة الله عزوجل وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون. وجعل في المؤمنين - أصحاب الميمنة - روح الإيمان، فبه خافوا الله، وجعل فيهم روح القوة، فبه قووا 3 على طاعة الله، وجعل فيهم روح الشهوة، فبه اشتهوا طاعة الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون) 4. * (ثلة من الأولين) * أي: هم كثير من الأولين، يعني الأمم السالفة من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله. * (وقليل من الآخرين) * يعني أمة محمد صلى الله عليه وآله. * (على سرر موضونة) *: منسوجة بالذهب، مشبكة بالدر والياقوت. * (متكئين عليها متقابلين) *. * (يطوف عليهم) * للخدمة * (ولدان مخلدون) * القمي: أي: مسورون 5. وقيل: أي:


1 - 2 - القمي 2: 346. 3 - في المصدر: (قدروا). 4 - الكافي 1: 271، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 348. (*)

[ 1253 ]

مبقون أبدا على هيئة الولدان وطراوتهم 1. ورد: (هم أولاد أهل الدنيا) 2. وسئل عن أطفال المشركين، قال: (هم خدم أهل الجنة) 3. * (بأكواب وأباريق) *. الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، والإبريق: إناء له ذلك. * (وكأس من معين) *: خمر. * (لا يصدعون عنها) * لخمار * (ولا ينزفون) *: ولا ينزف عقولهم، أو لا ينفد شرابهم. * (وفاكهة مما يتخيرون: مما يختارون. * (ولحم طير مما يشتهون) *: يتمنون. ورد: (سيد إدام الجنة اللحم) 4. * (وحور عين) *. * (كأمثال اللؤلوء المكنون) *. * (جزاء بما كانوا يعملون) *. * (لا يسمعون فيها لغوا) *: باطلا * (ولا تأثيما) *: ولا نسبة إلى الأثم. القمي: الفحش والكذب والغناء 5. * (إلا قيلا سلاما سلاما) *: يكون السلام بينهم فاشيا. * (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) *. * (في سدر مخضود: مقطوع الشوك. * (وطلح منضود) *: وشجر موز نضد حمله من أسفله إلى أعلاه. وفي قراءتهم عليهم السلام: (وطلع منضود) 6. قال: (بعضه إلى بعض) 7. * (وظل ممدود. ورد: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة


1 - البيضاوي 5: 113. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 216، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - المصدر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - الكافي 6: 308، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 5 - القمي 2: 348. 6 - القمي 2: 348، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 218، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - القمي 2: 348، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1254 ]

لا يقطعها. اقرأوا إن شئتم:) وظل ممدود) 1. قال: (ويتنعمون في جناتهم 2 في ظل ممدود، في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وأطيب من ذلك) 3. وروي: (إن أوقات الجنة كغدوات الصيف، لا يكون فيه حر ولا برد) 4. * (وماء مسكوب) * القمي: أي: مرشوش 5. * (وفاكهة كثيرة) *. * (لا مقطوعة ولا ممنوعة) *. سئل: من أين ؟ قالوا: إن أهل الجنة، يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها فإذا أكلها عادت كهيئتها، قال: (نعم، ذلك على قياس السراج، يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شيئا، وقد امتلأت منه الدنيا سراجا) 6. وفي رواية: سئل عن هذه الآية، فقال: (والله ليس حيث يذهب الناس، إنما هو العالم وما يخرج منه) 7. * (وفرش مرفوعة) * (بعضها فوق بعض، من الحرير والديباج بألوان مختلفة، وحشوها المسك والعنبر والكافور) كما ورد 8. وربما تفسر بالنساء وارتفاعهن على الأرائك، أو في جمالهن وكمالهن، بدليل ما بعدها. * (* (إنا أنشأناهن إنشاء) * أي: ابتدأناهن ابتداء من غير ولادة. القمي: الحور العين في


1 - مجمع البيان 9 - 10: 218. 2 - في (ج): (جنا نهم). 3 - الكافي 8: 99، قطعة من حديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 218. 5 - القمي 2: 348. 6 - الاحتجاج 2: 99، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - بصائر الدرجات: 505، الباب: 17، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - الكافي 8: 97، قطعة من حديث: 69، القمي 2: 246، ذيل الآية: 20 من سورة الزمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1255 ]

الجنة 1. * (فجعلناهن أبكارا) * يعني دائما وفي كل إتيان. سئل: كيف تكون الحوراء في كل ما أتاها زوجها عذراء ؟ قال: (خلقت من الطيب لا يعتريها عاهة، ولا يخالط جسمها آفة، ولا يجري في ثقبها شئ، ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة، إذ ليس فيه لسوى الأحليل مجرى) 2. * (عربا) * قال: (العروبة هي الغنجة 3 الرضية الشهية) 4. والقمي: يتكلمن بالعربية 5. وربما تفسر بالمتحننات على أزواجهن المتحببات إليهم. * (أترابا) * القمي: يعني مستويات الأسنان 6. ورد: (على كل سرير أربعون فراشا غلظ، كل فراش أربعون ذراعا، على كل فراش زوجة من الحور العين، عربا أترابا) 7. وفي رواية: (هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطاء 8 رمصاء 9، جعلهن الله بعد الكبر أترابا، على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا) 10. * (لأ صحاب اليمين) *: أنشأناهن لهم.


1 - القمي 2: 348. 2 - الاحتجاج 2: 99، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الغنج في الجارية: تكسر وتدلل. لسان العرب 2: 337 (غنج). 4 - مجمع البيان 1 - 2: 538، عن أبي الحسن الرضا، عن الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 7 و 8 - القمي 2: 348. 7 - مجمع البيان 1 - 2: 538، عن أبي الحسن الرضا، عن الحسين بن علي، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلوات الله عليهم. 8 - الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل: أشمط، والمرأة: شمطاء. الصحاح 3: 1138. 9 - وهو البياض الذي تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان، والرمص: الرطب منه، والغمص: اليابس. النهاية 2: 263 (رمص). 10 - جوامع الجامع: 478، الكشاف 4: 54، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1256 ]

* (ثلة من الأولين) * القمي: من الطبقة التي كانت مع النبي صلى الله عليه وآله 1. * (وثلة من الآخرين) * بعد النبي من هذه الأمة، ويؤيده ما ورد: (إن جميع الثلتين من أمتي) 2. وقيل: بل الأولين الأمم الماضية، والآخرين هذه الأمة 3. ويؤيده ما ورد: (ثلة من الأولين: حزقيل مؤمن آل فرعون. وثلة من الآخرين: علي بن أبي طالب عليه السلام) 4. وورد: (أهل الجنة مائة وعشرون صفا، هذه الأمة منها ثمانون صفا) 5. * (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال) *. * (في سموم) *: في حر نار ينفذ في المسام * (وحميم) *: ماء متناه في الحرارة. * (وظل من يحموم) *: من دخان أسود. * (لا بارد) * كسائر الظل * (ولا كريم) *: ولا نافع. القمي: السموم: اسم النار. والحميم: ماء قد حمي.) وظل من يحموم (: ظلمة شديدة الحر.) لا بارد ولا كريم (: ليس بطيب 6. * (إنهم كانوا قبل ذلك مترفين) *: منهمكين في الشهوات. * (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) *: الذنب العظيم. قيل: يعني الشرك 7. * (وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون) *. * (أو اباؤنا الأولون) *. * (قل إن الأولين والآخرين) *. * (لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم) *: إلى ما وقت به الدنيا، من يوم معين عند


1 - القمي 2: 349. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 219، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - تفسير القرآن العظيم 4: 304، عن مجاهد والحسن البصري. 4 - القمي 2: 348، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الخصال 2: 601، الحديث: 5، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفيه: (عشرون ومائة صنف). 6 - القمي 2: 349. 7 - التبيان 9: 500، مجمع البيان 9 - 10: 221، عن الحسن والضحاك وابن زيد. (*)

[ 1257 ]

الله، معلوم له. * (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون) * بالبعث. * (لآكلون من شجر من زقوم) *. * (فمالئون منها البطون) * من شدة الجوع. * (فشاربون عليه من الحميم) * لغلبة العطش. * (فشاربون شرب الهيم) * قال: (الإبل) 1. قيل: يعني الإبل التي بها الهيام، وهي داء يشبه الاستسقاء 2. وفي رواية: (الهيم: الرمل) 3. قيل: أي: الرمل الذي لا يتماسك 4. * (هذا نزلهم يوم الدين) * قيل: النزل ما يعد للنازل تكرمة له، وفيه تهكم بهم 5. وقيل: النزل: ما ينزل عليه صاحبه 6. والقمي: هذا ثوابهم يوم المجازاة 7. * (نحن خلقناكم فلو لا تصدقون) *. * (أفرأيتم ما تمنون) *: ما تقذفونه في الأرحام من النطف * (أأنتم تخلقونه) *: تجعلونه بشرا سويا. * (أم نحن الخالقون) * * (نحن قدرنا بينكم الموت) *: قسمناه عليكم، وأقتنا موت كل بوقت معين * (وما نحن بمسبوقين) *: بمغلوبين. * (على أن نبدل أمثالكم) *: أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم * (وننشئكم في ما لا تعلمون) *: في نشأة لا تعلمونها.


1 - من لا يحضره الفقيه 3: 223، الحديث: 1041، التهذيب 9: 94، الحديث: 410، معاني الأخبار: 150، الحديث: 3، المحاسن 2: 576، الباب: 7، الحديث: 33 و 34، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 221، عن ابن عباس وعكرمة وقتادة، البيضاوي 5: 114. 3 - معاني الأخبار: 150، ذيل الحديث: 3، المحاسن 2: 577، الباب: 7، الحديث: 36، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 و 5 - الكشاف 4: 56، البيضاوي 5: 114. 6 - التبيان 9: 502، مجمع البيان 9 - 10: 221. 7 - القمي 2: 349. (*)

[ 1258 ]

* (ولقد علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون) * إن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ورد: (العجب كل العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى) 1. * (أفرأيتم ما تحرثون) *: تبذرون حبه. * (أأنتم تزرعونه) *: تنبتونه * (أم نحن الزارعون) *. ورد: (لا يقولن أحدكم: زرعت، وليقل: حرثت) 2. * (لو نشاء لجعلناه حطاما) *: هشيما * (فظلتم تفكهون) *: تتحدثون فيه تعجبا وتندما على ما أنفقتم فيه. والتفكه: التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل بالحديث. * (إنا لمغرمون) *: لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام. * (بل نحن) * قوم * (محرومون) *: حرمنا رزقنا. * (أفرأيتم الماء الذي تشربون) *. * (أأنتم أنزلتموه من المزن) *: من السحاب * (أم نحن المنزلون) * بقدرتنا. * (لو نشاء جعلناه أجاجا) *: زعاقا 3 * (فلو لا تشكرون) *. * (أفرأيتم النار التي تورون) *: تقدحون. * (أأنتم أنشأتم شجرتها) * يعني الشجرة التي منها الزناد * (أم نحن المنشئون) *. * (نحن جعلناها تذكرة) * لنار يوم القيامة. ورد: (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم، وقد اطفئت سبعين مرة بالماء ثم التهبت، ولو لا ذلك ما استطاع آدمي أن يطفئها، وإنها لتؤتى يوم القيامة حتى توضع على النار، فتصرخ صرخة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، فزعا من


1 - الكافي 3: 258، الحديث: 28، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 223، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - الزعاق: ماء مر غليظ. كتاب العين 1: 133 (زعق). (*)

[ 1259 ]

صرختها) 1. * (ومتاعا للمقوين) *: ومنفعة للذين ينزلون القواء، وهي القفر، أو الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. القمي: المحتاجين 2. * (فسبح باسم ربك العظيم) *: فاحدث التسبيح بذكر اسمه. ورد: (لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله: اجعلوها في ركوعكم) 3. * (فلا أقسم بمواقع النجوم) *: بمساقطها. القمي: معناه: فأقسم بمواقع النجوم 4. * (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). ورد: (إن مواقع النجوم: رجومها للشياطين، وكان المشركون يقسمون بها. فقال سبحانه: فلا أقسم بها) 5. وزاد في رواية: (عظم أمر من يحلف بها) 6. وفي أخرى: (يعني به اليمين بالبراءة من الأئمة عليهم السلام، يحلف بها الرجل، أن ذلك عند الله عظيم) 7. * (إنه لقران كريم) *: كثير النفع، لا شتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد. * (في كتاب مكنون) *: مصون، وهو اللوح. * (لا يمسه إلا المطهرون) *: لا يطلع عليه إلا المطهرون من الكدورات البشرية، أو


1 - القمي 1: 366، ذيل الآية: 35 من سورة الرعد، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 349. 3 - من لا يحضره الفقيه 1: 207، الحديث: 932، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، مجمع البيان 9 - 10: 224، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - القمي 2: 349. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 266، عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله عليهما السلام. 6 - الكافي 7: 450، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 3: 237، الحديث: 1123، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1260 ]

لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث. ويؤيد الأول قول أمير المؤمنين عليه السلام حين جمع القرآن وطلبوا منه أن يخرجه بعد ما حرفوا ما عندهم منه، فقال: (إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري به السنة) 1. ويؤيد الثاني ما ورد: (المصحف لا تمسه على غير طهور ولا جنبا، ولا تمس خيطه 2 ولا تعلقه، إن الله تعالى يقول:) لا يمسه إلا المطهرون) 3. * (تنزيل من رب العالمين) *. * (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) *: متهاونون. * (وتجعلون رزقكم) * أي: شكر رزقكم * (أنكم تكذبون) *. في قراءتهم عليهم السلام (وتجعلون شكر كم أنكم) 4. قال: (وكانوا إذا مطروا قالوا: أمطرنا بنوء 5 كذا وكذا، قال: فأنزل الله: وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) 6. * (فلو لا إذا بلغت الحلقوم) * أي: النفس. * (وأنتم حينئذ تنظرون) *. الخطاب لمن حول المحتضر. * (ونحن أقرب إليه) * أي: إلى المحتضر * (منكم ولكن لا تبصرون) *. * (فلو لا إن كنتم غير مدينين) * غير مجزيين يوم القيامة، أو غير مملوكين مقهورين. * (ترجعونها: ترجعون النفس إلى مقرها * (إن كنتم صادقين) * في تكذيبكم وتعطيلكم. والمعنى: إن كنتم غير مملوكين مجزيين، كما دل عليه جحدكم أفعال الله 8 - الاحتجاج 1: 228، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - في الاستبصار و (ب): (خطه). 3 - الاستبصار 1: 114، الحديث: 378، التهذيب 1: 127، الحديث: 344، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 4 - القمي 2: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 224، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 5 - مرت ترجمته في ذيل الآية: 50 من سورة الفرقان. ج 2 ص 137. 6 - القمي 2: 349، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1261 ]

وتكذيبكم بآياته، فلو لا ترجعون نفس من يعز عليكم إلى بدنه بعد بلوغها الحلقوم. * (فأما إن كان من المقربين) * أي: إن كان المتوفى من السابقين. * (فروح) *: فله استراحة. وفي قراءتهم عليهم السلام: (فروح) بالضم 1. وفسر بالرحمة والحياة الدائمة 2. * (وريحان) *: ورزق طيب * (وجنة نعيم) *: ذات تنعم. قال: (فروح وريحان (يعني في قبره،) وجنة نعيم (يعني في الآخرة) 3. * (وأما إن كان من أصحاب اليمين) *. * (فسلام لك) * يا صاحب اليمين * (من أصحاب اليمين) * أي: من إخوانك يسلمون عليك. كذا قيل 4. وورد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: (هم شيعتك، فسلم ولدك منهم أن يقتلوهم) 5. * (وأما إن كان من المكذبين الضالين) * يعني من أصحاب الشمال، وإنما وصفهم بأفعالهم زجرا عنها، وإشعارا بما أوجب لهم ما أوعد به. قال: (فهؤ لاء: المشركون) 6. والقمي: أعداء آل محمد صلى الله عليه وآله 7. * (فنزل من حميم) * قال: (يعني في قبره) 8.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 227، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكشاف 4: 60، البيضاوي 5: 115. 3 - الأمالي (للصدوق): 239، الملجس: 48، الحديث: 12، عن الكاظم، عن أبي عبد الله عليهما السلام، و 383، المجلس: 72، الحديث: 11، القمي 2: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكشاف 4: 60، البيضاوي 5: 115. 5 - الكافي 8: 260، الحديث: 373، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 6 - الكافي 2: 30، قطعة من حديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - القمي 2: 350. 8 - الأمالي (للصدوق): 239، المجلس: 48، الحديث: 12، عن الكاظم، عن أبي عبد الله عليهما السلام، القمي 2: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1262 ]

* (وتصلية جحيم) * قال: (يعني في الآخرة) 1. * (إن هذا لهو حق اليقين) *. * (فسبح باسم ربك العظيم) * فنزهه عما لا يليق بعظمة شأنه.


1 - الأمالي (للصدوق): 239، المجلس: 48، الحديث: 12، عن الكاظم، عن أبي عبد الله عليهما السلام، القمي 2: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1263 ]

سورة الحديد [ مدنية، وهي تسع وعسرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (سبح لله ما في السموات والأرض) * أتى بصيغة الماضي في بعض السور، وبصيغة المستقبل في آخر وفي آخر بصيغة المصدر، إشعارا بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع الأوقات، لأنه دلالة جبلية لا تختلف باختلاف الحالات. وإنما عدي باللام وهو معدى بنفسه، إشعارا بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه. * (وهو العزيز الحكيم) * فيه إشعار بما هو المبدأ للتسبيح. * (له ملك السموات والأرض) * فإنه الخالق لها والمتصرف فيها يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير) *. هو الأول) *: قبل كل شئ * (والاخر) *: بعد كل شئ * (والظاهر) * على كل شئ، بالقهر له * (والباطن) *: الخبير بباطن كل شئ، وأيضا: هو الأول يبتدأ منه الأسباب، والآخر ينتهي إليه المسببات: (والظاهر وجوده من كل شئ بما يرى في خلقه من علامات التدبير، والباطن الذي بطن من خفيات الأمور، فلا يكتنه حقيقة ذاته العقول). كذا ورد، أو


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 1264 ]

ما يقرب منه 1. * (وهو بكل شئ عليم) *: يستوي عنده الظاهر والخفي. * (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) * قد مر تفسيره في الأعراف 2. يعلم ما يلج في الأرض) * كالبذور * (وما يخرج منها) * كالزروع * (وما ينزل من السماء) * كالأمطار * (وما يعرج فيها) * كالأبخرة * (وهو معكم أين ما كنتم) * فلا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال * (والله بما تعملون بصير) * فيجازيكم عليه. * (له ملك السموات والأرض) * ذكره مع الإعادة، كما ذكره مع الإبداء، لأنه كالمقدمة لهما * (وإلى الله ترجع الأمور) *. * (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور) *: بمكنو ناتها. * (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) * من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها، فهي في الحقيقة له لا لكم، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها، وفيه توهين للإنفاق على النفس. * (فالذين امنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) * وعد فيه مبالغات. * (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم) *: وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك * (إن كنتم مؤمنين) *. * (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور) *: من ظلمات الكفر إلى نور الأيمان * (وإن الله بكم لرءوف رحيم) *. * (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله) *: فيما يكون قربة إليه * (ولله ميراث السموات والأرض) *: يرث كل شئ فيهما ولا يبقى لأحد مال، وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى، وهو الثواب، كان أولى. * (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) * بيان لتفاوت المنفقين والمقاتلين،


1 - الكافي 1: 141، قطعة من حديث: 7، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وانظر نهج البلاغة: 87، الخطبة: 49. 2 - ذيل الآية: 54. (*)

[ 1265 ]

باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين، وتحري الحاجة. وقسيمه محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه. والفتح فتح مكة، إذ عز الأسلام به وكثر أهله، وقلت الحاجة إلى المقاتلة والإنفاق. * (أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير) *. * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) *: ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوضه، وحسنه بالإخلاص، وتحرى الحلال، وأفضل الجهات، ومحبة المال، ورجاء الحياة * (فيضاعفه له) *: فيعطي أجره أضعافا * (وله أجر كريم) *: وذلك الأجر كريم في نفسه وإن لم يضاعف. قال: (نزلت في صلة الإمام في دولة الفساق) 1. وورد: (إن الله لم يسأل خلقه مما في أيديهم قرضا من حاجة به إلى ذلك، وما كان لله من حق فإنما هو لوليه) 2. * (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم) *: ما يهتدون به إلى الجنة * (بين أيديهم وبأيمانهم) * من حيث يؤتون صحائف أعمالهم. * (بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم) *. * (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا) *: انتظرونا، أو انظروا إلينا. وعلى قراءة فتح الهمزة: أمهلونا * (نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم) *: إلى الدنيا * (فالتمسوا نورا) * بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، فإن النور يتولد منها. * (فضرب بينهم بسور) *: بحائط * (له باب باطنه فيه الرحمة) * لأنه يلي الجنة * (وظاهره من قبله) *: من جهته * (العذاب) * لأنه يلي النار. * (ينادونهم ألم نكن معكم) * يريدون موافقتهم في الظاهر. * (قالوا بلى ولكنكم


1 - الكافي 8: 302، الحديث: 461، عن الكاظم عليه السلام. 2 - الكافي 1: 537، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1266 ]

فتنتم أنفسكم) * بالنفاق. والقمي: بالمعاصي 1. * (وتربصتم) * بالمؤمنين الدوائر * (وارتبتم) *: وشككتم في الدين * (وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله) * وهو الموت * (وغركم بالله الغرور) *: الشيطان أو الدنيا. * (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا) * ظاهرا وباطنا * (مأواكم النار هي مولاكم) * القمي: هي أولى بكم 2. * (وبئس المصير) * النار. القمي: يقسم النور بين الناس يوم القيامة على قدر إيمانهم: يقسم للمنافق فيكون نوره بين إبهام رجله اليسرى، فينظر نوره ثم يقول للمؤمنين: مكانكم حتى أقتبس من نوركم، فيقول المؤمنون لهم:) ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا (، فيرجعون، فيضرب بينهم بسور. ثم قال: والله ما عنى بذلك اليهود ولا النصارى، وما عنى به إلا أهل القبلة 3. * (ألم يأن) *: ألم يأت وقته * (للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أو توا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) *: خارجون عن دينهم. قال: (نزلت هذه الآية في القائم عليه السلام) ولا يكونوا (، الآية) 4. أقول: لعل المراد: إنها نزلت في شأن غيبة القائم عليه السلام وأهلها المؤمنين. * (إعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها) * قال: (يحييها الله بالقائم بعد موتها. قال: يعني بموتها كفر أهلها، والكافر ميت) 5. وفي رواية: (العدل بعد الجور) 6. وقيل: تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة 7. * (قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون) *.


1 - القمي 2: 351. 2 و 3 - القمي 2: 351. 4 - كمال الدين 2: 668، الباب: 58، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - كمال الدين 2: 668، الباب: 58، الحديث: 13، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 8: 267، الحديث: 390، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - البيضاوي 5: 118. (*)

[ 1267 ]

* (إن المصدقين) * أي: المتصدقين، إن شدد الصاد، والذين صدقوا الله ورسوله، إن خفف. * (والمصد قات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم) *. * (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم) * قال: (إن هذه لنا ولشيعتنا) 1. وقال: (ما من شيعتنا إلا صديق، شهيد. قيل: أنى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فرشهم 2 ؟ ! فقال: أما تتلو كتاب الله في الحديد) والذين آمنوا بالله ورسله (الآية. قال: لو كان الشهداء كما يقولون، كان الشهداء قليلا) 3. * (لهم أجرهم ونورهم) *: أجر الصديقين والشهداء ونورهم * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) *. * (إعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) *. لما ذكر حال الفريقين، حقر أمور الدنيا، اعني ما لا يتوصل به منها إلى سعادة الآخرة، بأن بين أنها أمور وهمية، عديمة النفع، سريعة الزوال، وإنما هي لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جدا، إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم، وزينة من ملابس شهية ومراكب بهية ومنازل رفيعة ونحو ذلك، وتفاخر بالأنساب والأحساب، وتكاثر بالعدد والعدد، وهذه ستة أمور جامعة لمشتهيات الدنيا مما لا يتعلق منها بالآخرة، مترتبة في الذكر ترتب مرورها على الإنسان غالبا. * (كمثل غيث أعجب الكفار نباته) *. ثم قرر تحقير الدنيا، ومثل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها بحال نبات أنبته الغيث واستوى، فأعجب به الحراث أو الكافرون بالله،


1 - التهذيب 6: 167، الحديث: 318، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - في المصدر: (فراشهم). 3 - المحاسن: 163، الباب: 32، الحديث: 115، عن الحسين بن علي عليهما السلام. (*)

[ 1268 ]

لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به، فيستغرق فيه إعجابا. * (ثم يهيج) * أي: ييبس بعاهة * (فتراه مصفرا ثم يكون حطاما) *: هشيما * (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان) *. ثم عظم أمور الآخرة، وأكد ذلك تنفيرا عن الانهماك في الدنيا، وحثا على ما يوجب كرامة العقبى * (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) * أي: لمن أقبل عليها ولم يطلب الآخرة بها. * (سابقوا) *: سارعوا مسارعة السابقين في المضمار * (إلى مغفرة من ربكم) *: إلى موجباتها * (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) *: كعرض مجموعهما إذا بسطتا. ورد: (إن أدنى أهل الجنة منز لا من لو نزل به الثقلان - الجن والإنس - لوسعهم طعاما وشرابا) 1. * (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) *. * (ما أصاب من مصيبة في الأرض) * كجدب وعاهة * (ولا في أنفسكم) * كمرض وآفة * (إلا في كتاب) *: إلا مكتوبة * (من قبل أن نبرأها) *: نخلقها. قال: (كتابه في السماء: علمه بها، وكتابه في الأرض: علومنا في ليلة القدر، وفي غيرها) 2. ورد: (إن ملك الأرحام يكتب كل ما يصيب الإنسان في الدنيا بين عينيه، فذلك قوله عزوجل:) ما أصاب من مصيبة (الآية) 3. * (إن ذلك) *: إن ثبته في كتاب * (على الله يسير) *.


1 - القمي 2: 82، ذيل الآية: 23 من سورة الحج، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 2: 351، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - علل الشرائع 1: 95، الباب: 85، الحديث: 4، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1269 ]

* (لكيلا تأسوا) * أي: أثبت وكتب لئلا تحزنوا * (على ما فاتكم) * من نعم الدنيا * (ولا تفرحوا بما آتاكم) *: بما أعطاكم الله منها، فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر. قال: (الزهد كله بين كلمتين من القرآن. قال الله تعالى:) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه) 1. * (والله لا يحب كل مختال فخور) *. فيه إشعار بأن المراد بالأسى: الأسى المانع عن التسليم لأمر الله، وبالفرح: الفرح الموجب للبطر والاختيال، إذ قل من يثبت نفسه حال الضراء والسراء. * (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول) * أي: ومن يعرض عن الإنفاق * (فإن الله هو الغني الحميد) *: غني عنه وعن إنفاقه، محمود في ذاته، لا يضره الأعراض عن شكره، ولا ينتفع بالتقرب إليه بشئ من نعمه. فيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالأنفاق لمصلحة المنفق. * (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب) *. قال: (الكتاب: الاسم الأكبر الذي يعلم به علم كل شئ، الذي كان مع الأنبياء عليهم السلام) 2. * (والميزان) *. روي: (إن جبرئيل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، وقال: مر قومك يزنوا به) 3. والقمي: الميزان: الأمام 4. * (ليقوم الناس بالقسط) *: بالعدل. * (وأنزلنا الحديد) * قال: (إنزاله ذلك خلقه له) 5. فيه بأس شديد) * فإن آلات


1 - نهج البلاغة: 553، الحكمة: 439. 2 - الكافي 1: 293، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - جوامع الجامع: 482. 4 - القمي 2: 352. 5 - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1270 ]

الحروب متخذة منه. قال: (يعني السلاح) 1. * (ومنافع للناس) * إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها. ورد: (إن الله عزوجل أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض، أنزل الحديد والنار والماء والملح) 2. * (وليعلم الله) *. عطف على محذوف دل عليه ما قبله، فإنه يتضمن تعليلا. * (من ينصره ورسله بالغيب) * باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار * (إن الله قوي) * على إهلاك من أراد إهلاكه * (عزيز) * لا يفتقر إلى نصرة، وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به، ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه. * (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) *. * (ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم) * أي: أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى * (وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها) *. قيل: هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف، من رهب 3. قال: (صلاة الليل) 4. * (ما كتبناها عليهم) *: ما فرضناها عليهم * (إلا ابتغاء رضوان الله) * ولكنهم ابتدعوها، ابتغاء رضوان الله * (فما رعوها) * أي: فما رعوا جميعا * (حق رعايتها) * قال: (لتكذ يبهم بمحمد صلى الله عليه وآله) 5. * (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) *:


1 - التوحيد: 266، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 243، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - البيضاوي 5: 120. 4 - الكافي 3: 488، الحديث: 12، من لا يحضره الفقيه 1: 299، الحديث: 1365، التهذيب 2: 120، الحديث: 4520، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 220، الباب: 28، الحديث: 9، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 5 - مجمع البيان 9 - 10: 243، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1271 ]

خارجون عن الاتباع. ورد: (اختلف من كان قبلكم على ثنتين 1 وسبعين فرقة، نجا منها ثنتان 2 وهلك سائرهن، فرقة قاتلوا الملوك، على دين عيسى عليه السلام فقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام، فساحوا في البلاد وترهبوا، وهم الذين قال الله عزوجل:) ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم (ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون) 3. وفي رواية: (قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله عليه وآله، فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية) 4. * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) * القمي: نصيبين من رحمته: أحدهما، أن لا يدخله النار، وثانيهما: أن يدخله الجنة 5. * (ويجعل لكم نورا تمشون به) * يعني الإيمان، وفي رواية: (يعني إماما تأتمون به) 6. * (ويغفر لكم والله غفور رحيم) *. روي: (لما نزل قوله تعالى:) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا (في أهل الكتاب


1 - في المصدر: (اثنتين). 2 - في المصدر: (اثنتان). 3 - مجمع البيان 9 - 10: 243، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 243، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 5 - القمي 2: 352. 6 - الكافي 1: 195، ذيل الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، وص 430، ذيل الحديث: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1272 ]

الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله، وسمع ذلك الذين لم يؤمنوا به، فخروا على المسلمين وقالوا: يا معشر المسلمين أما من آمن منا بكتابكم وكتابنا فله أجران، ومن آمن منا بكتابنا فله أجر كأجوركم، فما فضلكم علينا ؟ فنزل:) يا أيها الذين آمنوا (الآية) 1. * (لئلا يعلم أهل الكتاب) * أي: ليعلموا. و (لا) مزيدة. * (أن لا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) *. روي: (فخر الذين آمنوا منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم على أصحابه، وقالوا: نحن أفضل منكم، لنا أجران ولكم أجر واحد، فنزل:) لئلا يعلم (الآية) 2.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 244، وفي الدر المنثور 8: 67 مع تفاوت. والآية في سورة القصص (28): 54. 2 - المصدر، الدر المنثور 8: 67. (*)

[ 1273 ]

سورة المجادلة [ مدنية، وهي اثنتان وعشرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما) *: تراجعكما الكلام * (إن الله سميع بصير) * للأقوال والأحوال. * (الذين يظاهرون منكم من نسائهم) *. الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وكانت المرأة تحرم بذلك على زوجها في الجاهلية: (فقاله رجل لامرأته في الإسلام، فجاءت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فشكت إلى الله وإليه، وجادلت رسول الله في زوجها فنزلت). كذا ورد 2. * (ما هن أمهاتهم) * على الحقيقة * (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور) * لما سلف منه. * (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا) * قال: (يعني ما قال الرجل


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - الكافي 6: 152، الحديث: 1، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام، من لا يحضره الفقيه 3: 340، الحديث: 1641، عن أبي عبد الله عليه السلام، القمي 2: 353، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1274 ]

الأول لامرأته: أنت علي 1 كظهر أمي). * (فتحرير رقبة) * قال: (فمن قالها بعد ما عفا الله وغفر للرجل الأول، فإن عليه تحرير رقبة) 3. * (من قبل أن يتماسا) * قال: (يعني مجامعتها) 4، * (ذلكم توعظون به) * لكي ترتدعوا عن مثله * (والله بما تعملون خبير) *. * (فمن لم يجد) * الرقبة * (فصيام شهرين متتابعين) * (بأن يصوم شهرا ومن الآخر شيئا متصلا به، ثم يتم الآخر متواليا أو متفرقا). كذا ورد 5. * (من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله) * فرض ذلك لتصدقوا بالله ورسوله في قبول شرائعه، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم. * (وتلك حدود الله) * لا يجوز تعديها * (وللكافرين) * الذين لا يقبلونها * (عذاب أليم) *. * (إن الذين يحادون الله ورسوله) *: يعادونهما، فإن كلا من المتعاديين في حد غير حد الآخر، وقيل: يضعون حدوداغير حدودهما 6. * (كبتوا) *: أخزوا أو أهلكوا، وأصل الكبت: الكب. * (كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات) * تدل على صدق الرسول وما جاء به * (وللكافرين عذاب مهين) * يذهب عزهم وتكبرهم. * (يوم يبعثهم الله جميعا) *: كلهم، لا يدع أحدا، أو مجتمعين. * (فينبئهم) * على رؤوس الأشهاد * (بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد) *. * (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة) *: من تناجي ثلاثة، أو من متناجين ثلاثة * (إلا هو رابعهم) *: إلا الله يجعلهم أربعة، إذ هو مشاركهم في الاطلاع عليها * (ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) * يعلم ما يجري بينهم بإحاطته بهم وشهوده لديهم أين ما كانوا) *.


1 - في المصدر: (أنت علي حرام). 2 و 3 و 4 - الكافي 6: 152 - 153، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 5 - الكافي 4: 138، الحديث: 1، 2 و 3، وص 138، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - البيضاوي 5: 122. (*)

[ 1275 ]

سئل عن الله أين هو ؟ فقال: (هو ها هنا وها هنا، وفوق وتحت ومحيط بنا ومعنا) ثم تلا هذه الآية 1. * (ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم) *. * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه) * قيل: نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم عادوا لمثل فعلهم 2. * (ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) * أي: بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية الرسول. * (وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله) *. روي: (إن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وآله، فقالوا: السام عليك يا محمد. والسام بلغتهم: الموت. فقال: وعليكم، فأنزل الله) 3. والقمي: إذا أتوه قالوا له: أنعم صباحا وأنعم مساء. وهي تحية أهل الجاهلية، فأنزل الله هذه الآية. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أبدلنا الله بخير من ذلك، تحية أهل الجنة: السلام عليكم 4. * (ويقولون في أنفسهم) *: فيما بينهم * (لولا يعذبنا الله بما نقول) *: هلا يعذبنا بذلك لو كان محمد نبيا. * (حسبهم جهنم) * عذابا * (يصلونها فبئس المصير) *. * (يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول) * كما يفعله المنافقون * (وتناجوا بالبر والتقوى) *: بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول صلى الله عليه وآله * (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) *.


1 - الكافي 1: 130، ذيل الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 249، عن ابن عباس، البيضاوي 5: 122. 3 - الدر المنثور 8: 80، الجامع لأحكام القرآن 17: 292، روضة الواعظين 2: 458. 4 - القمي 2: 355. (*)

[ 1276 ]

* (إنما النجوى من الشيطان) * فإنه المزين لها والحامل عليها * (ليحزن الذين آمنوا) بتوهمهم أنها في نكبة إصابتهم * (وليس) * الشيطان أو النناجي * (بضارهم) *: بضار المؤمنين * (شيئا إلا بإذن الله) *: بمشيئته * (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * ولا يبالوا بنجواهم. ورد: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه) 1. وقيل: المراد بالآية الأحلام التي يراها الإنسان في نومه فيحزنه 2. ويؤيده ما رواه القمي في سبب نزولهما من رؤيا فاطمة عليها السلام في قصة طويلة 3. * (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس) *: توسعوا فيها، وليفسح بعضكم عن بعض. قيل: كانوا يتضامون بمجلس النبي صلى الله عليه وآله، تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه 4. * (فافسحوا يفسح الله لكم) * فيما تريدون التفسح فيه، من المكان والرزق والصدر وغيرها * (وإذا قيل انشزوا) *: انهضوا * (فانشزوا) *. القمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل المسجد يقوم له الناس، فنهاهم الله أن يقوموا له، فقال:) تفسحوا (أي: وسعوا له في المجلس،) وإذا قيل انشزوا فانشزوا (يعني إذا قال: قوموا، فقوموا 5. * (يرفع الله الذين آمنوا منكم) * بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنات في الآخرة. * (والذين أوتوا العلم درجات) *: ويرفع العلماء منهم خاصة مزيد رفعة.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 251، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - المصدر. 3 - القمي 2: 355، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - البيضاوي 5: 123. 5 - القمي 2: 356. (*)

[ 1277 ]

ورد: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) 1. وفي رواية: (عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد) 2. * (والله بما تعملون خبير) *. * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) *: فتصدقوا قدامها. القمي: ليكون أقضى لحوائجكم 3. قيل: في هذا الأمر تعظيم الرسول، وإنفاع الفقراء، والنهي عن الإفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق، ومحب الآخرة ومحب الدنيا 4. قال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى، إنه كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم، فجعلت أقدم بين يدي كل نجوى أناجيها النبي صلى الله عليه وآله درهما. قال: فنسختها قوله:) ءأشفقتم (الآية) 5. * (ذلك) * أي: التصدق * (خير لكم وأطهر) * لأنفسكم من الزينة وحب المال * (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) * لمن لم يجد، حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق. * (أأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات) *: أخفتم الفقر من تقديم الصدقة، أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر. وجمع الصدقات لجمع المخاطبين أو لكثرة التناجي. * (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم) * بأن رخص لكم أن لا تفعلوه. قال: (فهل تكون التوبة إلا عن ذنب) 6. * (فأقيموا الصلاة واتوا الزكاة) * فلاتفرطوا


1 - جوامع الجامع: 485، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - الكافي 1: 33، الحديث: 8، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 2: 357. 4 - البيضاوي 5: 123. 5 - القمي 2: 357، وفي الخصال 2: 574، قطعة من حديث: 1، ما يقرب منه. 6 - الخصال 2: 574، قطعة من حديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1278 ]

في أدائهما * (وأطيعوا الله ورسوله) * في سائر الأمور، لعلها تجبر تفريطكم في ذلك * (والله خبير بما تعملون) *. * (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم) * يعني اليهود * (ما هم منكم ولا منهم) * لأنهم منافقون، مذبذبون بين ذلك * (ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) * أن المحلوف عليه كذب، كمن يحلف بالغموس 1. * (أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون) *. * (إتخذوا أيمانهم جنة) *: وقاية دون دمائهم وأموالهم * (فصدوا عن سبيل الله) *: فصدوا الناس عن دين الله بالتحريش والتثبيط، * (فلهم عذاب مهين) *. * (لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) *. * (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له) * أي: لله عزوجل * (كما يحلفون لكم) * في الدنيا * (ويحسبون أنهم على شئ) * إذ تمكن النفاق في نفوسهم، بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على الله، كما تروجه عليكم في الدنيا * (ألا إنهم هم الكاذبون) *: البالغون الغاية في الكذب، حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحلفون عليه. وقد مر في هذه الآية حديث في حم السجدة 2. * (إستحوذ عليهم الشيطان) *: استولى عليهم * (فأنساهم ذكر الله) *: لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم * (أولئك حزب الشيطان) *: جنوده وأتباعه * (ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) * لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد، وعرضوها للعذاب المخلد. القمي: نزلت في الثاني، مر به رسول الله صلى الله عليه وآله وهو جالس عند يهودي يكتب خبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله:) ألم تر إلى الذين تولوا (الآيات. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال له


1 - اليمين الغموس: التي تغمس صاحبها في الإثم. والأمر الغموس: الشديد، الصحاح 3: 956 (غمس). 2 - ذيل الآية: 20 من سورة فصلت.

[ 1279 ]

رسول الله: رأيتك تكتب عن اليهود، وقد نهى الله عن ذلك. قال: كتبت عنه ما في التوراة من صفتك، وأقبل يقرأ ذلك على رسول الله وهو غضبان. فقال رجل من الأنصار: ويلك، أما ترى غضب النبي عليك ؟ فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، إني إنما كتبت ذلك لما وجدت فيه من خبرك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فلان لو أن موسى بن عمران فيهم قائما ثم أتيته رغبة عما جئت به لكنت كافرا بما جئت به، وهو قوله:) اتخذوا أيمانهم جنة (أي: حجابا بينهم وبين الكفار، وإيمانهم إقرار باللسان، خوفا من السيف ورفع الجزية 1. * (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين) *: في جملة من هو أذل خلق الله. * (كتب الله لأغلبن أناورسلي إن الله قوي عزيز) *. روي: (إن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى: ليفتحن الله علينا الروم وفارس. فقال المنافقون: أتظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها ؟ ! فأنزل الله هذه الآية) 2. * (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) *: ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم * (أولئك) * أي: الذين لم يوادوهم * (كتب في قلوبهم الإيمان) *: أثبته فيها * (وأيدهم بروح منه) *: من عنده. قال: (هو الإيمان) 3. وورد: (ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخناس،


1 - القمي 2: 357. 2 - التفسير الكبير 29: 276، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 17: 306، عن مقاتل مع تفاوت يسير. 3 - الكافي 2: 15، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، والحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1280 ]

وأذن ينفث فيها الملك. فيؤيد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله:) وأيدهم بروح منه) 1. وفي رواية: (إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح منه، تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي، وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي، فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه، وتسيخ 2 في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاح أنفسكم، تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا، رحم الله امرءأهم بخير فعمله، أو هم بشر فارتدع عنه. ثم قال: نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له) 3. وورد في قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا زنى الرجل فارقه روح الإيمان. قال: هو قوله:) وأيدهم بروح منه (ذاك الذي يفارقه) 4. * (ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم) * بطا عتهم * (ورضوا عنه) * بقضائه، وبما وعدهم من الثواب. * (أولئك حزب الله) *: جنده وأنصار دينه * (ألا إن حزب الله هم المفلحون) *: الفائزون خير الدارين.


1 - الكافي 2: 267، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - قوله: (تهتز سرورا) كناية عن تمكنها في الإنسان وألفتها له وأنسها به. وقوله: (تسيخ في الثرى) كناية عن انفعالها وسقوطها من الإنسان بعوده إلى ما كان عليه من الحال. 3 - الكافي 2: 268، الحديث: 1، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 4 - المصدر: 280، الحديث: 11، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1281 ]

سورة الحشر [ مدنية، وهي أربع وعشرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) *. * (هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر) *: (لأول جلائهم إلى الشام، وآخر حشرهم إليه يكون في الرجعة). كما ورد 2. والحشر: إخراج جمع من مكان إلى آخر. ورد: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لهم: (اخرجوا. قالوا: إلى أين ؟ قال: إلى أرض المحشر) 3. والقمي ما ملخصه: إنه كان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود: بني النضير وقريظة وقينقاع، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله عهد ومدة، فنقض بنو النضير عهدهم وهموا بقتله، فأخبرهم: إن الله قد أخبرني بما هممتم به من الغدر، فإما أن تخرجوا من بلدنا، وإما أن تأذنوا بحرب، فقالوا: نخرج من بلادك. فبعث إليهم عبد الله بن أبي 4 ألا تخرجوا


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - مجمع البيان 9 - 10: 258، عن ابن عباس والزهري والجبائي، جامع البيان 28: 20. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 25 8. 4 - عبد الله بن أبي بن مالك بن الحارث، المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه: رأس المنافقين في الإسلام. (*)

[ 1282 ]

وتقيموا وتنابذوا محمدا الحرب، فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي، فإن خرجتم خرجت معكم، وإن قاتلتم قاتلت معكم. فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيئوا للقتال، وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا لا نخرج، فاصنع ما أنت صانع. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وكبر، وكبر أصحابه، وقال لأمير المؤمنين عليه السلام: تقدم إلى بني النضير. فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الراية وتقدم. وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأحاط بحصنهم. وغدر بهم عبد الله بن أبي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ظهر بمقدم بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه، وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقطع نخلهم، فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمد إن الله يأمرك بالفساد ؟ إن كان لك هذا فخذه، وإن كان لنا فلا تقطعه. فلما كان بعد ذلك قالوا: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا مالنا. فقال: لا، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الأبل، فلم يقبلوا ذلك. فبقوا أياما، ثم قالوا: نخرج ولنا ما حملت الأبل، فقال: لا، ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا، فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه. فخرجوا على ذلك. ووقع منهم قوم إلى فدك ووادى القرى، وخرج قوم منهم إلى الشام. فأنزل الله فيهم:) هو الذي أخرج كفروا (الآيات (1). * (ما ظننتم أن يخرجوا) * لشدة بأسهم ومنعتهم * (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله) * أي: إن حصونهم تمنعهم من بأس الله * (فأتاهم الله) * أي: عذابه، وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء. قال: (يعني أرسل عليهم عذابا) 2. * (من حيث لم يحتسبوا) * لقوة وثوقهم * (وقذف في قلوبهم الرعب) *: الخوف الذي يرعبها، أي: يملأها * (يخربون


من أهل المدينة. كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم. وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر، تقية. وكان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها. وله في ذلك أخبار، توفي سنة: 9 ه‍. الأعلام (للزركلي) 4: 65. 1 - القمي 2: 359 - 360. 2 - التوحيد: 266، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1283 ]

بيوتهم بأيديهم) * ضنا 1 بها على المسلمين، وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها * (وأيدي المؤمنين) * فإنهم أيضا كانوا يخربون ظواهرها، نكاية وتوسيعا لمجال القتال. * (فاعتبروا يا أولي الأبصار) *: فاتعظوا بحالهم، فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله. * (ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء) *: الخروج من أوطانهم * (لعذبهم في الدنيا) * بالقتل والسبي، كما فعل ببني قريظة * (ولهم في الآخرة عذاب النار) * يعني إن نجوامن عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة. * (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب) *. * (ما قطعتم من لينة) *: نخلة كريمة، قال: (يعني العجوة، وهي أم التمر، وهي التي أنزلها الله من الجنة لآدم) 2. * (أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله) *: فبأمره. القمي: نزلت فيما عاتبوه من قطع النخل 3. * (وليخزي الفاسقين) *: وأذن لكم في القطع، ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه. * (وما أفاء الله على رسوله) * أي: رده عليه (فإن جميع ما بين السماء والأرض لله عزوجل ولرسوله، ولأتباعهم من المؤمنين المتصفين بما وصفهم الله به في قوله:) التائبون العابدون (الآية 4. فما كان منه في أيدي المشركين والكفار والظلمة والفجار فهو حقهم، أفاء الله عليهم ورده إليهم). كذا ورد 5. * (منهم) *: من بني النضير * (فما أوجفتم عليه) *: فما أجريتم على تحصيله، من الوجيف: وهو سرعة السير. * (من خيل ولا ركاب) *: ما يركب من الإبل، غلب فيه.


1 - ضننت بالشئ ضنا وضنانة: إذا بخلت به، الصحاح 6: 2156 (ضنن). 2 - الكافي 6: 347، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (وهي التي أنزلها الله عزوجل لآدم من الجنة). 3 - القمي 2: 360. 4 - التوبة (9): 112. 5 - الكافي 5: 16، قطعة من حديث: 1، التهذيب 6: 130، قطعة من حديث: 224، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1284 ]

قيل: وذلك لأن قراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالا غير رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه ركب جملا أو حمارا، ولم يجر مزيد قتال، ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئا إلا رجلين أو ثلاثة، كانت بهم حاجة 1. * (ولكن الله يسلط رسله على من يشاء) * بقذف الرعب في قلوبهم * (والله على كل شئ قدير) * فيفعل ما يريد، تارة بالوسائط الظاهرة، وتارة بغيرها. * (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى) *. بيان للأول، ولذلك لم يعطف عليه. * (فلله وللرسول ولذي القربى) *. قال: (نحن والله الذين عنى الله بذي القربى الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه صلى الله عليه وسلم) 2. * (واليتامى والمساكين وابن السبيل) * قال: (منا خاصة، ولم يجعل لنا سهما في الصدقة أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس) 3. * (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) *: كيلا يكون الفئ شيئا يتداوله الأغنياء ويدور بينهم، كما كان في الجاهلية * (وما آتاكم الرسول) * من الأمر * (فخذوه) *: فتمسكوا به * (وما نهاكم عنه) *: عن إتيانه * (فانتهوا) * عنه * (واتقوا الله) * في مخالفة الرسول * (إن الله شديد العقاب) * لمن خالف. وورد: (واتقوا الله (في ظلم آل محمد صلى الله عليه وآله،) إن الله شديد العقاب (لمن ظلمهم) 4. قال: (إن الله أدب رسوله حتى قومه على ما أراد، ثم فوض إليه. فقال عز ذكره:) ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (فما فوض الله إلى رسوله فقد فوضه إلينا) (5).


1 - البيضاوي 5: 125. 2 و 3 - الكافي 1: 539، الحديث: 1، التهذيب 4: 126، الحديث:: 362، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكافي 8: 63، ذيل الحديث: 21، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - الكافي 1: 268، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1285 ]

وفي رواية: (فوض إلى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم، ثم تلا هذه الآية) 1. * (للفقراء المهاجرين) * الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، ومن دار الحرب إلى دار الإسلام. قيل: بدل من) لذي القربى (وما عطف عليه، ومن أعطى أغنياء ذوى القربى خص الإبدال بما بعده، والفئ بفئ بني النضير 2. * (الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم) *: أخرجوهم كفار مكة وأخذوا أموالهم * (يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله) * بأنفسهم وأموالهم * (أولئك هم الصادقون) * في إيمانهم. * (والذين تبوءو الدار والإيمان) *. عطف على المهاجرين، أو استئناف، خبره: يحبون، ويؤيد الثاني: أنه لم يقسم لهم الفئ، فإن المراد بهم الأنصار، فإنهم لزا المدينة والإيمان وتمكنوا فيهما، أو لزموا دار الهجرة ودار الإيمان. فقد ورد: (الإيمان بعضه من بعض وهو دار، وكذلك الإسلام دار والكفر دار) 3. * (من قبلهم) *: من قبل هجرة المهاجرين * (يحبون من هاجر إليهم) * ولا يثقل عليهم * (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا) *: مما أعطي المهاجرون من الفئ وغيره * (ويؤثرون على أنفسهم) *: ويقدمون على أنفسهم * (ولو كان بهم خصاصة) *: فقرو حاجة * (ومن يوق شح نفسه) * حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال * (فأولئك هم المفلحون) *: الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل. ورد: (إنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بيوت أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء. فقال: من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أنا له يا رسول الله. وأتى فاطمة عليها السلام فقال لها: ما عندك يا ابنة رسول الله ؟ فقالت: ما عندنا إلا قوت العشية، لكنا نؤثر ضيفنا. فقال: يا ابنة محمد، نومي الصبية


1 - الكافي 1: 266، الحديث عن أبي جعفر وعن أبي عبد الله عليهما السلام. 2 - البيضاوي 5: 126. 3 - الكافي 2: 27، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1286 ]

وأطفي المصباح. فلما أصبح علي عليه السلام غدا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبره الخبر، فلم يبرح حتى أنزل الله عزوجل:) ويؤثرون على أنفسهم (الآية) 1. * (والذين جاءوا من بعدهم) *: من بعد المهاجرين والأنصار، يعم سائر المؤمنين. * (يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا) * أي: في الدين * (الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا) *: حقدا * (للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) * فحقيق بأن تجيب دعاءنا. * (ألم تر إلى الذين نافقوا) *. القمي: نزلت في ابن أبي وأصحابه 2. * (يقولون لاءخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) * يعني بني النضير * (لئن أخرجتم) * من دياركم * (لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم) *: في قتالكم أو خذلانكم * (أحداأبدا) * من رسول الله والمسلمين * (وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون) * لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك. * (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) * وكان كذلك، فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك، ثم أخلفوهم كما مر 3. * (ولئن نصروهم) * على الفرض والتقدير * (ليولن الأدبار) * انهزاما * (ثم لا ينصرون) *. * (لأنتم أشد رهبة) *: مرهوبية * (في صدورهم) * فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين * (من الله) * على ما يظهرونه نفاقا. * (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) *: لا يعلمون عظمة الله، حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى. * (لا يقاتلونكم) * اليهود والمنافقون * (جميعا) *: مجتمعين * (إلا في قرى محصنة) * بالدروب 4 والخنادق * (أو من وراء جدر) * لفرط رهبتهم * (بأسهم بينهم شديد) * أي:


1 - الأمالي (للشيخ الطوسي) 1: 188، عن أبي هريرة. 2 - القمي 2: 360. 3 - ذيل الآية: 2 من نفس السورة. 4 - الدرب: المدخل بين جبلين، والجمع: الدروب، مثل فلس وفلوس. وليس أصله عربيا، والعرب تستعمله في = = = = = (*)

[ 1287 ]

وليس ذلك لضعفهم وجبنهم، فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله. * (تحسبهم جميعا) *: مجتمعين متفقين * (وقلوبهم شتى) *: متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم * (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) * ما فيه صلاحهم، وأن تشتت القلوب يوهن قواهم. * (كمثل الذين من قبلهم) * القمي: يعني بني قينقاع 1. * (قريبا) *: في زمان قريب * (ذاقوا وبال أمرهم) *: سوء عاقبة كفرهم في الدنيا * (ولهم عذاب أليم) * في الآخرة. * (كمثل الشيطان) * أي: مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال ثم نكوصهم، كمثل الشيطان * (إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين) *. * (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين) *. * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد) *: ليوم القيامة، سماه به لدنوه، أو لأن الدنيا كيوم والآخرة غده، وتنكيره للتعظيم. * (واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) *. * (ولا تكونوا كالذين نسوا الله) *: نسوا حقه * (فأنساهم أنفسهم) *: فجعلهم ناسين لها، حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها * (أولئك هم الفاسقون) *. * (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون) *. ورد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله تلا هذه الآية، فقال: أصحاب الجنة من أطاعني، وسلم لعلي بن أبي طالب بعدي، وأقر بولايته. وأصحاب النار من سخط الولاية، ونقض العهد،


= = = = = معنى الباب فيقال لباب السكة: درب، وللمدخل الضيق: درب، لأنه كالباب لما يفضي إليه. المصباح المنير 1: 231 (درب). 1 - القمي 2: 360. (*)

[ 1288 ]

وقاتله بعدي) 1. * (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) *: متشققا منها، وهو تمثيل فيه توبيخ للإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه وقلة تدبره. * (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون) *. * (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) *. قال: (الغيب ما لم يكن، والشهادة ما كان) 2. * (هو الرحمن الرحيم) *. * (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس) *: البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانا * (السلام) *: ذو السلامة من كل نقص وآفة * (المؤمن) *: واهب الأمن. القمي: يؤمن أولياءه من العذاب 3. * (المهيمن) *: الرقيب الحافظ لكل شئ * (العزيز) *: الذي ينفذ مشيئته في كل أحد ولا ينفذ فيه مشيئة أحد * (الجبار) *: الذي يصلح أحوال خلقه * (المتكبر)) *: الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة ونقصانا * (سبحان الله عما يشركون) *. سئل عن تفسير سبحان الله، فقال: (هو تعظيم جلال الله وتنزيهه عما قال فيه كل مشرك، فإذا قالها العبد، صلى عليه كل ملك) 4. * (هو الله الخالق البارئ المصور) *. كل ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولا، وإلى الإيجاد ثانيا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا، فالله سبحانه هو الخالق البارئ المصور بالاعتبارات الثلاثة. * (له الأسماء الحسنى) * الدالة على محاسن المعاني. ورد: (إن الله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - من أحصاها دخل


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 280، الباب: 28، الحديث: 22، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 266، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 2: 360. 4 - التوحيد: 312، الباب: 45، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1289 ]

الجنة، ثم ذكر تلك الأسماء) 1. قيل: إحصاؤها هو الأحاطة بها والوقوف على معانيها، وليس معنى الأحصاء عدها 2. أقول: وللإحصاء معان أخر 3 ليس ها هنا محل ذكرها. * (يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) *.


1 - التوحيد: 194، الباب: 29، الحديث: 8، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلوات الله عليهم. 2 - المصدر: 195، الباب: 29، ذيل الحديث: 9، عن الصدوق عليه الرحمة. 3 - وقد فصل البحث في كتابه علم اليقين 1: 102. (*)

[ 1290 ]

سورة الممتحنة [ مدنية، وهي ثلاث عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) *. القمي ما ملخصه: أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة 2، حيث كتب إلى قريش بمكة، أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يريد غزوهم. فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بذلك، فبعث أمير المؤمنين عليه السلام، فأخذ الكتاب من رسوله في بعض الطريق وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: يا حاطب ما هذا ؟ فقال: والله يا رسول الله ما نافقت ولا غيرت ولا بدلت، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقا، ولكن أهلي وعيالي كتبواإلي بحسن صنيع قريش إليهم، فأحببت أن أجازي قريشا بحسن معاشرتهم. فأنزل الله:) يا


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - حاطب بن أبي بلتعة اللخمي: رجل من أهل اليمن، وكان حليفا للزبير، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد بدرا، وكان بنوه وأخوه بمكة. ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يغزو مكة عام الفتح، كتب حاطب إلى كبار قريش يعلمهم بما يريده صلى الله عليه وآله من غزوهم، فأعلم الله رسوله. مات حاطب في سنة: 30 في خلافة عثمان وله خمس وستون سنة. أسد الغابة 1: 360، الإصابة 1: 314. (*)

[ 1291 ]

أيها الذين آمنوا (الآية 1. * (تلقون إليهم بالمودة) *: تفضون إليهم المودة بالمكاتبة. * (وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم) * أي: من مكة * (أن تؤمنوا بالله ربكم) *: بسبب إيمانكم * (إن كنتم خرجتم) * من أوطانكم * (جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي) *. جواب الشرط محذوف، دل عليه) لا تتخذوا (. * (تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم) * أي: منكم * (ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) *. * (إن يثقفوكم) *: يظفروا بكم * (يكونوا لكم أعداء) * ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم * (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) * كالقتل والشتم * (وودوا لو تكفرون) *: وتمنوا ارتدادكم. وفي مجيئه وحده بلفظ الماضي إشعار بأنهم ودوا ذلك قبل كل شئ وأن ودهم حاصل وإن لم يثقفوكم. * (لن تنفعكم أرحامكم) *: قراباتكم * (ولا أولادكم) * الذين توالون المشركين لأجلهم * (يوم القيامة يفصل بينكم) *: يفرق بينكم بما عراكم من الهول، فيفر بعضكم من بعض، فما لكم ترفضون حق الله لمن يفر عنكم غدا. * (والله بما تعملون بصير) *. * (قد كانت لكم أسوة حسنة) *: قدوة * (في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم) * قال: (تبرأنا منكم) 2. قال: (الكفر في هذه الآية: البراءة) 3. * (وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) * فتنقلب


1 - القمي 2: 361. 2 - الكافي 2: 390، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، التوحيد: 260، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - التوحيد: 260، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1292 ]

العداوة والبغضاء ألفة ومحبة * (إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك) *. استثناء من قوله:) أسوة حسنة (، لأنه ليس مما يؤتسى به، وكان ذلك لموعدة وعدها إياه، كما سبق في سورة التوبة 1. * (وما أملك لك من الله من شئ) * من تمام قوله المستثنى، ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه. * (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير) * متصل بما قبل الاستناء. * (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) * بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله، أو تشمتهم بنا. ورد: (ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا، ولا كافر إلا غنيا، حتى جاء إبراهيم عليه السلام. فقال:) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا (فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة، وفي هؤلاء أموالا وحاجة) 2. * (واغفر لنا) * ما فرط منا * (ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) *. * (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) *. تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم، ولذلك صدر بالقسم وأكد بما بعده. * (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) * فأشعر بأن تركه ينبئ عن سوء العقيدة. * (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) *. * (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير) * على ذلك * (والله غفور رحيم) * لما فرط منكم من موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم. (لما نزلت هذه الآية أظهر المسلمون العداوة للكفار، ولما أسلم أهل مكة وأنجز الله وعده بقوله:) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة (خالطوهم


1 - الأصفى 1: 494، ذيل الآية: 114. 2 - الكافي 2: 262، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1293 ]

وناكحوهم، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب). كذا ورد 1. * (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم تقضوا إليهم) * بالعدل * (إن الله يحب المقسطين) *: العادلين. روي: (إن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا فلم تقبلها، ولم تأذن لها بالدخول، فنزلت) 2. * (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم) * كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين، وبعضهم أعانوا المخرجين. * (أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) * لوضعهم الولاية غير موضعها. * (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن) *: فاختبروهن * (الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات) * بحلفهن وظهور الأمارات * (فلا ترجعوهن إلى الكفار) *: إلى أزواجهن الكفرة * (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) *. القمي: إذا لحقت امرأة من المشركين بالمسلمين، تمتحن بأن تحلف بالله أنه لم يحملها على اللحوق بالمسلمين بغض لزوجها الكافر ولا حب لأحد من المسلمين، فإنما حملها على ذلك الإسلام، فإذا حلفت على ذلك قبل إسلامها 3. * (واتوهم ما أنفقوا) * القمي: يعني ترد المسلمة على زوجها الكافر صداقها، ثم يتزوجها المسلم 4. * (ولا جناح عليكم أن تنكحوهن) * فإن الإسلام حال بينهن وبين


1 - القمي 2: 362، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الدر المنثور 8: 130، تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 373، تفسير القرطبي 18: 19، عن عبد الله بن الزبير. 3 - القمي 2: 362. 4 - القمي 2: 363. (*)

[ 1294 ]

أزواجهن الكفار * (إذا آتيتموهن أجورهن) *. فيه إشعار بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام المهر. * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) *: بما يعتصم به الكافرات من عقد ونسب. قال: (يقول: من كانت عنده امرأة كافرة - يعني على غير ملة الإسلام وهو على ملة الإسلام - فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته وإلا فهي بريئة منه، فنهاه الله أن يمسك بعصمتها) 1. * (واسألوا ما أنفقتم) * من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار وليسألوا ما أنفقوا) * من مهور أزواجهم المهاجرات * (ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم) *. قال: (وإن فاتكم شئ من أزواجكم (فلحقن بالكفار من أهل عهدكم فاسألوهم صداقها، وإن لحقن بكم من نسائهم شئ فأعطوهم صداقها) ذلكم حكم الله يحكم بينكم) 2. * (وإن فاتكم شئ من أزواجكم إلى الكفار) * أي: سبقكم وانفلت منكم إليهم * (فعاقبتم) *: فتزوجتم بأخرى عقيبها * (فئاتوا) * أيها المؤمنون * (الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا) *. القمي: يقول: وإن ألحقن بالكفار الذين لا عهد بينكم وبينهم، فأصبتم غنيمة فأتوا 3. أقول: كأنه جعل معنى) فعاقبتم (: فأصبتم من الكفار عقبى، وهي الغنيمة. يعني فأتوا بدل الفائت من الغنيمة. ورد: سئل: ما معنى العقوبة ها هنا ؟ قال: (إن الذي ذهبت امرأته فعاقب على امرأة أخرى غيرها. يعني تزوجها، فإذا هو تزوج إمرأة أخرى غيرها، فعلى الإمام أن يعطيه مهر امرأته الذاهبة. فسئل: كيف صار المؤمنون يردون على زوجها المهر بغير فعل منهم في ذهابها، وعلى المؤمنين أن يردوا على زوجها ما أنفق عليها مما يصيب المؤمنين ؟ ! قال: يرد


1 و 2 - القمي 2: 363، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر. (*)

[ 1295 ]

الإمام عليه أصابوا من الكفار أو لم يصيبوا، لأن على الإمام أن يجيز حاجته من تحت يده، وإن حضرت القسمة فله أن يسد كل نائبة تنوبه قبل القسمة، وإن بقي بعد ذلك شئ قسمه بينهم، وإن لم يبق شئ فلا شئ لهم) 1. وروي: (لما نزلت الآية المتقدمة أدى المؤمنون ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يردوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزلت) 2. * (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) *. * (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) *. قال: (لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة بايع الرجال، ثم جاءت النساء يبايعنه. فأنزل الله:) يا أيها النبي (، الآية) 3. * (على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن) * بالوأد والإسقاط * (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) *. قيل: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك. كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين 4. * (ولا يعصينك في معروف) *: في حسنة تأمرهن بها. قال: (هو ما فرض الله عليهن من الصلاة والزكاة، وما أمرهن به من خير) 5. وفي رواية: (سألنه: ما ذلك المعروف الذي أمرنا الله أن لا نعصيك فيه ؟ قال: لا تلطمن


1 - علل الشرائع 2: 517، الباب: 289، الحديث: 6، عن أبي عبد الله وعن أبي جعفر عليهما السلام، وفي التهذيب 6: 313، الحديث: 865، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - الكشاف 4: 94. 3 - الكافي 5: 527، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - جوامع الجامع: 491، الكشاف 4: 94. 5 - القمي 2: 364، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1296 ]

خدا ولا تخمشن وجها ولا تنتفن شعرا ولا تشققن جيبا ولا تسودن ثوبا ولا تدعين بويل) 1. وفي رواية: (ولا تقمن على قبر) 2. وفي أخرى: (ولا تنشرن شعرا) 3. * (فبايعهن) * بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء. قال: (جمعهن حوله ثم دعا بتور برام 4 فصب فيه ماء نضوحا، ثم غمس يده فيه، ثم قال: اسمعن يا هؤلاء ! أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصين بعولتكن في معروف، أقررتن ؟ قلن: نعم ! فأخرج يده من التور، ثم قال لهن: اغمسن أيديكن، ففعلن، فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وآله الطاهرة أطيب من أن يمس بها كف أنثى ليست له بمحرم) 5. * (واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) *. * (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) *. القمي: معطوف على قوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) 6. وروي: (إنها نزلت في بعض فقراء المسلمين، كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم) 7.


1 - الكافي 5: 527، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 2 - القمي 2: 364، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - الكافي 5: 527، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - التور: إناء يشرب فيه (الصحاح 2: 602 - تور). وبرام - يروى بكسر أوله وفتحه والفتح أكثر -: جبل في بلاد بني سليم عند الحرة من ناحية البقيع، وقيل: هو عشرين فرسخا من المدينة. معجم البلدان 1: 366. 5 - الكافي 5: 526، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 364. 7 - الكشاف 4: 95، البيضاوي 5: 130. (*)

[ 1297 ]

* (قد يئسوا من الآخرة) * لكفرهم بها، أو لعلمهم بأنه لا حظ لهم فيها، لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالمعجزات. * (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) * أن يبعثوا، أو يثابوا، أو ينالهم خير منهم، أو كمايئس الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة.

[ 1298 ]

سورة الصف [ مدنية، وهي أربع عشر آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) *. * (يا أيها الذين آمنوالم تقولون ما لا تفعلون) *. روي: (إن المسلمين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله:) إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا 2 (فولوا يوم أحد، فنزلت) 3. والقمي: مخاطبة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين وعدوه أن ينصروه، ولا يخالفوا أمره، ولا ينقضوا عهده في أمير المؤمنين، فعلم الله أنهم لا يفون بما يقولون، وقد سماهم الله المؤمنين بإقرارهم وإن لم يصدقوا 4. * (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) * المقت: أشد البغض.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - نفس السورة: 4. 3 - البيضاوي 5: 130. 4 - القمي 2: 365. (*)

[ 1299 ]

قال: (الخلف يوجب المقت عند الله وعند الناس، قال الله تعالى) كبر مقتا (، الآية) 1. وورد: (عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله بدأ، ولمقته تعرض. وذلك قوله:) يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (، الآيتين) 2. * (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا) *: مصطفين * (كأنهم بنيان مرصوص) * في تراصهم من غير فرجة. والرص: اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه. وعن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية: (أنا سبيل الله الذي نصبني للاتباع بعد نبيه صلى الله عليه وآله) 3. * (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم) *. روي: إن قارون دس إليه امرأة وزعم أنه زنى بها، ورموه بقتل هارون) 4. * (فلما زاغوا) * عن الحق * (أزاغ الله قلوبهم) عن قبول الحق والميل إلى الصواب. والقمي: أي: شكك قلوبهم 5. * (والله لا يهدي القوم الفاسقين) *. * (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدى اسمه أحمد) * يعني محمدا صلى الله عليه وآله. ورد: (إن الله لما بشر عيسى بظهور نبينا، قال له في صفته: واستوص بصاحب الجمل الأحمر، والوجه الأقمر، نكاح النساء) 6. وورد: (إنه لما بعث الله المسيح عليه السلام، قال: إنه سوف يأتي من بعدي نبي اسمه أحمد من ولد إسماعيل، يجئ بتصديقي وتصديقكم، وعذري وعذركم) 7. والقمي: سأل بعض اليهود رسول الله: لم سميت أحمد ؟ قال: لأني في السماء أحمد


1 - نهج البلاغة (صبحي الصالح): 444، الكتاب: 53. 2 - الكافي 2: 363، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مصباح المتهجد: 701، من خط بة أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير. 4 - الجامع لأحكام القرآن 13: 310، مجمع البيان 9 - 10: 278. وتفصيل القصة في البيضاوي 4: 133. 5 - القمي 2: 365. 6 - عوالي اللآلي 3: 282، الحديث: 7. 7 - الكافي 1: 293، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1300 ]

مني في الأرض 1. وورد: (إن اسمه في صحف إبراهيم الماحي، وفي توارة موسى الحاد، وفي إنجيل عيسى أحمد، وفي الفرقان محمد) 2. * (فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) *. * (ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدى القوم الظالمين) * أي: لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيته الموجب له خير الدارين، فيضع موضع إجابته الافتراء على الله، بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا. * (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم) * قال: (ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين) 3. * (والله متم نوره) *: مبلغ غايته بنشره وإعلانه. قال: (متم الإمامة) 4. القمي:) والله متم نوره (بالقائم من آل محمد إذا خرج، يظهره الله على الدين كله، حتى لا يعبد غير الله 5. ولو كره الكافرون) * إرغاما لهم. * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) *: ليغلبه 6 على جميع الأديان * (ولو كره المشركون) *. قال: (إن ذلك عند خروج المهدي من آل محمد، فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله) 7. وعن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال: (أظهر ذلك بعد ؟ قالوا: نعم. قال: كلا، فوالذي نفسي بيده، حتى لا تبقى قرية إلا وتنادي بشهادة أن لا إله إلا الله ومحمدا رسول الله بكرة


1 - القمي 2: 365. 2 - من لا يحضره الفقيه 4: 130، الحديث: 454، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 و 4 - الكافي 1: 196، الحديث: 6، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 5 - القمي 2: 365. 6 - في (ب) و (ج): (ليعليه). 7 - مجمع البيان 5 - 6: 25، عن أبي جعفر عليه السلام، ذيل الآية: 33، من سورة التوبة. (*)

[ 1301 ]

وعشيا) 1. وقد مر تمام بيانه في سورة التوبة 2. * (يا أيها الذين امنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) * قال: (فقالوا: لو نعلم ما هي لبذلنا فيها الأموال والأنفس، فقال الله...) 3. * (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) *. * (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) *. * (وأخرى تحبونها) *: ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى محبوبة، فيه تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل. * (نصر من الله وفتح قريب) *: عاجل. القمي: يعني في الدنيا، بفتح القائم عليه السلام، وأيضا قال: فتح مكة 4. * (وبشر المؤمنين) *. * (يا أيها الذين امنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) * أي: من جندي، متوجها إلى نصرة الله ؟ والحواريون: أصفياؤه. وقد سبق في آل عمران تفسيره 5. * (قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين امنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) *: فصاروا غالبين.


1 - المصدر 9 - 10: 280. 2 - الأصفى 1: 462، ذيل الآية: 33. 3 - القمي 2: 365، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - المصدر: 366. 5 - الأصفى 1: 152، ذيل الآية: 52. (*)

[ 1302 ]

سورة الجمعة [ مدنية، وهي إحدى عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) *. * (هو الذي بعث في الأميين) * قال: (كانوا يكتبون، ولكن لم يكن معهم كتاب من عند الله، ولا بعث إليهم رسول، فنسبهم الله إلى الأميين) 2. * (رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم) * من خبائث العقائد والأخلاق * (ويعلمهم الكتاب والحكمة) *: القرآن والشريعة * (وإن: وإنه * (كانوا من قبل لفي ضلال مبين) * من الشرك وخبث الجاهلية. * (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) *: لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون. قيل: وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع 3. و ورد: (هم الأعاجم، ومن لا يتكلم بلغة العرب) 4.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - القمي 2: 366، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 5: 132. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 284، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1303 ]

وروي: إن النبي صلى الله عليه وآله قرأ هذه الآية فقيل له: من هؤلاء ؟ فوضع يده على كتف سلمان وقال: (لو كان الأيمان في الثريا لنالته رجال من هؤلاء) 1. * (وهو العزيز الحكيم) *. * (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) *. * (مثل الذين حملوا التوراة) *: علموها، وكلفوا العمل بها. * (ثم لم يحملوها) *: لم يعملوا بها، ولم ينتفعوا بما فيها * (كمثل الحمار يحمل أسفارا) *: كتبا من العلم، يتعب في حملها ولا ينتفع بها. القمي: الحمار يحمل الكتب ولا يعلم ما فيها ولا يعمل بها، كذلك بنو إسرائيل قد حملوا مثل الحمار، لا يعلمون ما فيه ولا يعملون به 2. * (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) *. * (قل يا أيها الذين هادوا) *: تهودوا * (إن زعمتم أنكم أولياء لله) * إذ كانوا يقولون نحن أولياء الله وأحباؤه * (من دون الناس فتمنوا الموت) *: فتمنوا من الله أن يميتكم، وينقلكم من دار البلية إلى دار الكرامة. القمي: في التوراة مكتوب: أولياء الله يتمنون الموت 3. * (إن كنتم صادقين) *. * (ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم) *: بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي * (والله عليم بالظالمين) *. سبق تمام تفسيره في سورة البقرة 4. * (قل إن الموت الذي تفرون منه) * وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم * (فإنه ملاقيكم) * لا تفوتونه، لا حق بكم. ورد: (كل امرئ لاق في فراره ما منه يفر، والأجل مساق النفس إليه، والهرب منه


1 - الكشاف 4: 102، مجمع البيان 9 - 10: 284. 2 - القمي 2: 366. 3 - القمي 2: 366. 4 - الأصفى 1: 55، ذيل الآية: 94. (*)

[ 1304 ]

موافاته) 1. * (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) *. * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة) * أي: أذن لها من يوم الجمعة. ورد: (إن الله جمع فيها خلقه لولاية محمد ووصيه في الميثاق، فسماه يوم الجمعة، لجمعه فيه خلقه) 2. * (فاسعوا) * قال: (أي: امضوا) 3. و ورد قراءتهم به أيضا 4. وفي رواية: (معنى) فاسعوا (هو الانكفاء) 5. والقمي: الإسراع في المشي 6. أقول: وذلك أن السعي دون العدو، وهو القصد في المشي. * (إلى ذكر الله) * يعني إلى الصلاة، كما يدل عليه ما قبله وما بعده. وذروا البيع) *: واتركوا المعاملة. وروي: (إنه كان بالمدينة، إذا أذن المؤذن يوم الجمعة، نادى مناد: حرم البيع حرم البيع) 7. * (ذلكم خير لكم) * أي: السعي إلى ذكر الله خير لكم من المعاملة، فإن نفع الآخرة خير وأبقى * (إن كنتم تعلمون) * الخير والشر. قال: (فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة، وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير


1 - القمي 2: 367، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - الكافي 3: 415، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 2: 367، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 288، عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام. 5 - علل الشرائع 2: 357، الباب: 73، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 367. 7 - من لا يحضره الفقيه 1: 195، الحديث: 914. (*)

[ 1305 ]

والمجنون والمسافر والعبد والمرأة والمريض والأعمى ومن كان على رأس فرسخين) 1. * (فإذا قضيت الصلاة) *: أديت وفرغ منها * (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) *. ورد: (الصلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت) 2. * (واذكروا الله كثيرا) * أي: في مجامع أحوالكم، ولا تخصوا ذكره بالصلاة * (لعلكم تفلحون) * بخير الدارين. * (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) * قال: (انصرفوا إليها) 3. * (وتركوك قائما) * قال: (تخطب على المنبر) 4. * (قل ما عند الله) * من الثواب * (خير من اللهو ومن التجارة) * فإن ذلك محقق مخلد، بخلاف ما تتوهمون من نفعهما. قال: (نزلت) خير من اللهو ومن التجارة للذين اتقوا) 5. وورد قراءتهم به أيضا 6. * (والله خير الرازقين) * القمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالناس يوم الجمعة، ودخلت ميرة 7 وبين يديها قوم يضربون بالدفوف والملاهي، فترك الناس الصلاة ومروا ينظرون إليهم، فأنزل الله 8.


1 - الكافي 3: 419، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المحاسن: 346، الباب: 2، الحديث: 8، مجمع البيان 9 - 10: 289، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 2: 367، مجمع البيان 9 - 10: 289، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 289، عن أبي عبد الله عليه السلام، عوالي اللالي 2: 57، الحديث: 153. 6 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 183، الباب: 44، قطعة من حديث: 5. 7 - الميرة: طعام يمتاره الإنسان، أي: يجلبه من بلد إلى بلد. مجمع البحرين 3: 486 (مير). 8 - القمي 2: 367. (*)

[ 1306 ]

سورة المنافقون [ مدنية، وهي إحدى عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) * لأنهم لم يعتقدوا ذلك. لما كانت الشهادة إخبارا عن علم، لأنها من الشهود بمعنى الحضور والاطلاع، صدق المشهود به، وكذبهم في الشهادة. * (إتخذوا أيمانهم) *: حلفهم الكاذب * (جنة) *: وقاية عن القتل والسبي * (فصدوا عن سبيل الله) * صدا أو صدودا. * (إنهم ساء ما كانوا يعملون) * من نفاقهم وصدهم. * (ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم) * حتى تمرنوا على الكفر واستحكموا فيه * (فهم لا يفقهون) *. * (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) * لضخامتها وصباحتها 2. * (وإن يقولوا تسمع لقولهم) * لذلاقتهم 3 وحلاوة كلامهم * (كأنهم خشب مسندة) * إلى الحائط، في كونهم


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - الصباحة: الجمال. الصحاح 1: 380 (صبح). 3 - لسان ذلق: بليغ فصيح. مجمع البحرين 5: 165 (ذلق). (*)

[ 1307 ]

أشباحا خالية عن العلم والنظر. قال: يقول: (لا يسمعون ولا يعقلون) 1. * (يحسبون كل صيحة عليهم) * أي: واقعة عليهم، لجبنهم واتهامهم * (هم العدو) * استئناف. * (فاحذرهم قاتلهم الله) * دعاء عليهم * (أنى يؤفكون) *: كيف يصرفون عن الحق. * (وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم عطفوها إعراضا واستكبارا * (ورأيتهم يصدون) *: يعرضون عن الاستغفار * (وهم مستكبرون) * عن الاعتذار. * (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم لرسوخهم في الكفر * (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) *. * (هم الذين يقولون) * أي: للأنصار * (لا تنفقوا على من عند رسول الله) * يعنون فقراء المهاجرين * (حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والأرض) *: بيده الأرزاق والقسم * (ولكن المنافقين لا يفقهون) * ذلك، لجهلهم بالله. * (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) *. القمي: ما ملخصه: إن أنصاريا من قوم عبد الله بن أبي ومهاجريا تنازعا في بعض الغزوات على ماء، وكاد أن تقع الفتنة، فأخبر ابن أبي بذلك، فأقبل على أصحابه، فقال: هذا عملكم، أنزلتموهم منازلكم وواسيتموهم بأموالكم، ووقيتموهم بأنفسكم، وأبرزتم نحوركم للقتل، فأرمل نساءكم، وإيتم صبيانكم، ولو أخرجتموهم لكانوا عيالا على غيركم. ثم قال:) لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل (. وكان في القوم زيد بن أرقم 2، وكان غلاما قد راهق، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بما قال ابن أبي فقال له: لعلك وهمت يا غلام. قال: لا والله ما وهمت. فقال: لعلك غضبت عليه قال: لا والله ما


1 - القمي 2: 370، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري: صحابي، غزا مع النبي صلى الله عليه وآله سبع عشرة غزوة، وشهد صفين مع علي، ومات بالكوفة سنة: 68. راجع: أعيان الشيعة 7: 87، تنقيح المقال 1: 461، معجم رجال الحديث 7: 333، تهذيب التهذيب 3: 394. (*)

[ 1308 ]

غضبت عليه. قال: فلعله سفه عليك. قال: لا والله. فرحل رسول الله صلى الله عليه وآله في غير وقت رحيل، ورحل الناس معه، فسار يومه كله لا يكلمه أحد. فأقبلت الخزرج على عبد الله بن أبي يعذلونه. فحلف أنه لم يقل شيئا من ذلك. فقالوا: فقم بنا إلى رسول الله حتى نعتذر إليه، فلوى عنقه. فلما كان من الغد نزل رسول الله ونزل أصحابه، فجاء ابن أبي إليه وحلف أنه لم يقل شيئا من ذلك، وأنه ليشهد أن لا إله إلا الله، وأنك لرسول الله، وأن زيدا قد كذب علي. فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله منه. وأقبلت الخزرج على زيد بن أرقم يشتمونه ويقولون له: كذبت على عبد الله سيدنا، وكان زيد يقول: اللهم إنك لتعلم أني لم أكذب على عبد الله بن أبي. فما سار إلا ليلا حتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان يأخذه من البرحاء 1 عند نزول الوحي، فثقل حتى كادت ناقته أن تبرك، فسرى عنه وهو يسكب العرق عن جبهته، ثم أخذ بأذن زيد فرفعه من الرحل، ثم قال: يا غلام صدق فوك ووعي قلبك وأنزل الله فيما قلت قرآنا. فلما نزل، جمع أصحابه وقرأ عليهم سورة المنافقين. ففضح الله ابن أبي وأصحابه، فمشى إليهم عشائرهم فقالوا لهم: قد افتضحتم ويلكم فاتوا نبي الله يستغفر لكم، فلووا رؤوسهم وزهدوا في الاستغفار 2. * (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم) * لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها * (عن ذكر الله) * كالصلاة وسائر العبادات * (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) * لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني. * (وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) *: أن يرى دلائله * (فيقول رب لولا أخرتني) *: أمهلتني * (إلى أجل قريب فأصدق) *: فأتصدق. قال: (أصدق، من


1 - برحاء: شدة الأذى. الصحاح 1: 355 (برح). 2 - القمي 2: 368 - 370. (*)

[ 1309 ]

الصدقة) 1. * (وأكن من الصالحين) * قال: (أحج) 2. وقال: (الصلاح الحج) 3. * (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) *. قال: (إن عند الله كتبا موقوفة يقدم منها ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فإذا كان ليلة القدر أنزل الله فيها كل شئ يكون إلى مثلها، فذلك قوله) ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها (: إذا أنزله الله، وكتبه كتاب السماوات، وهو الذي لا يؤخره) 4. * (والله خبير بما تعملون) *.


1 و 2 - من لا يحضره الفقيه 2: 142، الحديث: 618. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 296، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 547، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1310 ]

سورة التغابن [ مدنية، وهي ثماني عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير) *. * (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) *. قال: (عرف الله إيمانهم بو لا يتنا وكفرهم بتركها، يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم وهم ذر) 2. * (والله بما تعملون بصير) *. * (خلق السموات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم) * حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات. * (وإليه المصير) * فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم. * (يعلم ما في السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور) *.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - الكافي 1: 426، الحديث: 74، القمي 2: 371، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1311 ]

* (ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل) * كقوم نوح وهود وصالح * (فذاقوا وبال أمرهم) *: ضرر كفرهم في الدنيا. وأصل الوبال: الثقل. * (ولهم عذاب أليم) * في الآخرة. * (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا) *: أنكروا وتعجبوا أن يكون الرسل بشرا. والبشر يطلق على الواحد والجمع. * (فكفروا وتولوا واستغنى الله) * عن كل شئ فضلا عن طاعتهم * (والله غني حميد) *. * (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير) *. * (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) * قيل: يعني القرآن 1. وقال: (النور هو الإمام) 2. وفي رواية: (النور والله الأئمة 3، لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم الذين ينورون 4 قلوب المؤمنين، ويحجب الله نورهم عمن يشآء فتظلم قلوبهم) 5. * (والله بما تعملون خبير) *. * (يوم يجمعكم ليوم الجمع) * لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، والجمع: جمع الأولين والآخرين * (ذلك يوم التغابن) * يغبن فيه بعضهم بعضا. قال: (يوم يغبن أهل الجنة أهل النار) 6. وقال: (ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا. وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن، ليزداد حسرة) 7.


1 - التبيان 10: 21، الكشاف 4: 115، البيضاوي 5: 135. 2 - الكافي 1: 196، ذيل الحديث: 6، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 3 - في المصدر: (والله نور الأئمة). 4 - في المصدر: (وهم والله ينورون). 5 - الكافي 1: 194، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - معاني الأخبار: 156، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - مجمع البيان 9 - 10: 299، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1312 ]

* (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم) *. * (والذين كفروا وكذبوا باياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) *. الآيتان بيان للتغابن وتفصيل له. * (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) * بتقديره ومشيئته * (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) *. قال: (إن القلب ليترجرج 1 فيما بين الصدر والحنجرة، حتى يعقد على الإيمان، فإذا عقد على الإيمان قر، وذلك قول الله عزوجل:) ومن يؤمن بالله يهد قلبه) 2. * (والله بكل شئ عليم) * حتى القلوب وأحوالها. * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين) *. * (الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون) *. * (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) * يشغلكم عن طاعة الله، ويخاصمكم في أمر الدين أو الدنيا. * (فاحذروهم) * ولا تأمنوا غوائلهم * (وإن تعفوا) * عن ذنوبهم، بترك المعاقبة * (وتصفحوا) * بالإعراض، وترك التثريب عليها * (وتغفروا) * بإخفائها، وتمهيد معذرتهم فيها * (فإن الله غفور رحيم) * يعاملكم بمثل ما عاملتم، ويتفضل عليكم. قال: (إن الرجل كان إذا أراد الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعلق به ابنه وامرأته، وقالوا: ننشدك الله أن تذهب عنا وتدعنا فنضيع بعدك، فمنهم من يطيع أهله فيقيم، ومنهم من يمضي ويذرهم ويقول: أما والله لئن لم تهاجروا معي، ثم يجمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة، لا أنفعكم بشئ أبدا، فلما جمع الله بينه وبينهم أمره الله أن يحسن إليهم ويصلهم،


1 - ترجرج الشئ، أي: جاء وذهب. الصحاح 1: 317 (رجج). 2 - الكافي 2: 421، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1313 ]

فقال:) وإن تعفوا (، الآية) 1. * (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) * اختبار لكم. والله عنده أجر عظيم) * لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم. * (فاتقوا الله ما استطعتم) *: فابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم * (واسمعوا) * مواعظه * (وأطيعوا) * أوامره * (وأنفقوا) * في وجوه الخير خالصا لوجهه * (خيرا) *: إنفاقا خيرا * (لانفسكم) * حث على الإنفاق. * (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) *. سبق تفسيره 2. * (إن تقرضوا الله) * بصرف المال فيما أمره * (قرضا حسنا) *: مقرونا بإخلاص وطيب نفس * (يضاعفه لكم) *: يجعل لكم بالواحد عشرا إلى سبعمائة وأكثر * (ويغفر لكم) * ببركة الإنفاق * (والله شكور) *: يعطي الجزيل بالقليل * (حليم) *: لا يعاجل بالعقوبة. * (عالم الغيب والشهادة) *: لا يخفى عليه شئ * (العزيز الحكيم) *: تام القدرة والعلم.


1 - القمي 2: 372، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - ذيل الآية: 128 من سورة النساء. (*)

[ 1314 ]

سورة الطلاق [ مدنية، وهي اثنتا عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء.) * القمي: المخاطبة للنبي والمعنى للناس 2. * (فطلقوهن لعدتهن) * قال: (في قبل عدتهن) 3. وقال: (العدة: الطهر من المحيض) 4. وفي رواية: (إذا أراد الرجل الطلاق، طلقها في قبل عدتها بغير جماع) 5. * (وأحصوا العدة) *: اضبطوها، وأكملوها ثلاثة قروء * (واتقوا الله ربكم) * في تطويل العدة والإضرار بهن. * (لا تخرجوهن من بيوتهن) * من مساكنهن حتى تنقضي عدتهن * (ولا يخرجن) *. قال: (إنما عني بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة، فتلك التي لا تخرج ولا تخرج


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - القمي 2: 373. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 302، عن علي بن الحسين وأبي عبد الله عليهم السلام. 4 - القمي 2: 373، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكافي 6: 69، الحديث: 9، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (*)

[ 1315 ]

حتى تطلق الثالثة، فإذا طلقت الثالثة فقد بانت منه، ولا نفقة لها. والمرأة التي يطلقها الرجل تطليقة، ثم يدعها حتى يخلو أجلها، فهذه أيضا تقعد في منزل زوجها، ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدتها) 1. * (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * قال: (يعني بالفاحشة المبينة أن تؤذي أهل زوجها، فإذا فعلت، فإن شاء أن يخرجها من قبل أن تنقضي عدتها، فعل) 2. وفي رواية: (إلا أن تزني، فتخرج ويقام عليها الحد) 3. وفي أخرى: (السحق) 4. والقمي: أن تزني أو تشرف على الرجال. ومن الفاحشة السلاطة 5 على زوجها 6. * (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري) * أي: النفس * (لعل الله يحدث بعد لك أمرا) * قال: (لعلها أن تقع في نفسه فيراجعها) 7. * (فإذا بلغن أجلهن) *: شارفن آخر عدتهن * (فأمسكوهن) *: راجعوهن * (بمعروف) *: بحسن عشرة وإنفاق مناسب * (أو فارقوهن بمعروف) * بإيفاء الحق والتمتيع واتقاء الضرار * (وأشهدوا ذوي عدل منكم) * على الطلاق. القمي: معطوف على قوله:) إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) 8. قال لأبي يوسف القاضي 9: (إن الله تبارك وتعالى أمر في كتابه بالطلاق وأكد فيه


1 - الكافي 6: 90، الحديث: 5، عن الكاظم عليه السلام. 2 - المصدر: 97، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - من لا يحضره الفقيه 3: 322، الحديث: 1565، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - كمال الدين 2: 459، الباب: 43، قطعة من حديث: 21، عن القائم عليه السلام. 5 - السلاطة: حدة اللسان، يقال: رجل سليط، أي: صخاب بذي اللسان، وامرأة سليطة كذلك. مجمع البحرين 4: 255 (سلط). 6 - القمي 2: 374. 7 - الكافي 6: 92، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - القمي 2: 373. 9 - يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، أبو يوسف: صاحب أبي حنيفة وتلميذه وأول من = = = = = = (*)

[ 1316 ]

بشاهدين، ولم يرض بهما إلا عدلين، وأمر في كتابه بالتزويج، فأهمله بلا شهود، فأثبتم شاهدين فيما أهمل، وأبطلتم الشاهدين فيما أكد !) 1. * (وأقيموا الشهادة) * أيها الشهود عند الحاجة * (لله) *: خالصا لوجهه * (ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا) * قال: (من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد يوم القيامة) 2. وقال: (مخرجا من الفتن ونورا من الظلم) 3. ورد: (هي آية لو أخذ بها الناس لكفتهم) 4. * (ويرزقه من حيث لا يحتسب) * قال: (في دنياه) 5. وقال: (أي: يبارك له فيما آتاه) 6. وورد: (من أتاه الله برزق لم يخط إليه برجله، ولم يمد إليه يده، ولم يتكلم فيه بلسانه، ولم يشد إليه ثيابه، ولم يتعرض له، كان ممن ذكره الله في كتابه:) ومن يتق الله (، الآية) 7. وورد: (إن قوما لما نزلت هذه الآية أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب) 8. = = = = = = = نشر مذهبه. تولى القضاء في بغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، وهو أول من دعي (قاضي القضاة). ولد بالكوفة سنة: 113 ه‍، ومات في خلافته ببغداد، سنة: 182 ه‍. الأعلام (للزر كلي) 8: 193


1 - الكافي 5: 387، الحديث: 4، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 306، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 - نهج البلاغة (صبحي الصالح) 266، الخطبة: 183. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 306، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 375، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 9 - 10: 306، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 3: 101، الحديث: 399، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 8 - الكافي 5: 84، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1317 ]

وفي رواية: (هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء، ليس عندهم ما يتحملون به إلينا، فيسمعون حديثنا ويقتبسون من علمنا، فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم، حتى يدخلوا علينا، فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم، فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء. فأولئك الذين يجعل الله لهم مخرجا، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون) 1. * (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) *: كافيه * (إن الله بالغ أمره) *: يبلغ ما يريده، ولا يفوته مراد * (قد جعل الله لكل شئ قدرا) * تقديرا أو مقدارا لا يتغير. وهو بيان لوجوب التوكل، وتقرير لما تقدم من الأحكام، وتمهيد لما سيأتي من المقادير. قال: (التوكل على الله درجات، منها: أن تتوكل على الله في أمورك كلها، فما فعل بك كنت عنه راضيا، تعلم أنه لا يألوك خيرا وفضلا، وتعلم أن الحكم في ذلك له) 2. وسأل النبي صلى الله عليه وآله جبرئيل: ما التوكل على الله ؟ فقال: (العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق. فإذا كان العبد كذلك، لم يعمل لأحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل) 3. * (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم) * فلا يحضن * (إن ارتبتم) *: شككتم في أمرهن، فلا تدرون لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض * (فعدتهن ثلاثة أشهر) *. قال: (هن اللواتي أمثالهن يحضن، لأنهن لو كن في سن من لا تحيض لم يكن للارتياب معنى) 4. * (واللائي لم يحضن) * يعني واللائي لم يحضن بعد كذلك * (وأولات الأحمال


1 - الكافي 8: 178، الحديث: 201، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 2: 65، الحديث: 5، عن الكاظم عليه السلام. 3 - معاني الأخبار: 260، الحديث: 1. 4 - مجمع البيان 9 - 10: 307، عن أئمتنا عليهم السلام. (*)

[ 1318 ]

أجلهن أن يضعن حملهن) * قال: (هي في الطلاق خاصة) 1. أقول: وذلك لأن عدتهن في الموت أبعد الأجلين، كما ورد في أخبار كثيرة 2. * (ومن يتق الله) * في أحكامه، فيراعي حقوقها * (يجعل له من أمره يسرا) *: يسهل عليه أمره ويوفقه للخير. * (ذلك) * إشارة إلى ما ذكر من الأحكام * (أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله) * في أمره * (يكفر عنه سيئاته) * فإن الحسنات يذهبن السيئات * (ويعظم له أجرا) * بالمضاعفة. * (أسكنوهن من حيث سكنتم) * أي: مكانا من سكناكم * (من وجدكم) * من وسعكم * (ولا تضاروهن) * في السكنى * (لتضيقوا عليهن) *: (فتلجئوهن إلى الخروج قبل انقضاء عدتهن). كذا ورد 3. قال: (والمطلقة ثلاثا ليس لها نفقة على زوجها، إنما هي التي لزوجها عليها رجعة) 4. * (وإن كن أو لات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) * فيخرجن من العدة * (فإن أرضعن لكم) * بعد انقطاع علاقة النكاح * (فاتوهن أجورهن) * على الأرضاع * (وأتمروا بينكم بمعروف) *: وليأتمر بعضكم بعضا بجميل في الإرضاع والأجر. * (وإن تعاسرتم) *: تضايقتم * (فسترضع له أخرى) *: امرأة أخرى، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. * (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا) * عاجلا أو آجلا.


1 - مجمع البيان 9 - 10: 307، عن أئمتنا عليهم السلام. 2 - الكافي 6: 114، الحديث: 2، 4، 5 و 6، المصدر 5: 427، الحديث: 4 و 5، من لا يحضره الفقيه 3: 330، الحديث: 1597. 3 - الكافي 6: 123، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 104، الحديث: 1 و 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1319 ]

هذا الحكم يجري في كل إنفاق فقد ورد: إنه سئل عن الرجل الموسر يتخذ الثياب الكثيرة الجياد، والطيالسة 1 والقمص الكثيرة، يصون بعضها بعضا، يتجمل بها، أيكون مسرفا ؟ قال: (لا، لأن الله عزوجل يقول:) لينفق ذو سعة من سعتة) 2. * (وكأين من قرية) *: أهل قرية * (عتت عن أمر ربها ورسله) *: أعرضت عنه إعراض العاتي * (فحاسبناها حسابا شديدا) * بالا ستقصاء والمناقشة * (وعذبناها عذابا نكرا) *: منكرا. * (فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا) *. * (أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين امنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا) *. * (رسولا) *. (الذكر: رسول الله). كذا ورد 3. * (يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور) *: من الضلالة إلى الهدى * (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا) *. * (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) *. في العدد * (يتنزل الأمر بينهن) *: يجري أمر الله وقضاؤه بينهن، وينفذ حكمه فيهن * (لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما) *. ورد ما ملخصه: (إن السماء الدنيا فوق هذه الأرض قبة عليها، والأرض الثانية فوق السماء الدنيا والسماء الثانية فوقها قبة، والأرض الثالثة فوق السماء الثانية والسماء الثالثة


1 - الطيالسة، واحدة: الطيلسان، مثلثة اللام: ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خال عن التفصيل والخياطة. وهو من لباس العجم. والهاء في الجمع للعجمة، لأنه فارسي، معرب: تالشان. مجمع البحرين 4: 82 (طيلس). 2 - الكافي 6: 443، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 239، الباب: 23، قطعة من حديث: 1. (*)

[ 1320 ]

فوقها قبة، وهكذا إلى السابعة من كل منهما. وعرش الرحمان فوق السماء السابعة، وهو قول الله:) الذي خلق سبع سماوات طباقا (الآية 1. قال: فأما صاحب الأمر فهو رسول الله، والوصي بعد رسول الله قائم هو على وجه الأرض، فإنما يتنزل الأمر إليه من فوق السماء بين السماوات والأرضين. وقال: ما تحتنا إلا أرض واحدة وإن الست لهي فوقنا) 2. أقول: كأنه عليه السلام جعل كل سماء أرضا بالإضافة إلى ما فوقها وسماء بالإضافة إلى ما تحتها، فيكون التعدد باعتبار تعدد سطحيها.


1 - سورة الملك (67): 3. 2 - القمي 2: 329، ذيل الآية: 7 من سورة الذاريات، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1321 ]

سورة التحريم [ مدنية، وهي اثنتا عشرة آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم) *. قال: (اطلعت عائشة وحفصة على النبي صلى الله عليه وآله وهو مع مارية، فقال صلى الله عليه وآله: والله ما أقربها. فأمره الله أن يكفر عن يمينه) 2. وروي: (إنه خلا بمارية في يوم حفصة أو عائشة، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته فيه، فحرم مارية، فنزلت) 3. * (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) *: قد شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقدتم بالكفارة. * (والله مولاكم) * متولي أمركم * (وهو العليم بما يصلحكم. * (الحكيم) *: المتقن في أفعاله وأحكامه. * (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه) * يعني حفصة * (حديثا) *.


1 - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 - القمي 2: 375، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 5: 138. (*)

[ 1322 ]

ورد: (إنه لما حرم مارية على نفسه أخبر حفصة: أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر) 1. وفي رواية: (قال لها: إن أنت أخبرت به فعليك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فأخبرت حفصة عائشة من يومها ذلك، وأخبرت عائشة أبا بكر) 2. * (فلما نبأت به) *: أخبرت به * (وأظهره الله عليه) *: وأطلع الله النبي صلى الله عليه وآله على الحديث، أي: على إفشائه عرف بعضه: عرف الرسول بعض ما فعلت وأعرض عن بعض) *: عن إعلام بعض تكرما. قال: (إن كل واحدة منهما حدثت أباها بذلك، فعاتبهما في أمر مارية، وما أفشتا عليه من ذلك، وأعرض عن أن يعاتبهما في الأمر الآخر) 3. * (فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير) *. * (إن تتوبا إلى الله) * خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة * (فقد صغت قلوبكما) *: فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب، من مخالصة الرسول صلى الله عليه وآله بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. وإن تظاهرا عليه: وإن تتظاهرا عليه بما يسوؤه. وفي قراءتهم عليهم السلام: (وإن تظاهروا عليه) 4. كأنهم عليهم السلام أشركوا معهما أبو يهما. * (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) *: فلن يعدم من يظاهره، فإن الله ناصره، وجبريل رئيس الكروبين قرينه، وعلي بن أبي طالب أخوه ووزيره ونفسه * (والملائكة بعد ذلك ظهير) *: مظاهرون. قال: (لما نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام وقال: يا أيها الناس هذا


1 - مجمع البيان 9 - 10: 314، الكشاف 4: 124. 2 - القمي 2: 376. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 314، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - جوامع الجامع: 499، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1323 ]

صالح المؤمنين) 1. وفي معناه أخبار كثيرة 2. * (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات) *: صائمات، كما مر في سورة التوبة 3 * (ثيبات وأبكارا وسط العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة، إذ المعنى مشتملات على الثيبات والأبكار. * (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم) * بترك المعاصي وفعل الطاعات * (وأهليكم) * بالنصح والتاديب * (نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة) * تلي أمرها، وهم الزبانية * (غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) *. قال: (لما نزلت هذه الآية جلس رجل من المسلمين يبكي، وقال: عجزت عن نفسي، كلفت أهلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عما تنهى عنه نفسك) 4. وزاد في رواية: (فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك) 5. * (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون) * أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم، أو العذر لا ينفعهم. * (يا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) *: بالغة في النصح. أسند صفة التائب إلى التوبة مبالغة. ورد: إنه سئل عنها، فقال: (يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود


1 - مجمع البيان 9 - 10: 316، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - التبيان 10: 48، مجمع البيان 9 - 10: 316، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 18: 192، تفسير القرآن العظيم (لابن كثير) 4: 415، الدر المنثور 8: 224. 3 - ذيل الآية: 112. 4 - الكافي 5: 62، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 2، القمي 2: 377، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1324 ]

فيه) 1. قيل له: وأينا لم يعد ؟ ! فقال: (إن الله يحب من عباده المفتن التواب) 2. وفي رواية: (التوبة النصوح: أن يكون باطن الرجل كظاهره وأفضل) 2. وورد: (إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله، فستر عليه في الدنيا والآخرة. قيل: وكيف يستر عليه ؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض: اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب) 4. * (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار) *. ذكر بصيغة الإطماع، جريا على عادة الملوك، وإشعارا بأنه تفضل، وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء. * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم) *. قال: (يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم، حتى ينزلوهم منازلهم في الجنة) 5. وفي رواية: (فمن كان له نور يومئذ نجا، وكل مؤمن له نور) 6. * (يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير) *. * (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) * قال: (بإلزام الفرائض) 7. وفي رواية: (فجاهد رسول الله صلى الله عليه وآله الكفار، وجاهد علي عليه السلام المنافقين، فجاهد


1 - الكافي 2: 432، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - معاني الأخبار: 174، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 2: 430، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 378، مجمع البيان 9 - 10: 318، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 378، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - القمي 1: 301، ذيل الآية: 73 من سورة التوبة، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1325 ]

علي عليه السلام جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله) 1. وفي أخرى: إنه قرأ: (جاهد الكفار بالمنافقين. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقاتل منافقا قط، إنما كان يتألفهم) 2. وتمام بيانه مضى في التوبة 3. * (واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. * (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبد ين من عبادنا صالحين فخانتاهما) * بالنفاق والتظاهر على الرسولين. مثل الله حال الكفار والمنافقين - في أنهم يعاقبون بكفرهم ونفاقهم، ولا يحابون بما بينهم وبين النبي والمؤمنين، من النسبة والوصلة - بحال إمرأة نوح وإمرأة لوط. وفيه تعريض بعائشة وحفصة في خيانتهما رسول الله صلى الله عليه وآله، بإفشاء سره، ونفاقهما إياه، وتظاهرهما عليه، كما فعلت امرأتا الرسولين. * (فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) *: فلم يغن الرسولان عنهما بحق الزواج إغناء ما * (وقيل) * لهما بعد موتهما وقيام الساعة * (ادخلا النار مع الداخلين) * الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء. * (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) *. ومثل حال المؤمنين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم بحال آسية ومنزلتها عند الله، مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله * (إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله) *: من نفسه الخبيثة وعمله السيئ * (ونجني من القوم الظالمين) *: من القبط التابعين له في الظلم. * (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) * القمي: لم ينظر إليها 4. * (فنفخنا فيه) *:


1 - القمي 2: 377، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 9 - 10: 319، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - ذيل الآية: 73. 4 - القمي 2: 75، ذيل الآية: 91 من سورة الأنبياء. (*)

[ 1326 ]

في فرجها * (من روحنا) * قال: (روح مخلوقة) 1. * (وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) * القمي: من الداعين 2. والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين، حتى عدت منهم. ورد: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله) 3.


1 - القمي 2: 75، ذيل الآية: 91 من سورة الأنبياء. 2 - المصدر: 378. 3 - مجمع البيان 9 - 10: 320، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 4 - الخصال 1: 206، ذيل الحديث: 22، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، مع تفاوت. (*)

[ 1327 ]

سورة الملك [ مكية، وهي ثلاثون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم تبارك الذي بيده الملك: بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها (وهو على كل شئ قدير). (الذي خلق الموت والحياة) القمي: قدرهما. ومعناه: قدر الحياة ثم الموت (2). ورد: (إن الله خلق الحياة قبل الموت) (3). وقال: (الحياة والموت خلقان من خلق الله. فإذا جاء الموت فدخل في الأنسان، لم يدخل في شئ إلا وقد خرجت منه الحياة) (4). (ليبلوكم): ليعاملكم معاملة المختبر بالتكليف (أيكم أحسن عملا) وذلك لأن الموت داع إلى حسن العمل، وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية، وبالحياة يقتدر على الأعمال الصالحة الخالصة.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 378. (3) - الكافي 8: 145، الحديث: 116، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 3: 259، الحديث: 34، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1328 ]

قال: (أيكم أحسن عقلا، ثم قال: أتمكم عقلا، وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا، وإن كانوا أقلكم تطوعا) (1). وقال: (ليس يعني أكثر عملا، ولكن أصوبكم عملا. وإنما الأصابة خشية الله والنية الصادقة ثم قال: الأبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل) (2). (وهو العزيز): الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل (الغفور) لمن تاب منهم. (الذي خلق سبع سموات طباقا): مطابقة، قال: (بعضها فوق بعض) (3). (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت): من اختلاف. القمي: يعني من فساد (4). (فارجع البصر هل ترى من فطور): من خلل. يعني قد نظرت إليها مرارا، فانظر إليها مرة أخرى متأملا فيها، لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها. (ثم ارجع البصر كرتين) أي: رجعتين أخريين في ارتياد الخلل. والمراد بالتثنية التكرير والتكثير، كما في لبيك وسعديك. والقمي: انظر في ملكوت السماوات والأرض (5). (ينقلب إليك البصر خاسئا): بعيدا عن إصابة المطلوب، كأنه طرد عنه طردا بالصغار وهو حسير: كليل، من طول المعاودة وكثرة المراجعة. (ولقد زينا السماء الدنيا): أقرب السماوات إلى الأرض (بمصابيح): بالنجوم (وجعلناها رجوما للشياطين) ترجم بها. قيل: أريد به انقضاض الشهب المسببة عنها (6) وقيل: أي رجوما بالغيب لشياطين الأنس، وهم المنجمون (7). (وأعتدنا لهم عذاب


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 322، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 2: 16، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 387، ذيل الاية: 15 من سورة نوح، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - المصدر. (5) - القمي 2: 378.). (6) - البيضاوي 5: 141. (7) - الكشاف 4: 136. (*)

[ 1329 ]

السعير) في الاخرة بعد الأحراق بالشهب في الدنيا. (وللذين كفروا بربهم) من الشياطين وغيرهم (عذاب جهنم وبئس المصير). (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا): صوتا كصوت الحمير (وهي تفور): تغلي بهم غليان المرجل (1) بما فيه. (تكاد تميز من الغيظ): تتفرق غضبا عليهم، وهو تمثيل لشدة اشتعالها. القمي: (من الغيظ) على أعداء الله (2). (كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) يخوفكم هذا العذاب، وهو توبيخ وتبكيت. (قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير) أي: نفينا الأنزال والأرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال. (وقالوا لو كنا نسمع) كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش، اعتمادا على صدقهم أو نعقل فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين (ما كنا في أصحاب السعير). (فاعترفوا بذنبهم) حين لا ينفعهم (فسحقا لأصحاب السعير) فأسحقهم الله سحقا، أي: أبعدهم بعدا من رحمته. والقمي: قد سمعوا وعقلوا، ولكنهم لم يطيعوا ولم يقبلوا، كما يدل عليه اعترافهم بذنبهم (3). ورد: (إن هذه الايات في أعداء علي وأولاده، والتي بعدها في أوليائهم) (4). (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة) لذنوبهم (وأجر كبير) تصغر دونه لذائذ الدنيا.


(1) - المرجل: قدر من نحاس. الصحاح 4: 1705 (رجل). (2) - القمي 2: 378. (3) - القمي 2: 378. (4) - الاحتجاج 1: 80، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، في خطبة الغديرية. (*)

[ 1330 ]

(وأسروا قولكم أو اجهروا به). روي: (إن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيخبر الله بها رسوله، فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد صلى الله عليه وآله، فنبه الله على جهلهم) (1). (إنه عليم بذات الصدور): بالضمائر قبل أن يعبر بها. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير): يصل علمه إلى ما بطن وإن صغر ولطف، ولا يعزب عنه شئ. (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا): لينة، يسهل لكم السلوك فيها (فامشوا في مناكبها): في جوانبها أو جبالها، فإذا كانت في الذل بحيث يمشي في مناكبها، لم يبق شئ منها لم يتذلل. (وكلوا من رزقه): والتمسوا من نعم الله (وإليه النشور): المرجع، فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم. (أأمنتم من في السماء) يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم (أن يخسف بكم الأرض) فيغيبكم فيها، كما فعل بقارون (فإذا هي تمور): تضطرب. (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا): أن يمطر عليكم حصباء (فستعلمون كيف نذير): كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ. (ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير): إنكاري عليهم، بإنزال العذاب، وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وتهديد لقومه. (أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات): باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها ويقبضن: ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت، للاستعانة بها على التحرك ما يمسكهن في الجو على خلاف الطبع (إلا الرحمن): الواسع رحمته كل شئ (إنه بكل شئ بصير): يعلم كيف ينبغي أن يخلقه.


(1) - البيضاوي 5: 142. (*)

[ 1331 ]

(أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) يعني: أولم تنظروا في أمثال هذه الصنائع، فتعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف أو إرسال حاصب، أم هذا الذي تعبدونه من دون الله، لكم جند ينصركم من دون الله، أن يرسل عليكم عذابه ؟ !، فهو كقوله: (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) (1). وفيه إشعار بأنهم اعتقدوا القسم الثاني. (إن الكافرون إلا في غرور): لا معتمد لهم. (أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه) بإمساك المطر وسائر الأسباب المحصلة والموصلة له إليكم (بل لجوا): تمادوا (في عتو): عناد (ونفور): وشراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه. (أفمن يمشي مكبا على وجهه): يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعورة (2) طريقه، بحيث لا يستأهل أن يسلك (أهدى أم من يمشي سويا): قائما سالما من العثار (على صراط مستقيم): مستوي الأجزاء والجهة، صالح للسلوك، وهو تمثيل للمشرك والموحد بالسالكين، ولدينيهما بالمسلكين. وورد: (القلوب أربعة: قلب فيه نفاق وإيمان، وقلب منكوس، وقلب مطبوع، وقلب أزهر أنور. فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الأزهر فقلب المؤمن، إن أعطاه الله عز وجل شكر، وإن ابتلاه صبر. وأما المنكوس فقلب المشرك، ثم قرأ هذه الاية وذكر الرابع) (3). وقال: (إن الله ضرب مثل من حاد عن ولاية علي كمن يمشي على وجهه لا يهتدي لأمره، وجعل من تبعه سويا على صراط مستقيم. والصراط المستقيم: أمير المؤمنين عليه السلام) (4).


(1) - الانبياء (21): 43. (2) - الوعر: المكان الحزن ذو الوعورة، ضد السهل. لسان العرب 5: 285 (وعر). (3) - الكافي 2: 422، الحديث: 2، معاني الأخبار: 395، الحديث: 51، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 1: 433، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1332 ]

(قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) لتسمعوا مواعظه، وتنظروا إلى صنائعه، وتتفكروا وتعتبروا (قليلا ما تشكرون) باستعمالها فيما خلقت لأجلها. (قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون). (ويقولون متى هذا الوعد) أي: الحشر (إن كنتم صادقين). (قل إنما العلم): علم وقته (عند الله): لا يطلع عليه سواه (وإنما أنا نذير مبين). (فلما رأوه زلفة): ذا قرب (سيئت وجوه الذين كفروا): بان عليها الكآبة (1)، وساءتها رؤيته (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون): تطلبون وتستعجلون. وورد: (هذه نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، الذين عملوا ما عملوا. يرون أمير المؤمنين عليه السلام في أغبط الأماكن (2) لهم، فيسئ وجوههم، ويقال لهم: (هذا الذي كنتم به تدعون)، الذي انتحلتم اسمه) (3). (قل أرأيتم إن أهلكني الله): أماتني ومن معي من المؤمنين أو رحمنا بتأخير آجالنا متنا أو بقينا. وهو جواب لقولهم: (نتربص به ريب المنون) (4). قل هو الرحمن الذي أدعوكم إليه، مولى النعم كلها امنا به وعليه توكلنا (فستعلمون من هو في ضلال مبين) منا ومنكم.


(1) - كئب يكأب كآبة وكأبا وكأبة، حزن أشد الحزن. المصباح المنير 2: 237 (كئب). (2) - أي: أحسن مكان يغبط الناس عليه ويتمنونه. وفي القاموس المحيط (2: 389 - غبط): الغبطة - بالكسر - حسن الحال والمسرة وتمنى نعمة على أن لا تتحول عن صاحبها. مرآة العقول 5: 85. (3) - الكافي 1: 425، الحديث: 68، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الطور (52): 30. (*)

[ 1333 ]

قال: (فستعلمون يا معشر المكذبين، حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي عليه السلام والائمة من بعده، من هو في ضلال مبين. كذا أنزلت) (1). (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا): غائرا في الأرض، بحيث لا تناله الد لاء (فمن يأتيكم بماء معين: جار أو ظاهر سهل التناول. قال: (هذه نزلت في الأمام القائم. يقول: إن أصبح إمامكم غائبا عنكم لا تدرون أين هو ؟ فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماوات والأرض، وحلال الله وحرامه ؟ ثم قال: والله ما جاء تأويل هذه الاية، ولا بد أن يجئ تأويلها) (2).


(1) - الكافي 1: 421، الحديث: 45، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - كمال الدين 1: 326، الباب: 32، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1334 ]

سورة القلم [ مكية، وهي اثنتان وخمسون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم (ن والقلم وما يسطرون) قال: (وأما (ن) فهو نهر في الجنة. قال الله عز وجل: أجمد، فجمد، فصار مدادا، ثم قال عز وجل للقلم: اكتب، فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. فالمداد مداد من نور، والقلم قلم من نور، واللوح لوح من نور، ثم قال: فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك، والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدي إلى جبرئيل، وجبرئيل يؤدي إلى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم) (2). وورد: (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة) (3). وفي رواية: (ن) اسم رسول الله صلى الله عليه وآله) (4).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - معاني الأخبار: 23، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 198، ذيل الاية: 3 من سورة سبأ، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الخصال 2: 426، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، تأويل الايات الظاهرة: 685، عن أبي الحسن موسى عليه السلام. (*)

[ 1335 ]

(ما أنت بنعمة ربك بمجنون) جواب القسم، أي: ما أنت بمجنون، منعما عليك بالنبوة وحصافة الرأي، وهو جواب لقولهم: (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (1). (وإن لك) على تحمل أعباء الرسالة وقيامك بمواجبها (لاءجرا): لثوابا (غير ممنون): غير مقطوع، أو غير ممنون به عليك. (وإنك لعلى خلق عظيم) إذ تحتمل من قومك ما لا يحتمله غيرك. قال: (إن الله أدب نبيه على محبته (2)، فلما أكمل له الأدب. قال: (إنك لعلى خلق عظيم)) (3). وفي رواية: (يقول على دين عظيم) (4). وفي أخرى: (هو الأسلام) (5). (فستبصر ويبصرون). (بأيكم المفتون): أيكم الذي فتن بالجنون. والباء مزيدة، أو بأيكم أحرى هذا الاسم، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا وقد خلص ودي إلى قلبه، وما خلص ودي إلى قلب أحد الا وقد خلص ود علي إلى قلبه، كذب يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك. قال: فقال رجلان من المنافقين: لقد فتن رسول الله بهذا الغلام ! فأنزل الله تبارك وتعالى: (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون). قال: نزلت فيهما. إلى آخر الايات) (6). والمشهور أنها نزلت في الوليد بن المغيرة (7)، كان يمنع عشيرته عن الأسلام، وكان


(1) - الحجر (15): 6. (2) - الكافي 1: 265، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 266، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 382، عن أبي جعفر عليه السلام، معاني الأخبار: 188، ذيل الحديث: 1. (5) - معاني الاخبار: 188، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - المحاسن: 151، الحديث: 71، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) - الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد شمس: من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش، ومن زنادقتها. وأدرك الأسلام وهو شيخ هرم، فعاداه وقاوم دعوته، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر، وهو والد خالد بن الوليد. الأعلام (للزركلي) 8: 122. (*)

[ 1336 ]

موسرا وله عشر بنين، فكان يقول لهم وللحمته: من أسلم منكم منعته رفدي، وكان دعيا ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده. (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). (فلا تطع المكذبين). (ودوا لو تدهن فيدهنون): تلاينهم فيلا ينونك. القمي: أي: أحبوا أن تغش في علي فيغشون معك (1). (ولا تطع كل حلاف): كثير الحلف مهين: حقير الرأي. (هماز): عياب طعان (مشاء بنميم): نقال للحديث على وجه السعاية. (مناع للخير): يمنع الناس عن الخير من الأيمان والأنفاق والعمل الصالح معتد: متجاوز في الظلم (أثيم): كثير الاثام. (عتل): جاف غليظ. قال: (عظيم الكفر) (2). بعد ذلك: بعد ما عد من مثالبه (زنيم) قال: (الذي لا أصل له) (3) وفي رواية: (المستهتر بكفره) (4). وسئل النبي صلى الله عليه وآله عن العتل الزنيم، فقال: (هو الشديد الخلق، المصحح، الأكول الشروب، الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، الرحب (5) الجوف) (6). والقمي: الزنيم الدعي (7).


(1) - القمي 2: 380. (2) - معاني الأخبار: 149، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، تأويل الايات الظاهرة: 687، عنهم صلوات الله عليهم. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 334، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - معاني الاخبار: 149، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - في المصدر: (الرحيب الجوف). ورجل رحيب الجوف: واسعها. لسان العرب 1: 414 (رحب). (6) - مجمع البيان 9 - 10: 334، كنز العمال 2: 540، الحديث: 4678. (7) - القمي 2: 380. (*)

[ 1337 ]

(أن كان ذا مال وبنين): لأن كان متمولا مستظهرا بالبنين. (إذا تتلى عليه اياتنا قال أساطير الأولين) أي: أكاذيبهم، قاله من فرط غروره. (سنسمه على الخرطوم): على الأنف. قيل: وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر، فبقي أثره (1). وقيل: إنه كناية عن أن يذله غاية الأذلال، كقولهم: جدع أنفه ورغم أنفه (2). والقمي: كناية عن الثاني. وأن أمير المؤمنين عليه السلام إذا رجع ورجع أعداؤه يسمهم بميسم معه، كما توسم البهائم على الخراطيم،، الأنف والشفتان (3). (إنا بلوناهم): اختبرنا أهل مكة بالقحط (كما بلونا أصحاب الجنة) قيل: أصحاب البستان الذي كان دون صنعاء لشيخ، وكان يمسك منها قدر كفايته ويتصدق بالباقي فلما مات قال بنوه: نحن أحق بها لكثرة عيالنا، ولا يسعنا أن نفعل كما فعل أبونا، وعزموا على حرمان المساكين (4). (إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين): ليقطعنها وقت الصباح. (ولا يستثنون): ولا يقولون: إن شاء الله. (فطاف عليها): على الجنة طائف: بلاء طائف (من ربك وهم نائمون). (فأصبحت كالصريم) قيل: كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شئ، أو كالليل المظلم باحتراقها واسودادها، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس (5). والصريمان الليل والنهار لانصرام أحدهما من الاخر (6). (فتنادوا مصبحين). (أن اغدوا على حرثكم): أخرجوا إليه غدوة، ضمن معنى الأقبال أو الاستيلاء،


(1) و 2 - البيضاوي 5: 144، تفسير الكبير 30: 86. (2) - القمي 2: 381. (3) - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 18: 240، عن ابن عباس. (4) - البيضاوي 5: 145. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 336، عن ابن عباس وأبي عمرو بن العلاء. (*)

[ 1338 ]

فعدي ب‍ (على). إن كنتم صارمين: قاطعين له. (فانطلقوا وهم يتخافتون): يتسارون فيما بينهم. (أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين). (وغدوا على حرد قادرين) قيل: أي: على نكد قادرين لا غير، مكان قدرتهم على الانتفاع يعني: إنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين، فتنكد عليهم، بحيث لم يقدروا فيها إلا على النكد والحرمان (1). (فلما رأوها قالوا إنا لضالون): ظللنا طريق جنتنا وما هي بها. (بل نحن محرومون) أي: بعدما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: بل نحن حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا. (قال أوسطهم): خيرهم وأعدلهم قولا ألم أقل لكم لولا تسبحون: لولا تذكرون الله، وتشكرونه بأداء حقه. (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين). (فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون): يلوم بعضهم بعضا، فإن منهم من أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيا، ومنهم من أنكره. (قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين): متجاوزين حدود الله. (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون): راجون العفو، طالبون الخير. روي: (إنهم أبدلوا خيرا منها) (2). (كذلك): مثل ما بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة (العذاب) في الدنيا (ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) لاحترزوا عما يؤديهم إلى العذاب. (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم).


(1) - البيضاوي 5: 145. (2) - الكشاف 4: 145، البيضاوي 5: 145. (*)

[ 1339 ]

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين) إنكار لقولهم: إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم، كما نحن عليه في الدنيا. (ما لكم كيف تحكمون) التفات فيه تعجيب من حكمهم واستبعاد له، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي. (أم لكم كتاب من السماء) فيه تدرسون: تقرؤون. (إن لكم فيه لما تخيرون): إن لكم ما تختارونه وتشتهونه. (أم لكم أيمان علينا): عهود مؤكدة بالأيمان (بالغة): متناهية في التوكيد (إلى يوم القيامة) ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، لا نخرج عن عهدته حتى نحكمكم في ذلك اليوم (إن لكم لما تحكمون) جواب القسم المضمن في (أم لكم أيمان). (سلهم أيهم بذلك زعيم): بذلك الحكم كفيل يدعيه ويصححه. (أم لهم شركاء) يجعلونهم في الاخرة مثل المؤمنين، أو يشاركونهم في هذا القول، فهم يقلدونهم (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين). (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون). (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة): يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب. وكشف الساق مثل في ذلك، وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب. قال: (أفحم (1) القوم ودخلتهم الهيبة وشخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، لما رهقهم من الندامة والخزي والذلة) (2). وقال: (حجاب من نور يكشف، فيقع المؤمنون سجدا، ويدبخ (3) أصلاب المنافقين،


(1) - الأفحام: الأسكات بالحجة. المصباح المنير 2: 135 (فحم). (2) - التوحيد: 154، الباب: 14، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 339، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (3) - دبخ الرجل تدبيخا: إذا قبب ظهره وطأطأ رأسه، (الصحاح 1: 420 - دبخ). وفي المصدرين: تدمج) =، (*)

[ 1340 ]

فلا يستطيعون السجود) (1). (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) قال: (أي: مستطيعون، يستطيعون الأخذ بما أمروا به، والترك لما نهوا عنه، ولذلك ابتلوا) (2). (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث): كله إلي، فإني أكفيكه (سنستدرجهم): سندينهم من العذاب درجة درجة، بالأمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة وإنساء الذكر (من حيث لا يعلمون) أنه استدراج. (وأملي لهم): وأمهلهم (إن كيدي متين): لا يدفع بشئ. وقد مضى تمام تفسيره في سورة الأعراف (3). (أم تسألهم أجرا) على الأرشاد (فهم من مغرم): من غرامة (مثقلون) بحملها، فيعرضون عنك. (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) منه ما يحكمون ويستغنون به عن علمك. (فاصبر لحكم ربك) وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم. (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني يونس بن متى، لما دعا على قومه ثم ذهب مغاضبا لله (إذ نادى) في بطن الحوت (وهو مكظوم) قال: (أي: مغموم) (4). (لولا أن تداركه نعمة من ربه): التوفيق للتوبة وقبولها. القمي: النعمة: الرحمة (5). (لنبذ بالعراء) القمي: الموضع الذي لا سقف له (6). (وهو مذموم): مليم.


والدمج: دخول شئ في شئ مستحكما، كأنه يدخل في أصلابهم شئ يمنعهم عن الانحناء فلا يستطيعون السجود. (1) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 121، الباب: 11، ذيل الحديث: 14، التوحيد: 154، الباب: 14، الحديث: 1، عن أبي الحسن عليه السلام. (2) - التوحيد: 349، الباب: 56، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (وبذلك ابتلوا). (3) - ذيل الاية: 182 - 183. (4) - القمي 2: 383، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - القمي 2: 383. (6) - القمي 2: 383. (*)

[ 1341 ]

(فاجتباه ربه) بأن رد الوحي إليه (فجعله من الصالحين). (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون). (وما هو إلا ذكر للعالمين) يعني أنهم لشدة عداوتهم، وانبعاث بغضهم وحسدهم عند سماع القرآن والدعاء إلى الخير، ينظرون إليك شزرا (1)، بحيث يكادون يزلون قدمك فيصرعونك، من قولهم: نظر إلي نظرا يكاد يصرعني. أي: لو أمكنه بنظره الصرع لفعله. والمعنى: أنهم يكادون يصيبونك بالعين. ورد: (إن العين حق) (2). و: (إن العين ليدخل الرجل القبر والجمل القدر) (3). و: (إنه لو كان شئ يسبق القدر لسبقه العين) (4).


(1) - نظر إليه شزرا، وهو نظر الغضبان بمؤخر العين. الصحاح 2: 696 (شزر). (2) - مجمع البيان 5 - 6: 249، ذيل الاية: 67 من سورة يوسف، التفسير الكبير 30: 100، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - البيضاوي 5: 147، التفسير الكبير 30: 100 عن النبي صلى الله عليه وآله. (4) - مجمع البيان 5 - 6: 249، ذيل الاية: 67 من سورة يوسف، و 9 - 10: 341، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1342 ]

سورة الحاقة [ مكية، وهي أثنتان وخمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (الحاقة): الساعة التي يحق وقوعها، أو تحق فيها الأمور، أي: تجب وتعرف حقائقها، أو تقع فيها حواق الأمور من الحساب والجزاء. (ما الحاقة) استفهام، معناه التفخيم لحالها والتعظيم لشأنها. (وما أدراك ما الحاقة) زيادة في التهويل، أي: إنك لا تعلم كنهها، فإنها أعظم من أن يبلغها دراية. (كذبت ثمود وعاد بالقارعة): بالحالة التي تقرع الناس بالأفزاع والأهوال، والأجرام بالانفطار والانتشار. وإنما وضعت موضع الضمير الحاقة، زيادة في وصف شدتها. (فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية): بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، وهي الصيحة والرجفة، كما مضى بيانه (2).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الأعراف (7): 78، هود (11): 60. (*)

[ 1343 ]

(وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية): باردة، خارجة أكثر مما أمرت به، كما مر ذكره (1). (سخرها عليهم): سلطها الله عليهم بقدرته (سبع ليال وثمانية أيام حسوما): متتابعات. القمي: كان القمر منحوسا بزحل سبع ليال وثمانية أيام حتى هلكوا (2). (فترى القوم فيها صرعى): موت، جمع (صريع). (كأنهم أعجاز نخل خاوية): أصول نخل متأكلة الأجواف. (فهل ترى لهم من باقية). (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات): قرى قوم لوط، والمراد أهلها. (بالخاطئة): بالخطأ. (فعصوا رسول ربهم): فعصى كل أمة رسولها (فأخذهم أخذة رابية): زائدة في الشدة، زيادة أعمالهم في القبح. قال: (الرابية: التي أربت على ما صنعوا) (3). (إنا لما طغا الماء): جاوز حده المعتاد، يعني في الطوفان (حملناكم في الجارية): حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم، في سفينة نوح. (لنجعلها): لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين (لكم تذكرة): عبرة ودلالة على قدرة الصانع، وحكمته وكمال قهره ورحمته. (وتعيها): وتحفظها (أذن واعية): من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه، بتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه. قال: (لما نزلت: (وتعيها أذن واعية) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هي أذنك يا علي) (4).


(1) - فصلت (41): 16، القمر (54): 19. (2) - القمي 2: 383. (3) - القمي 2: 385، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 1: 423، الحديث: 57، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1344 ]

وفي رواية قال: (اللهم اجعلها أذن علي. قال علي عليه السلام: فما سمعت شيئا من رسول الله فنسيته (1)، وما كان لي أن أنسى) (2). (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) هي النفخة الأولى التي عندها خراب العالم. (وحملت الأرض والجبال): رفعت من أماكنها (فدكتا دكة واحدة) القمي: وقعت فدك بعضها على بعض (3). (فيومئذ): فحينئذ (وقعت الواقعة): قامت القيامة. (وانشقت السماء فهي يومئذ واهية): ضعيفة مسترخية. (والملك): والجنس المتعارف بالملك (على أرجائها): على جوانبها. (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية). قال: (إنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة أخرى (4)، فيكونون ثمانية) (5). وفي رواية: (حملة (6) العرش - والعرش العلم - ثمانية، أربعة منا وأربعة ممن شاء الله) (7). وفي أخرى: (أربعة من الأولين وأربعة من الاخرين، فأما الأربعة من الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وأما الاخرين فمحمد وعلي والحسن والحسين عليهم السلام. قال:


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 345، جامع البيان (للطبري) 29: 35، عن النبي صلى الله عليه وآله. (2) - جوامع الجامع: 507، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - القمي 2: 384. (4) - في المصدر: (بأربعة آخرين). (5) - مجمع البيان 9 - 10: 346، جوامع الجامع: 507، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - في (ب) و (ج): (حملت). (7) - الكافي 1: 132، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1345 ]

ومعنى (يحملون العرش) يعني العلم) (1). (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية). (فأما من أوتي كتابه بيمينه) تفصيل للعرض. (فيقول تبججا هاؤم اقرءوا كتابيه) هاؤم: اسم لخذوا، والهاء في كتابيه ونظائره للسكت. (إني ظننت) أي: تيقنت. قال: (الظن ظنان: ظن شك، وظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك) (2). (أني ملاق حسابيه) قال: (إني أبعث وأحاسب) (3). (فهو في عيشة راضية) القمي: أي: مرضية (4). (في جنة عالية). (قطوفها) جمع قطف، وهو ما يجتنى بسرعة. (دانية) يتناولها القائم والقاعد. (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية): في الماضية من أيام الدنيا، من الأعمال الصالحة. (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه). (ولم أدر ما حسابيه). (يا ليتها): ياليت الموتة التي متها كانت القاضية: القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها.


(1) - القمي 2: 384. (2) - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، الاحتجاج 1: 363، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - التوحيد: 267، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - القمي 2: 384. (*)

[ 1346 ]

(ما أغنى عني ماليه) قيل: مالي من المال والتبع (1). والقمي: يعني ماله الذي جمعه (2). (هلك عني سلطانيه) قيل: ملكي وتسلطي على الناس (3). والقمي: أي: حجته (4). (خذوه): يقال لخزنة النار: (خذوه) (فغلوه). (ثم الجحيم صلوه). (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه). قال: (لو أن حلقة واحدة من السلسة، التي طولها سبعون ذراعا، وضعت على الدنيا، لذابت الدنيا من حرها) (5). قال: (وكان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله، وكان فرعون هذه الأمة) (6). ورد: (كنت خلف أبي وهو على بغلته، فنفرت بغلته، فإذا شيخ في عنقه سلسلة ورجل يتبعه، فقال: يا علي بن الحسين ! اسقني. فقال الرجل: لا تسقه، لا سقاه الله. قال: وكان الشيخ معاوية) (7). والقمي: السبعون ذراعا في الباطن هم الجبابرة السبعون (8). (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم). (ولا يحض): ولا يحث على طعام المسكين.


(1) - البيضاوي 5: 149. (2) - القمي 2: 384. (3) - الكشاف 4: 153، البيضاوي 5: 149. (4) - القمي 2: 384. (5) - المصدر: 81، ذيل الاية: 22 من سورة الحج، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن جبرئيل عليه السلام. (6) - الكافي 4: 244، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - بصائر الدرجات: 285، الباب: 7، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - القمي 2: 384. (*)

[ 1347 ]

(فليس له اليوم ههنا حميم): قريب يحميه. (ولا طعام إلا من غسلين): غسالة أهل النار وصديدهم. والقمي: عرق الكفار (1). (لا يأكله إلا الخاطئون): أصحاب الخطايا، من خطأ الرجل: إذا تعمد الذنب. (فلا أقسم) (لا) مزيدة. (بما تبصرون). (وما لا تبصرون) بالمشاهدات والمغيبات. (إنه): إن القرآن (لقول رسول كريم) على الله، يبلغه عن الله، فإن الرسول لا يقول عن نفسه. قال: (يعني جبرئيل عن الله) (2). (وما هو بقول شاعر) كما تزعمون تارة. (قليلا ما تؤمنون). (ولا بقول كاهن) كما تدعون أخرى (قليلا ما تذكرون) ولذلك يلتبس الأمر عليكم. قيل: ذكر الأيمان مع نفي الشاعرية، والتذكر مع نفي الكاهنية، لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند، بخلاف مباينته للكهانة، فإن العلم بها يتوقف على تذكر أحوال الرسول ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهنة ومعاني أقوالهم (3). (تنزيل): هو تنزيل نزله على لسان جبرئيل من رب العالمين. (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) القمي: يعني رسول الله صلى الله عليه وآله (4). (لاخذنا منه باليمين): بيمينه أو بقوتنا. القمي: انتقمنا منه بقوة (5). (ثم لقطعنا منه الوتين) قيل: أي: نياط قلبه (6). والقمي: عرق في الظهر يكون منه الولد (7).


(1) - القمي 2: 384. (2) - الكافي 1: 433، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (3) - البيضاوي 5: 149. (4) و 5 - القمي 2: 384. (5) - الكشاف 4: 155، البيضاوي 5: 149. (6) - القمي 2: 384. (7) - القمي 2: 384. (*)

[ 1348 ]

(فما منكم من أحد عنه حاجزين): مانعين دافعين، يعني أنه لا يتكلف الكذب علينا لأجلكم، مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم تقدروا على دفع عقوبتنا عنه. (وإنه لتذكرة للمتقين). (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين). (وإنه لحسرة على الكافرين) إذا رأوا ثواب المؤمنين به. (وإنه لحق اليقين): اليقين الذي لا ريب فيه. (فسبح باسم ربك العظيم): فسبح الله بذكر اسمه العظيم، تنزيها له عن الرضا بالتقول عليه، وشكرا على ما أوحي إليك. ورد: (قالوا: إن محمدا كذب على ربه ! ! وما أمره الله بهذا في علي، فأنزل الله بذلك قرآنا، فقال: إن ولاية علي (تنزيل من رب العالمين)، الايات) (1).


(1) - الكافي 1: 433، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1349 ]

سورة المعارج [ مكية، وهي أربع وأربعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (سأل سائل بعذاب واقع) أي: دعا داع به. بمعنى استدعاه. للكافرين. قال: (نزلت للكافرين بولاية علي عليه السلام، هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله) (2). وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة) (3). أقول: ويدل على هذا ما مر في سبب نزولها في سورة الأنفال، عند قوله تعالى: (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) (4). وفي رواية: (لما اصطفت الخيلان يوم بدر، رفع أبو جهل يده فقال: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرفه، فأجئه العذاب، فنزلت) (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكافي 1: 422، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 8: 58، ذيل الحديث: 18. (4) - الأنفال (8): 32. (5) - القمي 2: 385، في حديث. (*)

[ 1350 ]

وفي أخرى سئل عنها فقال: (نار تخرج من المغرب وملك يسوقها من خلفها، حتى تأتي دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع دارا لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع دارا فيها وتر لال محمد إلا أحرقتها، وذلك المهدي عليه السلام) (1). (ليس له دافع يرده). (من الله ذي المعارج): ذي المصاعد، وهي الدرجات التي تصعد فيها الكلم الطيب والعمل الصالح، ويترقى فيها المؤمنون في سلوكهم وتعبدهم، وتعرج الملائكة والروح فيها. (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة). استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها، تمثيلا للملكوت بالملك في الامتداد الزماني، المنزه عنه الملكوت. قال: (تعرج الملائكة والروح في صبيحة ليلة القدر إليه من عند النبي صلى الله عليه وآله والوصي) (2) وورد في حديث المعراج: (إنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين ألف عام، أقل من ثلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش) (3). وورد: (إن للقيامة خمسين موقفا، كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا (في يوم)، الاية) (3). وورد: (إنه قيل: يا رسول الله ! ما أطول هذا اليوم ؟ فقال: والذي نفس محمد بيده،


(1) - القمي 2: 385، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - القمي 2: 386، عن أبي الحسن عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - الاحتجاج 1: 327، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - الكافي 8: 143، الحديث: 108، عن أبي عبد الله عليه السلام إنه. (*)

[ 1351 ]

ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا) (1). وفي رواية: (لو ولي الحساب غير الله لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا، والله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة. وقال: لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار) (2). (فاصبر صبرا جميلا) القمي: أي: لتكذيب من كذب أن ذلك يكون (3). (إنهم يرونه بعيدا) من الأمكان. (ونراه قريبا) من الوقوع. (يوم تكون السماء كالمهل) القمي: الرصاص الذائب والنحاس، كذلك تذوب السماء (4). (وتكون الجبال كالعهن): كالصوف المصبوغ ألوانا. (ولا يسأل حميم حميما) عن حاله. (يبصرونهم) قال: (يقول: يعرفونهم ثم لا يتسائلون) (5). (يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه). (وصاحبته وأخيه). (وفصيلته) قيل: وعشيرته التي فصل عنهم (6). (التي تؤويه): تضمه في النسب وعند الشدائد. القمي: هي أمه التي ولدته (7). (ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 353. (2) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - القمي 2: 386. (5) - القمي 2: 386، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكشاف 4: 158، البيضاوي 5: 151. (7) - القمي 2: 386. (*)

[ 1352 ]

(كلا) ردع للمجرم عن الودادة، ودلالة عن أن الافتداء لا ينجيه. (إنها لظى): إن النار لهب خالص. (نزاعة للشوى): الأطراف أو جلود الرأس. القمي: تنزع عينيه وتسود وجهه (1). (تدعوا من أدبر وتولى): تجره إليها. (وجمع فأوعى) القمي: جمع مالا ودفنه ووعاه، ولم ينفقه في سبيل الله (2). (إن الأنسان خلق هلوعا): شديد الحرص، قليل الصبر. (إذا مسه الشر): الفقر والفاقة جزوعا. (وإذا مسه الخير): الغنى والسعة. منوعا. (إلا المصلين). قال: (ثم استثنى، فوصفهم بأحسن أعمالهم) (3). (الذين هم على صلاتهم دائمون). قال: (يقول: إذا فرض على نفسه شيئا من النوافل دام عليه) (4). وفي رواية: (يعني الذين يقضون ما فاتهم من الليل بالنهار وما فاتهم من النهار بالليل) (5). (والذين في أموالهم حق معلوم). (للسائل والمحروم). قال: (الحق المعلوم: الشئ يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين، هو الشئ يخرجه من ماله، إن شاء أكثر وإن شاء أقل على قدر ما يملك،


(1) و 2 - القمي 2: 386. (2) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر. (4) - الخصال 2: 628، الحديث: 10، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام يصل. (*)

[ 1353 ]

به رحما، ويقوي به ضعيفا، ويحمل به كلا ويصل به أخا له في الله، أو لنائبة تنوبه) (1). وقال: (المحروم: المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع) (2). (والذين يصدقون بيوم الدين) قال: (بخروج القائم) (3). (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون): خائفون على أنفسهم. (إن عذاب ربهم غير مأمون). اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ في طاعته. (والذين هم لفروجهم حافظون). (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين). (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون). مضى تفسيرها في سورة المؤمنين (4). (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون): حافظون. (والذين هم بشهاداتهم قائمون): لا يكتمون ولا ينكرون. (والذين هم على صلاتهم يحافظون) فيراعون شرائطها وآدابها. قال: (هي الفريضة، و (الذين هم على صلاتهم دائمون) هي النافلة) (5). وفي رواية: (أولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا) (6). (أولئك في جنات مكرمون). (فما للذين كفروا قبلك: حولك مهطعين): مسرعين.


(1) - الكافي 3: 500، الحديث: 11، عن أبي جعفر، عن علي بن الحسين عليهم السلام. (2) - المصدر، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الكافي 8: 287، الحديث: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - ذيل الايات 5، 6 و 7، ولم أجد فيها تفسيرا، وليكن فسرها في الصافي 3: 394. (5) - الكافي 3: 270، الحديث: 12، مجمع البيان 9 - 10: 356 - 357، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - مجمع البيان 9 - 10: 357، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1354 ]

(عن اليمين وعن الشمال عزين) قيل: فرقا شتى (1). والقمي يقول: قعود (2). وورد في المنافقين: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله ما زال يتألفهم ويقربهم وجلسهم عن يمينه وشماله، حتى أذن الله عز وجل له في إبعادهم بقوله: (واهجرهم هجرا جميلا) (3)، وبقوله: (فمال الذين كفروا قبلك مهطعين)، الايات) (4). (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) بلا إيمان. قيل: هو إنكار لقولهم: لو صح ما يقوله لنكون فيها أفضل حظا منهم، كما في الدنيا (5). (كلا) ردع عن هذا الطمع. (إنا خلقناهم مما يعلمون) القمي: من نطفة ثم علقة (6). أقول: يعني إن المخلوق من النطفة القذرة لا يتأهل لعالم القدس ما لم يستكمل بالأيمان والطاعة ولم يتخلق بالأخلاق الملكية. (فلا أقسم) (لا) مزيدة للتأكيد. القمي: أي: أقسم (7). (برب المشارق والمغارب). قال: (لها ثلاثمائة وستون مشرقا وثلاثمائة وستون مغربا، فيومها الذي تشرق فيه لا تعود فيه إلى قابل (8)، ويومها الذي تغرب فيه لا تعود فيه إلا من قابل) (9). وفي رواية: (لها ثلاثمائة وستون برجا، تطلع كل يوم من برج وتغيب في آخر، فلا تعود إليه إلا من قابل في ذلك اليوم) (10).


(1) - الكشاف 4: 160، البيضاوي 5: 151. (2) - القمي 2: 386. (3) - المزمل (73): 10. (4) - الاحتجاج 1: 377، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - البيضاوي 5: 151. 6 و 7 - القمي 2: 386. (8) - في المصدر: (إلا من قابل). (9) - معاني الأخبار: 221، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (10) - الاحتجاج 1: 386، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1355 ]

(إنا لقادرون). (على أن نبدل خيرا منهم) أي: نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم (وما نحن بمسبوقين): بمغلوبين إن أردنا ذلك. (فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون). (يوم يخرجون من الأجداث): من القبور (سراعا): مسرعين (كأنهم إلى نصب يوفضون): إلى منصوبات للعبادة أو أعلام يسرعون. القمي: إلى الداعي يبادرون (1). (خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون).


(1) - القمي 2: 387، وفيه: (إلى الداعي ينادون). (*)

[ 1356 ]

سورة نوح [ مكية، وهي ثمان وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم). (قال يا قوم إني لكم نذير مبين). (أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون). (يغفر لكم من ذنوبكم) قيل: بعض ذنوبكم، وهو ما سبق، فإن الأسلام يجبه (2). (ويؤخركم إلى أجل مسمى) هو أقصى ما قدر لكم، بشرط الأيمان والطاعة. (إن أجل الله): إن الأجل الذي قدره الله إذا جاء لا يؤخر فبادروا في أوقات الأمهال والتأخير لو كنتم تعلمون صحة ذلك. فيه: إنهم لانهماكهم في حب الحياة، كأنهم شاكون في الموت. (قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا) أي: دائما. (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) عن الأيمان والطاعة. (وإني كلما دعوتهم إلى الأيمان لتغفر لهم بسببه جعلوا أصابعهم في


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 152. (*)

[ 1357 ]

اذانهم): سدوا مسامعهم عن استماع حق الدعوة (واستغشوا ثيابهم) القمي: استتروا بها (1). (وأصروا واستكبروا استكبارا) القمي: عزموا على أن لا يسمعوا شيئا (2). (ثم إني دعوتهم جهارا). (ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا) يعني دعوتهم مرة بعد أخرى، وكرة بعد أولى، سرا وعلانية، وعلى أي وجه أمكنني، و (ثم) لتفاوت الوجوه أو لتراخي بعضها عن بعض. (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا). (يرسل السماء عليكم مدرارا): كثير الدر. (ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) قيل: لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم، حبس الله عنهم القطر أربعين سنة، وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بذلك (3). (ما لكم لا ترجون لله وقارا) قال: (لا تخافون لله عظمة) (4). (وقد خلقكم أطوارا) القمي: على اختلاف الأهواء والارادات والمشيئات (5). وقيل: أي تارات: ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحوما، ثم أنشأ خلقا آخر، فانه يدل على عظيم قدرته وكمال حكمته (6). (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا) قال: (بعضها فوق بعض) (7). (وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا). (والله أنبتكم من الأرض نباتا): أنشأكم منها.


1 و 2 - القمي 2: 387. (1) - البيضاوي 5: 152. (2) - القمي 2: 387، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر. (4) - البيضاوي 5: 153. (5) - القمي 2: 387، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1358 ]

(ثم يعيدكم فيها) مقبورين (ويخرجكم إخراجا) بالحشر. (والله جعل لكم الأرض بساطا) تتقلبون عليها. (لتسلكوا منها سبلا فجاجا): واسعة. (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا): واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم، المغترين بأولادهم، بحيث صار ذلك سببا لزيادة خسارهم في الاخرة، وفيه: إنهم إنما اتبعوهم لوجاهة حصلت لهم بأموال وأولاد، أدت بهم إلى الخسار. القمي: واتبعوا الأغنياء (1). (ومكروا مكرا كبارا): كبيرا في الغاية. (وقالوا لا تذرن الهتكم) أي: عبادتها (ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا): وخصوصا هؤلاء المسمون. قيل: هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا صوروا تبركا بهم وأنسا، فلما طال الزمان عبدوهم، وقد انتقلت إلى العرب (2). والقمي: ما في معناه مبسوطا (3). (وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) القمي: هلاكا وتدميرا (4). (مما خطيئاتهم): من أجل خطيئاتهم. و (ما) مزيدة للتأكيد والتفخيم. (أغرقوا) بالطوفان (فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا) (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) أي: أحدا. (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا).


(1) - القمي 2: 387. (2) - البيضاوي 5: 153. (3) - القمي 2: 387. (4) - المصدر: 388. (*)

[ 1359 ]

سئل: ما كان علم نوح حين دعا على قومه: أنهم لا يلدوا إلا فاجرا كفارا ؟ فقال: (أما سمعت قول الله تعالى لنوح: (إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) (1). (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا) قال: (يعني الولاية. من دخل في الولاية دخل في بيت الأنبياء) (2). (وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) قال: (أي: خسارا) (3).


(1) - القمي 2: 388، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في سورة هود (11): 36. (2) - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1360 ]

سورة الجن [ مكية، وهي ثمان وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرانا عجبا): كتابا بديعا مباينا لكلام الناس، في حسن نظمه ودقة معناه. (يهدي إلى الرشد): إلى الحق والصواب (فامنا به ولن نشرك بربنا أحدا) قد سبق بعض قصتهم في الأحقاف (2). (وأنه تعالى جد ربنا) قيل: أي: عظمته، مستعار من الجد الذي هو البخت (3). قال: (إنما هو شئ قالته الجن بجهالة، فحكى الله عنهم) (4). والقمي: ولم يرضه الله منهم (5). (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الايات: 29 - 32. (3) - الكشاف 4: 167، البيضاوي 5: 154. (4) - الخصال 1: 50، الحديث: 59، التهذيب 2: 316، الحديث: 1290، عن أبي جعفر عليه السلام، من لا يحضره الفقيه 1: 261، الحديث: 1190، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 368، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (5) - القمي 2: 388. (*)

[ 1361 ]

(وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا): قولا بعيدا عن الحق، مجاوزا عن الحد. (وأنا ظننا أن لن تقول الأنس والجن على الله كذبا) اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك. (وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن). قال: (كان الرجل ينطلق إلى الكاهن الذي يوحي إليه الشيطان فيقول: قل لشيطانك: فلان قد عاذ بك) (1). (فزادوهم رهقا): فزادوا الجن باستعاذتهم بهم كبرا وعتوا. والقمي: أي: خسرانا (2). (وأنهم): وأن الأنس (ظنوا كما ظننتم) أيها الجن أو بالعكس (أن لن يبعث الله أحدا) والايتان إما من كلام الجن بعضهم لبعض، أو استئناف كلام من الله. ومن فتح (ان) فيهما جعلهما من الموحى به. (وأنا لمسنا السماء): التمسناها، أي: طلبنا بلوغها أو خبرها (فوجدناها ملئت حرسا شديدا): حراسا قويا، وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها (وشهبا). (وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع): مقاعد خالية عن الحرس والشهب، صالحة للترصد والاستماع (فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا) أي: شهابا راصدا له ولأجله، يمنعه عن الاستماع بالرجم، وقد مضى في الحجر والصافات (3). وفي حديث سبب أخبار الكاهن قال: (وأما أخبار السماء: فإن الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع إذ ذاك، وهي لا تحجب ولا ترجم بالنجوم، وإنما منعت من استراق السمع لئلا يقع في الأرض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء، ويلبس على أهل الأرض ما جاءهم عن الله لأثبات الحجة ونفي الشبهة. وكان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه، فيختطفها ثم يهبط بها إلى الأرض فيقذفها إلى


(1) - القمي 2: 389، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - المصدر. (3) - الحجر (15): 17 و 18، الصافات (37): 7 - 10.

[ 1362 ]

الكاهن، فإذا قد زاد كلمات من عنده، فيختلط الحق بالباطل. فما أصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به، فهو ما أداه إليه شيطانه مما سمعه، وما أخطأ فيه، فهو من باطل ما زاد فيه، فمنذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة) (4). (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا): خيرا. (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك): قوم دون ذلك (كنا طرائق قددا): متفرقة. القمي: أي: على مذاهب مختلفة (5). (وأنا ظننا): علمنا (أن لن نعجز الله في الأرض) كائنين أينما كنا فيها (ولن نعجزه هربا): هاربين منها إلى السماء، ولن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا. (وأنا لما سمعنا الهدى امنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا). القمي: البخس: النقصان. والرهق: العذاب (1). (وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون): الجائرون عن طريق الحق فمن أسلم (فأولئك تحروا): توخوا رشدا: رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب. قال: (أي: الذين أقروا بولايتنا) (2). (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا). (وأن لو استقاموا): وأنه لو استقاموا (على الطريقة): الطريقة المثلى (لاءسقيناهم ماء غدقا): لوسعنا عليهم الرزق، والغدق: الكثير.


(1) - الاحتجاج 2: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير. (2) - القمي 2: 389. (*) (3) - المصدر. (4) - المصدر، عن أبي عبد الله، عن أبي جعفر عليهما السلام. (*)

[ 1363 ]

قال: (معناه: لأفدناهم علما كثيرا، يتعلمونه من الأئمة) (1). وفي رواية: (يعني لو استقاموا على ولاية أمير المؤمنين علي والأوصياء من ولده، وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم، (لأسقيناهم ماءا غدقا)، يقول: لأشربنا قلوبهم الأيمان) (2). (لنفتنهم فيه): لنختبرهم كيف يشكرونه (ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا): يدخله عذابا شاقا يعلو المعذب ويغلبه. (وأن المساجد لله): مختصة به (فلا تدعوا مع الله أحدا) قال: (يعني بالمساجد: الوجه واليدين والركبتين والأبهامين) (3). وفي رواية: (هم الأوصياء) (4). (وأنه لما قام عبد الله) يعني محمدا يدعوه: يعبد الله (كادوا) يعني قريشا (يكونون عليه لبدا) أي: أبدا. يعني يتعاونون عليه. وقيل: معناه: كاد الجن يكونون عليه متراكمين من ازدحامهم عليه: تعجبا مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته (5). (قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا) فليس ذلك ببدع ولا منكر، يوجب إطباقكم على مقتي أو تعجبكم. (قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا). قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الناس إلى ولاية علي عليه السلام، فاجتمعت إليه قريش وقالوا:


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 372، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 1: 220، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - من لا يحضره الفقيه 2: 381، الحديث: 1627، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفي الكافي 3: 312، ذيل الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 1: 319، الحديث: 109، عن الجواد عليه السلام، والقمي 2: 390، عن ابن عباس ما بمعناه. (4) - الكافي 1: 425، الحديث: 65، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (5) - البيضاوي 5: 155. (*)

[ 1364 ]

يا محمد اعفنا من هذا. فقال: هذا إلى الله ليس إلي، فاتهموه وخرجوا من عنده، فأنزل الله: (قل إني لا أملك لكم) الاية) (1). (قل إني لن يجيرني من الله أحد) قال: إن عصيته (ولن أجد من دونه ملتحدا): منحرفا وملتجأ. (إلا بلاغا من الله ورسالاته) قال: (في علي) (2). (ومن يعص الله ورسوله) قال (في ولاية علي) (3). (فان له جهنم خالدين فيها أبدا). (حتى إذا رأوا ما يوعدون) قال: (يعني الموت والقيامة) (4). وفي رواية: (القائم وأنصاره) (5). والقمي: في الرجعة (6). (فسيعلمون من أضعف ناصرا) هو أو هم (وأقل عددا). (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا) القمي: لما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما يكون من الرجعة. قالوا: متى يكون هذا ؟ قال الله: قل يا محمد: (إن أدري) الاية (6). (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا): فلا يطلع. (إلا من ارتضى من رسول) قال: (وكان محمد ممن ارتضاه) (7). وفي رواية: (ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من غيبه، فعلمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة) (8). فإنه يسلك من بين يديه: بين يدي المرتضى ومن خلفه رصدا. القمي: يخبر


(1) و 2 و 3 - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (4) - القمي 2: 390، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. 6 و 7 - القمي 2: 391. (8) - الكافي 1: 256، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (9) - الخرائج والجرائح: 306، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1365 ]

الله رسوله الذي يرتضيه، بما كان قبله من الأخبار وما يكون بعده من أخبار القائم والرجعة والقيامة (1). وقيل: رصدا، أي: حرسا من الملائكة، يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم (2). (ليع لم أن قد أبلغوا) قيل: أي: ليعلم النبي الموحى إليه: أن قد أبلغ جبرئيل والملائكة النازلون بالوحي، أو ليعلم الله: أن قد أبلغ الأنبياء. بمعنى ليتعلق علمه به موجودا (3). (رسالات ربهم) كما هي محروسة عن التغيير (وأحاط بما لديهم) بما عند الرسل (وأحصى كل شئ عددا) حتى القطر والرمل.


(1) - القمي 2: 391. (2) و 3 - البيضاوي 5: 156. (*)

[ 1366 ]

سورة المزمل [ مكية، وهي عشرون آية ] بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها المزمل) أصله المتزمل، من تزمل بثيابه إذا تلفف بها. القمي: هو النبي كان يتزمل بثوبه وينام. فقال الله: (يا أيها المزمل) (2). قم الليل) أي: إلى الصلاة (إلا قليلا). (نصفه أو انقص منه قليلا). (أو زد عليه). قال: (القليل: النصف، أو انقص من القليل قليلا، أو زد على القليل قليلا) (3). (ورتل القران ترتيلا) قال: (بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر ولا تنثره نثر الرمل، ولكن افزعوا قلوبكم القاسية، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة) (4). (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) قيل: أي: القرآن، فإنه لما فيه من التكاليف ثقيل على


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 392. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 377، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 2: 614، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام، مجمع البيان 9 - 10: 378، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1367 ]

المكلفين (1). وقيل: أي: ثقيل نزوله عليه، فإنه كان يتغير حاله عند نزوله ويعرق (2). والقمي: (قولا ثقيلا): قيام الليل، وهو قوله (3): (إن ناشئة الليل) قيل: أي: النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، أو العبادة التي تنشأ بالليل، أي: تحدث (4). (هي أشد وطأ) أي: كلفة أو ثبات قد. وعلى قراءة (وطأ) على فعال، أي: مواطاة القلب اللسان لها أو فيها. (وأقوم قيلا): وأسد مقالا وأثبت قراءة، لحضور القلب وهدوء الأصوات. والقمي: أصدق القول (5). وورد: (ناشئة الليل: قيام الرجل عن فراشه، يريد به الله لا يريد به غيره) (6). (إن لك في النهار سبحا طويلا) قال: (فراغا طويلا لنومك وحاجتك) (11). (واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا): وانقطع إليه بالعبادة، وجرد نفسك عما سواه. القمي: يقول: أخلص إليه إخلاصا (3). وورد: (التبتل هنا رفع اليدين في الصلاة) (4). وفي رواية: (هو رفع يدك إلى الله وتضرعك إليه) (5). وفي أخرى: (الأيماء بالأصبع) (6). وفي أخرى: (أن تقلب كفيك في الدعاء إذا دعوت) (7).


1 و 2 - الكشاف 4: 175، البيضاوي 5: 156 - 157. (3) - القمي 2: 392. (4) - البيضاوي 5: 157. (5) - القمي 2: 392. (6) - الكافي 3: 446، الحديث: 17، من لا يحضره الفقيه 1: 299، الحديث: 1367، التهذيب 2: 336، الحديث: 1385، علل الشرائع 2: 363، الباب: 84، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - القمي 2: 392، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - القمي 2: 392. (9) - مجمع البيان 9 - 10: 379، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (10) - المصدر، في رواية أبي بصير. (11) - الكافي 2: 481، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (12) - معاني الأخبار: 370، الحديث: 2، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1368 ]

(رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا). (واصبر على ما يقولون) قال: (ما يقولون فيك) (3). واهجرهم هجرا جميلا بأن تجانبهم وتداريهم، وتكل أمرهم إلى الله. (وذرني والمكذبين): دعني وإياهم، وكل إلي أمرهم، فإن بي غنية عنك في مجازاتهم. (أولي النعمة): أرباب التنعم (ومهلهم قليلا). (إن لدينا أنكالا وجحيما). تعليل للأمر، والنكل: القيد الثقيل. (وطعاما ذا غصة): ينشب في الحلق، كالضريع والزقوم (وعذابا أليما): ونوعا آخر من العذاب مؤلما، لا يعرف كنهه إلا الله. وفسر بالحرمان عن لقاء الله، فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة بحبها والتعلق بها عن التخلص إلى عالم القدس، متحرقة بحرقة الفرقة، متجرعة غصة الهجران، معذبة بالحرمان عن تجلي أنوار القدس. (يوم ترجف الأرض والجبال): تضطرب وتزلزل وكانت الجبال كثيبا مهيلا مثل (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم): يشهد عليكم يوم القيامة بالأجابة والامتناع (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا). (فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا): ثقيلا. (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا) القمي: من الفزع، حيث يسمعون الصيحة. يقول: كيف إن كفرتم تتقون ذلك اليوم ؟ ! (4). (السماء منفطر به): منشق كان وعده مفعولا. (إن هذه): الايات الموعدة تذكرة: عظة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا)


(1) - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (2) - القمي 2: 393. (*)

[ 1369 ]

تقرب إليه بسلوك التقوى. (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار): لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله (علم أن لن تحصوه): أن لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات. قال: (يقول: متى يكون النصف والثلث) (1). (فتاب عليكم) بالترخيص في ترك القيام المقدر، ورفع التبعة فيه. (فاقرءوا ما تيسر من القران): فصلوا بما تيسر عليكم من القراءة. قال: (ما تيسر منه لكم، فيه خشوع القلب وصفاء السر) (2). قال: (وكان الرجل يقوم ولا يدري متى ينتصف الليل، ومتى يكون الثلثان، وكان الرجل يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظه. فأنزل الله: (إن ربك يعلم - إلى قوله: لن تحصوه)، ثم نسخت بهذه الاية: (فاقرءوا ما تيسر من القرآن). قال: واعلموا أنه لم يأت نبي قط إلا خلا بصلاة الليل، ولا جاء نبي قط بصلاة الليل في أول الليل) (3). (علم أن سيكون منكم مرضى). استئناف يبين حكمة أخرى مقتضية للترخيص والتخفيف. (واخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله): يسافرون للتجارة (واخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا) يريد به سائر الأنفاقات في سبيل الخير. القمي: هو غير الزكاة (4). (وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا) أي: تجدوه خيرا، والضمير للفصل والعماد. (وأعظم أجرا واستغفروا الله) في مجامع أحوالكم، فإنكم لاتخلون من تفريط (إن الله غفور رحيم).


(1) - القمي 2: 392، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 382، عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. (3) - القمي 2: 392، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - القمي 2: 393. (*)

[ 1370 ]

سورة المدثر [ مكية، وهي ست وخمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها المدثر) أي: المتدثر، وهو لابس الدثار. القمي: تدثر رسول الله صلى الله عليه وآله عليها السلام فالمدثر يعني المدثر بثوبه. (2) (قم فأنذر). (وربك فكبر) صفه بالكبرياء عقدا وقولا. روي: (إنه لما نزلت، كبر وأيقن أنه الوحي، وذلك أن الشيطان لا يأمر بذلك) (3). وروي: (إنه كان ذلك في أوائل بعثته) (4). (وثيابك فطهر) قال: (أي: فشمر) (6). وقال: (ارفعها ولا تجرها) (7). وفي رواية:


(3) - ما بين المعقوفتين من (ب). (4) - القمي 2: 393. (5) - البيضاوي 5: 158. (6) - الكشاف 4: 181، البيضاوي 5: 158، جامع البيان (للطبري) 29: 90. (7) - الكافي 6: 455، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، الخصال 2: 623، قطعة من حديث: 10، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (8) - الكافي 6: 456، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1371 ]

(وكانت ثيابة طاهرة، وإنما أمره بالتشمير) (3). وفي أخرى: (تشمير الثياب: طهورها) (4). وفي أخرى: (معناه: وثيابك فقصر) (5). (والرجز فاهجر). القمي: الرجز: الخبيث (6). (ولا تمنن تستكثر) قال: (لا تعط العطية تلتمس أكثر منها) (7). وفي رواية: (لا تستكثر ما عملت من خير لله) (8). (ولربك فاصبر) على مشاق التكاليف وأذى المشركين. (فإذا نقر في الناقور): فإذا نفخ في الصور. (فذلك يومئذ يوم عسير). (على الكافرين غير يسير). (ذرني ومن خلقت وحيدا). (وجعلت له مالا ممدودا). (وبنين شهودا) قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة (9) - عم أبي جهل - فإنه كان يلقب بالوحيد، سماه الله به تهكما (10). القمي: وإنما سمي وحيدا لأنه قال لقريش: أنا أتوحد بكسوة البيت سنة، وعليكم في جماعتكم سنة، وكان له مال كثير وحدائق، وعشر بنين بمكة وعشرة عبيد، عند كل ألف


(1) - الكافي 6: 456، الحديث: 4، عن أبي الحسن عليه السلام. 2 و 3 - مجمع البيان 9 - 10: 385، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 393. (5) - المصدر، في رواية أبي الجارود. (6) - الكافي 2: 499، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (7) - مرت ترجمته في ذيل الاية: 6 من سورة القلم. (8) - الكشاف 4: 182، البيضاوي 5: 159. (*)

[ 1372 ]

دينار يتجر بها (1). وفي رواية: (إنما نزلت في عمر، في إنكاره الولاية) (2). وإنه إنما سمي وحيدا لأنه كان ولد زنا. وقال: (إن الوحيد من لا يعرف له أب) (3). (ومهدت له تمهيدا): وبسطت له في الرئاسة والجاه العريض، حتى لقب ريحانة قريش والوحيد. (ثم يطمع أن أزيد). (كلا إنه كان لاياتنا عنيدا). (سأرهقه صعودا): سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد. وروي: (إن الصعود جبل من النار، يصعد فيه سبعين خريفا، ثم يهوي فيه كذلك أبدا، فإذا وضع يده عليها ذابت وإذا رفعها عادت، وكذلك رجله) (4). (إنه فكر وقدر): فكر فيما تخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، وذلك بعد ما اقشعر جلده من سماعه، وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته. القمي: قال له أبو جهل، أخطب هو ؟ قال: لا، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا. قال: أفشعر هو ؟ قال: لا، أما أني لقد سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها، وما هو بشعر. قال: فما هو ؟ قال: دعني أفكر فيه. فلما كان من الغد قالوا له: ما تقول فيما قلناه ؟ قال: قولوا: هو سحر، فإنه آخذ بقلوب الناس، فنزلت (5). وروي: (إنه قال: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الأنس ولا من


(1) - القمي 2: 394. (2) - المصدر: 395، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 387، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكشاف 4: 182. (5) - القمي 2: 394. (*)

[ 1373 ]

كلام الجن، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة (1)، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى ! فقالت قريش: صبأ (2) والله وليد ! ليصبأن قريش. فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، وقعد إليه حزينا، وكلمه بما أحماه. فقام فأتاهم، فقال: تزعمون: أن محمدا مجنون ! فهل رأيتموه يخنق ؟ وتقولون: إنه كاهن ! فهل رأيتموه يتحدث بما يتحدث به الكهنة ؟ وتزعمون: أنه شاعر ! فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط ؟ وتزعمون: أنه كذاب ! فهل جربتم عليه شيئا من الكذب ؟ فقالوا في ذلك كله: اللهم لا. قالوا له: فما هو ؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، وما يقوله سحر يؤثر عن أهل بابل، فتفرقوا متعجبين منه (5). (فقتل كيف قدر) تعجيب من تقديره. (ثم قتل كيف قدر) التكرير للمبالغة، و (ثم) للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى. ثم نظر في أمر القرآن مرة أخرى. (ثم عبس): قطب وجهه لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول (وبسر) اتباع لعبس. (ثم أدبر) عن الحق (واستكبر) عن اتباعه. (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر): يروى ويتعلم. (إن هذا إلا قول البشر). (سأصليه سقر). (وما أدراك ما سقر) تفخيم لشأنها. (لا تبقي ولا تذر): لا تبقي على شئ يلقى فيها، ولا تدعه حتى تهلكه.


(1) - الطلاوة: الحسن والقبول. الصحاح 6: 2414 (طلا). (2) - صبأ الرجل صبوءا: إذا خرج من دين إلى دين. الصحاح 1: 59 (صبأ). (3) - جوامع الجامع: 517، الكشاف 4: 183. (*)

[ 1374 ]

(لواحة للبشر): مسودة لأعالي الجلد. (عليها تسعة عشر) ملكا يلون أمرها. القمي: قال: لكل رجل تسعة عشر من الملائكة يعذبونه (1). (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة) ليخالفوا جنس المعذبين، فلايرقوا لهم ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله. روي: (إن أبا جهل لما سمع: (عليها تسعة عشر) قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فنزلت) (2). (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا): وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم، وهو التسعة عشر. قيل: افتتانهم به استقلالهم له واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين (3). (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب): ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وصدق القرآن، لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم. قال: (يستيقنون أن الله ورسوله ووصيه حق) (6). (ويزداد الذين امنوا إيمانا) بتصديق أهل الكتاب له (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) أي: في ذلك، وهو تأكيد للاستيقان، وزيادة الأيمان، ونفي لما يعرض المتيقن حيثما عراه شبهة. (وليقول الذين في قلوبهم مرض): شك أو نفاق (والكافرون:) الجازمون في التكذيب (ماذا أراد الله بهذا مثلا) أي شئ أراد بهذا


(1) - القمي 2: 395. (2) - الكشاف 4: 184، البيضاوي 5: 160. (3) البيضاوي 5: 160. (4) - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1375 ]

العدد المستغرب استغراب المثل ؟ (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك): أصناف خلقه على ما هي عليه: (إلا هو وماهي) قيل: وما سقر، أو السورة (1). وورد: (يعني ولاية علي) (2). (إلا ذكرى للبشر): إلا تذكرة لهم. (كلا) ردع لمن أنكرها، أو إنكار لأن يتذكروا بها. (والقمر). (والليل إذ أدبر). (والصبح إذا أسفر): أضاء. (إنها لاحدى الكبر): لأحدى البلايا الكبر. قال: (الولاية) (3). (نذيرا للبشر): إنذارا لهم أو منذرة. (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر): ليتقدم إلى الخير أو يتأخر عنه. قال: (من تقدم إلى ولايتنا أخر عن سقر، ومن تأخر عنها تقدم إلى سقر) (3). (كل نفس بما كسبت رهينة): مرهونة عند الله. (إلا أصحاب اليمين) فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم. قال: (هم والله شيعتنا) (4). (في جنات يتساءلون): يسأل بعضهم بعضا. (عن المجرمين). (ما سلككم في سقر) حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين. (قالوا لم نك من المصلين) يعني: (الصلاة المفروضة). كذا ورد (5). وفي رواية: (عنى لم نك من أتباع الأئمة الذين قال الله فيهم: (والسابقون السابقو ن)


(1) - البيضاوي 5: 161. 2 و 3 و 4 و 5 - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (6) - نهج البلاغة 316، الخطبة: 199، بالمضمون. (*) (*)

[ 1376 ]

أولئك المقربون) (1). قال: أما ترى الناس يسمون الذي يلي السابق في الحلبة (2) الذي عنى، حيث قال: (لم نك من المصلين)، أي: لم نك من أتباع السابقين) (3) وفي أخرى: (يعني أنا لم نتول وصي محمد والأوصياء من بعده، ولم نصل عليهم) (4). (ولم نك نطعم المسكين): ما يجب إعطاؤه. القمي: حقوق آل محمد صلى الله عليه وآله من الخمس (5). (وكنا نخوض مع الخائضين): نشرع في الباطل مع الشارعين فيه. (وكنا نكذب بيوم الدين) أي: وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة. وتأخيره لتعظيمه. (حتى أتانا اليقين): الموت. (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) لو شفعوا لهم جميعا. (فما لهم عن التذكرة معرضين) قال: (أي: عن الولاية معرضين) (8). (كأنهم حمر مستنفرة). (فرت من قسورة). شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة فرت من أسد. (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) قال: (وذلك انهم قالوا يا محمد ! قد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح وذنبه مكتوب عند رأسه وكفارته، فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: يسألك قومك سنة بني


(1) - الواقعة (56): 10 - 11. (2) - الحلبة: خيل تجمع للسباق من كل أوب، لا تخرج من اصطبل واحد. الصحاح 1: 115 (حلب). (3) - الكافي 1: 419، الحديث: 38، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (5) - القمي 2: 395. (6) - الكافي 1: 434، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1377 ]

إسرائيل في الذنوب، فإن شاؤوا فعلنا ذلك بهم، وأخذناهم بما كنا نأخذ به بني إسرائيل فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله كره ذلك لقومه) (1). (كلا) ردع عن اقتراحهم. بل لا يخافون الاخرة فلذلك أعرضوا عن التذكرة. (كلا) ردع عن إعراضهم. (إنه تذكرة). (فمن شاء ذكره). (وما يذكرون إلا أن يشاء الله) هو أهل التقوى وأهل المغفرة. قال: (قال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى، ولا يشرك بي عبدي شيئا، وأنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله الجنة) (2).


(1) - القمي 2: 396، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - التوحيد: 20، الباب: 1، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1378 ]

سورة القيامة [ مكية، وهي أربعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بيوم القيامة) القمي: يعني أقسم (2). (ولا أقسم بالنفس اللوامة): التي تلوم نفسها أبدا وإن اجتهدت في الطاعة. (أيحسب الأنسان ألن نجمع عظامه) بعد تفرقها. قيل: نزل في عدي بن ربيعة، سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن أمر القيامة، فأخبره به، فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك، أو يجمع الله هذه العظام (3). (بلى): نجمعها (قادرين على أن نسوي بنانه) بجمع سلامياته (4) وضم بعضها إلى بعض، كما كانت مع صغرها ولطافتها، فكيف بكبار العظام. (بل يريد الأنسان ليفجر أمامه): ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 396. (3) - البيضاوي 5: 162. (4) - السلاميات: عظام الأصابع. الصحاح 5: 1951 (سلم). (*)

[ 1379 ]

القمي: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، ويقول: سوف أتوب (3). (يسأل أيان يوم القيامة): متى يكون ؟ استبعادا واستهزاء. (فإذا برق البصر): تحير فزعا. القمي: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف (4). (وخسف القمر): ذهب ضوؤه. (وجمع الشمس والقمر). ورد: إنه سئل: متى يكون هذا الأمر ؟ فقال: (إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، واجتمع الشمس والقمر، واستدار بهما الكواكب والنجوم. فقيل: متى ؟ فقال: في سنة كذا وكذا تخرج دابة الأرض من بين الصفا والمروة، معه عصا موسى وخاتم سليمان يسوق الناس إلى المحشر) (5). وقيل: أريد بهذه الايات ظهور أمارات الموت (6). (يقول الأنسان يومئذ أين المفر): يقوله قول الايس من وجدانه المتمني. (كلا) ردع عن طلب المفر (لا وزر): لا ملجأ. (إلى ربك يومئذ المستقر): إليه وحده، وإلى حكمه ومشيئته موضع القرار. (ينبؤا الأنسان يومئذ بما قدم وأخر) قال: (بما قدم من خير وشر وما أخر، فما سن من سنة ليستن بها من بعده، فإن كان شرا كان عليه مثل وزرهم ولا ينقص من وزرهم شيئا، وإن كان خيرا كان له مثل أجورهم ولا ينقص من أجورهم شيئا) (7). (بل الأنسان على نفسه بصيرة): حجة بينة على أعمالها، لأنه شاهد بها أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إلى الأنباء. (ولو ألقى معاذيره): ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به. القمي: يعلم ما صنع وإن اعتذر.


(1) - القمي 2: 396. (2) - القمي 2: 396. (3) - الغيبة: 266، ذيل الحديث: 228، عن المهدي عليه السلام. (4) - البيضاوي 5: 162، تفسير الكبير 30: 219. (5) - القمي 2: 397، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1380 ]

وورد: (ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويستر سيئا، أليس إذا راجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك، والله عز وجل يقول: (بل الأنسان على نفسه بصيرة) إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية) (1). وفي رواية: إنه تلا هذه الاية فقال: (ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس) (2). (لا تحرك به لسانك لتعجل به): لا تحرك يا محمد بالقرآن لسانك قبل أن يتم وحيه لتأخذه على عجلة، مخافة أن ينفلت منك. روي: (إنه إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه، لحبه إياه وحرصه على أخذه وضبطه مخافة أن ينساه، فنهاه الله عن ذلك) (3). (إن علينا جمعه) في صدرك وقرانه: وإثبات قراءته في لسانك، وهي تعليل للنهي. (فإذا قرأناه) بلسان جبرئيل عليك فاتبع قرانه: قراءته بتكراره، حتى تقرر في ذهنك. روي: (فكان النبي صلى الله عليه وآله بعد هذا إذا نزل عليه جبرئيل أطرق، فإذا ذهب قرأ) (6). (ثم إن علينا بيانه): بيان ما أشكل عليك من معانيه. (كلا) لعله ردع عن إلقاء الأنسان المعاذير مع أنه على نفسه بصيرة، وما بينهما اعتراض. (بل تحبون العاجلة): الدنيا. (وتذرون الاخرة).


(1) - الكافي 2: 295، الحديث: 11، مجمع البيان 9 - 10: 396، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المصدر: 296، الحديث: 15، مجمع البيان 9 - 10: 396، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيهما: (ما يصنع الأنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه). (3) - التبيان 10: 195، مجمع البيان 9 - 10: 397، جامع البيان (للطبري) 19: 117. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 397. (*)

[ 1381 ]

(وجوه يومئذ ناضرة) قال: (يعني مشرقة) (1). (إلى ربها ناظرة) قال: (ينتظر ثواب ربها) (2). ورد: (ينتهي أولياء الله بعد ما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه ويشربون منه، فتبيض وجوههم إشراقا، فيذهب عنهم كل قذى ووعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة. فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم. قال: فذلك قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) وإنما يعني بالنظر إليه النظر إلى ثوابه تبارك وتعالى) (5). قال: (والناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة. ألم تسمع إلى قوله: (فناظرة بم يرجع المرسلون) أي: منتظرة) (4). (ووجوه يومئذ باسرة) شديدة العبوس. (تظن أن يفعل بها فاقرة) داهية تكسر الفقار. (كلا) ردع عن إيثار الدنيا على الاخرة. (إذا بلغت التراقي) القمي: يعني النفس إذا بلغت الترقوة (5). (وقيل من راق) يقال له: من يرقيك ؟ قال: (ذلك ابن آدم إذا حل به الموت، قال: هل من طبيب ؟) (6). (وظن أنه الفراق): علم أنه الذي نزل به فراق الدنيا ومحابها. قال: (أيقن بمفارقة الأحبة) (7). (والتفت الساق بالساق): إلتوت شدة فراق الدنيا بشدة خوف الاخرة. قال:


1 و 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 115، الباب: 11، الحديث: 2. (3) - التوحيد: 262، الباب: 36، قطعة من حديث: 5، الاحتجاج 1: 361، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - الاحتجاج 1: 362، عن أمير المؤمنين عليه السلام. والاية في سورة النمل (27): 35. (5) - القمي 2: 397. (6) و 7 - الكافي 3: 259، الحديث: 32، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1382 ]

(إلتفت الدنيا بالاخرة) (1). (إلى ربك يومئذ المساق) قال: (المصير إلى رب العالمين) (2). (فلا صدق) بما يجب تصديقه ولا صلى ما فرض عليه. (ولكن كذب وتولى) عن الطاعة. (ثم ذهب إلى أهله يتمطى): يتبختر، افتخارا بذلك. (أولى لك فأولى) قال: (يقول الله عز وجل بعدا لك من خير الدنيا وبعدا لك من خير الاخرة) (3). (ثم أولى لك فأولى). (أيحسب الأنسان أن يترك سدى): مهملا. القمي: لا يحاسب ولا يعذب ولا يسأل عن شئ (4). (ألم يك نطفة من مني يمنى). (ثم كان علقة فخلق فسوى): فقدره فعدله. (فجعل منه الزوجين): الصنفين الذكر والأنثى. (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى). ورد: (إنه إذا قرأ هذه السورة قال عند فراغها: سبحانك اللهم بلى) (5).


1 و 2 - الكافي 3: 259، الحديث: 32، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 54، الباب: 31، الحديث: 205، عن أبي جعفر الجواد عليه السلام. (4) - القمي 2: 397. (5) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 183، الباب: 41، الحديث: 5، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 402، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (*)

[ 1383 ]

سورة الدهر (1) [ مدنية، وهي إحدى وثلاثون آية ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتى على الأنسان) استفهام تقرير وتقريب، ولذلك فسر بقد. (حين من الدهر): طائفة من الزمان (لم يكن شيئا مذكورا) قال: (كان مقدورا غير مذكور) (3). وفي رواية: (كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق) (4). (إنا خلقنا الأنسان من نطفة أمشاج): أخلاط. قال: (ماء الرجل والمرأة اختلطا جميعا) (7). (نبتليه): نختبره (فجعلناه سميعا بصيرا) ليتمكن من استماع الايات ومشاهدة الدلائل. (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) قال: (عرفناه، إما آخذا وإما تاركا) (8)


(1) - في (ج): (سورة الأنسان). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - الكافي 1: 147، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 406، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (5) - القمي 2: 398، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - الكافي 1: 163، الحديث: 3، التوحيد: 411، الباب: 64، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1384 ]

وفي رواية: (إما آخذ فشاكر، وإما تارك فكافر) (3). (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل) بها يقادون وأغلالا بها يقيدون وسعيرا بها يحرقون. (إن الأبرار يشربون من كأس): من خمر (كان مزاجها): ما يمزج بها كافورا لبرده (عينا يشرب بها) القمي: أي: منها (4). (عباد الله يفجرونها تفجيرا يجرونها) حيث شاؤوا، إجراء سهلا. قال: (هي عين في دار النبي صلى الله عليه وآله، يفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين) (5). (يوفون بالنذر) بيان لما رزقوه لأجله، وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات، لأن من وفى بما أوجبه على نفسه كان أوفى بما أوجبه الله عليه. (ويخافون يوما كان شره مستطيرا): شدائده فاشيا منتشرا غاية الانتشار. قال: (كلوحا عابسا) (6). (ويطعمون الطعام على حبه): حب الطعام. قال: (يقول على شهوتهم للطعام وإيثارهم له) (7). (مسكينا) قال: (من مساكين المسلمين) (8). (ويتيما). قال: (من يتامى المسلمين) (9). (وأسيرا) قال: (من أسارى المشركين) (10). (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا). قال: (يقولون إذا أطعموهم ذلك. قال: والله ما قالوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في أنفسهم، فأخبر الله بإضمارهم يقولون: لا نريد جزاء تكافوننا به، ولا شكورا تثنون علينإ


(1) - القمي 2: 398، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - العرف: الريح طيبة أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة، القاموس المحيط 3: 178 (عرف). (3) - القمي 2: 398. (4) - الأمالي (للصدوق): 215، المجلس: 44، قطعة من حديث: 11، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (5) - إلى 9 - الأمالي (للصدوق): 215، المجلس: 44، قطعة من حديث: 11، عن أبي عبد الله عليهما السلام. (*)

[ 1385 ]

به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه) (1). (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا): يعبس فيه الوجوه قمطريرا: شديد العبوس. في المجمع: قد روى الخاص والعام: (إن الايات من هذه السورة، وهي قوله: (إن الأبرار يشربون) إلى قوله: (وكان سعيكم مشكورا) نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجارية لهم تسمى فضة. والقصة طويلة، جملتها: إنه مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما ووجوه العرب، وقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا ! فنذر صوم ثلاثة أيام إن شفاهما الله سبحانه، ونذرت فاطمة عليها السلام، وكذلك فضة، فبرءا وليس عندهم شئ، فاستقرض علي عليه السلام ثلاثة أصوع من شعير من يهودي - وروي: أنه أخذها ليغزل له صوفا - وجاء به إلى فاطمة، فطحنت صاعا منها فاختبزته، وصلى علي عليه السلام المغرب وقربته إليهم، فأتاهم مسكين يدعو لهم، وسألهم فأعطوه، ولم يذوقوا إلا الماء. فلما كان اليوم الثاني أخذت صاعا فطحنته واختبزته، وقدمته إلى علي عليه السلام، فإذا يتيم بالباب يستطعم، فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء. فلما كان اليوم الثالث عمدت إلى الباقي فطحنته واختبزته، وقدمته إلى علي عليه السلام، فإذا أسير بالباب يستطعم، فأعطوه ولم يذوقوا إلا الماء. فلما كان اليوم الرابع - وقد قضوا نذورهم - أتى علي ومعه الحسن والحسين عليهم السلام إ أقول: وردت هذه القصة بأنحاء أخر (3)، اختلافها لا يؤثر في المعنى المطلوب منها،


(1) الامالي (للصدوق): 215، المجلس: 44، قطعة من حديث 11، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهم السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 404، الكشاف 4: 197، البيضاوي 5: 165، تفسير الكبير 30: 244، روح المعاني 29: 157. (3) - الأمالي (للصدوق): 212، المجلس: 44، الحديث: 11، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام، المناقب 3: 373، عن أبي جعفر عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 404، عن ابن عباس. (*)

[ 1386 ]

والمذكور أشهر. (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا) قال: (نضرة في الوجوه، وسرورا في القلوب) (1). (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) قال: (جنة يسكنونها، وحريرا يفترشونه ويلبسونه) (2). (متكئين فيها على الأرائك) قال: (الأريكة: السرير عليه الحجلة) (3). (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) قيل: يعني إنه يمر عليهم هواء معتدل، لا حار محمي ولا بارد مؤذي (4). (ودانية عليهم ظلالها): قريبة منهم (وذللت قطوفها تذليلا): سهل التناول. قال: (من قربها منهم، يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ) (5). (ويطاف عليهم بانية من فضة وأكواب) القمي: الأكواب: الأكواز العظام التي لا إذان لها ولا عرى (8). (كانت قواريرا). (قواريرا من فضة) أي: تكون جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها، وبياض الفضة ولينها. قال: (ينفذ البصر في فضة الجنة كما ينفذ في الزجاج) (9). (قدروها تقديرا) قيل: أي: قدروها في أنفسهم، فجاءت مقاديرها وأشكالها كما


1 و 2 و 3 - الأمالي (للصدوق): 215 - 216، المجلس: 44، قطعة من حديث: 11، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (4) - البيضاوي 5: 165. (5) - الكافي 8: 99، قطعة من حديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) - القمي 2: 399. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 410، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1387 ]

تمنوه (1). والقمي: يقول: صنعت لهم على قدر رتبتهم، لا تحجر فيها ولا فضل (2). (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا): ما يشبه الزنجيل في الطعم. قيل: كانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به (3). (عينا فيها تسمى سلسبيلا) قيل: لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، على أن تكون الباء زائدة. والمراد به: أن ينفى عنها لذع الزنجبيل (4). قال النبي صلى الله عليه وآله: (أعطاني الله خمسا وأعطى عليا خمسا. أعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل) (5). (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) قيل: أي: دائمون (6). والقمي: مسورون (7). (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا) من صفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض. (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) قال: (لا يزول ولا يفنى) (8). وفي رواية: (يعني بذلك ولي الله، وما هو فيه من الكرامة والنعيم والملك العظيم، وإن الملائكة من رسل الله ليستأذنون عليه، فلا يدخلون عليه إلا باذنه) (9). (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق): يعلوهم ثياب الحرير الخضر، ما رق منها


(1) - البيضاوي 5: 165. (2) - القمي 2: 399. 3 و 4 - البيضاوي 5: 165. (5) - الخصال 1: 293، الحديث: 57، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) - البيضاوي 5: 165. (7) - القمي 2: 399. (8) - مجمع البيان 9 - 10: 411، عن أبي عبد الله عليه السلام. (9) - الكافي 8: 98، ذيل الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، القمي 2: 248، ذيل الاية: 20، من سورة الزمر، عن أبي جعفر، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلوات الله عليهم. (9) - مجمع البيان 9 - 10: 411، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1388 ]

وما غلظ. قال: (يعلوهم الثياب فيلبسونها) (1). (وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا). قال: (وعلى باب الجنة شجرة، إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس، وعن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية. قال: فيسقون منها شربة، فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد، ويسقط عن أبشارهم الشعر، وذلك قول الله عزوجل (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) (2). وفي رواية: (يطهرهم عن كل شئ سوى الله) (3). (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا): غير مضيع. (إنا نحن نزلنا عليك القران تنزيلا): مفرقا منجما. قال: (بولاية علي عليه السلام) (4). (فاصبر لحكم ربك) بتأخير نصرتك على الأعداء (ولا تطع منهم اثما أو كفورا). (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) القمي: بالغداة ونصف النهار (5). (ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا). سئل: وما ذلك التسبيح ؟ قال: (صلاة الليل) (6). (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا). (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم): وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. القمي: أي:


(3) - الكافي 8: 96، ذيل الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 411، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 1: 435، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (6) - القمي 2: 399. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 413، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1389 ]

خلقهم (1). (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) في الدنيا والاخرة. (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا: تقرب إليه بالطاعة. قال: (الولاية) (2). (وماتشاءون إلا أن يشاء الله). سئل عن المفوضة، قال: (كذبوا: بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله عز وجل، فإذا شاء شئنا، ثم تلا هذه الاية (3). (إن الله كان عليما حكيما): لا يشاء إلا ما يقتضيه علمه وحكمته. (يدخل من يشاء في رحمته) بالهداية والتوفيق للطاعة. قال: (في ولايتنا) (4). (والظالمين أعد لهم عذابا أليما).


(1) - القمي 2: 399. (2) - الكافي 1: 435، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (3) - الغيبة: 247، ذيل الحديث: 216، الخرائج والجرائح 1: 459، ذيل الحديث: 4، عن القائم عليه السلام. (4) - الكافي 1: 435، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1390 ]

سورة المرسلات [ مكية، وهي خمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والمرسلات عرفا). (فالعاصفات عصفا). (والناشرات نشرا). (فالفارقات فرقا). (فالملقيات ذكرا). عذرا أو نذرا: (أقسم بطوائف من الملائكة، أرسلهن الله بالمعروف من أوامره ونواهيه). كذا ورد عن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام (2). والقمي: (والمرسلات عرفا): آيات تتبع بعضها بعضا. (فالعاصفات عصفا): القبر. (والناشرات نشرا): نشر الأموات، (فالفارقات فرقا): الدابة. (فالملقيات ذكرا) الملائكة. (عذرا أو نذرا): أعذركم وأنذركم بما أقول، وهو قسم (3). أقول: كأنه أشار بذلك إلى الملائكة المرسلة بآيات الرجعة وأشراط الساعة، ولأثار


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - مجمع البيان 9 - 10: 415، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - القمي 2: 400. (*)

[ 1391 ]

التراب من القبور ونشر الأموات منها، وإخراج دابة الأرض، وفرق المؤمن من الكافر، وإلقاء الذكر في القلوب. (إنما توعدون لواقع) جواب القسم. ومعناه: أن الذي توعدونه من مجئ القيامة كائن لا محالة. (فإذا النجوم طمست). قال: (طموسها: ذهاب ضوئها) (1). (وإذا السماء فرجت) القمي: تنفرج وتنشق (2). (وإذا الجبال نسفت): جعلت كالرمل. والقمي: تقلع (3). (وإذا الرسل أقتت) قال: (بعثت في أوقات مختلفة) (4). أقول: يعني عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم. (لاي يوم أجلت): أخرت وضرب لهم الأجل، وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله. (ليوم الفصل) بيان ليوم التأجيل. (وما أدراك ما يوم الفصل). (ويل يومئذ للمكذبين) قيل: أي: بذلك (5). قال: (بما أوحيت إليك من ولاية علي عليه السلام) (6). (ألم نهلك الأولين) قال: (الذين كذبوا الرسل في طاعة الأوصياء) (7). (ثم نتبعهم الاخرين). (كذلك نفعل بالمجرمين) قال: (من أجرم إلى آل محمد صلى الله عليه وآله، وركب من وصيه مإ


(1) - القمي 2: 400، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 و 3 - القمي 2: 400. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 415، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - البيضاوي 5: 167. (6) - الكافي 1: 435، الحديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (7) - الكافي 1: 435، الحديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1392 ]

ركب) (1). (ويل يومئذ للمكذبين) تأكيد. (ألم نخلقكم من ماء مهين): من نطفة قذرة ذليلة. (فجعلناه في قرار مكين): في الرحم. (إلى قدر معلوم): إلى مقدار معين من الوقت، قدره الله للولادة. (فقدرنا) على ذلك (فنعم) القادرون نحن. (ويل يومئذ للمكذبين) بقدرتنا. (ألم نجعل الأرض كفاتا). (أحياء وأمواتا). ورد: (إنه نظر إلى المقابر فقال: هذه كفات الأموات، أي: مساكنهم. ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الأحياء، ثم تلا هذه الاية) (2). وفي رواية: (دفن الشعر والظفر) (3). (وجعلنا فيها رواسي شامخات) القمي: جبالا مرتفعة (4). (وأسقيناكم ماء فراتا): عذبا، بخلق الأنهار والمنابع فيها. (ويل يومئذ للمكذبين) بأمثال هذه النعم. (إنطلقوا) أي: يقال لهم: إنطلقوا (إلى ما كنتم به تكذبون) من العذاب. (إنطلقوا) خصوصا (إلى ظل ذي ثلاث شعب) قال: (من دخان النار. قال: فيحسبون أنها الجنة، ثم يدخلون النار أفواجا) (5).


(1) - الكافي 1: 435، الحديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (2) - معاني الأخبار: 342، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، القمي 2: 400، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - الكافي 6: 493، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، معاني الأخبار: 3 42، ذيل الحديث: 1. (4) - القمي 2: 400. (5) - القمي 2: 113، ذيل الاية: 24 من سورة الفرقان، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1393 ]

(لا ظليل ولا يغني من اللهب). (إنها ترمي بشرر كالقصر) في عظمها. القمي: شرر النار كالقصور والجبال (1). كأنه جمالت: جمع (جمال)، جمع جمع (جمل). صفر القمي: أي: سود (2). قيل: وذلك لأن سواد الأبل يضرب إلى الصفرة. والأول تشبيه في العظم، وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة (3). (ويل يومئذ للمكذبين). (هذا يوم لا ينطقون) من فرط الحيرة والدهشة، يعني: (في بعض مواقفه). كما ورد (4). (ولا يؤذن لهم فيعتذرون). عطف على (يؤذن) ليس بجواب له، ليوهم أن لهم عذرا. قال: (الله أجل وأعدل وأعظم من أن يكون لعبده عذر لا يدعه يعتذر به، ولكنه فلج فلم يكن له عذر) (5). (ويل يومئذ للمكذبين). (هذا يوم الفصل) بين المحق والمبطل جمعناكم والأولين. (فإن كان لكم كيد فكيدون). تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا، وإظهار لعجزهم يومئذ. (ويل يومئذ للمكذبين) إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب. (إن المتقين في ظلال وعيون).


1 و 2 - القمي 2: 400. (3) - البيضاوي 5: 168. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 418، عن قتادة، عن عكرمة. (5) - الكافي 8: 178، الحديث: 200، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1394 ]

(وفواكه مما يشتهون): مستقرون في أنواع الطرفة. القمي: في ظلال من نور أنور من الشمس (1). قال: (نحن والله وشيعتنا، ليس على ملة إبراهيم غيرنا، وسائر الناس منها برآء) (2). (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون). (إنا كذلك نجزي المحسنين). (ويل يومئذ للمكذبين). (كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون) يقال لهم ذلك تذكيرا بحالهم في الدنيا، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم. (ويل يومئذ للمكذبين) حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل. (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون). روي: (أنها نزلت في ثقيف حين أمروا بالصلاة، فقالوا: لا نحني - بالحاء المهملة والنون، أي: لا نعطف - ظهورنا) (3). وفي رواية: (لا نجبي - بالجيم والموحدة المشددة، أي: لا ننكب على وجوهنا - فإنها مسبة. قال: فقال: لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود) (4). (ويل يومئذ للمكذبين). (فبأي حديث بعده): بعد القرآن يؤمنون إذا لم يؤمنوا به.


(1) - القمي 2: 400. (2) - الكافي 1: 435، قطعة من حديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (3) - الكشاف 4: 205، مجمع البيان 9 - 10: 419. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 419، الكشاف 4: 205، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1395 ]

سورة النبأ [ مكية، وهي أربعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (عم يتساءلون): عما يسأل بعضهم بعضا. (عن النباء العظيم). (الذي هم فيه مختلفون) قيل: كانوا يتساءلون عن البعث (2). وورد: (النبأ العظيم: الولاية) (3). وفي رواية: (هي في أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: ما لله عز وجل آية هي أكبر مني، ولا لله نبأ أعظم مني) (6). (كلا سيعلمون) ردع عن التساؤل ووعيد عليه. (ثم كلا سيعلمون). كرر للمبالغة، و (ثم) للأشعار بأن الوعيد الثاني أشد. (ألم نجعل الأرض مهادا) للناس.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكشاف 4: 206، البيضاوي 5: 169. (3) - الكافي 1: 418، الحديث: 34، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 207، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1396 ]

(والجبال أوتادا). للأرض. (وخلقناكم أزواجا): ذكرا وأنثى. (وجعلنا نومكم سباتا) قطعا عن الاحساس والحركة، استراحة للقوى. (وجعلنا الليل لباسا): غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء. والقمي: يلبس على النهار (1). (وجعلنا النهار معاشا): وقت معاش تتقلبون فيه، لتحصيل ما تعيشون به. (وبنينا فوقكم سبعا شدادا): سبع سماوات أقوياء محكمات، لا يؤثر فيها مرور الدهر. (وجعلنا سراجا وهاجا): متلألئا وقادا، يعني الشمس. (وأنزلنا من المعصرات): السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر. ماء ثجاجا: منصبا بكثرة. (لنخرج به حبا ونباتا) ما يقتات به، وما يعتلف من التبن (2) والحشيش. (وجنات ألفافا): ملتفة بعضها ببعض. (إن يوم الفصل كان ميقاتا): حدا يوقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حدا للخلائق ينتهون إليه. (يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا): جماعات من القبور إلى المحشر. روي أنه سئل عنه فقال: (تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا، قد ميزهم الله من المسلمين وبدل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكوسون أرجلهم من فوق ووجوههم من تحت ثم يسحبون عليها، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم، تسيل القيح من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلوبون


(1) - القمي 2: 401. (2) - التبن: عصيفة الزرع من البر ونحوه، واحدته: تبنة. لسان العرب 13: 71 (تبن). (*)

[ 1397 ]

على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم. ثم فسرهم بالقتات (1)، وأهل السحت، وأكلة الربا، والجائرين في الحكم، والمعجبين بأعمالهم، والعلماء والقضاة الذين خالف أعمالهم أقوالهم، والمؤذين جير انهم، والساعين بالناس إلى السلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله، والمتكبرين من الخيلاء) (2). (وفتحت السماء فكانت أبوابا) قيل: شقت شقوقا (3). والقمي: انفتح أبواب الجنان (4). (وسيرت الجبال فكانت سرابا) القمي: تسير الجبال مثل السراب الذي يلمع في المفازة (5). (إن جهنم كانت مرصادا): موضع رصد. (للطاغين مابا): مرجعا ومأوى. (لابثين فيها أحقابا): دهورا متتابعة. ورد: (الأحقاب ثمانية أحقاب، والحقب ثمانون سنة، والسنة ثلثمائة وستون يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون) (6). وورد غير ذلك (7). (لا يذوقون فيها بردا) قيل: البرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار (8). والقمي: البرد النوم (9). (ولا شرابا).


(1) - القتات: النمام المزور، من قت الحديث: نمه وأشاعه بين الناس. مجمع البحرين 2: 214 (قتت). (2) - مجمع البيان 9 - 10: 423، الكشاف 4: 208، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 19: 175، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - التبيان 10: 243، البيضاوي 5: 169. 4 و 5 - القمي 2: 401. (6) - معاني الأخبار: 220، باب معنى الأحقاب، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (الحقبة ثمانون سنة). (7) - القمي 2: 402، مجمع البيان 9 - 10: 424، بحار الأنوار 8: 276. (8) - الكشاف 4: 209، البيضاوي 5: 170. (9) - القمي 2: 402. (*)

[ 1398 ]

(إلا حميما وغساقا). مضى تفسيره في ص (1). (جزاء وفاقا): موافقا لأعمالهم وعقائدهم. (إنهم كانوا لا يرجون حسابا). (وكذبوا باياتنا كذابا): تكذيبا. وفي قراءتهم عليهم السلام بالتخفيف (2)، بمعنى الكذب. كأنه أقيم مقام التكذيب، للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم. (وكل شئ أحصيناه كتابا) اعتراض. (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) لكفركم بالحساب وتكذيبكم بالايات، ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة. ورد: (هذه الاية أشد ما في القرآن على أهل النار) (3). (إن للمتقين مفازا) القمي: يفوزون (4). وورد: (هي الكرامات) (5). (حدائق وأعنابا). (وكواعب) قال: (أي: الفتيات الناهدات) (6). أترابا: على سن واحد. (وكأسا دهاقا): ممتلئة. (لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا). (جزاء من ربك عطاء حسابا). قال: (حسب لهم حسناتهم ثم أعطاهم، وبكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: (جزاء من ربك عطاء حسابا) (7).


(1) - ذيل الاية: 57. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 422، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - الكشاف 4: 210، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) - القمي 2: 402. 5 و 6 - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. ونهد ثدى الجارية: إذا أشرف وكعب، فهي ناهد وناهدة، وسمي الثدي (نهدا) لأرتفاعه. الصحاح 2: 545، مجمع البحرين 3: 152 (نهد). (7) - الأمالي (للشيخ الطوسي) 1: 25، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1399 ]

(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا): لا يملك أهل السماوات والأرض خطابه والاعتراض عليه في ثواب أو عقاب، لأنهم مملوكون له على الأطلاق. وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه. (يوم يقوم الروح والملائكة صفا) قال: (الروح أعظم من جبرئيل وميكائيل، كان مع رسول صلى الله عليه وآله وهو مع الأئمة عليهم السلام) (1). (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا). قال: (نحن والله المأذون لهم يوم القيامة، والقائلون صوابا. قيل: ما تقولون إذا تكلمتم ؟ قال: نمجد ربنا ونصلي على نبينا، ونشفع لشيعتنا، ولا يردنا ربنا) (2). (ذلك اليوم الحق): الكائن لا محالة (فمن شاء اتخذ إلى ربه مابا) بالأيمان والطاعة. (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) يعني عذاب الاخرة، وقربه لتحققه، فإن كل ما هو آت قريب، ولأن مبدأه الموت. (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه) من خير أو شر (ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا) في الدنيا، فلم أخلق، ولم اكلف، أوفي هذا اليوم فلم أبعث.


(1) - القمي 2: 27، ذيل الاية: 85 من سورة الأسراء، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - الكافي 1: 435، ذيل الحديث: 91، عن الكاظم عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 427، عن أبي عبد الله عليه السلام مع تفاوت يسير. (*)

[ 1400 ]

سورة النازعات [ مكية، وهي ست وخمسون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والنازعات غرقا). (والناشطات نشطا). (والسابحات سبحا). (فالسابقات سبقا). (فالمدبرات أمرا). هذه صفات ملائكة الموت. أقسم الله بهم على قيام الساعة، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه. (وهم الذين ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم بالشدة. (غرقا) أي: إغراقا في النزع كما يغرق النازع في القوس فيبلغ به غاية المد، وينشطون أرواحهم، أي: ينزعونها ما بين الجلد والأظفار حتى يخرجونها من أجوافهم بالكرب والغم، ويقبضون أرواح المؤمنين، يسلونها سلا رفيقا، ثم يدعونها حتى تستريح، كالسابح بالشئ في الماء يرمى به، فتسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وتدبر الملائكة أمر العباد


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 1401 ]

من السنة إلى السنة). كذا ورد (1). وفي رواية: (هو الموت تنزع النفوس) (2). (يوم ترجف الراجفة) القمي: تنشق الأرض بأهلها (3). (تتبعها الرادفة) القمي: الرادفة: الصيحة (4). (قلوب يومئذ واجفة): شديدة الاضطراب. (أبصارها خاشعة) أي: أبصار أهلها ذليلة من الخوف. (يقولون أإنا لمردودون في الحافرة): في الحالة الأولى، يعنون الحياة بعد الموت، من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي: طريقته التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيئته. قال: (يقول: في الخلق الجديد) (5). والقمي: قالت قريش: أنرجع بعد الموت (6) ؟ أ (إذا كنا عظاما نخرة): بالية. (قالوا تلك إذا كرة خاسرة): ذات خسران. والمعنى: أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون، لتكذيبنا بها. القمي: قالوا هذا على حد الاستهزاء (7). (فإنما هي زجرة واحدة) أي: لا تستصعبوها، فما هي إلا صيحة واحدة. القمي: الزجرة: النفخة الثانية في الصور (8). (فإذا هم بالساهرة): فإذا هم أحياء على وجه الأرض، بعد ما كانوا أمواتا في بطنها. قال: (الساهرة: الأرض. كانوا في القبور، فلما سمعوا الزجرة خرجوا من قبورهم فاستووا على الأرض) (8).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 429 - 430، الدر المنثور 8: 403، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 429، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - القمي 2: 403. (5) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - المصدر. 7 و 8 - القمي 2: 403. (9) - القمي 2: 403، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1402 ]

(هل أتاك حديث موسى): أليس قد أتاك حديثه فيسليك على تكذيب قومك، ويهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم. (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) مر بيانه في طه (1). (إذهب إلى فرعون إنه طغى). (فقل هل لك إلى أن تزكى): هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان. (وأهديك إلى ربك): وأرشدك إلى معرفته فتخشى بأداء الواجبات وترك المحرمات، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة، وهذا كالبيان لقوله: (فقولا له قولا لينا) (2). (فأراه الاية الكبرى) أي: ذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى. (فكذب وعصى). (ثم أدبر يسعى): أدبر عن الطاعة ساعيا في إبطال أمره. (فحشر فنادى فجمع) جنوده. (فقال أنا ربكم الاءعلى). (فأخذه الله نكال الاخرة والاءولى). القمي: النكال: العقوبة، والاخرة قوله: (أنا ربكم الأعلى)، والأولى قوله: (ما علمت لكم من إله غيري) (3) فأهلكه الله بهذين القولين (4). ورد: (كان بين الكلمتين أربعون سنة) (5). قال: (قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: قال جبرئيل: قلت: يا رب تدع فرعون وقد قال (أنا ربكم الأعلى) فقال: إنما يقول هذا مثلك من يخاف الفوت) (6).


(1) - ذيل الاية: 12. (2) - طه (20): 44. (3) - القصص (28): 38. (4) - القمي 2: 304. (5) - الخصال 2: 539، الحديث: 11، مجمع البيان 9 - 10: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - مجمع البيان 9 - 10: 432، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي الخصال 2: 539، الحديث: 11، عنه عليه السلام ما يقرب ذلك. (*)

[ 1403 ]

(إن في ذلك لعبرة لمن يخشى). (أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها). (رفع سمكها فسواها). (وأغطش ليلها): أظلمه وأخرج ضحاها: وأبرز ضوء شمسها. (والأرض بعد ذلك دحاها): بسطها ومهدها للسكنى. (أخرج منها ماءها) بتفجير العيون ومرعاها. (والجبال أرساها): أثبتها. (متاعا لكم ولانعامكم). (فإذا جاءت الطامة): الداهية التي تطم، أي: تعلو على سائر الدواهي الكبرى: التي هي أكبر الطامات. قال: (هي خروج دابة الأرض) (1). وجواب (إذا) محذوف، دل عليه ما بعده. (يوم يتذكر الأنسان ما سعى) بأن يراه مدونا في صحيفته، وكان قد نسيها من فرط الغفلة وطول المدة. القمي: يذكر ما عمله كله. (وبرزت الجحيم): وأظهرت لمن يرى: لكل راء، بحيث لا تخفى على أحد. (فأما من طغى) قال: (ضل على عمد بلا حجة) (2). (واثر الحياة الدنيا): فانهمك فيها، ولم يستعد للاخرة بالعبادة وتهذيب النفس. (فإن الجحيم هي المأوى): هي مأواه. (وأما من خاف مقام ربه): مقامه بين يدي ربه، لعلمه بالمبدأ والمعاد (ونهى النفس عن الهوى) لعلمه بأن الهوى يرديه. قال: (من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويفعل، ويعلم ما يعمله من خير أو شر،


(1) - كمال الدين 2: 527، الباب: 47، قطعة من حديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - الكافي 2: 394، قطعة من حديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1404 ]

فيحجزه ذلك، عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى) (1). (فإن الجنة هي المأوى): ليس له سواها مأوى. (يسألونك عن الساعة أيان مرساها): متى إرساؤها، أي: إقامتها وإثباتها. القمي: متى تقوم ؟ (فيم أنت من ذكراها): في أي شئ أنت من أن تذكر وقتها لهم ! أي: ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شئ، فإنه مما استأثره الله بعلمه. (إلى ربك منتهاها) أي: منتهى علمها. القمي: أي: علمها عند الله (2). (إنما أنت منذر من يخشاها). (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا) في الدنيا إلا عشية أو ضحاها أي: عشية يوم أو ضحاه، كقوله: إلا ساعة من نهار. ولذلك أضاف الضحى إلى العشية، لأنهما من يوم واحد. القمي: بعض يوم (3).


(1) - الكافي 1: 70، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 و 3 - القمي 2: 404. (*)

[ 1405 ]

سورة عبس [ مكية، وهي اثنتان وأربعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (عبس وتولى). (أن جاءه الأعمى). قال: (نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي صلى الله عليه وآله فجاء ابن أم مكتوم، فلما رآه تقذر منه وجمع نفسه، وعبس وأعرض بوجهه عنه. فحكى الله ذلك وأنكره عليه) (2). والقمي: نزلت في عثمان وابن أم مكتوم، وكان ابن أم مكتوم مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أعمى، وجاء إلى رسول صلى الله عليه وآله وعنده أصحابه وعثمان عنده، فقدمه رسول الله صلى الله عليه وآله على عثمان، فعبس عثمان وجهه وتولى عنه، فأنزل الله: (عبس وتولى) يعني عثمان (أن جاءه الأعمى) (3). (وما يدريك لعله يزكى القمي): أي: يكون طاهرا أزكى (4). (أو يذكر): أو يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله (فتنفعه الذكرى).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - مجمع البيان 9 - 10: 437، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - القمي 2: 405. (*)

[ 1406 ]

(أما من استغنى). (فأنت له تصدى). القمي: ثم خاطب عثمان، قال: أنت إذا جاءك غني تتصدى له وترفعه (1). (وما عليك ألا يزكى) أي: لا تبالي أزكيا كان أو غير زكي، إذا كان غنيا. (وأما من جاءك يسعى) يعني ابن أم مكتوم. (وهو يخشى). (فأنت عنه تلهى): تلهو ولا تلتفت إليه. أقول: وأما ما اشتهر من تنزيل هذه الايات في النبي صلى الله عليه وآله دون عثمان، فيأباه سياق هذه المعاتبات وما ذكر بعدها من الايات، كما لا يخفى على العارف برتبة النبوات وأساليب المخاطبات، ويشبه أن يكون من مختلقات أهل النفاق، خذلهم الله. (كلا) ردع عن المعاتب عليه ومعاودة مثله إنها تذكرة القمي: القرآن (2). (فمن شاء ذكره). (في صحف مكرمة). (مرفوعة عند الله مطهرة): منزهة عن أيدي الشياطين. (بأيدي سفرة). (كرام بررة) قيل: أي: كتبة من الملائكة (3). والقمي: بأيدي الأئمة عليهم السلام (4). ورد: (الحافظ للقرآن العامل به، مع السفرة الكرام البررة) (5). (قتل الانسان ما أكفره) دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في


(1) - القمي 2: 405. (2) - القمي 2: 405. (3) - التبيان 10: 272 عن ابن عباس، مجمع البيان 9 - 10: 438، عن ابن عباس ومن جاهد، البيضاوي 5: 174. (4) - القمي 2: 405. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 438، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*) قتل الأنسان ما أكفره دعاء عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في

[ 1407 ]

الكفران. قال: (أي: لعن الأنسان) (1). (من أي شئ خلقه) الاستفهام للتحقير. (من نطفة خلقه فقدره): فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال، أطوارا إلى أن تم خلقه. (ثم السبيل يسره) القمي: يسر له طريق الخير (2). (ثم أماته فأقبره). عدهما من النعم، لأن الأماتة وصلة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة، والقبر تكرمة وصيانة. (ثم إذا شاء أنشره). (كلا) ردع للأنسان عما هو عليه لما يقض ما أمره: لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأسره، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما. (فلينظر الأنسان إلى طعامه) إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية. وورد في تأويله: (طعامه: علمه الذي يأخذه، عمن يأخذه) (3). وبيانه في الصافي (4). (أنا صببنا الماء صبا). (ثم شققنا الأرض شقا). (فأنبتنا فيها حبا). (وعنبا وقضبا) يعني الرطبة. القمي: القت (5). (وزيتونا ونخلا).


(1) - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - القمي 2: 405. (3) - الكافي 1: 50، الحديث: 8، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الصافي 5: 287. (5) - القمي 2: 406. (*)

[ 1408 ]

(وحدائق غلبا): عظاما. وصفها به لتكاثفها وكثرة أشجارها. (وفاكهة وأبا): ومرعى. القمي: الحشيش للبهائم (1). (متاعا لكم ولانعامكم). قيل: إن أبا بكر سئل عنه فلم يعلمه، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سبحان الله ! أما علم أن الأب هو الكلأ والمرعى، وأن قوله:) وفاكهة وأبا (اعتداد من الله بإنعامه على خلقه فيما غذاهم به، وخلقه لهم ولأنعامهم، مما تحيى به أنفسهم وتقوم به أجسادهم (2). (فإذا جاءت الصاخة) أي: النفخة، وصفت بها مجازا، لأن الناس يصخون لها. (يوم يفر المرء من أخيه). (وأمه وأبيه). (وصاحبته وبنيه) وذلك لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم، وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة، كأنه قيل: يفر من أخيه، بل من أمه وأبيه، بل من صاحبته وبنيه. وفي رواية: (سئل من هم ؟ قال: قابيل يفر من هابيل، وموسى من أمه، وإبراهيم من الأب المربي لا الوالد، ولوط من صاحبته، ونوح من ابنه كنعان) (3). قيل: إنما يفر موسى من أمه خشية أن يكون قصر فيما وجب عليه من حقها (4). لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه: يشغله عن غيره. (وجوه يومئذ مسفرة): مضيئة بما ترى من النعم.


(1) - القمي 2: 406. (2) - الأرشاد (للمفيد): 107. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 245، الباب: 24، قطعة من حديث: 1، عنه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، والخصال 1: 318، قطعة من حديث: 102، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (4) - الخصال 1: 318، ذيل الحديث: 102. (*)

[ 1409 ]

(ضاحكة مستبشرة). (ووجوه يومئذ عليها غبرة): غبار وكدورة. (ترهقها قترة): يغشاها سواد وظلمة. (أولئك هم الكفرة الفجرة).

[ 1410 ]

سورة التكوير [ مكية، وهي تسع وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا الشمس كورت): لف ضوؤها فذهب انبساطه في الافاق. القمي: تصير سوداء مظلمة (2). (وإذا النجوم انكدرت): يذهب ضوؤها. (وإذا الجبال سيرت): تمر مر السحاب. (وإذا العشار) النوق التي أتت على حملهن عشرة أشهر عطلت فلا يكون من يحلبها. (وإذا الوحوش حشرت): جمعت من كل جانب أو بعثت. (وإذا البحار سجرت) القمي: يتحول كلها نيرانا (3). (وإذا النفوس زوجت). قال: (أما أهل الجنة فزوجوا الخيرات الحسان، وأما أهل النار فمع كل إنسان منهم شيطان، يعني قرنت نفوس الكافرين والمنافقين بالشياطين، فهم.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 - القمي 2: 407. (*)

[ 1411 ]

قرناؤهم) (1). (وإذا الموءودة سئلت). (بأي ذنب قتلت) يعني أن المدفونة حية سئلت عن سبب قتلها، تبكيتا لوائدها. القمي: كانت العرب يقتلون البنات للغيرة، فإذا كان يوم القيامة سئلت المؤودة بأي ذنب قتلت ؟ (2). وفي رواية: (يقول: أسألكم عن المودة التي أنزلت عليكم فضلها، مودة ذي القربى، بأي ذنب قتلتموهم ؟) (3). (وإذا الصحف نشرت) القمي: صحف الأعمال (4). (وإذا السماء كشطت): قلعت وأزيلت. (وإذا الجحيم سعرت): أوقدت إيقادا شديدا. (وإذا الجنة أزلفت): قربت من المؤمنين. (علمت نفس ما أحضرت) جواب (إذا). (فلا أقسم بالخنس) القمي: أي: أقسم بالخنس، وهو اسم النجوم (5). قيل: هي النجوم تخنس بالنهار وتبدو بالليل (6). ورد: (هي خمسة أنجم: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد) (7). أقول: ولهذا وصفت بالجوار، فإن هذه الخمسة هي السيارات الرواجع، ولهذا قيل: إن الخنس بمعنى الرواجع، من خنس: إذا تأخر (8).


(1) - القمي 2: 407، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - المقمي 2: 407. (3) - الكافي 1: 295، قطعة من حديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 407. (5) - القمي 2: 408. (6) - التبيان 10: 285، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 446، الجامع لأحكام القرآن (للطبري) 20: 236، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (8) - البيضاوي 5: 175. (*)

[ 1412 ]

(الجوار) أي: السيارات تجري في أفلاكها. (الكنس) قيل: المتواريات تحت ضوء الشمس (1). القمي: النجوم تكنس بالنهار فلا تبين (2). وورد: إنه سئل عنها. فقال: (إمام يخنس سنة ستين ومائتين، ثم يظهر كالشهاب يتوقد في الليلة الظلماء، وإن أدركت زمانه قرت عينك) (3). (والليل إذا عسعس) قال: (إذا أدبر بظلامه) (4). والقمي: إذا أظلم (5). (والصبح إذا تنفس) القمي: إذا ارتفع (6). قيل: عبر بالتنفس عن إقبال روح ونسيم (6). (إنه) أي: القرآن (لقول رسول كريم) يعني جبرئيل، فإنه قال عن الله. (ذي قوة عند ذي العرش مكين). (مطاع) في ملائكته (ثم أمين) على الوحي. روي: إن رسول صلى الله عليه وآله قال لجبرئيل: (ما أحسن ما أثنى عليك ربك) (ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين) (فما كانت قوتك، وما كانت أمانتك ؟ فقال: أما قوتي، فإني بعثت إلى مدائن لوط، وهي أربع مدائن في كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماوات أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهن فقلبتهن. وأما أمانتي، فإني لم أؤمر بشئ فعدوته إلى غيره) (7). وورد: (ذي قوة عند ذي العرش مكين (، يعني جبرئيل.) مطاع ثم أمين (يعني رسول


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 446، البيضاوي 5: 175 بالمضمون. (2) - القمي 2: 408. (3) - الكافي 1: 431، الحديث: 22، عن أبي جعفر عليه السلام، وفي كمال الدين 1: 33 0، الباب: 32، الحديث: 14، عنه عليه السلام ما يقرب منه. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 446، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 و 6 - القمي 2: 408. (7) - الكشاف 4: 224، البيضاوي 5: 175. (8) - مجمع البيان 9 - 10: 446، الدر المنثور 8: 433. (*)

[ 1413 ]

الله، هو المطاع عند ربه، الأمين يوم القيامة) (1). (وما صاحبكم بمجنون) قال: (يعني النبي صلى الله عليه وآله في نصبه أمير المؤمنين علما للناس) (2). أقول: هو رد لما بهته المنافقون. ولقد راه قيل: ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل عليه السلام (3). بالاءفق المبين سئل: ما الأفق المبين ؟ قال: (قاع بين يدي العرش، فيه أنهار تطرد، فيه من القدحان عدد النجوم) (4). (وما هو على الغيب بضنين) قال: (وما هو تبارك وتعالى على نبيه بغيبه بضنين عليه) (5). وقيل: وما محمد على تبليغ الوحي ببخيل، أو متهم إن قرأ بالظاء (6). وما هو بقول شيطان رجيم قال: (يعني الكهنة الذين كانوا في قريش، فنسب كلامهم إلى كلام الشياطين الذين كانوا معهم يتكلمون على ألسنتهم. فقال:) (وما هو بقول شيطان رجيم) (مثل أولئك) (7). (فأين تذهبون). (إن هو إلا ذكر للعالمين). (لمن شاء منكم أن يستقيم). (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين).


1 و 2 - القمي 2: 408، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - البيضاوي 5: 176. (4) - الخصال 2: 582، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 408، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - التبيان 10: 287، البيضاوي 5: 176. (7) - القمي 2: 408، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1414 ]

سورة الانفطار [ مكية، وهي تسع عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انفطرت): انشقت. (وإذا الكواكب انتثرت): تساقطت متفرقة. (وإذا البحار فجرت): فتح بعضها إلى بعض، فصار الكل بحرا واحدا. (وإذا القبور بعثرت): قلب ترابها وأخرج موتاها. قيل: إنه مركب من بعث وراء الأثارة (2). القمي: تنشق فتخرج الناس منها (3). (علمت نفس) جواب (إذا) (ما قدمت) من خير وشر (وأخرت) من سنة حسنة استن بها بعده، أو سنة سيئة. (يا أيها الأنسان ما غرك بربك الكريم): أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه. قيل: ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار، والأشعار بما به يغره الشيطان (4)


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 176. (3) - القمي 2: 409. (4) - البيضاوي 5: 176. (*)

[ 1415 ]

وقيل: بل هو تلقين للجواب، حتى يقول غرني كرمه (1). روي: (إن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا هذه الاية، قال: غره جهله) (2). (الذي خلقك فسواك): جعل أعضاءك مسواة معدة لمنافعها (فعدلك) قيل: أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت (3). وعلى قراءة التشديد أي: جعل بنيتك معتدلة متناسبة الأعضاء. (في أي صورة ما شاء ركبك) أي: ركبك في أي صورة شاء، و (ما) مزيدة. قال: (لو شاء ركبك على غير هذه الصورة) (4). (كلا) ردع عن الاغترار بكرم الله (بل تكذبون بالدين) بالجزاء، إضراب إلى ما هو السبب الأصلي للاغترار. (وإن عليكم لحافظين) قال: (الملكان الموكلان بالأنسان) (5). (كراما كاتبين): (يبادرون بكتابة الحسنات لكم ويتوانون بكتابة السيئات عليكم، لعلكم تتوبون وتستغفرون) كذا ورد (6). (يعلمون ما تفعلون). قال: (استعبدهم الله بذلك، وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبد يهم بمعصية فذكر مكانهم فارعوى وكف، فيقول: ربي يراني وحفظتي علي بذلك تشهد) (7).


(1) - الكشاف 4: 228. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 449، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 19: 245. (3) - الكشاف 4: 228، البيضاوي 5: 176. (4) - القمي 2: 409، مجمع البيان 9 - 10: 449، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 409. (6) - الكافي 2: 429، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (7) - الاحتجاج 2: 95، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1416 ]

(إن الأبرار لفي نعيم). (وإن الفجار لفي جحيم). (يصلونها يوم الدين). (وما هم عنها بغائبين) إذ يجدون سمومها في القبور. (وما أدراك ما يوم الدين). (ثم ما أدراك ما يوم الدين) تعجيب وتفخيم لشأن اليوم. (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) وحده. تقرير لشدة هوله وفخامة أمره. قال: (إذا كان يوم القيامة بادت الأحكام (3)، فلم يبق حاكم إلا الله تعالى). (2)


(1) - في المصدر: (الحكام). (2) - مجمع البيان 9 - 10: 450، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1417 ]

سورة المطففين [ مكية. وهي ست وثلاثون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ويل للمطففين) القمي: الذين يبخسون المكيال والميزان (2). ورد: (نزلت على نبي الله حين قدم المدينة، وهم يومئذ أسوأ الناس كيلا، فأحسنوا بعد عمل الكيل، فأما) الويل (فبلغنا - والله أعلم - أنها بئر في جهنم) (3). وورد: (وأنزل في الكيل:) ويل للمطففين (ولم يجعل الويل لأحد حتى يسميه كافرا، قال الله تعالى: (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم) (4) (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون): إذا اكتالوا من الناس حقوقهم، يأخذونها وافية. (وإذا كالوهم أو وزنوهم): إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم يخسرون.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 410. (3) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. والاية في سورة مريم (19): 37. (*)

[ 1418 ]

(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) قال: (أليس يوقنون أنهم مبعوثون ؟ !) (1). (ليوم عظيم) عظمه لعظم ما يكون فيه. (يوم يقوم الناس لرب العالمين): لحكمه. روي: (إنهم يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم) (2). وورد: (مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لرب العالمين مثل السهم في القراب (3) من الأرض إلا موضع قدمه، كالسهم في الكنانة، لا يقدر أن يزول ها هنا ولا ها هنا) (4). (كلا) ردع عن التطفيف، والغفلة عن البعث والحساب. (إن كتاب الفجار لفي سجين). (وما أدراك ما سجين). (كتاب مرقوم) القمي ن: ما كتب الله لهم من العذاب لفي سجين (5). ورد: (السجين: الأرض السابعة، وعليون: السماء السابعة) (6). وقال: (أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء، فتفتح لهم أبوابها، وأما الكافر فيصعد بعمله وروحه حتى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجين، وهو واد بحضرموت يقال له: برهوت) (7). وفي رواية: (هم الذين فجروا في حق الأئمة واعتدوا عليهم) (8). (ويل يومئذ للمكذبين). (الذين يكذبون بيوم الدين). (وما يكذب به إلا كل


(1) - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 19: 255، التفسير الكبير 31: 90 عن النبي صلى الله عليه وآله، مجمع البيان 9 - 10: 452.)، ليس له (3) - في المصدر: (القرب). (4) - الكافي 8: 143، الحديث: 110، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - القمي 2: 410. (6) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) - نور الثقلين 5: 530، الحديث: 14، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - الكافي 1: 435، ذيل الحديث: 91، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1419 ]

معتد أثيم). (إذا تتلى عليه اياتنا قال أساطير الأولين). (كلا) ردع عن قوله: (أساطير الأولين). (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). قال: (ما من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في تلك النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا. وهو قول الله عز وجل: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (1). (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون). قال: (إن الله لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده، ولكنه يعني إنهم عن ثواب ربهم لمحجوبون) (2). (ثم إنهم لصالوا الجحيم): يدخلون النار ويصلون بها. (ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون). (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين) القمي: أي: ما كتب لهم من الثواب (3). (وما أدراك ما عليون). (كتاب مرقوم). (يشهده المقربون). ورد: (إن الله خلقنا من أعلى عليين، وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا، لأنها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الاية (كلا إن كتاب الأبرار) الاية. وخلق عدونا من سجين، وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لأنها خلقت مما خلقوا منه.


(1) - الكافي 2: 273، الحديث: 20، مجمع البيان 9 - 10: 453، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - التوحيد: 265، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 125، الباب: 11، الحديث: 19. (3) - القمي 2: 411. (*)

[ 1420 ]

ثم تلا هذه الاية: (كلا إن كتاب الفجار الاية) (1). أقول: العقائد الراسخة والأعمال المتكررة في النفوس بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح، فمن كانت معلوماته أمورا قدسية وأعماله صالحة وأخلاقه زكية، يأتي كتابه بيمينه، أي: من جانبه الأقوى الروحاني وجهة عليين، لأنه من جنس تلك النشأة. ومن كانت معلوماته مقصورة على الأمور الدنيوية وأعماله خبيثة، يأتي كتابه بشماله، أي: من جانبه الأضعف الجسماني وجهة سجين، لأنه من جنس هذه النشأة، وإنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه، كما قال سبحانه: (كما بدأكم تعودون) (4) فما خلق من عليين فكتابه في عليين، وما خلق من سجين فكتابه في سجين. (إن الأبرار لفي نعيم). (على الأرائك): على الأسرة في الحجال (ينظرون) إلى ما يسرون به من النعيم. (تعرف في وجوههم نضرة النعيم): بهجة التنعم وبريقه. (يسقون من رحيق): شراب خالص (مختوم). (ختامه مسك). قيل: أي: مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته (3). والقمي: ماء إذا شربه المؤمن وجد رائحة المسك فيه (4). أقول: لعله أراد أن يجدها في آخر شربه. (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). (ومزاجه من تسنيم): علم لعين بعينها سميت بها، لأنها تأتيهم من فوق. القمي:


(1) - الكافي 1: 390، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الأعراف (7): 29. (3) - البيضاوي 5: 178. (4) - القمي 2: 411. (*)

[ 1421 ]

هي أشرف شراب أهل الجنة، يأتيهم من عالي، يسنم عليهم في منازلهم (1). (عينا يشرب بها المقربون). القمي: هم آل محمد عليه السلام قال: (يشربون من تسنيم صرفا وسائر المؤمنين ممزوجا) (2). (إن الذين أجرموا كانوا من الذين امنوا يضحكون): يستهزئون. (وإذا مروا بهم يتغامزون): يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم. (وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين): ملتذين بالسخرية منهم. قيل: إن الذين أجرموا: منافقو قريش، والذين آمنوا: علي ابن أبي طالب عليه السلام (3). (وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون): وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال. (وما أرسلوا عليهم): على المؤمنين حافظين: يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم. (فاليوم الذين امنوا من الكفار يضحكون) حين يرونهم أذلاء مغلولين في النار. روي: (إنه يفتح لهم باب إلى الجنة، فيقال لهم: اخرجوا إليها، فإذا وصلوا أغلق دونهم، فيضحك المؤمنون منهم) (4). (على الأرائك ينظرون). (هل ثوب الكفار): هل أثيبوا (ما كانوا يفعلون).


(1) - القمي 2: 411. (2) - القمي 2: 412. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 457، عن أبي صالح، عن ابن عباس، شواهد التنزيل 2: 427، الحديث: 1085، عن ابن عباس. (4) - الكشاف 4: 233، البيضاوي 5: 178 بلفظ (قيل)، في تفسير الكبير 31: 102، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي)، مجمع البيان 9 - 10: 457 عن أبي صالح. (*)

[ 1422 ]

سورة الانشقاق [ مكية، وهي خمس وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السماء انشقت) قيل: بالغمام، لقوله:) يوم تشقق السماء بالغمام) (2). وروي: (تنشق من المجرة) (3). القمي: يوم القيامة (4). (وأذنت لربها): واستمعت له، أي: انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد المطواع الذي يأذن للأمير ويذعن له. وحقت: وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد. وإذا الأرض مدت: بسطت، بأن تزال جبالها وأكامها. روي: (تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (5). (وألقت ما فيها): ما في جوفها من الكنوز والأموات وتخلت: وتكلفت في


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكشاف 4: 234، البيضاوي 5: 178. الاية في سورة الفرقان (25): 25. (3) - المصدر، البيضاوي 5: 178، الدر المنثور 8: 455، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - القمي 2: 412. (5) - البيضاوي 3: 164، مجمع البيان 5 - 6: 324، عن النبي صلى الله عليه وآله، الاية في سورة طه (20): 107. (*)

[ 1423 ]

الخلو أقصى جهدها، حتى لم يبق شئ في باطنها. القمي: تمد الأرض فتنشق، فيخرج الناس منها (1). (وأذنت لربها) في الألقاء والتخلية وحقت للأذن، وجواب (إذا) محذوف. (يا أيها الأنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه): ساع إليه، سعيا إلى لقاء جزائه. (فأما من أوتي كتابه بيمينه). (فسوف يحاسب حسابا يسيرا): سهلا لا مناقشة فيه. قال: (ذاك العرض، يعني التصفح) (2). وروي: (إن الحساب اليسير هو الأثابة على الحسنات والتجاوز عن السيئات، ومن نوقش في الحساب عذب) (3). (وينقلب إلى أهله مسرورا): إلى عشيرته المؤمنين والحور العين. (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) قيل: أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره (4). وقيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره (5). (فسوف يدعوا ثبورا): يتمنى الثبور. ويقول: واثبوراه ! وهو الهلاك. والقمي: الثبور: الويل (6). (ويصلى سعيرا). (إنه كان في أهله مسرورا): بطرا بالمال والجاه، فارغا عن الاخرة. (إنه ظن أن لن يحور): لن يرجع بعد ما يموت.


(1) - القمي 2: 412. (2) - معاني الأخبار: 262، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 461، جوامع الجامع، 535. (4) - البيضاوي 5: 179، تفسير البغوي 4: 464. (5) - الكشاف 4: 235، البيضاوي 5: 179، تفسير البغوي 4: 464. (6) - القمي 2: 412. (*)

[ 1424 ]

(بلى): يرجع إن ربه كان به بصيرا: عالما بأعماله فلا يهمله، بل يرجعه ويجازيه. (فلا أقسم بالشفق) القمي: الحمرة بعد غروب الشمس (1). (والليل وما وسق): وما جمعه وستره. (والقمر إذا اتسق): إذا اجتمع وتم بدرا. (لتركبن طبقا عن طبق): حالا بعد حال، مطابقة لأختها. قال: (لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم، في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء) (2). وقال: (أولم تركب هذه الأمة بعد نبيها طبقا عن طبق، في أمر فلان وفلان وفلان) (3). وفي رواية: (لتركبن سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة (4) بالقذة، لا تخطئون طريقهم ولا يخطئ، شبر بشبر وذراع بذراع وباع بباع، حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه) (5). (فما لهم لا يؤمنون). (وإذا قرئ عليهم القران لا يسجدون): لا يخضعون، أو لا يسجدون لتلاوته. روي: (إنه قرأ ذات يوم: (واسجد واقترب) (6) فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤسهم وتصفر، فنزلت) (7).


(1) - القمي 2: 412. (2) - الاحتجاج 1: 369، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - الكافي 1: 415، الحديث: 17، القمي 2: 413، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - القذة - بالضم والتشديد -: ريش السهم، والجمع: قذذ، ضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. مجمع البحرين 3: 186 (قذذ). (5) - القمي 2: 413، عن النبي صلى الله عليه وآله. (6) - العلق (96): 19. (7) - جوامع الجامع: 535، عن النبي صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1425 ]

(بل الذين كفروا يكذبون). (والله أعلم بما يوعون): بما يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة. (فبشرهم بعذاب أليم). (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات) استثناء منقطع أو متصل، وأريد بهم من تاب وآمن منهم. (لهم أجر غير ممنون): غير مقطوع، أو غير ممنون به عليهم.

[ 1426 ]

سورة البروج [ مكية، وهي اثنتان وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء ذات البروج) يعني البروج الاثنى عشر، وقد سبق بيانها في الحجر (2). (واليوم الموعود) قال: (يوم القيامة) (3). (وشاهد ومشهود) قال: (النبي وأمير المؤمنين عليهما السلام) (4). وفي رواية: (أما الشاهد فمحمد، لقوله: (إنا أرسلناك شاهدا) (5) وأما المشهود فيوم القيامة، لقوله: (وذلك يوم مشهود) (6) (7). وفي أخرى: (الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة) (8).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - ذيل الاية: 16. (3) - معاني الأخبار: 299، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، الحديث: 6، عن أحدهما عليهما السلام. (4) - الكافي 1: 425، الحديث: 69، معاني الأخبار: 299، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الأحزاب (33): 44، الفتح (48): 8. (6) - هود (11): 105. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 466، عن حسن بن علي عليهما السلام. (8) - المصدر، عن النبي والباقر والصادق صلوات الله عليهم، معاني الأخبار: 299، الحديث: 2، عن (*)

[ 1427 ]

وفي أخرى: (الشاهد: يوم عرفة، والمشهود: يوم القيامة) (1). (قتل أصحاب الأخدود) أي: الخد، وهو الشق في الأرض. (النار ذات الوقود). (إذ هم عليها قعود): على جوانبها قاعدون. (وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود). (وما نقموا): وما أنكروا (منهم إلا أن يؤمنوا): إلا لأن يؤمنوا (بالله العزيز الحميد). (الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شئ شهيد). ورد: (إن الله بعث رجلا حبشيا نبيا - وهم حبشة - فكذبوه، فقاتلهم، فقتلوا أصحابه وأسروه وأسروا أصحابه، ثم بنوا له حيرا ثم ملؤوه نارا، ثم جمعوا الناس فقالوا: من كان على ديننا وأمرنا فليعتزل، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار معه، فجعل أصحابه يتهافتون في النار ! فجاءت إمرأة معها صبي لها ابن شهر، فلما هجمت هابت ورقت على ابنها، فناداها الصبي: لا تهابي وارمي بي وبنفسك في النار، فإن هذا والله في الله قليل. فرمت بنفسها في النار وصبيها، وكان ممن تكلم في المهد) (2). وفيه رواية أخرى (3). (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات): بلوهم بالأذى (ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم) بكفرهم (ولهم عذاب الحريق): الزائد في الأحراق بفتنتهم. وقيل: أريد بالذين فتنوا أصحاب الأخدود، وبالعذاب الحريق ما روي: (إن النار انقلبت على أصحاب الأخدود فأحرقتهم) (4).


(1) - معاني الأخبار: 299، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 465، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر، 464 - 465، عن النبي صلى الله عليه وآله، المحاسن (للبرقي): 250، الحديث: 262، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكشاف 4: 238، البيضاوي 5: 180. (*)

[ 1428 ]

(إن الذين امنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير). (إن بطش ربك لشديد): مضاعف عنفه، فإن البطش أخذ بعنف. (إنه هو يبدئ): يبدئ الخلق (ويعيد). (وهو الغفور الودود) لمن تاب وأطاع. (ذو العرش المجيد). (فعال لما يريد). (هل أتاك حديث الجنود). (فرعون وثمود). أريد بفرعون هو وقومه. والمعنى: قد عرفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم، فتسل واصبر على تكذيب قومك، وحذرهم مثل ما أصابهم. (بل الذين كفروا في تكذيب) لا يرعوون عنه. (والله من ورائهم محيط) لا يفوتونه. (بل هو قران مجيد): بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف، وحيد في النظم والمعنى. (في لوح محفوظ) من التحريف والتبديل.

[ 1429 ]

سورة الطارق [ مكية، وهي سبع عشرة آية ] بسم الله الرحمن الرحيم (والسماء والطارق): الكوكب الذي يبدو بالليل. (وما أدراك ما الطارق). (النجم الثاقب): المضئ، كأنه يثقب الأفلاك بضوئه فينفذ فيه. ورد: (إنه قال لرجل من أهل اليمن: ما زحل عندكم في النجوم ؟ قال اليماني: نجم نحس. فقال: لا تقولن هذا، فإنه نجم أمير المؤمنين عليه السلام وهو نجم الأوصياء، و هو النجم الثاقب، الذي قال الله في كتابه. فقال له اليماني: فما يعني بالثاقب ؟ قال: لأن مطلعه في السماء السابعة، وأنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب) (2). (إن كل نفس لما عليها حافظ) جواب القسم، و (لما) بمعنى إلا، و (إن) نافية، وعلى قراءة تخفيف الميم (ما) مزيدة و (إن) هي المخففة. القمي: حافظ: الملائكة (3).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الخصال 2: 489، الحديث: 68، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 415. (*)

[ 1430 ]

(فلينظر الأنسان مم خلق) ليعلم صحة إعادته، فلا يملي على حافظه إلا ما ينفعه في عاقبته. (خلق من ماء دافق) القمي: النطفة التي تخرج بقوة (1). (يخرج من بين الصلب والترائب): من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام صدرها. إنه على رجعه لقادر: كما خلقه من نطفة يقدر أن يرده إلى الدنيا وإلى القيامة (2). (يوم تبلى السرائر): تختبر وتتعرف، وتتميز بين ما طاب منها وما خبث القمي: تكشف عنها (3). ورد: إنه سئل: ما هذه السرائر التي ابتلى الله بها العباد في الاخرة ؟ فقال: (سرائر كم هي أعمالكم من الصلاة والصيام والزكاة والوضوء والغسل من الجنابة وكل مفروض لأن الأعمال كلها سرائر خفية، فإن شاء الرجل قال: صليت ولم يصل، وإن شاء قال: توضأت ولم يتوضأ، فذلك قوله: (يوم تبلى السرائر) (4). (فما له): فما للأنسان (من قوة ولا ناصر) القمي مقطوعا: ماله من قوة يقوى بها على خالقه، ولا ناصر من الله ينصره إن أراد به سوءا (5). (والسماء ذات الرجع) قيل: ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تحركت عنه (6). والقمي: ذات المطر (7). قيل: إنما سمي المطر رجعا وأوبا، لأن الله يرجعه وقتا فوقتا (8).


1 و 2 - القمي 2: 415. (3) - القمي 2: 415. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 472، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 416، عن أبي بصير. (6) - البيضاوي 5: 181. (7) - القمي 2: 416. (8) - الكشاف 4: 242، البيضاوي 5: 181. (*)

[ 1431 ]

(والأرض ذات الصدع) القمي: ذات النبات (1). أقول: يعني تتصدع بالنبات وتشق بالعيون. (إنه لقول فصل) قال: (يعني إن القرآن يفصل بين الحق والباطل، بالبيان عن كل واحد منهما) (2). (وما هو بالهزل) فإنه جد كله. (إنهم يكيدون كيدا) في إبطاله وإطفاء نوره. (وأكيد كيدا): وأقابلهم بكيدي في استدراجهم وانتقامي منهم، بحيث لايحتسبون. (فمهل الكافرين) فلا تشتغل بالانتقام منهم، ولا تستعجل بإهلاكهم (أمهلهم رويدا): إمهالا يسيرا. القمي: دعهم قليلا (3).


(1) - القمي 2: 416. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 472، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 416. (*)

[ 1432 ]

سورة الأعلى [ مكية، وهي تسع عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (سبح اسم ربك الأعلى) القمي: قل: سبحان ربي الأعلى (2). وورد: (إذا قرأت) سبح اسم ربك الأعلى (فقل: سبحان ربي الأعلى، وإن كنت في الصلاة فقل فيما بينك وبين نفسك) (3). وروي: (لما نزلت، قال: اجعلوها في سجودكم) (4). (الذي خلق فسوى): خلق كل شئ فسوى خلقه، بأن جعل له ما به يتأتى كماله ويتم معاشه. (والذي قدر فهدى) القمي: قدر الأشياء بالتقدير الأول، ثم هدى إليه من يشاء (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 416. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 474، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - من لا يحضره الفقيه 1: 207، الحديث: 932، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن ر سول الله صلى الله عليه وآله، التهذيب 2: 313، الحديث: 1273، مجمع البيان 9 - 10: 473، الكشاف 4: 243، البيضاوي 5: 182، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 20: 14، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 416. (*)

[ 1433 ]

(والذي أخرج) المرعى: النبات. (فجعله) بعد بلوغه (غثاء أحوى): يابسا أسود. (سنقرئك): نعلمك (فلا تنسى). (إلا ما شاء الله) لأن الذي لا ينسى هو الله إنه يعلم الجهر وما يخفى: ما ظهر من أحوالكم وما بطن. (ونيسرك لليسرى): للطريقة اليسرى في حفظ الوحي. (فذكر إن نفعت الذكرى). (سيذكر من يخشى): سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله. (ويتجنبها): ويتجنب الذكرى الأشقى. (الذي يصلى النار الكبرى) القمي: نار يوم القيامة (1). (ثم لا يموت فيها) فيستريح (ولا يحيى) حياة تنفعه. (قد أفلح من تزكى) قيل: تطهر من الشرك والمعصية (2). وقال: (من أخرج زكاة الفطر) (3). (وذكر اسم ربه) بقلبه ولسانه فصلى قال: (خرج إلى الجبانة (4) فصلى) (5)، يعني صلاة العيد. وفي رواية: (كلما ذكر اسم ربه صلى على محمد وآله) (6). (بل تؤثرون الحياة الدنيا). (والاخرة خير وأبقى) فإن نعيمها خالص لا انقطاع لها. (إن هذا لفي الصحف الأولى).


(1) - القمي 2: 417. (2) - البيضاوي 5: 182. (3) - من لا يحضره الفقيه 1: 323، الحديث: 1478، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الجبانة: الصحراء، وتسمى بها المقابر، لأنها تكون في الصحراء. مجمع البحرين 6: 224 (جبن). (5) - من لا يحضره الفقيه 1: 323، الحديث: 1478، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - الكافي 2: 495، ذيل الحديث: 18، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 1434 ]

(صحف إبراهيم وموسى) إشارة إلى ما سبق من قوله: (قد أفلح). سئل: ما كان صحف إبراهيم ؟ قال: (كانت أمثالا كلها. وسئل: فما كانت صحف موسى ؟ قال: كانت عبرا كلها، قيل: فهل في أيدينا مما أنزل الله عليك شئ مما كان في صحف إبراهيم وموسى ؟ قال: اقرأ (قد أفلح من تزكى) إلى آخر السورة) (1). قال: (وعندنا الصحف التي قال الله عز وجل) صحف إبراهيم وموسى). قيل: هي الألواح ؟ قال: نعم !) (2).


(1) - الخصال 2: 525، قطعة من حديث: 13، معاني الأخبار: 334، الحديث: 1، الأمالي (للشيخ الطوسي) 2: 153، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) - الكافي 1: 225، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1435 ]

سورة الغاشية [ مكية، وهي ست وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتاك حديث الغاشية): الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، يعني يوم القيامة. (وجوه يومئذ خاشعة): ذليلة. (عاملة ناصبة): عملت ونصبت في أعمال لا تعنيها. قال: (كل ناصب وإن تعبد واجتهد فمنسوب إلى هذه الاية) (2). (تصلى نارا حامية): متناهية في الحر. (تسقى من عين انية) قيل: بلغت إناها في الحر (3). (ليس لهم طعام إلا من ضريع). (لا يسمن ولا يغني من جوع) القمي: عرق أهل النار وما يخرج من فروج


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكافي 8: 213، قطعة من حديث: 259، الأمالي (للصدوق): 501، ذيل الحديث: 4، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (3) - البيضاوي 5: 183. (*)

[ 1436 ]

الزواني (1). روي: (الضريع شئ يكون في النار يشبه الشوك، أمر من الصبر وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار، سماه الله (الضريع) (2). وورد: عن جبرئيل: (لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا، لمات أهلها من نتنها) (3). (وجوه يومئذ ناعمة): ذات بهجة. (لسعيها راضية). (في جنة عالية). (لا تسمع فيها لاغية) القمي: الهزل والكذب (4). (فيها عين جارية). (فيها سرر مرفوعة). (وأكواب موضوعة). (ونمارق مصفوفة) بعضها إلى بعض. (وزرابي مبثوثة) قيل: النمارق: المساند، والزرابي: البسط الفاخرة. مبثوثة أي مبسوطة (5). والقمي: كل شئ خلقه الله في الجنة له مثال في الدنيا إلا الزرابي فإنه لا يدري ما هي (6). وورد: (لولا أن الله قدرها لهم لالتمعت أبصارهم بما يرون) (7). (أفلا ينظرون) نظر اعتبار (إلى الأبل كيف خلقت) خلقا دالا على كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة، باركة للحمل، ناهضة بالحمل، منقادة لمن اقتادها، طوال الأعناق لتنوء بالأوقار، ترعى كل نابت،


(1) - القمي 2: 418. (2) - الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 20: 30، مجمع البيان 9 - 10:، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - القمي 2: 81، ذيل الاية: 22، من سورة الحج، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر: 418. (5) - البيضاوي 5: 183، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 20: 34. (6) - القمي 2: 418. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 480، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1437 ]

وتحتمل العطش، ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز. قال الله تعالى) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) (1) مع مالها من منافع أخر. (وإلى السماء كيف رفعت) بلا عمد. (وإلى الجبال كيف نصبت) راسخة لا تميل. (وإلى الأرض كيف سطحت): بسطت حتى صارت مهادا. وقرأ علي عليه السلام بفتح الأوائل وضم التاء (2). (فذكر إنما أنت مذكر) فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا. (لست عليهم بمسيطر): بمتسلط. والقمي: لست بحافظ ولا كاتب عليهم (3). (إلا من تولى وكفر): ولكن من تولى وكفر. (فيعذبه الله العذاب الأكبر): الغليظ الشديد الدائم. (إن إلينا إيابهم): رجوعهم ومصيرهم بعد الموت. (ثم إن علينا حسابهم): جزاءهم على أعمالهم. قال: (إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا، فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم) (4). وفي رواية: (وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوضهم الله عزوجل) (5).


(1) - النحل (16): 7. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 477، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) - القمي 2: 419. (4) - الأمالي (للشيخ الطوسي) 2: 21، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 8: 162، الحديث: 167، عن الكاظم عليه السلام. (*)

[ 1438 ]

سورة الفجر [ مكية، وهي ثلاثون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والفجر. (وليال عشر) القمي: عشر ذي الحجة (2). والشفع والوتر. قال: (الشفع يوم التروية، والوتر يوم عرفة) (3). والقمي: الشفع ركعتان والوتر ركعة (4). وفي حديث آخر: (الشفع الحسن والحسين، والوتر أمير المؤمنين) (5). وقيل: الأشياء كلها شفعها ووترها (6). (والليل إذا يسر): إذا يمضي، كقوله: (واليل إذ أدبر) (7). والقمي: هي ليلة جمع (8).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 419. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 485، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (4) و 5 - القمي 2: 419. (5) - الكشاف 4: 249، البيضاوي 5: 184. (6) - المدثر (74): 33. (7) - القمي 2: 419. (*)

[ 1439 ]

(هل في ذلك قسم لذي حجر) يعتبره. قال: (يقول: لذي عقل) (1). والمقسم عليه محذوف، أي: ليعذبن، يدل عليه ما بعده. (ألم تر كيف فعل ربك بعاد) يعني أولاد عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، قوم هود سموا باسم أبيهم. (إرم ذات العماد): ذات البناء الرفيع، أو القدود الطوال. (التي لم يخلق مثلها في البلاد) قيل: كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد، فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة، ودانت له ملوكها. فسمع بذكر اجنة، فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم، فلما تم سار إليها بأهله، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة، بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا (2). (وثمود الذين جابوا الصخر): قطعوه واتخذوه منازل، لقوله:) وتنحتون من الجبال بيوتا (3). (بالواد) وادي القرى. (وفرعون ذي الأوتاد). مضى وجه تسميته به في (ص) (4). (الذين طغوا في البلاد). (فأكثروا فيها الفساد) بالكفر والظلم. (فصب عليهم ربك سوط عذاب). (إن ربك لبالمرصاد): المكان الذي يترقب فيه الرصد. قال: (معناه إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم) (5).


(1) - القمي 2: 419، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - الكشاف 4: 250، البيضاوي 5: 184. (3) - الشعراء (26): 149. (4) - ص (38) ذيل الاية: 12. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 487، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1440 ]

وفي رواية: (المرصاد قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة عبد) (1). ويأتي فيه حديث آخر (2). (فأما الأنسان إذا ما ابتلاه ربه): اختبره بالغنى واليسر فأكرمه ونعمه بالجاه والمال (فيقول ربي أكرمن). (وأما إذا ما ابتلاه) بالفقر والتقتير فقدر عليه رزقه قال: (فضيق عليه وقتر) (3). (فيقول ربي أهانن) لقصور نظره وسوء فكره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين والتوسعة قد تفضى إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا، ولذلك ذمه على قوليه، و ردعه. (كلا بل لا تكرمون اليتيم). (ولا تحاضون على طعام المسكين) أي: بل فعلهم أسوء من قولهم وأدل على تهالكهم بالمال، وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالتفقد والمبرة، وإغنائهم عن ذل السؤال، (ولايحثون أهلهم على طعام المسكين). (وتأكلون التراث): الميراث أكلا لما: ذا لم، أي: جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام، عالمين بذلك. (وتحبون المال حبا جما): كثيرا مع حرص وشهوة. (كلا). ردع لهم عن ذلك، وما بعده وعيد عليه. (إذا دكت الأرض دكا دكا: دكا) بعد دك، حتى صارت منخفضة الجبال والتلال، أو هباء منبثا.


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 487، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - ذيل الاية: 23 من هذه السورة. (3) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 201، الباب: 15، قطعة من حديث: 1. (*)

[ 1441 ]

قال: (هي الزلزلة) (1). (وجاء ربك) قال: (أي: أمر ربك) (2). أقول: يعني ظهرت آيات قدرته وآثار قهره. والملك صفا صفا بحسب منازلهم ومراتبهم. (وجئ يومئذ بجهنم) كقوله: (وبرزت الجحيم) (3). قال: (لما نزلت هذه الاية سئل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: أخبرني الروح الأمين: أن الله لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الأولين والاخرين، أتي بجهنم تقاد بألف زمام، أخذ بكل زمام مائة ألف يقودها، من الغلاظ الشداد، لها هدة وغضب وزفير وشهيق، وإنها لتزفر الزفرة، فلولا أن الله أخرهم للحساب لأهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق، البر منهم والفاجر، ما خلق الله عبدا من عباد الله ملكا ولا نبيا إلا ينادي: رب نفسي نفسي ! وأنت يا نبي الله تنادي: أمتي أمتي ! ثم يوضع عليها الصراط، أدق من الشعر وأحد من حد السيف، عليه ثلاث قناطر. فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم، والثانية فعليها الصلاة، والثالثة فعليها رب العالمين لا إله غيره. فيكلفون الممر عليها، فيحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين، وهو قوله: (إن ربك لبالمرصاد) والناس على الصراط فمتعلق بيد وتزل قدم ويستمسك بقدم، والملائكة حولها ينادون يا حليم اعف واصفح، وعد بفضلك، وسلم سلم. والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال: الحمد لله.


(1) - القمي 2: 420، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - التوحيد: 162، الباب: 19، الحديث: 1، عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 126، الباب: 11، الحديث: 19، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - الشعراء (26): 91، النازعات (79): 36. (*)

[ 1442 ]

لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات، والحمد لله الذي نجاني منك بعد إياس (1) وفضله، إن ربنا لغفور شكور) (2). (يومئذ يتذكر الأنسان وأنى له الذكرى) أي: منفعة الذكرى. (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) أي: لحياتي هذه، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالا صالحة. (فيومئذ لا يعذب عذابه أحد) أي: مثل عذابه. (ولا يوثق وثاقه أحد) أي: مثل وثاقه، لتناهيه في كفره وعناده. (يا أيتها النفس المطمئنة) التي اطمأنت إلى الحق. (ارجعي إلى ربك) كما بدأت منه (راضية مرضية). (فادخلي في عبادي). (وادخلي جنتي). ورد ما ملخصه: (إن المؤمن إذا أتاه ملك الموت ليقبض روحه جزع، فيقول له مالك الموت: لا تجزع يا ولي الله، فوالذي بعث محمدا لأنا أبر بك وأشفق عليك من والد رحيم، افتح عينيك فانظر. قال: ويمثل له رسول الله والأئمة - عليهم السلام - فيقال له: هؤلاء رفقاؤك فينظر فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول: (يا أيتها النفس المطمئنة) إلى محمد وأهل بيته (ارجعي إلى ربك راضية) (بالولاية) مرضية (بالثواب) (فادخلي في عبادي) يعني محمدا وأهل بيته (وادخلي جنتي) فما من شئ أحب إليه من استلال روحه واللحوق بالمنادي) (3).


(1) - في المصدر: (بعد اليأس). (2) - القمي 2: 426، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. (3) - الكافي 3: 127، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1443 ]

سورة البلد [ مكية، وهي عشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بهذا البلد). (وأنت حل بهذا البلد). قيل: أي: أقسم بهذا البلد الحرام، يعني مكة، لشرف من حل به، وهو النبي صلى الله عليه وآله (2). وورد: (كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمدا فيه، فقال الله:) لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد (يريد أنهم استحلوك فيه فكذبوك وشتموك، وكان لا يأخذ الرجل منهم فيه قاتل أبيه، ويتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليدهم إياه، فاستحلوا من رسول الله ما لم يستحلوا من غيره، فعاب الله ذلك عليهم) (3). (ووالد وما ولد) قال: (يعني آدم وما ولد من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم) (4). وفي رواية: (أمير المؤمنين ومن ولد من الأئمة عليهم السلام) (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - التبيان 10: 350، البيضاوي 5: 186. 3 و 4 - مجمع البيان 9 - 10: 493، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 1: 414، الحديث: 11. (*)

[ 1444 ]

(لقد خلقنا الأنسان في كبد) قيل: أي: في تعب ومشقة، فإنه يكابد مصائب الدنيا وشدائد الاخرة (1). والقمي: أي: منتصبا (2). وورد: (إن ابن آدم منتصب في بطن أمة، وذلك قول الله:) (لقد خلقنا الأنسان في كبد) وما سوى ابن آدم فرأسه في دبره ويداه بين يديه) (3). (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) فينتقم منه. قال: (يعني يقتل في قتله ابنة النبي صلى الله عليه وآله) (4). أقول: أريد به الثالث. (يقول أهلكت مالا لبدا): كثيرا، من تلبد الشئ إذا اجتمع. قال: (يعني الذي جهز به النبي صلى الله عليه وآله في جيش العسرة) (5). وفي رواية: (هو عمرو بن عبد ود، حين عرض عليه علي بن أبي طالب عليه الأسلام يوم الخندق، وقال: فأين ما أنفقت فيكم مالا لبدا ؟ ! وكان أنفق مالا في الصد عن سبيل الله، فقتله علي عليه السلام) (6). (أيحسب أن لم يره أحد). (ألم نجعل له عينين) يبصر بهما. (ولسانا) يترجم به عن ضمائره (وشفتين) يستر بهما فاه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها. (وهديناه النجدين) قال: (سبيل الخير وسبيل الشر) (7). (فلا اقتحم العقبة) أي: فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة، وهو الدخول في أمر شديد. (وما أدراك ما العقبة).


(1) - البيضاوي 5: 186. (2) - القمي 2: 423. (3) - علل الشرائع 2: 495، الباب: 247، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 و 5 - القمي 2: 423، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) - القمي 2: 422، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 494، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1445 ]

(فك رقبة). (أو إطعام في يوم ذي مسغبة): ذي مجاعة. (يتيما ذا مقربة): ذا قرابة. (أو مسكينا ذا متربة): ذا فقر. القمي: لا يقيه من التراب شئ (1). قال: (علم الله أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم السبيل إلى الجنة) (2). وقال: (من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة، ونحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا، ثم قال: الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك، فإن الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت) (3). وقال: (بنا تفك الرقاب وبمعرفتنا، ونحن المطعمون في يوم الجوع، وهو المسغبة) (4). (ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة). (أولئك أصحاب الميمنة). (والذين كفروا باياتنا هم أصحاب المشأمة). (عليهم نار مؤصدة): مطبقة.


(1) - القمي 2: 422. (2) - الكافي 4: 52، الحديث: 12، المحاسن: 389، الباب: 1، الحديث: 20، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3) - الكافي 1: 430، الحديث: 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 423، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1446 ]

سورة الشمس [ مكية، وهي خمس عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والشمس وضحاها): امتداد ضوئها وانبساطه وإشراقه. (والقمر إذا تلاها): طلع عند غروبها، آخذا من نورها. (والنهار إذا جلاها) عند انبساطه. (والليل إذا يغشاها) فيظلم الافاق ويلبسها سواده. قال: (الشمس رسول الله صلى الله عليه وآله، به أوضح الله للناس دينهم، والقمر أمير المؤمنين عليه السلام، تلا رسول الله ونفثه بالعلم نفثا. والليل أئمة الجور الذين استبدوا بالأمر دون آل الرسول، وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم، فغشوا دين الله بالظلم والجور، فحكى الله فعلهم فقال: (والليل إذا يغشيها). والنهار الأمام من ذرية فاطمة، يسأل عن دين رسول الله فيجليه لمن سأله فحكى الله قوله فقال: (والنهار إذا جليها) (2).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكافي 8: 50، الحديث: 12، القمي 2: 424، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1447 ]

(والسماء وما بناها): والقادر الذي بناها. (والأرض وما طحاها): والصانع الذي دحاها. (ونفس وما سواها): والخالق الذي سواها، أي عدل خلقها. القمي: خلقها وصورها (1). (فألهمها فجورها وتقواها) قال: (بين لها ما تأتي وما تترك) (2). (قد أفلح من زكاها): طهر نفسه. (وقد خاب من دساها): أغواها. قال: (قد أفلح من أطاع، وقد خاب من عصى) (3). وقال: (من زكاها أمير المؤمنين زكاه ربه). ومن دساها هو الأول والثاني، في بيعته إياه، حين مسح على كفه) (4). قيل: (قد أفلح) جواب القسم، وحذف اللام للطول (5). وقيل: بل استطرد بذكر أحوال النفس، والجواب محذوف، تقديره: ليدمدمن الله على كفار مكة لتكذيبهم رسوله، كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا (6). (كذبت ثمود بطغواها) قال: (يقول: الطغيان حملها على التكذيب) (7). (إذ انبعث أشقاها): أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف. القمي: الذي عقر الناقة (8). فقال لهم رسول الله: صالح ناقة الله أي: ذروا ناقة الله، واحذروا عقرهإ


(1) - القمي 2: 424. (2) - الكافي 1: 163، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 498، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 498، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - القمي 2: 424، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - البيضاوي 5: 187. (6) - الكشاف 4: 259، البيضاوي 5: 187. (7) - القمي 2: 424، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) - القمي 2: 424. (*)

[ 1448 ]

(وسقياها) فلا تذودوها (1) عنها. (فكذبوه) فيما حذرهم من حلول العذاب إن فعلوا (فعقروها فدمدم عليهم ربهم) فأطبق عليهم العذاب (بذنبهم): بسببه (فسواها): فسوى الدمدمة، فلم يلتفت منها صغير ولا كبير. القمي: أخذهم بغتة وغفلة بالليل (2). (ولا يخاف عقباها): عاقبة الدمدمة، فيبقى بعض الأبقاء. كذا قيل (3). والقمي: من بعد هؤلاء الذين أهلكناهم لا يخافون (4).


(1) - أي: لا تطردوها عن السقي. ذاده: دفعه وطرده. المعجم الوسيط: 317 (ذود). (2) - القمي 2: 424. (3) - البيضاوي 5: 187. (4) - القمي 2: 424. (*)

[ 1449 ]

سورة الليل [ مكية، وهي إحدى وعشرون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والليل إذا يغشى): يغشى الشمس أو النهار. (والنهار إذا تجلى): ظهر بزوال ظلمة الليل. قال: (الليل في هذا الموضع الثاني، غشى أمير المؤمنين عليه السلام في دولته التي جرت له عليه، وأمير المؤمنين عليه السلام يصبر في دولتهم، حتى تنقضي. والنهار هو القائم منا أهل البيت، إذا قام غلب دولة الباطل. قال: والقرآن ضرب فيه الأمثال للناس، وخاطب نبيه به ونحن، فليس يعلمه غيرنا) (2). (وما خلق): والذي خلق (الذكر والأنثى). (إن سعيكم لشتى): إن مساعيكم لمختلفة، منكم من يسعى في الخير ومنكم من يسعى في الشر. (فأما من أعطى) الطاعة (واتقى) المعصية.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 425، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1450 ]

(وصدق بالحسنى): بالكلمة الحسنى، والمثوبة من الله. وفي رواية: (بالولاية) (1). (فسنيسره لليسرى): فسنوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه. (وأما من بخل) بما أمر به (واستغنى) بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى. (وكذب بالحسنى). (فسنيسره للعسرى): فسنخذله حتى تكون الطاعة له أعسر شئ. (وما يغني عنه ماله إذا تردى): إذا هلك. (نزلت الايات في أبي الدحداح، حين اشترى نخلة كانت في دار رجل، لاخر يؤذيه بالدخول عليه بغير إذن، فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لصاحب النخلة: بعني نخلتك هذه بنخلة في الجنة. فلم يقبل. فقال: بحديقة في الجنة. فلم يقبل فاشتراها أبو الدحداح منه بحائط له - وفي رواية: (بأربعين نخلة وأعطاها صاحب الدار) (2) - فقال رسول الله صلى الله عليه وآله رضى الله عنه رضى الله عنه عليها السلام (3) لأبي الدحداح: لك في الجنة حدائق وحدائق. فأنزل الله في ذلك: (فأما من أعطى (الايات). كذا ورد (4). وفي رواية. قال: (فأما من أعطى) مما آتاه الله (واتقى وصدق بالحسنى)، أي: بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى مائة ألف فما زاد، (فسنيسره لليسرى): لا يريد شيئا من الخير إلا يسر الله له. و (أما من بخل) بما آتاه الله و (كذب بالحسنى)، بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى مائة ألف، (فسنيسره للعسرى): لا يريد شيئا من الشر إلا يسر له، (وما يغني عنه ما له إذا تردى). قال: والله ما تردى من جبل ولا من حائط ولا في بئر، ولكن تردى في نار جهنم) (4). (إن علينا للهدى) القمي: علينا أن نبين لهم (5).


(1) - القمي 2: 426، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - قرب الأسناد: 355، الحديث: 1273، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، القمي 2: 426. (3) - الكافي 4: 46، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - الكافي 4: 46، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - القمي 2: 426. (*)

[ 1451 ]

(وإن لنا للاخرة والأولى) فنعطي في الدارين ما نشاء لمن تشاء. (فأنذرتكم نارا تلظى): تتلهب. (لا يصلاها إلا الأشقى). (الذي كذب وتولى) القمي: يعني هذا الذي بخل على رسول الله صلى الله عليه وآله، أراد صاحب النخلة (1). وورد: (في جهنم واد فيه نار لا يصلاها إلا الأشقى: فلان الذي كذب رسول الله في علي، وتولى عن ولايته. ثم قال: النيران بعضها دون بعض، فما كان من نار بهذا الوادي فللنصاب) (2). (وسيجنبها الأتقى). (الذي يؤتي ماله يتزكى) القمي: أبو الدحداح (3). (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) فيقصد بإيتائه مكافأتها. (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) ولكن يؤتيه لله عزوجل خالصا مخلصا. (ولسوف يرضى) إذا أدخله الله الجنة.


(1) - القمي 2: 426. (2) - القمي 2: 426، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر. (*)

[ 1452 ]

سورة الضحى [ مكية، وهي إحدى عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والضحى): أقسم بوقت ارتفاع الشمس. (والليل إذا سجى): وبالليل إذا سكن أهله وركد ظلامه. (ما ودعك ربك): ما قطعك قطع المودع، وبالتخفيف: ما تركك وما قلى: وما أبغضك. قال: (أبطأ جبرئيل على رسول الله. فقالت خديجة: لعل ربك قد تركك فلا يرسل إليك، فنزلت) (2). وفي رواية: (إن الوحي قد احتبس عنه أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت) (3). (وللاخرة خير لك من الأولى) قال: (يعني الكرة) (4).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 428، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - جوامع الجامع: 544. (4) - القمي 2: 427، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1453 ]

(ولسوف يعطيك ربك فترضى). قال: (يعطيك من الجنة حتى ترضى) (1). وقال: (رضي جدي أن لا يبقى في النار موحد) (2). (ألم يجدك يتيما فاوى). (ووجدك ضالا فهدى). (ووجدك عائلا فأغنى). تعديد لما أنعم عليه، تنبيها على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن فيما يستقبل. قال: (يتيما: فردا لا مثل لك في المخلوقين، فآوى الناس إليك، وضالا في قوم لا يعرفون فضلك) (3). وفي رواية: (يعني عند قومك، فهداهم إليك، وعائلا: تعول أقواما بالعلم، فأغناهم الله بك) (4). والقمي: فأغناك بالوحي، فلا تسأل عن شئ أحدا (4). وفي رواية: (فأغنى بأن جعل دعاءك مستجابا) (5). قال صلى الله عليه وآله: (من علي ربي، وهو أهل المن) (6). (فأما اليتيم فلا تقهر) القمي: فلا تظلم، والمخاطبة للنبي والمعني الناس (7). (وأما السائل فلا تنهر): لا تطرد.


(1) - القمي 2: 427، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 505، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 506 عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، القمي 2: 427، عن أحدهما عليهما السلام. (4) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 200، الباب: 15، ذيل الحديث: 1، مجمع البيان 9 - 10: 506، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (5) - القمي 2: 427. (6) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 200، الباب: 15، ذيل الحديث: 1، مجمع البيان 9 - 10: 506، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (7) - مجمع البيان 9 - 10: 506. (8) - القمي 2: 427. (*)

[ 1454 ]

(وأما بنعمة ربك فحدث) قال: (بما أعطاك الله وفضلك ورزقك وأحسن اليك وهداك) (1). وفي رواية: (أمره أن يحدث بما أنعم الله عليه من دينه) (2). وفي أخرى: (فحدث بدينه وما أعطاه الله وما أنعم به عليه) (3). ورد: (إذا أنعم الله على عبده بنعمة وظهرت عليه، سمي حبيب الله، محدثا بنعمة الله، وإذا أنعم الله على عبده بنعمة فلم تظهر عليه، سمي بغيض الله، مكذبا بنعمة الله) (4).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 507، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - المحاسن: 218، الحديث: 115، عن حسين بن علي عليهما السلام. (3) - الكافي 2: 94، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الكافي 6: 438، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1455 ]

سورة الانشراح [ مكية، وهي ثماني آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ألم نشرح لك صدرك) قيل: ألم نفسحه بالعلم والحكمة وتلقى الوحي والصبر على الأذى والمكاره، حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، فكان غائبا حاضرا (2). والقمي: بعلي عليه السلام، فجعلناه وصيك، وبفتح مكة، ودخول قريش في الأسلام (3). ورد: (قيل له أينشرح الصدر ؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله وهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والأنابة إلى دار الخلود، والأعداد للموت قبل نزوله) (5). (ووضعنا عنك وزرك): ما ثقل عليك احتماله. القمي: ثقل الحرب (4). (الذي أنقض ظهرك) قيل: أثقل ظهرك حتى حمله على النقيض، وهو صوت


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 189. (3) - القمي 2: 428. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 508، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - القمي 2: 428. (*)

[ 1456 ]

الرحل من ثقل الحمل (1). وهو مثل، معناه: لو كان حملا لسمع نقيض ظهره. (ورفعنا لك ذكرك) القمي: تذكر إذا ذكرت، وهو قول الناس: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله (2). وورد عنه في تفسيره: (قال لي جبرئيل: قال الله: إذا ذكرت ذكرت معي) (3). (فإن مع العسر) كضيق الصدر، والوزر المنقض للظهر، وضلال القوم وإيذائهم يسرا كشرح الصدر، ووضع الوزر، وتوفيق القوم للاهتداء والطاعة، فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك. (إن مع العسر يسرا) تأكيد أو استئناف بوعد يسر آخر، كثواب الاخرة. (فإذا فرغت فانصب). (وإلى ربك فارغب) يعني إذا فرغت من عبادة عقبها بأخرى وأوصل بعضها ببعض، ولا تخل وقتك من عبادة. قال: (فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك) (4). وفي رواية: (فإذا فرغت من نبوتك، فانصب عليا، وإلى ربك فارغب في ذلك) (5). أقول: بناء هذه الرواية على أنه بكسر الصاد، من النصب بالتسكين، بمعنى الرفع والوضع، يعني إذا فرغت من أمر التبليغ فارفع علم هدايتك للناس، وضع من يقوم به خلافتك موضعك.


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 508، البيضاوي 5: 189. (2) - القمي 2: 428. (3) - مجمع البيان 9 - 10: 508، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 509، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (5) - القمي 2: 429، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1457 ]

سورة التين [ مكية، وهي ثماني آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والتين والزيتون). قيل: خصهما من الثمار لفضلهما، فإن التين فاكهة طيبة لا عجم له، وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع، فإنه يلين الطبع، ويحلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة، ويفتح سدة الكبد والطحال، ويسمن البدن (2). وفي الحديث: (إنه يقطع البواسير وينفع من النقرس، والزيتون فاكهة وإدام ودواء، وله دهن لطيف كثير المنافع) (3). (وطور سينين) قيل: يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى ربه. وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه (4). (وهذا البلد الأمين) أي: الامن يعني مكة. وورد: (التين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 189. (3) - المصدر، مجمع البيان 9 - 10: 510، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (4) - البيضاوي 5: 190. (*)

[ 1458 ]

الأمين مكة) (1). وفي رواية: (التين والزيتون الحسن والحسين، وطور سينا علي بن أبي طالب، وهذا البلد الأمين محمد صلى الله عليه وآله) (2). (لقد خلقنا الأنسان في أحسن تقويم) تعديل، بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة، واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الموجودات. (ثم رددناه أسفل سافلين) قيل: بأن جعلناه من أهل النار (3). ورد: (الأنسان، الأول، ثم رددناه أسفل سافلين ببغضه أمير المؤمنين) (4). (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات). قال: (علي بن أبي طالب) (5). (فلهم أجر غير ممنون). (فما يكذبك بعد) قيل: فأي شئ يكذبك يا محمد، دلالة أو نطقا، بعد ظهور هذه الدلائل ؟ ! (6) (بالدين) قال: (بولاية علي) (7). وقيل: بالجزاء (8). (أليس الله بأحكم الحاكمين).


(1) - الخصال 1: 225، الحديث: 58، معاني الأخبار: 365، الحديث: 1، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله (صلوات الله عليهم). (2) - المناقب (لابن شهرآشوب) 3: 393، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - البيضاوي 5: 190. 4 و 5 - المناقب (لابن شهرآشوب) 3: 394، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (6) - البيضاوي 5: 190. (7) - المناقب (لابن شهرآشوب) 3: 394، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (8) - البيضاوي 5: 190. (*)

[ 1459 ]

سورة العلق [ مكية، وهي تسع عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إقرأ باسم ربك الذي خلق). قال: (إنها أول سورة نزلت (2)، نزل بها جبرئيل على محمد، فقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ ؟ قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) يعني خلق نورك القديم قبل الأشياء) (3). (خلق الأنسان من علق): من دم جامد بعد نطفة. (إقرأ وربك الأكرم). (الذي علم بالقلم) القمي: علم الأنسان بالكتابة، التي بها تتم أمور الدنيا في مشارق الأرض ومغاربها) (4). (علم الأنسان ما لم يعلم). من أنواع الهدى والبيان. (كلا) ردع لمن كفر بنعم الله لطغيانه (إن الأنسان ليطغى).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 428، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) - المصدر: 430، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - المصدر: 430. (*)

[ 1460 ]

(أن راه استغنى): لأن رأى نفسه مستغنية. (إن إلى ربك الرجعى) الخطاب للأنسان على الالتفات، تهديدا وتحذيرا من عاقبة الطغيان. (أرأيت الذي ينهى). (عبدا إذا صلى) ماذا يكون جزاؤه وما يكون حاله. القمي: كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة وأن يطاع الله ورسوله، فنزلت. وروي (1): (إنها نزلت في أبي جهل) (2). (أرأيت إن كان على الهدى) يعني العبد المنهي عن الصلاة وهو محمد صلى الله عليه وآله. (أو أمر بالتقوى) عن الشرك، يعني أمر بالأخلاص والتوحيد ومخافة الله، كيف يكون حال من ينهاه عن الصلاة ؟ (أرأيت إن كذب) من ينهاه (وتولى) عن الأيمان وأعرض عن قبوله والأصغاء إليه، ما الذي يستحق عليه من العقاب ؟ (ألم يعلم بأن الله يرى) ما يفعله ويعلم ما يصنعه. (كلا) ردع للناهي لئن لم ينته عما هو فيه لنسفعا بالناصية: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار. والسفع: القبض على الشئ وجذبه بشدة. (ناصية كاذبة خاطئة). (فليدع ناديه) أي: أهل ناديه ليعينوه، وهو المجلس الذي يتحدث فيه القوم. روي: (إن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، فقال: ألم أنهك ؟ فأغلظ له رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا، فنزلت) (3). والقمي: لما مات أبو طالب نادى أبو جهل والوليد: هلم فاقتلوا محمدا فقد مات


(1) - القمي 2: 430. (2) - الدر المنثور 8: 565، عن قتادة، جامع البيان (للطبري) 30: 163، عن مجاهد وقتادة. (3) - الكشاف 4: 272، البيضاوي 5: 191. (*)

[ 1461 ]

ناصره. فقال الله: (فليدع ناديه) (1). (سندع الزبانية) ليجروه إلى النار. القمي: كما دعا إلى قتل محمد رسول الله، نحن أيضا ندعو الزبانية (2). (كلا لا تطعه) واثبت أنت على عبادة ربك. (واسجد): ودم على سجودك (واقترب): وتقرب إلى ربك. ورد: (أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد، وذلك قوله تعالى: (واسجد واقترب) (3).


1 و 2 - القمي 2: 431. (3) - الكافي 3: 265، الحديث: 3، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 7، الباب: 30، الحديث: 15، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، من لا يحضره الفقيه 1: 134، الحديث: 628، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1462 ]

سورة القدر [ مكية، وهي خمس آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أنزلناه) يعني القرآن (في ليلة القدر). قال: (إن الله قدر فيها ما هو كائن إلى يوم القيامة) (2). وفي رواية: (فيها يقدر كل شئ يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو مولود أو أجل أو رزق) (3). وورد: (أنزل القرآن في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان) (4). وقال: (نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل في طول عشرين سنة) (5). (وما أدراك ما ليلة القدر) فيه تفخيم لها. (ليلة القدر خير من ألف شهر). ورد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله أري في منامه أن بني أمية


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - معاني الأخبار: 315، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) - الكافي 4: 157، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه بدل (أو)، (و) في جميع المواضع. (4) - الكافي 2: 629، ذيل الحديث: 6، عن النبي صلى الله عليه وآله. (5) - المصدر، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1463 ]

يصعدون على منبره من بعده، ويضلون الناس عن الصراط القهقرى، فأصبح كئيبا حزينا) (1). وفي رواية: (أري كأن قرودا تصعد منبره، فغمه ذلك، فأنزل الله سورة القدر: (إنا أنزلناه) الايات) (2). قال: (ليلة القدر خير من ألف شهر) تملكه بنو أمية، ليس فيها ليلة القدر (3). (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر). القمي: تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه (4). وورد: (إن الروح أعظم من جبرئيل، إن جبرئيل من الملائكة وإن الروح هو خلق أعظم من الملائكة، أليس الله يقول: (تنزل الملائكة والروح) (5). (سلام هي حتى مطلع الفجر). قال: (يقول: يسلم عليك يا محمد ملائكتي وروحي سلامي من أول ما يهبطون إلى مطلع الفجر) (6). وفي أدعيتهم: (سلام دائم البركة إلى طلوع الفجر، على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائه) (7). والقمي: تحية يحيى بها الأمام إلى أن يطلع الفجر (8).


(1) - الكافي 4: 159، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 431. (3) - الصحيفة السجادية: 18، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي عليهم السلام. (4) - القمي 2: 431. (5) - الكافي 1: 386، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) - المصدر: 248، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام.، وفيه: (بسلامي). (7) - الصحيفة السجادية: 220، الدعاء: 44 من دعائه عليه السلام إذا دخل شهر رمصان. (8) - القمي 2: 431. (*)

[ 1464 ]

سورة البينة [ مكية، وهي ثماني آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (لم يكن الذين كفروا) القمي: يعني قريشا (2). من أهل الكتاب والمشركين (منفكين) عن كفرهم (حتى تأتيهم البينة). قال: (البينة محمد صلى الله عليه وآله) (3). رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة في السماء لا يمسها إلا الملائكة المطهرون. وقيل: مطهرة عن الباطل، وأريد بالصحف ما كتب فيها، فإنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن كتاب، لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها (4). (فيها كتب قيمة): مكتوبات مستقيمة عادلة غير ذات عوج. (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب) عما كانوا عليه (إلا من بعد ما جاءتهم البينة). قيل: يعني لم يزل كانوا مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وآله حتى بعثه الله فلما بعث تفرقوإ


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 432. (3) - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 523، الجامع لأحكام القرآن (للقرطبي) 20: 142، عن قتادة. (*)

[ 1465 ]

في أمره واختلفوا، فآمن به بعضهم وكفر آخرون (1). والقمي: لما جاءهم رسول الله بالقرآن خالفوه وتفرقوا بعده (2). (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) أي: لا يشركون به حنفاء: مائلين عن العقائد الزائغة. القمي: طاهرين (3). (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) أي: دين الملة القيمة. (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية). (إن الذين امنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية). قال: (هم شيعتنا أهل البيت) (4). القمي: نزلت في آل محمد عليهم السلام (5). (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه) لأنه بلغهم أقصى أمانيهم (ذلك لمن خشي ربه) فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير. ورد: أنه قال لرجل من الشيعة: (أنتم أهل الرضا عن الله جل ذكره برضاه عنكم، والملائكة إخوانكم في الخير، فإذا اجتهدتم ادعوا، وإذا غفلتم اجهدوا، وأنتم خير البرية، دياركم لكم جنة، وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم، وفي الجنة نعيمكم، وإلى الجنة تصيرون) (6).



(1) - مجمع البيان 9 - 10: 523. 2 و 3 - القمي 2: 432. (4) - المحاسن: 171، الباب: 36، الحديث: 140، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - القمي 2: 432. (6) - الكافي 8: 366، الحديث 556، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1466 ]

سورة الزلزال [ مدنية، وهي ثماني آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا زلزلت الأرض زلزالها): اضطرابها. (وأخرجت الأرض أثقالها) القمي: من الناس (2). (وقال الأنسان ما لها). (يومئذ تحدث أخبارها). (بأن ربك أوحى لها). قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا الأنسان الذي يقول لها: مالك، وإياي تحدث الأخبار) (3). ورد: (أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمله على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا، يوم كذا وكذا) (4). (يومئذ يصدر الناس) من القبور إلى الموقف أشتاتا: متفرقين بحسب مراتبهم.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 433. (3) - علل الشرائع 2: 556، الباب: 343، الحديث: 8، عن فاطمة عليها السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 526، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1467 ]

القمي: يجيئون أشتاتا مؤمنين وكافرين ومنافقين (1). (ليروا أعمالهم). (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره). (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). قيل: هي أحكم آية في القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يسميها الجامعة (2).


(1) - القمي 2: 433، وفيه: (يحيون أشتاتا). (2) - مجمع البيان 9 - 10: 527، عن عبد الله بن مسعود. (*)

[ 1468 ]

سورة العاديات [ مكية، وهي إحدى عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والعاديات ضبحا). قال: (يعني بالعاديات الخيل تعدو بالرجال، والضبح ضبحها أعنتها ولجمها) (2). أقول: الضبح صوت أنفاس الخيل عند العدو. (فالموريات) قدحا التي توري النار، أي: تخرجها بحوافرها من حجارة الأرض. (فالمغيرات صبحا) تغير أهلها على العدو في وقت الصبح. (فأثرن به نقعا): فهيجن بذلك الوقت غبارا. قال: (يعني الخيل يأثرن بالوادي نقعا) (3). فوسطن به جمعا من جموع الأعداء. القمي: توسط المشركون بجمعهم (4).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 438، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - المصدر: 439، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - المصدر. (*)

[ 1469 ]

أقول: كأنه أراد به إحاطتهم بالمشركين، وهو في قراءة علي عليه السلام بتشديد السين (1). (نزلت في أهل وادي اليابس. اجتمعوا اثني عشر ألف فارس، وتعاقدوا على قتل محمد وعلي عليهما السلام، فنزل جبرئيل فأخبر بقصتهم، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر إليهم في سرية بعد ما وصاه بأمور، فرجع منهزما يجبن أصحابه، مخالفا لما أمر به. ثم وجه عمر إليهم كذلك، فرجع منهزما يجبن أصحابه، مخالفا لما أمر به. فقال لعلي عليه السلام: أنت صاحب القوم فسار إليهم، فلما كان عند وجه الصبح أغار عليهم، فأقبل بالغنيمة والأسارى، فأنزل الله: (والعاديات) إلى آخر السورة). كذا ورد في قصة طويلة (2). (إن الأنسان لربه لكنود) قال: (لكفور) (3). وهو جواب القسم. (وإنه على ذلك لشهيد): يشهد على نفسه بالكنود لظهور أثره عليه، أو: إن الله على كنوده لشهيد. (وإنه لحب الخير لشديد). قال: (يعنيهما أبا بكر وعمر، قد شهدا جميعا وادي اليابس، وكانا لحب الحياة حريصين) (3). (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور). (وحصل ما في الصدور): جمع وظهر. (إن ربهم بهم يومئذ لخبير). قال: (نزلت الايتان فيهما خاصة، يضمران ضمير السوء ويعملان به، فأخبر الله خبرهما وفعالهما) (5).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 528، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) - القمي 2: 434، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - تأويل الايات 2: 843، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) و 5 - القمي 2: 439، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1470 ]

سورة القارعة [ مكية، وهي إحدى عشرة آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (القارعة) التي تقرع الناس بالأفزاع، والأجرام بالانفطار والانتشار. (ما القارعة) ما هي ؟ أي: أي شئ هي ؟ وهو تعظيم لشأنها وتهويل لها. (وما أدراك ما القارعة): وأي شئ أعلمك ما هي ؟ ! أي: أنك لا تعلم كنهها. (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) في كثرتهم وذلتهم، وانتشارهم واضطرابهم. (وتكون الجبال كالعهن المنفوش): كالصوف ذي الألوان المندوف، لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو. (فأما من ثقلت موازينه) بالحسنات، بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته. (فهو في عيشة): في عيش راضية: ذات رضى، أي: مرضية. (وأما من خفت موازينه) من الحسنات، بأن لم تكن له حسنة يعبأ بها، أو ترجحت سيئاته على حسناته. وقد سبق تحقيق الوزن في الأعراف (2).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - ذيل الاية: 8 و 9. (*)

[ 1471 ]

(فأمه هاوية): فمأواه النار يأوي إليها، كما يأوي الولد إلى أمه. والهاوية من أسماء النار. والقمي: أم رأسه يقلب في النار على رأسه (1). أقول: يعني يهوي فيها على أم رأسه. (وما أدراك ما هيه). (نار حامية): ذات حمي أي: شديد الحرارة.


(1) - القمي 2: 440. (*)

[ 1472 ]

سورة التكاثر [ مكية، وهي ثماني آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ألهاكم التكاثر): شغلكم التباهي بالكثرة. (حتى زرتم المقابر): حتى إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات. عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر. وقيل: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم، مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم، وهو السعي لاخرتكم، فتكون زيارة القبور كناية عن الموت (2). ويؤيد الأول ما ورد: (أفبمصارع آبائهم يفخرون ؟ ! أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟ ! قال: ولأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولأن يهبطوا منهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة) (3). ويدل على الثاني ما ورد أنه قرأها فقال: (تكاثر الأموال جمعها من غير حقها ومنعهإ.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - الكشاف 4: 281، البيضاوي 5: 194. (3) - نهج البلاغة (لصبحي الصالح): 338، الخطبة: 221. (*)

[ 1473 ]

من حقها وشدها في الأوعية. (حتى زرتم المقابر): حتى دخلتم قبوركم) (1). وورد أنه تلا هذه السورة فقال: (يقول ابن آدم: مالي مالي ! ومالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت) (2). (كلا سوف تعلمون) قال: (لو دخلتم قبوركم) (3). (ثم كلا سوف تعلمون) قال: (لو خرجتم من قبوركم إلى محشركم) (4). (كلا لو تعلمون علم اليقين). (لترون الجحيم). قال: (ذلك حين يؤتى بالصراط فينصب بين جسري جهنم) (5) وفي رواية. قال: (المعاينة) (6). (ثم لترونها عين اليقين). ولعل ذلك حين ورودها. (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم). قال: (إن النعيم الذي يسأل عنه رسول الله ومن حل محله من أصفياء الله، فإن الله أنعم بهم على من اتبعهم من أوليائهم) (7). وفي رواية: (إن الله عزوجل لا يسأل عباده عما تفضل عليهم به، ولا يمن بذلك عليهم، والامتنان بالأنعام مستقبح من المخلوقين فكيف يضاف إلى الخالق عزوجل ما لا يرضي المخلوقين، ولكن النعيم حبنا أهل البيت وموالاتنا، يسأل الله عنه بعد التوحيد والنبوة، لأن العبد إذا وفي بذلك أداه إلى نعيم الجنة الذي لا يزول) (8).



(1) - روضة الواعظين: 493، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) - مجمع البيان 9 - 10: 534، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. 3 و 4 و 5 - روضة الواعظين: 493، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (6) - المحاسن: 247، الباب: 29، الحديث: 250، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) - الاحتجاج 1: 375، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (8) - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 129، الباب: 35، الحديث: 8. (*)

[ 1474 ]

سورة العصر [ مكية، وهي ثلاث آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (والعصر). (إن الأنسان لفي خسر). (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). قيل: أقسم بصلاة العصر أو بعصر النبوة، أن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم، (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق). الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل، (وتواصوا بالصبر) عن المعاصي وعلى الطاعات والمصائب، فإنهم اشتروا الاخرة بالدنيا، ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية (2). وورد: (العصر عصر خروج القائم، (إن الأنسان لفي خسر) يعني أعداءنا. (إلا الذين آمنوا) يعني بآياتنا، (وعملوا الصالحات) يعني بمواساة الأخوان، (وتواصوا بالحق) يعني الأمامة، (وتواصوا بالصبر) يعني بالعترة) (3). وفي قراءتهم عليهم السلام: (لفي خسر إلى آخر الدهر) (4).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - البيضاوي 5: 194. (3) - كمال الدين 2: 656، الباب: 58، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 536، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1475 ]

سورة الهمزة [ مكية، وهي تسع آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ويل لكل همزة لمزة). الهمز الكسر، واللمز الطعن، وشاعا في كسر الأعراض والطعن فيها. القمي: همزة: الذي يغمز الناس ويستحقر الفقراء، ولمزة: الذي يلوي عنقه ورأسه، ويغضب إذا رأى فقيرا أو سائلا (2). الذي جمع مالا وعدده وجعله عدة للنوازل، أو عده مرة بعد أخرى. القمي: أعده ووضعه (3). (يحسب أن ماله أخلده): تركه خالدا في الدنيا. القمي: يبقيه (4). (كلا لينبذن): ليطرحن (في الحطمة) النار التي تحطم كل شئ. (وما أدراك ما الحطمة). (نار الله الموقدة) التي أوقدها الله، وما أوقده الله لا يقدر غيره أن يطفئه. (التي تطلع على الأفئدة) القمي: تلتهب على الفؤاد (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 و 4 - القمي 2: 441. (5) - القمي 2: 441. (*)

[ 1476 ]

(إنها عليهم مؤصدة): مطبقة. (في عمد ممددة) أي: موثقين في أعمد ممدودة. قال في حديث: (ثم مدت العمد فأوصدت عليهم، وكان والله الخلود) (1).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 539، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1477 ]

سورة الفيل [ مكية، وهي خمس آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل). (ألم يجعل كيدهم) في هدم الكعبة في تضليل: في تضييع وإبطال، بأن دمرهم وعظم شأنها. (وأرسل عليهم طيرا أبابيل): جماعات. (ترميهم بحجارة من سجيل): من طين متحجر. (فجعلهم كعصف مأكول): كتبن أكلته الدواب. قال: (نزلت في الحبشة حين جاؤوا بالفيل ليهدموا به الكعبة، فلما أدنوه من باب المسجد قال له عبد المطلب: تدري أين يؤم بك ؟ قال برأسه: لا. قال: أتوا بك لتهدم كعبة الله، أتفعل ذلك ؟ فقال برأسه: لا. فجهدت به الحبشة ليدخل المسجد فامتنع، فحملوا عليه بالسيوف وقطعوه، فأرسل الله عليهم طيرا أبابيل، قال: بعضها إلى أثر بعض (ترميهم بحجارة من سجيل). قال: كان مع كل طير ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في مخالبه، وكانت ترفرف على رؤوسهم، وترمي في دماغهم فيدخل الحجر في دماغهم


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (*)

[ 1478 ]

ويخرج من أدبارهم وينتقض أبدانهم، فكانوا كما قال: (فجعلهم كعصف مأكول). قال: العصف: التبن، والمأكول هو الذي يبقى من فضله) (1). وهذه القصة وردت بروايات مختلفة في ألفاظها مع زيادات في بعضها.


(1) - الكافي 1: 447، الحديث: 25، و 4: 216، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، الأمالي (للطوسي) 1: 78، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. (*)

[ 1479 ]

سورة قريش [ مكية، وهي أربع آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (لاءيلاف قريش) متعلق بقوله: فليعبدوا، أو بمحذوف، أو كعصف مأكول. (إيلافهم) رحلة الشتاء والصيف. (فليعبدوا رب هذا البيت). (الذي أطعمهم من جوع وامنهم من خوف). القمي: نزلت في قريش، لأنه كان معاشهم من الرحلتين: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وكانوا يحملون من مكة الأدم واللب، وما يقع من ناحية البحر من الفلفل وغيره، فيشترون بالشام الثياب والدرمك والحبوب، وكانوا يتألفون في طريقهم، ويثبتون في الخروج في كل خرجة رئيسا من رؤساء قريش، وكان معاشهم من ذلك. فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله. استغنوا عن ذلك، لأن الناس وفدو ا على رسول الله صلى الله عليه وآله و فلا يحتاجون أن يذهبوا إلى الشام. (وآمنهم من خوف) يعني خوف الطريق (2).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 444. (*)

[ 1480 ]

سورة الماعون [ مكية، وهي سبع آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (أرأيت الذي يكذب بالدين) بالجزاء. القمي: نزلت في أبي جهل وكفار قريش (2). (فذلك الذي يدع اليتيم) القمي: يدفعه عن حقه (3). قيل: كان أبو جهل وصيا ليتيم فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه، وأبو سفيان نحر جزورا فسأله يتيم لحما، فقرعه بعصاه (4). (ولا يحض على طعام المسكين): ولا يرغب لعدم اعتقاده بالجزاء، ولذلك رتب الجملة على يكذب بالفاء. (فويل للمصلين). الفاء جزائية، يعني إذا كان عدم المبالاة باليتيم والمسكين من تكذيب الدين، فالسهو عن الصلاة التي هي عماد الدين والمراءاة بها، ومنع الزكاة أحق بذلك، ولهذا رتب عليه الويل.


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 - القمي 2: 444. (4) - البيضاوي 5: 196. (*)

[ 1481 ]

(الذين هم عن صلاتهم ساهون): غافلون غير مبالين بها. سئل: أهي وسوسة الشيطان ؟ فقال: (لا، كل أحد يصيبه هذا، ولكن أن يغفلها ويدع أن يصلي في أول وقتها) (1). وقال: (هو تأخير الصلاة عن أول وقتها لغير عذر) (2). وورد: (ليس عمل أحب إلى الله عزوجل من الصلاة، فلا يشغلنكم عن أوقاتها شئ من أمور الدنيا فإن الله عزوجل ذم أقواما فقال: (الذين هم عن صلاتهم ساهون) يعني إنهم غافلون، استهانوا بأوقاتها) (3). وفي رواية: (هو الترك لها والتواني عنها) (4). وفي أخرى: (هو التضييع) (5). (الذين هم يراءون الناس بصلاتهم ليثنوا عليهم). قال: (يريد بهم المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، فإذا كانوا مع المؤمنين صلوها رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو قوله: (الذين هم يرآؤون) (6). (ويمنعون الماعون). قال: (هو الزكاة المفروضة) (7). وفي رواية: (هو ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو والفأس، وما لا يمنع كالماء والملح) (8).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 548، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - القمي 2: 444، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - الخصال 2: 621، قطعة من حديث: 10، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (4) - مجمع البيان 9 - 10: 548، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) - الكافي 3: 268، الحديث: 5، مجمع البيان 9 - 10: 548، عن أبي الحسن عليه السلام. (6) - مجمع البيان 9 - 10: 547، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (7) - المصدر: 548، عن أمير المؤمنين وأبي عبد الله عليهما السلام. (8) - مجمع البيان 9 - 10: 547. (*)

[ 1482 ]

وفي أخرى: (هو القرض تقرضه والمعروف تصنعه ومتاع البيت تعيره، ومنه الزكاة. قيل له: إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا كسروه وأفسدوه، فعلينا جناح إن نمنعهم ؟ فقال: لا، ليس عليكم جناح أن تمنعوهم إذا كانوا كذلك) (1).


(1) - الكافي 3: 499، الحديث: 9، مجمع البيان 9 - 10: 548، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1483 ]

سورة الكوثر [ مكية، وهي ثلاث آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك الكوثر): الخير الكثير في الغاية، وفسر بالعلم والعمل، وبالنبوة والكتاب، وبشرف الدارين، وبالذرية الطيبة، وبالشفاعة. والأخير مروي (2). وفي رواية: (هو نهر في الجنة، أعطاه الله نبيه عوضا من ابنه) (3). وورد: (الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تعالى، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد، حصاه الزبرجد والياقوت والمرجان، حشيشه الزعفران، ترابه المسك الأذفر. ثم قال: يا علي هذا النهر لي ولك ولمحبيك من بعدي) (4). وسئل عنه النبي صلى الله عليه وآله حين نزلت السورة، فقال: (نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد نجوم السماء، فيختلج القرن منهم، فأقول: يا رب إنهم من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (5).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). 2 و 3 - مجمع البيان 9 - 10: 549، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - الأمالي (للطوسي) 1: 67، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 549، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1484 ]

(فصل لربك): فدم على الصلاة وانحر. قال: (هو رفع يديك حذاء وجهك) (1). وورد: (قال النبي صلى الله عليه وآله لجبرئيل عليه السلام: ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ قال: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة في السماوات السبع، فإن لكل شئ زينة، وإن زينة الصلاة رفع الأيدي عند (2) كل تكبيرة) (3). وفي رواية: (النحر الاعتدال في القيام، أن يقيم صلبه ونحره) (4). إن شانئك: مبغضك هو الأبتر: الذي لا عقب له، إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الا خرة ما لا يدخل تحت الوصف. القمي: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد وفيه عمرو بن العاص والحكم بن العاص، فقال عمرو: يا أبا الأبتر ! وكان الرجل في الجاهلية إذا لم يكن له ولد سمي أبتر. ثم قال عمرو: إني لأشنأ محمدا، أي: أبغضه. فأنزل الله على رسوله السورة. (إن شانئك) أي: مبغضك (هو الأبتر) يعني لا دين له ولا نسب (5).


(1) - مجمع البيان 9 - 10: 550، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - في (ألف) و (ج): (على كل). (3) - مجمع البيان 9 - 10: 550، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) - الكافي 3: 336، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) - القمي 2: 445. (*)

[ 1485 ]

سورة الكافرون (1) [ مكية، وهي ست آيات ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (قل يا أيها الكافرون). (لا أعبد ما تعبدون). (ولا أنتم عابدون ما أعبد). (ولا أنا عابد ما عبدتم). (ولا أنتم عابدون ما أعبد). (لكم دينكم ولي دين): لا تتركونه ولا أتركه. قال: (سبب نزولها وتكرارها: أن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله تعبد آلهتنا (3) سنة ونعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة ! ! فأجابهم الله بمثل ما قالوا) (4).


(1) - في (ج)، (سورة الجحد). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - في (ألف) و (ج): (إلهنا) في الموضعين. (4) - القمي 2: 445، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 1486 ]

سورة النصر [ مكية، وهي ثلاث آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا جاء نصر الله) إياك على أعدائك والفتح: فتح مكة. (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا): جماعات، كأهل مكة والطائف واليمن وسائر قبائل العرب. (فسبح بحمد ربك): فنزهه، حامدا له على أن صدق وعده (واستغفره) هضما لنفسك أو لأمتك (إنه كان توابا). القمي: نزلت بمنى في حجة الوداع، فلما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (نعيت إلي نفسي) (2). قيل: لعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين (3). وورد: (أول ما نزل: (إقرأ باسم ربك) وآخره: (إذا جاء نصر الله) (4).


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - القمي 2: 446، الكشاف 4: 295. (3) - البيضاوي 5: 198. (4) - الكافي 2: 628، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 6، الباب: 30، الحديث: 12، عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. (*)

[ 1487 ]

سورة تبت (1) [ مكية، وهي خمس آيات ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (تبت يدا أبي لهب) أي: خسرت وهلكت، فإن التباب خسران يؤدي إلى الهلاك. قيل: أريد بيديه نفسه كقوله: (ولا تلقوا بأيديكم) (3). وقيل: بل المراد دنياه وأخراه (4). (وتب) إخبار بعد إخبار، أو دعاء عليه بعد دعاء. ورد: (إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: تبا لك، فأنزل الله السورة) (5). القمي: كان اسم أبي لهب: عبد مناف، فكناه الله، لأن منافا اسم صنم يعبدونه (6). (ما أغنى عنه ماله وما كسب) حين نزل به التباب. قيل: إنه مات بالعدسة (7) بعد وقعة بدر بأيام معدودة، وترك ثلاثا حتى أنتن، ثم


(1) - في (ألف) و (ب): (سورة اللهب). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - البيضاوي 5: 198. والاية في سورة البقرة (2): 195. (4) - المصدر. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 559، عن ابن عباس، الكشاف 4: 296. (6) - القمي 2: 448. (7) - العدسة: بثرة تخرج في البدن كالطاعون، وقلما يسلم صاحبها. المعجم الوسيط: 587 (عدس). (*)

[ 1488 ]

استوجر بعض السودان فدفنوه (1). (سيصلى نارا ذات لهب). (وامرأته) وهي أم جميل أخت أبي سفيان (حمالة الحطب) قيل: يعني حطب جهنم، فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول صلى الله عليه وآله، وتحمل زوجها على إيذائه (2). وقيل: بل أريد به حزمة الشوك والحسك (3)، كانت تحملها فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وآله (4). القمي: وكانت تنم على رسول الله، وتنقل أحاديثه إلى الكفار (5). في جيدها حبل من مسد أي: مما مسد، يعني فتل. القمي: أي: من نار (6).


1 و 2 - البيضاوي 5: 199. (3) - الحسك: نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم وأوبار الأبل، المعجم الوسيط: 173 (حسك). (4) - الكشاف 4: 297، البيضاوي 5: 199. 5 و 6 - القمي 2: 448. (*)

[ 1489 ]

سورة الأخلاص (1) [ مكية، وهي أربع آيات ] (2) بسم الله الرحمن الرحيم (قل هو الله أحد). (الله الصمد). (لم يلد ولم يولد). (ولم يكن له كفوا أحد). قال: (إن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقالوا: أنسب لنا ربك. فلبث ثلاثا لا يجيبهم، ثم نزلت: (قل هو الله أحد) إلى آخرها) (3). قال: (الله معناه المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيته (4) والأحاطة بكيفيته، ويقول العرب: أله الرجل: إذا تحير في الشئ فلم يحط به علما، ووله: إذا فزع إلى شئ مما يخافه ويحذره، والأله هو المستور عن حواس الخلق) (5).


(1) - في (ألف) و (ج): (سورة التوحيد). (2) - ما بين المعقوفتين من (ب). (3) - الكافي 1: 91، الحديث: 1، التوحيد: 93، الباب: 4، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) - في (الف) و (ج): (مائيته). (5) - التوحيد: 89، الباب: 4، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1490 ]

وقال: (الأحد: الفرد المتفرد، والأحد والواحد بمعنى واحد وهو المتفرد الذي لا نظير له، والتوحيد: الأقرار بالوحدة وهو الانفراد، والواحد: المباين الذي لا ينبعث من شئ ولا يتحد بشئ، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد، لأن العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين، فمعنى قوله: (الله أحد) أي: المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والأحاطة بكيفيته، فرد بإلهيته، متعال عن صفات خلقه) (1). (الله الصمد) قال: (الصمد: الذي لا جوف له، والصمد: الذي قد انتهى سؤدده، والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب، والصمد: الذي لا ينام، والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال. وقال: الصمد: السيد المطاع الذي ليس فوقه آمر وناه، وقال: الصمد: الذي لا شريك له، ولا يؤوده حفظ شئ، ولا يعزب عنه شئ) (2). قال: (وكان محمد بن الحنفية يقول: الصمد: القائم بنفسه، الغني عن غيره. قال: وقال غيره: الصمد المتعالي عن الكون والفساد، والصمد الذي لا يوصف بالتغاير) (3). وسئل عن تفسير الصمد فقال: (إن الله سبحانه قد فسر الصمد فقال: (الله أحد، الله الصمد) ثم فسره فقال: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (لم يلد: لم يخرج منه شئ كثيف كالولد وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين، ولا شئ لطيف كالنفس، ولا تنشعب منه البدوات، كالسنة والنوم والخطرة والهم والحزن والبهجة والضحك والبكاء والخوف والرجاء والرغبة والسامة والجوع والشبع، تعالى عن أن يخرج منه شئ، وأن يتولد منه شئ كثيف أو لطيف، ولم يولد: ولم يتولد من شئ، ولم يخرج من شئ، كما يخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها كالشئ من الشئ والدابة من الدابة والنبات من الأرض والماء من الينابيع والثمار من الأشجار، ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين والسمع من الأذن والشم من الأنف والذوق من الفم والكلام من


(1) - التوحيد: 89، الباب: 4، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) - التوحيد: 90، الحديث: 3، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام. (3) - التوحيد: 90، الباب: 4، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 1491 ]

اللسان والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنار من الحجر، لا، بل هو الله الصمد الذي لا من شئ ولا في شئ ولا على شئ، مبدع الأشياء وخالقها، ومنشئ الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة، الكبير المتعال، ولم يكن له كفوا أحد) (1). وفي رواية: (لم يلد فيكون له ولد يرثه (2) ملكه، ولم يولد فيكون له والد يشركه في ربوبيته وملكه، ولم يكن له كفوا أحد فيعازه في سلطانه) (3). وفي أخرى: (هو الله أحد بلا تأويل عدد، (الصمد) بلا تبعيض بدد، لم يلد فيكون موروثا هالكا، ولم يولد فيكون إلها مشاركا - وفي لفظ آخر: فيكون في العز مشاركا (يكن له من خلقه كفوا أحد) (4).


(1) - التوحيد: 90، الباب: 4، الحديث: 5، مجمع البيان 9 - 10: 566، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أبيه، عن الحسين بن علي عليهم السلام. (2) - في (ج): (يريد). (3) - التوحيد: 93، الباب: 4، الحديث: 6، عن أبي عبد الله، عن أبي جعفر عليهما السلام. 4) - ولم (6) - نهج البلاغة (لصبحي الصالح): 260، الخطبة: 182، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) - مجمع البيان 9 - 10: 566، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 1492 ]

سورة الفلق [ مكية، وهي خمس آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (قل أعوذ برب الفلق): ما يفلق عنه، أي: يفرق عنه، وخص عرفا بالصبح وفسر به. وسئل عن الفلق، فقال: (صدع في النار فيه سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف أسود، في جوف كل أسود سبعون ألف جرة سم، لابد لأهل النار من أن يمروا عليها) (2). والقمي: الفلق جب في جهنم يتعوذ أهل النار من شدة حره، سأل الله أن يأذن له أن يتنفس فأذن له، فتنفس فأحرق جهنم (3). (من شر ما خلق) كان ما كان. (ومن شر غاسق): ليل عظم ظلامه إذا وقب: دخل ظلامه في كل شئ. (ومن شر النفاثات في العقد): ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللواتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها. والنفث: النفخ مع ريق. ورد: (إن يهوديا سحر النبي صلى الله عليه وآله في إحدى عشر عقدة في وتر دسه في بئر فمرض


(1) - ما بين المعقوفتين من (ب). (2) - معاني الأخبار: 227، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - القمي 2: 449. (*)

[ 1493 ]

ونزلت المعوذتان وأخبره جبرئيل عليه السلام بموضع السحر، فبعث عليا عليه السلام فجاء به فقرأهما عليه، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة، فعوفي) (1). قال: (كان النبي صلى الله عليه وآله يرى إنه يجامع وليس يجامع، وكان يريد الباب ولا يبصره حتى يلمسه بيده، والسحر حق، وما سلط إلا على العين والفرج) (2). أقول: وأما قول الكفار: إنه مسحور، فأرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر. (ومن شر حاسد إذا حسد): إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه، فإنه لا يعود ضرره منه قبل ذلك إلى المحسود، بل يخص به لاغتمامه بسروره. قال: (أما رأيته إذا فتح عينيه وهو ينظر إليك، هو ذاك) (3). قيل: خص الحسد بالاستعاذة منه، لأنه العمدة في الأضرار (4). ورد: (كاد الحسد أن يغلب القدر) (5).


(1) - طب الأئمة: 113، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام، مجمع البيان 9 - 10: 568، البيضاوي 5: 200 ما يقرب منه. (2) - طب الأئمة: 114، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) - معاني الأخبار: 228، الحديث: 1. (4) - البيضاوي 5: 201. (5) - الكافي 2: 307، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (*)

[ 1494 ]

سورة الناس [ مكية، وهي خمس آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (قل أعوذ برب الناس). (ملك الناس). (إله الناس). (من شر الوسواس) يعني الموسوس، عبر عنه بالوسواس مبالغة الخناس. (الذي) عادته أن يخنس، أي: يتأخر إذا ذكر الأنسان ربه. القمي: الخناس: اسم بسم الله الرحمن الرحيم (قل أعوذ برب الناس). (ملك الناس). (إله الناس). (من شر الوسواس) يعني الموسوس، عبر عنه بالوسواس مبالغة الخناس. (الذي) عادته أن يخنس، أي: يتأخر إذا ذكر الأنسان ربه. القمي: الخناس: اسم الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس إذا غفلوا عن ذكر ربهم (2). (من الجنة والناس) بيان للوسواس. قال: (ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه، أذن ينفث فيها الوسواس الخناس، وأذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله: (وأيدهم بروح منه) وفي رواية: (كذلك من الناس شيطان يحمل الناس على المعاصي، كما حمل الشيطان (3).


(3) - ما بين المعقوفتين من (ب). (4) - القمي 2: 450. (5) - الكافي 2: 267، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، مجمع البيان 9 - 10: 571، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، والاية في سورة المجادلة (58): 22. (*)

[ 1495 ]

من الجن) (1). وقد سبق تفسير شياطين الأنس في سورة الأنعام (2). تم كتاب الأصفى بسنتين بعد تمام الصافي، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وصلى الله على محمد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين وسلم.


(1) - القمي 2: 450، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) - ذيل الاية: 112. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية