الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التفسير الأصفى - الفيض الكاشاني ج 1

التفسير الأصفى

الفيض الكاشاني ج 1


[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

[ 3 ]

الاصفى في تفسير القران المولى محمد محسن الفيض الكاشاني (1007 - 1091 ه‍) مركز الابحاث والدراسات الاسلامية

[ 4 ]

الفيض الكاشاني، المولى محمد محسن 1007 - 1091 ق. الاصفى في تفسير القرآن / ملا محسن فيض، حققه مركز الابحاث والدراسات الاسلامية. - قم: مكتب الاعلام الاسلامي، مركز النشر، 1376 - ج. - نمونه. - (دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات، 500: كتابهاى مركز مطالعات وتحقيقات اسلامي، 65) كتابنامه: [ 703 ] - 713، همچنين به صورت زير نويس. 1. تفاسير شيعه. الف. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز مطالعات وتحقيقات اسلامي. مصحح. ب. دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم، مركز انتشارات. ج. عنوان. 6 الف 9 ف 58 / 1726 97 792 / BP فهرست نويسى پيش از انتشار توسط مركز انتشارات دفتر تبليغات اسلامي شابك 2 - 257 - 424 - 964 * 2 - 257 - 424 - 964 ISBN دفتر تبليغات السلامى حوزه علميه قم الكتاب: الاصفى في تفسير القرآن / ج 1 المؤلف: المولى محمد محسن الفيض الكاشاني التحقيق: مركز الابحاث والدراسات الاسلامية المحققان: محمد حسين درايتى ومحمد رضا نعمتي الناشر: مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي المطبعة: مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي الطبعة: الاولى / 1418 ق، 1376 ش الكمية: 1500 نسخة السعر: 2000 تومان حقوق الطبع محفوطة للناشر قم، شارع شهداء (صفائية)، مركز النشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي، ص ب: 917، هاتف: 7 - 742155، فاكس: 742154، توزيع: 743426 Printed in the Islamic Repudlic of Iran

[ 7 ]

مقدمة التحقيق بسم الله الرحمن الحريم الحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم، وجعله تبيانا لكل شئ ورحمة وهدى للمتقين. والصلاة والسلام على المصطفى الامين أبي القاسم محمد وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين. وبعد، فإن المهتمين بشؤون التراث الاسلامي بشكل عام والتراث القرآني بشكل خاص، يدركون جيدا أن المكتبة الاسلامية - التي تحوي على نفائس المخطوطات وبشتى المعارف الاسلامية والانسانية - زاخرة بذلك التراث العظيم الذي يكاد أو كاد أن يندثر لولا قيام أهله واضطلاعهم بمسؤولية حفظه وبعث الحياة فيه من جديد، وهذا لا يعني أن التراث بأجمعه قد وصل إلينا، فكم من عالم من العلماء تنقل عنه أقوال ولا تجد له كتاب لتوثيق ما ينقل عنه، وكم هي آثار من السلف الصالح فقد ولم يصل إلينا ولا توجد منها أثر في المكتبات. والادهى والامر من ذلك وقوع تلك النفائس من المخطوطات بيد الجهال، فربما مزقها وربما باعها بأبخس الاثمان.

[ 8 ]

ومن المؤسف جدا أن ما تم طبعه على الحجر مملوء بالاخطاء، دون أي اهتمام بفنون التصحيح والتحقيق، بل ولا بأبسط مستلزمات الكتاب، الامر الذي أدى إلى ابتعاد الجيل الناشئ عن مطالعة الكتب الاسلامية. والدعوة إلى إحياء التراث - عزيزي القارئ - ليست ترفا فكريا أو بدعا من الامر، وإنما هي دعوة لاعادة بناء الانسانية من خلال رسم خط سيرها الفكري، ولاكتشاف تلك الذخائر التي من خلالها يتم إعادة بناء الانسان. ولذا كثرت الدعوات في العقود الاخيرة من هذا القرن من أجل بعث هذا التراث وتأصيله، وخصوصا بعد نجاح الثورة الاسلامية وقيام دولتها في إيران بقيادة الامام الراحل الخميني العظيم. فحدثت كثير من التحولات التي لبت طموح الآملين في إحياء آثار الاسلام والمسلمين، فانشئت كثيرا من المؤسسات التي عنيت بإحياء التراث، ومنها: مركز الابحاث والدراسات الاسلامية التابع لمكتب الاعلام الاسلامي في الحوزة العلمية - قم. الذي انبرى العلماء والفضلاء المحققين فيه وشمروا عن ساعد الجد لاحياء تراث الشيعة بدءا بمصنفات الشهيدين ومرورا بآثار العلامة وغيرهم من الافذاذ الذين لا زالت مصنفاتهم تنتظر أن تكسى الحلة الجديدة لتخرج بأبهى صورة وأجمل هيئة. وبما أن القرآن هو المصدر الرئيسي في التشريع الاسلامي وأقدس كتاب لدى المسلمين على شتى مذاهبهم، وبه ثبتت نبوة نبينا صلى الله عليه وآله، وهو معجزة الاسلام الخالدة، وهو المصدر الوحيد " القطعي الثبوت " باتفاق المسلمين وإجماعهم، لم تطاله يد التحريف ولم تطرأ عليه زيادة أو نقصان، ومع كل ذلك فهو الكتاب المهجور الذي غفل عنه المسلمون وراحوا يلهثون وراء الافكار الدخيلة التي هي أبعد ما تكون عن توفير حلول ناجعة لمشاكل الانسانية. ولا غرابة إذا قلنا: إن السبب الرئيسي في انحطاط المسلمين هو جهلهم بقيمة هذا الكتاب وما حواه من ثروات تشريعية وأخلاقية تكفل سعادة الانسان إلى نهاية الشوط. مضافا إلى أن التعرف على القرآن الكريم له دور كبير في فهم العلوم الالهية واستخراج الاحكام والقوانين الاسلامية العامة التي تعتبر حجر الاساس في صرح الدولة الاسلامية.

[ 9 ]

ولذا قرر " مركز الابحاث والدراسات الاسلامية " تحقيق ونشر كتاب " تفسير الاصفى " للشيخ الفقيه والفيلسوف العارف والمفسر المحدث المولى محسن المعروف ب‍ " الفيض الكاشاني " من أعلام القرن الحادي عشر الهجري. ويتميز تفسير " الاصفى " عن باقي التفاسير بالايجاز والاختصار، مضافا إلى كونه تفسيرا روائيا جامعا لما ورد عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير آيات القرآن الحكيم. نبذة عن حياة المفسر: كان المولى محمد بن المرتضى المدعو ب‍ " محسن " والمعروف ب‍ " الفيض الكاشاني " أحد نوابغ العلم والمعرفة في القرن الحادي عشر، وكان - مضافا إلى علمه وفضله - حكيما متكلما محدثا مفسرا عارفا أديبا متبحرا في جميع العلوم والمعارف. ولد رحمه الله في سنة (1007) في مدينة قم المشرفة ونشأ فيها، ثم انتقل إلى كاشان ليشد الرحال بعدها إلى مدينة شيراز للانتهال من العلمين: السيد ما جدبن علي البحراني وصدر المتألهين الشيرازي، حيث تزوج من ابنة الاخير، وما إن ارتوى من تلك المعارف عاد إلى مدينة كاشان ليكون هناك مرجعا فذا لاند له إلى أن توفي فيها سنة 1091 وهو ابن الاربع والثمانين عاما ودفن فيها، وقبره هناك مشهور يقصده العلماء والعارفون. أما ترجمته فقد وردت في كثير من كتب التراجم وفي مقدمة كتبه التي حققت وطبعت أخيرا، وقد تصدى في بعض كتبه لترجمة نفسه بنفسه، وقد ألف الفيض الكاشاني ثلاث رسائل في فهرس مؤلفاته، طبعها المرحوم السيد محمد المشكاة في مقدمة المجلد الثاني من كتاب " المحجة البيضاء "، ولنكتف بهذا القدر على أنا نحيل من يريد الاطلاع على ما ذكرنا آنفا. أقوال العلماء فيه: نعته المحدث الشيخ الحر العاملي بقوله: " كان فاضلا عالما ماهرا حكيما متكلما محدثا

[ 10 ]

فقيها محققا شاعرا أديبا حسن التصانيف... " (1). وقال عنه الرجالي الكبير محمد بن علي الاردبيلي: " محسن بن المرتضى رحمه الله العلامة المحقق المدقق، جليل القدر، عظيم الشأن، رفيع المنزلة، فاضل كامل أديب، متبحر في جميع العلوم " (2). وقال صاحب الروضات: " أمره في الفضل والفهم والنبالة في الفروع والاصول وكثرة التأليف مع جودة التعبير والتوصيف أشهر من أن يخفى في هذه الطائفة على أحد إلى منتهى الابد " (3). وقال المحدث القمي: " وأمره في الفضل والادب وطول الباع وكثرة الاطلاع وجودة التعبير وحسن التحرير والاحاطة بمراتب المعقول والمنقول أشهر من أن يخفى " (4). وقال العلامة الاميني في ترجمة علم الهدى ابن المؤلف: " هو ابن المحقق الفيض علم الفقه، وراية الحديث، ومنار الفلسفة، ومعدن العرفان، وطود الاخلاق، وعباب العلوم والمعارف، وهو ابن ذلك الفذ الذي قل ما انتج الدهر بمثيله، وعقمت الايام أن تأتي بمشابهه " (5). ونقل عن العلامة الطباطبائي صاحب الميزان قوله: " هو ممن جمع العلوم وقل نظيره في العالم الاسلامي " (6). مصنفاته: صرف المولى محسن الفيض عمره الشريف في ترويج الآثار المروية والمعارف الالهية


1 - " أمل الآمل " 2: 305. 2 - " جامع الرواة " 2: 42. 3 - " روضات الجنات " 6: 79. 4 - " الكنى والالقاب " 3: 35. 5 - " الغدير " 11: 362. 6 - " مهر تابان " 26. (*)

[ 11 ]

تدريسا وتأليفا، فخلف ثروة علمية عظيمة في شتى أنحاء العلم والمعرفة من الفقه والحديث والحكمة والعرفان والاخلاق والتفسير والادعية والاشعار وغيرها، ناهزت المائة والعشرين مصنفا، منها: " الصافي " و " الاصفى " في التفسير، و " الوافي " و " النوادر " في الاخبار، و " معتصم الشيعة " و " مفاتيح الشرائع " في الفقه، و " عين اليقين " و " علم اليقين " في الحكمة والكلام، و " المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء ". وقد امتازت تأليفاته بجودة التحقيق وحسن البيان والتأليف وسلامة الالفاظ ومتانة المباني ودقة المعاني وعلو المقاصد. لقد أولى الفيض اهتماما متزايدا وعناية بالغة بالقرآن والحديث، واستدل على آرائه في جميع مصنفاته بأدلة من الكتاب العزيز وبالحديث الصادر عن الرسول وآله الطاهرين، وله في التفسير مسلك خاص، جمع فيه بين الطريقة والشريعة، ألف في الحقائق القرآنية التي اسست على أصول الفطرة والحكمة المتعالية - التي تنطبق على نواميس الطبيعة والعرفان الصحيح الذي يلائم الفطرة والعقل - تفسيريه " الصافي " و " الاصفى ". مؤلفاته في التفسير: (1) " الصافي " وقع الفراغ من تأليفه في خمس وسبعين بعد الالف (1)، وقد طبع في عشرة مجلدات سنة 1979 بتصحيح الشيخ حسين الاعلمي. (2) " الاصفى " وهو منتخب من الصافي، وقع الفراغ منه بعد الصافي بسنتين (2). (3) " تنوير المواهب "، قال في الفهرس: " وهو تعليقات على تفسير القرآن المنسوب إلى الكاشفي الموسوم ب‍ " المواهب العلية "، تنبه على ما خالف الامامية في تفسير الآيات وشأن النزول ومما ليس على طريقة أهل البيت عليهم السلام، وتورد ما ورد عنهم عليهم السلام في ذلك، يقرب من ثلاثة آلاف بيت " (3).


1 - " رسالة المصنف في فهرست تآليفه " ضمن " المحجة البيضاء " 2: 5. 2 - نفس المصدر السابق. 3 - نفس المصدر، ص 12. (*)

[ 12 ]

وذكره في " الذريعة " 4: 471، الرقم: 2091 باسم " تنوير المذاهب في تعليقات المواهب ". ولم نعثر على نسخة منه في حدود مالدينا من فهارس المكتبات. (4) " تفسير آية الامانة " (1) رسالة في جواب من سأل عن تفسير هذه الآية، والنسخ الخطية الموجودة منه كالتالي: أ - مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي المرقمة (1712) ضمن مجموعة من صفحة (254 - 256) (2). ب - مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي المرقمة (1713) مع " أصول المعارف " (3) للمصنف. 4 - مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي المرقمة (4702) ضمن مجموعة من الورقة (120 إلى 128) (4). 5 - مخطوطة مكتبة مدرسة الشهيد المطهري المرقمة (6327) (5). 6 - مخطوطة مكتبة كلية الالهيات والمعارف الاسلامية في مشهد الامام الرضا عليه السلام، المرقمة (1335). ما نسب إليه من التفاسير فهي: 1 - " مجمع المطالب ومنتهى المآرب " في تفسير سورة الحمد والتوحيد. نسبه إليه في " الروضات " 6: 545، وفي " الذريعة " 2: 124، 255، 20: 44 و " ريحانة الادب " 6: 369. وفي فهرست مكتبة ملك الوطنية 6: 144، المرقمة (6708) ذكر أنه " في تفسير سورة الحمد والتوحيد، كتبه في أربعين عمره "، وهذا سهو قطعا، وذلك لانه لم يرد ذكره


1 - " المحجة البيضاء، ج 2، ص 20. 2 - " فهرست نسخه هاي خطى مجلس شوارى اسلامي " ج 5، ص 56. 3 - نفس المصدر السابق، ج 5، ص 57. (4) نفس المصدر السابق، ج 13، ص 85. 5 - فهرست نسخه هاي خطى مدرسه سپهسالار (سابقا) 1: 160، 3: 155. (*)

[ 13 ]

في أحد من الرسائل الثلاث للمصنف، مع أن النسخة الموجودة في مكتبة ملك الوطنية قد تم تأليفها في سنة (1270)، وهي لشخص كان يدعى ب‍ " ملا محسن ". 2 - " المصفى " في تلخيص " الاصفى "، نسب إليه في " ريحانة الادب " 6: 242 و " روضات الجنات " 6: 545. وقال الطهراني في " الذريعة " 2: 124، الرقم: 496 تحت عنوان " الاصفى ": " إن هذا أوسط التفاسير الثلاثة التي ألفها الفيض. " وعلق السيد المشكاة على ذلك قائلا: " هذا هو المشهور... ولكني لا أعرف للفيض أكثر من تفسيرين، وليس لهذا التفسير الثالث الذي يسمى ب‍ " المصفى " أثر في المكتبات ولا في شئ من فهارسه لتأليفاته " (1). وقفة مع " الاصفى ": تفسير " الاصفى " واحد من الآثار التفسيرية القيمة للمولى محسن الفيض الكاشاني، وهو منتخب من تفسيره الكبير " الصافي "، يتألف من جزئين، يشتمل الجزء الاول على خمسة عشر جزءا ابتداء من سورة الفاتحة حتى سورة بني إسرائيل، والجزء الثاني من سورة الكهف حتى آخر سورة من القرآن الكريم. وامتاز " الاصفى " - كما هو عليه " الصافي " - بأنه تفسير مزجت فيه الرواية مع الدراية، وللاختصار حذفت أسانيد الروايات، فكان تفسيرا موجزا غاية الايجاز مع شموله لجميع القرآن. قال المصنف في خطبة الكتاب: " هذا ما اصطفيت من تفسيري القرآن المسمى ب‍ " الصافي "، راعيت فيه غاية الايجاز مع التنقيح ونهاية التلخيص مع التوضيح، مقتصرا على بيان ما يحتاج إلى البيان من الآيات دون ما يستغنى عنه من المحكمات الواضحات، فبالحري أن يسمى ب‍ " الاصفى ". طبع الاصفى قبل هذه الطبعة ثلاث طبعات: الاولى عام 1274، والثانية عام 1310


1 - " المحجة البيضاء " 2: 24. (*)

[ 14 ]

في حاشية " الصافي "، والثالثة على الحجر في عام 1303 - 1354 في مجلد واحد كبير. منهجية التحقيق: أولا: النسخ المعتمدة في التصحيح والتحقيق، وهي: أ - مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي المرقمة (1216)، تم تحرير الجزء الاول في عام 1090، والثاني في عام 1089، أي قبل سنتين من وفاة المصنف في 235 ورقة. وناسخها: ابن علي بن علي الشهير بنوروز الدين محمد نصير، وهي نسخة كاملة مصححة جميلة الخط، وفي حواشيها علائم التصحيح والبلاغ، وفي بعض الحواشي هناك تعليقات لا تخلو من فائدة برمز " منه دام ظله " و " منه دام فيضه " و " منه "، ورمزنا لهذه المخطوطة ب‍ " ألف ". ب: مخطوطة مكتبة الروضة الرضوية المقدسة في مشهد والمرقمة (1162) في 306 ورقة من المجموعة المهداة من قبل المرحوم الشيخ محمد صالح، العلامة الحائري المازندراني، تم تحريرها في شهر جمادى الثانية عام 1081 ه‍، وكتب في حاشية الصفحة الاخيرة: " بلغ سماعه على سماع تفهم وتدبر واستبصار واستكشاف، وفقه الله للعمل به، وبلغه أقصى مراتب الكمال، وكتبه الفقير إلى الله أحمد بن محمد حسن عفا الله عنه وأيده الله لما يرتضيه ". وهي نسخة كاملة مظبوطة قيمة، مصححة على نسخة المؤلف، جميلة الخط، وفي حواشيه علائم التصحيح، وتعليقات نافعة برمز " منه سلمه الله " و " منه دام ظله "، ورمزنا لها ب‍ " ج ". وكتب المرحوم الشيخ محمد صالح العلامة الحائري المازندارني في الورقة الملصقة بأول النسخة: " هذا التفسير المسمى ب‍ " الاصفى " كله بخط المولى محمد هادي سبط أخي المصنف، وخطه الشريف موجود عندي على ظهر الجزء الرابع والخامس عشر من أجزاء " الوافي "، وهو إجازته لابن اخته المولى محمد رفيع ". إلى أن قال: " ولما وصل التحرير إلى هذا الكلام ذكرت أنه وقع بيدي تفسير مسمى

[ 15 ]

بالمؤلف [ كذا ] بخط المؤلف من أهل هذا البيت، ففتحته فإذا فيه: يقول المتمسك بحبل الله المتين " محمد بن المرتضى " المدعو ب‍ " نور الدين "، ثم قال في جملة كلام: ومن أراد الاطلاع على متون الاخبار والكتب المأخوذة هي منها، فليرجع إلى التفسير " الصافي " المنسوب إلى عمي " المحسن " الاستاذ ومن عليه فيما استفدته المعول والاستناد ". وتفسير هذا خلاصة " الاصفى " بطرز بديع. وفرغ منه سنة تسعين وألف. والنسخة هي المسودة الاولى. وقد (شخط) على بعض عباراته، لمبالغته في الايجاز. وأنا... العلامة الحائري المازندراني ". هذا ولا يبعد أن يكون هذا التفسير هو التفسير الثالث المنسوب إلى الفيض المذكور في " الذريعة " وغيرها من المصادر كما تقدم. ج: النسخة المطبوعة على الحجر عام 1353 - 1354 بخط محمد علي المصباحي النائيني والمتخلص ب‍ " عبرت " وقد أضاف الكاتب في أوائل السور بعض الفوائد ورمزنا لها ب‍ " ب ". ثانيا: في موارد وجود اختلافات بين النسخ، أعرضنا عن إثباتها في الهوامش إلا ما اقتضت الضرورة إثباته، مع بذل الجهد في اختيار ما هو الانسب والاصح، معتمدين في ذلك أسلوب التلفيق بين النسخ. ثالثا: خرجنا الاحاديث والآثار والاقوال والآراء التي أوردها المصنف - تصريحا أو تلميحا - وبذل الجهد في تخريجها وإحالتها إلى مصادرها الاصلية، وأشرنا إلى بعض الاختلافات في الهامش، وفي حالة اقتضاء السياق للزيادة، وضعنا تلك الزيادة بين معقوفتين [ ]. رابعا: عمدنا إلى ضبط وإعراب بعض الكلمات في الموارد اللازمة وموضع الحاجة. خامسا: اعتمدنا في الرسم القرآني على المصحف الشريف المكتوب بخط (عثمان طه)، وبالنظر لتعذر ضبط الآيات بهذا الرسم على أجهزة الكمبيوتر، فقد عمدنا إلى تجزئة الآيات وبالرسم العثماني ووضع كل آية في موضعها المناسب. سادسا: اتبعنا في الترقيم والاملاء القواعد الحديثة والمتداولة.

[ 16 ]

سابعا: ألحقنا الفهارس الموضوعة للكتاب في آخر المجلد الثاني. شكر واعتذار في الختام نحمد الله سبحانه على توفيقه إيانا في إنجاز هذا المشروع الذي استغرق مدة خمس سنوات، بذل فيه الاخوة المحققون في " قسم إحياء التراث الاسلامي " غاية مجهودهم لانجاحه وإيصاله إلى ما هو عليه الآن، ونخص منهم بالذكر: الشيخ علي أوسط ناطقي المشرف على قسم إحياء التراث، والاخوين الفاضلين الشيخ محمد حسين درايتي والشيخ محمد رضا نعمتي، اللذين تجشما عناء العمل منذ بداياته حتى انتهائه. وكذا الفاضل المحقق الشيخ نعمت الله جليلي والاستاذ الاديب أسعد الطيب لمراجعتهما الكتاب، والاخوين الفاضلين الشيخ منصور لقائي والشيخ علي رفيعي القوچاني لمساهمتهما في بعض مراحل العمل، ولا يفوتنا أن نتقدم بوافر الشكر للاخ الفاضل السيد محمد هادي الطباطبائي لمشاركته في تصحيح بعض الاخطاء المطبعية، والاخوة في مديرية التنقيح والنشر في مركز الابحاث والدراسات الاسلامية، والاخوة الاعزاء في مطبعة مكتب الاعلام الاسلامي، لجهودهم في الصف وتنظيم الصفحات والاخراج الفني للكتاب بأحسن هيئة، فجزى الله الجميع خير الجزاء ووفقنا وإياهم لخدمة القرآن العزيز وإحياء علومه ومعارفه، إنه نعم المولى ونعم النصير. مركز الابحاث والدراسات الاسلامية محمد مهدي الفقيهي قم المقدسة جمادى الثانية سنة 1417

[ 17 ]

الصفحة الاولى من نسخة " الف "

[ 18 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " الف "

[ 19 ]

الصفحة الاولى من نسخة " ج "

[ 20 ]

الصفحة الاخيرة من نسخة " ج "

[ 1 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا للتمسك بالثقلين، وجعل لنا القرآن هدى، والمودة في القربى قرة عين. أبلج عن هدى نبيه المرسل بنور كتابه المنزل، وكشف عن سر كتابه المنزل بعترة نبيه المرسل. جعل الكتاب والعترة بينه وبيننا حبلين ممدودين، وصاحبين مصطحبين غير مفترقين، لم يزل أقامهما فينا، طرف منهما بيده وطرف بأيدينا، ما تمسكنا بهما لن نضل، وما اعتصمنا بهما لن نزل. فصل اللهم على محمد وعترته، واسقنا من كأسهم الاصفى ما يروينا، وآتنا من فهم القرآن وعلمه الاوفى ما يغنينا. أما بعد، فيقول الفقير إلى الله في كل مسلك وموطن، محمد بن مرتضى المدعو بمحسن - زوده الله في دنياه لعقباه، وجعل آخرته خيرا من أولاه -: هذا ما اصطفيت من تفسيري للقرآن المسمى ب‍ " الصافي " راعيت فيه غاية الايجاز مع التنقيح، ونهاية التلخيص مع التوضيح، مقتصرا على بيان ما يحتاج إلى البيان من الآيات، دون ما يستغنى عنه من المحكمات الواضحات، فبالحري أن يسمى ب‍ " الاصفى ". وعسى أن يفي ببيان أكثر ما لا يفهم ظاهره بدون البيان من القرآن، وإن كان " الصافي " هو الاوفى، وإنما معولي فيه على كلام الامام المعصوم من آل الرسول، إلا فيما يشرح اللغة والمفهوم وما إلى القشر يؤول، إذ لا يوجد معالم التنزيل إلا عند قوم كان

[ 2 ]

ينزل في بيوتهم جبرئيل، ولا كشاف عن وجوه عرائس أسرار التأويل إلا من خوطب بأنوار التنزيل. ولا يتأتى تيسير تفسير القرآن إلا ممن لديه مجمع البيان والتبيان. فعلى من نعول إلا عليهم ؟ وإلى من نصير إلا إليهم ؟ لا والله لا نتبع إلا أخبارهم، ولا نقتفي إلا آثارهم. ولهذا ما أوردت فيما يفتقر إلى السماع إلا حديثهم ما وجدت إليه سبيلا، إما بألفاظه ومتونه، أو بمعانيه ومضمونه، غير أني لم أذكر قائله بخصوصه، إذ حديثهم واحد، وحديثهم حديث رسول الله، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تبارك وتعالى، كما ورد عنهم عليهم السلام (1). فكل ما كان من ألفاظهم عليهم السلام صدرته ب‍ " قال "، أو " ورد "، أو " في رواية ". فإن تصرفت في شئ منه لتلخيص يستدعيه، أو لتوضيح معانيه، نبهت عليه إن احتاج إلى التنبيه، ليعرف أنه المنقول بمضمونه ومعانيه، وأكثر ما نبهت به على ذلك تذييله ب‍ " كذا ورد "، فإنه من أوجز ألفاظ هذا التنبيه. وما نقلته من " تفسير علي بن إبراهيم القمي " مما لم ينسبه إلى المعصوم وظاهره أنه مسند إلى المعصوم، صدرته ب‍ " القمي " ليمتاز عن المجزوم. وما رويت من طريق العامة، صدرته ب‍ " روي " ليمتاز عما رويت من طريق الخاصة. وما لم أجد فيه إلى حديث المعصوم سبيلا، أو لم أعتمد على ما وجدت منه، وهو مما يفتقر إلى السماع - وعسى أن يكون قليلا - أوردت من سائر التفاسير ما هو أقوم قيلا. والله المستعان، نفعنا الله به وسائر الاخوان، بحق العترة والقرآن، إنه الجواد المنان.


1 - الكافي 1: 53، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 3 ]

مقدمة: ينبغي لمن أراد فهم مهاني القرآن من الأخبار من دون توهم تناقض وتضاد، أن لا يجمد في تفسيره ومعناه على خصوص بعض الآحاد والأفراد، بل يعمم المعنى والمفهوم في كل ما يحتمل الإحاطة والعموم، كما ورد في بعض الآيات من الروايات. فإن وهم التناقض في الأخبار المخصصة إنما يرتفع بذلك، وفهم أسرار القرآن يبتني على ذلك، وإن نظر أهل البصيرة إنما يكون على الحقائق الكلية، دون الأفراد الجزئية. فما ورد في بعض الأخبار من التخصيص، فإنما ورد للتنبيه على المنزل فيه، أو الإشارة إلى أحد بطون معانيه، أو غير ذلك. وذلك بحسب فهم المخاطب على سبيل الاستئناس، إذ كان كلامهم مع الناس على قدر عقول الناس (1). وقد عمم مولانا الصادق عليه السلام الآية التي وردت في صلة رحم آل محمد عليهم السلام صلة كل رحم، ثم قال: " ولا تكونن ممن يقول في الشئ: إنه في شئ واحد " (2). وعليه نبه عليه السلام في حديث المفضل بن عمر، حيث فسر له قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " علي قسيم الجنة والنار "، وقد ذكرناه في مقدمات " الصافي " (3). كيف ولو كان المقصود من القرآن مقصورا على أفراد خاصة ومواضع مخصوصة، لكان القرآن قليل الفائدة، يسير الجدوى والعائدة، حاشاه عن ذلك فإنه " بحر لا ينزف (4)،


1 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ما كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العباد بكنه عقله قط، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم ". " الكافي 1: 23، الحديث: 15 ". 2 - الكافي 2: 156، الحديث: 28. ويأتي أيضا في ذيل الآية: 21 من سورة الرعد. 3 - الصافي 1: 22، المقدمة الثالثة. والحديث في علل الشرايع 1: 161، الباب: 130، الحديث: 1. 4 - نهج البلاغة (للصبحى الصالح): 315، الخطبة: 318. وفيه: " بحر لا ينزفه المستنزفون ". نزفت ماء البئر نزفا: نزحته كله. الصحاح 4: 1430 (نزف). (*)

[ 4 ]

ظاهره أنيق (1)، وباطنه عميق، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه ". كما ورد (2). وقد تبين مما ذكرنا معنى التأويل، فإنه يرجع إلى إرادة بعض أفراد معنى العام، وهو ما بطن عن أفهام العوام، ويقابل التنزيل (3). والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.


1 - شئ أنيق، أي: حسن معجب. الصحاح 4: 1447 (أنق). 2 - الكافي 2: 599، الحديث: 2، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - في " ب " و " ج ": " بالتنزيل ". (*)

[ 5 ]

سورة فاتحة الكتاب (بسم الله) قال: " الله هو الذي يتأله إليه كل مخلوق عند الحوائج والشدائد، إذا انقطع الرجاء من كل من دونه وتقطع الاسباب من جميع من سواه، يقول: " بسم الله "، أي: أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي " (1). أقول: معنى يتأله إليه: يفزع إليه ويلتجأ ويسكن. وفي رواية: " يعني: بهذا الاسم أقرأ، أو أعمل هذا العمل " (2). وفي أخرى: " يعني: أسم نفسي بسمة من سمات الله وهي العبادة. قال: والسمة: العلامة " (3). ويأتي حديث آخر في معنى " الله " في تفسير سورة الاخلاص إن شاء الله. (الرحمن) قال: " الذي يرحم ببسط الرزق علينا " (4). وفي رواية: " العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم مواد رزقه، وإن انقطعوا عن طاعته " (5).


1 - التوحيد: 231، الباب: 31، الحديث: 5، عن أبي محمد العسكري عليه السلام. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 25. 3 - التوحيد: 229، الباب: 31، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 4 - المصدر: 232، الباب: 31، الحديث: 5، عن علي بن الحسين، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 5 - تفسير الامام عليه السلام: 34. (*)

[ 6 ]

أقول: الرزق يشمل كل ما به قوام الوجود والكمال اللائق به. (الرحيم) قال: " الرحيم بنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين وجعله سهلا، وهو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه " (1). وفي رواية: " الرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، وبعباده الكافرين في الرفق في دعائهم إلى موافقته " (2). (الحمد لله) قال: " قال الله: قولوا: الحمد لله عليه ما أنعم به علينا " (3). (رب العلمين). قال: " يعني: مالك الجماعات من كل مخلوق، وخالقهم، وسائق رزقهم إليهم من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، يقلب الحيوانات في قدرته، ويغذوها من رزقه، ويحوطها (4) بكنفه، ويدبر كلا منها بمصلحته، ويمسك الجمادات بقدرته ما اتصل منها عن التهافت (5)، والمتهافت عن التلاصق، والسماء أن تقع على الارض إلا بإذنه، والارض أن تنخسف إلا بأمره " (6). (الرحمن الرحيم). لعل تكريرهما للتنبيه بهما في جملة الصفات المذكورة على استحقاقه الحمد. (ملك يوم الدين). قال: " يعني: القادر على إقامته والقاضي فيه بالحق. والدين: الحساب " (7). (إياك نعبد) قال: " قال الله تعالى: قولوا يا أيها الخلق المنعم عليهم: إياك - أيها المنعم علينا - نطيع، مخلصين، موحدين مع التذلل والخشوع، بلا رياء ولا سمعة " (8).


1 - التوحيد: 232، الباب: 31، الحديث: 5، عن علي بن الحسين، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 34. 3 - المصدر: 30. 4 - الحياطة: الحفاظة. مجمع البحرين 4: 243 (حوط). 5 - التهافت: التساقط قطعة قطعة. الصحاح 1: 271 (هفت). 6 - تفسير الامام عليه السلام. 30، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 282 - 283، الباب: 28، الحديث: 30. 7 - المصدر: 38. 8 - المصدر: 39. (*)

[ 7 ]

وفي رواية: " لا نريد منك غيرك " (1). أقول: إنما انتقل العبد من الغيبة إلى الخطاب، لانه كان بتمجيده لله سبحانه يتقرب إليه متدرجا، إلى أن بلغ في القرب مقاما كأن العلم صار له عيانا، والخبر شهودا، والغيبة حضورا. (وإياك نستعين) قال: " على طاعتك وعبادتك، وعلى دفع شرور أعدائك " (2). (اهدنا الصراط المستقيم). قال: " يعني: أدم لنا (3) توفيقك الذي أطعناك به في ماضي أيامنا، حتى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا " (4). وفي رواية: " يعني: أرشدنا للزوم الطريق المؤدي إلى محبتك، والمبلغ إلى جنتك، والمانع من أن نتبع أهواءنا فنعطب (5) وأن نأخذ بآرائنا فنهلك " (6). وفي أخرى: " الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلو، وارتفع عن التقصير، واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنة " (7). وفي أخرى: " هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مر على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه على الصراط في الآخرة فتردى (8) في نار جهنم " (9). وورد: " الصراط أدق من الشعر


1 - تفسير القرآن الكريم، للسيد مصطفى الخميني 1: 419، نقلا من تفسير الامام عليه السلام. ولم نجده فيما كان بأيدينا من تفسير الامام عليه السلام ونقله في الصافي 1: 72 بلفظة: وفي رواية عامية عن الصادق عليه السلام. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 41. 3 - لما كان العبد محتاجا إلى الهداية في جميع أموره آنا فآنا ولحظة فلحظة، فإدامة الهداية هي هداية أخرى بعد الهداية الاولى، فتفسير الهداية بإدامتها ليس خروجا عن ظاهر اللفظ. " منه في الصافي 1: 72 ". 4 - معاني الاخبار: 33، الحديث: 4، عن أبي محمد العسكري عليه السلام. 5 - العطب: الهلاك. الصحاح 1: 184 (عطب). 6 - تفسير الامام عليه السلام: 44. 7 - معاني الاخبار: 33، الحديث: 4، عن أبي محمد العسكري عليه السلام. 8 - أي: سقط في جهنم. مجمع البحرين 1: 181 (ردا). 9 - معاني الاخبار: 32، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 8 ]

وأحد من السيف. فمنهم من يمر عليه مثل البرق، ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر عليه ماشيا، ومنهم من يمر عليه حبوا (1)، ومنهم من يمر عليه متعلقا، فتأخذ النار منه شيئا وتترك شيئا " (2). وفي رواية: " إنه مظلم، يسعى الناس عليه على قدر أنوارهم " (3). أقول: مآل الكل واحد، لان الصراط المستقيم ما إذا سلكه العبد أوصله إلى الجنة، وهو ما يشتمل عليه الشرع، كما قال الله تعالى: " وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم " (4). وهو صراط التوحيد والمعرفة، والتوسط بين الاضداد في الاخلاق، والتزام صوالح الاعمال. وبالجملة: صورة الهدى الذي أنشأه المؤمن لنفسه مادام في دار الدنيا مقتديا فيه بهدى إمامه، ينتقل فيه من معرفة إلى معرفة أخرى فوقها، ومن خلق محمود إلى أحمد، ومن عمل صالح إلى أصلح، حتى يلتحق بأهل الجنة. وهو أدق من الشعر وأحد من السيف في المعنى، مظلم لا يهتدي إليه إلا من جعل الله له نورا يمشي به في الناس، يسعى الناس عليها على قدر أنوارهم في المعرفة. وورد: " إن الصورة الانسانية هي الطريق المستقيم إلى كل خير، والجسر الممدود بين الجنة والنار " (5). ويتبين من هذا كله أن الصراط والمار عليه شئ واحد، في كل خطوة يضع قدمه على رأسه، أعني يعمل على مقتضى نور معرفته التي هي بمنزلة رأسه، بل ويضع رأسه على قدمه، أي: يبني معرفته على نتيجة عمله الذي كان بناؤه على المعرفة السابقة، حتى يقطع المنازل ويصل إلى الجنة، وإلى الله المصير.


1 - حبا الصبي حبوا: إذا مشى على أربع. مجمع البحرين 1: 94 (حبا). 2 - القمي 1: 29، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الصافي 1: 73، ونوادر الاخبار: 346، الباب: 91، في الصراط. 4 - الشورى (42): 52. 5 - الصافي 1: 73، عن الصادق عليه السلام. (*)

[ 9 ]

(صرط الذين أنعمت عليهم) قال: " أي قولوا: صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك لا بالمال والصحة، فإنهم قد يكونون كفارا أو فساقا. قال: وهم الذين قال الله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " (1). (غير المغضوب عليهم) قال: " هم اليهود الذين قال الله فيهم: " من لعنه الله وغضب عليه ". (2) (ولا الضالين) قال: " هم النصارى الذين قال الله فيهم: قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ". ثم قال: كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه وضال عن سبيل الله " (3). وفي رواية: " المغضوب عليهم: النصاب، والضالين: أهل الشكوك الذين لا يعرفون الامام " (4). أقول: ويدخل في صراط المنعم عليهم: كل وسط واستقامة في العقائد والاخلاق والاعمال، وهم: " الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " (5)، وفي صراط المغضوب عليهم: كل تفريط وتقصير، ولا سيما إذا كان عن علم كما فعلت اليهود بموسى وعيسى ونبينا صلوات الله عليهم، وفي صراط الضالين: كل إفراط وغلو، ولا سيما إذا كان عن جهل، كما فعلت النصارى بعيسى عليه السلام، وذلك لان الغضب يلزمه البعد والطرد، والمقصر هو المدبر المعرض فهو البعيد المطرود، والضلال هو الغيبة عن المقصود، والمفرط هو المقبل المجاوز، فهو الذي غاب عنه المطلوب.


1 - تفسير الامام عليه السلام: 47 - 48، والآية في النساء (4): 69. 2 - المصدر: 50. والآية في المائدة (5): 60. 3 - المصدر: 50. والآية في المائدة (5): 77. 4 - القمي 1: 29: عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - فصلت (41): 30، والاحقاف (46): 13. (*)

[ 11 ]

سورة البقرة [ مدنية، وهي مائتان وست وثمانون آية ] (1) (بسم الله الرحمن الرحيم). قد مر تفسيرها. (الم). قال: " هو حرف من حروف اسم الله الاعظم، المقطع في القرآن، الذي يؤلفه النبي أو الامام عليهما السلام، فإذا دعا به أجيب " (2). وفي رواية: " وإذا عد أخبر بما يغيب " (3). أقول: فهو سر بين الله وبين الحبيب، لم يقصد به إفهام غيره وغير الراسخين في العلم من ذريته. وفيه الاعاجيب، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الاحباب في سنن المحاب. (ذلك الكتب) قال: " يعنى القرآن الذي افتتح ب‍ " الم "، هو " ذلك الكتاب " الذي أخبرت به موسى ومن بعده من الانبياء، وهم أخبروا بني إسرائيل أني سأنزله عليك يا محمد " (4). (لا ريب فيه) قال: " لا شك فيه لظهوره عندهم " (5). (هدى للمتقين) قال:


1 - ما بين المعقوفتين من " ب ". 2 - معاني الاخبار: 23، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - لم نعثر على نصه في الروايات، راجع: مجمع البيان 1 - 2: والتبيان 1: 47. 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 62. (*)

[ 12 ]

" الذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه (1) على أنفسهم، حتى إذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم، فإنهم يهتدون به وينتفعون بما فيه " (2). (الذين يؤمنون بالغيب) قال: " بما غاب عن حواسهم من توحيد الله، ونبوة الانبياء، وقيام القائم، والرجعة، والبعث، والحساب، والجنة، والنار، وسائر الامور التي يلزمهم الايمان بها مما لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يعرف بدلائل نصبها الله عز وجل عليه " (3). (ويقيمون الصلوة) قال: " بإتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها وحدودها، وصيانتها مما يفسدها أو ينقصها " (4). (ومما رزقنهم) قال: " من الاموال والابدان والقوى والجاه والعلم " (5). (ينفقون): يتصدقون. " يحتملون الكل (6)، ويؤدون الحقوق لاهاليها، ويقرضون، ويسعفون (7) الحاجات، ويأخذون بأيدي الضعفاء، يقودون الضرائر (8) وينجونهم من المهالك، ويحملون المتاع عنهم، ويحملون الراجلين على دوابهم، ويؤثرون من هو أفضل منهم في الايمان على أنفسهم بالمال والنفس، ويساوون من كان في درجتهم فيه بهما، ويعلمون العلم من كان أهله، ويروون فضائل أهل البيت عليهم السلام لمحبيهم ولمن يرجون هدايته ". كذا ورد (9). (والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك) من القرآن والشريعة (وما أنزل من قبلك) قال:


1 - السفه: ضد الحلم. مجمع البحرين 6: 347 (سفه). 2 - معاني الاخبار: 25، الحديث: 4، عن أبي محمد العسكري عليه السلام. 3 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 67 و 73. 5 - المصدر: 75. 6 - الكل - بفتح الكاف - الثقل والعيال. الصحاح 5: 1811، ومجمع البحرين 5: 464 (كلل). 7 - الاسعاف: الاعانة وقضاء الحاجة. مجمع البحرين 5: 70 (سعف). 8 - الضرائر: المحاويج (المحتاجون). الصحاح 2: 720 (ضرر). 9 - تفسير الامام عليه السلام: 75. (*)

[ 13 ]

" من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة " (1). (وبالاخرة) قال: " الدار التي بعد هذه الدار التي فيها جزاء الاعمال الصالحة بأفضل مما عملوه، وعقاب الاعمال السيئة بمثل ما كسبوه " (2). (هم يوقنون) قال: " لا يشكون " (3). (أولئك على هدى من ربهم) قال: " على بيان وصواب وعلم بما أمرهم به " (4). (وأولئك هم المفلحون) قال: " الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون " (5). (إن الذين كفروا) قال: " بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون " (6). (سوآء عليهم ءأنذرتهم) قال: " خوفتهم " (7). (أم لم تنذرهم لا يؤمنون). قال: " أخبر عن علمه فيهم " (8). (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم). قال: " وسمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته وأوليائه إذا نظر إليها بأنهم الذين لا يؤمنون " (9). " عقوبة على كفرهم " (10). (وعلى أبصرهم غشوة): غطاء. قال: " وذلك أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه وقصروا فيما أريد منهم، جهلوا ما لزمهم الايمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء، لا يبصر ما أمامه، فإن الله عز وجل يتعالى عن العبث والفساد، ومطالبة العباد بما قد منعهم بالقهر منه " (11). (ولهم عذاب عظيم) قال: " يعني في الآخرة العذاب المعد للكافرين، وفي الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه، بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبهه على طاعته، أو من عذاب الاصطلام ليصيره إلى عدله وحكمته " (12).


1 و 2 و 3 - تفيسر الامام عليه السلام: 88. 4 و 5 - الصمدر: 90. 6، 7 و 8 - المصدر: 91. 9 - المصدر: 98. 10 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 123، الباب: 11، الحديث 16. 11 و 12 - تفسير الامام عليه السلام: 98. (*)

[ 14 ]

أقول: الاصطلام - بالمهملتين - الاستئصال. (ومن الناس من يقول ءامنا بالله وباليوم الآخر). " نزلت في المنافقين والناصبين العداوة لآل الرسول، من الذين زادوا على الكفر الموجب للختم. والغشاوة: النفاق ". كذا ورد (1). (وما هم بمؤمنين). (يخدعون الله): " يعاملون الله معاملة المخادع ". كذا ورد (2). وفي رواية: " يخادعون رسول الله بإبدائهم له خلاف ما في جوانحهم " (3). أقول: وجه التوفيق أن مخادعة الرسول مخادعة الله، كما قال عز وجل: " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " (4). وقال: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (5). وقال: " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (6). (والذين ءامنوا): ويخادعون الذين آمنوا (وما يخدعون إلا أنفسهم) قال: " ما يضرون بتلك الخديعة إلا أنفسهم، لان الله غني عنهم وعن نصرتهم، ولولا إمهاله لهم لما قدروا على شئ من فجورهم وطغيانهم " (7). (وما يشعرون) قال: " أن الامر كذلك، وأن الله يطلع نبيه على نفاقهم " (8). (في قلوبهم مرض): نفاق وشك تغلي على النبي وآله، حقدا وحسدا وغيظا


1 - راجع: تفسير الامام عليه السلام: 111 - 113. 2 - ويدل عليه ما رواه العياشي عن الصادق عليه السلام: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: فيما النجاة غدا ؟ قال: إنما النجاة أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فإن من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الايمان ونفسه يخدع لو يشعر. قيل له: وكيف يخادع الله ؟ قال: يعمل ما أمره الله عز وجل ثم يريد به غيره، فاتقوا الله والريا، فإنه شرك بالله ". " عنه في الصافي 1: 82 - 81 ". والحديث مذكور في تفسير العياشي 1: 283 مع اختلاف يسير. 3 - تفسير الامام عليه السلام: 114، وفيه " بأيمانهم ". 4 - الفتح (48): 10. 5 - النساء (4): 80. 6 - الانفال (8): 17. 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 114. (*)

[ 15 ]

وخنقا (1) (فزادهم الله مرضا) قال: " بحيث تاهت قلوبهم " (2). (ولهم عذاب أليم): موجع غاية الايجاع. وهو العذاب المعد للمنافقين، وهو أشد من عذاب الكافرين، لان المنافقين في الدرك الاسفل من النار. (بما كانوا يكذبون): بسبب كذبهم أو تكذيبهم، على اختلاف القرائتين (3). (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض) " بإظهار النفاق لعباد الله المستضعفين، فتشوشوا عليهم دينهم وتحيروهم ". كذا ورد (4). (قالوا إنما نحن مصلحون)، " لانا لا نعتقد دينا، فنرضى محمدا في الظاهر ونعتق أنفسنا من رقه في الباطن، وفي هذا صلاح حالنا ". كذا ورد (5). (ألا إنهم هم المفسدون) قال: " بما يفعلون أمور أنفسهم، لان الله يعرف نبيه نفاقهم، فهو يلعنهم ويأمر المسلمين بلعنهم ولا يثق بهم أعداء المؤمنين، لانهم يظنون أنهم ينافقونهم أيضا كما ينافقون المؤمنين، فلا يرفع لهم عندهم منزلة " (6). أقول: ولهذا رد عليهم أبلغ رد. (ولكن لا يشعرون). (وإذا قيل لهم ءامنوا) قال: " قال لهم خيار الناس " (7). (كمآ ءامن الناس). قال: " المؤمنون كسلمان والمقداد وأبي ذر وعمار " (8). أقول: يعني إيمانا مقرونا بالاخلاص، مبرأ عن شوائب النفاق. (قالوا) قال: " قالوا في الجواب لمن يفيضون إليه، لا لهؤلاء المؤمنين، فإنهم لا يجسرون على مكاشفتهم بهذا الجواب " (9). (أنؤمن كمآ ءامن السفهاء): " المذلون أنفسهم


1 - خنقه: إذا عصر حلقه. أساس البلاغة: 176 (خنق). 2 - تفسير الامام عليه السلام: 117. 3 - فإنه قرأ أهل الكوفة: " يكذبون " بفتح الياء، مخففا، والباقون " يكذبون ". راجع: مجمع البيان 1 - 2: 47. 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 118. 6 و 7 و 8 و 9 - المصدر: 118 - 119. (*)

[ 16 ]

لمحمد، حتى إذا اضمحل أمره أهلكهم أعداؤه ". كذا ورد (1). (ألا إنهم هم السفهآء) قال: " الاخفاء العقول والآراء، الذين لم ينظروا حق النظر، فيعرفوا نبوته وثبات أمره " (2). (ولكن لا يعلمون). (وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلوا إلى شيطينهم) قال: " أخدانهم (3) من المنافقين المشاركين لهم في تكذيب الرسول " (4). (قالوا إنا معكم) أي: في الدين والاعتقاد كما كنا (إنما نحن مستهزءون) بالمؤمنين. (الله يستهزئ بهم): " يجازيهم جزاء من يستهزئ به، أما في الدنيا ففي إجراء أحكام المسلمين عليهم، وأمره الرسول بالتعريض لهم حتى لا يخفى من المراد بذلك التعريض، وأما في الآخرة فبأن بفتح لهم - وهم في النار - باب إلى الجنة فيسرعون نحوه، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ". كذا ورد (5). (ويمدهم) قال: " يمهلهم ويتأنى بهم برفقه " (6). (في طغينهم): في التعدي عن حدهم. (يعمهون): يتحيرون، والعمة في البصيرة كالعمى في البصر. (أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى) قال: " باعوا دين الله واعتاضوا منه الكفر بالله " (7). (فما ربحت تجرتهم) قال: " ما ربحوا في تجارتهم في الآخرة، لانهم اشتروا النار وأصناف عذابها بالجنة التي كانت معدة لهم لو آمنوا " (8). (وما كانوا مهتدين) قال: " إلى الحق والصواب " (9).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 118 - 119. 2 - المصدر: 119 - 120. 3 - جمع خدن، والخدن: الصديق. الصحاح 5: 2107، ومجمع البحرين 6: 343 (خدن). 4، 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 123. والآية في الرقم الخامس، في المطففين (83): 34. 7، 8 و 9 - المصدر: 125 - 126. (*)

[ 17 ]

(مثلهم) أي: حالهم العجيبة. وإنما يضرب الله الامثال للناس في كتابه لزيادة التوضيح والتقرير، فإنها أوقع في القلب وأقمع للخصم. (كمثل الذى استوقد نارا) قال: " ليبصر بها ما حوله " (1). (فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) " بإرسال ريح أو مطر أطفأها، وذلك أنهم أبصروا بظاهر الايمان الحق والهدى، وأعطوا أحكام المسلمين، فلما أضاء إيمانهم الظاهر ما حولهم، أماتهم الله وصاروا في ظلمات عذاب الآخرة ". كذا ورد (2). (وتركهم في ظلمت لا يبصرون) قال: " بأن منعهم المعاونة واللطف، وخلى بينهم وبين اختيارهم " (3). (صم بكم عمى) قال: " يعني في الآخرة، كما قال عز وجل: " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما " (4). أقول: وفي الدنيا أيضا في بواطنهم من أمور الآخرة، لانهم سدوا مسامعهم من الاصغاء إلى الحق، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن يتبصروا الآيات بأبصارهم. (فهم لا يرجعون) عن الضلالة التي اشتروها إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه. (أو كصيب من السماء): أو كمطر من العلا. قيل: يعني مثل ما خوطبوا به من الحق والهدى كمثل مطر، إذ به حياة القلوب، كما أن بالمطر حياة الارض (5). (فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصبعهم فئ اذانهم من الصوعق حذر الموت). مثل الشبهات والمصيبات بالظلمات، والتخويف والوعيد بالرعد، والآيات الباهرة المتضمنة للتبصير والتسديد بالبرق، وتصاممهم عما يسمعون من الوعيد، وما يطرقون به من النكايات (6) بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنه عنها، مع أنه لا خلاص له


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 130. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 123، الباب: 11، الحديث: 16. 4 - تفسير الامام عليه السلام: 130 - 131. والآية في الاسراء (17): 97. 5 - جوامع الجامع 1: 25، والتفسير الكبير (للرازي) 1: 78. 6 - نكيت في العدو نكاية: إذا أكثرت الجراح. أساس البلاغة: 655 (نكى). (*)

[ 18 ]

منها. (والله محيط بالكفرين) قال: " مقتدر عليهم، إن شاء أظهر لك نفاق منافقيهم وأبدى لك أسرارهم وأمرك بقتلهم " (1). (يكاد البرق يخطف أبصرهم): يذهب بها. وذلك لان " هذا مثل قوم ابتلوا ببرق فنظروا إلى نفس البرق، لم يغضوا عنه أبصارهم، ولم يستروا منه وجوههم لتسلم عيونهم من تلالئه، ولم ينظروا إلى الطريق الذي يريدون أن يتخلصوا فيه بضوء البرق. فهؤلاء المنافقون يكاد ما في القرآن من الآيات المحكمة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي يشاهدونها ولا يتبصرون بها، ويجحدون الحق فيها، يبطل عليهم سائر ما علموه (2) من الاشياء التي يعرفونها، فإن من جحد حقا أداه ذلك إلى أن يجحد كل حق، فصار جاحده في بطلان سائر الحقوق عليه، كالناظر إلى جرم الشمس في ذهاب بصره " كذا ورد (3). (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا): وقفوا وتحيروا. " فهؤلاء المنافقون إذا رأوا ما يحبون في دنياهم، فرحوا وتيمنوا ببيعتهم وإظهار طاعتهم، وإذا رأوا ما يكرهون في دنياهم، وقفوا وتشأموا بها ". كذا ورد (4). قيل: مثل اهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه، أو رفد تطمح إليه أبصارهم، بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم، وتحيرهم وتوقفهم في الامر حين تعرض لهم شبهة أو تعن لهم مصيبة، بتوقفهم إذا أظلم عليهم (5). وإنما قال مع الاضاءة " كلما "، ومع الاظلام " إذا "، لانهم حراص على المشي، كلما صادفوا منه فرصة انتهزوها، ولا كذلك التوقف (6).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 133. 2 - في المصدر: " عملوه ". 3 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 133 - 134. 5 - البيضاوي 1: 104. 6 - المصدر: 101. (*)

[ 19 ]

(ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم) قال: " حتى لا يتهيأ لهم الاحتراز من أن تقف على كفرهم أنت وأصحابك، فتوجب قتلهم " (1). (إن الله على كل شئ قدير): لا يعجزه شئ. (يأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) قال: " لها وجهان: أحدهما: خلكم وخلق الذين من قبلكم لتتقوه، كما قال: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (2). والآخر: اعبدوه لعلكم تتقون النار. و " لعل " من الله واجب، لانه أكرم من أن يعني (3) عبده بلا منفعة ويطمعه في فضله ثم يخيبه " (4). (الذي جعل لكم الارض فرشا) قال: " جعلها ملائمة لطبايعكم، موافقة لاجسادكم، مطاوعة لحرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم، لم يجعلها شديدة الحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم (5)، ولا شديدة النتن فتعطبكم، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم وأبنيتكم ودفن موتاكم، ولكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به في كثير من منافعكم " (6). (والسماء بناء) قال: " سقفا من فوقكم محفوظا، يدير فيها شمسها وقمرها ونجومها لمنافعكم " (7). (وأنزل من السماء ماء) قال: " يعني: المطر، ينزله من العلا ليبلغ قلل


1 - تفسير الامام عليه السلام: 133 - 134. 2 - الذاريات (51): 56. 3 - بالنون على بناء التفعيل، أي: يكلفه ما يشق عليه، وفي بعض النسخ " يعيي " - بالياء - من قولهم: أعيى السير البعير أي: أتبعه وأكله. والاول أظهر. 4 - تفسير الامام عليه السلام: 140 - 142. و " لعلكم " على المعنى الاول متعلق ب‍ " خلقكم "، والتقوى بمعنى العبادة. وعلى الثاني متعلق ب‍ " اعبدوا "، والتقوى بمعنى الحذر. " منه في الصافي 1: 87 ". 5 - الهامة: الرأس. الصحاح 5: 2063 (هيم). 6 و 7 - تفسير الامام عليه السلام: 142، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 137، الباب: 11، الحديث: 36. (*)

[ 20 ]

جبالكم وتلالكم هضابكم وأوهادكم، ثم فرقه رذاذا ووابلا وهطلا وطلا (1) لتنشفه (2) أرضوكم، ولم يجعل نازلا عليكم قطعة واحدة فيفسد أرضيكم وأشجاركم وزروعكم وثماركم " (3). قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ينزل مع كل قطرة ملك يضعها في موضعها الذي أمره به ربه جل وعز " (4). (فأخرج به من الثمرت رزقا لكم) أي: لمطعمكم ومشربكم وملبسكم وسائر منافعكم. (فلا تجعلوا لله أندادا) قال: " أشباها وأمثالا من الاصنام التي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر ولا تقدر على شئ " (5). (وأنتم تعلمون) قال: " أنها لا تقدر على شئ من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم " (6). (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) قال: " حتى تجحدوا أن يكون محمد رسول الله، وأن يكون هذا المنزل عليه كلامي، مع إظهاري عليه بمكة من الآيات الباهرات، كالغمامة المظللة عليه والجمادات المسلمة عليه وغير ذلك " (7). (فأتوا بسورة من مثله): " من مثل ما نزلنا مماثلة لهذا القرآن في البيان الغريب وحسن النظم والبلاغة، أو (8) من مثل عبدنا ممن هو على حاله، من كونه لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء ". كذا ورد (9). (وأدعوا شهداءكم من دون الله): " أصنامكم وشياطينكم ومن


1 - الهضاب: أعالي الجبال، والرذاذ: المطر الضعيف، والوابل: المطر الشديد، والهطل: المطر الضعيف الدائم وتتابع المطر، والطل: أخف المطر وأضعفه. 2 - النشف: ذهاب الماء في الارض والثوب. يقال: نشفت الارض الماء: شربته. النهاية 5: 58 (نشف). 3 - تفسير الامام عليه السلام: 143. 4 - المصدر: 150. في المصدر و " ج ": " عز وجل ". 5 و 6 - المصدر: 143. 7 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 151 - 154 بالمضمون. 8 - في الترديد في التفسير دلالة على أن القرآن ذو وجوه وأن حمله على الجميع صحيح، كما مر نظيره في قوله - سبحانه: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " الآية. وليس الترديد في مثل ذلك من قبيل الترديد في معناه. " منه في الصافي 1: 88 ". (*)

[ 21 ]

تطيعونه وتعبدونه من دون الله، وتزعمون أنهم شهداؤكم يوم القيامة، يشهدون لكم بعبادتكم عند ربكم، ليشهدوا لكم بأن ما آتيتم مثله ". كذا ورد (1). وقيل: لينصروكم على معارضته، فيكون الشهيد بمعنى الناصر (2). (إن كنتم صدقين) قال: " بأن محمدا تقوله من تلقاء نفسه لم ينزله الله عليه " (3). (فإن لم تفعلوا): الاتيان بما يساويه أو يدانيه (ولن تفعلوا) قال: " ولا يكون هذا منكم أبدا، ولن تقدروا عليه " (4). (فاتقوا النار التى وقودها) قال: " حطبها " (5). (الناس والحجارة) قال: " حجارة الكبريت، لانها أشد الاشياء حرا " (6). وقيل: المراد بها الاصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعا في شفاعتها، كما في قوله تعالى: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " (7). (أعدت للكفرين) قال: " المكذبين بكلامه ونبيه " (8). (وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت تجرى من تحتها) قال: " من تحت أشجارها ومساكنها " (9). (ألانهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذى رزقنا من قبل) " في الدنيا، فأسماؤه كأسمائه، ولكنها في غاية الطيب، غير مستحيل إلى ما يستحيل إليه ثمار الدنيا من الفضلات والاخلاط إلا العرق الذي يجري في أعراضهم أطيب ريحا من المسك ". كذا ورد (10). أقول: العرض - بالكسر -: الجسد.


1 - تفسير الامام عليه السلام: 151 - 154 بالمضمون. 2 - البيضاوي 1: 113. 3 - تفسير الامام عليه السلام: 154. 4، 5 و 6 - المصدر: 202، عن علي بن الحسين عليه السلام. 7 - البيضاوي 1: 116. والآية في سورة الانبياء (21): 98. 8 - تفسير الامام عليه السلام: 154. 9 و 10 - المصدر: 202. (*)

[ 22 ]

(وأتوا به متشبها) قال: " يشبه بعضه بعضا بأنها كلها خيار لارذل (1) فيها، وبأن كل صنف في غاية الطيب واللذة، ليست كثمار الدنيا التي بعضها ني (2)، وبعضها متجاوز حد النضيج (3) والادراك إلى حد الفساد، من حموضة ومرارة وسائر صنوف المكاره، ومتشابها أيضا: متفقات الالوان، مختلفات الطعوم " (4). (ولهم فيها أزوج مطهرة) " من أنواع الاقذار والمكاره لا يحضن ولا يحدثن ولا يصحن ولا يتغايرن ولا يتباغضن ولا يغششن ولا يعبن ولا يخدعن ولا يكثرن الظرف والاختيال ". كذا ورد (5). (وهم فيها خلدون) قال: " لان نياتهم في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا، فبالنيات خلدوا " (6). (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا) قال: " للحق، يوضحه لعباده المؤمنين " (7). (ما) يعني: أي مثل كان، فإن " ما " تزاد لزيادة الابهام والشيوع. (بعوضة فما فوقها). قال: " وهو الذباب. رد بذلك على من طعن في ضربه الامثال بالذباب والعنكبوت، وبمستوقد النار والصيب، في كتابه ". كذا ورد (8). أقول: وجه الرد أن المعتبر في المثل أن يكون على وفق الممثل له في الصغر والعظم والخسة والشرف، ليبينه ويوضحه حتى يصير في صورة المشاهد المحسوس، دون الممثل. (فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم). قال: " أنه ": المثل المضروب،


1 - الرذل: الدون الخسيس. الصحاح 4: 1708، ومجمع البحرين 5: 382 (رذل). 2 - الني: الفاكهة أو اللحم الذي لم يطبخ، أو طبخ أدنى طبخ ولم ينضج. النهاية 5: 140 (نيأ). 3 - في المصدر و " ب ": " النضج ". نضج اللحم والفاكهة: استوى وطاب أكله. مجمع البحرين 2: 332 (نضج). 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 203. والاختيال: التكبر. مجمع البحرين 5: 367 (خيل). 6 - علل الشرايع: 2: 523، الباب: 299، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - تفسير الامام عليه السلام: 205، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. 8 - المصدر: 205. (*)

[ 23 ]

" الحق من ربهم " أراد به الحق وإبانته، والكشف عنه وإيضاحه " (1). (وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا): أي شئ أراد به من جهة المثل (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا). قال: " يعني: يقول الذين كفروا: إن الله يضل بهذا المثل كثيرا ويهدي به كثيرا، أي: لا معنى للمثل. لانه وإن نفع به من يهديه فهو يضر به من يضل به، فرد الله عليهم بقوله " (2): (وما يضل به إلا الفسقين) قال: " الخارجين عن دين الله، الجانين على أنفسهم بترك تأمله وبوضعه على خلاف ما أمر الله بوضعه عليه " (3). وقيل: بل قوله: " يضل به كثيرا " جواب " ماذا " أي: إضلال كثير بسبب إنكاره، وهداية كثير بسبب قبوله (4). (الذين ينقضون عهد الله) قال: " المأخوذ عليهم لله بالربوبية، ولمحمد بالنبوة، ولعلي بالامامة، ولشيعتهما بالمحبة والكرامة " (5). (من بعد ميثقه) قال: " إحكامه وتغليظه " (6). (ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل) قال: " من الارحام والقرابات أن يتعاهدوهم ويقضوا حقوقهم. وأفضل رحم وأوجبهم حقا رحم محمد، فإن حقهم بمحمد، كما أن حق قرابات الانسان بأبيه وأمه، ومحمد أعظم حقا من أبويه، وكذلك حق رحمه أعظم، وقطيعته أفظع وأفضح " (7). أقول: ويدخل في الآية التفريق بين الانبياء والكتب في التصديق، وترك موالاة المؤمنين، وترك الجمعة والجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد، التي هي المقصودة بالذات من كل وصل وفصل. (ويفسدون في الارض) " بسبب قطع ما في وصله نظام العالم وصلاحه ". كذا


1، 2 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 206. 4 - البيضاوي 1: 127 - 126، وفيه: " إهداء كثير ". 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 206. 7 - المصدر: 207. (*)

[ 24 ]

ورد (1). (أولئك هم الخسرون) قال: " الذين خسروا أنفسهم لما صاروا إلى النيران، وحرموا الجنان " (2). (كيف تكفرون بالله) قال: " الخطاب لكفار قريش واليهود " (3). (وكنتم أموتا) قال: " في أصلاب آبائكم وأرحام أمهاتكم " (4). (فأحيكم) قال: " أجرى فيكم الروح وأخرجكم أحياء " (5). (ثم يميتكم) قال: " في هذه النشأة ويقبركم " (6). (ثم يحييكم) قال: " في القبور، وينعم فيها المؤمنين ويعذب الكافرين " (7). (ثم إليه ترجعون) قال: " في الآخرة، بأن تموتوا في القبور بعد الاحياء، ثم تحيوا للبعث يوم القيامة، ترجعون إلى الثواب أو العقاب " (8). (هو الذى خلق لكم ما في الارض جميعا) قال: " لتعتبروا به وتتوصلوا به إلى رضوانه، وتتوقوا من عذاب نيرانه " (9). (ثم استوى إلى السماء) قال: " أخذ في خلقها وإتقانها " (10). (فسوهن): عدلهن مصونة عن العوج والفطور. (سبع سموت وهو بكل شئ عليم) ولهذا خلق ما خلق، كما خلق لمصالحكم على حسب ما اقتضته الحكمة. (وإذ قال ربك للملئكة) قال: " الذين كانوا في الارض مع إبليس وقد كانوا طردوا عنها الجن بني الجان وخففت عليهم العبادة " (11). وورد: " إن الجن كانوا يفسدون في الارض، فبعث الله إليهم الملائكة، فقتلوهم وأسروا إبليس من بينهم وكان حاكما فيهم " (12). (إنى جاعل في الارض خليفة) قال: " بدلا منكم، ورافعكم منها، فاشتد ذلك عليهم، لان العبادة عن رجوعهم إلى السماء تكون أثقل


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 207. 3 إلى 8 - المصدر: 210. 9 و 10 - المصدر: 215. 11 - المصدر: 216. 12 - القمي 1: 36 - 37. (*)

[ 25 ]

عليهم " (1). وفي رواية: " خليفة تكون حجة لي في أرضي على خلقي " (2). (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) قال: " كما فعلته الجن، بنو الجان الذين قد طردناهم عن هذه الارض " (3). (ونحن نسبح بحمدك) قال: " ننزهك عما لا يليق بك من الصفات " (4). (ونقدس لك) قال: " نطهر أرضك ممن يعصيك " (5). " فاجعل ذلك الخليفة منا، فإنا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء " (6). وفي رواية: " إنهم منوا على الله بعبادتهم إياه، فأعرض عنهم، وإنهم قالوا في سجودهم في أنفسهم: ما كنا نظن أن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، نحن خزان الله وجيرانه، وأقرب الخلق إليه " (7). وفي أخرى: " فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام، فلاذوا بالعرش سبعة آلاف سنة فرحمهم فتاب عليهم " (8). (قال إنى أعلم ما لا تعلمون) قال: " من الصلاح الكامن (9) فيه، ومن الكفر الباطن فيمن هو فيكم، وهو إبليس لعنه الله " (10). ورد: " إنه لما خلق الله آدم بقي أربعين سنة مصورا، وكان يمر به إبليس ويقول: لامر ما خلقت ؟ وقال: لئن أمرني الله بالسجود لهذا عصيته " (11). (وعلم ءادم الاسماء كلها) قال: " أسماء المخلوقات من الجبال والبحار والاودية والنبات والحيوان وغيرها " (12). وفي رواية: " أسماء أنبياء الله وأوليائه وعتاة أعدائه " (13).


1، 3، 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 216. 2 و 6 - القمي 1: 36 - 37. 7 - العياشي 1: 31، الحديث: 7، عن علي بن الحسين عليه السلام. 8 - علل الشرايع 2: 406، الباب: 143، الحديث: 1، عن علي بن الحسين عليه السلام. 9 - في المصدر: " الكائن فيمن أجعله بدلا منكم ". 10 - تفسر الامام عليه السلام: 216. 11 - القمي 1: 41، عن أبي جعفر عليه السلام. 12 - المصدر: 45. 13 - تفسير الامام عليه السلام: 217. (*)

[ 26 ]

أقول: وجه التوفيق أن المراد بالاسماء، أسماء الله الحسنى التي بها خلقت المخلوقات كما أشير إليها في أدعية أهل البيت - عليهم السلام - بقولهم: " وبالاسم الذي خلقت به العرش، وبالاسم الذي خلقت به الكرسي، وبالاسم الذي خلقت به الارواح " (1)، إلى غير ذلك. وإنما اختص كل مخلوق باسم، بسبب غلبة ظهور الصفة التي دل عليها ذلك الاسم فيه، كما أشير إليه في الحديث القدسي: " يا آدم هذا محمد وأنا الحميد المحمود في فعالي، شققت له اسما من اسمي، وهذا علي وأنا العلي العظيم، شققت له اسما من اسمي " (2) الحديث. وإنما أضيفت في الحديث تارة إلى المخلوقات كلها، لانها كلها مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها متفرقة، وأخرى إلى الاولياء والاعداء، لانهما مظاهرها التي فيها ظهرت صفاتها مجتمعة، أي ظهرت صفات اللطف كلها في الاولياء، وصفات القهر كلها في الاعداء. والمراد بتعليمها آدم كلها، خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة، حتى استعد لادراك أنواع المدركات، من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات، وإلهامه معرفة ذوات الاشياء وخواصها وأصول العلم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها والتمييز بين أولياء الله وأعدائه، فتأتي له بمعرفة ذلك كله مظهريته لاسماء الله الحسنى كلها، وجامعيته جميع كمالات الوجود اللائقة به، حتى صار منتخبا لكتاب الله الكبير الذي هو العالم الاكبر، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: " وفيك انطوى العالم الاكبر " (3). (ثم عرضهم على الملئكة) أي: عرض أشباح المخلوقات جميعا المدلول عليها بالاسماء كلها. وفي الرواية الاخيرة: " إنه عرض أشباحهم حين كونهم أنوارا في


1 - البلد الامين: 411 - 412، والبحار 90: 254 - 255، وهو دعاء الاسماء الحسنى. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 220. 3 - ديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: 41. والمصرع الاول: " وتحسب أنك جرم صغير ". (*)

[ 27 ]

الاظلة " (1). (فقال أنبؤني بأسمآء هؤلاء) يعني حقايقها التي هي أسماء الله التي بها خلقت هذه الاشباح التي هي مظاهرها. (إن كنتم صدقين) " بأن ترككم هيهنا أصلح من إيراد من بعدكم بأنكم أحق (2) بالخلافة من آدم ". كذا ورد (3). (قالوا سبحنك لا علم لنآ إلا ما علمتنا إنك أنت العليم) قال: " بكل شئ " (4). (الحكيم) قال: " المصيب في كل فعل " (5). أقول: اعترفوا بالعجز والقصور لما قد بان لهم من فضل آدم ولاحت لهم الحكمة في خلقه، فصغر حالهم عند أنفسهم وقل علمهم لديهم وانكسرت سفينة جبروتهم، فغرقوا في بحر العجز وفوضوا العلم والحكمة إلى الله، وذلك لعدم جامعيتهم وكونهم وحدانية الصفة، إذ ليس في جبلتهم خلط وتركيب، ولهذا لا يفعل كل صنف منهم إلا فعلا واحدا، فالراكع منهم راكع أبدا، والساجد ساجد أبدا، والقائم قائم أبدا، كما ورد في الحديث (6). وقد حكى الله تعالى عنهم بقوله: " وما منا إلا له مقام معلوم " (7). فكل صنف منهم مظهر لاسم واحد من الاسماء الالهية لا يتعداه، ففاقهم آدم بمعرفته الكاملة ومظهريته الشاملة. وتمام بيان هذا التأويل يطلب من تفسيرنا الكبير (8). (قال يادم أنبئهم بأسمآئهم). أقول: يعني أخبرهم بالحقائق المكنونة عنهم، والمعارف المستورة عليهم، ليعرفوا جامعيتك لها، وقدرة الله على الجمع بين الصفات المتباينة والاسماء المتناقضة في مخلوق


1، 3 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 217. 2 - في " ب " و " ج ": " وبأنكم أحق ". 5 - تفسير الامام عليه السلام: 217. 6 - راجع: نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 41، الخطبة: 1. 7 - الصافات (37): 164. 8 - الصافي 1: 100. (*)

[ 28 ]

واحد. (فلما أنبأهم بأسمآئهم) قال: " فعرفوها " (1). (قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السموت والارض) قال: " سرهما " (2). (وأعلم ما تبدون) قال: " من ردكم علي " (3). (وما كنتم تكتمون) قال: " من اعتقادكم أنه لا يأتي أحد يكون أفضل منكم، وعزم إبليس على الاباء على آدم إن أمر بطاعته، فجعل آدم حجة عليهم " (4). (وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم). " وذلك لما كان في صلبه من أنوار نبينا، وأهل بيته المعصومين - صلوات الله عليهم - وكانوا قد فضلوا على الملائكة باحتمالهم الاذى في جنب الله، فكان السجود لهم تعظيما وإكراما، ولله - سبحانه - عبودية، ولآدم طاعة ". كذا ورد (5). (فسجدوا إلا إبليس). ورد: " إنه كان بين الملائكة يعبد الله في السماء، وكانت تظنه منهم فلما استكبر علمت أنه لم يكن منهم، وإنما دخل في الامر، لكونه منهم بالولاء ولم يكن من جنسهم " (6). (أبى واستكبر) قال: " أخرج ما كا في قلبه من الحسد " (7). (وكان من الكفرين). ورد: " إنه أول من كفر وأنشأ الكفر " (8). (وقلنا يا دم اسكن أنت وزوجك الجنة) ورد: " إنها كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الخلد لم يدخلها إبليس ولا خرج منها آدم أبدا " (9). (وكلا منها رغدا) قال: " واسعا بلا تعب " (10). (حيث شئتما ولا تقربا هذه


1، 2 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 217. 3 - العياشي 1: 31، الحديث: 7، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 5 - تفسير الامام عليه السلام: 219 - 220. 6 - القمي 1: 35 - 36، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر: 41 - 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 244، الباب: 24، الحديث: 1. 9 - القمي 1: 41 - 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - تفسير الامام عليه السلام: 221 - 222. (*)

[ 29 ]

الشجرة) قال: " شجرة علم محمد وآل محمد، التي آثرهم الله بها دون سائر خلقه، لا يتناول منها بأمر الله إلا هم. قال: وكانت شجرة تحمل أنواع الثمار والفواكه والاطعمة، فلذلك اختلفت الحاكون بذكرها، فقال بعضهم: برة، وقال آخرون: عنبة، وقال آخرون: عنابة. وهي الشجرة التي من تناول منها بإذن الله ألهم علم الاولين والآخرين من غير تعلم، ومن تناول بغير إذن الله خاب من مراده وعصى ربه " (1). وفي رواية: " أنها شجرة الكافور " (2). وفي أخرى: " أنها شجرة الحسد " (3). وفي أخرى: " أن كلها حق وأن آدم قال في نفسه: هل خلق الله بشرا أفضل مني ؟ فأراه الله أشباح آل محمد " (4). وفي رواية: " أراه أسماءهم من العرش وقال: هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا خلقت الجنة ولا النار ولا السماء ولا الارض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد وتتمنى منزلتهم. فتسلط عليه الشيطان، حتى أكل من الشجرة التي نهي عنها، وتسلط على حواء، فنظرت إلى فاطمة بعين الحسد، حتى أكلت من الشجرة كما أكل آدم " (5). أقول: كما أن للبدن غذاء من الحبوب والفواكه، كذلك للروح غذاء من العلوم والمعارف، وكما أن لذلك الغذاء أشجارا تثمرها كذلك لهذا، ولكل صنف من الناس ما يليق به من الغذاء، ولكل فاكهة في العالم الجسماني مثال في العالم الروحاني، ولهذا فسرت الشجرة تارة بشجرة الفواكه، وأخرى بشجرة العلوم. وكأن شجرة علم محمد إشارة إلى المحبوبية الكاملة المثمرة للتوحيد الخالص المستجمع للكمالات الانسانية قاطبة،


1 - تفسير الامام عليه السلام: 221 - 222. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 85، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 و 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 306، الباب: 28، الحديث: 67. 5 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 307، الباب: 28، الحديث: 67. (*)

[ 30 ]

فإن فيها من ثمار المعارف كلها. وشجرة الكافور إشارة الى برد اليقين الموجب للطمأنينة التامة المقتضية للخلق العظيم الذي كان لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم. فلا تنافي بين الروايات، ولا بينها وبين ما قاله أهل التأويل: إنها شجرة الهوى والطبيعة. لان قربها إنما يكون بالهوى والشهوة الطبيعية. وهذا معنى ما ورد إنها شجرة الحسد، فإن الحسد إنما ينشأ منها. (فتكونا من الظلمين) قال: " بمعصيتكما والتماسكما درجة قد أوثر بها غير كما إذا رمتما بغير حكم الله " (1). (فأزلهما الشيطن عنها) " بوسوسته وخديعته وإيهامه وعداوته وغروره، بأن دخل بين لحيي الحية فأراهما أن الحية تخاطبهما " كذا ورد (2). ويأتي تمام القصة في سورة الاعراف إن شاء الله (3). (فأخرجهما مما كانا فيه) قال: " من النعيم " (4). (وقلنا اهبطوا) قال: " يا آدم ويا حواء ويا إبليس ويا حية اهبطوا " (5). (بعضكم لبعض عدو). قال: " آدم وحواء وولدهما عدو للحية وإبليس، وإبليس والحية وأولادهما أعداؤهم. قال: وكان هبوط آدم وحواء والحية من الجنة، فإن الحية كانت من أحسن دوابها، وهبوط إبليس من حواليها، فإنه كان يحرم عليه دخول الجنة " (6). أقول: لعله إنما يحرم عليه دخول الجنة بارزا بحيث يعرف، وذلك لانه قد دخلها مختفيا في فم الحية ليدليهما بغرور كما مر. وبهذا يرتفع التنافي بين هذا الحديث وبين الذي مر: أنها لو كانت من جنان الخلد لم يدخلها إبليس، أراد به دخولها وهو في فم


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 222. 3 - الاعراف (7): 19 إلى 23. 4، 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 224. (*)

[ 31 ]

الحية. فتدبر. (ولكم في الارض مستقر) قال: " منزل ومقر للمعاش " (1). (ومتع) قال: " منفعة " (2). (إلى حين) قال: " حين الموت " (3). وفي رواية: " يوم القيامة " (4). ولعل وجه التوفيق، حديث: " من مات فقد قامت قيامته " (5). (فتلقئ ادم من ربه كلمت). قال: " يقولها، فقالها " (6). ورد: " هي لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي وأنت خير الغافرين. لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي وارحمني، إنك أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت، سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم " (7). وفي رواية: " بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين " (8). وفي أخرى: " بحق محمد وآل محمد " (9). وقيل: هي: " ربنا ظلمنا أنفسنا ". الآية (10). (فتاب) الله (عليه) بها (إنه هو التواب) قال: " القابل للتوبات " (11). (الرحيم) قال: " بالتائبين " (12). (قلنا اهبطوا منها جميعا). قال: " أمروا أولا بالهبوط، وثانيا بأن لا يتقدم أحدهم الآخرين " (13). (فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون). قيل: " ما " مزيدة لتأكيد الشرط. ولذلك حسن النون من غير طلب،


1، 2 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 224. 4 - القمي 1: 43. 5 - كنز العمال 15: 548، الحديث: 42123. 6 - تفسير الامام عليه السلام: 224. 7 - الكافي 8: 304، الحديث: 472، عن أحدهما عليهما السلام. 8 - معاني الاخبار: 125، الحديث: 2، والكافي 8: 305، الحديث: 472، مرفوعة. 9 - الاحتجاج 1: 55، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 10 - البيضاوي 1: 143. والآية في الاعراف (7): 23. 11، 12 و 13 - تفسير الامام عليه السلام: 224. (*)

[ 32 ]

والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الاول (1). (والذين كفروا وكذبوا بايتنآ): دلالاتنا (أولئك أصحب النار هم فيها خلدون). (يبنى إسراءيل) قال: " أولاد يعقوب " (2). (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) قال: " أن بعثت محمدا وأقررته في مدينتكم ولم أجشمكم الحط (3) والترحال إليه، وأوضحت علاماته ودلائل صدقه، كيلا يشتبه عليكم حاله " (4). (وأوفوا بعهدي) قال: " الذي أخذته على أسلافكم، بلسان أنبيائهم، وأمرتهم أن يؤدوه إلى أخلافهم، ليؤمنن بمحمد العربي المؤيد بالمعجزات " (5). (أوف بعهدكم) قال: " الذي أوجبت به لكم نعيم الابد في دار الكرامة " (6). (وإيى فارهبون) قال: " في مخالفة محمد فإني القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي، وهم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم، إذا آثرتم مخالفتي " (7). وفي رواية: " أوفوا بولاية علي، فرضا من الله، أوف لكم بالجنة " (8). (وءامنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم) قال: " فإن مثل هذا الذكر في كتابكم " (9). (ولا تكونوا أول كافريه). قيل: فيه تعريض بأن الواجب أن تكونوا أول مؤمن به، لانهم كانوا عالمين بشأنه، مستفتحين به، مبشرين بزمانه (10). ورد: " إن هؤلاء يهود المدينة، جحدوا نبوة محمد وخانوه بعد ما عرفوه، وقالوا: نحن نعلم أن محمدا نبي وأن


1 - البيضاوي 1: 144. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 227. 3 - أجشمني فلان أمرا وجشمنيه: كلفني، والحط: النزول ووضع الاحمال عن الدواب. لسان العرب 12: 100 و 7: 272 (جشم، حطط). 4، 5، 6، 7 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 227 - 228. 8 - العياشي 1: 42، الحديث: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - البيضاوي 1: 148. (*)

[ 33 ]

عليا وصيه، ولكن لست أنت ذلك. ولا هذا، ولكن يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنة " (1). (ولا تشتروا بايتى ثمنا قليلا). قال: " كان لهم مأكلة على قومهم في كل سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي، فحرفوا لذلك آيات من التوراة، فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الذي أريد به في الآية " (2). (وإيى فاتقون) قال: " في كتمان أمر محمد وأمر وصيه " (3). (ولا تلبسوا الحق بالبطل): " لا تخلطوه به بأن تقروا به من وجه وتجحدوه من وجه " (4). (وتكتموا الحق) قال: " من نبوة هذا وإمامة هذا " (5). (وأنتم تعلمون) قال: " إنكم تكتمونه، تكابرون علومكم وعقولكم " (6). (وأقيموا الصلوة) قال: " المكتوبة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأقيموا أيضا الصلاة على محمد وآله " (7). (وءاتوا الزكوة) قال: " من أموالكم إذا وجبت، ومن أبدانكم إذا لزمت، ومن معونتكم إذا التمست " (8). وفي رواية: " هي الفطرة التي افترض الله على المؤمنين " (9). قال: " نزلت الزكاة وليست للناس الاموال، وإنما كانت الفطرة " (10). (واركعوا مع الركعين) قال: " تواضعوا مع المتواضعين، لعظمة الله في الانقياد لاولياء الله " (11). وقيل: صلوا في الجماعة (12). (أتأمرون الناس بالبر) قال: " بالصدقات وأداء الامانات " (13). (وتنسون أنفسكم): تتركونها (وأنتم تتلون الكتب) قال: " التوراة الامرة لكم بالخيرات،


1 - تفسير الامام عليه السلام: 229. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 95، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 إلى 8 - تفسير الامام عليه السلام: 229. 9 - العياشي 1: 42، الحديث: 32، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - المصدر: 43، الحديث: 35، عن أبي عبد الله عليه السلام. 11 - تفسير الامام عليه السلام: 231. 12 - البيضاوي 1: 150. 13 - تفسير الامام عليه السلام: 234. (*)

[ 34 ]

الناهية عن المنكرات " (1). (أفلا تعقلون) قال: " ما عليكم من العقاب في أمركم بما به لا تأخذون، وفي نهيكم عما أنتم فيه منهمكون - قال: - نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم " (2). وفي رواية: " نزلت في الخطباء والقصاص " (3). أقول: وهي جارية في كل من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره. (واستعينوا بالصبر) " عن الحرام، على تأدية الامانات، وعن الرياسات الباطلة على الاعتراف بالحق واستحقاق الغفران والرضوان ونعيم الجنان ". كذا ورد (4). وفي رواية: " إن الصبر الصيام " (5). (والصلوة) قال: " الصلوات الخمس والصلاة على محمد وآله " (6). وفي رواية: " كان علي عليه السلام إذا هاله شئ، فزع إلى الصلاة، ثم تلا هذه الآية " (7). وروي مثله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا (8)، فتشتمل غير الخمس. (وإنها) القمي: يعني الصلاة (9). (لكبيرة) قال: " عظيمة " (10). أقول: يعني ثقيلة شاقة، لقوله تعالى: " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " (11). (إلا على الخشعين) قال: " الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه " (12). قيل: وذلك لان نفوسهم مرتاضة بأمثالها، متوقعة في مقابلتها ما يستخف لاجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها، كما قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: " جعلت قرة عيني في الصلاة " (13).


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 234. 3 - القمي 1: 46، وفيه: " الخطاب " بدل " الخطباء ". 4 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 237 - 238. 5 - الكافي 4: 63، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر 3: 480، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - مجمع البيان 1 - 2: 99. 9 - القمي 1: 46. 10 و 12 - تفسير الامام عليه السلام: 237 - 238. 11 - الشورى (42): 13. 13 - البيضاوي 1: 151. (*)

[ 35 ]

(الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم) قال: " يوقنون أنهم يبعثون " (1). وفي رواية: " يقدرون ويتوقعون أنهم يلقون ربهم، اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده - قال -: وإنما قال " يظنون " لانهم لا يدرون بماذا يختم لهم، لان العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقينا، لانهم لا يأمنون أن يغيروا ويبدلوا " (2). (وأنهم إليه رجعون) قال: " إلى كراماته ونعيم جناته " (3). (يبنى إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم) قال: " أن بعثت موسى وهارون إلى أسلافكم بالنبوة، فهد يا هم إلى نبوة محمد ووصية علي وإمامة عترته عليهم السلام، وأخذا عليهم بذلك، العهود، إن وفوا بها كانوا ملوكا في الجنان " (4). (وأنى فضلتكم) قال: " فضلت أسلافكم في دينهم بقبول ولاية محمد وآله، وفي دنياهم بتظليل الغمامة، وإنزال المن والسلوى، وسقيهم من الحجر ماء عذبا، وفلق البحر لهم، وإنجائهم من الغرق، وغرق أعدائهم " (5). (على العلمين) قال: " عالمي زمانهم الذين خالفوا طريقتهم وحادوا عن سبيلهم " (6). " وإنما خاطب الله الاخلاف بما فعل بالاسلاف أو فعلوه هم، لرضاهم به، ولان القرآن نزل بلغة العرب وهم يتخاطبون بمثل ذلك " (7). كذا ورد. (واتقوا يوما) قال: " وقت النزع " (8). (لا تجزى نفس عن نفس شيئا) قال: " لا تدفع عنها عذابا قد استحقته " (9). (ولا يقبل منها شفعة) قال: " بتأخير الموت " (10). (ولا يؤخذ منها عدل) قال: " فداء، بأن تمات وتترك


1 - العياشي 1: 44، الحديث: 42، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " يوقنون أنهم مبعوثون ". 2 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 237 - 238. 4 - المصدر: 240، وفيه نسبة فعل الهداية والاخذ إلى الله تعالى. 5 و 6 - المصدر: 240 - 241. 7 - المصدر: 272. 8، 9 و 10 - المصدر: 240 - 241. (*)

[ 36 ]

هي. قال: هذا يوم الموت، فإن الشفاعة والفداء لا يغني عنه، فأما في القيامة فإنا وأهلنا نجزي عن شيعتنا كل جزاء " (1). (ولاهم ينصرون) يعني في دفع الموت والعذاب. (وإذ نجينكم) قال: " واذكروا إذ أنجينا أسلافكم " (2). أقول: هذا تفصيل لما أجمله في قوله: " اذكروا نعمتي ". (من ءال فرعون) قال: " وهم الذين كانوا يؤلون إليه بقرابته وبدينه ومذهبه " (3). (يسومونكم) قال: " كانوا يعذبونكم " (4). أقول: من سامه الامر: كلفه إياه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر. (سوء العذاب) قال: " شدة العذاب. وكان من عذابهم الشديد أنه كان فرعون يكلفهم عمل البناء والطين ويخاف أن يهربوا عن العمل، فأمر بتقييدهم، وكانوا ينقلون ذلك الطين على السلاليم إلى السطوح، فربما سقط الواحد منهم فمات أو زمن (5)، ولا يحفلون (6) بهم " (7). (يذبحون أبنائكم). قال: " وذلك لما قيل لفرعون: إنه يولد في بني إسرائيل مولود، يكون على يده هلاكك وزوال ملكك " (8). (ويستحيون نساءكم) قال: " يبقونهن ويتخذونهن إماء " (9). (وفى ذلكم): في الانجاء (بلاء من ربكم) قال: " نعمة " (10). (عظيم) قال: " كبير " (11).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 240 - 241. 2، 3 و 4 - المصدر: 242 - 243. 5 - رجل زمن: مبتلى بين الزمانة، والزمانة: العاهة. لسان العرب 13: 199 (زمن). 6 - الحفل: المبالاة. يقال: ما أحفل بفلان: أي ما أبالي به. لسان العرب 11: 159 (حفل). 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 243. 9، 10 و 11 - المصدر: 244. (*)

[ 37 ]

(وإذ فرقنا بكم البحر) قال: " واذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقا ينقطع بعضه من بعض " (1). (فأنجينكم) قال: " هناك " (2). (وأغرقنا ءال فرعون) قال: " فرعون وقومه " (3). (وأنتم تنظرون) قال: " إليهم وهم يغرقون " (4). (وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة): " وعده الله أن يعطيه التوراة بعد هلاك فرعون، وضرب له ميقاتا ثلاثين يوما، فاستاك بعد مضي ثلاثين، فذهب طيب فمه فأتمه بعشر ". كذا ورد (5). (ثم اتخذتم العجل) إلها ومعبودا (من بعده وأنتم ظلمون). يأتي قصته في الاعراف إن شاء الله (6). (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون). قال: " يعني عفونا عن أوائلكم عبادة العجل، لعلكم - يا أيها الكائنون في عصر محمد من بني إسرائيل - تشكرون تلك النعمة على أسلافكم وعليكم بعدهم " (7). (وإذ ءاتينا موسى الكتب) قال: " التوراة " (8). (والفرقان) قال: " فرق ما بين الحق والباطل، والمحق والمبطل " (9). (لعلكم تهتدون). (وإذ قال موسى لقومه يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) قال: " يقتل بعضكم بعضا، يقتل من لم يعبد العجل من عبده " (10). (ذلكم خير لكم عند بارئكم)، " لانه كفارتكم فهو خير من أن تعيشوا في الدنيا ثم تكونوا في النار خالدين " (11). كذا ورد. (فتاب عليكم) قال: " قبل توبتكم، قبل استيفاء القتل لجماعتكم وقبل إتيانه على كافتكم، وأمهلكم للتوبة


1، 2، 3 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 245. 5 - المصدر: 248 - 250. 6 - في ذيل الآية: 143. 7، 8 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 252. 10 و 11 - المصدر: 254. (*)

[ 38 ]

واستبقاكم للطاعة " (1). (إنه هو التواب الرحيم). (وإذ قلتم) قال: " أسلافكم " (2). (يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) قال: " عيانا " (3). ورد: " إنهم السبعون الذين اختارهم وصاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنك رأيت الله فأرناه كما رأيته، فقال لهم: إني لم أره فقالوا له ذلك " (4). (فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون) قال: " إلى الصاعقة تنزل " (5). (ثم بعثنكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) قال: " الحياة التي فيها تتوبون وتقلعون، لكيلا تخلدوا في النار " (6). أقول: ويأتي تمام الكلام في سؤالهم الرؤية في الاعراف إن شاء الله (7). (وظللنا عليكم الغمام) قال: " لما كنتم في التيه (8) تقيكم من حر الشمس وبرد القمر " (9). (وأنزلنا عليكم المن) قال: " الترنجبين كان يسقط على شجرهم، فيتناولونه ". (والسلوى) قال: " السمانى أطيب طير كان يسترسل بهم، فيصطادونه " (10). وفي رواية: " ينزل عليهم بالليل المن فيأكلوه، وبالعشي يجئ طائر مشوي فيقع على موائدهم، فإذا أكلوا وشبعوا طار عنهم " (11).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 254. 2 و 3 - المصدر: 256. 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 161، الباب: 12، الحديث: 1. 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 256. 7 - في ضمن الآية: 155. 8 - التيه في اللغة: المفازة يتاه بها. وتيه بني إسرائيل: الصحراء التي تاهوا بها أي حاروا، فلم يهتدوا للخروج منها، وهي أرض بين " أيلة " و " مصر " و " بحر القلزم " وجبال " السراة " من أرض الشام يقال: إنها أربعون فرسخا في مثلها، وقيل: اثنا عشر فرسخا في ثمانية فراسخ. " راجع: معجم البلدان 2: 69 ولسان العرب 13: 482 - تيه ". 9 - 10 - تفسير الامام عليه السلام: 258. 11 - القمي 1: 48. (*)

[ 39 ]

(كلوا من طيبت ما رزقنكم) قال: " قال الله: كلوا " (1). (وما ظلمونا) قال: " لما غيروا وبدلوا ما به أمروا، ولم يفوا بما عليه عاهدوا، لان كفر الكافر لا يقدح في سلطاننا. كما أن إيمان المؤمن لا يزيد في سلطاننا " (2). (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) قال: " هي " أريحا " (3) من بلاد الشام، وذلك حين خرجوا من التيه " (4). (فكلوا منها حيث شئتم رغدا) قال: " واسعا بلا تعب " (5). (وادخلوا الباب) قال: " باب القرية " (6). (سجدا): ساجدين لله (وقولوا حطة) قال: " سجودنا لله حطة لذنوبنا، ومحو لسيئاتنا " (7). (نغفر لكم خطيكم) السالفة (وسنزيد المحسنين) قال: " من لم يقارف (8) الذنب منكم ثوابا " (9). (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذى قيل لهم) قال: " لم يسجدوا كما أمروا، ولا قالوا ما أمروا، بل دخلوها بأستاههم (10)، وقالوا ما معناه: حنطة حمراء نتقوتها، أحب إلينا من هذا الفعل وهذا القول " (11). (فأنزلنا على الذين ظلموا). قيل: كرره مبالغة في تقبيح أمرهم، وإشعارا بأن الانزال عليهم لظلمهم على أنفسهم، ولو ضع غير المأمور به موضعه (12). (رجزا من السماء): عذابا. وهو في الاصل ما يعاف عنه، كالرجس. (بما كانوا يفسقون) قال: " يخرجون عن أمر الله وطاعته. قال: والرجز الذي أصابهم، أنه مات بالطاعون


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 258. 3 - مدينة الجبارين في الغور من أرض الاردن بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس. معجم البلدان 1: 165. 4، 5، 6، 7، 9 و 11 - تفسير الامام عليه السلام: 260 - 259. 8 - قارف الذنب: داناه ولاصقه. النهاية 4: 45 (قرف). 10 - الاست: العجز وجمعه: أستاه. " الصحاح 6: 2233 - سته ". وفي مجمع البيان 1 - 2: 119: " كانوا لقد أمروا أن يدخلوا الباب سجدا وطؤطئ لهم الباب ليدخلوه كذلك، فدخلوه زاحفين على أستاههم ". 12 - راجع: البيضاوي 1: 156. (*)

[ 40 ]

منهم في بعض يوم، مائة وعشرون ألفا وهم الذين في علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يخرج من صلبهم ذرية طبية " (1). (وإذ استسقى موسى لقومه) قال: " لما عطشوا في التيه وضجوا إليه بالبكاء " (2). (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) قال: " فضربه بها داعيا بمحمد وآله الطيبين، فانفجرت " (3). (قد علم كل أناس) قال: " كل قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب " (4). (مشربهم) قال: " ولا يزاحم الآخرين في مشربهم " (5). (كلوا واشربوا من رزق الله): من المن والسلوى والماء (ولا تعثوا في الارض مفسدين) أي: لا تعتدوا، من العثو. (وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام وحد) قال: " المن والسلوى ولابد لنا من خلط معه " (6). (فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفوئها) قال: " الفوم: الحنطة " (7). (وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدن بالذى هو خير) قال: " أتستدعون الادون ليكون لكم بدلا من الافضل ؟ " (8). (اهبطوا مصرا) قال: " من الامصار " (9). (فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة) قال: " الجزية والفقر " (10). (وبآء وبغضب) قال: " رجعوا وعليهم الغضب واللعنة " (11). (من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بايت الله ويقتلون النبين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) قال: " يتجاوزون أمر الله إلى أمر إبليس " (12). قيل: جرهم العصيان والاعتداء فيه، إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين، فإن صغار الذنوب تؤدي إلى كبارها، كما أن صغار الطاعات


1 إلى 5 - تفسير الامام عليه السلام: 261. 6 - المصدر: 263. 7 - القمي 1: 48. 8 إلى 12 - تفسير الامام عليه السلام: 263. (*)

[ 41 ]

تؤدي إلى كبارها (1). وفي رواية: " والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم، ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأخذوا عليها، فقتلوا فصار قتلا واعتداء ومعصية " (2). (إن الذين ءامنوا) قال: " بالله وبما فرض عليهم الايمان به " (3). (والذين هادوا) قال: " يعني اليهود " (4). (والنصرى) قال: " الذين زعموا أنهم في دين الله متناصرون " (5). وفي رواية: " الذين هم من قرية يقال لها: " ناصرة " من بلاد الشام " (6). (والصبئين) قال: " الذين زعموا أنهم صبوا إلى دين الله وهم كاذبون " (7). أقول: " صبوا " أي: " مالوا " إن لم يهمز، و " خرجوا " إن كان بالهمز. والقمي: إنهم ليسوا من أهل الكتاب، ولكنهم يعبدون الكواكب والنجوم (8). (من ءامن) منهم (بالله واليوم الاخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون). (وإذ أخذنا ميثقكم): " عهودكم: أن تعملوا بما في التوراة وما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب، وتقروا بما فيه من نبوة محمد ووصية علي والطيبين من ذريتهما، وأن تؤدوا إلى أخلافكم قرنا بعد قرن، فأبيتم قبول ذلك واستكبر تموه ". كذا ورد (9). (ورفعنا فوقكم الطور) قال: " الجبل، أمرنا جبرئيل أن يقلع من جبل فلسطين، قطعة على قدر معسكر أسلافكم فرسخا في فرسخ، فقطعها وجاء بها، فرفعها فوق رؤوسهم " (10).


1 - البيضاوي 1: 157. 2 - العياشي 1: 45، الحديث: 51، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3، 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 264. 6 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 79، الباب: 32، الحديث: 10. 7 - تفسير الامام عليه السلام: 265. 8 - القمي 1: 48. 9 و 10 - تفسير الامام عليه السلام: 266. (*)

[ 42 ]

(خدوا مآ ءاتينكم). قال: " قال لهم موسى: إما أن تأخذوا بما أمرتم به فيه، وإما أن ألقي عليكم هذا الجبل، فألجئوا إلى قبوله كارهين، إلا من عصمه الله من العناد، فإنه قبله طائعا مختارا. ثم لما قبلوه سجدوا وعفروا، وكثير منهم عفر خديه لا لارادة الخضوع لله، ولكن نظرا إلى الجبل هل يقع أم لا " (1). (بقوة) قال: " من قلوبكم ومن أبدانكم " (2). (واذكروا ما فيه) قال: " من جزيل ثوابنا على قيامكم به، وشديد عقابنا على إبائكم له " (3). (لعلكم تتقون) قال: " لتتقوا المخالفة الموجبة للعقاب، فتستحقوا بذلك، الثواب " (4). (ثم توليتم من بعد ذلك) قال: " عين القيام به " (5). (فلؤلا فضل الله عليكم ورحمته) قال: " بإمهالكم للتوبة، وإنظاركم للانابة " (6). (لكنتم من الخسرين). (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت) قال: " لما اصطادوا السموك فيه " (7). (فقلنا لهم كونوا قردة خسئين) قال: " مبعدين عن كل خير " (8). (فجعلنها) قال: " المسخة التي أخزيناهم ولعناهم بها " (9). (نكلا) قال: " عقوبة " (10). (لما بين يديها) قال: " من ذنبوهم الموبقات التي بها استحقوا العقوبة " (11). (وما خلفها) قال: " وردعا للذين شاهدوهم بعد مسخهم الذين يسمعون بها من بعدها، لكي يرتدعوا عن مثل أفعالهم " (12). (وموعظة للمتقين).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 266. 2 - العياشي 1: 45، الحديث: 52، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - تفسير الامام عليه السلام: 266. 4 - المصدر: 267، وفيه: " جزيل الثواب ". 5 و 6 - المصدر: 267. 7، 8 و 9 - المصدر: 268. 10 - المصدر: 268، وفيه: " عقابا وردعا ". 11 و 12 - المصدر: 268. (*)

[ 43 ]

ويأتي قصتهم في الاعراف إن شاء الله (1). (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة). ملخص ما ورد في بيان هذه القصة: " أن رجلا من خيارهم خطب امرأة منهم حسناء، فأجيب، وخطبها ابن عم له، فرد فحسده فقتله، وحمله إلى موسى عليه السلام وقال: ابن عمي هذا قتل ولا أدري من قتله. فأمر الله موسى أن يأمرهم بذبح بقرة يضربون ببعضها المقتول، ليحيى ويخبرهم بالقاتل. فسألوا عن صفتها لجاجا وسوء ظن بموسى، فتعينت وانحصرت في واحدة، فطلبوها فلم يجدوا إلا عند شاب كان لا يبيعها إلا بملا جلدها ذهبا، فرجعوا إلى موسى فأخبروه، فقال لهم موسى: لابد لكم من ذبحها بعينها فاشتروها بملا جلدها ذهبا " (2). (قالوا اتتخذنا هزوا) قال: " سخرية " (3)، " نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة " (4). (قال) موسى: (أعوذ بالله أن أكون من الجهلين). قال: " أنسب إلى الله ما لم يقل لي (5)، - قال -: فعلموا أنهم قد أخطأوا " (6). (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) قال: " ما صفتها لنقف عليها " (7). (قال إنه): إن الله (يقول) قال: " بعد ما سأل ربه " (8). (إنها بقرة لا فارض ولا بكر) قال: " لا كبيرة ولا صغيرة " (9). (عوان بين ذلك) قال: " وسط بين الفارض والبكر " (10). (فافعلواما تؤمرون). (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول) قال: " إن الله يقول " (11): (إنها


1 - في ذيل الآية: 163. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 273 - 275. 3 - المصدر: 275. 4 و 6 - القمي 1: 49، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5، 7، 8، 9 و 10 - تفسير الامام عليه السلام: 276. 11 - المصدر: 277. (*)

[ 44 ]

بقرة صفراء فاقع لونها) قال: " حسنة الصفرة، ليس بناقص يضرب إلى البياض، ولا بمشبع يضرب إلى السواد " (1). (تسر النظرين) قال: " لبهجتها وحسنها وبريقها " (2). (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) قال: " ما صفتها ؟ يزيد في صفتها " (3). (إن البقر تشبه علينا وإنآ إن شآء الله لمهتدون). قال: " لو لم يستثنوا، لما بينت لهم آخر الابد " (4). (قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض) قال: " لم تذلل لاثارة الارض (5) ولم ترض (6) بها " (7). (ولا تسقى الحرث) قال: " ولا هي مما تجر الدلاء ولا تدير النواعير، قد أعفيت من ذلك أجمع " (8). (مسلمة) قال: " من العيوب كلها " (9). (لا شية فيها) قال: " لا لون فيها من غيرها " (10). (قالوا الن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) قال: " من عظم ثمن البقرة " (11). قال: " لو عمدوا إلى أي بقرة أجزأهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم " (12). (وإذ قتلتم نفسا فادرءتم فيها) قال: " اختلفتم وتدارأتم: ألقى بعضكم ذنب القتل على بعض وأدرأه عن نفسه وذويه " (13). (والله مخرج ما كنتم تكتمون) قال: " من


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 277. والبريق: التلالؤ. يقال: برق السيف وغيره، إذا لمع وتلالا، والاسم: البريق. لسان العرب 10: 15 (برق). 3 - المصدر: 277. 4 - البيضاوي 1: 162، والدر المنثور 1: 77. 5 - أرض مثارة: إذا أثيرت بالسن، وهي الحديدة التي تحرث بها الارض. وأثار الارض: قلبها على الحب بعد ما فتحت مرة. لسان العرب 4: 111 (ثور). 6 - الرض: دق الشئ. وإبل رضارض: راتعة، كأنها ترض العشب. لسان العرب 4: 154 (رضض). 7، 8، 9 و 10 - تفسير الامام عليه السلام: 277. 11 - المصدر: 281. 12 - العياشي 1: 46، الحديث: 57، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 13 - تفسير الامام عليه السلام: 282. (*)

[ 45 ]

خبر القاتل وإرادة تكذيب موسى باقتراحكم عليه ما قدرتم إن ربه لا يجيبه إليه " (1). (فقلنا اضربوه ببعضها) قال: " اضربوا الميت ببعض البقرة ليحيى، وقولوا له: من قتلك ؟ فأخذوا ذنبها وضربوه به، فقام سالما سويا وقال: يا نبي الله ! قتلني ابن عمي هذا، فقاده موسى عنه " (2). (كذلك يحى الله الموتى) قال: " في الدنيا والآخرة، كما أحيا الميت بملاقاة ميت آخر، أما في الدنيا، فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة فيحيي الله الذي كان في الاصلاب والارحام حيا، وأما في الآخرة، فينزل بين نفختي الصور من دوين السماء من البحر المسجور منيا كمني الرجال، فيمطر ذلك على الارض فيلقي الاموات البالية، فينبتون من الارض ويحيون " (3). (ويريكم ءايته لعلكم تعقلون). (ثم قست قلوبكم) قال: " غلظت وجفت ويئست (4) من الخير والرحمة، قلوبكم معاشر اليهود ! " (5). (من بعد ذلك) قال: " من بعد ما تبينت الآيات الباهرات " (6). (فهى كالحجارة) قال: " اليابسة، لا ترشح برطوبة، ولا ينتفض (7) منها ما ينتفع به. أي: إنكم لا حق الله تؤدون، ولا من أموالكم ولا من حواشيها (8) تتصدقون، ولا بالمعروف تتكرمون وتجودون، ولا الضيف تقرون، ولا مكروبا تغيثون، ولا بشئ من الانسانية تعاشرون وتعاملون " (9). (أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهر) قال: " فيجيئ بالخير والنبات لبني آدم. أبهم أولا بالترديد، ثم بين أن قلوبهم


1 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 282. 2 - المصدر: 278، وفيه: " قتلاني هذان ابنا عمي ". 4 - في المصدر: " يبست ". 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 283. 7 - نفضت الثوب والشجر أنفضه: إذا حركته لينتفض. والنفض - بالتحريك - ما تساقط من الورق والثمر. لسان العرب 7: 240 (نفض). 8 - في المصدر: " مواشيها ". 9 - تفسير الامام عليه السلام: 283. (*)

[ 46 ]

أشد قسوة من الحجارة ". كذا ورد (1). (وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) قال: " وهو ما يقطر منه الماء دون الانهار " (2). (وإن منها لما يهبط من خشية الله) قال: " إذا أقسم عليها باسم الله وبأسماء أوليائه " (3). (وما الله بغفل عما تعملون). (أفتطمعون) قال: " يا محمد أنت وأصحابك " (4). (أن يؤمنوا لكم) قال: " هؤلاء اليهود، يصدقوكم بقلوبهم " (5). (وقد كان فريق منهم): طائفة من أسلافهم (يسمعون كلم الله) قال: " في أصل جبل طور سيناء " (6). (ثم يحرفونه) قال: " عما سمعوه، إذا أدوه إلى من وراءهم " (7). (من بعد ما عقلوه): فهموه بعقولهم (وهم يعلمون) قال: " أنهم في تقولهم كاذبون " (8). قيل: يعني: أن أحبارهم ومقدميهم كانوا كذلك، فما طمعكم بسفلتهم وجهالهم (9) ؟ (وإذا لقوا الذين ءامنوا قالوا ءامنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) قال: " من دلائل نبوة محمد وإمامة علي " (10). (وليحاجوكم به عند ربكم) قال: " بأنكم قد علمتم هذا وشاهدتموه، فلم لم تؤمنوا (11) به ولم تطيعوه ؟ " (12). (أفلا تعقلون) قال: " إن الذي تخبرونهم به، حجة عليكم عند ربكم " (13). (أولا يعلمون) قال: " هؤلاء القائلون لاخوانهم: " أتحدثونهم " (14). (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون).


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 284. 3 - المصدر 284. 4 و 5 - المصدر: 291. 6، 7 و 8 - المصدر: 292. 9 - البيضاوي 1: 164. 10 - تفسير الامام عليه السلام: 298. 11 - في المصدر: " فلم تؤمنوا به ولم تطيعوه ". 12، 13 و 14 - تفسير الامام عليه السلام: 298. (*)

[ 47 ]

(ومنهم أميون) قال: " لا يقرؤون ولا يكتبون. والامي منسوب إلى الام، أي: هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ ولا يكتب " (1). (لا يعلمون الكتب إلا أمانى) قال: " إلا أن يقرأ عليهم ويقال لهم: هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون أن ما قرئ من الكتاب خلاف ما فيه " (2). أقول: يعني: إلا ما يقدرون في أنفسهم من منى أخذوها تقليدا من المحرفين للتوراة واعتقدوها، لم يعرفوا أنه خلاف ما في التوراة. (وإن هم إلا يظنون): لا علم لهم. (فويل) قال: " شدة من العذاب في أسوء بقاع جهنم " (3). (للذين يكتبون الكتب بأيديهم): يحرفون من أحكام التوراة (ثم يقولون هذا من عند الله). " كتبوا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف ما هو به، وقالوا للمستضعفين: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان، وأنه يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة ". كذا ورد (4). (ليشتروا به ثمنا قليلا) قال: " لتبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم منهم إصاباتهم، ويكفوا أنفسهم مونة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " (5). (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم) قال: " شدة العذاب ثانية (6) مضافة إلى الاولى " (7). (مما يكسبون) قال: " من الاموال التي يأخذونها إذا أثبتوا عوامهم على الكفر " (8). (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة). قيل: وهي التي عبدنا فيها العجل (9). قال: " وهي تنقضي ثم نصير بعده في النعمة في الجنان، ولا نستعجل المكروه في الدنيا


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 299. 3، 4 و 5 - المصدر: 302 - 303. 6 - في " ألف ": " ثابتة ". 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 302 - 303. 9 - البيضاوي 1: 156، والقمي 1: 51. (*)

[ 48 ]

للعذاب الذي هو بقدر أيام ذنوبنا " (1). (قل أتخذتم عند الله عهدا) قال: " إن عذابكم على كفركم منقطع غير دائم ؟ " (2). (فلن يخلف الله عهده) يعني: فإن اتخذتم عهدا فلن يخلف الله عهده. (أم تقولون على الله ما لا تعلمون). قال: " بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون " (3). قال: " بل ما هو إلا عذاب دائم لانفاد له " (4). (بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيته). قال: " السيئة المحيطة به أن تخرجه عن جملة دين الله، وتنزعه عن ولاية الله وتؤمنه من سخط الله (5)، وهي الشرك بالله، والكفر به وبنبوة محمد، وولاية علي وخلفائه عليهم السلام. كل واحد من هذه سيئة تحيط به، أي تحيط بأعماله فتبطلها وتمحقها " (6). (فأولئك أصحب النارهم فيها خلدون). (والذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون). (وإذ أخذنا): واذكروا إذ أخذنا (ميثق بنى إسرءيل) قال: " عهدهم المؤكد عليهم " (7). أقول: وهو جار في أخلافهم لما أدى إليهم أسلافهم قرنا بعد قرن، وجار في هذه الامة أيضا كما يظهر مما يأتي. (لا تعبدون إلا الله) قال: " لا تشبهوه بخلقه، ولا تجوروه في حكمه، ولا تعملوا ما يراد به وجهه تريدون به وجه غيره " (8). قال: " من شغله عبادة الله عن مسألته، أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين " (9). (وبالوالدين إحسانا): " وأن تحسنوا بهما إحسانا، مكافاة عن إحسانهما إليكم وإنعامهما عليكم " (10). " ولحق محمد وعلي اللذين هما أبوا هذه الامة عليهم أعظم من


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 304. 3، 4 و 6 - المصدر: 304 - 305. 5 - في المصدر: " وترميه في سخط الله "، وفي بعض نسخ المصدر: " لا تؤمنه من سخط الله ". 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 326. 9 - المصدر: 327، عن أبي محمد عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 10 - المصدر: 326. (*)

[ 49 ]

حق أبوي ولادتهم، لانهما ينقذانهم من النار إن أطاعوهما ". كذا ورد (1). (وذى القربى): " وأن تحسنوا بقراباتكم منهما لكرامتهما. ولحق قربى محمد وعلي أعظم من حق قربى أبوي النسب، على قدر زيادة فضل محمد وعلي ". كذا ورد (2). (واليتمى): الذين فقدوا آباءهم الكافين (3) لهم أمورهم. " وأشد منهم يتما يتيم عن إمامه (4)، ابتلي بجهالة شرايع دينه، فمن علمه وهداه من علماء الشيعة كان مع أئمته في الرفيق الاعلى ". كذا ورد (5). (والمسكين): " من سكن الضر والفقر حركته. وأفضل من مواساتهم، مواساة الذين سكنت جوارحهم وضعفت قواهم عن مقاتلة أعداء الله، الذين يعيرونهم بدينهم ويسفهون أحلامهم، بتقويتهم بفقهه وعلمه، حتى أزال مسكنتهم، ثم سلطهم على الاعداء الظاهرة، من الانس، والاعداء الباطنة، من مردة الابالسة، حتى يهزموهم عن دين الله ". كذا ورد (6). (وقولوا للناس حسنا) " كلهم: مؤمنهم ومخالفهم، أما المؤمن فببسط الوجه والبشر، وأما المخالف فبالمداراة، ليكف بذلك شره عن نفسه وإخوانه ". كذا ورد (7). وفي رواية: " قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم " (8). أقول: وأما ما ورد: " أنها نزلت في أهل الذمة ثم نسخت بآية القتال " (9)، فلا ينافي


1 - تفسير الامام عليه السلام: 330، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - المصدر: 326 و 334. 3 - في المصدر: " الكافلين لهم ". 4 - والاوفق بالسياق: " يتيم انقطع عن إمامه ". 5 - تفسير الامام عليه السلام: 326 و 339. 6 - المصدر: 345 و 346. 7 - المصدر: 353 و 354. 8 - الكافي 2: 165، الحديث 10، عن أبي جعفر عليه السلام. 9 - الخصال 1: 275، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 50 ]

ما قلناه، لجواز كونها إنما نسخت في حق المأمورين بقتالهم، وبقي حكمها في سائر الناس. (وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة ثم توليتم إلا قليلا منكم) " أيها اليهود، عن الوفاء بالعهد الذي أداه إليكم أسلافكم ". كذا ورد (1). (وأنتم معرضون) قال: " عن ذلك العهد، تاركين له، غافلين عنه " (2). (وإذ أخذنا ميثقكم لا تسفكون دماءكم): لا يسفك بعضكم دماء بعض (ولا تخرجون أنفسكم من ديركم) قال: " لا يخرج بعضكم بعضا " (3). (ثم أقررتم) قال: " بذلك الميثاق، كما أقربه أسلافكم والتزمتموه كما التزموه " (4). (وأنتم تشهدون) قال: " بذلك على أسلافكم وأنفسكم " (5). (ثم أنتم) قال: " معاشر اليهود " (6). (هؤلاء): الناقضون. وهذا مثل قول القائل: أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا. وهو استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والاقرار به والشهادة عليه. (تقتلون أنفسكم) قال: " يقتل بعضكم بعضا " (7). (وتخرجون فريقا منكم من ديرهم) غضبا وقهرا عليهم (8)، كما فعل عثمان بأبي ذر، حين أخرجه إلى " الربذة " وكان قد أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا ذر، وقال له: " هذه الآية نزلت فيك وفي خصمك ". كذا ورد (9). (تظهرون عليهم) قال: " يظاهر بعضكم بعضا على إخراج من تخرجونه وقتل من تقتلونه، بغير حق " (10). (بالاثم والعدون وإن يأتوكم) قال: " يعني هؤلاء الذين تخرجونهم، أي: ترومون إخراجهم أو قتلهم ظلما " (11). (أسرى) قال: " قد أسرهم أعداؤكم وأعداؤهم " (12). (تفدوهم) قال: " من الاعداء بأموالكم " (13).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 365. 2 - المصدر: 327. 3 - المصدر: 361. 4 إلى 8 - المصدر: 367. 9 - راجع: القمي 1: 51 - 54. 10 - تفسير الامام عليه السلام: 367. 11، 12 و 13 - المصدر: 367. (*)

[ 51 ]

أقول: وهذا كما " اعترف به عثمان لابي ذر أنه يفديه بكل ما يملك إن أسره المشركون، ولم يرضوا إلا بذاك " كما ورد (1). (وهو محرم عليكم إخراجهم). " أعاد إخراجهم، لئلا يتوهم أن المحرم إنما هو مفاداتهم ". كذا ورد (2). (أفتؤمنون ببعض الكتب) قال: " وهو الذي أوجب عليكم المفاداة " (3). (وتكفرون ببعض) قال: " وهو الذي حرم عليكم قتلهم وإخراجهم " (4). (فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى) قال: " ذل " (5). (في الحيوة الدنيا) قال: " جزية تضرب عليه ويذل بها " (6). (ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون). (أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون). (ولقد ءاتينا موسى الكتب) قال: " التوراة المشتمل على الاحكام، ونبوة محمد، وإمامة علي وخلفائه " (7). (وقفينا من بعده بالرسل) قال: " جعلنا رسولا في أثر رسول " (8). (وءاتينا عيسى ابن مريم البينت) قال: " أعطيناه الآيات الواضحات: إحياء الموتى، وإبراء الاكمه والابرص، والانباء بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم " (9). (وأيدنه بروح القدس) قال: " وهو جبرئيل " (10). (أفكلما جاءكم) أيها اليهود (رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم) قال: " عن الايمان والاتباع " (11). (ففريقا كذبتم) كموسى وعيسى (وفريقا تقتلون): " قتل أسلافكم زكريا ويحيى، وأنتم


1 - راجع: القمي 1: 51 - 54. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 367. 3، 4، 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 368. 7، 8، 9 و 10 - المصدر: 371. 11 - البيضاوي 1: 169. (*)

[ 52 ]

رمتم قتل محمد ليلة العقبة، وقتل علي بالمدينة، فخيب الله سعيكم ورد كيدكم في نحوركم ". كذا ورد (1). (وقالوا قلوبنا غلف) - بضم اللام جمع غلاف - قال: " أي: أوعية للخير والعلوم قد أحاطت بها واشتملت عليها، ثم هي مع ذلك لا تعرف لك - يا محمد - فضلا مذكورا في شئ من كتب الله، ولا على لسان أحد من أنبياء الله " (2). قال: " وإذا قرئ " غلف " يعني: بسكون اللام جمع أغلف، فمعناه قلوبنا في غطاء، فلا نفهم كلامك وحديثك، كقوله تعالى: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه " (3). - قال: - وكلتا القراءتين حق، وقد قالوا بهذا وهذا جميعا " (4). (بل لعنهم الله بكفرهم) قال: " أبعدهم من الخير " (5). (فقليلا ما يؤمنون): " فإيمانا قليلا (6)، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ". كذا ورد (7). (ولما جاءهم) قال: " يعني هؤلاء اليهود " (8). (كتب من عند الله) قال: " القرآن " (9). (مصدق لما معهم): " يعني التوراة المشتمل على نبوة نبينا، وولاية علي ". كذا ورد (10). (وكانوا من قبل) قال: " أن ظهر محمد بالرسالة " (11). (يستفتحون) قال: " يسألون الله الفتح والظفر " (12). (على الذين كفروا) قال: " من أعدائهم " (13). " ويتوعدونه به ويقولون: ليخرجن نبي، فليكسرن أصنامكم، وليفعلن بكم وليفعلن " (14). " وإذا دهمهم أمر (15)، دعوا الله بمحمد وآله الطيبين، واستنصروا بهم، وكان الله يفتح لهم وينصرهم " (16).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 379 - 380. 2، 4، 5 و 7 - المصدر: 390. 3 - فصلت (41): 5. 6 - في " الف " و " ج ": " فإيمانا قليلا يؤمنون ". 8 إلى 13 - تفسير الامام عليه السلام: 393. 14 - الكافي 8: 310، الحديث: 482، عن أبي عبد الله عليه السلام. 15 - أدهمه: ساءه ودهمك - كسمع ومنع -: غشيك. القاموس المحيط 4: 116 (دهم). 16 - تفسير الامام عليه السلام: 394. (*)

[ 53 ]

(فلما جاءهم ما عرفوا) قال: " من نعت محمد وصفته " (1). (كفروا به) قال: " جحدوا نبوته حسدا له وبغيا عليه " (2). (فلعنه الله على الكفرين). (بئسما اشتروا به أنفسهم) " باعوها بالهدايا والفضول التي كانت تصل إليهم من السفلة، ورياستهم على الجهال وبقاء عزهم في الدنيا ونيل المحرمات، وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له، ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها دائما في نعيم الآخرة ". كذا ورد (3). (أن يكفروا بمآ أنزل الله) قال: " أي على موسى من تصديق محمد " (4). وفي رواية: " بما أنزل الله في علي " (5). (بغيا): لبغيهم وحسدهم (أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده) " يعني تنزيل القرآن على محمد الذي أبان فيه نبوته وأظهر به آيته ومعجزته [ وفضائل أهل بيته عليهم السلام ] " (6). كذا ورد (7). (فباء وبغضب على غضب) قال: " يعني رجعوا وعليهم الغضب من الله في أثر غضب، فالغضب الاول حين كذبوا بعيسى، فجعلهم قردة خاسئين، ولعنهم على لسان عيسى عليه السلام، والغضب الثاني حين كذبوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فسلط عليهم سيوف أصحابه حتى ذللهم بها، فإما دخلوا في الاسلام طائعين، وإما أعطوا الجزية صاغرين " (8). (وللكفرين عذاب مهين) أي لهم. أظهر، لينبئ عن السبب، وله نظائر كثيرة في القرآن. (وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله) قال: " على محمد من القرآن " (9). (قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا) قال: " وهو التوراة " (10). (ويكفرون بما وراءه) قال: " ما


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 393. 3 و 4 - المصدر: 401 - 402. 5 - راجع: الكافي 1: 417، الحديث: 25، والعياشي 1: 50، الحديث: 70، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - ما بين المعقوفتين ليس في المصدر. 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 402. 9 و 10 - المصدر: 404. (*)

[ 54 ]

سواه " (1). (وهو الحق) قال: " لانه هو الناسخ للمنسوخ الذي تقدمه " (2). (مصدقا لما معهم) وهو التوراة (قل فلم تقتلون) قال: " أي: فلم كنتم تقتلون " (3). (أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) " بالتوراة، فإن فيها تحريم قتل الانبياء، والامر بالايمان بمحمد والقرآن، فما آمنتم بعد بالتوراة ". كذا ورد (4). (ولقد جاءكم موسى بالبينت ثم اتخذتم العجل) قال: " إلها " (5). (من بعده) قال: " من بعد انطلاقه إلى الجبل، وخالفتم خليفته هارون " (6). (وأنتم ظلمون) بما فعلتم. (وإذ أخذنا ميثقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا) قال: " قلنا لهم: خذوا " (7). (مآ ءاتينكم) قال: " من هذه الفرائض " (8). (بقوة). قال: " قد أعطيناكموها ومكناكم (9) بها " (10). (واسمعوا) قال: " ما يقال لكم وتؤمرون به " (11). (قالوا سمعنا) قال: " قولك " (12). (وعصينا) قال: " أمرك " (13). " قالوا: سمعنا بآذاننا وعصينا بقلوبنا، فأما في الظاهر فأعطوا كلهم الطاعة، داخرين صاغرين ". كذا ورد (14). (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم). قيل: تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شعفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن (15). وفي رواية: " عمد موسى عليه السلام فبرد (16) العجل ثم أحرقه بالنار فذره في اليم، فكان


1 إلى 4 - تفسير الامام عليه السلام: 404. 5 و 6 - المصدر: 408. 7، 8 و 10 - المصدر: 424. 9 - في " ب " و " ج ": " ونحلناكم ". 11 إلى 14 - المصدر: 425. 15 - البيضاوي 1: 171. 16 - برد الحديد: سحله. والبرادة: السحالة. والسحالة - بالضم -: ما سقط من الذهب والفضة إذا برد. القاموس المحيط 1: 286 و 3: 405 (برد - سحل). (*)

[ 55 ]

أحدهم ليقع في الماء وما به إليه من حاجة، فيتعرض لذلك الرماد (1) فيشربه " (2). وفي أخرى: " أمروا بشرب العجل الذي كان قد ذريت (3) سحالته في الماء الذي أمروا بشربه، ليتبين من عبده ممن لم يعبده، باسوداد شفتيه وأنفه إن كان أبيض اللون، وابيضاضها إن كان أسود، وذلك حين أنكروا عبادته لما أمروا بقتل من عبده، فوصل ما شربوه من ذلك إلى قلوبهم " (4). (قل بئسما يأمركم به إيمنكم) قال: " بموسى والتوراة أن تكفروا بي " (5). (إن كنتم مؤمنين). قال: " كما تزعمون بموسى والتوراة، ولكن معاذ الله ! لا يأمركم إيمانكم بموسى والتوراة الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم " (6). (قل) قال: " قل يا محمد لهؤلاء اليهود القائلين بأن الجنة خالصة لنا من دونك ودون أهل بيتك، وإنا مبتلون بك ونحن أولياء الله المخلصون " (7). (إن كانت لكم الدار الاخرة) قال: " الجنة ونعيمها " (8). (عند الله خالصة من دون الناس) قال: " محمد وأهل بيته ومؤمني أمته " (9). (فتمنوا الموت إن كنتم صدقين). قيل: لان في التوراة مكتوبا أن أولياء الله يتمنون الموت ولا يرهبونه (10). والوجه في ذلك أن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها، وأحب التخلص إليها من الدار ذات المحن. وفي رواية: " فتمنوا الموت للكاذب منكم ومن مخالفيكم، ليستريح الصادق منكما ويتضح الحجة، وذلك لانهم كانوا يدعون أنهم المجاب دعاؤهم " (11). (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم) من موجبات النار، كالكفر بمحمد وآله


1 - في المصدر: " بذلك للرماد ". 2 - العياشي 1: 51، الحديث: 73، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - ذريت، فرقت. 4، 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 426. 7، 8 و 9 - المصدر: 443 - 442. 10 - القمي 1: 54. 11 - تفسير الامام عليه السلام: 443. (*)

[ 56 ]

والقرآن وتحريف التوراة (والله عليم بالظلمين). (ولتجدنهم أحرص الناس على حيوة) قال: " ليأسهم عن نعيم الآخرة، لانهما كهم في كفرهم الذي يعلمون أنه لاحظ لهم معه في شئ من خيرات الجنة " (1). (ومن الذين أشركوا) قال: " وأحرص من الذين أشركوا، يعني المجوس الذين لا يرون النعيم إلا في الدنيا، ولا يأملون خيرا في الآخرة " (2). (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) قال: " يتمنى " (3). (وما هو) قال: " التعمير ألف سنة " (4). (بمزحزحه) قال: " مباعده " (5). (من العذاب أن يعمر). " إنما أبدل من الضمير، وكرر التعمير، لئلا يتوهم عوده إلى التمني ". كذا ورد (6). (والله بصير بما يعملون) قال: " فعلى حسبه يجازيهم " (7). (قل من كان عدوا لجبريل). " نزلت في اليهود الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو كان الملك الذي يأتيك ميكائيل لامنا بك، فإنه ملك الرحمة يأتي بالسرور والرخاء وهو صديقنا، وجبرئيل ملك العذاب ينزل بالقتل والشدة والحرب وهو عدونا ". كذا ورد (8). (فإنه نزله) قال: " يعني نزل هذا القرآن " (9). (على قلبك بإذن الله) قال: " بأمر الله " (10). (مصدقا لما بين يديه) " من كتب الله ". كذا ورد (11) (وهدى وبشرى للمؤمنين) قال: " شيعة محمد وعلي " (12). (من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكل فإن الله عدو للكفرين). " وذلك قول من قال من النصاب، لما قال النبي في علي: جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وإسرافيل من خلفه وملك الموت أمامه والله تعالى من فوق عرشه ناظر بالرضوان


1 إلى 7 - تفسير الامام عليه السلام: 444. 8 - القمي 1: 54. 9، 10 و 11 - تفسير الامام عليه السلام: 449. 12 - المصدر: 451. (*)

[ 57 ]

إليه ناصره. قال بعض النصاب: أنا أبرأ من الله وجبرئيل وميكائيل والملائكة الذين حالهم مع علي ما قاله محمد. فقال الله: من كان عدوا لهؤلاء، تعصبا على علي، فإن الله يفعل بهم ما يفعل العدو بالعدو ". كذا ورد (1). (ولقد أنزلنا إليك ءايت بينت) قال: " دالات على صدقك في نبوتك وإمامة أخيك علي " (2). (وما يكفر بها إلا الفسقون) قال: " الخارجون عن دين الله وطاعته، من اليهود والنواصب " (3). (أو كلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون). (ولما جاءهم رسول من عند الله) قيل: كعيسى ومحمد (4). وفي رواية: " رسول من عند الله أي: كتاب من عند الله القرآن " (5). (مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب الله) قال: " التوراة وساير كتب أنبياء الله " (6). (وراء ظهورهم): " تركوا العمل بما فيها من الامر باتباعه حسدا ". كذا ورد (7). (كأنهم لا يعلمون). (واتبعوا ما تتلوا الشيطين) قال: " ما تقرأه كفرة الشياطين، من السحر والنيرنجات (8) " (9). (على ملك سليمن): " على عهده. زعموا أن سليمان كان كافرا ساحرا ماهرا به، وبذلك نال ما نال، وملك ما ملك، وقدر على ما قدر. قالوا: ونحن أيضا بالسحر نظهر العجائب، حتى ينقاد لنا الناس ونستغني عن الانقياد لمحمد وأهل بيته ". كذا ورد (10). (وما كفر سليمن) قال: " ولا استعمل السحر كما قال هؤلاء الكافرون " (11). (ولكن الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر) قال: " يعني كفروا


1 - تفسير الامام عليه السلام: 451. 2 و 3 - المصدر: 459. 4 - أنظر: البيضاوي 1: 174. 5، 6، 7 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 471. 8 - النيرنج - بالكسر -: أخذ كالسحر وليس به. القاموس المحيط 1: 217 (النورج). 10 و 11 - تفسير الامام عليه السلام: 471 - 472. (*)

[ 58 ]

بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان " (1). (وما أنزل على الملكين) قال: " وبتعليمهم إياهم ما أنزل على الملكين " (2). (ببابل هروت ومروت). قال: " كان بعد نوح عليه السلام قد كثر السحرة والموهون، فبعث الله ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويرد به كيدهم، فتلقاه النبي عن الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله، وأمرهم أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه، ونهاهم أن يسحروا به الناس - قال: - وذلك النبي أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين ويعلماهم ما علمهما الله من ذلك ويعظاهم " (3). (وما يعلمان من أحد) قال: " ذلك السحر وإبطاله " (4). (حتى يقولا) قال: " للمتعلم " (5). (إنما نحن فتنة) قال: " امتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون، فيبطلوا به كيد السحرة (6) ولا يسحروا " (7). (فلا تكفر) قال: " باستعمال هذا السحر " (8). (فيتعلمون منهما) قال: " مما تتلوا الشياطين ومما أنزل على الملكين " (9). (ما يفرقون به بين المرء وزوجه وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) قال " بتخلية الله (10) وعلمه، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر " (11). (ويتعلمون ما يضرهم) قال: " في دينهم " (12). (ولا ينفعهم) فيه (ولقد علموا) قال: " هؤلاء المتعلمون " (13). (لمن اشتره) قال: " بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلمه " (14). (ماله في الاخرة من خلق) قال: " من نصيب في ثواب الجنة.


1 - تفسير الامام عليه السلام: 471 - 472. 2 و 3 - المصدر: 472 - 473. 4، 5، 8 و 9 - المصدر: 473. 6 - في " ألف ": " كيد السحر ". 7 - تفسير الامام عليه السلام: 473، وفيه وفي " ج ": " ولا يسحروا لهم ". 10 - خلى الامرو تخلى منه وعنه: تركه. القاموس المحيط 4: 327 (خلا). 11 إلى 14 - تفسير الامام عليه السلام: 474 - 475. (*)

[ 59 ]

وذلك لانهم يعتقدون أن لا آخرة " (1). (ولبئس ما شروا) قال: " باعوا " (2). (به أنفسهم) قال: " ورهنوها بالعذاب " (3). (لو كانوا يعلمون). (ولو أنهم ءامنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون). (يأيها الذين ءامنوا لا تقولوا رعنا) قال: " أي: راع أحوالنا وراقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه. وذلك لان اليهود لما سمعوا المسلمين يخاطبون رسول الله بقولهم: " راعنا " وكان " راعنا " في لغتهم سبا، بمعنى: اسمع لا سمعت. قال بعضهم لبعض: لو كنا نشتم محمدا إلى الآن سرا فتعالوا الآن نشتمه جهرا، فكانوا يقولون له " راعنا " يريدون به شتمه، ففطن بذلك سعد بن معاذ، فلعنهم وأوعدهم بضرب أعناقهم لو سمعها منهم، فنزلت ". كذا ورد (4). (وقولوا انظرنا): انظر إلينا (واسمعوا). قال: " إذا قال لكم أمرا وأطيعوا " (5). (وللكفرين): الشاتمين (عذاب أليم). (وما يود الذين كفروا من أهل الكتب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم): " آية بينة وحجة معجزة لنبوته وشرفه وشرف أهل بيته ". كذا ورد (6). (والله يختص برحمته) قال: " بنبوته " (7). وفي رواية: " توفيقه لدين الاسلام وموالاة محمد وعلي " (8). (من يشآء والله ذو الفضل العظيم). (ما ننسخ من ءاية) قال: " بأن نرفع حكمها " (9). (أو ننسها) قال: " بأن نرفع


1 إلى 3 - تفسير الامام عليه السلام: 474 - 475. 4 - البرهان 1: 139، الحديث: 1، عن موسى بن جعفر عليهما السلام، مع تفاوت. 5 - تفسير الامام عليه السلام: 479، وفيه: " إذا قال لكم رسول الله قولا وأطيعوا ". 6 - المصدر: 489. 7 - مجمع البيان 1 - 2: 179، عن أمير المؤمنين وأبي جعفر عليهما السلام. 8 - تفسير الامام عليه السلام: 489. 9 - المصدر: 491. (*)

[ 60 ]

رسمها ونبلي (1) عن القلوب حفظها " (2). (نأت بخير منهآ) قال: " بما هو أعظم لثوابكم وأجل لصلاحكم " (3). (أو مثلها) قال: " من الصلاح لكم. يعني: إنا لا ننسخ ولا نبدل إلا وغرضنا في ذلك مصالحكم " (4). " وذلك لان المصالح تختلف باختلاف الاعصار والاشخاص، فإن النافع في عصر وبالنسبة إلى شخص قد يضر في غير ذلك العصر وفي حق غير ذلك الشخص ". كذا ورد (5). قيل: نزلت حين قالوا: إن محمدا بأمر أصحابه بأمر، ثم ينهى عنه ويأمر بخلافه (6). (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير). (ألم تعلم أن الله له ملك السموت والارض وما لكم من دون الله من ولى) قال: " يلي صلاحكم " (7). (ولا نصير) قال: " ينصركم من مكروه إن أراد إنزاله بكم " (8). (أم تريدون) قال: " بل تريدون يا كفار قريش واليهود " (9). (أن تسئلوا رسولكم) قال: " ما تقترحونه من الآيات التي لا تعلمون هل فيه (10) صلاحكم أو فسادكم " (11). (كما سئل موسى من قبل) قال (12): " واقترح عليه لما قيل له: " لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة " (13) ". (ومن يتبدل الكفر بالايمن فقد ضل سوآء السبيل). (ود كثير من أهل الكتب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفارا) قال: " بما يوردونه


1 - في المصدر: " نزيل ". 2، 3 و 4 - تفسير الامام عليه السلام: 491. 5 - الاحتجاج 1: 44 و 45، وتفسير الامام عليه السلام: 493، و 494. 6 - البيضاوي 1: 178. 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 491. 9، 11 و 12 - المصدر: 496. 10 - كذا في النسخ، ولعل الصواب: " فيها " كما في المصدر. 13 - البقرة (2): 55، والآية: " فأخذتكم الصاعقة ". (*)

[ 61 ]

عليكم من الشبه " (1). (حسدا) لكم (من عند أنفسهم) قيل: يعني من عند تشهيهم، لا من عند تدينهم (2). (من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره) قال: " فيهم بالقتل يوم فتح مكة " (3). (إن الله على كل شئ قدير). (وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وما تقدموا لانفسكم من خير) كصلاة وإنفاق مال أوجاه (تجدوه عند الله): تجدوا ثوابه. قال: " تحط به سيئاتكم وتضاعف به حسناتكم وترفع به درجاتكم " (4). (إن الله بما تعملون بصير). (وقالوا) قال: " يعني اليهود والنصارى. قالت اليهود " (5): (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا) قال: " أي: يهوديا " (6). (أو نصرى) قال: " يعني وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا " (7). (تلك أمانيهم) قال: " التي يتمنونها بلا حجة " (8). (قل هاتوا برهنكم إن كنتم صدقين). (بلى من أسلم وجهه لله) لما سمع الحق (وهو محسن) قال: " في عمله لله " (9). (فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم) قال: " حين يخاف الكافرون " (10). (ولاهم يحزنون) قال: " حين الموت لان البشارة بالجنان تأتيهم " (11). (وقالت اليهود ليست النصرى على شئ) قال: " من الدين، بل دينهم باطل وكفر " (12). (وقالت النصرى ليست اليهود على شئ) قال: " من الدين، بل دينهم باطل وكفر، وذلك لان كلا من الفريقين مقلد بلا حجة ". كذا ورد 13. (وهم يتلون


1 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 515. والشبه جمع: " الشبهة ". 2 - البيضاوي 1: 180. 4 - تفسير الامام عليه السلام: 520. 5، 6 و 7 - المصدر: 526. 8 - المصدر: 527. 9، 10 و 11 - المصدر: 543. 12 و 13 - المصدر: 544. (*)

[ 62 ]

الكتب) قال: " ولا يتأملونه ليعملوا بما يوجبه، فيتخلصوا من الضلالة " (1). (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) قال: " يكفر بعضهم بعضا " (2) (فالله يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون). (ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابهآ) لئلا تعمر بطاعة الله. وهو عام وإن نزل خاصا. قال: " هي مساجد خيار المؤمنين بمكة لما منعوهم من التعبد فيها بأن ألجأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج عن مكة " (3). وفي رواية: " مساجد الدنيا كلها بأن هموا بقتل النبي والوصي " (4). (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) من المؤمنين أن يبطشوهم (5). فهو وعد للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم. وقد أنجز وعده بفتح مكة لمؤمني ذلك الزمان، وسينجزه لعامة المؤمنين حين ظهور العدل. قال: " خائفين من عدله وحكمه النافذ عليهم أن يدخلوها كافرين بسيوفه وسياطه " (6). وفي رواية مقطوعة: " يعني لا يقبلون الايمان إلا والسيف على رؤوسهم " (7). (لهم في الدنيا خزى) قال: " وهو طردهم عن الحرم " (8). (ولهم في الاخرة عذاب عظيم). (ولله المشرق والمغرب) يعني ناحيتي الارض. أي: له كلها. (فأينما تولوا فثم وجه الله) إذ لا يخلو منه مكان ولا يخفى عليه خافية (إن الله وسع عليم). ورد: " إنها نزلت في التطوع خاصة. قال: وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيماء على راحلته أينما توجهت به، حيث خرج إلى خيبر وحين رجع من مكة وجعل الكعبة خلف


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 544. 3، 6 و 8 - المصدر: 560. 4 - المصدر: 560، عن علي بن الحسين عليه السلام. 5 - كذا في النسخ ولعل الصواب: " أن يبطشوا بهم " وبطش به: أخذه بالعنف والسطوة. القاموس المحيط 2: 273 (بطش). 7 - العياشي 1: 56، الحديث: 79. (*)

[ 63 ]

ظهره " (1). وفي رواية: " نزلت في قبلة المتحير " (2). (وقالوا اتخذ الله ولدا) قالت اليهود: عزير ابن الله وقالت النصارى: المسيح ابن الله وقالت مشركوا العرب: الملائكة بنات الله. (سبحنه بل له ما في السموت والارض) بل كله ملك له: " عزير " و " المسيح " و " الملائكة " وغيرهم. (كل له قنتون): منقادون، مقرون له بالعبودية طبعا وجبلة، لا يمتنعون عن مشيته وتكوينه، فكيف يكونون مجانسين له ؟ ومن حق الولد أن يجانس والده. (بديع السموت والارض) قال: " ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان قبله " (3). (وإذا قضى أمرا): أراد فعله وخلقه (فإنما يقول له كن فيكون) قال: " لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه، يقول ولا يلفظ ويريد ولا يضمر " (4). و " إرادته للفعل: إحداثه " (5). (وقال الذين لا يعلمون): جهلة المشركين وغير العاملين بعلمهم من أهل الكتاب: (لولا يكلمنا الله أو تأتينآء اية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) فقالوا أرنا الله جهرة (تشبهت قلوبهم) في العمى والعناد (قد بينا الايت لقوم يوقنون). (إنآ أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا) فلا عليك إن أصروا أو كابروا (ولا تسئل عن أصحب الجحيم). ورد: " إنه على النهي " (6) وقد قرئ به. (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى تتبع ملتهم). مبالغة في إقناطه عن


1 - العياشي 1: 56، الحديث: 80: عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 179، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 1: 256، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 274، الخطبة: 186. 5 - الكافي 1: 109، الحديث: 3، عن أبي الحسن عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 196، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 64 ]

إسلامهم. (قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا نصير). هذا من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جارة. (الذين ءاتينهم الكتب يتلونه حق تلاوته) قال: " بالوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الاولى ويستعيذ في الاخرى " (1). ورد: " هم الائمة ". (2) (أولئك يؤمنون به و من يكفر به فأولئك هم الخسرون). (يبنئ إسرءيل اذكروا نعمتي التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين). (واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل) قال: " فريضة " (3). وفي رواية: " فداء " (4). (ولا تنفعها شفعة ولا هم ينصرون). كرر ذلك وختم به الكلام معهم، مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القصة والمقصود منها. (وإذ ابتلى إبراهم ربه بكلمت) قال: " هي التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهي قوله: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين " (5). (فأتمهن) قال: " يعني إلى القائم اثنى عشر إماما " (6). والقمي: هي ما ابتلاه به مما أراه في نومه من ذبح ولده فأتمها إبراهيم بالعزم والتسليم (7). (قال إنى جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظلمين). قال: " لا يكون السفيه إمام التقي " (8). قال: " فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة " (9).


1 - مجمع البيان 1 - 2: 198، والعياشي 1: 57، الحديث: 84، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 1: 215، الحديث: 4، عنه عليه السلام. 3 و 4 - العياشي 1: 57، الحديث: 85 و 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 و 6 - الخصال: 304 - 305، الحديث: 84، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - القمي 1: 59. 8 - الكافي 1: 175، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 217، الباب: 20، ذيل الحديث: 1. (*)

[ 65 ]

(وإذ جعلنا البيت مثابة للناس): مرجعا ومحل عود (وأمنا) قال: " من دخل الحرم من الناس مستجيرا به فهو آمن من سخط الله، ومن دخله من الوحش والطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم " (1). (واتخذوا من مقام إبراهم مصلى) هو الحجر الذي عليه أثر قدمه. قال: " يعني بذلك ركعتي طواف الفريضة " (2). (وعهدنا إلى إبرهم وإسمعيل أن طهرا بيتى) قال: " نحيا عنه المشركين " (3). (للطائفين والعكفين والركع السجود). قال: " وينبغي للعبد أن لا يدخله إلا وهو طاهر قد غسل عنه العرق ولاذى وتطهر " (4). (وإذ قال إبرهم رب اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثمرت) قال: " من ثمرات القلوب، أي: حببهم إلى الناس لينتابوا إليهم (5) ويعودوا " (6). أقول: ويؤيد هذا قوله عليه السلام في سورته: " فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " (7). وفي رواية: " لما دعا بذلك، أمر الله بقطعة من الاردن (8) فسارت بثمارها حتى طافت بالبيت ثم أمرها أن تنصرف إلى هذا الموضع المسمى بالطائف، ولذلك سمي الطائف " (9). (من ءامن منهم بالله واليوم الاخر). قال: " إيانا عنى بذلك وأولياءه وشيعة وصيه " (10). (قال ومن كفر) أرزقه أيضا (فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب


1 - الكافي 4: 226، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - التهذيب 5: 138، الحديث: 126، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 1: 59، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - علل الشرايع 2: 411، الباب: 151، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - انتابهم انتيابا: أتاهم مرة بعد أخرى. القاموس المحيط 1: 140 (النوب). 6 - القمي 1: 62، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - إبراهيم (14): 37. 8 - الاردن كالاحمر: ضرب من الخز. القاموس المحيط 4: 229 (الردن). 9 - علل الشرايع 2: 442 - 443، الباب: 189، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 10 - العياشي 1: 59، الحديث: 96، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (*)

[ 66 ]

النار وبئس المصير) عذاب النار. قال: " عنى بذلك من جحد وصيه ولم يتبعه من أمته " (1). (وإذ يرفع إبرهم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) بنياتنا. (ربنا واجعلنا مسلمين): منقادين مخلصين (لك ومن ذريتنا): واجعل بعض ذريتنا (أمة): جماعة يأمون، أي يقصدون ويقتدى بهم (مسلمة لك). قال: " هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " (2). وفي رواية: " بنو هاشم " (3). (وأرنا مناسكنا): عرفنا متعبداتنا (وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم). (ربنا وابعث فيهم): في الامة المسلمة (رسولا منهم) قال: " يعني من تلك الامة " (4). عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا دعوة أبي إبراهيم " (5). (يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم). (ومن يرغب عن ملة إبرهم إلا من سفه نفسه): من استهانها وأذلها واستخف بها. قيل: بكسر الفاء متعد وبضمها لازم (6). ورد: " ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها براء " (7). (ولقد اصطفينه في الدنيا وإنه في الاخرة لمن الصلحين).


1 - العياشي 1: 59، الحديث: 96، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - الكافي 5: 14، الحديث: 1، والتهذيب 6: 128، الحديث: 224، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - العياشي 1: 60 - 61، الحديث: 101، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 62. 6 - راجع: البيضاوي 1: 189. 7 - المحاسن للبرقي 1: 147، الباب: 16، الحديث: 54، عن علي بن الحسين عليه السلام، وفيه وفي " ج ": " برآء ". (*)

[ 67 ]

(إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين). (ووصى بها) أي: بالملة، أو بهذه الكلمة أعني كلمة: " أسلمت لرب العالمين ". (إبرهم بنيه ويعقوب): ووصى بها يعقوب أيضا بنيه (يبنى إن الله اصطفى لكم الدين): دين الاسلام (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) إنكار، يعني ما كنتم حاضرين (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى). أراد به تقرير هم على التوحيد والاسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما. (قالوا نعبد إلهك وإله أآبائك إبرهم وإسمعيل وإسحق). عد إسماعيل من آبائه، لان العرب تسمي العم والجد أبا، لوجوب تعظيمهما كتعظيمه. وفي الحديث: " عم الرجل صنو أبيه " (1). (إلها وحدا). تصريح بالتوحيد (ونحن له مسلمون). (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم): لكل أجر عمله، ولا ينفعكم انتسابكم إليهم (ولا تسئلون عما كانوا يعملون): لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم. (وقالوا كونوا هودا أو نصرى تهتدوا) قالت اليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى (قل بل ملة إبرهم): بل نكون أهل ملة إبراهيم متبعين له (حنيفا): مائلا عن كل دين إلى دين الحق. قال: " الحنيفية هي الاسلام " (2). (وما كان من المشركين) يعني إبراهيم. تعريض بأهل الكتابين، فإنهم كانوا يدعون اتباع ملة إبراهيم، وهم مع ذلك كانوا على الشرك. (قولوا ءامنا بالله). قال: " عنى بالخطاب عليا وفاطمة والحسن والحسين


1 - سنن الدار قطني 2: 123. والصنو: الاخ الشقيق والابن والعم. النخلتان فما زاد في الاصل الواحد كل واحد منهما صنو. القاموس المحيط 4: 355 (الصنو). 2 - البرهان 1: 156، الحديث: 1، والعياشي 1: 61، الحديث: 103، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 68 ]

وجرت بعدهم في الائمة " (1). (وما أنزل إلينا) يعني القرآن (وما أنزل إلى إبرهم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط) يعني الصحف. " والاسباط ": حفدة يعقوب. (وما أوتى موسى وعيسى) يعني التوراة والانجيل (وما أوتى النبيون) جملة، المذكورون منهم وغير المذكورين. (من ربهم لا نفرق بين أحد منهم) كاليهود، نؤمن ببعض ونكفر ببعض (ونحن له): لله (مسلمون). (فإن ءامنوا) قال: " أي: ساير الناس " (2). (بمثل مآ ءامنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) قال: " في كفر " (3). أقول: وأصله المخالفة والمناواة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر. (فسيكفيكهم الله). تسلية وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على ناواهم. (وهو السميع) لاقوالكم (العليم) بإخلاصكم. (صبغة الله): صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال: " هي الاسلام " (4). وفي رواية: " صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق " (5). (ومن أحسن من الله صبغة): لا صبغة أحسن من صبغته (ونحن له عبدون) تعريض بهم، أي: لا نشرك به كشرككم. (قل أتحاجوننا في الله): أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه نبيا من العرب ؟ قيل: إن أهل الكتاب قالوا: الانبياء كلهم منا، وديننا أقدم، وكتابنا أسبق، فلو كنت نبيا لكنت منا، فنزلت (6). (وهو ربنا وربكم): لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من


1 - الكافي 1: 415 - 416، الحديث: 19، والعياشي 1: 62، الحديث: 107، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - العياشي 1: 62، الحديث: 107، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 218، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 2: 14، الحديث: 2، ومجمع البيان 1 - 2: 219، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 1: 422 - 423، الحديث: 53، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - راجع: البيضاوي 1: 194. (*)

[ 69 ]

يشاء (ولنآ أعملنا ولكم أعملكم) فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا (ونحن له مخلصون): موحدون، نخلصه (1) بالايمان والطاعة دونكم. (أم تقولون إن إبرهم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصرى قل ءأنتم أعلم أم الله) وقد نفى الله عن إبراهيم اليهودية والنصرانية، حيث قال: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا " (2). (ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله) إنكار، قيل: يعني لا أحد أظلم من أهل الكتاب، حيث كتموا شهادة الله لابراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة في كتبهم وغيرها (3). (وما الله بغفل عما تعملون) وعيد لهم. (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون). لعل المراد بالامة هناك الانبياء، وهنا أسلاف اليهود والنصارى، أو الخطاب هناك لليهود، وها هنا لنا، فلا تكرار. (سيقول السفهآء من الناس) يريد المنكرين لتغيير القبلة، وفائدة تقديم الاخبار به توطين النفس وإعداد الجواب. (ما ولهم): ما صرفهم (عن قبلتهم التى كانوا عليها) قال: " يعني بيت المقدس " (4). (قل لله المشرق والمغرب) قال: " يملكهما. وتكليفه التحول إلى جانب، كتحويله لكم إلى جانب آخر " (5). (يهدى من يشآء إلى صرط مستقيم). " هو مصلحهم ومؤديهم بطاعته إلى جنات النعيم، أية جهة يعرف صلاحكم في استقبالها، في أي وقت يأمركم به ". كذا ورد (6).


1 - كذا في النسخ، ولعل الاصح: " نخلص له ". 2 - آل عمران (3): 67. 3 - راجع: البيضاوي 1: 194. 4 و 5 - تفسير الامام عليه السلام: 493 - 494، ومجمع البيان 1 - 2: 222 - 223. 6 - المصدر: 493، والاحتجاج 1: 44، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام. (*)

[ 70 ]

(وكذلك جعلنكم أمة وسطا) القمى: أئمة عدلا وواسطة بين الرسول والناس (1). (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) يعني يوم القيامة. قال: " نحن الامة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه وسمائه " (2). وفي رواية: " إن الله تعالى إيانا عنى بقوله: " لتكونوا شهداء على الناس " فرسول الله شاهد علينا، ونحن شهداء الله على خلقه، وحجته في أرضه، ونحن الذين قال الله: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " (3). وفي أخرى: " ظننت أن الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين ؟ أفترى أن من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب الله شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الامم الماضية ؟ كلا، لم يعن الله مثل هذا من خلقه، يعني الامة التي وجبت لها دعوة إبراهيم، " كنتم خير أمة أخرجت للناس " (4)، هم الائمة (5) الوسطى وهم خير أمة أخرجت للناس " (6). (وما جعلنا القبلة التى كنت عليها) يعني بيت المقدس (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه): يرتد عن دينه آلفا لقبلة آبائه. قال: " يعني إلا لنعلم ذلك منه وجودا بعد أن علمناه سيوجد، وذلك أن هوى أهل مكة كان في الكعبة، فأراد الله أن يبين متبع (7) محمد ممن خالفه باتباع القبلة التي كرهها، ومحمد يأمر بها، ولما


1 - القمي 1: 63. 2 - العياشي 1: 62، الحديث: 110، والبرهان 1: 159، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، كلمة: " وسمائه " ليست في المصدر. 3 - شواهد التنزيل 1: 92. 4 - آل عمران (3): 110. 5 - في المصدر: " وهم الامة الوسطى "، وفي نسخة " ألف و " ج ": " وهم الائمة الوسطى ". 6 - العياشي 1: 63، الحديث: 114، والبرهان 1: 160، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - في المصدر: " متبعي محمد ". (*)

[ 71 ]

كان هوى أهل المدينة في بيت المقدس، أمرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة، ليتبين من يوافق محمدا فيما يكرهه، فهو مصدقه وموافقه " (1). (وإن كانت لكبيرة) يعني الصلاة إلى بيت المقدس في ذلك الوقت (إلا على الذين هدى الله) وعرف أن الله يتعبد بخلاف ما يريده المرء، ليبتلي طاعته في مخالفة هواه (وما كان الله ليضيع إيمنكم) يعني صلاتكم. قال: " نزلت حين قال المسلمون: أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس ما حالنا فيها وحال من مضى من أمواتنا ؟ قال: فسمى الصلاة إيمانا " (2). (إن الله بالناس لرءوف رحيم). (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضها). قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة بمكة، وتسعة عشر شهرا بالمدينة، ثم عيرته اليهود، فقالوا له: إنك تابع لقبلتنا، فاغتم لذلك غما شديدا، فلما كان في بعض الليل خرج يقلب وجهه في آفاق السماء، فلما أصبح صلى الغداة، فلما صلى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل بهذه الآية، ثم أخذ بيده فحول وجهه إلى الكعبة، وحول من خلفه وجوههم حتى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال " (3). قيل: إنما كان يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة، لانها كانت قبلة أبيه إبراهيم، وأقدم القبلتين، وأدعى للعرب إلى الايمان، ولمخالفة اليهود (4). (فول وجهك شطر المسجد الحرام): نحوه. وإنما ذكر المسجد اكتفاء بمراعاة الجهة. (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). خص الرسول بالخطاب تعظيما له


1 - الاحتجاج 1: 46 - 45، عن أبي محمد العسكري عليه السلام. 2 - العياشي 1: 63، الحديث: 115، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - من لا يحضره الفقيه 1: 178، الحديث: 843، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - البيضاوي 1: 197. (*)

[ 72 ]

وإيجابا لرغبته، ثم عم (1) تصريحا بعموم الحكم جميع الامكنة وسائر الامة، وتأكيدا لامر القبلة، وتحضيضا للامة على المتابعة. (وإن الذين أوتوا الكتب ليعلمون أنه الحق من ربهم) قيل: لعلمهم بتخصيص كل شريعة بقبلة ولتضمن كتبهم أنه يصلي إلى القبلتين (2). (وما الله بغفل عما يعملون). وعد ووعيد للفريقين. (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتب بكل ءاية): برهان وحجة (ما تبعوا قبلتك)، لان المعاند لا تنفعه الدلالة (وما أنت بتابع قبلتهم). قطع لاطماعهم. (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) لتصلب كل بما هو فيه. (ولئن اتبعت أهواءهم من بعدما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظلمين). من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جارة. (الذين ءاتينهم الكتب) يعني: علماءهم (يعرفونه): يعرفون محمدا بنعته وصفته ومبعثه ومهاجره وصفة أصحابه في التوراة والانجيل (كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون). (الحق من ربك) قال: " أنك الرسول إليهم " (3). (فلا تكونن من الممترين): الشاكين. (ولكل وجهة): ولكل قوم قبلة وملة وشرعة ومنهاج يتوجهون إليها (هو موليها): الله موليها إياهم (فاستبقوا الخيرت): الطاعات، وفي رواية: " الولاية " (4). (أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا) قيل: أينما متم في بلاد الله يأت بكم الله إلى المحشر (5). وورد: " إنها نزلت في أصحاب القائم، وإنهم المفتقدون من فرشهم ليلا


1 - في " ج ": " عمم ". 2 - البيضاوي 1: 198. 3 - الكافي 2: 283، الحديث: 16، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكافي 8: 313، الحديث: 487، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - البيضاوي 1: 199. (*)

[ 73 ]

فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في السحاب نهارا، نعرف اسمه (1) واسم أبيه وحليته ونسبه " (2). (إن الله على كل شئ قدير). (ومن حيث خرجت) للسفر في البلاد (فول وجهك شطر المسجد الحرام) إذا صليت (وإنه للحق من ربك): وإن التوجه إلى الكعبة للحق الثابت المأمور به من ربك (وما الله بغفل عما تعملون). (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره). التكرير لتأكيد أمر القبلة، لان النسخ من مظان الفتنة والشبهة، ولانه ينوط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها. (لئلا يكون للناس عليكم حجة) كحجة يهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وبأنه يجحد ديننا ويتبع قبلتنا، وكحجة المشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته. (إلا الذين ظلموا منهم). قيل: إلا الحجة الداحضة من المعاندين بأنه ما تحول إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده، أو بداله فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم (3). (فلا تخشوهم) فإن مطاعنهم لا تضركم (واخشوني) فلا تخالفوا ما أمرتكم به (ولاتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون). قال: " تمام النعمة دخول الجنة " (4). وفي رواية: " الموت على الاسلام " (5). (كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ءايتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتب الحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون). (فاذكروني) بالطاعة (أذكركم) بالثواب. ورد: " إن الله لم يذكره أحد من عباده


1 - في المصدر: يعرف باسمه. 2 - كمال الدين 2: 672، الباب: 58، الحديث: 24، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 1: 200. 4 - كنز العمال 2: 17، الحديث: 2965. 5 - راجع: البيضاوي 1: 201. (*)

[ 74 ]

المؤمنين إلا ذكره بخير، فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته " (1). وورد: " ذكر الله لاهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه " (2). (واشكروا لى) ما أنعمت به عليكم (ولا تكفرون) بجحد النعم وعصيان الامر. قال: " أريد بالكفر كفر النعم " (3). ورد: " شكر كل نعمة الورع عما حرم الله " (4). (يأيها الذين ءامنوا استعينوا بالصبر والصلوة إن الله مع الصبرين). " هذا لمن استقبل البلايا بالرحب، وصبر على سكينة ووقار، وهو صبر الخواص ". كذا ورد (5). (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموت بل أحياء ولكن لا تشعرون). قال: " المؤمن إذا قبضه الله صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا، فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم، عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا " (6). (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الامول والانفس والثمرت وبشر الصبرين) بالجنة. " هذا لمن صبر كرها ولم يشك إلى الخلق ولم يجزع بهتك ستره وهو صبر العوام ". كذا ورد (7). (الذين إذا أصبتهم مصيبة). قال: " كل شئ يؤذي المؤمن فهو له مصيبة " (8). (قالوا إنا لله). قال: " إقرار على أنفسنا بالملك " (9). (وإنآ إليه رجعون). قال: " إقرار على أنفسنا بالهلك " (10). ورد: " ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكره المصيبة


1 - الكافي 8: 7 و 401، عن أبي عبد الله عليه السلام في رسالته إلى جماعة الشيعة. 2 - القمي 2: 150، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 2: 390، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الخصال 1: 14، الحديث: 50، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 و 7 - مصباح الشريعة: 186، الباب: 88، في الصبر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 3: 245، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - البيضاوي 1: 202، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 9 و 10 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 485، الحكمة: 99. (*)

[ 75 ]

ويصبر حين تفجأه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وكلما ذكر مصيبة فاسترجع عند ذكرها غفر الله له كل ذنب فيما بينهما " (1). (أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون). (إن الصفا والمروة). هما علما جبلين بمكة (من شعائر الله): من أعلام مناسكه (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما). قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرط في عمرة القضاء أن يرفعوا الاصنام من الصفا والمروة ثلاثة أيام حتى يسعى، فتشاغل رجل عن السعي حتى انقضت الايام وأعيدت الاصنام، فشكى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت. يعني: لا جناح عليه أن يطوف بهما وعليهما الاصنام " (2). وفي رواية: " إن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بينهما شئ صنعه المشركون، فنزلت " (3). (ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم). (إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينت والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتب) قال: " كأحبار اليهود الكاتمين للآيات الشاهدة على أمر محمد وعلي - عليهما السلام ونعتهما وحليتهما، وكالنواصب الكاتمين لما نزل في علي " (4). (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللعنون). قال: " كل من يتأتى منه اللعن حتى أنفسهم، فإنهم يقولون: لعن الله الظالمين " (5). (إلا الذين تابوا) قال: " من كتمانهم " (6). (وأصلحوا) قال: " أعمالهم وما كانوا أفسدوه " (7). (وبينوا) ما كتموا (فأولئك أتوب عليهم) بالقبول والمغفرة (وأنا التواب الرحيم): المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة.


1 - الكافي 3: 224، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - البرهان 1: 169، الحديث: 3، والكافي 4: 435، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 240، والبرهان 1: 169، الحديث: (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4، 5، 6 و 7 - تفسير الامام عليه السلام: 571 - 570. (*)

[ 76 ]

(إن الذين كفروا وما تواوهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين) قال: " استقر عليهم البعد من الرحمة " (1). (خلدين فيها) قال: " في اللعنة في نار جهنم " (2). (لا يخفف عنهم العذاب) قال: " يوما ولا ساعة " (3). (ولاهم ينظرون): يمهلون. (وإلهكم إله وحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم). (إن في خلق السموت والارض) قال: " أي: بلا عمد من تحتها يمنعها من السقوط، ولا علاقة من فوقها تحبسها من الوقوع عليكم، وأنتم أيها العباد والاماء أسرائي في قبضتي، الارض من تحتكم لا منجا لكم منها أين هربتم، والسماء من فوقكم لا محيص لكم عنها أين ذهبتم، فإن شئت أهلكتكم بهذه، وإن شئت أهلكتكم بتلك، ثم ما في السماوات من الشمس المنيرة في نهاركم لتنتشروا في معايشكم، ومن القمر المضئ لكم في ليلكم لتبصروا في ظلماتها، وإلجائكم بالاستراحة في الظلمة إلى ترك مواصلة الكد الذي ينهك أبدانكم " (4). (واختلف اليل والنهار) قال: " المتتابعين الكارين (5) عليكم بالعجائب التي يحدثها ربكم في عالمه، من إسعاد وإشقاء، وإعزاز وإذلال، وإغناء وإفقار، وصيف وشتاء، وخريف وربيع، وخصب وقحط، وخوف وأمن " (6). (والفلك التى تجرى في البحر بما ينفع الناس) قال: " التي جعلها الله مطاياكم، لا تهدأ (7) ليلا ولا نهارا،


1 - تفسير الامام عليه السلام: 572، وفيه: " يوجب الله تعالى لهم البعد من الرحمة ". 2 و 3 - المصدر: 572. 4 - المصدر: 575. وينهك أبدانكم أي: يدنف ويضني. الصحاح 4: 1613 (نهك). 5 - كر عليه الليل والنهار: عادا مرة بعد أخرى. وفي المصدر: " الكادين " - بالدال المهملة - من الكد بمعنى الشدة والالحاح في الطلب فتكون كناية عن عدم تخلفهما. وما في المتن أبلغ وأنسب بالمقام. 6 - تفسير الامام عليه السلام: 575. 7 - لا تهدأ: أي: لا تسكن. والمطايا جمع للمطية وهي الناقة التي يركب مطاها: أي ظهرها. النهاية 5: 249، و 4: 340 (هدأ - مطا). (*)

[ 77 ]

ولا تقتضيكم (1) علفا ولا ماء، وكفاكم بالرياح مؤنة تسييرها بقواكم التي لا تقوم لها لو ركدت عنها الرياح، لتمام مصالحكم ومنافعكم وبلوغكم الحوائج لانفسكم " (2). (وما أنزل الله من السماء من ماء) قال: " وابلا وهطلا ورذاذا، لا ينزل عليكم دفعة واحدة فيغرقكم ويهلك معايشكم، لكنه ينزل متفرقا من علا، حتى يعم الاوهاد والتلال والتلاع " (3). (فأحيا به الارض بعد موتها) قال: " فيخرج نباتها وحبوبها وثمارها " (4). (وبث فيها من كل دابة) قال: " منها ما هي لاكلكم ومعايشكم، ومنها سباع ضارية، حافظة عليكم أنعامكم، لئلا تشذ (5) عليكم خوفا من افتراسها لها " (6). (وتصريف الريح) قال: " المربية لحبوبكم، المبلغة لثماركم، النافية لركود الهواء والاقتار (7) عنكم " (8). (والسحاب المسخر) قال: " المذلل الواقف " (9). (بين السماء والارض) قال: " يحمل أمطارها ويجري بإذن الله ويصبها حيث يؤمر " (10). (لايت لقوم يعقلون) قال: " دلائل واضحات لقوم يتفكرون فيها بعقولهم " (11). (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا) من الاصنام والرؤساء الذين


1 - في المصدر: " تقضيكم " من تقضى الشئ بمعنى فنى وانصرم ولكن ما في المتن أوفق بالعبارة. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 575 - 576. 3 - المصدر: 576. الوهد: الارض المنخفضة. والتل من التراب: قطعة منه أرفع قليلا مما حولها والجمع: تلال. والتلعة: ما انهبط من الارض ومسيل الماء. وفي المصدر: القلاع بدل التلاع. والقلاع - بضم القاف - الطين الذي يتشقق إذا نضب عنه الماء وقشر الارض يرتفع عن الكمأة فيدل عليها. " راجع: القاموس المحيط ". 4 - المصدر: 576. 5 - في: " ألف ": " يشذ " وفي المصدر " تشد " بالدال المهملة. 6 - تفسير الامام عليه السلام: 576. 7 - كأنه جمع القتره بمعنى الغبرة أي: يذهب الاغبرة والابخرة المجتمعة في الهواء الموجبة لكثافتها وتعفنها. قاله المجلسي في البحار 3: 55. 8 إلى 11 - تفسير الامام عليه السلام: 576. (*)

[ 78 ]

يطيعونهم. قال: " هم أئمة الظلم وأشياعهم " (1). (يحبونهم كحب الله). يأتي تفسير محبة الله في آل عمران إن شاء الله (2). (والذين ءامنوا أشد حبا لله) لانهم يرون الربوبية والقدرة لله، لا يشركون به شيئا، فمحبتهم خالصة له. قال: " هم آل محمد " (3). (ولو يرى الذين ظلموا) قال: " باتخاذ الاصنام أندادا لله سبحانه، والكفار والفجار أمثالا لمحمد وعلي " (4). (إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب). جواب " لو " محذوف، أي: لندموا أشد الندم. (إذ تبرأ الذين اتبعوا) قال: " الرؤساء " (5). (من الذين اتبعوا) قال: " الرعايا والاتباع " (6). (ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب) قال: " ففنيت حيلتهم ولا يقدرون على النجاة من عذاب الله بشئ " (7). (وقال الذين اتبعوا) قال: " الاتباع " (8). (لو أن لنا كرة) قال " يتمنون لو كان لهم رجعة إلى دار الدنيا " (9). (فنتبرأ منهم) قال: " هناك " (10). (كما تبرء وامنا) قال: " هنا " (11). (كذلك يريهم الله أعملهم حسرت عليهم وما هم بخرجين من النار). قال: " وذلك أنهم عملوا في الدنيا لغير الله أو على غير الوجه الذي أمر الله، فيرونها لاثواب لها، ويرون أعمال غيرهم التي كانت لله قد عظم الله ثوابها " (12). وفي رواية: " يدع ما له بخلا فينفقه غيره في طاعة الله، فيراه حسرة، أو في معصية الله فكان قد أعانه عليها، فيراه حسرة " (13).


1 - العياشي 1: 72، الحديث: 142، والكافي 1: 374، الحديث: 11، والبرهان 1: 172، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - ذيل الآية: 31. 3 - العياشي 1: 72، الحديث: 143، والبرهان 1: 172، الحديث: 4، عن الصادقين عليهما السلام. 4 إلى 8 - تفسير الامام عليه السلام: 578. 9 إلى 12 - المصدر: 578. 13 - الكافي 4: 42، الحديث: 2، والعياشي 1: 72، الحديث: 144، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 79 ]

(يأيها الناس كلوا مما في الارض حللا طيبا) لكم (ولا تتبعوا خطوت الشيطن) قال: " ما يخطو بكم إليه، ويغريكم به من مخالفة الرسول " (1). قيل: نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الاطعمة والملابس (2). (إنه لكم عدو مبين): ظاهر العداوة. (إنما يأمركم بالسوء) قيل: هو ما أنكره العقل (3). (والفحشاء) قيل: هو ما استقبحه الشرع (4). (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) كاتخاذ الانداد، وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات. ورد: " إياك وخصلتين، ففيهما هلك من هلك: إياك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم " (5). (وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا): وجدنا (عليه ءابآءنا) قال: " من الدين والمذهب " (7). (أولؤ كان أآباؤهم لا يعقلون شيئا): جهلة لا يتفكرون في أمر الدين (ولا يهتدون) إلى الحق والصواب. (ومثل الذين كفروا كمثل الذى ينعق): يصيح. من نعق الراعي بغنمه: إذا صاح بها (7). (بما لا يسمع إلا دعاء وندآء). قال: " أي: مثلهم في دعائك إياهم إلى الايمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به، من البهائم التي لا تفهم، وإنما تسمع الصوت " (8). أقول: أراد - عليه السلام - أن مثل داعيهم إلى الايمان كمثل داعي البهائم، يعني أنهم لانهما كهم في التقليد لا يلقون آذانهم إلى ما يتلى عليهم، ولا يتأملون فيما يقرر


1 - تفسير الامام عليه السلام: 581، وفيه " ويغركم به ". 2 - راجع: التبيان 2: 72، ومجمع البيان 1 - 2: 252. 3 و 4 - راجع: البيضاوي 1: 209. 5 - الكافي 1: 42، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - تفسير الامام عليه السلام: 582. 7 - راجع: الصحاح 4: 1559 (نعق). 8 - مجمع البيان 1 - 2: 254: عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 80 ]

معهم، فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه وتحس النداء ولا تفهم معناه. (صم بكم عمى) قال: " عن الهدى " (1). (فهم لا يعقلون). (يأيها الذين ءامنوا كلوا من طيبت ما رزقنكم واشكرو الله) قال: " على ما رزقكم منها " (2). أقول: بأن تعتقدوا بأن النعمة من الله، وأن تصرفوا النعمة فيما خلقت لاجله، وتحمدوا الله بألسنتكم. (إن كنتم إياه تعبدون): إن صح أنكم تختصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم. (إنما حرم عليكم الميتة) قال: " التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث أذن الله " (3). (والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله) قال: " ما ذكر اسم غير الله عليه من الذبايح، وهي التي يتقرب بها الكفار بأسامي أندادهم التي اتخذوها من دون الله " (4). (فمن اضطر) قال: " إلى شئ من هذه المحرمات " (5). (غير باغ ولاعاد) قال: " الباغي: الذي يخرج على الامام، والعادي: الذي يقطع الطريق " (6). وفي رواية: " الباغي: الذي يبغي الصيد بطرا ولهوا، لا ليعود به على عياله، والعادي: السارق، ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا " (7). (فلا إثم عليه) في تناول هذه الاشياء. (إن الله غفور) قال: " ستار لعيوبكم " (8). (رحيم) قال: " بكم حين أباح لكم في الضرورة ما حرمه في الرخاء " (9).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 583. 2 - المصدر: 584. وفي " الف ": " على ما رزقناكم منها ". 3، 4 و 5 - المصدر: 585. 6 - الكافي 6: 256، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 3: 217، ذيل الحديث: 1007، عن محمد بن علي الرضا عليهما السلام. 8 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 585 - 586. (*)

[ 81 ]

(إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتب ويشترون به ثمنا قليلا): " عرضا يسيرا من الدنيا، كمال أو رياسة عند الجهال ". كذا ورد (1). (أولئك ما يأكلون في بطونهم): ملا بطونهم (إلا النار) قال: " بدلا من إصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق " (2). (ولا يكلمهم الله يوم القيمة) قال: " بكلام خير " (3). (ولا يزكيهم) قال: " من ذنوبهم " (4). وقيل: ولا يثني عليهم (5). وإنهما كنايتان عن غضبه تعالى عليهم، وتعريض لحرمانهم عن الزلفى من الله. (ولهم عذاب أليم). (أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى) في الدنيا (والعذاب بالمغفرة) في الآخرة (فما أصبرهم على النار). قال: " على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار " (6). (ذلك بأن الله نزل الكتب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتب) قال: " بأن قال بعضهم: إنه سحر، وقال آخر: إنه شعر، وقال آخر: إنه كهانة " (7). (لفى شقاق): خلاف (بعيد) عن الحق. (ليس البر) قال: " الطاعة التي تنالون بها الجنان، وتستحقون بها الغفران والرضوان " (8). (أن تولوا وجوهكم) قال: " بصلواتكم " (9). (قبل المشرق والمغرب). " رد على الذين أكثروا الخوض في أمر القبلة من أهل الكتاب حين حولت، مدعيا كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلتها، والمشرق قبلة النصارى، والمغرب قبلة اليهود ". كذا ورد (10).


1 - تفسير الامام عليه السلام: 585 - 586. 2، 3 و 4 - المصدر: 586. 5 - راجع: البيضاوي 1: 211. 6 - البرهان 1: 175، الحديث: 1 و 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - تفسير الامام عليه السلام: 586 - 587. 8 و 9 - المصدر: 590، وفيه " بصلاتكم ". 10 - راجع: تفسير الامام عليه السلام: 589. (*)

[ 82 ]

(ولكن البر من ءامن): برمن آمن (بالله واليوم الاخر والملئكة والكتب والنبين وءاتى المال على حبه) قال: " على حبه للمال وشدة حاجته إليه، يأمل الحياة ويخشى الفقر لانه صحيح شحيح " (1). (ذوى القربى واليتمى) قال: " ذوي قرابته (2) الفقراء برا وصدقة، وذوي قرابة النبي الفقراء برا وهدية لا صدقة " (3). وكذا قال في اليتامى. (والمسكين) قال: " مساكين الناس " (4). (وابن السبيل) قال: " المجتاز الذي لا نفقة معه " (5). (والسائلين) قال: " الذين يتكففون " (6). (وفى الرقاب) وفي تخليصها: قال: " المكاتبين، يعينهم ليؤدوا حقوقهم فيعتقوا " (7). (وأقام الصلوة وءاتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عهدوا). عطف على " من آمن ". (والصبرين في البأساء) نصبه على المدح، ولم يعطف، لفضل الصبر على ساير الاعمال. قال: " يعني في محاربة الاعداء، ولا عدو يحاربه أعدى من إبليس " (8). وفي رواية: " نفسه " (9). (والضراء) قال: " الفقر والشدة " (10). (وحين البأس) قال: " عند شدة القتال " (11). (أولئك الذين صدقوا) قال: " صدقوا في إيمانهم، وصدقوا أقاويلهم بأفاعيلهم " (12). (وأولئك هم المتقون) قال: " لما أمروا باتقائه " (13). ورد: " من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان " (14). (يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) قال: " يعني المساواة وأن


1، 3، 4، 5، 6 و 7 - تفسير الامام عليه السلام: 592. 2 - الضمير في: " قرابته " يرجع إلى المعطى. وفي المصدر: " وآتى قرابة نفسه صدقة وبرا وعلى أي سبيل أراد ". 8، 10، 11، 12، 13 - تفسير الامام عليه السلام: 594. 9 - راجع: الكافي 2: 335، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، والبحار 67: 64، الحديث: 1، عن عدة الداعي، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 14 - البيضاوي 1: 213. (*)

[ 83 ]

يسلك بالقاتل في طريق المقتول الذي سلكه به لما قتله " (1). ورد: " هي لجماعة المسلمين، ما هي للمؤمنين خاصة " (2). (الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى). قال: " إنها ناسخة لقوله تعالى: " النفس بالنفس " الآية " (3). وإنه " لا يقتل حر بعبد، ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد، ولا يقتل الرجل بالمرأة، إلا إذا أدي إلى أهله نصف ديته " (4). (فمن عفى له) أي: الجاني الذي عفي له (من أخيه) الذي هو ولي الدم. قيل: ذكر الاخوة ليعطف عليه " شئ " من العفو (5)، وهو العفو من القصاص دون الدية. (فاتباع): فليكن اتباع من العافي، أي مطالبة بالدية (بالمعروف) بأن لا يظلم الجاني بأخذ الزيادة ولا يعنفه (وأداء) من الجاني (إليه) أي: إلى العافي (بإحسن) " بأن لا يماطله ولا يضاره، بل يشكره على عفوه ". كذا ورد في تفسير هذه الآية (6). (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) إذ لو لم يكن إلا القتل أو العفو، لقلما طابت نفس ولي المقتول بالعفو بلا عوض، فكان قلما يسلم القاتل من القتل. (فمن اعتدى بعد ذلك) بأن يقبل الدية أو يعفو أو يصالح، ثم يجئ بعد، فيمثل أو يقتل (فله عذاب أليم). (ولكم في القصاص حيوة) قال: " لان من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس، إذا علموا أن القصاص واجب، لا يجسرون على القتل مخافة


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 594. 3 - المائدة (5): 45، وتمام الآية: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص. الآية ". 4 - راجع: القمي 1: 65، والعياشي 1: 75، الحديث: 158، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - البيضاوي 1: 214. 6 - تفسير الامام عليه السلام: 595، ولكن ليست فيه جملة: " بل يشكره على عفوه ". (*)

[ 84 ]

القصاص " (1). (يأولى الالبب). قيل: ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الارواح، وحفظ النفوس (2). (لعلكم تتقون). (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت): حضر أسبابه وظهر إماراته (إن ترك خيرا): " مالا كثيرا ". كذا ورد (3). (الوصية للولدين والاقربين بالمعروف): بالشئ الذي يعرف العقل أنه لا جور فيه ولا جنف (4). (حقا على المتقين). ورد: " إنها منسوخة بآية المواريث " (5). وحمل على التقية لموافقته مذاهب العامة، ومخالفته لما ورد: " أنه سئل عن الوصية للوارث ؟ فقال: تجوز. ثم تلا هذه الآية " (6). وفي معناه أخبار أخر (7). أقول: نسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز. وورد: " من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية " (8). وفي رواية: " أنه شئ جعله الله لصاحب هذا الامر. سئل: هل لذلك حد ؟ قال: أدنى ما يكون ثلث الثلث " (9). (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم). وعيد للمبدل بغير حق. ورد: " أعط لمن أوصى به له وإن كان يهوديا أو نصرانيا، وأنه يغرمها


1 - تفسير الامام عليه السلام: 595، وفيه: " لا يجرؤن " بدل: " لا يجسرون ". 2 - البيضاوي 1: 215. 3 - الدر المنثور 1: 174، ومجمع البيان 1 - 2: 267. 4 - في " ألف ": " ولا حيف " وكلاهما بمعنى واحد وهو الجور والميل عن الحق، ولعل ما أثبتناه أنسب لقول بعض اللغويين: إن الجنف يختص بالوصية، ولكونه متخذا من الآية الآتية. 5 - العياشي 1: 77، الحديث: 167، ومجمع البيان 1 - 2: 267، عن أحدهما عليهما السلام، 6 - الكافي 7: 10، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - الكافي 7: 9، باب: الوصية للوارث، الحديث: 1، 2، 3 و 4، والعياشي 1: 76، الحديث: 164، ومجمع البيان 1 - 2: 267. 8 - من لا يحضره الفقيه 4: 134، الحديث: 466، والعياشي 1: 76، الحديث: 166، ومجمع البيان 1 - 2: 267. وفي " الف " و " ب ": " بمعصيته ". 9 - من لا يحضره الفقيه 4: 175، الحديث: 665، والعياشي 1: 77، الحديث: 168، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 85 ]

إذا خالف " (1). (فمن خاف من موص جنفا أو إثما) قال: " ميلا عن الحق بالخطأ أو التعمد " (2). وفي رواية: " إذا اعتدى في الوصية وزاد على الثلث " (3). (فأصلح بينهم): بين الورثة والموصى لهم (فلا إثم عليه) في التبديل، لانه تبديل باطل إلى الحق (إن الله غفور رحيم). ورد: " إن قوله: " فمن بدله " منسوخ بقوله: " فمن خاف ". قال: يعني الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصي فيما أوصى به إليه فيما لا يرضى الله به من خلاف الحق، فلا إثم على الموصى إليه أن يرده إلى الحق وإلى ما يرضى الله به من سبيل الخير " (4). وفي رواية: " إن الله أطلق للموصى إليه أن يغير الوصية إذا لم تكن بالمعروف وكان فيها جنف، ويردها إلى المعروف " (5). وفي أخرى: " مثل رجل يكون له ورثة، فيجعل المال كله لبعض ورثته ويحرم بعضها. قال: فالجنف: الميل إلى بعض ورثتك دون بعض، والاثم: أن تأمر بعمارة بيوت النيران واتخاذ المسكر، فيحل للوصي أن لا يعمل بشئ من ذلك " (6). (يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام). قال: " لذة النداء أزال تعب العبادة


1 - الكافي 7: 14، الحديث: 1 و 2، والعياشي 1: 77، الحديث 169، عن أبي عبد الله عليه السلام. والظاهر أن جملة: " وأنه يغرمها إذا خالف " ليست ذيل الرواية المذكورة، بل هي مضمون الحديث الآخر المروي في العياشي 1: 77، الحديث: 170. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 269، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - العياشي 1: 78، الحديث: 173، وعلل الشرايع 2: 567، الباب: 369، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 78، الحديث: 172، والكافي 7: 21، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكافي 7: 20، الحديث: 1، وفيه: " وكان فيها حيف ". 6 - القمي 1: 65، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 86 ]

والعناء " (1). وقال: " فيه وفي " كتب عليكم القتال " هذه كلها تجمع الضلال والمنافقين، وكل من أقر بالدعوة الظاهرة " (2). (كما كتب على الذين من قبلكم) قال: " من الانبياء والامم، أولهم آدم " (3). أقول: يعني أنه عبادة قديمة ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لم يوجبها عليكم وحدكم. ففيه ترغيب وتطييب. (لعلكم تتقون) المعاصي، فإن الصيام يكسر الشهوة التي هي معظم أسبابها. ورد: " من لم يستطع الباه (4) فليصم، فإن الصوم له وجاء " (5). (أياما معدودت فمن كان منكم مريضا): مرضا يضره الصوم ويعسر، لقوله: " ولا يريد بكم العسر " (6). قال: " هو مؤتمن عليه مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصم، كان المريض على ما كان " (7). وقال: " كل ما أضربه الصوم، فالافطار له واجب " (8). (أو على سفر). حد السفر وشرايطه في وجوب الافطار يطلب من كتابنا " الوافي " (9). (فعدة من أيام أخر). هذا نص في وجوب الافطار على المريض والمسافر، كما ورد في أخبار كثيرة، حتى قالوا: " الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر،


1 - مجمع البيان 1 - 2: 271، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 78، الحديث: 175، عن أبي عبد الله عليه السلام. والآية في نفس السورة: 216. 3 - راجع: جوامع الجامع 1: 103. 4 - في " ب " و " ج ": " الباءة ". 5 - الكافي 2: 180، الحديث: 2، عن أحدهما عليهما السلام، والمقنعة - للمفيد -: 497 باب السنة في النكاح، وفيه: " فليد من الصوم "، والوسائل 7: 300، والوجاء: أن ترض انثيا الفحل رضا شديدا يذهب شهوة الجماع ويتنزل في قطعه منزلة الخصي. وقيل: هو أن توجأ العروق، والخصيتان بحالهما. أراد أن الصوم يقطع النكاح كما يقطعه الوجاء. النهاية 5: 152 (وجأ). 6 - البقره (2): 185. 7 - الكافي 4: 118، الحديث: 3، وفيه: " كان المرض ما كان ". 8 - من لا يحضره الفقيه 2: 84، الحديث: 374، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - الوافي 11: 309. (*)

[ 87 ]

وعليه القضاء (1). (وعلى الذين يطيقونه) قال: " كانوا يطيقونه، فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك " (2). وفي رواية: " الذين يطيقونه: الشيخ الكبير، والذي يأخذه العطاش " (3). أقول: في الرواية الاولى إشكال، وفي الثانية إجمال، ولعل المراد بهم: الذين يكون الصيام بقدر طاقتهم، ويكونون معه على مشقة وعسر، فإن من كان كذلك، لم يكلفه الله به على الحتم، بل خيره بينه وبين الفدية توسيعا منه جل وعز، ورحمة، وذلك لان الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، " والوسع دون الطاقة " كما ورد به النص (4). يدل على ما قلت قوله تعالى: " وأن تصوموا خير لكم " (5)، فإنه يدل على أن المطيق هو الذي يقدر على الصيام حدا في القدرة دون الحد الذى أوجب عليه، فإنه إذا اختار المشقة على السعة كان أعظم أجرا، فحكم الآية باق ليس بمنسوخ كما زعمته قوم، وهذا بعينه معنى الرواية الثانية. (فدية طعام مسكين) يعني إن أفطروا، يتصدقون عن كل يوم بما يجتزي به مسكين. وفي رواية: " مد " (6). (فمن تطوع خيرا) أي: زاد في مقدار الفدية (فهو خير له وأن تصوموا) أيها المطيقون فهو (خير لكم) من الفدية وتطوع الخير (إن كنتم تعلمون) صمتم. (شهر رمضان) أي: الايام المعدودات هي شهر رمضان. ورد: " إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الانبياء دون الامم، ففضل الله به هذه الامة، وجعل صيامه فرضا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أمته " (7). (الذى أنزل فيه القرءان) يعني أنزل بيانه وتأويله


1 - الكافي 4: 127، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، وليست فيه: " وعليه القضاء ". 2 - الكافي 4: 116، الحديث: 5، ومن لا يحضره الفقيه 2: 84، الحديث: 377، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 1: 78 و 79، الحديث: 176 و 179، والكافي 4: 116، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - معالم التنزيل (للبغوي) 1: 274. 5 - البقره (2): 184. 6 - العياشي 1: 79، الحديث: 181، والكافي 4: 116، الحديث 4، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 2: 61، الحديث: 267، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 88 ]

في ليلة القدر منه، وأما تنزيله، فكان من ابتداء بعثة النبي إلى أوان وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. كذا يستفاد مما ورد (1). وفي رواية: " نزل القرآن جملة (2) واحدة في شهر رمضان إلى البيت المعمور، ثم نزل في طول عشرين سنة " (3). (هدى للناس) أي: أنزل في ليلة القدر بيانه، وتأويل متشابهه ليكون هدى للناس (وبينت من الهدى والفرقان): بتفريق المحكم من المتشابه، وبتقدير الاشياء، وتبيين خصوص الوقايع التي تصيب الخلق في كل سنة إلى ليلة القدر الآتية، وذلك يكون في كل عصر وزمان لصاحب ذلك العصر والزمان. والفرقان: هو المحكم الواجب العمل به، وهو بعينه ما قاله عز وجل في الدخان: " إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم " (4) أي محكم. كذا المستفاد مما ورد (5). (فمن شهد منكم الشهر): فمن حضر في الشهر، ولم يكن مسافرا (فليصمه) قال: " ما أبينها. من شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه " (6). وورد: " ليس للرجل إذا دخل شهر رمضان أن يخرج إلا في حج، أو عمرة، أو مال يخاف تلفه، أو أخ يخاف هلاكه، وليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه، فإذا مضت ليلة ثلاث وعشرين فليخرج حيث شاء " (7). (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر). كرر ذلك، تأكيدا للامر بالافطار، وأنه عزيمة لا يجوز تركه. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فلذلك أمركم بالافطار في المرض


1 - مجمع البيان 1 - 2: 276، ومعالم التنزيل (للبغوي) 1: 218. 2 - في " ألف ": " جملا واحدة ". 3 - العياشي 1: 80، الحديث 184، والكافي 2: 628، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الآية: 3 و 4. 5 - العياشي 1: 80، الحديث: 185، ومجمع البيان 1 - 2: 276، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 4: 126، الحديث: 1، ومن لا يحضره الفقيه 2: 91، الحديث: 404، والتهذيب 4: 216، الحديث: 627، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - التهذيب 4: 216، الحديث: 626، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 89 ]

والسفر (ولتكملوا العدة): عدة أيام الشهر بالصيام (ولتكبروا الله على ما هدئكم): " ولتعظموا الله وتمجدوه على هدايته إياكم. أريد به تكبير صلاة العيد ". كذا ورد (1). وفي رواية: " التكبير عقيب الصلوات الاربع في العيد " (2). (ولعلكم تشكرون) تسهيله الامر لكم. (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب): فقل لهم: إني قريب. روي: " أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت " (3). أقول: مثل قربه تعالى مثل معيته، فكما أن معيته ليست بمازجة ومداخلة، ومفارقته ليست بمباينة ومزايلة، فكذلك قربه ليس باجتماع وأين، وبعده ليس بافتراق وبين، وإنما يجد قربه من عبده كأنه يراه، وأما بعد من بعد عنه، مع تساوي نسبة قربه إلى جميع عباده فهو كما أن لك رقيبا وهو حاضر عندك وأنت عنه في عمى، لا تراه ولا تشعر بحضوره. (أجيب دعوة الداع إذا دعان). تقرير للقرب، ووعد للداعي بالاجابة. " ومن لم يجد الاجابة فقد أخل بشرط الدعاء ". كذا ورد (4). (فليستجيبوا لى) إذا دعوتهم للايمان والطاعة، كما أجبتهم إذا دعوني لمهامهم. (وليؤمنوا بى) قال: " وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه " (5). (لعلهم يرشدون) قال: " لعلهم يصيبون الحق ويهتدون إليه " (6). (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم). كناية عن المواقعة، لانه قلما يخلو


1 - من لا يحضره الفقيه 1: 331، الحديث: 1488، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 2 - الكافي 4: 166، الحديث 1، والعياشي 1: 82، الحديث: 193 و 195، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الدر المنثور 1: 194، ومجمع البيان 1 - 2: 278. 4 - الكافي 2: 486، الحديث: 8، ومصباح الشريعة: 133، الباب: 62، في الدعاء، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 و 6 - مجمع البيان 1 - 2: 280، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 90 ]

من رفث (1)، وهو الافصاح بما يجب أن يكنى عنه. (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). بيان لسبب الاحلال وهو قلة الصبر عنهن وكثرة مخالطتهن. (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) من الخيانة، أي تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب (فتاب عليكم وعفا عنكم). ورد: " كان الاكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم، والنكاح حراما بالليل والنهار، فنام رجل قبل أن يفطر، وحضر حفر الخندق، فأغمي عليه، وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا، فنزلت " (2). (فالن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) قيل: من الولد أو من الاباحة بعد الحظر (3)، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) قال: " بياض النهار من سواد الليل " (4). وفي رواية: " هو الفجر الذي لاشك فيه " (5). وفي أخرى: " ليس هو الابيض صعداء، إن الله لم يجعل خلقه في شبهة من هذا، وتلا هذه الآية " (6). وسئل: آكل في شهر رمضان بالليل حتى أشك ؟ قال: " كل حتى لا تشك " (7). (ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد): معتكفون فيها. والاعتكاف أن يحبس نفسه في الجامع للعبادة. (تلك حدود الله): حرمات الله


1 - الرفث - محركة -: كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع ودواعيه وجعل في الآية كناية عن الجماع. " المفردات: رفث ". وعن الازهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. النهاية 2: 241 (رفث). 2 - مجمع البيان 1 - 2: 280، والعياشي 1: 83، الحديث: 197، والقمي 1: 66، عن أبي عبد الله عليه السلام، والدر المنثور 1: 197. 3 - الكشاف 1: 338. وفي " ألف ": " من الولد أو الاباحة بعد الحظر ". 4 - العياشي 1: 84، الحديث: 203، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - من لا يحضره الفقيه 2: 82، الحديث: 364، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - التهذيب 2: 37، ذيل الحديث: 66، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - التهذيب 4: 318، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 91 ]

ومناهيه (فلا تقربوها). ورد: " إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، فمن رتع (1) حول الحمى، يوشك أن يقع فيه " (2). (كذلك يبين الله ءايته للناس لعلهم يتقون). (ولا تأكلوا أموالكم بينكم): لا يأكل بعضكم مال بعض (بالبطل): " بالوجه الذي لم يشرعه الله كالقمار، وكاليمين الكاذبة، والدين الذي ليس له ما يؤديه ". كذا ورد (3). (وتدلوا بها إلى الحكام): ولا تلقوا أمرها إلى الحكام (لتأكلوا) بالتحاكم (فريقا): طائفة (من أمول الناس بالاثم): بما يوجب إثما كشهادة الزور، واليمين الكاذبة (وأنتم تعلمون) أنكم مبطلون. قال: " هو أن يعلم الرجل أنه ظالم، فيحكم له القاضي، فهو غير معذور في أخذه ذلك الذي حكم له " (4). وقال: " قد علم الله أنه يكون حكام يحكمون بغير الحق فنهى أن يتحاكم إليهم " (5). (يسئلونك عن الاهلة): عن زيادتها ونقصانها (قل هي موقيت للناس و الحج): معالم يوقت بها الناس عباداتهم ومزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وعدد نسائهم. وورد: " لصومهم وفطرهم وحجهم " (6). (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها). قال: " كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون ويخرجون من نقب ينقبونه (7) في مؤخرها، ويعدون ذلك برا فنهوا عن التدين بها " (8).


1 - رتع: أكل وشرب ما شاء في خصب وسعة. " القاموس المحيط 3: 28 - رتع ". ورتع حول الحمى أي: يطوف به ويدور حوله. 2 - الكشاف 1: 340، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - الكافي 5: 122، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، ومجمع البيان 1 - 2: 282، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - العياشي 1: 85، الحديث: 206، عن أبي الحسن الثاني عليه السلام. 5 - القمي 1: 67، عن أبي الحسن الاول عليه السلام. 6 - التهذيب 4: 166، الحديث: 472، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - في " الف ": " ينقبون ". 8 - مجمع البيان 1 - 2: 284، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 92 ]

(ولكن البر من اتقى) قال: " ما حرم الله " (1). (وأتوا البيوت من أبوبها) قال: " يعني أن يأتي الامر من وجهه أي أمر كان " (2). أقول: ومنه أخذ أحكام الدين عن أمير المؤمنين وعترته الطيبين، لانهم أبواب مدينة علم النبي - صلوات الله عليه وعليهم أجمعين - كما قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها ولا يؤتى المدينة إلا من بابها " (3). وقال علي عليه السلام: " قد جعل الله للعلم أهلا وفرض على العباد طاعتهم بقوله: " وأتوا البيوت من أبوابها ". والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعته الانبياء، وأبوابها أوصياؤهم " (4). (واتقوا الله) في تغيير أحكامه (لعلكم تفل‍ تفلحون). (وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم): جاهدوا لاعلاء كلمته. ورد: " إنها ناسخة لقوله: " كفوا أيديكم " " (5). (ولا تعتدوا) بابتداء القتال والمفاجاة به من غير دعوة، وبالمثلة، وقتل من نهيتم عن قتله من النساء والصبيان والمشايخ والمعاهدين. (إن الله لا يحب المعتدين). (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). ورد: " إنها ناسخة لقوله تعالى: " ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم " " (6). (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) يعني مكة، وقد فعل ذلك بمن لم يسلم منهم يوم الفتح. (والفتنة أشد من القتل). قيل: معناه شركهم في الحرم، وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه (7). (ولا تقتلوهم عند


1 - الصافي 1: 208، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 86، الحديث: 211، ومجمع البيان 1 - 2: 284، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 284، والقمي 1: 68. 4 - الاحتجاج 1: 369، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 285. والاية في سورة النساء (4): 77. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 285، المروي عن أئمتنا عليهم السلام. والآية في سورة الاحزاب (33): 48. 7 - راجع: البيضاوي 1: 223. (*)

[ 93 ]

المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه): لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة الحرم (فإن قتلوكم فاقتلوهم) فلا تبالوا بقتالهم ثمة، فإنهم هم الذين هتكوا حرمته (كذلك جزاء الكفرين) يفعل بهم ما فعلوا (فإن انتهوا) عن القتال والشرك (فإن الله غفور رحيم) يغفر لهم ما قد سلف. (وقتلوهم حتى لا تكون فتنة) قال: " شرك " (1). (ويكون الدين) أي: الطاعة والعبادة (لله) وحده (فإن انتهوا) عن الشرك والقتال (فلا عدون إلا على الظلمين) فلا تعتدوا على المنتهين. سمى الجزاء باسم الابتداء، للمشاكلة وازدواج الكلام كقوله: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (2). (الشهر الحرام بالشهر الحرام). " قاتلهم المشركون في عام الحديبية في ذي القعدة، واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه، فكرهوا أن يقاتلوهم لحرمته، فنزلت، أي: هتكه بهتكه فلا تبالوا به ". كذا ورد (3). وفى رواية: " إذا ابتدأ المشركون باستحلال الشهر، جاز للمسلمين قتالهم فيه " (4). (والحرمت قصاص) يعني: كل حرمة يجري فيه القصاص، فلما هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم مثله. والحرمة: ما يجب أن يحافظ عليها. (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم). فذلكة وتأكيد. (واتقوا الله) في الانتصار، فلا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم (واعلموا أن الله مع المتقين) فيحرسهم ويصلح شأنهم. (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) بالاسراف، وتضييع وجه


1 - مجمع البيان 1 - 2: 287، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الشورى (42): 40. 3 - البيضاوي 1: 223، وتفسير الطبري 2: 114. 4 - العياشي 1: 86، الحديث: 215. (*)

[ 94 ]

المعاش، وبمعصية السلطان وبكل ما يؤدي إلى الهلاك. ورد: " لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبيل الله، ما كان أحسن ولا وفق، ثم تلا هذه الآية " (1). وورد أيضا: " طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله ودخل في نهيه، ثم تلا هذه الآية " (2). (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) قال: " يعني المقتصدين " (3). (وأتموا الحج والعمرة لله): ائتوا بهما تامين كاملين بشرائطهما وأركانهما ومناسكهما لوجه الله خالصا. ورد: " هما مفروضان " (4). وورد: " يعني بتمامهما: أدائهما واتقاء ما يتقي المحرم فيهما " (5). وفي رواية: " أقيموهما إلى آخر ما فيهما " (6). (فإن أحصرتم): " منعكم خوف أو مرض بعدما أحرمتم ". كذا ورد (7). (فما استيسر من الهدى): فعليكم إذا أردتم التحلل من الاحرام ما تيسر من الهدي تبعثون به. ورد: " يعني شاة وضع على أدنى القوم قوة، ليسع القوي والضعيف " (8). (ولا تحلقوا رءوسكم): لا تحلوا (حتى يبلغ الهدى محله) يعني: مكانه الذي يجب أن ينحر فيه. (فمن كان منكم مريضا): مرضا يحوجه إلى الحلق (أو به أذى من رأسه) كجراحة أو قمل (ففدية): فعليه فدية إن حلق (من صيام أو صدقة أو نسك) أي: دم. ورد: " إن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، والنسك شاة " (9). (فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة): استمتع وانتفع بعد التحلل من عمرته باستباحة ما كان محرما


1 و 3 - الكافي 4: 53، الحديث: 7، والعياشي 1: 87، الحديث: 217، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الامالي (للصدوق): 277. المجلس الرابع والخمسون، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - الكافي 4: 265، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 1: 88، الحديث: 224، عن أبي العباس. 5 - العياشي 1: 87، الحديث: 220، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 290، عن أمير المؤمنين وعلي بن الحسين عليهما السلام. 7 - المصدر، المروي عن أئمتنا عليهم السلام. 8 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 120، الباب: 34، ذيل الحديث: 1. 9 - العياشي 1: 90، الحديث: 231، والكافي 4: 358، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 95 ]

عليه (إلى الحج): إلى أن يحرم بالحج (فما استيسر من الهدى): فعليه دم استيسره. قال: " شاة " (1). (فمن لم يجد) الهدي (فصيام ثلثة أيام في الحج): في وقته وأيام الاشتغال به. ورد: " يعني في ذي الحجة " (2). (وسبعة إذا رجعتم) إلى أهاليكم. " فإن بداله الاقامة بمكة نظر مقدم أهل بلاده فإن ظن أنهم قد دخلوا فليصم ". كذا ورد (3). (تلك عشرة كاملة). " لا تنقص عن الاضحية الكاملة ". كذا ورد (4). (ذلك) أي: التمتع (لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام): " من كان منزله على أزيد من ثمانية عشر ميلا منه ". كذا ورد (5). [ وفي رواية (6): " حده ثمانية وأربعون ميلا " ] (7). (واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) (الحج أشهر معلومت) يعني: وقت إحرامه ومناسكه، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة. ورد: " ليس لاحد أن يحج فيما سواهن، ومن أحرم بالحج في غيرها فلا حج له " (8). (فمن فرض فيهن الحج) " بأن لبى أو أشهر أو قلد ". كذا ورد (9). (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج): في أيامه. قال: " الرفث: الجماع، والفسوق: الكذب والسباب، والجدال: قول لا والله وبلى والله " (10). و " في الجدال شاة، وفي الفسوق


1 - الكافي 4: 487، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 93، الحديث: 240، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 4: 509، الحديث: 8. 4 - المصدر: 510، الحديث: 15. 5 - المصدر: 300، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 93، الحديث: 247، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - ما بين المعقوفتين ليس في " ألف ". 8 - الكافي 4: 321، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، و 322، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - العياشي 1: 94، الحديث: 254، والكافي 4: 289، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - العياشي 1: 95، الحديث: 256، والكافي 4: 338، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 96 ]

بقرة، وفي الرفث فساد الحج " (1). (وما تفعلوا من خير يعلمه الله). حث على البر. (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى). قيل: كانوا يحجون من غير زاد، فيكونون كلا على الناس، فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الابرام والتثقيل (2) على الناس (3). (واتقون يأولى الالبب). (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم): تجارة. ورد: " كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج فرفع عنهم الجناح " (4). وفي رواية: " فضلا أي: مغفرة " (5). (فإذآ أفضتم): دفعتم أنفسكم بكثرة (من عرفت). قال: " ومضيتم إلى مزد لفة " (6). (فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هدكم): بإزاء هدايته إياكم. قال: " لدينه والايمان برسوله " (7). (وإن كنتم): وإنه كنتم. (من قبله لمن الضالين). قال: " الضالين عن دينه قبل أن يهديكم لدينه " (8). (ثم أفيضوا): ثم لتكن إفاضتكم (من حيث أفاض الناس) قال: " أي: من عرفات " (9). ورد: " إن قريشا كانوا لا يقفون بعرفات، ولا يفيضون منه، ويقولون: نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه، فيقفون بالمشعر ويفيضون منه، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منه كسائر الناس " (10).


1 - الكافي 4: 339، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في " ألف ": " والثقل ". 3 - راجع: الكشاف 1: 347، والبيضاوي 1: 225. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 295. لكنه نقله بلفظ: " قيل " عن ابن عباس ومجاهد والحسن وعطا. ثم يقول: وهو المروي عن أئمتنا. 5 - المصدر: عن أبي جعفر عليه السلام. 6، 7 و 8 - تفسير الامام عليه السلام: 605. 9 - البيضاوي 1: 227. 10 - مجمع البيان 1 - 2: 296، عن أبي جعفر عليه السلام، والعياشي 1: 97، الحديث: 266، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 97 ]

أقول: وعلى هذا فمعنى " ثم " الترتيب في الرتبة كما في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم. وفي رواية: " إن قوله: " فإذا أفضتم " متأخر عن قوله: " ثم أفيضوا " " (1). وعلى هذا يكون " ثم " بمعناه الظاهر. وفي أخرى: " إن المراد بقوله: " ثم أفيضوا " الافاضة من المشعر إلى منى " (2). وعلى هذا فلا إشكال. (واستغفروا الله) من جاهليتكم في تغيير المناسك. (إن الله غفور رحيم). قال: " للتائبين " (3). (فإذا قضيتم منسككم فاذكروا الله كذكركم ءابآءكم). ورد: " كانوا إذا فرغوا من الحج، يجتمعون هناك، يعدون مفاخر آبائهم ومآثرهم، فأمرهم الله أن يذكروه مكان ذكر آبائهم في هذا الموضع " (4). (أو أشد ذكرا) قال: " بأن يزيدوا فيذكروا نعم الله سبحانه وآلاءه ويشكروا نعماءه، لان آباءهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم، فنعم الله عليهم أعظم وأياديه عندهم أفخم، ولانه تعالى هو المنعم بتلك المآثر والمفاخر على آبائهم وعليهم " (5). (فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا) منحتنا (6) (في الدنيا) خاصة (وماله في الاخرة من خلق): نصيب وحظ، لان همه مقصور على الدنيا. قال: " لا يعمل للآخرة عملا ولا يطلب فيها خيرا " (7). (ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة) كالصحة والامن وورد: " السعة في


1 - مجمع البيان 1 - 2: 296. 2 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 605. 4 و 5 - مجمع البيان 1 - 2: 297، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المنح: العطاء. يقال: منحته منحا أي: أعطيته. والاسم: المنحة - بالكسر - وهي العطية. مجمع البحرين 2: 415 (منح). 7 - تفسير الامام عليه السلام: 606. (*)

[ 98 ]

المعاش وحسن الخلق " (1). (وفى الاخرة حسنة) كالرحمة والزلفة. وورد: " رضوان الله والجنة " (2). وفي رواية: " في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء " (3). (وقنا عذاب النار) بالمغفرة والعفو. وورد: " امرأة السوء " (4). أقول: كل ذلك أمثلة للمراد بها، فلا تنافي بينها. (أولئك لهم نصيب مما كسبوا) قال: " من ثواب ما كسبوا - قال: - في الدنيا وفي الآخرة " (5). (والله سريع الحساب). قال " يحاسب الخلايق كلهم في مقدار لمح البصر " (6). قال: " لانه لا يشغله شأن عن شأن، ولا محاسبة عن محاسبة، فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكل يتم حساب الكل بتمام حساب الواحد، وهو كقوله تعالى: " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " (7). (واذكروا الله في أيام معدودت). " يعني: أيام التشريق. وذكر الله فيها: التكبير المعهود عقيب الصلوات المعهودة ". كذا ورد (8). (فمن تعجل) النفر من منى (في يومين) بعد يوم النحر (فلا إثم عليه ومن تأخر) حتى رمى في اليوم الثالث (فلا إثم عليه) قال: " يرجع مغفورا له لا إثم عليه ولا ذنب له " (9). (لمن اتقى). قال: " نفي الاثم إنما هو لمن اتقى الله عز وجل " (10). وفي رواية: " اتقى الكبائر " (11).


1 و 2 - الكافي 5: 76، الحديث: 2، والعياشي 1: 98، الحديث: 274 و 275، ومجمع البيان 1 - 2: 297، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - البيضاوي 1: 229، عن علي عليه السلام. 5 - تفسير الامام عليه السلام: 606. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 298. 7 - تفسير الامام عليه السلام: 606. والآية في سورة لقمان (31): 28. 8 - العياشي 1: 99، الحديث: 276 إلى 279، وجوامع الجامع 1: 113، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - من لا يحضره الفقيه 2: 289، الحديث: 1427، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - المصدر: 288، الحديث: 1417، عن أبي جعفر عليه السلام. 11 - القمي 1: 70، والكافي 4: 522، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 99 ]

وفي أخرى: " اتقى الكبر وهو أن يجهل الحق ويطعن على أهله " (1). وفي أخرى: " اتقى الصيد في إحرامه " (2). وفي أخرى: " اتقى الصيد حتى ينفر أهل منى النفر الاخير " (3). وفي أخرى: " اتقى ما حرم الله عليه في إحرامه " (4). وفي رواية: " يعني من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، لمن اتقى الكبائر يعني تأخر موته " (5). و ورد: " أنتم والله هم. إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يثبت على ولاية علي إلا المتقون " (6). وفي رواية: " إنما هي لكم والناس سواد وأنتم الحاج " (7). (واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) فيجازيكم بما تعملون. والحشر: الجمع وضم المتفرق. (ومن الناس من يعجبك قوله في الحيوة الدنيا): يروقك ويعظم في قلبك (ويشهد الله على ما في قلبه) قال: " بأن يحلف لك بأنه مؤمن مخلص مصدق لقوله بعمله " (8). (وهو ألد الخصام): شديد العداوة والجدال للمسلمين. (وإذا تولى) قال: " أدبر وانصرف عنك " (9). وقيل: ملك الامر وصار واليا (10). (سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) قال: " بظلمه وسوء سيرته " (11). ورد: " إن الحرث هنا: الدين، والنسل: الناس " (12). (والله لا يحب الفساد).


1 - الكافي 4: 252، الحديث: 2، ومعاني الاخبار: 242، الحديث: 5 و 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 299، والعياشي 1: 99، الحديث: 280، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - من لا يحضره الفقيه 2: 288، الحديث: 1415، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 99، الحديث: 280، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكافي 4: 522، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 100، الحديث: 285، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - الكافي 4: 523، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. وسواد الناس: عوامهم. 8 و 9 - تفسير الامام عليه السلام: 617. 10 - مجمع البيان 1 - 2: 300، عن ضحاك. 11 - العياشي 1: 101، الحديث: 290، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 12 - القمي 1: 71، ومجمع البيان 1 - 2: 300، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 100 ]

(وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم): حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه لجاجا، " فيزداد إلى شره شرا ويضيف إلى ظلمه ظلما ". كذا ورد (1). (فحسبه جهنم ولبئس المهاد). (ومن الناس من يشرى نفسه): يبيعها ببذلها لله (ابتغآء مرضات الله): طلبا لرضاه، قال: " فيعمل بطاعته ويأمر الناس بها " (2). وردت في عدة أخبار عامية وخاصية: " إنها نزلت في علي عليه السلام، حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهرب النبي إلى الغار " (3). وفي رواية: " إن المراد بها الرجل يقتل على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر " (4). يعني: هي عامة وإن نزلت خاصة. (والله رءوف بالعباد). قال: " أما الطالبون لرضا ربهم فيبلغهم أقصى أمانيهم ويزيدهم عليها ما لم تبلغه آمالهم، وأما الفاجرون فيرفق في دعوتهم إلى طاعته ولا يقطع ممن علم أنه سيتوب عنه ذنبه عظيم كرامته " (5). (يأيها الذين ءامنوا دخلوا في السلم). قال: " في المسالمة إلى دين الاسلام " (6). أقول: يعني في الاستسلام والطاعة. وفي رواية: " في ولايتنا " (7). (كآفة): جميعا (ولا تتبعوا خطوت الشيطن) بالتفرق والتفريق. و في رواية: " بولاية فلان وفلان " (8). أقول: لا تنافي بين التفسيرين في الكلمتين، فإن الولاية ركن الطاعة أو المعصية وبها يتم الاسلام.


1 - تفسير الامام عليه السلام: 617. 2 - المصدر: 621. 3 - راجع من الخاصة: مجمع البيان 1 - 2: 301، والعياشي 1: 101، الحديث: 292، والبرهان 1: 206، ومن العامة: الجامع لاحكام القرآن 2: 21،، والتفسير الكبير (للفخر الرازي) 5 - 6: 223. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 301: مرويا عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 621. 7 - الكافي 1: 417، الحديث: 29، والعياشي 1: 102، الحديث: 297، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - العياشي 1: 102، الحديث: 294، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 101 ]

(إنه لكم عدو مبين). (فإن زللتم) عن الدخول في السلم (من بعد ما جاء تكم البينت فاعلموا أن الله عزيز): غالب لا يعجزه الانتقام منكم (حكيم) لا ينتقم إلا بالحق. (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) يعني أمره وبأسه (في ظلل من الغمام والملئكة). وفي رواية: " هكذا نزلت: إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام " (1). وفي أخرى: " يعني يأتيهم الله في ظلل من الغمام ويأتيهم الملائكة كما كانوا اقترحوا عليك اقتراحهم المحال " (2). ويستفاد من بعضها أن المراد به الرجعة وخروج القائم. (وقضى الامر): وأتم أمر إهلاكهم وفرغ منه. وفي الرواية الاخيرة: " قضاء الامر: الوسم على خرطوم الكافر " (3). (وإلى الله ترجع الامور). (سل بنى إسرءيل كم ءاتينهم من ءاية بينة) " فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من أقر ومنهم من بدل " كذا قرأه (4) الصادق عليه السلام (5). (ومن يبدل نعمة الله): آياته التي هي سبب الهدى والنجاة الذين هما أجل النعم، بجعلهما سبب الضلالة وزيادة الرجس. (من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب). (زين للذين كفروا الحيوة الدنيا): حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم، حتى تهالكوا عليها (ويسخرون من الذين ءامنوا) من فقراء المؤمنين الذين لا حظ لهم منها (والذين اتقوا) من المؤمنين (فوقهم يوم القيمة) لانهم في عليين وفي الكرامة، وهم في سجين وفي الندامة (والله يرزق من يشآء) في الدارين (بغير حساب): بغى تقدير فيوسع في الدنيا استدراجا تارة وابتلاء أخرى ويعطي أهل الجنة ما


1 - التوحيد: 163، الباب: 20، الحديث: 1، عن أبي الحسن الثاني عليه السلام. 2 - تفسير الامام عليه السلام: 629، وفيه: " وتأتيهم الملائكة ". 3 - العياشي 1: 103، الحديث: 303، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في " ب " و " ج ": " كذا قراءة ". 5 - الكافي 8: 290، الحديث: 440، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 102 ]

لا يحصى. (كان الناس) قال: " قبل نوح " (1). (أمه وحدة) قال: " على الفطرة لا مهتدين ولا كافرين، ولم يكونوا ليهتدوا حتى يهديهم الله. أما تسمع إبراهيم يقول: " لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " أي ناسيا للميثاق " (2). (فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين) قال: " لليتخذ عليهم الحجة " (3). (وأنزل معهم الكتب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) ثم اختلفوا بعد البعث على الرسل، في الايمان بهم والكفر، ثم في الكتاب بعد الايمان، كما قال: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينت). جعلوا نزول الكتاب الذي أنزل لازالة الخلاف، سببا في شدة الاختلاف. (بغيا): حسدا وظلما (بينهم) لحرصهم على الدنيا (فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق). بيان ل‍ " ما ". (بإذنه والله يهدى من يشآء إلى صراط مستقيم). (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة). استبعاد للحسبان وتشجيع للمؤمنين على الصبر والثبات مع الذين اختلفوا عليهم وعداوتهم لهم. (ولما يأتكم): متوقع إتيانه منتظر (مثل الذين خلوا من قبلكم) حالهم التي هي مثل في الشدة (مستهم البأساء والضراء) من القتل والخروج عن الاهل والمال (وزلزلوا): وأزعجوا إزعاجا شديدا بما أصابهم من الشدايد (حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله) استبطاء له، لتناهي الشدة واستطالة المدة، بحيث تقطعت حبال الصبر. (ألا إن نصر الله قريب). فقيل لهم ذلك، إسعافا لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر. ورد: " فما تمدون أعينكم ألستم آمنين ؟ لقد كان من قبلكم ممن هو على ما أنتم عليه، يؤخذ، فيقطع يده


1 - العياشي 1: 104، الحديث: 306، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 309، عن أبي عبد الله عليه السلام. والآية في سورة الانعام (6): 77. 3 - العياشي 2: 164، الحديث: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 103 ]

ورجله ويصلب، ثم تلا هذه الآية " (1). (يسئلونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير): من مال (فللولدين والاقربين واليتمى والمسكين وابن السبيل). سئل عن المنفق، فأجاب ببيان المصرف، لانه أهم، إذ النفقة لا يعتد بها إلا إذا وقعت موقعها. قيل: وكان السؤال متضمنا للمصرف أيضا (2)، وإن لم يذكر في الآية. (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) يعلم كنهه ويوفي ثوابه. (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا) في الحال (وهو خير لكم) في العاقبة. وهكذا أكثر ما أمر نابه، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحنا وسبب فلاحنا (وعسى أن تحبوا شيئا) في الحال (وهو شر لكم) في المآل. وهكذا أكثر ما نهينا عنه، فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بنا إلى الردى. وإنما ذكر " عسى " لان النفس إذا ارتاضت ينعكس الامر عليها. (والله يعلم) ما هو خير لكم (وأنتم لا تعلمون). (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه). قيل: قتل المسلمون مشركا في غرة رجب، وهم يظنونه من جمادي الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسئل، فنزلت (3). (قل قتال فيه كبير): عظيم. تم الكلام ثم ابتدأ وقال: (وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله): ولكن ما فعلوا بك من الصد عن الاسلام والكفر بالله وبالمسجد وإخراجك والمؤمنين منه، أعظم وزرا عند الله من القتل الذي وقع في الشهر الحرام. (والفتنة) يعني الكفر وساير ما فعلوا


1 - الخرايج والجرايح 3: 1155، الحديث: 61، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 309، والكشاف 1: 356، والبيضاوي 1: 233. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 312، والكشاف 1: 356، والبيضاوي 1: 234. (*)

[ 104 ]

(أكبر من القتل ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا) لما يفوتهم من ثمرات الاسلام (و) في (الاخرة) لما يفوتهم من الثواب (وأولئك أصحب النارهم فيها خلدون). (إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم). (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير). ورد: " إن الخمر رأس كل إثم ومفتاح كل شر " (1). (ومنفع للناس) كالطرب وكسب المال وغيرهما (وإثمهما أكبر من نفعهما) أي: المفاسد التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما. " هي أول آية نزلت في الخمر من الاربع التي كل متأخرة منها أغلظ وأشد في التحريم من التي قبلها، ليوطن الناس أنفسهم عليه (2) ويسكنوا إلى نهي الله فيها، وليكون أصوب لهم إلى الانقياد وأقرب لنفارهم ". كذا ورد (3). ويأتي ألفاظه مع تمام الكلام في الخمر في " المائدة " (4) إن شاء الله. (ويسئلونك ماذا ينفقون): ما قدر الانفاق ؟ (قل العفو) قال: " الوسط " (5). وفي رواية: " ما يفضل عن قوت السنة " (6). أقول: العفو نقيض الجهد وهو أن ينفق ما تيسر له بذله. ورد: " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " (7). أقول: يعني ما


1 - الكافي 6: 402، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - كذا في النسخ ولعل الصواب: " عليها ". 3 - الكافي 6: 406 - 407، الحديث: 2، عن بعض أصحابنا مرسلا. 4 - ذيل الآية: 91. 5 - الكافي 4: 52، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 316، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - راجع: الدر المنثور 1: 608، وسنن الدارمي 1: 391، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 105 ]

أبقى غنى. ورد: " إنها نسخت بآية الزكاة " (1). (كذلك يبين الله لكم الايت لعلكم تتفكرون). (في الدنيا والاخرة ويسئلونك عن اليتمى). ورد: " لما نزلت: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " (2). وفي رواية: " وآتوا اليتامى أموالهم "، كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم، فشكوا، فنزلت " (3). (قل إصلاح لهم): مشاركتهم لاصلاحهم (خير) من مجانبتهم (وإن تخالطوهم فإخونكم) في الدين، ومن حق الاخ أن يخالط. ورد: " تخرج من أموالهم قدر ما يكفيهم وتخرج من مالك قدر ما يكفيك، ثم تنفقه " (4). (والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لاعنتكم): لحملكم على العنت، وهي المشقة، ولم يجوز لكم مداخلتهم (إن الله عزيز حكيم). (ولا تنكحوا المشركت): لا تزوجوهن (حتى يؤمن ولامة) مملوكة (مؤمنة خير من مشركة) حرة (ولو أعجبتكم) المشركة بجمالها أو مالها (ولا تنكحوا المشركين): لا تزوجوا منهم المؤمنات (حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن) مملوك (خير من مشرك) حر (ولو أعجبكم) جماله أو ماله أو حاله (أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ءايته للناس لعلهم يتذكرون). ورد: " إن هذه الآية منسوخة النصف " (5). يعني نسخ نصفها الاول بقوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ". كما يأتي في المائدة (6). (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى): مستقذر يؤذي من يقربه، نفرة منه له


1 - مجمع البيان 1 - 2: 316، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 72، عن أبي عبد الله عليه السلام. والآية في سورة النساء (4): 10. 3 - مجمع البيان: 3 - 4: 4. والآية في سورة النساء (4): 2 4 - الكافي 5: 130، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 73. 6 - ذيل الاية: 5. (*)

[ 106 ]

(فاعتزلوا النساء في المحيض): فاجتنبوا مجامعتهن (ولا تقربوهن) بالجماع (حتى يطهرن): ينقطع الدم عنهن. وعلى قراءة التشديد: يغتسلن. ورد: " ليأتها حيث شاء، ما اتقى موضع الدم " (1). (فإذا تطهرن): اغتسلن (فأتوهن من حيث أمركم الله) قال: " فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله " (2). أقول: يعني المأتى الذي أمركم به وحلله لكم. وإنما استفيد طلب الولد من لفظة " من ". (إن الله يحب التوبين) من الذنوب (ويحب المتطهرين) بالماء والمتنزهين عن الاقذار. ورد: " كانوا يستنجون بالكراسف (3) والاحجار، ثم أحدث الوضوء، يعني الاستنجاء بالماء، وهو خلق كريم، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنعه فنزلت " (4). (نساؤكم حرث لكم): مواضع حرث (فأتوا حرثكم أنى شئتم) قال: " متى شئتم في الفرج " (5). وفي رواية: " أي ساعة شئتم " (6). وفي أخرى: " إن اليهود كانت تقول: إذا أتى الرجل المرأة من خلفها خرج ولده أحول، فأنزل الله: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ": من خلف أو قدام خلافا لليهود، ولم يعن في أدبارهن " (7). (وقدموا لانفسكم) ما يدخر لكم من العمل الصالح. وقيل: هو طلب الولد (8). وقيل: التسمية على الوطي (9). (واتقوا الله واعلموا أنكم ملقوه وبشر المؤمنين): من صدقك وامتثل أمرك.


1 - التهذيب 1: 154، الحديث: 436، والاستبصار 1: 128، الحديث: 437، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - التهذيب 7: 414، الحديث: 1657، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكراسف جمع كرسف وهو القطن. لسان العرب 9: 297 (كرسف). 4 - الكافي 3: 18، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 73، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 111، الحديث: 335، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر، الحديث: 333، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 8 و 9 - مجمع البيان 1 - 2: 321، والكشاف 1: 362. (*)

[ 107 ]

(ولا تجعلوا الله عرضة لا يمنكم). العرضة: ما يعترض دون الشئ فيحجز عنه، والمعرض للامر. والمعنى على الاول: لا تجعلوا الله حاجزا لما حلفتم عليه من أنواع الخير، فيكون المراد بالايمان الامور المحلوف عليها. وعليه ورد في تفسيرها: " إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين أن لا أفعل " (1). وعلى الثاني: لا تجعلوا الله معرضا لايمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف. وعليه ورد: " لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين، فإن الله يقول:... وتلا الآية " (2). (أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس). بيان للايمان، أي الامور المحلوف عليها من الخيرات على الاول، وعلة للنهي على الثاني. أي: أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس فإن الحلاف مجترئ على الله تعالى والمجترئ على الله تعالى لا يكون برا متقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين، ولذلك ذمه الله في قوله: " ولا تطع كل حلاف مهين " (3). (والله سميع) لايمانكم (عليم) بنياتكم. (لا يؤاخذكم الله) بالعقوبة والكفارة (باللغو في أيمنكم): " بالساقط الذي لا عقد معه، بل يجري على عادة اللسان لمجرد التأكيد ". كذا ورد (4). (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم): بما واطأت فيها قلوبكم ألسنتكم وعزمتموه، كقوله تعالى: " بما عقدتم الايمان " (5) فإن كسب القلب هو العقد والنية والقصد. (والله غفور حليم). (للذين يؤلون من نسائهم): يحلفون على أن لا يجامعوهن مضارة لهن. والايلاء: الحلف. وتعديته ب‍ " على "، ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدى ب‍ " من " (تربص أربعة أشهر): انتظارها والتوقف فيها، فلا يطالبوا بشئ. (فإن فآءو): رجعوا إليهن بالحنث وكفارة اليمين وجامعوا مع القدرة ووعدوها مع العجز،


1 و 2 - العياشي 1: 112، الحديث: 340. 3 - القلم (68): 10. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 323، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، والكشاف 1: 363، عن الشافعي. 5 - المائدة (5): 89. (*)

[ 108 ]

(فإن الله غفور رحيم) لا يتبعهم بعقوبة. (وإن عزموا الطلق فإن الله سميع) لطلاقهم (عليم) بضميرهم. قال: " الايلاء: أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها، فإن صبرت عليه فلها أن تصبر، وإن رفعته إلى الامام أنظره أربعة أشهر، ثم يقول له بعد ذلك: إما أن ترجع إلى المناكحة، وإما أن تطلق فإن أبى حبسه أبدا " (1). وفي رواية: " فإن مضت الاربعة أشهر قبل أن يمسها فسكتت ورضيت فهو في حل وسعة " (2). (والمطلقت) يعني: المدخول بهن من ذوات الاقراء، لما دلت الآيات والاخبار أن حكم غيرهن خلاف ذلك. (يتربصن): ينتظرن (بأنفسهن): بقمعها وحملها على التربص (ثلثة قروء) فلا يتزوجن فيها. ورد: " القرء جمع الدم بين الحيضتين (3)، والقروء: الاطهار، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها " (4). (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) " من الولد ودم الحيض استعجالا في العدة وإبطالا لحق الرجعة ". كذا ورد (5). (إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر وبعولتهن أحق بردهن) إلى النكاج والرجعة إليهن (في ذلك): في زمان التربص. (إن أرادوا إصلحا) ولم يريدوا مضارتهن (ولهن) حقوق عليهم (مثل الذى عليهن) في الاستحقاق لا في الجنس (بالمعروف): بالوجه الذي لا ينكر في الشرع ولا في عادات الناس.


1 - القمي 1: 73، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 6: 131، الحديث: 4، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وفيه: فإن مضت الاربعة الاشهر ". 3 - الكافي 6: 99، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 88، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 326، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 74، والظاهر أن ما في المتن هو مضمون الحديث والمستفاد منه، كما يظهر بعد التأمل والمراجعة. (*)

[ 109 ]

(وللرجال عليهن درجة): زيادة في الحق وفضيلة بقيامهم عليهن. ورد: " لها عليه أن يشبع بطنها ويكسو جثتها وإن جهلت غفر لها " (1). " وله عليها أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيته إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه " (2). (والله عزيز) يقدر على الانتقام ممن خالف الاحكام (حكيم) يشرعها لحكم ومصالح. (الطلق مرتان) " أي: التطليق الرجعي اثنتان، فإن الثالثة باين ". كذا ورد (3). سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين الثالثة ؟ فقال: " فتسريح بإحسان " (4). (فإمساك بمعروف) بالمراجعة وحسن المعاشرة (أو تسريح بإحسن) بأن لا يراجعها أو يطلقها الثالثة بعد الرجعة (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن) من المهر (شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله) أي: فيما يلزمهما من وظايف الزوجية (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) نفسها. يعني: لا جناح عليه في الاخذ، ولا عليها في الاعطاء. ورد: " إذا قالت جملة: " لا أطيع لك أمرا " مفسرا أو غير مفسر، حل له ما أخذ منها وليس له عليها رجعة " (5). (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظلمون). (فإن طلقها) قال: " يعني: التطليقة الثالثة " (6). (فلا تحل له) يعني: تزويجها (من بعد): من بعد هذا الطلاق (حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها) الزوج الثاني (فلا جناح عليهما أن يتراجعا): يرجع كل منهما إلى الآخر بالزواج (إن ظنا أن يقيما


1 - من لا يحضره الفقيه 3: 279، الحديث: 1327، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 277، الحديث: 1314، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - راجع: البرهان 1: 221، الحديث: 2 و 4، والتبيان 2: 243، عن عروة وقتادة، ومعالم التنزيل (للبغوي) 1: 206، عن عروة بن الزبير، وجامع البيان (للطبري) 2: 277، عن السدي. 4 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 329، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - من لا يحضره الفقيه 3: 339، الحديث: 1633، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 330، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 110 ]

حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون). (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن): قاربن آخر عدتهن، فإن البلوغ قد يطلق على الدنو، كما يطلق على الوصول. والاجل يطلق على منتهى المدة، كما يطلق على المدة. (فأمسكوهن بمعروف): راجعوهن بما يجب لها من القيام بموجبها (1) من غير طلب ضرار بالمراجعة (أو سرحوهن بمعروف): خلوهن حتى تنقضي عدتهن، فيكن أملك بأنفسهن (ولا تمسكوهن ضرارا): ولا تراجعوهن إرادة الاضرار بهن من غير رغبة فيهن (لتعتدوا): لتظلموهن بتطويل المدة عليهن في حبالكم أو إلجائهن إلى الافتداء. ورد: " كان الرجل يطلق حتى إذا كادت أن يخلو أجلها راجعها ثم طلقها، يفعل ذلك ثلاث مرات، فنهى الله عن ذلك " (2). (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) بتعريضها للعقاب. (ولا تتخذوا ءايت الله هزوا): لا تستخفوا بأوامره ونواهيه (واذكروا نعمت الله عليكم) بما أباحه لكم من الازواج والاموال (وما أنزل عليكم من الكتب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم). (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن): انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزوجهن إذا ترضوا بينهم بالمعروف): لا تمنعوهن ظلما. والعضل: الحبس والتضييق. كانوا لا يتركونهن يتزوجن من شئن، فنزلت. (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الاخر ذلكم أزكى لكم): أنفع (وأطهر) من دنس الآثام (والله يعلم وأنتم لا تعلمون). (والولدت يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود


1 - في " ب " و " ج ": " بمواجبها ". 2 - من لا يحضره الفقيه 3: 323، الحديث: 1567، والعياشي 1: 119، الحديث: 378، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 111 ]

له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار ولدة) زوجها (ولده): بسبب ولدها، بأن تترك إرضاعه تعنتا أو غيظا على أبيه وسيما بعد ما ألفها الولد، أو تطلب منه ما ليس بمعروف، أو تشغل قلبه في شأن الولد، أو تمنع نفسها منه خوف الحمل، لئلا يضر بالمرتضع. (ولا مولود له) أي: لا يضار المولود له أيضا امرأته (بولده): بسبب ولده، بأن ينزعه منها ويمنعها من إرضاعه إن أرادته، وسيما بعد ما ألفها، أو يكرهها عليه، أو يمنعها شيئا مما وجب عليه، أو يترك مواقعتها خوف الحمل إشفاقا على المرتضع. ورد المعنى الاخير في الموضعين في سبب النزول (1)، ولا يتفاوت المعنى على المعلوم والمجهول في " لاتضار " غير أنه يتعاكس على اللفظتين. وورد: " إذا طلق الرجل امرأته وهي حبلى، أنفق عليها حتى تضع حملها، وإذا وضعته أعطاها أجرها ولا يضارها، إلا أن يجد من هو أرخص أجرا منها، فإن هي رضيت بذلك الاجر فهي أحق بابنها حتى تفطمه " (2). (وعلى الوارث): " وارث المولود له بعد موته ". كذا ورد (3). (مثل ذلك) قال: " مثل ما على الوالد " (4). ورد: " إن أجر رضاع الصبي مما يرث من أبيه وأمه " (5). (فإن أرادا فصالا): فطاما عن الرضاع قبل الحولين (عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا) المراضع (أولدكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم) إلى المراضع) مآ ءاتيتم): ما أردتم إيتاءه إياهن وشرطتم لهن (بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير). (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا


1 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 335، عن الصادقين عليهما السلام. 2 - الكافي 6: 103، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 335، والبيضاوي 1: 245. 4 - العياشي 1: 121، الحديث: 383. 5 - من لا يحضره الفقيه 3: 309، الحديث: 1487، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 112 ]

بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن) من التعرض للخطاب وساير ما حرم عليهن للعدة (بالمعروف والله بما تعملون خبير). (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء) المعتدات، بأن يقول لها ما يوهم أنه يريد نكاحها، حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح. (أو أكننتم في أنفسكم): أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم، فلم تذكروه بألسنتكم (علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا): خلوة، كأن يقول لها قبل انقضاء عدتها: أو اعدك بيت آل فلان. يريد أن يرغبها في نفسه في الخلوة. كانوا يتكلمون في الخلوة المواعد بها بما يستهجن، كالرفث أو التعريض به ونحو ذلك، فنهوا عن ذلك. كذا يستفاد مما ورد (1). (إلا أن تقولوا قولا معروفا): " بأن يعرض فيها بالخطبة على وجهها وحلها ولا يصرح بها ". كذا ورد (2). (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتب): ما كتب وفرض من العدة (أجله): منتهاه (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) من العزم على ما لا يجوز (فاحذروه واعلموا أن الله غفور) لمن عزم ولم يفعل (حليم) لا يعاجلكم بالعقوبة. (لا جناح عليكم): لا تبعة عليكم من مهر أو وزر (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن): ما لم تجامعوهن (أو تفرضوا): إلا أن تفرضوا (لهن فريضة) أي: تسموا مهرا. وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمي لها مهر، فلها نصف المسمى، وإلا فليس لها إلا المتعة. كذا ورد (3). (ومتعوهن): أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره): مقداره الذي يطيقه (متعا بالمعروف): تمتعا


1 - العياشي 1: 123، الحديث: 394، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 77. 2 - الكافي 5: 435، الحديث: 3، عن أبي الحسن عليه السلام. 3 - الكافي 6: 106، الحديث: 3، ومن لا يحضره الفقيه 3: 326، الحديث: 1579، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 113 ]

بالوجه الذي يستحسنه الشرع والمروة (حقا على المحسنين). ورد: " إن الغني يمتع بدار أو خادم، والوسط يمتع بثوب، والفقير بدرهم أو خاتم " (1). وفي رواية: " نحو ما يمتع مثلها من النساء " (2). وورد: " يمتع قبل أن يطلق وأنها فريضة " (3). (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح). قال: " هو ولي أمرها " (4). وقال: " يعني الاب والذي توكله المرأة وتوليه أمرها، من أخ أو قرابة أو غيرهما " (5). وقال: " الولي يأخذ بعضا ويدع بعضا وليس له أن يدع كله " (6). (وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم): أن يتفضل بعضكم على بعض ولا يستقصي. ورد: " سيأتي زمان عضوض يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك. ثم تلا هذه الآية " (7). (إن الله بما تعملون بصير). (حفظوا على الصلوت): داوموا عليها في مواقيتها بأداء أركانها. ورد: " لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه، فأدخله في العظائم " (8). (والصلوة الوسطى) بينها خصوصا. قال: " هي صلاة الظهر، وهي وسط النهار ووسط صلاتين بالنهار " (9) وفي رواية: " هي الجمعة يوم الجمعة


1 - من لا يحضره الفقيه 3: 327، الحديث: 1582. 2 - التهذيب 8: 142، الحديث: 493، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 141، الحديث: 489 و 490، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - العياشي 1: 125، الحديث: 404، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - التهذيب 6: 215، الحديث: 507، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 125، الحديث: 407، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 45، الباب: 31، الحديث: 168، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " ولم يؤمن بذلك ". 8 - الكافي 3: 269، الحديث: 8، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. و " ذعرا من المؤمن " أي: خائفا منه. والذعر - بالضم -: الخوف. و - بالتحريك -: الدهش من الحياء. لسان العرب 4: 306 (ذعر). 9 - الكافي 3: 271، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 114 ]

والظهر ساير الايام " (1). وفي قراءتهم عليهم السلام: " والصلاة الوسطى وصلاة العصر " (2). (وقوموا لله) في الصلاة (قنتين). قال: " هو إقبال الرجل على صلاته ومحافظته، حتى لا يلهيه ولا يشغله عنها شئ " (3). وفي رواية: " مطيعين راغبين " (4). وفي أخرى: " هو الدعاء " (5). وورد: " نزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فقنت فيها " (6). (فإن خفتم) " من لص أو سبع أو غير ذلك ". كذا ورد (7). (فرجا لا أو ركبانا): فصلوا راجلين أو راكبين. قال: " يكبر ويؤمي إيماءا " (8). (فإذآ أمنتم فاذكروا الله): صلوا صلاة الامن أو اشكروه على الامن (كما علمكم): مثل ما علمكم أو شكرا يوازي تعليمكم (ما لم تكونوا تعلمون). (والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية لازوجهم): يوصون وصية من قبل أن يحتضروا (متعا إلى الحول) بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أي: ينفق عليهن من تركته (غير إخراج): ولا يخرجن من مساكنهن. ورد: " هي منسوخة، نسختها " يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " (9)، ونسختها آية (10) الميراث " (11). أقول: يعني نسخت المدة بآية التربص، والنفقة بآية الميراث. وآية التربص وإن كانت متقدمة في التلاوة فهي متأخرة في النزول. (فإن خرجن) من منزل أزواجهن (فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من


1 - مجمع البيان 1 - 2: 343، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 و 3 - القمي 1: 79، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 و 6 - العياشي 1: 127، الحديث: 416، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المصدر: 128، الحديث: 420، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 و 8 - الكافي 3: 457، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - البقرة (2): 234. 10 - النساء (4): 12. 11 - العياشي 1: 129 الحديث: 426. (*)

[ 115 ]

معروف) كالتزين والتعرض للازواج (والله عزيز): يننقم ممن خالفه (حكيم): يراعي مصالحهم. (وللمطلقت متع بالمعروف حقا على المتقين). تعميم بعد ذكر بعض الافراد، وحمل على الاستحباب، لما ورد من اختصاص الوجوب بذلك (1). وورد: " إن متاعها بعد ما تنقضي عدتها، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - قال: - وكيف يمتعها في عدتها ؟ وهي ترجوه ويرجوها ويحدث الله بينهما ما يشاء " (2). (كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تعقلون): تفهمونها وتستعملون العقل فيها. (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم). تعجيب وتقرير. ورد: " هم أهل مدينة من مدائن الشام وكانوا سبعين ألف بيت، هربوا من الطاعون، فمروا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها وأفناهم الطاعون، فنزلوا بها، فأماتهم الله من ساعتهم جميعا وصاروا رميما يلوح (3)، فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: " حزقيل " فبكى واستعبر وقال: يا رب لو شئت لاحييتهم الساعة كما أمتهم، فعمروا بلادك وولدوا عبادك وعبدوك مع من يعبدك. فأوحى الله إليه أن قل: كذا وكذا فقاله - وكان الاسم الاعظم - فعادوا أحياءا، ينظر بعضهم إلى بعض يسبحون الله ويكبرونه ويهللونه. فقال " حزقيل " عند ذلك: أشهد أن الله على كل شئ قدير " (4). هذا ملخص القصة. (إن الله لذو فضل على الناس) حيث يبصرهم ما يعتبرون به (ولكن أكثر الناس لا يشكرون): لا يعتبرون.


1 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 345 - 346، ومن لا يحضره الفقيه 3: 328، الحديث: 1588، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 6: 105، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - أي: يظهر للناس عظامهم المندرسة من غير جلدو لحم " مرآة العقول 26: 102 ". 4 - الكافي 8: 198 - 199، الحديث: 237، عن الصادقين عليهما السلام. (*)

[ 116 ]

(وقتلوا في سبيل الله) فإن الفرار من الموت غير مخلص عنه (واعلموا أن الله سميع) لما يقوله المخلفون والسابقون (عليم) بما يضمرونه. (من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا): مقرونا بالاخلاص من حلال طيب (فيضعفه له أضعافا كثيرة) لا يقدرها إلا الله. ورد: " لما نزلت " من جاء بالحسنة فله خير منها " (1)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم زدني، فأنزل الله: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (2)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: زدني فنزلت. فعلم أن الكثير من الله لا يحصى وليس له منتهى " (3). (والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون) قال: " يمنع ويوسع " (4). أقول: يعني فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم. ورد: " إنها نزلت في صلة الامام " (5). (ألم تر إلى الملا من بنى إسرءيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم) قال: " هو إشموئيل، وهو بالعربية إسماعيل " (6). (ابعث لنا ملكا نقتل في سبيل الله). قال: " كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود، والنبي يقيم له أمره وينبئه بالخبر من عند ربه " (7). (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا): أن تجبنوا ولا تفوا (قالوا وما لنآ ألا نقتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديرنا وابنائنا) بالسبي والقهر على نواحينا (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظلمين). تهديد لمن تولى. (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا


1 - النمل (27): 89. 2 - الانعام (6): 160. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 349، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - التوحيد: 161، الباب: 17، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - من لا يحضره الفقيه 2: 42، الحديث: 189، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 350، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - العياشي 1: 132، الحديث: 437، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 117 ]

ونحن أحق بالملك منه) وراثة ومكنة (ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفه عليكم وزاده بسطة): فضيلة وسعة (في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشآء والله وسع) يوسع على الفقير ويغنيه (عليم) بمن يليق بالملك. (وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة): أمنة وطمأنينة (من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هرون تحمله الملئكة إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين). ورد: " إن بني إسرائيل بعد موسى عملوا بالمعاصي وغيروا دين الله وعتوا عن أمر ربهم، وكان فيهم نبي ينهاهم فلم يطيعوه، فسلط الله عليهم جالوت، وهو من القبط، فأذاهم (1) وقتل رجالهم وأخرجهم من ديارهم واستعبد نساءهم، ففزعوا إلى نبيهم وقالوا: سل الله أن يبعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله. وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت، والملك والسلطان في بيت آخر، لم يجمع الله النبوة والملك في بيت. كانت النبوة في ولد " لاوي " والملك في ولد " يوسف " وكان طالوت من ولد " بن يامين " أخي يوسف لامه، ولم يكن من بيت النبوة ولا من بيت المملكة، وكان أعظمهم جسما وكان شجاعا قويا وكان أعلمهم، إلا أنه كان فقيرا، فعابوه بالفقر. وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى، فوضعته فيه أمه، فألقته في اليم وكان في بني إسرائيل يتبركون به (2). فلما حضر موسى الوفاة، وضع فيه الالواح [ ودرعه ] (3) وما كان عنده من آيات النبوة و أودعه يوشع وصيه، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات، فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف مادام التابوت


1 - في المصدر: " فأذلهم ". 2 - في المصدر: " فكان في بني إسرائيل معظما يتبركون به ". 3 - ما بين المعقوفتين ليس في المصدر. (*)

[ 118 ]

بينهم. فلما عملوا بالمعاصي واستخفوا بالتابوت رفعه الله عنهم. فلما سألوا النبي وبعث الله طالوت إليهم ملكا يقاتل معهم، رد الله عليهم التابوت " (1). وقال: " السكينة ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان. وكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار، فإن تقدم التابوت رجل لا يرجع حتى يقتل أو يغلب، ومن رجع عن التابوت كفر وقتله الامام " (2). وقال: " والبقية رضراض الالواح فيها العلم والحكمة " (3). وفي رواية: " وعصا موسى " (4). وفي أخرى: " والطست الذي يغسل فيه قلوب الانبياء " (5). وقد مر لها معنى أعم من ذلك كله. (فلما فصل طالوت بالجنود): انفصل بهم عن بلده (قال إن الله مبتليكم): مختبركم (بنهر فمن شرب منه فليس منى) قال: " فليس من حزب الله " (6). (ومن لم يطعمه): لم يذقه (فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده). استثناء من قوله: " فمن شرب منه " ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد. قال: " لما وردوا النهر، أطلق الله لهم أن يغترف كل واحد منهم غرفة " (7). (فشربوا منه إلا قليلا منهم) قال: " إلا ثلثمأة وثلاثة عشر رجلا، منهم من اغترف ومنهم من لم يشرب " (8). وفي رواية: " القليل الذين لم يشربوا ولم يغترفوا


(1) القمي 1: 81 - 82: عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر: 82، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - الكافي 8: 317، الحديث: 500، والعياشي 1: 133، الحديث: 440، عن أبي جعفر عليه السلام. والرضراض: الفتات، من رضرضه إذا كسره وفرقه ورضراض الالواح: مكسوراتها. " منه قدس سره في الصافي 1: 253 ". وفي العياشي: " رضاض " وهي بمعناه. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 353، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - العياشي 1: 133، الحديث: 442، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، وفيه: " الطست التي تغسل فيها قلوب الانبياء ". 6 و 7 - القمي 1: 83، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 8 - العياشي 1: 134، الحديث: 443، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 119 ]

ثلثمأة وثلاثة عشر " (1). قال: " وكان الذين شربوا منه ستين ألفا " (2). وروي: " أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته، ومن لم يقتصر غلب عطشه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي. وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة " (3). (فلما جاوزه هو): تخطى النهر طالوت (والذين ءامنوا معه) يعني: القليل من أصحابه، ورأوا كثرة عدد جنود جالوت (قالوا): قال الذين اغترفوا: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون): يتيقنون (أنهم ملقوا الله) وهم الذين لم يغترفوا: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصبرين). (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين). (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وءاته الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء). ورد: " أوحى الله إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يسوى (4) عليه درع موسى، وهو رجل من ولد " لاوي بن يعقوب " اسمه: " داود بن آسي ". قال: فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى، فاستوت عليه. وقتل داود جالوت واجتمعت بنو إسرائيل على داود، وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد ولينه له " (5). (ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض) قال: " بدفع الهلاك بالبر عن الفاجر " (6). (لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العلمين). ورد: " إن الله ليدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من


1 - القمي 1: 83، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - البيضاوي 1: 255. والاداوة - بالكسر - إناء صغير من جلد يتخذ للماء. وإداوة الشئ وأداوته: آلته. لسان العرب 14: 25 (أدا). 4 - في المصدر: " من يستوي ". 5 - راجع: القمي 1: 82، والعياشي 1: 135، الحديث: 445، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 357، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 120 ]

شيعتنا، ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا. ثم ذكر الزكاة والحج، ثم تلا هذه الآية وقال: فو الله ما نزلت إلا فيكم ولا عني بها غيركم " (1). (تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين). (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجت وءاتينا عيسى ابن مريم البينت وأدينه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاء تهم البينت ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) منن الحذ لان والعصمة عدلا وفضلا. (يأيها الذين ءامنوا أنفقوا مما رزقتكم من قبل أن يأتي يوم) لا تقدرون على تدارك ما فرطتم. ولعل المراد به يوم الموت، كما مر في قوله: " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا " (2). وذلك لان الشفاعة ثابتة يوم القيامة. (لا بيع فيه) فتتحصلون ما تنفقونه أو تفتدون (3) به من العذاب. (ولاخلد) حتى تعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحونكم به (ولا شفعة) حتى تتكلوا على شفعاء يشفعون لكم في حط ما في ذممكم (4) (والكفرون هم الظلمون)، حيث بلغ ظلمهم بأنفسهم الغاية. (الله لا إله إلا هو): هو المستحق للعبادة لا غير (الحى): العليم القدير (القيوم): الدائم القيام بتدبير الخلق. وحفظه (لا تأخذه سنة): نعاس (ولا نوم) بالطريق الاولى. وهو تأكيد للنوم المنفي ضمنا. والجملة نفي للتشبيه، وتأكيد لكونه حيا قيوما. (له ما في السموت وما في الارض): يملكهما ويملك تدبيرهما.


1 - العياشي 1: 135، الحديث: 446، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - في ذيل الآية: 48. 3 - في " الف ": " وتفتدون ". 4 - في " ج ": " ذمتكم ". (*)

[ 121 ]

تأكيد لقيوميته واحتجاج على تفرده بالالوهية. (من ذاالذى يشفع عنده إلا بإذنه). بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه، يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة، فضلا أن يعاوقه عناد أو مناصبة. (يعلم ما بين أيديهم) قال: " ما كان " (1). (وما خلفهم) قال: " وما لم يكن بعد " (2). (ولا يحيطون بشئ من علمه): من معلوماته بأن يعلموه كما هو (إلا بما شآء) القمي: " إلا بما يوحي إليهم " (3). (وسع كرسيه السموت والارض) قال: " علمه " (4). وفي رواية: " العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله وحججه، والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحدا منهم " (5). وفي أخرى: " العرش في وجه هو جملة الخلق، والكرسي وعاؤه " (6). (ولا يؤده): ولا يثقله (حفظهما): حفظه إياهما (وهو العلى) عن الانداد والاشباه (العظيم): المستحقر بالاضافة إليه كل ما سواه. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى): تميز الايمان من الكفر، واتضح أن الايمان رشد يوصل إلى السعادة الابدية، وأن الكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، فلا حاجة إلى الاكراه. أو إخبار في معنى النهي، مختص بأهل الكتاب، إذا أدوا الجزية. ورد: " لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان الله بولاية إمام عادل من الله " (7). وعلى هذا يكون المعنى: لا إكراه في التشيع. فهو إخبار في معنى النهي من دون تخصيص. (فمن يكفر بالطغوت) قال: " الشيطان " (8). وفي رواية: " كل ما عبد من دون الله


1، 2 و 3 - القمي 1: 84، عن الرضا عليه السلام. 4 - التوحيد: 327، الباب: 52، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 و 6 - معاني الاخبار: 29، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الكافي 1: 375، الحديث: 7، والعياشي 1: 138، الحديث: 460، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - مجمع البيان 1 - 2: 364، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 122 ]

من صنم أو صاد عن سبيل الله " (1). (ويؤمن بالله) وحده (فقد استمسك بالعروة الوثقى). قال: " هي الايمان بالله وحده لا شريك له " (2). وفي رواية: " هي مودتنا أهل البيت " (3). (لا انفصام لها): لا انقطاع لها (والله سميع) بالاقوال (عليم) بالنيات. (الله ولى الذين ءامنوا): متولي أمورهم (يخرجهم من الظلمت) قال: " ظلمات الذنوب " (4). (إلى النور) قال: " نور التوبة والمغفرة، لولايتهم كل إمام عادل من الله " (5). (والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم من النور) قال: " نور الاسلام الذي كانوا عليه " (6). (إلى الظلمت) قال: " ظلمات الكفر، لولايتهم كل إمام جائر ليس من الله، فأوجب الله لهم النار مع الكفار " (7). قال: " وذلك لان الكافر لا نور له حتى يخرج منه " (8). (أولئك أصحب النارهم فيها خلدون). (ألم تر إلى الذى حاج إبرهم في ربه). تعجيب من محاجة نمرود وحماقته. (أن ءاته الله الملك): لان آتاه: أي: أبطر (9) إيتاؤه الملك وحمله على المحاجة، أو المراد وضع المحاجة موضع الشكر على إيتائه الملك. (إذ قال إبرهم ربى الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت) بالعفو عن القتل والقتل. ورد: " إن ابراهيم قال له: أحي من قتلته إن كنت صادقا " (10). وكان ذلك بعد إلقائه إياه في النار. (قال إبرهم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب). عدل إلى مثال أجلى، دفعا للمشاغبة (11). (فبهت الذى كفر): فصار مبهوتا، وعلى قراءة المعلوم:


1 - مجمع البيان 1 - 2: 364، عن أبي عبد الله عليه السلام، والبيضاوي 1: 260، والدر المنثور 2: 22. 2 - الكافي 2: 14، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - نور الثقلين 1: 263، الحديث: 1054، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 إلى 8 - العياشي 1: 138، الحديث: 460، والكافي 1: 375، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - أبطره: أدهشه وجعله بطرا والبطر: سوء احتمال الغنى والطغيان عند النعمة. القاموس المحيط 1: 388، ومجمع البحرين 3: 226 (بطر). 10 - مجمع البيان 1 - 2: 367، عن أبي عبد الله عليه السلام. 11 - المشاغبة: المخاصمة. مجمع البحرين 2: 91 (شغب). (*)

[ 123 ]

فغلبه. والقمي: أي انقطع، وذلك أنه علم أن الشمس أقدم منه (1). (والله لا يهدى) بمحجة (2) المحاجة وسبيل النجاة وطريق الجنة (القوم الظلمين) الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية. ورد: " خالف إبراهيم قومه وعاب آلهتهم حتى أدخل على نمرود فخاصمهم " (3). (أو كالذى مر على قرية) قال: " هو إرميا النبي " (4). وفي رواية: " عزير " (5). (وهى خاوية على عروشها): " ساقطة حيطانها على سقوفها، وأهلها موتى، والسباع تأكل الجيف، ففكر في نفسه ساعة ". كذا ورد (6). (قال أنى يحى هذه الله بعد موتها): كيف يحيي ؟، أو متى يحيي ؟ اعترافا بالعجز عن معرفة طريق الاحياء، واستعظاما لقدرة المحيي. أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة. (فأماته الله مائة عام ثم بعثه): أحياه. (قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم). ورد: " إنه أماته غدوة وبعثه عشية قبل الغروب، وكان أول ما أحيا الله منه عينيه في مثل غرقى البيض، ثم أوحى إليه: " كم لبثت " قال: " لبثت يوما " فلما أن نظر إلى الشمس لم تغب، قال: " أو بعض يوم " (7). (قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه): لم يتغير بمرور السنين. (وانظر إلى حمارك) قال: " كيف تفرقت عظامه ونخرت وتفتتت " (8). (ولنجعلك ءاية للناس) أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية، قال: " حجة " (9). (وانظر


1 - القمي 1: 86. 2 - في " ألف " و " ج ": " لمحجة ". 3 - العياشي 1: 139، الحديث: 464، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 370، عن أبي جعفر عليه السلام، والقمي 1: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 370، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - راجع: القمي 1: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 141، الحديث: 466، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - جوامع الجامع 1: 142. والتفتت: التكسر. لسان العرب 2: 65، ومجمع البحرين 2: 212 (فتت). 9 - كمال الدين 1: 30. (*)

[ 124 ]

إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما). قال: " كيف نرفع بعضها إلى بعض " (1). " فجعل ينظر إلى عظامه كيف يصل بعضها إلى بعض ويرى العروق كيف تجري " (2). (فلما تبين له) ما تبين (قال أعلم) قال: " فلما استوى قائما قال: أعلم " (3). (أن الله على كل شئ قدير). وفي رواية: " فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع يتألف إلى العظام من هاهنا وهاهنا، ويلتزق بها حتى قام وقام حماره، فقال: " أعلم أن الله على كل شئ قدير " " (4). (وإذ قال إبرهم رب أرنى كيف تحى الموتى). ورد: " لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والارض، التفت فرآى جيفة على ساحل البحر نصفها في الماء ونصفها في البر، تجئ سباع البحر فتأكل ما في الماء، ثم ترجع فيشد (5) بعضها على بعض، فيأكل بعضها بعضا، وتجئ سباع البر فتأكل منها، فيشد بعضها على بعض، فيأكل بعضها بعضا. فعند ذلك تعجب إبراهيم مما رآى وقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى " ؟ قال: كيف تخرج ما تناسل التي أكل بعضها بعضا ؟ " (6). (قال أولم تؤمن) بأني قادر على الاحياء ؟ قال له ذلك ليجيب بما أجاب، فيعلم السامعون غرضه. (قال بلى ولكن ليطمئن قلبى) قال: " يعني حتى أرى هذا كما رأيت الاشياء كلها " (7). ورد: " كان على يقين ولكنه أراد من الله الزيادة في يقينه " (8). وفي رواية: " إن الله أوحى إليه أني متخذ من


1 - جوامع الجامع 1: 143. 2 و 3 - العياشي 1: 141، الحديث: 466، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 1: 90 - 91، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الشد - بالفتح -: الحملة في الحرب. القاموس المحيط 1: 316 (شد). 6 و 7 - الكافي 8: 305، الحديث: 473، والعياشي 1: 142، الحديث: 469 عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - المحاسن (للبرقي): 247، الباب: 29، الحديث: 249، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 125 ]

عبادي خليلا، إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفسه أن ذلك الخليل، فقال: " رب أرني كيف تحيي الموتى ؟ قال: أولم تؤمن ؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي " على الخلة " (1). (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن): أملهن واضممهن (إليك) لتتأملها وتعرف شأنها، لئلا يلتبس عليك بعد الاحياء (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا) قال: " فقطعهن وأخلطهن، كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكل بعضها بعضا فخلط " (2)، الحديث. وفي رواية: " فأخذ نسرا وبطا وطاووسا وديكا، فقطعهن وخلطهن، ثم جعل على كل جبل من الجبال - التي كانت حوله وكانت عشرة - منهن جزءا، وجعل مناقيرهن بين أصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن، ووضع عنده حبا وماءا، فتطايرت تلك الاجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الابدان، وجاء كل بدن حتى انظم إلى رقبته ورأسه، فخلى إبراهيم عن مناقيرهن فطرن، ثم وقعن فشربن من ذلك الماء، والتقطن من ذلك الحب وقلن: يا نبي الله أحييتنا، أحياك الله، فقال إبراهيم: بل الله يحيي ويميت وهو على كل شئ قدير " (3). وفي تعيين الطيور أخبار أخر (4). (واعلم أن الله عزيز) لا يعجز عما يريده (حكيم) في كل ما يفعله ويذره. (مثل الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله كمثل حبة): باذر حبة (أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشآء) قال: " لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله " (5). وورد: " إذا أحسن العبد المؤمن عمله، ضاعف الله له عمله بكل حسنة


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 198، الباب: 15، الحديث: 1. 2 - الكافي 8: 305، الحديث: 473، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 198، الباب: 15، الحديث: 1. 4 - راجع: العياشي 1: 142، الحديث: 470 و 471، ومجمع البيان 1 - 2: 373، والقمي 1: 91. 5 - القمي 1: 92، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 126 ]

سبعمأة ضعف وذلك قول الله: " والله يضاعف لمن يشاء " (1). (والله وسع) لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة (عليم) بنية المنفق وقدر إنفاقه. (الذين ينفقون أمولهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى). المن: الاعتداد بالاحسان على من أحسن إليه. والاذى: التطاول عليه بما أنعم عليه. (لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). (قول معروف): رد جميل (ومغفرة): تجاوز عن السائل أو مغفرة من الله (خير من صدقة بتبعهآ أذى والله غنى) عن صدقة المان والموذي (حليم) لا يعاجله بالعقوبة. (يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والاذى). قال: " نزلت في عثمان وجرت في معاوية وأتباعهما " (2). (كالذى): كإبطال المنافق الذي (ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر): لا يريد به رضا الله ولا ثواب الآخرة (فمثله) في إنفاقه (كمثل صفوان): حجر أملس (عليه تراب فأصايه وابل): مطر عظيم القطر (فتركه صلدا): نقيا من التراب (لا يقدرون على شئ مما كسبوا): لا ينتفعون بما فعلوه ولا يجدون ثوابه (والله لا يهدى القوم الكفرين) إلى الخير والرشاد. (ومثل الذين ينفقون أمولهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم) القمي: " عن المن والاذى " (3). أقول: يعني ويوطنون أنفسهم على حفظه مما يفسده من المن والاذى والرياء، بعد ابتغائهم به مرضاة الله. ورد: " إنها نزلت في علي عليه السلام " (4).


1 - العياشي 1: 146، الحديث: 478، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر 1: 147، الحديث: 482، عن الصادقين عليهما السلام. 3 - القمي 1: 91، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 148، الحديث: 485، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 127 ]

(كمثل جنة) أي: مثل نفقتهم في الزكاء كمثل بستان (بربوة): في موضع مرتفع (أصابها وابل فاتت أكلها): ثمرتها (ضعفين): مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل. قال: " يتضاعف ثمرها كما يتضاعف أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله " (1). (فإن لم يصبها وابل فطل): فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها. والطل يقال لما يقع بالليل على الشجر والنبات. والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال، وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من الاحوال. (والله بما تعملون بصير) من الاخلاص والرياء. (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الانهر له فيها من كل الثمرت وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار): ريح عاصف تنعكس من الارض إلى السماء، مستديرة كعمود (فيه نار فاحترقت). قال: " من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله ثم امتن على من تصدق عليه، كان كمن قال الله: " أيود أحدكم " قال: الاعصار: الريح، فمن امتن على من تصدق عليه كان كمن كان له جنة كثيرة الثمار، وهو شيخ ضعيف له أولاد ضعفاء، فتجئ ريح أو نار فتحرق ماله كله " (2). (كذلك يبين الله لكم الايت لعلكم تتفكرون) فيها فتعتبرون بها. (يأيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم): من حلاله وجياده (ومما أخرجنا لكم من الارض): ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار والمعادن. قال: " كان القوم قد كسبوا مكاسب (3) في الجاهلية، فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدقوا بها، فأبى الله إلا أن يخرجوا من طيب ما كسبوا " (4). (ولا تيمموا


1 - مجمع البيان 1 - 2: 378، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 92، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في المصدر: " مكاسب سوء ". 4 - الكافي 4: 48، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " من أطيب ما كسبوا ". (*)

[ 128 ]

الخبيث): ولا تقصدوا الردي (منه تنفقون ولستم باخذيه): وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته: (إلا أن تغمضوا فيه): إلا أن تتسامحوا فيه. ورد: " إنها نزلت في قوم كانوا يأتون بردي التمر، فيدخلونه في تمر الصدقة " (1). (واعلموا أن الله غنى) عن إنفاقكم، وإنما أمركم به لانتفاعكم (حميد) بقبوله وإثابته. (الشيطن يعدكم الفقر) في الانفاق في وجوه البر، وفي إنفاق الجيد من المال (ويأمركم بالفحشاء) ويغريكم على البخل، ومنع الزكوات إغراء الآمر للمأمور. والعرب تسمى البخيل فاحشا. (والله يعدكم) في الانفاق (مغفرة منه) لذنوبكم وكفارة لها (وفضلا): وخلفا أفضل مما أنفقتم في الدنيا والآخرة (والله وسع): واسع الفضل لمن أنفق (عليم) بإنفاقه. (يؤتى الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا). الحكمة تحقيق العلم وإتقان العمل. وفي رواية: " طاعة الله ومعرفة الامام " (2). وفي أخرى: " معرفة الامام واجتناب الكبائر التي أوجب [ الله ] (3) عليها النار " (4). وفي أخرى: " المعرفة والفقه في الدين - قال: - فمن فقه منكم فهو حكيم " (5). وفي أخرى: " الحكمة ضياء المعرفة وميراث التقوى وثمرة الصدق، ولو قلت: ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة لقلت، ثم تلا هذه الآية " (6). أقول: والكل يرجع إلى ما فسرناها به أولا. (وما يذكر إلا أولوا الالبب): ذووا العقول الخالصة عن شوائب الوهم. وفي


1 - مجمع البيان 1 - 2: 380، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " يأتون بالحشف ". 2 - الكافي 1: 185، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الزيادة من المصدر و " ب ". 4 - العياشي 1: 151، الحديث: 497، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 498، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " التفقه في الدين ". 6 - مصباح الشريعة: 198، الباب: 95، في الحكمة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " للقلب ". (*)

[ 129 ]

الرواية الاخيرة قال: " أي: لا يعلم ما أودعت وهيأت في الحكمة إلا من استخلصته لنفسي وخصصته بها. والحكمة هي الكتاب (1)، وصفة الحكيم الثبات عند أوايل الامور، والوقوف عند عواقبها وهو هادي خلق الله إلى الله " (2). وفي أخرى: " ما من بيت ليس فيه شئ من الحكمة إلا كان خرابا. ألا فتفقهوا وتعلموا ولا تموتوا جهلاء " (3). (وما أنفقتم من نفقة) قليلة أو كثيرة، سر أو علانية، في حق أو باطل (أونذرتم من نذر) في طاعة أو معصية (فإن الله يعلمه) فيجازيكم عليه (وما للظلمين) الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذور (من أنصار): من ينصرهم من الله ويمنع عنهم العقاب. (إن تبدوا الصدقت) قال: " يعني الزكاة المفروضة " (4). (فنعما هي): فنعم شيئا إبداؤها (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) قال: " يعني النافلة، إنهم كانوا يستحبون إظهار الفرائض وكتمان النوافل " (6). (ويكفر عنكم من سيئاتكم و الله بما تعملون خبير). ترغيب في الاخفاء ومجانبة الرياء. (ليس عليك هدهم ولكن الله يهدى من يشآء وما تنفقوا من خير): من مال (فلا نفسكم) فلا تمنوا به على من تنفقونه عليه ولا تؤذوه (وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله): إلا لطلب ما عنده. فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يتوجه بمثله إلى الله ؟ (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) ثوابه أضعافا مضاعفة (وأنتم لا تظلمون): لا تنقصون ثواب نفقتكم. (للفقراء): اعمدوا للفقراء (الذين أحصروا في سبيل الله) أحصرهم الجهاد


1 - في المصدر: " النجاة "، وفي بعض النسخ: " الكتاب ". 2 - مصباح الشريعة: 198، الباب: 95، في الحكمة، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 382، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 و 6 - الكافي 4: 60، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 130 ]

(لا يستطيعون) لاشتغالهم به (ضربا في الارض): ذهابا فيها للكسب. ورد: " إنها نزلت في أصحاب الصفة " (1). قيل: كانوا نحوا من أربع مائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). (يحسبهم الجاهل) بحالهم (أغنياء من التعفف): من أجل تعففهم عن السؤال (تعرفهم بسيمهم) من صفرة الوجه ورثاثة الحال (لا يسئلون الناس إلحافا): إلحاحا، وهو أن يلازم المسئول حتى يعطيه (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم). (الذين ينفقون أمولهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم ولاهم يحزنون). قال: " نزلت في علي عليه السلام، كانت معه أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية " (3). وفي رواية " نزلت في النفقة على الخيل " (4). ولا منافاة بينهما. وورد: " إنها ليست من الزكاة " (5). (الذين يأكلون الربوا لا يقومون) إذا بعثوا من قبورهم (إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطن): إلا كقيام المصروع (من المس) أي: الجنون (ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا): قاسوا أحدهما بالآخر (وأحل الله البيع وحرم الربوا). إنكار لتسويتهم وإبطال للقياس. (فمن جاءه موعظة من ربه) قال: " الموعظة: التوبة " (6). (فانتهى):


1 - مجمع البيان 1 - 2: 387، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكشاف 1: 398، ومجمع البيان 1 - 2: 387. 3 - مجمع البيان 1 - 2: 388، عن الصادقين عليهما السلام، والعياشي 1: 151، الحديث: 502، عن أبي إسحاق. 4 - من لا يحضره الفقيه 2: 188، الحديث: 852، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - العياشي 1: 151، الحديث: 501، والكافي 3: 499، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 152، الحديث: 505، عن أبي عبد الله عليه السلام، والكافي 2: 432، الحديث: 2، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 131 ]

فاتعظ وامتنع منه (فله ما سلف): لا يؤاخذ بما مضى منه ولا يسترد منه. قال: " كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا، فإنه يقبل منهم، إذا عرف منهم التوبة " (1). (وأمره إلى الله) يحكم في شأنه (ومن عاد) بعد ما تبين له تحريمه مستخفا به. سئل: الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه حلال ؟ قال: " لا يضره حتى يصيبه متعمدا " (2). (فأولئك أصحب النارهم فيها خلدون). (يمحق الله الربوا): يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه. (ويربى الصدقت): يضاعف ثوابها. ورد: " ليس شئ إلا وقد وكل به ملك غير الصدقة، فإن الله يأخذه بيده ويربيه (3) كما يربي أحدكم ولده حتى تلقاه يوم القيامة وهي مثل أحد " (4). (والله لا يحب كل كفار): مصر على تحليل المحرمات (أثيم): منهمك في ارتكابه. (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربوا): واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس منه (إن كنتم مؤمنين). (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله): فأعلموا بها. ورد: " درهم ربا أشد عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم " (5). (وإن تبتم فلكم رءوس أمولكم لا تظلمون) المديونين بأخذ الزيادة (ولا تظلمون) بالمطل (6) والنقصان منها.


1 - الكافي 5: 145، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 144، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: " أنه له حلال ". 3 - كذا في جميع النسخ والمصدر، ولعل الاصح: " يأخذها بيده ويربيها ". 4 - العياشي 1: 153، الحديث: 510، والبحار 93: 127، عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - الكافي 5: 144، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - المطل: التسوف بالعدة والدين. القاموس المحيط 4: 52 (مطل). (*)

[ 132 ]

(وإن كان ذو عسرة): إن وقع في غرمائكم ذو إعسار (فنظرة إلى ميسرة): فإنظار إلى وقت يسار (وأن تصدقوا) بالابراء (خير لكم): أكثر ثوابا من الانظار (إن كنتم تعلمون) قال: " إن كنتم تعلمون أنه معسر فتصدقوا عليه بمالكم عليه " (1). ورد: " من أنظر معسرا كان له على الله في كل يوم صدقة بمثل ماله حتى يستوفيه " (2). (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله): تأهبوا لمصيركم إليه (ثم توفى كل نفس ما كسبت) من خير أو شر (وهم لا يظلمون) بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. (يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين): إذا تعاملتم نسيئة (إلى أجل مسمى): معلوم (فاكتبوه) لانه أوثق وأدفع للنزاع (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) لا يزيد على ما يجب ولا ينقص (ولايأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) الكتابة (فليكتب وليملك الذى عليه الحق) لانه المقر المشهود عليه. والاملال: الاملاء. (وليتق الله ربه ولا يبخس منه): ولا ينقص من الحق (شيئا فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا). قال: " السفيه هو الذي يشتري الدرهم بأضعافه، والضعيف: الابله " (3). وفي رواية: " السفيه: شارب الخمر، والضعيف: الذي يأخذ واحدا باثنين " (4). وفي أخرى: " ضعيفا في بدنه لا يقدر أن يمل، أو ضعيفا في فهمه وعلمه لا يقدر أن يمل ويميز الالفاظ التي هي عدل عليه وله من الالفاظ التي هي جور عليه أو على حميمه " (5). (أو لا يستطيع أن يمل هو) قال: " بأن يكون مشغولا في مرمة لمعاش أو تزود لمعاد، أو لذة في غير محرم، فإن تلك الاشغال التي لا ينبغي للعاقل أن يشرع في غيرها " (6). (فليملل وليه)


1 و 2 - الكافي 4: 35، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - التهذيب 9: 182، الحديث: 731، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 155، الحديث: 521، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 و 6 - تفسير الامام عليه السلام: 634، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 133 ]

قال: " يعني النائب عنه والقيم بأمره " (1). (بالعدل). قال: " أن لا يحيف على المكتوب له ولا على المكتوب عليه " (2). (واستشهدوا شهيدين من رجالكم): المسلمين (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء). قال: " يعني ممن ترضون دينه وأمانته وصلاحه وعفته وتيقظه فيما يشهد به وتحصيله وتمييزه، فما كل صالح مميز، ولا محصل، ولا كل محصل مميز صالح " (3). (أن تضل إحدهما) بأن تنساها. من قولهم: " ضل الطريق ": إذا لم يهتد. (فتذكر إحدهما الاخرى). قال: " إذا ضلت إحداهما عن الشهادة ونسيتها ذكرتها الاخرى، فاستقامتا في أداء الشهادة " (4). ورد: " عدل الله شهادة امرأتين بشهادة رجل، لنقصان عقولهن ودينهن " (5). (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا). قال: " إذا دعاك الرجل تشهد له على دين أو حق لم ينبغ لك أن تقاعس عنه " (6). وفي رواية: " هي قبل الشهادة ومن يكتمها بعد الشهادة " (7). (ولا تسئموا): ولا تملوا (أن تكتبوه صغيرا) كان الحق (أو كبيرا إلى أجله): إلى وقت حلوله الذي أقربه المديون. (ذلكم أقسط عند الله): أعدل (وأقوم للشهدة: وأثبت لها وأعون على إقامتها (وأدنى ألا ترتابوا): وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله وشهدائه (إلا أن تكون تجرة حاضرة تديرونها بينكم): تتبايعون يدا بيد. (فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد).


1 و 2 - تفسير الامام عليه السلام: 634، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - المصدر: 672، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 و 5 - المصدر: 675، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - العياشي 1: 156، الحديث: 523، عن أبي الحسن موسى عليه السلام، مع تفاوت يسير. 7 - المصدر، الحديث: 526 و 527، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 134 ]

يحتمل البناءين. وهو نهي لهما عن ترك الاجابة والتحريف والتغيير في الكتابة والشهادة، أو نهي عن الضرار بهما، مثل أن يعجلا عن مهم، ويكلفا الخروج عما حد لهما، أو لا يعطى الكاتب جعلة والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان. (وإن تفعلوا) الضرار وما نهيتم عنه (فإنه فسوق بكم): خروج عن الطاعة لاحق بكم. (واتقوا الله) في مخالفة أمره ونهيه (ويعلمكم الله) أحكامه المتضمنة لمصالحكم (والله بكل شئ عليم). كرر لفظة " الله " في الجمل الثلاث لاستقلالها. (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن): فالذي يستوثق به رهان. وهي جمع رهن. (مقبوضة). قال: " لا رهن إلا مقبوضا " (1). أقول: لا يختص الارتهان بالسفر، ولكن السفر لما كان مظنة لاعواز الكتب والاشهاد، أمر المسافر بأن يقيم الارتهان مقام الكتاب والاشهاد على سبيل الارشاد إلى حفظ المال. (فإن أمن بعضكم بعضا فليود الذى اؤتمن) أي: الذي عليه الحق (أمنته). سمى الدين أمانة لايتمانه عليه بترك الارتهان منه. (وليتق الله ربه) في الخيانة وإنكار الحق (ولا تكتموا الشهدة). خطاب للشهود. (ومن يكتمها) مع علمه بالمشهود به وتمكنه من أدائها (فإنه ءاثم قلبه) قال: " كافر قلبه " (2). (والله بما تعملون عليم). تهديد. (لله ما في السموت وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم) من خير أو شر (أو تخفوه) سوى الوسوسة وحديث النفس مما لا يدخل تحت الاختيار، كما ورد به الاخبار (3). (يحاسبكم به الله). قال: " وبما في الصدور يجازي العباد " (4). (فيغفر لمن


1 - التهذيب 7: 176، الحديث: 779، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 3: 35، الحديث: 115، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - راجع: الكافي 2: 463، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والوسائل 5: 345، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 103، الخطبة: 75. (*)

[ 135 ]

يشآء) مغفرته (ويعذب من يشآء) تعذبيه (والله على كل شئ قدير). (ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه). شهادة ونص من الله على صحة إيمانه. (والمؤمنون). إما استيناف، أو عطف على الرسول وما بعده استيناف. (كل ءامن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) أي يقولون ذلك. والمراد نفي الفرق في التصديق. (وقالوا سمعنا): أجبنا (وأطعنا) أمرك (غفرانك): اغفر غفرانك (ربنا وإليك المصير) قال: " يعني المرجع في الآخرة " (1). (لا يكلف الله نفسا) قال: " فيما افترض الله عليها " (2). (إلا وسعها): إلا ما دون طاقتها فضلا ورحمة. ورد: " ما أمر العباد إلا بدون سعتهم، وكل شئ أمر الناس بأخذه فهم متسعون له، وما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم، ولكن الناس لا خير فيهم " (3). (لهاما كسبت) من خير (وعليها ما اكتسبت) من شر (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا): حملا ثقيلا. يأصر صاحبه، أي يحبسه في مكانه. يعني به التكاليف الشاقة. (كما حملته على الذين من قبلنا) يعني به: " ما كلف به بني إسرائيل من قتل الانفس وقطع موضع النجاسة وغير ذلك ". كما ورد مفصلا (4). (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) من العقوبات النازلة بمن قبلنا (واعف عنا): وامح ذنوبنا (واغفر لنا): واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة (وارحمنا): وتعطف بنا وتفضل علينا (أنت مولنا): سيدنا، ونحن عبيدك (فانصرنا على القوم الكفرين) بالقهر لهم والغلبة عليهم بالحجة. فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الاعداء.


1 - الاحتجاج 1: 328، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - العياشي 1: 160، الحديث: 533، عن أحدهما عليهما السلام. 3 - التوحيد: 347، الباب: 56، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الاحتجاج 1: 328، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 136 ]

ورد: " إن هذه الآية مشافهة الله لنبيه في ليلة المعراج. قال صلى الله عليه وآله وسلم: فقلت أنا مجيبا عني وعن أمتي: " والمؤمنون " إلى قوله: " وإليك المصير ". فقال الله: " لا يكلف الله... إلى قوله: " ما اكتسبت ". فقلت: " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " فقال الله: لا أؤاخذك. فقلت: " ربنا ولا تحمل علينا إصراكما حملته على الذين من قبلنا " فقال الله: لا أحملك. فقلت: " ربنا ولا تحملنا " إلى آخر السورة. فقال الله: قد أعطيتك ذلك لك ولامتك. قال الصادق عليه السلام: ما وفد إلى الله تعالى أحد أكرم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سأل لامته هذه الخصال " (1).


1 - راجع: القمي 1: 95، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 137 ]

سورة آل عمران [ مدنية، وهي مائتا آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (الم). قد سبق تأويله (2). (الله لا إله إلا هو الحى القيوم). (نزل عليك الكتب): القرآن نجوما (بالحق): بالعدل والصدق (مصدقا لما بين يديه) من الكتب (وأنزل التورة والانجيل) جملة على موسى وعيسى. (من قبل): من قبل تنزيل القرآن (هدى للناس) عامة، وقومهما خاصة (وأنزل الفرقان): ما يفرق به بين الحق والباطل. قال: " القرآن: جملة الكتاب، والفرقان: المحكم الواجب العمل به " (3). وفي رواية: " الفرقان كل آية محكمة في الكتاب " (4). وفي أخرى: " سمي الفرقان فرقانا لانه متفرق الآيات والسور،


1 - ما بين المعقوفتين من " ب ". 2 - في ابتداء سورة البقرة. 3 - الكافي 2: 630، الحديث: 11، ومعاني الاخبار: 189، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - جوامع الجامع 1: 159، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 138 ]

أنزلت في غير الالواح وغير الصحف (1)، والتوراة والانجيل والزبور أنزلت كلها جملة في الالواح والورق " (2). (إن الذين كفروا بايت الله لهم عذاب شديد والله عزيز): غالب (ذو انتقام) شديد. (إن الله لا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء). (هو الذى يصوركم في الارحام كيف يشآء) من صبيح (3) أو قبيح، ذكر أو أنثى (لا إله إلا هو العزيز) في جلاله (الحكيم) في أفعاله. (هو الذى أنزل عليك الكتب منه ءايت محكمت): أحكمت عباراتها، بأن حفظت من الاجمال (هن أم الكتب): أصله، يرد إليها غيرها (وأخر متشبهت): محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر، ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها وردها إلى المحكمات، وليتوصلوا بها إلى معرفة الله تعالى و توحيده. قال: " المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله " (4). وفي رواية: " ما يشبه بعضه بعضا، " (5). وورد في تأويله: " إن المحكمات أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام، والمتشابهات فلان وفلان " (6). (فأما الذين في قلوبهم زيغ): ميل عن الحق كالمبتدعة (فيتبعون ما تشبه منه): فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل (ابتغآء الفتنة): طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه. ورد: " إن الفتنة هنا الكفر " (7). (وابتغاء تأويله): وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه.


1 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " وغيره من الصحف " كما في المصدر. 2 - علل الشرايع 2: 470، الحديث: 33، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - الصباحة: الجمال، فهو صبيح. القاموس المحيط 1: 241 (صبح). 4 - العياشي 1: 162، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 10، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 1: 415، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - مجمع البيان 1 - 2: 410، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 139 ]

(وما يعلم تأويله) الذي يجب أن يحمل عليه. قال: " يعني تأويل القرآن كله " (1). (إلا الله والرسخون في العلم) الذين تثبتوا وتمكنوا فيه. قال: " نحن الراسخون في العلم ونحن نعلم تأويله " (2). وفي رواية: " إن الراسخون في العلم من لا يختلف في علمه " (3). وفي أخرى: " إن الله جل ذكره بسعة رحمته ورأفته بخلقه، و علمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كلامه، قسم كلامه ثلاثة أقسام، فجعل قسما منه يعرفه العالم والجاهل، وقسما لا يعرفه الا من صفى ذهنه ولطف حسه وصح تمييزه، ممن شرح الله صدره للاسلام، وقسما لا يعرفه إلا الله وأنبياؤه والراسخون في العلم، و إنما فعل ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من علم الكتاب ما لم يجعله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الايتمار (4) بمن ولاه أمرهم " (5). (يقولون ءامنا به): هؤلاء الراسخون العالمون بالتأويل يقولون: آمنا بالمتشابه. (كل) من المحكم والمتشابه (من عند ربنا): من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه (وما يذكر إلا أولوا الالبب). مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن التدبر، وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله وهو تجرد العقل عن غواشي الحس. قال: " اعلم أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام (6) في السدد (7) المضروبة دون الغيوب، فلزموا الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب،


1 - العياشي 1: 164، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه " فنحن نعلم تأويله ". 3 - الكافي 1: 245، الحديث: 1، عن أبي جعفر الثاني، عن أبي عبد الله عليهما السلام. 4 - ائتمر الامر: امتثله. مجمع البحرين 3: 211 (أمر). 5 - الاحتجاج 1: 376، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت. 6 - اقتحم الرجل في الامر: رمى بنفسه فيه من غير روية. لسان العرب 12: 462 (قحم). 7 - السدة: فوق باب الدار ليقيها من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: هي الساحة بين يديه. مجمع البحرين 3: 67 (سدد). (*)

[ 140 ]

فقالوا: " آمنا به كل من عند ربنا ". فمدح الله عز وجل اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم رسوخا، فاقتصر على ذلك، ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين " (1). وورد: " من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم. ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها. وتتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا " (2). (ربنا لا تزغ قلوبنا) عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه، وإنما أضيف الزيغ إلى الله لانه مسبب عن امتحانه وخذلانه. (بعد إذ هديتنا) إلى الحق (وهب لنا من لدنك رحمة) بالتوفيق والمعونة (إنك أنت الوهاب) لكل سؤل. قال: " إنهم قالوا ذلك حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها " (3). (ربنا إنك جامع الناس ليوم): لحساب يوم وجزائه (لا ريب فيه): في وقوعه (إن الله لا يخلف الميعاد). (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار). (كدأب ءال فرعون): كشأنهم، وأصل الدأب: الكدح. (والذين من قبلهم كذبوا بايتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب). (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد). ورد: " إنها


1 - التوحيد: 55، الباب: 2، ذيل الحديث: 13، والعياشي 1: 163، الحديث: 5، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 290، الباب: 28، الحديث: 39. 3 - الكافي 1: 18، الحديث: 12، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. والردى: الهلاك. لسان العرب 14: 316 (ردى). (*)

[ 141 ]

نزلت حين حذرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمثل ما أصيبوا به يوم بدر، فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا (1) لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لو قاتلتنا (2) لعرفت أنا نحن الناس " (3). وقد صدق الله وعده وغلب المشركون. (قد كان لكم ءاية): دلالة معجزة على صدق محمد (في فئتين التقتا) يوم بدر: (فئة تقتل في سبيل الله): في دينه وطاعته، وهم الرسول وأصحابه (وأخرى كافرة) وهم مشركوا مكة (يرونهم مثليهم رأى العين): رؤية ظاهرة معاينة (والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ذلك): في التقليل والتكثير وغلبة القليل على الكثير (لعبرة لاولى الابصر). (زين للناس حب الشهوت من النساء والبنين والقنطير المقنطرة من الذهب والفضة). قال: " القنطار ملاء مسك ثور ذهبا " (4). أقول: والمقنطرة مأخوذة منه للتأكيد. (والخيل المسومة): المعلمة أو المرعية. (والانعم): الابل والبقر والغنم (والحرث ذلك متع الحيوة الدنيا والله عنده حسن الماب). (قل أو نبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها وأزوج مطهرة) مما يستقذر من النساء. ورد: " ما تلذذ الناس في الدنيا والآخرة بلذة أكبر (5) لهم من لذة النساء وهو قول الله عز وجل: " زين للناس " الآية. ثم قال: وإن أهل الجنة ما يتلذذون بشئ من الجنة أشهى عندهم من النكاح، لا طعام و


1 - رجل غمر: من لم يجرب الامور. القاموس المحيط 2: 107، ولسان العرب 5: 31 (غمر). 2 - في المصدر: " إنا والله لو قاتلناك ". 3 - مجمع البيان 1 - 2: 413. 4 - المصدر 1: 417. المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 5 - في المصدر: " أكثر ". (*)

[ 142 ]

لا شراب " (1). (ورضون من الله) وهو أجل النعم كما قال: " ورضوان من الله أكبر " (2). والجنة أوسطها، ومتاع الدنيا أدناها. (والله بصير بالعباد). (الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار). (الصبرين والصدقين والقنتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار) قال: " المصلين وقت السحر " (3). وقال: " من استغفر سبعين مرة في وقت السحر فهو من أهل هذه الآية " (4). وورد: " من قال في وتره إذا أوتر: " أستغفر الله وأتوب إليه " سبعين مرة وهو قائم، فواظب على ذلك حتى تمضي له سنة، كتبه الله عنده من المستغفرين بالاسحار، ووجبت له المغفرة من الله تعالى " (5). (شهد الله أنه لا إله إلا هو): بين وحدانيته لقوم بظهوره في كل شئ وتعرفه ذاته في كل نور وفئ، ولقوم بنصب الدلائل الدالة عليها، ولقوم بإنزال الآيات الناطقة بها. (والملئكة) بالاقرار ذاتا لقوم، وفعلا لقوم، وقولا لقوم. (وأولوا العلم) بالايمان، والعيان، والبيان شبه الظهور، والاظهار في الانكشاف، والكشف بشهادة الشاهد. (قائما بالقسط): مقيما للعدل. ورد: " إن أولي العلم الاولياء (6) والاوصياء وهم قيام بالقسط، والقسط: العدل " (7). (لا إله إلا هو) تأكيد وتمهيد لقوله: (العريز الحكيم). (إن الدين عند الله الاسلم): لا دين مرضي عند الله سوى الاسلام، وهو


1 - الكافي 5: 321، الحديث: 10، والعياشي 1: 164، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - التوبة (90): 72. 3 و 4 - مجمع البيان 1 - 2: 419، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الخصال 2: 581، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - في المصدر: " الانبياء ". 7 - العياشي 1: 166، الحديث: 18، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " والقسط هو العدل في الظاهر، والعدل في الباطن أمير المؤمنين عليه السلام ". (*)

[ 143 ]

التوحيد والتدرع بالشرع. ورد: " إن الاسلام قبل الايمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والايمان عليه يثابون " (1). (وما اختلف الذين أوتوا الكتب) في الاسلام (إلا من بعد ما جاء هم العلم) بأنه حق (بغيا بينهم): حسدا وطلبا للرياسة، لا لشبهة فيه (ومن يكفر بايت الله فإن الله سريع الحساب). (فإن حاجوك) في الدين وجادلوك فيه بعد ما أقمت لهم الحجج (فقل اسلمت وجهى لله): أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره. عبر عن النفس بالوجه، لانه أشرف الاعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس. (ومن اتبعن): وأسلم من اتبعني (وقل للذين أوتوا الكتب والامين): الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب (ءأسلمتم) كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة أم بعد على كفركم (فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ والله بصير بالعباد). وعد ووعيد. (إن الذين يكفرون بايت الله ويقتلون النبين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم). (أولئك الذين حبطت أعملهم في الدنيا والاخرة) إذ لم ينالوا بها المدح والثناء، ولم يحقن دماؤهم وأموالهم، ولم يستحقوا به الاجر والثواب (2) (وما لهم من نصرين) يدفعون عنهم العذاب. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب). قيل: يريد به أحبار اليهود (3). (يدعون إلى كتب الله) وهو التوراة (ليحكم بينهم) في نبوة نبينا أو في رجم الزاني،


1 - الكافي 1: 173، ذيل الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصحيح: " لم تحقن دماؤهم وأموالهم ولم يستحقوا بها الاجر والثواب " كما في الصافي. 3 - راجع: الكشاف 1: 420. (*)

[ 144 ]

وقد اختلفوا فيه (1) (ثم يتولى فريق منهم) استبعاد لتوليهم (وهم معرضون). (ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودت) بسبب تسهيلهم العقاب على أنفسهم (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون). (فكيف إذا جمعنهم ليوم لاريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت): جزاء ما كسبت (وهم لا يظلمون). (قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك): ما تشاء من الملك (من تشاء وتنزع الملك): تسترد ما تشاء منه (ممن تشاء) فالملك الاول عام، والآخران خاصان. (وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير). (تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل): تنقص من الليل وتجعل ذلك النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار وتجعل ذلك النقصان زيادة في الليل. (وتخرج الحى من الميت) قال: " المؤمن من الكافر " (2). (و تخرج الميت من الحى) قال: " الكافر من المؤمن " (3). ورد: " إن المؤمن إذا مات لم يكن ميتا وإن الميت هو الكافر ". ثم فسر الآية بما ذكر (4). (وترزق من تشاء بغير حساب). (لا يتخذ المؤمنون الكفرين أولياء من دون المؤمنين). نهوا عن موالاتهم لقرابة أو صداقة جاهلية أو نحوهما حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في الله، وقد كرر ذلك في القرآن (5). (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ): ليس من ولايته في شئ (إلا أن


1 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 424، والتبيان 2: 425. 2 و 3 - مجمع البيان 1 - 2: 428، والرواية مروية عن الصادقين عليهما السلام. 4 - معاني الاخبار: 290، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " فان الميت هو الكافر ". 5 - راجع: النساء (4): 89، 139 و 144، والمائدة (5): 80، والتوبه (9): 23، والممتحنة (60): 1 و 9. (*)

[ 145 ]

تتقوا منهم تقة): إلا أن تخافوا من جهتهم خوفا أو أمرا يجب أن يخاف منه. قال: " التقية ترس الله بينه وبين خلقه " (1). وقال: " لا إيمان لمن لا تقية له، ثم تلا هذه الآية " (2). (ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه. (قل إن تخفوا ما في صدوركم) من ولاية الكفار وغيرها (أو تبدوه يعلمه الله و يعلم ما في السموت وما في الأرض والله على كل شئ قدير) فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه. (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ج ويحذركم الله نفسه قلى والله رءوف بالعباد). كرر ذلك للتأكيد والتذكير، ثم أشار إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم، رأفة بهم، ومراعاة لصلاحهم، وأنه لذو مغفرة وذو عقاب، ترجى رحمته ويخشى عذابه. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). قيل: نزلت لما قالت اليهود: " نحن أبناء الله وأحباؤه " (3). أقول: المحبة من العبد ميل النفس إلى الشئ، لكمال أدركت فيه، بحيث تحملها على ما يقربها إليه، ومن الله رضاه عن العبد، وكشفه الحجاب عن قلبه. والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه. فعلامة المحبة إرادة الطاعة والعبادة والاجتهاد البليغ في اتباع من كان وسيلة له إلى


1 - الكافي 2: 220، الحديث: 19، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 166، الحديث: 24، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام. 3 - البيضاوي 2: 13. والآية في سورة المائدة (5): 18. (*)

[ 146 ]

معرفة الله ومحبته ممن كان عارفا بالله محبا إياه محبوبا له، فإن من هذه صفاته، إنما نال هذه الصفات بالطاعة على الوجه المخصوص، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن يحذو حذوه، فمن أحب الله فلا بد له من اتباع الرسول في عبادته وسيرته وأخلاقه وأحواله حتى يحبه الله، إذ بذلك يحصل التقرب إلى الله، وبالتقرب يحصل محبة الله تعالى إياه، كما قال سبحانه: " وإن العبد ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " (1). وأيضا لما كان الرسول حبيب الله فكل من يدعي محبة الله، لزمه محبة الرسول، لأن محبوب المحبوب محبوب، و محبة الرسول إنما تكون بمتابعته وسلوك سبيله، قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة و عقيدة، ولا يتمشى دعوى محبة الله إلا بهذا، فإنه قطب المحبة ومظهرها، فمن لم يكن له من متابعته نصيب لم يكن له من المحبة نصيب، ومن تابعه حق المتابعة ناسب باطنه و سره وقلبه ونفسه باطن الرسول وسره وقلبه ونفسه، وهو مظهر محبة الله، فلزم بهذه المناسبة أن يكون لهذا التابع قسط من محبة الله بقدر نصيبه من المتابعة، فيلقي الله محبته عليه، ويسري من باطن روح الرسول نور تلك المحبة إليه، فيكون محبوبا لله محبا له. ومن لم يتابعه يخالف باطنه باطن الرسول، فبعد عن وصف المحبوبية، وزال (2) المحبة عن قلبه أسرع ما يكون، إذ لو لم يحبه الله لم يكن محبا له، وفي حكم الرسول من أمر الله والرسول بحبه واتباعه، وهم الأئمة الأوصياء عليهم السلام. قال: " من سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا. ألم تسمع قول الله تعالى لنبيه: " قل إن كنتم تحبون الله " الآية. والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله، ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبدا إلا أبغضنا، ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله، ومن مات عاصيا لله أخزاه الله و


1 - الكافي 2: 352، الحديث: 8، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " بالنافلة حتى أحبه ". 2 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " وزوال المحبة " كما في الصافي 1: 304. (*)

[ 147 ]

أكبه (1) على وجهه في النار " (2). (ويغفر لكم ذنوبكم) بالتجاوز عما فرط منكم (والله غفور رحيم) لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه ومن أمر باتباعه. (قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا). يحتمل المضي والمضارع. (فإن الله لا يحب الكفرين): لا يرضى عنهم. (إن الله اصطفئ ادم ونوحا وءال إبرهيم). ورد: " إنه تلا هذه الآية فقال: نحن منهم ونحن بقية تلك العترة " (3). وفي رواية: " والله إن محمدا لمن آل إبراهيم وإن العترة الهادية لمن آل محمد " (4). (وءال عمرن على العلمين) قيل: موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر، أو عيسى وأمه بنت عمران بن ما ثان. وبين العمرانين ألف وثمانمأة سنة (5). (ذرية بعضها من بعض) قال: " من نسل بعض " (6). " لا يكون الذرية من القوم إلا نسلهم من أصلابهم " (7). (والله سميع) لأقوال الناس (عليم) بأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل. (إذ قالت امرأت عمرن) هي إمرأة عمران بن ما ثان، أم مريم البتول، جدة عيسى. في رواية: " اسمها حنة " (8). وفي أخرى: " مرثا وقال: وهي وهيبة بالعربية " (9). (رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا): معتقا لخدمة بيت المقدس، لا أشغله بشئ (فتقبل منى) ما نذرته (إنك أنت السميع) لقولي (العليم) بنيتي.


1 - في " الف " و " ج ": " كبه ". 2 - الكافي 8: 408، في ذيل رسالة أبي عبد الله عليه السلام إلى جماعة الشيعة. 3 - العياشي 1: 168، الحديث: 29، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الامالى (للصدوق): 134، المجلس الثلاثون، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - راجع: البيضاوي 2: 14، والكشاف 1: 424. 6 - التبيان 2: 442، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - راجع: العياشي 1: 169، الحديث: 35 عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - الكافي 1: 535، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - الكافي 1: 479، الحديث: 4، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام. (*)

[ 148 ]

(فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت). اعتراض، وهو قول الله، وعلى قراءة المتكلم من كلامها، تسلية لنفسها، أي: ولعل لله فيه سرا أو الانثى (1) كان خيرا. (وليس الذكر كالانثى) من تتمة كلامها. قال: " أوحى الله إلى عمران إني واهب لك ذكرا سويا مباركا، يبرئ الاكمه والابرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل، فحدث عمران امرأته " حنة " بذلك وهي أم مريم، فلما حملت بها، كان حملها عند نفسها غلاما، فلما وضعتها، قالت: " رب إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالانثى ": لا تكون البنت رسولا، يقول الله عز وجل " والله أعلم بما وضعت ". فلما وهب الله لمريم عيسى، كان هو الذي بشر به عمران ووعده إياه " (2). وفي رواية: " إن الانثى تحيض فتخرج من المسجد والمحرر لا يخرج من المسجد " (3). وفي أخرى: " نذرت ما في بطنها للكنيسة أن تخدم العباد وليس الذكر كالانثى في الخدمة، قال: فشبت وكانت تخدمهم وتناولهم حتى بلغت، فأمر زكريا أن يتخذ لها حجابا دون العباد " (4). (وإني سميتها مريم) معناه: العابدة (وإنى أعيذها بك وذريتها): أجيرها بحفظك (من الشيطن الرجيم): المطرود. روي: " ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسه إلا مريم وابنها " (5). قيل: يعني أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر من طمعه فيه إلا مريم وابنها، فإن الله عصمهما ببركة هذه الاستعاذة (6).


1 - في " الف ": " والانثى ". 2 - الكافي 1: 535، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 1: 170، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر، الحديث: 38، عن أحدهما عليهما السلام. 5 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 435، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومسند أحمد 2: 274. 6 - راجع: البيضاوي 2: 16. (*)

[ 149 ]

(فتقبلها ربها بقبول حسن) بإقامتها مقام الذكر، وتسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة (1) (وأنبتها نباتا حسنا): رباها بما يصلحها في جميع أحوالها (وكفلها زكريا) أي الله. وإن خفف، زكريا (2). قال: " فسوهم عليها فأصاب القرعة زكريا وهو زوج أختها " (3). وفي رواية: " ابن خالتها " (4). (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب). قال: " كفلها وأدخلها المسجد فلما بلغت ما تبلغ النساء من الطمث (5) وكانت أجمل النساء وكانت تصلي فيضئ المحراب لنورها، فدخل عليها زكريا، فإذا عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، فقال: أنى لك هذا ؟ ! قالت هو من عند الله " (6). وورد نظير هذا في فاطمة عليها السلام من طريقي العامة والخاصة جميعا (7). (هنالك دعا زكرياربه) لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله. ورد: " إنه قال في نفسه: إن الذي يقدر أن يأتي مريم بفاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء لقادر أن يهب لي ولدا وإن كنت شيخا وامرأتي عاقرا " (8). (قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء). (فنادته الملئكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة


1 - سدن سدنا وسدانة: خدم الكعبة أو بيت الصنم. القاموس المحيط 4: 235، ومجمع البحرين 6: 263 (سدن). 2 - يعني: إن قرئ " كفلها " بالتشديد فالفاعل هو الله و " زكريا " مفعول ثان لكفلها والمعنى: كفل الله مريم زكريا، وإن قرئ بالتخفيف فالفاعل فيه هو زكريا. 3 - العياشي 1: 170، الحديث: 36، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف يسير في العبارة. 4 - لم نعثر عليه. 5 - الطمث: المس والدنس، وطمثت المرأة: حاضت. القاموس المحيط 1: 176، ومجمع البيان 2: 258 (طمث). 6 - العياشي 1: 170، الحديث: 36، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف يسير في العبارة. 7 - راجع: العياشي 1: 171، الحديث: 41، عن أبي جعفر عليه السلام، والدر المنثور 2: 185 - 186. 8 - تفسير الامام عليه السلام: 660. (*)

[ 150 ]

من الله) يعني بعيسى، كما يأتي في سورة مريم (1). (وسيدا) قال: " رئيسا في طاعة الله على أهل طاعته " (2). (وحصورا) قال: " لا يأتي النساء " (3). (ونبيا من الصلحين). (قال رب أنى يكون لى غلم وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر): لا تلد (قال كذلك): مثل خلق الولد من الشيخ الفاني والعجوز العاقر (الله يفعل ما يشآء). (قال رب اجعل لئ اية): علامة أعرف بها الحمل لاستقبله بالشكر (قال ءايتك الاتكلم الناس ثلثة أيام): لا تقدر على تكليمهم. قال: " لما نادته الملائكة بما نادته، أحب أن يعلم أن ذلك الصوت من الله، فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه (4) عن الكلام ثلاثة أيام، فلما أمسك لسانه ولم يتكلم، علم أنه لا يقدر على ذلك إلا الله " (5). (إلارمزا): إشارة. قال: " فكان يؤمي برأسه " (6). (واذكر ربك كثيرا) قيل: أي: في أيام العجز عن التكلم (7). نبه بذلك على أن الغرض من حبس لسانه أن يخلص المدة لذكر الله وشكره قضاءا لحق النعمة، فكأنه قال: آيتك أن تحبس لسانك إلا عن الشكر. (وسبح بالعشى والابكر). (وإذ قالت الملئكة يمريم إن الله اصطفك) قال: " من ذرية الانبياء " (8) (وطهرك) قال: " من السفاح " (9). (واصطفك على نساء العلمين) قال: " لولادة


1 - الآية: 7. 2 و 3 - تفسير الامام عليه السلام: 660. 4 - في " الف ": " أن تمسك لسانك ". 5 - العياشي 1: 172، الحديث، 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - المصدر، الحديث: 44، عن أحدهما عليهما السلام. 7 - مجمع البيان 1 - 2: 440، والكشاف 1: 429. 8 و 9 - مجمع البيان 1 - 2: 440، والعياشي 1: 173، الحديث: 47، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 151 ]

عيسى من غير فحل " (1). (يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعى مع الركعين). (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم). قال: " يقرعون بها حين ايتمت من أبيها " (2). (وما كنت لديهم إذ يختصمون) تنافسا في كفالتها. (إذ قالت الملئكة يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والاخرة ومن المقربين). (ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصلحين). (قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون). قال: " " كن " منه صنع، وما يكون به، المصنوع " (3). وقد مرله مزيد بيان (4). (ويعلمه الكتب والحكمة والتورة والانجيل). (ورسولا إلى بنى إسرءيل أنى قد جئتكم باية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهية الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الاكمه والابرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين). (ومصدقا لما بين يدى من التورة ولاحل لكم بعض الذى حرم عليكم) في شريعة موسى (وجئتكم باية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون). (إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم).


1 - مجمع البيان 1 - 2: 440 عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - العياشي 1: 173، الحديث: 47، عن أبي جعفر عليه السلام، وليست فيه جملة: " يقرعون بها ". 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 173 - 174، الباب: 12، ذيل الحديث: 1. 4 - في سورة البقره، ذيل الآية: 117. (*)

[ 152 ]

(فلمآ أحس عيسى منهم الكفر) قال: " لما سمع ورأى أنهم يكفرون " (1). (قال من أنصارى إلى الله): من أعواني إلى سبيله ؟ (قال الحواريون). حواري الرجل: خالصته. قال: " سموا بذلك لانهم كانوا مخلصين في أنفسهم ومخلصين غيرهم من أوساخ الذنوب بالوعظ والتذكير " (2): (نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون). (ربنا ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشهدين). (ومكروا) أي: الذين أحس عيسى منهم الكفر من اليهود، بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة (ومكر الله) " حين رفع عيسى وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل بدلا منه ". كما في رواية (3). أو " على أحد من خواصه ليقتل فيكون معه في درجته ". كما في أخرى (4). والمكر من حيث إنه في الاصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة، لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والازدواج، أو بمعنى المجازاة، كما مر. (والله خير المكرين): أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يحتسب المعاقب. (إذ قال الله يعيسى إنى متوفيك): مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى، عاصما إياك من قتلهم، أو قابضك من الارض، من توفيت مالي، أو مميتك عن الشهوات العايقة عن العروج إلى عالم الملكوت. (ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا): من سوء جوارهم (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة) يغلبونهم بالحجة والسيف (ثم إلى مرجعكم) جميعا (فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون).


1 - القمي 1: 103، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 79، الباب: 32، الحديث: 10، وعلل الشرايع 1: 80، الباب: 72، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 448، عن ابن عباس، والبيضاوي 2: 21، والكشاف 1: 432. 4 - راجع: القمي 1: 103، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 153 ]

(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والاخرة وما لهم من نصرين). (وأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظلمين). (ذلك نتلوه عليك من الايت والذكر الحكيم). (إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم) في أنه خلق من غير أب، كما خلق آدم من التراب من غير أب ولا أم. شبه حاله بما هو أقرب، إفحاما للخصم وقطعا لمواد الشبه. (خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) أي: فكان في الحال. (الحق): هو الحق (من ربك فلا تكن من الممترين). (فمن حاجك) من النصارى (فيه): في عيسى (من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكذبين) أي: يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة، أي: الملاعنة والمتاركة. ورد: " إنهم دنوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: إلى ما تدعو ؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب ويحدث. قالوا: فمن أبوه ؟ فنزل الوحي: قل لهم: ما تقولون في آدم ؟ أكان عبدا مخلوقا يأكل ويشرب ويحدث وينكح ؟ فمن أبوه ؟ فنزلت " إن مثل عيسى " الآيات. فقال لهم: فباهلوني، فإن كنت صادقا أنزلت اللعنة عليكم، وإن كنت كاذبا أنزلت علي، فقالوا: أنصفت. فتواعدوا للمباهلة، فلما رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم: إن باهلنا بقومه، باهلناه فإنه ليس بنبي، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة، فلا نباهله، فإنه لا يقدم بأهل بيته إلا وهو صادق، فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم، فقال النصارى: من هؤلاء ؟ فقيل لهم: إن هذا ابن عمه ووصيه وختنه، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا وقالوا:

[ 154 ]

نعطيك الرضى، فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجزية وانصرفوا " (1). (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله). رد على النصارى في تثليثهم. (وإن الله لهو العزيز الحكيم): لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الالوهية. (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين). وعيد لهم. وضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج، والاعراض عن التوحيد إفساد للدين ويؤدي إلى إفساد النفوس بل وإلى إفساد العالم. (قل يأهل الكتب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله): إن نوحده بالعبادة ونخلص فيها (ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله): ولا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الاحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل. ورد: إنه قيل: ما كنا نعبدهم يا رسول الله. قال: " أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم ؟ قال: نعم. قال: هو ذاك " (2). (فإن تولوا) عن التوحيد (فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم. وما أحسن ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الارشاد وحسن التدرج في الحجاج. بين أولا أحوال عيسى وما تعاور عليه من الاطوار المنافية للالهية، ثم ذكر ما يزيح شبهتهم. فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الاعجاز، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد، عاد عليهم بالارشاد وسلك طريقا أسهل وألزم، بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والانجيل وساير الانبياء والكتب. ثم لما لم يجد ذلك أيضا عليهم، وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم، أعرض عن ذلك، وقال: " اشهدوا بأنا مسلمون ".


1 - راجع: القمي 1: 104، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير في بعض الكلمات. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 455، والبيضاوي 2: 23، والكشاف 1: 435، " روي عن عدي بن حاتم أنه قال: ماكنا... ". (*)

[ 155 ]

(يأهل الكتب لم تحاجون في إبرهيم وما أنزلت التورة والانجيل إلا من بعده). تنازعت اليهود والنصارى فيه، وزعم كل فريق أنه منهم، فنزلت. والمعنى أن اليهودية والنصرانية حدثت بنزول التوراة والانجيل على موسى وعيسى، وكان إبراهيم قبلهما، فكيف يكون عليهما ؟ (أفلا تعقلون) فتدعون المحال ؟ (هأنتم هؤلاء حججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) أي: أنتم هؤلاء الحمقى، وبيان حماقتكم أنكم جادلتم فيما و جدتموه في أحد الكتابين، أو تدعون أنه فيه، فلم تجادلون فيما لا ذكر له فيه من دين إبراهيم ؟ (والله يعلم) ما حاججتم فيه من شأن إبراهيم ودينه (وأنتم لا تعلمون) فلا تتكلموا فيه. (ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا): مائلا عن العقايد الزايفة (مسلما): منقادا لله تعالى. قال: " خالصا مخلصا ليس فيه شئ من عبادة الاوثان " (1). وفي رواية: " لا يهوديا يصلي إلى المغرب ولا نصرانيا يصلي إلى المشرق، ولكن كان حنيفا مسلما على دين محمد " (2). أقول: يعني كان يصلي إلى الكعبة ما بين المشرق والمغرب وكان دينه موافقا لدين محمد صلى الله عليه وآله. (وما كان من المشركين). تعريض بأنهم مشركون، ورد لادعائهم أنهم على ملته. (إن أولى الناس): أقربهم (بإبرهيم للذين اتبعوه) من أمته (وهذا النبي والذين ءامنوا). قال: " هم الائمة ومن اتبعهم " (3). ورد: " إن أولى الناس بالانبياء أعملهم (4) بما جاؤوا به ثم تلا هذه الآية " (5). (والله ولى المؤمنين): يتولى نصرتهم.


1 - الكافي 1: 15، باب الاخلاص، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 177، الحديث: 60، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 3 - الكافي 1: 416، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في المصدر: " أعلمهم ". 5 - مجمع البيان 1 - 2: 458، ونهج البلاغة (للصبحي الصالح): 484، الحكمة: 96. (*)

[ 156 ]

(ودت طائفة من أهل الكتب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون). (يأهل الكتب لم تكفرون بايت الله وأنتم تشهدون). (يأهل الكتب لم تلبسون الحق بالبطل) بالتحريف (وتكتمون الحق): نبوة محمد ونعته (وأنتم تعلمون) بما تكتمونه. (وقالت طائفة من أهل الكتب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار) قيل: أي أظهروا الايمان بالقرآن أول النهار (1). (واكفروا ءاخره لعلهم يرجعون): ظنا بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم. وورد: " يعنون القبلة حين استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الحرام صلاة الظهر بعد ما صلى الغداة مستقبلا إلى بيت المقدس، يعني " لعلهم يرجعون " إلى قبلتنا " (2). (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم). قيل: أي لا تصدقوا ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضائل إلا لاهل دينكم، ولا تؤمنوا بأن يحاجوكم عند ربكم، لانكم أصح دينا منهم، فلا يكون لهم الحجة عليكم. وقوله: " قل إن الهدى هدى الله "، اعتراض من كلام الله (3). وقيل فيه أقوال أخر (4). وهي من المتشابه الذي لم يصل إلينا تأويله. (قل إن الفضل بيد الله): الهداية والتوفيق منه (يؤتيه من يشآء والله وسع عليم). (يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم). (ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا مادمت عليه قائما): تطالبه بالعنف (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الامين


1 - مجمع البيان 1 - 2: 460، عن الحسن وجماعة، والبيضاوي 2: 25. 2 - القمي 1: 105، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 و 4 - مجمع البيان 1 - 2: 461، والكشاف 1: 437. (*)

[ 157 ]

سبيل) أي: ليس علينا في شأن من ليس من (1) أهل الكتاب ولم يكن على ديننا عقاب وذم. (ويقولون على الله الكذب) بادعائهم ذلك (وهم يعلمون) أنهم كاذبون، وذلك لانهم استحلوا ظلم من خالفهم، وقالوا: لم يجعل لهم في التوراة حرمة. ورد: " إنه صلى الله عليه وآله وسلم لما قرأ هذه الآية قال: كذب أعداء الله، ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الامانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر " (2). (بلى من أوفى بعهده) أي عهد كان (واتقى) الله في ترك الخيانة والغدر (فإن الله يحب المتقين). في وضع الظاهر موضع المضمر إشعار بأن التقوى ملاك الامر. (إن الذين يشترون): يستبدلون (بعهد الله): بما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول، والوفاء بالامانات (وأيمنهم): ربما حلفوا به (ثمنا قليلا): متاع الدنيا من الرياسة وأخذ الرشوة والذهاب بمال أخيهم المسلم ونحو ذلك (أولئك لا خلق لهم): لا نصيب لهم (في الاخرة ولا يكلمهم الله) قال: " بكلام خير " (3). (ولا ينظر إليهم يوم القيمة) قال: " لا يصيبهم بخير " (4). (ولا يزكيهم) قال: " من ذنوبهم " (5). (ولهم عذاب أليم). (وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتب): يفتلونها (6) بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف. (لتحسبوه من الكتب وما هو من الكتب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله.


1 - في " ج ": " من ليس أهل الكتاب ". 2 - مجمع البيان 1 - 2: 463، والدر المنثور 2: 244، والبيضاوي 2: 26. 3 - تفسير الامام عليه السلام: 586. 4 - التوحيد: 265، الباب: 36، الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - تفسير الامام عليه السلام: 586. 6 - يفتلونها: يصرفونها. مجمع البحرين 5: 439، ولسان العرب 11: 514 (فتل). (*)

[ 158 ]

(وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتب والحكم): والحكمة (والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله). روي: " أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتريد أن نعبدك ونتحذك ربا ؟ فقال: معاذ الله أن يعبد غير الله وأن نأمر بعبادة غير الله (1)، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فنزلت " (2). (ولكن كونوا ربنين): ولكن يقول: كونوا ربانيين أي: الكاملين في العلم والعمل، منسوب إلى الرب. (بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون): بسبب التعليم والدراسة. عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا ترفعوني فوق حقي فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا، وتلا هذه الآية " (3). (ولا يأمركم أن تتخذ والملئكة والنبين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون). القمي: كان قوم يعبدون الملائكة، وقوم من النصارى زعموا أن عيسى رب، واليهود قالوا: عزيربن الله فقال الله: " ولا يأمركم " الآية (4). (وإذ أخذ الله ميثق النبين لما ءاتيتكم من كتب وحكمة ثم جاء كم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) قال: " ميثاق أمم النبيين كل أمة بتصديق نبيها والعمل بما جاءهم به فما وفوا به وتركوه " (5). وفي رواية: " أخذ الميثاق على الانبياء قبل نبينا عليه وعليهم السلام أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشروهم به، ويأمروهم بتصديقه " (6). وفي أخرى: " لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ العهد بذلك


1 - في " ب " و " ج ": " وأن نأمر بغير عبادة الله ". 2 - مجمع البيان 1 - 2: 466، والبيضاوي 2: 27 " روي عن أبي رافع القرضى من اليهود، ورئيس وفد نجران، أنهما قالا للنبي... ". 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 201، الباب: 46، الحديث: 1. 4 - القمي 1: 106. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 468، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير في العبارة. 6 - المصدر، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعن ابن عباس وقتادة. (*)

[ 159 ]

على قومه " (1). وفي أخرى: " ما بعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين وهو قوله: " لتؤمنن به " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ولتنصرنه " يعني أمير المؤمنين عليه السلام " (2). (قال ءأقررتم) قال: " ثم قال لهم في الدنيا أقررتم ؟ " (3). (وأخذتم على ذلكم إصرى) قال. أي: عهدي " (4). (قالوا أقررنا قال فاشهدوا) قال: " قال الله للملائكة: " فاشهدوا " " (5). وفي رواية: " قال الانبياء وأممهم: أقررنا بما أمرتنا بالاقرار به. قال الله: فاشهدوا بذلك على أممكم " (6). (وأنا معكم من الشهدين) قال: " عليكم وعلى أممكم ". (فمن تولى بعد ذلك) الميثاق والتأكيد (فأولئك هم الفسقون): المتمردون. (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموت والارض طوعا وكرها وإليه يرجعون). قال: " هو توحيدهم لله عز وجل " (7). وفي رواية: " معناه أكره أقوام على الاسلام وجاء أقوام طائعين " (8). قال: " وكرها أي: فرقا من السيف " (9). (قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم) بالتصديق والتكذيب (ونحن له مسلمون): منقادون، مخلصون في عبادته.


1 - الدر المنثور 2: 252، ومجمع البيان 1 - 2: 468، عن علي عليه السلام. 2 - القمي 1: 106، والعياشي 1: 181، الحديث: 76، عن أبي عبد الله، مع تفاوت في العبارة. 3 - القمي 1: 106، وفيه: " في الذر " بدل " في الدنيا ". 4 و 5 - المصدر: 107. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 468، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - التوحيد: 46، الباب: 2، الحديث: 7، والعياشي 1: 183، ذيل الحديث: 78، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - مجمع البيان 1 - 2: 470، عن أبي عبد الله عليه السلام. في " الف ": " وجاءوا أقوام " ولكن الصحيح ما أثبتناه كما في المصدر. 9 - المصدر عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 107. (*)

[ 160 ]

(ومن يبتغ غير الاسلم دينا) أي: غير التوحيد والانقياد لحكم الله (فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخسرين) بإبطاله الفطرة السليمة التي فطر عليها. (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم وشهدوا). عطف على معنى الفعل في " إيمانهم ". (أن الرسول حق وجاءهم البينت والله لا يهدى القوم الظلمين). (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملئكة والناس أجمعين). (خلدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينظرون). (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) يتفضل عليهم. " نزلت الآيات في أنصاري قتل رجلا غدرا وهرب، وارتد عن الاسلام ولحق بمكة ثم ندم، فسأل هل لي من توبة ؟ ". كذا ورد (1). (إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا) كاليهود، كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون). (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل ء الارض ذهبا): ما يملا الارض من الذهب (ولو افتدى به): نفسه من العذاب (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من نصرين). (لن تنالوا البر): لن تبلغوا حقيقته ولا تكونوا أبرارا (حتى تنفقوا مما تحبون): من المال والجاه والمهجة وغيرها في طاعة الله. وفي قراءة الصادق عليه السلام: " ما تحبون ". قال: " هكذا فاقرأها " (2). (وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم). (كل الطعام كان حلا لبنى إسرءيل إلا ما حرم إسرءيل) يعني (3): يعقوب (على نفسه من قبل أن تنزل التورة). قال: " وهو لحم الابل كان إذا أكل هيج عليه وجع


1 - مجمع البيان 1 - 2: 471، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 8: 183، الحديث: 209 عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - لم ترد في " ب " و " ج " كلمة " يعني ". (*)

[ 161 ]

الخاصرة فحرمه على نفسه، وذلك قبل أن تنزل التوراة، فلما نزلت التوراة لم يحرمه و لم يأكله " (1). أقول: يعني موسى عليه السلام. قيل: يعني إن المطاعم كلها لم تزل حلالا لهم من قبل إنزالها وتحريم ما حرم فيها بظلم اليهود وبغيهم. وهذا رد على اليهود حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم في قوله: " ذلك جزيناهم ببغيهم " (2) وقوله " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " (3) فقالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وقد كانت محرمة على نوح وابراهيم ومن بعده من بني إسرائيل إلى أن انتهى التحريم إلينا فكذبهم الله " (4). (قل فأتوا بالتورة فاتلوها إن كنتم صدقين). أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه حتى يتبين أنه تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما زعموا، فلم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا (5). (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك): من بعد ما لزمهم الحجة (فأولئك هم الظلمون) لانفسهم، لمكابرتهم الحق بعد وضوحه. (قل صدق الله). تعريض بكذبهم، أي: ثبت أن الله صادق فيما أنزله وأنتم الكاذبون. (فاتبعوا ملة إبرهيم حنيفا) وهي ملة الاسلام التي عليها محمد ومن آمن معه (وما كان من المشركين). تبرئة له مما كان ينسبه اليهود والمشركون إليه من كونه على دينهم. (إن أول بيت وضع للناس) ليكون متعبدا لهم (للذى ببكة) يعني الكعبة: قال:


1 - الكافي 5: 306، الحديث: 9، والعياشي 1: 184، الحديث: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الانعام (6): 146. 3 - النساء (4): 160. 4 و 5 - الكشاف 1: 445 - 446، والبيضاوي 2: 31. (*)

[ 162 ]

" إن موضع البيت بكة، والقرية مكة " (1). وورد: " لما أراد الله أن يخلق الارض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجا، ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت، ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الارض من تحته، وهو قول الله عز وجل: " إن أول بيت " الآية " (2). (مباركا): كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره واعتكف عنده، وطاف حوله، وقصد نحوه من مضاعفة الثواب وتكفير الذنوب ونفي الفقر وكثرة الرزق. (وهدى للعلمين) لانه قبلتهم ومتعبدهم. (فيه ءايت بينت) كقهره لمن تعرض له من الجبابرة بسوء كأصحاب الفيل (مقام إبراهيم) أي: منها مقام إبراهيم. ورد: إنه سئل ما هذه الآيات البينات ؟ فقال: " مقام إبراهيم حيث قام عليه الحجر، فأثرت فيه قدماه، والحجر الاسود، ومنزل إسماعيل " (3). أقول: أما كون المقام آية، فلما ذكر، ولارتفاعه بإبراهيم عليه السلام حتى كان أطول من الجبال، كما يأتي ذكره في سورة الحج إن شاء الله، وأما كون الحجر الاسود آية، فلتنطقه لبعض الانبياء والاوصياء كآدم والسجاد عليهما السلام على ما ورد (4)، ولعدم إطاعته لغير المعصوم في نصبه في موضعه، وأما كون منزل إسماعيل آية، فلانه أنزل به، وكان بلا ماء، فنبع له الماء، وإنما خص المقام بالذكر في القرآن وطوى ذكر غيره، لانه أظهر آياته اليوم للناس. (ومن دخله كان ءامنا) قال: " من دخل الحرم من الناس مستجيرا به فهو آمن من


1 - علل الشرايع 2: 397، الباب: 137، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 2: 156، الحديث: 670، والكافي 4: 189، الحديث: 7، والعياشي 1: 186، الحديث: 91، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 4: 223، الحديث: 1، والعياشي 1: 187، الحديث: 99، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - راجع: الكافي 1: 348، الحديث: 5، وعلل الشرايع 2: 429، الباب: 164، الحديث: 1، الخرايج والجرايح: 194، والبحار 46: 22 و 29 الحديث: 20، و 111، الحديث: 2. (*)

[ 163 ]

سخط الله، ومن دخله من الوحش أو الطير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم " (1). وفي رواية: " من دخله وهو عارف بحقنا كما هو عارف به، خرج من ذنوبه وكفي (2) هم الدنيا والآخرة " (3). (ولله على الناس حج البيت) قال: " يعني به الحج والعمرة جميعا، لانهما مفروضان " (4). (من استطاع إليه سبيلا) قال: " يعني أن يكون له ما يحج " (5). وفي رواية: " من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد وراحلة فهو ممن يستطيع الحج " (6). وفي أخرى: " السعة في المال، يحج ببعض ويبقي بعضا يقوت به عياله " (7). (ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين) قال: " يعني من ترك " (8). وفي رواية: " هو كفر النعم " (9). وفي أخرى: " تارك الحج وهو مستطيع كافر " (10). وفي أخرى: " من مات ولم يحج حجة الاسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديا أو نصرانيا " (11). (قل يأهل الكتب لم تكفرون بايت الله والله شهيد على ما تعملون). (قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله): دينه الحق المأمور بسلوكه (من


1 - الكافي 4: 226، الحديث: 1، والعياشي 1: 189، الحديث: 101، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في " ج ": " كفي به ". 3 - العياشي 1: 190، الحديث: 107، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " كما هو عارف له... ". 4 - الكافي 4: 264، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 266، الحديث: 1، والتوحيد " للصدوق ": 350، الباب: 56، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 192، الحديث: 111، وفيه: " فهو مستطيع للحج "، والكافي 4: 267، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 192، الحديث: 113، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - التهذيب 5: 18، الحديث: 52، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - العياشي 1: 193، الحديث: 115، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - من لا يحضره الفقيه 4: 266، ذيل الحديث: 4، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 11 - الكافي 4: 268، الحديث: 1، والتهذيب 5: 17، الحديث: 49، و 462، الحديث: 1610، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 164 ]

ءامن). قيل: كانوا يفتنون المؤمنين ويحرشون (1) بينهم حتى أتوا الاوس والخزرج فذكروهم ما بينهم في الجاهلية، من التعادي والتحارب، ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدهم عنه (2). (تبغونها عوجا): طالبين لها اعوجاجا (وأنتم شهداء) أنها سبيل الله، أو عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم (وما الله بغفل عما تعملون) من الخيانة والحيل. (يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين). قيل: نزلت في نفر من الاوس والخزرج، أغرى بينهم يهودي وذكرهم محارباتهم بينهم في الجاهلية، فتفاخروا وتغاضبوا بعد تألفهم واجتماعهم (3). (وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايت الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صرط مستقيم). (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته) قال: " بأن يطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر " (4). وفي رواية: " إنها منسوخة بقوله تعالى: " إتقوا الله ما استطعتم " (5). (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون). في قراءتهم عليهم السلام بالتشديد (6). قال: " مسلمون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم الامام من بعده " (7). وفي رواية: " مستسلمون لما أتى به النبي منقادون له " (8).


1 - التحريش: الاغراء بين القوم والكلاب وتهييج بعضها على بعض. مجمع البحرين 4: 133، و لسان العرب 6: 279 (حرش). 2 - البيضاوي 2: 33، والكشاف 1: 449. 3 - البيضاوي 2: 33، والكشاف 1: 458. 4 - العياشي 1: 194، الحديث: 120، ومعاني الاخبار: 240، باب معنى اتقاء الله حق تقاته، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - العياشي 1: 194، الحديث: 121، والقمي 1: 108، عن أبي عبد الله عليه السلام. والآية في سورة التغابن (64): 16. 6 و 8 - مجمع البيان 1 - 2: 482، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 193، الحديث: 119، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر عليهما السلام. (*)

[ 165 ]

(واعتصموا بحبل الله) القمي: الحبل: التوحيد والولاية (1). وفي رواية: " آل محمد حبل الله المتين الذي أمر الله بالاعتصام به، فقال: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " " (2). وفي أخرى: " نحن الحبل " (3). وفي أخرى: " حبل الله هو القرآن، والقرآن يهدي إلى الامام وذلك قول الله: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " (4). أقول: مآل الكل واحد، كما يدل عليه حديث: " حبلين ممدودين، وأنهما لن يفترقا " (5). (جميعا): مجتمعين عليه (ولا تفرقوا): ولا تتفرقوا عن الحق بإيقاع الاختلاف بينكم. قال: " إن الله تبارك وتعالى علم أنهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون، فنهاهم عن التفرق كما نهى من كان قبلهم، فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (6). (واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء) في الجاهلية (فألف بين قلوبكم) بالاسلام (فأصبحتم بنعمته إخونا) متحابين في الله (وكنتم على شفاحفرة من النار): مشفين (7) على الوقوع في نار جهنم لكفركم (فأنقذكم منها) قال: " بمحمد، هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد " (8). (كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون) اهتداء بعد اهتداء. (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر


1 - القمي 1: 108. 2 - العياشي 1: 194، الحديث: 123 عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الامالي (للشيخ الطوسي) 1: 278، الجزء العاشر، والبحار 24: 84، الحديث: 3، 5، ومناقب آل أبي طالب 3: 75 عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - معاني الاخبار: 132، الحديث: 1، عن علي بن الحسين عليهما السلام. والآية في سورة الاسراء (17): 9. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 482، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - القمي 1: 108، عن أبي جعفر عليه السلام، مع زيادة: " ولا يتفرقوا " في آخرها. 7 - شفا - بالقصر -: طرف الشئ وجانبه، يقال: " شفا جرف "، " شفابئر " و " شفاواد ". ومشفين أي: مشرفين. ومنه: أشفى المريض على الموت. مجمع البحرين 1: 247 (شفا)، ولسان العرب 14: 436 (شفى). 8 - الكافي 8: 183، الحديث: 208، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 166 ]

وأولئك هم المفلحون). قال: " هذه خاص غير عام. كما قال الله: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " (1). ولم يقل: على أمة موسى. قال: إنما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعفة الذين لا يهتدون سبيلا إلى أي من أي. وقال: وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج، إذا كان لا قوة له ولا عدد ولا طاعة " (2). وفي رواية: " فهذه لآل محمد ومن تابعهم " (3). وفي أخرى: " إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلم، فأما صاحب سوط وسيف فلا " (4). وورد: " لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الارض ولا في السماء " (5). (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاء هم البينت) كاليهود والنصارى (وأولئك لهم عذاب عظيم). (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم): فيقال لهم: أكفرتم ؟ (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). قال: " هم أهل البدع والاهواء والآراء الباطلة من هذه الامة " (6). (وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خلدون). (تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين). (ولله ما في السموت وما في الارض وإلى الله ترجع الامور).


1 - الاعراف (7): 159. 2 - الكافي 5: 59، الحديث: 16 عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير في العبارة. 3 - القمي 1: 109، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 5: 60، الحديث: 2 عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " وأما صاحب سوط أو سيف فلا ". 5 - التهذيب 6: 181، الحديث: 373، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - مجمع البيان 1 - 2: 485، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وليست فيه: " الآراء الباطلة ". (*)

[ 167 ]

(كنتم خير أمة). الكون فيها يعم الازمنة (1). ورد: " إنها نزلت خير أئمة " (2). وفي رواية: " أنتم خير أمة - بالالف - نزل بها جبرئيل، وما عني بها إلا محمدا وعليا والاوصياء من ولده " (3). (أخرجت): أظهرت (للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكرو تؤمنون بالله) إيمانا بالله وتصديقا به وإظهارا لدينه (ولو ءامن أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون) المتمردون في الكفر. (لن يضروكم إلا أذى): ضررا يسيرا كطعن وتهديد (وإن يقتلوكم يولوكم الادبار): ينهزموا ولا يضروكم بقتل وأسر (ثم لا ينصرون): لا أحد يدفع بأسكم عنهم وكان الامر كذلك. (ضربت عليهم الذلة) فهي محيطة بهم إحاطة البيت المضروب على أهله (أين ما ثقفوا): وجدوا (إلا بحبل من الله وحبل من الناس). قال: " الحبل من الله كتاب الله، والحبل من الناس علي بن أبى طالب عليه السلام " (4). (وبآء وبغضب من الله): رجعوا به مستوجبين له (وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بايت الله ويقتلون الانبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). قال: " والله ما قتلوهم بأيديهم، ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكنهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأخذوا عليها، فقتلوا، فصار قتلا واعتداءا ومعصية " (5). (ليسوا سوآء) في دينهم (من أهل الكتب أمة قائمة) على الحق وهم الذين أسلموا منهم (يتلون ءايت الله ءانآء اليل وهم يسجدون) يعني يتلونها في تهجدهم. (يؤمنون بالله واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون


1 - في " ج ": " جميع الازمنة ". 2 - العياشي 1: 195، الحديث: 128، والقمي 1: 110، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المناقب (لابن شهر آشوب) 4: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - العياشي 1: 196، الحديث: 131، وتفسير فرات الكوفي: 92، الحديث: 76، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 2: 371، الحديث: 6، والعياشي 1: 196، الحديث: 132، عن أبي عبد الله عليه السلام. و في العياشي: " وما ضربوهم بأيديهم ولاقتلوهم بأسيافهم ". (*)

[ 168 ]

في الخيرت). وصفهم بصفات ليست في اليهود. (وأولئك من الصلحين). (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه): فلن يضيع ولا ينقص ثوابه. سمى ذلك كفرا كما سمى توفية الثواب شكرا. ورد: " إن المؤمن مكفر، وذلك أن معروفه يصعد إلى الله فلا ينتشر في الناس، والكافر مشكور (1)، وذلك أن معروفه للناس ينتشر في الناس ولا يصعد إلى السماء " (2). (والله عليم بالمتقين). بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير. (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك أصحب النارهم فيها خلدون). (مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر): برد شديد (أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعصية (فأهلكته) عقوبة لهم. شبه ما أنفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته برد شديد من سخط الله، فاستأصلته ولم يبق (3) لهم فيه منفعة في الدنيا ولا في الآخرة. (وما ظلمهم الله) أي: المنفقين بضياع نفقاتهم (ولكن أنفسهم يظلمون) لما لم ينفقوها بحيث يعتد بها. (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة): وليجة (4)، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به. شبه ببطانة الثوب، كما يشبه بالشعار. (من دونكم): من دون المسلمين (لا يألونكم خبالا): لا يقصرون لكم في الفساد (ودوا ما عنتم): تمنوا عنتكم، وهو شدة الضرر والمشقة (قد بدت البغضاء من أفوههم) أي: من كلامهم، لانهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم (وما تخفى صدورهم أكبر) مما بدا (قد بينا لكم الايت إن كنتم تعقلون).


1 - الكافي: " مشهور " بدل: " مشكور ". 2 - علل الشرايع 2: 560، الباب: 353، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في: " الف ": " لم تبق ". 4 - وليجة الرجل: بطانته ودخلاؤه وخاصته وما يتخذه معتمدا عليه. مجمع البحرين 2: 335، و لسان العرب 2: 400 (ولج). (*)

[ 169 ]

(هأنتم أولاء) الخاطئون في موالاة الكفار (تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتب كله) كتابكم وكتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم. فيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم. (وإذا لقوكم قالوا ءامنا) نفاقا وتغديرا (وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ) تأسفا وتحسرا، حيث رأوا إيتلافكم واجتماع كلمتكم ولم يجدوا إلى التشفي سبيلا. (قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور). (إن تمسسكم حسنة): نعمة من ألفة (1) أو ظفر على الاعداء (تسؤهم وإن تصبكم سيئة): محنة (يفرحوا بها وإن تصبروا) على عداوتهم (وتتقوا) موالاتهم و مخالطتهم (لا يضركم كيدهم شيئا) لما وعد الله الصابرين والمتقين من الحفظ (إن الله بما يعملون محيط). (وإذ غدوت): واذكر إذ غدوت (من أهلك تبوئ المؤمنين): تهيئ لهم (مقعد للقتال): مواقف وأماكن له (والله سميع) لاقوالكم (عليم) بنياتكم. " كان ذلك في غزوة أحد حين خرجت قريش من مكة يريدون حربه فخرج يبتغي موضعا للقتال، وكان عبأ (2) أصحابه، وكانوا سبعمأة رجل، فوضع " عبد الله بن جبير " في خمسين من الرماة على باب الشعب (3)، وأشفق أن يأتيهم كمينهم من ذلك المكان، فقال لهم: لا تبرحوا من هذا المكان والزموا مراكزكم. فلما انهزمت قريش ووقع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوادهم ينهبون (4)، قال أصحاب " عبد الله بن جبير " لعبد الله:


1 - في " الف ": " من الله ". 2 - عبأ المتاع والامر: هيأه، والجيش: جهزه. القاموس المحيط 1: 23، ولسان العرب 1: 118 (عبأ). 3 - الشعب - بكسر الشين -: الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين. القاموس المحيط 1: 91، ومجمع البحرين 2: 90، ولسان العرب 1: 499 (شعب). 4 - السواد: الشخص والمال الكثير. " مجمع البحرين 3: 72، ولسان العرب 3: 225 ". والنهب: الغنيمة. ونهب النهب: أخذه. " مجمع البحرين 2: 178، ولسان العرب 1: 773 ". والمعنى أن أصحاب عبد الله بن جبير لما نظروا إلى أصحاب رسول الله يأخذون الاموال الكثيرة المتروكة في ساحة القتال من المشركين قالوا لعبد الله: قد غنم أصحابنا، ونحن نبقى بلا غنيمة. (*)

[ 170 ]

قد غنم أصحابنا، ونحن نبقى بلا غنيمة. فقال لهم: اتقوا الله فإن رسول الله قد تقدم إلينا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، وبقي " عبد الله " في اثنى عشر رجلا، فانحط (1) " خالد بن الوليد " وفرق أصحابه وبقي في نفر قليل، فقتلهم على باب الشعب، وأتى المسلمين من أدبارهم، فانهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هزيمة عظيمة، فكشف رسول الله البيضة عن رأسه وقال: إلي أنا رسول الله، إلى أين تفرون ؟ عن الله وعن رسوله ؟ ولم يبق معه إلا أبو دجانة وعلي عليه السلام، فلم يزل علي يقاتلهم حتى أصابه في وجه ورأسه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة ". كذا ورد (2). (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا): أن تجبنا وتضعفا (والله وليهما): ناصرهما (وعلى الله فليتوكل المؤمنون): فليعتمدوا عليه في الكفاية. (ولقد نصركم الله ببدر) هو ما بين مكة والمدينة (وأنتم أذلة). قال: " وما كانوا أذلة، وفيهم رسول الله وإنما نزل وأنتم ضعفاء " (3). وفي رواية: " ليس هكذا أنزلها الله، إنما أنزلت وأنتم قليل " (4). أقول: لعل المراد أنها نزلت بهذا المعنى. وورد: " إن عدتهم كانت ثلثمأة وثلاثة عشر " (5). (فاتقوا الله) في الثبات (لعلكم تشكرون) ما أنعم به عليكم. (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلثة ءالف من الملئكة منزلين).


1 - حططت الرحل: أنزلته من علو إلى سفل، ومنه " فانحط الرجل وهو قائم في صلاته. مجمع البحرين 4: 242، ولسان العرب 7: 273 (حطط). 2 - القمي 1: 114 - 116، ومجمع البيان 1 - 2: 495، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي القمي: " تسعون جراحة ". 3 - العياشي 1: 196، الحديث: 135، والقمي 1: 122، ومجمع البيان 1 - 2: 498، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 196، الحديث: 133 و 134، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - راجع: الغيبة (للنعماني): 315، والدر المنثور 2: 307، ومجمع البيان 1 - 2: 498، والقمي 1: 257. (*)

[ 171 ]

(بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم) أي: المشركون (من فورهم هذا): من ساعتهم هذه (يمددكم ربكم بخمسة ءالف من الملئكة مسومين): معلمين. من التسويم بمعنى إظهار سيماء الشئ. قال: " كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر " (1). (وما جعله الله) أي: الامداد (إلا بشرى لكم) بالنصر (ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله) لا من العدة والعدة (العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم) الذي ينصر ويخذل على مقتضى الحكمة. (ليقطع طرفا من الذين كفروا): لينتقص منهم بقتل بعض وأسر بعض. ورد: " إنه قتل منهم يوم بدر سبعون من صناديدهم وأسر سبعون " (2). (أو يكبتهم): أو يخزيهم. والكبت شدة غيظ أو وهن يقع في القلب. (فينقلبوا خائبين): فينهزموا منقطعي الآمال. (ليس لك من الامر شئ) اعتراض (3) (أو يتوب عليهم) إن أسلموا (أو يعذبهم) إن أصروا (فإنهم ظلمون): قد استحقوا التعذيب بظلمهم. ورد: " إنه لما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يظهر ولاية علي عليه السلام ففكر في عداوة قومه له فيما فضله الله به عليهم في جميع خصاله، وحسدهم له عليها، ضاق عن ذلك، فأخبر الله أنه ليس له من هذا الامر شئ، إنما الامر فيه إلى الله أن يصير عليا وصيه وولي الامر بعده، فهذا عنى الله، وكيف لا يكون له من الامر شئ وقد فوض الله إليه أن جعل ما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، قوله: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما


1 - العياشي 1: 196، الحديث: 136، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - راجع: القمي 1: 267، والعياشي 1: 205 الحديث: 151، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - لعل المراد أنه اعتراض بين الكلامين فيكون قوله: " أو يتوب عليهم " متصل بقوله: " ليقطع طرفا "، فيكون التقدير: ليقطع طرفا منهم، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فإنهم قد استحقوا العذاب، وليس لك أي ليس لك من هذه الاربعة شئ، وذالك إلى الله تعالى. " مجمع البيان 1 - 2: 500 - 501، والبيضاوي 2: 42 ". (*)

[ 172 ]

نهاكم عنه فانتهوا " " (1). وفي قراءتهم عليهم السلام: " ليس لك من الامر شئ إن يتب عليهم أو يعذبهم " (2). وفي أخرى: " أن تتوب عليهم أو تعذبهم " (3). بالتاء فيهما. (ولله ما في السموت وما في الارض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله غفور رحيم). (يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا الربوا أضعفا مضعفة). قيل: كان رجل منهم يربي إلى أجل، ثم يزيد فيه إلى آخر حتى يستغرق بقليله مال المديون (4). (واتقوا الله) فيما نهيتم عنه (لعلكم تفلحون). (واتقوا النار التى أعدت للكفرين). (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون). (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) قال: " إلى أداء الفرائض " (5). (وجنة عرضها السموت والارض): " إذا وضعتا مبسوطتين ". كذا ورد (6). (أعدت للمتقين). قال: " فإنكم لن تنالوها إلا بالتقوى " (7). (الذين ينفقون في السراء والضراء): في أحوالهم جميعا ما تيسر لهم من قليل أو كثير (والكظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين). (والذين إذا فعلوا فحشة): سيئة بالغة في القبح كالزنا (أو ظلموا أنفسهم) بارتكاب ذنب أعظم من الزنا (ذكروا الله): تذكروا وعيده


1 - العياشي 1: 197، الحديث: 139، عن أبي جعفر عليه السلام. والآية في سورة الحشر (59): 7. 2 و 3 - العياشي 1: 198، الحديث: 141 عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكشاف 1: 463، والبيضاوي 2: 42. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 503، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - العياشي 1: 198، الحديث: 142، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الخصال 2: 633، ذيل الحديث: 10 (حديث أربعمائة) عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام. (*)

[ 173 ]

وحقه العظيم (فاستغفروا لذنوبهم) بالندم والتوبة (ومن يغفر الذنوب إلا الله). استفهام بمعنى النفي معترض، لينبه بسعة رحمته وعموم مغفرته. (ولم يصروا على ما فعلوا): ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين. قال: " الاصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر الله ولا يحدث نفسه بتوبة " (1). (وهم يعلمون): عالمين به. (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها ونعم أجر العملين). ورد: " إنها نزلت في نباش زنى بميتة ثم ندم، فأتى بعض جبال المدينة فتعبد فيها ولبس مسحا (2) وغل يديه جميعا إلى عنقه ينادي ربه ويبكي ويحث التراب على رأسه، وقد أحاطت به السباع وصفت فوقه الطير وهم يبكون لبكائه أربعين يوما " (3). هذا ملخص القصة. (قد خلت من قبلكم سنن): وقايع سنها الله تعالى في الامم المكذبة (فسيروا في الارض) قال: " انظروا في القرآن " (4). (فانظروا كيف كان عقبة المكذبين) قال: " يعني ما أخبركم عنه " (5). (هذا) أي: القرآن (بيان للناس) عامة (وهدى وموعظة للمتقين) خاصة. (ولا تهنوا): ولا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم يوم أحد (ولا تحزنوا) على من قتل منكم (وأنتم الاعلون) فإنكم على الحق، وقتالكم لله، وقتلاكم في الجنة. و إنهم على الباطل، وقتالهم للشيطان، وقتلاهم في النار. وإنكم أصبتم منهم يوم بدر


1 - العياشي 1: 198، الحديث: 144، والكافي 2: 288، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام، مع زيادة: " فذلك الاصرار " في آخرها. 2 - المسح: الكساء من شعر، ما يلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفا وقهرا للجسد، البلاس يقعد عليه. المنجد في اللغة: 760 (مسح). 3 - الامالي (للصدوق): 46، المجلس الحادي عشر، الحديث: 3، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 و 5 - الكافي 8: 249، الحديث: 349، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 174 ]

أكثر (1) مما أصابوا منكم اليوم. وإنكم منصورون في العاقبة غالبون. (إن كنتم مؤمنين): إن صح إيمانكم. (إن يمسسكم قرح) - بالفتح والضم - لغتان. وقيل: بالفتح الجراح وبالضم ألمها (2). (فقد مس القوم فرح مثله) يعني إن أصابوا منكم، فقد أصبتم منهم (وتلك الايام): أوقات النصر والغلبة (ندا ولها بين الناس): نصرفها بينهم، نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى (وليعلم الله الذين ءامنوا) أي: ليكون كيت وكيت من المصالح، وليتميز الثابتون على الايمان من الذين على حرف، ويعلم الله ذلك حين يشاهده الناس كما يعلمه من قبل ومن بعد. (ويتخذ منكم شهداء): ويكرم ناسا منكم بالشهادة (والله لا يحب الظلمين). اعتراض، فيه تنبيه على أنه لا ينصرهم على الحقيقة وإنما يديل لهم أحيانا استدراجا لهم وابتلاءا للمؤمنين. (وليمحص الله الذين ءامنوا): ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم. (ويمحق الكفرين): ويهلكهم إن كانت عليهم. والمحق: نقص الشئ قليلا قليلا. (أم حسبتم). إنكار، يعني لا تحسبوا (أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين): ولما يجاهد من يجاهد ويصبر من يصبر. (ولقد كنتم تمنون الموت) للشهادة (3) (من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون): معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم. ورد: " إن المؤمنين لما


1 - في " الف ": " أكبر ". 2 - التبيان 2: 600، ومجمع البيان 1 - 2: 508، والكشاف 1: 465. 3 - في " ب " و " ج ": " بالشهادة ". (*)

[ 175 ]

أخبرهم الله بما فعل بشهدائهم يوم بدر في منازلهم في الجنة، رغبوا في ذلك فقالوا: اللهم أرنا قتالا نستشهد فيه. فأراهم الله إياه يوم أحد، فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فذلك قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت " الآية " (1). (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل (أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم): ارتددتم عن الدين. قيل: كان سبب ارتدادهم وانهزامهم نداء إبليس فيهم أن محمدا قد قتل (2)، وكان صلى الله عليه وآله وسلم في زحام الناس، وكانوا لا يرونه. (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) بارتداده بل يضر نفسه (وسيجزى الله الشكرين) كأمير المؤمنين ومن يحذو حذوه عليهم السلام. ورد: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلا هذه الآية في خطبة الغدير، ثم قال: ألا وإن عليا هو الموصوف بالصبر والشكر، ثم من بعده ولدي من صلبه " (3). (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا): كتب كتابا موقتا لا يتقدم ولا يتأخر (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها). تعريض بمن شغلته الغنائم يوم أحد، وكان ذلك سبب انهزام المسلمين. (ومن يرد ثواب الاخرة نؤته منها): من ثوابها (وسنجزي الشكرين). (وكأين من نبى): وكم من نبي (قتل معه ربيون): ربانيون علماء أتقياء، وفي قراءتهم عليهم السلام: " قتل معه " (4). (كثير) قال: " ألوف وألوف، ثم قال: أي والله يقتلون " (5). (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا) في الدين وعن العدو (وما استكانوا): وما خضعوا للعدو، وهو تعريض بما أصابهم عند


1 - القمي 1: 119، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - راجع: مجمع البيان 1 - 2: 513، والبيضاوي 2: 46. 3 - الاحتجاج 1: 77، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 و 5 - العياشي 1: 102، الحديث: 154، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 176 ]

الارجاف (1) بقتله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: " بين الله سبحانه أنه لو كان قتل صلى الله عليه وآله وسلم كما أرجف بذلك يوم أحد، لما أوجب ذلك أن يضعفوا أو يهنوا، كما لم يهن من كان مع الانبياء بقتلهم " (2). (والله يحب الصبرين) فينصرهم في العاقبة ويعظم قدرهم. (وما كان قولهم) مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانيين (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكفرين). أضافوا الذنوب والاسراف إلى أنفسهم هضما لها، وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالهم، واستغفروا عنها ثم طلبوا التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدو، ليكون عن خضوع وطهارة فيكون أقرب إلى الاجابة. (فاتهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة): النصر والغنيمة وحسن الذكر في الدنيا، والجنة والنعيم في الاخرة (والله يحب المحسنين) في أقوالهم وأفعالهم. (يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقبكم فتنقلبوا خسرين). قال: " نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وارجعوا إلى دينهم " (3). (بل الله مولكم): ناصركم (وهو خير النصرين) فاستغنوا به عن ولاية غيره. (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله). قيل: هو ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب (4). وورد:


1 - رجف: حرك وتحرك واضطرب شديدا، ورجفت الارض: زلزلت كأرجفت، والقوم: تهيؤا للحرب. القاموس المحيط 3: 147 (رجف). 2 - مجمع البيان 1 - 2: 517، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - المصدر: 518، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكشاف 1: 470، والبيضاوي 2: 47. (*)

[ 177 ]

" نصرت بالرعب مسيرة شهر " (1). (ما لم ينزل به سلطنا) أي: آلهة ليس على إشراكها حجة نازلة من الله عليهم. أريد نفي الحجة ونزولها جميعا. (ومأوهم النار وبئس مثوى الظلمين). (ولقد صدقكم الله وعده) أي: وعده إياهم بالنصر بشرط التقوى والصبر، وكان كذلك حتى خالفوا الرماة، فإن المشركين لما أقبلوا، جعل الرماة يرشقونهم (2)، والباقون يضربونهم بالسيف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم (إذ تحسونهم بإذنه) أي: تقتلونهم بإذن الله (حتى إذا فشلتم): جبنتم وضعف رأيكم بالميل إلى الغنيمة (وتنزعتم في الامر) يعني اختلاف الرماة حين انهزام المشركين. فقال بعضهم: فما موقفنا هاهنا ؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول. فثبت مكانه أميرهم في نفر يسير، ونفر الباقون للنهب. (وعصيتم من بعد مآ أركم ما تحبون): من الظفر والغنيمة و انهزام العدو. وجواب " إذا " محذوف، وهو امتحنكم. (منكم من يريد الدنيا) وهم التاركون المركز لحيازة الغنيمة (ومنكم من يريد الاخرة) وهم الثابتون محافظة على أمر الرسول (ثم صرفكم عنهم): كفكم عنهم حين غلبوكم (ليبتليكم) على المصائب ويمتحن ثباتكم على الايمان عندها (ولقد عفا عنكم) تفضلا، ولما علم من ندمكم على المخالفة (والله ذو فضل على المؤمنين): يتفضل عليهم بالعفو وغيره، سواء أديل (3) لهم أو عليهم، إذا الابتلاء أيضا رحمة. (إذ تصعدون) متعلق ب‍ " صرفكم ". والاصعاد: الذهاب والابعاد في الارض. (ولا تلون على أحد): لا يقف أحد لاحد ولا ينتظره (والرسول يدعوكم). كان يقول: إلى عباد الله ! أنا رسول الله، إلى أين تفرون ؟ عن الله وعن رسوله ؟. وفي رواية:


1 - الخصال 1: 201، الحديث: 14، ومجمع البيان 1 - 2: 519، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - الرشق - بالفتح فالسكون -: الرمي. مجمع البحرين 5: 169، ولسان العرب 10: 116 (رشق). 3 - دالت الايام: دارت. والله يداولها بين الناس، أي: يديرها. وأديل لنا على أعدائنا، أي: نصرنا عليهم. مجمع البحرين 5: 374، ولسان العرب 11: 252 (دال). (*)

[ 178 ]

" من يكر فله الجنة " (1). (في أخركم): في ساقتكم وجماعتكم الاخرى (فأثبكم غما بغم): فجازاكم الله عن فشلكم وعصيانكم غما متصلا بغم. ورد: " الغم الاول: الهزيمة والتقل، والغم الآخر: إشراف " خالد بن الوليد " عليهم " (2). (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة (ولا) على (مآ أصبكم) من قتل إخوانكم (والله خبير بما تعملون) (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا): أمنا حتى أخذكم النعاس (يغشى طائفة منكم) وهم المؤمنون حقا. روي: " أنه غشيهم النعاس في المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدهم فيأخذه ثم يسقط فيأخذه " (3). (وطائفة) وهم المنافقون (قد أهمتهم أنفسهم): أو قعتهم أنفسهم في الهموم. إذ ما بهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها (يظنون بالله غير الحق): يظنون أن أمر محمد مضمحل وأنه لا ينصر (ظن الجهلية): ظن أهل الملة الجاهلية، أي: الكفار. (يقولون هل لنا من الامر من شئ): هل لنا في تدبير (4) أنفسنا وتصريفها اختيار ؟ (قل إن الامر كله لله) يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك): يظهرون أنهم مسترشدون طالبون النصر، ويبطنون الانكار والتكذيب (يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا): لن نبرح من المدينة بل أقمنا فيها، ما غلبنا وما قتل من قتل منا في هذه المعركة. (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم): إلى مصارعهم ولم ينفع الاقامة بالمدينة (وليبتلى الله ما في صدوركم): وليمتحن الله ويظهر سرايركم من الاخلاص والنفاق فعل ما فعل.


1 - الكشاف 1: 471، والبيضاوي 2: 48. 2 - القمي 1: 120، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - البيضاوي 2: 48، والكشاف 1: 471، عن أبي طلحة، والدر المنثور 2: 353، والسنن للترمذي 4: 297، الحديث: 4095. 4 - في " ب " و " ج ": " من تدبير ". (*)

[ 179 ]

(وليمحص ما في قلوبكم): وليكشفه ويميزه. (والله عليم بذات الصدور): عليم بخفياتها قبل إظهارها. وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين. (إن الذين تولوا منكم): انهزموا (يوم التقى الجمعان): يوم أحد (إنما استزلهم الشيطن): حملهم على الزلة (ببعض ما كسبوا) من معصيتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بترك المركز والحرص على الغنيمة وغير ذلك، فمنعوا التأييد وقوة القلب. (ولقد عفا الله عنهم) لتوبتهم واعتذارهم (إن الله غفور) للذنوب (حليم): لا يعاجل بالعقوبة لكي يتوب المذنب. (يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يعني المنافقين (وقالوا لاخونهم): لاجلهم وفيهم (إذا ضربوا في الارض): إذا سافروا فيها وماتوا (أو كانوا غزى): غازين فقتلوا: (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله). اللام للعاقبة. (ذلك حسرة في قلوبهم والله يحى ويميت)، لا الاقامة والسفر، فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد. (والله بما تعملون بصير). (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم) في سبيله (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) من منافع الدنيا لو لم تموتوا أو تقتلوا. (ولئن متم أو قتلتم) على أي وجه أتفق (لالى الله تحشرون) في جميع الاحوال. (فبما رحمة من الله لنت لهم). " ما " المزيدة للتأكيد. بلغ لينه لهم إلى أن اغتم لهم بعد ما خالفوه. (ولو كنت فظا): سيئ الخلق جافيا (غليظ القلب): قاسية (لانفضوا من حولك): لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك (فاعف عنهم) فيما يختص بك (واستغفر لهم) فيما لله (وشاورهم في الامر): في أمر الحرب وغيره مما يصح أن يشاور فيه استظهارا برأيهم وتطييبا لنفوسهم وتمهيدا لسنة المشاورة للامة.

[ 180 ]

ورد: " لا وحدة أوحش من العجب ولا مظاهرة أوثق من المشاورة " (1). " من شاور الرجال شاركها في عقولها، من استبد برأيه هلك " (2). (فإذا عزمت فتوكل على الله) في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه (إن الله يحب المتوكلين) فينصرهم و يهديهم إلى الصلاح. (إن ينصركم الله فلا غالب لكم): فلا أحد يغلبكم (وإن يخذ لكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده): لا ناصر لكم من بعد الله إذا جاوزتموه، أو من بعد خذ لانه (وعلى الله فليتوكل المؤمنون): فليخصوه بالتوكل لما آمنوا به وعلموا أن لا ناصر سواه. (وما كان لنبى أن يغل): وما صح لنبي أن يخون في الغنائم، فإن النبوة تنافي الخيانة. والغلول: أخذ الشئ من المغنم في خفية. ورد: " إن قطيفة حمراء فقدت من الغنيمة يوم بدر، فقال رجل من الاصحاب: ما أظن إلا رسول الله أخذها، فنزلت، فجاء رجل فقال: إن فلانا غل قطيفة فأحفرها هنالك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحفر ذلك الموضع، فأخرج القطيفة " (3). (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة). قال: " إنه يراه يوم القيامة في النار ثم يكلف أن يدخل إليه فيخرجه من النار " (4). (ثم توفى كل نفس ما كسبت): تعطى جزاء ما كسبت وافيا (وهم لا يظلمون). (أفمن اتبع رضون الله) بالطاعة (كمن بآء): رجع (بسخط من الله) بالمعصية (ومأوه جهنم وبئس المصير). (هم درجت عند الله والله بصير بما يعملون). قال: " الذين اتبعوا رضوان


1 - التوحيد (للصدوق): 376، الباب: 60، ذيل الحديث: 20، عن أبي جعفر، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونهج البلاغة (للصبحي الصالح): 488، الحكمة: 113. 2 - نهج البلاغة (للصبحى صالح): 500، الحكمة: 161، مع تقدم وتأخر. 3 - القمي 1: 126، وفيه: " فأخبأها " بدل: " فأحفرها ". 4 - المصدر: 122، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 181 ]

الله هم الائمة، وهم والله درجات للمؤمنين، وبولايتهم ومعرفتهم إيانا يضاعف الله لهم أعمالهم، ويرفع الله لهم الدرجات العلى، والذين باؤوا بسخط هم الذين جحدوا حق على والائمة منا أهل البيت " (1). وقال: " الدرجة ما بين السماء والارض " (2). (لقد من الله): أنعم الله (على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم): عربيا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة (يتلوا عليهم ءايته ويزكيهم): يطهرهم من سوء العقايد والاخلاق والاعمال (ويعلمهم الكتب والحكمة): القرآن والسنة (وإن كانوا): وإنه كانوا (من قبل): قبل بعثه (لفى ضلل مبين). (أولمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها). الهمزة للتقريع والتقرير. قال " كان المسلمون قد أصابوا ببدر مأة وأربعين رجلا: قتلوا سبعين وأسروا سبعين، فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون، فاغتموا لذلك فنزلت " (3). (قلتم أنى هذا): من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر ؟ (قل هو من عند أنفسكم) قال: " باختياركم الفداء يوم بدر " (4). القمي: وكان الحكم في الاسارى يوم بدر، القتل، فقامت الانصار فقالوا: يا رسول الله هبهم لنا، ولا تقتلهم حتى نفاديهم، فنزل جبرئيل فقال: إن الله قد أباح لهم الفداء أن يأخذوا من هؤلاء القوم ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر من يأخذون منه الفداء فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الشرط، فقالوا: قد رضينا به نأخذ العام الفداء من هؤلاء ونتقوى به ويقتل منا في عام قابل بعدد من نأخذ منه الفداء وندخل الجنة. فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم، فلما كان يوم أحد قتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعون، فقالوا: يا رسول الله ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر ؟


1 - الكافي 1: 430، الحديث: 84، والعياشي 1: 205، الحديث: 149، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 205، الحديث: 150، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - المصدر، الحديث: 151، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مجمع البيان 1 - 2: 533، عن أمير المؤمنين وأبي جعفر عليهما السلام. (*)

[ 182 ]

فنزلت (1). (إن الله على كل شئ قدير) فيقدر على النصر ومنعه، وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم. (وما أصبكم يوم التقى الجمعان): يوم أحد (فبإذن الله وليعلم المؤمنين). (وليعلم الذين نافقوا): وليتميز الفريقان (وقيل لهم) أي: للمنافقين (تعالوا قتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) عن الانفس والاموال (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعنكم). قالوه دغلا واستهزاءا لزعمهم أن ما يفعلونه ليس بقتال بل إلقاء بالانفس إلى التهلكة. (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمن) كما يظهر من كلامهم هذا (يقولون بأفوههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) من النفاق وما يخلو به بعضهم إلى بعض فإنه يعلمه مفصلا بعلم واجب، وأنتم تعلمونه مجملا بأمارات. (الذين قالوا لاخونهم): لاجلهم وفيهم. يريد من قتل يوم أحد. (وقعدوا): حال كونهم قاعدين عن القتال: (لو أطاعونا) في القعود (ما قتلوا) كما لم نقتل (قل فادرءوا): فادفعوا (عن أنفسكم الموت إن كنتم صدقين) أنكم تقدرون على دفع القتل وأسبابه عمن كتب عليه، فإنه أحرى بكم. يعني أن القعود غير مغن. (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتا). قال: " نزلت في شهداء بدر وأحد جميعا " (2). أقول: وتشمل كل من قتل في سبيل من سبيل الله عز وجل، سواء كان قتله بالجهاد الاصغر وبذل النفس طلبا لرضا الله، أو بالجهاد الاكبر وكسر النفس وقمع الهوى بالرياضة. (بل أحياء عند ربهم) ذوو قرب منه (يرزقون) من الجنة.


1 - القمي 1: 126. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 535، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 183 ]

(فرحين بمآ ءاتهم الله من فضله) وهو شرف الشهادة، والفوز بالحياة الابدية، والقرب من الله، والتمتع بنعيم الجنة. (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) من إخوانهم المؤمنين الذين تركوهم ولم ينالوا درجاتهم بعد (ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون). قال: " هم والله شيعتنا حين صارت أرواحهم في الجنة واستقبلوا الكرامة من الله عز وجل، علموا واستيقنوا أنهم كانوا على الحق وعلى دين الله عز ذكره، فاستبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من خلفهم من المؤمنين " (1). (يستبشرون بنعمة من الله وفضل): وزيادة (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) (الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم). (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمنا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) " وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد واعد أبا سفيان القتال في العام المقبل بعد وقعة أحد ببدر الصغرى، فخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة (2)، ثم ألقى الله عليه الرعب، فبدا له في الرجوع، فلقي نعيم بن مسعود الاشجعي، فقال له إلحق بالمدينة فثبط (3) أصحاب محمد عن القتال، ولك عندي عشرة من الابل. فأتى نعيم المدينة، فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيتم (4). أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم الا شريد، فتريدون أن تخرجوا، وقد جمعوا


1 - القمي 1: 127، والكافي 8: 156، الحديث: 146، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: "... عز وجل، واستبشروا... ". 2 - مجنة: اسم سوق للعرب كان في الجاهلية وكانت بمر الظهران قرب جبل يقال له الاصفر وهو بأسفل مكه على قدر بريد منها. معجم البلدان 5: 58 (مجنة). 3 - ثبطهم: حبسهم بالجبن، وثبطه عن الامر: أثقله وأقعده. مجمع البحرين 2: 240، ولسان العرب 7: 267 (ثبط). 4 - في المصدر: " رأيكم ". (*)

[ 184 ]

لكم عند الموسم، فو الله لا يفلت (1) منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخروج. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لاخرجن ولو وحدي، فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال. وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه حتى وافى بدر الصغرى، فأقام به ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق، وكانت لهم تجارات فباعوا وأصابوا الدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فنزلت ". كذا ورد (2). (فانقلبوا بنعمة من الله): عافية وثبات على الايمان وزيادة فيه (وفضل): وربح في التجارة (لم يمسسهم سوء) من جراعة وكيد عدو (واتبعوا رضون الله) بجرأتهم وخروجهم (والله ذو فضل عظيم). (إنما ذلكم الشيطن) يعني به المثبط وهو " نعيم ". (يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين). (ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر) وهم المنافقون المتخلفون (إنهم لن يضروا الله): أولياء الله (شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الاخرة ولهم عذاب عظيم). (إن الذين اشتروا الكفر بالايمن لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم). تأكيد وتعميم. (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم): نمهلهم ونخليهم وشأنهم (خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين). (ما كان الله المؤمنين على مآ أنتم عليه): مختلطين لا يعرف مخلصهم من منافقهم (حتى يميز الخبيث من الطيب): يميز المنافق من المخلص بالتكاليف الشاقة التي


1 - التفلت والافلات: التخلص. مجمع البحرين 2: 213، ولسان العرب 2: 66 (فلت). 2 - مجمع البيان 1 - 2: 540، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 185 ]

لا يصبر عليها ولا يذعن بها إلا الخلص المخلصون. (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) فتعلموا ما في القلوب من إخلاص ونفاق (ولكن الله يجتبى من رسله من يشآء) فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات (فامنوا بالله ورسله) مخلصين (وإن تؤمنوا) حق الايمان (وتتقوا) النفاق (فلكم أجر عظيم): لا يقادر قدره. (ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة): سيلزمون وباله إلزام الطوق. قال: " ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه، ينهش (1) من لحمه حتى يفرغ من الحساب وهو قول الله عز وجل " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة "، يعني ما بخلوا به من الزكاة " (2). (ولله ميرث السموت والارض): وله ما فيهما مما يتوارث، فما لهوءلاء يبخلون عليه بماله، ولا ينفقونه في سبيله ؟ (والله بما تعملون) من المنع والاعطاء (خبير) فيجازيكم. (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء). قيل: قاله اليهود لما سمعوا " من ذا الذي يقرض الله " (3). القمي: والله ما رأوا الله فيعلموا أنه فقير، و لكنهم رأوا أولياء الله فقراء، فقالوا: لو كان غنيا لاغنى أولياءه، (4) ففخروا على الله بالغنى. وفي رواية: " هم الذين يزعمون أن الامام يحتاج إلى ما يحملونه إليه " (5). (سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق): بإذاعة أمرهم كما مر (6). (ونقول ذوقوا


1 - النهش: النهس، وهو أخذ اللحم بمقدم الاسنان. مجمع البحرين 4: 156، ولسان العرب 6: 360 (نهش). 2 - الكافي 3: 502، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 1: 207، الحديث: 158، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكشاف 1: 484. والآية في البقرة: 245. 4 - القمي 1: 127. 5 - المناقب 4: 48، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - في سورة البقرة، ذيل الآية: 61. (*)

[ 186 ]

عذاب الحريق). (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد) بل إنما يعذب بمقتضى العدل، إن عذب ولم يتفضل. (الذين قالوا إن الله عهد إلينآ): أمرنا في التوراة وأوصانا، وكذبوا (ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار): تحرقه. روي: " أن هذه كانت معجزة لانبياء بني إسرائيل أن يقرب بقربان، فيقوم النبي فيدعو، فتنزل نار من السماء فتحرق قربان من قبل منه " (1). (قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينت وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صدقين). قال: " كان بين القائلين والقاتلين خمسمأة عام، فألزمهم الله القتل برضاهم بما فعلوا " (2). (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاء وبالبينت): المعجزات (والزبر): الحكم والمواعظ والزواجر (والكتب المنير): المشتمل على الشرايع والاحكام. (كل نفس ذائقة الموت). وعد ووعيد للمصدق والمكذب. (وإنما توفون أجوركم): تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرا تاما وافيا (يوم القيمة فمن زحزح): بوعد (عن النار وأدخل الجنة فقد فاز): ظفر بالمراد (وما الحيوة الدنيا) أي: زخارفها وفضولها (إلا متع الغرور). (لتبلون) أي: والله لتختبرن (في أمولكم) قال: " بإخراج الزكاة " (3). (وأنفسكم) قال: " بالتوطين على الصبر " (4). (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب


1 - الكافي 4: 335، الحديث: 16 عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت، ومجمع البيان 1 - 2: 549، عن ابن عباس، والقمي 1: 127، والبيضاوي 2: 58. 2 - الكافي 2: 409، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 و 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 89، الباب: 33، ذيل الحديث: 1، وعلل الشرايع 2: 369، الباب: 90، الحديث: 3، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 187 ]

من كمكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الامور): مما يجب ثبات الرأي عليه نحو إمضائه. (وإذ أخذ الله ميثق الذين أوتوا الكتب) قال: " في محمد " (1). (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) قال: " إذا خرج " (2). (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به): أخذوا بدله (ثمنا قليلا) من حطام الدنيا (فبئس ما يشترون). (لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا): يعجبون بما فعلوا (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) من خير (فلا تحسبنهم بمفازة) قال: " ببعيد " (3). (من العذاب ولهم عذاب أليم). (ولله ملك السموت والارض) فهو يملك أمرهم (والله على كل شئ قدير) فيقدر على عقابهم. (إن في خلق السموت والارض واختلف اليل والنهار لايت): لدلائل واضحة على توحيده سبحانه، وكمال علمه وحكمته، ونفاذ قدرته ومشيته (لاولى الالبب): لذوي العقول الخالصة عن شوائب الوهم والحس. (الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم): في جميع الاحوال، وعلى جميع الهيئات. ورد: " من أكثر ذكر الله أحبه الله " (4). وفي رواية: " قياما: الصحيح يصلي قائما، وقعودا: المريض يصلي جالسا، وعلى جنوبهم: الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا " (5). (ويتفكرون في خلق السموت والارض): ويعتبرون بهما. ورد: " أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته " (6). (ربنا ما خلقت


1 و 2 - القمي 1: 128، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - المصدر: 129، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 2: 499، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - العياشي 1: 211، الحديث: 174، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 2: 55، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 188 ]

هذا بطلا): عبثا ضائعا من غير حكمة. يعني يقولون ذلك. (سبحنك): تنزيها لك من العبث و خلق الباطل (فقنا عذاب النار) للاخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه. (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظلمين من أنصار) قال: " من أئمة يسمونهم بأسمائهم " (1). (ربنا إننا سمعنا مناديا) هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: القرآن. (2) (ينادى للايمن أن ءامنوا بربكم فامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا): كبائرنا، فإنها ذات تبعات وأذناب (وكفر عنا سيئاتنا): صغائرنا، فإنها مستقبحة، ولكنها مكفرة عن مجتنب الكبائر (وتوفنا مع الابرار): مخصوصين بصحبتهم، معدودين في زمرتهم. (ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك): منزلا عليهم. خافوا ألا يكونوا من الموعودين. (ولا تخزنا يوم القيمة) بأن تعصمنا عما يقتضي الخزي (إنك لا تخلف الميعاد) بإثابة المؤمن وإجابة الداعي. وتكرير " ربنا " للمبالغة في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها. ورد في هذه الآيات: " ويل لمن لاكها بين فكيه و لم يتأمل ما فيها " (3). (فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عمل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض): الذكر من الانثى والانثى من الذكر (فالذين هاجروا) الاوطان والعشاير للدين (وأخرجوا من ديرهم وأوذوا في سبيلى) بسبب إيمانهم بالله ومن أجله (وقتلوا) الكفار (وقتلوا) في الجهاد (لا كفرن عنهم سيأتهم ولادخلنهم جنت تجرى من تحتها الانهر ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب). ورد: " إنها نزلت في


1 - العياشي 1: 211، الحديث: 175، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 557، والبيضاوي 2: 61 3 - مجمع البيان 1 - 2: 554، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. واللوك: إدارة الشئ في الفم مجمع البحرين 5: 287 " و فيه الحديث أيضا "، ولسان العرب 10: 485 (لاك). (*)

[ 189 ]

علي وأصحابه " (1). أقول: وتشمل كل من اتصف بهذه الصفات. (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد): تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم و مزارعهم وسعتهم في عيشهم. (متع قليل): قصير مدته، يسير في جنب ما أعد الله للمؤمنين. ورد: " ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع " (2). (ثم مأوهم جهنم وبئس المهاد). (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها نزلا من عند الله). النزل: ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة. (وما عند الله خير للابرار) مما يتقلب فيه الفجار، لكثرته ودوامه وخلوصه من الآلام. (وإن من أهل الكتب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خشعين لله لا يشترون بايت الله ثمنا قليلا) كما فعله المحرفون من أحبارهم (أولئك لهم أجرهم عند ربهم) ويؤتون أجرهم مرتين كما وعدوه (إن الله سريع الحساب). سبق معناه (3). (يأيها الذين ءامنوا اصبروا) قال: " على الفرائض " (4). (وصابروا) قال: " على المصائب " (5). (ورابطوا) قال: " على الائمة " (6). وفي رواية: " اصبروا عن المعاصي و صابروا على الفرائض " (7). وفي أخرى: " صابروا على التقية " (8). وفي أخرى:


1 - القمي 1: 129. 2 - البيضاوي 2: 62، والكشاف 1: 491. 3 - في سورة البقره، ذيل الآية: 202، 4، 5 و 6 - الكافي 2: 81، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 212، الحديث: 179، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - المصدر: 213، الحديث: 184، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 190 ]

" ورابطوا الصلوات، أي: انتظروها واحدة بعد واحدة " (1). وورد: " من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة " (2). (واتقوا الله لعلكم تفلحون) قال: " يعني فيما أمركم به وافترض عليكم " (3).


1 - مجمع البيان 1 - 2: 562، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - المصدر، عن أمير المؤمنين عليه السلام، والبيضاوي 2: 63، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - العياشي 1: 213، ذيل الحديث: 181، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 191 ]

سورة النساء [ مدنية، وهي مائة وست وسبعون آية ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس وحدة). هي آدم. (وخلق منها زوجها). هي حواء. قال: " إن الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها آدم، وفضل فضلة من الطين، فخلق منها حواء " (2). وفي رواية: " إنها خلقت من باطنه، ومن شماله، ومن الطينة التي فضلت من ضلعه الايسر " (3). أقول: لعل تأويل الضلع الايسر الجهة التي تلي الدنيا، فإنها أضعف من الجهة التي تلي العقبى، ولذلك تكون جهة الدنيا في الرجال أنقص من جهة العقبى، وبالعكس منهما في النساء. (وبث منهما): نشر (رجالا كثيرا ونساء). قال: " إن الله عز وجل أنزل على آدم حوراء من الجنة، فزوجها أحد ابنيه، وتزوج الآخر ابنة الجان، فما كان في الناس من جمال كثير، أو حسن خلق، فهو من الحوراء، وما كان فيهم من سوء خلق، فهو من ابنة


1 - ما بين المعقوفتين من " ب ". 2 - العياشي 1: 216، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " فضلت فضلة " 3 - علل الشرايع 2: 471، الباب: 222، الحديث: 33، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 192 ]

الجان " (1). (واتقوا الله الذى تساءلون به) قيل: يعني يسأل بعضكم بعضا، فيقول: أسألك بالله (2). (والارحام) قال: " واتقوا الارحام أن تقطعوها " (3). وقال: " هي أرحام الناس، إن الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها، ألا ترى أنه جعلها معه " (4). يعني قرنها باسمه في الامر بالتقوى. (إن الله كان عليكم رقيبا) قال: " حفيظا " (5). (وءاتوا اليتمى أمولهم) يعني إذا بلغوا، وآنستم منهم رشدا، كما في الآية الاخرى (6). (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب): ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم، بأن تتعجلوا الحرام من أموالهم قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم. و قيل: كانوا يأخذون الرفيع من أموالهم ويجعلون مكانه الخسيس (7)، فنهوا عنه. (ولا تأكلوا أمولهم إلى أمولكم): مضمومة إليها يعني فيما زاد على قدر أجره، لقوله " فليأكل بالمعروف " (8) (إنه كان حوبا كبيرا): ذنبا عظيما. (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا ما طاب لكم من النساء). ما ذكره المفسرون في سبب نزوله ونظم محصوله لا يخلو من تعسف. وورد: " إنه من إسقاط المنافقين من القرآن، وبين القول في اليتامى وبين نكاح النساء من الخطاب والقصص أكثر من ثلث القرآن " (9).


1 - من لا يحضره الفقيه 3: 240، الحديث: 1137، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكشاف 1: 493. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، والدر المنثور 2: 424. 4 - العياشي 1: 217، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 130، عن أبى الجارود، وتفسير فرات الكوفي: 101، والدر المنثور 2: 424، عن ابن عباس. 6 - الآية: 6. 7 - مجمع البيان 3 - 4: 3. 8 - النساء (4): 6. 9 - الاحتجاج 1: 377، عن أمير المؤمنين عليه السلام. وجدير بالذكر أن من المسلم عند الشيعة الامامية عدم تحريف القرآن لا بالزيادة ولا بالنقصان، انظر: البيان في تفسير القرآن - لآية الله العظمى السيد الخوئي ره -: 215. (*)

[ 193 ]

(مثنى وثلث وربع): ثنتين ثنتين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع، تخيير في العدد لكل أحد إلى أربع. ورد: " إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق. وقال: لا يجمع الرجل ماءه في خمس " (1). (فإن خفتم الاتعدلوا) بين هذه الاعداد، قال: " يعني في النفقة " (2). (فوحدة): فانحكوا واحدة وذروا الجمع (أو ما ملكت أيمنكم) وإن تعددن، لخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم بينهن، وفي حكمهن المتعة. فورد: " إنها ليست من الاربع ولا من السبعين وإنهن بمنزلة الاماء، لانهن مستأجرات لا تطلق ولا ترث ولا تورث " (3). (ذلك أدنى): أقرب (ألا تعولوا): تميلوا أو تعيلوا. (وءاتوا النساء صدقتهن): مهورهن (نحلة): عطية عن طيب نفس، بلا توقع عوض. ورد: " من تزوج امرأة ولم ينو أن يوفيها صداقها فهو عند الله زان " (4). (ان طبن لكم عن شئ منه): وهبن لكم عن طيب نفس (فكلوه هنيا مريا): سائغا من غير غص (5). (ولا تؤتوا السفهآء أمولكم التى جعل الله لكم قيما): تقومون بها وتنتعشون (وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا): عدة جميلة تطيب بها نفوسهم. قال: " السفيه من لا تثق به " (6). وفي رواية: " شراب الخمر والنساء " (7). وفي أخرى: " النساء والولد، قال إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد،


1 - الكافي 5: 429، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 363، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - راجع: الكافي 5: 451، الاحاديث: 1، 4، 5 و 7، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 4 - من لا يحضره الفقيه 3: 252، الحديث: 1200، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - يقال: غصصت بالماء أغص غصصا إذا شرقت به، أو وقف في حلقك فلم تكد تسيغه. النهاية 3: 370، ومجمع البحرين 4: 176، ولسان العرب 7: 60 (غصص). 6 - العياشي 1: 220، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 4: 168، الحديث:: 586، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " شارب الخمر ". (*)

[ 194 ]

لا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعله الله له قياما، يقول: معاشا، قال: والمعروف العدة " (1). (وابتلوا اليتمى): اختبروهم قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في الدين وحسن التصرف في المال (حتى إذا بلغوا النكاح): حدا يتأتى منهم النكاح (فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم). قال: " إيناس الرشد: حفظ المال " (2). وفي رواية: " الرشد: العقل وإصلاح المال " (3). وفي أخرى: " من كان في يده مال بعض اليتامى، فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم ووجب (4) عليه الحدود، وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا، ولا شارب خمر، ولا زانيا، فإذا آنس منه الرشد دفع إليه المال، وأشهد عليه. وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يمتحن بريح إبطه أو نبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ، فيد فع إليه ماله إذا كان رشيدا، ولا يجوز له أن يحبس عنه ماله ويعتل عليه أنه لم يكبر بعد " (5). (ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا): مسرفين ومبادرين كبرهم. (ومن كان غنيا فليستعفف) من أكلها (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف): بقدر حاجته وأجرة سعيه. قال: " من كان يلي شيئا لليتامى، وهو محتاج ليس له ما يقيمه، وهو يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم، فليأكل بقدر، ولا يسرف، فإن كانت ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه، فلا يرز أن (6) من أموالهم شيئا " (7). وفي


1 - القمي 1: 131، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 4: 164، الحديث: 575، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في المصدر: " فإذا احتلم وجب عليه الحدود ". 5 - القمي 1: 131، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - في الحديث: " إني لا أرزا من فيئكم درهما " أي: لا أنقص شيئا ولا درهما. مجمع البحرين 1: 183 (رزأ). 7 - الكافي 5: 129، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 195 ]

رواية: " المعروف هو القوت، وإنما عنى الوصي أو القيم في أموالهم وما يصلحهم " (1). وفي أخرى: " ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا " (2). وفي أخرى: " هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية، ويشغل فيها نفسه، فليأكل بالمعروف، وليس له ذلك في الدنانير والدراهم التي عنده موضوعة " (3). وفي أخرى: " من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على جهة القرض، ثم يرد عليه ما أخذ إذا وجد " (4). وفي أخري: " كان أبي يقول: إنها منسوخة " (5). (فإذا دفعتم إليهم أمولهم فأشهدوا عليهم) بأنهم قبضوها، فإنه أنفى للتهمة، وأبعد من الخصومة (وكفى بالله حسيبا). (للرجال نصيب مما ترك الولدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الولدان والاقربون). يعني بهم المتوارثين بالقرابة. (مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا): واجبا. قيل: كانت العرب في الجاهلية يورثون الذكور دون الاناث، فرد الله سبحانه عليهم (6). (وإذا حضر القسمة): قسمة التركة (أولوا القربى) ممن لا يرث (واليتمى والمسكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) بأن تلطفوا لهم في القول وتعتذ روا إليهم. قال: " نسختها آية الفرائض " (7). وفي رواية: سئل أمنسوخة هي ؟ قال: " لا، إذا حضروك فأعطهم " (8). أقول: نسخ الوجوب لا ينافي بقاء الجواز والاستحباب.


1 - الكافي 5: 130، الحديث: 3، والعياشي 1: 221، الحديث: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 1: 222، الحديث: 31، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - العياشي 1: 222، الحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 10، عن قتاده وابن جريح وابن زيد. 7 - العياشي 1: 222، الحديث: 34، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - المصدر: 223، الحديث: 35، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 196 ]

(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا خافوا عليهم): أمر بأن يخشوا الله، ويتقوه في أمر اليتامى، فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم. ورد: " من ظلم يتيما سلط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه، ثم تلا هذه الآية " (1). (فليتقوا الله) في أمر اليتامى (وليقولوا) لهم (قولا سديدا) مثل ما يقولون لاولادهم بالشفقة وحسن الادب. (إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم): ملاء بطونهم (نارا): ما يجر إلى النار (وسيصلون سعيرا). صلي النار: مقاساة حرها، وصليته: شويته. والاصلاء: الالقاء فيها. وسعر النار: إلهابها. ورد: " لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار وتخرج من أدبارهم. فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " (2). (يوصيكم الله): يأمركم ويعهد إليكم ويفرض عليكم (في أولدكم): في شأن ميراثهم (للذكر مثل حظ الانثيين) إذا اجتمع الصنفان. قال: " لانهن يرجعن عيالا عليهم (3). ولما جعل الله لهما من الصداق، (4) ولانه ليس عليها جهاد ولا نفقة، ولا معقلة، وعد غيرها " (5). أقول: استفاد أصحابنا من قوله سبحانه: " مثل حظ الانثيين " أن للبنتين الثلثان، كما ذكره في الكافي (6). (فإن كن نساء): ليس معهن ذكر (فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) المتوفى منكم (وإن كانت وحدة فلها النصف ولابويه): ولابوي المتوفى (لكل وحد منهما السدس


1 - العياشي 1: 223، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 132، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 7: 84، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 4 - من لا يحضره الفقيه 4: 253، الحديث: 815، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 816، والكافي 7: 85، الحديث: 2 و 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 7: 96، ذيل الحديث: 3. (*)

[ 197 ]

مما ترك إن كان له ولد) ذكرا كان أو أنثى، واحدا كان أو أكثر (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) مما ترك (فإن كان له إخوة فلامه السدس). الاخوة تقع على الاثنين فصاعدا. والاختان بمنزلة أخ واحد، ولهذا ورد: " لا تحجب الام عن الثلث، و إن الاخوة والاخوات لا يرثون مع الابوين، وإن الوجه فيه أن الاب ينفق عليهم فوفر نصيبه " (1). (من بعد وصية يوصى بها أو دين). " أو " لا يوجب الترتيب. قال: " إنكم تقرؤون في هذه الآية الوصية قبل الدين، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية " (2). (أآباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله). مصدر مؤكد. (إن الله كان عليما) بالمصالح والرتب (حكيما) فيما قضى وقدر. يعني لا تعلمون من أنفع لكم من أصولكم وفروعكم، في عاجلكم وآجلكم، ممن يورثكم ويرثكم، أمن أوصى منهم فعرضكم للثواب بإمضاء وصيته ؟ أم من لم يوص فوفر عليكم مالا ؟ أو من أوصيتم له فوفرتم عليه ؟ أم لم توصوا له فحر متموه ؟ فتحروا (3) فيهم ما وصاكم الله به، ولا تعمدوا إلى تبديل الوصية، أو تفضيل بعض وحرمان بعض، فهو اعتراض مؤكد لامر القسمة وتنفيذ الوصية. (ولكم نصف ما ترك أزوجكم إن لم يكن لهن ولد) من بطونهن أو من أصلاب بنيهن أو بطون بناتهن وإن سفل، ذكرا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم. (فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين)


1 - راجع: الكافي 7: 91 - 92، الاحاديث: 1 و 4، والتهذيب 9: 282، الحديث: 1019، عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 15، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - التحري: القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشئ بالفعل والقول. النهاية 1: 375، ومجمع البحرين 1: 98 (حرا). (*)

[ 198 ]

وتستوي الواحدة والعدد منهن في الربع والثمن (وإن كان رجل يورث كللة). لهذا الكلام وجوه من الاعراب لا يتفاوت بها الحكم. قال: " الكلالة من ليس بولد ولا والد " (1). وأريد بها هنا: " من يكون أخا أو أختا من الام خاصة " (2). كذا ورد. (أو امرأة) تورث كلالة (وله): ولكل واحد منهما (أخ أو أخت) يعني من الام (فلكل وحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضآر) لورثته بالوصية بالزيادة على الثلث أو بقصد أو بقصد الاضرار دون القربة أو بإقرار دين لا يلزمه. (وصية من الله والله عليم) بالمضار وغيره (حليم) لا يعاجل بعقوبته. إن قيل: إذا نقصت التركة عن السهام أو زادت، فما الحكم فيه ؟ قلنا: النقص إنما يقع على البنات والاخوات، لان كل واحد من الابوين والزوجين له سهمان أعلى وأدنى، وليس للبنت والبنتين والاخوات لولا ذلك إلا سهم واحد، فإذا دخل النقص عليهما استوى ذووا السهام في ذلك، والزايد يزاد على من كان يقع عليه النقص إذا نقصت. كذا ورد (3) عن أئمتنا عليهم السلام، وأجمع أصحابنا عليه (4). (تلك) إشارة الى ما تقدم من الاحكام في أمر اليتامى والوصايا والمواريث. (حدود الله): شرايعه المحدودة التي لا يجوز تجاوزها (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها وذلك الفوز العظيم). (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهين).


1 - الكافي 7: 99، الحديث: 2 و 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 1: 227، الحديث: 58، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الوسائل 17: 425، باب " كيفية إلقاء العول ومن يدخل عليه النقص ". 4 - المبسوط 4: 74. (*)

[ 199 ]

(والتى يأتين الفحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا). (والذان يأتينها منكم فاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما). قال: " هي منسوخة والسبيل: الحدود " (1). وفي رواية: " جعل السبيل: الجلد والرجم " (2). (إنما التوبة على الله) أي: قبول التوبة الذي أوجبه الله على نفسه بمقتضى وعده. (للذين يعملون السوء بجهلة): متلبسين بها سفها. فإن ارتكاب الذنب والمعصية سفه وجهل. قال: " كل ذنب عمله العبد وإن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لاخوته: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " (3). فنسبهم إلى الجهل، لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله " (4). (ثم يتوبون من قريب) قيل: أي: قبل حضور الموت، لقوله تعالى: " حتى إذا حضر أحدهم الموت " سماه قريبا، لان أمد الحياة قريب، أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه، فيطبع عليها، فيتعذر عليهم الرجوع (5). [ وورد: " من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته " (6) ] (7). (فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما): يعلم إخلاصهم في التوبة (حكيما): لا يعاقب التائب (8). (ولسيت التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت


1 - العياشي 1: 227، الحديث: 60، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 61، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - يوسف (12): 89. 4 - العياشي 1: 228، الحديث: 62، ومجمع البيان 3 - 4: 22، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - البيضاوي 2: 74. 6 - الكافي 2: 440، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - ما بين المعقوفتين ليس في " ب " و " ج ". 8 - في " ب " و " ج ": وأما ما ورد: " أنه من تاب قبل أن يعاين قبل الله توبته " محمول على التفضل، فإن وجوب القبول غير التفضل به. (*)

[ 200 ]

الن). قال: " ذلك إذا عاين أمر الآخرة " (1). (ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا): هيأنا (لهم عذابا أليما). (يأيها الذين ءامنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها). قال: " كان في الجاهلية في أول ما أسلموا إذا مات حميم (2) الرجل وله امرأة، ألقى الرجل ثوبه عليها، فورث نكاحها بصداق حميمه كما يرث ماله، فنزلت " (3). وفي رواية: " نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له إليها وينتظر موتها حتى يرثها " (4). (ولا تعضلوهن): لا تحبسوهن إضرارا بهن (لتذهبوا ببعض ماء اتيتموهن). قال: " الرجل يكون له المرأة فيضربها حتى تفتدي منه فنهى الله عن ذلك " (5). وفي رواية: " أمر الله بتخلية سبيلها إذا لم يكن له فيها حاجة وأن لا يمسكها إضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها " (6). (إلا أن يأتين بفحشة مبينة) كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف، قال: " كل معصية " (7). وورد: " إذ قالت له: لا أغتسل لك في جنابة ولا أبر لك قسما ولاوطئن فراشك من تكرهه، حل له أن يخلعها وحل له ما أخذ منها " (8). (وعاشروهن بالمعروف) بالانصاف في الفعل والاجمال في القول (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا). يعني فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن لكراهة الانفس، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد، وأحبت ما هو بخلافه. (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج): تطليق امرأة وتزويج أخرى (وءاتيتم


1 - من لا يحضره الفقيه 1: 79، الحديث: 335، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الحميم: القريب في النسب، مجمع البحرين 6: 50 (حمم). 3 - القمي 1: 134، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 24، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي " الف ": " لا حاجة إليها ". 5 - العياشي 1: 229، ذيل الحديث: 65، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 و 7 - مجمع البيان 3 - 4: 24. عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - الكافي 6: 139، باب الخلع، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت، وفي معناه أخبار أخر في هذا الباب. (*)

[ 201 ]

إحدهن قنطارا) قال: " ملا مسك ثور ذهبا " (1). (فلا تأخذوا منه): من القنطار (شيئا أتأخذونه بهتنا وإثما مبينا). إنكار وتوبيخ. قيل: كان الرجل إذا أراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها، ليصرفه إلى تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك (2). (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض): وقد باشر تموهن (وأخذن منكم ميثقا غليظا): عهدا وثيقا. قال: " هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " (3). وفي رواية: " أخذ تموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (4). وفي أخرى: " الميثاق: الكلمة التي عقد بها النكاح، والغليظ هو ماء الرجل يفضيه إليها " (5). (ولا تنكحوا ما نكح أآباؤكم من النساء). " الآباء يشمل (6) الاجداد ". كذا ورد (7). (إلا ما قد سلف) في الجاهلية فإنكم معذورون فيه (إنه كان فحشة ومقتا و ساء سبيلا). ورد: " إن رجلا مات فألقى ابنه ثوبه على امرأة أبيه فورث نكاحها على ما كان في الجاهلية، ثم تركها لا يدخل بها ولا ينفق عليها، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت " (8). (حرمت عليكم أمهتكم وبناتكم وأخوتكم وعمتكم وخلتكم وبنات الاخ وبنات الاخت) يعني نكاحهن. والامهات يشملن من علت، وكذا العمات الخالات. والبنات يشملن من سفلت، وكذا بنات الاخ وبنات الاخت. والاخوات


1 - مجمع البيان 1 - 2: 417، عن الصادقين عليهما السلام. 2 - البيضاوي 2: 75. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 26، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - معاني الاخبار: 212، الحديث: 1، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - الكافي 5: 560، الحديث: 19، والعياشي 1: 229، الحديث: 68، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - في " الف ": " يشتمل ". 7 - العياشي 1: 230، الحديث: 69، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف في المضمون. 8 - مجمع البيان 3 - 4: 24، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 202 ]

يشملن الوجوه الثلاثة. (وأمهتكم التى أرضعنكم وأخوتكم من الرضعة). سماها أما وأختا. وورد: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (1). وفي رواية: " الرضاع لحمة كلحمة النسب " (2) فعم التحريم. (وأمهت نسائكم) وإن علون (وربئبكم التى في حجوركم) وإن سفلن (من نسائكم التى دخلتم بهن) أي: دخلتم معهن في الستر (3)، وهو كناية عن الجماع. (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم). ورد: " إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذ دخل بالام، فإذا لم يدخل بالام فلا بأس أن يتزوج بالابنة، وإذا يتزوج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الام. وقال: الربائب حرام، كن في الحجر أو لم يكن " (4). وسئل: عن الرجل يتزوج المرأة متعة، أيحل له أن يتزوج ابنتها ؟ قال: " لا " (5). وعن الرجل يكون له الجارية يصيب منها، أله أن ينكح ابنتها ؟ قال " لا. هي مثل قول الله عز وجل " وربائبكم اللاتى في حجوركم " " (6). (وحلئل أبنآئكم الذين من أصلبكم) احتراز عن المتبنى لا عن أبناء الولد (7)، فيشملونهم وإن سفلوا، فقد ورد: " حرمة حليلتي الحسنين عليهما السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهما ابناه لصلبه " (8). وورد: " الرجل إذا نظر إلى الجارية بشهوة ونظر إلى ما يحرم لغيره لم تحل لابنه ولا لابيه " (9). (وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف) فإنه مغفور (إن الله


1 - الكافي 5: 442، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - كلمات المحققين " رسالة الرضاعية للقطيفي ": 193، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - في " الف ": " في السر ". 4 - التهذيب 7: 273، الحديث: 1166، عن أبي جعفر عن أبيه عن أمير المؤمنين عليهم السلام، وفيه " الربائب عليكم حرام ". 5 - الكافي 5: 422، الحديث: 2، عن أبي الحسن عليه السلام. 6 - المصدر: 433، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - في " ب " و " ج ": " لا أبناء الولد ". 8 - الكافي 8: 318، الحديث: 501، عن أبي جعفر عليه السلام. 9 - من لا يحضره الفقيه 3: 260، الحديث: 1235، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت في العبارة. (*)

[ 203 ]

كان غفورا رحيما). (والمحصنت من النساء): اللاتي أحصنهن التزويج أو الازواج. وبكسر الصاد: أحصن فروجهن. قال: " هو ذوات الازواج " (1). (إلا ما ملكت أيمنكم) قال: " اللاتي سبين ولهن أزواج كفار " (2). فإنهن حلال للسابين. " واللاتي أشترين ولهن أزواج فإن بيعهن طلاقهن " (3). " واللاتي تحت العبيد، فيأمرهم مواليهم بالاعتزال ويستبرؤونهن ثم يمسونهن بغير نكاح " (4). (كتب الله عليكم): كتب الله عليكم تحرير هؤلاء كتابا (وأحل لكم ما وراء ذلكم): ما سوى المذكورات. وخرج عنه بالسنة ساير محرمات الرضاع. " والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها بغير إذنها ". كما ورد (5). (أن تبتغوا بأمولكم): أن تصرفوا أموالكم في مهورهن، أو أثمانهن (محصنين غير مسفحين). الاحصان: العفة، والسفاح: الزنا. (فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن). سمي أجرا، لانه في مقابلة الاستمتاع. (فريضة) مصدر مؤكد. قال: " إنما نزلت " فما استعمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن " " (6) وورد: " إنه قرأه الباقر عليه السلام " (7). وروته العامة أيضا عن جماعة من الصحابة (8). (ولا جناح عليكم فيما ترضيتم به من بعد الفريضة) من زيادة في المهر أو الاجل، أو نقصان فيهما، أو غير ذلك مما لا يخالف الشرع. قال: " لا بأس بأن تزيدها أو تزيدك إذا انقطع الاجل فيما بينكما، تقول: استحللتك بأجل آخر برضا منها، ولا تحل لغيرك حتى


1 - العياشي 1: 233، ذيل الحديث: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 31، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - الكافي 5: 483، الاحاديث: 1، 2، 3 و 4، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 4 - العياشي 1: 232، الحديث: 80، والكافي 5: 481، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكافي 5: 424، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المصدر: 449، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 234، الحديث: 87، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - الدر المنثور 2: 484. (*)

[ 204 ]

تنقضي عدتها، وعدتها حيضتان " (1). (إن الله كان عليما) بالمصالح (حكيما) فيما شرح من الاحكام. قال: " المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله " (2). وكان علي يقول: " لولا ما سبقني به بنو (3) الخطاب ما زنى إلا شفى " (4). بالفاء يعني إلا قليل. أراد به نهي عمر عن المتعة وتمكن نهيه من قلوب الناس. (ومن لم يستطع منكم طولا) قال: " غنى " (5). (أن ينكح المحصنت المؤمنت) يعني الحرائر (فمن ما ملكت أيمنكم من فتيتكم المؤمنت). قال: " لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله: " ومن لم يستطع منكم طولا ". و الطول: المهر. ومهر الحرة اليوم مهر الامة أو أقل " (6). (والله أعلم بإيمنكم) فاكتفوا بظاهر الايمان، فإنه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الايمان، فرب أمة تفضل الحرة فيه. (بعضكم من بعض): انتم ومماليككم متناسبون. نسبكم من آدم ودينكم الاسلام. (فانكحوهن بإذن أهلهن وءاتوهن أجورهن بالمعروف): بغير مطل وضرار ونقصان (محصنت): عفايف (غير مسفحت): غير مجاهرات بالزنا (ولا متخذت أخد ان): أخلا في السر (فإذآ أحصن) بالتزويج (فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ما على المحصنت) يعني الحرائر (من العذاب) يعني الحد، كما قال: " وليشهد عذابهما طائفة " (7) (ذلك) يعني نكاح الاماء (لمن خشى العنت منكم):


1 - العياشي 1: 233، الحديث: 86، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 5: 449، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في " الف " و " ج " والمصدر: " بني الخطاب " وفي بعض النسخ: " ابن الخطاب ". راجع: المستدرك 14: 447، الحديث: 2. 4 - الكافي 5: 448، الحديث: 2. وفي بعض النسخ: " إلا شقي " - بالقاف والياء المشددة - يقول ابن إدريس في السرائر: 312: إلا شفى - بالشين المعجمة والفاء - ومعناه: إلا قليل. والدليل عليه حديث ابن عباس ذكره الهروي في الغريبين: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلى شفى. لان الشفى عند أهل اللغة: القليل بلا خلاف بينهم.... 5 - مجمع البيان 3 - 4: 33، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 5: 360، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - النور (24): 2. (*)

[ 205 ]

لمن خاف الاثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة. و " العنت " يقال لكل مشقة وضرر. (وأن تصبروا خير لكم) من نكاح الاماء (والله غفور رحيم). (يريد الله ليبين لكم) ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) من الانبياء وأهل الحق لتقتدوا بهم (ويتوب عليكم): ويرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي (والله عليم) بها (حكيم) في وضعها. (والله يريد أن يتوب عليكم). كرره للتأكيد والمقابلة. (ويريد الذين يتبعون الشهوت): أهل الباطل (أن تميلوا) عن الحق بموافقتهم في استحلال المحرمات (ميلا عظيما). (يريد الله أن يخفف عنكم) فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، و رخص لكم في المضائق (وخلق الانسن ضعيفا): لا يصبر عن الشهوات ولا يحتمل مشاق الطاعات. (يأيها الذين ءامنوا لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل) قال: " الربا والقمار والبخس والظلم " (1). (إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم) يعني ما حل من الشراء والبيع. قال في كلام له: " ولا يأكل من أموال الناس إلا وعنده ما يؤدي إليهم حقوقهم - ثم تلا هذه الآية - ثم قال: ولا يستقرض على ظهره إلا وعنده وفاء " (2). (ولا تقتلوا أنفسكم) قال: " لا تخاطروا بنفوسكم بالقتال فتقاتلوا من لا تطيقونه " (3). وفي رواية: " كان المسلمون يدخلون على عدوهم في المغازات فيتمكن منهم عدوهم فيقتلهم كيف يشاء فنهاهم الله " (4). وورد: " في الجباير تكون على الكسير في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده في الجنابة والوضوء، فقرأ


1 - مجمع البيان 3 - 4: 37، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 5: 95، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " في القتال ". 4 - العياشي 1: 237، ذيل الحديث: 103، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 206 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ولا تقتلوا أنفسكم " الآية " (1). أقول: ويشمل ارتكاب كل ما يؤدي إلى الهلاك. (إن الله كان بكم رحيما) وإنما نهاكم عن قتل أنفسكم لفرط رحمة بكم. (ومن يفعل ذلك): ما سبق من المنهيات (عدونا وظلما): إفراطا في التجاوز و إتيانا بما لا يستحقه (فسوف نصليه نارا): ندخله فيها (وكان ذلك على الله يسيرا): لا عسر فيه ولا صارف عنه. (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) قال: " لا تسألون عنها " (2). (وندخلكم مدخلا كريما). يحتمل المكان والمصدر، فتحت الميم أو ضممته. قال: " الكبائر ما أو عد الله عليه النار " (3). وفي رواية: " والكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام، وعقوق الوالدين، وأكل الربوا، والتعرب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف " (4). وفي أخرى: بدل الثلاث الوسطى بغيرها (5). (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض). قال: " لا يقل أحدكم: ليت ما أعطى فلان من المال والنعمة، أو المرأة الحسناء كان لي، فإن ذلك يكون حسدا، ولكن يجوز أن يقول: اللهم أعطني مثله " (6). وورد: " من تمنى شيئا وهو لله رضى لم يخرج من الدنيا حتى يعطاه " (7). (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) فاطلبوا الفضل بالعمل، لا بالحسد والتمني (وسئلوا الله من فضله) أي: لا تتمنوا ما


1 - العياشي 1: 236، الحديث: 102، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - التوحيد: 407، الباب: 63، الحديث: 6، عن الكاظم عليه السلام، مع تفاوت في العبارة، وإليك نصه: " من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسأل عن الصغائر ". 3 - العياشي 1: 239، الحديث: 114، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 2: 276، الحديث: 2، عن أبي الحسن عليه السلام، وفيه: "... وقذف المحصنات ". 5 - راجع المصدر: 278 و 285، الاحاديث: 8 و 21، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الخصال 1: 4، الحديث: 7، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 207 ]

للناس واسألوا الله مثله من خزائنه التي لا تنفد. وورد: " من لم يسأل الله من فضله افتقر " (1). (إن الله كان بكل شئ عليما) فهو يعلم ما يستحقه كل أحد. (ولكل جعلنا مولى مما ترك الولدان والاقربون) قيل: أي: لكل واحد من الرجال والنساء جعلنا مما ترك، ورثة، هم أولى بميراثه، يرثون مما ترك الوالدان و الاقربون الموروثون، أو لكل جعلنا مما ترك، ورثة، هم الوالدان والاقربون (2). و قال: " إنما عنى بذلك أولى الارحام في المواريث، ولم يعن أولياء النعمة فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجره إليها " (3). (والذين عقدت أيمنكم فاتوهم نصيبهم) قيل: كان الرجل يعاقد الرجل، فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ بقوله " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض " (4). والقمي: ما في معناه (5). وورد: " إذا والى الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته " (6). يعني دية جناية خطإه. وفي رواية: " عنى بذلك الائمة عليهم السلام، بهم عقد الله عز وجل أيمانكم " (7). (إن الله كان على كل شئ شهيدا). تهديد على منع نصيبهم. (الرجال قومون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض). يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية، بسبب تفضيله - عز وجل - الرجال على النساء بكمال العقل، و حسن التدبير، ومزيد القوة في الاعمال والطاعات. (وبما أنفقوا من أمولهم) في


1 - الكافي 2: 467، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 41، وتفسير البغوي 1: 421. 3 - الكافي 7: 76، الحديث، 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 42. والآية في الانفال (8): 75. 5 - القمي 1: 137. 6 - الكافي 7: 171، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 240، الحديث: 120، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 208 ]

نكاحهن كالمهر والنفقة. قال: " فضلهم عليهن كفضل الماء على الارض، فالماء يحيي الارض وبالرجال تحيى النساء، ولولا الرجال ما خلقت النساء، ثم تلا هذه الآية " (1). (فالصلحت قنتت) قال: " مطيعات " (2). (حفظت للغيب) في أنفسهن وأموال أزواجهن. ورد: " ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة، تسره إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله " (3). (بما حفظ الله): بحفظ الله إياهن (والتى تخافون نشوزهن): ترفعهن عن طاعتكم و عصيانهن لكم (فعظوهن) بالقول (واهجروهن في المضاجع) إن لم تنجع العظة. قال: " يحول ظهره إليها " (4). (واضربوهن) إن لم تنفع الهجرة، ضربا غير شديد، لا يقطع لحما ولا يكسر عظما. قال: " الضرب بالسواك " (5). (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) بالتوبيخ والايذاء (إن الله كان عليا كبيرا) فاحذروه فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم. (وإن خفتم شقاق بينهما) أي: الاختلاف، كأن كل واحد في شق، أي: جانب. (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدآ إصلحا يوفق الله بينهما). قال: " الحكمان يشترطان إن شاءا فرقا، وإن شاءا جمعا، وليس لهما أن يفرقا حتى يستأمراهما " (6). (إن الله كان عليما خبيرا) فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق. (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسنا): وأحسنوا بهما إحسانا (وبذي القربى): وبصاحب القرابة (واليتمى والمسكين والجار ذى القربى): الذي قرب جواره (والجار الجنب): البعيد. ورد: " حد الجوار أربعون دارا من كل


1 - علل الشرايع 2: 512، الباب: 286، الحديث: 1، عن حسن بن علي عليهما السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - القمي 1: 137، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 5: 327، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن النبي عليهم السلام. 4 و 5 - مجمع البيان 3 - 4: 44، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 6: 146، الاحاديث: 1، 2 و 3، عن الصادق والكاظم عليهما السلام. (*)

[ 209 ]

جانب " (1). " وإن حسن الجوار يزيد في الرزق والعمر " (2). " وإنه ليس كف الاذى، بل الصبر على الاذى " (3). (والصاحب بالجنب). قيل: من صحبكم وحصل بجنبكم لرفاقة في أمر حسن، كتزوج وتعلم وصناعة وسفر (4). (ابن السبيل): المسافر و الضيف (وما ملكت أيمنكم): العبيد والاماء. والقمي: يعني الاهل والخادم (5). (إن الله لا يحب من كان مختالا): متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم (فخورا) يتفاخر عليهم. (الذين يبخلون) بما منحوا به (ويأمرون الناس بالبخل). ورد: " ليس البخيل من أدى الزكاة المفروضة من ماله، وأعطى الباينة في قومه، إنما البخيل حق البخيل من لم يؤد الزكاة المفروضة من ماله، ولم يعط الباينة في قومه، وهو يبذر فيما سوى ذلك " (6). أقول: الباينة: العطية. سميت بها لانها أبينت من المال. (ويكتمون مآ ءاتهم الله من فضله) من الغنى والعلم حيث ينبغي الاظهار. (و أعتدنا للكفرين): لهم (عذابا مهينا). وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله، فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والاخفاء. (والذين ينفقون أمولهم رئآء الناس). شاركهم مع البخلاء في الذم والوعيد، لاشتراكهما في عدم الانفاق على ما ينبغي. (ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر) ليتحروا بالانفاق مراضيه وثوابه (ومن يكن الشيطن له قرينا فسآء قرينا). نبه به على أن


1 - الكافي 2: 669، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - راجع: المصدر: 666، الحديث: 3، و 667، الحديث: 7 و 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 667، الحديث: 9، عن موسى بن جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير في العبارة. 4 - البيضاوي 2: 86، والكشاف 1: 526. 5 - القمي 1: 138. 6 - من لا يحضره الفقيه 2: 34، الحديث: 141، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: " النائبه " بدل: " الباينه ". (*)

[ 210 ]

الشيطان قرينهم يحملهم على ذلك ويزينه لهم، كقوله: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " (1). (وماذا عليهم لو ءامنوا بالله واليوم الاخر وأنفقوا مما رزقهم الله) يعني في طاعة الله. توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة. (وكان الله بهم عليما). وعيد لهم. (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما). (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك) يا محمد (على هؤلاء شهيدا). قال: " نزلت في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، في كل قرن منهم إمام شاهد عليهم ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد علينا " (2). (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا). قال: " ختم على الافواه فلا تكلم، وتكلمت الايدي وشهدت الارجل، وأنطقت الجلود بما عملوا، فلا يكتمون الله حديثا " (3). (يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة): لا تقوموا إليها (4) (وأنتم سكرى) من نحو نوم أو خمر (حتى تعلموا ما تقولون): حتى تنتبهوا وتفيقوا. ورد: " لا تقم إلى الصلاة متكاسلا، ولا متناعسا، ولا متثاقلا، فإنها من خلال النفاق، وقد نهى الله عزوجل أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم سكارى. قال: سكر النوم " (4). وفي رواية: " منه سكر النوم " (5). وهي تفيد التعميم لغير النوم. وفي أخرى: " يعني سكر النوم يقول: بكم نعاس يمنعكم أن تعلموا ما تقولون في ركوعكم وسجودكم وتكبيركم، وليس كما يصف كثير من الناس، يزعمون أن المؤمنين يسكرون من الشراب، والمؤمن


1 - الاسراء (17): 27. 2 - الكافي 1: 190، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " إمام منا شاهد عليهم ". 3 - العياشي 1: 242، الحديث: 133، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكافي 3: 299، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير في العبارة. 5 - من لا يحضره الفقيه 1: 303، الحديث: 1389، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 211 ]

لا يشرب مسكرا ولا يسكر " (1) وفي أخرى: " ان المراد به سكر الشراب ثم نسختها تحريم الخمر " (2). أقول: لما كانت الحكمة تقتضي تحريم الخمر متدرجا، كما سبق بيانه في سورة البقرة (3)، وكان قوم من المسلمين يصلون سكارى منها، قبل استقرار تحريمها، نزلت هذه الاية وخوطبوا بمثل هذا الخطاب، ثم لما ثبت تحريمها واستقر وصاروا ممن لا ينبغي أن يخاطبوا بمثله، لان المؤمنين لا يسكرون من الخمر بعد أن حرمت عليهم، جاز أن يقال: الآية منسوخة بتحريم الخمر. بمعنى عدم حسن خطابهم بمثله بعد ذلك، لا بمعنى جواز الصلاة مع السكر، ثم لما عم الحكم ساير ما يمنع من حضور القلب، جاز أن يفسر بسكر النوم ونحوه تارة، وأن يعم الحكم أخرى، فلا تنافي بين هذه الروايات. (ولا جنبا إلا عابرى سبيل حتى تغتسلوا). قال: " الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين، فإن الله يقول: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " " (4) أقول: المستفاد من مجموع هذه الروايات أن الله سبحانه أطلق ملفوظ الصلاة ومقدرها على معنيين: أحدهما إقامة الصلاة، بقرينة قوله " حتى تعلموا ما تقولون "، والآخر موضع الصلاة، بقرينة قوله: " إلا عابري سبيل ". ومثل هذا يسمى في صناعة البلاغة بالاستخدام. والمفسرون لما لم يتفطنوا لهذه الدقيقة وراموا حملهما على معنى واحد تكلفوا في معنى الآية بما لا ينبغي. (وإن كنتم مرضى أو على سفر أوجآء أحد منكم من الغائط). كناية عن الحدث،


1 - العياشي 1: 242، الحديث: 137، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 51، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. 3 - ذيل الاية: 219. 4 - علل الشرايع 1: 288، الباب: 210، الحديث: 1، والعياشي 1: 243، الحديث: 138، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 212 ]

إذ الغائط: المكان المنخفض من الارض. كانوا يقصدون للحدث مكانا منخفضا يغيب فيه أشخاصهم عن الرائي. (أو لمستم النساء). قال: " هو الجماع، ولكن الله ستير يحب الستر، ولم يسم كما تسمون " (1). (فلم تجدوا ماء) متعلق بكل من الجمل الاربع، ويشمل عدم التمكن من استعماله، فإن الممنوع منه كالمفقود. (فتيمموا صعيدا طيبا): فتعمدوا ترابا طاهرا. قال: " الصعيد: الموضع المرتفع والطيب: الموضع الذي ينحدر عنه الماء " (2). (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) " يعني بعض وجوهكم وبعض أيديكم، فإن الباء فيه للتبعيض ". كذا ورد (3). وورد في صفة التيمم: " فضرب بيديه على الارض فنفضهما (4)، ثم مسح على جبينه، ثم مسح كفيه إحداهما على ظهر الاخرى " (5). وفي رواية: " التيمم ضربة للوجه وضربة للكفين " (6). وينبغي حملها على الاولوية. وورد: " إنه سواء من الوضوء و الجنابة والحيض " (7). أقول: وزيد في المائدة " منه " (8) أي من ذلك الصعيد، فاستفيد منه اشتراط علوق التراب بالكف، وعدم جواز التيمم بالحجر غير المغبر. (إن الله كان عفوا غفورا) فلذلك يسر الامر عليكم ورخص لكم. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب): حظا يسيرا من علم


1 - الكافي 5: 555، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " فلم يسم... ". 2 - معاني الاخبار: 283، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 3: 30، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضا: إذا حركته لينتفض. الصحاح 3: 1109 (نفض). 5 - العياشي 1: 244، الحديث: 144، والكافي 3: 61، الحديث: 1، و 62، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت في العبارة. 6 - التهذيب 1: 210، الحديث: 609، عن الرضا عليه السلام. 7 - المصدر: 212، الحديث: 617، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - الآية: 6. (*)

[ 213 ]

التوراة (يشترون الضللة): يستبد لونها بالهدى، بعد حصوله لهم بالمعجزات الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبشر (1) به في التوراة. (و يريدون أن تضلوا السبيل). (والله أعلم) منكم (بأعدآئكم وكفى بالله وليا) يلي أمركم (وكفى بالله نصيرا) يعينكم فثقوا به واكتفوا به عن غيره. (من الذين هادوا) قوم (يحرفون الكلم عن مواضعه): يميلونها عنها بتبديل كلمة مكان أخرى، كما حرفوا في وصف محمد صلى الله عليه وآله وسلم " أسمر ربعة " (2) عن موضعه في التوراة ووضعوا مكانه (3) " آدم طوال " (4). (ويقولون سمعنا) قولك (وعصينا) أمرك (واسمع غير مسمع) يعني (5): واسمع منا ندعوا عليك بلا سمعت، أو اسمع، غير مجاب إلى ما تدعو إليه، كذا قيل (6). (ورعنا): انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك، يعنون به السب. فإن " راعنا " سب في لغتهم. (ليا بألسنتهم) فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب حيث وضعوا " راعنا " المشابه لما يتسابون به موضع " انظرنا " و " غير مسمع " موضع " لا أسمعت مكروها ". (وطعنا في الدين): استهزاء به وسخرية (ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم): وأعدل وأسد (ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا). (يأيها الذين أوتوا الكتب ءامنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس


1 - في " ب " و " ج ": " وأنه المبشر ". 2 - الاسمر: من شبه لونه لون الحنطة والادم: من اشتد سمرته. والربعه: من ليس بطويل ولا قصير. " منه في الصافي 1: 456 ". 3 - في " ب ": " في مكانه ". 4 - آدم، جمعه: ألادم كأحمرو حمر، وهي في الناس السمرة الشديدة. النهاية 1: 32 (أدم). والطول - بالضم -: الطويل. " منه في الصافي 1: 457 ". 5 - في " ب " و " ج ": " يعنون ". 6 - البيضاوي 2: 90، والكشاف 1: 530. (*)

[ 214 ]

وجوها) قال " نطمسها عن الهدى " (1). (فنردها على أدبارها) قال: " في ضلالتها بحيث لا تفلح (2) أبدا " (3). والطمس: إزالة الصورة ومحو التخطيط. (أو نلعنهم): نخزيهم بالمسخ (كما لعنآ أصحب السبت وكان أمر الله مفعولا). (إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك): الكبائر فما سواها (لمن يشآء) تفضلا عليه وإحسانا. قال: " لو أن المؤمن خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الارض لكان الموت كفارة لتلك الذنوب. ثم قال: من قال لا إله إلا الله بإخلاص فهو برئ من الشرك، ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ثم تلا هذه الآية " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " من شيعتك ومحبيك يا علي " (4). وورد: " إن أدنى ما يكون الانسان به مشركا أن ابتدع رأيا فأحب عليه أو أبغض " (5). (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما): ارتكب ما يستحقر دونه الآثام. و الافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل. (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم). قال: " نزلت في اليهود والنصارى، حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " (6). (بلى الله يزكى من يشآء) لانه العالم بما ينطوي عليه الانسان دون غيره (ولا يظلمون فتيلا): أدنى ظلم. وهو الخيط الذي في شق النواة (7)، يضرب به المثل في الحقارة. (انظر كيف يفترون على الله الكذب) في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأزكياء عنده (وكفى به إثما مبينا). 1 و 3 - مجمع البيان 3 - 4: 55، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - في جميع النسخ: يفلح، ما أثبتناه من المصدر. 4 - من لا يحضره الفقيه 4: 295، الحديث: 892، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 5 - العياشي 1: 246، الحديث: 150، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 58، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - النواة: إسم لخمسة دراهم وهو في الاصل: عجمة التمرة. " النهاية 5: 131 (نوا)، ولسان العرب 15: 350 (نوى). (*)

[ 215 ]

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت). الجبت في الاصل اسم صنم، فاستعمل في كل ما عبد من دون الله. والطاغوت يطلق على الشيطان وعلى كل باطل من معبود أو غيره. (ويقولون للذين كفروا): لاجلهم وفيهم (هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا سبيلا). قال: " يقولون لائمة الضلال والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (1). والقمي: نزلت في اليهود حين سألهم مشركوا العرب: أديننا أفضل أم دين محمد ؟ قالوا: بل دينكم أفضل (2). (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا). (أم لهم نصيب من الملك) قال: " يعني الامامة والخلافة " (3). (فإذا لا يؤتون الناس نقيرا). قال: " نحن الناس الذين عنى الله " (4). أقول: لعل التخصيص لاجل أن الدنيا خلقت لهم، والخلافة حقهم، فلو كانت الاموال في أيديهم لا نتفع بها سائر الناس، ولو منعوا عن حقوقهم لمنع ساير الناس، فكأنهم كل الناس. وقد ورد: " نحن الناس ووشيعتنا أشباه الناس وساير الناس نسناس " (5) والنقير: النقطة التي في وسط النواة. (أم يحسدون الناس على مآ ءاتهم الله من فضله). قال: " نحن الناس المحسدون على ما آتانا الله من الامامة " (6). وفي رواية: " الناس: النبي وآله " (7). (فقد ءاتينآ ءال إبراهيم الكتب والحكمة وءاتينهم ملكا عظيما) قال: " يعني جعل منهم الرسل والانبياء والائمة، فكيف يقرون في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد ؟ " (8). وقال: " الكتاب: النبوة. والحكمة: الفهم والقضاء. والملك العظيم:


1 - الكافي 1: 205، الحديث: 1، والعياشي 1: 246، الحديث: 153، عن أبي جعفر عليه السلام 2 - القمي 1: 140. 3، 4 و 6 - الكافي 1: 205، الحديث: 1، والعياشي 1: 264، الحديث: 153، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكافي 8: 244، الحديث: 339، عن علي بن الحسين، عن حسين بن علي عليهم السلام. 7 - مجمع البيان 3 - 4: 61، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - الكافي 1: 206، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 216 ]

الطاعة المفروضة " (1). (فمنهم من ءامن به ومنهم من صد عنه): أعرض ولم يؤمن (وكفى بجهنم سعيرا). يعني إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفا هم ما أعدلهم من سعير جهنم. (إن الذين كفروا بايتنا). القمي: الآيات: أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام (2). (سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب). سئل: ما ذنب الغير ؟ فقال: " هي هي، وهي غيرها ثم مثل بلبنة كسرت ثم ردت (3) في ملبنها " (4). (إن الله كان عزيزا): لا يمتنع عليه ما يريده (حكيما): يعاقب على وفق حكمته. (والذين ءامنوا وعملوا الصلحت سند خلهم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها أبدا لهم فيها أزوج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا): دائما لا تنسخه (5) الشمس. (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامنت إلى أهلها). قال: " الخطاب للائمة، أمر كل منهم أن يؤدي إلى الامام الذي بعده ويوصي إليه " (6). ثم هي جارية في ساير الامانات. وفي رواية: " إنها في كل من ائتمن أمانة من الامانات، أمانات الله: أوامره ونواهيه، وأمانت عباده: فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال وغيره " (7). وورد: " لا تنظروا إلى طول


1 - الكافي 1: 206، الحديث: 3، والقمي 1، 140، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 1: 248، الحديث: 159 و 160، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 141. 3 - في جميع النسخ: " رد " وما اثبتناه من المصدر. 4 - الاحتجاج 2: 104، عن أبي عبد الله عليه السلام. واللبنة - بفتح اللام وكسر الباء - التي بينى بها، وهو المضروب من الطين مربعا. والملبن - بكسر الميم وفتح الباء - قالب اللبن. لسان العرب 13: 375 (لبن). 5 - في " الف ": " لا ينسخه ". 6 - الكافي 1: 276، الاحاديث 2، 3، 4، 5 و 6، عن أبي الحسن الرضا وأبي عبد الله عليهما السلام، و مجمع البيان 3 - 4: 63، ومعاني الاخبار: 107، باب: عنى الامانات التي... 7 الحديث: 1، عن موسى بن جعفر عليه السلام. 7 - مجمع البيان 3 - 4: 63، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 217 ]

ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شئ اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته " (1). (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). قال: " إيانا عنى " (2). يعني العدل الذي في أيديكم. وفي رواية " إذا ظهرتم " (3). (إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا). (يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم). قال: " إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا " (4). وفي حديث جابر: " لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولوا الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك ؟ فقال: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي محمد وكنيي (5)، حجة الله في أرضه وبقيته في عباده إبن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله على يديه مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان. قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل لشيعته الانتفاع به في غيبته ؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة، إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس، وإن تجلاها (6) سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله، فاكتمه إلا عن


1 - الكافي 2: 105، الحديث: 12 عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 1: 276، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - العياشي 1: 247، الحديث: 154، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 1: 276، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - في " الف " و " ب ": " كنيتي ". 6 - في المصدر: " تجللها " أي: تعلوها وتعمها ولعله الانسب. (*)

[ 218 ]

أهله " (1). (فإن تنزعتم) أيها المأمورون (في شئ) من أمور الدين (فردوه): فراجعوا فيه. (إلى الله): إلى محكم كتابه (والرسول) " بالسؤال عنه في زمانه، و بالاخذ بسنته، والمراجعة إلى من أمر بالمراجعة إليه بعده، فإنه (2) رد إليه " (3). كذا ورد في تفسير الآية. وفي رواية: " نزلت: فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول و إلى أولي الامر منكم " (4). وفي أخرى: " تلا هذه الاية هكذا: فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولى الامر منكم " (5). قال: " هكذا نزلت وكيف يأمرهم الله بطاعة ولاة الامرو يرخص في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: أطيعوا الله " (6). (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر) فإن الايمان يوجب ذلك. (ذلك خير وأحسن تأويلا) من تأويلكم بلا رد. (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطن أن يضلهم ضللا بعيدا). القمي: نزلت في الزبير بن العوام، نازع رجلا من اليهود في حديقة، فقال الزبير: نرضى بابن شيبة اليهودي، وقال اليهودي: نرضى بمحمد. فأنزل الله (7). وورد: " أيما رجل كان بينه وبين أخ مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله " ألم تر " الآية " (8). وفي رواية: " من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه


1 - كمال الدين 1: 253، الباب: 23، الحديث: 3. 2 - في " ب " و " ج ": " فإنها ". 3 - نهج البلاغة (للصبحى الصالح): 182 من خطبة: 125. 4 - القمي 1: 141، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " فرجعوه إلى الله ". 5 و 6 - الكافي 8: 184، الحديث، 212، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. 7 - القمي 1: 141، وفيه: " ترضى " بدل " نرضى " في موضعين. 8 - الكافي 7: 411، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 219 ]

ثابتا، لانه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قيل: كيف يصنعان ؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله " (1). (وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنفقين يصدون عنك صدودا). القمي: هم أعداء آل محمد، جرت فيهم هذه الآية (2). (فكيف) يكون حالهم ؟ (إذا أصبتهم مصيبة): نالتهم من الله عقوبة (بما قدمت أيديهم) من التحاكم إلى غيرك وإظهار السخط لحكمك (ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا) بالتحاكم إلى غيرك (إلا إحسنا): تخفيفا عنك (وتوفيقا) بين الخصمين بالتوسط ولم نرد مخالفتك. (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) من الشرك والنفاق (فأعرض عنهم): لا تعاقبهم. قال: " فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء، وسبق لهم العذاب " (3). (وعظهم و قل لهم في أنفسهم): خاليا بهم، فإن النصيحة في السر أنجع (4). (قولا بليغا) يؤثر فيهم، كتخويفهم بالقتل والاستيصال إن ظهر نفاقهم. (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). نبه به على أن الذي لم يرض بحكمه كافر، وإن أظهر الاسلام. (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) بالنفاق (جاءوك) تائبين (فاستغفروا الله) مخلصين (واستغفر لهم الرسول) بأن اعتذروا إليه حتى انتصب لهم شفيعا (لو جدوا الله توابا رحيما).


1 - الكافي 1: 67، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير في العبارة. 2 - القمي 1: 142. 3 - الكافي 8: 184، الحديث: 211، عن موسى بن جعفر عليه السلام. 4 - قد نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء، أي: دخل وأثر. الصحاح 3: 1288 (نجع). (*)

[ 220 ]

(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم): فيما اختلف بينهم و اختلط (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت): ضيقا مما حكمت به (ويسلموا تسليما): وينقادوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم. ورد: " لقد خاطب الله أمير المؤمنين في كتابه في قوله: " ولو أنهم إذ ظلموا " إلى قوله: " فيما شجر بينهم ". قال: فيما تعاقدوا عليه، لئن أمات الله محمدا لا يردوا (1) هذا الامر في بني هاشم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت عليهم من القتل أو العفو ويسلموا تسليما " (2). والقمي: " جاؤوك يا علي. قال: هكذا نزلت " (3). (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ديركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا) قال " يعني أهل الخلاف " (4). (ما يوعظون به): " في علي. قال: هكذا نزلت " (5). (لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) لايمانهم (وإذا لاتينهم من لدنآ أجرا عظيما). (ولهدينهم صرطا مستقيما) يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب. فإن: " من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يعلم " (6). (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين): الذين صدقوا في أقوالهم وأفعالهم (والشهداء): المقتول أنفسهم وأبدانهم بالجهاد الاكبر والاصغر (والصلحين): الذين صلحت حالهم واستقامت طريقتهم (وحسن أولئك رفيقا).


1 - في المصدر: " ألا يردوا ". 2 - الكافي 1: 391، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 142، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 8: 184، الحديث: 210، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 1: 424، الحديث: 60، عن أبي جعفر عليه السلام، والعياشي 1: 256، الحديث: 188، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - البحار 40: 128، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 221 ]

(ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما). قال: " أعينونا بالورع، فإنه من لقي الله - عز وجل - منكم بالورع كان له عند الله فرجا، إن الله يقول: " ومن يطع الله " وتلا الآية، ثم قال: فمنا النبي ومنا الصديق والشهداء والصالحون " (1). وفي رواية: " لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " أولئك مع الذين أنعم الله " الآية، فرسول الله في الآية: النبيون، و نحن في هذا الموضع: الصديقون والشهداء، وأنتم: الصالحون، فتسموا بالصلاح كما سماكم الله " (2). (يأيها الذين ءامنوا خذوا حذركم): تيقظوا واستعدوا للاعداء. والحذر: الحذر. قال: " خذوا أسلحتكم، سمى الاسلحة حذرا لان بها يتقى المحذور " (3). (فانفروا): فاخرجوا إلى الجهاد، وتأويله إلى الخيرات كلها. (ثبات): جماعات متفرقة، جمع ثبة. (أو انفروا جميعا): مجتمعين كوكبة (4) واحدة ولا تتخاذلوا. (وإن منكم لمن ليبطئن). يحتمل اللازم والمتعدي، وهم المنافقون. (فإن أصبتكم مصيبة) كقتل وهزيمة (قال) المبطئ: (قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا): حاضرا. قال: " لو قال هذه الكلمة أهل الشرق والغرب لكانوا بها خارجين من الايمان، ولكن الله قد سماهم مؤمنين بإقرارهم " (5). (ولئن أصبكم فضل من الله) كفتح وغنيمة (ليقولن) تحسرا (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يليتنى): يا قوم ليتني (كنت معهم فأفوز فوزا عظيما). نبه بالاعتراض على ضعف عقيدتهم، وأنهم إنما تمنوا مجرد المال. (فليقتل في سبيل الله الذين يشرون): يبيعون (الحيوة الدنيا بالاخرة) يعني:


1 - الكافي 2: 78، الحديث: 12، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 73، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكوكبة: الجماعة. القاموس المحيط 1: 129 (الكوكب). 5 - القمي 1: 143، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 222 ]

المخلصين الباذلين أنفسهم في طلب الآخرة. (ومن يقتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما). قال: " فوق كل بربر حتى يقتل في سبيل الله فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه بر " (1). (وما لكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين): وفي سبيل المستضعفين وخلاصهم (من الرجال والنساء والولدن الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا). قيل: هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بين أظهرهم يلقون منهم الاذى، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه (2). وفي رواية: " نحن أولئك " (3). (الذين ءامنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت فقتلوا أولياء الشيطن إن كيد الشيطن كان ضعيفا). (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) عن القتال (وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة) واشتغلوا بما أمرتم به. قيل: ذلك حين كانوا بمكة، وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه (4). وورد: " يعني كفوا ألسنتكم " (5). وقال: " أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا وتدخلوا الجنة " (6). وفي أخرى: " أنتم والله أهل هذه الآية " (7). (فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله): يخشون الكفار أن يقتلوهم، كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه (أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب). قال: " كفوا أيديكم " مع الحسن، "


1 - الخصال 1: 9، الحديث: 31، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - الكشاف 1: 543. 3 - العياشي 1: 257، الحديث: 193، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكشاف 1: 543. 5 - الكافي 2: 114، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 و 7 - الكافي 8: 279، ذيل الحديث: 434، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 223 ]

كتب عليهم القتال " مع الحسين، " إلى أجل قريب ": إلى خروج القائم، فإن معه الظفر " (1). (قل متع الدنيا قليل) سريع التقضي (والاخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا): ولا تنقصون أدنى شئ من ثوابكم فلا ترغبوا عنه. (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة): في قصور مجصصة أو مرتفعة (وإن تصبهم حسنة): نعمة كخصب (يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة): بلية كقحط (يقولوا هذه من عندك) يطيروا بك (قل كل من عند الله) يبسط و يقبض حسب إرادته (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) فيعلموا أن الله هو الباسط القابض، وأفعاله كلها صادرة عن حكمة وصواب. (مآ أصابك) يا إنسان (من حسنة): من نعمة (فمن الله) تفضلا وامتنانا، فإن كل ما يأتي به العبد من عبادة فلا يكافي صغرى نعمة من أياديه. (وما أصابك من سيئة): من بلية (فمن نفسك)، لانها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي، وهو لا ينافي قوله: " قل كل من عند الله "، فإن الكل من عنده إيجادا وإيصالا، غير أن الحسنة إحسان وامتحان، والسيئة مجازاة وانتقام. قال الله تعالى: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير " (2) قال: " كما أن بادي النعم من الله - عز وجل - نحلكموه (3)، فكذلك الشر من أنفسكم وإن جرى به قدره " (4). وورد: " إن " الحسنات " في كتاب الله على وجهين: أحدهما: الصحة والسلامة والسعة في الرزق، والآخر: الافعال، كما قال: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (5) وكذلك السيئات، فمنها الخوف والمرض والشدة، ومنها الافعال التي يعاقبون عليها " (6). (وأرسلنك للناس


1 - العياشي 1: 258، ذيل الحديث: 195، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " فإن معه النصر والظفر ". 2 - الشورى (42): 30. 3 - نحله: أعطاه ووهبه من طيب نفس بلا توقع عوض. مجمع البحرين 5: 478 (نحل). 4 - التوحيد: 368، الباب: 20، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الانعام (6): 160. 6 - القمي 1: 144، عن الصادقين عليهما السلام. (*)

[ 224 ]

رسولا وكفى بالله شهيدا) على ذلك، فما ينبغي لاحد أن يخرج من طاعتك. (من يطع الرسول فقد أطاع الله) لانه في الحقيقة مبلغ، والآمر والناهي هو الله. روي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله. فقال المنافقون: لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه، ما يريد إلا أن نتخذه ربا، كما اتخذت النصارى عيسى، فنزلت " (1). (ومن تولى): أعرض عن طاعته (فما أرسلنك عليهم حفيظا): تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. (ويقولون) إذا أمرتهم بأمر (طاعة): أمرنا طاعة (فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم): دبروا ليلا (غير الذى تقول): خلاف ما قلت أو خلاف ما قالت من القبول وضمان الطاعة. (والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا): يكفيك شرهم. (أفلا يتدبرون القرءان): يتأملون معانيه ويتبصرون ما فيه (ولو كان من عند غير الله): من كلام البشر، كما زعموه (لوجدوا فيه اختلفا كثيرا) من تناقض المعنى، وتفاوت النظم، وخروج بعضه عن الفصاحة وعن مطابقته الواقع إلى غير ذلك. (وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف): مما يوجب الامن أو الخوف (أذاعوا به): أفشوه. قيل: كان قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أخبرهم الرسول بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة أذاعوه، وكانت إذاعتهم مفسدة (2). (ولو ردوه): ردوا ذلك الامر (إلى الرسول وإلى أولى الامر


1 - البيضاوي 2: 103، والكشاف 1: 546. 2 - البيضاوي 2: 104، والكشاف 1: 547. (*)

[ 225 ]

منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) قيل: أي يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم (1). قال: " يعني آل محمد وهم الذين يستبطون من القرآن ويعرفون الحلال والحرام وهم حجة الله " (2). (ولولا فضل الله عليكم ورحمته). قال: " الرحمة: رسول الله، والفضل: علي بن أبي طالب " (3). وفي رواية: " فضل الله: رسوله، ورحمته: الائمة عليهم السلام " (4). (لا تبعتم الشيطن) بالكفر والضلال (إلا قليلا) وهم أهل البصائر النافذة. (فقتل في سبيل الله) إن تركوك وحدك (لا تكلف إلا نفسك) فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد، فإن الله ينصرك، لا الجنود. قال: " إن الله كلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يكلف أحدا من خلقه، كلفه أن يخرج على الناس كلهم وحده بنفسه إن لم يجد فئة تقاتل معه، ولم يكلف هذا أحدا من خلقه قبله ولا بعده، ثم تلا هذه الآية " (5). قيل: نزلت في بدر الصغرى حين تثاقلت الناس عن الخروج (6)، كما سبق (7). (وحرض المؤمنين) إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض. (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) وقد كف، بأن بدا لابي سفيان وقال: هذا عام مجدب كما مر ذكره (8). (والله أشد بأساو أشد تنكيلا): أشد عقوبة من كفار قريش. تهديد وتقريع لمن لم يتبعه. (من يشفع شفعة حسنة): راعى بها حق مسلم، إما بدفع شر عنه أو جلب


1 - البيضاوي 2: 104، والكشاف 1: 547. 2 - العياشي 1: 260، الحديث: 206، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، وفيه: " وهم الحجة لله على خلقه ". 3 - المصدر: 261، الحديث: 209. عن موسى بن جعفر عليه السلام. 4 - المصدر: 260، الحديث: 207، عن الصادقين عليهما السلام، وفيه: " ورحمته ولاية الائمة عليهم السلام ". 5 - الكافي 8: 274، الحديث: 414، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 83، والكشاف 1: 548. 7 و 8 - في ذيل الآية: 173 من سورة آل عمران. (*)

[ 226 ]

خير إليه، إبتغاء لوجه الله، ومنها الدعاء للمؤمن. (يكن له نصيب منها): ثوابا لها (و من يشفع شفعة سيئة) وهي ما كان خلاف ذلك، ومنها الدعاء على المؤمن. (يكن له كفل منها): نصيب من وزرها، مساولها في القدر، فإن الكفل: النصيب والمثل. (وكان الله على كل شئ مقيتا): مقتدرا وحفيظا يعطي على قدر الحاجة. قال: " من أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو دل على خير، أو أشار به، فهو شريك، ومن أمر بسوء، أو دل عليه، أو أشار به فهو شريك " (1). وفي رواية: " من دعا لاخيه المسلم يظهر الغيب أستجيب له وقال له الملك: ولك مثلاه، فذلك النصيب " (2). (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أوردوهآ). القمي: السلام وغيره من البر (3). وورد: " إذا عطس أحدكم قولوا: يرحمكم الله، ويقول هو: يغفر الله لكم ويرحمكم. قال الله " وإذا حييتم بتحية " الآية " (4) وقال " السلام تطوع والرد فريضة " (5). " ومن تمام التحية للمقيم: المصافحة، وتمام التسليم على المسافر: المعانقة " (6). و " الرد بالاحسن في السلام أن يضيف: " ورحمة الله "، فإن قالها المسلم أضاف: " وبركاته "، وهي النهاية فيرد بالمثل، والاول عشر حسنات والثاني عشرون والثالث ثلاثون " (7). كذا ورد. (إن الله كان على كل شئ حسيبا). (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيمة لاريب فيه ومن أصدق من الله حديثا). (فما لكم في المنفقين فئتين): تفرقتم فيهم فرقتين، ولم تتفقوا على كفرهم.


1 - الخصال 1: 138، الحديث: 156، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - جوامع الجامع 1: 275. 3 - القمي 1: 145. 4 - الخصال 2: 633، ذيل الحديث الطويل أربعمأة، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 2: 644، باب التسليم، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - المصدر: 646، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر: 645، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت. (*)

[ 227 ]

قال: " نزلت في قوم قدموا من مكة وأظهروا الاسلام، ثم رجعوا إلى مكة فأظهروا الشرك، ثم سافروا إلى اليمامة، فاختلف المسلمون في غزوهم، لاختلافهم في إسلامهم وشركهم " (1). (والله أركسهم بما كسبوا): ردهم في الكفر بأن خذلهم فارتكسوا (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) إلى الهدى. (ودوالو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء). قال: " إن لشياطين الانس حيلة ومكرا وخدايع ووسوسة بعضهم إلى بعض، يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النصرة (2) في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله، إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب، فيكونون سواء كما وصف الله تعالى في كتابه: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " " (3). (فلا تتخذوا منهم أولياء) وإن آمنوا (حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة هي لله لا لغرض من أغراض الدنيا (فإن تولوا) عن الهجرة المستقيمة مع الايمان (فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا). (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثق). استثناء من قوله " فخذوهم واقتلوهم " أي: إلا الذين ينتهون إلى قوم عاهدوكم، ويفارقون محاربتكم قال: " هو هلال بن عويم الاسلمي (4)، واثق عن قومه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال في موادعته: على أن لا تحيف يا محمد من أتانا، ولا نحيف من أتاك (5). فنهى الله سبحانه أن يعرض لاحد عهد


1 - مجمع البيان 3 - 4: 86، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - في المصدر: " من النظر ". 3 - الكافي 8: 11، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، في رسالته إلى جماعة الشيعة. 4 - في المصدر: " هلال بن عويمر السلمي ". 5 - في " الف " و " ج ": " لا نحيف يا محمد من أتانا ولا تحيف من أتاك ". والحيف: الظلم والجور. مجمع البيان 5: 42 (حيف). (*)

[ 228 ]

إليهم ". (1) (أو جاءوكم حصرت صدورهم): ضاقت. قال: " هو الضيق " (2). (أن يقتلوكم أو يقتلوا قومهم). قال: " نزلت في بني مدلج، جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا قد حصرت صدورنا أن نشهد أنك رسول الله فلسنا معك ولا مع قومنا عليك، فواعدهم إلى أن يفرغ من العرب، ثم يدعوهم، فإن أجابوا وإلا قاتلهم " (3). (ولو شآء الله لسلطهم عليكم) بأن قوى قلوبهم، وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم. (فلقتلوكم) ولم يكفوا عنكم (فإن اعتزلوكم فلم يقتلوكم): فإن لم يتعرضوا لكم (وألقوا إليكم السلم): الاستسلام والانقياد (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا): فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. قال: " كانت السيرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا يقاتل إلا من قاتله، ولا يحارب إلا من حاربه وأراده، وقد كان نزل في ذلك من الله " فإن اعتزلوكم " الآية. حتى نزلت عليه سورة براءة وأمر بقتل المشركين من اعتزله، ومن لم يعتزله، إلا الذين قد كان عاهدهم يوم فتح مكة إلى مدة " (4) الحديث، ويأتي تمامه (5). (ستجدون ءاخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم). قال: " نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، أجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووادعه على أن يقيم ببطن نخل ولا يتعرض له، وكان منافقا ملعونا، وهو الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاحمق المطاع " (6). (كل ما ردوا إلى الفتنة): دعوا إلى الكفر، وإلى قتال المسلمين (أركسوا فيها): عادوا إليها، وقلبوا فيها أقبح قلب (فإن لم يعتزلوكم): لم يعتزلوا قتالكم (ويلقوا إليكم السلم): ولم يستسلموا لكم (ويكفوا أيديهم)


1 - مجمع البيان 3 - 4: 88، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - العياشي 1: 262، الحديث: 216، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 8: 327، الحديث: 504، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 1: 281 - 282، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في ذيل الآية: 2 من سورة التوبة. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 147. (*)

[ 229 ]

ولم يكفوا أيديهم عن قتالكم (فخذوهم): فأسروهم (واقتلوهم حيث ثقفتموهم): حيث تمكنتم منهم (وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا): حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي، لظهور عداوتهم وكفرهم وغدرهم. (وما كان لمؤمن): وما صح لمؤمن، وليس من شأنه (أن يقتل مؤمنا) بغير حق (إلا خطا) لانه في عرضة الخطأء. قال: " هو الرجل يضرب ولا يتعمد القتل، أو رمى فأصاب رجلا " (1). وقال: " نزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل لامه، كان أسلم وقتل بعد إسلامه مسلما وهو لم يعلم بإسلامه " (2). (ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة) قال: " مقرة قد بلغت الحنث " (3). وسئل: كيف تعرف المؤمنة ؟ قال: " على الفطرة " (4). (ودية مسلمة إلى أهله): مؤداة إلى أولياء المقتول. (إلا أن يصدقوا): يتصدقوا عليه بالدية. سمى العفو عن الدية صدقة، حثا عليه وتنبيها على فضله. و ورد: " كل معروف صدقة " (5). (فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة). قال " يلزم قاتله كفارة لقتله " (6). وورد: " في رجل مسلم في أرض الشرك، فقتله المسلمون، ثم علم به الامام بعد. فقال: يعتق مكانه رقبة مؤمنة، وذلك قول الله - عز وجل - " فإن كان من قوم عدو لكم " الآية " (7). قال: " وليس عليه دية " (8). (وإن كان من قوم) كفرة (بينكم


1 - العياشي 1: 266، الحديث: 229، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 90 عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " وهو لا يعلم إسلامه ". 3 - الكافي 7: 462، الحديث: 15، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 263، الحديث: 220، عن أبي الحسن عليه السلام. 5 - الخصال 1: 134، الحديث: 145، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 91، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - من لا يحضره الفقيه 4: 110، الحديث: 373، والعياشي 1: 266، الحديث: 230، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 1: 262، الحديث: 217، و 263، الحديث 218، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 230 ]

وبينهم ميثق): عهد (فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد) رقبة (فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما). قال: " إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الاول، فإن عليه أن يعيد الصيام، وإن صام الشهر الاول وصام من الشهر الثاني شيئا، ثم عرض له ما له فيه عذر، فعليه أن يقضي " (1). أقول: يعني يقضي ما بقي عليه. (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خلدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدله عذابا عظيما). قال: " فجزاؤه جهنم إن جازاه " (2). سئل: عن المؤمن، يقتل المؤمن متعمدا، أله توبة ؟ فقال: " إن كان قتله لايمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب شئ من أشياء الدنيا (3) فإن توبته أن يقاد منه، وإن لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه، أعطاهم الدية، وأعتق نسمة، وصام شهرين متتابعين، وأطعم ستين مسكينا، توبة إلى الله عز وجل " (4). (يأيها الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله): سافرتم للغزو (فتبينوا): فاطلبوا بيان الامر وميزوا بين الكافر والمؤمن. وعلى قراءة: " فتثبتوا " (5): توقفوا وتأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل. المعنيان متقاربان، يعني: لا تعجلوا في القتل لمن أظهر إسلامه ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك. (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم): الانقياد. وفي قراءة الصادق عليه السلام، يعني: لمن حياكم بتحية السلام. (لست مؤمنا) وإنما فعلت ذلك خوفا من القتل (تبتغون


1 - الكافي 4: 139، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - معاني الاخبار: 380، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في المصدر: " من أمر الدنيا ". 4 - الكافي 7: 276، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 3 - 4: 94. (*)

[ 231 ]

عرض الحيوة الدنيا): تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال، وهو الذي يبعثكم على العجلة وترك التثبت. (فعند الله مغانم كثيرة) تغنيكم عن قتل أمثاله لماله (كذلك كنتم من قبل): أول ما دخلتم في الاسلام وتفوهتم بالشهادتين فحقنت (1) بها دماؤكم وأموالكم من غير أن تعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم. (فمن الله عليكم) بالاشتهار بالايمان والاستقامة في الدين (فتبينوا). تأكيد لتعظيم الامر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم. (إن الله كان بما تعملون خبيرا). القمي: نزلت في أسامة بن زيد حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله في خيل إلى بعض اليهود ليدعوهم إلى الاسلام، وكان رجل من اليهود يقال له " مرداس " في بعض القرى، فلما أحس بالخيل، جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل، فأقبل يقول: أشهد أن لا إله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فمر به أسامة، فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله أخبره بذلك، فقال: أفلا شققت (2) الغطاء عن قلبه ؟ لا ما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة أن لا يقاتل أحدا شهد الشهادتين، فتخلف عن أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه " (3). (لا يستوى القعدون) عن الحرب (من المؤمنين غير أولى الضرر): الاصحاء (والمجهدون في سبيل الله بأمولهم وأنفسهم فضل الله المجهدين بأمولهم وأنفسهم على على القعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى). روي: " نزلت من دون استثناء في جماعة تخلفوا يوم تبوك، فجاء عبد الله بن أم مكتوم وكان أعمى، وهو يبكي، فقال: يا رسول الله كيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟ فنزل " غير أولي الضرر " " (4)، وورد: " لقد خلفتم في المدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، وهم الذين صحت نياتهم،


1 - في " ب " و " ج ": " فحصنت ". 2 - في المصدر: " فلا شققت ". 3 - القمي 1: 148. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 96 - 97. (*)

[ 232 ]

ونصحت جيوبهم (1)، وهوت أفئدتهم إلى الجهاد، وقد منعهم من المسير ضرر أو غيره " (2). (وفضل الله المجهدين على القعدين أجرا عظيما). (درجت منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما). روي: " أن الله فضل المجاهدين على القاعدين سبعين درجة، بين كل درجتين مسيرة سبعين خريفا للفرس الجواد المضمر " (3). (إن الذين توفهم الملئكة). يحتمل الماضي والمضارع. (ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم): في أي شئ من أمر دينكم ؟ (قالوا كنا مستضعفين في الارض): يستضعفنا أهل الشرك بالله، في أرضنا وبلادنا، بكثرة عددهم وقوتهم، ويمنعوننا من الايمان بالله واتباع رسوله. (قالوا ألم تكن أرض الله وسعة فتها جروا فيها): فتفارقوا من يمنعكم من الايمان إلى قطر آخر، كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة. (فأولئك مأوهم جهنم وساءت مصيرا). قيل: نزلت في ناس من مكة أسلموا و لم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة (4). والقمي: نزلت فيمن اعتزل أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يقاتل معه. " مستضعفين " أي: لم نعلم مع من الحق، " أرض الله واسعة " أي: دين الله وكتاب الله واسع، فتنظروا فيه (5). أقول: هذا تأويل وذاك تفسير. ورد: " لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه " (6). (إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدن لا يستطيعون حيلة) " يدفعون بها


1 - رجل ناصح الجيب: لا غش فيه. تقي القلب. القاموس المحيط 1: 261، والصحاح 1: 411 (نصح). 2 - جوامع الجامع 1: 281، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - مجمع البيان 4 - 3: 97. 4 - البيضاوي 2: 111. 5 - القمي: 1: 149. 6 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 280، من خطبة: 189. (*)

[ 233 ]

الكفر ". كذا ورد (1). (ولا يهتدون سبيلا) قال: " إلى الايمان، لا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر، الصبيان ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان " (2). وقال: " البلهاء في خدرها (3)، والخادم، تقول لها: صلي فتصلي لا تدري إلا ما قلت لها، و الجليب (4) الذي لا يدري إلا ما قلت له، والكبير الفاني، والصغير " (5). وفي رواية: " لا يستطيعون حيلة إلى النصب فينصبون، ولا يهتدون سبيلا إلى الحق، فيد خلون فيه، هؤلاء يدخلون الجنة بأعمال حسنة وباجتناب المحارم التي نهى الله عنها، ولا ينالون (6) منازل الابرار " (7). (فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا). (* ومن يهاجر): يفارق أهل الشرك (في سبيل الله): في منهاج دينه (يجد في الارض مرغما كثيرا): متحولا من الرغام، وهو التراب ومخلصا من الضلال. (وسعة) في الرزق وإظهار الدين. (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما). روي: " لما نزلت آية الهجرة سمعها رجل من المسلمين وهو " جندب بن ضمرة " وكان بمكة، فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله، إني لاجد قوة، وإني لعالم بالطريق، وكان مريضا شديد المرض، فقال لبنيه: والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها، فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات، فنزلت " (8).


1 و 2 - الكافي 2: 404، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الخدر - بالكسر - ستر أعد للجارية البكر في ناحية البيت، والجمع: خدور. وجارية مخدرة: إذا ألزمت الخدر. " مجمع البحرين 3: 283 - خدر " وفي الحديث: " عليك بالبلهاء ! قلت: وما البلهاء ؟ قال: ذوات الخدود العفائف ". مجمع البحرين 6: 343 (بله). 4 - الجليب: الذى يجلب من بلد إلى آخر. " منه قده في الصافي 1: 455 ". 5 - معاني الاخبار: 203، الحديث: 10، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - في " الف ": " لا ينازلون منازل الابرار ". 7 - معاني الاخبار: 201، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - المجمع 3 - 4: 100. (*)

[ 234 ]

(وإذا ضربتم في الارض): سافرتم (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة) بتنصيف الرباعيات. قيل: كأنهم ألقوا الاتمام وكان مظنة لان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في التقصير، فرفع عنهم الجناح لتطيب نفوسهم بالقصر ويطمأنوا إليه (1). قال: " التقصير في السفر واجب كوجوب التمام في الحضر " (2). وفي رواية: " فرض المسافر ركعتان غير قصر " (3). (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) في أنفسكم أو دينكم، وهذا الشرط باعتبار الغالب في ذلك الوقت، فإن القصر ثابت في حال الامن أيضا. (إن الكفرين كانوا لكم عدوا مبينا): ظاهر العداوة. (وإذا كنت فيهم): في أصحابك الضاربين في الارض، الخائفين عدوهم أن يغتروهم (فأقمت لهم الصلوة) بأن تؤمهم (فلتقم طائفة منهم): من أصحابك (معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) يحرسونكم (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم): تحرزهم وتيقظهم (وأسلحتهم). ورد في بيان صلاة الخوف: " أن طائفة تقوم بإزاء العدو، وأخرى خلف الامام، يصلي بهم ركعة، ثم يقومون فيمثل (4) الامام قائما حتى يتم من خلفه صلاتهم وينصرفوا إلى العدو، فيجئ الطائفة الاولى، فيصلي بهم الامام ركعة (5) الثانية ويسلم، ثم يقوم


1 - البيضاوي 2: 113. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 278، الحديث: 1266، والعياشي 1: 271، الحديث: 254، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الدر المنثور 2: 657، والعياشي 1: 271، الحديث: 254 و 255، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 4 - مثل الرجل يمثل مقولا: إذا انتصب قائما. مجمع البحرين 5: 471 (مثل). 5 - في " ج " و " ب ": " ركعته الثانية ". (*)

[ 235 ]

من خلفه فيتمون صلاتهم " (1). (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة وحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها. (وخذوا حذركم) كيلا يهجم عليكم العدو. (إن الله أعد للكفرين عذابا مهينا). (فإذا قضيتم الصلوة): فرغتم منها وأنتم محاربوا عدوكم (فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم): ادعوا الله في هذه الاحوال، لعل الله ينصركم على عدوكم ويظفركم بهم. (فإذا اطمأننتم): فإذا استقررتم في أوطانكم (فأقيموا الصلوة): فأتموا الصلاة التي أذن لكم في قصرها وتخفيفها حال السفر والخوف، وأتموا حدودها. (إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا) قال: " مفروضا " (2). (ولا تهنوا في ابتغآء القوم): لا تضعفوا في طلبهم (إن تكونوا تألمون) مما ينالكم من الجراح منهم (فإنهم يألمون) أيضا مما ينالهم من ذلك (كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) من إظهار الدين واستحقاق الثواب، فأنتم أولى وأحرى على حربهم و قتالهم، منهم على قتالكم. (وكان الله عليما) بمصالح خلقه (حكيما) في تدبيره إياهم. القمي: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجع من وقعة أحد ودخل المدينة، نزل عليه جبرئيل، فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك إلا من به جراحة، فأقبلوا يضمدون (3) جراحاتهم ويداوونها، فنزلت " ولا تهنوا " الآية، وقوله (4) " إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " إلى قوله " شهداء "، فخرجوا على ما بهم من


1 - الكافي 3: 455، الحديث: 1 عن أبي عبد الله عليه السلام، مع تفاوت في العبارة. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 125، الحديث: 601، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 1: 273، الحديث: 259، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - ضمد الجرح يضمده ويضمده وضمده: شده بالضمادة وهي العصابة. القاموس المحيط 1: 321 (ضمد). 4 - عطف على: " ولا تهنوا " أي: ونزلت " ولا تهنوا " الآية ونزلت: " إن يمسسكم " الآية. (*)

[ 236 ]

الالم والجراح (1). (إنآ أنزلنا إليك الكتب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أرك الله): بما عرفك وأوحى به إليك. قال: " ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله وإلى الائمة عليهم السلام، ثم تلا هذه الآية. قال: وهي جارية في الاوصياء " (2). (ولا تكن للخائنين): لاجلهم والذب عنهم (خصيما) للبراء. (واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما). القمي ما ملخصه: إن بني أبيرق: بشيرا ومبشرا وبشرا - وكانوا منافقين - نقبوا على عم قتادة بن النعمان، فأخرجوا طعاما و سيفا ودرعا، فشكى قتادة ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال بنو أبيرق: هذا عمل لبيد بن سهل، وكان لبيد مؤمنا، فخرج عليهم بالسيف وقال: أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني ؟ وأنتم المنافقون تهجون رسول الله وتنسبون الهجاء إلى قريش، فداروه، ثم جاء رجل من رهط بني أبيرق - وكان منطيقا بليغا - إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن قتادة عمد إلى أهل بيت منا، أهل شرف وحسب ونسب، فرماهم بالسرق، فاغتم رسول الله وعاتب قتادة عتابا شديدا، فاغتم قتادة، وكان بدريا، فنزلت الآيات (3). (ولا تجدل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما). (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون): يدبرون و يزورون بالليل (ما لا يرضى من القول): من رمي البرئ. (وكان الله بما يعملون محيطا). (هأنتم هؤلاء جدلتم عنهم في الحيوة الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا): محاميا عنهم يحميهم عن (4) عذاب الله.


1 - القمي 1: 124 - 125. 2 - الكافي 1: 267، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 1: 150 - 151. 4 - في " ب " و " ج ": " من عذاب الله ". (*)

[ 237 ]

(ومن يعمل سوءا): قبيحا يسوءبه غيره (أو يظلم نفسه) بما يختص به، ولا يتعداه (ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما). قال: " من أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة " (1). ثم تلا الآية. (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما). (ومن يكسب خطية): ذنبا على غير عمد (أو اثما): ذنبا تعمده (ثم يرم به بريا فقد احتمل بهتنا وإثما مبينا). (ولولا فضل الله عليك ورحمته) بإعلام ما هم عليه بالوحي (لهمت طائفة منهم أن يضلوك) عن القضاء بالحق، مع علمهم بالحال. وليس القصد فيه إلى نفي همهم بل إلى نفي تأثيره فيه. (وما يضلون إلا أنفسهم) لان وباله عليهم (وما يضرونك من شئ) فإن الله عاصمك وناصرك (وأنزل الله عليك الكتب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما). ورد: " إن أناسا من رهط بشير الادنين قالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نكلمه في صاحبنا ونعذره، فإن صاحبنا برئ، فلما أنزل الله. " يستخفون من الناس " (2) الآية، أقبلت رهط بشير، فقالت: يا بشير استغفر الله وتب من الذنب. فقال: والذي أحلف به ما سرقها إلا لبيد، فنزلت " ومن يكسب خطيئة " (3) الآية. ثم إن بشيرا كفر ولحق بمكة. وأنزل الله في النفر الذين أعذروا بشيرا وأتوا النبي ليعذروه: " ولولا فضل الله عليك " الآية. ونزل في بشير وهو بمكة: " ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى " (4) الآية. " (5).


1 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 494، الحكمة: 135، والخصال 1: 202، الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - النساء (4): 108. 3 - النساء (4): 112. 4 - النساء (4): 115. 5 - القمي 1: 152، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 238 ]

وورد في تأويل " إذ يبيتون ": " فلان وفلان والجراح " (1). وفي رواية: " المغيرون الكلم عن مواضعه بعد فقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاقامة أود (2) باطلهم، كما فعلته اليهود والنصارى من تغيير التوراة والانجيل " (3). (لا خير في كثير من نجوهم إلا من أمر بصدقة أو معروف) قال: " القرض " (4). (أو إصلج بين الناس) بأن يستمع (5) من الرجل كلاما يبلغه، فتخبث نفسه (6)، فتلقاه، فتقول: سمعت من فلان فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه. ورد: " ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك، والاصلاح بين الناس " (7). وورد: " إن الله فرض عليكم زكاة جاهكم، كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيديكم " (8). (ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما). (ومن يشاقق الرسول): يخالفه (من بعد ما تبين له الهدى): ظهر له الحق (ويتبع غير سبيل المؤمنين): ما هم عليه من الدين الحنيفي (نوله ما تولى): نجعله واليا لما تولى من الضلال بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره (ونصله جهنم وساءت مصيرا). القمي: نزلت في بشير (9) كما مر. (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء). كرره لقصة بشير أو


1 - الكافي 8: 334، الحديث: 525، عن أبي الحسن عليه السلام. والجراح: هو أبو عبيدة الجراح، كما في المصدر. 2 - الاود: العوج. أقام أوده: أي عوجه. مجمع البحرين 3: 9 (أود). 3 - الاحتجاج 1: 371، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - الكافي 4: 34، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في " الف " و " ج ": " بأن تسمع ". 6 - الخبيث، ضد الطيب، يقال: خبث الشئ خبثا - من باب قرب - وخباثة: ضد طاب. مجمع البحرين 2: 251 (خبث). 7 - الخصال 1: 87، الحديث: 20، عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 8 - القمي 1: 152، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 9 - القمي 1: 152، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 239 ]

للتأكيد. (ومن يشرك بالله فقد ضل ضللا بعيدا). (إن يدعون من دونه): ما يعبدون من دون الله (إلا إنثا) قيل: يعني اللات والعزى ومنات الثالثة الاخرى وإساف ونائلة، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان (1). روي (2): " كان في كل واحدة منهن شيطانة أنثى تتراءى للسدنة (3)، وتكلمهم، وذلك من صنيع إبليس، وهو الشيطان الذي ذكره الله ولعنه " (4). (وإن يدعون إلا شيطنا مريدا) لانه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها. والمريد: الخارج عن الطاعة. (لعنه الله): أبعده عن الخير (وقال) أي: الشيطان (لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا): قدر لي وفرض، قاله عداوة وبغضا. روي: " في هذه الآية من بني آدم تسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة " (5). وفي رواية: " من كل ألف واحد لله وسايرهم للنار ولابليس " (6). (ولاضلنهم) عن الحق (ولا منينهم) الاماني الباطلة، كطول العمر، وأن لا بعث ولا عقاب (ولامرنهم فليبتكن ءاذان الانعم). قيل: كانوا يشقون آذانها إذا ولدت خمسة أبطن والخامس ذكر، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها (7). وفي رواية: " ليقطعن الاذن من أصلها " (8). (ولامرنهم فليغيرن خلق الله). قال: " يريد دين الله وأمره، ويؤيده قوله سبحانه: " فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " " (9). ولعله يندرج فيه كل تغيير لخلق الله من دون إذن من الله،


1 - البيضاوي 2: 117. 2 - في " ب ": " ورد مقطوعا "، وفي " ج ": " ورد ". 3 - السدنة جمع سادن - بكسر الدال -: خادم الكعبة أو بيت الصنم. القاموس المحيط 4: 235 (سده). 4 - مجمع البيان 3 - 4: 112، عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره. 5 و 6 - المصدر: 113، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 7 - الكشاف 1: 564. 8 - مجمع البيان 3 - 4: 113، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام، والآية في سورة الروم (30): 30. (*)

[ 240 ]

كفقئهم (1) عين الفحل الذي طال مكثه عندهم وإعفائه عن الركوب، وخصاء العبيد وكل مثلة، ولا ينافيه التفسير بالدين والامر، لان ذلك كله داخل فيهما. (ومن يتخذ الشيطن وليا من دون الله) بأن يؤثر طاعته على طاعة الله (فقد خسر خسرانا مبينا) إذ ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكانه من النار. (يعدهم) مالا ينجز (ويمنيهم) ما لا ينالون (وما يعدهم الشيطن إلاغرورا) وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر. وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه. ورد: " لما نزلت هذه الآية: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " (2)، صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه فقالوا: يا سيدنا لم دعوتنا ؟ قال: نزلت هذه فمن لها ؟ قام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا. قال: لست لها. فقام آخر، فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: انا لها. قال: بماذا ؟ قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار. فقال: أنت لها. فوكله بها إلى يوم القيامة " (3). (أولئك مأوهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا): معدلا ومهربا. (والذين ءامنوا وعملوا الصلحت سند خلهم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا). تأكيد بليغ. (ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتب). القمي: ليس ما تتمنون أنتم ولا أهل الكتاب، يعني أن لا تعذبوا بأعمالكم (4). (من يعمل سوءا يجز به) عاجلا أو آجلا. ورد: " إن الله تعالى إذا كان من أمره أن يكرم عبدا وله ذنب ابتلاه بالسقم، فإن لم يفعل


1 - الفقؤ - بالهمزة -: الشق، يقال: فقأت عينه أي: شققتها. مجمع البحرين 1: 332 (فقا). 2 - آل عمران (3): 135. 3 - الامالي (للصدوق): 376، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 1: 153، وفيه: " بأفعالكم ". (*)

[ 241 ]

ذلك به ابتلاه بالحاجة. فإن لم يفعل ذلك به شدد عليه الموت، ليكافيه بذلك الذنب " (1). (ولا يجدله): لنفسه (من دون الله وليا): من يواليه (ولا نصيرا) يدفع عنه العذاب. (ومن يعمل من الصلحت): بعضها (من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) بنقص شئ من الثواب. (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله): أخلص نفسه له (وهو محسن): آت بالحسنات. وورد: " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (2). (واتبع ملة إبرهيم) التي هي دين الاسلام والمتفق على صحتها. يعني اقتدى بدينه وبسيرته وطريقته (حنيفا): مايلا عن سائر الاديان (واتخذ الله إبرهيم خليلا). قال: " لانه لم يرد أحدا ولم يسأل أحدا قط غير الله " (3). وفي رواية: " لكثرة سجوده على الارض " (4). وفي أخرى: " لكثرة صلاته على محمد وأهل بيته " (5). وفي أخرى: " لاطعامه الطعام وصلاته بالليل والناس نيام " (6). وفي أخرى: " إن الخليل مشتق من الخلة والخلة إنما معناها الفقر والفاقة، فقد كان خليلا إلى ربه فقيرا، وإليه منقطعا، وعن غيره متعففا معرضا مستغنيا، وذلك أنه لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق، فبعث الله إلى جبرئيل، فقال له: أدرك عبدي، فجاءه فلقيه في الهواء، فقال: كلفني ما بدالك، فقد بعثني الله لنصرتك. فقال: بل حسبي الله ونعم الوكيل، إني لا أسأل غيره ولا حاجة لي إلا إليه، فسماه خليله أي: فقيره ومحتاجه والمنقطع إليه عما سواه. قال: وإذا جعل معنى ذلك من الخلة، وهو أنه


1 - الكافي 2: 444، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 116، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - علل الشرايع 1: 34، الباب: 32، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام. 4 - المصدر، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 3، عن علي بن محمد العسكري عليهما السلام. 6 - المصدر، الحديث: 4، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 242 ]

قد تخلل معانيه، ووقف على أسرار لم يقف عليها غيره، كان معناه العالم به وبأموره، ولا يوجب ذلك تشبيه الله بخلقه، ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله، وإذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله " (1). أقول: لا تنافي بين هذه الاخبار لاشتراكها في معنى انقطاعه إلى الله واستغنائه عما سواه، وإنه الموجب لخلته إياه. (ولله ما في السموت وما في الارض) خلقا وأمرا، ملكا وملكا (2)، فهو مستغن عن جميع خلقه، وجميع خلقه محتاجون إليه. (وكان الله بكل شئ محيطا) علما وقدرة. (ويستفتونك): يسئلونك الفتوى، أي: تبيين الحكم (في النساء): في ميراثهن. قال: " سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النساء، مالهن من الميراث ؟ فأنزل الله الربع والثمن " (3). (قل الله يفتيكم فيهن): يبين لكم ما سألتم في شأنهن (وما يتلى عليكم في الكتب): ويفتيكم أيضا ما يقرأ عليكم من القرآن (في يتمى النساء التى لا تؤتونهن): لا تعطونهن (ما كتب لهن) من الميراث. قال: " كان أهل الجاهلية لا يورثون الصغير ولا المرأة، وكانوا يقولون: لا نورث إلا من قاتل ودفع عن الحريم. فأنزل الله آيات الفرايض التي في أول السورة، وهو معنى قوله: " لا تؤتونهن ما كتب لهن " " (4). (وترغبون أن تنكحوهن) عن نكاحهن. القمي: إن الرجل كان في حجره اليتيمة، فتكون دميمة (5) ساقطة، يعني حمقاء، فيرغب الرجل أن يتزوجها ولا يعطيها مالها، فينكحها غيره من أجل مالها ويمنعها النكاح ويتربص بها الموت ليرثها، فنهى الله عن ذلك (6)


1 - الاحتجاج 1: 19، عن حسن بن علي العسكري، عن أبي عبد الله، عن النبي عليهم السلام. 2 - في " ب ": " وملكا وملكا ". 3 - القمي 1: 154، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 118، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت. 5 - الدميمة: القبيحة المنظر، يقال: دم الرجل دمامة: قبح منظره وصغر جسمه. مجمع البحرين 6: 64 (دمم). 6 - القمي 1: 154. (*)

[ 243 ]

(والمستضعفين): ويفتيكم في المستضعفين (من الولدن): من الصبيان الصغار أن تعطوا حقوقهم، فإن فيما يتلى عليكم: " واتوا اليتامى أموالهم " (1) كما سبق (2). (وأن تقوموا): ويفتيكم في أن تقوموا (لليتمى بالقسط) في أنفسهم وفي أموالهم (وما تفعلوا من خير) في أمر النساء واليتامى وغير ذلك (فإن الله كان به عليما). وعد لمن آثر الخير في ذلك. (وإن امرأد خافت من بعلها): توقعت لما ظهر لها من المخايل (3) (نشوزا): تجافيا عنها، وترفعا عن صحبتها، وكراهة لها، ومنعا لحقوقها (أو إعراضا) بأن يقل مجالستها ومحادثتها (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا). قال: " هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها، فيقول لها: أريد أن أطلقك، فتقول له: لا تفعل، إني أكره أن يشمت بي، ولكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت، وما كان سوى ذلك من شئ فهو لك، ودعني على حالتي، قال: هذا هو الصلح " (4). (والصلح خير) من الفرقة وسوء العشرد. (وأحضرت الانفس الشح) (5) لكونها مطبوعة عليه، فلا تكاد المرأة تسمح بإعراض الزوج عنها وتقصيره في حقها، ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها. القمي: وأحضرت الشح، فمنها من اختارته، ومنها من لم تختره (6). (وإن تحسنوا) في العشرة (وتتقوا) النشوز والاعراض ونقص الحق (فإن الله كان بما تعملون خبيرا). (ولنن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) قال: " أن تسووا بينهن في المحبة والمودة


1 - النساء (4): 2. 2 - في تفسير الآية: 2 من هذه السورة. 3 - المخايل، جمع المخيلة، وهي ما يوقع في الخيال، ويعنى به الامارات. وخلت الشئ خيلا ومخيلة: ظننته. مجمع البحرين 5: 368 (خيل). 4 - الكافي 6: 145، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الشح: البخل مع حرص، فهو أشد من البخل، لان البخل في المال، وهو في مال ومعروف. مجمع البحرين 2: 379 (شحح). 6 - القمي 1: 155، وفيه: " ما " بدل " من " في الموضعين. (*)

[ 244 ]

بالقلب " (1). وفي رواية: " التسوية في كل الامور من جميع الوجوه " (2). (ولو حرصتم) كل الحرص فإن ذلك ليس إليكم، ولا تملكونه ولا تكلفونه ولا تؤاخذون به. روي: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين نسائه ويقول: اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " (3). (فلا تميلوا كل الميل) بترك المستطاع ولاجور على المرغوب عنها (فتذروها كامطقة) التي ليست ذات بعل ولا أيما (4). ورد: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين نسائه في مرضه، فيطاف به بينهن، وإن عليا عليه السلام كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الاخرى " (5). (وإن تصلحوا) ما تفسدون من أمورهن (وتتقوا) فيما يستقبل (فإن الله كان غفورا رحيما) يغفر لكم ما مضى. (وإن يتفرقا يغن الله لكا من سعته) ببدل أو سلو (6)، ويرزقه من فضله (وكان لله وسعا حكيما). (ولل ما في السموت وما في الارض) لا يتعذر عليه الابغناء بعد الفرقة والايناس بعد الوحشة. (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتب من قبلكم وإياكم إن اتقوا الله). قال: " في هذه الآية قد جمع الله ما يتواصى به المتواصون، من الاولين والآخرين، في خصلة واحدة، وهي التقوى، وفيه جماع كل عبادة صالحة، وبه وصل من وصل إلى الدرجات العلى " (7). (وإن تكفروا فإن لله ما في السموت وما في الارض) لا يتضرر


1 - الكافي 5: 363، ذيل الحديث: 1، والعياشي 1: 279، الحديث: 285، والقمي 1: 155، ومجمع البيان 3 - 4: 121، عن أبي عبد الله عليه السلام مع تفاوت. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 121، عن الصادقين عليهما السلام. 3 - المصدر، والدر المنثور 2: 712. 4 - الايم، فيما يتعارقه أهل اللسان: الذي لازوج له، من الرجال والنساء. يقال: رل أيم، سوآء كان تزوج من قيل أو لم يتزوج، والمرأة أيم، أيضا، بكرات كانت أو ثيبا. وإنما قيل للمرأة " أيم " ولم يقل " أيمة "، لان أكر ذلك للنساءء، فهو كالمستعار.. مجمع البحرين 6: 16 (أيم) 5 - مجمع البيان 3 - 4: 121، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام. 6 - السلوة والسلوة: رخاء العيش. يقال: هو في سلوة من العيش، أي: في نعمة ورفاهية ورغد. مجمع البحرين 1: 233، ولسان العرب 14: 396 (سلا). 7 - مصباح الشريعة: 163، الباب: 77، في الوصية، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 245 ]

بكفرانكم وعصيانكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لاجته. (وكان الله غنيا) عن اخلق وعبادتهم (حميدا) في ذاته، حمد أولم يحمد. (ولله ما في السموت وما في الارض) كل يدل بحاجته على غناه، وبما فاض عليه من الوجود والكمال على كونه حميدا (وكفى بالله وكيلا): حافظا للجميع، لا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما. (إن يشأ يذهبكم): يفنكم (أيها الناس ويأت باخرين) مكانكم (وكان الله على ذلك قديرا). روي: " لما نزلت هذه الآى ة ضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده على ظهر سلمان - رضي الله عنه - وقال: هم، قوم هذا، يعني عجم الفرس " (1). (من كان يريد ثواب الدنيا) كمن يجاهد للغنيمة (فعند الله ثواب الدنيا والاخرة) فليطلب الثوابين جميعا من عند الله تعالى، وما باله يكتفي بأخسهما ويدع أشرفهما، على أنه لو طلب الاشرف لم يخطئه الاخس. ورد: " من كانت الآخرد همته، كفاه الله همته (2) من الدنيا " (3). (وكان الله سميعا بصيرا) عالما بالاغراض، فيجازي كلا بنيته. (يأيها الذين ءامنوا كونوا اقومين بالقسط): مواظبين على العدل، مجتهدين في إقامته (شهداء لله) بالحق، تقيمون شهادتكم لوجه الله (ولو على أنفسكم): ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها (أو الولدين والاقربين إن يكن) المشهود عليه أو المشهود له (4) (غنيا أو فقيرا) فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة للغني على الفقير، لاستغناء المشهود له وفقر المشهود عليه، ولا عن إقامة الشهادة للفقير على


1 - مجمع البيان 3 - 4، والبيضاوي 2: 122. 2 - في " ب ": " همه ". 3 - الخصال 1: 129، الباب: 3، الحديث: 133، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " همه " في الموضعين. 4 - في " الف ": " المشهود أو المشهود عليه ". (*)

[ 246 ]

الغني، تهاونا بالفقير وتوقير ا للغني، أو خشية منه، أو حشمة له (فالله أولى بهما): بالغني والفقير وأنظر لهما (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا): لان تعدلوا عن الحق، من العدول، أو لاجل أن تعدلوا في الشهادة، من العدل. نهى عن متابعة الهوى في إقامتها، كمراعاة صداقد، أو عداوة، أو وحشة، أو عصبية، أؤ غير ذلك. (وإن تلوا) قال: " تبدلوا الشهادة " (1). (أو تعرضوا) قال: " تكتموها " (2). وفي رواية: " إن تلو والامر، إو تعرضوا عما أمرتم به " (3). (فإن الله كان بما تعملون خبيرا). (يأيها الذين ءامنوا) بألسنتهم وظاهرهم (ءامنوا) بقلوبكم وباطنكم (بالله ورسوله) [ يعني محمد صلى الله عليه وآله وسلم ] (4) (والكتب الذى نز على رسوله) [ أي: القران ] (5) (والكتب الذى أنزل من قبل) [ أي: التوراة والانجيل، أو الجنس ] (6) (ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الاخر) يعني بشي من ذلك (فقد ضل ضللا بعيدا). (إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) حتى لم يبق فيهم من الايمان شئ. قال: " نزلت في فلان وفلان وفلان آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآه وسلم في أول الامر، ثم كفروا حين عرضت عليهم الا ولاية، حيث قال 6 من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لامير المؤم نين عليه السلام حيث قالوا له بأمر الله وأمر رسول فبايعوه، ثم كفروا حيث مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الايمان شئ " (7). والقمي: آمنوا إقرارا لا تصديقا (8).


1 و 2 - ممع البيان 3 - 4: 124، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 1: 421، الحديث: 45، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4، 5 و 6 ما بين المعقوقات من " ب ". 7 - العياشي 1: 281، الحديث: 289، والكافي 1: 420، الحديث: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - القمي 1: 156. (*)

[ 247 ]

في الموضعين. وفي رواية: " نزلت في ابن أبي سرح (9 1، الذي بعثه عثمان إلى مصر " (2). (لم يكن الله لغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) إلى الجنة لان بصائرهم عميت عن الحق، فلا يتأتى منهم الرجوع إليه. (بشر المنفقين بأن لهم عذابا أليما). (الذين يتخذون الكفرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) وقد كتبها لاوليائه. القمي: نزلت في بني أمية حيث حالفوا على أن لا يردوا الامر في بني هاشم (3). (وقد نزل عليكم في الكتب): القرآن (أن): أن ه (إذا سمعتم ءايت الله يكفر بها ويتهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم). ورد في تفسيرها: " إذا سمعت الرجل يجحد الحق وكذب به ويقع (4) في إهله، فقم من نده ولا تقاعده " (5). " انكم إذا مثلهم " في الكفر، إن رضيتم به وإلا ففي الاثم، لقدرتكم على الانكار أو الاعراض. (إن الله جامع المنفقين والكفرين) القاعدين والمقعود معهم (في جهنم جميعا). (الذين يتربصون بكم): ينتظرون وقوع أمر بكم (فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم): مظاهرين لكم، فاسهموا لنا فيما غنمتم (وإن كان للكفرين نصيب)


1 - هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح، أسلم قبل الفتح وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسمل، وكان يكتب له، ثم ارتد مشركا وسار إلى قريش بمكة، فلما كان يوم فتح مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتله أينما وجد، حتى لحق أستار الكعبد، ففر إلى عثمان بن عفان فغيبه حتى أتى به إلى رسول الله وأسلم ثانيا. وولاه عثمان في زمانه مصر، سنة خمس وعشرين. وفتح إفريقية، فأعطاه عثمان جميع ما أفاء الله على المسلمين من فتح إفريقية بالمغرب. وهو أخو عثمان من الرضاع. وأسوأ أحواله خاتمته، حيث شهد صفين مع معاوية، على ما قيل. " راجع: تنقيح المقال 1: 281 ". 2 - العياشي 1: 280، الحديث: 287، عن الصادقين عليهما لسلام، وفيه: " عبد الله بن أبي سرح ". 3 - القمي 1: 156، وفيه: " خالفوا نبيهم على أن... ". 4 - وقع في الناس وقيعة: اغتابهم. مجمع البحرين 4: 408 (وقع). 5 - الكافي 2: 377، الحديث: 8، عن أبي عبد الله لعيه السلام، والعياشي 1: 281، الحديث: 290، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 248 ]

من الحرب (قالوا) للكافرين (ألم نستحوذ عليكم): ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم. والاستحواذ: الاستيلاء. (ونمنعكم من المؤمنين) بأن أخذلناهم عنكم، بتخييل ما ضعفت به قلوبهم، وتوانينا (1) في مظاهرتهم، وكنا عيونا لكم حتى انصرفوا عنكم وغلبتموهم، فأشركونا فيما أصبتم. سمي ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا، لخسد حظهم. (فالله يحكم بينكم يوم القيمد) بالحق (ولن يجعل الله لكفرين على المؤمنين سبيلا). قال: " يعني لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة " (2). (إن المنفقين يخدعون الله وهو خدعهم). سبق تفسيره (3). (وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى): متثاقلين كالمكره على الفعل (يرآءون الناس) ليخالوهم مؤمنين (ولا يذكرون الله إلا قليلا) إذ المراثي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه. ورد: " من ذكر الله في السر، فقد ذكر الله كثيرا، إن المنافقين كانوا يذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر، فقال الله عز وجل: " يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " " (4). (مذبذ بين بين ذلك): مرددين بين الايمان والكفر، من الذبذبة وهو جعل الشئ مضطربا، وأصله: الذب بمعنى الطرد. (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء): يظهرون الايمان كما يظهره المؤمنون، ولكن لا يضمرونه كما يضمرون، ويضمرون الكفر كما يضمرونه (5) الكافرون، ولكن لا يظهرونه كما يظهرون. (ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا). (يأيها الذين امنوا لا تتخذ والكفرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطنا مبينا): حجة واضحة، فإن مولاة الكافرين دليل النفاق. (إن المتفقين في الدرك الاسفل من النار): في قعر جهنم، فإن للنار دركات


1 - توانى في الامر: ترفق. مجمع البحرين 1: 465 (ونا). 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 204، الباب: 46، ذيل الحديث: 5. 3 - ذيل الآية: 9، من سورد البقرة. 4 - الكافي 2: 501، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - في " ب " و " ج ": " كما يضمره ". (*)

[ 249 ]

متداركة، بعضها تحت بعض، كما أن للجنة درجات متدرجة، بعضها فوق بعض. (ولن تجد لهم نصيرا) يخرجهم منه. (إلا الذين تابوا وأصلحوا) ما أفسدوا (واعتصموا بالله): وثقوا به وتمسكوا بدينه (وأخلصوا دينهم لله): لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه (فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما). (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكر عليما). (لا يحب الله الجهر بالسؤء من القول) قال: " لا يحب الله الشتم في الانتصار " (1). (إلا من ظلم) قال: " فلا بأس له أن ينتصر ممن (2) ظلمه، بما يجوز الانتصار به في الدين " (3). (وكان الله سميعا عليما). (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سؤء) مع قدر تكم على الانتقام، من دون جهر بالسوء من القول، وهو المقصود ذكره، وما قبله تمهيد له، ولذا رتب عليه قوله: (فإن الله كان عفوا قديرا) وهو حث للمظلوم على العفو، بعد ما رخص له في الانتصار، حملا على مكالم الاخلاق. (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله (ويقولون نؤمن ببعض): ببعض الانبياء (ونكفر ببعض) كاليهود والنصارى (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك): بين الايمان والكفر (سبيلا) إلى الضلالة. القمي: هم الذين أقروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنكروا بأمير المؤمنين عليه السلام (4). (أولئك هم الكفرون حقا وأعتدنا للكفرين عذابا مهينا). (والذين ءامنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم) بل آمنوا بجميعهم


1 - 1 و 3، مجمع البيان 3 - 4: 131، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - في " الف ": " 2 من ". 4 - القمي 1: 157. (*)

[ 250 ]

(أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما). (يسئلك أهل الكتب أن تنزل عليهم كتبا من السماء). روي: " إن كعب بن الاشرف وجماعة من اليهود قالوا: يا محمد " إن كنت نبيا، فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة جملد، فنزلت " (1). (فد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصعقة بظلمهم) وهو تعنتهم وسؤالهم المستحيل (ثم اتخذوا العجل): عبدوه (من بعد ما جاء تهم البينت): المعجزات الباهرات (فعفونا عن ذلك) لسعة رحتمنا (وءاتينا موسى سلطنا مبينا): حجة بينة تبين عن صدقه. (ورفعنا فوقهم الطور): الجبل (بميثقهم) ليقبلوه (وقلنا لهم) على لسان موسى (ادخلوا الباب سجدا): باب حطة (وقلنا لهم لا تعدوا في السبت): لا تتجاوزوا في يوم السبت ما ابيح لكم إلى ما حرم عليكم (وأخذنا منهم ميثقا غليظا) على ذلك. (فيما نقضهم ميثقهم) يعني: فخالفوا ونقضوا، ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم، و " ما " مزيدة للتأكيد. (وكفرهم بأيت الله وقتلهم الانبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف): أو عية للعلوم أو في أكنة، كما سبق تفسيره (2). (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا). (وبكفرهم) بعيسى (وقولهم على مريم بهتنا عظيما) يعني: نبتها إلى الزنا. ورد: " إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوا مريم ابنة عمران عليهما السلام إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف " (3). (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) يعنون رسول الله بزعمه.


1 - مجمع البيان 3 - 4: 133. 2 - ذيل الآية: 88 من سورد البقرة. 3 - الامالي (للصدوق): 91، المجلس الثاني والعشرون، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 251 ]

(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم). قيل: إنما ذمهم بما دل عليه الكلام من جرأتهم على الله، وقصدهم قتل نبيه المؤيد بالمعجزات القاهرة وبتجحجحهم (9 1 به، لا لقولهم هذا على حسب حسبانهم (2). وقد سبق ذكر هذه القصمة في آل عمران (3). (وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه). قيل: قال بعضهم: كان كاذبا فقتلنا حقا، وتردد آخرون، فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، وقال من سمع منه إن الله يرفعني إلى السماء: رفع إلى السماء، وقال قوم: صلب الناسوت وصعد اللاهوت (4). (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا). (بل رفعه الله إليه). رد وإنكار لقتله. ورد: " إن لله بقاعا في سماواته، فمن عرج به إلى بقعة منها فقد عرج به إليه، ألا تسمع الله يقول في قصة عيسى بن مريم: " بل رفعه الله إليه " (5). (وكان الله عزيزا حكيما). (وإن من أهل الكتب إلا ليؤمنن به قبل موته). قال: " إنه ينزل قبل يوما لقيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا غيره، إلا آمن به قبل موته، ويصلي خلف المهدي عليه السلام " (6). وفي رواية: " ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل موت الكتابي " (7). ورد: " ليس من أحد من جميع الاديان يموت إلا رآى رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام حقا، من الاولين والآخرين " (8). (ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا). (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت إحلت لهم) قال: " يعني لحوم الابل


1 - جححجح: افتخر. المعجم الوسيط 1: 107 (جححجح). وفي " ب ": " بتبجحهم " وهي بمعناه. 2 - البيضاوي 2: 127 - 128. 3 - ذيل الآيات: 35 إلى 55. 4 - البيضاوي 2: 128. 5 - من لا يحضره الفقيه 1: 127، ذيل الحديث: 4، وعلل الشرايع 1: 133، الباب: 113، ذيل الحديث: 1، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 6 - القمي 1: 158، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - مجمع البيان 3 - 4: 137 - 138. 8 - العياشي 1: 284، الحديث: 303، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 252 ]

والبقر والغنم " (1). (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا). (وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أمول الناس بالبطل وأعتدنا للكفرين منهم عذبا أليما). (لكن الرسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلوة). قيل: يعني ويؤمنون بالمقيمين، يعني الأنبياء (2). وقيل: بل نصب بالمدح (3). (والمؤتون الزكوة والمؤمنون بالله واليوم الاخر أولئك سنوتيهم أجرا عظيما). (إنا أوحينا إليك كما أو حينا إلى نوح والنبين من بعده) قال: " إني أو حيث إليك، كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، فجمع له كل وحي " (4). ورد: " أعطيت السور الطول مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الانجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل ثمان وستون سورة " (5)، (6). (وأوحينا إلى إبرهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وعيسى وأيوب ويونس وهرون وسلهن وءاتينا داود زبورا). (ورسلا): وأرسلنا رسلا (قد قصصنتهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك


1 - الكافي 5: 306، الحديث: 0، والعياشي 1: 284، الحديث: 304، والقمي 1: 185، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 و 3 - مجمع البيان 3 - 4: 140، والتفسير الكبير 11: 106، والبيضاوي 2: 129. 4 - العياشي 1: 285، الحديث: 305، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 5 - الكافي 2: 601، الحديث: 10، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: " الطوال " مكان: " الطول ". 6 - السبع الطول: البقرة، وآل عمران 7 والنساء والمائدة، والانعام، والاعراف، والانفال مع التوبة، لانها تدعى القرينتين، لذلك لم يفصل بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. وإنما سميت هذه السور الطول، لانها أطول سور القران. وأما المثاني، فهي السورة التالية للسبع الطول، وأولها سورة يونس، وآخرها النحل. وإنما سميت مثاني، لانها ثنت الطول، أي: تلتها، فكان الطول هي المبادئ، والمثاني لها ثواني. وأما الماؤون، فهي كل سورد تكون نحوا من مائة آيد، أو فويق ذلك، أو دوينهه. وهي سبع أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون. وقيل: أن المائين ما ولى السبع الطول، ثم المثاني بعدها، وهي التي يقصر عن المائين ويزيد على المفصل. وسميت مثاني، لان المائين مبادلها. وأما المفصل، فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن، طوالها من سورد محمد إلى النبأ، ومتوسطاته منه إلى الضحى، وقصاره منه إلى آخر القرآن. وسميت مفصلا، لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم. " راجع: مجمع البيان 1 - 2: 14، ومرآة العقول 12: 481 - 482 ". (*)

[ 253 ]

وكلم الله موسى تكليما). قال: " كان بين آدم ونوح من الانبياء مستخفين ومستعلنين، ولذلك خفي ذكرهم في القرآن، فلم يسموا كما سمي من استعلن من الانبياء، وهو قول الله عز وجل: " ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك " يعني: لم يسم المستخفين، كما سمى المستعلنين من الانبياء " (1). (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) فيقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا، فينبهنا ويعلمنا ما لم نكن نعلم (وكان الله عريزا حكيما). (لوكن الله يشهد بمآ أنزل إليك). قيل: لما نزلت " إنا أوحينا إليك " قالا: ما نشهد لك بهذا، فنزلت (2). (أنزله بعلمه) بأنك مستأهل له (والملئكة يشهدون) أضا (وكفى بالله شهيدا) وإن لم يشهد غيره. (إن الذين كفروا وظلموا) جمعوا بينهما (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا). (إلا طريق جهنم خلدين فيآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا). ورد: " نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: إن الذين كفروا وظلموا آل محمد حقهم " (4). والقمي: إن الصادق عليه السلام. قرأها هكذا (5).


1 - كمال الدين 1: 215، الباب: 22، ذيل الحديث: 2، والعياشي 1: 285، الحديث: 306، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - البيضاوي 2: 130. 3 - في " ج ": لانهم جمعوا ". 4 - العياشي 1: 258، الحديث: 307، والكافي 1: 424، الحديث: 59، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي الكافي: " إن الذين ظلموا آل محمد حقهم ". 5 - القمي 1: 159. (*)

[ 254 ]

(يأيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فامنوا خير لكم): يكن الايمان خيرا لكم (وإن تكفروا فإن لله ما في السموت والارض وكان الله عليما حكيما). (يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم). غلت اليهود في حط عيسى، حتى رموه بأنه ولد لغير رشدة (1)، والنصارى في رفعه، حتى اتخذوه إلها. (ولا تقولوا على الله إلا الحق) يعني: تنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد (إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقهآ إلى مريم وروح منه) قال: " روح مخلوقة خلقها الله في ادم وعيسى " (2). وفي رواية: " مخلوقان اختراهما (3) واصطفاهما " (4). - فامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة) الآلهة ثلاثة: لله، والمسيح، ومريم، كما يدل عليه قوله تعالى: ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " (5). (انتهوا) عن التثليث (خير لكم): يكن الانتهاء خيرا (إنما الله إله وحد) وحدة حقيقية، لا يتطرق إليها نحو من أنحاء الكثرة والتعدد أصلا (سبحنه أن يكون له ولد له ما في السموت ما في الارض وكفى بالله وكيلا). تنبيه على غناه عن الولد، فإن الحاجة إليه ليكون وكيلا لابيه، والله سبحانه قائم بحفط الاشياء، كاف في ذلك، مستغن عمن يخلفه أو يعينه. (لن يستنكف المسيح): لن يأنف (أن يكون عبد الله) لان عبودية الله شرف يباهى به، وإنما المذلة في عبودية غيره. روي: " إن وفد نجران قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم تعيب صاحبنا ؟ قال: ومن صاحبكم ؟ قالوا: عيسى، قال: وأي شئ أقول ؟ قالوا: تقول: إنه عبد الله. قال: إنه ليس بعار أن يكون عبد لله. قالوا: بلى. فنزلت (6). (ولا الملئكة


1 - يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية. النهاية 2: 225 (رشد). 2 - الكافي 1: 133، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " هي روح الله مخلوقة... ". 3 - في " ب ": " خلقهما ". 4 - التوحيد: 172، الباب: 27، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المائدة (5): 116. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 146، والبيضاوي 2: 131. (*)

[ 255 ]

المقربون ومن يستنكف عن بعاديه ويستكبر): وترفع (1) عنها. الاستكبار دون الاستنكاف، وإنما يتسعمل حيث لا استحقاق، بخلاف التكبر، فإنه قد يكون باستحقاق، كما هو في الله سبحانه. (فسيحشرهم إليه جميعا). (فأما الذين ءامنوا الصلحت فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا). (يأيها الناس قد جائكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا). (فأما الذين ءامنوا بالله واعصموا به فسيد خلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما). قال: " البرهان: محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والنور: علي عليه السلام، والصراط المستقيم: علي عليه السلام " (2). والقمي: النور: إامة علي، والاعتصام: التمسك بولايته، وولاية الائمة عليهم السلام بعده (3). (يستفتونك) أي: في الكلالة، كما يدل عليه الجواب، وقد سبق تفسيرها (4). روي: " إن جابر بن عبد الله كان مريضا، فعاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إن لي كلالة فكيف أصنع في مالي ؟ فنزلت " (5). (قل الله يفتيكم في الكللة إن أامرؤ أهلك ليس له ولد وله أخت) قال: " أخت لام وأب أو أخت لاب " (6). (فلها نصف ما ترك وهو يرثها) أي والمرء يرث أخته جميع مالها إن كانت الاخت هي الميتة. (إن لم يكن لها ولد) ولا والد، لان الكلام في ميراث الكلالة، ولما ثبت أن الاخوة لا يرثون مع الاب. (فإن كانتا اثنتين). الضمير لمن يرث بالاخوة. (فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا


1 - في " ج " " يترفع ". 2 - العياشي 1: 285، الحديث: 308، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 1: 159. 4 - ذيل الآية: 12 من هذه السورة. 5 - البيضاوي 2: 132، والدر المنثور 2: 753. 6 - الكافي 7: 101، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 256 ]

ونساء فللذ كر مثل حظ الانثيين). قال: " إذا مات الرجل وله أخت، تأخذ نصف الميراث بالآية، كما تأخذ البنت لو كانت، والنصف الباقي يرد عليها بالرحم، إذا لم يكن للميت وارث أقرب منها، فإن كان موضع الاخت أخ، أخذ الميراث كله بالآية، لقول الله تعالى " وهو يرثها إن لم يكن لها ولد " فإن كانت (1) أختين أخذتا الثلثين بالآية، والثلث الباقي بالرحم، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء " فللذكر مثل حط الانثيين " وذلك كله إذا لم يكن للميت ولد وأبوان أو زوجة " (2). (يبين الله لكم أن تضلوا): كراهة أن تضلوا (والله بكل شئ عليم) قيل: هي آخر آية نزلت في الاحكام (3).


1 - الكافي: " كانتا ". 2 - القمي 1: 159، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " إذا لم يكن للميت ولد أو أبوان أو زوجة ". وفي " الف ": "... ولد وأبوان وزوجة ". 3 - البيضاوي 2: 132، والكشاف 1: 589. (*)

[ 257 ]

سورة المائدة (مدنية، وهى مائة وعشرون آية) 1 بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الذين ءامنوا أوفوا بالعقود) قال: (أي: بالعهود) 2. أقول: الايفاء والوفاء بالمعنى. والعقد: العهد الموثق، ويشمل هنا كل ما عقد الله على عباده وألزمه اياهم من الايمان به، وبملائكته وكتبه ورسله وأوصياء رسله، وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والاتيان بفرائضه وسننه، ورعاية حدوده وأوامره ونواهيه، وكل مع يعقده المؤمنون على أنفسهم لله وفيما بينهم من الأمانات والمعاملات الغير المحظورة. وورد: (ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عقد عليهم لعلى صلوات الله عليه بالخلافة في عشرة 3 مواطن، ثم أنزل الله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) التى عقدت عليكم لأمير المؤمنين عليه السلام) 4.


1 - الزيادة من: (ب). 2 - القمى 1: 16، والعياشي 1: 289، الحديث: 5، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - في (الف) و (ب): (عشر مواطن). 4 - القمى 1: 16، عن أبى جعفر الثاني عليه السلام. (*)

[ 258 ]

(أحلت لكم بهيمة الأنعام). قيل: أريد به الأزواج الثمانية 1. وورد في تفسيرها: (الجنين في بطن أمه إذا أشعر وأوبر، فذكاته ذكاة أمه. قال: فذلك الذى عنى الله به) 2. وفى رواية: (وان لم يكن تاما فلا تأكله) 3. أقول: لعل هذا أحد معانيها فلا ينافى عمومها، مع أنه نص في حل الأم. سئل: عن أكل لحم الفيل والدب والقرد فقال: (ليس هذا من (بهيمة الأنعام) التى تؤكل) 4. (الا ما يتلى عليكم) تحريمه. (غير محلى الصيد وأنتم حرم). قيل: يعنى أحلت لكم في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا يتحرج عليكم 5. أقول: وهو لا ينافى عموم حلها ساير الأحوال. (ان الله يحكم ما يريد). (يا أيها الذين ءامنوا لا تحلوا شعائر الله): لا تتهاونوا بحرمات الله مما جعله شعار الدين وعلامته (ولا الشهر الحرام) بالقتال فيه. (نزلت حين أراد المسلمون قتل كافر باغ في أشهر الحرم). كذا ورد 6. (ولا الهدى): ما أهدى الى الكعبة (ولا القلآئد): ما قلد به الهدى من نعل وغيره، ليعلم أنه هدى فلا يتعرض له. ولآ ءآمين البيت الحرام): قاصدين لزيارته (يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا): أن يثيبهم ويرضى عنهم. يعنى لا تتعرضوا لهم. (وإذا حللتم) من احرامكم (فاصطادوا) ان شئتم (ولا يجرمنكم): ولا يحملنكم (شنئان قوم): شدة بغضهم وعدواتهم (أن صدوكم عن المسجد


1 - البيضاوى 2: 133. والمراد بها: المعز والضأن والبقر والابل، ذكرها وأنثاها. 2 - الكافي 6: 234، الحديث: 1، عن أحدهما عليهما السلام. 3 - المصدر، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 29، الحديث: 12، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن على عليهم السلام. 5 - جوامع الجامع 1: 3 9، والكشاف 1: 591. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 153، عن أبى جعفر عليه السلام، والدر المنثور 3: 1. (*)

[ 259 ]

الحرام): لأن صدوكم. يعنى عام الحديبية. (أن تعتدوا) بالانتقام (وتعاونوا على البر والتقوى): على العفو والاغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) للتشفي والانتقام (واتقوا الله ان الله شديد العقاب). (حرمت عليكم الميتة). بيان لما يتلى عليكم (والدم) أي: المسفوح منه، لقوله: (أو دما مسفوحا) 1. قيل: كانوا في الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها 2. (ولحم الخنزير) وان ذكى. خصه بالذكر دون الكلب وغيره، لاعتيادهم أكله دون غيره. (وما أهل): رفع الصوت (لغير الله به) كقولهم: باسم اللآت والعزى عند ذبحه. قال: (ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر) 3. (والمنخنقة) قال: (التى انخفقت بأخناقها حتى تموت) 4. (والموقوذة) قال: (التى مرضت ووقذها 5 المرض، لم يكن بها حركة) 6. وفى رواية: (كانوا يشدون أرجلها ويضربونها حتى تموت) 7. (والمتردية) قال: (التى تتردى من مكان مرتفع الى أسفل فتموت) 8. (والنطيحة) قال: (التى تنطحها بهيمة أخرى فتموت) 9. (وما أكل السبع) منه فمات. (الا ما ذكيتم). قال: (يرجع الى جميع ما تقدم ذكره من المحرمات سوى ما لا يقبل الذكاة من الخنزير والدم) 1. قال: (ان أدنى ما يدرك به الذكاة أن يدركه وهو يحرك أذنه أو ذنبه أو يطرف عينيه) 11. وفى رواية: (إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحركت


1 - الأنعام (6): 145. 2 - البيضاوى 2: 134. شوى الماء: أسخنه. (القاموس المحيط 4: 352، وتاج العروس 1: 2 4). شوى شيا اللحم: عرضه للنار فنضج. المنجد في اللغة: 41 (شوى). 3، 4، 6، 8 و 9 - من لا يحضره الفقيه 3: 217، الحديث: 1 7، عن أبى جعفر الثاني عليه السلام. 5 - الوقذ في الأصل: الضرب المثخن والكسر. ووقذها المرض أي: كسرها وضعفها. النهاية 5: 212 (وقذ). 7 - القمى 1: 161. 1 - مجمع البيان 3 - 4: 158، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 11 - المصدر: 157، عن الصادقين عليهما السلام، وفيه: (أن تدركه يتحرك أذنه أو ذنبه أو تطرف عينه). (*)

[ 260 ]

الذنب، فكل منه فقد أدركت ذكاته) 1. (وما ذبح على النصب). قال: (على حجر أو صنم، الا ما أدرك ذكاته فيذكى) 2. (وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق). قال: (كانوا في الجاهلية يشترون بعيرا فيما بين عشرة أنفس ويقتسمون عليه بالقداح، وكانت عشرة، سبعة لها أنصباء وثلاثة لا أنصباء لها، ثم ذكر أسماء القداح ثم قال: فكانوا يجيلون السهام بين عشرة، فمن خرج اسمه سهم من التى لا أنصباء لها ألزم ثلث ثمن البعير، فلا يزالون كذلك حتى تقع السهام الثلاثة التى لا أنصباء لها الى ثلاثة منهم، فيلزمونهم ثمن البعير، ثم ينحرونه ويأكله السبعة الذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا ولم يطعموا منه الثلاثة الذين أنقدوا 3 ثمنه شيئا. فلما جاء الاسلام حرم الله ذلك فيما حرم، فقال - عزوجل -: (وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق) يعنى حرام) 4. (اليوم): الآن (يئس الذين كفروا من دينكم): انقطع طمعهم من دينكم أن تتركوه، وترجعوا منه الى الشرك. القمى: ذلك لما نزلت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام 5. (فلا تخشوهم) أن يظهروا على دين الاسلام ويردوكم عن دينكم (واخشون) ان خالفتم أمرى أن تحل بكم عقوبتي (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلام دينا). قال: (الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله: (اليوم اكملت لكم دينكم) قال: 6 لا أنزل بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض) 7.


1 - الكافي 6: 232، الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 3: 217، الحديث: 1 7، عن أبى جعفر الثاني عليه السلام. 3 - في (ب) و (ج): (نقدوا). 4 - من لا يحضره الفقيه 3: 217 - 218، الحديث: 1 7، عن أبى جعفر الثاني عليه السلام. 5 - القمى 1: 162. 6 - في المصدر: (قال أبو جعفر عليه السلام: يقول الله عزوجل: لا أنزل عليكم...). 7 - الكافي 1: 289، الحديث: 4، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 261 ]

أقول: وانما أكملت الفرائض بالولاية، لأن النبي صلى الله عليه واله وسلم أنهى 1 جميع ما استودعه الله من العلم الى أمير المؤمنين ثم الى ذريته الأوصياء عليهم السلام واحدا بعد واحد، فلما أقامهم مقامه وتمكن الناس من الرجوع إليهم في حلالهم وحرامهم، واستمر ذلك بقيام واحد مقام آخر الى يوم القيامة، كمل الدين وتمت النعمة. وقد ورد هذا المعنى بعينه عنهم عليهم السلام 2، والحمد لله على ذلك، وصلى الله على محمد وأهل بيته الأوصياء وسلم. (فمن اضطر). متصل بالمحرمات، وما بينهما اعتراض، والمعنى: فمن اضطر الى تناول شئ من هذه المحرمات. (في مخمصة): مجاعة (غير متجانف) قال: (غير متعمد) 3. (لاثم). أقول: وذلك بأن يأكلها تلذذا أو مجاوزا حد الرخصة. وهذا كقوله سبحانه: (غير باغ ولا عاد) وقد سبق تفسيرهما في سورة البقرة 4. (فان الله غفور رحيم) لا يؤاخذه بأكله. (يسئلونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات): ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تتنفر عنه (وما علمتم من الجوارح) أي: صيدهن (مكلبين): مؤدبين لها. والمكلب: مؤدب الجوارح ومغريها بالصيد. قال: (هي الكلاب) 5. قال: (فما خلا الكلاب فليس صيده بالذى يؤكل الا أن يدرك ذكاته) 6. (تعلمونهن مما علمكم الله): مما ألهمكم من طرق التأديب (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه).


1 - الانهاء: الابلاغ والاعلام. يقال: أنهيت الأمر الى الحاكم: اعلمته به. مجمع البحرين 1: 426 (نها). 2 - راجع: الكافي 1: 29، الحديث: 4، و 289، الحديث: 6، و 222، الحديث: 6، و 223، باب أن الأئمة ورثوا علم النبي وجميع الأنبياء والأوصياء الذين من قبلهم. 3 - القمى 1: 162، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - في ذيل الآية: 173. 5 - الكافي 6: 2 2، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - المصدر: 2 5 الحديث: 14، ومن لا يحضره الفقيه 3: 2 1، الحديث: 911، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 262 ]

قال: (ان أرسله صاحبه وسمى، فليأكل كل ما أمسك عليه وان قتل، وان أكل فكل ما بقى) 1. وقال: (إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته) 2. (واتقوا الله ان الله سريع الحساب). (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم). قال: (ان المراد به الحبوب والبقول والفاكهة، غير الذبايح التى يذبحونها، فانهم لا يذكرون اسم الله خالصا على ذبايحهم) 3. وفى رواية: (الذبيحة بالاسم ولا يؤمن عليها الا أهل التوحيد) 4. وفى أخرى: (إذا شهدتموهم وقد سموا اسم الله فكلوا ذبايحهم، وان لم تشهدوهم فلا تأكلوا، وان أتاك رجل مسلم فأخبرك أنهم سموا فكل) 5. وفى أخرى: (لا تأكله ولا تتركه، تقول: انه حرام، ولكن تتركه تنزها عنه، ان في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير) 6. (وطعامكم حل لهم) فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم. (والمحصنات) يعنى: وأحل لكم نكاح المحصنات، يعنى: العفائف (من المؤمنات) قال: (هن المسلمات) 7. (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) قال: (هن العفائف) 8. وورد: أنها منسوخة بقوله تعالى: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) 9. وفى رواية: (وبقوله: (ولا تنكحوا المشركات) 1. وفى أخرى:


1 - الكافي 6: 2 5 الحديث: 14، ومن لا يحضره الفقيه 3: 2 1، الحديث: 911، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 و 3 - القمى 1: 163، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 6: 239، الحديث 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - التهذيب 9: 69، الحديث: 294، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 6: 264، الحديث: 9، عن أبى عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 235، الحديث: 2، والبرهان 1: 449، الحديث: 11، عن أبى عبد الله عليه السلام. 8 - من لا يحضره الفقيه 3: 276، الحديث: 1313، والعياشي 1: 296، الحديث: 39، عن أبى عبد الله عليه السلام. 1 - مجمع البيان 3 - 4: 162، عن أبى جعفر عليه السلام. والآية في سورة البقرة (2): 221. (*)

[ 263 ]

(أنها ناسخة لقوله: (ولا تنكحوا المشركات) 1. ويؤيده ما ورد: (ان سورة المائدة آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها) 2. وورد: انه سئل عن الرجل المؤمن يتزوج النصرانية واليهودية. قال: (إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية. فقيل له: يكون له فيها الهوى، قال: فان فعل فليمنعها من شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلم أن عليه في دينه غضاضة) 3. وفى رواية: (لا يتزوج الرجل اليهودية والنصرانية على المسلمة، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية) 4. وفى أخرى: (لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعنده حرة) 5. (اذآ ءاتيتموهن أجورهن): مهورهن (محصنين): أعفاء بالنكاح (غير مسافحين): غير مجاهرين بالزنا (ولا متخذي أخذان): ولا مسرين به. والخدن: الصديق، يقع على الذكر والأنثى. (ومن يكفر بالايمان). قال: (ترك العمل الذى أقر به، مع ذلك أن يترك الصلاة من غير سقم ولا شغل) 6. وفى رواية: (ترك العمل حتى يدعه أجمع) 7. وفى أخرى: (الذى لا يعمل بما أمر الله ولا يرضى به) 8. (فقد حبط عمله وهو في الأخرة من الخاسرين).


1 - الكافي 5: 357، الحديث: 6، عن أبى الحسن الرضا عليه السلام. 2 - الدر المنثور 3: 4، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. 3 - الكافي 5: 356، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. والغضاضة: الذلة والمنقصة. مجمع البحرين 4: 218 (غضض). 4 - المصدر: 357، الحديث: 4 و 5، عن أبى جعفر عليه السلام. 5 - التهذيب 7: 256، الحديث: 11 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 2: 384، الحديث: 5، عن أبى عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 1: 297، الحديث: 43، عن أحدهما عليهما السلام. 8 - المصدر، الحديث: 43، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 264 ]

(يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم الى الصلاة) قال: (من النوم) 1. أقول: فوجوب الوضوء بغير حدث النوم مستفاد من الأخبار، كوجوب الغسل بغير الجنابة. (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم الى الكعبين). الوجه ما يواجه به. قال: (كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوا ولا أن يبحثوا عنه ولكن يجرى عليه الماء) 2. أقول: ولما كانت اليد تطلق على ما تحت الزند وعلى ما تحت المرفق وعلى ما تحت المنكب، بين الله سبحانه غاية المغسول منها، فلا دلالة في الآية على ابتداء الغسل بالأصابع وانتهائه الى المرفق، وكذلك القول في الأرجل، فانها تطلق على القدم وعلى ما تحت الركبة وعلى ما يشمل الفخذين، والمرفق مجمع عظمي الذراع والعضد، والكعب عظم مائل الى الاستدارة واقع في ملتقى الساق والقدم، ويعبر عنه بالمفصل لمجاورته له. ورد: انه سئل: أين الكعبان ؟ قال: (هاهنا، يعنى المفصل دون عظم الساق) 3. وسئل: بم علم أن المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين ؟ فأجاب: (لمكان الباء) 4 يعنى أنها للتبعيض. وسئل: (وأرجلكم) على الخفض هي أم على النصب ؟ فقال: (بل هي على الخفض) 5. وقال: (فإذا مسح بشئ من رأسه أو بشئ من قدميه ما بين الكعبين الى أطراف الأصابع فقد أجزأه) 6. (وان كنتم جنبا فاطهروا): فاغتسلوا. عطف على فاغسلوا، كقوله: (وان


1 - التهذيب 1: 7، الحديث: 9، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 28، الحديث: 88، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 3: 26، الحديث: 5، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - المصدر: 3، الحديث: 4، عن أبى جعفر عليه السلام. 5 - التهذيب 1: 7 - 71، الحديث: 188، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - الكافي 3: 26، الحديث: 5، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 265 ]

كنتم مرضى). قال: (تبدأ فتغسل كفيك، ثم تفرغ بيمينك على شمالك فتغسل فرجك ومرافقك، ثم تمضمض واستنشق، ثم تغسل جسدك من لدن قرنك 1 الى قدميك، ليس قبله ولا بعده وضوء، وكل شئ أمسته الماء فقد أنقيته، ولو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وان لم يدلك جسده) 2. (وان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). قد سبق تفسير هذه الآية في سورة النساء 3. (ما يريد الله) بفرض الطهارات (ليجعل عليكم من حرج): من ضيق (ولكن يريد ليطهركم) من الأحداث والذنوب، فان الطهارة كفارة للذنوب، كما هي رافعة للأحداث (وليتم نعمته عليكم) بهذا التطهير (لعلكم تشكرون). (واذكروا نعمة الله عليكم) بالاسلام (وميثاقه الذى واثقكم به). قيل: يعنى عند اسلامكم بأن تطيعوا الله فيما يفرضه عليكم. 4 ورد (ان المراد به ما بين لهم في حجة الوداع، من تحريم المحرمات وكيفية الطهارة وفرض الولاية وغير ذلك) 5. أقول: وهذا داخل في ذاك. (إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله) في انساء نعمته ونقض ميثاقه (ان الله عليم بذات الصدور): بخفياتها. (يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط). سبق تفسيره 6. (ولا يجرمنكم): ولا يحملنكم (شنئان قوم): شدة عداوتهم وبغضهم (على ألا


1 - القرن: جانب الرأس. مجمع البحرين 6: 3 (قرن). 2 - التهذيب 1: 148، الحديث: 422، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - ذيل الآية: 43. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 168. 5 - المصدر، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - في سورة النساء ذيل الآية: 135. (*)

[ 266 ]

تعدلوا) فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثله وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد، تشفيا مما في قلوبكم. (اعدلوا) في أوليائكم وأعدائكم (هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون). (وعد الله الذين ءامنوا وعلموا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم). (والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم). (يا أيها الذين ءامنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا): يبطشوا (اليكم أيديهم) بالقتل والاهلاك (فكف أيديهم عنكم). القمى: يعنى أهل مكة من قبل فتحها، فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية 1. (واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون). (ولقد أخذ الله ميثاق بنى اسرآءيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا): كفيلا أمينا شاهدا من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها ويعرف مناقبهم. (وقال الله انى معكم لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وءامنتم برسلى وعزرتموهم): ونصرتموهم وقويتموهم (وأقرضتم الله قرضا حسنا) بالانفاق في سبيله (لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سوآء السبيل). قيل: أمروا بعد هلاك فرعون بأن يخرجوا الى (أريحا) من أرض الشام ويجاهدوا مع ساكنيها من الجبابرة ويستقروا فيها، وأمر موسى بأن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء بما أمروا به، فاختار النقباء وأخذ الميثاق عليهم، فلما دنوا من أرضهم بعث النقباء يتجسسون فرأوا أجراما عظاما وقوة، فرجعوا فأخبروا موسى بذلك فأمرهم أن يكتموا ذلك، فحدثوا بذلك قومهم، الا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع


1 - القمى 1: 163. (*)

[ 267 ]

بن نون من سبط أفرائيم بن يوسف وكانا من النقباء 1. (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم): طردناهم من رحمتنا (وجعلنا قلوبهم قاسية): لا تنفعل عن الآيات والنذر (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا): تركوا نصيبا وافرا (مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم): خيانة أو فرقة خائنة (الا قليلا منهم) لم يخونوا (فاعف عنهم واصفح ان الله يحب المحسنين). القمى: منسوخة بقوله: (أقتلوا المشركين) 2. (ومن الذين قالوا انا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون). (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) كنعت محمد صلى الله عليه واله وسلم وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى بأحمد في الانجيل (ويعفوا عن كثير) مما تخفونه لا يخبر به (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين). (يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلم): طرق السلامة من العذاب (ويخرجهم من الظلمات): أنواع الكفر (الى النور): الاسلام (باذنه): بارادته وتوفيقه (ويهديهم الى صراط مستقيم). (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا): فمن يمنع من قدرته وارادته شيئا (ان أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشآء والله على كل شئ قدير). (وقالت اليهود والنصارى نحن أبنآؤا الله وأحبآؤه): أشياع 3 ابنيه: عزير ومسيح


1 - الكشاف 1: 599، ومجمع البيان 3 - 4: 171. 2 - القمى 1: 164. والآية في سورة التوبة (9): 5. 3 - في (ب): (أتباع). (*)

[ 268 ]

(قل فلم يعذبكم بذنوبكم) في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، وفى الآخرة بالنار أياما معدودة كما زعمتم (بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء): يعاملكم معاملة ساير الناس (ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما واليه المصير). (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم) ما يحتاج الى البيان (على فترة من الرسل): على فتور من الارسال وانقطاع من الوحى (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولانذير): كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به (فقد جاءكم بشير ونذير) فلا تعتذروا. قال: (ان الأمم تجحد تأديه رسالات رسلهم وتقول: (ما جاءنا من بشير ولا نذير)، والرسل يستشهدون نبينا صلوات الله عليهم، فيقول نبينا لكل أمة: (بلى قد جاءكم بشير ونذير). (والله على كل شئ قدير) قال: (أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل اليكم رسالاتهم) 2. (واذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وءاتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين) من فلق البحر وتظليل الغمام وانزال المن والسلوى وغير ذلك. (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) قال: (يعنى الشام) 3. (التى كتب الله لكم) أن تكون مسكنا لكم. ورد: (انهم لم يدخلوها حتى حرمها عليهم وعلى أبنائهم، وانما دخلها أبناء الأبناء) 4. وفى رواية: (كتبها لهم ثم محاها) 5. (ولا ترتدوا على أدباركم): ولا ترجعوا مدبرين (فتنقلبوا خاسرين) ثواب الدارين. (قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين): شديدى البطش والبأس والخلق، لا يتأتى


1 و 2 - الاحتجاج 1: 36: عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - العياشي 1: 3 6، ذيل الحديث: 75، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - المصدر: 3 4، الحديث: 7، عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 3 4، الحديث: 69، عن الصادقين عليهما السلام. (*)

[ 269 ]

لنا مقاومتهم (وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون). (قال رجلان) قال: (هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وهما ابنا عمه) 1. (من الذين يخافون): يخافون الله ويتقونه (أنعم الله عليهما) بالايمان والتثبيت (ادخلوا عليهم الباب): باب قريتهم، أي: باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من الاصحار (فإذا دخلتموه فانكم غالبون) لتعسر الكر عليهم في المضائق من عظم أجسامهم، ولأنهم أجسام لا قلوب فيها. (وعلى الله فتوكلوا) في نصرته على الجبارين (ان كنتم مؤمنين) به وبوعده. (قالوا يا موسى انا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون). قالوها استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما. (قال رب انى لآ أملك الا نفسي وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين). (قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة) لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم (يتيهون في الأرض): يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقا (فلا تأس على القوم الفاسقين) لأنهم أحقاء بذلك لفسقهم. قال: (إذا كان العشاء وأخذوا في الرحيل نادوا: الرحيل الرحيل، الوحا الوحا 2، فلم يزالوا كذلك حتى تغيب الشمس، حتى إذا ارتحلوا واستوت بهم الأرض قال الله تعالى للأرض: ديرى بهم فلا يزالون 3 كذلك، حتى إذا أسحروا وقارب الصبح قالوا: ان هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا، فإذا أصبحوا إذا أبنيتهم 4 ومنازلهم التى كانوا فيها بالأمس، فيقول بعضهم لبعض: يا قوم لقد ضللتم


1 - العياشي 1: 3 3، الحديث: 68، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - الوحا الوحا - بالمد والقصر - أي: السرعة السرعة، وهو منصوب بفعل مضمر. مجمع البحرين 1: 432 (وحا). 3 - في (ب): (فلم يزالوا)، وفى (ج) والعياشي: (فلا يزالوا). 4 - في جميع النسخ: (تيههم)، ولعل الأصح ما أثبتناه كما في المصدر. تاه يتيه تيها: إذا تحير وضل. النهاية 1: 203 (تيه). (*)

[ 270 ]

وأخطأتم الطريق، فلم يزالوا كذلك حتى أذن الله لهم فدخلوها، وقد كان كتبها لهم) 1. وورد: (مات هارون قبل موسى وماتا جميعا في التيه) 2. (واتل عليهم نبأ ابنئ ادم): قابيل وهابيل (بالحق): بالصدق (إذ قربا قربانا). القربان: ما يتقرب به الى الله من ذبيحة أو غيرها (فتقبل من أحدهما) لأنه رضى بحكم الله وأخلص النية لله وعمد الى أحسن ما عنده، وهو هابيل (ولم تتقبل من الأخر) لأنه سخط حكم الله ولم يخلص النية في قربانه وقصد الى أخس ما عنده، وهو قابيل (قال لأقتلنك). توعده بالقتل، لفرط حسده له على تقبل قربانه. (قال انما يتقبل الله من المتقين) يعنى انما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلى. فيه أشارة الى أن الحاسد ينبغى أن يرى حرمانه من تقصيره، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا لا في ازالة حظه، فان ذلك مما يضره ولا ينفعه، وان الطاعة لا تقبل الا من مؤمن تقى. (لئن بسطت الى يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدى ليك لأقتلك انى أخاف الله رب العالمين). (انى أريد أن تبوأ): أن ترجع (باثمى واثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزآؤا الظالمين). لعل غرضه بالذات أن لا يكون ذلك له، لا أن يكون لأخيه. ورد: (من قتل مؤمنا أثبت الله على قاتله جميع الذنوب، وبرئ المقتول منها، وذلك قول الله عزوجل: (انى أريد أن تبوأ) الآية) 3. (فطوعت له): اتسعت (نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين) دينا ودنيا، إذ بقى مدة عمره مطرودا محزونا نادما. قال: (ان الله أوحى الى آدم أن يدفع الوصية واسم الله الأعظم الى هابيل وكان قابيل أكبر، فبلغ ذلك قابيل فغضب فقال: أنا أولى


1 - العياشي 1: 3 5، الحديث: 74، والبحار 13: 181، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - القمى 2: 137، عن أبى جعفر عليه السلام، ذيل الآية: 13 من سورة القصص. 3 - ثواب الأعمال: 555، عن أبى جعفر عليه السلام، وفيه (من قتل مؤمنا متعمدا). (*)

[ 271 ]

بالكرامة والوصية، فأمرهما أن يقربا قربانا بوحى من الله إليه، ففعلا، فتقبل الله قربان هابيل فحسده قابيل فقتله) 1. وفى رواية: (ان عدو الله ابليس قال لقابيل: انه تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربانك، فان تركته يكون له عقب يفتخرون على عقبك، فقتله قابيل) 2. ورد: (فلم يدر كيف يقتله حتى جاء ابليس فعلمه فقال: ضع رأسه بين حجرين ثم اشدخه) 3. (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجرت أن أكون مثل هذا الغراب فأوراى سوءة أخى فأصبح من النادمين) على قتله. قال: (فلما قتله لم يدر ما يصنع به. فجاء غرابان فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر الذى بقى الأرض بمخالبه ودفن فيها 4 صاحبه. قال قابيل: (يا ويلتى) الآية، فحفر له حفيرة فدفنه فيها، فصارت سنة يدفنون الموتى) 5. (من أجل ذلك كتبنا على بنى أسرآءيل) القمى: لفظ الآية خاص في بنى اسرائيل ومعناها جار في الناس كلهم. 6 (أنه من قتل نفسا بغير نفس) يوجب الاقتصاص (أو فساد في الأرض): أو بغير فساد فيها كالشرك وقطع الطريق (فكأنما قتل الناس جميعا) لهتكه حرمة الدماء وتسنينه سنة القتل وتجرئته الناس عليه. قال: ((واد في جهنم لو قتل الناس جميعا كان فيه ولو قتل نفسا واحدة كان فيه) 7.


1 - العياشي 1: 312، الحديث: 83، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - كمال الدين 1: 213، الباب: 22، الحديث: 2، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - القمى 1: 165، عن السجاد عليه السلام. والشدخ: الكسر في الشئ الأجوف، يقال: شدخت رأسه: كسرته. مجمع البحرين 2: 435 (شدخ). 4 - في جميع النسخ: (فيه). 5 - القمى 1: 165، عن السجاد عليه السلام. والمخالب جمع مخلب بمنزلة الظفر للانسان. مجمع البحرين 2: 53 (خلب). 6 - القمى 1: 167. 7 - العياشي 1: 313، الحديث: 86، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 272 ]

(ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا): ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع من القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلاك، فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا. قال: (من أنقذها من حرق أو غرق. قيل: فمن أخرجها من ضلال الى هدى قال: ذاك تأويلها الأعظم) 1. وفى رواية: (من أخرجها من ضلال الى هدى فكأنما أحياها، ومن أخرجها من هدى الى ضلال فقد قتلها) 2. (ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات) بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد الوكيد كى يتحاموا عن أمثال هذه الجنايات (ثم ان كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون): مجاوزون عن الحق. قال: (المسرفون هم الذين يستحلون المحارم ويسفكون الدماء) 3. (انما جزآؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا): ذل وفضيحة (ولهم في الأخرة عذاب عظيم) لعظم ذنوبهم. الا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم). (قدم قوم من بنى ضبة على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مرضى، فبعثهم لله الى ابل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها، فلما برأوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في الابل وساقوا الابل. فبعث إليهم عليا عليه السلام فأسرهم، فنزلت. فاختار رسول الله صلى الله عليه واله وسلم القطع، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف). كذا ورد. 4 سئل: عن هذه الآية. فقال: (ذلك الى الامام يفعل به ما شاء. قيل: فمفوض ذلك إليه ؟ قال: لا ولكن نحو


1 - الكافي 2: 211، الحديث: 2، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 2: 21، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 187، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 7: 245، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 273 ]

الجناية) 1. وفى رواية: (من قطع الطريق فقتل وأخذ المال، قطعت يده ورجله وصلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم يأخذ المال، قتل. ومن قطع الطريق وأخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله. ومن قطع الطريق ولم يأخذ مالا ولم يقتل، نفى من الأرض) 2. وسئل: كيف ينفى ؟ فقال: (ينفى من المصر الذى فعل فيه ما فعل الى مصر آخر غيره، ويكتب الى أهل ذلك المصر بأنه منفى، فلا تجالسوه ولا تبايعوه ولا تناكحوه ولا تؤاكلوه ولا تشاربوه، فيفعل ذلك به سنة، فان خرج من ذلك المصر الى غيره كتب إليهم بمثل ذلك حتى تتم السنة) 3. وفى رواية: (ان معنى المحارب ايداعه الحبس) 4. وفى أخرى: (أن يقذف في البحر ليكون عدلا للقتل والصلب) 5. (وورد: (من حمل السلاح بالليل فهو محارب الا أن يكون رجلا ليس من أهل الريبة) 6. (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة): ما تتوسلون به الى ثوابه والزلفى منه. القمى: تقربوا إليه بالامام 7. وورد: (الأئمة هم الوسيلة الى الله)) 8. وفى رواية: (آنهاأعلى درجة في الجنة) 9 (وجاهدوا في سبيله) بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة (لعلكم تفلحون) بالوصول الى الله والفوز بكرامته. (ان الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض) من صنوف الأموال (جميعا ومثله


1 - الكافي 7: 246، الحديث: 5، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 247، الحديث: 11، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: الحديث: 8، عن أبى الحسن الرضا عليه السلام. 4 - العياشي 1: 315، الحديث: 91، عن أبى جعفر الثاني عليه السلام. 5 - الكافي 7: 247، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 6 - المصدر: 246، الحديث: 6، عن أبى جعفر عليه السلام. 7 - القمى 1: 168. 8 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 58، الباب: 31، الحديث: 217، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. 9 - الكافي 8: 24، ذيل خطبة الوسيلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 274 ]

معه ليفتدوا به) أنفسهم (من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم). (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم). قال: (انهم أعداء على عليه السلام) 1. (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). سئل: في كم يقطع السارق ؟ قال: (في ربع دينار) 2. قال: (وتقطع الأربع أصابع ويترك الابهام، يعتمد عليها في الصلاة، ويغسل بها وجهه للصلاة) 3. و (إذا قطعت الرجل ترك العقب، لم يقطع) 4. وفى رواية: (إذا سرق قطعت يمينه، فإذا سرق مرة أخرى قطعت رجله اليسرى، ثم إذا سرق مرة أخرى سجن وترك رجله اليمنى، يمشى عليها الى الغائط، ويده اليسرى، يأكل بها ويستنجى بها) 5. (جزاء بما كسبا نكالا من الله): عقوبة منه (والله عزيز حكيم). (فمن تاب من بعد ظلمه): بعد سرقته (وأصلح) أمره برد المال والتفصى عن التبعات (فان الله يتوب عليه ان الله غفور رحيم). قال: (في رجل سرق أو شرب الخمر أو زنى، فلم يعلم ذلك منه، ولم يؤخذ، حتى تاب وصلح وعرف منه أمر جميل، لم يقم عليه الحد) 6. وفى رواية: (من أخذ سارقا فعفا عنه، فذاك له، فإذا رفع الى الامام قطعه. فان قال الذى سرق منه: أنا أهب له، لم يدعه الامام حتى يقطعه. قال: وذلك قول الله تعالى (والحافظون لحدود الله) 7 فإذا انتهى الحد الى الامام، فليس لأحد أن


1 - العياشي 1: 317، الحديث: 1، عن أبى جعفر عليه السلام و 1 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 7: 222، الحديث: 6، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 225، الحديث: 17، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 222، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 223، الحديث: 4، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - المصدر: 25، الحديث: 1، عن أحدهما عليهما السلام، وفيه (... ولم يؤخذ حتى تاب وصلح ؟ فقال: إذا صلح وعرف منه أمر جميل، لم يقم عليه الحد). 7 - التوبة (9): 112. (*)

[ 275 ]

يتركه) 1 (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله على كل شئ قدير). (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر): في اظهاره إذا وجدوا منه فرصة (من الذين قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم) يعنى المنافقين. (ومن الذين هادوا سماعون للكذب) أي: قائلون له، أو سماعون كلامك ليكذبوا عليك (سماعون لقوم ءاخرين): لجمع آخر من اليهود (لم يأتوك): لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبرا أو افراطا في البغضاء، يعنى: مصغون لهم، قائلون كلامهم، أو سماعون منك لأجلهم ولأنهاء إليهم. (يحرفون الكلم من بعد مواضعه): يميلونه عن مواضعه التى وضعه الله فيها، بتغييره وحمله على غير المراد واجرائه في غير مورده أو اهماله. (يقولون ان أوتيتم هذا فخذوه): ان أوتيتم هذا المحرف، فاقبلوه واعملوا به (وان لم تؤتوه) بل أفتاكم محمد بخلافه (فاحذروا) قبول ما أفتاكم به. القمى: نزلت في عبد الله بن أبى، حيث مشت إليه بنو النضير فقالوا: سل محمدا أن لا ينقض شرطنا في هذا الحكم الذى بيننا وبين بنى قريظة في القتل، وكان شرطهم مخالفا للتوراة. فقال ابن أبى: ابعثوا رجلا يسمع كلامي وكلامه، فان حكم لكم بما تريدون، والا فلا ترضوا به. 2 هذا ملخص القصة. (ومن يرد الله فتنته): اختباره ليفضح (فلن تملك له من الله شيئا) يعنى في دفعها (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزى): هوان بالزام الجزية على اليهود، واجلاء بنى النضير منهم، واظهار كذبهم في كتمان الحق، وظهور كفر


1 - الكافي 7: 251، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - القمى 1: 168 - 169. (*)

[ 276 ]

المنافقين، وخوفهم جميعا عن المؤمنين. (ولهم في الأخرة عذاب عظيم) وهو الخلود في النار. (سماعون للكذب). كرره تأكيدا. (أكالون للسحت) أي: الحرام، من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة. قال: (هو الرشاء في الحكم) 1. وفى رواية: (ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغى، والرشوة، وأجر الكاهن) 2. وفى أخرى: (وللسحت أنواع كثيرة) 3. (فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم). تخيير له صلى الله عليه واله وسلم. قال: (ان الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الانجيل يتحاكمون إليه، ان شاء حكم بينهم وان شاء تركهم) 5. (وان تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين). (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله). تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذى عندهم، وفيه تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق واقامة الشرع، وانما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وان لم يكن حكم الله في زعمهم. (ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) بكتابهم، لاعراضهم عنه أولا، وعما يوافقه ثانيا. (انآ أنزلنا التوراة فيها هدى): بيان للحق (ونور) يكشف ما استبهم من الأحكام (يحكم بها النبيون الذين أسلموا): انقادوا لله. قيل: وصفهم بالاسلام لأنه دين الله. 6


1 - الكافي 7: 4 9، الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 5: 127، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيه: (والرشوة في الحكم). 3 - المصدر: 126، الحديث: 1، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - في (الف) و (ج): (تخير). 5 - التهذيب 6: 3، الحديث: 839، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 198. (*)

[ 277 ]

(للذين هادوا) يحكمون لهم (والربانيون والأحبار): ويحكم بها الربانيون والأحبار. قال: (الربانيون هم الأئمة دون الأنبياء، الذين يربون الناس بعلمهم، والأحبار هم العلماء دون الربانيين) 1. (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء). قال: (ولم يقل بما حملوا منه) 2 وفى رواية: (فينا نزلت) 3. (فلا تخشوا الناس واخشون). نهى للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها. (ولا تشتروا بئاياتى): ولا تستبدلوا بأحكامى التى أنزلتها (ثمنا قليلا) من رشوة أوجاه (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون). قال: (من حكم بدرهمين بحكم جور، ثم جبر عليه كان من أهل هذه الآية) 4. (وكتبنا عليهم): وفرضنا على اليهود (فيها): في التوراة (أن النفس بالنفس) يعنى: تقتل بها (والعين بالعين): تفقأبها (والأنف بالأنف): تجدع بها (والأذن بالأذن): تصلم بها (والسن بالسن): تقلع بها (والجروح قصاص): ذات قصاص (فمن تصدق به): بالقصاص، أي: عفى عنه (فهو كفارة له) قال: (يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا من جراح وغيره) 5. وفى رواية: (ما عفا عن العمد) 6. (ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون). (وقفينا علئ اثرهم): واتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا (بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وءاتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يدى من التوراة


1 و 2 - العياشي 1: 323، ذيل الحديث: 119، عن أبى عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 3 - المصدر: 322، الحديث: 118، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 7: 4 8، الحديث: 3، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، وفيه: (في درهمين). 5 - المصدر: 358، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - من لا يحضره الفقيه 4: 8، الحديث: 251، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 278 ]

وهدى وموعظة للمتقين). (وليحكم أهل الانجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). (وأنزلنا اليك الكتاب بالحق) أي: القرآن (مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه): ورقيبا على سائر الكتب، يحفظه عن التغيير ويشهد له بالصحة والثبات (فاحكم بينهم بمآ أنزل الله) أي: اليك (ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة): شريعة. وهى الطريقة الى الماء، شبه بها الدين، لأنه طريق الى ما هو سبب الحياة الأبدية. (ومنهاجا): وطريقا واضحا. قال: (الشرعة والمنهاج: سبيل وسنة، وأمر كل نبى بالأخذ بالسبيل والسنة. وكان من السبيل والسنة التى أمر الله بهما موسى، أن جعل عليهم السبت) 1. (ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة): جماعة متفقة، على دين واحد (ولكن ليبلوكم في مآ ءاتاكم) من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر، هل تعملون بها، مصدقين بوجود الحكمة في اختلافها (فاستبقوا الخيرات): فابتدروها انتهازا للفرصة، وحيازة لقصب السبق والتقدم (الى الله مرجعكم جميعا). وعد ووعيد للمبادرين والمقصرين. (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) بالجزاء الفاصل بين المحق، والمبطل، والمبادر، والمقصر. (وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله). قال: (انما كرر الأمر بالحكم بينهم، لأنهما حكمان أمر بهما جيمعا، لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصن، ثم احتكموا إليه في قتل كان بينهم) 2. (ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك): يصرفوك (عن بعض مآ أنزل الله اليك فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم). فيه تنبيه على أن


1 - الكافي 2: 29، الحديث: 1، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 2 4، عن أبى جعفر عليه السلام، وفيه: (في قتيل كان بينهم). (*)

[ 279 ]

لهم ذنوبا كثيرة، والتوالي عن حكم الله مع عظمته واحد منها. (وان كثيرا من الناس لفاسقون). تسلية النبي صلى الله عليه واله وسلم عن امتناع القوم من الاقرار بنبوته، بأن أهل الايمان قليل. (أفحكم الجاهلية يبغون). انكار على توليهم عن حكم الله. (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) أي: هذا الاستفهام لقوم يوقنون، فانهم يعلمون ذلك. قال: (الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية)) 1. (يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء): لا تعتمدوا على الاستنصار بهم، متوددين إليهم (بعضهم أولياء بعض) في العون والنصرة، ويدهم واحدة عليكم (ومن يتولهم منكم فانه منهم): من استنصر بهم فهو كافر مثلهم. ورد: (من تولى آل محمد، وقدمهم على جميع الناس بما قدمهم من قرابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فهو من آل محمد بمنزلة آل محمد، لا أنه من القوم بأعيانهم وانما هو منهم بتوليه إليهم واتباعه اياهم. وكذلك حكم الله في كتابه: (ومن يتولهم منكم فانه منهم) 2. (ان الله لا يهدى القوم الظالمين): الذين ظلموا أنفسهم، والمؤمنون بموالاة الكفار. (فترى الذين في قلوبهم مرض) كابن أبى وأضرابه (يسارعون فيهم): في موالاتهم ومعاونتهم (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة): يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من الدوائر، بأن ينقلب الأمر ويكون الدولة للكفار. روى: (أن عباد ة بن الصامت قال لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ان لى موالى من اليهود كثيرا عد دهم، وانى أبرء الى الله


1 - الكافي 7: 4 7، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 2: 231، الحديث: 34، عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيه: (لتوليه) بدل: (بمنزلة). (*)

[ 280 ]

ورسوله من ولايتهم وأوالى الله ورسوله. فقال ابن أبى انى رجل أخاف الدوائر، لا أبرء من ولاية موالى، فنزلت) 1. (فعسى الله أن يأتي بالفتح) لرسوله (أو أمر من عنده). فيه اعزاز المؤمنين، واذلال المشركين، وظهور الاسلام. (فيصبحوا) أي: هؤلاء المنافقون (على مآ أسروا في أنفسهم) من النفاق والشك في أمر الرسول (نادمين). (ويقولون الذين ءآمنوا هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم): أغلظ أيمانهم (انهم لمعكم). تعجبا من حال المنافقين وتبجحا بما من الله عليهم من الاخلاص (حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين). اما من جملة 2 المقول أو من قول الله، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم ! ما أخسرهم ! (يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه). جوابه محذوف، يعنى: فلن يضر دين الله شيئا، فان الله لا يخلى دينه من أنصار يحمونه (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه): يحبهم الله ويحبونه. قد سبق معنى المحبة من الله ومن العباد 3. (أذلة على المؤمنين): رحماء عليهم، من الذل الذى هو اللين، لا من الذل الذى هو الهوان. (أعزة على الكافرين): غلاظ شداد عليهم. من عزه إذا غلبه. (يجاهدون في سبيل الله) بالقتال لاعلاء كلمة الله واعزاز دينه. (ولا يخافون لومة لآئم) فيما يأتون من الجهاد والطاعة. قال: (هم أمير المؤمنين وأصحابه، حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين) 4. وقال عليه السلام يوم البصرة: (والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم وتلاها) 5. والقمى: نزلت في مهدى الأمة


1 - البيضاوى 2: 154. 2 - في (ب): (من جهة). 3 - في سورة آل عمران، ذيل الآية: 31. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 2 8، عن الصادقين عليهما السلام. 5 - المصدر، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 281 ]

وأصحابه. 1 (ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع): جواد (عليم) بموضع جوده وعطائه. (انما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). قال في تفسيرها: (يعنى أولى بكم أي: أحق بكم وبأموركم من أنفسكم وأموالكم، (ألله ورسوله والذين آمنوا). يعنى عليا وأولاده الأئمة عليهم السلام الى يوم القيامة ثم وصفهم الله عزوجل، فقال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). وكان أمير المؤمنين عليه السلام في صلاة الظهر، وقد صلى ركعتين، وهو راكع، وعليه حلة قيمتها ألف دينار، وكان النبي صلى الله عليه واله وسلم أعطاه، وكان النجاشي أهداها له. فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولى الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين. فطرح الحلة إليه، وأومى بيده إليه أن احملها. فأنزل الله عزوجل فيه هذه الآية، وصير نعمة أولاده بنعمته. فكل من بلغ من أولاده مبلغ الامامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدقون وهم راكعون. والسائل الذى سأل أمير المؤمنين من الملائكة، والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة) 2. وفى رواية: (انه عليه السلام ناول السائل الخاتم من اصبعه) 3. كما يأتي، وهى أشهر. وقد روته العامة أيضا 4. ولعله عليه السلام تصدق في ركوعه مرة بالحلة، وأخرى بالخاتم، والآية نزلت بعد الثانية، فان (يؤتون) يشعر بالتكرار والتجدد، كما أنه يشعر بفعل أولاده أيضا. (ومن يتول الله ورسوله والذين ءامنوا فان حزب الله هم الغالبون): فانهم


1 - القمى 1: 17. 2 - الكافي 1: 28، الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - الخصال 2: 58، ذيل الحديث: 1 عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت يسير. 4 - راجع: الدر المنثور 3: 1 6، والكشاف 1: 624، والبيضاوي 2: 156، واحقاق الحق 2: 399 و 3: 502، والغدير 1: 214. (*)

[ 282 ]

الغالبون. وضع الظاهر موضع المضمر، تنبيها على البرهان عليه، وكأنه قيل: فانهم حزب الله وان حزب الله هم الغالبون، وتنويها بذكرهم، وتعظيما لشأنهم، وتشريفا لهم بهذا الاسم، وتعريضا بمن يوالى غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل الحزب: القوم، يجتمعون لأمر حزبهم. ورد: (ان رهطا من اليهود أسلموا، فقالوا: يا نبى الله ان موسى أوصى الى يوشع ابن نون، فمن وصيك يا رسول الله، ومن ولينا بعدك ؟ فنزلت هذه الآية: (انما وليكم الله). قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: قوموا. فقاموا فأتوا المسجد، فإذا سائل خارج. فقال: يا سائل أما أعطاك أحد شيئا ؟ قال: نعم، هذا الخاتم. قال: من أعطاكه ؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذى يصلى. قال: على أي حال أعطاك ؟ قال: كان راكعا. فكبر النبي صلى الله عليه واله وسلم وكبر أهل المسجد. فقال النبي: صلى الله عليه واله وسلم: على بن أبى طالب وليكم بعدى. قالوا: رضينا بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبعلى بن أبى طالب وليا. فأنزل الله تعالى: (ومن يتول الله) الآية) 1. (يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله ان كنتم مؤمنين). (وإذا ناديتم الى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون). (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منآ): تنكرون منا وتعيبون (الآ أن ءامنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون): خارجون عن أمر الله، طلبا للرياسة وحسدا على منزلة النبوة. (قل هل أنبئكم بشر من ذلك) المنقوم ؟ يعنى: ان كان ذلك شرا عندكم فأنا أخبركم بشر منه. (مثوبة): جزاء ثابتا (عند الله). والمثوبة مختصة بالخير، كالعقوبة


1 - الأمالي (للصدوق): 1 8، المجلس السادس والعشرون، الحديث: 4، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 283 ]

بالشر، وضعت موضعها، كما في: (بشرهم بعذاب أليم) 1. (من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير): مسخهم (وعبد الطاغوت): ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان. قيل: هم أصحاب العجل، كما أن القردة والخنازير أصحاب السبت والمائدة 2. (أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل). أريد بالتفضيل مطلق الزيادة. (وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به): يخرجون من عندك دخلوا، لا يؤثر فيهم ما سمعوا منك. القمى: نزلت في ابن أبى 3. (والله أعلم بما يكتمون) من الكفر. (وترى كثيرا منهم يسارعون في الاثم): المعصية (والعدوان): تعدى حدود الله (وأكلهم السحت): الحرام، كالرشوة (لبئس ما كانوا يعملون). (لولا): هلا (ينهاهم الربانيون والأحبار): علماؤهم (عن قولهم الاثم) كالكذب وكلمة الشرك، مثل قولهم: (عزير ابن الله) 4. (وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون). قال: (انما هلك من كان قبلكم حيثما عملوا من المعاصي، ولم ينهاهم الربانيون والأحبار عن ذلك) 5. (وقالت اليهود يد الله مغلولة). قال: (قالوا: قد فرغ من الأمر، فلا يزيد ولا ينقص) 6 وفى رواية: (فليس يحدث شيئا. قال: ألم تسمع الله


1 - آل عمران (3): 21. 2 - الكشاف 1: 626. 3 - القمى 1: 17. 4 - التوبة (9): 3. 5 - الكافي 5: 57، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (لم ينههم). 6 - معاني الأخبار: 18، الحديث: 15، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 284 ]

يقول: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) 1. وقيل: غل اليد كناية عن البخل، وبسطها عن الجود. 2 (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا). دعاء عليهم. (بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء). القمى: أي: يقدم ويؤخر ويزيد وينقص وله البدا والمشية 3. أقول: لعل نثنية اليد اشارة الى تقابل أسمائه سبحانه، وكناية عن غاية الجود، فان الجواد في الغاية انما يعطى بيديه جميعا. (وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا): على طغيانهم وكفرهم، كما يزداد المريض مرضا من تناول عذاء الأصحاء. (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة) فكلماتهم مختلفة، وقلوبهم شتى، فلا تقع بينهم موافقة. (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله): كلما أرادوا محاربة غلبوا. (ويسعون في الأرض فسادا): للفساد بمخالفة أمر الله، والاجتهاد في محو ذكر الرسول من كتبهم (والله لا يحب المفسدين). (ولو أن أهل الكتاب ءامنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم). قال: (فان الاسلام يجب ما قبله) 4 وان جل. (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل) باقامة أحكامها واذاعة ما فيهما (وما أنزل إليهم من ربهم) قال: يعنى: الولاية) 5. (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم): لوسع عليهم أرزاقهم، وأفيض عليهم بركات من السماء والأرض. القمى: من فوقهم


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 182، الباب: 13، الحديث: 1. والآية في سورة الرعد: (13): 39. 2 - راجع: البيضاوى 2: 159. 3 - القمى 1: 171. 4 - راجع: عوالي اللئالى 2: 54 و 224، والجامع الصغير (للسيوطي) 1: 123، وكنز العمال 1: 66 و 75 ، ومسند أحمد بن حنبل 4: 199، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. 5 - العياشي 1: 33، الحديث: 149، والكافي 1: 413، الحديث: 6، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 285 ]

المطر ومن تحت أرجلهم النبات. 1 (منهم أمة مقتصدة) قد دخلوا في الاسلام (وكثير منهم ساء ما يعملون) حيث أقاموا على الجحود والكفر. فيه معنى التعجب، أي: ما أسوء عملهم ! (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) قال: (في على) 2. كذلك نزلت. (وان لم تفعل فما بلغت رسالته): ان تركت تبليغ ما أنزل اليك في ولاية على وكتمته، كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك. (والله يعصمك من الناس): يمنعك من أن ينالوك بسوء (ان الله لا يهدى القوم الكافرين) وقال في حديث: (ثم نزلت الولاية وانما أتاه ذلك يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله تعالى: (أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) 3. وكان كمال الدين بولاية على بن أبى طالب - صلوات الله عليه -. فقال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أمتى حديثوا عهد بالجاهلية، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمى، يقول قائل، ويقول قائل. فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني. فأتتنى عزيمة من الله بتلة 4 أوعدنى ان لم أبلغ أن يعذبنى. فنزلت: (يا أيها الرسول) الآية. فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بيد على عليه السلام فقال: يا أيها الناس انه لم يكن نبى من الأنبياء ممن كان قبلى الا وقد عمره الله ثم دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعى فأجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ فقالوا: نشهد انك قد بلغت، ونصحت، وأديت ما عليك، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين. فقال: اللهم اشهد - ثلاث مرات - ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدى فليبلغ


1 - القمى 1: 171. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 223، والعياشي 1: 232، والقمى 1: 171، وشواهد التنزيل 1: 188، والدر المنثور 3: 117، والغدير 1: 216. 3 - المائدة (5): 3. 4 - بتلة: مقطوعة، من البتل وهو القطع. ومنه قوله: طلقها بتة بتلة. مجمع البحرين 5: 316 (بتل). (*)

[ 286 ]

الشاهد منكم الغائب) 1 الحديث. وفى رواية (فخرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من مكة، يريد المدينة حتى نزل منزلا يقال له. (غدير خم)، وقد علم الناس مناسكهم وأوعز إليهم وصيته إذا نزل عليه هذه الآية: (يا أيها الرسول). فقام رسول الله فقال: تهديد ووعيد. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس، هل تعلمون من وليكم ؟ قالوا: نعم، الله ورسوله. قال: ألستم تعلمون أنى أولى بكم منكم بأنفسكم ؟ قالوا بلى. قال: اللهم اشهد، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا، كل ذيك يقول مثل قوله الأولى، ويقول الناس كذلك، ويقول: اللهم اشهد، ثم أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام فرفعها حتى بدا للناس بياض ابطيهما، ثم قال: ألا من كنت مولاه فهذا على مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبه، ثم قال: اللهم اشهد عليهم وأنا من الشاهدين) 2. وروت العامة عن ابن عباس وجابر بن عبد الله: (ان الله أمر نبيه أن ينصب عليا للناس، ويخبرهم بولايته، فتخوف عليه السلام 3 أن يقولا: حابى 4 ابن عمه، وأن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت هذه الآية، فأخذ بيده يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه) 5. وقرئ. (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ): على دين يعتد به (حتى تقيموا التوراة والانجيل) بالتصديق لما فيهما من البشارة بمحمد صلى الله عليه واله وسلم والاذعان لحكمه (وما أنزل اليكم


1 - الكافي 1: 29 - 291، الحديث: 6، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - القمى 1: 173 - 174. 3 - في (ب): (فتخوف عليهم). 4 - حابى الرجل حباء: نصره واختصه وماله إليه. (لسان العرب 14: 163 - حبا). وفى (ب): (حامى) - بالميم - والأنسب ما أثبتناه كما في المصدر. 5 - جوامع الجامع 1: 342 عن جابر بن عبد الله. والظاهر أن قوله: (وقرئ) زائد هنا لا معنى له، أو حذفت الجملة التى كانت بعده فانها في المصدر هكذا: (وقرئ: فما بلغت رسالاته). (*)

[ 287 ]

من ربكم) قال: (هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام) 1. (وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل اليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين): فلا تتأسف عليهم، فان ضرر ذلك يرجع إليهم، لا يتخطأهم، وفى المؤمنين مندوحة لك عنهم. (ان الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من ءامن) (منهم) 2 (بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). سبق تفسيرها في سورة البقرة 3. (لقد أخذنا ميثاق بنى اسرآءيل) بالتوحيد والنبوة والولاية (وأرسلنآ إليهم رسلا) ليذكروهم، وليبينوا لهم أمر دينهم، ويقفوهم على الأوامر والنواهي (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم) من التكاليف (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون). حكى الحال الماضية استحضارا لها، واستفظاعا للقتل، وتنبيها على أن ذلك ديدنهم ماضيا ومستقبلا، ومحافظة على رؤوس آلآى. (وحسبوا ألا تكون فتنة): أن لا يصيبهم من الله بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم (فعموا) عن الدين (وصموا) عن استماع الحق (ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا) كرة أخرى (كثير منهم والله بصير بما يعملون). قال: ((وحسبوا ألا تكون فتنة)، حيث كان النبي بين أظهرهم، (فعموا وصموا) حيث قبض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (ثم تاب الله عليهم)، حيث قام أمير المؤمنين عليه السلام (ثم عموا وصموا) الى الساعة) 4. (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بنى اسرآءيل اعبدوا الله ربى وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار


1 - العياشي 1: 334، الحديث: 156، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - الزيادة من: (ب) و (ج). 3 - في ذيل الآية: 62. 4 - الكافي 8: 2، الحديث: 239، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 288 ]

وما للظالمين من أنصار). وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلا على أن الشرك ظلم. (لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة). قيل: القائلون بذلك جمهور النصارى، يقولون: ثلاثة أقانيم جوهر واحد، أب وابن وروح القدس اله واحد، ولا يقولون ثلاثة آلهة ويمنعون من هذه العبارة وان كان يلزمهم ذلك، لأنهم يقولون: الابن اله والأب اله وروح القدس اله، والابن ليس هو الأب 1. وورد: (أما المسيح فعصوه عظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه اله وأنه ابن الله، وطائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله) 2 (وما من الاه الآ الاه واحد) وهو الله وحده لا شريك له (وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم): من دام على كفره ولم ينقلع عنه (عذاب أليم). (أفلا يتوبون الى الله ويستغفرونه). فيه تعجيب من اصرارهم. (والله غفور رحيم). (ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل) فان أحيا الله الموتى على يده فقد أحيا العصا على يد موسى وجعلها حية تسعى، وهو أعجب، وان خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم، وهو أغرب. (وأمه صديقة): صدقت بكلمات ربها وكتبه (كانا يأكلان الطعام) قال: (معناه أنهما كانا يتغوطان) 3. وفى رواية: (يعنى أن من أكل الطعام كان له ثقل، ومن كان له ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم) 4. (انظر كيف نبين لهم الأيات ثم انظر أنى يؤفكون): كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله. و (ثم) لتفاوت ما بين العجبين، يعنى أن بياننا


1 - مجمع البيان 3 - 4: 228. 2 - القمى 1: 289، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 2 1، الباب: 46، ذيل الحديث: 1. 4 - الاحتجاج 1: 37، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 289 ]

للآيات عجيب، واعراضهم عنها أعجب. (قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يعتقدون. (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) غلوا باطلا ولا ترفعوا عيسى من حد النبوة الى حد الألوهية (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل). هم أئمتهم في النصرانية الذين كانوا في الضلال قبل مبعث النبي صلى الله عليه واله وسلم (وأضلوا كثيرا) ممن تابعهم على التثليث (وضلوا عن سوآء السبيل) لما بعث رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين كذبوه وبغوا عليه. (لعن الذين كفروا من بنى اسرآءيل على لسان دواود وعيسى ابن مريم) قال: (أما داود فانه لعن أهل أيلة 1 لما اعتدوا في سبتهم، وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال: اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة 2 على الحقوين فمسخهم الله قردة. وأما عيسى فانه لعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك 3. فقال عيسى عليه السلام: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت. فصاروا خنازير، وكانوا خمسة الآف رجل) 4. وفى رواية: (الخنازير على لسان داود، والقردة على لسان عيسى) 5. (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه): لا ينهى بعضهم بعضا عن المنكر أو لا ينتهون عنه (لبئس ما كانوا يفعلون). القمى: كانوا يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمور


1 - أيلة - بالفتح - مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام. مجمع البلدان 1: 29 2. 2 - المنطقة: ما يشد به الوسط، وشقة تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل أعلاها على أسفلها الى الركبة ثم توسعوا حتى سموا الازار الذى يشد على العورة. مجمع البحرين 1: 1 5 (حقا). 3 - مجمع البيان 3 - 4: 231، عن أبى جعفر عليه السلام. 4 - جوامع الجامع 1: 346. 5 - الكافي 8: 2، الحديث: 24، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 290 ]

ويأتون النساء أيام حيضهن 1. وورد: (لما وقع التقصير في بنى اسرائيل، جعل الرجل منهم يرى أخاه في الذنب فينهاه فلا ينتهى، فلا يمنعه ذلك من أن يكون أكيله وجليسه وشريبه، حتى ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ونزول فيهم القرآن حيث يقول: (لعن الذين كفروا) الآية) 2. وفى رواية: (أما انهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم ولا يجلسون مجالسهم ولكن كانوا إذا لقوهم أنسوا بهم) 3. وفى أخرى: (سئل عن قوم من الشيعة، يدخلون في أعمال السلطان، ويعملون لهم ويجبون لهم 4، ويوالونهم. قال: ليس من الشيعة ولكنهم من أولئك ثم قرأ: (لعن الذين كفروا) الآية) 5. (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا): يوالونهم ويصادقونهم (لبس ما قدمت لهم أنفسهم): لبئس زادهم الى الآخرة (أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون). قال: (يتولون الملوك الجبارين، ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم) 6. (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) فان الايمان يمنع ذلك (ولكن كثيرا منهم فاسقون): خارجون عن دينهم. (لتجدن اشد الناس عداوة للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا) لشدة


1 - القمى 1: 176، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - ثواب الأعمال: 311، عن أبى عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. 3 - العياشي 1: 335، الحديث: 161، عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيه: (إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم وأنسوا بهم). 4 - في المصدر: (ويجبونهم)، يقال: جبيت الخراج جبابة وجبوته جباوة: جمعته. مجمع البحرين 1: 8 (جبا). 5 - القمى 1: 176، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 232، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 291 ]

شكيمتهم 1، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم الى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم اياهم. (ولتجدن أقربهم مودة للذين ءامنوا الذين قالوا انا نصارى) للين جانبهم، ورقة قلوبهم، وقلة حرصهم على الدنيا، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل. (ذلك بأن منهم قسيسين): رؤساء في الدين والعلم (ورهبانا): عبادا (وأنهم لا يستكبرون) عن قبول الحق إذا فهموه ويتواضعون. (وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا ءامنا فاكتبنا مع الشاهدين): من الذين شهدوا بأنه حق. قال: (أولئك كانوا بين عيسى ومحمد، ينتظرون مجئ محمد) 2. (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين). استفهام انكار واستبعاد. (فأثابهم الله بما قالوا) عن اعتقاد واخلاص، كما دل عليه قوله: (مما عرفوا من الحق) والقول إذا اقترن بالمعرفة، كمل الايمان. (جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين). القمى: ان النجاشي ملك الحبشة بعث الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ثلاثين رجلا من القسيسين، فقال لهم: أنظروا الى كلامه، والى مقعده، ومشربه، ومصلاه. فلما وافوا المدينة، دعاهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الى الاسلام، وقرأ عليهم القرآن: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك) الى قوله (سحر مبين) 3


1 - يقال: فلان شديد الشكيمة: إذا كان لا ينقاد لأحد، لما فيه من الصلابة والصعوبة على العدو وغيره. مجمع البحرين 6: 99 (شكم). 2 - العياشي 1: 336، ذيل الحديث: 162، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - المائدة (5): 11. في كل النسخ وكذا المصدر: (واذ قال الله) بزيادة (و) وهو زائد ليس في القرآن. (*)

[ 292 ]

فلما سمعوا ذلك من رسول الله، بكوا وآمنوا ورجعوا الى النجاشي، وأخبروا خبر رسول الله، وقرأوا عليه ما قرأ عليهم، فبكى النجاشي، وبكى القسيسون وأسلم النجاشي، ولم يظهر للحبشة اسلامه، وخالفهم على نفسه، وخرج من بلاد الحبشة، يريد النبي صلى الله عليه واله وسلم، فلما عبر البحر توفى. فأنزل الله على رسوله (لتجدن أشد الناس) الى قوله (وذلك جزاء المحسنين) 1. (والذين كفروا وكذبوا بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم). (يا أيها الذين ءامنوا لا تحرموا): لا تمنعوا أنفسكم (طيبات مآ أحل الله لكم): ما طاب منه ولذ (ولا تعتدوا) عما حد الله (ان الله لا يحب المعتدين). (وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا): مباحا لذيذا (واتقوا الله الذى أنتم به مؤمنون). قال: (نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون، فأما أمير المؤمنين فحلف أن لاينام بالليل أبدا، وأما بلال فانه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبدا. فدخلت امرأة عثمان على عايشة، وكانت امرأة جميلة. فقالت عايشة: مالى أراك متعطلة ؟ فقالت: ولمن أتزين ؟ فوالله ما قربنى زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب، ولبس المسوح 2، وزهد في الدنيا. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أخبرته عايشة بذلك. فخرج فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟ انى أنام بالليل، وأنكح، وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتى فليس منى. فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله، فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله: (لا يؤاخذكم الله) الآية) 3. أقول: ليس في مثل هذا الخطاب والعتاب بأس على صاحبه، نظيره قوله سبحانه:


1 - القمى 1: 179. 2 - المسوح جمع المسح: البلاس، وهو كساء معروف. مجمع البحرين 2: 414 (مسح). القمى 1: 179، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 293 ]

(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) 1 الآيتين. وقد ورد: (القرآن كله تقريع، وباطنه تقريب) 2. (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم): بما يبدون من غير قصد. قال: (هو قول الرجل: لا والله وبلى والله ولا يعقد على شئ) 3. (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان): بما وثقتم الأيمان عليه، بالقصد والنية، يعنى: إذا حنثتم (فكفارته اطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة). قال: (الأوسط: الخل والزيت، والتمر، والخبز، تشبعهم به مرة واحدة، والكسوة: ثوب واحد) 4. وفى رواية: (ثوب يوارى به عورته) 5. وفى أخرى: (مد من حنطة لكل مسكين، والكسوة: ثوبان) 6. أقول: ينبغى حمله على ما إذا أشبعه المد وعلى ما إذا لم يواره الواحد. (فمن لم يجد) قال: (إذا لم يكن عنده فضل عن قوت عياله، فهو ممن لا يجد) 7. (فصيام ثلاثة أيام) قال: (متتابعات لا يفصل بينهن) 8. (ذلك كفارة أيمناكم إذا حلفتم) أي: حلفتم وحنثتم (واحفظوا أيمانكم) عن بذلها لكل أمر، وعن الحنث بعد الوقوع، وعن ترك التكفير مع الحنث (كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون). ورد: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فأتى ذلك، فهو كفارة يمينه) 9. وقال:


1 - التحريم (66): 1. 2 - معاني الأخبار: 232، باب معنى قول الأنبياء، ذيل الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 7: 443، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 454، الحديث: 14، عن أبى جعفر عليه السلام. 5 - المصدر: 453، الحديث: 4 و 6، عن أبى جعفر عليه السلام. 6 - المصدر: 452، الحديث: 5، عن أبى عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر: 452، الحديث: 2، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. 8 - الكافي 4: 14، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 9 - الكافي 7: 443، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 294 ]

(لا يمين لولد مع والده ولا للمرأة مع زوجها) 1. (يا أيها الذين ءامنوا انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام زجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون). (انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون). قال: (لما نزلت، قيل: يا رسول الله ما الميسر ؟ فقال: كل ما تقومر عليه، حتى الكعاب والجوز. قيل: فما الأنصاب ؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم. قيل: فما الأزلام ؟ قال: قداحهم التى يستقسمون بها) 2. وورد: (ان أول ما نزل في تحريم الخمر قوله تعالى: (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما) 3. فلما نزلت هذه الآية، أحس القوم بتحريمها، علموا أن الاثم مما ينبغى اجتنابه، ولا يحمل الله عليهم من كل طريق، لأنه قال: (ومنافع للناس). ثم أنزل الله آية أخرى: (انما الخمر والميسر) الآية فكانت هذه الآية أشد من الأولى وأغلظ في التحريم، ثم ثلث بآية أخرى، فكانت أغلظ من الآية الأولى والثانية وأشد، فقال: (انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) الآية، فأمر باجتنابها وفسر عللها التى لها ومن أجلها حرمها، ثم بين الله تعالى تحريمها، وكشفه في الآية الرابعة مع ما دل عليه في هذه الآية المذكورة المتقدمة بقوله تعالى: (انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق) 4. وقال في الأولى: (فيهما اثم) وقال في الرابعة: (والاثم)، فخبر أن الاثم في الخمر وغيرها وأنه حرام. وذلك أن الله تعالى إذا أراد أن يفترض فريضة، أنزلها


1 - الخصال 2: 621، ذيل الحديث أربعمائة، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - الكافي 5: 122 - 123، الحديث: 2، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - البقرة (2): 219. 4 - الأعراف (7): 33. (*)

[ 295 ]

شيئا بعد شئ، حتى يوطن الناس أنفسهم عليها، ويسكنوا الى أمر الله تعالى ونهيه فيها، وكان ذلك على وجه التدبير فيهم أصوب وأقرب لهم الى الأخذ بها وأقل لنفارهم منها) 1. وفى رواية: (ولو حمل عليهم جملة 2 واحدة، لقطع بهم دون الدين. قال: ليس أحدا أرفق من الله، ومن رفقه أنه ينقلهم من خصلة الى خصلة) 3 وورد: (كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام) 4. وقال: (ما عصى الله بشئ أشد من شرب المسكر، ان أحدهم ليدع الصلاة الفريضة، ويثب على أمه وأخته، وابنته، وهو لا يعقل) 5. وقال: (انه شر من ترك الصلاة لأنه يصير في حال لا يعرف معها ربه) 6. وقال: (شارب الخمر كعابد الوثن) 7. وقال: (من شرب الخمر فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فان عاد في الرابعة فاقتلوه) 8. الى غير ذلك من الأخبار في ذمها. (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا) عما نهيا عنه، أو عن مخالفتهما (فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين). (ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) قال: (من الحلال) 9. (إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم اتقوا وأحسنوا


1 - الكافي 6: 4 6 - 4 7، الحديث: 2، عن بعض أصحابنا، مرسلا. 2 - في جميع النسخ: (حملة) وما أثبتناه من المصدر. 3 - الكافي 6: 395، الحديث: 3، عن أبى جعفر وأبى عبد الله عليهما السلام. 4 - المصدر: 4 9، الحديث: 7 عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 4 3، الحديث: 7، عن أحدهما عليهما السلام. 6 - المصدر: 4 2، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 7 - عوالي اللئآلى 2: 148، والكشاف 1: 642، والجامع الصغير 2: 39، والدر المنثور 3: 177، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. 8 - الكافي 7: 218، الحديث: 2، 3 و 4، عن أبى عبد الله عليه السلام. 9 - مجمع البيان 3 - 4: 24، في تفسير أهل البيت عليهم السلام. (*)

[ 296 ]

والله يحب المحسنين). القمى: لما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرهما، قالوا: يا رسول الله، قتل أصحابنا، وهم يشربون الخمر، أفيضرهم ذلك بعد ما ماتوا ؟ فأنزل الله هذه الآية. فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر. والجناح هو الاثم، وهو على من شربها بعد التحريم 1. أقول: فمعنى الآية: أن الذين كانوا يشربون الخمر قبل نزول تحريمها، إذا كانوا بهذه المثابة من الايمان والتقوى والعمل الصالح، فلا جناح عليهم في شربها. ولما كان لكل من الايمان والتقوى درجات ومنازل كما ورد 2، جاز أن يكون تكريرهما في الآية اشارة الى تلك الدرجات والمنازل. وقد بسطنا الكلام فيه في الصافى والوافى 3. (يا أيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) يعنى في حال احرامكم. قال: (حشر لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم في عمرة الحديبية الوحوش، حتى نالتها أيديهم ورماحهم) 4. وقال: (الذى تناله الأيدى، فراخ الطير، وصغار الوحش والبيض، والذى تناله الرماح، الكبار من الصيد) 5. (ليعلم الله من يخافه بالغيب): ليتميز الخائف لقوة ايمانه بالغيب، من غير الخائف لضعف ايمانه به. (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم). (يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم): محرمون. قال: (إذا أحرمت فاتق قتل الدواب كلها الا الأفعى والعقرب والفأرة) 6. قال: (والكلب العقور والسبع


1 - القمى 1: 181. 2 - الكافي 2: 42، الحديث: 1 و 2، ومصباح الشريعة: 38، الباب: 17، في التقوى، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3 - راجع: الصافى 2: 84 - 85، والوافى 4: 129. 4 - الكافي 4: 396، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيه: (حشرت لرسول الله). 5 - مجمع البيان 3 - 4: 244، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 4: 363، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 297 ]

إذا أرادك فاقتلهما، فان لم يريداك فلا تردهما، وكذا الحية والأسود الغدر 1 فاقتله على كل حال، وارم الغراب رميا، والحدأة 2 على ظهر بعيرك) 3. وفى رواية: (يقتل المحرم الزنبور، والنسر، والأسود الغدر، والذئب، وما خاف أن يعدوا عليه) 4. (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم). قال في تفسيرها: (في الظبى شاة، وفى حمار وحش بقرة وفى النعامة جزور، وفى البقرة بقرة) 5. (يحكم به ذوا عدل منكم) قال: (ذو عدل) 6. وقال: (العدل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، والامام من بعده. ثم قال: هذا مما أخطأت به الكتاب) 7. وفى رواية: (يعنى رجلا واحدا) 8. أقول: يعنى أن رسم الألف يفيد في (ذوا عدل) من تصرف نساخ القرآن، والصواب عدم نسخها، وذلك لأنه يفيد أن الحاكم اثنان، والحال أنه واحد، وهو الرسول صلى الله عليه واله وسلم في زمانه، ثم كل امام في زمانه على سبيل البدل. وقرئ: ذو عدل أيضا، 9 كما هو الصواب. وفى رواية: (العدل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والامام من بعده، وهو ذو عدل فإذا علمت ما حكم به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والامام عليه السلام، فحسبك ولا تسأل عنه) 1.


1 - الأسود: العظيم من الحيات. (لسان العرب 3: 226 - سود). الغدر: ضد الوفاء بالعهد. لسان العرب 5: 8 (غدر). 2 - الحدأة - كعنبة - طائر خبيث. مجمع البحرين 1: 96 (حدا). 3 - الكافي 4: 363، الحديث: 2، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 4: 364، الحديث: 4، عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - التهذيب 5: 341، الحديث: 118 و 1181، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 8: 2 5، الحديث: 247، عن أبى عبد الله عليه السلام، ومجمع البيان 3 - 4: 242، عن الصادقين عليهما السلام. 7 - الكافي 4: 396، الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام، و 397، الحديث: 5 عن أبى جعفر عليه السلام، والعياشي 1: 344، ذيل الحديث: 197، عنه عليه السلام. 8 - العياشي 1: 344، الحديث: 198، عن أبى جعفر عليه السلام. 9 - مجمع البيان 3 - 4: 242، عن الصادقين عليهما السلام. 1 - التهذيب 6: 314، الحديث: 867، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 298 ]

(هديا بالغ الكعبة). قال: (من وجب عليه فداء صيد أصابه وهو محرم، فان كان حاجا، نحر هديه الذى يجب عليه بمنى، وان كان معتمرا، نحر بمكة قبالة الكعبة) 1. (أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما). قال: (في النعامة وحمار الوحش بدنة، ثم اطعام ستين مسكينا، لكل مد، ثم صيام ثمانية عشر يوما، وفى البقرة بقرة، ثم اطعام ثلاثين (مسكينا) 2، ثم صيام تسعة أيام. وفى الظبى شاة، ثم اطعام عشرة مساكين، ثم صيام ثلاثة أيام). كذا ورد. 3 وفى رواية: (يقوم الصيد قيمة، ثم تفض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر أصواعا، فيصوم لكل نصف صاع يوما) 4. (ليذوق وبال أمره): هذا الجزاء ليذوق ثقل فعله، وسوء عاقبة هتكه لحرمة الاحرام. (عفا الله عما سلف) يعنى: الدفعة الأولى. (ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام). قال: (إذا أصاب المحرم الصيد خطأ، فعليه الكفارة، فان أصابه ثانية خطأ، فعليه الكفارة أبدا إذا كان خطأ، فان أصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فان أصابه ثانية متعمدا، فهو ممن ينتقم الله منه، ولم يكن عليه الكفارة) 5. (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة): ولسيارتكم يتزودونه قديرا (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما). قال: (لا بأس أن يصيد المحرم السمك ويأكل ما لحه وطريه ويتزود، ثم تلا الآية. قال: وفصل ما بينهما: كل طير يكون في الآجام يبيض في البر ويفرخ في البر فهو من صيد البر، وما كان من صيد


1 - الكافي 4: 384، الحديث: 3، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - الزيادة من المصدر. 3 - الكافي 4: 385، الحديث: 1 عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - من لا يحضره الفقيه 2: 47، الحديث: 2 8، عن زين العابدين عليه السلام. 5 - التهذيب 5: 373، الحديث: 1298، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 299 ]

البر يكون في البر ويبيض في البحر، فهو من صيد البحر) 1. (واتقوا الله الذى إليه تحشرون). (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس) لمعايشهم ومكاسبهم، يستقيم به أمورد دينهم دنياهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف، ويربح عنده التجار باجتماعهم عنده ساير الأطراف، ويغفر بقصده للمذنب ويفوز حاجه بالمثوبات. قال: (من أتى هذا البيت يريد شيئا في الدنيا والآخرة، أصابه) 2. وفى رواية: (ما دامت الكعبة قائمة ويحج الناس إليها لم يهلكوا، فإذا هدمت وتركوا الحج هلكوا) 3. (والشهر الحرام والهدى والقلآئد). سبق تفسيرها 4. (ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شئ عليم) يعنى: إذا اطلعتم على ما في الحج ومناسكه من الحكم، علمتم أن الله يعلم الأشياء جميعا. (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم). وعيد ووعد لمن هتك محارمه ولمن حافظ عليها. ورد: (قال الله تعالى: من أذنب ذنبا، صغيرا أو كبيرا، وهو يعلم أن لى أن أعذبه وأن أعفو عنه، عفوت عنه) 5. (ما على الرسول الا البلاغ). تشديد في ايجاب القيام بما أمر به. (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون). (قل لا يستوى الخبيث والطيب) انسانا كان، أو عملا، أو مالا، أو غير ذلك (ولو أعجبك كثرة الخبيث) فان العبرة بالجودة والرداءة، لا الكثرة والقلة (فاتقوا الله


1 - الكافي 4: 392، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 247، عن أبى عبد الله عليه السلام، وفيه: (يريد شيئا للدنيا والآخرة). 3 - القمى 1: 187، ومجمع البيان 3 - 4: 247. 4 - في ذيل الآية: 2 من سورة المائدة. 5 - التوحيد: 41، الباب: 63، الحديث: 1، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم. (*)

[ 300 ]

يا أولى الألباب) في تحرى 1 الخبيث وان كثر، وآثروا الطيب وان قل (لعلكم تفلحون). يا أيها الذين ءامنوا لا تسئلوا عن أشياء) قال: (عن أشياء لم تبد لكم) 2. (ان تبد لكم تسؤكم وان تسئلوا عنها حين ينزل القرءان تبد لكم). قال: (لما نزل فرض الحج، قيل: أفى كل عام يا رسول الله ؟ فأعرض عنه، حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم ! والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم كفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه) 3. وفى رواية: (ان عمر آذى وأبكى احدى قرابة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقال لها: ان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا تنفعك شيئا، فخرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس، فقال: ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع، لو قد قمت المقام المحمود لشفعت في خارجكم 4 لا يسألنى اليوم أحد من أبوه 5 الا أخبرته. فقام إليه رجل فقال: من أبى يا رسول الله ؟ فقال: أبوك غير الذى تدعى له، أبوك فلان بن فلان. فقام آخر فقال: من أبى ؟ فقال: أبوك الذى تدعى له. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ما بال الذى يزعم أن قرابتي لا تنفع لا يسألنى عن أبيه، فقام إليه عمر فقال له: أعوذ بالله يا رسول الله من غضب الله وغضب رسول الله، اعف عنى عفى الله عنك. فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا


1 - التحرى: القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشئ بالفعل والقول. مجمع البحرين 1: 98 (حرا). 2 - الكافي 8: 2 5، الحديث: 248، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 25، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - في المصدر: (في أحوجكم). 5 - في المصدر: (من ابواه). (*)

[ 301 ]

لا تسألوا) الآية) 1. (عفا الله عنها): عن مسائلكم التى سلفت، فلا تعودوا الى مثلها، أو لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها وكف عن ذكرها. (والله غفور حليم). (قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) كيث لم يأتمرواو جحدوا. (ما جعل الله): ما شرع الله (من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام). قال: (ان أهل الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن خامسها أنثى، بحروا أذنها أي: شقوه وحرموها على النساء، فإذا ماتت حلت، وإذا ولدت عشرا جعلوها سائبة، لا يستحلون ظهرها ولا أكلها وربما تسيب 2 بنذر، وإذا ولدت ولدين في بطن واحد، أو الشاة ولدت في السابع ذكرا أو أنثى في بطن واحد، قالوا: وصلت أخاها، فلم تذبح ولم تؤكل، وحرموا ولدى الشاة على النساء حتى يموت أحدهما، فيحل. والحام: الفحل إذا ركب ولد ولده، أو نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يمنع من كلاء ولاماء، فأنزل الله عزوجل: انه لم يحرم شيئا من ذلك) 3. (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) بتحريم ذلك ونسبته إليه (وأكثرهم لا يعقلون) أن ذلك افتراء وكذب. يعنى: الأتباع الذين يقلدون في تحريمها رؤساءهم، الذين يمنعهم حب الرياسة من الاعتراف به. (وإذا قيل لهم تعالوا الى مآ أنزل الله والى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه ءابآءنآ). بيان لقصور عقلهم وانهماكهم في التقليد وأن لا سند لهم سواه.


1 - القمى 1: 188، عن أبى جعفر عليه السلام. 2 - سيبت الدابة: تركتها تسيب حيث تشاء. كان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضى فناقتى سائبة. مجمع البحرين 2: 84 (سيب). 3 - معاني الأخبار: 148، الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 302 ]

(أولو كان أآباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون): أو حسبهم ولو كانوا جهلة ضالين. (يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم): احفظوها والزموا صلاحها. (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم). قيل: نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون ايمانهم 1. والقمى: أصلحوا أنفسكم ولا تتبعوا عورات الناس ولا تذكروهم، فانه لا يضركم ضلالتهم إذا كنتم أنتم صالحين 2، وفى رواية: سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن هذه الآية، فقال: (ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا وهوى متبعا واعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخويصة 3 نفسك وذر عوامهم) 4. (الى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون). وعد ووعيد للفريقين: على أن أحدا لا يؤاخذ بذنب غيره. (يا أيها الذين ءامنوا شهادة بينكم): الاشهاد الذى شرع بينكم فيما أمرتم به (إذا حضر أحدكم الموت): إذا شارفه وحضرت أماراته (حين الوصية). فيه تنبيه على أن الوصية مما لا يتهاون فيه. (اثنان): شهادة اثنين (ذوا عدل منكم) قال: (مسلمان) 5. (أو ءاخران من غيركم) قال: (من أهل الكتاب فان لم تجدوا فمن المجوس، لأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم سن في المجوس سنة أهل الكتاب في الجزية، وذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين) 6. (ان أنتم ضربتم في الأرض): سافرتم (فأصابتكم مصيبة الموت): قاربكم


1 - البيضاوى 2: 172. 2 - القمى 1: 188 - 189. 3 - الخويصة: تصغير الخاصة. 4 - مجمع البيان 3 - 4: 254. عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، وفيه: (وذر الناس وعوامهم). 5 - العياشي 1: 348، الحديث: 216، عن أبى عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 7: 4، الحديث: 6، والعياشي 1: 348، الحديث: 218، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 303 ]

الأجل (تحبسونهما): تقفونهما (من بعد الصلاة) لتغليظ اليمين بشرف الوقت، ولأنه وقت اجتماع الناس (فيقسمان بالله) أي: الآخران (ان ارتبتم) قال: (ان ارتاب ولى الميت في شهادتهما) 1. (لا نشترى به ثمنا): عوضا من الدنيا (ولو كان) المقسم له (ذا قربى ولا نكتم شهادة الله) التى أمر باقامتها (انآ إذا لمن الأثمين (أي: ان كتمنا. (فان عثر): فان اطلع وحصل العلم (على أنهما) أي: الآخرين (استحقآ اثما) قال: (شهدا بالباطل) 2. وفى رواية: (حلفا على كذب) 3. (فئاخران): فشاهدان آخران (يقومان مقامهما). قال: (فليس له أن ينقض شهادتهما حتى يجئ بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأولين) 4. (من الذين استحق عليهم) أي: الذين جنى عليهم، أراد بهم الورثة. قال: (يعنى من أولياء المدعى) 5. (الأوليان): الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما (فيقسمان بالله) قال: (يحلفان بالله أنهما أحق بهذه الدعوى منهما، وأنهما قد كذبا فيما حلفا بالله) 6. (لشهادتنا أحق من شهادتهما) أي: يميننا أصدق. سميت شهادة، لوقوعها موقعها، كما في اللعان. (وما اعتدينا): وما تجاوزنا فيها الحق (انآ إذا لمن الظالمين) قال: (فإذا فعل ذلك، نقض شهادة الأولين وجازت شهادة الآخرين) 7. (ذلك أدنى): أقرب (أن يأتوا بالشهادة على وجهها): على نحو ما تحملوها من غير تحريف ولا خيانة فيها (أو يخافوا أن ترد أيمان) أي: ترد اليمين على المدعين (بعد أيمانهم) فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، جمع اليمين ليعم الشهود


1، 2 و 4 - الكافي 7: 4، الحديث 6، والعياشي 1: 348، الحديث: 218، عن أبى عبد الله عليه السلام. 3، 5 و 6 - الكافي 7: 5، ذيل الحديث: 7، مرفوعة على بن ابراهيم. 7 - المصدر: 5، الحديث: 6، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 304 ]

كلهم. ورد: (ان تميم الدارى كان في سفر، وكان معه نصرانيان، فاعتل علة شديدة، فلما حضره الموت دفع ما كان معه اليهما ليوصلاه الى ورثته، فأخذا منه آنية وقلادة وأوصلا سائره الى الورثة، فقالوا: افتقدنا أفضل شئ كان معه، آنية منقوشة مكللة بالجوهر وقلادة. فقالا: ما دفع الينا فقد أدينا اليكم. فقدموهما الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فأوجب عليهما اليمين فحلفا، فخلى عنهما، ثم ظهرت الآنية والقلادة عليهما، فجاؤوا الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فانتظر الحكم من الله، فنزلت، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أولياء تميم الدارى أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به، فحلفوا فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم القلادة والآنية من النصرانيين وردهما على أولياء تميم) 1. (واتقوا الله واسمعوا) سمع اجابة وقبول (والله لا يهدى القوم الفاسقين). (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم). قيل: السؤال توبيخ، ولذلك وكلوا الأمر الى علمه بسوء اجابتهم، ولجأوا إليه في الانتقام منهم 2. (قالوا لا علم لنآ ا نك أنت علام الغيوب). قال: (يقولون: لا علم لنا بسواك، وقال: القرآن كله تقريع وباطنه تقريب) 3. وفى رواية: (ان لهذا تأويلا، يقول: (ماذا أجبتم) في أوصيائكم الذين خلفتموهم على أممكم ؟ فيقولون: (لا علم لنا) بما فعلوا من بعدنا) 4. (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا): في جميع أحوالك على سواء (واذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل واذ تخلق من الطين كهيئة الطير باءذنى فتنفخ فيها


1 - الكافي 7: 5 - 6، الحديث: 7، مرفوعة. 2 - راجع: الكشاف 1: 652. 3 - معاني الأخبار: 232، ذيل الحديث: 1، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 8: 338، الحديث: 535، عن أبى جعفر عليه السلام. (*)

[ 305 ]

فتكون طيرا باءذنى وتبرئ الأكمه والأبرص باءذنى واذ تخرج الموتى باءذنى). قد سبق تفسيره في آل عمران 1. (واذ كففت بنى اسرآءيل عنك) يعنى: اليهود حين هموا بقتله (إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم ان هذا الا سحر مبين). (واذ أوحيت الى الحواريين) قال: (ألهموا) 2 وقد مر وجه تسميتهم بذلك 3. (أن ءامنوا بى وبرسولي قالوا ءامنا واشهد بأننا مسلمون). (إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك). قيل: أي بحسب الحكمة والارادة، لا بحسب القدرة 4. ووردت مقطوعا 5 قراءتها: ((هل تستطيع ربك) بالخطاب، يعنى: هل تستطيع أن تدعوا ربك) 6. (أن ينزل علينا مائدة من السماء). المائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام. (قال اتقوا الله) من هذا السؤال (ان كنتم مؤمنين) بكمال قدرته. (قالوا نريد أن نأكل منها). تمهيد عذر وبيان لما دعاهم الى السؤال (وتطمئن قلوبنا) بالمشاهدة (ونعلم أن قد صدقتنا) في ادعاء النبوة (ونكون عليها من الشاهدين) عند الذين لم يحضروها. (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين). (قال الله انى منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فانى أعذبه عذابا لآ أعذبه أحدا من العالمين). ورد: (ان عيسى عليه السلام قال لبنى اسرائيل: صوموا ثلاثين يوما، ثم


1 - ذيل الآية: 49. 2 - العياشي 1: 35، الحديث: 221، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - في سورة آل عمران، ذيل الآية: 52. 4 - البيضاوى 2: 175. 5 - الحديث المقطوع هو ما جاء عن التابعين ومن في حكمهم كالتابع المصاحب للامام. الدراية: 46. 6 - العياشي 1: 35، الحديث: 222، عن يحيى الحلبي. (*)

[ 306 ]

سلوا الله ما شئتم يعطكموه 1، فصاموا ثلاثين، فلما فرغوا قالوا: انا لو عملنا لأحد من الناس فقضينا عمله لأطعمنا طعاما، وانا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة 2 وسبعة أحوات 3، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم) 4. وفى رواية: (نزلت المائدة خبزا ولحما، وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما لا ينفد يأكلون (منه) 5. فقيل لهم: فانا مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبأوا وترفعوا، فان فعلتم ذلك عذبتكم 6. فقال: فما مضى يومهم حتى خبأوا 7 ورفعوا وخانوا) 8. وفى رواية: (كانت المائدة تنزل عليهم، فيجتمعون عليها ويأكلون منها ثم ترفع 9. فقال كبراؤ هم ومترفوهم: لا ندع سفلتنا يأكلون منها، فرفع الله المائدة ببغيهم، ومسخوا قردة وخنازير) 1. (واذ قال الله يا عيسى ابن مريم). قال: (انه لم يقله وسيقوله. ان الله إذا علم شيئا هو كائن أخبر عنه خبر ما قد كان) 11. (ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمى الاهين من


1 - في المصدر: (ثم اسألوا الله ما شئتم يعطيكم). 2 - الأرغفة جمع الرغيف: الخبزة. مجمع البحرين 5: 64 (رغف). 3 - في نسخة (الف) و (ب): (وسبعة خوان) وفى (ج): (وسبعة أخوان). ولعل الأصح ما أثبتناه كما في المصدر. والخوان: ما يؤكل عليه، معرب. المصباح المنير 1: 224 (خون). 4 - مجمع البيان 3 - 4: 226، عن أبى جعفر عليه السلام. 5 - الزيادة من: (ب) و (ج). وفى المصدر: (يأكلون منها). 6 - في المصدر: (عذبتم). 7 - الخباء: التقية والاستتار. يقال: خبأت الشئ خبأ سترته: مجمع البحرين 1: 119 (خبا). 8 - مجمع البيان 3 - 4: 266، عن النبي صلى الله عليه واله وسلم. 9 - في المصدر: (ترتفع). 1 - مجمع البيان 3 - 4: 267. 11 - العياشي 1: 351، الحديث: 228، عن أبى جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. (*)

[ 307 ]

دون الله) ؟ ! توبيخ للكفرة وتبكيت لهم. والقمى: ان النصارى زعموا أن عيسى قال لهم: انى وأمى الاهين من دون الله فإذا كان يوم القيامة يجمع الله بين النصارى وبين عيسى فيقول له: (ءأنت قلت للناس) الآية (1. (قال سبحانك): أنزهك تنزيها من أن يكون لك شريك. (ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق): ما لا يحق لى أن أقوله (ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولآ أعلم ما في نفسك): تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه (انك أنت علام الغيوب). (ما قلت لهم الا مآ أمرتنى به أن اعبد الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا): رقيبا مطلعا، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويعتقدوه (ما دمت فيهم فلما توفيتنى) بالرفع اليك (كنت أنت الرقيب عليهم): المراقب لأحوالهم (وأنت على كل شئ شهيد): مطلع مراقب له. (ان تعذبهم فانهم عبادك) تملكهم وتطلع على جرائمهم (وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم): القادر القوى على الثواب والعقاب، الذى لا يثيب ولا يعاقب الا عن حكمة وصواب. (قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم). فيه دلالة على أن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك. قال: (انه يدعى يوم القيامة الملائكة والنبيين 2 والأئمة عليهم السلام، فيسأل واحد واحد عما انتهى إليه من ربه، وما بلغ الى من أمر بتبليغه إليه، فيحتجون بحجتهم، فيقبل الله عذرهم ويجيز حجتهم، ثم يقول الله عزوجل:) هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم (). كذا ورد. 3 (لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا


1 - القمى 1: 19 - 191. 2 - كذا في النسخ والصواب: (النبيون) بالرفع. 3 - القمى 1: 191 - 193، عن أبى جعفر عليه السلام. والحديث مفصل لخصه قدس سره. (*)

[ 308 ]

رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم). (لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير). قال: (كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، وانما 1 يؤخذ من أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بآخره، وكان من آخر ما نزل إليه من سورة المائدة، نسخت ما قبلها ولم ينسخها شئ) 2.


1 - في المصدر: (وانما كان يؤخذ). 2 - العياشي 1: 288، الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 309 ]

سورة الأنعام (مكية، وهى مائة وخمس وستون آية) 1 بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض). وصف نفسه بما نبه به على أنه المستحق للحمد، حمد أو لم يحمد ليكون حجة على العادلين (به) 2. (وجعل الظلمات والنور): أنشأهما. والفرق بين الخلق والجعل، أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التصيير كانشاء شئ من شئ. (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) يعنى: أنه خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم يسوون به مالا يقدر على شئ منه. ومعنى) ثم (: استبعاد عدولهم بعد هذا الوضوح. (والآية رد على ثلاثة أصناف: ف) خلق السماوات والأض (رد على الدهرية، الذين قالوا: ان الأشياء لا بدولها وهى قائمة، و) جعل الظلمات والنور (رد على الثنوية، الذين قالوا: ان النور والظلمة هما البدران، و) ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (رد على مشركي العرب، الذين قالوا: (ان أوثانا آلهة). كذا ورد 3.


1 و 2 - ما بين المعقوفات من نسخة (ب). 3 - الاحتجاج 1: 25، عن أبى عبد الله عليه السلام. (*)

[ 310 ]

(هو الذى خلقكم من طين) أي: ابتدأ خلقكم منه (ثم قضى أجلا): كتب وقدر أجلا لموتكم محتوما (وأجل مسمى عنده) لموتكم أيضا، يؤخر بالدعاء والصدقة وصلة الرحم وغيرها، ويقدم بأضدادها، وفيه سر البداء. قال: (الأجل المقضى هو المحتوم الذى قضاه الله وحتمه، والمسمى هو الذي فيه البداء يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير) 1. (ثم أنتم تمترون): تشكون. استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم، ومحييهم الى آجالهم، وموقفهم في الأجل، بين الخوف والرجاء 2 بعد قضائه المحتوم وقدره النافذ. (وهو الله في السماوات وفى الأرض) قال: (كذلك في كل مكان) 3. (يعلم سركم في وجهركم ويعلم ما تكسبون). (وما تأتيهم من ءاية من ءايات ربهم الا كانوا عنها معرضين). (فقد كذبوا بالحق): بما جاء به محمد صلى الله عليه واله وسلم (لما جاءهم فسوف يأتيهم أنبآؤا ما كانوا به يستهزءون): عند نزول العذاب بهم. (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن): من أهل زمان (مكناهم في الأرض): أعطيناهم من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال (ما لم نمكن لكم): ما لم نعطكم. وفى الكلام التفات. (وأرسلنا السماء): المطر (عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم) فعاشوا في الخصب (فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين) بدلا منهم، فنقدر أن نفعل ذلك بكم. (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم). ولم يقتصر 4 بهم على


1 - القمى 1: 194، عن أبى عبد الله عليه السلام. 2 - في جميع النسخ: (وبين الخوف والرجاء) بزيادة (و) والظاهر أنها زائدة، الا أن يكون عطفا على قوله: موقفهم أي: بعد ما ثبت أنه موقفهم في الأجل وموقفهم بين الخوف والرجاء. 3 - التوحيد: 133، الباب: 9، ذيل الحديث: 15، عن أبى عبد الله عليه السلام. 4 - في (ب) و (ج): (ولم نقتصر بهم). (*)

[ 311 ]

الرؤية، لئلا يقولوا: سكرت أبصارنا. (لقال الذين كفروا ان هذا الا سحر مبين) لعظم عنادهم وقسوة قلوبهم. (وقالوا لولآ أنزل عليه ملك) قال: (يعنى: يصدقه 1 ونشاهده، بل يكون نبيا دونه) 2. (ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر): لحق اهلاكهم، فان سنة الله جرت بذلك فيمن قبلهم (ثم لا ينظرون): لا يمهلون بعد نزوله، طرفة عين. (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) لمثلناه رجلا، كما مثل جبرئيل في صورة دحية 3، فان القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته. (وللبسنا عليهم ما يلبسون): ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، فيقولون: ماهذا الا بشر مثلنا، وكذبوه كما كذبوك. ورد: (انه قيل لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد الله أن يبعث الينا نبيا لكان انما يبعث الينا ملكا لا بشرا مثلنا، فنزلت هذه الآية، فقال صلى الله عليه واله وسلم للقائل: الملك لم يشاهده حواسكم، لأنه من جنس هذا الهواء لاعيان منه، ولو شاهدتموه، بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم: ليس هذا ملكا بل هذا بشر، لأنه انما كان يظهر لكم بصورة البشر الذى ألفتموه، لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك، وأن ما يقوله حق ؟ بل انما بعث الله بشرا وأظهر على يده المعجزات التى ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة، وأن ذلك شهادة من الله بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر، لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك


1 - أي: يصدق الملك النبي ونشاهد الملك. وفى (ب): (نصدقه). 2 - الاحتجاج 1: 27، عن أبى محمد العسكري عليه السلام، مع تفاوت. 3 - أي: دحية الكلبى. (*)

[ 312 ]

معجزا، ألا ترون أن الطيور التى تطير ليس ذلك منها بمعجز، لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرآنها، ولو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فالله تعالى سهل عليكم الأمر وجعله مثلكم بحيث يقوم عليكم حجته 1، وأنتم تقترحون عمل الصعب الذى لا حجة فيه) 2. (ولقد استهزئ برسل من قبلك). تسلية للرسول صلى الله عليه واله وسلم على ما يرى من قومه. (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون): فأحاط بهم الذى يستهزؤون به من العذاب. (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المشركين) قال: (انظروا في القرآن وأخبار الأنبياء) 3. (قل لمن مافى السماوات والأرض). سؤال تبكيت 4. (قل لله). تقرير لهم، أي: هو لله لا خلاف بينى وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه الى غيره. (كتب على نفسه الرحمة): أوجبها على ذاته في هدايتكم الى معرفته والعلم بتوحيده، بنصب الحجج وانزال الكتب والامهال على الكفر والذنوب، لتدارك ما فرط. (ليجمعنكم) قرنا بعد قرن (الى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم) بتضييع رأس مالهم الذى هو الفطرة (فهم لا يؤمنون) لأن ابطال الفطرة أداهم الى الاصرار على الكفر. (وله ما سكن في اليل والنهار وهو السميع العليم): ولله ما تمكن وحل فيهما، ولا يخفى عليه شئ. ذكر في الأول السماوات والأرض، المشتملتين على الأمكنة


1 - في المصدر 6 (وجعله بحيث تقوم عليكم حجته). 2 - الاحتجاج 1: 27 و 3، عن أبى محمد العسكري عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم 3 - القمى 1: 194، والكافي 8: 249، ذيل الحديث: 349، عن أبى عبد الله عليه السلام، مع تفاوت يسير. 4 - التبكيت: التقريع والتوبيخ. يقال: يا فاسق أما استحييت أما خفت الله. ويقا ل: بكته بالحجة إذا غلبه. مجمع البحرين 2: 192 (بكت). (*)

[ 313 ]

جميعا وثانيا الليل والنهار المشتملين على الازمنة جميعا، ليعم الموجودات التي تندرج تحت الظرفين. قل أغير اتخذ وليا فاطر السموات والارض) مبدعهما بقدرته من غير احتذاء مثال 1 (وهو يعطعم ولايطعم) يرزق ولا يرزق يعني ان المنافع كلها من عنده ولايجوز عليه الانتفاع. (قل اني امرت ان اكون اول من اسلم ولا تكونن من المشركين) اي: وقيل لي: ولا تكونن أو عطف على قال. (قل اني اخاف ان عصيت ربي عذاب يوم عظيم). قطع لا طهماعهم بالكلية. وتعريض لهم بانهم عثاة مستوجبون للعذاب. قال (ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة حتى نزلت سورة الفتح فلم يعد الى ذلك الكلام 2. من يصرف عنه يومئذ يعني: العذاب (فقد رحمه) وتفضل عليه. ورد: والذي نفسي بيده ما من الناس احد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا انت يا رسول الله ؟ ! قال: ولا انا الا ان يتغمدانى الله برحمة منه وفضل 3. (وذلك الفوز المبين. وان يمسسك الله يضر). ببلية كمرض وفقر (فلا كاشف له) فلا قادر على كشفه الا هو وان يمسسك بخير: بنعمة كصحة وغنى (فهو على كل شئ قدير) يقدر على ادامته وازالته. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخير. قل اي شئ اكبر شهده) أعظم شهادة واصدق (قل الله شهيد بيني وبينكم) قل: الله الذي غير خاف انه اكبر شئ شهادة هو الذي يشهد لي بالنبوة.


1 - احتذى مثاله: اقتدى به الصحاح 6: 2311 (حذا). 2 - العياشي 2: 120 الحديث 120، عن ابي الله عليه السلام مع تفاوت يسير. 3 - مجمع البيان 3 - 4: 280 عن النبي صلى الله عليه وسلم. (*)

[ 314 ]

وانما جاز اطلاق الشئ على الله تعالى لاخراجه عن حد التعطيل ولكنه شئ بخلاف الاشياء كذا ورد 1. (واوحى الى هذا القرآن به ومن بلغ). قيل: يعنى وانذر سائر من بلغه الى يوم القيامة 2. وورد: (ومن بلغ ان يكون اماما من آل محمد صلى الله عليه وسلم فهو ينذر بالقرآن كما انذر به رسول الله صلى الله عليه وسلم 3. (أينكم لتشهدون ان مع الله. ءالهة اخرى). تقرير مع انكار واستبعاد. (قل لا اشهد) بما تشهدون (قل انما هو اله واحد وانني برى مما تشركون) به. الذين ءاتينهم الكتب يعرفونه): يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته 4 (كما يعرفون أبناءهم) بحلاهم وقد سبق تفسيره 5. (الذين خسرو انفسهم فهم لا يومنون). ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا) كفولهم: الملائكة بنات الله وهؤلاء شفعاؤنا عند الله (أو كذب بئايته) كان كذبوا القرآن والمعجزات وسموها سحرا، (إنه لا يفلح الظلمون). (ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين اشركوا اين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) قال: هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد فلم ينفعهم ايمانهم بالله مع مخالفتهم رسله، وشكهم فيما اثوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم في اوصيائهم، واستبدالهم الذي هو ادنى هو خير، فكذبهم الله فيما انتحلوه من الايمان بقوله: انظر كيف كذبوا على انفسهم) 6.


1 - الكافي 1: 83 الحديث: 6 عن ابي الله عليه السلام و 85 الحديث 7 عن ابي جعفر عليه السلام. 2 - راجع: الكشاف 2: 10. 3 - الكافي: 1: 416 الحديث: 21 عن ابي عبد الله عليه السلام. 4 - الحلية - بالكسر - الخليفة والصورة والصفة وحلية الانسان ما يرى من لونه وظاهره وهيئته. القامونس المحيط 4: 321 (الحلى). 5 - في سورة البقرة، ذيل الاية: 146. 6 - الاحتجاج 1: 360 عن امير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 315 ]

(ثم لم تكن فتنتهم) قال: " يعني معذرتهم " 1. (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) قال: " يعنون بولاية علي عليه السلام " 2. والقمي: إن الاية في قدرية هذه الامة ومجوسهم الذين يقولون: لاقدر، ويزعمون أن المشية والقدرة إليهم ولهم 3. (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) من الشركاء. (ومنهم من يستمع إليك) حين تتلوا القرآن (وجعلنا على قلوبهم أكنة): أغطية (أن يفقهوه وفئ اذانهم وقرا) يمنع عن استماعه. كناية عن نبو قلوبهم وأسماعهم عن قبوله. (وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها) لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم (حتى إذا جاءوك يجدلونك): يخاصمونك (يقول الذين كفروا إن هذا إلا اسطير الاولين). الاساطير: الاباطيل، وأصل السطر بمعنى الخط. (وهم ينهون عنه). القمي: بنو هاشم كانوا ينصرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويمنعون قريشا عنه 4. (وينئون عنه): ويباعدونه ولا يؤمنون به (وإن يهلوكون إلا أنفسهم وما يشعرون): إن ضررهم لا يتعداهم إلى غيرهم. (ولو ترى إذ وقفوا على النار). جوابه محذوف، يعني: لرأيت أمرا فضيعا. القمي: نزلت في بني أمية 5. (فقالوا يليتنا نرد). تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا. (ولا نكذب بئايت ربنا ونكون من المؤمنين). (بل بدا لهم ما كانوا من قب ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون) قال: " إنهم ملعونون في الاصل " 6. (وقالوا إن هي) أي: الحياة (إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين).


1 - مجمع البيان 3 - 4: 284، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 8: 287، الحديث 432، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 199، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 و 5 - القمي 1: 196. 6 - العياشي 1: 359، الحديث 19، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 316 ]

(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) للتوبيخ والسؤال، كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه، أو الوقوف بمعنى الاطلاع. (قال أليس هذا بالحق). تعيير من الله لهم على تكذيبهم بالبعث. (قالوا بلى ربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملونها أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون). (وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو): وما أعمالها إلا لعب ولهو، يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهي جواب قولهم: " إن هي إلا حياتنا الدنيا " (وللدار الاخرة خير للذين يتقون) لخلوصها ودوام لذاتها (أفلا تعقلون). (قد نعلم إنه ليحزنك الذى يقولون فإنهم لا يكذبوك ولكن الظلمين بئايت الله يجحدون). ضمن الجحود معنى التكذيب فعداه بالباء. قال: " بلى والله لقد كبوه أشد التكذيب، ولكنها مخففة، لا يكذبونك ": لا يأتون بباطل يكذبون به حقك " 1. وفي رواية: " لا يأتون بحق يبطلون حقك " 2. وفي أخرى: " لا يستطيعون إبطال قولك " 3. يعني: أنه من أكذبه: إذا وجده كاذبا، وعلى التشديد يكون المعنى: لا يكذبونك اعتقادا بقلوبهم. وروي: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقى أبا جهل فصافحه 4، فقيل له في ذلك، فقال: والله إني لاعلم أنه صادق، ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فنزلت " 5. (وملقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا ولا


1 - الكافي 8: 200. الحديث: 241، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 196، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 1: 359، الحديث: 21، عن أبي عبد الله عليه السالم. 4 - في المصدر: فصافحه أبو جهل. 5 - مجمع البيان 3 - 4: 294. (*)

[ 317 ]

مبدل لكلمت الله) قيل: أي لمواعيده من قوله: " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون " 1. (ولقد جاءك من نبإى المرسلين): من قصصهم وما كابدوا 2 من قومهم. (وإن كان كبر عليك): عظم وشق (إعراضهم) عنك وعن الايمان بما جئت به. قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إسلام الحارث بن نوفل بن عبد مناف، دعاه وجهد به أن يسلم، فغلب عليه الشقاء، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل ا لله هذه الاية " 3. (فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الارض) *: منفذا تنفذ فيه إلى جوف الارض (أو سلما في السماء) مصعدا تصعد به إلى السماء (فتأتيهم بئاية): فتطلع لهم آية من الارض أو تنزل آية من السماء يؤمنون بها، وجوابه محذوف، أي: فافعل. والجملة جواب الشرط الاول، والغرض بيان حرصه البالغ على إيمان قومه، وإنه لو قدر على ذلك لفعل، ولكنه لا يقدر، نظيره " فلعلك باخع نفسك " 4. (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) بأن تأتيهم آية يخضعوا لها. ورد: " إن الله قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الامة، فلو شاء الله لجمعهم على الهدى حتى لا يختلف إثنان من هذه الامة، ولا ينازع 5 في شئ من أمره، ولا يجحد المفضول لذي الفضل فضله " 6. (فلا تكونن من الجهلين). القمي: مخاطبة للنبي والمعني ا لناس 7.


1 - الكشاف 2: 15 والاية في سورة الصافات (37): 171 و 172. 2 - الكبد - بالتحريك -: الشدة والمشقة، من المكابدة للشئ، وهي تحمل المشاق في شئ. مجمع البحرين: 3: 135 (كبد). 3 - القمي 1: 198، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: ".. الحاارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلم، فغلب ع ليه الشقاء.. ". 4 - الكهف (18): 6. 5 - في " الف " و " ج ": " لا تنازع ". 6 - كمال الدين 1: 264، الباب: 24، ذيل الحديث: 10، عن النبي صلى الله عليه وسلم. 7 - القمي 1: 198 وفيه: " والمعنى للناس ". (*)

[ 318 ]

(إنما يستجيب الذين يستمعون): يتفهمون ويتدبرون (والموتى يبعثهم الله) فيحكم فيهم (ثم إليه يرجعون) فحينئذ يسمعون 1، يعني: أن الذين تحرص على إيمانهم بمنزلة الموتى، لا يسمعون حتى يرجعوا إلى الله بعد البعث. (وقالوا لولا نزل عليه ءاية من ربه) يعني: مما اقترحوه. (قل إن الله قادر على أن ينزل ءاية) يخضعوا لها (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أنه قادر أن حكمته لا تقتضي ذلك. والقمي: لا يعلمون بأن الاية إذا جاءت ولم يؤمنوا بها لهلكوا 2. ورد: " سيريكم في آخر الزمان آيات، منها دابة الارض والدجال ونزول عيسى وطلوع الشمس من مغربها " 3. (وما من دابة في الارض ولا طئر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم): خلق مثلكم محفوظة أحوالها، مقدرة أرزاقها، مكتوبة آجالها. (ما فرطنا في الكتب): " القرآن ". كذا ورد 4. (من شئ): شيئا من التفريط، لان " فرط " لا يتعدى بنفسه وقد عدي ب‍ " في " (ثم إلى ربهم يحشرون). ورد: " أي بعير حج عليه ثلاث سنين، جعل من نعم الجنة " 5. وورد: " سبع سنين " 6. وفي معناه - مما يدل على حشر الحيوانات - أخبار كثيرة 7.


1 - في نسخة " ألف " و " ب ": " يستمعون ". 2 - القمي 1: 198، وفيه: " ليهلكوا ". 3 - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 61، الخطبة: 18، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 6: 216، الباب: 20، الحديث: 1. 5 - من لا يحضره الفقيه 2: 191 الحديث: 872، عن أبي عبد الله عليه السلا ك، وفيه: " أي بعير حج عليه ثلاث حجج يجعل من نعم الجنة ". 6 - المصدر، الحديث: 873. 7 - الخصال 1: 204، الحديث: 19 و 20، وثواب الاعمال: 75، الحديث 1، والقمي 1: 248، ذيل الاية: 176 من سورة الاعراف. (*)

[ 319 ]

(والذين كذبوا بئايتنا صم) قال: " عن الهدى " 1. (وبكم) قال: " لا يتكلمون بخير " 2. (في الظلمت) قال: " ظلمات الكفر " 3. (من يشإ الله يضلله): يخذله فيضل، لانه ليس من أهل الهدى. قال: " نزلت في الذين كذبوا الاوصياء " 4. (ومن يشأ يجعله على صرط مستقيم). (قل أرءيتكم): أرأيت أنفسكم، بمعنى: أخبروني (إن أتكم عذاب الله) في الدنيا (أو أتتكم الساعة) يعني: القيامة من تدعون ؟ (أغير الله تدعون) ؟ تبكيت لهم (إن كنتم صدقين) بأن الاصنام آلهة. (بل إياه تدعون): بل تخصون الله بالدعاء دون الالهة. (فيكشف ما تدعون إليه): ما تدعون إلى كشفه (إن شاء وتنسون ما تشركون): وتتركون آلهتكم لما ركز في العقول أنه القادر على كشف الضر دون غيره، أو لا تذكرونها من شدة الامر وهو له. (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك) يعني: الرسل، فكذبوهم. (فأخذنهم بالبأساء): بالشدة والفقر (والضراء): والمرض ونقصان الانفس والاموال (لعلهم يتضرعون): لكي يتضرعوا ويتذللوا ويتوبوا عن ذنوبهم. (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطن ما كانوا يعملون) يعني: لم يتضرعوا ولم يكن لهم عذر في ذلك إلا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم. قال: " لو أن الناس حين تنزل بهم النقم وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد وأصلح لهم كل فاسد " 5. (فلما نسوا ما ذكروا به) من البأساء والضراء: تركوا الاتعاظ به (فتحنا عليهم


1، 2 و 3 - القمي 1: 198، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - المصدر: 199، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 257، الخطبة: 178. (*)

[ 320 ]

أبواب كل شئ) من الصحة والتوسعة في الرزق (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) من الخير والنعم، واشتغلوا بالنعم 1 عن المنعم. (أخذنهم بغتة): مفاجأة من حيث لا يشعرون (فإذا هم مبلسون): آيسون من النجاة والرحمة، متحسرون. (فقطع دابر القوم بالذين ظلموا) أي: آخرهم لم يترك منهم أحد من دبره إذا تبعه. (والحمد لله رب العالمين) على إهلاك أعدائه وإعلاء كلمته، فإن تلخيص أهل الارض من سوء عقائد الكفار وقبيح أعمال الفجار بنعمة جليلية يحق أن يحمد عليها. قال: " إذا رأيت الله تعالى يعطي على المعاصي فإن ذلك استدراج منه، ثم تلا هذه الاية " 2. وفي رواية: " فلما نسوا ما ذكروا به من ولاية علي عليه السلام وقد أمروا بها " فتحنا عليهم أبواب كل شئ ": دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها، أخذناهم بغتة " يعني بذلك: قيام القائم، حتى كأنهم لم يكن لهم سلطان قط " 3. وقال: " نزلت في ولد العباس " 4. (قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم) بأن يصمكم ويعميكم (وختم على قلوبكم) بأن يغطي عليها ما يذهب عقلكم ويسلب تمييزكم. قال: " إن أخذ الله منكم الهدى " 5. (من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون) قال: " يعرضون " 6. (قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة): من غير مقدمة وظهور أمارة (أو جهرة) تتقدمه 7 أمارة. قابل البغتة بالجهرة لما في البغتة من معنى الخفية. (هل يهلك)


1 - في " الف " و " ج ": " بالنعمة ". 2 - مجمع البيان 3 - 4: 302، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - القمي 1: 200، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - العياشي 1: 360، الحديث: 23، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - القمي 1: 201، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " يعترضون ". 7 - في " الف ": " يتقدمه ". (*)

[ 321 ]

هلاك تعذيب وسخط (إلا القوم الظلمون). القمي: نزلت لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، وأصاب أصحابه الجهد والعلل والمرض، فشكوا ذلك إليه. يعني: لا يصيبكم إلا الجهد والضر في الدنيا، فأما العذاب الاليم الذي فيه الهلاك فلا يصيب إلا القوم الظالمين 1. وفي رواية: " يؤاخذ بني أمية بغتة وبني العباس جهرة " 2. (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فنم ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). (والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون). (قل لا أقوال لكم عندي خزائن الله). ورد في القدسي: " إنما خزائني 3 إذا أردت شيئا أن أقول له: كن، فيكون " 4. (ولا أعلم الغيب) الذي اختص بعلمه، وإنما أعلم منه ما يعلمني الله (ولا أقول لكم إنى ملك): من جنس الملائكة، أقدر على ما يقدرون عليه (إن اتبع) فيما أنبئكم به (إلا ما يوحى إلى). تبرأ من دعوى الالوهية والملكية، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر، ردا لاستبعادهم دعواه. (قل هل يستوى الاعمى والبصير) قال: " من لا يعلم ومن يعلم " 5 (أفلا تتفكرون). (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون) قال: " وأنذر بالقرآن الذين يرجون الوصول إلى ربهم، ترغبهم فيما عنده، فإن القرآن شافع مشفع " 6. (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي): يعبدونه على الدوام (يريدون


1 - القمي 1: 201. 2 - العياشي 1: 360، الحديث: 24، عن أبي ج عبد الله عليه السلام. 3 - في " الف " و " ج ": خزانتي ". 4 - التوحيد: 133، الباب 9: الحديث: 17، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 3 - 4: 304، عن أهل البيت عليهم السلام، والقمي 1: 201. 6 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 322 ]

وجهه): يبتغون مرضاته مخلصين له. (ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم). جواب النفي. (فتكون من الظلمين). جواب النهي. القمي: كان سبب نزولها: أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها، وكان يتعاهدهم بنفسه، وربما يحمل إليهم ما يأكلون. وكانوا يختلفون إليه فيقربهم ويقعد معهم ويونسهم، وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من أصحابه، ينكرون علبيه ذلك ويقولون له: اطردهم عنك، فنزلت 1. (وكذلك): مثل ذلك الفتن، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا. (فتنا): ابتلينا (بعضهم ببعض) في أمر الدين، فقدمنا هؤلاء الفقراء على أشراف قريش بالسبق إلى الايمان (ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا) ؟ ! أي: هؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا ونحن الاكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء. وهو إنكار لان يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير، كقولهم: " لو كان خيرا ما سبقونا إليه " 2. واللام للعاقبة. (أليس الله بأعلم بالشكرين). (وإذا جاءك الذين يؤمنون بئايتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة). قال: " إنها نزلت في التائبين " 3. قيل: جاءه قوم فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظاما فلم يرد عليهم شيئا، فانصرفوا، فنزلت " 4. ويؤيده تمام الاية. وروي: " أنها نزلت في الذين نهى الله عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: الحمد لله


1 - القمي 1: 202. 2 - الاحقاف (46): 11. 3 - مجمع البيان - 3 - 4: 307، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر، عن أنس بن مالك. (*)

[ 323 ]

الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام " 1. (أنه) بدل من الرحمة، وعلى الكسر استيناف، يفسرها (من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب من بعده وأصلح) بالتدارك (فأنه غفور رحيم). (وكذلك نفصل الايت ولتستبين سبيل المجرمين) المصرين منهم والاوابين. (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون) تعبدون (من دون الله): صرفت وزجرت عنه بما نصب لي من الادلة وأنزل علي من الايات في أمر التوحيد. (قل لا أتبع أهواءكم). تأكيد لقطع أطماعهم، وإشارة إلى الموجب للنهي وعلة الامتناع من متابعتهم بأن ما هم عليه هوى وليس بهدى، وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد. (قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين). (قل إنى على بينة من ربى): على حجة واضحة من معرفته وإنه لا معبود سواه (وكذبتم به) حيث أشركتم به غيره (ما عندي ما تستعجلون بقولهم: ائتنا بالذي تعدنا 2. (إن الحكم إلا لله) في التعجيل والتأخير (يقص الحق) في كل ما يقضي (وهو خير الفصلين): القاضين. (قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم): لاهلكتكم عاجلا، غضبا لربي، وانقطع ما بيني وبينكم. (والله أعلم بالظلمين). في معنى استدراك كأنه قال: ولكن الامر إلى الله، وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ أو يمهل. (وعنده مفاتح الغيب): خزائنه، إن كان جمع المفتح - بفتح الميم - بمعنى الحزن، أو مفاتحيه إن كان جمع المفتح - بكسر الميم - بمعنى المفتاح، أي: ما يتوصل به إلى


1 - مجمع البيان 3 - 4: 307، عن عكرمة. 2 - البيضاوي 2: 191. 3 - وقرئ: " يقص الحق " أي " يتبعه فيما يحكم به ويقدره من قولهم: قص أثره. راجع: الصافي 2: 125 جوامع الجامع 1: 383. (*)

[ 324 ]

المغيبات. (لا يعلمها إلا هو) فيظهرها على ما اقتضته حكمته (ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة ولا حبة في ظلمت الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين) قال: " من ورقة من شجرة " 1. وفي رواية: " الورقة: السقط، والحبة: الولد، وظلمات الارض: الارحام، والرطب: ما يحيى من الناس، واليابس: ما يغيض 2، وكل ذلك في إمام مبين " 3. وفي أخرى: " الورقة: السقط يسقط من بين أمه من قبل أن يهل الولد، والحبة: الولد في بطن أمه إذا أهل وسقط من قبل الولادة، والرطب: المضغة إذا سكنت في الرحم قبل أن يتم خلقها وقبل أن تنتقل، واليابس: الولد التام، والكتاب المبين: الامام المبين " 4. (وهو الذى يتوفكم باليل): يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت (ويعلم ما جرحتم): ما كسبتم من الاعمال (بالنهار ثم يبعثكم فيه): ينبهكم من نومكم في النهار (ليقضى أجل مسمى): لتستوفوا آجالكم. قال: " هو الموت " 5 يعني بلوغه. (ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون). (وهو القاهر فوق عباده): المقتدر المستعلي عليهم (ويرسل عليكم حفظة) يحفظونكم ويحفظون أعمالكم، يذبون عنكم مردة الشياطين وهوام 6 الارض وساير الافات، ويكتبون ما تفعلون (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا)


1 - من لا يحضره الفقيه 1: 326، ذيل الحديث: 1486، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - في الكافي: " ما يقبض ". والصحيح ما أثبتناه كما في جميع النسخ والصافي والعياشي. والغيض: السقط الذي لم يتم خلقه. القاموس المحيط 2: 352 (غيض). 3 - الكافي 8: 249، ذيل الحديث: 349، والعياشي 1: 361، الحديث: 28، ومعاني الاخبار: 215، باب معنى الورقة و...، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 361 - 362، الحديث 29، عن أبي الحسن، موسى بن جعفر عليه السلام. 5 - القمي 1: 203، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الهوام جمع الهامة كدواب ودابة: المخوف من الاحناش كالحية ونحوها. مجمع البحرين 6: 189 (همم). (*)

[ 325 ]

ملك الموت وأعوانه، وقد سبق بيانه في سورة النساء 1. (وهم لا يفرطون): لا يقصرون بالتواني والتأخير. (ثم ردوا إلى الله): إلى حكمه وجزائه (مولهم) الذي يتولى أمرهم (الحق): العدل الذي لا يحكم إلا بالحق (ألا له الحكم): يومئذ لا حكم لغيره (وهو أسرع الحسبين) قال: " يحاسب الخلائق في مقدار لمح البصر " 2. الحديث. وقد مر في سورة البقرة 3. (قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر): من شدائدهما، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الابصار، فقيل لليوم الشديد: يوم مظلم. (تدعونه تضرعا) بألسنتكم (وخفية) في أنفسكم (لئن أنجنا من هذه لنكونن من الشكرين). (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) ولا توفون بالعهد بعد قيام الحجة. (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: " هو الدخان والصيحة " 4. (أو من تحت أرجلكم) قال: " هو الخسف " 5. (أو يلبسكم شيعا): يخلطكم فرقا مختلفي الاهواء. قال: " هو الاختلاف في الدين، وطعن بعضكم على بعض " 6. (ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: " هو أن يقتل بعضكم بعضا - قال: - وكل هذا في أهل القبلة " 7. (انظر كيف نصرف الايت لعلهم يفقهون). وفي رواية: " من فوقكم ": من السلاطين الظلمة، و " من تحت أرجلكم ": العبيد


1 - لم يسبق منه في سورة النساء بيان لذلك إلا قوله: " يحتمل الماضي والمضارع " عند قوله تعالى: (توفيهم الملائكة) (الاية: 97). لعله - قدس سره - أراد ما بينه في ذيل تلك الاية من سورة النساء في الصافي 1: 451 - 453. 2 - مجمع البيان 1 - 2: 298، وبحار الانوار 7: 254. 3 - ذيل الاية: 202. 4، 5، 7 - القمي 1: 204، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 326 ]

السوء ومن لاخير فيه، " أو يلبسكم شيعا ": يضرب بعضكم ببعض بما يلقيه بينكم من العداوة والعصبية، " ويذيق بعضكم بأس بعض ": هو سوء الجوار " 1. وورد: " سألت ربي أن لا يظهر على أمتي أهل دين غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم جوعا فأعطاني، وسألته أن لا يجمعهم على ضلال فأعطاني، وسألته أن لا يلبسهم شيعا فمنعني " 2. (وكذب به قومك) قيل: بالقرآن 3، وقيل: بالعذاب 4. (وهو الحق): الصدق، أو الواقع لابد أن ينزل (قل لست عليكم بوكيل): بحفيظ. (لكل نبإ مستقر): وقت استقرار ووقوع (وسوف تعلمون) عند وقوعه.. (وإذا رأيت الذين يخوضون فئ ايتنا) بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها (فأعرض عنهم): فلا تجالسهم وقم من عندهم (حتى يخوضوا في حديث غيره). قال: " هو الكلام في الله والجدال في القرآن، قال: ومنه القصاص " 5. وورد: ليس لك أن تقعد مع من شئت، لان الله يقول " وإذا رأيت " 6. الاية. وفي رواية: " من كان يؤمن بالله واليوم الاخر، فلا يجالس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم، ثم تلا هذه الاية " 7. (وإما ينسيك الشيطن) النهي (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين) أي: معهم، نبه بالاظهار على ظلمهم.


1 - مجمع البيان 3 - 4: 315، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: " على ضلالة " بدل: على ضلال. 3 - المصدر: 316 والبيضاوي 2: 192. 4 - البيضاوي 2: 192. 5 - العياشي 1: 362، الحديث: 31، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - علل الشرائيع 2: 605، الباب 385، الحديث: 80، عن علي بن الحسين عليه السلام. 7 - القمي 1: 204، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 327 ]

(وما على الذين يتقون): وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم (من حسابهم من شئ): مما يحاسبون عليه من قبايح أعمالهم وأقوالهم (ولكن ذكرى): ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى، ويمنعوهم عن الخوض ويظهروا كراهته (لعلهم يتقون): يجتنبون ذلك حياء أو كراهة لمساءتهم. قال: " لما نزل " فلا تقعد بعد الذكرى " قال المسلمون: كيف نضع إن كان كلما استهزأ المشركون قمنا وتركناهم ؟ فلا ندخل إذا المسجد الحرام، ولا نطوف بالبيت الحرام. فأنزل الله هذه الاية، أمر بتكذيبهم وتبصيرهم ما استطاعوا " 1. (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا): سخروا به، أو بنوا أمره على التشهي، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لعب ولهو، والمعنى: أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم. (وغرتهم الحيوة الدنيا): فألهتهم عن العقبى (وذكر به): بالقرآن (أن تبسل نفس بما كسبت) مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها، وأصل البسل: المنع. (ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع) يدفع عنها العذاب (وإن تعدل كل عدل): وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية، لانها تعادل المفدي. (لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بماا كسبوا) أي: سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقايدهم الزائفة (لهم شراب من حميم وعذاب أليم) بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم، ونار تشتعل بأبدانهم (بما كانوا يكفرون). (قل اندعوا): أنعبد (من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا): لا يقدر على نفعنا وضرنا (ونرد على أعقابنا): ونرجع عن دين الاسلام إلى الشرك (بعد إذ هدنا الله) له (كالذى استهوته الشيطين) كالذي ذهب به مردة الجن في المهامه 2، من


1 - مجمع البيان 3 - 4: 316، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المهامه جمع المهمه والمهمهة: المفازة البعيدة والبلد المقفر. القاموس المحيط 4: 294 (مه). (*)

[ 328 ]

هوى: إذا ذهب. (في الارض حيران): متحيرا ضالا عن الطريق (له أصحب): لهذا المستوى رفقة (يدعونه إلى الهدى): إلى الطريق المستوي، أو إلى أن يهدوه الطريق المستوي (ائتنا). يقولون لنا: ائتنا وقد اعتسف التيه تابعا للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم، وهذا مبني على ما تزعمه العرب: أن الجن تستهوي الانسان كذلك. (قل إن هدى الله) الذي هو الاسلام (هو الهدى) وحده وما سواه ضلال (وأمرنا لنسلم لرب العلمين). (وأن أقيموا الصلوة واتقوه) أي: أمرنا للاسلام ولاقامة الصلاة والتقوى (وهو الذي إليه تحشرون). (وهو الذى خلق السموات والارض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق). قيل: أي: قوله الحق يوم يقول، واليوم: بمعنى الحين. يعني: أنه الخالق للسماوات والارض، وقوله الحق نافذ في الكائنات، أو " يوم " معطوف على السماوات، و " قوله الحق " مبتدأ وخبر، أوفاعل " يكون "، أي: حين يكون الاشياء ويحدثها ويقول لقضائه: كن فيكون قوله الحق، أي: قضائه 1. وله وجوه أخر من التفسير. (وله الملك يوم ينفخ في الصور) كقوله: " والملك يومئذ لله " 2. روي: " أن الصور قرن التقمه إسرافيل فينفخ فيه، وأن فيه بعدد كل إنسان ثقبة فيها روحه " 3. ووصف بالسعة والضيق، يعني أن أحد طرفيه واسع والاخر ضيق. (علم الغيب والشهدة وهو الحكيم الخبير) وهذا كالفذلكة للاية. (وإذ قال إبرهيم لابيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إنى أراك وقومك في


1 - البيضاوي 2: 194. 2 - الحج (22): 56. 3 - راجع: الدر المنثور: 3: 298، وسنن الترمذي 4: 42، وروح البيان 3: 53، ومسند أحمد بن حنبل 2: 162، 192، وتفسير القرآن العظيم، (لابن كثير) 2: 151. (*)

[ 329 ]

ضلل مبين). (وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض): ربوبيتها. قال: " كشط 1 الله له عن الارضين حتى رآهن وما تحتهن، وعن السماوات حتى رآهن وما فيهن من الملائكة وحملة العرش " 2. ورد: " إنه فعل ذلك بالنبي والائمة عليهم السلام أيضا " 3. (وليكون): ليراه وليكون (من الموقنين). (فلما جن عليه الليل): أظلم عليه وستره بظلامه (رءا كوكبا قال هذا ربى) على سبيل الانكار والاستدلال، لانه كان طالبه 4 في حداثة سنه (فلما أفل): غاب (قال لا أحب الافلين). (فلما رءا القمر بازغا): مبتدءا في الطلوت (قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين). استعجز نفسه واستعان بربه. (فلما رءالشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يقوم إنى برئ مما تشركون). (إنى وجهت وجهى للذى فطر السموت والارض حنيفا وما أنا من المشركين). ورد: " إن إبراهيم عليه السلام وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة وصنف يعبد القمر وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب 5 الذي أخفي فيه، " فلما جن عليه الليل " رآى الزهرة " قال هذا ربي " على الانكار والاستخبار، " فلما أفل " الكوكب " قال


1 - كشط، أي: كشف. القاموس المحيط 2: 396 (كشط). 2 - مجمع البيان 3 - 4: 322، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 205، عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه: " وفعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام ". 4 - في " ب " و " ج ": " لانه كان طالبا ". 5 - السرب - بالتحريك - جحر الوحشي والحفير تحت الارض والقناة التى يدخل منها الماء الحائط. القاموس المحيط 1: 84 (سرب). ولعل المراد الغار الذى وضعته أمه فيه وأخفته فيه من النمر ودية ثلاثة عشرة سنة. راجع: القمي 1: 207. (*)

[ 330 ]

لا أحب الافلين "، لان الافول من صفات المحدث لا من صفات القديم، " فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي " على الانكار والاستخبار، " فلما أفل قال لئن لم يهدني لاكونن " يقول: لكنت من القوم الضالمين 1. وفي رواية: (أي: ناسيا للميثاق) 2. قال: (فلما أصبح " ورأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر " من الزهرة والقمر، على الانكار والاستخبار لا على الاخبار والاقرار. " فلما أفلت " قال للاصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: " يا قوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي " الاية. وإنما أراد إبراهيم عليه السلام بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويبت عندهم أن العبادة لخالقها وخالق السموات والارض، وكان ما احتج به على قومه ما ألهمه الله وآتاه، كما قال الله: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ") 3. وفي رواية: (فلما أصبح وطلعت الشمس ورأى ضوءها وقد أضاءت الدنيا لطلوعها، " قال هذا ربي هذا أكبر وأحسن، فلما تحركت وزالت، كشط الله له عن السموات حتى رأى اللعرش ومن عليه، وأراه الله ملكوت السموات والارض، فعند ذلك " قال: يا قوم إنى برئ ") 4. وفي أخرى: (ولم يكن ذلك من إبراهيم شركا وإنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك) 5. (وحاجه قومه): وخاصموه في التوحيد (قالل أتحجوني في الله): في وحدانيته (وقد هدان) إلى توحيده (وا أخاف ما تشركون به) أي: لا أخاف


1 - عيون أخبار الرضا عليه السام 1: 197، الباب: 15: الحديث: 1، وفيه: (لاكونن من قوم الضالين، يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين). 2 - لاحظ: العياشي 1: 364، الحديث: 39، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 197، الباب: 15، الحديث: 1، والاية في الانعام (6): 83. 4 - القمى 1: 207، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (كشف) بدل (كشط). 5 - العياشي 1: 365، الحديث: 41، والقمى 1: 207، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 331 ]

معبوداتكم قط، لانها لا قدرة لها على ضر أو نفع (إلا أن شاء ربى شيئا) أن يصيبني بمكروه، وكأنه جواب لتخويفهم إياه من جهة آلهتهم. (وسع ربى كل شئ علما) فلا يستبعد أن يكون في علمه إنزال مخوف بي (أفلا ينزل به عليكم سلطنا): حجة، يعني وما لكم تنكرون علي الامن في موضع الامن ولا تنكرون على أنفسكم الامن في موضع الخوف. (فأى الفريقين أحق بالامن): الموحدين أو المشركين (إن كنتم تعلمون). (الذين ءامنوا ولم يلبسوا) قال: (ولم يخلطوا) 1. (إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون). ورد: (إنه من مام قول إبراهيم عليه السلام) 2. وروي: (لما نزلت هذه الاية شق على الناس وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعون إلى ما قال العبد الصالح " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ") 3. وفي الرواية: (إن الظلم: الضلال فما فوقه) 4. وفي أخرى: (الشك) 5. وفي أخرى: (آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الولاية ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان) 6. (وتلك حجتنا ءاتينهاها إبراهيم): أرشدناه إليها وعلمناه إياها (على قومه نرفع درجات من نشاء) في العلم والحكمة (إن ربك حكيم) في رفعه وخفضه (عليم) بحال من يرفعه ويخفضه.


1 - العياشي 1: 366، الحديث: 49، والكافي 1: 413، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 327، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - المصدر، عن ابن مسعود والاية في لقمان (31): 13. 4 - العياشي 1: 366، الحديث: 47، عن أبى عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 48، والكافي 2: 399، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 1: 366، الحديث: 49، والكافي 1: 413، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 332 ]

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل) يعني هديناهم لنجعل الوصية في أهل بيتهم (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين). (وزكريا ويحى وعيسى). ورد: (والله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم عليه السلام من قبل النساء، ثم تلا هذه الاية) 1. وفي رواية: (وكذلك ألحقنا بذراري النبي صلي الله عليه وآله وسلم من قبل أمنا فاطمة عليها السلام) 2 (وإلياس كل من الصالحين). (وإسماعيل واليسع وينس ولوطا كلا فضلنا على العالمين). (ومن أآبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم). (ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا) مع علو شأنهم (لحبط عنهم ما كانوا يعملون). (أؤلئك الذين ءاتيناهم الكتاب) يريد له الجنس (والحكم) أي: الحكمة، أو الحكم بين الناس (والنبوة فإن يكفر بها) أي: بالنبوة، أو الثلاثة (هؤلاء) يعني قريشا (فقد وكانا بها فوما ليسوا بها بكافرين) قال: (قوما يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويذكرون الله كثيرا) 3. (أؤلئك الذين هدى الله). يريد الأنبياء المقدم ذكرهم. (فبهداهم اقتده) الهاء للوقف. ورد: (لا طريق للاكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء، لأنه المنهج الاوضح والمقصد الاصح. قال الله لاعز خلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: " أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده "، فلو كان لدين الله مسلك أقوم من الاقتداء لندب أنبياءه وأولياءه إليه) 4. وفي


1 - العياشي 1: 367، الحديث: 156، والمحاسن 1: 156، الباب: 23، الحديث 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 84، الباب: 7، ذيل الحديث الطويل: 9، عن أبى الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام. 3 - المحاسن 2: 588، الباب: 17، الحديث: 88، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مصباح الشريعة: 157، الباب: 74، في الاقتداء، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 333 ]

رواية: (أحسن الهدى هدى الانبياء) 1. (قل لا أسئلكم عليه أجرا) أي: على التبليغ، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بالانبياء (إن هو إلا ذكرى للعالمين) تذكيرا 2 وعظة. (وما قدروا الله حق قدرخ): وما عرفاه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته، وما وصفوه بما هو أهل أن يوصف به من الرحمة والانعام على عباده واللطف بهم. (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر نت شئ) حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل، وذلك من جلائل نعمته وعظائم رحمته ولطفه. القمي: وهم قريش واليهود 3. ورد: (إن الله لا يوصف، وكيف يوصف وقد قال الله في كتابه: " وما قدروا الله حق قدره " فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك) 4. ويأتي فيه حديث آخر في الزمر إن شاء الله 5. (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا هدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا). ألزموا بما لا بدلهم من الاقرار به مع توبيخهم بتحريفهم بإبداء بعض وإخفاء بعض، وجعلها ورقات متفرقة ليتمكنوا مما حاولوه. قال (كانوا يكتبونه في القراطيس، ثم يبدون ما شاؤوا ويخفون ما شاؤوا). 6 والقمي: يخفون يعني من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم 7. (وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ءاباؤكم قل الله) أي: أنزله الله. قيل: أمره بأن يجيب عنهم إشعارا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيها على أنهم بهتوا بحيث لا يقدرون على الجواب 8. (ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). القمي: يعني ما خاضوا فيه من التكذيب 9.


1 - القمي 1: 291، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ذيل الاية: 42 نت سورة التوبة. 2 - في (ألف): (تذكرا). 3 - 7 و 9 - القمي 1: 210. 4 - الكافي 1: 103: الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - ذيل الاية: 67. 6 - العياشي 1: 369، الحديث: 59، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - البيضاوي 2: 198. (*)

[ 334 ]

(وهذا كتاب أنزلناه مبارك): كثير النفع والفائدة (مصدق الذى بين يديه): الكتب التي قبله (ولتنذر أم القرى) يعني مكة، سميت بها لانه دحيت الارض من تحتها، فكأنها تولدت منها. (ومن حولها): أهل الشرق والغرب (والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) فإن من صدق بالاخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن به ويحافظ على الطاعة، وتخصيص الصلاة لانها عماد الدين. (ومن أظلم ممن أفترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله). قال: (نزلت في ابن أبي سرح الذي كان عثمان استعمله على مصر، وهو ممن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هدر دمه وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أنزل " إن الله عزيز حكيم 1 " كتب: إن الله عليم حكيم، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعها فإن الله عليم حكيم، وكان يقول للمنافقين: إني أقول من نفسي مثل ما يجئ به فما يغير علي) 2. وفي رواية: (كان أخا عثمان من الرضاعة، وكان لله خط حسن. قال: فارتد كافرا وكان من الطلقاء) 3. (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) شدائده، من غمرة الماء: إذا غشيه (والملائكة باسطوا أيديهم) لقبض أرواحهم كالمتقاضي المسلط (أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) قال: (العطش يوم القيامة) 4. (بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن ءاياته تستكبرون): لا يؤمنون بها. (ولقد جئتمونا فرادى) عن أموالكم وأولادكم وأوثانكم ولباسكم. وفي رواية:


1 - البقرة (2) 209، 220، 260، الانفال (8): 10، التوبة (9): 71، لقمان (31): 27. 2 - الكافي 8: 201، الحديث: 242،، عن أحدهما عليهما السلام. وقوله صلى الله عليه وآله وسلمك (دعها) أي: أتركها كما نزلت ولا تغيرها فإنه وإن كان قولك: (إن الله عليم حكيم) حقا ولكن لا يجوز تغيير ما نزل من القرآن. 3 - القمي 1: 210، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 1: 370، الحديث: 62، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 335 ]

(عراة) 1. (كما خلقناكم أول مرة) على الهيئة التي ولدتم عليهم (وتركتم ما خولناكم): ما ملكماكم في الدنيا فشغلم به عن الاخرة (وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركوا): شركاء اللخ في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم (لقد تقطع بينكم): ما بينكم، وعلى الرفع وصلكم وتشتت جمعكم. والبين من الاضداد يستعمل للوصل والفصل (وضل عنكم): ضاع ويطل (ما كنتم تزعمون) ورد: (نزلت هذه الاية في معاوية وبني أمية، وشركاؤهم أئمتهم " لقد تقطع بينكم " يعني المودة) 2. (إن الله فالق الحب والنوى) بالنبات والشجر (يخرج الحى من الميت): ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو، كالنطفة والحب (ومخرج الميت من الحى): ومخرج ذلك من الحيوان والنبات. ورد: (الحب: طينة المؤمنين، ألقى الله عليها محبته، والنوى: طينة لكافرين الذين نأول عن كل خير، والحي الذي يخرج من الميت: هو مؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر، والميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن) 3. (ذالكم الله) الذي يحق له العبادة (فأنى تؤفكون): تصرفون عنه إلى غيره. (فالق الاصباح): شاق عمود الصبح من ظلمة الليل (وجعل اليل سكنا) يسكن فيه الخلق، كما قال " لتسكنوا فيه " 4. (والشمس والقمر حسبنا) على أدوار مختلفة يحسب بها الاوقات (ذلك تقدير العزيز) الذي قهرهما وسيرهما على الوجه الخاص (العلم) بتدبيرهما. (وهو الذى جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر): في ظلمات


1 - الخرائج والجرائح 1: 91، الحديث: 150، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - القمي 1: 211، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: (وشركاؤهم وأئمتهم). 3 - الكافي 2: 5، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - يونس (10): 67، القصص (28): 73، الغافر (40): 61. (*)

[ 336 ]

الليل في البر والبحر، أو في مشتبهات الطرق أو الأمور. القمي: النجوم: آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم 1. (قد فصلنا اليات) بيناها فصلا، فصلا (لقوم يعلمون) فإنهم منتفعون به. (وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة) وهو آدم عليه السلام (فمستقر ومستودع). ورد: (المستقر: من استقر الايمان في قلبه فلا ينزع منه أبدا، والمستودع: الذي يستودع الايمان زمانا ثم يسلبه، وقد كان الزبير منهم) 2. (قد فصلنا الايات لقوم بفقهون). ذكرها " يفقهون " لانه غامض، وهناك " يعلمون " لانه ظاهر. (وهو الذى أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرا): نبتا غضا أخضر (نخرج منه حبا متراكبا) قد ركب بعضه بعض، وهو السنبل. (ومن النخل من طلعا قنوان): أعذاق، جمع قنو. (دانية): قريبة من المتناول (وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه): بعضها متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم، وبعضها غير متشابه (انظروا إلى ثمره) ثمر كل واحد (إذا أثمر): إذا أخرج ثمره، كيف يكون صغيرا حقيرا لا يكاد ينتفع به (وينعه): وإلى حال نضجه، أو إلى نضيجه، كيف يعود ضخما ذا نففع ولذة، مصدر ينعت الثمرة: إذا أدركت، أو جمع يانع. (إن في ذالكم لايت لقوم يؤمنون). (وجعلوا الله شركاء الجن): الملائكة، جعلوهم أندادا لله فعبدوهم، وقاللوا: إنهم بنات الله، سماهم جنا لا ختفائهم. ونحوه: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " 3، أو أريد بالجن: الشياطين، لانهم أطاعئهم كما يطاع الله، أو عبدوا الاوثان بتسويلهم، أو قالوا: إن الله خالق الخير وإبليس خالق الشر. (وخلقهم): وقد خلقهم، أي: وقد


1 - القمي 1: 211. 2 - العياشي 1: 371، الحديث 69، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الصافات (37): 158. (*)

[ 337 ]

علموا أن الله خالقهم دون الحن ن وليس من خلق كمن لا يخلق. (وخرقوا له): واختلقوا لله (بنين وبنات) فإن المشركين قالوا: المللائكة بنات الله، وأهل الكتابين: عزير ابن الله والمسيح ابن الله. (بغير علم): من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه، ولكن جهلا منهم بعظمة الله (سبحانه وتعالى عما يصفون): [ يقولون ] 1. (بديع السموات والارض) قال: (أي: هو كبدعهما ومنشؤهما بعلمه ابتداءا لا من شئ ولا على مثال سبق) 2. (أنى يكون ولد ولم تكن له صاحبة) يكون منها الولد (وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم) فهو غني عن كل شئ. (ذالكم الله ربكم لا إاله إلا هو خالق كل شئ). ورد: (أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين والله خالق كل شئ ولا نقول بالجبر والتفويض) 3. (فاعبدوه) فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة (وهو على كل شئ وكيل) حفيظ مدبر. (لا تدركه الابصار) قال: (لا تحيط به الاوهان) 4. (وهو يدرك الابصار). قال: (يحيط بها) 5. وفي رواية: (إنما عنى إحاطة الوهم، كما يقال: فلان بصير بالشعر وفلان بصير بالفقه، الله أعظم من أن يرى بالعين) 6. وفي أخرى: (أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، وأوهام القلوب لا تدركه فكيف أبصار العيون) 7. (وهو اللطيف): (النافذ في الاشياء). كذا ورد 8. (الخبير) قال: (الذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته) 9. (قد جائكم بصائر من ربكم). البصيرة للقلب كالبصر للبدن. (فمن أبصر) الحق


1 - الزيادة من (ب). 2 - مجمع البيان 3 - 4: 343، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الخصال: 608، ذيل الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: (ولا يقول). 4 و 5 - التوحيد: 262، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. - المصدر: 112، الباب: 8، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر: 113، الحديث: 12، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام. 8 و 9 - الكافي 1: 122، ذيل الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 338 ]

وآمن به (فلنفسه) أبصر، لان نفعه لها (ومن عمى) عن الحق وضل (فعليها) وبالله (وما أنا عليكم بحفيظ) وإنما أنا منذر، والله هو الحفيظ عليكم، يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها. (وكذلك نصرف الابات): ننقلها من حال إلى حال، بإجراء المعنى الدائر في اللمعاني المتعاقبة. (ولقولوا درست) صرفنا، واللام للعاقبة، والدرس: القراءة والتعلم. والقمي: كانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الذي تحبرنا به تتعلمه من علماء اليهود وتدرسه 1. (ولنبينه لقوم يعلمون). اللام هنا على أصله، لأن التبيين مقصود التصريف، والضمير للايات بإعتبار المعنى. (اتبع ما أوحى إليك من ربك) بالتدين به (لا إله إلا هو). اعتراض. (وأعراض عن المشركين): ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى آرائهم. (ولو شاء الله ما أشركوا). قال: (ولو شاء الله أن يجعلهم كلهم مؤمنين معصومين حتى كان لا يعصيه أحد، لما كان يحتاج إلى جنة ولا إلى نار، ولكنه أمرهم ونهاهم وامتحنهم وأعطاهم ماله عليهم به احجة من الالة والاستطاعة ليستحقوا الثواب والعقاب) 2. (وما جعلناك عليهم حفيظا): رقيبا (وما أنت عليهم بوكيل) تقوم بأمورهم. (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله): ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدون، بما فيها من القبايح (فيسبوا الله عدوا): تجاوزا عن الحق إلى الباطل (بغير علم): على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به. قال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله، فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيللا يسب الكفار إله


1 - القمى 1: 212. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 346، في تفسير أهل البيت عليهم السلام. (*)

[ 339 ]

المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون) 1. وفي رواية: أرأيت أحدا يسب الله ؟ فقيل: لا، وكيف ؟ قال: من سب ولي الله فقد سب الله) 2. وفي أخرى: (وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم) 3. (كذلك زينا لكل أمة عملهم) في الخير والشر 4 (ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون). (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم ءاية) من مقترحاتهم (ليؤمنن بها قل إنما الايات عند الله) هو قادر عليها، يظهر منها ما يشاء على مقتضى الحكمة، ليس شئ منها بقدرتي وإرادتي. (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) بكسر الهمزة 5 وبفتحها 6. قيل: " لا " مزيدة 7، وقيل إنها بمعنى لعلها، كما في قراءة ابي 8. (ونقلب أئدتهم) عن الحق فلا يفقهونه. وقال: (نكس قلوبهم فجعل أعلاها أسفلها فلم تقبل خيرا ابدا) 9. (وأباصرهم) اقل ك (فلا يبصرون الهدى) 10. (كما لم يؤمنوا به أو لمرة) بما أنزل من الايات. والقمي: (يعني في الذر والميثاق) 11. (ونذرهم في طغيانهم يعمهون) أي: يضلون.


1 - القمي: 1: 213، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي جميع النسخ: (يسبوا الكفار) وما أثبتناه من المصدر. 2 - العياشي 1: 374، الحديث: 80، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 8: 7، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في (ج): (في الخير والشر بعد اختبارهم ودخولهم فيه). 5 - في (ج): (بكسر الهمزة واضح، وبفتحها). 6 - أي: بكسر همزة " أنها " وفتحها فالمعنى على الفتح: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدريون بذلك، وعلى الكسر يكون الكلام قد تم قبله، والمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم، فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون بها البتة. (راجع: الصافي 2: 148، وجوامع الجامع 1: 403). 7 و 8 - البيضاوي 2: 203، ومجمع البيان 3 - 4: 348 - 349. 9 و 10 - القمي 1: 213، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف في بعض العبارات. 11 - القمي 1: 213. (*)

[ 340 ]

(ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمتهم الموتى وحشرنا عليهم كل سئ قبلا): عيانا، كما اقترحوا فقالوا: " لو لا أنزلل علينا الملائكة " 1 " فأتوا بآبائنا " 2 " أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " 3. (ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون). (وكذلك): وكما جعلنا لك عدوا (جعلنا لكل نبي) سبقك (عدوا). وقال: (ما بعث الله نبيا إلا وفي أمته شيطانان يؤذيانه ويضلان النا بعده) 4. ثم ذكر أسماء أعداء أولي العزم اثنتين اثنين. (شياطين الانس والجن): مردتهما (يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا): الاباطيل المموهة من زخرفه إذا زينه. قال: (من لم يجعله الله من أهل صفة الحق، فأولئك شياطين الانس والجن) 5. وفي رواية: (الانس على ثلاثة أجزاء فجزاء تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وجزء عليهم الحساب والعذاب، وجزء وجوههم وجوه الادميين وقلوبهم الشياطين) 6. (ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون). (ولتصغى): تميل (إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه) لانفسهم (وليقترفوا): وليكتسبوا (ما هم مقترفون) من الاثام. (أفغير الله ابتغى حكما) ؟ ! يعني قل لهم: أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل ؟ (وهو الذى أنزل إليكم الكتاب): القرآن (مفصلا): مبينا فيه الحق والباطل، بحيث ينفي التخليط والالتباس (والذين ءاتيناهم الكتاب):


1 - الفرقان (25): 21. 2 - الدخان (44): 36. 3 - الاسراء (17): 92. 4 - القمي: 214، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 8: 11، ذيل الحديث الطويل: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الخصال 1: 154، الحديث 192، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 341 ]

التوارة والانجيل (يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) لتصديق ما عندهم إياه، ولتصديقه ما عندهم، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم. (فلا تكونن من الممترين). (وتمت كلمت ربك): ما تكلم به من الحجة بلغت الغاية اخباره وأحكامه ومواعيده (صدقا) في الاخبار والمواعيد (وعدلا) في الاقضية والاحكام (لا مبدل لكلماته) بما هو أصدق وأعدل (وهو السميع) لما يقولون (العليم) بما يضمرون. (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) لان الاكثر في الغالب يتبعون الاهواء (إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخضون): يقولون عن تخمين وتقليد. إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أي: أعلم بالفريقين. (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه). مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحلون الحرام، وذلك أنهم قالوا للمسلمين: أتاكلون مما قتلتم أنتم ولا تأكلون مما قتلل ربكم ؟ ! فقيل: ملوا مما ذمر اسم الله على ذبحه خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه. (إن كنتم بئاياته مؤمنين) فإن الايمان بها يقتضى استباحة ما أحله الله واجتناب ما حرمه. (ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) بقوله: " حرمت عليكم الميتة " 1 الاية. (وإن كثيرا ليضلون بأهوآئهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين): المتجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام. (وذروا ظاهر الاثم وباطنه): ما يعلن وما يسر. والقمي: الظاهر من اللاثم:


1 - المائدة (5): 3. (*)

[ 342 ]

المعاصي، والباطن: الشرك والشك في القلب 1. (إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون): يعملون. (ولا تأملوا مما لم يذكر اسم الله عليه). ورد: (إنه سئل عن مجوسي قال: بسم الله وذبح. قال: كل. فقيل: مسلم ذبح ولم يسم. فقال: لا تأكل. ثم تلا هذه الايه) 2. وفي رواية: (في ذبيحة الناصب واليهودي والنصراني قال: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله عليه، ثم تلا هذه الآية) 3. (وإنه لفسق وإن الشيطان ليوحون): ليويويون (إلى أوليائهم) من الكفار (ليجادلوكم) بقولهم: تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله. (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون). (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يشمى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) يعنى مثل من هداه الله وأنقذه من الضلال، وجعل له حجة يهتدي بنورها، كمن صففته البقاء في الضلالة لا يفارقها بحال. قال: (" ميتا ": لا يعرف شيئا، و " نورا يمشي به في الناس ": إماما يؤتم به " كمن مثله في الظلمات ": الذي لا يعرف الامام) 4. وفي رواية: (كان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر، وحياته حين فرق الله بينهما بكلمته) 5. وورد: (إن الاية نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل) 6. (كذالك زين للكافرين ما كانوا يعملون). (وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها) أي: كما جعلنا في مكة. (وما يمكرون إلا بأنفسهم) لان وباله يحيق بهم. (وما يشعرون) ذلك.


1 - القمي 1: 215. 2 - التهذيب 9: 69، الحديث 293، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - المصدر: 68، الحديث: 287، غن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 1: 185، الحديث: 13، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المصدر 2: 5، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - مجمع البيان 3 - 4: 359، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 343 ]

(وإذا جاءتهم ءاية قالوا) يعني الاكابر: (للن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله). روي: أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبدمناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت) 1. (الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله): ذل وحقارة بعد كبرهم (وعذاب شديد بما كانوا يمكرون). (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) فيتسع له ويفسح فيه مجاله 2. ورد: (لما نزلت هذه الاية، سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شرح الصدر ما هو ؟ فقال: نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن، فينشرح صدره وينفسح. قالوا فهلل لذلك أمارة يعرف بها ؟ فقال: نعم الانابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت) 3. (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا). قال (قد يكون ضيقا وله منفذ يسمع منه ويبصر، والحرج هو الملتأم الذي لا منقذ له يسمع به ولا يبصر منه) 4. (كأنما يصعد في السماء). مبالغة في ضيق صدره، بتشبيهه بمن يزاول مالا يقدر عليه، وهو مثل فيما لا يستطاع. ورد: (إن القلب ليتجلجل 5 في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن وقر، ثم تلا هذه الاية) 6. أقول: يتخلخل بالخائين المعجمتين أو الجيمين أي: يتحرك. وورد: إنه سئل عن هذه الاية فقال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا وإلى جنته ودار كرامته في الاخرة، يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعده


1 - راجع: البيضاوى 2: 207. 2 - في (الف): (ويفسح فيه لا محالة). 3 - مجمع البيان 3 - 4: 363، في رواية صحيحة. 4 - معاني الاخبار: 145، الحديث 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في (الف): (ليتخلخل). 6 - الكافي 2: 421، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 344 ]

من ثوابه، حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار مرانته في الاخرة لكفره به وعصايانه له في الدنيا، يجعل صدره ضيقا حرجا، حتى يشك في كفره ويضطرب من اعتقاده قلبه، حتى يصير كأنما يصعد في السماء) 1. (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) قال: الرجس: الشك) 2. (وهذا صراط ربك). قبل: يعني طريقه وعادته في التوفيق والخذلان 3. (مستقيما): عادلا مطردا (قد فصلنا الايات لقوم يذكرون). (لهم دار السلام): للذين تذكروا وعرفوا الحق، دار الله، أو دار السلامة من كل آفة وبلية. القمي: يعني في الجنة، والسلام: الامان والعافية والسرور 4. ويأتي فيه حديث في يونس إن شاء الله 5. (عند ربهم): في ضمانه، يوصلهم إليها لا محالة (وهو وليهم): مولاهم محبهم 6. القمي: أي أولى بهم 7. (بما كانوا يعملون). (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن) نقول يا معشر الشياطين (قد استكثرتم من الانس): أضللتم منهم كثيرا. القمي: كل من والى قوما فهو منهم، وإن لم يكن من جنسهم 8. (وقال أولياؤهم من الانس): الذين اتبعوهم وأطاعوهم: (ربنا استمتع بعضنا ببعض): انتفع الانس بالشياطين،، حيث دلوهم على الشهوات وما يوصل إليها، وانتقع الشياطين بالانس، حيث أطاعوهم وحصلوا مرادهم. (وبلغنا أجلنا الذين أجلت لنا) يعني القيامة (قال): قال الله لهم: (النار مثوكم): مقامكم


1 - التوحيد: 242، الباب 35، ا لحديث: 4، ومعاني الاخبار 145، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، وفيهما: " بإيمانه في الدنيا إلى جنته " من دون " و ". 2 - العياشي 1: 377، الحديث: 96، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 2: 207. 4 - القمي 1: 216. 5 - ذيل الاية: 25. 6 - كذا في جميع النس، ولعل الانسب بالسياق: " مواليهم ومحبهم ". 7 و 8 - القمي 1: 216. (*)

[ 345 ]

(خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم). (وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا): نكل بعضهم إلى بعض (بما كانوا يكسبون). قال: " ما انتصر الله من ظالم إلا بظالم، وذلك قوله عز وجل: " وكذلك نولي " الاية " 1. (يمعشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتى وينذرونكم لقاء يومكم هذا) ؟ ورد: " سئل: هل بعث الله نبيا إلى الجن ؟ فقال: نعم، بعث إليهم نبيا يقال له: يوسف، فدعاهم إلى الله عز وجل، فقتلوه " 2. وورد: " إن الله عز وجل أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الجن والانس " 3. (قالوا شهدنا على أنفسنا) بالجرم والعصيان (وغرتهم الحيوة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين). (ذلك) أي: إرسال الرسل (أن لم يكن): لان لم يكن (ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون): لم ينبهوا برسول. (ولكل) من المكلفين (درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما يعملون). (وربك الغنى) عن عباده وعن عبادتهم (ذو الرحمة) يترحم عليهم بالتكليف، ليعرضهم للمنافع العظيمة التي لا يحسن إيصالهم إليها إلا بالاستحقاق (إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم ءاخرين). (إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين): بخارجين من ملكه. (قل يقوم اعملوا على مكانتكم) قيل: على غاية تمكنكم واستطاعتكم، أو على حالكم التي أنتم عليها 4 (إنى عامل) على مكانتي (فسوف تعلمون من تكون له


1 - الكافي 2: 334، الحديث: 19، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 242، الباب: 24، ذيل الحديث 1. 3 - المصدر 1: 56، الباب: 6، الحديث: 21، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - البيضاوي 2: 209. (*)

[ 346 ]

عقبة الدار): أينا يكون له العاقبة الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار. والتهديد بصيغة الامر مبالغة في الوعيد، وتسجيل للمأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر. (إنه لا يفلح الظلمون). (وجعلوا لله) يعني مشركي العرب (مما ذرأ): مما خلق الله (من الحرث والانعم نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم) من غير أن يؤمروا به (وهذا لشركائنا): أصنامهم التي أشركوها في أموالهم (فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون). روي: " انهم كانوا يعينون شيئا من حرث ونتاج الله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وشيئا منهما لالهتهم، وينفقون على سدنتها ويذبحون عندها، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لالهتهم، وإن رأوا ما لالهتهم أزكى تركوه لها حبا لالهتهم، واعتلوا لذلك بأن الله غني " 1. وورد: " كان إذا اختلط ما جعل للاصنام بما جعل لله ردوه، وإذا اختلط ما جعل الله بما جعلوه للاصنام تركوه، وقالوا: الله غني، وإذا انخرق الماء من الذي لله في الذي للاصنام لم يسدوه، وإذا انخرق من الذي للاصنام في الذي لله سدوه، وقالوا: لله غني " 2. (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم) بالواد 3، خيفة العيلة أو العار، أو بالنحر لالهتهم (شركاؤهمن) من الشياطين أو السدنة (ليردوهم): ليهلكوهم بالاغواء (وليلبسوا عليهم دينهم): وليخلصوا عليهم ما كانوا عليه (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون). (وقالوا هذه). أشارة إلى ما جعل لالهتهم. (أنعم وحرث حجر): حرام


1 - البيضاوي 2: 209. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 370، عن أئمتنا عليهم السلام. 3 - وأد بنته يئدها: دفنها حية. القاموس المحيط 1: 355 (وأد). (*)

[ 347 ]

(لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم) من غير حجة (وأنعم حرمت ظهورها) القمي: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام 1. (وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها) في الذبح والنحر. وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها 2. (افتراء عليه): فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء على الله (سيجزيهم بما كانوا يفترون). (وقالوا ما في بطون هذه الانعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء). القمي: كانوا يحرمون الجنين الذي يخرجونه من بطون الانعام، على النساء، فإذا كان ميتا يأكله الرجال والنساء 3. (سيجزيهم وصفهم): جزاء وصفهم الكذب على الله في التحريم والتحليل، من قوله: " تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام 4 ". (إنه حكيم عليم). (قد خسر الذين قتلوا أولدهم) كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر (سفها بغير علم) لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله رازق أولادهم لاهم. (وحرموا ما رزقهم اللله) من البحائر ونحوها (افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين). (وهو الذى أنشأ جنت معروشت): مرفوعات على ما يحملها (وغير معروشت): ملقيات على وجه الارض (والنخل والزرع مختلفا أكله): أكل ذلك، أي: ثمره الذي يؤكل، في اللون والطعم والرائحة (والزيتون والرمان متشبها) بعض أفرادها في الطعم واللون والحجم (وغير متشبه): ولا يتشابه بعضها (كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده). قال: " افتح الفم بالحاء " 5.


1 - القمي 1: 217. 2 - البيضاوي 2: 201، والكشاف 2: 55. وأشار إليه في مجمع البيان 3 - 4: 372. 3 - القمي 1: 218. 4 - النحل (16): 116. 5 - قرب الاسناد: 368، الحديث 1316، عن الرضا عليه السلام. (*)

[ 348 ]

ورد: " إنه غير الزكاة، الضغث 1 من السنبل بعد الضغث، والكف من التمر بعد الكف " 2. وفي رواية: " في الزرع حقان: حتى تؤخذ به وحق تعطيه، أما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه فقول الله عز وجل: " وآتوا حقه يوم حصاده " يعني من حصدك الشئ بعد الشئ " 3. (ولا تسرفوا) في التصدق. ورد: " من الاسراف في الحصاد والجداد 4 أن يتصدق الرجل بكفيه جميعا " 5. (إنه لا يحب المسرفين: لا يرتضي فعلهم. (ومن الانعم حمولة وفرشا): وأنشأ من الانعمام ما تحمل الاثقال، وما ينسخ من وبره وصوفه وشعره الفرش. (كلوا مما رزقكم الله) منها (ولا تتبعوا خطوت الشيطن) في تحريم شئ منها من عند أنفسكم. (إنه لكم عدو مبين). (ثمنية أزوج). الزوج: ما معه آخر من جنسه، وقد يقال لمجموعهما (من الضأن اثنين): " الاهلي والوحشي الجبلي ". كذا ورد في الجميع 6. (ومن المعز ا ثنين): الاهلي والجبلي (قل ءالذكرين): ذكر الضأن وذكر المعز (حرم أم الانثيين): أم أنثييهما (أما اشتملت عليه أرحام الانثيين): أو ما حملته إناث الجنسين، ذكرا كان أو أنثى (نبئوني بعلم): بأمر معلوم يدل على أن الله حرم شيئا من ذلك (إن كنتم صدقين) في دعوى التحريم عليه.


1 - الضغث - بالكسر - قبضة حشيس مختلطة الرطب باليابس. القاموس المحيط 1: 175 (ضغث). 2 - القمي 1: 218، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 3: 564، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الجداد - بالفتح والكسر - صرام النخل وهو قطع ثمرتها. مجمع البحرين 3: 22 (جدد). 5 - الكافي 3: 566، الحديث: 6، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 6 - القمي 1: 219. (*)

[ 349 ]

(ومن الابل اثنين): " البخاتي والعراب " 1. كذا ورد 2. (ومن البقر اثنين): الاهلي والجبلي. (قل الذكرين حرم أم الانثيين أما اشتملت عليه أرحام الانثيين) كما مر. قيل: كانوا يحرمون من ذكور الانعام تارة، وإناثها تارة وأولادها كيف كانت تارة، زاعمين أن الله تعالى حرمها 3، فرد الله عليهم (أم كنتم شهداء): حاضرين شاهدين (إذ وصكم الله بهذا): حين وصاكم بهذا التحريم (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظلمين). (قلا لا أجد في ما أوحى إلى محرما): طعاما محرما (على طاعم يطعمه). فيه إيذان بأن التحريم إنما يثبت بالوحي لا بالهوى. (إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا): مصبوبا، كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال، والمختلط باللحم لا يمكن تخليصه منه. (أو لحم خنزير فإنه رجس): قذر (أو فسقا أهل لغير الله به). سمى ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله 4. في الفس. (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) لا يؤاخذه بأكله. قد سبق تفسير الباغي والعادي في سورة البقرة 5. فإن قيل: لم خص هذه الاربعة هنا بذكر التحريم مع أن غيرها محرم أيضا، فإنه سبحانه ذكر في المائدة 6 تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية، وغيرها، وقد ورد الاخبار


1 - البخت - بالضم - الابل الخراسانية، الواحد بختى مثل روم ورمي، والجمع بخاتي. والابل العراب: خلاف البخاتى. القاموس المحيط 1: 148، ومجمع البحريم 2: 191 (بخت)، ومجمع البحرين 2: 119 (عرب). 2 - القمي 1: 219. 3 - البيضاوي 2: 211. 4 - وغل في الشئ: دخل وتوارى، أو بعد وذهب. وأوغل في البلاد والعلم: ذهب وبالغ وأبعد. القاموس المحيط 4: 67 (وغل). 5 - ذيل الاية: 73. 6 - الاية: 3. (*)

[ 350 ]

الصحيحة بتحريم كل ذي مخلب من الطير وكل ذى ناب من الوحش 1، وما لا قشر له من السمك 2 إلى غير ذلك. قلنا: أما المذكورات في المائدة فكلها يقع عليه اسم الميتة، فتكون في حكمها، فأجمل هاهنا وفصل هناك، وأما غيرها فليس بهذه المثابة في الحرمة، فخص هذه الاربعة بالتحريم تعظيما لحرمتها، وبين تحريم ما عداها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد: " إنه مما يعاف عنه تقززا " 3، يعني تنزها. والقمي: إنما هذه الاية رد على ما أحلت العرب وحرمت على أنفسها، فلا دلالة فيها على عدم تحريم غير ما فيها 4. القول: هذا لا يساعده الاخبار المعصومية، كما يظهر لمن تتبع لها، وكذا ما قيل: إن هذه السورة مكية. والمائدة مدنية فيجوز أن يكون غير ما في ههذه الاية إنما حرم فيما بعد 5. (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر) من دابة أو طير (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما): الثروب 6 وشحوم الكلى 7. (إلا ما حملت ظهرورهما): ما علقت بظهروهما (أو الحوايا): ما اشتمل على الامعاء (أو ما اختلط بعظم) وهو شحم الالية (ذلك جزينهم ببغيهم وإنا لصدقون) في الاخبار والوعد والوعيد. (فإن كذبوك) فيما تقول (فقل ربكم ذو رحمة وسعة) لا يعجل بالعقوبة (ولا


1 - الكافي 6: 245، الحديث: 2 و 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 219، الاحاديث: 1 و 5 إلى 9. 3 - أشير إليه في العياشي 1: 382، الحديث: 119 عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 1: 219. 5 - راجع: مجمع البيان 3 - 4: 378. 6 - الثرب: شحم رقيق يغشى الكرش والامعاء، والجمع: ثروث وأثرب. القاموس المحيط 1: 42 (ثرب). 7 - الكلى - بضم الكاف والقصر - جمع الكلة والكلوة هي من الاحشاء معروفة. مجمع البحرين 1: 362 (كلا). (*)

[ 351 ]

يرد بأسه عن القوم المجريم) فلا تغتروا بإمهاله، فإنه لا يرد إذا جاء وقته. (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم): من أمر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم (فتخرجوه لنا): فتظهروه لنا (إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون). (قل فلله الحجة البلغة). (قال: " الحجة البالغة التي تبلغ الجاهل من أهل الكتاب فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه ") 1. (فلو شاء لهدكم أجمعين). (قل هلم شهداءكم): أحضروهم (الذين يشهدون أن الله حرم هذا) يعني: قدوتهم فيه، استحضرهم ليلزمهم الحجة (فإن شهدوا فلا تشهد معهم) فلا تصدقهم فيه (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بئايتنا والذين لا يؤمنون بالاخرة ونهم بربهم يعدلون): يجعلون له عديلا. (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا). لما أوجب ترك الشك والاحسان إلى الوالدين، فقد حرم الشرك والاساءة دليهما، لان إيجاب الشئ نهي عن ضده، فيصح أن يقع تفصيلا لما حرم. (وبالودين إحسنا). وضعه موضع النهي عن الاساء للدلالة على أن ترك الاساءة في شأنهما غير كاف. القمي: الوالدين 2: رسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام 3. (ولا تقتلوا أولدكم من إملق): من أجل فقر، أو من خشية فقر، لقوله: " خشة إملاق " 4. (نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفوحش): كبائر الذنوب، أو الزنا (ما ظهر منها وما بطن) قال: " ما ظهر: نكاح


1 - ما بين المعقوفتين من " ج " و " ب ". والحديث في البرهان 1: 560، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، نقلا عن العلامة الحلي في الكشكول. 2 - في " ب و " ج ": " الوالدن ". 3 - القمي 1: 220. 4 - الاسراء (17): 31. (*)

[ 352 ]

امرأة الاب، وما بطن: " الزنا " 1. وفي رواية: " ما ظهر هو الزنا، وما بطن: المخالة " 2. (ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق) كالقود 3 وقتل المرتد ورجم المحصن (ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون). (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن): إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بماله، كحفظه وتثميره (حتى يبلغ أشده): قوته. قال: " انقطاع يتم اليتيم: الاحتلام وهو أشده، وفي رواية: " إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الاربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتملين، احتلم أو لم يحتلم، كتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات، وجاز له كل شئ إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها " 5. (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط): بالعدل والتسوية (لا نكلف نفسا إلا وسعها): إلا ما يسعها ولا يعسر عليها، اعتراض فيه تنبيه على تعسر الايفاء، وأن ما وراء الوسع فيه معفو. (وإذا قلتم) في حكومة ونحوها (فأعدلوا) فيه (ولو كان ذا قربى): ولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم. (وبعهد الله أوفوا) يعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. (ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون): تتعظون به. ورد: " هذه الايات المحكمات التي لم ينسخهن شئ شيعها سبعون ألف ملك: " قل تعالوا أتل " الايات 6 ".


1 - العياشي 1: 383، الحديث: 124، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 382، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: " وما بطن هو المخالة " والمخالة - من خاله مخالة وخلالا -: المصادقة. " القاموس المحيط 3: 318 - خل " ولعل المراد بها المصادقة بين الاجنبيين. 3 - القود - بالتحريم -: القصاص. مجمع البحرين 3: 132 (قود). 4 - التهذيب 9: 183، الحديث 737، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 739، عن أبي عبد الله عليه السلام.، وفيه: " سفيها وضعيفا ". 6 - العياشي 1: 383، الحديث: 123، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 353 ]

(وأن هذا صراطي مستقيما). قيل: الاشارة فيه إلى ما ذكر في السورة، فإنه التوحيد والنبوة والشريعة 1. (فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله). عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا الصراط المستقيم الذي أمرتكم باتباعه، ثم علي من بعدي، ثم ولدي من صلبه أئمة يهدون إلى الحق 2 وبه يعدلون 3 ". وفي رواية: " يعني ولاية علي والاوصياء " فاتبعوه " يعني عليا " ولا تتبعوا السبل " ولاية فلان وفلان، " فتفرق بكم عن سبيله " يعني سبيل علي عليه السلام " 4. (ذلكم وصكم به لعلكم تتقون) الضلال والتفرق عن الحق. (ثم ءاتينا موسى الكتب) " ثم " للتراخي في الاخبار. (تماما) للكرامة والنعمة (عليه الذى أحسن): أحسن القيام به (وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون). وهذا كتب أنزلته مبارك): كثير النفع (فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون). (أن تقولوا): أنزلناه كراهة أن تقولوا: (إنما أنزل الكتب على طائفتين من قبلنا): اليهود والنصارى (وإن كنا عن دراستهم لغفلين). (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بئايت الله وصدف): أعرض، أو صد (عنها) فضل وأضل. (سنجزي الذين يصدفون عن ءايتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون). (هل ينظرون) قال: " هل ينتظر المنافقون والمشركون " 5. (إلا أن تأتيهم الملئكة) قال: " فيعا ينوهم " 6. (أو يأتي ربك) قال: " أمر ربك " 7. (أو يأتي بعض


1 - البيضاوي 2: 241. 2 - في " الف " و " ج ": " يهدون بالحق "، وفي " ب ": " يدعون بالحق " وما أثبتناه من المصدر. 3 - الاحتجاج 1: 78 - 79. وفيه: " أنا صراط الله المستقيم ". 4 - العياشي 1: 384، الحديث 125، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 و 6 و 7 - الاحتجاج 1: 372 عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 354 ]

ءايت ربك) قال: " هي العذاب في دار الدنيا، كما عذب الامم السالفة والقرون الخالية " 1. (يوم يأتي بعض ءايت ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمننها خيرا) كان المعنى: أنه لا ينفع الايمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها، غير كاسبة في إيمانها خيرا. قال: " من قبل " يعني من قبل أن تجئ هذه الاية، وهذه الاية: طلوع الشمس من مغربها " 2. وفي رواية: " طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدجال والدخان، والرجل يكون مصرا ولم يعمل عمل الايمان، ثم تجئ الايات فلا ينفعه إيمانه " 3. أو كسبت في إيمانها خيرا ". قال: " المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلة حسناته، فلم يكسب في إيمانه خيرا " 4. وفي رواية: " من قبل " يعني في الميثاق، " أو كسبت في إيمانها خيرا " قال: الاقرار بالانبياء والاوصياء وأمير المؤمنين عليه السلام خاصة، لا ينفع إيمانها لانها سلبت " 5 وفي أخرى: " الايات: هم الائمة عليهم السلام، والاية المنتظرة: القائم عليه السلام، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها " 6. (قل انتظروا إنا منتطرون). وعيد لهم وتهديد. (إن الذين فرقوا دينهم): بددوه، فآمنوا بعض وكفروا ببعض وافترقوا فيه، وعلى قراءة: " فارقوا "، كما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام 7 أي: باينو. (وكانوا شيعا): فرقا يشيع كل فرقة إماما (لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما


1 - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - التوحيد: 266، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين. 3 - العياشي 1: 384، الحديث: 128، عن الصادقين عليهما السلام. وفيه: " وخروج الدابة والدجال والرجل يكون مصرا ". 4 - المصدر: 385، الحديث: 130، عن أحدهما عليهما السلام، مع اختلاف يسير. 5 - الكافي 1: 428، الحديث: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - كمال الدين: 336، الباب: 33، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - مجمع البيان 3 - 4: 388. (*)

[ 355 ]

كانوا يفعلون). قال: " هم أهل الضلال وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الامة " 1. والقمي: فارقوا أمير المؤمنين عليه السلام وصاروا أحزابا 2. وفي الحديث المشهور: " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تتبع وصيي عليا " 3. (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالثها) فضلا من الله تعالى. قال: " لما نزلت من جاء بالحسنة فله خير منها " 4. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب زدني فأنزل الله: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " 5. أقولا: هذا أقل ما وعد من الاضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبعمائة، وبغير حساب. وورد في هذه الاية: " هي للمسلمين عامة " 6. قال: " قد قال الله: " يضاعفه له أضعافا كثيرة " 7، فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله لهم حسناتهم، لكل حسنة، سبعون ضعفا، فهذا فضل المؤمن، ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير " 8. (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) عدلا من الله، وقد ذكرنا سر ذلك في الصافي والوفي 9. (وهم لا يظلمون) بنقص الثواب وزيادة العقاب.


1 - مجمع البيان 3 - 4: 389، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 222. 3 - الخصال 2: 585، من غير تعرض بالذيل: " وهي التي.. ". 4 - القصص (28): 84. 5 - مجمع البيان 1 - 2: 349 ذيل الاية: 245 من سورة البقرة، ومعاني الاخبار: 398، الحديث: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 2: 131، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - البقرة (2): 245. 8 - الكافي 2: 27، الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 9 - راجع: الصافي 2: 716، والوافي 5: 1021 باب الهم بالسينة أو الحسنة. (*)

[ 356 ]

(قل إننى هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا): هداني دينا (قيما): قياما. وصف بالمصدر مبالغة. (مما إبرهيم حنيفا). سبق تفسيره 1. (وما كان من المشركين). (قل إن صلاتي ونسكى): عبادتي وقرباني 2: (ومحياى ومماتي): وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الايمان والطاعة (لله رب العالمين): خالصة له. (لا شريك بله): لا أشرك فيها غيره. ورد في حديث ذكر فيه: " إبراهيم عليه السلام دينه ديني وديني دينه، وسنته سنتي وسنتي سنته، وفضلي فضله وأنا أفضل منه " 3. (وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)، " لانه أول من أجاب في الذر ". كما ورد 4. (قل أغير الله أبغى ربا) فأشركه في عبادتي ؟ ! وهو جواب عن دعائهم إلى عبادة آلهتهم. (وهو رب كل شئ): والحال أن كل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية. (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى): لا تحمل نفس آثمة إثم نفس اخرى. جواب عن قوله: " إتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " 5. (ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون). (وهو الذيث جعلكم خلئف الارض). قيل: يخلف بعضكم بعضا، كلما مضى قرن خلفهم قرن، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها 6. (ورفع بعضكم فوق بعض


1 - لاحظ: البقرة ذيل الاية 135، وآل عمران ذيل الاية: 95، والنساء ذيل الاية، والنساء ذيل الاية: 125. 2 - القربان - على وزن فعلان - من القرب كالفرقان من الفرق: ما يقصد به القرب من رحمة الله من أعمال البر. " مجمع البحرين 2: 141 - قرب " وفي نسخة " ب " و " ج ": قرباتي " جمع القربة: ما يتقرب به إلى الله تعالى. 3 - العياشي 1: 169، الحديث 33، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 2: 10، الحديث: 1 و 12، الحديث 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - العنكبوت (29): 12. 6 - البيضاوي 2: 217، ورجع المعاني 8: 71. (*)

[ 357 ]

درجت) في الشرف والغنى والعقل وغير ذلك (ليبلوكم): ليختبركم (في ما ءاتكم) من الجاه والمال، كيف تشكرون نعمه (إن ربك سريع العقاب) لمن كفر نعمه (وإنه لغفور رحيم) لمن قام بشكرها. ورد: " إن سورة الانعام نزلت جملة واحدة، شيعها سبعون ألف ملك، فعظموها وبجلوها، فإن اسم الله فيها في سبعين موضعا 1.


1 - ثواب الاعمال: 132، ذيل الحديث 1:، عن أبي عبد الله عليه السلام. وبجلوها أي: وقروها وعظموها. مجمع البحرين 2: 317 (بجل). (*)

[ 359 ]

سورة الاعراف [ مكية، وهي مائتان وست آيات ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (المص). مضى الكلام في تأويله في أول سورة البقرة. (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه): ضيق من تبليغه. قيل: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاف تكذيب قومه، فكان يضيق صدره في الاداء ولا ينبسط له، فأمنه الله سبحانه بهذه الاية. (2) (لتنذر به وذكرى للمؤمنين). (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء): شياطين الجن والانس، فيحملو كم على الاهواء والبدع (قليلا ما تذكرون). (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا): بائتين، كقوم لوط (أوهم قائلون): أو قائلين نصف النهار، من القيلولة كقوم شعيب، يعني أخذهم في غفلة منهم وأمن وفي وقتي دعة واستراحة.


(1) ما بين المعقوفتين من " ب ". (2) الكشاف 2: 86. (*)

[ 360 ]

(فما كان دعواهم): ما كانوا يدعونه من دينهم، أو دعائهم واستغاثتهم (إذا جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين): إلا اعترافهم ببطلانه وبظلمهم فيما كانوا عليه، وتحسرهم على ما كان منهم. (فلنسئلن الذين أرسل إليهم) يعني الامم عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل (ولنسئلن المرسلين) يعني الانبياء عن تأدية ما حملوا من الرسالة. ورد في حديث: " فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم، فيخبرون أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم، ويسأل الامم فيجحدون، كما قال الله: " فلنسألن " الاية، فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير. فيستشهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فيشهد بصدق الرسل ويكذب من جحدها من الامم، فيقول لكل أمة منهم: " قد جاءكم بشير نذير، والله على كل شئ قدير " (1) أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم، بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، ولذلك قال الله لنبيه: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا "، (2) فلا يستطيعون رد شهادته، خوفا من أن يختم الله على أفواههم، وأن يشهد عليهم جوارحهم بما فعلوا " (3). (فلنقصن عليهم): على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم (بعلم): عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة (وما كنا غائبين) عنهم وعن أفعالهم وعن أحوالهم، والغرض من السؤال: التوبيخ والتقرير عليهم، وازدياد سرور المثابين بالثناء عليهم، وغم المعاقبين بإظهار قبائحهم. (والوزن يومئذ الحق) أي: وزن الاعمال والتميز (4) بين راجحها وخفيفها (فمن


(1) المائدة (5): 19. (2) النساء (4): 41. (3) راجع: الاحتجاج 1: 360، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت يسير. (4) في " ب " و " ج ": التمييز. (*)

[ 361 ]

ثقلت موازينه): حسناته، جمع موزون، أو ما يوزن به حسناته، جمع ميزان. (فأولئك هم المفلحون). (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بأياتنا يظلمون). ورد: إنه سئل عن وقول الله عزوجل: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " قال: " هم الانبياء والاوصياء ". (1) وفي رواية: " نحن الموازين القسط " (2). أقول: وذلك لان ميزان كل شئ هو المعيار الذي به يعرف قدر ذلك الشئ، فميزان الناس ليوم القيامة: ما يوزن به قدر كل إنسان وقيمته على حسب عقيدته وخلقه وعمله، لتجزى كل نفس بما كسبت، وليس ذلك إلا الانبياء والاوصياء، إذ بهم وباتباع شرائعهم واقتفاء آثارهم وترك ذلك، وبالقرب من سيرتهم والبعد عنها يعرف مقدار الناس وقدر حسناتهم وسيئاتهم، فميزان كل أمة هو نبي تلك الامة ووصي نبيها والشريعة التي أتى بها، فمن ثقلت حسناته وكثرت، فأولئك هم المفلحون، ومن خفت وقلت حسناته، فأولئك الذين خسروا أنفسهم، أي: ضيعوا فطرتهم بسبب ظلمهم عليها، بتكذيبهم الانبياء والاوصياء. تمام تحقيق هذا المقام يطلب من رسالتنا الموسومة بميزان القيامة. (ولقد مكناكم في الارض): مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها (وجعلنا لكم فيها معايش) تعيشون بها (قليلا ما تشكرون). (ولقد خلقناكم ثم صورناكم). قال: " أما " خلقناكم "، فنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم لحما، وأما " صورناكم "، فالعين والانف والاذنين والفم واليدين


(1) معاني الاخبار: 31، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) الكلمات المكنونة: 158، عنهم عليهم السلام. (*)

[ 362 ]

والرجلين، صور هذا ونحوه، ثم جعل الدميم والوسيم (1) والجسيم والطويل والقصير وأشباه هذا " (2). أقول: الاقتصار على بيان الخلق والتصوير لبني آدم في الحديث، لا ينافي شمول الاية لادم، فإنه خلقه طينا غير مصور ثم صوره، فلا ينافي الحديث تمام الاية. (ثم قلنا) أي: بعد خلق آدم وتصويره (للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين). (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) أي: أن تسجد. تزاد " لا " في مثله لتأكيد معنى الفعل الذي دخلت عليه، نظيره: " لئلايعلم " (3)، وفيه تنبيه على أن الموبخ عليه، ترك السجود، على أن الممنوع عن الشئ مضطر إلى خلافه، فكأنه قيل: ما اضطرك أن لا تسجد. (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين). قال: " إن إبليس قاس نفسه بآدم فقال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم، بالنار، كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار " (4). وفي رواية: " ولو قاس نورية آدم بنورية النار، عرف فضل ما بين النورين وصفاء أحدهما على الاخر " (5). وفي أخرى: " كذب إبليس، ما خلقه الله تعالى إلا من طين، قال الله عزوجل: " الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " (6) قد خلقه الله من تلك النار ومن تلك الشجرة، والشجرة أصلها من طين " (7). (قال فأهبط منها): من المنزلة التي أنت عليها في السماء وزمرة الملائكة (فما


(1) الدميم: القبيح المنظر، والوسيم: الحسن الوجه. مجمع البحرين 6: 64 (دهم). الصحاح 5: 2051 (وسم). (2) القمي 1: 224، عن أبي جعفر عليه السلام، وليس فيه: " الجسم ". (3) الحديد (57): 29. (4) الكافي 1: 58، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) المصدر، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) يونس (10): 80. (7) القمي 2: 244، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 363 ]

يكون لك): فما يصح لك (أن تتكبر فيها) وتعصي، فإنها مكان الخاشع المطيع، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة. (فاخرج إنك من الصاغرين) فإن من تكبر وضعه الله. (قال أنظرني إلى يوم يبعثون): أمهلني إلى يوم القيامة، فلا تمتني ولا تعجل عقوبتي. (قال إنك من المنظرين). أجابه الله إلى ما سأله من الامهال، ولم يجبه إلى ما سأله من غايته، لان الله تعالى يقول في موضع آخر: " فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم " (1) وهو النفخة الاولى ويوم البعث، والقيامة هو النفخة الثانية. وورد: " يموت إبليس ما بين النفخة الاولى والثانية " (2). وفي رواية: " أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا " (3). وفي إسعافه (4) إليه، ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته. (قال فبمآ أغويتني): فبسبب إغوائك إياى، وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي، ولم يثبت كما ثبتت الملائكة، فإنه لما أمره لله بالسجود حملته الانفة على معصيته. (لاقعدن لهم صراطك المستقيم): لاجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم، بأن أتر صد لهم على طريق الاسلام كما يترصد القطاع على الطريق ليقطعه على المارة. ورد: " الصراط هنا: علي عليه السلام " (5). في رواية: " يا زرارة (6) إنما عمد لك ولاصحابك، فأما الاخرون فقد فرغ منهم " (7)


(1) الحجر (15): 37 و 38، وص (38): 80 و 81. (2) علل الشرايع 2: 402، الباب: 142، الحديث: 2 عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) العياشي 2: 242، الحديث: 14، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الاسعاف: الاعانة وقضاء الحاجة. مجمع البحرين 5: 70 (سعف). (5) العياشي 2: 9، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) لم ترد في " ب " و " ج " كلمة: " يا زرارة ". (7) الكافي 8: 145، الحديث: 118 عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " إنما صمدلك ". (*)

[ 364 ]

(ثم لاتينهم) من الجهات الاربع جمع (من بين أيديهم) قال: " معناه أهون عليهم أمر الاخرة " (1). (ومن خلفهم) قال: " آمرهم بجمع الاموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم " (2). (وعن أيمناهم) قال: " أفسد عليهم أمر دينهم، بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة " (3). (وعن شمائلهم) قال: " بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم " (4). (ولا تجد أكثرهم شاكرين): مطيعين. قاله تظننا، لقوله سبحانه: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه " (5). ورد: " إنه استوجب من الله أن أعطاه ما أعطاه بركعتين ركعهما في السماء في أربعة آلاف سنة " (6). (قال أخرج منها مذءوما): مذموما، من ذأمه: إذا ذمه. (مدحورا): مطرودا (لمن تبعك منهم). اللام فيه لتوطية القسم، وجوابه: (لاملان جهنم منكم أجمعين) أي: منك ومنهم. ورد ما معناه إنه قال: " فكيف وأنت العدل الذي لا تجور، فثواب عملي بطل ؟ قال: لا ولكن سلني من أمر الدنيا ما شئت، أعطك. فأول ما سأل البقاء، ثم تسلطه على ولد آدم، ثم أن يجريه فيهم مجرى الدم، ثم أن لا يولد لهم ولد إلا ولد له إثنان، ثم أن يراهم ولا يرونه ويتصور لهم في كل صورة شاء، ثم أن يجعل صدورهم أو طانا له ولذريته، فأعطاه الله ذلك كله، فعند ذلك قال: " فبعزتك لاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين " 7 " ثم لاتينهم " الاية " (8). (9)


(1) مجمع البيان 3 - 4: 404، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2، 3 و 4) مجمع البيان 3 - 4: 404، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) سبأ (34): 20. (6) القمي 1: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) ص (38): 82 و 83. (8) الاعراف (7): 17. (9) القمي 1: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 365 ]

(ويآأدم ؟ اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين). سبق تفسيرها في سورة البقرة (1). (فوسوس لهما الشيطان): أو همهما النصحية لهما، وهي في الاصل: الصوت الخفي. (ليبدى لهما): ليظهر لهما) ما ورى): غطي (عنهما من سوأتهما): عوراتهما. قيل: وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الاخر (2). (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين). (وقاسمهما): أقسم لهما (إنى لكما لمن الناصحين). قال: " قال إنكما إن أكلتما من هذه الشجرة التي نها كما الله عنها، صرتما ملكين وبقيتما في الجنة أبدا، وإن لم تأكلا منها، أخر جكما من الجنة، وحلف لهما أنه لهما ناصح، فقبل آدم قوله " (3). (فدليهما ؟): فنزلهما إلى الاكل منها. نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية: إرسال الشئ من أعلى إلى أسفل. (بغرور): بما غرهما به من القسم، فإنهما ظنا أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا. (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوأتهما) قال: " سقط عنهما ما ألبسهما الله من لباس الجنة، وأقبلا يستتران من ورق الجنة " (4). (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة): وأخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة (وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين). (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين).


(1) ذيل الاية: 35. (2) البضاوي 3: 6. (3 و 4) القمي 1: 43، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 366 ]

(قال اهبطوا بعضكم عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين). سبق تفسيرها مع تمام القصة (1). (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون). (يابنئ ادم قد أنزلنا عليكم لباسا يورى سوأتكم) ويغنيكم عن خصف الورق (وريشا) تتجملون به. والريش ما يتجمل به، مأخوذ من ريش الطائر، فإنه لباسه وزينته. (ولباس التقوى): خشية الله قال: " فأما اللباس: فالثياب التي تلبسون، وأما الرياش: فالمال والمتاع (2)، وأما لباس التقوى: فالعفاف، إن العفيف لا تبدوله عورة وإن كان عاريا من الثياب، والفاجر بادي العورة وإن كان كاسيا من الثياب " (3). (ذلك خير) قال: " يقول: والعفاف خير " (4). (ذلك) أي: إنزال اللباس (من ءآيات الله) الدالة على فضله ورجمته (لعلهم يذكرون) فيعرفون نعمته، أو يتعظون فيتورعون عن القبائح. (يابنئ ادم لا يفتننكم الشيطان): لا يمتحننكم، بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم (كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوأتهما). أسند النزع إليه للتسبب. (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). تعليل للنهي، وتأكيد للتحذير من فتنته، و " قبيله ": جنوده. (إنا جعلنا الشياطين أو ليآء للذين لا يؤمنون) لما بينهم من التناسب. (وإذا فعلوا فاحشة): فعلة متناهية في القبح، كعبادة الاصنام، والايتمام بأئمة الجور (قالوا وجدنا عليها ءابآءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون). قال: " هل رأيت أحدا زعم أن الله أمر بالزنا، وشرب الخمر، * (هامش) (1) في سورة البقرة، ذيل الاية: 36. (2) في " ب " و " ج ": " فالمتاع والمال ". (3 و 4) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 367 ]

أو شئ (1) من هذه المحارم ؟ فقيل: لا، ثم قال: إن هذا في أئمة الجور، ادعوا أن الله أمرهم بالايتمام بقوم لم يأمرهم الله بالايتمام بهم، فرد الله ذلك عليهم، فأخبر أنهم قد قالوا عليه الكذب، وسمى ذلك منهم فاحشة " (2). (قل أمر ربى بالقسط): بالعدل والاستقامة (وأقيموا وجوهكم) أي: نحو القبلة، أو توجهوا إلى عبادته مستقيمين، غير عادلين إلى غيرها (عند كل مسجد): في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، وهو الصلاة. قال: " هذه في القبلة " (3). وفي رواية: " مساجد محدثة، فأمروان أن يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام " (4). وفي أخرى: " عند كل مسجد، يعني: الائمة عليهم السلام " (5). (وادعوه): واعبدوه (مخلصين له الدين) أي: الطاعة، فإن إليه مصيركم. (كما بدأكم): كما أنشأكم ابتداء (تعودون) بإعادته. قال: " يعني: خلقهم حين خلقهم مؤمنا وكافرا، وشقيا وسعيدا، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتد وضال " (6). (قريقا هدى) بأن وفقهم للايمان (وفريقا حق عليهم الضلالة) إذ لم يقبلوا الهدى. قال: " هم القدرية الذين يقولون: لا قدر، ويزعمون أنهم قادرون على الهدى والضلال، وذلك إليهم، وإن شاؤوا اهتدوا وإن شاؤوا ضلوا، وهم مجوس هذه الامة، وكذب أعداء الله المشية والقدرة لله، كما بدأهم يعودون، من خلقه شقيا يوم خلقه، * (هامش) (1) في " الف " و " ج " والعياشي: " وشئ ". (2) الكافي 1: 373، الحديث: 9 مضمرا، والعياشي 2: 12، الحديث: 15، عن العبد الصالح عليه السلام. (3) التهذيب 2: 43، الحديث: 134، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " هذه القبلة ". (4) المصدر، الحديث: 137، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) العياشي 2: 12، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 368 ]

كذلك يعود إليه شقيا، ومن خلقه سعيدا يوم خلقه، كذلك يعود إليه سعيدا " (1). قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من سعد في بطن أمه " (2). (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) قال: " يعني أئمة دون أئمة الحق " (3). و (ويحسبون أنهم مهتدون). (يابنئ ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال: " خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد " (4). وفي رواية: " من ذلك، التمشط عند كل صلاة " (5). وفي أخرى: " الغسل عند لقاء كل إمام " (6). (وكلوا واشربوا) ما طاب لكم (ولا تسرفوا) بالافراط والاتلاف، وبالتعدي إلى الحرام، وبتحريم الحلال وغير ذلك. قيل: لقد جمع الله الطب في نصف آية (7). أقول: وهو ناظر إلى الافراط في الاكل. (إنه لا يحب المسرفين). قال: " من سأل الناس شيئا، وعنده ما يقوته يومه فهو من المسرفين " (8). (قل من حرم زينة الله) من الثياب وسائر ما يتجمل به (التي أخرج لعباده) من الارض، كالقطن والكتان والابريسم والصوف والجواهر (والطيبات من الرزق) * (هامش) (1) القمي 1: 226، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) القمي 1: 227. (3) علل الشرايع 2: 610، الباب: 385، ذيل الحديث: 81، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " يعني: أئمة الجور ". (4) مجمع البيان 3 - 4: 412، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) من لا يحضر الفقيه 1: 75، الحديث: 319، عن الرضا عليه السلام، ومجمع البيان 3 - 4: 413، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) التهذيب 6: 110، الحديث 197، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) البيضاوي 3: 8. (8) العياشي 2: 14، الحديث: 28، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 369 ]

المستلذات من المآكل والمشارب، وهو إنكار لتحريم هذه الاشياء. (قل هي للذين ءامنوا في الحياة ؟ الدنيا) قال: " المغصوبين عليها " (1). (خالصة) لهم (يوم القيامة) قال: " بلا غصب " (2). ورد: " إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، ثم تلا هذه الاية " (3). (كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون). (قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها) قال: " يعني: الزنا المعلن، ونصب الرايات التي كانت ترفعها الفواجر للفواحش في الجاهلية " (4). (وما بطن) قال: " يعني: ما نكح من أزواج الاباء، لان الناس كانوا قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان الرجل له زوجة ومات عنها، تزوجها ابنه من بعده إذا لم تكن أمة، فحرم الله ذلك " (5). (والاثم) قال: " هي الخمر بعينها، وقد قال الله في موضع آخر: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " (6) فأما الاثم في كتاب الله فهي الخمر والميسر، وإثمهما كبير " (7). (والبغى بغير الحق) قال: " هي الزنا سرا " (8). (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان): ما لم يدل عليه برهان (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) أي: تتقولوا وتفتروا. ورد: " لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم " (9). وفي رواية: " من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماوات والارض " (10). * (هامش) (1 و 2) الكافي 1: 409، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الامالي (للمفيد): 263، المجلس الحادي والثلاثون، ذيل الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " أباحهم الله من الدنيا ما كفاهم وبه أغناهم ". (4 و 5 و 7) الكافي 6: 406، الحديث: 1، والعياشي 2: 17، الحديث: 38، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (6) البقرة (2): 219. (8) العياشي: 2: 17، الحديث: 38، عن أبي الحسن الكاظم عليه السلام. (9) من لا يحضره الفقيه 2: 381، الحديث: 1627، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (10) عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 46، الباب: 31، الحديث: 173، عن النبي عليه السلام. (*)

[ 370 ]

(ولكل أمة أجل). قال: " هو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر " (1). (فإذا جاء أجلهم لا يستأجرون ساعة ولا يستقدمون). قال " تعد السنين، ثم تعد الشهور، ثم تعد الايام، ثم تعد النفس، " فإذا جاء أجلهم ")) الاية (2). (يابنئ ادم إما يأتينكم) ضمت " ما " إلى " إن " الشرطية تأكيدا لمعنى الشرط. (رسل منكم): من جنسكم (يقصون عليكم ءاياتي فمن اتقى) التكذيب منكم (وأصلح) عمله (فلا خوف عليهم ولاهم يحرنون). (والذين كذبوا بأياتنا واستكبروا أولئك أصحاب النارهم فيها خالدون). (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا): تقول عليه ما لم يقله (أو كذب بأياته): أو كذب ما قاله (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب): مما كتب لهم من الارزاق والاجال (حتى إذا جاءتهم رسلنا يتفونهم). " حتى " غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم إياه، أي " إلى وقت وفاتهم، وهي التي يبتدء بعدها الكلام. والمراد بالرسل هنا: ملك الموت وأعوانه. (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) الالهة التي تعبدونها (قالوا ضلوا عنا): غابوا عنا (وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والانس في النار) أي: قال الله تعالى لهم يوم القيامة. (كلما دخلت أمة لعنت أختها) التي ضلت بالاقتداء بها (حتى إذا ادار كوافيها جميعا): تداركوا وتلاحقوا في النار. قال: " برئ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحج - أي: يغلب (3) بعضا رجاء الفلج (4)،


(1) العياشي 1: 354، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) الكافي 3: 262، الحديث: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " تعد الساعات، ثم تعد النفس ". (3) لم ترد في " ب " و " ج " كلمة: " أي يغلب ". (4) الفلج الظفر والفوز. مجمع البحرين 2: 323 (فلج). (*)

[ 371 ]

فيفلتوا (1) من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة " (2). (قالت أخراهم) منزلة، وهي الاتباع والسفلة (لاوليهم ؟) منزلة أي: لاجلهم، إذا الخطاب مع الله لا معهم، وهم القادة والرؤساء. قال: " يعني أئمة الجور " (3). (ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار) مضاعفا، لانهم ضلوا وأضلوا (قال لكل ضعف) أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم (ولكن لا تعلمون). (وقالت أوليهم لاخراهم) مخاطبين لهم: (فما كان لكم علينا من فضل). عطفوا كلامهم على قول الله سبحانه للاتباع: " لكل ضعف " أي: فقد ثبت أن لافضل لكم علينا، وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق الضعف (فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) شماتة بهم. (إن الذين كذبوا بأياتنا واستكبروا عنها) أي: عن الايمان بها (لا تقتح لهم أبواب السماء) لادعيتهم وأعمالهم ولنزول البركة عليهم ولصعود أرواحهم، إذا ماتوا. (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط): لا يدخلونها حتى يكون ما لا يكون أبدا. من ولوج الجمل - الذي لا يلج إلا في باب واسع - في ثقب الابرة. (وكذلك نجزى المجرمين). (لهم من جهنم مهاد): فراش (ومن فوقهم غواش): أغطية (وكذلك نجزى الظالمين). (والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا نفسا إلا وسعهآ): ما يسعه طاقتهم ويسهل عليهم، والجملة اعتراض للترغيب. (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون).


(1) الافلات: التخلص من الشئ. مجمع البحرين 2: 213 (فلت). (2) الكافي 2: 31، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) مجمع البيان 3 - 4: 417، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 372 ]

(ونزعنا ما في صدورهم من غل) على إخوانهم في الدنيا فسلمت قلوبهم وطهرت من الحقد والحسد والشحناء (1)، ولم يكن منهم إلا التراحم والعاطف والتوادد. ورد: " العداوة تنزع منهم، يعني: من المؤمنين في الجنة " (2). (تجرى من تحتهم الانهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). قال " إذا كان يوم القيامة، دعي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام فينصبون للناس، فإذا رأتهم شيعتهم، قالوا: " الحمد الله الذي هدانا لهذا ". يعني: هدانا الله في ولاية أمير المؤمنين والائمة من ولده عليهم السلام " (3). (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) فاهتدينا بإرشادهم. يقولون ذلك، اغتباطا وتبجحا (4)، إذ صار علم يقينهم في الدنيا عين يقينهم في الاخرة. (ونودوا أن تلكم الجنة) إذا رأوها (أورثتموها بما كنتم تعملون). روي: " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فيرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة، فذلك قوله تعالى " أورثتموها بما كنتم تعملون ") (5). (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) ؟ قالوه تبجحا بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسرا لهم، وإنما لم يقل: " ما وعدكم " كما قال: " ما وعدنا "، لان ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصا وعده بهم، كالبعث والحساب ونعيم الجنة لاهلها. (قالوا نعم فأذن مؤذن


(1) الشحناء: العداوة والبغضاء. مجمع البحرين 6: 271 (شحن). (2) القمي 1: 231، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) الكافي 1: 418، الحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) البجح - بالتحريك -: الفرح. مجمع البحرين 2: 341 (بجح). (5) مجمع البيان 3 - 4: 420، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 373 ]

بينهم أن لعنة الله على الظالمين). الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) زيغا وميلا عما هو عليه (وهم بالاخرة كافرون). قال: " المؤذن أمير المؤمنين عليه السلام يؤذن أذانا يسمع الخلايق " (1). (وبينهما حجاب) أي: بين الفريقين، أو بين الجنة والنار. (وعلى الاعراف رجال). أعراف الحجاب أي: أعاليه: رجال من الموحدين العارفين المعروفين. (يعرفون كلا) من أهل الجنة والنار (بسيماهم): بعلامتهم التي أعلمهم الله بها، لانهم من المتوسمين أهل الفراسة. قال: " الاعراف كثبان (2) بين الجنة والنار، يوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده، وقد سبق المحسنون إلى الجنة " (3) الحديث. وفي رواية: " نحن على الاعراف نعرف أنصارنا بسيماهم، ونحن الاعراف الذين لايعرف الله عزوجل إلا بسبيل معرفتنا، ونحن الاعراف يوقفنا الله عزوجل يوم القيامة على الصراط " (4). وفي لفظ آخر: " نوقف بين الجنة والنار، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا وعرفناه، ولا يدخل النار إلا من أنكرنا وأنكرناه " (5). وفي رواية: " إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم الاعمال، وإنهم لكما قال الله " (6). وزيد في أخرى: " فإن أدخلهم النار فبذنوبهم، وإن أدخلهم الجنة فبرحمته " (7).


(1) القمي 1: 231، والكافي 1: 426، عن أبي الحسن عليه السلام. (2) الكثبان جمع كثيب: التل من الرمل. القاموس المحيط 1: 126 (كثب). (3) مجمع البيان 3 - 4: 423، وجوامع الجامع 1: 438 - 439، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 231 ما يقرب منه. (4) الكافي 1: 184، الحديث: 1، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " يعرفنا الله " بدل: " يوقفنا الله ". (5) بصائر الدرجات: 497، الباب: 16، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6) الكافي 2: 408، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (7) المصدر: 381، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 374 ]

أقول: لا تنافي بين الروايتين: لان هؤلاء القوم يكونون مع الرجال الذين على الاعراف، وكلاهما أصحاب الاعراف كما دل عليه الحديث الاول. (ونادوا) قال: (1) يعني: ونادى أصحاب الاعراف الذين كانوا عليه مع الائمة عليهم السلام، من مذنبي شيعتهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم (أصحاب الجنة) أي: الذين سبقوا إليها، وذلك حين يقول لهم الائمة عليهم السلام: أنظروا إلى إخوانكم في الجنة، قد سبقوا إليها بلا حساب. (أن سلام عليكم) أي: إذا نظروا إليهم سلموا عليهم (لم يدخلوها وهم يطمعون) أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والامام عليه السلام. (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) أي: في النار. وفي قراءة الصادق عليه السلام: " قالوا ربنا عائذا بك أن لا تجعلنا " (2). (ونادى أصحاب الاعراف) يعني: الائمة عليهم السلام (رجا لا يعرفونهم بسيماهم) من رؤساء الكفار (قالوا مآأغنى عنكم جمعكم) في الدنيا (وما كنتم تستكبرون) عن الحق. (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برجمة) من تتمة قول الائمة عليهم السلام للرجال، والاشارة إلى شيعتهم الذين كانوا معهم على الاعراف، الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا، ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة. (ادخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون) " أي: فالتفتوا إلى أصحابهم وقالوا لهم: " ادخلوا الجنة " الاية ". كذا ورد في تفسيرها هذه الايات (3). (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء) أي: صبوه،


(1) كذا في جميع النسخ، ولعل قوله: " قال " زائد، أو كان قائله المصنف لا الامام المعصوم عليه السلام كما يظهر من الصافي فراجع. (2) مجمع البيان 3 - 4: 424، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه " أن تجعلنا ". (3) جوامع الجامع 1: 439، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 375 ]

وذلك لان الجنة فوق النار (أو مما رزقكم الله) من الاطعمة والفواكه (قالوا إن الله حرمهما على الكافرين). (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا) فحرموا ما شاؤوا واستحلوا ما شاؤوا (وغرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) قال: " نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا. وقال: إنما يجازي من نسيه ونسي لقاء يومه بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال الله تعالى: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم " (1). وفي رواية: " يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياءه، الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين، حين آمنوا به وبرسوله (2) صلى الله عليه وآله وسلم وخافوه في الغيب. قال: وقد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا. أي: أنه لا يأمر لهم بخير ولا يذكرهم به " (3). (وما كانوا): وكما كانوا (بأياتنا يجحدون). (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون). (هل ينظرون): ينتظرون (إلا تأويله): ما يؤل إليه أمره، من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعيد. (يوم يأتي تأويله). القمي: ذلك في قيام القائم عليه السلام ويوم القيامة. (4) (يقول الذين نسوه من قبل) تركوه ترك الناسي (قد جاءت رسل ربنا بالحق): قد تبين أنهم جاؤوا بالحق. (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) اليوم (أو نرد) إلى الدنيا (فنعمل غير الذى كنا نعمل قد خسروا أنفسهم) بصرف أعمارهم في الكفر (وضل عنهم ما كانوا يفترون):


(1) التوحيد: 160، الباب: 16، الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. والاية في الحشر (59): 19. (2) في " ب " و " ج " والمصدر: " برسله ". (3) التوحيد: 259، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (4) القمي 1: 235. (*)

[ 376 ]

بطل فلم ينفعهم. (إن ربكم الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام). قال: " ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق، ولكنه جعل الاناة (1) والمدارة مثالا لامنائه، وإيجابا للحجة على خقه " (2). وفي رواية: " كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عزوجل خلقها في ستة أيام، ليظهر على الملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شئ، فيستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى مرة بعد مرة " (3). (ثم استوى على العرش) قال: " يعني استوى تدبيره وعلا أمره " (4). وفي رواية: " استولى على ما دق وجل " (5). وفي أخرى: " استوى على كل شئ فليس شئ أقرب إليه " (6). وفي أخرى: " استوى من كل شئ، فليس شئ أقرب إليه من شئ " (7). وفي أخرى: " استوى في كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ، لم يبعد منه بعيد، ولم يقرب منه قريب " (8). أقول: المستفاد من هذه الروايات، أن المراد بالعرش، مجموع الاشياء، كما ورد في أخبار أخر أيضا، ومن الثلاث الاخيرة بألفاظها، أن المراد بالاستواء، استواء النسبة، وضمن الاستواء ما يتعدي ب‍ " على " تارة، كالاستيلاء والاشراف ونحوهما، لموافقة لفظ القرآن. فيصير المعنى: استوى نسبته إلى كل شئ حال كونه مستوليا على الكل، وأتى بلفظة " من " تارة، تحقيقا لمعنى الاستواء في القرب والبعد، وبلفظة " في " تارة،


(1) الاناة كقناة -: الرفق. مجمع البحرين 1: 360 (أنا). الاحتجاج 1: 379، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) التوحيد: 320، الباب: 49، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4) الاحتجاج 1: 373، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) المصدر 2: 157، عن أبي الحسن عليه السلام. (6) الكافي 1: 127، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) التوحيد: 315، الباب: 48، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) الكافي 1: 128، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 377 ]

تحقيقا لمعنى ما يستوي فيه. ففي الاية دلالة على نفي المكان عنه سبحانه، خلاف ما يفهمه الجمهور منها. وفيها إشارة إلى معيته القيومية، واتصاله المعنوي بكل شئ على السواء، على الوجه الذي لا ينافي أحديته وقدس جلاله، وإلى إفاضة رحمته العامة على الجميع على نسبة واحدة، وإحاطة علمه بالكل بنحو واحد، وقربه من كل شئ على نهج سواء. وأما اختلاف المقربين كالانبياء والاولياء مع المبعدين كالشياطين والكفار في القرب والبعد، فليس ذلك من قبله سبحانه، بل من جهة تفاوت أرواحهم في ذواتها. (يغشي اليل النهار): يغطيه به (يطلبه حثيثا): يعقبه سريعا كالطالب له، لا يفصل بينهما شئ. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق): عالم الاجسام (والامر): عالم الارواح (تبارك الله رب العالمين): تعالى بالوحدانية في الالوهية وتعظم بالفردانية في الربوبية. (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) فإن الاخفاء أقرب إلى الاخلاص (إنه لا يحب المعتدين): المجاوزين ما أمروا به في الدعا وغيره. ورد: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في غزاة، فأشرف على واد فجعل الناس يهللون ويكبرون ويرفعون أصواتهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس اربعوا (1) على أنفسكم أما إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، إنه معكم " (2). وعن الصادق عليه السلام في هذه الاية: " الاعتداء من صفة قراء زماننا هذا وعلامتهم " (3). (ولا تفسدوا في الارض) بالكفر والمعاصي (بعد إصلاحها) ببعث الانبياء وشرع الاحكام. قال " إن الارض كانت فاسدة فأصلحها الله عزو جل بنبيه، فقال: " ولا


(1) إربع على نفسك: أرفق بنفسك وكف وتمكث. مجمع البحرين 4: 331 (ربع). (2) مجمع البيان 3 - 4: 429. (3) مصباح الشريعة: 58، الباب: 25، في آفة القراء، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 378 ]

تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ") (1). والقمي: أصلحها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام، فأفسدوها حين تركوا أمير المؤمنين عليه السلام (2). (وادعوه خوفا) من الرد لقصور أعمالكم وعدم استحقاقكم (وطمعا) في إجابتة، تفضلا وإحسانا لفرط رحمته (إن رحمت الله قريب من المحسنين). ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوصل به إلى الاجابة. (وهو الذي يرسل الرياح بشرا). جمع بشير. (بين يدى رحمته): قدام رحمته، يعني: المطر، فإن الصبا تثير السحاب، والشمال تجمعه، والجنوب تجلبه، والدبور تفرقه. (حتى إذا أقلت): حملت (سحابا): سحائب (ثقالا) بالماء (سقناه لبلد ميت): لاحيائه (فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى) من الاجداث (3) أحياء. (لعلكم تذكرون) فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا. (والبلد الطيب): الارض الكريمة التربة (يخرج نباته بإذن ربه) بأمره وتيسيره. (عبر به من كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه، بقرينة المقابلة. (والذي خبث) كالحرة (4) والسبخة (5) (لا يخرج) نباته (إلا نكدا): قليلا عديم النفع (كذلك نصرف الايات): نرددها ونكررها (لقوم يشكرون) نعمة الله، فيتفكرون فيها ويعتبرون بها. قيل: الاية مثل لمن تدبر الايات وانتفع بها، ولمن لم يرفع إليها رأسها ولم يتأثر بها. (6) والقمي: مثل للائمة عليهم السلام يخرج علمهم بإذن ربهم، ولاعدائهم لا يخرج


(1) الكافي 8: 58، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) القمي 1: 236. (الاجداث جمع حدث - بالتحريك -: القبر. القاموس المحيط 1: 169 (جدث). (4) الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود. القاموس المحيط 2: 7 (حر). (5) السبخة - محركة ومسكنة -: أرض ذات نز وملح. القاموس المحيط 1: 270 (سبخ). (6) البيضاوي 3: 13 - 14. (*)

[ 379 ]

علمهم إلا كدرا فاسدا (1). (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه يا قوم أعبدو الله) وحده ما لكم من إله ؟ غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) إن لم تؤمنوا. (قال الملا من قومه) أي: الاشراف (إنا لنراك في ضلال مبين). (قال يا قوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين). (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله مالا تعلمون). (أو عجبتم). إنكار، وذلك أنهم تعجبوا من إرسال البشر (أن جاء كم ذكر من ربكم): موعظة منه (على رجل منكم): على لسانه (لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون). (فكذبوه فأنجيناه والذين معه) وهم من آمن به (في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بأياتنآ إنهم كانوا قوما عمين): عمي القلوب غير متبصرين، وأصله عميين، ويأتي تمام القصة في سورة هود إن شاء الله (2). (وإلى عاد أخاهم هود ا). هم قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الاكبر (3)، ويعنى بالاخ: الواحد منهم، كقولهم: " يا أخا العرب " للواحد منهم. (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ؟ غيره أفلا تتقون) عذاب الله. (قال الملا الذين كفروا من قومه إنما لنراك في سفاهة) إذ فارقت دين قومك (وإنا لنظنك من الكاذبين). (قال يا قوم ليس سفاهة ولكني ؟ رسول من رب العالمين). (أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح) فيما أدعوكم إليه (أمين): مأمون في


القمي 1: 236، وفيه: " إلا كذبا فاسدا ". (2) الايات: 25 إلى 49. (3) وهو " هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ". راجع: جوامع الجامع 1: 445. (*)

[ 380 ]

تأدية الرسالة لا أكذب ولا أغير. (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم). في إجابة الانبياء عليهم السلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا، والاعراض عن مقابلتهم بمثلها، مع علمهم بأنهم أضل الخلق وأسفههم أدب حسن، وحكاية الله ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء ويدارونهم. (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) أي: خلفتموهم في الارض بعد هلاكهم بالعصيان (وزادكم في الخلق بصطة): قامة وقوة. ورد: " كانوا كالنخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحو الجبل (1) بيده فيهدم منه قطعة " (2). (فأذكروا ءالاء الله) بالشكر. ورد: " أعظم آلاء الله على خلقه ولايتنا " (3). (لعلكم تفلحون). (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد أآباؤنا فأتنا بما تعدنا) من العذاب المدلول عليه بقوله: " أفلا تتقون " (4) (إن كنت من الصادقين). (قال قد وقع عليكم من ربكم رجس): عذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب (وغضب): إرادة انتقام. (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم): في أشياء ماهي إلا أسماء ليس تحتها مسميات لانكم سميتموها آلهة، ومعنى الالهية فيها معدوم، نظيره: " ما يدعون من دونه من شئ ". (5) (ما نزل الله بها من سلطان): من حجة ولو استحقت للعبادة لكان استحقاقها بإنزال آية من الله ونصب حجة منه (فانتظروا) نزول


(1) ينحو الجبل: يقصده. القاموس المحيط 4: 396 (نحو). (2) مجمع البيان 3 - 4: 437 عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " بيديه ". (3) الكافي 1: 217، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الاية: 65 من نفس السورة. (5) العنكبوت (29): 42. (*)

[ 381 ]

العذاب (إنى معكم من المنتظرين). (فأنجيناه والذين معه) في الدين (برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بأياتنا وما كانوا مؤمنين): استأصلناهم، وكان ذلك بأن أنشأالله سبحانه سحانه سوداء زعموا أنها ممطرهم، فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم، كما يأتي في مواضع أخر. (وإلى ثمود أخاهم صالحا). هم قبيلة أخرى من العرب سموا باسم جدهم (1). ورد: " هي قرية واحدة لا تكمل أربعين بيتا على ساحل البحر، صغيرة " (2). (قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله ؟ غيره قد جاءتكم بينة من ربكم): معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي (هذه ناقة الله لكم ءاية). أضافها إلى الله، لانها خلقت بلا واسطة، ولذلك كانت أية. (فذروها تأكل في أرض ولا تمسوها بسوء فيأخذ كم عذاب أليم). (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الارض تتخذون من سهو لها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا). روي: " أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون إلى أن ينحتوا في الجبال بيوتا، لان السقوف والابنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم " (3). (فأذكروا ءالاء الله ولا تعثوا في الارض مفسدين) أي: ولا تبالغوا في الفساد. (قال الملا الذين أستكبروا من قومه): أنفوا من اتباعه (للذين استضعفوا): للذين استذلوهم (لمن ءامن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه). قالوه استهزاء (قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون). (قال الذين استكبروا إنما بالذئ امنتم به كافرون). (فعقروا الناقة). أسند العقر إلى جميعهم وإن لم يعقرها إلا بعضهم، لانه كان


(1) وهو " ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح ". أنظر: جوامع الجامع 1: 447. (2) كمال الدين: 220، الباب: 22، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) مجمع البيان 3 - 4: 440. (*)

[ 382 ]

برضاهم. (وعتوا): تولوا عاتين (عن أمرربهم) على لسان صالح: " فذروها تأكل في أرض الله ". (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين). (فأخذتهم الرجفة): الزلزلة، وفي سورة هود: " وأخذ الذين ظلموا الصيحة " (1) وفي الحجر: " فأخذتهم الصيحة " (2) ولعلها كانت من مباديها. القمي: فبعث الله عليهم صيحة وزلزلة فهلكوا (3). (فأصبحوا في دارهم جاثمين): خامدين ميتين لا يتحركون، يقال: الناس جثم، أي: قعود لا حراك بهم، وأصل الجثوم: اللزوم في المكان. (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين). قاله متحسرا على ما فاته من إيمانهم، متحزنا لهم بعد ما أبصرهم موتى صرعى. ورد: " إنه بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة، فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة لا يجيبونه إلى خير، وكان لهم سبعون صنما يعبدونها من دون الله. فقال لهم: إن شئتم فاسألوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما سألتموني الساعة، وإن شئتم سألت آلهتكم، فإن أجابتني بالذي أسألها خرجت عنكم، فقد سئمتكم وسئمتموني (4). فقالوا: قد أنصفت. فدعا (5) كلها بأسمائها فلم يجبه منها شئ، فنحوا بسطهم وفرشهم وثيابهم، وتمرغوا على التراب (6)، وطرحوا التراب على رؤوسهم، وقالوا الاصنامهم: لئن لم تجيبي صالحا اليوم لنفتضحن (7)، ثم دعوه فقالوا: يا صالح أدعها، فدعاها، فلم


(1) الاية: 6. (2) الاية: 73 و 84. (3) القمي 1: 332. (4) أي: ملكتكم وملكتموني. (5) في " ب " و " ج ": " فدعاها ". تمرغ في التراب: تقلب. القاموس المحيط 3: 116 (مرغ). (7) في المصدر: " لتفضحن ". (*)

[ 383 ]

تجبه. قال: فاسألوني حتى أدعو إلهى يجبكم الساعة، فقالوا: أدع لنا ربك يخرج لنا من هذا الجبل الساعة ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء بين جنبيها ميل (1). فقال لهم: لقد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي تعالى، فسأل الله ذلك، فانصدع الجبل صدعا (2) كادت تطير منه عقولهم لما سمعوا ذلك، ثم اضطرب ذلك الجبل اضطرابا شديدا كالمرأة إذا أخذها المخاض، ثم لم يفجأهم (3) إلا رأسها قد طلع عليهم من ذلك الصدع، فما استتمت رقبتها حتى اجترت (4)، ثم خرج ساير جسدها ثم استوت قائمة على الارض فلما رأوا ذلك قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابك ربك، أدع لنا يخرج لنا فصيلها (5)، فسأل الله ذلك، فرمت به، فدب (6) حولها. فقال لهم: يا قوم أبقي شئ ؟ قالوا: لا، انطلق بنا إلى قومنا نخبرهم بما رأينا ويؤمنون بك. قال: فرجعوا، فلم يبلغ السبعون إليهم حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا، وقالوا: سحر وكذب. قالوا فانتهوا إلى الجميع، فقال الستة: حق، وقال الجميع: كذب وسحر، فانصرفوا على ذلك، ثم ارتاب من الستة واحد، فكان فيمن عقرها " (7). وورد: " إن الله أوحى إلى صالح: قل لهم: إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب (8) يوم ولكم شرب يوم، فكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت ذلك اليوم الماء


(1) شقراء أي: شديد الحمرة، وبراء أي: كثير الوبر، عشراء أي: أتى على حملها عشرة أشهر. وقوله: " بين جنبيها ميل " أي: يكون عرضها قدر ميل. " أنظر: مرآة العقول 26: 78 ". (2) أي: انشق الجبل شقا. (3) أي: لم يظهر لهم فجأة شئ إلا رأسها. (4) الاجترار هو ما يفعله بعض الدواب من إخراجها ما في بطنها مضغة وابتلاعه ثانيا. (5) فصيل الناقة: ولدها إذا فصل عن أمه. القاموس المحيط 4: 30 (فصل). (6) دب يدب دبا: مشى على هيئته. القاموس المحيط 1: 67 (دب). (7) الكافي 8: 185 - 186، الحديث: 213، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع الاختصار. (8) الشرب - بالكسر - الحظ والنصيب من الماء. مجمع البحرين 2: 87 (شرب). (*)

[ 384 ]

فيحلبونها، فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك، فإذا كان الليل وأصبحوا، غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم، فمكثوا بذلك ما شاء الله، ثم إنهم عتوا على الله ومشى بعضهم إلى بعض وقالوا: اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها، لا نرضى أن يكون لها شرب يوم ولنا شرب يوم، فجعلوا جعلا لرجل أحمر، أشقر، أزرق، ولد زنا لا يعرف له أب، يقال له قدرا، شقي من الاشقياء مشؤم عليهم، فقتلها وهرب فصيلها، واقتسموا لحمها فيما بينهم، فأوحى الله إلى صالح قل لهم: إني مرسل إليكم عذابي إلى ثلاثة أيام، فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم وصددت عنهم، وإن هم لم يتوبوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث، فقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فقال: يا قوم إنكم تصبحون ووجوهكم مصفرة واليوم الثاني محمرة والثالث مسودة، فجاءهم ماقاله لهم فلم يتوبوا ولم يرجعوا، فلما كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم " (1). هذا ملخص القصة. (ولوطا): وأرسلنا لوطا. ورد: " انه كان ابن خالة إبراهيم، وكانت سارة امرأة إبراهيم أخته، خرجوا من بلاد نمرود إلى أن نزل إبراهيم بأعلى الشامات وخلف لوطا بأدناها " (2). (إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين). (إنكم لتأتون الرجال). من أتى المرأة: إذا غشيها. (شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون): متجاوزون الحد في الفساد حتى تجاوزتم المعتاد إلى غير المعتاد. ورد: " إن إبليس أتى شبانهم في صورة حسنة فيها تأنيث، عليه ثياب حسنة، فأمرهم أن يقعوا


(1) الكافي 8: 187 - 189، الحديث: 214، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) علل الشرايع 2: 549، الباب: 340، الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام، والكافي 8: 371 - 373، الحديث: 560، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 385 ]

به فلما وقعوا به التذوه، ثم ذهب عنهم وأحال بعضهم على بعض " (1). (وما كان جواب قومه إلا أن أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) من الخبائث. (فأنجيناه وأهله) المختصين به من الهلاك (إلا امرأته) فإنها كانت تسر (2) الكفر وتوالي أهل القرية (كانت من الغابرين): من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوافيها فهلكوا. (وأمطرنا عليهم مطرا): نوعا من المطر عجيبا، وهي أمطار حجارة من سجيل، كما يأتي في موضع آخر (3). (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين). ورد: " إن لوطا لبث في قومه ثلاثين سنة، وكان نازلا فيهم ولم يكن منهم، يدعوهم إلى الله وينها هم عن الفواحش ويحثهم على الطاعة، فلم يجيبوه ولم يطيعوه، وكانوا لا يتطهرون من الجناية، بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم البخل الداء الذي لا دواء له في فروجهم، وذلك أنهم كانوا على طريق السيارة إلى الشام ومصر، وكان ينزل بهم الضيفان فدعاهم البخل إلى أن كانوا إذا نزل بهم الضيف فضحوه، وإنما فعلوا ذلك لتنكل النازلة عليهم من غير شهوة بهم إلى ذلك، فأوردهم البخل هذا الداء، حتى صاروا يطلبونه من الرجال ويعطون عليه الجعل، وكان لوط سخيا كريما يقرى الضيف إذا نزل بهم (4)، فنهوه عن ذلك فقالوا: لا تقرى ضيفانا تنزل بك (5)، فإنك إن فعلت فضحنا ضيفك، وكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، وذلك


(1) علل الشرايع 2: 548، الباب: 340، الحديث 3، والكافي 5: 544، الحديث: 4، عن أحدهما عليهما السلام. (2) في " ب ": " تستر ". (3) انظر: سورة هود (11): 82، والحجر (15): 74. (4) كذا في جميع النسخ والصافي ولعل الصواب: " إذا نزل به " كما في المصدر. (5) في المصدر: " لا تقرين ضيفا جاء ينزل بك ". (*)

[ 386 ]

أنه لم يكن له عشيرة فيهم " (1). (وإلى مدين أخاهم شعيبا): وأرسلنا إليهم. قيل: هم أولاد " مدين إبراهيم " وشعيب منهم، سموا باسم جدهم وسميت به قريتهم (2). القمي: هي على طريق الشام (3). وورد: " إنها لا تكمل أربعين بيتا " (4). (قال يا قوم اعبدوا الله) وحده (مالكم من إله غيره قدجآءتكم بينة من ربكم): معجزة شاهدة بصحة نبوتي، وهي غير مذكورة في القرآن، ولم نجدها في شئ من الاخبار. (فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم): ولا تنقصوهم حقوقهم، جئ بالاشياء للتعميم (ولا تفسدوا في الارض) بالكفر والحيف (بعد إصلاحها) بعد ما أصلح فيها الانبياء وأتباعهم، بإقامة الشرايع والسنن (ذالكم خير لكم) في الانسانية وحسن الاحدوثة وما تطلبونه من الربح، لان الناس إذا عرفوا منكم النصفة والامانة رغبوا في متاجرتكم. (إن كنتم مؤمنين): مصدقين لي في قولي. (ولا تقعدوا بكل صراط): بكل منهج من مناهج الدين مقتدين بالشيطان في قوله: " لاقعدون لهم صراطك المستقيم " (5). (توعدون): تتوعدون (وتصدون عن سبيل الله من ءامن به). قيل: كانوا يجلسون على الطرق فيقولون لمن يمر بها: إن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم، كما كان يفعل قريش بمكة (6). (وتبغونها عوجا): تطلبون لسبيل الله عوجا، يعني: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة بإلقاء


(1) مجمع البيان 3 - 4: 445، عن أبي جعفر عليه السلام. والظاهر أن قوله في ذيل الحديث: " وذلك إنه... " كلام المصنف وليس في المصدر. (2) في " ألف ": وسميتهم به " (3) القمي 1: 337. (4) كما الدين: 220، الباب: 22، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) الاعراف (7): 16. (6) البيضاوي 3: 18، والكشاف 2: 94. (*)

[ 387 ]

الشبه، لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها. (واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين): من أفسد قبلكم من الامم كقوم نوح وهود وصالح ولوط، وكانوا قريبي العهد بهم. (وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فأصبروا حتى يحكم الله بيننا) أي: بين الفريقين بأن ينصر المحق على المبطل، وهذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. (وهو خير الحاكمين) إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه. (قال الملا الذين استكبروا قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) على تغليب الجماعة على الواحد، وذلك لان شعيبا لم يكن على ملتهم قط. (قال أولو كنا كارهين) أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها. (قد افترينا على الله كذبا) أي: فيما دعونا كم إليه (إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها) بالبيان والبرهان (وما يكون لنآ أن نعود فيها إلا أن يشآء الله ربنا) خذ لاننا ومنعنا الالطاف، بأن يعلم أنه لا ينفع فينا (وسع ربنا كل شئ علما): أحاط علمه بعواقب الامور ومكنوناتها (على الله توكلنا) في أن يثبتنا على الايمان، ويوفقنا لا زدياد الايقان. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق): احكم بيننا، فإن الفتاح: القاضي، والفتاحة: الحكومة. أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم، ويتميز المحق من المبطل، من فتح المشكل: إذا بينه. (وأنت خير الفاتحين). (وقال الملا الذين كفروا من قومه) أي: أشرافهم قالوه لمن دونهم يثبطونهم عن الايمان (لئين اتبعتم شعيبا) وتركتم دينكم (إنكم الخاسرون). فأخذتهم الرجفة): الزلزلة. وفي سورة هود " وأخذت الذين ظلموا

[ 388 ]

الصيحة " (1). (فأصبحوا في دارهم حاثمين): خامدين. (الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها) أي: استؤصلوا (2) كأن لم يقيموا بها، والمغنى: المنزل (3). (الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) دون أتباع شعيب، فإنهم الرابحون. وفي هذا الابتداء والتكرير تسفيه لرأي الملا ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك. (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسلات ربى ونصحت لكم فكيف ءاسى): أخزن (على قوم كافرين): قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم، لكفرهم واستحقاقهم العذاب النازل بهم. (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء): بالبؤس والفقر (والضراء): الضر والمرض (لعلهم يضرعون): لكي يتضرعوا ويتوبوا ويتذللوا. (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) أي: رفعنا ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، ووضعنا مكانه الرخاء والعافية (حتى عفوا) أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات أي: كثرو منه: إعفاء اللحى (4). (وقالوا قد مس ءابآء الضراء والسرآء) أبطرتهم النعمة، فتركوا شكر الله ونسوا ذكر الله، قالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس أباءنا نحو ذلك، فلم ينتقلوا عما كانوا عليه، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم كذلك. (فأخذناهم بغتة): فجأة، عبرة لمن كان بعدهم (وهم لا يشعرون) أن العذاب نازل بهم إلا بعد حلوله.


(1) الاية: 94. (2) استصل الشئ: قطعه من أصله. مجمع البحرين 5: 306 (أصل). (3) أي: المنزل الذي غني به أهله، أي: اقاموا ثم ظعنوا. (4) اللحي جمع اللحية. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "... وأعفوا اللحي " (معاني الاخبار " 291) أي: وفروها وكثروها. مجمع البحرين 1: 300 (عفا). (*)

[ 389 ]

(ولو أن أهل القرى): ولو أنهم (ءامنوا واتقوا) الشرك والمعاصي (لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض): لو سعنا عليهم الخيرات ويسرناها لهم من كل جانب، بإنزال المطر وإخراج النبات وغير ذلك. (ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون). أفأمن أهل القرى) المكذبون لنبينا (أن يأتيهم بأسنا): عذابنا (بياتا): وقت بيات (وهم نائمون). (وأو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى): ضحوة النهار، وهو في الاصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. (وهم يلعبون): يشتغلون بما لا ينفعهم. (أفأمنوا مكر الله). مكر الله استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب. قال: " المكر من الله: العذاب " (1). (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). فيه تنبيه على ما يجب أن يكون العبد عليه من الخوف لعقاب الله واجتناب المعصية. (أو لم يهد) أي: أو لم يبين، ولذا عدي باللام. (للذين يرثون الارض من بعد أهلها) يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم (أن لو نشاء): أنه لو نشاء (أصبناهم بذنوبهم): بجزاء ذنوبهم، كما أصبنا من قبلهم (ونطبع على قلوبهم). مستأنف، يعني: ونحن نطبع (فهم لا يسمعون) سماع تفهم واعتبار. (تلك القرى نقص عليك من أنبائها): بعض أبنائها (ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل) يعني: " في الذر، حين كانوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء ". كما ورد (2)، ويأتي في سورة يونس (3). قال: " إن الله خلق من أحب من طينة الجنة، وخلق من أبغض من طينة النار، ثم بعثهم في الظلال. قيل: وأي.


(1) القمي 1: 236 و 367. (2) راجع: العياشي 2: 126، الحديث: 36، والقمي 1: 248، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) في ذيل الاية: 74. (*)

[ 390 ]

شئ الظلال ؟ قال: ألم تر إلى ظلك في الشمس شئ وليس بشئ، ثم بعث منهم النبيين فدعوهم إلى الاقرار بالله، وهو قوله: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " (1). ثم دعوهم إلى الاقرار بالنبيين، فأقر بعضهم وأنكر بعض (2) ثم دعوهم إلى ولايتنا، فأقر بها والله من أحب وأنكرها من أبغض، وهو قوله: " ما كانوا ليؤمنؤا بما كذبوا به من قبل " (3) ثم قال: كان التكذيب ثم " (4). وفي رواية: " فمنهم من أقر بلسانه ولم يؤمن بقلبه " (5). (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين). (وما وجدنا لاكثرهم من عهد): وفاء عهد (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين): وإنه علمنا أكثرهم خارجين عن الطاعة. قال: " إنها نزلت في الشاك " (6). وفي رواية: " إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا، وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا، لو لم تفعلوا لعير كم الله كما عيرهم، حيث يقول: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد " الاية " (7). وعن أبي ذر: " والله ما صدق أحد ممن أخذ ميثاقه فوفى بعهد الله غير أهل بيت نبيهم وعصابة قليلة من شيعتهم، وذلك قول الله: " وما وجدنا " الاية " (8). (ثم بعثنا من بعدهم موسى بأياتنآ): بالمعجزات (إلى فرعون وملايه). وهو لقب ملك مصر. (فظلموا بها): بأن كفروا بها مكان الايمان الذي هو من حقها لوضوحها (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين).


(1) الزخرف (43): 87. (2) في " ألف ": " وأنكر بعضهم ". (3) يونس (10): 74. (4) الكافي 2: 10، الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام، والعياشي 2: 126 - 127، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) القمي 1: 248، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) الكافي 2: 399، الحديث: 1، والعياشي 2: 23، الحديث: 60، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. (7) الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) العياشي 2: 23، الحديث: 59. (*)

[ 391 ]

(وقال موسى يا فرعون إنى رسول من رب العالمين). (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق): بأن لا أقول كما قرئ به، فوضع " على " مكان الباء كقولهم: " رميت على القوس ". (قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنى إسرائيل: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الارض المقدسة التي هي وطن آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدامهم في الاعمال الشاقة. (قال إن كنت جئت بأية فأت بها إن كنت من الصادقين). (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين): ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان، وهو الحية العظيمة. قال: " وكان له شعبتان قد وقع إحداهما في الارض والاخرى في أعلى قبة فرعون، وكان ارتفاعها ثمانين ذراعا، فنظر فرعون إلى جوفه وهو يلتهب نيرانا، فأهوى إليه فأحدث (1) وصاح: يا موسى خذها " (2). (ونزع يده) من جيبه (فإذا هي بيضاء للناظرين): بياضا نورانيا غلب شعاعه شعاع الشمس. " وكان موسى آدم شديد الادمة " فيما يروى (3). (قال الملا من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم). (يريد أن يخرجكم من أرضكم فما ذا تأمرون). قالوا أرجه وأخاه): أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. ورد: " لم يكن في جلسائه يومئذ ولدسفاح، (4) ولو كان لامر بقتلهما، قال: وكذلك نحن لا يسرع إلينا (5) إلا كل خبيث الولادة ". (6) (وأرسل في المدائن حاشرين).


(1) أحدث فلان: تغوط. أقرب الموارد 1: 169 (حديث). (2) العياشي 2: 24 ذيل الحديث: 61، مرفوعة. (3) تفسير أبي السعود 3: 258، والكشاف 2: 102، والبيضاوي 3: 21. (4) السفاح - بالكسر -: الزنا والفجور. مجمع البحرين 2: 372 (سفح). (5) في المصدر: " لا ينزع إلينا ". (6) العياشي 2: 24، الحديث: 62، عن يونس بن ظبيان. (*)

[ 392 ]

(يأتوك بكل ساحر عليم). (وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين). قال نعم وإنكم لمن المقربين). (قالوا يا موسى إما أن تلقى وإمآ أن نكون نحن الملقين). خيروه مراعاة للادب، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، فنبهوا عليه بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ. (قال ألقوا) كرما تسامحا وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد الالهي. (فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس) بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه بالحيل والشعوذة (1). (وأسترهبوهم): وأرهبوهم إرهابا شديدا، كأنهم طلبوا رهبتهم (وجآءو بسحر عظيم) في فنه. روي: " أنهم حبالا ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا كأنها خيات، ملات الوادي وركب بعضها بعضا " (2). (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك) فألقاها فصارت حية عظيمة (فإذا هي تلقف ما يأفكون): ما يزورونه، من الافك، وهو الصرف وقلب الشئ عن وجهه. روي: " أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت، فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا " (3). (فوقع الحق): فحصل وثبت لظهور أمره (وبطل ما كانوا يعملون) من السحر والمعارضة.


(1) الشعوذة: خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشئ بغير ما عليه أصله في رأي العين. القاموس المحيط 1: 368. (2 و 3) البيضاوي 3: 22. (*)

[ 393 ]

(فغلبوا هنا لك وانقلبوا صاغرين): صاروا أذلاء منهزمين. (وألقى السحرة ساجدين): وخروا سجدا، كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم، ولعل الحق بهرهم (1) واضطرهم إلى السجود، بحيث لم يبق لهم تمالك، لينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى، وينقلب الامر عليه. (قالوا ءامنا برب العالمين). (رب موسى وهارون) أبدلوا من الاول، لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون. (قال فرعون ءامنتم به قبل أن ءان اذن لكم هذا لمكر مكرتموه في المدينة): إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، وتواطأتم على ذلك (لتخرجوا منها أهلها) يعني: القبط، وتخلص لكم ولبني إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الايمان. (فسوف تعلمون). وعيد مجمل يفصله ما بعده: (لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي: من كل شق طرفا (ثم لاصلبنكم أجمعين) تفضيحا لكم وتنكيلا لامثالكم. (قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) أي: لا نبالي بالموت والقتل، لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته. (وما تنقم منا إلا أن ءامنا بأيات ربنا لما جاءتنا): وما تنكر منا وتعيب إلا الايمان بآيات الله، وهو أصل كل خير. (ربنا أفرغ): أفض (علينا صبرا) واسعا كثيرا يغمرنا كما يفزع الماء (وتوفنا


(1) البهر: الغلبة. القاموس المحيط 1: 392 (بهر). (*)

[ 394 ]

مسلمين): ثابتين على الاسلام. (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض) بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالتك (ويذرك وءالهتك): معبوداتك. القمي: كان فرعون يعبد الاصنام، ثم ادعى بعد ذلك الربوبية. (1) وعن أمير المؤمنين عليه السلام: " أنه قرأ: " ويذرك وإلهتك ") (2) يعني: عبادتك. وقيل: إن فرعون صنع لقومه أصناما، وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه، ولذلك قال: " أنا ربكم الاعلى " (3) (قال سنقتل أبنائهم ونستحى نساءهم) كما كنا نفعل من قبل، ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا (وإنا فوقهم قاهرون): غالبون، وإنهم مقهورون [ مغلوبون ] (4) تحت أيدينا. (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين). (قالوا) أي: بني إسرائيل (أو ذينا من قبل أن تأتينا) بالرسالة بقتل الابناء (ومن بعد ما جئتنا) بإعادته. والقمي: قبل المجئ بقتل الاولاد، وبعده لما حبسهم فرعون لايمانهم بموسى (5). (قال عسى ربكم أن يهلك عدو كم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون) من شكر وكفران وطاعة وعصيان. (ولقد أخذنا ءال فرعون بالسنين): بالجدوب، لقلة الامطار والمياه، والسنة غلبت على عام القحط، لكثرة ما يذكر عنه يورخ به، ثم اشتق منها، فقيل: أسنت


(1) القمي 1: 236 - 237. (مجمع البيان 3 - 4: 464. (3) البيضاوي 3: 23، والكشاف 2: 105. والاية في النازعات (79): 24. (4) الزيادة من " ب ". (5) القمي 1: 237. (*)

[ 395 ]

القوم: إذا أقحطوا. (ونقص من الثمرات) بكثرة العاهات (لعلهم يذكرون): لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا، وليرق قلوبهم بالشدايد، فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده. (فإذا جاءتهم الحسنة) من الخصب والسعة (قالوا لنا هذه): لاجلنا ونحن مستحقوها (وإن تصبهم سيئة): جدب وبلاء (يطيروا بموسى ومن معه): يتشأموا بهم ويقولوا: ما أصابتنا إلا بشؤمهم. القمي: الحسنة هنا: الصحة والسلامة والامن والسعة، والسيئة هنا: الجوع والخوف والمرض (1). (ألا إنما طائرهم عند الله) أي: سبب خيرهم وشرهم عنده، وهو حكمه ومشيته، كما قال: " قل كل من عند الله " (2) (ولكن أكثرهم لا يعلمون). (وقالوا مهما تأتنا به من ءاية لتسحرنا بها): لتموه علينا (فما نحن لك بمؤمنين). أرادوا أنهم مصرون على تكذيبه وإن أتى بجميع الايات. (فأرسلنا عليهم الطوفان) ما طاف بهم وغشيهم. قال: " هو طوفان الماء والطاعون " (3). (والجراد والقمل). قيل: هي كبار القردان (4) وقيل: صغار الجراد (5). (والضفادع والدم ءايات مفصلات): مبينات. لا يشكل أنها آيات الله ونقمته، أو منفصلات، بين كل آيتين منها مدة لامتحان أحوالهم (فأستكبروا وكانوا قوما مجرمين). (ولما وقع عليهم الرجز): العذاب (قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لنرسلن معك بني إسرائيل).


(1) القمي 1: 237. (2) النساء (4): 78. (العياشي 2: 25، الحديث: 67، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4 و 5) الكشاف 1: 503، والبيضاوي 3: 24. (*)

[ 396 ]

(فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون). (فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبو بأياتنا وكانوا عنها غافلين). قال: " لما سجد السحرة وآمن به الناس، قال هامان لفرعون: إن الناس قد آمنوا بموسى، فانظر من دخل في دينه فاحبسه، فحبس كل من آمن به من بني إسرائيل، فجاء إليه موسى فقاله: خل عن بني إسرائيل، فلم يفعل، فأنزل الله عليهم في تلك السنة الطوفان، فخرب دورهم ومساكنهم حتى خرجوا إلى البرية وضربوا الخيام، فقال فرعون لموسى: ادع ربك حتى يكف عنا الطوفان حتى أخلي عن (1) بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان، وهم فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل، فقال له هامان: إن خليت عن بني إسرائيل غلبك موسى وأزال ملكك، فقبل منه ولم يخل عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثانية الجراد، فجردت كل شئ كان لهم من النبت والشجر، حتى كادت (2) تجرد شعرهم ولحيتهم، فجزع فرعون من ذلك جزعا شديدا وقال: يا موسى ادع ربك أن يكف عنا الجراد حتى أخلي عن بني إسرائيل وأصحابك، فدعا موسى ربه فكف عنهم الجراد، فلم يدعه هامان أن يخلي عن بني إسرائيل، فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة القمل، فذهبت زروعهم وأصابتهم المجاعة، فقال فرعون لموسى: إن رفعت عنا القمل كففت عن بني إسرائيل، فدعا موسى ربه حتى ذهب القمل وقال: أول ما خلق الله القمل في ذلك الزمان، فلم يخل عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم بعد ذلك الضفادع، فكانت تكون في طعامهم وشرابهم، ويقال: إنها تخرج من أدبارهم وآذانهم وآنافهم، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فجاؤوا إلى موسى فقالوا: ادع الله يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا موسى ربه فرفع الله عنهم ذلك، فلما أبوا أن يخلوا عن


(1) في " الف ": " من بني إسرائيل ". (2) في " الف " و " ج ": " كانت ". (*)

[ 397 ]

بني إسرائيل حول الله ماء النيل دما، فكان القبطي يراه دما والاسرائيلي يراه ماء، فإذا شربه الاسرائيلي كان ماء وإذا شربه القبطي يشربه (1) دما، فكان القبطي يحول دما، فجزعوا من ذلك جزعا شديدا، فقالوا لموسى: لئن رفع عنا الدم لنرسلن معك بني إسرائيل، فلما رفع الله عنهم الدم غدروا ولم يخلوا عن بني إسرائيل، فأرسل الله عليهم الرجز، وهو الثلج، ولم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه وجزعوا وأصابهم ما لم يعهدوه قبله، ف‍ " قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك، لئن كشفت عنا " الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " فدعا ربه فكشف عنهم الثلج فخلى عن بني إسرائيل، فلما خلى عنهم اجتمعوا إلى موسى عليه السلام وخرج موسى من مصر، واجتمع إليه من كان هرب من فرعون، وبلغ فرعون ذلك، فقال له هامان: قد نهيتك أن تخلي عن بني إسرائيل، فقد استجمعوا إليه، فجزع فرعون وبعث في المدائن حاشرين، وخرج في طلب موسى " (2). (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) يعني: بني أسرائيل، كان يستضعفهم فرعون وقومه بالاستعباد وذبح الابناء. (مشارق الارض ومغاربها) يعني: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالة وتمكنوا في نواحيها، (التي باركنا فيها) بالخصب والعيش (وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل): ومضت عليهم، واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصر والتمكين، وهي قوله عزوجل: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا " إلى قوله: " ما كانوا يحذرون " 3. (بما صبروا): بسبب صبرهم على الشدائد (ودمرنا): وخربنا (ما كان يصنع فرعون


(1) في المصدر: " كان دما ". (القمي 1: 237 - 238، وفي مجمع البيان 3 - 4: 468 - 469 ما يقرب منه عن الصادقين عليهما السلام. (3) القصص (28): 5 و 6. (*)

[ 398 ]

وقومه) من القصور والعمارات (وما كانوا يعرشون) من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من البنيان. (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) بعد مهلك فرعون (فأتوا على قوم): فمروا عليهم (يعكفون على أصنام لهم): يقيمون على عبادتها (قالوا يا موسى اجعل لنآ إلها ؟): صنما نعبده (كما لهم ءالهة) يعبدونها (قال إنكم قوم تجهلون). (إن هؤلاء متبر): مدمر مكسر (ماهم فيه) يعني: إن الله يهدم دينهم الذي هم عليه، ويحطم أصنامهم هذه ويجعلها رضاضا (وباطل): مضمحل (ما كانوا يعملون) من عباتها لا ينتفعون بها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله عزوجل. (قال أغير الله أبغيكم إلها): أطلب لكم معبودا ؟ (وهو فضلكم على العالمين): والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم. (وإذ أنجيناكم من ءال فرعون): واذكروا صنيعه بكم في هذا الوقت (يسومونكم سوء العذاب): يكلفونكم شدة العذاب (يقتلون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذالكم بلاء من ربكم عظيم). (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة). قد سبق تفسيرها في سورة البقرة (1) (وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى في قومي): كن خليفتي فيهم (وأصلح) ما يجب أن يصلح من أمورهم (ولا تتبع سبيل المفسدين): ولا تطع من دعاك إلى الافساد ولاتسلك طريقته. (ولما جاء موسى لميقاتنا): لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه (وكلمه ربه) من غير واسطة، كما يكلم الملائكة (قال رب أرني أنظر إليك قال لمن تراني ولكن انظر إلى


(1) في ذيل الاية: 51. (*)

[ 399 ]

الجبل فإن استقر مكانه) لما تجليت عليه (فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل): ظهر له عظمته وتعرض له اقتداره وأمره (جعله دكا): مدكوكا مفتتا (1) (وخر موسى صعقا): مغشيا عليه من هول ما رأى (فلما أفاق قال) تعظيما لما رأى (سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين). قال: " لما كلمه الله وقربه نجيا (2) رجع إلى قومه فأخبرهم بذلك، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته، فاختار منهم سبعين، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح (3) الجبل وصعد إلى الطور، وسأل الله أن يكلمه ويسمعهم كلامه. فكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق وأسف ويمين وشمال ووراء وأمام، لان الله أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله، حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة، فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنك ذهبت بهم فقتلتهم، لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم وبعثهم معه، فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لاجابك، فتخبرنا كيف هو ؟ ! ونعرفه حق معرفته، فقال: يا قوم، إن الله لا يرى بالابصارو لا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويعلم بأعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه: يا موسى سلني ما سألوك فلن أؤاخذك


(1) الدك: الدق والهدم: " القاموس المحيط 3: 311 - دك " والفت: الدق والكسر بالاصابع والشق في الصخرة. " القاموس المحيط 1: 159 - فت ". و " دكا " في الاية مصدر بمعنى مفعول. (2) قربه نجيا أي: مناجيا وهو مصدر كالصهيل والنهيق يقع على الواحد والجماعة. مجمع البحرين 1: 408 (نجا). (3) سفح الجبل: أسفله حيث يسفح فيه الماء. مجمع البحرين 2: 373 (سفح). (*)

[ 400 ]

بجهلهم، فعند ذلك قال موسى: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه " وهو يهوي " فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل " بآية من آياته، " جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي، " وأنا أول المؤمنين " مهم بأنك لا ترى " (1). وفي رواية: " فقال الله تبارك وتعالى: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الاخرة، ولكن إن أردت أن تراني في الدنيا " فانظر إلى الجبل " الاية " (2). وورد: " لما صعد إلى الجبل فتحت أبواب السماء وأقبلت الملائكة أفواجا في أيديهم العمد (3) وفي رأسها النور، يمرون به فوجا بعد فوج، يقولون: يابن عمران أثبت فقد سألت أمرا عظيما، قال: فلم يزل موسى واقفا حتى تجلى ربنا جل جلاله " (4). وفي رواية: " إن الملائكة أمرت أن تمر عليه موكبا بالبرق والرعد والريح والصواعق، فكل ما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع (5) رأسه فيسأل أفيكم ربي ؟ فيجاب هو آت وقد سألت عظيما يابن عمران " (6). وفي رواية: " إنه لما سأل ربه سأل، أمر واحدا من الكروبيين (7) فتجلى للجبل وجعله دكا " (8). (قال يا موسى إنى اصطفيتك): إخترتك (على الناس) أي: الذين في زمانك (برسالاتى) يعني: أسفار التوراة (وبكلامي): وبتكليمي إياك (فخذمآ ءاتيتك) من


(1) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 200 - 201، الباب: 15، الحديث: 1. (2) التوحيد: 262، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3) العمد - بضم العين والميم وفتحهما - جمع العمود. (4) العياشي 2: 26، الحديث: 72، عن الصادقين عليهما السلام، وفيه: " فلما صعد موسى على الجبل ". (5) في " ألف " و " ج ": " فرفع ". (6) العياشي 2: 27، الحديث: 74، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7) الكروبيون - مخففة الراء - سائة الملائكة والمقربون منهم. مجمع البحرين 2: 159 (كرب). (8) السرائر: 476، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " رجلا " بدل: " واحدا ". (*)

[ 401 ]

الرسالة (وكن من الشاكرين). روي: " أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة وإعطاء التوراة يوم النحر " (1). (وكتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ). ورد: " أنزلها عليه وفيها تبيان كل شئ كان أو هو كائن إلى أن تقوم الساعة. قال: وهي عندنا " (2). وورد: " إن الالواح كانت من زبرجدة من الجنة " (3). وفي رواية: " كانت من زمرد أخضر " (4). (فخذها بقوة): بجد وعزيمة (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها): بأحسن ما فيها، كالصبر والعفو بالاضافة إلى الانتقام والاقتصاص، وهو مثل قوله تعالى: " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم " (5) وقوله: " فيتبعون أحسنه " (6) (سأوريكم دار الفاسقين): منازل القرون الماضية المخالفة لامر الله، الخارجة عن طاعة الله لتعتبروا. (سأصرف عن ءاياتى الذين يتكبرون في الارض بغير الحق) بالطبع على قلوبهم، فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. (وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها) لانهما كهم في الهوى. ورد: " إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت عنها هيبة الاسلام وإذا تركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي " (7). (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) القمي: إذا رأو الايمان والصدق والوفاء والعمل الصالح لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا الشرك والزنا والمعاصي يأخذوا بها ويعملوا بها (8). (ذلك بأنهم كذبوا بأياتنا وكانوا عنها غافلين).


(1) البيضاوي 3: 27. (2 و 3) والعياشي 2: 28، الحديث: 77، وبصائر الدجات: 140، الباب: 11، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) بصائر الدرجات: 141، الباب: 11، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5 و 6) الزمر (39): 55 و 18. (7) فيض القدير 1: 404. (8) القمي 1: 240. (*)

[ 402 ]

(والذين كذبوا بأياتنا ولقآء الاخرة وحبطت أعمالهم): لا ينفعون بها (هل يجزون إلا ما كانوا يعملوا). (واتخذ قوم موسى من بعده): من بعد ذهابه للميقات (من حليهم عجلا جسدا): خاليا من الروح (له خوار): صوت البقر. قد سبق قصة العجل في سورة البقرة (1). وورد: " إن فيما ناجى موسى ربه (2) أن قال: يا رب هذا السامري صنع العجل، فالخوار من صنعه ؟ ! فأوحى الله إليه: يا موسى إن تلك فتنتي فلا تفحص عنها " (3). وفي رواية: " قال: يا رب، ومن أخار الصنم ؟ فقال الله يا موسى أنا أخرته، فقال موسى: إن هي إلا فتنتك " (4). (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه) إلها (وكانوا ظالمين): واضعين الاشياء غير مواضعها، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. (ولما سقط في أيدهيم). كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها. (ورأوا): وعلموا (أنهم قد ضلوا) باتخاذ العجل (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين). (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا): شديد الغضب، أوحزينا (قال بئسما خلفتموني من بعدى) حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله (أعجلتم أمرربكم) ؟ يقال: عجل عن الامر: إذا تركه غير تام، وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى سبق فيقال: عجل الامر. والمعني: أتركتم أمر ربكم غير تام ؟ والامر: انتظار موسى حافظين لعهده (وألقى الالواح): طرحها من شدة الغضب لله، وفرط الضجر حميلة للدين. ورد:


(1) في ذيل الاية: 51. (2) في " ب ": " ناجى ربه موسى " وفي المصدر: " ناجى الله موسى ". (3) العياشي 2: 29، الحديث: 80، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) المصدر الحديث: 79، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 403 ]

" إن منها ما تكسر ومنها ما بقي ومنها ما ارتفع " (1). (وأخذ برأس أخيه يجره إليه). قال: " وذلك لانه لم يفارقهم لما فعلوا ذلك ولم يلحق بموسى، وكان إذا فارقهم ينزل بهم العذاب " (2). (قال ابن أم). قال: " ولم يقل: يابن أبي، لان بني الاب إذا كانت أمهاتهم شتى لم تستبعد العداوة بينهم إلا من عصمه الله منهم، وإنما تستبعد العدواة بين بني أم واحدة " (3). وورد: " إنه كان أخاه لابيه وأمه " (4). قيل: وكان أكبر من موسى بثلاث سنين وكان حمولا (5) لينا، ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل. (6) (إن القوم استضعفوني): قهروني واتخذوني ضعيفا، ولم آل جهدا في كفهم بالانذار والوعظ. (وكادو يقتلونني): وقاربوا قتلي لشدة إنكاري عليهم (فلا تشمت بى الاعداء): فلا تفعل بي ما يشمتون بي لاجله (ولا تجعلني مع القوم الظالمين): معدودا في عدادهم بالموجدة علي (7) ونسبة التقصير إلى. (قال رب اغفر لي ولاخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين). (إن الذين اتخذوا العجل سينا لهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا). قيل: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم وخروجهم من ديارهم والجزية. (8) (وكذلك نجزي المفترين). افتراؤهم قولهم: " هذا إلهمكم وإله موسى ". (9) ورد: " إنه تلا هذه الاية، فقال: فلا ترى صاحب بدعة إلا ذليلا، ولا مفتريا على الله وعلى رسوله وأهل بيته


(1) بصائر الدرجات: 141، الباب: 11، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2 و 3) علل الشرايع 1: 68، الباب: 58، الحديث: 1، عن أبي عبد الله السلام. (4) الكافي 8: 27، ذيل الحديث: 4، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5) حمل عنه: حلم فهو حمول: ذوحلم. القاموس المحيط 3: 372 (حمل). (6) البيضاوي 3: 28. (7) وجد عليه - يجد وجدا وجدة وموجدة - غضب. " القاموس المحيط 1: 356 - وجد ". وفي " ب ": " بالمؤاخذة على ". (8) البيضاوي 3: 28، والكشاف 2: 119. (9) طه (20): 88. (*)

[ 404 ]

صلى الله عليهم إلا ذليلا " (1). (والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وءامنوا): وعملوا بمتقضي الايمان (إن ربك من بعدها): من بعد التوبة (لغفور رحيم). (ولما سكت عن موسى الغضب). عبر عن سكون الغضب بالسكوت تنبيها على أن الغضب كان هو الحامل له على ما فعل، والامر له به، والمغري عليه، وهذا من البلاغة في الكلام. (أخذ الالواح) التي ألقاها (وفي نسختها هدى): بيان ودلالة لما يحتاج إليه من أمر الدين (ورحمة): نعمة ومنفعة (للذين هم لربهم يرهبون) المعاصي. (واختار موسى قومه): من قومه، من باب الحذف والايصال. (سبعين رجلا لميقاتنا). سبقت قصتهم (2). (فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياى). تمنى هلاكهم وهلاكه قبل أن يرى ما رأي. (أتهلكنا بما فعل السفهآء منا) ؟ من التجاسر على طلب الرؤية. (ورد: " إن السبعين لما صاروا معه إلى الجبل قالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته، فقال: إني لم أره، فقالوا: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " (3)، فأخذتهم الصاعقة واحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيدا، فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي، فكيف يصدقني قومي بما أخبرتهم به ؟ ف‍ " لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " ؟ فأحياهم الله بعد موتهم " (4). (إن هي إلا فتنتك): ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية. (تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا): القائم بأمرنا


(1) الكافي 2: 16، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في ذيل الاية: 143 من نفس السورة. (3) البقرة (2): 55. (4) التوحيد: 424، الباب: 65، ذيل الحديث: 1، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 405 ]

(فاغفر لنا وأرحمنا وأنت خيرا الغافرين) تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة. (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة): حسن معيشة وتوفيق طاعة (وفى الاخرة): الجنة (إنا هدنا إليك): تبنا إليك، من هاد يهود: إذا رجع. (قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ) في الدنيا، فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي، أو في الدنيا والاخرة، إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم. (فسأكتبها): فسأثتبها وأوجبها في الاخرة (للذين يتقون) الشرك والمعاصي (ويؤتون الزكوة والذين هم بأياتنا يؤمنون). الذين يتبعون الرسول النبي). قال: " الرسول: الذي يظهر له الملك فيكلمه، والنبي: هو الذي يرى في منامه، وربما اجتمعت النبوة والرسالة لواحد " (1). (الامي) قال: " المنسوب إلى أم القرى وهي مكة " (2) (الذي يجدونه) قال: " يعني: اليهود والنصارى " (3). (مكتوبا عندهم) قال: " صفة محمد وسمه " (4). (في التوراة). قال: " لما أنزلت الوراة على موسى بشر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تزل الانبياء تبشربه حتى بعث الله المسيح فبشربه " (5). وورد: " إن يهوديا قال له: إني قرأت نعتك في التوراة محمد بن عبد الله، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، (6) ولامترنن (7) بالفحش ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، هذا


(1) الكافي 1: 177، الحديث: 4، عن الصادقين عليهما السلام. (2) مجمع البيان 3 - 4: 487، عن أبي جعفر عليه السلام. (3 و 4) العياشي 2: 31، الحديث: 87، عن أبي جعفر عليه السلام. (5) الكافي 8: 117، ذيل الحديث: 92، عن أبي جعفر عليه السلام. (6) السخاب صيغة مبالغة من السخب وهو شدة الصوت، من تساخب القوم: إذا تصايحوا وتضاربوا مجمع البحرين 2: 81 (سخب). (7) المترنن - بنونين - من الرنة - بالفتح والتشديد -: الصوت. والخنا - مقصور -: الفحش من القول. مجمع البحرين 6: 258 (رنن). (*)

[ 406 ]

مالي فاحكم فيه بما أنزل الله " (1). (والانجيل). قال: " هو قول الله عزوجل يخبر عن عيسى: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ") (2). (يأمرهم بالمعروف وينهاهم. عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم): ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشافة. وأصل الاصر: الثقل. (فالذين ءامنوا به وعزروه): وعظموه بالتقوية والذب عنه. وورد: " النور في هذا الموضع علي والائمة عليهم السلام " (4). (أولئك هم المفلحون). (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والارض لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته): ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل (واتبعوه لعلكم تهتدون) إلى العلم اللدني الموصل إلى محبة الله وولايته، فإنه لا يحصل إلا بالايمان واتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أمر النبي باتباعه. (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) بينهم. قال: " هم أهل الاسلام " (5). وفي رواية: " إن هذه الامة قوم من وراء الصين لم يغيروا ولم يبدلوا ليس لاحدهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويضحون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق " (6). وفي أخرى: " إنهم يخرجون مع قائم آل


(1) أمالي (الصدوق): 376، المجلس الحادي والسبعون، الحديث: 6، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) الكافي 8: 117، ذيل الحديث: 92، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في الصف (61): 6. (3) البيضاوي 3: 30، والكشاف 2: 122. (4) الكافي 1: 194، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " علي أمير المؤمنين ". (5) العياشي 2: 32، الحديث: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) مجمع البيان 3 - 4: 489، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 407 ]

محمد عليهم السلام " (1). (وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطا أمما): وصيرناهم قطعا متميزا بعضهم عن بعض، والاسباط: ولد الاولاد، وهم في ولد يعقوب بمنزلة القبائل في أولاد إسماعيل. (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه، في التيه (أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا) أي: فضرب فانبجست، وفي حذفه إشارة إلى أنه لم يتوقف في الامتثال. (قد علم كل أناس): كل سبط (مشربهم وظللنا عليهم الغمام) ليقيهم حر الشمس (وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية): بيت المقدس (وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين). (فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون). سبق تفسير هذه الايات في سورة البقرة (2). (وسئلهم): واسأل اليهود، سؤال تقربع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله (عن القرية): عن خبرها وما وقع بأهلها (التي كانت حاضرة البحر): قريبة منه (إذ يعدون في السبت): يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد يوم السبت وقد نهوا عنه (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم): يوم تعظيمهم أمر السبت، مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها، بالتجرد للعبادة (شرعا): ظاهرة على وجه الماء، من شرع عليه: إذا دنا منه وأشرف. (ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون).


(1) مجمع البيان 3 - 4: 489، مرويا عن أصحابنا. (2) في ذيل الاية: 59. (*)

[ 408 ]

ورد: " إنهم توصلوا إلى حيلة ليحلوا بها ما حرم الله، فخدوا أخاديد (1) تؤدي إلى حياض يتهيأ للحيتان الدخول فيها من تلك الاخاديد ولا يتهيأ لها الخروج، فجاءت يوم السبت جارية على أمان لها فدخلت الاخاديد وحصلت (2) في الحياض والغدران (3)، فلما كانت عشية اليوم همت بالرجوع منها إلى اللجج (4) لتأمن من صائدها (5) فلم تقدر، وبقيت ليلها (6) في مكان يتهيأ أخذها بلا اصطياد، وكانوا يأخذونها يوم الاحد ويقولون: ما اصطدنا في السبت إنما اصطدنا في الاحد، وكذب أعداء الله، بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي علموها يوم السبت " (7). (وإذ قالت أمة منهم): جماعة من أهل القرية (لم تعظون قوما الله مهلكهم) بذنوبهم هلاك استيصال (أو معذبهم عذابا شديدا) لتماديهم في العصيان (قالوا معذرة إلى ربكم) يعني: موعظتنا لانهاء (8) عذر إلى الله، حتى لا ينسب إلى تفريط في النهي عن المنكر (ولعلهم يتقون) إذا اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. (فلما نسوا): تركوا ترك الناسي (ما ذكروا به): ما ذكرهم به الواعظون (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس): شديد (بما كانوا يفسقون).


(1) أخاديد جمع أخدود: شقق في الارض مستطيل. وخدالارض: شقها. مجمع البحرين 3: 42. (خدد). (2) حصل الشئ: ثبت وبقى. والحاصل من كل شئ: ما بقى وثبت. القاموس المحيط 3: 368 (حصل). (3) الغدران جمع الغدير: القطعة من الماء يغادرها السيل أي: يتركها. القاموس المحيط 3: 103 (غدر). (4) اللجج: جمع اللج: معظم الماء. القاموس المحيط 1: 212 (لجج). (5) في المصدر ونسخة " ألف ": " لتأمن صائدها ". (6) في المصدر: " وأبقيت ليلتها ". (7) تفسير الامام عليه السلام: 268 - 269. (8) أنهي الرجل الشئ إنهاء: أبلغه. القاموس المحيط 4: 400 (نها). (*)

[ 409 ]

(فلما عتوا): تكبروا (عن ما نهوا عنه). قال: " عن قبول الزجر عما نهوا عنه " (1). (قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) قال: " مبعدين عن الخير " (2). ورد: " إن الواعظين خرجوا من المدينة مخافة أن يصبيهم البلاء، فنزلوا قريبا منها، فلما أصبحوا غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية، فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت، فدقوه فلم يجابوا ولم يسمعوا منها حس أحد، فوضعوا سلما على سور المدينة، ثم أصعدوا رجلا منهم، فأشرف على المدينة، فنظر فإذا هو بالقوم قردة يتعاوون (3)، لها أذناب، فكسروا الباب ودخلوا المدينة، قال فعرفت القردة أنسابها من الانس، ولم يعرف الانس أنسابها من القردة، فقال القوم للقردة: ألم ننهاكم ؟ " (4). وورد: " كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا ذرا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا " (5). (وإذ تأذن ربك): أعلم (6)، تفعل من الايذان، معناه عزم، فإن العازم على الامر يؤذن نفسه به (ليبعثن عليهم): ليسلطن على اليهود (إلى يوم القيامة من يسومهم): يكلفهم (سوء العذاب) بالقتل والاذلال وضرب الجزية. قيل: بعث الله عليهم بعد سليمان بخت النصر، فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبي نسائهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم، وكانوا يؤدونها إلى المجوس، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ما فعل، وضرب عليهم الجزية، فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر. وفي


(1 و 2) تفسير الامام عليه السلام: 269، عن على بن الحسين عليه السلام. (3) العواء: صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص. يقال: عوى يعوى عواء. النهاية 4: 324 (عوا). (4) العياشي 2: 33 - 34، الحديث: 93، عن أبي جعفر عليه السلام، والقمي 1: 245، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) الكافي 8: 158، الحديث: 151، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) في " ب ": " تأذن: تفعل ". (*)

[ 410 ]

رواية: " إن المعني بهم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (1). (إن ربك لسريع العقاب) عاقبهم في الدنيا (وإنه لغفور رحيم) لمن تاب وآمن. (وقطعناهم في الارض أمما): وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم. (منهم الصالحون ومنهم دون ذلك) أي: منحطون عن الصلاح (وبلوناهم بالحسنات والسيئات): بالنعم والنقم والمنح والمحن (لعلهم يرجعون): ينتبهون (2) فينيبون. (فخلف من بعدهم خلف): بدل سوء، وهو بالتسكين شايع في الشر، وبالتحريك في الخير، والمراد به: الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ورثوا الكتاب): التوارة من أسلافهم (يأخذون عرض هذا الادنى): حطام هذا الشئ الادنى، يعني: الدنيا. قيل: هو ما كانوا يأخذون من الرشا في الحكم، وعلى تحريف الكلم للتسهيل على العامة. (3) (ويقولون سيغفرلنا): لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه. (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) أي: يرجون المغفرة، وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تاتبين عنه. (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) ؟ يعني: الميثاق في التوارة بأن لا لا يكذبوا على الله ولا يضيفوا إليه إلا ما أنزله. (ودرسوا ما فيه): وقرؤوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك. ورد: " إن الله خص عباده بآيتين من كتابه: أن لا يقولوا حتى يعلموا، ولا يردوا ما لم يعلموا، قال عزوجل: " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق " وقال " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ") (4). (والدار الاخرة خير للذين


(1) مجمع البيان 3 - 4: 494، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في " ب ": " يتنبهون ". (3) الكشاف 2: 128. (4) الكافي 1: 43، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. والاية الثانية في يونس (10): 39. (*)

[ 411 ]

يتقون) محارم الله مما (1) يأخذ هؤلاء (أفلا تعقلون) فيعلمون ذلك. (والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين). قال: " نزلت في آل محمد عليهم السلام وأشياعهم " (2). (وإذ نتقنا الجبل): قلعناه ورفعناه، وأصله: الحذب. (فوقهم كأنه ظلة): سقيفة، وهي كل ما أظل. (وظنوا): وتيقنوا (أنه واقع بهم): ساقط عليهم، لان الجبل لا يثبت في الجو، ولانهم كانوا يوعدون به. (خذوا مآ ءاتيناكم بقوة): " بعزم من قلوبكم وأبدانكم ". كذا ورد (3) (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون). قال: " لما نزل التوراة لم يقبلوه، فرفع الله عليهم طور سيناء، فقال لهم موسى: إن لم تقبلوا وقع عليكم الجبل، فقبلوه وطأطؤا رؤوسهم " (4). (وإذا أخذ ربك من بنئ ادم من ظهورهم ذريتهم): أخرج من أصلابهم نسلهم على مايتوالدون قرن، يعني: نثر حقايقهم بين يدي علمه فاستنطق الحقايق بألسنة قابليات جواهرها وألسن استعدادت ذواتها. (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) أي: ونصب لهم دلائل ربوبيته، وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة الاشهاد، على طريقة التمثيل، نظير ذلك قوله عزوجل: " إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " (5) وقوله جل وعلا: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (6).


(1) في " ب ": " بما يأخذ ". (2) القمي 1: 246، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) العياشي 2: 37، الحديث: 101، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) القمي 1: 246، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) النحل (16): 40. (6) فصلت (41): 11. (*)

[ 412 ]

ورد: " أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر، فعرفهم نفسه وأراهم صنعه، ولولا ذلك لم يعرف أحد ربه " (1). وفي رواية: سئل: كيف أجابوا وهم ذر ؟ فقال: " جعل فيهم ما إذا سألهم أجابوه " (2). وفي أخرى: سئل: معاينة كان هذا ؟ قال: " نعم، فثبتت المعرفة ونسوا الموقف وسيذكرونه، ولولا ذلك لم يدر أحد من خالقه ورازقه، فمنهم من أقر بلسانه في الذر ولم يؤمن بقلبه، فقال الله: " فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ") (3). (وورد: " لما أراد الله أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فقال لهم: من ربكم ؟ فأول من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثم قال للملائكة (4): هؤلاء حملة ديني وعلمي وأمنائي في خلقي، وهم المسؤولون، ثم قال لبني آدم: أقروالله بالربوبية، ولهؤلاء النفر بالولاية والطاعة، فقالوا: نعم ربنا أقررنا. فقال الله للملائكة: أشهدوا، فقال الملائكة: شهدنا " (5). (أن تقولوا يوم القيامة) قال: " على أن لا تقولوا غدا " (6). (إنا كنا عن هذا غافلين). (أو تقولوا إنما أشرك أآباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) يعني: آباءهم المؤسسين أساس الشرك. (وكذلك نفصل الايات ولعلهم يرجعون) عن التقليد وابتاع الباطل. (واتل عليهم نبأالذئ اتيناه ءاياتنا) هو بلعم بن باعورا من بني إسرائيل أوتي علم بعض كتب الله. قال: (الاصل فيه بلعم، ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على


(1) التوحيد: 330، الباب: 53، الحديث: 9، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) الكافي 2: 12، الحديث: 1، عن عبد الله عليه السلام. (3) القمي 1: 248، عن أبي عبد الله. والاية في يونس (10): 74. (4) في " ألف ": " الملائكته ". (5 و 6) الكافي 1: 133، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 413 ]

هدى الله من أهل القبلة " (1). (فانسلخ منها) بأن كفربها ونبذها وراء ظهره (فأتبعه الشيطان): فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له (فكان من الغاوين): من الضالين. قال: " أعطي بلعم بن باعورا الاسم الاعظم وكان يدعو به فيستجيب له (2)، فمال إلى فرعون، فلما مر فرعون في طلب (3) موسى وأصحابه، قال فرعون لبلعم: ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمر في طلب موسى، فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها، فأنطقها الله عزوجل فقالت: ويلك على ماذا تضربني، أتريد أن أجئ معك لتدعو على نبي الله وقوم مؤمنين ؟ فلم يزل يضربها حتى قتلها، وانسلخ الاسم من لسانه، وهو قوله: " فانسلخ منها ") (4). (ولو شئنا لرفعناه بها) بتلك الايات وملازمتها إلى منازل الابرار من العلماء (ولكنه أخلد إلى الارض): مال الدنيا (واتبع هواه) في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، وأعرض عن مقتضى الايات فحططناه. (فمثله كمثل الكلب) في أخس أحواله (إن تحمل عليه) بالطرد والزجر، من الحملة (يلهث): يخرج لسانه بالتنفس الشديد (أو تتركه يلهث): دائم اللهث، بخلاف ساير الحيوان، فإنه إذا هيج وحرك لهث وإلا لم يلهث. والمعنى: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال. (ذلك مثل القوم الذين كذبوا بأياتنا فاقصص القصص) المذكورة (لعلهم يتفكرون) فيتعظون ويحذرون (5) مثل عاقبته. (ساء مثلا القوم): مثل القوم (الذين كذبوا بأياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون)


(1) مجمع البيان 3 - 4: 500، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في المصدر: " فيستجاب له ". (3) في " الف ": " إلى طلب موسى ". (4) القمي 1: 248، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (5) في " الف " و " ج ": " فيحذرون ". (*)

[ 414 ]

لاغيرهم. (من يهد الله فهو المهتدى). الافراد فيه لاعتبار اللفظ، والجمع في نظيره (1) لاعتبار المعنى، تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين. (ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون). (ولقد ذرأنا): خلقنا (لجنهم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها) قال: " طبع الله عليها فلا تعقل " (2). (ولهم أعين لا يبصرون بها) قال: " عليها غطاء عن الهدى " (3). (ولهم ءاذن لا يسمعون بها) قال: " جعل في آذانهم وقرا فلم يسمعوا الهدى " (4) (أولئك كالانعام) في عدم الفقه والابصار للاعتبار، والاستماع للتدبر، وفي أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها (بل هم أضل) فإنهما تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار، وتجتهد في جذبها وذفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كذلك، بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. (أولئك هم الغافلون): الكاملون في الغفلة. ورد: " إن الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم " (5). (ولله الاسماء الحسنى) التي هي أحسن الاسماء، لتضمنها معاني هي أحسن المعاني (فادعوه بها): فسموة بتلك الاسماء. سئل: عن الاسم، فقال: " صفة لموصوف " (6). وفي رواية: " إذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا على الله، وهو قول الله: " ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ") (7).


(1) المراد بنظيره هو قوله تعالى: " ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ". (2 و 3 و 4) القمي 1: 249، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " فلن يسمعوا الهدى ". (5) علل الشرايع 1: 4، الباب: 6، الحديث: 1، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. (6) الكافي 1: 113، الحديث: 3، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (7) العياشي 2: 42، الحديث: 119، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 415 ]

(وذروا الذين يلحدون في أسمائه): يعدلون بها عما هي عليه، فيسمون بها أصنامهم أو يصفون الله بما لا يليق به، ويسمونه بما لا يجوز تسميته به. قال: " وله الاسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره، وهي التي وصفها في الكتاب، فقال: " فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه " جهلا بغير علم، فالذي يلحد في أسمائه بغير علم يشرك وهو لا يعلم، ويكفر به وهو يظن أنه يحسن، ولذلك قال: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (1) فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها " (2). (سيجزون ما كانوا يعملون). (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) قال: " هم الائمة " (3). وفي رواية علوية: " والذي نفسي بيده لتفترقن هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة " وممن خلقنا " الاية، فهذه التي تنجو من هذه الامة " (4). وفي أخرى نبوية: " هذه لكم وقد أعطي قوم موسى مثلها " (5). وورد: " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم " (6). (والذين كذبوا بأياتنا سنستدرجهم): سنستدنيهم (7) قليلا قليلا إلى الهلاك حتى يقعوا فيه بغتة، وأصل الاستدراج: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة. (من حيث لا يعلمون) ما يراد بهم، وذلك أن يتواتر عليهم النعم فيظنوا أنه لطف من الله بهم، فيزدادوا بطرا وانهما كافي الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب. قال " هو العبد يذنب الذنب فتجدد له النعمة، تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار عن ذلك


(1) يوسف (12): 106. (2) التوحيد: 324، الباب: 50، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الكافي 1: 414، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) العياشي 2: 43، الحديث: 122، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " لتفرقن ". (5 و 6) مجمع البيان 3 - 4: 503. (7) في " الف " و " ب ": " سنستدينهم ". (*)

[ 416 ]

الذنب " (1). وفي رواية: " إذا أراد الله بعبد خيرا فأذنب ذنبا أتبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد الله بعبد شرا فأذنب ذنبا، أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادي بها، وهو قول الله عزوجل: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " بالنعم عند المعاصي " (2). (وأملى لهم): وأمهلهم (إن كيدى متين) لا يدفع بشئ، إنما سماه كيدا لان ظاهره إحسان وباطنه خذلان. (أولم يتفكروا ما بصاحبهم) يعني: محمدا صلى الله عليه وآله وسلم (من جنة) أي: جنون. روي: " أنها نزلت حين حذرهم بأس الله، فنسبوه إلى الجنون " (3). (إن هو إلا نذير مبين). (أو لم ينظروا) نظر اعتبار (في ملكوت السموات والارض): في باطنهما وأرواحهما (وما خلق الله من شئ) مما يقع عليه اسم الشئ من أجناس خلقه التي لا يمكن حصرها، لتذلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. (وأن عسى): وأنه عسى (أن يكون قد اقترب أجلهم) يعني: واقتراب آجالهم وتوقع حلولها، فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم، قبل مغافصة (4) الموت ونزول العذاب. (فبأي حديث بعده): بعد القرآن، (يؤمنون) إذا لم يؤمنوا به. والمعنى: ولعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الايمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه ؟ ! فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا ؟ (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) القمي: يكله إلى


(1) الكافي 2: 452، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) المصدر، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) الدر المنثور 3: 618، والبيضاوي 3: 36، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (4) غافصه: فاجاه وأخذه على غرة. القاموس المحيط 2: 322 (غض). (*)

[ 417 ]

نفسه (1). (يسئلونك عن الساعة) أي: القيامة وهي من الاسماء الغالبة. (أيان مرساها) ؟: متى إرساؤها ؟ أي: إثباتها واستقرارها (قل إنما علمها عند ربى) استأثر به، لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا (لا يجليها لوقتها): لا يظهرها في وقتها (إلا هو) يعني: أن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها، واللام للتوقيت. (ثقلت في السموات والارض): عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها وشدتها. (لا تأتيكم إلا بغتة): فجأة على غفلة. روي: " أن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " (2). (يسئلونك كأنك حفى عنها) قيل: أي: عالم بها، وأصله: كأنك أحفيت بالسؤال حتى علمتها، أي: استقصيت وألحفت. (3) (قل إنما علمها عند الله) لانه من علم الغيب (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أنه المختص بالعلم بها. القمي: إن قريشا بعثت قوما إلى نجران ليتعلموا من علماء اليهود مسائل يسألونها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان فيها: سلوا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - متى تقوم الساعة ؟ فإن ادعى علم ذلك فهو كاذب، فإن قيام الساعة لم يطلع الله عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. فلما سألوه نزلت (4). (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا): جلب نفع ولا دفع ضرر، وهو إظهار للعبودية، والتبري عن أدعاء العلم بالغيوب. (إلا ما شاء الله) من ذلك، فيلهمني إياه ويوفقني له (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء) قال:


(1) القمي 1: 249. (2 و 3) جوامع الجامع 1: 487. (4) القمي 1: 249. (*)

[ 418 ]

" يعني الفقر " (1). القمي: كنت أختار لنفسي الصحة والسلامة. (2) (إن أنا إلا نذيرو بشير لقوم يؤمنون). (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) هي نفس آدم (وجعل منها): من فضل طينها (زوجها): حواء (ليسكن إليها): ليأنس بها ويطمئن إليها (فلما تغشاها): جامعها (حملت حملا خفيفا): خف عليها (فمرت به) أي: استمرت بالحمل (فلما أثقلت): صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها (دعوا الله ربهما لئن ءاتيتنا صالحا): ولدا سويا بريئا من الافة (لنكونن من الشاكرين). (فلمآء ءاتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ءاتاهما فتعلى الله عما يشركون). قال: " هما آدم وحواء، وإنما كان شركهما شرك طاعة وليس شرك عبادة " (3). وفي رواية: " جعل صنفا الذكر والانثى من أولاد هما لله سبحانه شركاء فيما آتاهما ولم يشكراه كشكر أبويهما له عزوجل. قال الله تعالى: " فتعالى الله عما يشركون ") (4). (أيشركون مالا يخلق شيئا وهم يخلقون) يعني الاصنام. (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون). (وإن تدعوهم إلى الهدى لايتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون). الخطاب إما للمسلمين و " هم " ضمير المشركين، وإما للمشركين و " هم " ضمير الشركاء (5). (إن الذين تدعون من دون الله) أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دونه سبحانه


(1) معاني الاخبار: 172، باب معنى السوء، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) القمي 1: 250. (3) العياشي 2: 43، الحديث: 125، عن أبي جعفر عليه السلام. (4) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 197، الباب: 15، ذيل الحديث: 1. (5) فالمعنى على الاول: إن تدعوا المشركين إلى الاسلام لا يجيبوكم، وعلى الثاني: إن تدعوا الاصنام إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله " منه في الصافي 2: 260 ". (*)

[ 419 ]

(عباد أمثالكم): مملوكون مسخرون (فادعوهم فليستجيبوا لكم) في مهماتكم) (إن كنتم صادقين) أنهم آلهة. (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم) واستعينوا بهم في عداوتي (ثم كيدون) فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي أنتم وشركاؤكم (فلا تنظرون): فلا تمهلوني، فإني لا أبالي بكم لو ثوقي على ولاية الله وحفظه. (إن ولئ): ناصري وحافظي (الله الذي نزل الكتاب): القرآن (وهو يتولى الصالحين): ينصرهم ويحفظهم. (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون). (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك): يشبهون الناظرين إليك، لانهم صوروا (1) بصورة من ينظر إلى من يواجهه. (وهم لا يبصرون). خذالعفو): خذ ما عفالك من أفعال الناس وأخلاقهم وما يأتي منهم من غير كلفة وتسهل، ولا تطلب ما يشق عليهم ولا تداقهم، واقبل الميسور منهم، ونحوه: " يسروا ولا تعسروا " (2)، من العفو الذي هو ضد الجهد. قال: " إن الله أدب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، أي: خذ منهم ما ظهر وما تيسر، قال: والعفو: الوسط " (3). (وأمر بالعرف): بالمعروف الجميل من الافعال والحميد من الاخلاق (وأعرض عن الجاهلين): ولا تمار السفهاء ولا تكافهم بمثل سفههم. روي: " لما نزلت هذه الاية سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبرئيل عن ذلك. فقال: لا أدري


(1) أي: صوروا أصنامهم. (2) جوامع الجامع 1: 491. مرويا عن المعصوم عليه السلام. (3) العياشي 2: 43، الحديث: 126، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 420 ]

حتى أسأل العالم، ثم أتاه فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك " (1). وفي رواية: " أمر الله نبيه بمكارم الاخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الاخلاق منها " (2). وفي أخرى: " إن الله أمره بمداراة الناس " (3). وإما ينزغنك من الشيطان نزع): ينخسنك منه نخس في القلب يوسوسك على خلاف ما أمرت به، كاعتراء غضب، شبه وسوسته للناس إغراء لهم على المعاصي وإزعاجا بغرز السايق ما يسوقه. (فاستعذ بالله إنه سميع عليم). روي: لما نزلت الاية السابقة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " كيف يا رب والغضب " (4). فنزلت. (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان): لمة منه، كأنها طافت بهم ودارت حولهم ولم تقدر أن تؤثر فيهم (تذكروا) ما أمر الله به ونهى عنه (فإذاهم مبصرون) مواقع الخطأ ومكائد الشيطان، فيتحرزون عنها. قال: " هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك " (5). (وإخوانهم): وإخوان الشياطين، يعني: الذين لم يتقوا (يمدونهم في الغي) بالتزيين والحمل عليه (ثم لا يقصرون): لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا فيهلكوا. (وإذا لم تأتهم بأية قالوا لولا اجتبيتها): هلا جمعتها تقولا من عند نفسك كساير ما تقرأ (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى هذا بصائر) للقلوب، بها تبصرالحق (من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).


(1) مجمع البيان 3 - 4: 512. (2) جوامع الجامع 1: 491، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 256، الباب: 26، الحديث: 9. (4) مجمع البيان 3 - 4: 512. (5) الكافي 2: 435، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 421 ]

(وإذا قرئ القرءان فأستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون). قيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الامام والانصات له (1). ورود: " إن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الاولتين وأنصت لقراءته ولا تقرأن شيئا في الاخيرتين، فإن الله عزوجل يقول للمؤمنين: " وإذا قرئ القرآن " يعني في الفريضة خلف الامام " فاستمعوا له " الاية والاخيرتان تبع للاولتين " (2). وفي رواية: " يجب الانصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها، وإذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الانصات والاستماع " (3). (واذكر ربك في نفسك). عام في كل ذكر (تضرعا) قال: " يعني مستكينا " (4). (وخيفة) قال: " يعني خوفا من عذابه " (5). (ودون الجهر من القول) قال: " يعني من القراءة " (6). (بالغدو والاصال) قال: " يعني بالغداة والعشئ " (7). (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله اللاهين عنه. قيل: لان الذكر في النفس ودون الجهر، الذين يعبر عنهما بالسر، أدخل في الاخلاص وأبعد من الرياء وأقرب إلى القبول. (8) وورد: " لا يكتب الملك إلا ما يسمع، وقال الله عزوجل: و " اذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة " فلا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس الرجل غير الله لعظمته " (9). وفي رواية: " قال الله من ذكرني سرا ذكرته علانية " (10). وفي رواية علوية (11): " من ذكر الله في السر فقد ذكر الله كثيرا إن المنافقين كانوا يذكرون


(1) البيضاوي 3: 40. (2) من لا يحضره الفقيه 1: 256، الحديث: 1160، عن أبي جعفر عليه السلام. (3) العياشي 2: 44، الحديث: 132، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) إلى 7 - المصدر، الحديث: 135، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (8) راجع: جوامع الجامع 1: 493. (9) الكافي 2: 502، الحديث: 4، عن أحدهما عليهما السلام. (10) المصدر، 501، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (11) في " ب " و " ج ": " وفي أخرى ". (*)

[ 422 ]

الله علانية ولا يذكرونه في السر، فقال الله تعالى: " يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ") (1). (إن الذين عند ربك) القمي: يعني الانبياء والرسل والائمة عليهم السلام (2). وقيل: الملائكة (3). (لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه): وينزهونه (وله يسجدون): ويخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، هنا أول سجدات القرآن. ورد: " إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار " (4).


(1) الكافي 2: 501، الحديث 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام، والاية في النساء: 142. (2) القمي 1: 254. (3) الكشاف 2: 140، والبيضاوي 3: 40. (4) البيضاوي 3: 40، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 423 ]

سورة الانفال [ مدنية إلا من آية 30 إلى غاية آية 36 فمكية. وآياتها 75، نزلت بعد البقرة ] (1) بسم الله الرحمن الرحيم (يسئلونك عن الانفال): عن حكمها، وهي غنائم خاصة، والنفل: الزيادة على الشئ، سميت به الغنيمة لانها عطية من الله وفضل، وفي قراءتهم عليهم السلام: " يسألونك الانفال " (2) يعني أن تعطيهم. (قل الانفال لله والرسول): مختصة بهما، يضعانها حيث شاءا. قال: " الانفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا، والارضون الموات والاجام وبطون الاودية وقطائع الملوك وميراث من لا وارث له، وهي لله ولرسوله ولمن قام مقامه بعده " (3). وفي رواية: " وكل أرض لا رب لها والمعادن " (4). القمي: نزلت ببدر حيث قاتل بعضهم، وأقام عند خيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخرون،


(1) ما بين المعقوفتين من " ب ". (2) مجمع البيان 3 - 4: 517، عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام. (3) جوامع الجامع 2: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) العياشي 2: 48، الحديث: 11، عن أبي جعفر عليه السلام، والقمي 1: 254، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 424 ]

لئلا يعرى موضعه فيميل عليه خيل المشركين، فخاف المقيمون أن لا يعطوا من الغنائم شيئا، لانها كانت قليلة، فاختلفوا فيما بينهم حتى سألوا عنها (1). (فاتقوا الله) في الاختلاف والمشاجرة (وأصلحوا ذات بينكم): الحال التي بينكم، بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم (وأطيعوا لله ورسوله إن كنتم مؤمنين). (إنما المؤمنون) الكاملون في الايمان (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم): فزعت لذكره استعظاما له وهيبة من جلاله (وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا): ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس (وعلى ربهم يتوكلون): وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون. (الذين يقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون). (أولئك هم المؤمنون حقا) لانهم حققوا الايمان بضم مكارم الاخلاق ومحاسن أفعال الجوارح إليه (لهم درجات عند ربهم): كرامة وعلو منزلة (ومغفرة) لما فرط منهم (ورزق كريم) أعدلهم في الجنة. القمي: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وأبي ذر وسلمان والمقداد (2). وورد " إن الله فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها وفرقه فيها، ثم بين عليه السلام ذلك، ثم قال: ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لاحد منهم فضل على الاخر، ولا ستوت النعم فيه ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرطون النار " (3).


(1) القمي 1: 254 - 255. (2) القمي 1: 255. (3) الكافي 2: 34 و 37، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 425 ]

(كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) قال: " فالله ناصرك كما أخرجك " (1). وقيل: يعني حالهم هذه في كراهة ما حكم الله في الانفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب (2). (يجادلونك في الحق): في إيثارك الجهاد إظهارا للحق على تلقي العيرو أخذ المال الكثير (بعد ما تبين) أنهم ينصرون ما توجهوا، بإعلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون) يعني يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم للقتال. (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم). القمي ما ملخصه: أن عير قريش خرجت إلى الشام فيها خزائنهم، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالخروج ليأخذوها، فأخبرهم أن الله قد وعده إحدى الطائفتين: إما العير أو قريش (3) أن يظفر بهم، فخرج في ثلاثة مائة وثلاثة عشر رجلا، فلما قارب بدرا بلغ أبا سفيان ذلك وكان في العير، فخاف خوفا شديدا، وبعث إلى قريش فأخبرهم بذلك، وطلب منهم الخروخ والمنع عن العير، وأمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر وتركوا الطريق ومروا مسرعين، ونزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أن العير قد أفلتت، وأن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها، وأمره بالقتال ووعده النصر، فأخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه، فجزعوا من ذلك وخافوا خوفا شديدا، إذ لم يتهيؤوا للحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشيروا علي ! فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها (4) ما آمنت منذكفرت، ولا ذلت منذ عزت، ولم نخرج على هيئة الحرب، فقال رسول الله صلى عليه آله وسلم: اجلس، فجلس. فقال: أشيروا علي ! فقام


(1) مجمع البيان 3 - 4: 521 في حديث أبى حمزة. (2) البيضاوي 3: 41، والكشاف 2: 143. (3) كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " قريشا ". (4) الخيلاء - بضم الخاء وفتح الياء -: الكبر. القاموس المحيط 3: 383 (خال). (*)

[ 426 ]

عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر، فقال: اجلس. ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس (1) لخضنا معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: " إذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " (2) ولكنا نقول: اذهب أنت وربك إنا معكما مقاتلون، فجزاه النبي خيرا، ثم جلس. ثم قال: أشيروا علي ! فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! كأنك أردتنا ؟ قال: نعم، قال: فلعلك خرجت على أمر قد أمرت بغيره. قال: نعم. قال: بأبي أنت وأمي يارسول الله ! قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. ثم قال: والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضنا معك، إلى أن قال: ولكن نعد لك الرواحل وتلقى عدونا، فإنا صبر عند اللقاء، أنجاد (3) في الحرب، وإنا لنرجو أن يقر الله عينيك بنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كأني بمصرع فلان هاهنا وبمصرع فلان هاهنا وبمصرع أبي جهل وعتبة وشيبة، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد. فنزلت الاية " كما أخرجك " إلى قوله: " ولو كره المجرمون " فأمر بالرحيل نزل ماء بدر وأقبلت قريش (4). (وتودون أن غير ذات الشوكة): ذات الحدة (تكون لكم) يعني العير، فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقاة قريش لكثرة عددهم


(1) الجمر: النار، القطعة الملتهبة. والغضا: شجر من الاثل خشبه من أصلب الخشب وجمرة يبقى زمانا طويلا لا ينطفئ. والهراس: شجر كبير الشوك. والشوك: ما يخرج من النبات شبيها بالابر. " راجع: مصباح المنير: 108، والمنجد في اللغة: 554، 862، 409 ". (2) المائدة (5): 24. (3) النجدة: الشدة والشجاعة ورجل نجد ونجد: شديد البأس ومنه حديث على عليه السلام: " أما بنو هاشم فأنجاد أمجاد " أي: أشداء شجعان. النهاية 5: 18 (نجد). (4) القمي 1: 256 - 260. (*)

[ 427 ]

وعدتهم. قال: " ذات الشوكة: التي فيها القتال " (1). (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته): بأوليائه (ويقطع دابر الكافرين) ويستأصلهم. والمعنى: أنكم تريدون مالا، وأن لا تلقوا مكروها، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم به فوز الدارين. (ليحق الحق ويبطل الباطل) فعل ما فعل، وليس بتكرير، لان الاول لبيان مراد الله وتفاوت ما بينه وبين مرادهم، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على اختيار ذات الشوكة ونصره عليها. (ولو كره المجرمون). (إذا تستغيثون ربكم) لما علمتم أن لا محيص عن القتال مع قلتكم وكثرة عدوكم. قال: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: اللهم أنجزلي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لاتعبد في الارض، فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فنزلت " (2). (فأستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين): متبعين. (وما جعله الله) يعني الامداد (إلا بشرى): بشارة لكم بالنصر (ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله): ولا تأثير للامداد والاعداد وإنما هي وسائط وروابط (إن الله عزيز حكيم). (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه): أمنا من الله بإزالة الرعب عن قلوبكم (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) من الحدث والخبث (ويذهب عنكم رجز الشيطان) يعني: الجناية، وذلك لانه احتلم بعضهم وغلب المشركون على الماء. القمي: فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجنه الليل ألقي على أصحابه النعاس حتى ناموا، وأنزل الله عليهم السماء، وكانوا في موضع لا يثبت فيه القدم فلبد الارض حتى ثبتت


(1) العياشي 2: 49، الحديث: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) مجمع البيان 3 - 4: 525، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 428 ]

أقدامهم، وكان المطر على قريش مثل العزالى (1)، وكان على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رذاذ (2) بقدر ما يلبد الارض (3)، وخافت قريش خوفا شديدا، فأقبلوا يتحارسون يخافون البيات (4). (وليربط على قلوبكم) بالوثوق على لطف الله تعالى بكم (ويثبت به): بالمطر (الاقدام) حتى لاتسوخ (5) في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى يثبت في المعركة. (إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنى معكم) في إعانتهم وتثبيتهم (فثبتوا الذين ءامنوا) بالبشارة لهم وبتكثير سوادهم ومحاربة أعدائهم (سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق): أعاليها التي هي المذابح، أو الرؤوس. (واضربوا منهم كل بنان) قال: " أطراف الاصابع " (6). أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. (ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله): كانوا في شق خلاف شقهما (ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديدا العقاب). (ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار). الخطاب فيه مع الكفار على طريقة الالتفات، يعني: ذوقوا ما عجل لكم من القتل والاسر مع ما أجل لكم في الاخرة. (يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا): كثيرا بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون، أي: يدبون. (فلا تولوهم الادبار) بالانهزام. (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال) لان يكر بعد الفر، يخيل عدوه أنه


(1) العزالي جمع العزلاء: مصب الماء من الرواية ونحوها. " القاموس المحيط 4: 15 - عزل " وهنا إشارة إلى شدة وقع المطر. (2) الرذاذ: المطر الضعيف. القاموس المحيط 1: 367 (رذاذ). (3) لبد المطر الارض: رشها. المنجد في اللغة: 710 (لبد). (4) القمي 1: 261. (5) ساخت قوائمه في الارض: دخلت فيها وغابت. مجمع البحرين 2: 435 (سوخ). (6) القمي 1: 267، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 429 ]

منهزم، وهو من مكائد الحرب (أو متحيزا إلى فئة): أو منحازا إلى فئة أخرى من المسلمين ليستعين بهم من غير هزيمة (فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير). " فمن انهزم حتى يجوز صف أصحابه فقد باء ". كذا ورد (1). (فلم تقتلوهم) بقوتكم، يعني: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم (ولكن الله قتلهم) بأن أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وقوى قلوبكم. (وما رميت) أنت يا محمد (إذ رميت ولكن الله رمى) حيث أثرت الرمية ذلك الاثر العظيم. روي: " أن قريشا لما جاءت بخيلائها أتاه جبرئيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فقال لعلي عليه السلام: أعطني قبضة من حصباء (2) الوادي، فأعطاه فرمي بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا، ورد فهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلت وأسرت، فنزلت " (3). أثبت الرمي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لانه وجد منه صورة، ونفاه عنه معنى، لان أثره الذي لا يدخل في قدرة البشر فعل الله سبحانه، فكأنه فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول. (وليبلى المؤمنين بلاء حسنا): ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الايات فعل ما فعل. (إن الله سميع) لا ستغاثتهم ودعائهم (عليم) بنياتهم وأحوالهم. (ذلكم): الغرض ذلكم (وأن الله موهن كيد الكافرين) يعني أن المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين.


(1) العياشي 2: 51، الحديث: 31، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (2) الحصباء: الحصى. القاموس المحيط 1: 57 (حصب). (3) تفسير أبي السعود 4: 13، وروح المعاني 9: 184، والتفسير الكبير (للفخر الرازي) 15: 139. (*)

[ 430 ]

(إن تستفتحوا فقد جاء كم الفتح). قيل: خطاب لاهل مكة على سبيل التهكم (1). ورد: " إن أبا جهل قال: اللهم ربنا ديننا القديم ودين محمد الحديث، فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم " (2). (وإن تنتهوا) عن الكفر ومعاداة الرسول (فهو خير لكم) لتضمنه سلامة الدارين (وإن تعودوا) لمحاربته (نعد) لنصره (ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين). (يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه): عن الرسول (وأنتم تسمعون) القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق. (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعناوهم لا يسمعون) سماعا ينتفعون به. (إن شر الدواب عند الله الصم) عن الحق (البكم الذين لا يعقلون). (ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم) سماع تفهم (ولو أسمعهم) وقد علم أن لاخير فيهم (لتولوا) ولم ينتفعوا به (وهم معرضون) لعنادهم. قال: " نزلت في بني عبدالدار، لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: سويط " (3). (يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول) بالطاعة (إذا دعاكم) الرسول (لما يحييكم). قال: " نزلت في ولاية علي عليه السلام " (4). والقمي: الحياة: الجنة (5). (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) القمي: يحول بينه وبين ما يريد (6). وفي رواية: " يحول بين المؤمن ومعصيته أن تقوده إلى النار، وبين الكافر وبين طاعته أن يستكمل بها الايمان. قال: واعلموا أن الاعمال بخواتيمها " (7). وفي أخرى: " يحول بينه وبين


(1) البيضاوي 3: 45، والكشاف 2: 150. والتهكم: الاستهزاء. القاموس المحيط 4: 193 (هكم). (2) مجمع البيان 3 - 4: 531. (3) المصدر: 532، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " سويبط "، وفي جوامع الجامع 2: 12: " سويد بن حرملة ". (5 و 6) القمي 1: 271. (7) المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 431 ]

أن يعلم أن الباطل حق " (1). (وأنه إليه تحشرون) فيجازيكم بأعمالكم. (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) بل يعمهم وغيرهم، كالمداهنة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع. قال: " أصابت الناس فتنة بعد ما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى تركوا عليا عليه السلام وبايعوا غيره، وهي الفتنة التي فتنوا بها، وقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتباع علي والاوصياء من آل محمد عليهم السلام " (2). وورد: لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من ظلم عليا عليه السلام مقعدي هذا بعد وفاتي، فكأنما جحد نبوتي ونبوة الانبياء قبلي " (3). والقمي: نزلت في طلحة والزبير، لما حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وظلموه (4). وفي قراءتهم عليهم السلام: " لتصيبن " (5). باللام دون لا (واعلموا أن الله شديد العقاب). (وأذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فأواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات): من الغنائم (لعلكم تشكرون). قال: " نزلت في قريش خاصة " (6). (يا أيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) أنكم تخونون. قال: " خيانة الله والرسول معصيتهما، وأما خيانة الامانة فكل إنسان مأمون على ما افترض الله عليه " (7). قال: " نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر " (8). فلفظ الاية عام ومعناها خاص.


(1) التوحيد: 358، الباب: 58، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) العياشي 2: 53، الحديث: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) مجمع البيان 3 - 4: 534. عن ابن عباس. (4) القمي 1: 271، وفيه: " لما حاربا ". (5) مجمع البيان 3 - 4: 532. عن أبي جعفر عليه السلام. (6) القمي 1: 271. (7) القمي 1: 272، عن أبي جعفر عليه السلام. (8) مجمع البيان 3 - 4: 535، عن الصادقين عليهما السلام. (*)

[ 432 ]

" وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوه الصلح على ما صالح عليه بني النضير أن يسيروا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبي إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم، لان عياله وماله وولده كانت عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: ما ترى يا أبا لبالبة ! أننزل على حكم سعد ؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا، فأتاه جبرئيل فأخبره بذلك. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت، فشد رأسه على سارية (1) من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما و لا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه فقال: لا ولله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، فقال: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يجزيك الثلث أن تصدق به " (2). القمي: ونزلت مع الاية التي في سورة التوبة: " وآخرون اعترفوا بذنوبهم " (3) التي نزلت في أبي لبابة (4). (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) لالهائهم إياكم عن ذكر الله (وأن الله عنده أجر عظيم) لمن آثر رضا الله عليهم. (يا أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا): هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل (ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم).


(1) السارية: الاستوانة. القاموس المحيط 4: 343 (سرى). (2) مجمع البيان 3 - 4: 535 - 536، عن الصادقين عليهما السلام. (3) الاية: 102. (4) القمي 1: 272. (*)

[ 433 ]

(وإذ يمكر بك الذين كفروا) يعني: قريشا. ذكره ذلك ليشكر نعمة الله عليه في خلاصه. (ليثبتوك) بالحبس (أو يقتلوك) بسيوفهم (أو يخرجوك) من مكة (ويمكرون ويمكر الله) برد مكرهم ومجازاتهم عليه (والله خير الماكرين). قال: " إن قريشا اجتمعت فخرج من كل بطن أناس إلى دار الندوة (1) ليتشاوروا فيما يصنعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا شيخ قائم بالباب، وإذا ذهبوا إليه ليدخلوا، قال: أدخلوني معكم. قالوا: ومن أنت يا شيخ ؟ قال: أنا شيخ من مضر (2) ولي رأي أشير به عليكم. فدخلوا وجلسوا وتشاوروا وهو جالس، وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه. فقال: هذا ليس (3) لكم برأي إن أخرجتموه أجلب عليكم الناس فقاتلوكم. قالوا: صدقت ماهذا برأي، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يوثقوه. قال: هذا ليس بالرأي إن فعلتم هذا ومحمد رجل حلو اللسان أفسد عليكم أبناءكم وخدمكم، وما ينفع أحدهم إذا فارقه أخوه وابنه أو مرأته، ثم تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه، يخرجون من كل بطن منهم بشاهر فيضربونه بأسيافهم جميعا عند الكعبة، ثم قرأ هذه الاية " (4). والقمي ذكر ما يقرب منه مع زيادات، ثم قال: فنزل جبرئبل ؟ عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره أن قريشا قد اجتمعت في دار الندوة يدبرون عليك، وأنزل عليه في ذلك: " وإذ يمكر بك " الاية. فلما أمسى جاءت قريش ليدخلوا عليه، فقال أبو لهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل، فإن في الدار صبيانا ونساء ولا نأمن أن تقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه. فناموا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسول الله


(1) هي بمكة أحدثها " قصى بن كلاب " لما تملك مكة، وهى دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة. معجم البلدان 5: 186 و 279. (2) في المصدر: " بني مضر " وهي من القبائل العربية العدنانية منسوبة إلى مضربن نزار. (3) في " ج ": " ليس هذا ". (4) العياشي 2: 53، الحديث: 42، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 434 ]

أن يفرش له، وقال لعلي عليه السلام: افدني بنفسك ! قال: نعم يا رسول الله. نم على فراشي والتحف ببردتي. وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول الله فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم: " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون " (1) وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور، وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فدخل الغار وكان من أمره ما كان. فلما أصبحت قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي عليه السلام في وجوههم، فقال: ما شأنكم ؟ قالوا له: أين محمد ؟ قال: جعلتموني عليه رقيبا ؟ ! ألستم قلتم: نخرجه من بلادنا، فقد خرج عنكم. فأقبلوا يضربونه (2) ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرقوا في الجبال. وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز، يقفوا الاثار، فقالوا: يا أباكرز ! اليوم اليوم، فوقف بهم على باب حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: هذه قدم محمد والله إنها لاخت القدم التي في المقام، وكان أبو بكر استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرده معه، فقال أبو كرز: وهذه قدم ابن أبي قحافة أو أوبيه، ثم قال: وهاهنا عبر ابن أبي قحافة، فما زال بهم حتى أو قفهم على باب الغار، ثم قال: ما جاوزوا (3) هذا المكان، إما أن يكونوا صعدوا السماء أو دخلوا تحت الارض. وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة حتى وقف على باب الغار ثم قال: ما في الغار أحد فتفرقوا في الشعاب وصرفهم الله عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أذن له في الهجرة (4). (وإذا تتلى عليهم ءاياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا). قيل قائله.


(1) يس (36): 9. (2) في المصدر: " يضربون أبا لهب ". (3) في " ألف " و " ج ": " ما جازوا " وفي المصدر: " ما جاوزا هذا المكان إما أن يكونا صعدا إلى السماء أو دخلا تحت الارض ". (4) القمي 1: 275 - 276. (*)

[ 435 ]

النضر بن الحارث بن كلدة، وأسر يوم بدر، فقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبرا (1) بيد علي عليه السلام. وإنما قاله صلفا (2)، وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم، إذا لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم (3) بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سواه، مع فرط حرصهم على قهره وغلبته (4). (إن هذا إلا أساطير الاولين): ما سطره الاولون من القصص. قيل: قاله النضر أيضا، وذلك أنه جاء بحديث رستم واسفنديار من بلاد فارس وزعم أن هذا هو مثل ذاك (5). (وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أوائتنا بعذاب أليم). " قاله الحارث بن عمرو الفهري حيث سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر كلاما في فضل علي عليه السلام فنزلت: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم " الاية، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يابن عمرو إما تبت وإما رحلت ؟ فدعا براحلته فركبها، فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة (6) فرضت هامته (7)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به (8) ". كذا ورد (9). في رواية: " قاله النعمان بن الحارث الفهري


(1) قتل فلان صبرا: حبس على القتل حتى يقتل. الصحاح 2: 706 (صبر). (2) الصلف - بالتحريك -... التكلم بما يكرهه صاحبك والتمدح بما ليس عندك أو مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا. القاموس المحيط 3: 168 (صلف). (3) قرع القوم: أقلقهم والتقريع: التعنيف والتثريب. القاموس المحيط 3: 70 (قرع). (4) البيضاوي 3: 48، وجوامع الجامع 2: 17. (5) جوامع الجامع 2: 17. (6) الجندل - كجعفر - ما يقلة الرجل من الحجارة. القاموس المحيط 3: 363 (جندل). (7) الرض: الدق والجرس. وفي المصدر: " رضخت " أي: كسرت. والهامة: الرأس. القاموس المحيط 2: 343 و 4: 195 (رض - هام). (8) إشارة إلى قوله تعالى: " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " إبراهيم (14): 15. (9) الكافي 8: 57، الحديث: 18، عن أبي بصير. (*)

[ 436 ]

لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا يوم غدير " (1). والقمي: قاله أبو جهل لما سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله بعثني أن أقتل جميع ملوك الدنيا، وأجر الملك إليكم، فأجيبوني إلى ما أدعوكم إليه، تملكوا بها العرب وتدن (2) لكم بها العجم، وتكونوا ملوكا في الجنة، فحسده أبو جهل وقال: " اللهم إن كان هذا ".. الاية، ثم قال: غفرانك اللهم (3). (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون). القمي: نزلت حين قال أبو جهل: غفرانك اللهم (4). أقول: وهو بيان لموجب إمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم. (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام) فإنهم ألجأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى الهجرة، لما هموا بقتله وأحصروا عام الحديبية. (وما كانوا أولياءه) قال: " أولياء المسجد الحرام " (5). وفي رواية: " يعني أولياء البيت، يعني المشركين " (6). (إن أولياءه إلا المتقون) قال: " حيثما كانوا أولى به من المشركين " (7). قيل: وهو رد لقولهم: نحن ولاة البيت والحرام " (8). (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن لاولاية لهم عليه. (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية) قال: " التصفير والتصفيق " (9). أقول: يعني: وضعوا الصفير والصفق باليدين موضع الصلاة. روي: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبد الدار


(1) مجمع البيان 9 - 10: 352، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) تدن: تذل. وفي " ب " و " ج " والمصدر: " تدين ". (3) القمي 1: 276. (4) المصدر: 277. (5) مجمع البيان 3 - 4: 539، عن أبي جعفر عليه السلام. (6 و 7) العياشي 2: 55، الحديث: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8) البيضاوي 3: 49. (9) معاني الاخبار: 297، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. التصفير: التصويت بالشفتين. والتصفيق: التصويت باليدين بضرب باطن الراحة على باطن الاخرى. مجمع البحرين 5: 202 (صفق). (*)

[ 437 ]

عن يمينه فيصفران، ورجلان عن يساره فيصفقان بأيديهما، فيخلطان عليه صلاته، فقتلهم الله جميعا ببدر " (1). والقمي: هذه الاية معطوفة على قوله: " وإذا يمكر بك الذين كفروا " فإن قريشا لما هموا بقتله خرجوا إلى المسجد يصفرون ويصفقون ويطوفون بالبيت، فنزلت (2). (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون). (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون). القمي: نزلت في قريش، فإنهم لما أخبروا بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلب العير، أخرجوا أموالهم وحملوا وأنفقوا وخرجوا إلى محاربته ببدر فقتلوا وصاروا إلى النار، وكان ما أنفقوا حسرة عليهم (3). (والذين كفروا إلى جنهم يحشرون). (ليميز الله الخبيث من الطيب): الكافر من المؤمن والصالح من الفاسد (ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا): فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض (فيجعله، في جهنم) كله (أولئك هم الخاسرون): الكاملون في الخسران. ورد: " إن الله سبحانه مزج طينة المؤمن حين أراد خلقه بطينة الكافر، فما يفعل المؤمن من سيئة فإنما هو من أجل ذلك المزاج، وكذلك مزج طينة الكافر حين أراد خلقه بطينة المؤمن، فما يفعل الكافر من حسنة فإنما هو من أجل ذلك المزاج - أو لفظ هذا معناه - قال: فإذا كان يوم القيامة ينزع الله تعالى من العدو الناصب سنخ المؤمن ومزاجة وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله الصالحة ويرده إلى المؤمن، وينزع الله من المؤمن سنخ الناصب ومزاجة وطينته وجوهره وعنصره مع جميع أعماله السيئة الردية


(1) مجمع البيان 3 - 4: 540. (2) القمي 1: 275. (3) المصدر: 277. (*)

[ 438 ]

ويرده إلى الناصب، عدلا منه جلاله وتقدست أسماؤه ويقول للناصب: لاظلم عليك، هذه الاعمال الخبيثة من طينك ومزاجك وأنت أولى بها، وهذه الاعمال الصالحة من طين المؤمن ومزاجه وهو أولى بها، " لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب " (1)، ثم تلا: " الخبيثاث للخبيثين " (2) الاية. وقرأ: " والذين كفروا إلى جنهم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب " الاية " (3). قل للذين كفروا إن ينتهوا) عن الكفر ومعاداة الرسول (يغفر لهم ما قد سلف) من ذنوبهم (وإن يعودوا) إلى قتاله (فقد مضت سنت الاولين) الذين تحزبوا على الانبياء بالتدمير، كما جرى على أهل بدر، فليتوقعوا مثل ذلك. (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة): لا يوجد فيهم شرك (ويكون الدين كله لله) ويضمحل عنهم الاديان الباطلة. قال: " لم يجئ تأويل هذه الاية [ بعد ] (4) ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الاية، وليبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغ الليل حتى لا يكون مشرك (5) على ظهر الارض، كما قال الله: " يعبدونني لا يشركون بي شيئا ") (6). (فإن انتهوا) عن الكفر (فإن الله بما يعملون بصير). (وإن تولوا) ولم ينتهوا (فاعلموا أن الله مولاكم): ناصركم فثقوا به ولاتبالوا بمعاداتهم (نعم المولى ونعم النصير). واعلموا أنما غنمتم من شئ) قال: " هي والله الافادة يوما بيوم " (7).


(1) غافر (40): 17. (2) نور (24): 26. (3) علل الشرايع 2: 608 - 609، الباب: 385، الحديث: 81، عن أبي جعفر عليه السلام بالمضمون. (4) الظاهر أن ما بين المعقوفتين زايد وليس في المصدر ولا في الصافي. (5) في " ألف " و " ج ": " شرك ". (6) مجمع البيان 3 - 4: 543، والعياشي 2: والعياشي 2:، الحديث: 48، عن أبي عبد الله عليه السلام. والاية في النور (24): 55. (7) الكافي 1: 544، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 439 ]

أقول: يعني استفادة المال من أي جهة كانت. (فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتمى والمساكين وابن السبيل). قال: " نحن والله عنى بذي القربى الذين قرنهم الله برسوله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا، أكرم الله نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أو ساخ أيدي الناس " (1). وقال: " خمس الله للامام وخمس الرسول للامام وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول والامام، واليتامي يتامي آل الرسول، والمساكين منهم وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم " (2). (وإن كنتم ءامنتم بالله) يعني إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالاخماس الاربعة. (وما أنزلنا): وبما أنزلنا (على عبدنا): على محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الايات والملائكة والنصر (يوم الفرقان): يوم بدر، فإنه فرق فيه بين الحق والباطل. (يوم التقى الجمعان): المسلمون والكفار (والله على كل شئ قدير) فيقدر على نصر القليل على الكثير والامداد بالملائكة. إذ أنتم بالعدوة الدنيا) من المدينة، بدل من " يوم الفرقان "، العدوة - مثلثة -: شط الوادي. (وهم بالعدوة القصوى) البعدى من المدينة، تأنيث الاقصى. القمي: يعني قريشا حيث نزلوا بالعدوة اليمانية، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل بالعدوة الشامية (3). (والركب) قال: " يعني أبا سفيان وأصحابه " (4). والقمي: يعني العير التي أفلتت (5). والتفسيران متحدان. (أسفل منكم): في مكان أسفل من مكانكم يقودون العير بالساحل. والفائدة في ذكر هذه المواطن، الاخبار عن الحالة الدالة على قوة المشركين وضعف المسلمين، وأن غلبتهم على مثل هذه الحال أمر إلهي لا يتيسر إلا بحوله وقوته،


(1) التهذيب 4: 126، الحديث: 362، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) المصدر: 125، الحديث: 361، عن أحدهما عليهما السلام. (3 و 5) القمي 1: 278. وأفلتت: تخلصت. مجمع البحرين 2: 213 (فلت). العياشي 2: 65، الحديث: 69، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 440 ]

وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء ولاماء بالعدوة الدنيا، وكانت رخوا تسوخ (1) فيها الارجل، وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم، وتحملهم على أن لا يبرحوا (2) مواطنهم، ويبذلوا نهاية نجدتهم (3)، وفيه تصوير ما دبر الله من أمر وقعة بدر. (ولو تواعدتم لا ختلفتم في الميعاد) يعني لو تواعدتم أنتم وهم على موعد للقتال، ثم علمتم حالكم وحالهم لخالف بعضكم بعضا، ثبطكم (4) قلتكم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من الرعب، فلم يتفق لكم من الوفاء ما وفقه الله. (ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا): كان واجبا أن يفعل من إعزاز دينه وإعلاء كلمته ونصر أوليائه وقهر أعدائه. (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة): ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوع بينة عاينها وقيام حجة شاهدها. قال: " يعلم من بقي أن الله نصره " (5). (وإن الله لسميع عليم) يعلم كيف يدبر أموركم. (إذ يريكهم الله في منامك قليلا) لتخبر به أصحابك، فيكون تثبيتا لهم تشجيعا على عدوهم (ولو أراكهم كثيرا لفشلتم): لجبنتم (ولتنازعتم في الامر): أمر القتال، وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار (ولكن الله سلم): أنعم بالسلامة من الفشل والتازع (إنه عليم بذات الصدور). قال: " كان إبليس يوم بدر يقلل المسلمين في أعين الكفار، ويكثر الكفار في أعين الناس، فشد عليه جبرئيل بالسيف فهرب منه وهو يقول: يا جبرئيل إني


(1) في جميع النسخ: " يسوخ ". (2) برح من مكانه براحا: زال عنه وصار في البراح. مجمع البحرين 2: 342 (برح). (3) النجدة - بفتح النون فالسكون -: الشجاعة. مجمع البحرين 3: 149 (نجد). (4) ثبطه عن الامر: عوقه وبطأ به عنه، وعلى الامر: وقفه عليه. القاموس المحيط 2: 365 (ثبط). (5) القمي 1: 278. (*)

[ 441 ]

مؤجل، حتى وقع في البحر يخاف أن يقطع بعض أطرافه " (1). (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا) تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيتا لكم (ويقللكم في أعينهم) حتى قال قائلهم: ماهم إلا أكلة رأس، لو بعثنا عليهم عبيدنا لاخذوهم باليد. وإنما قللهم في أعينهم ليجترؤوا عليهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعد اللقاء لتفجأهم الكثرة، فيهابوا وتفل (2) شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسبانهم، وهذا من عظايم آيات تلك الواقعة وعجائب قدرة الله فيها، فإن البصر وإن كان قديري الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد. (ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الامور). (يا أيها الذين ءامنوا إذا ليتم فئة): إذا حاربتم جماعة كافرة أو باغية. واللقاء مما غلب في القتال. (فاثبتوا) لقتالهم ولاتفروا (واذكرو الله كثيرا) في مواطن الحرب، داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره (لعلكم تفلحون): تظفرون بالنصرة والمثوبة فيه. تنبيه على أن العبد ينبعي أن لا يشغله شئ عن ذكر الله (3) تعالى، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويقبل عليه بشراشره فارغ البال، واثقا بأن لطفه لا ينفك عنه في شئ من الاحوال. (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا) باختلاف الاراء، كما فعلتم ببدر وأحد. (فتفشلوا): فتضعفوا عن قتال عدوكم (وتذهب ريحكم): دولتكم. شبهت الدولة بالريح في نفوذ أمرها وهبوبها. يقال: هبت ريح فلان: إذا نفذ أمره. (واصبروا إن الله


(1) الكافي 8: 277، الحديث: 419، عن أبي جعفر عليه السلام. (2) في " ألف " و " ب ": " تقل ". والفل: الكسر والضرب، يقال: فله فانفل، أي: كسره فانكسره، وفللت الجيش: هزمته. الصحاح 5: 1793، والنهاية 3: 472 (فلل). (3) في " ألف ": " من ذكر الله ". (*)

[ 442 ]

مع الصابرين). (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم) يعني أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير (بطرا): فخرا وأشرا (ورئآء الناس) ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة، وذلك أنهم لما بلغوا جحفة (1) وافاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا. نشرب بها الخمور وتعزف (2) علينا القيان (3) ونطعم بها من حضرنا من العرب. فذلك بطرهم ورئاؤهم، فوافوها فسقوا كأس الحمام (4) مكان الخمر وناحت النوائح مكان القيان، فنهى الله المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين. (ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط). وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لاغالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم): مجيركم (فلما تراءت الفئتان): تلاقتا (نكص على عقبيه): رجع القهقرى وبطل كيده، وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم (وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لاترون) يعني جنود الملائكة (إنى خاف الله) أن يصيبني مكروها (والله شديد العقاب). القمي: جاء إبليس عليه اللعنة إلى قريش في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: أنا جار لكم إدفعنا إلى رايتكم، فدفعوها إليه، وجاء بشياطينه يهول (5) بهم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخيل إليهم ويفزعهم، وأقبلت قريش يقدمها إبليس معه الراية، فنظر


(1) الجحفة ميقات ميقات أهل الشام، كانت قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة وكانت تسمى مهيعة. القاموس المحيط 3: 125 (جحف). (2) العزف: اللعب بالمعازف وهي الدفوف وغيرها مما يضرب بها. مجمع البحرين 5: 99 (عزف). (3) القيان جمع القينة: الاماء المغنيات. مجمع البحرين 6: 301 (قين). (4) الحمام - ككتاب -: قضاء الموت وقدره. القاموس المحيط 4: 101 (حم). (5) هول على الرجل: حمل عليه. أقرب الموارد 2: 141 (هول). (*)

[ 443 ]

إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: غضوا أبصاركم وعضوا على النواجذ (1) ولا تسلوا (2) سيفا حتى آذن لكم، ثم رفع يده إلى السماء فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة لم تعبد وإن شئت لا تعبد لا تعبد، ثم أصابه الغشي فسري عنه (3) وهو يسلت (4) العرق عن وجهه وهو يقول: هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين، فنظروا فإذا بسحابة سوداء فيها برق لائح قد وقعت على عسكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقائل يقول: أقدم حيزوم ! أقدم حيزوم (5) ! وسمعوا قعقعة السلاح من الجو، ونظر إبليس إلى جبرئيل فراجع ورمى باللواء، فأخذ منبه بن الحجاج (6) بمجامع ثوبه، ثم قال: ويلك يا سراقة تفت (7) في أعضاد الناس، فركله إبليس ركلة (8) في صدره و " قال إني برئ منكم " الاية وهو قوله تعالى: " وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس " الاية 9.


(1) النواجذ جمع ناجذ: أقصى الاضراس وهي أربعة: والنجذ: شدة العض بها: وعض على ناجذه: بلغ أشده " القاموس المحيط 1: 373 ". وفي جميع النسخ: " النواجد " بالدال المهملة، والصواب ما أثبتناه. (2) السل: انتزاعك الشئ وإخراجه برفق وسل السيف: اخراجه من الغمد. مجمع البحرين 5: 398 (سلل). (3) سري عنه: زال عنه وانكشف. المنجد في اللغة: 332 (سرى). (4) أصل السلت: القطع. يقال: سلتت الخضاب عن يدها: إذا مسحته وألقته النهاية. 2: 387 (سلت). (5) في " القاموس المحيط 4: 97 ": الحيزوم: فرس جبرئيل: وفي " النهاية 1: 467 و 4: 26 ": " أقدم حيزوم " هو أمر بالاقدام وهو التقدم في الحرب. والاقدام: الشجاعة. وفي " البحار 19: 264 ": أراد أقدم يا حيزوم. فحذف حرف النداء. (6) نبيه ومنبه ابنا الحجاج كانا من المستهزئين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والطعن عليه، وكانا يلقيانه فيقولاله: أما وجد الله من يبعثه غيرك ؟ إن هاهنا من هو أسن منك وأيسر. فقتل منبه في غزوة البدر، قتله علي بن أبي طالب (راجع: الكامل في التاريخ 2: 71). (7) فت الشئ: دقه وكسره، وفت في عضده: كسرقوته وفرق عنه أعوانه. أقرب الموارد 2: 899 (فت). (8) الركل: الضرب برجل واحدة. القاموس المحيط 3: 397 (ركل). (9) القمي 1: 266. (*)

[ 444 ]

(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض): الشاكون في الاسلام (غر هؤلاء دينهم) يعنون المسلمين، أي: اغتروا بدينهم حتى تعرضوا بقتلهم (1) لقتال جم غفير (ومن يتوكل على الله فإن عزيز حكيم). جواب لهم. (ولو ترى): ولو رأيت، فإن " لو " تجعل المضارع ماضيا عكس " إن ". (إذيتوفى الذين كفروا الملائكة) ببدر (يضربون وجوههم): ما أقبل منهم (وأدبارهم): وما أدبر. ورد: " إنما أراد: وأستاههم، إن الله كريم يكني " (2). (وذوقوا عذاب الحريق): ويقولون: ". قيل: كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها (3). (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد). (كدأب ءال فرعون) أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم: عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه. (والذين من قبلهم كفروا بأيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب). (ذلك). إشارة إلى ما حل بهم. (بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم): يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوه، كتغيير (4) قريش حالهم في صلة الرحم، والكف عن تعرض الايات والرسل بمعاداة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعه منهم، والسعي في إراقة دمائهم، والتكذيب بالايات والاستهزاء بها إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد المبعث. ورد: " إن الله قضى قضاء حتما: لا ينعم (5) على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة " (6). (وأن الله


(1) في " ب " و " ج ": " مع قلتهم ". (2) العياشي 2: 65، الحديث: 71، مرفوعا. (3) البيضاوي 3: 53، والتفسير الكبير (للفخر الرازي) 15: 178. (4) في " ألف ": " كتغير ". (5) في المصدر: " ألا ينعم ". (6) الكافي 2: 273، الحديث: 22، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 445 ]

سميع عليم). (كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بأيات ربهم فأهلكناهم بذنو بهم وأغرقنا ءال فرعون). كرره للتأكيد وزيادة بيان لكفران النعم، وبيان للاخذ بالذنوب. (وكل) من غرقى آل فرعون وقتلى قريش (كانوا ظالمين) أنفسهم بكفرهم معاصيهم. (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون). أصروا على الكفر ورسخوا فيه، فلا يتوقع منهم إيمان. قال: " نزلت: في بني أمية، فهم أشر خلق الله، هم الذين كفروا في بطن القرآن " (1). (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون). (فإما تثقفنهم): تصادفنهم وتظفرن بهم (في الحرب فشردبهم): ففرق عن محاربتك، ونكل عنها بقتلهم والنكاية (2) فيهم (من خلفهم): من وراءهم من الكفرة (لعلهم يذكرون). (وإما تخافن من قوم) معاهدين (خيانة): نقض عهد بأمارات تلوح (فأنبذ إليهم): فاطرح إليهم عهدهم (على سوآء): على طريق مقتصد مستوفي العدواة، بأن تخبرهم بنقض العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا، يتبين لهم أنك قطعت ما بينك وما بينهم، ولاتبدأهم بالقتال وهم على توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة. (إن الله لا يحب الخائنين). (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا): فاتوا من أن يظفر بهم (إنهم لا يعجزون): لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا من إدراكهم. (وأعدوا) أيها المؤمنون (لهم): للكفار (ما استطعتم من قوة): من كل ما


(1) القمي 1: 279، والعياشي 2: 65، الحديث: 72، عن أبي جعفر عليه السلام وفيهما: " هم شر خلق الله ". (2) نكيت في العدو نكابة: إذا أكثرت فيهم الجراح القتل. مجمع البحرين 1: 421 (نكا). (*)

[ 446 ]

يتقوى به في الحرب. قال: " القوة الرمي " (1). وفي رواية: " سيف وترس " (2). وفي أخرى: " منه الخضاب بالسواد " (3). (ومن رباط الخيل). الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله. (ترهبون به عدوالله وعدوكم): كفار مكة (وءاخرين من دونهم): من غيرهم من الكفرة (لا تعلمونهم): لا تعرفونهم بأعيانهم، لانهم يصلون ويصومون (الله يعلمهم): يعرفهم، لانه المطلع على الاسرار (وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم) جزاؤه (وأنتم لا تظلمون) بتضييع العمل أو نقص الثواب. (وإن جنحوا للسلم): مالوا إلى الصلح والاستسلام (فأجنح لها) وعاهد معهم، وتأنيث الضمير لحملها على نقيضها الذي هي الحرب. سئل: ما السلم ؟ قال: " الدخول في أمرنا " (4). (وتوكل على الله) ولا تخف من خديعتهم ومكرهم، فإن الله عاصمك وكافيك منهم، (إنه هو السميع العليم). (وإن يريدوا أن يخدعوك) في الصلح بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن (5) القتال، حتى يقوى أمرهم، فيبدؤكم به من غير استعداد منكم. قال: " إن هؤلاء قوم كانوا معه من قريش " (6). (فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين). (وألف بين قلوبهم، قال: " هم الانصار وهم الاوس والخزرج، كان بينهما حرب شديد وعداوة في الجاهلية، فألف الله بين قلوبهم ونصربهم نبيه " (7). (لو أنفقت ما في الارض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم) لتناهي عداوتهم (ولكن الله ألف بينهم).


(1) مجمع البيان 3 - 4: 555، والكافي 5: 50، الحديث: 12، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (2) العياشي 2: 66، الحديث: 73، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) من لا يحضره الفقيه 5: 70، الحديث: 282، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) الكافي 1: 415، الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) في " ألف ": " من القتال ". (6 و 7) القمي 1: 297، أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 447 ]

بالاسلام بقدرته البالغة، فإنه مالك القلوب يقلبها كيف يشاء (إنه عزيز حكيم). (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين). (يا أيها النبي حرض المؤمنين): بالغ في حثهم (على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون) يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون). وعدهم بأنهم إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بأييد الله، بسبب أن الكفار جهلة بالله واليوم الاخر، يقاتلون على غير احتساب ثواب، ولا يثبتون ثبات المؤمنين الراجين لعوالي الدرجات. الئان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين). هذه الاية ناسخة لما قبلها. قال: " نسخ الرجلان العشرة " (1). وورد: " من فر من رجلين في القتال من الزحف فقد فر من الزخف، ومن فر من ثلاثة رجال في القتال من الزخف فلم يفر " (2). قيل: كان فيهم قلة أولا، فأمروا بذلك، ثم لما كثروا خفف عنهم (3). (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض): يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الاسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض: إذا أثقله. (تريدون عرض الدنيا): حطامها بأخذ الفداء (والله يريد الاخرة): يريد لكم ثواب الاخرة (والله عزيز) يغلب أولياءه على أعدائه (حكيم) يعلم ما يليق بحال كل منهما. القمي: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قتل جماعة من أسرى رؤساء قريش ببدر خافت الانصار أن يقتل الاسارى كلهم، فقاموا إليه وقالوا: يا رسول الله قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، وهم قومك وأساراك هبهم لنا يا رسول الله، وخذ منهم الفداء وأطلقهم، فأنزل الله


(1) الكافي 5: 69، ذيل الحديث الطول: 1 عن أبي عبد الله عليه السلام. (2) العياشي 2: 68، الحديث: 78، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) البيضاوي 3: 56. (*)

[ 448 ]

عليهم: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض " الاية (1). (لولا كتاب من الله سبق) أي حكم منه سبق إثباته في اللوح المحفوظ بإباحة الغنائم لكم (لمسكم): لنا لكم (فيما أخذتم): فيما استحللتم قبل الاباحة من الفداء (عذاب عظيم). (فكلوا مما غنمتم) من الفدية (حلالا طيبا واتقو الله) في مخالفته (إن الله غفور) غفر لكم ذنبكم (رحيم) أباح لكم ما أخذتم. ورد: " إنه لما نزلت هذه الاية أطلق لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا والفداء ويطلقوهم، وشرط أن يقتل منهم في عام قابل بعدد من أخذوا منهم الفداء، فرضوا منه بذلك " (2). وقد مضت القصة في آل عمران (3). (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا): خلوص عقيدة وصحة نية في الايمان (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) من الفداء (ويغفر لكم والله غفور رحيم). قال: " نزلت في العباس وعقيل ونوفل " (4). وورد: " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمال دراهم، فقال: يا عباس ابسط رداءك وخذ من هذا المال طرفا، فبسط رداءه فأخذ منه طائفة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا من الذي قال الله: " إن يعلم الله " الاية " (5). (وإن يريدوا خيانتك): نقض ما عاهدوك (فقد خانوا الله) بالكفر (من قبل) القمي: وإن يريدوا خيانتك في علي فقد خانوا الله فيك من قبل (6). (فأمكن منهم): فأمكنك منهم يوم بدر، فإن أعادوا الخيانة فسيمكن منهم (والله عليم حكيم). (إن الذين ءامنوا وهاجروا): فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ولرسوله، وهم


(1) القمي 1: 270. (2) المصدر: 270 و 126، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3) في ذيل الاية: 165. (4) الكافي 8: 202، الحديث: 244، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5) قرب الاسناد: 21، الحديث: 73، عن أبي جعفر عليه السلام، والعياشي 2: 69، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6) القمي 1: 269. (*)

[ 449 ]

المهاجرون من مكة إلى المدينة (وجاهدوا بأموالهم) فصرفوها (وأنفسهم) فبذلوها (في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا) آووهم إلى ديارهم، ونصروهم على أعدائهم، وهم الانصار (أولئك بعضهم أولياء بعض): يتولى بعضهم بعضا في الميراث. ورد: " كان المهاجرون والانصار يتوارثون بالمؤاخاة الاولى دون الاقارب، حتى نسخ ذلك بقوله تعالى: " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض [ في كتاب الله ] (1) ") (2). (والذين ءامنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) أي: من توليهم في الميراث. (وإن استنصروكم في الدين). قيل: يعني الذين لمن يهاجروا منكم (3) (فعليكم النصر) لهم (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق): عهد فلا يجوز لكم نصركم عليهم (والله بما تعملون بصير). (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض): لا توالوهم وإن كانوا أقارب (إلا تفعلوه) أي: ما أمرتم به من التواصل بينكم حتى في الارث، والتقاطع بينكم وبين الكفار (تكن فتنة في الارض وفساد كبير)، لان المسلمين ما لم يكونوا يدا واحدة على أهل الشرك كان الشرك ظاهرا وتجرأ أهله على أهل الاسلام ودعوهم إلى الكفر. (والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم). (والذين ءامنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم) أي: اللاحقين بعد السابقين. (فأولئك منكم): من جملتكم أيها المهاجرون والانصار، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم. (وأولو الارحام): وأولوا القرابات (بعضهم أولى ببعض) بميراث بعض، يعني من كان أقرب إلى الميت في


(1) ما بين المعقوفتين من: " ب ". (2) مجمع البيان 3 - 4: 561، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في نفس السورة: 75. (3) المصدر، والتفسير الكبير (للفخر الرازي) 15: 210. (*)

[ 450 ]

النسب كان أولى بالميراث. وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة كما مر (1). (في كتاب الله): في حكمه المكتوب (إن الله بكل شئ عليم). ورد: " كان علي صلوات الله عليه إذا مات مولى له وترك قرابته، لم يأخذ من ميراثه شيئا، ويتلو هذه الاية " (2).


(1) ذيل الاية: 72 من نفس السورة. (2) الكافي 7: 135، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " ترك ذاقرابة ". (*)

[ 451 ]

سورة التوبة [ مدنية، وهي مائة وتسع وعشرون آية ] (1) ورد: (لم ينزل بسم الله الرحمن الرحيم على رأس سورة براءة، لان (بسم الله) للامان والرحمة، ونزلت براءة لدفع الامان والسيف) (2). وفي رواية: (الانفال وبراءة سورة واحدة) (3). (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين): هذه براءة من العهد الذي عاهتم به المشركين. (إن قيل: كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وآله وسلم العهد ؟ أجيب بوجهين: أحدهما: أنه كان مشروطا بأن لا يرفعه الله بالوحي. والثاني: أنهم قد نقضوا، أو هموا بذلك. كذا ورد (4). (فسيحوا في الارض أربعة أشهر). خطاب للمشركين وأمان لهم الى هذه المدة. قال: (أجل الله المشركين الذين حجوا تلك السنة أربعة أشهر حتى يرجعوا الى مأمنهم ثم يقتلون حيث وجدوا) (5). وفي رواية: (من كانت لعهده مدة فهو الى مدته، ومن * هامش * (1): ما بين المعقوفتين من (ب). (2): مجمع البيان 5 - 6: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: (ونزلت براءة لرفع الامان بالسيف). (3): العياشي 2: 73، الحديث: 3، عن أحدهما عليهما السلام، وفيه: (الانفال وسورة براءة واحدة). (4): مجمع البيان 5 - 6: 2 - 3. (5): القمي 1: 282، عن أبي الحسن الرضا، عن علي عليهما السلام.

[ 452 ]

لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر) (1). ورد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر مع براءة الى الموسم ليقرأها على الناس، فنزل جبرئيل فقال: لا يبلغ عنك إلا علي، فدعا عليا عليه السلام فأمره أن يركب ناقته العضباء (2) وأن يلحق أبا بكر فيأخذ منه البراءة ويقرأها على الناس بمكة، قال: فقرأها عليهم وقال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك إلا من كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمدته الى هذه الاربعة أشهر) (3). وفي رواية أخرى: (ومن لا عهد له فله بقية الاشهر الحرم (4). (واعلموا أنكم غير معجزي الله): لا تفوتونه وإن أمهلكم (وأن الله مخزي الكافرين): مذلهم بالقتل والاسر في الدنيا، والعذاب في الاخرة. (وأذان من الله ورسوله الى الناس) إيذان وإعلام، كالعطاء بمعنى الاعطاء. ورد: (الاذان: أمير المؤمنين عليه السلام) (5). (يوم الحج الاكبر) قال: (هو يوم النحر، والاصغر: العمرة) (6). وفي رواية: (الحج الاكبر: الوقوف بعرفة وجمع ورمي الجمار، والحج الاصغر: العمرة) (7). وفي أخرى: (سمي الاكبر لانها كانت سنة حج فيها المسلمون والمشركون، ولم يحج المشركون بعد تلك السنة) (8). (أن الله): بأن الله (بريئ من المشركين ورسوله). عطف على الضمير في * هامش * (1): العياشي 2: 74، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه (من كانت له مدة). (2): العضباء: الناقة المشقوقة الاذن ولقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. القاموس المحيط 1: 109 (عضب). (3): العياشي 2: 73، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): مجمع البيان 5 - 6: 4، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (5): القمي 1: 282، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (6): الكافي 4: 290، الحديث 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7): العياشي 2: 76، الحديث: 17، والكافي 4: 264، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. وليست في الكافي كلمة: (جمع) وهو - بالفتح فالسكون - المشعر الحرام، وهو أقرب الموقفين الى مكة المشرفة و منه حديث آدم عليه السلام: ثم انتهى الى جمع فجمع فيها بين المغرب والعشاء. قيل: سمي به لان الناس يجتمعون فيه ويزدلفون الى الله تعالى، أي: يتقربون إليه بالعبادة والخير والطاعة. وقيل: لان آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف ودنا منها. وقيل: لانه يجتمع فيه المغرب والعشاء. مجمع البحرين 4: 315 (جمع). (8): علل الشرائع 2: 442، الباب: 188، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 453 ]

(برئ) ولا تكرير فيه، لان الاول كان إخبارا بثبوت البراءة وهذا إخبار بإعلامها الناس. (فإن تبتم) من الكفر والغدر (فهو خير لكم وإن توليتم) عن التوبة (فاعلموا أنكم غير معجزي الله): غير سابقين الله، ولا فائتين بأسه وعذابه (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم). (إلا الذين عاهدتم) استثناء (من المشركين) واستدراك (ثم لم ينقصوكم شيئا) من شروط العهد، ولم ينكثوا ولم يقتلوا منكم، ولم يضروكم قط (ولم يظاهروا): ولم يعاونوا (عليكم أحدا) من أعدائكم (فأتموا إليهم عهدهم الى مدتهم إن الله يحب المتقين). (فإذا انسلخ): انقضى (الاشهر الحرم) التي أبيح للناكثين ان يسيحوا فيها. ورد: (هي يوم النحر الى عشر مضين من ربيع الاخر) (1). (فاقتلوا المشركين) الناكثين (حيث وجدتموهم): واحبسوهم وحيلوا بينهم وبين المسجد الحرام (واقعدوا لهم كل مرصد): كل ممر وطريق ترصدونهم به، لئلا يبسطوا في البلاد (فإن تابوا) عن الشرك (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم). (وإن أحد من المشركين استجارك): استأمنك وطلب منك جوارك (فأجره): فأمنه (حتى يسمع كلام الله) ويتدبره ويطلع على حقيقة الامر، فإن معظم الادلة فيه (ثم أبلغه مأمنه) إن لم يسلم.. القمي: اقرأ عليه وعرفه، ثم لا يتعرض له حتى يرجع الى مأمنه (2). (ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) ما الايمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه، فلا بد من أمانهم حتى يسمعوا ويتدبروا. * هامش * (1): العياشي 2: 77، الحديث: 22، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): القمي 1: 283.

[ 454 ]

(كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) مع إضمارهم الغدر والنكث (إلا الذين عاهدتم) منهم (عند المسجد الحرام) ولم يظهر منهم نكث فتربصوا أمرهم (فما استقاموا لكم) على العهد (فاستقيموا لهم) على الوفاء (إن الله يحب المتقين). (كيف وإن يظهروا عليكم): يظفروا بكم (لا يرقبون فيكم): لا يراعون فيكم (إلا): قرابة أو حلفا (ولا ذمة): عهدا أو حقا (يرضونكم بأفواههم) بوعد الايمان و الطاعة والوفاء بالعهد (وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون): متمردون، لا عقيدة تزعهم (1) ولا مروة تردعهم، وإنما خص الاكثر لما يوجد في بعضهم من التعفف عما يثلم العرض، والتفادي (2) عن الغدر. (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا) وهو اتباع الاهواء والشهوات (فصدوا عن سبيله): فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم (إنهم ساء ما كانوا يعملون). (لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولائك هم المعتدون). (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الايات لقوم يعلمون). (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر). وضع الظاهر موضع المضمر، إشعارا بأنهم صاروا بذلك ذوي الرياسة والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل. (إنهم لا أيمان لهم) على الحقيقة وإلا لما طعنوا ولم ينكثوا. وورد: بكسر الهمزة (3). يعني لا عبرة بما أظهروه من الايمان. (لعلهم ينتهون) أي: ليكن غرضكم (4) في المقاتلة أن ينتهوا عما هم عليه، لا إيصال الاذية بهم، كما هو طريقة المؤذين، وهذا * هامش * (1): الوزع: الكف، ووزعته عن الامر: منعته عنه وحبسته. القاموس المحيط 3: 96، والمصباح المنير 2: 377 (وزع). (2): تفادى من كذا: إذا تحاماه وانزوى عنه. الصحاح 6: 2453 (فدى). (3): راجع: مجمع البيان 5 - 6: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): في (ألف): (غرضهم) وهو تصحيف.

[ 455 ]

من غاية كرم الله وفضله. ورد: (نزلت في أصحاب الجمل في أخبار كثيرة) (1). وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (عذرني الله من طلحة والزبير، بايعاني طائعين غير مكرهين ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته، والله ما قوتل أهل هذه الاية منذ نزلت حتى قاتلتهم: (وإن نكثوا) (الاية) (2). (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم) التي حلفوها مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا (وهموا بإخراج الرسول) حين تشاوروا في أمره بدار الندوة كما سبق ذكره (3). (وهم بدءوكم أول مرة) بالمعاداة والمقاتلة (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين). (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين). (ويذهب غيظ قلوبهم) لما لقوا منهم من المكروه، وقد أنجز الله هذه المواعيد كلها، والاية من دلائل النبوة. (ويتوب الله على من يشاء). إخبار بأن بعضهم يتوب عن كفره، وقد كان ذلك أيضا. (والله عليم حكيم). (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله، ولا المؤمنين وليجة): بطانة (4) يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. يعني: لا تتركوا على ما أنتم عليه ولم يتبين المخلصون منكم. أراد بنفي العلم نفي المعلوم، و (لما) دلت على أنه متوقع. قال: (يعني بالمؤمنين آل محمد عليهم السلام، والوليجة: البطانة (5). وفي رواية: (الوليجة: الذي يقام دون ولي الامر، والمؤمنون في هذا * هامش * (1): أنظر: القمي 1: 283، ومجمع البيان 5 - 6: 11، والعياشي 2: 78، الحديث: 23 و 25. (2): العياشي 2: 79، الحديث: 28. (3): في ذيل الاية: 30 من سورة الانفال. (4): بطانة الرجل: دخلاؤه وأهل سره ممن يسكن إليهم ويثق بمودتهم. مجمع البحرين 6: 214 (بطن). (5): القمي 1: 283، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 456 ]

الموضع هم الائمة الذين يؤمنون على الله فيجيز أمانهم) (1). (والله خبير بما تعملون). (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله): شيئا من المساجد فضلا عن المسجد الحرام (شاهدين على أنفسهم بالكفر): بإظهار الشرك ونصب الاصنام حول البيت. روي: (أن المسلمين عيروا أسارى بدر، ووبخ علي عليه السلام العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، فقالوا: أولكم محاسن ؟ قالوا: نعم، إنما نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني (2)، فنزلت (3). (أولائك حبطت أعمالهم) التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة، التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك (وفي النار هم خالدون). (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله): إنما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، والعمارة يتناول بناءها، ورم ما استرم منها، وكنسها وتنظيفها وتنويرها بالسرج (4)، وزيارتها للعبادة والذكر ودرس العلم، وصيانتها عما لم تبن لم كحديث الدنيا. ورد: (إن بيوتي في الارض المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره) (6) (فعسى أولائك أن يكونوا من المهتدين). (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين). في قراءتهم عليهم * هامش * (1): الكافي 1: 508، الحديث: 9 عن أبي محمد العسكري عليه السلام. (2): العاني: الاسير. القاموس المحيط 4: 369 (عنا). (3): جوامع الجامع 2: 44، والبيضاوي 3: 63، والكشاف 2: 179، مع تفاوت يسير. (4): في (ألف): (بالسراج). (5): في (ب) و (ج): (مما). (6): من لا يحضره الفقيه 1: 154، الحديث 721، مع اختلاف، والبيضاوي 3: 63، والكشاف 2: 179. (*)

[ 457 ]

السلام: (سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام) (1). قال: (نزلت في علي والعباس وشيبة، قال العباس: أنا افضل فإني لان سقاية الحاج بيدي. وقال شيبة: أنا افضل لان حجابة البيت بيدي. وقال علي: أنا افضل فإني آمنت قبلكما، ثم هاجرت وجاهدت. فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله) (2). وفي رواية: (ضم بعلي: حمزة وجعفر) (3). (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولائك هم الفائزون). (يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم): دائم. (خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم). (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان): اختاروه عليه. قال: (نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، حيث كتب الى قريش بخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد فتح مكة) (4). وفي رواية: (الكفر في الباطن في هذه الاية ولاية الاول والثاني، والايمان ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام) (5). (ومن يتولهم منكم فأولائك هم الظالمون). (قل إن كان آباؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم): أقرباؤكم (وأموال اقترفتموها): اكتسبتموها (وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره): بعقوبته (والله لا يهدي القوم الفاسقين). القمي: لما أذن أمير المؤمنين عليه السلام بمكة: أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك العام، جزعت قريش جزعا شديدا وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاع * هامش * (1): مجمع البيان 5 - 6: 14، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): القمي 1: 284، عن أبي جعفر عليه السلام، مع زيادة (حمزة). (3): الكافي 8: 203، الحديث: 245، عن أحدهما عليهما السلام. (4): مجمع البيا 5 - 6: 16، عن الصادقين عليهما السلام. (5): العياشي 2: 84، الحديث: 36، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 458 ]

عيالنا وخربت دورنا، فنزلت (1). أقول: في الاية تشديد عظيم، وقل من يتخلص منه. وورد: (لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يحب في الله ويبغض في الله) (2). (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) يعني: مواطن الحرب وهي مواقعها ومواقفها. ورد: (إنها كانت ثمانين) (3). (ويوم حنين) وهو واد بين مكة والطائف (إذ أعجبتكم كثرتكم). قيل: لما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فساءت مقالته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وورد: (إنه كان أبا بكر) (5). (فلم تغن عنكم) الكثرة (شيئا) من الغنى لما أدركتكم كلمة الاعجاب. (وضاقت عليكم الارض بما رحبت): بسعتها، لا تجدون فيها مفرا تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب (ثم توليتم مدبرين). (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين). سئل: ما السكينة ؟ فقال: (ريح من الجنة لها وجه كوجه الانسان، أطيب ريحا من المسك، وهي التي أنزلها الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحنين فهزم المشركين) (6). وفي رواية: (فتكون مع الانبياء) (7). (وأنزل جنودا لم تروها) يعني الملائكة (وعذب الذين كفروا) قال: (هو القتل) (8). يعني العذاب. (وذلك جزاء الكافرين). * هامش * (1): القمي 1: 284. (2): الكشاف 2: 180، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتراه أيضا في جوامع الجامع 2: 45. (3): معاني الاخبار: 218، باب معنى الكثير من المال، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، والعياشي 2: 84، الحديث: 37، والقمي 1: 285، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام. (4): جوامع الجامع 2: 46. (5): راجع: جوامع الجامع 2: 46، والعياشي 2: 84، الحديث: 38، عن أبي عبد الله عليه السلام، والتفسير الكبير 16: 21. (6): الكافي 5: 257، ذيل الحديث: 3 عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (7): العياشي 2: 84، الحديث: 39، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (8): القمي 1: 288، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 459 ]

القمي: كان سبب غزوة حنين: أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى فتح مكة ظهر أنه يريد هوازن (1)، وبلغ الخبر هوازن، فتهيئوا وجمعوا الجموع والسلاح، وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم، ومروا حتى نزلوا بأوطاس (2) 7 فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتماعهم بأوطاس، فجمع القبائل ورغبهم في الجهاد ووعدهم النصر، وأن الله قد وعده أن يغنمه أموالهم ونساءهم وذراريهم، فرغب الناس وخرجوا على راياتهم، وعقد اللواء الاكبر ودفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام وخرج في اثني عشر ألف رجل (3). ورد: (فلما صلى الغداة انحدر في وادي حنين، وهو واد له انحدار بعيد، وكانت بنو سليم (4) على مقدمته، فخرج عليهم كتائب هوازن من كل ناحية، فانهزمت بنو سليم وانهزم من وراءهم ولم يبق أحد إلا انهزم، وبقي أمير المؤمنين عليه السلام يقاتلهم في نفر قليل، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي: يا معشر الانصار ! أين ؟ (5) إلي وأنا رسول الله (6)، فلم يلو (7) أحد عليه فركض نحو علي (8) عليه السلام بغلته، فقد شهر (9) سيفه، فقال: يا عباس اصعد هذا الظرب (10) وناد: يا أصحاب البقرة ويا أصحاب الشجرة، إلى أين تفرون ؟ ! هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم رفع يده فقال: (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان). * هامش * (1): هوازن قبيلة من قيس بن عيلان، من العدنانية وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. كانوا يقنطون في نجد مما يلي اليمن، ومن أوديتهم: حنين. راجع: معجم قبائل العرب 3: 1231. (2): أوطاس: واد في ديار هوازن. معجم البلدان 1: 281. (3): القمي 1: 285 و 286. (4): بنو سليم: قبيلة عظيمة من قيس بن عيلان من العدنانية تنتسب الى سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان. معجم قبائل العرب 2: 543. (5): في المصدر: (إلى أين المفر ؟ ألا أنا رسول الله). (6): في (الف) و (ج): (إلي أنا رسول الله). (7): في (المصباح المنير 2: 256 - لوى): لا يلوي على أحد أي: لا يقف ولا ينتظر، وفي (المفردات: 477 - لوى): فلان لا يلوي على أحد: أذا أمعن في الهزيمة. (8): في (ج): (نحو العباس). (9): في (الف): (وقد شهر)، وفي (ج): (وهو شهر). (10): الظرب: ما نتأ من الحجارة وحد طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير. القاموس المحيط 1: 103 (ظرب).

[ 460 ]

فنزل جبرئيل عليه السلام، فقال: دعوت بما دعا به موسى، حيث فلق الله له البحر ونجاه من فرعون، ثم أخذ كفا من حصى فرماه في وجوه المشركين ثم قال: (شاهت الوجوه). ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد. فلما سمعت الانصار نداء العباس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم، وهم يقولون: (لبيك). ومروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستحيوا أن يرجعوا إليه، ولحقوا بالراية، ونزل النصر من السماء وانهزمت هوازن، وكانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو، وانهزموا في كل وجه، وغنم الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أموالهم ونساءهم وذراريهم (1). هذا ملخص القصة. وورد: (إنه قال رجل من المشركين للمؤمنين وهو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق (2) والرجال عليهم الثياب البيض ؟ فإنما كان قتلنا بأيديهم، وما كنا نراكم فيه إلا كهيئة الشامة (3). قالوا: تلك الملائكة (4). (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) منهم بالتوفيق للاسلام (والله غفور رحيم) يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم. (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) لخبث باطنهم (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة): فقرا بسبب منعهم من الحرم، وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والمنافع (فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء). قيده بالمشية، لينقطع الامال إلى الله تعالى، ولينبه على أنه متفضل في ذلك وأن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام، وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء * هامش * (1): القمي 1: 287، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): البلق جمع الابلق: الذي فيه سواد وبياض. أقرب الموارد 1: 60 (بلق). (3): الشامة: أثر أسود في البدن، يقال لها: الخال، وأثر أسود في الارض (أقرب الموارد 1: 627 - شيم) كأنه أراد بذلك قلتهم وكثرة الملائكة. (4): القمي 1: 288، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 461 ]

عليهم مدرارا، ووفق طائفة من أهل يمن للاسلام، فحملوا الطعام الى مكة ثم فتح عليهم البلاد والغنائم، وتوجه إليهم الناس من أقطار الارض. (إن الله عليم حكيم). (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية): ما يقرر عليهم أن يعطوه، من جزى دينه: إذا قضاه. (عن يد) مواتية (1) غير ممتنعة (وهم صاغرون): أذلاء، يعني: تؤخذ منهم على الصغار والذل. قال: (حتى يجد ذلا لما أخذ منه، فيألم لذلك، فيسلم) (2). (وقالت اليهود عزير ابن الله) إنما قال ذلك بعضهم ولم يقله كلهم. ورد: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طالبهم فيه بالحجة، فقالوا: لانه أحيا لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت ولم يفعل بها هذا إلا لانه ابنه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: كيف صار عزير ابن الله دون موسى وهو الذي جاءهم بالتوراة ورأوا منه من المعجزات ما قد علمتم ؟ فإن كان عزير ابن الله لما ظهر من إكرامه من إحياء التوراة، فلقد كان موسى بالنبوة أحق وأولى) (3). (وقالت النصارى المسيح ابن الله) وهو أيضا قول بعضهم. ورد: (إنه صلى الله عليه وآله وسلم طالبهم فيه (4) بالحجة، فقالوا: إن الله لما أظهر على يد عيسى من الاشياء العجيبة ما أظهر، فقد اتخذه ولدا على وجه الكرامة، فقال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه، ثم أعاد ذلك كله فسكتوا) (5). (ذلك قولهم بأفواههم): * هامش * (1): المواتاة: حسن المطاوعة والموافقة. وأصله الهمزة: (المؤاتاة) وخفف وكثر حتى صار يقال بالواو الخالصة. مجمع البحرين 2: 21 (أتا). (2): القمي 1: 288، والكافي 3: 566، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): الاحتجاج 1: 17، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): لم يرد كلمة: (في (الف) و (ج). (5): الاحتجاج 1: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 462 ]

لم يأتهم به كتاب وما لهم به حجة (يضاهئون): يضاهي (1) قولهم (قول الذين كفروا من قبل) كالقائلين بأن الملائكة بنات الله (قاتلهم الله) قال: (لعنهم الله، فسمي اللعنة قتالا) (2). (أنى يؤفكون): كيف يصرفون عن الحق. (اتخذوا أحبارهم): علماءهم (ورهبانهم): عبادهم (أربابا من دون الله) بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله. قال: (أما والله ما دعوهم الى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم الى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا، فعبدوهم من حيث لا يشعرون) (3). (والمسيح ابن مريم) بأن أهلوه للعبادة. قال: (أما المسيح فعصوه وعظموه في أنفسهم حتى زعموا أنه إله، وأنه ابن الله، و طائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله. وأما أحبارهم ورهبانهم فإنهم أطاعوا (4) وأخذوا بقولهم، واتبعوا ما أمروهم به ودانوا بما دعوهم إليه، فاتخذوهم أربابا بطاعتهم لهم، وتركهم أمر الله وكتبه ورسله، فنبذوه وراء ظهورهم. قال: وإنما ذكر هذا في كتابنا لكي نتعظ بهم) (5). (وما أمروا إلا ليعبدوا): ليطيعوا (إلها واحدا) وهو الله تعالى، وأما طاعة الرسل وأوصيائهم فهي في الحقيقة طاعة الله لانهم عن الله يأمرون وينهون. (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون). (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم): بشركهم وتكذيبهم (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) بإعلاء التوحيد وإعزاز الاسلام (ولو كره الكافرون). هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله): ليظهر دين * هامش * (1): ضاهاه: شاكله. القاموس المحيط 4: 358 (ضهى). (2): الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3): العياشي 2: 87، الحديث: 48، والكافي 2: 398، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي العياشي: (فكانوا يعبدونهم من حيث لا يشعرون). (4): في المصدر: (أطاعوهم). (5): القمي 1: 289، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 463 ]

الحق على سائر الاديان (ولو كره المشركون). قال: (ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد - عليهم السلام -، فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم) (1). وقال: (والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام، فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالامام إلا كره خروجه، حتى لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن ! في بطني كافر، فاكسرني واقتله) (2). وفي رواية: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه، والولاية هي دين الحق، ليظهره على جميع الاديان عند قيام القائم عليه السلام والله متم ولاية القائم عليه السلام ولو كره الكافرون بولاية علي عليه السلام. قيل: هذا تنزيل ؟. قال: نعم، هذا الحرف تنزيل، وأما غيره فتأويل) (3). وفي رواية: (ليظهره الله في الرجعة) (4). (يا ايها الذين آمنوا إن كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل): يأخذونها من الحرام بالرشى في الاحكام وتخفيف الشرايع للعوام (ويصدون عن سبيل الله): عن دينه (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) بإخراج الحقوق (فبشرهم بعذاب أليم) هو الكي (5) بهما، المستوعب للبدن كله. (يوم يحمى عليها): على الكنوز (في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) يعني يقال لهم: هذا ما كنزتم لانتفاع أنفسكم، وكان سبب تعذيبها، فذوقوا وباله. ورد: (لما نزلت، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: تبا للذهب، تبا للفضة، يكررها ثلاثا، فشق ذلك على أصحابه، فسأله عمر: أي المال نتخذ ؟ فقال: لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه) (6). وقال: * هامش * (1): مجمع البيان 5 - 6: 25، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): كمال الدين 2: 670، الباب: 58، الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): الكافي 1: 432، الحديث: 91، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام. (4): العياشي 2: 87، الحديث: 51، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): كواه يكويه كيا: أحرق جلده بحديدة ونحوها. القاموس المحيط 4: 386 (كوى). (6): مجمع البيان 5 - 6: 26.

[ 464 ]

(الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم) (1). وورد: (إن الله حرم كنز الذهب والفضة وأمر بإنفاقه في سبيل الله) (2). قال: (كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام، فينادي بأعلى صوته: بشر أهل الكنوز بكي في الجباه وكي في الجنوب (3) وكي بالظهور (4) أبدا، حتى يتردد الحر في أجوافهم) (5). وورد أيضا: (إنما أعطاكم الله هذه الفضول من الاموال لتوجهوها حيث وجهها الله، ولم يعطوكموها لتكنزوها) (6). وفي رواية: (موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه، حتى يأتيه به، فيستعين به على عدوه، وهو قول الله عز وجل: (والذين يكنزون) الاية (7). وفي أخرى: (إنما عنى بذلك ما جاوز ألفي درهم) (8). وفي أخرى: (ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز، أدى زكاته أم لم يؤد، وما دونهما فهي نفقة) (9). وسئل: في كم تجب الزكاة من المال ؟ فقال: (الزكاة الظاهرة أم الباطنة تريد ؟) فقيل (10): أريدهما جميعا. فقال: (أما الظاهرة ففي كل ألف خمسة وعشرون، وأما الباطنة فلا تستأثر (11) على أخيك بما هو أحوج إليه منك) (12). (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله): فيما كتبه وأثبته عنده ورآه حكمة وصوابا (يوم خلق السماوات والارض): مذ خلق الاجسام والازمنة (منها * هامش * (1): الخصال 1: 43، الحديث: 37، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (2): 2 و 5 - القمي 1: 289، عن أبي جعفر عليه السلام. (3): في (ب) و (ج): (بالجنوب). (4): في المصدر: (في الظهور). (6): من لا يحضره الفقيه: 2: 31، الحديث: 120، عن أبي عبد اللع عليه السلام. (7): الكافي 4: 61، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8): العياشي 2: 87، الحديث: 53، عن أبي جعفر عليه السلام. (9): مجمع البيان 5 - 6: 26، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (10): في (الف) والمصدر: (فقال). (11): رجل يستأثر على أصحابه أي: يختار لنفسه أشياء حسنة. القاموس المحيط 1: 375 (أثر). (12): الكافي 3: 500، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 465 ]

أربعة حرم) يحرم فيها القتال، ثلاثة سرد (1)، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. (ذلك الدين القيم) أي: تحريم الاشهر الاربعة هو الدين القويم (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) بهتك حرمتها وارتكاب حرامها (وقاتلوا المشركين كافة) قال: (جميعا) (2). (كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين). (إنما النسئ): تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر. كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرا آخر، حتى رفضوا خصوص الاشهر واعتبروا مجرد العدد. وفي قراءتهم عليه السلام: (النسي) (3) كالرمي. (زيادة في الكفر) لانه تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه، فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم. (يضل به الذين كفروا) ضلالا زايدا (يحلونه عاما ويحرمونه عاما). القمي: كان سبب نزولها: أن رجلا من (كنانة) كان يقف في الموسم فيقول: قد أحللت دماء المحلين: - طي وخثعم - في شهر المحرم وأنسأته وحرمت بدله شهر المحرم (4). (ليواطئوا): ليوافقوا (5) (عدة ما حرم الله): عدة الاربعة المحرمة (فيحلوا) بمواطأة العدة (ما حرم الله) من القتال (زين لهم سوء أعمالهم): خذلهم الله، حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسنا (والله لا يهدي القوم الكافرين) لعدم قبولهم الاهتداء. (يا ايها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض): * هامش * (1): السرد: تتابع بعض حلق الدرع إلى بعض، يقال: سرد فلان الصوم: إذا والاه. مجمع البحرين 3: 68 (سرد). (2): القمي 1: 290، عن أبي جعفر عليه السلام. (3): في مجمع البيان (5 - 6: 28): قرأ أبو جعفر عليه السلام (النسيي) بالتشديد من غير همز، وقرأ جعفر بن محمد عليهما السلام والزهري (النسي) مخففا في وزن الهدي بغير همز. (4): القمي 1: 290. (5): في (ب): (ليتوافقوا). (6): أصله: (تثاقلتم) فأدغمت التاء في الثاء، ثم أدخلت همزة الوصل ليمكن الابتداء بها. مجمع البيان 5 - 6: 30.

[ 466 ]

تباطأتم، مخلدين إلى أرضكم والاقامة بدياركم. قيل: ذلك (1) في غزوة تبوك في سنة عشر، بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت قحط وقيظ (2) مع بعد الشقة (3) وكثرة العدو، فشق ذلك عليهم (4). القمي: وذلك لم شاع بالمدينة أن الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عسكر عظيم، وأن هرقل (5) قد سار في جنوده، وجلب معه القبائل، وقدموا البلقاء (6) أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتهيؤ إلى تبوك - وهي من بلاد البلقاء - وبعث الى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة و مزينة وجهينة، وحثهم على الجهاد، فقدمت القبائل، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم (7). (أرضيتم بالحياة الدنيا) وغرورها (من الاخرة): [ بدلها ] (8) (فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة): في جنبها (إلا قليل): مستحقر. (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير). (إلا تنصروه فقد نصره الله): فسينصره كما نصره (إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين): لم يكن معه إلا رجل واحد (إذ هما في الغار): غار ثور، وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة. (إذ يقول لصاحبه) وهو أبو بكر (لا تحزن): لا تخف (إن الله معنا) بالعصمة والمعرفة. ورد: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يقول لأبي بكر في الغار: اسكن فإن الله معنا، وقد أخذته الرعدة وهو لا يسكن، فلما * هامش * (1): في (ج): (قيل: كان ذلك)، وفي (الف: (قال: كان ذلك). (2): القيظ: صميم الصيف من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل. يقال: قاظ يومنا: إذا اشتد حره. القاموس المحيط 2: 412 (قيظ). (3): الشقة - بالضم والكسر -: البعد، والناحية يقصدها المسافر، والسفر البعيد، والمشقة. القاموس المحيط 3: 258، ومجمع البحرين 5: 194 (شقق). (4): البيضاوي 3: 68، والكشاف 2: 189. (5): هرقل - على وزن دمشق - وهرقل - وزان خندف -: إسم ملك الروم. القاموس المحيط 4: 69 (هرقل). (6): البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى. معجم البلدان 1: 489. (7): القمي 1: 290. (8): ما بين المعقوفتين من (ب).

[ 467 ]

رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاله، قال له: تريد أن أريك أصحابي من الانصار في مجالسهم يتحدثون، وأريك جعفر وأصحابه في البحر يغوصون ؟ قال: نعم. فمسح بيده على وجهه، فنظر الى الانصار يتحدثون، وإلى جعفر وأصحابه في البحر يغوصون، فأضمر تلك الساعة أنه ساحر) (1). (فأنزل الله سكينته): أمنته التي يسكن إليها القلوب (عليه). في قراءتهم عليهم السلام: (على رسوله. قال: وهكذا تنزيلها) (2). قال: (إنهم يحتجون علينا بقول الله تبارك وتعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) ومالهم في ذلك من حجة، فوالله لقد قال الله: (فأنزل سكينته على رسوله) وما ذكره فيها بخير. قيل: هكذا تقرؤونها ؟ قال: هكذا قرأتها) (3). (وأيده بجنود لم تروها) يعني الملائكة. قد سبق فيه كلام في تفسير: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) من سورة الانفال (4). (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) قال: (هو الكلام الذي تكلم به عتيق) (5). (وكلمة الله هي العليا) القمي: هو قول رسول الله (6). ويستفاد مما سبق أن كلمتهم ما كانوا يمكرون به من إثباته، أو إخراجه، وكلمة الله نصره وغلبته عليهم. (والله عزيز حكيم). (انفروا خفافا وثقالا) القمي: شبابا وشيوخا، يعني إلى غزوة تبوك (7). (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون). * هامش * (1): الكافي 8: 262، الحديث: 377، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام. (2): المصدر: 378، الحديث: 571، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (3): العياشي 2: 88، الحديث: 58، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (4): في ذيل الاية: 30. (5): العياشي 2: 89، الحديث: 58، عن أبي جعفر عليه السلام. والعتيق: لقب أبي بكر. القاموس المحيط 3: 270، والنهاية 3: 179 (عتق). (6) و (7): القمي 1: 290.

[ 468 ]

(لو كان عرضا قريبا) قال: (يقول: غنيمة قريبة) (1). (وسفرا قاصدا): متوسطا (لاتبعوك): لوافقوك (ولكن بعدت عليهم الشقة): المسافة التي تقطع بمشقة (وسيحلفون بالله) أي: المتخلفون، إذا رجعتم من تبوك معتذرين (لو استطعنا): يقولون: لو كان لنا استطاعة العدة، أو البدن (لخرجنا معكم) وهذا إخبار بما سيقع قبل وقوعه. (يهلكون أنفسهم) بإيقاعها في العذاب (والله يعلم إنهم لكاذبون). قال: (كذبهم الله في قولهم: (لو استطعنا لخرجنا معكم) وقد كانوا مستطيعين للخروج) (2). (عفا الله عنك لم أذنت لهم) في القعود حين استأذنوك واعتلوا الاكاذيب، وهلا توقفت (حتى يتبين لك الذين صدقوا) في الاعتذار (وتعلم الكاذبين) قال: (يقول: لتعرف أهل العذر (3) والذين جلسوا بغير عذر) (4). في الجوامع: وهذا من لطيف المعاتبة، بدأه بالعفو قبل العتاب، ويجوز العتاب من الله فيما غيره أولى (5)، لا سيما للانبياء (6). وورد: (إنه مما نزل: بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله بذلك نبيه وأراد [ به ] (7) أمته) (8). (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الاخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم) قيل: يعني ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، وإن الخلص منهم يبادرون إليه ولا يوقفون (9) على الاذن فيه [ عن ] (10) أن يستأذنوا في التخلف عنه، إذ * هامش * (1): القمي 1: 290، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): التوحيد: 351 1، الباب: 56، الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: (أكذبهم الله). (3): في المصدر: (أهل الغدر). (4): القمي 1: 294، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): في المصدر: (فيما غيره منه أولى). (6): جوامع الجامع 2: 57. (7): ما بين المعقوفتين من (ب). (8): عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 202، الباب: 15، ذيل الحديث: 1. (9): في المصدر: (لا يتوقفون)، وفي (ب) و (ج): (ولا يواقفونه). (10): ما بين المعقوفتين من (ب).

[ 469 ]

ليس (1) من عادتهم أن يستأذنوك في التخلف، كراهة أن يجاهدوا (2). (والله عليم بالمتقين). (إنما يستذنك) في التخلف (الذين لا يؤمنون بالله واليوم الاخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون): يتحيرون. ورد: (من تردد في الريب سبقه الاولون، وأدركه الاخرون، ووطأته (3) سنابك (4) الشيطان) (5). (ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة): أهبة. قال: (يعني بالعدة: النية. يقول: لو كان لهم نية لخرجوا) (6) (ولكن كره الله انبعاثهم): نهوضهم للخروج الى الغزو، لعلمه بأنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة بين المسلمين (فثبطهم): بطأهم وجبنهم وكسلهم وخذلهم (وقيل اقعدوا مع القاعدين): مع النساء والصبيان وهو إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم في القعود، وفي هذا دلالة على أن إذنه لم يكن قبيحا، وإن كان الاولى أن لا يأذن لهم، ليظهر للناس نفاقهم. (لو خرجوا فيكم ما زادوكم) بخروجهم (إلا خبالا): فسادا وشرا (ولأوضعوا خلالكم): ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة، أو بالهزيمة (7) (يبغونكم الفتنة): يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، والرعب في قلوبكم، وإفساد نياتكم في غزوتكم (وفيكم قوم يسمعون قول المنافقين، ويقبلونه ويطيعونهم، يريد من كان ضعيف الايمان من المسلمين (8). (والله عليم بالظالمين). * هامش * (1): في (ب) و (ج): (أو ليس). (2): البيضاوي 3: 69. (3): في المصدر: (قطعته). (4): سنابك جمع سنبك - كقنفذ -: ضرب من العدو وطرف الحافر. القاموس المحيط 3: 317) وهو كناية عن استيلاء الشيطان. (5): الخصال 1: 233، ذيل الحديث: 74، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6): العياشي 2: 89، الحديث: 60، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7): في (ألف): والهزيمة). (8): جوامع الجامع 2: 59.

[ 470 ]

(لقد ابتغوا الفتنة): تشتيت شملك وتفريق أصحابك (من قبل) يعني يوم أحد، أو وقوفهم على الثنية (1) ليلة العقبة ليفتكوا به (2). (وقلبوا لك الامور): دبروا لك الحيل والمكائد، واحتالوا في أبطال أمرك (حتى جاء الحق) وهو يأييدك ونصرك (وظهر أمر الله): وغلب دينه وعلا أهله (وهم كارهون) أي: على رغم منهم. والايتان لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لاجله، وهتك أستارهم، وإزاحة اعتذارهم، تداركا لما فات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمبادرة الى الاذن. (ومنهم من يقول ائذن لي) في القعود (ولا تفتني): ولا توقعني في الفتنة، أي: العصيان والمخالفة، بأن لا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، أو في الفتنة بنساء الروم، كما يأتي ذكره. (ألا في الفتنة سقطوا) أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة التخلف وظهور النفاق (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي: بهم، لان آثار إحاطتها بهم معهم، فكأنهم في وسطها. القمي: لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الجد بن قيس) فقال له: يا أبا وهب ! ألا تنفر معنا في هذا العزوة ؟ لعلك أن تحتفد (3) من بنات الاصفر (4). فقال: يا رسول الله، والله، إن قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحد أشد عجبا بالنساء مني، وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت بنات الاصفر، فلا تفتني وائذن لي أن أقيم، وقال لجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحر، فقال ابنه: ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقول ما تقول، ثم تقول لقومك: لا تنفروا في الحر ! والله لينزلن الله في هذا قرآنا يقرأه الناس الى يوم القيامة، * هامش * (1): الثنية: العقبة أو طريقها، أو الجبل، أو الطريقة فيه أو إليه. القاموس المحيط 4: 311 (ثنى). (2): عن سعيد بن جبير: وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك على الثنية ليلة العقبة ليفتكوا به وهم إثنا عشر رجلا. راجع: جوامع الجامع 2: 59. (3): في المصدر: (أن تستحفد) والاستحفاد: الاستخدام. (4): يعني به الروم، لان أباهم الاول كان أصفر اللون وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. النهاية 3: 37 (صفر).

[ 471 ]

فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك: (ومنهم من يقول ائذن لي) الاية، ثم قال (جد بن قيس) أيطمع محمد أن حرب الروم مثل حرب غيرهم، لا يرجع من هؤلاء أحد أبدا (1). (إن تصبك) في بعض غزواتك (حسنة) قال: (غنيمة وعافية) (2). (تسؤهم) لفرط حسدهم (وإن تصبك مصيبة) قال: (بلاء وشدة) (3). (يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل): تبجحوا بانصرافهم، واستحمدوا رأيهم في التخلف (ويتولوا وهم فرحون): مسرورون. (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا): ناصرنا ومتولي أمرنا (وعلى الله فليتوكل المؤمنون). (قل هل تربصون بنا): تنتظرون بنا (إلا إحدى الحسنيين): الغنيمة والجنة. (ونحن نتربص بكم) إحدى السوءيين: (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده): بقارعة من السماء (أو بأيدينا) وهو القتل على الكفر (فتربصوا) ما هو عاقبتنا (إنا معكم متربصون) ما هو عاقبتكم. ورد: (وكذلك المرأ المسلم البرئ من الخيانة ينتظر إحدى الحسنيين: إما داعي الله، فما عند الله خير له، وإما رزق الله، فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه) (4). و قال: (التربص انتظار وقوع البلاء بأعدائهم) (5). (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين). (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى): متثاقلين. (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) إذ لا رجاء ثواب لهم * هامش * (1): القمي 1: 291 - 292. (2) و (3) - المصدر: 292، عن أبي جعفر عليه السلام (4): نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 64، الخطبة: 23. (5): الكافي 8: 287، ذيل الحديث: 431، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 472 ]

ولا خوف عقاب. (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) يعني إن ذلك استدراج ووبال لهم، بسبب ما يكابدون (1) لجمعها وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب، ويشق عليهم إنفاقها في سبيل الله، والزهوق: الخروج بصعوبة. (ويحفلون بالله إنهم لمنكم): لمن جملة المسلمين (وما هم منكم) لكفر قلوبهم (ولكنهم قوم يفرقون): يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين، من القتل والاسر، فيظهرون الاسلام تقية. (لو يجدون ملجئا) حصنا يلجؤون إليه (أو مغارات): غيرانا (أو مدخلا): موضع دخول. قال: (أسرابا في الارض) (2). (لولوا إليه): لاقبلوا نحوه (وهم يجمحون) يسرعون إسراعا لا يردهم شئ، كالفرس الجموح. (ومنهم من يلمزك): يعيبك (في الصدقات): في قسمتها (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) يعني إن رضاهم وسخطهم لانفسهم، لا للدين. قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي، وهو حرقوص ابن زهير أصل الخوارج. فقال: اعدل يا رسول الله ! فقال: ويلك ! ومن يعدل إذا لم أعدل ؟) الحديث. الى أن قال: (فنزلت) (3). * هامش * (1): في (الف): (يكايدون) بالياء، وهو تصحيف. والمكايدة للشئ: تحمل المشاق فيه. مجمع البحرين 3: 135 (كبد). (2): مجمع البيان 5 - 6: 40، عن أبي جعفر عليه السلام. (3): مجمع البيان 5 - 6: 40، عن أبي سعيد الخدري. (4): المصدر: 41، والعياشي 2: 89، الحديث: 62، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 473 ]

(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله): ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة، وذكر (الله) للتعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمر الله. (وقالوا حسبنا الله): كفانا فضله (سيؤتيهم الله من فضله) صدقة أو غنيمة أخرى (ورسوله إنا الى الله راغبون) في أن يوسع علينا من فضله. وجواب الشرط محذوف، تقديره: لكان خيرا لهم. (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل) أي: الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم (فريضة من الله): فرض لهم فريضة (والله عليم حكيم): يضع الاشياء مواضعها. قال: (الفقراء: هم الذين لا يسألون وعليهم مؤونات من عيالهم، والدليل على أنهم هم الذين لا يسألون قول الله عز وجل في سورة البقرة: (للفقراء الذين أحصروا) الى قوله: (لا يسألون الناس إلحافا) (1). والمساكين: هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذمين (2)، وجميع أصناف الزمنى من الرجال والنساء والصبيان. والعاملين عليها: هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها و حفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها. والمؤلفة قلوبهم: قوم وحدوا الله ولم تدخل المعرفة قلوبهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتألفهم ويعلمهم كيما يعرفوا، فجعل الله لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا. وفي الرقاب: قوم قد لزمهم كفارات في قتل الخطأ وفي الظهار وقتل الصيد في الحرم وفي الايمان، وليس عندهم ما يكفرون، وهم مؤمنون، فجعل الله لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم. والغارمين: قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة الله من * هامش * (1): الاية: 273. (2): في المصدر: (المجذمين). (3): في المصدر: حتى يردوها).

[ 474 ]

غير إسراف، فيجب على الامام، أن يقضي ذلك عنهم، ويكفيهم (1) من مال الصدقات. وفي سبيل الله: قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما ينفقون، أو قوم من المسلمين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الامام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يتقوون به (2) على الحج والجهاد. وابن السبيل: أبناء الطريق الذين يكونون في الاسفار في طاعة الله، فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الامام أن يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات. والصدقات تتجزى ثمانية أجزاء، فيعطى كل إنسان من هذه الثمانية على قدر ما يحتاجون إليه بلا إسراف ولا تقتير، يقوم في ذلك الامام، يعمل بما فيه الصلاح) (3). وفي رواية: سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها. قال: (يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله عز وجل يقول في كتابه: (وفي الرقاب) (4). ورد: (سهم المؤلفة قلوبهم وسهم الرقاب عام، والباقي خاص) (5). يعني خاص بمن يعرف الحق لا يعطى غيره. وورد: (لا تحل الصدقة لبني هاشم إلا في وجهين: إن كانوا عطاشا فأصابوا ماء فشربوا، وصدقة بعضهم على بعض) (6). (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن): يسمع كل ما يقال له ويصدقه (قل أذن خير لكم). تصديق لهم بأنه أذن، ولكن لا على الوجه الذي ذموه به، بل من حيث إنه يسمع الخير ويقبله. (يؤمن بالله): يصدق به (ويؤمن للمؤمنين): يصدقهم، واللام للفرق بين الايمانين كما يأتي. * هامش * (1) في المصر: (ويفكهم). (2): في المصدر: (حتى ينفقوا به). (3): القمي 1: 298 - 299، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): من لا يحضره الفقيه 3: 74، الحديث: 258، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5): الكافي 3: 496، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6): الخصال 1: 62، الحديث: 88، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام.

[ 475 ]

القمي: كان نزولها: أن عبد الله بن نفيل كان منافقا، وكان يقعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين وينم عليه، فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا محمد إن رجلا من المنافقين: ينم عليك وينقل حديثك إلى المنافقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من هو ؟ فقال: الرجل الاسود كثير شعر الرأس، ينظر بعينين كأنهما قدران، وينطق بلسانه شيطان (2). فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبره، فحلف إنه لم يفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد قبلت منك فلا تقعد، فرجع إلى أصحابه فقال: إن محمد أذن أخبره الله أني أنم عليه وأنقل أخباره فقبل، وأخبرته أني لم أفعل فقبل، فأنزل الله على نبيه: (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين (أي: يصدق الله فيما يقول له، ويصدقك فيما تعتذر إليه في الظاهر و لا يصدقك في الباطن. قوله: (ويؤمن للمؤمنين) يعني المقرين بالايمان من غير اعتقاد) (3). وفي رواية: (يعني يصدق الله ويصدق المؤمنين، لانه كان رؤوفا رحيما بالمؤمنين) (4). (ورحمة) أي: هو رحمة (للذين آمنوا منكم): لمن أظهر الايمان حيث يقبله ولا يكشف سره. وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلا بحالكم، بل رفقا بكم وترحما. (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم). (يحلفون بالله لكم) على معاذيرهم فيما قالوا وتخلفوا. (ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه). توحيد الضمير لتلازم الرضائين. (إن كانوا مؤمنين). القمي: نزلت في المنافقين الذين كانوا يحلفون للمؤمنين أنهم منهم، لكي يرضوا عنهم (5). * هامش * (1): في المصدر: (الكثير شعر الرأس). (2): في المصدر: (وينطق بلسان شيطان). (3): القمي 1: 300. (4): العياشي 2: 95، الحديث: 83، عن أبي عبد الله عليه السلام. (5): القمي 1: 300.

[ 476 ]

(ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله): يشاقق، من الحد، لان كلا من المخالفين في حد غير حد صاحبه (فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم). (يحذر المنافقين أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم) وتهتك عليهم أستارهم (قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون). (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون). القمي: كان قوم من المنافقين لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك يتحدثون فيما بينهم ويقولون: أيرى محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن حرب الروم مثل حرب غيرهم ؟. لا يرجع منهم أحد أبدا. فقال بعضهم: ما أخلقه (1) أن يخبر الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما كنا فيه وبما في قلوبنا، و ينزل عليه بهذا قرآنا يقرأه الناس، وقالوا هذا على حد الاستهزاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: (إلحق القوم فإنهم قد احترقوا، فلحقهم عمار فقال: ما قلتم ؟ قالوا: ما قلنا شيئا، إنما كنا نقول شيئا على حد اللعب والمزاح، فنزلت) (2). وفي رواية: (نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على [ باب ] (3) العقبة، ائتمروا بينهم ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنما كنا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن نقتله، وذلك عند رجوعه من تبوك. فأخبره جبرئيل بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم) (4). وورد: (كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب) (5). ويأتي تمام قصتهم عند تفسير قوله تعالى: (يحلفون بالله ما قالوا) (6) من هذه السورة إن شاء الله. (لا تعتذروا) بما يعلم كذبه (قد كفرتم): قد أظهرتم الكفر (بعد إيمانكم) بعد * هامش * (1): في المصدر: (ما أخلفه). (2): القمي 1: 300. (3): ما بين المعقوفتين من (ب). (4): مجمع البيان 5 - 6: 46، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): المصدر: 51، عن أبي جعفر عليه السلام. (6): الاية: 74.

[ 477 ]

إظهاركم الايمان (إن نعف عن طائفة منكم) لتوبتهم وإخلاصم (نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين): مصرين على النفاق. وفي رواية في قوله: (لا تعتذروا): (هؤلاء قوم كانوا مؤمنين صادقين ارتابوا وشكوا ونافقوا بعد إيمانهم، وكانوا أربعة نفر. وقوله: (إن نعف عن طائفة منكم) كان أحد الاربعة مختبر بن الحمير (1) فاعترف وتاب، وقال: يا رسول الله أهلكني اسمي، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عبد الله بن عبد الرحمان، فقال: يا رب اجعلني شهيدا حيث لا يعلم أين أنا، فقتل يوم اليمامة، ولم تعلم أحد أين قتل، فهو الذي عفي عنه) (2). (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض). تكذيب لهم فيما حلفوا: (إنهم لمنكم)، وتحقيق لقوله: (وما هم منكم) (3) (يأمرون بالمنكر): بالكفر والمعاصي (وينهون عن المعروف): عن الايمان والطاعة (ويقبضون أيديهم) شحا (4) بالخيرات والصدقات (نسوا الله): أغفلوا ذكره (فنسيهم): فتركهم عن رحمته وفضله. قال: (يعني نسوا الله في دار الدنيا فلم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الاخرة، أي: لم يجعل لهم في ثوابه نصيبا، فصاروا منسيين من الخير) (5). وفي رواية: (تركوا طاعة الله، فتركهم) (6). (إن المنافقين هم الفاسقون). (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقين). (كالذين من قبلكم): أنتم مثلهم (كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا * هامش * (1): في (الف): مختير بن الحمير). وفي (ج): مخبر بن حمير). وفي سيرة النبي لابن هشام (168 4) والمغازي (2: 1003): (مخشي بن حمير) و (مخشن بن حمير). (2): القمي 1: 300، عن أبي جعفر عليه السلام. (3): الاية: 56. (4): الشح: البخل والحرص. القاموس المحيط 1: 239 (شح). (5): العياشي 2: 96، الحديث: 86، والتوحيد: 259، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. وفي العياشي: (... فلم يعملوا له بالطاعة، ولم يؤمنوا به وبرسوله، فنسيهم في الاخرة). (6): العياشي 2: 95، الحديث: 85، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 478 ]

وأولادا). بيان لتشبيههم (1) بهم. (فاستمتعوا بخلاقهم): نصيبهم من ملاذ الدنيا (فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم). ذم الاولين باستمتاعهم بحظوظهم الفانية، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية الباقية، تمهيدا لذم المخاطبين لمشابهتهم بهم واقتفائهم أثرهم. (وخضتم): دخلتم في الباطل (كالذي خاضوا): كالخوض الذي خاضوه (أولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وأولائك هم الخاسرون). (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح) كيف أغرقوا بالطوفان (وعاد) كيف أهلكوا بالريح (وثمود) كيف أهلكوا بالرجفة (وقوم إبراهيم) كيف أهلك نمرود ببعوض وأهلك أصحابه (وأصحاب مدين)، قوم شعيب كيف أهلكوا بالنار يوم الظلة (2) (والمؤتفكات): أصحاب القرى المؤتفكة. قال: (أولائك قوم لوط ائتفكت عليهم، أي: انقلبت) (3). (أتتهم) كلهم (رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بتعرضها للعقاب بالكفر والتكذيب. (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولائك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم). هي في مقابلة سابقته. (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيبة): يطيب فيها العيش (في جنات عدن): إقامة وخلود. قال: (عدن: دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيين والصديقين والشهداء. يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك) (4). (ورضوان من الله أكبر) يعني وشئ * هامش * (1): في (الف): (لتشبههم). (2): إشارة الى الاية: 189 من سورة الشعراء: فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم). (3): الكافي 8: 181، ذيل الحديث: 202، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): مجمع البيان 5 - 6، مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 479 ]

من رضوانه أكبر من ذلك، لان رضاه سبب كل سعادة، وموجب كل فوز، وبه ينال كرامته التي أكبر أصناف الثواب. (ذلك هو الفوز العظيم) الذي يستحقر دونه كل لذة وبهجة. (يا أيها النبي جاهد الكفار) [ قيل: بالسيف (1). ] (2) (والمنافقين) قال: (بإلزام الفرائض) (3). وفي رواية: إن في قراءتهم عليهم السلام: (جاهد الكفار بالمنافقين قالوا: لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يقاتل المنافقين، ولكن كان يتألفهم، ولان المنافقين لا يظهرون الكفر، وعلم الله بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يظهرون الايمان) (4). وفي أخرى: (هكذا نزلت، يعني: (والمنافقين). قال: فجاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكفار وجاهد علي عليه السلام المنافقين، فجاهد علي عليه السلام جهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (5). (واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير). (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إيمانهم وهموا بما لم ينالوا). القمي: نزلت في الذين تحالفوا في الكعبة أن لا يردوا هذا الامر في بني هاشم، فهي (كلمة الكفر)، ثم قعدوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة وهموا بقتله، وهو قوله: (وهموا بما لم ينالوا) (6). أقول: قد سبق حديث همهم بقتله عند تفسير قوله تعالى: (إنما كنا نخوض ونلعب). وورد: (لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قال في غدير خم وصاروا (7) بالاخبية (8) مر المقداد * هامش * (1): جوامع الجامع 2: 70، والبيضاوي 3: 74، والكشاف 2: 202. (2): ما بين المعقوفتين من (ج). (3): القمي 1: 301، عن أبي جعفر عليه السلام. (4): مجمع البيان 5 - 6: 50. (5): القمي 2: 377، ذيل الاية: 9 من سورة التحريم، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6): القمي 1: 301. (7): في المصدر: (وصار). (8): الاخبية جمع الخباء: من الابنية يكون من وبر أو صوف أو شعر. القاموس المحيط 4: 324 (جنى).

[ 480 ]

بجماعة منهم يقولون: إذا دنا موته وفنيت أيامه وحضر أجله، أراد أن يولينا عليا من بعده، أما والله ليعلمن، قال: فمضى المقداد وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: الصلاة جامعة. قال: فقالوا: قد رمانا المقداد، فقوموا نحلف عليه، قال: فجاؤوا حتى جثوا (1) بين يديه، فقالوا: بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، والذي بعثك بالحق والذي أكرمك بالنبوة، ما قلنا ما بلغك، والذي اصطفاك على البشر. قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بسم الله الرحمان الرحيم يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بك يا محمد ليلة العقبة) (2). وفي رواية: (لما أقام عليا يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين: وهم أبو بكر وعمر وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة والمغيرة بن شعبة. قال عمر: أما ترون عينيه كأنهما عينا مجنون - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي. قال فنزل جبرئيل وأعلمه بمقالة القوم، فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا، فأنزل الله (يحلفون بالله ما قالوا) (3). (وما نقموا): وما أنكروا وما عابوا (إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله). قال: (كانأحدهم يبيع الرؤوس، وآخر يبيع الكراع (4) ويفتل القرامل (5)، فأغناهم الله برسوله صلى الله عليه وآله وسلم ثم جعلوا حدهم وحديدهم عليه) (6). والمعنى: أنهم جعلوا موضع شكر النعمة كفرانها، وكان الواجب عليهم أن يقابلوها بالشكر. (فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا) بالصرار على النفاق (يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والاخرة) بالقتل * هامش * (1): جث: فزع. القاموس المحيط 1: 169، وأقرب الموارد 2: 84 (جث). (2): العياشي 2: 99، الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): القمي 1: 301، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): الكراع من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساق. وهو اسم يجمع الخيل. القاموس المحيط 3: 81 (كرع). (5): القرامل: صغائر من شعر أو صوف أو أبريسم، تصل به المرأة شعرها. النهاية 4: 51 (قرمل). (6): العياشي 2: 100، ذيل الحديث: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 481 ]

والنار (وما لهم في الارض من ولي ولا نصير) فينجيهم من العذاب. (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين). فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون). قال: (هو ثعلبة بن حاطب بن عمر بن عوف، كان محتاجا فعاهد الله، فلما آتاه بخل به) (1) (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم): فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم (الى يوم يلقونه): يلقون الله. قال: (اللقاء هو البعث) (2). (بما أخلفوا ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). (ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم): ما أسروه في أنفسهم من النفاق (ونجواهم): ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن (وأن الله علام الغيوب). (الذين يلمزون): يعبون (المطوعين): المتطوعين (من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم): إلا طاقتهم، فيتصدقون بالقليل. ورد: (أفضل الصدقة جهد المقل) (3). (فيسخرون منهم): يستهزؤون (سخر الله منهم) قال: (جازاهم جزاء السخرية) (4). (ولهم عذاب أليم). ورد: (آجر أمير المؤمنين عليه السلام نفسه على أن يستقي كل دلو بتمرة بخيارها، فجمع تمرا فأتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعبد الرحمان بن عوف على الباب، فلمزه، أي: وقع فيه، فنزلت) (5). والقمي: نزلت في سالم بن عمير الانصاري، جاء بصاع من تمر من كسب يده وقال: أقرضه ربي، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينثره (6) في الصدقات، فسخر منه المنافقون * هامش * (1): القمي 1: 301، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي المصدر ونسخة (الف): (ثعلبة بن خاطب). (2): التوحيد: 267، الباب: 36، الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (3): مجمع البيان 5 - 6: 55، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والجهد: الوسع والطاقة ومع المقل أي: قدر ما يحتمله حال القليل المال. النهاية 2: 320 (جهد). (4): عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 126، الباب: 11، ذيل الحديث: 19. وفيه: (يجازيهم جزاء السخرية). (5): العياشي 2: 101، الحديث: 93، عن أبي عبد الله عليه السلام. و (وقع فيه): لامه وعابه، يقال: وقعت بفلان: إذا لمته: ووقعت فيه: إذا عبته وذممته. لسان العرب 8: 405 (وقع). (6): في (الف): (ينثر).

[ 482 ]

وقالوا: أراد أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقات (1). (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم): لا فرق بين الامرين في عدم الافادة لهم (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم). قيل: السبعون جار في كلامهم مجرى المثل للتكثير (2). وورد: (إن الله قال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم (فاستغفر لهم مائة مرة ليغفر لهم، فأنزل الله: (سواء عليهم أستغفرت لهم) الاية. فلم يستغفر لهم بعد ذلك) (3). (ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين). (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) بقعودهم عن الغزو (4) خلفه، يقال: أقام خلاف القوم، أي: بعدهم. (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم في سبيل الله) إيثارا للدعة والخفض (وقالوا لا تنفروا في الحر). قاله بعضهم لبعض، وقد سبق قصة الجد بن قيس في ذلك عند تفسير: (ومنهم من يقول ائذن لي) (5) وهذا تفضيح له. (قل نار جهنم أشد حرا) وقد آثرتموها بهذه المخالفة (لو كانوا يفقهون) أن مآبهم إليها، وأنها كيف هي، ما اختاروها بإيثار الدعة والخفض على طاعة الله. (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) إما على ظاهر الامر، وإما إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والاخرة، يعني: فيضحكون قليلا ويبكون كثيرا، ويجوز أن يكون المراد بالضحك والبكاء، السرور والغم. (جزاء بما كانوا يكسبون) من الكفر والنفاق والتخلف. (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم): فإن ردك الى المدينة وفيها طائفة من * هامش * (1): القمي 1: 302. (2): جوامع الجامع 2: 73، والكشاف 2: 205. (3): العياشي 2: 100، الحديث: 92، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. والاية في المنافقين (63): 6. (4): في (الف): (من الغزو). (5): الاية: 49 من نفس السورة.

[ 483 ]

المتخلفين، يعني منافقيهم ممن لم يتب ولم يكن له عذر صحيح في التخلف (فاستأذنوك للخروج) إلى غزوة أخرى بعد تبوك (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا مي عدوا). إخبار في معنى النهي. (إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين). (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا) بأن تدعو له وتستغفر (ولا تقم على قبره) للدعاء له (إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون). قد مر تفسيرها (1)، وهي إما تأكيد، أو تلك في فرقة وهذه في أخرى. (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم): ذووا (2) السعة (وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين) لعذر. (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) قال: (مع النساء) (3). (وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) ما في الجهاد وموافقة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من السعادة، وما في التخلف عنه من الشقاوة. (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) يعني: إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهد من هو خير منهم (وأولائك لهم الخيرات): منافع الدارين، النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة ونعيمها في الاخرة (وأولائك هم المفلحون). (أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذل الفوز العظيم). * هامش * (1): في ذيل الاية: 55 من نفس السورة. (2): في (ب): (ذو السعة). (3): العياشي 2: 103، الحديث: 97، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 484 ]

(وجاء المعذرون): المقصرون، من عذر في الامر: إذا توانى ولم يجد فيه. وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيها يفعل ولا عذر له، أو من (اعتذر) - بالادغام (1) -: إذا مهد العذر، وهم الذين يعتذرون بالباطل (من الاعراب): أهل البدو (ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) في ادعاء الايمان، فلم يجيبوا، ولم يعتذروا (2). (سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم) بالقتل والنار. (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) كالهرمى والزمنى (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون) لفقرهم (حرج) إثم في التخلف (إذا نصحوا لله ورسوله) بالايمان والطاعة في السر والعلانية (ما على المحسنين من سبيل): لا جناح عليهم و لا عتاب (والله غفور رحيم). (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) يعني معك (قلت لا أجد ما أحملكم عليه) القمي: سألوا نعلا يلبسونها (3). (تولوا وأعينهم تفيض): 503 سورة يونس [ مكية، وهي مائة وتسع آيات ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب الحكيم) *: ذي الحكمة، أو المحكم آياته. * (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) * سابقة وفضلا، سميت قدما لان السبق بها، كما سميت النعمة يدا لانها باليد تعطى، وإضافتها إلى الصدق لتحققها، والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية. قال: " إن معنى " قدم صدق " شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " 2. وفي رواية: " هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " 3. أقول: وهذا يرجع إلى ذاك، وفي أخرى: " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام " 4. أقول: وهذا لان الولاية من شروط الشفاعة، وهما ملازمتان.


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - مجمع البيان 5 - 6: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 8: 364، الحديث: 554، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر 1: 422، الحديث 50، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ".

[ 485 ]

بالمعاذير الكاذبة (لن نؤمن لكم): لن نصدقكم (قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله): أتتوبون من الكفر (1) أم تثبتون عليه ؟ (ثم تردون الى عالم الغيب والشهادة) أي: إليه، فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم، لا يفوت عن علمه شئ من ضمائرهم وأعمالهم (فينبئكم بما كنتم تعملون) بالتوبيخ والعقاب. (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم) فلا تعاتبوهم (فأعرضوا عنهم) ولا توبخوهم (إنهم رجس): لا يؤثر فيهم التوبيخ والنصح والعتاب، ولا سبيل إلى تطهيرهم (ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون). (يحلفون لكم لترضوا عنهم) فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم (فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) ولا ينفعهم رضاكم إذا كان الله ساخطا عليهم. ورد: (من التمس رضا الله بسخط الناس، رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط الناس عليه) (2). القمي: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرضون للمنافقين ويؤذونهم، وكانوا يحلفون لهم أنهم على الحق وليسوا بمنافقين، لكي يعرضوا عنهم. فأنزل الله: (سيحلفون بالله لكم) الاية (3). (الاعراب): أهل البدو (4) (أشد كفرا ونفاقا) من أهل الحضر، لتوحشهم وقساوتهم وجفائهم، ونشوهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل (وأجدر ألا يعلموا): وأحق بأن لا يعلموا (حدود ما أنزل الله على رسوله) من الشرايع (والله عليم) بحال * هامش * (1): في (ب) و (ج): (عن الكفر). (2): مجمع البيان 5 - 6: 61، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (3): القمي 1: 302. (4): البدو: البادية والنسبة إليه بدوي. الصحاح 6: 2278 (بدا).

[ 486 ]

كل من أهل الوبر والمدر (1) (حكيم) فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم. (ومن الاعراب من يتخذ): يعد (ما ينفق): ما يصرفه في سبيل الله ويتصدق به (مغرما): غرامة وخسرانا، إذ لا يحتسبه عند الله ولا يرجو عليه ثوابا، وإنما ينفق رياء وتقية. (ويتربص بكم الدوائر): دوائر الزمان وعقباته وحوادثه، لينقلب الامر عليكم فيتخلص من الانفاق. (عليهم دائرة السوء). اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه، أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم. (والله سميع) لما يقولون عند الانفاق (عليم) بما يضمرون. (ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربات): سبب قربات (عند الله وصلوات الرسول): وسبب دعواته، لانه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم. (ألا إنها قربة لهم). شهادة من الله لهم بصحة معتقدهم، و تصديق لرجائهم. (سيدخلهم الله في رحمته). وعد لهم. (إن الله غفور رحيم). تقرير لهم. (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار) القمي: هم النقباء وأبو ذر والمقداد وسلمان وعمار، ومن آمن وصدق وثبت على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام (2). وفي نهج البلاغة: (لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الارض، فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر) (3). (والذين اتبعوهم بإحسان): بالايمان والطاعة الى يوم القيامة (رضي الله عنهم) بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم (ورضوا عنه) بما نالوا من نعمه من الدينية والدنيوية (4) (وأعد لهم جنات تجري تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك * هامش * (1): أهل الوبر والمدر، أي: أهل البوادي والمدن والقرى، وهو من: وبر الابل، لان بيوتهم يتخذونها منه، والمدر: جمع مدرة وهي البنية. النهاية 5: 144 (وبر). (2): القمي 1: 303. (3): نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 280، الخطبة 189. (4): في (ب): (من النعمة الدينية والدنيوية).

[ 487 ]

الفوز العظيم): (وممن حولكم): ممن حول بلدتكم، يعني المدينة (من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق): تمهروا فيه وتمرنوا (لا تعلمهم): لا تعرفهم بأعيانهم، وهو تقرير لمهارتهم فيه، يعني يخفون عليك، مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تحاميهم مواقع الشك في أمرهم. (نحن نعلمهم) ونطلع على أسرارهم (سنعذبهم مرتين) قيل: هما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، عند قبض أرواحهم، وعذاب القبر (1). (ثم يردون إلى عذاب عظيم): عذاب النار. (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم). قال: (نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر) (2). وقد سبقت قصته عند تفسير: (لا تخونوا الله والرسول) من سورة الانفال (3). وفي رواية: (أولائك قوم مؤمنون، يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ويكرهونها. فأولائك عسى الله أن يتوب عليهم) (4). وفي أخرى: (هم قوم اجترحوا ذنوبا، مثل قتل حمزة وجعفر الطيار، ثم تابوا، ثم قال: ومن قتل مؤمنا لم يوفق للتوبة، إلا أن الله لا يقطع طمع العباد فيه ورجاءهم منه. قال: و (عسى) من الله واجب) (5). (خذ من أموالهم صدقة). القمي: نزلت حين أطلق أبو لبابة وعرض ماله للتصدق (6). (تطهرهم) الصدقة، أو أنت (وتزكيهم بها) أي: تنسبهم إلى الزكاء، والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الانماء والبركة في المال. (وصل * هامش * (1): جوامع الجامع 2: 81. (2): القمي 1: 303، ومجمع البيان 5 - 6: 67، عن أبي جعفر عليه السلام. (3): الاية: 27. (4): راجع: العياشي 2: 106، الحديث: 109، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: (أولائك قوم مذنبون يحدثون وإيمانهم من الذنوب...). (5): العياشي 2: 105، الحديث: 106، مرفوعا. (6): القمي 1: 304.

[ 488 ]

عليهم): وترحم بالدعاء لهم (إن صلاتك سكن لهم): تسكن إليها نفوسهم و تطمئن بها قلوبهم (والله سميع) يسمع دعاءك لهم (عليم) يعلم ما يكون منهم. ورد: (فإنه كان إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: اللهم صل عليهم) (1). وورد: (إن هذه الاية جارية في الامام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (2). وقال: (لما نزلت آية الزكاة: (خذ من أموالهم صدقة) وأنزلت في شهر رمضان فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مناديه فنادى في الناس: إن الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، ففرض الله عليهم من الذهب والفضة، وفرض عليهم الصدقة من الابل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ونادى بهم ذلك (3) في رمضان، وعفا لهم عما سوى ذلك. قال: ثم لم يعرض (4) لشئ من أموالهم، حتى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا وأفطروا، فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيها المسلمون زكوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال: ثم وجه عمال الصدقة وعمال الطسوق (5)) (6). (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده) إذا صحت (ويأخذ الصدقات) إذا صدرت عن خلوص النية، يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدي بدله. قال: (أي: يقبلها من أهلها ويثيب عليها) (7). وورد: (إن الله يقول: ما من شئ إلا وقد وكلت به من يقبضه غيري إلا الصدقة، فإني أتلقفها بيدي تلقفا (8)، حتى أن الرجل ليتصدق بالتمرة أو بشق التمرة فأربيها له كما * هامش * (1): مجمع البيان 5 - 6: 68، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (2): العياشي 2: 106: 111، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): في المصدر: (فنادى فيهم بذلك). (4): في المصدر: (لم يفرض) وفي نسخة (ب): لم يتعرض). (5): الطسق - كفلس - مكيال، أو ما يوضع من الخراج على الجربان. أو شبه ضريبة معلومة وكأنه مولد أو معرب. القاموس المحيط 3: 266 (طسق). (6): الكافي 3: 497، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7): التوحيد: 3: 162، الباب: 17، ذيل الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8): لقفه وتلقفه: تناوله بسرعة. القاموس المحيط 3: 203 (لقف).

[ 489 ]

يربي الرجل فلوه (1) وفصيله (2)، فيأتي يوم القيامة وهو مثل أحد وأعظم من أحد) (3). وفي رواية: (ضمنت على ربي أن الصدقة لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الرب، وهو قوله تعالى: (ويأخذ الصدقات) (4). (وفي أخرى: (إذا ناولتم السائل شيئا فاسألوه أن يدعو لكم، فإنه يجاب له فيكم، ولا يجاب في نفسه، لانهم يكذبون، وليرد الذي ناوله، يده إلى فيه، فيقبلها، فإن الله عز وجل يأخذها قبل أن تقع في يده، كما قال عز وجل: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) (5). (وأن الله هو التواب الرحيم). (وقل اعملوا) ما شئتم (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) خيرا كان أو شرا. قال: (المؤمنون هم الائمة) (6). وفي رواية: (إيانا عنى). (7) وفي أخرى: (ليس هكذا هي، إنما هي والمأمونون، فنحن المأمونون) (8). وورد: (تعرض الاعمال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلام، أعمال العباد، كل صباح أبرارها و فجارها (9)، فاحذرواها، وهو قول الله عز وجل: (وقل اعملوا) الاية) (10). وفي رواية: (قيل له: ادع الله لي ولاهل بيتي، فقال: أو لست أفعل ؟ والله إن * هامش * (1): الفلو - بالكسر - الجحش والمهر فطما أو بلغا السنة. القاموس المحيط 4: 377 (فلو). (2): الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه. القاموس المحيط 4: 30 (فصل). (3): الكافي 4: 47، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): العياشي 2: 108، الحديث: 118، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن علي بن الحسين عليهما السلام. (5): الخصال 2: 619، ذيل الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (6): الكافي 1: 219، الحديث: 2، والعياشي 2: 109، الحديث: 125، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7): الامالي (للطوسي) 2: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8): الكافي 1: 424، الحديث: 62، عن أبي عبد الله عليه السلام. (9): الابرار جمع بر - بالفتح - بمعنى البار، والفجار جمع فاجر فيكون قوله عليه السلام: (أبرارها وفجارها) بدل تفصيل للعباد، ويحتمل أن يكون بدل تفصيل لاعمال العباد فيقرآن بالرفع. وفي إطلاق الابرار والفجار على الاعمال تجوز. على أنه يحتمل كون الابرار حينئذ جمع البر - بالكسر - وربما يقرأ الفجار - بكسر الفاء وتخفيف الجيم - جمع فجار مبنيا على الكسر وهو اسم الفجور. أو جمع فجر - بالكسر - وهو ايضا الفجور. مرآة العقول 3: 4. (10): الكافي 1: 219، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 490 ]

أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة. قال: فاستعظمت ذلك، فقال: أما تقرأ كتاب الله عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) ؟ قال: هو والله علي بن أبي طالب عليه السلام) (1). (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون). (وآخرون مرجون) مؤخرون، موقوف أمرهم، من أرجأته (لامر الله) في شأنهم (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم) بأحوالهم (حكيم) فيما يفعل بهم. قال: (هم قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثم إنهم دخلوا في الاسلام، فوحدوا اله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فيجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم، فيكفروا فيجب لهم النار، فهم على تلك الحال، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) (2). (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) مضارة للمؤمنين (وكفرا): وتقوية للكفر الذي كانوا يضمرونه (وتفريقا بين المؤمنين) الذين كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قبا، أرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم (وإرصادا): وإعدادا (لمن حارب الله ورسوله من قبل) يعني أبا عامر الراهب. روي: (أنه كان يقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته، إلى أن هرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومات بقنسرين وحيدا) (3). (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى): ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى، و هي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين (والله يشهد إنهم لكاذبون) * هامش * (1): الكافي 1: 219، الحديث: 4، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام. (2): الكافي 2: 407، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. وفيه: (فتجب) في كلا الموضعين. (3): الكشاف 2: 213، والبيضاوي 3: 80.

[ 491 ]

في حلفهم. وورد ما ملخصه: (إن المنافقين اتفقوا وبايعوا لابي عامر الراهب - الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفاسق - وجعلوه أميرا عليهم وبخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة لئلا أتهم إلى أن يتم تدبيركم، وكاتبوا (أكيدر) - صاحب دومة الجندل - ليقصد المدينة، فأوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعرفه ما أجمعوا عليه من أمره وأمره بالمسير إلى تبوك. قال: فلما صح عزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرحلة إلى تبوك، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا، وهو مسجد الضرار، يريدون الاجتماع فيه، ويوهمون أنه للصلاة، وإنما كان ليجتمعوا فيه لعلة الصلاة، فيتم تدبيرهم ويقع هناك ما يسهل به لهم ما يريدون، ثم جاء جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصية عن مسجدك وإنا نكره الصلاة في غير جماعة، ويصعب علينا الحضور، وقد بنينا مسجدا، فچن رأيت أن تقصده وتصلي فيه لنتيمن ونتبرك بالصلاة في موضع مصلاك، فلم يعرفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عرفه الله من أمرهم ونفاقهم. قال: وقال: أنا على جناح سفر فأمهلوا حتى أرجع إن شاء الله تعالى ثم أنظر في هذا نظرا يرضاه الله. قال: وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غانما ظافرا، وأبطل الله كيد المنافقين، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإحراق مسجد الضرار، فأنزل الله تعالى: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا) الايات) (1). (لا تقم فيه أبدا) أي: لا تصل فيه أبدا. يقال: فلان يقوم بالليل، أي: يصلي. (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) من أيام وجوده. قال: (يعني مسجد قبا). قيل: أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصلى فيه أيام مقامه بقبا (3). (أحق أن * هامش * (1): تفسير الامام عليه السلام: 482 و 483 و 488، عن أبي الحسن الاول عليه السلام. (2): الكافي 3: 296، الحديث: 2، والعياشي 2: 111، الحديث: 135، عن أبي عبد الله عليه السلام، والحديث: 136، عن الصادقين عليهما السلام. (3): البيضاوي 3: 81، والكشاف 2: 114.

[ 492 ]

تقوم فيه): أولى بأن تصلي فيه. قال: (يعني من مسجد النفاق) (1). (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال: (بالماء عن الغائط والبول) (2). (والله يحب المتطهرين). ورد: (إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لاهل قبا: ماذا تفعلون في طهركم ؟ فإن الله قد أحسن عليكم الثناء ! قالوا: نغسل أثر الغائط. فقال: أنزل الله فيكم: (والله يحب المتطهرين) (3). (أفمن أسس بنيانه): بنيان دينه (على تقوى من الله ورضوان): على قاعدة محكمة، هي الحق الذي هو التقوى من الله، وطلب مرضاته بالطاعة (خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار): على قاعدة، هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق، الذي مثله كمثل شفا جرف هار في قلة الثبات. والشفا: الشفير. وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر (4) أصله بالماء وتجرفه السيول. والهار: الهائر الذي أشفى على السقوط والهدم. (فانهار به في نار جهنم) لما جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل قيل: (فانهار به في نار جهنم). والمعنى: فهوى به الباطل في نار جهنم، فكأن المبطل أسس بنيانا على شفير جهنم، فطاح به إلى قعرها. قال: (مسجد الضرار، الذي أسس على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) (5). (والله لا يهدي القوم الظالمين) الى ما فيه صلاح ونجاة. (لا يزال بنيانهم الذي بنوا) يعني مسجد الضرار (ريبة في قلوبهم): سبب شك وازدياد نفاق في قلوبهم لا يضمحل أثره، ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، رسخ ذلك في قلوبهم وازداد، بحيث لا يزول رسمه (6) عنها. (إلا أن تقطع قلوبهم) قطعا بحيث لا يبقى لها قابلية الادراك والاضمار، وفي قراءتهم عليهم السلام: (إلى * هامش * (1): العياشي 2: 111، الحديث: 136، عن الصادقين عليهما السلام. (2) مجمع البيان 5 - 6: 73، عن الصادقين عليهما السلام. (3): المصدر، مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (4): في (ب): (ينحفر). (5): القمي 1: 305، عن أبي جعفر عليه السلام. (6): في (الف): (لا يزال وسمه).

[ 493 ]

أن تقطع) (1). القمي: يعني حتى تقطع (2) قلوبهم (3). (والله عليم) بنياتهم (حكيم) فيما أمر بهدم بنائهم. (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة). تمثيل لاثابة الله إياهم بالجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى) أي: لا أحد أوفى (بعهده من الله فاستبشرا ببيعكم الذي بايعتم به) فافرحوا به غاية الفرح إذ بعتم فانيا بباق وزائلا بدائم. (وذلك هو الفوز العظيم). (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) أي: هم التائبون. وفي قراءتهم عليهم السلام: (التائبين) الى قوله: (والحافظين) على أنها صفة للمؤمنين. سئل عن العلة في ذلك فقال: اشترى من المؤمنين التائبين العابدين) (4). قال: (لما نزلت هذه الاية: (إن الله اشترى) قام رجل فقال: يا نبي الله أرأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلا أنه يقترف من هذه المحارم، أشهيد هو ؟ فأنزل الله على رسوله: (التائبون) الاية، فبشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المجاهدين من المؤمنين، الذين هذه صفتهم وحليتهم، بالشهادة والجنة. وقال: التائبون من الذنوب، العابدون: الذين لا يعبدون إلا الله ولا يشركون به شيئا، الحامدون: الذين يحمدون الله على كل حال في الشدة والرخاء، السائحون الصائمون الراكعون الساجدون: الذين يواظبون على الصلوات الخمس، الحافظون لها والمحافظون عليها بركوعها وسجودها والخشوع فيها وفي أوقاتها، الآمرون بالمعروف بعد ذلك والعاملون به، والناهون عن المنكر والمنتهون عنه. * هامش * (1): جوامع الجامع 2: 86، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2): في المصدر: (حتى تنقطع). (3): القمي 1: 305. (4): الكافي 1: 377، الحديث: 569، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 494 ]

قال: فبشر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة) (1). والقمي: نزلت الاية في الائمة، لانه وصفهم بصفة لا تجوز في غيرهم، فالآمرون بالمعروف: هم الذين يعرفون المعروف كله، صغيره وكبيره ودقيقه وجليله، والناهون عن المنكر: هم الذين يعرفون المنكر كله، صغيره وكبيره، والحافظون لحدود الله: هم الذين يعرفون حدود الله، صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليلها. ولا يجوز أن يكون بهذه الصفة غير الائمة عليهم السلام (2). وفي رواية: سئل عن قوله: (إن الله اشترى). فقال: (يعني في الميثاق ثم قرئ عليه: (التائبون) (3)، فقال: إذا رأيت هؤلاء، فعند ذلك هؤلاء اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، يعني في الرجعة) (4). (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم) بموتهم على الشرك، أو بوحي من الله (أنهم أصحاب الجحيم). (وما كان استغفار إبراهيم لابيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه). ورد: إنه سأل: (ما يقول الناس في قول الله: (وما كان استغفار إبراهيم لابيه) فقيل: يقولون: إن (5) إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له. قال: ليس هو هكذا، إن أبا إبراهيم وعده أن يسلم فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله، تبرأ منه) (6). وفي رواية: (لما مات تبين له أنه عدو لله، فلم يستغفر له) (7). القمي: إن إبراهيم قال لابيه: إن لم * هامش * (1): الكافي 5: 15، ذيل الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (2): القمي 1: 306. (3): في المصدر: (ثم قرأت عليه: (التائبون العابدون) فقال أبو جعفر عليه السلام: لا ولكن اقرأها: (التائبين العابدين). (4): العياشي 2: 112، الحديث: 140، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): لم ترد كلمة (ان) في (ب) و (ج). (6): العياشي 2: 114، الحديث: 146، عن أبي عبد الله عليه السلام. (7): المصدر، الحديث: 148، مضمرا.

[ 495 ]

تعبد الاصنام استغفرت لك، فلما لم يدع الاصنام تبرأ منه (1). أقول: ويؤيده قوله تعالى: (إلا قول إبراهيم لابيه لأستغفرن لك) (2) فنحمل الرواية الاولى على وقوع الوعد من كلا الطرفين. (إن إبراهيم لأواه حليم). ورد: (الأواه: هو الدعاء) (3). وفي رواية: (الأواه: المتضرع إلى الله في صلاته، وإذا خلا في قفر من الارض، وفي الخلوات) (4). (وما كان الله ليضل): ليخذل (قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) قال: (حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه) (5). (إن الله بكل شئ عليم) يعلم أمرهم في الحالين. (إن الله له ملك السماوات والارض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) لا تتأتى ولاية ولا نصر إلا من الله، فتوجهوا بشراشركم إليه، وتبرؤوا عما عداه. (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار). في قراءتهم عليهم السلام: (لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين) (6). قال: (هكذا نزلت) (7). وفي رواية: قيل له: إن العامة تقرأ: (لقد تاب الله على النبي) فقال: ويلهم ! وأي ذنب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تاب الله منه ؟ إنما تاب الله به على أمته) (8). (الذين اتبعوه في ساعة العسرة). القمي: في قصة تبوك، هم أبو ذر وأبو خيثمة بن وهب، الذين تخلفوا ثم لحقوا * هامش * (1): القمي 1: 306. (2): الممتحنة (60): 4. (3): الكافي 2: 466، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (4): القمي 1: 306، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): الكافي 1: 163، الحديث: 3، العياشي 2: 115، الحديث: 150، والتوحيد: 411، الباب: 64، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. (6): مجمع البيان 5 - 6: 80، عن أبي الحسن الثاني عليه السلام. (7): القمي 1: 297، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8): الاحتجاج 1: 98، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 496 ]

برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر في عذر تخلف أبي ذر: أن جمله كان أعجف (1)، فلحق بعد ثلاثة أيام حاملا ثيابه على ظهره، لوقوف جمله عليه في بعض الطريق (2)، قيل: (العسرة): حالهم في غزوة تبوك، كان يعتقب العشرة على بعير واحد، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر المدود والاهالة السنخة (3)، وبلغت الشدة بهم أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة، وكانوا في حمارة (4) القيظ، وفي الضيقة الشديدة من القحط وقلة الماء (5). (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) عن الثبات على الايمان ومن اتباع الرسول في تلك الغزوة. القمي: وكان الكفار خمسة و عشرين ألف رجل، والمؤمنون خمسة وعشرين رجلا (6). (ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم). (وعلى الثلاثة الذين خلفوا). في قراءتهم عليهم السلام: (خالفوا. قال: إنما نزل: خالفوا، ولو خلفوا لم يكن عليهم عتب) (7). القمي: في قصة تبوك، وقد كان تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوم من المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين، لم يعثر عليهم في نفاق، منهم: كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي، فلما بلغهم إقبال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ندموا، فلما وافوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلموا عليه فلم يرد عليهم السلام وأعرض عنهم، وسلموا على إخوانهم فلم يردوا * هامش * (1): عجف الفرس عجفا، من باب تعب: ضعف. المصباح المنير 2: 48 (عجف). (2): القمي 1: 294 و 297. (3): ساس وسوس الطعام: وقع فيه السوس (دود يقع في الصوف والطعام) فهو المسوس والمسوس. وداد الطعام ودود: صار فيه الدود فهو المدود والمدود. والاهالة - بكسر الهمزة - الشحم المذاب و قيل: دهن يؤتدم به، وقيل الدسم الجامد. والسنخة: المتغيرة الريح، يقال: سنخ الدهن: إذا فسد و تغيرت ريحه (راجع: القاموس ومجمع البحرين والصحاح). (4): حمارة - بتخفيف الميم وشدة الراء -: شدة الحر. (القاموس المحيط 2: 14 - حمر) وفي نسخة (ب) و (ج) حمازة - بالزاء - وهي الشدة. القاموس المحيط 2: 180 (حمز). (5): جوامع الجامع 2: 296. (7): المصر: 297 وفيه: (عيب) بدل (عتب).

[ 497 ]

عليهم، فبلغ ذلك أهليهم فقطعوا كلامهم، فخرجوا إلى ذناب (1) جبل بالمدينة، فكانوا يصومون وأهلوهم يأتونهم بالطعام، فيضعونه ناحية ثم يولون عنهم فلا يكلمونهم، فبقوا على هذه الحالة أياما كثيرة، يبكون بالليل والنهار ويدعون الله أن يغفر لهم، فلما طال عليهم الامر حلفوا أن لا يكلم أحد منهم صاحبه حتى يموت أو يتوب اله عليه، فبقوا على هذه ثلاثة أيام، حتى نزلت توبتهم (2). هذا ملخص قصتهم. (حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت) أي: مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم، كأنهم لا يجدون في الارض موضع قرار، وذلك حيث لم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إخوانهم ولا أهلوهم، فضاقت المدينة عليهم حتى خرجوا منها (وضاقت عليهم أنفسهم) حيث حلفوا أن لا يكلم بعضهم بعضا، فتفرقوا (وظنوا): وعلموا (أن لا ملجأ من الله): من سخط الله (إلا إليه ثم تاب عليهم) لما عرف صدق نياتهم. قال: (هي الاقالة) (3). (ليتوبوا): ليعودوا الى حالتهم الاولى (إن الله هو التواب الرحيم) لمن تاب، ولو عاد في اليوم مائة مرة. (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). ورد: (إيانا عنى) (4). وفي رواية: (الصادقون هم الائمة، والصديقون بطاعتهم) (5). وفي أخرى: (لما نزلت هذه الاية قال سلمان: يا رسول الله عامة هذه الاية أم خاصة ؟ فقال: أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلك، وأما الصادقون فخاصة لأخي علي عليه السلام وأوصيائي من بعده إلى * هامش * (1): الذناب - بكسر الذال -: عقب كل شئ. الصحاح 1: 128 (ذنب). (2): القمي 1: 296. (3): معاني الاخبار: 215، باب: توبة الله عز وجل على الخلق، الحديث: 7 1 عن أبي عبد الله عليه السلام. (4): الكافي 1: 208، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. (5): المصدر، الحديث: 2، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام.

[ 498 ]

يوم القيامة) (1). وفي قراءتهم عليهم السلام: (من الصادقين) (2). (ماكان لأهل المدينة ومن حولها من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء، و يكابدوا معه الشدائد برغبة ونشاط، كما فعله أبو ذر وأبو خيثمة. (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ): شئ من العطش (ولا نصب): تعب (ولا مخمصة): مجاعة (في سبيل الله): في طريق الجهاد (ولا يطؤون): ولا يدوسون (3) بأرجلهم وبحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم (موطئا): موضعا (يغيظ الكفار) وطأهم إياه، ويضيق صدورهم بتصرفهم في أرضهم (ولا ينالون من عدو نيلا) بقتل، أو أسر 7 أو نهب (إلا كتب لهم به عمل صالح) واستوجبوا الثواب عند الله (إن الله لا يضيع أجر المحسنين). (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا): أرضا في مسيرهم (إلا كتب لهم ليجزيهم الله) جزاء (أحسن ما كانوا يعملون). (وما كان المؤمنون لينفروا كافة): وما استقام لهم أن ينفروا جميعا، لنحو غزو وطلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يثبطوا (4) جميعا. (فلولا نفر من كل فرقة منهم): فهلا نفر من كل جماعة كثيرة، كقبيلة وأهل بلدة (طائفة): جماعة قليلة (ليتفقهوا في الدين): ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا مشاق تحصيلها. (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) عما ينذرون منه. قال: (أمرهم أن ينفروا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلام ويختلفوا إليه فيتعلموا، ثم يرجعون الى قومهم فيعلموهم) (5). وفي * هامش * (1): كمال الدين 1: 278، الباب: 24، الحديث: 25. عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2): مجمع البيان 5 - 6: 80، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): الدوس: الوطء بالرجل. القاموس المحيط 2: 225 (دوس). (4): في (ج): (أن يتثبطوا). (5): علل الشرايع 1: 85، الباب: 79، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 499 ]

رواية: (كان هذا حين كثر الناس، فأمرهم الله أن ينفر منهم طائفة ويقيم طائفة للتفقه، و أن يكون الغزو نوبا) (1). أقول: يعني يبقى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة للتفقه وإنذار النافرة، فيكون النفر للغزو، والقعود للتفقه. وورد: (تفقهوا في الدين، فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إن الله يقول في كتابه: (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) (2). (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) قال: (الديلم) (3). والقمي: يجب على كل قوم أن يقاتلوا من يليهم ممن يقرب من الامام، ولا يجوزوا ذلك الموضع (4). (وليجدوا فيكم غلظة): شدة وصبرا على القتال. القمي: أي: غلظوا لهم القول والقتل (5). (واعلموا أن الله مع المتقين) بالحراسة والاعانة. (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم): فمن المنافقين (من يقول) إنكارا واستهزاء: (أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة، وانضمام الايمان بها وبما فيها (وهم يستبشرون) بنزولها، لانه سبب زيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم. وقد سبق لزيادة الايمان ونقصانه بيان في أوائل سورة الانفال (6). (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم) قال يقول: (شكا الى شكهم) (7). (وماتوا وهم كافرون). * هامش * (1): مجمع البيان 5 - 6: 83، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): الكافي 1: 31، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. (3): العياشي 2: 118، الحديث: 163، عن أبي عبد الله عليه السلام. (4) و (5): القمي 1: 307. (6): في ذيل الاية: 4. (7): العياشي 2: 118، الحديث: 164، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 500 ]

(أو لا يرون أنهم يفتنون): يبتلون بأصناف البليات. القمي: يمرضون (1). (في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون). (وإذا ما أنزلت سورة نظر يعضهم إلى بعض): تغامزوا بالعيون، إنكارا لها وسخرية، أو غيظا لما فيها من عيوبهم. (هل يراكم من أحد) أي: يقولون: هل يراكم أحد من المسلمين إن قمتم وانصرفتم، فإنا لا نصبر على استماعه، وترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال فإن لم يرهم أحد قاموا، وأن يرهم أحد أقاموا، (ثم انصرفوا): تفرقوا، مخافة الفضيحة (صرف الله قلوبهم) عن الايمان والانشراح به بالخذلان. القمي: عن الحق إلى الباطل، باختيارهم الباطل على الحق (2). قيل: وهو يحتمل الدعاء والاخبار (3). (بأنهم قوم لا يفقهون). (لقد جاءكم رسول من أنفسكم). القمي: مثلكم في الخلقة (4). وفي قراءتهم عليهم السلام: (من أنفسكم، أي: من أشرفكم) (5). (عزيز عليه): شديد شاق (ما عنتم): عنتكم ولقاؤكم المكروه. والقمي: ما أنكرتم وجحدتم (6). (حريص عليكم): على إيمانكم وصلاح شأنكم جميعا (بالمؤمنين رؤوف رحيم). (فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم). قال: (أي: الملك العظيم) (7). ورد: (رسول من أنفسكم). قال: فينا. (عزيز عليه ما عنتم). قال: فينا. (حريص عليكم) قال: فينا. (بالمؤمنين رؤوف رحيم). قال: شركنا المؤمنين في هذه الرابعة، وثلاثة لنا) (8). وفي رواية: (فلنا ثلاثة أرباعها ولشيعتنا * هامش * (1)، (2)، (4) و (6): القمي 1: 308. (3): البيضاوي 3: 85. (5): جوامع الجامع 2: 94. (7): التوحيد: 321، الباب: 50، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (8): العياشي 2: 118، الحديث: 165، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 501 ]

ربعها) (1). وفي أخرى: (هكذا أنرل الله: لقد جاءنا رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا بالمؤمنين رؤوف رحيم) (2). * هامش * (1): العياشي 2: 118، الحديث: 166، عن أبي جعفر عليه السلام. (2): الكافي 8: 378، الحديث: 570، عن أبي عبد الله عليه السلام. القيمة) * أيحسبون أن لايجازوا عليه ؟ * (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) *. * (وما تكون في شأن) *: في أمر * (وماتتلوا منه) *: من الشأن * (من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه) *: تخوضون فيه وتندفعون. القمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ هذه الاية بكى بكاء شديدا 3. * (ومايعزب عن ربك) *: وما يبعد ومايغيب عن علمه * (من مثال ذرة) *: مايوازن نملة صغيرة، أوهباء * (في الارض ولافى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين) *. * (ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم) * من لحوق مكروه * (ولاهم يحزنون) * بفوات مأمول. * (الذين ءامنوا وكانوا يتقون) *. بيان لاولياء الله، أو استيناف خبره ما بعده. قال: " هم نحن وأتباعنا ممن تبعنا من بعدنا، طوبى لنا وطوبى لهم، وطوباهم أفضل من طوبانا. قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا ؟ ألسنا نحن وهم على أمر ؟ قال: لا، إنهم حملوا ما لم تحملوا، وأطاقوا ما لم تطيقوا " 4. وفي رواية: " طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " 5. وفي أخرى: " هم


1 - الانعام (6): 138. 2 - الانعام (6): 139. 3 - القمي 1: 313. 4 - العياشي: 2: 124، الحديث: 30، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - كمال الدين 2: 357، الباب: 33، الحديث: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 503 ]

سورة يونس [ مكية، وهي مائة وتسع آيات ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب الحكيم) *: ذي الحكمة، أو المحكم آياته. * (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) * سابقة وفضلا، سميت قدما لان السبق بها، كما سميت النعمة يدا لانها باليد تعطى، وإضافتها إلى الصدق لتحققها، والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية. قال: " إن معنى " قدم صدق " شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم " 2. وفي رواية: " هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " 3. أقول: وهذا يرجع إلى ذاك، وفي أخرى: " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام " 4. أقول: وهذا لان الولاية من شروط الشفاعة، وهما ملازمتان.


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - مجمع البيان 5 - 6: 89، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 8: 364، الحديث: 554، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر 1: 422، الحديث 50، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ".

[ 504 ]

* (قال الكفرون إن هذا لسحر مبين) * أي: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى قراءة: " لسحر، يعنون الكتاب وما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا منه أمورا خارقة للعادة، معجزة إياهم عن المعارضة. * (إن ربكم الله الذى خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش) *. قد سبق تفسيره عند آية السخرة 1. * (يدبر الامر) *: يقدره ويقضيه ويرتبه في مراتبه على أحكام عواقبه، والتدبير: النظر في أدبار الامور لتجئ محمودة العاقبة، والامر: أمر الخلق كله. * (مامن شفيع إلا من بعد إذنه) *. تقرير لعظمته وعز جلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله. * (ذلكم الله ربكم) * لاغير، إذ لا يشاركه أحد في شئ من ذلك * (فاعبدوه) * وحده لا تشركوا به شيئا * (أفلا تذكرون) *. يعني أنه أدنى تذكر، ينبه على الخطأ فيما أنتم عليه، وعلى أنه المستحق للعبادة لاماتعبدونه. * (إليه مرجعكم جميعا) *: إليه رجوعكم في العاقبة، فاستعدوا للقائه * (وعد الله حقا) *: وعد وعدا حقا * (إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت بالقسط) *: بعدله أوبعدالتهم في أمورهم * (والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) * يستحقونه بسوء اعتقادهم وشوم أفعالهم. * (هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب) *: حساب الاوقات، من الاشهر والايام والليالي * (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) * الذي هو الحكمة البالغة * (يفصل الايت لقوم يعلمون) *. * (إن في اختلف اليل والنهار وما خلق الله في السموت والارض لايت لقوم يتقون) *. * (إن الذين لا يرجون لقاءنا) *: لايتوقعونه، لانكارهم البعث، وذهولهم


1 - الاعراف (7): 54. (*)

[ 505 ]

بالمحسوسات عما وراءها * (ورضوا بالحيوة الدنيا) * من الاخرة لغفلتهم عنها * (واطمأنوا بها) *: وسكنوا إليها سكون من لا يزعج 1 عنها * (والذين هم عن ءايتنا غفلون) * لايتأملونها ولا ينظرون فيها. * (أولئك مأوهم النار بما كانوا يكسبون) *. * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت يهديهم ربهم بإيمنهم) * لاستقامتهم على سلوك الطريق المؤدي إلى الجنة * (تجرى من تحتهم الانهر في جنت النعيم) *. * (دعوهم فيها سبحنك اللهم) *: دعاؤهم فيها: اللهم إنا نسبحك تسبيحا * (وتحيتهم فيها سلم وءاخر دعوهم) *: وخاتمة دعائهم: * (أن الحمد لله رب العلمين) *. * (ولو يعجل الله الناس الشر) * الذي دعوا به عند زجر، أواستحقوه * (استعجالهم بالخير) *: كما يعجل لهم الخير ويجيبهم إليه * (لقضى إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغينهم يعمهون) *. يعني لانعجل لهم الشر، ولانقضي إليهم أجلهم، بل نمهلهم إمهالا. * (وإذا مس الانسن الضر دعانا) * لدفعه مخلصا فيه * (لجنبه) * أي: مضطجعا * (أو قاعدا أو قائما) * يعني أنه لا يزال داعيا في جميع حالاته لايفتر، حتى يزول عنه الضر. * (فلما كشفنا عنه ضره مر) * على طريقته الاولى قبل أن مسه الضر، أومر عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه * (كأن لم يدعنا) *: كأنه لم يدعنا * (إلى ضر مسه) *: كشف ضر * (كذلك) *: مثل ذلك التزيين * (زين للمسرفين ما كانوا يعملون) * من الانهماك في الشهوات، والاعراض عن العبادات، عند الرخاء. * (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا) * بالتكذيب * (وجاءتهم رسلهم


1 - أزعجه: أقلقه وقلعه من مكانه. مجمع البحرين 2: 304 (زعج). (*)

[ 506 ]

بالبينت) *: بالحجج الدالة على صدقهم * (وما كانوا ليؤمنوا) * لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم، لعلمه بإصرارهم على الكفر، وأنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن لزمهم الحجة بإرسال الرسل. * (كذلك نجرى القوم المجرمين) *. * (ثم جعلنكم خلئف في الارض) *: استخلفناكم فيها * (من بعدهم) *: من بعد القرون التي أهلكناهم * (لننظر كيف تعملون) *: خيرا أو شرا. * (وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينت قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا) *: قرآن آخر ليس فيه مايغيظنا 1 من ذم عبادة الاوثان والوعيد لعابديها * (أوبدله) * بأن تجعل مكان آية العذاب آية الرحمة، وتسقط ذكر الالهة وذم عبادتها * (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقآى نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى إنى أخاف إن عصيت ربى) * في التبديل والنسخ من عند نفسي * (عذاب يوم عظيم) *. * (قل لو شآء الله ماتلوته عليكم ولاأدركم به) *: ولاأعلمكم به على لساني، يعني أن تلاوته ليست إلا بمشية الله، وإحداثه أمرا عجيبا خارقا للعادة، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ساعة من عمره، ولا نشأ في بلد فيه العلماء، فيقرأ عليكم كتابا بهر بفصاحته كل كلام فصيح، مشحونا بعلم ماكان وما يكون. * (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله) *: فقد أقمت فيما بينكم ناشئا 2 وكهلا مقدار أربعين سنة فلم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحو ذلك فتتهموني باختراعه * (أفلا تعقلون) *. * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بايته إنه لا يفلح المجرمون) *. * (ويعبدون من دون الله مالايضروهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله) * تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا والاخرة * (قل أتنبون الله بما لا يعلم في السموت ولافى الارض) *: أتخبرونه بما ليس بمعلوم للعالم بجميع المعلومات، يعني


1 - في " الف ": " تغيظنا ". 2 - نشأ - كمنع ]: شب والناشئ: الغلام والجارية جاوزا حد الصغر. القاموس المحيط 1: 31 (نشأ). (*)

[ 507 ]

بما ليس * (سبحنه وتعلى عما يشركون) *. القمي: كانت قريش يعبدون الاصنام، ويقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فإنا لا نقدر على عبادة الله، فرد الله عليهم، فقال: قل لهم: يا محمد " أتنبئون الله بما لا يعلم " أي: ليس. فوضع حرفا مكان حرف، أي ليس له شريك يعبد 1. * (وما كان الناس إلا أمة وحدة) * يعني: قبل بعث نوح كانوا على الفطرة، لامهتدين ولاضلالا، كما سبق بيانه 2. * (فاختلفوا) * ببعثة الرسل، فتبعهم طائفة وأضرب أخرى * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * بتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة * (لقضى بينهم) * عاجلا * (فيما فيه يختلفون) * ولتميز المحق من المبطل، ولكن الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار للتكليف والاختبار، وتلك للثواب والعقاب. * (ويقولون لولا أنزل عليه ءاية من ربه) * أي: من الايات التي اقترحوها * (فقل إنما الغيب لله) *: هو المختص بعلمه، ولكل أمر أجل * (فانتظروا) * لنزول مااقترحتموه * (إنى معكم من المنتظرين) * لما يفعل الله بكم. * (وإذا أذقنا الناس رحمة) *: صحة وسعة * (من بعد ضراء مستهم) * كمرض وقحط * (إذا لهم مكر) * فاجؤا وقوع المكر منهم * (في ءاياتنا) * بالطعن والاحتيال في دفعها. قيل: قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون، ثم لما رحمهم الله بالمطر، طفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله 3. * (قل الله أسرع مكرا) * منكم، قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدكم. والمكر: إخفاء الكيد، وهو من الله: الاستدراج والجزاء على المكر. * (إن رسلنا يكتبون ماتمكرون) *. إعلام بأن ما يظنونه خافيا، غير خاف على الله، وتحقيق للانتقام.


1 - القمي 1: 310. 2 - في سورة البقرة ذيل الاية: 213. 3 - الكشاف 2: 231، والبيضاوي 3: 89. (*)

[ 508 ]

* (هو الذى يسيركم) *: يحملكم على السير ويمكنكم منه بتهيئة أسبابه * (في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك) *: في السفن * (وجرين بهم) *: بمن فيها. عدل عن الخطاب الى الغيبة، للمبالغة، كأنه يذكر لغيرهم ليتعجب من حالهم. * (بريح طيبة) *: لينة الهبوب * (وفرحوا بها) *: بتلك الريح * (جآءتها) *: جاءت السفن * (ريح عاصف) *: شديدة الهبوب * (وجاءهم الموج من كل مكان) * من أمكنة الموج * (وظنوا أنهم أحيط بهم) * أي: أهلكوا، يعني: سدت عليهم مسالك الخلاص، كم أحاطت به العدو، وهو مثل في الهلاك. * (دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشكرين) *. * (فلما أنجهم إذا هم يبغون في الارض) *: فاجؤا الفساد فيها، وسارعوا إلى ما كانوا عليه * (بغير الحق) *: مبطلين فيه، وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة، فإنها إفساد بحق. * (يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) *: وباله عليكم. قال: " ثلاث يرجعن على صاحبهن: النكث والبغي والمكر. ثم تلا هذه الاية " 1. * (متع الحيوة الدنيا) *: يتمتعون متاعها * (ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون) *. * (إنما مثل الحيوة الدنيا) *: حالها العجيبة، في سرعة تقضيها، وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها * (كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعم حتى إذا أخذت الارض زخرفها) *: زينتها * (وازينت) *: وتزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة * (وظن أهلها أنهم قدرون عليها) *: متمكنون من حصدها ورفع غلتها * (أتهآ أمرنا) * ضربها عاهة وآفة بعد أمنهم وإيقانهم أن قد سلم * (ليلا أو نهارا فجعلنها) *: فجعلنا زرعها * (حصيدا) *: شبها 2 بما يحصد من الزرع من أصله * (كأن لم تغن بالامس) *: كأن لم يوجد زرعها فيما قبيلة، و " الامس ":


1 - العياشي 2: 121، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في " ج ": " شبيها. (*)

[ 509 ]

مثل في الوقت القريب، والممثل به مضمون الحكاية لا الماء، وإن وليه حرف التشبيه، لانه من التشبيه المركب. * (كذلك نفصل الايت لقوم يتفكرون) *. * (والله يدعوا إلى دار السلم) *: دار الله. قال: " إن السلام هو الله عزوجل، وداره التي خلقها لعباده ولاوليائه، الجنة " 1. * (ويهدى من يشآء إلى صراط مستقيم) * الذي هو طريقها. * (للذين أحسنوا الحسنى) *: المثوبة الحسنى * (وزيادة) *: وما يزيد على المثوبة تفضلا. القمي: هي النظر إلى رحمة الله 2. وورد: " أما الحسنى فالجنة، وأما الزيادة فالدنيا، ما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الاخرة ويجمع لهم ثواب الدنيا والاخرة " 3. وفي رواية: " الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب " 4. * (ولا يرهق وجوههم) *: ولا يغشاها * (قتر) *: غبرة فيها سواد * (ولاذلة) *: أثر هوان * (أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون) *. * (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) * لاتزاد عليها * (وترهقهم ذلة مالهم من الله) *: من سخطه، أو من عنده * (من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما) * لفرط سوادها وظلمتها. قال: " أما ترى البيت إذا كان الليل كان أشد سوادا، فكذلك هم يزدادون سوادا " 5. وقال: " هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات، يسود الله وجوههم، ثم يلقونه ويلبسهم الذلة والصغار " 6. * (أولئك أصحب النار هم فيها خالدون) *. * (ويوم نحشرهم جميعا) * يعني: الفريقين * (ثم نقول للذين أشركوا مكانكم) *:


1 - معاني الاخبار: 177، ذيل الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 311. 3 - المصدر، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 104، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - الكافي 8: 253، الحديث: 355، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: " أشد سوادا من خارج فلذلك ". 6 - القمي 1: 311، عن أبي جعفر عليه السلام. والصغار: الذل والهوان. النهاية 3: 32 (صغر). (*)

[ 510 ]

الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم * (أنتم شركاؤكم فزيلنا بينهم) *: ففرقنا بينهم، وقطعنا الوصل التي كانت بينهم. القمي: يبعث الله نارا تزيل بين الكفار والمؤمنين 1. * (وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون) * لانهم أنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم التي حملتهم على الاشراك لاماأشركوا به، أوالشياطين حيث أمروهم أن يتخذوا 2 لله أندادا فأطاعوهم. * (فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا) *: إنه كنا * (عن عبادتكم لغفلين) *. * (هنالك) *: في ذلك المقام * (تبلوا كل نفس مآأسلفت) *: تختبر ما قدمت من عمل، فتعاين نفعه وضره. * (وردوا إلى الله مولهم الحق) *: ربهم الصادق ربوبيته، المتولي لامرهم على الحقيقة، لامااتخذوه مولى * (وضل عنهم) *: وضاع عنهم * (ما كانوا يفترون) *: يدعون أنهم شركاء الله وأنهم تشفع لهم. * (قل من يرزقكم من السماء والارض) * جميعا بأسباب سماوية وأرضية ؟ * (أمن يملك السمع والابصر) *: أمن يستطيع خلقهما وتسويتهما وحفظهما من الافات ؟ * (ومن يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى) *: ومن يحيي ويميت ؟ * (ومن يدبر الامر فسيقولون الله) *، إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك، لفرط وضوحه. * (فقل أفلا تتقون) * عقابه في عبادة غيره. * (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون) *. * (كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) * أريد بالكلمة كلمة العذاب، إن جعل " أنهم لا يؤمنون " تعليلا، وانتفاء الايمان، إن جعل بدلا. * (قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون) *.


1 - القمي 1: 312. 2 - في " الف ": " أويتخذوا ". (*)

[ 511 ]

* (قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق) * بنصب الحجج وإرسال الرسل والتوفيق للنظر والتدبر ؟ * (قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى) *: لا يهتدى * (إلا أن يهدى) *: يهديه غيره ؟ ورد: " فأما من يهدي إلى الحق فهو محمد وآل محمد عليهم السلام من بعده، وأما من لا يهدي إلا أن يهدى فهو من خالف، من قريش وغيرهم، أهل بيته من بعده " 1. * (فما لكم كيف تحكمون) *. * (وما يتبع أكثرهم) * فيما يعتقدون * (إلا ظنا) *: مستندا إلى خيالات فاسدة. * (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون) *. * (وما كان) *: وما صح ومااستقام * (هذا القرءان أن يفترى من دون الله) *: أن يكون افتراء من الخلق * (ولكن تصديق الذي بين يديه) * من الكتب المنزلة، لانه معجز دونها، وهو عيار عليها 2، شاهد لصحتها * (وتفصيل الكتب) *: وتبيين ما شرع و فرض من الاحكام من قوله: " كتاب الله عليكم 3 ". * (لاريب فيه من رب العلمين) *. * (أم يقولون افتره) *: اختلقه ؟ * (قل) * إن افتريته كما زعمتم * (فأتوا بسورة مثله) * في البلاغة وحسن النظم * (وادعوا من استطعتم) * أن تدعوه للاستعانة به على الاتيان بمثله * (من دون الله إن كنتم صدقين) *. * (بل كذبوا) *: بل سارعوا إلى التكذيب * (بما لم يحيطوا بعلمه) * من القرآن وغيره أول ما سمعوه، قبل أن يتدبروا فيه. * (ولما يأتهم تأويله) *: ولم يقفوا بعد على تأويله و معانيه. ورد: إنه سئل عن الامور العظام من الرجعة وغيرها، فقال: " إن هذا الذي تسألوني عنه لم يأت أو انه. قال الله: " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم


1 - القمي 1: 312، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - عيار الشئ: ما جعل نظاما له يقاس به ويستوى. أقرب الموارد 2: 852 (عير). 3 - النساء (4): 24. (*)

[ 512 ]

تأويله " 1. والقمي: نزلت في الرجعة، كذبوا بها. أي: أنها لا تكون 2. * (كذلك كذب الذين من قبلهم) *: أنبياءهم * (فانظر كيف كان عقبة الظلمين) *. * (ومنهم من يؤمن به) * في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند، أوومنهم من يؤمن به في المستقبل. * (ومنهم من لا يؤمن به) * في نفسه لفرط غباوته 3 وقلة تدبره، أو فيما فيما يستقبل ويصر على الكفر. قال: " هم أعداء آل محمد عليهم السلام من بعده " 4. * (وربك أعلم بالمفسدين) *. * (وإن كذبوك فقل لى عملي ولكم عملكم أنتم بريون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون) * يعنى: وإن يئست من إجابتهم وأصروا على تكذيبك فتبرأ منهم وخلهم، فقد أعذرت إليهم. قيل: هي منسوخة بآية القتال 5. * (ومنهم من يستمعون إليك) * إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع، ولكن لا يقبلون، كالاصم الذي لا يسمع. * (أفأنت تسمع الصم) *: تقدر على إسماعهم * (ولو كانوا لا يعقلون) *: ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم ؟ ! يعني أن حقيقة استماع الكلام ليست إلا فهم المعنى المقصود منهم، وليس ذلك فيهم. * (ومنهم من ينظر إليك) * ويعاينون دلالات نبوتك، ولكن لا يصدقون. * (أفأنت تهدى العمى) *: تقدر على هدايتهم * (ولو كانوا لا يبصرون) *: وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة ؟ ! * (إن الله لا يظلم الناس شيئا) * مما يتصل بمصالحهم من الحواس والعقول. * (ولكن الناس أنفسهم يظلمون) * بإفسادها وتفويت منافعها عليهم. ورد: " إن الله الحليم العليم


1 - العياشي 2: 122، الحديث: 20، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 312. 3 - غبا الشئ وعنه غبا وغباوة: لم يفطن له. القاموس المحيط 4: 370 (غبا). 4 - القمي 1: 312، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 111، والكشاف 2: 238. (*)

[ 513 ]

إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه، وإنما يضل من لم يقبل منه هداه " 1. * (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار) *: يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا، أوالقبور، لهول ما يرون. * (يتعارفون بينهم) *: يعرف بعضهم بعضا، كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلا * (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين) *. * (وإما نرينك بعض الذى نعدهم) * من العذاب في حياتك، كما أراه يوم بدر * (أو نتوفينك) * قبل أن نريك * (فإلينا مرجعهم) * فنريكه في الاخرة * (ثم الله شهيد على ما يفعلون) *. مجاز عليه ذكر الشهادة، وأراد مقتضاها، ولذلك رتبها على الرجوع ب‍ " ثم "، أو المراد: 2 يشهد على أفعالهم يوم القيامة. * (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم) * بالبينات فكذبوه، أو يوم القيامة ليشهد عليهم * (قضى بينهم) *: بين الرسول ومكذبيه * (بالقسط) * بالعدل، فأنجي الرسول و عذب المكذبون * (وهم لا يظلمون) *. قال: " تفسيرها في الباطن، أن لكل قرن من هذه الامة رسولا من آل محمد عليهم السلام يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الاولياء، وهم الرسل. وأما قوله: " فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط " فإن معناه: أن رسل الله يقضون بالقسط وهم لا يظلمون " 3. * (ويقولون متى هذا الوعد) *. استعجال لما وعدوا من العذاب واستبعاد له. * (إن كنتم صدقين) *. شاركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين 4 في الخطاب. * (قل لاأملك لنفسي ضرا ولانفعا) * فكيف أملك لكم الضر ؟ ! * (إلا ما شاء الله) *


1 - الكافي 8: 52، الحديث: 16، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - في " ألف ": " والمراد ". 3 - العياشي 2: 123، الحديث: 23، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في جميع النسخ: " شاركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين " بدون الواو، والصواب ما أثبتناه كما في الصافي 2: 405. (*)

[ 514 ]

أن أملكه، أوماشاء وقوعه فيقع * (لكل أمة أجل) *: لهلاكهم. قال: " هو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر " 1. * (إذا جاء أجلهم فلا يستخرون ساعة ولا يستقدمون) * * (قل أرءيتم) *: أخبروني * (إن أتكم عذابه) * الذي تستعجلونه * (بيتا) *: وقت بيات واشتغال بالنوم * (أو نهارا) *: حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم * (ماذا يستعجل منه المجرمون) *: أي شئ من العذاب يستعجلونه، وليس شئ منه يوجب الاستعجال ؟ وضع المجرمون موضع الضمير، للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعو المجئ الوعيد لاأن يستعجلوه. قال: " هذا عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقه أهل القبلة، وهم يجحدون نزول العذاب عليهم " 2. * (أثم إذا ما وقع ءامنتم به) * بعد وقوعه، حين لاينفكم الايمان به ؟ * (ءآلن) * على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به * (وقد كنتم به تستعجلون) * تكذيبا، واستهزاء. * (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) *. * (ويستنبونك) *: ويستخبرونك * (أحق هو) *: أحق ما تقول من الوعد والوعيد و غير ذلك. قال: " ما تقول في علي عليه السلام " 3. وفي رواية: " ويستنبئك أهل مكة عن علي عليه السلام إمام هو ؟ " 4. * (قل إى) *: نعم * (وربى إنه لحق ومآأنتم بمعجزين) * فائتين أياه. * (ولو أن لكل نفس ظلمت مافى الارض) * من خزائنها وأموالها * (لافتدت به) *: لجعلته فدية لها من العذاب. * (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) * لانهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الامر وهو له. القمي: " ظلمت " يعني آل محمد عليهم السلام


1 - العياشي 2: 123، الحديث: 24، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 312، عن أبى جعفر عليه السلام. 3 - الكافي 1: 430، الحديث 87، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الامالي (للصدوق): 536، المجلس السادس والتسعون، الحديث: 7، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام. (*)

[ 515 ]

حقهم، " لافتدت به " يعني في الرجعة 1. ورد: إنه سئل: ما ينفعهم إسرار الندامة وهم في العذاب ؟ قال: " كرهوا شماتة الاعداء " 2. * (وقضى بينهم بالقسط) * أي: بين الظالمين والمظلومين * (وهم لا يظلمون) *. * (ألا إن لله مافى السموت والارض) *. تقرير لقدرته على الاثابة والعقاب. * (ألا إن وعد الله حق) * لاخلف فيه * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * لان علمهم لا يتجاوز الظاهر من الحياة الدنيا. * (هو يحى ويميت وإليه ترجعون) *. * (يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) * قال: " شفاء من أمراض الخواطر ومشتبهات الامور " 3. وفي رواية: " من نفث الشيطان " 4. * (وهدى ورحمة للمؤمنين) *. * (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا) *. قال: " فضل الله: رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ورحمته: علي بن أبي طالب عليه السلام " 6. وفي رواية: " فضل الله: نبوة نبيكم، ورحمته: ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام " فبذلك " قال: بالنبوة والولاية " فليفرحوا "، يعني الشيعة " 7. * (هو خير مما يجمعون) * قال: " يعني مخالفيهم من الاهل والمال والولد في دار الدنيا " 8. * (قل أرءيتم) *: أخبروني * (ما أنزل الله لكم من رزق) * حلال كله * (فجعلتم منه حراما وحللا) *: فجعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا مثل: " هذه أنعام وحرث


1 - القمي 1: 213. 2 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البحار 3: 152، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الكافي 8: 44، ذيل الحديث: 8، مرفوعة. 5 - في " ب " و " ج ": " رسول الله ". 6 - مجمع البيان 5 - 6: 117، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 و 8 - الامالي (للصدوق): 400، المجلس الرابع والستون، ذيل الحديث: 13، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. (*)

[ 516 ]

حجر " 1 " ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " 2. * (قل ءآلله أذن لكم) * في التحريم والتحليل * (أم على الله تفترون) * في نسبة ذلك إليه. * (وما ظن الذين يفترون على الله الكذب) *: أي شئ ظنهم * (يوم القيمة) * أيحسبون أن لايجازوا عليه ؟ * (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) *. * (وما تكون في شأن) *: في أمر * (وماتتلوا منه) *: من الشأن * (من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه) *: تخوضون فيه وتندفعون. القمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ هذه الاية بكى بكاء شديدا 3. * (ومايعزب عن ربك) *: وما يبعد ومايغيب عن علمه * (من مثال ذرة) *: مايوازن نملة صغيرة، أوهباء * (في الارض ولافى السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين) *. * (ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم) * من لحوق مكروه * (ولاهم يحزنون) * بفوات مأمول. * (الذين ءامنوا وكانوا يتقون) *. بيان لاولياء الله، أو استيناف خبره ما بعده. قال: " هم نحن وأتباعنا ممن تبعنا من بعدنا، طوبى لنا وطوبى لهم، وطوباهم أفضل من طوبانا. قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا ؟ ألسنا نحن وهم على أمر ؟ قال: لا، إنهم حملوا ما لم تحملوا، وأطاقوا ما لم تطيقوا " 4. وفي رواية: " طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " 5. وفي أخرى: " هم


1 - الانعام (6): 138. 2 - الانعام (6): 139. 3 - القمي 1: 313. 4 - العياشي: 2: 124، الحديث: 30، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - كمال الدين 2: 357، الباب: 33، الحديث: 54، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 517 ]

الذين يذكر 1 الله برؤيتهم، يعني في السمت والهيئة " 2. وفي أخرى: " إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، و مشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الاجال التي كتبت عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم، خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب " 3. وفي أخرى: " " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون " إذا أدوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله، وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، لا يريدون التفاخر والتكاثر، ثم أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا، ويثابون على ما قدموا لاخرتهم " 4. * (لهم البشرى في الحيوة الدنيا) *. قال: " هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو يرى له " 5. * (وفى الاخرة) * قال: " هي بشارة المؤمن عند الموت بالمغفرة " 6. وفي رواية: " بالجنة " 7. وهو قوله تعالى: " الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة 8 " وورد: " يبشرهم بقيام القائم عليه السلام وبظهوره وبقتل أعدائهم، وبالنجاة في الاخرة، والورود على محمد وآله الصادقين على الحوض " 9. وفي رواية: " إذا وقعت نفسه في صدره يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول له: أنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبشر، ثم يرى علي بن أبي طالب عليه السلام فيقول: أنا علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كنت تحبه، أنا أنفعك


1 - في " ب ": " يذكرون الله " وهو تصحيف. 2 - جوامع الجامع 2: 119، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والسمت: هيئة أهل الخير، يقال: ما أحسن سمته، أي، هديه. الصحاح 1: 254 (سمت). 3 - الكافي 2: 237، الحديث 25، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 2: 124، الحديث: 31، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 120، عن أبي جعفر عليه السلام، وجوامع الجامع 2: 119، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيهما: " أو ترى له "، وفي الكافي 8: 90، الحديث: 356، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 120، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - النحل (16): 32. 9 - الكافي 1: 429، الحديث: 83، عن أبي جعفر عليه السلام.

[ 518 ]

اليوم. قال: وذلك في القرآن قوله عزوجل: " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الاخرة " 1. * (لا تبديل لكلمت الله) *: لا تغيير 2 لاقواله ولاإخلاف لمواعيده، وهو اعتراض. * (ذلك هو الفوز العظيم) *. * (ولا يحزنك قولهم) *: تكذيبهم وتدبيرهم في إبطال أمرك، وساير ما يتكلمون به في شأنك. * (إن العزة لله جميعا) *: إن الغلبة والقهر جميعا لله، لا يملك أحد شيئا منهما غيره، فهو يغلبهم وينصرك عليهم. * (هو السميع العليم) * لما يقولون وبما يعزمون. * (ألا إن لله من في السموات ومن في الارض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) * يعني لا يتبعون شركاء، فاقتصر على أحدهما، أي شركاء على الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء. * (إن يتبعون إلا الظن) *: إلا ظنهم أنهم شركاء * (وإن هم إلا يخرصون) *: يقدرون تقديرا باطلا، ويجوز أن يكون " ما " في: " وما يتبع " استفهامية، أوموصولة معطوفة على " من ". * (هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لايت لقوم يسمعون) *. * (قالوا اتخذ الله ولدا سبحنه هو الغنى له مافى السموت وما في الارض إن عندكم من سلطن بهذا أتقولون على الله مالا تعلمون) *. * (قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) *. * (متع في الدنيا) * يقيمون به رياستهم في الكفر * (ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون) *. * (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامي) *: عظم وشق


1 - الكافي 3: 133، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - في " ج ": " لا تغير ". (*)

[ 519 ]

مكاني، أوإقامتي 1 بينكم مدة مديدة، أو قيامي على الدعوة * (وتذكيري) * إياكم * (بايت الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم) *: فاعزموا على ما تريدون مع شركائكم، واجتمعوا على السعي في إهلاكي * (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) *: مستورا، واجعلوه ظاهرا مكشوفا، من غمه: إذا ستره. والقمي: لاتغتموا 2. * (ثم اقضوا إلى) *: أدوا إلى ذلك الامر الذي تريدون بي. والقمي: ثم ادعوا علي 3. * (ولا تنظرون) *: ولا تمهلوني. * (فإن توليتم) *: أعرضتم عن تذكيري * (فما سألتكم من أجر) * يوجب توليكم، لثقله عليكم، واتهامكم إياي لاجله * (إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين) *: المنقادين لحكمه. * (فكذبوه) *: فأصروا على تكذيبه في المدة الطويلة * (فنجينه ومن معه في الفلك) * من الغرق * (وجعلنهم خلئف) *: خلفاء لمن هلك بالغرق 4 * (وأغرقنا الذين كذبوا بايتنا فانظر كيف كان عقبة المنذرين) *. * (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينت فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) * قال: " يعني في الميثاق " 5. وورد في تفسيرها: " بعث الله الرسل إلى الخلق وهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن صدق حينئذ صدق بعد ذلك، ومن كذب حينئذ كذب بعد ذلك " 6. وقد مر فيه حديث آخر في الاعراف 7. * (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) *.


1 - في " ب ": " وإقامتي ". 2 و 3 - القمي 1: 314. 4 - في " ب ": " لمن هلك بالغرق في الارض ". 5 - الكافي 1: 428، الحديث: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام، في تفسير الاية: 158 من سورة الانعام. 6 - العياشي 2: 126، الحديث: 36، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - في ذيل الاية: 101. (*)

[ 520 ]

* (ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملايه بايتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) *. * (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين) *. * (قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم) *: إنه لسحر. حذف محكي القول لدلالة ما قبله ومابعده عليه، أو المعنى: أتعيبون الحق وتطعنون فيه ؟ * (أسحر هذا) *. قيل: استيناف بإنكار ما قالوه وليس بمحكي القول، لانهم بتوا القول 1. * (ولايفلح السحرون) *. * (قالوا أجئتنا لتلفتنا) *: لتصرفنا * (عما وجدنا عليه ءابآءنا وتكون لكما الكبرياء في الارض وما نحن لكما بمؤمنين) *. * (وقال فرعون ائتونى بكل سحر عليم) *: حاذق فيه. * (فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآأنتم ملقون) *. * (فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر) * أي: الذي جئتم به هو السحر لاما سميتموه سحرا. * (إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين) *. * (ويحق الله الحق بكلمته ولو كره المجرمون) *. * (فماء امن لموسى إلا ذرية من قومه) *: أولاد. قيل: أي: طائفة من شبانهم 2. * (على خوف من فرعون وملايهم أن يفتنهم) *: أن يعذبهم * (وإن فرعون لعال في الارض وإنه لمن المسرفين) * في الكبر والعتو والظلم والفساد، حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الانبياء. * (وقال موسى) * لما رأى تخوف المؤمنين به: * (يقوم إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا) *: فثقوا به وأسندوا أمركم إليه واعتمدوا عليه، ولا تخافوا من فرعون وقومه


8 - النحل (16): 32. (*)

[ 521 ]

* (إن كنتم مسلمين) *: مستسلمين لقضاء الله مخلصين له، وليس هذا تعليق الحكم بشرطين، فإن المعلق بالايمان وجوب التوكل، فإنه المقتضي له، والمشروط بالاسلام حصوله، فإنه لا يوجد مع التخليط، نظيره، إن دعاك فلان فأجبه إن قدرت. * (فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين) * قال: " لا تسلطهم علينا فتفتنهم بنا " 1. وفي رواية: " استعبدهم آل فرعون وقالوا: لو كان لهؤلاء كرامة كما يقولون، ماسلطنا عليهم. فقال موسى لقومه: " يا قوم " الاية " 2. أقول: هذه الرواية تفسر الاولى 3. وقيل: أي: لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا أو يعذبونا 4. * (ونجنا برحمتك من القوم الكفرين) *: من كيدهم واستعبادهم إيانا. * (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيويتا) *: اتخذاها لهم مباءة 5، أي: مرجعا يرجعون إليه للعبادة * (واجعلوا بيوتكم قبلة) *: مصلى * (وأقيموا الصلوة) * فيها. قال: " لما خافت بنو إسرائيل جبابرتها، أوحى الله إلى موسى وهارون " أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا، واجعلوا بيوتكم قبلة ". قال: أمروا أن يصلوا في بيوتهم " 6. * (وبشر المؤمنين) * بالنصرة في الدنيا والجنة في العقبى. * (وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملاه زينة) *: ما يتزين به من اللباس والفرش والمراكب ونحوها * (وأمولا) *: وأنواعا من المال * (في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك) *. القمي: أي: يفتنوا الناس بالاموال، ليعبدوه ولا يعبدوك 7. واللام


1 - مجمع البيان 5 - 6: 128، والعياشي 2: 127، الحديث: 38، عن الصادقين عليهما السلام. 2 - القمي 1: 314، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في " ب ": " تفسير الاولى " 4 - تفسير أبي السعود 4: 171. 5 - في " ألف " و " ج ": " مباة " وفي " ب ": " مباتا ". 6 - القمي 1: 315، عن موسى بن جعفر عليهما السلام. 7 - المصدر: 315. (*)

[ 522 ]

للعاقبة. * (ربنا اطمس على أمولهم) *: أهلكها وامحقها * (واشدد على قلوبهم) * و أقسها واطبع عليها، حتى لاتنشرح للايمان * (فلا يؤمنوا حتى يرو العذاب الاليم) *. لما لم يبق له طمع في أيمانهم اشتد غضبه عليهم، فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره. * (قال قد أجيبت دعوتكما) * يعني موسى وهارون. قال: " دعا موسى وأمن هارون وأمنت الملائكة " 1. * (فاستقيما) *: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ولا تستعجلا، فإن ماطلبتما كائن، ولكن في وقته. ورد: " كان بين قول الله: " قد أجيبت دعوتكما " وبين أخذ فرعون أربعون سنة " 2. * (ولاتتبعآن سبيل الذين لا يعلمون) * في الاستعجال وعدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله. * (وجوزنا ببني إسرءيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال ءامنت أنه ءامنت أنه لا إله إلا الذئ امنت به بنوا إسرءيل وأنا من المسلمين) *. * (ءآلن) *: أتؤمن الآن وقد آيست من نفسك ولم يبق لك اختيار * (وقد عصيت قبل) *: قبل ذلك مدة عمرك * (وكنت من المفسدين) *: الضالين المضلين عن الايمان. * (فاليوم ننجيك ببدنك) *: ننقذك عاريا عن الروح، مما وقع فيه قومك من البحر أو نلقيك على نجوة من الارض، وهي المكان المرتفع * (لتكون لمن خلفك ءاية) *: علامة يظهر لهم عبوديتك ومهانتك * (وإن كثيرا من الناس عن ءايتنا لغفلون) *: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. قال: " إن قوم فرعون ذهبوا أجمعين في البحر فلم ير منهم أحد، هو وافي البحر إلى النار، وأما فرعون فنبذه الله وحده، فألقاه بالساحل لينظروا إليه وليعرفوه، ليكون لمن خلفه آية، ولئلا يشك أحد في هلاكه، إنهم كانوا اتخذوه ربا فأراهم الله إياه جيفة ملقاة


1 - الكافي 2: 510، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 2 - العياشي 2: 127، الحديث: 40، والكافي 2: 489، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيهما: " أربعين سنة ".

[ 523 ]

بالساحل ليكون لمن خلفه عبرة وعظة. يقول الله " وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " 1. وفي رواية: " وقد كان فرعون من قرنه إلى قدمه في الحديد، قد لبسه على بدنه، فلما غرق ألقاه الله على نجوة من الارض ببدنه، ليكون لمن بعده علامة، فيرونه مع تثقله بالحديد على مرتفع من الارض وسبيل الثقيل 2 أن يرسب ولا يرتفع، فكان ذلك آية و علامة، ولعلة أخرى أغرقه الله، وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله، فأوحى الله إليه: يا موسى لم تغث فرعون، لانك لم تخلقه، ولو استغاث بي لاغثته " 3. * (ولقد بوأنا بنى إسرءيل مبوأ صدق) *: منزلا صالحا مرضيا وهو الشام ومصر. القمي: ردهم إلى مصر وغرق فرعون 4. * (ورزقنهم من الطيبت) *: اللذائذ * (فما اختلفوا) * في أمر دينهم وما تشعبوا شعبا * (حتى جاءهم العلم) * بدين الحق وقرؤوا التوراة وعلموا أحكامها، وفي أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظافر معجزاته. * (إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) * فيميز المحق من المبطل، بالانجاء والاهلاك. * (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) * * (ولا تكونن من الذين كذبوا بايت الله فتكون من الخسرين) *. قال: " المخاطب بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن في شك مما أنزل الله، ولكن قالت الجهلة: كيف


1 - القمي 1: 316، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - في " ب ": " وسبيل الثقل " وفي " ألف ": " وسبيل الثقيل يرسب ". وما في المتن موافق للمصدر. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 78، الباب: 32، الحديث: 7. 4 - القمي 1: 316. (*)

[ 524 ]

لا يبعث إلينا نبيا من الملائكة، لنفرق بينه وبين غيره في الاستغناء عن المأكل والمشرب والمشي في الاسواق ؟ فأوحى الله إلى نبيه: " فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " بمحضر من الجهلة، هل بعث الله رسولا قبلك إلا وهو يأكل الطعام ويمشي في الاسواق ؟ ولك بهم أسوة، وإنما قال: " فإن كنت في شك " ولم يكن، ولكن ليتبعهم، كما قال: " فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " 1 ولو قال: تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله عليكم، لم يكونوا يجيبون للمباهلة، فقد عرف أن نبيه عليه السلام مؤدعنه رسالته وما هو من الكاذبين وكذلك عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صادق فيما يقول، ولكن أحب أن ينصف من نفسه " 2. وورد: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لاأشك ولاأسأل " 3. وفي رواية " لما أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء، وأوحى الله إليه في علي عليه السلام ما أوحى، من شرفه ومن عظمته عند الله، ورد إلى البيت المعمور وجمع له النبيين وصلوا خلفه، عرض في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عظم ما أوحى إليه في علي عليه السلام، فأنزل الله: " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك " يعني الانبياء. فقد أنزلنا إليهم في كتبهم من فضله ما أنزلنا في كتابك " لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين ". قال: فوالله ما شك وما سأل " 4.


1 - آل عمران (3): 61. 2 - العياشي 2: 128، الحديث: 42، وعلل الشرايع 1: 129، الباب: 107، الحديث: 1، عن أبي الحسن الهادي عليه السلام. 3 - علل الشرايع 1: 130، الباب 107، الحديث: 2، مرفوعا عن أحدهما عليهما السلام. 4 - القمي 1: 316، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 525 ]

أقول: وعلى كلتا الروايتين، فالخطاب من قبيل: إياك أعني واسمعي يا جاره. * (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك) * بأنهم يموتون كفارا * (لا يؤمنون) *. * (ولو جاءتهم كل ءاية حتى يروا العذاب الاليم) * وحينئذ لا ينفعهم، كما لم ينفع فرعون. * (فلولا) *: فهلا * (كانت قرية) * من القرى التي أهلكناها * (ءامنت) * قبل معاينة العذاب، ولم تؤخر إليها أخر فرعون إلى أن أدركه الغرق * (فنفعهآ إيمنهآ) * بأن يقبله الله منها، ويكشف العذاب عنها * (إلا قوم يونس) *: لكن قوم يونس * (لما ءامنوا) * أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله * (كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحيوة الدنيا ومتعنهم إلى حين) *. ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي، لتضمن حرف التحضيض معناه، فيكون الاستثناء متصلا، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس. قال: " مارد الله العذاب إلا عن قوم يونس، وكان يونس يدعوهم إلى الاسلام فتأبوا ذلك، فهم أن يدعو عليهم، وكان فيهم رجلان عابد وعالم، وكان اسم أحدهما " مليخا " والاخر اسمه " روبيل "، وكان العابد يشير على يونس بالدعاء عليهم، وكان العالم ينهاه ويقول: لا تدع عليهم، فإن الله يستجيب لك ولا يحب هلاك عباده. فقبل قول العابد ولم يقبل من العالم، فدعا عليهم، فأوحى الله إليه: يأتيهم العذاب في سنة كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في يوم كذا وكذا، فلما قرب الوقت خرج يونس من بينهم مع العابد، وبقي العالم فيها، فلما كان في ذلك أليوم نزل العذاب. فقال العالم لهم: يا قوم افزعوا إلى الله، فلعله يرحمكم فيرد العذاب عنكم. فقالوا: كيف نصنع ؟ قال: اخرجوا إلى المفازة، وفرقوا بين النساء والاولاد، وبين الابل وأولادها، وبين البقر وأولادها، وبين الغنم وأولادها، ثم ابكوا وادعوا. فذهبوا وفعلوا ذلك

[ 526 ]

وضجوا 1 وبكوا، فرحمهم الله وصرف عنهم العذاب وفرق العذاب على الجبال، وقد كان نزل وقرب منهم " 2 الحديث. ويأتي تمامه في سورة الانبياء إن شاء الله 3. وفي رواية: " أصبحوا أول يوم وجوههم صفر، وأصبحوا اليوم الثاني ووجوههم سود، وأتاهم العذاب حتى نالوه برماحهم، ففرقوا بين الامهات وأولادهن، ولبسوا المسوح والصوف، ووضعوا الحبال في أعناقهم والرماد على رؤوسهم، وضجوا ضجة واحدة إلى ربهم وقالوا: آمنا بإله يونس. فضرب الله عنهم العذاب، وأصبح يونس وهو يظن أنهم هلكوا فوجدهم في عافية " 4. * (ولو شآء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا) *: مجتمعين على الايمان لا يختلفون فيه * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) *. * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) *. قال: " إن المسلمين قالوا: لو أكرهت يارسول الله من قدرت عليه من الناس على الاسلام، لكثر عددنا وقوتنا على عدونا 5. فقال: ماكنت لالقى الله ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا، وما أنا من المتكلفين، فأنزل الله عليه: يا محمد " ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا " على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة رؤية البأس في الاخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولامدحا، ولكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ". وأما قوله: " وما كان


1 - في " ألف ": " فضجوا ". 2 - القمي 1: 317 - 318، عن أبي عبد الله عليه السلام. وتراه بالتفصيل في العياشي 2: 129 - 134، الحديث: 44، عن أبي جعفر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - في ذيل الاية: 87. 4 - العياشي 2: 136، الحديث: 46، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - في المصدر: " وقوينا على عدونا ".

[ 527 ]

لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله " [ فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله ] 1 وإذنه: أمره لها بالايمان، ما كانت مكلفة متعبدة، وإلجاؤه 2 إياها الايمان عند زوال التكليف والتعبد عنها " 3. * (قل انظروا ماذا في السموت والارض) * من عجائب صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته. * (وما تغنى الايت والنذر عن قوم لا يؤمنون) *. " ما " نافية، أو استفهامية. قال: " الايات: الائمة، والنذر: الانبياء عليهم السلام " 4. * (فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) *: مثل وقايعهم ونزول بأس الله بهم، إذ لا يستحقون غيرها * (قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين) *. * (ثم ننجي رسلنا والذين ءامنوا) * يعني نهلك الامم ثم ننجي * (كذلك حقا علينا) *: حق ذلك علينا حقا، وهو اعتراض. * (ننج المؤمنين) * أي: حين نهلك المشركين. قال: " ما يمنعكم أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الامر أنه من أهل الجنة، إن الله يقول: " كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين " 5. * (قل يأيها الناس إن كنتم في شك من دينى) * وصحته * (فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذى يتوفكم) *. خص التوفي بالذكر للتهديد. * (وأمرت أن أكون من المؤمنين) *: المصدقين بالتوحيد، فهذا ديني. * (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) *: وأمرت بالاستقامة والسداد في الدين، بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح * (ولا تكونن من المشركين) *.


1 - مابين المعقوفتين لم ترد في " الف ". 2 - في المصدر: " وألجاه ". 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 135، الباب: 11، الحديث: 33. 4 - الكافي 1: 207، الحديث: 1، والقمي 1: 320، عن أبي عبد الله عليه السلام 5 - العياشي 2: 138، الحديث: 51، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 528 ]

* (ولا تدع من دون الله مالا ينفعك) * إن دعوته * (ولا يضرك) * إن خذلته * (فإن فعلت) *: فإن دعوته * (فإنك إذا من الظلمين) * فإن الشرك لظلم عظيم. القمي: مخاطبة للنبي والمعني الناس 1. * (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله) *. ذكر المس مع الضر والارادة مع الخير تنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الاول، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لااستحقاق لهم عليه، ولم يستثن لان مراد الله لا يمكن رده. * (يصيب به) * أي: بالخير * (من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم) * فتعرضوا لرحمته 2 بالطاعة، ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية. * (قل يأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم) * ولم يبق لكم عذر * (فمن اهتدى) *: اختار الهدى بالايمان والطاعة * (فإنما يهتدى لنفسه) * لان نفعه لها * (ومن ضل) *: اختار الضلال بالجحود * (فإنما يضل عليها) * لان وباله عليها * (وما أنا عليكم بوكيل) *: بحفيظ موكول إلي أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير. * (واتبع ما يوحى إليك) * بالامتثال والتبليغ * (واصبر) * على دعوتهم واحتمال أذاهم * (حتى يحكم الله) * لك بالنصر والغلبة * (وهو خير الحكمين) * لانه لا يحكم إلا بالحق والعدل.


1 - القمي 1: 320. 2 - في " ب ": " فتعرضوا الرحمة ". (*)

[ 529 ]

سورة هود [ مكية إلا الايات 12 و 17 و 114، وآياتها مائة وثلاث وعشرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أحكمت ءايته) *: نظمت نظما محكما لا نقص فيه ولاخلل، كالبناء المحكم * (ثم فصلت) * بدلائل التوحيد والمواعظ والاحكام والقصص. ومعنى " ثم " التراخي في الحال لافي الوقت. قال: " هو القرآن " 2. * (من لدن حكيم خبير) *. * (ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير وبشير) * بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد. * (وأن استغفروا ربكم) * من الشرك والمعصية * (ثم توبوا إليه) * بالايمان والطاعة * (يمتعكم متعا حسنا) *: يعشكم في أمن ودعة * (إلى أجل مسمى) * هو آخر أعماركم * (ويؤت كل ذى فضل) * في دينه * (فضله) *: جزاء فضله في الدنيا والاخرة * (وإن تولوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير) * القمي: يعني الدخان والصيحة 3.


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - القمي 1: 321، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 321. (*)

[ 530 ]

* (إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير) * فيقدر على تعذيبكم أشد عذاب. * (ألا إنهم يثنون صدورهم) *: يعطفونها * (ليستخفوا منه) *. قال: " إن المشركين كانوا أذا مروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول البيت طأطأ أحدهم ظهره ورأسه هكذا، وغطى رأسه بثوبه حتى لا يراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله الاية " 1. والقمي: يكتمون ما في صدورهم من بغض علي عليه السلام 2. * (ألا حين يستغشون ثيابهم) *: يتغطون بثيابهم * (يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور) *. القمي: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث بشئ من فضل علي عليه السلام، أوتلا عليهم ما أنزل الله فيه، نفضوا ثيابهم 3 ثم قاموا، يقول الله: " يعلم ما يسرون وما يعلنون " حين قاموا 4. * (وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها) * لتكفله إياه تفضلا ورحمة * (ويعلم مستقرها ومستودعها) * قال: " من الارحام والظهور إلى أن يتناهى 5 بهم الغايات " 6. * (كل) * من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها * (في كتب مبين) *: مذكور في اللوح المحفوظ. * (وهو الذى خلق السموت والارض في ستة أيام) *. سبق تأويله 7. * (وكان عرشه على الماء) * قبل خلقهما. قال: " يعني أن الله حمل دينه وعلمه الماء قبل أن يكون سماء أو أرض أوجن أوإنس أوشمس أوقمر " 8. * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * أي: خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لكم، وينعم عليكم بفنون النعم،


1 - الكافي 8: 144، الحديث: 115، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - القمي 1: 321. 3 - نفض الثوب: حركة لينتفض. القاموس المحيط 2: 359 (نفض). 4 - القمي 1: 321. 5 - في المصدر: " تتناهى ". 6 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 123، الخطبة: 90. 7 - في سورة الاعراف (7): 54. 8 - التوحيد: 319، الباب: 49، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 531 ]

ويكلفكم ويعزضكم لثواب الاخرة، ويفعل بكم ما يفعل المبتلي لاحوالكم، ليظهر أيكم أحسن عملا. قال: " ليس يعني أكثركم عملا، ولكن أصوبكم عملا، وإنما الاصابة خشية الله والنية الصادقة " 1. وروي: " أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله " 2. * (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) *. تمويه لاحقيقة له. * (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة) *: إلى جماعة من الاوقات قليلة. قال: " يعني به الوقت " 3. وفي رواية: " الامة المعدودة أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر " 4. وفي أخرى: " يعني عدة كعدة بدر " 5. * (ليقولن) * استعجالا واستهزاء: * (ما يحبسه) *: ما يمنعه من الوقوع * (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم) * قال: " يعني العذاب " 6. * (وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) *: وأحاط بهم، وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد. * (ولئن أذقنا الانسن منا رحمة ثم نزعنها منه إنه ليؤس) *: شديد اليأس من أن تعود إليه تلك النعمة * (كفور) *: عظيم الكفران لنعمه. * (ولئن أذقنه نعماء بعد ضراء مسته) * كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم. في اختلاف الفعلين في الاسناد نكتة لاتخفى. * (ليقولن ذهب السيات عنى) * أي: المصائب التي ساءتني وحزنتني * (إنه لفرح) *: أشر بطر مغتر بها * (فخور) * على الناس بما أنعم الله عليه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر والقيام بحقها. وفي لفظتي الاذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الانسان في الدنيا من النعم والمحن كالانموذج لما يجده في الاخرة، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شئ، لان الذوق


1 - الكافي 2: 16، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " أكثر عملا ". 2 - الكشاف 2: 260، والبيضاوي 3: 103، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 و 4 - القمي 1: 323. عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 و 6 - العياشي 2: 140، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 532 ]

إدراك الطعم، والمس مبدء الوصول. * (إلا الذين صبروا) * في الشدة على الضراء، إيمانا بالله واستسلاما لقضائه * (وعملوا الصلحت) * في الرخاء، شكرا لالائه، سابقها ولاحقها * (أولئك لهم مغفرة و أجر كبير) *. * (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك) *: تترك تبليغه مخافة ردهم و استهزائهم * (وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز) * ينفقه في الاستتباع، كالملوك * (أوجآء معه ملك) * يصدقه ؟ * (إنما أنت نذير) *: ليس عليك إلا الانذار بما أوحى إليك ولا عليك، ردوا، أو اقترحوا، فما بالك يضيق به صدرك * (والله على كل شئ وكيل) * لا أنت، فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم و أفعالهم. قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: إني سألت ربي أن يوالي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يواخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل. فقال رجلان من قريش: والله لصاع من تمر في شن 1 بال أحب إلينا مما سأل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه، فهلا سأل ربه ملكا يعضده على عدوه، أو كنزا يستغني به عن فاقته ؟ والله ما دعاه إلى حق ولا باطل إلا أجابه الله إليه. فأنزل الله تعالى إليه: " فلعلك تارك " الاية " 2. وفي رواية: " إنه صلى الله عليه وآله وسلم سأل الله تعالى لعلي عليه السلام المودة في صدور المؤمنين، والهيبة والعظمة في صدور المنافقين. فقال " رمع " 3: والله لصاع ألى قوله: فاقته. فأنزل الله عشر آيات من هود، أولها: " فلعلك تارك " 4.


1 - الشن: القربة الخلق الصغيرة. القاموس المحيط 4: 242 (شن). 2 - الكافي 8: 378، الحديث: 572، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - كلمة مقلوبة. 4 - العياشي 2: 142، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 533 ]

* (أم يقولون افتره قل فأتوا بعشر سور مثله) * في البيان وحسن النظم * (مفتريت) *: مختلقات من عند أنفسكم، إن صح أني اختلقته من عند نفسي، فإنكم عرب فصحاء مثلي، تقدرون على مثل ما أقدر عليه، بل أنتم أقدر، لتعلمكم القصص، وتعودكم الاشعار. * (وادعوا من استطعتم من دون الله) * إلى المعاونة على المعارضة * (إن كنتم صدقين) * أنه مفترى. * (فإلم يستجيبوا لكم) * أيها المؤمنون من دعوتموهم إلى المعارضة، أو أيها الكافرون من دعوتموهم إلى المعاونة * (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) *: متلبسا بما لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه * (وأن لاإله إلا هو) * لظهور عجز المدعوين * (فهل أنتم مسلمون) *. * (من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها) * بإحسانه وبره * (نوف إليهم أعملهم فيها) *: نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا، من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الاولاد. قال: " يعني فلان وفلان " 1. * (وهم فيها لا يبخسون) *: لا ينقصون شيئا من أجورهم. * (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار) * لانهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة، وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة. * (وحبط ما صنعوا فيها) *: في الاخرة * (وبطل ما كانوا يعملون) * لانه لم يعمل على ما ينبغي. القمي: يعني من عمل الخير على أن يعطيه الله ثوابه في الدنيا، أعطاه الله ثوابه في الدنيا، وكان له في الاخرة النار 2. * (أفمن كان على بينة من ربه) *: على برهان من الله يدله على الحق والثواب فيما يأتيه ويذره، والهمزة لانكار أن يعقب من هذا شأنه، هؤلاء المقصرين


1 - العياشي 2: 142، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " يعني فلانا وفلانا ". 2 - القمي 1: 324. (*)

[ 534 ]

هممهم وأفكارهم على الدنيا، وأن يقارب بينهم في المنزلة، يعني أفمن كان على بينة كمن يريد الحياة الدنيا ؟ كيف وبينهما بون بعيد ! * (ويتلوه شاهد منه) *: ويتبعه شاهد يشهد له منه * (ومن قبله كتب موسى) * يعني التوراة * (إماما ورحمة) *. قال أمير المؤمنين عليه السلام. " محمد صلى الله عليه وآله وسلم على بينة من ربه، وأنا الشاهد، وأنا منه " 1. وورد: " إنما نزل: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه إماما ورحمة ومن قبله كتاب موسى. قال: فقدموا وأخروا في التأليف " 2. ويستفاد من بعض الروايات: أن المراد بالبينة القرآن، وأن يتلوه في التلاوة 3. وفي رواية " شاهد من الله محمد " 4. وعلى هذا فيعم " من كان على بينة " كل مؤمن مخلص ذو 5 بصيرة في دينه. * (أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الاحزاب) *: من تحزب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم * (فالنار موعده) * يردها لا محالة. ورد: " لا يسمع بي أحد من الامة لا يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار " 6. * (فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) *. * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظلمين) *. * (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) *: ويصفونها بالانحراف عن الحق والصواب * (وهم بالاخرة هم كفرون) * ورد: " هم أربعة ملوك من قريش يتبع بعضهم بعضا " 7. " والاشهادهم الائمة عليهم السلام " 8.


1 - الامالى (للطوسي) 1: 381. ويقرب منه ما في العياشي 2: 143، الحديث: 13، عن أمير المؤمنين عليه السلام 2 - القمي 1: 324، عن أبي جعفر عليه السلام، مع زيادة. 3 - بصائر الدرجات: 133، الباب: 9، ذيل الحديث: 2، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 150، عن حسين بن علي عليهما السلام. 5 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " ذا بصيرة " كما في الصافي. 6 - مجمع البيان 5 - 6: 150، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 7 - العياشي 2: 143، الحديث: 14، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - المصدر: 142، ذيل الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 535 ]

أقول: الملوك الاربعة معروفة 1. القمي: " ألا لعنة الله على الظالمين " آل محمد عليهم السلام حقهم، و " سبيل الله " طريق الله، وهو الامامة. " يبغونها عوجا ": حرفوها إلى غيره 2. * (أولئك لم يكونوا معجزين في الارض) *: ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم * (وما كان لهم من دون الله من أولياء) * يمنعونهم من العقاب لو أراد عقابهم، ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم. * (يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع) * لتصامهم عن الحق وبغضهم له. القمي: ماقدرو أن يسمعوا بذكر أمير المؤمنين عليه السلام 3. * (وما كانوا يبصرون) * لتعاميهم عن آيات الله. * (أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) *. * (لاجرم أنهم في الاخرة هم الاخسرون) * خسروا بما بذلوا وضاع 4 عنهم ماحصلوا، فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة، ولا أحد أبين وأكثر خسرانا منهم. * (إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وأخبتوا إلى ربهم) *: اطمأنوا إليه وخشعوا له * (أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون) * * (مثل الفريقين) *: الكافر والمؤمن * (كالاعمى والاصم والبصير والسميع) *: كالاعمى وكالاصم 5، أوكالاعمى الاصم وكذا في نظيره، وذلك لتعامي الكافر عن آيات الله وتصامه عن استماع كلام الله، وتأبيه عن تدبر معانيه. * (هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) * بضرب الامثال والتأمل فيها. * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إنى لكم نذير مبين) * أبين لكم موجبات العذاب


1 - قال في الصافي (2: 439): هم الثلاثة ومعاوية. 2 - القمي 1: 325. وفيه: " وهي الامامة... حرفوها إلى غيرها ". 3 - المصدر. 4 - في " الف ": " وضايع " 5 - " الف ": " والاصم ". (*)

[ 536 ]

ووجه الخلاص. * (أن لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم) *. * (فقال الملا الذين كفروا من قومه مانرك إلا بشرا مثلنا ومانرك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى) *: ابتعوك ظاهر الرأي من غير تعمق، من البدو، أو أول الرأي من البدء، وإنما استرذلوهم لفقرهم، فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الاحظ بها أشرف عندهم، والمحروم أرذل. * (وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين) *. * (قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى) *: حجة شاهدة بصحة دعواي * (وآتني رحمة من عنده) * بإيتاء البينة، أوالنبوة * (فعميت عليكم) *: فخفيت عليكم 1 فلم تهدكم 2 * (أنلزمكموها) *: أنكرهكم على الاهتداء بها * (وأنتم لها كرهون) * لاتختارونها ولا تتأملون فيها ؟ * (ويقوم لاأسئلكم عليه مالا) * على التبليغ جعلا * (إن أجرى إلا على الله ومآأنا بطارد الذين ءامنوا) * يعني الفقراء وهو جواب لهم حين سألوا طردهم. * (إنهم ملقوا ربهم) * يلاقونه ويفوزون بقربه، فيخاصمون طاردهم فيكف أطردهم * (ولكني أركم قوما تجهلون) * الحق وأهله، أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل. * (ويقوم من ينصرني من الله) *: يدفع انتقامه * (إن طردتهم) * وهم بتلك المثابة * (أفلا تذكرون) *. * (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) *: خزائن رزقه حتى جحدتم فضلي * (ولا أعلم الغيب) *: ولا أقول: أنا أعلم الغيب، حتى تكذبوني استبعادا، أو حتى أعلم أن هؤلاء


1 - الظاهر أن المصنف رجح قراءة التخفيف أي: " فعميت " لمكان التفسير بقوله: فخفيت، وفي المصحف: " فعميت " بضم العين وتشديد الميم أي: " أخفيت عليكم ". 2 - في جميع النسخ: " فلم يهدكم ". (*)

[ 537 ]

ابتعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب. * (ولا أقول إنى ملك) * حتى تقولوا: " ما أنت إلا بشر مثلنا " 1. * (ولا أقول للذين تزدرى أعينكم) *: استرذلتموهم لفقرهم، من زرى عليه: إذا عابه. وإسناده إلى الاعين، للمبالغة على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية. * (لن يؤتيهم الله خيرا) * فإن ما أعد الله لهم في الاخرة خير مما آتيكم في الدنيا * (الله أعلم بما في أنفسهم إنى إذا) *: إن قلت شيئا من ذلك * (لمن الظلمين) *. * (قالوا ينوح قد جدلتنا) *: خاصمتنا * (فأكثرت جدلنا) *: فأطلته * (فأتنا بما تعدنا) * من العذاب * (إن كنت من الصدقين) * في الدعوى والوعيد. * (قال إنما يأتيكم به الله إن شآء) * عاجلا * أوآجلا * (ومآأنتم بمعجزين) * بدفع العذاب. * (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم) * بأن علم منكم الاصرار على الكفر فخلاكم وشأنكم. ورد: " يعني أن الامر إلى الله يهدي من يشاء ويضل " 2. * (هو ربكم وإليه ترجعون) *. * (أم يقولون افتره) *. اعتراض. * (قل إن افتريته فعلى إجرامي) *: وباله * (وأنا برئ مما تجرمون) * في إسناد الافتراء إلي. * (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن فلا تبتئسن) *: فلا تحزن حزن بائس مستكين * (بما كانوا يفعلون) *. أقنطه الله من 3 إيمانهم، ونهاه أن يغتم بما فعلوه من الايذاء والتكذيب. قال: " فلذلك قال نوح: " ولايلدوا إلا فاجرا كفارا " 4. * (واصنع الفلك بأعيننا) *: متلبسا بأعيننا، أتى بصيغة الجمع للمبالغة في الحفظ


1 - الشعراء (26): 154 و 186. 2 - قرب الاسناد: 359، الحديث: 1282، والعياشي 2: 144، الحديث: 16، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - في " ب ": " عن إيمانهم ". 4 - الكافي 8: 283، الحديث: 424، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في سورة نوح (71): 27. (*)

[ 538 ]

والرعاية، على طريقة التمثيل. * (ووحينا) * إليك كيف تصنعها * (ولاتخطبنى في الذين ظلموا) * باستدفاع العذاب عنهم * (إنهم مغرقون) *: محكوم عليهم بالاغراق، فلا سبيل إلى كفه. * (ويصنع الفلك) *. حكاية حال ماضية. * (وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه) *: استهزؤوا به. قال: " إنه لما غرس النوى مر عليه قومه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد 1 غراسا ! حتى إذا طال النخل وكان جبارا 2 طوالا قطعه ثم نحته، فقالوا: قد قعد نجارا ! ثم ألفه فجعله سفينة [ فمروا عليه فجعلوا يضحكون ويسخرون ويقولون: قد قعد ملاحا في فلاة من الارض ! " 3 ] 4. * (قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون) * إذا أخذكم 5 الغرق في الدنيا والحرق 6 في الاخرة. * (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه) * يعني الغرق * (ويحل عليه عذاب مقيم) * يعني عذاب النار. * (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور) *: نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور. قال: " كان التنور في بيت عجوز مؤمنة في دبر قبلة ميمنة المسجد - يعني مسجد الكوفة - سئل: و كان بدو خروج الماء من ذلك التنور ؟ فقال: نعم، إن الله أحب أن يرى قومن نوح آية، ثم إن الله أرسل المطر يفيض فيضا، وفاض الفرات فيضا، والعيون كلهن فيضا " 7. وفي رواية: " وكان ميعاده فيما بينه وبين ربه في إهلاك قومه أن يفور التنور، ففار. فقالت


1 - لعله بمعنى صار نحو قولهم: حدد شفرته حتى قعدت كأنها حربة أي: صار. القاموس المحيط: 341 (قعد). 2 - الجبار: النخلة الطويلة الفتية وتضم. القاموس المحيط 1: 399 (جبر). 3 - الكافي 8: 283، الحديث: 425، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مابين المعقوفتين ليس في " الف ". 5 - في " ج ": " إذا أخذكم ". 6 - الحرق - بالتحريك - النار أولهبها. القاموس المحيط 3: 227 (حرق). 7 - الكافي 8: 281، الحديث: 421، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 539 ]

امرأته: إن التنور قد فار. فقام إليه فختمه فقام الماء 1، وأدخل من أراد أن يدخل وأخرج من أراد أن يخرج، ثم جاء إلى خاتمه ونزعه. يقول الله: " ففتحنا أبواب السماء " الايتين 2 قال: وكان نجرها 3 في وسط مسجدكم " 4. * (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) * ذكرا وأنثى * (وأهلك) * أريد امرأته وبنوه ونساؤهم * (إلا من سبق عليه القول) * بأنه من المغرقين. أريد ابنه " كنعان " وامرأته " واعلة "، فإنهما كانا كافرين. * (ومن ءامن) * من غيرهم * (وماء امن معه إلا قليل) *. قال: " آمن مع نوح من قومه ثمانية نفر " 5. وورد: " أمره الله أن ينادي بالسريانية: لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر، فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين السفينة، وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا " 6. * (وقال اركبوا فيها بسم الله مجرها ومرسهآ) *: مسمين الله قائلين ذلك، ومعناه: بالله إجراؤها وإرساؤها. قال: " أي، مسيرها وموقفها " 7. * (إن ربى لغفور رحيم) * لو لامغفرته لفرطاتكم، ورحمته إياكم لما نجاكم. * (وهى تجرى بهم في موج) * من الطوفان * (كالجبال) *: كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها * (ونادى نوح ابنه) *: كنعان. قال: " ليس بابنه إنما هو ابن امرأته، وهو لغة طي يقولون لابن المرأة 8: ابنه " 9. يعني بفتح الهاء. وورد: " إنهم قرؤوا كذلك " 10. وورد أيضا: " ابنها " 11. والضمير لامرأته. * (وكان في معزل) * عزل فيه


1 - قام الماء: انجمد. القاموس المحيط 4: 170 (قوم). 2 - سورة القمر (54): 11 و 12. 3 - النجر: الاصل. القاموس المحيط 2: 143 (نجر). 4 - الكافي 8: 281، الحديث: 422، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 160، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 و 7 - القمي 1: 327، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - في " ب " و " ج ": " لابن الامرأة ". وفي المصدر: " لابن امرأته ". 9 - العياشي 2: 148، الحديث: 31، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - مجمع البيان 5 - 6: 160، عن أمير المؤمنين والصادقين عليهم السلام. 11 - جوامع الجامع 2: 147، ومجمع البيان 5 - 6: 161. (*)

[ 540 ]

نفسه عن المركب * (يبنى اركب معنا) * في السفينة * (ولا تكن مع الكفرين) *. قال: " نظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم، فقال له: " يا بني اركب " الاية " 1. * (قال ساوى إلى جبل يعصمني من الماء قال لاعاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) *: إلا الراحم وهو الله تعالى. ورد: " كان الجبل الذي اعتصم به في النجف، فأوحى الله إليه: يا جبل أيعتصم بك مني أحد ؟ ففار في الارض وتقطع إلى الشام " 2. * (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) *. * (وقيل يأرض ابلعى ماءك) *: انشفي 3. قال: " نزلت بلغة الهند اشربي " 4. وفي رواية: " حبشية " 5. * (ويسمآء أقلعى) * قال: " أمسكي " 6. أقول: نداء الارض والسماء، عبارة عن كمال اقتداره وعظمته، وأن الخلايق عارفون به، منقادن له، ممتثلون لامره على الفور. * (وغيض الماء) *: نقص * (وقضى الامر) *: أنجز ما وعد * (واستوت على الجودى) * 7: استقرت عليه * (وقيل بعدا للقوم الظلمين) *: بعد بعدا بعيدا لا يرجى عوده كناية عن الهلاك. ما أفصح هذه الاية وأبلغها، وماأفخم لفظها وأحسن نظمها، وماأدلها على كنه الحال مع الايجاز الخالي عن الاخلال، وفي إيراد الاخبار فيها على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره. قال: " فدارت السفينة وضربتها الامواج حتى وافت مكة وطافت بالبيت، وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت وإنما سمي البيت العتيق، لانه أعتق من الغرق، فبقي الماء


1 - القمي 1: 327، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 2: 351، الحديث: 1612، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - نشف الثوب العرق ونشف الحوض الماء: شربه، الصحاح 4: 1432 (نشف). 4 و 5 - العياشي 2: 149، الحديث: 34، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 1: 328، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الجودي: جبل بالموصل. معجم البلدان 2: 179. (*)

[ 541 ]

ينصب من السماء أربعين صباحا، ومن الارض العيون، حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء. قال: فرفع نوح عليه السلام يده فقال: يارهمان أتقن 1. وتفسيرها: يا رب أحسن. فأمر الله عزوجل الارض أن تبلع ماءها فبلعت ماءها، فأراد ماء السماء أن يدخل في الارض فامتنعت الارض من قبولها، وقالت: إنما أمرني الله أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الارض، واستوت السفينة على جبل جودي، وهو بالموصل جبل عظيم، فبعث الله جبرئيل فساق الماء إلى البحار حول الدنيا " 2. * (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلى وإن وعدك الحق) * وقد وعدت أن تنجي أهلي * (وأنت أحكم الحكمين) *: أعدلهم وأعلمهم. * (قال ينوح إنه ليس من أهلك) *. قال: " نفاه عنه حين خالفه في دينه " 3. وفي رواية: " لما عصى الله نفاه عن أبيه " 4. * (إنه عمل غير صلح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إنى أعظك أن تكون من الجهلين) *. * (قال رب إنى أعوذ بك أن أسئلك) * فيما يستقبل * (ما ليس لى به علم وإلا تغفر لى) * ما فرط مني من السؤال * (وترحمني) * بالتوبة والتفضل علي * (أكن من الخسرين) * * (قيل ينوح اهبط بسلم منا) *: أنزل من السفينة مسلما من المكاره محفوظا من جهتنا * (وبركت عليك) *: ومباركا عليك. والبركات: الخيرات النامية. * (وعلى أمم ممن معك) * يعني في السفينة، لانهم كانوا جماعات، أولتشعب الامم منهم * (وأمم سنمتعهم) * أي: وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا * (ثم يمسهم منا عذاب أليم) *. قيل: أراد بهم الكفار من ذرية من معه 5.


1 - في المصدر: " يارهمان اخفرس ". 2 - القمي 1: 328، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام: 2: 76، الباب: 32، الحديث: 3. 4 - المصدر: 232، الباب: 85، الحديث: 1. 5 - البيضاوي 3: 111. (*)

[ 542 ]

قال: " فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين، وبنوا مدينة الثمانين، وكانت لنوح ابنة ركبت معه السفينة، فتناسل الناس منها. وذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: نوح أحد الابوين " 1. سئل: لاي علة أغرق الله تعالى الدنيا كلها في زمن النوح، وفيهم الاطفال، وفيهم من لاذنب له ؟ فقال: " ماكان فيهم الاطفال، لان الله تعالى أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائههم أربعين عاما، فانقطع نسلهم، فغرقوا ولاطفل فيهم، وما كان لله ليهلك بعذابه من لاذنب له، وأما الباقون من قوم نوح فأغرقوا بتكذيبهم لنبي الله نوح، وسائرهم أغرقوا برضاهم بتكذيب المكذبين، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهد " 2. * (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها أنت ولاقومك من قبل هذا فاصبر) * على مشاق الرسالة وإيذاء القوم، كما صبر نوح * (إن العقبة) * في الدنيا بالظفر، وفي الاخرة بالفوز * (للمتقين) * عن الشرك والمعاصي. * (وإلى عاد أخاهم هودا)،. " أخاهم " يعني أحدهم، كما سبق في الاعراف 3. * (قال يقوم اعبدوا الله) * وحده * (مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون) * على الله، باتخاذ الاوثان شركاء، وجعلها شفعاء. * (يقوم لاأسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على) * لله 4 * (الذى فطرني أفلا تعقلون) * فتعرفوا المحق من المبطل. * (ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) *: اطلبوا مغفرة الله بالايمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة * (يرسل السماء عليكم مدرارا) *: كثير الدر 5 * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) *.


1 - القمي 1: 328، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 75، الباب: 32، الحديث: 2. 3 - في ذيل الاية: 65. 4 - لم ترد كلمة: " الله " في " ألف " و " ج ". 5 - في " ألف ": " كثير المدر " وهو تصحيف. (*)

[ 543 ]

قيل: رغبهم في الايمان بكثرة المطر وزيادة القوة، لانهم كانوا أصحاب زروع و بساتين، وكانوا يدلون بالقوة والبطش 1. * (ولا تتولوا مجرمين) *: مصرين على أجرامكم. * (قالوا يهود ما جئتنا ببينة) *: بحجة تدل على صحة دعواك، وهو كذب وجحود لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات. * (وما نحن بتاركئ الهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين) *. * (إن نقول إلا اعترك) *: أصابك * (بعض ءالهتنا بسوء) *: بجنون، لسبك إياها و صدك عنها، فمن ثمة تتكلم 2 بكلام المجانين. * (قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون) *. * (ومن دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) *: لا تمهلوني، واجههم بهذا الكلام مع قوتهم وشدتهم وكثرتهم وتعطشهم إلى إراقة دمه، ثقة بالله واعتمادا على عصمته إياه، واستهانة بهم وبكيدهم، وإن اجتمعوا عليه وتواطؤوا على إهلاكه. * (إنى توكلت على الله ربى وربكم مامن دابة إلا هو ءاخذ بناصيتها) * أي: إلا وهو مالك لها قاهر عليها، يصرفها على ما يريد بها، والاخذ بالناصية تمثيل لذلك. * (إن ربى على صرط مستقيم) *: إنه على الحق والعدل، لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم. قال: " يعني أنه على حق، يجزي بالاحسان إحسانا وبالسئ سيئا، ويعفو عمن يشاء ويغفر سبحانه وتعالى " 3. * (فإن تولوا) *: فإن تتولوا * (فقد أبلغتكم مآأرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما غيركم) *. وعيد لهم بالاهلاك. * (ولا تضرونه شيئا) * بتوليكم * (إن


1 - راجع: جوامع الجامع 2: 151، والكشاف 2: 275. 2 - في " الف " و " ج ": " نتكلم " والانسب بالسياق ما أثبتناه كما في " ج " والصافي. 3 - العياشي 2: 151، الحديث: 42، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 544 ]

ربى على كل شئ حفيظ) *: رقيب، فلا يخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم. * (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين ءامنوا معه برحمة منا ونجينهم من عذاب غليظ) *. إما تكرير لبيان مانجاهم عنه، وإما المراد به تنجيتهم من عذاب الاخرة أيضا، والتعريض بأن المهلكين معذبون في الاخرة أيضا بالعذاب الغليظ. * (وتلك عاد جحدوا بايت ربهم) * كفروا بها * (وعصوا رسله) *، لانهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله * (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) * يعني: رؤساءهم الدعاة إلى تكذيب الرسل. * (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة) * يعني: جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم في العذاب * (ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود) *. دعاء عليهم بالهلاك، ودلالة بأنهم كانوا مستوجبين لما نزل بهم. وفي تكرير " ألا " وإعادة ذكر " عاد " تفظيع لامرهم، وحث على الاعتبار بحالههم والحذر من مثل أفعالهم، وإنما قيل " قوم هود " ليتميزوا عن عاد إرم. القمي: كانت بلادهم في البادية، وكان لهم زرع ونخيل كثيرة، ولهم أعمار طويلة وأجسام طويلة، فعبدوا الاصنام، وبعث الله إليهم هودا يدعوهم إلى الاسلام وخلع الانداد، فأبوا ولم يؤمنوا بهود وآذوه، فكفت السماء عنهم سبع سنين، حتى قحطوا. قال: فجاؤوا إليه، فقالوا: يا نبي الله قد أجدبت بلادنا ولم يمطر، فاسأل الله أن يخصب بلادنا ويمطر، فتهيأ للصلاة، وصلى ودعا لهم. فقال لهم: ارجعوا فقد أمطرتم وأخصبت بلادكم. قال: فبقى هود في قومه يدعوهم إلى الله وينهاهم عن عبادة الاصنام حتى أخصبت بلادهم وأنزل الله عليهم المطر، وهو قوله تعالى: " يا قوم استغفروا ربكم " الايات. فلما لم يؤمنوا أرسل الله عليهم

[ 545 ]

الريح الصرصر، يعني الباردة. وهو قوله - في سورة القمر -: " إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر " 1. وفي الحاقة: " وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " 2. * (وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الارض) * لاغيره * (واستعمركم فيها) *: استبقاكم، أوأمركم بعمارتها * (فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب) * منكم * (مجيب) * لمن دعاه. * (قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا) * نرجو منك الخير، لما كانت تلوح منك من مخائله 3 * (أتنهنآ أن نعبد ما يعبد أآباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب) *: موقع في الريبة، أوذي ريبة. * (قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى) *: بيان وبصيرة * (وآتني منه رحمة) *: نبوة * (فمن ينصرني من الله) *: فمن يمنعني من عذابه * (إن عصيته) * في تبليغ رسالته والنهي عن الاشراك به * (فما تزيدونني) * إذن باستتباعكم إياي * (غير تخسير) * غير أن أنسبكم إلى الخسران، أوغير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به. * (ويقوم هذه ناقة الله لكم ءاية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب) *: عاجل. * (فعقروها فقال تمتعوا في داركم) *: عيشوا في منازلكم، أوبلدكم * (ثلثة أيام) * ثم تهلكون * (ذلك وعد غير مكذوب) *. * (فلما جاء أمرنا نجينا صلحا والذين ءامنوا معه برحمة منا ومن خزى يومئذ) * أي:


1 - القمر (54): 19. 2 - القمي 1: 329 - 330. والاية في سورة الحاقة (69): 6. 3 - المخائل جمع المخيلة: مايوقع في الخيال يعني به الامارات. وخلت الشئ خيلا ومخيلة: ظننته. مجمع البحرين 5: 368 (خيل). (*)

[ 546 ]

ونجيناهم من خزي ذلك اليوم وذلة وفضيحته، ولاخزي أعظم من الهلاك بغضب الله وبأسه، أوأريد ب‍ " يومئذ " يوم القيامة. * (إن ربك هو القوى العزيز) *. * (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جثمين) *: ميتين لاحراك بهم، أي: استؤصلوا. * (كأن لم يغنوا فيها) *: كأن لم يقيموا فيها أحياء. وقد سبق تمام القصة في الاعراف 1. * (ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) *. * (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم) * يعني الملائكة. قال: " كانوا أربعة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وكروبيل " 2. * (بالبشرى) *: ببشارة الولد * (قالوا سلما) *: سلمنا عليك سلاما، أي، سلامة. * (قال سلم) *: أمركم سلام. * (فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) * قال: " يعني مشويا نضيجا " 3. وورد: " إنه قال: كلوا، فقالوا: لا نأكل حتى تخبرنا ما ثمنه ؟ فقال: إذا أكلتم فقولوا: بسم الله، وإذا فرغتم فقولوا: الحمد لله. قال: فالتفت جبرئيل إلى أصحابه - و كانوا أربعة رئيسهم جبرئيل - فقال: حق لله أن يتخذ هذا خليلا " 4. * (فلما رءآ أيديهم لا تصل إليه) *: لايمدون إليه أيديهم * (نكرهم) *: أنكرهم * (وأوجس منهم خيفة) *: وأضمر منهم خوفا، أن يريدوا به مكروها * (قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) *: إنا ملائكة، مرسلة إليهم بالعذاب، لا نأكل. * (وامرأته قائمة) * تسمع 5 محاورتهم. قال: " إنما عنى سارة " 6. * (فضحكت) *


1 - في ذيل الاية: 78. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 179، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 154، الحديث: 48، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر: 153، الحديث: 47، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في " ج ": " تستمع ". 6 - العياشي 2: 152، الحديث: 44، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 547 ]

قال: " يعني تعجبت من قولهم " 1. وفي رواية: " حاضت " 2. * (فبشرنها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب) * أي: ومن بعده. وقيل: الورآء: ولد الولد 3. * (قالت يويلتى) *: يا عجبا ! وأصله في الشر. فأطلق في كل أمر فطيع. * (ءألد وأنا عجوز هذا بعلى) *: زوجي * (شيخا إن هذا لشئ عجيب) * [ تعني ] 4 بحسب العادة دون القدرة. قال: " وهي يومئذ ابنة تسعين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن عشرين ومائة سنة " 5. * (قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت) * يعني: أن أمثال هذه مما يكرمكم الله به يا أهل بيت النبوة، فليس هذا مكان تعجب. * (إنه حميد) *: فاعل ما يوجب الحمد * (مجيد) *: كثير الخير والاحسان. * (فلما ذهب عن إبرهيم الروع) * أي: ما أوجس من الخيفة، يعني لما اطمأن قلبه بعد الخوف * (وجاءته البشرى) * مكان الروع * (يجدلنا قوم لوط) *: يجادل رسلنا في شأنهم ومعناهم. ومجادلته إياهم: " أنه قال لهم: إن كان فيها مائة من المؤمنين أتهلكونهم ؟ فقال جبرئيل: لا. قال: فإن كان فيها خمسون أتهلكونهم ؟ قالوا: لا. قال: فأربعون ؟ قالوا: لا. فما زال ينقص حتى قال: فواحد ؟ قالوا: لا. " قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله " 6. كذا ورد 7. * (إن إبرهيم لحليم) *: غير عجول على من أساء إليه بالانتقام * (أوه) *: يكثر الدعاء. قال: " دعاء ". 8 * (منيب) *: راجع إلى الله بما يحب ويرضى. والغرض من هذه


1 - العياشي 2: 152، الحديث: 44، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - المصدر، الحديث: 45، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 180، عن ابن عباس. 4 - مابين المعقوفتين لم ترد في " الف ". وفي " ج ": " يعني ". 5 - علل الشرايع 2: 551، الباب: 340، الحديث: 6، عن أحدهما عليهما السلام.. 6 - العنكبوت (29): 32. 7 - الكافي 5: 546، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 2: 154، الحديث: 51، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 548 ]

الكلام، بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقة قلبه وفرط ترحمه. * (يا إبراهيم) * على إرادة القول، أي: قالت الملائكة: يا إبراهيم ! * (أعرض عن هذا) * الجدال، وإن كانت الرحمة دأبك، فلا فائدة فيه * (إنه قد جاء أمر ربك) *: قضاؤه و حكمه الذي لا يصدر إلا عن حكمة * (وإنهم ءاتيهم عذاب غير مردود) *: لامرد له بجدال ولاغيره. * (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم) * ساءه مجيئهم، لانهم جاؤوا في صورة غلمان، وظن أنهم أناس، فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم * (وضاق بهم ذرعا) *: وضاق بمكانهم ذرعه 1، وهو كناية عن شدة الانقباض، للعجز عن مدافعة المكروه. * (وقال هذا يوم عصيب) *: شديد. * (وجاءه قومه يهرعون إليه) *: يسرعون إليه، يدفعون دفعا، لطلب الفاحشة من أضيافه * (ومن قبل) *: ومن قبل ذلك الوقت * (كانوا يعملون السيئات) *: الفواحش، فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها، حتى جاؤوا يهرعون إليه مجاهرين. * (قال يقوم هؤلاء بناتى) * فتزوجوهن. قال: " عرض عليهم التزويج " 2. وفي رواية: " عرض عليهم بناته بنكاح " 3. والقمي: عنى به أزواجهم، وذلك أن النبي هو أبو أمته، فدعاهم إلى الحلال ولم يكن يدعوهم إلى الحرام 4. * (هن أطهر لكم) *: هن أنظف فعلا وأقل فحشا. قيل: يعني أدبارهن 5. ورد: إنه سئل عن إتيان الرجل المرأة من خلفها. قال: " أحله آية من كتاب الله، هو قول لوط: " هؤلاء بناتي هن أطهر لكم " وقد علم أنهم لا يريدون الفرج " 6. * (فاتقوا الله) * في مواقعة الذكور * (ولا تخزون) *:


1 - ضاق بالامر ذرعه: ضعفت طاقته ولم يجد من المكروه فيه مخلصا. القاموس المحيط 3: 23 (ذرع). 2 - العياشي 2: 156، الحديث: 54، والكافي 5: 548، الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 156، الحديث: 54، عن أحدهما عليهما السلام. 4 - القمي 1: 335. 5 - لم نعثر على قائله. 6 - العياشي 2: 157، الحديث: 56، والتهذيب 7: 414، الحديث: 1659، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 549 ]

ولا تخجلوني، من الخزاية، بمعنى الحياء، أولا تفضحوني، من الخزي * (في ضيفي) *: في شأنهم * (أليس منكم رجل رشيد) * يهتدي إلى الحق ويرعوي 1 عن القبيح ؟ ! * (قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق) *: من حاجة * (وإنك لتعلم ما نريد) *. عنوا إتيان الذكران. * (قال لو أن لى بكم قوة) *: لو قويت بنفسي على دفعكم * (أو ءاوى إلى ركن شديد) *: أوأويت إلى قوي أتمنع به عنكم، لدفعتكم عن أضيافي. شبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته. قال: " لو يعلم أي قوة له " 2. وورد: " رحم الله لوطا لو يدري من معه في الحجرة، لعلم أنه منصور. قال: أي ركن أشد من جبرئيل معه في الحجرة " 3. * (قالوا يلوط إنا رسل ربك) * أرسلنا لاهلاكهم فلا تغتم * (لن يصلوا إليك) * بسوء أبدا * (فأسر بأهلك) * من الاسراء، وهو السير ليلا * (بقطع من اليل) *: بطائفة منه، وفي قراءتهم عليهم السلام: " بقطع من الليل مظلما " 4. * (ولا يلتفت منكم أحد) *: ولا يتخلف، أولاينظر إلى ورائه * (إلا امرأآتك إنه مصيبها مآأصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) *. روي: " أنه قال: متى موعد إهلاكهم ؟ قالوا الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك - لضيق صدره بهم - فقالوا: " أليس الصبح بقريب " ؟ " 5. وورد: " فأسر بأهلك " يالوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيام ولياليها. " بقطع من الليل ": إذا مضى نصف


1 - الارعواء: النزوع عن الجهل وحسن الرجوع عنه. القاموس المحيط 4: 337 (الرعو). 2 - مجمع البيان 5 - 6: 184، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 5: 546، ذيل الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - العياشي 2: 158، الحديث: 58، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - جوامع الجامع 2: 160. (*)

[ 550 ]

الليل. قال: فلما كان اليوم الثامن مع طلوع الفجر، قدم الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسحاق ويعزونه بهلاك قوم لوط، وذلك قوله تعالى: " ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى " 1. * (فلما جاء أمرنا جعلنا عليها سافلها) * بأن جعل جبرئيل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء ثم قلبها عليهم، واتبعوا الحجارة من فوقهم * (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل) * قال: " يقول: من طين " 2. أقول، أي: من طين متحجر، هي معربة من " سنك كل "، بدليل قوله: " حجارة من طين " 3 في موضع آخر. * (منضود) * قيل: نضد في الارسال كقطار الامطار، أو نضد معدا لعذابهم 4. القمي: يعني بعضها على بعض منضدة 5. * (مسومة) *: معلمة للعذاب. القمي: أي: منقوطة 6. * (عند ربك) *: في خزائنه. * (وماهي من الظلمين ببعيد) *. روي: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل جبرئيل، فقال: يعني ظالمي أمتك، مامن ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة " 7. وورد: " أي ظالمي أمتك، إن عملوا ما عمل قوم لوط " 8. وفي رواية: " من مات مصرا على اللواط، لم يمت حتى يرميه الله بحجر من تلك الاحجار، فيكون فيه منيته، ولا يراه أحد " 9. وقد سبق نبذ من قصة قوم لوط في الاعراف 10، ويأتي طرف


1 - علل الشرائع 2: 549 - 550، الباب: 340، الحديث 40، عن أبي جعفر عليه السلام. والاية في نفس السورة: 69. 2 - القمي 2: 114، في تفسير الاية: 40 من سورة الفرقان، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - الذاريات (51): 33. 4 - البيضاوي 3: 117. 5 و 6 - القمي 1: 336. 7 - البيضاوي 3: 117 8 - الكافي 5: 546، ذيل الحديث: 5، عن أبي جعفر عليه السلام. 9 - العياشي 2: 158، الحديث: 59، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - في ذيل الاية: 79. (*)

[ 551 ]

آخر منه في الحجر 1 إن شاء الله. * (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إنى أركم بخير) *: بسعة تغنيكم عن البخس. قال: " كان سعرهم رخيصا " 2. * (وإنى أخاف عليكم عذاب يوم محيط) * أي: مهلك. كقوله: " وأحيط بثمره 3 "، أولايشذ منه أحد منكم. * (ويقوم أوفوا المكيال والميزان) *. نبه به على أنه لا يكفي الكف عن التطفيف، بل يلزم السعي في الايفاء، ولو بزيادة لا يتأتى الايفاء بدونها. * (بالقسط) *: بالعدل والسوية. ورد: " إذا طفف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص " 4. وفي رواية: " وشدة المؤونة وجور السلطان " 5. * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) *. تعميم بعد تخصيص، فإنه أعم من أن يكون في المقدار أوفي غيره. * (ولا تعثوا في الارض مفسدين) *. هذا أيضا تعميم بعد تخصيص، فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد من السرقة والغارة وقطع السبيل وغير ذلك. * (بقيت الله) *: ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام * (خير لكم) * مما تجمعون بالتطفيف * (إن كنتم مؤمنين) *: بشرط الايمان، أو إن كنتم مصدقين لي في نصيحتي * (ومآأنا عليكم بحفيظ) * أحفظ عليكم أعمالكم. * (قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءابآؤنآ) * يعنون الاصنام، استهزؤوا به وتهكموا بصلاته 6 وكان كثير الصلاة وهو جواب عن أمره إياهم بالتوحيد.


1 - الايات: 58 إلى 75. 2 - العياشي 2: 159، الحديث: 61، عن أبي عبد الله عليه السلام 3 - الكهف (18): 42. 4 - الكافي 2: 374، الحديث: 2، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - المصدر: 373، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - كذا في جميع النسخ، ولكن المستفاد من الصافي (2: 468) أنه رجح قراءة الجمع في قوله تعالى: " أصلواتك... " (*)

[ 552 ]

* (أو أن نفعل في أموالنا مانشؤا) *: أو أن نترك 1 فعلنا في أموالنا ؟ وهو جواب عن النهي عن التطفيف والامر بالايفاء * (إنك لانت الحليم الرشيد) *. قيل: أرادوا بذلك نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به 2. والقمي: قالوا: إنك لانت السفيه الجاهل، فحكى الله عزوجل قولهم فقال: " إنك لانت الحليم الرشيد " 3. * (قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربى) *. قيل: إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة 4. * (ورزقني منه رزقا حسنا) *. قيل: إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال. وجواب الشرط محذوف تقديره: فهل يسع لي مع هذا الانعام أن أخون في وحيه، وأخالفه في أمره ونهيه ؟ ! 5 * (ومآأريد أن أخالفكم إلى مآأنهكم عنه) * يعني: وما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها، لاستبد بها دونكم. * (إن أريد إلا الاصلح) *: أن أصلحكم * (ما استطعت) * 6. والجواب الاول إشارة إلى مراعاة حق الله، والثاني إلى مراعاة حق النفس، والثالث إلى مراعاة حق الناس. * (وما توفيقي) * لاصابة الحق والصواب * (إلا بالله) *: إلا بهدايته ومعونته * (عليه توكلت) * فإنه القادر المتمكن من كل شئ دون غيره. وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ. * (وإليه أنيب) *. إشارة إلى معرفة المعاد. نبه بهذه الكلمات على اتكاله 7 على الله بشراشره فيما يأتي ويذر، وحسن أطماع الكفار، وعدم المبالاة بعداوتهم، وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء. * (ويقوم لايجر منكم) *: يكسبنكم * (شقاقي) *: خلافي ومعاداتي * (أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح) * من الغرق * (أو قوم هود) * من الريح * (أو قوم صلح) * من


1 - في " ب " و " ج ": " أونترك ". 2 - الكشاف 2: 287. 3 - القمي 1: 337. 4 و 5 - البيضاوي 3: 118. 6 - في " ب ": (إن أريد الا الاصلاح ما استطعت): أن أصلحكم ما استطعت. 7 - في " ب " و " ج ": " على إقباله ". (*)

[ 553 ]

الرجفة * (وما قوم لوط منكم ببعيد) * يعني أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم، فاعتبروا بهم. * (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) * عما أنتم عليه * (إن ربى رحيم ودود) *. * (قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنرك فينا ضعيفا) *: لاقوة لك ولاعز، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها. القمي: وقد كان ضعف بصره 1. * (ولو لا رهطك) *: قومك وعزتهم عندنا، لكونهم على ملتنا * (لرجمنك) *: لقتلناك شر قتلة * (ومآأنت علينا بعزيز) *، بل رهطك هم الاعزة علينا. * (قال يقوم أرهطى أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا) *: وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. وكسر الظاء من تغييرات النسب. * (إن ربى بما تعملون محيط) * فلا يخفى عليه شئ منها. * (ويقوم اعملوا على مكانتكم) *: قارين على ما أنتم عليه من الشرك والعداوة * (إنى عمل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كذب) * مني ومنكم * (وارتقبوا) *: وانتظروا * (إنى معكم رقيب) *: منتظر. * (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين ءامنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة) *. روي: " أن جبرئيل عليه السلام صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم حيث هو " 2. * (فأصبحوا في ديرهم جثمين) *: ميتين. * (كأن لم يغنوا فيها) *: كأن لم يقيموا فيها أحياء * (ألا بعد لمدين كما بعدت ثمود) *. قيل: شبههم بهم، لان عذابهم كان أيضا بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصحية مدين كانت من فوقهم 3.


1 - القمي 1: 337. 2 - جوامع الجامع 2: 164. 3 - البيضاوي 3: 120. (*)

[ 554 ]

* (ولقد أرسلنا موسى بايتنا وسلطن مبين) *: بالمعجزات القاهرة والحجج الباهرة. * (إلى فرعون وملايه فاتبعوا أمر فرعون ومآأمر فرعون برشيد) *. * (يقدم قومه يوم القيمة) *: يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه، كما كان لهم قدوة في الضلال في الدنيا * (فأوردهم النار) *. ذكر بلفظ الماضي مبالغة في تحققه، * (وبئس الورد المورود) * الذي يردونه: النار، لان الورد - وهو الماء الذي يورد - إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الاكباد، والنار ضده. * (وأتبعوا في هذه) *: الدنيا * (لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود) *: رفدهم، لان الرفد - وهو العون والعطاء - إنما يراد للنفع، واللعنة مدر للعذاب في الدارين. * (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم) *: باق كالزرع القائم * (وحصيد) *: ومنها عافي الاثر، كالزرع المحصود. * (وما ظلمنهم) * بإهلاكنا إياهم * (ولكن ظلموا أنفسهم) * بأن عرضوها له، بارتكاب ما يوجبه * (فمآأعنت عنهم) *: فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم * (ءالهتهم التى يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك) * أي: عذابه ونقمته * (ومازادوهم غير تتبيب) *: غير تخسير. * (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظلمة إن أخذه أليم شديد) *. روي: " أن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته 1، ثم تلا هذه الاية " 2. * (إن في ذلك لاية) *: لعبرة * (لمن خاف عذاب الاخرة) * لعلمه بأنه أنموذج منه. * (ذلك يوم مجموع له الناس) * قال: " يوم القيامة، وهو اليوم الموعود، يجمع الله فيه


1 - لم يفلته: أي: لم ينفلت منه، ويجوز أن يكون بمعنى: لم يفلته منه أحد أي: لم يخلصه. النهاية 3: 466 (فلت). 2 - مجمع البيان 5 - 6: 191، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

[ 555 ]

الاولين والاخرين " 1. (وذلك يوم مشهود) *. قيل: مشهود فيه أهل السماوات والارضين 2. والقمي: يشهد عليه الانبياء والرسل 3. * (وما نؤخره) * أي: اليوم * (إلا لاجل معدود) *: إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية. * (يوم يأت لاتكلم) *: لا تتكلم * (نفس) * بما ينفع وينجي * (إلا بإذنه) *: إلا بإذن الله. " هذا في موطن من مواطن ذلك اليوم، وقوله: " هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون " 4 في موطن آخر منها ". كذا ورد 5. * (فمنهم شقى وسعيد) *. * (فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق) *. الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده، دل بهما على شدة كربهم وغمهم. * (خلدين فيها مادامت السموت والارض إلا ما شاء ربك فعال لما يريد) *. * (وأما الذين سعدوا ففى الجنة خلدين فيها مادامت السموت والارض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) *: غير مقطوع. قال: " هاتان الايتان في غير أهل الخلود من أهل الشقاوة والسعادة " 6. والقمي: هذا في دار الدنيا قبل يوم القيامة، " ففي الجنة " يعني: في جنان الدنيا التي تنقل إليها أرواح المؤمنين، " غير مجذوذ " يعني: غير مقطوع من نعيم الاخرة في


1 - العياشي 2: 159، الحديث 65، عن أحدهما عليهما السلام، والكافي 8: 73 ذيل الحديث: 29، عن زين العابدين عليه السلام. 2 - البيضاوي 3: 121. 3 - القمي 1: 338. 4 - المرسلات (77): 35 و 36. 5 - التوحيد: 260، الباب: 36، ذيل الحديث: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام، مع تفاوت. 6 - العياشي 2: 160، الحديث: 67، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 556 ]

الجنة يكون متصلا به، وهو رد على من أنكر 1 عذاب القبر والثواب والعقاب في الدنيا في البرزخ قبل يوم القيامة 2. وفي رواية: " إن المراد بالجنة والنار في هذه الاية ولاية آل محمد عليهم السلام وولاية أعدائهم. قال: قال الجاهل بعلم التفسير: إن هذا الاستثناء من الله إنما هو لمن دخل الجنة والنار، وذلك أن الفريقين جميعا يخرجان منهما فتبقيان وليس فيهما أحد وكذبوا. قال: والله ليس يخرج أهل الجنة ولاكل أهل النار منها 3 أبدا، كيف يكون ذلك وقد قال الله في كتابه: " ماكثين فيه أبدا 4 " ليس فيها استثناء " 5 ؟ أقول: ويدل على أن هذا في الدنيا قوله تعالى 6 " مادامت السماوات والارض " إذ لاسماء ولا أرض يوم القيامة، وقوله سبحانه: " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " 6 إذ ورد: " إن هذا في نار البرزخ قبل القيامة، إذا لاغدو ولاعشي في القيامة. قال: ألم تسمع قول الله: " ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب 7 " " 8. * (فلاتك في مرية) *: في شك بعد ما أنزل عليك هذه القصص * (مما يعبد هؤلاء) * أي: مشركي 9 قومك. * (ما يعبدون إلا كما يعبد أآباؤهم من قبل) * أي: حالهم في الشرك مثل حال آبائهم * (وإنا لموفوهم نصيبهم) *: حظهم من العذاب كآبائهم


1 - في المصدر: " من ينكر ". 2 - القمي 1: 338. 3 - كذا في جميع النسخ ولعل الصواب: " منهما ". 4 - الكهف (18): 3. 5 - العياشي 2: 160، الحديث: 66، عن أبي عبد الله عليه السلام مع تفاوت يسير. 6 و 7 - الغافر (40): 46. 8 - مجمع البيان 7 - 8: 526، عن أبي عبد الله عليه السلام، ذيل الاية: 46 من سورة المؤمن، والقمي 2: 258، بالمضمون. 9 - كذا في جميع النسخ، ولعل الاصح: " مشركوا قومك ".

[ 557 ]

* (غير منقوص) *. * (ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه) * قال: " اختلفوا كما اختلف هذه الامة في الكتاب، وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به، حتى ينكره ناس منهم فيقدمهم فيضرب أعناقهم " 1. * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * قيل: يعني كلمة الانظار إلى يوم القيامة 2 * (لقضى بينهم) * بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق. * (وإنهم) *: وإن كفار قومك * (لفى شك منه) *: من القرآن * (مريب) *: موقع للريبة. * (وإن كلا) *: وإن كل المختلفين من المؤمنين والكافرين * (لما ليوفينهم ربك أعملهم) *. قيل: " لما " أصله " لمن ما "، يعني: لمن الذين يوفينهم 3. وعلى قراءة التخفيف 4، إحدى اللامين موطئة للقسم والاخرى للتأكيد، و " ما " مزيدة للفصل بينهما، وعلى قراءة تخفيف " إن " ورفع " كل " 5، " إن " نافية و " لما " بمعنى إلا. * (إنه بما يعملون خبير) * فلا يفوت عنه شئ. * (فاستقم كمآ أمرت) * على جادة الحق غير عادل عنها، وهي شاملة للعقائد والاعمال. قال: " أي: افتقر إلى الله بصحة العزم " 6. * (ومن تاب معك) *: وليستقم من تاب من الكفر وآمن معك * (ولا تطغوا) *: ولا تخرجوا من حدود الله * (إنه بما تعملون بصير) * فهو مجازيكم عليه. * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) *: ولا تميلوا أدنى ميل. ورد: " إن الركون المودة والنصيحة والطاعة " 7. وفي رواية: " هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه، إلى


1 - الكافي 8: 287، الحديث: 432، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكشاف 2: 295، والبيضاوي 3: 123. 3 - البيضاوي 3: 123. 4 و 5 - مجمع البيان 5 - 6: 196، والبيضاوي 3: 123. 6 - جوامع الجامع 2: 170. عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 200، روي عنهم عليهم السلام. (*)

[ 558 ]

أن يدخل يده كيسه فيعطيه " 1. * (فتمسكم النار) *. قال: " أما إنه لم يجعلها خلودا، و لكن تمسكم فلا تركنوا إليهم " 2. * (ومالكم من دون الله من أولياء) *: من أنصار يمنعون العذب عنكم * (ثم لا تنصرون) *: ثم لاينصركم الله. * (وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من اليل) *: وساعات من الليل، قريبة من النهار. ومن أزلفة: إذا قربه. قال: " طرفاه: المغرب والغداة، و " زلفا من الليل " هي صلاة العشاء الاخرة " 3. * (إن الحسنت يذهبن السيئات) *: يكفرنها. ورد: " إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر " 4. وفي رواية: " هي صلاة المؤمن بالليل، تذهب بما عمل من ذنب بالنهار " 5 وفي أخرى: " إن الله يكفر بكل حسنة سيئة، ثم تلا هذه الاية " 6. * (ذلك ذكرى للذكرين) *: عظة للمتعظين. * (واصبر) * على الطاعات وعن المنهيات * (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) *. * (فلولا كان) * فهلا 7 كان * (من القرون من قبلكم أولوا بقية) * من الرأي والعقل والفضل، وإنما سمي بقية، لان الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه، ومنه: " فلان من بقية القوم "، أي: من خيارهم. وقولهم: " في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا ". * (ينهون عن الفساد في الارض إلا قليلا ممن أنجينا منهم) *: لكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد * (واتبع الذين ظلموا) * يعني: تاركي النهي عن المنكرات * (مآأترفوا فيه) *: ماأنعموا فيه من الشهوات، من حب الرياسة وطلب أسباب العيش الهنئ، ورفضوا ما وراء ذلك * (وكانوا مجرمين) *، كأنه أراد بيان سبب استيصال الامم السالفة،


1 - الكافي 5: 108، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 2: 161، الحديث: 72، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - التهذيب 2: 241، الحديث: 954، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكشاف 2: 297، والبيضاوي 3: 124. 5 - من لا يحضره الفقيه 1: 299، الحديث: 1371، وعلل الشرايع 2: 363، الباب: 84، الحديث: 7، و العياشي 2: 162، الحديث: 76، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الامالي (للطوسي) 1: 25، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - في " ألف ": " هلاكان ". (*)

[ 559 ]

وهو فشو الظلم فيهم، واتباعهم الهوى، وتركهم النهي عن المنكرات. * (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم) * منه لهم، أو منهم لانفسهم، كشرك ومعصية 1 * (وأهلها مصلحون) * فيما بينهم. قال: " ينصف بعضهم من بعض " 2. * ذ (ولو شآء ربك لجعل الناس أمة وحدة) *: مسلمين كلهم * (ولا يزالون مختلفين) * قال: " في الدين " 3. * (إلا من رحم ربك) * إلا ناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق. قال: " يعني آل محمد عليهم السلام وأتباعهم " 4. * (ولذلك خلقهم) * قال: " خلقهم ليفعلوا مايستوجبون به رحمته فيرحمهم " 5. وفي رواية: " الناس يختلفون في إصابة القول، و كلهم هالك " إلا من رحم ربك "، وهم شيعتنا، ولرحمته خلقهم، وهو قوله: " و لذلك خلقهم " يقول: لطاعة الامام " 6. وفي أخرى: " " ولا يزالون مختلفين " عنى بذلك من خالفنا من هذه الامة، وكلهم مخالف بعضهم بعضا في دينهم، وأما قوله: " إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " فأولئك أولياؤنا من المؤمنين " 7. * (وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس) *: من عصاتهما * (أجمعين) * القمي: وهم الذين سبق الشقاء لهم، فحق عليهم القول أنهم للنار خلقوا 8. * (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) * فتصبر على أداء الرسالة واحتمال الاذى، واطمأن قلبك في ذلك * (وجاءك في هذه) * الانباء المقتصة عليك * (الحق) *: ما هو حق * (وموعظة وذكرى للمؤمنين) *.


1 - في " ألف ": " أو معصية ". 2 - مجمع البيان 5 - 6: 202، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 و 4 - القمي 1: 338، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - التوحيد: 403، الباب: 62، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الكافي 1: 429، الحديث: 83، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - العياشي 2: 164، الحديث: 82، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 8 - القمي 1: 338. (*)

[ 560 ]

* (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم) *: حالكم الذي أنتم عليه * (إنا عملون) * على حالنا. * (وانتظروا) * بنا الدوائر * (إنا منتظرون) * أن ينزل بكم نحو ما نزل بأمثالكم. * (ولله غيب السموت والارض) * لا لغيره * (وإليه يرجع الامر كله) * لاإلى غيره * (فاعبده وتوكل عليه) * فإنه كافيك * (وما ربك بغفل عما تعملون) * أنت وهم، فيجازي كلا ما يستحقه.

[ 561 ]

سورة يوسف [ مكية إلا الايات 1 و 2 و 3 و 7 مدنية، وآياتها: 111 نزلت بعد سورة هود ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب المبين) *. * (إنآ أنزلنه قرءنا عربيا) *: بلغتكم * (لعلكم تعقلون) *: إرادة أن تفقهوه وتحيطوا بمعانيه. ورد: " تعلموا العربية، فإنها كلام الله الذي تكلم به خلقه " 2. * (نحن نقص عليك أحسن القصص) * يحتمل الجمع والمصدر * (بمآ أوحينا إليك هذا القرءان وإن كنت من قبله لمن الغفلين) *. * (إذ قال يوسف لابيه) *: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم * (يأبت) * أصله: يا أبي * (إنى رأيت) * من الرؤيا لامن الرؤية * (أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى سجدين) *. قال: " إنه رآها في أفق السماء ساجدة له، فلما قصها على أبيه. قال: هذا أمر متشتت يجمعه الله عزوجل من بعد " 3. ورد: " إن تأويل هذه الرؤيا أنه سيملك مصر


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - الخصال 1: 258، الحديث: 134، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر 2: 455، الحديث: 2، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 562 ]

ويدخل عليه أبواه وإخوته، أما الشمس فأم يوسف: " راحيل "، والقمر: " يعقوب "، وأما الاحد عشر كوكبا فإخوته " 1. وفي رواية: " خالته " 2 مكان أمه. وقال: " إنه رأى هذه الرؤيا وله تسع سنين " 3. * (قال يبنى لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) *. ضمن " يكيدوا " معنى يحتالوا، فعداه باللام ليفيد معنى الفعلين. * (إن الشيطن للانسن عدو مبين) *. خاف عليه حسد إخوانه له وبغيهم عليه، لما عرف من دلالة رؤياه على أنه يبلغه 4 من شرف الدارين أمرا عظيما. * (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث) *: من تعبير الرؤيا 5، سميت أحاديث لانها إما حديث الملك، وهي ماكان منها صادقة، وإما حديث النفس أو الشيطان، وهي ماكان منها كاذبة. * (ويتم نعمته عليك وعلئ ال يعقوب) * بأن يصل نعمة الدنيا بنعيم الاخرة، بأن يجعلهم أنبياء وملوكا، ثم ينقلهم إلى الدرجات العلى من الجنة. * (كمآ أتمها على أبويك من قبل إبرهيم وإسحق إن ربك عليم) * بمن يستحق الاجتباء * (حكيم) * في تدبير الاشياء. * (لقد كان في يوسف وإخوته ءايت) *: دلائل قدرة الله وحكمته وعلامات نبوتك * (للسائلين) *: لمن سأل عن قصتهم. روي: " أن اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر ؟ وقصة يوسف. قال: فأخبرهم بالصحة من غير سماع


1 - القمي 1: 339، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - جامع البيان (للطبري) 12: 91، عن ابن عباس، وذكره في جوامع الجامع 2: 175 بلفظة " قيل " وفي تفسير البغوي 2: 409، عن قتادة والسدي. 3 - القمي 1: 340، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في " ب " و " ج ": " على أن يبلغه ". 5 - كذا في جميع النسخ ولعل الاصح: " الرؤى " بالجمع. (*)

[ 563 ]

ولاقراءة كتاب " 1. * (إذ قالوا ليوسف وأخوه) *: بنيامين. خص بالاخوة، لان أمهما كانت واحدة. وفي رواية: " كان ابن خالته " 2. * (أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة) *: والحال أنا جماعة أقوياء، أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما * (إن أبانا ضلل مبين) * لتفضيله المفضول وتركه التعديل في المحبة. * (اقتلوا يوسف أواطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم) *: يصف 3 لكم وجهه، فيقبل عليكم بكليته ولا ينازعكم في محبته أحد * (وتكونوا من بعده قوما صلحين) * قال: " أي: تتوبون " 4. * (قال قائل منهم) * قال: " هولاوي ": 5 * (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب) *: في قعر البئر * (يلتقطه) *: يأخذه * (بعض السيارة) *: الذين يسيرون في الارض * (إن كنتم فعلين) *. * (قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لنصحون) *: مشفقون مريدون له الخير. * (أرسله معنا غدا) * إلى الصحراء * (يرتع) *: يتسع في أكل الفواكه وغيرها، من الرتعة، وهي الخصب * (ويلعب) * بالاستباق بالاقدام والرمي * (وإنا له لحفظون) *. * (قال إنى ليحزنني أن تذهبوا به) * لشدة مفارقته علي، وقلة صبري عنه * (وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غفلون) * قيل: لان الارض


1 - جوامع الجامع 2: 177. 2 - العياشي 2: 197، الحديث: 84، عن أبي الحسن عليه السلام. 3 - صفو الشئ: خالصه. وصفا صفوا (من باب قعد) وصفاء: إذا خلص من الكدر. المصباح المنير 1: 415 (صفو). 4 - علل الشرايع 1: 47، الباب: 41، ذيل الحديث: 1، عن علي بن الحسين عليه السلام. 5 - القمي 1: 356. عن أبي الحسن الثالث عليه السلام. (*)

[ 564 ]

كانت مذابة 1. قال " إن يعقوب قرب لهم العلة فاعتلوا بها في يوسف " 2. وورد: " إنما ابتلي يعقوب بيوسف إذ ذبح كبشا سمينا، ورجل من أصحابه محتاج لم يجد ما يفطر عليه، فأغفله ولم يطعمه، وكان بعد ذلك ينادي مناديه إلى غدائه وعشائه " 3. * (قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة) *: جماعة أقوياء * (إنآ إذا لخسرون) *. * (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب) * وعزموا، وجوابه محذوف أي: فعلوا به ما فعلوا. ورد: " إنهم نزعوا قميصه فدلوه في البعر 4 وتنحوا عنه، فقال يوسف في الجب: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ارحم ضعفي وقلة حيلتي وصغري " 5. * (وأوحينا إليه) *: إلى يوسف * (لتنبئنهم بأمرهم هذا) *: لتحدثنهم بما فعلوا بك، بشره بما يؤول إليه أمره حين عرفهم وهم له منكرون، إيناسا له و تطييبا لقلبه * (وهم لا يشعرون) * قال: " يقول: لا يشعرون أنك أنت يوسف. أتاه جبرئيل فأخبره بذلك " 6. * (وجاء وأباهم عشاء يبكون) *: متباكين. * (قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق) *: نتسابق في العدو * (وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب ومآأنت بمؤمن لنا) *: بمصدق لنا * (ولو كنا صدقين) * لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف. * (وجاء وعلى قميصه بدم كذب) *: مكذوب فيه، وصف بالمصدر للمبالغة. قال: " ذبحوا جديا 7 على قميصه " 8. وورد: " لما اوتي بقميصه على يعقوب، قال: اللهم


1 - البيضاوي 3: 128. 2 - علل الشرايع 2: 600، الباب: 385، الحديث: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 167، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في المصدر: " في اليم "، وفي " ألف ": " في البحر ". 5 - القمي 1: 341، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المصدر 1: 340، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - الجدى: من أولاد المعز وهو ما بلغ ستة أشهر أو سبعة. مجمع البحرين 1: 81 (جدا). 8 - القمي 1: 341، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 565 ]

لقد كان ذئبا رفيقا، حين لم يشق القميص " 1. * (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) *: سهلت وهونت في أعينكم أمرا عظيما، من السول وهو الاسترخاء * (فصبر جميل) *: فأمري صبر جميل. قال: " الصبر الجميل الذي لاشكوى فيه إلى الخلق " 2. * (والله المستعان على ما تصفون) *: على احتمال ماتصفونه من هلاك يوسف. قال: " إنه لما سمع مقالتهم استرجع واستعبر، وذكر ما أوحى الله إليه من الاستعداد للبلاء، وأذعن للبلوى. يعني بسبب غفله عن إطعامه الجار الجائع. فقال لهم: " بل سولت لكم أنفسكم أمرا " وما كان الله ليطعم لحم يوسف للذئب من قبل أن أرى تأويل رؤياه الصادقه " 3. * (وجاءت سيارة) *: رفقة يسيرون، فنزلوا قريبا من الجب * (فأرسلوا واردهم) * الذي يرد الماء ويستسقي 4 لهم * (فأدلى دلوه) *: فأرسلها في الجب ليملاها، فتدلى بها يوسف، فلما رآه * (قال يبشرى هذا غلم) * بشر قومه * (وأسروه بضعة) *: أخفوه متاعا للتجارة. أي: أخفى الوارد وأصحابه من ساير الرفقة، أوإخوة يوسف من السيارة * (والله عليم بما يعملون) * لم يخف عليه أسرارهم. * (وشروه بثمن بخس) *: مبخوس ناقص * (درهم معدودة) *: قليلة، فإنهم كانوا يزنون الكثير، ويعدون القليل. ورد: " كانت عشرين درهما " 5. وفي رواية: " ثمانية عشر " 6. * (وكانوا فيه) *: في يوسف * (من الزهدين) *: الراغبين عنه. ورد: " لما أصبحوا قالوا: " انطلقوا بنا حتى ننظر ما حال يوسف، أمات أم هو حي ؟ فلما انتهوا إلى الجب، وجدوا سيارة قد أرسلوا واردهم، وأدلى دلوه، إذ هو بغلام متعلق بدلوه ! فقال


1 - العياشي 2: 171، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - البيضاوي 3: 129، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - العياشي 2: 169، ذيل الحديث: 5، وعلل الشرايع 1: 47، الباب: 41، ذيل الحديث: 1، عن السجاد عليه السلام. 4 - في " ج ": " يستقي ". 5 - العياشي 2: 172، الحديث: 12، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - المصدر، الحديث: 14، عن أبي جعفر عليه السلام، ومجمع البيان 5 - 6: 220، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 566 ]

لاصحابه: يا بشرى هذا غلام ! فلما أخرجوه أقبل إليهم إخوة يوسف، فقالوا: هذا عبدنا سقط منا أمس في هذا الجب، وجئنا اليوم لنخرجه، فانتزعوه من أيديهم وتنحوا به ناحية، فقالوا: إما أن تقر لنا أنك عبدنا فنبيعك بعض هذه السيارة، أونقتلك. فقال: لا تقتلوني واصنعوا ما شئتم، فأقبلوا به إلى السيارة فقالوا: منكم من يشتري منا هذا العبد ؟ فاشتراه رجل منهم بعشرين درهما، وكان إخوته فيه من الزاهدين " 1. القمي: فحملوا يوسف إلى مصر وباعوه من عزيز مصر 2. * (وقال الذى اشتره من مصر لامرأته) * قال: " كان اسمها زليخا " 3. * (أكرمي مثوه) *: اجعلي مقامه عندنا كريما، أي: حسنا، والمعنى: أحسني تعهده * (عسى أن ينفعنآ) * في ضياعنا وأموالنا، ونستظهر به في مصالحنا * (أو نتخذه ولدا) *: نتبناه، و ذلك لما تفرس 4 منه الرشد. قال: " وكان عنينا " 5. القمي: ولم يكن له ولد، فأكرموه و ربوه، فلما بلغ أشده هوته امرأة العزيز، وكانت لا تنظر إلى يوسف امرأة إلا هوته، و لارجل إلا أحبه، وكان وجهه مثل القمر ليلة البدر 6. * (وكذلك مكنا ليوسف في الارض ولنعلمه من تأويل الاحاديث والله غالب على أمره) *: لايمنع مما يشاء * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * لطائف صنعه، وأن الامر كله بيده. * (ولما بلغ أشده) *: منتهى اشتداد جسمه وقوته * (ءاتينه حكما) *: حكمة * (وعلما وكذلك نجزى المحسنين) *. * (ورودته التى هو في بيتها عن نفسه) *: طلبت منه وتمحلت 7 مواقعتها، من راد


1 - العياشي 2: 171، الحديث: 10، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 2 - القمي 1: 342. 3 - المصدر 1: 357، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام. 4 - تفرس: تثبت. القاموس المحيط 2: 245 (فرس). 5 - القمي 1: 357، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام. 6 - المصدر: 342. 7 - تمحل له: احتال. القاموس المحيط 4: 50 (محل).

[ 567 ]

يرود: إذا جاء وذهب لطلب شئ. * (وغلقت الابوب وقالت هيت لك) * أي: أقبل وبادر. وفي قراءتهم عليهم السلام بالهمزة وضم التاء 1، بمعنى تهيأت لك. * (قال معاذ الله) *: أعوذ بالله معاذا * (إنه ربى أحسن مثواى) *: سيدي أحسن تعهدي، فليس جزاؤه أن أخونه في أهله، أو إن الله خالقي وأحسن منزلتي، بأن عطف علي قلبه فلا أعصيه. * (إنه لا يفلح الظلمون) *. * (ولقد همت به) *: قصدت مخالطته * (وهم بها لولا أن رءا برهن ربه) * قال: " ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما همت به، ولكنه كان معصوما، والمعصوم لايهم بذنب ولا يأتيه " 2. وقال: " البرهان: النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش والحكمة الصارفة عن القبايح " 3. وفي رواية: " همت بأن تفعل وهم بأن لا يفعل " 4. وفي أخرى: " إنها همت بالمعصية، وهم يوسف بقتلها إن أجبرته، لعظم ما تداخله 5، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة " 6. * (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) * قال: " يعني القتل والزنا " 7. * (إنه من عبادنا المخلصين) * الذين أخلصهم الله لطاعته، أو 8 أخلصوا دينهم لله، على اختلاف القراءتين 9. * (واستبقا الباب) * أي: تسابقا إليه، وذلك أن يوسف فر منها ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج. * (وقدت قميصه من دبر) * اجتذبته من ورائه فانقد قميصه. والقد: الشق طولا. والقط: الشق عرضا. * (وألفيا سيدها) *: وصادفا زوجها * (لدا الباب قالت ماجزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم) *. بادرت إلى


1 - مجمع البيان 5 - 6: 222، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 و 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 201، الباب: 15، ذيل الحديث: 1. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 225، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في " الف ": " وهم يوسف بقتلها أجبرته، لعظمة ما تداخله ". 6 و 7 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 193، الباب: 14، ذيل الحديث: 1. 8 - في " الف " و " ج ": " واخلصوا ". 9 - مجمع البيان 5 - 6: 223، وجوامع الجامع 2: 184 (*)

[ 568 ]

هذا القول إيهاما بأنهاه فرت منه، تبرأة لساحتها عند زوجها، و " ما " نافية، أو استفهامية. * (قال هي رودتنى عن نفسي) *: طالبتني بالمواتاه، وإنما قال ذلك دفعا لما عرضته له من السجن والعذاب، ولو لم تكذب عليه لما قاله. * (وشهد شاهد من أهلها) *. قال: " وكان عندها صبى 1 من أهلها زائر لها، فأنطقه الله لفصل القضاء " 2. وفي وراية: " ألهم الله عزوجل يوسف أن قال للملك: سل هذا الصبي في المهد، فإنه سيشهد أنها راودتني عن نفسي. فقال العزيز للصبي. فأنطق الله الصبي في المهد ليوسف " 3. * (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين) * لانه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها، أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه. * (وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصدقين) * لانه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته. * (فلما رءا قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم) * لانه يعلق بالقلب ويؤثر في النفس، لمواجهتهن به، بخلاف كيد الشيطان، فإنه يوسوس به مسارقة. * (يوسف) *: يا يوسف * (أعرض عن هذا) *: اكتمه ولا تذكره * (واستغفرى لذنبك) * يا زليخا * (إنك كنت من الخاطئين) * من القوم المذنبين، من خطئ إذا أذنب متعمدا. * (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز ترود فتها عن نفسه) *: تطلب مواقعة غلامها إياها * (قد شغفها حبا) * قال: " قد حجبها حبه عن الناس، فلا تعقل غيره. والشغاف هو حجاب القلب " 4. وفي قراءتهم عليهم السلام: " بالمهملة " 5. أي:


1 - في " الف ": " وكان صبي عندها ". 2 - العياشي 2: 174، ذيل الحديث: 19، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 3 - القمي 1: 343، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 1: 357، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - جوامع الجامع 2: 186، عن أهل البيت عليهم السلام. (*)

[ 569 ]

أحرقها، كما يحرق البعير بالقطران 1 إذا هنئ به. * (إنا لنرها في ضلل مبين) * عن الرشد والصواب. القمي: وشاع الخبر بمصر، وجعلن النساء يتحدثن بحديثها، ويعذلنها 2 ويذكرنها 3. * (فلما سمعت بمكرهن) *: باغتيابهن وتعبيرهن، وإنما سماه مكرا لانهن أخفينه، كما يخفي الماكر مكره * (أرسلت إليهن) *: تدعوهن * (وأعتدت لهن متكا) * قال: " هيأت لهن طعاما ومجلسا، ثم آتتهن بأترج " 4. قيل: كانوا يتكئون للطعام و الشراب تترفا 5. والقمي: متكأ أي: أترجا 6. كأنه قرأه باسكان التاء وحذف الهمزة. * (وءاتت كل وحدة منهن سكينا) * فقالت: اقطعن. * (وقالت اخرج عليهن) * القمي: و كان 7 في بيت 8. * (فلما رأينه أكبرنه) *: عظمنه وهبن حسنه الفائق. وفي حديث المعراج: " رأيت في السماء الثانية رجلا صورته صورة القمر ليلة البدر، فقلت لجبرئيل: من هذا ؟ قال: هذا أخوك يوسف " 9. * (وقطعن أيديهن) *: جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة * (وقلن حش لله) * ! تنزيها لله سبحانه من صفات العجز، وتعجبا من قدرته على خلق مثله * (ماهذا بشرا) * لان هذا الجمال غير معهود للبشر * (إن هذا إلا ملك كريم) * لان جماله فوق جمال البشر، ولان الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة


1 - القطران: عصارة الا بهل والارز ونحوهما يطبخ فيتحلب منه ثم تهنأ به الابل. لسان العرب 5: 105 (قطر). 2 - العذل: الملامة. القاموس المحيط 4: 14 (عذل). 3 - القمي 1: 343، وفيه: " ويعيرنها " بدل: " ويعذلنها ". 4 - علل الشرايع 1: 49، الباب: 41، ذيل الحديث: 1، عن السجاد عليه السلام. 5 - البيضاوي 3: 132، والكشاف 2: 316. 6 - القمي 1: 343، وفيه: " أترنجة ". 7 - في " ج ": " وكانت ". 8 - القمي 1: 343. 9 - مجمع البيان 5 - 6: 231. أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 570 ]

البالغة من خواص الملائكة. * (قالت فذلكن الذى لمتننى فيه) * قال: " يعني في حبه " 1. * (ولقد رودته عن نفسه فاستعصم) *: فامتنع طالبا للعصمة. أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها، كي يعاونها على إلانة عريكته 2. * (ولئن لم يفعل ماء امره ليسجنن وليكونا من الصغرين) *: الاذلاء. * (قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) * قال: " فخرجن النسوة من عندها، فأرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف - سرا من صواحبها - تسأله الزيارة، فأبى عليهن " 3. * (وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن) *: أمل إلى إجابتهن * (وأكن من الجهلين) *: من السفهاء، بارتكاب ما يدعونني إليه. * (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن) *: فثبته بالعصمة، حتى وطن نفسه على مشقة السجن، وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان * (إنه هو السميع العليم) *. * (ثم بدالهم من بعد ما رأوا الايت) * أي: الشواهد الدالة على براءته * (ليسجننه حتى حين) *. قال: " الايات: شهادة الصبي، والقميص المخرق من دبر، واستباقهما الباب حتى سمع مجاذبتها إياه على الباب. فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتى حبسه " 4. * (ودخل معه السجن فتيان) *. القمي: عبدان للملك: أحدهما خبازة 5، والاخر صاحب الشراب 6. * (قال أحدهما إنى أرانى) * أرى في المنام، وهي حكاية حالة ماضية * (أعصر خمرا) * أي: عنبا، سماه بما يؤول إليه. * (وقال الاخر إنى أرنى أحمل


1 و 3 - علل الشرايع 1: 49، الباب: 41، ذيل الحديث 1، عن السجاد عليه السلام. 2 - أي: على تليين شدة يوسف وإمالته على إطاعتها. 4 - القمي 1: 344، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " ملحة " بدل " مولعة ". 5 - في المصدر: " خباز ". 6 - القمي 1: 344.

[ 571 ]

فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه) * قال: " جفنة فيها خبز " 1. * (نبئنا بتأويله) *. قال: " لما أمر الملك بحبس يوسف في السجن ألهمه الله علم تأويل الرؤيا، فكان يعبر لاهل السجن رؤياهم " 2. * (إنا نرك من المحسنين) *. قال: " كان يوسع المجلس ويستقرض للمحتاج ويعين الضعيف " 3. * (قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما) *. لعله أراد أن يدعوهما أولا إلى التوحيد، ويأتى بما يكون معجزة له من الاخبار بالغيب، ليدل على صدقه، ثم يجيبهما عما سألا منه. * (ذلكما مما علمني ربى) * بالالهام والوحي، وليس من قبيل التكهن والتنجم * (إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالاخرة هم كفرون) *. * (واتبعت ملة ءابآءى إبرهيم وإسحق ويعقوب ماكان لنآ أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) * يبعثنا لارشادهم * (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) *. * (يصحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الوحد القهار) *. * (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها) *: آلهة من غير حجة تدل على استحقاقها الالهية، وإنما تعبدونها باعتبار ماتطلقون عليها اسم الاله * (أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) *: الحق * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * فيخبطون في جهالاتهم. * (يصحبى السجن أمآ أحدكما) * يعني صاحب الشراب * (فيسقى ربه خمرا) * كما


1 - العياشي 2: 177، الحديث: 25، عن أبي عبد الله عليه السلام. والجفنة: القصعة، خصت بوعاء الاطمعة، جمعها: جفان. القاموس المحيط 4: 211، والمفردات: 93 (جفن). 2 - المصدر: 176، الحديث: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الكافي 2: 637، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 572 ]

يسقيه من قبل. القمي: قال له يوسف: تخرج من السجن وتصير على شراب الملك، وترتفع منزلتك عنده 1. * (وأما الاخر) * يعني الخباز * (فيصلب فتأكل الطير من رأسه) * القمي: ولم يكن رأى ذلك وكذب. فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك ويصلبك وتأكل الطير من دماغك، فجحد الرجل، فقال إني لم أر ذلك. فقال يوسف: 2 * (قضى الامر الذى فيه تستفتيان) * وهو ما يؤول إليه أمركما، يعني قطع وفزع منه، صدقتما أو كذبتما. * (وقال للذى ظن أنه ناج منهما) *: علم نجاته * (اذكرني عند ربك) *: اذكر حالي عند الملك، وأني حبست ظلما، لكي يخلصني من السجن * (فأنسه الشيطن ذكر ربه) * قيل: فأنسى الشيطان صاحب الشراب أن يذكره لربه، أوأنسى يوسف ذكر الله، فاستعان بغيره 3. وورد: " لم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه، فلذلك قال الله: " فأنساه الشيطان ذكر ربه " 4. * (فلبث في السجن بضع سنين) * قال: " سبع سنين " 5. ورد: " أوحى الله إليه في ساعته، كيف استعنت بغيري ولم تستعن بي 6 وتسألني أن أخرجك من السجن، وأملت عبدا من عبادي ليذكرك إلى مخلوق من خلقي في قبضتي، ولم تفزع إلي ؟ ! البث في السجن بذنبك بضع سنين، بإرسالك عبدا إلى عبد " 7. وورد: " لما انقضت المدة وأذن الله له في دعاء الفرج، وضع خده على الارض، ثم قال: " اللهم إن كانت ذنوبي قد أخلقت وجهي عندك، فإني أتوجه إليك بوجوه آبائي


1 و 2 - القمي 1: 344. 3 - البيضاوي 3: 134، والكشاف 2: 322. 4 - العياشي 2: 176، الحديث: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر: 178، الحديث: 30، مرفوعا عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - في المصدر: " فكيف استغثت بغيري ولم تستغث بي ". 7 - العياشي 2: 176، الحديث: 23، مرفوعا عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 573 ]

الصالحين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ففرج الله عنه " 1. * (وقال الملك إنى أرى سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر) * في قراءتهم عليهم السلام: " سبع سنابل " 2. * (وأخر يابست) *: التوت على الخضر حتى غلبن عليها، واستغنى عن بيان حالها بذكر حال البقرات. * (يأيها الملا أفتوني في رءيى) *: عبروها * (إن كنتم للرءيا تعبرون) *: إن كنتم عالمين بتأويلها. * (قالوا أضغث أحلم) *: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من وسوسة أو حديث نفس. جمع ضغث وهو ما جمع من أخلاط النبات وحزم، فاستعير 3 للرؤيا الكاذبة. ورد: " الرؤيا على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن، وتحذير من الشيطان، و أضغاث أحلام " 4. * (وما نحن بتأويل الاحلم بعلمين) * أي: الباطلة خاصة. اعتذار لجهلهم بتأويله، بأنه مما ليس له تأويل. * (وقال الذي نجا منهما) *: من صاحبي السجن، وهو الشرابي * (وادكر بعد أمة) *: وتذكر يوسف، بعد جماعة من الزمان مجتمعة، أي: مدة طويلة. قال: " أي: بعد وقت " 5. * (أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون) * أي: إلى من عنده علمه. * (يوسف أيها الصديق) * أي: فأرسلوه إلى يوسف، فأتاه وقال له: يا يوسف أيها البليغ في الصدق. وإنما قال ذلك لانه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه. * (أفتنا في سبع بقرت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلت خضر وأخر يابست) * أي: في رؤيا ذلك * (لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) *. * (قال تزرعون سبع سنين دأبا) * أي: على عادتكم المستمرة * (فما حصدتم فذروه


1 - العياشي 2: 178، الحديث: 29، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 179، الحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 345. 3 - في " ألف " و " ج ": " استعير ". 4 - الكافي 8: 90، الحديث: 61، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 323، عن أمير المؤمنين عليه السلام.

[ 574 ]

في سنبله) * لئلا يأكله السوس، وهي نصيحة خارجة عن التعبير * (إلا قليلا مما تأكلون) *. * (ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن) * أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لاجلهن، فأسند إليهن على المجاز، تطبيقا بين المعبر والمعبر به. وفي قراءتهم عليهم السلام: " ما قربتم لهن " 1. * (إلا قليلا مما تحصنون) *: مما تحرزون لبذور الزراعة. * (ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس) *: يمطرون، من الغيث. أو يغاثون من القحط، من الغوث. * (وفيه يعصرون) *: ما يعصر من الثمار والحبوب والزروع. وفي قراءتهم عليهم السلام: على البناء للمفعول 2، أي: يمطرون بعد المجاعة. قال: " والدليل على ذلك قوله تعالى: " وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا " 3. * (وقال الملك ائتونى به) * بعد ما جاءه 4 الرسول بالتعبير * (فلما جاءه الرسول) * ليخرجه * (قال ارجع إلى ربك) * قال: " يعني العزيز " 5. * (فسئله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم) *. تأنى في إجابة الملك، وقد سؤال النسوة وفحص حاله، ليظهر براءة ساحته. ويعلم أنه سجن ظلما، ولم يتعرض لامرأة العزيز مع ما صنعت به، كرما ومراعاة للادب. ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين أتاه


1 - القمي 1: 345، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 و 3 - القمي 1: 346، عن أبي عبد الله، عن أمير المؤمنين عليهما السلام. والاية في سورة النبأ (78): 14. 4 - في " ألف ": " جاء ". 5 - العياشي 2: 180، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام.

[ 575 ]

الرسول، فقال: ارجع إلى ربك، ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث، لاسرعت الاجابة وبادرتهم الباب وما ابتغيت العذر، إن كان 1 لحليما ذا أناة " 2. * (قال ما خطبكن) *: قال الملك: ما شأنكن ؟ * (إذ رودتن يوسف عن نفسه قلن حش لله ما علمنا عليه من سوء) *: من ذنب * (قالت امرأت العزيز الن حصحص الحق) *: ثبت واستقر، أو ظهر * (أنا رودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين) * حيث قال: " هي راودتني عن نفسي " 3. * (ذلك) *. قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن. أي: ذلك التثبت * (ليعلم) * العزيز * (أنى لم أخنه بالغيب) *: بظهر الغيب في حرمته * (وأن الله لا يهدى كيد الخائنين) *: لا ينفذه ولايسدده، فيه تعريض بامرأة العزيز، وتأكيد لامانته. * (ومآأبرئ نفسي) *: لاأنزهها، تواضع لله وتنبيه على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق. * (إن النفس لامارة بالسوء إلا مارحم ربى) *: إلا وقت رحمة ربي، أو إلا مارحمه الله من النفوس، فعصمه عن ذلك. ويحتمل انقطاع الاستثناء يعني: ولكن رحمة ربى هي التي تصرف السوء. وقيل: إن الايتين من تتمة كلام امرأة العزيز، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في غيبتة، وصدقت فيما سئلت عنه، و " ماأبرئ نفسي " مع ذلك من الخيانة، فإني خنته حين قذفته وسجنته، تريد الاعتذار مما كان فيه 4. وهذا التفسير هو المستفاد من كلام القمي حيث قال: " لم أخنه بالغيب " أي: لاأكذب عليه الان كما


1 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " إنه كان " كما في المصدر والصافي. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 240. والاناة - كقناة -: الحلم والوقار. القاموس المحيط 4: 302 (أنى). 3 - نفس السورة: 26. 4 - الكشاف 2: 327. (*)

[ 576 ]

كذبت عليه من قبل 1. * (إن ربى غفور رحيم) * يغفر ميل النفس، ويرحم من يشاء بالعصمة. * (وقال الملك ائتونى به أستخلصه لنفسي) *: أجعله خالصا لنفسي * (فلما كلمه) *: فلما أتوا به وكلمه، وشاهد منه الرشد والامانة، واستدل بكلامه على عقله، وبعفته على أمانته * (قال إنك اليوم لدينا مكين) *: ذو مكانة ومنزلة * (أمين) *: مؤتمن على كل شئ. * (قال اجعلني على خزائن الارض) *: ولني أمرها. والارض: أرض مصر * (إنى حفيظ) * قال: " بما تحت يدي " 2. * (عليم) * قال: " بكل لسان " 3. قيل: إنما طلب الولاية ليتوصل بها إلى امضاء أحكام الله، وبسط الحق ووضع الحقوق مواضعه 4. ورد: " رحم الله أخي يوسف، لو لم يقل: " اجعلني على خزائن الارض " لولاه 5 من ساعته، ولكنه أخر ذلك سنة " 6. * (وكذلك مكنا ليوسف في الارض) *: أرض مصر. قال: " ملك يوسف مصر وبراريها، لم يجاوزها إلى غيرها " 7. * (يتبوأ منها حيث يشآء) *: ينزل من بلادها حيث يهوى. * (نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) *. * (ولاجر الاخرة خير للذين ءامنوا وكانوا يتقون) *. ورد ما ملخصه: " إنه لم يبق بمصر وما حولها مال ولاعبد ولاحر إلا صار ليوسف، ببيعه الطعام إياهم. فقال للملك: ما ترى فيما خولني ربي من ملك مصر وأهلها ؟ أشر علينا برأيك، فإني لم أصلحهم


1 - القمي 1: 346. 2 و 3 علل الشرايع 1: 125، الباب: 105، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 139، الباب: 40، الحديث: 1، والعياشي 2: 181، الحديث: 39، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 4 - الكشاف 2: 328. 5 - في " ألف ": " لولى ". 6 - مجمع البيان 5 - 6: 243، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 7 - العياشي 2: 181، الحديث: 41، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 577 ]

لافسدهم، ولم أنجهم من البلاء ليكون وبالا عليهم، ولكن الله نجاهم على يدي. قال له الملك: الرأي رأيك. قال يوسف: إني أشهد الله وأشهدك أيها الملك، إني قد أعتقت أهل مصر كلهم، ورددت عليهم أموالهم وعبيدهم، ورددت عليك أيها الملك خاتمك وسريرك وتاجك، على أن لا تسير إلا بسيرتي ولاتحكم إلا بحكمي. قال له الملك: إن ذلك لشرفي وفخري أن أسير بسيرتك وأحكم بحكمك، ولولاك ما قويت ولا اهتديت له، ولقد جعلت سلطاني عزيزا ما يرام 1، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسوله. فأقم على ما وليتك، فإنك لدنيا مكين أمين " 2. * (وجاء إخوة يوسف) * للميرة، 3 وذلك لانه أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد من الجدب، فأرسل يعقوب بنيه غير بنيامين إليه. القمي: أمر يوسف أن يبنى له كناديج 4 من صخر وطينها بالكلس 5، ثم أمر بزرع صمر، فحصدت ودفع إلى كل إنسان حصة، وترك في سنبله لم يدسه، فوضعها في الكناديج، ففعل ذلك سبع سنين. فلما جاء سنوا القحط، كان يخرج السنبل فيبيع بما شاء، وكان بينه وبين أبيه ثمانية عشر يوما، وكان الناس من الافاق يخرجون إلى مصر ليمتاروا طعاما، وكان يعقوب وولده نزولا في بادية فيها مقل 6، فأخذ إخوة يوسف من ذلك المقل، وحملوه إلى مصر ليمتاروا به طعاما، وكان يوسف يتولى البيع بنفسه 7. * (فدخلوا عليه فعرفهم) * لان همته كانت معقودة بهم * (وهم له منكرون) *


1 - في المصدر:، " جعلت سلطانا عزيزا لا يرام ". 2 - مجمع البيان 5 - 6: 244، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. 3 - الميرة - بالكسر -: جلب الطعام. القاموس المحيط 2: 142 (مير). 4 - كناديج جمع كندوج: شبه المخزن، معرب كندو. القاموس المحيط 1: 212 (كلج). 5 - الكلس - بالكسر -: الصاروج. القاموس المحيط 2: 256 (كلس). 6 - المقل - بالضم -: الكندر الذي يتدخن به اليهود وصمغ شجرة. القاموس المحيط 4: 52 (مقل). 7 - القمي 1: 346. (*)

[ 578 ]

قال: " لهيبة الملك وعزه " 1. * (ولما جهزهم بجهازهم) * أصلحهم بعدتهم، وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لاجله. وأصل الجهاز ما يعد من الامتعة للنقلة. * (قال ائتونى بأخ لكم من أبيكم) *. ورد: " إنه قال لهم يوسف: قد بلغني أن لكم أخوين لابيكم، فما فعلا ؟ قالوا: أما الكبير منهما فإن الذئب أكله، وأما الصغير فخلفناه عند أبيه، وهو به ضنين 2 وعليه شفيق قال: فإني أحب أن تأتوني به معكم إذا جئتم تمتارون " 3. * (ألا ترون أنى أوفى الكيل وأنا خير المنزلين) *: المضيفين، وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم. * (فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولاتقربون) *. * (قالوا سنرود عنه أباه) *: سنجتهد في طلبه من أبيه * (وإنا لفعلون) * ذلك لانتوانى فيه. * (وقال لفتينه) *: لغلمانه الكيالين * (اجعلوا بضعتهم) * يعني: ثمن طعامهم وما كانوا جاؤوا به * (في رحالهم) *: في أوعيتهم * (لعلهم يعرفونها) *: يعرفون حق ردها، وحق التكرم بإعطاء بدلين * (إذا انقلبوا إلى أهلهم) * وفتحوا أوعيتم * (لعلهم يرجعون) *: لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع. * (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل) * أرادوا قول يوسف: " فلاكيل لكم عندي ". * (فأرسل معنآ أخانا نكتل) *: نرفع المانع 4 * (وإنا له لحفظون) * عن أن يناله مكروه. * (قال هل ءامنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه) *: يوسف * (من قبل فالله خير


1 - العياشي 2: 181، الحديث: 42، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " وعزته ". 2 - الضنين: البخيل، والضنة: هو البخل بالشئ النفيس. المفردات: 308 (ضنن). 3 - العياشي 2: 181، الحديث: 42، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في " ألف ": " نرفع الموانع ". (*)

[ 579 ]

حفظا وهو أرحم الرحمين) *: يرحم ضعفي وكبر سني، فيحفظه ويرده علي، ولايجمع على مصيبتين. ورد: " إن الله سبحانه قال فبعزتي لاردنهما إليك بعد ماتوكلت علي " 1. * (ولما فتحوا متعهم وجدوا بضعتهم ردت إليهم قالوا يأبانا مانبغى) *: ماذا نطلب ؟ هل من مزيد على ذلك ؟ أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا، أو المعنى: 2 لانطلب وراء ذلك إحسانا، أومانريد منك بضاعة أخرى. * (هذه بضعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا) * بالرجوع إلى الملك * (ونحفظ أخانا) * عن المخاوف، في ذهابنا وإيابنا * (ونزداد كيل بعير) * باستصحاب أخينا * (ذلك كيل يسير) * أي: مكيل قليل 3 لا يكفينا، استقلوا ماكيل لهم، فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لاخيهم، أوأرادوا أن كيل بعير يسير لا يضايقنا فيه الملك. * (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله) * أي: عهدا مؤكدا بذكر الله. * (لتأتنني به إلا أن يحاط بكم) *: إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو إلا أن تهلكوا جميعا. * (فلمآء اتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل) *: رقيب مطلع، إن أخلفتم 4 انتصف لي منكم. * (وقال يبنى لا تدخلوا من باب وحد وادخلوا من أبوب متفرقة) * لانهم كانوا ذوي جمال وبهاء وهيئة حسنة، وقد شهروا في مصر بالقرب من الملك، والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فخاف عليهم العين.. * (ومآأغنى عنكم من الله من شئ) * يعني: وإن أراد الله بكم سوء لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة، فإن الحذر لايمنع القدر. * (إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه


1 - مجمع البيان 5 - 6: 248. 2 - في " ألف ": " والمعنى ". 3 - في " ألف ": " كيل قليل ". 4 - في " ج ": " إن اختلفتم ". (*)

[ 580 ]

فليتوكل المتوكلون) *. * (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) * أي: من أبواب متفرقة * (ماكان يغنى عنهم) * رأى يعقوب * (من الله من شئ) *: مما قضاه عليهم، فسرقوا وأخذ 1 بنيامين، وتضاعفت المصيبة على يعقوب * (إلا حاجة في نفس يعقوب) *. استثناء منقطع، يعني: ولكن حاجة في نفسه، وهي شفقته عليهم، وحرازته من أن يعانوا. * (قضها) *: أظهرها ووصى بها * (وإنه لذو علم لما علمنه) *: لذو يقين ومعرفة بالله، من أجل تعليمنا إياه. ولذلك قال: " ماأغني عنكم " ولم يغتر بتدبيره. * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * سر القدر، وأنه لا يغني عنه الحذر. * (ولما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أخاه) *: ضم إليه بنيامين * (قال إنى أنا أخوك فلا تبتئس) *: فلا تحزن، من البؤس * (بما كانوا يعملون) * في حقنا، فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا. ورد: " وقد كان هيألهم طعاما، فلما دخلوا عليه قال: ليجلس 2 كل بني أم على مائدة. قال: فجلسوا وبقي بنيامين قائما. فقال له يوسف: مالك لا تجلس ؟ قال له: إنك قلت: ليجلس كل بني أم على مائدة، وليس لي فيهم ابن أم. فقال له 3 يوسف: أما كان لك ابن أم ؟ فقال له بنيامين: بلى. قال يوسف: فما فعل ؟ قال: زعم هؤلاء أن الذئب أكله. قال: فما بلغ من حزنك عليه ؟ قال: ولدلي أحد عشر ابنا، كلهم اشتققت له اسما من اسمه. فقال له يوسف: أراك قد عانقت النساء وشممت الولد من بعده. قال له بنيامين: إن لي أبا صالحا، وأنه قال: تزوج، لعل الله أن يخرج منك ذرية تثقل الارض بالتسبيح. فقال له: تعال فاجلس معي على مائدتي. فقال أخوة يوسف: لقد فضل الله


1 - في " ب ": " وأخذوا ". 2 - في " ألف ": " يجلس ". 3 - في " ألف " و " ج ": " فقال يوسف ". (*)

[ 581 ]

يوسف وأخاه، حتى أن الملك قد أجلسه معه على مائدته " 1. والقمي: فلما خرجوا من عنده قال يوسف لاخيه: أنا أخوك يوسف فلا تبتئس بما كانوا يعملون، ثم قال له: أنا أحب أن تكون عندي. فقال: لا يدعوني إخوتي، فإن أبي قد أخذ عليهم عهد الله وميثاقه أن يردونى إليه، قال: أنا أحتال بحيلة، فلا تنكر إذا رأيت شيئا ولاتخبرهم، فقال: لا 2. * (فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية) *: المشربة. قال: " كان قدحا من ذهب وكان صواع يوسف إذا كيل، كيل به " 3. * (في رحل أخيه) * قال: " من حيث لم يقف عليه إخوته " 4. * (ثم أذن مؤذن) *: نادى مناد: * (أيتها العير) * أي: القافلة. وهو اسم الابل التي عليها الاحمال، فقيل لاصحابها. القمي: معناه يا أهل العير، ومثله " واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها ". 5 * (إنكم لسرقون) *. قال: " ما سرقوا وما كذب يوسف، فإنما عنى سرقتهم 6 يوسف من أبيه ". 7 وفي رواية: " ألا ترى أنهم حين قالوا: " ماذا تفقدون قالوا: نفقد صواع الملك " ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك " 8. * (قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون) *. * (قالوا نفقد صواع الملك) * قال: " الطاس الذي يشرب منه " 9. * (ولمن جاء به حمل بعير) * من الطعام جعلا له * (وأنا به زعيم) *: كفيل أؤديه. * (قالوا تالله) *. قسم فيه معنى التعجب * (لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الارض


1 - مجمع البيان 5 - 6: 251، 252، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 و 4 - القمي 1: 348. 3 - العياشي 2: 185، الحديث: 52، عن أبي عبد الله عليه السلام مع تفاوت. 5 - القمي 1: 349. والاية في نفس السورة: 82. 6 - في " ب " و " ج " والمصدر: " سرقتم ". 7 - القمي: 1: 349، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 2: 185، الحديث: 50، وعلل الشرايع 1: 52، الباب: 43، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - المصدر، الحديث: 51، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 582 ]

* (وما كنا سرقين) *. استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم. لما ثبت عندهم دلائل دينهم وأمانتهم في معاملتهم معهم، مرة بعد أخرى. * (قالوا فما جزؤه) *: فما جزاء السرق ؟ * (إن كنتم كذبين) * في ادعائكم البراءة منه. * (قالوا جزؤه من وجد في رحله فهو جزؤه) * أي: جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه. هكذا كان شرع يعقوب. قال: " يعنون السنة التي كانت تجري فيهم أن يحبسه " 1. * (كذلك نجزى الظلمين) * بالسرقة. * (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه) *: بنيامين، دفعا للتهمة * (ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف) * بأن علمناه إياه * (ماكان ليأخذ أخاه في دين الملك) *: ملك مصر، لان حكم السارق في دينه أن يضرب ويغرم، لاأن يستعبد. * (إلا أن يشآء الله) * أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك * (نرفع درجت من نشاء) * بالعلم، كما رفعنا درجة يوسف * (وفوق كل ذى علم عليم) *: أرفع درجة منه في علمه. * (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) * القمي: يعنون يوسف 2. وورد: " كانت لاسحق النبي منطقة 3 يتوارثها الانبياء والاكابر، وكانت عند عمة يوسف، وكان يوسف عندها، وكانت تحبه، فبعث إليها أبوه أن ابعثيه إلي وأرده إليك، فبعثت إليه أن دعه عندي الليلة أشمه، ثم أرسله إليك غدوة، فلما أصبحت أخذت المنطقة فربطتها في حقوه 4 وألبسته قميصا وبعثت به إليه، وقالت: سرقت المنطقة فوجدت عليه. وكان إذا سرق أحد في ذلك الزمان دفع إلى صاحب السرقة، فأخذته فكان عندها " 5. * (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) *: أكنها ولم يظهرها لهم


1 - العياشي 2: 183، الحديث: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 349. 3 - المنطقة: ما ينتطق به وكمنبر: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها. القاموس المحيط 3: 295 (نطق). 4 - الحقو: موضع شد الازار وهو الخاصرة. ومجمع البحرين 1: 105 (حقا). 5 - العياشي 2: 185، الحديث: 53، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام. (*)

[ 583 ]

* (قال) *: في نفسه * (أنتم شر مكانا) *: منزلة في سرقتكم أخاكم وسوء صنيعكم به * (والله أعلم بما تصفون) *: وهو يعلم أن الامر ليس كما تصفون وأنه لم يسرق. * (قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نرك من المحسنين) *. * (قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده) *. القمي: ولم يقل: إلا من سرق متاعنا 1. * (إنا إذا لظلمون) * يعني: عندكم " اجتمعوا إلى يوسف يجادلونه في حبسه وهم يقولون: " خذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين " فأطلق عن هذا وكانوا إذا غضبوا خرج من ثبابهم شعر، ويقطر من رؤوسها دم أصفر ". كذا ورد 2. * (فلما استيئسوا منه) *: يئسوا من يوسف وإجابته إياهم. وزيادة السين والتاء للمبالغة * (خلصوا) *: انفردوا واعتزلوا * (نجيا) *: متناجين * (قال كبيرهم) * قال: " قال لهم يهوذا 3، وكان أكبرهم " 4. والقمي: قال لهم لاوي 5 * (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) *: عهدا وثيقا ؟ * (ومن قبل) * ذلك * (ما فرطتم في يوسف) *: قصرتم في شأنه * (فلن أبرح الارض) *: فلن أفارق أرض مصر * (حتى يأذن لى أبى) * في الرجوع إليه * (أو يحكم الله لى) *: أويقضي الله لي بالخروج * (وهو خير الحكمين) *. قال: " فرجع إخوة يوسف إلى أبيهم وتخلف يهوذا " 6. * (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانآ إن ابنك سرق وماشهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حفظين) *.


1 - القمي 1: 349. 2 - راجع:: القمي 1: 349، والعياشي 2: 186، الحديث: 55 و 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في " ألف ": " يهودا " في جميع المواضع. 4 - العياشي 2: 186، الحديث: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 1: 349، وفيه: " لاوي بن بعقوب ". 6 - العياشي 2: 187، ذيل الحديث: 56، عن أبي عبد الله عليه السلام، والقمي 1: 349. (*)

[ 584 ]

* (وسئل القرية التى كنا فيها والعير التى أقبلنا فيها وإنا لصدقون) *. * (قال بل سولت) * يعني: فلما رجعوا إلى أبيهم، وقالوا له ما قال لهم أخوهم، " قال: بل سولت "، أي: زينت وسهلت * (لكم أنفسكم أمرا) * أردتموه كتعليمكم إياه أن السارق يؤخذ بسرقته. * (فصبر جميل) *: لاشكوى فيه * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) *: بيوسف وبنيامين ويهوذا * (إنه هو العليم الحكيم) *. * (وتولى عنهم) *: وأعرض عنهم * (وقال يأسفى على يوسف) *: تعال فهذا أوانك، والاسف أشد الحزن والحسرة، والالف بدل من ياء المتكلم. وهذا الكلام من يعقوب يدل على أن مصابه بيوسف كان عنده غضا طريا، مع طول العهد. ورد: سئل: ما بلغ من حزن يعقوب على يوسف ؟ قال: " حزن سبعين ثكلى على أولادها " 1. * (وابيضت عيناه) * لكثرة بكائه * (من الحزن) * كأن العبرة 2 محقت سوادها. والقمي: يعني: عميت من البكاء 3. * (فهو كظيم) *: مملو من الغيظ على أولاده، ممسك له في قلبه، ولا يظهره. * (وقالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف) * أي: لاتفتأ ولا تزال تذكره تفجعا عليه. حذف " لا " لعدم التباسه بالاثبات. * (حتى تكون حرضا) *: مريضا من الهم، مشفيا على الهلاك * (أو تكون من الهلكين) *. * (قال إنما أشكوا بثى وحزني) *: همي الذي لاأقدر الصبر عليه * (إلى الله) * لا إلى غيره، فخلوني وشكايتي * (وأعلم من الله) * من صنعه ورحمته * (مالا تعلمون) * فإن حسن ظني به أن يأتيني بالفرج من حيث لاأحتسب.


1 - القمي 1: 350، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العبرة: الدمعة قبل أن تفيض. القاموس المحيط 2: 86 (عبر). 3 - القمي 1: 350. (*)

[ 585 ]

* (يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) *: تفحصوا من حالهما، وتطلبوا خبرهما * (ولا تايئسوا من روح الله) *: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه 1 ورحمته * (إنه لايايئس من روح الله إلا القوم الكفرين) *. لان المؤمن من الله على خير يرجوه عند البلاء ويشكره في الرخاء. ورد: " إنه كان يعلم أن يوسف حي، لانه كان قد سأل ملك الموت بعد مادعا الله أن يهبطه عليه فهبط، فقال: أخبرني عن الارواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة ؟ فقال: بل متفرقة روحا روحا. قال: فمر بك روح يوسف ؟ قال: لا. فعند ذلك علم أنه حي " 2. * (فلما دخلوا عليه) * بعد ما رجعوا إلى مصر * (قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضعة مزجة) *: ردية، وهي المقل، كما مر 3. * (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا) * قيل: وتفضل علينا بالمسامحة، وزدنا على حقنا 4. وورد: " وتصدق علينا بأخينا بنيامين " 5. * (إن الله يجزى المتصدقين) *. فرق لهم يوسف، ولم يتمالك أن عرفهم نفسه. * (قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه) *. قاله شفقة ونصحا، لما رأى من عجزهم وتمسكنهم، لامعاتبة وتثريبا، أيثار الحق الله على حق نفسه في ذلك المقام الذي ينفث فيه المصدور 6، ولعل فعلهم بأخيه إفراده عن يوسف. قيل: وإذلاله، حتى


1 - نفس الله عنه كربته: فرجها. الصحاح 3: 985 (نفس). 2 علل الشرايع 1: 52، الباب: 44، الحديث: 1، والكافي 8: 199، الحديث: 238، والقمي 1: 350، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في ذيل الاية: 58. 4 - راجع: جوامع الجامع 2: 207. 5 - العياشي 2: 191، ذيل الحديث: 65، عن أبي جعفر عليه السلام، ومجمع البيان 5 - 6: 261، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - النفاثة: ما ينفثه المصدور من فيه. القاموس المحيط 1: 182 (نفث). (*)

[ 586 ]

لايستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة 1. * (إذ أنتم جهلون) *. ورد: " كل ذنب عمله العبد وإن كان عالما فهو جاهل، حين خاطر بنفسه معصية ربه، فقد حكى الله سبحانه قول يوسف لاخوته: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون " فنسبهم إلى الجهل، لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله " 2. * (قالوا أءنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذآ أخى) * من أبي وأمي، ذكره تعريفا لنفسه وتفخيما لشأنه. * (قد من الله علينا) * أي: بالسلامة والكرامة * (إنه من يتق) *: يتق الله * (ويصبر) * على البلايا وعن المعاصي * (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) *. * (قالوا تالله لقد ءاثرك الله علينا) *: اختارك علينا، بحسن الصورة وكمال السيرة * (وإن كنا لخطئين) *: وإن شأننا وحالنا إنا كنا مذنبين بما فعلنا بك، لاجرم أن الله أعزك وأذلنا. ورد: " قالوا: فلا تفضحنا ولا تعاقبنا اليوم، واغفر لنا " 3. * (قال لاتثريب) *: لاتأنيب * (عليكم اليوم) * بما فعلتم * (يغفر الله لكم وهو أرحم الرحمين) *. ورد: " إن يعقوب اشتد حزنه وتقوس ظهره، وأدبرت الدنيا عنه وعن ولده، حتى احتاجوا حاجة شديدة وفنيت ميرتهم، فعند ذلك قال لولده. " اذهبوا فتحسسوا " الاية. فخرج منهم نفر، وبعثهم ببضاعة بسيرة، وكتب معهم كتابا إلى عزيز مصر يتعطفه 4 على نفسه وولده، وأوصى ولده أن يبدؤوا بدفع كتابه قبل البضاعة، ثم ذكر صفة الكتاب. وملخصه: أنه ذكر فيه ابتلاء جده بالاحراق وابتلاء أبيه بالذبح، وابتلائه بفراق يوسف ثم أخيه، وأنه كان يسكن إليه مكان يوسف. قال: وذكروا أنه سرق مكيال الملك، ونحن أهل بيت لانسرق، وقد جبسته وفجعتني به، وقد اشتد لفراقه حزني،


1 - البيضاوي 3: 142. 2 - مجمع البيان 3 - 4: 22، عن أبي عبد الله عليه السلام، ذيل الاية: 17 من سورة النساء. 3 - العياشي: 2: 192، ذيل الحديث: 65، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - في " ب ": " بتعطفه ". (*)

[ 587 ]

حتى تقوس لذلك ظهري، وعظمت به مصيبتي مع مصائب متتابعات علي، فمن علي بتخلية سبيله وإطلاقه من محبسه، وطيب لنا القمح 1، وأسمح 2 لنا في السعر، وعجل سراح 3 آل يعقوب. قال: فأخذ يوسف كتاب يعقوب، فقبله ووضعه على عينيه، وبكى وانتحب 4 حتى بلت دموعه القميص الذي كان عليه، ثم أقبل عليهم فقال: " هل علمتم ما فعلتم بيوسف الاية " 5. " وأعطاهم قميصه، وهو قميص إبراهيم " 6. وفي رواية: " قال: " اذهبوا بقميصي هذا " الذي بلته دموع عيني، فألقوه على وجه أبي " يرتد بصيرا، لو قد شم ريحي " 7. وورد: " إن يعقوب وجد ريح قميص يوسف من مسيرة عشر ليال. قال: وهو القميص الذي نزل على إبراهيم من الجنة، فدفعه إبراهيم إلى إسحق، وإسحق إلى يعقوب، ويعقوب إلى يوسف " 8. وفي رواية: " وكان نزل على إبراهيم من الجنة في قصبة من فضة، وكان إذا لبس كان واسعا كبيرا قال: " إني لاجد ريح يوسف " يعني: ريح الجنة، لانه كان من الجنة " 9. أقول: يعني: من عالم الملكوت برز إلى عالم الملك. * (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين) *.


1 - القمح. البر. القاموس المحيط 1: 252 (قمح). 2 - سمح وأسمح: جاد. القاموس المحيط 1: 237 (سمح). 3 - السراح: الارسال وتسريح المرأة: تطليقها والاسم: السراح. مجمع البحرين 2: 371، والصحاح 1: 374 (سرح). 4 - النحب والنحيب والانتحاب: البكاء بصوت طويل ومد. النهاية 5: 27 (نحب). 5 - العياشي 2: 190، الحديث: 65، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - المصدر: 193، ذيل الحديث: 68، مرفوعا. 7 - المصدر: 196، الحديث: 79، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - العياشي 2: 194، الحديث: 73، مرفوعا. 9 - المصدر، الحديث: 72، وعلل الشرايع 1: 53، الباب: 45، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 588 ]

* (ولما فصلت العير) * من مصر، وخرجت من عمرانها * (قال أبوهم) * لمن حضره: * (إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون) *: تنسبوني إلى الفند، وهو نقصان عقل يحدث من الهرم، وجواب " لولا " محذوف، تقديره: لصدقتموني. * (قالوا تالله إنك لفى ضللك القديم) *: لفي ذهابك عن الصواب قدما، بإفراطك في محبة يوسف وإكثارك ذكره، والتوقع للقائه. * (فلمآ أن جاء البشير) *. قال: " وهو يهوذا ابنه " 1. * (ألقه على وجهه) *: طرح القميص على وجهه * (فارتد بصيرا) * لما انتعش فيه من القوة * (قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون) * من حياة يوسف، وإنزال الفرج من الله. ويحتمل أن يكون: " إني أعلم " مستأنفا، والمقول محذوفا دل عليه الكلام السابق. * (قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خطئين) *. * (قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم) *. قال: " أخره إلى السحر ليلة الجمعة " 2. وورد: " خير وقت دعوتم الله فيه الاسحار، وتلا هذه الاية " 3. * (فلما دخلوا على يوسف ءاوى إليه أبويه) *: ضمهما إليه. وفي رواية: " التي سارت 4 معهم إلى مصر كانت خالته وليست بأمه " 5. ولعلها نزلت منزلة الام، كما نزل العم منزلة الاب * (وقال ادخلوا مصر إن شآء الله) *: دخلتموه * (ءامنين) * إنما دخلوا عليه قبل دخولهم مصر، لانه استقبلهم يوسف


1 - كمال الدين 1: 142، الباب: 5، ذيل الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - من لا يحضره الفقيه 1: 272، الحديث: 1240، والعياشي: 2: 196، الحديث: 81، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيهما: " أخرها ". 3 - الكافي 2: 477، الحديث: 6، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - في " ب ": " صارت ". 5 - راجع: العياشي 2: 196، ذيل الحديث: 79، عن أبي جعفر عليه السلام و 197، الحديث 84، عن أبي الحسن عليه السلام. (*)

[ 589 ]

ونزلهم 1 في بيت أومضرب هناك. * (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا) *. قال: " العرش: السرير، وكان سجودهم ذلك عبادة لله " 2. * (وقال يأبت هذا تأويل رءيى من قبل قد جعلها ربى حقا) *: صدقا. قال: " لما دخلوا على يوسف في دار الملك اعتنق أباه وبكى ورفعه ورفع خالته على سرير الملك، ثم دخل منزله، فادهن واكتحل ولبس ثياب العز والملك، ثم خرج إليهم. فلما رأوه سجدوا له إعظاما له وشكرا لله، فعند ذلك قال: " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل " 3. وفي رواية: " فسجد يعقوب وولده ويوسف معهم شكرا لله، لاجتماع شملهم. ألم تر أنه يقول في شكره ذلك الوقت: " رب قد ءاتيتني من الملك " الاية " 4. وفي قراءتهم عليهم السلام: " وخروا لله ساجدين " 5. * (وقد أحسن بى إذ أخرجنى من السجن) *. لعله لم يذكر الجب، لئلا يكون تثريبا عليهم * (وجاء بكم من البدو) *: من البادية، لانهم كانوا أصحاب المواشي، ينتقلون في المياه والمناجع 6 * (من بعد أن نزغ الشيطن بينى وبين إخوتى) *: أفسد وحرش 7 * (إن ربى لطيف لما يشآء إنه هو العليم الحكيم) *. * (رب قد ءاتيتنى من الملك) *: بعضه * (وعلمتني من تأويل الاحاديث) *: بعضه * (فاطر السموت والارض أنت ولى في الدنيا والاخرة توفنى مسلما وألحقني


1 - في " ب " و " ج ": " نزل لهم ". 2 - العياشي 2: 197، الحديث: 85، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2، الحديث: 83، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 265، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام. 5 - جوامع الجامع 2: 210، مرويا عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - النجعة - بالضم -: طلب الكلا في موضعه. والمنتجع: المنزل في طلب الكلا ويقال للمنتجع منجع، وجمعه مناجع. القاموس المحيط 3: 90، ولسان العرب 8: 347 (نجع). 7 - التحريش: الاغراء بين القوم أوالكلاب. القاموس المحيط 2: 278 (حرش). (*)

[ 590 ]

بالصلحين) *. قال: " عاش يعقوب مائة وأربعين سنة، وعاش يوسف مائة وعشرين 1 وعاش يعقوب مع يوسف بمصر حولين " 2. * (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) * [ يا ] 3 محمد * (وما كنت لديهم) *: لدى إخوة يوسف * (إذ أجمعوا أمرهم) *: عزموا على ماهموا به * (وهم يمكرون) *: لم تعرف ذلك إلا بالوحي. * (ومآأكثر الناس ولو حرصت) * على إيمانهم وبالغت في إظهار الايات عليهم * (بمؤمنين) * لعنادهم وتصميمهم على الكفر. * (وما تسئلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر) *: عظة من الله * (للعلمين) *. * (وكأين من ءاية في السموت والارض) * تدل على حكمة الله وقدرته في صنعه * (يمرون عليها) * ويشاهدونها * (وهم عنها معرضون) *: لا يتفكرون فهيا ولا يعتبرون بها. * (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) * قال: " شرك طاعة وليس شرك عبادة " 4. وفي رواية: " يطيع الشيطان من حيث لا يعلم فيشرك " 5. وفي أخرى: " هو الرجل يقول: لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لاصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي. الا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه، يرزقه ويدفع عنه. قيل: فيقول: لولا أن من الله علي بفلان لهلكت. قال: نعم، لا بأس بهذا " 6. وفي أخرى: " من ذلك قول الرجل: لاوحياتك " 7.


1 - كمال الدين: 289 (النسخة الحجرية) عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي المطبوع منه 2: 524، " مائة وعشرين سنة ". 2 - العياشي 2: 198، الحديث: 87، ومجمع البيان 5 - 6: 266، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - مابين المعقوفتين من " ب " و " ج ". 4 - الكافي 2: 397، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - العياشي 2: 200، الحديث: 96، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - المصدر: 199، الحديث: 90، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 591 ]

* (أفأمنوا أن تأتيهم غشية من عذاب الله) *: عقوبة تغشاهم وتشملهم * (أوتأتيهم الساعة بغتة) *: من غير سابقة علامة * (وهم لا يشعرون) * بإتيانها، غير مستعدين لها. * (قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله) *. تفسير للسبيل. * (على بصيرة أنا ومن اتبعنى) * قال: " علي اتبعه " 1. * (وسبحن الله ومآأنا من المشركين) *. قال: " أنفة لله 2، أما ترى الرجل إذا عجب من الشئ قال: سبحان الله " 3. وفي رواية: " تنزيه " 4. * (وما أرسلنا من قبلك) * قال " يعني إلى الخلق " 5. * (إلا رجالا) *. رد لقولهم: لو شاء ربك لانزل ملائكة. * (نوحي إليهم) * كما نوحي إليك * (من أهل القرى) * لانهم أعلم وأحكم من أهل البدو * (أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم) * من المكذبين بالرسل والايات، فيحذروا تكذيبك، ومن المشعوفين بالدنيا فيزهدوا فيها. وقد سبق 6 تفسير الارض بأرض القرآن. * (ولدار الاخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون) *. * (حتى إذا استيئس الرسل) *. غاية كلام محذوف. كأنه قيل: قد تأخر نصرنا الرسل، حتى إذا استيأسوا عنه * (وظنوا أنهم قد كذبوا) * هكذا في قراءتهم عليهم السلام: 7 " كذبوا " بالتخفيف. ومعناه: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم، من نصرة الله إياهم. كذا ورد 8. وعلى قراءة التشديد، معناه:


1 - روضة الواعظين: 105، عن أبي جعفر عليه السلام، في مجلس ذكر فضائل أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - أنفة لله: تنزيه لله. قال بعض الشارحين: الانفة في الاصل: الضرب على الانف ليرجع، ثم استعمل لتبعيد الاشياء، فيكون هنا بمعنى رفع الله عن مرتبة المخلوقين بالكلية، لانه تنزيه عن صفات الرذائل و الاجسام " مجمع البحرين 5: 28 ". 3 - الكافي 3: 330، ذيل الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر 1: 118، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه: " تنزيهه ". 5 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 270، الباب: 27، ذيل الحديث: 1. 6 - في ذيل الاية: 137 من سورة آل عمران والاية: 11 من سورة الانعام. 7 - العياشي 2: 201، الحديث: 101، ومجمع البيان 5 - 6: 269، عن الصادقين عليهما السلام. 8 - راجع: جوامع الجامع 2: 213. (*)

[ 592 ]

وظن الرسل أنهم قد كذبتهم قومهم فيما وعدوا من العذاب والنصرة عليهم. * (جاءهم نصرنا) * بإرسال العذاب على الكفار * (فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) * إذا نزل. * (لقد كان في قصصهم عبرة لاولى الالبب ماكان) * القرآن * (حديثا يفترى) *: يختلق * (ولكن تصديق الذى بين يديه) *: من الكتب الالهية * (وتفصيل كل شئ) * يحتاج إليه في الدين * (وهدى) * من الضلال * (ورحمة) * ينال بها خير الدارين * (لقوم يؤمنون) *: يصدقونه.

[ 593 ]

سورة الرعد [ مدنية، وهي ثلاث وأربعون آية. وقيل: مكية 1 ] 2 بسم الله الرحمن الرحيم * (المر تلك ءايت الكتب والذى أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) *. * (الله الذى رفع السموت بغير عمد) *: بغير أساطين * (ترونها) *. صفة ل‍ " عمد ". قال: " فثم عمد ولكن لاترونها " 3. * (ثم استوى على العرش) *. سبق معناه في الاعراف 4. * (وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى) *: لمدة معينة يتم فيها أدواره، أوالغاية مضروبة ينقطع دونها سيره، وهي " إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت " 5. * (يدبر الامر) *: أمر ملكوته من الايجاد والاعدام، والاحياء والاماتة وغير ذلك. * (يفصل الايت) *: ينزلها ويبينها * (لعلكم بلقاء ربكم تؤمنون) *:


1 - مجمع البيان 5 - 6: 273. 2 - مابين المعقوفتين من: " ب ". 3 - العياشي 2: 203، الحديث: 3، عن أبي الحسن الثاني عليه السلام، وفيه: " ولكن لا ترى ". 4 - ذيل الاية: 54. 5 - التكوير (81): 2 و 3. (*)

[ 594 ]

لكي تتفكروا فيها، وتتحققوا كمال قدرته وصنعه في كل شئ، فتعلموا أنه بكل شئ محيط. وهذا كقوله سبحانه: " ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط " 1. * (وهو الذى مد الارض) *: بسطها طولا وعرضا ليثبت فيها الاقدام، ويتقلب 2 عليها الحيوان * (وجعل فيها روسى) *: جبالا ثوابت * (وأنهرا) * تتولد منها * (ومن كل الثمرت جعل فيها زوجين اثنين) *: صنفين اثنين: أسود وأبيض، حلوا وحامضا، رطبا ويابسا، صغيرا وكبيرا، وما أشبه ذلك من الاصناف المختلفة. * (يغشى اليل النهار) *: يلبس ظلمة الليل ضياء النهار، فيصير الهواء مظلما بعد ماكان مضيئا * (إن في ذلك لايت لقوم يتفكرون) *. * (وفى الارض قطع متجورت) *: متلاصقة من طيبة وسبخة، ورخوة وصلبة، وصالحة للزرع دون الشجر وبالعكس، وغير صالحة لشئ منهما. * (وجنت من أعنب وزرع ونخيل) * فيها أنواع الاعناب والنخيل والزروع * (صنوان) *: نخلات، أصلها واحد * (وغير صنوان) *: متفرقات مختلفة الاصول، أوأمثال 3 وغير أمثال. ورد: " عم الرجل صنو أبيه " 4. * (يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل) *: في الثمر، شكلا وقدرا، ورائحة وطعما. قال: " يعني هذه الارض الطيبة مجاورة لهذه الارض المالحة، وليست منها، كما يجاور القوم القوم وليسوا منهم " 5. و عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " الناس من شجر 6 شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة،


1 - فصلت (41): 54. 2 - في " ألف ": " ينقلب ". 3 - في " ألف ": " وأمثال ". 4 - مجمع البيان 5 - 6: 276، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - العياشي 2: 203، الحديث: 4، مرفوعا، رفعه إلى أهل العلم والفقه من آل محمد عليهم السلام. 6 - في " ب ": " من شجرة ". (*)

[ 595 ]

ثم قرأ هذه الاية " 1. * (إن في ذلك لايت لقوم يعقلون) *: يستعملون عقولهم بالتفكر فيهتدون إلى عظمة الصانع، وعلمه وحكمته البالغة، وقدرته النافذة، وتدبيره الكامل، ولطفه الشامل، وحسن تربيته صنايعه 2 شيئا فشيئا إلى بلوغها منتهى كمالاتها اللائقة بها. * (وإن تعجب) * يا محمد من قولهم في إنكار البعث * (فعجب قولهم) *: فحقيق بأن يتعجب منه، فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك كانت الاعادة أهون عليه * (أءذا كنا تربا أءنا لفى خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الاغلل في أعناقهم) *: مقيدون بالضلال، لا يرجى خلاصهم لاصرارهم * (وأولئك أصحب النارهم فيها خلدون) *. * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) *: بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنهم استعجلوا بالعذاب استهزاء * (وقد خلت) *: مضت * (من قبلهم المثلت) *: عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما بالهم 3 لم يعتبروا بها ! * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) * أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب 4 * (وإن ربك لشديد العقاب) *. قيل: لما نزلت هذه الاية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لولا عفو الله وتجاوزه ماهنأ أحدا العيش، و لولا وعيد الله وعقابه لاتكل كل أحد " 5. وورد حين تذاكر والكبائر وقول المعتزلة فيها: إنها لا تغفر: " قد نزل القرآن بخلاف قول المعتزلة، قال الله جل وجلاله: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " " 6.


1 - مجمع البيان 5 - 6: 276. 2 - في " ب ": " وصنايعه ". 3 - في " ألف ": " فمالهم لم يعتبروا بها ". 4 - في " ألف ": " أي أنفسهم بالذنوب ". 5 - مجمع البيان 5 - 6: 278. 6 - التوحيد: 406، الباب: 63، الحديث: 4، عن أبي الحسن الثاني، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 596 ]

* (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه) * لم يعتدوا بالايات المنزلة، واقترحوا نحو ما أوتي موسى وعيسى. * (إنما أنت منذر) *: مرسل للانذار كغيرك من الرسل، وما عليك إلا الاتيان بما يصح به أنك رسول منذر، والايات كلها متساوية في حصول الغرض. * (ولكل قوم هاد) * يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية، وبآية خص بها. قيل: لما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنا المنذر وعلي الهادي من بعدي، يا علي بك يهتدي المهتدون " 1. وورد: " كل إمام هاد للقرن الذي هو فيهم " 2. القمي: هو رد على من أنكر أن في كل عصر وزمان إماما، وأن الارض لا تخلو من حجة 3. * (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) *: من ذكر أو أنثى، تام وناقص، حسن وقبيح، سعيد وشقي * (وما تغيض الارحام) *: وماتنقصه * (وما تزداد) * في المدة والعدد والخلقة. قال: " الغيض: كل حمل دون تسعة أشهر، " وما تزداد ": كل شئ يزداد على تسعة أشهر، فكلما رأت المرأة الدم في حملها من الحيض، فإنها تزداد بعدد الايام التي رأت في حملها من الدم " 4. * (وكل شئ عنده بمقدار) *. * (علم الغيب والشهدة الكبير المتعال) *. * (سوآء منكم من أسر القول) * في نفسه * (ومن جهر به) * لغيره * (ومن هو مستخف باليل) *: طالب للخفاء في مختبإ 5 بالليل * (وسارب) *: بارز * (بالنهار) * يراه كل أحد. قال: " يعني السر والعلانية عنده سواء " 6.


1 - مجمع البيان 5 - 6: 278. 2 - الكافي 1: 191، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 1: 359. وفي " ب ": " أن الارض لا تخلو من حجة الله ". 4 - الكافي 6: 12، الحديث: 2، عن أحدهما عليهما السلام، وفيه: " فكلما رأت المرأة الدم الخالص ". 5 - في " ألف ": " مختباه ". 6 - القمي 1: 360، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 597 ]

* (له) *: لمن أسر أو جهر أواستخفى أوسرب * (معقبت) *: ملائكة يعقب بعضهم بعضا في حفظه وكلاءته * (من بين يديه ومن خلفه) *: من جوانبه * (يحفظونه من أمر الله) * قيل: من أجل أمر الله 1. ورد: " إنها قرئت عنده، فقال لقاريها: ألستم عربا ؟ فكيف يكون المعقبات من بين يديه ؟ !، وإنما المعقب من خلفه، فقال الرجل: جعلت فداك، كيف هذا ؟ فقال: إنما أنزلت: له معقبات من خلفه، ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله. ومن ذا الذي يقدر أن يحفظ الشئ من أمر الله، وهم الملائكة الموكلون بالناس " 2. وفي رواية: " يقول: من أمر الله 3، من أن يقع في ركى 4، أو يقع عليه حائط، أو يصيبه شئ، حتى إذا جاء القدر خلوا بينه [ وبينهم ] 5 يدفعونه إلى المقادير، وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان بالنهار يتعاقبانه " 6. * (إن الله لا يغير ما بقوم) * من العافية والنعمة * (حتى يغيروا ما بأنفسهم) * من الاحوال الجميلة بالاحوال القبيحة. قال: " إن الله قضى قضاء حتما لا ينعم على عبده نعمة فيسلبها إياه قبل أن يحدث العبد ذنبا، يستوجب بذلك الذنب سلب تلك النعمة، وذلك قول الله: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " " 7. وورد: " الذنوب التي تغير النعم: البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير، واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، ثم تلا الاية " 8. * (وإذآ أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال) *: من يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء. * (هو الذى يريكم البرق خوفا وطمعا) * قال: " خوفا للمسافر وطمعا


1 - الكشاف 3: 352، والبيضاوي 3: 148. 2 - القمي 1: 360، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - في المصدر: " بأمر الله ". 4 - الركى: جنس للركية، وهى البئر وجمعها: ركايا " النهاية 2: 261 - ركا ". وفي " ألف ": " في ركو ". 5 - مابين المعقوفتين من المصدر. وفي " ب " و " ج ": " خلوا بينه وبينه ". 6 - القمي 1: 360، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - العياشي 2: 206، الحديث: 18، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - معاني الاخبار: 270، الحديث: 2، عن السجاد عليه السلام. (*)

[ 598 ]

للمقيم " 1. * (وينشئ السحاب الثقال) * القمي: يعني يرفعها من الارض 2. * (ويسبح الرعد بحمده) *. سئل عن الرعد ؟ فقال: " ملك موكل بالسحاب معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب " 3. وفي رواية " إنه بمنزلة الرجل يكون في الابل فيزجرها، هاي هاي كهيئة ذلك " 4. * (والملئكة من خيفته ويرسل الصوعق فيصيب بها من يشآء وهم يجدلون في الله) * حيث يكذبون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يصفه من التفرد بالالوهية وإعادة الناس ومجازاتهم * (وهو شديد المحال) * قال: " شديد الاخذ " 5. * (له دعوة الحق) * فإنه يدعى فيستجيب * (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ) * من الطلبات * (إلا كبسط كفيه) *: إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه * (إلى الماء ليبلغ فاه) *: يطلب منه أن يبلغه من بعيد * (وما هو ببلغه) * إذ لايشعر الماء بدعائه، ولا يقدر على إجابته، وكذلك آلهتهم. قال: " هذا مثل ضربه الله للذين يعبدون الالهة من دون الله فلا يستجيبون لهم بشئ ولا ينفعهم، إلا كباسط كفيه إلى الماء ليتاوله من بعيد ولا يناله " 6. * (ومادعآء الكفرين إلا في ضلل) *: في ضياع وبطلان. * (ولله يسجد من في السموت والارض طوعا وكرها وظللهم بالغدو والاصال) * قال: " أما من يسجد من أهل السماوات طوعا، فالملائكة يسجدون لله طوعا، ومن يسجد من أهل الارض، فمن ولد في الاسلام فهو يسجد له طوعا، وأما من يسجد له كرها، فمن جبر على الاسلام، وأما من لم يسجد [ له ] 7 فظله يسجد له


1 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 294، الباب: 28، الحديث: 51. 2 - القمي 1: 361. 3 - راجع: البيضاوي 3: 148، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - العياشي 2: 207، الحديث: 23، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 283، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - القمي 1: 361، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - مابين المعقوفتين من " ألف ". (*)

[ 599 ]

بالغداة والعشي " 1. والقمي: ليس شئ إلا له ظل يتحرك بحركته، وتحويله سجوده لله " 2. وقيل: أريد بالظل الجسد 3. وإنما يقال للجسم الظل، لانه عنه الظل، ولانه ظل للروح، لانه ظلماني والروح نوراني، وهو تابع له يتحرك بحركته النفسانية، ويسكن بسكونه النفساني. القمي: ظل المؤمن يسجد طوعا، وظل الكافر يسجد كرها، وهو نموهم وحركتهم، وزيادتهم ونقصانهم 4. وفي رواية: " وظلالهم بالغدو والاصال " ؟ قال: هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهي ساعة إجابة " 5. أقول: كما يجوز أن يراد بكل من السجود والظل، والغدو والاصال معناه المعروف، كذلك يجوز أن يراد بالسجود الانقياد، وبالظل الجسد، وبالغدو والاصال الدوام، ويجوز أيضا أن يراد بكل منها 6 ما يشمل كلا المعنيين، فيكون في كل شئ بحسبه وعلى ما يليق به. وبهذا يتوافق الاخبار. ويأتي لهذا المعنى مزيد بيان في سورة النحل 7 إن شاء الله تعالى. * (قل من رب السموت والارض قل الله) *: أجب عنهم بذلك، إذ لاجواب لهم سواه. * (قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لانفسهم نفعا ولاضرا) * فكيف لغيرهم ! * (قل هل يستوى الاعمى والبصير) * القمي: الكافر والمؤمن 8. * (أم هل تستوى الظلمت والنور) *: الكفر والايمان * (أم جعلوا لله شركاء) *: بل أجعلوا، والهمزة


1 - القمي 1: 362، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه " فمن أجبر على الاسلام ". 2 - المصدر: 386، ذيل الاية: 48 من سورة النحل. 3 - الدر المنثور 4: 630، عن الحسن. 4 - القمي 1: 362. 5 - الكافي 2: 522، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - في " ألف " و " ج ": " منهما ". 7 - في ذيل الاية: 48. 8 - القمي 1: 362.

[ 600 ]

للانكار. * (خلقوا كخلقه) *. صفة ل‍ " شركاء ". داخلة في حكم الانكار. * (فتشبه الخلق عليهم) *: خلق الله وخلقهم، والمعنى: أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله، حتى يتشابه الخلق عليهم، فيقولوا: هؤلاء خلقوا كما خلق الله، فاستحقوا العبادة كما استحقها. ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين، لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلا عما يقدر عليه الخالق. * (قل الله خلق كل شئ) *: لاخالق غيره فيشاركه في العبادة * (وهو الوحد القهر) *: المتوحد بالالوهية، الغالب على كل شئ. * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) *: في الصغر والكبر، وعلى حسب المصلحة * (فاحتمل السيل زبدا رابيا) *: مرتفعا * (ومما يوقدون عليه في النار) * من أنواع الفلزات، كالذهب والفضة والحديد والنحاس * (ابتغآء حلية) *: طلب حلية * (أومتع) * كالاواني وآلات الحرث والحرب * (زبد مثله) *: مثل زبد الماء، وهو خبثه. * (كذلك يضرب الله الحق والبطل) * أي: مثلهما مثل الحق في إفادته وثابته بالماء الذي ينزل من السماء، فيسيل 1 به الاودية على وجه الحاجة والمصلحة، فينتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الارض، بأن يثبت 2 بعضه في منابعه، ويسلك بعضه في عروق الارض إلى العيون والابار، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلي واتخاذ الامتعة المختلفة، ويدوم ذلك مدة متطاولة. والباطل في قلة نفعه وسرعة اضمحلاله بزبدهما. * (فأما الزبد فيذهب جفآء) *: يجفأ 3 به، أي: يرمي به السيل أوالفلز المذاب. * (وأما ما ينفع الناس) * كالماء وخلاصة الفلز * (فيمكث في الارض) * ينتفع به أهلها * (كذلك يضرب الله الامثال) * لايضاح المشتبهات 4.


1 - كذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: " تسيل ". 2 - في " ألف ": " ثبت ". 3 - الجفاء: ما يرمى به الوادي أو القدر من الغثاء إلى جوانبه، يقال: أفجأت القدر زبدها: ألقته. المفردات: 92 (جفا). 4 - في " ألف ": " الشبهات ". (*)

[ 601 ]

القمي: يقول: أنزل الحق من السماء فاحتمله القلوب بأهوائها، ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه، فاحتمل الهوى باطلا كثيرا وجفاء فالماء هو الحق، و الاودية هي القلوب، والسيل هو الهوى، والزبد وخبث الحلية هو الباطل، والحلية و المتاع هو الحق. من أصاب الحلية والمتاع في الدين انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينفعه، ومن أصاب الزبد وخبث الحلية في الدنيا لم ينتفع، وكذلك صاحب الباطل يوم القيامة لا ينتفع به 1. * (للذين استجابوا لربهم الحسنى) *: الاستجابة الحسنى * (والذين لم يستجيبوا له) * يعني: كذلك يضرب الامثال للفريقين، ومابعده كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين، ويحتمل عدم تعلقه بما قبله ويراد بالحسنى: المثوبة الحسنى، ويكون ما بعده متعلقا به. كذا قيل 2. * (لو أن لهم مافى الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب) * قال: " هو أن لاتقبل لهم حسنة ولا تغفر لهم سيئة " 3. وورد: " من نوقش في الحساب عذب " 4. * (ومأوهم جهنم وبئس المهاد) *: يمهدون في النار. * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق) * فيستجيب * (كمن هو أعمى) *: أعمى القلب، لايستبصر فيستجيب. والهمزة للانكار، يعني: لاشبهة في عدم تشابههما بعد ما ضرب من المثل، فإن بينهما من البون مابين الزبد والماء والخبث والابريز 5. * (إنما يتذكر أولوا الالبب) *: ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الالف ومعارضة الوهم. * (الذين يوفون بعهد الله) *: ماعقدوه على أنفسهم لله * (ولا ينقضون الميثق) *:


1 - القمي 1: 362. 2 - الكشاف 2: 356، والبيضاوي 3: 150. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 287، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - المصدر. وفيه: " ومن نوقش الحساب عذب ". 5 - ذهب إبريز وإبريزى: خالص. القاموس المحيط 2: 172 (برز). (*)

[ 602 ]

ماوثقوه من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد. قال: " نزلت في آل محمد عليهم السلام وماعاهدهم عليه، وما أخذ عليهم من الميثاق في الذر، من ولاية أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام بعده " 1. * (والذين يصلون مآأمر الله به أن يوصل) * من الرحم، ولاسيما رحم آل محمد عليهم السلام ويندرج فيه موالاة المؤمنين ومراعاة حقوقهم. قال: " نزلت في رحم آل محمد [ عليه وآله السلام ] 2 وقد تكون في قرابتك. ثم قال: فلا تكونن ممن يقول للشئ: إنه في شئ واحد " 3. وورد: " الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، وهو رحم آل محمد، وهو قول الله: " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل "، ورحم كل ذي رحم " 4. وفي رواية: " ورحم كل مؤمن " 5. * (ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) * قال: " أن تحسب عليهم السيئات ولا تحسب لهم الحسنات " 6. وورد: " إنه تلا هذه الاية حين وافى رجلا استقصى حقه من أخيه، وقال: أتراهم يخافون أن يظلمهم أويجور عليهم ؟ لا، ولكنهم خافوا الاستقصاء والمداقة، فسماه الله سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء " 7. * (والذين صبروا) * على القيام بأوامر الله ومشاق التكاليف، وعلى المصائب في النفوس والاموال، وعن معاصي الله * (ابتغآء وجه ربهم وأقاموا الصلوة وأنفقوا


1 - القمي 1: 363، عن أبي الحسن عليه السلام. 2 - مابين المعقوفتين من المصدر. 3 - الكافي 2: 156، الحديث: 28، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 2: 208، الحديث: 27، عن أبي عبد الله عليه السلام، إلا أن فيه: " ورحم كل مؤمن " بدل " ورحم كل ذي رحم ". 5 - المصدر. 6 - مجمع البيان 5 - 6: 289، والعياشي 2: 210، الحديث: 38، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - راجع: الكافي 5: 100، الحديث 1، والعياشي 2: 210، الحديث: 41، والقمي 1: 364، ومعاني الاخبار: 246، الحديث: 1، جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف وتفاوت.

[ 603 ]

مما رزقنهم سرا وعلانية) * طلبا لرضاه 1 * (ويدرءون بالحسنة السيئة) *: يدفعونها بها، فيجازون الاساءة بالاحسان، ويتبعون 2 الحسنة السيئة فتمحوها. ورد: " أتبع السيئة بالحسنة تمحها " 3. * (أولئك لهم عقبى الدار) *: عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها، وهي الجنة. * (جنت عدن يدخلونها) *. العدن: الاقامة، أي: جنات يقيمون فيها. قال: " جنة عدن في وسط الجنان، سورها ياقوت أحمر وحصباؤها 4 اللؤلؤ " 5. * (ومن صلح من أآبائهم وأزوجهم وذريتهم والملئكة يدخلون عليهم من كل باب) *: " من أبواب غرفهم ". كذا ورد 6. * (سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) *. القمي: نزلت في الائمة عليهم السلام وشيعتهم الذين صبروا 7. وورد: " نحن صبر 8 وشيعتنا أصبر منا، لانا صبرنا بعلم، و [ شيعتنا ] 9 صبروا على مالا يعلمون " 10. * (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثقه) *: من بعد ماأوثقوه به من الاقرار والقبول. القمي: يعني: في أمير المؤمنين عليه السلام وهو الذي أخذ الله عليهم في الذر، وأخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغدير خم 11. * (ويقطعون مآأمر الله به أن يوصل) * من الرحم وغيرها * (ويفسدون في الارض) * بالظلم وتهييج الفتن * (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء


1 - في " ب ": " طلبا لرضاء الله ". 2 - في " ألف ": " يبتغون ". 3 - القمي 1: 364، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - الحصباء: الحصى واحدتها حصبة. القاموس 1: 57 (حصب). 5 - من لا يحضره الفقيه 1: 193، ذيل الحديث: 905، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - الكافي 8: 98، الحديث: 69، عن أبى جعفر عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 7 - القمي 1: 365. 8 - في " ب " والمصدر: " صبرنا ". 9 - مابين المعقوفتين من " ب " و " ج " 10 - القمي 1: 365، عن أبي عبد الله عليه السلام. 11 - المصدر: 363. (*)

[ 604 ]

الدار) *: عذاب النار. * (الله) * وحده * (يبسط الرزق لما يشآء ويقدر) *: يوسعه ويضيقه دون غيره * (وفرحوا بالحيوة الدنيا) *: بما بسط لهم فيها * (وما الحيوة الدنيا في الاخرة) *: في جنبها * (إلا متع) *: إلا شئ قليل يتمتع به ثم يفنى، يعني: أنهم أشروا 1 بما نالوا من الدنيا، ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الاخرة، واغتروا بما هو في جنبه نزر 2، قليل النفع، سريع الزوال. * (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه ءاية من ربه قل أن الله يضل من يشآء) * باقتراح الايات بعد ظهور المعجزات * (ويهدى إليه من أناب) *: من أقبل ألى الحق ورجع عن العناد. * (الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) *: تسكن إليه، أنسا به واعتمادا عليه ورجاء منه. قال: " بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم تطمئن، وهو ذكر الله وحجابه " 3. والقمي: " الذين آمنوا ": الشيعة، وذكر الله، أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام 4. * (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) *. * (الذين ءامنوا وعملوا الصلحت طوبى لهم وحسن ماب) *. قال: " طوبى شجرة في الجنة، أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها، لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما، ألا ففي هذا فارغبوا " 5. وفي رواية: " أصلها في دار علي بن


1 - أشر من باب تعب: بطر وكفر النعمة فلم يشكرها. المصباح المنير 1: 21 (أشر). 2 - النزر: القليل. القاموس المحيط: 2: 146 (نزر). 3 - العياشي 2: 211، الحديث: 44، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 1: 365. 5 - الكافي 2: 239، الحديث: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 605 ]

أبي طالب " 1. وورد: " أنه قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك، فقال: إن داري ودار علي في الجنة بمكان واحد " 2. * (كذلك أرسلنك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذى أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن) *: وحالهم أنهم يكفرون بالواسع الرحمة، الذي أحاطت بهم نعمته، ووسعت كل شئ رحمته. * (قل هو ربى لاإله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) *: مرجعي. * (ولو أن قرءانا سيرت به الجبال) *: زعزعت عن مقارها * (أو قطعت به الارض) *: تصدعت من خشية الله وتشققت * (أوكلم به الموتى) * فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن، لعظم قدره وجلالة شأنه. القمي: لو كان شئ من القرآن كذلك لكان هذا 3، وورد: " وقد ورثنا نحن هذا القرآن، الذي فيه ما تسير به الجبال، وتقطع به البلدان، ويحيى به الموتى " 4. * (بل لله الامر جميعا) *: بل لله القدرة على كل شئ. * (أفلم يايئس الذين ءامنوا) *. قيل: أي: أفلم يعلم ؟ وهي لغة قوم من النخع 5. وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه، لان اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون 6. وفي قراءتهم عليهم السلام: " أفلم يتبين " 7. * (أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة) * 8: داهية تقرعهم من 9 صنوف


1 - كمال الدين 2: 385، الباب: 33، الحديث: 55، عن أبي عبد الله عليه السلام 2 - مجمع البيان 5 - 6: 291، عن أبي الحسن، عن آبائه عليهم السلام. 3 - القمي 1: 365. 4 - الكافي 1: 226، الحديث: 7، عن أبي الحسن الاول عليه السلام. 5 - النخع - محركة - قبيلة باليمن. القاموس المحيط 3: 90 (نخع). 6 - الكشاف 2: 360. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 292، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - القارعة: البلية التى تقرع القلب بشدة المخافة. مجمع البحرين 4: 377 (قرع). 9 - في " ب ": " عن ". (*)

[ 606 ]

المصائب، في أنفسهم وأموالهم. قال: " [ هي ] 1 النقمة " 2 * (أو تحل) * القارعة * (قريبا من دارهم) * فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها 3، كالسرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتغير حواليهم، وتختطف مواشيهم. قال: " تحل بقوم غيرهم، فيرون ذلك ويسمعون به، والذين حلت بهم عصاة كفار مثلهم، ولا يتعظ بعضهم ببعض 4. * (حتى يأتي وعد الله) * قال: " ولن يزالوا كذلك، حتى يأتي وعد الله الذي وعد المؤمنين من النصر، ويخزي الله الكافرين " 5. * (إن الله لا يخلف الميعاد) *. * (ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم) *. الاملاء: أن يترك ملاءة 6 من الزمان في أمن ودعة. يعني: طولت لهم الامل ثم أهلكتهم. وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووعيد للمستهزئين به. * (فكيف كان عقاب) *: عقابي إياهم. * (أفمن هو قائم على كل نفس) *: رقيب عليه حافظ * (بما كسبت) *: من خير وشر، فلا يخفى عليه شئ من أعمالهم 7، ولا يفوت عنه شئ من جزائهم، كمن ليس كذلك ؟ * (وجعلوا لله شركاء قل سموهم) * من هم ؟ أوصفوهم، فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة، ويستأهلون الشركة ؟ * (أم تنبونه) *: بل أتنبؤونه * (بما لا يعلم في الارض) *: بشركاء لايعلمهم في الارض، وهو العالم بما في السماوات والارض. فإذا لم يعلمهم فإنهم ليسوا بشئ يتعلق به العلم. والمراد: نفي أن يكون له شركاء. * (أم بظهر من القول) *: أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول، من غير حقيقة واعتبار، كتسمية الزنجي كافورا. أنظر إلى هذه الاساليب العجيبة في الاحتجاج، كيف تنادي بلسان فصيح: أنها ليست من كلام البشر. * (بل زين للذين كفروا مكرهم) *: تمويههم،


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 و 4 - القمي 1: 365 - 366 عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في " ألف ": " شرها ". 5 - القمي 1: 365 - 366، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - الملاءة - بالحركات الثلاث - أي: حينا وبرهة. مجمع البحرين 1: 398 (ملا). 7 - في " ألف ": " أحوالهم ". (*)

[ 607 ]

فتخيلوا 1 أباطيل ثم خالوها. * (وصدوا عن السبيل) *: سبيل الحق * (ومن يضلل الله) *: يخذله * (فما له من هاد) * يوفقه للهدى. * (لهم عذاب في الحيوة الدنيا) * بالقتل والاسر وسائر المصائب * (ولعذاب الاخرة أشق) * لشدته ودوامه * (ومالهم من الله من واق) *: من دافع. * (مثل الجنة التى وعد المتقون) *: صفتها التي هي مثل في الغرابة * (تجرى من تحتها الانهر أكلها دائم) *: لا مقطوعة ولا ممنوعة * (وظلها) * كذلك * (تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكفرين النار) *. * (والذين ءاتينهم الكتب يفرحون بمآ أنزل إليك) * قال: " أي: يفرحون بكتاب الله إذا يتلى عليهم، وإذا تلوه تفيض أعينهم دمعا من الفزع والحزن " 2. * (ومن الاحزاب) *: من تحزب على رسول الله بالعداوة * (من ينكر بعضه) * وهو مايخالف شرائعهم * (قل إنما أمرت أن أعبد الله ولاأشرك به) * فإنكاركم إنكار لعبادة الله وتوحيده. * (إليه أدعوا) * لاإلى غيره * (وإليه ماب) *: وإليه مرجعي لاإلى غيره. * (وكذلك أنزلنه) * مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده، والدعوة إليه وإلى دينه * (حكما عربيا) *: حكمة عربية، مترجمة بلسان العرب * (ولئن اتبعت أهواءهم) * في أمور يدعونك إلى أن توافقهم عليها * (بعد ما جاءك من العلم) * بنسخ ذلك * (مالك من الله من ولى) * ينصرك * (ولاواق) * يمنع العقاب عنك، وهو حسم لاطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك) * بشرا مثلك * (وجعلنا لهم أزوجا وذرية) *: نساء وأولادا. رد لتعييرهم إياه بكثرة الازواج. قال: " فما كان رسول الله إلا كأحد أولئك، جعل الله له أزواجا، وجعل له ذرية، لم يسلم مع أحد من الانبياء من أسلم من


1 - في " ج ": " فيخيلو ". 2 - القمي 1: 366، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 608 ]

أهل بيته، أكرم الله بذلك رسوله " 1. * (وما كان لرسول أن يأتي باية) * يقترح عليه و يلتمس منه * (إلا بإذن الله) * فإنه القادر على ذلك. * (لكل أجل كتاب) *: لكل وقت حكم يكتب على العباد، ولهم مما يقتضيه صلاحهم. * (يمحوا الله ما يشاء ويثبت) *: ينسخ ما ينبغي نسخه، وثبت ما يقتضيه حكمته، و يمحو سيئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها، ويمحو من كتاب الحفظة مالايتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتا، أو يثبت ما رأه في صميم قلب عبده، ويمحو الفاسدات ويثبت الكائنات، ويمحو قرنا ويثبت آخرين. والاخير مروي 2، وهو أحد معانيه. وقال: " هل يمحى إلا ماكان ثابتا، وهل يثبت إلا ما لم يكن ؟ " 3. وورد: " إذا كان ليلة القدر نزلت الملائكة والروح والكتبة إلى سماء الدنيا، فكتبوا ما يكون من قضاء الله تلك السنة. فإذا أراد الله أن يقدم شيئا أويؤخره أو ينقص 4 شيئا، أمر الملك أن يمحو ما يشاء، ثم أثبت الذي أراد " 5. * (وعنده أم الكتب) * يعني: أصل الكتب، وهو اللوح المحفوظ عن المحو والتبديل، وهو جامع للكل، ففيه إثبات المثبت وإثبات الممحو 6، ومحوه وإثبات بدله. قال: " هما كتابان: كتاب سوى أم الكتاب، يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وأم الكتاب لا يغير منه شئ " 7. وفي رواية: " هما أمران: موقوف ومحتوم، فما كان من محتوم أمضاه، وما كان من موقوف فله فيه المشية يقضي فيه ما يشاء " 8.


1 - العياشي 2: 214، الحديث: 51، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 298، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 3 - الكافي 1: 147، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في " ألف " و " ج ": " ينقص ". 5 - راجع: القمي 1: 366، والعياشي 2: 216، الحديث: 62، عن أبي عبد الله عليه السلام، مع اختلاف يسير. 6 - في جميع النسخ: " إثبات المحو ". وما أثبتناه من الصافي. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 298، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 8 - المصدر، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 609 ]

* (وإن مانرينك بعض الذى نعدهم أونتوفينك) * يعني وكيفما دارت الحال من الامرين * (فإنما عليك البلغ) * لاغير * (وعلينا الحساب) * للمجازاة لا عليك، فلا تحتفل بإعراضهم. * (أولم يروا أنا نأتى الارض ننقصها من أطرافها) *: بإذهاب أهلها. قال: " يعني بذلك ما يهلك من القرون، فسماه إتيانا " 1. وفي رواية: " هو ذهاب العلماء " 2. أقول: وعلى هذا التفسير يكون الاطراف جمع طرف بالتسكين. قال في الغريبين 3: أطراف الارض: علماؤها وأشرافها، الواحد طرف، ويقال طرف أيضا. * (والله يحكم لا معقب لحكمه) *: لاراد له، والمعقب: الذي يعقب الشئ فيبطله. * (وهو سريع الحساب) *. فيحاسبهم عما قليل. * (وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا) * إذ لايؤبه بمكر دون مكره، فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره. * (يعلم ما تكسب كل نفس) * فيعد جزاءه * (وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار) * يعنى: العاقبة المحمودة، وهذا كالتفسير لمكر الله بهم. القمي: المكر من الله هو العذاب 4. * (ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم ومن عنده علم الكتب) *. قال: " إيانا عنى، وعلي أولنا، وأفضلنا، وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم " 5.


1 - الاحتجاج 1: 372، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - الكافي 1: 38، الحديث: 6، عن أبي جعفر، عن أبيه علي بن الحسين عليهما السلام. وفي " ب ": " ذهاب العلماء ". 3 - لا يوجد لدينا هذا الكتاب. راجع: أساس البلاغة: 388، ولسان العرب 9: 218، وتاج العروس 24: 79 (طرف)، ومجمع البيان 5 - 6: 300. 4 - القمي 1: 367. 5 - الكافي 1: 229، الحديث: 6، والعياشي 2: 220، الحديث: 76، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 610 ]

وسئل علي عليه السلام عن أفضل منقبة له فقرأ هذه الاية وقال: " إياي 1 عنى ب‍ " من عنده علم الكتاب " 2.


1 - في " ألف ": " إيانا ". 2 - الاحتجاج 1: 232. (*)

[ 611 ]

سورة إبراهيم [ مكية، وهي اثنتان وخمسون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أنزلنه إليك لتخرج الناس من الظلمت) *: من الكفر وأنواع الضلال * (إلى النور) *: إلى الايمان والهدى * (بإذن ربهم) *: بتوفيقه وتسهيله * (إلى صرط العزيز الحميد) *. بدل من قوله: " إلى النور ". * (الله الذى له مافى السموت وما في الارض وويل للكفرين من عذاب شديد) *. الويل الهلاك، نقيض الوأل وهو النجاة. * (الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الاخرة) * يختارونها عليها * (ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) *: يطلبون لها اعوجاحا ليقدحوا فيها * (أولئك في ضلل بعيد) *. * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) *: إلا بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم * (ليبين لهم) * ما أمروا به فيفقهوه بيسر وسرعة.


1 - مابين المعقوفتين من: " ب ". (*)

[ 612 ]

ورد " ومن علي ربي وقال: يا محمد قد أرسلت كل رسول إلى أمة بلسانها، و أرسلتك إلى كل أحمر وأسود من خلقي " 1. * (فيضل الله من يشآء) * بالخذلان * (ويهدى من يشآء) * بالتوفيق * (وهو العزيز الحكيم) *. * (ولقد أرسلنا موسى بايتنآ أن أخرج قومك من الظلمت إلى النور و ذكرهم بأيهم الله) * قال: " بنعم الله وآلائه " 2. وقيل: بوقائعه الواقعة على الامم الماضية 3. وفي رواية: " أيام الله: يوم يقوم القائم ويوم الكرة ويوم القيامة " 4. والقمي: أيام الله ثلاثة: يوم القائم ويوم الموت ويوم القيامة 5. أقول: لا منافاة بين هذه التفاسير، لان النعمة على المؤمن نقمة على الكافر، وكذا الايام المذكورة نعم لقوم ونقم لاخرين. * (إن في ذلك لايت لكل صبار) * يصبر على بلائه * (شكور) * يشكر لنعمائه. * (وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجكم من ءال فرعون يسومونكم) *: يكلفونكم * (سوء العذاب) *: استعبادكم بالافعال الشاقة، كما سبق في سورة البقرة 6. * (ويذبحون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم) *. * (وإذ تأذن ربكم) *: واذكروا إذ أعلم ربكم: * (لئن شكرتم) * يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم من الانجاء وغيره، بالايمان والعمل الصالح * (لازيدنكم) * نعمة إلى نعمة. ورد: " ما أنعم الله على عبد من نعمة فعرفها بقلبه، وحمد الله ظاهرا بلسانه، فتم


1 - الخصال 2: 425، الحديث: 1، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: " إلى أمته ". 2 - مجمع البيان 5 - 6: 304، والعياشي 2: 222، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - البيضاوي 3: 156، ومجمع البيان 5 - 6: 304. 4 - الخصال 1: 108، الحديث: 75، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - القمي 1: 367. 6 - في ذيل الاية: 49. (*)

[ 613 ]

كلامه حتى يؤمر له بالمزيد " 1. * (ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) * قال: " هو كفر النعم " 2. * (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغنى) * عن شكركم * (حميد) *: مستحق للحمد في ذاته وإن لم يحمده حامد، محمود يحمده نفسه وملائكته وسائر المخلوقات، " وإن من شئ إلا يسبح بحمده " 3. * (ألم يأتكم نبؤا الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لايعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينت فردوا أيديهم في أفواههم) *. القمي: أي: في أفواه الانبياء 4. أقول: يعني منعوهم من التكلم، وهو تمثيل. * (وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به وإنا لفى شك مما تدعوننا إليه مريب) *. * (قالت رسلهم أفى الله شك فاطر السموت والارض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى) *: إلى وقت سماه الله وجعله آخر أعماركم. * (قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا) *: لافضل لكم علينا، فلم خصصتم بالنبوة دوننا ؟ !. * (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد أآباؤنا فأتونا بسلطن مبين) *: بحجة واضحة. أرادوا بذلك ما اقترحوه من الايات، تعنتا وعنادا. * (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده) *. سلموا مشاركتهم في البشرية، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله، ومنه عليهم بخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم. * (وما كان لنآ أن نأتيكم بسلطن إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) *:


1 - الكافي 2: 95، الحديث: 9، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - المصدر: 390، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الاسراء (17): 44. 4 - القمي 1: 368. (*)

[ 614 ]

فلنتوكل 1 في الصبر على معاداتكم. عمموا للاشعار بما يوجب التوكل، وهو الايمان. * (ومالنآ) * أي: أي عذر لنا * (ألا نتوكل على الله وقد هدنا سبلنا) * التي بها نعرفه، ونعلم أن الامور كلها بيده * (ولنصبرن على ماء اذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون) *. * (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) *. حلفوا على أن يكون أحد الامرين، والعود بمعنى الصيرورة، لانهم لم يكونوا 2 على ملتهم قط. * (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظلمين) *. * (ولنسكننكم الارض من بعدهم) * أي: أرضهم وديارهم. ورد: " من آذى جاره طمعا في مسكنه ورثه الله داره " 3. * (ذلك لمن خاف مقامي) * أي: موقفي للحساب * (وخاف وعيد) * أي: وعيدي بالعذاب. * (واستفتحوا) *. سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم 4. من الفتاحة، بمعنى الحكومة. * (وخاب كل جبار عنيد) *. قال: " يعني: من أبى أن يقول لاإله إلا الله " 5. وفي رواية: " العنيد: المعرض عن الحق " 6. * (من ورائه جهنم) *: من بين يدي هذا الجبار نار جهنم، فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الاخرة. * (ويسقى) * أي: يلقى فيها ويسقى * (من ماء صديد) * قال: " ويسقى مما يسيل من الدم والقيح من فروج الزواني في النار " 7.


1 - في " ب ": " فليتوكل ". 2 - في " ألف ": " لا يكونوا ". 3 - القمي 1: 368، مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - في " ب " و " ج ": " أعاديهم ". 5 - التوحيد: 21، الباب: 1، الحديث: 9، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - القمي 1: 368، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 308 عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 615 ]

وفي رواية: " يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه وقع فروة رأسه 1، فإذا شرب قطع أمعاؤه 2 حتى يخرج من دبره، يقول الله عزوجل: " وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم " 3، ويقول: " وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه 4 " " 5. * (يتجرعه) *: يتكلف جرعه * (ولا يكاد يسيغه) *: ولايقارب أن يسيغه، فكيف يسيغه ؟ * (وما هو بميت) * فيستريح * (ومن ورائه) *: ومن بين يديه * (عذاب غليظ) * أي: يستقبل في كل وقت عذابا أشد مما هو عليه. قال: " إن أهل النار لما غلى الزقوم والضريع 6 في بطونهم كغلي الحميم، سألوا الشراب فأتوا بشراب غساق 7 وصديد " يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ ": حميم 8، يغلي به جهنم منذ خلقت " كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " " 9. * (مثل الذين كفروا بربهم) *: صفتهم التي هي مثل في الغرابة * (أعملهم كرماد اشتدت به الريح) *: حملته وأسرعت الذهاب به * (في يوم عاصف) *. العصف: اشتداد الريح. وصف به اليوم للمبالغة. شبه مكارمهم - من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب


1 - في المصدر: " وقعت "، ووقع: سقط، والفروة: جلدة الرأس. القاموس المحيط 3: 99 (وقع) و 4: 376 (فرو). 2 - في " ألف " و " ج " والمصدر: " قطع أمعاءه ". 3 - سورة محمد (47): 15. 4 - الكهف (18): 29. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 308، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 6 - الزقوم: شجرة مرة، كريهة الطعم والرائحة، والضريع - على ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -: شئ يكون في النار يشبه الشوك. أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأشد حرا من النار. مجمع البحرين 4: 364 (ضرع) و 6: 79 (زقم). 7 - الغساق: مايغسق من صديد أهل النار أي: يسيل، يقال: غسقت العين: إذا سالت دموعها. مجمع البحرين 5: 223 (غسق). 8 - في المصدر: " وحميم ". 9 - العياشي 2: 223، الحديث: 7، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي عليهم السلام. والاية في سورة الكهف (18): 29. (*)

[ 616 ]

وإغاثة الملهوف في حبوطها وذهابها هباء منثورا، لبنائها على غير أساس من معرفة الله، والتوجه بها إليه - برماد طيرته الريح العاصف. * (لا يقدرون) * يوم القيامة * (مما كسبوا) * منها * (على شئ) * يعني لا يرون لشئ منها ثوابا * (ذلك) * أي: ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون * (هو الضلل البعيد) * في غاية البعد عن الحق. * (ألم تر أن الله خلق السموت والارض بالحق) *: بالحكمة والغرض الصحيح، ولم يخلقها عبثا باطلا * (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد) *. * (وما ذلك على الله بعزيز) *: بمتعذر، أو متعسر. * (وبرزوا لله جميعا) * يعني يوم القيامة. ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه. * (فقال الضعفؤا) *: ضعفاء الرأي، يعني الاتباع * (للذين استكبروا) *: لرؤسائهم. قال: " أفتدرون الاستكبار ما هو ؟ هو ترك الطاعة لمن أمروا بطاعته، والترفع على من ندبوا إلى متابعته " 1. * (إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدنا الله لهدينكم سوآء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص) *: منجى ومهرب من العذاب. * (وقال الشيطن) *. قال: " كلما كان في القرآن " قال الشيطان " يريد به الثاني " 2. * (لما قضى الامر) *. القمي: أي: لما فرغ من أمر الدنيا من أوليائه 3. * (إن الله وعدكم وعد الحق) * من البعث والجزاء، فوفى لكم بما وعدكم * (ووعدتكم) * خلاف ذلك * (فأخلفتكم) *: فلم أوف لكم * (وما كان لى عليكم من سلطن) * فأجبركم على الكفر والعصيان * (إلا أن دعوتكم) * بتسويلى ووسوستي * (فاستجبتم لى) *: أسرعتم إجابتي * (فلا تلوموني) * بوسوستي، فإن من صرح بعداوته لايلام بأمثال ذلك * (ولوموا أنفسكم) * حيث اغتررتم * (مآأنا بمصرخكم) *: بمغيثكم من العذاب * (ومآأنتم


1 - مصباح المتهجد: 701، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير. 2 - العياشي 2: 223، الحديث: 8، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 368. (*)

[ 617 ]

بمصرخي) *: بمغيثي، لا ينجي بعضنا بعضا * (إنى كفرت بمآ أشركتمون من قبل) *: تبرأت منه. قال: " إن الكفر في هذه الاية البراءة " 1. * (إن الظلمين لهم عذاب أليم) *. من تتمة كلامه، أو استيناف. * (وأدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم) *. ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة) *: قولا حقا ودعاء إلى صلاح * (كشجرة طيبة) * يطيب ثمرها، كالنخلة * (أصلها ثابت) * في الارض ضارب بعروقه فيها * (وفرعها في السماء) *. * (تؤتى أكلها) *: تعطي ثمرها * (كل حين) *: كل وقت وقته الله لاثمارها * (بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون) *. قال: " هذا مثل ضربه الله لاهل بيت نبيه ولمن عاداهم " 2. وسئل عن هذه الشجرة ؟ فقال: " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصلها، وأمير المؤمنين صلوات الله عليه فرعها، والائمة من ذريتهما أغصانها، وعلم الائمة ثمرها، وشيعتهم المؤمنون ورقها " 3. وقال: " " تؤتي أكلها كل حين ": مايخرج من علم الامام إليكم في كل سنة من كل فج عميق " 4. * (ومثل كلمة خبيثة) *: قول باطل، ودعاء إلى ضلال أو فساد * (كشجرة خبيثة) * لا يطيب ثمرها، كشجرة الحنظل * (اجتثت) *: استؤصلت وأخذت جثته بالكلية * (من فوق الارض) * لان عروقها قريبة منه * (مالها من قرار) *. قال: " إن هذا مثل بني أمية " 5.


1 - الكافي 2: 390، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - العياشي 2: 225، الحديث: 15، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - المصدر: 224، الحديث: 11، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " وشيعتهم ورقها ". 4 - كمال الدين 2: 345، الباب: 33، الحديث: 30، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه بدل قوله: " من كل فج عميق ": " من حج وعمرة ". 5 - مجمع البيان 5 - 6: 313، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 618 ]

وقال: " كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء " 1. * (يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت) * الذي ثبت بالحجة والبرهان عندهم، و تمكن في قلوبهم واطمأنت إليه أنفسهم * (في الحيوة الدنيا) * فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم * (وفى الاخرة) * فلا يتلعثمون 2 إذا سئلوا عن معتقدهم * (ويضل الله الظلمين) * الذين ظلموا أنفسهم بالجحود والاقتصار على التقليد، فلا يهتدون إلى الحق، ولاتثبتون في مواقف الفتن. قال: " يعني يضلهم يوم القيامة عن دار كرامته " 3. ورد: " إن الشيطان ليأتي الرجل من أوليائنا عند موته عن يمينه وعن شماله ليضله عما هو عليه، فيأبى الله له ذلك، وذلك قول الله عزوجل: " يثبت الله الذين آمنوا " الاية " 4. * (ويفعل الله ما يشاء) *. * (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار) *: دار الهلاك، بحملهم 5 على الكفر. * (جهنم يصلونها وبئس القرار) *. قال: " عنى بها قريشا قاطبة، الذين عادوا رسول الله ونصبوا له الحرب، وجحدوا ووصيه " 6. وفي رواية: " هم الافجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر " 7. وفي أخرى: " ما بال أقوام غيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعدلوا عن وصيه لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب ؟ ! ثم تلا هذه الاية، ثم قال: نحن والله نعمة الله التي


1 - القمي 1: 369، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - تلعثم الرجل في الامر: إذا تمكث فيه وتأنى. مجمع البحرين 6: 162 (لعثم). 3 - التوحيد: 241، الباب: 35، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - من لا يحضره الفقيه 1: 80، الحديث: 363، والعياشي 2: 225، الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في " ألف " و " ب ": " يحملهم ". 6 - الكافي 1: 217، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " وصية وصيه ". 7 - مجمع البيان 5 - 6: 314، عن علي عليه السلام. (*)

[ 619 ]

أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة " 1. * (وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) *. * (قل لعبادي الذين ءامنوا يقيموا الصلوة) * أي: أقيموا الصلاة، أو ليقيموا 2 * (وينفقوا مما رزقنهم سرا وعلانية) *. قال: " إنه من الحقوق التي هي غير الزكاة المفروضة " 3. * (من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه) * فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه * (ولاخلل) *: ولامخالة، فيشفع لك خليل. القمي: لاصداقة 4. * (الله الذى خلق السموت والارض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم) * تعيشون به. يشمل المطعوم والملبوس وغيرهما * (وسخر لكم الفلك لتجرى في البحر بأمره وسخر لكم الانهر) *. * (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) *: يد أبان في سيرهما لايفتران في منافع الخلق. قال: " في مرضاته " 5. * (وسخر لكم اليل والنهار) * يتعاقبان لسباتكم 6 ومعاشكم. * (وءاتكم من كل ما سألتموه) *: ماكان حقيقا بأن يسأل. سئل أولم يسأل. قال: " والشئ الذي لم تسأله إياه أعطاك " 7. وفي قراءتهم عليهم السلام: " من كل ومعاشكم. * (وءاتكم من كل ما سألتموه) *: ماكان حقيقا بأن يسأل. سئل أولم يسأل. قال: " والشئ الذي لم تسأله إياه أعطاك " 7. وفي قراءتهم عليهم السلام: " من كل بالتنوين " 8. * (وأن تعدوا نعمت الله لاتحصوهآ) *: لا تعدوها ولاتطيقوا حصر أنواعها فضلا عن أفرادها * (إن الانسن لظلوم) * للنعمة لايشكرها * (كفار) * يكفرها.


1 - الكافي: 1: 217، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " نحن النعمة التي... ". 2 - في " ب " و " ج ": " أقيموا الصلاة يقيموا، أوليقيموا ". 3 - العياشي 2: 230، الحديث: 29، مضمرا. 4 - القمي 1: 371. 5 - نهج البلاغة (للصبحى الصالح) *: 123، الخطبة: 90. 6 - في " ألف ": " للباسكم ". والسبات: نوم المريض والشيخ المسن، وهو النومة الخفية. وأصله من السبت: الراحة والسكون. النهاية 2: 331 (سبت). 7 - العياشي 2: 230، الحديث: 30، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - مجمع البيان 5 - 6: 315، عنهما عليهما السلام. (*)

[ 620 ]

* (وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد) *: [ بلد ] 1 مكة * (ءامنا) *: ذا أمن لمن فيها. وقد مر بيانه 2. * (واجنبي وبنى أن نعبد الاصنام) *. قال: النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " فانتهت الدعوة إلي وإلى أخي علي، لم يسجد أحد منا لصنم قط، فاتخذني الله نبيا وعليا وصيا " 3. * (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس) *: صرن سببا لاضلالهم * (فمن تبعني فإنه منى) * قال: " من اتقى الله منكم وأصلح " 4. وفي رواية: من أحبنا فهو منا أهل البيت. قيل: منكم أهل البيت ؟ ! قال منا أهل البيت، قال فيها إبراهيم: " فمن تبعني فإنه مني " " 5. * (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) * قال:: " تقدر أن تغفر له وترحمه " 6. * (ربنا إنى أسكنت من ذريتي) *: بعض ولدي، وهو إسماعيل ومن ولد منه. قال: " نحن هم، ونحن بقية تلك الذرية " 7. * (بواد غير ذى زرع) * يعني: وادي مكة * (عند بيتك المحرم) *: الذي حرمت التعرض له والتهاون به * (ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفدة من الناس) *: بعضهم. قال: " أما إنه لم يعن الناس كلهم، أنتم أولئك ونظراؤكم، إنما مثلكم في الناس مثل الشعرة البيضاء في الثور الاسود، أو مثل الشعرة السوداء في الثور الابيض " 8. * (تهوى إليهم) *: تسرع إليهم، شوقا ودادا. وفى قراءتهم عليهم السلام: " تهوى بفتح الواو " 9. من: هوي كرضي: إذا أحب، و تعديته ب‍ " إلى لتضمين معنى النزوع. قال: " ولم يعن البيت فيقول: " إليه "، فنحن والله دعوة إبراهيم " 10 * (وارزقهم من الثمرت لعلهم يشكرون) * قال: " يعني من


1 - مابين المعقوفتين من " ب " و " ج ". 2 - في سورة البقرة: 126. 3 - الامالي (للطوسي) 1: 388. 4 - العياشي 2: 231، الحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 32، عن أبي جعفر عليه السلام، والحديث: 33، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - الصافي 3: 90، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - العياشي 2: 231، الحديث: 35، عن أبي جعفر عليه السلام. 8 - المصدر: 233، الحديث: 39، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - مجمع البيان 5 - 6: 317، عن أمير المؤمنين والصادقين عليهم السلام. 10 - الكافي 8: 311، الحديث: 485، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 621 ]

ثمرات القلوب " 1. أي: حببهم إلى الناس ليأتوا إليهم ويعودوا. وفي رواية: " إن الثمرات تحمل إليهم من الافاق، وقد استجاب الله له حتى لا يوجد في بلاد الشرق و الغرب ثمرة لا توجد فيها، حتى حكي أنه يوجد فيها في يوم واحد فواكه ربيعيه وصيفية وخريفية وشتائية " 2. وقد سبقت رواية أخرى في سورة البقرة عند قوله: " وارزق أهله من الثمرات " 3. وورد: " إنه نظر إلى الناس حول الكعبة فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية، إنما أمروا أن يطوفوا بها، ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم ومودتهم، ويعرضوا علينا نصرتهم. ثم قرأ هذه الاية " 4. * (ربنا إنك تعلم ما تخفى ومانعلن) *: تعلم سرنا وعلانيتنا. والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا، فلا حاجة لنا إلى الطلب، لكنا ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقارا إلى رحمتك، واستعجالا لنيل ما عندك. * (وما يخفى على الله من شئ في الارض ولافى السماء) *. * (الحمد لله الذى وهب لى على الكبر إسمعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء) *: لمجيبه 5، من سمعه: إذا اعتد به. وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد، فأجابه حين ما وقع اليأس منه. * (رب اجعلني مقيم الصلوة) *: معدلا لها 6، مواظبا عليها * (ومن ذريتي) * وبعض ذريتي * (ربنا وتقبل دعاء) *: عبادتي. * (ربنا اغفر لى ولولدي) * قال: " آدم وحواء " 7. وفي قراءتهم عليهم السلام:


1 - القمي 1: 371، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - عوالي اللئالي 2: 96، الحديث: 258، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - راجع: ذيل الاية: 126. 4 - الكافي 1: 392، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - في " ألف ": " يجيبه ". 6 - في " ب ": " معدا لها ". 7 - العياشي 2: 234 - 235، الحديث: 46، عن أحدهما عليهما السلام. (*)

[ 622 ]

" ولولدي " 1. قال: " هذه كلمة صحفها الكتاب، إنما كان استغفاره لابيه عن موعدة وعدها إياه، وإنما كان: ربنا اغفر لي ولولدي يعني إسماعيل وإسحاق " 2. * (و للمؤمنين يوم يقوم الحساب) *: يوم القيامة. * (ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظلمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصر) *. القمي: تبقى أعينهم مفتوحة من هول جهنم، لا يقدرون أن يطرفوا 3. * (مهطعين) *: مسرعين إلى الداعي، أومقبلين بأبصارهم لايطرفون هيبة و خوفا، والاهطاع: الاقبال على الشئ. * (مقنعي رؤوسهم) *: رافعيها * (لا يرتد إليهم طرفهم) * بل بقيت عيونهم شاخصة لاتطرف * (وأفدتهم هواء) * قيل: خلاء. أي: خالية عن العقول لفرط الحيرة والدهشة، لاقوة لها ولاجرأة ولافهم 4. والقمي: قلوبهم تتصدع من الخفقان 5. * (وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال) * القمي: أي: لاتهلكون 6. * (وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم) * بالكفر والمعاصي * (وتبين لكم كيف فعلنا بهم) * بما شاهدتم في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم * (وضربنا لكم الامثال) * فلم تعتبروا. * (وقد مكروا مكرهم) * المستفرغ فيه جهدهم، لابطال الحق وتقرير الباطل


1 - العياشي 2: 235، الحديث: 47، عن أحدهما عليهما السلام، ومجمع البيان 5 - 6: 317، عن المجتبى والباقر عليهما السلام. 2 - المصدر، الحديث: 47، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 372، وفيه: " يطرفوها ". طرف بصره: أطبق أحد جفنيه على الاخر. القاموس المحيط 3: 172 (طرف). 4 - البيضاوي 3: 163، والكشاف 2: 382. 5 و 6 - القمي 1: 372. (*)

[ 623 ]

* (وعند الله مكرهم) *: ومكتوب عنده مكرهم فهو مجازيهم عليه، أو عنده مايمكرهم به جزاء لمكرهم. * (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) * في العظم والشدة. القمي: مكر بني فلان 1. * (فلا تحسبن الذين مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام) * لاوليائه من أعدائه. * (يوم تبدل الارض غير الارض) * قال: " يعني بأرض لم تكسب 2 عليها الذنوب، بارزة ليس عليها جبال ولانبات، كما دحاها أول مرة " 3. وفي رواية: " تبدل 4 الارض خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغوا من الحساب " 5. * (والسموت) * يعني: والسماوات غير السماوات. روي: " أرضا من فضة وسماوات من ذهب " 6. * (وبرزوا لله الوحد القهار) * لمحاسبته ومجازاته. * (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد) *. القمي: مقيدين بعضهم إلى بعض 7. قيل: لعل ذلك بحسب مشاركتهم في العقائد والاخلاق والاعمال 8. * (سرابيلهم) *: قمصانهم * (من قطران) * وهو ما يطلى به الابل الجربى، فيحرق الجرب والجلد، وهو أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة. وورد: " هو الصفر الحار الذائب. يقول الله: " انتهى حره " 9. أقول: بناء هذا الحديث على قراءة: " قطر ءآن "، فإن القطر: النحاس والصفر المذاب، والاني: المتناهي حرة. * (وتغشى وجوههم النار) *.


1 - القمي 1: 372. 2 - في المصدر: " لم تكتسب ". 3 - العياشي 2: 236، الحديث: 52، عن علي بن الحسين عليهما السلام. 4 - في " ألف ": " يتبدل ". 5 - الكافي 6: 286 - 287، الحديث: 1 و 4، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - القمي 1 -: 372. 8 - البيضاوي 3: 164. 9 - القمي 1: 372، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 624 ]

* (ليجزى الله كل نفس ما كسبت) * أي: يفعل بهم ذلك ليجزى * (إن الله سريع الحساب) * لانه لا يشغله حساب عن حساب. وقد مضى تفسيره 1. * (هذا بلغ للناس) *: كفاية لهم في المواعظة، لينصحوا * (ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله وحد وليذكر أولوا الالبب) *.


1 - في سورة البقرة ذيل الاية: 202. (*)

[ 625 ]

سورة الحجر [ مكية، وهي تسع وتسعون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك ءايت الكتب وقرءان مبين) *. * (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين) *. قال: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لايدخل الجنة إلا مسلم، فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " 2. * (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) * بدنيا 3 * (ويلههم الامل) * عن الاستعداد للمعاد * (فسوف يعلمون) * سوء صنيعهم، إذا عاينوا الجزاء. * (وما اهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) *: أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ * (ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون) * عنه. * (وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر) *. نادوه على سبيل التهكم والاستهزاء. * (إنك لمجنون) *: لتقول قول المجانين، حين تدعي ذلك.


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - القمي 1: 372، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في " ج ": " بدنياهم ". (*)

[ 626 ]

* (لو ما تأتينا) *: هلا تأتينا * (بالملئكة) * ليصدقوك ويعضدوك * (إن كنت من الصدقين) * في دعواك. * (ما ننزل الملئكة إلا بالحق) *: بالحكمة والمصلحة * (وما كانوا إذا منظرين) *: ممهلين. يعنى لا يمهلهم ساعة. * (إنا نحن نزلنا الذكر) *. رد لانكارهم واستهزائهم. * (وإنا له لحفظون) * من التحريف والتغيير، والزيادة والنقصان. * (ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الاولين) *: في فرقهم وطوائفهم. والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا في مذهب وطريقة، من شاعه إذا تبعه. * (وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون) *. حكاية حال ماضية. * (كذلك نسلكه في قلوب المجرمين) * تدخل الذكر وننظمه، مكذبا به غير مقبول، كذا قيل 1. وقيل: الضمير للاستهزاء 2. * (لا يؤمنون به) *: بالذكر * (وقد خلت سنة الاولين) * أي: سنة الله فيهم، بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم، أو بأن أهلكهم حين كذبوا رسلهم. * (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون) *. * (لقالوا إنما سكرت أبصرنا) *: سدت من الابصار بالسحر، وخيل إلينا على غير حقيقة * (بل نحن قوم مسحورون) * قد سحرنا محمد بذلك. * (ولقد جعلنا في السماء بروجا) *. قال: " البروج: الكواكب، والبروج التي للربيع والصيف: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والاسد والسنبلة، وبروج الخريف والشتاء: الميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، وهي اثنى عشر برجا " 3.


1 - الكشاف 2: 388. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 331، والبيضاوي 3: 166. 3 - القمي 2: 166، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 627 ]

والقمي: هي منازل الشمس والقمر 1. أقول: معنى البروج القصور العالية، سميت الكواكب بها لانها للسيارات كمنازل لسكانها، واشتقاقه من التبرج لظهوره. وورد: " إن للشمس ثلثمائة وستين برجا، كل برج منها مثل جزيرة من جزاير العرب، تنزل كل يوم على برج منها " 2. أقول: وذلك لان سير الشمس يكون في كل برج من البروج الاثنى عشر ثلاثين يوما تقريبا، فبهذا الاعتبار ينقسم كل منها إلى ثلاثين برجا، فتصير ثلثمائة وستين. * (وزينها للنظرين) * قال: " بالكواكب النيرة " 3. * (وحفظنها من كل شيطن رجيم) * فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس أهلها، ويتصرف في أمرها، ويطلع 4 على أحوالها. * (إلا من استرق السمع) *: اختلسه سرا * (فأتبعه) * ولحقه * (شهاب مبين) *: ظاهر للمبصرين. والشهاب: شعلة نار ساطعة، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيها من البريق. قال: " كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع، فلما ولد عيسى حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سموات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم. وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه. وقال عمرو بن أمية، وكان من أزجر 5 و 6 أهل الجاهلية: انظروا هذه النجوم التي يهتدى بها ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان يرمى 7 بها فهو هلاك


1 - القمي 1: 373. 2 - الكافي 8: 157، الحديث: 148، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " فتنزل ". 3 - مجمع البيان 5 - 6: 331، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في " ألف ": " يتطلع ". 5 - والزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن. الصحاح 2: 668 (زجر). 6 - في " ألف ": " أزجر ". 7 - في " ج " والمصدر: " رمى ". (*)

[ 628 ]

كل شئ، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث " 1 الحديث. * (والارض مددنها) *: بسطناها * (وألقينا فيها روسى) *: جبالا ثوابت * (وأنبتنا فيها من كل شئ موزون) *. قال: " إن الله تبارك وتعالى أنبت في الجبال الذهب والفضة، والجوهر والصفر، والنحاس والحديد، والرصاص والكحل والزرنيخ وأشباه هذه، لاتباع إلا وزنا) * 2. * (وجعلنا لكم فيها معيش) * تعيشون بها من المطاعم والملابس * (ومن لستم له برزقين) *: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، من العيال والخدم والمماليك والحيوانات، وساير ماتحسبون أنكم ترزقونه حسبانا كاذبا، فإن الله يرزقكم وإياهم. * (وإن من شئ إلا عندنا خزآئنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) *. القمي: الخزانة: الماء الذي ينزل من السماء، فينبت لكل ضرب من الحيوان ما قدر الله له من الغذاء 3. أقول: هذا تمثيل للتقريب من أفهام الجمهور وتفسير في الظاهر، وأما في الباطن: فالخزائن عبارة عما كتبه القلم الاعلى، أولا: على الوجه الكلي، في لوح القضاء المحفوظ عن التبديل، الذي منه يجري، ثانيا: على الوجه الجزئي، في لوح القدر الذي فيه المحو والاثبات، مدرجا على التنزيل، ثم منه ينزل ويظهر في عالم الشهادة، وإليه أشير ما ورد: " إن في العرش تمثال جميع ما خلق الله من البر والبحر. قال: وهذا تأويل قوله تعالى: " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه " 4. * (وأرسلنا الريح لوقح) *. القمي: تلقح الاشجار 5. وورد: " لاتسبوا الريح، فإنها


1 - الامالي (للصدوق): 235، المجلس الثامن والاربعون، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - القمي 1: 374، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - القمي 1: 375. 4 - روضة الواعظين: 47، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، وفيه: " في البر والبحر ". 5 - القمي 1: 375. (*)

[ 629 ]

بشر وإنها نذر وإنها لواقح، فاسألوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها " 1. * (فأنزلنا من السماء ماء فأسقينكموه ومآأنتم له بخزنين) * أي: نحن الخازنون للماء القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها. * (وإنا لنحن نحى ونميت ونحن الورثون) *. القمي: أي: نرث الارض ومن عليها 2. * (ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستخرين) * قال: " هم المؤمنون من هذه الامة " 3. * (وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم) *. * (ولقد خلقنا الانسن من صلصل) * القمي: الماء المتصلصل بالطين 4. * (من حمإ مسنون) *: متغير. وفي حديث خلق آدم: " فاغترف جل جلاله غرفة من الماء فصلصلها فجمدت " 5 الحديث. والصلصال: يقال للطين اليابس الذي يصلصل، أي: يصوت إذا نقر وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار. والحمأ: الطين الاسود المتغير. والمسنون: يقال للمصور، وللمصبوب المفرغ، وللمنتن، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف، فيبس حتى إذا نفر صلصل، ثم غير فصير إنسانا. * (والجآن) * يعني أبا الجن * (خلقنه من قبل) *: من قبل خلق الانسان * (من نار السموم) *: من نار الحر الشديد النافذ في المسام 6. * (وإذ قال ربك) *: واذكر وقت قوله * (للملئكة إنى خلق بشرا من صلصل من حمإ


1 - العياشي 2: 239، الحديث: 4، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - القمي 1: 375. 3 - العياشي: 2: 240، الحديث: 6، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 1: 375. 5 - العياشي 2: 240، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - السم: الثقب، ومسام الجسد: ثقبه. الصحاح 5: 1953، ومصباح المنير 1: 394 (سمم). (*)

[ 630 ]

مسنون) *. * (فإذا سويته) *: عدلت خلقته * (ونفخت ؟ ؟ ؟ من روحي) * حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحي. قال: " روح اختاره الله واصطفاه وخلقه وأضافه إلى نفسه، وفضله على جميع الارواح، فنفخ منه في آدم " 1. * (فقعوا له سجدين) *. قال: " كان ذلك من الله تقدمة في آدم قبل أن يخلقه، واحتجاجا منه عليهم " 2. وقد سبق تفسيره في سورتي البقرة والاعراف 3. * (فسجد الملئكة كلهم أجمعون) *. * (إلا إبليس أبى أن يكون مع السجدين) *. * (قال يا إبليس مالك ألا تكون مع السجدين) *. * (قال لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصل من حمإ مسنون) * وهو أخس العناصر، وخلقتني من نار وهي أشرفها، غرته الحمية وغلبت عليه الشقوة. وقد سبق جوابه في الاعراف 4. * (قال فاخرج منها) *: من المنزلة التي أنت عليها في السماء * (فإنك رجيم) *: مطرود من الخير والكرامة. * (وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين) *. فإنه منتهى أمد اللعن. * (قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون) * أراد أن يجد فسحة في الاغواء ونجاة من الموت. * (قال فإنك من المنظرين) *. * (إلى يوم الوقت المعلوم) *. قال: " يوم الوقت المعلوم: يوم ينفخ في الصور نفخة


1 - التوحيد: 170، الباب: 27، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " فأمر فنفخ منه في آدم ". 2 - علل الشرايع 1: 105، الباب: 96، ذيل الحديث: 1، والقمي 1: 37، والعياشي 2: 240، الحديث: 7، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير في العبارة. 3 - البقرة، ذيل الايات: 30 الى 34، والاعراف، ذيل الاية: 11 و 12. 4 - الاعراف (7): 12. (*)

[ 631 ]

واحدة، فيموت إبليس مابين النفخة الاولى والثانية " 1. وفي رواية: " إن الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا، كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتى يجثو 2 بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله من هذا اليوم ! فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم " 3. وفي أخرى: " يوم الوقت المعلوم: يوم يذبحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصخرة التي في بيت المقدس " 4. أقول: يعني عند الرجعة. * (قال رب بمآ أغويتني) *: بسبب إغوائك إياي: وهو تكليفه إياه بما وقع في الغي * (لازينن لهم) * المعاصي * (في الارض ولاغوينهم أجمعين) *. * (إلا عبادك منهم المخلصين) *: الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من الشوائب، فلا يعمل فيهم كيدي. * (قال هذا صرط على) * أي: هذا طريق حق، علي أن أراعيه * (مستقيم) *: لاانحراف عنه، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادي المخلصين. وفي قراءتهم عليهم السلام: " علي " بالرفع 5. وفسر بعلو الشرف 6. وورد: " هذا صراط علي مستقيم " 7. وهذا يحتمل الاضافة أيضا. وفي رواية: " هو أمير المؤمنين عليه السلام " 8.


1 - علل الشرايع 2: 402، الباب: 142، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - جثا، يجثو: جلس على ركبتيه للخصومة ونحوها. لسان العرب 14: 131، ومجمع البحرين 1: 81 (جثا). 3 - العياشي 2: 242، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 245، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - مجمع البيان 5 - 6: 336، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - جوامع الجامع 2: 266، والكشاف 2: 391. 7 - الكافي 1: 424، الحديث: 63، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 2: 242، الحديث: 15. (*)

[ 632 ]

* (إن عبادي ليس لك عليهم سلطن) *. قال: " قال الله إنك لا تملك أن تدخلهم جنة ولانارا " 1. وقال: " والله ما أراد بهذا إلا الائمة وشيعتهم " 2. * (إلا من اتبعك من الغاوين) *. * (وإن جهنم لموعدهم أجمعين) *. قال: " وقوفهم على الصراط " 3. * (لها سبعة أبوب لكل باب منهم جزء مقسوم) *. القمي: يدخل في كل باب أهل ملة 4. وقد ورد تفصيل أصحاب الابواب في رواية ذكرناها في الصافي 5. وورد: " إن الابواب أطباق بعضها فوق بعض، ووضع إحدى يديه على الاخرى، فقال: هكذا، وإن الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم، وفوقها لظى، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية " 6. وفي رواية: " أسفلها الهاوية وأعلاها جهنم " 7. * (إن المتقين في جنت وعيون) *. * (ادخلوها بسلم ءامنين) * على إرادة القول. * (ونزعنا مافى صدورهم من غل) *. القمي: العداوة 8. قال: " أنتم والله الذين قال الله: " ونزعنا ما في صدورهم من غل " " 9. * (إخونا على سرر متقبلين) *. * (لا يمسهم فيها نصب) *: تعب وعناء * (وماهم منها بمخرجين) *.


1 - العياشي 2: 242، الحديث: 16، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - الكافي 8: 35، ذيل الحديث: 16، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - القمي 1: 376، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 1: 376. 5 - الصافي 3: 114، والخصال 2: 361، الحديث: 51، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. 6 - مجمع البيان 5 - 6: 338، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - مجمع البيان 5 - 6: 388، في رواية الكلبي. 8 - القمي 1: 377. 9 - الكافي: 8: 214، الحديث: 260، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 633 ]

* (نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم) *. * (وأن عذابي هو العذاب الاليم) * فارجوا رحمتي وخافوا عذابي. * (ونبئهم عن ضيف إبرهيم) *. * (إذ دخلوا عليه فقالوا سلما) *: نسلم عليك سلاما * (قال إنا منكم وجلون) *: خائفون وذلك لانهم امتنعوا عن الاكل، كما سبق في سورة هود 1. * (قالوا لا تؤجل إنا نبشرك بغلم عليم) * قال: " هو إسماعيل من هاجر " 2. * (قال أبشرتموني على أن مسنى الكبر فبم تبشرون) *. * (قالوا بشرنك بالحق فلا تكن من القنطين) *. * (قال من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) *. * (قال فما خطبكم أيها المرسلون) *. * (قالوا إنآ أرسلنا إلى قوم مجرمين) * قال: " يعني قوم لوط " 3. * (إلا ءال لوط إنا لمنجوهم أجمعين) *. * (إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغبرين) *: الباقين مع الكفرة لتهلك معهم. * (فلما جاء ءال لوط المرسلون) *. * (قال إنكم قوم منكرون) * تنكركم نفسي وتنفر عنكم، مخافة أن تطرقوني بشر. * (قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون) * قال: " من عذاب الله " 4. * (وأتينك بالحق) * قال: " لتنذر قومك العذاب " 5. * (وإنا لصدقون) *. * (فأسر) *: سر ليلا يالوط * (بأهلك بقطع من اليل) * قال: " إذا مضى نصف


1 - ذيل الاية: 69. 2 - العياشي 2: 246، ذيل الحديث: 26، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - العياشي 2: 246، ذيل الحديث: 26، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " قوم لوط ". 4 و 5 - العياشي 2: 246، ذيل الحديث: 26، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 634 ]

الليل " 1. * (واتبع أدبرهم) *: وكن على أثرهم لتكون عينا عليهم، فلا يتخلف أحد منهم * (ولا يلتفت منكم أحد) * إلى ما وراءه * (وامضوا حيث تؤمرون) *: حيث أمرتم بالذهاب إليه. * (وقضينا إليه) *: إلى لوط * (ذلك الامر) *. مبهم يفسره ما بعده * (أن دابر هؤلاء) *: آخرهم * (مقطوع) * يعني يستأصلون عن آخرهم، لا يبقى منهم أحد * (مصبحين) *: داخلين في الصبح. * (وجاء أهل المدينة) *: مدينة سدوم 2 * (يستبشرون) * بأضياف لوط، طمعا فيهم. * (قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون) * بفضيحة ضيفي. * (واتقوا الله) * في ركوب الفاحشة * (ولا تخزون) *: ولاتذلوني، أو ولا تخجلوني. * (قالوا أولم ننهك عن العلمين) *. قال: " أرادوا به النهي عن ضيافة الناس وإنزالهم " 3. * (قال هؤلاء بناتى إن كنتم فعلين) *. قد سبق تفسيره في سورة هود 4. * (لعمرك) * القمي: أي: وحياتك يا محمد. قال: فهذه فضيلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الانبياء 5. * (إنهم لفى سكرتهم يعمهون) *: لفي غوايتهم التي أزالت عقولهم يتحيرون، فكيف يسمعون النصح !. * (فأخذتهم الصيحة) *: صيحة جبرئيل * (مشرقين) *: داخلين في وقت شروق الشمس.


1 - علل الشرايع 2: 550، الباب: 340، ذيل الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - سدوم، بفتح السين: قرية قوم لوط عليه السلام، ومنها قاضي سدوم. الصحاح 5: 1949، مجمع البحرين 6: 82 (سدم). وفي لسان العرب 12: 285: سدوم: مدينة بحمص. 3 - علل الشرايع 2: 549، الباب: 340، ذيل الحديث: 4، عن أبي جعفر عليه السلام، نقلا بالمضمون. 4 - ذيل الاية: 78. 5 - القمي 1: 377.

[ 635 ]

* (فجعلنا عليها سافلها) *: قلبنا 1 القرية بهم * (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) *: من طين متحجر. * (إن في ذلك لايت للمتوسمين) *: للمتفرسين، الذين يتثبتون في نظرهم، حتى يعرفوا حقيقة الشئ بسمته. ورد: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " 2. وقال: " إن الله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " 3. وفي رواية: " ليس مخلوق إلا وبين عينيه مكتوب مؤمن أو كافر، وذلك محجوب عنكم، وليس محجوبا عن الائمة من آل محمد صلوات الله عليهم، ثم ليس يدخل عليهم أحد إلا عرفوه مؤمن أو كافر، ثم تلا هذه الاية " 4. * (وإنها) *: وإن آثارها * (لبسبيل مقيم) *: ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، وهم يبصرون تلك الاثار، وهو تنبيه لقريش، كقوله: " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ". كذا قيل 5. وورد: " نحن المتوسمون، والسبيل فينا مقيم " 6. القمي: والسبيل طريق الجنة 7. * (إن في ذلك لاية للمؤمنين) *. * (وإن كان) *: وإنه كان * (أصحب الايكة) * يعنى الغيضة، وهي الشجرة المتكاثقة


1 - في " ألف ": " عليا ". 2 - الكافي 1: 218، الحديث: 3، وبصائر الدرجات: 354، الباب: 17، الحديث: 4 و 11، عن أبي جعفر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 200، الباب: 46، ذيل الحديث: 1، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعاني الاخبار: 350، ذيل الحديث: 1، عن جعفر بن محمد عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 343، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - بصائر الدرجات: 354، الباب: 17، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير. 5 - الكشاف 2: 392، والاية في سورة الصافات (37): 137. 6 - العياشي 2: 247، الحديث: 29، والكافي 1: 218،، باب أن المتوسمين... هم الائمة، الحديث: 1 و 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - القمي 1: 377. (*)

[ 636 ]

* (لظلمين) *. قال: " هم قوم شعيب، كانوا يسكنون الغيضة، فبعثه الله إليهم فكذبوه، فأهلكوا بالظلة " 1. * (فانتقمنا منهم) * بالاهلاك * (وإنهما) * يعني سدوم والايكة * (لبإمام مبين) *: لبطريق واضح يأم ويتبع ويهتدى به. * (ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين) * يعني ثمود كذبوا صالحا. والحجر: واديهم، وهو مابين المدينة والشام، وكانوا يسكنونها. * (وءاتينهم ءايتنا) * كالناقة وسقيها وشربها ودرها * (فكانوا عنها معرضين) *. * (وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ءامنين) *. * (فأخذتهم الصيحة مصبحين) *. * (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) *. * (وما خلقنا السموت والارض وما بينهما إلا بالحق) * فلا يلائم استمرار الفساد ودوام الشر، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء، وإزاحة فسادهم من الارض. * (وإن الساعة لاتية) * فينتقم الله لك فيها ممن كذبك * (فاصفح الصفح الجميل) *. قال: " يعني العفو من غير عتاب " 2. * (إن ربك هو الخلق) * الذي خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم * (العليم) * بحالك وحالهم، فهو حقيق بأن تكل إليه، ليحكم بينكم. * (ولقد ءاتينك سبعا من المثانى) *. قال: " هي سورة الحمد وهي سبع آيات، منها بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما سميت المثاني لانها تثنى في الركعتين " 3. وفي رواية:


1 - لم نعثر عليه، والظاهر أنها ليست برواية، ويحتمل أن تكون كلمة " قال " تصحيف " قيل "، وهذا القول بنصه من البيضاوي في تفسيره 3: 173. ويؤيده ما في البحار 12: 382 نقلا عن البيضاوي، ويؤيده أيضا ما في الصافي 3: 119 بأن المصنف لم يذكر كلمة " قال ". 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 294، الباب: 28، الحديث: 50. 3 - العياشي 1: 19، الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفيه: " يثنى ". (*)

[ 637 ]

" تثنى فيها القول " 1. وفي رواية: " نحن المثاني التي أعطاها الله نبينا صلى الله عليه وآله وسلم " 2. قيل: أي: نحن الذين قرننا النبي إلى القرآن، وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا، وأخبر أمته أنا لانفترق حتى نرد حوضه 3. أقول: لعلهم إنما عدوا سبعا باعتبار أسمائهم، فإنها سبعة، وعلى هذا فيجوز أن يجعل المثاني من الثناء، وأن يجعل من التثنية باعتبار تثنيتهم مع القرآن، وأن يجعل كناية عن عددهم الاربعة عشر، بأن يجعل نفسه واحدا منهم بالتغاير الاعتباري بين المعطى والمعطى له. * (والقرءان العظيم) *. * (لاتمدن عينيك) *: لا تطمح ببصرك طموح راغب * (إلى ما متعنا به أزوجا منهم) *: أصنافا من الكفار، فإنه مستحقر في جنب ماأوتيته * (ولا تحزن عليهم) * إن لم يؤمنوا * (واخفض جناحك للمؤمنين) *: وتواضع لمن معك من المؤمنين، وارفق بهم، وطب نفسا عن الايمان الاغنياء والاقوياء. ورد: " من أوتي القرآن فظن أن أحدا من الناس أوتي أفضل مما أوتي، فقد عظم ماحقر الله، وحقر ما عظم الله " 4. * (وقل إنى أنا النذير المبين) *. * (كمآ أنزلنا على المقتسمين) *. * (الذين جعلوا القرءان عضين) *. قيل: أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على اليهود والنصارى، الذين جعلوا القرآن أجزاء وأعضاء، وقالوا لعنادهم: بعضه حق موافق


1 - العياشي 2: 249، الحديث: 34، عن أحدهما عليهما السلام، وفيه: " يثنى ". 2 - التوحيد: 150، الباب: 12، الحديث: 6، والقمي 1: 377، والعياشي 2: 249، الحديث: 33، 36، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي العياشي: " نحن المثاني التي أعطى نبينا ". 3 - التوحيد: 151، الباب: 12، ذيل الحديث: 6. 4 - الكافي 2: 604، ذيل الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 638 ]

للتوراة أوالانجيل، وبعضه باطل مخالف له، فاقتسموه إلى حق وباطل 1، وقيل: مثل العذاب الذي أنزلنا عليهم 2. والقمي: قسموا القرآن ولم يألفوه على ما أنزل الله 3. وورد: " هم قريش " 4. * (فوربك لنسلنهم أجمعين) *. * (عما كانوا يعملون) * فنجازيهم عليه. * (فاصدع بما تؤمر) *: فاجهر به وأظهره * (وأعرض عن المشركين) * فلا تلتفت إلى ما يقولون. * (إنا كفينك المستهزءين) * بقمعهم وإهلاكهم. * (الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر فسوف يعلمون) * عاقبة أمرهم. قال: " اكتتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مختفيا خائفا خمس سنين - وفي رواية: " ثلاث سنين " 5 - ليس يظهر أمره، وعلي عليه السلام معه وخديجة، ثم أمره الله أن يصدع بما أمر فظهر، فأظهر أمره " 6. وقال: " كان المستهزؤن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والاسود بن المطلب، والاسود بن عبد يغوث، والحارث بن طلاطلة الخزاعي، فقتل الله خمستهم، كل واحد منهم بغير قتله صاحبه، في يوم واحد. قال: وذلك أنهم كانوا بين يديه. فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر، فإن رجعت عن قولك وإلا قتلناك، فدخل منزله فأغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عن الله من ساعته فقال: يا


1 - الكشاف 2: 398. 2 - البيضاوي 3: 174. 3 - القمي 1: 377، وفيه: " على ما أنزله الله ". 4 - العياشي 2: 251 - 252، الحديث: 43، عن أحدهما عليهما السلام، والحديث: 44، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. 5 - كمال الدين 2: 344، الباب: 33، الحديث: 29، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - المصدر، الحديث: 28، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " بمكة مختفيا... فظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأظهر أمره ". (*)

[ 639 ]

محمد: السلام يقرئك السلام وهو يقول: " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ". يعني أظهر أمرك لاهل مكة، وادعهم إلى الايمان. قال: يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني 1 ؟ قال له: إنا كفيناك المستهزئين ". قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي. قال: قد كفيتهم. فأظهر أمره عنده ذلك " 2. والقمي: بعد ما ذكر كيفية كفايتهم، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام على الحجر فقال: يا معشر قريش يا معشر العرب أدعوكم إلى شهادة أن لاإله إلا الله وأني رسول الله، آمركم بخلع الانداد والاصنام، فأجيبوني تملكوا به العرب، ويدن لكم العجم، وتكونوا ملوكا في الجنة. فاستهزؤوا منه وقالوا: جن محمد بن عبد الله، ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب 3. * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) * من تكذيبك والطعن فيك وفي القرآن، وفي رواية: " يعني فيما يذكره في فضيلة وصيه " 4. * (فسبح بحمد ربك وكن من السجدين) *: فافزع إلى الله فيما نابك بالتسبيح والتحميد والصلاة، يكفك الهم 5 ويكشف عنك الغم. ورد: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزنه 6 أمر فزع إلى الصلاة " 7. * (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) * أي: الموت، يعني مادمت حيا.


1 - في " ألف ": " أو عدوا في ". 2 - الاحتجاج 1: 321 - 322، في حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام. وانظر: العياشي 2: 252، الحديث: 46، والقمي 1: 378، والخصال 1: 278 - 279، الحديث: 24 - 25. 3 - القمي 1: 378، وفيه: " تملكوا بها العرب وتدين... ". 4 - الكافي 1: 294، الحديث: 3، في حديث طويل، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - في " ألف " و " ج ": " المهم ". 6 - في " ج " والكشاف: " إذا حزبه "، إذا نزل به مهم أو أصابه غم. النهاية 1: 377 (حزب). 7 - مجمع البيان 5 - 6: 374، والكشاف 2: 399. (*)

[ 641 ]

سورة النحل [ مكية، وهي مائة وثمان وعشرون آية ] 1 بسم الله الرحمن الرحيم * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) *. القمي: نزلت لما سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينزل عليهما العذاب 2. وورد " إذا أخبر الله أن شيئا كائن، فكأنه قد كان " 3. * (سبحنه وتعلى عما يشركون) *. قيل: وكانوا يقولون: إن صح ما تقوله فالاصنام تشفع لنا وتخلصنا منه، فنزلت يعني: تبرأ وجل أن يكون له شريك، فيدفع ما أراد بهم 4. * (ينزل الملئكة بالروح) *: بما تحيا به القلوب الميتة بالجهل. قال: " بالكتاب والنبوة " 5. وفي رواية: " جبرئيل الذي نزل على الانبياء، والروح يكون معهم ومع الاوصياء لا يفارقهم، ويفقههم ويسددهم من عند الله " 6. * (من أمره) *: من ملكوته


1 - مابين المعقوفتين من " ب ". 2 - القمي 1: 382. 3 - العياشي 2: 254، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " إن الله إذا أخبر... ". 4 - البيضاوي 3: 175. 5 - القمي 1: 382، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - بصائر الدرجات: 463، الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام، مع تفاوت يسير في العبارة. (*)

[ 642 ]

* (على من يشآء من عباده أن أنذروا) * بأن أعملوا، من أنذرت بكذا، إذا أعلمته. * (أنه لاإله إلا أنا فاتقون) *. * (خلق السموت والارض بالحق تعلى عما يشركون) *. * (خلق الانسن من نطفة فإذا هو خصيم مبين) *. * (والانعم) *: الازواج الثمانية * (خلقها لكم فيها دف ء) *. القمي: ماتستدفؤون به، مما يتخذ من صوفها ووبرها * (ومنفع) *: نسلها ودرها وظهورها، وإثارة الارض ومايعوض بها * (ومنها تأكلون) *. * (ولكم فيها جمال) *: زينة * (حين تريحون) *: تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي * (وحين تسرحون) *: تخرجونها بالغداة إلى المرعى، فإن الافنية تتزين بها في الوقتين، ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها. وتقديم إلا راحة، لان الجمال فيها أظهر، فإنها تقبل ملاء البطون، حافلة الضروع 2، ثم تأوي إلى الحظائر 3 حاضرة 4 لاهلها. * (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بلغية) * إن لم تكن، فضلا عن أن تحملوها على ظهوركم إليه * (إلا بشق الانفس) *: إلا بكلفة مشقة * (إن ربكم لرءوف رحيم) *. * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون) *. القمي: من العجائب التي خلقها الله في البر والبحر 5. * (وعلى الله قصد السبيل) *: هداية الطريق المستقيم، الموصل إلى الحق * (ومنها


1 - القمي 1: 382. 2 - ضرع حافل، أي: ممتلئ لبنا. الصحاح 4: 1671، (جفل). 3 - الحظيرة: الموضع الذي يحاط عليه، لتأوي إليه الماشية، فيقيها البرد والريح. راجع: الصحاح 2: 634، ومصباح المنير 1: 173، ولسان العرب: 4: 203 (حظر). 4 - في " ألف ": " خاضرة ". شاب أخضر وفلان أخضر أي: كثير الخير. أساس البلاغة: 166 (خضر). 5 - القمي 1: 382. (*)

[ 643 ]

جائر) *: حائد 1 عن القصد * (ولو شآء لهدكم أجمعين) * إلى القصد. * (هو الذى أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون) *: ترعون مواشيكم. * (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والاعنب ومن كل الثمرت إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون) *. * (وسخر لكم اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرت بأمره) * بأن هيأها لمنافعكم * (إن في ذلك لايت لقوم يعقلون) *. جمع الايات هنا، وذكر العقل من دون الفكر، لان في الاثار العلوية أنواعا من الدلالة الظاهرة للعقلاء على عظمة الله. * (وما ذرأ لكم) *: وسخر لكم ما خلق لكم * (في الارض) * من حيوان ونبات ومعدن * (مختلفا ألونه) * أي: أصنافه، فإنها تتخالف باللون غالبا * (إن في ذلك لاية لقوم يذكرون) *. * (وهو الذى سخر البحر) *: ذلله بحيث تتمكنون من الانتفاع به، بالركوب والاصطياد والغوص * (لتأكلوا منه لحما طريا) * هو السمك * (وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) * كاللؤلؤ والمرجان * (وترى الفلك) *: السفن * (مواخر فيه) *: جواري فيه تشقه بحيازيمها 2، من المخر وهو شق الماء وقيل: صوت جري الفلك 3. * (ولتبتغوا من فضله) *: من سعة رزقه بركوبها للتجارة * (ولعلكم تشكرون) *: تعرفون نعمة الله، فتقومون بحقها. * (وألقى في الارض روسى) *: جبالا ثوابت * (أن تميد بكم) *: كراهة أن تميل بكم وتضطرب. ورد: " إن الله جعل الائمة أركان الارض أن تميد بأهلها " 4. * (وأنهرا وسبلا


1 - حاد عن الشئ: تنحى وبعد. مصباح المنير 1: 194 (حاد). 2 - الحيزوم: وسط الصدر. الصحاح 5: 1899 (حزم). 3 - الكشاف 2: 404، عن الفراء. 4 - الكافي 1: 196، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام، و 198، ذيل الحديث: 3، عن أبي جعفر عليه السلام. مع تفاوت. (*)

[ 644 ]

لعلكم تهتدون) * إلى مقاصدكم. * (وعلمت) * هي معالم الطرق مما يستدل به المارة: من جبل ومنهل 1 وغير ذلك * (وبالنجم هم يهتدون) * بالليل في البراري والبحار. قال: " هو الجدي لانه نجم لا يزول، وعليه بناء القبلة، وبه يهتدي أهل البر والبحر " 2. وورد في أخبار كثيرة: " نحن العلامات، والنجم رسول الله " 3. * (أفمن يخلق كمن لا يخلق) * يعني الاصنام * (أفلا تذكرون) * فتعرفوا فساد ذلك. * (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) *: لاتضبطوا عددها، فضلا أن تطيقوا القيام بشكرها. * (إن الله لغفور) *: يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها * (رحيم) *: لا يقطعها لتفريطكم فيه، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. * (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون) * من عقائدكم وأعمالكم، وهو وعيد. * (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون) *. * (أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون) * هم أوعبدتهم. * (إلهكم إله وحد فالذين لا يؤمنون بالاخرة) * قال: " يعني الرجعة " 4. * (قلوبهم منكرة) *. قال: " يعني كافرة " 5. * (وهم مستكبرون) *. * (لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين) *. * (وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أسطير الاولين) *: أحاديثهم وأباطيلهم. قال: " يعني سجع أهل الجاهلية في جاهليتهم " 6.


1 - المنهل: المشرب، والشرب، والموضع الذي فيه المشرب. القاموس المحيط 4: 63 (نهل). 2 - العياشي 2: 256، الحديث: 12، عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. 3 - الكافي 1: 207، الحديث: 3، والعياشي 2: 256، الحديث: 10، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، والقمي 1: 383، ومجمع البيان 5 - 6: 354، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 و 5 - القمي 1: 383، والعياشي 2: 257، ذيل الحديث: 14، عن أبي جعفر عليه السلام. 6 - العياشي 2: 257، الحديث: 18، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 645 ]

* (ليحملوا أوزارهم) * أي: قالوا ذلك، ليضلوا الناس، ويحملوا أوزار ضلالتهم * (كاملة يوم القيمة) * قال: " ليستكملوا الكفر ليوم القيامة " 1. * (ومن أوزار الذين يضلونهم) * وبعض أوزار من أضلوهم. قال: " يعني كفر الذين يتولونهم " 2. * (بغير علم) *. يعني يضلون من لا يعلم أنهم ضلال. وإنما لم يعذر الجاهل لان عليه أن يبحث وينظر بعقله، حتى يميز بين المحق والمبطل. ورد: " أيما داع 3 إلى ضلالة فاتبع عليه، فإن عليه مثل أوزار من تبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم " 4. * (ألا ساء ما يزرون) *. * (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد) *: من الاساطين التي بنوا عليها * (فخر عليهم السقف من فوقهم وأتهم العذاب من حيث لا يشعرون) *. هذا تمثيل لاستيصالهم بمكرهم. والمعنى أنهم سووا منصوبات ليمكروا الله بها، فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالاساطين، فأتى البنيان من جهة الاساطين، بأن ضعضعت 5 فسقط عليهم السقف وهلكوا. وفي المثل: من حفر لاخيه جبا، وقع فيه منكبا. قال: " فإتيانه بنيانهم من القواعد: إرسال العذاب " 6. وفي قراءتهم عليهم السلام: " فأتى الله بيتهم " 7. قال: " يعني بيت مكرهم ". وفي رواية: " كان بيت غدر، يجتمعون فيه إذا أرادوا الشر " 9. وفي أخرى: " أي: ماتوا


1 و 2 - العياشي 2: 257، الحديث: 16 و 18، عن أبي جعفر عليه السلام. 3 - في المصدر: " أيما داع دعا ". 4 - مجمع البيان 5 - 6: 356، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - ضعضعه، أي: هدمه حتى الارض، الصحاح 3: 1250 (ضعع). 6 - التوحيد: 266، الباب: 36، ذيل الحديث الطويل: 5، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " إرسال العذاب عليهم ". 7 - العياشي 2: 258، الحديث: 20 و 21، وجوامع الجامع 2: 284، عن أبي عبد الله عليه السلام، ومجمع البيان 5 - 6: 356، عن أهل بيت عليهم السلام. 8 - العياشي 2: 258، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - المصدر، الحديث: 23، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 646 ]

فالقاهم الله في النار. قال: وهو مثل لاعداء آل محمد 1 عليه وعليهم السلام. * (ثم يوم القيمة يخزيهم) *: يذلهم * (ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشقون فيهم) *: تعادون المؤمنين وتخاصمونم في شأنهم * (قال الذين أوتوا العلم إن الخزى اليوم والسوء على الكفرين) *. * (الذين تتوفهم الملئكة) *: ملائكة العذاب * (ظالمي أنفسهم) * بأن عرضوها للعذاب المخلد. * (فألقوا السلم) *: فسالموا وأخبتوا 2 حين عاينوا الموت * (ما كنا نعمل من سوء) *. جحدوا ما عملوا * (بلى) * رد عليهم أولوا العلم * (إن الله عليم بما كنتم تعملون) * * (فادخلوا أبوب جهنم) * كل صنف بابها المعد * (خلدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين) *. * (وقيل للذين اتقوا ماذآ أنزل ربكم قالوا خيرا) * أطبقوا الجواب على السؤال معترفين بالانزال، بخلاف الجاحدين إذ قالوا: " أساطير الاولين " 3. * (للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة) *: مكافاة في الدنيا * (ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين) *. جنت عدن يدخلونها تجرى من تحتها الانهر لهم فيها مايشآءون كذلك يجزى الله المتقين) *. ورد: " عليكم بتقوى الله، فإنها تجمع الخير ولاخير غيرها، ويدرك بها من الخير مالا يدرك بغيرها من خير الدنيا والاخرة. قال الله تعالى: " وقيل للذين اتقوا " وتلا هذه الاية " 4. وفي رواية " ولنعم دار المتقين ": الدنيا " 5. * (الذين تتوفهم الملئكة) *: ملائكة الرحمة * (طيبين) * ببشارتهم إياهم بالجنة


1 - القمي 1: 384، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - أخبت: خشع وتواضع. القاموس المحيط 1: 152 (خبت). 3 - الاية: 24، من هذه السورة. 4 - الامالي (للشيخ الطوسي) 1: 25، عن أمير المؤمنين عليه السلام، وفيه: " من خير الدنيا وخير الاخرة ". 5 - العياشي 2: 258، الحديث: 24، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 647 ]

* (يقولون سلم عليكم) *: سلامة لكم من كل سوء * (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) *. * (هل ينظرون) *: هل ينتظر 1 الذين لا يؤمنون بالاخرة * (إلا أن تأتيهم الملئكة) *: ملائكة العذاب لقبض أرواحهم * (أويأتى أمر ربك) * القمي: من العذاب والموت وخروج القائم عليه السلام 2. * (كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله) * بتدميرهم * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) *. * (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون) *: وأحاط بهم جزاؤه. القمي: من العذاب في الرجعة 3. * (وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا ءاباؤنا ولاحرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ المبين) *. * (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبو الطغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضللة فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين) *. * (إن تحرص على هدهم فإن الله لا يهدى من يضل ومالهم من نصرين) *. * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت بلى) * يبعثهم * (وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) *. * (ليبين لهم) * أي: يبعثهم ليبين لهم * (الذى يختلفون فيه) * وهو الحق * (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كذبين) *. قال: " ما تقول في هذه الاية ؟ فقيل: إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لا يبعث الموتى، فقال: تبا لمن قال هذا، سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى ؟ ثم قال: لو قد قام قائمنا، بعث الله قوما من شيعتنا قبائع 4 سيوفهم على عواتقهم، فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا،


1 - في " ب ": " هل ينتظرون ". 2 و 3 - القمي 1: 385. 4 - في الكافي: " قباع ". قبيعة السيف ونحوه: ما على طرف مقبضه من فضة أو حديد، يقال: ما أحسن قبائع سيوفهم. أقرب الموارد 3: 560 (قبع). (*)

[ 648 ]

فيقولون: بعث فلان وفلان 1 من قبورهم، وهم مع القائم، فيبلغ ذلك قوما من عدونا، فيقولون يا معشر الشيعة ما أكذبكم ! هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب، لا والله ما عاش هؤلاء، ولا يعيشون إلى يوم القيامة. فحكى الله قولهم " 2. وفي معناه أخبار أخر 3. * (إنما قولنا لشئ ءإذآ أردنه أن نقول له كن فيكون) *. بيان لامكان البعث في عالم القدرة. * (والذين هاجروا في الله) *: في حقه ولو جهه * (من بعد ما ظلموا) *. قيل: هم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون، ظلمهم قريش، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه 4. * (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) *: مباءة 5 حسنة، وهي المدينة حيث آواهم الانصار ونصروهم، أونبوئة حسنة. وفي قراءتهم عليهم السلام: " لنثوئنهم " 6 بالثاء المثلثة، يعني لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلمهم، وعلى العرب قاطبة، وعلى أهل المشرق والمغرب 7. * (ولاجر الاخرة أكبر) * مما تعجل لهم في الدنيا * (لو كانوا يعلمون) *. * (الذين صبروا) * على أذى الكفار ومفارقة الوطن * (وعلى ربهم يتوكلون) *. * (وما ارسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) *. قيل: رد لقولهم: الله أعظم من أن يرسل إلينا بشرا مثلنا 8. وقد سبق بيان الحكمة فيه في سورة الانعام 9 عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.


1 - في الكافي: " بعث فلان وفلان وفلان ". 2 - الكافي 8: 51، ذيل الحديث: 14، والعياشي 2: 259، الحديث: 26، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 259، الحديث: 28، والقمي 1: 385، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - البيضاوي 3: 181، والكشاف 2: 410. 5 - المباءة: المنزل. والباءة هو الموضع الذي تبوء إليه الابل، ثم جعل عبارة عن المنزل. القاموس المحيط 1: 9، والمصباح المنير 1: 84 (باء). 6 - مجمع البيان 5 - 6: 361، والكشاف 2: 410، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 7 - في " ألف ": " على أهل الشرق والغرب ". 8 - البيضاوي 3: 182. 9 - ذيل الاية: 9. (*)

[ 649 ]

ولعله أشير إلى ذلك بقوله: " فسئلوا أهل الذكر " يعني وجه الحكمة فيه. * (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم تعلمون) *. قال: " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذكر، وأهل بيته المسؤولون، وهم أهل الذكر " 1. " قال الله تعالى: " قد أنزل الله إليكم ذكرا. رسولا يتلو عليكم آيات الله ". فالذكر رسول الله، ونحن أهله " 2. وفي رواية: " الذكر القرآن، وأهله آل محمد، أمر الله بسؤالهم ولم يؤمروا بسؤال الجهال. وسمى الله القرآن ذكرا، فقال: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " 3. وفي أخرى: " قيل له: إن من عندنا يزعمون أهل الذكر اليهود والنصارى، فقال: إذا يدعونكم إلى دينهم " 4. [ أقول: هذه الاخبار لا تلائم أن يكون " وما أرسلنا " ردا لقول المشركين، إلا أن يكون " فاسئلوا " كلاما مستأنفا، أو يكون المسؤول عنه بيان الحكمة فيه ] 5. * (بالبينت والزبر) * أي: أرسلنا هم بالمعجزات والكتب، كأنه جواب قائل: بم أرسلوا ؟ * (وأنزلنا إليك الذكر) *. سمي القرآن ذكرا، لانه موعظة وتنبيه * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * مما أمروا به ونهوا عنه * (ولعلهم يتفكرون) *: وإرادة أن يتأملوا فيه، فيتنبهوا للحقايق والمعارف.


1 - الكافي 1: 211، الحديث: 4، عن أبي عبد الله عليه السلام. وراجع: العياشي 2: 260، الحديث: 32، والقمي 2: 68، ذيل الاية: 7 من سورة الانبياء، عن أبي جعفر عليه السلام، وعيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 239، الباب: 23، ذيل الحديث الطويل: 1. 2 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 239، الباب: 23، ذيل الحديث الطويل: 1. والاية في سورة الطلاق (65): 10 - 11. 3 - بصائر الدرجات: 41، الباب: 19، والكافي 1: 295، ذيل الحديث: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - العياشي 2: 260، الحديث: 32، عن أبي جعفر عليه السلام، مع اختلاف يسير. 5 - مابين المعقوفتين من " ب ". (*)

[ 650 ]

* (أفأمن الذين مكروا السيات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون) *. * (أو يأخذههم في تقلبهم) * إذا جاؤوا وذهبوا في متاجرهم وأعمالهم * (فماهم بمعجزين) *. * (أو يأخذهم على تخوف) * القمي: على تيقظ 1. وورد: " هم أعداء الله، وهم يمسخون ويقذفون ويسيحون 2 في الارض " 3. * (فإن ربكم لرءوف رحيم) * حيث 4 لايعاجلهم بالعقوبة. * (أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلله عن اليمين والشمائل سجدا لله) *: مستسلمين له منقادين * (وهم دخرون) *: صاغرون لافعال الله فيها. القمي: تحويل كل ظل خلقه الله، هو سجود الله 5. قيل: ويجوز أن يكون المراد بقوله " وهم داخرون " أن الاجرام أنفسها أيضا داخرة صاغرة منقادة لله سبحانه فيما يفعل فيها، ولما كان الدخور من صفات العقلاء جمع بالواو والنون 6. * (ولله يسجد مافى السموت وما في الارض من دابة) *. الدبيب هو الحركة الجسمانية، سواء كانت في أرض أو سماء. * (والملئكة) * ممن لامكان له * (وهم لا يستكبرون) * عن عبادته. * (يخافون ربهم من فوقهم) *: يخافونه وهو فوقهم بالقهر: " وهو القاهر فوق عباده " 7. * (ويفعلون ما يؤمرون) *. قال: " إن لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة،


1 - القمي 1: 386. 2 - في " ألف " و " ج ": " يسخرون ". 3 - العياشي 2: 261، الحديث: 35، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - في " ألف ": " يعني ". 5 - القمي 1: 386. 6 - الكشاف 2: 412، والبيضاوي 3: 182. 7 - الانعام (6): 18 و 16. (*)

[ 651 ]

ترعد فرائصهم 1 من مخافة الله، لا تقطر دموعهم 2 قطرة إلا صار ملكا، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حق عبادتك " 3. وقد سبق في سورة الرعد، كلام في معنى سجود كل شئ. قال بعض أهل المعرفة: إن في أمثال هذه الايات دلالة على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة، إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الانسانية والحيوانية خاصة، من حيث أعيان أنفسهم لامن حيث هياكلهم، فإن هياكلهم، كساير العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة، ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والايدي والارجل والالسنة والبصر وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير 5. * (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وحد) *. أكد العدد في الموضعين دلالة على العناية به. * (فإيى فارهبون) * كانه قيل: وأنا هو فإياي فارهبون لاغير. * (وله مافى السموت والارض وله الدين) *: الطاعة * (واصبا)، قال: " واجبا " 6. * (أفغير الله تتقون) *. * (وما بكم من نعمة فمن الله) *. قال: " من لم يعلم أن الله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس، فقد قصر عمله ودنا عذابه " 7. * (ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون) * فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.


1 - الفريصة: لحمة عند نغض الكتف، في وسط الجنب، عند منبض القلب، وهما فريصتان ترتعدان عند الفزع. وقال أبو عبيد: الفريصة: المضغة القليلة، تكون في الجنب، ترعد من الدابة إذا فزعت. وقال أيضا: هي اللحمة التي بين الجنب والكتب، التي لا تزال ترعد من دابة. وقيل: جمعها: فريص وفرائص. لسان العرب 7: 64 (فرص). 2 - في المصدر: " لا تقطر من دموعهم ". 3 - مجمع البيان 5 - 6: 365، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - ذيل الاية: 15. 5 - أسرار الايات (لصدر المتألهين) *: 81 - 82، ولطائف الارشارات (للامام القشيري) 2: 300. 6 - العياشي 2: 262، الحديث: 37، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - القمي 1: 381، والامالي (للشيخ الطوسي) 2: 105، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 652 ]

* (ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون) *. * (ليكفروا بماء اتينهم) * من نعمة الكشف عنهم، كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة وإنكار كونها من الله. * (فتمتعوا فسوف تعلمون) *. تهديد ووعيد. * (ويجعلون لما لا يعلمون) *: لالهتهم التي لاعلم لها، أولا علم لهم بها * (نصيبا مما رزقنهم) * من الزروع والانعام. القمي: كانت العرب يجعلون للاصنام نصيبا في زرعهم وإبلهم وغنمهم، فرد الله عليهم 1. * (تالله لتسئلن عما كنتم تفترون) * من أنها آلهة وأنها أهل للتقرب إليها. * (ويجعلون لله البنت) *. القمي: قالت قريش الملائكة هم بنات الله 2. * (سبحنه) *. تنزيه له من قولهم أوتعجب منه. * (ولهم مايشتهون) * يعني البنين. * (وإذا بشر أحدهم بالانثى) *: أخبر بولادتها * (ظل) *: صار * (وجهه مسودا) * من الكآبة 3 والحياء من الناس * (وهم كظيم) *: مملو من الغيظ. * (يتورى من القوم) *: يستخفي منهم * (من سوء مابشر به أيمسكه) * محدثا نفسه متفكرا في أن يتركه * (على هون) *: ذل * (أم يدسه في التراب) *: يخفيه فيه * (ألا ساء ما يحكمون) * حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد، ماهذا محله عندهم. * (للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء) *: صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد، والاستظهار بالذكور، وكراهة الاناث، ووأدهن، خشية الاملاق والعار. * (ولله المثل الاعلى) * وهي صفات الالهية والغنى عن الصاحبة والولد، والنزاهة عن صفات المخلوقين * (وهو العزيز الحكيم) *: المتفرد بكمال القدرة والحكمة. * (ولم يؤاخذ الله الناس بظلمهم) *: بكفرهم ومعاصيهم * (ما ترك عليها) *: على


1 - القمي 1: 388. في " ب ": " فرد الله إليهم ". 2 - المصدر، وفيه: " ان الملائكة ". 3 - كئب يكأب - من باب: تعب كآبة وكابا وكأبة: حزن أشد الحزن. المصباح المنير 2: 237 (كئب). 4 - وأدابنته: دفنها في القبر وهي حية. الصحاح 2: 546 (وأد). (*)

[ 653 ]

الارض * (من دابة) * بشؤم ظلمهم، أو من دابة ظالمة * (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لايستخرون ساعة ولا يستقدمون) *. * (ويجعلون لله ما يكرهون) *: ما يكرهونه لانفسهم من البنات، وأراذل الاموال والشركاء في الرياسة، والاستخفاف بالرسل * (وتصف ألسنتهم الكذب) * مع ذلك. والقمي يقول: ألسنتهم الكاذبة 1. * (أن لهم الحسنى) * أي: عند الله، كقول قائلهم: " ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى " 2. * (لاجرم أن لهم النار) *. رد لكلامهم وإثبات لضده * (وأنهم مفرطون) *: مقدمون إلى النار معجلون. القمي: معذبون 3. * (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطن أعملهم) * فأصروا على قبائحها، وكفروا بالمرسلين * (فهو وليهم اليوم) *: قرينهم أوناصرهم. يعني: لا ناصر لهم * (ولهم عذاب أليم) *. * (وما انزلنا عليك الكتب إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه) * من المبدأ والمعاد، والحلال والحرام * (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) *. * (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها إن في ذلك لاية لقوم يسمعون) * بسمع باطنهم وقلبهم، ويختص ب‍ " من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " 4. * (وإن لكم في الانعم لعبرة نسقيكم مما في بطونه) *. تذكير الضمير هاهنا باعتبار اللفظ، وتأنيثه في المؤمنين باعتبار المعنى، لكونه اسم جمع. * (من بين فرث ودم لبنا) * يكتنفانه * (خالصا) *: صافيا لايستصحبه لون الدم ولا رائحة الفرث، ولا يشوبانه شيئا


1 - القمي 1: 386. 2 - فصلت (41): 50. 3 - القمي 1: 386. 4 - ق (50): 37. (*)

[ 654 ]

* (سائغا للشربين) *: سهل المرور في حلقهم. ورد: " ليس أحد بعض بشرب اللبن، لان الله عزوجل يقول: " لبنا خالصا سائغا للشاربين " " 1. * (ومن ثمرت النخيل والاعنب تتخذون منه سكرا) *. قيل: خمرا 2. والقمي: الخل 3. وورد: " نزلت قبل آية التحريم فنسخت بها " 4. أقول: وفيه دلالة على أن المراد به الخمر، وقد جاء بالمعنيين جميعا. وعلى إرادة الخمر لا يستلزم حلها في وقت، لجواز أن يكون عتابا ومنة قبل بيان تحريمها. ومعنى النسخ نسخ السكوت عن التحريم. وفي مقابلتها بالرزق الحسن، تنبيه على قبحها. * (ورزقا حسنا) * كالتمر والزبيب والدبس * (إن في ذلك لاية لقوم يعلقون) *. * (وأوحى ربك إلى النخل) * قال: " وحي إلهام " 5. أقول: يعني ألهمها وقذف في قلوبها، فإن في صنعتها الانيقة ولطفها في تدبير أمرها ودقيق نظرها، شواهد بينة على أن الله سبحانه أودعها علما بذلك. * (أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) *: يعرش الناس من كرم أو سقف. * (ثم كلى من كل الثمرت) *: من كل ثمرة تشتهيها، حلوها ومرها * (فاسلكي سبل ربك) *: الطرق التي ألهمك في عمل العسل * (ذللا) *: مذللة، ذللها وسهلها لك، أو أنت منقادة لما أمرت به * (يخرج من بطونها شراب) * يعني العسل فإنه مما يشرب * (مختلف ألونه) *: أبيض وأصفر وأحمر وأسود * (فيه شفاء للناس) *. قال: " لعق


1 - الكافي 6: 336، الحديث: 5، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - مجمع البيان 5 - 6: 370، والكشاف 2: 417، والبيضاوي 3: 185. 3 - القمي 1: 387. 4 - العياشي 2: 263، ذيل الحديث: 40، عن أبي عبد الله عليه السلام. وآية التحريم في سورة المائدة (5): 90. 5 - القمي 1: 387، والعياشي 2: 263، الحديث: 41، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه " قال: إلهام ". (*)

[ 655 ]

العسل شفاء من كل داء، ثم تلا هذه الاية " 1. وفي رواية ما معناه: " النحل: الائمة، والجبال: العرب، والشجر: العجم، ومما يعرشون: الموالي، والشراب المختلف ألوانه: العلم الذي يخرج منهم " 2. * (إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون) *. * (والله خلقكم ثم يتوفكم) * بآجال مختلفة * (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) *: أخسه وأحقره، يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل. قال: " هو خمس وسبعون سنة " 3. وفي رواية " المائة ". وفي أخرى: " أن يكون عقله عقل ابن سبع سنين " 5. * (لكى لا يعلم بعد علم شيئا) *. القمي: إذا كبر لا يعلم ما علمه قبل ذلك 6. وفي حديث الارواح ذكر هذه الاية، ثم قال: " فينتقص 7 منه جميع الارواح، وليس بالذي يخرج من دين الله، لان الفاعل به رده إلى أرذل عمره، فهو لايعرف للصلاة وقتا، ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار، ولاالقيام في الصف مع الناس، فهذا نقصان من روح الايمان، وليس يضره شيئا 8 ". * (إن الله عليم) * بما ينبغي ويليق بكم من مقادير الاعمار * (قدير) * على أن يعمركم بذلك. * (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) * فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم، ومنكم مماليك على خلاف ذلك. * (فما الذين فضلوا


1 - الكافي 6: 332، الحديث: 2، والخصال 2، 623، ذيل الحديث: 10، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام. 2 - القمي 1: 387، عن أبي عبد الله عليه السلام. وانظر العياشي 2: 263 - 264، الحديث: 43 و 44. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 372، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أمير المؤمنين عليه السلام، وفي الكشاف 2: 418، والدر المنثور 5: 146، عن علي عليه السلام. 4 - القمي 2: 78، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام، والخصال 2: 546، ذيل الحديث: 25، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الخصال 2: 546، ذيل الحديث: 25، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - القمي 1: 387. 7 - في المرجع: " فهذا ينتقص " وفي " ب ": " فينقص ". 8 - الكافي 2: 383، ذيل الحديث: 16، عن أمير المؤمنين عليه السلام. (*)

[ 656 ]

برآدى رزقهم) *: بمعطي رزقهم * (على ما ملكت أيمنهم) *: على مماليكهم * (فهم فيه سوآء) *. قيل: معناه أن الموالي والمماليك، الله رازقهم جميعا، فهم في رزقه سواء 1، فلا يحسب الموالي أنهم يرزقون المماليك من عندهم، وإنما هو رزق الله، أجراه إليهم على أيديهم 2. وقيل: معناه: فلم يرد الموالي فضل مارزقوه على مماليكم، حتى يتساووا في المطعم والملبس 3. وقيل غير ذلك 4. والقمي: لا يجوز للرجل أن يخص نفسه بشئ من المأكول دون عياله 5. * (أفبنعمة الله يجحدون) *. * (والله جعل لكم من أنفسكم أزوجا) * من جنسكم لتأنسوا بها، ولتكون أولادكم مثلكم * (وجعل لكم من أزوجكم بنين وحفدة) *. قال: " الحفدة بنو البنت، ونحن حفدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 6. وفي رواية: " هم أختان 7 الرجل على بناته " 8. وأصل الحافد: المسرع في الخدمة والطاعة. * (ورزقكم من الطيبت) *: من اللذائذ، أي: بعضها * (أفبالبطل يؤمنون) *. قيل: هو ما يعتقدون من منفعة الاصنام وشفاعتها 9. * (وبنعمت الله هم يكفرون) * حيث يضيفونها إلى الاصنام، أويحرمون ما أحل الله، وقيل: يريد بنعمة الله رسول الله والقرآن والاسلام 10. * (ويعبدون من دون ال له مالا يملك رزقا من السموت) * من مطر * (والارض شيئا) * من نبات * (ولا يستطيعون) * أن يملكوه، أولا استطاعة لهم.


1 - في " ألف ": " فهم فيه سواء ". 2 - الكشاف 2: 419، وجوامع الجامع 2: 298. 3 - جوامع الجامع 2: 298. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 299، والكشاف 2: 419، والبيضاوي 3: 187. 5 - القمي 1: 387. 6 - العياشي 2: 264، الحديث: 46، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الختن - بالتحريك -: كل من كان من قبل المرأة، مثل الاب والاخ، وهم الاختان، هكذا عند العرب وأما عند العامة فختن الرجل: زوج ابنته. الصحاح 5: 2107 (ختن). 8 - مجمع البيان 5 - 6: 373، عن أبي عبد الله عليه السلام. 9 - الكشاف 2: 419. 10 - جوامع الجامع 2: 299. (*)

[ 657 ]

* (فلا تضربوا لله الامثال) *: تشركون به أوتقيسونه على شئ. قيل: كانوا يقولون: إن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته 1. * (إن الله يعلم) * كنه الاشياء، وضرب الامثال * (وأنتم لا تعلمون) *. * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقنه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون) *. قيل: معناه إذا لم يستويا هذان مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية، فكيف يستوي الاصنام التي هي أعجز المخلوقات والغني القادر على كل شئ ؟ ويجوز أن يكون تمثيلا للكافر المخذول والمؤمن الموفق، أو الجاهل والعالم المعلم 2. * (الحمد لله) * لا يستحقه غيره فضلا عن العبادة، لان النعم كلها منه * (بل أكثرهم لا يعلمون) * فيضيفون النعم إلى غيره ويشركون به. * (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم) *: ولد أخرس لا يفهم ولا يفهم * (لا يقدر على شئ) * من الصنائع والتدابير لنقصان عقله * (وهو كل) *: ثقل وعيال * (على موله) *: على من يلي أمره ويعوله * (أينما يوجهه) *: حيثما يرسله مولاه في أمر * (لايأت بخير) *: بنجح وكفاية مهم * (هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل) * ومن كان سليم الحواس نفاعا كافيا ذا رشد وديانة، فهو يأمر الناس بالعدل والخير * (وهو على صرط مستقيم) *: وهو في نفسه على دين قويم وسيرة صالحة. وهذا المثل، مثل سابقه في الاحتمالات 3. القمي: الذي يأمر بالعدل أمير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم 4. * (ولله غيب السموت والارض) *: ما غاب منهما * (ومآأمر الساعة) * في سرعته


1 و 2 - البيضاوي 3: 187. 3 - قيل في معنى هذا المثل أيضا قولان: أحدهما: أنه مثل ضربه الله تعالى فيمن يؤمل الخير من جهته، ومن لا يؤمل منه، وأصل الخير كله من الله تعالى. فكيف يستوي بينه وبين شئ سواه في العبادة. والاخر: أنه مثل للكافر والمؤمن، فالابكم الكافر، والذي يأمر بالعدل المؤمن " عن ابن عباس ". وقيل: إن الابكم أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون " عن عطاء ". وقيل: إن الابكم هاشم بن عمر بن الحارث القرشي، وكان قليل الخير، يعادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " عن مقاتل ". مجمع البيان 5 - 6: 375. 4 - القمي 1: 387. (*)

[ 658 ]

وسهولته * (إلا كلمح البصر) *: كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها * (أو هو أقرب) * لانه يقع دفعة * (إن الله على كل شئ قدير) * فيقدرعلى أن يحيى الخلايق دفعة، كما قدر أن أحياهم متدرجا. * (والله أخرجكم من بطون أمهتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصر والافدة لعلكم تشكرون) *: كي تعرفوا ما أنعم الله عليكم، طورا بعد طور، فتشكروه. * (ألم يروا إلى الطير مسخرت في جو السماء ما يمسكهن إلا الله) * فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها، ولا علاقة فوقها ولادعامة تحتها تمسكها * (إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون) *. * (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) * موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم * (وجعل لكم من جلود الانعم بيوتا) * يعني الخيم والمضارب المتخذة من الادم 1 والوبر والصوف والشعر * (تستخفونها) *: تجدونها خفيفة، يخف عليكم حملها ونقلها ووضعها وضربها * (يوم ظعنكم) * ترحالكم وسفركم * (ويوم إقامتكم) *: نزولكم وحضركم * (ومن أصوافها) * يعني ماللضأن * (وأوبارها) * يعني ماللابل * (وأشعارهآ) * يعني ماللمعز * (أثثا) *: ما يلبس ويفرش * (ومتعا) *: ما ينتفع به * (إلى حين) *. * (والله جعل لكم مما خلق) * من الشجر والجبل والابنية وغيرها * (ظللا) * تتقون به حر الشمس * (وجعل لكم من الجبال أكننا) *: مواضع تسكنون بها، من الغيران والبيوت المنحوتة فيها. * (وجعل لكم سربيل) *: ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها * (تقيكم الحر) *. اكتفى بذكر أحد الضدين لدلالته على الاخر، ولان وقاية الحر كانت عندهم أهم * (وسربيل تقيكم بأسكم) * يعني الدروع والجواشن. والسر بال يعم كل ما يلبس * (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) * أي: تنظرون في نعمه الفاشية، فتؤمنون به وتنقادون لحكمه.


1 - أدم - بفتحتين وضمتين -: الجلد المدبوغ. المصباح المنير 1: 14 (أدم). (*)

[ 659 ]

* (فإن تولوا فإنما عليك البلغ المبين) *. * (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكفرون) *. قال: " نحن والله نعمة الله التي أنعم بها على عباده، وبنا فاز من فاز " 1. وفي رواية: قال: " يعني ولاية علي " 2. * (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) * يشهد لهم وعليهم، بالايمان والكفر. قال: " لكل زمان وأمة إمام، يبعث كل أمة مع إمامها " 3. * (ثم لا يؤذن للذين كفروا) * في الاعتذار، إذ لا عذر لهم، فدل بترك الاذن على أن لاحجة لهم ولاعذر * (ولاهم يستعتبون) *: يسترضون. أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم، من العتبى وهو الرضا. * (وإذا رءا الذين ظلموا العذاب) * ثقل عليهم * (فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون) *: يمهلون. * (وإذا رءا الذين أشركوا شركاءهم) * من الاصنام والشياطين * (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك) *: نعبدهم أونطيعهم * (فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون) * يعني كذبهم الذين عبدوهم بإنطاق الله إياهم في أنهم شركاء الله، وأنهم عبدوهم حقيقة، وإنما عبدوا أهواءهم، كقوله " كلا سيكفرون بعبادتهم " 4. * (وألقوا) *: وألقى الذين ظلموا * (إلى الله يومئذ السلم) *: الاستسلام لامره وحكمه بعد الاباء والاستكبار في الدنيا * (وضل عنهم) *: وضاع عنهم وبطل * (ما كانوا يفترون) * من أن لله 5 شركاء، وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم. * (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) * بالمنع عن الاسلام والحمل على الكفر.


1 - القمي 1: 388، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - الكافي 1: 427، ذيل الحديث: 77، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام. 3 - مجمع البيان 5 - 6: 378، والقمي 1: 388، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - مريم (19): 82. 5 - في " ألف ": " من دون الله ". (*)

[ 660 ]

القمي: كفروا بعد النبي وصدوا عن الوصي 1. * (زدنهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون) * الناس بصدهم. * (ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) *. سبق تفسيره في سورتي البقرة والنساء 2. * (ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شئ) *: بيانا بليغا. قال: " حتى والله ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لايستطيع عبد يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا أنزله 3 الله فيه " 4. * (وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) *. * (إن الله يأمر بالعدل والاحسن) *. قال: " العدل: الانصاف، والاحسان: التفضل " 5. * (وإيتآئ ذى القربى) *: وإعطاء الا رقاب ما يحتاجون إليه * (وينهى عن الفحشاء) *: ما جاوز حدود الله * (والمنكر) *: ما ينكره العقول * (والبغى) *: التطاول 6 على الناس بغير حق. وورد: في تأويله: " العدل: الشهادتان " 7. وفي رواية: " العدل: محمد، والاحسان: علي، وإيتاء ذي القربى: مودة الائمة وإيتاؤهم " 8. " والثلاثة المنهي عنها: الاول والثاني والثالث " 9. * (يعظكم لعلكم تذكرون) *. ورد: " جماع التقوى في هذه الاية " 10. * (وأفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الايمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله


1 - القمي 1: 388، وفيه " وصدوا عن أمير المؤمنين عليه السلام ". 2 - البقرة (2) ذيل الاية: 143، والنساء (4) ذيل الاية: 41. 3 - في " ألف ": " أنزل ". 4 - الكافي 1: 59، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - معاني الاخبار: 257، الحديث: 1، والعياشي 2: 267، الحديث: 61، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - تطاول عليه: اعتدى عليه. الرائد 1: 408 (طول). 7 - القمي 1: 388. 8 - العياشي 2: 267، الحديث: 59، و 268، الحديث: 63، عن أبي جعفر عليه السلام. 9 - المصدر، الحديث: 62، عن أبي جعفر عليه السلام. وراجع: القمي 1: 388، والعياشي 2: 268، الحديث: 60، عن أبي عبد الله عليه السلام. 10 - روضة الواعظين: 437، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (*)

[ 661 ]

عليكم كفيلا) *: شاهدا ورقيبا * (إن الله يعلم ما تفعلون) *. * (ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة) *: من بعد إحكام وفتل * (أنكثا) * لا جمع نكث بالكسر، وهو ماينكث فتله. قال: " التي نقضت غزلها، امرأة من بني تيم بن مرة، يقال لها: ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم بن لوي بن غالب، كانت حمقاء تغزل الشعر، فإذا غزلته نقضته، ثم عاذت فغزلته. فقال الله " كالتي نقضت غزلها " الاية. قال: إن الله تبارك وتعالى أمر بالوفاء ونهى عن نقض العهد، فضر لهم مثلا 1 ". * (تتخذون أيمنكم دخلا بينكم) *: دغلا وخيانة ومكرا وخديعة، وذلك لانهم كانوا حين عهدهم يضمرون الخيانة، والناس يسكنون إلى عهدهم. والدخل أن يكون الباطن خلاف الظاهر، وأصله أن يدخل الشئ ما لم يكن منه. * (أن تكون أمة هي أربى من أمة) * يعني لا تنقصوا العهد بسبب أن يكون جماعة - وهي كفرة قريش - أزيد عددا وأوفر مالا من أمة، يعني جماعة المؤمنين. * (إنما يبلوكم الله به) *: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتوفون بعهد الله، أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وثروتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم وفقرهم. * (وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم فيه تختلفون) *. وعيد وتحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. * (ولو شآء الله لجعلكم أمة وحدة) *: مسلمة مؤمنة * (ولكن يضل من يشآء) * بالخذلان * (ويهدى من يشآء) * بالتوفيق * (ولتسئلن عما كنتم تعملون) *. * (ولا تتخذوا أيمنكم دخلا بينكم) *. تصريح بالنهي عنه بعد التضمين، تأكيدا مبالغة في قبح المنهي عنه * (فتزل قدم) * عن محجة الاسلام * (بعد ثبوتها) * عليها، أي: فتضلوا عن الرشد بعد أن تكونوا على هدى * (وتذوقوا السوء) * في الدنيا * (بما صددتم عن سبيل الله) *: بصدودكم أوصدكم غيركم. * (ولكم عذاب عظيم) * في الاخرة.


1 - القمي 1: 389، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 662 ]

قال: " نزلت هذه الايات 1 في ولاية علي والبيعة له، حين أمروا بالتسليم عليه بإمره المؤمنين " 2. * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) *. * (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) *. * (من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن لنحيينه حيوة طيبة) *: يعيش عيشا طيبا. قال: " هي 3 القناعة والرضا بما قسم الله " 4. * (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) *. * (فإذا قرأت القرءان) *: إذا أردت قراءته * (فاستعذ بالله من الشيطن الرجيم) *: فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه، لئلا يوسوسك في القراءة. قال: " تقول: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " 5. قال: " الرجيم أخبث الشياطين " 6. * (إنه ليس له سلطن على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون) *. قال: " يسلط والله من المؤمن على بدنه، ولا يسلط على دينه " 7. وفي رواية: " ليس له أن يزيلهم عن الولاية، فأما الذنوب وأشباه ذلك، فإنه ينال منهم كما ينال من غيرهم " 8. * (إنما سلطنه على الذين يتولونه) *: يحبونه ويطيعونه * (والذين هم به مشركون) *. قال: يسلط على أبدانهم وعلى أديانهم " 9.


1 - في " ب " والمصدر: " هذه الاية ". 2 - جوامع الجامع 2: 306، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي الكافي 1: 292، الحديث: 1، ما يقرب منه. 3 - في المصدر: " إنها ". 4 - مجمع البيان 5 - 6: 384، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 5 - العياشي 2: 270، الحديث: 67، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - المصدر، الحديث: 67 - 68، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - الكافي 8: 288، الحديث: 433، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي العياشي 2: 269، الحديث: 66، ما يقرب منه. 8 - العياشي 2: 270، الحديث: 69، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي القمي 1: 390، مع اختلاف يسير. 9 - الكافي 8: 288، الحديث: 433، والعياشي 2: 269، الحديث: 66، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 663 ]

* (وإذا بدلنا ءاية مكان ءاية) * بالنسخ * (والله أعلم بما ينزل) * من المصالح، فلعل ما يكون مصلحة في وقت يكون مفسدة في آخر، وهو اعتراض. * (قالوا إنما أنت مفتر) *: متقول 1 على الله تأمر بشئ، ثم يبدو لك، فتنهى عنه. * (بل أكثرهم لا يعلمون) * حكمة الاحكام. * (قل نزله له روح القدس) *. قال: " هو جبرئيل والقدس الطاهر " 2. * (من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا) * بما يرون في الناسخ من الصلاح الحكمة. قال: " هم آل محمد " 3. * (وهدى وبشرى للمسلمين) * المنقادين لحكمه. * (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه) *: يضيفون إليه التعليم، ويميلون قولهم عن الاستقامة إليه * (أعجمى) * غير بين. القمي: هو لسان أبي فكيهة مولى ابن الحضرمي، كان أعجمي اللسان، وكان قد اتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به، وكان من أهل الكتاب، فقالت قريش: هذا والله يعلم ومحمدا، علمه بلسانه 4. * (وهذا لسان عربي مبين) *: ذو بيان وفصاحة. * (إن الذين لا يؤمنون بايت الله) *: لا يصدقون 5 أنها من عند الله * (لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم) *. * (إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بايت الله) *. رد لقولهم: " إنما أنت مفتر " * (وأولئك هم الكذبون) *. * (من كفر بالله من بعد إيمنه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمن) *. نزلت في عمار بن ياسر حين أخذته كفار مكة فعذبوه، حتى أعطاهم بلسانه ما أرادوا، " وقلبه مطمئن بالايمان " " فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك،


1 - تقول قولا: ابتدعه كذبا. القاموس المحيط 4: 43 (قول). 2 و 3 - القمي 1: 390، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - القمي 1: 390، وفيه: " هذا والله يعلم محمدا بلسانه ". 5 - في " ألف ": " لا يصدقون بها ". (*)

[ 664 ]

وأمرك أن تعود إن عادوا " كذا ورد 1. * (ولكن من شرح بالكفر صدرا) *: اعتقده وطاب به نفسا. القمي: هو عبد الله بن أبي سرح 2، وكان عاملا لعثمان بمصر. 3 * (فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) *. * (ذلك بأنهم استحبوا) *: آثروا * (الحيوة الدنيا على الاخرة وأن الله لا يهدى القوم الكفرين) *. * (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم وأولئك هم الغفلون) *. * (لاجرم أنهم في الاخرة هم الخسرون) *. * (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا) * عذبوا في الله وأكرهوا على الكفر، فأعطوا بعض ما أريد منهم، ليسلموا من شرهم، كعمار * (ثم جهدوا وصبروا) * على الجهاد، وما أصابهم من المشاق، و " ثم " لتباعد حال هؤلاء من حال أولئك * (إن ربك من بعدها لغفور رحيم) *. خبر " إن " الاولى والثانية جميعا واحد، ونظير تكرير إن ربك هاهنا في القرآن كثير 4. * (يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها) * أي: ذاتها، تحتج عنها وتعتذر لها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها * (وتوفى كل نفس ما عملت) *: جزاء ما عملت * (وهم لا يظلمون) *. * (وضرب الله مثلا) * لكل من أنعم الله عليه، فأبطرته النعمة فكفر بها، فأنزل الله به النقمة * (قرية كانت ءامنة مطمئنة) * لا يزعج 5 أهلها خوف * (يأتيها رزقها رغدا) *: واسعا * (من كل مكان) *: من نواحيها * (فكفرت بأنعم الله فأذقها الله لباس الجوع والخوف بما


1 - الكافي 2: 219، الحديث: 10، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي الكشاف 2: 430، والبيضاوي 3: 192 ما يقرب منه. 2 - تقدمت ترجمته في سورة النساء، ذيل الاية: 137. 3 - القمي 1: 391. 4 - الانعام (6): 54، والنحل (16): 119. 5 - زعجه كمنعه: أقلعه وقلعه من مكانه. القاموس المحيط 1: 198، والصحاح 1: 319 (زعج). (*)

[ 665 ]

كانوا يصنعون) *. استعار 1 الذوق لادراك أثر الضرر، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف. قال: " إن أهل قرية ممن كان قبلكم، كان الله قد وسع عليهم حتى طغوا 2، فقال بعضهم لبعض: لو عمدنا 3 إلى شئ من هذا النقي فجعلناه تستنجي به، كان ألين علينا من الحجارة. قال: " فلما فعلوا ذلك بعث الله على أرضهم دوابا أصغر من الجراد، فلم تدع لهم شيئا خلقه الله إلا أكلته 4 من شجر أو غيره، فبلغ بهم الجهد إلى أن أقبلوا على الذى كانوا يستنجون به فأكلوه. وهي القرية التي قال الله " ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة " الاية " 5. * (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظلمون) *. * (فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكر نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون) *. * (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآأهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولاعاد فإن الله غفور رحيم) *. قد سبق تفسيره 6. * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب) *. مبالغة في وصف بالكذب، كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة، وألسنتهم تصفها، وتعرفها بكلامهم. هذا كقولهم: وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر. * (هذا حلل وهذا حرام) *. القمي: هو ما كانت اليهود يقولون " ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا " 7. * (لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) *.


1 - في " ألف ": " اشعار ". 2 - في المصدر: " كان الله قد أوسع عليهم حتى طعنوا " 3 - عمدإليه: قصده، المصباح المنير 2: 92 (عمد). 4 - في المصدر: " شيئا خلقه الله يقدر عليه إلا أكله... ". 5 - العياشي 2: 273، الحديث: 79، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي معناه ما في المحاسن (للبرقي) 2: 588، الباب: 17، الحديث: 88، والعياشي 2: 273، الحديث: 78، عن أبي عبد الله عليه السلام. 6 - ذيل الاية: 173 من سورة البقرة. 7 - القمي 1: 391. والاية في سورة الانعام (6): 139. (*)

[ 666 ]

* (متع قليل) * أي: ما يفترون 1 لاجله منفعة قليلة تنقطع عن قريب * (ولهم عذاب أليم) * في الاخرة. ورد: " من قال للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال ودان بذلك، فعندنا يكون خارجا من الايمان والاسلام إلى الكفر " 2. * (وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل) * أي: في سورة الانعام بقوله: " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " الاية 3. * (وما ظلمنهم) * بالتحريم * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه. * (ثم إن ربك للذين علموا السوء بجهلة) *: جاهلين غير متدبرين للعاقبة * (ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها) *: من بعد التوبة * (لغفور) * لذلك السوء * (رحيم) * يثيب على الانابة. * (إن إبرهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) *. قال: " وذلك إنه كان على دين لم يكن عليه أحد غيره، فكان أمة واحدة. قال: وأما قانتا فالمطيع، وأما الحنيف فالمسلم " 4. * (ولم يك من المشركين) *. تكذيب لقريش فيما كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم. * (شاكرا لانعمه) *: لانعم الله، معترفا بها. روي: " إنه كان لا يتغذى إلا مع ضيفه " 5. * (اجتبه) *: اختاره * (وهده إلى صرط مستقيم) *. * (وءاتينه في الدنيا حسنة) * بأن حببه إلى الناس، حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه، ورزقه أولادا طيبة، وعمرا طويلا في السعة والطاعة. * (وإنه في الاخرة لمن الصلحين) *: لمن أهل الجنة، كما سأله بقوله " وألحقني بالصالحين " 6.


1 - في " ألف ": " ماتفترون ". 2 - التوحيد (للصدوق): 229، الباب: 30، ذيل الحديث: 7، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - الانعام (6): 146. 4 - القمي 1: 392، عن أبي جعفر عليه السلام. 5 - الكشاف 2: 439، وجوامع الجامع 2: 313. 6 - الشعراء (26): 83. (*)

[ 667 ]

* (ثم أوحينا إليك) * يا محمد * (أن اتبع ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين) *. قيل: في " ثم " هذه تعظيم 1 لمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإعلام بأن أفضل ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ملته، حيث دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين ساير النعوت التي أثنى الله عليه بها 2. ورد: " لا طريق للاكياس من المؤمنين أسلم من الاقتداء لانه المنهج الاوضح. قال الله عزوجل: " ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا " فلو كان لدين الله تعالى مسلك أقوام من الاقتداء، لندب أنبياءه وأولياءه إليه " 3. وورد: " ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وساير الناس منها برآء " 4. * (إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) *. قد سبق قصتهم في الاعراف 5. * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة) *: بالمقالة المحكمة الصحيحة، الموضحة للحق، المزيحة للشبهة، هذا للخواص. * (والموعظة الحسنة) *: الخطايات المقنعة والعبر النافعة، التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها تنفعهم فيها، وهذا للعوام. * (وجد لهم بالتى هي أحسن) *: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، وهذا للمعاندين والجاحدين. قال: " يعني بالقرآن " 6. " وهذا كقوله سبحانه " وضرب لنا مثلا ونسى خلقه " 7 إلى آخر السورة، مجادلا به من جحد البعث بعد الموت، وبغير التي هي أحسن، أن تجادل مبطلا يورد عليك حقا ليعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن


1 - في " ألف ": " لتعظيم ". 2 - جوامع الجامع 2: 313، والكشاف 2: 434، والبيضاوي 3: 194. 3 - مصباح الشريعة: 157، الباب: 74، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي " ألف " و " ج ": " لندب أوليائه وأنبيائه إليه ". 4 - العياشي 1: 388، الحديث: 146، عن الحسين بن علي عليهما السلام. 5 - الاعراف (7): 163. 6 - الكافي 5: 13، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 7 - يس (36): 78. (*)

[ 668 ]

يكون له عليك فيه حجة، لانك لا تدري كيف المخلص منه ". كذا ورد 1. قال: " والجدال بغير التي هي أحسن محرم، حرمه الله على شيعتنا " 2. * (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) * أي: ليس عليك أن تهديهم ولا أن تردهم عن الضلالة، وإنما عليك البلاغ، فمن كان فيه خير كفاه البرهان أوالوعظ، ومن لاخير فيه عجزت عنه الحيل، فكأنك تضرب منه في حديد بارد. * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصبرين) *. قال: " لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما صنع بحمزة بن عبد المطلب، قال: اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت 3 المستعان على ما أرى، ثم قال: لئن ظفرت لامثلن وأمثلن 4، قال: فأنزل الله الاية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبر أصبر " 5. وفي رواية: " إنه لما رأى ما فعل به بكى، ثم قال: ما وقفت موقفا قط أغيظ علي من هذا المكان، لئن أمكنني الله من قريش لامثلن سبعين رجلا منهم، فنزلت، فقال: بل أصبر " 6. * (واصبر وما صبرك إلا بالله) *: إلا بتوفيقه وتثبيته * (ولا تحزن عليهم) *: على أصحابك وما فعل بهم، فإن الله نقلهم إلى دار كرامته * (ولاتك في ضيق مما يمكرون) *. * (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) *.


1 - تفسير الامام عليه السلام 528، ذيل الاية: 111، من سورة البقرة، والاحتجاج 1: 14 و 15، عن العسكري، عن أبي عبد الله عليه السلام. 2 - تفسير الامام عليه السلام 527، والاحتجاج 1: 14، عن العسكري، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي " ب ": " حرم الله ". 3 - في " ب " و " ج ": " وإنك ". 4 - في المصدر: " لامثلن لامثلن ". 5 - العياشي 2: 274، الحديث: 85، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي " ألف ": " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أصبر ". 6 - القمي 1: 123، وفي " ألف ": " فقال: أصبر ". (*)

[ 669 ]

سورة بني إسرائيل 1 [ مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية ] 2 بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحن الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصا) * يعني إلى ملكوت المسجد الاقصى. قال: " ذاك في السماء، إليه أسري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " 3. وفي رواية: " نظر إلى السماء مرة وإلى الكعبة مرة، ثم تلا هذه الاية، ثم قال: ليس كما يقولون: أسرى به من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ولكنه أسرى به من هذه إلى هذه، وأشار بيده إلى السماء " 4. * (الذى بركنا حوله لنريه من ءايتنا إنه هو السميع البصير) *. قال: " أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبراق، أصغر من البغل، وأكبر من الحمار، مضطرب الاذنين، عينه في حافره، وخطاه مد بصره، فإذا انتهى إلى جبل قصرت يداه وطالت رجلاه، فإذا هبط طالت يداه وقصرت رجلاه، أهدب العرف


1 - في " ب ": " سورة الاسراء ". 2 - مابين المعقوفتين من " ب ". 3 - العياشي 2: 279، الحديث: 13، عن أبي عبد الله عليه السلام. 4 - القمي 2: 243، عن أبي جعفر عليه السلام. (*)

[ 670 ]

الايمن 1، له جناحان من خلفه " 2. وفي رواية: " إن الله سخر لي البراق، وهي دابة من دواب الجنة، ليست بالقصير ولا بالطويل، فلو أن الله أذن لها لجالت الدنيا والاخرة في جرية واحدة، وهي أحسن الدواب لونا " 3. وورد: " جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ واحد باللجام، وواحد بالركاب، وسوى الاخر عليه ثيابه، فتضعضعت البراق، فلطمها جبريل، ثم قال: اسكني يا براق، فماركبك نبي قبله ولايركبك بعده مثله، قال: فترقت به، ورفعته ارتفاعا ليس بالكثير ومعه جبرئيل يريه الايات من السماء والارض " 4. ثم ذكر تفصيل الايات وفيها أسرار لا يعثر عليها إلا الراسخون في العلم. * (وءاتينا موسى الكتب وجعلنه هدى لبنى إسرءيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا) *: ربا تكلون إليه أموركم. * (ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا) *: كثير الشكر. سئل بم سمي شكورا ؟ قال: " بكلمات بالغ فيهن، كان يقولها إذا أصبح ثلاثا وإذا أمسى ثلاثا " 5. * (وقضينا إلى بنى إسرءيل) *: وأوحينا إليهم وحيا مقضيا مبتوتا. والقمي: أي: أعلمناهم 6. * (في الكتب) *: في التوراة * (لتفسدن في الارض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) *. * (فإذا جاء وعد أولهما) *: وعد عقاب أولاهما * (بعثنا عليكم عبادا لنآ أولى بأس


1 - أي: طويلة مرسلة من جانب الايمن. العرف: شعر عنق الفرس. أقرب الموارد 3: 769 (عرف). 2 - الكافي 8: 376، الحديث: 567، عن أبي جعفر عليه السلام، وفيه: " عينيه في حافره ". 3 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 32، الباب: 31، الحديث: 49، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - القمي 2: 3، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي 2: 535، الحديث: 38، والعياشي 2: 281، الحديث: 19، عن أبي جعفر عليه السلام. وفي من لا يحضره الفقيه 1: 335، الحديث: 981، وعلل الشرايع 1: 29، الباب: 21، والقمي 2: 14، ما يقرب منه. 6 - القمي 2: 14. (*)

[ 671 ]

شديد) *: ذوي قوة وبطش في الحرب شديد. وفي قراءتهم عليهم السلام: " عبيدا لنا " 1. * (فجاسوا) *: ترددوا لطلبكم * (خلل الديار) *: وسطها، للقتل والغارة والسبي. * (وكان وعدا مفعولا) *. * (ثم رددنا لكم الكرة) *: الدولة والغلبة * (عليهم وأمددنكم بأمول وبنين وجعلنكم أكثر نفيرا) * مما كنتم. والنفير: من ينفر مع الرجل من قومه. * (إن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها) *: فإن وبالها عليها. قيل: وإنما ذكر اللام ازدواجا 2 و 3. وفي رواية: " فلها رب يغفر " 4. ورد: " ما أحسنت إلى أحد ولاأسأت إليه، وتلا الاية " 5. * (فإذا جاء وعد الاخرة) *: وعد عقوبة المرة الاخرة * (ليسوا وجوهكم) *: بعثناهم ليجعلوا وجوهكم بادية آثار المساءة فيها، فحذف لدلالة ما ذكره أولا عليه. * (وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا) *: وليهلكوا * (ماعلوا) *: ما غلبوه واستولوا عليه، أو مدة علوهم * (تتبيرا) *. * (عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم) * نوبة أخرى * (عدنا) * مرة ثالثة إلى عقوبتكم. * (وجعلنا جهنم للكفرين حصيرا) *: محبسا لا يقدرون الخروج منها أبدا. قيل في تفسير الايات: إن الافسادتين: قتل زكريا ويحيى. والعلو الكبير: استكبارهم عن طاعة الله، وظلمهم الناس. والعباد أولي بأس: بخت نصر 6 وجنوده، ورد الكرة


1 - مجمع البيان 6 0 5: 397، وجوامع الجامع 2: 317، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 2 - أي: للمشاكلة مع القرينة السابقة: " لانفسكم ". 3 - البيضاوي 3: 197. 4 - عيون أخبار الرضا عليه السلام 1: 294، الباب: 28، الحديث: 49. 5 - جوامع الجامع 2: 318، والكشاف 2: 439، عن أمير المؤمنين عليه السلام. 6 - بخت نصر: أصله بوخت ومعناه إبن. ونصر كبقم: صنم، وكان وجد ملقا عند الصنم ولم يعرف له أب، فنسب إليه. وفي رواية: انه سمي بذلك، لانه رضع بلبن كلبة، وكان اسم الكلب: بخت، واسم صاحبه: نصر. خرب القدس. راجع: القاموس المحيط 2: 148، وسفينة البحار 1: 60. وتفصيل الكلام في البحار 14: 351. (*)

[ 672 ]

عليهم: رد بهمن بن أسفنديار أسراءهم إلى الشام وتمليكه دانيال عليهم، ووعد الاخرة: تسليط الله الفرس عليهم مرة أخرى 1. وورد: " إن الافسادتين: قتل علي بن أبي طالب وطعن الحسن، والعلو الكبير: قتل الحسين، والعباد أولي بأس: قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم، فلا يدعون وترا لال محمد إلا قتلوه، ووعد الله: خروج القائم، ورد الكرة عليهم: خروج الحسين في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهب، حين كان الحجة القائم بين أظهرهم " 2. وفي رواية: " إن العباد أولي بأس هم القائم وأصحابه عليهم السلام " 3. * (إن هذا القرءان يهدى) * قال: " يدعوا " 4. * (للتى هي أقوم) * للطريقة التي هي أقوم الطرق وأشد استقامة. قال: " يهدي إلى الامام " 5. وفي رواية: " إلى الولاية " 6. * (ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصلحت أن لهم أجرا كبيرا) *. * (وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة وأعتدنا لهم عذابا أليما) *. يعني يبشر المؤمنين بشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم. * (ويدع الانسن بالشر دعاءه بالخير) *: مثل دعائه بالخير * (وكان الانسن عجولا) *. قال: " إعرف طريق نجاتك وهلاكك، كيلا تدعو الله بشئ، عسى أن يكون فيه هلاكك وأنت تظن أن فيه نجاتك، ثم تلا هذه الاية " 7. * (وجعلنا اليل والنهار ءايتين فمحونآء اية اليل وجعلنآ ءاية النهار مبصرة) *.


1 - البيضاوي 3: 196 - 197. 2 - الكافي 8: 206، الحديث: 250، والعياشي 2: 281، الحديث: 20، عن أبي عبد الله عليه السلام. 3 - العياشي 2: 281، الحديث: 21، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - الكافي 5: 13، الحديث: 1، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - المصدر، الحديث: 2، عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي العياشي 2: 282، الحديث: 24، مقطوعا. 6 - العياشي 2: 283، الحديث: 25، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - مصباح الشريعة: 132، الباب: 62، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 673 ]

قال: " أمر الله جبرئيل أن يمحو ضوء القمر فمحاه، فأثر المحو في القمر خطوطا سوداء، ولو أن القمر ترك على حاله بمنزلة الشمس ولم يمح 1، لما عرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولاعلم الصائم كم يصوم، ولاعرف الناس عدد السنين، وذلك قول الله: " وجعلنا الليل " الاية " 2. * (لتبتغوا فضلا من ربكم) *: لتطلبوا في بياض النهار أسباب معايشكم. * (ولتعلموا عدد السينين والحساب) * قال: " بمقاديرهما " 3. * (وكل شئ) * تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا * (فصلنه تفصيلا) *: بيناه بيانا غير ملتبس. * (وكل إنسن ألزمنه طئره) *: عمله وما قدر له، كأنه طير له من عش الغيب ووكر القدر. قال: " قدره الذي قدر عليه " 4. * (في عنقه) *: لزوم الطوق في عنقه. قال: " خيره وشره معه، حيث كان لايستطيع فراقه، حتى يعطى 5 كتابه يوم القيامة بما عمل " 6. * (ونخرج له يوم القيمه كتبا) * هوصحيفة عمله، أعني نفسه التى رسخت فيها آثار أعماله. * (يلقه منشورا) * لكشف الغطاء. * (اقرأ كتبك) * على إرادة القول * (كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) *. قال: " يذكر العبد 7 جميع ما عمل وما كتب عليه، حتى كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا: " يا ويلتنا مالهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها " " 8. * (من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر * (هامش) 1 - كذا في المصدر. وفي " ألف " و " ج ": " لم يمسح ". وفي " ب ": " لم يمح " بدون الواو. 2 - علل الشرايع 2: 470، الباب: 222، الحديث: 33، عن رسول الله صلوات عليه واله وسلم. 3 - نهج البلاغة (للصبحي الصالح): 128، الخطبة: 91. 4 - العياشي 2: 284، الحديث: 32، عن الصادقين عليهما السلام، والقمي 2: 17. 5 - في " ألف ": " حتى يؤتى ". 6 - القمي 2: 17، عن أبي جعفر عليه السلام. 7 - في العياشي: " يذكر بالعبد ". 8 - العياشي 2: 284، الحديث: 33، ومجمع البيان 5 - 6: 404، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 674 ]

أخرى) *. التأنيث باعتبار النفس. * (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) * يبين الحجج ويمهد الشرائع، فيلزمهم الحجة. * (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها) *: متنعميها. قال: " أكابرها " 1. وقال: " أمرنا، مشددة ميمه 2، تفسيرها: كثرنا. وقال: لاقرأتها مخففة " 3. وفي رواية: " إنه قرأ: آمرنا " 4. على وزن عامرنا. يقال: أمرت الشئ وآمرته إذا كثرته 5. والقمي: كثرنا جبابرتها 6. * (ففسقوا فيها فحق عليها القول) *. يعني كلمة العذاب * (فدمرنها تدميرا) *: أهلكناهم. * (وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) * يدرك بواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها. * (من كان يريد العاجلة) *: النعمة الدنيوية، مقصورا عليها همته * (عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد) *. قيد المعجل والمعجل له بالمشية ولارادة لانه لا يجد كل متمن ما يتمناه، ولاكل أحد جميع ما يهواه، وليعلم أن الامر بالمشية * (ثم جعلنا له جهنم يصلها مذموما مدحورا) *: مطرودا من رحمة الله. في الحديث النبوي: " معنى الاية: من كان يريد ثواب الدنيا بعمله الذي افترضه الله عليه، لا يريد وجه الله والدار الاخرة عجل له ما يشاء الله من عرض الدنيا، وليس له ثواب في الاخرة، وذلك أن الله سبحانه يؤتيه 7 ذلك ليستعين به على الطاعة، فيستعمله


1 - العياشي 2: 284، الحديث: 35، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 - في المصدر: " مشددة منصوبة ". 3 - المصدر، الحديث: 34، عن أبي جعفر عليه السلام. 4 - مجمع البيان 5 - 6: 405، عن أمير المؤمنين عليه السلام. ولم ترد كلمة: " انه " في " ألف ". 5 - في " ألف ": " أكثرته ". 6 - القمي 2: 17. 7 - في " ألف ": " يعطيه ". (*)

[ 675 ]

في معصية الله، فيعاقبه الله عليه " 1. * (ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها) *: حقها من السعي، وهو الاتيان بما أمر به، والانتهاء عما نهي عنه، لا التقرب بما يخترعون بآرائهم، وفائدة اللام اعتبار النية والاخلاص. * (وهو مؤمن) * إيمانا لاشرك فيه ولا تكذيب * (فأولئك كان سعيهم مشكورا) * من الله، مقبولا عنده مثابا عليه. في الحديث النبوي: " من أراد الاخرة فليترك زينة الحياة الدنيا " 2. * (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) *: كل واحد من الفريقين، نتفضل عليه بالعطاء مرة بعد أخرى، نجعل الانف منه مددا للسالف لانقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا. * (وما كان عطاء ربك محظورا) *: ممنوعا، لايمنع العاصي لعصيانه. * (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض) *. يعني في الدنيا * (وللاخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا) * أي: التفاوت في الاخرة أكثر. روي: " إن مابين أعلى درجات الجنة وأسفلها مثل مابين السماء والارض " 3. وقال: " إنما تفاضل القوم بالاعمال " 4. وفي رواية: " على قدر عقولهم " 5. * (لا تجعل مع الله إلها ءاخر) *. الخطاب لكل أحد، أوللرسول والمراد به أمته. * (فتقعد مذموما مخذولا) *. يعني: إذا فعلت ذلك، بقيت ما عشت مذموما على السنة العقلاء، مخذولا لا ناصر لك. وإنما عبر عن ذلك بالقعود، لان في العقود معنى الذل والعجز والهوان. يقال: قعد به الضعف. * (وقضى ربك) *: وأمر أمرا مقطوعا به * (ألا تعبدوا) *: بأن لا تعبدوا * (إلا إياه) *


1 - مجمع البيان 5 - 6: 407. 2 - روضة الواعظين: 434، والخصال 1: 293، ذيل الحديث: 58، وفيه: " فليدع زينة الحياة الدنيا ". 3 - مجمع البيان 5 - 6: 407، ولم ترد فيه كلمة: " مثل ". 4 - العياشي 1: 388، الحديث: 147، ومجمع البيان 9 - 10،: 210، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - الكافي: 1: 11، الحديث: 8، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيه: " إن الثواب على قدر العقل ". (*)

[ 676 ]

لان غاية التعظيم لا يحق، إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الانعام. ويجوز أن تكون " أن " مفسرة، و " لا " ناهية، كما يشعر به بعض الاخبار 1. * (وبالولدين إحسنا) *: وبأن تحسنوا، أو أحسنوا. ورد: سئل ماهذا الاحسان ؟ فقال: " أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلفهما أن يسألاك شيئا، وإن كانا مستغنيين " 2. * (إما يبلغن) *. زيدت على " إن " الشرطية " ما " للتأكيد. * (عندك الكبر) *: في كنفك وكفالتك * (أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف) *. قال: " إن أضجراك " 3. * (ولا تنهرهما) *: ولاتزجرهما. قال: " إن ضرباك " 4. القمي: أي: لاتخاصمهما 5. * (وقل لهما قولا كريما) *: حسنا جميلا. قال: " إن ضرباك، فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم " 6. * (واخفض لهما جناح الذل) *: تذلل لهما وتواضع * (من الرحمة) *: من فرط رحمتك عليهما، لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما. قال: " لاتملا عينيك من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا ترفع صوتك أصواتهما، ولايدك فوق أيديهما، ولاتقدم قدامهما " 7. * (وقل رب ارحمهما) *: وادع الله أن يرحمهما برحمة الباقية، ولا تكتف برحمتك الفانية * (كما ربياني صغيرا) *: جزاء لرحمتهما علي، وتربيتهما لي في صغري. * (ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صلحين فإنه كان للاوبين غفورا) *. قال: " هم التوابون المتعبدون " 8.


1 - الكافي 2: 30، ذيل الحديث: 1، عن أبي جعفر عليه السلام. 2 و 3، 4 و 6 - الكافي 2: 157، الحديث: 1، والعياشي 2: 258، الحديث: 39، عن أبي عبد الله عليه السلام. 5 - القمي 2: 18. 7 - الكافي 2: 158، ذيل الحديث: 1، والعياشي 2: 285، ذيل الحديث: 39، ومجمع البيان 5 - 6: 409، عن أبي عبد الله عليه السلام. 8 - العياشي 2: 286، الحديث: 42، عن أبي عبد الله عليه السلام. (*)

[ 677 ]

* (وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) *. قال: " لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا جبرئيل قد عرفت المسكين، من 1 ذو القربى ؟ قال: هم أقاربك. فدعا حسنا وحسينا وفاطمة فقال: إن ربي أمرني أن أعطيكم مما أفاه الله علي. قال: أعطيتكم 2 فدك 3 " 4. وفي معناه أخبار مستفيضة 5. وفي رواية: " وكان علي، وكان حقه الوصية التي جعلت له، والاسم الاكبر، وميراث العلم، وآثار علم النب